صفحة 1
المجال: غير المطبوعات، رسائل جامعية
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي وآراؤه الأصولية
Abu El Aabbass Ahmed Ben Said Achammakhi: and his usul opinions
الطالب: عيسى مصباح
الدرجة والتخصص: ماجستير في العلوم الإسلامية، تخصص أصول الفقه
المشرف: مصطفى باجو
مكان المناقشة: قسم الشريعة والقانون، كلية العلوم الإسلامية، جامعة الجزائر -1-
تاريخ المناقشة: 1434ه/ 2013م
الملاحظات: تحتوي الرسالة على مستخلص باللغة العربية وآخر باللغة الإنجليزية
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=4094&id_ty=4
------------------------------------------
تمّ الحصول على النسخة المُصوّرة (PDF) والملف المرقون (Word) مِن المُؤلِّف مباشَرة (جزاه الله خيرا).
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 20 شعبان 1446ه/ 19 - شهر 02 - 2025م. الإهداء:
• إلى والديّ العزيزين اللّذين غرسا في نفسي حبّ العلم منذ الصّغر، ولم يكفّا عن الدّعاء لي بالتوفيق والنّجاح، فاللهمّ ارحمهما كما ربّياني صغيرا.
• إلى كل من أعانني في إنجاز البحث من أساتذة وزملاء، ولو بكلمة طيّبة فأسأله تعالى أن يجازي الجميع خير الجزاء.
• إلى زوجتي الوفيّة الصابرة التي وقفت إلى جانبي، وشملتني برعايتها، وضحّت بوقتها من أجلي، وكانت لي نعم العون والسّند.
• إلى ولدي العزيز عبد الحميد الذي ملأ حياتي بهجة وسرورا.
• إلى إخواني وأخواتي الفضلاء.
• إلى كل رساليّ يحمل همّ الأمة ويسعى للنهوض بها، وتحقيق وحدتها.
إلى كل هؤلاء أهدي هذا العمل المتواضع.
أبو عبد الحميد (1/4)
صفحة 2
شكر وعرفان
في نهاية هذا البحث أشكر المولى تبارك وتعالى الذي وفقني في اختيار موضوعه وإنجازه، فله المنة والفضل بما يليق بجلال وجهه وعظيم سلطانه.
كما أثني بالشكر والعرفان لكل من أعانني وساندني في إعداده من أساتذة ومشايخ ولو بكلمة طيبة، وأخص بالذكر:
- كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر -1 - على قبولهم لموضوع البحث.
- أستاذي المشرف الدكتور مصطفى بن صالح باجو، الذي تكرّم بقبول الإشراف على هذه المذكرة، ولم يبخل عليّ بتوجيهاته ونصائحه القيّمة، فأسأل الله تعالى أن يزيده علما، وينفع به الأمة، ويجعل مثواه الجنّة.
- القائمين على "دار الإمام للبحث العلمي" بالقرارة، الذي فتحوا أبوابه لطلبة العلم، ميسرين لهم سبل التفرغ والتحصيل العلمي.
- مكتبات وادي مزاب التي كانت لي نعم المعين في مراحل البحث، وفي مقدمتها: مكتبة جمعية الشيخ أبي إسحاق اطفيّش لخدمة التراث بغرداية، ومكتبة الشيخ عمي سعيد بغرداية، ومكتبة الحاج صالح لعلي ببني يسجن. (1/5)
صفحة 3
مقدمة:
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، وأنّ ما جاء به حقّ من عند ربّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد،
فإنّ علم أصول الفقه يعتبر من أجلّ العلوم نفعا، وأشرفها قدرا، وأرفعها ذكرا، وأعظمها فائدة؛ فبواسطته تستنبط الأحكام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وتضبط أصول الاجتهاد، وتُعرَف من خلاله أسرار ومزايا شريعة الإسلام، والمصالح التي استهدفها الشّارع الحكيم، قال عنه -حجّة الإسلام- أبو حامد الغزالي (ت 505 هـ): «وأشرف العلوم ما ازدوج فيه العقل والسّمع، واصطحب فيه الرّأي والشّرع، وعلم الفقه وأصوله من هذا القبيل، فإنه يأخذ من صفو الشّرع والعقل سواء السّبيل، فلا هو تصرّف بمحض العقول، بحيث لا يتلقّاه الشّرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التّقليد، الذي لا يشهد له العقل بالتّأييد والتّسديد» (1).
ولأهمّية هذا العلم اعتنى به العلماء منذ القديم، ويعدّ الإمام الشّافعي (ت 204 هـ) أوّل من صنّف فيه من خلال كتابه "الرّسالة"، ثمّ تواصلت جهود العلماء من شتّى المذاهب الإسلاميّة في تشييد بنيانه وتقوية أركانه؛ فظهرت التآليف المتعدّدة، وبرزت مدرستان تنظّران لهذا العلم وهما:
1 - مدرسة المتكلّمين ويُطلَق عليها: طريقة الشّافعية، وعلى وفقها سار جمهور الأصوليّين من الشّافعيّة، والمالكيّة، والحنابلة، والإباضيّة، والمعتزلة، والشّيعة الإماميّة والزّيديّة.
2 - مدرسة الفقهاء ويطلق عليها مدرسة الحنفيّة وعلى نحوها ألّف معظم الحنفيّة.
وهكذا ظهرت التّصانيف المتعدّدة على كلتا الطّريقتين، وبرزت طريقة أخرى في التّأليف الأصولي، حاول أصحابها الجمع بين الطريقتين واستخلاص طريقة ثالثة.
__________
(1) الغزالي، المستصفى من علم الأصول، تح: محمّد عبد السّلام عبد الشّافي، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1413 هـ، ص (1/ 5). (1/1)
صفحة 4
وإذا دقّقنا النّظر في هذا التّصنيف في طريقة التّأليف وتدوين القواعد الأصوليّة، وجدنا أنّ أغلب العلماء الذين اهتمّوا بتاريخ هذا العلم، قد غضّوا الطّرف عن المذهب الإباضي، وموقعه من هذا التّصنيف على غرار باقي المذاهب الفقهيّة؛ فالمكتبة الإسلامية مفتقرة افتقارا كبيرا لمصنّفات في أصول الفقه الإباضي، ودراسة لأعلامه، وآرائهم ومناهجهم الأصوليّة.
وهذا في حقيقة الأمر ليس لقلّة نتاجهم في هذا المجال؛ بل لكون أغلب ما صنّفوا فيه لا يزال مخطوطا، بحاجة إلى من يخرجه للوجود.
وسأحاول -إن شاء الله- في هذا البحث أن أسلّط الضّوء على جانب من جوانب هذا التّراث الإباضي الثّري؛ من خلال دراسة تحليليّة لشخصيّة عَلَمٍ من أعلام هذه المدرسة، والتّعريف به، وبيان آرائه الأصوليّة، ومدى إسهامه في إثراء علم أصول الفقه، ويتمّثل ذلك في شخصّية أبي العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي النّفوسي (ت: 928 هـ/1521 م).
وقد عنونت هذا البحث بـ: "أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي، وآراؤه الأصولية".
أهمّية الموضوع:
لقد ظهر في المدرسة الإباضية أصوليّون بارزون، كان لهم جهد كبير في هذا العلم، ويعدّ أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي من أشهر الأصوليّين في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف"؛ الذي تضمّن شرحا للمختصر الذي وضعه على كتاب:"العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف" لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ).
ويعتبر كتاب الوارجلاني من أقدم ما أُلّف في أصول الفقه عند الإباضية؛ حيث جاء مستوعبا بصورة شاملة لقضايا الأصول عند الإباضية، وقد طُبع الكتاب في ثلاثة أجزاء دون تحقيق من طرف وزارة التّراث والثّقافة بسلطنة عمان، وقد قام الدكتور عمرو خليفة النّامي بتحقيقه، ولكن لا يزال تحقيقه مرقونا لم ير نور الطّباعة والنّشر.
وقد تتابعت على هذا الكتاب عدّة أعمال؛ ويعدّ أبو القاسم البرّادي (ت 810 هـ) أوّل من وضع شرحا عليه أسماه بـ:" البحث الصادق والاستكشاف عن معاني كتاب العدل والإنصاف"، ثمّ جاء من بعده أبو العبّاس الشّماخي، حيث سعى بادئ الأمر إلى اختصار الكتاب، مضيفا إليه فوائد من كتب أصوليّة أخرى، ثمّ رأى وضع شرح على مختصره ليتمّم به (1/2)
صفحة 5
فائدته، ويبيّن به لفظه ومعناه، وقد سار في شرحه على نفس الخط الذي انتهجه في المختصر من حيث التّقسيم، وكان بعمله هذا ساعيا لخدمة التّراث، وباعثا له ودارسا، وقد غدا كتابه هذا قِبلةً للدّراسين الإباضيّين، وعمدةً لكتب الأصول الإباضيّة التي أتت بعده، و «مرجعا لكلّ الفقهاء والمجتهدين الإباضيّة سواء في مجال التّأصيل أو التّفريع» (1).
لذا فقد حاولت بعون الله في هذه الدّراسة، إبراز شخصيّة أبي العبّاس الشمَّاخي ودراسة آرائه الأصولية من خلال تراثه، بغية الكشف عن جانب من نتاج المدرسة الإباضيّة في هذا الفنّ؛ وبيان موقعه ضمن الموروث الحضاري للأمة الإسلامية.
مبرّرات اختيار الموضوع وأهدافه:
موضوع البحث بالإضافة إلى ما سبق ذكره من الأهمّية التي يكتسيها، وحاجة البحث فيه، فهناك أسباب أخرى دعتني بقوّة إلى انتخابه كموضوع لرسالة الماجستير أذكر منها:
1 - رغم كثرة تآليف المدرسة الإباضية، بيد أن كثيرا منها لا يزال مجهولا؛ ما يتوجب سعيا حثيثا نحو إخراجها؛ قصد التعريف بها، والإفادة منها، خدمة للتراث الإسلامي.
2 - محاولة التّعريف بشخصية أبي العبّاس الشماخي، كأحد أعلام إباضيّة المغرب؛ كشفاً عن تراثه، وبياناً لآرائه ومنهجه الأصولي، وإبراز لمكانته الأصولية، داخل المدرسة الإباضية.
3 - محاولة الرّبط والمقارنة بين آراء الشمّاخي، وغيره من الأصوليّين سواء من الإباضيّة أو من غيرهم.
4 - رغبتي في دراسة موضوع شامل لأغلب مواضيع أصول الفقه؛ فموضوع البحث هذا يمكّنني من قراءة جميع مباحث أصول الفقه قراءة متأنّية متفحّصة، وهذا غاية ما يرومه طالب العلم.
كذلك ممّا حفّزني على اختيار هذا الموضوع، كوني هممت فيما مضى بتحقيق ودراسة كتاب "مختصر العدل والإنصاف" للشمّاخي، في بحث التّخرج لمرحلة اللّيسانس، ولكن لم تُسعفني الظّروفُ لإنجاز هذا العمل، فبقيت علاقتي وثيقة به؛ لذلك عزمت على دراسة المنهج الأصولي لهذا العالم في مرحلة الماجستير.
__________
(1) مصطفى باجو، الوارجلاني أصوليّا، ط 2، دن، سلطنة عمان، 1428 هـ-2007 م، 203. (1/3)
صفحة 6
إشكاليّة البحث:
لما كان أبو العباس الشماخي أحد أعلام المدرسة الإباضية، بما خلفه من تراث نفيس، وما ألفه في علم أصول الفقه، متمثلا في كتابه مختصر العدل والإنصاف وشرحه، الذي غدا عمدة لجلّ المؤلفات الأصولية الإباضية التي أعقبته، ما يدفعنا للبحث عن معالم شّخصيّته الأصوليّةِ، ومعرفة منهجه وآرائه، ومدى إسهامه في التّراث الأصولي الإباضي خاصة والإسلامي عامّة.
تأتي الدّراسة للإجابة عن هذه الإشكاليّةِ العامّة، وما تفرّع عنها من التّساؤلاتِ الآتية:
1 - ما هي العوامل التي ساهمت في تكوينه العلمي؟
2 - ما هي المكانة التي يحتلّها كتابه بين المؤلّفات الأصوليّة؟
3 - ما الذي يميّز كتابه من حيث الأسلوب والمنهج؟
4 - ما هي المدرسة الأصوليةُ الّتي سلكها في تأليفه؟
5 - كيف تعامل مع الأدلّة المختلفة؟ وما كيفيةُ استنباطه للأحكام الشّرعية؟
6 - كيف تعامل مع الأدلّة المتعارضةِ من حيثُ الجمعُ والترجيح؟ وما هي شروط الاجتهاد ومجالاته في نظره؟
7 - هل كان في تأليفه الأصوليِّ مستقلا أم تابعا؟
8 - هل تفرّد بآراء خالف فيها مذهبه؟
المنهج المتّبع في البحث:
للإجابة على الإشكاليّة السّابقة وما تفرّع عنها، سلكت في هذا البحث المناهج الآتية:
1 - المنهج التّاريخي: وذلك من خلال دراسة عصر الشمّاخي، وشخصيته العلميّة وآثاره، بالإضافة إلى التّعريف بكتابه شرح مختصر العدل والإنصاف.
2 - المنهج الوصفي التّحليلي: من خلال إبراز آرائه الأصوليّة، مدعّمة بأدلتها اللاّزمة؛ وذلك بتتبّع كيفيّة تعامله مع المسائل الأصوليّة.
3 - المنهج النّقدي المقارن: من خلال المقارنة بين آرائه الأصوليّة وآراء موافقيه ومخالفيه من الإباضيّة وغيرهم في القضايا الخلافية، مع المناقشة والتّرجيح قدر المستطاع. (1/4)
صفحة 7
وقد التزمت مقارنة آراء الشّماخيِّ بآراء أبي يعقوب الوارجلاني، باعتبار الشماخيِّ مختصرا لكتاب الوارجلاني؛ وذلك لبيان مدى موافقته له ومخالفته، ومن ثَم معرفة هل كان مستقلا في تأليفه الأصولي أم تابعا؟
كما قارنت آراءه بآراء نور الدّين السّالمي (ت 1332 هـ) من خلال كتابه "طلعة الشّمس"؛ لكون السالميّ اعتمد عليه كثيرا، وهو ما صرّح به في نهاية كتابه.
منهجيّة البحث:
سلكت في البحث المنهجيّة الآتية:
- قمت بجمع المادة العلميّة سواء المتعلّقة بشخصيّته أو المتعلّقة بآرائه الأصولية، وقد اعتمدت في تتبّع آرائه على كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف بالدّرجة الأولى، كما اعتمدت على أجوبته الفقهيّة، وعلى كتابه شرح مقدّمة التّوحيد.
- صدّرت الفصول والمباحث بنبذة تعريفيّة، يتصوّر القارئ من خلالها المضمون الإجمالي لهما.
- بالنّسبة لدراسة آرائه الأصوليّة فإنّي أقوم أوّلا بتحرير المسألة وبيان محلّ النّزاع فيها، واستعراض أهمّ الآراء الأصوليّة، بعد ذلك أذكر رأي الشّماخيِّ فيها مع ما استدلّ به، مع الإشارة إلى موقع هذا الرّأي بين الآراء السّابقة، وبيان موافقته أو مخالفته لرأي الإباضيّة.
- راعيتُ تناسب الفصول والمباحث من حيث حصص المطالب، إلا إذا اقتضت الضّرورة.
- سلكتُ في البحث منهج الاختصار والإيجاز في الدّراسة؛ وذلك لكثرة مسائل البحث؛ لذا اكتفيت ببيان الخطوط العريضة والمعالم البارزة في جهود الشّماخيِّ الأصوليّة.
ما مضى يتعلّق بمادّة البحث والمنهج في صياغتها ودراستها، أمّا فيما يتعلّق بضوابط المنهجيّة العلمّية فقد حاولت قدر المستطاع الالتزام بقواعد البحث العلميِّ في إخراج هذا البحث كالآتي:
• اعتمدت في رسم الآيات القرآنيّة على رواية حفص عن عاصم، وقمت بتخريجها بذكر السّورة ورقم الآية، واستعنت في ذلك بالمصحف الإلكتروني؛ للمحافظة على الرّسم العثماني. (1/5)
صفحة 8
• قمت بتخريج الأحاديث والآثار من مصادرها الأصليّة، فإن كان الحديث في الصّحيحين أو في أحدهما اكتفيت به، وما لم أجده فيهما أو في أحدهما، خرّجته من كتب السّنن الأربعة، وجامع الرّبيع بن حبيب، ومسند أحمد بن حنبل، وموطّأ الإمام مالك، وما لم أجده فيما تقدّم من الكتب خرّجته من غيرها، حيث أذكر المصدر الذي ورد فيه الحديث، والكتاب، والباب، والرقم، والجزء، والصفحة، مع التّعليق على صحّة الحديث إن كان به ضعف، مستفيدا في ذلك من كتب التّخريج المعتمدة.
• ترجمت لجميع الأعلام الذين ورد ذكرهم في البحث، ولم أستثن من ذلك إلّا المعاصرين.
• وفيما يخص الاقتباسات، إن كان النّقل حرفيا وضعته بين قوسين « ... » من بدايته إلى نهايته، وإن تصرّفت في أيّ اقتباس، أو كان نقله بالمعنى، أكتفي بعزوه إلى مصدره أو مرجعه، مع ذكر الرّقم والصّفحة.
• وضعت في نهاية البحث قائمة للمصادر والمراجع، وفهارس فنّية، للآيات القرآنيّة، والأحاديث النّبويّة، والأعلام، والفرق والطوائف، والبلدان، ومحتويات البحث.
الدّراسات السّابقة:
لم أعثر بعد البحث والسّؤال، على بحث علميّ أكاديميّ اختصّ بتناول الآراء الأصوليّة لأبي العبّاس الشمّاخي بالدّراسة والنّقد، باستثناء ما كتبه بعض الباحثين من ترجمة له، وتعريف بكتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف" من حيث الأسلوب والمنهج:
1 - كتاب "شرح مختصر العدل والإنصاف" -دراسة وتحقيق- للباحث مهني بن عمر التّيواجني، وأصل الكتاب رسالة دكتوراه (حلقة ثالثة) بالجامعة الزيتونية بتونس، وقد نوقشت وأجيزت سنة 1411 هـ/1990 م.
حيث تناول الباحث في قسم الدّراسة من تحقيقه للكتاب دراسة شخصية أبي العبّاس الشّماخي، وبيئته العلمية ونتاجه، مبرزا أهمّية الكتاب وخصائصه في المنهج والأسلوب، فكان (1/6)
صفحة 9
بذلك أوّل وأحسن من طرق باب هذا الموضوع، ولكنّ هذه الدّراسة رغم أهمّيتها البالغة إلاّ أنّها لم تحط بجميع جوانب حياة الشمّاخي الأصولية، ولم تتعرض لدراسة آرائه ومقارنته مع غيره من الأصوليّين.
2 - كتاب "أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا" -دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنا بأبي حامد الغزالي- للدكتور مصطفى باجو، وأصل الكتاب رسالة ماجستير من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلاميّة بقسنطينة، وقد نوقشت وأجيزت سنة: 1993 م.
حيث تناول باختصار التعريف بكتاب مختصر العدل والإنصاف وشرحِه لأبي العبّاس الشمّاخي؛ حيث بيّن محتوى الكتاب، ومنهج صاحبه في تأليفه، وذلك في معرض ذكره للأعمال التي تتابعت على كتاب العدل والإنصاف للوارجلاني.
كما تناول تلك المعلومات أيضا في رسالته للدكتوراه الموسومة بـ:"منهج الاجتهاد عند الإباضيّة".
3 - كتاب "فتح الله؛ شرح شرح مختصر العدل والإنصاف" لقطب الأيمّة امحمّد بن يوسف اطفيّش (ت 1333 هـ) -دراسة وتحقيق لباب المنطوق والمفهوم- للباحث زهير بابا واسماعيل، وأصل الكتاب رسالة ماجستير من كلّية العلوم الإسلاميّة بجامعة الجزائر، وقد نوقشت وأجيزت سنة 2008 م.
حيث تناول في القسم الدراسي من التّحقيق -وفي معرض تعريفه لكتاب القطب اطفيّش والأعمال التي سبقتهـ- التعريف بكتاب مختصر العدل والإنصاف وشرحِه للشمّاخي؛ حيث بيّن محتوى الكتاب، ومنهج صاحبه في ترتيبه.
فهذه الدّراسات رغم أهميّتها الكبيرة، تنقصها الإحاطة بجميع جوانب الموضوع، وكافّة أجزائه، ولا تعطينا صورة كاملة عن الشّخصية الأصوليّة لأبي العبّاس الشمّاخي؛ لكونها ليست مخصّصة لدراسة منهجه الأصولي وآرائه.
خطّة البحث:
دراستي لهذا الموضوع تتلخّص في محورين: (1/7)
صفحة 10
1 - عصر الشمّاخي، وحياته الشخصية والعلمية.
2 - آراؤه الأصولية من خلال ما ألّف في هذا الفن.
لذا قسّمتُ مادّة البحث إلى خمسة فصول؛ حيث خصّصت الفصلين الأوّل والثاني لترجمة الشماخيِّ؛ من خلال بيان مميّزات عصره، وحياته الشّخصيّة العلميّة وآثاره، بالإضافة إلى التّعريف بكتابه "شرح مختصر العدل والانصاف" وبيان منهجه فيه وأسلوبه، وخصّصت الفصول: الثالث والرابع والخامس لبيان آرائه الأصوليّة.
ويندرج تحت كلّ فصل جملة من المباحث والمطالب والفروع.
وافتحت البحث بمقدّمة تناولت فيها أهمّية الموضوع وأسباب اختياره، الإشكالية، منهج الدّراسة، منهجيّة البحث، الدّراسات السّابقة، الخطّة، صعوبات البحث.
وختمته بخاتمة فيها أهمّ نتائج البحث.
والخطّة التفصيليّة للبحث كالآتي:
المقدّمة:
الفصل الأوّل: عصر أبي العبّاس الشّماخي، وحياته الشّخصيّة والعلميّة.
المبحث الأوّل: عصر أبي العباس الشّماخي.
المطلب الأوّل: الحالة السّياسية.
المطلب الثّاني: الحالة الاجتماعيّة.
المطلب الثالث: الحالة الفكريّة.
المطلب الرابع: أوضاع جبل نفوسة وجزيرة جربة.
المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ومولده.
المطلب الأوّل: اسمه ونسبه وكنيته.
المطلب الثاني: مولده.
المبحث الثالث: نشأته وحياته العلميّة وشيوخه.
المطلب الأوّل: نشأته. (1/8)
صفحة 11
المطلب الثّاني: حياته العلميّة وشيوخه.
المبحث الرابع: معاصروه وتلاميذه.
المطلب الأوّل: معاصروه وأقرانه.
المطلب الثّاني: تلاميذه.
المبحث الخامس وفاته، وآثاره العلميّة.
المطلب الأوّل: وفاته.
المطلب الثّاني: آثاره العلميّة.
الفصل الثاني: التّعريف بكتابه شرح مختصر العدل والإنصاف.
المبحث الأوّل: محتوى الكتاب ودواعي تأليفه، ومصادره.
المطلب الأوّل: الموضوعات الرئيسة في الكتاب.
المطلب الثاني: دواعي تأليفه للكتاب.
المطلب الثّالث: المصادر التي اعتمد عليها.
المبحث الثاني: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة، والأعمال التي تتابعت عليه.
المطلب الأوّل: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة.
المطلب الثاني: الأعمال العلميّة التي تتابعت على الكتاب.
المبحث الثالث: منهج الشماخيّ في الكتاب وأسلوبه.
المطلب الأوّل: منهجه في الاستدلال وبحث المسائل وعرض الآراء.
المطلب الثاني: مميّزات أسلوبه.
المبحث الرّابع: من المسائل التي خالف فيها الشماخيُّ الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة.
المطلب الأوّل: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ الوارجلاني.
المطلب الثاني: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ جمهور الإباضيّة. (1/9)
صفحة 12
المبحث الخامس: أنواع المناهج الأصوليّة، وبيان ما سلكه الشماخيُّ منها.
المطلب الأوّل: أنواع المناهج الأصوليّة.
المطلب الثّاني: المدرسة الأصوليّة التي ينتمي إليها الشّماخي.
الفصل الثالث: آراؤه الأصوليّة في المقدمات ومباحث الحكم الشرعي والأدلّة.
المبحث الأوّل: المقدّمات.
المطلب الأوّل: حدّ أصول الفقه وبيان موضوعه.
المطلب الثّاني: تعريف العلم وبيان أقسامه.
المبحث الثّاني: حقيقة الحكم الشّرعي وأقسامه.
المطلب الأوّل: حقيقة الحكم الشّرعي.
المطلب الثّاني أقسام الحكم التّكليفي وتعريفها.
المطلب الثّالث: بعض تقسيمات الواجب.
المطلب الرّابع: بعض أحكام المندوب والمباح.
المطلب الخامس: بعض مسائل الحكم الوضعي.
المبحث الثّالث: الحاكم.
المطلب الأوّل: مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين.
المطلب الثّاني: المسائل المتفرّعة عن التّحسين والتّقبيح.
المبحث الرّابع: المحكوم فيه.
المطلب الأوّل: مسألة هل يصحّ التّكليف بالمحال؟
المطلب الثاني: مسألة هل الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة.
المبحث الخامس: الأدلّة المتّفق عليها.
المطلب الأوّل: الكتاب. (1/10)
صفحة 13
المطلب الثّاني: السنّة النبويّة.
المطلب الثالث: الإجماع.
المطلب الرّابع: القياس.
المبحث السادس: الأدلّة المختلف فيها.
المطلب الأوّل: الاستصحاب.
المطلب الثّاني: شرع من قبلنا.
المطلب الثّالث: المصالح المرسلة.
المطلب الرّابع: الاستحسان.
المطلب الخامس: قول الصّحابي.
الفصل الرّابع: آراؤه في تفسير النّصوص.
مبحث تمهيدي: بعض المسائل المتعلقة باللغة.
المطلب الأوّل: أهمّية اللّغة في تفسير النّصوص.
المطلب الثّاني: ابتداء اللّغات هل كان توقيفا أو مواضعة؟
المطلب الثّالث: مسألة القياس في اللّغات.
المبحث الأوّل: الحقيقة والمجاز.
المطلب الأول: مفهوم الحقيقة والمجاز وأقسامهما.
المطلب الثّاني: وقوع المجاز وأنواع العلاقة فيه.
المطلب الثّالث: التّرتيب بين الحقائق والمجازات.
المبحث الثّاني: الوضوح والخفاء.
المطلب الأوّل: أقسام اللّفظ باعتبار ظهور المعنى وخفائه.
المطلب الثاني: الإجمال والبيان. (1/11)
صفحة 14
المطلب الثّالث: التّرادف والاشتراك.
المطلب الرّابع: التّأويل.
المبحث الثالث: طرق دلالات الألفاظ على الأحكام.
المطلب الأوّل: دلالة المنطوق.
المطلب الثّاني: دلالة المفهوم.
المبحث الرابع: العموم والخصوص.
المطلب الأوّل: العام.
المطلب الثّاني: الخاص.
المطلب الثالث: المطلق والمقيّد.
المبحث الخامس: الأمر والنّهي.
المطلب الأوّل: الأمر.
المطلب الثّاني: النّهي.
الفصل الخامس: آراؤه في الاجتهاد والتّعارض والتّرجيح والنّسخ.
المبحث الأوّل: الاجتهاد.
المطلب الأوّل: مجال الاجتهاد وشروطه.
المطلب الثّاني: الخطأ والصّواب في الاجتهاد.
المطلب الثّالث: بعض المسائل المتعلّقة بحكم الاجتهاد.
المبحث الثاني: التّقليد.
المطلب الأوّل: مفهوم التّقليد.
المطلب الثّاني: بعض المسائل المتعلّقة بالتّقليد. (1/12)
صفحة 15
المبحث الثالث: التّعارض والتّرجيح.
المطلب الأوّل: تعريف التّرجيح وبيان محلّه.
المطلب الثّاني: مناهج الأصوليّين في درء التّعارض.
المطلب الثّالث: أنواع التّرجيح.
المبحث الرّابع: النّسخ.
المطلب الأوّل: مفهوم النّسخ، وبيان شروطه، والفرق بينه وبين التّخصيص.
المطلب الثّاني: إثبات النّسخ وبيان محلّه.
المطلب الثالث: أنواع النّسخ في الأدلّة الشّرعية.
المطلب الرّابع: من مسائل النّسخ.
الخاتمة
صعوبات البحث:
لم تعترضني -والحمد لله- خلال إنجازي للبحث أيّة صعوبات وعراقيل ذات شأن كبير؛ فقد تلقيت دعما ومساندة من المشرف الأستاذ الدكتور مصطفى باجو -حفظه الله- الذي لم يبخل عليّ بتوجيهاته ونصائحه القيّمة، كما أنّي لم أجد صعوبة في تحصيل المصادر والمراجع المطبوعة منها والمخطوطة، فقد فُتحت أمامي المكتبات في وادي مزاب وخارجه، ووجدت فيها بُغيتي، بالإضافة إلى المكتبات الإلكترونيّة (الكتب المصوّرة) التي سهّلت عليّ مهمّة الوصول إلى جميع المصادر والمراجع التي احتجتها في البحث، ووفّرت علي جهد التّنقّل والبحث عن الكتب.
وإنّما الصّعوبة التي اعترضتني هي أنّني لا أزال في بداية طريق البحث العلمي، بالإضافة إلى المشاغل الاجتماعيّة التي حالت بيني وبين التّفرّغ لإنجاز البحث. (1/13)
صفحة 16
الفصل الأوّل:
عصر أبي العبّاس الشماخي، وحياته الشخصيّة والعلميّة.
المبحث الأوّل: عصر أبي العباس الشّماخي.
المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ومولده.
المبحث الثالث: نشأته وحياته العلميّة وشيوخه.
المبحث الرابع: معاصروه وتلاميذه.
المبحث الخامس: وفاته، وآثاره العلميّة. (1/14)
صفحة 17
المبحث الأوّل: عصر أبي العباس الشّماخي
تمهيد: تعتبر البيئة التي يعيش فيها الإنسان من المؤثّرات في تكوين شخصيّته، وتكييف اتّجاهه وفكره؛ ذلك أنّ شخصيّته تتأثّر بالمجتمع الذي يعيش فيه، ولا تستطيع أن تعيش بمعزل عنه.
ولقد جرت عادة الباحثين عند دراستهم لحياة الأعلام على البدء بدراسة العصر الذّي نشأوا فيه؛ لأنّ ذلك يساعد على معرفة مقوّمات شخصيّتهم، والعوامل التي تؤثّر في تكوينهم الفكري والثّقافي.
وجريا على هذا المنهج سأفتتح ترجمة أبي العبّاس الشّماخي بدراسة عصره، من خلال بيان الحالة السياسيّة، والاجتماعيّة، والفكريّة التي سادت العصر الذي عاش فيه، وإبراز مدى تأثيرها في بناء شخصيّته.
وستكون الدّراسة أوّلا ببيان الإطار العام للعصر الذي عاش فيه، وهو متعلّق بالدّولة الحفصيّة، ثمّ أتحدّث بعدها عن الإطار الخاص، ويتعلّق بأوضاع الجماعة الإباضيّة في جبل نفوسة وجزيرة جربة التي ينتمي إليها الشّماخي. (1/15)
صفحة 18
المطلب الأوّل: الحالة السّياسية.
عاش أبو العبّاس الشّماخي خلال أواسط القرن التّاسع، وبداية القرن العاشر الهجري، وعايش الأحداث السّياسية التي شهدها جبل نفوسة -موطنه الأصلي- وتونس، ففي هذه الفترة من الزّمن كانت هذه المناطق تابعة لحكم الدّولة الحفصيّة، التي قامت على أنقاض دولة الموحّدين.
فقد عرفت بلاد المغرب والأندلس تفكّكا سياسيا منذ بداية القرن السّابع الهجري، فظهرت دويلات صغيرة استغلّت ضعف الدّولة الموحّديّة، فاستقلّت عنها وهي:
- دولة بني حفص: بإفريقية (المنطقة الشّرقيّة).
- دولة بني عبد الواد: بالمغرب الأوسط
- دولة بني مرين: بالمغرب الأقصى.
- دولة بني الأحمر: بالأندلس.
وقد استغلّ الحفصيّون فرصة الهزيمة النّكراء التي مُني بها الموحّدون في معركة العقاب بالأندلس سنة (609 هـ/1212 م) (1)، وحاولوا الاستقلال عنهم، وتمّ لهم ذلك على يد أبي زكرياء بن عبد الواحد الحفصي سنة (626 هـ/1228 م) (2)، الذي يعتبر المؤسّس للدّولة الحفصيّة.
__________
(1) محمد العروسي المطوى، السّلطنة الحفصيّة -تاريخها السّياسي، ودورها في المغرب الإسلامي-، دط، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، دت، 89؛ علي الصّلابي، دولة الموحّدين، دط، دار البيارق، عمان، دت، 220.
(2) هو إبراهيم بن يحي بن عبد الواحد الحفصي الهنتاتي، أوّل أمراء الحفصيّين، ولد سنة 609 هـ، وتوفّي سنة 699 هـ. تنظر ترجمته: محمّد بن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة، تح: الطّاهر بن محمّد المعموري، دط، الدّار العربيّة للكتاب، دم، 1984 م، 54؛ خير الدّين الزركلي، الأعلام، ط 15، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 2002 م، ص (1/ 224). (1/16)
صفحة 19
ويرجع نسب الحفصيّين إلى أبي حفص عمر بن يحي المنتمي لقبيلة هنتاتة، وهي من قبيلة المصامدة التي عاشت بالمغرب الأقصى (1)، وقد كان -أبو حفص- أحد أتباع المهدي بن تومرت (2) واضع أسس الدّولة الموحديّة، وممّن ساهم في نشر دعوته (3).
وقد شمل نفوذ دولتهم منطقة إفريقيا، وجزءا من طرابلس وجزءا من المغرب الأوسط فحدود دولتهم كانت ممتدّة من طرابلس شرقا إلى بجاية غربا، واتخذوا من تونس عاصمة لدولتهم.
وانتهج الحفصيّون نظام الدّولة الموحّدية، المعتمد على مبادئ ابن تومرت، وكان نظام حكمهم وراثيا (4)، وتواصل بإفريقيا طيلة ثمان وسبعين وثلاثمائة سنة.
سعى الأمراء الحفصيّون في بداية حكمهم لتوطيد حكم دولتهم، وواجهتهم تحدّيات تمثّلت في ثورات الأعراب وبني مرين من جهة، والمؤامرات الدّاخليّة المتمثّلة في الصّراعات بين أفراد الأسرة الحاكمة من جهة أخرى، بالإضافة إلى هجمات النّصارى المتكرّرة، الذين سيطروا لفترات متعدّدة على بعض المدن كطرابلس وجزيرة جربة (5).
وكان الاستقرار مرتبطا بشخصيّة السّلطان وقدرته على بسط نفوذه، ومن هؤلاء السّلاطين الذين كان لهم دور في استقرار الدّولة وازدهارها: أبو زكريّا يحي، مؤسّس الدّولة (625 - 647 هـ)،
__________
(1) ينظر: ابن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية، 54؛ أبو العبّاس أحمد بن القنفد، الفارسيّة في مبادئ الدّولة الحفصيّة، تح: الشّاذلي النّيفي- عبد المجيد التركي، دط، الدّار التّونسية للنّشر، 1968 م، 107، 108؛ محمد العروسي المطوى، السلطنة الحفصية، 127.
(2) هو أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن تومرت المصمودي البربري، الملقّب بـ"المهدي"، الفقيه، الأصولي، الزّاهد، ولد سنة 486 هـ، يعتبر واضع أسس دولة الموحّدين بالمغرب، توفي سنة 522 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، تح: مجموعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرناؤوط، دط، مؤسّسة الرّسالة، دمشق، سوريا، دت، ص (38/ 2)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (14/ 79).
(3) عبد الرحمن بن خلدون، تاريخ ابن خلدون المسمى بالعبر، تح: خليل شحادة، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1421 هـ، 2000 م، ص (6/ 370).
(4) الحسن الوزّان، وصف إفريقيا، ترجمة عن الفرنسيّة: محمّد حجّي- محمّد الأخضر، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1983 م، ص (2/ 78).
(5) ينظر: ابن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة، 69؛ علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الثّالثة الإباضية في تونس، ط 1، مكتبة وهبة، ليبيا، 1384 هـ-1964 م، 236، 237؛ محمد العروسي المطوى، المرجع السابق، 149، 197. (1/17)
صفحة 20
وأبوفارس عبد العزيز (796 - 837 هـ) (1)، وأبو عمرو عثمان (839 - 894 هـ) (2)، وقد نوّه المؤرّخون بهؤلاء السّلاطين، وأشادوا بفضلهم (3).
وقد أدرك أبو العبّاس فترة حكم أبي عمرو عثمان، وكان له معه لقاء ومحاورات (4).
تواصل الحكم الحفصي بإفريقيا ثلاثة قرون، عرفت خلالها المنطقة مراحل قوّة، ومراحل ضعف، وتميّزت بازدهار اقتصادي، وعمراني، وفكري في مراحل الاستقرار والقوّة.
حيث شهدت الحياة الاقتصادية ازدهار، حيث انتعشت الزّراعة وكثُرت المحاصيل، ونشطت الصّناعات المختلفة، وكانت التّجارة رائجة، وتمثّلت في تصدير الحبوب عند توفّر المحاصيل من تمور، وزيت، وملح، وأقمشة وغيرها.
كما كان لأمرائهم اهتمام بالجانب العمراني والحضاري، وقد استفادوا في ذلك من خبرة اللاجئين الأندلسيّين وبراعتهم، وتأثّروا بالحياة الأوروبيّة؛ وتجلّى ذلك من خلال المعالم العمرانيّة التي بُنيت في عهدهم، ووصل الأمر ببعض أمرائهم إلى حدّ الانغماس في التّرف، وكانوا يعيشون حياة كلّها مجون وخلاعة (5).
سقطت الدّولة الحفصيّة على يد العثمانيّين سنة (981 هـ-1589 م)، وقد تواطأت عدّة أسباب في سقوطها داخليّة وخارجيّة، أمّا الدّاخليّة فتمثّلت في فساد البيت الحفصي، وصراع الأمراء على كرسيّ الحكم؛ ممّا أدّى إلى انقسام الدّولة، أمّا الأسباب الخارجيّة فتمثّلت في الهجمات المتكرّرة للإسبان،
__________
(1) هو أبو فارس عبد العزيز بن أبي العبّاس، أحد أمراء الحفصيّين، ولد بقسنطينة سنة 763 هـ، بويع سنة 796 هـ، ودامت مدّة إمارته حوالي أربعين سنة، توفّي سنة 837 هـ. تنظر ترجمته: ابن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية، 112؛ الزرّكلي، الأعلام، ص (8/ 28).
(2) هو أبو عمرو عثمان بن محمّد، أحد أمراء الحفصيّين، ولد سنة 821 هـ، وبويع بعد وفاة أخيه المنتصر سنة 839 هـ، ودامت مدّة إمارته حوالس خمسين سنة، توفي سنة 893 هـ. تنظر ترجمته: ابن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية، 121؛ الزرّكلي، المرجع السابق، ص (9/ 80).
(3) مهني بن عمر التيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، رسالة دكتوراه (حلقة ثالثة) مرقونة، الجامعة الزيتونيّة، تونس، 1411 هـ-1990 م، 116 - 118.
(4) الشّماخي، كتاب السّير، تح: محمد حسن، ط 1، دار المدار الإسلامي، بيروت، لبنان، 2009 م، ص (2/ 772).
(5) الحسن بن الوزّان، وصف إفريقيا، ص (2/ 81). (1/18)
صفحة 21
واستنجاد الحفصيّين بالعثمانيين الذّين ما لبثوا أن استبدّوا بالحكم، فسقطت الدّولة في أيديهم وصارت جزءا من الدّولة العثمانيّة (1).
__________
(1) محمّد العروسي المطوى، السلطنة الحفصيّة، ص 651 - 734. (1/19)
صفحة 22
المطلب الثّاني: الحالة الاجتماعيّة.
تعتبر الحالة السّياسيّة في أيّ مجتمع الصّورة الصّادقة عن الحالة الاجتماعيّة التي تنعكس عليها؛ لأنّ عناصر تكوين المجتمع لها دور بارز في مسرح السّياسة، ومصير المجتمع على الاستقرار أو الانهيار في كثير من الحالات.
وإذا نظرنا إلى المجتمع الحفصي من هذه النّاحية وجدناه يتألّف من جنسيّات مختلفة، فقد تشكّل أساسا من قبيلة هنتاتة البربريّة، بالإضافة إلى مجتمعات بربريّة أخرى كنفوسة التي ينتمي إليها أبو العبّاس الشّماخي، كما أنّ العرب المقيمين والقبائل العربيّة المهاجرة من المشرق كبني هلال وبني سليم ممّن شكّلوا هذا المجتمع أيضا، بالإضافة إلى مجموعات أخرى من الرّوم والأتراك، وهذا الخليط من الجنسيّات مع تباين توجّهاتهم الدّينيّة وثقافاتهم، ولّد نوعا من الصّراع في بعض الفترات.
وسأحاول تسليط الضّوء بعد الحديث عن الحياة الفكريّة في الدّولة الحفصيّة على أوضاع نفوسة وجربة؛ باعتبار أنّ هذه المناطق كانت جزءا من التّركيبة الاجتماعيّة في الدّولة الحفصّية، وهي تمثّل الجماعة الإباضيّة التي ينتمي إليها الشّيخ أبو العبّاس الشّماخي، وسأحاول إبراز جانب من هذا الصّراع الفكري الذي ساد في عصره. (1/20)
صفحة 23
المطلب الثالث: الحالة الفكريّة.
يرجع الفضل في تمهيد الحركة الفكريّة عند الحفصيّين، إلى جهود الموحّدين، الذين فتحوا آفاقا فكريّة واسعة أتاحت للحياة الثّقافيّة في عهد الحفصيّين مزيدا من الازدهار والنّضج، فقد قدم الكثير من فقهاء الموحّدين من المغرب مع تأسيس الدّولة الحفصيّة، ولكن حدث أن تأثّر هؤلاء الفقهاء بالطّرق التّعليميّة في العلوم الشّرعيّة المتّبعة في تونس
كما كان للأندلسيّين تأثير كبير في تنشيط الحياة الثّقافيّة والفكريّة بإفريقيا بما جلبوه من حضارة أندلسيّة راقية؛ فقد توافد الكثير منهم إلى تونس نتيجة لسقوط بلدان الأندلس الواحدة تلو الأخرى، فاستغلّ الملوك الحفصيّون هذا الظّرف وشجّعوا الهجرة، وحرصوا على استقدام أكثر ما يمكن من العلماء، الذين توافدوا بدورهم لما لاحظوه من تشجيع وعناية واستقرار (1).
إضافة إلى ذلك، كان للتيّار المشرقي حضور في الحركة الفكريّة، من خلال الرّحلات العلميّة التي كان يقوم بها بعض الحفصيّين إلى المشرق، وما كانوا يجلبونه معهم عند عودتهم من الكتب المشرقيّة، وقد كان لهذا تأثير على الحياة الثّقافيّة، ومن هؤلاء الأعلام ابن زيتون (2)، الذي تلقّى العلم في المشرق، ورجع إلى تونس بعلم كثير فيه تفتّح، وتذكر المصادر أنّه أوّل من أظهر مؤلّفات الفخر الرّازي (3)، وقام بإقرائها بتونس (4).
وقد شجّعت هذه التيّارات الفكرية الملوك الحفصيّين فأقاموا المؤسّسات التّعليمية مثل: الكتاتيب، والزوايا والمساجد، فقامت بدورها فى دعم العلوم المختلفة وتدريسها.
__________
(1) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 8، 9.
(2) هو أبو القاسم بن أبي بكر اليمني، الشهير بابن زيتون، الفقيه والأصولي التونسي المالكي، ولي قضاء تونس، وتوفي بها سنة 691 هـ. تنظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهّب في معرفة أعيان علماء المذهب، تح: محمّد الأحمدي أبو النّور، دط، دار التّراث، القاهرة، دت، ص (1/ 310)؛ الزركلي، الأعلام، ص (11/ 155).
(3) هو أبو عبد الله فخر الدّين محمّد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الأصولي والفقيه والمفسّر والمتكلّم الشّافعي، ولد سنة 544 هـ، وتوفي سنة 606 هـ، من آثاره:"المحصول من علم الأصول"، "مفاتح الغيب". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (21/ 480)؛ تاج الدين السبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، تح: محمود محمد الطناجي-عبد الفتاح محمّد الحلو، ط 2، هجر للطباعة والنّشر، دم، 1413 هـ، ص (8/ 81).
(4) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 7. (1/21)
صفحة 24
كما أنشاوا المدارس بالعاصمة تونس، وكانت أول مدرسة هي "المدرسة الشّماعية" التي أنشأها أبو زكريا يحيى الأول في سنة (633 هـ-1235 م)، وتلتها "التّوفيقية" في سنة (650 هـ-1252 م).
واعتمدوا المذهب المالكي، واهتمّوا بالعلوم الدّينيّة مثل: تفسير القرآن، وعلم الحديث، والفقه، كما اهتمّوا بالعلوم العقليّة مثل: المنطق والكيمياء والفلك وغيرها، وساهمت المكتبات- التي زُوِّدت بالكتب في شتّى فروع المعرفة- في تنشيط الحركة الثّقافية بالبلاد، وكذا ساهمت المجالس العلميّة، التي شجّعها بعض الحكام الحفصيّين فى إثراء النّشاط العلمي ودعمه، ويعتبر الأمير أبو فارس عبد العزيز (796 - 837 هـ) أوّل من أحدث المكتبات العامّة وأوقفها على طلبة العلم، وجعل لها نظاما وقيّمين، ثمّ أحدث الأمير أبو عمرو عثمان (839 - 893 هـ) خزانة مشتملة على أهمّ الكتب، ووقف عليها وقفا كافيا (1).
أثمرت هذه الحركة الثّقافية المزدهرة مجموعة من العلماء البارزين فى شتّى فروع العلم والمعرفة، فكان من الفقهاء أبو عبدالله محمد بن عرفة (ت 802 هـ) (2)، ومن المؤرّخين ابن خلدون (ت 807 هـ) (3)، ومن النّحويّين: أبو الحسن علي بن موسى المعروف "بابن عصفور" (ت 969 هـ) (4)، ومن الشّعراء: حازم القرطاجنّي (ت 684 هـ) (5)، وقد أسهم هؤلاء وغيرهم في دعم المعرفة، وتنشيط الثّقافة، ومؤازرة الحركة الفكريّة في دولة بني حفص.
__________
(1) ابن الشّماع، الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة، 114، 124؛ محمّد العروسي المطوى، السلطنة الحفصيّة، 595؛ مهني بن عمر التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 119، 120.
(2) هو أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن عرفة الورغمي، الفقيه والأصولي والمقرئ، أحد أعلام المالكيّة بتونس، ولد سنة 716 هـ، وتوفّي سنة 803 هـ، من آثاره: التّقييد الكبير. تنظر ترجمته: ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (2/ 231)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (15/ 98).
(3) هو أبو زيد عبد الرحمن بن محمّد بن محمّد ابن خلدون، ولد سنة 732 هـ، فقيه ومؤرّخ وعالم اجتماعي مالكي أحد معاصري محمّد بن عرفة، توفي سنة 808 هـ. تنظر ترجمته: محمّد مخلوف، شجرة النّور الزّكيّة في طبقات المالكيّة، دط، المطبعة السّلفيّة، القاهرة، 1349 م، 227؛ الزرّكلي، المرجع السابق، ص (4/ 107).
(4) هو أبو الحسن علي بن موسى بن محمّد الحضرمي الإشبيلي، المعروف بابن عصفور، لغوي وأديب أندلسي، ارتحل إلى تونس وتوفّي بها سنة 663 هـ. تنظر ترجمته: الذهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (23/ 223)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (1/ 92).
(5) هو أبو الحسن حازم بن محمّد بن حسن بن حازم القرطاجنّي التّونسي، أديب وشاعر، ولد سنة 608 هـ، وتوفي سنة 684 هـ، من آثاره: سراج البلغاء. تنظر مصادر ترجمته: الزّركلي، المرجع السابق، ص (4/ 412). (1/22)
صفحة 25
أعطى هؤلاء العلماء إنتاجا فكريّا بارزا غزيرا ومتنوّعا، استفاد منه طلبة المدارس الحفصيّة، وكان أبو العبّاس الشّماخي أحد هؤلاء المستفيدين (1).
إلى جانب الحركة العلميّة في المساجد والمدارس، ميّز العهد الحفصي انتشار واسع لظاهرة التّصوّف، ولم تكن هذه الظّاهرة خاصّة بالدّولة الحفصيّة، وإنّما كانت سمة بارزة في بلاد إفريقية والأندلس، فقد كانت إفريقيّة قُطبُ جَذْبٍ لصوفيّة الغرب الإسلامي والمشرق بخاصّة خلال الفترة الموحّديّة ثمّ الحفصيّة؛ إذ شهدت وِفادة العديد من النّخب الصّوفية، من أمثال أبي الحسن الشّاذلي (2)، وغيره (3).
حيث انتشر الأولياء ومريدوهم، وأُنشئت لهم الزّوايا ممّا جعلها مع الأيّام تتغلغل في طبقات المجتمع، ولقي هذا تشجيعا من قِبَل السّلطة؛ لأنّها وجدت في ذلك خدمة لمصالحها؛ إذ إنّ الفكر الصّوفيّ استطاع أن يمتصّ نقمة الأمّة، وأقنعها بالشّعور السّلبي تُجاه الواقع المرّ الذي كانت تعيشه، كما كان النّاس يعتقدون بأنّ لهؤلاء الأولياء كرامات؛ هذا ما جعلهم يلتمسون الدّعاء منهم، ويسعون لبلوغ رضاهم (4).
وهذا يمثّل مظهرا من مظاهر الانحطاط الفكري والثّقافي في تلك الفترة الزّمنيّة.
__________
(1) مهنّي بن عمر التّيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 122.
(2) هو أبو الحسن علي بن عبد الله بن عبد الجبّار، رأس الطائفة الشّاذليّة من الصّوفيّة، ولد سنة 591 هـ، وتفقّه وتصوّف بتونس، رحل إلى بلاد المشرق، واستقرّ بالإسكندريّة، وتوفّي بها سنة 656 هـ. تنظر مصادر ترجمته: الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 333).
(3) الطّاهر المعموري، مقدّمة تحقيق كتاب الأدلّة البيّنة النّورانيّة في مفاخر الدّولة الحفصيّة لابن الشّماع، ص 9.
(4) ينظر: الوزّان، وصف إفريقيا، ص (2/ 76، 77)؛ مهنّي بن عمر التّيواجني، المرجع السابق، 126. (1/23)
صفحة 26
المطلب الرّابع: أوضاع جبل نفوسة وجزيرة جربة.
ما تقدّم يعطي لنا صورة عن الحالة السّياسية والفكريّة السّائدة في الدّولة الحفصيّة التي عاش أبو العبّاس في ظلّ حكمها، وفيما يأتي سأسلّط الضّوء على أوضاع نفوسة وجربة، باعتبار أنّ هذه المناطق هي مراكز الجماعة الإباضية التي ينتمي إليها.
في البداية سأعطي لمحة مختصرةً عن تاريخ انتشار المذهب الإباضي في جبل نفوسة وجربة، ثمّ أبيّن الحالة الاجتماعية والفكرية السّائدة في هذه المناطق في عصر أبي العبّاس الشّماخي.
حرص الإباضيّة في مختلف أدوار التّاريخ على إقامة دين الله فيما بينهم، فإن وُجِدت لهم دولة إسلاميّة تعاونوا معها، وإلّا أوجدوا لأنفسهم نظاما يحفظ كيانهم الدّيني والاجتماعي، سالكين في ذلك مراحل وتنظيمات على حسب مقضيات الظّروف، وهو ما يُعرَف بمسالك الدّين، وهي عبارة عن الطّرق التي يُتوصّل بها إلى إنفاذ الأحكام الشّرعيّة، وتنقسم إلى أربعة أقسام هي: الظّهور، الدّفاع، الشّراء، الكتمان، ولكلّ قواعدها وأنظمتها (1).
وقد كان لهم تواجد كبير في شمال إفريقيا، واستطاعوا في فترات أن يقيموا إمامات، كما تمكّنوا من تشكيل دولة انفصلت عن السّلطة العبّاسيّة عُرِفت بالدّولة الرّستميّة، ودامت أكثر من قرن من الزّمن (160 - 296 هـ) (2).
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، تصحيح وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، دط، القاهرة، مصر، 1353 هـ، ص 50؛ علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الأولى نشأة المذهب الإباضي، ط 1، مكتبة وهبة، ليبيا، 1384 هـ-1964 م، ص 93؛ عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضيّة، دط، نشر جمعيّة التراث، القرارة، الجزائر، دت، ص 149.
(2) إبراهيم بحّاز، الدّولة الرّستميّة -دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة-، دط، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1414 هـ-1993 م، ص 81 - 110. (1/24)
صفحة 27
ويعد جبل نفوسة -موطن أبي العبّاس- من المناطق الشّهيرة في تاريخ المذهب الإباضي، وهو عبارة عن سلسلة جبليّة طويلة تقع جنوب غرب مدينة طرابلس بليبيا، قال ياقوت الحموي (1): «جبال في المغرب بعد إفريقية عالية نحو ثلاثة أميال ... وطول هذا الجبل مسيرة ستّة أيّام من الشّرق إلى الغرب، وبين جبل نفوسة وطرابلس ثلاثة أيام، وبينه وبين القيروان ستة أيام» (2).
وقد فتحه المسلمون في عهد الخليفة عمر بن الخطاب (3) -رضي الله عنه- على يد قائد جيوشه عمرو بن العاص (4) سنة (23 هـ-643 م)، وكان أهله قبل ذلك على النّصرانيّة (5).
واتّبع أهل نفوسة المذهب الإباضيَّ الذي انتشر في بلاد المغرب منذ أوائل القرن الثّاني الهجري على يد سلمة بن سعد (6) سنة (105 هـ-720 م) تقريبا.
__________
(1) هو أبو عبد الله شهاب الدّين ياقوت بن عبد الله الرّومي، المؤرّخ والأديب والجغرافي البغدادي، أصله من الرّوم ابتيع عبدا في بغداد، كان رحّالة وجاب عدّة بلدان، توفّي بحلب سنة 626 هـ، من آثاره: "معجم البلدان"، "إرشاد الأريب". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (22/ 341)؛ الزركلي، الأعلام، ص (8/ 343).
(2) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ط 2، دار صادر، بيروت، لبنان، 1995 م، ص (5/ 296 - 297).
(3) هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ثاني الخلفاء الرّاشدين، وأوّل من لقّب بأمير المؤمنين، ولد بمكة بعد ثلاث عشرة سنة من عام الفيل، أسلم وهاجر على المدينة، شهد المواقع كلّها مع النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى عدة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، كما روى عن غيره من الصّحابة، توفي سنة 23 هـ. تنظر ترجمته: محي الدّين النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت، ص (2/ 3)؛ ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصّحابة، تح: عادل أحمد عبد الموجود، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت، ص (6/ 496).
(4) هو أبو عبد الله عمرو بن العاص بن وائل السّهمي القرشي، صحابي جليل، وأحد دهاة العرب وحكمائهم، ولد سنة 50 قبل الهجرة، أسلم عام الحديبية سنة 7 هـ، وأمّره النّبي - صلى الله عليه وسلم - على جيش ذات السّلاسل، وهو فاتح مصر، توفّي سنة 43 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (3/ 50)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (7/ 51).
(5) ياقوت الحموي، معجم البلدان، ص (5/ 297).
(6) هو سلمة بن سعد بن علي بن أسد الحضرمي اليمني، أحد أئمّة الإباضية في القرن الثاني الهجري، صنّفه الدّرجيني ضمن طبقة تابعي التّابعين، تلقّى العلم عن جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وهو أوّل من دعا إلى مذهب الإباضيّة في بلاد المغرب في بداية القرن الثّاني الهجري، الثامن الميلادي. تنظر ترجمته: الشماخي، السّير، ص (1/ 212)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م، ترجمة رقم: 418، ص (2/ 189). (1/25)
صفحة 28
كما انضوى جبل نفوسة تحت لواء الدّولة الرستميّة منذ قيامها، بل كان من ركائز ودعائم الدّولة، ويدلّ على هذا قول الإمام الرستمي عبد الوهّاب بن عبد الرحمن (1): «إنّما قام هذا الدّين على سيوف نفوسة وأموال مزاتة»، حتى أنّ من أسباب سقوط الدّولة انهزام أهل نفوسة في واقعة مانو سنة (283 هـ/896 م) (2).
وقد شهد جبل نفوسة حركة علميّة قويّة منذ الفتح الإسلامي، وتمثّل هذا في تشييد المساجد في مختلف المدن والقرى، بالإضافة إلى المدارس التي كانت موصولة بالمساجد، وكانت تُعنَى بتحفيظ القرآن الكريم، وتعليم القراءة والكتابة، ومبادئ الشّريعة الإسلاميّة.
وأوّل مدرسة تأسّست هي مدرسة الشيخ عمر بن يمكتن (3)، ثم انتشرت المدارس بعد ذلك في مختلف مدن وقرى الجبل.
وقد كانت هذه المدارس مراكز إشعاع تستمدّ منه الأمّة الثّقافة والهدي والسّلوك، وتقتبس منها النّور والهدي والمعرفة، كما كانت تشتغل بالتّأليف، ولعلّ أعظم مدرسة قد امتازت بهذه الظّاهرة فتركت ثروة علميّة هي مدرسة أبي موسى عيسى بن عيسى الطّرميسي (4)، التي خرّجت
__________
(1) هو عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم، ثاني الأيمّة الرستميّين حكم خلال (171 هـ-208 هـ/787 - 823 م)، تلقّى العلم بالقيروان ثمّ بتيهرت عن أبيه عبد الرحمن وغيره من حملة العلم إلى المغرب، كان متضّلعا في العلم وقد تصدّر للتّدريس بتيهرت ثمّ بجبل نفوسة، تولّى الإمامة الرّستميّة بعد أبيه، وازدهرت الدّولة في عهده، توفّي سنة 208 هـ، من آثاره: كتاب "مسائل نفوسة". تنظر ترجمته: الشماخي، السّير، ص (2/ 272)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 609، ص (2/ 283).
(2) ينظر: الشّماخي، السّير، ص (2/ 340)؛ بحاز، الدّولة الرّستميّة، 99؛ محمّد حسين كوردي، الحياة العلميّة في جبل نفوسة وتأثيراتها على بلاد السّودان الغربي من القرن 2 - 8 هـ/8 - 14 م، ط 1، دار الكتب الوطنيّة، بنغازي، ليبيا، 2008 م، صفحات 46 - 58.
(3) هو عمر بن يمكتن، من أعلام جبل نفوسة بليبيا في القرن الثاني الهجري، حفظ القرآن وتلقّى العلم عن الوافدين من المشرق، وكان أوّل من علّم القرآن الكريم بجبل نفوسة، استشهد مع أبي الخطاب عبد الأعلى بن السّمح المعافري في معركة "تاورغا" سنة 144 هـ. تنظر ترجمته: الشّماخي، السّير، ص (2/ 268)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 677، ص (2/ 314).
(4) هو أبو موسى عيسى بن عيسى الطّرميسي، من علماء جبل نفوسة بليبيا في القرن الثامن الهجري، تلقّى العلم عن أبي يحي وجدليش بن فتى، أسّس مدرسته المشهورة، وتخرّج على يديه نخبة من العلماء منهم: أبو طاهر إسماعيل الجيطالي، وأبو ساكن عامر الشّماخي، كما كانت له مكتبة عامرة وقفها على طلبة نفوسة وعلمائها، توفّي سنة 722 هـ، تنظر ترجمته: الشماخي، السّير، ص (2/ 781)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 715، ص (2/ 332). (1/26)
صفحة 29
علماء بارزين من بينهم أبو طاهر إسماعيل الجيطالي (1)، وأبو ساكن عامر الشّماخي (2)، وأبو العبّاس الشّماخي (3).
وأثمر ازدهار الحركة العلميّة بنفوسة انتشار الكتب والمؤلّفات، كما وُجدت مكتبات ثريّة فُتحت لطلبة العلم مثل مكتبة الشّيخ أبي موسى عيسى الطّرميسي، وممّا لا شكّ فيه أنّ للمكتبات الدّور الفعّال في تغذية الحركة الفكريّة (4).
ونتيجة لهذه الحركة العلميّة والفكريّة في جبل نفوسة، فقد صار قِبلة ومنارة علميّة، ومقصدا للطّلاب من مختلف المناطق المجاورة (5).
قال المؤرّخ محمّد علي دبّوز (6) في وصف الحالة العلميّة بنفوسة: «وكان لعمارته، ومنعته، وكرم نفوس أهله، وغزارة علمه، وانتشار الثّقافة الإسلاميّة في كلّ نواحيه، مقصدا وكعبة يحجّ
__________
(1) هو أبو طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي، يكنّى بأبي طاهر نسبة على مدينة جيطال بجبل نفوسة، أخذ العلم عن أبي موسى عيسى بن عيسى الطّرميسي رفقة أبي ساكن عامر الشّماخي، قصد جربة للتدريس، فكان له تلامذة كثيرون، توفي فيها سنة 750 هـ، ومن مصنّفاته: "قناطر الخيرات"، "قواعد الإسلام"، "شرح نونيّة أبي نصر في أصول الدّين"، وغيرها. تنظر ترجمته: الشّماخي، كتاب السّير، ص (2/ 785)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 110، ص (2/ 57).
(2) هو أبو ساكن عامر الشّماخي، أحد أكبر مشايخ الإباضيَّة في جبل نفوسة بليبيا في القرن الثّامن الهجري، أخذ العلم عن الشيخ أبي موسى عيسى بن عيسى الطرميسي، وكان ملازمًا ومصاحبًا لأبي عزيز بن إبراهيم بن أبي يحيى، تولّى التّدريس ببلدته يفرن، وأسّس مدرسة خاصّة، ومن تلاميذه: ولده موسى، وحفيده سليمان، وأبو زكرياء يحيى بن زكرياء، وأبو الفضل أبو القاسم البرّادي وغيرهم، توفي سنة: 792 ه، ومن آثاره: كتاب في العقيدة، كتاب "الإيضاح" في الفروع الفقهيّة، "كتاب طبقات المشايخ". تنظر ترجمته: الشّماخي، كتاب السير، ص (2/ 789)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 529، ص (2/ 240).
(3) علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الثانية، ص (2/ 68).
(4) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، ص (2/ 781)؛ علي يحي معمّر، الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الثانية، ص (2/ 57)؛ بحاز، الدّولة الرّستميّة، 289؛ كوردي، الحياة العلميّة في جبل نفوسة، صفحات 66 - 101.
(5) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، ص (2/ 560)؛ كوردي، المرجع السابق، 129.
(6) هو محمّد بن علي دبّوز، أحد أعلام ومؤرّخي الإباضية المعاصرين، ولد بمدينة بريان سنة 1337 هـ-1919 م، التحق بمعهد الحياة بالقرارة، وتلقى العلم عن الشّيخ بيوض وغيره، ثم انتقل إلى الزّيتونة بتونس للاستزادة من العلم، ومنها سافر إلى القاهرة والتحق بجامعة القاهرة مستمعا، كما رابط بدار الكتب المصريّة، وبعودته إلى وطنه اشتغل مدرّسا بمعهد الحياة، توفّي بمسقط رأسه سنة 1402 هـ-1981 م، من آثاره: "تاريخ المغرب الكبير"، "نهضة الجزائر الحديثة"، "أعلام الإصلاح في الجزائر". تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 840، ص (2/ 387). (1/27)
صفحة 30
إليها النّاس من كلّ أنحاء المغرب ... وكانت تعجّ بالعلماء الصّالحين، وذوي المعرفة والدّين، إنّ أكثر ما ذكر أبو العبّاس الشّماخي في سِيَره من العلماء -ويزيد عددهم على ألف عالم- أكثرهم من جبل نفوسة، وذلك لنبوغه وكثرة العلماء فيه» (1).
كما كان للإباضيّة تواجد في جزيرة جربة، التي فتحها المسلمون سنة 47 ه، واعتنق أهلها دين الإسلام بعد أن كانوا نصارى، ثم اتّبعوا المذهب الإباضي، تزامنا مع انتشاره في بلاد المغرب وشهدت الحركة العلميّة في الجزيرة ازدهارا منذ الفتح فظهرت العديد من المصنّفات باللّغة الأمازيغيّة، من بينها مقدّمة التّوحيد في القرن الثاني الهجري، التي ترجمها الشّيخ أبو حفص عمرو بن جميع (2) إلى اللّغة العربيّة في القرن السّابع الهجري، وغيرها من المصنّفات (3).
وقد كان الإباضيّة يمثّلون الأغلبيّة في المنطقة الغربيّة من القطر اللّيبي، والجنوب التّونسي والتي كانت في عصر الشّماخي تابعة للدّولة الحفصيّة، ولكنّ الظّروف التّاريخيّة المتمثّلة في الاضطهادات والملاحقات العدوانيّة التي اتّخذت من الخلاف المذهبي ذريعة لها، بالإضافة إلى غارات الأعراب من بني هلال وبني سليم، الذين امتهنوا السّلب والنّهب بكلّ مظاهر البداوة والتّخريب، قلّصت من وجودهم في هذه المناطق، ودفعت بهم للّجوء إلى قمم الجبال للاحتماء بها والمحافظة على وجودهم ومذهبهم، ومن المناطق التي بقي لهم وجود فيها، جبل نفوسة، وجزيرة جربة.
وتأثّرت نفوسة وجربة في عصر أبي العبّاس بجملة من العوامل، تمثّلت في الصّراعات الدّائرة بين الحفصيّين، والغارات المتكرّرة للنّصارى، وبخاصّة على جزيرة جربة التي غالبا ما كانت تُواجه العدوان بنفسها دون تلقّي العون من السّلطات التي تتبع لها في الحكم (4).
__________
(1) محمّد علي دبّوز، تاريخ المغرب الكبير، ط 1، دار إحياء الكتب العربيّة، دن، 1383 هـ-1963 م، ص (3/ 385).
(2) هو عمرو بن حفص بن جميع، من علماء القرن الثّامن الهجري، أخذ العلم عن أبي العبّاس الدّرجيني، واشتغل بالتّدريس بجامع تيفروجين بجربة، من آثاره: ترجمة عقيدة التّوحيد من البربريّة إلى العربيّة. تنظر ترجمته: الشّماخي، كتاب السّير، ص (2/ 792)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم:686، ص (2/ 317).
(3) ينظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد فرحات الجعبيري، ط 1، مجموعة سراس للنّشر، تونس، 2006 م، 67، 68؛ علي يحي معمّر، الإباضية في تونس، 21، 207.
(4) ينظر: علي يحي معمّر، الإباضية في تونس، 236، 237، 329؛ مهنّي بن عمر التّيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 128، 129. (1/28)
صفحة 31
هذه الظّروف سبّبت ضعفا في الحركة العلميّة والفكريّة في هذه المناطق.
بالإضافة إلى هذه الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة المزرية، تعرّض الإباضيّة في جربة ونفوسة إلى الاضطهاد والضّغوط من طرف السّلطة الحفصيّة، وتمثّل ذلك في محاولة ثَنْيِهم عن مذهبهم من خلال إرسال وفود من العلماء لمناظرتهم، فقد ذكر أبو العبّاس في سيره أنّ أبا فارس -سلطان إفريقية- «أرسل إلى أهل جربة ليردّهم إلى مذهب الحشويّة، وطلب العلماء للمناظرة» (1)، وذكر أيضا أنّ عامل طرابلس قصد جبل نفوسة مع وفد من العلماء للمناظرة، واصطحب معه الجند (2).
ووصف الوزان (3) وضع أهل نفوسة في ذلك العصر فقال: «وسكّان هذه الجبال شجعان أبطال، إلّا أنّ المسلمين المتمذهبين بمذهب خلفاء القيروان يعتبرونهم زنادقة، وقد رجع سكان بلاد إفريقيّة عن هذه النّحلة الضّالة ما عدا هؤلاء الجبليّين، ولذلك يذهبون إلى ضواحي تونس وغيرها من المدن حيث يُزاولون حرفا بسيطة لكسب معاشهم، متحرزين من إظهار عقيدتهم خشية أن يتعرّضوا لعقاب المتربّصين بهم» (4).
واختصر الشمّاخيُّ وصف تلك الأوضاع التي عاصرها بقوله في آخر كتابه سير المشايخ: «ولم أجد مكانا حين الوضع لتشتّت البال وتعذّر الأحوال لأسباب كثيرة غير قليلة، من تفاقم الفتن في البلاد، وشدّة القحط، وتزلزل العباد، وعتوا أهل الفساد، وكثرة الشكوى، وقلّة السّواد» (5).
وبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فقد واجه الإباضيّة في مجتمعاتهم الثّلاثة في شمالي إفريقيا، أي في مزاب وجزيرة جربة، وجبل نفوسة، في تلك الفترة هجمات كتابيّة على مذهبهم ومعتقداتهم، وقد تصدّى علماء الجبل للرّد على هذه الهجمات، والدّفاع عن أنفسهم من خلال توضيح مواقفهم وآرائهم، وبيان ما استدلّوا به عليها، ودحض الشّبهات التي تثار حولهم.
__________
(1) الشماخي، السّير، ص (2/ 806).
(2) الشماخي، المصدر نفسه، ص (2/ 800).
(3) هو أبو علي الحسن بن محمّد الوزّان الفاسي، الجغرافي والمؤرّخ، أصله من غرناطة بالأندلس، ولد حوالي سنة 888 هـ بغرناطة، ثم هاجر مع أهله إلى فاس، له رحلات كثيرة في بلاد إفريقيا، توفّي حوالي سنة 957 هـ، من آثاره: "وصف إفريقية"، "مختصر تاريخ الإسلام". تنظر ترجمته: الزّركلي، الأعلام، ص (5/ 69).
(4) الوزّان، وصف إفريقيا، ص (2/ 105).
(5) الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 809). (1/29)
صفحة 32
وكان أبو العبّاس الشّماخي ممّن تصدّى للرّد والدّفاع، وتمثّل ذلك في الردّ الذي كتبه على رسالة صولة بن إبراهيم الغدامسي المالكي (1)، حيث يُلاحظ على هذا الردّ لهجة دفاعيّة متحمّسة، على خلاف منهجه المعتاد في التّأليف، كما ألّف أبو العبّاس كتابه سير المشايخ للتّعريف بالمذهب الإباضيِّ وأعلامه ومشايخه.
هذه الأوضاع كلّها لم تمنع من بروز علماء فطاحل في جبل نفوسة وجربة كان لهم دور فعّال وبارز في تجديد الحركة العلميّة والفكريّة، كما أنّ الاضطهاد الذي تعرّض له الإباضيّة من قبل الدّولة الحفصيّة لم يمنع من وجود فترات استقرار وتواصل، استطاع الإباضيّة خلالها العناية بمدارسهم وحلقات العلم بمساجدهم، كما أرسلوا بعثات علمية إلى تونس للاستزادة من العلم في المدارس الحفصيّة، وقد ساهم هؤلاء الطّلاب بعد عودتهم في تنشيط الحركة العلميّة في أوطانهم، وممّن استفاد من ذلك أبو العبّاس الشّماخي كما سيتمّ بيانه (2).
__________
(1) لم أعثر على ترجمته.
(2) مهنّي بن عمر التّيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 131، 132. (1/30)
صفحة 33
المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ومولده (1).
المطلب الأوّل: اسمه ونسبه وكنيته.
هو الإمام العلامة أبو العبّاس أحمد بن أبي عثمان سعيد بن عبد الواحد بن سعيد بن أبي الفضل قاسم بن سليمان بن محمّد بن عمر بن يحي بن إبراهيم بن موسى بن عامر بن يسفاو الشّماخي.
فهو من أسرة الإمام المحقّق العلامة النّحرير أبي ساكن عامر الشّماخي (ت 792 هـ) (2).
__________
(1) تنظر ترجمته في المصادر الآتية:
- الشّماخي، كتاب سير المشايخ.
- ابن تعاريت، رسالة في تاريخ جربة، مخطوط مصوّر، مكتبة جمعيّة الشيخ أبو إسحاق اطفيّش، غرداية، ص 22 و، 23 ظ.
- السالمي، اللّمعة المرضية من أشعّة الإباضيّة، مراجعة سلطان بن مبروك الشّيباني، ط 2، دم، 1426 هـ- 2005 م.
- تاديوس ليفيتسكي، دراسات شمال إفريقية، وهو كتاب جُمِعت فيه مجموعة مقالات للمستشرق البولندي تاديوس ليفيتسكي، من ضمنها مقال بعنوان:"مجموعة أخبار إباضيّة، كتاب السير لأبي العبّاس الشّماخي، مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل الشّماخ"، نُشِر هذا المقال في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة في عددها الصّادر سنة 1934 م باللّغة الفرنسية، وقد قام بترجمته: أحمد بومزقو، ونشرته مؤسّسة تاوالت الثّقافية في شبكة الإنترنت www.tawalt.com، 2005 م، 4 - 12.
- تاديوس ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيون في شمال إفريقيا، ترجمة: ماهر جرّار وريما جرّار، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م، 43 - 49.
- أبو إسحاق إبراهيم اطفيش، على كتاب مقدمة التوحيد وشروحها، 4 - 8.
- علي يحي معمّر، الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية الإباضية في ليبيا، ص (2/ 125 - 130).
- سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، 180 - 184.
- فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1408 هـ-1987 م، ص (1/ 126 - 128).
- أحمد السّيابي، مقدمة تحقيق كتاب سيَر الشماخي، دط، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ-1987 م، 3 - 6.
- مقدمة محمد حسن في تحقيق كتاب سير الشماخي، 13 - 16.
- مهني بن عمر التيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 115 - 158.
- مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 80، ص (2/ 44، 45).
(2) ينظر: أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التوحيد وشروحها، ص 4؛ أحمد السيابي، مقدّمة تحقيق كتاب السّيَر، 3؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 14؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 80، ص (2/ 44، 45). (1/31)
صفحة 34
يُكَنّى "بأبي العبّاس"، ويُلقّب "ببدر الدّين"، ويُختصر هذا اللّقب أحيانا فيُقال له البدر، واشتهر بهذه التّسمية في الكتب التي تحكي أقواله وآراءه.
أمّا نسبة الشمّاخي فاختلف فيها، هل هي نسبة تعود إلى مكان أم إلى شخص؟
فذهب الشّيخ امحمّد بن يوسف اطفيّش (1)، والمؤرّخ سالم بن يعقوب (2)، أنّ نسبة الشّماخيِّ ترجع إلى اسم جدّهم شماخ بن عامر بن هود (3) (4).
في حين يرى المستشرق البولندي تاديوس ليفيتسكي أنّ النّسبة ترجع إلى بلده الأصلي بجبل شماخ، الواقع غرب يفرن وقبيلة الرّياسنة (5).
__________
(1) هو امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيّش اليسجني الحفصي، أشهر عالم إباضي بالمغرب الإسلامي في العصور الحديثة، ولد بمدينة غرداية سنة 1237 هـ/1821 م، تلقى العلم في يد مشايخ مزاب وكان عصاميّ التّكوين، من مشايخه: أخوه إبراهيم بن يوسف، سعيد بن يوسف وينتن، عمر بن سليمان نوح، الحاج سليمان بن عيسى، بابا بن يونس. أنشأ معهدا للتّدريس ببني يسجن، وكان مقصدا للطّلاب من شتّى البلاد، ومن أشهر تلامذته: أبو إسحاق اطفيّش، إبراهيم الابريكي، إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان، وغيرهم. توفّي سنة 1332 هـ/1914 م، خلّف تراثا نفيسا بلغ الثّلاثمائة مصنّف في شتّى علوم الشريعة، منها: "تيسير التّفسير"، "شرح النّيل وشفاء العليل"، "شامل الأصل والفرع"، "شرح عقيدة التّوحيد"، "شرح شرح مختصر العدل والإنصاف" وغيرها. تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 864، ص (2/ 399).
(2) هو سالم بن يعقوب، المؤرّخ الإباضي الجربي المعاصر، ولد سنة 1321 هـ-1903 م، بدأ حياته بالتّجارة ثمّ انصرف للتّعلم، فالتحق بجامع الباسي، ثم جامع الزيتونة، وكان يتلقّى دروسا خاصّة على شيخ الإباضية بتونس العلامة محمّد بن صالح الثّميني، ثمّ انتقل إلى الأزهر، وكان يحضر حلق الشيخ أبي إسحاق إبراهيم أطفيّش، ومن تلاميذه: د فرحات الجعبيري، توفي سنة 1408 هـ-1988 م، من آثاره: "تاريخ جزيرة جربة"، تحقيق كتاب "بدء الإسلام وشرائع الدّين لابن سلّام" بالاشتراك مع المستشرق الألماني شفارتز. تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 366، ص (2/ 167).
(3) هو شمّاخ بن عامر بن هود، هو جدّ أبو ساكن عامر الشّماخي، ومنهم أولاد عبد الوهّاب بن إسماعيل الذين يُسمَّوْن بالشّماخيّين، وينتهي نسبهم إلى أبي يعقوب يوسف الذي عاش في القرن الرابع الهجري. تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 488، ص (2/ 222).
(4) ينظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، 181؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ص (2/ 167).
(5) ينظر: ليفيتسكي، كتاب السّيَر لأبي العباس الشّماخي مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل الشماخ، 7؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 14. (1/32)
صفحة 35
فقد ذكر الشّريف الإدريسيُّ (1) (ت 560 هـ) في كتابه "نزهة المشتاق في معرفة الآفاق" أنّ قصر الشّماخ منطقة تقع بين قابس وطرابلس (2).
ويعدّ هذا الموطن الأصلي والأوّل لعائلة الشمّاخيّين، فقد ذكر أبو العبّاس في سِيَره أنّ جدّه الأوّل أبو يعقوب يوسف -الذي عاش في القرن الرابع الهجري-كان حاكما على قرية تاغرمين شرق جبل نفوسة.
ولكن على إثر الاضطرابات والقلاقل التي تعرّضت لها هذه القرية، انتقل الفرع الثّاني من عائلة الشّماخيّين إلى يفرن وذلك بداية من القرن الثّامن للهجرة، حيث استقرّ فيها أبو ساكن عامر بن علي بن يسفاو الشّماخي، وأسّس فيها مدرسته الشّهيرة قرب المسجد الجامع بيفرن، وكان له تلامذة كثيرون (3).
المطلب الثاني: مولده.
ولد أبو العبّاس الشّماخي ببلدة القصير، إحدى قرى يفرن بجبل نفوسة (4)، ولم تَنقُل إلينا المصادر التي ترجمت له تاريخ ولادته بالضّبط، وكل ما نُقل في ذلك إنّما هو من باب التّقريب فقط.
__________
(1) محمد بن محمد بن عبد الله بن إدريس الادريسي الحسني الطالبي، يكنّى بأبي عبد الله، ويشتهر بلقب "الشريف الإدريسي"، وهو مؤرخ، وجغرافي، من أدارسة المغرب الأقصى، ولد سنة 493 هـ، في سبتة ونشأ وتعلّم بقرطبة، وكانت له رحلات كثيرة، توفي سنة 560 هـ، من آثاره: كتاب نزهة المشتاق في معرفة الآفاق. تنظر ترجمته: صلاح الدين الصّفدي، الوافي بالوفيات، تح: أحمد الأرناؤؤط – تركي مصطفى، ط 1، دار التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1420 هـ-2000 م، ص (1/ 138)؛ الزركلي، الأعلام، ص (7/ 24).
(2) ينظر: الشّريف الإدريسي، كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، دط، مكتبة الثّقافة الدينيّة، بورسعيد، مصر، دت، ص (1/ 307)؛ ليفيتسكي، كتاب السّيَر لأبي العباس الشّماخي، ص 8.
(3) ينظر: ليفيتسكي، المرجع نفسه، 7؛ ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيّون في شمال إفريقيا، ص 44؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، ص 14.
(4) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، ص 181. (1/33)
صفحة 36
حيث يرى المؤرّخ سالم بن يعقوب أنّ ولادته كانت سنة 845 هـ تقريبا (1)، وحاول الباحث مهنّي بن عمر التّيواجني وضع تاريخ تقريبيٍّ لولادة أبي العباس، وحدّده بسنة 860 هـ، وبنى افتراضه هذا على أمرين:
- أنّ كلّ ما نقله أبو العبّاس عن والده أبي عثمان سعيد (ت 865 هـ) كان عبارة عن نُقول وسماعات عن معاصريه، وهي تدلّ على أنّه عرف اليُتم في سِنيِّ حياته الأولى، ولم يُدرك والده إلّا لفترة قصيرة.
- تلقّي أبي العبّاس العلم على يد شيخه أبي عفيف صالح بن نوح التّندميرتي (ت 874 هـ)، ويكون الشّماخي خلال هذه الفترة في سنّ تلقّي العلم (14 سنة) (2).
ولكن يبقى هذا مجرّد افتراض، وليس ثمّة سنة محدّدة لولادته، والذي نعرفه أنّ والده توفّي سنة 865 هـ، وأبو العبّاس إذ ذاك في ريعان الشّباب، وعليه فتكون ولادته خلال أواسط القرن التّاسع الهجري.
__________
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، ص 181.
(2) التيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 134، 135. (1/34)
صفحة 37
المبحث الثالث: نشأته وحياته العلميّة وشيوخه.
المطلب الأوّل: نشأته.
تقدّم أنّ أبا العبّاس ينتسب إلى أسرة الشّماخيّين التي كانت ذائعة الصّيت في جبل نفوسة، وقد أنجبت علماء كثيرين كان لهم دور بارز في الحركة العلميّة فيها.
ومن هؤلاء العلماء أبو ساكن عامر الشّماخي، الذي عاش بيفرن، وأسّس فيها مدرسته الشّهيرة، وكان له تلامذة كثيرون، وقد وصفه أبو العبّاس بأنّه كان واسطة بين من قبله ومن بعده، وكان مع الشيخ أبي طاهر الجيطالي كفرسي رهان يتسابقان في ميدان الحق، ومن أهمّ آثاره كتاب الإيضاح في الفروع الفقهيّة (1).
وكان للشيخ أبي ساكن ولدان هما: أبو عمران موسى (ت 807 هـ)، وعبد الواحد، ولعبد الواحد ولدان هما: أبو محمّد عبد الله، وأبو عثمان بن سعيد (ت 865 هـ)، وهو والد أبي العبّاس، وكلّ هؤلاء كانوا من العلماء.
فأبو عثمان والد أبي العبّاس تلقّى تعليمه في تونس، ودرس فيها المنطق والبيان والأصول، والتفسير والفقه، كما كانت له معرفة بالطّب (2).
وذكر الشّيخ سليمان الباروني (3) أنّ الشمّاخيين كانوا يزاحمون البارونيّين في الفضل والعلم في نفوسة، وذلك في معرض حديثه عن فضل الأسرة البارونيّة فقال: «ولا يُزاحمه في ذلك أيّ بيت من بيوت المجد، اللهمّ إلّا آل منصور في الأوّل وفي أوقات متقطّعة بعد ذلك، أو آل الشّماخي الذين منهم الإمام الشيخ عامر صاحب التّصانيف العديدة، والشّيخ أبو محمّد عبد الله بن عبد الواحد
__________
(1) الشماخي، السّير، ص (2/ 785).
(2) ينظر: الشماخي، المصدر نفسه، ص (2/ 805)؛ التيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 136؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، ص 14.
(3) هو أبو الرّبيع سليمان الباروني النفوسي الليبي، ولد في كباو بجبل نفوسة سنة 1310 هـ، درس بجامعي الزيتونة، ثمّ الأزهر، تولى القضاء في طرابلس الغرب لمدّة أربعين سنة، وكانت زيارات لمزاب، توفي سنة 1382 هـ، ومن آثاره: كتاب: مختصر تاريخ الإباضيّة"، توفي سنة 1382 هـ. تنظر مصادر ترجمته في: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 421، ص (2/ 191). (1/35)
صفحة 38
والشّيخ أحمد صاحب السِّير وغيرها من المؤلّفات، فإنّهم جاذبوا أجدادنا الطّرف من الوجهة الدينيّة ابتداء من القرن الثّامن إلى منتصف القرن الثّاني عشر» (1).
إلى جانب هذا الدور العلمي لآل الشّماخي، فقد كان لهم دور اجتماعي بارز يتمثّل في حلّ النّزاعات وإصلاح ذات بين المتخاصمين من قرى نفوسة، كما كانت تُسنَد إليهم مهمّة حماية القوافل التّجارية، وقد اكتسبوا من ذلك مهابة بين النّاس وكانوا لا يخافون في الله لومة لائم (2).
نشأ أبو العبّاس وتربّى في كنف هذه الأسرة، ولا شك أنّ أيّ فرد يعيش في أسرة هذا شأنها سيتأثّر بمن حوله، فقد أسهم هذا في بناء شخصيّته العلميّة.
المطلب الثّاني: حياته العلميّة وشيوخه.
بالرغم من أنّ والد أبي العبّاس توفّي وتركه في سنّ مبكّرة، إلّا أنّ هذا لم يمنعه من طلب العلم، ويبدو أنّه وجد من كفاية العيش ومساندة أهله ما أعانه وساعده على التّفرّغ لطلب العلم منذ الصّغر؛ فقد تلقى تعليمه الأوّل في يفرن، ثم كانت له رحلات علميّة بين قرى نفوسة، ثمّ ارتحل إلى تونس وجربة للاستزادة من العلم.
ولقد هيّأ الله له التّتلمذ على شيوخ أجلاء اشتهروا بعلمهم وفضلهم، فنهل من علومهم، واقتبس من معارفهم.
ولم تُتح له فرصة تلقّي العلم على يد والده وعمّه لوفاتهما في صغره، ولكنّه تتلمذ على يد علماء آخرين في بلدته يفرن تلقّوا العلم عنهما، كما أخذ العلم من علماء آخرين خارج نفوسة.
فمن الشّيوخ الذين تلقّى عنهم:
1 - الشّيخ أبو عفيف صالح بن نوح التّندميرتي (ت 874 هـ): الذي يعدّ من تلاميذ الشّيخ أبي محمّد عبد الله بن عبد الواحد الشمّاخي (عمُّ أبي العبّاس) (3).
__________
(1) سليمان الباروني، مختصر تاريخ الإباضيّة، دط، دن، دم، دت، ص 56.
(2) ينظر: الشماخي، السّير، ص (2/ 802 - 804)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 135، 136.
(3) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 801)؛ ابن تعاريت، رسالة في تاريخ جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التوحيد وشروحها، ص 7؛ الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص (1/ 27)؛ ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، ص 46؛ التيواجني، المرجع نفسه، ص 136؛ أحمد السيابي، مقدّمة تحقيق كتاب السّيَر، 3؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 14. (1/36)
صفحة 39
وقد ترجم له أبو العبّاس في سيره وبالغ في الثّناء عليه، وبيّن أنّه من أهل العلم والورع، فقال في شأنه: «وكان ابن أخيه أبو عفيف صالح بن نوح بن زكريا، أخذ العلم من أبي محمد عبد الله بن عبد الواحد الشّماخي فساد، وكان أدبه بعد أن تعلّم يُقرئ العلم، واجتمع عليه طلاب كثيرة، ومنه أخذت بعض العلوم، ثم توفّي عام أربعة وسبعين، وكان ورعا حافظا على الدين والسّير» (1) (2).
وكانت للشّيخ أبي عفيف صالح حلقة علم متنقّلة، حيث كان يتنقّل بطلبته لزيارة مشاهد من جبل نفوسة، وهذا في محاولة منه لربطهم بجذورهم التاريخيّة، وتذكيرهم بأسلافهم الذين بذلوا تضحيّات في سبيل حمل الدّين ونشر رسالته (3).
وهذا ما ترك أثرا في نفس أبي العبّاس، حيث كان له ولع بمشاهد نفوسة وأعلامها وهو ما كتب عنه كثيرا في سيره (4). وقد لازم أبو العبّاس شيخه أبا عفيف حتى وفاته سنة 874 هـ.
2 - الشّيخ أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى (ت 894 هـ): وهو من تلامذة الشّيخ أبي محمّد عبد الله بن عبد الواحد، كما أنّه درس في تونس مثل والد أبي العبّاس.
ذكره في سيره ونوّه به أيّما تنويه، وذكر أنّه كان متبحّرا في علوم عديدة كالنّحو، والصّرف، والتّفسير، والفروع الفقهيّة، كما كان له إلمام بالطّب، ووضع له ترجمة وافية منها قوله: «كان محقِّقًا وحيد العصر، فريد الدهر إمامًا في العلوم، وكنت سمعت بتونس حضرة إفريقيَّة من البيدموري - وكان محقِّقًا في العلوم - ... فقال: ما في تونس أنحا منه (أي أعلم بالنّحو) ... وسمعت من فقهاء تونس أخبارًا في علوِّ درجته في العلم، وكانت طلَبته بها ومن أخذ منه يفتخر على غيره»، وذكر أبو العبّاس أنّه كان يجالسه مرارا، ويُباحثه في بعض المسائل (5).
__________
(1) الشماخي، السّير، ص (2/ 796).
(2) تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 517، ص (2/ 234).
(3) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 803)؛ ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، ص 46؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 137.
(4) ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، ص 46.
(5) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 795 - 797)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، ص 137، 138؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم:1031، ص (2/ 472). (1/37)
صفحة 40
3 - الشّيخ أبو زكريّاء يحي بن عامر بن إبراهيم (ت 894 هـ): ترجم له في سيره، وأشار إلى أنّه ممّن تلقى العلم عن والده سعيد بن عبد الواحد، رفقة الشيخ أبي عفيف صالح، ولكنّه لم يذكر أنّه لازمه وأخذ عنه العلم (1).
بعد وفاة الشّيخ أبي عفيف صالح، أتاحت الظّروف لأبي العبّاس الانتقال بين أقاليم جبل نفوسة وتونس للاستزادة من العلم، حيث تحوّل إلى تطّاوين وتلالت بجبل دمّر الواقع في أقصى الجنوب التونسي.
ويرجّح الجعبيري أن يكون أبو العبّاس قد حطّ رحله ردحا من الزّمن في جزيرة جربة بتونس، التي أضحت مركزا مهمّا لأتباع المذهب الإباضي (2).
4 - الشّيخ محمّد بن أحمد بن إبراهيم البيدموري (ت 894 هـ) (3): انتقل أبو العبّاس إلى تونس حاضرة الحفصيّين، واستقرّ بها مدّة طويلة، لازم خلالها دروس جامع الزّيتونة، وتلقّى العلم فيه عن الشّيخ محمّد بن أحمد البيدموري وذلك في نهاية القرن التّاسع الهجري (891 أو 892 هـ) على حسب ما ذكر ليفيتسكي (4)، وقد كان طلب العلم في تونس في ذلك العهد أمنية المتفوّقين من طلّاب آفاق المملكة (5).
قال أبو العبّاس في سيره: «وكنت سمعت في تونس -حضرة إفريقيّة- عن البيدموري، وكان محقّقا في العلوم كلّها على ما يدعى، وكنت أقرأ عليه» (6).
__________
(1) تنظر ترجمته: الشماخي، السير، ص (2/ 805)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ترجمة رقم: 1005، ص (2/ 461).
(2) الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 179).
(3) هو أبو عبد الله شمس الدّين محمد بن أحمد بن إبراهيم البيدموري التّونسي المالكي، يقال له "التّريكي"؛ لأنّه تركيَّ الأصل، هاجر والده من دمشق واستقرّ في تونس، ولد حوالي سنة 800 هـ بتونس، وقد كان متبحّرا في علوم شتّى: القراءات، التّفسير، اللّغة، أصول الفقه، الفروع الفقهيّة، المنطق، وغيرها، توفّي سنة 894 هـ، ومن آثاره: شرح على جمل الخونجي في سفرين سمّاه "كمال الأمل في شرح الجمل". تنظر ترجمته: شمس الدّين السّخاوي، الضّوء اللّامع لأهل القرن التّاسع، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، دت، ص (6/ 286).
(4) ينظر: ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، 46؛ ليفيتسكي، كتاب السّيَر لأبي العباس الشّماخي، 18.
(5) التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 140.
(6) الشماخي، السير، ص (2/ 794). (1/38)
صفحة 41
وخلال إقامته بتونس سمحت له الفرصة بالالتقاء بأمير إفريقيّة أبي عمرو عثمان (839 - 893 هـ/1435 - 1488 م)، وتحاور معه حول بعض المسائل الفقهيّة.
كما التقى خلالها بعالم إباضي عماني، وهو الفقيه محمّد بن عبد الله السّمائلي، ونقل عنه عدة أخبار تتعلّق بإباضيّة عمان والمشرق (1).
وعند عودة أبي العبّاس إلى موطنه الأصلي بجبل نفوسة اشتغل بالتّدريس بمدرسة جامع يفرن الكبير، ولم يُعقه اشتغاله بالتّعليم واستغراق أوقاته فيه عن التّأليف، فقد ألّف عددا من الكتب المتعلّقة بتاريخ الإباضيّة، وعقيدتهم، وفقههم، ولم تُسعِفنا المصادر بتفاصيل أكثر عن حياته (2).
وبالجملة فإنّ أبا العبّاس أخذ بحظّ وافر من العلم من علماء الإباضيّة ومن غيرهم، وسمحت له فترة دراسته في تونس بالاطّلاع على المذاهب الأخرى وكتبهم؛ فقد كانت تونس عامرة بالمكتبات الزاخرة بالكتب، وبخاصّة المذهب المالكي الذي كان المعتمد عند الحفصيّين.
وهذا الاطّلاع كوّن منه شخصيّة علميّة قويّة، فقد كان ذو ثقافة موسوعيّة وتفتّح، يتّسم في أعماله بالنّزاهة العلميّة والمرونة، ولم يكن له تعصّب لمذهبه، وهذه سمة بارزة تُلحظ في سائر مؤلّفاته (3)؛ فلم يكن يقتصر على المصادر الإباضيّة، بل كان يأخذ من كتب غيرهم، حيث اعتمد في كتابه السّير -إلى جانب المصادر الإباضيّة- على مصادر غيرهم، وفي كتابه مختصر العدل والإنصاف وشرحه، أودع فيه كثيرا من آراء غير الإباضيّة، وأحيانا كان يرجّح بعضها -إن رأى فيها الحق- ويخالف رأي مذهبه.
قال أبو إسحاق اطفيّش (4) منوّها بالمكانة العلميّة التي احتلّها الشّماخي: «وأبو العبّاس من أعلام العلم الذين نبه لهم شأن عظيم لجدهم واجتهادهم، وبلغوا منزلة قصوى في العلم، كانوا بها منارا
__________
(1) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 794، 795)؛ ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، 46؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 137؛ الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127).
(2) ينظر: سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة، 182، 183؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 14.
(3) ينظر: ليفيتسكي، دراسات شمال إفريقية، كتاب السّيَر لأبي العبّاس الشّماخي، 12؛ التّيواجني، المرجع السابق، 147؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(4) هو إبراهيم بن امحمّد بن إبراهيم بن يوسف اطفيّش، ولد سنة 1305 هـ ببني يسجن بمزاب، وتلقى العلم على يد عمّه القطب، كما تتلمذ بالعاصمة على يد عبد القادر المجاوي، رحل إلى تونس للاستزادة، وتلقى العلم عن محمّد بن يوسف الحنفين والطاهر بن عاشور، نفاه الاستعمار الفرنسي فاختار القاهرة، وتوفّي بها سنة 1385 هـ، ومن آثاره: مجلّة "المنهاج"، كتاب "الدّعاية إلى سبيل المؤمنين"، كتاب "موجز تاريخ الإباضيّة". تنظر مصادر ترجمته في: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 37، ص (2/ 24). (1/39)
صفحة 42
يُهتدَي به، وعلما يُعتصَم به، ويُلجَأ إليه، إذا ألّف وصنّف كان آية، وإذا رُدّت إليه مشكلة كان في حلّها غاية، وإذا حضر مجلسا من مجالس العلم كان فيه النّهاية، له من التّصانيف عدّة علوم كلّها تعدّ من الأمّهات» (1).
وذكر التّيواجني سمات فكر أبي العبّاس من خلال مؤلفاته، ووصفه بأنّه كان: «رجلا متفتّحا لا منفتحا، أصيلا في غير انغلاق، متواضعا للحقيقة العلميّة من غير ضعف» (2).
__________
(1) أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 5.
(2) التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 147. (1/40)
صفحة 43
المبحث الرّابع: معاصروه وتلاميذه.
المطلب الأوّل: معاصروه وأقرانه.
من المؤكّد أنّ لأبي العبّاس معاصرون وأقران كثيرون، ممّن تلقّى العلم معه في نفوسة أو في تونس، ولكنّ المصادر التّاريخية لم تزوّدنا بمعلومات عنهم.
كما أنّ أبا العبّاس لم يتحدّث عن هؤلاء في سيره، اللّهم إلّا ما ذكره عرضا وذلك في سياق الحديث عن مشايخهم، ومن هؤلاء:
1 - أبو زكريّا يحي بن عبد الله بن أبي القاسم البرّادي: الذي كان معاصرا له ولكنّه لم يلتق به، وقد أشار إليه عند حديثه عن أبيه وجدّه، وذكر عنه أنّه كان: «في الطّبقة العليا في العلوم، وكان شيخا محقّقا، ورأيت له جوابه لبعض السائلين مستشكلا أبياتا في الدّعائم، يدلّ على درجته في العلم» (1).
2 - أبو يحي زكريّا بن أفلح الصّدغياني الجربي (ت 903 هـ) (2): ذكره في سياق الحديث عن تلاميذ عبد الله بن أبي القاسم البرّادي، وقال في حقّه: «كان شيخا حليما فاضلا مُطاعا في النّاس، وله قدرة على الشّعر، نظم جمل الإعراب شعرا» (3).
3 - أبو الرّبيع سليمان بن أبي زكريا الفرسطائي (ت 916 هـ) (4): ذكره أبو العبّاس عند حديثه عن والده أبي عثمان سعيد، فأبو الرّبيع ممّن أدركه، وقد نقل عنه أبو العبّاس أخباره، ووصفه بأنّ من خيار من أدرك (5).
4 - الشّيخ يونس بن محمّد: ذكَره في معرض حديثه عن زيارته للشّيخ أبي يعقوب بن أحمد بن موسى (ت 894 هـ) (6) في مرضه، وكان بصحبته الحاج محمد بن عبد السّمائلي العماني ويونس بن محمّد (7).
5 - الشّيخ محمد بن عبد السّمائلي العماني (8): ورد ذكره في السّير، وكانت لأبي العبّاس معه صحبة، ونقل عنه عدة أخبار تتعلّق بإباضيّة عمان والمشرق (9).
6 - الشّيخ أبو النّجاة يونس بن سعيد الشّهير بابن تعاريت الخيري الجربي (10): لم يذكره أبو العبّاس في سِيَره، ولكن ابن تعاريت (ت 1355 هـ) (11) ذكر في رسالته عن تاريخ جربة أنّ الشيخ أبا النّجاة ممّن تتلمذ على الشّيخ أبي عفيف صالح بن نوح التّندميرتي، رفقة أبي العبّاس (12).
المطلب الثّاني: تلاميذه.
إنّ الدّرجة العلميّة التي بوّأها الله أبا العبّاس، واشتغاله بالتّدريس وكذا تآليفه التي خلّفها تُنبِئ أنّه كان له تلامذة كثيرون أخذوا عنه، ولكنّ المصادر لم تسعفنا إلّا بذكر اثنين من هؤلاء فقط، وهما: ابنه أبو يعقوب يوسف بن أحمد، وأبو يحي زكريا بن إبراهيم الهواري
ذكر ذلك ابن تعاريت (13) في تراجمه لعلماء جربة، حيث أشار إلى أنّ أبا يعقوب يوسف بن أحمد كان من علمائها، وله أجوبة شافية كافية تُنبِئ عن سعة علمه، ومن تلامذته أيضا أبو
__________
(1) ينظر: الشماخي، السّير، ص (2/ 808)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 142.
(2) تنظر ترجمته: الشّماخي، المصدر السابق، ص (2/ 808)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 343، ص (2/ 157).
(3) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 808)؛ التّيواجني، المرجع السابق، 142.
(4) تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 426، ص (2/ 192).
(5) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، ص (2/ 809)؛ التّيواجني، المرجع السابق، 142.
(6) تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 1031، ص (2/ 472).
(7) الشماخي، السّير، ص (2/ 796).
(8) لم أعثر على ترجمته.
(9) ينظر: الشماخي، المصدر نفسه، ص (2/ 796،797)؛ ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، 46.
(10) تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 1082، ص (2/ 496).
(11) تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 398، ص (2/ 179).
(12) ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 24 و.
(13) هو سعيد بن علي بن عمر بن سعيد بن يحي الصّدغياني الجربي، من مشايخ جربة البارزين، تلقى العلم على يد أبي عثمان سعيد بن عيسى الباروني، وعيسى بن أبي القاسم الباروني، ومن تلاميذه: سعيد بن عبد الله الباروني، توفي بالإسكندريّة سنة 1289 هـ، من آثاره: رسالة في تراجم علماء جزيرة جربة. تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 400، ص (2/ 181). (1/41)
صفحة 44
يحي زكريا بن إبراهيم الهواري (1).
كما ذكر محمّد بن موسى بن زكريّا الباروني (ت 897 هـ) (2)، في رسالته "نسبة دين المسلمين"، سلسلة من المشايخ الذين أُخِذ عنهم العلم في نفوسة، ومن هؤلاء أبو يحي زكريا بن إبراهيم الهواري، وأشار إلى أنّه ممّن أخذ العلم عن أبي العبّاس الشّماخي (3).
__________
(1) ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 23 ظ.
(2) هو أبو عبد الله محمّد بن زكريا بن عبد الرحمن بن موسى الباروني القلعاوي الجربي، عالم ومؤرّخ من علماء جبل نفوسة بليبيا، ومن مشايخه: أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي، توفي سنة: 997 هـ، ومن تآليفه: رسالة في سلسلة نسبة دين المسلمين، رسالة حول تاريخ حملة النّصارى الإسبان على جربة، وغيرها. تنظر ترجمته: أبو اليقظان إبراهيم، ملحق لسير الشّماخي، مخطوط مصوّر، مكتبة الشيخ عمي سعيد، غرداية، رقم: خ. ص: 06 - 07، ص و 14؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 816، ص (2/ 376).
(3) محمّد الباروني، رسالة في نسبة دين المسلمين، في آخر كتاب السّير، تح: أحمد سعود السيابي، دط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ-1987 م، ص (2/ 214). (1/42)
صفحة 45
المبحث الخامس: وفاته، وآثاره العلميّة.
المطلب الأوّل: وفاته.
اتّفقت المصادر التي تناولت ترجمة أبي العبّاس على أنّ وفاته كانت سنة (928 هـ/ 1522 م) وهذا بناء على ما ذكر محمّد بن زكريّاء الباروني في آخر كتاب السّير (1).
ولكن وقع الاختلاف حول مكان دفنه، فابن تعاريت يرى أنّ وفاته في جربة، وأنّه مدفون بمسجد تيواجين المشهور بمسجد أبي القاسم، وقبره مشهور هناك (2)، وبهذا قال المؤرّخ سالم بن يعقوب (3)، وإلى هذا الرّأي مال الجعبيري (4).
في حين ذهب أبو إسحاق اطفيّش إلى أنّ وفاته كانت بيفرن، وأنّه مدفون فيها (5)، وتابعه في ذلك علي يحي معمّر (6) (7).
وبهذا قال ليفيتسكي، حيث حدّد مكان دفنه فقال: «قبر أبي العبّاس كائن بالقرب من قصبة ابن ماضي إلى الشرق قليلا من آت الحارة في يفرن، أي بالقرب من المكان الذي كانت تقيم فيه عائلة أبي العبّاس في أواسط القرن الثّامن الهجري» (8).
__________
(1) الباروني، آخر كتاب السّير، ص (2/ 810).
(2) ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و.
(3) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، 184.
(4) الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127).
(5) أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 5.
(6) هو علي يحي معمّر، ولد سنة 1337 هـ/1919 م بنالوت في جبل نفوسة بليبيا، تلقى تعليمه الأوّل فيها، ثمّ يمّم وجهه نحو تونس للاستزادة من العلم، فدرس في جامع الزيتونة، ومنها انتقل إلى معهد الحياة بالقرارة، وكان من مشايخه الشيخ بيوض إبراهيم بن عمر، والشيخ شريفي سعيد، توفي سنة 1400 هـ/1980 م، وترك تراثا متنوعا، ومن تآليفه: "الإباضيّة بين الفرق الإسلاميّة"، "الإباضيّة في موكب التّاريخ"، "سمر أسرة مسلمة" وغيرها من المصنّفات. تنظر مصادر ترجمته: معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 640، ص (2/ 296).
(7) علي يحي معمّر، الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الثانية الإباضية في ليبيا، ص (2/ 127).
(8) ليفيتسكي، المؤرّخون الإباضيّون، 47. (1/44)
صفحة 46
والقائلون بأنّه مدفون بيفرن ربّما وقعوا في الخلط بينه وبينه جدّه أبي ساكن الشّماخي، المدفون فيها.
وقد سوّغ مهنّي التّيواجني كِلَا الاحتمالين؛ لأنّ الرّأي الأوّل مبنيّ على أنّ أبا العبّاس هاجر مع عائلته على جزيرة جربة، ويدلّ على هذا ما ذكره ابن تعاريت، وهذا لا يمنع احتمال الرّأي الثّاني، وهو وفاته بمسقط رأسه بيفرن؛ ذلك أنّ من عادة أهل نفوسة الهجرة إذا اضطرّتهم أسباب لذلك، ثمّ العودة عند زوالها (1).
المطلب الثّاني: آثاره العلميّة.
لقد عاش أبو العبّاس وتربّى في سنوات الطّلب والتّحصيل في كنف أعلام أفذاذ، فتأثّر بهم وانتفع، حتّى وصل إلى مرتبة عليا من العلم، وقد خلّف مؤلّفات نفيسة بقيت ميراثا نهل منه من بعده.
ولم تكن هذه المؤلّفات محصورة في فنّ واحد معيّن؛ بل تنوّعت على مختلف أنواع العلوم؛ فقد ألّف في العقيدة والفقه وأصوله، واللّغة، وعلم الكلام والمنطق، والتّاريخ والسّير، ممّا يدلّ على تنوّع ثقافته واتّساع علمه واطّلاعه.
قال ابن تعاريت في وصف تآليفه: «كان إماما قدوة في جميع العلوم، وله اليد العليا في التّأليف، ألّف كتبا كثيرة جدّد بها ما اندرس، وأحيا بها انطمس، وعمّ النّفع بها في جميع البلاد جزاه الله عن الإسلام خيرا» (2).
ويرى أبو إسحاق اطفيّش أنّ أبا العبّاس من المؤلّفين المكثرين، وأنّ له «مصنّفات في الفروع الفقهية، بيد أنّها لم تصل إلينا بل لعبت بها أيدي التلاشي، وعبثت بها عوادي الغواشي، فكانت أثرا بعيد عين» (3).
__________
(1) التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 158، 159.
(2) ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و.
(3) أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 7. (1/45)
صفحة 47
ولكن لا شيء يُثبت هذا الاحتمال؛ لأنّه يُلحظ أنّ أبا العبّاس لم ينتهج في التّأليف في الفروع الفقهيّة مسلك المطوّلات، وإنّما كانت معظم مؤلّفاته عبارة عن أجوبة على أسئلة كانت ترده من هنا وهناك.
والاختصار في التّأليف سمة ملحوظة في سائر مؤلّفاته، باستثناء كتاب "سير المشايخ"، وكتاب "شرح مرج البحرين"، وكتاب "شرح مختصر العدل والإنصاف"، وكتاب "إعراب مشكل الدّعائم".
وفيما سيأتي عرض لمؤلّفاته حسب الاختصاص:
1 - العقيدة وعلم الكلام:
- شرح عقيدة التوحيد:
عقيدة التّوحيد ترجمها الشّيخ أبو حفص عمرو بن جميع الجربي من البربريّة إلى العربيّة، ثمّ شرحها أبو العبّاس الشّماخي، وشرع في ذلك سنة 894 هـ/1488 م، وانتهى منها في أوائل شعبان سنة 904 هـ/ 1498 م، وافتتحها بقوله: «فإنّ المقدّمة المنسوبة إلى الشّيخ التّقي القدوة الزكي، أبي حفص عمرو بن جميع الهادية إلى توحيد خالق البريّة ... فاستخرت الله في شرح ما بدا لي من مشكله، مع اعترافي بضعف بضاعتي في فنّه ... » (1) (2).
وقد طُبع شرح الشّماخيّ على عقيدة التّوحيد، مع شرح الشّيخ أبي سليمان داود بن إبراهيم التلاتي (ت 967 هـ) (3) في كتاب واحد بعنوان "مقدّمة التّوحيد وشروحها"، بتصحيح وتعليق الشّيخ أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش، وصدر بالقاهرة سنة 1353 هـ.
- شرح على متن الدّيانات:
__________
(1) الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، 11، 118.
(2) ينظر: ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 6. ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيّون، 49؛ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 131)؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 15؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(3) هو أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي الجربي، أحد أعلام الإباضيّة في جربة بتونس في القرن العاشر الهجري، أخذ العلم عن أبي زكريّاء بن عيسى الباروني وأبي القاسم بن يونس السدويكشي وأبي يوسف يعقوب بن صالح التندميرتي، توفي سنة 967 هـ، من آثاره: "شرح عقيدة التّوحيد"، "شرح متن الآجروميّة". تنظر ترجمته: أبو اليقظان إبراهيم، ملحق لسير الشماخي، مخ، ص 25 و؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 306، ص (2/ 140). (1/46)
صفحة 48
رسالة متن الدّيانات في التّوحيد للإمام أبي ساكن عامر الشّماخي (ت 792 هـ)، قام أبو العبّاس بوضع شرح عليها، قال أبو إسحاق اطفيّش: «وأظنّ أنّي رأيت له شرحا على متن الدّيانات نفيسا جدّا، واجتهدت في الحصول عليه وقت كتابة هذا فلم أجده» (1) (2).
- رسالة الردّ على صولة الغدامسي: وهو ردّ على رسالة صولة بن إبراهيم الغدامسي التي فيها تهجّم على الإباضيّة، ويُلاحظ على الردّ لهجة دفاعيّة متحمّسة؛ لأنّ الإباضيّة في شمال إفريقيا في تلك الفترة كانوا يواجهون هجمات كتابيّة على مذهبهم ومعتقداتهم، وهذا ما يفسّر استعمال أبي العبّاس لتلك اللّهجة في ردّه، خلافا لمنهجه المعتاد في التّأليف.
وقد سعى إلى دحض جميع حجج الغدامسي معتمدا في ذلك على القرآن الكريم والسّنة الشّريفة والإجماع وانطلاقا من مصنّفات الماترديّة والأشاعرة لتبيين الاختلافات داخل المذاهب الأربعة (3).
وتوجد نسخة من المخطوط في المكتبة البارونية بجربة (4)، كما توجد نسخ منه في بعض مكاتب وادي مزاب الخاصّة (5).
وقد قام الباحث "العربي بن علي بن ثاير" من جامعة أبو ظبي، بتحقيق رسالة صولة الغدامسي، وردّ الشّماخي عليها، في كتاب أسماه بـ:"الحوار الإباضي المالكي، تأليف العالمين الجليلين صولة الغدامسي وأحمد بن سعيد الشّماخي"، وطُبع الكتاب من طرف وزارة التّراث والثّقافة بسلطنة عمان
__________
(1) أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 6.
(2) قام الأب الفرنسي بيار كوبرلي بتحقيق شرح الشّماخي على متن الدّيانات ملحقا بأطروحته للدكتوراه، المجلَّد الثالث. ينظر: أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، 6؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 16؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(3) ينظر: فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 163، 164)؛ عمرو خليفة النّامي، دراسات عن الإباضيّة، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2001 م، 234 - 236.
(4) ينظر: فرحات الجعبيري، المرجع السابق، ص (1/ 164)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 149؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(5) توجد نسخ من المخطوط في بعض مكاتب وادي مزاب منها: نسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرقم في فهرس المكتبة: 797، الرقم في الخزانة: 160؛ ونسخة بمكتبة آل فضل ببني يسجن، رقمها في فهرس المكتبة: 30، ورقمها في الخزانة: 50. (1/47)
صفحة 49
سنة 1427 هـ-2006 م.
- رسالة في الاسم والمسمّى: وهي رسالة في مسألة كلامية مختلف فيها منذ القديم. مخطوط.
- رسالة تفسير أسماء الله تعالى: مخطوط.
2 - أصول الفقه:
- مختصر العدل والإنصاف:
قام أبو العبّاس باختصار كتاب "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف" لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ) (1)، في محاولة لتنقيحه من مسائله الكلاميّة، وأضاف إليه مسائل كثيرة من كتب أصوليّة أخرى (2)، حيث قال في مقدّمته: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام؛ لكثرة الكلام، استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره» (3).
قال أبو إسحاق اطفيّش -واصفا كتاب المختصر-: « ... اختصر المقدّمة من كتاب العدل والإنصاف لشمس الدّين أبي يعقوب الوارجلاني، فكانت أجمل وأنقى متن في أصول الفقه،
__________
(1) هو يوسف بن إبراهيم بن منّاد السّدراتي الوارجلاني، ولد بسدراتة سنة 500 هـ، ومن مشايخه: أبو سليمان أيّوب بن إسماعيل، وأبو زكريّا يحي بن أبي زكريّا، ارتحل إلى الأندلس للاستزادة من العلم، وكانت له رحلات في بلاد إفريقيا، توفّي سنة 570 هـ، وترك آثارا علميّة عديدة منها: كتاب "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف"، "الدّليل والبرهان"، "مرج البحرين"، "ترتيب مسند الربيع بن حبيب". تنظر ترجمته: أبو العبّاس الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ط 2، دن، دم، دت، ص (2/ 312 - 316)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (2/ 641)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم:1049، ص (2/ 281).
(2) ينظر: ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 5. ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيّون، 49؛ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 155؛ مصطفى باجو، الوارجلاني أصوليّا، 199، 200؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 16؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(3) الشماخي، شرح مختصر العدل، 193، 194. (1/48)
صفحة 50
وأمتن عدّة، وأجدى مادّة لمن يريد حفظ قواعد الأصول، وإنّي لأراها أحسن متونها شمولا وإيجازا» (1).
وقد فرغ من تأليفه سنة 892 ه، والكتاب مطبوع من طرف مكتبة الاستقامة بسلطنة عمان، تحت إشراف يحيى الرّاشدي ومحمد العتبي، مع مقدِّمة في ترجمة المؤلِّف للشّيخ علي يحيى معمَّر، دون تحقيق (2).
وحقّقه مؤخّرا الباحث نجار يوسف في بحث تخرّجه من معهد الحياة بالقرارة سنة 2011 م.
كما أنّ الكتاب بصدد تحقيق ثانٍ مع الدّراسة؛ من طرف بعض طالبات كلّية الإصلاح بغرداية تحت إشراف: الأستاذ زهير بابا واسماعيل
- شرح مختصر العدل والإنصاف:
وضع أبو العبّاس شرحا على مختصره؛ لأنّه كان شديد الإيجاز والاختصار حتى أخلّت عباراته القليلة باستيعاب معاني أصول الفقه الكثيرة (3).
وقد انتهى من تأليفه سنة 894 ه، كما صرّح بذلك في نهاية الكتاب، أي بعد سنتين من تأليفه لكتاب المختصر.
وقام الباحث مهنّي بن عمر التّيواجني بدراسته وتحقيقه تحقيقا أكاديميا، في رسالة الدّكتوراه, حلقة ثالثة بالجامعة الزيتونية بتونس، سنة 1411 هـ/1990 م.
__________
(1) أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 5.
(2) مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(3) ينظر: ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، المصدر السابق، ص 6؛ ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيّون، 49؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 155؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44). (1/49)
صفحة 51
غير أن المتتبّع لهذا الشّرح يجده مختصرا, فكثيرا ما كان أبو العبّاس نفسه يعترف بعدم استيفاء المسائل حقّها, ففكّر في وضع شرح آخر عليه يستوفي فيه البيان (1). والكتاب لا يزال مرقونا لم ير نور الطباعة والنّشر.
ونظرا لكون كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف معتمدي الأوّل في هذا البحث، فسأفرد له لاحقا فصلا للتّعريف به وبمضمونه وبمنهج مؤلِّفِه وأسلوبه.
3 - الفروع الفقهيّة:
سبق بيان أنّ أبا العبّاس لم ينتهج في التّأليف في الفروع الفقهيّة مسلك المطوّلات، وإنّما كانت معظم مؤلّفاته عبارة عن أجوبة على أسئلة كانت ترده من هنا وهناك، أو ردود على بعض الآراء والأقوال، وهي تختلف طولا وقصرا، وفيما يأتي عرض لِمَا وقفتُ عليه منها:
- مجموعة أجوبة عقديّة وفقهية: أجاب فيها أبو العبّاس على بعض المخالفين، وتضمّنت مسائل فقهيّة وعقديّة كالآتي: حكم قراءة البسملة في الصّلاة، حكم تكرير الآذان، حكم المبادرة إلى ركعتي المغرب دون أن يتخلّل ذلك دعاء، مسألة هل القرآن مخلوق؟ مسألة رؤية الله. وهذه الأجوبة لا تزال مخطوطة (2).
- جواب في مسألة الحبس والميراث: هل يُجعل الحبس ميراثا بعد موت المحبّس، وهو ردّ بعث به لسعيد بن يحي الجادوي مخطوط (3).
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 616.
(2) توجد نسخة منه بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 793، الرقم في الخزانة: 94؛ وتوجد نسخة منه بمكتبة آل يدّر ببني يسجن، رقمها في فهرس المكتبة: 152، ورقمها في الخزانة: 89.
(3) توجد نسخ من المخطوط في بعض مكاتب وادي مزاب منها: نسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرقم في فهرس المكتبة: 879، الرقم في الخزانة: 4؛ ونسخة بمكتبة إيروان، رقمها في فهرس المكتبة: 53، ورقمها في الخزانة: 33؛ ونسخة بمكتبة الحاج مسعود بابكر، رقمها في فهرس المكتبة: 81، ورقمها في الخزانة: 33. (1/50)
صفحة 52
- جواب في الحالف بالطّلاق: مخطوط (1).
- جواب في المفقود: كتبه سنة 904 هـ بجربة للرّد على فتوى أصدرها مجلس عزّابتها وقاضيها في سفينة فُقد من فيها في البحر. مخطوط (2).
- جواب في حكم من فادى زوجته ثمّ أوقعها قبل المراجعة: مخطوط (3).
- جواب في حكم تزوّج الأخت من ابن عمّها في منزل والدها: مخطوط (4).
- مسائل في الهبة: مخطوط (5).
- جواب في حكم من باع ما ليس عنده: مخطوط (6).
4 - المنطق:
- شرح مرَج البحرين:
في علم المنطق والفلسفة، وأصله رسالة لأبي يعقوب الوارجلاني، بعنوان: "مرج البحرين"، أُلحِقت بكتابه "الدّليل والبرهان"، فقام أبو العبّاس بوضع شرح عليها، وكثيرا ما كان يحيل إليه في مؤلّفاته. والكتاب لا يزال في عداد الكتب المفقودة (7).
__________
(1) توجد نسخ من المخطوط في بعض مكاتب وادي مزاب منها: نسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرقم في فهرس المكتبة: 877، الرقم في الخزانة: 210؛ ونسخة بمكتبة الحاج مسعود بابكر، رقمها في فهرس المكتبة: 71، ورقمها في الخزانة: 29.
(2) توجد نسخة من المخطوط في المكتبة البارونيّة بجربة، رقمها في فهرس المكتبة: 196، ورقمها في الخزانة: 561؛ كما توجد نسخ منه في بعض مكاتب وادي مزاب منها: نسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرقم في فهرس المكتبة: 888، الرقم في الخزانة: 82.
(3) توجد نسخة منه بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 927، الرقم في الخزانة: 82.
(4) توجد نسخة منه بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 872، الرقم في الخزانة: 82.
(5) توجد نسخة منه بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 934، الرقم في الخزانة: 82.
(6) توجد نسخة منه بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 895، الرقم في الخزانة: 88.
(7) ينظر: ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 5. ليفيتسكي، المؤرخون الإباضيّون، 49؛ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 155؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44). (1/51)
صفحة 53
ثم قام الشّيخ عبد العزيز الثّميني (1) بشرحها ثانية في كتاب أسماه:"تعاظم الموجين شرح مرج البحرين" (2).
- رسالة في معنى النّفس البشريّة: مخطوط.
5 - اللّغة:
- إعراب مشكل الدّعائم:
الدّعائم عبارة عن منظومة في العقيدة والفقه لأحمد بن سليمان بن النّضر السّمائلي العماني (ت 690 هـ) (3)، اهتمّ أبو العبّاس بشرح القضايا اللّغوية والنّحوية منها في كتاب أسماه:"إعراب مشكل الدّعائم"، حيث قال في مقدّمته: « ... فآثرت مختصرا يتضمّن مشكل إعرابه»، وقد انتهى من تأليفه سنة 888 هـ/ 1483 م كما أُثبت في آخر النّسخة البارونية المخطوطة (4).
__________
(1) هو عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز الثّميني اليسجني، أحد أعلام الإباضيّة من بني يسجن بمزاب، ولد بها سنة 1130 هـ، أخذ العلم عن الشّيخ أبي زكريّاء يحي بن صالح الأفضلي، وخاض معه معركة الإصلاح في المجتمع، تولّى مشيخة العزّابة ردحا من الزمن ثم اعتزل النّاس وتفرّغ للفتوى والتّأليف، ومن تلاميذه: إبراهيم بن بيحمان، يوسف بن حمّو بن عدّون، توفّي سنة 1223 هـ، من آثاره: "كتاب النّيل وشفاء العليل"، "معالم الدّين"، "تعاظم الموجين شرح مرج البحرين". تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 555، ص (2/ 255).
(2) باجو، الوارجلاني أصوليّا، 156.
