صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: سير وتراجم - أصول الفقه والقواعد الفقهية
------------------------------------------
العنوان: أبو يعقوب الوارجلاني أصوليا دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنا بأبي حامد الغزالي
المؤلف: مصطفى بن صالح باجو
الناشر: وزارة التراث والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1428ه/ 2007م
الطبعة: 2
الإيداع القانوني: 2006
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=1970&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/602
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 13 ذو القعدة 1446ه/ 11 - شهر 05 - 2025م. أبو يعقوب الوارجلاني أصوليًا
دراسة لعصره وفكره الأصولي مقارنًا بأبي حامد الغزالي
د. مصطفى بن صالح باجو
الطبعة الثانية
(1438 ه/ 2007 م) (1/1)
صفحة 2
[صفحة فارغة] (1/2)
صفحة 3
أبو يعقوب الوامر جلاني أصوليا
دراسة العصره وفكره الأصولي مقامر تا بأبي حامد الغزالي
د. مصطفى بن صالح باجو
الطبعة الثانية
1428 هـ 2007 م (1/3)
صفحة 4
[صفحة فارغة] (1/4)
صفحة 5
أبو يعقوب الوامر جلاني أصوليا
دراسة العصره وفكره الأصولي مقارباً بأبي حامد الغزالي (1/5)
صفحة 6
[صفحة فارغة] (1/6)
صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم (1/7)
صفحة 8
الإهداء
إلى فقيد العلم الذي ظل مرابطا مع المخطوطات يبعث منها الموات، لينشر في الناس معاني الحياة إلى من أيقن أنه سيموت،
ولكنها لا تموت الكلمات.
فضيلة الشيخ سالم بن حمد الحارثي، مرحمه الله في الخالدين،
-2 - (1/8)
صفحة 9
الله الرحمن الرحيم
بسم
المقدمة
السعادة
الحضارة ظاهرة إنسانية مقعدة تضافر على إبرازها عوامل اجتماعية وسياسية واقتصادية متشابكة يعسر تحليلها إلى عناصرها الأولى لشدة تداخلها وتعقيدها. وحضارة الإسلام نوع فريد من الحضارات لا نظير لها على وجه الأرض، بل إنها الحضارة الوحيدة التي تستحق لقب الحضارة عن جدارة، لما انفردت به من مميزات حققت حلم الإنسانية المنشود، ألا الكاملة، التي وازنت بدقة متناهية بين المطالب الروحية والمادية للفرد والجماعة على حد سواء. وإذا جاز لنا أن نسمّي الحضارة الإسلامية بأهم منتجاتها، فإننا نقول عنها إنها "حضارة فقه كما نقول عن حضارة اليونان إنها "حضارة فلسفة"، وعن حضارة الغرب اليوم إنها "حضارة تقنية".
وهو
وسواء أنظرنا إلى الإنتاج الفكري للحضارة الإسلامية من حيث الكم أم من حيث الكفيف، فإننا نجد الفقه يحتل المرتبة الأولى دون منازع، ذلك أن الفقه قانون حياة المسلم في جميع مناحيها الفردية والجماعية.
وقد قام هذا القانون الشامل على أساس علم أصول الفقه، فأصول الفقه دستور" هذا القانون" الذي يضبط حدوده، ويبين اتجاهاته ومجالاته. فمن أصول الفقه، متمثلة في القرآن والسنة والإجماع والاجتهاد بأوسع معانيه كانت منطلقات الحضارة الإسلامية، وكان عمل الفقهاء والمجتهدين على الخصوص في فهم النصوص وتنزيلها على واقع الحياة، هنا كان دور هؤلاء العلماء دورًا أساسيا في صهر مجتمعاتهم في بوتقة
ومن
الحضارة الإسلامية.
-3 - (1/9)
صفحة 10
وتعد دراسة حياة هؤلاء الأعلام وفكرهم خطوة هامة وضرورية لرصد تطور هذه الحضارة.
من أجل هذا فإن مهمة الباحثين في هذا المجال تتمثل في الاهتمام بتراث هؤلاء الأعلام ودراسته دراسة تحليلية تتناول عصرهم وبيئتهم، ومدى إسهامهم في إثراء الفكر الإسلامي، والكشف عن مناهجهم، وما امتازوا به من سمات طبعت فكرهم وحياتهم، وسعوا لتوظيفها في خدمة
الدين وريادة المجتمع وإصلاح انحرافه، والأخذ بيده إلى سبيل الرشاد. كما يجب أن تدرس آراؤهم دراسة مقارنة تكشف عن وجه الصواب والخطا فيها بكل موضوعية، وإنصاف وبذلك يتم استخلاص العبر من أحداث الماضي لمعالجة قضايا الحاضر وتهيئة العدة للغد المرتقب. وتقودنا هذه الدراسة إلى التعرف على أحد هؤلاء الأعلام الذين أسهموا بنشاط بارز في النتاج الفكري الإسلامي، وهو أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (500 - 570 هـ)، محللين بصفة خاصة أبرز آرائه في أهم مجالات الفكر الإسلامي خصوبة، وهو ميدان علم أصول
الفقه.
050
والذي دعانا إلى اختيار هذا الموضوع مكانة هذا الرجل ضمن أعلام الإسلام، وما خلفه من تراث متنوع شمل معظم فروع المعرفة يومئذ، من علوم القرآن والسنة وأصول الدين والفقه والفلسفة والمنطق، والحساب والجغرافية والتاريخ والشعر. ومن جهة أخرى، فإن هذا الجهد الكبير لم يحظ بعناية الدارسين، فبقي الرجل مغمورا وتراثه مطمورا قرابة عشرة قرون. فكان لي من ذلك رغبة صادقة للتعريف بجزء من تراث خلّفه رجال صدقت عزائمهم وخلصت نياتهم في خدمة الدين وعلومه، فكان لهم من ذلك آثار كتبت لهم الخلود والبقاء.
وحسب معلوماتنا فإن هذه أول دراسة حول آراء الوارجلاني وفكره
-- (1/10)
صفحة 11
الأصولي، أما شخصيته فقد صدرت عنها بعض كتابات أكاديمية وغير أكاديمية، وإن ظلت بحاجة إلى تناول أشمل يعرض لهذا العالم صورة أو فى
وأكمل.
ومن
ذلك كتاب الأستاذ بكير أعوشت بعنوان "أبو يعقوب الوارجلاني والمدارس الكلامية" وفيه تناول شخصية الوارجلاني بصورة مقتضبة، كما تناولها الباحث صالح بوسعيد بصورة أوسع في دراسته وتحقيقه لكتاب "الدليل والبرهان لأبي يعقوب وقدمه ضمن رسالته للماجستير (دكتوراه) الحلقة الثالثة فكان له فضل الريادة في تناول الوارجلاني ضمن الأبحاث الأكاديمية.
وفيما عدا ذلك فلم يصدر حتى الآن دراسة وافية عن هذه الشخصية،
إلا تراجم مختصرة في بعض المراجع الخاصة بالتاريخ أو الأعلام. كما تم اختيار لكتاب الإمام أبي حامد الغزالي (450 - 505 هـ) "المستصفى من علم الأصول للمقارنة بين آراء أبي يعقوب وآراء أبي حامد الأصولية. وسبب هذا الاختيار مكانة الغزالي الرفيعة التي حظي بها بين أعلام الإسلام من جهة، والمرتبة التي تبوأها كتابه "المستصفى" في علم الأصول من جهة ثانية، إذ يعد نتاجه نموذجا فريدا في هذا العلم. كما يعتبر الغزالي ممن أكملوا بناء مدرسة المتكلمين في أصول الفقه، مما جعل "المستصفى" عمدة ومصدرا أساسيا لكثير من المؤلفات التي أعقبته، وكتبت على منهج المتكلمين.
وقد عاش الوارجلاني والغزالي متقاربين في الزمن، وعاصرا أحداثا متشابهة في الساحة السياسية والفكرية للمجتمع الإسلامي، وهو ما يجعل المقارنة بينهما خطوة بالغة الأهمية تكشف عن مدى التقارب أو التباين بينهما في معالجة قضايا الساحة من خلال أهم العلوم الإسلامية، وهو علم أصول الفقه. (1/11)
صفحة 12
إطار البحث:
يتحدد البحث بدراسة عصر الوارجلاني وشخصيته، وتحليل آرائه الأصولية من خلال كتابه الأصولي "العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف"، وعقد مقارنة مع آراء أبي حامد الغزالي الأصولية، من خلال كتابه "المستصفى من علم الأصول".
ويقتضي موضوع البحث تقسيمه إلى بابين مقدمة وخاتمة. تتناول المقدمة تحديد الموضوع وأسباب اختياره وأهدافه ومنهجه، ويتحدد الباب الأول بالجانب التاريخي، والباب الثاني بالجانب الأصولي، والخاتمة لنتائج البحث.
أما الباب الأول فقد جعلناه في ثلاثة فصول: كان الفصل الأول عن عصر الوارجلاني، في نواحيه السياسية والدينية والاجتماعية والعمرانية
والثقافية. والفصل الثاني عن شخصية الوارجلاني، نشأته ورحلاته وآثاره الموجود منها، والمفقود ونظرته إلى بعض العلوم.
والفصل الثالث حول كتابه العدل والإنصاف" محتواه ومنهجه، ومنزلته بين الإنتاج الأصولي في عصره، والأعمال التي تتابعت عليه، ثم المقارنة بينه وبين المستصفى ودواعيها، مع نبذة عن الغزالي وكتابه المستصفى، ومنهجه وخصائصه.
ومن الجدير بالملاحظة أن الوارجلاني نشأ في بيئة متميزة بخصوصيتها السياسية والاجتماعية عن كثير من البلدان الإسلامية في ذلك العصر، فرأينا أن نوفي هذا الجانب حقه من التفصيل، حتى نقدم الوارجلاني في صورة تعين على فهم نتاجه العلمي بوضوح وتحليل آرائه ومواقفه تحليلا واقعيا إلى حد بعيد، إذ إن نتاج المفكر صدى لواقعه تأثرا وتأثيرا، تمثلا له وتبنيا أو رفضا له جملة وتفصيلا، أو إصلاحا لخلله وإكمالا لما فيه من
-7 - (1/12)
صفحة 13
قصور.
ورغم سعينا للاختصار في هذا المجال فلا نزال نرى أن توضيح الناحية التاريخية ليس إخلالا بطبيعة البحث الأصولي، إذ إننا بحاجة ماسة إلى دراسة مستفيضة تستقرئ سائر العوامل الاجتماعية والبيئية والتاريخية لنشأة الآراء والمدارسة الفقهية، وما تناولته من قضاياها، وتأخذ هذه الدراسة بعين الاعتبار سائر تلك العوامل في تفسير كثير من الآراء الفقهية والأصولية في مجال الاجتهاد.
وقد وجدنا من خلال هذه الدراسة نماذج عديدة أكدت ضرورة هذا
التوجه.
هذا
عن الباب الأول. أما الباب الثاني فقد خصصناه لآراء الوارجلاني الأصولية، في مقارنة متوازية بآراء الغزالي، وجعلنا هذا الباب في أربعة
فصول:
كان الفصل الأول عن الحكم الشرعي تعريفه وأركانه، واخترنا بعض هذه الأركان مثل قضية التحسين والتقبيح، وما ترتب عنها من مسائل فرعية، وبعض أنواع الواجب، والتكليف بما لا يطاق،
مباحث من
وغيرها.
وجعلنا الفصل الثاني في أدلة الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وبعض المصادر التبعية كالاستصحاب والاستحسان، وبسطنا
القول في مسائلها بما يفي بالمراد من توضيح رأي أبي يعقوب فيها. وكان الفصل الثالث حول استنباط الأحكام، ومنهج الوارجلاني في تفسير النصوص، في وضوحها وخفائها وعمومها وخصوصها، وغير ذلك من قواعد الفقه والاستنباط.
وجعلنا الفصل الرابع لتعارض الأدلة والاجتهاد، مبرزين حقيقة التعارض بين الأدلة وطرق إزالته، ومن أهمها معرفة الناسخ والمنسوخ، وبيان مجاله، وبم يقع النسخ؟. (1/13)
صفحة 14
ثم ختمنا الفصل بمبحث عن الاجتهاد وشروطه ومجالاته، والآراء حول الصواب والخطا في الاجتهاد.
وقد بذلنا ما وسعنا الجهد لجعل هذه المباحث متماسكة متسقة في تسلسل منطقي مقبول.
ثلاثة:
أما
منهج البحث
منهج البحث فقد دعت طبيعة الموضوع إلى استخدام مناهج
أ- المنهج التاريخي الذي كان عمدة العمل في الباب الأول بفصوله الثلاثة، وقد دعتنا دراسة عصر الوارجلاني وشخصيته إلى جمع شتات المعلومات المتفرقة لوضعها في صورة تقدم العصر والرجل على الوجه الأوضح والمتكامل، رغم شح المصادر التي لا تورد إلا خطوطا عامة لأحداث غير مترابطة لا تغني الباحث ولا تمكن القارئ من تصور الماضي وأحداثه بشكل واضح يرضي المتطلع ويشفي الغليل.
ب= المنهج الوصفي الذي اعتمدته في عرض آراء أبي يعقوب وآراء غيره، محاولا جهدي أن أعرض الرأي بصورة أمينة مدعما بحججه اللازمة، دون إسراف أو تقتير، مكتفيا من الأدلة بالقدر الذي يوضح
الموقف.
وغالبا ما أكتفي بإيراد حجج الوارجلاني، ورأي الغزالي، إذ هما الأساس في الدراسة، وأحيانا أسوق آراء العلماء والمذاهب في المسألة ابتغاء وضع أبي يعقوب وأبي حامد في مكانهما بين هذه الأقوال والمذاهب. وتلك ضرورة نحسبها لازمة لتجلية مواقف الرجلين من كثير من قضايا علم الأصول التي عرضنا لها خلال هذا البحث. ج المنهج النقدي المقارن، وهو من أولى مهام البحث، بعقد مقارنات بين الآراء الأصولية في القضايا الخلافية، سواء في المواقف أو في
-^ - (1/14)
صفحة 15
المنهج المعتمد للاستدلال لتلك المواقف
وعمدت بعد ذلك إلى إبراز ما ارتأيته صوابا، سواء أكان رأي أبي يعقوب، أم رأي أبي حامد وقد أرتضي ما ذهب إليه غيرهما العلماء، من ساعيا جهدي لاتباع ما اعتضد بالدليل، الراجح، فإن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما يعرف الرجال بمدى تمسكهم بالحق. وباتباع هذا المنهج يمكن تقويم جملة فكر أبي يعقوب الأصولي، وإحلاله منزلته ضمن فكر علماء الأصول.
صعوبات العمل:
وتحدّثا بنعمة الله أذكر أنه لم تعترضني مشاكل حقيقية أو عراقيل في طريق إنجاز هذا العمل، إذ توفرت لدي المادة الضرورية من مصادر ومراجع، مخطوطة ومطبوعة، وفتحت أمامي المكتبات الخاصة والعامة، في مدن وادي ميزاب وغيرها، فأخذت منها بغيتي وأعانني ذلك على إنجاز العمل في زمن قصير نسبيا.
ويقتضيني مقام الوفاء الاعتراف بالفضل لكل القائمين على هذه المكتبات الغنية لما قدموا إلى من مساعدات وتسهيلات. وأخص بالذكر الفاضل محمد بن أيوب الحاج سعيد في مدينة غرداية، الذي وفرت له مكتبته الغنية بكنوز المخطوطات من الجهد والوقت والأسفار ما لا يقدر
بثمن.
فإن كان لهذا البحث من أثر حميد فبفضل الله وبأياديهم ورأيهم السديد، وإن كانت الأخرى، فبقصوري وتقصيري، والكمال لله وحده.
المصادر عرض وتحليل:
لئن كانت قضية نقد المصادر أمرا مهما في البحث العلمي لتوثيق معلومات البحث والاطمئنان إلى مصادرها، فإن بحثنا هذا قد يحتاج إلى
-9 - (1/15)
صفحة 16
هذا التقويم والتوثيق في جانبه التاريخي أكثر منه في جانبه الأصولي. ذلك أن قسم الآراء الأصولية يعتمد أساسا على مصدرين، تأكدت صحة نسبتهما إلى صاحبيهما، وهما "العدل والإنصاف" للوارجلاني، و"المستصفى" للغزالي. ولمزيد من الطمأنينة فقد أضفنا إشارات توضيحية بخصوص هذين المصدرين في الفصل الخاص بكتاب "العدل والإنصاف" ودواعي المقارنة بينه وبين "المستصفى". كما استفدنا من مصادر أصولية مثل "الرسالة" للشافعي، وأصول السرخسي وغيرها، واجتهدنا في رد الأقوال إلى أصحابها ومصادرها قدر المستطاع.
"
أما القسم التاريخي، فنرى إفراد مصادره ببعض الحديث للأسباب المذكورة علما بأننا اعتمدنا في هذا الجانب على مصادر ومراجع مختلفة، التأكيد من جديد على ملاحظة أساسية سبق ذكرها، وهي ندرة المعلومات، سواء عن الوار جلاني أم شخصيته مما استدعى مزيد جهد في تصيدها من عدد غير يسير من المصادر والمراجع.
فأغلب المصادر والمراجع في تناولها لتاريخ وارجلان، كان اهتمامها منصبا على النواحي العمرانية والاقتصادية وما يستتبعها من العناية بالجغرافية لعلاقتها بالتجارة والاقتصاد.
أما الحياة الداخلية في مجالاتها الدينية والاجتماعية والعلمية، فإن مصادرها شحيحة جدا وهي تنحصر في كتب السير والطبقات الإباضية،
التي عاش مؤلفوها في وارجلان أو قضى شطرا من عمره بين أحضانها. وفي هذه المؤلفات مادة ثرية لدراسة الوسط الاجتماعي والثقافي لوارجلان وغيرها من مواطن الإباضية بالمغرب، فضلا عما يتخللها من إفادات عن الجغرافية والاقتصاد والنظم السياسية والدينية لعصر هؤلاء الأعلام المترجم لهم.
وأقدم مصدر لتاريخ وارجلان وصلنا كاملا هو كتاب "السيرة وأخبار الأئمة لأبي زكرياء يحي بن أبي بكر الوارجلاني، المتوفى سنة
- • (1/16)
صفحة 17
528 هـ. وقد حقق هذا الكتاب بصورة مرتجلة ونشرها بالجزائر إسماعيل العربي، ثم أعاد عبد الرحمن أيوب تحقيقه تحقيقا علميا، وصدر عن الدار التونسية للنشر سنة 1985 م. والكتاب مصدر أساسي أخذت عنه معظم المصادر الإباضية اللاحقة، فيما كتبت عن تاريخ مشايخ الإباضية بالمغرب. ولئن كان الكتاب حول تاريخ انتقال الحركة الإباضية من المشرق وإنشاء الإمامة بالرستمية وما تلاها، فإنه أفرد قسما لأخبار المشايخ ومنهم أعلام وارجلان من أهلها، أو من سكانها أو زوارها، مثل شيخ المؤلف نفسه، وهو أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، (ت 471 هـ)، ومؤسس حلقة العزابة الشيخ أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسُطائي، (ت 440 هـ). وأبو زكرياء بكم نشأته في وراجلان قد أفادنا كثيرا في التعرف على
جوانب من الحياة الاجتماعية والعلمية بهذه المدينة.
ولكن المعلومات عن أبي زكرياء نفسه قليلة جدا نظرا لاهتمام كتب السير الإباضية برصد أقوال العلماء وما اشتهروا به من صفات، دون محطات حياتهم ولادة ونشأة وتعلما وأسفارا، فكانت تفاصيل
الحديث عن
سيرتهم الذاتية مغفلة في أكثر الأحيان.
ومنطقي أن لا نجد ذكرا لأبي يعقوب في كتاب أبي زكرياء، إذ العادة التلامذة للشيوخ، وليس العكس أن يترجم الشيوخ للتلاميذ،
أن يترجم
إلا ما ندر.
الشهير بـ
وثم مصدر تلا كتاب أي زكرياء وهو كتاب السير لأبي الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني عاش) في القرن السادس الهجري)، سير الوسياني"، التي رواها عن جملة مشايخ، منهم أبو محمد عبد الله بن محمد العاصمي ومنهم الشيخ أبو زكرياء الذي أقر له الوسياني بفضل السبق في هذا المجال. ويشمل الكتاب روايات مشايخ الإباضية ببلاد المغرب قاطبة، بدءًا
-11 - (1/17)
صفحة 18
بشيوخ جبل نفوسة، ثم جربة، ثم روايات القصور، وهي قسطيلية، ونفزاوة، ثم روايات سوف، وأريغ، وأخيرا روايات مشايخ وارجلان. والكتاب في غاية الأهمية في جوانبه التاريخية والاجتماعية، بل والفقهية أيضا، وقد صوّر تفاصيل حياة الجماعات الإباضية وعلمائها، وآراءهم وأنشطتهم العلمية والاجتماعية، حتى القرن السادس الهجري، ورغم أهميته فإنه لا يزال مخطوطا لم تنله أيدي الباحثين، حتى أخذ الأستاذ الفاضل لقمان سليمان بوعصبانه بتحقيقه ضمن أطروحته للدكتوراه. وبعد الوسياني بأزيد من مائة عام جاء صاحب كتاب هام في السير الإباضية، هو أبو العباد أحمد بن سعيد بن سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني، (ت 670 هـ)، الذي عرف بكتابه "طبقات المشايخ بالمغرب"، وقد حققه الأستاذ إبراهيم طلاي وطبع بمطبعة البعث بقسنطينة، سنة
عمر
1974 م.
والدرجيني، ينحدر من أهل جبل نفوسة وسكن أجداده بلاد الجريد ثم انتقلوا إلى درجين السفلى قرب نفطة، وإليها ينسب. وذكر في كتابه أنه سافر في بداية شبابه للتعلم في وراجلان سنة 616 هـ، وسكن بعض الوقت، سنتين أو تزيد.
أما
سبب تأليفه لهذا الكتاب فكان استجابة لطلب عزابة جربة، إذ
كان له مقام رفيع بينهم. ولخص في عمله هذا ما كتبه أبو زكرياء تلخيصا أمينا، متبعا خطته في رصد بداية دخول الإباضية إلى بلاد المغرب، حتى نهاية القرن الخامس الهجري، وشملت هذه الحقبة كامل الجزء الأول من الكتاب. أما الجزء الثاني فيعد تأليفا مستقلا للدرجيني جعل فيه شيوخ الإباضية في طبقات، تمتد كل طبقة عبر خمسين سنة، بداية من القرن الهجري الأول إلى القرن السابع ومجمل هذه الطبقات اثنتا عشرة طبقة. ثم ختم الكتاب بإيراد نظام حلقة العزابة وقواعدها كما وضعها
-12 - (1/18)
صفحة 19
مؤسس
الحلقة محمد بن أبي بكر الفرسطائي، (ت 440 هـ)، وتعرف
سير الحلقة".
وقد استفاد الدرجيني
كثيرا من سير الوسياني، الذي وصفه بأنه الحافظ للسير والآثار المروي عنه التواريخ والأخبار، لم تفته سيرة لأهل الدعوة في كل الأعصار، وجملة أوصافه باختصار، أنك متى وجدت في هذا الكتاب أو غيره رواية قديمة لأبي الربيع فهو راويها عن شيوخه الأخيار» (1). كما نقل الدرجيني روايات أخرى عن غير الوسياني من المشايخ،
منهم أبو نوح يوسف حفيد الشيخ محمد بن بكر الفرسطائي. واستفادتنا من هذا المصدر كانت على جانب كبير من الأهمية، ففضلا عما أمدنا به من معلومات حول الحياة الاجتماعية بوارجلان وتاريخ علمائها، فإنه المصدر الأساسي للتعريف بحلقة العزابة ونظامها، وأنشطتها في المجالين العلمي والاجتماعي. وقد كان لهذه الحلقة دور بارز في وارجلان خلال القرن السادس الهجري وما تلاه.
والأهم من هذا في كتاب الدرجيني أنه أول مصدر مفصل حول
شخصية أبي يعقوب الوارجلاني، إذ لم نجد ذكر للوارجلاني في المصادر السابقة، إلا إشارة عابرة في سير الوسياني، ويبدو أن ثمة مصادر أخرى لسيرة أبي يعقوب قبل الدرجيني، ولكن عفت عليها يد الأيام، أو أنها لا تزال حبيسة الخزائن المطمورة لا يعلم بها حتى مالكوها.
وبين وفاة الوارجلاني (570 هـ)، ووفاة الدرجيني (670 هـ) مائة سنة كاملة، وهي فترة كافية لطمس كثير من المعالم والتفاصيل التاريخية حول شخصية أبي يعقوب، إذ إن الرواية الشفوية لا تحتفظ في الغالب
1 - الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ج 2، ص 13 ه.
-13 - (1/19)
صفحة 20
بكل تفاصيل الأحداث، فضلا عما يعرض لها من الزيادة والنقص عبر حلقاتها، مما يجعل الجهد المبذول لتلافي هذه المآخذ غير يسير. كما أفادنا الدرجيني بمعلومات قيمة حول شيوخ وتلامذة الوارجلاني، لم نعثر عليها في المصادر الأخرى، وحفظ لنا أحد آثار أبي
يعقوب، وهو قصيدته البائية في رثاء شيخه وأستاذه أيوب بن إسماعيل. وجاء بعد الدرجيني في القرن الثامن أبو القاسم بن إبراهيم البرادي، فوضع كتابه "الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات"، وهو مطبوع طبعة حجرية سنة 1306 هـ بالقاهرة، وفيه تكملة لما أهمله الدرجيني من أهل الطبقة الأولى، وهي طبقة الصحابة التي رأى الدرجيني أن شهرتها لدى العام والخاص، وكثرة ما كتب عنها يغني عن تكرار الحديث عنها، بينما رأى البرادي أن البدء بها في غاية الأهمية، إذ هي أصل الدين ومنطلق تاريخ المسلمين بعد الرسول الكريم. وقد انحصرت استفادتنا من هذا المصدر فيما يتعلق ببعض آثار الوارجلاني، مثل تفسيره المفقود، الذي وصفه البرادي وصفا دقيقا، وكان أورده عنه هو المصدر الوحيد عن تفسير الوار جلاني، ذكره ضمن قائمة مؤلفات الإباضية. كما استفدنا من الكتاب في الجزء الخاص بنظام العزابة الذي يعدّ صياغة حرفية في غالبه لما كتبه الدرجيني عن هذا النظام. وتلا البرادي عالم نفوسي شهير، هو أبو العباس بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي، (ت 908 هـ)، الذي ألف كتاب "سير المشايخ" وجمع مادته من تأليف السير السابقة، معتمدا بصورة جوهرية على طبقات الدرجيني، وقد أصبح تأليفه جامعا لمحاسن الكتب السابقة، وغدا أكمل صورة لتأليف السير عند إباضية المغرب. والشماخي مؤرخ واسع الاطلاع، جمع في كتابه تراجم شيوخ الإباضية وأعلامهم منذ نشأة المذهب إلى القرن التاسع، فضلا عن على تفاصيل عديدة للحياة الاجتماعية لإباضية المغرب، وحفظه معلومات
ما
أحمد
اشتماله
-18 - (1/20)
صفحة 21
مهمة استقاها من مصادر تعتبر الآن في عداد المفقودات.
وهو يعزو معلوماته إلى سير أهل المغرب لمحبوب بن الرحيل الحضرمي، وهو كتاب مفقود، وإلى سير أبي الربيع المزاتي، وغيرهما. ولكن أغلب إحالاته على طبقات الدرجيني، وكثيرا ما ينقل عباراته أو فقرات كاملة منه مصرحا بذلك النقل.
وفضلا عن فوائد الكتاب حول تاريخ وارجلان بعامة، فإنه أضاف لنا بعض تفصيل عن شخصية الوارجلاني وعلاقته بأبي عمار عبد الكافي التناوتي (ت قبل 570 هـ). وبعض مشايخ أبي يعقوب وآثاره. وثمة مصدر أساسي حول تاريخ الوارجلاني، وهو كتاب في أصول الدين، لأبي يعقوب نفسه وعنوانه "الدليل والبرهان" الذي أفادنا في بعض جوانب من حياة مؤلفه أبي يعقوب ورد الحديث عنها عرضا في ثنايا الكتاب، وبخاصة ما يتعلق منها برحلته إلى بلاد السودان، ولولا ما خطه الوارجلاني عنها بقلمه لغدت أخبار هذه الرحلة في طي النسيان، إذ لم تذكرها كتب السير إطلاقا ولو بإشارة عابرة، بينما أمدنا أبو يعقوب بتفاصيل في غاية الأهمية عن هذه الرحلة وما استفاده منها في المجال العلمي، والمجال الاجتماعي أيضا.
-
كما أفادتنا قصيدة الوارجلاني "الحجازية" - وهي مخطوطة ـ في تتبع _ مسار رحلته إلى الحج، وأبرز معالم هذه الرحلة، وفوائدها، فضلا عن دلالتها على شاعرية أبي يعقوب، وصلته بالشعر بصورة عامة. وثمة مخطوط بعنوان "غصن البان في تاريخ وارجلان" للشيخ إبراهيم بن صالح أعزام (ت 1951 م)، جمع فيه المؤلف ما تفرق في المصادر القديمة حول تاريخ وارجلان ونسب، أهلها وعمرانها منذ القديم إلى العصر الحاضر، وخصص الباب الأخير لتراجم علماء وارجلان. فأفادنا الكتاب في تحديد بعض العلماء ونسبتهم إلى هذه المدينة ممن أغفلت المصادر
نسبتهم.
-10 - (1/21)
صفحة 22
بيد أن الكتاب لم يضف جديدا ذا بال إلى ما أوردته هذه المصادر،
وكثير من نصوصه نقول عن الدرجيني في طبقاته.
هذا
عن
المصادر الإباضية، أما المصادر غير الإباضية فلم تفدنا إلا في
الناحية التجارية والعمرانية لوارجلان. هذا إلى تجاهل هذه المصادر لتاريخ الإباضية، نظرا إلى أن ويرجع اهتمام المؤرخين كان منصبا على الأحداث البارزة التي لها صلة بالأوضاع السياسية ونظم الحكم القائمة، أما الحياة الداخلية فلم تكن تثير أي اهتمام يحتاج إلى تدوين. والملاحظ أن ابن خلدون قد تجاهل تاريخ الإباضية، وكأن لم يكن لهم أي أثر ببلاد المغرب، رغم تتبعه لأدق الحوادث التاريخية للمغرب
الإسلامي. وفي حديث ابن خلدون عن وارجلان ذكر اتساع عمرانها وأهميتها
التجارية، وكونها بوابة السفر إلى بلاد السودان، ومضى ...
أما المراجع الحديثة فلم تقدم لنا جديدا حول تاريخ وارجلان أو شخصية الوارجلاني، وكلها نقول حرفية أو اختصار لما أوردته المصادر
الإباضية.
ويتصدر هذه المؤلفات من حيث الأهمية بحوث الدكتور محمد عوض خليفات وهي: "التنظيمات الاجتماعية والتربوية للإباضية في مرحلة الكتمان"، و "التنظيمات السياسية والإدارية للإباضية في مرحلة الكتمان"،
و الأصول التاريخية للفرقة الإباضية". وكل هذه البحوث دراسات علمية تهتم بحياة الإباضية ببلاد المغرب، وقد استفاد فيها من أعمال المستشرقين ودراساتهم المكثفة حول الإباضية، وبخاصة في النواحي الاجتماعية منها. ومن الدراسات الحديثة أيضا رسالة ماجستير الباحث مسعود مزهودي بعنوان "الإباضية بالمغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية
-17 - (1/22)
صفحة 23
إلى هجرة بني هلال 296 - 404 هـ". وقد تعرضت الدراسة للنظام
الاجتماعي والحياة العلمية والاقتصادية بوارجلان.
وفيما عدا هذا فإن المراجع الحديثة لا تشير إلى النشاط الإباضي ببلاد المغرب بعد سقوط الدولة الرستمية إلا، نادار فضلا عن تناولها لشخصية الوارجلاني، أو إسهامه الفكري والميداني.
وفي الأخير، فإن ثمة إشارة إلى ما كتبه المستشرقون، فإن نتاجهم في ميدان الدراسات الإباضية على غزارته وتنوعه لم يسعفنا بما يغني بالنسبة الشخصية الوارجلاني وبيئته إذ إن هذه الدراسات في الغالب منحصرة حول نشأة الإباضية في القرون الأولى، أو حول تاريخ الدولة الرستمية، أو حياة الإباضية الدينية والاجتماعية في القرون المتأخرة. وأبرز مستشرق متخصص في الدراسات الإباضية هو البولوني تاديوش
ليفتسكي الذي كتب قرابة خمسين إنتاجا بين بحث وكتاب حول الإباضية قديما وحديثا، ودراساته في غاية الأهمية بالنسبة لتاريخ وارجلان، وبخاصة في الجانب الاقتصادي والعمراني، مثل کتاب Tadeur Lewicky إلا أنه لم يتناول شخصية أبي يعقوب - رغم اطلاعه على كتب السير، وإنجازه بحثا مستقلا حول سير الشماخي إلا مرة واحدة وبصورة موجزة، ضمن بحثه عن كتاب السير والمؤرخين الإباضية" Les historiens biographes et :
-
traditionistes ibadhites wahbites de l'Afrique de nord"
وهناك مراجع تاريخية وغير تاريخية أفدنا منها في نقاط مختلفة من
البحث في القسمين التاريخي والأصولي على حد سواء.
-17 (1/23)
صفحة 24
الباب الأول
عصر الوار جلاني وشخصيته
-18 - (1/24)
صفحة 25
الفصل الأول
عصر الوار جلاني
-19 - (1/25)
صفحة 26
تمهيد: حول موقع وارجلان وسدراتة ونشأتها وسكانها
وارجلان مدينة في الصحراء الجزائرية تبدو نقطة صغيرة جدا على امتداد الصحراء الشاسعة، تقع على الحافة الغربية للعرق الشرقي الكبير، وتبعد عن الجزائر العاصمة بمسافة ثمانمائة كلم برا، و 575 كلم جوا.
وتتربع واحتها على مساحة 1500 هكتار).
وقد أصبحت في التقسيم الإداري لمناطق الجزائر عاصمة لولاية ورقلة، منذ سنة 1974 م، مما جعلها مركزا عمرانيا وإداريا كبيرا، وازدادت أهميتها بصورة بارزة بعد اكتشاف البترول في نواحيها، إذ غدت محور نشاط النفطي في الجنوب، نظرا لقربها من حقول حاسي مسعود الغنية بالبترول.
أما
عن
نشأتها فهي مدينة قديمة جدا يعود تاريخها إلى ما قبل الفتح الإسلامي، ولا نعلم جذور نشأتها تحديدا بيد أنها كانت في العصور الوسطى مركزا رئيسا لطرق القوافل بين شمال إفريقيا وبلاد السودان (2). كما أننا لا نعلم بالضبط متى استوطنها بنو وركلا، من قبيلة زناتة، غير أن الشريف الوزان يصفها بأنها مدينة أزلية بناها النوميديون في صحراء نوميديا» (3).
فكانت بذلك محطة في طريق القوافل بين نوميديا والهقار، نحو بلاد
النيجر (1).
-
Jean Lethielleux, Ouargla cité saharienne; dés origines au – (1) début de 20 eme siécle, Guethnes, Paris 1984, p:2. Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, Académie polonaise des sciences, comité des etudes oriontales, Varsovie, 1976, p:9.
- (2)
-
(3)
الحسن بن محمد الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة د. محمد الحجي، د. محمد الأخضر، ط 2، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1983، ج 2، ص 136.
-20
Lewicki, Etudes, p:9.
- (4) (1/26)
صفحة 27
ويصف ياقوت الحموي وارجلان بأنها «كورة بين افريقية وبلاد الجريد؛ ضاربة في البر، كثيرة النخل والخيرات، يسكنها قوم من البربر وبحانة، واسم مدينة هذه الكورة فجومة» (1).
وضبط اسمها هكذا وَرْجَلان (). بفتح أوله، وسكون ثانيه، وفتح الجيم، وآخره نون.
وقد حدد المستشرق لفيتسكي Lewicki هذه الكورة في تلك الفترة الزمنية بأنها تعني بلاد ورقلة وحصونها أو بالتدقيق وقراها التي إليها، لتكوّن شكل مدينة معتبرة تحمل اسم وارجلان» (3). وأهم
تنتمي
هذه القرى سدراتة.
أما سكانها فهم من البربر الذين استوطنوا شمال إفريقيا منذ فجر التاريخ. ويذكر ابن خلدون أن قصور الصحراء كانت موطنا لقبيلة زناتة البربرية ببطونها الكثيرة، فقد ملكوا قصور الصحراء التي اختطها زناتة بالقفر، مثل قصور السوس غربا ثم، توات ثم بودة، ثم تمنطيت، ثم واركلان ثم، تاسبيبت ثم تيكوراين شرقا وكل واحد من هذه وطن منفرد يشتمل على قصور عديدة ذات نخيل وأنهار. وأكثر سكانها
•
من
(1) - ياقوت الحموي، معجم البلدان دار صادر ودار بيروت بيروت 1376 هـ / 1957 م،
-
جه، ص 371. (2) - اختلف المؤرخون في ضبط اسم وارجلان وقد وردت في المصادر وارکلان، وارکلا وارجلان، ورجلان.
والاسم الأغلب حديثا هو ورقلة، بينما يرد في كتب السير والطبقات الإباضية التي عاش مؤلفوها في هذه المدينة وارجلان"، ولذلك اخترنا هذا الاسم. ينظر حول هذه الاختلافات في التسمية عبد الرحمن الجيلالي، أبو يقعوب الوارجلاني وكتابه الدليل والبرهان"، مجلة الأصالة ع 41، (محرم 1397 هـ / جانفي 1977 م)، ص 162 فما بعد.
-21
Lewicki, Etudes; p 10. - (3) (1/27)
صفحة 28
زناتة، وبينهم فتن وحروب على رئاستها» (1). ويذكر ابن خلدون أيضا نسبة المدينة إلى سكانها الأصليين، وهم بنو واركلان من بطون زناتة وكانت فئتهم قليلة، وكانت مواطنهم قبلة الزاب، واختطوا المعرف بهم» (2).
ومع بني واركلا توجد بطون زناتية أخرى من بني يفرن، ومغراوة (3). وتفيد رواية ابن خلدون أن عمارة بني واركلا لهذا البلد كانت منذ عصر ما قبل الإسلام وهو ما نميل إلى ترجيحه خلافا لما ذهب إليه الباحث مسعود مزهودي من أن الحروب التي شنها العرب الفاتحون ضد السكان الأصليين أدّت إلى نزوح البربر إلى الداخل، وكان من بين القبائل النازحة بنو واركلا من، زناتة الذين استقروا في منطقة وارجلان، وسميت
المدينة باسمهم» (4). وبحكم موقع وارجلان الاستراتيجي، وكونها همزة وصل بين طرق تجارية هامة، فقد تعرضت عبر تاريخها الطويل لاختلاط الأجناس، وامتزج سكانها بعناصر ودماء شتى من المهاجرين والغزاة.
فقد استولى عليها الرومان حينا من الزمن إبان وجودهم بالشمال الإفريقي (ه)، كما امتد سلطان الكاهنة البربرية ليشمل وارجلان، بناء على
-
(1) - عبد الرحمن بن خلدون العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني بيروت 1978 م، ج 11، ص 120. المصدر السابق، ج 13، ص 106 - 107.
-
-
(2)
(3)
المصدر نفسه. (4) - مسعود مزهودي، الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إلى هجرة بين هلال إلى بلاد المغرب، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة كلية الآداب قسم التاريخ، 1409 هـ / 1988 م، ص 7.
(5) - إبراهيم بن محمد العوامر الصروف في تاريخ الصحراء، وسوف، الدار التونسية للنشر (تونس)، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع (الجزائر)، تونس 1397 هـ / 1977 م، ص 33.
-22 - (1/28)
صفحة 29
ما استنتجه المستشرق ليفتسكي، من وجود بئر بالمدينة تسمى "بئر الكاهنة، ورد ذكرها عند كتاب السير الإباضية). وتوصل أيضا إلى أن
الجالية
"مجانة" التي ذكرها ياقوت الحموي ضمن سكان وارجلان (2). هي غير المسلمة التي سكنت مع البربر المسلمين في هذه المدينة (3). وأبرز صور التمازج العرقي لسكان وارجلان هجرة بقايا الرستميين إليها بعد انهيار دولتهم بتاهرت سنة 296 هـ). وهجرة بني هلال إلى بلاد المغرب سنة 442 هـ (0). فضلا عن التجار الذين آثروا لاستقرار بوارجلان لما وجدوا فيها من رغد العيش وسبل الغني والكسب السريع. وكذلك العبيد الذين استجلبوا بواسطة التجارة من بلاد
السودان.
مدينة سدراتة:
تقع مدينة سدراتة على بعد حوالي أربع عشرة كيلومترا جنوب غربي وارجلان ونسبتها إلى قبيلة سدراتة من بطون زناتة البربرية (1).
-
Lewicki, Etudes, p 10. — (1)
-
- (2)
الحموي، معجم
البلدان،
ج 5، ص 371
-
Lewicki, Etudes, pp 84 - 90. — (3)
(4) - أبو العباس أحمد بن سعيد الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي، دار البعث، قسنطينة، د. ت. ج 1، ص 94. -
Jean Lethielleux, Ouargla cité saharienne; p:40.
(5) - ابن خلدون العبر، ج 13، ص 97؛ ابن الأثير الكامل في التاريخ، ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، 1400 هـ 1980 م، ج 8، ص 55.
Tadeus Lewicki, The Ibadites in Arabia and Africa, (6) journal of world history, vol 8, n 1 (1971), pp 99 - 100.
إبراهيم أعزام، غصب البان في تاريخ وارجلان مخطوط بمكتبة محمد الحاج سعيد، غرداية،
ص 5 - 6.
-23 - (1/29)
صفحة 30
ولكن صعوبة التمييز بين اسم المدينة واسم القبيلة في كثير من الأحيان أدى إلى الخلط في المعلومات لدى بعض المؤرخين. ومن ذلك الاختلاف حول نشأة المدينة، إذ تذهب أغلب المراجع إلى أنها نشأت عقيب سقوط تاهرت عاصمة الرستميين وهجرة أهلها إلى واحة وارجلان (). بينما يرى صاحب "غصن" "البان" أن المدينة كانت موجودة وعامرة بالسكان منذ فجر الإسلام ببلاد المغرب (2). وهو ما تؤكده الباحثة الأثرية مارغريت فان برشم أنه من الخطإ الاعتقاد بأن النازحين إلى وارجلان من تيهرت أنشؤوا مدينة سدراتة، بل إنهم نهضوا بعمارتها بفضل خبرتهم في مختلف الفنون التي اشتهرت بها الدولة الرستمية (3). ويبدو هذا الرأي مطابقا لروايات المصادر التاريخية التي تذكر أن الإمام يعقوب بن أفلح حين وصل إلى وارجلان استقبلها شيخها أبو صالح جنون بن يمريان، ثم توجه إلى سدراتة حيث حفر بئرا واشتغل برعاية وضيعته، مما يرجح وجود القرية قبل قدوم الرستميين إليها). وهذا ما أكده لفتسكي الخبير في الدراسات الإباضية، من أن الوجود الإباضي بسدراتة كان مبكرا (ه).
حقله
وواضح أن هذا الرأي معقول ومقبول، نظرا لوجود قبيلة سدراتة بواحة وارجلان قبل سقوط تاهرت وليس منطقيا أن تتأخر تسمية المدينة
(1) - د. السيد عبد العزيز سالم تاريخ المغرب الكبير، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، ج 2، ص 581؛ إسماعيل العربي الصحراء الكبرى وشواطئها المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،
1983، ص 154 - 155.
(2) - أعزام، غصن البان، ص 32.
(3) - مزهودي، الإباضية بالمغرب الأوسط، ص 13 - 14.
Jean Lethielleux, Ouargla cité saharienne; p 41. - (4)
Lewicki, Etudes, p 90. - (5)
-24 - (1/30)
صفحة 31
ونسبتها إلى قبيلة سدراتة حتى قدوم النازحين التاهرتيين إلى منطقة وارجلان إذ لا علاقة بين الطرفين ولكن يمكن اعتبار قدوم النازحين الجدد بعثا للمدينة القديمة، بإعطائهم نفسًا جديدا لعمارتها وازدهارها، مما لفت أنظار المؤرخين إليها فاعتبروا ذلك تاريخا لنشأتها.
هذا، ولا نجزم برأي في القضية لعدم ورد ذكر المبتدإ نشأة المدينة في كتب التاريخ والسير الإباضية، التي هي المصدر الرئيس في هذا الموضوع. وقد شهدت وارجلان وسدراتة عهدا حضاريا زاهرا بعد سقوط دولة الرستميين بتاهرت وبقيت معالم هذه الحضارة شاهدا عليها إلى اليوم، ولا تزال المنطقة تخفي تحت كثبان الرمال التي طمرتها أسراراً لتاريخ مزدهر لم تكشف البحوث والتنقيبات منها إلا جزءا يسيرا. كما خلّف أعلام وارجلان تراثا فكريا قيما لا يزال أغلبه مخطوطات لم تنلها أيدي الدارسين. وبهذا المستوى العمراني والفكري غدت وارجلان وسدراتة وريثة تاهرت في مجدها الحضاري وصارت العاصمة الثانية للإباضية بعد سقوط
تاهرت. وفي ظل هذه الحياة بمختلف جوانبها السياسية والاجتماعية والعملية نشأ أبو يعقوب الوارجلاني السدراتي.
ولفهم شخصية الرجل كان لا بد من إماطة اللثام عن هذه الجوانب
من بيئته وعصره.
وهو ما سنخصه بالبحث في الفصول التالية من هذا الباب. (1/31)
صفحة 32
المبحث الأول
الحياة السياسية
تمهيد: أوضاع المغرب والعالم الإسلامي في القرنين الخامس والسادس الهجريين يعتبر القرن الرابع الهجري في نظر المؤرخين قمة ازدهار الحضارة الإسلامية في جميع نواحيها السياسية والعلمية والاجتماعية (1). ثم أعقبت هذه القمة فترة الانحدار فمال نجم المسلمين إلى الأفول، وأخذ الوهن والتفكك يسري في جسم الدولة الإسلامية الواحدة، وبرزت زعامات سياسية هنا وهناك في أماكن شتى من العالم الإسلامي. ففي بغداد عاصمة الخلافة وقلب الدولة الإسلامية كانت الأمور تسير في غير الاتجاه الصحيح، إذ استولى السلاجقة على مقاليد الحكم سنة 429 هـ / 1038 م، وأصبح الخلفاء العباسيون طوع أيديهم يصرفونهم وفق ما تقتضيه مصالحهم ورغباتهم الخاصة (2).
ولكن السلاجقة لم يطل بهم الأمر فتدهورت سلطتهم بمرور الزمن، وتقاسم ملكهم دول الأتابكة). في دمشق والموصل والجزيرة وأذربيجان
وفارس ().
(1) - آدم ميتز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري.
(2) - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ط 1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1968 م، ج 4، صفحات 1 - 59.
(3) - أتابك كلمة تركية معناها مربي الأمير. وكان السلاجقة استقدموا هؤلاء المماليك الأتراك للخدمة في القصور والجيوش، فلما تقوّى ساعدهم تولوا الولايات، واقتسموا دولة
السلاجقة إمارات بينهم. حسن إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 4، ص 60 - 61.
(4) - المصدر السابق، ص 62.
-26 - (1/32)
صفحة 33
ويتفكك قوة المسلمين سهل الطريق أمام الصليبيين ليشنّوا حروبهم على البلاد الإسلامية مشرقا ومغربا (1).
واستمرت هذه الحروب في جولات متقطعة دامت قرنين من الزمن، وكلفت المسلمين ثمنا باهظا في الأرواح والأموال.