(3) هو أحمد بن سليمان بن عبد الله بن أحمد النّاعبي، المشهور بابن النّضر، من أهل سمائل، نشأ في بيت علم وفضل، اشتهر بقوة حافظته واطّلاعه الواسع، وتبحره في علوم الفقه واللّغة العربية، استشهد سنة 690 هـ في سبيل الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وأحرقت مكتبته، فضاعت نفائس من حضارة عمان. من آثاره: كتاب "الوصيد في ذم التقليد" مجلدان، كتاب "مرآة البصر في مجمع المختلف من الأثر"، منظومة "الدعائم" في العقيدة والفقه. تنظر ترجمته: محمّد بن راشد الخصيبي، شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ط 3، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، ص (2/ 324)؛ فهد بن علي السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عمان، 1428 هـ-2007 م، ترجمة رقم: 28، ص (1/ 28).
(4) ينظر: ابن تعاريت، تاريخ علماء جربة، مخ، 22 و؛ أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، ص 6.؛ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 127)؛ التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 155؛ محمد حسن، مقدّمة تحقيق كتاب السير، 16؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44). (1/52)
صفحة 54
وتوجد نسخة من المخطوط في المكتبة البارونية بجربة، كما توجد نسخ منه في بعض مكاتب وادي مزاب الخاصّة (1).
- جواب حول قول صاحب الكشاف: آمين: وهي ردّ على سؤال كتبه إليه قاضي جربة، وهي تتعلّق بالاشتقاق اللّغوي للكلمة (2). مخطوط (3).
- حاشية على شرح المرادي على الألفيّة: في النّحو. مخطوط (4).
6 - التّاريخ:
كتاب سير المشايخ: استطاع أبو العبّاس أن يجمع فيه كتب السّير الإباضيّة التي سبقته (5)، فكان كتابه هذا جامعا شاملا، بدأه من البعثة المحمَّدية إلى أيامه، وعرّف فيه بنشأة المذهب الإباضي، وسرد سير مشايخ المغرب. ولم يقتصر على المصادر الإباضية فقط، وإنَّما اعتمد حتّى على مصادر غيرهم (6).
وقد وضع ليفيتسكي، دراسة مختصرة عليه في مقال نشره في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة الصّادرة بتاريخ 1934 م بعنوان:" مجموعة أخبار إباضيّة، كتاب السّير لأبي العبّاس الشّماخي،
__________
(1) رقم المخطوط في فهرس المكتبة البارونيّة هو:262، ورقمه في الخزانة: 55؛ كما توجد نسخ من المخطوط في بعض مكاتب وادي مزاب منها نسخة بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرقم في فهرس المكتبة: 74، الرقم في الخزانة: 151؛ ونسخة بمكتبة آل يدّر ببني يسجن، رقمها في فهرس المكتبة: 322، ورقمها في الخزانة: 43. وذكر أبو إسحاق أنّه رأى نسخة منه في مكتبة الشيخ محمّد بن عيسى أزباره. ينظر: أبو إسحاق اطفيش، مقدمة التّوحيد وشروحها، 6؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(2) التّيواجني، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 156.
(3) توجد نسخة منها بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 982، الرقم في الخزانة: 81.
(4) توجد نسخة منها بمكتبة الشيخ الحاج صالح لعلي ببني يسجن، الرّقم في فهرس المكتبة: 92، الرقم في الخزانة: 94.
(5) جمع أبو العبّاس في سيره كلا من: سير أبي زكرياء، والمزاتي، والوسياني، والبغطوري، وطبقات الدرجيني، وجواهر البرادي. ينظر: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(6) اعتمد أبو العبّاس في سيره -إضافة إلى كتب الإباضيّة- على مؤلّفين غير إباضيّين، مثل: ابن الرّقيق، وابن الصّغير والمسعودي وغيرهم. ينظر: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ص (2/ 44). (1/53)
صفحة 55
مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل الشّماخ"، تناول فيه الحديث عن مضمون الكتاب وأسلوب صاحبه ومنهجه فيه (1).
طُبع كتاب السّير أوّل مرّة طبعة حجريّة سنة 1301 هـ، وأُعيد طبعه في عمان بتقديم أحمد بن سعود السّيابي، سنة 1407 هـ/1987 م.
ثمّ قام الباحث التّونسي محمَّد حسن من قسم التّاريخ بتحقيقه تحقيقا أكاديميّا، نال به شهادة الماجستير، وطبعته دار المدار الإسلامي، بيروت، لبنان، سنة 2009 م، وصدر في ثلاثة أجزاء.
وللشّيخ أبي اليقظان إبراهيم (2) مُلحقا لكتاب السِّير، ترجم فيه لرجالات القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر، ولا يزال مخطوطا (3).
قال الشّيخ علي يحي معمّر واصفا كتاب سير المشايخ: «لم ينجرف مع تيّار السّياسة إلاّ بمقدار، وإنّما قدم لنا الصّورة الحقيقة لجانب من الأمّة المسلمة، هذه الأمّة التي تسكن ما بين سرت والمغرب الأقصى، وهو يقدم لنا المادّة الحقيقة لتاريخ هذه الأمّة في صورة العالم الّذي يلقي دروس الوعظ والإرشاد، وفي صورة الرّجل الذي يحمل الفأس ويذهب إلى الحديقة ليقلب الأرض ... وفي المجالس العلمية التي تنعقد في هذا المجتمع أو ذاك، وفي المبالغ التي تجمع لينفق منها على القسام الدّاخلية في المدارس المنتشرة ... وفي كفاح المرأة من أجل العلم، وفي صورة الأحاديث والمشاورات والآراء والفتاوى والأعمال، وكلّ المظاهر التي يعيشها الشّعب عيشة حقيقية لمجتمع وأسرة وفرد. لقد قرأت كثيرا من كتب التّاريخ، وقرأت كثيرا من كتب الاجتماع، فلم أجد ما يستهويني، كما أجد ذلك في كتابه "السير" هذا الكتاب الذي يجعلني أعيش حياة واقعيّة تمتدّ عشرة قرون» (4).
__________
(1) ليفيتسكي، دراسات شمال إفريقية، كتاب السّيَر لأبي العبّاس الشّماخي، 13 - 21.
(2) هو إبراهيم بن عيسى حمدي أبو اليقظان، من علماء القرارة بوادي مزاب، ولد سنة 1306 هـ/1888 م، تلقى العلم على يد مشايخ أجلاء وهم: الحاج عمر بن يحي، الحاج إبراهيم الابريكي، القطب اطفيّش، ثم سافر على تونس للاستزادة، وقد كان عضوا في جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين، توفّي بالقرارة سنة 1393 هـ/1973 م ومن مؤلّفاته: ملحق سير الشّماخي، سلّم الاستقامة، تاريخ الصّحف الجزائريّة، وغيرها. تنظر مصادر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 42، ص (2/ 27).
(3) مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضية، قسم المغرب، ص (2/ 44).
(4) علي يحي معمّر، الإباضية في موكب التّاريخ، الحلقة الثانية الإباضية في ليبيا، ص (2/ 129، 130). (1/54)
صفحة 56
ومن آثاره في العمل السياسي محاورته للأمير الحفصي أبي عمرو عثمان (893 هـ/1487 م) في مسائل فقهية.
وبالجملة فمؤلّفاته -رحمه الله- شملت شتّى علوم الشّريعة من عقيدة وأصول وفقه وتاريخ ولغة، وكانت محكمة العلم، قويّة الاستدلال، سهلة اللّفظ، عظيمة النّفع، قال المؤرّخ سالم بن يعقوب في وصفها: «لم يُعقه اشتغاله بالتّدريس واستغراق أوقاته فيه من أن يؤلّف كتبا علميّة تعدّ من الأمّهات في المراجع العلميّة، من حيث تحقيق المسائل وإتقان التّأليف وصحّة النّقل وحلّ المشكلات وتبيين الغوامض وتوضيحها وتحرير الخلاف، فهي تدلّ على ذوقه السّليم وسموّ نظره السّديد إلى الحياة الاجتماعيّة والسّياسية، وعلى عنايته بمصالح النّاس» (1).
__________
(1) سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، 183. (1/55)
صفحة 57
الفصل الثاني:
التعريف بكتابه شرح مختصر العدل والإنصاف.
المبحث الأوّل: محتوى الكتاب ودواعي تأليفه، ومصادره.
المبحث الثاني: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة، والأعمال التي تتابعت عليه.
المبحث الثالث: منهجه في الكتاب وأسلوبه.
المبحث الرّابع: من المسائل التي خالف فيها الشماخيُّ الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة.
المبحث الخامس: أنواع المناهج الأصوليّة، وبيان ما سلكه الشماخيُّ منها. (1/56)
صفحة 58
المبحث الأوّل: محتوى الكتاب ودواعي تأليفه، ومصادره.
المطلب الأوّل: الموضوعات الرئيسة في الكتاب:
افتتح الشّماخيُّ كتابه بمقدّمة، تناول فيها حدّ أصول الفقه، والمبادئ الكلاميّة والمنطقيّة بالإضافة إلى مباحث اللّغة ودلالات الألفاظ، وذلك كعادة الأصوليّين المتكلّمين.
ثمّ قسّم كتابه إلى عشرة أبواب كالآتي:
- الباب الأوّل: تناول فيه أحكام المجمل والمبيّن، ولعلّ سبب ابتدائه به؛ أنّه رأى ارتباط موضوعه بالأبحاث المنطقيّة واللّغويّة التي تناولها في المقدّمة.
- الباب الثّاني: خصّصه للأوامر والنّواهي، وهو أطول أبواب الكتاب، وقد استهلّه بمقدّمة حوت حدّ التّكليف، وحدّ الحكم الشّرعي وأقسامه، كما تناول فيه بعض المسائل الكلاميّة المتعلّقة بالتّكليف، كمسألة التّحسين والتّقبيح وما تفرّع عنها من مسائل، ثمّ قسّم الباب إلى فصلين: خصّص الفصل الأوّل لمباحث الأمر، والثّاني لمباحث النّهي.
- الباب الثّالث: خصّصه للظاهر والمحكم ومقابلهما، وتناول فيه أقسام الألفاظ باعتبار الظّهور والخفاء.
- الباب الرّابع: تناول فيه العموم والخصوص، وقسّمه على قسمين، خصّص القسم الأوّل لمباحث العام، والثّاني خصّصه لمباحث الخاص والتّخصيص، بعده تعرّض لأحكام المطلق والمقيّد.
- الباب الخامس: خصّصه للمنطوق والمفهوم، تناول فيه طرق دلالات الألفاظ على الأحكام.
- الباب السّادس: خصّصه لمباحث السّنة، تناول فيه الخبر وأقسامه من متواتر وآحاد وأحكامهما، كما تعرّض لشروط الرّاوي، وكيفيّات الرّواية.
- الباب السّابع: عقده للنّسخ والنّاسخ والمنسوخ، وذلك كعادة جمهور الأصوليّين في تناول مباحث النّسخ عقب مباحث الكتاب والسّنة وما يتعلّق با ستنباط الأحكام منهما؛ لكون النّسخ لا يقع إلّا في نصوصهما.
- الباب الثّامن: خصّصه للإجماع، وتكلّم فيه عن حقيقته وكونه مصدرا من مصادر التّشريع الإسلامي، وشروطه، ومحلّه، وما تفرّع عن ذلك من مسائل. (1/57)
صفحة 59
- الباب التّاسع: خصّصه لمباحث الاجتهاد والتّقليد، تحدّث فيه عن موضوع الاجتهاد وأركانه، وشروط المجتهد، وتعرّض لبعض المسائل المتعلّقة بالاجتهاد، ثم انتقل للحديث عن التّقليد ومفهومه وأحكامه.
- الباب العاشر: خصّصه للقياس، وتناول فيه حقيقته وأركانه وشروطه وطرق العلّة وقوادحها وأقسام القياس وأحكامه.
وألحق بأقسام القياس مباحث الاستدلال، وتناول فيه كلّا من: الاستصحاب، شرع من قبلنا، المصالح المرسلة، الاستحسان، ثمّ تعرّض للاعتراضات الواردة على القياس، وختم الباب بمباحث التّرجيح حيث حدّد معناه ووجوهه، وبيّن أنواعه:- الترجيح بين المنقولين المتعارضين في السّند وصورهـ- الترجيح بين منقولين في المتن وصوره - الترجيح بدليل خارجي وصوره - التّرجيح بين الدّليلين المعقولين وصوره.
المطلب الثاني: دواعي تأليفه للكتاب.
لم يكن الإباضية من السبّاقين إلى تدوين علم أصول الفقه، وذلك رغم كون مدرستهم أسبق المدارس الفقهيّة القائمة وجودا، فإمام المذهب جابر بن زيد (ت 93 هـ) (1) من طبقة التّابعين، وقد أخذ العلم عن ابن عبّاس وغيره من الصّحابة، بالإضافة إلى النّتاج الفقهي الغزير سواء عند المشارقة أو المغاربة، إلّا أنّ التّدوين الأصولي الاصطلاحي عندهم جاء متأخّرا فقد كانت عنايتهم بالفروع الفقهية أكثر، كما أنّهم لم يكونوا من المكثرين في التّأليف الأصولي (2).
__________
(1) هو التّابعي الجليل أبو الشّعثاء جابر بن زيد اليحمدي الأزدي الجوفي البصري، ولد بعمان سنة 18 هـ، انتقل للمقام بالبصرة، وكان يتنقّل بينها وبين الحجاز. وكان إماما في التّفسير والحديث والفقه، روى الحديث عن ثلّة من كبار الصّحابة منهم: عائشة أمّ المؤمنين، عبد الله بن عمر، عبد الله بن مسعود، أنس بن مالك، عبد الله بن عبّاس -رضي الله عنهم- ... وغيرهم. من تلاميذه: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ضمام بن السّائب، قتادة شيخ البخاري ... وغيرهم. توفّي سنة 93 هـ، ومن آثاره: "كتاب الصّلاة"، "كتاب النّكاح"، "مراسلات ومكاتبات". تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ، بالمغرب، ص (2/ 10 - 20)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (4/ 39)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (1/ 182)؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 89، ص (1/ 93).
(2) مصطفى باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عمان، 1426 هـ-2005 م، 89، 90. (1/58)
صفحة 60
وأقدم نصّ أصولي إباضي وصل إلينا هو للشّيخ ابن بركة، حيث وضع مقدّمة أصولية لكتابه الجامع حوت مباحث الكتاب والسنة، وبعض مباحث الإجماع والقياس، وبعض أحكام التقليد (1).
ثم جاء من بعده الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ووضع كتابه "العدل والإنصاف في أصول الفقه والاختلاف"، الذي يعتبر من أكمل الكتب الأصولية الإباضية، حيث استوفى فيه صاحبه جلّ المباحث الأصولية؛ لذلك كان كتابه عمدة للكتب التي أعقبته إمّا بالاختصار أو الشّرح أو النّظم، ورغم هذه الأهمّية البالغة التي يكتسيها الكتاب إلا أنّ مؤلّفه أكثر فيه من مسائل المنطق وعلم الكلام والسياسة الشرعية، ممّا جعله صعب المرام، وفي ذلك يقول الشماخي: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام لكثرة الكلام» (2).
ولقد سعى علماء الإباضية المهتمين بعلم أصول الفقه إلى دراسة هذا الكتاب، وتخليصه من المباحث الكلامية سعيا منهم لتبسيطه لطلاب العلم ولتسهيل الاستفادة منه، فكان أبو القاسم البرّادي (ت 810 هـ) أوّل من وضع شرحا عليه أسماه بـ:" البحث الصادق والاستكشاف عن معاني كتاب العدل والإنصاف"، وهذا الكتاب عبارة عن شرح لكتاب الوارجلاني، وقد توفّي الشّيخ قبل أن يكمله.
ثمّ جاء من بعده الشماخي، حيث سعى بادئ الأمر إلى اختصار الكتاب بطلب من بعض إخوانه، مضيفا إليه فوائد أصولية من كتب أخرى، كما صرّح بذلك في مقدّمة كتابه فقال: « ... استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره، وأرغب إليه أن يخلص لوجهه، وأن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل» (3).
وقد كان مختصره على صغر حجمه مستوفيا لمباحث الأصول، حيث أحاله إلى متن يسهل على طلاب العلم حفظه، لكنّ إيجازه الشّديد وعباراته القليلة أخلّت بكثير من معاني علم أصول الفقه، فقد شعر الشماخيُّ نفسه بذلك، وبيّن أنّ مختصره بحاجة إلى شرح يتمّ به فائدته، ويبيّن به لفظه ومعناه، فألّف كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف"، وقد سار فيه على نفس الخط الذي انتهجه في المختصر من حيث التقسيم، وكان بعمله هذا ساعيا لخدمة التراث، وباعثا له ودارسا، حيث غدا كتابه هذا قبلة للدّراسين الإباضيين، وعمدة لكتب الأصول الإباضية التي أعقبته.
المطلب الثّالث: المصادر التي اعتمد عليها.
لم يصرّح الشّماخيُّ في مقدّمة كتابه بالمصادر التي اعتمد عليها في اختصاره لكتاب الوارجلاني، واكتفى بالقول: «استعنت الله في اختصاره، مع فوائد من غيره» (4).
كما كان لا يُشير إلى أسماء الكتب التي استفاد منها إلّا نادرا، ومن الكتب التي صرّح بها (الدّيوان لابن بركة (5)، اللّمع لأبي إسحاق الشّيرازي (6)، وشرح المعالم لشرف الدين الفهري (7)، اختصار المحصول للقرافي (8)، الخصائص لابن جنّي (9))، إلّا أنّه أورد أسماء بعض
__________
(1) جابر بن علي بن حمود السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، رسالة ماجستير مرقونة، الجامعة الأردنيّة، 1994 م، 47.
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 194.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 194.
(4) الشماخي، شرح مختصر العدل، 194.
(5) هو أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن بركة السليمي البهلوي، الشّهير بابن بركة، أحد أعلام الإباضية العمانيّين في القرن الرابع الهجري، كان أصوليا وفقيها ومتكلّما، ويعتبر أوّل من ألّف في أصول الفقه من الإباضيّة، تلقّى العلم عن أبي مالك غسّان بن مالك الصّلاني، وسعيد بن عبد الله. ومن تلاميذه: أبو الحسن البسيوي. ترك تراثا نفيسا، ومن مؤلّفاته: "كتاب الجامع"، "رسالة التّعارف والتّقييد"، "كتاب المبتدأ في خلق السّماوات والأرض". تنظر ترجمته: محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المشرق، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م، ترجمة رقم: 833، ص 285؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 504؛ ص (2/ 291).
(6) هو أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشّيرازي، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد سنة 393 هـ، انتقل إلى بغداد ودرّس بها، توفّي سنة 476 هـ، من آثاره: "التّبصرة"، "اللّمع"، "طبقات الفقهاء". تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 172)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (18/ 428)؛ السّبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، ص (4/ 215).
(7) هو أبو محمّد عبد الله بن محمّد بن علي بن شرف الدين الفهري، المعرف بابن التّلمساني، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد سنة 567 هـ، واشتهر في مصر وتصدّر للإقراء فيه، توفّي سنة 644 هـ، من آثاره:"شرح المعالم"، "شرح التنبيه". تنظر ترجمته: السّبكي، المصدر السابق، ص (8/ 160)؛ الزركلي، الأعلام، ص (4/ 336).
(8) هو أبو العبّاس أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي المالكي، الأصولي والفقيه المالكي المصري، انتهت إليه رئاسة المالكية بمصر في القرن السّابع الهجري، توفي بها سنة 684 هـ، من آثاره:"الذّخيرة"، "أنوار البروق"، "تنقيح الفصول في اختصار المحصول". تنظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهّب، ص (1/ 336)؛ الزركلي، المرجع السابق، ص (1/ 268).
(9) هو أبو الفتح عثمان بن جنّي الموصلي، من أئمّة الأدب والنّحو، ولد بالموصل، وسكن بغداد وتوفي بها سنة 392 هـ، من آثاره: "شرح ديوان المتنبي"، "الخصائص". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (17/ 11)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 54). (1/59)
صفحة 61
الأصوليّين بصيغة تقريريّة؛ ممّا يدل على استفادته من كتبهم مباشرة، ومن هؤلاء: ابن بركة، أبو الرّبيع المزاتي (1)، أبو بكر الباقلاني (2)، إمام الحرمين الجويني (3)، أبو حامد الغزالي (4)، الآمدي (5)، ابن الحاجب (6).
وفيما يأتي عرض للمصادر التي استفاد منها الشمّاخي، مع مراعاة التّرتيب الزّمني لها:
- المصدر الأوّل الذي اعتمد عليه الشّماخي في اختصاره هو كتاب العدل والإنصاف للوارجلاني.
__________
(1) هو أبو الرّبيع سليمان بن يخلف الوسلاتي المزاتي النّفطي القابسي، الفقه والأصولي الإباضي، تلقّى العلم بنفوسة وجربة، ومن مشايخه: أبو عبد الله محمّد بن بكر النّفوسي، أبو محمّد وسلان بن أبي صالح اليراسني، وقد اشتغل بالتّدريس فكان له تلاميذ كثيرون منهم: أبو العبّاس أحمد بن محمّد بن بكر النّفوسي، إبراهيم بن إبراهيم، وغيرهم، توفّي سنة 471 هـ، وترك مصنّفات نفيسة منها: "السّؤالات"، "التّحف المخزونة في إجماع الأصول الشّرعيّة"، وغيرها. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 248 - 251)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (2/ 603)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 472، ص (2/ 215).
(2) هو أبو بكر محمّد بن الطيّب بن محمّد بن جعفر الباقلاني، الأصولي والفقيه والمتكلّم المالكي، انتهت إليه رئاسة الأشعرية في زمانه، ولد بالبصرة سنة 338 هـ، وسكن بغداد وتوفّي بها سنة 403 هـ، من آثاره: "التقريب والإرشاد"، "إعجاز القرآن". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (17/ 183)؛ ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (2/ 228).
(3) هو أبو المعالي، عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النّيسابوري، الفقيه والأصولي الشّافعي، ولد سنة 419 ه، وتوفي سنة 478 ه، من آثاره: "البرهان في أصول الفقه"، "غياث الأمم في التياث الظّلم". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (18/ 443)؛ السّبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، ص (5/ 165).
(4) هو أبو حامد محمّد بن محمّد بن محمّد الغزالي الطّوسي، الفقيه والأصولي الشافعي، الملقّب بـ:"حجّة الإسلام"، ولد سنة 450 ه، وتوفّي سنة 505 ه، من آثاره:"المستصفى من علم الأصول، "إحياء علوم الدّين". تنظر ترجمته: الذهبي، المصدر السابق، ص (19/ 302)؛ تاج الدّين السّبكي، المصدر السابق، (6/ 191).
(5) هو علي بن أبي علي بن محمّد التّغلبي الآمدي، الحنبليُّ ثمّ الشافعي، ولد سنة 551 هـ، درّس في القاهرة، وذاع صيته، توفّي بدمشق سنة 631 هـ، وخلّف زهاء عشرين مؤلّفا منها: "الإحكام في أصول الاحكام"، "دقائق الحقائق". تنظر ترجمته: الذهبي، المصدر السابق، ص (22/ 400)؛ تاج الدّين السّبكي، المصدر السابق، ص (8/ 306).
(6) هو أبو عمرو جمال الدّين عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس المصري، المعروف بابن الحاجب، الأصولي والفقيه المالكي، ولد سنة 570 هـ، وتوفي سنة 646 هـ، من آثاره:"منتهى السّؤل والأمل في علمي الأصول والجدل"، "الكافية"، "الأمالي النّحويّة". تنظر ترجمته: ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (2/ 86)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 74). (1/60)
صفحة 62
- كتاب الجامع لابن بركة (ق 4 هـ): وهو من المصادر التي استفاد منها، فكثيرا ما كان يحكي أقواله، وقد أسماه بالدّيوان.
- كتاب "التّحف المخزونة في إجماع الأصول الشّرعيّة" لأبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي (ت 471 هـ): فقد نقل الشّماخيُّ بعض آرائه، خاصة في باب الاجتهاد، وفي مسألة هل المندوب مأمور به أم لا؟
- كتاب "اللّمع في أصول الفقه" لأبي إسحاق الشّيرازي (ت 476 هـ): فقد صرّح باسم الكتاب في شرحه لمختصره.
- كتاب "المستصفى من علم الأصول" لأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ): وهو من المصادر التي اعتمد عليها اعتمادا أساسيا، فقد ذكره في عدّة مواضع من الكتاب، كما كان كثير الإيراد لآرائه سواء بالصّيغ التّقريريّة مثل: "قال الغزالي"، "يقول الغزالي"، أو بنسبة القول إليه مثل: "وينسب إلى الغزالي". ممّا يبيّن اعتماده عليه واستفادته المباشرة منه.
- كتاب "الإحكام في أصول الأحكام" لسيف الدين الآمدي (ت 631 هـ): فقد تكرّر نقله لأرائه، مما ينبئ استفادته منه، وإن لم يصرّح بذلك.
- كتاب "شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول" للقرافي المالكي (ت 684 هـ): فقد كان هذا الكتاب من الكتب الأصوليّة المقرّرة على الطّلبة في المدارس الحفصيّة، والمتداولة بين أيديهم.
- كتاب شرح المعالم لشرف الدين الفهري، المعروف بابن التّلمساني (ت 644 هـ): فقد صرّح به شرحه لمختصره.
- كتاب "مختصر منتهى السّؤل والأمل في علمي الأصول والجدل" لابن الحاجب المالكي (ت 646 هـ): فقد كان هذا الكتاب مثل سابقه من الكتب الأصوليّة المقرّرة على الطّلبة في المدارس الحفصيّة، وممّا يثبت استفادته المباشرة منه نقله لكثير من آرائه، بالإضافة إلى نقله لكثير من النصوص منه (1).
__________
(1) مهنّي التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 163، 164. (1/62)
صفحة 63
- كتاب "شرح العضد على مختصر ابن الحاجب" لعضد الدين الإيجي (ت 756 هـ) (1)، وحاشية سعد الدّين التّفتازاني (ت 793 هـ) (2) عليه: استفاد الشماخي من هذين الكتابين، وإن لم يصرّح بذلك؛ ويدلّ على ذلك نقله لكثير من النّصوص منهما.
بالإضافة إلى هذه المصادر الأصوليّة، فممّا لا شكّ فيه أنّ الشّماخيَّ قد استفاد من كتب المنطق، ولكنّه لم يصرّح إلاّ بكتابه "شرح مرج البحرين"، ويبدو أنّه استفاد أيضا من كتاب "الجمل" للخونجي (ت 646 هـ) (3)، فقد كان لشيخه في تونس محمّد بن أحمد البيدموري (ت 894 هـ) شرح عليه أسماه بـ:"كمال الأمل في شرح الجمل" (4).
كما استفاد من كتب علم الكلام، واللّغة، فقد ذكر كتاب "الخصائص" لابن جنّي (ت 392 هـ)، وهو من أهمّ كتب فقه اللّغة العربيّة وأسرارها (5).
__________
(1) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الغفار بن أحمد الإيجي الشّيرازي، الفقيه والأصولي والمتكلّم الشافعي، ولد سنة 680 هـ، وتوفي سنة 756 هـ، من آثاره:"شرح على مختصر ابن الحاجب"، "المواقف في علم الكلام". تنظر ترجمته: السبكي، طبقات الشافعيّة، ص (10/ 46)؛ الشّوكاني، البدر الطّالع بمحاسن من بعد القرن السّابع، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م، ص (1/ 327).
(2) هو سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التّفتازاني الخراساني، الأصولي واللّغوي والمنطقي، ولد سنة 712 هـ بتفتازان، وأقام بسمرقند، وتوفي بها سنة 793 هـ، من آثاره: "حاشية على شرح العضد على مختصر ابن الحاجب"، "مقاصد الطالبين". تنظر ترجمته: الشّوكاني، المصدر نفسه، ص (2/ 294)؛ الزرّكلي، الأعلام، ص (7/ 45).
(3) هو أبو عبد الله محمّد بن نامور بن عبد الملك الخونجي، العالم بالحكمة والمنطق الشافعي، فارسي الأصل ولد سنة 590 هـ، وولي قضاءها، وتوفي بها سنة 646 هـ، من آثاره: "كشف الأسرار في غوامض الأفكار"، "الجمل". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (23/ 245)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (7/ 283).
(4) السّخاوي، الضّوء اللّامع لأهل القرن التّاسع، ص (6/ 286).
(5) مهنّي التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 166. (1/63)
صفحة 64
المبحث الثاني: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة، والأعمال التي تتابعت عليه.
المطلب الأوّل: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة.
عَرف علم أصول الفقه جمودا وانحدار بداية من القرن السّادس الهجري، حيث عكف المتأخّرون على اجترار نتاج المتقدّمين دون السّعي للابتكار والتّجديد، فانتشرت الاختصارات والشّروح والحواشي، ولم يشذّ الشّماخيُّ عن هذا المنهج السّائد؛ وذلك من خلال اختصاره لكتاب الوارجلاني ثمّ شرحه.
ولكنّ عمله لم يكن مجرّد اختزال للألفاظ وجعل القليل منها يفيد الكثير فحسب، وإنّما كان اختصارا مع إعادة ترتيب وتبويب المباحث الأصوليّة، وإضافة فوائد من كتب أصوليّة أخرى، ومقارنة بين الأصول التّشريعيّة الإباضيّة وأصول غيرهم، كما كانت شخصيّته بارزة من خلال التّرجيح والتّصويب والتّصحيح، ولم يكن مجرّد ناقل لآراء الأصوليّين، ففي بعض الأحيان كان يخالف رأي الجمهور إن بدا له الصّواب في رأي غيرهم، كما أنّه خالف الوارجلانيَّ في عدّة مسائل، وخالف رأي جمهور الإباضية في بعضها، وسأحاول ذكر بعض المسائل التي خالف فيها الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة لاحقا -إن شاء الله-.
ويعدّ عمله هذا ثانيَ عمل حول كتاب الوارجلاني بعد الشّرح الذي وضعه عليه أبو القاسم البرّادي (ت 810 هـ)، الموسوم بـ: "البحث الصادق والاستكشاف عن معاني كتاب العدل والإنصاف"، ولكنّ هذا الشّرح غير مكتمل، وقد أكثر صاحبه فيه من المسائل الكلاميّة.
وقد ارتكز عمل الشّماخيِّ على إعادة ترتيب كتاب الوارجلاني مع إضافة فوائد من كتب أصوليّة أخرى، وكذا تنقيحه من المسائل الكلاميّة، إلّا ما كان وثيق الصّلة بأصول الفقه، وهو ما بيّنه في مقدّمة كتابه فقال: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام؛ لكثرة الكلام، (1/64)
صفحة 65
استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره، وأرغب إليه أن يخلص لوجهه، وأن ينفع به، وهو حسبي ونعم الوكيل» (1).
وقد حقّق الله تعالى للشماخيِّ ما ابتغاه من وضع كتابه، وهو النّفع به، فقد نال كتابه مختصر العدل وشرحه أهمّية بالغة بين المؤلّفات الأصوليّة الإباضيّة، وصار «مرجعا لكلّ الفقهاء والمجتهدين الإباضيّة سواء في مجال التّأصيل أو التّفريع» (2).
ويدلّ على هذا الانتشار الواسع للكتاب، إلى درجة توفّره في أغلب المكتبات الإباضيّة في جبل نفوسة وجربة ووادي مزاب وعمان (3)، كما أنّه غدا عمدة للكتب الأصول الإباضية التي أعقبته سواء عند المغاربة أو المشارقة، فقد اتّخذه الشيخ السالميُّ العماني (4) عمدته في كتابه شرح طلعة الشّمس.
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 193، 194.
(2) باجو، الوارجلاني أصوليا، 203.
(3) مهني التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 182، 183.
(4) هو عبد الله بن حميد بن سلوم بن عبيد بن خلفان بن خميس السّالمي، أحد العلماء العمانيين الإباضيّين المجدّدين، ولد سنة 1286 هـ ببلدة الحوقيين، وقد كان معاصرا لقطب الأيمة اطفيّش، وهو من أطلق عليه هذا اللّقب، توفّي سنة 1332 هـ، وترك تراثا نفيسا متنوّعا، من مؤلّفاته: "طلعة الشّمس على الألفيّة"، "معارج الآمال شرح مدارج الكمال". تنظر مصادر ترجمته: محمّد ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة رقم: 789، ص 271؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 476؛ ص (2/ 246) (1/65)
صفحة 66
المطلب الثاني: الأعمال العلميّة التي تتابعت على الكتاب.
تتابعت على كتاب مختصر العدل والإنصاف وشرحه عدّة أعمال شرحا ونظما، وفيما يأتي عرض لهذه الأعمال حسب الترتيب الزمنيّ لها:
1 - حاشية أبي ستّة على شرح مختصر العدل والإنصاف:
وهي لأبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستّة الشهير بالمحشّي (ت 1088 هـ) (1)، حيث يورد المحشّي النّص من كلام الشماخي، ثمّ يتعقّبه بالشّرح، ويُلحظ عليه العناية بالمباحث اللّغويّة واستقصائها على حساب المباحث الأصوليّة.
والحاشية غير مكتملة، فقد توقّف المحشّي في باب المنطوق والمفهوم، وهي لا تزال مخطوطة (2).
2 - كتاب رفع التّراخي، عن مختصر الشّماخي:
للشّيخ عمرو بن رمضان التلاتي الجربي (ت 1187 هـ) (3)، وهو عبارة عن شرح موجز لكتاب مختصر العدل والإنصاف، اكتفى فيه صاحبه بالشّرح اللّفظي، حيث يعرض عبارة الشّماخيّ ثم يشرحها شرحا موجزا، وكثيرا ما كان يكتفي بإيراد مرادف للّفظ دون زيادة تُذكر.
فلم يُضِف صاحبه للكتاب شيئا ذا بال، والكتاب لايزال مخطوطا (4).
__________
(1) هو أبو عبد الله محمّد بن عمر بن محمّد بن أحمد بن أبي القاسم بن أبي ستّة السّدويكشي، أحد أعلام الإباضيّة في جزيرة جربة بتونس، ولد سنة 1022 هـ، وتلقى العلم على يد والده ثمّ انتقل إلى مصر ودرس بجامع الأزهر، ثم درّس فيه وفي المدرسة الإباضية بالقاهرة، وبعودته إلى جزيرة جربة تولّى رئاسة العزابة، وأكثر مصنّفاته من الحواشي؛ لذا لقّب بالمحشّي، توفّي سنة 1088 هـ، من آثاره:"حاشية على قواعد الإسلام"، "حاشية على شرح مختصر العدل والإنصاف". تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 841، ص (2/ 389).
(2) ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 57، 58؛ الوارجلاني أصوليا، 203 - 206.
(3) هو أبو حفص عمرو بن رمضات التلاتي الجربي، أحد أعلام الإباضيّة في القرن الثاني عشر الهجري، أخذ العلم في جزيرة جربة، ثمّ انتقل إلى مصر ودرّس بالمدرسة الإباضيّة بالقاهرة، توفّي سنة 1187 هـ، من آثاره: "اللآلئ الميمونة على المنظومة النّونيّة"، "رفع التّراخي عن مختصر الشّماخي". تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 687، ص (2/ 318).
(4) ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 57؛ الوارجلاني أصوليا، 206. (1/66)
صفحة 67
3 - حاشية المُصعبي على كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف:
وهي للشّيخ محمد بن يوسف المصعبي الجربي (ت 1207 هـ) (1)، وقد أولى فيها العناية للمباحث الكلاميّة، ولم يتعرّض للمباحث الأصوليّة إلا من باب التّوسّع، والحاشيّة لا تزال مخطوطة (2).
4 - كتاب فتح الله شرح شرح مختصر العدل والإنصاف:
من تأليف قطب الأئمّة امحمد بن يوسف اطفيش (ت 1332 هـ)، حيث وضع شرحا وافيا على كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف سمّاه: "فتح الله شرح شرح مختصر العدل والإنصاف", وكان شرحه هذا عبارة عن موسوعة في أصول الفقه المقارن، وهو يقع في ستّة مجلّدات مخطوطة، فقد صرّح الشيخ بإتمامه لشرح الكتاب وأنّه بحجم النّيل أربع مرات، ولكن للأسف الشّديد المتوفّر من الكتاب الآن نصفه الأوّل فقط، وهو ثلاث مجلّدات مخطوطة، والنّصف الآخر لا يزال مفقودا.
وقد جاء شرح الشّيخ اطفيّش وافيا وجامعا لمحاسن الشّروح السّابقة, وهو يكشف عن موسوعيّةٍ في الاطّلاع على آراء الأصوليّين، وقد اهتمّ فيه بالمسائل اللّغوية والنّحوية كعادته, كما اهتمّ بتوضيح المسائل الكلامية والأصولية, واستقرأ آراء العلماء في كل مسألة يعرض لها , مع نسبة الأقوال إلى أصحابها, وتحديد الفوارق الدّقيقة بين تلك الأقوال, مع التّحليل والنّقد والترّجيح؛ إذ يمكن اعتبار شرحه هذا نموذجا هامّا في أصول الفقه المقارن (3).
ولا يزال الكتاب في عالم المخطوط، يحتاج إلى تضافر جهود الباحثين لتحقيقه وإخراجه بعد البحث والتّنقيب عن جزئه الضائع.
__________
(1) هو أبو عبد الله محمّد بن يوسف بن محمّد المصعبي المليكي الجربي، أحد أعلام الإباضيّة في القرن الثالث عشر الهجري، أخذ العلم عن والده وعن علماء عصره، وتولّى التّدريس والإفتاء بجامع جربة بعد والده، توفذي سنة 1207 هـ، من آثاره: "شرح لقصيدة تحريض الطّلبة"، "حاشية على شرح مختصر الشّماخي". تنظر ترجمته: مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 865، ص (2/ 406).
(2) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 58.
(3) ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 59؛ الوارجلاني أصوليا، 206 - 209. (1/67)
صفحة 68
وقد قام الباحث زهير بابا واسماعيل بدراسة وتحقيق جزء من الكتاب وهو باب المنطوق والمفهوم، في رسالته للماجستير بكلّية العلوم الإسلامية جامعة الجزائر، وقد نوقشت وأجيزت سنة 2008 م.
5 - كتاب موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف:
وهو عبارة عن نظم لكتاب المختصر للشيخ أبي مالك عامر بن خميس المالكي العماني (ت 1346 هـ) (1)، والمنظومة تقع في خمسين ومائتين وألف بيت، اقتصر فيه على المعاني الاصطلاحيّة وما أورده الشّماخيّ في كتابه، دون التّوسع والرّجوع إلى المؤلّفات الأصوليّة الأخرى، وفي بعض الأحيان يرجّح الأقوال إن لم يفعل الشّماخي، وقد جاءت المنظومة بأسوب سلس يتبادر معناه إلى الذّهن بيُسر، فهي بمثابة توضيح لكتاب المختصر الذي تحتاج عباراته إلى تمعّن وإمعان نظر.
والكتاب هو الوحيد الذي نال الطباعة من بين الأعمال السّابقة، فقد طبعته ونشرته وزارة التّراث القومي بسلطنة عمان سنة 1405 هـ-1985 م (2).
__________
(1) هو أبو مالك عامر بن خميس المالكي العماني، الفقيه والشاعر الإباضي، ولد سنة 1280 هـ، تلقّى العلم على يد الشيخ نورالدّين السالمي، ثمّ صار مرجع للفتوى والقضاء والتّدريس في عصره، توفّي سنة 1346 هـ، من آثاره: "غاية المراد في الأديان والأحكام"، "موارد الأطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف". تنظر ترجمته: فهد بن علي السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم:434، ص (2/ 217)؛ محمّد صالح ناصر-سلطان بن مبارك الشيباني، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 739، 256.
(2) ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 59؛ الوارجلاني أصوليا، 209 - 211. (1/68)
صفحة 69
المبحث الثالث: منهج الشماخيّ وأسلوبه في كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف.
المطلب الأوّل: منهجه في الاستدلال وبحث المسائل وعرض الآراء.
أفصح الشّماخيُّ عن منهجه في تأليفه لكتاب المختصر وشرحه، وهو اختصار كتاب الوارجلاني، وتخليصه من المباحث الكلامية التي أبعدته عن الموضوع الأصلي في الكتاب وهو أصول الفقه، وكذا تضمينه بعض الفوائد من كتب أصوليّة أخرى، ثمّ رأى أن يتمّم هذا المختصر بشرح يبيّن فيه لفظه ومعناه.
وقد ألجأه الاختصار في عرضه للآراء وبحثه للمسائل إلى الابتعاد عن التّمثيل في كثير من الأحيان، والاكتفاء بعرض أهمّ الآراء، وقد تطول المسألة وتقصر بحسب أهمّيتها وعدد المذاهب فيها، كما أنّه لم يكن يكثر من عرض الأدلّة في ترجيحاته، وفي أكثر الأحيان لا يذكر ما استدلّ به أصحاب الأقوال.
ويمكن تلخيص منهجه في النّقاط الآتية:
1 - المنهج العام الذي سار عليه في أغلب مسائل الكتاب من حيث العرض هو أنّه يبدأ بتقرير المسألة أوّلا، مستعملا عبارة "اعلم"، ويذكر أقوال العلماء فيها، ثمّ يبيّن اختياره أو ترجيحه، مثال ذلك قوله في حكم إفتاء المقلّد بقول العالم: «واختلف في إفتاء المقلّد بقول العالم: قال بعض يجوز مع عدم المجتهد. وقيل يجوز مطلقا. وقيل لا يجوز مطلقا أي مع العلم بأعدل أقوال العلماء ومع عدم علمه، ومع وجود المجتهد ومع العدم له. والصّحيح أنّه إن كان مطّلعا على مآخذ الأحكام فيختار ويفتي، وإذا رأى بعد ذلك غيره أعدل منه رجع إليه» (1).
وفي بعض الأحيان يقرّر المسألة أوّلا، وهي تمثّل رأيه ومذهبه المختار ويستدلّ لها، ثمّ يذكر الأقوال المخالفة، ومثال ذلك قوله في مسألة نسخ القياس والنّسخ به: «واعلم أنّ القياس يخصّص ... ولا يقع ناسخا ولا منسوخا؛ لأنّ شرط صحّة القياس عند كلّ من قال به أن لا يخالف نصّا مظنونا أو
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 522، 523. (1/69)
صفحة 70
مقطوعا ... وذهب بعض الأصوليين إلى أنّه يجوز أن يكون ناسخا، كما يجوز التّخصيص به، ومنهم من قال يجوز النّسخ بكلّ دليل يقع به البيان والتّخصيص، وليس القولان بشيء لما ذكرنا» (1).
فقد بيّن رأيه في المسألة، ثمّ حكى خلاف الأصوليّين فيها.
- يُعرف ترجيحه للمسائل بأمور هي:
- أن يُصرّح بالمذهب المختار كأن يقول:"والرّاجح كذا"، أو"والمختار كذا"، "والصّحيح كذا"، وأمثلة ذلك كثيرة، فعلى سبيل المثال عند ترجيحه لمذهب الجمهور بأنّ ألفاظ العموم تستغرق جميع أفرادها قال: «اعلم أنّهم اختلفوا في أدوات الشّرط، وما أشبهها هل هي صيغ للعموم، وهو الصّحيح وعليه الجمهور» (2).
- أن يُورد بعد ذكر المسألة اعتراضا، فيفهم منه القارئ أنّ خلافها هو المختار، كأن يقول:"وليس بشيء"، أو"أكثرها مزيّف"، ومن أمثلة ذلك رأيه في مسألة تجويز بعض الأصوليّين انعقاد الإجماع بالخليفتين أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- وحدهما، وبالخلفاء الراشدين وحدهم، حيث قال: «اعلم أنّ بعض الفقهاء جوّز انعقاد الإجماع بالخليفتين وحدهما، وبعض ... جوّزه بالخلفاء وحدهم، وبعضهم بالعشرة، وليس بشيء؛ لأنّ قولهم ليس بحجّة لجواز خلافهم» (3).
ومن الأمثلة أيضا ترجيحه القول بجواز التّخصيص بالقياس، حيث قال: «والمختار إن ثبتت العلة بنص أو إجماع، أو كان الأصل مخصّصا لإجماع؛ أي مخرجا عنه خصّ به العام، أو ظهرت قرينة ترجّحه وإلّا فالعام أولى» (4).
- أن يعرض آراء المذاهب في المسألة وأدلّتهم، ثمّ يختم المبحث بترجيح لأحد العلماء، ومثاله قوله في مسألة: هل الأمر بالشّيء نهي عن ضدّه؟ حيث استعرض أقوال العلماء فيها، ثمّ
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 473، 474.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 350.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 495.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 414. (1/70)
صفحة 71
قال: «والمختار قول أبي الرّبيع لأنّ أمر الإيجاب تركه سبب للعقاب، ولا عقاب إلّا على فعل منهي عنه ... » (1).
2 - التّصريح بأصحاب الأقوال والآراء وعدمه:
كان الشماخيُّ في عرضه لآراء الأصوليّين يصرّح بأسماء أصحاب الآراء أحيانا، وأحيانا كان يتلافى ذكر أسمائهم، مُكتفيا بنقل آرائهم، ويستعمل عبارة:"وقيل"، أو "وقال البعض"، أو "وذهب البعض"، وفي بعض يجمع بين الطّريقتين في المسألة الواحدة، فتجده ينسب بعض الأقوال، ولا ينسب أخرى.
فمن أمثلة عدم نسبته الأقوال لأصحابها، قوله في حكم أفعال النّبي - صلى الله عليه وسلم - التي لا تكون بيانا لنصّ، وليست معلومة الجهة والصّفة: «وأمّا إن لم تُعلم جهته بالنّسبة إليه فأمّته: قيل: يجب عليهم مثل فعله. وقيل: يُندبون. وقيل: بالإباحة. وقيل: بالوقف. وقيل: إن ظهر قصد القربة فندب عليهم، وإلّا فالإباحة» (2). ومن الأمثلة أيضا حكايته لاختلاف العلماء في رواية العدل عن مجهول الحال هل تُقبل أم لا؟ فقال: «قال بعض: تعديل؛ لأنّ الظاهر من العدل لا يروي إلا عن عدل. وقيل ليس بتعديل؛ لأنّ كثيرا من الرّواة يروي ولا يلتفت إلى ذلك. وقيل: إن عُلم من عادته أنّ لا يروي إلّا عن عدل فهو تعديل وإلا فلا» (3).
ومن أمثلة تصريحه ببعض أسماء أصحاب الأقوال دون بعض قوله في اختلاف العلماء في إفادة الخبر المتواتر للعلم: «واختلف في إفادته للعلم: فقال السّمنيّة والبراهمة لا بفيد العلم بل يفيد الظّن ... وقيل يفيد العلم في الإخبار عن الأمور الموجودة ... وقيل يفيد العم ضرورة مطلقا وهو قول الأكثر. وقيل يفيد العلم النّظري» (4).
فقد صرّح ببعض أسماء أصحاب الأقوال، ولم يصرّح ببعضهم، مكتفيا بنقل القول دون نسبة، وقد تكرّر هذا المنهج في عدّة مواضع من كتابه.
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 321، 322.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 370.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 456.
(4) الشماخي، المصدر نفسه، 434، 435. (1/71)
صفحة 72
3 - ترتيب أصحاب الأقوال حسب الأقدميّة:
راعى الشّماخيُّ التّرتيب الزّمني في عرضه لآراء الأصوليّين؛ وذلك لبيان التّطوّر التاريخي لها.
ومن أمثلة ذلك قوله في مسألة تخصيص الكتاب بخبر الواحد، حيث قال: «واختلفوا في الخبر المتواتر كخبر الواحد: قال بعض بجوازه. وقال ابن أبان يجوز بشرط كون العام قد خُصّ بدليل قطعي. وقال الكرخي (1) يشترط تخصيصه بدليل متّصل سواء كان قطعيّا أم ظنّيا. وقال الباقلاني بالتّوقّف بمعنى لا ندري أيجوز أم لا. وقيل بتقديم العام» (2).
4 - اختزال الأقوال:
تميّز منهج الشّماخي باختزاله الأقوال في بعض المسائل؛ وهذا سعيا منه للاختصار.
ومن أمثلة ذلك اختزاله لاختلاف الأصوليين في مسألة هل الكفار مخاطبون بفروع الشّريعة؟: «ولا يُشترط في التّكليف بالفروع الإيمان، وهو معنى قول الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة، وكذا لا يُشترط في التّكليف شيء من الشّروط الشّرعيّة؛ لأنّه لو كان شرطا لم تجب صلاة على مُحدث؛ لأنّ من شرطها الطّهارة وهي مفقودة، وخالف في ذلك أصحاب الرّأي» (3).
ومن الأمثلة أيضا قوله في مسألة: هل المباح مأمور به أم لا؟: «والمباح حكم شرعيٌّ، وهو غير مأمور به خلافا للكعبي» (4).
وهذا المنهج سمة بارزة، وقد تكرّر في كثير من مسائل الكتاب.
__________
(1) هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسن الكرخي، الفقيه والأصولي الحنفي، ولد سنة 260 هـ، وانتهت إليه رياسة الحنفيّة في زمانه، توفّي ببغداد سنة 340 هـ، من آثاره: "الأصول التي عليها مدار فروع الحنفيّة"، "شرح الجامع الصّغير"، "شرح الجامع الكبير". تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، تح: عبد الفتّاح محمّد الحلو، ط 2، دار هجر للطّباعة والنّشر، دم، 1413 هـ-1993 م، ص (2/ 493)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (15/ 422).
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 405.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 296.
(4) الشماخي، المصدر نفسه، 295. (1/72)
صفحة 73
5 - تحرير محلّ النّزاع وحصره:
التزم الشّماخيُّ هذا المنهج في عرضه لبعض المسائل، فقد يحرّر محلّ النزّاع في بداية المسألة، ومن أمثلة ذلك قوله في حكم نسخ الفحوى: «اعلم أنّهم اختلفوا في نسخ أصل الفحوى دونه أو العكس، وقد اتّفقوا على جواز نسخهما معا» (1).
وقد يترك تحرير محلّ النّزاع لآخر المسألة بعد أن يعرض أقوال العلماء فيها واستدلالاتهم، ومن أمثلة ذلك تحريره محلّ النّزاع في مسألة الاستثناء بعد جمل معطوفة هل يرجع على جميعها، أم على الجملة الأخيرة فقط؟ فقال: «واعلم أن لا خلاف في رجوعه إلى الأخير، ولا إلى الجميع مع القرينة وإنّما الخلاف في الظّهور عند عدم القرينة» (2).
ومن الأمثلة أيضا تحريره محلّ النّزاع في مسألة القياس في اللّغات، حيث قال بعد استعراضه لأقوال العلماء في المسألة: «وليس الخلاف فيما ثبت تعميمه بالنّقل كالضّارب يسمّى كلّ من صدر منه الضّرب، وكذا صيغة فاعل ومفعول، بل واسم الزّمان والمكان، واسم المصدر، وأفعل في التّفضيل، والصّفة المشبّهة وكرجل، بل وكذا سائر أسماء الأجناس، وفيما ثبت تعميمه بالاستقراء، كرفع الفاعل، ونصب المفعول، وغير ذلك من مسائل النّحو، وإنّما الخلاف في تسمية معنى مسكوت عنه كالنّبيذ واللائط والنّباش مثلا باسم معيّن كالخمر والزّاني والسّارق، لمعنى آخر يدور مع التّسمية وجودا وعدما» (3).
6 - استعراض أقوال العلماء في المسألة دون ترجيح:
قد يستعرض الشّماخيُّ أقوال العلماء في بعض المسائل ولا يُبدي رأيه فيها بترجيح أحدها صراحة.
ومن أمثلة ذلك عند حديثه عن تعارض القياس مع خبر الواحد لم يرجّح أيًّا من الأقوال صراحة، حيث قال: «اعلم أنّ القياس إذا عارضه خبر الواحد ولم يمكن الجمع بينهما، فقيل: الخبر مقدّم. وقيل: القياس مقدّم، وقال أبو الحسين البصري: إن كانت العلّة ثابتة بدليل قطعي قُدّم
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 479.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 398.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 213، 214. (1/73)
صفحة 74
القياس، وإن كان حكم الأصل مقطوعا به دون العلّة فالاجتهاد واجب حتّى يترجّح أحدهما على الآخر، وإلّا فالخبر مقدّم. وقيل: إن ترجّحت العلّة على الخبر بنص، ووجودها في الفرع قطعي قُدّم القياس، وإن كان وجودها ظنّيا فالوقف، وإن لم تترجّح العلّة بنصّ قدّم الخبر» (1).
ومن الأمثلة أيضا حكايته لاختلاف العلماء في اعتبار الدّوران مسلكا من مسالك التعليل، دون ترجيح أحد الأقوال، حيث قال: «واختُلف في إفادته العلّة، فقل: يفيدها ظنّا. وقيل: يفيدها يقينا. وقيل: لا يُفيدها، كتحريم الخمر لوجود الشدّة، لا قبلها حين كان عصيرا، ولا بعدها حين كان خلّا» (2).
7 - الاستدلال بالأدلّة النّقليّة والعقليّة:
استعمل الشّماخيُّ في استدلالاته الأدلّة النّقليّة والعقليّة، فقد كان يستدلّ بالقرآن الكريم، فيورد الآية أو جزءا منها لبيان موضع الشّاهد، كما كان يستدلّ أيضا بالحديث النّبوي، فأحيانا يورده بلفظه، وأحيانا بمعناه، وقد يذكر قصّته أو سببه، وفي بعض الأحيان يقتبس منه جزءا أو حتّى كلمة لبيانه موضع الشّاهد، وكان يستشهد بالإجماع، أو باتّفاق الأكثريّة، فيقول مثلا: "ذهب الأكثرون"، أو"الأكثر"، أو"ذهب الجمهور".
كما كان استعماله للقياس والأدلّة العقليّة بارزا وهو الأكثر في ردوده واعتراضاته، وربّما كان هذا سعيا منه للاختصار، ومن أمثلة ذلك قوله في حكم نسخ جزء العبادة أو شرطها هل هو نسخ للجميع أم لا؟: «والصّحيح أنّه ليس بنسخ للجميع؛ لأنّ الباقي من العبادة باق على ما كان عليه لم يزل، مثاله أن يأمر بصلاة أربع ركعات فينسخ ركعتين، أو أن يأمر بأنّ الصّلاة لا تكون إلّا بطهارة، فتنسخ الطّهارة» (3).
8 - استعمال الأسلوب التّعليمي (فإن قلت، قلنا):
ومن الأساليب التي انتهجها الشّماخيُّ في عرضه للآراء ومناقشتها استعماله للأسلوب التّعليمي القائم على طرح الأسئلة والإجابة عنها، ومن أمثلة ذلك تعليله لاستعمال عبارة "العلم" في حدّ أصول الفقه فقال: «والمراد بالعلم ههنا الإدراك، لا الملكة ولا القواعد، فإن قلت حمله
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 467، 468.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 579.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 475. (1/74)
صفحة 75
على القواعد أولى، فتكون تلك المقدّمات والأدلّة والعلل هي الأصول، وهم يُطلقون العلم تارة على القواعد، وتارة على الملكة، وتارة على الإدراك، والأوّل أظهر ولا يُعدل عنه إلّا بدليل، قلت: لا نسلّم أنّه أظهر، بل الأظهر حمله على الإدراك ... فإن قلت ما الفرق بين الثّلاثة، قلت: العلم في الأصل هو الإدراك ... » (1).
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 198. (1/75)
صفحة 76
المطلب الثاني: مميّزات أسلوبه.
1 - وضوح الأسلوب:
أسلوب الشّماخيِّ في كتابه شرح المختصر عربيّ فصيح مصوغ صياغة علميّة تناسب مسائل العلم الذي تناوله في استعمال مصطلحاته المتعارف عليها بين أهله، بخلاف كتابه مختصر العدل الذي جاء مُستغلق العبارة لإمعانه في الإيجاز.
وقد جاء مُجمل الكتاب بلغة امتازت بوضوح العبارة، وسلامة التّركيب، وجزالة اللّفظ، وهو ما يُتعارف عليه بالسّهل الممتنع، وهذا يدلّ على تمكّنه من اللّغة العربيّة، رغم كونه بربريّ الأصل والمنشأ.
لكنّ رغم هذا فلم يكن اللّفظ هو غايته؛ لذلك يُلحظ على أسلوبه أحيانا بعض الضّعف في الرّبط والصّياغة، ولعلّ ذلك يرجع لكون كتابه من بواكير أعماله، فكان منهجه التّأليفي لم يستقرّ بعد، وأسلوبه لا يزال في حاجة إلى تركيز (1).
وقد أعطى الإذن في نهاية كتابه لمن وجد فيه خللا في لفظه أو معناه أن يُصلحه، فقال: «وجعلت الإذن لمن وجد فيه خللا في اللّفظ أو المعنى أن يُصلحه ... وإن أنسأ الله في العمر، جعلت له شرحا بسيطا ليستوعب جميع مسائله» (2).
2 - الاختصار والإيجاز:
اختصار الشّماخيِّ لكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني عبارة عن اختصار ترتيب وتبويب مع إضافة مسائل وفوائد -لم يتعرّض لها الوارجلاني- من كتب أصوليّة أخرى، وهو ما صرّح به في مقدّمة كتابه، حيث قال: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام؛ لكثرة الكلام، استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره» (3).
وليس اختصاره بمعنى إيجاز لفظه وجعل القليل منه يفيد الكثير فقط.
__________
(1) مهنّي التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 177 - 180.
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 616.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 193، 194. (1/76)
صفحة 77
راعى أبو العبّاس الاختصار في كتابه مختصر العدل والإنصاف؛ وهو ما صّرح به في مقدّمة كتابه فقال: «استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره» (1)، ثم رأى وضع شرح عليه، يبيّن فيه لفظه ومعناه، وحاول أن يكون شرحه مستوفيا حقّه، فكان يصدّر الفقرة من المختصر بعبارة قولي ثمّ يورد المتن متضمّنا مسألة أو مسألتين أو أكثر، ثمّ يشرع في الشّرح مستعملا عبارة: "اعلم"، وكان يعتمد في شرحه على التّمثيل والتّوضيح وإيراد الأدلّة، وأحيانا يكتفي بتكرار ما جاء في المتن دون زيادة (2).
وقد جاء شرحه مختصرا أيضا، فكثيرا ما كان يصرّح بالاختصار في عدّة مواضع من كتابه، من ذلك قوله في بيان حدّ العلم: «وله زيادة بسط تركناه طلبا للاختصار» (3)، وقوله في بيان الشّرط والغاية والصّفة: «واعلم أنّ الشّرط والغاية والصّفة مثل الاستثناء فلا نطيل بإعادتها» (4)، كما أنّه فكّر عند فراغه من تأليفه في وضع شرح عليه يستوفي جميع مباحثه، حيث قال في آخر كتابه: «وإن أنسأ الله في العمر جعلت شرحا بسيطا ليستوعب جميع مباحثه» (5)
ولم يكن يتوسّع في ذكر المذاهب وأدلّتها خشية الإطالة، وفي كثير من الأحيان يكتفي بحكاية أقوال دون عزوها لأصحابها مستعملا عبارة: "وذهب البعض"، ودون ذكر ما استدلّوا به، كما كان يرشد إلى طلب تفصيل بعض المسائل في المطوّلات من الكتب، مثال ذلك قوله في الرّد على منكري النّسخ: «والرّد عليهم بالإجماع على أنّ شريعتنا ناسخة لما قبلها، وبيان ذلك يحتاج إلى بسط طويل، فاطلبه في الكتب المبسوطة» (6)، وفي بعض الأحيان كان يُرشد إلى تفصيل بعض المسائل في مؤلّفاته الأخرى، وذلك مثل قوله في مقدمة الكتاب في بيان الحمد والشّكر والاشتقاق في اسم الجلالة: «قد بسطنا ذلك في مرج البحرين فلينظر الراغب هناك فإنّه مفيد» (7)، ومن الأمثلة أيضا قوله في بيان حدّ الإدراك: «وقد بسطناه في مرج البحرين» (8).
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 193، 194.
(2) مهنّي التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 168، 169.
(3) الشماخي، المصدر السابق، 199.
(4) الشماخي، المصدر نفسه، 398.
(5) الشماخي، المصدر نفسه، 616.
(6) الشماخي، المصدر نفسه، 470، 471.
(7) الشماخي، المصدر نفسه، 191.
(8) الشماخي، شرح مختصر العدل، 201. (1/77)
صفحة 78
ولكنّ يُلحظ عليه إلى جانب انتهاجه للاختصار، استطراده في بعض المواضع، فتجده على سبيل المثال ينتقل من حديث إلى آخر، وقد يتطرّق لبعض المسائل الكلامية ضمن حديثه عن بعض المباحث اللّغويّة، ومن أمثلة ذلك انتقاله من الحديث عن مسألة كون المجاز والاشتراك خلاف الأصل إلى الحديث عن وجود الله، حيث قال: «واعلم أنّ وجود الله حقيقة بلا خلاف، وفي وجودنا حقيقة خلاف منه النّاشئ، والصّحيح أنّه حقيقة، لكنّ وجود الله واجب ووجودنا ممكن والواجب أحقّ وأولى من الممكن» (1) (2).
3 - التّبويب وترتيب المسائل:
رتّب الشّماخي كتابه في عشرة أبواب، مع مقدّمة وخاتمة، ولم يلتزم طريقة الوارجلاني في تقسيم مباحث الكتاب، وإنّما أعاد ترتيب موضوعات كتابه ترتيبا منطقيّا مخلّصا إياها من المسائل الكلامية، فكان تقسيمه دقيقا.
4 - التأثّر بالفكر المنطقي في ترتيب الكتاب وعرضه:
تأثّر الشّماخيُّ بالفكر المنطقي كغيره من الأصوليّين المتأخّرين في ترتيب مسائل الكتاب، فقد قسّم الكتاب إلى أبواب، وقسّم الأبواب إلى فصول، وقسّم الفصول إلى مباحث، والمبحث إلى أقسام، والقسم إلى فروع، ثمّ رتّب الأفكار إلى أولى وثانية وثالثة ... ، كما بدا استعماله للفكر المنطقي في صياغته للمعلومات، فتجده يقرّر المقدّمة ويبني عليها النّتائج، من ذلك ما جاء في مبحث أفعال الرّسول، حيث قال: «وقد تقدّم أنّ الأفعال لا يصحّ فيها دعوى العموم ... فإذا تقرّر هذا، فأفعال الرّسول - صلى الله عليه وسلم - أيضا لا تعم» (3).
5 - الاهتمام بالتّعريف بالمصطلحات وشرحها:
يلاحظ على منهج الشّماخيِّ النّزعة إلى تحديد وصياغة الحدود، ولا شكّ أنّ ذلك يحتاج إلى الملكة الفكريّة، فقد أبدى اهتماما بالغا بالتّعريف بالمصطلحات المتعلّقة بموضوع المسألة؛ فتجده يقدّم بين يدي كلّ موضوع التّعريف اللّغوي والاصطلاحي، ويفسّر قيود تعريفه ومحترزاته، كما كانت له قدرة على نقد التّعريفات والحدود.
__________
(1) الشماخي، المصدر نفسه، 241.
(2) مهنّي التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 171.
(3) ينظر: الشماخي، المصدر السابق، 366؛ مهنّي التيواجني، المرجع السابق، 168. (1/78)
صفحة 79
6 - دقّة الصّياغة واختيار الألفاظ:
كان الشّماخيُّ دقيقا في صياغته وانتقائه للألفاظ، وبخاصّة في الحدود والتّعريفات؛ فغالبا ما كان يعّلل سبب تقديمه لموضوع على آخر، واختياره للفظ دون آخر.
فمن أمثلة ذلك تعليله لإيراده حدّ أصول الفقه بقوله: «بدأت بالحدّ؛ لأنّ كلّ طالب علم لا بدّ أن يتصّوره أوّلا بحدّه أو برسمه؛ ليكون على بصيرة في طلبه، لأنّ من ركب متن عمياء خبط خبط عشواء، إذ لو طلبه من غير تصوّره مع تشعّب مسائل العلم فاته ما يطلب» (1)، ومن الأمثلة أيضا تعليله اختيار لفظ (جري) في تعريف القياس بقوله: «قولي (جري): جنس، والمراد به وجود التّسوية في الحكم لا ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنّ ثبوت الحكم فيه نتيجة للقياس فلا يكون جنسا له» (2)
7 - إيراد الفوائد الجانبيّة:
كان الشّماخيُّ خلال شرحه لنصوص مختصره يورد بعض الفوائد الجانبيّة، خاصّة اللّغويّة منها، فمن أمثلة ذلك قوله في مقدّمة الكتاب في شرح عبارة "وأرغب إليه أن يخلص لوجهه، وهو حسبي ونعم الوكيل": «(أن يخلص) أي يوفّقني أن أكون مخلصا المختصر له، (ونعم الوكيل) معطوف على (وهو حسبي) أي وهو نعم الوكيل، أو على (حسبي)، ولا حاجة بتقديره بفعل؛ لأنّ الجملة التي لها محلّ تعطف على المفرد من غير تأويل، نحو قوله تعالى: {وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ} (3)، ومعطوف على {وجيها}؛ ولذا بعض الفضلاء جوّز عطف الإنشاء على الخبر، فلا إشكال إذًا» (4).
8 - الحيدة والموضوعيّة:
من أعظم ما يميّز كتاب الشّماخيِّ موضوعيّته وابتعاده عن التّعصّب؛ فإذا عرض المسألة جعل الحقّ والحقيقة العلميّة مذهبه وخلع رداء التّقليد، فمع كونه مختصرا لكتاب الوارجلاني إلّا أنّ هذا لم
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 197.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 525.
(3) سورة آل عمران، الآية: 46.
(4) الشماخي، المصدر نفسه، 195. (1/79)
صفحة 80
يمنعه من مخالفته له في كثير من المسائل، كما أنّه خالف جمهور الإباضيّة أيضا في بعض المسائل، وسيتمّ إيراد أمثلة عن ذلك في المبحث الموالي -بحول الله-، كما أنّه كان لا يتحرّج من التّعليق على آراء الغير بالتّصويب أو التّخطئة، حتى مع كبار الأصوليّين.
9 - احترام العلماء وإنصافهم، والبُعد عن التّعصّب والهوى:
اتّسم منهج الشّماخيِّ في التّعامل مع العلماء بالاحترام والتّقدير والإنصاف، والالتزام بآداب المناظرة وإعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، فتجده يقف موقف الاحترام للمخالفين الذين هم على غير رأيه؛ إذ يعرض أقوالهم أحيانا مؤيّدة بأدلّتهم ثمّ يعود عليها بالنّقض في أسلوب علمي.
وهذا المنهج باد من خلال مناقشاته للمسائل ولأقوال العلماء فيها، فلا يستعمل ألفاظا فيها تجريح أو سبّ أو انتقاص حتّى في الحالات التي يردّ فيها أقوالهم، ومن أمثلة ذلك قوله في الرّد على الغزالي وابن الحاجب اللّذان يريان التّوقّف، وعدم جواز المبادرة إلى العمل بالعموم قبل البحث عن مخصّص: «والعجب من الغزالي مع حفظه، حيث قال: لا خلاف في أنّه لا يجوز المبادرة على العمل بالعموم قبل البحث عن الأدّلة المخصّصة ... وأعجب منه ابن الحاجب حيث قال: يمتنع العمل بالعموم قبل البحث عن مخصّص إجماعا» (1).
كما أنّه التزم هذا المنهج حتّى في الرّد على بعض الأقوال التي يرى فيها انحرافا، ومثال ذلك قوله في الردّ على بعض الظّاهريّة الذين أجازوا نسخ التّوحيد: «ولا يجوز النّسخ في معرفة الله وتوحيده وصفاته ... خلافا لبعض الظّاهريّة، بل جوّز نسخ التّوحيد، وأجاز الأمر بالتّثنيّة وبعبادة الأوثان، فيكون التّوحيد كفرا لو فعل ... وأنا مستغن عن حكاية هذا القول، بل تبت إلى الله من ذلك» (2).
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 355.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 472. (1/80)
صفحة 81
المبحث الرّابع: من المسائل التي خالف فيها الشماخيُّ الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة.
تمهيد: خالف الشّماخيُّ الوارجلانيَّ في طريقة ترتيبه وتبويبه لمسائل الكتاب، كما أنّه توسع في إدراج بعض المسائل التي لم يتعرض الوارجلاني لها بالذكر، من ذلك: تصديره لكتابه بمقدّمة حوت المبادئ المنطقية والكلاميّة واللّغويّة، بالإضافة إلى اهتمامه بوضع الحدود والتّعريفات، والتعرّض لبيان أقسام الحكم الوضعي، والاعتراضات الواردة على القياس (قوادح العلّة)، والمصلحة المرسلة وشرع من قبلنا، ومباحث التّقليد، والترجيح بين الأدلة، وغيرها من المسائل.
كما أنّه فصّل بعض المباحث الأصوليّة التي تناولها الوارجلاني مختصرة، فمن ذلك:
- إفراده بابا خاصا للمنطوق والمفهوم بيّن طرق الدّلالات خلافا للوارجلاني الذي اكتفى ببعض الإشارات فقط.
- تخصيصه فصلا خاصا لبيان أحكام المطلق والمقيّد في نهاية باب العموم والخصوص ولم يورد تعريفا لهما، بخلاف الوارجلاني الذي أدرجهما ضمن مباحث العام والخاص.
- تفصيل أقسام القياس ومسالك التّعليل، وغير ذلك من المسائل.
ولم يتعرّض بالذّكر لكثير من المواضيع التي تناولها الوارجلاني؛ لأنّه رأى أنّها ليست من صميم أصول الفقه، فهي إما متعلّقة بعلم الكلام، أو بالسّياسة الشّرعيّة، أو بالفقه وقواعده.
وهذا ماصرّح به في مقدّمة كتابه -كما سبق بيانهـ-.
وفي هذا المبحث سأحاول -بإذن الله- ذكر بعض المسائل الأصوليّة التي خالف فيها الوارجلاني، باعتباره مختصرا لكتابه، ثمّ أتناول المسائل التي خالف فيها رأي جمهور الإباضيّة، حيث أبيّن اسم المسألة، وأذكر رأي الوارجلاني فيها، ثم رأي الشّماخي، دون استعراض للأدّلة؛ لأنّ تفصيل هذه المسائل موجود في ثنايا البحث. (1/81)
صفحة 82
المطلب الأوّل: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ الوارجلاني.
1 - حكم الأشياء قبل ورود الشّرع، هل هي على الإباحة أم الحظر؟
يرى الوارجلانيُّ أنّ حكمها الإباحة (1)، أمّا الشمّاخيُّ فيرى أنّ حكمها الحظر (2).
2 - مسألة هل المندوب مأمور به؟
يرى الوارجلانيُّ أنّ المندوب غير مأمور به (3)، والشّماخيُّ يرى أنّه مأمور به (4).
3 - هل وقع المعرّب في القرآن الكريم؟
رأي الوارجلاني أنّ القرآن كلّه عربي، ولا وجود فيه لألفاظ معرّبة (5)، أمّا الشّماخيُّ فيرى وقوع المعرب في القرآن الكريم، مستدلّا بإجماع النّحاة (6).
4 - حكم رواية الصّبي الذي تحمّل الرّواية صغيرا ثمّ أدّاها بعد بلوغه:
فالوارجلاني (7) يرى عدم قبولها، أمّا الشّماخيُّ فيرى قبولها، بشرط أن يكون ضابطا (8).
5 - إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
فالوارجلانيُّ يرى جواز إحداث قول ثالث مطلقا (9)، أمّا الشّماخيُّ فيرى أنّ إحداث القول الثالث إن كان يرفع ما اتّفق عليه المجمعون فلا يجوز، وإن كان لا يرفعه فجائز (10).
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، تح: عمرو خليفة النّامي، بحث مرقون غير منشور، ص (1/ 88).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 279.
(3) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 68).
(4) الشماخي، شرح شرح مقدّمة التّوحيد، 98.
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 52).
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 249.
(7) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 210).
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 446.
(9) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 260).
(10) الشّماخي، المصدر السابق، 503. (1/82)
صفحة 83
6 - ابتداء اللّغات هل كان توقيفا أو مواضعة؟
فالوارجلانيُّ يسوّغ الاحتمالين (1)، والشّماخيُّ يرى التوقّف (2).
7 - أقلّ الجمع:
رأي الوارجلانيِّ أنّ أقلّ الجمع ثلاثة (3)، أمّا الشّماخيُّ فيرى أنّه اثنين (4).
8 - هل يعتبر بدل البعض من مخصّصات العموم المتّصلة؟
لم يعتبره الورارجلانيُّ من المخصّصات؛ إذلم يذكره ضمن المخصّصات، أمّا الشّماخيُّ فيعتبره من مخصّصات العموم المتّصلة (5).
9 - حكم الاستثناء بعد جمل معطوفة بعضها على بعض هل يرجع على جميعها، أم على الجملة الأخيرة فقط؟
يرى الوارجلانيُّ أنّ الاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور (6)، والشّماخيُّ يرى أنّه يرجع على الجميع (7).
10 - حمل المطلق على المقيّد عند اتّحاد الحكم واختلاف السّبب:
يرى الوارجلانيُّ حمل المطلق على المقيّد في هذه الحالة دون أيّ شرط (8)، أمّا الشّماخيُّ فيرى حمل المطلق على المقيّد بشرط توفّر علّة جامعة بينهما (9).
11 - هل يُعتبر العلوّ والاستعلاء في الأمر؟
يرى الوارجلانيُّ عدم اعتبار العلوّ والاستعلاء في الأمر (10)، والشّماخيُّ يرى اعتبار الاستعلاء
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 44).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 211، 212.
(3) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 49).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 357، 358.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 389.
(6) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 168).
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 396 - 398.
(8) ينظر: الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 170).
(9) الشّماخي، المصدر السابق، 416.
(10) ينظر: الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 98). (1/83)
صفحة 84
دون العلو (1).
12 - هل الأمر يدلّ على التّكرار أم على المرّة الواحدة؟
يرى الوارجلانيُّ أنّ الأمر لا يفيد التّكرار، ولم يصرّح بكونه يدلّ على المرّة الواحدة أم لا (2)، أمّا الشّماخيُّ فيرى أنّ الأمر لا يدلّ على التّكرار ولا على المرّة الواحدة، وإنّما يدلّ على طلب الماهيّة (3).
13 - هل الأمر المطلق يدلّ على الفور أو التّراخي؟
يرى الوارجلانيُّ أنّ الأمر يدلّ على التّراخي (4)، أمّا الشّماخيُّ فاختار القول بأنّه لا يدلّ على الفور ولا على التّراخي، إلّا بقرينة خارجيّة (5).
14 - مسألة أثر النّهي في المنهي عنه، هل يقتضي النّهي فساد المنهي عنه أم لا؟
رأي الوارجلاني أنّ النّهي قد يقتضي الفساد في بعض المواضع دون بعض، أي أنّ الأمرين ممكنان جميعا، ولكل واحد موضع (6)، أمّا الشماخيُّ فيرى أنّ النّهي يقتضي لغة لا شرعا فساد المنهي عنه (7).
15 - المعنى اللّغوي للنّسخ:
يرى الوارجلانيُّ أنّ النّسخ في اللّغة يطلق على ثلاثة معان وهي: النّقل، الإزالة، الإبطال (8)، والشّماخيُّ يرى أنّه يطلق على النّقل والإزالة فقط (9).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 300.
(2) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 95).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 312.
(4) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 100).
(5) العضد، شرح مختصر المنتهى، 169.
(6) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 119).
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 332.
(8) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 218).
(9) الشّماخي، المصدر السابق، 469. (1/84)
صفحة 85
16 - حكم نسخ الثّواب والعقاب والطاعة والمعصيّة:
الوارجلانيُّ يرى جواز ذلك (1)، أمّا الشّماخيُّ فيرى عدم جوازه (2).
17 - هل يجوز نسخ المتواتر بالآحاد؟
الوارجلانيُّ يرى جواز ذلك (3)، والشّماخيُّ يرى عدم جوازه (4).
18 - ترتيب طرق درء التّعارض:
الوارجلانيُّ يرى أنّ المقدّم هو النّسخ، ثم الجمع، ثمّ الترجيح (5)، أمّا الشماخيُّ فيرى أنّ المقدّم عند التّعارض هو الجمع، يليه النّسخ، ثمّ الترجيح (6).
19 - أقسام القياس:
قسّم الوارجلانيُّ القياس الشّرعي إلى قياس جليّ وقياس خفي، والجليَّ ضربان قياس علّة منصوص عليها، وقياس علّة مستنبطة، والخفيَّ ضربان قياس شبه، وقياس الاستحسان (7)، فهو يرى أنّ القياس الجليَّ هو ما ثبت بنص أو إجماع، أمّا الخفيّ فهو ما ثبتت علّته بالاستنباط، وقد جرت عادة الأصوليّين على عدم تسمية هذه قياسات، وإنّما يُدرجونها ضمن مسالك التّعليل، بخلاف الشّماخيِّ الذي يقسّم القياس الشّرعي باعتبارين: فباعتبار القوّة، قسمه إلى: جلي وخفي، وباعتبار العلّة، قسمه إلى: قياس علّة، قياس دلالة، قياس في معنى الأصل، قياس الشّبه، قياس المفهوم (8).
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 221).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 473.
(3) ينظر: الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 232)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 678.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 482، 483.
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 177).
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 606.
(7) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (3/ 336).
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 581 - 584. (1/85)
صفحة 86
المطلب الثاني: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ جمهور الإباضيّة.
1 - حكم الأشياء قبل ورود الشّرع، هل هي على الإباحة أم الحظر؟
رأي جمهور الإباضيّة أنّ حكمها الإباحة (1)، أمّا الشمّاخيُّ فيرى أنّها على الحظر (2).
2 - وقوع المعرّب في القرآن الكريم:
رأي جمهور الإباضيّة هو نفي وقوعه فيه (3)، أمّا الشّماخيُّ فيرى وقوع المعرّب في القرآن الكريم، مستدلّا بإجماع النّحاة (4).
3 - مسألة تعارض القياس مع خبر الواحد:
يقدّم جمهور الإباضيّة القياس على خبر الواحد عند التّعارض (5)، أمّا الشّماخيُّ فيرى تقديم القياس إن كانت علّته ثابتة بنص أرجح من الخبر، ووجودها في الفرع قطعي، أمّا إن كان وجودها فيه ظنّيا فيُتوقّف، وإن لم تترجّح العلّة بنصّ قدّم الخبر (6).
4 - ترتيب طرق دفع التّعارض الظّاهري بين الأدلّة:
منهج الإباضيّة هو تقديم النّسخ، فإن تعذّر يُلجأ بعده على الجمع، يليه الترجيح، ثم التساقط أو التّوقّف (7)، أمّا الشّماخيُّ فيرى أنّ المقدّم عند التّعارض هو الجمع، يليه النّسخ، ثمّ الترجيح، ثم التّوقّف أو اختيار الأحوط (8).
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 88)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 280؛ السّالمي، طلعة الشّمس على الألفيّة، تح: عمر حسن القيّام، دط، دن، مسقط، عمان، 1432 هـ-2010 م، ص (2/ 276). امحمّد اطفيّش، الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، دط، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، دت، 4.
(2) الشّماخي، المصدر السابق، 279.
(3) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 179.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 249.
(5) ينظر: السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 33)؛ باجو، المرجع السابق، 655.
(6) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 463 و 467.
(7) ينظر: ابن بركة، كتاب الجامع، تح: عيسى يحي الباروني، دط، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، دت، ص (2/ 52)؛ السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 281)؛ باجو، المرجع السابق، 638، 639.
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 606. (1/86)
صفحة 87
5 - تقسيم المناسب المرسل إلى ماعُلم إلغاؤه وما لم يُعلم:
فقد انفرد الشماخيُّ دون سائر أصوليّي الإباضيّة بهذا التّقسيم، حيث جعل المناسب الملغيّ جزءا من المناسب المرسل (1).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 575. (1/87)
صفحة 88
المبحث الخامس: أنواع المناهج الأصوليّة، وبيان ما سلكه الشماخيُّ منها.
المطلب الأوّل: أنواع المناهج الأصوليّة.
أقدم مؤلّف أصوليٍّ وصل إلينا هو كتاب الرّسالة المنسوب للإمام الشّافعي (ت 204 هـ) (1)، ثم تتابعت المؤلّفات الأصوليّة بعده من شتّى المذاهب الإسلاميّة، وقد تميّزت عدّة مناهج في التّأليف الأصولي، ويمكن حصرها في ثلاثة مدارس كالآتي:
الفرع الأوّل: مدرسة المتكلّمين:
يُعدّ الإمام الشّافعيُّ واضع أُسُس هذه المدرسة ومنهجها العلمي؛ لذلك يُطلق عليها طريقة الشافعيّة، وسبب تسميتها بمدرسة المتكلّمين هو أنّ معظم المؤلّفين على هذه الطّريقة من الذين اشتغلوا بعلم الكلام، حيث ظهر التّأثير الكلامي على مؤلّفاتهم الأصوليّة. وقد استهوى هذا المنهج الكثير من علماء الكلام المعتزلة والأشاعرة؛ لأنّه يتماشى مع ميولهم العقليّة، كما التزم هذا المنهج كلّا من المالكيّة، والحنابلة، والمعتزلة، والإباضيّة، والشّيعة الإماميّة والزّيديّة.
وقد تميّزت هذه الطّريقة بتقرير القواعد الأصوليّة حسبما تدلّ عليه الدّلائل والبراهين النّصية واللّغوية والكلاميّة والعقليّة، من غير التفات إلى الفروع الفقهيّة إلّا على سبيل التّمثيل والإيضاح، كما تميّز منهجهم بالاهتمام الزّائد بالحدود والتّعريفات، والذي جاء نتيجة لاشتغالهم بالمنطق وتوظيفهم له.
__________
(1) هو أبو عبد الله محمّد بن إدريس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، الإمام المجتهد، أحد الأئمّة الأربعة، ولد بغزة سنة 150 هـ، ونشأ بمكّة، ارتحل إلى بغداد ومنها إلى مصر، وتوفي بها سنة 204 هـ، من آثاره: "الأم"، "المسند"، "أحكام القرآن". تنظر ترجمته: أبو إسحاق الشيرازي، طبقات الفقهاء، تح: إحسان عبّاس، ط 1، دار الرّائد العربي، بيروت، لبنان، 1970 م، ص (1/ 71)؛ الذّهبي، سير أعلام، ص (10/ 2). (1/88)
صفحة 89
ومن أشهر الكتب المؤلّفة على هذه الطّريقة:
- كتاب الرّسالة للإمام الشافعي.
- كتاب العمد للقاضي عبد الجبّار المعتزلي (ت 415 هـ) (1).
- كتاب المعتمد لأبي الحسين البصري (ت 436 هـ) (2).
- كتاب البرهان لإمام الحرمين الجويني (ت 478 هـ).
- كتاب المستصفى من علم الأصول لأبي حامد الغزالي (ت 505 هـ).
وغيرها من المصنّفات.
الفرع الثاني: مدرسة الفقهاء.
وتسمّى بطريقة الحنفيّة، وتمتاز هذه الطّريقة بأنّها تقرّر القواعد الأصوليّة على مقتضى ما نُقل من الفروع الفقهيّة، بغضّ النّظر عن مجرّد البرهان النّظري؛ لذا كثُر في مصنّفاتهم ذكر الفروع والقواعد المتّفقة معها، حتّى إذا وجدوا قاعدة تتعارض مع بعض الفروع المقرّرة في مذهبهم عمدوا إلى تعديلها بما يتّفق والفروع الفقهيّة؛ ولذا سمّيت هذه الطّريقة بطريقة الفقهاء.
وممّا يميّز هذه الطّريقة أيضا أنّ منهجها عمليٌّ قائم ربط الأصول بالفروع، ومزج الأصول بالفروع، كما أنّها خدمت الفقه بنحو جلي، من خلال التّأليف في الخلاف وفي تخريج الفروع على الأصول. ونتيجة لهذا التّركيز الفقهي خلت مؤلّفاتهم من من المصطلحات المنطقيّة، والمباحث الكلاميّة التي زخرت بها كتب المتكّلمين.
ومن أشهر المصنّفات على هذه الطّريقة:
- رسالة الإمام أبي الحسن الكرخي (ت 304 هـ) حول الأصول التي عليها مدار الحنفيّة.
- كتاب الفصول في الأصول، لأبي بكر الرّازي، المعروف بالجصّاص (ت 370 هـ) (3).
- كتاب أصول البزدوي، لفخر الإسلام علي بن محمد البزدوي (ت 482 هـ) (4).
- كتاب أصول السّرخسي لشمس الأئمة السّرخي، (ت 490 هـ) (5).
وغيرها من المصنّفات (6).
الفرع الثالث: مدرسة المتأخّرين بالجمع بين الطّريقتين.
ظهرت في القرن السّابع الهجري طريقة جديدة في التّأليف الأصولي اهتمّت بالجمع بين طريقتي المتكلّمين والحنفيّة، حيث عني أصحابها بتحقيق القواعد الأصوليّة وإثباتها بالأدلّة، وأوّل من انتهج هذه الطّريقة مظفّر الدّين أحمد بن علي السّاعاتي الحنفي (ت 694 هـ) (7)، وذلك
__________
(1) هو أبو الحسين عبد الجبّار بن أحمد بن عبد الجبّار الهمذاني الأسد أبادي، الفقيه والأصولي والمتكلّم المعتزلي، كان شيخ المعتزلة في عصره، ولي القضاء بالرّي وتوفّي بها سنة 415 هـ، من آثاره: "شرح الأصول الخمسة"، "العمد". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 233)؛ الزركلي، الأعلام، ص (3/ 224).
(2) هو أبو الحسين محمّد بن علي بن الطيّب البصري، الأصولي والمتكلّم المعتزلي، ولد بالبصرة وسكن بغداد وتوفّي بها سنة 436 هـ، من آثاره: "المعتمد في أصول الفقه"، "شرح الأصول الخمسة". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (17/ 92)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (14/ 202).
(3) هو أبو بكر أحمد بن علي الرّازي الملقّب بالجصّاص، الأصولي والفقيه الحنفي، من أهل الرّي، ولد سنة 305 هـ، سكن بغداد وتوفّي بها 370 هـ، من آثاره: "أحكام القرآن"، "الفصول في الأصول". تنظر ترجمته: محي الدين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (1/ 65)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (16/ 399)؛ الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 144).
(4) هو أبو الحسين علي بن محمّد بن الحسين بن عبد الكريم البزدوي، الأصولي والفقيه الحنفي، يلقّب بفخر الإسلام، من سكان سمرقند، ولد سنة 400 هـ، وتوفّي سنة 482 هـ، من آثاره: "المبسوط"، "كنز الوصول". تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (1/ 286)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (18/ 82).
(5) هو أبو بكر محمّد بن أبي سهل السّرخسي، الملقّب بشمس الأئمة، الأصولي والفقيه والمتكلّم الحنفي، أخذ العلم عن أبي محمّد بن عبد العزيز الحلواني، توفّي سنة 490 هـ، من آثاره: "المبسوط"، "أصول السرخسي". تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (3/ 78)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (18/ 160).
(6) ينظر: عبد الوهّاب أبو سليمان، الفكر الأصولي-دراسة تحليليّة نقديّة-، ط 1، دار الشّروق، جدّة، السّعوديّة، 1403 هـ-1983 م، 446 - 455؛ شعبان محمد إسماعيل، أصول الفقه تاريخه ورجاله، ط 1، دار المريخ، الرّياض، السّعودية، 1401 هـ-1981 م، 25 - 38؛ وهبة الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1414 هـ-1994 م، 17 - 19.
(7) هو مظفّر الدّين أحمد بن علي بن تغلب ابن الساعاتي، الأصولي والفقيه الحنفي، نشأ ببغداد، وتولّى تدريس الحنفيّة في المستنصريّة، توفّي سنة 694 هـ، من آثاره: "مجمع البحرين وملتقى النّيرين"، "بديع النّظام الجامع بين البزدوي والإحكام". تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (1/ 52)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (1/ 54). (1/89)
صفحة 90
من خلال كتابه "بديع النّظام الجامع بين أصول البزدوي والإحكام"، حيث جمع فيه بين كتاب البزدوي الحنفي، والآمدي الشّافعي.
ومن الكتب المؤلّفة على هذه الطّريقة:
- كتاب تنقيح الأصول لصدر الشّريعة عبيد الله بن مسعود الحنفي (ت 747 هـ) (1)، فقد جمع فيه بين ثلاثة كتب وهي: أصول البزدوي، المحصول للرّازي، ومختصر ابن الحاجب.
- كتاب جمع الجوامع لتاج الدّين السبكي (2).
وغيرها من المصنّفات (3).
المطلب الثّاني: المدرسة الأصوليّة التي ينتمي إليها الشّماخي.
سبق الحديث في المبحث السّابق عن المدارس الأصوليّة، والمناهج التي كانت تنتهجها كلّ مدرسة في التّأليف الأصولي، والآن سأتحدّث عن الطّريقة التي انتهجها الشّماخيُّ في كتابة أصول الفقه.
يظهر من خلال ما سبق من بيان منهج الشّماخيِّ وأسلوبِه في كتابه "مختصر العدل والإنصاف وشرحه" اتّباعه منهج المتكلّمين في التّأليف، ويظهر ذلك من خلال اعتماده على تأصيل القواعد الأصوليّة دون الالتفات إلى الفروع الفقهيّة إلّا على سبيل التّمثيل والإيضاح، كما يتجلّى ذلك من خلال منهجه في الاحتجاج والجدل، وسيره على طريقة المناطقة في تقاسيم الألفاظ ودلالتها، وفي ضبط الحدود والتّعاريف، بالإضافة إلى تناوله لبعض المسائل الكلاميّة وبخاصّة في باب التّكليف والاستطاعة، وبعثة النّبي وبلوغ الحجّة.
__________
(1) هو عبيد الله بن مسعود بن محمود بن أحمد المحبوبي البخاري، الأصولي والفقيه الحنفي، الملقّب بصدر الشّريعة، توفّي ببخارى سنة 747 هـ، من آثاره:"تعديل العلوم"، "تنقيح الأصول". تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (2/ 82)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (4/ 35).
(2) هو أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي السبكي، الفقيه والأصولي والمؤرّخ الشّافعي، ولد بدمشق سنة 727 هـ وتولى منصب قاضي القضاة، وكان طلق اللّسان وقويّ الحجّة، توفي بدمشق سنة 771 هـ، من آثاره: "جمع الجوامع"، "طبقات الشافعيّة الكبرى". تنظر ترجمته: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعيّة، تح: الحافظ عبد العظيم خان، ط 1، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1407 هـ، ص (3/ 104)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (8/ 497).
(3) ينظر: شعبان محمد إسماعيل، أصول الفقه تاريخه ورجاله، 39، 40؛ وهبة الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 20. (1/90)
صفحة 91
ولكن يُلحظ على منهجه بعض الشَّبه بطريقة الحنفيّة، ويتجلّى ذلك في تقسيمه الأخبار إلى متواترة ومشهورة وآحاد.
وهذا المنهج في التّأليف هو الملحوظ على سائر المؤلّفات الأصوليّة الإباضيّة (1).
__________
(1) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 841. (1/92)
صفحة 92
الفصل الثالث:
آراؤه الأصوليّة في المقدمات ومباحث الحكم الشرعي والأدلّة.
المبحث الأوّل: المقدّمات.
المبحث الثّاني: حقيقة الحكم الشّرعي وأقسامه.
المبحث الثّالث: الحاكم.
المبحث الرّابع: المحكوم فيه.
المبحث الخامس: الأدلّة المتّفق عليها.
المبحث السادس: الأدلّة المختلف فيها. (1/93)
صفحة 93
المبحث الأوّل: المقدّمات
تمهيد: علاقة أصول الفقه بعلم الكلام والمنطق.
إنّ النّاظر في مصنّفات علم أصول الفقه يدرك أنّها قد تأثّرت عبر العصور بعلوم أخرى كالمنطق الأرسطي و علم الكلام؛ وهذا التّأثّر ناتج عن تأثّر المؤلّفين بتلك العلوم.
ويظهر هذا التأثّر الكلامي بخاصّة في المؤلّفات الأصوليّة على منهج المتكلّمين، فتجد فيها الكثير من المسائل الكلاميّة؛ حتّى أنّه استقرّ عند الأصوليّين اعتبار علم الكلام من روافد علم الأصول؛ فقد بيّن ذلك إمام الحرمين الجويني في مقدّمة كتابه "البرهان في أصول الفقه" فقال: «حقّ على كل من يحاول الخوض في فن من فنون العلوم أن يحيط بالمقصود منه وبالمواد التي منها يستمد ذلك الفن وبحقيقته وفنه وحده ... فأصول الفقه مستمدة من الكلام والعربية والفقه» (1).
وعلّل الآمديُّ ذلك بأنّ العلم بكون أدلّة الأحكام مفيدة لها شرعا متوقّف على معرفة الله تعالى، وصفاته، وصدق رسوله - صلى الله عليه وسلم - فيما جاء به (2).
ويتجلّى توظيف الأصوليّين لعلم الكلام؛ من خلال اعتمادهم عليه في الاستدلال على قواعد علم الأصول ومسائله، وذلك كالبحث في الدّليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم والظّن، ومعرفة الدّليل والنّظر، والحاكم هل هو العقل أم الشّرع؟ والتّحسين والتّقبيح من حيث صلتهما بالأحكام التّكليفيّة، وغيرها من مباحث علم الكلام المبثوثة في كتب الأصول (3).
فالكثير من المسائل الكلاميّة صارت مشتركة بين علم الكلام وأصول الفقه؛ كمسائل الأخبار، وحجّيّة المتواتر، وأخبار الآحاد، ومسائل التّكليف، والاستطاعة، والإكراه، وغيرها.
__________
(1) الجويني، البرهان في أصول الفقه، تح: صلاح بن محمّد بن عويضة، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1997 م، ص (1/ 7)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 17).
(2) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق، سيد العربي، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402 هـ، ص (1/ 24).
(3) ينظر: عبد الوهّاب أبو سليمان، الفكر الأصولي، 22، 23؛ محمد العروسي، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، دط، مكتبة الرشد، دم، دت، 13. (1/94)
صفحة 94
وقد أرجع الغزاليُّ إكثار المتكلّمين من المسائل الكلامية في مصنّفاتهم إلى ولعهم به وحبّهم له، فقال: «وإنما أكثر فيه المتكلمون من الأصوليّين لغلبة الكلام على طبائعهم، فحملهم حب صناعتهم على خلطه بهذه الصّنعة» (1).
كما يظهر تأثّر الأصولييّن (2) بعلم المنطق من خلال المقدّمات المنطقيّة التي كانوا يصدّرون بها مؤلّفاتهم؛ فقد جرت العادة عندهم على تصدير مؤلّفاتهم الأصوليّة بمقدّمة حول العلم والمعرفة، حيث يتّعرضون لمفهوم العلم وأقسامه وطرقه ومفهوم الفكر ومقدّمات الاستدلال، وغير ذلكم من المسائل المنطقيّة، وهو ما يُصطلح عليه بمباحث العلم والمعرفة، ويعدّ إمام الحرمين الجويني أوّل من حاول مزج أصول الفقه بالمنطق الأرسطي، وجاء من بعده تلميذه أبو حامد الغزالي فأشاد بعلم المنطق، واعتبره من شروط الاجتهاد، حيث خصّص له مقدّمة ضافيّة في كتابه المستصفى (3).
ولم يشذّ الشمّاخيُّ عن هذا المنهج؛ حيث ظهر التّأثر الكلامي والمنطقي في كتابه جليّا، فقد تناول بعض المسائل الكلامية، وبخاصّة في باب التّكليف والاستطاعة، وبعثة النّبي وبلوغ الحجّة، كما كان توظيفه لعلم المنطق ظاهرا أيضا من خلال تقسيم الألفاظ ودلالتها وفي ضبط الحدود والتّعاريف (4).
وقد استهلّ كتابه "مختصر العدل والإنصاف وشرحه" بمقدّمة حوت التّعريف بأصول الفقه، وبيان حدّ العلم وأقسامه وطرقه، ومقدّمات البرهان وأنواعها، والتّعريف بالعقل والجوهر والدّليل، إضافة إلى ذلك تناول فيها الدّلالات اللّغوية، وأقسام الألفاظ.
هذا وقد حاول في اختصاره لكتاب الوارجلاني أن يخلّصه من المباحث الكلاميّة، حيث صرّح بذلك في مقدّمة كتابه فقال: «وكان كتاب العدل المنسوب إلى الإمام الحافظ أبي يعقوب يوسف بن
__________
(1) الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ص (1/ 15).
(2) ينظر: علي سامي النّشار، منهج البحث عند مفكّري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، ط 3، دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان، 1404 - 1984 هـ، 79 وما بعدها.
(3) ينظر: الغزالي، المصدر السابق، ص (1/ 17)؛ مصطفى باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 104.
(4) ينظر: مهني التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، صفحات 167 - 169؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 110؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 201، 202. (1/95)
صفحة 95
إبراهيم الوارجلاني، أكمل ما صنّفت أصحابنا فيه، ولكنّه صعب المرام؛ لكثرة الكلام، استعنت بالله في اختصاره مع فوائد من غيره» (1).
ولكن مع هذا لم يخل كتابه من بعض المسائل الكلاميّة، التي غدت مشتركة بين أصول الدّين وأصول الفقه، ولا يمكن الاستغناء عنها.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف، 202. (1/96)
صفحة 96
المطلب الأوّل: حدّ أصول الفقه، وبيان موضوعه.
الفرع الأوّل: حدّ أصول الفقه.
اعتاد علماء الأصول افتتاح مقدّمة مؤلّفاتهم الأصوليّة بتحليل علميّ لمدلول هذا العلم (1)، وعلى هذا سار الشّمّاخي، حيث استهلّ مقدّمة كتابه ببيان حدّ أصول الفقه؛ وعلّل ذلك بقوله: «بدأت بالحدّ؛ لأنّ كلّ طالب علم لا بدّ أن يتصوّره أوّلا بحدّه أو برسمه؛ ليكون على بصيرة في طلبه، لأنّ من ركب متن عمياء خبط خبط عشواء؛ إذ لو طلبه من غير تصوّره مع تشعّب مسائل العلم فاته ما يطلب» (2).
ثمّ عرّفه بأنّه: «العلم بالقواعد التي يُتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة من أدلّتها التّفصيليّة» (3).
وفسّر قيوده كالآتي:
- "العلم": بيّن أنّه جنس يشمل جميع العلوم.
- "بالقواعد": أخرج به الجزئيات كالفروع، واللّغة وغيرهما.
- "التي يُتوصّل بها": احترز به ممّا لا يُتوصّل به.
- "الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة": أخرج به أصول الدّيانات.
الفرع الثّاني: موضوع أصول الفقه.
اختلف الأصوليّون في موضوع أصول الفقه على مذهبين:
- المذهب الأوّل: ذهب الجمهور إلى القول بأنّ موضوعه الأدلّة الإجماليّة.
بمعنى أنّ الأصوليَّ يبحث عن حجّيّة الأدلّة الإجماليّة، ثمّ يبحث في العوارض اللّاحقة لهذه الأدلّة، من كونها عامّة أو خاصة، أو مطلقة، أو مقيّدة، ونحو ذلك.
__________
(1) ينظر تعريفات الأصوليّين لأصول الفقه، ومناهجهم في ذلك: عبد الوهّاب أبو سليمان، الفكر الأصولي، 19 وما بعدها.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، ص 202.
(3) عرّف الأصوليّون أصول الفقه باعتباره لقبا، وعرّفوه باعتباره مضافا، وقد اكتفى الشّماخي بالتّعريف الأوّل. وهذا التّعريف الذي ذكره هو ذاته التّعريف الذي أورده ابن الحاجب في مختصره. ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، تح: نذير حمادو، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م، ص (1/ 201). (1/97)
صفحة 97
- المذهب الثّاني: ذهب البعض إلى القول بأنّ موضوع أصول الفقه الأدلّة والأحكام معا، أي الأدلّة الشّرعيّة من حيث إثباتها للأحكام، والأحكام الشّرعية من حيث ثبوتها بالأدلّة (1).
ورأي الشّماخيِّ في المسألة موافق لرأي الجمهور، حيث بيّن أنّ لكلّ علم موضوعا، وهو ما يُبحَث في ذلك العلم عن أعراضه الذّاتية، وموضوع أصول الفقه أدلّته فقال: «ولما كان الأصوليُّ إنّما يبحث عن أحوال الأدلّة الموصلة إلى الأحكام الشّرعيّة، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفيّة استثمار الأحكام الشّرعيّة منها على وجه كلّي، فموضوعه إذًا الأدلّة المذكورة، وهي أشياء متناسبة بالتّفسير، إمّا لاشتراكها في ذاتها وهو الدّليل الموصل لحكم الشّرعي، كما في موضوعات الهندسة؛ إذًا الكتاب وغيره من الإجماع والسنّة وغيرها، إنّما يُبحث عن أحوالها فيه من حيث إيصالها إلى الحكم الشّرعي، فيكون الدّليل الموصل ذاتيّا لها؛ لكونه جزء من الكتاب من حيث إنّه موصل للحكم الشّرعي؛ إذًا الكتاب بهذه الحيثيّة هو الموضوع» (2).
أمّا السّالميُّ فيرى أنّ موضوع أصول الفقه الأدلّة والأحكام معا، حيث قال: «محلّ بحث أصول الفقه، بمعنى موضوعه هو الأدلّة الشّرعيّة من حيث إثباتها الأحكام الشّرعية، والأحكام الشّرعية من حيث ثبوتها بالأدلّة الشّرعية» (3).
وخلاف الأصوليّين في هذه المسألة لا يعدو كونه لفظيّا؛ لأنّ كلّا من الفريقين قد ذكر الأدلّة والأحكام وبحْثَهما في أصول الفقه، فالقائلون بأنّ موضوعه الأدلّة فقط اعتبروا الأحكام تابعة، أمّا القائلون بأنّ موضوعه الأحكام والأدلّة معا فقد اعتبروا الأحكام أصليّة (4).
__________
(1) ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة في المصادر الآتية: الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ص (1/ 21)؛ الزّركشي، البحر المحيط، تح: د. محمد محمد تامر، دط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ- 2000 م، ص (1/ 24)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول، تح: محمد سعيد البدري أبو مصعب، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1412 هـ-1992 م، ص (1/ 21)؛ ابن النّجار الفتوحي، شرح الكوكب المنير، تح: محمد الزّحيلي ونزيه حمّاد، ط 2، مكتبة العبيكان، 1418 هـ-1997 م، ص (1/ 7)؛ شعبان محمد إسماعيل، أصول الفقه تاريخه ورجاله، 13؛ وما بعدها. عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ط 1، مكتبة الرّشد، الرّياض، السّعودية، 1420 هـ-1999 م، ص (1/ 38).
(2) الشّماخي، الأجوبة، مخطوط، مكتبة الحاج صالح لعلي بني يسجن غرداية، الرقم في الفهرس: 794، الرقم في الخزانة: م 081، ص 20 و ضمن مجموع.
(3) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 89).
(4) عبد الكريم النّملة، أصول الفقه المقارن، ص (1/ 40). (1/98)
صفحة 98
المطلب الثّاني: تعريف العلم وبيان أقسامه.
ذكر الشّماخيُّ أنّ العلماء مختلفون في إمكان حدّ العلم من عدمه، ونسب القول بالمنع للغزالي وغيره (1)، ورجّح القول بالجواز.
ثمّ بيّن أنّ العلم قد حدّ بحدود كثيرة، واختار منها: «إدراك الشيء، بحيث لا يحتمل النّقيض»، وفسّر قيوده مبيّنا أنّ "الإدراك" جنس يشمل الحسّي والعقلي والوجداني، وأخرج بقيد "لا يحتمل النّقيض" ما كان ظنّيا أواعتقادا تقليديّا، أو وهما أو شكّا.
ثمّ قسّم العلوم من حيث الحدوث وعدمه إلى قسمين:
- العلم القديم: وهو صفة ذات الله تعالى.
- العلم المحدث: وبيّن أنّه إمّا متعلّق بمفرد ويسمّى:"تصوّرا"، وإمّا بنسبة ويسمّى "تصديقا"، وكلاهما -أي التّصوّر والتّصديق- إمّا: ضروريّ أي بديهي، أو كسبيّ أي نظري.
وبيّن الفرق بين التّصديق الضّروري، والتّصديق البديهي فقال: «أمّا التّصور البديهيّ فما لا يتقدّمه تصور، تقديما طبيعيّا كالمشاهدات الباطنة، كإدراكنا الجوع، والشّبع ... وأمّا التّصديق الضّروري فما لا يتقدّمه تصديق يتوقّف عليه» (2).
ثمّ ذكر أنّ العلم الضّروري له خمسة أنواع وهي:
1 - ما يُدرك بالحسّ الظّاهر: ومثّل له بـ: السّماء فوقنا، النّار حارّة، الشّمس منيرة.
2 - العقليّات: وهو ما يحصل بمجرّد العقل، مثل: الإنسان أكثر من واحد، الكلّ أكثر من جزئه، الضّدان لا يجتمعان.
3 - التّجريبيّات: وهو ما يحصل من مجموع الحسّ والعقل، أي شاهد الحسُّ ذلك مرّة بعد أخرى، فقضى العقل بكونه موجبا لذلك، وذكر من أمثلته: إدراكنا أنّ الخمر مسكر، والنّار تحرق.
4 - ما يحصل بالتّواتر: كالعلم بأنّ مكّة موجودة، وبغداد في المشرق.
5 - الوجدانيّات: كالعلم بأنّك جائع، وأنّك محبّ وما أشبهها.
__________
(1) يرى جمهور العلماء أنّ العلم يحدّ، وخالف القلّة في ذلك فمنعوا ذلك، ومن هؤلاء إمام الحرمين الجويني، وتابعه الغزالي وغيره. ينظر: الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص (1/ 25)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 21).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، ص 202. (1/99)
صفحة 99
ثمّ بيّن أنّ العلم الكسبيّ هو: «ما لا يحصل إلا بطلب، سواء كان تصوّرا أو تصديقا، أمّا التّصور فكقولك: ما الملك؟ وما الإنسان ... وأمّا التّصديق فكقولك: ما الدّليل على أنّ الخمر حرام؟» (1).
وذكر أنّ طُرقه ثلاثة:
1 - ما يُدرك بالحواس: وهو إمّا حس ظاهر، كجميع ما يُدرك بالحواس الخمس، أو حسّ باطن كالوجدانيّات.
2 - ما يُدرك بالعقل.
3 - ما يُدرك بالنّقل: أي يُعلم بالنّقل كالشّرع واللّغة، وغيرهما من النّقليّات.
وأشار إلى أنّ العلم الكسبيَّ يقصد به العلم النّظري، وأنّ النّظر يطلق على معان، ويراد به عند أهل المعقول الفكر (2).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 203.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 204. (1/100)
صفحة 100
المبحث الثاني: حقيقة الحكم الشّرعي وأقسامه.
المطلب الأوّل: حقيقة الحكم الشّرعي.
معرفة الحكم الشّرعي تعتبر ثمرة وغاية علم الأصول والفقه كما يقرّر علماء الأصول؛ فإنّ ثمرة هذين العلمين هو تعرّف حكم الشّرع فيما يتعلّق بأفعال المكلّفين، وعلم الأصول ينظر إلى مناهج التّعرف عليه ومصادره، والفقه ينظر في استنباطه بالفعل في دائرة ما يرسمه علم الأصول.
وقد عرّف الشّماخيُّ الحكم الشّرعيَّ بأنّه: «خطاب الشّارع المتعلّق بفعل المكلّف بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع» (1)، وبهذا التّعريف قال جمهور الأصوليّين (2).
ويُقصد بخطاب الشّارع الوصف الذي يعطيه الشّارع لما يتعلق بأفعال المكلّفين، والمراد بالاقتضاء طلب الفعل أو التّرك على سبيل الإلزام أو التّرجيح.
والحكم الشّرعيُّ كما يكون بالاقتضاء والتّخيير وهو المسمّى بالحكم التّكليفي، ويعرّفه الأصوليّون بأنّه: «ما يقتضي طلب الفعل أو الكفّ عنه، أو التّخيير بين الفعل والتّرك» (3)، فإنّه كذلك يكون بالوضع ويسمّى بالحكم الوضعي، ويُعرّف بأنّه: «خطاب الله تعالى المتعلّق بجعل الشيء سببا أو شرطا أو مانعا، أو صحيحا أو فاسدا، أو عزيمة أو رخصة» (4)، ولكلّ قسم منهما أنواع ذكرها الأصوليّون بالتّفصيل.
ويشتمل تعريف الحكم الشّرعي على أركان لا بدّ من توفّرها لتحصيل حقيقة هذا الحكم وهي:
1 - الحاكم: وهو الذي أصدر الخطاب، وهو الله -سبحانه وتعالى- باتّفاق العلماء؛ لأنّه صاحب الخطاب، فلا حكم إلا ما حكم به ولا شرع إلا ما شرّعه، سواء عرف حكمه بالوحي بأن
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 272.
(2) ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 282)؛ سعد الدّين التّفتازاني، شرح التّلويح على التّوضيح، تح: زكريا عميرات، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1416 هـ-1996 م، ص (1/ 22)؛ أمير بادشاه، تيسير التّحرير، دار الفكر، بيروت، لبنان، دت، ص (1/ 10)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 23)؛ ابن النجّار، شرح الكوكب المنير، ص (1/ 334)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 312).
(3) عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1987 م، 26.
(4) وهبة الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 119. (1/101)
صفحة 101
كان منصوصا عليه مباشرة في كتابه، أو بواسطة نبيّه - صلى الله عليه وسلم - في السنّة، أو كان ذلك بالاجتهاد، كإرشاده إلى اعتباره الإجماع و القياس دليلا.
2 - المحكوم عليه: هو فعل المكلّف الذي تعلّق به خطاب الشّارع اقتضاء، أو تخييرا أو وضعا.
3 - المحكوم به: وهو أوصاف الحكم الشّرعي من اقتضاء أو تخيير أو وضع.
4 - المحكوم فيه: وهو المكلّف الذي تعلّق خطاب الشّارع بفعله (1).
وهذه هي أركان الحكم الشّرعي، والشّماخي لم يأت على ذكر هذه الأركان بهذا التّقسيم، وإنّما أورد أغلب عناصرها في مقدّمة باب الأوامر والنّواهي.
وقد تناول الأصوليّون ضمن مباحث الحكم الشّرعيّ بعض المسائل ليست من صميم أصول الفقه، وأوردوا فيها الأقوال والمذاهب والحجج، وأخذت منهم جهدا كبيرا، وتباينت فيها أقوالهم وتشعّبت، وهذه المسائل في حقيقة الأمر ليست من اختصاص علم أصول الفقه الذي يُعنى بدراسة الأدلّة الشّرعية وكيفية استنباط الأحكام، فبعضها من اختصاص الفقه كالأحكام الوضعيّة، وأوصاف المكلّف وشروط التّكليف، وبعضها الآخر من اختصاص علم الكلام كمسائل الحاكم والمحكوم فيه (2).
وقد اكتفى الشّماخيُّ في بيانه لأقسام الحكم الشّرعيّ بذكر الحكم التّكليفي وأقسامه، وبعض المسائل المتفرّعة عنه، أمّا الحكم الوضعي فلم يتعرّض لتفصيل مباحثه، واكتفى فقط ببيان بعض قضاياه وهي: السّبب، المانع، الشّرط، الأداء، القضاء، الإعادة، الإجزاء، الصّحة، الفساد.
وفي المطلب الموالي سأعرض أقسام الحكم الشّرعيّ التّكليفي وما تفرّع عنها من مسائل كما تناولها الشّماخي، ثمّ انتقل لبيان ما تناوله من قضايا الحكم الوضعي؛ محاولا تبيان رأيه فيها، وتوضيح نظرته لأقسام الحكم الشّرعي بصفة عامّة.
__________
(1) ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، 144 وما بعدها؛ مصطفى باجو، الوارجلاني أصوليّا، 239.
(2) باجو، المرجع السابق، 239. (1/102)
صفحة 102
المطلب الثاني: أقسام الحكم التّكليفي وتعريفها:
تقدّم بيان أنّ الأصوليّين يعرّفون الحكم الشّرعي بأنّه: «خطاب الشّارع المتعلّق بفعل المكلّف بالاقتضاء أو التّخيير أو الوضع»، ويُقصد بخطاب الشّارع الوصف الذي يعطيه الشّارع لما يتعلّق بأفعال المكلّفين، والمراد بالاقتضاء طلب الفعل أو التّرك على سبيل الإلزام أو التّرجيح، كما أنّهم يقسّمون الحكم الشرعي إلى تكليفيّ ووضعي، ويعرّفون الحكم التّكليفيّ بأنّه: «ما يقتضي طلب الفعل أو الكفّ عنه، أو التّخيير بين الفعل والتّرك»، ويذكرون له أقساما وهي: الواجب، المندوب، الحرام، المكروه، المباح. وفيما يأتي سأعرّف هذه الأقسام مع التّمثيل لها.
- الواجب: هو ما طلب الشارع فعله على وجه اللّزوم، بحيث يذمّ تاركه، ومع الذّمّ العقاب، ويمدح فاعله ومع المدح الثّواب، كقوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} (1) فهو يتضمّن وجوب الصّلاة والزّكاة.
والواجب هو الفرض عند الجمهور فهما سواء لا يختلفان في الحكم ولا في المعنى، ويُطلقان على ما يلزم فعله، ويعاقَب على تركه (2).
أمّا الحنفيّة ففرّقوا بينهما؛ فما ثبت بدليل قطعيٍّ مثل الكتاب والسنّة المتواترة فهو الفرض، كالصّلوات الخمس وصوم رمضان ونحو ذلك.
__________
(1) سورة الحج، الآية: 78.
(2) يتّفق الأصوليّون على أنّ مفهوم الفرض والواجب مختلفان من جهة اللّغة، أمّا من جهة الشّرع فقد اختلفوا فيهما هل هما مترادفان أو مختلفان؟
- فذهب الحنفيّة، وأحمد بن حنبل في رواية والقاضي أي يعلى، وحكاه ابن عقيل عن أكثر الحنابلة، إلى التّفرقة بين الفرض والواجب، فما ثبت بدليل قطعي مثل الكتاب والسنّة المتواترة فهو الفرض، وذلك كالصّلوات الخمس، وصوم رمضان ونحوها؛ وما ثبت بدليل ظنيٍّ كخبر الواحد والقياس فهو الواجب؛ وذكر السّالميُّ أنّه قول بعض الإباضيّة.
- وذهب الجمهور إلى عدم التّفرقة بين الفرض والواجب، وأنّهما مترادفان، والخلاف بين الفريقين لفظي فهو راجع للاصطلاح؛ لذلك يتّفق الجميع على الآثار المترتّبة عن كلّ من القطعيِّ والظّني، فجاحد المقطوع به كافر عند كلّ منهما، وتارك المظنون فاسق. ينظر: الرّازي، المحصول من علم الأصول، تح: طه جابر العلواني، ط 2، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1412 هـ- 1992 م، ص (2/ 94)؛ آل تيمية، المسودّة في أصول الفقه، تح: محمّد محيي الدّين عبد الحميد، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دت، ص (1/ 50)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (2/ 229)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 322)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 149). (1/103)
صفحة 103
وما ثبت بدليل ظنيٍّ كخبر الواحد والقياس فهو الواجب مثل الوتر.
وقد بيّن الشّماخيُّ أنّ الواجب مرادف للفرض، وحدّه المختار هو ما تركُه في جميع أوقاته سبب للعقاب، مشيرا إلى أنّه قد: «حُدّ بحدود كثيرة أكثرها مزيّف»، وتطرّق لخلاف الحنفيّة مع الجمهور، بتفريقهم بين الواجب والفرض (1).
- المندوب: عرّفه بأنّه: «وهو ما فعله سبب للثّواب ولا عقاب على تركه».
هو ما طلب الشّارع من المكلّف فعله طلبا غير جازم، ورتّب على امتثاله المدح والثّواب، وليس على تركه الذّم والعقاب، كاستحباب كتابة الدّين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} (2).
- الحرام: وهو ما طلب الشّارع من المكلّف تركه، على وجه الإلزام، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} (3) فإنّه يتضمّن تحريم أكل الرّبا.
- المكروه: وهو ما طلب الشارع من المكلّف تركه، طلبا غير جازم، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (4)، فإنّه يتضمّن كراهيّة كثرة السّؤال.
وقسّم الحنفيّة المكروه إلى قسمين: المكروه كراهة تنزيهيّة، والمكروه كراهة تحريميّة.
أمّا المكروه تنزيها فهو ما سبق تعريفه لدى الجمهور، والمكروه تحريما هو ما طلب الشّارع الكفّ عنه بجزم بدليل ظنّي فيه شبهة، فيكون بذلك مقابلا للواجب عندهم.
- المباح: هو ما خيّر الشارع المكلّف بين فعله وتركه، أو هو التّسوية بين الفعل والتّرك بلا ترجيح، كإباحة الصّيد بعد التحلّل من الإحرام، في قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (5) (6).
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 273 - 275؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 93.
(2) سورة البقرة، الآية:282.
(3) سورة آل عمران، الآية: 130.
(4) سورة المائدة، الآية: 101.
(5) سورة المائدة، الآية:2.
(6) ينظر: الغزالي، المستصفى من علم الأصول، ص (1/ 102)؛ الرّازي، المحصول من علم الأصول، ص (2/ 94)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (1/ 146)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 274؛ الشماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 94؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 24)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 322)؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 33. (1/104)
صفحة 104
والشّماخي في تعريفه لأقسام الحكم التّكليفي، لم يخرج عن جمهور الأصوليّين، حيث تعرّض له باختصار في أثناء حديثه عن التّعريف الكلامي للفعل، في مقدّمة كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف، ثم عاد لتفصيل تلك الأقسام في باب الأوامر والنّواهي، حيث قسّم الأفعال في الشّرع إلى خمسة أقسام كالآتي:
- الواجب: عرّفه بأنّه: «ما تَركُه في جميع أوقاته سبب للعقاب» (1)، وعرّفه أيضا بقوله: «فعل كفّ تعلّق به خطاب يطلب، بحيث ينتهض تركه في جميع وقته سببا للعقاب» (2).
- المباح: عرّفه بقوله: «وهو ما لا ثواب ولا عقاب على الفعل، ولا على التّرك».
- المحظور: عرّفه بأنّه: «وهو ما فعله سبب للعقاب».
- المكروه: عرّفه بأنّه: «وهو ما يثاب على تركه، ولا عقاب على فعله» (3).
المطلب الثّالث: بعض تقسيمات الواجب.
قسّم الأصوليّون الواجب إلى أربعة أقسام، باعتبارات مختلفة:
فمن جهة وقت أدائه، ينقسم إلى واجب مطلق، وواجب مقيّد، والمقيّد ينقسم بدوره إلى مضيّق وموسّع وذي الشّبهين.
ومن جهة تقديره من الشّارع، ينقسم إلى واجب محدّد، وواجب غير محدّد.
وباعتبار الملزَم بفعله، ينقسم إلى واجب عيني، وواجب كفائي.
وباعتبار تعيُّن المطلوب به ينقسم إلى واجب معيّن، وواجب مخيّر.
وقد ذكر الشّماخيُّ هذه التّقسيمات، باستثناء، القسم الثّاني المتعلّق بأقسام الواجب باعتبار تقديره من الشّارع، واختار إطلاق لفظ الفرض على الواجب، فقال: «اعلم أنّ الفرض ينقسم إلى: عين وكفاية، هذا باعتبار المأمور، وباعتبار الوقت إلى موسّع ومضيّق، وباعتبار المأمور به إلى معيّن ومخيّر» (4).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 219.
(2) الشّماخي، شرح مقدمة التّوحيد، 94.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 219 وما بعدها.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 290. (1/105)
صفحة 105
الفرع الأوّل: الواجب العيني والواجب الكفائي:
قسّم الشمّاخيُّ الواجب باعتبار المأمور إلى قسمين:
- الواجب العيني: وعرّفه بقوله: «أي على كلّ مكلّف، لا يختصُّ به واحد دون الآخر كالصّلاة».
- الواجب الكفائي: وعرّفه فقال: «أي على الكل، ويسقط بفعل البعض، كالجهاد وصلاة الجنازة على الكفاية».
وذكر أنّ البعض يعتبرونه فرضا على البعض فقط، وردّ هذا القول؛ مستدلّا على ذلك بأنّ الإثم يلحق الجميع في حالة تركه، وعليه فيكون فرضا عليهم كلّهم (1).
الفرع الثّاني: الواجب المضيّق والواجب الموسّع:
الواجب من جهة وقت أدائه؛ إمّا مؤقّت وإمّا مطلق عن التّوقيت، فالمطلق عن التّوقيت: هو ما طلب الشّارع فعله حتما ولم يعيّن وقتا لأدائه، وأمّا المؤقّت فهو ما طلب الشارع فعله حتما في وقت معيّن كالصلوات الخمس؛ حدّد لأداء كل صلاة منها وقتاً معيناً بحيث لا تجب قبله، ويأثم المكلف إن أخّرها عنه بغير عذر، والواجب المؤقّت إذا فعله المكلّف في وقته كاملا مستوفيا أركانه وشرائطه سمّي فعله أداء، وإذا فعله في وقته غير كامل ثم أعاده في الوقت كاملا سمّي فعله إعادة، والواجب المؤقّت إذا كان وقته الذي وقّته الشّارع به يسعه وحده ويسع غيره من جنسه، سمّي هذا الوقت موسَّعاً وظرفاً، كالصّلوات مثلا فإنّ وقتها يتّسع لها ولمثلها؛ فرضا أو تطوّعا، وإن كان وقته الذي وقّته الشارع به يسعه ولا يسع غيره من جنسه سمّي هذا الوقت مضيَّقاً ومعياراً، كشهر رمضان فهو مضيّق لا يسع إلا صوم رمضان. وإذا كان وقته لا يسع غيره من جهة ويسعه من جهة أخرى سمّي الوقت ذا الشّبهين كالحجّ، لا يسع وقته وهو أشهر الحج غيره من جهة أن المكلّف لا يؤدي في العام إلا حجّا واحدا، ويسع غيره من جهة أنّ مناسك الحج لا تستغرق كلّ أشهره (2).
وإذا تأمّلنا هذا النّوع الواجب، وجدنا أنّه يؤول في النّهاية إلى الواجب المضيّق.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 290.
(2) عبد الوهاب خلّاف، علم أصول الفقه، ط 8، دن، دم، دت، 106، 107. (1/106)
صفحة 106
وقد اختلف الأصوليّون في الجزء الذي يتعلّق به الوجوب في الواجب الموسّع، أي الوقت الملزِم للمكلف الإتيان بالواجب فيه:
فذهب جمهور الأصوليّين (1) ومعهم الشّماخيُّ (2) إلى كون الإيجاب في الواجب الموسّع يقتضي إيقاع الفعل في أيّ جزء من أجزاء وقته، سواء كان ذلك في بدايته أم في وسطه أم في آخره. وهو قول جمهور الإباضيّة (3).
وحجّة الجمهور أنّ مقتضى التّوسيع في الوقت يفيد تخيير المكلّف في إيقاعه بأيّ جزء من أجزاء هذا الوقت المحدّد له؛ واستدلّوا لذلك بالحديث الذي يفيد بأنّ الله -عزّ وجل- لما فرض الصّلاة أرسل جبريل إلى محمّد - صلى الله عليه وسلم - ليعلّمه أوقاتها وأفعالها، فأمّه مرّة في أوّل وقتها، ومرّة في آخر وقتها (4)، فدلّ هذا الحديث تخيير المكلّف بأداء الصّلاة في أيّ جزء من أجزاء الوقت المحدّد لها (5).
وذهب الحنفيّة إلى كون الإيجاب في الواجب الموسّع يتعلّق بآخر جزء من الوقت، واختلفوا بعد ذلك في أدائه في أوّل الوقت هل يقع فرضا أم نفلا، واستدلّوا لمذهبهم بأنّه ما دام تأخير المكلّف للفعل إلى آخر وقته جائز ولا يلحقه لأجل ذلك العقاب باتّفاق العلماء، أمّا لو ترك الواجب فإنه يلحقه الذّم والعقاب، فدلّ هذا على أنّ سبب الوجوب هو الجزء الأخير فقط.
وردّ الجمهور على حجّة الحنفيّة بأنّ ترك الواجب الموسع في أوّل الوقت لا يعتبر تركا، وأنّ هذا مقتضى التوسّع، فالمكلف فيه مخيّر بإيقاعه في أيّ جزء من أجزاء وقته كما في الواجب المخيّر؛ إلاّ أنّ المكلّف في الواجب المخيّر مخيّر بأن يوقع أيّ فرد من أفراد الواجب المخير لا يعتبر تركا للواجب (6).
__________
(1) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 52).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 291.
(3) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 99)؛ امحمّد اطفيّش، شامل الأصل والفرع، تصحيح إبراهيم أطفيّش، ط 1، المطبعة السّلفيّة، القاهرة، مصر، 1348 هـ، ص (2/ 15)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 596.
(4) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الصلاة، باب المواقيت، حديث رقم:393، ص (1/ 125)؛ وأخرجه التّرمذي في السّنن، وقال: «حديث حسن صحيح»، أبواب الصلاة، باب ما جاء في مواقيت الصلاة عن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، حديث رقم: 149، ص (1/ 278).
(5) محمّد أبو الفتح البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلامية، ط 1، دار القلم، دمشق، سوريا، 1409 هـ-1988 م، 113.
(6) البيانوني، المرجع نفسه، 117. (1/107)
صفحة 107
وقد اكتفى الشّماخيُّ في عرضه لهذه المسألة ببيان مذاهب العلماء فيها دون عرض للأدلّة، ثم رجّح رأي الإباضيّة الموافق للجمهور بقوله: «والصّحيح أنّ جميع وقته وقت الأداء ووافقنا على ذلك جمهور المخالفين»، ولم يذكر أدلّة أيّ فريق (1).
وتناول هذه المسألة أيضا في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد، حيث قال بعد بيانه للاختلاف الحاصل في وقت أداء الواجب الموسّع: «واعلم أنّ وقت الموسّع عندنا كلّه وقت للأداء، ففي أيّ جزء أوقعه فقد أوقعه في وقته» (2).
الفرع الثّالث: الواجب المعيّن والواجب المخيّر:
الواجب باعتبار تعيّن المطلوب به وعدم تعيّنه ينقسم إلى واجب معيّن وواجب مخيّر.
الواجب المعيّن: هو ما طلبه الشارع بعينه من غير تخيير بينه وبين غيره، كالصّلاة والصّيام، وحكم هذا النّوع من الواجب هو عدم براءة الذّمة إلا بفعله بعينه.
أمّا الواجب المخيّر أو المبهم: فهو ما طلب الشارع فعله لا بعينه، إنّما بالتخيير بين أمور معلومة، وللمكلّف أن يختار واحدا منها، وذلك كخصال كفارة اليمين في قوله تعالى: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوسط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ} (3)، فإنّ الواجب فيها على الموسر ثلاثة أمور على التّخيير، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، أمّا المعسر الذي لا يجد شيئا من تلك الخصال، وعجز عنها فيصوم ثلاثة أيام (4).
وقد اتّفق العلماء على تقسيم الواجب إلى هذين القسمين، كما اتّفقوا على أنّ الوجوب في الواجب المخيّر يسقط على المكلّف بأداء واحد من أفراده، إلا أنّهم اختلفوا في تعلّق الإيجاب في الواجب المخيّر هل هو متعلّق بجميع أفراده أم أنّه متعلّق بواحد منها؟
فذهب جمهور الأصوليّين ومعهم الشّماخيُّ إلى أنّ الخطاب في الواجب المخيّر إنّما يتعلّق بواحد من الأمور المخيّر فيها، والمكلّف حرّ في اختيار أيّ منها؛ إذ إنّ الشّارع لما ألزمه الكفّارة
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 291، 292.
(2) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 97.
(3) سورة المائدة، الآية:89.
(4) الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 128، 129. (1/108)
صفحة 108
خيرّه بين خصالها، فدلّ ذلك على أنّ الواجب منها واحد غير محدّد، وهذا لا يناقض معاني الوجوب.
وذهب المعتزلة إلى أنّ الخطاب في الواجب المخيّر متعلّق بكلّ فرد من أفراده منكرين بذلك التّخيير؛ لأنّه يناقض الوجوب في نظرهم.
واختلف العلماء في تفسير مرادهم، فذهب بعضهم إلى أنّ مرادهم بتعلّقه بكلّ الأفراد، أنّه لا يجوز تركها كلّها، والمكلّف إذا تركها كلّها يكون آثما، وإذا فعلها كلّها يثاب بثواب واجب واحد، أمّا إذا فعل واحدا منها تبرؤ ذمّته، وعلى هذا يكون الخلاف بينهم وبين الجمهور لفظيّا.
وقال بعضهم إنّهم أرادوا إذا فعل الأمور كلّها فقد فعل واجبات، فيثاب عليها ثواب واجبات، وإذا تركها كلّها عوقب عليها عقاب تارك واجبات، وإذا فعل واحدا منها سقط عنه غيره، وبناء عليه يكون خلافهم مع الجمهور معنويّا (1).
نقل الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة بعد أن عرّف كلّا من الواجب المعيّن والمخيّر، ثم قال: «وقالت المعتزلة: الجميع واجب، ويسقط بالواحد، وقال بعض: الواجب واحد معيّن عند الله تعالى، وهو ما يفعل فيختلف بالنسبة إلى المكلّف، وقال بعض واحد معيّن فلا يختلف، لكنّه يسقط به وبالآخر».
ثمّ ردّ على هذه الأقوال، مرجّحا قول الإباضيّة الموافق لما ذهب إليه الجمهور، وساق لذلك مثالا فقال: «لنا إجماع الأمّة على وجوب تزويج أحد الأكفاء الخاطبين على التّخيير، ولو كان الجميع واجبا، وجب تزويج الجميع، ولو كان معيّنا لم يجُز تزويج غيره، والتّعيين نقيض التّخيير، والفرض أنّه مخيّر فبطل التّعيين» (2).
المطلب الرّابع: بعض أحكام المندوب والمباح.
الفرع الأوّل: هل المندوب مأمور به؟
__________
(1) حقّق الشيخ بخيت المطيعي هذه المسألة، وانتهى إلى أنّ الخلاف بين الجمهور والحنفيّة معنويّ فيما عدا جانب واحد منها، وهو قولهم بسقوط الواجب بفعل بعض أفراده، فإنّ الخلاف فيها لفظي. ينظر: بخيت المطيعي، سلّم الوصول لشرح نهاية السّول، مطبوع في حاشية كتاب نهاية السّول في شرح منهاج الأصول للإسنوي، دط، عالم الكتب، دت، ص (1/ 140، 141)، محمّد أبو الفتح البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلامية، 132.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 292. (1/109)
صفحة 109
لا خلاف بين الأصوليّين في أنّ المندوب قد يرد بصيغة الأمر "افعل"، ولكنّهم مختلفون في كون المندوب مأمورا به حقيقة، أم لا.
وقد اختار الشّماخيُّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ المندوب مأمور به (1)؛ معلّلا ذلك بأنّ المندوب طاعة ويثاب على فعله، وبكون الأمر منقسما بين الوجوب والنّدب، وذكر أنّ هذا قول أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي من الإباضيّة.
ثمّ بيّن أنّ كون المندوب مأمورا به لا يعني أنّه مكلّف به على أصحّ الأقوال؛ معّللا ذلك بكون التّكليف إلزام ما فيه مشقّة، ونسب للإسفراييني القول بأنّه مكلّف به، واعترض على هذا الرّأي فقال: «وليس بتكليف على الأصحّ فيها؛ لأنّ التّكليف إلزام ما فيه مشقّة» (2).
وذكر أنّ الوارجلانيَّ اختار قول عمروس بن فتح (3)، بأنّ المندوب غير مأمور به، ونسب هذا الرّأي للكرخي والرّازي (4).
__________
(1) ذهب الجمهور من المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة والإباضيّة إلى أنّ المندوب مأمور به حقيقة. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 117)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 163)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 319)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر وجنّة المناظر، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1994 م، 21؛ البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 180؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (1/ 238).
(2) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 98.
(3) هو أبو حفص عمروس بن فتح المساكني النّفوسي، أحد أعلام الإباضيّة في جبل نفوسة، أخذ العلم عن مشايخ الجبل، وكان معاصرا للإمام أبي اليقظان محمّد بن أفلح، تولّى القضاء بنفوسة، واستشهد سنة 283 م بواقعة مانو، ترك مصنّفات متعدّدة في العقيدة والفقه منها: "الدّينونة الصّافية"، "رسالة في الرّد على النّكاثة وأحمد بن الحسين". تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 136 - 140)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (2/ 366)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 690، ص (2/ 321).
(4) ذهب إلى القول بأنّ المندوب غير مأمور به، جمهور الحنفيّة وهو اختيار بعض المتكلّمين كالشّاشي والشّيرازي والرّازي وابن العربي وابن السّبكي وغيرهم، وإليه ذهب بعض الإباضيّة كعمروس بن فتح، وأبو يعقوب الوارجلاني. ينظر: الشّيرازي، التبصرة في أصول الفقه، تح: محمد حسن هيتو، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1403 هـ، ص (1/ 36)؛ ابن العربي، المحصول في أصول الفقه، تح: حسين علي اليدري وسعيد فودة، دط، دار البيارق، عمّان، الأردن، 1420 هـ-1999 م، ص (1/ 67)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف (1/ 68)؛ الرازي، المحصول، ص (1/ 62)؛ علي بن عبد الكافي السّبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، تح: جماعة من العلماء، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1404 هـ، ص (2/ 5)؛ البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 245؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب علم في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 238)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 602. (1/110)
صفحة 110
ثمّ بيّن أنّ الخلاف بين أبي الرّبيع وعمروس في هذه المسألة سببه أنّ عمروس والوارجلانيَّ حملا الأمر على الوجوب، أمّا أبو الرّبيع فحمله على النّدب (1).
والخلاف في هذه المسألة لا يعدو كونه لفظيّا، فلا تترتّب عليه أيّ ثمرة؛ لأنّ المندوب مطلوب فعله باتّفاق الجميع، ويبقى الخلاف منحصرا في إطلاق اسم المندوب على الأمر حقيقة أو مجازا.
الفرع الثّاني: هل المباح حكم شرعيٌّ؟ وهل هو مأمور به؟
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور القائلين بأنّ المباح حكم شرعي، خلافا للمعتزلة الذين يرون أنّه حكم عقلي؛ مستدلّين على ذلك بأنّه لا معنى للمباح إلّا انتفاء الحرج من فعله وتركه، وهذا ثابت قبل ورود الشّرع، وهو مستمرّ بعده، وعلى هذا لا يكون حكما شرعيّا (2).
كما يوافق الشّماخيُّ الجمهور على أنّ المباح غير مأمور به، ونسب القول بخلاف ذلك للكعبيّ (3) من المعتزلة.
ولم يفصّل القول في هاتين المسألتين، واكتفى بالإشارة إلى وجود الخلاف فيها، ثمّ بيّن رأيه دون استدلال (4).
المطلب الخامس: بعض مسائل الحكم الوضعي.
تقدّمت الإشارة إلى أنّ الخطاب الشّرعيّ كما يرد بالاقتضاء والتّخيير، فكذلك يرد بالوضع، ويقصد بالحكم الوضعي الأمر الذي نصّبه الشّارع علامة على الحكم التّكليفي، وجعله مرتبطا به ومتعلّقا بمعناه، فهو وإن أخذ صفة الاستقلال عن الحكم التّكليفي، إلّا أنّ له صلة وثيقة به؛ ذلك لأنّه يجمع أقسامه بمثابة العلامات التي تدلّ على الحكم التّكليفي، والتي لولاها لفات النّاس كثير من
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 295.
(2) ينظر: الشماخي، المصدر نفسه، 295؛ عبد الكريم النّملة، المرجع السابق، ص (1/ 261).
(3) هو أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود الكعبي الخراساني، أحد أئمّة المعتزلة، ولد سنة 273 هـ، وتوفي سنة 319 هـ، من آثاره:"التّفسير"، "تأييد مقالة أبي الهذيل". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (14/ 353)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (8/ 165).
(4) الشماخي، المصدر السابق، 295. (1/111)
صفحة 111
الأحكام التّكليفية دون أن يعلموا بها، وعليه فإنّ الشارع الحكيم بوضع هذه الأمور علامات في طريق الأحكام يكون قد أخبرنا بوجود أحكامه عند وجود تلك الأمور، وانتفاء الأحكام بانتفائها (1).
ولم يتعرّض الشّماخيُّ لتعريف الحكم الوضعي، وإنّما اكتفى ببيان بعض مسائله وهي: السّبب، المانع، الشّرط، الأداء، القضاء، الإعادة، الإجزاء، الصّحة، والفساد، حيث عرّف هذه المصطلحات مبرزا وجه الفرق بينها.
أمّا السّالميُّ فكان خير من فصّل مباحث الحكم الوضعيّ من بين أصوليّي الإباضية حيث عرّفه بأنّه: «ما وضعه الشّارع علّة أو سببا أو شرطا أو علامة لشيء من الأحكام التّكليفيّة» (2)، ثمّ بيّن أنواعه من ركن وعلّة وسبب وشرط.
وقد انفرد الشّماخيُّ والسّالميُّ دون سائر أصوليّي الإباضيّة ببيان مسائل الحكم الوضعي (3).
1 - السّبب: عرّفه الشّماخيُّ لغة بأنّه عبارة: «عمّا يمكن التّوصّل به إلى المقصود والطّريق» (4)، أمّا اصطلاحا فعرّفه بأنّه: «وصف ظاهر منضبط، مناط للحكم»، ثم شرح التّعريف مُبرزا قيوده:
- فأخرج بقيد"ظاهر" ما كان خفيّا كأفعال القلوب، مثل الرضا في البيع.
- وأخرج بقيد"منضبط" ما كان غير منضبط كالمشقّة مثلا.
- وأخرج بقوله:"مناط للحكم" الأوصاف التي لا تضاف إليها الأحكام.
ومثّل للوصف الذي يكون سببا للحكم بالزّنا فإنّه سبب للجلد (5).
وعرّف السّبب أيضا بقوله: «كلّ وصف ظاهر منضبط، دلّ الدّليل السّمعيُّ على كونه
__________
(1) سعيد الحميري، الحكم الوضعي عند الأصوليّين، رسالة ماجستير، جامعة أمّ القرى، كلّية الشّريعة والدّراسات الإسلاميّة، مكة المكرّمة، المملكة العربية السعوديّة، 1404 هـ-1984 م، 39.
(2) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 337).
(3) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 607.
(4) الشماخي، الأجوبة، مخ، 20 و.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 340. (1/112)
صفحة 112
معرّفا لحكم شرعيّ» (1) (2).
وذكر أنّ فائدة كون السّبب معرّفا للحكم الشّرعي، تكمن في «سهولة وقوف المكلّفين على خطاب الشّارع في كلّ واقعة من الوقائع بعد انقطاع الوحي؛ حرزا من تعطيل الوقائع عن الأحكام الشّرعيّة».
وقسّم السّبب إلى ما يستلزم في تعريفه للحكم حكمة باعثة عليه، وإلى ما لا يستلزم ذلك؛ فالسّبب يمكن أن يكون مناسبا للحكم، ومثّل له بالإسكار الذي هو سبب لتحريم النّبيذ، ويمكن أن يكون غير مناسب له، ومثّل له بدلوك الشّمس فإنّه سبب لمعرفة وجوب الصّلاة.
وبيّن أنّ السّبب يمكن أن يكون وصفا وجوديّا أوعدميّا، وقد يكون شرعيّا أو غير شرعي.
وأيضا قد يكون وقتيّا ومثّل له بالزّوال؛ فإنّ الله تعالى جعله أمارة لمعرفة وجوب الصّلاة، وقد يكون معنويّا، وذكر من أمثلته الملك؛ فقد جعله الشّارع سببا لإباحة التّصرّف.
وعليه فالشّماخيُّ يرى أنّ السّبب يشمل العلّة وغيرها، فهو أعمّ من العلّة؛ فالسّبب إن كان مناسبا للحكم سمّي علّة وسببا، أمّا إن لم يكم مناسبا سمّي سببا فقط؛ لأنّه ذكر من شروط العلّة مناسبة الحكم –كما سيتمّ بيانه في مبحث القياس-، وعلى هذا جمهور الأصوليّين (3).
ثمّ بيّن أنّ القول بأنّ السّبب مُوجب للحكم ليس معناه أنّه يوجبه لذاته؛ وإلّا كان موجبا قبل ورود الشّرع، بل معناه أنّه معرّف به (4).
2 - المانع: وعرّفه بأنّه: «ما استلزم وجوده عدم الحكم»، وقسّمه على قسمين:
- مانع الحكم: ومثّل له بالأبوّة في القصاص، فوجودها يستلزم عدم القصاص.
- مانع السّبب: ومثّل له بالدّين في الزّكاة، فوجوده يستلزم عدم حكم السّبب الذي هو الغنى، وهو مواساة الفقراء من فضل ماله، فالدين لم يترك فضلا يتواسى به (5).
__________
(1) الشماخي، الأجوبة، مخ، 20 و.
(2) بهذا التّعريف قال الآمدي في الإحكام؛ ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (1/ 172).
(3) سعيد الحميري، الحكم الوضعي عند الأصوليّين، 69.
(4) الشماخي، الأجوبة، مخ، 21 و.
(5) الشّماخي شرح مختصر العدل، 341. (1/113)
صفحة 113
3 - الشّرط: وعرّفه بأنّه: «ما استلزم عدمه عدم الحكم»، ومثّل له بالقدرة على التّسليم في البيع، فإنّ عدمها ينافي حكم البيع، وهو إباحة الانتفاع، كما مثّل له بالطّهارة للصّلاة، فإنّ عدمها ينافي تعظيم الباري، وهو السّبب لوجود الصّلاة (1).
4 - الأداء: عرّفه الشّماخيُّ بأنّه: «ما فُعِل في الوقت المقدّر له شرعا أوّلا».
حيث أخرج من الحدّ النّوافل؛ لأنها ليس لها وقت مقدّر، كما أخرج بقيد (شرعا) الزّكاة وما أشبهها؛ لأنّ لها وقت موسّع، وأخرج بقيد (أوّلا) صلاة النّائم والنّاسي؛ لأنّ وقتها متى ذكرها (2).
5 - القضاء: وعرّفه بأنّه: «ما فُعِل بعد وقت الأداء استدراكا لما سبق له وجوب مطلقا».
وأخرج بالقيد الأوّل من التّعريف الأداء والإعادة، كما أخرج منه ما ليس بواجب كالنّوافل، وقيّد الوجوب بالإطلاق؛ ليدخل في حكم القضاء كلّ من المسافر والحائض، فالصّوم مثلا وإن لم يكن واجبا في حقّهما إلّا أنّه تقدّم له وجوب في الجملة (3).
6 - الإعادة: عرّفها بقوله: «ما فُعِل في وقت الأداء ثانيا؛ لخلل وقيل لعذر»، مثّل للإعادة بالمصلّي المنفرد إذا أعاد مع الإمام؛ لأنّ طلب الفضيلة عذر (4).
7 - الإجزاء: وعرّفه بأنّه: «عبارة عن سقوط الأمر» (5)، وعبّر عنه في موضع آخر بأنّه: «حصول الامثثال، وهو الإتيان بالمأمور به على وجهه»، وبيّن أنّ البعض فسّره بسقوط القضاء، واعترض على هذا بأنّ القضاء إنّما يجب بأمر مجدّد؛ لأنّ القضاء قد يسقط عند عدم الإمكان مع عدم الإجزاء (6).
8 - الصّحة والفساد والبطلان: بيّن أنّ تفسير معنى الصّحة في العبادات مختلف فيه بين الحنفية والجمهور، فهي عند الجمهور: «موافقة أمر الشّرع»، أمّا عند الحنفية هي: «كون الفعل مُسقطا للقضاء».
__________
(1) الشّماخي شرح مختصر العدل، 341.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 275.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 276.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 276.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 277.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 341. (1/114)
صفحة 114
أمّا الصّحة في المعاملات فعرّفها بأنّها: «ترتيب أثر الشّيء عليه، واعتباره سببا لحكم آخر». ومثّل لذلك بالملك فإنّه أثر للعقدة كعقدة البيع مثلا، والعقدة سبب لإباحة التّصرّف فيه؛ لموافقتها أمر الشّرع.
وبيّن أنّ الصّحة يقابلها الفساد والبطلان عند الجمهور، أمّا الحنفيّة فيفرّقون بين الفاسد والباطل في المعاملات، فالباطل من المعاملات ما لا يكون مشروعا بأصله ولا وصفه، أمّا الفاسد فهو ما يكون منها مشروعا بأصله دون وصفه (1).
__________
(1) ينظر: الرّازي الجصاص، الفصول في الأصول، تح: عجيل جاسم النّمشي، ط 1، دن، الكويت، 1408 هـ-1988 م، ص (3/ 163)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 277. (1/115)
صفحة 115
المبحث الثالث: الحاكم.
المطلب الأوّل: مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين.
يظهر من خلال تعريف الأصوليّين للحكم الشّرعي، أنّ الحاكم هو الله -عزّ وجل-، فهو مصدر الأحكام الشّرعية باختلاف طرقها من كتاب أو سنّة أو اجتهاد، فلا حكم إلاّ حكمه، ولا شرع إلاّ ما شرّعه، وعلى هذا دلّت نصوص القرآن والسنّة، وأجمع المسلمون، قال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} (1).
ولئن كان الإجماع منعقدا بين العلماء على أنّ الحاكم هو الله تعالى، وأنّ أوصاف الأفعال من حرمة أو وجوب أو صحّة أو فساد، كلّها شرعية، فإنّ الخلاف حاصل بينهم حول وصف هذه الأفعال بالحسن أو القبح هل هو وصف شرعي أم عقلي؟ بمعنى هل يمكن للعقل أن يعرف حكم الله تعالى دون حاجة إلى مرشد له وهو الوحي السّماوي؟ وهل تترتّب على معرفة العقل حكم الله تعالى في الشّيء من غير وحي سماوي آثار من ثواب أو عقاب؟ وهو ما يُصطَلح عليه عند الأصوليّين بمسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين.
وهذه المسألة قد تشعّبت فيها أقوال العلماء وتعدّدت، وهو ما بيّنه الشّماخيُّ بقوله: «هذا بحث مشكل، تشعّبت فيه الأمّة تشعّبا» (2).
وفيما يأتي عرض مختصر لأقوال العلماء في المسألة:
- القول الأوّل: مذهب المعتزلة وفريق من الشّيعة الجعفريّة: وهو أنّ الحسن والقبح عقليان؛ إذ يمكن للعقل أن يعرف حكم الله في أفعال المكلّفين بنفسه، دون الحاجة لوساطة رسول أو كتاب، بناء على ما يوجد في الأفعال من نفع أو ضرر، وما الشّرع إلاّ مؤكّد لما أدركته العقول من أوصاف الأفعال، فما رآه العقل حسنا فهو مطلوب عند الله ويثاب فاعله، وما رآه العقل قبيحا فهو واجب التّرك ويعاقب فاعله.
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 57.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 278. (1/116)
صفحة 116
- القول الثّاني: قول الأشعرية وجمهور الأصوليّين، وهم يرون أنّ العقل لا يستقلّ بإدراك حكم الله، بل لابدّ من وساطة الرّسول وتبليغه، قال الآمدي: «مذهب أصحابنا وأكثر العقلاء أنّ الأفعال لا توصف بالحسن والقبح لذواتها وأنّ العقل لا يحسّن ولا يقبّح» (1)، فليس الحسن والقبح من ذات الأشياء ولا من ضرورات العقول، فالحُسن ما جاء الشارع بطلب فعله، والقبيح ما جاء الشّارع بطلب تركه، فالأفعال تستمدّ حسنها وقبحها من أمر الشّارع ونهيه لا من حُسن أو قبح في ذواتها.
- القول الثّالث: قول الماترديّة، جاء متوسّطا بين القولين السّابقين، فهم يرون أنّ الحسن والقبح عقليّان لا يتوقّفان على الشّرع، بل يدركهما العقل بناء على ما في الأفعال من خواصّ وآثار، فما رآه العقل السّليم حسنا فهو حسن، وما رآه قبيحا فهو قبيح، فلا يمكن إنكار قدرة العقول على الحكم للفعل بالحسن والقبح، وغاية ما تدركه العقول أنّ هذا الفعل الحسن يمدح فاعله، وهذا الفعل القبيح يذم فاعله، ولا تلازم بين هذا وبين كونه متعلّقا للثّواب والعقاب (2)، مع الإشارة إلى أنّه لا يلزم أن تكون أحكام الله في أفعال المكلّفين على وفق ما تدرك عقولهم، فعقول النّاس قاصرة ومعرّضة للخطأ، مهما بلغت من علم وفهم وإدراك، وأفهامهم مختلفة كذلك، فلا يمكن لها الإحاطة بمراد الله تعالى الذي أحاط بكل شيء علما.
يرى الشّماخيُّ أنّ العقل لو لم يُخلَق لكان سائر الخلق عبثا، وأنّه حُجّة الله على عباده، ولكنّه ليس بكاف وحده فيُنسَب إليه التّحسين والتّقبيح مطلقا، بل حجّة الله تقوم به وبالشّرع من كتاب وسنّة وإجماع، وبيّن أنّ الحسن والقبح يُطلقان على موافقة غرض الشّارع، وأنّهما ليسا بذاتيين لاختلاف الأغراض، بل إضافيّين.
ثم ذكر أنّ العقل حجّة وأنّ الشّرع حجّة كذلك، والعقل لا يحسّن ولا يقبّح إلّا عند عدم ورود الشّرع، أمّا إن ورد الشّرع فإنّ التحسين والتّقبيح يرجع له.
__________
(1) الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ص (1/ 119).
(2) ينظر: السرخسي، أصول السرخسي، تح: أبو الوفا الأفغاني، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م، ص (1/ 92)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 28). (1/117)
صفحة 117
ونسب هذا الرّأي للوارجلانيِّ (1) وابن بركة، وبيّن أنّه رأي جمهور الإباضيّة حيث قال: «وقال أصحابنا: إنّ الحاكم الشّرع، ولا حسن إلاّ ما حسّنه الشّرع ولا قبح إلاّ ما قبّحه» (2)، وقال: «وعند أصحابنا أنّ العقل يحسّن ويقبّح عند عدم الشّرع، فإن ورد الشّرع بخلافه تُرك، ورجع التّحسين والتّقبيح للشّرع، فالحاكم في الحقيقة هو الشّرع» (3).
وتمسّك السّالميُّ بهذا الرّأي أيضا، حيث قال: «فإنّ غاية ما يصل إليه العقل إدراك حسن الحسن وقبح القبيح، وإدراكهما أمر غير الحكم بهما، فإن معرفة الشّيء غير الحكم به، فإنّه وإن أدرك أنّ هذا حسن، وهذا قبيح مثلاً، فإدراكه ذلك ليس هو عين الحكم به، بل غيره، إذ المراد بالحكم به إثباته إثباتًا يترتّب عليه الثّواب والعقاب، وهذا أمر لا يدرك إلا من الشّارع» (4).
ممّا سبق بيانه يلاحظ أنّ الشّماخيَّ لم يخرج عن رأي الإباضيّة (5)، الذي جاء موافقا لرأي الماترديّة، الموفّق بين العقل والشّرع.
المطلب الثّاني: المسائل المتفرّعة عن التّحسين والتّقبيح:
تفرعّ عن مسألة التّحسين والتّقبيح بعض المسائل الفرعيّة، مثّلت الجانب العمليّ من المسألة، وقد استفاض الأصوليّون في دراستها، واختلفت فيها مذاهبهم بناء على اختلافهم في أصل هذه المسائل، ومنها:
- شكر المنعم هل هو واجب عقلا؟
- حكم الأشياء قبل ورود الشّرع.
- حكم من لم تبلغه رسالة سماوية، أو لم تبلغه رسالة الإسلام.
- الثّواب والعقاب الأخرويّين، هل يثبتان شرعا أم عقلا؟
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 33).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 279.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 283.
(4) السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 347).
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 93)؛ السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 347)؛ فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (2/ 559)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 151. (1/118)
صفحة 118
الفرع الأول: حكم من لم تبلغه رسالة الإسلام.
شكر المنعم هل هو واجب عقلا؟
هل يثبت الجزاء الأخروي عقلا أم شرعا؟
اختلف الأصوليّون في هذه المسائل بناء على اختلافهم في مسألة التحسين والتقبيح:
فذهب المعتزلة ومن وافقهم إلى كون العقل مستقلّا بمعرفة حكم الأشياء والأفعال، وما الشّرع إلاّ تبع لإدراكه الحسن والقبح فيها، وعليه قالوا بأنّ الإنسان مكلّف بما يقضي به العقل في حكمه على الأفعال قبل البعثة ووُرود الشّرائع، وذهبوا إلى إيجاب شكر المنعم بالعقل على من لم يبلغه الشّرع؛ واحتجّوا بأنّ الشّكر هو صرف العبد جميع ما منّ الله به عليه فيما خلق من أجله والإتيان بالشكر واجب، وأنّ فعل الحسن يستوجب الثّناء في الدّنيا، والثّواب في الآخرة، وفعل القبيح يستلزم الذّم في الدّنيا والعقاب في الآخرة (1).
وخالف في ذلك جمهور الأشعريّة، ومن وافقهم من متأخّري الماترديّة، وهم جمهور الحنفيّة؛ لأنّهم يقولون لا حكم للعقل كما تقدّم ذكره، وعليه لم يقولوا بتكليف من لم تبلغه رسالة سماوية؛ لأنّ الحجّة لا تقوم إلاّ بالرّسالة، وكذلك لا يطالب بشكر المنعم؛ لأنّه لو كان العقل موجبا فلابدّ أن يوجب لفائدة وإلاّ كان إيجابه عبثا وهو قبيح، ويمتنع عود الفائدة إلى الله تعالى لتعاليه عنها وإن عادت إلى العبد، فإن عادت إليه في الدّنيا فهو محال؛ لأنّ الشّكر عبارة عن إتعاب النّفس وإلزام المشقّة لها بتكليفها محال تجنّب المستقبحات العقليّة، وفعل المستحسنات العقليّة، وهو لاحظّ للنّفس فيه، وإن عادت إليه الفائدة في الآخرة، فالعقل لا يستقلّ بمعرفة الفائدة الأخروية، أو معرفة الآخرة نفسها دون إخبار الشّارع ولا إخبار، كما أنّه لا يحاسب على أفعاله في الدّنيا خيرا كانت أم شرّا (2).
ورأي الشّماخيِّ موافق لرأي جمهور الإباضيّة والماترديّة، حيث وافقوا المعتزلة في مقدّماتهم وخالفوهم في النّتائج، فلم يُلزِموا من لم تبلغه الرّسالة معرفة التّكاليف الشّرعية من واجب وحرام بعقولهم؛ لأنّ مصدرها الشّرع لا العقل، كما لم يوجبوا عليه شكر المنعم؛ لأنّ وجوبه يثبث بالشّرع لا
__________
(1) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 475)؛ وهبة الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1406 هـ-1986 م، ص (1/ 128)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، ص 247.
(2) الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 475)؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 128). (1/119)
صفحة 119
بالعقل أيضا، وعليه فما اقترفوا من أعمال نحكم عليها بعقولنا بالحسن والقبح، لا يلحقهم عليها الثّواب والعقاب يوم القيامة (1).
وهنا يظهر اتّفاق الماترديّة والإباضيّة مع الأشعريّة في النّتائج، أي في كون الثّواب والعقاب شرعيّين لا عقليّين، ولكنّ الإباضيّة خالفوهم في وجوب معرفة الخالق على جميع العباد سواء بلغتهم الرّسالة أم لم تبلغهم، وذلك بعقولهم وفطرهم، وفي ذلك يقول الشّماخي: «أوجب الله على العباد المعرفة سواء سمعوا أو لم يسمعوا، وكذا ما يدعو إليه الرسول -عليه السّلام-؛ لأنّ الحجّة فيما لا يسع إلزام الله العبد فهو موجود، في العاقل عذر لأحد» (2).
ثمّ بيّن أنّ الخلاف بين الإباضيّة والمعتزلة في المسألة يرجع لكون المعتزلة ينسبون التّحسين والتّقبيح للعقل مطلقا مع الشّرع ومع عدمه، أمّا الإباضيّة فيرون أنّ العقل يحسّن ويقبّح عند عدم ورود الشرع، أمّا إن ورد الشرع فالحكم له؛ لأنّ الحاكم في الحقيقة هو الشّرع (3).
الفرع الثّاني: ما حكم الأشياء قبل ورود الشّرع:
وهذه المسألة أيضا تفرّعت عن مسألة التّحسين والتّقبيح، وهي مسألة نظريّة أوردها الأصوليّون واختلفوا فيها على مذاهب، وفي حقيقة الأمر لا يترتّب عليها أيّ أثر عملي؛ لأنّها محسومة بنزول الوحي واكتمال الدّين.
وقد بحث العلماء في الأشياء والأعيان والتّصرّفات التي لم يرد في الشّريعة نصّ في شأنها هل هي مباحة أم محظورة؟
- القائلون بالمنع: وهو رأي جمهور المعتزلة، والإماميّة وابن حامد والقاضي أبو يعلى من الحنابلة، واستدلّوا على ذلك بأنّ العقل يمنع أن يتصرّف في ملك الغير بغير إذنه، وبالتّالي يكون حكمه المنع بناء على نظريّة التّقبيح عندهم.
وقد اختار الشّماخيُّ هذا الرّأي، وبيّن أنّه رأي جمهور الإباضيّة، حيث قال: «الأشياء قبل ورود الشّرع حكمها عندنا وعند معتزلة بغداد وابن أبي هريرة (4) على الحظر» (5).
__________
(1) ينظر: الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ص (2/ 563)؛ باجو، أبو يعقوب الوارجلاني أصوليّا، 248.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 280.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، صفحات 280، 281.
(4) هو أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريرة البغدادي، من أئمّة الشافعيّة، توفي سنة 345 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (15/ 427)؛ تاج الدّين السّبكي، الطبقات الكبرى للشافعيّة، ص (3/ 256).
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 279. (1/120)
صفحة 120
تُستغرَب نسبة الشّماخيِّ القول بالمنع لجمهور الإباضيّة؛ فأكثر المحقّقين منهم على الإباحة، كما ذكر أبو إسحاق اطفيّش؛ وهذا يتناسب مع رأيهم في أنّ الحاكم هو الشّرع لا العقل (1).
- القائلون بالإباحة: وهو رأي معتزلة البصرة وبعض الحنفيّة والشّافعية.
وهو المختار عند أكثر الإباضيّة كأبي يحي زكريّا بن أبي بكر (2)، والوارجلاني والسّالمي والقطب اطفيّش (3).
واستدلّوا لرأيهم بأنّ الانتفاع بما سكت عنه المشرّع انتفاع بما لا ضرر فيه على المالك ولا على المنتفع كالاستضاءة بضوء الغير، والاستظلال بجداره، فكان الحكم بحلّ الأشياء غير المنصوص على حكمها هو المتّفق مع سنن الفطرة والطّبيعة (4).
__________
(1) أبو إسحاق اطفيّش، هامش كتاب الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، 4.
(2) هو أبو يحي زكريّاء بن أبي بكر بن سعيد اليراسني، أحد أعلام الإباضيّة في القرن السّادس الهجري، ولد سنة 500 هـ، وكان له باع في علم النّظر، ومأثورات وأقوال خالدة متناثرة في بطون الدّفاتر والسّير، روى عنه كلّ من أبي يحي إسماعيل، وأبو عمرو عثمان السّوفي، وكان مقصدا للنّاس للفتوى، توفّي سنة 550 هـ. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 324 - 326)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (2/ 648)؛ مجموعة من الباحثين، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ترجمة رقم: 339، ص (2/ 155).
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 88)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 280؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 276). اطفيّش، الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، 4.
(4) ذكروا أدلّة نقلية كثيرة، لكن لا تقوم بها الحجّة؛ لأنّ البحث هو عن حكم الأشياء قبل ورود الشّرائع لا بعدها، للاطّلاع أكثر على تفاصيل الموضوع، ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (1/ 164)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 50)، الآمدي، الإحكام، ص (1/ 131)؛ وهبة الزحيلي، نظرية الضرورة الشّرعية، ط 4، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1418 هـ-1997 م، 31 - 33. (1/121)
صفحة 121
-القائلون بالوقف: وإليه ذهب الأشعريُّ (1) والصّيرفي (2) (3).
ولم يورد الشّمّاخيُّ أدلّة أيّ فريق، واكتفى بترجيح القول بالحظر.
والرّاجح ما ذهب إليه القائلون بالإباحة؛ لأنّ القائلين بالحظر والتّوقف، قد أثبتوا للأشياء حكما قبل ورود الشّرع، وهذا حكم عقليٌّ، ولا سبيل لإثبات حكم إلّا بالشّرع.
__________
(1) هو أبو الحسن علي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري البصري، أحد الأئمّة المتكلّمين المجتهدين، وهو مؤسّس مذهب الأشاعرة، ولد بالبصرة سنة 260 هـ، وتوفي ببغداد سن 324 هـ، من آثاره:"مقالات الإسلاميّين"، "الإبانة من أصول الدّيانة" وغيرها. تنظر ترجمته: تاج الدّين السّبكي، الطّبقات الكبرى للشافعيّة، ص (3/ 347)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 218).
(2) هو أبو بكر محمّد بن عبد الله الصّيرفي البغدادي، الأصولي والفقيه والمتكلّم الشّافعي، توفّي سنة 330 هـ، من آثاره:"البيان في دلائل الأعلام في أصول الأحكام"، "كتاب الفرائض". تنظر ترجمته تاج الدّين السّبكي، الطّبقات الكبرى للشافعيّة، ص (3/ 186)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (14/ 65).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 280. (1/122)
صفحة 122
المبحث الرّابع: المحكوم فيه.
المحكوم فيه في الحكم التّكليفي هو فعل المكلّف، الذي تعلّق به خطاب الشّارع اقتضاء أو تخييرا أو وضعا.
والتّكليف موجّه أساسا إلى فعل المكلّف، وعرّفه الشّماخيُّ بأنّه: «إلزام الله العبد، ما على العبد فيه مشقّة» (1).
ولما كان المقصود من التّكليف حصول الامتثال من المكلّف؛ وذلك بقدرته على إيقاع ما كُلّف به على جهة الطّاعة، ولما كانت هناك أفعال لا تدخل تحت قدرة المكلّف، وهناك مكلّفون عاجزون عن القيام بما كُلّفوا، اقتضت حكمة الله عزّ وجلّ أن يعلّق التّكليف بشروط معيّنة، ترفع الحرج عن المكلّفين، وتمكّنهم من الامتثال.
وقد اكتفى الشّماخيُّ بذكر شروط التّكليف الرّاجعة إلى فعل المكلّف، دون التّعرّض للشّروط العائدة إلى المكلّف، كالإسلام، البلوغ، العقل، الاختيار، وما تفرّع عن ذلك من مسائل، كحكم تكليف الصّبي، والنّاسي والمكرَه والمجنون.
وحصر شروط فعل المكلّف في عنصرين هما:
1 - إمكان المكلّف به: بمعنى أن يكون التّكليف مقدورا له.
2 - فهم المكلّف: أي أن يكون الخطاب مفهوما للمخاطب (2).
وأجمل السّالميُّ هذين الشّرطين ضمن ما يسّميه الأصوليّون بأهليّة المكلّف فقال: «يجب الحكم الشّرعيّ على المكلّف، وهو من وجدت فيه صفة التّكليف، وهي كمال قوّته في بدنه وعقله، فأمّا كمال قوّته في عقله، فهو بلوغ العقل مبلغ العقول الكاملة، وأما كمال قوّته في بدنه؛ فهي تمام صحّته، وهذه الحالة التي هي كمال العقل والبدن هي التي تُعرف عند الأصوليّين بالأهليّة، فمن اجتمعتا فيه كان أهلاً للتّكليف» (3).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 272.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 296.
(3) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 359). (1/123)
صفحة 123
وظهرت من تفصيل الأصوليّين لشروط التّكليف، بعض المسائل الكلاميّة، كمسألة التّكليف بالمحال، ومسألة تكليف الكفّار بفروع الشّريعة.
تناول الشمّاخيُّ هذه المسائل باختصار، وبيّن أقوال العلماء فيهما، ثم اختار رأي الجمهور، وفيما يأتي عرض لهاتين المسألتين.
المطلب الأوّل: مسألة هل يصحّ التّكليف بالمحال؟
لا خلاف بين العلماء في كون القدرة على الفعل شرطا في التّكليف، فلا تكليف بممتنع، سواء كان ذلك ذاتيّا، بمعنى لا تقبل ذاته الوجود، كالجمع بين الضّدين، أو كان عاديا أي أنّه ممكن الوجود ولكن لا قِبَل للمكلّف به.
ويدلّ على ذلك النّصوص الشّرعية الكثيرة، كقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا} (1)؛ ولأنّ المقصود من التّكليف إيقاعه من المكلّف، فإن كان مستحيلا، لم يصر لخطاب الشّارع معنى، والله تعالى منزّه عن ذلك.
ولكنّهم اختلفوا في المستحيل عادة، وهو الفعل المتعذّر عادة، هل يصحّ التّكليف به أم لا؟
- فذهب جمهور العلماء منهم الجويني والغزالي، وابن الحاجب، والمعتزلة (2)، والوارجلاني (3)، والشّماخي (4) إلى عدم جواز التّكليف بالمستحيل عادة.
واستدلّوا على ذلك بالآيات التي تبيّن أنّ التّكليف إنّما يكون بالمقدور، كقوله تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} (5)، وغيرها من الآيات التي في هذا المعنى، كما احتجّوا بالدّليل
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
(2) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 130)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 353)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، تح: فادي نصيف وطارق يحي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م، 93؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (1/ 303)؛ أحمد الحصري، نظريّة الحكم، ومصادر التّشريع في أصول الفقه الإسلامي، دط، مكتبة الكليّات الأزهرية، القاهرة، مصر، 1401 هـ-1981 م، 195.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 38).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.
(5) سورة الطلاق، الآية: 7. (1/124)
صفحة 124
العقليِّ، وفي ذلك يقول الشّماخيُّ: «لأنّ التكليف طلب، وهو استدعاء الحصول، وهو فرع تصوّر الوقوع وموقوف عليه، وباطل تصوّر وقوع المستحيل» (1).
وذهب جمهور الأشعريّة إلى جواز التّكليف بالمستحيل عادة (2).
وحجّتهم قوله تعالى: {وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} (3)، فقالوا لو كان مستحيلا، لما استقام الابتهال إلى الله به، فدلّ على جوازه؛ لأنّ الاستعاذة من المحال محال (4)، كما أنّهم قالوا بأنّ الله تعالى كلّف قوما بالإيمان، وفي علمه أنّهم لا يؤمنون، فحكم عليهم حكما أبديّا بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} (5).
ويمكن أن يُجاب على هذا بأنّه لا تلازم بين علم الله الأزليّ، وبين قدرة الإنسان، التي منحها الله له على اكتساب الفعل (6).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من القول بعدم وقوع التّكليف بالمحال شرعا؛ ويدلّ على ذلك الآيات الكثيرة والأحاديث التي تبيّن أنّ الله تعالى رفع الحرج والمشقّة عن التّكاليف الشّرعية، وأنّه لا يكلّف إلّا بالمقدور، أضف إلى ذلك أنّ كلّ ما استدلّ به القائلون بالوقوع، إنّما هي أمثلة للمستحيل من حيث علم الله بعدم وقوعه لا من حيث إمكان وقوعه، وتسمية هذه الأشياء بالمستحيلات غير جائز (7).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.
(2) شهاب الدّين القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1424 هـ-2004 م، 115.
(3) سورة البقرة، الآية: 286.
(4) البيانوني، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلاميّة، 291.
(5) سورة البقرة، الآية: 6.
(6) باجو، الوارجلاني أصوليا، 266.
(7) البيانوني، المرجع السابق، 295. (1/125)
صفحة 125
المطلب الثاني: مسألة هل الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة:
لا خلاف بين العلماء في أنّ الكفّار مكلّفون بالإيمان وأصول الشّريعة، ولكنّهم مختلفون فيما عدا ذلك من فروع الشّريعة، هل هم مكلّفون بها أو لا (1)؟
وقد تناول الأصوليّون هذه المسألة، في معرض تفصيلهم لشروط التّكليف، فاختلفوا في اشتراط الإيمان فيه من عدمه، وهذا هو المقصود من مخاطبة الكفّار بفروع الشّريعة، أي هل الإيمان شرط في التّكليف أم لا؟
ورأي الشّماخيِّ (2) في المسألة موافق لما ذهب إليه الجمهور (3)؛ الذين يرون أنّ الإيمان ليس شرطا في التّكليف، وعليه فيكون الكفّار مخاطبين بفروع الشّريعة (4).
وعلّل ذلك بقوله: «لأنّه لو كان شرطا، لم تجب صلاة على مُحدث؛ لأنّ من شروطها الطّهارة وهي مفقودة» (5).
وممّا استدلّ به الجمهور قوله تعالى: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} (6).
ووجه الدّلالة من الآية، أنّ الله خاطب الكفّار بأداء العبادات، وبالإيمان به، وبيّن أنّ استحقاقهم للعذاب؛ لكونهم كفروا بالله، وتركوا أداء الشّرائع من صلاة، وزكاة، وهذا يدلّ أنّهم كانوا مخاطبين بها في الدّنيا (7).
__________
(1) ينظر: محمد أبو النّور، علم أصول الفقه، دط، المكتبة الأزهرية للتّراث، القاهرة، مصر، دت، ص (1/ 156)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 347).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 296.
(3) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 30)؛ الحصري، نظرية الحكم، 202.
(4) اختلف الإباضيّة في هذه المسألة على قولين، فذهب الجمهور منهم إلى أنّ الكفّار مخاطبين بفروع الشّريعة، وبهذا الرأي أخذ الشّماخي، وذهب البعض إلى أنّهم خوطبوا بالتّوحيد، والإقرار بالجملة، فإذا أقرّوا بذلك لزمهم ما لزم المسلمين من الخطاب بأحكام الشّريعة. ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 629.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 296.
(6) سورة المدثّر، الآية: 42، 47.
(7) الحصري، المرجع السابق، 202. (1/126)
صفحة 126
وذهب أكثر الحنفيّة من مشائخ سمرقند، وأبو هاشم من المعتزلة (1)، إلى أنّ الكفّار غير مخاطبين بفروع الشّريعة؛ لأنّ الإيمان شرط في التّكاليف الشّرعية (2).
ويظهر رجحان ما ذهب إليه الجمهور، من القول بأنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة، فلا يشترط في التّكليف الإيمان، ولا حصول الشّروط الشّرعية؛ ويدلّ على هذا الآيات والأحاديث التي تُبيِّن أنّ الخطاب الشّرعي يشملهم، كما أنّه لو لم يوجد في الكافر غير شرط العبادة وهما الشّهادتان، فإنّ فقد شرط العبادة مع القدرة عليه لا يمنع من توجّه الخطاب بها (3).
__________
(1) هو أبو هاشم عبد السّلام بن محمّد بن عبد الوهاب الجبّائي، الفقيه والأصولي والمتكلّم المعتزلي، ولد سنة 247 هـ، وتوفي سنة 321 هـ، من آثاره:"العدّة في أصول الفقه"، "الجامع الكبير". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (15/ 59)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (8/ 9).
(2) محمد العروسي، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، 94.
(3) عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (1/ 348). (1/127)
صفحة 127
المبحث الخامس: الأدلّة المتّفق عليها.
تمهيد: الأدلّة الشّرعية وترتيبها.
الأدلّة الشّرعية هي مصادر الأحكام، أي أدلّة الفقه الإسلامي، التي تستنبط منها الأحكام الشّرعية، وتعتبر من صميم موضوعات أصول الفقه الذي يعرّف بأنّه: «العلم بالقواعد التي يُتوصّل بها إلى استنباط الأحكام الشّرعية الفرعيّة عن أدلّتها التّفصيليّة» (1)، بل وهناك من جعل معنى أصول الفقه أدلّته.
والدّليل لغة هو المرشد أو الهادي إلى أيّ شيء حسّي كان أو معنوي (2)، أمّا في الاصطلاح فعرّفه الشّماخي بأنّه: «ما يمكن التّوصل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوب خبري» (3)، فالله -عزّ وجلّ- أقام الأدلّة ونصب الأمارات هادية ومرشدة إلى أحكامه التي شرّعها في الأزل، وهي خطاباته المتعلّقة بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فأنزل كتابه تبيانا لكلّ شيء وتفصيلا، وجاءت السنّة الموحي بها شارحة ومبيّنة ومكمّلة لما أنزل الله في الكتاب، ثمّ أذن في الاجتهاد لاستنباط الأحكام التي لم تصرّح بها النّصوص، فكان الرّأي المتّفق عليه، والمتنازع فيه الذي أُمِرنا بردّه إلى كتاب الله وسنّة رسوله.
وقد اختلفت تقسيمات الأصوليّين للأدلّة باختلاف الاعتبار، فمن حيث الاتّفاق والاختلاف في حجّيّتها، قسّموها إلى قسمين وهما:
- الأدلّة متّفق عليها: وهي الكتاب والسنّة والإجماع والقياس.
- الأدلّة مختلف فيها: وتشمل الاستحسان، المصالح المرسلة، العرف، شرع من قبلنا، الاستصحاب، سدّ الذّرائع ... وغيرها.
ومن حيث استنادها إلى النّقل أو الرّأي قسّموها قسمين هما:
- الأدلّة النّقلية: وتضمّ الكتاب، السنّة، الإجماع، مذهب الصّحابي، شرع من قبلنا.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 35؛ تاج الدّين السّبكي، رفع الحاجب عن مختصر بن الحاجب، تحقيق علي محمد عوض و علي أحمد عبد الموجود، ط 1، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1419 هـ- 1999 م، ص (1/ 252).
(2) ابن منظور، لسان العرب، ط 1، دار صادر، بيروت، لبنان، دت، مادة "دل"، ص (4/ 494).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 587، 588. (1/128)
صفحة 128
- الأدلّة العقلية: وتضمّ القياس، الاستحسان، المصالح المرسلة، الاستصحاب، وقد سمّيت هذه بالأدلّة العقليّة؛ لأنّ مردّها إلى النّظر والرّأي لا إلى أمر منقول عن الشّارع.
من هنا تنوّعت الأدلّة إلى نوعين أدلّة أصليّة وهي التي لا تتوقّف دلالتها على الأحكام على دليل آخر، وهي القرآن والسنة، وتبعيّة وهي التي تتوقّف دلالتها واعتبارها على غيرها كالإجماع والقياس والاستحسان والمصالح المرسلة وغيرها.
وأدلّة الأحكام ليست على مرتبة واحدة في الحجّية، بل هي متفاوتة المراتب في الاستدلال بها، فأوّلها كتاب الله متى كان مستقلّا في الدّلالة، ثمّ تليه سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثمّ يجيء بعدها الإجماع، ثمّ الرّأي الذي تنوّع إلى أنواع في عصر أئمة المذاهب، فالأصل كتاب الله، والسنّة مُخبرة عن حكم الله، والإجماع مستند إليها، والقياس مستنبط منها (1).
ويدلّ على هذا التّرتيب للأدلّة الشّرعية بهذا النّحو، قول النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل (2) -رضي الله عنه- حين أرسله إلى اليمن: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أقضي بسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: فإن لم تجد في سنّة رسول الله ولا في كتاب الله؟ قال: أجتهد برأيي ولا آلو. فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفّق رسول رسول الله لما يُرضي رسول الله» (3).
وقد سلك الشّماخيُّ في تناوله للأدلّة الشّرعيّة تقسيمها من حيث الاتّفاق والاختلاف متّبعا في ذلك التّقسيم الذي سار عليه الوارجلاني.
__________
(1) ينظر: خلّاف، علم أصول الفقه، 21؛ محمد الخضري، أصول الفقه، ط 6، دن، دم، 1389 هـ-1968 م، 205؛ مصطفى شلبي، أصول الفقه الإسلامي، دط، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، دت، 71؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 417).
(2) هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، كان أعلم النّاس بالحلال والحرارم، توفي في طاعون عمواس سنة 18 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (1/ 392)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (6/ 136).
(3) أخرجه أبو داود في السنن، كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء، حديث رقم:3592، ص (3/ 331)؛ وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، وقال: «هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده بمتّصل»، حديث رقم:1327، ص (3/ 616)؛ وأخرجه أحمد في المسند، حديث رقم: 22114، ص (5/ 226). (1/129)
صفحة 129
حيث بوّب كتابه إلى عشرة أبواب، فخصّص الباب السّادس للخبر وتناول فيه مباحث السّنة، والباب الثّامن للإجماع، والباب العاشر للقياس، وألحق به بعض الأدلّة المختلف فيها وهي: الاستصحاب، شرع من قبلنا، المصالح المرسلة، والاستحسان، تحت مسمّى الاستدلال، ولم يخصّص بابا مستقلّا لدليل الكتاب مثلما فعل مع الأدلّة الأخرى.
وفيما يأتي سأتعرّض لذكر الأدلّة الشّرعية التي أوردها الشّماخي، وأبيّن من خلال ذلك آراءه فيها، سالكا في ذلك تقسيمها من حيث الاتّفاق والاختلاف. (1/130)
صفحة 130
المطلب الأوّل: الكتاب.
لم يتناول الشّماخيُّ في كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف" دليل الكتاب في باب مستقلّ كما فعل مع الأدلّة الأخرى، كما أنّه لم يتعرّض بالذّكر لمباحثه المختلفة من: تعريف القرآن، أسماء القرآن وأوصافه، حجّية القرآن ومرتبته بين الأدلّة، دلالة القرآن على الأحكام، القراءة الشّاذة وآراء العلماء في الاستدلال بها، إعجاز القرآن ووجوهه، وغيرها من المسائل.
وإنّما اكتفى بذكر مسألة وحيدة من مسائله، وهي مسألة وقوع المعرّب في القرآن الكريم وخلاف العلماء فيها.
في حين تعرّض لتعريف القرآن الكريم، ومسألة هل البسملة آية من القرآن؟ في أجوبته العقديّة والفقهيّة، التي لا تزال ضمن تراثه المخطوط.
وسأكتفي في هذا المبحث بما أورده الشّمّاخيُّ، وذلك في ثلاثة مطالب كالآتي:
المطلب الأوّل: تعريف الكتاب.
المطلب الثّاني: هل البسملة آية من القرآن؟
المطلب الثّالث: مسألة وقوع المعرّب في القرآن الكريم.
الفرع الأول: تعريف الكتاب:
الكتاب في اللّغة: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي المكتوب، ويطلق الكتاب على المنزّل، وهو المكتوب في المصاحف، وهو القرآن.
والقرآن التّنزيل العزيز، وهو مصدر قرأ من القراءة وهي التّلاوة، والمقروء هو المتلو، قال تعالى: {إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} (1)، ويأتي بمعنى الجمع (2).
في الاصطلاح: عرّفه الشمّاخيُّ بقوله: «ما اجتمعت عليه الأمّة، وهو المتلو في جميع الأقطار، والمكتوب في المصحف ... وهو مُعجِز بحُسن تأليفه، وإتقان نَظمه» (3).
__________
(1) سورة القيامة، الآية: 17، 18.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "قرأ"، ص (1/ 128).
(3) الشماخي، أجوبة في الفقه والعقيدة، مخ، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يسجن، غرداية، الرقم في الفهرس: 793، الرقم في الخزانة: م 094، صفحات من 318 ظ، 319 و ضمن مجموع. (1/131)
صفحة 131
وعرّفه الأصوليّون أيضا بأنّه: «كلام الله تعالى المنزّل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باللّسان العربي، للإعجاز بأقصر سورة منه، المكتوب في المصاحف، المنقول بالتّواتر، المتعبّد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة، والمختوم بسورة النّاس» (1).
الفرع الثاني: هل البسملة آية من القرآن؟
تناول الشّماخيُّ هذه المسألة في أجوبته العقديّة والفقهيّة، وذلك في جوابه على سؤال عن حكم قراءة البسملة في الصّلاة.
وقد اختلف العلماء في البسملة هل هي آية القرآن أو لا؟
وقبل عرض رأي الشّماخيِّ في المسألة، لا بدّ من تحرير محلّ النّزاع فيها:
- لا خلاف بين العلماء في أنّ البسملة جزء آية من القرآن الكريم، وذلك في سورة النّمل في قوله تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} (2).
- كما أنّهم متّفقون على أنّها مرسومة في أوائل سور القرآن -ما عدا سورة براءة (التّوبة) - في جميع المصاحف التي أجمع عليها الصّحابة -رضوان الله عليهم-.
- لا خلاف بينهم في أنّه لا يكفّر من أثبتها، ولا من نفاها؛ للاختلاف الحاصل فيها، وفي ذلك يقول ابن الحاجب: «وقوّة الشّبهة من الجانبين في مثل "بسم الله الرحمن الرحيم"، منعت التّكفير من الجانبين» (3)، وقال السّالميُّ: «لكن قد يمنع من الحكم بالإكفار على من زاد أو نقص فيه قوّة شبهة الزّائد أو النّاقص؛ ومن هنا لم تكفِّر كلّ واحدة من الطّائفتين الحنفيّة والشافعيّة الأخرى» (4).
ويكمن الخلاف بين العلماء في هذه المسألة في كون البسملة آية من كلّ سورة أو من الفاتحة فقط؟ أو أنّها ليست آية مطلقا؟ أو هي آية مستقلّة فاصلة بين السور؟
__________
(1) الزّحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 24.
(2) سورة النّمل، الآية: 30.
(3) ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 374).
(4) السالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 99). (1/132)
صفحة 132
حيث يرى الشافعيّة (1) والإباضيّة (2) أنّها آية من الفاتحة ومن كلّ سورة، ما عدا سورة براءة.
وقال المالكيّة (3) إنّها ليست بآية أصلا، لا من الفاتحة ولا من غيرها.
وذهب الحنفيّة (4) إلى أنّها آية من القرآن، ولكنّها ليست من كلّ سورة في الفاتحة وغيرها، بل هي منزّلة للفصل بين السّور.
ورأي الشّماخيِّ في هذه المسألة أنّ البسملة آية من كلّ سورة من القرآن -عدا براءة-، حيث قال -في معرض جوابه عن حكم قراءة البسملة في الصّلاة-: «بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة ومن كلّ سورة» (5)؛ لذلك فهو يرى وجوب قراءتها في الصّلاة سرّية كانت أم جهريّة، وساق أدلّة كثيرة من السنّة ومن إجماع الصّحابة تثبت ذلك منها:
- عن أمّ سلمة (6) – رضي الله عنها- أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عدّ الفاتحة آية آية، وعدّ البسملة منها (7).
- عن ابن بريدة (8) , عن أبيه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «"لا أخرج من المسجد حتى أخبرك بآية"، أو قال:" بسورة لم تنزل على نبيٍّ بعد سليمان غيري", قال: فمشى وتبعته حتى انتهى إلى باب المسجد فأخرج رجله من أُسْكُفَّةِ المسجد وبقيت الأخرى في المسجد فقلت بيني وبين نفسي: أنسي؟
__________
(1) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 60)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 213)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (1/ 381).
(2) ينظر: الشّماخي، أجوبة في الفقه والعقيدة، مخ، ص 313 و ضمن مجموع؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 99)؛ اطفيّش، الذّهب الخالص، 154.
(3) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، تح: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرّياض، السّعودية، 1423 هـ-2003 م، ص (1/ 93).
(4) السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 495).
(5) الشّماخي، أجوبة في الفقه والعقيدة، مخ، ص 313 و ضمن مجموع.
(6) هي أمّ سلمة هند بنت أبي أميّة بن المغيرة المخزوميّة، زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، تزوّجها بعد وفاة زوجها أبو سلمة-رضي الله عن هـ- سنة 4 هـ، وقد روت عدّة أحاديث، وكانت آخر من مات من أمّهات المؤمنين. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (3/ 178)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (8/ 150).
(7) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الحروف والقراءات، حديث رقم: 4003، ص (4/ 65)؛ وأخرجه الترمذيُّ في سننه، وقال: «هذا حديث غريب ... وليس إسناده بمتّصل»، كتاب الذّبائح، باب فاتحة الكتاب، حديث رقم: 2927، ص (5/ 185)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 26625، ص (6/ 302).
(8) هو أبو سهل عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي الكوفي، التّابعي، أحد رواة الحديث، ولد سنة 14 هـ، وتوفي سنة 115 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 52)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (8/ 189). (1/133)
صفحة 133
قال: فأقبل عليَّ بوجهه وقال:" بأيِّ شيء تفتح القراءة إذا افتتحت الصّلاة؟ "قال: قلت: ببسم الله الرّحمن الرّحيم, قال:" هي هي"ثم خرج» (1).
- إجماع الصّحابة على إثباتها في المصحف على رأس كلّ سورة -ما عدا براءة-.
- ما روي عن ابن عبّاس-رضي الله عنهما- في قوله تعالى: السّبع المثاني، قال: «عدّها عليَّ في يدي بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، إياك نعبد وإياك نستعين، اهدنا الصّراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضّالين» (2).
وذكر الشّماخيُّ شواهد كثيرة أخرى، ثمّ استعرض بعض ما استدلّ به النّفاة لكونها آية قرآنية، وناقش هذه الأدلّة (3).
ورأي الشّماخيِّ في المسألة جاء ممثّلا لرأي جمهور الإباضيّة، الذين يوافقون الشّافعية في القول بأنّ البسملة آية من سورة الفاتحة ومن كلّ سورة -عدا براءة-، قال السالميُّ: «والحقُّ عندنا -معشر الإباضيّة- أنّها آية من القرآن من كلّ سورة كُتِبت في أوّلها؛ لأنّها من جملة الآيات المنقولة بالتّواتر المكتوبة في المصاحف» (4).
__________
(1) أخرجه الدّارقطني في سننه، كتاب الصّلاة، باب وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصّلاة، حديث رقم: 1020، ص (1/ 331)؛ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، وقال: «إسناده ضعيف»، كتاب الأيمان، باب ما يقرب من الحنث ولا يكون حنثا، حديث رقم: 19808، ص (10/ 62)؛ وأخرجه الطبراني في المعجم الأوسط، وقال: «لم يرو هذا الحديث عن بن بريدة إلا عبد الكريم ولا عن عبد الكريم إلا يزيد أبو خالد تفرّد به سلمة بن صالح»، حديث رقم: 625، ص (1/ 196).
(2) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصّحيح عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- بلفظ: «فَاتِحَةُ الْكِتَابِ هِيَ أُمُّ الْقُرْآنِ، فَقَرَأَهَا وَقَرَأَ فِيهَا {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} وَقَالَ: إِنَّهَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ»، كتاب الصّلاة ووجوبها، باب في القراءة في الصّلاة، حديث رقم: 223، ص (1/ 60)؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط الشّيخين، ولم يخرّجاه بهذا اللّفظ»، كتاب فضائل القرآن، حديث رقم: 1963، ص (1/ 385)؛ وأخرجه البيهقي في السّنن الكبرى، كتاب الصّلاة، باب الدّليل على أنّ بسم الله الرحمن الرحيم آية تامّة، حديث رقم: 2220، ص (2/ 45).
(3) الشّماخي، أجوبة في الفقه والعقيدة، مخ، صفحات من 313 و - 315 و ضمن مجموع.
(4) السالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 99). (1/134)
صفحة 134
الفرع الثّالث: هل المُعرّب موجود في القرآن أم لا؟
يقصد بالمعرّب ما كان موضوعا لمعنى عند غير العرب، ثمّ استعملته العرب في ذلك المعنى. وقد حصل خلاف بين العلماء حول وقوعه في القرآن من عدمه، وشغلت هذه القضية أذهان العلماء قديما وحديثا لمساسها بالقرآن الكريم.
وقبل عرض آراء العلماء فيها لا بدّ من تحرير محلّ النّزاع.
- لا خلاف بين العلماء في أنّ القرآن نزل بلغة العرب، فالإجماع منعقد على ذلك؛ لقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1).
- كما أنّه لا خلاف بينهم في عدم ورود كلام مركّب على غير طريقة العرب وأساليبها في الكلام في ثنايا القرآن.
- ولا خلاف بينهم في وجود بعض الأعلام الأعجميّة في القرآن كإبراهيم، وإسرائيل، وعمران وغيرها؛ لأنّ الأعلام لا تتغيّر ألفاظها بتغيّر اللّغات.
__________
(1) سورة يوسف، الآية: 2. (1/135)
صفحة 135
وينحصر الخلاف بين العلماء في المسألة في احتواء القرآن في ثناياه لألفاظ مفردة غير عربيّة، حيث قال بعضهم بعدم وقوع ذلك فيه، وذهب آخرون إلى تجويزه، والبعض قال بالتّفصيل كالآتي:- القول الأوّل: القائلون بعدم وقوعه: وإليه ذهب والشّافعي، وأبو عبيدة (1)، وابن فارس (2)، وهو قول جمهور الأصوليّين (3)، والمختار عند الوارجلانيّ (4).
واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا} (5)، وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} (6)، حيث قالوا إنّ القول بوجود المعرّب في القرآن الكريم يلزم منه أن يكون القرآن غير عربي، كما يلزم منه وقوع التّنويع في القرآن بين الأعجميّ والعربي، وهذا مردود بنصّ القرآن، أمّا الألفاظ الموجودة في القرآن ويراها البعض غير عربيّة؛ فأصلها عربيّة، واستعمالها في لغات أخرى هو من باب الاتّفاق بين اللّغات، وقد أنكر الشّافعيُّ بشدّة على القائلين بوقوع المعرّب في القرآن في كتابه الرّسالة، حيث قال: «وقد تكلّم في العلم من لو أمسك عن بعض ما تكلّم فيه منه لكان الإمساك أولى به، وأقرب من السّلامة له -إن شاء الله-، فقال منهم
__________
(1) هو أبو عبيدة معمر بن المثنى التيمي بالولاء البصري الإباضي، من كبار أئمّة اللّغة والأدب، ولد سنة 111 هـ، بالبصرة، استقدمة هارون الرّشيد إلى بغداد سنة 188 هـ، توفّي سنة 209 هـ، من آثاره: "مجاز القرآن"، "نقائض جرير والفرزدق"، "ما تلحن فيه العامّة". تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 260)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 471)؛ محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة رقم: 1374، ص 450.
(2) هو أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريّاء القزويني الرّازي، أحد أئمّة اللّغة والأدب، ولد سنة 329 هـ، وتوفي سنة 395 هـ، من آثاره:"معجم مقاييس اللّغة"، "الصّاحبي". تنظر ترجمته: الذّهبي سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 93)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (2/ 118).
(3) ينظر: الشافعي، الرّسالة، تح: أحمد محمد شاكر، ط 3، مكتبة دار التّراث، القاهرة، مصر، دت، ص (1/ 41) وما بعدها، الباقلاني، التقريب والإرشاد الصغير، تح: عبد الحميد بن علي أبو زنيد، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م، ص (1/ 399)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 84)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 78)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 35؛ السّبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ص (1/ 416)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 65).
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 52).
(5) سورة يوسف، الآية: 2.
(6) سورة فصلت، الآية: 44. (1/136)
صفحة 136
قائل: إن في القرآن عربيّا وأعجميّا، والقرآن يدلّ على أن ليس من كتاب الله شيء إلا بلسان العرب» (1).
- القول الثّاني: القائلون بوقوعه: وإليه ذهب ابن عباس وعكرمة (2) ومجاهد (3) وسعيد بن جبير (4) وعطاء (5)، وبهذا قال بعض الأصوليّين، كالرّازي وابن الحاجب والعضد الإيجي، والشّوكاني (6). وغيرهم، وهو اختيار الشّماخي (7).
واستدلّوا على ذلك بوجود بعض الألفاظ الغير عربيّة في القرآن الكريم، فكلمة المشكاة هنديّة، والاستبرق والسّجيل فارسيّتان، والقسطاس روميّة.
ووجود هذه الألفاظ القليلة في القرآن، لا تخرجه عن كونه عربيّا؛ فالقصيدة الفارسيّة لا تخرج عن فارسيّتها بلفظة عربيّة توجد فيها.
__________
(1) الشّافعي، الرّسالة، ص (1/ 41) وما بعدها.
(2) هو أبو عبد الله عكرمة مولى ابن عبّاس الهاشمي المدني، أصله بربري من أهل المغرب، الحافظ والمفسّر التّابعي، روى عدّة أحاديث عن الصّحابة، كما روى عنه مجموعة من التّابعين، توفّي سنة 104 هـ. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 340)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (5/ 34).
(3) هو أبو الحجّاج مجاهد بن جبر المخزومي المكّي، مولى عبد الله بن أبي السّائب، المقرئ والمفسّر والمحدّث والفقيه التّابعي، روى عدّة أحاديث عن الصّحابة، ورى عنه بعض التّابعين، توفي سنة 101 هـ. تنظر ترجمته: محي الدّين النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 83)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (4/ 6).
(4) هو أبو سعيد بن جبير بن هشام الكوفي الأسدي الوالبي بالولاء، الحافظ والمقرئ والمفسّر التّابعي، روى عدّة أحاديث عن الصّحابة، ورى عن بعض التّابعين، قتله الحجّاج بن يوسف ظلما سنة 95 هـ. تنظر ترجمته: محي الدّين النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 216)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (4/ 355)
(5) هو أبو محمّد عطاء بن أبي رباح أسلم المكي القرشي بالولاء، مولى بني جمح، الفقيه التّابعي، مفتي أهل مكّة، ولد ونشأ بها أثناء خلافة عثمان بن عفّان، روى عدّة أحاديث عن الصّحابة، ورى عنه بعض التّابعين، توفّي بمكّة سنة 115 هـ. تنظر ترجمته: محي الدّين النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 333)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (5/ 86).
(6) هو علي بن محمّد بن محمّد بن علي الشّوكاني الصّنعاني اليمني، الفقيه والأصولي، يعدّ أحد الأئمّة المجتهدين في القرن الثّالث عشر، توفّي سنة 1248 هـ، وخلّف مؤلّفات كثيرة منها: "إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول"، "نيل الأوطار". تنظر ترجمته: صديق بن حسن القنوجي، أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، تح: عبد الجبار زكّار، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1978 م، ص (3/ 201)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (10/ 54).
(7) ينظر: الرازي، المحصول، ص (1/ 431)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (1/ 247)؛ العضد الإيجي، شرح مختصر المنتهى، 53؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 249. (1/137)
صفحة 137
وقد ناقش الشّماخي حجج المانعين لوقوعه في القرآن فقال: «قولهم بأنّ ما وقع في القرآن من ألفاظ أعجميّة هو من باب اتّفاق اللّغتين باطل؛ لأنّ دليل عُجمة بعض الألفاظ في القرآن، منعها من الصّرف كلفظة إبراهيم وسائر الأعلام.
وأمّا قولهم بنفي التّنويع في القرآن بدليل قوله تعالى: {أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} فغير صحيح؛ لأنّ سياق الآية يدلّ على أنّ المراد: أكلام أعجمي، ومخاطب عربيّ فلا يفهمه؟
وقولهم بأنه لو وُجد المعرّب في القرآن الكريم لم يكن عربيّا. مردود؛ لأنه لا يلزم من وقوع المعرّب في القرآن إخراجه من كونه عربيّا» (1).
ورأي الشّماخيِّ في هذه المسألة جاء مخالفا لرأي الوارجلاني وجمهور الإباضيّة (2)، حيث ذهب الوارجلانيّ إلى أنّ جميع ما في القرآن عربي، وردّ على القائلين بوقوع المعرّب فيه (3).
- القول الثّالث: الجمع بين القولين، حيث نُقل عن أبي عبيد قوله: «والصّواب عندي مذهب فيه تصديق القولين جميعا؛ وذلك أنّ هذه الأحرف أصولها أعجميّة -كما قال الفقهاء- لكنّها وقعت للعرب، فعرِّبت بألسنتها، وحوّلتها عن ألفاظ العجم إلى ألفاظها فصارت عربيّة، ثمّ نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلام العرب، فمن قال: إنّها عربيّة فهو صادق، ومن قال: أعجميّة صادق» (4).
ولعلّ هذا الرّأي الأخير هو الرّاجح، من بين الأقوال السّابقة؛ لأنّه وإن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها، فقد عرّبته العرب وغيّرته، فاستوجب أن يكون من لغتها.
وفي هذا المعنى يقول ابن رشد الحفيد (5): «وأمّا نفي بعضهم أن يكون في ألفاظه شيء ليس في لغة العرب وجوّزه بعضهم، فالوقوف على ذلك قليل الغناء فيما نحن بسبيله، وبالجملة إن كان في لسان العرب شيء من غير ألفاظها فقد عرّبته العرب تعريبا، وغيّرته تغييرا استوجب به اللّفظ كونه من
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 249، 250.
(2) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 179.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 53).
(4) ابن النجّار الفتوحي، شرح الكوكب المنير، ص (1/ 195).
(5) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن رشد الشّهير بالحفيد، الأصولي والفقيه والفيلسوف المالكي الأندلسي، توفي سنة 595 هـ، من آثاره: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد"، "مختصر المستصفى. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (19/ 466)؛ ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (2/ 257). (1/138)
صفحة 138
لغتها ومنسوبا إليها» (1).
والمتأمّل في خلاف الأصوليّين في هذه المسألة يجد أنّه لا يعدو كونه لفظيّا؛ لأنّ كلّ فريق نظر إلى اعتبار معيّن، فالمانعون لوقوع المعرّب في القرآن الكريم، نظروا إلى ما يستعمله العرب من الألفاظ المشتهرة بينهم، سواء كانت ألفاظا عربيّة محضة، أو كانت ألفاظا عربيّة بالاستعمال.
والقائلون بوقوعه نظروا إلى أصول الألفاظ المعرّبة بالاستعمال (2).
وعليه فخلافهم في هذه المسألة لا ينبني عليه أيّ عمل، فكون القرآن الكريم وقع المعرّب فيه أو لم يقع، لا يخرجه عن كونه عربيا، ولا عن كونه أوّل مصدر للتّشريع الإسلامي، باتّفاق جميع المسلمين.
__________
(1) ينظر: ابن رشد الحفيد، الضّروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى)، تح: جمال الدين العلوي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1994 م، 65؛ حميد عمّاري، ابن رشد الحفيد وآراؤه الأصولية، رسالة دكتوراه مرقونة، كلّية العلوم الاجتماعية والإسلامية جامعة الحاج لخضر بباتنة، 1428 هـ-2007 م، 112.
(2) عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (2/ 501). (1/139)
صفحة 139
المطلب الثّاني: السنّة النبويّة.
تمهيد: تعتبر السنّة المصدر الثّاني من مصادر التّشريع الإسلامي، وهي الأصل المعوّل عليه في بيان ما نزل على النبيّ - صلى الله عليه وسلم - من القرآن الكريم، لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (1)، وبيان السنّة للقرآن يكون إمّا بتفصيل مجمله، أو بتخصيص عامّه، أو بتقييد مطلقه.
وقد خصّص الشّماخيُّ الباب السّادس من كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف"؛ لبيان مباحث السنّة، كما تناول بعض مسائلها في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد، وهذا ما سأحاول إبرازه في هذا المبحث -إن شاء الله-
الفرع الأول: السنّة: تعريفها، أنواعها، وحجّيتها.
أوّلا: تعريف السنّة وبيان أنواعها:
- تعريف السنّة: السنّة في اللّغة هي الطريقة المعتادة محمودة كانت أم غير محمودة (2)، وبهذا المعنى جاء لفظ السنّة في الحديث النّبوي الشّريف: «من سنّ في الإسلام سنّة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنّة سيّئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (3).
أمّا في الاصطلاح فقد اختلف تعريفها بين المحدثين والأصوليّين والفقهاء:
فالسنّة عند المحدّثين: هي ما أثر عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خلقيّة أم خلقيّة سواء كان ذلك قبل البعثة أو بعدها.
وعند الأصوليّين فهي: كلّ ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير.
وعند الفقهاء هي: مرادفة للمندوب، أي كلّ فعل يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه.
__________
(1) سورة النّحل، الآية: 44.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "سنن"، ص (7/ 436).
(3) أخرجه مسلم، في صحيحه، في كتاب الزّكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشقّ تمرة، حديث رقم: 2398، ص (3/ 86). (1/140)
صفحة 140
وفي هذا يقول الشّماخيُّ في شرحه على كتاب مقدّمة التّوحيد: «اعلم أنّ السنّة لغة الطّريقة والعادة، وفي الاصطلاح، أما العبادات فما ليس بفرض من المندوب إليه، وأمّا في الدّليل ... فهو ما صدر عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير» (1).
يلاحظ من خلال هذه التّعاريف أنّ السنّة تطلق على الواجب وغيره في عرف أهل اللّغة والحديث، وأمّا في عرف أهل الفقه فيُطلقونها على ما ليس بواجب (2)، كما تُطلق على ما يقابل البدعة، أخذا بحديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي» (3)، كما يلاحظ إدخال المحدّثين للوصف في تعريفهم، أمّا الأصوليّون فلا يذكرونه؛ وذلك لأنّهم يبحثون فيه كمصدر للتّشريع، والتّشريع يثبت بالقول أو الفعل أو التّقرير منه - صلى الله عليه وسلم -.
ويرجع السبب في اختلاف إطلاق السنّة إلى الغرض الذي يعتني به كلّ فريق؛ فغرض الأصوليّين هو إثبات أدّلة الاحكام إجمالا، وغرض الفقهاء إثبات الأدلّة تفصيلا، أمّا غرض المحدّثين فهو نقل كلّ ما جاء عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، سواء كان مما يخصّ الأحكام أو لا (4).
- أنواعها: من خلال التّعريف الاصطلاحي للسّنة يتبيّن لنا أنّها على أنواع ثلاثة كالآتي:
1 - السنّة القوليّة: وهي الأحاديث التي قالها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مختلف الأغراض والمناسبات.
2 - السنّة الفعليّة: هي الأفعال التي فعلها الرّسول - صلى الله عليه وسلم - مثل أداء الصّلوات الخمس، وأداء شعائر الحج، وقطعه يد السّارق اليمنى من الرُّسغ.
3 - السنّة التّقريريّة: هي ما أقرّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - صراحة أو سكت عن إنكاره، بعد أن صدر أمامه، أو حدث في عصره وعلم به، أو ظهر منه ما يدلّ على الرّضا به، كإقراره - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل-رضي الله عنه- في كيفية القضاء باليمن، بدءا بالقرآن، ثمّ بالسنّة، ثمّ بالاجتهاد (5).
__________
(1) الشّماخي، شرح مقدمة التوحيد، 92.
(2) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 67).
(3) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب السنة، باب في لزوم السنة، حديث رقم: 4607، ص (4/ 316)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، أبواب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في الأخذ بالسنة، واجتناب البدع، حديث رقم: 2676، ص (5/ 49)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين، حديث رقم: 42، ص (1/ 14)؛ وأخرجه أحمد في المسند، حديث رقم: 18182، ص (4/ 126).
(4) عبد الكريم النّملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ص (2/ 637).
(5) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 92؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 450). (1/141)
صفحة 141
وقد فصّل الشّماخي القول في أنواع السنّة الفعليّة، حيث قسمها إلى قسمين:
1 - ما فعله النّبي - صلى الله عليه وسلم - مجرّدا من القول الموافق له.
وذكر أنّ هذا النّوع بدوره ينقسم إلى أقسام:
- الأفعال المجرّدة الجبلّية: كالقيام والأكل واللّباس، فهذا النّوع يستحبّ التّأسي به فيه؛ ... لأنّه مباح.
- الأفعال المجرّدة الخاصّة به: وذكر من أمثلته وجوب قيام اللّيل وصلاة الضّحى عليه - صلى الله عليه وسلم -، وإباحة الوصال في الصّوم له، وزيادته على أربع نسوة وغيره ممّا لا يشاركه فيه الأمّة، فهذا النّوع من الفعل يندب التّأسّي به فيه، فيما لم يحرّمه علينا.
- الأفعال المجرّدة التي تكون بيان لنص: سواء للوجوب، كأفعاله في الصّلاة والحجّ؛ لقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (1)، وكقطعه يد السّارق إلى الكوع بعد نزول قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (2)، أو للنّدب كصلاته ركعتي الفجر، والركعتين بعد المغرب لقوله تعالى: {وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} (3)، أو للإباحة، كانتشاره - صلى الله عليه وسلم - بعد الجمعة لقوله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (4).
- الأفعال المجرّدة التي لا تكون بيانا لنص، ولكنّها معلومة الجهة والصّفة: إما بالوجوب، كالصّلاة بالآذان مثلا، وإمّا بالنّدب كقصد مجرّد القُربة، وإمّا بالإباحة كسائر أفعال الإباحة.
وبيّن أنّ هذا النّوع من الفعل إذا فعله - صلى الله عليه وسلم - فأمّته مثله فيه مطلقا.
- الأفعال المجرّدة التي لا تكون بيانا لنص، وليست معلومة الجهة والصّفة: وبيّن أنّه وقع الخلاف في هذا النّوع، فاعتبره البعض للوجوب، والبعض للنّدب والبعض للإباحة، والبعض الآخر للتّوقّف.
واختار كونه للنّدب، وبيّن أنّ هذا رأي الإباضيّة، ثمّ أورد أدلّة القائلين بالوجوب، وناقشها.
__________
(1) أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب الأدب، باب رحمة النّاس والبهائم، جديث رقم: 6008، ص (8/ 9).
(2) سورة المائدة، الآية: 38.
(3) سورة الطّور، الآية: 48.
(4) سورة الجمعة، الآية: 10. (1/142)
صفحة 142
2 - ما فعله النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقارنه القول على جهة الأمر به (1).
ثانيا: حجّية السنّة.
لا خلاف بين علماء الأمّة عبر العصور، في اعتبار ما صدر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - متعلّقا بالتّشريع حجّة، ومصدر من مصادر التّشريع الإسلامي إلى جانب القرآن الكريم، كما أنّ الأمّة الإسلامية مُلزمة بامتثال ما جاء فيها من أحكام والعمل بمقتضاها؛ عند ثبوت صحتها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ثبت عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - قوله: «ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» (2).
والإباضيّة لم يشذّوا عن جماعة المسلمين، حيث اعتبروا السّنّة حجّة شرعية.
والشّماخيُّ لم يتناول في كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف، الحديث عن حجّية السنة، ولم يذكر أدلّة ثبوت حجّيتها كمصدر من مصادر التّشريع، وإنّما اكتفى باعتبارها ضمن الأدلّة الشّرعية؛ وخصّص بابا كاملا من الكتاب للحديث عن الخبر، حيث تناول فيه أقسامه، من متواتر وآحاد، مبيّنا شروط الرواي، وكيفيّات الرّواية.
بينما تحدّث عن حجّيتها في شرحه على كتاب مقدّمة التّوحيد، وذلك عند حديثه عن الصّلوات المفروضة والمسنونة، حيث ذكر أنّ بعض الإباضيّة يحكمون على من ردّ السنّة بالشّرك، وكذا من ردّ على النّبي - صلى الله عليه وسلم - مواجهة، سواء أنكر السّنة التي هي فرض أو السنّة التي هي فضيلة، وبعضهم يحكمون عليه بالنّفاق، ثمّ بيّن أنّ هذا الرّأي الأوّل فيه مبالغة؛ وقد يكون القصد منه التّغليظ والتّشديد، والمبالغة في تمكّنه من النّفاق (3).
وحجّية السنّة مقطوع بها عند الإباضيّة قديما وحديثا، ورأي الشّماخيِّ جاء ممثّلا لرأيهم (4).
وقد استدلّ العلماء على حجّية السّنة النّبوية في استنباط الأحكام الشرعية بأدلّة كثيرة من الكتاب ومن إجماع الصحابة ومن المعقول، منها:
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 368؛370؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 92، 93.
(2) وهو جزء من حديث، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأطعمة، باب النّهي عن أكل السّباع، حديث رقم: 4606، ص (4/ 328)؛ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده، حديث رقم: 17213، ص (4/ 130).
(3) الشّماخي، شرح مقدمة التوحيد، 58.
(4) هذا على عكس ما ينسب إليهم من إنكار السّنّة؛ فقد كان للإباضية اعتناء بالسنّة، وإسهام فيها منذ القرون الأولى. ينظر: النّامي، دراسات عن الإباضيّة، 125 - 128؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 186 - 195. (1/143)
صفحة 143
1 - القرآن الكريم: تعدّدت الآيات القرآنية الدّالة على حجّية السنّة، فقد أمر سبحانه وتعالى بطاعة الرّسول - صلى الله عليه وسلم - واتّباعه فيما جاء به، وحذّر من مخالفته؛ حيث جعل طاعته - صلى الله عليه وسلم -، من طاعته -عزّ وجلّ-، وبيّن القرآن الكريم، أنّ كل ما ينطق به النّبي - صلى الله عليه وسلم - على وجه التّشريع، فهو وحي من الله تعالى فقال عزّ من قائل: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} (1)، كما أعطى الله تعالى لنبيّه وظيفة البيان والتّبليغ لأحكام القرآن الكريم، فقال تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2)، فيكون بيانه - صلى الله عليه وسلم - متمّما للقرآن، وضروريّا لاستفادة الحكم الشّرعي، فتكون دليلا من أدلّة الأحكام.
وبالجملة فإنّ نصوص القرآن الكريم قاطعة على لزوم اتّباع السنّة، واعتبارها مصدرا للتّشريع، واستفادة الأحكام منها بما لا يدع أيّ مجال للشّك في حجّيتها.
2 - الإجماع: فقد أجمع المسلمون منذ عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا على وجوب اتّباع سنّته المطهّرة؛ فلم يكن الصّحابة ولا من بعدهم يفرّقون بين حكم ثبت بالقرآن وحكم ثبت بالسنّة، وقد دلّ على ذلك حديث معاذ بن جبل-رضي الله عنه- لما أرسله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيا، فلما سأله - صلى الله عليه وسلم - بما يقضي إذا عرض له أمر فقال بكتاب الله، فإن لم تجد في كتاب الله؟ قال فبسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (3).
3 - المعقول: إنّ الله تعالى لما أمر رسوله بتبليغ رسالته، واتّباع وحيه، والتّبليغ يكون بالقرآن وبيانه - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فالشّريعة هي القرآن وأقواله عليه الصّلاة والسّلام، أضف على ذلك، أنّ الله تعالى فرض على النّاس في القرآن فرائض مجملة غير مبيّنة، وتفصيلها إنّما جاء عن طريق السنّة، فلو لم تكن حجّة لما تمكّن الناس من أداء فرائض القرآن، واتّباع أحكامه.
قال الشّوكاني: «والحاصل أنّ ثبوت حجّية السنّة المطهّرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورة دينيّة ولا يخالف في ذلك إلاّ من لا حَظَّ له في دين الإسلام» (4).
__________
(1) سورة النّجم، الآية: 3،4.
(2) سورة النّحل، الآية: 44.
(3) سبق تخريجه.
(4) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 69). (1/144)
صفحة 144
الفرع الثّاني: تعريف الخبر وأقسامه:
أوّلا: تعريف الخبر:
عرّف الشّماخيُّ الخبر بأنّه: «ما يحتمل الصّدق والكذب»، وقسّمه إلى صادق وكاذب، مشيرا إلى أنّ الصّدق والكذب يتعلّق بمطابقة الواقع من عدمه، فما طابق الواقع فهو صدق نحو: "محمّد رسول الله"، وما لم يطابق الواقع فكذب نحو: "السّماء تحتنا"، وردّ على القائلين بأنّ الخبر لا يحدّ أصلا، كما اعترض على تعريفات بعض الأصوليّين.
وبيّن أنّ الخبر يقابله الإنشاء، وهذا الأخير لا يحتمل الصّدق والكذب، كالأمر والنّهي والاستفهام والتّرجي، والنّداء والقسَم (1).
ويكون الشّماخيُّ بتعريفه هذا موافقا لما ذهب إليه الوارجلاني (2)، الذي جعل الصّدق والكذب في التّعريف صفتين مُحتمَلتين، بقطع النّظر عن المرجّحات والاعتبارات الخارجيّة، فربط بينهما بالواو العاطفة، خلافا لبعض الأصوليّين (3).
وفي الحقيقة لم يخل تعريف من تعاريف الأصوليّين للخبر من الاعتراضات، وذلك بحسب ما أدخل كل واحد في تعريفه من قيود، ولعلّ أوضح التّعاريف وأضبطها تعريف السّالمي، الذي عرّف الخبر بقوله: «أمّا الخبر فلفظ أورده المتكلّم على قصد الإخبار به، في طريقة تحتمل الصّدق والكذب، لذاتها» (4)، فأخرج السّاهي والنّائم ومن لا عقل له؛ إذ لا قصد لهم، كما أخرج الإنشاءات من أمر ونهي واستفهام.
ثانيا: أقسام الخبر:
قسّم الشّماخيُّ الخبر باعتبار الصّدق والكذب إلى: معلوم الصّدق، معلوم الكذب، مظنون الصّدق، مظنون الكذب، وما يستوي فيه الأمران.
ثمّ بيّن أنّ معيار الصّدق في الأخبار كالآتي:
- كلّ خبر عرف بالضّرورة كالمتواتر.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 429؛432.
(2) باجو، الوارجلاني أصوليا، 288.
(3) الزّركشي البحر المحيط، ص (3/ 283).
(4) السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 12). (1/145)
صفحة 145
- وكلّ خبر عرف بالاستدلال.
- أخبار الله تعالى.
- أخبار الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
- ما اجتمعت عليه الأمة.
- ما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بصدقه، كإخباره - صلى الله عليه وسلم - بصدق المخبر.
- ما أُخبر عنه - صلى الله عليه وسلم - بحضرته وفهمه ولم ينكره.
- ما أُخبر عن جماعة بحضرتهم، ولم يمنعهم من الإنكار مانع، كسطوة ظالم مثلا.
- الخبر المستفيض الذي لم يبلغ حدّ التواتر، وجاوز حدّ الآحاد وتلقّته الأمة بالقبول.
- وما دلّت القرائن على صدقه.
وبيّن أنّ الخبر الكاذب هو كلّ ما خالف هذه المعايير، أمّا ما يُظنّ صدقه فهو كخبر العدل مثلا، وما يُظنّ كذبه فهو كخبر الكاذب أو المطعون في عدالته من الرّواة، ويستوي الصّدق والكذب في مجهول الحال من الرّواة (1).
الفرع الثالث: مراتب السنّة:
قسّم الشّماخي الخبر باعتبار السّند (عدد الرّواة) إلى قسمين: الخبر المتواتر، وخبر الآحاد.
أوّلا: الخبر المتواتر:
عرّفه بأنه: «خبر جماعة عن جماعة يفيد العلم بنفسه، العلم بصدقه».
واشترط فيه ما يأتي:
- العدد الكثير، الذي يستحيل معه تواطؤهم على الكذب عادة.
- أن يكون هذا العدد من أوّل السّند إلى منتهاه.
- أن يكون مستند خبرهم الحس، أي عن طريق المشاهدة أو السّماع.
- العقل، احترازا من الأطفال والمجانين.
وهذه الشّروط الأربعة هي الشّروط الأساسية للتّواتر، وهي ذاتها التي اشترطها الأصوليّون (2)، وذكر بعضهم شروطا أخرى كاعتبار تعيين العدد، وقد ردّ الشّماخي على من
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 438، 439.
(2) ينظر: السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 15)؛ شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 139 وما بعدها. (1/146)
صفحة 146
اشترط هذا الشّرط فقال بعد استعراض هذه المذاهب: «والصّحيح أنّه إذا أفاد العلم بصدقه أفاده» (1).
- العلم الحاصل من الخبر المتواتر:
نقل الشّماخي خلاف العلماء في العلم الحاصل من الخبر المتواتر كالآتي:
حيث ذهب جمهور الأصوليّين إلى إفادته للعلم ضرورة مطلقا وحجّتهم أنّ النّاس يجدون نفوسهم ملزمة بالجزم بوجود البلاد الغائبة عنهم، ووجود الأشخاص الماضية قبلهم، جزمًا خاليًا عن التّردد، جاريًا مجرى جزمهم بوجود المشاهدات، فالمنكر لحصول العلم الضّروري بالتّواتر كالمنكر لحصول العلم الضّروري بالمشاهدات (2).
وذهب السّمنيّة والبراهمة إلى أنّه لا يفيد العلم بل يفيد الظنّ، وقال الكعبي وأبو الحسين بأنّه يفيد العلم النّظري، ونُسِب إلى الغزالي أنّه جعل العلم الحاصل بالتّواتر قسما ثالثا (3)، وتوقّف المرتضى والآمدي فيه.
وقد أكّد الشّماخيُّ على قطعيّة الخبر المتواتر، وبيّن أنّ العلم الحاصل منه ضروري، مرجّحا في ذلك مذهب الجمهور (4).
وصرّح السّالمي بأنّ هذا مذهب الإباضيّة، فقال: «وكون العلم بمدلول الخبر ضروريّا هو قول أصحابنا وأكثر المعتزلة» (5).
يلاحظ أنّ الخلاف بين العلماء يكمن في نوع العلم الحاصل بالتّواتر هل هو ضروري أم نظري، وليس في حصول العلم به، فالإجماع منعقد على إفادته للعلم.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 437.
(2) السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 284)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 89).
(3) اشتهرت بين الأصوليّين نسبة هذا القول إلى الغزالي، وبعد التّحقيق تبيّن أنّ الغزاليّ يرى أنّ التّواتر لا يفيد علما ضروريّا؛ إذا كان المقصود به ما يتمّ بغير واسطة في الذّهن، أما إن كان المقصود ما نجد أنفسنا مضطرّين إليه، فيكون العلم الذي يفيده ضروريّا. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 107)؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 297.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، صفحات 434 - 436.
(5) السالمي، المصدر السابق، ص (2/ 21). (1/147)
صفحة 147
ثانيا: خبر الآحاد:
وهو ما رواه عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - آحاد، لم يبلغوا حدّ التواتر، وأكثر الأحاديث قد ثبت بهذا الطّريق.
وقسّم الشّماخيُّ الآحاد إلى قسمين:
1 - الخبر المستفيض: وعرّفه بأنّه: «ما زاد نقله عن ثلاثة، وتلقته الأمة بالقبول» (1).
2 - الخبر الغير مستفيض: وهو خبر الآحاد، ثم ذكر أقسامه كالآتي:
- المرسل: وهو ما أخبر به عن الرّسول من لم يسمع الخبر، وبيّن خلاف العلماء في حجّيته، ورجّح القول بحجّيته.
- المقطوع: وهو ما لا يتّصل فيه طريق النّقل، ومثّل له بقول الرّبيع (2):"أبو عبيدة (3) عن ابن عبّاس"، أو رواية الرّبيع عن جابر، وحكم عليه بالضّعف، وأنّه لا يقبل إلاّ بقرينة.
- الموقوف: وهو ما أخبر به عن الصّحابي ولم يبلغ الرّسول - صلى الله عليه وسلم -، و أشار أنّ الوارجلاني قد حكم بصحّته، وأنّ أكثر العلماء اعتبروه مردودا.
- الضّعيف: ما وقع وهن في روايته أو متنه، وبيّن أنّه غير مقبول.
- الشّاذ: وهو ما قلّت رواته، وهو غير مقبول.
- المناكير: وهو ما لا يقبله العلماء العارفون بطرق الحديث ومعانيه.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 439.
(2) هو الربيع بن حبيب بن عمرو الأزدي الفراهيدي العماني، ولد بغضفان إحدى قرى الباطنة حوالي سنة 75 هـ، ولم يمكث طويلا في عمان بل انتقل إلى البصرة لطلب العلم، فتتلمذ على الإمام جابر بن زيد، وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وضمام بن السائب، وصالح الدهان، وهو الإمام الثّالث من أيمّة الإباضية، اشتغل برواية الحديث والتّدريس والإفتاء، توفي سنة 180 هـ، ومن آثاره: "آثار الربيع"، مجموعة من الفتاوى والإجابات في العبادات والمعاملات. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 84 - 88)؛ الشّماخي، كتاب السّير، ص (1/ 217)؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 221، ص (1/ 235).
(3) هو أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، بالولاء، مولى لعروة بن أدية، وهو الإمام الثاني من أيمّة الإباضية، أخذ العلم عن جابر بن زيد، وابن عبّاس وعائشة -رضي الله عنهم-، كان له الفضل في نشر المذهب الإباضي في البصرة وخارجها، وتخرّج عل يديه تلامذة كثيرون من أمثال: الربيع بن حبيب، ومحبوب بن الرّحيل، توفّي سنة 145 هـ تقريبا، ومن آثاره:"مسائل أبي عبيدة"، و"كتاب الزّكاة"، بالإضافة على مجموعة أحاديث رواها عن جابر بن زيد، وجعفر السماك. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 45 - 54)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (1/ 196)؛ محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ترجمة رقم: 1363، ص 445. (1/148)
صفحة 148
- أخبار المتن: وهو ما أخبر به من غير سند اعتمادا على صحّته.
- أخبار الصّحيفة: وهي ما يرويه الرّاوي عن أبيه عن جدّه من صحيفة عندهم، كأخبار عمرو بن شعيب (1)، وكصحيفة عمرو بن حزم (2)، وهو من الأخبار الصّحيحة (3).
يلاحظ ممّا سبق أنّ الشّماخي يوافق الجمهور في تقسيمهم للخبر باعتبار السّند، إلى متواتر وآحاد، ولكنّه جعل خبر الآحاد قسمين:
- الخبر المستفيض.
- والخبر الغير مستفيض: ويضمّ أقسام الآحاد.
وهذا التّقسيم شبيه بتقسيم الحنفيّة، الذين يجعلون مرتبة بين المتواتر والآحاد وهي السنّة المشهورة أو المستفيضة (4).
وعلى هذا التّقسيم سار الوارجلاني (5)، والإباضيّة عموما (6).
والمستفيض أو المشهور لا يفيد علما ضروريّا كالمتواتر، ولا ظنّيا كالآحاد؛ وإنما يفيد علم الطّمأنينة، وهذا المستفاد من كلام الشّماخي، على عكس ما نسب إليه السّالميُّ من أنّ الخبر المستفيض يفيد علما قطعيّا كالمتواتر (7).
__________
(1) هو أبو إبراهيم، عمرو بن شعيب السّهمي القرشي، ابن صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، الإمام والمحدّث، توفّي سنة 118 هـ بالطائف. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 28)؛ الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (5/ 193)؛ الزركلي، الأعلام، ص (10/ 293).
(2) هو أبو الضّحاك عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان النّجاري الخزرجي الأنصاري، صحابي جليل شهد غزوة الخندق ومابعدها واستعمله النبي - صلى الله عليه وسلم -، توفي سنة 53 هـ. تنظر ترجمته: ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 25)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (10/ 283).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 445.
(4) يعرف الحنفيّة الحديث المشهور بأنّه ما كان من الآحاد في الأصل، ثم تواتر في القرن الثاني والثالث، ويمثّلون له بحديث: «إنّما الأعمال بالنّيات»، وحديث: «بني الإسلام على خمس»، وغيرها من الأحاديث، وهو عندهم يفيد علم الطّمأنينة، وبمنزلة المتواتر في الاحتجاج به، ومرتبته هي دون المتواتر و فوق الآحاد. ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، 451؛ أحمد الشّنقيطي، خبر الواحد وحجّيته، ط 1، الجامعة الإسلاميّة، المدينة المنوّرة: السعودية، 1422 هـ-2002 م، 114.
(5) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، المصدر السابق (2/ 206)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 292.
(6) ينظر: السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 24)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 203.
(7) السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 22). (1/149)
صفحة 149
- حجّية خبر الآحاد:
من خلال ما سبق تبيّن أنّ حجّية السنّة النّبوية، ثابتة بالكتاب والسنة، وإجماع الصّحابة -رضوان الله عليهم-، ولكن وقع الاختلاف في حجّية السنّة التي رواها الواحد أو الاثنان ولم تبلغ حدّ الشّهرة أو ما يسمّى بخبر الواحد، بين مغال يذهب إلى أنّها تفيد القطع، ومفرّط ينكر حجّيتها؛ بدعوى ظنّية ثبوتها واحتمال التّدليس والكذب من الرّواة، ولكثرة ما أدخله الوضّاعون فيها من أحاديث مكذوبة عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - حتى عسُر التّمييز بين الخبيث والطيّب، وبين معتدل يذهب إلى أنّها حجّة ظنّية.
ومسألة حجّية خبر الآحاد شغلت بال العلماء منذ القديم، فأكثروا فيها من بيان الحجج والأدلّة، وقد عقد الإمام الشّافعي بابا كاملا في كتابه الرّسالة حول موضوع خبر الآحاد، تناول فيه بإسهاب الحديث عن حجّية الآحاد والردّ على من أنكرها، موردا في ذلك الحجج المختلفة النّقلية منها والعقليّة، حتى غدا كتابه مرجعا أساسيا لكلّ من تحدّث عن هذا الموضوع بعده.
وسأكتفي ببيان رأي الجمهور القائلين بأنّه حجّة ظنّية؛ لعدم القطع بنسبتها إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه موجب للعمل بعد التّثبت من صحة نسبته.
اعتمد جلّ العلماء الذين أعقبوا الإمام الشّافعي على الحجج التي أوردها في كتابه الرّسالة ردّا على من أنكر حجية خبر الآحاد، وأضافوا إليها أدلّة أخرى من الكتاب ومن السنّة ومن الإجماع والمعقول.
وتتلخّص الحجج التي أوردها الشّافعي في الردّ على من أنكر حجّية خبر الآحاد في النّقاط الآتية:
- القياس على أمر مقرّر في الشّريعة ثابت بالقرآن أو السنّة، كقضاء النّبي - صلى الله عليه وسلم -، بشهادة شاهدين أو رجل، وبشهادة امرأة فيما لا يطّلع عليه الرجال، والقضاء إلزام بترجيح جانب الصّدق على الكذب.
- تناقل الصّحابة للأحكام الشرعيّة بأخبار آحادهم، و إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - لهم، واكتفائه - صلى الله عليه وسلم - في تبليغ الأحكام بواحد يرسله.
- إرسال النّبي - صلى الله عليه وسلم - لرسل فرادى لتبليغ رسالة الإسلام للملوك، وتبليغ الكتب للولاة في الأمصار. (1/150)
صفحة 150
- عمل الصّحابة -رضوان الله عليهم- بخبر الواحد إذا لم يجدوا دليلا في الكتاب أو السنّة، مثل أخذ عمر بن الخطاب بخبر الضّحاك (1) في توريث المرأة من ديّة زوجها (2).
وقد أضاف العلماء بعض الأدلّة الأخرى:
1 - من الكتاب: مثل قوله تعالى: {فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (3)، فقد ألزم الله تبارك وتعالى قبول خبر الطّائفة، مع أنّها تضمّ الواحد والاثنان والثّلاثة، فلو لم يكن خبر الواحد حجّة لوجوب العمل لما وجب الإنذار بما سمع.
2 - من المعقول: قالوا إنّ الخبر، يحتمل الصّدق ويحتمل الكذب، فإذا كان الرّاوي عدلا ترجّح جانب الصّدق، والعمل بما ترجّح صدقه واجب (4)، أضف إلى ذلك أنّ جلّ أحكام الشّرع قد ثبتت بطريق الآحاد، ولا مصدر للأحكام بعد القرآن الكريم سوى السنّة النّبوية، فدلّ هذا على وجوب العمل بخبر الواحد.
وقد اعتبر الشّماخيُّ خبر الواحد حجّة شرعيّة، يجب العمل به، واشترط لذلك اتّصال سنده، وعدالة رواته، فقال: «واعلم أنّ العمل يجب بهما بيانا، أي بالمستفيض وغيره من الآحاد، إذا اتّصل سنده، ورواه عدل» (5)، واكتفى بالقول بحجّيته، مع ذكر أقوال المخالفين في ذلك، دون إيراد لأدلّة المثبتين أو النّافين، خلافا للوارجلاني، الذي فصّل القول في أدّلة حجّية خبر الآحاد، دون التّعرّض لشُبَه المخالفين في ذلك (6).
ولم يَشترط الشّماخيُّ في خبر الآحاد المقبول إلّا عدالة الرّاوي.
__________
(1) هو أبو سعيد الضّحاك بن سفيان بن عوف الكلابي، صحابي جليل، وأحد فرسان المسلمين، كان يقوم على رأس النّبي - صلى الله عليه وسلم - متوشّحا بسيفه، ولّاه النّبي - صلى الله عليه وسلم - على نجد، استشهد في حروب الرّدة سنة 11 هـ، وقد روى عنه سعيد بن المسيّب والحسن البصري. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 249)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (3/ 477).
(2) ينظر: الشافعي، الرّسالة، صفحات 391، 468؛ الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، 468.
(3) سورة التوبة، الآية: 122.
(4) ينظر: السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 323)؛ الشنقيطي، خبر الواحد وحجّيته، 228 وما بعدها.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 439.
(6) الوارجلاني، العدل والإنصاف، المصدر السابق (2/ 206)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 305. (1/151)
صفحة 151
وذكر أنّ البعض يشترطون فيه أن يكون معتضدا بعمل الصّحابة به، أو رواية عدل آخر له، ونسب هذا الرّأي للجبّائي (1) (2)، كما نسب للحنفيّة اشتراطهم ألّا يكون فيما تعمّ به البلوى (3)، وردّ هذه الشّروط كلّها فقال: «اعلم أنّ رواية العدل تُقبل مطلقا، أي سواء كان ممّا تعمّ فيه البلوى، أو في الحدّ، أم غيرهما» (4).
وساق أدلّة تثبت عمل الصّحابة بخبر الآحاد فيما تعمّ به البلوى، من ذلك:
- العمل بخبر عائشة (5) -رضي الله عنها-: «إذا التقى الختانان وجب الغسل» (6).
- العمل بخبر ابن مسعود (7) -رضي الله عنه- في نقض الوضوء بمسّ الذّكر (8).
__________
(1) هو أبو علي محمّد بن عبد الوهاب الجُبّائي البصري، الأصولي والمفسّر والمتكلّم المعتزلي، ترجع غيه نسبة الطائفة الجبائية من المعتزلة، توفي سنة 303 هـ، ومن آثاره:"كتاب الأصول"، "الرّد على المنجّمين". تنظر ترجمته، الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (14/ 202)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (14/ 151).
(2) أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، تح: محمد حميد الله، وأحمد بكير وحسن حنفي، دط، دمشق، سوريا، 1384 هـ-1964 م، ص (2/ 138).
(3) ينظر: الجصّاص، الفصول في الأصول، ص (4/ 128)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (2/ 156).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 465.
(5) هي عائشة بنت أبي بكر الصّيق التّيميّة القرشيّة، زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ولدت في السنة الرّابعة للبعثة، تزوّجها النّبي - صلى الله عليه وسلم - في السّنة الثانية للهجرة بعد غزوة بدر، تكنّى بأمّ عبد الله، وهي أفقه نساء الأمّة، وقد روت عدّة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، كما روى عنها الكثير من التّابعين، توفّيت سنة 58 هـ. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 114)، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (8/ 16).
(6) هذا الحديث رُوي عن عائشة بألفاظ متقاربة، فقد أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ قريب ونصّه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومسّ الختان الختان فقد وجب الغسل»، كتاب الحيض، باب نسخ الماء من الماء ووجوب الغسل، حديث رقم: 812، ص (1/ 186)؛ وأخرجه الربيع في الجامع الصّحيح بلفظ: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، كتاب الطّهارة، باب فيما يكون منه غسل الجنابة، حديث رقم: 133، ص (1/ 38)؛ وأخرجه التّرمذي في سننه، وقال: «حديث عائشة حسن صحيح»، أبواب الطّهارات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء إذا التقى الختانان وجب الغسل، حديث رقم: 109، ص (1/ 182)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الطّهارة وسننها، حديث رقم: 608، ص (1/ 198)؛ وأخرجه أحمد في مسند الأنصار، حديث رقم: 26068، ص (6/ 239).
(7) هو أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسعود بن غافل بن جبيب الهذلي المكّي، صحابيٌّ جليل من السابقين الأوّلين إلى الإسلام، كان خادم النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد المواقع كلّها معه، ولي بيت المال بالكوفة، توفّي بالمدينة 32 هـ، وقد روى عدّة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (1/ 410)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (4/ 233).
(8) هذا الحديث اشتهرت روايته في كتب الحديث عن بسرة بنت عبد الرحمن -رضي الله عنها-، وري أيضا عن ابن عمر، وابن عبّاس، وعبد الله بن عمرو، ولم أعثر على تخريجه عن ابن مسعود مثلما ذكر الشّماخي.
وقد أخرجه الرّبيع، وأصحاب السّنن وغيرهم. أخرجه الرّبيع في الجامع الصّحيح عن ابن عباس، وعن بسرة، كتاب الطّهارة، باب ما يجب من الوضوء، حديث رقم: 115، 116، ص (1/ 34)؛ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الطّهارة، باب الوضوء من مس الذّكر، حديث رقم: 181، ص (1/ 71)؛ وأخرجه الترمذيُّ في سننه، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، أبواب الطّهارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب الوضوء من مس الذّكر، حديث رقم: 82، ص (1/ 126)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الطّهارة وسننها، باب الوضوء من مسّ الذّكر، حديث رقم: 476، ص (1/ 160)؛ وأخرجه النّسائيُّ في سننه، باب الأمر بالوضوء من مسّ الذّكر، حديث رقم: 160، ص (1/ 99)؛ وأخرجه أحمد في مسند الأنصار، حديث رقم: 7076، ص (2/ 223)؛ وأخرجه مالك في الموطّأ، كتاب الطّهارة، باب الوضوء من مسّ الفرج، حديث رقم: 130، ص (2/ 59). (1/152)
صفحة 152
- العمل بخبر أبي هريرة (1) -رضي الله عنه- في غسل اليدين عند القيام من النّوم (2) (3).
بعد هذا انتقل الشّماخيُّ للحديث عن العلم الذي يفيده خبر الواحد، موردا مذاهب العلماء في ذلك.
- العلم الحاصل من خبر الآحاد.
اختلف القائلون بحجّية خبر الواحد في العلم الذي يفيده خبر الواحد، هل هو ظنّي أم يقيني؟ وذلك على مذاهب كالآتي:
__________
(1) هو أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر الدّوسي اليماني على الأرجح، الصّحابي الجليل، وهو أكثر الصّحابة رواية للحديث، حدّث عنه الكثير من الصّحابة والتّابعين، توفي سنة 57 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء (2/ 2)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (1/ 249).
(2) متّفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة، ونصّه عند البخاري: «إذا توضّأ أحدكم فليجعل في أنفه، ثمّ لينثر، ومن استجمر فليوتر، وإذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده»، البخاري، الصّحيح، كتاب الطّهارة، باب الاستجمار وترا، حديث رقم: 162، ص (1/ 44)؛ ونصّه عند مسلم: «إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده»، مسلم، الصّحيح، كتاب الطّهارة، باب كراهة غمس المتوضّئ وغيره يده المشكوك في نجاستها في الإناء، حديث رقم: 665، ص (1/ 60).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 466. (1/153)
صفحة 153
1 - فذهب جمهور الأصوليّين ومعهم الشّماخيُّ، إلى أنّه يفيد رجحان الظّن وأنّه موجب للعمل، أي أنّه يفيد العلم بالظّن، كما في قوله تعالى: {فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} (1)، معناه فإن ظننتموهنّ؛ لأنّنا لا نحيط علما بما في ضمائرهن (2).
وخبر الآحاد متى توفّرت فيه شروط الصّحة من اتّصال السّند وعدالة الرّاوي، غلب على الظنّ صدقه.
واستدلّوا على صحّة مذهبهم بأدلّة منها:
- وقوع التّعارض بين أخبار الآحاد دليل عدم إفادتها للعلم؛ إذ التّعارض يتنافى مع العلم.
- لو كان خبر الآحاد مفيدا للعلم، لجاز نسخ القرآن والأخبار المتواترة به دون خلاف؛ لكونه بمنزلتها في إفادة العلم، وهذا يؤكد أن خبر الآحاد مفيد للظّن.
2 - وذهب أهل الظّاهر، وأحمد في إحدى الرّوايتين عنه، إلى أنّ خبر الواحد العدل يفيد العلم اليقيني من غير قرينة (3).
حيث قالوا إنّ خبر الآحاد لو لم يكن مفيدا للعلم لما وجب العمل به، والإجماع منعقد على وجوب العمل، فأفاد العلم، وبيانه قوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (4)، وقوله: {إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} (5).
أجاب الشّماخي على هذه الحجّة فقال: «أجيب بأنّ المتَّبَع هو الإجماع، على وجوب العمل بالظّواهر، والإجماع قاطع لا مظنون، لكن الآيتان مؤوّلتان بـ (ما) المطلوب فيه العلم من أصول الدّين، لا ما يطلب العمل من أصول الدّين» (6).
3 - وذهب النظّام ومن تابعه، إلى أنّه يفيد العلم، إذا اقترنت به قرينة.
4 - وذهب البعض إلى أنّه لا يفيد العلم اليقيني مطلقا، لا بقرينة ولا بغير قرينة، كما أنّه لا يوجب العمل، ونسب الشّماخي هذا القول للقاساني (7)، والرّافضة، وابن داود (8)، والجبّائي.
__________
(1) سورة الممتحنة، الآية: 10.
(2) الجصاص، الفصول في الأصول، ص (3/ 90).
(3) الآمدي، الإحكام، ص (2/ 47).
(4) سورة الإسراء، الآية: 32.
(5) سورة الأنعام، الآية: 148.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 441.
(7) هو أبو بكر محمّد بن إسحاق القاساني، وقيل القاشاني، أصولي وفقيه شافعي، عاش في القرن الثّالث الهجري، كان في بداية حياته ظاهريّا ثمّ تحوّل إلى الشّافعيّة. تنظر ترجمته: أبو إسحاق الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 176).
(8) هو أبو بكر محمّد بن داود بن علي بن خلف الأصفهاني الظّاهري، أصله من أصفهان، ولد سنة 255 هـ ببغداد وعاش بها، وتوفي سنة 297 هـ، من آثاره: "الوصول إلى معرفة الأصول"، "اختلاف مسائل الصّحابة". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 101)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 305). (1/154)
صفحة 154
وقد رجّح الشّماخي قول الجمهور بإفادة خبر الواحد لرجحان الظّن، مع وجوب العمل به، فقال -بعد تقسيمه لخبر الأحاد إلى مستفيض وغير مستفيض-: «ويجب بهما العمل، ولا يحصُل بهما العلم لا بقرينة ولا بغيرها» (1).
واستعرض أقوال المخالفين في المسألة، واكتفى بالردّ على القائلين بإفادته للعلم.
ثم بيّن أنّ القائلين بجواز العمل به والتعبّد اختلفوا في طريق إثباته، فذهب الجمهور منهم إلى أنّه ثابت بدليل السّمع، وقال أحمد، وابن سريج (2) والقفّال (3) وأبو الحسين البصري بثبوته بدليل العقل (4).
ورأي الشّماخيِّ في المسألة موافق لرأي الإباضيّة (5).
ثالثا: الخبر المرسل وحجّيته.
- تعريف الحديث المرسل.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 439.
(2) هو أبو العبّاس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد ببغداد سنة 249 هـ، وتوفّي بها سنة 306 هـ، وترك مصنّفات كثيرة منها: "الأقسام والخصال"، "الودائع لمنصوص الشّرائع". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (14/ 220)؛ السّبكي، طبقات الشافعيّة، ص (3/ 21).
(3) هو أبو بكر محمّد بن إسماعيل الشّاشي القفّال الكبير، الأصولي والفقيه واللّغوي الشافعي، أصله من بلاد ما وراء النّهر، ولد سنة 291 هـ، وتوفّي سنة 365 هـ، من آثاره:"أصول الشاشي"، "محاسن الشّريعة"، "شرح رسالة الشّافعي". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (16/ 333)؛ السّبكي، المصدر السابق، ص (3/ 200).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 442.
(5) ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (2/ 20)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 206)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 24)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 214. (1/155)
صفحة 155
1 - لغة: المرسل في اللّغة اسم مفعول من أرسل، فيقال: أرسل يُرسل إرسالا، وأرسله بمعنى أطلقه، وأهمله (1).
2 - اصطلاحا: اختلف المحدّثون والأصوليّون في تحديد معنى المرسل.
فعرّفه المحدّثون بأنّه ما يَترك فيه التّابعي ذكر الواسطة بينه وبين النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فحصروا انقطاع السّند في طبقة الصّحابة والتّابعين فقط.
أمّا الأصوليّون ففسّروه بأنّه قول العدل الذي لم يَلْقَ النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فأدخلوا في معناه كلّ ما لم يتصل إسناده.
وعرّفه الشّماخي فقال: «وهو ما أخبر به عن الرّسول من لم يسمع الخبر» (2)، وأشار إلى أنّ بعض الأصوليين لم يفرّقوا بينه وبين المنقطع (3).
ويظهر من تعريفه هذا، موافقته للمحدّثين في حصر معنى الإرسال في طبقة الصّحابة والتّابعين دون غيرهم.
- حجيّة الخبر المرسل.
يتّفق الجمهور القائلون بحجّية خبر الآحاد، على قبول مرسل الصّحابي؛ وذلك لعدالة الصّحابة، واختلفوا في مرسل غير الصحابي هل هو حجّة أم لا؟ على مذاهب:
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "رسل"، ص (5/ 67).
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 433.
(3) اختلف العلماء في تعريف الحديث المنقطع، والمشهور إطلاقه على ما سقط من رواته واحد غير الصّحابي، ولكنّ البعض أطلقوه على الحديث الذي لم يتّصل سنده ولو سقط منه أكثر من واحد، فيشمل المرسل والمعضل والمعلّق، إلّا أنّ أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال ما رواه التابعي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأكثر ما يوصف بالانقطاع ما رواه من دون التّابعين عن الصّحابة مثل مالك عن ابن عمر. ينظر: زين الدّين العراقي، شرح ألفية العراقي المسماة بالتّبصرة والتّذكرة، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت، ص (1/ 158) (1/156)
صفحة 156
1 - فذهب الجمهور، ومنهم الأئمة الثّلاثة أبو حنيفة (1) ومالك (2) ومشهور أحمد (3)، والمعتزلة إلى قبول المراسيل، وهو المختار عند الشّماخي.
2 - وذهب الظّاهرية ومن وافقهم إلى عدم حجّيته.
3 - واشترط ابن الحاجب، وابن الهمام (4) في المرسل المقبول أن يكون من أئمة النّقل الضّابطين دون غيرهم.
4 - ومذهب عيسى بن أبان (5)، قبول المرسل إذا كان من أهل القرون الثّلاثة الأولى سواء كانوا من أئمة الضّبط أم من غيرهم.
5 - واشترط الشّافعي لقبوله شروطا وهي: أن يؤيّده حديث مسند في معناه، وأن يوافقه مرسل مقبول عند العلماء، وأن يؤيده قول صحابي، وأن يتقوّى بفتوى أكثر العلماء (6).
ورجّح الشّماخيُّ -بعد استعراضه آراء العلماء في المسألة- رأي الجمهور القائلين بحجّيّة
__________
(1) هو أبو حنيفة النّعمان بن ثابت التيمي بالولاء الكوفي، الفقيه والمجتهد والمحقق، إمام المذهب الحنفي، وأحد الأئمّة الأربعة، ولد بالكوفة سنة 80 هـ ونشأ، عرض عليه أبو جعفر المنصور القضاء فأبى فسجنه، وتوفّي في سجنه ببغداد سنة 150 هـ، من آثاره:"الفقه الأكبر"، "المسند"، "المخارج في الفقه". تنظر ترجمته: الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 86)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (6/ 474).
(2) هو أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمّة الأربعة، ولد بالمدينة المنوّرة سنة 93 هـ، وتلقّى العلم بها، عرف بصلابة دينه، توفّي سنة 179 هـ، من آثاره: "الموطّأ"، "رسالة في الرّد على القدريّة"، "تفسير غريب القرآن". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (8/ 43)؛ ابن فرحون، الدّيباج المذهّب، ص (1/ 82).
(3) هو أبو عبد الله أحمد بن محمّد بن حنبل بن هلال الشّيباني البغدادي، الإمام المجتهد، أحد الأئمّة الأربعة، ولد ببغداد سنة 164 هـ، ونشأ بها، وكانت له رحلات وأسفار لتلقّي العلم، توفّي سنة 241 هـ، من آثاره: "المسند"، النّاسخ والمنسوخ"، "التّاريخ". تنظر ترجمته: الشّيرازي، المصدر السابق، ص (1/ 91)؛ الذّهبي، المصدر السابق، ص (11/ 365).