ففي المشرق كان الأيوبيون يتنازعون بغية الاستيلاء على مدن الشام، ويتوسع بعضهم على حساب البعض. ولم تنته هذه المأساة إلا بتوحيد صفوفهم تحت قيادة صلاح الدين الذي استطاع إجلاء الصليبيين عن الشام والانتصار عليهم في حطين سنة 579 هـ / 1187 م. (2). وفي مصر كان الفاطميون جاهدين لبسط سلطانهم على العالم الإسلامي، بينما عجزوا عن صدّ غارات الصليبيين المتكررة على موانئ مصر، حتى أحرز عليهم صلاح الدين الأيوبي نصرا مبينا في دمياط (2). كما استقل الصليحيون باليمن أواسط القرن الخامس الهجري وفي المغرب الأوسط قامت على أنقاض الدولة الفاطمية دولة بني زيري الصنهاجية بالمهدية ودولة الحماديين بالقلعة (.). وكانت بين الدولتين حروب دامية، ولم يشفع فيهما أخوة الدين ولا أخوة النسب، وقد سجلت كتب التاريخ تلك الحروب بين
حماد
-
(1)
(2)
المصدر نفسه.
حول جهود صلاح الدين لتوحيد مصر والشام وطرد الصليبيين منها، ينظر:
إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 4، ص 104 فما بعدها.
(3) - حسن إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 4، ص 105. (4) - حسن إبراهيم تاريخ الإسلام، ج 4، ص 197. (5) - ينظر: شهاب الدين أحمد النويري نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق د. حسين نصار، ود. عبد العزيز الأهواني، نشر المجلس الأعلى للثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1403 هـ / 1983 م، ج 24، ص 235 - ص 251.
-27 - (1/33)
صفحة 34
وباديس ثم بين المعزّ وحماد (1).
وطبيعي أن تمتد هجمات الصليبيين إلى شواطئ المغرب انتهازا لفرصة الصراع بين الأشقاء، فاستولوا على جزيرة جربة سنة 529 هـ (2).، وطرابلس سنة 541 هـ (2). واحتل النورمانديون المهدية، وزويلة من يد الصنهاجيين سنة 470 هـ، ثم عاودوا احتلالها في سنتي 517 هـ و 544 هـ). ولم يغادروا المهدية إلا بعد توجيه عبد المؤمن بن علي الموحدي جهوده لإجلائهم عنها سنة 555 هـ، بعد اثنتي عشرة سنة
الاحتلال (ه).
من
أما لنشر الإسلام في السودان ووطدوا دعائم الدين بين سكان الصحراء (1). ثم أعقبهم الموحدون سنة 514 هـ، واستطاعوا أن يقيموا دولتهم الكبرى بعد معارك طاحنة مع المرابطين دامت سبع عشرة سنة، ابتداء من سنة 524 هـ إلى سنة 541 هـ (7). وبسطوا نفوذهم على كامل بلاد المغرب والأندلس. وفي الأندلس كان ملوك الطوائف يتقاسمون الجزيرة مدينة مدينة، واحتد الصراع بينهم حتى استنجد بعضهم بالنصارى لحرب إخوتهم في الدين ناقضين كل عرى الأخوة والدين في سبيل المجد الشخصي.
في المغرب الأقصى فقد أحيى المرابطون فريضة الجهاد وتوجهوا
(1) - عبد الرحمن الجيلالي تاريخ الجزائر العام ط 6، دار الثقافة، بيروت،
1403 هـ / 1983 م، ج 1، ص 275، ص 276. (2) – النويري، نهاية الأرب، ج 24، ص 245. (3) - النويري، نهاية الأرب، ج 24، ص 246. (4) - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 312. النويري، نهاية الأرب، ج 24، صفحات 311 - 315. حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 115. (7) - حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، ص 221.
-
-
(5)
(6)
-28 - (1/34)
صفحة 35
ونشط النصارى لاسترداد أملاكهم بالأندلس فلم يجدوا أمامهم قوة مسلمة تصدهم، لولا نجدة المرابطين في موقعة الزلاقة الشهيرة، بقيادة يوسف بن تاشفين (1). كما قاد الموحدون حملات مظفرة ضد نصارى الأندلس الذين احتلوا كثيرا من ثغورها ومدنها المهمة، مثل المرية وغرناطة وقرطبة ولشبونة (2).
المطلب الأول: أثر موقع وارجلان الجغرافي على وضعها السياسي
تميزت وارجلان بموقعها الجغرافي في قلب الصحراء الكبرى بعيدا عن المراكز العمرانية للمغرب الإسلامي، وتوسطها لمسالك التجارة بين مدن التل وبلاد السودان حيث مورد الذهب الذي يصدر إلى مختلف بلاد المغرب وأوروبا.
ولقد كان لهذه الوضعية المتميزة أثرها البارز في حياة وارجلان السياسية، بل وفي سائر مناحي الحياة الأخرى؛ الاقتصادية والاجتماعية
سلباً وإيجابا. فيحكم بعدها عن المناطق الحضرية فيا لشمال فقد استطاعت أن تحتفظ باستقلالها الذاتي عن الدول المتعاقبة على المغرب الإسلامي، وأمكنها أن تكوّن لنفسها وحدة لها طابعها وخصائصها السياسية والاجتماعية والثقافية.
وقد أكد المؤرخون استقلال وارجلان واعتبارها مملكة بحد ذاتها، كما يقول الشريف الوزان عن بني سعيد، وهم من العرب الهلاليين بأنهم
-
(1)
حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج، صفحات 119 - 124.
(2) - ابن الأثير الكامل في التاريخ ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، 1400 هـ / 1980 م، ج 9، صفحات 14 - 30، و 55 - 119؛ النويري، نهاية الأرب، ج 24، صفحات 300 - 302.
-29 - (1/35)
صفحة 36
يتعاملون معاملة صداقة وتجارة مع
مملكة
وركلة» (1).
وأنه «لوركلة أمير يشرفونه كالملك، يعيل نحو ألف فارس من حرسه،
وتجى إليه من إمارته مائة وخمسون ألف مثقال» (2).
وابن خلدون لم يزر مدينة وارجلان ولكن بلغته عنها هذه الخاصة،
فذكر «سكانها أعقاب من
شهرة غير نكير بينهم» (3).
بني واركلا، ويعرف رئيسهم باسم السلطان،
و بدهي أن الاستقلال السياسي لوارجلان لم يرفع من مقامها لتكوّن دولة بكامل مميزاتها وهياكلها، وإنما يعني هذا حريتها في تصريف شؤونها، وعدم تبعيتها لدولة مهيمنة إلا في فترات متقطعة، وهو ما سيتضح من
عرض علاقاتها بالدول المتعاقبة على المغرب الإسلامي.
المطلب الثاني: علاقة وارجلان بدول المغرب الإسلامي
أ علاقتها بالدولة الرستمية
ارتبط تاريخ وارجلان بالمذهب الإباضي منذ دخوله إلى بلاد المغرب، وانتصرت وارجلان لمحاولات أقامة دولة إسلامية وفق تعاليم المذهب عبر
تاريخها.
ففي بداية القرن الثاني الهجري نجد ضمن حملة العلم الخمسة الذين أرسلهم الإمام أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة). أبي كريمة) لإقامة دولة مستقلة
(1) - الوزان، وصف إفريقيا، ج 1، ص 50. (2) - الوزان وصف إفريقيا، ج 2، ص 137. (3) - ابن خلدون، العبر، ج 13، ص 106.
(4) - أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي، ثاني أئمة الإباضية بعد جابر بن زيد، وأكبر تلامذته، تولى نشر المذهب بتكوين مدرسة دعوية بالبصرة في غار، وكان مستخفيا عن عيون الأمويين، وعرف بالورع الشديد والغيرة على حرمات المسلمين. . ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صفحات 238 - 246. د. عوض محمد خليفات، نشأة (1/36)
صفحة 37
بالمغرب؛ رجلا اسمه عاصم السدراتي) الذي بايع أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح بالإمامة في طرابلس سنة 140 هـ (2). ودعا قومه إلى
هذه البيعة، فلقيت دعوته استجابة واسعة في سدراتة ووارجلان. وكذلك أجابوه إلى بيعة أبي حاتم الملزوزي الذي قام إمام دفاع في
القيروان، واسترجعها من العباسيين (3). ثم سلك أهل وارجلان مسلك الانعزال عن المعترك السياسي، بعد فشل ثورة أبي حاتم الملزوزي، وظلوا كذلك حتى قيام الدولة الرستمية بتاهرت سنة 160 للهجرة، فأعلنوا ولاءهم لأئمتها، وارتبطت وارجلان بتاهرت، فكانت تقام فيها الحدود وتصدر الأحكام، وفق أوامر الأئمة في تاهرت (1).
-
(1)
الحركة الإباضية، مطابع دار الشعب عمّان 1978، صفحات 103 - 118. عاصم السدراتي من علماء الإباضية في القرن الثاني تتلمذ على أبي عبيدة بالبصرة، مع حملة العلم الخمسة وهم عبد الرحمن بن رستم وأبو الخطاب عبد الأعلى بن السمح، وأبو ضرار الغدامسي، وأبو داود القبلي.
ساهم عاصم بجهد كبير في إقامة إمامة أبي الخطاب، ولكنه قتل مسموما وهو يدافع عن القيروان بقيادة أبي حاتم الملزوزي.
انظر: علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة المطبعة العربية، غرداية
الجزائر، ج 1،
—
(2)
صفحات 124 - 0128
أبو الخطاب من رفاق عاصم مع حملة العلم، تولى الإمامة بطرابلس بعد العودة من البصرة، وذلك بإشارة من شيخه أبي عبيدة وقتله جيش محمد بن الأشعث بمكيدة نكراء سنة
144 هـ.
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صفحات 22 وما بعدها. (3) - أبو حاتم يعقوب بن حبيب الملزوزي، أحد أعلام الإباضية بالمغرب في القرن الثاني، تولى إمامة الدفاع بطرابلس سنة 154 هـ، لإحياء إمامة أبي الخطاب، ثم تغلب عليه ابن الأشعث في حصار القيروان. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صفحات 36 - 40. (4) - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الرابعة، ج 2، صفحات 393 -
—
-31 - (1/37)
صفحة 38
ولكن طبيعة هذه العلاقات كانت روحية دينية أكثر منها سياسية، إذ لم نعثر فيما بين أيدينا على شواهد تذكر وجود ولاة أو عمال أو قضاة على وارجلان يتم تعيينهم من قبل الأئمة الرستميين.
فاتضح أن وارجلان قد بقيت رغم صلاتها الروحية بالدولة الرستمية محافظة على استقلالها السياسي، مما جعلها ملاذا لآخر أئمة تاهرت، يعقوب بن أفلح، عند فراره من هجوم الجيش الشيعي (1). فوجد في وارجلان الحماية والأمان تحت ظل شيخها وزعيمها أبي صالح جنون بن يمريان (2) الذي توفرت فيه مميزات القيادة، فوصفه الدرجيني بأنه «أحد أقطاب الدين، وشمال اليتامى والمساكين» (3).
وتذكر كتب السير الإباضية أن الإمام يعقوب بن أفلح لما وصل وارجلان، وأكرم أهلها، وفادته طلبوا منه أن يولوه عليهم، ليحيوا به الإمامة، فأجابهم قائلا: "لا" يستتر الجمل بالغنم)). وصارت كلمته مثلا، أي أن الإمامة لا تقوم على كواهل أناس ضعاف قلائل، قد أنهكتهم الحروب، وتعقبهم الأعداء (ه).
وانتهت بذلك فترة كانت فيها وارجلان تمثل دولة لها سيادتها
(1) - أبو زكرياء يحي بن أبي بكر، كتاب السيرة وأخبار الأئمة تحقيق عبد الرحمن أيوب، طا، الدار التونسية للنشر، تونس، 1405 هـ 1985 م، ص 178. (2) - جنون بن يمريان أحد أبرز العلماء بوارجلان انتهت إليه الرئاسة العلمية والدينية بها، وساهم بجهد كبير في تنشيط الحركة العلمية والعناية بالعلماء والطلبة بوارجلان، كما اشتهر بحكمه وآرائه السديدة في شؤون الحياة.
ينظر: الوسياني، السير صفحات 124 - 126؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صفحات 341 - 345؛ الشماخي السير، صفحات، 362 وما بعدها.
(3) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 341.
(4) - أبو زكرياء السيرة، ص 178.
(5)
-
امحمد بن يوسف اطفيش الرسالة الشافية طبعة حجرية، ص 112.
-32 - (1/38)
صفحة 39
واستقلالها، لتصبح ملاذا لهذه الدولة، وتتحمل إثر ذلك أعباء اختفاء
الإباضية من المسرح السياسي في المغرب الإسلامي.
تأقلمت
لم تنسجم علاقاتها
مع الدول التي أعقبت الدولة الرستمية، ولكنها
الظروف الجديدة، وتمخض عن ذلك ميلاد هيكل تنظيمي
متميز، يتولى شؤون المجتمع الإباضي في غياب الدولة، وهو ما عرف
بنظام الحلقة، أو حلقة العزابة.
ب= علاقة وارجلان بالدول بعد الرستميين:
أصبحت وارجلان بعد الدولة الرستمية هدفا استراتيجيا لكثير من الدول المتعاقبة على المنطقة، لدوافع مختلفة، أهمها الدافع الاقتصادي، لكون وارجلان بوابة مهمة في طرق تجارة الذهب مع بلاد السودان.
فقد وجه الفاطميون جهودهم بعد القضاء على الأغالبة بإفريقية (تونس)، والرستميين بتاهرت (1) وبني مدرار بسجلماسة، نحو وارجلان للقضاء على كل مقاومة قد تنطلق منها ضد الحكم الفاطمي، إذ كان أبو الله الشيعي يرى في فرار الإمام يعقوب بن أفلح إلى وارجلان خطرًا على دولته الناشئة فوجّه إلى عسكرا عظيما بقيادة نخبة من أولي القوة والشجعان، وذلك سنة 297 هـ / 910 م (2).
عبيد
وعلم أهل وارجلان أن لا قبل لهم بهذا الجيش فتحصنوا في جبل كريمة المنيع (2). ثم انجلى عنهم العدو بعد حيلة دبروها، ورحل العبيديون
-
(1)
يذكر جون لوتيو, Jean Lethielleux أن تاهرت سُلبت دون رحمة وأحرقت، وذبح
فيها من الرجال ثمانمائة آلاف نفس، وسبيت نساؤها.
Jean Lethielleux, Ouargla, p 40.
(2) - د. محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، دار العودة، بيروت، 1976، ص
175؛ أبو زكرياء، السيرة، ص 164.
جبل كريمة كدية حصينة شاهقة بينها وبين وارجلان قدر ستة أميال.
-33 - (1/39)
صفحة 40
بعد أن فتشوا المدينة وأحرقوا الجامع الكبير)). كما ساهمت وارجلان في ثورة أبي يزيد مخلد بن كيداد اليفرني (2) ضد تعسف الفاطميين الذين اشتطوا في إرهاق السكان بالضرائب الباهظة (3). وكان لوارجلان ضلع في هذه الثورة إذ هرب إليها أبو يزيد بعد فراره من الاعتقال سنة 325 هـ، وأقام بينهم سنة يتردد بين وارجلان وبني برزال والأوراس، حتى كسب الأنصار وشرع في الثورة). وفي إحدى مراحل الثورة كان أبو يزيد محاصرًا في جبل كنانة، إلا أن الإمدادات كانت تصله من، سدراتة ولذلك أمر المنصور الفاطمي بالإغارة على سدراتة لقطع المؤن عن أبي يزيد). ويذهب بعض المؤرخين إلى أن أبا يزيد أقام حكومة مؤقتة في وارجلان، وطبع فيها سكة ذهبية باسمه (1). ويبدو هذا الرأي مرجوحا نظرا لموقف الإباضية السلبي من أبي يزيد، للاختلاف الفكري بين الطرفين وللمناكر الشنيعة التي ارتكبها أبو يزيد، فكل قرية أو مدينة مرّ بها في طريقه حاربها وسبى ذريتها وغنم أموالها،
انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 95. (1) - حول حصار وارجلان ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 164 - 165؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 95؛ د. محمود إسماعيل، الخوارج في المغرب الإسلامي، ص 175.
Jean Lethielleux, Ouargla, pp 42 - 45.
(2) - عن ثورة أبي يزيد وتفاصيلها ونتائجها ينظر: ابن خلدون العبر، ج 13، صفحات 23 -
(3) - عن السياسة المالية للدولة الفاطمية ينظر الحبيب الجنحاني دراسات اقتصادية عن التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، طا، دار الطليعة، بيروت، 1980. (4) - محمود إسماعيل الخوارج في المغرب، ص 181.
(5)
مزهودي، الإباضية بالمغرب الأوسط، صفحات 84 - 85.
(6) - سليمان بن يوسف مجهودات الرستميين في نشر الحضارة الإسلامية وتركيزها، ضمن أعمال الملتقى الحادي عشر للفكر الإسلامي، في وارجلان صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م، وزارة الشؤون الدينية الجزائر مطبعة البعث قسنطينة، 1984، ص 92.
-34 - (1/40)
صفحة 41
كفعل نافع بن الأزرق، وغيره من الخوارج، بل قد زاد عليهم وأربى» (1). فكان أبو يزيد بسيرته النكراء محل سخط أهالي المغرب بجميع طوائفهم واتجاهاتهم، وقد جرعهم مرارة انتقام العبيديين من هذه الثورة الفاشلة، بعدما نالهم من فجوره وشروره الشيء الكثير (2). وبعد ثورة أبي يزيد بعشرين سنة قام الإباضية بثورة ثانية ضد الفاطميين، تزعمها أبو خزر يغلا بن زلتاف (3). انتقاما لمقتل صديقه العالم أبي القاسم يزيد بن مخلد (1). فبعث إلى مواطن الإباضية يدعوهم إلى الثورة، فأجابوه، وامن ممن أسرع للإجابة أهل وارجلان الذين بعثوا له بالمدد، ولكنهم سمعوا بفشل الثورة فرجعوا من الطريق.). وأثخن المعز الفاطمي الجروح في أنصار أبي خزر؛ وطاردهم في كل مكان، ومن أبرزهم أبو نوح سعيد بن زنغيل)، الذي تنكر في ثياب راعي إبل، حتى وقعت عليه أعين المعز فحملوه إليه، وأعطاه الأمان. وكذلك فعل مع أبي خزر، فأكرمهما بما يليق بمقامهما، أو ربما حتى يأمن
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص 172. (2) - عبد العزيز المجدوب الصراع المذهبي بإفريقية إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر، تونس 1395 هـ / 1975 م، ص 213 فما بعد. (3) - يغلا بن زلتاف: أخد علماء الإباضية البارزين في القرن الرابع الهجري بالمغرب، له إسهام في الحياة العلمية والسياسية. ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صفحات 119 - 143؛ أبو خزر يغلا بن زلتاف، الرد على جميع المخالفين، مقدمة المحقق د. عمرو خليفة النامي، بحث مرقون بحوزتي.
(4) - يزيد بن مخلد من علماء الإباضية البارزين في القرن الرابع قتله المعز الفاطمي بصورة
وحشية.
ينظر: أبو زكرياء، السيرة، ص 201.
(5) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صفحات 128 - 130؛ أبو زكرياء، السيرة، ص
صفحات 201 - 211.
(6) - سعيد بن زنغيل، صديق حميم لأبي خزر من أبرز من شارك في ثورته ضد الفاطميين. ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صفحات 131 فما بعد.
-350 (1/41)
صفحة 42
شرهما.
وأراد المعز اصطحابهما إلى القاهرة معه لمّا عزم الرحيل إليها، فلبي أبو خزر مكرها، وتعلل أبو نوح بالمرض، ثم لجأ إلى وارجلان، وأقام بها بقية حياته عزيزا كريما (1).
وبعد رحيل تميم بن المعزّ إلى القاهرة خلفه بنو زيري، ثم استقلوا بالحكم، وبسطوا أيديهم إلى الإباضية فكان حدث أليم هو حصار قلعة بني درجين بنفطة، سنة 440 هـ، قتل فيه أهل الحصن عن آخرهم، مما دفع بباقي الإباضية في بلاد الجريد إلى الالتجاء إلى وارجلان ليأمنوا بطش الصنهاجيين (2).
وبقيت وارجلان بعيدة عن نفوذ الصنهاجيين والحماديين رغم محاولات الاستيلاء عليها، إذ بعث الناصر بن علنَّاس سراياه للثأر من أتباع المستنصر بن خزرون الزناتي الذي خرج على حكمه، وفرّ إلى الصحراء، فأمر الناصر عامله على بسكرة بقتل المستنصر، ثم أرسل جيشا إلى وارجلان فولّى عليها وقفل راجعا بالسبي والغنائم (2).
ويبدو
أن هذه التولية لم تدم طويلا، إذ كانت عملية انتقامية لثورة
مؤقتة، لا ضلع لإباضية وارجلان فيها وقد بقوا محافظين على استقلالهم، حتى قيام الدولة الموحدية، إذ أتاهم أحد دعاة ابن تومرت، وهو العيتروسي، يبشر بالدعوة المهدية، ويدعوهم إليها، «فتشاوروا فيما يأتون وما يذرون فأجمع رأي أكثرهم على قتله وأصحابه، حتى لا يظهر لهم
-
(1)
-
علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 159. أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي كتاب السير طبعة حجرية، قسنطينة، الجزائر، 1301 هـ، ص 400.؛ صالح، باجية الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، ط 1، دار
بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1396 هـ / 1976 م، صفحات، 146 - 147. (3) - ابن خلدون العبر، ج 11، ص 356؛ الجيلالي تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 281.
-36 - (1/42)
صفحة 43
ذكر فقال علماؤهم ما ضرّنا أن نصل إلى الفقيه أبي يعقوب نعلمه بما وقع في نفوسنا، ونأخذ ما عنده فجاؤوه يجمعهم، فقالوا له: إن هذه خيل تدعو إلى سلطان قد ظهر وقد أجمعنا على أن نقتلهم قبل أن يعرفوا بلدنا، فإنا نخاف أن يخربوا بلادنا إن عرفوها فقال لهم: هؤلاء لا يخربون بلدكم، بل تنالون في أيامهم عزا، وإقبالاً، وتلقون منهم في بلادهم خير لقاء، وإكراما وإحسانا، فأجيبوا دعوتهم تفلحوا»).
وبعد رحيل تميم بن المعزّ إلى القاهرة خلفه بنو زيري، ثم استقلوا بالحكم، وبسطوا أيديهم إلى الإباضية فكان حدث أليم هو حصار قلعة بني درجين بنفطة، سنة 440 هـ، قتل فيه أهل الحصن عن آخرهم، مما دفع بباقي الإباضية في بلاد الجريد إلى الالتجاء إلى وارجلان ليأمنوا بطش الصنهاجيين (2).
وبقيت وارجلان بعيدة عن نفوذ الصنهاجيين والحماديين رغم محاولات الاستيلاء عليها، إذ بعث الناصر بن علنَّاس سراياه للثأر من أتباع المستنصر بن خزرون الزناتي الذي خرج على حكمه، وفرّ إلى الصحراء، فأمر الناصر عامله على بسكرة بقتل المستنصر، ثم أرسل جيشا إلى وارجلان فولّى عليها وقفل راجعا بالسبي والغنائم (3). ويبدو
أن هذه التولية لم تدم طويلا، إذ كانت عملية انتقامية لثورة مؤقتة، لا ضلع لإباضية وارجلان فيها، وقد بقوا محافظين على استقلالهم، حتى قيام الدولة الموحدية إذ أتاهم أحد دعاة ابن تومرت وهو العيتروسي، يبشر
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 494. (2) - أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، كتاب السير، طبعة حجرية، قسنطينة، الجزائر، 1301 هـ، ص 4.400 صالح، باجية الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، ط 1، دار
بوسلامة للطباعة والنشر والتوزيع تونس 1396 هـ / 1976 م، صفحات، 146 - 147. (3) - ابن خلدون، العبر، ج 11، ص 356؛ الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 281.
-37 - (1/43)
صفحة 44
بالدعوة المهدية ويدعوهم إليها، فتشاوروا فيما يأتون وما يذرون، فأجمع رأي أكثرهم على قتله وأصحابه، حتى لا يظهر لهم ذكر، فقال علماؤهم: ما ضرنا أن نصل إلى الفقيه أبي يعقوب نعلمه بما وقع في نفوسنا، ونأخذ ما عنده، فجاؤوه يجمعهم فقالوا له: إن هذه خيل تدعو إلى سلطان قد ظهر، وقد أجمعنا على أن نقتلهم قبل أن يعرفوا بلدنا، فإنا نخاف أن يخربوا بلادنا إن عرفوها. فقال لهم: هؤلاء لا يخربون بلدكم بل تنالون في أيامهم عزا وإقبالاً، وتلقون منهم في بلادهم خير لقاء، وإكراما وإحسانا، فأجيبوا دعوتهم تفلحوا» (1). وواضح من هذا النص أن وارجلان كانت محتفظة باستقلالها، وإلا لما
اتجه دعاة الموحدين إلى أعيانها يدعونهم للدخول تحت إمرة ابن تومرت. كما احتفظ أهل وارجلان بذكريات أليمة لأحداث خراب تاهرت، وحصار الفاطميين، لوارجلان وتدمير الصنهاجيين لقلعة درجين، فتوجسوا خيفة من الدعوة المهدية الجديدة، ولكن عالمهم أبا يعقوب طمأنهم، وأخبرهم بما يسرّ خواطرهم إن هم لبوا هذه الدعوة. ولعله كان متفائلا بابن تومرت لما بلغه عنه من حسن السيرة والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومواقفه الصارمة من التسيب والفساد الخلقي في المغرب، وسكوت المرابطين عن هذه المنكرات (2).
ونظرًا للتشابه بين الدعوة المهدية الموحدية والداعية الشيعي أبي عبيدة المهدي، فقد التبس الأمر على الباحث صالح باجية فاعتبر العيتروسي من الدعاة الفاطميين، واستنتج تبعًا لذلك أن الإباضية قبلوا الدعوة الشيعية
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 494.
(2)
-
ص 58.
عبد المجيد النجار، المهدي بن تومرت، طا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1985،
- TA- (1/44)
صفحة 45
بشيء من المهادنة (1). وهو
يو
ما تنفيه الوقائع التاريخية.
ولا نعلم من أمر وارجلان مع الموحدين بعد ذلك ما يوضح إن كانت قد انضوت تحت لوائهم أم ظلت على حيادها، غير أن الشيخ سليمان بن وسف يذكر وجود علماء إباضية في بلاط الموحدين، منهم أبو يحي زكرياء اليراسي، الذي كان مستشارا لعبد المؤمن بن علي، ولابنه يعقوب بن منصور، إذ ضاعف إكرامه وقضى حوائجه، وانتفع بعنايته جميع أهل المذهب (2).
ولا ندري ما مدى حظ وارجلان من هذه العناية والاهتمام.
مما مضى
ملجأً
ويتضح أن دور وارجلان كان على غاية الأهمية باعتبارها قاعدة خلفية لهذه الثورات، سواء في مرحلة التمهيد والإعداد أم مرحلة التنفيذ والإمداد بالرجال والأموال أم في حالة الفشل؛ فتصبح وحصنا يفر إليه الخائفون ليجدوا في ربوعها الأمان والإكرام. وبنهاية ثورة أبي خزر لم تظهر للإباضية محاولات للثورة ضد الدول التي تعاقبت على بلاد المغرب، وانقطعوا عن التفكير في إعادة الإمامة، ثم عمدوا إلى بديل لحفظ تعاليم المذهب والحفاظ على تماسك أبنائه، فأنشؤوا نظام الحلقة الذي عرف بـ "الإمامة الصغرى"، بديلا عن الإمامة
الكبرى (2).
-
(1)
(2)
-
وكانت نشأة هذا النظام ووضع أسسه بوادي ريغ في نواحي
صالح باجية، الإباضية بالجريد، ص 111. سليمان بن يوسف مجهودات الرستميين، ص 94.
أما الدرجيني فذكر أن أبا يحي كان مختصا بيعقوب دون أبيه، ونال منه عناية بالغة انتفع بهـ جميع أهل الجزيرة (جزيرة جربة)، بل أكثر أهل المذهب.
واشتهر أبو يحي بالجود والكرم، وشدة إخلاصه الله، حتى رويت عنه كرامات.
ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صفحات 502 - 504.
Lewicki, Ibadites, p:111.
-39 -
-
-
- (3) (1/45)
صفحة 46
وارجلان وفيها تطور، ثم عمّ تطبيقه أماكن وجود الإباضية ببلاد
المغرب.
وفي الصفحات التالية عرض لمعالم هذا النظام، ودوره السياسي في
وارجلان.
المطلب الثالث: وارجلان تحت نظام العزابة
أ= أسباب قيام نظام العزابة:
يتفق رأي الإباضية مع معظم آراء المذاهب الإسلامية على وجوب تنصيب الإمامة وإقامة الدولة الإسلامية لرعاية تطبيق أحكام الشرع، وتنظيم شؤون المجتمع وفق تعاليم الإسلام. بيد أن الإباضية يتميزون بنظرية دقيقة حول منهج إقامة هذه الدولة،
وتعرف هذه النظرية عندهم بمسالك الدين، أي مراحل إقامة دين
الله
في
المجتمع، وهي أربعة مسالك الظهور والدفاع والشراء والكتمان. الظهور وهو أكمل الحالات، حيث يكون المجتمع الإسلامي ظاهرا على عدوه، حرا في أرضه منفذاً لشرع الله تحت سلطة إسلامية كاملة السيادة مهمتها رعاية أحكام الدين وصون الحقوق، وحفظ الثغور، وحمل دعوة الإسلام إلى بلاد الكفر.
ومثال هذه الحالة عهد النبي والخلفاء الراشدين (1).
الدفاع: وهي درجة أقل من سابقتها، وفيها يشتغل المسلمون بالدفاع عن أنفسهم ودينهم ومكتسباتهم، عن إقامة الدولة والظهور على الأعداء.
-
(1) - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ الحلقة الأولى، نشأة المذهب الإباضي، طا مكتبة، وهبة القاهرة، 1964، ص 93. (1/46)
صفحة 47
فتنتخب الأمة إمام دفاع يقودها ضد الاستعمار، أجنبيا كان أم داخليا، لأنه لا يجوز مهادنة الظلم والاستكانة للأيدي العابثة أن تتلاعب بمقدرات الأمة وتصرفها كما تشاء. (1). فإذا نجحت المساعي وعادت المياه إلى مجاريها رجعوا إلى حالة الظهور وإن استولى الظلم على مقاليد الأمور جاءت المرحلة الثالثة، وهي: الشراء: حيث تضعف الأمة عن المقاومة وتركن إلى السلام، فتقوم فئة تبلغ الأربعين رجلا، لتعلن رفضها للأوضاع وعدم مهادنتها للظلم، وهي لا تقوم بالمجابهة مع السلطة، وإنما يمثل تنظيمها شغبا على الحكام الجورة، فتحذرهم من مغبة الاسترسال في سياسة الظلم وهضم حقوق الرعية، وتغيير شرع الله. الكتمان إذا أطبق الجور على الأمة، وعجزت عن دفع الظلمة كلية، دخلت مرحلة الكتمان وهي أدنى درجات الجهاد، فيتجه ذوو الغيرة على الدين إلى العناية بتنظيم شؤونهم وفق أحكام الشرع، دون الاهتمام بقضايا السلطة والنشاط السياسي، وتتعطل الحدود المنوطة بالإمام، وتتركز الجهود لإعادة بناء القاعدة المسلمة بناء دينيا وتربويا يؤهلها للسعي لإعادة إمامة الظهور، لأنها الحالة الأصلية للمجتمع الإسلامي). وقد دخل الإباضية مرحلة الكتمان بعد اختفاء وجودهم السياسي ببلاد المغرب، إثر انهيار الدولة الرستمية وفشل ثوراتهم ضد الفاطميين،
(1) - عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، جمعية التراث القرارة، الجزائر، 1990،
ص 150.
(2) - حول مسالك الدين عند الإباضية ينظر: أبو العباس أحمد بن سعيد الشماخي، مقدمة التوحيد وشروحها، طا، القاهرة، 1353 هـ، صفحات 50 - 55.؛ علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ ح 1، نشأة المذهب الإباضي صفحات 93 - 4.96 عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية صحفات 149 - 168.
- {1. (1/47)
صفحة 48
وفكروا مليا في التنظير ووضع قواعد العمل في هذه المرحلة، فأنشؤوا نظام
حلقة العزابة.
الله محمد
بكر بن
وقد وضع أسس هذه الحلقة الشيخ أبي عبد الفُرْسُطائي النفوسي، سنة 409 هـ (1). وكانت خطوة الشيخ أبي عبد الله تعبيرا فعليا عن الانصراف عن الاهتمام بالمظاهر العلنية للسلطة السياسية، والتفرغ لبناء المجتمع وفق تعاليم الإسلام (2) فتولت هذه الحلقة تسيير شؤون المجتمع، ما عدا الأحكام الخاصة بالإمامة، وكانت خير بديل عن قيام دولة عادلة، بل إن نظام حلقة العزابة في كلمات موجزة تنظيم محكم لإمامة عادلة» (3). ولذلك اعتبر أبو عمار عبد الكافي (ق 6 هـ)، «منزلة أهل الحلقة الصافية كمنزلة السلطان العادل في حكمه سواء» (4).
ب تعريف حلقة العزابة ومهامها: العزابة جمع عزابي وهو اسم لهيئة محدودة العدد، تبلغ اثني عشر رجلا، يمثلون خيرة أهل البلد علما وصلاحا. وهذه الهيئة تقوم بالإشراف الكامل على شؤون المجتمع الإباضي، الدينية والاجتماعية والسياسية، وهي في زمن الظهور والدفاع تمثل مجلس
(1) - أبو زكرياء السيرة صحفات 252 - 254؛ وستأتي ترجمة أبي عبد الله في مطلب قادم أبرز العلماء بوارجلان". علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 171. د. محمد ناصر حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي نشر جمعية التراث، القرارة، الجزائر، 1410 هـ - 1989 م، ص 3.
(2)
-
(3)
(4) - أبو عمار عبد الكافي، سير أبي عمار، مخطوط، ص 6. وأبو عمار من رفاق الوارجلاني، وستأتي ترجمته ضمن مطلب رفاق" الوارجلاني".
- ET- (1/48)
صفحة 49
الشورى للإمام أو عامله، أما في زمني الشراء والكتمان فهي تمثل الإمام و تمارس كل صلاحيات الإمامة، باستثناء إقامة الحدود التي هي من اختصاص إمام الظهور (1).
وكلمة العزابة مشتقة من العزبة والعزلة وتحمل معنى الانقطاع والتهجد (2).
وهذه المعاني تفيدنا بمهمة العزابة الأساسية، وهو الانقطاع لخدمة الصالح العام، والإعراض عن الانغماس في شواغل الحياة وحظوظ النفس من أهل ومال، وولد، والتفرغ لخدمة المسلمين ابتغاء وجه الله (2).
ونظرا لهذه المهمة الشاقة فقد وضع مؤسس الحلقة شروطا خاصة في العزابي حتى ينتظم في سلك، الحلقة، لأنه يكون بذلك «قد دخل في المشقة، وأدخل عنقه في الحلقة التي هي كحلقة الحديد، فتلزمه أمور
كثيرة ... » (4).
وتتمحور هذه الشروط في توافر عنصر الإخلاص لله في العمل، والاستعداد للتضحية في كل الظروف والتحلّي بفضائل الأخلاق، وذلك بتنقية القلب من أمراضه الكثيرة، وتطهير البدن من الأنجاس ومظاهر الأبهة والخيلاء، وهو ما يعبر عنه بأنه يغسل جسده بماء، وقلبه بماء وسدر» مبالغة في تطهير القلب من أمراضه الخفية.
-
(1) - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 1، ج 97؛ د. عوض محمد خليفات النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان، ط 1،
عمان 1982، ص 43.
(2) - أبو عمار عبد الكافي، سير أبي عمار، ص 2.
(3)
-
أبو عمار عبد الكافي، أبي عمار، ص 2؛ علي يحي معمر، الإباضية في موكب
سير
التاريخ، حلقة 1، ص 97. (4) - أبو عمار عبد الكافي، سير أبي عمار، ص 6.
-43 -
- (1/49)
صفحة 50
(1)
هذا فضلا عن الشروط البدنية التي تؤهله لتحمل تبعات الحلقة الكثيرة
وقد وزعت مهام الحلقة بين أعضائها الاثني عشر، بحيث تستوعب جميع مناحي حياة المجتمع، وبذلك يمكن تصنيف مهام الحلقة إلى خمسة: المهام الدينية - المهام الاجتماعية - المهام التربوية، - المهام الاقتصادية، - المهام السياسية (2).
-
وكانت نشأة هذا النظام في أريغ، في غار تينسلي)، ولكنه نما وترعرع في وارجلان ونواحيها، إذ اهتم مؤسس الحلقة بالرحلات الميدانية لنشر فكرة نظامه وتوطيد أركانه بين المجتمعات الإباضية، التي استبشرت بهذا النظام الوليد. واستمرت وارجلان محافظة على استقلالها السياسي مكتفية بسلطة العزابة، وبنشاطها في تسيير شؤون المجتمع وتنظيم علاقاته الداخلية والخارجية ورعاية المسيرة العلمية بها).
والملاحظ أن إنشاء حلقة العزابة كان دافعه أول مرة سياسيا، لوقاية الإباضية من الضربات العسكرية المتتالية. وقد دفعت الظروف السياسية الحلقة إلى إهمال الناحية السياسية في نظامه، والتركيز على
آنئذ مؤسس
-
(1) - علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 1، صحفات 99 - 101. (2) - لمزيد من التفصيل حول مهام حلقة العزابة ينظر: د. عوض محمد خليفات النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية في مرحلة الكتمان صحفات 43 فما بعد؛ د. محمد ناصر، حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي صحفات 17 فما بعد؛ تاديوش ليفيتسكي، دائرة المعارف الإسلامية، مادة "حلقة". (3) - غار تينسلي يقع قرب بلدة اعمر وهي بلدة تبعد بـ 25 كلم من مدينة تقرت، جنوب
الجزائر.
(4) - بكير أوعوشت، أبو يعقوب الوارجلاني والمدارس الكلامية الإسلامية، المطبعة العربية، غرداية، الجزائر، 1987، ص 36.
-22 - (1/50)
صفحة 51
النواحي العلمية والتربوية ولكن تطور الحلقة عبر الزمن عاد بها إلى الاهتمام بهذا الجانب ثانية، وذلك بضبط علاقات المجتمع الإباضي بالسلطات الحاكمة في بلاد المغرب وفي غيره، ولكن؛ دون الوصول إلى مرحلة الظهور من جديد.
وهكذا كانت السلطة العليا لجمهور العزابة يقيمون الحق بين الناس، وينشرون العدل ويقمعون الظلم والحق عندهم فوق الجميع، لا يرعون في الظالم إلا ولا ذمة)، وهذه هي مهمة الحاكم الأساسية.
ج= مصدر سلطة العزابة:
من المنطقي أن يُطرح سؤال وجيه عن مصدر سلطة هيئة العزابة، وهي تفتقر إلى وسائل الردع المادية من رجال أمن وقضاة وسلطة تنفيذية
ومؤسسات عقابية.
والحقيقة أن البديل الذي استعاضت به الحلقة عن كل هذه الوسائل هو تطبيق مبدإ الولاية والبراءة، وهو مبدأ عقدي، يمثل إحدى مرتكزات
العقيدة عند الإباضية، وأساسه فرض الحب في الله والبغض في الله. ومن المعروف لدى جمهور المسلمين وجوب محبة جملة أهل الإيمان والطاعة وبغض أهل الكفر والمعصية ولكن الإباضية يتميزون بدرجة أخص، وهي ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص، أو حب الإنسان الطائع بعينه، وبغض المجاهر بالمعاصي بعينه (2).
الله الموفّي بدين وهذا مبدأ إسلامي مستفاد من خبر الثلاثة الذين خلّفوا بعد غزوة تبوك دون عذر شرعي، فهجرهم الرسول والمسلمون، حتى ضاقت عليهم
(1) - أعزام، غصن البان، ص 26.
(2)
-
أبو العباس الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، صحفات 48 - 49.
-20 - (1/51)
صفحة 52
الأرض بما رحبت ثم أنزل الله توبتهم في سورة براءة (1).
وقد استفاد العزابة من هذا المبدإ بتطبيقه على المجتمع الإباضي، فإذا ما حاد أحدٌ الله ورسوله، أو تمرد على المجتمع ونظامه، أعلن العزابة البراءة منه أمام الملا في المسجد، فيُضرب حوله حصار اجتماعي يعتبر أقسى ما ينزل على إنسان، فلا يكلمه أحد ولا يؤاكله ولا يعامله، ويظل سجينا بلا قيود، حتى يعود إلى الجماعة، ويعلن التوبة عما اقترفت يداه، ويكون عبرة رادعة لمن سواه (2). وبما أن الإباضية في طور الكتمان لا يستطيعون تطبيق كثير من الأحكام ولا تنفيذ الحدود، لأن ذلك من اختصاص الإمام وقت الظهور، وربما يستعدون عليهم الدول الحاكمة فقد لجؤوا إلى هذا الحل الواقعي الفعال، فاستطاعوا بسط سلطتهم على المجتمع، وعملوا على تطوير تطبيق مبدإ الولاية والبراءة (3). وتمدنا المصادر التاريخية وكتب السير الإباضية بنماذج كثيرة لتطبيق هذا المبدإ في الفترة الأولى من عمر، الحلقة، خلال القرنين الخامس والسادس الهجريين (). ولا شك أن المجتمع الوارجلاني قد عاش هذه الأحداث وتفاعل معها في مختلف صورها الدينية والاجتماعية والسياسية.
(1) - ينظر تفسير آية: (وعلى الثلاثة الذين خلفوا ... ) [سورة التوبة: 118]. في كتب
التفاسير.
(2) - ينظر فرحات الجعبيري نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للفنون والآثار، تونس 1975، صحفات 98 فما بعد؛ محمد علي دبوز، نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة المطبعة التعاونية د. م. 1965 م / 1385 هـ، ج 1، صحفات 209 فما بعد. (3) - د. عوض خليفات النظم الاجتماعية، ص 57. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 418، 424، 433.
—
(4)
-46 - (1/52)
صفحة 53
وتكيف
ولما ارتبط نظام الحلقة بالمسجد، فقد قاوم عوامل التذويب والتشتت، مع الحياة وتطورها واستوعب النظم السياسية بمرونة حفظت لوار جلان استقلالها، وذاتيتها وللمجتمع مميزاته وبقي هذا النظام خالدا
شامخا، بخلود بيوت الله وشموخ مآذنها» ().
د. محمد ناصر حلقة العزابة، ص ...
-47 -
-
- (1) (1/53)
صفحة 54
المبحث الثاني
الحياة الدينية والاجتماعية
المطلب الأول: الجانب الديني، المذهب الإباضي
أ= تعريف بالمذهب الإباضي
ينتمي
أبو يعقوب الوارجلاني إلى المذهب الإباضي، وهو المذهب
السائد في وارجلان وقد ارتبط تاريخ وارجلان في العصر الإسلامي بهذا المذهب منذ دخوله إلى بلاد المغرب.
لذا فإن طبيعة البحث تدعو إلى إلقاء بعض الضوء على هذا الجانب الديني الذي ينتظم فيه أغلب سكان وارجلان.
ينسب المذهب الإباضي إلى عبد
الله
بن إباض التميمي (1).
وهي نسبة غير قياسية إذ إن الإمام الحقيقي الذي وضع قواعد الفقه والاجتهاد لهذه المدرسة، هو التابعي الجليل جابر بن زيد الأزدي
العماني (2).
(1)
هو عبد الله بن إباض التميمي، إليه ينسب الإباضية، وقد شارك في جيش ابن الزبير في الدفاع عن الكعبة زمن يزيد بن معاوية كما اشتهر بمناظراته للخوارج وللأمويين على انحرافهم عن نهج الإسلام في العقيدة والسياسة. ينظر ترجمته وافية في: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 214، معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، جمعية التراث، نشر دار الغرب الإسلامي، 2000 م. (2) - هو أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي، العماني، (18 - 93 هـ)، درس بالبصرة ثم أكثر الترداد على الحجاز لينهل من معين العلم على يد الصحابة، وذكر أنه أخذ العلم عن سبعين بدريا، فحوى ما عندهم إلا البحر ابن عباس، وكان من أنجب تلامذته، حتى أجازه بالفتوى، وتحدث رفاقه عن علمه كثيرا، ووردت تزكيته في مصادر تراجم أعلام الإسلام من مختلف
-
-48 - (1/54)
صفحة 55
وسبب النسبة إلى ابن إباض أنه كان الواجهة العلنية للجماعة، وكان يجادل عنهم، ويحاجج الأمويين، ويبين مواقف أصحابه من القضايا السياسية والفكرية المحتدمة سوقها آنذاك فعُرف أصحابه بأنهم أتباع ابن إباض، أو الإباضية.
بيد أنهم لم يرتضوا هذا الاسم أول الأمر، ولكنهم أذعنوا للأمر الواقع بعد حين من الزمن، وكانوا يختارون لأنفسهم تسمية أهل الدعوة أهل الاستقامة، وجماعة المسلمين.
وأول ذكر للإباضية في مصادرهم كانت أواخر القرن الثالث
الهجري (1). وقد اختار الإباضية إخفاء إمامهم جابر بن زيد لئلا يبطش به الأمويون فتموت دعوتهم بفقدانها المنظر والقائد الروحي، بينما كان ابن إباض في منعة من قومه بني تميم الذين كان لهم حضور قوي في الساحة السياسية بالبصرة ولذلك استطاع مجابهة الأمويين، واشتهر برسائله ذات اللهجة الحادة عبد الملك بن مروان، وبمناظراته مع الخوارج،
المذاهب.
ينظر ترجمته وافية في معجم أعلام الإباضية قسم المغرب، جمعية التراث، نشر دار الغرب الإسلامي، بيروت، 2000 م. وأيضا في معجم أعلام الإباضية قسم المشرق، د. محمد ناصر، وسلطان الشيباني، نشر دار الغرب الإسلامي، 2006 م. وفيهما الإحالة على مختلف المصادر
والمراجع.
منها: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 205 - 214.؛ شماخي، السير، 70 - 77؛ الحارثي، العقود الفضية صحفات 93 - 105. صالح الصوافي، الإمام جابر وأثره في الدعوة، الكتاب كاملا.
وانظر حول دور جابر في وضع قواعد لمذهب الفقهية فرحات الجعبيري، دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، بجامعة السلطان قابوس سلطنة عمان، 1990 م، ص 497.
-
- (1)
A.K. Ennami, Studies in Ibadism, a thesis for PH.D. University of Cambridge, May 1971. p 5.
-29 - (1/55)
صفحة 56
منكرا عليهم تكفير المسلمين واستعراضهم وسفك دماء الأبرياء (1). و متبرثا إلى الله من أفاعيلهم.
كما ناظرهم جابر بن زيد وألزمهم الحجة في عدم جواز التكفير
والاستعراض (2).
أما
عن علاقة الإباضية بالخوارج فإنها قضية أسالت من مداد القدامى والمحدثين الشيء الكثير، ولئن اتفقت كتب المقالات على حشر الإباضية في زمرة الخوارج (3). فإن المصادر الإباضية تنفي هذه الصلة، وتتبرأ من المنكرات التي أحدثها الخوارج في الإسلام.
ويعتبر الإباضية الخروج الذي ورد في الأحاديث النبوية خروجا دينيا، بمعنى المروق من الدين بتغيير أحكامه، والتعدي على حرماته، وهو ما فعله الأزارقة والنجدات، وغيرهم من المتطرفين).
أما الخروج بالمفهوم السياسي، وهو الخروج عن طاعة السلطان، فإن الإباضية قد آثروا الانعزال عن الإمام علي بعد أن ساوم معاوية في حق شرعي ثابت، وبيعة صحيحة.
وعلى فرض اعتبار ذلك خروجا، فإنه لا مبرر لحصره في فئة دون
(1) - ينظر نص رسالة ابن إباض إلى عبد الملك بن مروان في: أبو القاسم البرادي، الجواهر المنتقات، في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية، د. ت. صحفات 156 - 167؛ عمر صالح با، دراسة في الفكر الإباضي، تقديم أحمد بن سعود السيابي، طا، مسقط، عمان 1407 هـ / 1986 م، صفحات 115 - 125. (2) - الشماخي، كتاب السير، ص 76. ينظر من هذه المصادر: أبو محمد علي بن حزم الفصل في الملل والأهواء والنحل، ط 1، مطبعة التمدن، مصر، 1320 هـ، ج 4، ص 188؛ أبو الفتح الشهرستاني، الملل والنحل، ج 1، ص 156، (طبع بهامش الفصل في الملل والأهواء والنحل).