(4) هو كمال الدّين محمّد بن عبد الواحد بن الهمام السيواسي الإسكندري، الأصولي والفقيه والمفسّر الحنفي، يُعرف بابن الهمام، ولد سنة 790 هـ، وتوفّي بالقاهرة سنة 861 هـ. تنظر ترجمته: السّخاوي، الضّوء اللّامع الضّوء اللّامع لأهل القرن التّاسع، ص (8/ 127)؛ الزركلي، الأعلام، ص (14/ 65).
(5) هو أبو موسى عيسى بن أبان بن صدقة البغدادي، الأصولي والفقيه الحنفي، توفي سنة 221 هـ، من آثاره: "إثبات القياس"، "الجامع". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (10/ 434)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (10/ 377).
(6) ينظر: السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 69)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 443، 444؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 473). (1/157)
صفحة 157
الخبر المرسل؛ وعلّل ذلك فقال: «لأنّ إرسال الأئمّة كجابر بن زيد، والحسن (1) وغيرهما، كان مشهورا مقبولا فيما بينهم، ولم ينكره أحد، فكان إجماعا، أعني إجماعا بالاستدلال، لا إجماعا مقطوعا به» (2).
وإلى حجّية المرسل ووجوب العمل به، ذهب جمهور الإباضيّة (3)، كما نصّ السّالمي؛ واحتجّ على ذلك بإجماع الصّحابة والتّابعين على قبول خبر المرسل العدل (4).
الفرع الرابع: شروط قبول الرّواية:
ذكر الشّماخيُّ شروطا يجب توفّرها فيمن تُقبل روايته، وهي ذاتها الشّروط التي فصّلها بدقّة علماء الجرح والتّعديل، وأوردها الأصوليّون ضمن مباحث السنّة، وهذه الشّروط متعلّقة بضبط الرّواية، وصحّة قبولها، وهي كالآتي:
- البلوغ: فلا يقبل خبر الصّبي، وإن كان مميّزا ضابطا، وأمّا إن تحمّلها وهو صبيّ، ثمّ أدّاها بعد بلوغه فاختلف فيها، فذهب بعض الأصوليّين إلى قبولها، وذهب الأكثر إلى ردّها، وأشار الشّماخي أنّ رأي الوارجلاني هو ردّها (5)، واختار هو قبول روايته وشهادته، ولو تحمّلها قبل البلوغ، إذا كان ضابطا.
- الإسلام: فلا تُقبَل رواية الكافر.
- الضّبط: أن يكون الرّاوي ضابطا ومميّزا عند التّلقي وعند الرّواية؛ لضمان النّقل الصّحيح للخبر.
__________
(1) هو أبو سعيد الحسن بن يسار البصري، مولى زيد بن ثابت الانصاري، أحد أعلام التّابعين، ولد بالمدينة سنة 21 هـ، وصحب علي بن أبي طالب -رضي الله عن هـ-، كان إمام أهل البصرة، توفي سنة 110 هـ. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 161)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (4/ 135)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (5/ 89).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 444.
(3) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 196)؛ الشماخي، شرح مختصر العدل، 444؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 72)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 232.
(4) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 72).
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 210). (1/158)
صفحة 158
- العدالة: فلا تُقبل رواية الفاسق، والعدالة كما يعرِّفها الشّماخي هي: «محافظة دينيّة، تحمل صاحبها على ملازمة التّقوى والمروءة، أي هيئة في القلب راسخة، أي يستقرّ خوف الله في نفسه، بحيث يمنعه من المعاصي ويحضّه على فعل الطاعة، ولا يكون ساقط المروءة» (1).
وبيّن الشّماخي تشدّد الإباضيّة في اشتراط تحقّق العدالة في الرّاوي، فلا يقبلون رواية المبتدع والفاسق مطلقا، سواء كان مجاهرا أم لم يكن كذلك، حيث ذكر خلاف العلماء في قبولها والشّروط التي وضعوها لذلك، ثم عقّب على ذلك بقوله: «وهذه الأقوال كلّها، أقوال الغير ومذهبنا ردّ الجميع» (2) (3).
ثم نبّه إلى أنّه لا يشترط في قبول الرواية، الحرّية، ولا الذّكورية، ولا النّسب والولاء فقال: «لا يشترط في الراوي أن يكون حرّا، بل تقبل رواية العبد، ولا الذّكورية بل تقبل المرأة وحدها، وأيضا تقبل رواية الظّنين في النّسب والولاء» (4).
وزاد السّالميُّ شروطا أخرى، هي بمثابة التّفصيل للشّروط الأربعة التي ذكرها الشّماخيِّ، وكلّها تعود إلى ضبط الرواية، وصحّة ثبوتها، كما أنّها محلّ خلاف بين العلماء وهي:
- أن يكون الراوي عاقلا فلا تقبل رواية المجنون.
- أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يروي.
- أن لا يترك الأخذ بروايته غيره من العلماء.
- أن يتأوّل الرّواية راويها.
- أن لا يكون الرّاوي مدلّسا في روايته.
- أن لا يكذِّب الرّاوي أصله الذي روى عنه (5).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 446.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 449.
(3) خالف السالميُّ جمهور الإباضية في هذه المسألة؛ فأجاز رواية الكافر والفاسق المتأوّلَيْن. ينظر: السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 52).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 457.
(5) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 51 - 64). (1/159)
صفحة 159
الفرع الخامس: رواية الحديث بالمعنى.
اختلف الأصوليّون في جواز نقل الحديث بالمعنى، فمنعه بعضهم، وذهب الجمهور إلى جوازه بشروط (1).
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور على جواز نقل الحديث بالمعنى بشروط، ولكنّه بيّن أنّ الرّواية باللّفظ أحسن، حيث قال: «اعلم أنّهم اتّفقوا على أنّه لا يجوز نقل الحديث بالمعنى، إلّا للعارف بمواقع الألفاظ، والمختار جوازه، والأحسن نقله بصورته».
وذكر أنّ البعض أجازه بلفظ مرادف، والبعض منعه مطلقا.
واستدلّ على الجواز بقوله: «لأنّ الصّحابة نقلوا عنه أحاديث في وقائع متّحدة بألفاظ مختلفة، وما قاله -عيه السّلام- واحد، وتكرّر ذلك وشاع ولم ينكره أحد، فصار إجماعا لكن ليس بقطعي، وأيضا أنّ ابن مسعود وغيره يقول:"قال النبيُّ عليه السّلام كذا ونحوه"» (2).
وبيّن أيضا أنّ الجمهور متّفقون على جواز حذف بعض الحديث عند الرّواية، بشرط أن يكون المحذوف مستقلّا، أمّا إن كان غير مستقلّ فلا يجوز الحذف؛ لأنّ المعنى حينئذ يتغيّر عند سقوطه، كالغاية والاستثناء، ومثّل للغاية بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع التّمرة حتّى تزهى» (3)، ومثّل للاستثناء بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبع البرّ بالبرّ إلّا بسواء» (4).
__________
(1) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة في المصادر الآتية: السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (4/ 70)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 263)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 101)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (2/ 530). عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (2/ 210).
(2) الشمّاخي، شرح مختصر العدل، 464.
(3) متّفق عليه، أخرجه البخاريُّ ومسلم بلفظين متقاربين، ونصّه عند البخاري: عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ-:أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الثّمار حتّى تزهي، قال:"حتّى تحمار"»، كتاب الزّكاة، باب من باع التّمرة، حديث رقم: 1488، ص (2/ 127)؛ ونصّه عند مسلم: عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ-:أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الثّمرة حتّى تزهي، قالوا: وما تزهي؟ قال:" تحمر"، فقال:"إذا منع الله الثّمرة فبم تستحلّ مال أخيك؟ "»، كتاب المساقاة، باب وضع الحوائج، حديث رقم: 4060، ص (5/ 29).
(4) وهو جزء من حديث أخرجه مسلم في صحيحه عن عبادة بن الصّامت -رضي الله عن هـ- قال إنّي سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «نهى عن بيع الذّهب بالذّهب، والفضّة بالفضّة، والبرّ بالبر، والشعير بالشعير، والتّمر بالتّمر، والملح بالملح، إلا سواء بسواء، عينا بعين، فمن زاد، أو ازداد، فقد أربى»، كتاب المساقاة، باب الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقدا، حديث رقم: 4145، ص (5/ 43). (1/160)
صفحة 160
أمّا الزّيادة في الرّواية، فبيّن أنّها مردودة، باستثناء الزّيادة التي رواها العدل فتقبل، إلّا إن دلّت قرينة على سقوطها، كما إذا روي الحديث بعدّة طرق لم ترد فيها الزّيادة إلّا في واحد، حيث لا يُتصوّر غفلة مثلهم عن تلك الزّيادة، والمجلس واحد.
وبيّن أنّ البعض لا يقبلون الزّيادة مطلقا، من العدل ومن غيره (1).
__________
(1) الشمّاخي، شرح مختصر العدل، 464، 465. (1/161)
صفحة 161
المطلب الثالث: الإجماع.
تمهيد: يُعتبر الإجماع ثالث دليل من أدلة الأحكام الإجماليّة، فمرتبته تأتي بعد الكتاب والسنّة؛ لأنّه متفرّع عنهما، وقد نشأ في عصر الصحابة بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وذلك لظهور نوازل استلزمت بيان حكم الشّرع فيها، ما جعل الصّحابة يلجأون إلى الاجتهاد الجماعي؛ خشية الخطأ في الاجتهاد الفردي؛ لذلك كان الخلفاء الرّاشدون يستعينون بمشورة كبار الصّحابة، فيما لم يجدوا فيه حكما لحادثة، فأصبح الحكم المجمع عليه ملزما بالنّسبة لبقيّة المسلمين ثم انتهجه بعدهم ... علماء الأمّة.
وفيما يأتي سأتعرّض لمفهوم الإجماع، وأبيّن أركانه وشروطه، وأنواعه، مبرزا في ذلك رأي الشّماخي.
الفرع الأول: تعريف الإجماع.
أوّلا: تعريف الإجماع لغة:
يطلق الإجماع في اللّغة على معنيين:
1 - العزم على الشّيء والتّصميم عليه: ومنه قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُم} (1)، أي اعزموا عليه.
2 - الاتّفاق: يقال: أجمع قوم على كذا، إذا اتّفقوا عليه (2).
والفرق بين المعنيين أنّ العزم يحصل من الواحد ومن الجماعة، أمّا الاتّفاق فلا يحصل إلّا من الجماعة.
ثانيا: تعريف الإجماع اصطلاحا:
ذكر الشّماخيُّ التّعريف اللّغوي للإجماع، ثمّ عرّفه اصطلاحا بأنّه: «اتّفاق مجتهدي الأمّة على أمر في عصر» (3).
ثمّ حدّد قيود تعريفه كالآتي:
__________
(1) سورة يونس، الآية: 71.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "جمع"، ص (8/ 53).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 487. (1/162)
صفحة 162
- احترز بقوله: (مجتهدي الأمّة)، من دخول الكفار، فلا اعتبار لإجماعهم، وأمّا أهل البدع من المجتهدين، فبيّن أنّه لا يُعتبر منهم من كانت بدعته تتضمّن كفرا، أما من لم يكن كذلك فالصّحيح اعتباره.
- وبيّن أنّ مراده من عبارة: (على أمر) أنّ الإجماع يعمّ الأمور الدينيّة والدّنيويّة.
- ومن عبارة (في عصر) أنّ الإجماع يعمّ الزّمان القليل أو الكثير.
ثمّ نقل خلاف العلماء في اعتبار المقلّد في الإجماع بين المجيزين والمانعين، وبيّن أنّ الوارجلاني يميل إلى اعتبار من كان منهم محصّلا لبعض العلم دون غيره (1).
يلاحظ من تعريف الشّماخيِّ للإجماع ما يأتي:
1 - إثباته وقوع الإجماع في كل العصور، دون تقييد ذلك بوفاة النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
والأصحّ أنّ الإجماع لا يكون حجّة إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - إن وافق الصّحابة على ما اتّفقوا عليه كان الحكم ثابتا بموافقته لا بالإجماع، وإن خالفهم فلا اعتبار لاتّفاقهم؛ لأنّ مصدر التّشريع في عصره هو الوحي، ويدلّ على هذا حديث معاذ بن جبل، حيث لم يذكر فيه الإجماع.
2 - أدخل في الإجماع كلّ الأمور، الدّينية منها والدنيوية، والاجتهادية وغير الاجتهادية.
والحقّ أنّ الإجماع هو حجّة شرعيّة؛ لإثبات حكم شرعيّ اجتهادي، ولا يعتبر دليلا معتبرا إلا في المسائل الاجتهاديّة، وهي التي فيها نصّ ظنّي، أو ليس فيها نصّا أصلا، أمّا ما فيه دليل قطعيّ من النّصوص، فهو ثابت به ولا حاجة للإجماع في الكشف عنه.
هذا وقد اختلفت تعريفات الأصوليّين للإجماع، تبعا لاختلافهم في القيود المشترطة لتحقّقه، من انقراض العصر، وأن لا يُسبق بخلاف، واشتراط العدالة في المتّفقين (2)، وفي ذلك يقول الشّوكاني: «ومن اشترط في حجّية الإجماع انقراض عصر المجتهدين المتّفقين على ذلك الأمر، زاد في الحدّ، قيد
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 487، 488.
(2) ينظر: عبدالعزيز البخاري، كشف الأسرار، تح: عبد الله محمود محمد عمر، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1997 م، ص (3/ 337)؛ التفتازاني، شرح التّلويح على التّوضيح، ص (2/ 88)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 101). (1/163)
صفحة 163
الانقراض، ومن اشترط عدم سبق خلاف مستقرّ، زاد في الحدّ قيد:"عدم كونه مسبوقا بخلاف"، ومن اشترط عدالة المتّفقين، أو بلوغهم عدد التّواتر، زاد في الحدّ ما يفيد ذلك» (1).
ولعلّ أحسن التّعاريف للإجماع ما ذكره بعض المعاصرين، الذين عرّفوه بأنّه: «اتّفاق المجتهدين من أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - بعد وفاته، في أيّ عصر من العصور، على حكم شرعي اجتهادي» (2)، فهذا التّعريف شامل لجميع القيود والاحترازات التي اشترطها الأصوليّون لتحقّق الإجماع.
الفرع الثّاني: إمكان وقوع الإجماع، وحجّيّته.
أوّلا: إمكان وقوع الإجماع.
لا خلاف بين العلماء في إمكان الإجماع عقلا؛ إذ لا يمتنع عقلا اتّفاق المجتهدين في عصر على أمر، ولا خلاف كذلك في تصوّره وإمكانه في ضروريّات الأحكام.
أمّا في غير ذلك وهو الإجماع على الأحكام التي لا تكون معلومة بالضّرورة، بأن كان الإجماع عن مستند ظنّي، فقد اختلف العلماء في إمكانه على مذهبين (3):
فذهب الجمهور (4) ومعهم الشمّاخيُّ إلى إمكان وقوعه عادة.
وذهب بعض النظّامية، وبعض الشّيعة إلى استحالته عادة، وعليه فهو غير ممكن الوقوع (5).
وذكر الشّماخيُّ أنّه لم يخالف في ثبوت الإجماع إلّا النّظام (6) وبعض الرّوافض، وأنّ هذا الرّأي منسوب لأحمد بن حنبل (7).
__________
(1) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 131).
(2) الزحيلي، الوجيز أصول الفقه، ص 46.
(3) عبد الكريم النملة، المهذب في أصول الفقه المقارن، ص (2/ 847).
(4) ينظر: السّرخسي، أصول السرخسي، ص (2/ 23)؛ الزركشي، البحر المحيط، ص (3/ 488)؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 132)؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 112)؛ عبد الكريم النّملة، أصول الفقه المقارن، ص (2/ 848).
(5) عبد الكريم النّملة، المرجع السابق، ص (2/ 848).
(6) هو أبو إسحاق إبراهيم بن يسار بن هانئ النّظام البصري، أحد أئمّة المعتزلة في القرن الثالث الهجري، وإليه تنسب الفرقة النظّامية، وقد كان متكلّما وأديبا، توفي سنة 231 هـ، من آثاره: "كتاب النّكت" في الرّد على من ادّعى الإجماع. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (10/ 36)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (1/ 96).
(7) ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (2/ 213). (1/164)
صفحة 164
وبيّن أنّ حجّة هؤلاء استحالة انعقاده؛ لانتشار العلماء في الأمصار، ممّا يمنع اتّفاقهم عادة.
وأجاب على هذه الحجّة فقال: «وأجيب بمنع كون الانتشار مانعا؛ لأنّهم مجدّون في الطلب، ويبحثون عن الأدلة، ولا يخفى على أهل كلّ مصر قول عالمها؛ لأنّ العلماء فيها كالنّجوم» (1).
ثانيا: حجّيّة الإجماع.
يرى الشّماخيُّ أنّ الإجماع حجّة شرعيّة عند جمهور المسلمين القائلين به؛ واستدلّ على ذلك باتّفاقهم على القطع بتخطئة المخالف للإجماع، فدلّ هذا على اعتبارهم له حجّة (2).
ولم يستعرض أدلّة منكري الإجماع، واكتفى بردّ ما ذهبوا إليه، دون عرض حججهم ومناقشتها، فكأنّه بذلك يجعل حجّية الإجماع مسألة محسومة لا تستدعي الرّد على من أنكرها.
وساق بعض الأدلّة التي أوردها الأصوليّون لإثبات حجّيته، من الكتاب ومن السنّة، ولم يتعرّض لاستدلالهم بالمعقول.
وفيما يأتي سأذكر أهمّ الأدلّة التي استدلّ بها الأصوليّون باختصار:
1 - من الكتاب: استدلوا بآيات دلّت بظاهرها على حجّية الإجماع، وهي ليست نصاً في الدلالة حتّى تفيد القطع واليقين، وفي ذلك يقول الآمدي: «إنّ التّمسك بها وإن كانت مفيدة للظّن فغير مفيدة في القطع» (3).
وقد تنوّعت هذه النّصوص القرآنيّة، من ذلك قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} (4). ووجه الدّلالة في الآية أنّ الله توعّد من يتبع سبيل غير المؤمنين بدخول جهنّم، وهذا يدلّ أنّ سبيل غير المؤمنين باطل، فيكون مقابله وهو سبيل المومنين حق، وسبيل المؤمنين هو ما أجمعوا عليه، فمخالفة الإجماع مخالفة لذلك السبيل، فيترتب عليها الوعيد الشّديد في الآية.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 489.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 490.
(3) الآمدي، الإحكام، ص (1/ 277).
(4) سورة النساء، الآية: 115. (1/165)
صفحة 165
وأيضا قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (1) ففي الآية أمر بطاعة الله ورسوله، وطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وفي قوله: «فإن تنازعتم» دلالة على أنه حال إجماعكم فيُكتفى به، أمّا حال التّنازع فيجب الرّد للكتاب والسنة.
أشار الشّماخيُّ إلى أنّ هذه الآيات لم تخل من الإيرادات والاعتراضات (2).
2 - من السنّة: وهي من أقوى الأدلّة على إثبات حجّية الإجماع، ولقد استدلّوا بما تواتر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تواترا معنويّا حول عصمة هذه الأمّة، بألفاظ مختلفة على لسان الثّقاة من الصّحابة.
وأشار الغزالي إلى التّواتر المعنوي في هذه الأخبار بقوله: «إنّ الأقوى في الاستدلال على حجيّة الإجماع أن نقول: تظاهرت الرّواية عن الرّسول بألفاظ مختلفة مع اتّفاق في عصمة هذه الأمّة ... من الخطأ» (3).
وقد تنوّعت هذه الأحاديث، ومنها ما يأتي:
- قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسّواد الأعظم» (4).
- حديث معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاث لا يُغَلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله تعالى، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين» (5).
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59.
(2) ينظر الاعتراضات الواردة على الأدلّة مع مناقشتها: الجويني، البرهان، ص (1/ 433)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (2/ 58) وما بعدها؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 132)؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 102) وما بعدها.
(3) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 138).
(4) هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة، وهو بهذا اللّفظ من رواية ابن ماجة عن أنس مرفوعا، كتاب الفتن، باب السّواد الأعظم، حديث رقم: 3950، ص (4/ 83)، وفي إسناده أبو خلف الأعمى، واسمه حازم بن عطاء، وهو ضعيف؛ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الملاحم والفتن، حديث رقم: 4255، ص (4/ 158)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، وقال: «هذا حديث غريب من هذا الوجه»، حديث رقم: 2167، ص (4/ 466)؛ وأخرجه أحمد في مسند الأنصار، حديث رقم: 27267، ص (6/ 396).
(5) أخرجه الترمذي في السنن، في الذّبائح، أبواب العلم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع، حديث رقم: 2658، ص (5/ 34)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، باب من بلّغ علما، حديث رقم: 230، ص (1/ 83)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 13374، ص (3/ 225). (1/166)
صفحة 166
- وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (1).
3 - من المعقول: قالوا إنّ الله تعالى أرسل المصطفى - صلى الله عليه وسلم -، وجعله خاتم النّبيئين والمرسلين، وحكم ببقاء شريعته إلى يوم القيامة، فلا بدّ من أن تكون شريعته ظاهرة في النّاس إلى قيام السّاعة، وقد انقطع الوحي بوفاته، فعرفنا ضرورة أنّ طريق بقاء شريعته عصمة الله أمته من أن يجتمعوا على الضّلالة، فإنّ في ذلك رفع للشريعة، فإذا ثبت ذلك كان ما أجمع عليه المسلمون بمثابة المسموع من رسول الله، وذلك موجب للعلم قطعا.
واشترط الشّماخيُّ في الإجماع المعتبر أن يكون مستندا إلى دليل قطعيّ أو أمارة وإلّا استحال عادة لغير داع، وجوّز فيه الاستناد إلى اجتهاد أو قياس (2)، خلافا للظّاهرية وابن جرير الطّبري (3) (4).
ويرى الشّماخي كذلك أنّ العمل واجب بالإجماع المنقول بخبر الواحد (5)؛ واستدلّ على ذلك بأنّ: «الخبر دليل ظنّي إذا نقلته الآحاد ويجب العمل به، والإجماع دليل قطعيّ فهو أولى بالعمل بمضمونه» (6)، وهذا رأي جمهور الإباضيّة (7).
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تزال طائفة"، حديث رقم: 5059، ص (6/ 52).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 499
(3) هو أبو جعفر محمّد بن جرير بن يزيد الطبري، الإمام المجتهد والمفسّر والمؤرّخ، ولد سنة 223 هـ في آمل طبرستان، واستوطن بغداد وتوفي بها سنة 310 هـ، من آثاره: "اختلاف الفقهاء"، "جامع البيان في تفسير القرآن". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (14/ 298)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 167).
(4) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 146).
(5) نسب الشّماخي إلى الغزالي، وبعض الحنفية، والظّاهرية منع الاحتجاج بالإجماع المنقول بخبر الواحد. ينظر: الشّماخي، المصدر نفسه، 502.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 502.
(7) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 279. (1/167)
صفحة 167
الفرع الثّالث: أركان الإجماع وشروطه، وبعض المسائل المتفرّعة عنهما.
أوّلا: أركان الإجماع وشروطه:
يتبيّن من خلال تعريف الأصوليّين للإجماع أنّ له ركنا وحيدا وهو اتّفاق المجتهدين، فإذا لم يحصل اتّفاق بينهم، فلا يتحقّق الإجماع، أمّا القيود الأخرى في تعريفه، فهي بمثابة شروط لذلك الاتّفاق، وقد اختلف الأصوليّون في تحديدها بين مُتوسِّع ومُضيِّق.
وفيما يأتي سأعرض هذه الشّروط المعتبرة في الإجماع، مبيّنا رأي الشّماخي فيها، وأذكر بعض المسائل المتفرّعة عن تلك الشّروط، والتي هي محلّ اختلاف بين الأصوليّين:
- الشّرط الأول: الاتّفاق يكون بين المجتهدين: فلا يعتبر اتّفاق غيرهم من المقلّدين والعوام إجماعا شرعيا، ولا اعتبار لدخولهم في الإجماع، وفي ذلك يقول الشّماخي: «ولا اعتبار بالمقلّد في الإجماع» (1)، بخلاف الغزالي الذي يرى دخولهم فيه (2).
ويكاد الأصوليّون يتّفقون على أنّ من يتحقّق منهم الإجماع هم المجتهدون، وقد اختلفت عباراتهم في التّعبير عنهم، فمنهم من أطلق ولم يقيّد، ومنهم من قيّد، فبعضهم ذكر أهل الحلّ والعقد، وبعضهم ذكر علماء العصر وأراد بهم الفقهاء، ومنهم من نصّ على الأمّة، ومنهم من نصّ على المجتهدين.
والمجتهدون هم العلماء الذين لديهم الملكة التي يستطيعون بها استنباط الأحكام من أدلّتها.
- الشّرط الثاني: لا يتحقّق الإجماع إلاّ إذا حصل الاتّفاق بين جميع المجتهدين: فلا عبرة باتّفاق بعض الأصوليّين دون بعض، ولا ينعقد به الإجماع عند أكثر العلماء.
- الشّرط الثّالث: أن يكون المجتهدون من أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم -: وعلى ذلك فاتّفاق أهل الأمم السّابقة كاليهود والنّصارى مثلا، لا يكون دليلا شرعيّا.
- الشّرط الرّابع: أن يتمّ الاتّفاق بين المجتهدين بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -: لأنّ موافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - للصحابة على ما اتّفقوا عليه، تثبت الحجّية للحكم بموافقة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا بإجماعهم، وإن خالفهم
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 499.
(2) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 143). (1/168)
صفحة 168
فلا اعتبار لاتفاقهم؛ لأنّ مصدر التّشريع في عصره هو الوحي، ويدلّ على هذا حديث معاذ بن جبل، حيث لم يذكر فيه الإجماع كدليل من أدلّة الشّرع.
- الشّرط الخامس: أن يكون الاتّفاق بين مجتهدي عصر واحد: ويراد بالعصر عصر من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، فلا اعتبار بمن صار مجتهدا بعد حدوثها.
- الشّرط السادس: أن يكون الاتّفاق على حكم شرعيّ اجتهادي: لأنّه لا اعتبار للإجماع إلا في المسائل الاجتهادية التي فيها نص ظنّي أو لا نصّ فيها أصلا.
ثانيا: بعض المسائل المتفرّعة عن شروط الإجماع.
ذكر الأصوليّون عدّة مسائل وقع فيها الخلاف بين العلماء، وهي متفرّعة عن شروط الإجماع، وقد ذكر الشّماخيُّ بعض هذه المسائل، وفيما سيأتي سأذكر بعضا من هذه المسائل التي أوردها مبرزا فيها رأيه.
- ما تفرّع عن شرط اتّفاق جميع المجتهدين:
أورد الشّماخيُّ بعض المسائل المتفرّعة عن هذا الشّرط، وهي متعلّقة ببعض الإجماعات الخاصّة، والتي يعتبرها بعضهم حجّة، ولكن لم يتحقّق فيها شرط اتّفاق جميع المجتهدين؛ لانحصارها في بعض الأشخاص أو بعض الأمصار، وهذه المسائل هي:
- إجماع الخليفتين وحدهما.
- إجماع الخلفاء الأربع.
- إجماع أهل المدينة.
- إجماع أهل الكوفة.
- إجماع أهل البيت.
واكتفى بردّ هذه الإجماعات دون استعراض للأدلّة، فقال: «اعلم أنّ بعض الفقهاء جوّز انعقاد الإجماع بالخليفتين وحدهما، وبعض منهم أحمد بن حنبل وأبو حازم (1) جوّزه بالخلفاء وحدهم، وبعضهم بالعشرة. وليس بشيء؛ لأنّ قولهم ليس بحجّة لجواز خلافهم لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» (2)، وقال الشّيعة: ينعقد بأهل البيت وحدهم، وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إجماع أهل الكوفة حجّة، وقال مالك: إجماع أهل المدينة حجّة» (3).
ثمّ فصّل القول حول إجماع أهل المدينة، مبيّنا أنّ حجّة المالكيّة في الاحتجاج به، هي أنّ المدينة أفضل البلاد، ومهبط الوحي، ودار الهجرة، ومجمع الصّحابة، وغيرها من الحجج التي تبيّن أفضليّة المدينة على سائر البلاد (4).
ثمّ اعترض على تلك الحجج؛ بكون المكان لا حجّة له في الأحكام، كما أنّ الصحابة الذين شهدوا التّنزيل في المدينة وغيرها تفرّقوا في الأمصار، ممثّلا لذلك بمعاذ بن جبل، وعلي بن أبي طالب (5)، وعبد الله بن مسعود، وأنس بن مالك (6)، وعبد الله بن عباس، وغيرهم من فقهاء الصّحابة، فكلّ هؤلاء استقر بهم المقام خارج المدينة وماتوا فيها، كما أنّه ثبتت مخالفتهم لأبي بكر (7) وعمر في أحكام كثيرة، أضف إلى ذلك أنّ الذين استوطنوا المدينة بعد الصّحابة،
__________
(1) هو أبو خازم، عبد الحميد بن عبد العزيز، أحد أعلام الحنفيّة في القرن الثّالث الهجري، ولي القضاء بالشّام والكوفة وبغداد، توفّي سنة 292 هـ، من آثاره: "أدب القاضي"، "الفرائض". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 50)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (7/ 260).
(2) هذا الحديث غريب لم يروه أحد من أصحاب الكتب المعتمدة، وقد روي من عدّة طرق، فقد رواه عبد الله بن حميد في مسنده مرفوعا، ورواه الدّارقطني في الفضائل، وفي إسناده حمزة النّصيبي، وهو ضعيف ومطعون فيه؛ ينظر في تخريجه: ابن حجر، التّلخيص الحبير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشّرح الكبير، تح: مصطفى أبو الغيظ وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، ط 1، دار الهجرة، الرياض، السعودية، 1425 هـ-2004 م، ص (4/ 463).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 495، 496.
(4) اختلف الأصوليّون في تفسير مراد الإمام مالك من إجماع أهل المدينة، كما اختلفوا في تعيين الأمور التي تعتبر فيه. ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة، وتحقيق القول فيها: أحمد محمّد نور سيف، عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليّين، ط 2، دار البحوث للدّراسات الإسلاميّة وإحياء التّراث، دبي، الإمارات العربيّة المتّحدة، 1421 هـ-2000 م، صفحات 94 - 108.
(5) هو أبو الحسن علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم الهاشمي القرشي، رابع الخلفاء الرّاشدين، وهو ابن عمّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - وصهره، وأوّل من أسلم من الصّبيان، فدى النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بنفسه عند الهجرة فنام في فراشه، ثمّ هاجر إلى المدينة وشهد المواقع كلّها مع النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد روى عدّة أحاديث، استُشهد سنة 40 هـ على يد عبد الرحمن بن ملجم المرادي. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 344)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (6/ 475).
(6) هو أبو ثمامة أنس بن مالك بن النّضر بن ضمضم النّجاري الخزرجي الأنصاري المدني، صحابي جليل، خدم النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أن قُبض، هاجر إلى دمشق ثم إلى البصرة، وتوفي بها سنة 93 هـ، وقد روى أحاديث كثيرة عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. تنظر ترجمته: النّووي، المصدر السابق، ص (1/ 344)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (1/ 127).
(7) هو أبو بكر عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن كعب التّيمي القرشي، أوّل الخلفاء الرّاشدين، وأوّل من أسلم من الرّجال، ولد سنة 51 قبل الهجرة، لقّبه النّبي - صلى الله عليه وسلم - بالصّديق، صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وشهد المواقع كلّها معه، وقد روى عدّة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وعن غيره من الصّحابة، توفي سنة 13 هـ. تنظر ترجمته: النّووي، المصدر السابق، ص (2/ 46)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (6/ 148). (1/169)
صفحة 169
لم يكونوا كلّهم أهل صلاح وتقوى حتى يكون إجماعهم حجّة، كما أنّ أفاضل العلماء من التّابعين كأمثال جابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين (1)، وعطاء، وغيرهم لم يكونوا من أهل المدينة فبعض منهم كان في مكّة، وبعضهم في العراق، والبعض الآخر كان في الشّام، فهذا كلّه يثبت أن لا حجيّة لإجماع أهل المدينة (2).
والرّاحج هو قول الجمهور القائلين بعدم حجّية عمل أهل المدينة، وهو قول المحقّقين من المالكيّة؛ كما أنّه لا اعتبار لإجماع الخلفاء الرّاشدين، ولا إجماع أهل الكوفة، ولا إجماع أهل البيت؛ لأنّ المعتبر في الإجماع هو اتّفاق المجتهدين، دون تخصيص ذلك بزمان ولا مكان (3).
وقد ردّ الشافعي إجماع أهل المدينة من ناحيتين:
إحداهما: أنّ الأمر المجتمع عليه ليس هو اجتماع البلدن، بل اجتماع العلماء في كلّ البلاد.
والثّانية: أنّ المسائل التي ادُّعِي فيها إجماع أهل المدينة عليها، كان من أهل المدينة من يرى خلافها، ومن عامة البلدان من يخالفها (4).
- ما تفرّع عن شَرْطِ أن يكون الاتّفاق بين مجتهدي عصر واحد.
ذكر الأصوليّون بعض المسائل التي تفرّعت عن هذا الشّرط كالآتي:
1 - مسألة انقراض عصر المُجمِعين: ويقصد بانقراض العصر موت جميع أهل الاجتهاد الذين أجمعوا على حكم الحادثة، فهل هو شرط في انعقاد ما أجمعوا عليه أم لا (5)؟
__________
(1) هو أبو بكر محمّد بن سيرين البصري الأنصاري بالولاء، أحد أعلام التّابعين، ولد بالبصرة سنة 33 هـ، واشتهر برواية الحديث، وتعبير الرّؤيا، وتوفّي سنة 110 هـ، من آثاره: كتاب"متخب الكلام في تفسير الأحلام". تنظر ترجمته: النّووي، المصدر السابق، ص (1/ 82)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (4/ 183)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 292).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 496 - 499.
(3) ينظر: أبو الوليد الباجي، الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدّليل، تح: محمد علي فركوس، دط، المكتبة المكية، دار البشائر الإسلامية، دم، دت، 281؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 115؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 149).
(4) الشّافعي، الرّسالة، ص 535؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 511).
(5) ينظر: الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص (1/ 443)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 315)؛ الباجي، المصدر السابق، 278؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 316)؛ الزّحيلي، المرجع السابق، ص (1/ 526). (1/170)
صفحة 170
اختلف الأصوليّون أزاء هذه المسالة على أربعة مذاهب:
- فذهب الجمهور ومعهم الشّماخي، إلى أنّ انقراض العصر غير مشروط لانعقاد الإجماع وتحققه، وإنّما يتحقّق الإجماع بمجرّد اتّفاق كلمة الأمّة، ويصير ملزما للجميع؛ وحجّتهم أنّ المعتبر في الإجماع هو اتّفاق مجتهدي العصر على حكم شرعيّ، ولا دليل يُثبت اشتراط انقراض العصر، فاشتراطه زيادة بلا دليل.
- وذهب أحمد بن حنبل، وأبو الحسن الأشعري، وأبو بكر بن فورك (1)، إلى اشتراط انقراض العصر وموت جميع المجمعين حتى ينعقد الإجماع، واحتجّوا بأنّ عدم اشتراط انقراض العصر يمنع المجتهد من الرجوع عن رأيه إذا ظهر له دليل، كما أنّ الإجماع لا يثبت إلّا باستقرار الآراء، وذلك لا يتحقّق إلا بانقراض العصر، وقد ثبت عن بعض الصّحابة رجوعهم عمّا وقع عليه الاتّفاق، كرجوع علي بن أبي طالب عن القول بتحريم بيع أمّهات الأولاد.
وأجاب الجمهور بأنّ الإجماع لا ينعقد، إلّا بعد مُضيّ مدّة التّأمل واستقرار الآراء، وقطع الأمّة على الاتّفاق، كما أنّ المجتهدون لا يُبدون رأيهم إلا بعد الفحص والتّحرّي؛ لذلك فالقول بإمكانيّة رجوع بعضهم بعد إبداء رأيه بعيد الحدوث.
- وذهب بعض المعتزلة وأبو إسحاق الإسفراييني (2) والآمدي، إلى أنّ انقراض العصر مشروط في الإجماع السّكوتي دون الصّريح.
- وذهب إمام الحرمين إلى أنّ الإجماع إذا كان مستندا إلى دليل قطعيّ فلا يشترط انقراض العصر، وإن كان مستندا إلى دليل ظنّي فلابدّ من تطاول الزّمن سواء ماتوا أم لا.
__________
(1) هو أبو بكر محمّد بن الحسن بن فورك الأنصاري الأصبهاني، الأصولي والفقيه والمتكلّم الشّافعي، توفّي بنيسابور سنة 406 هـ، وترك مصنّفات كثيرة منها:"مشكل الحديث وغريبه"، "الحدود"، "التّفسير". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 204)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة، ص (4/ 127).
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم بن مهران، الأصولي والفقيه الشّافعي، يلقّب بـ"ركن الدّين"، أصله من إسفرايين بين نيسابور وجرجان، توفّي سنة 418 هـ، من آثاره:"الجامع في أصول الدّين"، "رسالة في أصول الفقه". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (17/ 343)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة، ص (4/ 256). (1/172)
صفحة 171
ذكر الشّماخيُّ مذاهب العلماء في مسألة انقراض العصر، ثمّ رجّح مذهب الجمهور القائل بعدم اشتراطه لتحقّق الإجماع، دون أن يذكر أدلّة أي فريق فقال: «وشرط بعض انقراض عصر المجتهدين وليس بشيء، وهو قول أحمد وابن فورك، والصّحيح إذا انعقد الإجماع ولو حينا لم تجز مخالفتهم» (1).
2 - هل يُعتبر التّابعي المجتهد في إجماع الصّحابة؟
ذهب الشّماخيُّ إلى القول باعتبار التّابعي المجتهد في إجماع الصحابة، وذكر أنّ من الأصوليّين من يقول بأنّ الإجماع ينعقد دونه، ولا يعتد بخلافه (2).
ثم احتجّ على ذلك بأنّ الصّحابة هم بعض الأمّة، كما أنّهم سوّغوا للتّابعين الاجتهاد معهم، ومثّل لذلك بقوله: «سئل ابن عبّاس عن من جعل ابنه هديا، فقال: اهده، وقال جابر للسّائل: لا تنحر ما لا تأكل، وغيرها معه كثير، وسئل أنس، فقال: اسألوا الحسن، فإنّه سمع وسمعنا، وحفظ ونسينا»، ونسب إلى ابن بركة القول بعدم الاعتداد باجتهاد التّابعي (3) (4).
3 - هل يتقيّد انعقاد الإجماع بعدم وجود خلاف سابق؟
ومعنى ذلك أنّه إذا اختلف علماء عصر في مسألة على قولين، واستقر خلافهم فيها، فهل يتصوّر انعقاد إجماع من بعدهم على أحد القولين، بحيث يمتنع على مجتهد الذهاب إلى قول آخر؟
يرى الشّماخيُّ أنه يشترط لانعقاد الإجماع ألّا يسبق بخلاف، وبيّن أنّ هذا قول الأكثريّة (5)، واستدلّ على ذلك بأنّ: «من بعدهم إذا اتّفقوا اتّفاق جميع الأمّة فلا يكون حجّة؛ لأنّ الخلاف
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 491، 492.
(2) عزا الشّوكاني هذا القول إلى إسماعيل بن علية، وابن خويز منداد، وابن برهان؛ ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 148).
(3) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، ص، 501.
(5) قال بهذا الرّأي أبو بكر الصّيرفي، وأبو الحسن الأشعري، وأحمد بن حنبل، والجويني، والغزالي، والآمدي، وإلى عدم اشتراط ذلك ذهب المعتزلة، وأكثر الحنفيّة، وكثير من أصحاب الشافعي. الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 534). (1/173)
صفحة 172
المتقدّم سوّغ لمن بعدهم الأخذ بكل واحد من تلك الأقوال»، وأما إذا اختلفوا، ثمّ اتّفقوا بعد الاختلاف، وقبل أن يستقرّ الخلاف، فيعتبر اتّفاقهم إجماعا، ومثّل لذلك باتّفاق الصّحابة على خلافة أبي بكر بعد اختلافهم في بداية الأمر (1).
4 - إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث؟
اختلف الأصوليّون في هذه المسألة على أقوال:
فذهب الجمهور إلى عدم جواز إحداث قول ثالث؛ لأنّ اختلافهم على قولين إجماع على إبطال كلّ قول غيرهما.
وذهب الظّاهريّة إلى جواز إحداثه؛ لأنّها مسألة اجتهاديّة فيسوّغ فيها العمل بما يؤدّي الاجتهاد، والقول الثّالث حدث عن اجتهاد فيجوز.
وذهب البعض إلى أنّ القول الثالث إن لزم منه رفع ما تّفقا عليه فلا يجوز، وإن يلزم منه ذلك فإنّه يجوز إحداثه والعمل به.
وقد اختار الشّماخيُّ هذا القول الأخير، حيث قال: «والصّحيح إن كان القول الثالث يرفع الإجماع فممنوع، كما إذا اشترى بكرا فوطئها، ثمّ وجد بها عيبا، فقيل: الوطء يمنع الرّد، وقيل يردّها مع أرش الوطء، ومن قال يردّها مجّانا من غير شيء فقد رفع ما اتّفقا عليه، وإن لم يرفع فجائز، كالقول بأنّ العيوب تفسخ النّكاح، وهي العفل والبرص والجذام والجنون، وقيل: لا تفسخ، والقول أنّ بعضها يفسخ دون بعض لم يرفع ما اتّفقا عليه» (2).
وذكر أنّ ابن بركة يرى أنّ الخلاف إن كان للصّحابة فلا يجوز، وإن كان لغيرهم جاز (3)، أمّا الوارجلانيُّ فيرى جواز إحداث قول ثالث مطلقا (4)، وبهذا الرّأي أخذ السّالمي (5).
__________
(1) الشّماخي، المصدر السابق، 491.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 502، 503.
(3) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، ص (2/ 260).
(5) السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 137). (1/174)
صفحة 173
الفرع الرّابع: أنواع الإجماع.
يقسّم علماء الأصول الإجماع باعتبار طريقة تكوينه إلى قسمين:
الإجماع الصّريح، والإجماع السّكوتي.
أوّلا: الإجماع الصريح.
وهو اتّفاق آراء المجتهدين بأقوالهم وأفعالهم، على حكم في مسألة معيّنة، كأن يجتمع المجتهدون في مجلس؛ لبحث مسألة فيُبدي كلّ منهم رأيه فيها صراحة، وتتّفق آراؤهم على حكم واحد.
وهذا النّوع من الإجماع يعتبر حجّة باتّفاق جمهور العلماء.
ثانيا: الإجماع السّكوتي.
وهو أن يقول بعض المجتهدين في العصر الواحد قولا في مسألة، وينتشر ذلك بين بقيّة المجتهدين فيسكتوا عن الإنكار بعد اطلاعهم على هذا القول من غير إنكار، ولا يكون سكوتهم عن خوف أو إكراه، و يكون هذا القول قد بلغهم وليست هناك قرينة تدلّ على الرّضا أو ضدّه.
وهذا النّوع من الإجماع هو محلّ خلاف بين العلماء في اعتباره حجّة.
- حجّية الإجماع السّكوتي.
هل يعتبر سكوت المجتهدين موافقة ضمنيّة؟ وهل ينعقد بذلك الإجماع ويكون حجّة؟
اختلف الأصوليّون أزاء هذه المسألة على مذاهب كالآتي:
- القول الأول: أنّ الإجماع السّكوتيَّ يعتبر حجّة قطعيّة مثل الإجماع الصّريح وإن كان أقلّ منه قوّة، وإلى هذا ذهب أكثر الحنابلة والحنفيّة (1)، وهو المختار عند الوارجلاني والشّماخي (2).
وحجّة أصحاب هذا القول تتلخّص في أنّ السّكوت يُحمل على الموافقة، متى قامت القرينة على ذلك ولم تكن هناك موانع، وقرينة حمله على الموافقة تكون باشتهار الرّأي ووصوله للمجتهدين، ومضيِّ وقت كاف للاجتهاد في المسألة، دون وجود حائل يحول دون تصريح المجتهد برأيه، فإذا تحقّق ذلك كان سكوت المجتهد علامة للموافقة، وتحقّق بذلك الإجماع وكان حجّة.
وقد فصّل الشّماخيُّ حالات الإجماع السّكوتي، مبيّنا ما يكون منها حجّة وما لا يكون، وجعلها في ثلاث صور: «أحدها: أن لا يشتهر لأهل عصره، لكن لا يُعلم له مخالف، فالأكثر أنّه ليس بإجماع ولا حجّة. والثّانية: أن يشتهر لهم، ويتكرّر ولا مُنكر، فهذا إجماع وحجّة. والثّالثة: أن يشتهر، ولا يتكرّر، فالصّحيح أنّه حجّة وإجماع؛ إذ سكوتهم وعدم إنكارهم ظاهر في موافقتهم غايته أنّه ليس بقطعي» (3)، ونبّه إلى أنّه لا ينعقد الإجماع مع سكوت المجتهد لطلب الدليل، حتى ينقرض العصر (4).
- القول الثاني: أنّه ليس بإجماع ولا حجّة، وإليه ذهب الشافعي والمالكيّة
وحجّتهم أنّه لا ينسب إلى قول، ولا يُحمل السّكوت على الموافقة، إذ قد تكون له أسباب أخرى كعدم وصول المسألة إليهم، أو عدم اجتهادهم فيها، أو عدم مضيّ وقت كاف لتكوين الرّأي، أو أنّ السّاكت لا يرى ضرورة إبداء رأيه، أو يمنعه من البوح خوفه من سطوة ظالم، إلى غير ذلك من الاحتمالات التي يمكن أن يُحمل عليها السّكوت، فلا دليل في السّكوت على الموافقة، وعلى ذلك فلا يتحقّق الإجماع؛ لأنّ من شروطه الاتّفاق.
- القول الثالث: أنّه ليس بإجماع، ولكنّه حجّة ظنية، وممّن قال بهذا الرّأي بعض الحنفيّة والشّافعية.
وحجّتهم أنّ الإجماع السّكوتي لم تتحقّق فيه حقيقة الإجماع وهي الاتّفاق من الجميع حقيقة لا حدسا؛ لأنّ السّكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة، فلن يضاهي الإجماع الصّريح في الدّلالة على الموافقة، فلا يعتبر إجماعا، ولكن لرجحان دلاليته على الموافقة اعتبر حجّة ظنية (5).
ورأي الإباضيّة (6) في المسألة أنّ الإجماع السّكوتي حجّة، ولكنّ السالميَّ يرى أنّ حجّيّته
__________
(1) ينظر: ابن قدامة، روضة النّاظر،؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 250).
(2) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 258)؛ الشّماخي، مختصر العدل، 493.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 492، 493.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 500.
(5) زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 186، 187.
(6) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 262)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 292، 293؛ السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 111)، اطفيّش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 10)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 255. (1/175)
صفحة 174
ظنّية كخبر الآحاد، وليست قطعيّة كالإجماع الصّريح، وعليه فإنّه يوجب العمل دون العلم، ولا يحكم بفسق مخالفه (1).
القول الرّاجح: مما سبق يتبيّن لنا رجحان مذهب القائلين بحجّية الإجماع السّكوتي؛ لأنّه لا يمكن حصر الاتّفاق في تحقّق الموافقة بالتّصريح فقط، كما أنّ السّكوت يفيد الموافقة متى دلّت القرائن على ذلك وانتفت الموانع، فيكون بمثابة الإقرار، أضف إلى ذلك أنّ المجتهدين لا يُفتَرض منهم كتمان رأيهم من خوف أو غيره؛ إذ شأنهم إظهار الحقّ ولو لاقوا في سبيل ذلك الضّرر، وهذا كلّه يدلّ أنّ سكوتهم محمول على الرّضا والموافقة.
__________
(1) السالمي، المصدر السابق، ص (2/ 111). (1/176)
صفحة 175
المطلب الرّابع: القياس.
تمهيد: القياس هو الدّليل الرّابع من أدلّة التّشريع الإسلامي، ويعتبر أصلا مهمّا من أصوله، فهو من وسائل الاجتهاد في بيان أحكام الشّرع، وبخاصة في النّوازل التي تحدث للناس؛ ذلك أنّ نصوص الكتاب والسنّة تضمّنت الخطوط العريضة، والقواعد العامّة للأحكام الشّرعية، وهذه الأخيرة قد تتوسّع، أو تتغيّر بتغيّر العصر وطبيعة الحياة؛ لذلك نيطت بعلل وأمارات تبيّن أنّ الحكم شُرّع لأجلها، ونجد هذا كثيرا في آيات وأحاديث الأحكام، وهذا رحمة بالأمّة وتيسيرا عليها وفتحا لباب الاجتهاد، فالمجتهد الباحث عن أحكام الله إذا لم يجد الحكم في كتاب الله، أو في سنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو فيما أُجمِع عليه في عصر سابق، فإنّه يلجأ للقياس، وذلك بالنّظر في الوقائع التي تضمّنت حكما مشابها للحادثة التي يبحث عن حكمها، فإذا وجد أنّ علة تشريع ذلك الحكم متحقّقة في تلك الواقعة، غلب على ظنّه تساويهما في الحكم بناء على ذلك.
وفي بيان أهمّية القياس، ودوره في عمليّة الاجتهاد يقول إمام الحرمين الجويني: «القياس مناط الاجتهاد وأصل الرّأي، ومنه يتشعّب الفقه وأساليب الشّريعة، وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنّهاية؛ فإنّ نصوص الكتاب والسنّة محصورة مقصورة، ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما يُنقل منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل، وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد، وهي على الجملة متناهية، ونحن نعلم قطعا أنّ الوقائع التي يُتوقّع وقوعها لا نهاية لها، والرّأي المبتوت المقطوع به عندنا أنّه لا تخلو واقعة عن حكم الله تعالى متلقّى من قاعدة الشّرع، والأصل الذي يسترسل على جميع الوقائع القياس وما يتعلّق به من وجوه النّظر والاستدلال، فهو إذا أحقُّ الأصول باعتناء الطّالب، ومن عرف مآخذه وتقاسيمه وصحيحه وفاسده وما يصحّ من الاعتراضات عليها وما يفسد منها، وأحاط بمراتبها جلاء وخفاء، وعرف مجاريها ومواقعها، فقد احتوى على مجامع الفقه» (1).
وفيما يأتي-إن شاء الله- سأتعرض لتعريف الأصوليّين للقياس، وأبيّن أركانه، وشروطه، ومذاهب العلماء في الاحتجاج به، ومسالك التّعليل، وقوادح العلّة، مبرزا في ذلك كلّه رأي الشّماخي.
__________
(1) الجويني، البرهان في أصول الفقه، ص (2/ 485). (1/178)
صفحة 176
الفرع الأوّل تعريف القياس وبيان أركانه.
أوّلا: تعريف القياس.
- لغة: القياس في اللّغة يطلق حقيقة على التقدير، وهو أن يقصد معرفة قدر أحد الأمرين بالآخر، كقولهم: «قيس الثّوب بالمتر: إذا قُدّر به».
كما يطلق على المساواة حسّية كانت نحو: قست الغلاف بالكتاب، إذا حاذيته وسوّيته به. أو معنويّة كقول القائل: «علم فلان لا يقاس بفلان» بمعنى: لا يساويه، أي لا يسوّى به (1).
وهذان المعنيان المشهوران للقياس في اللّغة، وعليهما اقتصر أكثر الأصوليّين (2).
- اصطلاحا: يختلف تعريف الأصوليّين للقياس عن تعريف المناطقة، فعند المناطقة: هو قول مؤتلف من أقوال متى سلّمت، لزم عنه لذاته قول آخر.
ويقسّمونه قسمين: قياس اقتراني، قياس استثنائي أو شرطي.
فالأوّل: هو ما يدلّ على النّتيجة دون أداة استثناء مثل: كلّ إنسان حيوان، وكلّ حيوان جسم، فالنّتيجة: كلّ إنسان جسم.
والثّاني: هو الذي يدلّ على النّتيجة بواسطة أداة الشّرط (لكن)، مثل: كلّما كانت الشّمس طالعة فالنّهار موجود، لكن الشّمس طالعة، فالنّهار موجود.
أمّا القياس في اصطلاح الأصوليّين، فيسميه المناطقة تمثيلا، وهو يستلزم وجود أمرين ينسب أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة (3).
ذكر الشّماخيُّ أنّ الأصوليّين منقسمون في إمكان حدّ القياس إلى قسمين: فمنهم من يرى أنّه لا يحدّ حدّا حقيقيّا؛ لأنّه يتركّب من معلومات مختلفة الحقائق، لا تجتمع في فصل واحد ولا في خاصّية واحدة، وممّن قال بهذا الرّأي إمام الحرمين الجويني.
__________
(1) ينظر التّعريف اللّغوي للقياس وآراء الأصوليين في ذلك: ابن منظور، لسان العرب، مادة "قيس"، ص (6/ 185)؛ عيسى منّون، نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول، ط 1، المطبعة المنيريّة، دم، دت، 9؛ محمّد الحفناوي، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، ط 1، دار الحديث، القاهر: مصر، 1415 - 1995 م، 15.
(2) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 525؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 287؛ عبد الحكيم السعدي، مباحث العلّة في القياس عند الأصوليين، ط 2، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م، 16.
(3) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 602). (1/179)
صفحة 177
واستدل إمام الحرمين على ذلك بأنّ القياس مشتمل على حقائق مختلفة، مما لا نستطيع معها الوفاء بشرائط الحدود (1).
وذهب الجمهور (2) إلى أنّ القياس يحدّ، وبهذا الرّأي أخذ الشّماخي، حيث ردّ على القائلين بعدم إمكانيّة حدّه فقال: «والحقّ أنّه يحدّ؛ إذ لا يمتنع اجتماع بعض المختلفات في أمر ما بتميّز الخاصيّة، فيطلق عليه الرّسم والحدّ باعتبار ذلك» (3).
وتجدر الإشارة إلى أنّ الأصوليّين مختلفون في كون القياس دليلا مستقلّا، أو أنّه من فعل المجتهد، فمن نظر إليه باعتباره دليلا مستقلّا عبّر عنه بالمساواة أو ما شابه ذلك، ومن قال بأنّه من فعل المجتهد عبّر عنه بالحمل أو الإثبات أو التّعدية (4).
فالقائلون بأنّ القياس من عمل المجتهد نظروا إلى ماهية عمل القياس، وأنّه قائم أساسا على استثمار الأحكام الشّرعيّة من الكتاب والسنّة، أمّا من جعله أصلا قائما بذاته نظروا إلى أنّ القياس طريق من الطّرق التي تُعرف بها الأحكام الشّرعيّة كالقرآن والسّنّة والإجماع.
وقد اعتبر الشّماخيُّ القياس دليلا مستقلّا، وليس من فعل المجتهد، واختار حدّه بأنّه: «جري حكم الأصل على الفرع بجامع» (5).
وبيّن أنّ المقصود من (جري) وجود التّسوية في الحكم، لا ثبوت الحكم في الفرع؛ لأنّ ثبوت الحكم فيه نتيجة القياس فلا يكون جنسا له.
وعلّل اختياره لفظة (جري)، على خلاف عبارة (حمل معلوم) التي اعتادها الأصوليّون؛ بكون الحمل في نظره ثمرة للقياس، ولا شيء من ثمرة القياس بقياس، ولا يكون جنسا له.
واحترز بقوله (حكم الأصل على الفرع بجامع) من مساواة شيء، وجريه على شيء من غير أمر يجمع بينهما.
وعلّل اختياره لفظة (بجامع) دون عبارة (بعلّة جامعة) بقوله: «ليدخل قياس الدّلالة وقياس
__________
(1) الجويني، البرهان، ص (2/ 489).
(2) السعدي، مباحث العلّة في القياس، 21.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 525.
(4) السعدي، المرجع السابق، 24.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 525. (1/180)
صفحة 178
العكس، وأيضا إن كان الجامع موجبا للاجتماع على الحكم كان صحيحا، وإلا كان فاسدا» (1)، فهو يرى أنّ قيد "العلّة" مخرج لقياس الدّلالة والعكس من التّعريف، بخلاف قيد "الجامع". وهو في هذا موافق لرأي الغزالي (2).
هذا وقد تعدّدت تعريفات الأصوليّين للقياس، بحسب ما وضع كل واحد من قيود واحترازات، ولم تخل هذه التّعريفات من الاعتراضات المختلفة (3).
ولعلّ أشمل تعريف هو ما اختاره المعاصرون، فقد جاء شاملا للقيود، حيث عرّفوه بأنّه: «إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشّرعي، بأمر منصوص على حكمه، لاشتراكهما في علّة الحكم».
ويُستخلص من التّعريف ما يأتي:
- القياس مظهر للحكم لا مثبت له.
- العلّة هي أساس الحكم.
- عمل المجتهد هو إظهار الحكم في الفرع، بسبب اتّحاد الحكم في المقيس والمقيس عليه (4).
ثانيا: أركان القياس.
يُستخلص من التّعريف الاصطلاحيّ للقياس أنّ أركانه أربعة وهي: الأصل، حكم الأصل، الفرع، والعلّة، ولا يعتبر حكم الفرع ركنا من أركان القياس بل هو ثمرة له.
وفيما سيأتي سأذكر تعريف الشماخيِّ لهذه الأركان:
1 - الأصل: عرّفه الشّماخي بأنّه: «اسم للصّورة المقيس عليها، المشتبه بها، التي هي المحلّ الذي
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 526.
(2) الغزالي، المستصفى، ص (2/ 57).
(3) عرّف الباقلانيّ القياس بأنّه: «حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما، من حكم أو صفة»، وعرّفه أبو الحسين البصري بأنّه: «هو تحصيل حكم الأصل في الفرع، لاشتباههما في علة الحكم عند المجتهد»، وعرّفه بعضهم بأنه: «مساواة فرع لأصل في علة الحكم، أو زيادته عليه في المعنى المعتبر في الحكم»، إلى غير ذلك من التّعاريف الكثيرة؛ وقد ذكر الشّوكاني بعض هذه التّعاريف ثم قال: «وعلى كلّ حدّ من الحدود اعتراضات يطول الكلام بذكرها». ينظر: أبو الحسين البصري، المعتمد في أصول الفقه، ص (2/ 697)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 337).
(4) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 603). (1/181)
صفحة 179
يثبت فيه الحكم» (1).
وإلى هذا ذهب جمهور الإباضيّة، خلافا لجمهور المتكلّمين الذين يرون بأنّه الدّليل على الحكم، ولبعض من قال بأنّه الحكم نفسه (2).
2 - حكم الأصل: وهو الحكم الشّرعي الذي ورد به النّص في الأصل، ويراد تعديته إلى الفرع.
3 - الفرع: وهو المسألة التي يراد قياسها على الأصل.
4 - العلّة: عرّفها الشّماخيُّ بأنّها: «مناط الحكم، أي ما أضاف الشّرع الحكم إليه وعلّقه به، وجعله علامة عليه» (3).
الفرع الثاني: شروط أركان القياس:
اشترط الأصوليّون شروطا لأركان القياس حتى يكون القياس صحيحا، وهذه الشّروط كالآتي:
أوّلا: شروط الأصل:
ذكر الأصوليّون شروطا للأصل، ولكنّها في واقع الأمر شروط لحكم الأصل، والشّرط الوحيد الذي يشترط في الأصل هو: أن لا يكون الأصل فرعا لأصل آخر.
ثانيا: شروط حكم الأصل:
ذكر الأصوليّون له شروطا وهي:
- أن يكون حكم الأصل شرعيّا حسّيا عقليّا.
- أن يكون الأصل ثابتا بنصّ أو إجماع وألاّ يكون منسوخا.
- ألّا يكون حكم الأصل مختصّا به، بنصّ آخر يدلّ على اختصاصه وتفرّده به، كالأحكام الخاصة به - صلى الله عليه وسلم -.
- أن يكون معقول المعنى، غير معدول به عن سنن القياس، كأن يكون مستثنى من قاعدة شرعية عامة ثبت حكمها في جميع أفرادها عدا المستثنى، ولا يقبل معنى التخصيص، كشهادة
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 531.
(2) ينظر: الشماخي، المصدر نفسه، 531؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 144)؛ مجموعة من الباحثين، معجم مصطلحات الإباضيّة، ط 1، دن، سلطنة عمان، 1429 هـ-2008 م، ص (1/ 32).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 532. (1/182)
صفحة 180
خزيمة وحده، فلا يثبت ذلك الحكم لغيره، أو أن يكون من الأحكام التعبدية، كأعداد ركعات الصلاة، وتقدير أنصباء الزّكاة، ومقادير الحدود والكفارات.
- أن يتقدّم تشريع حكم الأصل على حكم الفرع.
- ألّا يكون فرعا لأصل آخر خلافا لبعض الأصوليين (1).
ثالثا: شروط الفرع:
اشترط له الأصوليّون شروطا كالآتي:
- تماثل العلّة: أي أن يكون الفرع مساويا للأصل في العلة، فيما يقصد فيه المساواة من عين العلة وجنسها.
- عدم النّص على حكم الفرع؛ لأنّه لو كان كذلك كان حكم الفرع ثابتا بذلك الدّليل لا بالقياس.
- ألّا يتقدّم على حكم الأصل، كقياس الوضوء على التيمم في اشتراط النّية؛ لأنّ الحكم لا يتقدّم على علّته.
- ألّا يكون في الأصل معارض راجح، أو مساو لعلة الأصل.
رابعا: شروط العلّة:
ذكر لها الأصوليّون شروطا كثيرة جدّا؛ لأنها الأساس في عمليّة القياس، فهي مناط الحكم ومن خلالها يعدّى حكم الأصل للفرع، إذا تحقّقت فيه الشّروط، ومن أهمّ تلك الشّروط التي اشترطوها ما يأتي:
- أن تكون وصفا ظاهرا لا خفيا، كالإسكار في تحريم الخمر، أي ليست من أفعال القلوب كالرّضا والعمد.
- أن تكون وصفا منضبطا، ومعنى كون الوصف منضبطا؛ أن لا يتفاوت في نفسه، كالمشقّة في السّفر؛ فإنها تتفاوت بطول السّفر وقصره، وكثرة الجهد وقلّته.
- أن تكون متعدية، وليست وصفا قاصرا على الأصل.
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 532 وما بعدها؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 291 وما بعدها. (1/183)
صفحة 181
- أن تكون مناسبة لتشريع الحكم، أي أن يترتب على شرعية الحكم عنده مصلحة يظنّ أنّها مقصودة للشارع، كالإسكار فإنّه مناسب للتّحريم وإيجاب العقوبة، وفي ذلك مصلحة للعباد من حفظ عقولهم.
- أن تكون العلّة من الأوصاف التي لم يلغ الشارع اعتبارها، فلا اعتبار للوصف الذي يصادم النّص، ويخالف الدّليل الشّرعي؛ كأن يقال إنّ اشتراك الرجل والمرأة في عقد النّكاح، وصف مناسب للقول بوجوب اشتراكهما في الطّلاق، فهذا القول باطل؛ لأنّه مخالف للدّليل الشّرعي الذي يجعل الطّلاق بيد الرجل، فدلّ هذا أنّ ذلك الوصف ملغى من الشّارع (1).
الفرع الثّالث: حجّية القياس:
بعد بيان تعريف الأصوليّين للقياس، وذكر أركانه، وشروط تلك الأركان، يجدر بنا بيان مذاهب العلماء في الاحتجاج به من عدمه.
فقد وقع الخلاف بين العلماء حول هذا الأصل من أصول التّشريع، من حيث حجّيته، وكونه مصدرا للتّشريع الفقهي، حيث ذهب الجمهور ومعهم الشّماخي إلى كونه حجّة، وأنّ الله تعبّدنا به عقلا وشرعا، وخالف القلّةُ في ذلك، وهذا الخلاف ممّا طال فيه الكلام. وقد تناول الأصوليّون مسألة حجّية القياس بالنّقد والتّمحيص.
كما تجدر الإشارة إلى أنّ من الأصوليّين من تناول مسألة النّزاع في القياس تحت عنوان "الحجّية"، فيقول: «القياس حجّة أو غير حجّة»، ومنهم من يحكيه تحت عنوان "التعبّدية"، فيقول: «التعبّد بالقياس جائز أو غير جائز» (2).
أوّلا: منهج الشّماخيِّ في إثبات القياس:
انتهج الشّماخيُّ مسلك التّعبدية في إثبات حجّية القياس، ووافق جمهور العلماء في القول بحجّيته، وجواز التّعبّد به عقلا، وأنّه واقع بدليل شرعي قطعي، فقال: «بل جائز واقع بدليل سمعي قطعي» (3).
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 540 وما بعدها؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 204 وما بعدها.
(2) السّعدي، مباحث العلّة في القياس عند الأصوليّين، 41.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 527. (1/184)
صفحة 182
ورأي الشّماخيِّ جاء ممثّلا لرأي جمهور الإباضيّة، الذين يعتبرون القياس من مصادر الاجتهاد؛ ويتجّلى هذا في مصادرهم، وبخاصة في الفروع، حيث توسّعوا في إعمال هذا الدّليل؛ فلم يقصروه على أبواب المعاملات، بل تعدّوا ذلك إلى مجال العبادات والكفّارات (1) (2).
ثمّ ذكر مذاهب العلماء في القول بالاحتجاج به من عدمه كالآتي:
1 - القائلون بوجوب التّعبد به عقلا: ونسب هذا القول للقفّال، وأبي الحسين البصري، والدّقاق (3).
2 - القائلون باستحالة التّعبد به عقلا وشرعا: ونسبه للنّظام والشّيعة والبلخي (4)، ومن تبعه من معتزلة بغداد.
3 - القائلون بجواز التّعبد به عقلا، وامتناعه شرعا: ونسبه لداود الظّاهري (5)، والقاساني، والنّهرواني (6)، ومن تبعهم.
أورد الشّماخيُّ هذه الأقوال، مع ما استدلّ أصحابها به عليها من أدلّة عقليّة، ثمّ شرع في الردّ عليها مستدلّا بالدّليل العقلي، وعمل الصّحابة -رضوان الله عليهم-.
__________
(1) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 313.
(2) أنجز الباحث بالحاج بن محمّد باحماني بحثا بعنوان:"القياس عند الإباضية وأثره في الفروع الفقهيّة"، وذلك في إطار رسالة مقدّمة لنيل شهادة الماجستير في الفقه وأصوله، من كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الجنان، طرابلس، لبنان، إشراف أ. د مصطفى باجو، وقد نوقشت وأجيزت، سنة 1432 هـ-2011 م.
(3) هو أبو بكر محمّد بن محمد بن جعفر البغدادي، المعروف بـ "الدّقاق"، الأصولي والفقيه الشّافعي، ولد سنة 306 هـ، وتوفي سنة 392 هـ، من آثاره: كتاب في الأصول على مذهب الشافعي، شرح المختصر. تنظر ترجمته: الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 118)؛ ابن قاضي شهبة، طبقات الشّافعيّة، ص (1/ 167).
(4) هو أبو عبد الله محمّد بن الفضل بن العبّاس البلخي الخراساني، فقيه حنفي، من مشاهير مشايخ خراسان، وكان صوفيا حكيما، توفي سنة 319 هـ، وله آراء أصولية مبثوثة في الكتب. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 102)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (14/ 349).
(5) هو أبو سليمان، داود بن علي بن خلف الأصفهاني، الملقّب الظّاهري، أحد الأئمّة المجتهدين، وإليه تنسب الفرقة الظّاهريّة، ولد بالكوفة سنة 200 هـ، وسكن بغداد وتوفّي بها سنة 270 هـ، من آثاره: "الأصول"، " الإيضاح"، "الذّب عن السّنة والأخبار". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (13/ 90)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (5/ 384).
(6) هو أبو الفرج المعافي بن زكريّاء بن يحي النّهرواني، يلقّب بالجريري، لأنّه على مذهب ابن جرير الطّبري، ولد بالنّهروان في العراق سنة 303 هـ، وتوفي بها سنة 390 هـ، من آثاره: "التّفسير"، "البيان الموجز في علوم القرآن المعجز". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (16/ 144)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (16/ 154). (1/185)
صفحة 183
فذكر أنّ أصحاب المذهب الأول استدلّوا بأنّ الأحكام غير متناهية، والنّصوص الشّرعية لا تحيط بها، فيقضي العقل بالتعبّد بالقياس؛ لئلّا تخلو الوقائع عن الأحكام، ثمّ ردّ عليهم بقوله: «والجواب أنّ التي تتناهى هي الأشخاص، ويجوز التّنصيص على مناط أحكامها بالرّوابط الكلّية، نحو كلّ مسكر حرام، فتتناول جميع الجزئيات، فلا قياس» (1).
أمّا المذهب الثّاني، فاستدلّوا على مذهبهم بأنّ القياس يمتنع جوازه عقلا؛ لأنّه طريق لا يؤمن فيه الخطأ، فيجوز أن يؤدي إلى نقيض حكم الله تعالى، فأجابهم بأنّ: «منع العقل ممّا لا يؤمن فيه الخطأ مرجّح للتّرك، لا أنّ معناه هو الإحالة بحيث لا يمكن غيره وإلّا لم يقع؛ وقد وقع من الصّحابة وغيرهم» (2).
وردّ على المذهب الثّالث الذي يقضي بمنع التّعبد بالقياس شرعا، وهو مذهب المنكرين له، مستدلاّ بعمل الصّحابة -رضوان الله عليهم- بالقياس ولم ينكر بعضهم على بعض، ومثّل لذلك بحكم الصّحابة بإمامة أبي بكر الصّديق-رضي الله عنه- بالإجماع، قياسا على إمامته في الصّلاة، وغيرها من الأمثلة (3).
ثم أشار باختصار إلى بعض الأدلّة الشّرعية التي استدلّ بها منكرو القياس، والمتمثّلة في بعض الآيات التي تبيّن شموليّة القرآن لجميع الأحكام، وتنهى عن القول بغير علم، وتأمر بردّ المختلف فيه من الأحكام إلى الله والرّسول، وتذمّ اتباع الظّن، منها:
قوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} (4)، وقوله: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} (5)، وقوله: {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} (6)، وقوله: {فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (7).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 527.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 528.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 528.
(4) سورة الأنعام، الآية: 38.
(5) سورة الإسراء، الآية: 36.
(6) سورة النجم، الآية: 28.
(7) سورة النساء، الآية: 59. (1/186)
صفحة 184
ثم أجاب على هذه الاستدلالات كالآتي:
- أنّه لا دليل في هذه الآيات يمنع من الاستدلال بالقياس، أضف إلى ذلك أنّ كثيرا من الأحكام الشّرعية لم يرد نصّ بحكمها في الكتاب، وعليه فاستنباطها من الكتاب بالقياس يكون كالحكم بما أنزل الله.
- أنّ الخطاب في الآيات التي استدلّوا بها موجّه للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وإدخالهم لغيره فيها إقرار منهم بالقياس.
- إنّ الظّنّ المذموم في تلك الآيات التي استدلّوا بها هو ظن الكفار المخالف لما شرّع الله، والمراد به الجدال الباطل.
- إنّ القياس فيه ردّ إلى العلل المستنبطة من نصوص القرآن والسنة، وهذا ردّ لله والرّسول كما تأمر الآية (1).
ولم يتعرّض الشّماخيُّ بالذّكر للأدلّة النّقلية التي استدل بها الجمهور في إثبات حجّية القياس، بل اكتفى بالاستدلال بعمل الصّحابة وبعض الأدلّة العقليّة، وذلك في معرض ردّه على منكري القياس، وهذا سعيا منه للاختصار، فكثيرا ما كان يرشد إلى طلب تفصيل بعض المواضيع بالرجوع إلى الكتب الأصوليّة المبسوطة.
وفيما يأتي سأذكر باختصار الأدلّة التي أوردها الجمهور في إثباتهم لحجّية القياس، دون التّعرض لأدلّة المنكرين، ولا لمناقشة الجمهور لها، اكتفاء بما أورده الشّماخي في ذلك.
ثانيا: أدلّة الجمهور في إثبات حجّية القياس:
استدلّ الجمهور على حجّية القياس، بأدلّة أربعة من الكتاب، والسنّة، والإجماع، والمعقول:
1 - من القرآن: استدلّوا بآيات كثيرة، منها قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} (2)، حيث إنّ المولى أخبر عباده بجزاء اليهود الذين خالفوا أمر الله، ثمّ أمرهم بالاعتبار، ومعناه قيسوا أنفسكم بهم، إن فعلتم مثل فعلهم، فإنّ سنة الله تجري على الجميع.
كما استدلّوا بالآيات التي تدلّ أنّ أحكام الله معلّلة، كقوله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 529، 530.
(2) سورة الحشر، الآية: 2. (1/187)
صفحة 185
أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (1)، وغيرها من الآيات في هذا المعنى، وفي هذا كلّه دلالة قويّة على وجوب القياس حيث لا نصّ.
2 - من السنّة: ففيها ما يدلّ على القياس قولا وعملا، وأظهر ما استدلّوا به منها دليلان:
الأول: إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ بن جبل -رضي الله عنه- بالاجتهاد برأيه إذا لم يجد نصّا في الكتاب أو السنّة (2).
الثاني: ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنّه قاس في كثير من الأمور، من ذلك ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما-، قال: «كان الفضل رديف النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النّبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فقالت:"إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ " قال: نعم» وذلك في حجة الوداع (3). فهذا قياس من النّبي - صلى الله عليه وسلم - لدين الله على دين العباد في وجوب القضاء.
إلى غير ذلك من الأحاديث التي تبيّن استعماله - صلى الله عليه وسلم - للقياس، وفى هذا إرشاد وتوجيه منه - صلى الله عليه وسلم - لأمّته من بعده؛ إذ لا دليل على اختصاصه به.
3 - من الإجماع: ثبت بالتّواتر المعنوي، عن جمع كبير من الصّحابة أنّهم احتجّوا بالقياس، وعملوا به عند عدم النّص، وتكرّر ذلك منهم وشاع، ولم ينكره عليهم أحد، فكان هذا إجماعا منهم مشروعيّة القياس كوسيلة للاجتهاد فيما لا نصّ فيه.
4 - من المعقول: قالوا إنّ النّصوص التّشريعية في الكتاب والسنّة محدودة ومتناهية، أمّا ما يعرض للنّاس من نوازل ووقائع، غير محدودة، بل إنّ الأحكام الشّرعية تتوسّع وتتغيّر باختلاف العصور، فلا يُعقَل أن تكون النّصوص المتناهية مصادر تشريعيّة لما لا يتناهى، والعمل بالقياس فيه ردّ النّظير إلى النّظير وتسويته معه في الحكم؛ لأنّ الشّارع شرع الأحكام لتحقيق مصالح العباد، فإذا تساوت الواقعة المسكوت عنها مع واقعة منصوص على حكمها في العلّة، كان مقتضى العدالة أن تتساوى معها في الحكم، الذي يحقّق المصلحة المقصودة للشّارع من تشريعه،
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 179.
(2) سبق تخريجه.
(3) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الحج، باب وجوب الحجّ وفضله، حديث رقم: 1513 (2/ 132)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحج، باب الحج عن العاجز لزمانة وهرم ونحوهما، حديث رقم: 3315 (4/ 101). (1/188)
صفحة 186
فالقياس هو المصدر التّشريعي الذي يساير الوقائع المتجدّدة، ويكشف حكم الشّريعة فيما يقع من الحوادث، ويوفّق بين التّشريع والمصالح (1).
الفرع الرّابع: أقسام القياس وطرق إثبات العلّة:
أوّلا: أقسام القياس:
ذكر الأصوليّون للقياس أقساما متعدّدة، باعتبارات مختلفة، فالحنفيّة قسّموه إلى جليّ وخفيّ، أما الجليّ فهو ما يتبادر إليه الذّهن في أوّل الأمر، وأمّا الخفيّ فهو ما لا يتبادر إليه الذّهن إلا بعد التأمّل، وهذا الثاني هو الاستحسان بالمعنى الأخص، أمّا المتكلّمون فقسّموه باعتبارين باعتبار قوّة القياس في نفسه، وباعتبار قوّة العلّة (2).
وقد قسّم الشّماخيُّ القياس إلى عقليّ وشرعيّ أو سمعي، ثم سلك مسلك جمهور المتكلّمين في تقسيم القياس الشّرعي باعتبارين: باعتبار القوّة، وباعتبار العلّة، حيث عرّف كلّ قسم من أقسامه، مع ذكر أمثلة توضيحيّة له، وفيما يأتي سأعرض هذه التّقسيمات التي ذكرها الشّماخي.
مثّل للقياس العقليِّ بقوله تعالى: {يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} (3).
وقسّم القياس الشّرعيَّ باعتبار قوّة القياس في ذاته إلى قسمين: قياس جليّ، وقياس خفيّ.
وعرّف الجليّ بأنّه: «ما عُلم فيه نفي الفارق بين الفرع والأصل قطعا، ومثّل له بوصفي الذّكورية، والأنوثيّة، اللّذان لم يعتبرهما الشّارع في العتق، وإن وقع اعتبارهما في القصاص».
أمّا الخفيّ فهو: «ما كان فيه نفي الفارق ظنّيا» (4).
أمّا الوارجلانيُّ فقد قسّم القياس الشّرعي إلى قياس جليّ وقياس خفي، والجليُّ ضربان قياس علّة منصوص عليها، وقياس علّة مستنبطة، والخفيُّ ضربان قياس شبه، وقياس الاستحسان (5).
__________
(1) ينظر: عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، 54 وما بعدها؛ الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 59 وما بعدها؛ السّعدي، مباحث العلة في القياس، 44 وما بعدها.
(2) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 218.
(3) سورة الحج، الآية: 12.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 581.
(5) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (3/ 336). (1/189)
صفحة 187
ويظهر من هذا أنه يفسر القياس الجليّ بأنّه: ما ثبتت علّته بنصّ أو إجماع، أو بطريقة تقطع فيها، مما يقوم مقام النّص. والقياس الخفيّ هو: ما ثبتت علته بالاستنباط، وهذا بخلاف ما ذهب إليه الشّماخي.
ثم قسّم الشّماخيُّ القياس باعتبار العلّة إلى:
1 - قياس علّة: وهو ما صرّح فيه بالعلّة، سواء كانت مستنبطة أو منصوصة، ومثّل له بتحريم النّبيذ بعلّة الإسكار.
2 - قياس دلالة: وهو ما لم تكن فيه العلّة مذكورة، بل وصف لازم لها، ومثّل لذلك بالحكم بقطع أيادي الجماعة الذين اشتركوا في قطع يد واحد، كما يُقتلون إذا اشتركوا في قتله، بجامع وجوب الدّية عليهم في الصّورتين.
3 - قياس في معنى الأصل: وهو الجمع بنفي الوصف الفارق، ويسمى تنقيح المناط، ومثّل له بإيجاب العتق على الأعرابيّ الذي جامع أهله في نهار رمضان (1).
وأشار أنّ تفسير الوارجلانيّ لمعنى الأصل، يحتمل أنه يقصد به هذا التّفسير، ويحتمل أن يكون مراده التنبيه والإيماء، ولكن الأصحّ حمله على المعنى الأول.
4 - قياس الشّبه: وهو وصف يلزم من ربط الحكم به مصلحة غير متعيّنة جهتها، لكن ذلك الوصف يوهم الاشتمال عليها، فيظنّ أنها مظنتها، ومثاله: تشبيه الأرز بالبر في الربا، ووجه الشّبه الطّعم (2).
5 - قياس المفهوم: وهو إلحاق حكم المسكوت عنه، بالمنطوق به، وهو إما قطعي أو ظنّي، والقطعي إما أن يكون المسكوت أولى بالحكم من المنطوق أو لا يكون كذلك (3)، ومثّل للأوّل بقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا} (4)، وقوله: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} (5)، فالضّرب، والعمل أكثر من مثقال ذرّة أولى من المذكورات، ثمّ بيّن خلاف العلماء في
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 582، 583.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 577، 578.
(3) وافق الشّماخيُّ العضد في تقسيمه للقياس باعتبار قوة العلّة إلى: قياس علّة، وقياس دلالة، وقياس في معنى الأصل، وأضاف إلى هذه الأقسام المذكورة قياس الشّبه، وقياس المفهوم. ينظر: العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 328.
(4) سورة الإسراء، الآية: 23.
(5) سورة الزلزلة، الآية: 7. (1/190)
صفحة 188
اعتباره قياسا من عدمه، وأنّ مذهب الأكثريّة (1) هو عدم اعتباره قياسا ووافقهم على ذلك مستدلاّ؛ بأنّه لا يحتاج إلى فكرة (2).
فالجمهور يرون أنّ القياس المعتبر، ما كانت العلّة فيه لا تدرك إلّا بالاجتهاد، أمّا إن كانت تدرك بمجرّد فهم اللّغة فلا يكون ثبوت الحكم بطريق القياس بل يكون ثابتا بمفهوم الموافقة، أو بدلالة النّص (3).
ثانيا: طرق إثبات العلّة (مسالك العلّة):
لا يكفي في القياس مجرّد حصول الوصف الجامع بين الأصل والفرع، بل لا بدّ من اعتبار الشّارع للوصف الذي يصلح علّة، وهذا الاعتبار لا يثبت إلا بدليل شرعي؛ من أجل ذلك حصر الأصوليّون الطّرق المثبتة للعلّة، واصطلحوا عليها بمسالك التّعليل.
وقد انتقل الشّماخيُّ بعد بيانه لأقسام القياس إلى بيان مسالك العلّة، حيث أشار إلى الاختلاف الحاصل بين العلماء في تحديدها، وأرجع ذلك إلى اختلاف الأدلّة الشّرعية، فمع كون هذه الأخيرة لا تثبت إلّا توقيفا ونصّا، إلّا أنّ طريق معرفة التّوقيف فيها ليس مجرّد النّص، بل النّص والعموم، والفحوى، والمفهوم، وقرائن الأحوال، وشواهد الأصول وغير ذلك من الأدلّة، فهذا كلّه سبّب اتّساع طرق إثبات العلّة (4).
__________
(1) ذهب الباقلاني وإمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب وغيرهم، إلى أنّ اللغة لا تثبت قياسا، وخالفهم ابن سريج، وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشيرازي، والرازي، فقالوا تثبت، وإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية كالخمر، ووجد ذلك المعنى في وصف آخر كالنبيذ، ثبت له بالقياس ذلك الاسم لغة، فيسمى النبيذ خمرا، ويجب اجتنابه بآية: «إنّما الخمر والميسر ... » لا بالقياس على الخمر، وسواء في الثبوت الحقيقة والمجاز. ينظر: الشيرازي، اللّمع في أصول الفقه، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1405 هـ-1985 م، 98؛ ابن الحاجب، مختصر المنتهى، ص (1/ 258)؛ حسن العطار، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي، على جمع الجوامع لابن السبكي، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، دت، ص (1/ 345).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 583، 584.
(3) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 219.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 559، 560. (1/191)
صفحة 189
وقد اختلف الأصوليّون في عدد مسالك العلة، حيث جعلها الرّازي عشرة (1)، أمّا الشّوكانيُّ فأحصاها في أحد عشر مسلكا (2).
والحقّ أنّ هذه المسالك منها ما هو محلّ اتفاق بين الأصوليّين، ومنها ما هو محلّ اختلاف، وأشهرها أربعة وهي: النصّ، والإجماع، والسّبر والتّقسيم، وتنقيح المناط.
وقد قسّم الشّماخيُّ مسالك التّعليل كالآتي:
النّص، الإجماع، الإيماء، السّبر والتّقسيم، المناسبة، الشّبه، والدّوران.
وفيما يأتي سأعرض لهذه المسالك التي تناولها الشّماخي، معتمدا في ذلك تقسيمه، حتى أتبيّن منها رأيه:
1 - النّص: للعلماء في تقسيم النّص وبيان أنواعه مذاهب: حيث ذهب أكثر الأصوليّين من الحنفيّة، والمالكيّة، وبعض الشّافعية، إلى تقسيمه قسمين: صريح وإيماء، ثمّ قسموا الصّريح إلى مراتب، ولم يجعلوا الإيماء مسلكا مستقلا، بل جعلوه مندرجا معه، أمّا معظم الشّافعية، فقد قسّموا النصّ إلى قسمين، صريح وظاهر، أمّا الإيماء فقد جعلوه مسلكا مستقلّا (3).
وقد سلك الشّماخيُّ مسلك الشّافعية، فقسّم النّص إلى صريح وظاهر، وجعل الإيماء قسما مستقلّا.
وبيّن أنّه لا يُقصد بالنّص ما لا يحتمل التّأويل، بل يُراد به المنقول من النّصوص الشّرعية، فيعُمّ الظّاهر والصّريح، ونبّه إلى أنّ النّص الصّريح على العلّية، أقوى من الظّاهر، ومثّل له بقوله تعالى: {لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} (4).
وقوله: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} (5).
وقوله: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} (6).
__________
(1) الرّازي، المحصول، ص (5/ 131).
(2) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 356).
(3) السعدي، مباحث العلة في القياس، 346.
(4) سورة الحديد، الآية: 23.
(5) سورة الحشر، الآية: 7.
(6) سورة المائدة، الآية: 32. (1/192)
صفحة 190
وقوله: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ} (1).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّما نهيتكم لأجل الدّافّة» (2).
ثمّ بيّن أنّ الظاهر، ما كان الوصف فيه مقترنا بلام التّعليل وغيرها من حروف العلّة، نحو: (لذلك)، أو (بكذا)، أو (عن كذا)، أو (على كذا)، أو (في كذا)، أو (إن كان كذا) أو غيرها ممّا يدلّ على التّعليل، فهذه الحروف تحتمل معان أظهرها التّعليل، وقد فصّلت تلك المعاني في النّحو، وهذا بخلاف (لكي)، و (لأجل)، و (لعلة)، فهذه العبارات لا تحتمل إلّا التّعليل، ودونهما في إفادة العلّية حرف الفاء.
ثمّ فصّل الحالات التي تدخل فيها الفاء:
- إمّا أن تدخل على الوصف المعلل به، ومثّل له بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الشهداء: «زمّلوهم بكلومهم ودمائهم فإنّهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما» (3).
- وإمّا أن تدخل على الحكم كقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (4)، وقوله: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} (5).
- وإما أن تدخل في لفظ الرّاوي، على الوجهين، نحو: «سها فسجد» (6)، و «زنا ماعز (7)
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 13.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الأضاحي، باب ما كان من النهي عن أكل لحوم الأضاحي، حديث رقم: 5215، ص (6/ 80).
(3) أخرجه الرّبيع في الجامع الصّحيح بلفظ: «زمّلوهم في ثيابهم»، كتاب الجهاد، باب في الشّهادة، حديث رقم: 459، ص (2/ 124)؛ أخرجه النّسائيّ في سننه من حديث عبد الله بن ثعلبة مرفوعا بلفظ: «زمّلوهم بدمائهم فإنّه ليس كلم يكلّم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى، لونه لون الدّم وريحه ريح المسك»، باب مواراة الشّهيد بدمه، حديث رقم:2129، ص (1/ 647)؛ وأخرجه أحمد بن حنبل في مسنده من الطريق نفسه مرفوعا، بلفظ قريب، حديث رقم:23706، ص (5/ 431).
(4) سورة المائدة، الآية: 38.
(5) سورة النور، الآية: 2.
(6) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصّلاة، باب السهو في السجدتين، حديث رقم: 1039، ص (1/ 337)؛ وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الصلاة، باب التسليم بعد سجدتي السهو، حديث رقم: 606، ص (1/ 210)؛ وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، كتاب الصلاة، باب التشهد بعد سجدتي السهو، إذا سجدهما المصلي بعد السلام، حديث رقم: 1062، ص (2/ 134).
(7) هو ماعز بن مالك الأسلمي، يقال أنّ اسمه "عريب"، وماعز لقب له، وهو صحابي، أقام عليه النّبي - صلى الله عليه وسلم - حدّ الرّجم لإقراره بالزّنا، وقال عنه - صلى الله عليه وسلم -: «لقد رأيته يتحضحض في أنهار الجنّة». تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (2/ 75)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (5/ 705). (1/193)
صفحة 191
فرُجِم» (1).
2 - الإجماع: يرى الشّماخيُّ أنّ الإجماع مقدّم على النّص في إثبات العلّية (2)، ومثّل له بالإجماع على الولاية على مال الصغير لصغره.
3 - التّنبيه والإيماء: عرّفه بأنّه: «استبعاد ذكر وصف مع الحكم، ولو لم يكن علّة، أي يكون في الكلام وصف لا يدلّ على التّعليل وضعا لكي يفهم منه معنى التّعليل؛ ليحصل ذكره على فائدة وإلا كان ذكره لغوا، يجلّ عنه نصب الشّرع» (3).
ثم بيّن أنّ هذا المسلك على مراتب كالآتي:
1 - أن يذكر الشّارع مع الحكم وصفا مناسبا له: نحو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (4)؛ لأنّ فيه تنبيها على أنّ الغضب علّة في منع القضاء، وعدم جواز الحكم. وذكر أنّ هذا أحسن مراتبه.
__________
(1) وهو جزء من حديث، اتّفق البخاريُّ ومسلم على روايته عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- بألفاظ متقاربة، ونصّه عند البخاري: «لما أتى ماعز بن مالك النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال له:"لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت"، قال: لا يا رسول الله، قال:" أنكتها؟ ". لا يكني، قال: فعند ذلك أمر برجمه». ونصّه عند مسلم: عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: «أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لماعز بن مالك: أحقّ ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عنّي؟ قال: بلغني أنّك وقعت بجارية آل فلان، قال: نعم، فشهد أربع شهادات، ثمّ أمر به فرُجم»، صحيح البخاري، كتاب الحدود، باب هل يقول الإمام للمقر هل لمست أو غمزت؟، حديث رقم: 6824، ص (8/ 167). صحيح مسلم، كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزّنا، حديث رقم: 4523، ص (5/ 117).
(2) ذكر الشّوكاني أنّ: «أهل الأصول اختلفوا في تقديم مسلك الإجماع على مسلك النّص، أو مسلك النّص على مسلك الإجماع، فمن قدم الإجماع نظر إلى كونه أرجح من ظواهر النصوص؛ لأنه لا يتطرق إليه احتمال النسخ ومن قدم النّ نظر إلى كونه أشرف من غيره وكونه مستند الإجماع وهذا مجرد اصطلاح في التّأليف فلا مشاحة فيه». ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 356).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 562.
(4) أخرجه بهذا الّفظ ابن ماجة في سننه، كتاب الأحكام، باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، حديث رقم:2314، ص (3/ 56)؛ كما اتّفق البخاري ومسلم على روايته بلفظين متقاربين، حيث أخرجه البخاريُّ في صحيحه بلفظ: «لا يقضينّ حكم بين اثنين وهو غضبان»؛ كتاب الأحكام، باب هل يقضي القاضي أو يفتي وهو غضبان، حديث رقم: 7158، ص (9/ 65)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: «لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان»؛ كتاب الأقضية، باب كراهية قضاء القاضي وهو غضبان، حديث رقم: 4787، ص (5/ 132). (1/194)
صفحة 192
2 - أن يقترن مع الحكم وصف لا بصيغة التّعليل على وجه لو لم يكن له أثر في التّعليل، لكان ذكره فيه لغوا، كقوله - صلى الله عليه وسلم - في شأن الهرة: «إنّها ليست بنجس إنّما هي من الطّوافين عليكم والطّوّافات» (1)، فلو لم يكن علة، لم يكن ذكر وصف الطّواف مفيدا، وقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} (2).
3 - أن يذكر نظير المسألة: ومثال ذلك ما روي أنّ عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قال: «هششت، فقبّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما: قبّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟، قلت: لا بأس به، قال - صلى الله عليه وسلم -: فمه» (3)، فنبّه على أنّ مقدّمات الشّيء لا تتنزّل منزلته، فجعل مقدّمة الجماع كمقدّمة الواصل إلى البطن.
4 - أن ينبّه بالسّؤال عن وصف واضح، لو لم يكن له مدخل في الحكم، لكان لغوا، كقوله - صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن حكم بيع الرطب بالتمر: «أينقص الرّطب إذا جفّ؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن» (4)، فنبّه عليه السّلام أنّ النّقصان علّة منع البيع.
__________
(1) أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصّحيح، باب في أحكام المياه، حديث رقم: 159، ص (1/ 43)؛ و أخرجه أبو داود في السنن، حديث رقم:75، ص (1/ 20)؛ و أخرجه الترمذي في السنن، باب ما جاء في سؤر الهرة، وقال: «حديث حسن صحيح»، حديث رقم:92، ص (1/ 153)؛ وأخرجه النسائي في السنن، باب سؤر الهرّة، حديث رقم:63، ص (1/ 76)؛ وأخرجه ابن ماجة في السنن باب الوضوء بسؤر الهرة، والرّخصة في ذلك، حديث رقم:367، ص (1/ 130)؛ وأخرجه مالك في الموطأ، كتاب الطّهارة، باب الطّهور للوضوء، حديث رقم: 61، ص (2/ 31)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 22633، ص (5/ 303).
(2) سورة المائدة الآية: 91.
(3) أخرجه بهذا اللّفظ أبو داود في سننه، كتاب الصّيام، باب القبلة للصائم، حديث رقم: 2387، ص (2/ 284)؛ وأخرجه غيره بألفاظ متقاربة: أخرجه النسائي في سننه، كتاب الصّيام، باب المضمضة للصائم، حديث رقم: 3048، ص (2/ 198)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، مسند العشرة المبشّرين بالجنّة، حديث رقم: 138، ص (1/ 21).
(4) أخرجه أصحاب السّنن وغيرهم بألفاظ متقاربة، أخرجه أبو داود في سننه، باب التمر بالتّمر، حديث رقم:3359، ص (3/ 238)؛ وأخرجه الترمذي في سننه، باب ما جاء في النّهي عن المحاقلة والمزابنة، وقال: «حديث حسن صحيح»، حديث رقم:1225، ص (3/ 528)؛ أخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب التّجارات، باب بيع الرّطب بالتّمر، حديث رقم: 2264، ص (3/ 41)؛ وأخرجه النسائي في سننه، كتاب القضاء، باب مسألة الحاكم أهل بالسّلعة التي تباع، حديث رقم: 6043، ص (3/ 496)؛ وأخرجه مالك في الموطّأ، كتاب البيوع، باب مايكره من بيع التّمر، حديث رقم: 2312، ص (4/ 902)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، مسند العشرة المبشّرين بالجنّة، حديث رقم: 1544، ص (1/ 179). (1/195)
صفحة 193
5 - التّفرقة بين الحكمين بوصفين: وذكر له حالات وهي:
- بصيغة الغاية: كقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} (1)، حيث فرّق في الحكم بين الحيض والطّهر.
- بصيغة الاستثناء: كقوله تعالى: {فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} (2).
- بصيغة الشّرط، كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» (3).
- بصيغة الاستدراك، كقوله تعالى: {لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ} (4).
وقد اختلف الأصوليّون في هذا المسلك هل هو مستقلّ بنفسه أم تابع للنّص؟
فذهب الغزالي، وابن الحاجب، وابن السّبكي، والشّماخيُّ، والسالميُّ إلى جعله مسلكا مستقلا بذاته (5).
كما اختلفوا في اشتراط مناسبة الوصف المومى إليه، في كون علل الإيماء صحيحة على مذاهب كالآتي:
- حيث ذهب البعض إلى اشتراطه.
- وذهب آخرون إلى عدم اشتراطه، وقال آخرون بالتّفصيل: إن كان التّعليل فهم من
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(2) سورة البقرة، الآية: 237.
(3) أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدا، حديث رقم: 4147، ص (5/ 44).
(4) سورة المائدة، الآية: 89.
(5) ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (2/ 1073)؛ تاج الدين بن السبكي، جمع الجوامع، تح: عبد المنعم خليل إبراهيم، ط 2، دار الكتب العلمية، بيرون: لبنان، 1424 هـ-2003 م، 89؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 562؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 187). (1/196)
صفحة 194
المناسبة كما في مثال «لا يقضي القاضي وهو غضبان» (1)، اشترطت؛ لأنّ عدم المناسبة فيما المناسبة شرط فيه تناقض، وأمّا سواه من الأقسام فلا، فإن التعليل يفهم من غيرها وقد وجد، وهذا إنّما يصح لو أراد بالمناسبة ظهورها، وأمّا نفس المناسبة فلا بدّ منها في العلة الباعثة، ولا تجب في الأمارة المجرّدة (2).
ورجّح الشّماخيُّ، مذهب القائلين بالتّفصيل.
4 - السّبر والتّقسيم: السّبر يُطلق في اللّغة على: الاختبار، أمّا التّقسيم فيُطلق على: الافتراق.
أمّا في الاصطلاح: فقد عرّفه الأصوليّون مُجتمِعَ اللّفظين، ولم يعرّفوه مجزّءا.
فعرّفه الشّماخي بأنّه: «حصر أوصاف الأصل، وإبطال ما سوى العلّة منها، أي أن يحصر الأوصاف الموجودة في الأصل الصّالحة للعلّية، فيُبطل بعضها ويتعيّن التّعليل بالباقي»، ومثّل له بأن يقول المجتهد في قياس الذرة على البرّ في الرّبوية: «بحثت عن أوصاف البرّ، فما وجدت للعلّة في بادئ الرّأي، إلّا الطعم والكيل والقوت، فالطعم والكيل مثلا لا يصلحان للعلّة، فتعيّن القوت» (3).
يلاحظ أنّ هذا المسلك يعتمد على الاستنباط، وليس بدليل من نصّ أو إجماع، فالمجتهد يبحث في الأوصاف الموجودة في الأصل، ويستبعد ما لا يصلح أن يكون علّة منها، ويستبقي ما هو علة بما يترجّح في ظنّه، معتمدا على مدى تحقّق شروط العلّة، بأن تكون وصفا ظاهرا منضبطا متعدّيا مناسبا للحكم (4).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (2/ 1078)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 317؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 565، 566.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 566.
(4) قسّم الأصوليون مسلك السّبر والتّقسيم إلى قسمين:
- التّقسيم الحاصر: وهو الذي يدور بين النفي والإثبات، كأن يقال: ولاية الإجبار على النكاح على غير البالغة، إمّا ألّا تعلّل أصلا، أو تعلّل، وعلى التقدير الثاني: إمّا أن تكون العلة هي البكارة، أو الصّغر، أو غيرها، لا جائز ألّا تعلّل، ولا تكون معلّلة بغير البكارة والصغر؛ لأنّ الإجماع قائم على أنّها معلّلة، وأنّ العلة منحصرة في هذين الوصفين.
- التّقسيم المنتشر: وهو الذي لا يكون دائرا بين النفي والإثبات، أو يكون الدليل على نفي علّية ماعدا الوصف المعيّن فيه ظنّيا، كأن يقول المجتهد: تحريم الخمر بالنّص، إمّا لكونه من العنب، أو كونه سائلا، أو كونه مسكرا، ثمّ يقول الوصف الأوّل قاصر غير متعدّ، والثاني طردي غير مناسب، فبقي الوصف الثالث وهو الإسكار، فيقرّر أنّه علّة. ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 671، 672)؛ السعدي، مباحث العلة في القياس، 445 وما بعدها. (1/197)
صفحة 195
- طرق حذف الأوصاف:
ذكر الشّماخيُّ طرق حذف الأوصاف كالآتي:
1 - الإلغاء: وهو بيان أنّ الحكم في الصّورة الفلانية، ثابت بالمستبقى فقط، فعلم أنّ المحذوف لا أثر له. وشبّهه بعدم العكس وهو ثبوت الحكم في الصّورة دون العلّة، والفرق بينهما أنّ هذا المحذوف لو كان جزءا للعلّة والباقي جزء، لما كان المستبقى مستقلّا بالحكم في تلك الصّورة.
2 - أن يكون الوصف طرديّا، أي عُلِم من الشارع إلغاؤه، إمّا مطلقا أو في الحكم المبحوث عنه، كالاختلاف في الطول والقصر والألوان في القصاص، والكفارات وغيرها من أمور الشرع من الإرث والعتق والوجوب والندب وغيرها؛ لأنّ هذه الأوصاف لا يعلّل بها حكم أصلا.
3 - أن تظهر له وجه المناسبة، ولا يجب على النّاظر أو المستدل أن يُظهر عدم المناسبة بالدليل، ويكفيه أن يقول:"بحثت فلم أجد" (1)؛ لأنّه يفترض منه أن يكون عدلا وأهلا للنّظر والبحث، إذ لا طريق إلى معرفة عدم المناسبة إلاّ إخبار هذا المجتهد.
يلاحظ ممّا سبق أنّ الفرق بين الطّردية وعدم ظهور المناسبة، تكمن في أنّ الطّردية يثبت فيها إلغاء الوصف شرعا، وأمّا عدم ظهور المناسبة فهي مجرّد نتيجة تظهر في نظر الباحث (2).
5 - المناسبة: عرّفها الشّماخي بأنّها: «وصف ظاهر منضبط، يحصل من ترتيب الحكم عليه حكمة مقصودة للشّارع» (3)، ثم شرح هذا التّعريف مبرزا قيوده واحترازاته، كما بيّن أنّ المناسبة لها مرادفات تسمّى بها وهي: الإخالة؛ لأنها عندما يُنظر إليها تخال وتظنّ علّة، وتخريج المناط، وضرب أمثلة لها فقال: «كالتحريم للإسكار؛ لأنّ إزالة العقل الذي هو ملاك التّكليف يناسب التّحريم، وكالقتل العمد العدواني للقصاص؛ لأنّ العدوانيّة تناسب شرع القصاص للزّجر».
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 567، 568.
(2) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 676).
(3) عرّف ابن الحاجب المناسب بتعريف قريب من هذا، حيث قال: «المناسب وصف ظاهر منضبط يحصل عقلا من ترتيب الحكم عليه، ما يصلح أن يكون مقصودا من حصول مصلحة أو دفع مفسدة». ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (2/ 1075). (1/198)
صفحة 196
وأشار أنّ مسلك المناسبة هي الطريق الأغلب في المناظرات بين الأصوليّين (1).
ثمّ قسّم المناسب إلى أقسام متعدّدة، وفق اعتبارات ثلاث:
1 - فباعتبار إفضائه إلى المقصود: قسّمه إلى خمسة أقسام:
- ما يحصل المقصود منه يقينا، ومثّل له: بالبيع للحلّ، والنكاح لجواز الاستمتاع.
- ما يحصل المقصود منه ظنّا، ومثّل له: بالسفر لظنّ المشقّة، وبالقصاص للزّجر، وبالبيع لظنّ الحاجة إلى التّعاوض.
- ما يتساوى فيه حصول المقصود منه من عدمه، ومثاله: الحدّ في الخمر والزّنا للانزجار؛ فإنّ عدد المنزجرين وغيرهم متقارب.
- ما يكون عدم حصول المقصود منه أرجح من حصوله، ومثاله: نكاح الآيسة؛ لتحصيل النّسل.
- ما يكون المقصود منه فائتا بالكلّية، ومثاله: إلحاق الولد بالفراش لظنّ حصول النّطفة في الرّحم.
وأشار إلى أنّ بعض الأصوليّين (2) ينكرون التّعليل بالقسمين الثالث والرّابع، واختار جواز التّعليل بهما (3)؛ مستدلّا على ذلك بالاتّفاق الحاصل على إمضاء البيع مع ظنّ عدم الحاجة، والتّرخيص مع ظنّ عدم المشقّة، ومثّل له بالملك المترف الذي لا تلحقه المشقّة في سفره، ومع هذا يرخّص له.
2 - باعتبار المقصود نفسه: قسّمه إلى: ضروري وغير ضروري، ويشمل الحاجيّ، والتّحسيني.
- الضّروري: وجعله ضربان: ضروري في نفسه، أو مكمّل للضّروري، وبيّن أنّ الضّروري في نفسه أعلى المراتب في إفادة ظنّ الاعتبار، ومثّل له بالمصالح الضّرورية الخمسة التي روعيت في كلّ شريعة وملّة، وهي: حفظ الدّين، حفظ النّفس، حفظ الأنساب، حفظ العقل، حفظ المال.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 569 - 571.
(2) يُنسب هذا الرّأي للحنفيّة. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، المصدر السابق (1/ 366).
(3) بهذا قال العضد الإيجي، ونسبه إلى ابن الحاجب، ينظر: العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، ص، 321. (1/199)
صفحة 197
وأشار أنّ من العلماء من زاد على هذه المصالح الضّرورية الخمسة، مقصدا سادسا وهو حفظ الأعراض، واختار هذا الرّأي، فجعل حفظ الأعراض في المرتبة الرّابعة، بعد حفظ الأنساب، وذكر أمثلة توضيحية لكلّ قسم، كما ذكر أمثلة لمكمّل الضروري.
- الحاجي: وقسّمه كالضروري إلى: حاجي في نفسه، أو مكمّل للحاجي، وذكر أمثلة للحاجي، كالبيع، والإجارة، والنكاح، والمضاربة وغيرها من العقود، وذكر أمثلة أيضا لمكمّل الحاجي.
- التّحسيني: عرّفه الشّماخي بأنّه: «ما لا ضرورة إليه ولا حاجة، لكن فيه تحسين وتزيين»، ومثّل له بسلب العبد أهليّة الشّهادة.
3 - باعتبار الشّارع: قسّمه إلى أربعة أقسام:
- المناسب المؤثّر: وهو ما ثبت اعتبار علّته بنصّ أو إجماع، بحيث تؤثّر عين علّته في عين الحكم، وذكر له أمثلة منها: تأثير عين السّكر الثّابت بالتّنبيه، في تحريم عين الشّرب.
- المناسب الملائم: وهو ما ثبت اعتباره بترتيب الحكم على وفقه، وهو ثبوت الحكم معه في المحلّ فإن ثبت بنصّ أو إجماع اعتبر عينه في جنس الحكم، ومثّل بأمثلة منها: تأثير عين الصّغر في جنس الولاية على المال والنّكاح، ويؤثّر جنسه في عين الحكم، وذكر من أمثلته: كتأثير جنس الحرج في جمع الصلاتين؛ لأنّ الحرج جنس يدخل فيه المشقّة في السفر، والتأذّي في الحضر، ويؤثّر جنسه في جنس الحكم، ومثّل له بتأثير جنس المشقّة في جنس التّخفيف، فالحائض لا تقضي الصلاة، والمسافر يقصر ويجمع، لكنّ عين المشقّة لم يثبت لها تأثير في عين الحكم بل جنسها.
- المناسب الغريب: وعرّفه بأنّه ما لم يظهر تأثير عينه في عين الحكم كالمؤثّر، ولا ملاءمته لتصرّفات الشّرع، ومثّل له بتوريث المطلّقة ثلاثا في المرض لقصد حرمان الإرث.
- المناسب المرسل: وعرّفه بأنّه ما لم يثبت اعتباره بنصّ ولا بترتيب الحكم، وقسّمه إلى قسمين
1 - ما عُلِم إلغاؤه: ومثّل له بصيام شهرين في كفّارة الظهار ابتداء، من غير عجز عن الإعتاق، فهو وإن كان مناسبا لقصد زجر المترفين كالملوك، لكن عُلم عدم اعتبار الشّرع له.
2 - ما لم يُعلم إلغاؤه من الشارع (1).
__________
(1) سار على هذا النّحو في تقسيم المناسب المرسل، العضد الإيجي في شرحه على مختصر ابن الحاجب، حيث جعل المناسب المرسل قسمين: ما عُلم إلغاؤه -وهو المناسب الملغي-، وما لم يُعلم -وهو المناسب المرسل- ثم قسّم الثاني إلى ملائم، وغريب، وبيّن أنّ الغريب مردود بالاتفاق، أمّا الملائم فيعتبر، وهو المرسل في اصطلاح الأصوليّين. ينظر: العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 323، 324. (1/200)
صفحة 198
يلاحظ أنّ الشّماخيَّ يجعل المناسب الملغي قسم من المناسب المرسل ويعرّفه به، كما أنّه يمثّل للمناسب المرسل بمثال من الملغي، وقد تفرّد بهذا الرأي على خلاف المشهور، والحقّ أنّ المناسب المرسل هو ما لم يرد نصّ من الشرع يدلّ على اعتباره أو إلغائه، ويعبّر عنه بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح، أمّا المناسب الملغي فقد ثبت إلغاؤه من الشارع، فلا يدخل في معنى المرسل.
6 - الشّبه: يعرّفه بأنّه: «واسطة بين الطرد والمناسبة؛ لأنّه وصف يلزم من ربط الحكم به مصلحة غير متعيّنة جهتها، لكن ذلك الوصف يوهم الاشتمال عليها، فيظنّ أنّها مظنّتها، وقالبها الذي يتضمّنها، وإن كنّا لا نطّلع على ذلك السّر»، ومثّل بأمثلة منها: وجوب النّية في التيمّم كالوضوء، والجامع الطهارة؛ لأنّنا نتوهّم أنّ الطهارة مشتملة على مصلحة لأجلها وجبت النيّة، وإن لم نطلع عليها (1).
لم يصرّح الشّماخيُّ برأيه حول حجّية هذا المسلك، إلّا أنّ الظاهر من كلامه أنّه يعتبره حجّة؛ لأنّه ذكر له أمثلة متعدّدة، دون إيراد أيّ اعتراض.
7 - الدّوران: لم يذكر الشّماخيُّ له تعريف معيّنا (2)، إلّا أنّه بيّن بأنّه يشمل معنى الطّرد والعكس، فالطّرد هو متى وُجد الوصف وجد الحكم، والعكس هو متى عُدم الوصف عُدم الحكم، فيدور معه نفيا وإثباتا.
وبيّن خلاف العلماء في إفادته للعلّية، وبيّن أنّ بعضهم ذهب إلى أنّه يفيدها ظنّا، والبعض إلى إفادتها يقينا، وقال آخرون بأنّه لا يفيدها ومثّلوا لذلك بتحريم الخمر لوجود الشّدّة، لا قبلها حين كان عصيرا ولا بعدها حين صار خلّا (3).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات من 570، إلى 578.
(2) عرّفه السالميّ بأنّه: «عبارة عن وجود وصف من الأوصاف، مع حكم من الأحكام، وعدمه من عدمه؛ أي إذا وُجد ذلك الوصف وُجد معه ذلك الحكم، وإن زال ذلك الوصف زال معه الحكم، فالوصف دائر مع الحكم وجودا وعدما». ينظر: السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 215).
(3) للعلماء في حجيّة الدوران وإفادته العلّيّة، مذاهب:
- المذهب الأوّل: إنّه يفيد القطع، وهذا منقول عن بعض المعتزلة، وحكي عن بعض أصحاب الشافعي.
- المذهب الثّاني: إنّه يفيد ظنّ العلّية بشرط عدم المزاحم، وهو مذهب الجمهور، ورجّحه الصفي الهندي.
- المذهب الثالث: إنّه لا يفيد العلّية بمجرّده لا قطعا ولا ظنّا، وهو اختيار أبي منصور وابن السّمعاني، وأبي إسحاق والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم وهو منسوب للغزالي، كما أنّه مذهب عامّة الأصوليّين من الحنفية، وهو ظاهر مذهب المالكيّة. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 374)؛ السعدي، مباحث العلة، 476. (1/201)
صفحة 199
ولم يرجّح الشّماخي أيّ مذهب من تلك المذاهب (1).
الفرع الخامس: قوادح العلّة.
اختلفت وجهات الأصوليّين في تناول هذا البحث وتفصيله، فمنهم من ذكر الاعتراضات الواردة على القياس عموما، وتناولها بالتّفصيل في باب مستقلّ، سواء منها ما كان متعلّقا بالحكم أو بالأصل المقيس عليه أو بالفرع أو بالعلّة، ومنهم من أفرد للاعتراضات الواردة على العلل بحثا مستقلا، وسماها قوادح العلّة (2)، وقد سلك الشّماخي المسلك الأوّل، حيث خصّص للاعتراضات الواردة على القياس مبحثا خاصا، تناول فيه الاعتراضات الواردة على القياس عموما سواء ما تعلّق منها بالعلّة أو بغيرها، وهذا بخلاف الوارجلاني الذي لم يتعرّض أصلا للاعتراضات الواردة ... على القياس.
وقد اختلف الأصوليّون في عددها، فذهب الرّازي إلى أنّها أربعة، وذهب ابن الحاجب إلى أنّها خمسة وعشرون، وأحصى الشوكاني منها ثمانية وعشرين قادحا (3).
أمّا الشّماخيُّ فقد ذكر منها خمسة وعشرين قادحا، ووافقه في ذلك السالميُّ حيث ذكر تلك القوادح، وتناولها بالشّرح (4).
وأشار الشّماخيُّ إلى أنّ هذه القوادح ليست محصورة في ذلك العدد؛ لأنّ للاصطلاح والمواضعة مدخلا فيها، كما بيّن أنّها تعود إلى منع ومعارضة؛ لأنّ غرض المستدلّ إثبات مدّعاه بدليله، وغرض المعترِض عدم إثباته به.
وجعلها مندرجة في سبعة أنواع وهي:
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 579.
(2) السعدي، المرجع السابق، 528.
(3) الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 377).
(4) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 225). (1/202)
صفحة 200
- النّوع الأوّل: ما يرجع إلى اللّفظ، وهو الاستفسار.
- النّوع الثّاني: ما يرد على تمكّن المستدلّ من الاستدلال بالقياس في تلك المسألة.
- النّوع الثالث: ما يرد على المقدّمة الأولى، وهو دعوى حكم الأصل.
- النّوع الرّابع: ما يرد على المقدّمة الثّانية، وهي العلّة.
- النّوع الخامس: ما يرد على المقدّمة الثّالثة، وهو منع وجود العلّة في الفرع.
- النّوع السادس: ما يرد على المقدّمة الرابعة، وهي ثبوت الحكم في الفرع.
- النّوع السابع: ما يرد على عدم النّزاع، بعد ثبوت الحكم في الفرع.
1 - الاستفسار: عرّفه الشّماخي بأنّه: «طلب معنى اللّفظ»، وبيّن أنّ الاعتراض على اللّفظ يكون في الحالة التي يكون فيها مجملا أو غريبا، ومثّل للّفظ المجمل بلفظة "بان" فهي تطلق على الظّهور وعلى الانفصال، وذكر مثالا للّفظ الغريب، وهو قول القائل: «أيل لم يُرَضْ حين أكل، فلا تحلّ فريسته كالسَّبد»، فمعنى الأيل: الكلب، ومعنى لم يُرَض: لم يعلّم، ومعنى فريسته: صيده، ومعنى السَّبد: الذّئب.
2 - فساد الاعتبار: وعرّفه بأنّه: «ما يكون اعتبار القياس فيه مخالفا لدلالة النّص، أي لا يصحّ القياس فيما يدّعيه؛ لأنّ النصّ دالّ على خلافه فهو باطل».
3 - فساد الوضع: وعرّفه بأنّه «إبطال القياس في إثبات هذا الحكم؛ لثبوت علّته في نقيض هذا الحكم، كأنّه وضع في المسألة قياسا لا يصحّ فيها».
4 - منع حكم الأصل: وهو نوعان:
- فإمّا أن يكون بمنع حكم الأصل مطلقا.
- وإمّا أن يكون بمنع أحد محتملي اللفظ المتردّد بين شيئين: وبيّن أنّ هذا معنى التقسيم، لكنّه لا يختصّ بحكم الأصل، بل كما يكون فيه يكون في جميع المقدّمات التي تقبل المنع، وأشار إلى خلاف الأصوليين في اعتبار هذا القادح، فمنهم من منعه بحجّة أنّ إبطال أحد محتملي كلام المستدلّ لا يضرّه؛ لجواز أن يكون غير مراده.
واختار قبوله بشرط أن يكون منعا لما يلزم المستدلّ بيانه؛ مستدلّا بكونه يتعيّن به مراده، كما أنّ له مدخلا في هدم الدّليل، والتّضييق على المستدلّ. (1/203)
صفحة 201
5 - منع وجود العلّة في الأصل: وعرّفه بأن يمنع المعترض وجود الوصف في الأصل، فضلا عن أن يكون علّة.
6 - منع كون المدّعى علّيّته علّة: ومثّل له بقول المعترض إنّ جلد الخنزير نجس؛ بحجّة غسل الإناء من ولوغه سبعا، فيجيبه المستدل على اعتراضه، بإثبات كون ذلك الوصف علّة بأحد مسالك التّعليل.
7 - عدم التّأثير في الوصف: عرّف عدم التّأثير بأنّه عبارة عن إبداء وصف لا أثر له، وقسمه أربعة أقسام: أوّلها عدم التّأثير في الوصف.
9 - عدم التّأثير في الأصل: أن يكون الوصف غير مؤثّر في ذلك الأصل؛ للاستغناء عنه بوصف آخر (1).
10 - عدم التّأثير في الحكم: أن يذكر في الوصف المعلّل به وصفا غير مؤثّر في الحكم.
11 - عدم التّأثير في الفرع: أن يكون الوصف المذكور لا يطّرد في جميع صور النّزاع، وإن كان مناسبا.
12 - القدح في المناسبة: وعرّفه بأنّه إبداء مفسدة راجحة أو مساوية؛ لأنّه لا مصلحة مع مفسدة مساوية أو راجحة، لأنّ دفع الضرر أهمّ فيجب الحمل عليه، وأمّا إذا كانت مرجوحة فلا.
13 - القدح في إفضاء الحكم على المصلحة المقصودة شرعا: ومثّل له بقول المستدل إنّ النكاح واجب؛ لأنّ يرفع الحجاب، فيفضي إلى المصلحة وهي رفع الفجور، فيعترض عليه المعترض بمنع كون رفع الحجاب يفضي إلى عدم الفجور، بل تلاقي الرجال والنّساء عند رفع الحجاب يفضي إلى الفجور.
14 - كون الوصف غير ظاهر ولا منضبط: ومثّل للأوّل بالرضا، والعمد، وسائر أعمال القلوب، ومثّل للثاني بالجوع، والمشقّة، والزّجر، وغيرها.
15 - النّقض: عرّفه بأنّه عبارة عن ثبوت الوصف في صورة، مع عدم الحكم فيها.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 591 - 596. (1/204)
صفحة 202
16 - الكسر: ومعناه وجود الحكمة، مع تخلّف الحكم والعلّة، ومثّل له بالمسافر العاصي، فإنّه يقصر الصلاة كغيره، للحكمة التي هي المشقّة.
17 - المعارضة في الأصل: ومعناها أن يبدي المعترض معنى آخر يصلح للعلّية، مستقلّ كان أو غير مستقلّ بل جزء، فهو مع الأوّل علّة كمن عللّ القصاص بكونه قتلا عمدا، فيقول المعترض: حتّى يكون عدوانيا.
18 - التّعدية: وهي أن يعارض علّة الأصل بعلّة متعدّية لفرع آخر دفعا للترجيح.
19 - منع وجود العلّة في الفرع: ومثّل له بقول المستدل يصحّ أمان العبد غير المأذون؛ لأنّه أمان صدر من أهله كالمأذون، فيقول المعترض العبد محجور عليه فلا أهلية له في الأمان.
20 - المعارضة في الفرع بما يقتضي نقيض الحكم فيه: أي أن يقول المعترض: ما ذكرتم من الوصف وإن اقتضى ثبوت الحكم في الفرع فعندي وصف آخر يقتضي نقيضه (1).
21 - الفرق بالمخالفة في الحكم: يعرّف الشماخيُّ الفرق بأنّه: «عبارة عن إبداء مخالفة بين الأصل والفرع»، وقد قسمه الأصوليون إلى ثلاثة أقسام وهي:
المخالفة في الحكم: وتكون بأحد أمرين (2):
- إما بإبداء مانع في الفرع، يمنع من تعدية حكم الأصل إليه.
- وإمّا بإبداء خصوصية في الفرع لم تكن موجودة في الفرع.
22 - الفرق باختلاف الضّابط في الأصل والفرع: ومثّل له بقول المستدل بأنّ الجماعة الذين شهدوا زورا على شخص فقتل، يقتلون قصاصا كالمكره، فيقول المعترض: الضابط مختلف؛ لأنّه في الأصل الإكراه، وفي الفرع الشّهادة.
23 - الفرق باختلاف جنس المصلحة في الأصل والفرع: ومثّل له بقول المستدل بحدّ اللّائط كما يحدّ الزاني؛ لأنّ إيلاج فرج في فرج محرّم، فيقول المعترض إنّ المصلحة في الأصل والفرع مختلفة، فالزّنى حرّم دفعا لاختلاط الأنساب، أمّا اللّواط فإنّه محرّم دفعا لهذه الرّذيلة.
24 - القلب: وعرّفه بأنّه إثبات نقيض الحكم بعلّة المستدل، وأنّ أصله أن يعلّق المعترض على العلّة نقيض الحكم الذي ادعاه المستدلّ بالقياس على أصله، وقسّمه إلى ثلاثة أقسام وهي:
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 597 - 599.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، صفحات 600 - 603. (1/205)
صفحة 203
- إمّا أن يُصحّح المعترض الحكم الذي ادّعاه، فيبطل منه الحكم الذي ادّعاه المستدلّ لما فيها.
- وإمّا أن يُبطل المعترض مذهب المستدلّ تصريحا.
- وإمّا بإبطال مذهب الخصم التزاما.
25 - القول بالموجب: وعرّفه بأنه: «تسليم مدلول الدّليل، مع بقاء النّزاع، وذلك دعوى نصب الدّليل، في غير محلّ النّزاع»، ثمّ ذكر أنّه على نوعين:
- إمّا أن يستخرج من الدّليل حكما يتوهّم بأنّه محلّ النّزاع، وليس كذلك.
- وإمّا أن يستخرج من الدليل إبطال أمر يتوهّم أنّه مأخذ الخصم، والخصم يمنع كونه مأخذا له، فلا يلزم من إبطاله مذهبه (1).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 603 - 605. (1/206)
صفحة 204
المبحث السّادس: الأدلّة المختلف فيها.
تمهيد: سبق الحديث عن الأدلّة الأربعة، الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، وتبيّن أنّها محلّ اتفاق بين جمهور العلماء، ولكن هذه الأصول غير كافية وحدها في تفصيل الأحكام، بل هناك أدلّة أخرى تبعيّة، هي محلّ اختلاف بين علماء المذاهب في اعتبارها من عدمه؛ بسبب اختلافهم في طرق الاجتهاد، أو بحسب كثرة الأخذ بها أو قلّته، وهي مندرجة تحت مسمّى الاستدلال، وقد أحصى بعض الأصوليّين هذه الأدلة التّبعية، وجعلها في عشرة أدلّة وهي: المصالح المرسلة، الاستحسان، الاستصحاب، العرف، مذهب الصحابي، إجماع أهل المدينة، شرع من قبلنا، سدّ الذّرائع، الأخذ بأقلّ ما قيل، الاستقراء (1).
وقد تناول الشّماخيُّ بعض هذه الأدلّة تحت مسمّى الاستدلال، وذلك في باب القياس، في معرض ذكره لأقسامه، حيث تعرّض لأربعة أدلّة وهي: الاستصحاب، شرع من قبلنا، المصالح المرسلة، الاستحسان.
وبيّن أنّ الاستدلال يعتبر دليلا رابعا من أدلّة الأحكام بعد النّص والإجماع والقياس، وعرّفه بقوله: «لغة: طلب الدّليل، وعرفا: عبارة عن إقامة الدّليل مطلقا، والمقصود ههنا نوع خاص من إقامة الدّليل، وهو ما ليس بنصّ، ولا إجماع، ولا قياس» (2).
ويعتبر الاستدلال من مصادر التّشريع عند الإباضيّة بعد الكتاب والسنّة والإجماع والقياس، وقد ذكر السّالميُّ سبعة أنواع منه وهي: القياس الاقتراني، القياس الاستثنائي، الاستصحاب، العكس، الاستقراء، المصالح المرسلة، الاستحسان، الإلهام، حكم الأشياء قبل ورود الشّرع (3).
وهو أوفى من تناول هذه الأدلّة من بين أصوليّي الإباضيّة (4).
وفيما يأتي سأقتصر بالذّكر على الأدلّة التي تناولها الشّماخي، وهي: الاستصحاب، شرع من قبلنا، المصالح المرسلة، الاستحسان، ثمّ أبيّن رأيه في قول الصّحابي.
__________
(1) ينظر: مصطفى ديب البغا، أثر الأدلّة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، ط 3، دار القلم؛ دار العلوم الإنسانيّة، دمشق، سوريا، 1420 هـ-1999 م، 24.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 584.
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 255).
(4) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 699. (1/207)
صفحة 205
المطلب الأوّل: الاستصحاب.
الفرع الأوّل: تعريف الاستصحاب
لغة: هو طلب المصاحبة، واستمرارها، يقال: «استصحب الرّجل دعاه إلى الصّحبة وكل ما لازم شيئا فقد استصحبه» (1).
اصطلاحا: عرّفه الشّماخيُّ بقوله: «أن يكون الحكم ثابتا، ولم يظنّ عدمه، فهو مظنون البقاء» (2)، فما عُلِم وجوده في الماضي، ثمّ حصل تردّد في زواله، حكم ببقائه استصحابا لوجوده السّابق، وما عُلِم عدمه في الماضي، ثمّ حصل تردّد في وجوده حكم باستمرار عدمه استصحابا لعدمه السّابق (3)، وعليه فالاستصحاب لا يلجأ المجتهد إلى الاستدلال به إلّا عند انعدام الدليل من الكتاب أو السنّة أو الإجماع أو القياس؛ لذلك يعتبر آخر مدار الفتوى.
وقد ذكر له الأصوليّون خمسة أنواع وهي:
1 - استصحاب البراءة الأصليّة.
2 - استصحاب الوصف المثبت للحكم الشّرعي حتّى يثبت خلافه.
3 - استصحاب ما دلّ العقل والشّرع على ثبوته واستمراره.
4 - استصحاب حكم الإجماع السّابق في محلّ النّزاع.
5 - استصحاب العموم إلى أن يرد التّخصيص، واستصحاب النّص إلى أن يرد النّسخ (4).
الفرع الثاني: حجّيّة الاستصحاب:
ذكر الشّماخيُّ أنّ الأصوليّين مختلفون في الاستدلال بالاستصحاب؛ وأرجع ذلك لإفادته ظنّ البقاء، وعدم إفادته ذلك، ثمّ بيّن أنّ أكثر المحقّقين على القول بحجّية الاستدلال به، سواء كان الحكم الثابت به نفيا أصليّا، كالقول بأنّ الأصل براءة الذّمة، وبقاء ما كان على ما كان، أو كان حكما شرعيّا، ورجّح هذا القول.
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "صحب"، ص (1/ 519).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 586.
(3) زيدان، الوجيز، 267.
(4) مصطفى ديب البغا، أثر الأدلّة المختلف فيها، 187، 188. (1/208)
صفحة 206
واستدلّ على ذلك بقوله: «لأنّ ما تحقّق وجوده أو عدمه، ولم يظنّ طروء معارض يزيله، فإنّه يلزم ظنّ بقائه، وهذا أمر ضروري وظاهر، كما لو شكّ في حصول الزّوجية، حرم عليه الاستمتاع بها إجماعا، ولو ظنّ دوام الزّوجية بعد حصولها، جاز له الاستمتاع بها إجماعا» (1).
وردّ على الحنفيّة المنكرين لحجّيته (2) فقال: «وأكثر الحنفيّة على إبطاله، ولا حجّة لهم؛ لأنّ الأدلّة الشّرعية منحصرة في النّص والإجماع والقياس، لجواز الرّابع وهو الاستصحاب» (3).
وإلى حجّية الاستصحاب ذهب الوارجلاني أيضا (4)، وبيّن السّالميُّ أنّه حجّة عند الإباضيّة، موردا أدلّة حجّيته وبعض فروعه الفقهيّة (5).
من خلال ما سبق بيانه من تعريف الاستصحاب، وحجّية الاستدلال به، يُستخلص ما يأتي:
- أنّ الاستصحاب لا يثبت حكما جديدا كغيره من الأدلّة، ولكنّه يفيد استدامة الحكم السّابق بدليله.
- لا يُصار إلى الاستصحاب، إلا عن عدم وجود الدّليل الخاص في حكم المسألة؛ لذلك اعتبره العلماء آخر مدار الفتوى.
- عمل المجتهدين بالاستصحاب يختلف، باختلاف المصادر والأدلّة التي يعتبرها كلّ منهم حجّة، فمن قصر أدلّة الأحكام على الكتاب والسنّة والإجماع، يعمل بالاستصحاب في كلّ ما لم يجد فيه نصّا ولا إجماعا، ومن يعتبر القياس حجّة لا يلجأ إلى الاستصحاب إلّا إذا لم يجد قياسا، فتضيق دائرة
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 586، 587.
(2) العلماء في الاحتجاج بالاستصحاب على ثلاثة مذاهب:
- المذهب الأوّل: ذهب الأكثرون من أصحاب مالك والشافعي وأحمد والإباضيّة وغيرهم، إلى أنّه حجّة في النّفي والإثبات.
- المذهب الثّاني: ذهب المتأخّرون من الحنفيّة، إلى أنّه حجّة في النّفي دون الإثبات.
- المذهب الثّالث: ذهب الكثير من الحنفية، وبعض أصحاب الشافعي، وأبو الحسين البصري، وجماعة من المتكلّمين، إلى أنّ ليس بحجّة أصلا، لا في النّفي ولا في الإثبات. ينظر: العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، 367 وما بعدها؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 396) وما بعدها؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 259)؛ مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها، 188، 189.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 587.
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 18).
(5) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 260) وما بعدها. (1/209)
صفحة 207
العمل بالاستصحاب عنده عن الفريق السّابق، ومن يعمل بالعرف والمصلحة تضيق دائرة عمله بالقياس أكثر (1).
كما استنبط الفقهاء عدّة مبادئ وقواعد فقهيّة هامّة من الاستصحاب منها:
- الأصل في الأشياء الإباحة.
- الأصل في الذّمة البراءة، أو الأصل براءة الذّمة.
- الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيّره.
- اليقين لا يزول بالشّك.
- الأصل في الصفات العارضة العدم.
- الأصل إضافة الحادث إلى أقرب أوقاته (2).
الفرع الثالث: ثمرة الاختلاف في حجّية الاستصحاب:
ترتّب عن اختلاف الأصوليّين في حجّية الاستصحاب اختلافهم في فروع فقهيّة كثيرة، فمن تلك الفروع الفقهيّة التي اختلفوا فيها مسألة ميراث المفقود:
حيث اختلف الفقهاء في حكم المفقود الذي لا تعلم حياته أو موته هل يعتبر كالميّت، فتوزّع تركته على وارثيه، وإذا مات أحد ممن يرثهم هو لا يحتفظ له بنصيب، أو أنّه يعتبر حيّا فلا توزّع تركته، وإذا مات أحد ممّن يرثهم هو احتفظ له بنصيبه؟
فذهب المالكية والحنفيّة إلى أنّ هذا المفقود لا تثبت له حقوق إيجابيّة، فلا يرث في هذه الحال؛ لعدم تحقّق وجوده حيّا حين غيبته وفقده، وإنّما يحتفظ فقط بالحقوق السلبيّة فلا يوّرث ماله لغيره، وذهب الشّافعية والحنابلة (3) والإباضيّة (4) إلى أنّه يورّث استصحابا لحال حياته التي
__________
(1) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 350، الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 760).
(2) ينظر: أحمد بن محمّد الزرقا، شرح القواعد الفقهية، تح: مصطفى الزرقا، دط، دار القلم، دمشق، سوريا، 1409 هـ-1989 م، ص (1/ 117؛ 125).
(3) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 868).
(4) ينظر: الشّماخي، جواب في حكم المفقود، مخ، مكتبة الحاج صالح لعلي بني يسجن غرداية، الرقم في الفهرس: 888، الرقم في الخزانة: م 082، صفحات من 299 و-301 و ضمن مجموع؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 260)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 735. (1/210)
صفحة 208
كانت ثابتة قبل الفقد بيقين، كما تثبت له حقوقه السلبية، فلا يورث ماله، بل يحتفظ به، استصحابا لحال حياته.
المطلب الثّاني: شرع من قبلنا.
الفرع الأوّل: المراد بشرع من قبلنا وتحرير محلّ النّزاع فيه:
المراد بشرع من قبلنا: ما نُقِل إلينا من أحكام تلك الشّرائع التي كانوا مكلّفين بها، على أنّها شرع الله عزّ وجلّ لهم، وما بيّنه لهم رسلهم عليهم الصّلاة والسّلام، فهذه الأحكام التي نُقلت إلينا من شرائعهم، هل النّبي - صلى الله عليه وسلم - والأمّة من بعده مكلّفون باتّباعها ومتعبّدون بها أو لا (1)؟
الأحكام الواردة إلينا من شرع من قبلنا لا تخلو من حيث نقلها من أمور ثلاثة:
1 - أن تُنقَل إلينا في كتب الشّرائع السّابقة كالتّوراة والإنجيل، أو أن تُنقَل إلينا على ألسنة أتباع تلك الشّرائع، وفي هذه الحالة لا خلاف بين المسلمين في كون تلك الأحكام ليست حجّة علينا؛ لكون تلك الشّرائع دخلها التّحريف؛ ولأنّ شريعة الإسلام نسخت تلك الشّرائع، لقوله تعالى: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} (2).
2 - أن يأتينا في القرآن أو في السنّة، وفيه دليل على أنه ّمنسوخ وغير مشروع في حقنا، كتحريم بعض المطعومات على اليهود، فهذا لا خلاف في عدم الأخذ به، أو أنّه يأتينا في القرآن أو في السنّة، ويقوم الدّليل على أنّه مشروع في حقّنا، كقوله تعالى في تشريع الصيام: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (3)، فهذا لا خلاف بين المسلمين في الأخذ به.
3 - أن يُنقَل إلينا في نصوص الكتاب أو السنّة، ولم يقم دليل من سياق هذه النّصوص على أنّه مشروع في حقّنا أو ليس مشروعا، وهذا النّوع هو محلّ الخلاف بين العلماء في كونه حجّة أو لا.
__________
(1) ينظر: مصطفى ديب البغا، أثر الأدلّة المختلف فيها، 532؛ عبد الرحمن الدّرويش، الشّرائع السّابقة ومدى حجّيتها في شريعة الإسلام، ط 1، دن، دم، دت، 269.
(2) سورة آل عمران، الآية: 85.
(3) سورة البقرة: الآية، 187. (1/211)
صفحة 209
الفرع الثّاني: حجيّة شرع من قبلنا.
تعرّض الشّماخيُّ في حديثه عن حجّية شرع من قبلنا، لمسألة: هل كان النّبي - صلى الله عليه وسلم - متعبّدا بشريعة من قبله (1)، حيث ذكر خلاف العلماء فيها، بين مثبت لتعبّده - صلى الله عليه وسلم -، وناف لذلك، ومتوقّف (2)، ثمّ بيّن رأيه في المسألة فقال: «والمختار أنّه كان متعبّدا، إلاّ ما نسخ بشريعته؛ لأنّه كان متعبّدا به قبل البعث، والأصل بقاء ما كان على ما كان، وأيضا استدلّ العلماء بقوله تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... } (3)، على وجوب القصاص، وبقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (4)، على أنّ من نسي الصلاة، فوقتها إذا ذكرها» (5).
وأشار الشمّاخيُّ إلى أنّه ينبغي الاحتراز في الأخذ بهذا الدّليل، وأنكر على الذين يتوسّعون في الاعتماد عليه لاستنباط الأحكام فقال: «وأفرط بعضهم حتّى سفك به الدّماء، وهتك به الأستار» (6).
وإلى اعتبار حجيّة شرع من قبلنا ذهب جمهور الإباضيّة (7)، حيث ذكر السّالميُّ أنّ شرع من قبلنا إذا لم يُنسخ فهو حجّة، بشرطين:
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 286.
(2) تتلخّص مذاهب العلماء في الاحتجاج بشرع من قبلنا في مذهبين:
- المذهب الأوّل: المختار عند جمهور الحنفية والمالكية والحنابلة، وبعض أصحاب الشافعي، والإمام أحمد في رواية والإباضيّة: أنّه شرع لنا، وأنّه حجّة يلزمنا العمل به، ما لم يقم دليل من شرعنا على نسخه.
- المذهب الثّاني: المختار عند الشافعية وأحمد في رواية، وابن حزم، أنّه ليس شرعا لنا، وليس بحجّة، ولا يلزمنا العمل به، مادام لم يقم في شريعتنا ما يقرّه. ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 587؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 92)؛ مصطفى ديب البغا، أثر الأدلة المختلف فيها 534، 535؛ عبد الرحمن بن عبد الله الدرويش، الشرائع السابقة ومدى حجّيتها في الشريعة الإسلامية، 242،243.
(3) سورة المائدة الآية: 45.
(4) سورة طه، الآية: 14.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 587، 588.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 588.
(7) ينظر: الوارجلاني، الدليل والبرهان، تح: سالم بن حمد الحارثي، دط، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ-1983 م، ص (3/ 235)؛ السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 92)؛ اطفيّش، الذّهب الخالص، 109؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 710. (1/212)
صفحة 210
- أن يقصّه الله تعالى علينا أو نبيّه - صلى الله عليه وسلم - من غير إنكار له.
- أن يكون ذلك على جهة التّشريع لنا (1).
وبالتّأمل في اختلاف العلماء حول شرع من قبلنا هل هو حجّة لنا أو لا؟، نخلُص إلى أنّ شرع من قبلنا، لا يمكن أن يكون شرعا لنا استقلالا، فالأحكام الشّرعية التي نتعبّد بها، والتي كانت شرعا لمن قبلنا، لم تثبت لنا حجيّتها بذلك؛ بل بكونها ثابتة بالكتاب أو السنّة، فلا معنى للاختلاف في هذه المسألة.
ولهذا اعتبر الشاطبيُّ (2) ذكر هذه المسألة في أصول الفقه عارية؛ لأنّه لا ينبني عليها فقه، حيث قال في كتابه الموافقات: «كلّ مسألة مرسومة في أصول الفقه لا ينبني عليها فروع فقهيّة، أو آداب شرعيّة، أو لا تكون عونا في ذلك؛ فوضعها في أصول الفقه عارية ... وعلى هذا يخرج عن أصول الفقه كثير من المسائل التي تكلم عليها المتأخّرون وأدخلوها فيها؛ كمسألة ابتداء الوضع، ومسألة الإباحة هل هي تكليف أم لا؟، ومسألة أمر المعدوم، ومسألة هل كان النبي - صلى الله عليه وسلم - متعبّدا بشرع أم لا؟، ومسألة لا تكليف إلا بفعل» (3).
__________
(1) السّالمي، شرح طلعة الشّمس، ص (2/ 92).
(2) هو أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمّد الغرناطي الأندلسي، الشهير بالشّاطبي، الأصولي والفقيه والمفسّر المالكي، عاش بالأندلس، وتوفي بها سنة 790 هـ، من آثاره: "الموافقات في أصول الشّريعة"، "الاعتصام". تنظر ترجمته: محمّد مخلوف، شجرة النّور الزكيّة، 231؛ الزّركلي، الأعلام، ص (1/ 213).
(3) أبو إسحاق الشّاطبي، الموافقات في أصول الشّريعة، تح: مشهور حسن آل سلمان، ط 1، دار ابن عفان، دم، 1417 هـ-1997 م، ص (1/ 37). (1/213)
صفحة 211
المطلب الثّالث: المصالح المرسلة (1):
الفرع الأوّل: تعريف المصلحة المرسلة.
تناول الأصوليّون الحديث عن المصلحة المرسلة، في بحثهم لمسالك العلّة في القياس، وبالذّات ضمن تناولهم لمسلك المناسبة.
والمناسبة كما عرّفها الشّماخيُّ هي: «وصف ظاهر منضبط، يحصل من ترتيب الحكم عليه حكمة مقصودة للشّارع»، كما يبيّن أنّ المناسبة لها مرادفات تسمى بها وهي: الإخالة؛ لأنّها عندما يُنظر إليها تُخال وتُظنّ علّة، كما تُسمّى بتخريج المناط، وأشار أنّها الطّريق الأغلب في المناظرات بين الأصوليّين (2).
وقسّم المناسبة على أساس ثلاثة اعتبارات وهي:
- باعتبار إفضائه إلى المقصود.
- باعتبار نفس المقصود.
- باعتبار الشّارع.
وقد سبق ذكر هذه التّقسيمات مع أمثلتها في بحث القياس، والذي يعنينا هنا التّقسيم الأخير -أي باعتبار الشّارع-، حيث قسّموه إلى ثلاثة أقسام: مناسب مؤثّر، وملائم، وغريب، ومرسل.
ومن الأصوليّين من قسّمه إلى معتبر وملغى ومرسل (3).
فالمناسب المعتبر هو: ما ثبت اعتبار علّته بنصّ أو إجماع، بحيث تؤثّر عين علّته في عين الحكم، ومن أمثلته: تأثير عين السكر الثّابت بالتّنبيه، في تحريم عين الشّرب، والمناسب الملغى: وهو ما شهد الشّرع بإلغائه وعدم الاعتداد به في وضع الأحكام، كإيجاب صيام
__________
(1) أنجز الباحث مصطفى بن داود إتبيرن، بحثا بعنوان "المصلحة المرسلة عند الإباضيّة بين النّظرية والتّطبيق من خلال اجتهادات المتأخّرين"، وذلك في إطار رسالة مقدّمة لنيل شهادة الماجستير في الفقه وأصوله، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، بإشراف أ. د مصطفى باجو، وقد نوقشت وأجيزت سنة 1424 هـ/ 2004 م.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 568.
(3) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 716. (1/214)
صفحة 212
شهرين في كفّارة الظهار ابتداء، من غير عجز عن الإعتاق، فهو وإن كان مناسبا لقصد زجر المترفين كالملوك، لكن عُلم عدم اعتبار الشّرع له.
أمّا المناسب المرسل: فعرّفه الشّماخيُّ بأنّه: «مصالح لم يشهد لها الشّارع بالإلغاء أو بالاعتبار، وإن كانت على سنن المصالح، لكن تلقّتها عقول الأمّة بالقبول» (1). وهذا الذي يعبّر عنه بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح (2).
وقسّم الشّماخي المناسب المرسل إلى قسمين:
- ما عُلم إلغاؤه وإهداره، وهو المناسب الملغى.
- ما لم يُعلَم إلغاؤه ولا اعتباره، وهو المناسب المرسل في اصطلاح الأصوليّين.
الفرع الثّاني: حجيّة المصالح المرسلة:
اختلف العلماء في الاحتجاج بهذا النّوع من المناسب، بين مُعتبر لحجّيته، ومانع له، ومشترط لقيود له حتى يكون حجّة (3).
وفي ذلك يقول الشّماخيُّ -بعد ذكره لتعريف المصلحة المرسلة-: «فقيل: تردّ؛ إذ لا دليل يدلّ على صحّتها، وقيل: تقبل؛ لئلا تخلو وقائع كثيرة عن الحكم، لعدم مساعدة النّص، وأصل القياس في الكلّ» (4).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 588.
(2) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 269).
(3) تحكي كتب الأصول خلاف العلماء في حجّية المصالح المرسلة، على ثلاثة مذاهب:
- المذهب الأوّل: إنّها حجّة يجب العمل بها في محلّها، وتبنى عليها الأحكام، وبه قال المالكية ومتقدّمو الحنابلة.
- المذهب الثّاني: إنّها ليست حجّة، فلا يجوز العمل بها مطلقا، وأصحاب هذا القول فريقان:
- الفريق الأوّل: نفى حجّية القياس، ووقف عند ظواهر النّصوص، فمن باب أولى المصالح المرسلة، وهم الظاهرية.
- الفريق الثّاني: يعترف بالقياس، ولكنّه يمنع العمل بالمصلحة إلّا إذا وُجد لها أصلا معينا، وهم الحنفية والشافعية.
- المذهب الثّالث: التفصيل بين نوع ونوع؛ فإن كانت ضرورية، قطعية، كلّية، صحّ العمل بها، وإلّا فهي مردودة وليست بحجة، وبه قال الغزالي. والقول في المصالح بهذه القيود الثلاثة ليست من المصالح المتنازع فيها، فهي موضع وفاق، وعليه فلا يبقى إلّا فريقان: القائلون بالحجية، والمانعون لها. ينظر: شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 301، 302.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 588. (1/215)
صفحة 213
ولم يَنسب هذه الأقوال لأصحابها، كما أنّه لم يذكر الأدلّة التي استدلّ بها كلّ فريق، ولم يرجّح القول باعتبارها حجّة أو لا.
لكنّ السّالميَّ صرّح أنّ مذهب الإباضيّة هو اعتبارها حجّة، فقال: «وأنت إذا تأمّلت مذهب الأصحاب -رحمهم الله تعالى- وجدتهم يقبلون هذا النّوع من المناسب، ويعلّلون به لما دلّ عليه مجملا، أي وإن لم يدلّ دليل على اعتباره بعينه أو جنسه، فإنّ الأدلة الشّرعية دالّة على اعتبار المصالح مطلقا، كما في قوله تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} (1)» (2).
ولا وجود لتفصيل المناسب المرسل أو المصالح المرسلة في مصادر الإباضيّة أكثر ممّا أورده الشّماخيُّ و السّالمي، ولكنّ مصادر الإباضيّة تحوي فروعا كثيرة تنبئ عن اعتبارهم لها في اجتهاداتهم، كما أنّهم يتحرّون مقاصد الشّريعة في اجتهاداتهم، ويوازنون بين المصالح عند تعارضها (3).
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 220.
(2) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 143).
(3) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 718. (1/216)
صفحة 214
المطلب الرّابع: الاستحسان.
الفرع الأوّل: تعريف الاستحسان:
أوّلا: لغة: الاستحسان في اللّغة مشتقّ من الحسن وهو ضدّ القبح، واستحسن الشّيء، أي عدّه حسنا (1)، وذكر السّرخسيُّ أنّ معناه أيضا: طلب الأحسن للاتّباع الذي هو مأمور به، كما قال تعالى: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (2) (3).
ثانيا: اصطلاحا: تعدّدت تعريفات الأصوليّين للاستحسان، وقد أشار الشّماخيُّ إلى هذا الاختلاف الحاصل حول تفسيره، ثمّ نقل تلك التّعاريف مبيّنا ما حصل فيه الاتّفاق، وما لم يحصل كالآتي:
1 - هو دليل وقع في نفس المجتهد، يعسُر عليه التّعبير به.
2 - العدول من قياس إلى قياس أقوى.
3 - تخصيص قياس بأقوى منه.
4 - العدول إلى خلاف النّظير؛ لدليل أقوى.
5 - العدول عن حكم الدّليل إلى العادة، لمصلحة الناس.
وبيّن أنّ الاستحسان بهذه التّعاريف لا خلاف بين العلماء في حجّيّته، باستثناء التّعريف الأوّل؛ فما يقع في نفس المجتهد لا يمكن أن يكون معتبرا، إلّا إذا سانده الدّليل الشرعي، ثمّ مثّل للاستحسان فقال: «كدخول الحمّام قبل تعيين الأجرة، ومقدار ما يسكب من الماء، ومقدار ما يمكث فيه، وهذا كلّه مجهول» (4).
وهذه التّعاريف التي أوردها الشّماخيُّ هي جملة ما ذكره الأصوليّون من الحنفيّة والشّافعية، والحنابلة، والإباضيّة وغيرهم، أمّا المالكيّة فعرّف بعضهم الاستحسان بأنّه: «الأخذ بمصلحة جزئية في مقابلة دليل كلّي» (5).
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة:"حسن"، ص (7/ 225).
(2) سورة الزّمر الآية: 18.
(3) السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (2/ 352).
(4) الشّماخي شرح مختصر العدل، ص، 589.
(5) الشّاطبي، الموافقات (5/ 194). (1/217)
صفحة 215
ولم يخل تعريف من التعريفات التي أوردها الأصوليّون من الاعتراضات (1).
ولعلّ من أحسن التّعاريف التي عُرّف بها الاستحسان أنّه: «العدول في مسألة عن مثل ما حُكم به في نظائرها إلى خلافه، لوجه يقتضي التّخفيف ويكشف عن وجود حرج عند إلحاق تلك الجزئية بنظائرها في الحكم» فهو شامل للنّاحية الشّكلية والموضوعيّة (2).
الفرع الثاني: تحرير محلّ النّزاع فيه وحجيّته:
اشتهر الخلاف بين العلماء حول الاستحسان كدليل كاشف عن الأحكام، كغيره من الأدلّة، واشتدّ فيه النّزاع، وبالأخصّ بين الحنفيّة والشّافعية، حيث اشتهر عن الحنفيّة أخذهم به على نطاق واسع، ويظهر ذلك جليّا في كتبهم، حتى قال محمد بن الحسن (3) عن شيخه أبو حنيفة: «إنّ أصحابه كانوا ينازعونه المقاييس، فإذا قال أستحسن، لم يلحق به أحد».
وقد نسب الشّماخيُّ القول بالاستحسان إلى الحنفيّة والحنابلة، وبيّن أنّ الأكثرين ينكرون كونه دليلا (4)، وذكر السّالميُّ نسبته للحنفيّة والمعتزلة (5).
ويرجع سبب اختلاف العلماء حول حجيّته، لكون هذا المصطلح غير واضح المقصود؛ لخفاء في معناه، أو إجمال أو عدم دقّة، حيث إنّ المنكرين له فهموا أنّ معناه التّشريع بالهوى، وبدون دليل فأنكروه.
والحقّ أنّ الاستحسان عند القائلين به لا يعدو أن يكون ترجيحا لدليل على دليل، وهو بهذا المعنى لا يخرج عن الأدّلة المتّفق عليها، فهو إذًا محلّ اتّفاق بين العلماء وإن اختلفوا في التّسمية.
__________
(1) ينظر تعريفات الأصوليّين للاستحسان، مع الاعتراضات الواردة عليها: يعقوب الباحسين، الاستحسان -حقيقته، أنواعه، حجّيته، تطبيقاته المعاصرة-، ط 1، مكتبة الرّشد، الرياض، السعودية، 1428 هـ-2007 م، صفحات 13 - 40.
(2) الباحسين، المرجع نفسه، 41.
(3) هو أبو عبد الله محمّد بن الحسن بن فرقد الشّيباني، الأصولي والفقيه الحنفي، صاحب الإمام أبي حنيفة، ولد سنة 131 هـ، وتوفي سنة 189 هـ، من آثاره:"المبسوط"، "الجامع الكبير"، وله رواية لموطأ الإمام مالك. تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، طبقات الحنفيّة، ص (3/ 122)؛ الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 140).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 588.
(5) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 185). (1/218)
صفحة 216
فبعد التّحقيق تبيّن أنّ هذا الدّليل لم يختصّ به الحنفيّة دون غيرهم من المذاهب، بل أخذت به كلّ المذاهب الفقهيّة حتّى الشّافعية؛ بدليل أنّه ثبت عن الشّافعيِّ نفسه أنّه عمل به في عدّة مواضع من اجتهاداته (1)، كما عمل به الإباضيّة، حيث اعتمده جابر بن زيد في اجتهاداته، وتبعه تلاميذه من بعده (2)، وذكر الشّماخي أنّ الإباضيّة يميلون إلى جوازه في بعض الأحكام، ولم يورد أدلّة حجيّته، ولا الأدلّة التي استدلّ بها نُفاته (3).
__________
(1) ثبت عن الشافعي أنّه استحسن ثبوت الشّفعة للشفيع إلى ثلاثة أيّام، واستحسن ترك شيء للمكاتب من نجوم الكتاب، واستحسن المتعة ثلاثين درهما، واستحسن التحليف على المصحف. ينظر: ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 429).
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (3/ 346)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 185)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 724.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 589. (1/219)
صفحة 217
المطلب الخامس: قول الصّحابي.
الفرع الأوّل: مفهوم الصّحابي.
يختلف الأصوليّون والمحدّثون في تعريف الصحابي، تبعا للشّروط التي يشترطها كلّ منهم فيمن يعتبر صحابيّا.
وقد أشار الشّماخيُّ إلى هذا الاختلاف، وأورد الشّروط التي اشترطها الأصوليّون فيمن تثبت له الصُّحبة فقال: «واختلفوا في حقيقة الصّحابيِّ، فقيل من رأى النّبي وهو مسلم، ولم أحفظ من ذكر أنّ من رأى النّبي صحابيٌّ، سواء كان مسلما أو مشركا، وشرط بعض أن يكون في حال الرّؤية مسلما، وقيل من رأى وروى عنه، وقيل حتى يجمع الرّواية وطول الصّحبة» (1)، ولم ينسب هذه التّعاريف لأصحابها، كما لم يعترض على اشتراط الرّواية عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - وطول صحبته.
واختار تعريفه بأنّه: «من رأى النّبيَّ أو سمعه مؤمنا به» (2).
وبتعريف قريب من هذا قال الوارجلاني (3)، ويلاحظ أنّ تعريفهما جاء موافقا لتعريف المحدّثين الذين يعرّفون الصّحابيَّ بأنّه من لقي النّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مسلما ومات على إسلامه، سواء طالت صحبته أو لم تطل (4).
الفرع الثّاني: حجّية قول الصّحابي:
يتّفق الأصوليّون على أنّ قول الصّحابيّ لا يعتبر حجّة فيما إذا قال الصّحابيُّ رأيا في مسألة مخالفا لرأي صحابيّ آخر، أو قال الصّحابيُّ قولا ثمّ ثبت أنّه رجع عنه.
وأمّا إذا قال قولا ثمّ انتشر بين بقيّة الصّحابة ولم ينكره أحد، فهو حجّة عند من قال بحجّية الإجماع السّكوتي.
ومحلّ الخلاف في حجّية قول الصّحابيّ ينحصر فيما إذا ورد عن الصّحابيِّ قول في حادثة ولم
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 451.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 450.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، 450.
(4) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 700. (1/220)
صفحة 218
تشتهر بين الصّحابة، ثمّ ظهر نقلُ هذا القول في التّابعين ومن بعدهم من المجتهدين، ولم يرد عن غيره من الصّحابة خلاف في ذلك، فهل قوله في مثل هذه الحالة حجّة أم لا؟ (1).
وقد ذهب الشّماخيُّ إلى أنّ قول الصّحابيّ لا يعتبر حجّة، وقد ذكر هذا في معرض تناوله لمخصّصات العموم المنفصلة، فذهب إلى منع جواز التّخصيص به، حيث قال: «اعلم أنّ قول الصّحابيِّ ليس حجّة ... فلا يجوز تخصيص العموم به» (2).
والقول بعدم اعتبار قول الصّحابيِّ حجّة إن كان مجرّدا، هو ما استقرّ عليه رأي الإباضيّة (3).
وقد فصّل السّالميُّ الحالات التي يعتبر فيها قول الصّحابيِّ حجّة، والحالات التي لا يعتبر، ثمّ قال: «والصّحيح أنّ مذهب الصّحابيِّ لا يكون حجّة على غيره؛ إذ لو كان حجّة على أحد لزم أن لا يقع بين الصّحابة خلاف في مسألة أصلا، وبيان ذلك أنَّ الخلاف قد وقع من الصّحابة في كثير من المسائل، فلو كان قول الصّحابي حُجَّةً على غيره لَزِم أن يكون من سبق منهم إلى قولٍ حُجَّة على غيره يُلزِم الباقين اتباعه فلا يسعهم خلافه، والمعلوم أنّهم قد اختلفوا ولم يجعلوا القول السّابق حُجَّة على غيره، وقد حكى بعض الأصوليّين الإجماع على أن قول الصّحابي لا يكون حُجَّة على صحابيٍّ مثله، وذكروا الخلاف في حُجِّيته على من بعد الصّحابة، وأقولُ: إن الصّحابي وغيره من المجتهدين سواء في ذلك فإذا لم يكن قول الصّحابي حُجَّة على صحابيٍّ مثلِه، كذلك يجب أن لا يكون حُجَّة على غير الصّحابي؛ لأنّ الفرق بينهما تحكُّم والله أعلم» (4).
__________
(1) ينظر: مصطفى ديب البغا، أثر الأدلّة المختلف فيها، 339؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (3/ 981).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 409.
(3) ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 409،500؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 99)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 706.
(4) السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 99). (1/221)
صفحة 219
الفصل الرّابع:
آراؤه الأصوليّة في تفسير النّصوص
المبحث الأوّل: الحقيقة المجاز.
المبحث الثّاني: الوضوح والخفاء.
المبحث الثّالث: طرق دلالات الألفاظ على الأحكام.
المبحث الرّابع: العموم والخصوص.
المبحث الخامس: الأوامر والنّواهي. (1/222)
صفحة 220
مبحث تمهيدي: مسائل متعلّقة باللّغة.
المطلب الأوّل: أهمّية اللّغة في تفسير النّصوص.
تبيّن ممّا سبق أنّ نصوص الكتاب والسنّة هما مصدرا الأحكام، ومرجع كلّ استنباط وسند كلّ دليل، وهذه النّصوص إنّما وردت بلغة العرب، فكان فهمها واستنباط الأحكام منها يتوقّف على معرفة أساليب البيان في اللّغة العربيّة.
من هنا كانت اللّغة العربيّة أحد المصادر الأساسيّة لعلم أصول الفقه، وذات علاقة وثيقة به، ووجه العلاقة بينهما أنّ اللّغة العربيّة هي وعاء الكتاب والسنّة، والكتاب نزل بلغة العرب، والسنّة القوليّة جاءت بلسان الرّسول العربي، والاستدلال بهما مبنيّ على معرفة طرق العرب في الإفهام والفهم، ومن جملة أصول الفقه طرق دلالة الألفاظ على المعاني من عموم وخصوص، وإطلاق وتقييد، واشتراك وإجمال، ومنطوق ومفهوم، وحقيقة ومجاز، وهذه كلّها إّنما يتّبع فيها ما جرى عليه عرف أهل اللّغة الذين نزل القرآن بلغتهم.
وقد نالت مباحث اللّغة العربية نصيبا موفورا من اجتهادات علماء الأصول، فقد قاموا «باستقراء الأساليب العربية، وكذا أساليب القرآن والسنّة في تعابيرها عن الأحكام، وأخذوا من هذا الاستقراء وما قرّره علماء اللّغة قواعد لغوية، يتوصّل بها إلى فهم الأحكام من النّصوص الشّرعية، كما يتوصّل بها إلى إيضاح ما خفيت دلالته، وتأويلها التّأويل الصّحيح، وغير ذلك ممّا يتوقّف عليه الفهم الصّحيح للنّصوص» (1).
ولما كانت اللّغة العربية بهذه الأهمّية في فهم وبيان النّصوص الشّرعية، صار لزاما على النّاظر في الأحكام الشّرعية أن يكون على معرفة بها وتمكّن فيها، وقد نبّه الأصوليّون إلى هذا وتعدّدت عباراتهم في ذلك، من ذلك ما قال إمام الحرمين الجويني: «وأمّا الألفاظ فلا بدّ من الاعتناء بها فإنّ الشّريعة عربيّة، ولن يستكمل المرء خلال الاستقلال بالنّظر في الشّرع ما لم يكن ريّانا من النّحو واللغة» (2)،
__________
(1) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 378.
(2) الجويني، البرهان، ص (1/ 130). (1/223)
صفحة 221
وكذلك قال الشّاطبيُّ في هذا المعنى أيضا: «إذا كانت عربيّة؛ فلا يفهمها حقّ الفهم إلا من فهم اللّغة العربيّة حقّ الفهم» (1).
المطلب الثّاني: ابتداء اللّغات هل كان توقيفا أو مواضعة؟
تعرّض الشّماخيُّ لبيان اختلاف العلماء في هذه المسألة، بين قائل بأنّها توقيفيّة من الله تعالى، ونسب هذا للأشعري ومن تابعه، وقائل بأنّها اصطلاحيّة أي مِنْ وضعِ البشر، ونسبه للمعتزلة البهشميّة، وقائل بأنّ القدر المحتاج إليه توقيفيُّ والباقي وضعي، ونسبه للإسفراييني.
ثم اختار مذهب القاضي الباقلاني القائل بالتّوقّف؛ معلّلا ذلك بأنّ الجميع ممكن عقلا (2)، ولا دليل قطعي في القول بأنّها توقيفيَّة أو وضعيّة (3).
أمّا الوارجلانيُّ فذكر خلاف الأصوليّين فيها، وسوّغ الاحتمالين؛ إذ لا دليل من العقل أو الشّرع يحسم الخلاف (4).
والحقّ أنّ هذه المسألة مع كونها من مسائل اللّغة، إلّا أنّها لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعلم أصول الفقه، فلا ينبني عليها عمل، والخلاف فيها نظريّ، ومبنيّ على مجرّد افتراضات، ومفتقر إلى الدّليل، وقد اعتبر الغزاليُّ خوض الأصوليّين فيها باطلا، فقال-بعد استعراضه لمذاهب العلماء فيها-: «أمّا الواقع من هذه الأقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلّا ببرهان عقلي، أو بتواتر خبر أو سمع قاطع، ولا مجال لبرهان العقل في هذا، ولم يُنقَل تواترا ولا فيه سمع قاطع، فلا يبقى إلا رجم الظّن في أمر لا يرتبط به تعبّد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه إذا فضول لا أصل له» (5).
المطلب الثّالث: مسألة القياس في اللّغات:
يتّفق العلماء على أنّ القياس لا يجري في الحكم اللّغوي كرفع الفاعل ونصب المفعول ونحوهما؛ لأنّها ثبتت بالاستقراء، كما يتّفقون على امتناعه في أسماء الأعلام والصّفات؛ لأنّ أسماء الأعلام غير موضوعة لمعان موجبة لها كما أنّها غير معقولة المعنى، وأسماء الصّفات واجبة الاطّراد بمقتضى الوضع.
ومحلّ النّزاع إنّما هو في أسماء الأجناس والأنواع الموضوعة على مسمّياتها، والمستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، كالخمر مثلا فإنّها تطلق على المتّخذ من عصير العنب إذا غلا وقذف بالزّبد، وهذا اللّفظ يدور مع التّسمية وجودا وعدما، فإذا وُجد هذا المعنى في النّبيذ فهل يجوز إطلاق اسم الخمر عليه أو لا؟ (6)
ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في المسألة، وبيّن أنّ محلّ النّزاع فيها لا يكمن فيما ثبت تعميمه بالنّقل، كصيغة فاعل ومفعول، واسم الزّمان واسم المكان، واسم المصدر، وأفعل من التّفضيل، والصّفة المشبّهة، وسائر أسماء الأجناس، وما ثبت تعميمه بالاستقراء، كرفع الفاعل، ونصب المفعول، وغير ذلك من مسائل النّحو، فهذان القسمان لا خلاف في ثبوتهما بالقياس.
وإنّما ينحصر الخلاف في تسمية معنى مسكوت عنه كالنّبيذ واللّائط والنّباش، باسم معنى معيّن كالخمر والزّاني والسّارق، لمعنى آخر يدور مع التّسمية وجودا وعدما، أي مهما وُجدت التّسمية وُجد الحكم، ومتى انعدمت انعدم، ومثّل لذلك بالشّدّة في الخمر، فإنّ عصير العنب لا يسمّى خمرا إلّا إذا وُجدت الشدّة، فإذا زالت سمّي خلّا.
وأورد مذاهب العلماء في المسألة، فنسب جواز ثبوت القياس باللّغة إلى الباقلّاني (7)، وابن
__________
(1) الشاطبي، الموافقات، ص (5/ 53).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 211، 212.
(3) رجّح الشّوكاني هذا الرّأي أيضا، حيث ذكر ستة أقوال للعلماء في المسألة، ثمّ قال: «واحتج أهل القول السّادس على ما ذهبوا إليه من الوقف بأنّ هذه الأدلّة التي استدل بها القائلون لا يفيد شيء منها القطع، بل لم ينهض شيء منها لمطلق الدلالة، فوجب عند ذلك الوقف؛ لأنّ ما عداه هو من التقوّل على الله بما لم يقل، وأنه باطل. وهذا هو الحقّ». ينظر الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 37).
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 44)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 392.
(5) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 358).
(6) الحفناوي، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، 159.
(7) اختلف الأصوليّون في نقل رأي الباقلاني في المسألة، فعدّه بعضهم من المثبتين وإلى ذلك ذهب الآمدي والسبكي وغيرهما، ولكنّ الأصح أنّ الباقلاني من النّافين لثبوت اللّغة بالقياس، فقد صرّح بذلك في كتابه التّقريب. ينظر: جلال الدين المحلّي، شرح جمع الجوامع، ص (1/ 345)؛ عيسى منّون، نبراس العقول، 197؛ الحفناوي، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، 159. (1/224)
صفحة 222
سريج، وأشار أنّه مذهب أكثر اللّغويين كالمازني (1)، وأبي علي الفارسي، وابن جنّي.
كما بيّن أنّ أكثر العلماء على القول بالمنع (2)، ورجّح هذا المذهب، مستدلّا على ذلك: «بأنّ اللّغة لا تثبت بالاحتمال، فإنّ العرب إذا صرّحوا بمنع طرد الأبلق، والقارورة، والأخيل، والأجدل وغيرها ممّا لا يحصى، مع وجود ذلك المعنى في المسكوت، فعند سكوتهم احتمل المنع والاعتبار، فحمله على الاعتبار من غير دليل قاطع تحكّم» (3).
وتمسّك السّالميُّ بهذا الرّأي أيضا، حيث قال: «فإنّ اللّغوي لا يُقاس؛ لأنّ اللّغة لا تثبت بالقياس، وذلك نحو أن نقول في اللاّئط وطئ، وجب فيه الحد، فيسمّى فاعله زانيًا كواطئ المرأة، فهذا لا يصحّ؛ لأن إجراء الأسماء إنّما يثبت بوضع أهل اللّغة، فلا يثبت مثل ذلك بالقياس» (4).
أمّا الوارجلانيُّ فحكى الخلاف في المسألة دون تصريح برأيه (5).
__________
(1) هو أبو عثمان بكر بن محمّد بن عدي المازني البصري، أحد الأئمّة في النّحو والتّصريف، عاش بالبصرة وتوفي بها سنة 249 هـ، من آثاره: "ما تلحن فيه العامّة"، "التّصريف". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (12/ 261)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (4/ 166).
(2) ذهب إلى منع ثبوت اللّغة بالقياس أكثر الأصوليّين منهم الباقلاني، إمام الحرمين، والغزالي، والآمدي، وابن الحاجب، وغيرهم إلى أنّ اللغة لا تثبت قياسا، وخالفهم ابن سريج، وابن أبي هريرة، وأبو إسحاق الشّيرازي، والرّازي، فقالوا تثبت، وإذا اشتمل معنى اسم على وصف مناسب للتسمية كالخمر، ووجد ذلك المعنى في وصف آخر كالنّبيذ، ثبت له بالقياس ذلك الاسم لغة، فيسمّى النبيذ خمرا، ويجب اجتنابه بآية:"إنّما الخمر والميسر ... " لا بالقياس على الخمر، وسواء في الثّبوت الحقيقة والمجاز؛ ينظر: الشيرازي، اللّمع في أصول الفقه، 98؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (1/ 258)؛ العطّار حاشية العطّار على شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع لابن السّبكي، ص (1/ 345)؛ عيسى منّون، نبراس العقول، 197؛ الحفناوي، المرجع السابق، 159.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 212 - 215.
(4) السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 150).
(5) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 47). (1/225)
صفحة 223
والقول بمنع القياس في اللّغات هو رأي جمهور الإباضيّة (1) باستثناء ابن بركة الذي يرى الجواز (2).
__________
(1) ينظر: باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 381؛ باحماني، القياس عند الإباضية وأثره في الفروع الفقهيّة، 115.
(2) ابن بركة، الجامع، ص (2/ 525). (1/227)
صفحة 224
المبحث الأوّل: الحقيقة والمجاز.
المطلب الأول: مفهوم الحقيقة والمجاز وأقسامهما:
الفرع الأوّل: مفهوم الحقيقة والمجاز.
لغة: الحقيقة لغة فعيلة، واشتقاقها من الحقّ وهو ضدّ الباطل (1).
والمجاز في اللغة مفعل، واشتقاقه من الجواز بمعنى التّعدي، يقال: جزت الطريق إذا تعدّيته وسلكته (2).
اصطلاحا: عرّف الشّماخيُّ الحقيقة بأنّها: «اللّفظ المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التّخاطب».
والمجاز: «اللّفظ المستعمل في غير ما وضع له في اصطلاح التخاطب على وجه يصحّ» (3).
يلاحظ أنّ كلّا من الحقيقة والمجاز صفتان للفظ لا للمعاني، فلا يوصف لفظ بهما إلّا بالاستعمال، فإذا استعمل اللّفظ في المعنى الذي وُضع له في اصطلاح التّخاطب سمّي حقيقة، وإذا استعمل في غير ما وُضع له في اصطلاح التّخاطب سمّي مجازا.
الفرع الثّاني: أقسام الحقيقة والمجاز.
وكلّ من الحقيقة والمجاز له أقسام:
أوّلا: أقسام الحقيقة: يقسّم الأصوليّون الحقيقة إلى أربعة أقسام:
- الحقيقة اللّغوية: تطلق على اللّفظ المستعمل في معناه اللّغوي، كاستعمال الصّلاة بمعنى الدّعاء، فهذا أصل وضعها اللّغوي.
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "حقق"، ص (2/ 94).
(2) ابن منظور، المصدر نفسه، مادة "جوز"، ص (5/ 326).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 232. (1/228)
صفحة 225
- الحقيقة الشّرعية: تطلق على اللفظ المستعمل في معناه الشّرعي، كإطلاق الصّلاة على الذّكر المخصوص، والأركان المعروفة، فهذا معناها الشّرعي. (1/229)
صفحة 226
- الحقيقة العرفية العامّة: تطلق على اللّفظ المستعمل في معنى عرفي عام، كاصطلاح أهل بلد على إطلاق لفظ الدّابة على الفرس.
- الحقيقة العرفية الخاصّة: تطلق على اللّفظ المستعمل في معنى عرفي خاص، كإطلاق النّحويين اسم الفاعل على ما أسند إليه الفعل (1).
ثانيا: أقسام المجاز: والمجاز بدوره ينقسم إلى أربعة أقسام وهي:
- المجاز اللّغوي: كإطلاق لفظ الأسد على الإنسان الشّجاع.
- المجاز الشّرعي: كإطلاق لفظ الصّلاة على الدّعاء.
- المجاز العرفي الخاص: كإطلاق النّحوي لفظ الحال، على ما عليه الإنسان من خير ... أو شرّ.
- المجاز العرفي العام: كاستعمال لفظ الدّابة على الإنسان البليد (2).
ففي جميع هذه الأقسام خرج اللّفظ عن استعماله الحقيقي سواء عند أهل اللّغة، أم عند أهل الشّرع، أم عند أهل العرف.
المطلب الثّاني: وقوع المجاز وأنواع العلاقة فيه.
الفرع الأوّل: هل وقع المجاز في اللغة؟
اختلف العلماء أزاء هذه القضيّة على مذهبين:
- فذهب الجمهور ومعهم الشّماخيُّ، إلى أنّ المجاز واقع في لغة العرب، وبالتّبع في القرآن الكريم والحديث الشّريف، وبهذا قال السّالمي (3).
وتتلخّص حجّة الجمهور في الاستدلال بالآيات الكثيرة التي تدل على وقوعه، كقوله تعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} (4)، فقد عبّر تعالى عن الميل بإرادة السّقوط بمن له شعور، وغيرها من الآيات التي، تثبت استعمال المجاز في القرآن الكريم.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 232.
(2) ينظر: الشّماخي، المصدر نفسه، 233؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 293، 294).
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 395).
(4) سورة الكهف، الآية:77. (1/230)
صفحة 227
وقد اكتفى الشّماخي بالردّ على من أنكر المجاز، وساق جملة من الآيات القرآنيّة التي تثبت وقوعه، دون أيّ تعليل (1).
- وذهب إلى إنكار وقوع المجاز كلّ من الباقلّاني، وأبو إسحاق الإسفراييني، وداود الظّاهري، وابن خويز منداد (2) وغيرهم، وهو اختيار محمد الأمين الشّنقيطي من المعاصرين (3) (4).
وحجّة أصحاب هذا المذهب أنّ المجاز فيه إلباس المقصود بغير المقصود، فلا يفهم السامع من اللّفظ ما أراده المتكلّم، وهذا ينافي المقصود من اللغة؛ لأنّ المقصود منها إفادة الألفاظ لما تستعمل فيه من المعاني، فيكون المجاز ممنوعا، وعليه فلا يقع في اللّغة، ولا يمكن أن يقع في القرآن والسنّة.
ويمكن أن يجاب على هذا بأنّه لا بدّ في المجاز من قرينة تصرفه من المعنى الحقيقي، فمع وجودها يفهم السّامع المقصود من اللّفظ، وعليه فلا يبقى إلباس ولا إبهام.
والرّاجح ما عليه جمهور العلماء من وقوع المجاز؛ لأنّ اللّغة العربية فصيحة، والمجاز لا يُنافي الفصاحة، بل ربّما كان المجاز أبلغ من الحقيقة، أضف إلى ذلك أنّه ثبت أنّ العرب استعملوا المجاز في كلامهم، كإطلاقهم لفظ الأسد على الرّجل الشّجاع (5).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 240.
(2) هو أبو عبد الله محمّد بن أحمد بن عبد الله بن خويز منداد البغدادي، الأصولي والفقيه والمتكلّم المالكي، عاش في القرن الرابع الهجري. من آثاره: له كتاب في أصول الفقه، وكتاب في أحكام القرآن. تنظر ترجمته: ابن فرحون، الديباج المذهب، ص (2/ 229)؛ مخلوف، شجرة النور الزكيّة، 103.
(3) هو محمّد الأمين بن محمّد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي الموريتاني، الأصولي والفقيه والمفسّر، ولد سنة 1325 هـ بشنقيط، ثم سافر إلى السعوديّة واستقر به المقام فيها ودرّس بجامعاتها، إلى أن وافته المنيّة بمكة سنة 1393 هـ. من آثاره: "أضواء البيان في تفسير القرآن"، "منع جواز المجاز"، "مذكّرة في أصول الفقه". تنظر ترجمته: يوسف المرعشلي، نثر الجواهر والدّرر في علماء القرن الرّابع عشر، ط 1، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م، 1072.
(4) محمد الأمين الشّنقيطي، مذكرة أصول الفقه على روضة النّاظر، ط 1، دار عالم الفوائد، مكة المكرّمة، السّعودية، 1426 هـ، 84.
(5) ينظر تفصيل هذا الموضوع: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (1/ 362)؛ ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ص (1/ 191)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 51)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 395)؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 299)؛ عبد الكريم النملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1163). (1/231)
صفحة 228
الفرع الثّاني: أنواع العلاقة في المجاز:
اشترط الشّماخيُّ في المجاز وجود العلاقة، ومعنى ذلك وجود اتّصال بين المعنى المستعمل فيه، والمعنى الموضوع له، فقال: «ولا بدّ في المجاز من علاقة إمّا السببيّة، أو المسبّبيّة، أو المشاركة في شكل أو صفة ظاهرة، وإمّا كونه عليها من قبل أو يؤول إليها أو غير ذلك».
وعلّل ذلك بأنّ اللّفظ إذا أطلق على غير معناه، إمّا أن يكون بوضع ثان، كالحقيقة العرفيّة، أو بعلاقة بينه، وبين ما وضع له، وإلّا لم يفد (1).
وذكر الأصوليّون أنواعا كثيرة من العلاقة، وفصّلوها مع إيراد شواهد لها (2)، وقد ذكر الشّماخي منها ما يأتي:
- السّببية- المسبّبيّة- المشاركة في شكل- المشاركة في صفة ظاهرة- كونه على صفة- كونه آيل إليها- المجاورة- المضادة- الكلّية- الجزئية- المحلّية- كونه حالا فيهـ- كونه آلة- التّعليق- المقابلة (3).
المطلب الثّالث: التّرتيب بين الحقائق والمجازات:
من خلال ما سبق، تبيّن أنّ الحقيقة والمجاز صفتان للّفظ، وأنّهما واقعان في لغة العرب وفي نصوص القرآن والسنّة النّبوية، ولكنّ الأصل في الكلام إرادة الحقيقة، والمجاز فرع له؛ لأنّ المجاز خلاف الأصل، فلا يثبت إلّا عند تعذّر العمل بالحقيقة، ولهذا فإنّه يحتاج إلى القرينة، أمّا الحقيقة فلا تحتاج إليها.
فالأصل في الخطاب اللّغوي استعمال الحقائق اللّغوية، والأصل في الخطاب الشّرعي استعمال الحقائق الشّرعية، وعليه فإنّه إذا دار لفظ بين الحقيقة والمجاز فإنّه يُحمل على الحقيقة إلّا أن يدلّ
__________
(1) الشّماخي شرح مختصر العدل، 233.
(2) عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ط 1، ص (3/ 1165).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 234، 235. (1/232)
صفحة 229
الدّليل على أنّه أريد به المجاز، وفي ذلك يقول الشّماخي: «اعلم أنّ الأصل في الكلام الحقيقة، والأصل عدم الاشتراك» (1).
ثمّ نقل خلاف العلماء في اللّفظ المتردّد بين المجاز الرّاجح، والحقيقة المرجوحة، فعلى أيّهما يُحمل؟
حيث ذكر أنّ أبا حنيفة ذهب إلى حمله على الحقيقة؛ لأنّها الأصل، والأصل لا يُترك إلّا لضرورة، وذهب صاحباه أبو يوسف (2) ومحمّد بن الحسن إلى أنّه يحمل على المجاز؛ لأنّ المرجوح في مقابلة الرّاجح ساقط بمنزلة الحقيقة المهجورة (3)، أمّا هو فاختار التوقّف حيث قال: «وإذا دار اللّفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الرّاجح، فلا يحمل على أحدهما إلّا بقرينة؛ لأنّ كلّ واحد منهما له مرجّح» (4).
كما بيّن أنّ التّعارض قد يقع بين أحوال الألفاظ، وينجم عنه خلل في فهم مراد المتكلّم، وذكر لذلك خمس احتمالات في اللّفظ وهي: احتمال الاشتراك، والنّقل، والإضمار، والتّخصيص، والمجاز، ورتّب هذه الاحتمالات كالآتي:
- يقدّم النّقل على الاشتراك عند التّعارض؛ لأنّه لا يحتاج إلى قرينة لتعيين معناه، بخلاف المشترك.
- يقدّم المجاز على الاشتراك أيضا؛ لأنّ في اللفظ المتردّد بين الحقيقة والمجاز لا بدّ وأن يفيد معنى، فإن كان بقرينة أفاد المجاز وإن كان بدونها أفاد الحقيقة، بخلاف المشترك.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 241.
(2) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري الكوفي البغدادي، الأصولي و الفقيه الحنفي، صاحب أبي حنيفة وتلميذه، وهو أوّل من نشر مذهبه، ولد سنة 113 هـ، تولى القضاء ببغداد، وتوفي سنة 182 هـ، من آثاره: "الخراج"، "أدب القاضي"، "الأمالي في الفقه". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النبلاء، ص (8/ 64)؛ الزركلي، الأعلام، ص (18/ 14).
(3) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 241؛ السالميّ، شرح طلعة الشّمس، ص (1/ 388).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 241. (1/233)
صفحة 230
- يقدّم التّخصيص على الاشتراك، والمجاز، والإضمار، والنّقل؛ لأنّ المجاز أولى من الاشتراك والإضمار والنّقل، والتّخصيص أولى منه، لبقاء استعمال اللّفظ في شيء من موارده الأصليّة، فكان التّغيير فيه أكثر (1).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 242، 243. (1/234)
صفحة 231
المبحث الثّاني: الوضوح والخفاء.
تمهيد: تختلف الألفاظ الواردة من الشّارع من حيث الوضوح والخفاء، وتعتبر عمليّة تحديد دلالة اللّفظ على معناه من حيث الوضوح والخفاء ذات أهمّية بالغة في تفسير النّصوص الشّرعية واستنباط الأحكام، فالألفاظ الواردة من الشّارع في أحكام الكتاب والسنّة ليست على درجة واحدة في وضوحها وخفائها؛ لذلك قسّمها الأصوليّون باعتبار وضوحها في الدّلالة على الأحكام إلى قسمين:
- القسم الأوّل: واضح الدّلالة على معناه: وهو ما دلّ على معناه بصيغته من غير توقّف على أمر خارجي.
- القسم الثّاني: خفيّ الدّلالة على معناه: وهو ما استتر معناه لذاته أو لأمر آخر، فلا يفهم معناه إلّا بغيره.
ولما كانت مراتب الوضوح والخفاء ليست على درجة واحدة، قسّموا كلّا من واضح الدّلالة، وخفي الدّلالة إلى مراتب.
ولكلّ من الحنفيّة والجمهور مسلكا في تقسيم هذين القسمين:
فالجمهور يقسّمون واضح الدّلالة، إلى نصّ وظاهر، كما يقسّمون خفيّ الدّلالة إلى قسمين وهما: المجمل والمتشابه.
أمّا الحنفيّة فكان تقسيمهم أكثر تفصيلا، حيث يقسّمون واضح الدّلالة إلى أربعة أقسام وهي: الظّاهر، النّص، المفسّر، المحكم، ويقابله مراتب أربعة لخفيّ الدّلالة وهي: الخفيّ، المشكل، المجمل، المتشابه (1).
وفيما يأتي سأتعرّض لتقسيم المتكلّمين، باعتبار الشّماخي سالكا منهجهم في التّأليف الأصولي، ثم أشفّع ذلك بذكر تقسيم الحنفيّة باختصار؛ وهذا لاستجلاء أهمّ الفروق في التّقسيمين.
__________
(1) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ط 4، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1413 هـ-1993 م، ص (1/ 139). (1/235)
صفحة 232
المطلب الأوّل: أقسام اللّفظ باعتبار ظهور المعنى وخفائه.
ذكر الشّماخي أقسام اللّفظ باعتبار الظهور والخفاء فقال: «اللّفظ الذي له معنى إمّا: لا يحتمل غيره وهو النّص، أو يحتمله مرجوحا وهو الظاهر، أو راحجا وهو المتأوّل، أو مساويا وهو المجمل» (1).
ثمّ فصّل هذه الأقسام، وخصّص بابين من الكتاب لبيان أحكامهما، وهما باب "المجمل والمبيّن"، وباب "الظاهر والمحكم ومقابلهما".
الفرع الأوّل: مراتب واضح الدلالة:
وافق الشّماخيُّ جمهور المتكلمين في تقسيم واضح الدلالة إلى نصّ وظاهر، واصطلح عليهما بالمحكم؛ لاستقلالهما بالإفادة دون حاجة إلى مفسّر (2).
1 - النّصّ: ذكرت كتب الأصول له عدّة معان، وبيّن الشّماخيُّ أنّ أصله اللّغوي من قول العرب:"نصّت الظّبية"، إذا رفعت رأسها وأظهرته، كما بيّن أنّ النّص قد يطلق على الظاهر لغة، ولا مانع منه شرعا.
أمّا اصطلاحا فعرّفه بأنّه: «اللّفظ الذي لا يحتمل غير معناه أصلا» (3)، وبيّن أنّ هذا التّعريف هو الأشهر من معاني النّص، والأبعد من الاشتباه بالظّاهر (4).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 243.
(2) تابع السالميُّ الشّماخيَّ في هذا التّقسيم، حيث جعل النّص والظاهر نوعان للمحكم. ينظر: السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 336).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 342.
(4) لم يفرّق الإمام الشافعي بين النّص والظاهر، بل جعل معناهما واحدا، وقد جوّز الشّماخي ذلك من جهة اللّغة، أمّا الأصوليّون الذين جاؤوا بعد الشافعي فخالفوه، وجعلوا كلّا من النّص والظّاهر قسمين منفصلين، فالنّص ما لا يقبل الاحتمال، والظاهر ما يقبل الاحتمال. ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 342؛ محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 205). (1/236)
صفحة 233
وهذا التّعريف الذي أورده الشّماخي، هو ما استقرّ عليه المتكلّمون بعد الشافعي (1)، ومثّلوا له بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ} (2)، وقوله: {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} (3)
2 - الظّاهر: عرّف الشّماخيُّ الظّاهر في اللّغة بأنّه بمعنى الوضوح.
وفي الاصطلاح هو: «ما سبق إلى النّفس من معاني اللّفظ، لكنّا لا نقطع بذلك المعنى، بل يغلب على الظنّ، ويحتمل غيره احتمالا مرجوحا، وهذا هو الفرق بينه وبين النّص» (4).
ومثّلوا للظاهر بقوله تعالى: {اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} (5)، وقوله: {وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} (6).
والفرق بين الظّاهر والنّص يكمن في أنّ النّص لا يقبل احتمالا فيما يدلّ عليه، أمّا الظّاهر فيقبل الاحتمال.
تقسيم الحنفية:
أمّا الحنفية فيقسّمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام: وهي الظّاهر، النّص، المفسّر، المحكم، وهي مرتّبة من أقلّها وضوحا إلى أكثرها.
1 - الظّاهر: هو اللّفظ الذي يدلّ على معناه بصيغته، من غير توقّف على قرينة خارجية، مع احتمال التخصيص والتأويل وقبول النّسخ (7).
ومن أمثلته قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (8)، فالآية سيقت لتحريم الرّبا، ولبيان الفرق بين الرّبا والبيع، ولكنّ اللّفظ يفيد حلّ البيع بلا شكّ.
__________
(1) ينظر: الشيرازي، اللمع، 48؛ ابن قدامة، روضة الناظر، 91.
(2) سورة الأنعام، الآية: 151.
(3) سورة البقرة، الآية: 129.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 343.
(5) سورة الأحزاب الآية: 41، 42.
(6) سورة الأعراف، الآية: 31.
(7) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 137)؛ محمد أبو زهرة، أصول الفقه، دط، دار الفكر العربي، دم، دت، 120.
(8) سورة البقرة، الآية: 275. (1/237)
صفحة 234
2 - النّص: هو اللّفظ الذي يدلّ على الحكم، الذي سيق لأجله الكلام دلالة واضحة، تحتمل التّخصيص والتّأويل، احتمالا أضعف من احتمال الظّاهر، مع قبول النّسخ في عهد الرّسالة، ومن أمثلته قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (1)، فالآية نصّ في نفي المماثلة بين البيع والرّبا (2).
3 - المفسّر: هو اللّفظ الذي يدلّ على الحكم دلالة واضحة، لا يبقى معها احتمال للتّأويل أو التّخصيص، ولكنّه ممّا يقبل النّسخ في عهد الرسالة، كالأمر بالزّكاة مثلا فإنّه ورد في القرآن مجملا، ثمّ جاءت السنّة وفسّرته (3).
4 - المحكم: هو اللّفظ الذي دلّ على معناه دلالة واضحة قطعيّة، لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا، وقد اقترن به ما يدلّ على أنّ غير قابل للنّسخ (4)، وهذا القسم يشمل قضايا الإيمان والأخلاق، وما لا يقبل النّسخ.
حكم النّص والظّاهر: يختلف حكم النصّ عن الظاهر، فالنصّ حكمه أن يُصار إليه، ويُعمل بمدلوله قطعا، ولا يعدل عنه إلّا بنسخ؛ لأنّه رافع للاحتمال، وقاطع للاجتهاد، فلا يصحّ معه قياس ولا تشبّث بظنّي، وعليه فإنّه يفسّق من خالفه.
أمّا الظاهر فإنّه يجب أن يُصار إلى معناه الظّاهر ويعمل بمدلوله، ولا يجوز تركه إلّا بدليل واضح يرجّح المعنى الآخر الباطن (5).
الفرع الثّاني: مراتب خفي الدّلالة.
1 - المجمل: بيّن الشّماخيُّ أنّ معناه اللّغوي هو: المجموع.
أمّا في الاصطلاح فذكر أنّ له حدودا كثيرة، واختار منها: «ما لم تتّضح دلالته، أي هو الذي له دلالة، ولم تكن واضحة» (6).
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 275.
(2) محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 149).
(3) ينظر: محمّد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (1/ 165)؛ محمد أبو زهرة، أصول الفقه، 122.
(4) ينظر: محمّد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (1/ 171)؛ محمد أبو زهرة، المرجع نفسه، 123.
(5) ينظر: السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 336)؛ محمّد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (1/ 213، 222).
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 253. (1/238)
صفحة 235
ومثّل له بقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (1)، وقوله: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (2)، فالحقّ في الآيتين مجمل فهو مجهول الجنس والقدر.
والمجمل لا يمكن معرفة تفصيله من ذات اللّفظ، ولا بمجرّد الاجتهاد الفقهي في التّفسير، بل لابدّ في فهمه وإدراك صوره المختلفة من مبيّن يوضّح المعنى، ولا يكون ذلك إلّا بنصّ من الشّارع، كبيان السنّة لكثير ممّا ورد في القرآن مجملا، كأحكام الصلاة والحج والزّكاة وغيرها.
وقد خصّص الشّماخي بابا كاملا من كتابه للمجمل والمبيّن، و سأتعرّض له في المبحث الموالي -إن شاء الله-.
2 - المتشابه: عرّفه الشّماخي بقوله: «والمتشابه غير المتّضح المعنى».
وحصر أسباب وقوعه في ثلاثة كالآتي:
- عدم وضوح معناه بسبب الاشتراك، ومثّل له بلفظة "القرء"، في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} (3).
- كونه مجملا، ومثّل له بقوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (4).
- كون ظاهره التّشبيه، ومثّل له بقوله تعالى: {أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} (5)، وقوله: {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (6)، وقوله: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (7).
يلاحظ من هذا أنّ الشّماخيَّ يجعل المتشابه، أعمّ من المجمل فهو يضمّ المجمل والمشترك (8)، وإلى هذا الرّأي ذهب بعض الأصوليّين كالآمدي، والشّوكاني، والسالميُّ من الإباضيّة (9).
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 141.
(2) سورة النّساء، الآية: 24.
(3) سورة البقرة، الآية: 228.
(4) سورة البقرة، الآية: 67.
(5) سورة ص، الآية: 75.
(6) سورة الزمر، الآية: 67.
(7) سورة البقرة، الآية: 15.
(8) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 343.
(9) ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (1/ 218)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 64)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 341). (1/239)
صفحة 236
وذهب جمهور المتكلّمين، إلى عدم التّفرقة بين المتشابه والمجمل، واعتبارهما قسما واحدا (1).
وذهب البعض الآخر منهم إلى قصره على غير المجمل ممّا لا يدرك معناه، وبعضهم جعله مشتركا بين المجمل والمؤوّل (2).
ويلاحظ أنّ المتشابه إذا استثني منه أحكام المجمل، لا وجود له في مجال الأحكام التّكليفية، وإنّما مجاله مسائل الاعتقاد، وهذه من مواضيع علم الكلام وليست من اختصاص أصول الفقه (3).
أمّا أقسام خفيّ الدّلالة عند الحنفيّة فهي: الخفيّ، المشكل، المجمل، المتشابه، وهي مرتبة من أقلّها خفاء إلى أكثرها.
1 - الخفيّ: هو اللّفظ الظّاهر في دلالته على معناه، ولكن عرض له من خارج صيغته ما جعل في انطباقه على بعض أفراده نوع غموض وخفاء لا يزول إلّا بالطلب والاجتهاد، ومثاله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يرث القاتل» (4)، فهل تنطبق كلمة القاتل على العمد فقط، أم أنّها تشمل الخطأ والمشاركة والتّحريض وغيرها (5).
2 - المشكل: هو اسم لما خفي المراد منه باللّفظ نفسه؛ لدخوله في أشكاله، بحيث لا يدرك ذلك المراد إلّا بقرينة تميّزه عن غيره، وذلك عن طريق البحث والتأمّل بعد الطّلب، ومثاله اللّفظ المشترك فهو يدلّ على معنيين، أو معان على سبيل التّبادل، مثل كلمة العين، فإنّها تدلّ
__________
(1) ينظر الشيرازي، اللمع، 52؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 332).
(2) محمّد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (1/ 335).
(3) باجو، الوارجلاني أصوليا، 423.
(4) هذا الحديث رُوي بألفاظ متقاربة، أخرجه الربيع بن حبيب في الجامع الصّحيح، كتاب الأيمان والنّذور، باب في المواريث، حديث رقم: 668، ص (2/ 176)؛ وأخرجه أبو داود في سننه كتاب الدّيات، باب ديّات الأعضاء، حديث رقم:4564، ص (4/ 292)؛ وأخرجه الترمذي في سننه وقال: «هذا حديث لا يصحّ، لا يُعرف إلّا من هذا الوجه»، كتاب الذبائح، أبواب الفرائض عن رسول الله، باب ما جاء في إبطال ميراث القاتل، حديث رقم:2109، ص (4/ 425)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الدّيات، باب القاتل لا يرث، حديث رقم:2645، ص (3/ 161)؛ وأخرجه النسائي في سننه، كتاب الفرائض، باب توريث القاتل، حديث رقم:6369، ص (4/ 79).
(5) ينظر: محمّد أديب صالح، المرجع السابق، ص (1/ 233)؛ محمد أبو زهرة، أصول الفقه، 126. (1/240)
صفحة 237
على العين المبصرة، والعين الجارية، والذّات، والجاسوس، فحملها على أحد المعاني لا يكون إلّا بقرينة (1).
3 - المجمل: هو اللّفظ الذي خفي من ذاته خفاء، جعل المراد منه لا يدرك إلّا ببيان من المجمل، سواء أكان ذلك الخفاء لانتقال اللّفظ من معناه الظّاهر في اللّغة إلى معنى مخصوص أراده الشّارع، أم كان لتزاحم المعاني المتساوية، أم كان لغرابة اللّفظ نفسه.
يتبيّن من هذا أنّ الفرق بين المجمل والمشكل والخفيّ، أنّ المجمل لا يمكن معرفة تفصيله من ذات اللّفظ، ولا بمجرّد الاجتهاد الفقهيّ في التفسير، بل لابدّ في فهمه وإدراك صوره المختلفة، وجزئيّاته المتشعّبة من مبيّن يوضّح المعنى ويفصّله، ويبقى بعد هذا البيان التّفصيلي موضع لتأمّل المتأمّلين، وتدبّر المتفكّرين (2).
4 - المتشابه: يعدّ أشدّ أنواع خفي الدلالة خفاء وإيغالا في الإبهام، ويعرّف بأنّه اللّفظ الذي يخفى معناه، ولا سبيل لأن تدركه عقول العلماء، كما أنّه لم يوجد ما يفسّره تفسيرا قاطعا أو ظنّيا من الكتاب أو السنّة، فهو بهذا لا يمكن تصوّره في الأحكام التكليفية فشأنها الوضوح، وإنّما ينحصر في مسائل الاعتقاد (3).
حكم المجمل والمتشابه: بيّن السالميّ أنّ حكم المجمل الوقوف عن القول فيه، وعن الحكم بالمراد منه، إلّا بدليل يظهر المراد منه.
أمّا المتشابه فما كان منه مجملا فحكمه حكم الإجمال، وأمّا ما كان منه من مسائل الاعتقاد فحكمه أن يردّ إلى المحكم، لقوله تعالى: {مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} (4)، والمراد بأمّ الكتاب أصله، وأصل الشّيء هو الذي يرجع إليه سائره، فالمحكم أصل لسائر الكتاب (5).
أهمّ الفروق بين المتكلّمين والحنفية في التقسيم:
__________
(1) ينظر: محمّد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (1/ 254)؛ محمد أبو زهرة، المرجع نفسه، 128.
(2) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 277)؛ محمد أبو زهرة، أصول الفقه، 131.
(3) محمد أبو زهرة، المرجع نفسه، 134.
(4) سورة آل عمران، الآية: 7.
(5) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 341). (1/241)
صفحة 238
من خلال ما سبق بيانه من منهجي الجمهور والحنفيّة في تقسيم اللّفظ باعتبار ظهوره وخفائه، يمكن أن نجمل أهمّ الفروق بين التّقسيمين فيما يأتي:
- يلاحظ أنّ الظاهر عند الجمهور يشمل الظّاهر والنّص عند الحنفيّة؛ لأنّ كلاهما يحتمل التّأويل، والنّص عند الجمهور يقابل المفسّر عند الحنفية، كما يلاحظ أنّ الجمهور لم يفصّلوا فيما إذا كان المعنى المتبادر من اللّفظ قد سيق الكلام من أجله أصالة، أو تبعا.
- كما يلاحظ أنّ الجمهور لا يفرّقون بين المجمل والمتشابه، ويعتبرونهما لفظان مترادفان لمعنى واحد، والمجمل عند الجمهور أعمّ منه عند الحنفية؛ فهو يشمل أقسام خفيّ الدلالة عند الحنفية، باستثناء المتشابه، فهو يشمل الخفي والمشكل والمجمل، وعليه فكلّ مجمل عند الحنفية يعتبر مجملا عند جمهور المتكلّمين ولا عكس. أمّا المتشابه فلا تعلّق له بالأحكام التكليفية، وإنّما مجاله العقيدة وأصول الدين، وليس أصول الفقه.
- يلاحظ أيضا أنّ الجمهور لم يعتبروا إمكانية النّسخ أو عدمه في ترتيب الألفاظ؛ لأنّ هذا الأخير انتهى بانقطاع الوحي واكتمال الدّين.
وبالجملة يلاحظ أنّ تقسيم الحنفية أدقّ من تقسيم الجمهور؛ لأنّه أكثر استيعابا للمعاني الحاصلة من تنوّع الأدلّة، كما أنّه أكثر وضوحا في الحدود والفوارق بين الأقسام، ممّا يسهّل على المجتهد سبيل الاستنباط والتّرجيح (1).
__________
(1) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 224)؛ فتحي الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي في التشريع الإسلامي، ط 2، الشّركة المتّحدة للتّوزيع، دمشق، سوريا، 1405 هـ-1985 م، صفحات 158 - 160. (1/242)
صفحة 239
المطلب الثّاني: الإجمال والبيان.
تقدّمت في المطلب الماضي الإشارة باختصار إلى معنى المجمل وحكمه، عند ذكر أقسام خفي الدّلالة، ورأيت أن أُفرِده بمطلب خاصّ لبيان المزيد من أحكامه، وأحكام المبيّن؛ نظرا لكون الشّماخي خصّص له بابا كاملا من الكتاب سمّاه بالمجمل والمبيّن (1)، تناول فيه أحكامهما بنوع من التّفصيل.
الفرع الأوّل: الإجمال.
أوّلا: مفهوم الإجمال.
سبق وأن أوردت تعريف الشّماخيِّ للإجمال، وتبيّن أنّه اختار من بين حدوده الكثيرة: «ما لم تتّضح دلالته، أي هو الذي له دلالة، ولم تكن واضحة» (2).
والمجمل لا يمكن معرفة تفصيله من ذات اللّفظ، ولا بمجرّد الاجتهاد الفقهي في التّفسير، بل لابدّ في فهمه وإدراك صوره المختلفة من مبيّن يوضّح المعنى، ولا يكون ذلك إلّا بنصّ من الشّارع، كبيان السنّة لكثير ممّا ورد في القرآن مجملا، كأحكام الصّلاة والحجّ والزّكاة وغيرها.
ثانيا: أسباب الإجمال.
ذكر الشّماخي أنّ للإجمال أسباب متعدّدة في الفعل والقول منها:
1 - الإجمال في الفعل: ومثّل له بالقيام من الرّكعة الثّانية من غير تشهّد، فهو يحتمل السّهو والجواز.
2 - الإجمال في القول المفرد: وجعله قسمين:
- ما كان بالأصالة: ومثّل له بالمشترك المتردّد بين معانيه، إمّا باختلاف الحقائق، كلفظة العين فإنّها تطلق على العين الجارية، والمبصرة، والذّات، والجاسوس، وغيرها. وإمّا بالتضاد كالقرء، يطلق على الطهر وعلى الحيض. وإمّا بالتّشابه، كالنّور يطلق على العقل، والضوء، غيرها من المعاني.
- ما كان بالإعلال: ومثّل له بلفظة "المختار"، فهي تطلق على اسم الفاعل، واسم المفعول.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 253.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 253. (1/243)
صفحة 240
3 - القول المركّب: ومثّل له بقوله تعالى: {أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} (1)، فهو محتمل بين كون الولي أو الزّوج. وذكر حالات أخرى من الإجمال في القول المركّب كالآتي:
- الإجمال في مرجع الضّمير: كقولهم:"ضرب زيد عمرا فضربته"، فمن الذي وقع عليه الضرب؟
- في مرجع الصّفة: نحو قولهم: "زيد طبيب ماهر"، فيُحتمَل أن يكون ماهرا في الطّب، أو مطلقا.
- في المجازات، إذا تعدّدت مع منع الحقيقة: نحو ظهرت يد فلان على الخلق؛ لتردّده بين النّعمة والقدرة.
- في الوقف والابتداء، كقوله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} (2)، فالواو تحتمل العطف أو الابتداء (3).
وقد أجمل بعض الأصوليّون هذه الأسباب في أمور ثلاثة، وهي:
1 - اللّفظ المفرد الذي يعتريه الإجمال بسبب غرابته في اللّغة، مثل كلمة "الهلوع" في قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً}، فإنّها لفظة غريبة لا يفهم المراد منها، حتى بيّنها الله سبحانه بقوله: {إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} (4)، وهذا القسم لا تعلّق للأحكام التّكليفيّة به.
2 - اللّفظ المشترك الذي ازدحمت فيه المعاني، دون وجود قرينة تبيّن المراد منه، كلفظ "القرء" في قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} (5)، فإنّه يُطلق في اللّغة على الطّهر وعلى الحيض، فلا يتّضح المراد منه إلّا ببيان من الشّارع، وهذا القسم يقع في المعاملات الشّرعية أي في عقود النّاس وتصرّفاتهم.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 237.
(2) سورة آل عمران، الآية: 7.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 253 - 255.
(4) سورة المعارج، الآيات: 19، 20، 21.
(5) سورة البقرة، الآية: 228. (1/244)
صفحة 241
3 - النّقل من معنى لغوي، إلى معنى اصطلاحي شرعي، كألفاظ الصّلاة والزّكاة والرّبا وغيرها، فهذه لا تدرك من طريق اللّغة وإنّما بيّنت السنّة المراد منها، وهذا النّوع الأكثر وقوعا في الشّريعة (1).
ثالثا: نصوص مختلَف في إجمالها.
ذهب جمهور العلماء ومعهم الشّماخي إلى وقوع المجمل في نصوص القرآن والسنّة، واختلفوا في بعض النّصوص هل وقع فيها الإجمال أم لا؟
وذكر الشّماخيُّ من تلك النّصوص المختلف فيها:
- التّحريم المسند إلى الأعيان: كتحريم الأمّهات والبنات، وتحريم الميتة في قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} (2)، وقوله: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} (3)، حيث بيّن أنّه لا إجمال في هذه الآيات، مستدلّا ببيان العرف لها، ونسب للكرخي والبصري القول بإجمالها.
- نفي الحقائق الشّرعية: كقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صوم لمن لم يبيّت النّيّة من اللّيل» (4)، وقوله: «لا نكاح إلّا بولي» (5)، وغيرها من النّصوص، وذهب الشّماخيُّ إلى أنّ هذه النّصوص لا إجمال فيها،
__________
(1) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 279) وما بعدها؛ الدّريني، المناهج الأصوليّة، 107، 108؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، 341.
(2) سورة النساء، الآية: 23.
(3) سورة المائدة، الآية: 3.
(4) لم أعثر على تخريج له بهذا اللّفظ، وقد أخرجه أصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة عن حفصة زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، منها أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من لم يجمع الصّيام قبل الفجر، فلا صيام له»؛ أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الصّوم، باب النّية في الصّيام، حديث رقم:3445، ص (2/ 309)؛ وأخرجه التّرمذي في سننه، وقال: «حديث حفصة حديث لا نعرفه مرفوعا إلّا من هذا الوجه وقد روي عن نافع عن ابن عمر قوله وهو أصح وهكذا أيضا روي هذا الحديث عن الزهري موقوفا ولا نعلم أحدا رفعه إلا يحيى بن أيوب»، أبواب الجمعة، أبواب الصوم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء لا صيام لمن لم يعزم من اللّيل، حديث رقم:730، ص (3/ 108)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الصّيام، باب ما جاء في فرض الصّيام من اللّيل، حديث رقم: 1698، ص (2/ 42)؛ وأخرجه النّسائي في سننه، كتاب الصيام، باب الحث على السّحور، ذكر اختلاف النّاقلين لخبر حفصة في ذلك، حديث رقم: 2642، ص (2/ 116)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، وقال: «حديث حفصة أمّ المؤمنين إسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة»، حديث رقم: 26500، ص (6/ 287).
(5) أخرجه الربيع في الجامع الصّحيح، كتاب النّكاح، باب في الأولياء، حديث رقم: 510، ص (2/ 138)؛ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب النّكاح، باب في الولي، حديث رقم: 2085، ص (2/ 183)؛ وأخرجه التّرمذيّ في سننه، وقال: «حديث صحيح»، أبواب النّكاح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء لا نكاح إلّا بولي، حديث رقم: 1101، ص (3/ 407)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب النّكاح، باب لا نكاح إلّا بولي، حديث رقم:1879، ص (2/ 105)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم:2260، ص (1/ 250). (1/245)
صفحة 242
مستدلّا بأنّ العرف الشّرعي واللّغوي قد بيّن المقصود منها وهو نفي الصّحة، ونسب إلى القاضي الباقلّاني القول بإجمالها.
- إذا ورد اللّفظ من الشّارع، وله محملان لغوي وشرعي، فإنّه يحمل على الشرعيّ، ومثّل له بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الاثنان فما فوقهما جماعة» (1)، فهو يحتمل الجماعة الحقيقيّة، والجماعة في الفضل، وبيّن أنّ النّص يُحمَل على معناه الشّرعي وعليه فلا إجمال.
- تردّد الشّيء بين مسمّاه اللّغوي، ومسمّاه الشرعي: وبيّن أنّ المعنى الشّرعي أولى في النّهي وفي الإثبات، وعليه فلا يكون النّص مجملا، ومثّل له بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها-: «هل عندكم شيء؟، فقلنا: لا، فقال: إنّي إذا صائم» (2).
__________
(1) أخرجه ابن ماجة في سننه بلفظ: «اثنان فما فوقهما جماعة»، كتاب إقامة الصلاة، باب الاثنان جماعة، حديث رقم:972، ص (1/ 311)؛ وأخرجه بهذا اللّفظ أيضا البيهقيّ في السّنن الكبرى، كتاب الصّلاة، جماع أبواب فضل الجماعة والعذر بتركها، باب الاثنان فما فوقهما جماعة، حديث رقم:4787، ص (3/ 69)؛ وأخرجه الحاكم وغيره بلفظ: «الاثنان فما فوقهما جماعة»، المستدرك، كتاب الفرائض، حديث رقم:5957، ص (4/ 371)؛ وأخرجه الطّبرانيّ في المعجم الأوسط، حديث رقم: 6624، ص (6/ 364)؛ وأخرجه الدّارقطنيّ في سننه، كتاب الصلاة، باب الاثنان جماعة، حديث رقم:936، ص (1/ 305). قال الحافظ ابن حجر: «رواه ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي موسى الأشعري، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وأبوه مجهول، ورواه البيهقي من حديث أنس وقال: هو أضعف من حديث أبي موسى، والدّارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وفيه عثمان الوابصي، وهو متروك، وابن أبي خيثمة من حديث الحكم بن عمير، وإسناده واه»؛ ينظر: ابن حجر، التّلخيص الحبير، ص (4/ 52).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، ونصّه: عن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: «يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالت:"فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء"، قال: فإني صائم ... »، كتاب الصّيام، باب جواز صوم النّافلة بنيّة من النّهار قبل الزّوال، حديث رقم: 2770، ص (3/ 158). (1/246)
صفحة 243
- لا إجمال في مثل قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (1) وذهب البعض إلى أنّها مجملة؛ لأنّ اليد مشتركة من المنكب والمرفق والكوع لاستعمالها فيها والقطع للإبانة والشق لاستعماله فيهما، وبيّن الشّماخي أنّ اليد حقيقة في جميع العضو إلى المنكب؛ لصحّة بعض اليد على ما دونه، والقطع للإبانة، وعليه فلا إجمال.
- لا إجمال في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} (2)؛ لأنّ الباء للتّبعيض، وهي قرينة صارفة لمسح الكلّ، وعليه فلا إجمال، ونسب للحنفية قولهم بأنّها مجملة؛ لاحتمال مسح الكلّ والبعض (3).
وقد كان تعريف الغزالي للإجمال دقيقا، حيث ذكر فيه قيدين وهما: - ألّا يتعيّن معناه بوضع اللّغة - وألّا يتعين بعرف الاستعمال، حيث قال: «والمجمل هو اللّفظ الصّالح لأحد معنييه، ولا يتعيّن معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال» (4)، فإذا حدّد العرف أحد المعاني ارتفع الإشكال وزال الإجمال (5).
الفرع الثّاني: البيان.
أوّلا: مفهوم البيان.
البيان في اللّغة بمعنى الإفصاح، يقال: كلام بيّن، إذا كان فصيحا (6).
بيّن الشّماخي معناه بقوله: «البيان يُطلق ويُراد به التّبيين، كالكلام والسّلام للتّكليم والتّسليم، وقد يراد به ما حصل به التّبيين وهو الدّليل، وقد يراد به متعلّق التّبيين وهو المدلول، واشتقاقه من بان، بمعنى ظهر، والمبيّن ما اتضحت دلالته» (7).
ثانيا: أنواع البيان.
حصر الأصوليّون أنواع البيان في أربعة:
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 38.
(2) سورة المائدة، الآية: 6
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 256 - 260.
(4) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 370).
(5) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 438.
(6) ابن منظور، لسان العرب، مادة "بين"، ص (7/ 133).
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 261. (1/247)
صفحة 244
1 - البيان بالقرآن 2 - البيان بالسنّة القوليّة والفعليّة 3 - البيان بالإجماع 4 - البيان بالعقل (1).
وفصّل الشّماخي هذه الأنواع كالآتي:
- البيان الابتدائي- بيان القرآن للقرآن- بيان القرآن للسّنة- البيان بالظّاهر- البيان بالعموم- البيان بالخاص- البيان بالعقل- البيان بالإجماع- البيان للجمل- البيان للظّاهر الذي يراد به غير ظاهرهـ- البيان بالسنّة للقرآن قولا وفعلا- البيان بالسنّة للسّنة.
وأورد لكلّ قسم منها أمثلة توضيحيّة (2).
ثالثا: تأخير البيان عن وقت الحاجة.
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور على عدم جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلى تنفيذ العمل، أي الوقت الذي يطلب منّا العمل به؛ لأنّ في تأخيره مع طلب العمل تكليف بما لا يطاق، ونسب القول بجواز تأخيره إلى القائلين بجواز التّكليف بالمحال، وفي ذلك يقول: «تأخير البيان عن وقت العمل لا يجوز اتفاقا، إلّا على قول من جوّز تكليف ما لا يطاق» (3).
وأمّا إن جاء البيان متأخّرا عن وقت ورود المجمل إلى وقت وجوب العمل بمقتضاه، فالعلماء مختلفون في هذا بين مُجيز له ومانع.
- حيث ذهب جمهور العلماء (4) ومعهم الشّماخي (5)، إلى جواز تأخير البيان عن وقت ورود المجمل إلى وقت الحاجة إليه.
__________
(1) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 54)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 188).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 261، 266.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 268.
(4) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (2/ 45)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 380)؛ الشيرازي، اللمع، 53؛ ابن قدامة، روضة الناظر، 96؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 294).
(5) إلى هذا الرّأي ذهب الإباضيّة، ولم يخالف منهم إلّا ابن بركة والعوتبي. ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 70)؛ الوارجلاني، المصدر السابق، ص (1/ 61)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 268؛ السّالمي، المصدر السابق، ص (1/ 183)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 446. (1/248)
صفحة 245
واستدلّ الجمهور بأدلّة منها:
- قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} (1)، فإنّ "ثمّ" تفيد التراخي، فيكون جائزا تأخير البيان عن وقت الإنزال.
- وقوله: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (2)، فإنّه تعالى أمرهم بذبح بقرة، وأخّر بيان صفاتها على وقت سؤالهم.
واستدلّوا بأدلّة أخرى كثيرة من السنّة ومن المعقول.
واستدلّ المانعون لتأخير البيان عن وقت العمل، وهم المعتزلة والظّاهرية، وكثير من الحنفيّة، بأنّ المراد من الخطابات تفهيم السّامع ليمتثل، والخطاب بالمجمل دون توضيحه خطاب بما لا يفهم، وهو عبث ينزّه عنه كلام الله.
وذهب البعض إلى التّفصيل بين المجمل والعام والمطلق، فجوّزوا تأخير بيان العام، ولم يجوّزوا تأخير بيان العام والمطلق، ونسبه الشّماخيُّ لأبي الحسن الكرخي من الحنفيّة، وأبي الحسين البصري من المعتزلة (3).
__________
(1) سورة القيامة، الآية: 18، 19.
(2) سورة البقرة، الآية: 67.
(3) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل صفحات 268 - 270؛ السالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 184)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 294) وما بعدها. (1/249)
صفحة 246
المطلب الثّالث: التّرادف والاشتراك.
الفرع الأوّل: التّرادف.
أوّلا: تعريف التّرادف.
لغة: التّرادف في اللّغة مأخوذ من الرّديف، والردف: ما تبع شيئا، وإذا تتابع شئ خلف شئ فهو الترادف، والرّديف وهو ركوب اثنين على دابّة واحدة (1).
اصطلاحا: عرّفه الشّماخيُّ بأنّه بمعنى الألفاظ المتعدّدة الدّالة على معنى واحد، حيث قال: «إمّا أن يكون اللّفظ أكثر من واحد والمعنى واحد، كالبرّ والقمح» (2).
ويعرّفه الأصوليّون أيضا بأنّه: «توالي الألفاظ المفردة الدّالة على مسمّى واحد، باعتبار واحد».
فاللّفظان المترادفان هما المتّحدان معنى، والمختلفان لفظا (3).
ثانيا: حكم التّرادف وفوائده.
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور (4) القائلين بأنّ المترادف جائز عقلا وواقع في اللّغة، حيث قال: «اختلف في وقوع المترادف، والأصحّ أنّه واقع؛ لنقل أئمّة اللّغة ذلك، كالأسد والسّبع للحيوان المفترس، والبرّ والقمح للحبّ المعروف، وغيرهما» (5).
ويرى الشّماخيُّ أنّ الترادف له فوائد كثيرة في اللغة، وذكر منها:
- التوسّع في التّعبير: حيث تكثر بالمترادف الذّرائع إلى المعنى المقصود، ويتيسّر النّظم والنّثر، أي إن لم يحصل القافية بهذا، حصلت بالمرادف.
__________
(1) ينظر: ابن منظور، لسان العرب، مادة "ردف"، ص (22/ 223).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 225.
(3) ينظر: الخضري، أصول الفقه، 143؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1121).
(4) لم يخالف في وقوع المترادف في اللّغة إلا بعض اللّغويّين كابن فارس. أمّا الجمهور فعلى القول بوقوعه. ينظر: عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1121).
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 228. (1/250)
صفحة 247
- تيسير أنواع البديع من التّجنيس ونحوه: ومثّل له بقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة} (1) (2).
ثالثا: هل يجوز استعمال أحد المترادفين مكان الآخر.
يتّفق العلماء على صحّة إقامة أحد المترادفات المفردة مكان الأخرى، فيصحّ إقامة لفظ "بر" مكان لفظ "قمح" أو العكس، ونحوها.
ولكنّهم مختلفون في جواز ذلك في المترادفات المركّبة، بين مانع له مطلقا، ومجيز له مطلقا، ومقيّد لجوازه في لغة واحدة فقط (3).
ورأي الشّماخي هو صحة وقوع كلّ واحد من المترادفين مكان الآخر في لغة واحدة، حيث قال: «واختلفوا في وجوب صحة وقوع كلّ واحد من المترادفين مكان الآخر، والصّحيح وجوبهما، كقولك:"البرّ رخيص، والقمح رخيص"؛ لأنّه لا يمتنع من جهة المعنى؛ لأنّ نسبته إليهما واحدة، ولا من جهة التّركيب؛ لأنّ إفادة المقصود إليهما واحدة، ولا حرج في التّركيب» (4).
وقد نتج عن اختلاف الأصوليّين في هذه المسألة، اختلاف في جواز نقل الحديث بالمعنى، فالمانعون لإيقاع كلّ واحد من المترادفين مكان الآخر، منعوا رواية الحديث بالمعنى، والمجيزون لذلك في لغة واحدة أجازوا الرواية بالمعنى بلغة واحدة، والمجيزون مطلقا، أجازوا الرواية بالمعنى مطلقا (5).
وقد سبق بيان أنّ رأي الشّماخيّ هو جواز رواية الحديث بالمعنى (6).
__________
(1) سورة الروم، الآية: 55.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 229.
(3) ينظر مذاهب العلماء في المسألة، مع ما استدلّوا به في المصادر الآتية: الرازي، المحصول، ص (2/ 234)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (1/ 477)؛ السبكي، رفع الحاجب، عن مختصر ابن الحاجب، ص (1/ 370)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (1/ 176).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 230.
(5) ينظر: الشّماخي، المصدر نفسه، 464؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1130).
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 463. (1/251)
صفحة 248
الفرع الثّاني: الاشتراك
أوّلا: تعريف المشترك.
لغة: الاشتراك في اللّغة مأخوذ من الشّركة، شبهت اللّفظ المشترك المعاني بالدار المشتركة بين الأفراد (1).
اصطلاحا: عرّفه الشمّاخيُّ بأنّه اللّفظ الواحد الدّال على أكثر من معنى، حيث قال: «إن كان معناه أكثر من واحد، وهو مختلف في الحقيقة، أي حقيقة هذا مخالفة لحقيقة الآخر، ولا تمام المشترك بينهما، وكان وضعها لها على حدّ التّسوية، أي ليس بعض الأفراد أولى من بعض فمشترك، كالعين بالنّسبة إلى أفرادها» (2).
وبيّن أنّ اللّفظ المشترك لا يتعيّن أحد معانيه إلا بقرينة، ترجّح أحد المعاني الموضوع لها (3).
ثانيا: هل وقع المشترك في الكلام؟
اختلف العلماء في وقوع المشترك في الكلام، فذهب الجمهور منهم إلى وقوعه، ومنعه البعض.
والشّماخيُّ يتّفق مع الجمهور على وقوعه في الكلام، حيث قال: «اختلفوا في وقوع المشترك في الكلام، والأصحّ أنّه واقع» (4).
واستدلّ على ذلك باتّفاق اللّغويّين على أنّ لفظ القرء يطلق على الطّهر وعلى الحيض معا على البدل من غير ترجيح، وهذا معنى الاشتراك (5).
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "شرك"، ص (10/ 448).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 225.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 227، 377.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 227.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 227. (1/252)
صفحة 249
ثالثا: وقوع المشترك في القرآن الكريم، وفائدته.
يرى الشّماخيُّ أنّ المشترك واقع في القرآن الكريم، ونسب إلى البعض منع ذلك، وذكر من أمثلته في القرآن الكريم، لفظ "القرء"؛ فإنّه مشترك بين الطّهر والحيض، ولفظ "عسعس"؛ فهو مشترك بين الإقبال والإدبار (1).
ثمّ ذكر أنّ المانعين لوقوع المشترك في القرآن الكريم، احتجّوا بأنّ المشترك لو وقع في القرآن الكريم مبيّنا بالقرائن لكان تطويلا بلا فائدة؛ لإمكان حصوله بمفرده ولا يحتاج على بيان، أمّا إن وقع غير مبيّن كان غير مفيد للمعنى، وفي كلا الحالتين يعدّ هذا نقصا، ينزّه عنه كلام الله تعالى.
ثمّ ردّ على هذه الحجّة مبيّنا فائدة وقوع المشترك فقال: «والجواب أنّ وقوعه غير مبيّن مفيد، لكنّ فائدته إجماليّة، كأسماء الأجناس، فيستعدّ السامع للامتثال عند البيان فيُؤجر» (2).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 227.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 228. (1/253)
صفحة 250
المطلب الرّابع: التّأويل
الفرع الأوّل: تعريف التّأويل:
أوّلا: لغة: التّأويل في اللّغة مصدر أوّل، وأصله من آل يؤول إذا رجع (1).
ثانيا: اصطلاحا: عرّفه الشّماخيُّ بأنّه: «حمل الكلام المرجوح من معاني اللّفظ»، وبيّن أنّ التّأويل بهذا المعنى يضمّ التّأويل الصّحيح والفاسد، فإن أردت تعريف التّأويل الصّحيح زدت في الحد: بدليل يصيره راجحا أو مقطوعا به (2)؛ لأنه بلا دليل، أو مع دليل مرجوح، أو مساوٍ فاسد (3).
وعرّفه السّالميُّ بأنّه: «صرف اللّفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذلك الصّرف» (4).
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور (5) على أنّ الأصل في أخذ الأحكام من النّصوص عدم التّأويل، وأنّ العمل بالمعنى الظاهر من النّص واجب، ولا يسوّغ العدول عن الظاهر إلّا بدليل يقتضي هذا العدول، وفي ذلك يقول: «والحمل على الظّاهر أولى من الباطن»، وردّ على الباطنيّة الذين أوغلوا في التّأويل حتى شرّعوا في الدّين ما لم يأذن به الله.
وأمّا إن ترجّح التّأويل بقرينة فإنّه يكون أولى بالحمل من الظّاهر، ونسب للظّاهرية خلافهم في هذا (6).
الفرع الثّاني: أنواع التّأويل
يقسّم الأصوليّون التّأويل بناء على درجة القرب والبعد إلى ثلاثة أقسام:
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادّة "أول"، ص (4/ 65).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 343.
(3) أورد هذا التعريف العضد في شرحه لمختصر المنتهى، والشّوكاني في إرشاد الفحول. ينظر: العضد، شرح مختصر المنتهى، 250؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 297).
(4) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 169).
(5) محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 372).
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 344. (1/254)
صفحة 251
التّأويل القريب، التّأويل البعيد، والتّأويل المتعذر.
1 - التّأويل القريب: عرّفه الشّماخيُّ بأنّه: «ما ترجّح بأدنى مرجّح» (1).
ومن أمثلته: تأويل الصّلاة بالعزم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (2)، فإنّ القيام على الصلاة في الآية مصروف عن معناه الظاهر إلى معنى قريب محتمل وهو العزم على أداء الصّلاة، والذي رجّح هذا الاحتمال أنّ الشّارع لا يطلب الوضوء من المكلّفين بعد الشّروع في الصّلاة، فالوضوء شرط لصحّة الصّلاة، فلا يكون إلّا قبلها. فهذا التأويل قريب يتبادر فهمه لأيّ سامع (3).
2 - التّأويل البعيد: عرّفه بقوله: «ما لا يترجّح، إلّا بمرجّح قوي» (4).
وذكر جملة من التّأويلات البعيدة ونسب الاستدلال بها إلى الحنفيّة من ذلك:
- تأويلهم قوله تعالى في كفّارة الظّهار: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} (5)، بأنّ الإطعام يقصد به إطعام طعام ستين، وبيّن بُعدَ هذا التّأويل بقوله: «ووجه البعد، جعلهم المعدوم وهو طعام ستين مرادا، والمذكور وهو إطعام ستين عدما» (6).
- وتأويلهم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، باطل، باطل» (7)، بالمرأة الصّغيرة والأمة، وتأويلهم البطلان بمعنى: يؤول إلى البطلان غالبا. وبيّن بُعدَ هذا التّأويل فقال: «ووجه البعد أنّ الظاهر من قصد النّبي - صلى الله عليه وسلم - التّعميم في كلّ امرأة؛ لأنّ واضعي القواعد
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 344.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 390)؛ فتحي الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 189؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1206).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 344.
(5) سورة المجادلة، الآية: 4.
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 345.
(7) هذا الحديث أخرجه أصحاب السنن وغيرهم بألفاظ متقاربة، أخرجه أبو داود في سننه، كتاب النّكاح، باب في الولي، حديث رقم: 2083، ص (2/ 183)؛ وأخرجه الترمذي في سننه وقال: «هذا حديث حسن»، كتاب النكاح، حديث رقم: 1102، ص (3/ 407)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب النّكاح، باب لا نكاح إلاّ بولي، حديث رقم:1879، ص (2/ 105)؛ وأخرجه النسائي في سننه، كتاب النّكاح، باب الثّيب تجعل أمرها لغير وليّها، حديث رقم: 5394، ص (3/ 285)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 24251، ص (6/ 47). (1/255)
صفحة 252
إذا ذكروا حكما بلا تفصيل، فُهِم منه قصدهم التّعميم، وجُعل ذلك قاعدة كلّية، ولو لم يكن اللّفظ صريحا في العموم، فكيف واللّفظ صريح» (1).
3 - التّأويل المتعذّر: واعتبَرَه مردودا.
ومثّل له بالتّأويلات الفاسدة للباطنيّة، كتأويلهم قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} (2)، أنّ المراد بالأمّهات العلماء، وتحريم مخالفتهم، وانتهاك حرمهم (3).
وقد ذكر بعض الأصوليّين قسما آخر من التّأويل، وأسموه بالتّأويل المتوسّط، وعرّفوه بأنّه: «ما تردّد بين كونه في مرتبة أدنى إلى القرب، وفي أخرى أدنى إلى البعد» (4).
الفرع الثّالث: شروط التّأويل.
ذكر الأصوليّون شروطا للتّأويل؛ حتى يكون صحيحا معتدّا به، وهي مستخلصة من أنواعه، وقد أجملها الشّوكانيُّ في ثلاثة شروط وهي:
1 - أن يكون موافقا لوضع اللّغة، أو عرف الاستعمال، أو عادة صاحب الشّرع، وكلّ تأويل خرج عن هذا فليس بصحيح.
2 - أن يقوم الدّليل على أنّ المراد بذلك اللفظ هو المعنى الذي حُمل عليه إذا كان لا يستعمل كثيرا فيه.
3 - إذا كان التّأويل بالقياس فلا بدّ أن يكون جليّا، لا خفيّا (5).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 347.
(2) سورة النساء، الآية: 23.
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 170).
(4) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 389)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (3/ 1207).
(5) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 300،301). (1/256)
صفحة 253
المبحث الرّابع: طرق دلالات الألفاظ على الأحكام.
تمهيد: لما كان استنباط الأحكام الشّرعية من نصوص الكتاب والسنّة متوقّفا على فهم معاني ألفاظهما مفردة أو مركّبة، وفهمها متوقّف على معرفة طرق تلك التراكيب على معانيها؛ لأنّ النّص قد يدلّ على أكثر من معنى بطرق مختلفة، وهذه المعرفة لا بدّ منها لتفسير النّص الشّرعي، من كتاب أو سنّة تفسيرا صحيحا عند الاستنباط، من إدراك سليم لدلالات الألفاظ على المعاني المرادة من الكلام.
ولا تقتصر هذه المعرفة على ما يستفاد من ألفاظها وعباراتها؛ بل هي متنوّعة فتشمل العبارة والإشارة والدلالة والاقتضاء باتّفاق الأصوليّين، وإن اختلفوا في تقسيم هذه الدّلالات، ولكنّهم في النّهاية يُفضون إلى نتيجة واحدة.
كما يتّفق الأصوليّون على أنّ هذه الدّلالات معتبرة في نظر الشّارع، وينبغي للنّاظر في الأدلّة الشّرعية؛ لاستنباط الأحكام أن يكون على دراية بها، وأن يعمل بمقتضاها ما لم يوجد لها معارض أقوى.
ولكلّ من المتكلّمين والحنفيّة منهجه في تقسيم هذه الدّلالات، تماما كما كان اختلافهم في تقسيم اللّفظ باعتبار ظهور معناه وخفائه، فالمتكلّمون يقسّمون دلالة اللّفظ على المعنى إلى قسمين أساسيّين هما: دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم، أمّا الحنفيّة فيقسّمون هذه الدّلالات إلى أربعة أقسام وهي: دلالة العبارة، دلالة الإشارة، دلالة الدّلالة، دلالة الاقتضاء.
وينحصر اختلافهم في اعتبار هذه الدّلالات من عدمه، في مفهوم المخالفة.
وتقسيم الشّماخي جاء موافقا لجمهور المتكلّمين، باعتباره سالكا منهجهم في التّأليف، حيث خصّص بابا من كتابه، لبيان دلالات المنطوق والمفهوم، تناول فيه أقسامهما.
وفيما يأتي سأعرض هذه الأقسام التي ذكرها الشّماخي، وأشير إلى تقسيم الحنفيّة باختصار.
ولعلّه من الأفيد قبل الحديث عن أقسام الدّلالات، ذكر دلالات الألفاظ الوضعيّة على المعاني وأنواعها؛ لأنّها ذات علاقة وثيقة بأقسام الدّلالات. (1/257)
صفحة 254
فقد جرت عادة الأصوليّين المتكلّمين، على بيان هذه الأنواع ضمن المقدّمة المنطقيّة لمؤلّفاتهم الأصوليّة، وقد تناول الشّماخي بالذّكر المختصر هذه الدّلالات وأنواعها، وأرشد إلى طلب تفصيلها في شرحه على "كتاب مرج البحرين في علم المنطق والهندسة" للوارجلاني (1).
وأنواع هذه الدّلالات هي: دلالة المطابقة، ودلالة التّضمّن، ودلالة الالتزام.
- دلالة المطابقة: هي دلالة اللّفظ على معناه الموضوع له، كدلالة قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (2) على إباحة مبادلة مال بمال.
- دلالة التّضمّن: هي دلالة اللّفظ على جزء معناه الذي وُضع له، كاستعمال لفظ الصلاة للدّلالة على الرّكوع دون سائر المعاني.
- دلالة الالتزام: هي دلالة اللّفظ على لازم عرفيّ أو عقليّ لمعناه، كثبوت الملك فهو معنى خارجي عن المعنى المطابق للبيع، وهو الإيجاب والقبول، ولكنّهما لا زمان ذاتيان لذلك المعنى (3).
المطلب الأوّل: دلالة المنطوق.
الفرع الأوّل: تعريف دلالة المنطوق.
عرّف الشّماخي المنطوق بأنّه: «ما دلّ عليه اللّفظ في محلّ النّطق، أي يكون حكما للمذكور، وحالا من أحواله، سواء نطق به أو لا» (4).
مثل: تحريم أكل أموال النّاس بالباطل في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} (5)، فقد دلّت عليه الآية بمنطوقها.
__________
(1) لا يزال هذا الكتاب في عداد الكتب المفقودة؛ ينظر: التيواجني، قسم الدّراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، 154.
(2) سورة البقرة، الآية: 275.
(3) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 216؛ الدّريني، المناهج الأصوليّة، صفحات 269،270.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 418.
(5) سورة النّساء، الآية: 29. (1/258)
صفحة 255
الفرع الثّاني: أنواع المنطوق:
قسّم الشّماخيُّ المنطوق إلى قسمين:
1 - المنطوق الصّريح: وهو دلالة اللّفظ على الحكم بطريق المطابقة أو التّضمّن؛ إذ إنّ اللّفظ قد وُضع له.
2 - المنطوق غير الصّريح: وهو دلالة اللّفظ على الحكم على اللّفظ بدلالة الالتزام؛ فاللفظ لم يوضع للحكم، ولكن الحكم فيه لازم ذلك المعنى الذي وُضع له ذلك اللّفظ (1).
وينقسم المنطوق غير الصّريح بدوره إلى ثلاثة أقسام وهي: دلالة الاقتضاء، دلالة الإيماء، دلالة الإشارة.
ووجه الحصر في هذه الأنواع، أنّ المدلول عليه بالالتزام لا يخلو من كونه مقصودا للمتكلّم، وغير مقصود له، فإن كان مقصودا له فإمّا أن يتوقّف على المدلول صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا، وتسمى هذه دلالة اقتضاء، وإن كان لا يتوقّف عليه ذلك، فتسمّى دلالة الإيماء، وأمّا إن كان المدلول غير مقصود للمتكلّم، فتسمّى دلالة اللّفظ عليه دلالة إشارة (2).
- دلالة الاقتضاء:
عرّفها الشّماخيُّ بأنّها: «مضمور مقصود يتوقّف الصّدق عليه، أو الصّحة العقليّة، أو الصّحة الشّرعية» (3).
وبصيغة: أخرى هي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلّم، يتوقّف عليه صدق الكلام أو صحّته العقليّة أو الشّرعية (4).
وذكر الشّماخي من أمثلتها: قول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «رُفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان» (5)، فلولا تقدير مضمر في الكلام وهو "المؤاخذة"، لم يصدق الكلام؛ لوجود الخطأ والنّسيان في الأمّة.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 418؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 594).
(2) محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (1/ 595، 596).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 418.
(4) محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 596).
(5) هذا الحديث روي بألفاظ متقاربة؛ فقد أخرجه ابن ماجة في سننه بلفظ: «إنّ الله قد تجاوز عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه»، كتاب الطّلاق، باب طلاق المكره والنّاسي، حديث رقم: 2043، ص (2/ 159)؛ وأخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب الطّلاق، حديث رقم: 198، ص (3/ 306)؛ وأخرجه ابن حبّان في صحيحه بلفظ قريب منه، كتاب إخباره - صلى الله عليه وسلم - عن مناقب الصحابة، باب ذكر الأخبار عمّا وضع الله عن هذه الأمّة، حديث رقم: 7217، ص (16/ 185)؛ وأخرجه الطّبرانيّ في المعجم الكبير، حديث رقم:1431، ص (1/ 97)؛ وأخرجه البيهقيّ في السّنن الكبرى، كتاب الخلع والطّلاق، باب ما جاء في طلاق المكره، حديث رقم:11236، ص (6/ 84)؛ وأخرجه الدّارقطنيّ في سننه، كتاب النّذور، حديث رقم: 3811، 3811. (1/259)
صفحة 256
ومثّل للصّحة العقليّة، بقوله تعالى: {وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} (1)، فلولا تقدير مضمر وهو في الكلام وهو أهل القرية، لم يصحّ سؤال القرية عقلا.
ومثّل للصّحة الشّرعية بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صوم لمن لم يبيّت النّية من اللّيل» (2)، فلولا تقدير الصّحة لما صحّ شرعا الصّوم.
ويوافق الشّماخيُّ الوارجلانيَّ في تسمية هذا النّوع من الدّلالة بلحن الخطاب، وهو المضمَر الذي لا يتمّ الكلام إلّا به، وذكر الوارجلاني من أمثلته قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} (3)، فالمضمر المقدّر في الآية هو "إن حلق" (4).
- دلالة الإيماء:
عرّفها الشّماخي بأنّها: «معنى مقصود يقترن بحكم، لو لم يكن للتّعليل لكان بعيدا، فيفهم منه التعليل ويدلّ عليه، وإن لم يصرّح به».
وقد تقدّم في مبحث القياس الحديث عن الإيماء -باعتباره مسلكا من مسالك التّعليل-، وذِكر أنواعه المختلفة.
وذكر الشّماخيُّ من أمثلة دلالة الإيماء قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (5)، فكما يفهم من الآية وجوب قطع يد السّارق وهو منطوق به، يفهم أيضا أنّ السّرقة علّة لحكم القطع وهو أمر غير منطوق به، ولكن يسبق إلى الفهم من فحوى
__________
(1) سورة يوسف الآية: 82.
(2) سبق تخريجه.
(3) سورة البقرة، الآية: 196.
(4) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 18)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 418؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 437.
(5) سورة المائدة، الآية: 38. (1/260)
صفحة 257
الخطاب (1).
- دلالة الإشارة:
عرّفها الشّماخيُّ بأنّها: «ما يتبع اللّفظ من غير تجريد، قصد إليه» (2).
وبعبارة أوضح: «هي دلالة اللّفظ على لازم غير مقصود للمتكلّم، لا يتوقّف عليه صدق الكلام ولا صحته» (3).
ومثّل له بقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} (4)، مع قوله: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} (5)، فهو يدلّ على أنّ أقلّ مدّة الحمل ستّة أشهر، وليس بمقصود في الآية الأولى ولا الثّانية؛ لأنّ الأولى سيقت لبيان حقّ الوالدة، والثّانية لبيان أكثر مدّة الفصال (6).
المطلب الثّاني: دلالة المفهوم.
الفرع الأوّل: تعريف دلالة المفهوم.
عرّف الشّماخيُّ المفهوم بأنّه: «ما دلّ عليه اللّفظ لا في محلّ النطق، أن يكون حكما لغير المذكور، وحالا من أحواله» (7).
أي هو دلالة اللّفظ على حكم يفهم من الكلام، دون تصريح به.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 418.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 419.
(3) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (1/ 605).
(4) سورة الأحقاف، الآية: 15.
(5) سورة لقمان، الآية: 15.
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 419.
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 420. (1/261)
صفحة 258
الفرع الثّاني: أنواع المفهوم.
قسّم الشّماخيُّ المفهوم إلى قسمين:
أوّلا: مفهوم الموافقة:
عرّفه بقوله: «هو أن يكون المسكوت عنه وهو غير محلّ النطق، موافقا للحكم المذكور، وهو محلّ النطق، ويسمّى فحوى الخطاب، ولحنه» (1).
وبعبارة أخرى: هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه، وموافقته له نفيا وإثباتا؛ لاشتراكهما في معنى يدرك بمجرّد معرفة اللغة، دون الحاجة إلى بحث أو اجتهاد (2).
ويتّفق الشّماخيُّ مع الوارجلانيِّ (3) وابن الحاجب (4) على أنّ مفهوم الموافقة مرادف لفحوى الخطاب ولحنه، وليسا بقسمين له كما يرى بعض الأصوليّين، ويكون مفهوم الموافقة بهذا موافقا لدلالة النّص عند الحنفيّة (5).
وقد ذكر له الأصوليّون أمثلة كثيرة منها: قوله تعالى: {وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} (6)، فإنّ الآية دلّت بعبارتها على أنّ الله تعالى لا يظلم النّاس ولو بشيء قليل كالفتيل، وهو يدلّ على نفي الظّلم لهم فيما زاد عليه بطريق الأولى؛ لأنّه سبحانه منزّه عن الظّلم. وقوله تعالى: {فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} (7)، فقد دلّ منطوق النّص على تحريم التّأفّف والنّهر، ودلّ مفهومه على تحريم الضّرب والشّتم من باب أولى.
ويرى الشّماخيُّ أنّه لا يحصل فهم الأعلى من مجرّد ذكر الأدنى، وبالعكس، كما يقول بعض الأصوليّون (8)، بل يُفهم من السّياق، وهذا ما يميّزه عن دلالة المنطوق.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 420.
(2) محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 608).
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 18).
(4) ينظر: ابن الحاجب، مختصر المنتهى الأصولي، ص (2/ 934)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 254.
(5) محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (1/ 608).
(6) سورة الإسراء، الآية: 71.
(7) سورة الإسراء، الآية: 23.
(8) ذهب ابن الحاجب إلى هذا القول، واصطلح عليه بالتّنبيه، وتابعه في ذلك العضد الإيجي؛ ينظر: ابن الحاجب، مختصر المنتهى الأصولي، ص (2/ 930)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى الأصولي، 254. (1/262)
صفحة 259
كما أنّه لم يعتبر مفهوم الموافقة قياسا، وردّ على من اعتبره من قبيل القياس الجلي (1)، واستدلّ على ذلك بأنّ مفهوم الموافقة مستعمل في لغة العرب قبل ورود الشّرع، كما أنّه يشترط في القياس ألّا يكون الأصل مندرجا في الفرع بالاتّفاق (2).
وقسّم الشّماخيُّ مفهوم الموافقة إلى قطعيّ وظنّي، وبيّن أنّ القطعيَّ هو ما كان فيه المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه معلوما جزما، ومثّل له بتحريم ضرب الوالدين المفهوم من الآية السّابقة، وغيرها من الأمثلة.
أمّا الظنيَّ فهو ما كان فيه المعنى المقصود من الحكم المنصوص عليه راجحا على غيره، ومثّل له فقال: «إذا كان القتل الخطأ واليمين الغير الغموس يوجبان الكفارة، فالعمد والغموس أولى، والمعنى المعلّل به الزّجر، وهو في العمد والغموس أشدّ، لكن يمكن أن يكون التّعليل في الخطأ واليمين التّلافي، ولا يقبله العمد والغموس لعظمهما» (3).
ثانيا: مفهوم المخالفة:
عرّف الشّماخيُّ مفهوم المخالفة بقوله: «والمخالفة، وهو أن يكون المسكوت عنه، وهو الذي فسّرناه بغير محلّ النّطق، مخالفا للحكم المذكور، وهو الذي فسّرناه بمحلّ النّطق ويسمى بدليل الخطاب» (4).
ويُعرّف أيضا بأنّه: «دلالة اللّفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه، مخالف لما دلّ عليه المنطوق؛ لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم» (5).
__________
(1) قال بهذا الرّأي، الإمام الشافعي، وأكثر الشافعية كالجويني، والشيرازي، والرّازي، كما أخذ به بعض الحنفية والحنابلة، كأبي الحسن الجزري. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 303)؛ عبد الكريم النملة، المهذّب علم في أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1750).
(2) إلى هذا الرأي ذهب أكثر الحنفية، وأكثر المالكية، كابن الحاجب والقرافي، وبعض الشافعية، كالآمدي وتاج الدين السبكي، وكثير من الحنابلة، كأبي يعلى، وهو قول المعتزلة. ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 421؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 255؛ الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 303)؛ عبد الكريم النملة، المرجع السابق، ص (4/ 1749).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 422.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 422.
(5) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، 609. (1/263)
صفحة 260
أنواع مفهوم المخالفة:
ذكر الشّماخيُّ أنواع مفهوم المخالفة كالآتي:
مفهوم الصّفة، مفهوم الشّرط، مفهوم الغاية، مفهوم الحصر، مفهوم العدد، مفهوم العدد الخاص، مفهوم اللّقب، مفهوم المشتقّ الدّال على جنس، مفهوم الزّمان، مفهوم المكان.
وبيّن الخلاف الحاصل بين العلماء في اعتبار مفهوم الصّفة، سالكا مسلك جمهور المتكلّمين في إثبات حجّيته، كما أنّه وافقهم في عدم اعتبار مفهوم اللّقب حجّة (1).
حجّية مفهوم المخالفة:
يتّفق الشّماخيُّ مع جمهور المتكلّمين على اعتبار مفهوم المخالفة -عدا مفهوم اللّقب- حجّة شرعيّة، وطريقا من طرق الدّلالة على الحكم في نصوص الكتاب والسنّة، خلافا للحنفيّة والظّاهرية، والقفّال الشّاشي، وأبي حامد المروزي (2)، والباقلّاني من المتكلّمين، الذين ينكرون كونه حجّة شرعيّة.
ويرى الحنفيّة أنّ انتفاء حكم المنطوق عن المسكوت في نصّ من النّصوص مردّه العدم الأصليّ أو البراءة الأصليّة في حلّ أو حرمة، وأنّ النّصوص الشرعية في الكتاب والسنّة لا تعطي ما يدلّ على الأخذ بمفهوم المخالفة، بل هي واردة بما يدلّ على فساد سلوك هذه السّبيل، في اعتباره طريقا من طرق الدّلالة على الأحكام، وإنّما يعتبر مفهوم المخالفة حجّة ويعمل به في عرف النّاس ومصطلحهم (3).
وقد اكتفى الشّماخيُّ بذكر أهمّ ما استدل به الجمهور المثبتون لحجيّته، ولم يتعرّض لأدلّة المنكرين بالذّكر ولا بالمناقشة.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 422 - 427.
(2) هو أبو حامد أحمد بن الحسين بن علي المروزي الطّبرستاني، المعروف بابن الطّبري، الأصولي والفقيه الحنفي، عاش في القرن الرابع الهجري، تولّى القضاء بخراسان، توفي سنة 376 هـ. تنظر ترجمته: محي الدّين بن أبي الوفاء، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، ص (1/ 161)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (1/ 326).
(3) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (1/ 291)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 303)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 260)؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 674). (1/264)
صفحة 261
حيث بيّن أنّ الجمهور المثبتون لحجّيته، قد استدلّوا بأدلة كثيرة، كما استدلّ النّافون كذلك، وذكر أنّ الوارجلاني أورد كثيرا من أدلة الإثبات (1).
واعتبر الشّماخيُّ أنّ أحسن ما استدلّ به الجمهور هو الدّليل العقلي في قولهم:
- إنّ تخصيص الشّيء بالذّكر لابدّ له من فائدة، لاسيما في كلام الله ورسوله، فإن لم يكن هنالك مقاصد بيانية أخرى من وراء ذلك القيد، ولم يقم دليل خاص على حكم المسكوت غير أخذه من التّقييد، كان لابدّ من الأخد بهذا الطريق من طرق الدّلالة، وإلّا كان ذكر القيد عبثا ينزّه عنه الشارع (2).