-
-
(3)
(4) - حول ردود الإباضية عن تهمة الخروج وأقوال أئمتهم في ذلك، وموقفهم من الخوارج، ينظر: د فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ط 2 نشر جمعية التراث، القرارة، غرداية، الجزائر، ج 1، صحفات 60 فما بعد، وفيها إحالة على المصادر. (1/56)
صفحة 57
أخرى، إذ إن طلحة والزبير قد خرجا على إمام شرعي، ونقضا بيعة صحيحة، كما أن معاوية نفسه قد نازع الإمام عليا السلطة، وهو إمام بايعه المسلمون اتفاقا وحارب معاوية في صفين، وأعقب ذلك فتن عمياء، أودت بحياة خيار صحابة رسول الله (1).
على أن الحديث عن هذه القضايا اليوم بروح الإدانة والمحاكمة، إحياء لفتن لم نشهدها، ولم تُبتل بها، وتطهير الألسنة عنها أسلم للدين والدنيا
جميعا.
ولكن المؤسف أن أحداث الفتنة الكبرى التي انطلقت شرارتها بمقتل الخليفة عثمان بن عفان؛ لا زال المسلمون يتنفسون دخانها المتصاعد إلى اليوم، وقد حجبتهم هذه الأدخنة الكثيفة عن رؤية بعضهم لبعض على الوجه النقي الحقيقي.
ب نشأة المذهب الإباضي
نشأ المذهب الإباضي بالبصرة على يد مؤسسه الإمام جابر بن زيد، الذي ركز نشاطه على مجال التربية والتكوين فأثمرت جهوده العلمية في إنشاء قاعدة واسعة من الأتباع الذين اقتنعوا بآرائه ومبادئه، وتوسعت دائرتهم لتشمل أفرادا من خارج البصرة، وبخاصة من قبيل الأزد، قبيلة الإمام جابر، الذين كانوا منتشرين في البصرة وعمان.
وكان جابر يعمد إلى إرسال من يثق بهم إلى مختلف الأمصار لنشر فكرته في هدوء ودعة، ويعقد معهم اتصالات، وبينهم مراسلات حفظت
(1) – أبو يعقوب الوارجلاني، العدل والإنصاف، ص 391. علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 1، نشأة المذهب الإباضي، ص 28؛ د. محمد حسان كسبة، الإباضية وعقيدتهم أطروحة دكتوراه، بجامعة الأزهر، 1979، نسخة مرقونة،
ص 084
-01 - (1/57)
صفحة 58
لنا كتب التاريخ بعضا منها (1).
ولم يمت جابر إلا وقد غدت الدعوة الإباضية حركة واسعة اجتذبت
إليها عناصر مختلفة، عربا وموالي من شتى البلاد الإسلامية (1).
وكان عمل جابر هذا إرهاصا لما تم بعد على يد تلامذته، إذ خلفه في الريادة العلمية تلميذه أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي (3). الذي واصل مسيرة أستاذه وطوّر، نهجه مستغلا فترة العلاقات السلمية بين الإباضية والأمويين في عهد سليمان بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، و نظم نشاط الحركة في شكل مجالس تكوين مختلفة الدرجات، إعدادا لإقامة إمامة الظهور متى سنحت الفرصة بذلك.
وبذلك يمكن تصنيف هذه المجالس إلى ثلاث: أولها مجالس الشيوخ وقادة الحركة تليها المجالس العامة، ثم مجالس إعداد خاصة بطلبة العلم (). وكانت مجالس التكوين تعقد في غار سرّي، وتحت الحراسة لئلا يبغتهم جند الأمويين، وإذا ما أحسوا بغريب قادم اشتغلوا بصنع
القفاف
إبعادا للشبه عنهم. وعُرف هؤلاء الطلبة في كتب السير الإباضية بـ "حملة العلم" إلى الأمصار، وكانوا يُختارون عادة من أهل البلاد المقصودة للدعوة، لأنهم
أدرى مواطنهم وأهليهم، وكانوا عمدة إقامة إمامات الظهور في بلدانهم. وفي عهد أبي عبيدة قامت إمامات إباضية في عمان واليمن،
(1) - صالح الصوافي، الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان مسقط، 1409 هـ /1989 م، صحفات 156 - 157. (2) - د. عوض محمد خليفات الأصول التاريخية للفرقة الإباضية وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان، ط 2 د. ت صحفات 25 - 26.
-
- (3)
A.K. Ennami, Studies in Ibadism,pp 105 - 108. - (4)
عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، صفحات 106 - 109.
-520
- (1/58)
صفحة 59
وطرابلس في ليبيا وتيهرت) بالجزائر)، حيث وجدت لها تربة صالحة، نظرا لبعدها عن مركز سلطة الأمويين (1).
وحافظ هؤلاء الطلبة بصلاتهم الروحية الوثيقة بإمامهم أبي عبيدة، فكانوا يرجعون إليه في ما يشكل عليهم من قضايا دينية وعلمية وسياسية. وفي كتب السير نماذج عديدة لهذه العلاقة الوطيدة).
واستمرت إمامة عمان إلى القرن العشرين واستطاعت أن تنشر دعوة الإباضية في خراسان، وزنجبار، بينما عمرت إمامة تاهرت قرابة قرن ونصف من الزمن، وشهد المذهب الإباضي بالمغرب في ظلها أوج ازدهارها العلمي والحضاري، حتى أتت عليه جيوش العبيديين إتلافا وإحراقا، واضطر الرستميون والإباضية بعامة إلى الانزواء في أقاصي الصحراء بالجزائر وفي جزيرة جربة بتونس، وجبل نفوسة بليبيا، حيث لا يزالون إلى اليوم محتفظين لهم بحياة خاصة في الجوانب التربوية والاجتماعية، حفظت لهم كيانهم واستمرارهم لأزيد من ألف عام.
ج= آراء الإباضية:
يتفق الإباضية مع المذاهب الإسلامية الأخرى في اعتماد مصادر واحدة في العقيدة والتشريع.
وسوف نعرض لهذه المصادر تفصيلا خلال تناولنا لآراء الوارجلاني الأصولية، مكتفين في هذا التمهيد بأهم آرائهم في العقيدة والسياسة، كما
لخصها الشيخ علي يحي معمر (3).
(1)
-
-
عوض خليفات، نشأة الحركة الإباضية، صفحات 109؛
(2) - عدون جهلان، الفكر السياسي عند الإباضية، ص 41؛ تاديوش ليفيتسكي، دائرة المعارف الإسلامية مادة "إباضية".
(3)
علي يحي معمر الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم المطبعة العربية، غرداية،
- or- (1/59)
صفحة 60
-
في العقيدة:
الأصل العام في العقيدة عند الإباضية هو التنزيه المطلق للباري جل وعلا، وكل ما أوهم التشبيه آية قرآنية أو سنة نبوية وجب تأويله بما من يناسب المقام، دون تعطيل ولا تمثيل.
-
الإيمان يتكون من ثلاثة أركان لا بد منها وهي: الاعتقاد بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.
صفات الباري، ذاتية ليست زائدة على الذات ولا قائمة بها، ولا
حالة بها.
-
الله تبارك وتعالى صادق في وعده ووعيده.
الخلود في الجنة والنار أبدي.
إنكار جزء من
كلمة التوحيد، أو معلوم من الدين بالضرورة شرك.
القرآن كلام الله، نقل بالتواتر، وإنكار شيء منه شرك. الإنسان حرّ في اختياره مكتسب لعمله ليس مجبرا عليه ولا خالقا
لفعله.
ولاية المطيع والبراءة من العاصي واجبتان (ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص) وهي درجة خاصة في الولاية فوق ولاية الجملة وبراءة
الجملة.
الناس قسمان مؤمن وكافر، أو سعيد وشقي، ولا منزلة بين المنزلتين في الآخرة.
النفاق منزلة بين الكفر والإيمان والمنافقون مع المسلمين في أحكام الدنيا، ومع المشركين في أحكام الآخرة، وهو معنى قولهم: بالمنزلة بين المنزلتين في الدنيا.
الجزائر، 1985، صحفات 57 - 60.
-02 - (1/60)
صفحة 61
إذا أطلقت كلمة الكفر على الموحد فالمقصود بها كفر النعمة لا كف الشرك، وهي من باب فسباب المسلم فسوق وقتاله كفر " (1). و"لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض
(+) "
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان. شفاعة الرسول ثابتة وهي قسمان الشفاعة الكبرى لبدء الحساب
ودخول المسلمين الجنة وهي المقام المحمود الذي يختص به النبي والشفاعة الصغرى، ولا تكون إلا للمؤمنين الموفين بزيادة الدرجات في
الجنة.
حجة الله تقوم على الخلق بالرسل والكتب.
الحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع. (3).
(1) - أخرجه البخاري، كتاب الإيمان باب 37، ج 1، ص 19، طبعة دار إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت، ومسلم، کتاب الإيمان باب،116، ج 2، ص 54، من شرح النووي على مسلم، د. م.
- د. ت.
(2) - البخاري، كتاب العلم باب،43، ج 1، ص 41.؛ مسلم، كتاب الإيمان، باب 118،
ج 2، ص 55.
(3) - بإمكان الباحث المنصف أن يرجع إلى كتب العقيدة الإباضية ويقارن ما ورد فيها بما ذكرته كتب المقالات من شناعات عن الإباضية يكفي بعضها لإخراجهم من دائرة المسلمين، وحشرهم في زمرة المشركين.
ونذكر من تلك المصادر:
-
كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي.
عقيدة التوحيد، عمرو بن جميع.
الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني. معالم الدين، لعبد العزيز الثميني.
شرح عقيدة التوحيد لمحمد بن يوسف اطفيش. مشارق أنوار العقول، لعبد الله بن حميد السالمي.
وقد ناقش الشيخ علي يحي معمر مقالات الإسلاميين عن الإباضية في كتابه "الإباضية بين الفرق الإسلامية" وأوضح بالدليل مناقضتها للحقيقة العلمية والتاريخية. ينظر: علي يحي معمر الإباضية بين الفرق الإسلامية عند كتاب المقالات في القديم
100
- (1/61)
صفحة 62
=
في السياسة:
تتفق كلمة المؤرخين أن اختلاف المسلمين شيعا وأحزابا كان سبب مرجعه الأول قضية الخلافة، أو رئاسة الدولة الإسلامية. ولئن استطاع المهاجرون والأنصار تجاوز أزمة السقيفة بحكم قوة الوازع الديني، وقربهم من عصر النبوة، فإن المشكلة استعصت على من بعدهم لتبدل الظروف والأحوال. وفي ظل المشكلة السياسية بعد واقعة صفين، واختلاف وجهات النظر حول هذه القضية تبلورت النظرية السياسية عند الإباضية والتي لخصها المرحوم علي يحي معمر في نقاط (). نجتزئ منها ما يلي: عقد الإمامة فريضة بفرض الله الأمر والنهي، والقيام بالعدل، وأخذ الحقوق من مواضعها، ووضعها في مواضعها، ومجاهدة العدو. والدليل عليها من الكتاب والسنة والإجماع.
رئاسة الدولة الإسلامية (الخلافة) ليست مقصورة على قريش أو العرب، وإنما يراعى فيها الكفاءة المطلقة، فإن تساوت الكفاءات كانت القرشية أو العروبة مرجحا.
لا يحل الخروج على الإمام العادل.
الخروج على الإمام الجائر ليس واجبا، كما تقول الخوارج، وليس ممنوعا كما تقول الأشاعرة ومن معها، وإنما هو جائز، فيترجح استحسان الخروج إذا غلب على الظن نجاحه، ويستحسن البقاء تحت الحكم الظالم إذا غلب على الظن عدم نجاحه، أو إفضاؤه إلى مضرة أشدّ تلحق
والحديث" طا، مكتبة، وهبة القاهرة، 1396 هـ 1976 م. علي يحي معمر، الإباضية دراسة مركزة، صحفات 54 - 56.
-09 -
-
(1) (1/62)
صفحة 63
-
-
-
بالمسلمين، أو تضعف قوتهم أمام أعدائهم من غير المسلمين (1). الإمام يختار عن طريق الشورى وباتفاق أغلبية أهل الحق والعقد، وهو المسؤول عن تصرفات، ولاته ويستحسن له أن يستشير أهل الحل والعقد من أهل كل منطقة في تولية العمال عليهم وعزلهم عنهم.
لا يجوز أن تبقى الأمة الإسلامية دون إمام أو سلطان. الحاكم الجائر يطالب أولاً بالعدل، فإن لم يستجب طولب باعتزال أمور المسلمين، فإن لم يستجب جاز القيام عليه وعزله بالقوة، ولو أدى ذلك إلى قتله إذا كان ذلك لا يؤدي إلى فتنة أكبر.
السلطان الجار سواء كان من الإباضية أم من غيرهم، هو وأعوانه في براءة المسلمين، ومعسكره معسكر بغي.
لا يجوز الاعتداء على دولة مسلمة قائمة داخل حدودها، إلا ردا لعدوان بمثله.
يجوز أن تتعدد الإمامات في الأمة الإسلام إذا اتسعت رقعتها وبعدت أطراف البلاد منها، أو قطع بين أجزائها بحيث يعسر حكمها بنظام واحد، أو يكون ذلك سببا لانهيارها وتشتت، قواها، وتعطل مصالح الناس فيها (2).
(1) - يقول الدكتور عمار طالبي: إن الخوارج ترى امتشاق السيف واعتراض الناس لإزالة أئمة الجور، أما الإباضية فلا ترى الاستعراض، وإنما توجب إزالة أئمة الجور إذا أمكن لها ذلك، سواء كان بطريق السيف أو بغيره، وإلى نحو هذا ذهب المعتزلة والزيدية وجماعة كبيرة من المرجئة، وأنكر أصحاب الحديث ومن تبعهم من الأشاعرة وأهل السنة عامة الخروج على السلطان، وإن جار وظلم». عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1978 م، ج 1،
ص 118.
(2)
-
لمزيد من التوسع ينظر كتاب عدون جهلان الفكر السياسي عند الإباضية، نشر جمعية التراث القرارة الجزائر. د. ت؛ إبراهيم بن يوسف الحكم والسياسة في الإسلام من منظور الإباضية، مطبعة تقنية الألوان، الجزائر، 1991.
- OV- (1/63)
صفحة 64
هذه أبرز معالم المذهب الإباضي الذي انضوي تحت لوائه سكان
و ارجلان حيث نشأ أبو يعقوب وتحددت كثير من مواقفه الفكرية من هذا المذهب، فهل كان الواقع الاجتماعي تجسيدا فعليا لهذه
انطلاقا
الأفكار والمبادئ؟
ذلك ما سنحاول استجلاءه في المطلب القادم.
المطلب الثاني: الجانب الاجتماعي
ذكرنا في الحديث عن نشأة نظام العزابة أن سبب قيامه كان سياسيا، ولكن منطلقه ونهجه كان تربويا اجتماعيا، إذ إن حلقة العزابة تمارس مهام الإمامة المتمثلة في رعاية شؤون المجتمع، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيما عدا الأحكام الخاصة بإمامة الظهور.
كما يهدف هذا النظام في غايته البعيدة من خلال برنامجه التربوي الاجتماعي إلى تكوين القاعدة الأساسية لإمامة الظهور. ولذا نجده وثيق الصلة بدراسة كل النواحي السياسية والاجتماعية والتربوية في وارجلان. وقد تعرضنا لنشأة هذا النظام ووجه السياسي فيما مضى، ونستتبع الحديث هنا بما له صلة بالنواحي الاجتماعية، لتوضيح البيئة التي نشأ فيها أبو يعقوب الوارجلاني وأثرها على تكوينه وفكره.
أ= التركيبة الاجتماعية وأثرها على الأوضاع في وارجلان: لئن كان سكان وارجلان الأصليين هم بنو واركلا الزناتيين الذين عمروا المنطقة منذ عصر ما قبل الإسلام، فإنهم لم يبقوا فئة منعزلة لوحدها في تلك المدينة، إذ انضاف إليهم عناصر مختلفة وفدت مع الحروب والهجرات المتعددة التي عرفتها المدينة عبر تاريخها الطويل، ومع قوافل التجار الذين استطابوا العيش في تلك المدينة الغنية الآمنة. فكان من بين سكانها عدد كبير من التجار الأجانب الغرباء، لا
-58 - (1/64)
صفحة 65
سيما من قسنطينة وتونس، والذين وجدوا أهل وارجلان كرماء ظرفاء، يستقبلون الغريب ويفرحون به» (1).
واندمج في المجتمع الوارجلاني من المهاجرين أشكال وأصناف، ومن أبرزهم فلول الإباضية الفارين من تاهرت وبلاد الجريد، الذين لاذوا
بحمى إخوانهم وشاركوهم هموم العيش، ودفعوا معهم ضريبة البقاء (2). كما كان لسوء الأحوال الاقتصادية والأمنية ببلاد المغرب في القرنين الخامس والسادس الهجريين دور بارز في دفع حركة الهجرة إلى ربوع وارجلان فتوافدت عليها موجات من المهاجرين فرارا من شبح المجاعة وكابوس الفتن الذي عم بلاد المغرب آنئذ إذ تتابع الغلاء وسوء المعيشة بإفريقية من سنة 537 هـ إلى 543 هـ، حتى أكل الناس بعضهم وكثر الفناء، حسب تعبير النويري (3).
وعلى الصعيد الخارجي لمدينة وارجلان فإن الزحف الهلالي كان حدثا بارزا له أثره الواضح على الأوضاع الاجتماعية. فقد كان هؤلاء الأعراب من بني هلال وبني سليم وزغبة ورياح، قد أضروا بالديار المصرية، فأرسلهم تميم بن المعز الفاطمي انتقاما من بلكين بن زيري الصنهاجي الذي خرج عن طاعته واستقل بحكم المغرب، فأرسل تميم هؤلاء الأعراب إلى المغرب، وملكهم أرضها، ووكل إلى سواعدهم وسيوفهم تحقيق ذلك). فاستولوا على الحواضر والبوادي،
-
-
(1)
(2)
(3)
الشريف الوزان وصف إفريقيا، ج 2، ص 136.
مسعود مزهودي، الإباضية بالمغرب الأوسط، صحفات 34 - 36. شهاب الدين أحمد النويري، نهاية الأرب في فنون الأدب، تحقيق د. حسين نصار، د. عبد العزيز الأهواني نشر المجلس الأعلى للفنون والثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1403 هـ / 1983 م، ج 24، ص 247. (4) - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 8، ص 00؛ الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1،
-09 - (1/65)
صفحة 66
وشنوا الغارات وقطعوا الطرق، وأفسدوا الزروع، فضاق الأمر بالناس، ونزل بإفريقية بلاء لم ينزل بها قط (1).
وتغلب الهلاليون على أطراف الزاب من واركلان، وقصور ريغ، وصيّروها سهاما بينهم وانتزعوها للموحدين، فكان آخر عهدهم بملكها (2).
وهكذا أصبحت وارجلان كغيرها من بلاد المغرب تحت رحمة
الهلاليين.
ودرءا لغاراتهم وفسادهم فقد اضطر الأهالي إلى تقديم ضرائب مالية كبيرة لهؤلاء الأعراب، واستمر هذا الوضع زمنًا غير قصير، إلى عهد الوزان الذي وصف أمير وارجلان بأنه يؤدّي إلى جيرانه الأعراب خراجا مرتفعا» (3). وكان طبيعيا أن تتأثر وضعية المجتمع بوارجلان استقرارا أو اضطرابا بهذه الفسيفساء البشرية المختلفة المشارب والأعراق. والغالب أن الأوضاع في ظل هذه التركيبة غير المتجانسة تميل إلى عدم الاستقرار، مما أثر سلبا على المجتمع، خصوصا وأنه لم تكن ثمة سلطة
سياسية قوية تبسط نفوذها على الجميع، فتردع الظالم وتنصف المظلوم. وفي كتب السير نماذج عديدة لسوء الوضعية الاجتماعية بوارجلان، وإن كان مظهرها الخارجي يدعو إلى الرضا والتفاؤل، فهذا أبو يعقوب يوسف بن زرار النفوسي). زار وارجلان فتعجب من ظهور صلاحهم
صحفات 259 - 0260
(1) - ابن الأثير، الكامل في التاريخ، ج 8، ص 56؛ ابن خلدون، العبر، ج 13، ص 97.
(2) - ابن خلدون العبر، ج 11، ص 73. (3) - الوزان وصف افريقيا، ج 2، ص 137.
(4) - لم أجد له ترجمة في كتب السير. (1/66)
صفحة 67
وتعميرهم، مساجدهم وشدة تحفظهم وحرصهم على العلم، فقال: كيف نجت من الشيطان؟ فأقام بها وخالط أهلها وعلم دخيلتهم فقال: هنا استوطن الشيطان، وأطلق في الأرض عماله)).
ويؤكد ذلك ما رواه الدرجيني أن أبا يحي زكرياء بن أبي بكر). توجه إلى وارجلان، زائرا فقال له: أهلها أقم عندنا قليلا نستأنس بك. فقال لهم قولوا أقم عندنا قليلا يمت قلبك وذلك لما اطلع عليه من طريقتهم ورداءة أحوالهم).
ولما عاد أبو نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان بعد ثورة أبي خزر، وجد الأمور قد تبدلت بعد وفاة شيخ وارجلان أبي صالح جنون بن يمريان، وأن الأحوال قد فسدت وأنها على غير ما عهد. ومكث فيهم زمنا، ثم جمع أعيان البلد يعظهم وينكر عليهم انحرافات كثيرة ظهرت فيهم، ويعجب من سكوتهم وعدم إنكارهم لها.
ومن
هذه المنكرات عدّد لهم ثلاثا، إحداها تفشي نكاح السر بينهم، "فإذا مر أحد برجل وامرأة مجتمعين في موضع تهمة اشمأز قلبه، وإن زجرهما قالا: إنا متناكحان، فكادت تظهر فيكم الفاحشة، بل ظهرت". والثانية: إطلاق العبيد بلا مؤونة تكفيهم فينطلقون في أموال الناس بلا حدود، فيكاد أحدكم يكون سارقا وهو في محرابه جالس"، والثالثة: ظهور التحزب والتفرق فطائفة تقول مسجدنا ومسجدكم، وطائفة
-
(1)
الشماخي، سير، ص 487.
(2) - أبو يحي زكرياء بن أبي بكر، من أفاضل مشايخ وارجلان علما وتقى، له باع في علوم النظر والجدل، عده الدرجيني من الطبقة العاشرة، (450 - 500 هـ). انظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 448. (3) - أبو زكرياء، السيرة، ص 337 الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 448 -
-71
0449 (1/67)
صفحة 68
تقول حضرينا وحضريكم، ويهودينا ويهوديكم ().
هذه الوضعية المأساوية كانت على المستوى الداخلي للمجتمع في وارجلان، وزاد الأمر تعقيدا تدهور الأوضاع على المستوى الخارجي بكثرة غارات الأعراب على المدينة وتعاقب الفتن.
وتمتع المدينة بالرفاه الاقتصادي جعلها هدفا للطامعين، فلم تعرف الهدوء والاستقرار إلى أن أتى عليها ابن غانية الميورقي في حملته التخريبية سنة 626 هـ، فاجتث شجرها وغوّر مياهها وتركها قاعا صفصفا (2). وقد ضج أهل وارجلان من الغارات الكثيرة على بلدهم وهذا أبو يعقوب الوارجلاني يراسل أحد أصدقائه قائلاً: لقد جرى علينا يا أخي في ورجلان من المصائب ما يستغرق مصائب الدنيا وآفاتها إلى مصائب الدين، يكثر تعدادها ويشجو تردادها، فاقت الوصف ... » (3). ونظرا للفتن المتعاقبة، وتدهور الحالة الأمنية بوارجلان، وبخاصة على
المستوى الخارجي، فقد أفتى أحد العلماء، وهو الشيخ أبو محمد عبد الله بن زوزتن) لصديقه الشيخ أبي يعقوب يوسف بن محمد بن بكر (ه) نجل
(1) - الدرجني، طبقات. ج 1، ص 154 (2) - ابن الخلدون العبد، ج 13، وص 98؛ بكير أو عوشت، أبو يعقوب الوارجلاني،
ص 37.
(3) – أبو يعقوب الوارجلاني الدليل والبرهان، طبعة حجرية المطبعة البارونية، القاهرة، 1306 هـ، ج 3، ص 158. (4) - عبد الله بن، زوزتن أحد العلماء الذين أسهموها في الحياة الفكرية والاجتماعية بوارجلان ونواحيها، في القرن الخامس عده الدرجيني ضمن الطبقة التاسعة (400 - 450 هـ)، كان مقربا من أبي نوح سعيد بن زنغيل، حتى عُرف بفتى أبي، نوح، وله آراء سديدة في المعاملات، منها قوله: "رؤية المديان غريمه فيه تقاضي بعض دينه".
ينظر: الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 395 - 399. (5) - يوسف بن محمد بن بكر، كان عالما فاضلا مثل أبيه ولكنه اشتهر بالاشتغال بتزكية
-62 - (1/68)
صفحة 69
مؤسس
الحلقة بسقوط فريضة الحج عليه مهما بلغ مالهن وقال له: اكسب يا أخي ما شئت فلا أرى لك الحج»، وذلك بسبب قطاع الطرق، وكثرة جور أهل هذا الزمان. وجعل سبيل مال الحج أن ينفق صدقة على الفقراء (1).
•
ب= دور العزابة في توجيه الحياة الاجتماعية:
أزاء الوضع الاجتماعي المتدني الذي وصفناه آنفا، انطلقت جهود حلقة العزابة لتصحيح المسار، وإصلاح الأوضاع على المستويين الداخلي
والخارجي. وتمثلت هذه الجهود في إحياء مبدإ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر العلم والفضيلة بواسطة حلق العلم المتنقلة، والتركيز على التربية الخلقية، والتزكية الروحية في أوساط الناس.
إذ إن من مهام العزابة «الإصلاح بين الناس، والإسفار بينهم، والتراسل في أهل الخير ليجتمعوا على أهل الفتنة، وطلب أهل المناكر، و طردهم، وإخراج الريبات والحرام من البلدان وطردهم حتى يخرجوا من عمران البلاد، وترك طعام من يعامل الحرام أو يدنوا منه ويشتهر به» (2). فهذه المهام هي الوجه الاجتماعي لنشاط العزابة، ممثلا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بكل صورهما وأشكالهما، واستعمال مبدإ البراءة من المجاهرين بالمعاصي، وهو مبدأ إسلامي له أثر فعال في المجتمع،
النفس والتنسك كما اشتهر أخوه أبو العباس أحمد بالتأليف والتدريس. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 442 - 443.
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص 376. (2) - أبو الربيع سليمان بن عبد السلام الوسياني، سير الوسياني، مخطوط، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يزجن، غرداية، ج 2، ص 244.
-63 - (1/69)
صفحة 70
وبه تجسد دور العزابة في قمع الفساد، وصيانة المجتمع من الآفات والانحرافات، فكان عملهم بديلا ناجعا، بل إحياء لنظام الحسبة في الدولة
الإسلامية.
وللتدليل على هذا الدور الاجتماعي لحلقة العزابة، تورد كتب السير شواهد كثيرة من تاريخ وارجلان وعلمائها، بدءا بمؤسس الحلقة الشيخ محمد بن بكر، وما بذله من جهود محمودة في إصلاح المجتمع، داخل وارجلان وخارجها. فقد كان مقيما بأريغ ثم بلغته أخبار عن اشتهار بعض القبائل، وهم بنو وزمار، بقطع الطريق وابتزاز الأموال، فجمع رؤوسهم ووعظهم، ودعاهم إلى منع أبنائهم من هذا الفساد، فتعللوا بعدم مقدرتهم على الضرب على يد المفسدين، فغضب الشيخ لهذا الضعف والاستخذاء، فكان جوابه: "إذا لم تقدروا على هؤلاء، فنحن نقدر على أنفسنا"، فرحل علنهم بأهله وتلاميذه، وهجرهم سنة كاملة حتى ضاقت أحوالهم بافتقادهم من يبصرهم بأمر دينهم فتوجهوا إليه ملحين أن يعود إليهم، فامتنع من ذلك حتى يصلحوا ما بأنفسهم فاجتهدوا في إصلاح أحوالهم وزجر المفسدين، ثم عاد إليهم (1).
ودعاه يوما الشيخ محمد بن سليمان النفوسي (2) ليسير معه إلى
وارجلان فامتنع، واعتل بكثرة تخليط أهل وارجلان الحسن بالقبيح).
(1) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 386 - 387؛ الشماخي، سير، صحفات 388 -
389
(2) – أبو عبد الله محمد بن سليمان النفوسي، من الطبقة التاسعة (400 - 450 هـ)، كان ميسور الحال، ساهم بأمواله في تشجيع العلم وطلبته، فكانت له حلقة علم كبيرة يتولى تعليمها والإنفاق عليها طعاما وكساء وله آراء سديدة في شؤون المعاش.
الدرجيني طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 417 - 418.
-
(3)
الشماخي، سير، ص 389.
-78 - (1/70)
صفحة 71
كما كان للعزابة منزلتهم الاجتماعية وكلمتهم المسموعة فوظفوا
هذه الخاصية في إصلاح ذات البين ونصرة المظلوم، ومن ذلك ما فعله ماكسن بن الخير) لردّ إماء وأموال أخذها الأعراب في إحدى غاراتهم على وارجلان، فسعى لاستردادها، وكلّل مسعاه بالنجاح نظرا لمنزلته المعتبرة في قلوب الجميع. وحمد له الناس سعيه، بما بذل من جهد وحكمة لاستخلاص الحق من الغاصبين (2). كما كان للعزابة أيضا دورهم في مراقبة الأسواق، يتفقدون السلع والتجار، ويستوثقون من الجزارين لسلامة الذبائح، وكشف الغش في المعاملات، بل إنهم اضطلعوا بمهمة ذبح لحوم البلد ضمان لتحقق الوصف الشرعي في الذبيحة حتى لا يطعم الناس إلا حلالا.
وإذا دخل الحرام السوق أغلقوه ثلاثة أيام، ثم فتح من جديد). ورغم النماذج التي أوردناها، فإنها لا تعني أن العزابة استطاعوا حمل الناس جميعا على السير في سواء السبيل، فإن زمام الأمور قد ينفلت من أيديهم أحيانا، فلا يستطيعون التحكم في الأوضاع، خصوصا وأن سلطتهم على المجتمع روحية معنوية وأن القيم كثيرا ما تطوّح بها رياح
المصالح والرغبات الجامحة، فيختل التوازن، ويصاب المجتمع بالفساد. وقد نشأت فتنة بين قبيلتين من أهل وارجلان بسبب مزاحمة إبلهما على الورود على بئر ماء، فاحتد الخصام بينهم وأدى إلى إراقة دماء
(1) - ماكسن بن الخير من العلماء الذين ساهموا في الحركة العلمية بوارجلان خلال القرن الرابع الهجري، وكان رفيقا لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي تتلمذ بتونس، ثم سكن
وارجلان وكان ضريرا حاد المزاج، ومفرط الذكاء. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 429 - 433. الوسياني، سير، ج 1، ص 100. (3) - مزهودي، الإباضية بالمغرب الأوسط، ص 218.
-
(2)
-70 - (1/71)
صفحة 72
وأموال كثيرة، ورغم جهود العزابة والعلماء لاحتواء الفتنة وإطفاء نارها، وإصلاح ذات البين، فإن جرحها ظل في النفوس عميقا، وظل أثره في
القلوب حيا، لم يتمح إلا بعد أمد طويل).
ج= الوجه الإيجابي لمجتمع وارجلان:
لعل ما عرضنا من صور المجتمع الوارجلاني، يجعلنا نراه مجتمع انحرافات وقلاقل، وفتن مما ينسينا جانبا مهما من حياة هذا المجتمع لم تهتم به كتب السير والتاريخ، لأنه جانب لا يلفت الأنظار، ولا يدعو إلى كبير عناية واهتمام. والواقع أن طبيعة الإنسان بما فيه من نفس أمارة بالسوء، تدعو إلى النزاع والصراع، وهذا النزاع والصراع من مستلزمات أي تجمع بشري، ما لم يكن ثمة رادع من دين أو سلطان، يزع الناس عن الظلم والفساد.
ولا ينكر أثر جهود العزابة على سير أوضاع المجتمع نحو الأحسن، وتوطيد دعائم الاستقرار والتآخي بين أهل وارجلان، فضلا عن وجود غالبية من الناس تلتزم الإسلام وتتمثله واقعا معيشا في حياتها اليومية، وسلوكها فرديا كان أم جماعيا.
وإن كانت كتب التاريخ لا تولي الأحداث العادية اهتماما يذكر، وإنما تسجل الأحداث الطارئة، والوقائع الخاصة، ولذلك كانت أغلب قصص التاريخ حكايات عن الحروب والفتن والخصومات. وفي كتب السير الإباضية لمحات مشرقة عن الوجه الآخر لمجتمع وارجلان. فقد روت أنه كان بها من الأولياء والعباد عدد غفير، واجتمع
—
(1) - علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 4، ج 2، صحفات 412 - 413.
-77 - (1/72)
صفحة 73
نهم في زمن واحد سبعون صالحا كانوا مستجابي الدعاء). وفي وارجلان معقل للزهاد يسمّى جبل العباد، ينقطع إليه الصالحون في خلوات التنسك والعبادة، والتزكية الروحية.
كما كان في وارجلان في عهد الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان رجل لو دعا على ماء أن يجمد الجمد ().
وقد وقع الوباء في إحدى السنين، فآذى الناس كثيرا، فاجتمعوا للصلاة والدعاء خارج البلد، واجتهدوا في التضرع إلى الله، فما أصبحوا من غدهم إلا وقد رفع الله عنهم الوباء، ولم يجدوا له أثرا). ومن جهة أخرى فإن أهل وارجلان كان يُحلّون العلماء والعزابة محلاً معتبرا، ويقدّرون فيهم العلم، والصلاح ويحفلون بزياراتهم ودعوتهم في
مختلف المناسبات، ويسعون في خدمتهم إكراما للعلم، ابتغاء وجه الله. وقد زار العزابة أحد الأثرياء، فأحسن نزلهم، ودفع لهم ثلاثمائة بقرة
طروقة الفحل). وأمثال هذا الكرم والإكرام في المجتمع الوارجلاني كثير، ومنها إكرام
الطلبة بالفطور في شهر رمضان (.).
كما تميز أهل وارجلان بخاصة محمودة تمثل مظهرا من مظاهر التآزر الاجتماعي عند الشدائد، وهي دعوة أهل القرى المجاورة لحضور الجنائز، ومواساة أهل الفقيد خصوصا إذا كان من فضلائهم، وكانت هذه عادتهم لا يعجلون بدفن من يموت حتى يجتمع الناس القادمون من بعيد،
(1) - الوسياني، سير، ج 2، ص 203.
-
(2)
الشماخي، سير، ص 512.
(3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 440.
-
(4) - الشماخي، سير، ص 382. الشماخي، سير، ص 408.
-
(5)
- TV- (1/73)
صفحة 74
واستمر حالهم على هذا إلى زمن قريب» (1).
وظاهرة التزاور كانت سمة بارزة للمجتمع الإباضي منذ الأيام الأولى لنشأة المذهب، ثم ازداد الاهتمام بها مع توالي المضايقات عليهم، وكان لها أثر فعّال في تقوية أواصر الأخوة والتناصر والتناصح بين أفراد المجتمع، وترسيخ مبادئ وأصول المذهب بينهم، وتبيان الحقائق ورد الشبه المثارة
حولهم.
ولذلك لم يكن هدف هذه الزيارات اجتماعيا فحسب، بل كان دينيا
علميا كذلك.
وقد جعل مؤسس حلقة العزابة من بين قواعد نظامه الاهتمام بالرحلات الميدانية، وإطلاع أعضاء الحلقة على أوضاع إخوانهم في مختلف أماكن وجودهم، وجسد ذلك عمليا في سيرته. وهذا أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي (2). يصور لنا إحدى هذه الزيارات بقوله: «طلعنا مع أبي عبد الله إلى وارجلان زائرين، في جماعة كثيرة، وفينا قبائل أهل الدعوة بأجمالهم، حتى جعل ببعض الطريق أبو عبد الله على كل قبيلة منهم عريفا وسفيرا يرعاهم ويتفقد أمورهم خوفا مما يحدثون في وارجلان ... فسرنا على هذه الرعاية والحذر والوجل والجد والاجتهاد والافتقاد حتى وصلنا وارجلان .. ومع ذلك ذكر عن بعضهم أنه أحدث أحداثا مما كانوا ينهون عنه» (3).
(1) - الوسياني، سير، ج 2، ص 242؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 440. (2) - أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي من الطبقة العاشرة، (450 - 500 هـ). يعتبر من أبرز تلاميذ الشيخ محمد بن بكر، اشتهر بسيرته التي اعتمدها اللاحقون، كما أسهم في الحياة العلمية بمواطن الإباضية في حربة ووارجلان
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 425 - 428. أبو زكرياء، السيرة، صحفات 321 - 322.
-7 A- (1/74)
صفحة 75
وفي كتب السير نماذج عديدة، ووصف دقيق لهذه الزيارات العلمية الاجتماعية، إذ فيها تثار المشكلات المستعصية، ويطلب من الشيوخ
حلها، والإفتاء في النوازل والإصلاح بين الناس في الخصومات. كما كانت اجتماعات الناس في الأفراح والأتراح فرصة سانحة للمشايخ وأعضاء الحلقة للاتصال بالمجتمع؛ لعلاج أدوائه، وتبصيره بما يصلح حاله في دينه ودنياه.
المطلب الثالث: الجانب الاقتصادي والعمراني
أولى الدارسون لتاريخ وارجلان جانب الاقتصاد والعمران نصيبا كبيرا من الأهمية لم تُعن به النواحي الاجتماعية والعلمية. وتركزت أبحاثهم على الوجه البارز في اقتصاد وارجلان وهو التجارة، ومسالكها وسلعها وأسواقها.
ونجتزئ من ذلك لمحات تمدنا بصورة مركزة وواضحة عن المجتمع الوارجلاني في نشاطه العمراني بعامة والتجاري بخاصة، في عصر
أبي يعقوب، الذي ساهم بدوره في هذا المجال كأمثاله من أبناء وارجلان وعلمائها، وكانت لهم تجاربهم في الرحلة والتجارة، أثروا بها الحياة
الاجتماعية والفكرية على حد سواء.
أ= الموقع الجغرافي وأهميته التجارية:
يعتبر موقع وارجلان الاستراتيجي كبوابة للدخول إلى بلاد السودان، وممرّ للقوافل بين الشمال والجنوب وبين الشرق والغرب، العامل الأول الذي أكسبها أهميتها الاقتصادية.
فهي كما يقول ابن خلدون باب لولوج السفر من الزاب إلى
-79 - (1/75)
صفحة 76
المفازة الصحراوية المفضية إلى بلاد السودان» (1).
وهي من جهة أخرى قاعدة لانطلاق حجاج بلاد السودان الغربي عند توجههم إلى البقاع المقدسة مرورا بمدينة تقرت (2).
ونظرا لما تتمتع به المدينة من الأمن النسبي الذي تفرضه طبيعتها الصحراوية فقد تعززت أهميتها التجارية فصارت مركزا رئيسا للتجارة العابرة للقارات قرونا طويلة وكانت لذلك آثاره البارزة على المستوى الداخلي للمدينة، وعلاقاتها ببلاد المغرب والسودان.
وقد ارتبطت وارجلان بمدن المغرب والسودان بطرق تجارية كثيرة، اهتم المؤرخون بتحديد اتجاهاتها ومسالكها ومسافاتها ومحطاتها بشكل دقيق، ليكون ذلك دليلا للتجار، حتى لا يتيهوا في مفازات الصحراء
القاتلة (2).
وتتجه الطرق الجنوبية عبر ثلاثة محاور هي - وارجلان كوكو، - وارجلان غانة - وارجلان غيارو.
-
أما الطرق الشمالية فتتجه عبر أربعة محاور هي: - وارجلان تاهرت وارجلان جبل نفوسة - وارجلان القيروان عبر الزاب - وارجلان
تلمسان عبر تاهرت).
(1) - ابن خلدون، العبر، ج 7، ص 51. (2) - ابن خلدون العبر، ج 7، ص 51.
-
(3)
أبو عبد الله البكري، المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب تحقيق دوسلان، مطبعة الحكومة، الجزائر، 1857، ص 182؛ أبو عبد الله محمد الشريف الإدريسي، المغرب العريمن كتاب نزهة المشتاق، تحقيق محمد حاج صادق ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1983،
صحفات 160 - 161.
-
(4) - د. الحبيب الجنحاني المغرب الإسلامي، الحياة الاقتصادية والاجتماعية، (ق 3 - 4 هـ / 9 - 10 م)، الدار التونسية للنشر، تونس 1398 هـ / 1978 م. صحفات 11 - 45؛ بحاز إبراهيم الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية، طا، مطبعة
- Y. (1/76)
صفحة 77
أما السلع التجارية فقد كانت القوافل تحمل من الشمال أنواع المنسوجات وأواني الزجاج والفخار والنحاس والملح إلى بلاد السودان، فيبيعونها بأسعار مرتفعة، ويعودون محملين بالذهب والعاج وجلود الحيوانات، وريش النعام والرقيق (1).
وبما أن أغلب إنتاج وارجلان هو التمر والإبل، فقد تمثل دورها التجاري في كونها وسيطا تجاريا ومستودعا، مؤقتا، وسوقا استهلاكية لمنتوجات الصحراء والتل والسودان.
واستتبع هذا النشاط التجاري البارز وجود أسواق في وارجلان لتسهيل عمليات التبادل كما بنيت بها فنادق لإقامة وراحة التجار
الوافدين (2).
وهكذا أصبحت وارجلان أهم مركز للتجارة مع السودان في نهاية
القرن السادس الهجري (3).
ب= أثر التجارة على المجتمع والعمران:
لا شك أن تجار وارجلان الذين غامروا بقطع آلاف الأميال، وتحدي الصحراء الجرداء، ومقارعة الموت، كان هدفهم الثروة الطائلة، التي تُجنّى
لافوميك، الجزائر، 1985، صحفات 210 - 215؛ مزهودي الإباضية بالمغرب الأوسط،
صحفات 164 - 171.
Gerard Dengel, L'emamat Ibadite de Tahert, these doctorat 3 eme cycle, univèrsitè de Strasbourg, 1977, pp 215 - 216.
(1) - إسماعيل العربي، الصحراء الكبرى وشواطئها، صحفات 159 - 160؛ السيد عبد العزيز سالم، تاريخ المغرب الكبير، ج 2، ص 576.
(2)
Jean Lethielleux, Ouargla cité saharienne; p 55.
-
مزهودي، الإباضية بالمغرب الأوسط، ص 158. أحمد
(3)
-
عز الدين موسي، النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، ط 1، دار الشروق، بيروت، 1403 هـ /1983 م، ص 288.
-71 - (1/77)
صفحة 78
من وراء هذه الأتعاب وكان عصب هذه الثروة تجارة الذهب والرقيق. ويكفي التاجر أن يسافر مرة أو اثنتين ليصبح في عداد الأثرياء). وبحكم النشاط الذي دبّ في فئات المجتمع كلها، فقد نالها من الثراء ما لفت أنظار الرحالة، فوصفهم الإدريسي بأنهم «قبائل مياسير، وتجار أغنياء، يتجولون في بلاد السودان فيخرجون التبر، ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم ... » (2). ويؤكد الوزان هذا الوصف عن وارجلان بأن «الصناع فيها كثيرون،
وسكانها أغنياء جدا، لأنهم في اتصال مملكة أكدز» (3). ولهذا الرخاء الذي شمل وارجلان وبدا أثره جليا في نمط الحياة اليومية لأهلها فقد تغنى بها أبو يعقوب الوارجلاني عند عودته من رحلة الحج، والشوق ملء جوانحه إليها، فقال:
جزى الله عنا ورجلا خير ماجزى به بلدا عن طالب الخير سائر هو جنة الدنيا وأبواب مكة وأبواب تبر غانة والدنانر (). وقد مكن الرفاه الاقتصادي وارجلان من تحقيق الاستقلال المالي عن بلاد المغرب، فضلا عن الاستقلال السياسي تحت ظل نظام العزابة، فضربت الدينار الذهبي، كما ذكر الإدريسي أن أهل وارجلان يخرجون من بلاد السودان، ويضربونه في بلادهم باسم بلدهم» (ه).
التبر
(1) – أبو يعقوب الوارجلاني، الدليل والبرهان دراسة وتحقيق صالح بوسعيد، (القسم
الدراسي)، ص 64.
(2) - الإدريسي المغرب العربي، ص 160.
(3) - الوزان وصف إفريقيا، ج 2، ص 136.
(4) - أبو يعقوب الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 32.
-
(5) - الإدريسي المغرب العربي، ص 160.
-720
- (1/78)
صفحة 79
وغدا الدينار الوارجلاني ذا شهرة واسعة بفضل ذهب السودان (). وقد سبقت الإشارة أن التجارة أسهمت بشكل بارز في تشجيع حركة الهجرة إلى ربوع وارجلان، فصار من سكانها عدد كبير من التجار الأجانب الغرباء عن البلد، لا سيما من قسنطينة وتونس (2). وشجعهم على المقام بها أن أهلها كرماء ظرفاء، يستقبلون الغرباء
استقبالا حسنًا» (3).
ويعلّل الوزان سواد سكان وارجلان بأنه لم يكن بسبب المناخ، ولكن
لأن لهم جواري سوداوات يتسرّون بهن فيأتين بأولاد سود). وتلك من نتائج التجارة واستجلاب العبيد وأثر ذلك على التركيبة الاجتماعية للمدينة.
كما كان للرفاه الاقتصادي نتائج سلبية، إذ غدت وارجلان هدفا للطامعين وعرضة للهجمات وعانت من ذلك كثيرا، وبخاصة بعد قدوم أعراب بنى إلى بلاد المغرب. أما أثر التجارة على العمران فقد ساعد الازدهار الاقتصادي على استبحار عمرانها حتى غدت مصرا، كبيرا، وفي ضواحيها قصور وعدد لا يحصى من القرى).
مائة
وتذكر بعض المراجع أن وارجلان كانت تضم أكثر من وعشرين بلدة ما بين مدينة وقرية (1). وفي هذه الحوزة من العيون ألف
-
(1)
عز الدين أحمد موسى، النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي، ص 288.
(2) - الوزان وصف، إفريقيا، ج 2، ص 136. (3) - الوزان وصف إفريقيا، ج 2، ص 136. (4) - الوزان وصف إفريقيا، ج 2، ص 136. الوزان، وصف إفريقيا، ج 2، ص 136.
-
(5)
(6) - محمد بن يوسف، اطفيش الرسالة الشافية في بعض التواريخ ط حجرية، د. م. رجب
-73 - (1/79)
صفحة 80
وإحدى وخمسون عينا (1). وإن اعتبرنا هذه الأرقام تقريبية، كما يقول لوثيو- فإنه تدل بجلاء على ما بذلك السكان من جهد شاق. (2). وإصرار كبير لعمارة هذا المصر في الصحراء.
ويعجب الحميري كيف أن الرجل منهم يحفر بئرا بأزيد من مائة
دينار (3).
وفي هذا دلالة على الغنى الذي وفرته التجارة فساعدت على تطور الزراعة وغدت بذلك وارجلان بلدا خصبا كثير النخيل والبساتين والضروع». وقد رف عليها الشجر، ونضدت حفافيها النخيل، وانسابت خلالها المياه وزهت بينابيعها الصحراء، وكثر في قصورها العمران» (.).
ج= دور التجارة في نشر الإسلام في السودان:
لقد نشط تجار وارجلان كسائر تجار المسلمين في أداء رسالتهم، وهي
1326 هـ، ص 116؛ أعزام، غصن البان، ص 25. (1) - أعزام، غصن البان، ص 25.
Jean Lethielleux, Ouargla cité saharienne; p:83. — (2)
(3) - يذكر المؤرخون أن في هذه البلاد صورة غريبة في استنباط المياه لا توجد ببلاد المغرب إذ يحفرون بئرا عميقة من نحو خمسين قامة، ثم يصلون إلى حجر مصفح على وجه الأرض فينقرونه فيفيض الماء منه غزيرا ويصل إلى فم البئر، وإن لم يُتدارك الحافر بالجذب أغرقه الماء. أبو سالم عبد الله العياشي، الرحلة المسماة بماء الموائد، ط. حجرية فاس، 1316 هـ / 1898 م،
ج 1، ص 48.