والرّاجح ما ذهب إليه جمهور المتكلّمين، من اعتبار مفهوم المخالفة حجّة شرعيّة، وطريق من طرق الدّلالات، ويؤيّد هذا طبيعة اللّغة العربية، ونفي العبث عن نصوص الشّارع، كما أنّ مقاصد الشّارع، وإن لم يمكن الإحاطة بها، إلّا أنّه إذا لم تظهر للمجتهد فائدة سوى ما يظهر له من تخصيص الحكم بما وُجد فيه القيد، فإنّه يغلب على ظنّه أنّ ورود القيد إنّما كان لهذه الفائدة، فينتفي الحكم عمّا لا يوجد فيه هذا القيد، ويكفي الظّن الغالب في العمل بدلالة مفهوم المخالفة؛ لأنّ دلالته ظنّية لا قطعية باتّفاق القائلين به (3).
شروط العمل بمفهوم المخالفة:
ذكر الشّماخي ثلاثة شروط ينبغي توفّرها في مفهوم المخالفة، حتى يصحّ الاحتجاج به وهي:
- ألّا تظهر أولويّة المسكوت عنه ولا مساواته للمنطوق به، وإلّا كان مفهوم موافقة.
- ألّا يخرج القيد فيه مخرج الأغلب المعتاد، ومثّل له بقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} (4)، فإن قيد "في حجوركم" خارج مخرج الغالب، فمن عادة الناس أنّ المرأة إن كان لها بنت وتزوّجت برجل، تأخذها معها لتربيتها.
- ألّا يكون لسؤال سائل عن المذكور، أو حادثة خاصة به، أو جهالة بالمسكوت عنه (5).
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 179) وما بعدها.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 423؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (1/ 672).
(3) ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 371)؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 373.
(4) سورة النساء، الآية: 23.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 428. (1/265)
صفحة 262
المبحث الخامس: العموم والخصوص.
تمهيد: أهمّية العموم والخصوص في تفسير النّصوص.
تعتبر مباحث العموم والخصوص من الأبحاث المهمّة في قواعد تفسير النّصوص الشّرعية؛ ذلك أنّ من خصائص لغة التّشريع في مدلولات ألفاظها، أنّ اللّفظ قد يرد عامّا بحيث يفيد الشّمول، فيدلّ على أفراد كثيرة غير محصورة يستغرقها، وقد يطرأ عليه ما يُخرج بعض الأفراد التي يشملها في أصل الوضع، وهو يُعرَف بالتّخصيص، كما أنّ اللّفظ قد يرد في المقابل ليدلّ على معنى واحد على سبيل الانفراد، أو على كثير محصور فيكون خاصّا.
فكان لابدّ لاستنباط الأحكام من النّصوص الشّرعية معرفة العام في ماهيته، وألفاظه وأقسامه، ونوع دلالته على الحكم؛ لأنّ طابع التكليف في الكتاب كان متّسما بالإجمال والعموم في معظمه، وقد جاء بيان هذا الكتاب بالسنّة النبوية، ولكن انقراض عصر الصحابة قبل تدوين السنّة التي تولّت البيان جعل الأفهام تختلف في فهم بعض عمومات الكتاب وكلّياته، والكتاب الكريم حمّال للمعاني كما هو معلوم (1).
كما ينبغي معرفة الخاص وأنواعه، وأنواع المخصّصات وشروطها؛ لأنّ الخاص في ماهيته ودلالته وأنواعه له علاقة واضحة بمسالك الأئمّة في الاستنباط، وما نشأ عن ذلك من اختلاف في الفروع والأحكام (2).
ولهذه الأهمّية الكبيرة للعموم والخصوص، كانت عناية علماء الأصول واضحة في تناولهم لمباحثه.
وقد خصّص الشّماخي بابين من كتابه لبيان أحكام العموم والخصوص، وفيما يأتي سأتعرّض لهذه المباحث وفق ترتيب الشّماخي، حيث سأتناول أحكام العام وصيغه ودلالته، ثمّ أبيّن معنى الخاص والتخصيص، وأقسامه.
__________
(1) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 7،8).
(2) محمد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (2/ 159). (1/266)
صفحة 263
المطلب الأوّل: العام.
الفرع الأوّل: تعريف العام.
لغة: العام في اللّغة بمعنى الشّمول، قال ابن منظور (1): «وعمّهم الأمر عموما شملهم، يقال: عمّهم بالعطيّة» (2).
اصطلاحا: عرّف الشّماخيُّ بقوله: «العامّ ما دلّ ضربة على أكثر من واحد، باعتبار اشتراكه في أمر مطلقا، والخاص مقابله» (3).
ويُعرَّف العامّ أيضا بأنّه: «اللّفظ الدال على معنى واحد، يتحقّق في أفراد كثيرة غير محصورة، فيتناولها على سبيل الشمول والاستغراق، سواء دلّ عليها بالوضع أم بواسطة القرينة».
ويخرج من التعريف المشترك؛ لأنّ المشترك يدلّ على أكثر من معنى، تبعا لتعدّد وضعه، كما يخرج الخاص؛ لأنّه وإن دلّ على معنى واحد بالوضع قد يتحقّق في الأفراد، إلّا أنّه لا يدلّ إلّا على واحد منها، فليس له شمول للأفراد (4).
الفرع الثّاني: صيغ العموم.
يتّفق الإباضيّة مع جمهور الأصوليّون على أنّ للعموم صيغ تدلّ عليه، بناء على اتّفاقهم بأنّ العام خطاب ولفظ، والخطاب إذا ورد له صيغه المختلفة، فللعموم صيغة كما أنّ للخصوص والأمر والنّهي صيغها (5).
__________
(1) هو أبو الفضل جمال الدّين محمّد بن مكرم بن علي بن منظور الأنصاري الرويفعي الإفريقي، من أئمّة اللّغة والأدب، ولد بمصر سنة 630 هـ، وولي القضاء بطرابلس، توفي بمصر سنة 711 هـ، من آثاره: "لسان العرب"، "مختصر الأغاني"، "نثار الأزهار في الليّل والنّهار". تنظر ترجمته: ابن حجر العسقلاني، الدّرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة، دط، دار الجيل بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م، ص (4/ 262)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (15/ 247).
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "عمم"، ص (12/ 433).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 348.
(4) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 420.
(5) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 476. (1/267)
صفحة 264
ويتّفق الأصوليّون كذلك على أنّ العموم من عوارض الألفاظ حقيقة، ومعنى ذلك أنّ العموم يلحق الألفاظ، ويعدّ وصفا عارضا لها قد يجيء إليها وقد ينفكّ عنها.
ولكنّهم مختلفون في كون العموم من عوارض المعاني أيضا أو لا؟
يرى الشّماخيُّ أنّ العموم يلحق المعاني ويكون حقيقة تماما كما يلحق الألفاظ، وقد ردّ على من منع ذلك، كما ردّ على من قال بأنّها من عواض المعاني مجازا لا حقيقة فقال: «والعموم في المعاني حقيقة كالألفاظ على الأصح، خلافا لمن منع ولمن قال بالمجاز»؛ واستدلّ على ذلك بأنّ العموم حقيقة في شمول أمر له تعدّد فكما صحّ في اللّفظ صحّ في المعنى (1).
وقد ذكر الأصوليّون للعموم صيغا كثيرة تدلّ عليه، ووقع بينهم الخلاف في اعتبار بعض الصّيغ هل هي للعموم أم للخصوص، أم أنها مشتركة بينهما؟ نظرا لكون هذه الصّيغ مستعملة للعموم تارة، وللخصوص تارة أخرى.
أورد الشّماخيُّ هذه الصيغ كالآتي:
- صيغ أسماء الشرط مثل: من، ما، مهما، متى، كلما، وغيرها.
- أسماء الاستفهام.
- الأسماء الموصولة.
- الجموع المعرّفة بأل الجنسية مثل: المؤمنين، المسلمين.
- الجموع المضافة: نحو علماء البلد، فقهاء البصرة.
- المفرد المعرّف بأل الجنسية والمفرد المضاف.
- النّكرة في سياق النفي.
- ألفاظ التّوكيد: ككلّ، وجميع.
ونقل خلاف الأصوليّين في أدوات الشّرط هل هي من ألفاظ العموم، أم الخصوص، أم أنها مشتركة؟ واختار مذهب الجمهور في اعتبارها من ألفاظ العموم.
كما بيّن اختلافهم في اعتبار الاسم المفرد المعرّف بأل العهدية، واختار اعتباره من ألفاظ العموم كذلك، مستدلّا على ذلك بجواز الاستثناء منه، كما في قوله تعالى: {وَالْعَصْرِ، إِنَّ
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، 348، 349. (1/268)
صفحة 265
الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (1)، كما اختار عدم اعتبار الجمع المنكر من ألفاظ العموم (2).
وبيّن أيضا أنّ اللّفظ المعرّف "بأل"، إذا اختُلِف في كونها للعهد أم للجنس؛ لاحتمال الأمرين، فإنّها تُحمل على العهدية؛ وعلّل ذلك بأنّ "أل" حقيقة في كونها للعهد أم للجنس، ويترجّح كونها للعهد في اللفظ المحتمل؛ لأنّ العهد أبين، ومساق التّعريف لزيادة التّوضيح (3).
- أعمّ الأسماء: أشار الشّماخيُّ إلى الخلاف الواقع بين الأصوليّين حول أعمّ الأسماء، وبيّن أنّ المختار عند الإباضيّة والمعتزلة هو لفظ "شيء"؛ معلّلا ذلك بأنّ هذا اللّفظ يُطلق على الموجود والمعدوم.
أمّا الأشعرية فيرون أنّ أعم الأسماء كلمتي "معلوم" و"مذكور"؛ لأنّ شيئا عندهم مختصٌّ بالموجود (4).
- أقلّ الجمع: وقع الخلاف في هذه المسألة منذ عهد الصحابة -رضوان الله عليهم-، حيث ذهب كلّ من عثمان بن عفان (5) وزيد بن ثابت (6) -رضي الله عنهما- إلى أنّ أقلّ الجمع اثنين، وخالفهم في ذلك ابن عباس -رضي الله عنه- فقال إنّ أقل الجمع ثلاثة، ثم انتقل الخلاف بعد ذلك لمن بعدهم من علماء المذاهب.
وقد نقل الشّماخي اختلاف آراء الأصوليّين في هذه المسألة كالآتي:
__________
(1) سورة العصر، الآيات:1، 2، 3.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 351 - 353.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 356.
(4) ينظر: الزّركشي، البحر المحيط، ص (2/ 181)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 356.
(5) هو عثمان بن عفّان بن أبي العاص بن أميّة الأموي القرشي، ثالث الخلفاء الراشدين، ولد بمكّة وكان من المسلمين الأوائل، هاجر الهجرتين الأولى إلى الحبشة والثّانية إلى المدينة، يلقّب "بذي النّورين"؛ لزواجه ببنتي الرّسول - صلى الله عليه وسلم - رقيّة ثمّ أم كلثوم، له أعمال عظيمة منها تجهيزه نصف جيش العسرة بماله، وقد روى عدّة أحاديث عن النّبي - صلى الله عليه وسلم -، استشهد في أحداث الفتنة سنة 35 هـ. تنظر ترجمته: النّووي، تهذيب الأسماء واللّغات، ص (1/ 321)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (6/ 385).
(6) هو أبو سعيد زيد بن ثابت بن الضّحاك الأنصاري الخزرجي، صحابي جليل، وهو أحد كتبة الوحي، وكان أعلم الصّحابة بالفرائض، ولد في سنة 11 قبل الهجرة، وتوفي سنة 45 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (3/ 376)؛ ابن حجر، المصدر السابق، ص (2/ 592). (1/269)
صفحة 266
- أقل الجمع اثنان حقيقة: نسب هذا الرّأي لعثمان بن عفان وزيد بن ثابت-رضي الله عنهما-وبيّن أنّه قول بعض الأصوليّين؛ ودليلهم قوله تعالى: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} (1)، حيث فسّر زيد بن ثابت الإخوة بالاثنان.
- وذهب البعض إلى إطلاقه على الاثنين مجازا لا حقيقة، واستدلّوا بالآية السّابقة.
- وذهب البعض إلى أنّه يصحّ إطلاقه على الاثنين، وعلى الواحد.
- وقال بعضهم أنّ أقلّ الجمع ثلاثة، وحجّتهم قول ابن عباس -رضي الله عنه-: «الأخوان ليسوا بإخوة».
استعرض الشّماخيُّ هذه الأقوال دون نسبتها لأصحابها، ثم رجّح المذهب الثاني القائل بأنّ أقلّ الجمع اثنين مجازا فقال: «والصّحيح أنّ إطلاقه لغة لا يصحّ إلّا مجازا؛ لأنّ العرب وضعوا لكلّ من الواحد والاثنين والجمع صيغة، أمّا شرعا فالإجماع أنّ الأخوين يحجبان الأمّ إلى السّدس» (2)، وبهذا الرّأي أخذ السّالمي (3)، أمّا الوارجلانيُّ فرجّح القول بأنّ أقلّ الجمع ثلاثة (4).
الفرع الثالث: دلالة العام على أفراده.
قبل الحديث عن دلالة العام، تجدر الإشارة إلى أنّ الأصوليّين يقسّمون العام إلى ثلاثة أقسام:
- عامّ أريد به العموم مطلقا: وهو العام الذي صحبته قرينة تنفي احتمال تخصيصه، كقوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} (5).
- عامّ أريد به الخصوص قطعا: وهو العام الذي صحبته قرينة تبيّن أنّ المراد منه بعض أفراده، نحو قوله تعالى: {مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللّهِ} (6)، فالمقصود بأهل المدينة والأعراب في الآية من له طاقة الجهاد من الرّجال.
__________
(1) سورة النّساء، الآية:11.
(2) الشّماخي شرح مختصر العدل، 357، 358.
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 89).
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 49).
(5) سورة هود، الآية: 6.
(6) سورة التوبة، الآية: 120. (1/270)
صفحة 267
- عامّ مطلق: وهو المتجرّد عن القرينة التي تنفي احتمال تخصيصه، أو القرينة التي تنفي احتمال دلالته على العموم.
وهذا النّوع الأخير هو محلّ الخلاف بين العلماء في نوع حجّيّته.
أوّلا: ماذا تفيد صيغ العموم؟
اختلف الأصوليّون فيما وضعت له صيغ العموم، هل تدلّ على جميع أفرادها؟ أم على البعض فقط؟ أم أنّها مشتركة بين العموم والخصوص، على أقوال:
- فذهب الجمهور ومعهم الشّماخيُّ إلى إثبات الحكم في جميع ما يتناوله العموم من أفراد؛ فهم يرون أنّ صيغ العموم موضوعة للاستغراق إلا أن يُتجوّز بها عن موضعها، ويسمّى هذا المذهب بأرباب العموم.
- وذهب البعض إلى حمل صيغة العموم على بعض ما يقتضيه الاسم في اللّغة دون بعض، والتّوقّف فيما وراء ذلك، ويسمّى هذا المذهب بأرباب الخصوص.
- وذهب عامة الأشاعرة وبعض المتكلّمين إلى القول بالتّوقّف؛ فإذا ورد لفظ من الفاظ العموم وجب التّوقف عن العمل به، حتى يقوم دليل عموم أو خصوص، ويسمّى هذا بمذهب الواقفيّة (1).
أورد الشّماخيُّ هذه المذاهب الثّلاثة، وأضاف إليها نسبة القول للبعض بأنّ صيغ العموم مشتركة بين العموم والخصوص، كما نسب للبعض الآخر القول بالتّوقّف في الأخبار دون الأمر والنّهي.
ثمّ رجّح مذهب الجمهور أرباب العموم، حيث قال: «اعلم أنّهم اختلفوا في أدوات الشّرط، وما أشبهها هل هي صيغ للعموم، وهو الصّحيح وعليه الجمهور».
ولم يستعرض أدلّة هذه المذاهب وإنّما اكتفى بترجيح مذهب الجمهور؛ واستدلّ على ما رجّحه بقوله: «وبيان صحّة القول بأنّها للعموم قولك لعبدك:"لا تضرب أحدا"، فإن ضرب أحدا عدّ عاصيا، وأنّ العلماء يستدلّون بهذه الصّيغ على العموم قديما وحديثا، ولا منكر؛ ولأنّ الحمل عليه أحوط» (2).
__________
(1) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة مع ما استدلوا به في المصادر الآتية: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 22 - 77)؛ عبد الكريم النّملة، المهذب في أصول الفقه المقارن، ص (1469 - 1485)؛ الخضري، أصول الفقه، صفحات 148 - 154.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 350، 351. (1/271)
صفحة 268
والقول بالعموم هو رأي الإباضيّة بالاتّفاق (1).
ثمّ بيّن أنّ الجمهور أرباب العموم اختلفوا في اعتبار بعض الصيغ من العموم: كأسماء الشّرط (من، وما، ومهما ... وغيرها) وأسماء الاستفهام، والموصولات، والجموع المعرّفة -تعريف جنس لا عهد-، والجموع المضافة، وكذلك الواحد -اسم الجنس المعرّف تعريف جنس لا عهد، أو المضاف-.
فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها من العموم ونسب هذا القول للفقهاء، وبعض الأصوليّين، وذكر أنّهم احتجّوا على ذلك بأنّ القائل إذا قال: «"لبست الثّوب" لا يُفهم منه العموم، ولا يؤكّد ولا ينعت بما يؤكّد، أو ينعت به الجمع، ويجوز جمعه ولا يصحّ استثناء الجمع منه، ولو قال:"أنت طالق"، لم تقع الثّلاثة».
وردّ هذا القول مرجّحا كون هذه الصّيغ للعموم؛ واستدلّ على ذلك بجواز الاستثناء منه، كقوله تعالى: {وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} (2) (3).
ولا يخفى رجحان مذهب الجمهور أرباب العموم؛ لقوة ما استدلّوا به، ولموافقة ذلك لطبيعة اللّغة العربيّة التي نزل بها القرآن الكريم، ولما تعارف عليه العرب، أضف إلى ذلك أنّ القول بالوقف يعطّل الكثير من الأحكام الشّرعيّة، والقول بالخصوص من غير قرينة أو مخصّص فيه خروج عن اللّغة العربيّة، كما أنّه يُخرج الكثير من العمومات عن مدلولها، ولا يُلقي العهدة عن أصحابها في القيام بالتّكاليف الشّرعيّة المبنيّة في غالبها على العمومات (4).
ثانيا: العمل بالعام قبل ورود المخصّص.
اختلف الأصوليّون في وجوب العمل بالعام، والتمسّك به قبل البحث عمّا يخصّصه.
__________
(1) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 154، 155)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 194 - 198)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 481.
(2) سورة العصر، الآية: 1، 2.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 352، 353.
(4) ينظر: محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 76، 77)؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 460. (1/272)
صفحة 269
وقد ذكر الشّماخيُّ أنّ الأصوليّين اختلفوا في هذه المسألة على رأيين: القائلون بوجوب العمل، والقائلون بوجوب الوقف.
- القائلون بوجوب العمل: نسب الشّماخيُّ هذا القول لأبي بكر الصّيرفي، ورجّحه (1)، كما بيّن أنّه مذهب الظّاهرية والحنفيّة، وبعض المالكيّة، والشّافعية (2)، وجمهور الإباضيّة (3).
وذكر الشّوكانيُّ أنّ الصّيرفيَّ احتجّ على مذهبه بأمرين:
الأمر الأول: لو لم يجز التّمسك بالعام إلا بعد طلب المخصّص، لم يجز التّمسك بالحقيقة إلا بعد البحث هل يوجد ما يقتضي صرف اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، وهذا باطل فذاك مثله.
والأمر الثاني: أنّ الأصل عدم التّخصيص، وهذا يوجب ظنّ عدم التّخصيص، فيكفي في إثبات ظنّ الحكم (4).
- القائلون بالوقف: نسب الشّماخي هذا القول للمروزي، وأبو سعيد الإصطخري (5)، وابن سريج، وبيّن أنّه القول المختار عند الغزالي، وابن الحاجب.
وذكر أنّهم احتجّوا بأنّ المقتضي للعموم هو الصّيغة المجرّدة، ولا يُعلَم التّجرّد إلّا بعد البحث، وردّ على هذا بأنّ الظّاهر من الصّيغ البقاء على العموم؛ لأنّه الأصل وإجراؤها عليه أولى.
وتعجّب من ميل الغزالي لهذا الرّأي، كما تعجّب من ادّعاء ابن الحاجب الإجماع في المسألة، مع وجود الخلاف (6).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 354.
(2) ينظر: السالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 113)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 486.
(3) أخذ بهذا الرّأي ابن بركة حيث قال في كتابه الجامع: «فما ورد بلفظ العموم أجري على عمومه، ما لم يخصّه دليل الخصوص»، كما أخذ به الشّماخي والسّالمي، وهو رأي جمهور الإباضيّة. ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 71)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 354؛ السالميّ، المصدر السابق، ص (1/ 113)؛ باجو، المرجع السابق، 486.
(4) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 240).
(5) هو أبو سعيد الحسن بن أحمد بن يزيد الإصطخري، الأصولي والفقه الشافعي، ولد سنة 244 هـ، وتولّى قضاء "قُمْ"، ثمّ حسبة بغداد، وتوفّي سنة 328 هـ، من آثاره: "أدب القضاء"، "الفرائض". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (15/ 232)؛ السبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، ص (3/ 230).
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 354، 355. (1/273)
صفحة 270
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من العمل بالعام ما لم يعلم له مخصّص؛ لأنّ القول بالوقف لمجرّد تقدير مخصّص لا يسقط قيام الحجة بالعام، ولا يعارض أصالة عدم الوجود وظهوره (1).
كما اختلف القائلون بوجوب البحث عن المخصّص قبل الأخذ بالعموم، حيث ذهب الأكثريّة إلى أنّه يكفي الطّالب للمخصّص أن يحصل له بعد البحث ظنّ فقده، إذا كان البحث من عالم بموارد التّخصيص، وذهب الباقلانيّ إلى اشتراط اليقين من فقدان المخصّص.
ولا يخفى رجحان القول الأوّل؛ لأنّه إن اشتُرط اليقين، لعطّلت كثير من النّصوص الشّرعية وبخاصة عموماتها. وهو ما رجّحه الشّماخي (2).
الفرع الرابع: بعض خطابات العام.
الأصل في اللّفظ العام أن يكون شاملا كلّ من يدخل تحته من الأفراد بالاستغراق، ولكن ذكر الأصوليّون بعض الخطابات العامّة التي وقع الاختلاف في شمولها لجميع الأفراد، وقد تناول الشّماخي بعض هذه الخطابات، منها:
أوّلا: هل خطاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - يشمل أمّته؟
قد ترد في القرآن أوامر موجّهة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} (3)، فهل هذا الخطا ب خاص به، أم أنّه يعمّ أمّته؟
يرى الشّماخيُّ أنّ الخطاب الموجّه إلى النّبي - صلى الله عليه وسلم -، لا يعمّ أمّته بحقّ الظّاهر، ولا من جهة اللّغة، أمّا من جهة الشرّع، فيتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور (4) إلى أنّه يعمّ أمّته إلّا بدليل يخصّه، وذكر أنّ البعض يرون أنّه لا يعمّ إلا بدليل.
__________
(1) الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 241).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 355.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 1.
(4) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 277). (1/274)
صفحة 271
واحتجّ الجمهور على ما ذهبوا إليه بأنّ العرف الشّرعي قضى باتّباعه - صلى الله عليه وسلم -، وعليه فخطاب الله تعالى للنّبي - صلى الله عليه وسلم -، هو خطاب لأمّته، إلاّ إن ورد في الشّرع ما يدلّ على خصوصيّته - صلى الله عليه وسلم - بهذا الخطاب، كقوله تعالى: {خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (1)، وقوله: {نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} (2) (3).
ثانيا: هل خطاب الأمّة يشمل النبيّ - صلى الله عليه وسلم -؟
قد يرد في نصوص الكتاب والسنّة خطابات عامة، مثل "يا عبادي"، "يا أيّها النّاس" ونحوها، فهل هذه الخطابات تشمل النّبي - صلى الله عليه وسلم -، أم أنّها خاصة بأمّته دونه؟
ذكر الشّماخي أنّ الخطاب الموجّه إلى الأمّة كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ}، يشمل الأمّة كما يشمل النّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن يدلّ دليل على خلافه، وذهب البعض إلى أنّه لا يشمله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنّه آمر ومبلّغ.
وردّ الشّماخي على القول الثاني بأنّ المبلّغ هو جبريل، والآمر هو الله -عزّ وجل-، وما النّبي - صلى الله عليه وسلم - إلّا حاك لتبليغ جبريل، كما أنّ الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يفهمون دخوله في الخطاب، فإذا لم يفعل، سألوه موجب التّخصيص (4).
ثالثا: هل يشمل الخطاب العامُّ العبيد والكفّار؟
اختلف العلماء في الخطاب الموجّه للمكلفين هل يشمل العبيد والكفّار؟
ورأي الشّماخيِّ أنّ خطاب الشّارع يشمل الأحرار كما يشمل العبيد، ونقل عن بعضهم القول بأنّ الخطاب مختصّ بالأحرار فلا يشمل العبيد، كما نسب إلى الرّازي القول بشموله لهم في العبادات فقط.
وحجّة المانعين أنّ العبيد عبارة عن مال، كما ثبت في الشّرع عدم دخولهم في بعض التّكاليف كالجهاد والحجّ والعمرة والجمعة وغيرها، فلو كان الخطاب يشملهم لزم التّخصيص، والأصل عدمه.
وردّ الشّماخي على هذا بأنّ عدم دخولهم في تلك التّكاليف مبنيّ على دليل، وأنّ ارتكاب خلاف الأصل بدليل جائز (5).
ويرى الشّماخيُّ أنّ الكفّار داخلون في خطاب المكلّفين، وعلى هذا جمهور العلماء؛ لأنّ الكفار مخاطبين بفروع الشّريعة؛ ولأنّ الإيمان ليس بشرط في التّكاليف الشّرعية.
وذكر أنّ البعض يمنعون دخولهم في الخطاب، والبعض يمنعون دخولهم في الشّرعيات، ومنهم من منع دخولهم في المأمورات دون المنهيات، ولم ينسب هذه الأقوال كما لم يذكر حججها، مكتفيا بردّها (6).
رابعا: خطاب الرّجال هل يعمّ النّساء؟
لكلّ من الرّجال والنّساء صيغة تختصّ به وتدلّ عليه، فلا تعمّ صيغة الرّجال النّساء ولا العكس، ولكنّه إذا وردت بعض الخطابات التي تخصّ الذّكور مثل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، أو {الْمُؤْمِنُونَ}، فإن هذه الصّيغة تعمّ الرّجال والنّساء تغليبا، بهذا الرّأي أخذ الشّماخي، حيث ذكر أنّ البعض يمنعون دخول النّساء في خطاب الرجال، مثلما لا يدخل الرجال في خطابات النساء، ثمّ قال: «والصّحيح الجواز للتّغليب، وفهم عائشة -رضي الله عنها- ذلك، فاستأذنت في الجهاد» (7)، وقد أخذ السالميُّ بهذا الرّأي أيضا، وفصّل خلاف العلماء في المسألة (8).
خامسا: خطاب الواحد هل يعمّ غيره؟
إذا خاطب النّبي - صلى الله عليه وسلم - فردا من الأمّة، أو قضى عليه بحكم، فهل يكون هذا الحكم عاما في الأمّة إلا إذا قام التّخصيص؟ أو يكون خاصا بذلك المخاطب؟
ذكر الشّماخي خلاف العلماء، واختار مذهب الجمهور بأنّه يعمّ، ولكن بدليل لا بنفسه؛ واستدلّ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (9)، كما يدلّ على
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية:50.
(2) سورة الإسراء، الآية: 79.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 382.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 382.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 382، 383.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 383، 384.
(7) الشّماخي، المصدر نفسه، 383.
(8) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 92).
(9) هذا الحديث قال عنه العراقي لا أصل له، وسئل عنه المزّي والذّهبي فأنكراه، وقد روى مالك في الموطّأ والتّرمذي والنّسائي وأحمد وغيرهم عن أميمة بنت رقيقة قالت: «بايعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في نسوة، فقال لنا:"فيما استطعتن وأطقتن"، قلت: الله ورسوله أرحم بنا منّا بأنفسنا، قلت: يا رسول الله، بايعنا، قال سفيان: تعني صافحنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -:إنّما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة» واللّفظ للتّرمذي. ينظر: التّرمذي، السّنن، كتاب الذّبائح، أبواب السّير عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ماجاء في بيعة النّساء، حديث رقم: 1597، ص (4/ 151)؛ النّسائي، السنن الكبرى، كتاب البيعة، باب امتحان النّساء، حديث رقم: 7804، ص (4/ 429)؛ أحمد، مسند الأنصار، حديث رقم: 27051، ص (6/ 357)؛ مالك، الموطّأ، كتاب البيعة، حديث رقم: 3602، ص (5/ 1431)؛ إسماعيل بن كثير، تحفة الطّالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، تح: عبد الغني بن حميد بن محمود الكبيسي، ط 1، دن، دم، 1406 هـ، ص (1/ 286)؛ شمس الدين السخاوي، المقاصد الحسنة، في بيان الكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تح: محمد عثمان الغشت، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1405 هـ-1985 م، ص (1/ 312). (1/275)
صفحة 272
هذا قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} (1).
كما يرى أنّ خطاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - لأهل زمانه لا يشمل من بعدهم إلا بدليل من نصّ أو إجماع أو قياس، وأنّ المخاطب داخل في عموم الخطاب، إلا بدليل من النّقل أو العقل (2).
__________
(1) سورة سبأ، الآية: 28.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 384. (1/276)
صفحة 273
المطلب الثّاني: الخاص
الفرع الأول: مفهوم الخاص.
أوّلا: مفهوم الخاص:
لغة: الخاصُّ في اللّغة يأتي بمعنى التّفرّد، قال ابن منظور: «خصّه بالشّيء يخصّه خصّا ... ويقال: اختصّ فلان بالأمر، وتخصّص له إذا انفرد» (1).
اصطلاحا: عرّف الشّماخيُّ الخاصَّ بأنّه: «ما عيّن بعض مسمّيات اللّفظ المشتركات في أمر» (2).
وعرّف التّخصيص بقوله: «التّخصيص إرادة بعض ما يتناوله الخطاب، وإن شئت: قصر العام على بعض مسمّياته» (3).
يلاحظ من تعريف الشّماخيِّ أنّه يجعل معنى الخاص والتّخصيص واحدا، وهو إخراج بعض الأفراد من دلالة العام، تماما كما يرى الوارجلاني (4).
والحقّ أنّ الخاص غير التّخصيص؛ أمّا التّخصيص فهو قصر العام على بعض مسمّياته، فيكون نتيجة للخاص، أمّا الخاص فما كان في مقابل العام.
وعرّفه السّرخسيُّ بقوله: «فالخاصّ كلّ لفظ موضوع لمعنى معلوم على الانفراد» (5)، سواء كان هذا المعنى الواحد يتحقّق في عدّة أفراد في الخارج، أم لا يتحقّق إلا في فرد واحد، وسواء أكانت الوحدة حقيقيّة، كزيد وعمرو، أم كانت اعتبارية، كأسماء العدد من ثلاثة وأربعة ... وعشرة ومائة (6).
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "خصص"، ص (7/ 44).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 348.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 386.
(4) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 153)؛ باجو، الوارجلاني أصوليّا، 468.
(5) السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 124).
(6) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 385. (1/278)
صفحة 274
الفرع الثّاني: مخصّصات العموم.
قسّم الأصوليّون مخصّصات العموم باعتبار استقلالها عن النّص العام وعدم استقلالها إلى قسمين:
- المخصّصات المتّصلة أو غير المستقلة: وهي التي تكون جزءا من النّص المشتمل على العام، وتضمّ كلّا من: الاستثناء، الشّرط، الصّفة، الغاية، بدل البعض (1).
- المخّصّصات المنفصلة أو المستقلة وتضمّ: وهي التي لا تكون جزءا من النّص الذي ورد به اللّفظ، وهي عند الجمهور ستّة أنواع: العقل، الحس، العرف، الإجماع، قول الصّحابي، النّص (2).
وقد سار الشّماخيُّ على هذا التّقسيم فجعل المخصّصات متّصلة وغير متصلة، حيث قال: «اعلم أنّ المخصّص إمّا متّصل: وهو ما لا يستقلّ بنفسه كالاستثناء المتّصل والشّرط، والصّفة والغاية، وبدل البعض. وإمّا منفصل: وهو ما لا يستقل» (3).
ورتّب هذه المخصّصات كالآتي:
- المخصّصات المتّصلة: وتضمّ كلّا من الاستثناء، الشّرط، الصّفة، الغاية، بدل البعض.
- المخصّصات المنفصلة: وتضمّ كلّا من التّخصيص بالعقل، التّخصيص بالحسّ، التّخصيص بالكتاب، التّخصيص بالسنة، التّخصيص بالإجماع، التّخصيص بمفهوم الموافقة والمخالفة، التّخصيص بمذهب الصحابي، التّخصيص بالقياس.
والشّماخيُّ بتقسيمه هذا لم يوافق الوارجلاني، الّذي لم يقسّم المخصّصات إلى: متّصلة ومنفصلة، وإنّما أجملها مع بعضها ورتّبها كالآتي:
__________
(1) الأصوليّون مختلفون في اعتبار بدل البعض من المخصّصات المنفصلة، ويعدّ ابن الحاجب أوّل من اعتبره مخصّصا، وتابعه في ذلك بعض الأصوليّين، كالسبكي، وابن الهمام، والشّماخي، وابن النّجار، والسالمي، وغيرهم، ونسبه الشّوكانيّ للقرافي. ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (2/ 791)؛ الشماخي، شرح مختصر العدل، ص 389؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (1/ 282)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 249)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (2/ 182)؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (1/ 295)؛ بسّام علي، الفكر الأصولي عند ابن الحاجب، كلّية الشريعة والدّراسات الإسلامية، جامعة أمّ القرى، مكة المكرّمة، السّعودية، 1404 هـ، 352.
(2) الزحيلي، الوجيز في أصول الفقه، 201 وما بعدها.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 389. (1/279)
صفحة 275
1 - العقل، 2 - القرآن، 3 - السنّة بأنواعها، قولا وفعلا وتقريرا، 4 - الاستثناء، 5 - الإجماع، 6 - مذهب الصّحابي، 7 - دليل الخطاب، أو مفهوم المخالفة (1).
أوّلا: المخصّصات المتّصلة:
اكتفى الشّماخيُّ في المخصّصات المتّصلة ببيان مفصّل الاستثناء فقط، دون غيره من الأنواع، وقال: «اعلم أنّ الشرط، والغاية، والصّفة، مثل الاستثناء فلا نطيل بإعادتها» (2)، حيث بيّن أنّ أحكام الاستثناء تصدق على الشّرط، والصّفة، والغاية؛ لذلك لم يفصّل القول في بيان أحكامها، وعلى هذا النّحو سار السّالمي (3).
1 - التّخصيص بالاستثناء:
- معنى الاستثناء:
بيّن الشّماخيُّ أنّ معنى الاستثناء المتّصل هو: «إخراج بحرف وُضع له غير الغاية وهو إلّا»، فأخرج من التّعريف سائر المخصّصات، ثمّ بينّ أنّ الغاية وإن كان معناها متضمّنا في معنى الاستثناء إلّا أنّها لم توضع لذلك.
ثمّ ذكر أنّ أدوات الاستثناء هي: إلّا، خلا، عدا، حاشا، سوى، وغيرها (4).
ووجه الشّبه بين الاستثناء والغاية يكمن في أنّ كليهما يخرج المذكور من الكلام، نحو:
الاستثناء: أكرم العلماء إلّا الجهّال، الغاية: أكرم النّاس إلّا أن يجهلوا. ففي كلا المثالين الإخراج يكون للمذكور.
أمّا المخصّصات الأخرى كالشّرط والصّفة وبدل البعض فإنّها تُخرج غير المذكور، نحو:
الشّرط: أكرم النّاس إن كانوا علماء، الصّفة: أكرم النّاس العلماء، بدل البعض: أكرم النّاس إلّا العلماء منهم. ففي هذه الأمثلة المخرج من الكلام هو غير المذكور (5).
__________
(1) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 162 - 179)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 470.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 398.
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 145).
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 389.
(5) العضد، شرح مختصر المنتهى، 211. (1/280)
صفحة 276
وذكر الأصوليوّن تعريفات أخرى للاستثناء فقالوا بأنّه: «قول متّصل يدلّ بحرف إلّا أو إحدى أخواتها، على أنّ المذكور معه غير مراد بالقول الأوّل» (1).
- شروط الاستثناء:
ذكر الشّماخيُّ من شروط الاستثناء:
1 - أن يكون المستثنى والمستثنى منه متّحدا الجنس: وإلّا لم يجز التّخصيص به، وعبّر الشّماخي عن ذلك بقوله: «اعلم أنّ الاستثناء، إن كان بعض المستثنى منه فالاستثناء متّصل، وإلا فمنقطع ولا مدخل له في التّخصيص؛ لجواز رأيت القوم إلّا حمارا» (2).
وبيّن أنّ الغزالي لا يعتبره استثناء حقيقيا بل مجازيا، مشيرا إلى أنّ من العلماء من جوّز الاستثناء به في بعض الحالات، كأبي حنيفة الذي يجوّز استثناء المكيل من الموزون وبالعكس، ولا يجوّز استثناء غيرهما منهما، والشّافعي الذي يجوّز الاستثناء به في المقادير دون غيرها (3).
2 - أن يكون الاستثناء متّصلا بالمستثنى منه، أو في حكم الاتّصال، فلا يضرّ القطع بعارض خارجي كالتّنفيس أو السّعال مثلا. ونسب لابن عباس ومن وافقه القول بجواز أن يكون الاستثناء منفصلا؛ بحجّة أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - فصل في استثنائه، واستدلّ لذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «والله لأغزونّ قريشا» ثمّ قال: «إن شاء الله» (4)، فدلّ هذا على جواز انفصاله (5).
وذكر الشّوكانيُّ أنّ بعض أهل العلم ردّوا ثبوت هذه الرّواية عن ابن عباس ومنهم إمام الحرمين والغزالي، لما يلزم من ارتفاع الثّقة بالعهود والمواثيق لإمكان تراخي الاستثناء، ثم رجّح جواز الفصل اليسير في الاستثناء كالتّذكّر؛ واستدلّ لذلك بأحاديث تثبتت فعله من النّبي - صلى الله عليه وسلم - (6).
__________
(1) عبد الكريم النملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1667).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 390.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 390، 391.
(4) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الأيمان والنّذوز، باب الاستثناء في اليمين بعد السّكوت، حديث رقم:3285، ص (2/ 250)؛ وأخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الأيمان، ذكر نفي الحنث عن من اشتثنى في يمينه بعد سكتة يسيرة، حديث رقم:4407، ص (13/ 156)؛ وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى، كتاب الأيمان والنّذور، باب الاستثناء في اليمين بعد السّكوت، حديث رقم: 19712، ص (10/ 47)؛ وأخرجه الطّبراني في المعجم الكبير، حديث رقم: 11742 (11/ 282).
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 394.
(6) الشّوكاني إرشاد الفحول، ص (1/ 252). (1/281)
صفحة 277
3 - أن يكون الاستثناء غير مستغرق: اتّفق العلماء على عدم جواز استغراق الاسثناء كلّ المستثنى منه، بحيث لا يبقى منه فرد، واختلفوا في جواز استثناء الأكثر بين مجيز له ومانع.
واختار الشّماخيُّ مذهب الجمهور المجيزين له؛ واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} (1)، ووجه الدّلالة من الآية أنّ الله تعالى استثنى الغاوين من عباده، ومعلوم أنّهم هم الأكثرية، بدليل قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (2) فدلّ هذا على جواز استثناء الأكثر، ولم ينقل الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة، واكتفى فقط بترجيح هذا الرّأي، كما رجّح القول بجواز الاستثناء المساوي، واستثناء الأقلّ (3).
- مسألة الاستثناء بعد جمل معطوفة:
ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في حكم الاستثناء بعد جمل معطوفة بعضها على بعض، هل يرجع على جميعها، أم على الجملة الأخيرة فقط؟
ومثاله قوله تعالى: {وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنم بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (4).
حيث ذهب جمهور العلماء إلى أنّ الاستثناء يرجع على الجميع، وقالت طائفة منهم الحنفيّة وأبو عبد الله البصري هو عائد إلى الجملة الأخيرة، وذهب البعض الآخر إلى عدم رجوعه إلى الجميع اتّفاقا، وقال البعض بالتوقّف.
أورد الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة مع ما استدلّوا به، ثمّ بيّن أنّ محلّ النّزاع فيها يكمن في الحالة التي يرد فيها الاستثناء بعد جمل معطوفة، دون وجود قرينة، أمّا مع وجودها فلا خلاف؛ لأنّ القرينة هي التي تحدّد ذلك، ومثّل لذلك بقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} (5)، فالعلماء متّفقون على أنّه لا يرجع إلى الرّقبة.
__________
(1) سورة الحجر، الآية: 42.
(2) سورة يوسف، الآية: 103.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 395.
(4) سورة النور، الآية: 4، 5.
(5) سورة النساء، الآية: 92. (1/282)
صفحة 278
ورجّح مذهب الجمهور القائلين برجوعه إلى الجميع؛ واستدلّ على ذلك بقوله: «لأنّه صالح، وتخصيصه بالبعض تحكّم، وأيضا لو اشتثنى عقيب كلّ جملة لَعُدّ عيبا واستهجانا من الكلام ... إلّا إن منعته قرينة»، وبهذا الرّأي أخذ السالميُّ أيضا، وذكر أنّه قول الإمام أبي عبيدة، وعامة فقهاء الإباضيّة (1).
أمّا الوارجلانيُّ فقد رجّح القول بعودة الاستثناء إلى أقرب مذكور؛ لأنّه متيقّن منه أمّا الباقي فغير متيقّن (2).
2 - التّخصيص بالشّرط:
عرّف الشّماخيُّ الشّرط بأنّه: «ما يلزم من عدمه عدم الحكم» (3).
وبيّن أنّه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: عقلي، وشرعي، ولغوي، وأشار إلى أنّ الشرط اللغوي أكثر ما يستعمل في السّبب، ومثّل له بقول القائل:"إن دخلت الدّار فأنت معتق"، فدخول الدّار يكون سببا للعتق.
ثمّ بيّن أنّ الفرق بين الشّرط والسّبب يكمن في أنّ السّبب يستلزم وجوده وجود الحكم، وبه يتعلّق الحكم، ولا يستلزم عدمه عدم الحكم، أمّا الشّرط فهو عكسه؛ إذ إنّ عدمه يستلزم عدم الحكم، ولا يستلزم وجوده وجود الحكم.
ومثّل لتخصيص العام بالشّرط فقال: «إذا قلت: أكرم ربيعة إن دخلوا، فلولا الشّرط لعمّ الإكرام جميعهم» (4).
ومن النّصوص الشّرعية التي يمثّل بها الأصوليّون لتخصيص الشّرط للعام، قوله تعالى في آية المواريث: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} (5)، فحالة عدم الولد للزّوجة هي الشّرط الذي قصر استحقاق الأزواج لنصف ما تركت الزّوجة من الميراث، ولولا هذا الشرط لأفاد النّص استحقاق الأزواج النّصف في جميع الحالات (6).
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 396 - 398؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 152).
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 168).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 399.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 400.
(5) سورة النساء، الآية: 12.
(6) محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 96). (1/283)
صفحة 279
3 - التّخصيص بالصّفة والغاية:
لم يفصّل الشّماخيُّ القول في الصّفة والغاية واكتفى باعتبارهما من مخصّصات العموم مع التّمثيل لهما، حيث قال: «اعلم أنّ الصّفة تخصّص نحو: "أَكرِمْ بني تميم العلماء"، وكذا الغاية نحو:"أَكرِمْ بني تميم حتى يصلوني"» (1).
وبيّن الشّوكانيُّ أنّ المراد بالصّفة المخصّصة للعموم الصّفة المعنوية، لا مجرد النّعت المذكور في علم النّحو، على ما حقّقه علماء البيان (2).
ومثّل الأصوليّون للتّخصيص بالصّفة بقوله تعالى: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (3).
فلفط "الفتيات" في الآية عام يشمل المؤمنات وغير المؤمنات، ولكن وصفه بالمؤمنات جعله مقصورا على المؤمنات دون غيرهنّ، فالذي يحلّ من ملك اليمين لغير مستطيع الطّول هو الفتاة الموصوفة بالإيمان (4).
أمّا الغاية فيمثّلون لها بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (5).
فإنّ هذه الآية قصرت وجوب غسل اليد في الوضوء إلى المرفق (6).
ولم يتعرّض الشّماخيُّ لبيان بدل البعض، ولا التّمثيل له، رغم ذكره له ضمن المخصّصات المتّصلة.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 401.
(2) ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 261)؛ محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 96).
(3) سورة النساء، الآية:25.
(4) محمّد أديب صالح، المرجع السابق، ص (2/ 96).
(5) سورة المائدة، الآية: 6.
(6) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 263). (1/284)
صفحة 280
ثانيا: المخصّصات المنفصلة:
1 - التّخصيص بالعقل:
أثبت الشّماخيُّ جواز تخصيص العام بالعقل، وذكر من أمثلته قوله تعالى: {وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (1)، وقوله: {وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (2)، ثمّ علّل ذلك بأنّ العقل قاض باستحالة تعلّق القدرة بذاته تعالى، واستحالة التكليف بما لا يفهم.
وذكر أنّ المنكرين لجواز التّخصيص بالعقل استدلّوا بكون العقل متقدّم والتّخصيص متأخّر، فلا يصحّ تخصيص المتأخّر بالمتقدّم، كما قالوا بأنّ التّخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللّفظ، وخلاف المعقول لا يمكن دخوله.
وأجاب عن الاعتراض الأوّل بأنّ العقل له ذات وهي المتقدّمة، وله صفة وهي المخصّصة؛ لأنّها موجودة عند نزول اللّفظ، ومثّل لذلك بأنّ العقل هو من يبيّن لنا أنّ الله تعالى لم يرد بقوله: {كُلِّ شَيْءٍ} (3) ذاته.
وأجاب عن الاعتراض الثّاني بأنّ خلاف المعقول لا يمتنع دخوله لغة في الكلام، لكن يُكذَّب قائله لو أراده، ولما وجب الصّدق في كلام الله، تبيّن أنّه يمتنع دخوله تحت الإرادة مع شمول اللفظ له، والقاضي بعدم إرادته هو العقل (4).
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 120.
(2) سورة آل عمران الآية: 97.
(3) سورة الزمر، الآية: 62.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 402، 403. (1/285)
صفحة 281
2 - التّخصيص بالحسّ:
وهو أن يرد الشّرع بنصّ عامّ، يعلم الحسُّ باختصاصه ببعض ما يشتمل عليه العموم، فيكون ذلك مخصّصا للعموم (1)، ولم يفصّل الشّماخيُّ القول في التّخصيص بالحس، وإنّما اكتفى بالتّمثيل دون التّعليل حيث ذكر من أمثلته قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} (2)، وقوله: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} (3) (4).
3 - التّخصيص بالكتاب:
يرى الشّماخيُّ أنّ التّخصيص بدليل من الكتاب واقع، سواء تقدّم الخاص أو العام، أو جُهل التّاريخ لوقوعه، وذكر أنّ البعض يشترطون تقدّم العام على الخاص؛ لأنّه إن تقدَّم الخاص يصير نسخا، أمّا إن جُهل تاريخهما فيتوقّف ولا يجري التّخصيص، واستدلّوا على ذلك بقول ابن عباس: «كنّا نأخذ بالأحدث فالأحدث» (5).
وردّ على هذه الحجّة بأنّ التّخصيص أولى من النّسخ؛ لأنّه أكثر ولا رفع فيه للحكم، فيصار إليه بخلاف النّسخ، وحمل كلام ابن عباس على ما لا يقبل التّخصيص جمعا بين الأدلّة.
كما أنكر على الظّاهرية قولهم إنّ تخصيص الكتاب لا يكون إلّا بالسنّة فقط، فلا يخصّص الكتاب الكتاب؛ مستدلّين بقوله تعالى للنبي - صلى الله عليه وسلم -: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} (6)، حيث قالوا إن التّخصيص هو التّبيين، والرّسول - صلى الله عليه وسلم - هو المبيِّن.
وبيّن الشّماخيُّ أنّ هذا الاستدلال معارض بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (7)، ثمّ قال: «والحقّ أنّ الكلّ ورد على لسانه - صلى الله عليه وسلم -، فتارة يبيّن الكتاب بالكتاب، وتارة بالسنّة» (8).
__________
(1) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 255).
(2) سورة النمل، الآية: 23.
(3) سورة الأحقاف، الآية: 25.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 403.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 403.
(6) سورة النحل، الآية: 44.
(7) سورة النحل، الآية: 89.
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 403، 404. (1/286)
صفحة 282
وتخصيص القرآن بالقرآن له شواهد كثيرة في نصوص القرآن، وقد ذكر الشّماخي من أمثلته قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (1)، فهو مخصّص بقوله تعالى: {وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} (2).
ويرى الشّماخيُّ أنّ السّنة مخصّصة للقرآن؛ واستدلّ على ذلك بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} (3)، ولم يذكر لذلك مثالا (4).
3 - التّخصيص بالسنّة:
- التّخصيص بالسنّة القولية:
يعتبر الشّماخيُّ السنّة القوليّة مخصّصة للكتاب والسنّة جميعا، ومثّل لتخصيص السنّة القوليّة لسنّة أخرى بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (5)، فهذا الحديث مخصّص لحديث آخر وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السّماء والعيون العشر» (6).
وبيّن اتّفاق العلماء على جواز تخصيص السنّة القوليّة المتواترة للكتاب، واختلافهم في تخصيص خبر الواحد للكتاب، حيث نقل مذاهب العلماء في ذلك بين مجيز له مطلقا وهو مذهب الجمهور، ومانع له، ومجيز له شريطة أن يكون العام قد خُصّ بدليل قطعي ونسب هذا الرّأي لعيسى بن أبان،
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 5.
(2) سورة البقرة، الآية: 221.
(3) سورة النحل، الآية: 89.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 404.
(5) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الزّكاة، باب ما أدي زكاته فليس بكنز، حديث رقم:1447، ص (2/ 116)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزّكاة، حديث رقم:2310، ص (3/ 66).
(6) أخرجه البخاري في صحيحه، ونصّه: «فيما سقت السّماء والعيون أو كان عثريا العشر، وما سُقِي بالنّضح نصف العشر»، كتاب الزّكاة، باب العشر فيما يسقى من ماء السّماء وبالماء الجاري، حديث رقم:1483، ص (2/ 126). (1/287)
صفحة 283
ومشترط في المخصِّص أن يكون متّصلا ونسب ذلك للكرخي، وقائل بالوقف ونسب ذلك للباقلّاني (1).
ثمّ ذكر أنّ حجّة الجمهور المجيزين لتخصيص الكتاب بخبر الواحد مطلقا، هي انعقاد الإجماع على تخصيص بعض الآيات بأخبار الآحاد، كتخصيص آية الميراث، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث» (2)، وتخصيص قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (3)، بنهي النّبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الدّرهم بالدّرهمين (4)، وتخصيص قوله تعالى: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ} (5)، بقوله: «لا يُجمع بين المرأة وعمّتها» (6).
ثم أجاب على هذه الحجّة بأنّ التّخصيص ثابت بالإجماع مع تلك الأخبار لا بانفرادها (7).
- التّخصيص بالسنّة الفعليّة:
ويرى الشّماخيُّ أنّ السنّة الفعليّة مخصّصة للعموم، ومثّل لذلك بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الوصال في الصوم فواصل، وبنهيه عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة، ثمّ رآه ابن عمر مستقبلا بيت المقدس، وكنهيه عن كشف العورة، ثم كشف فخذه، ثم بيّن أنّ هذه الأفعال من النّبي - صلى الله عليه وسلم - تخصّص تلك
__________
(1) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 405؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 228.
(2) أخرجه بهذا اللّفظ الربيع بن حبيب في الجامع الصّحيح، كتاب الأيمان والنّذور، باب في المواريث، حديث رقم: 669، ص (2/ 176)؛ واتفق البخاريُّ ومسلم وغيرهما على روايته عن عائشة -رضي الله عنها-: أنّ أزواج النّبي صلى الله عليه وسلم حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن، فقالت عائشة: «أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نورث، ما تركنا صدقة»؛ البخاري، الصحيح، كتاب الفرائض، باب قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا نورث، حديث رقم: 3093، ص (4/ 79)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الجهاد والسير، باب قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لا نورث، حديث رقم: 4676، ص (5/ 151).
(3) سورة البقرة، الآية: 275.
(4) أخرجه مسلم في صحيحه، ونصّه: عن عثمان بن عفّان، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تبيعوا الدّينار بالدّينارين، ولا الدرهم بالدرهمين»، كتاب المساقاة، باب الرّبا، حديث رقم: 4142 (5/ 43).
(5) سورة النساء، الآية: 24.
(6) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب النّكاح، باب لا تُنكح المرأة على عمّتها، حديث رقم: 5109، ص (7/ 12)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النّكاح، باب تحريم الجمع بين المرأة أو عمّتها أو خالتها، حديث رقم: 3502، ص (4/ 135).
(7) الشّماخي شرح مختصر العدل، 405، 406. (1/288)
صفحة 284
العمومات، وتدلّ على اختصاصها به، هذا إذا لم يجب التّأسّي به في ذلك، أمّا إن وجب التّأسّي فهي نسخ وليست تخصيصا، ونقل عن بعضهم القول بأنّ فعله - صلى الله عليه وسلم - لا يكون مخصّصا فيجب التأسّي به مطلقا، وعن البعض القول بالوقف، ولم يذكر أدلّة أصحاب هذه الأقوال، كما لم يناقشها (1).
- التّخصيص بإقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم -:
يرى الشّماخيُّ أنّ الرّسول - صلى الله عليه وسلم - إذا علم بفعلٍ للمكلّف مخالف للعموم ولم يُنكره عليه مع قدرته على الإنكار، كان هذا الإقرار منه - صلى الله عليه وسلم - تخصيصا لذلك العموم، ومثّل لذلك بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الصّلاة بعد الصّبح، ثمّ رأى قيسا يصلّي بعد الصّبح ركعتي الفجر، فأقرّه عليه السّلام، فدلّ على جواز الرّكعتين دون غيرهما، وردّ على القائلين بأنّ إقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - هو تخصيص للفاعل، بمعنى يجوز له ذلك الفعل دون غيره، إن لم تظهر علته لتعذّر الدليل، بأنّ هذا باطل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» (2)، «فهذا الحديث ظاهر العموم والحمل عليه في كلّ قضية أولى، ولو كان التّقرير خاصّا بالفاعل لوجب على النّبي عليه السّلام بيانه بعد أن عرف أمّته» (3).
4 - التّخصيص بالإجماع:
الإجماع يعتبر مخصّصا لعمومات الكتاب والسنة؛ لأن دلالته قطعية، وقد وقع هذا النّوع من التّخصيص في نصوص كثيرة، وذكر الشّماخي مثالا له وهو:
قوله تعالى في حدّ القاذف: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (4)، وخصّصت هذه الآية بالإجماع على جلد العبد أربعين جلدة (5).
ومن أمثلته كذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} (6)، فإنّ الإجماع منعقد على ألّا جمعة على عبد ولا امرأة.
5 - التّخصيص بالقيّاس:
ذكر الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في جواز التّخصيص بالقياس والرّأي، حيث ذهب الجمهور إلى جوازه، ونسبه الرّازي لأبي حنيفة، ومالك، والشّافعي، وأبي الحسين البصري، والأشعري، وزاد ابن الحاجب نسبته لأحمد وإلى منع التّخصيص به مطلقا ذهب أبو عليّ الجبّائي، وأبو هاشم، وذهب عيسى بن أبان إلى أنّه يجوز إن كان العام قد خصّص من قبل ذلك بنصّ قطعيّ، وذهب الكرخي إلى أنّه يجوز إن كان قد خصّ بدليل منفصل وإلّا فلا، وقال أبو سريج يجوز التّخصيص بالقياس الجليّ دون الخفيّ، وذهب كلّ من الباقلاني والجويني والغزالي إلى التوقّف عند تعادل العام والقياس، أما إن تفاوتا رجّح أقواهما (7).
أورد الشّماخيُّ هذه المذاهب مع ما استدلّ به كلّ فريق، موردا الاعتراضات على تلك الأدلّة، واختار جواز التّخصيص بالقياس إن كانت علّته ثابتة بنصّ أو إجماع، حيث قال: «والمختار إن ثبتت العلة بنص أو إجماع، أو كان الأصل مخصّصا لإجماع؛ أي مخرجا عنه خصّ به العام، أو ظهرت قرينة ترجّحه وإلّا فالعام أولى» (8).
وذكر من أمثلته قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} (9)، حيث عمّ المديون وغيره، وخصّ المديون بالقياس على الفقير.
ومن أمثلته أيضا قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ} (10)، حيث أحلّ جميع البيوع، وخصّ الأرز بالأرز مُتفاضلا بالقياس على البرّ؛ لأنّ حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: «البرّ بالبرّ ربا، إلا هاء وهاء، والشّعير بالشّعير ربا إلا هاء وهاء، والتّمر بالتّمر ربا إلا هاء وهاء» (11)، مخصّص لعموم تحليل
__________
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 407، 408.
(2) سبق تخريجه.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 408، 409.
(4) سورة النور، الآية: 4.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 406.
(6) سورة الجمعة، الآية: 9.
(7) ينظر: الشيرازي، اللمع 37؛ الرازي، المحصول، ص (3/ 148)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 233؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 411، 412؛ أمير بادشاه، تيسير التّحرير، ص (1/ 322)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 270)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 108).
(8) الشّماخي، المصدر السابق، 414.
(9) سورة التوبة، الآية: 103.
(10) سورة البقرة، الآية: 275.
(11) متّفق عليه، واللّفظ للبخاري، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب بيع التّمر بالتّمر، حديث رقم: 2134، ص (3/ 68)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب المساقاة، باب الصّرف وبيع الذّهب بالورق نقدا، حديث رقم: 4143، ص (5/ 43). (1/289)
صفحة 285
البيع، وذهب إلى جوازه إن كان الأصل المقيس عليه مخرجا من ذلك العموم بنصّ، وإلّا فلا (1).
وبهذا الرّأي أخذ كلّ من الآمدي وابن الحاجب، والعضد (2)، أمّا السالميُّ فاختار جواز التّخصيص بالقياس دون تقييد؛ مستدلّا على ذلك باجتهاد الصّحابة في تحديد سهم الجدّ في مسائل، حيث اختلفوا في ذلك، وكلّ واحد منهم بنى رأيه على القياس، فكانت تلك القياسات التي استدلوا بها مخصّصة لعموم قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} (3) (4).
6 - التخصيص بقول الصحابي:
يرى الشّماخيُّ أنّ قول مذهب الصّحابي ليس بحجّة -كما سبق بيانهـ-، وعليه لم يجوّز تخصيص العموم به؛ لأنّ العموم حجّة فلا تترك الحجّة بما ليس بحجّة.
وذكر أنّ البعض (5) يُجوِّز التّخصيص به مطلقا؛ لاعتبارهم له حجّة، والبعض الآخر يرى أنّ الصّحابي إن كان هو الرّاوي للعموم فيعتبر فعله مخصّصا؛ لأنّ مخالفتة للعموم تستدعي دليلا، وإلّا وجب تفسيقه وهو خلاف الإجماع.
وردّ على هذه الحجّة بقوله: «وأجيب بأنّه يستدعي دليلا في ظنّه، ولا يكون ما ظنّه المجتهد دليلا على غيره، إذ لو كان دليله قطعيّا لم يخف على غيره، ولا تجوز مخالفته» (6).
7 - التّخصيص بمفهوم الموافقة والمخالفة:
يتّفق جمهور العلماء ومعهم الشّماخيُّ على جواز تخصيص العام بمفهوم الموافقة؛ أمّا مفهوم المخالفة فلم يقع الاتّفاق على جواز التّخصيص به، فالحنفيّة لا يرونه حجّة أصلا وبالتّالي لم يجوّزوا التّخصيص به، أمّا الجمهور ومعهم الشّماخي فيرون حجّيته، كما يجوّزون تخصيص العام به، ويحتجّ
__________
(1) الشّماخي، المصدر السابق، 414.
(2) ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (2/ 362)؛ العضد، المصدر السابق، 233.
(3) سورة النساء، الآية: 176.
(4) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 109).
(5) ينسب هذا الرأي للحنفيّة والحنابلة؛ ينظر: ابن قدامة، روضة النّاظر وجنّة المناظر، 129؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 274).
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 409. (1/290)
صفحة 286
الشّماخيُّ لذلك بقوله: «هو دليل شرعيّ عارضه بمثله، فيقع التّخصيص به جمعا بين الأدلّة» (1)، بمعنى أنّ كلّا من العام ومفهوم المخالفة دليلان شرعيّان، فإذا تعارض هذان الدّليلان، فإنه يُعمل بالخاص وما بقي بعد التّخصيص جمعا بين الدّليلين، وهو أولى من العمل بالعام وترك الخاص.
وقد تقدّم في مبحث الدّلالات ذكر أنواع مفهوم المخالفة، من مفهوم الشّرط، الصّفة، الغاية، الحصر، وهذه كلّها تعتبر من مخصّصات العموم المتّصلة عند جمهور المتكلّمين.
وذكر الشّماخيُّ بعض الأمثلة لتخصيص العام بمفهوم المخالفة منها: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في سائمة الغنم زكاة» (2)، فهو مخصّص لقوله: «في الأنعام زكاة»، فتخرج المعلوفة بمفهوم المخالفة.
واحتجّ المنكرون للتّخصيص بمفهوم المخالفة بأنّ العام منطوق به، والمنطوق أقوى من المفهوم؛ نظرا لافتقار المفهوم في دلالته إلى المنطوق، وعدم افتقار المنطوق في دلالته إلى المفهوم، فيكون المفهوم أضعف، فلو خُصّ العام به للزم من ذلك العمل بالأضعف وترك الأقوى، وهو خلاف المعقول، وعليه فلا يجوز التّخصيص به (3).
8 - التّخصيص بالعرف والعادة:
ينقسم العرف إلى قسمين: عرف قولي، وعرف عملي، فأمّا الأوّل فهو محلّ اتّفاق بين العلماء في جواز تخصيص العام به، ففي قوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (4) البيع بالمعنى اللّغوي هو المبادلة في المال وغيره، وبالمعنى الشّرعي هو مبادلة المال بالمال، والمعتبر في تفسير معنى البيع في الآية هو المعنى الشّرعيّ لا اللّغوي، فيخصّص به العموم.
__________
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 407.
(2) اشتهر بين الأصوليّين الاستدلال بهذا الحديث، ولم أعثر له على تخريج بهذا اللّفظ؛ وأخرجه البخاري في صحيحه بلفظ قريب منه عن أنس بن مالك -رضي الله عن هـ- ونصّه: « ... وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة ... »، كتاب الزّكاة، باب زكاة الغنم، حديث رقم: 1445، ص (2/ 118).
(3) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 406، 407؛ عبد الكريم النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1623).
(4) سورة البقرة، الآية: 275. (1/292)
صفحة 287
أمّا العرف العمليَّ فالعلماء مختلفون في التّخصيص به، فذهب الحنفيّةُ وجمهور المالكيّةِ إلى جواز ذلك، ومنعه غيرهم (1).
وذكر الشّماخيُّ أنّ التخصيص لا يقع بالعادة، أي بالعرف العملي، ومثّل لذلك بقوله: «كالطّعام، إذا كان عادة أهل البلد إطلاقه على خاص كالبرّ مثلا، فلا تكون تلك العادة مخصّصة لذلك العام» (2)، وبيّن السّالميُّ أنّ هذا مذهب الإباضيّة ومذهب الجمهور من المعتزلة والأشعرية (3).
9 - التّخصيص برجوع الضّمير:
ومعناه إذا ذكر عامّ وبعده ضمير يرجع إلى بعض ما يتناوله، فهل يكون ذلك الضمير مخصّص للعامّ قبله؟
لا يرى الشّماخيُّ جواز التّخصيص برجوع الضّمير، ومثّل له: «بقوله تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} (4)، بعد قوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ} (5)؛ لأنّ الضمير في لفظة "بردّهنّ" خاصّ بالرّجعيات، فلا يوجب تخصيص التّربّص بالرّجعيات؛ لأنّهما لفظان فلا يلزم من خروج أحدهما عن الحقيقة وعن الأصل خروج الآخر عنه فيصير مجازا».
وذكر أنّ البعض يقولون بجواز التّخصيص به، وبعضهم قال بالتّوقّف، وذكر ما احتجّ به كلا الفريقين، معترضا على تلك الحجج (6).
المطلب الثالث: المطلق والمقيّد.
الفرع الأوّل: مفهوم المطلق والمقيّد.
__________
(1) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 88).
(2) الشّماخي، المصدر السابق، 410.
(3) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 159).
(4) سورة البقرة، الآية: 228.
(5) سورة البقرة، الآية: 228.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 410. (1/293)
صفحة 288
قد تقدّم بيان تعريف الأصوليّين للخاصّ، وأنّه اللّفظ الموضوع لمعنى معلوم على الانفرد، سواء كان هذا المعنى الواحد يتحقّق في عدّة أفراد في الخارج، أم لا يتحقّق إلا في فرد واحد، وسواء أكانت الوحدة حقيقيّة كزيد وعمرو، أم كانت اعتبارية كأسماء العدد من ثلاثة وعشرة ومائة.
وللخاصّ أنواع كثيرة، تتعدّد باعتبار الحالة والصّفة التي يرد فيها، فقد يرد مطلقا عن التّقييد، فيكون فردا شائعا في جنسه، وقد يرد مقيّدا بقيد من وصف أو شرط أو غيرهما، فيتحدّد شيوعه (1).
ويعتبر المطلق والمقيد من الأقسام المندرجة تحت حكم الخاص؛ لأنّ كلّا منهما يدلّ على معنى منفرد متحقّق في فرد من الأفراد، وحكم كلّ منهما لا يشمل جميع الأفراد المتحقّق فيها هذا المعنى، بل يختصّ بواحد منها شائع فيها، ولا فرق بينهما إلّا في أنّ مدلول المطلق فرد شائع مجرّد من القيود، ومدلول المقيّد فرد مقيّد بقيد من القيود يقلّل شيوعه (2).
وقد عرّف الشّماخيُّ المطلق بأنّه: «ما دلّ على شائع في جنسه» (3).
ثم وضّح معنى هذا التّعريف بأنّ المطلق لفظ دلالته محتملة لأشخاص كثيرة تندرج تحته من غير تعيين، فتخرج جميع المعارف؛ لما فيها من التّعيين، كما يخرج العام؛ لأنّه للاستغراق وهو ينافي الشّيوع (4).
وقد ذكر الأصوليّون أنّ المطلق يختلف عن العام، وجوهر الاختلاف بينهما أنّ المطلق لا شمول فيه، وإنّما يدلّ على فرد غير معيّن منتشر في جنسه بدون قيد زائد مستقلّ يقلّل من انتشاره وشيوعه، أمّا العام فإنّ جوهره الشّمول دون حصر، أي أنّه يشمل جميع أفراده.
غير أنّ هذا لا يُنافي أن يكون المطلق منطبقا على كلّ فرد، ولكن على سبيل البدل والتّناوب لا الشّمول، وعليه فالمطلق عمومه بدلي تناوبي، أمّا العام فعمومه شمولي استغراقي كما يقرّر الأصوليّون (5).
__________
(1) محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 181).
(2) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 408.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 414.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه 415.
(5) الدريني، المناهج الأصولية، صفحات 666 - 668. (1/294)
صفحة 289
ويلاحظ من تعريف الشّماخيِّ تفرقته بين المطلق والعام، بخلاف بعض الأصوليّين الذين لم يفرّقوا بينهما، وأدرجوهما ضمن مباحث العام والخاص، كالغزالي والوارجلاني (1).
ومن أمثلة المطلق قوله تعالى في كفارة اليمين: {أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} (2)، فإنّ الرّقبة بإطلاقها تدلّ على إجزاء المؤمنة والكافرة.
ثمّ عرّف الشّماخيُّ المقيّد بأنّه: «اللّفظ الدّال على لا على شائع في جنسه» (3).
وذكر أنّه بهذا المعنى يكون نقيضا للمطلق، فيدخل العامّ في معناه؛ لأنّه مقيّد يفيد الكثرة، ككلّ ونحوها من ألفاظ العموم، كما تدخل جميع المعارف في معناه (4).
وتقييد المطلق بقيد لا يُخرجه من الإطلاق أصلا، إذ المطلق يحتمل التّقييد بقيود عدّة، وعلى هذا فالمقيّد هو اللّفظ الذي يخرج من الشّيوع بوجه ما (5).
ومن أمثلة المطلق قوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} (6)، حيث قُيّد الدّم المحرّم بكونه مسفوحا، أمّا الدّم الجامد كالكبد والطّحال فليس بمُحرّم.
وعلى هذا النّحو من التّعريف والتّوضيح سار السَّالمي، أمّا الوارجلانيُّ فإنّه لم يورد تعريفا للمطلق والمقيد، وإنّما اكتفى باعتبارهما ممّا يتصل بالعام والخاص، وذكر مقيّدات المطلق، وأورد أمثلة فيها تداخل بين الإطلاق والعموم (7).
__________
(1) باجو، الوارجلاني أصوليا، 486.
(2) سورة المائدة، الآية: 89.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 415.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415.
(5) الدّريني، المناهج الأصولية، 672.
(6) سورة الأنعام، الآية: 145.
(7) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 168)؛ السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 75، 76)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 226. (1/295)
صفحة 290
الفرع الثّاني: حكم المطلق والمقيد:
ذكر الأصوليّون أنّ المطلق يجري على إطلاقه، ما لم يرد دليل يدلّ على التّقييد، وذلك إذا ورد مطلقا في موضع دون أن يقيّد أن يقيّد في موضع آخر، فإن دلّ الدليل على تقييد المطلق عُمل بالقيد كما في قوله تعالى: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} (1)، فإنّ الوصيّة وردت مطلقة عن التّقييد بمقدار معيّن، ولكن قام الدّليل من السنّة على تقييدها بمقدار معيّن وهو الثّلث، وذلك في قوله - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقّاص لما استشاره في إيصائه بماله كلّه أو نصفه، فمنعه النّبي - صلى الله عليه وسلم - وبيّن له أنّ المقدار الجائز هو: «الثّلث، والثّلث كثير ... » (2)، فصارت الوصيّة مقيّدة بهذا القدر، فلا يجوز الزّيادة عليه إلّا بإجازة الورثة.
أمّا المقيّد فيُعمل به على تقييده ما لم يدلّ دليل على إلغاء القيد، فيُلغى حينئذ القيد اللّاحق به، مثاله قوله تعالى في كفارة الظهار: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} (3)، حيث ورد الصّيام مقيّدا بتتابع الشّهرين، وبكونه قبل العودة إلى التماس والاستمتاع بالزّوجة، التي ظاهر منها، فيُعمل به على تقييده بهذين القيدين، فلا يُجزئ في كفارة الظّهار تفريق الصيام، كما لا يُجزئ كونه بعد الاستمتاع بالزّوجة وإن كان متتابعا (4).
وبيّن السّالميُّ حكم المطلق والمقيّد بقوله: «حكم المطلق والمقيّد أن يجري كلّ واحد منهما في موضعه إذا اختلفا سببا وحكما، فالمطلق يجري في إطلاقه، والمقيّد في موضع تقييده ولا يصحّ أن يُحمل أحدهما على الآخر ههنا بلا خلاف بين الأصوليين لما في ذلك من التّنافي» (5).
وقد فصّل الأصوليوّن الحالات التي يجوز فيها حمل المطلق على المقيّد، والحالات التي لا يجوز فيها ذلك، بل ينبغي أن يُعمل بكلّ واحد منهما في محلّه. وفيما يأتي بيان لهذه الحالات.
__________
(1) سورة النّساء، الآية: 11.
(2) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، باب الوصيّة بالثّلث، حديث رقم: 2743، ص (4/ 3)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الوصيّة، باب الوصيّة بالثّلث، حديث رقم: 4296، ص (3/ 68).
(3) سورة المجادلة، الآية: 4.
(4) ينظر: الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (1/ 207، 208)؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 192)؛ الدريني، المناهج الأصولية، 670 وما بعدها.
(5) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 78). (1/296)
صفحة 291
الفرع الثّالث: حمل المطلق على المقيّد:
يُقصد بحمل المطلق على المقيّد بيان المقيّد للمطلق بأن يقلّل من شيوعه، وبعبارة أخرى: هو تقديم العمل بالمقيّد باعتباره بيانا للمطلق.
ويعتبر حمل المطلق على المقيّد من الأبحاث المهمّة في قواعد تفسير النّصوص الشّرعية (1).
وقد سبق بيان أنّ حكم المطلق والمقيّد أن يُعمل بهما كلّ على أصله، ما لم يرد نصّ من الشّارع على إرادة تقييد المطلق، أو إلغاء القيد في المقيّد.
ولكن في بعض الحالات يرد اللّفظ مطلقا في نصّ، ويرد هو بعينه مقيّدا في نصّ آخر، ففي مثل هذا الوضع هل يُعمل بكلّ من المطلق والمقيّد في موضعه، ويُؤخذ الحكم من مدلول كلّ منهما على حدة، أم يُحمل المطلق على المقيّد، ويكون المراد بذلك المطلق الوارد في هذا النّص؟ هو المقيّد في نص آخر (2).
وقد اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة فذهب الجمهور إلى حمل المطلق على المقيّد، ووقع الاتّفاق بينهم في بعض الحالات، واختلفوا في أخرى، وذهب البعض إلى عدم الحمل إطلاقا؛ لأنّ كلّ نصّ حجّة بنفسه، فيُعمل به كما ورد.
ولما كان الموجب للحمل عند الجميع هو وجود التّعارض بين النّصين المطلق والمقيّد، فيكون أساس الاختلاف إذًا هو، بأيّ شيء يتحقّق التّعارض، حتى يجب حمل أحدهما على الآخر؟ (3)
لهذا فصّل الأصوليّون المتأخّرون حالات اجتماع المطلق بالمقيّد، وجعلوها في أربعة أقسام كالآتي:
- اتحاد الحكم والسّبب.
- اختلاف الحكم والسّبب.
- اختلاف الحكم، واتحاد السبب.
- اتّحاد الحكم، واختلاف السّبب.
1 - اتّحاد الحكم والسّبب:
__________
(1) ينظر: محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (2/ 201)؛ الدّريني، المرجع السابق، 676.
(2) ينظر: محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 200).
(3) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 212. (1/297)
صفحة 292
بمعنى أن يكون المطلق والمقيّد متّحدان في الحكم، وفي السّبب الذي شرّع من أجله الحكم، ففي هذه الحالة يُحمل المطلق على المقيّد باتّفاق الجمهور، وفي ذلك يقول الشّماخي: «وإن اتّفق حكمهما وموجبهما، حُمل المطلق على المقيّد اتّفاقا» (1)، سواء تقدّم أحدهما على الآخر أو تقارنا في الوجود، ثمّ ذكر أنّ البعض اشترط عدم تأخّر المقيّد وإلّا كان ناسخا للمطلق، وردّ هذا القول؛ مستدلّا لذلك «بأنّ التّقييد بيان، وأيضا لو كان نسخا لكان التّخصيص نسخا؛ لأنّه نوع من المجاز مثله، ويلزمهم أن يكون تأخير المطلق نسخا؛ وأيضا لأنّ التّنافي إنّما يتصوّر عن الطّرفين» (2).
ومن أمثلة هذه الحالة قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} (3)، وقوله تعالى: {قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} (4)، فلفظ الدّم ورد في الآية مطلقا، وورد في الثانية مقيّدا بكونه مسفوحا، والحكم في الآيتين واحد هو حرمة تناول الدّم، وسبب الحكم واحد وهو الضّرر النّاشئ عن تناول الدّم، فيحمل المطلق على المقيّد، فيكون الدّم المحرّم هو المسفوح، أمّا الدّم الجامد كالكبد والطّحال فليس بمُحرَّم (5).
2 - اختلاف الحكم والسّبب:
إذا اختلف المطلق والمقيّد في الحكم والسّبب، فلا يُحمل المطلق على المقيّد اتّفاقا، بل يُعمل بالمطلق في موضعه، وبالمقيّد في موضعه؛ إذ لا صلة ولا ارتباط بين النّصّين أصلا.
وفي هذا يقول الشّماخيُّ: «اعلم أنّ المطلق والمقيّد إذا اختلف حكمهما، فلا يُحمل المطلق على المقيّد، قيل اتّفاقا»، ولم يذكر لذلك مثالا (6).
ومن الأمثلة التي ذكرها الأصوليّون قوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} (7)،
وقوله في آية الوضوء: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (8)، فإنّ لفظ الأيدي في الأولى ورد مطلقا، وفي الثّانية مقيّدا، والحكم مختلف فيهما؛ إذ هو في الأولى وجوب القطع وفي الثّانية وجوب الغسل، والسّبب مختلف كذلك؛ إذ هو في الأولى السّرقة، وفي الثّانية إرادة القيام إلى الصّلاة، ففي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيّد اتّفاقا، فلا يقيّد قطع اليد في السّرقة إلى المرفق (9).
3 - اختلاف الحكم واتّحاد السّبب:
لم يُفرِد الشّماخيُّ لهذه الحالة قسما مستقلا، مثلما فعل الوارجلانيُّ والسّالمي، وإنّما أدخلها ضمن الحالة الثانية التي فيها اختلاف المطلق والمقيّد في الحكم والسّبب؛ لأنّه في كلا الحالتين حصل الاتّفاق بين الجمهور على عدم حمل المطلق على المقيد. وعبّر الوراجلانيّ عن هذه الحالة باتّفاق الجنس واختلاف الحكم (10).
وبيان هذه الحالة أنّ المطلق والمقيّد إذا اتّفقا في السّبب، واختلفا في الحكم، ففي هذه الحالة العلماء متّفقون على إبقاء المطلق على إطلاقه، والمقيّد على تقييده ولا يُحمل أحدهما على الآخر.
ويمثّلون لذلك بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (11)، وقوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} (12)، فالحكم في النّص الأول وجوب غسل الأيدي التي وردت مقيّدة بالمرافق، والحكم في النّص الثّاني، مسح الأيدي التي وردت مطلقة، والسّبب للحكمين متّحد وهو إرادة الصّلاة، ففي
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415.
(2) الشّماخي، المصدر نفسه، 415.
(3) سورة المائدة، الآية: 2.
(4) سورة الأنعام، الآية: 145.
(5) ينظر: الدّريني، المناهج الأصولية، 678؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 286.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415.
(7) سورة المائدة، الآية: 38.
(8) سورة المائدة، الآية: 6.
(9) ينظر: الدّريني، المرجع السابق، 682؛ زيدان، المرجع السابق، 287.
(10) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 171)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 80)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 488.
(11) سورة المائدة، الآية: 6.
(12) سورة المائدة، الآية: 6. (1/298)
صفحة 293
هذه الحالة لا يُحمل المطلق على المقيّد بل يعمل بكلّ منهما في موضعه، فلا يتحدّد مسح اليدين في التّيمم بالمرفقين (1).
4 - اتّحاد الحكم واختلاف السّبب:
لئن حصل الاتّفاق بين الجمهور في الصّور الثّلاثة الماضيّة، فقد وقع الاختلاف بينهم في هذه الصّورة، وهي حالة اتّفاق المطلق والمقيد في الحكم واختلافهما في السّبب.
فذهب الحنفيّة إلى أنّ المطلق لا يُحمل على المقيّد هنا، وإنّما يُعمل بكلّ منهما، فالمطلق على إطلاقه، والمقيّد على تقييده.
واختلف الجمهور على قسمين، فذهب الأكثريّة منهم إلى حمل المطلق على المقيّد في هذه الحالة دون شروط، فهو حمل من طريق اللّفظ.
وذهب بعض المحقّقين كالشّيرازي، والرّازي، وابن الحاجب، والبيضاوي (2) وغيرهم، إلى حمل المطلق على المقيّد، بشرط توفّر علّة جامعة بينهما، وإلّا فلا يحمل (3).
وقد اختار الشّماخيُّ هذا المذهب الأخير، فقال بعد استعراضه لمذاهب العلماء في المسألة: «والمختار إن وُجد جامع حُمل، وإلّا فلا» (4).
بخلاف الوارجلانيِّ الذي رجّح مذهب الجمهور القائلين بالحمل دون شرط (5).
__________
(1) ينظر: الدّريني، المناهج الأصولية، 683؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، 287.
(2) هو أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد بن علي الشّيرازي البيضاوي، الأصولي والفقيه والمفسّر الشافعي، ولي القضاء في شيراز، توفي سنة 685 هـ، من آثاره: "منهاج الوصول إلى علم الأصول"، "أنوار التّنزيل وأسرار التّأويل". تنظر ترجمته: السبكي، طبقات الشافعيّة الكبرى، ص (8/ 157)؛ ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعيّة، ص (2/ 172)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (8/ 292).
(3) ينظر: العضد، شرح مختصر المنتهى، 237؛ محمّد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 216)؛ الدريني، المناهج الأصوليّة، 684.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 416.
(5) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 170)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 490. (1/299)
صفحة 294
وذكر الشّماخيُّ من أمثلة هذه الحالة، آية الظهار، وآية القتل الخطأ في اشتراط الإيمان في إعتاق الرقبة، ومثّل أيضا بآية الظّهار، وآية كفّارة اليمين في اشتراط التّتابع في الصّيام.
ففي قوله تعالى في كفّارة الظّهار: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} (1) تحرير إعتاق الرقبة جاء مطلقا دون تقييده بالمؤمنة، أمّا في كفارة قتل الخطأ في قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} (2) جاء تحرير الرّقبة مقيّدة بوصف الإيمان.
والحكم في الآيتين واحد وهو تحرير الرّقبة، ولكن اختلف السّبب فيهما، حيث هو إرادة العود في كفارة الظّهار، والقتل الخطأ في الآية الثّانية، والإطلاق والتّقييد في الحكم.
فالحنفيّة لا يحملون المطلق على المقيّد في النّصّين، ويوجبون العمل بكلّ منهما حيث ورد، ففي كفارة الظّهار تُجزئ الرّقبة الكافرة عملا بالمطلق، أمّا كفّارة القتل الخطأ فلا تُجزئ إلّا الرّقبة المؤمنة عملا بالمقيّد.
وحجّتهم في ذلك أنّه لا يلجأ إلى حمل المطلق على المقّيد إلّا عند التّنافي بين الحُكمين، بحيث يؤدّي العمل بكلّ منهما إلى التّناقض، أمّا في هذا المثال فلا تنافي بين الحكمين، كما قالوا إنّ المناسب لقتل الخطأ التّشديد، فقيّدت الرّقبة بكونها مؤمنة، أمّا الظهار من الزّوجة فالمناسب له التّخفيف، فجُعل التّكفير بمطلق الرّقبة إبقاء على الحياة الزّوجيّة.
كما استند الحنفيّة في رأيهم إلى عدم الاعتداد بمفهوم المخالفة في تفسير نصوص الكتاب والسنّة، فالقيد في اجتهادهم لا مفهوم له (3).
أمّا الجمهور فذهبوا إلى حمل المطلق على المقيّد في الآيتين؛ لوجود التّعارض حيث اتّحد الحكم، والحكم الواحد إذا ورد في كتاب الله مقيّدا في موضع فلا بدّ أن يكون مقيّدا في كلّ موضع يذكر فيه؛ لتناسق الأحكام ولا أثر لاختلاف السّبب، حيث حملوا الرّقبة المطلقة في كفارة الظّهار على الرّقبة المقيّدة بالإيمان في كفارة قتل الخطأ، فاشترطوا الإيمان في تحرير الرّقبة في كفارة الظّهار.
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 3.
(2) سورة النساء، الآية: 92.
(3) ينظر: محمّد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 220)؛ الدّريني، المناهج الأصولية، صفحات 678، 685، 686. (1/301)
صفحة 295
كما أنّ المشترطين لوجود علّة جامعة بين المطلق والمقيّد، حملوا المطلق على المقيّد في هاتين الآيتين؛ لأنّهم رأوا أنّ ذلك قد توفّر في نصّي الكفّارتين، فلا يكون الخروج من العهدة إلّا بتحرير الرّقبة المؤمنة، التي حرص الشارع كلّ الحرص على تحريرها، فهو مع حرصه على تحرير الرّقاب الأخرى يرى أنّ المؤمنة أولى وأحرى، ولولا وجود هذا الاشتراك بين المطلق والمقيّد لما قالوا بالحمل (1).
ولعلّ الرّاجح ما ذهب إليه أصحاب هذا المذهب، من اشتراط وجود العلّة الجامعة بين المطلق والمقيد حتى يصحّ الحمل، أمّا ما ذهب إليه الجمهور من القول بالحمل دون أيّ شرط؛ بحجّة أنّ اتّحاد الأحكام يوجب التّناسق بين الحكمين المتّحدين، فهذه الحجّة غير مسلّم بها على الإطلاق؛ لأنّ اعتبار الوحدة تكون عند الحاجة إلى التّفسير، فقد يحصل التّنافي بين المطلق والمقيّد، كما إذا كان كلّ من الحكم والسّبب الذي بُني عليه في النّصوص المختلفة متّحدا، أمّا عند اختلاف السّبب فلا حاجة لاعتبار الوحدة لعدم التّنافي (2).
وأشار الشّماخيُّ والسّالميُّ إلى اختلاف رأي متقدّمي الإباضيّة في المسألة، حيث ذهب ابن بركة مذهب الجمهور في الحمل دون شرط، فأوجب التّتابع في صوم الكفارة، والإيمان في تحرير الرقبة، أمّا محمد بن محبوب (3) فذهب إلى عدم حمل المطلق على المقيّد في هذه الحالة، وهو رأي الحنفيّة (4).
__________
(1) ينظر: محمّد أديب صالح، المرجع السابق، ص (2/ 226)؛ شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 418.
(2) ينظر: محمد أديب صالح، المرجع نفسه، ص (2/ 222)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 532.
(3) هو أبو عبد الله محمد بن محبوب بن الرّحيل بن سيف بن هبير القرشي، أحد أعلام الإباضية العمانيّين في القرن الثّالث الهجري، تلقى العلم عن أبي صفرة وموسى بن على الإزكوي، وتولى رئاسة العلم في أيّام الإمام الصّلت بن مالك العماني (237، 272 هـ)، واشتغل بالقضاء في صحار، توفي سنة 260 هـ، ومن آثاره: "مختصر من السنّة"، وله سير كثيرة. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 90 - 99)؛ الشماخي، كتاب السير، ص (1/ 234)، محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 1301، ص 425.
(4) ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (2/ 88)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 415؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 80). (1/302)
صفحة 296
المبحث السّادس: الأمر والنّهي.
تمهيد: الأوامر والنّواهي من أنواع الخاص، ويُعتبران من المباحث الأصوليّة المهمّة، فهما صلب التّشريع، ومن خلالهما يتميّز الحلال من الحرام، وبهما تثبت الأحكام في نصوص الكتاب والسنّة؛ لأنّ الأحكام التّكليفيّة أكثرها قائم على طلب الفعل، وطلب الكفّ، فالطّلب بأمره ونهيه قدر مشترك منبتّ في نصوص الأحكام من كتاب الله وسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -؛ لهذا كان لا بدّ لمن يريد تفسير هذه النّصوص أن يعرف الأمر والنّهي ومداهما في شريعة الإسلام (1)، وفي ذلك يقول الإمام السّرخسي: «فأحقّ ما يُبدأ به في البيان الأمر والنّهي؛ لأن معظم الابتلاء بهما وبمعرفتهما تتمّ معرفة الأحكام ويتميز الحلال من الحرام» (2).
وقد أفرد الشّماخي الباب الثّاني من كتابه للأوامر والنّواهي، تناول فيه مباحثهما، مدرجا معهما مباحث الحكم الشّرعي؛ لأنّ هذه الأخيرة من مستلزمات الأوامر والنّواهي.
وعلى هذا النّحو من التّقسيم سار بعض الأصوليّين، والبعض الآخر فصلوا بين الأوامر والنّواهي ومباحث الحكم الشّرعي.
__________
(1) ينظر: محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 232)؛ الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 699.
(2) السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 11). (1/303)
صفحة 297
وقد سبق وأن خصّصت الفصل الأوّل من البحث لمباحث الحكم الشّرعي، وفيما يأتي سأتناول مباحث الأمر ثمّ النّهي. (1/304)
صفحة 298
المطلب الأوّل: الأمر.
الفرع الأوّل: حقيقة الأمر وصيغته.
أوّلا: تعريف الأمر:
لغة: الأمر في اللّغة ضدّ النّهي، قال ابن منظور: «الأمر معروف نقيض النّهي، والأمر واحد الأمور» (1)
اصطلاحا: ذكر الشّماخيُّ أنّ الأصوليّين حدّوا الأمر بحدود كثيرة، واختار منها: «طلب فعل غير كفّ على جهة الاستعلاء» (2).
ثمّ بيّن قيوده كالآتي:
- الطّلب: جنس يشمل الاستفهام والتّمنّي وغيرهما.
- غير كفّ: مخرج للنّهي؛ لأنّه طلب فعل كفّ.
- على جهة الاستعلاء (3): مخرج للدّعاء والالتماس؛ لأنّه لا استعلاء فيهما (4).
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "أمر"، ص (4/ 48).
(2) هذا هو التّعريف المختار عند ابن الحاجب وشرّاح مختصره، وبه قال بعض الأصوليّين كالشّاطبي، وأمير بادشاه، وغيرهم. ينظر: ابن الحاجب، مختصر منتهى السؤل والأمل، ص (1/ 646)؛ الشّاطبي، الموافقات، ص (6/ 429)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، ص 162؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 300؛ أمير بادشاه، تيسير التحرير، ص (1/ 337).
(3) العلوّ في الأمر معناه أن يكون الطّالب عالي الرّتبة على المطلوب منه، والاستعلاء بأن يكون الطلب بعظمة لإطلاق الأمر، وقد اختلف الأصوليّون في اعتبار العلو أو الاستعلاء أو هما معا في الأمر:
فذهب البعض إلى اعتبار العلوّ والاستعلاء جميعا في الأمر، وذهب البعض الآخر إلى اعتبار العلوّ دون الاستعلاء، وبعضهم قال باعتبار الاستعلاء دون العلو، والبعض اختاروا عدم اعتبارهما.
واختار الشّماخي اعتبار الاستعلاء دون العلوّ، وهو قول أبي الحسين البصري، والباجي، والآمدي وابن الحاجب والعضد وغيرهم. ينظر: البصري، المعتمد، ص (1/ 43)؛ الباجي، الإشارة، 164؛ الآمدي، الإحكام، ص (2/ 12)؛ ابن الحاجب، المنتهى الأصولي، ص (1/ 646)؛ العضد، المصدر السابق، 162؛ الشّماخي، المصدر السابق، 300؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 167).
(4) اختلف الإباضيّة في اعتبار العلو والاستعلاء من حقيقة الأمر، فابن بركة يرى اعتبار العلوّ في الأمر دون الاستعلاء، وسمّى الخطاب الصّادر من الأدنى إلى الأعلى باسم المسألة والدّعاء، والوارجلاني ذهب إلى عدم اعتبار العلوّ والاستعلاء في الأمر، وتابعه في ذلك السّالمي، أمّا الشّمّاخيُّ فاختار اعتبار الاستعلاء دون العلو. ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 130)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 98)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 300؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 117)؛ جابر السّعدي، ابن بركة وآراؤه الأصوليّة، 74. (1/305)
صفحة 299
ثمّ ذكر أنّ الأمر حقيقة في القول المخصوص فقط، خلافا لمن قال بأنّه مشترك بينه وبين الفعل (1)، ومن قال بأنّه متواطئ فيهما، ومن قال بأنّه مشترك بينهما وبين الشّأن والصّفة والشّيء (2).
أمّا الوارجلانيُّ فعرّف الأمر بأنّه: «طلب الفعل، واقتضاؤه على غير وجه المسألة»، وبهذا التّعريف أخذ السّالميُّ والبرّادي أيضا (3).
ثانيا: صيغة الأمر.
يرى الشّماخيُّ أنّ الأمر له صيغة تدلّ عليه، ونسب للأشعريِّ القول بنفي ذلك (4).
وبيّن أنّه قد يعبّر عن الأمر بالفعل كأن يكون إشارة أو رمزا، كما قد يُعبّر عنه بالقول.
أمّا بالقول فذكر أنّ له عدّة صيغ فقد يكون بصيغة الأمر وهي: "افعل" أو بالمضارع المقرون بلام
__________
(1) ذهب بعض الفقهاء إلى أنّ لفظ الأمر مشترك بين الصيغة المذكورة وبين الفعل، ودليلهم أنّه يُطلق على الفعل كما يُطلق على الطّلب؛ بدليل قوله تعالى: {وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ} [سورة هود، الآية:97]، أي وما فعله برشيد، والأصل في اللّام الحقيقة، فاقتضى أن يكون مشتركا بين هذين المعنيين؛ وأجاب الجمهور أنّ معنى الآية وما شأن فرعون برشيد، أطلق الأمر على الشّأن فيها مجازا، وليس على سبيل الاشتراك مع معناه الحقيقي. ينظر: ابن السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ص (2/ 8)؛ محمد سعيد رمضان البوطي، أصول الفقه، دط، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، سوريا، 1407 هـ-1987 م، 109.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 300.
(3) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 64)؛ السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 35)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 539.
(4) نسب هذا القول لأبي الحسن الأشعري كثير من الأصوليّين، كالجويني، والزّركشي وغيرهما. ينظر: الجويني، البرهان، ص (1/ 149)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (2/ 88).
وتعتبر هذه من المسائل المشتركة بين علم أصول الفقه وعلم الكلام؛ ذلك أنّ لها علاقة باختلاف المتكلّمين حول إثبات الكلام النّفسي لله تعالى، فالأشاعرة يثبتون لله تعالى الكلام النّفسيّ، والكلام في نظرهم معنى في النّفس وهو ما تدلّ العبارات عليه، ولا تسمّى العبارات كلاما إلّا تجوّزا، وعليه فسّروا الأمر بالمعنى الذّهنيّ، وهو ما قام في النّفس من الطّلب؛ لأنّ الأمر في الحقيقة هو ذلك الطّلب واللّفظ دلّ عليه، وعليه فلم يجعلوا للأمر والنّهي صيغة، بخلاف المعتزلة الذين يرون أنّ للكلام صيغة وصورة فأثبتوا للأمر صيغته، وجعلوه متلازما مع الإرادة، أمّا الإباضيّة فيتّفقون مع المعتزلة في أنّ للكلام صيغة وصورة، ويتّفقون مع الأشاعرة خلافا للمعتزلة في أنّه لا ارتباط بين الإرادة والأمر؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى القول بأنّ وقوع المعاصي كان بأمره تعالى، وهو منزّه عن ذلك؛ ينظر: البوطي، المرجع السابق، 110؛ العروسي، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وعلم الكلام، 113 وما بعدها؛ باجو، المرجع السابق، 543. (1/306)
صفحة 300
الأمر"ليفعل" نحو قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ} (1)، وقوله: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} (2)، كما أنّ الأمر قد يكون جملة فعليّة في صورة الخبر نحو قوله تعالى: {إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} (3).
الفرع الثّاني: دلالة الأمر.
أوّلا: فيما تُستعمل صيغة الأمر:
يتّفق الأصوليّون على أنّ صيغة الأمر "افعل" تأتي في اللّغة لمعان كثيرة مختلفة، كالوجوب والنّدب والإباحة والتمنّي والدّعاء وغيرها من الصّيغ، أوصلها بعض الأصوليّين إلى ما يقارب العشرين صيغة (4).
وقد بسط الشّماخيُّ القول في صيغ الأمر، وأحصى منها اثنان وعشرين صيغة، وجعلها على نوعين:
1 - صيغ ترد لطلب الفعل: وذكر منها سبعة معان وهي: الوجوب، النّدب، التّأديب، الإرشاد، الدّعاء، الالتماس، والإذن (5).
2 - صيغ ترد لا لطلب الفعل: وذكر منها خمسة عشر معنًى من معاني الأمر وهي: الإباحة، الإطلاق، التّسوية، التّهديد، الإنذار، الإهانة، التّخيير، الاحتقار، التّعجيز، التّكوين، الإكرام، التّعجّب، كمال القدرة، التّمنّي، والامتنان (6) (7).
وفيما يأتي سأذكر بعض الأمثلة لهذه الصّيغ:
1 - الوجوب: كقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (8).
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 43.
(2) سورة الطلاق، الآية: 7.
(3) سورة النساء، الآية: 58.
(4) الدّريني، المناهج الأصوليّة، 702، 703.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 302، 303.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 303 - 306.
(7) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 97 - 98.
(8) سورة النّور، الآية: 56. (1/307)
صفحة 301
2 - النّدب: كقوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمُ, إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (1).
3 - الإرشاد: كقوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} (2)، وبيّن أنّ الفرق بين النّدب والإرشاد، أنّ النّدب يكون لثواب أخروي، أمّا الإرشاد فهو تنبيه على مصلحة الدّنيا (3).
4 - التّهديد: كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (4).
5 - الاحتقار: كقوله تعالى: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} (5).
6 - الامتنان: كقوله تعالى: {كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} (6).
ثانيا: ماذا تقتضي صيغة الأمر؟
إنّ كون الأمر مستعملا على وجوه متعدّدة، لا يعني أنّ كلّ هذه المعاني هي على الحقيقة؛ لهذا اتّسع ميدان الاختلاف بين العلماء في تحديد المعنى الحقيقي للأمر.
وذكر الشّماخيُّ أنّ الجمهور متّفقون على أنّ صيغة "افعل" ليست حقيقة في جميع تلك المعاني بل في بعضها، ثمّ ذكر مذاهب العلماء فيما تفيده هذه الصّيغة: بين قائل بأنّه حقيقة في الوجوب وهو قول الجمهور، وقائل بأنّ حقيقة في النّدب، وقائل بأنّه حقيقة في المعنى المشترك بينهما وهو الطّلب، وذهب البعض إلى أنّه حقيقة في الوجوب والنّدب والإباحة، والبعض إلى القول بالتّوقّف (7) (8).
ثمّ اختار -بعض استعراضه لمذاهب العلماء في المسألة- مذهب الجمهور القائلين بأنّ صيغة الأمر المجرّد حقيقة في الوجوب، واستعمالها فيما عداه من المعاني كالنّدب والإباحة وغيرها، يكون مجازا ولا يُحمل على أيّ منها إلّا بقرينة، وهذا بدلالة اللّغة والشّرع، حيث قال: «والمختار أنّها للوجوب، إمّا بالوضع، وإمّا بعرف الشّرع» (9).
وقال في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد: «واعلم أنّ الأمر المجرّد من القرائن فللوجوب عندنا مطلقا» (10)، وبهذا القول أخذ عامّة الإباضيّة (11).
ولم يتعرّض لذكر أدلّة المذاهب، واكتفى فقط بإيراد أدلّة الجمهور كالآتي:
- من القرآن: استدلّ الجمهور بآيات كثيرة تؤكّد كون الأمر للوجوب، وقد أورد الشّماخيُّ عدّة آيات منها:
- قوله تعالى لإبليس: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (12).
قالوا لو لم يكن الأمر للوجوب لما ذمّ الله إبليس على ترك المأمور، ولما سارع الملائكة للامتثال.
- قوله تعالى: {فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (13).
تهديد الله لمن يخالف أمره بالوعيد الشّديد، دليل على وجوب أمره.
- من السنّة:
- قول النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لأبي سعيد بن المعلّى (14) -رضي الله عنه- وقد دعاه وهو في الصّلاة: «ما منعك أن لا تستجيب وقد سمعت قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم
__________
(1) سورة النّور، الآية: 33.
(2) سورة البقرة، الآية: 282؛
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 303.
(4) سورة فصّلت، الآية: 40.
(5) سورة طه، الآية: 72.
(6) سورة طه، الآية: 81.
(7) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 241 - 244).
(8) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 307؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 93.
(9) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 308.
(10) الشّماخي، شرح مقدّمة التّوحيد، 98.
(11) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 67)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 307؛ شرح مقدّمة التّوحيد، 98؛ القطب اطفيّش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 51)؛ السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 38)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 545.
(12) سورة الأعراف، الآية: 12.
(13) سورة النّور، الآية: 63.
(14) هو أبو سعيد بن الحارث الأنصاري، الصّحابي الفقيه قاضي المدينة، حدّث عن أبي هريرة وابن عمر، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله وغيرهم. توفّي سنة 94 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (5/ 192)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 174). (1/308)
صفحة 302
لِمَا يُحْيِيكُمْ} (1)» (2).
فعتاب النّبي - صلى الله عليه وسلم - للصّحابي الذي لم يلبّ نداءه، دليل على أنّ الأمر للوجوب.
- قول النّبي - صلى الله عليه وسلم - لبريرة (3): «لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنّما أنا أشفع» (4).
فلو لم يكن الأمر للوجوب لما استفسرت بريرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مراده.
وذكر الشّماخي أيضا أنّه ممّا يستدلّ به على كون الأمر المجرّد حقيقة في الوجوب، أنّه قد شاع بين الصحابة - رضوان الله عليهم- وغيرهم، الاستدلال بكون الأمر للوجوب، ولم ينكر ذلك أحد (5).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من أنّ الأمر المجرّد للوجوب؛ لتظافر الأدلّة التي تُثبت ذلك؛ ولدلالة اللّغة والشّرع عليه.
__________
(1) سورة الأنفال، الآية: 24.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب تفسير القرآن، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، حديث رقم: 4474، ص (6/ 17).
(3) هي بريرة بنت صفوان مولاة أمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عن هـ-، اشترتها من آل عتبة بن أبي لهب وأعتقتها، كانت تخدم عائشة قبل أن تشتريها، وقد روى عنها عبد الملك بن مروان وغيره. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 265)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 335).
(4) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوج بريرة، حديث رقم: 5283، ص (7/ 48).
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 308 - 310. (1/309)
صفحة 303
ثالثا: الأمر الوارد بعد النّهي ودلالته:
اختلف الأصوليّون فيما تقتضيه صيغة الأمر الواردة بعد الحظر -وهو النّهي- على مذاهب:
- فذهب الجمهور إلى أنّه يقتضي الإباحة، وبهذا القول أخذ الشّماخيُّ حيث قال: «تقدّم أنّ صيغة الأمر للوجوب، سواء كان ابتداء أو بعد ندب، وأمّا بعد الحظر فالحظر قرينة صارفة له عن الإيجاب إلى الإباحة» (1)؛ واستدلّ الجمهور على ذلك بعدّة أدلة من الكتاب ومن السنّة، من ذلك قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (2)، وقوله: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} (3)، وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} (4)، كما استدلّوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم» (5) (6).
- وذهب ابن حزم (7)، ومتأخّروا الحنفيّة والمالكيّة، وبعض الشافعيّة إلى أنّ الأمر الوارد بعد الحظر يدلّ على الوجوب، وممّا استدلّوا به قوله تعالى: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (8) (9).
- واختار بعض الأصوليّين منهم إمام الحرمين الجويني القول بالتوقّف (10).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 311.
(2) سورة المائدة، الآية: 2.
(3) سورة الجمعة، الآية: 10.
(4) سورة البقرة، الآية: 222.
(5) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأضاحي، باب بيان ما كان من النّهي عن أكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث في أوّل الإسلام، وبيان نسخه وإباحته إلى متى شاء، حديث رقم: 2305، ص (3/ 65).
(6) الشّماخي، المصدر السابق، 311.
(7) هو أبو محمّد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم القرطبي الأندلسي، الأصولي والفقيه الظّاهري، وهو مجّدد مذهب الظّاهرية، ولد سنة 384 هـ، اشتهر بانتقاده للعلماء، وكان معاصرا لأبي الوليد الباجي، وجرت بينهما مناظرات، توفي سنة 456 هـ، من آثاره: "الإحكام في أصول الأحكام"، "المحلّى". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (18/ 166)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 194).
(8) سورة التوبة، الآية:5.
(9) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 310؛ محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، المرجع السابق (2/ 364).
(10) الجويني، البرهان، ص (1/ 188). (1/311)
صفحة 304
- وقال الغزالي بالتّفصيل: بين ما كان الحظر فيه عارضا لعلّة، وعُلّقت صيغة الأمر بزوالها، فبعرف الاستعمال يدلّ أنّه لرفع الذّم، وبين ما لم يكن الحظر عارضا لعلّة، ولم تعلّق صيغة الأمر بزواله، فيبقى موجب الصّيغة كما كان من قبل (1).
- وذهب ابن الهمام من الحنفيّة إلى أنّ الأمر بعد الحظر يرجع على الحكم الذي قبله من وجوب أو غيره، ويكون رافعا للحظر الذي سبق الأمر، فالأمر مثلا بقتال المشركين واجب، ثمّ حظره الشّرع في الأشهر الحرم، ثمّ أمر به بعد انتهائها، فيعود الحكم إلى أصله الأوّل وهو الوجوب، والاصطياد في أصله مباح، ثمّ حظره الشارع في حالة الإحرام، ثمّ أمر به بعد الانتهاء منه فيعود إلى أصله وهو الإباحة (2).
والرّاجح هو هذا المذهب الأخير؛ لأنّه ثابتٌ بدليل تتبّع واستقراء الأوامر الواردة بعد الحظر، والنّصوص التي استدلّ بها القائلون بالوجوب والقائلون بالإباحة، منها ما دلّ الأمر فيه على الإباحة ومنها ما دلّ الأمر فيه على الوجوب، فدلّ هذا على أنّ الحكم الثّابت للأمر بعد الحظر هو حكمه الأوّل قبل الحظر.
رابعا: الأمر المجرّد هل يقتضي فعل المأمور به مرّة واحدة أو التّكرار؟
اختلف الأصوليّون في الأمر المجرّد هل يفيد تكرار المأمور به أم أنّه يدلّ على المرّة الواحدة على مذاهب:
- أنّ الأمر المجرّد لا يقتضي التّكرار، أي لا يقتضي إلّا فعل المأمور به مرّة واحدة فقط، وهو مذهب أكثر الحنفيّة والظّاهرية والحنابلة، وينسب إلى أكثر العلماء والمتكلّمين.
- أنّه يدلّ على التّكرار، وهو مذهب بعض الشافعية والحنابلة- أنّه يدلّ على الوقف، وبهذا قال بعض الأشعريّة، منهم الجويني.
__________
(1) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 418).
(2) ينظر: أمير بادشاه، تيسير التحرير، ص (1/ 346)؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، المرجع السابق (2/ 224). (1/312)
صفحة 305
- أنّه يدلّ على المرّة الواحدة، وبهذا قال المالكيّة، وكثير من الحنفيّة والشّافعية، وهو اختيار ابن بركة (1) (2).
- أنّه لا يدلّ على التّكرار ولا على المرّة الواحدة، وإنّما يدلّ على طلب الماهية، والماهية كما تتحقّق في المرّة الواحدة فإنّها تتحقّق في غيرها، وهو مذهب بعض الشّافعية كالرّازي، والآمدي، والبيضاوي.
ذكر الشّماخيُّ مذاهب العلماء في المسألة، ورجّح المذهب الأخير؛ معلّلا ذلك بأنّ: «مدلولات الأفعال أجناس، لا تُشعر بالوحدة ولا بالكثرة، ومن ثمّ لم تُثنّ ولم تُجمَع، وحسُن استعمالها في القليل والكثير بلفظ واحد» (3).
كما أخذ السّالميُّ بهذا القول أيضا (4)، أمّا الوارجلانيُّ فإنّه نفى دلالة الأمر المجرّد على التّكرار، ولم يصرّح بكونه يدلّ على المرّة الواحدة، أم على طلب الماهية (5).
ولعلّ الرّاجح من بين الأقوال السّابقة القول الأخير الذي رجّحه الشّماخي؛ لأنّ الأمر لا يمكن حمله على التّكرار إلّا بوجود قرينة، ودلالته على المرّة الواحدة ضرورة للخروج من عهدة التّكليف، وقلّما تخلو الأوامر من قرينة تثبت كونه للتّكرار أو المرّة الواحدة، ويظهر من خلال هذا أنّ الخلاف لفظيّ، بين القائلين بأنّه لا يقتضي التّكرار، والقائلين بأنّ لا يقتضي التّكرار ولا المرّة الواحدة، فمقصد المذهبين من ذلك هو نفي التّكرار، والخروج من العهدة بالمرّة الواحدة ضرورة، فلا خلاف إذن.
وتفرّع عن اختلاف الأصوليّين في دلالة الأمر المجرّد على التّكرار أو المرّة الواحدة، اختلافهم في مسألة أخرى وهي: الأمر المعلّق بشرط أو صفة، كقولك: «أعط النّاجح درهما» أو «إن قام زيد فقم» فهل يقتضي تكرار المأمور به بتكرار الشّرط أو الصّفة أو لا؟
__________
(1) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 88).
(2) ينظر: الشّماخي، شرح، مختصر العدل، 312؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 51)؛ محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 284)؛ عبد الكريم النملة، المهذب في علم أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1367).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 312.
(4) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 51).
(5) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 95)؛ باجو، الوارجلاني أصوليا، 507. (1/313)
صفحة 306
حيث ذهب القائلون بأنّ الأمر المجرّد يقتضي التّكرار، إلى أنّ الأمر إذا علّق بشرط أو صفة كان اقتضاؤه للتّكرار من باب أولى، كلّما تكرّر الشّرط أو الصّفة.
أمّا القائلون بأنّ الأمر المجرّد لا يقتضي التّكرار، فاختلفوا على مذهبين، فمنهم من قال بأنّ الأمر المعلّق بشرط أو صفة يدلّ التّكرار، ومنهم من قال بأنّ لا يدلّ عليه (1).
واختار الشّماخيُّ القول بأنّ الأمر المعلّق لا يقتضي التّكرار، إلّا إن عُلّق على علّة ثابثة الدّليل كقولك: «إن زنى فاجلده»، أمّا إن عُلِّق الأمر على غير علّة فإنّه لا يقتضي التّكرار.
وبيّن أنّ التّكرار في الأمر المعلّق بعلّة ثابتة، غير مستفاد من لفظ الأمر، بل من الإجماع المنعقد على وجوب اتّباع العلّة وإثبات الحكم بثبوتها (2).
كما أشار إلى أنّ القرينة هي التي تحدّد كونه للتّكرار أو للمرة الواحدة، فقال: «والمختار إن كانت قرينة تدلّ على التّكرار، كـ:"كلّما دخلت الدّار فلك درهم، أو {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (3) فهو وإلّا فلا» (4)
وهذا مذهب الجمهور، وبه أخذ الوارجلاني (5) والسّالمي (6)، وهو المختار.
خامسا: دلالة الأمر على الفور أو التّراخي:
إذا لم يقترن الأمر بقرينة تحدّد المجال الزّمني لفعل المأمور به، فهل يفيد بمجرّد صيغته الأداء على الفور، بمعنى أنّ على المكلّف المبادرة إلى الامتثال دون تأخير، أم هي على التّراخي، وعندها يكون في وسعه ألّا يبادر على الفور؟
ومجال الاختلاف في هذه المسألة ينحصر في الأمر الموسّع، أمّا الأمر المضيّق فلا خلاف بينهم في دلالته على الفور؛ لعدم قبوله التّأجيل.
__________
(1) ينظر: محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ص (2/ 335)؛ عبد الكريم النّملة، المهذب، ص (4/ 1376) وما بعدها.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 315.
(3) سورة البقرة، الآية: 185.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 316.
(5) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 98).
(6) السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 49). (1/314)
صفحة 307
وقد اختلف الأصوليّون في ذلك على مذاهب، فالقائلون بأنّ الأمر المجرّد يفيد التّكرار، قالوا بإفادته الفور، وأمّا القائلين بعدم إفادته للتّكرار فاختلفوا في إفادته الفور أو التّراخي، والذين توقّفوا في تكرار الأمر توقّفوا هنا أيضا (1).
واختار الشّماخيُّ القول بأنّ مطلق الأمر لا يدلّ على الفور ولا على التّراخي، إلّا بقرينة خارجيّة؛ وعلّل ذلك بقوله: «لا يدلّ على الفور ولا على التّراخي، بل على مطلق الفعل، وأيّهما حصل كان مجزئا وهذا هو الصّحيح، لنا ما تقدّم في التّكرار من أنّ المدلول طلب حقيقة الفعل، والفور والتّراخي خارجي، وإنّ الفور والتّراخي من صفات الفعل فلا دلالة عليهما» (2).
وجمهور الإباضيّة على هذا الرّأي كما نصّ على ذلك السّالميّ والقطب اطفيش (3)، وذهب البعض منهم إلى إفادته التّراخي، وهو الرّأي المختار عند الوارجلاني (4)، أمّا ابن بركة فاختار كونه يفيد الفور (5)، وتابعه في ذلك القطب اطفيّش (6) (7).
ولعلّ الرّاجح من الأقوال، أنّ الأمر المجرّد لا يدلّ على الفور أو التّراخي إلّا بقرينة خارجية؛ لأنّ الفور والتّراخي زائدان عن صيغة الأمر المطلق لغة، على أنّ المبادرة إلى الامتثال مندوب إليها؛ لقوله تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} (8)، فالمسارعة إلى الامتثال مندوب إليها بهذا الدّليل الخارجي لا بمجرّد الصّيغة (9).
وقد ترتّب عن اختلاف الأصوليّين في هذه المسألة، اختلاف في بعض الفروع الفقهيّة مثل:
- قضاء ما فات من رمضان هل يجب على الفور أم لا؟
- هل يجوز الحجّ فور استطاعة المسلم، أم يجوز تأخيره؟
__________
(1) ينظر: الشّماخي، المصدر السابق، 316؛ محمد أديب صالح، المرجع السابق، ص (2/ 350)
(2) العضد، شرح مختصر المنتهى، 169.
(3) ينظر: امحمّد اطفيّش، شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، ط 2، دار الفتح، بيروت، لبنان، دار التراث العربي، ليبيا، مكتبة الإرشاد، جدة، السّعودية، 1392 هـ-1972 م، ص (2/ 293)؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 46).
(4) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 100).
(5) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 88).
(6) اطفيش، شامل الأصل والفرع، ص (1/ 52).
(7) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 553.
(8) سورة آل عمران، الآية: 133.
(9) الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 711. (1/315)
صفحة 308
- إذا بلغ المال النّصاب، وحال عليه الحول، فهل يجب إخراج الزّكاة على الفور أو لا؟ (1).
المطلب الثّاني: النّهي.
تندرج معظم أحكام النّهي في أحكام الأمر؛ وذلك بحكم تقابلهما، فما قيل في أحكام الأمر يقال في أحكام النّهي؛ لهذا لم يفصّل الأصوليّون القول في مباحث النّهي مثلما فعلوا في الأمر، ولم يشذَّ الشّماخيُّ عن هذا المنهج.
الفرع الأوّل: تعريف النّهي وبيان صيغته.
أوّلا: تعريف النّهي:
لغة: النّهي في اللغة ضدّ الأمر، تقول: نهيته عن الشّيء فانتهى عنه أي كفّ، ومنه سمّي العقل نُهية؛ لأنّه ينهى عن القبيح (2).
اصطلاحا: عرّف الشّماخيُّ النّهي بأنّه: «طلب ترك الفعل على جهة الاستعلاء» (3)، وبيّن أنّ فوائد حدّه قد تقدّمت في حدّ الأمر.
- صيغة النّهي:
ذكر الشّماخيُّ أنّ للنّهي صيغة، وهي "لا تفعل"، أو ما في معناها مثل: نهيتكم، وغيرها من الصّيغ.
كما بيّن أنّ النّهي كما يكون بالقول، فكذلك يكون بالإشارة، وبصيغة الخبر، كما هو الحال في صيغة الأمر (4).
الفرع الثّاني: موجب صيغة النّهي.
__________
(1) عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (4/ 1392).
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "نهي"، ص (7/ 343).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 331.
(4) الشّماخي، المصدر نفسه، 331. (1/316)
صفحة 309
يتّفق الأصوليّون أنّ لصيغة النّهي "لا تفعل" عدّة معان في اللّغة، تماما كما هو الحال في ... صيغة الأمر.
وقد ذكر الشّماخيُّ اثنا عشر صيغة من تلك الصّيغ، نذكر منها على سبيل المثال:
- التّحريم: كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} (1).
- الكراهة: كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} (2).
- الإرشاد: كقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} (3).
- الموعظة: كقوله تعالى: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ} (4).
ولما كان النّهي مقابلا للأمر، فكما اختلف العلماء في دلالة الأمر المجرّد عن القرائن اختلفوا في دلالة النّهي المجرّد هل هو حقيقة في التّحريم أم الكراهة؟
وقد قرّر الشّماخيُّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ موجب صيغة النّهي الدّلالة على التّحريم إن تجرّد عن القرائن التي تصرفه إلى معان أخرى، وبيّن أنّ الخلاف المذكور في دلالة الأمر على الوجوب، متحقّق كذلك في النهي؛ إذ إنّ البعض يرى أنّه حقيقة في الكراهة، والبعض ذهب إلى أنّه مشترك بين التّحريم والكراهة، والبعض قال بالتّوقف في دلالته (5).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من أنّ صيغة النّهي المجرّد حقيقة في التّحريم، ومجاز في غيره، فلا تخرج صيغة النّهي عن التّحريم إلّا لقرينة؛ ويدلّ على هذا المعنى اللّغوي للنّهي الذي هو طلب التّرك على وجه الحتم والإلزام، وعليه فلا يدلّ عند إطلاقه إلّا على التّحريم.
ثم ذكر الشّماخيُّ بعد ذلك خلاف العلماء في نهي الله هل هو للزّجر فقط أم فيه التّأديب، واختار كونه للزّجر فقط، ونسب هذا القول لابن عبّاس.
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 32.
(2) سورة البقرة، الآية: 237.
(3) سورة المائدة، الآية: 101.
(4) سورة آل عمران، الآية: 196.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 331. (1/317)
صفحة 310
والنّهي يقتضي الفور والتّكرار خلافا للأمر (1)؛ لأنّ النّهي يقتضي انتفاء حقيقة المنهيِّ عنه، فلا بدّ من تكرّر الامتناع عن المنهيِّ عنه ودوامه، وهذا يستلزم الفور، بمعنى أن يتحقّق الامتناع فور صدور الخطاب بالنّهي، فالتّكرار والفور من مدلول صيغة النّهي لغة (2).
وبخلاف الاختلاف الحاصل بين العلماء في دلالة الأمر على الفور أو التّراخي، فهم شبه متّفقون في دلالة النّهي على الفور والتّكرار، ولم يخالف في ذلك إلّا القليل، ونُقِل عن ابن برهان (3) الإجماع على هذا (4).
الفرع الثّالث: أثر النّهي في المنهيّ عنه.
مما سبق تبيّن أنّ النّهي المجرّد يدلّ على التّحريم على قول الجمهور، بهذا تكون له أحكام أخروية تتعلّق بالثّواب والعقاب، وقد تكون له أحكام دنيوية تتعلّق بالصّحة والفساد والبطلان وهذا في العبادات والمعاملات، وهو المقصود بأثر النّهي في المنهي عنه، أي هل يقتضي النّهي فساد المنهي عنه أم لا؟
وقد شغلت هذه المسألة بال العلماء منذ القديم؛ لما لها من أثر في كثير من الفروع الفقهيّة وبخاصّة في أبواب المعاملات.
ومن خلال استقراء النّصوص الشّرعية المشتملة على النّواهي، يُلاحَظ أنّ الشّارع قد ينهى عن أشياء في أوقات خاصّة أو حالات خاصّة، والنّهي قد يكون عن فعل، وقد يكون عن قول ويضمّ العقود والتّصرّفات والمعاملات الشّرعية، والنّهي تختلف درجاته باختلاف أسبابه:
__________
(1) الشّماخي، المصدر نفسه، 331.
(2) الدّريني، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي، 715.
(3) هو أبو الفتح أحمد بن علي بن برهان البغدادي، الأصولي والفقيه الشافعي، ولد سنة 479 هـ، وكان في بداية حياته حنبليا ثمّ انتقل إلى الشافعيّة، وأخذ العلم عن أبي حامد الغزالي وإلكيا الهراسي، توفّي سنة 518 هـ، من آثاره: "البسيط"، "الوسيط"، "الوجيز" في أصول الفقه. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (19/ 426)؛ السّبكي، طبقات الشّافعيّة الكبرى، ص (6/ 30).
(4) محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 381). (1/318)
صفحة 311
- فقد يكون النّهي متوجّها لذات الفعل، أو ما يسمّى بالأمور الحسّية كالزّنى والسّرقة وشرب الخمر والقتل، وهذا النّوع من النّهي لا خلاف بين العلماء في اقتضائه فساد المنهي عنه، كما أنّه لا خلاف بينهم أيضا في أنّ النّهي عن التّصرّفات الشّرعية يدل على بطلانها؛ إذا كان النّهي متوجّها للمحلّ المعقود عليه، كالنّهي عن بيع الزّرع المعيّن قبل وجوده.
- وقد يرد النّهي عن فعل أو قول لأمر خارج عنه ليس لازما، كالوطء في الحيض والصّلاة بالثّوب المغصوب، والبيع وقت النّداء لصلاة الجمعة، وهذا النّوع محلّ خلاف بين العلماء، حيث ذهب الجمهور إلى أنّه لا يقتضي بطلان العمل ولا فساده، فيبقى العمل صحيحا، ولكنّه يكون حراما عند الأكثرين، مكروها عند الحنفية، واحتجّ الجمهور بعدم التّلازم بين الفعل أو القول، وما جاوره من ظرف أو وصف، فالبيع وقت النّداء مثلا لا ينصرف النّهي فيه لأمر جوهريّ في العقد، وإنّما للظّرف الذي انعقد فيه.
وذهب الحنابلة والظّاهرية إلى أنّ النّهي يقتضي بطلان المنهيّ عنه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» (1).