ابن خلدون، العبر، ج 13، ص 19.
-
(4) - محمد بن عبد المنعم الحميري الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق د. إحسان عباس،
مكتبة لبنان بيروت، 1975 م، ص 600. (5) - ابن خلدون العبر، ج 13، ص 98.
-74 - (1/80)
صفحة 81
تبليغ دين الله إلى أرجاء المعمورة، وذلك بحسن السيرة والمعاملة، فكانوا دعاة قبل أن يكونوا تجارا. وتمدنا المصادر بمعلومات بالغة الأهمية عن نشاط تجار وارجلان في هذا الميدان، فقد ساعدهم على ذلك سيطرتهم الكاملة على طرق التجارة المؤدية إلى بلاد السودان الغربي، وظلوا سادتها وقادة قوافلها.
ووضعوا خططا لتركيز الدعوة في بلاد السودان تحت رعاية نظام العزابة، فأنشؤوا الربط منذ عهد مبكر في الطريق بين وارجلان وبلاد السودان).
وتذكر كتب السير عددا وفيرا من الفقهاء كان لهم نشاطهم الدعوي والتجاري في السودان، منهم أبو نوح سعيد بن يخلف، وأبو القاسم الفرسطائي، وأبو الحميد الفرّاني (2).
ومنهم
أبو الحسن علي بن يخلف التيمجاري، الولي الصالح الذي أدخل ملك مملكة مالي في الإسلام فتبعه أهل مملكته جميعا، وذلك سنة
575 هـ (2).
كما شارك أبو يعقوب الوارجلاني في هذه الرحلات التجارية العلمية
الدعوية (1). وإن ذكرت كتب السير أخبار هؤلاء العلماء عرضًا، فلا شك أن كثيرين من التجار البسطاء قد أسهموا في الدعوة الإسلامية، كل بما
-
(1) - د. أحمد إلياس حسين دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن 13 م، ندوة العلماء الأفارقة ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية، طبع بغداد، 1405 هـ / 1985 م،
ص 94.
(2) - الوسياني، سير، ج 1، ص 8؛ مزهودي، الإباضية في المغرب الأوسط، ص 205. (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صفحات 515 فما بعد. ينظر: مبحث "رحلته إلى السودان في فصل "شخصية الوارجلاني" من هذه الدراسة.
(4)
- Yo - (1/81)
صفحة 82
عنده، وحسب مستواه وإن أغفلت المصادر ذكره وما قدمه
للدين (1).
خدمة من
وقد استقصى ليفتسكي المصادر التاريخية وبين استمرار علاقة العلماء التجار ببلاد السودان وأنها ظلت نشطة طيلة القرون الخامس والسادس والسابع للهجرة، العاشر والحادي عشر والثاني عشر للميلاد (2). كما توصل المستشرق شاخت بعد دراسات ميدانية إلى تأكيد هذه الروايات التاريخية، وذلك بوجود تشابه دقيق في الفن المعماري في كل من وارجلان وميزاب ومدن الصحراء والسودان، خاصة ما يتعلق منها بمجال الحياة الدينية كشكل منارة المسجد الهرمي، وعدم وجود منبر في المسجد، وشكل المحراب المستطيل.
وبين أن إباضية جنوب تونس و وارجلان؛ هم الذين نقلوا ملامح الهندسة الدينية الإسلامية عبر الصحراء؛ إلى قبائل هاوسا والكافوري والفويلي (2).
وهذه العلاقة العضوية بين تطور التجارة ونشر الإسلام أكسب المنطقة رسالة إنسانية سامية تمثلت قسماتها في ذلك الاقتباس والتمازج العرقي الذي أصبحت معه وارجلان مركز إشعاع يستمد منه أهالي السودان الغربي تعاليم الدين وأساليب الحياة بما يتوافق ومفهوم الحضارة
الإسلامية.
(1) - أحمد إلياس دور فقهاء الإباضية، ص 94.
Lewicki, Ibadites in Arabia and North africa, pp 113 - - (2)
130.
ibid. Lethielleux, Ouargla, pp 68 - 69. - (3)
ليفتسكي، دائرة المعارف الإسلامية، "مادة "الإباضية".
-76 (1/82)
صفحة 83
المبحث الثالث
الحياة العلمية
المطلب الأول: جذور الحركة العلمية بوار جلان
إن ارتباط وارجلان بالدولة الرستمية وتبنّي أهلها للمذهب الإباضي جعلها وثيقة الصلة بتاهرت في المجال الثقافي، فضلا عن الميدانين السياسي
والاقتصادي. وقد اشتهر الأئمة الرستميون بالاهتمام البالغ بالعلم ونشره، وكان البيت الرستمي بيت العلوم، وجامعا لفنونها من علم التفسير والحديث، والفرائض والأصول والفروع، وعلم اللسان ... » (1). وكان الإمام المؤسس لهذه الدولة عبد الرحمن بن رستم، أول من افتتح هذه السبيل، فقد كان ضمن حملة العلم الخمسة الذين أرسلهم أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة إلى بلاد المغرب بعد أن تتلمذوا عليه خمس سنوات كاملة، لينشروا العلم في ربوع المغرب (2). ويؤثر عن عبد الرحمن بن رستم أنه ترك تفسيرا للقرآن الكريم، ولكن عبثت به يد الأيام، فلم يصلنا منه شيء (3). كما اهتم الرستميون باستجلاب الكتب من إخوانهم المشارقة، لتنشيط الحركة العلمية بتاهرت فهذا عبد الوهاب بن عبد الرحمن يبعث بألف دينار إلى إخوانه بالبصرة لشراء الكتب فاقتضى نظرهم أن يشتروها ورقا، وتطوّعوا بالمداد وأجرة النساخ والمسفرين، حتى أكملوا ديوانا
(1)
-
-
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 57؛ أبو زكرياء، السيرة، ص 102.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 19.
(3)
-
الشماخي، سير، ص 138.
- YY (1/83)
صفحة 84
عظيما، فبعثوا به إلى عبد الوهاب فقرأه كاملا، ثم قال: "الحمد لله إذ ليست في هذا الديوان مسألة غربت عني إلا اثنتان لو سئلت عنهما لأجبت قياسا على نظائرهما، ووافقت الصواب).
وللإمام أفلح بن عبد الوهاب ثالث الأئمة الرستميين، قصيدة طويلة في تمجيد العلم والحث على طلبه وبيان، فضله ومنزلة أهله بين الناس، مطلعها:
العلم أبقى لأهل العلم آثارا يريك أشخاصهم رَوْحًا وإبكارا () وكان أفلح قبل توليه الإمامة تاجرا، يرحل بالقوافل إلى بلاد السودان، فلم تثنه شواغل التجارة أن ينال حظه من العلم وافرا، لأن البيئة الأسرية كانت تمسي وتصبح على مناهل العرفان.
وقد همّ يوما بالرحيل في تجارة فامتحنه والده في مسائل البيوع، فأصاب فيها كلها إلا واحدة، وكان موقف والده أن منعه من السفر، لئلا يطعم أهله المال الحرام). ويبدو من هذا المثال أن الحرص على العلم كان بدافع ديني
محض،
بغية تجسيد تعاليم الإسلام واقعا معيشا في مختلف مناحي الحياة. وبهذا الحرص والرغبة في التحصيل واستجلاب الكتب صارت تيهرت عاصمة علمية غصت مساجدها بحلق العلم والمناظرة، واحتضنت مكتبتها "المعصومة" نفائس التراث الإسلامي في مختلف الفنون). و نافست تاهرت القيروان وفاس، وقرطبة، و، بغداد، حتى دعيت عراق
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 57؛ أبو زكرياء، السيرة، ص 103. (2) - سليمان الباروني، الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية المطبعة البارونية، القاهرة،
-
د. ت. ج 2، ص 77.
(3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 320.
(4) - بحاز إبراهيم الدولة الرستمية، الفصل الثالث الحياة الفكرية صحفات 259 فما بعد.
- YA- (1/84)
صفحة 85
المغرب (1).
ولاشك أن هذا الازدهار والنشاط العلمي امتد إشعاعه إلى مناطق
أخرى من الدولة الرستمية، ونال وارجلان منها نصيب غير يسير. ويذكر صاحب غصن البان أن أهل وارجلان اهتموا بالعلم منذ فاتح القرن الثاني الهجري، فلا تجدهم إلا بين طالب علم ومعلّم، وعابد وناسك وتاجر، والوطن في غاية الازدهار والعمران بالعلماء الأعلام» (2). ومن هؤلاء العلماء عاصم السدراتي، الذي كان ضمن حملة العلم إلى المغرب، رفقة الإمام عبد الرحمن بن رستم وبعد عودته إلى بلده سدراتة، نشط في الدعوة ونشر العلم والفضيلة).
وأبو يعقوب يوسف بن سهلون المعروف بالطرفي، الذي تلقى العلم في تاهرت على الأئمة الرستميين).
غير
أن
اجتياح العبيديين لتاهرت وإحراقهم لمكتبتها "المعصومة" كان
له نتائج إيجابية على وارجلان (). إذ أعطى هذا الحدث نفسا جديدا للحركة العلمية، بوارجلان بما استنقذ من بقايا تلك الكتب، وهرب
(1) - بحاز الدولة الرستمية، ص 259. (2) - أعزام، غصن البان، ص 25.
(3)
(4)
-
-
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 126.
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 331.
(5) - يرى الأستاذ موسى، لقبال أن مكتبة المعصومة لم يحرقها العبيديون، وإنما نقلت عيونها إلى سدراتة ووارجلان. بيد أنه لا يقدم أي أدلة مقنعة على هذا الرأي، بينما تجمع كل
المصادر الإباضية من كتب السير والتاريخ قديمها وحديثها على أن المكتبة أحرقت. ولعل ما وصل وارجلان من تراث تاهرت كان من المكتبات الخاصة لأهلها، الذين نزحوا مع الفارين، وأنقذوا ما استطاعوا من الكتب، فأفادوا بها الحركة العلمية بوارجلان. ينظر: موسى لقبال من قضايا التاريخ الرستمي، مجلة الأصالة، (ع 41)، وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر، محرم 1397 هـ / 1977 م، صحفات 51 - 59. بحاز إبراهيم، الدولة الرستمية.
-79 - (1/85)
صفحة 86
إليها، فكان فرار الإمام يعقوب بن أفلح إلى ربوع وارجلان مددًا لأهلها الذين سعوا لتجديد ما ضاع من تراثهم ووجدوا فيدعم الشيخ جنون بن يمريان كل دعم وتشجيع وجلس الإمام يعقوب في مسجد الشيخ جنون يفيد الناس بما عنده من فنون العلم.
وقد سئل يوما عن آية من القرآن فقال: "معاذ الله أن ينزل على موسى وعيسى ما لم أحفظه أو أعرف معناه، فكيف بالكتاب المنزل على سيدنا محمد (1).
‚ (1) ",
كما برز في وارجلان سليمان بن الإمام يعقوب بن أفلح، فشد انتباه الناس إليه بآراء شاذة في الفقه تتركز أساسا على تنجيس فرث الحيوان،
وتحريم الجنين بعد ذبح أمه، ونجاسة عرق الجنب والحائض، وغيرها. وعرفت جماعته بالفرثية، وأججت آراؤه أوار الجدل والمناظرة في مجالس العلماء بوارجلان وحذر والده الناس منه، ولذلك لم يستمر أثره طويلا، خصوصا بعد مناظرة حاسمة أفحمه فيها الشيخ جنون بن يمريان
أمام الملا (2). وتجدد نفس الحركة العلمية بلجوء أبي نوح سعيد بن زنغيل إلى وارجلان فرارًا من تميم بن المعز الفاطمي، بعد فشل ثورة أبي خزر، حيث تفرغ أبو نوح للتدريس، وعقد حلقة في مسجد الشيخ جنون، الذي استقبله واحتفى به وملأ داره مؤونة حتى يتفرغ لرسالته، ويحيي بنور العلم أهل وارجلان ().
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 105.
(2)
-
أبو زكرياء، السيرة صحفات 180 - 181؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1،
صحفات 106 - 108.
(3) - الدرجيني طبقات المشايخ، ج 1، صحفات 143 - 144. (1/86)
صفحة 87
المطلب الثاني: دور حلقة العزابة في الحركة العلمية:
يعتبر ميلاد حلقة العزابة بداية العهد الذهبي للحركة العلمية بوارجلان، فقد كان للتنظيم المحكم الذي وضعه مؤسس الحلقة الشيخ بكر الفرسطائي، والقواعد الدقيقة التي ضبط بها مسيرة الحلقة أثر بالغ في تنشيط الجو العلمي، حتى أصبحت وارجلان بحق وريثة تاهرت في
محمد
بن
مجدها العلمي.
وعرض وجيز لهيكلة الحلقة يبين أن المسؤولية التربوية هي أهم رسالة تضطلع بها، إذ كان أساس عملها تربية النشء وتحفيظه القرآن، وتعليمه اللغة العربية وعلوم الشريعة الإسلامية.
وهذا إدراك من واضع الحلقة وشيوخها أن التربية هي أهم وسائل تنشئة الأجيال المسلمة عقيدة وعملاً، وأضمنها لاستمرار رسالة المسجد، في رعاية المجتمع، حتى يكون مجتمعا مسجديا (1).
أ- التنظيم الهيكلي للتعليم في حلقة العزابة:
أورد الدرجيني) والبرادي (3) تفاصيل دقيقة حول الهيكل التنظيمي للتعليم وشؤونه في نظام الحلقة وكيفية توزيع المهام التعليمية، وتحديد مسؤوليات كل شخص، بما يقتضي ضبط الأمور وسيرها الحسن، ويكفل نجاعة العملية التربوية على الوجه الأكمل.
وعلى رأس التنظيم نجد شيخ الحلقة الذي عليه مدار شؤون الحلقة كلها، ومنها قضايا التربية والتعليم ومعه مساعدون، يُدعون بالعرفاء،
- (1)
-
د. محمد ناصر حلقة العزابة ودورها، ص 31.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 172 فما بعد.
1
(3)
البرادي، الجواهر، صحفات 207 فما بعد.
- A) -
- (1/87)
صفحة 88
وهم بحسب اختصاصاتهم: عريف أوقات الدراسة ومهمته مراقبة الطلبة في الحضور، وترتيبهم، وتهيئتهم لدرس الشيخ.
-
عريف أوقات الختمات والنوم ومهمته تجميع التلاميذ لحضور ختمات القرآن، ورعايتهم، والالتزام بالنوم في أوقاته المحددة، كالنوم في الظهيرة، وأول الليل حتى يقووا على التبكير في السحر للتلاوة ودروس الصباح.
عريف القرآن ويدرس عليه الطلبة ألواحهم، ويصححونها ثم
يحفظونها.
عريف أوقات الطعام لرعاية الطلبة في أوقات الطعام المحددة، وحملهم على الالتزام بآداب الأكل فيها، وتنظيم من يقوم بإعداد الطعام).
أما الطلبة فهم على ثلاثة أصناف:
المبتدئون، وشغلهم تعلم القرآن وحفظه.
-
طلبة العلوم والآداب.
العجزة قاصرو الأفهام.
ولكل صنف ضوابط في أداء واجبه فطلبة القرآن لا يشتغلون بغير القرآن إلا ما قد عناهم من العبادات وفرائض الإسلام؛ كالطهارة والصلاة والصيام وما أشبه ذلك، فإن امتدوا إلى غير ذلك كره مشي
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 172؛ البرادي الجواهر، صحفات 207 - 208. لمزيد من التفاصيل حول مهمة شيخ الحلقة والعرفاء، وسير العملية التعليمية في نظام الحلقة ينظر: عوض خليفات النظم الاجتماعية والتربوية فصل النظم التربوية، صحفات 63 فما
بعد. (1/88)
صفحة 89
الغراب مع الحمام " (1).
وللنجباء حكم استثنائي خاص، فمن كان ذا فهم ذكي، وقلب لوذعي، وأعطاه الله قدرة على تحصيل هذا وذاك، فلا بأس بازدياد الخير
"
وطلب العلوم (2). كما أُولي القاصرون عناية خاصة، وذلك بعدم تكليفهم ما يشق عليهم، فهؤلاء شأنهم الإصغاء والاستماع ليحصلوا الفوائد والأخلاق الحميدة، ويظهرون التلهف والاشتياق وعليهم حفظ السير والمحافظة على
الأوقات، وإن أجهدوا أنفسهم وزادوا ظفروا ببعض ما أرادوا" (). ومن هؤلاء من عاصرهم الدرجيني أثناء تعلمه في حلقة وارجلان وحكى عنهم غرائب، فمنهم من يقضي سنوات عديدة ولا يحفظ سورة من المفصل).
ب مميزات نظام التعليم في حلقة العزابة:
تميز نظام التعليم في حلقة العزابة بخصائص أثرت بشكل بارز في نجاعة الرسالة التي أنشئت الحلقة لأجلها، ويمكن إبراز هذه المميزات فيما
يأتي:
تقسيم التلاميذ بحسب المستويات الدراسية، فقد كان النظام يفرض على الطلاب الالتحاق بمدرسة أبي يعقوب محمد بن يدر، فيعلمهم القراءة والكتابة والآداب النفسية والسير وهؤلاء هم طلبة القرآن، أو أبناء المرحلة الابتدائية ثم ينتقلون إلى مدرسة محمد بن سودرين، فيدرسون
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 179.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 179.
(3) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 180؛ البرادي، الجواهر، ص 215.
-
(4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 180.
-83 - (1/89)
صفحة 90
علوم اللسان من نحو وصرف وبلاغة ومنطق وعلوم الشريعة، وهي المرحلة المتوسطة. ثم يلتحقون بمدرسة الشيخ محمد بن بكر للتخصص في المستويات العلمية العليا وفيها يتخرجون إما إلى التدريس، وإما إلى ميادين الحياة المختلفة، أو يواصلون المسيرة في المجال العلمي دراسة وتدريسا وتأليفا).
-
-
تحديد أوقات الدراسة، وتخصيص كل قسم بما يناسبه. توحيد اللباس الذي يجب أن يكون أبيض اللون سابغا، وغير فاخر (2). تحديد العدد الأقصى من التلاميذ في الفصل الواحد، بحيث لا يتجاوز العشرة إلا عند الضرورة) وهذا عدد مثالي لم تلتزم به المدارس النموذجية الحديثة إلا قليلا.
-
النظام الصارم في أوقات المبيت والأكل والاستراحة، لأن نظام التعليم كان داخليا يضمن للطلبة الأكل، والمبيت ويشترط في الاستراحة أن تكون آخر النهار، في مواضع المياه والأشجار للترويح عن النفس وجلاء النواظر، ما لم يكن فيها ما يثير الشبهات من مرور النساء وأهل
الخساسات (1).
اعتماد التربية العملية والقيام بالرحلات الميدانية، وإشراك الطلبة في إدارة شؤون المدرسة وحل المشاكل والنزاعات، مما يؤهلهم لريادة المجتمع وتوجيهه بعد التخرج.).
-
(1)
علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، صحفات 183 - 184. (2) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 171؛ البرادي، الجواهر، ص 207 (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 177؛ البرادي، الجواهر، ص 212 (4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صحفات 181 - 182؛ البرادي، الجواهر، صحفات
-
216 - 0217
(5) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 121؛ علي يحي، معمر الإباضية في موكب
-^ {- (1/90)
صفحة 91
الاهتمام بالفروق الفردية بين التلاميذ، وذلك برعاية الموهوبين،
من
والسماح لهم بطي المراحل، عدم شغلهم بغير الدرس والمطالعة. هذا جهة، ومن جهة أخرى فإن العاجزين لا يُهملون، بل يُفسح لهم المجال للتزود من العلم قدر استطاعتهم، ولا تكون محاسبتهم مثل سائر زملائهم، كما يُشغلون بخدمة إعداد الطعام التي يعفى منها النجباء أيضا، فهؤلاء الذين لم يفتح الله عليهم بشيء، ولم يشرح صدورهم للعلم، لكن ينفعهم الله بخدمة أهل الخير ويوفيهم أجورهم" (). كما يراعى في العقوبات نفسية التلميذ ونوع المخالفة. وتتدرج العقوبات من التوبيخ إلى الحرمان من إحدى وجبات الطعام الإضافية، إلى الخطة والهجران وهي أقسى أنواع العقوبات، نظرا لأثرها البالغ في نفس
-
التلميذ (2).
مجانية التعليم إذ يتم الإنفاق على التعليم من تبرعات المحسنين ومن الزكوات والأوقاف.
ولهذا الدعم المالي دور أساسي في تنشيط حركة التعليم وازدهارها،
وأثرها البالغ في تحسين المستوى الفكري للمجتمع بشكل عام (3).
في ظل هذا النظام الدقيق والصارم نمت وترعرعت الحركة العلمية بوارجلان، بل إننا نستطيع أن نجزم بأن أهم إنجاز في إطار الحركة العلمية في هذه الديار، وفي هذه المرحلة نهاية القرن الرابع وبداية القرن الخامس الهجري- كان وضع هذا المخطط المحكم، وإرساء قواعده
التاريخ، حلقة 4، ج 1، ص 183
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 4.176 البرادي الجواهر، صحفات 211 - 212. (2) - عوض خليفات النظم الاجتماعية والتربوية، ص 82.
-
- (3)
عوض خليفات النظم، صحفات 82 فما بعد.
-850 (1/91)
صفحة 92
وقوانينه، وترسيخها، مما أعان على دعم الحركة العلمية على أسس ثابتة
ومنظمة» (1).
،وهكذا، فإننا نجد أن ازدهار العلوم بالمغرب وإفريقية، لم يكن من
همة الأمراء في شيء كما كان بالمشرق والأندلس (2). بل كان طلبة العلم وولعهم بالتحصيل.
من
تلقاء
وفي وارجلان كان العمل منظما في إطار الحلقة التي كان منطلقها وهدفها علميا منذ تأسيسها، وزادها حماسًا واهتمام بالعلم ما كان يحيط بالإباضية من اضطهاد ومطاردة في المجالين السياسي والفكري على حد
سواء.
المطلب الثالث: مظاهر الحركة العلمية بوار جلان
تتجلى مظاهر الحركة العلمية بوارجلان في مجالس العلم، وفي ما يُتداول فيها من علوم، وما خلفه أعلامها من تراث فكري. أ= مجالس العلم:
تعد حلقات التعليم التي يسيّرها العزابة أبرز مظهر لمجالس العلم
بوار جلان.
كما كان من مهام العزابة القيام بالوعظ والإرشاد في المساجد،
- (1)
-
د. عمرو خليفة النامي ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري، ضمن محاضرات الملتقى الحادي عشر للفكر الإسلامي، بوارجلان صفر 1397 هـ / فبراير (1977 م، وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، مطبعة البعث قسنطينة، 1984، ص 106. (2) - محمد الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب الشركة التونسية للتوزيع، تونس،
1967، ص 67.
-86 - (1/92)
صفحة 93
والإفتاء في النوازل لتبصير الناس بشؤون دينهم ودنياهم.
وإذا ما نزلت مسألة شائكة اجتمع لها علية الناس ممن يُنسب إلى العلم والرأي، فتداولوا القضية بينهم، وتباحثوا حول حكم الشرع فيها. وتذكر المصادر أن اجتماع العزابة والعلماء كان في مكان يعرف بـ"منبر وارجلان فته تتداول المشورة في القضايا المهمة، كما تنفذ فيه أحكام القضاة على الجناة (1).
ولكن مجالس العلم عادة ما تكون في المساجد، كسائر البلاد الإسلامية، وذكر الشماخي أن المشايخ اجتمعوا بالمسجد الكبير بوارجلان وكان معهم الشيخ محمد بن بكر وتباحثوا حول مسألة أخذ الأجرة على القرآن (). وقد أطال الفقهاء بحث هذه المسألة وكانت حجة من ذهب إلى إجازة أخذ الأجرة على القرآن الخوف من ضياع القرآن لو عزف الناس عن تعليمه فيعم الجهل بالدين، فضلا عن ورود أحاديث تفيد جواز أخذ
هذه الأجرة. ومواضيع هذه المجالس تحول حول كل ما له صلة بحياة المجتمع في علاقات الناس بربهم وعلاقاتهم ببعضهم، في العبادات والأخلاق والمعاملات. وقد ورد أن أكثر مجالس الشيخ محمد بن بكر في التخويف والتحذير، ولما سئل ن سبب اختيار هذا النهج أجاب: ما تقول في طائفة اقتسمت بيداء دهماء ذات حر شديد وسفر بعيد، فضل دليلهم وخرّ
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 422 - 423؛ أبو زكرياء، السيرة، ص
365
(2) - الشماخي، سير، ص 396.
-87 - (1/93)
صفحة 94
بيتهم، فأخذتهم البيداء إلى الخفاء كيف تكون نجاة هؤلاء من العطب
والهلاك؟ " (1).
ب= العلوم المتداولة وحركة التأليف:
يمكننا بعد دراسة تاريخ وارجلان ومجتمعها والظروف المحيطة بها في القرنين الخامس والسادس الهجريين وبمساعدة بعض الإشارات في كتب السير الإباضية أن نحدد أهم العلوم التي كانت محل اهتمام من قبل العزابة والعلماء في ذلك العهد. بيد أن الطابع العام للبيئة الوارجلانية يجعل لعلوم الشريعة واللغة نصيب الأسد الأسد من اهتمام العلماء، وإن نال بعضها حظا أوفر من بعض. وأبرز هذه العلوم المتداولة تدريسا وتأليفا، هي: - علم العقيدة والكلام
يتصدر علم العقيدة سائر العلوم في اهتمام علماء المسلمين بعامة، وعلماء وارجلان، بخاصة باعتباره مدار التمييز بين الفرق الإسلامية، وقد نالت قضايا الخلاف الكلامية كذلك نصيبها من مجالس التدريس ومؤلفات علماء وارجلان وفي مجال المناظرات والردود. وقد نشط الأشاعرة لبسط آرائهم الكلامية ببلاد المغرب في تلك الفترة، مما كان له أثر في إذكاء الجدل بين الإباضية والأشاعرة، أدّى أحيانا إلى صراع حاد بين الطرفين، وشهدت وارجلان صورا من
الصراع (2).
هذا
وقد صحب جو الجدل والمناظرة الإباضية منذ عهد الدولة الرستمية
(1) - أبو زكرياء، السيرة، ص 331.
(2)
-
الشماخي، سير، ص 438؛ د. فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند
الإباضية، ج 1، ص 118.
-88 - (1/94)
صفحة 95
وما قبلها ثم زادت حدته بعد اختفائهم من الساحة السياسية بالمغرب. وكان من مهام حلقة العزابة الردّ على طوائف من الموحدين وأهل الخلاف" وذلك بالأدلة والحجج المقنعة).
ومن
وبرز علماء لهم باع طويل في علم الكلام، تركوا تراثا كلاميا لم يشهد الإباضية له نظيرا، ولا زال عمدتهم إلى اليوم). هذا النتاج: كتاب السؤالات لأبي عمرو بن خليفة عثمان السوفي، وكتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي الوارجلاني، وكتاب شرح الجهالات له أيضا، وكتاب الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني (2). - علم الفقه:
كان لعلم الفقه أيضا نصيب موفور من اهتمام علماء وارجلان تجلى في التراث الضخم من الكتب والموسوعات الفقهية التي ألفت في هذه الفترة، وكانت قضايا الفقه حاضرة دائما في محاورات العلماء ومجالس الدرس والمناظرة.
وهدف الحلقة من التركيز على الفقه في مجال التدريس هو تنشئة
الطالب على قاعدة فقهية متينة، وربطه بفتاوى المذهب، فضلا عن فهي الاشتغال بغير كتب الفقه المذهبي، خوفا على من لم ترسخ
الطلبة عن
قدمه أن ينساق مع رأي مخالف لما جرى به العمل، دون أن يدرك مستند
ذلك الرأي وقوة دليله.
-
(1)
(2)
-
119
وقد أخرج أبو يعقوب بن خلفون إلى الخطة، لأنه كان كثير القراءة
أبو عمار عبد الكافي، سير أبي عمار، صحفات 4 - 5. د. فرحات الجعبيري، البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ج 1، صحفات 118 -
(3) - د. فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية، ج 1، صحفات 118
-19 -
119 (1/95)
صفحة 96
في كتب أهل الخلاف). وتجلى دور العزابة بارزا في تنشيط حركة التأليف، فأصبح للمغاربة مصادرهم الفقهية وصاروا لا يعتمدون على كتب المشارقة كثيرا، كما كان الأمر في السابق، حيث كانت تتدفق على المغرب آلاف المجلدات من المشرق، منذ العهد الرستمي وما تلاه.
ولعل في حرق مكتبة المعصومة ومكتبات الجنوب التونسي دافعا لعلماء وارجلان إلى الاعتماد على النفس وتعويض ما أتلفته النيران، فنشطت حركة التأليف بعامة، وفي مجال الفقه بخاصة، باعتباره دستور الحياة اليومية للمجتمع الإسلامي، وخلّف لنا علماء وارجلان النفائس الشيء الكثير.
من
بن
هذه
محمد
و نورد على سبيل التمثيل مؤلفات الشيخ أبي العباس أحمد بن بكر، نجل مؤسس الحلقة، إذ صنف في آخر عمره كتابا في خمس وعشرين جزاء، وكتاب السيرة في الدماء، وكتاب أصول الأرضين في العمارة، وكتاب أبي مسألة في الفقه كذلك. وبعض هذه الكتب لا يزال مخطوطا إلى اليوم (2).
وكانت هذه المؤلفات تعرض على مشايخ وارجلان قبل إخراجها للناس، وهو عمل شبيه بما تقوم به لجان القراءة والتصحيح التي تشرف
على طبع الكتب اليوم، حتى لا تخرج للناس إلا الإنتاج الجاد والرفيع. كما تميزت حركة التأليف في هذا العصر بالإنتاج الجماعي
أبو يعقوب يوسف بن خلفون أجوبة ابن خلفون تحقيق د. عمرو خليفة النامي (مقدمة المحقق)، دار الفتح، بيروت، 1974، ص 13. (2) - بعض هذه الكتب حقق وطبع، فقد حقق د. محمد ناصر والشيخ بكير الشيخ بالحـ كتاب القسمة وأصول الأرضين وطبع، كما حقق الباحث عبد الرحمن طباخ كتاب السيرة في الدماء، في رسالة ماجستير بجامعة الجزائر.
-9. (1/96)
صفحة 97
للموسوعات الفقهية، فقد اجتمع العزابة على تأليف شامل في الفقه، و أو كلوا المهمة لثمانية مشايخ لكل واحد باب مستقل، ثم تمت مراجعة الكتاب من قبل لجنة عليا من ثلاثة من كبار العلماء، هم أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر، وأبو الربيع سليمان بن يخلف، وماكسن بن الخير، فكان الكتاب في خمسة وعشرين جزءا، عرف بديوان المشايخ» (1). وهذه طريقة مبكرة في تأليف الموسوعات ومراجعتها، وعلى منوالها
نسج فقهاء جربة فألفوا ديوان العزابة في القرن السابع الهجري). - التفسير والحديث:
أدرج التفسير والحديث ضمن مواد الدراسية في نظام الحلقة، فقد ذكر الدرجيني أن أبا القاسم يزيد بن مخلد، وأبا خزر يغلا بن زلتاف، تصدرا شابين، وبلغا في العلم الغاية، فكان طلبة أهل الدعوة يقرؤون عليهم ما شاؤوا من الفنون ومنها القرآن والحديث، والأصول والفقه والسيرة، وعلم العربية ... (2).
ولم نعثر على إشارات أخرى تفيد اهتمام علماء وارجلان بالتفسير
كعلم مستقل إلا ما كان عرضا في ثنايا القضايا الفقهية والعقدية. ولعل السبب راجع إلى تهيبهم من الإقدام على جليل كهذا، إذ لا
يقوى عليه إلا الراسخون في العلم.
أما علم الحديث فلم تكن ثمة حاجة إلى دراسة الجرح والتعديل وعلم الرجال، فقد دوّن الحديث الصحيح وحفظت السنة في القرون الأولى، وظل الإباضية معتمدين على مسند الربيع بن حبيب، كمصدر
-
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 455 - 4456 صالح باحية الإباضية
بالجريد، ص 55.
(2)
-
(3)
الجعبيري، نظام العزابة، ص 168.
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 120.
-91 -
- (1/97)
صفحة 98
أساسي في السنة عندهم، نظرا لسنده العالي ذي السلاسل الثلاثية: أبو
(1).
عبيدة، عن جابر بن زيد عن الصحابة، عن النبي). ولما وجد علماء وارجلان أنهم كفوا مؤونة السند تركز اهتمامهم
على فقه الحديث واستنباط الأحكام.
- علوم اللغة:
انحصر اهتمام علماء وارجلان في مجال اللغة العربية على وظيفتها الدينية، لأنه لا يستغني عنها فقيه ولا أصولي ولا متكلم ولا مناظر، وكان تدريس علوم اللغة من نحو وصرف وبلاغة ضمن مقررات نظام الحلقة، وظل متجها نحو هذه الغاية، وخادما لهذه الرسالة (2).
وقد خطا علماء ورجلان خطوات بارزة في تعريب اللسان البربري
لأهل المدينة، ولكن لم يبرز من بينهم فطاحل أرباب البيان. ومن دلائل الاهتمام البالغ بتعلم اللغة العربية، ما رواه أبو محمد عبد عن أبي عمران موسى بن زكرياء، أنه كثيرا ما يقول: «تعلّم حرف من العربية كتعلم ثمانين مسألة الفقه كعبادة
الله
من
مسألة الفقه، وتعلم
من
ستين سنة، ومن حمل كتابا إلى بلد لم يكن فيه خير ممن حَمَل ألف حمل
دقيقا فتصدق به» (3).
- الشعر والأدب:
نظرا لانحصار الاهتمام باللغة في المجال الديني، فإن الشعر والأدب ظلا خارج دائرة عناية علماء وارجلان فلم تكن ثمة مجالس للسمر واللهو في قصور الأمراء، ولذا لم ينبغ بينهم فحول الشعر، وشغل الجميع أمرُ
- (1)
-
عبد الله
بن حميد السالمي، حاشية الجامع الصحيح، تحقيق وتقديم عز الدين التنوخي، المطبعة التعاونية، دمشق، 1965 م، ج 3، ص هـ من مقدمة المحقق. علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 183 - 184. (3) - الوسياني، سير، ج 107.
-
(2)
-92 -
- (1/98)
صفحة 99
دينهم، ولم يكن لهم من زخرف الحياة ما يدعو إلى اللهو والسمر. وانحصر إنتاجهم الشعري في الأراجيز العلمية والمواعظ والحكم)،
أو بعض المراثي التي لا تخرج في معانيها عن الإطار الديني (2). وكان النثر أحسن حظا من الشعر، إذ نراه يرتفع أحيانا إلى مستوى الأدب الرفيع، لكثرة ممارسة العلماء للنثر أكثر من الشعر، ولطبيعة المذهب الإباضي الذي يعتبر الشعر ملهاة.
ولذلك نجد هؤلاء العلماء ناثرين على مستوى جيد، ونجد هذا بارزا في مؤلفات أبي عمار عبد الكافي وأبي يعقوب الوارجلاني، بينما مارس بعضهم قرض الشعر في محاولات متعثرة في أغلب الأحيان (3).
- التاريخ والسير:
انطلاقا من كون التاريخ ذاكرة الأمم، فقد أولاه علماء وارجلان عناية خاصة، بدءا بسيرة المصطفى وصحابته الكرام، ثم تاريخ
الإسلام، وفي مقدمته سير أعلام المذهب الإباضي مشارقة ومغاربة. وقد كان الإمام أفلح بن عبد الوهاب يحض رعيته على قراءة سيرة أبي سفيان محبوب بن الرحيل، التي حوت هذا التاريخ شاملا، وتقع في سبعين جزءا). وقد وجد هذا المؤلف إقبالا كبيرا من إباضية المغرب، واعتمده الدرجيني في طبقاته (.).
(1) - الشيخ صالح الوارجلاني، قصيدة في المواعظ والحكم مخطوط، مكتبة معهد
سعيد، غرداية.
-
(2)
أبو يعقوب الوار جلاني، مرثيته في شيخه أيوب بن إسماعيل. انظر: الدرجيني، طبقات
المشايخ، ج 2، صحفات 462 فما بعدها.
—-
(3)
صالح باجية، الإباضية بالجريد، ص 163.
(4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 290.
(5) - الوسياني، سير، ج 37؛ بحاز، الدولة الرستمية، ص 296.
-93 - (1/99)
صفحة 100
وتأكد الاهتمام بالتاريخ والسير بإدراجهما ضمن مواد التعليم في نظام، الحلقة، فكان تعلم السير من المواد والخطوط العريضة لهذا النظام). وكانت سير أبي زكرياء يحي بن أبي بكر، وسير أبي عمار عبد الكافي، وطبقات الدرجيني نتاجا رئيسا في هذا الميدان، ثم تكامل بناؤه على يد البرادي، ليصل قمته في القرن التاسع على يد الشماخي (2).
- الفلسفة:
لم تكن البيئة المغربية بعامة وبيئة وارجلان بخاصة تساعد على الاشتغال بعلوم الفلسفة، نظرا لسريان الروح المحافظة في أوساط الناس، على اختلاف مذاهبهم الفقهية.
ففي المغرب كان المرابطون ينشرون لواء المذهب المالكي، ويحاربون الفلسفة، وأصحابها حتى أحرقوا كتب الغزالي. ووقف الفقهاء في هذه الحملة صفا واحدا مع الحكام، حتى جاء الموحدون ففتحوا الباب على مصراعيه أمام حرية الفكر والنظر الفلسفي (3).
ورغم ازدهار القيروان العلمي فإنه لم يعرف لها اشتغال بعلوم
الفلسفة أيضا).
-
(1)
(2)
0212
-
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 284. ينظر: علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، صحفات 211 -
وحول تسلسل تأليف السير عند الإباضية ينظر كذلك:
Les
historiens biographes et Tadeuz Lewicki, traditionnistes ibadites-wahbites de L Afrique du nord du 8 eme au 16 eme siècle, Acadimie Polonaise des sciences, Karakove, 1962.
(3) - عبد الرحمن الجيلالي تاريخ الجزائر العام، ج 1، صحفات 311 - 312. وانظر أيضا: الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، صحفات 78 - 79؛ حسن إبراهيم حس تاريخ الإسلام، ج 4، صحفات 467 وما بعدها. (4) - الطاهر بن عاشور أليس الصبح بقريب، ص 67.
-98 - (1/100)
صفحة 101
وفي وارجلان انحصر اهتمام العلماء والعامة بقضايا الخلاف الكلامي مع الفرق الإسلامية الأخرى، ولم يولوا لآراء الفلاسفة كبير اهتمام، حتى جاء أبو عمار وأبو يعقوب فولجوا ميادين الفلسفة، وناقشوا آراء الفلاسفة بإسهاب مسلمين وغير مسلمين وذلك ضمن تناولهم لقضايا العقيدة والرد على سائر الفرق والنحل.
ويعد هذا منحى جديدا في تطوير علم الكلام عند الإباضية بتوسيع دائرة الجدل العقدي خارج آراء الفرق وتناول القضايا الفسلفية العامة، وهو ما يتجلى واضحا في كتاب الموجز لأبي عمار، وكتاب الدليل
والبرهان لأبي يعقوب.
المطلب الرابع: أبهر العلماء بوامر جلان
بحكم وراثة وارجلان المجد تاهرت العلمي وكونها العاصمة العلمية الثانية للإباضية، فقد عجّت بالعلماء الأعلام ممن كانوا من أهلها أو النازحين إليها من مختلف المناطق الآهلة بالإباضية في بلاد المغرب، فأثْرَوا الحياة العلمية بها تدريسا وتأليفا.
وسنعرض تراجم مختصرة لأبرز هؤلاء العلماء:
- أبو يعقوب يوسف بن خلفون بن سهلون السدراتي:
ويعرف بالطرفي، وكان يلقب بشيخ الرأي الناصح، اشتهر بالذكاء والفطنة وغزارة العلم وصفه الدرجيني بأنه "ذو الجهادين الأكبر والأصغر، والاجتهادين المصلى والدفتر".
تلقى العلم في تاهرت على يد الأئمة الرستميين، وعاد إلى وارجلان
فكان عالمها وقاضيها، ومرجع الفتوى فيها، كما اشتهر بآرائه السديدة في
شؤون المعاش والاقتصاد.
-90 (1/101)
صفحة 102
وكان مستجاب الدعاء، وعلى يديه تتلمذ شيخ وارجلان الشهير
أبو صالح جنون بن يمريان (1).
أبو صالح جنون بن يمريان:
أخذ الحكمة عن شيخه أبي سهلون وإليه انتهت رئاسة أمور وارجلان، ويصفه الدرجيني بأنه أحد أقطاب الدين، وشمال اليتامى والمساكين، وقد وسع الناس بماله وعلمه وخلقه. وإلى جانب كرمه
وحلمه وحيائه فقد كان شديدا في أمر الله لا يخشى في الله لومة لائم. وظل طيلة قرن من الزمن حصنا آمنا وملاذا لعلماء الإباضية
وزعمائهم، إذا حزبتهم هموم الحياة، وطاردهم الأعداء الحياة، وطاردهم الأعداء وظلمة الحكام. وله وصايا حكيمة لأولاده في حسن التدبير والتصرف بحكمة في ظروف الحياة المتقلبة، وكيفية التخلص من قالة السوء وألسنة الناس (2). - الإمام يعقوب بن أفلح:
وقد ذكرنا آنفا فراره إلى وارجلان وكيف أحبى الحركة العلمية بها، وروت كتب السير سعة علمه واطلاعه على الكتب السماوية، و معرفته بالقرآن الكريم (2).
سليمان بن يعقوب بن أفلح:
وقد انفرد بآرائه الفقهية الشاذة، ولذلك لم تظهر آثاره العلمية على
(1) - ينظر: الوسياني، سير، صحفات 122 - 126؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 331 - 332؛ الشماخي، سير، صحفات 288 - 289. (2) - ينظر: الوسياني، سير، صحفات 124 - 126؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 341 - 345؛ الشماخي، سير، صحفات 362 فما بعد؛ علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 4، ج 1، ص 157.
(3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 105.
-97 - (1/102)
صفحة 103
سعة ما أوتي من علم، نظرا لموقف المشايخ من شذوذ آرائه، فلم يمتد أثره
العلمي بعد حياته (1).
-
أبو نوح سعيد بن زنغيل:
وهو الذي آوى إلى وارجلان بعد فشل ثورة زميله أبي خزر، فاستغل أهل وارجلان علمه وكانوا يجتمعون إلى مجلسه، «فمنهم المستفيد علما، ومنهم المتبرك بمشاهدته والمشارك فيما يعرض من أمور دينه ودنياه، والمقتفي خلقا يتحلى به ... » وقد سأله أحد الأغبياء يوما، فقال: أخبرنا الليلة يا شيخ بكل ما من علم الكلام. فكان جواب الشيخ كيف أخبركم في ليلة واحدة بشيء أكلت في تعلمه أقفزة الملح» (2).
تعلمه
واشتهر بالبراعة في فن المناظرة، إذ أفحم مجادليه في مجلس أبي تميم
المنصور الفاطمي، حول مسائل في العقيدة (3). وعلى يديه تتلمذ
مؤسس
بن بكر). الحلقة محمد
وله إسهام في المجال الاجتماعي، وانتقاد لانحرافات المجتمع
بوار جلان (ه).
- أبو عبد الله محمد بن بكر الفرسطائي:
عاش في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري والنصف الأول من القرن الخامس، وأصله من فرسطا بجبل نفوسة، حيث بدأ دراسته ثم انتقل
-
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، صحفات 106 - 108.
-
(2) - الدرجيني طبقات المشايخ، ج 1، صحفات 144 - 145. (3) - أبو زكرياء السيرة صحفات 212 - 213؛ الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 1، ص 147؛
الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صه.
-
(4) - الشماخي، سير، ص 392.
(5) – أبو زكرياء، السيرة، ص 234؛ الشماخي، سير، ص 357.
-97 - (1/103)
صفحة 104
إلى جربة لإتمام تعلمه، فتوسم فيه شيخه أبو نوح أن يحيي الله به الدين، ثم انتقل بعد وفاة شيخه لتعلم اللغة في القيروان وبعدها توجه للاستقرار في
تين اسلي بوادي أريغ، حيث وضع نظام حلقة العزابة سنة 409 هـ (1). وصفه الدرجيني بأنه الطود الذي تضاءلت دونه الأطواد، والبحر الذي لا تقاس به الثماد بيت أهل المذهب والمشهور بالبركات، والمعتمد عليه فيما أصل للحركات والسكنات أسس قواعد السيرة، وله في كل فن تأليف كثيرة، وأكثرها في الحجج والبرهان، لأنه كان فيها ركن الأركان» (2).
ولكن هذه التأليف عبثت بها يد الأيام، فلم يصلنا منها إلا ما حفظه
مهم
الدرجيني والبرادي من سيرة الحلقة كما وضعها الشيخ محمد (3). ولم يتميز أبو عبد الله بمكانته العلمية والخلقية فحسب، بل تجلى دوره البارز أيضا في مساهمته في نشاط في المجتمعات الإباضية، فكان الزعيم الروحي والسياسي في آن واحد). وقد تبوأ هذه المكانة لاهتمامه بشؤون المجتمع ورعاية التلاميذ والإنفاق عليهم، والعناية بالفقراء والأرامل واليتامى، فألقى الناس إليه مقاليد أمورهم، ووضعوا عنده مشكلاتهم، فنال رضاهم وصار أبا
للجميع (.).
(1)
علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 4، ج 1، صحفات 169 - 170، أبو زكرياء السيرة، ص 22 2 Tadeuz Lewicki, Les histories الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 377. (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 377
-
- (2)
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 30.
-
(4)
(5) - عن نشاط أبي عبد الله الاجتماعي ينظر: علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ،
حلقة 4، ج 1، صحفات 173 - 184.
-91 - (1/104)
صفحة 105
واستطاع باعتماد منهج التربية العملية وإنشائه المدرسة المتنقلة أن ينشر هذا النظام في مختلف التجمعات الإباضية، كما تخرج على يديه علماء ومصلحون كان لهم دور بارز في الحياة الدينية والاجتماعية في العصور التالية. - أبو العباس أحمد بن محمد بن بكر:
هو نجل مؤسس الحلقة، وأحد تلاميذه النجباء، كان هو وأخوه أبو يعقوب يوسف كما يصفهما الدرجيني فرسي رهان، مشتركين في كل فضيلة شر كة عنان، ولكن أحدهما أعلم والآخر أزهد» (1).
واشتهر أبو العباس بنهمه العلمي، فقد سافر إلى جبل نفوسة للاطلاع على مكاتبها العامرة فوجد فيها من كتب المشارقة نحو ثلاثة وثلاثين ألف جزء، فلازم الدراسة أربعة أشهر لا ينام إلا قليلا، فتخير أكثرها فائدة فقرأها (2). وكانت وفاته سنة 504 هـ. وخلّف لنا تراثا نفيسا من المؤلفات التي
لا تزال محفوظة إلى اليوم وأغلبها في الفقه وعلم الكلام).
-
أبو الربيع سليمان بن يخلف المزاتي: قال عنه الدرجيني: «الأصولي المتكلم الزكي النبيه، أفنى في الدراسة أيام شبابه، وفي حفظ كتب الفقه حتى برز وبانت فضيلته، وتصدر للتدريس وإفادة كل جليس، وخرج من تلامذته كل نجيب، وقيد عنه كل
جواب مصيب، وتصنيف عجيب» (4).
-
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 442. (2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 445. ينظر مبحث الإنتاج العلمي بوارجلان من هذه الدراسة. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 425.
-
(3)
(4)
-
-99 - (1/105)
صفحة 106
وكانت دراسته على الشيخ محمد بن بكر، حيث تضلع في علم
الأصول، ثم انتقل إلى جربة لتعلم الفقه وأثناء مقامه بها تولى تدريس الأصول، فأملى على طلبته كتابه "التحف المخزونة والجواهر المكنونة (1). ومن مؤلفاته أيضا كتاب" السيرة في آداب السلوك (2). وهو ترجمة لحياة أبي الربيع الذي تمثل الأخلاق الرفيعة في معاشرته لزميله في الدراسة ماكسن بن الخير الحاد المزاج، والذي لم يطق أحد من زملائه عشرته إلا أبو الربيع (2). كانت وفاته سنة 471 هـ ().
- أبو محمد ماكسن بن الخير الوسياني:
كانت ولادته في عاصمة الدولة الصنهاجية بتونس، وكف بصره وهو ابن سبع سنين وحفظ القرآن مبكرا، لقوة ذاكرته، وحدة ذكائه، وكان تعلمه بجربة على يد أبي محمد ويسلان ولكن زملاءه تضايقوا منه لمزاجه الحاد، وسرعة غضبه، فطلبوا من الشيخ إقصاءه الحلقة، ولكنه من توسم فيه مخايل النجابة فزاده إكراما واهتماما.
ولقي من صديقه الوفي أبي الربيع سليمان بن يخلف يد العون والنصح، فبلغ في العلم درجة عالية ثم توجه إلى القيروان لاستكمال معارفه في علوم اللغة واللسان وحط الرحال بوارجلان، حيث تزوج بها، وسطع نجمه بين علمائها، فصار موئل الطلبة ومرجع الفتوى، وواصل جهود من سبقه في تنشيط الحركة العلمية وإصلاح الأوضاع الاجتماعية.
-
(1)
-
(2)
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ حلقة 3، الإباضية في تونس، دار الثقافة
بيروت، لبنان، 1385 هـ / 1965 م، ص 142. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 431. (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 431.
(4)
-
الشماخي، سير، ص 414. (1/106)
صفحة 107
وقد أوردت كتب السير جهوده في هذه الميادين).
- أبو زكرياء يحي بن أبي بكر الوارجلاني: عاش ضمن الطبقة الحادية عشرة من أعلام الإباضية، بين سنتي 500 و 550 هـ. ووصفه الدرجيني بأنه كان كثير الغضب الله وعلى دينه، شديد الغيرة ... قرأ العلوم وأتقنها، ووضح المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم العلوم وعلمها» ().
وكانت تلمذته على يد أبي الربيع سليمان بن يخلف لمدة عشر سنوات في تمولست جنوب شرق تونس ثم عاد إلى وارجلان بعد وفاة شيخه أبي الربيع سنة 471 هـ، وأقام في أريغ بعض الوقت، ثم استقر بقرية تماوات بواحة وارجلان وتوفي سنة 504 هـ (3). واشتهر أبو زكرياء بكتابه "السيرة وأخبار الأئمة" الذي يعد من أقدم ما بلغنا في مصادر تاريخ الإباضية بالمغرب، وهو عمدة المؤلفات التالية، التي نجدها في أحيان كثيرة صياغة بالحرف أو بالمعنى لكتاب أبي زكرياء. ومع إطلالة القرن السادس الهجري نبغ في وارجلان لفيف من أثروا الحياة الفكرية بمجالس التدريس والمؤلفات العديدة، وعلى يديهم، وفي أحضانهم نشأ أبو يعقوب، وتحت رعايتهم نمت وتكاملت شخصيته
العلمية.
العلماء
وسنتناولهم بالدراسة في مبحث شيوخ الوارجلاني ورفاقه بإذن الله.
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 431 - 4436 الوسياني،
-
(2) - الدرجيني طبقات المشايخ، ج 2، ص 470.
Tadeuz Lewicki, Les historiens, pp 93 - 95. - (3)
-101
صحفات (1/107)
صفحة 108
الفصل الثاني
شخصية الوار جلاني
-1020
- (1/108)
صفحة 109
المبحث الأول نشأة الوار جلاني
تمهيد: ندرة المعلومات حول الوار جلاني:
لم نعثر بعد طول البحث في مصادر التاريخ المغربي المتوفرة على ترجمة لأبي يعقوب الوار جلاني، ولا ذكر له إلا ما ورد في المصادر الإباضية، وعنها نقلت بعض المراجع الحديثة. وأقدم مصدر إباضي أورد ترجمة للوارجلاني هو أبو العباس أحمد سعيد الدرجيني (ت 670 هـ) في كتابه طبقات المشايخ بالمغرب، وكل المصادر والمراجع اللاحقة نقلت عنه مباشرة أو بواسطة، دون استثناء).
(1) - وردت ترجمة الوارجلاني في المصادر والمراجع التالية: الدرجيني، طبقات المشايخ بالمغرب، ج 2، صحفات 491 فما بعد.
-
-
-
-
الشماخي، سير، صحفات 443 - 445.
البرادي الجواهر المنتقات، صحفات 219 - 222.
السالمي، حاشية الترتيب، ج 1، ص 3.
بن
أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة،
1342 هـ / 1923 م.
ج
1، صحفات 229 - 233.
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة، أبو اليقظان إبراهيم، الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدارتي الوار جلاني
مخطوط.
بكير بن سعيد أو عوشت، أبو يعقوب يوسف الوارجلاني والمدارس الكلامية. عبد الرحمن الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، صحفات 317 - 318. خير الدين الزركلي، الأعلام، ط 3، بيروت، 1969، ج 9، ص 281. عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر مؤسسة نويهض الثقافية، ط 3، بيروت، 1400 هـ / 1980 م. صحفات 431 - 432.
عادل نويهض، معجم المفسرين مؤسسة نويهض الثقافية، ط 2، بيروت، 1404 هـ / 1984 م. ج 2، صحفات 208 - 209. رابح بونار، المغرب العربي تاريخه وثقافته، نشر المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،
- 103 - (1/109)
صفحة 110
وغالبا ما تورد هذه المصادر ترجمته نقلا حرفيا أو مختصرا لنص
الدرجيني، ولا تضيف شيئا فوق ما عنده إلا نادرا.
وبين وفاة الدرجيني ووفاة الوارجلاني قرن كامل من الزمن.
وللباحث أن
يتصور بعد كل هذا ضآلة المعلومات التي يفصل بين مصدرها وتاريخ تدوينها مائة عام، ظلت خلالها روايات تتناقلها الشفاه
وهي عرضة لما يعتري الرواية من زيادة أو نقص بمرور الأعوام. ولئن ظل جوهر هذه الرواية، ثابتة إلا أن الذي يحتاجه الباحث والمؤرخ، هو التفاصيل التي تحدد ملامح الشخصية المدروسة، وتتبع مراحل حياته، ومحطاتها وعوامل تكوين هذه الشخصية، بما يمكن من إعطاء صورة أقرب ما تكون إلى الواقع، وصفا وتحليلا وتعليلا. ونظرا لهذا النقص الفادح في المعلومات، كان الجهد المبذول لاستكمال جوانب حياة الوارجلاني المنسية جهدا غير يسير، بناء على إشارات عرضية تمّ استثمارها لهذا الغرض، مع الاعتراف بالفضل للباحث صالح بوسعيد، الذي كان له سبق تناول أبي يعقوب ضمن الدراسات الأكاديمية وما قدمه من معلومات وتحليل موفق لشخصية أبي يعقوب في تحقيقه لكتابه "الدليل" والبرهان".
1991، ص 273.
صالح بوسعيد، دراسة وتحقيق الدليل والبرهان للوارجلاني، رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين د. ت بحث مرقون مصور بحوزتي.
صحفات 48 - 084
Tadeuz Lewicki, Les historiens biographes et traditionnistes ibadites-wahbites de L Afrique du nord du 8 eme au 16 eme siècle, p 89.
-1.8 (1/110)
صفحة 111
هو
المطلب الأول: اسمه ونسبه
أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي.
هكذا
ورد ذكره عند الدرجيني). إذ هو الأصل في ترجمته، أما ما نسبته إلى سدراتة، فلأنه سكنها وتوفي فيها وهي كما نعمل إحدى قرى
واحة وارجلان.
ولكنه اشتهر بالوارجلاني نسبة إلى المنطقة كلها، ولأنها الأشهر عند
المؤرخين.
ولا تمدنا المصادر عن نسبه وأسرته بشيء فوق هذا، إلا أن الشماخي ذكر في سيره شخصا اسمه أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن الطاق السدراتي قاضي وارجلان (2).
كما ذكره الوسياني بالاسم نفسه، وأضاف أنه خال لوالد أبي عمار
عبد الكافي، وأنه هو الذي تولّى إقبار والد أبي عمار بعد وفاته (). ويذهب المستشرق ليفتسكي إلى أن أبا يعقوب الأول هو أبو يعقوب الثاني نفسه، وأن اسمه الكامل هو: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن الطاق السدراتي الوارجلاني).
ويذكر الشيخ عبد الله السالمي (.) وعادل نويهض () أن اسمه: أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم بن مياد السدراتي ولا نعلم من هو مياد هذا؟ أهو الطاق الذي جعله ليفتسكي جدا لأبي يعقوب، أم هو رجل آخر؟
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 491.
-
(2)
الشماخي، سير، ص 500.
(3) - الوسياني، سير، ج 3، ص 356.
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89. - (4)
(5) - عبد الله السالمي مقدمة الجامع الصحيح للربيع بن حبيب، ص 3. (6) - عادل نويهض معجم أعلام الجزائر، ص 341.
-
-1.0 (1/111)
صفحة 112
وهل يقع في سلسلة النسب قبله أم بعده؟
تلك أسئلة تبقى بغير جواب مقنع، في غياب المعلومات التاريخية الموثوقة.
ولكننا نخلص من هذه الروايات أن المتفق عليه من نسب الوارجلاني هو ما ذكره الدرجيني: أبو يعقوب بن إبراهيم السدراتي الوارجلاني. وإذا صح ما ذهب إليه ليفتسكي من كون يوسف بن الطاق هو أبو يعقوب نفسه، فإن هذه الرواية تفيدنا معلومة جديدة على غاية الأهمية، أن الوارجلاني قد تولّى مهمة القضاء في وارجلان، وتلك ولا ريب وظيفة خطيرة لها أثرها البالغ في الدلالة على شخصية صاحبها، وعلى مستواه العلمي من جهة والاجتماعي من جهة ثانية.
وهي
المطلب الثاني: مولده ووفاته
يصنف الدرجيني أبا يعقوب ضمن الطبقة الثانية عشرة من مشايخ وعلماء الإباضية وهي بين سنتي 550 - 600 هـ). ولكنه لم يذكر لنا سنة مولده ولا سنة وفاته تحديدا. بينما
أمدنا الشماخي بسنة وفاته، وهي عام 570 هـ (2).
وتابعته المراجع الحديثة في هذا التحديد (2). أما تاريخ ولادة أبي يعقوب فقد استفيد من تصنيف الباروني له ضمن
(1) - الدرجيني طبقات المشايخ، ج 2، ص 4. الشماخي، سير، ص 445.
-
(2)
-
(3)
صالح بوسعيد، دراسة وتحقيق الدليل والبرهان ص 51؛ علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ، حلقة 4، ج 1، ص 229؛ عادل نويهض معجم أعلام الجزائر، ص 432؛ الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 233.
-1.7 - (1/112)
صفحة 113
الطبقة الحادية عشرة، وهي عنده بين سنتي 500 و 550 هـ (1). أنه لا تناقض بين تصنيف الدرجيني وتصنيف الباروني، فالأول
ويبدو
كان على أساس سنة الوفاة، والثاني على أساس سنة الميلاد.
ومكان ولادة أبي يعقوب ووفاته ومدفنه هو سدراتة (2). وإن كانت المراجع تذكر أنه ولد ومات بوار جلان، نظرا لعدم تمييزها قرية سدراتة عن واحة وارجلان الكثيرة القرى.
ويذكر أبو اليقظان في ترجمته لأبي يعقوب (3) وصالح أعزام في كتابه "غصن البان" () أن قبره موجود في مقبرة الشيخ أبي صالح جنون بن يمريان بسدراتة، ولا يزال قبره ظاهرا كالربوة، بينما ينكر ليفتسكي أي أثر لقبره في سدراتة ووارجلان (ه). ولا نستطيع الجزم في هذه المسألة لانبنائها على الروايات التاريخية، ولا قدرة لنا على التفتيش عما بداخل القبور، بعد أن أصبحت عظام
أهلها رميما.
صالح بوسعيد، المرجع السابق، نقلا عن الباروني، رسالة في طبقات العلماء، مخطوط
-
بمكتبة مليكة العليا، غرداية، ص 51.
(2) - يذكر الدكتور هويدي أن الوارجلاني أحد فقهاء وفلاسفة الإباضية الرستميين في جبل
نفوسة".
وقد أثبت التاريخ أن حكم الرستميين كان في تاهرت، وانتهى سنة 296 هـ، وأن جبل نفوسة يقع في ليبيا، وأن الوارجلاني عاش في وارجلان في القرن السادس الهجري. فكيف استطاع الدكتور أن يوفق بين هذه المعلومات؟!
ينظر: د. يحي هويدي، تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، ج 1، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1965، ص 58.
(3) - أبو اليقظان الإمام أبو يعقوب، ص 61.
-
(4) - صالح أعزام، غصن البان، ص 144.
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89.
-
— (5)
- 107 - (1/113)
صفحة 114
المطلب الثالث: نشأته
لقد أثبت البحث العلمي الحديث أكثر مما مضى أن بيئة الإنسان والظروف المحيطة به، لهما أثر كبير في تحديد ملامح شخصيته، ووسمها
بطابع خاص. فالتربية التي يتلقاها في المنزل، وروح أساتذته ومعلميه، والكتب التي يطالعها، فضلا عن الأحوال الاجتماعية والسياسية، كل أولئك عناصر مهمة في تكوين شخصيته وتحديد معالمها، واتجاهاتها. ولو ذهبنا نتتبع بداية حياة أبي يعقوب فإننا لسوء الحظ لن تنجد ولو بنزر يسير من المعلومات حولها، مما يجعلنا نفترض
أنها طفولة مرت
عادية لم تتميز بخصائص تلفت الانتباه، وتفرز الطفل عن لداته من أبناء
مجتمعه.
ونحسب أن هذا استنتاج معقول ما دامت المصادر لم تسجل لنا بصمات هذه الطفولة ومميزاتها من خصائص نفسية أو عقلية، أو أحداث تاريخية.
لذا فإننا لا نعدو الحقيقة إذا وضعنا أبا يعقوب في الإطار العام لمجتمعه، من كونه قد تلقى دراسته الأولى في الكتاتيب كسائر أترابه، وانخرط في سلك التعليم تحت إشراف هيئة العزابة التي أولت عناية خاصة لرسالة التربية والتعليم. وتذكر المصادر أن الوارجلاني حصل على علوم الشريعة ومبادئ اللغة في بلده وارجلان على يد مشايخها، وكان من أبرزهم الشيخ أبو سليمان أيوب بن إسماعيل، الذي ترك أكبر الأثر في تلميذه أبي يعقوب، وعلى الحركة العلمية بوارجلان. تحت رعاية هذا الشيخ وأمثاله نشأ الوارجلاني، وتحددت ملامح
شخصيته في ذلك الجو العلمي المزدهر.
- 108 - (1/114)
صفحة 115
وإتمام للصورة فإننا نعرض لتراجم بعض مشايخه ومعاصريه، الذين كانوا امتدادا للحركة العلمية بوارجلان وقد بلغت هذه الحركة أوج نشاطها وازدهارها في عهدهم طيلة القرن السادس الهجري.
المطلب الرابع: شيوخه
أ= أبو سليمان أيوب بن إسماعيل:
صنفه الدرجيني ضمن الطبقة الحادية عشرة (500 - 550)، ووصفه بأنه «بحر تتقاذف في غوار به السفن وبدر يقتدي به من اقتفى من المقتفين. إن سئل في العلم أجاب فأقنع، وإن استسيل غيث سمائه في سماحة صاحب فأوسع، وإن استسقى فيهما معا أروى فأنفع ... شيخ
شيوخ أكثرهم ساد، وقل من روى من تلامذته إلا استفاد» (1). من وقد كانت لأبي سليمان حلقة علم اعتبرت محطة انطلاق بعثت نفسا جديدا في الحركة العلمية بوارجلان ويعدّ دور أبي سليمان شبيها بدور الشيخ أبي صالح جنّون بن يمريان (2)، فقد سخّر حياته وماله لخدمة العلم، وخصص دارا لتلامذته مقابلة لدار سكناه، وظل كثير الإبرار بهم، ينفحهم بأطايب الأكل وما ملكت يداه (3). كما أوتي نظرا ثاقبا ولسانا بليغا، وأُثرت عنه حكم بالغة، كان
يوصي
بها تلامذته وزواره، ومنها قوله لتلميذه عثمان بن خليفة السوفي، وهو يودعه "ياعثمان العلم والوطوطة لا يجتمعان" (). وبهذه الخصائص نال أبو سليمان حب تلامذته وتقديرهم فكان فقده
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 459.
(2) - ينظر: أبرز العلماء في وارجلان في مبحث الحياة العلمية، بوارجلان، من هذه الدراسة. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 459. (4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 484.
-
(3)
-1.9 - (1/115)
صفحة 116
عليهم كبيرا، وخلده أبو يعقوب بمرثيته البائية.
ولأب سليمان تلاميذ كثيرون منهم أبو عمار عبد الكافي، وعثمان بن خليفة السوفي، وتبغورين بن عيسى الملشوطي، وسليمان بن علي الدرجيني).). وجلهم من رفاق أبي يعقوب وكانوا كما وصفهم الدرجيني شيوخ أكثرهم ساد"، خلّفوا تراثا فكريا نفيسا، في مختلف فروع الثقافة
11
الإسلامية.
ب أبو زكرياء يحي بن أبي زكرياء: صنفه الدرجيني ضمن الطبقة الحادية عشرة (500 - 550 هـ). وقال عنه بأنه «قرأ العلوم وأتقنها، ووضح المشكلات وبينها، ورتب السير وأحكمها، وتعلم العلوم وعلّمها»». ووصفه الشماخي بأنه كان عالما شديد الشكيمة في دين في أمر الله» (3).
الله، قويا
وهو صاحب أقدم كتب السير المتداولة لإباضية المغرب، بعنوان كتاب السيرة وأخبار الأئمة" (4). و لم نعثر على دلائل أستاذيته لأبي يعقوب إلا من شهادة عابرة أدلى بها أبو عمار قائلا حضرت أنا وأبو يعقوب يوسف بن إبراهيم مجلس شيخنا أبي زكرياء، فقصصت رؤيا رأيتها وهي أن إبراهيم عليه السلام نزل من السماء إلى وارجلان، فتعلقت نفس الشيخ بالرؤيا، فجعل يقول: كيف رؤياك يا عبد الكافي، فقال أبو يعقوب الوارجلاني): لا أعلم أحدا كملت فيه هذه الصفات غير النبوة في هذا الزمان، إلا هذا الشيخ،
(1) - ينظر ترجمتهم في مطلب معاصرو الوارجلاني" من هذه الدراسة. (2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 470.
-
(3)
الشماخي، سير، ص 437
(4) - حققه عبد الرحمن أيوب، وصدر عن الدار التونسية للنشر، تونس، 1405 هـ / 1985 م. (1/116)
صفحة 117
وأحسب أنه سيموت في هذا العام، فمات بعد بضعة أشهر» (1).
وكانت وفاته سنة 528 هـ (2).
ج= أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي:
عرف كعالم جدلي ومتكلم بارز وراوية من بين الرواة الأكثر ذكرا في كتب التراجم والسير الإباضية، وأصله من سوف التي كانت مركزا إباضيا مهما في تلك الفترة من الزمن.
عاش أبو عمرو في النصف الثاني من القرن الخامس والنصف الأول من القرن السادس للهجرة، وتتلمذ على أشهر علماء عصره، كأبي الربيع
بن
سليمان أحمد يخلف المزاتي، وأبي العباس شطرا من حياته وارجلان، وتعلم فيها ().
بن
محمد
بن بكر، وقد سكن
وهو الذي نصحه شيخه أبو سليمان أيوب قائلا: "العلم والوطوطة لا
يجتمعان".
وليست لنا دلائل واضحة على أستاذية أبي عمرو لأبي يعقوب الوارجلاني، ولكن يمكن قبولها استنادا إلى ما كتبه الوارجلاني إلى أحد أصدقائه قائلا اعلم يا أخي أنه وصل كتابك الأكرم ... وصادفني ذلك، وأنا في وارجلان سدراتة، ولم ألتق بالشيوخ أبي عمرو وصالح، حفظهما
الله
وكان إذ ذاك أبو عمرو عثمان سلّمه الله - مريضا ضعيفا»). فتسميته بالشيخ ومحاولة الاتصال به كان لمعضلة طرأت، أو مسألة استعصى حلها على أبي يعقوب، ولكن حال مرض الشيخ أبي عمرو دون
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 489 الشماخي، سير، ص 442.
(2)
-
الوسياني، سير، ص 122.
علي يحي معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 222.
،
-
(3)
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89.
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 100.
-111 -
- (1/117)
صفحة 118
هذا الاتصال.
أما منزلته العلمية فقد كان إماما في العلوم كلها، لا سيما علم
الكلام (1) تخرج على يديه تلاميذ عديدون كما ترك نتاجا فكريا ثريا، أغنى به المكتبة الإسلامية (2). ومن تلك الكتب "السؤالات"، وهو كتاب في العقيدة والفقه، لا يزال مخطوطا (3).
ويذكر الشماخي أن له تأليف أخرى ومناظرات لم يكتب لها
البقاء (1).
المطلب الخامس: معاصروه
أ= أبو عمار عبد الكافي التناوتي:
هو
أبو عمار عبد الكافي بن أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل بن يوسف بن محمد التناوتي () الوارجلاني. سليل أسرة علم وتقوى، فقد كان أبوه وجده من العلماء الصالحين).
وهو متكلم وفقيه ومؤرخ شهير، نشأ في وارجلان، ودرس على مشايخها علوم الشريعة واللغة حتى أجازوه.
الشماخي، سير، ص 440.
-
(1)
(2)
-
علي يحي معمر، الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 225.
(3) - حول منهج تأليف الكتاب وأهميته التاريخية ينظر:
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89.
-
(4)
الشماخي، سير، ص 440.
(5) - نسبة إلى قبيلة "تناوت" البربرية التي كان يسكن قسم منها في واحة وارجلان، ينظر:
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 33.
-
(6)
الشماخي، سير، ص 499.
-112
- (1/118)
صفحة 119
ومن شيوخه أبو أيوب سليمان وأبو زكرياء).
ومن آراء أبي عمار قوله بأن أهم ما يقدّم في العلم هو إصلاح اللسان، ثم إصلاح الجنان بعلوم القوانين والبرهان.
مؤنة
ولهذا هاجر إلى تونس ليزداد توسعا في العلوم النقلية والعقلية، وانقطع عن أهله وأخبار بلده، وذكر الدرجيني أن غايته من الرحلة أمران: أحدهما الابتعاد عن شواغل الأهل والتفرغ للتحصيل، والثاني الانقطاع ن اللسان البربري السائد في بيئته والتدرب على اللسان العربي (2). وطالت إقامة أبي عمار بتونس عدة سنوات، وقد كفاه أهله الحياة، فكانوا يبعثون إليه كل سنة ألف دينار فعاش ميسورا، وحصر كل همه وطاقته في ميدان التحصيل، ونال إعجاب مشايخه ورفاقه بجده وذكائه خلقه وكرمه وحسن حتى قالوا: لم ير مثله من العرب ولا من العجم (2). وسافر بعد عودته من تونس إلى الحج رفقة أبي يعقوب، وكانت لهما مناظرات في الرحلة سجلتها كتب السير.
ثم استقر به المقام في وارجلان للتدريس والإفتاء والتأليف. وكانت وفاته بوارجلان قبل سنة 570 هـ، أي قبل وفاة أبي يعقوب. ما يفيده ما ذكره أبو يعقوب في "الدليل والبرهان" جوابا عن رسالة وردت لأبي عمار من غانة، ولكن المنية عاجلت أبا عمار، فتولى أبو
وهو
يعقوب الإجابة عنها).
(1) – الجيلالي، أبو يعقوب، ص 165؛ أبو اليقظان الإمام أبو يعقوب، ص 14. (2) - الدرجيني طبقات المشايخ، ج 2، ص 486؛ توفيق المدني، كتاب الجزائر، المطبعة
العربية، الجزائر، 1350 هـ، ص 85.
(3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 486.
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 54.
-1130
- (1/119)
صفحة 120
ويرى بعض الباحثين) أن أبا عمار كان شيخا لأبي يعقوب، استئناسا بما ذكره الدرجيني (2) والشماخي (3) من أن أبا يعقوب سأل أبا عمار وهما في الحج عن حكم ما بيد الأعراب من أموال، وهم يحترفون الإغارة والنهب والسؤال عادة ما يكون من التلميذ للأستاذ. وهو ما يؤكده ورود الرسائل إلى أبي عمار وأبو يعقوب موجود معه في وارجلان لتصدّر أبي عمار مقام الإفتاء. بينما يرى آخرون أن أبا عمار كان تلميذا لأبي يعقوب لا أستاذا
له (1)
ويبدو الرأي الأخير مرجوحا لعدم استناده إلى أدنى دليل. أما الرأي الأول ففيه بعض الوجاهة، ولا يسعنا نفيه، بيد أن الذي نجزم به أن أبا عمار وأبا يعقوب درسا معًا على الشيخ أيوب بن إسماعيل، والشيخ أبي زكرياء ولعل أبا عمار كان أكبر سنا، فنال حظوة التقدم على زميله، فاعتبر شيخا له.
علما بأن بينهما علاقة خؤولة، فإن أبا يعقوب خال لوالد أبي عمار، وهو الذي تولى إقباره عند وفاته.).
فهل مع هذا يكون أصغر سنا من أبي عمار، ثم يكون تلميذا له؟ ويعتبر أبو عمار ممن أحيوا المذهب الإباضي تأليفا وتعليما، وهو من أعظم مؤلفي الإباضية مقدرة على الجدل والمناظرة، وأكثرهم عمقا في التفكير وتنظيما للمذهب في نسق عقلي دقيق ومتماسك.
(1) - عبد الرحمن الجيلالي، أبو يعقوب، ص 165؛ أبو اليقظان، الإمام أبو يعقوب، ص 14. (2) – الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 430.
(3)
-
الشماخي، سير، ص 442.
(4) - عمار، طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 225.
(5)
-
الوسياني، سير، ج 3، ص 356.
-118 (1/120)
صفحة 121
ولا يقل عن متكلمي المعتزلة والأشاعرة والشيعة مقدرة على التأليف وإحاطة بالمذاهب ودفاعا عن المذهب ونصرة له).
ومؤلفاته تشهد هل بالباع الطويل في سائر العلوم، وبخاصة علم الكلام، وكتابه "الموجز" دليل على قوة أسلوبه وجزالته، وصفاء عربيته، ودقة دلالتها على المعاني (2).
ومن بين مؤلفاته، كتاب سير" المشايخ، تحدث فيه عن تطوير نظام الحلقة. وله "شرح الجهالات" في العقيدة و"كتاب الفرائض" و"كتاب
الاستطاعة".
أما كتاب الموجز فهو أهمها وأشهرها وقد قيل فيه أنه "أزرى فيه على الماضين وأتعب الحاضرين والآتين" (). وقد حققه وطبعه الدكتور عمار طالبي بعنوان "آراء الخوارج الكلامية".
ولأبي عمار آراء سديدة ونظرات، ثاقبة ومنها رأيه في الفتنة، فقد كان يقول: "إذا وقعت الفتنة بين فئتين من المؤمنين، فالأحب إلي أن لا تغلب فئة فئة، فإن من أحب أن تغلب إحداهما فقد دخل في الفتنة، ولزمه ما لزم أهل تلك، وكأن سيفه يقطر دما ().
ب= أبو يعقوب يوسف بن خلفون المزاتي:
ينسب إلى قبيلة مزاتة البربرية، وهو أحد أعلام القرن السادس
(1) - عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 219.
(2) - عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 218؛ علي يحي معمر، الإباضية في
موكب التاريخ، حلقة 4، ج 1، صحفات 207 - 208. (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 485. (4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 491.
-110 - (1/121)
صفحة 122
الهجري، نشأ وعاش بقرية "تين" بامَاطُوس" إحدى قرى وارجلان). امتاز ابن خلفون بسعة الأفق العلمي، وتمكنه من دراسة المذاهب الفقهية المختلفة فكان كثير الاطلاع على مسائل الاتفاق والاختلاف، وكثير الدفاع عما قيده فقهاء الأسلاف، وله تعليقات عجيبة وأجوبة ... » (2).
ونظرا لسعة اطلاعه فقد كان متحررا من الأساليب التقليدية التي تربط العالم ربطا محكما بمذهبه لا يحيد عنه قيد أنملة، وتلك خصيصة الفقه الإسلامي في تلك الفترة الزمنية وما تلاها فكان ابن خلفون يناقش آراء الفقهاء ويرجح منها ما اعتضد بالدليل ولا يضفي على كتب الأقدمين ثوب العصمة والقداسة ولذلك خالفهم في آراء عدة اعتمادا على قوة
الحجة والدليل. ولكن هذا الأسلوب جرّ عليه كثيرا من المتاعب، فاتهم بالاستهانة بكتب المذهب والرغبة عنها، فكان جوابه "والله ما فيكم وهبي غيري" أي إباضي). وكان موقف الفقهاء المتشددين منه أن أعلنوا البراءة منه، وهجروه، ولكنه تمسك بموقفه عن قناعة لا عناد، حتى جمعه طريق الحج بإخوانه فعدّدوا له مآخذهم عليه وأخذ يبين لهم وجهة نظره، حتى استبان لهم صواب ما رأى فرفعوا عنه البراءة بعد هجران دام اثنتي عشرة سنة (1).
ولبراعة ابن خلفون في الشرح والإيضاح في التدريس فقد كان طلاب
(1) - ابن خلفون، أجوبة ابن خلفون تحقيق د. عمرو النامي، ص 13. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 495.
(2)
(3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 496.
(4) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 497 - 498.
-117 - (1/122)
صفحة 123
العلم يتزاحمون على مجلسه إعجابا بمنهجه التحليلي المقارن). والمؤسف أن الأيام لم تحفظ لنا من تراثه إلا أجوبته (2). التي تعد بحق نموذجا رائدا في الفقه المقارن بين المذاهب المتحلي بأدب الخلاف والحوار الهادئ الرصين. وقد فتح ابن خلفون بذلك سبيلا للتأليف الفقهي أمام فقهاء الإباضية، نما وتطور في مؤلفات العصور التالية، وبلغ قمته حديثا في مؤلفات الشيخ امحمد اطفيش ومنها كتابه" شرح النيل" ومؤلفات الإمام السالمي، ومنها كتابه "معارج الآمال".
ج= أبو الربيع سليمان بن علي بن يخلف الدرجيني: هو جد صاحب "طبقات المشايخ بالمغرب، الذي حفظ لنا تاريخ وارجلان وأعلامها، وقد تتلمذ أبو الربيع على الشيخ أيوب بن إسماعيل، حسب رواية حفيده عن أبيه، الذي يقول: كان أبي [أي أبو الربيع] في زمان شبيبته مهاجرا بوارجلان يقرأ على شيخه أبي سليمان أيوب بن إسماعيل، حتى قضى حاجته من الطب، ثم رجع إلى موطنه بكنومة من بلاد الجريد ... » (3).
ثم عاد ثانية إلى وارجلان بعد مدة لميراث ابن عم له مات بها، فلقي شيخه أبا سليمان، وقد ألزمه الجذام الفراش فأكب عليه تقبيلا وعناقا، لما يرى من عظيم فضله عليه وعظيم رزيته بمرض الجذام. وقد كان أبو الربيع فرضيا متقنا لمسائل الفروع، ناظما للقريض، إلا
ص 213.
(1) - علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، ص 213. (2) - حققها الدكتور عمرو النامي، ضمن أطروحته للدكتوراه في جامعة كمبريدج،
ببريطانيا، سنة 1971 م. (3) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 461.
- 117 - (1/123)
صفحة 124
أن بضاعته من النحو مزجاة، وإن اتسع في اللغة، ولذلك كانت له في شعره هنات لا يرتضيها أهل الصناعة. وأكثر شعره في المواعظ، وقصائده
بالبربرية أجود وأبلغ).
دھ
أبو عبد الله السوفي:
وصفه الدرجيني بأنه ذو السخاء والمروءة والقيام والصيام، تجري على يديه الصالحات، وكان مستجاب الدعاء، وله يد في مسائل المذهب (2).
تم على يديه صلح عظيم بين أهل درجين بعد فتنة دامية. وقد ذكره الوارجلاني في قصيدته الحجازية إذ كان من رفقائه في رحلة الحج (2).
د= تبغورين بن عيسى الملشوطي:
وكان أعظم الناس قدرا، وأكثرهم علما، وأشدهم عملاً».
(.) "
له تأليف هامة منها كتابه في أصول الدين (ه).
على هؤلاء المشايخ وبين هؤلاء الأعلام). تتلمذ ونشأ أبو يعقوب، فكان لهؤلاء أثرهم البالغ في تكوينه العلمي، وسموه الخلقي، وجمع في
-
(2)
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 519. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 499 - 502. (3) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوطة مصورة بحوزتي.
-
(4)
الشماخي، سير، ص 432. د. فرحات الجعبيري البعد الحضاري للعقيدة عند
الإباضية، ج 1، ص 116.
(5) - حققه الدكتور عمرو النامي، وجعله جزءا من رسالته للدكتوراه بجامعة كمبريدج، سنة
1971
(6) - ثمة علماء آخرون عاصروا الوارجلاني اقتصرنا عنهم بهؤلاء للاختصار.
-118 - (1/124)
صفحة 125
شخصه كثيرا مما تفرق بينهم من خصائص ومميزات في العلم والأخلاق.
المطلب السادس: أخلاقه
أوتي أبو يعقوب الوارجلاني شأن العلماء المخلصين إلى غزارة العلم وسعة الأفق دمانةَ في الخلق، وتواضعا رفع مكانته إلى مصاف
الأعلام والمربين المتميزين فملك بذلك قلوب الأقربين والأبعدين. ومن عوائده الحميدة في معاملاته الحسنة أنه «كان إذا جاء إلى موضع الوضوء في مسجد وارجلان انصرف كل من حول المتوضى، فيضع من يده سفرا ومفتاحا، ويضع عمامته وكساءه ويقعد في ثوب واحد، فيدخل المطهرة، فيرجعون ويأخذ أحدهم شيئا منها، فيقول ردّوا عليّ علائقي، فيقول أحدهم: أردّ بعوض، فيسأل عن مسألة في النحو، ثم يجيبه فيرد ما أخذ، ثم يسأل الآخر عن فريضة، ويسأله الآخر عن ويسأل الآخر عن تأويل آية ويسأل الآخر عن تأويل رؤيا، وعن غير ذلك، فيجب كلهم، فحينئذ يردون عليه ما أخذوا، فكان هذا دأبه الله، حتى لقي الله»). هذه الصورة الرائعة لتواضع العالم الجليل مع عامة الناس، وانبساطه وخفة، روحه نموذج يقتدى لتحبيب العلم إلى الناس وتحفيزهم للاهتمام
مسألة فقهية،
رحمه
بشؤون دينهم. ولئن كان الوقار مطلوبا في جانب العلماء، فإن الإفراط فيه غير محمود لما يسببه من هيبة العامة من صاحبه، وعدم الإقدام على السؤال والاستفتاء، وبخاصة في المسائل الخاصة أو المحرجة. وقد كان أبو يعقوب منصفا للحق منصتا لقوله إذا نطق، يدعو كل
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 492 - 493.
-119 - (1/125)
صفحة 126
من تبين له وجه الصواب أن ينبهه إلى مواطن الزلل، ويهديه إلى سبيل الرشاد. وهو لا يدعي لنفسه احتكار الصواب فيما يقول أو يكتب، لأن الأمر المتعلق بالدين شأنه عظيم و خطره، جسيم، ولا يسعنا فيه إلا الحق عند الله تعالى فإن علومنا ضعيفة وأحوالنا خفيفة، وعقولنا كليلة، وأيامنا قليلة» (1). وقد شهد لأبي يعقوب بالتواضع زميله السجلماسي، الذي الدولة الرستمية معه في الأندلس، فقال فيه: ما كنت أحسب أن الطود تحمله ال عيس فيصبح بين الرحل والقتب ما أنصفت جوهة من كان أو حدها علما وأكملها في العقل والأدب (1) وكمال العقل ميزانه التواضع، وليس في أخلاق الإنسان أفضل من خلق التواضع عند الاستغناء، فإن اجتمع إلى ذلك سعة العلم، فذلك فضل يؤتيه من يشاء، وقد نال أبو يعقوب منه حظا وافرا. أما أخلاق الصبر والجدّ فإنها صفات ضرورية لمن رام عليا المراتب في العلم، وقد بلغها أبو يعقوب، وتحمل في سبيل ذلك ما يتحمله كل من
الله
سار على هذا الدرب من العلماء والعظماء.
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 19.
(2)
محمد بن يوسف، اطفيش ترتيب الترتيب ط حجرية د. م. 1326 هـ، ص 3.
-120
- (1/126)
صفحة 127
تمهيد
المبحث الثاني من حلات الواس جلاني
لم تكن البيئة العلمية بوارجلان تسمح للطالب بالتوسع في معارفه خارج إطار علوم الشريعة ولغة القرآن ولكن لهم أبي يعقوب العلمي، وذكاءه الوقاد دفعا به إلى طلب المزيد من العلوم، وكان طلعة إلى كل ما يوسع المدارك وينير الفكر. وبعد وفاة شيخه أبي سليمان شدّ الرحال إلى خارج وارجلان في أسفار عديدة أكسبته معرفة واسعة بعلوم عصره وبالمجتمعات التي زارها، وبالحياة العلمية في الحواضر الإسلامية المختلفة.
وكان من أبرز أسفاره رحلاته الثلاث إلى كل من الأندلس والسودان
والمشرق.
فكيف كانت هذه الأسفار؟ وماذا أفاد أبو يعقوب من مدرسة
الرحلات؟
المطلب الأول: رحلته إلى الأندلس
يمثل الأندلس في نظر المسلمين جنة الدنيا، بما احتواه من مظاهر المتعة والجمال غزارة أنهار ووفرة أشجار وثمار واعتدال هواء، فكان في أنظارهم وخيالهم المثل الأعلى لنعيم الحياة.
وتلك نظرة لا تخلو من حب جارف، ولكنها لا تعدوا واقع ما كانوا يعرفون ويشهدون، ولذلك ظلوا بعد أضاعوا الأندلس يهيمون شوقا إلى مغانيه، وإلى أمجادهم في ربوعه ويبكون ذهاب أيامهم بضياع "الفردوس المفقود".
-121 - (1/127)
صفحة 128
وشاد المسلمون بالأندلس حضارة عمرت طويلا، ظلت مركز إشعاع فكري للعالم الإسلامي وأوروبا، قرونا وازدهرت في ربوعها الجامعات العلمية بقرطبة وطليطلة وغرناطة وغيرها من الحواضر. وإلى تلك المعاهد كان الطلبة والعلماء يشدون الرحال للتحصيل و التدريس في مختلف العلوم النقلية والعقلية. وتاقت نفس أبي يعقوب وهو في أقصى الصحراء إلى النهل من ينابيع المعرفة بالأندلس، فقصدها بعد أن استوعب معارف العلماء في وطنه وارجلان ولذلك كان هدفه من الرحلة علميا بحثا، فوجد في الأندلس وبالتحديد في قرطبة ضالته، وأشبع نهمه.
وسنحاول الكشف عن تاريخ هذه الرحلة وما استفاده أبو يعقوب
منها حسب النزر اليسير من المعلومات المتاحة (1).
(1) - شهدت علاقات إباضية المغرب بالأندلس فترة مزدهرة في عهد الدولة الرستمية أملتها الظروف السياسية آنذاك، واتسعت لتشمل المجال الثقافي كما كثر الوجود الإباضي بالأندلس، حتى كونوا لهم تجمعا سياسيا عرف بدولة بني برزال دامت ستين سنة من 400 إلى 459 هـ، وبلغ بعض الرستميين درجة عالية في مناصب الدولة الأموية بالأندلس، وذكر ابن حزم أنه التقى بإباضية الأندلس وتحادث معهم، وقد تعلم هود بن محكم الهواري المفسر الإباضي الشهير بالأندلس أيضا، ولهذا فإن رحلة أبي يعقوب تعد حلقة في هذا النشاط الثقافي بين الطرفين.
ينظر:
جودت يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984، صحفات 170 - 173.
د. ماريا خيسوس، محمد وعبد الرحمن بن رستم في قرطبة، ضمن أعمال الملتقـ الحادي عشر للفكر الإسلامي، وارجلان وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م، ص 287.
يحي
بكوش، التواجد الإباضي بالأندلس، ط المطبوعات الجميلة، الجزائر، د. ت.
صحفات 1 - 17.
ابن حزم جمهرة أنساب العرب، ص 463.
-122 - (1/128)
صفحة 129
أ تاريخ الرحلة إلى الأندلس
لم تحدد المصادر تاريخ رحلة الوارجلاني إلى الأندلس، إلا أنها تتفق على اعتبارها أول رحلة قام بها بعد نهاية تعلمه على مشايخه بوارجلان. ويذكر الدرجيني أن أبا يعقوب كان في عصر شبيبته يقرأ
بقرطبة» (1). وزمن الشبيبة من سن البلوغ إلى الثلاثين تقريبا. وظاهر أن الوارجلاني ظل في بلده إلى وفاة شيخه أيوب بن إسماعيل، الذي رثاه ببائيته المشهورة، ولا نعلم بالضبط تاريخ وفاة شيخ الوارجلاني حتى نقترب من زمن رحلته إلى الأندلس.
ولكن بعض النصوص تمدنا بإشارات هامة حول هذه النقطة، فقد أورد الوارجلاني حوارا مع شيخه أيوب حول سيرة المهدي بن تومرت ودعوته مقارنة بسيرة أبي يزيد النكاري الذي فعل الأفاعيل، فاستحسن الشيخ أيوب سيرة المهدي وأنكر ما أتاه أبو يزيد (1). وقد بدأ المهدي بن تومرت دولته سنة 514 هـ، وتوفي سنة 524 هـ،
وخلفه عبد المؤمن بن علي من سنة 524 هـ إلى سنة 558 هـ (2). وكانت بداية مواجهة المهدي مع المرابطين في عهد علي بن يوسف بن تاشفين سنة 516 هـ، الذي ألح على التشبيه أخذا بظاهر آيات الصفات، فحكم عليه المهدي بالتشبيه وعزاه إلى التجسيم، فحكم عليه وفي أتباه بحكم المسلمين في المشركين من القتل والسبي والغنيمة، بعدما حكم فيهم أول مرة بأحكام الموحدين).
(2)
-
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 494. الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 79. النويري، نهاية الأرب، ج 24، صحفات 277 فما بعد؛ حسن إبراهيم حسن، تاريخ الإسلام، ج 4، صحفات 116 فما بعد.
-
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، صحفات 78 - 79؛ حسن إبراهيم حسن، تاريخ
-123 - (1/129)
صفحة 130
وواضح أن شيخ الوار جلاني عايش هذه الأحداث وتابعها، وأدلى برأيه فيها، فتكون وفاته بعد سنة 524 هـ، على أقل تقدير، أو أنه كان حيا قبل هذه السنة، التي هي سنة وفاة المهدي باتفاق المؤرخين، ويكون سفر الوارجلاني إلى الأندلس قبل هذه السنة أو بعدها بقليل، وهو عصر الشبيبة كما أوردته المصادر. ويمكن تأكيد زمن الرحلة ثانية استنادا إلى مقالة الوارجلاني أن شيخه أيوب قال: «لكن هذا يريد" "المهدي" قد أحسن السيرة، ردا على أبي يزيد قبل أن يتسمى المهدي بالمهدي فاستحسن الشيخ أيوب] وأنكر على أبي يزيد سيرته» (1).
وقد تسمّى المهدي بالمهدي سنة 514 هـ (2). فتكون رحلة الوارجلاني
قطعا بعد هذه السنة، وقبيل أو بعيد وفاة المهدي سنة 524 هـ. وتكاد تتفق المراجع مع المصادر في اعتبار رحلة الأندلس أولى رحلات الوارجلاني، إلا أن المستشرق ليفتسكي، الخبير في الدراسات الإباضية المغربية يجعلها الرحلة الثانية بعد رحلة الحج (3). وذلك دون أن يحيلنا على مصادر خبره أو يؤكد وجهة نظره بدليل، أو يفسره بتعليل مقبول.
أما الباحث صالح بوسعيد، فقد جعل الرحلة الأولى هي الرحلة إلى السودان). وسوف نرجئ مناقشته إلى محلها من الدراسة إن شاء الله.
الإسلام، ج 4، ص 467.
وهذا النص شاهد على حدة الصراع الفكري بين المرابطين والموحدين. (1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 49. (2) - عبد المجيد النجار، المهدي بن تومرت ص 114.
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89.
-
— (3)
-
(4) - صالح بوسعيد دراسة وتحقيق الدليل والبرهان، ص
-124 - (1/130)
صفحة 131
ب= طريق الرحلة:
لا نعرف من محطات طريق رحلة الوارجلاني إلى الأندلس إلى البداية والنهاية، فالبداية كانت بوارجلان والنهاية في قرطبة. ولكن الشيخ اطفيش يمدنا بإحدى هذه المحطات، وهي سجلماسة، مما يساعدنا على تصور طريق الرحلة، فقد ذكر اطفيش أن الوارجلاني التقى في طريق عودته إلى وطنه بعالم كان يدرس معه في الأندلس، وكان اللقاء في مدينة وهي مدينة هذا العالم). ويؤكد ليفتسكي أن طريق وارجلان، سجلماسة، بقي مطروقا من قبل السكان والتجار إلى النصف الثاني من القرن السادس الهجري، ويستشهد لذلك بأمثلة عديدة من كتب السير والطبقات (2).
سجلماسة،
وفضلا عن ذلك فقد كان في سجلماسة جالية معتبرة من سكان وارجلان يمارسون التجارة (3). وغير بعيد أن يكون أبو يعقوب قد اتصل بهم في طريقه إلى الأندلس.
استنادا إلى هذه المعلومات فإنه يبدو واضحا أن سير الرحلة كان عبر الخط الرابط بين وارجلان وسجلماسة ثم، تيهرت، منها إلى ميناء تنس، وهو ميناء هام في التجارة مع الأندلس). ثم الإبحار إلى أحد موانئ
الأندلس، وحط الرحال في قرطبة الحاضرة العلمية للأندلس آنذاك. وفي الغياب التام للمعلومات الدقيقة فإننا نفترض أن يكون هذا هو خط الذهاب والعودة معا. وقد ذكر الشيخ اطفيش أن لقاء أبي يعقوب بزميله في سجلماسة كان عند عودته من الأندلس.
(1) - امحمد اطفيش، إن لم تعرف الإباضية ط حجرية ضمن مجموع، د. ت. ص 2.
Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, p 17. - (2) Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, p 17.
—
(3)
(4) - بحاز الدولة الرستمية، ص 191.
-
-110. (1/131)
صفحة 132
ج= الجو العلمي في الأندلس وقرطبة
سلطانه.
شهدت الأندلس بعامة وقرطبة بخاصة أزهى عصورها العلمية في القرون الرابع والخامس والسادس للهجرة، رغم الفتن الداخلية، وصراع ملوك الطوائف، الذي أثر إيجابا على الحركة العلمية، وذلك بمحاولة كل أمير استقطاب العلماء والمفكرين إلى مركز ملكه، وحمى وقد وجد أبو يعقوب بالأندلس جوا علميا ونشاطا فكريا لا نظير له، أسهم في إحيائه وإثرائه لفيف من العلماء الذين أدلوا بجهودهم في شتى ميادين، المعرفة وتركوا إنتاجا غزيرا ورفيعا ولا يزال فكرهم حاضرا في عالم المعرفة إلى يوم الناس هذا.
ومن أبرز هؤلاء الأعلام
-
أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (383 - 454 هـ) وابن حزم علم في تاريخ الفقه وعمدة في إقامة المذهب الظاهري، وقد أحدث ابن حزم بمنهجه الفقهي ثورة فكرية في الأندلس، ولقي عنتا كبيرا ومعارضة قوية من علماء المالكية حتى ناظره أبو الوليد الباجي، ففل من غربه، وكان سببا لإحراق كتبه» (1). ولئن لقي هذا الجزاء في عهد المرابطين فإن أفكاره وجدت لها رواجا مع قيام الدولة الموحدية في القرن الخامس، حيث اعتمدت منهجه المتمثل في التعامل مع نصوص الكتاب والسنَّة واطراح تقديس آراء الفقهاء، فازدهرت النزعة العقلية ونشط الاشتغال بالمنطق، والأخذ بهذا الأسلوب في قضايا الفقه والدين (2).