- وقد يرد النّهي عن فعل أو قول؛ لوصف لازم له، كالنّهي عن صوم أيّام العيد، والنّهي عن البيع المشتمل على الرّبا أو على شرط فاسد، وقد اختلف العلماء في هذا النّوع من النّهي على عدّة أقوال:
- أنّ النّهي يقتضي شرعا لا لغة فساد المنهي عنه، ولا يترتّب عليه أثر سواء في العبادات أو المعاملات، وهو مذهب الجمهور من المالكيّة، والشّافعية، والحنابلة، والإباضيّة (2) والظّاهريّة، وبعض الحنفيّة، وهو الرّأي المختار عند الشّماخي (3).
- أنّ النّهي يدلّ على فساد المنهي عنه لغة لا شرعا، وإلى هذا الرّأي ذهب بعض الشّافعية، والمعتزلة، وكثير من الحنفيّة، وهو اختيار السّالميّ (4).
__________
(1) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصّلح مردود، حديث رقم: 2697، ص (3/ 184)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب نقض لأحكام الباطلة، حديث رقم: 4589، ص (5/ 132).
(2) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 571.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 332.
(4) السالمي، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 175). (1/319)
صفحة 312
- وذهب الحنفيّة إلى التّفرقة بين الفساد والبطلان، فالنّهي عندهم في المعاملات يقتضي فساد الوصف فقط، دون الأصل، وعليه فيبقى أصل العمل مشروعا وتترتّب عليه آثاره، ويطلقون عليه اسم الفاسد؛ لأنّ النّهي متعلّق بالوصف لا بالموصوف، أمّا في العبادات فلا تفرقة لهم بين الفاسد والباطل، فالنّهي يقتضي الفساد والبطلان.
- وذهب البعض على أنّ النّهي يقتضي الفساد في العبادات دون المعاملات، وهو اختيار أبي الحسين البصري والغزالي، والرازي وغيرهم (1).
وذكر الشّماخي أنّ الوارجلاني يسوّغ الأمرين (2) - فساد المنهي عنه وعدم فسادهـ-، قال الوارجلاني: «الأصل أنّ الأمرين جميعا ممكنان، ولكلّ واحد موضع» (3).
وقد بسط الشّماخيُّ القول في مسألة اقتضاء النّهي للفساد، حيث ذكر مذاهب العلماء فيها، مع بيان ما استدلّ به كلّ فريق، مرجّحا رأي الجمهور القائلين باقتضاء النّهي للفساد شرعا، وعلّل ذلك بقوله: «لأنّ الصّحابة ومن بعدهم لم ينفكّوا يستدلّون على الفساد بالنّهي ولا منكر، وأيضا لو لم يدلّ على مفسدة لزم من نفيه حكمة يدلّ عليها النّهي، ومن ثبوته حكمة تدلّ عليها الصّحة، فإن تساوتا تساقطتا، فلا فائدة في النّهي، وكذا إن ترجّحت حكمة الصّحة؛ لخلوّها عن المصلحة، وإن ترجّحت حكمة النّهي بطلب الصّحة ونقيضه الفساد فيكون
__________
(1) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: الرّازي الجصّاص، الفصول في الأصول، ص (2/ 169)؛ أبو الحسين البصري، المعتمد، ص (1/ 183)؛ الجويني، البرهان، ص (1/ 144)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 80)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 221)؛ أبو بكر بن العربي، المحصول في أصول الفقه، تح: حسين علي اليدري؛ سعيد فودة، دط، دار البيارق، عمان: الأردن، 1420 هـ؛1999 م، ص (1/ 77)؛ الرازي، المحصول، ص (1/ 262)؛ خليل العلائي، تحقيق المراد في أنّ النّهي يقتضي الفساد، تح: محمد سلقيني، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1402 هـ-1982 م، 285؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 178؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 332؛ السالميّ، شرح طلعة الشمس، ص (1/ 175)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 194)؛ محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 387)؛ الدريني، المناهج الأصولية، 717؛ الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 237).
(2) الشّماخي، المصدر السابق، 336.
(3) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (1/ 119). (1/320)
صفحة 313
ثابتا؛ لأنّ المقصود الّذي شُرِّع له الحكم إمّا حصول مصلحة أو دفع مفسدة، والنّهي لا تحصل المصلحة منه إلّا بارتكاب المنهيّ عنه، فدلّ أنّه لدفع مفسدة» (1).
وقد ترتّب عن اختلاف الأصوليّين في قاعدة اقتضاء النّهي للفساد، اختلافهم في فروع فقهيّة كثيرة منها:
- نذر وصيام يوم العيد.
- نكاح المحرم.
- الطلاق زمن الحيض.
- بيع وشرط.
- البيع على البيع والسّوم على السّوم (2).
__________
(1) الشّماخي، المصدر السابق، 333.
(2) ينظر: جمال الدين الإسنوي، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، تح: محمد حسن هيتو، ط 2، مؤسسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1401 هـ-1981 م، 294؛ مصطفى سعيد الخن، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، ط 7، مؤسسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1998 م، 350؛ محمد أديب صالح، تفسير النّصوص، ص (2/ 413). (1/321)
صفحة 314
الفصل الخامس:
آراؤه في الاجتهاد والتّعارض والتّرجيح والنّسخ.
المبحث الأوّل: الاجتهاد.
المبحث الثاني: التّقليد.
المبحث الثالث: التّعارض والتّرجيح.
المبحث الرّابع: النّسخ. (1/322)
صفحة 315
المبحث الأوّل: الاجتهاد.
تمهيد: أهمّية الاجتهاد.
تعتبر نصوص الكتاب والسنّة، المصدران الرئيسان للفقه الإسلامي، وقد قضى الله -عزّ وجل- أن تكون شريعة الإسلام خالدة ما بقيت السّماوات والأرض؛ ولتحقيق هذا الخلود جاء الكتاب العزيز بقواعد كلّية، وأسس عامّة للأحكام، ولم يعالج القضايا الفرعيّة إلّا بالقدر الذي يوضّح فيه القاعدة العامّة.
وإذا كانت نصوص الوحي متناهية ومحدودة، فإنّ القضايا والوقائع التي تطرأ للنّاس غير متناهية؛ لذلك جعل الله الاجتهاد سبيلا للمؤمنين، ليستنبطوا من نصوص الكتاب والسنّة ما يعالج القضايا والوقائع المستجدّة، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية مِن أدلتها التفصيلية مَلَكَة لا تتوفّر إلا عند قلّة مِن المسلمين، وهُمْ علماء الشّريعة الذين تحققت فيهم شروط الاجتهاد.
وفي بيان أهمّية الاجتهاد يقول الغزالي: «ركن عظيم في الشّريعة لا ينكره منكر، وعليه عوّل الصّحابة بعد أن استأثر الله برسوله، وتابعهم عليه التّابعون إلى زماننا هذا» (1).
وإذا كان الاجتهاد محتاجا إليه في كل عصر، فإن عصرنا أشد حاجة إليه من أي عصر مضى؛ نظرا لتغير شؤون الحياة عمّا كانت عليه في الأزمنة الماضية، وتطوّر المجتمعات، لهذا كان من الضّرورات المعاصرة أن يعاد فتح باب الاجتهاد فيه من جديد، سواء كان ذلك فرديّا أم جماعيّا.
وقد أولى الأصوليّون عناية بالغة لمباحث الاجتهاد، فلا يكاد يخلو مصنّف في أصول الفقه منها.
وتناول الشّماخيُّ مباحث الاجتهاد كغيره من الأصوليّين، حيث خصّص الباب التّاسع من كتابه شرح مختصر العدل والإنصاف؛ لبيان مباحثه المختلفة.
__________
(1) أبو حامد الغزالي، المنخول من تعليقات علم الأصول، تح: محمد حسن هيتو، ط 3، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا، 1419 هـ-1998 م، ص (2/ 6). (1/324)
صفحة 316
وسأحاول -إن شاء الله- في هذا المبحث بيان تصوّر الشّماخيِّ ونظرته لمعنى الاجتهاد وشروطه ومجالاته.
المطلب الأوّل: مفهوم الاجتهاد، وبيان مجاله.
الفرع الأوّل: مفهوم الاجتهاد.
أوّلا: لغة: عرّف الشّماخي الاجتهاد في اللّغة بأنّه بمعنى تحمّل المشقّة فقال: «الاجتهاد لغة تحمّل الجهد، وهو المشقّة في أمر، يقال:"اجتهد في حمل حجر الرّحى"، ولا يقال:"اجتهد في حمل خردلة"» (1).
ثانيا: اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فعرّفه بأنّه: «استفراغ الفقيه الوسع، في استحصال حادثة بشرع» (2).
ثم فسّر قيود حدّه كالآتي:
- الاستفراغ: ومعناه أن يبذل طاقته، بحيث لا يجد في نفسه زيادة وإن طلبها.
- الفقيه: احترز بلفظة "الفقيه" عن استفراغ المقلّد طاقته، فلا يعدّ ذلك اجتهادا.
- في استحصال حادثة: احترز بلفظة "حادثة"، عن الأحكام المنصوص عليها، فلا اجتهاد مع وجود النّص.
- بشرع: أخرج بهذه اللّفظة الحسّيات والعقليّات التي لا شرع فيها (3).
__________
(1) ينظر: الشماخي، شرح مختصر العدل، 505؛ ابن منظور، لسان العرب، مادة "جهد"، ص (3/ 257).
(2) ذكر الأصوليّون عدة تعريفات للاجتهاد، ولم يكد يخل تعريف منها من الانتقادات، والتّعريف الذي أورده الشّماخيُّ قريب من التّعريف الذي ارتضاه البيضاوي، الذي عرّف الاجتهاد بأنّه: «استفراغ الوسع في درك الأحكام الشّرعية».
ولعلّ من أضبط التّعاريف، التي ذكرها الأصوليّون للاجتهاد قولهم بأنّه: «بذل الفقيه وسعه بالنّظر في الأدلّة؛ لأجل أن يحصل له القطع أو الظّنّ بأنّ حكم الله في المسالة كذا»؛ ينظر: القاضي البيضاوي، تح: شعبان محمد إسماعيل، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1429 هـ-2008 م، 247؛ الشّنقيطي، مذكّرة أصول الفقه على روضة النّاظر، 485.
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 505. (1/325)
صفحة 317
والحقّ أنّ الاجتهاد سائغ في الأمور الحسّية أو العقليّة أو اللّغويّة، ولكن لا يعدّ اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي المتعارف عليه لدى الأصوليّين.
أمّا الوارجلانيُّ فعرّف الاجتهاد بأنّه: «استفراغ الوسع في طلب علم الحادثة» (1).
ويظهر أنّ تعريف الشّماخيِّ أدقّ وأضبط؛ فالوارجلانيُّ لم يقيّد عمليّة الاجتهاد بالفقيه، كما أنّه لم يقيّد الحادثة المجتَهَد في البحث عن حكمها بكونها شرعيّة.
وقد وافق السّالميُّ الشماخيَّ في تعريفه للاجتهاد، فعرفه بقوله: «هو أن يطلب الفقيه حصول حكم حادثة بشرع، ويبذل في ذلك مجهوده، بحيث لا يمكنه المزيد عليه في الطّلب» (2).
وبيّن الشّماخيّ أنّ للاجتهاد ركنان:
- المجتهِد: وهو من تناط به عمليّة الاجتهاد.
- المجتهد فيه: وهو محلّ الاجتهاد.
ولم يتعرّض بالذّكر، لأدلّة مشروعيّة الاجتهاد، ولا لبيان بعض أمثلته في الفروع كما فعل الوارجلاني (3).
الفرع الثّاني: مجال الاجتهاد:
نصوص الشّريعة الإسلاميّة ليست على درجة واحدة من حيث الثّبوت والدّلالة، فمنها القطعيّة التي لا تحتمل الاختلاف، ومنها الظنّية التي ينظر فيها المجتهدون ويستنبطون منها الأحكام، وقد تختلف فيها وجهات النّظر والاجتهادات.
وعلى هذا فلا يسوغ الاجتهاد في جميع النّصوص الشّرعية؛ فالقطعيّ في ثبوته ودلالته لا يجوز فيه الاجتهاد إلّا من باب فهم النّصوص لتطبيقها، وفهم علله ومقاصده للقياس عليه، وتتحقّق هذه القطعيّة في نصوص الكتاب والسنّة المتعلّقة بالعقائد، والعبادات والمقدّرات من الكفّارات والحدود وفرائض الإرث.
ومجال الاجتهاد محصور في الظّني الثّبوت أو الدّلالة، وفيما لم يرد فيه نصّ أو إجماع.
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 268).
(2) السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 400).
(3) ينظر: الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 48 - 50)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 778. (1/326)
صفحة 318
ويتجلّى ذلك من خلال تقسيم الأصوليّين للأحكام الشّرعية من حيث الثّبوت والدّلالة إلى أربعة أقسام:
- أحكام قطعيّة الثّبوت والدّلالة.
- أحكام ظنّية الثّبوت والدّلالة.
- أحكام قطعية الثّبوت، ظنّية الدّلالة.
- أحكام ظنّيّة ثبوت، قطعية الدّلالة.
فالأقسام الثّلاثة الأخيرة، سائغ فيها الاجتهاد باتّفاق الأصوليّين؛ ويكون ذلك من خلال السّعي لمعرفة طرق إثباتها إن كانت ظنّية الثبوت، وكشف دلالتها وتوضيحها إن كانت ظنّية الدّلالة.
أمّا القسم الأوّل فلا مجال للاجتهاد فيه، وهو ما يعبّر عنه العلماء بقولهم: «لا اجتهاد مع ورود النّص»، أو «لا حظّ للنّظر مع وجود الأثر».
وقد ذهب الشمّاخيُّ مذهب جمهور العلماء (1)، في حصر محلّ الاجتهاد الفقهيّ في الظنّيات، فقال: «فمحلّ الاجتهاد الحادثةُ التي لا يوجد لها حكم في كتاب الله، ولا سنّة ولا إجماع، وهو الأثر» (2).
وجوّز الاجتهاد في العقليّات والقطعيّات، كمسائل التّوحيد والاعتقاد من خلال معرفة أدلّتها، وهذا خلافا للوارجلانيِّ (3)، ولكنّه بيّن أنّ الحقّ فيها واحد، وأنّ المصيب في إدراكه مأجور والمخطئ آثم، فقال: «واعلم أنّ كلّ من أدّاه اجتهاده في العقليّات والقطعيّات، مثل مسائل الكلام والاعتقادات وغيرها، إلى الصّواب فله أجران، وإن أدّاه إلى الخطأ فهو آثم غير مأجور، سواء عجز عن إدراك الصّواب، أو أدرك وخالف» (4).
وتابعه في ذلك السّالميُّ، حيث أشار إلى اختلاف العلماء في جواز ذلك، مبيّنا أنّ الصّحيح جواز الاجتهاد فيها، شريطة ألّا يكون ذلك من منطلق الشّك؛ ليزداد المجتهد اطمئنانيّة ويقينا، فإن أصاب فيها فله أجر الإصابة، وإن أخطأ فهو آثم هالك (5).
المطلب الثّاني: شروط المجتهد.
بيّن الشّماخيّ الشّروط التي ينبغي توفّرها فيمن يتصدّر للاجتهاد كالآتي:
1 - أن يكون عالما بالآيات والأحاديث التي تعلّقت بها الأحكام.
وذكر أنّ بعض الأصوليّين لا يشترطون حفظها (6)، ثمّ بيّن أنّ الصّواب هو عدم الاقتصار على معرفة الآيات والأحاديث المتعلّقة بالأحكام، بل ينبغي أن يكون المجتهد عالما بجميع الكتاب والسنّة؛ وعلّل ذلك بأنّ كثيرا من الأحكام استنبطها العلماء من الكتاب من غير الخمس مائة آية التي تعلّقت بها الأحكام (7)، ومثّل بأقلّ مدّة الحمل، وقطع يد النّباش وغيرها، ونسب هذا القول للشّيخ أبي الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي من الإباضيّة (8).
وقد وافق الوارجلانيُّ (9) أبا الرّبيع فيما ذهب إليه، ولكنّه بيّن أنّ الأمر متعذّر، ولا يتحقّق إلّا نادرا، أمّا السّالميُّ فاعترض على هذا الرّأي، ولم يشترط الحفظ؛ معلّلا ذلك بأنّ:
__________
(1) ينظر: الشّيرازي، اللمع، 130؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 186)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 416)؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 277)؛ الرازي، المحصول، ص (5/ 143)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 374؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 444).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 509.
(3) الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 269)؛ باجو منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 794.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 506.
(5) السّالمي، المصدر السابق، 525.
(6) ممّن قال بهذا الرّأي البزدوي، والغزالي، والرّازي، وعبد العزيز البخاري، والسّالمي وغيرهم. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (2/ 181)؛ الرازي، المحصول، ص (5/ 142)؛ البخاري، كشف الأسرار، ص (4/ 22)؛ السالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 403).
(7) اختلف العلماء في عدد الآيات المتعلّقة بالأحكام، فمنهم من حصرها في خمس مائة آية، ومنهم زاد على ذلك، وبيّن الشّوكاني أنّ: «دعوى الانحصار في هذا العدد إنّما هي باعتبار الظّاهر، للقطع بأن في الكتاب العزيز من الآيات التي تستخرج منها الأحكام الشّرعية أضعاف أضعاف ذلك، بل من له فهم صحيح، وتدبّر كامل، يستخرج الأحكام من الآيات الواردة لمجرّد القص والأمثال»؛ ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 419).
(8) الشماخي، شرح مختصر العدل، 510.
(9) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 278). (1/327)
صفحة 319
«كثيرا من مجتهدي الصّحابة كانوا لا يحفظون القرآن عن ظهر الغيب، وكذلك كانوا لا يحفظون جميع الأحاديث، وإنّما يحفظون منها ما ينتهي إليه علمهم» (1).
ولما كان الشّماخيُّ يرى جواز تجزّؤ الاجتهاد -كما سيتمّ بيانهـ-، كان ينبغي ألّا يشترط العلم بجميع الكتاب والسنّة؛ لأنّ ذلك يتنافى والقول بجواز تجزّؤ الاجتهاد (2).
ولعلّ الرّاجح ما ذهب إليه السّالمي؛ لأنّ اشتراط ذلك يعدّ أمرا تعجيزيّا لا يتسنّى إلّا للشّواذ من الأمّة، كما أنّه يؤدّي تعذّر الاجتهاد (3).
والواقع أنّ المجتهد ينبغي أن يكون على اطلاع عامٍّ على معاني القرآن الكريم، وأن يكون واسع الاطلاع على السنّة، ويولي اهتماما أكبر للآيات والأحاديث التي لها علاقة وثيقة بالأحكام، ولا يلزمه حفظ القرآن والسنّة، وإن تسنّى له ذلك فهو أفضل (4).
2 - أن يكون عالما بمواضع الإجماع حتى لا يُفتي بخلافه.
وذكر الشّماخيُّ أنّ ابن بركة يقول بعدم جواز مخالفة المجتهد لأقوال الصّحابة (5)، كما أشار إلى أنّ البعض يشترطون موافقة المجتهد لبعض أقوال من تقدّمه، أو يعلم أنّها نازلة لم يخض فيها من تقدّمه، ونسب هذا الرّأي الأخير للشّيخ سليمان بن يخلف المزاتي، ولم يُبد اعتراضا أو ... موافقة على ذلك.
ولكن يبدو أنّ الشّماخيَّ لا يوافق ابن بركة فيما ذهب إليه؛ لأنّ هذه المسألة مبنيّة على القول بأنّ خلاف التّابعيِّ غير قادح في إجماع الصّحابة، وقد سبق وأن ذكرنا أنّ رأي الشّماخيِّ فيها هو اعتبار المجتهد التّابعيَّ في صحّة إجماع الصّحابة إذا كان في عصرهم، واعتراضه على رأي ... ابن بركة المخالف (6).
__________
(1) السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 403).
(2) الشّماخي، المصدر السابق، 512.
(3) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 784.
(4) يوسف القرضاوي، الاجتهاد في الشّريعة الإسلاميّة مع نظرات تحليليّة في الاجتهاد المعاصر، ط 1، دار القلم، الكويت، 1417 هـ-1996 م، صفحات 19 - 25.
(5) ابن بركة، الجامع، ص (2/ 22).
(6) ينظر تفصيل هذه المسألة في الصّفحة 368 من البحث. (1/328)
صفحة 320
وقد اعترض السّالميُّ أيضا على الشّرط الذي ذكره ابن بركة، كما لم يوافق المزاتيَّ فيما ذهب إليه؛ معلّلا ذلك بإفضائه إلى التّقليد في كثير من المسائل الاجتهاديّة (1).
3 - ذكر أنّ بعض الأصوليّين يشترطون في المجتهد أن يكون عالما بأنّه مكلّف بالتّمسّك بالبراءة الأصليّة حتّى يرد نظائرها، ولم يُبد اعتراضا على هذا الشّرط (2).
4 - أن يكون عالما بالنّاسخ والمنسوخ، وبيّن أنّ هذا الشّرط فرع عن شرط العلم بالكتاب والسنّة.
5 - أن يكون على علم بحال الرّواة، من مقبول ومردود.
6 - أن يكون عالما بمواضع الأدلّة وترتيبها، وشروط الاستدلال بها.
7 - أن يكون على معرفة بالأدلّة العقليّة والشّرعية، ومباني اللّغة.
8 - معرفة كيفية استنباط الأحكام من الأدلّة الشّرعيّة، والتّمييز بين ما يجوز تعليله من الأصول وما لا يجوز، وأن يكون على دراية بالأوصاف التي يعلّل بها.
9 - معرفة أصول الدّيانات، والتّمكّن من اللّغة العربية والنّحو، وكذا معرفة أحكام الخطاب من الحقيقة والمجاز، والعموم والخصوص، والمجمل والمبيّن، والأمر والنّهي، والمطلق والمقيّد، والمنطوق والمفهوم، وغير ذلك (3).
وشروط الاجتهاد التي ذكرها الشّماخي، هي جملة ما أورده الأصوليّون منها، وتعود في مجملها إلى وجوب العلم باللّغة العربيّة، ومعرفة الأحكام، وأصول الفقه، وهي محلّ اتّفاق بين الأصوليّين، وإن حصل اختلاف بينهم بعد ذلك في تفصيلها.
كما أنّ الأصوليّين متّفقون كذلك على اشتراط التّقوى والورع فيمن يتصدّر للاجتهاد، حتى يُقبل اجتهاده ويكون حجّة، فمنهم من صرّح بهذا الشّرط، ومنهم من لم يصرّح به (4).
وقد ذكر الشّماخيُّ هذا الشّرط، في معرض حديثه عن حكم تقليد غير المجتهد، حيث قال: «وأمّا إذا لم يكن مجتهدا، فيقلّد العالم بشرط أن يكون عدلا» (5).
__________
(1) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 405).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 510.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 511.
(4) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (2/ 181)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 783.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 521. (1/330)
صفحة 321
وهناك من الأصوليّين من أضاف شروطا أخرى، كاشتراط فهم مقاصد الشّريعة، واستنباط الأحكام على وفقها (1).
وهذه الشّروط التي ذكرها الأصوليّون للمجتهد، تنصرف للمجتهد المطلق الذي له القدرة على الفُتيا في جميع الأحكام الشّرعيّة، فينبغي أن تتوفّر فيه هذه الشّروط، أمّا من كان مجتهدا في بعض أبواب الفقه دون بعض، أو ما يسمّى بالاجتهاد الجزئيِّ، فلا تشترط له جميع هذه الشّروط، والأصوليّون مختلفون في جواز هذا النّوع من الاجتهاد، وفيما يأتي عرض لهذه المسألة.
- مسألة تجزّؤ الاجتهاد:
يُقصد بتجزّؤ الاجتهاد، أن يكون الشّخص عارفا لمسألة معيّنة، مُلمًّا بأدلّتها وطُرُقِ النّظر فيها وما يتعلّق بها، فهل يجوز له أن يجتهد فيها، ويُعمل باجتهاده؟ أم لا؟
وقد بيّن الشماخيُّ هذا المعنى بقوله: «ومعناه أنّ المجتهد قد يحصل له في بعض المسائل ما هو متعلّق الاجتهاد من الأدلّة دون غيرها فيجتهد فيها، فينال منصب الاجتهاد في بعض الأحكام ... دون بعض» (2).
ثمّ ذكر أنّ الأصوليّين مختلفون أزاء هذه المسألة على قولين:
- منهم من قال بجواز تجزّؤ الاجتهاد، ونسب هذا القول للغزالي (3) (4).
- ومنهم من لم يجوّز ذلك، مشترطا في المجتهد أن يكون متّصفا بجميع شروط ... الاجتهاد السّالفة (5).
__________
(1) الشّاطبي، الموافقات، ص (5/ 41).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 511، 512.
(3) الغزالي، المستصفى، ص (2/ 185).
(4) القول بجواز تجزّؤ الاجتهاد هو رأي أكثر الأصوليّين. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (2/ 185)؛ الرّازي، المحصول، ص (5/ 143)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 191؛ ابن القيم الجوزيّة، إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، تح: طه عبد الرؤوف سعد، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1973 م، ص (4/ 216)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 498)؛ السّبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ص (4/ 531)؛ أمير بادشاه، تيسير التّحرير، ص (4/ 182)؛ ابن النّجار، الكوكب المنير، ص (4/ 473)؛ العطّار، حاشية العطّار على جمع الجوامع، ص (2/ 71).السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 405).
(5) ممّن رجّح هذا الرّأي الإمام الشّوكاني، حيث ردّ على حجج المجيزين له، كما منع تجزّؤ الاجتهاد من المعاصرين عبد الوهاب خلاف. ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 425)؛ عبد الوهاب خلاف، علم أصول الفقه، 220؛ القرضاوي، الاجتهاد في الشّريعة الإسلاميّة، 60. (1/331)
صفحة 322
واختار مذهب القائلين بجواز تجزّؤ الاجتهاد، واحتجّ على ذلك فقال: «فمن عَرَف طريق النّظر القياسي، فله أن يُفتي في مسألة قياسية عَرَف دليلها، وإن لم يكن عالما بالكتاب، ماهرا في السنّة، كمعرفة استخراج تحريم بعض البيوع، فلا يحتاج إلى معرفة أدلّة النّكاح ... والطّهارات مثلا» (1).
والقول بجواز تجزّؤ الاجتهاد هو رأي جمهور الإباضيّة (2).
ولعلّ الرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من الجواز، خصوصا في هذا العصر الذي تعدّدت فيه النّوازل، وتعقّدت القضايا، وأصبح من الصّعب الاجتهاد في كلّ أبواب الفقه بالشّروط التي ذكرها الأصوليّون، بينما يمكن الاجتهاد والتّخصّص في بعض الأبواب دون بعض، كالتّخصّص في المعاملات الماليّة، والفرائض ونحوها، وهذا يشجّع على الاجتهاد الجماعي الذي تتضافر فيه جهود العلماء في بيان حكم مسألة، فيتمّ بحثها من كافة الجوانب اللّازمة، ويكون الحكم المتوصّل إليه بعد ذلك أدقّ وأبعد عن الخطأ الذي قد يحصل في الاجتهاد الفردي، كما أنّه يحقّق مبدأ الشّورى ويضمن استمراريّة الاجتهاد.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 512.
(2) ذهب إلى جواز تجزّؤ الإجتهاد من الإباضيّة كلّ من أبي سعيد الكدمي، وأحمد الكندي، والشّماخي، والسّالمي. ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 512؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 405)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 785. (1/332)
صفحة 323
المطلب الثّالث: الخطأ والصّواب في الاجتهاد.
ممّا سبق تبيّن أنّ الشّماخيَّ يجوّز الاجتهاد في القطعيّات والأصول، ولكنّه يرى أنّ الحقّ فيها واحد، فإن أصابه المجتهد كان مأجورا، وإن جانبه كان آثما.
ونَسَب للعنبريِّ (1) القول بأنّ كلّ مجتهد مصيب في العقليّات والفروع، كما نسب للجاحظ (2) القول بأنّ المجتهد المخطئ في القطعيّات إذا نظر وعجز عن إدراك الحقّ فهو معذور، ثمّ ردّ عليهما (3) (4).
وتبيّن كذلك أنّ مجال الاجتهاد محصور في الظّني الثّبوت أو الدّلالة، وفيما لم يرد فيه نصّ أو إجماع، وهو ما عبّر عنه الشّماخيُّ بالحادثة التي لا يوجد حكم لها في كتاب الله ولا سنّة ولا إجماع، ولا يكون المخطئ فيها آثما (5).
والعلماء مختلفون تجاه هذا النّوع من المسائل، هل كلّ مجتهد فيها مصيب؟ أم أنّ المصيب فيها واحد؟
وسبب هذا الخلاف هو اختلاف العلماء في مسألة هل لله حكم معيّن في كلّ مسألة، من يصل إليه من المجتهدين يكون مصيبا، ومن لا يصل إليه يكون مخطئا في اجتهاده؟ أم أنّ حكم الله فيها
__________
(1) هو عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري التّميمي البصري، الفقيه والمحدّث المعتزلي ولد سنة 105 هـ، تولّى قضاء البصرة، وتوفّي بها سنة 168 هـ. تنظر ترجمته: الشّيرازي، طبقات الفقهاء، ص (1/ 91)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (9/ 19).
(2) هو أبو عثمان عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء اللّيثي، المشهور بلقب الجاحظ، المتكلّم والأديب واللّغوي المعتزلي، وإليه تنسب الفرقة الجاحظيّة، ولد بالبصرة سنة 163 هـ، وتوفي بها سنة 255 هـ، من آثاره: "البيان والتّبيين"، "الحيوان"، "التّاج". تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (11/ 135)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (10/ 273).
(3) اشتهرت نسبة هذين القولين للعنبريّ والجاحظ في كتب الأصول، وقد نقل الشمّاخيُّ هذه الأقوال دون تحقيق؛ إذ إنّ نسبة القول بالإصابة لكلّ مجتهد في القطعيّات للعنبريّ ليست على إطلاقها كما ذكر بعض الأصوليّين، فقد بيّن أبو الحسين البصريُّ أنّ العنبريَّ يصوّب اجتهاد أهل القبلة في القطعيّات دون غيرهم من أصحاب الملل الأخرى، كما أشار القاضي الباقلّاني إلى اختلاف الرّوايات عن العنبري، وبيّن أنّ أشهرها تصوبته لكلّ مجتهد في الدّين تجمعهم الملّة؛ ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (4/ 375)؛ البصري، المعتمد، ص (2/ 398)؛ الشّيرازي، اللّمع، 129؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 194)؛ الآمدي، الإحكام، ص (2/ 487)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 377؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 524)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 434).
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 506.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 509. (1/333)
صفحة 324
يسوغ فيه الاجتهاد من الظنّيات هو ما يؤدّي إليه اجتهاد كلّ مجتهد، وأنّ كلّ ... مجتهد مصيب؟ (1)
وهذا الاختلاف بين العلماء تبلور في مذهبين هما: المصوّبة والمخطّئة.
وقد تعرّض الشّماخيُّ لبيان اختلاف العلماء في هذه المسألة، حيث ذكر آراء المصوّبة والمخطّئة، ثمّ بيّن القول الرّاجح منها، دون استعراض للأدلّة التي استدلّ بها كلّ فريق، وذلك على النّحو الآتي:
1 - رأي المصوّبة: يرى أصحاب هذا القول أنّ كلّ مجتهد في الظنّيات ومسائل الفروع مصيب في اجتهاده، وأنّ كلّ قول من أقوال المجتهدين فيها حق.
ونسب الشمّاخيُّ هذا القول لأكثر متكلّمي المعتزلة والأشعريّة، وبيّن أنّه منقول عن أبي حنيفة (2) ومالك والشّافعيّ وأحمد (3) (4).
ثم ذكر أنّ أصحاب هذا المذهب اختلفوا على قولين:
- منهم من قال بأنّ الواقعة التي لا نصّ فيها ليس فيها حكم معيّن، وإنّما الحكم فيها يُطلب بالظنّ، ويكون حكم الله فيها هو ما غلب على ظنّ كلّ مجتهد، وهو اختيار الغزالي (5).
- وذهب آخرون إلى أنّ الواقعة التي لا نصّ فيها لها حكم معيّن عند الله، والمجتهد غير مكلّف بإصابته، ويكون مصيبا في اجتهاده وإن أخطأ ذلك الحكم المعيّن (6).
2 - رأي المخطّئة: يرى أصحاب هذا القول أنّ المصيب واحد ومن عداه مخطئ؛ لأنّ الحكم في كلّ واقعة معيّن عند الله، فمن أصابه كان مصيبا، ومن أخطأه فهو مخطئ، وهو قول جمهور العلماء (7).
__________
(1) عبد المجيد محمّد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد وفهم النّص، ط 1، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، لبنان، 1424 هـ-2003 م، 53.
(2) ذكر السّرخسي أنّ رأي أبي حنيفة في المسألة هو أنّ المجتهد يصيب ويخطئ. ينظر: السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 23).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 507.
(4) ينظر: الجويني، البرهان، ص (2/ 860)؛ الشّيرازي، اللمع، 130؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 352)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 378.
(5) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 352).
(6) ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 352)؛ الشماخي، المصدر السابق، 507؛ عبد المجيد السّوسوه، المرجع السابق، 56.
(7) ينظر: عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، 53. (1/334)
صفحة 325
وذكر الشّماخيُّ اختلاف أصحاب هذا المذهب في المخطئ في اجتهاده هل يكون آثما أم لا؟ وهل نصّب الله على الحكم المجتهَد في بيانه دليلا قطعيّا أم ظاهرا؟
- فذهب الجمهور (1) ومعهم الشّماخيُّ (2) إلى أنّ المصيب واحد، والإثم عنه مرفوع، و أنّ لله تعالى في النّازلة حكما معيّنا، وأنّه نصّب عليه دليلا ظاهرا لا قطعيّا، ونَسب هذا القول للشّافعيّ وغيره.
وبهذا الرّأي قال جمهور الإباضيّة (3).
- وذهب قوم إلى أنّه لا دليل على الحكم المجتهَد في بيان حكمه، بل هو كالدّفين فمن عثر عليه فهو المصيب اتّفاقا وله أجران، ومن أخطأه فله أجر اجتهاده.
- وقال بعض دليله قطعيٌّ، لكنّ الإثم محطوط عن المخطئ؛ لغموض الدّليل وخفائه، وهو مأجور لذلك، وذهب آخرون إلى أنّ غير مأجور، ويحطّ عنه الإثم تخفيفا.
- وذهب فريق إلى أنّ لله حكما معيّنا، ودليله قطعيّ، فيكون المخطئ في إصابته آثما كسائر القطعيّات؛ لأنّ الحقّ واحد، ونسب الشّماخيُّ هذا القول لبشر المريسي (4) وابن عليّة (5) وأبو بكر الأصمّ (6)، وأحمد بن الحسين الطّرابلسي من الإباضيّة (7)، وبيّن أنّه قول نفاة القياس؛
__________
(1) ينظر: عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ص (4/ 26)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 537)؛ السبكي، الإبهاج شرح المنهاج، ص (3/ 259)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 436)؛ عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، 53.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 507.
(3) ذهب جمهور الإباضيّة إلى القول بالتّخطئة، وخالفهم السّالميّ فقال بالتّصويب، ونَسَبَ ذلك لابن بركة والوارجلاني، ولكنّه أخطأ في هذه النّسبة فقد صرّح الوارجلاني، في كتابه الدّليل والبرهان بأنّ: «مذهب أهل الدّعوة أنّ الحقّ في واحد»، أمّا ابن بركة فله قول يوحي بالتّصويب، وقول صريح بالتّخطئة، والرّاجح قوله بالتّخطئة. ينظر: الوارجلاني، الدليل والبرهان، ص (2/ 48)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 507؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 407)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 795.
(4) هو أبو عبد الرحمن بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء، فقيه معتزلي عارف بالفلسفة، وإليه تنسب الطائفة المريسيّة القائلة بالإرجاء، توفي سنة 218 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (10/ 179)؛ الزركلي، الأعلام، ص (4/ 134).
(5) هو أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم بن عليّة الأسدي بالولاء البصري، من حفّاظ الحديث، ولد بالكوفة سنة 110 هـ، وتوفي ببغداد سنة 193 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (9/ 112)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (2/ 441).
(6) هو أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم، المعروف بأبي بكر الأصم، أحد أعلام المعتزلة في القرن الثّاني الهجري، توفي سنة 201 هـ، من آثاره: "الحجّة والرّسل"، "خلق القرآن"، "الحركات". تنظر ترجمته: الذّهبي، المصدر السابق، ص (9/ 413)؛ الزّركلي، المرجع السابق، ص (3/ 323).
(7) أحمد بن الحسين الأطرابلسي، رجل انشقّ عن الإباضيّة، وتفرّد بآراء شاذّة كانت سببا لبراءة الإباضيّة منه. ينظر: الشماخي، السّير، ص (1/ 223، 262)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 151. (1/335)
صفحة 326
لأنّه لا مجال للظنّ في الأحكام عندهم، فمن أخطأ الدّليل فهو آثم، وما ليس فيه دليل فحكمه البراءة الأصليّة.
ثمّ ردّ على هذا الرّأي بقوله: «وليس بشيء؛ لأنّ الصّحابة -رضوان الله عليهم- شاع بينهم الاختلاف في المسائل الاجتهاديّة، ولم يُنقل إلينا نكير ولا تأثيم من بعضهم البعض» (1).
التّرجيح:
بعد بيان اختلاف العلماء في موضوع تصوبة وتخطئة المجتهد، تجدر الملاحظة أنّ هذا الاختلاف لا يعدو أن يكون خلافا نظريّا؛ فلم يظهر له أيّ أثر عمليّ على الفقه الإسلامي؛ فالاجتهادات بكلّ ما فيها من اختلاف فإنّ نسبتتها إلى الشّريعة الإسلاميّة صحيحة ومعتبرة.
ولكن يظهر أنّ مذهب الجمهور القائلين بأنّ المصيب واحد وأنّ الإثم مرفوع عن المخطئ هو الرّاجح؛ لاستناده للحديث الصّحيح الصّريح في الموضوع (2)، واعتضاده بإجماع الصّحابة الكرام (3)، فالحقّ لا يتعدّد بتعدّد المجتهدين، ولله في كلّ واقعة حكما معيّنا قبل الاجتهاد، وقد نصّب لذلك أمارة، وعلى المجتهد أن يتحرّى الوصول إلى ذلك الحكم، فإن أصابه فقد أصاب الحقّ، وإن أصابه بعد بذل جهده فهو مخطئ ولا إثم عليه، ويؤجر على اجتهاده (4).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 507؛ 509.
(2) استدلّوا بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر»؛ متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الاعتصام بالكتاب والسنّة، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ، حديث رقم: 7352، ص (9/ 108)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الأقضية، باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب، حديث رقم: 4584، ص (5/ 131).
(3) استدلّوا بعدّة أثار من أقوال الصّحابة، من ذلك قول أبي بكر الصّديق -رضي الله عن هـ- لما سئل عن الكلالة فقال: «إني أقول فيها برأيي، فإن كان صوابا فمن الله وحده لا شريك له، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشّيطان والله منه بريء»؛ ينظر: ابن حجر، التّلخيص الحبير، ص (6/ 18)؛ علي بن حسام الهندي، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، دط، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1989 م، ص (11/ 115).
(4) ينظر: الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1105)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 807؛ عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، 59 - 60 (1/336)
صفحة 327
المطلب الرّابع: بعض المسائل المتعلّقة بحكم الاجتهاد.
لم يتعرّض الشّماخيُّ لبيان حكم الاجتهاد، ولكنّه تعرّض لبعض المسائل التي لها علاقة بحكمه منها: مسألة هل كان النّبي - صلى الله عليه وسلم - متعبّدا بالاجتهاد، وهل يجوز الخطأ في اجتهاده؟ ومسألة اجتهاد الصّحابة في زمان النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ومسألة خلوّ الزّمان من مجتهد.
وفيما يأتي سأتعرض لهذه المسائل باختصار، وأبيّن رأي الشّماخيِّ فيها.
الفرع الأوّل: اجتهاد النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
يتّفق العلماء على أنّه يجوز للنّبي - صلى الله عليه وسلم - الاجتهاد في الأقضية والمصالح الدّنيويّة، وتدابير الحروب ونحوها، ونقل الشّوكانيُّ إجماع العلماء على ذلك (1)، واختلفوا في اجتهاده في الأحكام الشّرعيّة فيما لا نصّ فيه.
وذكر الشّماخيُّ هذا الاختلاف الحاصل بين العلماء في جواز تعبّده - صلى الله عليه وسلم - بالاجتهاد عقلا، ووقوع ذلك منه فعلا.
ثمّ اختار مذهب الجمهور القائلين بجواز الاجتهاد في حقّه - صلى الله عليه وسلم - عقلا، ووقوع ذلك منه فعلا، ونسب ذلك لأحمد بن حنبل، وأبو يوسف، والشّافعي.
ونسب القول بالمنع للجبّائي، وبعض أصحاب الشّافعي، وأحمد بن الحسين من الإباضيّة (2)، وذكر أنّ البعض جوّز الاجتهاد في حقّه، ولكنّه توقف في وقوع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم -، ونسب هذا الرأي للغزالي (3).
__________
(1) ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 426)؛ الزّحيلي، المرجع السابق، ص (2/ 1105).
(2) ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة: الجصّاص، الفصول في الأصول، ص (4/ 26)؛ ابن حزم، الإحكام، ص (5/ 216)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 262)؛ الزّركشي، البحر الحيط، ص (4/ 502)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 375؛ الشماخي، شرح مختصر العدل، 513؛ الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 426).
(3) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 346). (1/337)
صفحة 328
واستدلّ على جواز ذلك بقوله تعالى: {عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} (1).
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي» (2) (3).
والرّاجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاجتهاد للنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لثبوت وقوع ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - في مواقع كثيرة، وكان الوحي يسدّده ويعصمه عن الخطأ.
واختلف العلماء أيضا في مدى إمكانيّة وقوع الخطأ في اجتهاده - صلى الله عليه وسلم -.
فذهب الجمهور إلى إمكان وقوع ذلك، ولكنّه لا يقرّ عليه، بل ينزل الوحي لتسديده وتصويبه؛ واستدلّوا على ذلك بالآية السّابقة.
وذهب البعض إلى عدم إمكان وقوع الخطأ في اجتهاده مطلقا؛ واستدلّوا على ذلك بقوله تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} (4).
حكى الشّماخيُّ اختلاف العلماء دون أن يصرّح برأيه في ذلك (5).
الفرع الثّاني: الاجتهاد في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
اتّفق الأصوليّون على مشروعيّة الاجتهاد بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، واختلفوا في جوازه في حياته على مذاهب.
ذكر الشّماخيُّ خلاف العلماء في هذه المسألة، واختار مذهب الجمهور الذي يقضي بجواز الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - للغائب والحاضر، ووقوع ذلك فعلا، فقال: «واختلف أيضا في جواز التّعبّد بالقياس، والاجتهاد في زمانه، والمختار الجواز» (6).
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 34.
(2) متّفق عليه واللّفظ للبخاري؛ البخاري، الصّحيح، كتاب التّمنّي، باب قول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لو استقبلت ... »، حديث رقم: 1651، ص (2/ 159)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام، حديث رقم: 3003، ص (4/ 37).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 512 - 513.
(4) سورة النّساء، الآية: 65.
(5) الشّماخي، المصدر السابق، 513 - 514.
(6) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 514. (1/338)
صفحة 329
واستدلّ على جواز الاجتهاد في عصره - صلى الله عليه وسلم - ببعض الآثار التي تثبت اجتهاد الصّحابة في حضرته وإقراره - صلى الله عليه وسلم - لهم، من ذلك:
تحكيمه - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن معاذ (1) في بني قريظة، وإقراره لاجتهاده، حيث قال له: «لقد حكمت فيهم بحكم الله» (2)، وإقراره - صلى الله عليه وسلم - لاجتهاد أبي بكر الصّديق في مسألة إعطاء السّلب لأبي قتادة (3) (4).
وأورد الشمّاخي أقوال المخالفين في هذه المسألة، حيث ذكر أنّ البعض منعوا جواز ذلك، ونسب هذا الرّأي لأبي علي وأبي هاشم الجبّائيين.
- وذهب البعض إلى القول بالتّفصيل فجوزّوا ذلك للقضاة والولاة في غيبته - صلى الله عليه وسلم -، ومنعوا ذلك في حضرته.
- وقال البعض بجوازه بإذن خاص من النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
- وقال البعض بالتّوقّف (5).
والحقّ أنّ اختلاف العلماء في هذه المسألة لا يظهر له أيّ أثر عملي؛ لأنّ الصّحابة إن اجتهدوا
__________
(1) هو سعد بن معاذ بن النّعمان بن امرئ القيس الأنصاري الأوسي، صحابي جليل، ممّن شهد بدر، توفي سنة 5 هـ متأثرا بسهما أصابه في غزوة الخندق. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (1/ 239)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (3/ 84).
(2) هو جزء من حديث اتّفق البخاريّ ومسلم في روايته عن أبي سعيد الخذري؛ أخرجه البخاريُّ في صحيحه، كتاب الجهاد والسّير، باب إذا نزل العدوّ على حكم رجل، حديث رقم: 3804، ص (5/ 35)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسّير، باب جواز قتال من نقض العهد، حديث رقم: 4695، ص (5/ 160).
(3) هو أبو قتادة الحارث بن ربعي الأنصاري الخزرجي السّلمي، صحابي جليل، وأحد أبطال وفرسان الصّحابة، شهد أحد والغزوات التي بعدها، توفّي سنة 54 هـ، تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 393)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 327).
(4) اتّفق البخاري ومسلم في رواية حديث هذه القصّة، بلفظين متقاربين؛ البخاري، الصّحيح، كتاب المغازي، باب قول الله تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا}] سورة التوبة، الآية:25]، حديث رقم: 3142، ص (4/ 92)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الجهاد والسّير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، حديث رقم: 4667، ص (5/ 147).
(5) ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 345)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (8/ 111)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 513؛514؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 429)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (3/ 54)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (4/ 185)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 439). (1/339)
صفحة 330
في زمانه - صلى الله عليه وسلم - وأقرّهم على اجتهادهم كان ذلك حجّة بإقرار النّبي - صلى الله عليه وسلم - لا باجتهادهم، وإن لم يبلغه اجتهادهم كان ذلك من قبيل الاختلاف في حجّية قول الصّحابي (1).
الفرع الثّالث: خلوّ الزّمان من مجتهد.
تعتبر هذه من المسائل التي افترضها الأصوليّون، واختلفوا في الإجابة عنها على مذهبين: مذهب قال بجواز ذلك، ومذهب قال بعدم الجواز.
حيث ذهب الجمهور منهم إلى إمكانيّة خلوّ الزّمان من مجتهد (2)، وهو اختيار الشّماخيِّ والسّالمي (3).
وذهب جمهور الحنابلة والشّيعة وبعض العلماء كالزّركشي (4)، والسّيوطي (5) والشّوكاني وغيرهم، إلى عدم جواز خلوّ الزّمان عن مجتهد، قائم بحجج الله (6).
__________
(1) الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1069).
(2) ذهب إلى جواز خلوّ الزّمان من مجتهد جمهور الأصوليّين كالرّازي، الآمدي، وابن الحاجب، وابن الهمام، وغيرهم. ينظر تفصيل أقوال العلماء في المسألة: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 240)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 391؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 497)؛ الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 422)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (4/ 241)؛ السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 441).
(3) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 523.
(4) هو أبو عبد الله بدر الدين محمّد بن بهادر بن عبد الله الزّركشي، الأصولي والفقيه الشافعي، ولد سنة 745 هـ، وهو تركيّ الأصل، مصريّ المولد والوفاة، توفّي سنة 794 هـ، من آثاره: "البحر المحيط في أصول الفقه"، "الدّيباج في توضيح المنهاج". تنظر ترجمته: ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعيّة، ص (3/ 167)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 146).
(5) هو أبو الفضل جلال الدّين عبد الرحمن بن أبي بكر الخضيري السّيوطي، عالم موسوعي شافعي، ولد سنة 849 هـ بالقاهرة، وهو من المؤلّفين المكثرين، بلغت تآليفه زهاء 600 مصنّف، توفي سنة 911 هـ، من آثاره: "الألفية في علوم الحديث"، "الألفية في علوم القرآن"، "الأشباه والنّظائر. تنظر ترجمته: نجم الدّين الغزي، الكواكب السّائرة بأعيان المئة العاشرة، تح: خليل منصور، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م، ص (1/ 227)؛ الزّركلي، الأعلام، ص (3/ 301).
(6) أسهب ابن القيّم والزّركشي والسّيوطيّ والشّوكاني في الردّ على القائلين بجواز خلوّ العصر من مجتهدين؛ ينظر: ابن القيّم، إعلام الموقّعين، ص (2/ 412)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 497)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 422)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 564)؛ ابن بدران الدّمشقي، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، تح: محمد أمين ضناوي، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، 1417 هـ-1996 م، ص (1/ 203)؛ باجو منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 786. (1/340)
صفحة 331
ولم يذكر الشّماخيُّ أدلّة أيّ فريق، واكتفى فقط بالإشارة إلى وجود الخلاف في المسألة، ثمّ رجّح مذهب القائلين بالجواز (1).
واحتجّ الجمهور على قولهم بالجواز، بأنّ العقل لا يحيل وقوع ذلك، كما استدلّوا بقول النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتّخذ النّاس رءوسا جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» (2).
وقد ناقش المانعون أدلّة الجمهور، واستدلّوا على قولهم بمنع خلوّ العصر من المجتهدين، بكون الاجتهاد طريقا لمعرفة الأحكام الشّرعيّة، فيلزم من القول بخلوّ العصر من المجتهدين تعطيل الأحكام الشّرعية وهذا محال، كما قالوا بأنّ الاجتهاد فرض كفاية، فإن تُرك كانت الأمّة آثمة بمجموعها.
واستندوا لحديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» (3).
- التّرجيح:
نتج عن القول بجواز خلوّ العصر من المجتهدين دعوة لسدّ باب الاجتهاد؛ خشية أن يلج إليه من ليس أهلا له، وهذا بداية من القرن الرّابع الهجري، واستحكم في القرن الثّامن الهجري، فاعتكف المتأخّرون على نتاج الأوّلين دون سعي للاجتهاد، وهذا مع وجود من له الأهليّة والقدرة على ذلك.
وكان الأَوْلى تنظيم الاجتهاد من خلال الاجتهاد الجماعي لا الدّعوة إلى غلق بابه، والحقّ أنّ باب الاجتهاد مفتوح إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها متى توفّرت في المجتهد شروط الاجتهاد؛
__________
(1) ينظر: الشّماخي، شرح مختصر العدل، 523؛ السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 441).
(2) متّفق عليه، واللّفظ للبخاري؛ البخاري، الصّحيح، كتاب العلم، باب كيف يُقبض العلم، حديث رقم: 100، ص (1/ 32)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزّمان، حديث رقم: 6971، ص (8/ 60).
(3) متّفق عليه واللّفظ لمسلم؛ البخاري، الصّحيح، كتاب المناقب، باب سؤال المشركين أن يريهم النّبي - صلى الله عليه وسلم - آية، حيث رقم: 7311، ص (9/ 101)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الإمارة، باب قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تزال طائفة ... »، حديث رقم: 5059، ص (6/ 52). (1/341)
صفحة 332
فالوقائع والنّوازل التي تطرأ للنّاس لا يخلو زمان منها؛ لذلك فالرّاجح ما ذهب إليه القائلون بمنع خلوّ الزّمان من المجتهدين (1).
__________
(1) ينظر: الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، صفحات 1070 - 1074؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 786؛ عبد المجيد السّوسوه، دراسات في الاجتهاد، صفحات 70 - 86. (1/342)
صفحة 333
المبحث الثاني: التّقليد.
المطلب الأوّل: مفهوم التّقليد، وبيان بعض قضاياه.
الفرع الأوّل: مفهوم التّقليد.
أوّلا: التّقليد لغة.
التّقليد في اللّغة مصدر من قلّد يقلّد، وهو يدلّ على تعليق شيء على شيء، ومعناه وضع الشّيء في العنق، مع الإحاطة به، ومنه القلادة.
قال ابن منظور: «قلده قلادا وتقلّدها، ومنه التّقليد في الدّين وتقليد الولاة الأعمال وتقليد البدن أن يجعل في عنقها شعار يعلم به أنّها هدي، ..... قال الله تعالى: {وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ} (1)» (2).
فكأنّ المقلّد جعل الحكم الذي قلّد فيه المجتهد كالقلادة في عنقه.
ثانيا: التّقليد اصطلاحا.
عرّف الشّمّاخيُّ التّقليد بقوله: «ومعنى التّقليد، العمل بقول الغير من غير حجّة، أي من غير دليل ولا أمارة» (3) (4).
فقيّد التّعريف بقيد "من غير حجّة"، وهو يقتضي أنّ أخذ القول ممن قوله حجّة، لا يسمّى تقليدا، كالرجوع إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -، أو إلى الإجماع.
وبيّن الشّماخيُّ أنّ التّقليد لا يجوز في العقليّات والعقائد، حيث قال بعد إيراده للتّعريف: «لذا
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 2.
(2) ابن منظور، لسان العرب، مادة "قلد"، ص (3/ 365).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 524.
(4) بهذا التّعريف قال إمام الحرمين، وتابعه على ذلك أكثر الأصوليّين؛ ينظر: الجويني، البرهان، ص (2/ 888)؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 237)؛ الآمدي، الإحكام، ص (4/ 227)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 205؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 388؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (1/ 26)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 443). (1/343)
صفحة 334
لا يجوز التّقليد في العقليّات والعقائد» (1).
الفرع الثّاني: بعض المسائل المتعلّقة بالتّقليد.
أوّلا: حكم تقليد المجتهد لغيره.
نقل الشّماخيُّ اختلاف الأصوليّين في حكم تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين، وبيّن أنّه لا خلاف بين الأصوليّين في عدم جواز تقليد المجتهد لغيره، في المسائل التي اجتهد فيها وأدّاه اجتهاده إلى حكم.
وإنّما يكمن الخلاف في حكم تقليد المجتهد لغيره قبل أن يجتهد في الحادثة، وأورد أقوال العلماء في هذه المسألة، بين مانع، ومجيز لذلك مطلقا، وقائل بجواز ذلك فيما يخصّه لنفسه دون ما يُفتي به غيره، وقائل بجواز تقليده لمن هو أعلم منه، وتقييد البعض لجواز ذلك بكون المجتهد المتبَع صحابيّا أو تابعيّا فقط (2).
ذكر هذه الأقوال مع نسبتها لأصحابها، ثمّ اختار عدم جواز تقليد المجتهد لغيره، سواء قبل اجتهاده في الحادثة أم بعده، واستثنى من ذلك جواز تقليد الصّحابة دون غيرهم، فقال: «ولا يجوز أن يقلّد غيره بعد اجتهاده، قيل وقبله، وقيل فيما لا يخصّه من الحكم، وقيل فيما لا يفوت وقته بانشغاله بالاجتهاد، وقيل إلّا إن كان أعلم، والصّحيح إن كان صحابيّا جاز وإلّا فلا» (3).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 524.
(2) أحصى الزّركشي أحد عشر مذهبا من مذاهب الأصوليّين في حكم تقليد المجتهد للمجتهد. ينظر تفصيل مذاهب العلماء في مسألة تقليد المجتهد لغيره في المصادر الآتية: البصري، المعتمد، ص (4/ 207)؛ الجويني، التّلخيص في أصول الفقه، تح: عبد الله حولم النبالي وبشير أحمد العمري، دط، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1996 م، ص (3/ 449)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 336)؛ الرّازي، المحصول، ص (6/ 115)؛ البخاري، كشف الأسرار، ص (3/ 324)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 566)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (4/ 334)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 425).
(3) الشّماخي، المصدر السابق، 516. (1/344)
صفحة 335
وذكر أنّ ابن بركة يجيز تقليد الصّحابة مطلقا، ونقل نصّ قوله في ذلك (1)، ثم فسّر مراده بأنّ الصّحابة إذا اختلفوا جاز للمجتهد أن يتخيّر بين أقوالهم، ولم يجز له إحداث قول آخر، أمّا غير الصّحابة فلا يجوز للمجتهد تقليدهم (2).
واعترض السّالميُّ على التّفسير الذي ذكره الشّماخيُّ لكلام ابن بركة، واختار عدم جواز تقليد المجتهد لغيره مطلقا، ولو كان أعلم منه، أو كان صحابيّا.
ثمّ بيّن أنّ مراد ابن بركة من قوله هو اعتبار إجماع الصّحابة وإن كان سكوتيّا، وأمّا قول الصّحابيّ الواحد فليس عنده بحجّة (3).
وقد اختلف الأصوليوّن (4) في هذه المسألة تبعا لاختلافهم في حجّيّة قول الصّحابيّ، فمن اعتبر قوله حجّة أجاز تقليده، ومن لم يعتبره كذلك قال بعدم جواز تقليده.
وقد سبق بيان أنّ رأي الشّماخيِّ هو عدم اعتبار قول الصّحابيِّ حجّة (5)؛ لذا يُستغرب تجويزه تقليد المجتهد لهم، ويبدو أنّه يجوّز ذلك فيما أجمعوا عليه.
ثانيا: تقيّد المقلّد بمذهب معيّن.
تقدّم أنّ الشّماخيَّ لا يجوّز للمجتهد أن يقلّد أحدا عدا الصّحابة، أمّا غير المجتهد (المقلّد) فيرى أنّه مُلزم بتقليد عالم، سواء كان من الصّحابة أو من غيرهم (6)، واشترط في العالم أن يكون عدلا.
وبيّن أنّ المقلّد إن كان على نصيب من العلم يمكّنه من إدراك الرّاجح من أقوال العلماء، فلا يجوز له أن يقلّد، حتّى يعلم صحّة اجتهاد المجتهد بدليله (7) (8).
__________
(1) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 22).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 521.
(3) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 425 - 426).
(4) ينظر تفصيل أقوال العلماء في هذه المسألة في المصادر الآتية: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 211)؛ ابن القيّم، إعلام الموقّعين، ص (4/ 438)؛ الشّاطبي، الموافقات، ص (5/ 67)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 570)؛ ابن النّجار، الكوكب المنير، ص (4/ 533)؛ إسماعيل محمّد علي عبد الرحمن، القول السّديد في مباحث التّقليد، بحث مرقون، 29.
(5) تنظر الصّفحة 213 من البحث.
(6) القول بوجوب تقليد العامّي للمجتهد هو مذهب أكثر الأصوليّين. ينظر: إسماعيل محمّد علي عبد الرّحمن، القول السّديد في مباحث التّقليد، 46.
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 521 - 522.
(8) نسب الآمديُّ هذا القول لبعض المعتزلة البغداديّين، واعترض على هذا الرّأي؛ ينظر: الآمدي، المصدر السابق، ص (4/ 234). (1/345)
صفحة 336
وأشار إلى أنّ البعض جوّز له التّقليد مطلقا من غير تقييد؛ لعموم قوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (1) (2).
والرّاجح جواز تقليد غير المجتهد للمجتهد من غير تقييد ذلك بوجوب البحث عن الراجّح من أقوال المجتهدين؛ ويؤيّد هذا العموم الوارد في الآية السّابقة، أضف إلى ذلك أنّ العامّيَّ ليست له القدرة على النّظر في أقوال المجتهدين وتمييز الرّاجح منها؛ لقصوره كما أنّ ذلك يعدّ من علوم الاجتهاد، ولا يتسنّى لغير المجتهدين.
ثالثا: حكم تقليد المجتهد المفضول مع وجود الأفضل.
ذكر الشّمّاخيُّ أنّه في حالة كثرة المجتهدين، وتفاضل بعضهم على بعض، يجوز للعاميِّ تقليد أيّهم شاء؛ واستدلّ على ذلك بأنّ في الصّحابة فاضلا ومفضولا، وكثرت الفُتيا من الفريقين ولم يقع إنكار (3) (4).
ونسب لابن بركة القول بأنّ المقلّد يلزمه تقليد الرّاجح من المجتهدين في هذه الحالة، واعترض على هذا الرّأي (5).
وقد وافق السّالميُّ الشّماخيَّ، ولكنّه اشترط في المفضول أن يكون مستكملا لأسباب الاجتهاد، وأن يكون موثوقا في عدالته، ويسكن القلب إلى فتواه (6).
رابعا: إفتاء المقلّد بقول العالم.
تناول الشّماخي بالذّكر مسألة إفتاء المقلّد بقول العالم، حيث بيّن أنّ الأصوليّين مختفلون أزاءها على مذاهب:
__________
(1) سورة النّحل، الآية: 43.
(2) قال بهذا الرّأي قال جمهور الأصوليّين؛ ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 234)؛ العضد شرح مختصر المنتهى، 390؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 428).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 523.
(4) نسب ابن النّجار القول بجواز تقليد المفضول من المجتهدين مع وجود الأفضل، لجمهور العلماء من الحنفيّة والمالكيّة والحنابلة، وأكثر الشّافعيّة. ينظر: ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 571).
(5) ابن بركة، الجامع، ص (1/ 23).
(6) السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 438). (1/346)
صفحة 337
وذكر أنّ البعض يقول بالجواز مطلقا، والبعض يقول بالمنع مطلقا؛ أي مع العلم بأعدل أقوال العلماء ومع عدم العلم، ومع وجود المجتهد ومع العدم له (1).
ولم ينسب الشّماخيُّ هذه الأقوال لأصحابها، كما لم يورد ما استدلّوا به على أقوالهم.
ثمّ بيّن أنّ الرّأي الرّاجح هو أنّ المقلّد إن كان مطّلعا على مآخذ الأحكام، فيختار ويُفتي، وإذا رأى بعد ذلك غيره أعدل منه رجع إليه (2) (3).
وبهذا الرّأي قال السّالميُّ أيضا، حيث فصّل هذه المسالة وبيّن أنّ محلّ النّزاع فيها يكمن في إفتاء المقلّد بقول العالم الذي أخذ عنه تلك الفُتيا، وذلك بأن يسوق الكلام مساق الجزم بالحكم، أو أن يخرّج الفتوى من مذهب المفتي، وأمّا حكاية المقلّد قول العالم في المسألة، فالعلماء متّفقون على جوازه (4).
__________
(1) نسب الآمديُّ القول بالمنع لأبي الحسين البصري، وجماعة من الأصوليّين. ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 242).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 522 - 523.
(3) ذهب إلى ترجيح هذا القول كلّ من الآمدي، وابن الحاجب، والعضد، وذكر ابن النّجار أنّ هذا قول أكثر العلماء. ينظر: الآمدي، المصدر السابق، ص (4/ 242)؛ العضد، شرح العضد على مختصر المنتهى، 392؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 558).
(4) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 432 - 433). (1/347)
صفحة 338
المبحث الثّالث: التعارض والتّرجيح.
تمهيد: بيان حقيقة التّعارض بين الأدلّة، وأسبابه.
ليس المراد من تعارض الأدلّة التّعارض الحقيقيّ الذي يُفضي إلى تناقضها، كأن يقتضي دليل شرعيّ حكما في مسألة، ويقتضي دليل آخر حكما مغايرا لها.
فالتّعارض بهذا المعنى لا يُتصوّر وقوعه في الأدلّة الشّرعيّة؛ لأنّه يؤدّي إلى التّناقض والتّجهيل، وهذا لا يجوز في الشّريعة الإسلاميّة، كما أنّه محال في حقّ المشرّع الحكيم؛ لقوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} (1)، وغيرها من الآيات التي في هذا المعنى (2).
وعليه فلا وجود للتّعارض الحقيقيّ في الأدلّة الشّرعيّة، وإنّما قد يظهر التّعارض في أنظار المجتهدين، من خلال تمانع دليلين في محلّ بأن يقتضي أحدهما إيجابه والآخر تحريمه، وليس هذا التّعارض إلّا ظاهريّا؛ لأنّه يزول بعد النّظر بأحد طرق دفع التّعارض التي ذكرها الأصوليّون (3).
قال صاحب الإبهاج: «اعلم أنّ تعارض الأخبار إنما يقع بالنسبة إلى ظن المجتهد أو بما يحصل من خلل بسبب الرواة وأما التعارض في نفس الأمر بين حديثين صح صدورهما عن النّبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أمر معاذ الله أن يقع» (4).
وللتّعارض الظّاهريِّ أسباب متعدّدة، فالأدلّة ليست على درجة واحدة من حيث الثّبوت والدّلالة، فمنها ما هو قطعيّ الثّبوت وما هو ظنّيّ الثّبوت، ومنها ما هو قطعيّ الدّلالة وما هو ظنّي الدّلالة، كما يرجع التّعارض إلى قصور إدراك النّاظر لاختلاف الرّواة من حيث الحفظ والأداء، وإمّا إلى دلالات الألفاظ، وإمّا إلى الجهل بالنّاسخ والمنسوخ، أو الجهل بتغيّر الأحوال. وقد ذكر العلماء تلك الأسباب وفصّلوا فيها القول (5).
__________
(1) سورة النّساء، الآية: 82.
(2) شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 535؛ زيدان، الوجيز، 386؛ محمّد علي فركوس، الإنارة، شرح كتاب الإشارة، ط 1، دار الموقع، الجزائر العاصمة: الجزائر، 1430 هـ-2009 م، 104.
(3) الخضري، أصول الفقه، 358.
(4) السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ص (3/ 218).
(5) ينظر: فركوس، المرجع السابق، 104؛ محمّد الحفناوي، التعارض والتّرجيح عند الأصوليّين وأثرهما في الفقه الإسلامي، ط 2، دار الوفاء، القاهرة، مصر، 1408 هـ؛1987 م، 20؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، ط 1، مكتبة أضواء السّلف، الرياض، السّعودية، 1425 هـ-2004 م، 145. (1/348)
صفحة 339
ويعتبر موضوع التّعارض والتّرجيح بين الأدلّة من المباحث الأصوليّة المهمّة؛ لذلك اشتغل به الأصوليّون وأولوه عناية بالغة، فلا يكاد يخلو مصنّف في أصول الفقه منه، ولكنّه لتشعّب أطرافه واتّساعها، فقد تناوله غيرهم من العلماء، حيث درسه علماء القرآن والتّفسير تحت مسمّى:"مشكل القرآن"، كما درسه علماء الحديث تحت مسمّى"مشكل الحديث أو مختلف الحديث" (1).
هذا وقد تناول بعض الأصوليّين مباحث التّعارض والتّرجيح، بعد مباحث الأدلّة الشّرعية، وقبل مباحث الاجتهاد؛ لأنّه وثيق الصّلة بها، إذ إنّ التّرجيح يتعلّق بها، فلا تثبت الأحكام بالأدلّة الظّنّية إلّا بعد التّرجيح.
في حين تناوله آخرون بعد مباحث الاجتهاد؛ باعتبار أنّ المجتهد هو من تناط به عمليّة التّرجيح بين الأدلّة عند التّعارض، كما أنّ التّعارض يقع في أنظار المجتهدين لا في الأدلّة نفسها؛ إذ لا تناقض في الشّريعة كما تمّ بيانه (2).
وقد ارتضى الشّماخيُّ هذا التّقسيم الثّاني، حيث تناول مباحث التّرجيح في آخر كتابه، بعد بيانه للأدلّة الشّرعية ومباحث الاجتهاد (3)، في حين اختار السّالميُّ التّقسيم الأوّل (4).
وفيما يأتي سأحاول -إن شاء الله- بيان نظرة الشّماخيّ للتّعارض والتّرجيح.
__________
(1) بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح، 7.
(2) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1171).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 605.
(4) السّالمي، شرح طلعة الشمس، ص (2/ 280). (1/349)
صفحة 340
المطلب الأوّل: تعريف التّرجيح وبيان محلّه.
الفرع الأوّل: تعريف التّرجيح.
أوّلا: لغة.
التّرجيح في اللّغة من رجح الشّيء يرجّح إذا ثَقُل، ومنه رجح الميزان، إذا زاد ومال (1).
وإلى هذا المعنى أشار الشّماخيُّ فقال: «التّرجيح في اللّغة جعل الشّيء راجحا» (2).
ثانيا: اصطلاحا.
أمّا في الاصطلاح، فعرّفه بأنّه: «اقتران أمارة بما تتقوّى به على معارضة» (3) (4)، وبيّن أنّ المقصود بالأمارة في التّعريف الدّليل الظنّي.
وقد انتُقد هذا التّعريف؛ لأنّه تعريف للرّجحان وليس للتّرجيح، فالاقتران يكون للرّجحان في الواقع ولا يصلُح ذلك للتّرجيح؛ لأنّ التّرجيح من أفعال المجتهد بخلاف الاقتران (5).
لذلك عرّف بعض الأصوليّين التّرجيح بأنّه: «تقوية إحدى الأمارتين على الأخرى ليُعمل بها» (6) (7).
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "رجح"، ص (7/ 351).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 605.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 605.
(4) بهذا التّعريف قال كثير من الأصوليّين، منهم: الآمدي، ابن الحاجب، العضد، السبكي، أمير بادشاه، ابن النّجار، الشّوكاني، السالميّ وغيرهم. ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 245)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 393؛ السبكي، رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، ص (4/ 608)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 616)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 221)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 455)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (2/ 280).
(5) ينظر: الإسنوي، نهاية السول، ص (4/ 445)؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1185).
(6) ينظر: البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، 239؛ السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، ص (3/ 208)؛ الإسنوي، نهاية السول، ص (4/ 432)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (4/ 425)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 616)؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1185).
(7) اعترض بخيت المطيعي على الإسنويّ في انتقاده لتعريف الآمدي وابن الحاجب وغيرهما بأنّ الاقتران معنى للرّجحان وليس للتّرجيح، حيث بيّن المطيعي أنّ مآل التّعريفين واحد، وأنّ كلاهما تعريف باللّازم، فمن نظر في تعريفه إلى فعل المجتهد عرّفه:"بالتّقوية"، ومن نظر إلى ترجيح الأمارة في نفسها عرّفه:"بالاقتران"؛ ثم اختار تعريف الحنفيّة للتّرجيح بأنّه: «إظهار زيادة أحد المتماثلين المتقابلين على الآخر»، وبيّن أنّه الأحسن؛ لأنّه يدلّ على أنّ التّرجيح ليس إلّا مجرّد إظهار الزّيادة والقوّة، لا تقوية ولا اقتران، بل هو إظهار ذلك فقط؛ ينظر: بخيت المطيعي، سلّم الوصول لشرح نهاية السّول، ص (4/ 445). (1/350)
صفحة 341
الفرع الثّاني: محلّ التّرجيح.
يقصد بمحلّ التّرجيح المكان أو المجال الذي يقع فيه.
وقد ذهب الشّماخيُّ مذهب الجمهور (1) في بيانه مجال التّرجيح، حيث ذكر أنّه لا يكون إلّا بين الدّليلين الظنّيين، وأنّه لا يُتصوّر فيما لا دلالة له على الحكم أصلا، ولا بين الدّليلين القطعيين، ولا بين علّتين قطعيّتين، ولا بين معلوم وظنّي.
وبيّن أنّ المعلومين إذا تعارضا، فالآخر ناسخ للأوّل، وإن أشكل التّاريخ، وعجزنا عن دليل آخر توقّفنا، وإذا تعارضت أمارتان وهما الدّليلان الظّنّيان وجب العمل بأقواهما.
ثمّ ذكر أنّ التّعارض يقع إمّا بين منقولين، أو بين معقولين كقياسين مثلا، أو بين منقول ومعقول كالتّعارض بين القياس والنّص.
كما بيّن أنّه لا يتصوّر وقوع التّعارض بين منقولين خبرين؛ لأنّه يلزم من ذلك أن يكون أحدهما كذب، والكذب محال على الله ورسوله، وإنّما يقع التّعارض في حكمين، من أمر ونهي وغيرهما (2).
المطلب الثّاني: مناهج الأصوليّين في درء التّعارض.
للعلماء في دفع التّعارض الظّاهري مناهج، وهو ما يُطلق عليه بطرق دفع التّعارض وهي: النّسخ، الجمع، التّرجيح، التّساقط أو التّوقّف.
والاختلاف حاصل بين الحنفيّة وجمهور الأصوليّين في ترتيب هذه الطّرق.
ومنهج الحنفيّة بالجملة هو تقديم النّسخ، فإن تعذّرت معرفة المتقدّم من المتأخّر، يُلجَأ إلى التّرجيح، فإن تعذّر يُصار إلى الجمع، فإن امتنع يَحكم المجتهدُ حينئذ بسقوط الدّليلين المتعارضين.
__________
(1) ينظر: العضد، شرح مختصر المنتهى الأصولي، 394؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 458)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 283).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 605، 606. (1/351)
صفحة 342
أمّا جمهور الأصوليّين فاتّفقوا على تقديم الجمع على سائر المرجّحات، ولكنّ اختلفوا بعد ذلك في تقديم التّرجيح على النّسخ أو العكس كالآتي:
- فذهب أكثر الأصوليّين (1) إلى أنّ التّرجيح مقدّم على النّسخ عند تعذّر الجمع.
- واختار جمهور المحدّثين وبعض الأصوليّين (2) تقديم النّسخ على التّرجيح (3).
وقد اختار الشّماخيُّ هذا المذهب الأخير، فاعتبر أنّ الجمع بين الأدلّة مقدّم في حال الإمكان، فإن لم يمكن يصار إلى النّسخ بالبحث عن تاريخ ورودهما، فإذا عُلم المتأخر فإنّه يكون ناسخا للآخر، فإن تعذّر النّسخ بأن جُهل المتأخّر من الدّليلين، عمد المجتهد إلى التّرجيح. وفي ذلك يقول: «وإن كان في حُكمين من أمر ونهي وغيرهما، فإن أمكن الجمع حُمل عليه، وإلّا فالمتأخّر ناسخ، وإن جُهل التّاريخ صرنا إلى التّرجيح» (4).
ولم يقل بتساقط الأدلّة عند عدم إمكان الجمع والنّسخ والتّرجيح، ومعناه ترك العمل بالدّليلين معا والعمل بغيرهما من الأدلّة، وإنّما اختار القول بالوقف، أو اختيار الأحوط، حيث قال: «وإن أشكل التّاريخ وعجزنا عن دليل آخر توقّفنا أو تخيّرنا؛ لأنّه ليس أحدهما أولى من الآخر» (5).
وذكر في موضع آخر أنّ المجتهد إذا تعارضت عليه أمارتان، وعجز عن إدراك الحقّ، وجب عليه التّوقّف والأخذ بالأحوط، أو تقليد غيره من المجتهدين (6).
ونَسَب الشمّاخيُّ والسّالمي (7) لابن بركة القول بالتّخيير في هذه الحالة، وذلك كالتّخيير بين خصال الكفّارة (8).
__________
(1) ينظر: الإسنوي، نهاية السّول، ص (4/ 449)؛ الزّحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 1183)؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، صفحات 207 - 237.
(2) ممّن أخذ بهذا الترتيب من الأصوليّين إمام الحرمين الجويني، والباجي، والشّيرازي، والغزالي، وابن قدامة وغيرهم؛ ينظر: الجويني، البرهان، ص (2/ 752)؛ الباجي، الإشارة، 198؛ الشّيرازي، اللّمع، 83؛ الغزالي، المستصفى، ص (2/ 248)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 208.
(3) ينظر تفصيل مناهج الأصوليّين في درء التّعارض: بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، صفحات 207 - 237.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 606.
(5) الشّماخي، المصدر نفسه، 606.
(6) الشّماخي، المصدر نفسه، 517.
(7) السالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 281).
(8) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 517. (1/352)
صفحة 343
ولكن ابن بركة نصّ في جامعه على تساقط الدّليلين عند امتناع النّسخ والتّرجيح والجمع، ولم يذكر التّخيير.
وذكر من أمثلة تساقط الأدلّة نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشّرب من فم السّقاء، وورود نصّ آخر يفيد شربه - صلى الله عليه وسلم - منه، حيث بيّن انّ الحكم في هذه الحالة هو تساقطهما والرّجوع إلى الحكم الأصلي وهو إباحة الأكل والشّرب (1).
وذكر السّالميُّ أنّ الأصوليّين اختلفوا عند عدم إمكان دفع التّعارض بين الأدلّة بالنّسخ أو الجمع أو التّرجيح، فمنهم من قال بتساقطهما، ومنهم من قال بالتّوقّف، وذهب البعض إلى القول بالتّخيير، ثم اختار القول بالتّساقط، ولكنّه بيّن أنّ الأقرب إلى طريق السّلامة هو التّوقّف (2).
والواقع أنّ القول بالتّوقف أو التّساقط إنّما هو مجرّد افتراض، فهو كلام نظريّ محض لم يظهر له أيّ أثر عمليّ على الجانب الفقهي، وفي ذلك يقول الشّاطبي: «لا تجد البتّة دليلين أجمع المسلمون على تعارضهما بحيث وجب عليهم الوقوف» (3).
ويكون الشّماخيُّ بهذا التّرتيب الذي اختاره لطرق دفع التّعارض مخالفا لرأي جمهور الإباضيّة، الذين يقدّمون النّسخ على سائر المرجّحات، يليه الجمع، ثمّ التّرجيح.
فابن بركة ذكر في جامعه أنّ المقدّم عند التّعارض النّسخ، فإن لم يُعلم المتأخر عُدل إلى الجمع، فإن تعذّر يُصار على التّرجيح (4)، وبهذا التّرتيب أخذ السّالميّ أيضا، حيث قال ما نصّه: «اعلم أنه لا يصحّ تعارض الدّليلين في نفس الأمر، بل لا بدّ وأن يكون أحدهما ناسخا، والآخر منسوخا، أو نحو ذلك، فإذا لم نعلم الوجه الذي يرتفع به وجه التّعارض بين الأدلّة وقع في ذهننا أنّ تلك الأدلّة
__________
(1) ينظر: ابن بركة، الجامع، ص (1/ 23)؛ جابر السّعدي، ابن برركة وآراؤه الأصوليّة، 141، 142.
(2) السالميّ، المصدر السابق، ص (2/ 281).
(3) الشاطبي، الموافقات، ص (5/ 341).
(4) ابن بركة، الجامع، ص (2/ 56). (1/353)
صفحة 344
متعارضة، فاحتجنا إلى العمل بواحد منها حيث لم يمكن الجمع بين المتعارضين، فإن كان في أحدهما مُرجِّح يقوى به على معارضه وجب علينا الأخذ بالرّاجح، وطرح المرجوح» (1).
كما أنّ الحنفيّة يقدّمون النّسخ على طرق دفع التّعارض الأخرى، يليه التّرجيح، ثمّ الجمع، ثمّ التّساقط (2).
ولعلّ الرّاجح ما ذهب إليه جمهور الإباضيّة والحنفيّة من تقديم النّسخ على طرق دفع التّعارض الأخرى؛ لأنّه إن ثبت بالنّص نسخ أحد الدّليلين المتعارضين، فإنّ محاولة الجمع والتّرجيح بينهما بعد ذلك هو إعطاء حجّية لدليل انتهت حجّيته، ويصلح تقديم الجمع على النّسخ إن كان ثابتا بالطّرق الاحتمالية (3).
كما يعتبر تقديم جمهور الأصوليّين والإباضيّة للجمع على التّرجيح أرجح مما ذهب إليه الحنفيّة من القول بأنّ الترجيح مقدّم؛ لأنّ الجمع هو إعمال للدّليلين معا، أمّا التّرجيح فهو إعمال لدليل واحد فقط.
ويعدّ السّالميُّ خير من فصّل مباحث التّعارض والتّرجيح من بين أصوليّي الإباضيّة (4).
ولم يفصّل الشّماخيُّ القول في طرق درء التّعارض ما عدا التّرجيح والنّسخ، أمّا الجمع بين الأدلّة فلم يتعرّض لشروطه وأنواعه كما فعل بعض الأصوليّين.
وتناول أنواع التّرجيح بين الأدلّة وصوره بالتّفصيل، كما خصّص بابا كاملا من كتابه لبيان مباحث النّسخ.
وفيما سيأتي سأتعرّض لبيان الشّماخيِّ لأنواع التّرجيح، ثمّ أبيّن بعد ذلك نظرته إلى النّسخ -إن شاء الله-.
__________
(1) السالميّ، طلعة الشّمس، ص (2/ 280).
(2) ينظر: بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 137)؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح، 212.
(3) فركوس، الإنارة شرح كتاب الإشارة، 129.
(4) السّالمي، المصدر السابق، ص (2/ 280) وما بعدها؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 639. (1/354)
صفحة 345
المطلب الثّالث: أنواع التّرجيح.
ذكر الشّماخيُّ أنواع التّرجيحات، مميّزا في ذلك بين الأدلّة النّقلية أو النّصية، وبين الأدلّة العقليّة، وفصّل تلك الأنواع مبيّنا صور كلّ نوع منها كالآتي:
الفرع الأوّل: التّرجيح بين الأدلّة النّقلية.
أوّلا: التّرجيح من جهة السّند.
بيّن الشّماخي أنّ الدّليل النّقلي يترجّح من جهة السّند بما يأتي:
- بكثرة الرّواة: وبيّن أنّ العدد الأكثر من الرّواة أبعد عن الخطأ من العدد الأقلّ، كما أنّه يوصل الخبر إلى التّواتر، فيفيد بذلك العلم، ونسب للكرخي من الحنفيّة الخلاف في ذلك (1).
- يقدّم الرّاوي الأعلم، ومثّل لذلك بتقديم الإباضيّة لأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة على حاجب الطائي (2).
- يقدّم الأعدل والأتقى، ومثّل له بتقديم الإباضيّة الرّبيع بن حبيب، على عبد الله بن عبد العزيز (3)، وكلاهما من تلامذة أبي عبيدة.
__________
(1) قال بالتّرجيح بكثرة الرّواة جمهور العلماء من المالكيّة، والشافعية، والحنابلة، ومتأخّري الحنفية، والإباضيّة، والمعتزلة، والشّيعة.
وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف، وأبو الحسن الكرخي، وابن حزم، وجمهور الحنفيّة، وبعض المالكيّة، وبعض المعتزلة، إلى منع التّرجيح بكثرة الرّواة ما لم يبلغ حدّ الشّهرة أو التّواتر. ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 250)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 461)؛ الشّماخي، شرح مختصر العدل، 606؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 296)؛ الحفناوي، التّعارض والتّرجيح عند الأصوليّين، 307؛ بنيونس الولي، ضوابط التّرجيح، 242.
(2) هو أبو مودود، حاجب بن مودود الطّائي، عالم وفقيه إباضي، عاش في البصرة، وتلقّى العلم عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وكان ساعده الأيمن في نشاطاته، توفّي سنة 150 هـ. تنظر ترجمته: الدّرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ص (2/ 56 - 60)؛ الشماخي، كتاب السّير، ص (1/ 204)؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 110، ص (1/ 130).
(3) هو أبو سعيد عبد الله بن عبد العزيز، من علماء البصرة في القرن الثاني الهجري، أخذ العلم عن أبي عبيدة، وقد كان شغوفا بالعلم وكتاباته، وهو أحد العلماء الذين روى عنهم أبو غانم مدوّنته، وكان كثير القياس في المسائل الفقهيّة؛ ممّا جعل الإباضيّة يعرضون عن آرائه. تنظر ترجمته: فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيّة، ص (1/ 84)؛ محمّد صالح ناصر، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 814، ص 279؛ فهد السّعدي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ترجمة رقم: 489، ص (2/ 276). (1/355)
صفحة 346
- يقدّم الرّاوي الأشهر واليقِظ والذي يعتمد على حفظه، على من يعتمد على نسخه.
- يقدّم الرّاوي الذي يعمل بروايته، على الذي لم يعمل بها.
- يقدّم في الخبرين المرسلين الرّاوي الذي عُلم أنّه لا يروي إلّا عن العدل، عن الذي لم يُعلَم منه ذلك.
- يرجّح الرّاوي صاحب الواقعة على غيره، ومثّل لذلك بترجيح الجمهور لحديث ميمونة (1) -رضي الله عنها-: «أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - تزوّجها وهو حلال» (2)، على حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «تزوّج ميمونة، وهو مُحرم» (3)؛ لكونها صاحبة الواقعة، كما بيّن أنّه يرجّح خبر الرّاوي المباشر للرّواية على غير المباشر لها، ومثّل له بترجيح حديث أبي رافع (4) في أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - تزوّج ميمونة وهو حلال (5)، على حديث ابن عباس السّابق؛ لأنّ أبا رافع كان السّفير بينهما.
- تقدّم رواية من كان مُشافها على من لم يكن كذلك، ورواية الأقرب في المجلس على الأبعد، ومثّل لذلك بتقديم رواية القاسم في روايته عن عائشة؛ لأنّها عمّته، وتقديم رواية ابن عمر عن
__________
(1) هي ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخت أمّ الفضل زوجة العبّاس، تزوّجها النّبي - صلى الله عليه وسلم - في السّنة السابعة للهجرة لما رجع من عمرة القضاء، وقد روت عدّة أحاديث، توفّيت سنة 51 هـ. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 210)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (8/ 126).
(2) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النّكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهيّة خطبته، حديث رقم: 3519، ص (4/ 137).
(3) متّفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب العمرة، باب نكاح المحرم، حديث رقم: 1837، ص (3/ 15)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب النّكاح، باب تحريم نكاح المحرم وكراهيّة خطبته، حديث رقم: 3517، ص (4/ 137).
(4) هو أبو رافع القبطي، مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يُقال أنّ اسمه إبراهيم، وقيل أسلم، كان عبدا للعبّاس فوهبه للنّبي - صلى الله عليه وسلم -، فلمّا بشّر - صلى الله عليه وسلم - بإسلام العبّاس أعتقه، وقد روى عدّة أحاديث، توفي بمكّة سنة 40 ه. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 10)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 134).
(5) حديث أبي رافع رُوي بألفاظ متقاربة، حيث أخرجه الربيع في الجامع الصّحيح، كتاب النّكاح، باب ما يجوز من النّكاح وما لا يجوز، حديث رقم: 520، ص (2/ 140)؛ وأخرجه الترمذيُّ في سننه، وقال: «هذا حديث حسن»، أبواب الجمعة، باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم، حديث رقم: 841، ص (3/ 200)؛ وأخرجه النّسائي في سننه، كتاب الحجّ، باب ذكر الاختلاف في تزويج ميمونة، حديث رقم: 5402، ص (3/ 288)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 27241، ص (6/ 392). (1/356)
صفحة 347
حفصة (1)؛ لأنّها أخته.- تقدّم رواية أكابر الصّحابة على أصاغرهم، وعلّل ذلك بكونهم أقرب إلى الرّسول - صلى الله عليه وسلم - غالبا (2).
- تقدّم رواية من تحمّلها بالغا على من تحمّلها صغيرا؛ لخروجه من الخلاف.
- يقدّم الخبر المروي المنقول بالتّواتر على الآحاد، والمسند على المرسل، والخبر الذي لم يُختلف في رفعه، على المختَلف في رفعه ووقفه، كما يقدّم مرسل التّابعي على مرسل غيره.
- يقدّم الخبر ذا السّند العالي على النّازل، والخبر المتّفق عليه على غير المتّفق، كما تقدّم رواية من يذكر سند الرواية، على رواية من يُسندها إلى أحد كتب الحديث المشهورة، ورواية من يُسند الحديث إلى كتاب مشهور بالصّحة، على رواية من يُسندها إلى كتاب أقلّ منه.
- تقدّم رواية الذي صرّح بسماعه من النّبي - صلى الله عليه وسلم -، على من لم يصّرح بذلك، كما تقدّم رواية بقراءة الشّيخ، على رواية بقراءته على الشّيخ.
- تقدّم الرواية الواردة بصيغة:"قال"، على الواردة بصيغة:"كان في زمانه، أو في مجلسه"؛ وعلّل الشّماخيّ ذلك بأنّ ما كان في مجلسه ربّما غفل عنه بخلاف النّص.
- تقدّم رواية الرّاوي باللّفظ على الرّاوي بالمعنى، والرّواية التي حدثت في حضرته وسكت عنها على التي حدثت في زمانه.
- يقدّم خبر الآحاد فيما لا تعمّ فيه البلوى، على الذي تعمّ فيه البلوى (3).
ثانيا: التّرجيح من جهة المتن:
قبل الحديث عن وجوه التّرجيح من جهة المتن -التي أوردها الشّماخي-، سأتناول مسألة تعارض السنّة القوليّة والفعليّة، وأبيّن رأي الشّماخيِّ فيها.
__________
(1) هي حفصة بنت عمر بن الخطاب العدويّة، زوج النّبي - صلى الله عليه وسلم -، تزّوجها - صلى الله عليه وسلم - في السنة الثالثة للهجرة، وقد روت عدّة أحاديث، توفّيت في عام الجماعة سنة 41 هـ. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 201)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (7/ 581).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 606 - 608.
(3) الشّماخي، المصدر نفسه، 608. (1/357)
صفحة 348
- مسألة تعارض السنّة القوليّة والفعليّة.
تناول الشّماخيُّ هذه المسألة ضمن مباحث العموم، وذلك في معرض حديثه عن عموم أفعال النّبي - صلى الله عليه وسلم -، حيث تناول مسألة تعارض قوله - صلى الله عليه وسلم - وفعله، وفصّل القول فيها، كما تعرّض بالذّكر لهذه المسألة أيضا في كتابه شرح مقدّمة التّوحيد.
وفصّل القول في هذه المسألة، مميّزا في ذلك بين تعارض القول والفعل في حقّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعارضه في حق أمّته (1).
واختار القول بتقديم قول النّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على فعله عند التّعارض؛ وعلّل ذلك بأنّ القول متوجّه إلينا، فهو موضوع في الأصل للتّشريع، ودلالته متّفق عليها وأقوى من دلالة الفعل، كما أنّها تعمّ المعدوم والموجود والمعقول والمحسوس، أمّا الفعل فيخصّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يعمّ، حيث قال: «والعمل بالقول هو المختار؛ لأنّ القول وُضع لذلك فلا يختلف، بخلاف الفعل، وأيضا القول أعمّ، وأيضا دلالته متّفق عليها دون الفعل» (2).
وإن قامت قرينة على التّأسّي به - صلى الله عليه وسلم -، ودلّت على تكرار الفعل فالمتأخّر ناسخ (3).وبهذا قال جمهور الإباضيّة (4).
ومثّل الشّماخيُّ بتقديم الإباضيّة لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من أصبح جنبا أصبح مفطرا» (5) على حديث عائشة وأمّ سلمة -رضي الله عنهما- أنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يصبح جنبا من جماع غير احتلام ولا يفطر (6)؛ لأنّ الثّاني فعل فهو يحتمل الخصوصيّة به - صلى الله عليه وسلم -.
__________
(1) ينظر تفصيل حالات تعارض قول النبّي - صلى الله عليه وسلم - مع فعله: الشماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 72؛74؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 79).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 374.
(3) ينظر: الشّماخي، المصدر نفسه، صفحات 272 - 274؛ شرح عقيد التّوحيد، 93، 94.
(4) ينظر: النامي، دراسات عن الإباضيّة، 153، 154؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 645.
(5) أخرجه الرّبيع في الجامع الصّحيح، كتاب الصّوم، باب ما يفطر الصّائم، ووقت الإفطار والسّحور، حديث رقم: 315، ص (1/ 81).
(6) متّفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة -رضي الله عنها- بألفاظ متقاربة، ونصّه عند البخاري عن الزّهري، قال: «أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أن أباه عبد الرحمن أخبر مروان أن عائشة وأمّ سلمة أخبرتاه: أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم يغتسل ويصوم»؛ البخاري، الصّحيح، كتاب الصّوم، باب الصّائم يصبح جنبا، حديث رقم: 1925، ص (3/ 29)؛ مسلم، الصّحيح، كتاب الصّيام، باب صحّة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب، حديث رقم: 2645، ص (3/ 137). (1/358)
صفحة 349
انتقل الشّماخيُّ بعد بيانه لوجوه التّرجيح بين الدّليلين النّقليّين من جهة السّند، إلى بيان وجوه التّرجيح بينهما من جهة المتن كالآتي:
- بيّن الشّماخي أنّ النّهي يُقدَّم على الأمر؛ وعلّل ذلك بأنّ دفع المفسدة أولى منة جلب المصلحة، كما أنّ النّهي يفيد الدّوام ومحامله أقلّ من الأمر.
- يقدّم الخبر الذي فيه أمر على الخبر المبيح احتياطا، وذكر أنّ البعض يرجّحون الإباحة (1).
- يقدّم الخبر الأقلّ احتمالا على الأكثر احتمالا، ومثّل لذلك بتقديم اللّفظ المشترك بين معنيين، على المشترك بين ثلاثة معان (2).
- تقدّم الحقيقة على المجاز؛ وعلّل ذلك بأنّها الأصل في الكلام، أمّا إن دار اللّفظ بين الحقيقة المرجوحة والمجاز الرّاجح، فلا يحمل على أحدهما إلّا بقرينة؛ لأنّ كلّ واحد منهما له مرجّح (3).
- يقدّم المجاز اللّغوي والأشهر على غيره، كأن تكون العلاقة فيه أشهر، أو يكون أحدهما أقرب، ومثّل لذلك بإطلاق اسم السّبب على المسبّب؛ لكون السّبب يستلزم مسبّبه دون العكس، أو يكون دليل أحدهما أرجح؛ لكونه ثبت بنصّ الواضع، أو بصحّة النّفي، والآخر بعدم الاطّراد، أو بعدم صحّة الاشتقاق أو بشهرة استعماله.
- تقدّم الحقيقة الثابتة لغة وشرعا على الحقيقة الثّابتة شرعا فقط.
- يقدّم اللّفظ الذي استعمل في الشّرع في معناه اللّغوي، على اللّفظ الذي استعمل في الشّرع في معناه الشّرعي دون اللّغوي.
- تقدّم دلالة المطابقة على الالتزام.
__________
(1) نسب ابن النّجار هذا الرّأي للآمدي، وابن حمدان والهندي؛ ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 259)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 659).
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 609.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 241. (1/359)
صفحة 350
- يقدّم ما كان مدلوله بالاقتضاء على ما كان مدلوله بالإشارة وبالإيماء، وعلى ما كان مدلوله بمفهوم الموافقة والمخالفة.
- يقدّم مفهوم الموافقة على مفهوم المخالفة؛ لأنّه أقوى، وذكر أنّ بعض الأصوليّين يقدّمون مفهوم المخالفة على الموافقة، بحجّة أنّ الموافقة تأكيد والمخالفة تأسيس، والتّأسيس أولى من التّأكيد (1) (2).
- يقدّم اللفظ المنقول على المشترك؛ لأنّ النّقل لا يحتاج على قرينة لتعيين معناه، بخلاف المشترك فإنّه لا يتعيّن المعنى المراد منه إلّا بقرينة تدفع مزاحمة الغير.
- يقدّم اللّفظ الذي له مجاز على المشترك؛ لأنّ المجاز يفيد المعنى مطلقا بقرينة أو بدونها، فإن وجدت القرينة كان مجازا، وإن لم توجد كان حقيقة، بخلاف المشترك.
- يقدّم اللّفظ المضمر على المشترك؛ الإضمار لا يحسن إلّا مع تعيين المضمر، بخلاف المشترك.
- يقدّم التّخصيص على المجاز، والاشتراك، والإضمار، والنّقل.
- يقدّم المجاز على الاشتراك، والإضمار، والنّقل (3).
- يقدّم الخاصّ على العام، ومثّل له بتقديم حديث النّبي - صلى الله عليه وسلم -: «فيما سقت السّماء والعيون العشر» (4)، على قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صدقة فيما دون خمسة أوسق» (5)؛ لأنّ الأوّل خاص والثّاني عام (6).
- يقدّم ما كان خاصّا من وجه عامّا من وجه آخر على ما كان عامّا مطلقا.
- يقدّم التّخصيص على التّأويل، والعامّ الغير مخصّص على العام المخصّص.
- يقدّم المطلق على المقيّد، كما يقدّم المطلق الذي لم يلحقه التّقييد على الذي لحقه.
__________
(1) ينسب هذا الرّأي للآمدي، والصّفي الهنديّ. ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (4/ 263)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 672)؛
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 386.
(3) الشماخي، المصدر نفسه، 242.
(4) سبق تخريجه.
(5) سبق تخريجه.
(6) الشماخي، المصدر السابق، 386. (1/360)
صفحة 351
- ثمّ بيّن الشّماخيُّ أنّ العامّ إذا تعارضت صيغه، فيقدّم بعضها على بعض، حيث تقدّم صيغة الشّرط الصّريح على النّكرة في سياق النّفي، والجمع المعرّف بالألف واللاّم والمضاف ونحوها، ثمّ الجمع على المعرّف بالألف واللاّم، والاسم الموصول على اسم الجنس المعرّف؛ لكثرة استعماله في المعهود.
- يقدّم الإجماع على النّص؛ لعدم قبوله للنّسخ بخلاف النّص، كما يقدّم إجماع الصّحابة على إجماع التّابعين.
- يقدّم الحظر على الإباحة، وعلى النّدب، وعلى الكراهة؛ وعلّل ذلك بكونه أحوط، وذكر أنّ البعض يقدّم الإباحة على الكلّ (1).
- يقدّم الوجوب على النّدب؛ لأنّه أحوط، والخبر المثبت على النّافي، ومثّل له بتقديم حديث بلال بن رباح (2) -رضي الله عنه-: «أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت فصلّى» (3)، على حديث أسامة بن زيد (4) -رضي الله عنه-: «أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دخل ولم يصلّ» (5).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 609 - 611.
(2) هو أبو عبد الله بلال بن رباح الحبشي، مؤذّن النّبي - صلى الله عليه وسلم - وخازن بيت ماله، وقد كان عبدا لأميّة بن خلف ثمّ اشتراه أبو بكر الصّديق وأعتقه، شهد المواقع كلّها مع النّبي - صلى الله عليه وسلم -، وروى عدّة أحاديث، توفي سنة 20 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (1/ 302)، ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (1/ 326) ,
(3) متّفق عليه، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما بألفاظ متقاربة، ونصّه عند البخاري: «أُتي ابن عمر فقيل له: هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دخل الكعبة، فقال ابن عمر: فأقبلت والنّبي - صلى الله عليه وسلم - قد خرج وأجد بلالا قائما بين البابين، فسألت بلالا، فقلت: أصلى النّبي - صلى الله عليه وسلم - في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين، بين السّاريتين اللّتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج، فصلى في وجه الكعبة ركعتين».
أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الصّلاة، أبواب استقبال القبلة، باب قول الله تعالى: {وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [سورة البقرة، الآية:125]، حديث رقم: 397، ص (1/ 88)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الحجّ، باب استحباب دخول الكعبة للحاجّ وغيره، حديث رقم: 3294، ص (4/ 95).
(4) هو أبو محمّد أسامة بن زيد بن حارثة، من كنانة بن عوف، ولد في السنة السابعة قبل الهجرة، وهاجر إلى المدينة، وقد شهد المواقع كلّها مع النّبي - صلى الله عليه وسلم -، ورى عدّة أحاديث، توفي بالمدينة سنة 54 هـ. تنظر ترجمته: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (1/ 435)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (1/ 49).
(5) أخرجه الشّيخان، أخرجه البخاري في صحيحه عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنْ الْأَزْلَامِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ»، كتاب المغازي، باب أين ركز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرّاية، حديث رقم: 4288، ص (5/ 148)؛ وأخرجه مسلم في صحيحه عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «أخبرني أسامة بن زيد، أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - لما دخل البيت، دعا في نواحيه كلّها، ولم يصلّ فيه حتى خرج، فلمّا خرج ركع في قبل البيت ركعتين، وقال: "هذه القبلة"، قلت له: ما نواحيها؟ أفي زواياها؟ قال:"بل في كل قبلة من البيت"» كتاب الحج، باب استحباب دخول الكعبة للحاجّ وغيره، حديث رقم: 13301، ص (4/ 96). (1/361)
صفحة 352
- يقدّم الخبر الذي يوجب ترك الحدّ على الذي لا يوجبه، ونسب للغزاليّ القول بخلاف ذلك (1).
- ذكر اختلاف الأصوليّين في تقديم ما يوجب العتق والطّلاق على ما لا يوجبهما، ونسب للغزاليّ نفيه التّرجيح بهذا (2)، ثمّ اختار تقديم ما يدلّ على عدمهما.
- يقدّم ما يدلّ بالاقتضاء (الحكم التّكليفي) كالوجوب أو النّدب أو الإباحة على ما يدلّ بالوضع (الحكم الوضعي) كالصّحة والسّبب والشّرط؛ وعلّل ذلك بأنّ الوضع لا يحصل ثوابا.
- يقدّم الأخفّ على الأثقل؛ لأنّ الدّين يسر، وبيّن أنّ البعض يقدّمون الأثقل ابتغاء للأجر.
- يقدّم ما قوّاه غيره من الأدلّة على الذي انفرد.
- يقدّم الخبر الذي ثبت عمل الصّحابة به على الذي لم يثبت؛ لأنّه قرينة على ترجيحه.
- يقدّم الحكم المنصوص بعلّته على غير المنصوص بها؛ لأنّه أدعى للقبول (3).
- يقدّم العامّ الوارد على سبب في ذلك السّبب، أمّا في غيره فيقدّم الوارد على غير سبب؛ لأنّ الوارد على غير سبب أرجح في غير السّبب، والوارد على سبب أرجح في السّبب، ومثّل الشماخي للأوّل بتقديم ما روي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنّه مرّ بشاة ميمونة -رضي الله عنها- فقال: «أيّما إهاب دبغ فقد
__________
(1) اختلف الأصوليّون في الدّليلين المتعارضين اللّذين يفيد أحدهما إيجاب الحدّ والآخر إسقاطه على ثلاثة أقوال:
- ترجيح إسقاط الحدّ: وبه قال الآمدي، وابن الحاجب، والبيضاوي، وبادشاه، والسّالمي وغيرهم.
- ترجيح إثبات الحدّ.
- أنّهما سواء: وبه قال القاضي أبي يعلى، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والغزالي، وابن قدامة وغيرهم.
ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 378)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 209؛ البيضاوي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، 243؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 398؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (4/ 690)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 161)؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (2/ 301).
(2) الغزالي، المستصفى، ص (1/ 378).
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 611، 612. (1/362)
صفحة 353
طهُر» (1)، كما يقدّم العام الذي خوطب به بعض ما يتناوله على العام المطلق في حقّهم، ويقدّم العام المطلق عليه في غيرهم.
- يقدّم الأقرب إلى المقصود، كقوله تعالى: {وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} (2)، أي في وطء النّكاح، على قوله: {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} (3)؛ لأنّ الجمع بينهما في وطء النّكاح أقرب للمقصود.
- يقدّم الخبر الذي فسّره راويه بقول أو فعل على خبر لم يفسّره؛ لأنّه أعرف بما روى، وظنّ الحكم به أوفق.
- يقدّم ما ذكر فيه سبب ورود النّص على ما لم يذكر فيه؛ لأنّه يدلّ على اهتمامه، وكذا إذا اقترن أحد الخبرين بقرينة تدلّ على تأخيره، كتضييق الخبر، أي يوم كذا أو شهر كذا؛ لأنّ التّوسيع يظنّ فيه أن يكون السّماع قبل وقت التّضييق، وكذا تأخّر إسلامه، وكالتّشديد؛ لأنّ التّشديد واقع في آخر زمان النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
الفرع الثّاني: التّرجيح بين الأدلّة العقليّة.
بعد فراغ الشّماخيِّ من بيان وجوه التّرجيح بين الأدلّة النّقلية من جهة السّند، ثمّ من جهة المتن، بما في ذلك التّرجيح الحاصل بأمر خارجي، انتقل إلى بيان وجوه التّرجيح بين الأدلّة العقليّة، وبيّن أنّ المقصود بالمعقول من الأدلّة القياس والاستدلال، حيث ذكر عدّة وجوه للتّرجيح بين هذا النّوع من الأدلّة كالآتي:
__________
(1) أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ: «إذا دُبغ الإهاب فقد طهر»، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدّباغ، حديث رقم: 838، ص (1/ 191)؛ وأخرجه الربيع في الجامع الصّحيح، وأصحاب السّنن؛ ما عدا أبو داود؛ وغيرهم، بلفظ: «أيّما إهاب دُبغ فقد طَهُر». أخرجه الربيع في جامعه الصّحيح، كتاب الزّكاة والصّدقة، باب أدب الطّعام والشّراب، حديث رقم: 389، ص (1/ 98)؛ وأخرجه الترمذي، في سننه، وقال: «هذا حديث حسن صحيح»، كتاب الذّبائح، أبواب اللّباس، باب ما جاء في جلود الميتة إذا دبغت، حديث رقم: 1728، ص (4/ 221)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب اللّباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، حديث رقم: 3609، ص (3/ 473)؛ وأخرجه النّسائيّ في سننه، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، حديث رقم: 4567، ص (3/ 83)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 1895، ص (1/ 219).
(2) سورة النّساء، الآية: 23.
(3) سورة النّساء، الآية: 3. (1/363)
صفحة 354
- يرجّح منها ما كان حكم أصله أو علّته قطعيّة على ما لم يكن كذلك، وإن كان حكم أصلهما ظنّيان فيقدّم أحدهما على الآخر بأحد وجوه التّرجيح السّابقة.
- يقدّم القياس الذي لا خلاف في عدم نسخ حكم أصله، على الذي فيه خلاف في نسخ حكم أصله.
- يقدّم ما كان جاريا على سنن القياس بلا خلاف، على المختلف في جريانه عليها.
- يقدّم ما دلّ دليل خاص على تعليله، وجواز القياس عليه، على ما ليس كذلك من الأحكام.
- يقدّم قياس السّبر على قياس المناسبة؛ لأنّ قياس السّبر يتضمّن نفي المعارض بخلاف المناسبة.
- يقدّم القياس الذي علّته وصف حقيقيّ على ما علّته وصف اعتباري، كما يقدّم الاعتباري على ما هو مجرّد أمارة، ومثّل للأوّل بالشّدة في الخمر، وتحريم الانتفاع.
- تقدّم العلّة المنضبطة كالسّفر على المضطربة كالمشقّة، والظّاهرة كالسّكوت، على الحقيقة كالرّضا، والمتّحدة على المتعدّدة؛ لأنّ المتعدّدة مختلف فيها.
- يقدّم الوصف الذي يتعدّى في فروع كثيرة على الذي تقلّ فروعه.
- يقدّم القياس الذي علّته مطّردة على الذي علّته منقوضة، أي التي وجدت ولم يوجد الحكم معها في صورة، كما تقدّم المنعكسة على غير المنعكسة، والمطّردة غير المنعكسة على المنعكسة غير المطّردة، والمناسبة على الشّبهية.
- تقدّم العلّة الغير معارَضة في الأصل على التي عورضت (1).
- تقدّم العلّة المقتضية للنّفي على العلّة المقتضية للثّبوت؛ وعلّل ذلك بكون العلّة المقتضية للنّفي مؤبّدة بالنّفي الأصلي، وثابت حكمها راجحة أو مساوية، بخلاف المقتضية للثّبوت؛ إذ لا يثبت حكمها إلّا راجحة، وبيّن أنّ بعض الأصوليّين يقدّم المثبتة على المنفيّة؛ لإفادتها حكما شرعيّا.
- يقدّم ما يعمّ جميع المكلّفين على الخاصّ ببعضهم؛ وعلّل ذلك بكثرة الفائدة.
- يقدّم ما المشاركة فيه في عين الحكم وعين العلّة على ما المشاركة فيه في جنس الحكم، وجنس العلّة، أو جنس الحكم وعين العلّة، أو جنس العلّة وعين الحكم.
__________
(1) الشماخي، شرح مختصر العدل، صفحات 613 - 615. (1/364)
صفحة 355
- كما يقدّم ما المشاركة فيه في عين العلّة على ما المشاركة فيه في عين الحكم وجنس العلّة أو جنسهما، ثمّ عين الحكم على المشاركة في جنسهما.
- كما بيّن الشّماخيُّ وجوه التّرجيح بين المقاصد الضّروريّة، حيث بيّن أنّ المقدّم منها الضّرورة الدّينيّة، ثمّ النّفسيّة، ثمّ النّسب، ثمّ العقل، ثمّ المال، موافقا في ذلك لما ذهب إليه جمهور الأصوليّين (1).
- يقدّم القياس الذي تحقّقت العلّة فيه في الفرع قطعا، على الذي تحقّقت فيه بالظّن.
- إذا تعارضا دليلان أحدهما منقول والآخر معقول، فيقدّم المنقول الدّال بمنطوقه الخاصّ على المعقول، ثمّ بيّن أنّ الخاصّ الدّال لا بمنطوقه له درجات مختلفة تحتاج إلى بسط؛ لأنّ بعضها أقوى من بعض (2).
- تعارض القياس مع خبر الواحد:
إذا خالف خبر الواحد القياس، فإن تعارضا من وجه دون وجه فالجمع ما أمكن، وإن خالفه من كلّ وجه، بأن يُبطل كلّ واحد منهما ما يُثبته الآخر بالكلّية، فقد اختلف الأصوليّون أزاء هذه المسألة على عدّة أقوال (3). كالآتي:
ذهب جمهور الأصوليّين من المتكلّمين والفقهاء إلى تقديم الخبر على القياس، فيكون العَمَلُ به أولى من العَمَلِ بالقياس (4)، وهو قول عامة الإباضيّة (5).
وذهب الإمام مالك وغيره إلى تقديم القياس على الخبر فلا يقبل الخبر المخالف للقياس عندهم (6).
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 614.
(2) الشماخي، المصدر نفسه، 616.
(3) ينظر تفصيل اختلاف الأصوليّين في المسألة: لخضر لخضاري، تعارض القياس مع خبر الواحد وأثره في الفقه الإسلامي، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م، 304 وما بعدها.
(4) ينظر: الشّافعي، الرّسالة، ص (1/ 396)؛ الشّيرازي، اللّمع، 73؛ السّمعاني، قواطع الأدلّة في الأصول، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، 1418 هـ؛ 1999 م، ص (2/ 167)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 66؛ ابن القيّم، إعلام الموقّعين، ص (1/ 369)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (5/ 409)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 104)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 116).
(5) ينظر: السّالمي، طلعة الشّمس، ص (2/ 33)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 655.
(6) القرافي، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول في الأصول، 301. (1/365)
صفحة 356
وقال أبو الحسين البصريُّ إن كانت العلَّة ثابتة بدليل قطعيٍّ قدّم القياس، وإن كان حكم الأصل قطعيا والعلة ظنيَّة فالاجتهاد واجب (1).
وذهب الآمديُّ وابن الحاجب والعضد وغيرهم، إلى أنّ القياس يقدّم على خبر الواحد إن كانت العلة ثابتة بنص أرجح من الخبر، ووجودها في الفرع قطعيٌّ، أمّا إن كان وجودها فيه ظنيًّا فيُتوقّف، وإن لم تترجّح العلّة بنصّ قدّم الخبر (2).
ولم يصرّح الشّمّاخيُّ برأيه في المسألة، ولكن يُفهم من كلامه ترجيح هذا القول الأخير؛ لأنّه اكتفى في كتابه "مختصر العدل والإنصاف" بذكر هذا القول فقط دون سائر الأقوال الأخرى، حيث قال: «وإن تعارض الخبر والقياس فثالثها: إن كانت العلّة في الفرع مقطوعا بها قدّم القياس، وإن كانت ظنّا فالوقف، وإلّا فالخبر» (3).
__________
(1) أبو الحسين البصري، المعتمد، ص (2/ 165).
(2) ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (2/ 130)؛ ابن الحاجب، مختصر المنتهى، ص (1/ 631)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، ص 158.
(3) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 463 و 467. (1/366)
صفحة 357
المبحث الرّابع: النّسخ.
تمهيد: جرت عادة الأصوليّين على تناول بحث النّسخ عقب مباحث الكتاب والسنّة، وما يتعلّق باستنباط الأحكام منهما؛ وذلك للصّلة الوثيقة التي تربطه بأحكامهما، ولكونه لا يقع إلّا في نصوصهما، في رأي الجمهور.
ولم يخرج الشّماخيُّ عن هذا التّرتيب، حيث خصّص الباب السّابع من كتابه للنّسخ، وذلك بعد تناوله لمباحث الكتاب والسنّة، وطرق استنباط الأحكام منهما.
وقد أظهر الأصوليّون اعتناء كبيرا في بيان مباحثه وتفصيلها؛ لكونه من أهمّ قواعد التّرجيح بين الأدلّة عند التّعارض. (1/367)
صفحة 358
المطلب الأوّل: مفهوم النّسخ، وبيان شروطه، والفرق بينه وبين التّخصيص.
الفرع الأوّل: تعريف النّسخ.
أوّلا: لغة: يطلق النّسخ في اللّغة على معنيين وهما: الإزالة والنّقل (1).
وإلى هذا المعنى اللّغوي أشار الشّماخي، وذكر أنّ الوارجلانيَّ (2) يعتبر أنّ النّسخ اللّغة يطلق على ثلاثة معان وهي: النّقل و الإزالة والإبطال، ثمّ بيّن أنّ الصّواب إطلاق النّسخ على النّقل والإزالة؛ لأنّ الإزالة تعمّ الإبطال وغيره، ومثّل بقولهم: «نسخت الشّمس الظّل» أي: أزالته وأبطلته.
وذكر اختلاف الأصوليّين في كون النّسخ مشتركا بين هذين المعنيين، أو كونه حقيقة في أحد المعنيين مجاز في الآخر، ثمّ اختار كونه مشتركا بينهما (3).
ثانيا: اصطلاحا: أمّا في الاصطلاح فعرّفه بأنّه: «إزالة حكم شرعيّ، بشرع متأخّر» (4).
ثمّ بيّن قيود التّعريف كالآتي:
- حكم شرعي: يخرج به ما كان في أصله مباح، ثمّ طرأ عليه حكم شرعيّ، فلا يعتبر ذلك نسخا.
- بشرع متأخّر: يخرج به الموت والجنون والنّوم ونحوها؛ لأنّها إزالة حكم شرعيّ لا بشرع (5).
يلاحظ من تعريف الشّماخيِّ اختياره إطلاق لفظ "إزالة"؛ متّبعا في ذلك قول القائلين بأنّ النّسخ رفع وإزالة للحكم لا لبيان انتهاء مدّته، والخلاف لفظي؛ لحصول الاتّفاق على انعدام
__________
(1) ابن منظور، لسان العرب، مادة "نسخ"، ص (3/ 61).
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 218).
(3) بهذا الرّأي قال الباقلاني، وتابعه في ذلك الغزالي، والآمدي وغيرهما. ينظر: الغزالي، المستصفى، ص (1/ 168)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 112).
(4) تعريف الشّماخي للنّسخ، قريب من التّعريف الذي ارتضاه ابن الحاجب، الذي عرّفه بأنّه: «رفع الحكم الشّرعي، بدليل شرعي متأخّر». ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (2/ 970).
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 469. (1/368)
صفحة 359
الحكم الأوّل بسبب انعدام متعلّقه وهو الدّليل (1).
الفرع الثّاني: شروط النّسخ.
ذكر الأصوليّون شروطا للنّسخ حتى يكون معتبرا، بعضها محلّ اتّفاق، وبعضها محلّ اختلاف، ولم يفصّل الشّماخيُّ القول في هذه شروط، وإنّما اكتفى ببيان قيود تعريفه للنّسخ، والتي هي بمثابة شروط له (2).
وتتلخّص شروط النّسخ التي اتّفق عليها الأصوليّون فيما يأتي:
1 - أن يكون المنسوخ حكما شرعيا عمليّا جزئيّا ثبت بالقرآن أو السنّة، مطلقا عن التّأقيت أو التّأبيد، متقدّما في النّزول عن النّاسخ.
2 - أن يكون النّاسخ قولا في القرآن أو السنّة، أو فعلا من السنّة متأخّرا عن المنسوخ (3).
الفرع الثّالث: الفرق بين النّسخ والتّخصيص.
سبق وأن ذكرت تعريف الشّماخيِّ للتّخصيص بأنّه: «قصر العامّ على بعض مسمّياته» (4)، ومن خلال مقارنة النّسخ بالتّخصيص، يظهر اشتراكهما واتّفاقهما في أنّ كلّ واحد منهما يُوجب إخراج بعض ما تناوله اللّفظ لغة، أي أنّ كلّا منهما فيه قصر للحكم على بعض مشتملاته، إلّا أنّ النّسخ قصر للحكم على بعض الأزمان، والتّخصيص قصر للحكم على بعض أفراده (5).
ولهذا الشّبه الكبير بين التّخصيص والنّسخ، اعتنى الأصوليّون ببيان الفروق الدّقيقة بينهما، وقد أحصى الشوكانيُّ منها عشرين فرقا (6).
__________
(1) فركوس، الإنارة، 238.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 469.
(3) ينظر: الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 315)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 520)؛ شلبي، أصول الفقه الإسلامي، 554.
(4) الشّماخي، المصدر السابق، 386.
(5) الزحيلي، أصول الفقه الإسلامي، ص (2/ 942)؛ عبد الكريم النّملة، المهذّب علم في أصول الفقه المقارن، ص (2/ 540).
(6) الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 244). (1/369)
صفحة 360
أمّا الشّماخيُّ فاكتفى ببيان الفرق الجوهريّ بين النّسخ والتّخصيص، دون التّعرّض للفروق الأخرى بينهما، حيث قال: «فرفع الحكم عن البعض الثّابت للجميع نسخ، وتبيين اختصاص اللّفظ ببعض المسمّيات تخصيص، فإذا أريد باللّفظ السّابق جميع المسمّيات وجميع الأزمان فرفعه نسخ، وإذا أريد باللّفظ السّابق بعض المسمّيات فتبيينه تخصيص، وهذا من الفروق بين التّخصيص والنّسخ» (1).
المطلب الثّاني: إثبات النّسخ وبيان محلّه:
الفرع الأوّل: إثبات النّسخ
ذكر الشّماخيُّ أنّ جمهور المسلمين على القول بجواز النّسخ عقلا ووقوعه فعلا، ولم يبسط القول في الاختلاف الحاصل في إثباته وإنكاره.
واكتفى بنسبة إنكار وقوعه لليهود وعبيد بن عمرو اللّيثي (2) من التّابعين، وأبي مسلم الأصفهاني (3) من المعتزلة، وغيرهم، ثمّ بيّن أنّهم احتجّوا على ذلك بحجج منها:
- قولهم إن كان الفعل المأمور به حسنا، فالنّهي عنه قبيح وكذا العكس، وعلى التّقديرين يلزم منه السّفه أو الجهل أو البداء وكلّ ذلك محال في حقّ الله تعالى.
- احتجّوا كذلك بقوله تعالى: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (4)، فالقول بالنّسخ يلزم منه إتيان الباطل.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 475.
(2) هو أبو عاصم عبيد بن عمرو بن قتادة اللّيثي الجندعي المكي، الواعظ والمفسّر، اختلف في كونه صحابيّا أم تابعيّا، وقيل أنّ وفاته كانت سنة 74 هـ. تنظر ترجمته: ابن الأثير، أسد الغابة، تح: عادل أحمد الرّفاعي، ط 1، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1996 م، ص (3/ 564).
(3) هو أبو مسلم محمّد بن بحر الأصفهاني، أحد أعلام المعتزلة في القرن الثالث الهجري، كان عالما بالتّفسير والنّحو، ولد سنة 254 هـ، ولي إمارة أصفهان وبلاد فارس للمقتدر العبّاسي، توفي سنة 322 هـ، من آثاره: "جامع التّأويل"، "النّاسخ والمنسوخ". تنظر ترجمته: أحمد بن يحي بن المرتضى، طبقات المعتزلة، ط 2، دن، بيروت، لبنان، 1407 هـ-1987 م، 91؛ الزّركلي، الأعلام، ص (13/ 118).
(4) سورة فصّلت، الآية: 42. (1/370)
صفحة 361
وردّ الشّماخي على الحجّة الأولى بكون الفعل يكون مصلحة في وقت ومفسدة في وقت آخر، فالأمر به يكون في وقت المصلحة، والنّهي عنه يكون في وقت المفسدة.
وأجاب على استدلالهم بالآية الكريمة، بأنّ المراد منها أنّ القرآن الكريم لم يتقدّمه من كتب الله تعالى ما يُبطله، ولا وقع بعده ما يُبطله.
وقد استدلّ الجمهور المثبتون للنّسخ بأدلّة عقليّة ونقليّة كثيرة، ولم يفصّل الشّماخي القول في بيان تلك الأدلّة، مكتفيا بنقل الإجماع على أنّ شريعة الإسلام ناسخة لما قبلها، وبيّن أنّ استعراض الأدلّة يطول فيه الكلام، وأرشد لطلب التّفصيل في المطوّلات من الكتب، حيث قال: «والرّد عليهم بالإجماع على أنّ شريعتنا ناسخة لما قبلها، وبيان ذلك يحتاج إلى بسط طويل، فاطلبه في الكتب المبسوطة» (1).
الفرع الثّاني: محلّ النّسخ
اتّفق الجمهور القائلون بإثبات النّسخ، على صحّة وقوعه في الأحكام الشّرعية من أوامر ونواه وما تعلّق بهما من أحكام، واختلفوا في وقوعه في الأخبار.
ولم يخرج الشّماخي عن رأي الإباضيّة وجمهور الأصوليّين، حيث بيّن أنّ محلّ النّسخ منحصر في الأوامر والنّواهي وما تعلّق بهما، دون الأخبار (2).
وذكر أنّه يقع في الأوامر والنّواهي ولو بصيغة الخبر، كما بيّن أنّه يصحّ في إيقاع الخبر دون مدلوله، ومثّل للأوّل بتكليف الشّارع لأحد بأن يأمر بأمر ثمّ ينهاه، وعلّل امتناعه في مدلول الخبر؛ بكونه يلزم منه نسبة الكذب إلى الله، وهو محال.
وقد اتّفق الشّماخيُّ مع الوارجلانيِّ على جواز نسخ الأوامر والنّواهي، بيد أنّ الوارجلانيَّ أضاف إليهما جواز نسخ الثّواب والعقاب والطّاعة والمعصية؛ مستدلّا على ذلك بأنّ العقل لا يحيل وقوعه، وبيّن أنّ من منع وقوع النّسخ فيهما فقد أبطل اللّفظ وأوجب المعنى، ومثّل له باستقبال بيت المقدس
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 470، 471.
(2) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 221)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 505)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 667. (1/371)
صفحة 362
في الصّلاة، حيث كان هذا الحكم مأمورا به، ويثاب عليه فاعله، ثمّ صار بعد نسخه منهيّا عنه، ويعاقب عليه فاعله (1).