-
(1) - أبو محمد الحجاري، وآخرون، المغرب في حُلى المغرب، تحقيق د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، د. ت. ج 1، ص 405.
(2) - عبد اللطيف شرارة، ابن حزم رائد الفكر العلمي، المكتب التجاري للطباعة والنشر
-126 - (1/132)
صفحة 133
بل تجاوز الأمر إلى إحراق كتب المالكية انتقاما من سياسة المرابطين الذين حاربوا كل ما سوى كتب الفروع المالكية، ومنها كتب ابن حزم (1).
- يوسف بن عبد الله بن عبد البر (368 - 463 هـ)
يعد ابن عبد البر من كبار علماء الأندلس في علم الحديث، وقد اشتهر بحافظ المغرب، إذ أثرى الحياة الفكرية في قرطبة بخاصة، والأندلس بعامة، بمؤلفاته العديدة في علم الحديث والرجال (2).
-
"
سليمان بن خلف أبو الوليد الباجي (403 - 474 هـ) تبوأ الباجي منزلة بارزة ضمن علماء الأندلس، واشتهر برحلته إلى عواصم المشرق العلمية، والمكوث بها عدة سنوات، حتى قفل راجعا إلى قرطبة، وهو مترع علوما، جمة منها الفقه والحديث، فترك آثارا خالدة، كـ"المنتقى" في شرح الموطا، و"المنهاج في أصول الفقه، و"الإشارات" في الأصول أيضا. وتشهد مؤلفاته على سعة علمه وباعه في المناظرة، وقد استطاع إفحام ابن حزم الذي أعجز من قبل الباجي من علماء المالكية بالأندلس (3). - أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد. (450 - 520 هـ)
من كبار فقهاء المالكية، ولد وعاش بقرطبة، وتولى قضاءها، وهو جد الفيلسوف ابن، رشد له تأليف جليلة منها: المقدمات الممهدات" و"البيان
والتوزيع، بيروت، د. ت صحفات 114 - 115.
- (1)
1
(2)
عبد اللطيف شرارة ابن حزم صحفات 114 - 115. الزركلي، الأعلام، ج 9، صحفات 316 - 317. (3) - الزركلي، الأعلام، ج 9، ص 186.
-127 - (1/133)
صفحة 134
والتحصيل " (1).
- أبو بكر محمد بن باجة (533475 هـ)
فيلسوف شهير ولد في سرقسطة، وانتقل إلى فاس، حيث قتل بها مسموما امتاز بمعارفه في الطب والرياضيات والفلك، وشرح أرسطو. وكان له أثر على فكر ابن رشد الحفيد.
عاش في عصر المرابطين الذي تميز بالاضطهاد الفكري، ونقد الغزالي في اعتماده المنهج الذوقي للحصول على الحقيقة والسعادة، واعتبر الطريق الصحيح إلى ذلك هو النظر العقلي الخالص (2).
-
أبو بكر بن العربي (468 - 543 هـ) عالم ضليع في علوم القرآن والحديث والفقه والأصول، والنحو، والتاريخ، ولد في إشبيلية وتوفي بفاس له مؤلفات قيمة، منها "العواصم
من القواصم"، و"عارضة الأحوذي"، و"المحصول في أصول الفقه". قال عنه ابن بشكوال: ختام علماء الأندلس وآخر أئمتها وحفاظها (3).
-
أبو بكر محمد بن طفيل (500 - 571 هـ) (4). عالم موسوعي، ولد في إقليم غرناطة ومات في مراكش. اهتم بالطب والرياضيات والفلك والفلسفة والشعر اشتهر بقصته الخيالية "حي يقظان" وهي وهي محاولة للتوفيق بين الفلسفة والدين. وقد عاش في عصر الموحدين الذي امتاز بالتحرر العقلي، وكان
بن
(1) - الزركلي، الأعلام، ج 9، ص 210.
(2) - د. محمد علي أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت،
1976، صحفات 440 فما بعدها.
(3) - الزركلي، الأعلام، ج 7، ص 106.
(4) - عاصر ابن طفيل أبا يعقوب الوارجلاني مولدا ووفاة (500 - 570 ه)
- IYA - (1/134)
صفحة 135
وزيرا وطبيبا خاصا للخليفة أبي يعقوب يوسف الموحدي). ولا ريب أن أبا يعقوب قد اتصل بالتيارات الثقافية التي أثراها هؤلاء الأعلام بالأندلس، وأثرت في تفكيره ونزعته العقلية، وليس بعيدا أن يكون قد حمل إلى بلده نصيبا منها، أو تأثر بها على الأقل، وبخاصة كتب ابن حزم والغزالي (2).
د = شيوخ الوارجلاني ورفاقه بالأندلس
لم نعثر على ذكر لأحد أساتذة الوارجلاني في قرطبة، أو رفاقه في التعلم بها، سوى إشارة عابرة من الشيخ اطفيش في رسالته ردا على أحد الطاعنين في الإباضية، إذ يقول: «وإن لم تعرف الإباضية فقد عرفهم عالم مالكي من أهل سجلماسة، وهي تفيلالت، كان يقرأ مع الإمام يوسف بن إبراهيم في قرطبة من الأندلس والرجل على فرس والإمام يوسف بن إبراهيم على جمل، فقال له المالكي:
ما كنت أحسب أن الطود تحمله ال عيس فيصبح بين الرحل والقتب ما أنصفت جوهة من كان أوحدها علما وأكملها في العقل والأدب إذ ضيقت حالها فيه وقد وسعت ذوي الجهالة والخطل في النسب (2) ورغم البحث في كتب الأدب الأندلسي وتاريخه كنفح الطيب، للمقري، والذخيرة لابن بسام فإننا لم نعثر لهذا الرفيق، والشيخ على
ذكر، ولا لغيرهما من شيوخ ورفاق أبي يعقوب الأندلسيين على أثر. ويذكر الدكتور إبراهيم فخار عن المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه
-
(1)
د. محمد علي أبو ريان تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام صحفات 146 فما بعدها. (2) - عمار طالبي آراء الخوارج الكلامية، ج 1، ص 225. محمد بن يوسف، اطفيش ترتيب الترتيب، ط حجرية د. م. 1326 هـ، ص 3. اطفيش، إن لم تعرف الإباضية، ص 9.
-
(3)
-129 - (1/135)
صفحة 136
أن أبا يعقوب درس ودرس بالأندلس، وكانت له حلقة علم خاصة في
جامع قرطبة، كان يحضرها طلبة ألمان! (1).
هـ = فوائد الرحلة إلى الأندلس
لم تكن إقامة الوارجلاني بقرطبة إقامة عابرة، بل مكث فيها زمنا غير قصير، دام عدة سنوات وإن لم نعرف عددها بالتحديد، فإن المصادر تؤكد أنه "سكن قرطبة، وأنه أقام بها، إلى أن نبغ في العلوم العقلية والرياضية، وهي علوم بلغت في القرن السادس درجة من النضج، يعسر معها الإحاطة بها والنبوغ فيها في زمن قصير.
وأثناء مقام أبي يعقوب بقرطبة كان مثلا في الجد والتحصيل، والنبوغ النادر، والأدب الجم والاطلاع الواسع، وكان أستاذه بقرطبة يشبهه بأبي حامد العامري» (2). كما كان الأندلسيون حداثة سنة يشبهونه
بالجاحظ لتبريزه في مختلف العلوم (3).
في تلك الجامعة المزدهرة، وذلك الجو العلمي أتقن أبو يعقوب علوم اللغة من نحو وبلاغة وأدب وعلوم رياضيات من حساب وهندسة، وفلك، والعقليات من منطق وفلسفة، فضلا عن علوم الشريعة من تفسير وقراءات وحديث وفقه وكلام، إذ كان له في كل جو متنفس، ومن كل
(1) "
نار مقتبس ولسعة ما حوى من علم فقد شبهه الدرجيني بأنه «بحر العلم الزاخر،
(1) - في لقاء مع د. إبراهيم فخار بقسنطينة، يوم 1992/ 5/19 م. (2) - أبو القاسم البرادي، البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف، جزءان، مخطوط، ج 1، ورقة 89 ظ.
(3) - اطفيش، إن لم تعرف الإباضية، ص 60؛ الجيلالي، تاريخ الجزائر، ج 1، ص 317. الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 491 - 494.
(4)
-
-17. (1/136)
صفحة 137
المسخر للنفع فترى الفلك فيه مواخر، الجامع لفضائل كل أمة، المحتوي على علوم جمة، كأن التوحيدي ينظر إليه في وصفه للقاضي أبي حامد ()، وما اشتمل عليه من صنوف الفوائد» (2).
ثم عاد أبو يعقوب إلى بلده مليء الوطاب فرحًا بما غنم من كنوز الأندلس، وقد بلغ في العلم منزلة عالية.
المطلب الثاني: مرحلته إلى السودان
كانت الرحلة إلى السودان من أبرز نشاطات سكان وارجلان، فهي عصب حياتهم التجارية، وقد استطاعوا بمهارتهم أن يسيطروا على أهم المسالك التجارية بين وارجلان وبلاد السودان الغربي، وتحكموا في أبرز السلع التجارية آنذاك وهي الذهب والرقيق وساهم في هذا النشاط التجاري مختلف شرائح المجتمع، وكان من بينهم العلماء والدعاء، وانضم إليهم أبو يعقوب فعقد رحلته إلى بلاد السودان.
وظاهر أن هدف هذه الرحلة كان تجاريا بالدرجة الأولى، ثم استتبعته الفوائد العلمية المتعلقة بالظواهر الجغرافية والاجتماعية؛ التي لاحظها أبو يعقوب في رحلته وسجلها بكل تفصيل.
و نخلص من هذا التوجيه عن هدف الرحلة إلى التوفيق بين من ذهب من الدارسين إلى أنها كانت تجارية محضة (3)، ومن رأى أنها كانت علمية
(1) - اخترنا المقارنة بين آراء الوارجلاني وآراء الغزالي، فكان ذلك من وقع الحافر على
الحافر.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 491. بكوش يحي، التواجد الإباضي بالأندلس، ص 18.
(3)
-131 - (1/137)
صفحة 138
بحتة (1).
أ= تاريخ الرحلة:
أهملت المصادر ذكر هذه الرحلة أصلا، إلا ما حفظه أبو يعقوب بقلمه في كتابه "الدليل والبرهان من إشارات وردت عرضا في ثنايا الكتاب، ضمنها ملاحظاته العلمية في هذه الرحلة.
ولولا هذه الإشارات لذهبت أخبار الرحلة كغيرها من الأخبار المهمة والكثيرة في طي النسيان.
ويرى الباحث صالح بوسعيد أن هذه الرحلة كانت أولى رحلات الوارجلاني؛ وذلك استنادا إلى حادثة مثيرة شهدها أبو يعقوب في طريقه إلى السودان فقصها قائلا: «وأنا أحدثك بحديث عجيب غريب شاهدته ورأيته وسمعته بأذني وعاينته بعيني (2) في جماعة من المسافرين من بني وارجلان، وقصة جبل كان بين كانم وبين أولاد كوار، منتصب في دهسم من الأرض، ونحن في قافلة زهاء ثلاثمائة من الرقيق ينقص قليلا، فانتهينا إلى جبل، وتقدمت خادم من خدامنا، عوان، إلى الكبر ما هي، تخاطب الجبل، فأخذت خادما، واحدة فقالت بلسانها ولغتها: يا جبل، أخبرنا هل هذه الخادم ترجع إلى بلدها ووطنها، أم تتلف فلا تعود إلى بلدها ووطنها أبدا؟ فردّ عليها الجواب الجبل، ونحن الصوت ولا نفهم معناه، وقد فزغ أسماعنا بصداه، فإن كان جواب الجبل أنها تتلف ولا ترجع إلى وطنها أبدًا ردتها الخادم الكبيرة وراء ظهرها، وأخذت بيد خادم أخرى، وخاطبت الجبل كأول مرة ... فما تزال تفعل بمن هكذا؛ خادما عبد، خادم إلى آخرهن خادما فخاطبت الجبل، فردّ لها، فرأين الخادم
-
(1)
عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص 341. (2) - تأكيدات متتالية نظرا لغرابة القصة التي يرويها أبو يعقوب.
-
-132 - (1/138)
صفحة 139
بأجمعهن قد جرين لها، وطفقن يقبلنها، ويعانقنها، ويمسحن عليها، فسألناهن، فقلنا: ما بال هذه الخادم بين سائر الخدم؟ قلن: إن هذا الجبل يقول: إنها سترجع إلى بلدها ولا تتلف أبدا، والعجب كل العجب أن الرقيق كلهن يعرفن خطاب الجبل، لما تكلم بادرن بأجمعهن إلى الخادم، يهنئنها ويقبلنها.
فما زالت الأيام والليالي حتى وصلت إلى بلاد الإسلام إلى وارجلان، فولدت من سيدها، غلاما، فربّته وكبر، الغلام حتى صار رجالا من الرجال، فسافر إلى غانة ورجع وسافر، ثم إنه مات، فقالت لسيدها: إن ابني قد مات، وأنت ليست لك بي حاجة، فدعني أذهب إلى أهلي ووطني وبلادي، فأذن لها، ومرت وغابت عنا حتى أتانا كتباها من ماقار،
أول حريم بلادها» (1). ويستنتج بوسعيد من هذه القصة العجيبة أن الوارجلاني قد عاش زمنا طويلا بعد هذه الرحلة، ليشهد فصول القصة بكاملها. مما يستلزم أن
تكون الرحلة في زمن مبكر، فتكون أول رحلات أبي يعقوب (1). كما يتفق بوسعيد مع ما ذهب إليه الدكتور إبراهيم فخار (3) من أن رحلة السودان الأولى، لأن عوائدها المالية الوفيرة مكنت أبا يعقوب من السفر إلى الأندلس، والمكوث بها سنوات عديدة، والتفرغ للتحصيل وهو ميسور الحال ().
(3)
-
-
هي
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صحفات 209 - 210 صالح بوسعيد، دراسة وتحقيق الدليل والبرهان، صحفات 64 - 65. في لقاء مع الدكتور إبراهيم فخار، بقسنطينة، يوم 5/ 19 - 1992 م. ولا يسعنا أن نوافق الباحث صالح بوسعيد حين حسم القضية بصورة قاطعة، لم تترك مجالا للاجتهاد والاستنتاج، إذ قال: وقد" ثبت بدون أدنى شك أن أولى رحلاته هي إلى أواسط إفريقيا". صالح بوسعيد، ص 65.
-
(4)
-133 - (1/139)
صفحة 140
فضلا عن أن تجارة الذهب التي مارسها في هذه الرحلة دفعته إلى الاهتمام بالكيمياء، والاشتغال بدراسة صياغة الذهب). التي كانت مدينة طليطلة مركزا مهما من مراكزها بالأندلس.
ولا نتفق مع هذا الرأي، رغم منطقية استنتاجه، ونرى أن الأرجح تأخر الرحلة إلى السودان عن الرحلة إلى الأندلس، ذلك لأن الظواهر الجغرافية الدقيقة التي لاحظها أبو يعقوب في بلاد السودان؛ من اعتدال الليل والنهار، والاقتراب من خط الاستواء، تستلزم سابق معرفة بعلم الفلك وعلم الجغرافيا (). وهي علوم كانت مزدهرة في الأندلس لا في
وارجلان.
ونفترض أن عمر الوار جلاني عند عودته من الأندلس كان قد جاوز الثلاثين قليلا ثم سافر إلى السودان وعاد ليرى في طريقه تلك القصة العجيبة، ثم عاش بعدها زمنا طويلا أمكنه أن يشهد أطوار قصة الخادم وابنها حتى وفاته ورحيل أمه عائدة إلى بلادها. وقد عمّر أبو يعقوب قرابة السبعين عاما، فبين الثلاثين والسبعين أمد كاف لشهود أطوار القصة بتمامها.
أما استدلال الدكتور فخار فيجاب عنه بأنه ليس من اللازم أن يكون المرء ميسور الحال حتى يتفرغ للتحصيل، بل إن واقع تاريخ العلماء يؤكد في غالب الأحيان عكس هذا الرأي.
(1) - يذكر أبو إسحاق اطفيش أن الوارجلاني كان يتعاطى عملية صنع الذهب، كما اشتغل بالكيمياء أيضا.
وفي كتابه "الدليل والبرهان" إشارات إلى معرفته بالكيمياء. انظر: أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 27.، الجناوني، كتاب الوضع، (مقدمة المحقق أبي إسحاق اطفيش أيضا)، ص 14.
(2) - ورد الحديث عن أقاليم الأرض الجغرافية والعمرانية في "الدليل والبرهان"، ج 3،
صحفات 216 - 217.
-134 - (1/140)
صفحة 141
- الله -
فضلا عن
أنه يمكن القول أن تعلم أبي يعقوب الكيمياء والصياغة في الأندلس كان لشغفه ونهمه العلمي اللامحدود، وهذا التعلم هو الذي فتح له الشهية للقيام برحلته إلى السودان والتجارة في الذهب؛ استكمالا لمعلوماته النظرية التي أخذها في الأندلس، وتطبيقا لها في الميدان، سواء في صياغة الذهب، أم في الجغرافيا والفلك.
ب= طريق الرحلة:
لم يذكر الوارجلاني عن طريق رحلته إلا بعض إشارات عابرة، منها قصة الخادم وحوارها مع الجبل، فذكر أنه يقع بين كانم، وبين أولاد كوار (1). ثم ذكر قصة طريفة وقعت في بلاد زغاوة، لملكهم في أعلى القلزم وأن بلادهم ليس بها حجارة ولا جبال، فبعث الملك بمائة راكب من الجنود ليجروا إليه جبلا يقع في الطريق بين كوار وبلاد زغاوة، وذكر أنه رأى هذا الجبل ووقف تحته (2).
ولعله هو الجبل المذكور في قصة الخادم آنفة الذكر. وتفيدنا الدراسات التاريخية أن زغاوة جنس من أجناس السودان تقع مملكتهم بموضع يقال له كانم شرقي بحيرة تشاد، وقد نشأت مملكتهم صغيرة ثم توسعت إلى حدود بلاد النوبة كما كان لهذه المملكة ارتباط تجاري بمنطقة فزان بصحراء ليبيا، وبخاصة مدينة زويلة وما وراءها، أي جبل نفوسة والمغرب الأدنى (3).
أما كوار فهي مجموعة واحات تقع بإقليم كانم، يسكنها قوم من
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 209. (2) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 159. جودت يوسف، العلاقات الخارجية للدولة الرستمية صحفات 246 - 247.
(3) (1/141)
صفحة 142
المسلمين أكثرهم، بربر، وأغلب تجارتهم الرقيق الذين يجلبون من أجناس السودان).
ويتحدد لنا طريق رحلة الوارجلاني إلى السودان عبر هذا الخط، وارجلان إلى جادو وهي أكبر مركز تجاري في جبل نفوسة، ثم زويلة، ثم كوار (2). ويذكر ليفتسكي أن القوافل كانت تنطلق من جادو إلى زويلة مرورا بمكان يدعى تيري، أو تيزي، ثم عبر بئر تسمّى أودرف، ثم زويلة (3). ومن زويلة إلى كوار مسيرة خمسة عشر يوما عبر طريق شاقة تخترق الجبال والصحارى، وقد ينعدم فيها الماء لعدة أيام). ج= فوائد الرحلة:
بما أن هذه الرحلة كانت تجارية بالدرجة الأولى، فلا شك أن أرباحها كانت مرضية لصاحبها، علما بأن رحلتين أو ثلاثا إلى بلاد السودان تكفي عوائدها لتجعل صاحبها في عداد الأثرياء، وقد رأينا ما نال وارجلان من غنى وراء هذه الرحلات.
بيد أن أهم فوائد رحلة أبي يعقوب هذه كانت في جانبها العلمي، إذ إنه استطاع الوصول إلى قريب من خط الاستواء، كما يقول عن نفسه: وقد وصلت بنفسي إلى قريب من خط الاستواء، وليس بيني وبينه إلا مسيرة شهر وكاد أن يستوي الليل والنهار فيه أبدا، وإنما وصلت إلى قريب منه، وأطول يوم السنة إنما يفضل أقصر يوم منه بساعة واحدة، فالنهار الطويل ثلاث عشرة ساعة، والنهار القصير إحدى عشرة ساعة،
(1) - بحاز الدولة الرستمية، ص 219.
Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, p 59. Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, p 59. — (2) Tadeuz Lewicki, Etudes Maghrébines et Soudanaises, p 59. — (3)
-
-136 -
(4) - بحاز الدولة الرستمية، ص 219. (1/142)
صفحة 143
ولياليها كذلك» (1).
ولا جرم أن أبا يعقوب لنهمه إلى المعرفة والاطلاع «عُني بهذا الاكتشاف في القرن السادس الهجري، الثاني عشر للميلاد، مما يدل على علو كعبه وسعة عقله» (2). فسبق بذلك الأوروبيين إلى هذا الكشف الرائد في علم الجغرافيا، إذ لم يكتشف الأوروبيون خط الاستواء إلا في حدود القرن السابع عشر للميلاد. فكان الفضل لعلماء المسلمين في إبانة هذه
الحقائق للناس (3).
والأهم من هذا أن أبا يعقوب قد استثمر هذا الاكتشاف في دراساته، فبين أن للبيئة التي يعيش فيها الإنسان، وللمعارف التي يتلقاها دوراً أساسيا في تحديد نمط تفكيره، وتصوره لحقائق الكون، «فمن غلب عليه فن من الفنون من الإلهيات والرياضيات والطبيعيات والصناعيات؛ فإنه يؤتى عليه في غيرها، مثلما يؤتى على من كان في الصيف اعتقد أنه على الدنيا صيف وان من طال نهاره طال نهار الدنيا كلها، ومن قصر نهاره أو ليله اعتقد أنه هكذا في الدنيا» ().
فللأسفار دورها البارز في توسيع المدارك وتجلية الحقائق، وهو ما قرره أبو يعقوب أيضا بقوله: ومن لم يمارس الأمور ويفارق وطنه، ظن وتوهم أن بلده إذا كان فيها ريح أو غيم أو رعد أو برق، توهمه في سائر الدنيا، وكذلك إن كانت بلده مخصبة أو مجدبة أو جبالا أو رمالا، أو سبخة أو أجنة، أو أنهارا أو عيونا في أمثالها. فإذا مارسوا الأمور وسافروا، ورأوا
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 216. (2) - أبو إسحاق الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 27. (3) - أبو إسحاق الدعاية، ص 28. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 95.
-137 - (1/143)
صفحة 144
البلاد والعباد انقشع عليهم جل علومهم، ورجعوا إلى الحقائق» (1). وكما اهتم أبو يعقوب بالظواهر العلمية فإنه لم يهمل ملاحظة الظواهر الاجتماعية في البلاد التي سافر إليها، فهم يخافون من البيضان من الناس، ويحسبونهم ملائكة نزلت من السماء يهزم الأبيض الواحد من الناس عشرة آلاف منهم وليس لهم إلا عبادة الأصنام» (2). وهؤلاء القوم يعيشون في أرض منبسطة وبلادهم ليس بها حجارة، ويتعجبون إذا رأوا منها شيئا، مثل مدق النوى للجمال، ويذكر الناس لهم
الصخور والكُدَى والجبال في بلاد الإسلام، فيتعجبون من ذلك» (3). بل إن ملكهم جهز جيشا من مائة ألف راكب ومائة ألف خادم، وألف وعشرين سلسلة ليجروا إليه جبلا سمع أنه واقع في الطريق إلى بلاد الإسلام، فخابت جهودهم و لم يحركوا الجبل من مكانه). وهذا نموذج لنمط تفكير هؤلاء القوم، ممثلا في ملكهم وحاشيته، وهو انعكاس لبساطة حياتهم، وانغلاقهم على أنفسهم في تلك البيئة المنعزلة عن العالم، مما طبع فكرهم بطابع السذاجة حتى ظن ملكهم أن الجبل مما يمكن نقله مكان إلى مكان. من
تلك
هي
أهم فوائد رحلة الوارجلاني إلى بلاد السودان، وهي من الأهمية بمكان، فضلا عن عوائدها المالية التي أمدته بنفس جديد، حتى يتفرغ لرسالته العلمية ويؤديها على أحسن الوجوه.
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 95. (2) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 216. (3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 159. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 159.
-138 - (1/144)
صفحة 145
المطلب الثالث: مرحلته إلى المشرق
كانت الرحلة إلى المشرق في العرف المغربي عنصرا مهما في تكوين الشخصية العلمية وفي اكتساب الهيبة والاحترام.
وهو ما جعل طلاب العلم يحرصون أشد الحرص على تحقيقها، ويرون فيها السبيل الأمثل إلى المجد العلمي وقل من علماء المغرب المشهورين من لم يشدّ الرحال إلى المشرق لتحصيل العلم). هذا من الناحية العلمية، أما من الناحية الدينية فإن في المشرق قبلة المسلمين ومهبط الوحي وأرض الحرمين وتلك عوامل تجعل من التوجه إلى تلك الربوع أمنية غالية تمون دونها كل الصعاب، ويُضحى لأجلها
بكل نفيس. لأجل هذا كله شد أبو يعقوب الرحال صوب البقاع المقدسة، لأداء فريضة الحج أولا، وللتعرف على المجتمعات الإسلامية وعواصم المشرق العلمية ثانيا. والرجل شغوف بالمعرفة الاجتماعية والجغرافية وممارستها ميدانيا، ولهمه إلى الاستزادة من العلم ليس له حدود، وظل طالب علم
أينما حل وارتحل.
أ تاريخ الرحلة:
تتفق المصادر على تصنيف هذه الرحلة بعد عودة الوارجلاني من الأندلس، ولكن دون تحديد لتاريخها.
وتفيدنا القصيدة الحجازية التي نظمها أبو يعقوب بمناسبة هذه الرحلة أنها كانت في وقت متأخر من عمر الوارجلاني، أي بعد رحلته إلى
(1) - عبد المجيد النجار، المهدي بن تومرت ص 63.
-139 - (1/145)
صفحة 146
السودان بزمن طويل، فقد ذكر في القصيدة أنه أدركه المشيب، وودع
أيام صباه:
وفقري ووقري وانتكاسي وشيبتي وتوديع أيام الصبا والخوافر (1). وتحدث في هذه القصيدة عن الدنيا وأهوال الموت والحشر، حديث مودّع قد أوشكت شمس أيامه على المغيب (2). كما وصف طريق كسب المال الحلال ونيل الغنى، وذلك بالسفر إلى غانة وتحمل أهوال الطريق ولأواء السفر، وهجر الأحبة والأهل (3). مما يفيد أنه قد مرّ بهذه التجربة، وخبر صعابها وسبك خلاصتها في هذه
القصيدة، وهذا شاهد آخر على تأخر رحلة الحج عن رحلة السودان. ويؤكد ذلك أيضا أنه ترأس جماعته في السفر، وتولّى إرشادهم
ووعظهم حين كاد يهلكهم العطش في بعض مراحل الطريق). وكان في الركب علية القوم وسراتهم، ولا يتقدم هؤلاء إلا رجل قد بلغ في العلم والمنزلة الاجتماعية درجة عالية، وتلك صفات لا تتوفر عادة إلا لمن عرك الحياة واكتملت فيه خصائص الزعامة، فتكون رحلة الحج آخر رحلات أبي يعقوب.
ب= طريق الرحلة
كانت وارجلان محطة لالتقاء الحجاج القادمين من المغرب الأقصى ومن بلاد السودان ومنها ينطلقون إلى الحجاز. وقد تولى أبو يعقوب
(1) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 40.
(2) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 40 - 41. (3) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 40 - 41. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صحفات 95 - 96.
-18. (1/146)
صفحة 147
وصف مراحل طريق رحلته إلى الحج في قصيدته الحجازية، بكل دقة، محطاتها واحدة واحدة، ولكن كثيرا من الأسماء التي ذكرها لا نجد
وتتبع
لها أثرا في معجم البلدان وكتب الجغرافيا، مما يجعل تتبع خط الرحلة لعسر بمكان.
من
وأهم هذه المحطات في طريق الذهاب وارجلان، تماسين، جربة، فزان، تبستو، سبها، جالو، مصر، طور سيناء أيلة (إيلات)، ثم عبر البحر إلى الجزيرة العربية، ماء، مدين وادي الروم، يثرب، أودية الينبوع، الجحفة ماء، القديد خيمة أم معبد، عسفان، مكة). أما طريق العودة فكان من مكة إلى جدة، ثم الإبحار عبر البحر الأحمر، وفي عرض البحر عصفت بهم عاصفة أهلكتهم ولم ينج منهم إلا قليل، ونزل الناجون مصر، ثم اتجهوا إلى أسيوط، ثم أرض البحيرة، فالإسكندرية .. وبعد محطات وصلوا، رقادة ثم سنترية، ماء اليمامة، ودان وادي الكافور، درج غدامس، وارجلان (2).
ج= مدة الرحلة:
يرى الأستاذ بكير أو عوشت أن المدة الزمنية لهذه الرحلة كانت سنتين، وذلك استنتاجها من حادثة أوردها الدرجيني عن الشيخ أبي عبد الله محمد بن علي، أحد رفقاء الوارجلاني في رحلته الحجازية، إذ استودع عند الشيخ أفلح المرغني أمانة بمبلغ مائتي دينار لما عزم على المسير إلى الحج، «فلما قدم بعد عامين قال له: ما فعلت الوديعة ياأفلح؟ قال:
1
(1) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط صحفات 4 فما بعد. (2) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 22 فما بعد.
-181 - (1/147)
صفحة 148
أكلها الزمان يا محمد، فلم يسأله عنها حتى لقي الله» ().
المقدسة
ولكن الوارجلاني حسم
وهذا استنتاج في محلة ومدة العامين كافية للوصول إلى البقاع من وارجلان والعودة منها بواسطة الجمال. المسألة بتحديده مدة الذهاب بستة أشهر فقط (2). وبعد قضاء المناسك تاقت أنفس الحجاج إلى بلادهم، فقفلوا راجعين بعد الحج مباشرة. وتغير خط العودة عبر البحر من جدة إلى أسيوط، وما نُكبوا به من العاصفة الهوجاء في عرض البحر، لا يؤخر زمن العودة أكثر من زمن الذهاب إلا يسيرا وبخاصة إذا اعتبرنا الحالة النفسية للذين نجوا من الغرق. وعادة المسافر أن يكون أجد في سيره عند العودة إلى وطنه منه عند مغادرته. ولذا فإن مدة السنتين تبدو استنتاجا غير دقيق، نظرا لحيثيات وظروف السفر كما أوردها الوارجلاني في حجازيته.
د مشاهد وفوائد هذه الرحلة:
طلعت
حادث نفاد الماء منهم في الطريق في رأس إيلات، فأدركهم عطش شديد، وتضرعوا إلى الله أن يغيثهم بماء، فما أتموا دعاءهم حتى سحابة فاستدارت فوق رؤوسهم، وأبرقت وأرعدت، ثم صرفها الله فتعدت البحر إلى الجانب الغربي فأمطرت وكادوا يهلكون عطشا، وبعد
أربعة أيام من المسير وجدوا مستنقع سحابتهم، فأغاثهم الله بمائها (3). وقفوا على الموضع الذي ألقت فيه أم موسى ابنها في النيل، وهو
(1) - أوعوشت، أبو يعقوب الوارجلاني، صحفات 41 - 42.؛ الدرجيني، طبقات المشايخ،
ج 2، ص 501.
(2) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 16. (3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 212.
-1 EY- (1/148)
صفحة 149
موضع يبتغي فيه الناس الفضيلة، وقد اتخذه المسلمون واليهود مشهدا من
مشاهد الخير (1) كعادة العوام في كثير من بلاد الإسلام.
-
1
-
تباين أحوال الناس في استقبالهم، فقد لقوا كرما حاتميا في جربة وفزان ()، وحفاوة واستقبالا كريما في مصر (). بينما نالهم أذًى كبير من ربان السفينة التي أقلتهم عبر البحر الأحمر، فوصفهم بأنهم "سود الوجوه
أذلة"، وأنهم عراة من الإسلام، فجار، لا قدس الله جمعهم). ظاهرة المكس التي يمارسها أعراب الحجاز، ويبتزون بها الأموال من الحجاج، وقد هجاهم أبو يعقوب هجاء لاذعا في شخص زعيمهم أبي بسام، ووصفه بأنه أعظم لحية، وأنقص عقلا من كلاب شواغر، ولولا نسبه الهاشمي لأصبح مثل القرد قبحا وخسة.).
وصف مناسك الحج بكل تفصيل).
وصف الشوق المبرح إلى الأوطان والعودة بعد أداء مناسك الحج
مباشرة (7).
وصف حالته النفسية عند فراقه مكة، فكان حينها:
ضعيف القوى بادي الصبابة هائم شجي الهوى واهي العرى والبصائر (8). وصف ركوب البحر عائدين إلى أوطانهم، ثم هبوب العاصفة الهوجاء التي قصفت مركبهم، وأودت بحياة أحبته السادة الكرام، فلم ينج منهم
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 96.
(2) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 8 - 9. (3) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 11 - 12. (4) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 13. (5) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 17. (6) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 19 - 20. (7) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 21. (8) - الوارجلاني القصيدة الحجازية مخطوط، ص 22.
-143 - (1/149)
صفحة 150
إلا عدد يسير على ألواح السفينة. وقد ترك هذا الحادث الأليم جرحا عميقا، ولوعة حرّى في فؤاد أبي يعقوب لم ينسه مدى الحياة. سأبكيهم ما عشت حيا ممتعا وأندبهم طول الليالي الغوابر). كما جرت مناظرة بين أبي يعقوب وأبي عمار في مكة حول ظاهرة النهب والغصب التي يمارسها أعراب الحجاز على قوافل الحجاج، وحكم ما بأيديهم من الأموال، وهل يجوز التعامل معهم، أم يقاطعون كما هو أعراب هلال بالمغرب؟ فكان جواب أبي عمار أن هذه بني جزيرتهم، الأقعد فيما بين أيديهم والأغلب عليه الحلال، فلا حرج في أما في بلاد المغرب فإن الأمر مختلف، إذ الأعراب فيها التعامل معهم، يعتبرون غارة، وكل ما بأيدي الغارّة ريبة لا يحل الدنو منه (2). فقضية الزحف الهلالي وما ستتبعها من اجتهاد الفقهاء في ميدان
الشأن
المعاملات المالية تعد من القضايا التي أثيرت في رحلة الحج. كما أثيرت قضية خلق القرآن التي نال المسلمين منها بلاء عظيم، وتحاور فيها أبو يعقوب مع أحد علماء الإباضية المشارقة، وهو محمد فكان جواب الحضرمي أن آراء الإباضية فيها مختلفة، بين
الحضرمي،
قائلين بأنه مخلوق ونافين لذلك). وآخرين لم يقطعوا العذر بين هؤلاء
وهؤلاء.
هـ = هل تعددت رحلة الوارجلاني إلى المشرق؟
ذهب الشيخ علي يحي معمر إلى أن الرحلة الوارجلاني إلى الحج
هي
(1) - الوارجلاني، القصيدة الحجازية مخطوط، صحفات 22 - 25. (2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 490. (3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 151.
-182 (1/150)
صفحة 151
غير رحلته إلى المشرق وأنهما اثنتان لا واحدة).
ولم نجد في المصادر ما يشهد لهذا القول، ولو بإشارة عابرة، خاصة في القصيدة الحجازية التي تتبع فيها أبو يعقوب مراحل السفر، وأحداثه
بكل تفصيل. كما ذهب الأستاذ عبد الرحمن الجيلالي إلى أن رحلة الحج والرحلة إلى المشرق واحدة، وأن أبا يعقوب دخل عواصم المشرق العلمية اللامعة، وتضلع فيها بجميع ما كان متعارفا مشهورا في وقته من العلوم الإسلامية» (2). وواصل طريقه بعد الحج إلى بغداد، وهي يومئذ كقرطبة في المغرب، أو تفوقها ثقافة وحضارة وعمرانا. ثم عاد منها إلى بلده مترعًا علما وحكمة وأدبا» (3).
ولا تسمح المعلومات المتوافرة بالموافقة على هذا الرأي الذي ذهب إليها الأستاذ الجيلالي، ولكن لا يمنع هذا أن يكون الوارجلاني قد استغل فرصة الاستراحة في المدن الكبرى التي مر بها، كالقيروان والقاهرة ومكة والمدينة للاستفادة من مجالس العلم والعلماء فيها، شأن الطالب الطموح إلى مزيد من المعرفة لا يعرف المتعة ولا الراحة إلا في الجد والتحصيل، وليس لنهمه العلمي حدود.
(1) - علي يحي، معمر الإباضية في موكب التاريخ حلقة 4، ج 1، صحفات 229 - 233.
(2) - الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 317. الجيلالي، أبو يعقوب الوارجلاني، صحفات 166 - 167.
(3)
—
-180 - (1/151)
صفحة 152
المبحث الثالث
آثار الوارجلاني
بعد أن طاف الوارجلاني أرجاء العالم الإسلامي عبر رحلاته العلمية والدينية والاستطلاعية والتجارية، حط عصا الترحال ببلده، واستقر ليتفرغ للتدريس والتأليف، وتلك رسالة كل عالم مخلص، وغايته في آن واحد، لأن العلم يراد لينتفع به الناس لا ليبقى حبيس صدور أهله، وإلا كانت الكتب أشرف من العلماء وأحفظ للعلم منهم. وفي وارجلان أخذ أبو يعقوب يقدم عصارة علمه وتجاربه لطلبته في دروسهم بمنزله، وللأجيال عبر مؤلفاته.
متى
وذكروا عنه أنه أقام سبعة أعوام ملازما داره لا ينصرف، فكان زاره أحد من زواره وجده إما ينسخ، وإما يدرس، وإما يقابل، وإما يبرئ الأقلام، وإما يطبخ الحبر، وإما يسفر كتابا لا يعدل عن هذا الفن إلى ما سواه إلا إن قام لأداء فريضة ... » (1).
ولم يكن يستصعب نسخ الكتب مهما بلغت، "فإن له على ذلك قدرة" بما أوتي من عزيمة وإرادة.
وقد وقف بعض الثقاة ببلاد قسطيلية بلاد الجريد) وسوف وأريغ، ووارجلان على سبع نسخ أو ثمان من كتاب "العدل والإنصاف" لأبي
يعقوب، وكلها بخط يده، أما الدرجيني فقد رأى بعينه منها ثلاثا (2). وتلك دلالة على صبر الوارجلاني وجلّده في سبيل نشر العلم، فلم يكن مؤلفا فحسب، بل كان يقوم بدور فريق من النساخ، أو دور
المطبعة
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 492. (2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 492.
-127 - (1/152)
صفحة 153
في عصرنا الحاضر.
المطلب الأول: تلاميذ الوار جلاني
لم تنجدنا المصادر المتوفرة بمعلومات عن تلاميذ الوارجلاني، رغم تفرغه للتدريس فترة غير قصيرة.
والخبر الوحيد عن تلاميذه ما ذكره الدرجيني عن نجل الشيخ نفسه، وهو أبو إسحاق إبراهيم وزميل له اسمه أبو سليمان أيوب.
أ= أبو إسحاق إبراهيم بن أبي يعقوب:
وصفه الدرجيني بأنه "إمام" في علم الأدب، وإن ذاكر في الفروع فيا للعجب، وقد تمسك من الحديث والأصول بسبب أقوى سبب" كما كان أقدر على نظم الشعر من أبيه، بينما امتاز والده بالمقدرة على إحكام
التأليف (1).
ويورد الدرجيني رواية عن محاولة أبي إسحاق لحاق منزلة أبيه في العلم سمعها الدرجيني عن جماعة شيوخ «أن أبا إسحاق رأى في منامه كأن نخلتين صنوان، إحداهم باسقة، والأخرى قصيرة، وكان والده في الطويلة منهما يجني ثمارا، وكأنه عالج الطلوع فقدر على الصغيرة، فلما صار إليها عالج طلوع الكبيرة إلى حيث كان أبوه فلم يطق، فقصها على أبيه فقال: يابني تحاول منزلة أبيك في العلم وأنت دونها» (2).
وكانت وفاة أبي إسحاق سنة ستمائة (2).
-
(1)
—
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 492.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 495.
-
(3)
الشماخي، سير، ص 445.
-1 EV- (1/153)
صفحة 154
ب= أبو سليمان أيوب بن نوح:
الله شيخنا
أفادنا الدرجيني بتلمذة أبي سليمان على أبي يعقوب من سؤال أحد رفاقه عما حصل من علم النجامة، فقال أبو سليمان: «رحم أبا يعقوب، عمد إلى العلوم النافعة كعلم القرآن والفقه وعلم اللسان فحملها ابنه أبا إسحاق ووجد عندنا أفهاما قابلة لعلم لا ينفع يعني علم
النجامة - فعلمناها» (1).
ولا نعلم عن سائر تلامذة أبي يعقوب بعد هذين شيئا.
المطلب الثاني: إنتاج الوار جلاني
لم يكن سطوع نجم أبي يعقوب في الميدان العلمي حديثا بلا رصيد، فشهادة الدرجيني عن مكوثه ببيته سبع سنين مرابطا في خدمة العلم لا يني ولا يفتر عن التأليف والمقابلة والتحبير وذلك إيذان بأن ما خلفه من تراث فكري كان كما هائلا، فضلا عن تنوع هذا التراث ليشم مختلف العلوم المتداولة في عصره، وقد وصف الدرجيني موسوعيته العلمية فقال: و هذا الشيخ له يد في علم القرآن وعلم اللسان وفي الحديث والأخبار، وفي رواية السير والآثار، وعلم النظر والكلام والعلوم الشرعية، عباداتها، والأحكام وعلم الفرائض والمواريث ومعرفة رجال الحديث، ولم يخل من اطلاع على علوم الأقدمين، بل حصل مع ملازمة السنة قطعة من علم الحكماء المنجمين (2). ولكن الفتن المتعاقبة التي عرفتها وارجلان عبر تاريخها الطويل (3). وما
-
(1)
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 493.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 491.
(3) - ينظر مبحث الحياة السياسية بوارجلان من هذه الدراسة.
-18 A- (1/154)
صفحة 155
منيت به المكتبات الإباضية من حرق وإتلاف ونهب (1). فضلا عن العوامل الطبيعية للمنطقة، كل ذلك كان من أسباب فقدان تراث الوارجلاني الذي لم ينج منه إلا النزر اليسير وأغلب ما نجا منه كان خارج وارجلان خصوصا في المكتبات الخاصة بوادي ميزاب، إذ بقيت مصونة إلى يومنا هذا.
وسنحاول معرفة ملامح هذا النتاج، سواء المؤلفات منه أم الأشعار
والمراسلات.
=
أ التفسير:
ترك أبو يعقوب تفسيرًا للقرآن الكريم، وصفه البرادي بأنه «كتاب عجيب، رأيت منه في بلاد أريغ سفرا كبيرا، لم أرَ ولا رأيت قط سفرًا أضخم منه، ولا منه، ولا أكبر منه، وحزرت أنه يجاوز سبعمائة ورقة أو أقل أو أكثر فيه تفسير الفاتحة والبقرة وآل عمران وحزرت أنه فسر القرآن في ثمانية أسفار مثله، فلم أر ولا رأيت أبلغ منه، ولا أشفى للصدور في لغة أو إعراب أو حكم مبيّن أو قراءة ظاهرة أو شاذة، أو ناسخ أو منسوخ، أو في جميع العلوم» (2). ويتبين من وصف البرادي لهذا التفسير أن الوارجلاني قد سلك فيه منهج الجمع بين المنقول والمعقول، وهو مسلك محمود في مناهج المفسرين، فأول ما يذكر إعراب الآية، ويستقصيه، ثم يقول اللغة فيستقصي تصاريف الفعل من الكلمة ثم يذكر الأحاديث المتعلقة بالآية من سبب نزول أو تبيان حكم، ثم يورد آراء الفقهاء والمفسرين فيناقشها،
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 119 ظ. (2) - البرادي، الجواهر المنتقاة، ص 220.
-189 - (1/155)
صفحة 156
فجمع فيه علوما جمة» (1).
ولهذا عزّ على البرادي أن يبقى هذا الكنز مهملا من قبل أهله، فتذاكر أمره مع بعض نجباء الطلبة فقال أحدهم: «لو وجدت هذا التأليف كاملا لاسترخصته بخمسين دينارا» (2).
ويذكر الشيخ أبو إسحاق اطفيش أن هذا التفسير يقع في سبعين جزءاً، وأنه تلاشى في الفتن الداخلية التي مُني بها المسلمون حينا من الدهر (3). كما لم يقطع الشيخ أبو اليقظان والأستاذ الجيلالي حبل الرجاء في الحصول عليه، فذكرا أنه يوجد من هذا التفسير اليوم جزء واحد بإحدى خزائن روما عاصمة إيطاليا). ولكن رغم جهود الباحثين فلم يُعثر لهذا الكتاب على أثر (ه).
ورغم ضياع هذا السفر الثمين فإن كتاب الوارجلاني "الدليل والبرهان" يمدنا بنماذج طيبة عن تفسيره نشير إلى بعضها هنا، ومنها: آية: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَة) [سورة
-
-
البقرة: 30] (1).
وآية: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثبت [سورة الرعد: 39] (7).
(1) - البرادي الجواهر، ص 221. (2) - البرادي الجواهر، ص 321.
(3) - أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 27.
-
(4) - أبو اليقظان، الإمام الوارجلاني، ص 14، الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 318. (5) - ونذكر هنا بإشادة جهود الباحث محمد بن أيوب حاج سعيد، الذي قضى سنوات من عمره رحالة يتتبع مخطوطات الإباضية في شتى مكتبات العالم شرقا وغربا، ولم يعثر على هذا التفسير بعد.
(6) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صحفات 109 فما بعد. (7) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 100
-10
- (1/156)
صفحة 157
-
وآية (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُعْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْراً إلى قوله تعالى لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نَكْرًا) [سورة
الكهف: 74].
وقدم فرقا دقيقا بين معنى أمر نكر، وأمر منكر). آية: لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْن) [سورة الكهف: 60]. وذكر معلومات جغرافية حول العالم الإسلامي، مما يدل على
استفادته من علم الجغرافيا في مجال التفسير (2).
ب= الحديث:
- ترتيب المسند:
فأعاد
ترتيبه
تناول الوارجلاني كتاب مسند الإمام الربيع بن حبيب، وفق أبواب الفقه، بعد أن كان مرتبا على أساس رواة الأحاديث. وأصل الكتاب يقع في جزأين، ثم ضم إليه أبو يعقوب آثارا احتج بما الربيع على مخالفيه وجعلها جزءاً ثالثا، ثم أضاف إليه أيضا روايات محبوب بن الرحيل عن الربيع، وروايات الإمام أفلح بن عبد الوهاب عن أبي غانم بشر بن غانم الخراساني، ومراسيل الإمام جابر بن زيد، وجعل هذه الإضافة في جزء رابع فصارت أجزاء الكتاب أربعة (3).
وعرف الكتاب بعنوان ترتيب المسند، وقد شرحه أبو ستة الجربي، ثم شرح الشيخ السالمي الجزء الأول والثاني منه أصل المسند، دون إضافات الوارجلاني، وطبع في ثلاث مجلدات.
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صحفات 190 - 191. (2) - الوارجلاني الدليل والبرهان، ج 3، ص 194 - 195.
(3)
-
الربيع بن حبيب الجامع الصحيح، مقدمة السالمي، ص 3.؛ السالمي، حاشية الجامع
الصحيح مسند الربيع بن حبيب، ج 1، ص 3.
-101 - (1/157)
صفحة 158
- رسالة حول رجال المسند:
اهتم أبو يعقوب بعلم الحديث ورجاله أيام دراسته بالأندلس، وقرأ بقرطبة جملة من كتب الحديث (1). وربما تأثر بما خلفه حافظ المغرب ابن عبد البر الأندلسي. ووضع رسالة للتعريف برجال مسند الربيع وشيوخهم وتلامذتهم). ولكنها ضاعت، وفي اعتقاد الباحثين أنها في عداد تراث الوارجلاني
المفقود (3). وينسب أبو إسحاق اطفيش رسالة إلى الوارجلاني بعنوان "ترجمة رجال الإباضية)). ويبدو أنها الرسالة المذكورة نفسها، وليستا اثنتين كما ذهب إليه الشيخ أبو اليقظان).
ويضيف أبو إسحاق قوله: ذكر لنا أحد الأساتذة أنه اطلع عليها في
كلية بأوروبا، وأظن بألمانيا).
وإيراد الخبر بهذه الصورة الغامضة حول صاحب الخبر ومكان المكتبة يجعلنا في حيرة من الأمر كمن يبحث عن حلقة في فلاة).
(1) - حول محتوى المسند وسنده ورجاله، ينظر:
عمر مسعود الكباوي، الربيع بن حبيب محدثا رسالة ماجستير، جامعة الفاتح، طبع
المطبعة العربية غرداية الجزائر.
السالمي، حاشية الجامع الصحيح، ج 3، مقدمة عز الدين التنوخي.
(2) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 494.
(3) - السالمي، حاشية الجامع الصحيح، ج 1، ص 3؛ أبو اليقظان الإمام الوارجلاني، ص 15. (4) - أبو إسحاق اطفيش الدعاية إلى سبيل المؤمنين، ص 27.
(5) - أبو اليقظان الإمام الوارجلاني، ص 15.
-
(6) - أبو إسحاق اطفيش الدعاية، ص 27. (7) - في لقاء مع الشيخ عمر بن داود أبو معقل، بتاريخ 1992/ 2/10 م بمنزله بوار جلان، وهو الحافظ لتاريخ وارجلان ذكر لي أن رسالة الوارجلاني قد تكون عند قبيلته من بني إبراهيم، ولكنهم تحولوا عن المذهب الإباضي لظروف تاريخية ولذا فإما أنها تلفت، أو يكون
-152 (1/158)
صفحة 159
ولم يصلنا من مضمون هذه الرسالة إلا ما أورده الشماخي في سيره؛ إذ ذكر «أشياخا روى عنهم الربيع، ويروون عن جابر، لكنهم مجاهيل، ما رأيت من عرف بهم منهم يحي بن أبي، قرة، ومنهم ... ، وأما جابر بن عمارة، فمن شيوخ أهل الدعوة بصري، وإن عده أبو يعقوب في المجاهيل ... وأما رجال حديث مسند الربيع، فقد ذكرهم أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم، فلا أتعرض لذكرهم إلا ما تقدم ذكره في تعريفنا» (1). وأورد القطب اطفيش العبارة حرفيا في ملحقه على المدونة الكبرى لأبي غانم الخراساني (2). وهو ما جعلنا نذهب أول الأمر أن رسالة الوارجلاني حفظت ووصلت إلى الشيخ اطفيش المتوفى سنة 1332 هـ / 1914 م، مما بعث أبواب الأمل في العثور عليها. ثم فتح الله بذلك، وعثر الباحثون في جمعية التراث أثناء فهرستهم المخطوطات مكتبات وادي ميزاب على هذا الكنز في مكتبات بني يسجن، على جزء من هذا الكراس، يبدأ من حرف العين، ولعل المستقبل يكشف جديدا عن بقية الكراس المفقود.
ج= أصول الفقه:
ألف أبو يعقوب في أصول الفقه كتابه الموسوم بـ "العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف"، ويقع في ثلاثة أجزاء. كتاب حظي بعناية خاصة من علماء الإباضية، فتناولوه بالشرح
وهو
والاختصار، والنظم.
الوصول إليها شبه مستحيل. الشماخي، سير، ص 122.
-
(1)
(2) - أبو غانم بشر بن غانم الخراساني، المدونة الكبرى دار اليقظة العربية، بيروت، 1394 هـ / 1974 م، ج 2، صحفات 275 فما بعد.
-100 - (1/159)
صفحة 160
وبحكم كونه معتمدنا في دراسة آراء الوارجلاني الأصولية، فسنخصه
بحديث مفصل لاحقا، بإذن الله.
د= الفقه:
- نقل الشماخي عن بعض الطلبة أن للوارجلاني كتابا في الفقه، ولم يذكر عنوانه أو محتواه، ولا حجمه، أمختصر هو أم وسيط أم مبسوط؟ (1). وعن الشماخي نقلت المراجع هذا الخبر دون تفصيل (2).
- وللوارجلاني أجوبة وفتاوى عديدة قال عنها الشماخي: «ولا أحصي ما رأيت له من الأجوبة لكثرتها» (3). ولو جمعت هذه الفتاوى لألفت كتابا معتبرا.
أصول الدين وعلم الكلام
اهتم الوارجلاني بميدان أصول الدين، فألف فيه كتابه "الدليل والبرهان"، وعنوان الكتاب كاملا هو الدليل" لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل، وتحقيق مذهب الحق بالبرهان والصدق). ويقع الكتاب في ثلاثة أجزاء، ألّفه بعد كتاب "العدل والإنصاف"، لورود إشارات في ثناياه تحيل إلى العدل والإنصاف). كما وردت في الكتاب إشارات إلى أحداث تاريخية وقعت سنة
(1) - الشماخي، سير، ص 444.
(2) - السالمي، حاشية الترتيب، ج 1، ص 3؛ أبو اليقظان الإمام الوارجلاني، ص 15.
-
(3)
الشماخي، سير، ص 443. (4) - قام بدراسة وتحقيق الكتاب الباحث صالح بوسعيد في أطروحة دكتوراه الحلقة الثالثة، بتونس، كما أشرنا إليه سابقا ودراسته تناولت الجزأين الأول والثاني من الكتاب فقط.
(5) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 123.
-108 - (1/160)
صفحة 161
549 هـ). مما يفيد أنه ألف بعدها، وهو زمن النضج الفكري
للوار جلاني. وكتاب الدليل والبرهان في أصول الدين أساسا، لكنه جامع لشتات علوم كثيرة، فهو يبحث في الإلهيات والطبيعيات والفقهيات، والمنطق والرياضيات، وآراء الفرق الإسلامية، وتاريخ نشأتها، والأحزاب السياسية
التي أثرت في مجرى الحياة الفكرية في العالم الإسلامي.
كما ناقش قضايا علم الكلام بصورة واضحة (2).
والكتاب أشبه بصورة مصغرة لدائرة معارف إسلامية لعصر الوارجلاني (2).
وذكر الوارجلاني في "الدليل" "البرهان كتابا له بعنوان "الاقتصاد في الاعتقاد" في أصول الدين). ولم نعثر له بعد هذا على ذكر ولا أثر.
و = الفلسفة:
=9
- كتاب مرج البحرين:
وهو كتاب في علم المنطق والحساب والهندسة، وهذه العلوم كانت إلى ذلك الحين في عداد مواضيع الفلسفة. ويذكر عن هذا المؤلّف أنه كتاب مستقل، ولكن الذي وجدناه أنه
يمثل القسم الأخير من الجزء الثاني لكتاب الدليل والبرهان. ومما يدل لذلك أنه ابتدئ بالبسملة، والتصلية وذكر عنوان الكتاب تعلقة في المنطق، كتاب مرج البحرين في المنطق، بحر الألفاظ والكلم،
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 11. صالح بوسعيد، ص 47.
(3) - الجيلالي تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 318. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 318.
1100 - (1/161)
صفحة 162
وبحر المعاني والحكم، الحمد لله مبدئ النعم، ومبدئ الحكم، وكاشف الظلم ... " (1). والراجح أن تلامذة الوارجلاني أو النساخ بعده هم الذين أدرجوا هذه الرسالة في كتاب "الدليل والبرهان. ويؤكد هذا قول الشيخ محمد اطفيش: مرج البحرين اسم لرسالة صغيرة في علم المنطق مذكورة في الدليل والبرهان» (2).
وتقع هذه الرسالة في خمس وعشرين صحيفة تناول فيها أهم قضايا
علم المنطق بإيجاز، وختمها ببابين في الحساب والهندسة (3). وقد تناولها أبو العباس الشماخي بالشرح. ولكن شرحه مفقوده). شرحها الشيخ عبد العزيز الثميني ثانية (1)، وسمى شرحه "تعاظم الموجين شرح مرج البحرين".
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 85.
(2) - محمد بن يوسف اطفيش شرح شرح مختصر العدل والإنصاف، مخطوط بمكتبة القطب، بني يسجن، غرداية الجزائر، ج 1، ورقة عظ.
(3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان ج 2 صحفات 85 - 109.
(4)
أبو العباس الشماخي، شرح مختصر العدل والإنصاف مخطوط بمكتبة الحاج صالح لعلي، بني يسجن، غرداية، الجزائر، ورقة اظ، ورقة 6 ظ. (5) - عبد العزيز الثميني تعاظم الموجين بشرح مرج البحرين، مخطوط بمكتبة الاستقامة، بني يسجن، غرداية، الجزائر، ورقة 2 ظ.
(6) - وقد تمنى الثميني لو وجد شرح الشماخي لكفاه المؤونة. أما شرح الثميني فقد جاء وافيا استعمل فيه الأسلوب المنطق، كما أكثر فيه من الاستشهاد بأقوال الوارجلاني في الدليل والبرهان"، و"العدل والإنصاف"، وأقوال القطب الشيرازي في "شرح المطالع"، والغزالي وغيرهما.
وقد وفق الشارح في تحليله ونقده ومقارناته وتوسعه في الاستشهاد والتمثيل. ولكن شرحه لم يتم، إذ بقيت المباحث الأخيرة للرسالة دون شرح، وهي في بعض أنواع
القياس.
ينظر: الثميني، تعاظم الموجين مخطوط، الكتاب كاملا.
-107 - (1/162)
صفحة 163
- كتاب مروج الذهب: نسب الأستاذ عبد الرحمن الجيلالي إلى الوارجلاني كتابا بعنوان مروج الذهب" في الفلسفة، وأنه ترجم إلى أكثر لغات أوروبا، نظرا لأهميته (1). وأورد الأستاذ بكير أو عوشت المعلومة نفسها دون الإحالة على مصدرها (2). بينما يرى أبو إسحاق اطفيش (3). وأبو اليقظان إبراهيم أن الكتاب الذي ترجم إلى لغات أوروبية هو "مرج البحرين".
11
ولم تذكر المصادر كتابا للوارجلاني اسمه مروج الذهب"، فيكون هذا العنوان خطأ المحدثين، نشأ من من التشابه بين الاسمين، "مرج
البحرين" و"مروج الذهب". وتبقى قضية ترجمة الكتاب بحاجة إلى بحث في غياب المصادر الغربية التي تناولت الوارجلاني إن كانت و درست، آثاره، إذ لم نعثر فيما بين أيدينا إلا على تعريف موجز له من قبل المستشرق البولوني ليفتسكي). دون أن يذكر هذه الترجمة للكتاب، رغم اطلاعه الواسع على التراث الإباضية وعلى دراسات المستشرقين حول الإباضية.
ز التاريخ والسير:
- فتوح المغرب:
ينسب الشيخ أبو اليقظان للوارجلاني كتاب في التاريخ بعنوان "فتوح المغرب" وينقل عن أستاذه حسن حسني عبد الوهاب قوله: «إن للوار جلاني كتابا كبيرا يسمى "فتوح "المغرب" رأيت نسخة منه في تركة
(1) – الجيلالي، تاريخ الجزائر العام، ج 1، ص 318. (2) - أو عوشت بكير، الإمام الوارجلاني، ص 47.
(3) - أبو إسحاق اطفيش الدعاية، ص 29. (4) - أبو اليقظان الإمام الوارجلاني، ص 14.
-101 - (1/163)
صفحة 164
المستشرق الكبير مسيو منتسكيو). ولولا قلة النقود عندي لاقتنيته في جملة ما اقتنيت مما خلف مثل رسالة ابن الصغير في أئمة بني رستم، ويوجد ذلك الكتاب في بعض خزائن ألمانيا» (2). عبد الرحمن بكلي). وعادل نويهض). هذا الكتاب "كتاب ويسمي المغرب في تاريخ المغرب". ولكن المستشرق شاخت يذكر أن اسم الكتاب هو "التاريخ الكبير لوارجلان وسدراتة ووادي ريغ). وأورد ليفتسكي الخبر نفسه، ولكن بصيغة التشكيك (1).
- شرح سير محبوب بن الرحيل:
ورد ذكر هذا المؤلف في سير أبي عمار أثناء الحديث عن تطور نظام العزابة، إلى زمان أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، ووصل إليه سير محبوب بن الرحيل الحضرمي رحمه الله وشرحهم شرحا عجيبا» (7). وكتاب ابن الرحيل من المصادر المشرقية لتاريخ الإباضية، عُني به
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 89. — (1)
(2) - لعله "موتيلانسكي"، المهتم بالتراث الإباضي.
(3) - أبو اليقظان الإمام الوارجلاني، ص 13.
(4) - عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر، ص 431.
-
(5)
J. Schacht, Bibliothèques et manuscites abadites, Revue Africaine (tome 100), Alger. 1956, p 397.
وعبارته هي:
Les lettres du Mzab present a cause d une emission T.S.F entendue pendant la dernière guerre, qu un manuscrit de la grande histoire d Abu Ya qube Yusuf b. Ibrahim al Wardjalani (m 570) Al tarikh al kabir li wardjlan wa Sedrata 27; n:67 (belletine de Wadi righ. (B.C.A 3. correspendance africaine) se trouve a Berlin, mais je n ai pas réussi a le repèrer.
wa
-
Tadeuz Lewicki, Les historiens, p 90. — (6)
أبو عمار، سير أبي عمار، ص 2.
(7)
-10^- (1/164)
صفحة 165
المغاربة عناية كبيرة.
و لم نعثر على إشارة أخرى لهذا الشرح غير ما ذكره أبو عمار.
ح= الشعر:
ينسب الدرجيني لأبي يعقوب ديوان شعر رآه وقرأه، ويذكر أن والد الدرجين المت به علة وأراد الترويح عن بعض ألمه، «فتناولت تعليقة فيها شعر الشيخ أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم السدراتي، رحمه الله فصادفت القصيدة البائية، فجعلت أسرد أبياتها بحيث يسمع، فأصغى إلي سمعه، وسلا ما كان به» (1).
ويؤكد الشماخي أن للوار جلاني قصائد شعرية (2). ولكن هذه القصائد ضاعت ولم يحفظ منها التاريخ إلا اثنتان عُرفتا في كتب السير بالبائية والحجازية.
القصيدة البائية
سبب نظم أبي يعقوب لهذه القصيدة وفاة شيخه أبي سليمان أيوب بن
إسماعيل، الذي ترك فراغا كبيرا، وأثرا بالغا في نفس أبي يعقوب. وقد أورد الدرجيني القصيدة كاملة في طبقاته (3). وتبلغ تسعا وسبعين
بيتا، مطلعها: أيوب ما أيوب لا أي
-
أودى به قدر الردى المجلوب).
وللقصيدة أهميتها التاريخية من حيث كونها ترجمة للشيخ أيوب
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 460 - 461.
-
(2)
(3)
-
الشماخي، سير، ص 443.
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 462 - 469.
(4) - القصيدة من بحر الرجز:
مستفعلن مستفعلن مستفعلن
مستفعلن مستفعلن مفعول
-109 - (1/165)
صفحة 166
يعقوب.
ولدوره العلمي بوارجلان ومنزلته في قلوب تلامذته، وفي مقدمتهم أبو كما أنها تصوير صادق لمشاعر الوفاء والعرفان بالجميل، فضلا عما فيها من دلالة على المستوى اللغوي للوارجلاني، الذي يعبر عن الطابع السائد للشعر في وارجلان.
أما
من الناحية الفنية فالقصيدة لا ترقى إلى مصاف الشعر الجيد، نظرا لتعثّر ملكة أبي يعقوب الشعرية فيها واستيلاء العاطفة عليه، مما أفقده التحكم في كثير من أفكاره وتنظيمها.
بيد أن القصيدة لم تخل من بعض الصور الشعرية الجميلة، مما أضفى عليها مسحة من طلاوة ورواء). إلا أن اللغة لم تطاوع أبا يعقوب في أحيان عديدة، فضلا عن الخلل العروضي في بعض أبيات القصيدة (2).
القصيدة الحجازية:
هذه القصيدة أنشأها أبو يعقوب بمناسبة رحلته إلى الحج، ووصف فيها الرحلة ذهابا وإيابا.
ونسخها متوفرة في مكتبات المخطوطات بوادي ميزاب وغيرها.
(1) - ومن ذلك تصويره لمرض شيخه الذي
-
- (2)
دب البلاء بجسمه بعد البلا ذهبت بشاشته وشرة مائه فانسل منه الروح عند وفاته بل مات سبع سنين قبل مماته
في كل يوم يمر وليلة أحوال أهل الكهف في تقليبهم
ومن ذلك قوله:
ضاهى النبي سميه في دائه
أقعده الفراش سبع
سنين:
فله بعد طول الحياة دبيب وعلاه من بعد الشحوب شحوب بأبي وأمي الطاهر المسلوب لم يبق إلا الروح والتركيب أبدا يقلب وجهه التقليب أبدا تقلب أوجه وجنوب
إذ البلايا بجانبيه تذوب وصوابه: إن البلاء بجانبيه يذوب
الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 463.
-17. (1/166)
صفحة 167
مشاهد
افتتحها الوارجلاني بغزل رقيق، ثم ذكر رفاقه في السفر، وأنهم من وجهاء القوم، وعدد مراحل الطريق بكل تفصيل، وما لاقوه من ومتاعب وأهوال ووصف مناسك الحج كيف أدوها، ثم ختمها بمواعظ ونصائح للتزود ليوم الرحيل إلى الله، والاستعداد بالعمل الصالح للنجاة يوم
الحساب.
وتقع القصيدة في ثلاثمائة وستين بيتا، وقد نوه بها مترجمو الوارجلاني، وأفادتنا كثيرا في رصد معالم رحلته الحجازية.
ومطلع القصيدة:
عذيري عذيري من ذوات المحاجر ذوات العيون النجل سود الغدائر (). وللقصيدة أهميتها التاريخية، أما من الناحية الفنية، فهي أحسن من البائية، نظرا لتأخرها الزمني، إذ نظمها أبو يعقوب وهو في خريف عمره، بعد تمام نضجه العقلي والفكري.
كما تميزت القصيدة بالثراء اللغوي واستعمال الكلمات المهجورة أحيانا، وقد تصل إلى حدّ الإغراب). ولم تخل من بعض التراكيب
(1) - القصيدة من البحر الطويل
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل
و من غزله في مطلعها قوله:
فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل
ذوات الشفاه اللعس بالظلم واللمى غرائر خرق الصنع سود الغدائر
نواعم لم يعرفن ما بؤس عيشة الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 1.
(2) - كقوله:
بصيابة من خير كل قبيلة
كوانس في الأظلال مثل الجآذر
ولا سيما منها هلال بن عامر.
الوار جلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 4.
وقوله:
وكانوا استفالوا في تبارى تبارهم وسلّمهم منا دليل المخابر.
الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 31
-171 - (1/167)
صفحة 168
المهلهلة، وربما تسبب فيها تصحيف النساخ).
والملاحظ أن
نسخ القصيدة على كثرتها وقع فيها تصحيف كبير، وفي أحيان عديدة يعسر الوصول إلى الكلمة الأصلية التي وضعها الشاعر،
ولذلك كانت دراستها من الناحية الفنية من الصعوبة بمكان.
وقد عزم الدرجيني على شرحها ولكنه لم يجد من يرويها عن أبي يعقوب صحيحة، فينقلها عنه ويعرف مقاصدها ولذلك عدل عن
شرحها (2).
-
-
-
-
والذي نستخلصه من نماذج شعر الوارجلاني على قلتها:
أنه كان ينظم الشعر تحت الضرورة الملحة. وأنه كان صادقا نفسه في التعبير عن مشاعره، إذ لم يكن ثمة سلطان يخشى غضبه، أو أمير يستدر عطاءه.
تمكن الروح الدينية منه، وتوظيفه الشعر لهذا الغرض النبيل. غلبة الطابع الجدي في شعره وخلوه من الغزل إلا أبياتا قليلة، تغزل فيها على استحياء، فلم تؤثر فيه طبيعة الأندلس ولا شعراؤها، إذ كان ينظر إلى الشعر نظرة خاصة (3).
وقد كان من سمات الشعر المغربي آنذاك الجد والاحتشام، بل إن الحياء ظاهرة في هذا الشعر قديما وحديثا).
(1) - كقوله:
وأما شجاع فهو أشجع من مشى على الأرض بعد الأشجعين العناتر فأما أخو الحمران فالبدر كامل فإن عاد شمسا فهو أجر جادر فسقيا الحاج الغرب حيث توجهوا وبخ بخ بهم من عبقري العباقر الوارجلاني، القصيدة الحجازية، مخطوط، ص 32.
(2) – الدرجيني طبقات المشايخ، ج 2، صحفات 494 - 495. (3) - ينظر: نظرته إلى الشعر في المطلب القادم.
(4) - د. أحمد بن محمد أبو رزاق الأدب في عصر دولة بني حماد، الشركة الوطنية للنشر
-162 - (1/168)
صفحة 169
ط المراسلات:
كانت لأبي يعقوب مراسلات كثيرة مع علماء عصره، منهم الشيخ محمد بن الشيخ النفوسي الأبدلاني). ومحمد بن غانم الأنصاري من
غانة (2).
كما كان الناس يكاتبونه في ما يشكل عليهم من أمور دينهم ودنياهم، فيجيبهم بردود مستفيضة.
من
وقد جمعت هذه المراسلات والأجوبة وجعلت الجزء الثالث كتاب "الدليل والبرهان". فليس هذا الجزء من الكتاب الأصلي، لورود عبارات تنفي كون أبي يعقوب هو الذي وضع هذا الجزء، مثل الترحم عليه (3). وإعادة فقرات كاملة وردت في الجزأين الأول والثاني).
وهذه الأجوبة تشكل بحجمها نظير حجم الجزأين الأولين للكتاب. ومن المؤكد أن تلاميذ الوارجلاني أو النساخ أضافوها وجعلوها جزءا
ثالثا
ولأبي يعقوب رسالة حول وسوسة الشيطان وطرق مجاهدته والتخلص من سيطرته على قلب الإنسان بالمجاهدة والرياضة الروحية، وهي رسالة هامة في علم السلوك (.).
والتوزيع، الجزائر، 1979 م، ص 149.
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 157. (2) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 1، ص 54. (3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 157.
-
(4)
الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، صحفات 144 فما بعد. الفقرة المذكورة هنا قد
وردت بعينها في: ج 1، صحفات 37 فما بعد. (5) - رسالة أبي يعقوب مخطوط مصور بحوزتي.
-163 - (1/169)
صفحة 170
المطلب الثالث: نظرته إلى بعض العلوم
أ=
علم الفقه:
علم
الفقه
من أجل علوم الشريعة فهو دستور المسلم في حياته اليومية، وعلاقاته الفردية والجماعية، وقد أثنى الله تعالى عليه، ودعا إليه، وذم من جهله»). وذلك في قوله: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأَنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [سورة
الأعراف: 179]. ولكن الوارجلاني نعى على الناس انحرافهم في فهم الفقه الحقيقي، وانصرافهم إلى مسائل الطبولية التي استخرجوها من وراء الفقه، کمسائل الظهار والإجارات والبيوع والحيض والنفاس والطلاق ... والطهارات والأنجاس وجعلوها أصول الدين، وعلم الأولين، ونحلوها
فضائل جميع تعليم العلوم» (2).
ثم ينحو أبو يعقوب باللائمة على المشتغلين بحفظ المسائل الشواذ، وصرف الجهد الكبير، وقضاء العمر الطويل في تقييدها، وهي لا تنفع صاحبها، ولا يسأل الناس عنها، لندرة حدوثها في حياتهم اليومية، فيمكث الواحد من الطلبة مدة مديدة، ولم تنزل عليه مسألة المسائل، ولا ابتلي بشي من هذه النوازل» (3).
وينسي
من
هذه
هذا الطالب المسكين مهمته الأساسية من العلم وهي تزكية النفس وإصلاح الأخلاق، والاشتغال بما ينجيه يوم لقاء ربه، وما يرفع
(1) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13. (2) - الوار جلاني رسالة الوارجلاني، ص 13. (3) - الوار جلاني رسالة الوارجلاني، ص 13.
-178 - (1/170)
صفحة 171
درجته في جنات النعيم، فكان ما قدمنا آثر عنده مما ذكرنا، ولقبوه
بالفقه، بل هو الفتنة العظمى والبلية الموجعة للدهماء» (1).
ب= علم الكلام
يرى أبو يعقوب أن الأصل في علم الكلام أن يكون حوارا هادفا بين أهل التوحيد فيما يتعلق بصفات الله وكمالاته، ونفي النقائص عنه، وما يليق في حقه وما لا يليق (2).
ولكن علماء الكلام لم يلتزموا هذا الخط، فانتقد عليهم الوارجلاني
تحويلهم مجرى هذا العلم إلى مناظرة الدهريين، وإنما كان ينبغي استعمال ذلك بين الموحدة فيما بينهم» (3).
وسبب
انتقاده ما استلزمه منطق المناظرة مع هؤلاء الدهريين الذين
لا يؤمنون بإله، من استعمالهم أشياء لا تليق بالباري سبحانه، من القبائح والرذائل والفحش والخنا والظلم والجور والعجز والحاجة»). الأمر الذي يضطر معه علماء الكلام إلى الرد عليهم باستعمال تلك العبارات القبيحة التي لا تليق بمقام الله جل جلاله ومجاراة هؤلاء في شنيع مقالاتهم. ويعتذر أبو يعقوب عن عدم استطاعته ضرب الأمثلة لذلك، وشرح مذهبهم لكيلا أقع فيما عيبته ولا أعيب على الرادين سوى تلك
المذاهب» (ه).
(1) - الوارجلاني، رسالة الوارجلاني، ص 13. (2) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13. (3) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13. (4) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13. (5) - الوارجلاني، رسالة الوارجلاني، ص 13.
-170 - (1/171)
صفحة 172
ج= المنطق والفلسفة:
لم يذكر الوارجلاني الفلسفة باللفظ في كامل رسالته "مرج البحرين"، وإنما ذكر بعض مواضيعها وهي المنطق والهندسة، وأشار إليها بـ"العلوم العقلية تارة، وبـ "علوم العقلاء" أخرى، وبـ "العلوم الضرورية ثالثة).
ويرى أبو يعقوب أن آراء الفلاسفة ليست على صعيد واحد صوابا أو خطأ، وإنما فيها مقبول ومردود ودعا إلى التمييز بين حق هؤلاء وباطلهم، فلم يكن معجبا بالفلسفة فيمجدها بما فيها، ولا متعصبا ضدها فيطرحها جملة وتفصيلا. بل كان موقفه وسطا (2). متمثلا فيه قول الرسول «الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها» (3).
ويوضح أبو يعقوب موقفه هذا بقوله: «إن الكلام في هذا [يعني الفلسفة مع أهل الدهر أكثر، ولا بد من إسعافهم بعض الإسعاف للسياسة والإنصاف والتحرز منهم عند الاختلاف». وقد فتح باب التحرز لئلا يقع فيما عاب عليه أهل الكلام من بحاراتهم للدهريين في قبائح أوصافهم الله تعالى.
وعلى صعيد آخر فإن الوارجلاني يرى دراسة المنطق أمرا ضروريا، لأنه وسيلة إيضاح الحق بالقياس الصحيح، المؤيد بالبرهان الصحيح،
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان ج 2 في مواطن عدة.
وانظر أيضا محمد بابا، عمي أصالة الفكر الفلسفي عند الوارجلاني، بحث مرقون مصور بحوزة
صاحبه، ص 8.
-
(2) - محمد باباعمي أصالة الفكر الفلسفي، ص 9.
—-
(3)
أخرجه الترمذي، كتاب العلم، باب 19، حديث رقم 2687، جه، ص 51، طبعة دار
إحياء التراث العربي، بيروت، د. ت.
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 92.
-177 - (1/172)
صفحة 173
نفسه (1) ويقين من
ليكون المرء على ثقة وقد خاطب الله عز وجل العقول البشرية بالأدلة العقلية.
ويفسر أبو يعقوب الميزان في قوله تعالى: (وَوَضَعَ الْمِيزَانَ) [سورة
الرحمن: 7]. بأنه المنطق العقلي).
ويري
أن البرهان المنطقي رأس العلم، وغيرها من العلوم فروعه، وأنه أصل علوم العقلاء). وبفائدة المنطق حاج الله المشركين في القرآن من أوله إلى آخره، وقرعهم ببراهينه وحججه والأنبياء صلوات الله عليهم بالأثر، والأولياء على أسلوبهم»).
د الحساب والهندسة:
يعتبر الوارجلاني الحساب والهندسة من العلوم الأساسية، فبالحساب يتم تقسيم المواريث وفق الأنصبة التي حددها القرآن.
الله
حق» (ه).
كما جعل الهندسة من العلوم الضرورية، ولم يكتف بذلك، بل بالغ في تمجيدها حتى قال: «كل ما شهدت به فهو عند والفكر الرياضي الحديث يعتبر حقائق علم الرياضيات في أعلى درجات اليقين (1). وذلك في إطار وحدود المعرفة البشرية، لأن في كل علم يقينا نسبيا، وبمقارنة الرياضيات بالعلوم الأخرى فإننا نجدها أقل
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 92.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، تحقيق د. عمرو النامي، نسخة مرقونة مصورة بحوزتي، ج 1، ص 112.
(3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 92. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 112.
(5) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص
- (6)
-
جمال الدين بوقلي، حسن قضايا فلسفية، ط 3، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،
1984، انظر: بحث قيمة الرياضيات صحفات 403 - 412.
-167 - (1/173)
صفحة 174
العلوم حظا في احتمال الخطا. وهذا الاحتمال واقع في المعطيات التي يستخدمها هذا العلم، أما منهجيته في الاستدلال، ونتيجته فهي قطعية وحق، كما ذهب إلى ذلك أبو يعقوب.
= علم التصوف:
اختلفت أنظار المسلمين علمائهم وعامتهم، إلى التصوف، وتعددت تصوراتهم الحقيقته، وتبعا لذلك اختلف حكمهم عليه، فمنهم من رآه بدعة تنافي الإسلام ومنهم من اعتبره جوهر الدين في نقائه، بل هو غايته الكبرى، لأنه يرمي إلى تطهير النفس وتزكية الأخلاق. ومهما يكن، فإن وجهة نظر أبي يعقوب إلى التصوف تتسم بالواقعية والاعتدال، فهو ينكر مظاهر التمتمات والشطحات التي ابتدعها كثير من الصوفية ويقر التصوف النقي الذي مثله بحق وصدق زهاد الصحابة والتابعين ومن قبلهم الرسول في إخباته الله وتواضعه وكثرة تأمله في خلق الله وصلته الشديدة بالله في الرخاء
والبلاء.
وخشوعه،
وقد مدح أبو يعقوب هذا التصوف ودعا إليه أحد إخوانه في رسالة إليه، مبينا له سبيل الارتقاء الروحي والصفاء النفسي، «فلو أشغلت نفسك يا أخي بذكر الله تعالى ونفسك بقراءة القرآن، وقبلك بالنظر في عجائب عالم الملك والشهادة، وفي عالم الملكوت، وفي عالم الجبروت). واستعملت النظر والتذكر والتفكر والتبصر في هذه المقامات الأربع، لترقيت إلى عالم الصديقين والسابقين والمقربين، ولتغشى قلبك من إشراق الأنوار ما تكل عن وصفه ألسنة الواصفين، وتعجز عنه قوى جميع
(1) - تولى أبو يعقوب شرح هذه المقامات الأربع في كلام سابق.
-17 A- (1/174)
صفحة 175
المجتهدين، إلا السابقين الذين هم في عليين».
و= الشعر:
لم يكتب الوارجلاني الشعر استجداء لذي سلطان قاهر، ولا استعطافا لذات جمال، آسر بل كتبه والدموع ملء جفونه، وقد فجعه الموت باختطاف شيخه وأبيه الروحي أول مرة، واختضار موج البحر أعز
رفاقه آخر مرة.
ولئن ضاع أغلب ما كتب من أشعار ففي البقية الباقية منه دلالة على محتواه ومستواه، فهو لم يكتب الشعر إلا تحت ضغط الضرورة، وبقدرها، ولم تكن بيئته تسمح بأكثر من ذلك، رغم تفتحه على طبيعة الأندلس الخلابة التي أنجبت أمثال ابن خفاجة وابن زيدون.
وموقف الوارجلاني من الشعر موقف حدده الدين الإسلامي الذي
يمقت القول بلا عمل وأغلب الشعراء يقولون ما لا يفعلون. والوارجلاني، انطلاقا من عقيدته التي تعتبر الكلام رسالة وأمانة،:
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْل إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [سورة ق:18]. فإنه يوجه للمعنى اهتماما أكبر من اللفظ، وللعمل عناية أكبر من المعنى قائلا: «ما أحسن الكلام وأحسن منه معناه، وما أحسن المعنى وأحسن منه، استعماله وما أحسن استعماله وأحسن منه ثوابه، وما أحسن ثوابه وأحسن منه رضى من عملت له ... » (2). ثم يصنّف الناس وفق هذه القاعدة الدقيقة إلى مقامات: «وهذه مقامات المكلفين، ولكل درجات مما عملوا:
(1) - الوارجلاني، رسالة الوارجلاني، ص 13. (2) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 29.
-179 - (1/175)
صفحة 176
الدرجة الأولى: أهل القشر والحثالة وهم الشعراء والخطباء،
المتشدقون المتفيهقون.
الدرجة الثانية: العلماء والفقهاء.
الدرجة الثالثة: الربانيون والحكماء.
الدرجة الرابعة المفلحون
الدرجة الخامسة: السابقون المقربون» (1).
فقد وضع الشعراء في أسفل الدرجات، لأنهم كما قال تعالى: {يَقُولُونَ
ما لا يَفْعَلُونَ) [سورة الشعراء: 226].
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 29.
-170 (1/176)
صفحة 177
الفصل الثالث
كتابه العدل والإنصاف
-171 -
- (1/177)
صفحة 178
تمهيد: أماكن وجود الكتاب وحالة نسخه المخطوطة والمطبوعة توجد نسخ عديدة لكتاب العدل والإنصاف، في مختلف مكتبات
الإباضية في وادي ميزاب و وارجلان وجربة وعمان.
-
وقد سنحت لنا فرصة البحث بالاطلاع على بعضها، وهي: نسخة مكتبة الشيخ بالحاج بالقرارة.
عدد أوراقها 208،ورقة، مسطرتها: 31 سطرا.
الناسخ: عبد بن موسى بن علي الباروني. تاريخ النسخ: ذو القعدة 1186 هـ.
رقمها: 22.
نسخة مكتبة محمد بن أيوب الحاج سعيد، بغرداية.
عدد أوراقها: 120 ورقة. مسطرتها: 27 سطرا، بخط مغربي دقيق.
الناسخ: محمد بن الحاج صالح بن إبراهيم بن صالح المصعبي. تاريخ النسخ: أوائل جمادى الأولى عام 1268 هـ.
بدون رقم.
نسخة مكتبة الحاج صالح لعلي، ببني يسجن.
نسخة مكتبة الشيخ عيسى أزبار
أيضا. ببني يسجن
وهذه النسخ كلها سالمة وكاملة، وتتفق جميعها على عنوان الكتاب، وهو "العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف"، كما تتفق على نسبته إلى أبي يعقوب الوارجلاني. وتبتدئ بعد الحمدلة والتصلية بعبارة: "أما بعد فإن الحكمة الإلهية
الله
قد اقتضت وجود الخلق واقتضى وجود الخلق وجود العقل ... " وتنتهي بعبارة: "والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم التوفيق، أخذوا بالطريقة الوسطى، وسلكوا النهج الأوسط، وخير الأمور
من
-1720
- (1/178)
صفحة 179
أوسطها، والسلام".
والكتاب كان منتشرا في الأوساط الإباضية منذ عصر الوارجلاني، فقد رأى بعضهم سبع نسخ منه بخط المؤلف، بينما رأى الدرجيني منها
ثلاثا).
ورغم توفر هذه الأعداد من نسخ الكتاب، فقد ظل في عداد المخطوطات، ولم يطبع إلا حديثا، حيث تولّت نشره وزارة التراث القومي والثقافة بعمان سنة 1404 هـ / 1984 م، وصدر في مجلدين يتوزعان أجزاء الكتاب الثلاثة. ولئن أنصفنا جهود الناشرين الذين أخرجوا هذا الكنز من
ظلمات الخزائن فلا يمكن الإغضاء عما صاحب عملية النشر من أخطاء مطبعية بلغت حد تحريف الآيات وحذف فقرات كاملة، ولا تكاد تخلو من هذه الأخطاء صفحة واحدة من الكتاب وهو ما يقف حاجزا دون أمام القراء لفهم النص واستيعاب رأي الكاتب في كثير من الأحيان. ومن جهة أخرى فقد قام الدكتور عمرو خليفة النامي بتحقيق الكتاب قبل سنة 1977 م) (2). وظل عمله مرقونا لم ير نور الطباعة إلى
اليوم.
هذا
وقد مكننا الأستاذ الفاضل فرحات الجعبيري بصورة من التحقيق، واعتمدناه في الإحالة على آراء الوارجلاني الأصولية خلال هذه
الدراسة.
(1) - الدرجيني، طبقات المشايخ، ج 2، ص 492. (2) - ذكر النامي في بحثه "ملامح الحركة العلمية "بوارجلان في ملتقى الفكر الإسلامي الحادي عشر، سنة 1977 أنه انتهى من تحقيق هذا الكتاب. انظر البحث المذكور، ص 115.
-173 - (1/179)
صفحة 180
وتقع نسخة النامي المحققة في أربعمائة صفحة من القطع الكبير، بيد
أنها خالية من مقدمة توثيقية حول عمل المحقق، ونسخه المعتمدة في التحقيق، كما أن بها أخطاء مطبعية غير يسيرة مما دفعنا إلى المقارنة بينها وبين الطبعة العمانية، والنسخ المخطوطة الأخرى، ولكننا جعلنا نسخة النامي الأساس في الاقتباس والإحالة. (1/180)
صفحة 181
المبحث الأول
محتوى كتاب العدل والإنصاف ومنهجه
المطلب الأول: عرض محتوى كتاب العدل والإنصاف ().
صا: افتتح أبو يعقوب كتابه بمقدمة حول اعتماد سالك سبيل الجنة على المفاتيح الأربعة وهي أصول اللسان وأصول الجنان. وتشمل أصولُ اللسان علوم اللغة والنحو، أما أصول الجنان فتشمل علوم المنطق والفقه. وقد درست العلوم الثلاثة بما فيها الكفاية، وبقي الفقه مختلفا فيه، لعدم الاتفاق على أصوله، لأنها تعتمد على أمارة وتنبيه وإشارة. ص: وبين أبو يعقوب أنه يسلك في كتابه المنهج الوسط، معتمدا
على الخبر والنظر.
ص 4: ثم تطرق إلى اختلاف الأمة ومذاهبها، وشرح أسباب هذا
الاختلاف.
العقلي.
ص 8 - 9: شرح معنى الميزان الوارد في سورة الرحمن، وأنه الميزان
ص 12: عرّج إلى إيراد وصية جامعة لأهل الأدب والنُّهَى والطلب، داعيا لهم إلى إخلاص النية لله في العلم، والحذر من الجدل، ولزوم تقوى الله للأمن من الزلل، وقبول الحق ممن جاء به، وتعويد النفس على العدل والإنصاف مع الخصم واحترامه والحذر من ظلمه، وحسن الخلق والأدب والوقار عند المناظرة.
(1) - تسهيلا للإحالة على صفحات الكتاب فإننا نكتفي بذكرها في بداية كل فقرة. (1/181)
صفحة 182
ص 18: ثم تطرق إلى أقسام العلوم بحسب طريق المعرفة، من الحسيات إلى العقليات وانقسام العقليات إلى واجبة وجائزة ومستحيلة، وانقسام علوم الشرع إلى أصل ومعقول أصل واستصحاب حال الأصل، وفروع ذلك.
المحدثة.
ص 19 - 20: وترتيب العلوم إلى محدثة وغير محدثة، وأقسام العلوم
ص 22: وذكر الحواس الخمس والدماغ وقواه الثلاثة، والنفس
وصفاتها.
ص 24 - 25 واختلاف الناس حول حقيقة الروح والعقل. ص 25 - 30: بين أهمية العلوم العقلية، ووجه الاحتجاج بالميزان
العقلي في القرآن وأورد عدة آيات وفسرها تفسيرا وافيا. ص 31 - 32: ذكر الإلهام وأنه من علوم الملائكة، وأن للخلق علوما أخرى كالنبوءة والروع، والفقه والأصول والعبارة، وشرحها، أما قلب الحقائق فمن أفعال الله، والتمثيل فعل الملائكة، والتخييل فعل الجن والسحرة، وشرح ذلك كله.
ص 33: وتطرق بعد هذه المقدمات إلى النظر في الدليل، وشروط النظر الصحيح المفضي إلى الحقائق، وفرّق بين النظر في الأصول والنظر في الفروع.
ص 34: والقول في الدليل، وتعريفه واشتقاقاته وأنواعه العقلي منها
والوضعي. ص 35: وتحدث عن حكم النظر في الدليل أواجب هو أم لا؟ وذكر آراء االفرق الإسلامية في القضية، وختم ذلك بإيراد الخلاف حول العدد الذي تقوم به الحجة في الأخبار. ص 36: ثم انتقل إلى "باب" في الأفعال"، وبين معنى الفعل في اصطلاح المتكلمين، وهل تنسب الأفعال إلى الله أم إلى العبد، وأورد
-187 - (1/182)
صفحة 183
الأقوال في المسألة، ثم قسم أفعال المكلفين على ظاهرة وباطنة، وإلى
اختيارية وضرورية، وشرحها مع التمثيل.
ص:38: وعرج إلى نظرية الحكم على أفعال العباد شرعا، وبيان
الأحكام الخمسة وتعريفها. ص 39 - 41: وذكر أن أحكام خطاب الشارع إما على الحقيقة وإما على المجاز، وأن أقسام الحقيقة اثنان مجمل ومفصل، وتقسيماتها العديدة، من الظاهر والباطن، والعام والخاص، والأمر والنهي إلخ ...
ص 42 - 43: وعقد بابا حول الكلام واختلاف المتكلمين حول كلام الله تعالى، وحول قدّم صفة الكلام، وناقش الأشاعرة في قولهم بالكلام النفسي. ومن الكلام خلص إلى قضية اللغة وهل كانت بدايتها توقيفا أم
مواضعة.
ص 47: وهل تثبت اللغة قياسا؟ وأثر ذلك على الأحكام الفقهية. وذكر الخلاف حول أصل الاسم واشتقاقه ومعناه في حق الباري تعالى، واختلاف النحويين حول أعم الأسماء، والأجناس والألقاب. ص 50 - 51: وعقد فصلا للخلاف حول أقل الجمع.
ص 51 - 52: وفصلا آخر للحقيقة والمجاز في القرآن. ص 52: وبسط الحديث عن كون كل ما في القرآن عربيا. ص 52: وانتقل إلى باب المجمل تعريفه وحكمته، والاختلاف حول الأسماء الشرعية، وهل هي من باب المجمل؟ ص 54: وأعقبه بباب المفصل وهو المبين، وجعل أوجه البيان ثمانية، مع التمثيل لكل وجه. ص 61: ثم عقد فصلا لتأخير البيان عن وقت الحاجة، ومنعه إجماعا. ص 62: وفصلا لتعارض العموم والظاهر وأخبار الآحاد. ص 63: وأفرد للأمر والنهي أطول أبواب الكتاب، وفيه تناول منشأ
-177 - (1/183)
صفحة 184
الأمر، وهو وجوب طاعة الله ومن أمر الله بطاعته.
وناقش قضية التحسين والتقبيح عند المعتزلة. ص 64: ثم ذكر معاني الأمر الكثيرة في اللغة، مع التمثيل. ص 65: واختلاف الناس في صيغة الأمر.
ص 67: ودلالة الأمر المجرد على الوجوب أو الندب.
ص 68: وهل المندوب مأمور به؟ وكذا المعدوم هل هو مأمور به؟ ص 69: وورود الأمر بعد الحظر.
ص 74: وانتقل بعدها إلى التبليغ وهل حجة الله على الخلق تثبت
بالرسل أم بالعقل؟ وأورد الافتراضات في هذه القضية. ص:78: وهل يصح تكليف بلا جزاء؟ والافتراضات العقلية في
ذلك.
ص 79: وهل كان النبي المتعبدا بشرع قبل بعثته؟ وهل نسخ شرعه كل ما سبقه؟ وتحدث عن تعدد الرسل إلى أمة واحدة، وأنواع المعجزات وغيرها من القضايا الكلامية في هذا المجال. ص 88: وخصص مسألة لحكم الأشياء قبل ورود الشرع، والأقوال
فيها.
ص:92 وعاد ثانية إلى الافتراضات العقلية حول من لم تبلغه الرسالة
وهو في جزيرة من البحر، وبأي عدد تقوم الحجة في الديانات؟ وبعد هذا العرض المفصل لمسائل الأمر والنهي من الناحية الكلامية،
شرع في الحديث عن مسائلهما المتعلقة بأصول الفقه، ومنها:
ص 95: هل الأمر المجرد يقتضي التكرار؟
ص 98: وتعليق الأمر بشرط أو صفة، هل يقتضي التكرار؟ ص 99: ما هو الأمر المخير؟ وما وقت الواجب الموسع؟ وهل الأمر المجرد يقتضي الفور أم التراخي؟ ص 102: ثم عقد بابا لدخول النبي في خطاب الأمة في القرآن.
-178 - (1/184)
صفحة 185
ص 103: وأنواع الخطاب الموجه للمؤمنين وللرجال والنساء إلخ. . ص 104: وهل يدخل المؤمنون في خطاب النبي؟ وهل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟
ص 106: ودخول النساء في خطاب الرجال، وكذا المجانين والأطفال، ومن لم يوجد بعد؟
الفرعية.
ص 111: ما يتم الواجب إلا به، هل هو واجب؟
ص 112: هل المأمور به من جهة منهي عنه من جهة أخرى؟ ص 113: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ وغيرها من قضايا الأمر
ص 116: أما أحكام النهي فذكر أن جلها مندرج تحت أحكام
الأمر، ولم يفرده إلا ببعض المسائل الخاصة.
ص 119: منها تعريف النهي، ودلالته على فساد المنهى عنه، و اختلاط الحلال بالحرام. ص 125: وأحكام الحرام المجهول العين.
ص 126: وخصص لمناهي النبي ال فصلا، ذكر فيه أنواعها، وأحكامها وأمثلتها.
ص 133: ثم انتقل إلى باب الظاهر والباطن، والمحكم والمتشابه. ص 141: وختم هذا الباب بفصل مطول في الرد على القرامطة والغالية من الشيعة القائلين بأن للشريعة باطنا غير ظاهرها، ونقض عقائدهم الفاسدة.
وبهذا الفصل ختم الجزء الأول من الكتاب.
ص 153: ويبدأ الجزء الثاني بالكلام عن الخاص والعام، ووجوه
بيانهما لمعاني القرآن.
ثم فصل مباحث العام.
ص 162: وعقد بابا لبيان القرآن من جهة التخصيص، ذاكرا أنواع
-179 - (1/185)
صفحة 186
التخصيص: العقل القرآن السنة، الاستثناء. وشرحها. ص 168: ثم انتقل إلى باب المطلق والمقيد، وبم يتم ووجوه حمل المطلق على المقيد.
التقييد،
ص 171: وعقد مبحثا لتخصيص القرآن والسنة بالإجماع، وبمذهب
الصحابي، وبالإقرار.
ص 173: وتحدث عن تعارض العام والخاص
ص 177: وعن تعارض العمومات وكيفية إزالة هذا التعارض. ص 187: ثم انتقل إلى الحديث عن معاني بعض حروف الحصر،
منها: إنما، ثم ذلك، أل.
ص 189: وعقد بابا لمباحث السنة بعنوان: الكلام على الخبر
والاستخبار وما يتعلق بهما.
وأنواع الأخبار الصادقة والأخبار الكاذبة.
ثم عرض لمحة عن تاريخ نزول القرآن وإعجازه، وحفظه وجمعه، وتاريخ السنة، وتعرضها للدس والوضع.
ص 191: وتحدث عن طرق الأخبار صحيحها وفاسدها. وما تحتاجه دراسة السنة من تخريج المتون، وتصحيح النقلة، وكيفية اقتباس العلوم من نص الحديث. ص 199: ثم أفاض في طرق رواية الحديث، ودرجاتها، وما يقبل
منها، وما يرد كما هو مبسوط في علم مصطلح الحديث. ص 218: وخصص للنسخ بابا أورد فيه مسائله بتفصيل، وختمه
بطرق معرفة الناسخ والمنسوخ. ص:238: كما أفرد للإجماع والاجتهاد، بابا مهد له بمقدمة حول تاريخ الرسل وتكذيب أممهم لدينها وميزة أمة محمد، وفضيلتها وعصمتها من الخطا، فكان إجماعها حجة.