واعترض الشّماخيُّ على رأي الوارجلاني، نافيا جواز نسخ الثّواب والعقاب، حيث قال بعد إيراده لرأي الوارجلاني في المسألة: «وفيه نظر؛ لأنّ الثّواب لا يُنسخ لأنّه كان متعلّقا بثبوت الصّلاة إلى بيت المقدس، ولم يخبر عن ثبوت الثّواب مطلقا، بل يفيد وجوب استقباله بيت المقدس، والإخبار بالعقاب بعد زوال الوجوب الأوّل، والخبران لا يتعارضان إلّا إذا اتّحد وقتهما» (2)، وقد وافق السّالميُّ الشّماخيَّ فيما ذهب إليه (3).
وبيّن الشّماخيُّ كذلك أنّ النّسخ لا يجوز في معرفة الله وتوحيده وصفاته، ونسب للظّاهرية القول بجواز ذلك (4)، واستغفر الله تعالى من ذلك، ولم يتكلّف الرّد عليهم.
كما اتّفق مع الوارجلانيِّ (5) على عدم جواز النّسخ في الأمور العقليّة؛ معلّلا ذلك بأنّ العقل لا يأتي بخلافها.
المطلب الثّالث: أنواع النّسخ في الأدلّة الشّرعية.
تقدّم أنّ النّسخ عبارة عن رفع حكم شرعيّ متقدّم بحكم شرعيّ متراخ عنه، وعليه فإنّ النّسخ لا يثبت إلّا بدليل شرعي، فهو مرتبط بالوحي، ومحسوم في عهد النبوّة لا بعده؛ لأنّه ليس عملا اجتهاديّا (6).
والأدلّة الشّرعية منها ما هي محلّ اتّفاق بين العلماء في نسخها والنّسخ بها، ومنها ما هي ... محلّ اختلاف.
فلا خلاف بين العلماء في جواز نسخ القرآن بالقرآن، والخبر المتواتر بمثله، وخبر الواحد بمثله (7)، ولكن وقع الاختلاف بينهم في نسخ المتواتر قرآنا كان أو سنّة بالآحاد، كما وقع الاختلاف في نسخ الإجماع والقياس، والنّسخ بهما.
وفي ذلك يقول الشّماخي مبيّنا ما يجوز النّسخ به من الأدلّة: «وبالقرآن للقرآن والسنّة، وبالسنّة لهما، وفي نسخ القرآن والمتواتر بالآحاد خلاف» (8)
وفيما يأتي عرضٌ لهذه الأقسام، وبيان حكم النّسخ في المنصوص من الأدلّة (الكتاب والسنّة)، ثم حكم النّسخ في الأدلّة الغير نصّية من إجماع أو قياس، مع عرض رأي الشّماخيِّ فيها.
الفرع الأوّل: النّسخ في الأدلة النّصيّة
أوّلا- النّسخ بالقرآن الكريم:
يتّفق الشّمّاخيُّ مع الجمهور القائلين بالنّسخ على جوازه بالقرآن الكريم؛ لأنّ آيات القرآن متساوية في قطعية الثّبوت، وفي وجوب العمل.
ويضمّ هذا نسخ القرآن للقرآن، ونسخ القرآن للسّنة:
1 - نسخ القرآن بالقرآن:
بيّن الشّمّاخيُّ أنّ هذا النّوع كثير الوقوع، ومثّل له بنسخ عدّة المتوفّى عنها زوجها، في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} (9)، حيث
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 221).
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 473.
(3) السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 505).
(4) أجاز ابن حزم نسخ التّوحيد عقلا حيث قال: «بل نقول إن الله؛ عزّ وجلّ؛ قادر على أن ينسخ التّوحيد وعلى أن يأمر بالتّثنية والتّثليث وعبادة الأوثان، وأنّه تعالى لو فعل ذلك لكان حكمة وعدلا وحقّا، ولكان التوحيد كفرا وظلما وعبثا، ولكنه تعالى لا يفعل ذلك أبدا؛ لأنه قد أخبرنا أن لا يحيل دينه الذي أمرنا به، فلما أمنّا ذلك صار ما تبرأ الله منه كفرا وظلما وعبثا، وصار ما أمر به حقا وعدلا وحكمة فقط»، ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 476).
(5) الوارجلاني، المصدر السابق، ص (2/ 223)؛ الشّماخي، المصدر السابق، 472.
(6) باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 672.
(7) نقل بعض الأصوليّين الإجماع في هذه المسألة منهم ابن حزم، الباجي، السّرخسي، ابن قدامة، الزّركشي، الشّوكاني وغيرهم. ينظر: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 505)؛ الباجي، الإشارة، 267؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 123)؛ ابن قدامة، روضة الناظر، 44؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 185)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 323).
(8) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 479.
(9) سورة البقرة، الآية: 240. (1/372)
صفحة 363
كانت عدّتها حول كاملا، ثم نُسخ الحكم بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} (1)، فصارت العدّة أربعة أشهر وعشرا.
2 - نسخ القرآن للسّنة:
ذكر أنّ بعض الأصوليّين منعوا هذا النّوع من النّسخ، ونسب ذلك للشّافعي (2) وغيره، ولم يتعرّض لما استدلّوا به.
ومثّل له بنسخ وجوب التّوجّه إلى بيت المقدس واستقباله في الصّلاة، حيث ثبت هذا الحكم بالسنّة، ثمّ نُسخ بقوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} (3) (4).
ثانيا: النّسخ بالسنّة النّبوية.
بيّن الشّماخيُّ أنّ النّسخ بالسنّة ليس محلّ اتّفاق بين العلماء في جميع حالاته، فالبعض أطلق جواز النّسخ، ونسب ذلك للظّاهريّة (5)، وابن بركة من الإباضيّة.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 234.
(2) نسب بعض أصحاب الشّافعيِّ إليه القول بأنّ السنّة لا ينسخها القرآن إلا إذا كان معها سنّة تبين أنّها منسوخة، وإلا خرجت السّنن عن أيدينا. ينظر: الآمدي، الإحكام، ص (2/ 205)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (2/ 496).
(3) سورة البقرة، الآية: 144.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 481، 482.
(5) اختلف الأصوليّون في هذه المسالة، حيث ذهب الأكثرون إلى جوازه عقلا، واختلفوا في وقوعه فعلا، فذهب الجمهور إلى أّنّه غير واقع، ونقل ابن السّمعاني الإجماع في ذلك، وذهب جماعة من أهل الظّاهر منهم ابن حزم إلى وقوعه، وهي رواية عن أحمد، وذهب الباقلاني والغزالي، والباجي والقرطبي إلى التّفصيل بين زمان النّبي وما بعده، فقالوا بوقوعه في زمانه، وامتناعه بعده، وذهب الحنفيّة إلى عدم جواز نسخ المتواتر كتابا كان أو سنة بخبر الآحاد، وأجازوا ذلك بالخبر المتواتر والمشهور، وبهذا قال السالميُّ من الإباضيّة. ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 505)؛ أبو الوليد الباجي، إحكام الفصول في أحكام الأصول، تح: عبد المجيد تركي، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1415 هـ-1995 م، 432؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 124)؛ الشيرازي، اللمع، 59؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 198)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر وجنة المناظر، 45؛ الإسنوي، نهاية السول، ص (2/ 586)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 185)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 323)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 529)؛ بخيت المطيعي، سلّم الوصول لشرح نهاية السّول، ص (2/ 586)؛ أبو النّور زهير، أصول الفقه، ص (3/ 63). (1/373)
صفحة 364
والبعض حدّد ذلك بجواز نسخ المتواتر للمتواتر والآحاد، ونسخ الآحاد للآحاد فقط، ثمّ اختار الرّأي الثّاني، فقال منع جواز نسخ المتواتر بالآحاد، سواء كان المتواتر قرآنا أو سنّة، مشترطا تكافؤ الأدلّة في القوّة لجواز النّسخ،
وإلى جواز نسخ المتواتر بالآحاد ذهب الوارجلاني أيضا، واستدلّ على ذلك بأنّ المعتبر في النّسخ هو صحّة الخبر لا تواتره، فمتى ما صحّ الحديث جاز النّسخ به ولو للقرآن (1).
وقد وافق السّالميُّ الشّماخيَّ فيما ذهب إليه من منع نسخ المتواتر بالآحادي، ولكنّه أجاز ذلك بالخبر المشهور.
واستدلّ السّالميُّ على امتناع نسخ المتواتر بالآحاد بأنّ المتواتر دليل قطعيّ، والآحاديّ دليل ظنّي، والظّنّي لا يعارض القطعي، كما نقل إجماع الصّحابة على ردّ ما خالف القرآن من الآحاد، ممثّلا لذلك بردّ عمر بن الخطاب لخبر فاطمة بنت قيس (2) لمخالفته صريح القرآن (3).
وقد ناقش الشّماخيُّ ما استدلّ به المجيزون لنسخ المتواتر بالآحاد، واستعرض أدلّتهم كالآتي:
- استدلّوا بالأثر المروي عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في عدم إنكاره على أهل قباء استدارتهم إلى البيت الحرام وهم في الصّلاة لما جاءهم الخبر بتحويل القبلة.
- كما استدلّوا بنسخ وصيّة الوالدين من قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} (4)، بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وصيّة لوارث» (5).
__________
(1) ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 232)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 678.
(2) هي فاطمة بنت قيس بن خالد الفهرية القرشية، أخت الضّحاك بن قيس، من الصّحابيات المهاجرات الأول، تزوّجت من أسامة بن زيد، وتوفّيت سنة 50 هـ. تنظر ترجمتها: الذّهبي، سير أعلام النّبلاء، ص (2/ 281)؛ ابن حجر، الإصابة في تمييز الصّحابة، ص (8/ 69).
(3) السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 532).
(4) سورة البقرة، الآية:180.
(5) أخرجه الربيع في الجامع الصّحيح، كتاب الايمان والنّذور، باب في المواريث، حديث رقم: 667، ص (6/ 176)؛ وأخرجه أبو داود في سننه، كتاب الوصايا، باب لا وصيّة لوارث، حديث رقم:2870، ص (2/ 440)؛ وأخرجه التّرمذي في سننه، وقال: «حديث حسن»، كتاب الذبائح، أبواب الوصايا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، باب ما جاء لا وصيّة لوارث، حديث رقم:2120، ص (4/ 433)؛ وأخرجه ابن ماجة في سننه، كتاب الوصايا، باب لا وصيّة لوارث، حديث رقم:2713، ص (3/ 185)؛ وأخرجه النّسائي في سننه، كتاب الوصايا، باب إبطال الوصيّة للوارث، حديث رقم: 6468، ص (4/ 107)؛ وأخرجه أحمد في مسنده، حديث رقم: 22348، ص (5/ 287). (1/375)
صفحة 365
- واستدلّوا أيضا بنسخ حكم حبس النّساء الزّانيات الثّابت في قوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} (1) بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «قد جعل الله لهنّ سبيلا الثّيب بالثّيب الرّجم» (2).
ثمّ أجاب الشّماخيُّ على هذه الحجج فقال: «والجواب عن الأوّل، أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقلّب وجهه إلى السّماء طالبا ربّه أن يولّيه إلى استقبال مكّة، والمسلمون يتوقّعون ذلك لقطعهم بأنّ الله يجب دعاء نبيّه -عليه السّلام-، فهذا كالمتواتر في إفادة الصّدق، ولكن ليس النّسخ به، بل بقوله: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} (3)، أو بقوله -عليه السّلام- للجماعة، والواقع من أهل قباء التّصديق به لهذه القرائن، لكنّ النّسخ به لما معه من القرائن، ولا يقع بخبر الواحد مطلقا، وكذا الجواب عن الآيتين الأخريين؛ لأنّ عدم اختلاف الأمّة فيهما صارا مقطوعين بهما» (4).
وأجاز الشّماخي نسخ القرآن بالسنّة المتواترة، مستدلّا بكون كِليهما ثابت بالوحي، ومقطوع بصحّته، ونسب للشّافعي وغيره منع ذلك.
ولم يورد أمثلة عن نسخ السنّة المتواترة للمتواتر قرآنا أم سنّة، ولا لنسخ الآحاد للآحاد.
الفرع الثّاني: النّسخ في الأدلّة الغير نصّية
أوّلا: نسخ الإجماع:
يتّفق جمهور الأصوليّين على أنّ الإجماع يعتبر مخصّصا للعموم، ومبيّنا للمجمل، ولكن هل يجوز أن يكون ناسخا أو منسوخا؟
يوافق الشّماخيُّ الجمهور في كون الإجماع لا يقع ناسخا أو منسوخا؛ وعلّل امتناع كونه ناسخا لغيره من الأدلّة بأنّ الإجماع لا يكون إلا بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم -، والنّسخ لا يكون بعد موته - صلى الله عليه وسلم -، كما بيّن أنّ: «الإجماع إن كان عن نصّ قاطع فالنّاسخ هو النّص لا الإجماع، وإن كان عن ظنّ فالأوّل إمّا قطعي فلا يجوز الإجماع معه؛ لأنّه يكون مخالفا للقاطع وهو خطأ، وإن كان ظنّيا فلا يبقى مع الإجماع؛ لأنّ الإجماع دليل قطعي وشرط العمل بالظّني ألّا يعارضه قاطع».
وعلّل امتناع نسخ الإجماع بأنّ الإجماع دليل قطعي، فالنّاسخ له إن كان ظنّيا فلا يصحّ معارضته للقطعي، أمّا إن كان قطعيّا لزم أن يكون الإجماع غير قاطع وهو محال (5).
ثمّ ذكر أنّ بعض الأصوليّين يجوّزون نسخ الإجماع والنّسخ به، دون نسبة هذه الأقوال لأصحابها، ولا بيان لما استدلّوا به (6).
ثانيا: نسخ القياس:
بيّن الشّماخي أنّ القياس لا يقع ناسخا ولا منسوخا، موافقا في ذلك لمذهب الجمهور، وعلّل ذلك بأنّ: «شرط صحّة القياس عند كلّ من قال به ألّا يخالف نصّا مظنونا أو مقطوعا، فإذا خالف نصّا مظنونا أو مقطوعا بطل الحكم به، وأمّا كونه منسوخا فلمعارضته للنّص الذي وُجد بعده، وأمّا كونه ناسخا فلمعارضته للنّص الذي قبله» (7).
ثمّ ذكر أنّ بعض الأصوليّين قالوا بجواز النّسخ بالقياس بناء على جواز التّخصيص به، والبعض جوّزوا النّسخ بكلّ دليل يقع به البيان والتّخصيص (8)، واكتفى بردّ هذه الأقوال دون عرض
__________
(1) سورة النساء، الآية:15.
(2) أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبادة بن الصامت قال: «كان نبي الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ُأُنزل عليه كرب لذلك، وتربّد له وجهه قال: فأنزل عليه ذات يوم، فلقي كذلك، فلما سرّي عنه، قال: «خذوا عني، فقد جعل الله لهنّ سبيلا، الثّيب بالثّيب، والبكر بالبكر، الثّيب جلد مائة، ثم رجمٌ بالحجارة، والبكر جلد مائة، ثم نفي سنة»؛ كتاب الحدود، باب حدّ الزّنا، حديث رقم: 4515، ص (5/ 115).
(3) سورة البقرة، الآية: 144.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 482، 483.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 474.
(6) ذهب إلى جواز النّسخ بالإجماع ابن حزم، الآمدي وغيرهما، وذكر السّرخسي أنّ هذا الرّأي منقول عن بعض مشائخ الحنفيّة، ثمّ اعترض عليه. ينظر: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 517)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 124)؛ الآمدي، الإحكام، ص (1/ 302)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 203).
(7) الشّماخي، المصدر السابق، 473.
(8) ذهب بعض الأصوليّين إلى جواز النّسخ بالقياس إن كانت علّته منصوصا عليها؛ لأنّه يكون في معنى النّص، وذهب آخرون إلى جواز النّسخ بالقياس الجليّ دون الخفي، ولكنّ مذهب الجمهور هو أنّ القياس لا يكون ناسخا ولا منسوخا. ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: أبو الحسين البصري، المعتمد، ص (1/ 403)؛ الشّيرازي، اللّمع، 60، الغزالي، المستصفى، ص (1/ 200)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 178)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 282؛ الزّركشي، المصدر السابق، ص (3/ 206)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 329)؛ السالميّ، طلعة الشمس، ص (1/ 535). (1/376)
صفحة 366
أدلّتهم ومناقشتها (1).
المطلب الرّابع: من مسائل النّسخ.
الفرع الأوّل: هل الزّيادة على النّص نسخ؟
تنقسم الزّيادة على النّص باعتبار تعلّقها بالمزيد عليه إلى عدّة أقسام:
فإمّا أن تكون مستقلّة عن المزيد عليه ولا تتعلّق به، وهذه الزّيادة إمّا تكون من جنس المزيد عليه أو لا تكون من جنسه.
وإمّا أن تكون الزّيادة غير مستقلّة، وهذه إمّا أن تتعلّق بالمزيد عليه تعلّق الجزء بالكلّ، أو تتعلّق به تعلّق الشّرط والمشروط (2).
وقد اختلف الأصوليّون في حكم هذه الأنواع من الزّيادة، وحكى الشّماخيُّ هذا الاختلاف.
وبيّن أنّ الزّيادة إن كانت متّصلة فلا تعتبر نسخا؛ لأنّ النّسخ هو الإزالة، وهذا حكم باق.
وأمّا إذا كانت مستقلّة من غير جنس المزيد عليه، وذلك كوجوب الصّوم بعد الصّلاة، فبيّن الشّمّاخيُّ أنّ الإجماع منعقد على أنّها ليست بنسخ.
وذكر أنّ الغزاليَّ وأكثر الأصوليّين يعتبرون أنّ الزّيادة إن كانت جزءا مثل وجوب ركعتين، ثم يزاد عليهما ركعتان؛ لأنّ الزّيادة كانت محرّمة، ثمّ نسخ ذلك التّحريم بوجوب زيادة ركعتين.
ثمّ ردّ هذا القول وبيّن أنّه ليس بنسخ؛ كما أنّ نسخ جزء من العبادة لا يعتبر نسخا للجميع؛ لأنّ الباقي من العبادة على ما هو عليه لم يزل.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 473.
(2) عبد الكريم النّملة، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ص (2/ 572) وما بعدها. (1/377)
صفحة 367
وأمّا إن كانت الزيادة غير مستقلّة كزيادة شرط، ومثّل لها الشّماخي بوجوب الاستنجاء بعد وجوب الصّلاة بزمان، وبوقوع مفهوم المخالفة في الأولى، كوجوب الزّكاة في الغنم المعلوفة بعد قوله - صلى الله عليه وسلم -: «في سائمة الغنم زكاة» (1).
فبيّن أنّ الأصوليّين مختلفين في ذلك بين قائل بأنّه نسخ، ومانع لذلك، وقائل بالتّفصيل، وذكر كلّ قول مع نسبته لأصحابه، واختار القول بالمنع (2) (3).
وتابعه السّالميُّ فيما ذهب إليه، فرجّح القول بأنّها ليست بنسخ مطلقا؛ سواء تغيّر بها الحكم أو لم يتغيّر، وسواء أجزأ المزيد عليه من دونها أو لم يُجزئ (4).
الفرع الثّاني: نسخ الحكم ونسخ التّلاوة.
ذكر الشّمّاخيُّ أنّ النّسخ الواقع في القرآن إمّا أن يكون للتّلاوة فقط، أو للحكم فقط، أو لهما معا.
وبيّن أنّ جمهور الأصوليّين على القول بجواز ذلك كلّه (5). ونسب القول بمنع نسخ التّلاوة أو الحكم للمعتزلة (6)، كما نسب لبعض مشائخ عمان منع نسخ التّلاوة دون الحكم، والقول بالتّوقّف في نسح الحكم والتّلاوة معا (7).
__________
(1) سبق تخريجه.
(2) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 576 - 577.
(3) ينظر تفصيل مذاهب العلماء في المسألة: البصري، المعتمد، ص (1/ 405)؛ الجصاص، الفصول في الأصول، ص (1/ 445)؛ الجويني، البرهان، ص (1/ 247)؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (1/ 188)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 184)؛ الرّازي، المحصول، ص (3/ 344)؛ ابن قدامة، روضة النّاظر، 41؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (2/ 1019)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 83)؛ العضد، شرح مختصر المنتهى، 284؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 331)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 515).
(4) السّالمي، المصدر نفسه، ص (1/ 515).
(5) ينظر: الجصّاص، الفصول في الأصول، ص (2/ 205)؛ الشّيرازي، اللّمع، 57؛ السّرخسي، أصول السّرخسي، ص (3/ 140)؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 194)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 154)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 181)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (3/ 553).
(6) ينظر: البصري، المعتمد، ص (2/ 386).
(7) ذكر الشّماخيُّ هذه النّسبة دون ذكر أسمائهم وتابعه السّالميُّ في ذلك. ينظر: السالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 510)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 686. (1/379)
صفحة 368
وذكر أنّ مذهب الوارجلاني هو جواز جميع هذه الحالات (1).
واستدلّ الشّماخيُّ على جواز نسخ التّلاوة دون الحكم بالوقوع، ومثّل له بنسخ تلاوة آية: «والشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله» (2) (3)، حيث نسخت تلاوتها، مع بقاء حكمها (4).
الفرع الثّالث: النّسخ قبل وقت الفعل، والنّسخ إلى الأثقل والأخف، وإلى غير بدل.
يتّفق الشّماخيُّ مع الجمهور (5) على القول بجواز النّسخ قبل وقت الفعل، ونسب القول بالمنع
__________
(1) الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص (2/ 227).
(2) هذا الحديث روي بألفاظ متقاربة، فرواه البعض عن عائشة -رضي الله عنها-، والبعض عن أبيّ بن كعب -رضي الله عنه. أخرجه النّسائي في سننه عن أبيّ بن كعب -رضي الله عن هـ- بلفظ: «قال أبي بن كعب، كم تعدّون سورة الأحزاب آية؟ قلنا: ثلاثا وسبعين فقال أُبَي: كانت لتعدل سورة البقرة وأطول ولقد كان فيها آية الرجم الشّيخ والشّيخة فارجموهما ألبتة نكالا من الله والله عزيز حكيم»، النّسائي، السنن، كتاب الرّجم، باب نسخ الجلد عن الثّيّب، حديث رقم: 8145، ص (4/ 270)؛ وأخرجه أحمد في المسند، حديث رقم: 21245، ص (5/ 132)؛ وأخرجه مالك في الموطّأ، كتاب المدبر، باب ما جاء في الرّجم، حديث رقم: 3044، ص (5/ 2203).
(3) هذا الحديث أوردته كتب الحديث وكتب التّفسير، ولكنّه بحاجة إلى تمحيص؛ لأنّ روايته بهذه الصّيغة تتعارض مع قطعيّة القرآن الكريم المنقول بالتّواتر، والمحفوظ من التّحريف والتّغيير؛ وقد انتقد بعض المفسّرين هذه الرّواية، ومنهم الشّيخ الطاهر بن عاشور في كتابه التّحرير والتّنوير، حيث قال بعد استعراضه لروايات هذا الحديث: «وأنا أقول: إن صح عن أبيّ ما نُسب إليه فما هو إلا أنّ شيئاً كثيراً من القرآن كان أُبيّ يُلْحقه بسورة الأحزاب وهو من سور أخرى من القرآن مثل كثير من سورة النساء الشبيه ببعض ما في سورة الأحزاب أغراضاً ولهجة مما فيه ذكر المنافقين واليهود، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكونوا على طريقة واحدة في ترتيب آي القرآن ولا في عِدّ وتقسيم سوره كما تقدم في المقدمة الثامنة ولا في ضبط المنسوخ لفظه؛ كيف وقد أجمع حفاظ القرآن والخلفاءُ الأربعة وكافّة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا الذين شذّوا على أنّ القرآن هو الذي في المصحف وأجمعوا في عدد آيات القرآن على عدد قريب بعضه من بعض كما تقدم في المقدّمة الثّامنة، وأما الخبر عن عائشة فهو أضعف سنداً وأقرب تأويلاً فإن صحّ عنها، ولا إخاله، فقد تحدثتْ عن شيء نُسخ من القرآن كان في سورة الأحزاب؛ وليس بعد إجماع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على مصحف عثمان مطلبٌ لطالب». ينظر: الطاهر بن عاشور، التّحرير والتنوير، دط، دار سحنون، تونس، 1997 م، ص (21/ 246)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضية، 687.
(4) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 485 - 486.
(5) ينظر: الشيرازي، اللمع، 56؛ السمعاني، قواطع الأدلة، ص (1/ 448)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 142)؛ ابن الحاجب، مختصر منتهى السّؤل والأمل، ص (2/ 981)؛ البخاري، كشف الأسرار، ص (3/ 255)؛ ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، ص (3/ 531). (1/380)
صفحة 369
للصّيرفي والمعتزلة (1).
ومثّل له بقصّة سيّدنا إبراهيم -عليه السّلام- حين أمره الله بذبح ولده إسماعيل، ثمّ نسخ الحكم قبل التّمكّن من فعله.
وبيّن أنّ فائدة هذا النّسخ هي امتحان الله لعباده، فيؤجر من من استعدّ للامتثال، ويوزر غير المستعد (2).
كما يرى الشّماخيُّ جواز نسخ الأثقل بالأخفّ والمساوي، ومثّل لذلك بقوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ} (3)، فإنّه منسوخ بقوله: {الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ... } (4)، وبيّن أنّ أكثر النّسخ على هذا النّحو.
أمّا النّسخ بالأثقل فذكر أنّ الجمهور (5) على القول بجوازه، وخالف البعض فقالوا بالمنع (6).
وبيّن أنّ الجمهور يستدلّون على ذلك بوقوعه، ومثّل له بقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} (7)، فهذه الآية منسوخة بقوله: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (8).
ولم يُبد الشّماخيّ اعتراضا على رأي الجمهور، ويبدو أنّه يوافقهم (9).
__________
(1) ذهب إلى القول بالمنع بعض أصحاب أحمد، والكرخي والجصاص من الحنفيّة، وهو قول الصّيرفي والمعتزلة؛ ينظر: البصري، المعتمد، ص (1/ 136)؛ الجصاص، الفصول في الأصول، ص (3/ 134)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 271).
(2) الشماخي، شرح مختصر العدل، 478.
(3) سورة الأنفال، الآية: 65.
(4) سورة الأنفال، الآية: 66.
(5) ينظر: الجصاص، الفصول في الأصول، ص (2/ 221)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 152)؛ الشّوكاني، إرشاد الفحول، ص (1/ 318)؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (1/ 524).
(6) ذهب إلى المنع الظاهريّة. ينظر: ابن حزم، الإحكام، ص (4/ 493).
(7) سورة البقرة، الآية: 184.
(8) سورة البقرة، الآية: 185.
(9) الشّماخي، المصدر السابق، 480. (1/381)
صفحة 370
ويتّفق الشّماخيُّ كذلك مع الجمهور (1) على جواز النّسخ من غير بدل، ومثّل له بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} (2)، فقد نسخت هذه الآية من غير بدل، ومثّل له أيضا بنسخ تحريم ادّخار لحوم الأضاحي من غير بدل.
وبيّن أنّ البعض منعوا ذلك (3)؛ محتجّين بقوله تعالى: {مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} (4).
ثمّ أجاب عن هذه الحجّة فقال: «وأجيب بأنّ المعنى، نأت بلفظ خير منها، وليس الخلاف في اللّفظ، إنّما الخلاف في الحكم، سلّمنا لكن هذا عامّ يقبل التّخصيص، ولعلّه خاصّ بما فيه البدل، سلّمنا لكن نات بحكم كالإباحة بعد الحظر مثلا؛ لأنّ الإباحة حكم شرعي، كما أنّ الوجوب وغيره حكم، وهو أصلح في بعض المقامات ولا بدل» (5).
والقول بجواز النّسخ إلى الأثقل والأخفّ وإلى غير بدل هو رأي جمهور الإباضيّة (6).
__________
(1) ينظر: الشّيرازي، اللمع، 58؛ الغزالي، المستصفى، ص (1/ 189)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 170)؛ الشّوكاني، المصدر السابق، ص (1/ 317)؛ السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 524).
(2) سورة المجادلة، الآية: 12.
(3) نسب الزّركشي القول بالمنع لبعض المعتزلة. ينظر: الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 170).
(4) سورة البقرة، الآية: 106.
(5) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 481.
(6) السّالمي، طلعة الشّمس، ص (1/ 524)؛ باجو، منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، 688. (1/382)
صفحة 371
الفرع الرّابع: حكم نسخ الفحوى.
يقصد بالفحوى مفهوم الموافقة، وقد اتّفق الأصوليّون على جواز نسخ الفحوى وأصله، ولكنّهم اختلفوا في جواز نسخ أصل الفحوى دونه أو العكس.
ذكر الشّمّاخي اختلاف الأصولييّن في هذه المسألة، ثمّ رجّح القول بجواز نسخ أصل الفحوى دون الفحوى، وعدم جواز العكس، حيث قال: «والصّحيح جواز نسخ الأصل دونه، وعدم جواز نسخ الفحوى دون الأصل؛ لجواز نسخ التّأفيف دون الضّرب ولا عكس» (1) (2).
وبيّن أنّ البعض أجاز ذلك مطلقا، والبعض منعه (3).
ولم يذكر الأدلّة التي استند إليها فيما ذهب إليه، كما لم يذكر أدلّة الأقوال الأخرى.
__________
(1) الشّماخي، شرح مختصر العدل، 479.
(2) ذهب إلى هذا القول ابن الحاجب وأكثر الفقهاء واختاره السّالمي؛ ينظر: ابن الحاجب، شرح مختصر المنتهى، ص (2/ 1115)؛ الزّركشي، البحر المحيط، ص (3/ 214)؛ السّالمي، طلعة الشمس، ص (1/ 516).
(3) ينظر تفصيل أقوال الأصوليين في المسألة: الرّازي، المحصول، ص (3/ 539)؛ الآمدي، الإحكام، ص (3/ 179)؛ الزّركشي، المصدر السابق، ص (3/ 214)؛ بادشاه، تيسير التّحرير، ص (3/ 214). (1/383)
صفحة 372
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصّالحات، والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء وخاتم المرسلين سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وبعد:
فللّه الحمد والمنّة وله الفضل على تمام النّعمة، حيث استكملت هذه المذكّرة فصولها ومباحثها، فبعد هذه الجولة التي قادتني لدراسة شخصيّة أبي العبّاس الشّماخي وبيان آرائه الأصوليّة ومنهجه أسجّل في الختام أهمّ النتائج المتوصّل إليها:
1 - عاش الشماخيُّ في عصر الدّولة الحفصيّة، وقد كان بلده جبل نفوسة من المناطق التّابعة سياسيا لتلك الدّولة.
2 - اتّسم العصر الذي عاش فيه بكثرة الاضطرابات والصّراعات والفتن، ممّا أثّر على الحركة العلميّة والفكريّة.
3 - نشأ في أسرة ذائعة الصّيت في جبل نفوسة، أنجبت علماء بارزين كان لهم دور في تنشيط الحركة العلميّة فيها، فقد كان والده وعمّه من العلماء، ممّا ساهم في تكوينه العلمي.
4 - استفاد من الحركة العلميّة والفكريّة السّائدة في عصره، حيث هيّأ الله له التّتلمذ علي يد علماء أفذاذ من الإباضيّة وغيرهم، بداية بمسقط رأسه بيفرن، ثمّ كانت له رحلات علميّة بين قرى نفوسة وجزيرة جربة، ثمّ جامع الزّيتونة بحاضرة الدّولة الحفصيّة.
5 - ساهم التّكوين العلمي الذي تلقّاه في تنوّع ثقافته وشمولها واتّساعها، وتفتّحه على آراء الآخرين؛ وخير دليل على ذلك آثاره العلميّة التي شملت مختلف أصناف العلوم من: عقيدة، وعلم الكلام، والفقه وأصوله، والمنطق، واللّغة، والتّاريخ.
6 - شارك في إحياء وتنشيط الحركة العلميّة والفكريّة في موطنه نفوسة؛ وذلك من خلال التّدريس والتّأليف، وممّا لا شك فيه أنّ له تلامذة كثيرون إلاّ أنّ المصادر لم تُسعفنا بذكر جميع أسمائهم. (1/384)
صفحة 373
7 - كان يتمتّع بشخصيّة قويّة ومتفتّحة، كما كان له اعتزاز بانتمائه للإباضيّة، حيث سمحت له فترة إقامته بتونس للدّراسة بالالتقاء بالأمير الحفصي عمرو بن عثمان، وتحاور معه في قضايا فقهيّة، ودافع عن مذهبه.
8 - اختصاره لكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني لم يكن مجرّد اختزال للألفاظ فحسب؛ وإنّما كان اختصارا مع إعادة الترتيب والتبويب للمباحث الأصوليّة، وتنقيح الكتاب من المباحث الكلاميّة إلّا ما كان وثيق الصّلة بأصول الفقه، مع إضافة فوائد من كتب أخرى، ومقارنة بين أصول التّشريع الإباضيّة وأصول غيرهم.
9 - يمكن تصنيف كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف" ضمن كتب علم أصول الفقه المقارن، التي تعرض المسائل الأصوليّة في مختلف المذاهب، وترجّح ما اعتضد بالدّليل.
10 - يُعتبَر كتابه من أشهر المؤلّفات الأصوليّة الإباضيّة؛ حيث غدا عُمدة لجميع الكتب الأصولية الإباضية التي أتت بعده، ومرجعا لكلّ الفقهاء الإباضيّة سواء في مجال التّأصيل أو التّفريع.
11 - سلك في تأليفه الأصولي منهج المتكلّمين، ولكن يُلحظ على منهجه بعض الشّبه بطريقة الفقهاء، ويتجلّى ذلك في تقسيمه للأخبار إلى متواترة ومشهورة وآحاد، وهي سمة بارزة ملحوظة في سائر المؤلّفات الإباضيّة.
12 - كانت شخصيّته في كتابه بارزة؛ من خلال التّرجيح والتّصويب والتّصحيح، ولم يكن مجرّد ناقل لآراء الأصوليّين.
13 - بدا التأثّر بالفكر المنطقي جليّا في عرضه للكتاب وترتيبه، وفي صياغته للمعلومات ومناقشاته واعتراضاته.
14 - يلاحظ على منهجه النّزعة إلى تحديد الحدود والتّعريفات وصياغتها، وكذا بيان قيودها وشرحها.
15 - أحيانا كان يحكي الخلاف في المسائل الأصوليّة دون أن يرجّح رأيا معيّنا.
16 - اعتمد في الاستدلال على الأدلّة النّقليّة والعقليّة، وإن كان الأكثر في ردوده واعتراضاته استعمال الأدلّة العقليّة. (1/385)
صفحة 374
17 - اتّسم منهجه في عرض المسائل والاستدلال بالحيدة والموضوعيّة، والابتعاد عن التّعصّب؛ فإذا عرض المسألة جعل الحقّ والدّليل مذهبه، وخلع رداء التّقليد والتّعصّب.
18 - التزم في مناقشاته وردوده بآداب الحوار والمناظرة؛ فقد كان مُحترِما للعلماء المخالفين له في الرّأي ومُنصفا لهم.
19 - اتّسم أسلوبه بالوضوح، والدّقة، وحسن العرض، وسهولة الصّياغة للمسائل الأصوليّة، والابتعاد عن التّعقيد اللّفظي.
20 - كان مستقلّا في تناوله للمسائل الأصوليّة ولم يكن تابعا لغيره، فلم يمنعه اختصاره لكتاب الوارجلاني من مخالفته له في كثير من المسائل، كما خالف مذهبه الإباضيّ في بعضها.
فمن المسائل التي خالف فيها الوارجلانيّ:
- قوله بوقوع اللّفظ المعرّب في القرآن الكريم.
- قبوله رواية الصبي الذي تحمّل الرّواية صغيرا ثمّ أدّاها بعد بلوغه، إن كان ضابطا.
- إذا اختلف مجتهدو أهل عصر في حكم مسألة على قولين، فيرى أنّه لا يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث إن كان يرفع ما اتّفقوا عليه، وإن كان لا يرفعه فجائز.
- قوله بأنّ الاستثناء بعد جمل معطوفة بعضها على بعض يرجع على جميعها.
- منعه نسخ المتواتر بالآحاد.
ومن المسائل التي خالف فيها رأي جمهور الإباضيّة:
- قوله بأنّ حكم الأشياء قبل ورود الشّرع هو الحظر.
- قوله بتقديم القياس على الخبر عند التّعارض، إن كانت علّته ثابتة بنص أرجح من الخبر، ووجودها في الفرع قطعي، أمّا إن كان وجودها فيه ظنّيا فيُتوقّف، وإن لم تترجّح العلّة بنصّ ... قدّم الخبر.
- ترتيبه لطرق درء التّعارض كالآتي: المقدّم هو الجمع، يليه النّسخ، ثمّ الترجيح، ثم التّوقّف أو اختيار الأحوط.
- تقسيمه المناسب المرسل إلى ماعُلم إلغاؤه وما لم يُعلم. (1/386)
صفحة 375
21 - لم أجد للشماخيّ خلال هذه الدّراسة آراء خالف فيها جمهور الأصوليّين أو شذّ عنهم، وإنّما كانت له ترجيحات في بعض الأحيان لمسائل ذهب إليها القلّة من الأصوليين، مثل تقسيم المناسب المرسل إلى ما عُلم إلغاؤه وما لم يُعلم ونحوها.
في الختام:
رجائي أن تتواصل الجهود المباركة من قِبَل الباحثين في الاهتمام بالتّراث الإباضي والسّعي لإخراجه للوجود تحقيقا ودراسة؛ لتعريف الآخرين به، وبخاصّة في المجال الأصولي والفقهي، الذي لا يزال جزء كبير منه مخطوطا بحاجة إلى من يخرجه.
هذا ولا يزال الفقه الإباضي بحاجة ماسّة إلى الدّراسات التّأصيليّة؛ إذ إنّ السّمة البارزة فيه نقص الجانب التأصيلي والاهتمام أكثر بمجال التّفريع؛ لذا يستوجب هذا تضافر جهود الباحثين لسدّ هذا النّقص من خلال دراسات استنباطيّة تُعنى بتخريج أصوله على فروعه الفقهيّة؛ وهذا لمحاولة الكشف عن الأصول الاجتهاديّة الإباضيّة التي قامت عليها تلك الفروع.
هذه أهمّ النتائج التي توصّلت إليها من خلال البحث، وأرجو أن أكون قد وفّقت وساهمت ولو بقدر يسير في عرض وتوضيح موضوع هذا البحث، ولا أدّعي الإحاطة بجميع الموضوع وكافّة أجزائه ولا الكمال فيما كتبت، فما أنا إلّا مبتدئ في طريق طلب العلم، أقوم بجهد المقلِّ المعترف بقصر باعه وقلّة بضاعته، لكن حسبي ما بذلت من جهد لم أدّخر فيه وسعا، فإن كان صوابا فمن الله وحده، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشّيطان، والله المستعان.
وأساله تعالى أن يجعل عملي هذا مخلصا لوجهه الكريم، وأن يغفر لي هفواتي وزلّاتي، وصلّى الله على سيّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم -، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. (1/387)
صفحة 376
قائمة المصادر والمراجع:
أولا: الكتب المطبوعة:
1 - القرآن الكريم: برواية حفص عن عاصم
2 - ابن الأثير: أبو الحسن علي بن محمد، أسد الغابة، تح: عادل أحمد الرّفاعي، ط 1، دار إحياء التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1996 م.
3 - ابن الحاجب: أبو عمرو جمال الدّين عثمان بن عمر، مختصر منتهى السّؤل والأمل في علمي الأصول والجدل، تح: نذير حمادو، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م.
4 - ابن الشّماع: أبو عبد محمّد بن أحمد، الأدلّة البيّنة النّورانية في مفاخر الدّولة الحفصيّة، تح: الطّاهر بن محمّد المعموري، دط، الدّار العربيّة للكتاب، دم، 1984 م.
5 - ابن العربي: أبو بكر، المحصول في أصول الفقه، تح: حسين علي اليدري وسعيد فودة، دط، دار البيارق، عمّان، الأردن، 1420 هـ-1999 م.
6 - ابن القنفد: أبو العبّاس أحمد، الفارسيّة في مبادئ الدّولة الحفصيّة، تح: الشّاذلي النّيفي- عبد المجيد التركي، دط، الدّار التّونسية للنّشر، 1968 م.
7 - ابن القيم الجوزيّة: محمد بن أبي بكر، إعلام الموقّعين عن ربّ العالمين، تح: طه عبد الرؤوف سعد، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، 1973 م.
8 - ابن المرتضى: أحمد بن يحي، طبقات المعتزلة، ط 2، دن، بيروت، لبنان، 1407 هـ-1987 م.
9 - ابن بدران: عبد القادر بن أحمد الدّمشقي، المدخل إلى مذهب الإمام أحمد، تح: محمد أمين ضناوي، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت لبنان، 1417 هـ-1996 م.
10 - ابن بركة: محمّد البهلوي، كتاب الجامع، تح: عيسى يحي الباروني، دط، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، دت.
11 - ابن حبان: أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد التميمي السبتي، صحيح ابن حبان، تح: شعيب الأرناؤوط، ط 2، مؤسسة لرسالة، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م. (1/388)
صفحة 377
- ابن حجر: أبو الفضل أحمد بن علي:
12 - الإصابة في تمييز الصّحابة، تح: عادل أحمد عبد الموجود، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت.
13 - التّلخيص الحبير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشّرح الكبير، تح: مصطفى أبو الغيظ وعبد الله بن سليمان وياسر بن كمال، ط 1، دار الهجرة، الرياض، السعودية، 1425 هـ-2004 م.
14 - الكامنة في أعيان المئة الثامنة، دط، دار الجيل بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م.
15 - ابن حنبل: أبو عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني، مسند أحمد بن حنبل، دط، مؤسسة قرطبة، القاهرة، مصر، دت.
16 - ابن خزيمة: أبو بكر محمد بن إسحاق السلمي النيسابوري، صحيح ابن خزيمة، تح: محمد مصطفى الأعظمي، دط، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1390 هـ-1970 م
17 - ابن خلدون: أبو زيد عبد الرحمن بن محمّد، تاريخ ابن خلدون المسمى بالعبر، تح: خليل شحادة، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1421 هـ، 2000 م.
18 - ابن رشد: أبو الوليد محمد بن أحمد (الحفيد)، الضّروري في أصول الفقه (مختصر المستصفى)، تح: جمال الدين العلوي، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1994 م.
19 - ابن عاشور: محمّد الطّاهر، التّحرير والتنوير، دط، دار سحنون، تونس، 1997 م.
20 - ابن فرحون: إبراهيم بن علي بن محمد، الديباج المذهّب في معرفة أعيان علماء المذهب، تح: محمّد الأحمدي أبو النّور، دط، دار التّراث، القاهرة، دت.
21 - ابن قاضي: شهبة، طبقات الشافعيّة، تح: الحافظ عبد العظيم خان، ط 1، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1407 ه.
22 - ابن قدامة: أبو محمّد عبد الله بن أحمد، روضة النّاظر وجنّة المناظر، ط 2، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1994 م. (1/389)
صفحة 378
23 - ابن كثير: إسماعيل، تحفة الطّالب بمعرفة أحاديث مختصر ابن الحاجب، تح: عبد الغني بن حميد بن محمود الكبيسي، ط 1، دن، دم، 1406 ه.
24 - ابن ماجة: أبو عبد الله محمّد بن يزيد، سنن ابن ماجة، تح: محمّد فؤاد عبد الباقي، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، دت.
25 - ابن منظور: عبد السّلام، لسان العرب، ط 1، دار صادر، بيروت، لبنان، دت.
26 - أبو النّور: محمّد زهير، علم أصول الفقه، دط، المكتبة الأزهرية للتّراث، القاهرة، مصر، دت.
27 - أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دت.
28 - أبو زهرة: محمد، أصول الفقه، دط، دار الفكر العربي، دم، دت.
29 - أبو سليمان: عبد الوهّاب، الفكر الأصولي-دراسة تحليليّة نقديّة-، ط 1، دار الشّروق، جدّة، السّعوديّة، 1403 هـ-1983 م.
30 - إتبيرن: مصطفى بن داود، المصلحة المرسلة عند الإباضيّة بين النّظرية والتّطبيق من خلال اجتهادات المتأخّرين، جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، 1424 هـ/ 2004 م.
31 - الإدريسي: الشّريف، كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق، دط، مكتبة الثّقافة الدينيّة، بورسعيد، مصر، دت.
32 - الإسنوي: جمال الدين، التمهيد في تخريج الفروع على الأصول، تح: محمد حسن هيتو، ط 2، مؤسسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1401 هـ-1981 م.
- اطفيّش: امحمّد بن يوسف:
33 - الذّهب الخالص المنوّه بالعلم القالص، دط، مطبعة البعث، قسنطينة الجزائر، دت.
34 - شامل الأصل والفرع، تصحيح إبراهيم أطفيّش، ط 1، المطبعة السّلفيّة، القاهرة، مصر، 1348 ه. (1/390)
صفحة 379
35 - شرح كتاب النّيل وشفاء العليل، ط 2، دار الفتح، بيروت، لبنان، دار التراث العربي، ليبيا، مكتبة الإرشاد، جدة، السّعودية، 1392 هـ-1972 م.
36 - آل تيمية: عبد السّلام وعبد الحليم وأحمد بن عبد الحليم، المسودّة في أصول الفقه، تح: محمّد محيي الدّين عبد الحميد، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، دت.
37 - الآمدي: أبي الحسن علي بن أبي علي محمد، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق، سيد العربي، دط، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402 ه.
38 - أمير بادشاه محمّد أمين، تيسير التّحرير، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، دت.
- باجو: مصطفى بن صالح:
39 - الوارجلاني أصوليّا، ط 2، دن، سلطنة عمان، 1428 هـ-2007 م.
40 - منهج الاجتهاد عند الإباضيّة، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عمان، 1426 هـ-2005 م.
- الباجي: أبو الوليد:
41 - إحكام الفصول في أحكام الأصول، تح: عبد المجيد تركي، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1415 هـ-1995 م.
42 - الإشارة في معرفة الأصول والوجازة في معنى الدّليل، تح: محمد علي فركوس، دط، المكتبة المكية، دار البشائر الإسلامية، دم، دت.
43 - الباحسين: يعقوب، الاستحسان -حقيقته، أنواعه، حجّيته، تطبيقاته المعاصرة-، ط 1، مكتبة الرّشد، الرياض، السعودية، 1428 هـ-2007 م.
44 - باحماني: بالحاج بن محمّد، القياس عند الإباضية وأثره في الفروع الفقهيّة، كليّة الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة الجنان، طرابلس، لبنان، 1432 هـ-2011 م.
45 - الباروني: سليمان، مختصر تاريخ الإباضيّة، دط، دن، دم، دت. (1/391)
صفحة 380
46 - الباروني: محمّد، رسالة في نسبة دين المسلمين، في آخر كتاب السّير، تح: أحمد سعود السيابي، دط، نشر وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ-1987 م.
47 - الباقلاني: أبو بكر، التقريب والإرشاد الصغير، تح: عبد الحميد بن علي أبو زنيد، ط 2، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م.
48 - بحّاز: إبراهيم، الدّولة الرّستميّة -دراسة في الأوضاع الاقتصاديّة والحياة الفكريّة-، دط، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1414 هـ-1993 م.
49 - البخاري: عبدالعزيز، كشف الأسرار، تح: عبد الله محمود محمد عمر، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1997 م.
50 - البخاري: أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي، صحيح البخاري، تح: محمد بن زهير بن ناصر الناصر، ط 1، دار طوق النجاة، دم، 1422 ه.
51 - بسّام: علي، الفكر الأصولي عند ابن الحاجب، كلّية الشريعة والدّراسات الإسلامية، جامعة أمّ القرى، مكة المكرّمة، السّعودية، 1404 ه.
52 - البصري: أبو الحسين، المعتمد في أصول الفقه، تح: محمد حميد الله، وأحمد بكير وحسن حنفي، دط، دمشق، سوريا، 1384 هـ-1964 م.
53 - البغا: مصطفى ديب، أثر الأدلّة المختلف فيها في الفقه الإسلامي، ط 3، دار القلم؛ دار العلوم الإنسانيّة، دمشق، سوريا، 1420 هـ-1999 م.
54 - البوطي: محمد سعيد رمضان، أصول الفقه، دط، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، سوريا، 1407 هـ-1987 م.
55 - البيانوني: محمّد أبو الفتح، الحكم التّكليفي في الشّريعة الإسلامية، ط 1، دار القلم، دمشق، سوريا، 1409 هـ-1988 م.
56 - البيضاوي: القاضي، منهاج الوصول إلى علم الأصول، تح: شعبان محمد إسماعيل، ط 1، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، 1429 هـ-2008 م. (1/392)
صفحة 381
57 - البيهقي: أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، سنن البيهقي الكبرى، تح: محمد عبد القادر عطا، دط، مكتبة دار الباز، مكة المكرمة، السعودية، 1414 هـ-1994 م.
58 - التّرمذي: أبو عيسى محمّد بن عيسى، الجامع الصّحيح سنن الترمذي، تح: أحمد محمّد شاكر، دط، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، دت.
59 - التّفتازاني: سعد الدّين، شرح التّلويح على التّوضيح، تح: زكريا عميرات، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1416 هـ-1996 م.
60 - التيواجني: مهني بن عمر، قسم الدراسة من تحقيق كتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، رسالة دكتوراه (حلقة ثالثة) مرقونة، الجامعة الزيتونيّة، تونس، 1411 هـ-1990 م.
61 - الجعبيري: فرحات، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، دط، نشر جمعيّة التّراث، القرارة، الجزائر، 1408 هـ-1987 م.
62 - جهلان: عدون، الفكر السياسي عند الإباضيّة، دط، نشر جمعيّة التراث، القرارة، الجزائر، دت.
- الجويني: أبو المعالي:
63 - البرهان في أصول الفقه، تح: صلاح بن محمّد بن عويضة، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1997 م.
64 - التّلخيص في أصول الفقه، تح: عبد الله حولم النبالي وبشير أحمد العمري، دط، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1996 م.
65 - الحصري: أحمد، نظريّة الحكم ومصادر التّشريع في أصول الفقه الإسلامي، دط، مكتبة الكليّات الأزهرية، القاهرة، مصر، 1401 هـ-1981 م.
66 - الحفناوي: محمّد، التعارض والتّرجيح عند الأصوليّين وأثرهما في الفقه الإسلامي، ط 2، دار الوفاء، القاهرة، مصر، 1408 ه؛1987 م.
67 - الحفناوي: محمّد، تذكير النّاس بما يحتاجون إليه من القياس، ط 1، دار الحديث، القاهر: مصر، 1415 - 1995 م. (1/393)
صفحة 382
68 - الحموي: ياقوت، معجم البلدان، ط 2، دار صادر، بيروت، لبنان، 1995 م.
69 - الحميري: سعيد، الحكم الوضعي عند الأصوليّين، رسالة ماجستير، جامعة أمّ القرى، كلّية الشّريعة والدّراسات الإسلاميّة، مكة المكرّمة، المملكة العربية السعوديّة، 1404 هـ-1984 م.
70 - الخصيبي: محمّد بن راشد، شقائق النعمان على سموط الجمان في أسماء شعراء عمان، ط 3، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، دت.
71 - الخضري بك: محمد، أصول الفقه، ط 6، دن، دم، 1389 هـ-1968 م.
72 - خلّاف: عبد الوهاب، علم أصول الفقه، ط 8، دن، دم، دت.
73 - الخن: مصطفى سعيد، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء، ط 7، مؤسسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1417 هـ-1998 م.
74 - الدارقطني: أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد، سنن الدارقطني، دط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، دت.
75 - دبّوز: محمّد علي، تاريخ المغرب الكبير، ط 1، دار إحياء الكتب العربيّة، دن، 1383 هـ-1963 م.
76 - الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن، سنن الدارمي، تح: فواز أحمد زمرلي-خالد السبع العلمي، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1407 ه.
77 - الدّرجيني: أبو العبّاس، طبقات المشايخ بالمغرب، ط 2، دن، دم، دت.
78 - الدّرويش: عبد الرحمن، الشّرائع السّابقة ومدى حجّيتها في شريعة الإسلام، ط 1، دن، دم، دت.
79 - الدّريني: فتحي، المناهج الأصوليّة في الاجتهاد بالرّأي في التشريع الإسلامي، ط 2، الشّركة المتّحدة للتّوزيع، دمشق، سوريا، 1405 هـ-1985 م.
80 - الذّهبي: شمس الدين أبو عبد الله، سير أعلام النّبلاء، تح: مجموعة من الباحثين بإشراف شعيب الأرناؤوط، دط، مؤسّسة الرّسالة، دمشق، سوريا، دت. (1/394)
صفحة 383
81 - الرّازي: أبو بكر الجصاص، الفصول في الأصول، تح: عجيل جاسم النّمشي، ط 1، دن، الكويت، 1408 هـ-1988 م.
82 - الرّازي: أبو عبد الله فخر الدّين، المحصول من علم الأصول، تح: طه جابر العلواني، ط 2، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1412 هـ- 1992 م.
83 - الربيع: بن حبيب الفراهيدي، الجامع الصحيح، مسند الربيع بن حبيب، دط، دار الفتح للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، مكتبة الاستقامة، مسقط، عمان، دت.
- الزّحيلي: وهبة:
84 - أصول الفقه الإسلامي، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1406 هـ-1986 م.
85 - الوجيز في أصول الفقه، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1414 هـ-1994 م.
86 - نظرية الضرورة الشّرعية، ط 4، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1418 هـ-1997 م.
87 - الزّركشي: أبو عبد الله بدر الدين، البحر المحيط، تح: د. محمد محمد تامر، دط، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ- 2000 م.
88 - الزركلي: خير الدّين، الأعلام، ط 15، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، 2002 م.
89 - زيدان: عبد الكريم، الوجيز في أصول الفقه، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1987 م.
90 - سالم بن يعقوب، تاريخ جزيرة جربة ومدارسها العلميّة، إعداد فرحات الجعبيري، ط 1، مجموعة سراس للنّشر، تونس، 2006 م.
- السالمي: نورالدّين عبد الله بن حميد.
91 - اللّمعة المرضية من أشعّة الإباضيّة، مراجعة سلطان بن مبروك الشّيباني، ط 2، دم، 1426 هـ- 2005 م.
92 - طلعة الشّمس على الألفيّة، تح: عمر حسن القيّام، دط، دن، مسقط، عمان، 1432 هـ-2010 م.
- السّبكي: تاج الدّين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي: (1/395)
صفحة 384
93 - رفع الحاجب عن مختصر بن الحاجب، تحقيق علي محمد عوض و علي أحمد عبد الموجود، ط 1، عالم الكتب، بيروت، لبنان، 1419 هـ- 1999 م.
94 - طبقات الشافعيّة الكبرى، تح: محمود محمد الطناجي-عبد الفتاح محمّد الحلو، ط 2، هجر للطباعة والنّشر، دم، 1413 ه.
95 - جمع الجوامع، تح: عبد المنعم خليل إبراهيم، ط 2، دار الكتب العلمية، بيرون: لبنان، 1424 هـ-2003 م.
96 - السّبكي: علي بن عبد الكافي، الإبهاج في شرح المنهاج، تح: جماعة من العلماء، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1404 ه.
- السّخاوي: شمس الدّين.
97 - الضّوء اللّامع لأهل القرن التّاسع، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، دت.
98 - المقاصد الحسنة، في بيان الكثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، تح: محمد عثمان الغشت، ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1405 هـ-1985 م.
99 - السّرخسي: أبو بكر محمّد بن أحمد، أصول السرخسي، تح: أبو الوفا الأفغاني، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1414 هـ-1993 م.
100 - السعدي: جابر بن علي بن حمود، ابن بركة وآراؤه الأصولية، رسالة ماجستير مرقونة، الجامعة الأردنيّة، 1994 م.
101 - السّعدي عبد الحكيم، مباحث العلّة في القياس عند الأصوليين، ط 2، دار البشائر الإسلامية، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م.
102 - السّعدي: فهد بن علي، معجم الفقهاء والمتكلّمين الإباضيّة، قسم المشرق، ط 1، مكتبة الجيل الواعد، مسقط، عمان، 1428 هـ-2007 م.
103 - السّوسوه: عبد المجيد محمّد، دراسات في الاجتهاد وفهم النّص، ط 1، دار البشائر الإسلاميّة، بيروت، لبنان، 1424 هـ-2003 م. (1/396)
صفحة 385
104 - الشّاطبي: أبو إسحاق، الموافقات في أصول الشّريعة، تح: مشهور حسن آل سلمان، ط 1، دار ابن عفان، دم، 1417 هـ-1997 م.
105 - الشّافعي: محمّد بن إدريس، الرسالة، تح: أحمد محمد شاكر، ط 3، مكتبة دار التّراث، القاهرة، مصر، دت.
106 - شعبان محمد إسماعيل: أصول الفقه تاريخه ورجاله، ط 1، دار المريخ، الرّياض، السّعودية، 1401 هـ-1981 م.
107 - شلبي: مصطفى، أصول الفقه الإسلامي، دط، الدار الجامعية للطباعة والنشر، بيروت، لبنان، دت.
- الشّماخي أبو العباس أحمد:
108 - كتاب السِّيَر، تح: محمد حسن، ط 1، دار المدار الإسلامي، بيروت، لبنان، 2009 م.
109 - كتاب السِّيَر، تح: أحمد السيابي، دط، نشر وزارة التّراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1408 هـ-1987 م.
110 - شرح مقدّمة التّوحيد، تصحيح وتعليق: أبو إسحاق إبراهيم أطفيّش، دط، القاهرة، مصر، 1353 هـ.
111 - الشّنقيطي: أحمد، خبر الواحد وحجّيته، ط 1، الجامعة الإسلاميّة، المدينة المنوّرة: السعودية، 1422 هـ-2002 م.
112 - الشّنقيطي: محمد الأمين، مذكرة أصول الفقه على روضة النّاظر، ط 1، دار عالم الفوائد، مكة المكرّمة، السّعودية، 1426 ه.
- الشّوكاني: محمّد بن علي:
113 - إرشاد الفحول إلى تحقيق الحقّ من علم الأصول، تح: محمد سعيد البدري أبو مصعب، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1412 هـ-1992 م.
114 - البدر الطّالع بمحاسن من بعد القرن السّابع، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م. (1/397)
صفحة 386
- الشّيرازي: أبو إسحاق:
115 - التبصرة في أصول الفقه، تح: محمد حسن هيتو، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1403 ه.
116 - اللّمع في أصول الفقه، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1405 هـ-1985 م
117 - طبقات الفقهاء، تح: إحسان عبّاس، ط 1، دار الرّائد العربي، بيروت، لبنان، 1970 م.
118 - صالح: محمّد أديب، تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، ط 4، المكتب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1413 هـ-1993 م.
119 - الصّفدي: صلاح الدين، الوافي بالوفيات، تح: أحمد الأرناؤؤط – تركي مصطفى، ط 1، دار التّراث العربي، بيروت، لبنان، 1420 هـ-2000 م.
120 - الصّلابي: علي، دولة الموحّدين، دط، دار البيارق، عمان، دت.
- الطبراني: أبو القاسم سليمان بن أحمد:
121 - المعجم الأوسط، تح: طارق بن عوض الله بن محمد-عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دط، دار الحرمين، القاهرة، 1415 ه.
122 - المعجم الكبير، تح: حمدي بن عبد المجيد السلفي، ط 2، مكتبة العلوم والحكم، الموصل، العراق، 1404 هـ-1983 م.
123 - العراقي: زين الدّين، شرح ألفية العراقي المسماة بالتّبصرة والتّذكرة، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت.
124 - العروسي: محمد، المسائل المشتركة بين أصول الفقه وأصول الدين، دط، مكتبة الرشد، دم، دت.
125 - العضد: عبد الرحمن بن أحمد، شرح العضد على مختصر المنتهى الأصولي، تح: فادي نصيف وطارق يحي، ط 1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م. (1/398)
صفحة 387
126 - العطار: حسن، حاشية العطار على شرح الجلال المحلي، على جمع الجوامع لابن السبكي، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، دت.
127 - العلائي: خليل، تحقيق المراد في أنّ النّهي يقتضي الفساد، تح: محمد سلقيني، ط 1، دار الفكر، دمشق، سوريا، 1402 هـ-1982 م.
128 - عمّاري: حميد، ابن رشد الحفيد وآراؤه الأصولية، رسالة دكتوراه مرقونة، كلّية العلوم الاجتماعية والإسلامية جامعة الحاج لخضر بباتنة، 1428 هـ-2007 م.
- الغزالي: أبو حامد محمّد بن محمّد:
129 - المستصفى من علم الأصول، تح: محمّد عبد السّلام عبد الشّافي، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1413 هـ.
130 - المنخول من تعليقات علم الأصول، تح: محمد حسن هيتو، ط 3، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، دار الفكر المعاصر، دمشق، سوريا، 1419 هـ-1998 م.
131 - الغزي: نجم الدّين، الكواكب السّائرة بأعيان المئة العاشرة، تح: خليل منصور، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1418 هـ-1998 م.
132 - الفتوحي: ابن النّجار، شرح الكوكب المنير، تح: محمد الزّحيلي ونزيه حمّاد، ط 2، مكتبة العبيكان، 1418 هـ-1997 م.
133 - فركوس: محمّد علي، الإنارة، شرح كتاب الإشارة، ط 1، دار الموقع، الجزائر العاصمة، الجزائر، 1430 هـ-2009 م.
134 - القرافي: شهاب الدّين، شرح تنقيح الفصول في اختصار المحصول، دط، دار الفكر، بيروت، لبنان، 1424 هـ-2004 م.
135 - القرضاوي: يوسف، الاجتهاد في الشّريعة الإسلاميّة مع نظرات تحليليّة في الاجتهاد المعاصر، ط 1، دار القلم، الكويت، 1417 هـ-1996 م.
136 - القرطبي: شمس الدّين، الجامع لأحكام القرآن، تح: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرّياض، السّعودية، 1423 هـ-2003 م. (1/399)
صفحة 388
137 - القنوجي: صديق بن حسن، أبجد العلوم الوشي المرقوم في بيان أحوال العلوم، تح: عبد الجبار زكّار دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1978 م.
138 - كوردي: محمّد حسين، الحياة العلميّة في جبل نفوسة وتأثيراتها على بلاد السّودان الغربي من القرن 2 - 8 هـ/8 - 14 م، ط 1، دار الكتب الوطنيّة، بنغازي، ليبيا، 2008 م.
- ليفيتسكي: تاديوس:
139 - المؤرّخون الإباضيون في شمال إفريقيا، ترجمة: ماهر جرّار وريما جرّار، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2000 م.
140 - دراسات شمال إفريقية، وهو كتاب جُمِعت فيه مجموعة مقالات للبولندي تاديوس ليفيتسكي، من ضمنها مقال بعنوان:"مجموعة أخبار إباضيّة، كتاب السير لأبي العبّاس الشّماخي، مع بعض الملاحظات حول أصل وتاريخ أسرة آل الشّماخ"، نُشِر هذا المقال في مجلّة الدّراسات الإسلاميّة في عددها الصّادر سنة 1934 م باللّغة الفرنسية، وقد قام بترجمته: أحمد بومزقو، ونشرته مؤسّسة تاوالت الثّقافية في شبكة الإنترنت www.tawalt.com، 2005 م.
141 - مالك: أبو عبد الله مالك بن أنس الأصبحي، الموطأ، تح: محمد مصطفى الأعظمي، ط 1، مؤسسة زايد بن سلطان آل نهيان، الإمارات العربية المتحدة، 1425 هـ-2004 م.
142 - مجموعة من الباحثين: معجم أعلام الإباضيّة، قسم المغرب، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1421 هـ-2000 م.
143 - مجموعة من الباحثين: معجم مصطلحات الإباضيّة، ط 1، دن، سلطنة عمان، 1429 هـ-2008 م.
144 - محي الدّين بن أبي الوفاء: الجواهر المضيئة في طبقات الحنفيّة، تح: عبد الفتّاح محمّد الحلو، ط 2، دار هجر للطّباعة والنّشر، دم، 1413 هـ-1993 م.
145 - مخلوف: محمّد، شجرة النّور الزّكيّة في طبقات المالكيّة، دط، المطبعة السّلفيّة، القاهرة، 1349 م. (1/400)
صفحة 389
146 - المرعشلي: يوسف، نثر الجواهر والدّرر في علماء القرن الرّابع عشر، ط 1، دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م.
147 - مسلم: أبو الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، دط، دار الجيل، بيروت، لبنان، دت.
148 - المطوى: محمد العروسي، السّلطنة الحفصيّة -تاريخها السّياسي، ودورها في المغرب الإسلامي، دط، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، دت.
149 - المطيعي: بخيت، سلّم الوصول لشرح نهاية السّول، مطبوع في حاشية كتاب نهاية السّول في شرح منهاج الأصول للإسنوي، دط، عالم الكتب، دت.
- معمّر: علي يحي:
150 - الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الأولى نشأة المذهب الإباضي، ط 1، مكتبة وهبة، ليبيا، 1384 هـ-1964 م.
151 - الإباضيّة في موكب التّاريخ، الحلقة الثّالثة الإباضية في تونس، ط 1، مكتبة وهبة، ليبيا، 1384 هـ-1964 م.
152 - منّون: عيسى، نبراس العقول في تحقيق القياس عند علماء الأصول، ط 1، المطبعة المنيريّة، دم، دت.
153 - ناصر: محمّد صالح، سلطان بن مبارك الشّيباني، معجم أعلام الإباضية، قسم المشرق، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1427 هـ-2006 م.
154 - النّامي: عمرو خليفة، دراسات عن الإباضيّة، ط 1، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 2001 م.
155 - النسائي: أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيبب، تح: عبد الغفّار سليمان البنداري-سيد كسروي حسن، ط 1، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، 1411 هـ-1991 م.
156 - النّشار: علي سامي، منهج البحث عند مفكّري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي، ط 3، دار النّهضة العربيّة، بيروت، لبنان، 1404 - 1984 ه. (1/401)
صفحة 390
157 - النّملة: عبد الكريم، المهذّب في علم أصول الفقه المقارن، ط 1، مكتبة الرّشد، الرّياض، السّعودية، 1420 هـ-1999 م.
158 - نور سيف: أحمد محمّد، عمل أهل المدينة بين مصطلحات مالك وآراء الأصوليّين، ط 2، دار البحوث للدّراسات الإسلاميّة وإحياء التّراث، دبي، الإمارات العربيّة المتّحدة، 1421 هـ-2000 م.
159 - النّووي: محي الدّين، تهذيب الأسماء واللّغات، دط، دار الكتب العلميّة، بيروت، لبنان، دت.
160 - الهندي: علي بن حسام، كنز العمّال في سنن الأقوال والأفعال، دط، مؤسّسة الرّسالة، بيروت، لبنان، 1989 م.
- الوارجلاني: أبو يعقوب يوسف:
161 - الدليل والبرهان، تح: سالم بن حمد الحارثي، دط، نشر وزارة التراث القومي والثّقافة، سلطنة عمان، 1403 هـ-1983 م.
162 - العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، تح: عمرو خليفة النّامي، بحث مرقون غير منشور.
163 - الوزّان: أبو علي الحسن بن محمّد، وصف إفريقيا، ترجمة عن الفرنسيّة: محمّد حجّي- محمّد الأخضر، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1983 م.
164 - الولي: بنيونس، ضوابط التّرجيح عند وقوع التّعارض لدى الأصوليّين، ط 1، مكتبة أضواء السّلف، الرياض، السّعودية، 1425 هـ-2004 م. (1/402)
صفحة 391
ثانيا: الكتب المخطوطة:
165 - ابن تعاريت: رسالة في تاريخ جربة، مخطوط مصوّر، مكتبة جمعيّة الشيخ أبو إسحاق اطفيّش، غرداية.
166 - أبو اليقظان: إبراهيم، ملحق لسير الشّماخي، مخطوط مصور، مكتبة الشيخ عمي سعيد، غرداية.
- الشماخي أبو العبّاس أحمد:
167 - أجوبة في الفقه والعقيدة، مخطوط، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يسجن، غرداية، الرقم في الفهرس: 793، الرقم في الخزانة: م 094.
168 - جواب حول حكم قراءة البسملة في الصّلاة، مخطوط، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يسجن، غرداية، الرقم في الفهرس: 793، الرقم في الخزانة: م 094.
169 - جواب في حكم المفقود، مخ، مكتبة الحاج صالح لعلي بني يسجن غرداية، الرقم في الفهرس: 888، الرقم في الخزانة: م 082. (1/403)
صفحة 392
الفهارس
العامة: (1/404)
صفحة 393
فهرس الآيات القرآنية:
نص الآية ... اسم السورة ... رقم الآية ... الصفحة
{أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} ... فصلت ... 44 ... 155
{إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً} ... المعارج ... 19، 20، 21 ... 281
{اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا، وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} ... الأحزاب ... 41، 42 ... 274
{اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ... فصلت ... 40 ... 343
{الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ... } ... الأنفال ... 66 ... 412
{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} ... الزمر ... 18 ... 253
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} ... النور ... 2 ... 222
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} ... الزمر ... 62 ... 321
{اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} ... البقرة ... 15 ... 276
{إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً} ... المعارج ... 19 ... 281
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ} ... البقرة ... 6 ... 142
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ... البقرة ... 67 ... 276
{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} ... النحل ... 58 ... 342
{إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} ... الأنعام ... 148 ... 176
{أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} ... ص ... 75 ... 276
{إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} ... الحجر ... 42 ... 318
{إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ، فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ} ... القيامة ... 17 ... 149، 285 (1/405)
صفحة 394
{إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} ... النجم ... 28 ... 213
{إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِئَتَيْنِ} ... الأنفال ... 65 ... 412
{إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} ... يوسف ... 2 ... 153, 154
{إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ} ... المائدة ... 91 ... 225
{إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} ... النمل ... 31 ... 150
{أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} ... المائدة ... 89 ... 331
{أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} ... النساء ... 3 ... 395
{أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ} ... البقرة ... 237 ... 280
{تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} ... الأحقاف ... 25 ... 322
{تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ... البقرة ... 196 ... 274
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ} ... المائدة ... 3 ... 281, 334
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ} ... النساء ... 23 ... 281، 291
{خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} ... الأحزاب ... 50 ... 310
{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} ... التوبة ... 103 ... 326
{ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِقِ اللّهَ وَرَسُولَهُ} ... 115 ... 222
{عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} ... التوبة ... 43 ... 370
{فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} ... النور ... 4 ... 325
{فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءكُم} ... يونس ... 71 ... 183
{فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} ... التوبة ... 5 ... 346 (1/406)
صفحة 395
{فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ} ... البقرة ... 222 ... 345
{فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا} ... الجمعة ... 11 ... 161, 345
{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ... الأنبياء ... 7 ... 377
{فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ} ... الحشر ... 2 ... 215
{فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} ... طه ... 72 ... 343
{فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} ... الحج ... 78 ... 115
{فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ... النساء ... 59 ... 213
{فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ} ... الممتحنة ... 10 ... 175
{فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} ... النساء ... 11 ... 306
{فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُوا} ... النساء ... 92 ... 319
{فَكَاتِبُوهُمُ, إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} ... النور ... 33 ... 343
{فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أوسط مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمُ إِذَا حَلَفْتُمْ} ... المائدة ... 89 ... 122
{فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا} ... الإسراء ... 23 ... 219, 298
{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} ... النساء ... 65 ... 370
{فَلَمْ تَجِدُوا مَاء فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} ... المائدة ... 6 ... 335 (1/407)
صفحة 396
{فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} ... التوبة ... 122 ... 172
{فَلْيَحْذَرِ الذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} ... النور ... 63 ... 344
{فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} ... البقرة ... 185 ... 349, 412
{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} ... البقرة ... 196 ... 296
{فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} ... المجادلة ... 4 ... 332
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ} ... الزلزلة ... 7 ... 219
{فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ} ... البقرة ... 237 ... 226
{فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ} ... الكهف ... 77 ... 266
{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} ... البقرة ... 150 ... 404, 406
{قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} ... الأعراف ... 12 ... 344
{قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} ... الأنعام ... 145 ... 331, 334
{كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ} ... البقرة ... 180 ... 405
{كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} ... طه ... 82 ... 343
{كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ} ... الحشر ... 7 ... 220
{لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} ... فصلت ... 42 ... 401
{لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ} ... آل عمران ... 196 ... 352 (1/408)
صفحة 397
{لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ} ... المائدة ... 89 ... 226
{لِكَيْلَا تَاسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ} ... الحديد ... 23 ... 220
{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ} ... الطلاق ... 7 ... 342
{مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ، قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ، حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} ... المدثر ... 42، 43، 44، 45، 46، 47 ... 144
{مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ} ... الأنعام ... 38 ... 213
{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللّهِ} ... التوبة ... 120 ... 306
{مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا} ... البقرة ... 106 ... 413
{مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} ... المائدة ... 32 ... 222
{مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ} ... النساء ... 11 ... 332
{مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ} ... آل عمران ... 7 ... 278
{نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا} ... الإسراء ... 79 ... 310
{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} ... الأنعام ... 141 ... 276
{وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} ... البقرة ... 275 ... 274, 275, 294, 324, 326, 328
{وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} ... النساء ... 24 ... 276, 324
{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} ... البقرة ... 67 ... 285 (1/409)
صفحة 398
{وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} ... المائدة ... 2 ... 117, 345
{وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا} ... يوسف ... 82 ... 296
{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} ... البقرة ... 282 ... 343
{وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} ... طه ... 14 ... 247
{وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ... النور ... 56 ... 342
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ} ... البقرة ... 240 ... 404
{وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} ... البقرة ... 234 ... 404
{وَالذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. إِلاَّ الذِينَ تَابُوا مِنم بَعْدِ ذَالِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ... النور ... 4، 5 ... 318
{وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا} ... المجادلة ... 3 ... 336
{وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} ... المائدة ... 38 ... 161, 222, 283, 296, 334
{وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} ... الزمر ... 67 ... 276
{وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} ... العصر ... 1، 2، 3 ... 305, 308
{وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً} ... النساء ... 15 ... 406 (1/410)
صفحة 399
{وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} ... النساء ... 25 ... 323
{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ} ... البقرة ... 228 ... 276, 281, 329
{وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ} ... المائدة ... 6 ... 283
{وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ} ... النساء ... 23 ... 395
{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} ... النحل ... 44 ... 158, 163, 322
{وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ} ... النمل ... 23 ... 322
{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ} ... البقرة ... 228 ... 329
{وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} ... الأحقاف ... 15 ... 297
{وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ} ... النساء ... 23 ... 301
{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ} ... آل عمران ... 133 ... 350
{وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} ... البقرة ... 184 ... 412
{وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} ... لقمان ... 14 ... 297
{وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... } ... المائدة ... 45 ... 247
{وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا} ... الأعراف ... 31 ... 274
{وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ} ... المائدة ... 2 ... 375
{وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ} ... البقرة ... 286 ... 142
{وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقّ} ... الإسراء ... 33 ... 274
{وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً} ... الإسراء ... 32 ... 351
{وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} ... البقرة ... 226
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً} ... الإسراء ... 36 ... 176, 213 (1/411)
صفحة 400
{وَلاَ تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} ... البقرة ... 237 ... 351
{وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ} ... البقرة ... 221 ... 323
{وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً} ... النساء ... 77 ... 298
{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ... البقرة ... 179 ... 215
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ} ... النساء ... 12 ... 320
{وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} ... آل عمران ... 97 ... 321
{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ} ... فصلت ... 44 ... 154
{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} ... النساء ... 82 ... 380
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} ... سبأ ... 28 ... 313
{وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} ... يوسف ... 103 ... 318
{وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا} ... هود ... 6 ... 306
{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} ... آل عمران ... 7 ... 280
{وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى} ... النجم ... 3 ... 163
{وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ} ... الطور ... 49 ... 161
{وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} ... النساء ... 92 ... 336
{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا} ... المجادلة ... 4 ... 290
{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} ... النساء ... 25 ... 320 (1/412)
صفحة 401
{وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ... آل عمران ... 85 ... 246
{وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} ... النساء ... 115 ... 187
{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ} ... النحل ... 89 ... 322, 323
{وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ... المائدة ... 120 ... 321
{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} ... البقرة ... 220 ... 252
{وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة} ... الروم ... 55 ... 286
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} ... البقرة ... 282 ... 117
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} ... المائدة ... 6 ... 290, 320, 334, 335
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً} ... المجادلة ... 12 ... 412
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} ... الجمعة ... 9 ... 325
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ} ... الأنفال ... 24 ... 344
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} ... النساء ... 59 ... 187 (1/413)
صفحة 402
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} ... البقرة ... 178 ... 246
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً} ... آل عمران ... 130 ... 117
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} ... النساء ... 29 ... 294
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} ... المائدة ... 102 ... 117, 351
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} ... الأحزاب ... 1 ... 310
{يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ} ... الحج ... 12 ... 217
{يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ} ... النساء ... 175 ... 327 (1/414)
صفحة 403
فهرس الأحاديث والآثار:
«إذا التقى الختانان وجب الغسل» 173
«أصحابي كالنّجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم» 193
«ألا وإني أوتيت الكتاب ومثله معه» 162
«الاثنان فما فوقهما جماعة» 282
«البرّ بالبرّ ربا، إلا هاء وهاء، والشّعير بالشّعير ربا إلا هاء وهاء، والتّمر بالتّمر ربا إلا هاء وهاء» 327
«الثّلث، والثّلث كثير ... » 332
«إنّ الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتّخذ النّاس رءوسا جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا وأضلّوا» 373
«أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - تزوّجها وهو حلال» 388
«أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - دخل البيت فصلّى» 393
«أنّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - دخل ولم يصلّ» 393
«إنّ أمّتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسّواد الأعظم» 189
«إنّما نهيتكم لأجل الدّافّة 222
«إنّها ليست بنجس إنّما هي من الطّوافين عليكم والطّوّافات» 225
«أيّما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليّها فنكاحها باطل، باطل، باطل» 290
«أيّما إهاب دبغ فقد طهُر» 394
«أينقص الرّطب إذا جفّ؟ فقالوا: نعم، فقال: فلا إذن» 225
«تزوّج ميمونة، وهو مُحرم» 388
«ثلاث لا يُغَلّ عليهنّ قلب مسلم: إخلاص العمل لله تعالى، ومناصحة ولاة الأمور، ولزوم جماعة المسلمين» 189
«حكمي على الواحد حكمي على الجماعة» 312, 325
«رُفع عن أمّتي الخطأ والنّسيان» 295 (1/415)
صفحة 404
«زمّلوهم بكلومهم ودمائهم فإنّهم يحشرون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دما» 222
«زنا ماعز فرُجِم» 223
«سها فسجد» 223
«صلّوا كما رأيتموني أصلّي» 161
«عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين المهديّين من بعدي» 159
«فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد» 226
«في الأنعام زكاة» 328
«في سائمة الغنم زكاة» 328, 409
«فيما سقت السّماء والعيون العشر» 323, 392
«قد جعل الله لهنّ سبيلا الثّيب بالثّيب الرّجم» 406
«كان الفضل رديف النّبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل النّبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشقّ الآخر، فقالت:"إن فريضة الله أدركت أبي شيخا كبيرا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ " قال: نعم» 216
«لا تبع البرّ بالبرّ إلّا بسواء» 182
«لا تبع التّمرة حتّى تزهى» 182
«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» 189
«لا تزال طائفة من أمّتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك» 373
«لا صدقة فيما دون خمسة أوسق» 392
«لا صوم لمن لم يبيّت النّية من اللّيل» 296
«لا صوم لمن لم يبيّت النّيّة من اللّيل» 282
«لا نكاح إلّا بولي» 282
«لا وصيّة لوارث» 405
«لا يُجمع بين المرأة وعمّتها» 324
«لا يرث القاتل» 277 (1/416)
صفحة 405
«لا يقضي القاضي وهو غضبان» 223, 226
«لقد حكمت فيهم بحكم الله» 371
«لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي» 370
«لو راجعته، قالت: يا رسول الله تأمرني؟ قال: إنّما أنا أشفع» 345
«ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» 323
«من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ» 354
«نحن معاشر الأنبياء لا نرث ولا نورث» 324
«نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمسكوا ما بدا لكم» 346
«هششت، فقبّلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله، صنعت اليوم أمرا عظيما: قبّلت وأنا صائم، قال: أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم؟، قلت: لا بأس به، قال - صلى الله عليه وسلم -: فمه» 225
«هل عندكم شيء؟، فقلنا: لا، فقال: إنّي إذا صائم» 283
«والشّيخ والشّيخة إذا زنيا فارجموهما البتّة نكالا من الله» 411
«والله لأغزونّ قريشا» ثمّ قال: «إن شاء الله» 317
نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن الشّرب من فم السّقاء 385 (1/417)
صفحة 406
فهرس الأعلام:
إبراهيم 155, 412
ابن أبي هريرة 136
ابن التّلمساني 69
ابن الحاجب 68, 69, 70, 90, 101, 141, 154, 179, 226, 233, 298, 309, 326, 327, 336, 397
ابن السّبكي 226
ابن الهمام 179, 346
ابن بركة 66, 67, 68, 132, 197, 200, 264, 337, 347, 350, 362, 376, 377, 378, 384, 385
ابن برهان 352
ابن بريدة 151
ابن تعاريت 47, 49
ابن جرير الطّبري 190
ابن جنّي 67, 70, 262
ابن حامد 136
ابن خلدون 22
ابن خويز منداد 268
ابن داود 176
ابن رشد الحفيد 157
ابن زيتون 21
ابن سريج 177, 262, 309
ابن سيرين 194
ابن عليّة 368 (1/418)
صفحة 407
ابن عمر 388
ابن فارس 153
ابن فورك 197
ابن منظور 303, 314, 340, 375
أبو إسحاق إبراهيم اطفيّش 41, 47, 49, 51, 54, 136
أبو إسحاق الإسفراييني 124, 197, 261, 268
أبو إسحاق الشّيرازي 67, 69, 336
أبو الحسن الأشعري 196
أبو الحسن الشّاذلي 23
أبو الحسن الكرخي 81, 100, 124, 281, 285, 324, 326, 387
أبو الحسن علي بن موسى 22
أبو الحسين 167
أبو الحسين البصري 82, 100, 177, 212, 285, 326, 354
أبو الرّبيع سليمان بن أبي زكريا الفرسطائي 43
أبو الرّبيع سليمان بن يخلف المزاتي 68, 69, 79, 124, 125, 361
أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشّماخي ب , ث , ج , ح , خ , د , ذ , 15, 16, 18, 20, 24, 28, 29, 31, 33, 34, 37, 39, 40, 41, 43, 44, 46, 47, 51, 53, 56, 59, 61, 63, 64, 66, 69, 70, 71, 73, 74, 76, 81, 82, 84, 85, 87, 89, 91, 92, 93, 95, 96, 103, 106, 109, 110, 111, 113, 114, 117, 118, 120, 121, 122, 126, 128, 131, 132, 133, 135, 136, 138, 139, 141, 144, 146, 147, 149, 150, 151, 152, 155, 158, 159, 162, 163, 164, 166, 167, 170, 172, 176, 177, 178, 179, 180, 181, 183, 184, 185, 187, 188, 190, 191, 196, 197, 199, 200, 203, 204, 205, 206, 207, 210, 212, 215, 217, 219, 223, 226, 227, 228, 231, 232, 233, 235, 239, 241, 247, 250, 251, 252, 253, 257, 258, 261, 262, 265, 266, 268, 269, 270, 272, 273, 274, 275, 276, 279, 280, 281, 282, 284, 285, 286, 287, 288, 289, 293, 294, 295, 296, 297, 298, (1/419)
صفحة 408
299, 300, 302, 303, 304, 305, 307, 308, 309, 310, 311, 314, 315, 316, 317, 318, 319, 320, 321, 322, 325, 326, 327, 328, 330, 331, 333, 334, 335, 336, 337, 340, 341, 342, 343, 345, 347, 348, 349, 350, 352, 354, 355, 357, 358, 359, 360, 361, 362, 363, 365, 366, 367, 369, 371, 372, 373, 375, 376, 377, 378, 381, 382, 383, 384, 385, 386, 387, 389, 391, 392, 394, 395, 396, 397, 398, 399, 400, 401, 402, 403, 404, 405, 406, 407, 408, 409, 411, 412, 413, 414, 416
أبو القاسم البرّادي ب , 71, 341
أبو النّجاة يونس بن سعيد 44
أبو اليقظان إبراهيم 61
أبو بكر 79, 194, 199
أبو بكر الأصم 368
أبو بكر الباقلاني 68, 81, 261, 262, 268, 282, 300, 310, 324, 326
أبو بكر الرّازي 100
أبو بكر الصّديق 213, 371
أبو بكر الصّيرفي 309
أبو بكر بن فورك 196
أبو حازم 193
أبو حامد الغزالي أ , 68, 69, 90, 100, 106, 111, 141, 167, 190, 226, 261, 283, 309, 317, 318, 326, 331, 346, 354, 357, 364, 367, 370, 408
أبو حامد المروزي 300
أبو حفص عمر بن يحي 17
أبو حفص عمرو بن جميع الجربي 28, 51
أبو حنيفة 178, 193, 255, 271, 326, 366
أبو رافع 388
أبو زكريّا يحيى 17, 22 (1/420)
صفحة 409
أبو زكريّا يحيى بن عبد الله بن أبي القاسم البرّادي 43
أبو زكرياء بن عبد الواحد 16
أبو زكريّاء يحي بن عامر بن إبراهيم 40
أبو ساكن عامر الشّماخي 27, 31, 34, 36, 48, 51
أبو سريج 326
أبو سعيد الإصطخري 309
أبو سعيد بن المعلّى 344
أبو سليمان داود بن إبراهيم التلاتي 51
أبو طاهر إسماعيل الجيطالي 27, 36
أبو عبد الله البصري 318
أبو عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستّة 74
أبو عبدالله محمد بن عرفة 22
أبو عبيدة 153
أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة 169, 319, 387
أبو عثمان بن سعيد 36
أبو عثمان سعيد 35, 43
أبو عفيف صالح بن نوح التّندميرتي 35, 37, 39, 40, 44
أبو علي الجبائي 326, 372
أبو علي الفارسي 262
أبو عمران موسى 36
أبو عمرو عثمان 18, 22, 41, 62
أبو فارس عبد العزيز 22, 29
أبو قتادة 371
أبو مالك عامر بن خميس المالكي 76
أبو محمد عبد الله بن عبد الواحد الشّماخي 36, 37, 39
أبو موسى عيسى الطّرميسي 26, 27 (1/421)
صفحة 410
أبو هاشم الجبائي 144, 173, 176, 326, 370, 372
أبو يحي زكريا بن إبراهيم الهواري 44, 45, 46
أبو يحي زكريّا بن أبي بكر 138
أبو يحي زكريّا بن أفلح الصّدغياني 43
أبو يعقوب بن أحمد بن موسى 44
أبو يعقوب يوسف 34
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني ب , ج , خ , 54, 59, 63, 66, 67, 68, 71, 77, 85, 89, 91, 92, 93, 95, 106, 107, 124, 125, 132, 138, 141, 147, 153, 155, 164, 169, 170, 172, 180, 184, 200, 217, 218, 233, 243, 257, 261, 264, 294, 296, 298, 300, 306, 314, 319, 331, 335, 336, 341, 348, 349, 350, 355, 359, 360, 361, 398, 402, 405, 410, 415, 416
أبو يعقوب يوسف بن أحمد 44
أبو يوسف 271, 370
أبو يوسف يعقوب بن أحمد بن موسى 39
أبوفارس عبد العزيز 18
أبي عبيد 155
أبي مسلم الأصفهاني 400
أحمد بن الحسين الطّرابلسي 368, 370
أحمد بن حنبل ح , 177, 178, 185, 193, 196, 197, 326, 366, 370
أحمد بن سعود السّيابي 61
أحمد بن سليمان بن النّضر السّمائلي 59
أسامة بن زيد 393
إسماعيل 412
الأشعري 138, 261, 326, 341
البصري 281
البلخي 212 (1/422)
صفحة 411
البيضاوي 336, 347
الجاحظ 365
الجصّاص 100
الجعبيري 40, 47
الحسن 179, 197
الحسن البصري 194
الحسين البصري 397
الخونجي 70
الدّقاق 212
الرّازي 21, 101, 124, 154, 220, 233, 311, 326, 336, 347, 354
الرّبيع 169
الرّبيع بن حبيب ح , 387
الزّركشي 373
السّالمي ج , 73, 110, 127, 133, 138, 139, 152, 164, 167, 170, 200, 201, 226, 239, 243, 247, 252, 255, 258, 264, 266, 276, 278, 289, 306, 312, 316, 319, 327, 329, 331, 332, 335, 337, 341, 348, 349, 350, 354, 359, 360, 361, 372, 377, 378, 379, 381, 384, 385, 386, 402, 405, 409
السّيوطي 373
الشّاطبي 249, 261, 385
الشّافعي أ , 98, 153, 154, 171, 179, 196, 201, 256, 326, 366, 367, 370, 404
الشّريف الإدريسيُّ 33
الشّوكاني 154, 163, 184, 220, 233, 276, 291, 309, 318, 320, 369, 373, 400
الصّيرفي 138, 411
الضّحاك 172
العربي بن علي بن ثاير 53
العنبري 365 (1/423)
صفحة 412
القاساني 176, 212
القاضي أبو يعلى 136
القاضي عبد الجبّار 98
القرافي 67, 69
القطب اطفيّش خ , 33, 75, 138, 350
القفّال الشّاشي 177, 212, 300
الكعبي 81, 167
المازني 262
المحشّي 74
المرادي 60
المرتضى 167
المروزي 309
المهدي بن تومرت 17
النظّام 176, 185, 212
النّهرواني 212
الوزان 29
أمّ سلمة 151
إمام الحرمين الجويني 68, 100, 105, 106, 141, 197, 203, 204, 205, 260, 318, 326, 346, 347
أنس بن مالك 194, 197
بدر الدّين 33
بريرة 345
بشر المريسي 368
بلال بن رباح 393
تاج الدّين السبكي 103
تاديوس ليفيتسكي 33, 40, 47, 61 (1/424)
صفحة 413
تميم 320
جابر 169, 197
جابر بن زيد 65, 179, 194, 256
جبريل 120, 311
حاجب الطائي 387
حازم القرطاجنّي 22
حفصة 388
خزيمة 207
داود الظّاهري 212, 268
زهير بابا واسماعيل خ , 56, 75
زيد 280, 314, 330, 348
زيد بن ثابت 305
سالم بن يعقوب 33, 34, 47, 62
سعد الدّين التّفتازاني 70
سعد بن أبي وقّاص 332
سعد بن معاذ 371
سعيد بن جبير 154
سعيد بن عبد الواحد 40
سعيد بن يحي الجادوي 57
سلمة بن سعد 25
سليم 20, 28
سليمان 151
سليمان الباروني 36
سليمان بن يخلف المزاتي 362
سيف الدين الآمدي 68, 69, 101, 105, 132, 167, 187, 197, 276, 327, 347, 397
شرف الدين الفهري 67, 69 (1/425)
صفحة 414
شماخ بن عامر بن هود 33
شمس الأئمة السّرخسي 101, 314
صدر الشّريعة عبيد الله بن مسعود 101
صولة بن إبراهيم الغدامسي 29, 53
عامر 36
عائشة 173, 388
عبد العزيز الثّميني 59
عبد الله بن أبي القاسم البرّادي 43
عبد الله بن عبّاس 65, 152, 154, 169, 194, 197, 216, 305, 306, 318, 322, 352, 388
عبد الله بن عبد العزيز 387
عبد الله بن مسعود 173, 182, 194
عبد الواحد 36
عبد الوهّاب بن عبد الرحمن 26
عبيد بن عمرو اللّيثي 400
عثمان بن عفان 305
عضد الدين الإيجي 70, 154, 327, 397
عطاء 154, 194
عكرمة 154
علي بن أبي طالب 194, 196
علي يحيى معمَّر 47, 54, 62
عمر 79, 194
عمر بن الخطاب 25, 172, 225, 405
عمر بن يمكتن 26
عمرو 280, 314, 330
عمرو بن العاص 25 (1/426)
صفحة 415
عمرو بن حزم 170, 346
عمرو بن رمضان التلاتي 74
عمرو بن شعيب 170
عمرو بن عثمان 414
عمرو خليفة النّامي ب
عمروس 124, 125
عيسى بن أبان 179, 323, 326
فاطمة بنت قيس 405
فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي 101
مالك ح
مالك بن أنس 178, 193, 326, 366, 397
مجاهد 154
محمّد 120, 417
محمد الأمين الشّنقيطي 268
محمد العتبي 54
محمّد بن أحمد بن إبراهيم البيدموري 39, 40, 70
محمد بن الحسن 255, 271
محمّد بن زكريّاء الباروني 47
محمد بن عبد الله السّمائلي 41, 44
محمد بن محبوب 338
محمّد بن موسى بن زكريّا الباروني 46
محمد بن يوسف المصعبي 75
محمَّد حسن 61
محمّد علي دبّوز 27
مظفّر الدّين أحمد بن علي السّاعاتي 101
معاذ بن جبل 147, 159, 163, 184, 191, 194, 215 (1/427)
صفحة 416
مهنّي بن عمر التّيواجني ح , 34, 42, 49, 56
ميمونة 388, 394
نجار يوسف 55
هلال 20, 28
ياقوت الحموي 25
يحيى الرّاشدي 54
يونس بن محمّد 44 (1/428)
صفحة 417
فهرس الأماكن والبلدان:
إفريقيا 21, 24, 29
إفريقية 16, 17, 18, 23, 25, 29, 39, 40
الأندلس 16, 23
البصرة 137
البيت الحرام 405
الجامعة الزيتونية 56
الجزائر خ , 75
الشّام 194
العراق 194
القرارة 55
القيروان 25
الكوفة 193, 194
المدرسة الشّماعية 22
المدينة 193, 194, 239
الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ 404
المغرب 16, 25, 27, 28, 61
المغرب الأقصى 16, 17, 62
المغرب الأوسط 16, 17
المكتبة البارونية 53, 60
اليمن 147, 159
بجاية 17
بغداد 212
بلدة القصير 34 (1/429)
صفحة 418
بيت المقدس 402
بيروت 61
تطّاوين 40
تلالت 40
تونس 16, 17, 21, 22, 28, 36, 37, 39, 40, 43, 56, 70, 414
تيواجين 47
جامع الزّيتونة 414
جامعة أبو ظبي 53
جامعة الأمير عبد القادر خ
جامعة الجزائر خ , 75
جبل دمّر 40
جبل شماخ 33
جبل نفوسة د , 15, 16, 20, 24, 25, 26, 27, 28, 29, 30, 34, 36, 37, 39, 40, 41, 43, 49, 73, 414
جزيرة جربة د , 15, 17, 20, 24, 28, 29, 30, 37, 44, 49, 53, 57, 60, 73, 414
سرت 62
سلطنة عمان 53, 54, 76
سمرقند 144
شمال إفريقيا 53
طرابلس 17, 25, 29, 34
عمان 41, 44, 61, 73
قابس 34
قباء 405
قرية تاغرمين 34
قسنطينة خ
قصبة ابن ماضي 47 (1/430)
صفحة 419
قصر الشّماخ 34
كلّية الإصلاح 56
لبنان 61
ليبيا 25, 28
مدرسة جامع يفرن الكبير 41
مزاب 29
مسجد أبي القاسم 47
معهد الحياة 55
مكّة 194, 406
مكتبة الاستقامة 54
وادي مزاب ش , 53, 60, 73
يفرن 33, 34, 36, 37, 41, 47, 48, 49, 414 (1/431)
صفحة 420
فهرس الفرق والطوائف:
الإباضيّة أ , ب , ت , ث , 15, 20, 24, 25, 28, 29, 30, 41, 53, 61, 63, 67, 71, 73, 89, 96, 98, 103, 120, 121, 123, 124, 127, 132, 133, 135, 136, 151, 152, 155, 162, 167, 170, 177, 179, 180, 190, 201, 207, 210, 239, 243, 244, 247, 252, 254, 256, 258, 264, 276, 305, 308, 309, 319, 329, 337, 344, 350, 354, 361, 367, 368, 370, 386, 387, 397, 413, 414, 415, 416, 417
الأشعرية 53, 98, 132, 135, 307, 329, 347, 366
الإماميّة 136
البراهمة 80, 167
الحشويّة 29
الحنابلة أ , 98, 244, 254, 255, 347, 354, 373
الحنفيّة أ , 100, 101, 103, 116, 117, 120, 130, 135, 137, 144, 151, 170, 201, 217, 220, 243, 244, 254, 255, 272, 274, 278, 283, 285, 293, 298, 300, 309, 318, 328, 329, 335, 337, 338, 346, 347, 353, 354, 383, 386, 387
الرافضة 176, 185
الزّيديّة أ , 98
السّمنيّة 80, 167
الشّافعية أ , 137, 151, 152, 201, 220, 244, 254, 255, 309, 346, 347, 354
الشّيعة 185, 193, 212, 373
الشّيعة الإماميّة أ , 98
الشّيعة الجعفريّة 131
الظّاهرية 90, 178, 190, 199, 285, 289, 300, 309, 322, 347, 354, 402
الماترديّة 53, 132, 133, 135 (1/432)
صفحة 421
المالكيّة أ , 41, 98, 151, 194, 201, 220, 244, 254, 309, 329, 346, 354
المعتزلة أ , 98, 122, 126, 131, 135, 136, 137, 141, 144, 167, 178, 197, 212, 255, 285, 305, 329, 354, 366, 400, 409, 411
المعتزلة البهشميّة 261
النصرانية 17, 25, 28, 191
النظّامية 185
الواقفيّة 307
اليهود 191, 215, 246, 400 (1/433)
صفحة 422
فهرس المحتويات:
المقدّمة أ، ب، ت
الفصل الأوّل: عصر أبي العبّاس الشماخي، وحياته الشخصيّة والعلميّة. 15
المبحث الأوّل: عصر أبي العباس الشّماخي 16
المطلب الأوّل: الحالة السّياسية. 17
المطلب الثّاني: الحالة الاجتماعيّة. 21
المطلب الثالث: الحالة الفكريّة. 22
المطلب الرّابع: أوضاع جبل نفوسة وجزيرة جربة. 25
المبحث الثاني: اسمه ونسبه وكنيته ومولده. 32
المطلب الأوّل: اسمه ونسبه وكنيته. 32
المطلب الثاني: مولده. 34
المبحث الثالث: نشأته وحياته العلميّة وشيوخه. 36
المطلب الأوّل: نشأته. 36
المطلب الثّاني: حياته العلميّة وشيوخه. 37
المبحث الرّابع: معاصروه وتلاميذه. 42
المطلب الأوّل: معاصروه وأقرانه. 42
المطلب الثّاني: تلاميذه. 43
المبحث الخامس: وفاته، وآثاره العلميّة. 45
المطلب الأوّل: وفاته. 45
المطلب الثّاني: آثاره العلميّة. 46
الفصل الثاني: التعريف بكتابه شرح مختصر العدل والإنصاف. 57
المبحث الأوّل: محتوى الكتاب ودواعي تأليفه، ومصادره. 58 (1/434)
صفحة 423
المطلب الأوّل: الموضوعات الرئيسة في الكتاب: 58
المطلب الثاني: دواعي تأليفه للكتاب. 59
المطلب الثّالث: المصادر التي اعتمد عليها. 61
المبحث الثاني: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة، والأعمال التي تتابعت عليه. 65
المطلب الأوّل: أهمّية الكتاب وقيمته العلميّة. 65
المطلب الثاني: الأعمال العلميّة التي تتابعت على الكتاب. 67
المبحث الثالث: منهج الشماخيّ وأسلوبه فيه. 70
المطلب الأوّل: منهجه في الاستدلال وبحث المسائل وعرض الآراء. 70
المطلب الثاني: مميّزات أسلوبه. 77
المبحث الرّابع: من المسائل التي خالف فيها الشماخيُّ الوارجلانيَّ وجمهور الإباضيّة. 82
المطلب الأوّل: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ الوارجلاني. 83
المطلب الثاني: من المسائل التي خالف فيها الشّماخيُّ جمهور الإباضيّة. 87
المبحث الخامس: أنواع المناهج الأصوليّة، وبيان ما سلكه الشماخيُّ منها. 89
المطلب الأوّل: أنواع المناهج الأصوليّة. 89
الفرع الأوّل: مدرسة المتكلّمين: 89
الفرع الثاني: مدرسة الفقهاء. 90
الفرع الثالث: مدرسة المتأخّرين بالجمع بين الطّريقتين. 91
المطلب الثّاني: المدرسة الأصوليّة التي ينتمي إليها الشّماخي. 92
الفصل الثالث: آراؤه الأصوليّة في المقدمات ومباحث الحكم الشرعي والأدلّة. 94
المبحث الأوّل: المقدّمات 95
المطلب الأوّل: حدّ أصول الفقه، وبيان موضوعه. 98
الفرع الأوّل: حدّ أصول الفقه. 98
الفرع الثّاني: موضوع أصول الفقه. 98
المطلب الثّاني: تعريف العلم وبيان أقسامه. 101
المبحث الثاني: حقيقة الحكم الشّرعي وأقسامه. 103 (1/435)
صفحة 424
المطلب الأوّل: حقيقة الحكم الشّرعي. 103
المطلب الثاني: أقسام الحكم التّكليفي وتعريفها: 105
المطلب الثّالث: بعض تقسيمات الواجب. 107
الفرع الأوّل: الواجب العيني والواجب الكفائي: 108
الفرع الثّاني: الواجب المضيّق والواجب الموسّع: 108
الفرع الثّالث: الواجب المعيّن والواجب المخيّر: 110
المطلب الرّابع: بعض أحكام المندوب والمباح. 112
الفرع الأوّل: هل المندوب مأمور به؟ 112
الفرع الثّاني: هل المباح حكم شرعيٌّ؟ وهل هو مأمور به؟ 113
المطلب الخامس: بعض مسائل الحكم الوضعي. 113
المبحث الثالث: الحاكم. 118
المطلب الأوّل: مسألة التّحسين والتّقبيح العقليّين. 118
المطلب الثّاني: المسائل المتفرّعة عن التّحسين والتّقبيح: 120
الفرع الأول: حكم من لم تبلغه رسالة الإسلام. 121
الفرع الثّاني: ما حكم الأشياء قبل ورود الشّرع: 122
المبحث الرّابع: المحكوم فيه. 125
المطلب الأوّل: مسألة هل يصحّ التّكليف بالمحال؟ 126
المطلب الثاني: مسألة هل الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة: 128
المبحث الخامس: الأدلّة المتّفق عليها. 130
المطلب الأوّل: الكتاب. 133
الفرع الأول: تعريف الكتاب: 133
الفرع الثاني: هل البسملة آية من القرآن؟ 134
الفرع الثّالث: هل المُعرّب موجود في القرآن أم لا؟ 137
المطلب الثّاني: السنّة النبويّة. 142
الفرع الأول: السنّة: تعريفها، أنواعها، وحجّيتها. 142
الفرع الثّاني: تعريف الخبر وأقسامه: 147 (1/436)
صفحة 425
الفرع الثالث: مراتب السنّة: 148
الفرع الرابع: شروط قبول الرّواية: 160
الفرع الخامس: رواية الحديث بالمعنى. 162
المطلب الثالث: الإجماع. 164
الفرع الأول: تعريف الإجماع. 164
الفرع الثّاني: إمكان وقوع الإجماع، وحجّيّته. 166
الفرع الثّالث: أركان الإجماع وشروطه، وبعض المسائل المتفرّعة عنهما. 169
الفرع الرّابع: أنواع الإجماع. 176
المطلب الرّابع: القياس. 180
الفرع الأوّل تعريف القياس وبيان أركانه. 181
الفرع الثاني: شروط أركان القياس: 184
الفرع الثّالث: حجّية القياس: 186
الفرع الرّابع: أقسام القياس وطرق إثبات العلّة: 191
الفرع الخامس: قوادح العلّة. 204
المبحث السّادس: الأدلّة المختلف فيها. 209
المطلب الأوّل: الاستصحاب. 210
الفرع الأوّل: تعريف الاستصحاب 210
الفرع الثاني: حجّيّة الاستصحاب: 210
الفرع الثالث: ثمرة الاختلاف في حجّية الاستصحاب: 212
المطلب الثّاني: شرع من قبلنا. 213
الفرع الأوّل: المراد بشرع من قبلنا وتحرير محلّ النّزاع فيه: 213
الفرع الثّاني: حجيّة شرع من قبلنا. 214
المطلب الثّالث: المصالح المرسلة: 216
الفرع الأوّل: تعريف المصلحة المرسلة. 216
الفرع الثّاني: حجيّة المصالح المرسلة: 217
المطلب الرّابع: الاستحسان. 219 (1/437)
صفحة 426
الفرع الأوّل: تعريف الاستحسان: 219
الفرع الثاني: تحرير محلّ النّزاع فيه وحجيّته: 220
المطلب الخامس: قول الصّحابي. 222
الفرع الأوّل: مفهوم الصّحابي. 222
الفرع الثّاني: حجّية قول الصّحابي: 222
الفصل الرّابع: آراؤه الأصوليّة في تفسير النّصوص 224
مبحث تمهيدي: مسائل متعلّقة باللّغة. 225
المطلب الأوّل: أهمّية اللّغة في تفسير النّصوص. 225
المطلب الثّاني: ابتداء اللّغات هل كان توقيفا أو مواضعة؟ 226
المطلب الثّالث: مسألة القياس في اللّغات: 227
المبحث الأوّل: الحقيقة والمجاز. 230
المطلب الأول: مفهوم الحقيقة والمجاز وأقسامهما: 230
الفرع الأوّل: مفهوم الحقيقة والمجاز. 230
الفرع الثّاني: أقسام الحقيقة والمجاز. 230
المطلب الثّاني: وقوع المجاز وأنواع العلاقة فيه. 231
الفرع الأوّل: هل وقع المجاز اللغة؟ 231
الفرع الثّاني: أنواع العلاقة في المجاز: 233
المطلب الثّالث: التّرتيب بين الحقائق والمجازات: 233
المبحث الثّاني: الوضوح والخفاء. 236
المطلب الأوّل: أقسام اللّفظ باعتبار ظهور المعنى وخفائه. 237
الفرع الأوّل: مراتب واضح الدلالة: 237
الفرع الثّاني: مراتب خفي الدّلالة. 239
المطلب الثّاني: الإجمال والبيان. 244
الفرع الأوّل: الإجمال. 244
الفرع الثّاني: البيان. 248 (1/438)
صفحة 427
المطلب الثّالث: التّرادف والاشتراك. 251
الفرع الأوّل: التّرادف. 251
الفرع الثّاني: الاشتراك 253
المطلب الرّابع: التّأويل 255
الفرع الأوّل: تعريف التّأويل: 255
الفرع الثّاني: أنواع التّأويل 255
الفرع الثّالث: شروط التّأويل. 257
المبحث الرّابع: طرق دلالات الألفاظ على الأحكام. 258
المطلب الأوّل: دلالة المنطوق. 259
الفرع الأوّل: تعريف دلالة المنطوق. 259
الفرع الثّاني: أنواع المنطوق: 260
المطلب الثّاني: دلالة المفهوم. 262
الفرع الأوّل: تعريف دلالة المفهوم. 262
الفرع الثّاني: أنواع المفهوم. 263
المبحث الخامس: العموم والخصوص. 267
المطلب الأوّل: العام. 268
الفرع الأوّل: تعريف العام. 268
الفرع الثّاني: صيغ العموم. 268
الفرع الثالث: دلالة العام على أفراده. 271
الفرع الرابع: بعض خطابات العام. 275
المطلب الثّاني: الخاص 279
الفرع الأول: مفهوم الخاص. 279
الفرع الثّاني: مخصّصات العموم. 280
المطلب الثالث: المطلق والمقيّد. 294
الفرع الأوّل: مفهوم المطلق والمقيّد. 294
الفرع الثّاني: حكم المطلق والمقيد: 296 (1/439)
صفحة 428
الفرع الثّالث: حمل المطلق على المقيّد: 297
المبحث السّادس: الأمر والنّهي. 304
المطلب الأوّل: الأمر. 305
الفرع الأوّل: حقيقة الأمر وصيغته. 305
الفرع الثّاني: دلالة الأمر. 307
المطلب الثّاني: النّهي. 316
الفرع الأوّل: تعريف النّهي وبيان صيغته. 316
الفرع الثّاني: موجب صيغة النّهي. 316
الفرع الثّالث: أثر النّهي في المنهيّ عنه. 318
الفصل الخامس: آراؤه في الاجتهاد والتّعارض والتّرجيح والنّسخ. 322
المبحث الأوّل: الاجتهاد. 323
المطلب الأوّل: مفهوم الاجتهاد، وبيان مجاله. 324
الفرع الأوّل: مفهوم الاجتهاد. 324
الفرع الثّاني: مجال الاجتهاد: 325
المطلب الثّاني: شروط المجتهد. 327
المطلب الثّالث: الخطأ والصّواب في الاجتهاد. 332
المطلب الرّابع: بعض المسائل المتعلّقة بحكم الاجتهاد. 336
الفرع الأوّل: اجتهاد النّبي - صلى الله عليه وسلم -. 336
الفرع الثّاني: الاجتهاد في زمن النّبي - صلى الله عليه وسلم -. 337
الفرع الثّالث: خلوّ الزّمان من مجتهد. 339
المبحث الثاني: التّقليد. 342
المطلب الأوّل: مفهوم التّقليد، وبيان بعض قضاياه. 342
الفرع الأوّل: مفهوم التّقليد. 342
الفرع الثّاني: بعض المسائل المتعلّقة بالتّقليد. 343
المبحث الثّالث: التعارض والتّرجيح. 347 (1/440)
صفحة 429
المطلب الأوّل: تعريف التّرجيح وبيان محلّه. 349
الفرع الأوّل: تعريف التّرجيح. 349
الفرع الثّاني: محلّ التّرجيح. 350
المبحث الثّاني: مناهج الأصوليّين في درء التّعارض. 350
المطلب الثّالث: أنواع التّرجيح. 354
الفرع الأوّل: التّرجيح بين الأدلّة النّقلية. 354
الفرع الثّاني: التّرجيح بين الأدلّة العقليّة. 362
المبحث الرّابع: النّسخ. 366
المطلب الأوّل: مفهوم النّسخ، وبيان شروطه، والفرق بينه وبين التّخصيص. 367
الفرع الأوّل: تعريف النّسخ. 367
الفرع الثّاني: شروط النّسخ. 368
الفرع الثّالث: الفرق بين النّسخ والتّخصيص. 368
المطلب الثّاني: إثبات النّسخ وبيان محلّه: 369
الفرع الأوّل: إثبات النّسخ 369
الفرع الثّاني: محلّ النّسخ 370
المطلب الثّالث: أنواع النّسخ في الأدلّة الشّرعية. 371
الفرع الأوّل: النّسخ في الأدلة النّصيّة 372
الفرع الثّاني: النّسخ في الأدلّة الغير نصّية 375
المطلب الرّابع: من مسائل النّسخ. 377
الفرع الأوّل: هل الزّيادة على النّص نسخ؟ 377
الفرع الثّاني: نسخ الحكم ونسخ التّلاوة. 378
الفرع الثّالث: النّسخ قبل وقت الفعل، والنّسخ إلى الأثقل والأخف، وإلى غير بدل. 379
الفرع الرّابع: حكم نسخ الفحوى. 382
الفهارس 403
العامة: 403
فهرس الآيات القرآنية: 404 (1/441)
صفحة 430
فهرس الأحاديث والآثار: 414
فهرس الأعلام: 417
فهرس الأماكن والبلدان: 428
فهرس الفرق والطوائف: 431
فهرس المحتويات: 433 (1/442)
صفحة 431
ملخّص البحث باللّغة العربية
إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيّئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فلا هادي له، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله، وأنّ ما جاء به حقّ من عند ربّه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
وبعد،
فإنّ علم أصول الفقه يعتبر من أجلّ العلوم نفعا، وأشرفها قدرا، وأرفعها ذكرا، وأعظمها فائدة؛ فبواسطته تستنبط الأحكام، وبه يُعرف الحلال والحرام، وتضبط أصول الاجتهاد، وتُعرَف من خلاله أسرار ومزايا شريعة الإسلام، والمصالح التي استهدفها الشّارع الحكيم.
ولأهمّية هذا العلم اعتنى به العلماء منذ القديم، واشتهرت مدرستان تنظّران لهذا العلم، وهما مدرسة المتكلّمين ومدرسة الفقهاء، وقد ظهرت التّصانيف المتعدّدة على كلتا الطّريقتين، وبرزت طريقة أخرى في التّأليف، حاول أصحابها الجمع بين الطريقتين واستخلاص طريقة ثالثة.
وإذا دقّقنا النّظر في هذا التّصنيف في طريقة التّأليف وتدوين القواعد الأصوليّة، وجدنا أنّ أغلب العلماء الذين اهتمّوا بتاريخ هذا العلم، قد غضّوا الطّرف عن المذهب الإباضي، وموقعه من هذا التّصنيف على غرار باقي المذاهب الفقهيّة؛ فالمكتبة الإسلامية مفتقرة افتقارا كبيرا لمصنّفات في أصول الفقه الإباضي، ودراسة لأعلامه، وآرائهم ومناهجهم الأصوليّة.
وهذا في حقيقة الأمر ليس لقلّة نتاجهم في هذا المجال؛ بل لكون أغلب ما صنّفوا فيه لا يزال مخطوطا، بحاجة إلى من يخرجه للوجود.
وسأحاول -إن شاء الله- في هذا البحث أن أسلّط الضّوء على جانب من جوانب هذا التّراث الإباضي الثّري؛ من خلال دراسة تحليليّة لشخصيّة عَلَمٍ من أعلام هذه المدرسة، والتّعريف به، وبيان آرائه الأصوليّة، ومدى إسهامه في إثراء علم أصول الفقه، ويتمّثل ذلك في شخصّية أبي العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي النّفوسي (ت: 928 هـ/1521 م).
وقد عنونت هذا البحث بـ:"أبو العبّاس أحمد بن سعيد الشمّاخي، وآراؤه الأصولية". (1/443)
صفحة 432
وتعود أسباب اختياري لهذا الموضوع إلى ما يأتي:
1 - تزخر المدرسة الإباضية بثروة من التراث العلمي ما تزال مجهولة عند كثير من الدّارسين المسلمين وغيرهم؛ ممّا يستدعي ذلك بذل الجهد في القيام بإبراز هذا التّراث الإسلامي، وتعريف الآخرين به.
2 - محاولة التّعريف بأبي العبّاس الشماخي باعتباره علمًا من أعلام الإباضيّة المغاربة؛ من خلال إبراز مكانته العلميّة، والتّعريف بتراثه، وبيان آرائه ومنهجه الأصولي.
3 - محاولة الرّبط والمقارنة بين آراء الشمّاخي، وغيره من الأصوليّين سواء من الإباضيّة أو من غيرهم.
4 - رغبتي في دراسة موضوع شامل لأغلب مواضيع أصول الفقه؛ فموضوع البحث هذا يمكّنني من قراءة جميع مباحث أصول الفقه قراءة متأنّية متفحّصة، وهذا غاية ما يرومه طالب العلم.
وتهدف الدراسة إلى محاولة الكشف عن معالم الشّخصيّةِ الأصوليّةِ عند أبي العبّاس الشّماخي، ومعرفة منهجه وآرائه، ومدى إسهامه في التّراث الأصولي الإباضي بخاصة والإسلامي بعامّة.
ودراستي لهذا الموضوع تتلخّص في محورين:
1 - عصر الشمّاخي، وحياته الشخصية والعلمية.
2 - آراؤه الأصولية من خلال ما ألّف في هذا الفن.
لذا قسّمتُ مادّة البحث إلى خمسة فصول؛ حيث خصّصت الفصل الأوّل للحديث عن مميّزات عصر الشماخي، وحياته الشّخصيّة العلميّة وآثاره.
أمّا الفصل الثاني: فخصّصته للتّعريف بكتابه "شرح مختصر العدل والانصاف"، من خلال استعراض موضوعات الكتاب، ودواعي تأليفه ومصادره، وقيمته العلمية وأهمّيته، والأعمال التي تتابعت عليه، ثم بيان منهجه فيه وأسلوبه.
وخصّصت الفصول: الثالث والرابع والخامس لبيان آرائه الأصوليّة.
أمّا الفصل الثّالث: فكان لبيان آرائه في المقدمات ومباحث الحكم الشّرعي والأدلة.
والفصل الرابع: لبيان آرائه في تفسير النصوص. (1/444)
صفحة 433
والفصل الخامس: لبيان آرائه في الاجتهاد والتعارض والترجيح والنسخ.
ويندرج تحت كلّ فصل جملة من المباحث والمطالب والفروع.
وفي ختام هذه المذكرة خلصت إلى نتائج منها:
1 - عاش أبو العباس الشّماخي خلال أواسط القرن التّاسع، وبداية القرن العاشر الهجري، وعايش الأحداث السّياسية التي شهدها جبل نفوسة-موطنه الأصلي- وتونس ففي هذه الفترة من الزّمن كانت هذه المناطق تابعة لحكم الدّولة الحفصيّة، واتّسم العصر الذي عاش فيه بكثرة الاضطرابات والصّراعات والفتن، ممّا أثّر على الحركة العلميّة والفكريّة.
2 - نشأ في أسرة ذائعة الصّيت في جبل نفوسة، أنجبت علماء بارزين كان لهم دور في تنشيط الحركة العلميّة فيها، فقد كان والده وعمّه من العلماء، ممّا ساهم في تكوينه العلمي.
3 - استفاد من الحركة العلميّة والفكريّة السّائدة في عصره، حيث هيّأ الله له التّتلمذ علي يد علماء أفذاذ من الإباضيّة وغيرهم، بداية بمسقط رأسه بيفرن، ثمّ كانت له رحلات علميّة بين قرى نفوسة وجزيرة جربة، ثمّ جامع الزّيتونة بحاضرة الدّولة الحفصيّة.
4 - ساهم التّكوين العلمي الذي تلقّاه في تنوّع ثقافته وشمولها واتّساعها، وتفتّحه على آراء الآخرين؛ وخير دليل على ذلك آثاره العلميّة التي شملت مختلف أصناف العلوم من: عقيدة، وعلم الكلام، والفقه وأصوله، والمنطق، واللّغة، والتّاريخ، وشارك في إحياء وتنشيط الحركة العلميّة والفكريّة في موطنه نفوسة؛ وذلك من خلال التّدريس والتّأليف، وممّا لا شك فيه أنّ له تلامذة كثيرون إلاّ أنّ المصادر لم تُسعفنا بذكر جميع أسمائهم.
5 - اختصاره لكتاب العدل والإنصاف للوارجلاني لم يكن مجرّد اختزال للألفاظ فحسب؛ وإنّما كان اختصارا مع إعادة الترتيب والتبويب للمباحث الأصوليّة، وتنقيح الكتاب من المباحث الكلاميّة إلّا ما كان وثيق الصّلة بأصول الفقه، مع إضافة فوائد من كتب أخرى، ومقارنة بين أصول التّشريع الإباضيّة وأصول غيرهم، كما كانت شخصيّته في كتابه بارزة؛ من خلال التّرجيح والتّصويب والتّصحيح، ولم يكن مجرّد ناقل لآراء الأصوليّين.
6 - يمكن تصنيف كتابه "شرح مختصر العدل والإنصاف" ضمن كتب علم أصول الفقه المقارن، التي تعرض المسائل الأصوليّة في مختلف المذاهب، وترجّح ما اعتضد بالدّليل. (1/445)
صفحة 434
7 - يُعتبَر كتابه من أشهر المؤلّفات الأصوليّة الإباضيّة؛ حيث غدا عُمدة لجميع الكتب الأصولية الإباضية التي أتت بعده، ومرجعا لكلّ الفقهاء الإباضيّة سواء في مجال التّأصيل أو التّفريع.
8 - تميّز أسلوبه في كتابه بالوضوح، والدّقة، وحسن العرض، وسهولة الصّياغة للمسائل الأصوليّة، والابتعاد عن التّعقيد اللّفظي، كما بدا التأثّر بالفكر المنطقي جليّا في عرضه لمسائل الكتاب وترتيبه، وفي صياغته للمعلومات ومناقشاته واعتراضاته.
9 - اتّسم منهجه في عرض المسائل والاستدلال بالحيدة والموضوعيّة، والابتعاد عن التّعصّب؛ فإذا عرض المسألة جعل الحقّ والدّليل مذهبه، وخلع رداء التّقليد والتّعصّب، وقد التزم في مناقشاته وردوده بآداب الحوار والمناظرة؛ فقد كان مُحترِما للعلماء المخالفين له في الرّأي ومُنصفا لهم.
10 - كان مستقلّا في تناوله للمسائل الأصوليّة ولم يكن تابعا لغيره، فلم يمنعه اختصاره لكتاب الوارجلاني من مخالفته له في كثير من المسائل، كما خالف مذهبه الإباضيّ في بعضها.
11 - لم أجد للشماخيّ خلال هذه الدّراسة آراء خالف فيها جمهور الأصوليّين أو شذّ عنهم، وإنّما كانت له ترجيحات في بعض الأحيان لمسائل ذهب إليها القلّة من الأصوليين، مثل تقسيم المناسب المرسل إلى ما عُلم إلغاؤه وما لم يُعلم ونحوها.
ولم تعترضني -والحمد لله- خلال إنجازي للبحث أيّة صعوبات وعراقيل ذات شأن كبير؛ فقد تلقيت دعما من المشرف الدكتور مصطفى باجو -حفظه الله- الذي لم يبخل عليّ بتوجيهاته ونصائحه القيّمة، كما أنّي لم أجد صعوبة في تحصيل المصادر والمراجع المطبوعة منها والمخطوطة، حيث فُتحت أمامي المكتبات في وادي مزاب وخارجه ووجدت فيها بُغيتي، وإنّما الصّعوبة التي واجهتني هي أنّني لا أزال في بداية طريق البحث العلمي، بالإضافة إلى المشاغل الاجتماعيّة التي حالت بيني وبين التّفرّغ لإنجاز البحث.
في الختام: (1/446)
صفحة 435
رجائي أن تتواصل الجهود المباركة من قِبَل الباحثين في الاهتمام بالتّراث الإباضي والسّعي لإخراجه للوجود تحقيقا ودراسة؛ لتعريف الآخرين به، وبخاصّة في المجال الأصولي والفقهي، الذي لا يزال جزء كبير منه مخطوطا بحاجة إلى من يخرجه. (1/447)