ص 245: ثم ذكر تعريف الإجماع لغة واصطلاحا، وجواز وقوعه.
-180 (1/186)
صفحة 187
وفسر آية ومن يشاقق الرسول، التي تعد عمدة حجية الإجماع،
وأورد الاعتراضات على الاستدلال بها، وناقشها.
ص 255: وذكر وجوه الإجماع وصوره والخلاف في المدة التي
ينعقد بها الإجماع، وغيرها من مسائل الإجماع الكثيرة. ص 268: وختم الباب بفصل: هل ينعقد إجماع الصحابة على
خلاف نصوص الكتاب والسنة؟
ص 269: وأفاض في باب الاجتهاد، ووجه الحق فيه، هل هو متعين
أم لا؟ ومع واحد أم مع الجميع؟
ص 276: ثم ذكر الأدلة النقلية لنفاة القياس والاجتهاد.
ص:277 وعاد إلى ذكر أقسام الرأي ووجود الاجتهاد الجائزة، درعاً لشبه المنكرين للقياس حول فرض التشريع عند فتح باب القياس كما
يزعمون.
كما أورد أدلة جواز التعبد بالقياس، وموافقتها مع منطق اختلاف الأفهام، واحتمال النصوص لهذا الاختلاف.
ص 286: وذكر قضايا اجتهادية منها: هل الملائكة أفضل أم المؤمنون
من الإنس؟ واستطرد في الحديث عن خصائص وأوصاف الملائكة. ص 305: ومن القضايا الاجتهادية التي أفاض فيها: الحديث عن تأصيل أحكام الكتمان كمرحلة من مراحل إقامة الحكم كما يراها
الإباضية.
ص 313: وذكر بابا للاختلاف المذموم، وكيف أوقع الفتنة في صفوف الأمة، بدءا بالفتنة الكبرى في عهد عثمان وما بعدها، ثم عرج إلى قضايا اجتهادية أخرى تتعلق بالجانب السياسي، وهي اختلاف الناس في الخروج على السلاطين الجورة، وتولية أعمالهم.
ص 320: ثم ذكر أحكام الإكراه، وخاصة إكراه السلطان. وحكم رفض الولاية ممن اتفقت الأمة على توليته، وما يتفرع عن ذلك من
- IAI - (1/187)
صفحة 188
"1
مسائل.
وبهذا المبحث ختم الجزء الثاني.
ص 324: وافتتح الجزء الثالث بأهم مواضيع علم الأصول، وهو معرفة القياس وحصوله في صدور الناس". ص 326: وذكر أحكامه والخلاف الحاصل حوله، وأدلة حجيته من الكتاب والسنة والإجماع. ص 336: ثم انقسامه إلى عقلي وشرعي وانقسام الشرعي إلى جلي
وخفي، والخفي إلى قياس شبه وقياس استحسان. ص 338 وتحدث بعدها عن العلل المنصوصة، والعلل المستنبطة، ومسائلها بتفصيل. ص 344: وشرح أنواع القياس الخفي، بدءًا بقياس الشبه. ص 346: ثم ختم باب القياس بالاستحسان، وهو أحد قسمي القياس الخفي. ص 349: وعقد بابا خاصا للكلام عن قواعد الشرع، وشرحها. ص 351: ثم عاد ثانية إلى أنواع الأقيسة بتقسيم جديد. فجعلها ستة أنواع: مفهوم الخطاب، دليل الخطاب قياس العلة المنصوصة، قياس العلة
المستنبطة، قياس الشبه، قياس الاستدلال وشرحها مع ذكر أمثلتها. ص 358: وأكد بعد هذا حديثه حول تأصيل أحكام الكتمان. وتناول قضايا أخرى في السياسة الشرعية مثل البيعة، ونقض الصفقة، والكون تحت الحكّام الظلمة، والتغرب بعد الهجرة.
وأدلى بآراء هامة في هذه القضايا الحساسة.
ص 373: ثم ختم الكتاب بفصل عن الإسلام والإيمان والدين. ص 382: وآخر عن الكفر والنفاق والشرك.
ص 389: وآخر عن البدعة والضلالة، وأئمة الهدى وأئمة الضلال. وتخلل هذه الفصول الحديث عن بعض مسائل الأصول، على سبيل
-182 - (1/188)
صفحة 189
الاستشهاد والتمثيل.
المطلب الثاني: العدل والإنصاف منهجا وأسلوبا
أ المنهج من الاستعراض السابق لأهم مباحث كتاب العدل والإنصاف يتبين بوضوح أن الوارجلاني قد استوعب فيه القضايا الأصولية التي كانت
تشغل بال العلماء في عصره.
وضعها الله بين خلقه وهي
وقد انتهج في كتابه طريقة العدل والإنصاف ودعا إلى الموازين التي كتبه المنزلة وأنبياؤه المرسلة، والأولياء المحدثة المروّعة، والحواس المطبوعة المسخرة، والعقول المضيئة المنورة، فمن وزن بهذه الموازين فزاد، وطغى أو نقص وبغى، ضل وغوى، وهلك وتردّى، ومن وزن وعدل وتحرّى الصدق ولم يمل، فاز ونجا، وأنا أدعو إلى هذه الموازين، على أن تكون لي وعلي. ومن حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل، ومن أحب لغيره مثلما يحب لنفسه فقد أنصف، وأنا أدعو إلى طريقة العدل والإنصاف، وأنهى عن الجور والانحراف، فمن أجاب أصاب ومن أبى واستكبر فقد خسر وخاب» (1). هذا منطق الموضوعية التي يدعو إليها البحث العلمي اليوم، أما
الإسلام فقد وضع قواعدها من أول يوم.
كما انتهج أبو يعقوب في مؤلفه الجمع بين المنقول والمعقول، لمعرفة الحق وقبوله، إذ يقول: «ومعوّلنا في استخراج الحق من خلل الباطل
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 10. وسنكتفي لاحقا بالإحالة إلى الكتاب
اختصارا.
-183 - (1/189)
صفحة 190
أمران، أحدهما خبر والآخر نظر، أما الخبر فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين وانتحال المبطلين () .... وأما النظر فاستعمال كل شيء من العلوم في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه» (2).
وميزان ذلك كله ما أرشد إليه أبو يعقوب بقوله: «وعوّل على الأصول التي اجتمعت عليها الأمة، واجعلها منارك، واتخذها معيارك، وأرِدِ الله يُرِدْك، واضرب العلوم بعضها ببعض، يخلص لك الذهب من الخبث والمحض من بين الدم والفرث ... والحق يصدق بعضه بعضا، ولا يكذب بعضه بعضا. واجتنب التقليد فيما يخالف التقييد، والمنكر في الصدور والشواذ من الأمور والدين بين الغلو والتقصير. واستعمل الحذر في مظان التهم، والعلم في حناديس الظُّلم»).
وهذا منهج دقيق للكشف عن الحقيقة لم يتوصل إليه علماء الغرب إلا مؤخرا على نقص في مناهجهم، وعيوب لا تتلافى إلا بتوفر عنصر العقيدة في الباحثين. والوارجلاني، في عرضه لمسائل الكتاب سلك مسلكا وسطا، مجتنبا الإسهاب الممل، والاختصار المخلّ، فلذلك أردنا أن نشير إلى الطريقة الوسطى منها ونستعمل الجواد، ونطرح الشواذ ونسلك مسلكا قصدا، بين الغلو والتقصير، ليقرب المأخذ على المقتصد، وتهون المشقة على
المجتهد» (4).
كما تقدم إلى القراء باعتذاره طالبا منهم أن يحملوا كلامه على
(1) - الهيثمي، مجمع الزائد، ج 1، ص 140؛ البيهقي، السنن الكبرى، ج 10، ص 209.
(2) - العدل والإنصاف، ج 1، ص 3.
(3) - العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 3 - 4. العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 2 - 3.
-
(4)
-1 AE
- (1/190)
صفحة 191
أحسن وجوهه، كما أرشد إلى ذلك القرآن، الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [سورة الزمر:18].
الله عز وجل
وغالب أحوال ابن آدم السهو والنسيان، «وقد أوسع عذر المستنبطين في فروع الشريعة في ألفاظهم ومعانيهم، فليوسعنا (القارئ) عذرا، كما أننا نوسعه إعذارا في مثل ذلك، وقد قال الله تعالى
لموسى: وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنهَا) [سورة الأعراف: 145] (1). وتناول الوارجلاني لقضايا الأصول كان شاملا، وسوف نعرض لآرائه في محلها من البحث والذي نذكره هنا أنه في تناوله هذا لمسائل الأصول أمهاتها وفروعها كان ملتزما بالعدل والإنصاف، يعرض القضايا موازيا ومقارنا بين الآراء، ومبديا وجهة نظره فيها حسب ما تأيد ورجح بالحجة والدليل. وواضح من خلال سرد محتويات الكتاب أن ثمة عدة قضايا شغلت فكره، فركز عليها بصفة خاصة مثل قضية إنكار الظاهرية للقياس، إذ أولاها جانبا مهما من باب القياس، مفنّدا آراء نفاة القياس، ومدللا على صحة نظر المثبتين. ولعل هذا الموقف من أبي يعقوب كان انعكاسا للجدل الحاد الذي وجده في الأندلس حول هذا الموضوع بين الظاهرية
لديه
وخصومهم.
كما ركز في مباحث وضوح الألفاظ وخفائها، وبالتحديد في فصل الظاهر والباطن على الرد على القرامطة وغلاة الشيعة والباطنية. وربما يبدو هذا الموضوع وهلة بعيدا عن أصول الفقه إلا أن الوارجلاني أراد توظيف قواعد هذا العلم في خدمة الفكر الإسلامي الصحيح، واستغلاله معالجة واقع الأمة الإسلامية، فأنحى باللائمة على الباطنية، وفند
-
(1) - العدل والإنصاف، ج 1، ص 11.
-110 (1/191)
صفحة 192
مزاعمهم وآراءهم الشاذة وقلبهم للشريعة رأسا على عقب، بانتهاك الحرمات واستحلال المحرمات.
وتصدّى أيضا للفريق المقابل، وهم غلاة المشبهة الذين حملوا نصوص القرآن على ظاهرها كلها وفسّروا آيات الصفات بما يعقلونه من أنفسهم وأجسامهم، فضلوا وأضلوا.
ولم يألُ أبو يعقوب جهدا في ربط المسائل الأصولية بجذورها العقدية، نظرا للترابط الوثيق بين أصول الفقه وأصول الدين. ومثال ذلك قضية التحسين والتقبيح وعلاقتها بالمصالح في الشريعة، فأفردها بمباحث
تفصيلية ضافية.
كما ربط مباحث الحكم الشرعي، أو الأحكام الخمسة المتعلقة بأفعال العباد بأصول الدين، وذلك بالتمهيد لها بحديث عن أفعال المكلفين وقضية الجبر والاختيار ومناقشة آراء الفرق الإسلامية، وبخاصة
منها المعتزلة.
وعلى نفس النهج سار في مسائل اللغات والكلام، وفي الأمر والنهي، والتبليغ وغيرها.
ولئن انتقدنا عليه التوسع في المسائل الكلامية، بما لا تسمح به طبيعة النظرة الأصولية المتخصصة، فإن عذر أبي يعقوب أنه رجل متكلم بالدرجة الأولى، ولا بد أن يظهر أثر توجهه الكلامي في مؤلفاته، مهما تخصصت وابتعدت عن مجال علم الكلام.
كما حرص الوارجلاني على تنزيل قضايا الأصول إلى أرض الواقع والتطبيق، وتجلى ذلك واضحا في مسائل الاجتهاد، فلم يقف عند تعريف الاجتهاد وتحديد مجالاته، بل أورد نماذج عديدة لقضايا اجتهادية في غاية الأهمية. وكثير منها تتعلق بالفقه السياسي، الذي نال حظا ضئيلا من اجتهادات الفقهاء عبر التاريخ الإسلامي، وكان ضمور هذا الفقه سببا رئيسا للنكسات العديدة التي لا زال المسلمون يتجرعون عواقبها
-117 - (1/192)
صفحة 193
وآثارها. وقد أدلى أبو يعقوب في هذا المجال بآراء جريئة، بإمكان المتخصصين دراستها وعرضها بما يناسب العصر، إثراء للمكتبة الإسلامية
بها، وهي أحوج ما تكون إليها.
ب= الأسلوب:
أسلوب الوارجلاني أسلوب رفيع تجلت فيه مقدرته اللغوية والبيانية، وتحكمه في الاصطلاحات الأصولية.
ولكن رغم هذا، فلم يكن اللفظ هو غاية أبي يعقوب، بل إنه كان يولي العناية الكبرى للمعاني قبل الألفاظ، فإن «الكلام ومعانيه بحران عظيمان واسعان بينهما برزخ لا يبغيان عند ذوي البصائر والعقول، وهما بمثابة واحدة عند ذوي الجهل والفضول، وإنما جعل الكلام خادما للمعاني و حافظا لها إلى حين تأديتها إلى الأنام، والكلام قشر والمعاني لباب، فمن قنع بالقشر دون اللباب فقد خاب، ومن ألحق كلاً بأصله فقد أصاب» (1). وكتاب العدل والإنصاف دقيق العبارة مبني على تلويحات وتنبيهات لا يقدر على حلها إلا فارس من فرسان البلاغة، مبرز بالحذق و البراعة». على حد تعبير البرادي (2).
ولا
يعني هذا أن الكتاب كله في قمة البلاغة، فهو جهد بشري لا يخلو من نقص، وفيه بعض الهنات التي تنافي قواعد البيان، من مثل استعمال غريب الألفاظ تارة، والولع بالصناعة تارة أخرى.
ومن
الله
عز وجل في هذا الجنس
ذلك قوله: «اعلم أنه لما قضى بالخلطة والتألف، ولن يصطلحوا إلا على التعاون والتعفف، حكم في
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 29. (2) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة اظ.
-187 - (1/193)
صفحة 194
الحدود والقصاصات وفي الظلامات بأروش الجنايات وغرم المتلفات، وشرع البياعات بالأموال والتعاوض بالأبدال. وقد علم أن من طبع هذا الطمش [الناس] الحاجة إلى الغداء والعيش، فاضطرهم الجوع والعطش إلى النوش التناول والطلب]، والعرش [البطر]، والهوش [الهيجات والاضطراب، فكان هذا المعنى قاعدة من قواعد الشرع عظيمة، لهذه الأمة العظيمة، فلو لم يتزاجروا ويترادعوا بالقصاصات لتعطل العفاف ووقع التلاف، ولو لم يتواسوا ويتعاوضوا بالتباعات لصاروا قبورا أو وحشا وطيورا» (1). ولا نحسب أن هذا الولع بالصناعة مما يرتضيه أرباب البلاغة، ولم تكن اللغة العربية يومها في البيئة المغربية بعامة ووارجلان بخاصة في المستوى الذي يستوعب هذه الألفاظ الغريبة، إلا من تفرغ لها، وقضى في دراستها شطرا من العمر غير قصير.
وقد نبه البرادي إلى هذه المآخذ في أسلوب الوارجلاني، حينما تعرض لشرح الفقرة الأخيرة من وصية أبي يعقوب لطلبة العلم، التي ورد فيها: «وليقتصر في كلامه على أدنى ما يبلغ به مراده، فإنه البلاغة، وما زاد فعي، وليجتنب التكرار والترداد، فإنه من العي، وليجتنب التقعير فإنه التنفير، وليجتنب التشدق والتفيهق، والتعمق والتوهق، وليراع عقول الحضرة، ومن وراء ذلك الحفظة الكرام البررة» (2). وقد علّق البرادي على هذا بقوله: «والعجب من الشيخ كيف تمثل بما نهى عنه، وخالف إلى ما طرد عنه، فقعر ونفّر، وأعضل ونقر،
(1) - العدل والإنصاف، ج 3، ص 349. (2) - العدل والإنصاف، ج 1،
-188 - (1/194)
صفحة 195
وتمثيل ما نهى عنه في كلامه» (1).
ومن يدري فلعل الوارجلاني قصد بكلامه هذا تقرير القاعدة
وضرب المثال في نفس المقال.
وأيا ما كانت هذه المآخذ فإنها معدودة، وهي بمجموعها لا تنال من المستوى الأدبي للكتاب وما تميز به من سلاسة في الأسلوب ودقة في
التعبير.
(1) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 54 ظ.
-119 - (1/195)
صفحة 196
المبحث الثاني أهمية كتاب العدل والإنصاف
المطلب الأول: تطور علم الأصول ومنزلة الكتاب بين مؤلفات عصره أت تطور علم أصول الفقه، وخصائصه في القرنين الخامس والسادس يعد علم أصول الفقه منهج الاستنباط وقانون فهم نصوص الشريعة، ولكن قواعد هذا المنهج لم تكن قد تحددت بشكل واضح في الصدر الأول من تاريخ المسلمين، ذلك أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا قد أغنتهم ملكتهم اللسانية ومعاينتهم للتنزيل وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحاجة إلى وضع قواعد للفقه والاجتهاد.
وهذا لا
يعني
غياب عنهم
حين ممارستهم لعملية الاجتهاد، بل إن
المنهج موجود في تفكيرهم، فطرة، وفي لسانهم سليقة، شأنه شأن الأصول
البدهية من المعارف الأساسية الأولى.
ولما انقضى عصر الصحابة انقلبت العلوم كلها صناعة، ونال علم
أصول الفقه نصيبه من هذا التطور. ومع تطور الحياة واتساع أرض الإسلام وتشعب القضايا المطروحة أمام الفقهاء، أخذت ملامح هذا العلم في التميز، وذلك بعد خطوات من الرصد ثم اكتشاف هذه الملامح وأخيرا تمت صياغتها وتقعيدها.
وكان صاحب الفضل في هذه الخطوة المتقدمة في وضع هذا الأساس
هو الإمام الشافعي في "الرسالة"، التي قدم فيها صورة كاملة، وخطة
-19. (1/196)
صفحة 197
واضحة لهذا العلم الجديد فمنحه كيانا مستقلا، نما وتطور عبر الزمن. وكتاب "الرسالة" فكرة ومنهاجا (1) ظاهرة فريدة في مؤلفات القرن الثالث الهجري، بما تناوله من قضايا أصولية بصورة شمولية، لم يسبق إليها، بما وضعه من قانون كلّي لمعرفة مراتب أدلة الشرع في اتجاه عقلي، وربط للفروع بالأصول، به برز فضل الشافعي في إزالة تلك الفجوة التي حدثت بين مدرسة الحجاز ومدرسة العراق والقضاء على الصراع الفكري الذي قام بين أهل الحجاز باتجاههم الأثري، وأهل العراق باتجاههم العقلي. واستحق الإمام الشافعي بهذا الإنجاز العلمي أن يحوز لقب واضع علم الأصول. واتسمت رسالته بخصائص عزّ أن تجتمع في كتاب أصولي، إذ كانت مزيجا من الاسترسال والحوار في وضوح وصفاء، لم يكدر ماءها دخيل أو تعقيد فلسفي، مما أثار إعجاب أرباب البيان (1).
وتركت الرسالة بخصائصها بصمات واضحة في المؤلفات الأصولية
في القرون اللاحقة (2).
واستهوى منهج الشافعي الكثير من علماء الكلام، لتماشيه مع ميولهم العقلية وطرقهم الاستدلالية، فوجدوا فيه مجالا لإشباع اتجاهاتهم العلمية، فأبدعوا في تطويره وأوسعوا مجال البحث في قضاياه، حتى نسب
-
(1)
-
حول خصائص "الرسالة" ومنهجها، ينظر:
علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة، 1367 هـ / 1947 م، صحفات 58 فما بعد.
عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الفكر الأصولي دراسة نقدية تحليلية، ط 2، دار الشروق، جدة، 1404 هـ / 1984 م، صحفات 75 فما بعد.
(2) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 76. (3) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي صحفات 75 فما بعد.
-191 - (1/197)
صفحة 198
إليهم، وأصبح معروفا بمذهب المتكلمين).
بينما كتب الحنفية الأصول وفق منهج خاص يعتمد بناء المسائل على النكت الفقهية، وكثير فيه إيراد الجزئيات والشواهد، وكانت طريقتهم أمس بالفقه وأليق بالفروع، فسمّي بمنهج الفقهاء (2). وتوالت المؤلفات الأصولية بعد الشافعي، وشاع الانتصار للمذاهب الفقهية، وتأليف كتب أصولية وفق منهج إمام كل مذهب. ورغم ظهور علماء كبار، إلا أنهم لم يستطيعوا تخطي حدود مذاهب أئمتهم، فاقتصرت جهودهم على ترجيح الآراء والتعليل وازدهرت سوق الجدل في هذه الميادين، مما أثرى علم الأصول ثراء كبيرا. وبرز تأثر أصوليي القرن الرابع بشكل واضح بعلماء المنطق والفلسفة، وعُنُوا بتحديد المصطلحات الخاصة بعلم الأصول، بما عرف بالحدود والتعاريف بينما كان الاعتماد سابقا على الإدراك الشائع لهذه المصطلحات، وقد فتح هذا التحول مجالا كبيرا للنقد وتحرير الآراء، مما ساعد على نماء علم الأصول (3).
وبمجيء القرنين الخامس والسادس للهجرة تهيأ لهذا العلم لفيف من أعلام الفكر الإسلامي المتخصصين، أمثال القاضي أبي بكر الباقلاني ت 403 هـ)، والقاضي عبد الجبار المعتزلي (ت 415 هـ)، والقاضي أبي زيد الدبوسي (ت 430 هـ)، وأبي الحسين البصري (ت 436 هـ)، وإمام الحرمين الجويني (ت 479 هـ)، وأبي حامد الغزالي (ته .. هـ)، ممن كانوا في طليعة الوسط العلمي آنذاك، وظلوا محط أنظار المجتمع، وقبلة
(1) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 446.
-
(2) - ابن خلدون، المقدمة تحقيق وشرح د. علي عبد الواحد وافي، ط 2، لجنة البيان العربي بمصر، 1387 هـ / 1967 م، ج 3، ص 1165.
(3) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 164.
-1920
- (1/198)
صفحة 199
الطامحين من رواد المعرفة، فأوجدوا نشاطا أصوليا لا يضارعه نشاط في مجال الدراسات الإسلامية تأليفا وتدريسا، وظلت الأجيال الإسلامية وما تزال عالة على هذا النتاج). وقد اتسم الإنتاج الأصولي في هذه الفترة بميزات عديدة، أجملها
الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان (2) في النقاط الآتية:
وفرة هذا الإنتاج وغزارته وعمقه وذلك بتضافر جهود هؤلاء الأعلام على إثراء علم الأصول، فتركوا لنا فكرا أصيلا متميزا، ... وكان الاختلاف حول بعض الموضوعات كحجية الاستحسان، وأحاديث الآحاد وقول الصحابي وحجية القياس، سببا في احتكاك الأفكار وتنشيط حركة النقد الذي كان عصب هذه الانطلاقة الفكرية. تركز هذا النقد الأصولي على الألفاظ والمعاني على السواء، وبخاصة بعد أن أصبحت المقاييس المنطقية الوسيلة التي يُحتكم إليها في ضبط حقائق هذا العلم وشرح مصطلحاته وقضاياه.
-
-
اتسم هذا النقد بالموضوعية والتجرد غالبا، فلم تسيطر عليه النزعات الشخصية، أو الميول المذهبية، وبخاصة في نتاج المتكلمين. ظهور نواة التأليف في علم أصول الفقه المقارن، حيث تعرض مختلف آراء المذاهب والاستدلال لها والترجيح بينها وقد قام بهذا الجهد أصوليو الأحناف والمتكلمين على السواء، مثل كتاب "التبصرة" لأبي إسحاق الشيرازي (ت 446 هـ). ظهور مؤلفات أصولية في أغلب المذاهب الفقهية ترتكز على أصول إمام المذهب وتقرير رأيه ومنهجه في الاستنباط والتفريع.
(1) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 168. (2) - عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، صحفات 443 - 444.
-193 - (1/199)
صفحة 200
تضمن علم الأصول موضوعات فرعية كثيرة، وتوسع فيها، وهي أدخل باللغة والجدل والكلام كما تأثر بالمنطق والفلسفة، فلم تخل منه
حتى مؤلفات الحنابلة السلفيين كما عند القاضي أبي يعلى الحنبلي. يعتبر إنتاج هذا العصر أخصب وأحسن ما كتبه علماء الأصول، وتعد هذه المرحلة فترة ذهبية في تاريخ علم الأصول، وأصبح إنتاجها وموسوعاتها المورد والمصدر في هذا العلم إلى اليوم. وبهذا تبينت مناهج الأصوليين، واتضح أنهما منهجان أساسيان، المتكلمين على اختلاف مذاهبهم الفقهية، ومنهج
منهج
الأحناف.
ب= منزلة العدل والإنصاف بين الإنتاج الأصولي في عصره: من الاستعراض السابق لمحتويات كتاب العدل والإنصاف، ومنهجه وأسلوبه ومن العرض الوجيز لتطور علم الأصول وخصائصه في القرنين الخامس والسادس يمكننا أن نعتبر كتاب العدل والإنصاف، نموذجا صادقا للمؤلفات الأصولية في تلك الفترة بما تحمله من خصائص ومميزات. فقد ساهم الوارجلاني في إثراء علم الأصول بتناوله لقضايا الخلاف التي أثرت هذا العلم كحجية خبر الواحد، والاستحسان، والقياس وغيرها.
عناية
كما اهتم بالقضايا المنطقية والكلامية واللغوية التي نالت من أصوليي تلك الفترة نصيبا غير يسير. وقد توسع أيضا في عرض آراء الأصوليين وناقشها، مضيفا بذلك
لبنة إلى علم الأصول المقارن. وفي تناوله لمسائل الأصول كان مركزا على ناحية المعنى قبل اللفظ، ولذلك خالف الاتجاه السائد بين المتكلمين من الالتزام الحرفي بالحدود المنطقية، وإثارة الجدل الطويل حولها. واعتبر الوارجلاني ذلك اشتغالا عن جوهر المعاني ومهمات القضايا.
-198 - (1/200)
صفحة 201
وواضح أن الوار جلاني قد انتظم في سلك مدرسة المتكلمين،
باعتماده تقرير الأصول أولا، ثم الانطلاق إلى التوضيح والتمثيل. وهو ما
يتماشى مع تفكيره الفلسفي، وينسجم واتجاهه العقلي.
بيد
أنا لا نملك دراسة دقيقة عن مصادر الوارجلاني في تأليف كتابه
هذا، سوى حكم عام أنه استفادها من خلال اطلاعه على نتاج علماء الإسلام في الأندلس وغيرها من حواضر العالم الإسلامي، ولم يبين لنا أسماء هذه المصادر ولا أشار إليها في كتابه.
ويعد كتاب العدل والإنصاف بمادته الأصولية تنظيرا وتطبيقا، مساهمة جادة في إثراء المكتبة الأصولية وإرساء دعائم مدرسة المتكلمين. ولئن بقيت هذه المساهمة في الظل عدة قرون، فقد أدرك أهميتها علماء الإباضية فتناولوا هذا الكتاب اختصارا وشروحا ونظما. وهو ما سنكشف عنه الغطاء في الصفحات القادمة، بحول الله.
المطلب الثاني: الأعمال التي تتابعت على العدل والإنصاف
نال كتاب العدل والإنصاف أهمية بالغة بين المؤلفات الإباضية، وعني به علماؤهم فتداولوه بالاختصار والشرح والنظم.
ونخص هذه الأعمال التي تتابعت على هذا الكتاب ببعض الحديث مراعين الترتيب الزمني لها، ملاحظة أن هذه الأعمال لا تزال جلها في مع عداد المخطوطات مما يستلزم مزيد كشف عن وضعها ومواقعها.
أ= كتاب "البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف"، لأبي القاسم البرادي، (ت 810 هـ) وتوجد عدة نسخ لهذا الكتاب، رأينا منها ثلاثا: نسخة مكتبة القطب ببني يسجن. غرداية، الجزائر.
-190 - (1/201)
صفحة 202
-
نسخة مكتبة الحاج صالح لعلي ببني يسجن، غرداية، الجزائر. نسخة مكتبة محمد الحاج سعيد، غرداية، الجزائر.
وقد اتخذنا النسخة الأخيرة عمدتنا في الدراسة.
تقع في جزأين عدد أوراقها،288،ورقة ينتهي الأول في ورقة 184، والثاني في 288. مسطرتها 21 سطرا، في الجزء الأول، وبين 28 و 35 سطرا في الجزء الثاني مقاسها: 21,5 سم X 15,5 سم تاريخ نسخها يوم 21 الأول عام 1179 هـ، كما ورد في آخر الجزء الأول. والكتاب سالم، ربيع
وهو
بخط
مغربي واضح.
ورغم ضخامة هذا الشرح فإنه غير تام إذ إن البرادي لم يستكمل
فيه إلا شرح الجزء الأول من العدل والإنصاف. والسؤال المطروح هو: هل شرح البرادي العدل والإنصاف كاملا؟ ورد خلال القسم المشروح ما يفيد استمرار شرح البرادي للجزأين الثاني والثالث من ذلك: الكتاب، ومن قوله في آخر الحديث عن مناهي النبي صلى الله عليه وسلم: "وشرح مسائل الرأي والاجتهاد تستوفى إن شاء الله في كتاب الاجتهاد " ().
-
"1
وقوله: والصحيح أن الإياس المستفاد من حرف النفي لن] إنما هو مذهب عمر الله، وله مع رسول الله قصة تذكر في التعديل والتجوير إن شاء الله (2).
وقوله: "والخلاف في الاستثناء المنقطع، والاستثناء من الجنس يستوعب إن شاء الله تعالى في العموم والخصوص، فإنه بابه (2).
(1) - البرادي البحث الصادق، ج 2، ورقة 259 ظ.
- (2)
-
البرادي، البحث الصادق، ج 2، ورقة 263 ظ. (3) - البرادي البحث الصادق، ج 2، ورقة 263 ظ.
-197 - (1/202)
صفحة 203
ولكن الذي يعكر على هذا الاستنتاج أنه ورد في آخر الجزء الثاني من هذا الشرح أي آخر المخطوط - عبارة: "تم الأصل، وهو الجزء الأول أي من العدل والإنصاف] والحمد لله على التمام والكمال" (). وهذه العبارة هي في كتاب الوارجلاني بحرفها. وبعد إيرادها هنا شرع البرادي في شرحها حتى النهاية، وختم الحديث بالصلاة على النبي (2). دون وورد أي إشارة إلى وجود جزء لاحق لشرح البرادي، مما يرجح أن المنية عاجلته دون إكمال شرحه، ولو أتمه لترك لنا سفرا قيما في أصول
الفقه.
البرادي، وهي
وقد نال شرح مقدمة الكتاب الأصلي حجما كبيرا من شرح مقدمة حول آداب طلب العلم وضوابط المناظرة، وأقسام العلوم، ومنهج الاحتجاج العقلي، ودور العقل في اكتساب العلوم وإدراك اليقين، استغرق شرح ذلك كله مائة وعشرين ورقة، أي مائتين وأربعين صحيفة، وهو ما يقارب نصف الكتاب. بينما يقابلها من النص الأصلي للعدل والإنصاف ثلاثة وثلاثون صحيفة من مجموع أربعمائة صحيفة، وهو ما يعطينا صورة تقريبية لحجم شرح البرادي لو أتمه على نفس النسق، أو لو وصلنا كاملا إن كان قد أتمه.
منهج البرادي في شرحه:
طريقة البرادي في شرحه هي الطريقة الغالبة في شروح الكتب، فهو يورد فقرة من الأصل لا تتجاوز خمسة أسطر غالبا، ثم يعقب عليها ببيان غريب ألفاظها وتحليل عباراتها مركزا على الجانب اللغوي، وموافقا لأبي يعقوب في أغلب، آرائه ولا يخالفه إلا نادرا، وقد يتشدد في نقده أحيانا.
(1) - البرادي البحث الصادق، ج 2، ورقة 278 ظ. (2) - البرادي البحث الصادق، ج 2، ورقة 288 ظ.
-197 - (1/203)
صفحة 204
ومن
K
ذلك عبارة المصنف فمن حاد، آذه آد، آده واستمنَت منته
وخابت حجته، ومن لاذ كاده نال، مراده، وفلجت حجته (1). علق البرادي على هذه الفقرة بقوله: " قعر [المصنف] في هذه النكتة
بكلمات قليلة الغنى كثيرة العنا (). ثم شرحها وبين غريب ألفاظها. وقد يعترف أحيانا بالعجز عن إدراك معنى بعض هذه الألفاظ الغربية، فيذكر أنه لم يقف على معناها، وقد يحاول الاقتراب منها، أو يعزو غرابتها إلى تصحيف النساخ، وقد يترك الأمر على حاله، ويقر بالعجز بلا تكلف في التأويل (2).
وبعد بيان الناحية اللغوية يعرج الشارح على المعاني الاصطلاحية، ويشبعها بحثا، إن كان الموضوع في صميم علم الكلام. والملاحظ أن هذا الجانب قد طغى على شرح البرادي، حتى كاد أن يتمحض الجزء الأول لعلم الكلام وقضاياه، ولولا ما نال أصول الفقه من حظ غير عادل في الجزء الثاني لكان الكتاب كله في أصول الدين. ومعتمد البرادي في شرح قضايا العقيدة على المصادر الإباضية، التي يحيل عليها كثيرا، لمزيد من البسط والإيضاح مثل "التحف المخزونة والجواهر المكنونة لأبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، (ت 471 هـ)، وكتاب "السؤالات" لأبي عمرو عثمان بن خليفة السوفي (ق 6 هـ)، و كتاب شرح "الجهالات" وكتاب "الموجز" وهما لأبي عمار عبد الكافي الوارجلاني (ت قبل 570 هـ). كما يحيل أيضا إلى كتب أبي حامد الغزالي، مثل "إحياء الدين"، و"صون المنطق والكلام". وعلى تفسير
11
(1) - العدل والإنصاف، ج 1، ص
(2) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 48 و.
(3) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 54 ظ، وورقة 75 و.
-19 A- (1/204)
صفحة 205
الزمخشري
"الكشاف".
أما بالنسبة لقضايا أصول الفقه فعمدته كتاب البرهان لإمام الحرمين الجويني، وشرح البرهان" للإمام المازري والمستصفى للغزالي أيضا. وشرحه لابن رشيق. ويورد كثيرا عبارة: قال" أبو المعالي في "التلخيص". وأحيانا ينقل آراء عن شيخه يعيش بن موسى
ب= كتاب مختصر العدل والإنصاف.
(1)
وهو لأبي العباس أحمد بن سعيد بن عبد الواحد الشماخي
ت 928 هـ)
وتوجد من هذا الكتاب نسخ عديدة أيضا في مكتبات وادي ميزاب وقد اخترنا للدراسة نسخة مكتبة الحاج صالح لعلي في بني
يسجن، بغرداية.
عدد أوراقها 16 ورقة مسطرتها 22 سطرا مقاسها: 1621 سم.
نسخها سعيد بن قاسم بن أبو علي، في صفر 1209 هـ. والنسخة كاملة وفي حالة جيدة، وكتبت بخط مغربي جميل. وسبب تأليف الشماخي لهذا المختصر ما ذكره في مقدمته قائلا: «وكان كتاب العدل والإنصاف المنسوب إلى الإمام الحافظ التقي، أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني أكمل ما صنفت أصحابنا فيه [أصول الفقه، لكنه صعب المرام لكثرة الكلام، واستعنت الله في اختصاره مع فوائد من غيره ... » (2).
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 2، ورقة 251 ظ. (2) - الشماخي، مختصر العدل، ورقة اظ.
-199 - (1/205)
صفحة 206
محتوى الكتاب ومنهجه
ومحتوى الكتاب مستخلص من كتاب العدل والإنصاف كما يفيده عنوانه "مختصر العدل والإنصاف"، مع إضافة مسائل كثيرة من كتب الأصول الأخرى، كما نص عليه الشماخي في مقدمته "مع فوائد من
غيره".
ولم يلتزم طريقة الوارجلاني في تقسيم مباحث الكتاب، بل انتهج لنفسه تقسيما أدق، تخصيص الكتاب لأصول الفقه دون غيره، وتنقيته مع من مسائل الكلام.
-
-
وقد جعل الشماخي مختصره في عشرة أبواب، مقدمة وخاتمة: المقدمة في حدّ أصول الفقه، ومباحث اللغة ودلالات الألفاظ.
الباب الأول: في المجمل والمبين.
الباب الثاني: في الأمر والنهي. الباب الثالث: في الظاهر والمحكم.
الباب الرابع: في الخاص والعام. الباب الخامس: في المنطوق والمفهوم.
الباب السادس في الخبـ
الباب السابع: في النسخ.
-
الباب الثامن: في الإجماع.
الباب التاسع: في القياس.
الباب العاشر: في التعارض والترجيح.
ويتضح أن الشماخي عمد في مختصره إلى استخلاص المسائل الأصولية من العدل والإنصاف، ثم رتبها في أبوابها العشرة بصورة دقيقة، وعرضها عرضا منطقيا، مركزا على التعاريف بشكل خاص لتحديد الاصطلاحات، وتضييق شقة الخلاف بين وجهات النظر في أهم القضايا
الأصولية.
-200 (1/206)
صفحة 207
وقد ظهر تأثر الشماخي بمنهج المتكلمين واضحا في كتابه، وذلك
بعنايته بالمنطق عناية خاصة، سواء في الاهتمام بالتعاريف كما وضعها المناطقة، وشرح هذه التعاريف أم في تحليل بعض أبواب الكتاب، مثلما فعل في المقدمة حينما تعرض لمباحث اللغات ودلالات الألفاظ على المعاني؛ مطابقة وتضمنا، والتزاما وانقسام الاسم إلى أقسامه المعروفة لدى
المناطقة، الجزئي والكلي، الجنس والفصل المتواطئ والمشكك، إلخ ... وبدا تأثر الشماخي بالمنطق واضحا كذلك في باب القياس وأنواعه،
وسائر مباحثه.
كما اختار منهج المتكلمين في تحديد درجات اللفظ من حيث الوضوح والخفاء إلى النص والظاهر والمؤول والمجمل، خلافا لما جنح إليه الحنفية في تقسيمهم لوضوح اللفظ وخفائه وهذه نقطة بارزة في التمييز
بين منهج المتكلمين ومنهج
الحنفية.
ج= کتاب شرح مختصر العدل والإنصاف، للشماخي أيضا. وهذا الكتاب شرح للمختصر المذكور، وللمؤلف نفسه. وهو متوفر في المكتبات الإباضية المختلفة، وقد اعتمدنا نسخة مكتبة
الحاج صالح لعلي في بني يسجن، وتقع في 89 ورقة، ضمن مجموع، مع المختصر السابق، وبنفس المسطرة والمقاس والناسخ، وتاريخ النسخ.
وهي
كاملة وسالمة (1).
بعد أن أتم الشماخي اختصار العدل والإنصاف، وعرضه في قالب أصولي منطقي خالص رغب إليه بعض إخوانه وضع شرح مفيد
(1) - حقق هذا الكتاب الباحث مهني بن عمر التيواجني، في رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة، بالكلية الزيتونية بتونس ولا يزال التحقيق مرقونا لم يطبع.
-201 - (1/207)
صفحة 208
لمختصره، فلبّى طلبهم كما يقول: طلب بعض إخواني مني شرح العدل، فرأيت تمام فائدته بشرح يبين لفظه ومعناه ... » (1).
مختصر
وألف هذا السفر القيم الذي أصبح عمدة للمؤلفات الأصولية
التالية عند الإباضية.
منهج الشماخي في شرحه
سار أبو العباس الشماخي في هذا الشرح على الخط نفسه الذي انتهجه في المختصر، معتمدا الطريقة المنطقية في التعاريف وشروحها ومناقشاتها، وعرض أقول علماء الأصول والموازنة بينها. ويبدو اضحا تأثره بأعلام أصول الفقه من المتكلمين، وبخاصة أبي
حامد الغزالي الذي يستشهد بآرائه كثيرا.
وفي عرضه لآراء الوارجلاني لم يكن يخالفه إلا في ما ندر. أن المندوب مأمور به، وهذا أمثلة مخالفاته له ما ذهب إليه من ومن رأي جمهور الأصوليين خلافا للوارجلاني الذي حصر المأمور به في الواجب فقط (2).
وقد نعرض لبعض آراء الشماخي الأصولية في ثنايا الحديث عن آراء الوارجلاني الأصولية لاحقا.
العدل والإنصاف بين البرادي والشماخي: ألف أبو يعقوب كتابه العدل والإنصاف ليكون مرجعا في أصول الفقه، والاختلاف ولكنه أولى جانب أصول الدين عناية بالغة، فشغلت مباحثه حيزا معتبرا من مؤلّفه وجاء أبو القاسم البرادي ليكشف حقائق العدل والإنصاف فخص هذه المباحث بمزيد عناية، وأبرز شرحه وكأنه
(1) - الشماخي، مختصر العدل، ورقة او. (2) - ينظر مباحث الأمر في باب آراء الوارجلاني الأصولية من هذه الدراسة.
-202 - (1/208)
صفحة 209
كتاب في علم الكلام لا في أصول الفقه.
ولما تناول الشماخي كتاب العدل والإنصاف، رأى أن يعيد الاهتمام لجانب أصول الفقه وهو أساس تأليف الكتاب أصلا، واستطاع فعلا أن يعدّل كفتي الميزان فأعرض في مختصره وفي شرحه عن قضايا علم الكلام، إلا ما كان وثيق الصلة بأصول الفقه، مثل: حكم الأشياء قبل ورود الشرع، وما يجب على من لم تبلغه الرسالة، وقضية التحسين والتقبيح هل هما عقليان أم شرعيان؟.
ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الشماخي بمختصره وشرحه قد وضع لبنة مهمة في بناء أصول الفقه الإسلامي بعامة، وغدا كتابه مرجعا لكل الفقهاء والمجتهدين الإباضية، سواء في مجال التأصيل أم التفريع).
د= حاشية أبي ستة على شرح مختصر العدل والإنصاف وهو لأبي عبد الله محمد بن عمر بن أبي ستة القصبي، الشهير
(+)
(1088 - 1022 هـ).
بالمحشي لم يرد ذكر هذه الحاشية فيما بين أيدينا من فهارس المكتبات
-
(1)
نظم الشيخ عبد الله بن حميد السالمي ألفية في أصول الفقه، ثم شرحها في كتاب سماه "طلعة شمس الأصول"، وهو أوفى ما كتب الإباضية في علم الأصول، وقد اعتمد السالمي على العدل وشرحه، وكثيرا ما يقول قال البدر في مختصره، وقال البدر في شرحه والمراد
مختصر بالبدر الشماخي. السالمي، طلعة الشمس، ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة، سلطنة عمان،
1405 هـ / 1985 م.
(2) - أبو ستة المحشي من أشهر علماء جربة في القرن الحادي عشر للهجرة، له نشاط بارز في الحركة العلمية بالجزيرة والإصلاح الاجتماعي، ترأس حلقة العزابة بما لمدة طويلة، واشتهر بحواشيه الطويلة على أمهات الكتب الإباضية، وقد بلغت عشرين حاشية. ينظر: فرحات الجعبيري، نظام العزابة عند الإباضية الوهبية بجربة صحفات 225 - 227.
-203 - (1/209)
صفحة 210
والمخطوطات الإباضية). وقد عثرنا على نسخة وحيدة لها بمكتبة الحاج صالح لعلي في بني يسجن، غرداية. عدد أوراقها 175 ورقة، مسطرتها: 21 سطرا مقاسها: 23 سم 17,5 سم، دون ذكر للناسخ ولا تاريخ النسخ. أما حالتها فهي نسخة سليمة كتبت بخط مغربي جميل. وعنوان الكتاب ورد بهذه العبارة: "هذه حاشية العالم العلامة البحر
بن
الفهامة، الشيخ محمد أبو ستة على مختصر كتاب العدل، للإمام أحمد سعيد الشماخي ... " ثم يبدأ الكتاب بعبارة: "أقول [أي أبو ستة] بدأ الشارح [أي الله، كالمتن كتابه بالحمدلة بعد البسملة، اقتداء بالقرآن
الشماخي] الكريم ....
رحمه
وبعد شرح هذه العبارة أضاف قائلا: "إنه [الشماخي] رأى إتمام فائدة مختصره العدل بوضع شرح له ... " ().
وهذه العبارات تجعلنا نجزم أن عنوان المخطوط ليس صحيحا، وأن أبا ستة وضع حاشيته على شرح مختصر العدل، لا على أصل المختصر. ولكن عمل المحشي لم يتم، فقد توقف في الباب الخامس عند مباحث المنطوق والمفهوم وفيه تناول المنطوق الصريح والمنطوق غير الصريح وأقسامهما، ثم تحدث عن المفهوم وانقسامه إلى مفهوم موافقة
(1) - ينظر: عبد الله السالمي، اللمعة المرضية من اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، ضمن مجموع ستة
المطبعة العربية، الجزائر، د. ت. صحفات 63 فما بعد.
كتب،
J. Schacht, Bibliothèques et manuscites abadites, p 397. A. K. Ennami, A discription of new ibadi manuscripts from North Africa, journal of Semitic studies. Vol:15, n:1,
Zygmunt Smogorzewski, Essai de bio-bibliographie Ibadite- wahbites, avant-propos, article dans: Rocznik Orjentalistyczny, tome 5, (1927) pp 45 - 57.
(2) - أبو ستة، حاشية مختصر العدل، ورقات اظ، 2 و.
- Y.E- (1/210)
صفحة 211
ومفهوم مخالفة. وشرح أنواع مفهوم الموافقة ودرجاته، ثم انقطع الكتاب دون أن يتناول مفهوم المخالفة شرحا وأنواعا وحجية، وهو مدار خلاف كبير بين الحنفية والجمهور. وقد شملت المقدمة سبعا وأربعين ورقة من أصل تسع وثمانين ورقة،
وبقي قرابة نصف الكتاب الأصلي [شرح مختصر الشماخي] دون حاشية. منهج أبي ستة في الحاشية:
يورد المحشي أوائل جمل الشماخي من شرح المختصر (قوله كذا ... )، ثم يعقبها بالشرح اللغوي أولا، ثم التحليل المنطقي إن كانت القضية منطقية). أو الكلامي إن كانت كلامية (2).
ومن مميزات هذه الحاشية استقصاء مباحث اللغة بشكل دقيق (2). حتى يظن القارئ أنه كتاب لغوي لا أصولي. وتلك كانت طبيعة الحواشي في ذلك العصر، حيث اشتغل العلماء بالشروح والحواشي
أو
(1) - مثال ذلك: "قوله (والمطابقة تنقسم ... إلخ) أي اللفظ الدال بالمطابقة ينقسم إلخ .. ولعله إنما خص المطابقة بالذكر لأن التضمن والالتزام لا يوجدان بدونها، وإلا فالمنقسم اللفظ الدال بالوضع مع قطع النظر عن كونه مطابقة أو تضمنا أو التزاما، كما فعل غيره والمراد خروج اللفظ الدال بالطبع أ بالعقل، فإنه لا يوصف بإفراد ولا تركيب، كما صرحوا به" أبو ستة، حاشية على شرح مختصر العدل، ورقة 21 و. (2) - كما فعل في قضية الفعل والكسب، فبسط آراء علماء الكلام فيها، وناقش مقالة المعتزلة، وعرض رأي الإباضية المتفق مع الأشاعرة فيها، مؤيدا له بالحجج النقلية والعقلية. أبو ستة، حاشية على شرح مختصر العدل، ورقات 23 - 24.
(3) - في شرحه لقول الشماخي: " والحقيقة هو اللفظ" قال: "لعله إنما عدل عن الكلمة إلى اللفظ ليتناول المفرد والمركب بناء على إطلاق الحقيقة على المجموع المركب أيضا، إلا أن قوله بعد ذلك، "ثم نقل إلى "الكلمة يدل على أنه أراد الحقيقة في المفرد، أو أنه لا يرى اتصاف المركب بالحقيقة. والله أعلم. وقوله (الحقيقة) المناسب أن يقول الحقيقة في الأصل فعيل أو يقول: فعيلة، وكلاهما صحيح مصرح به فيا لخارج". ثم أورد أبو ستة أقوال علماء اللغة في فعيلة هي تاؤه للتأنيث أم للنقل.
أبو ستة، حاشية على شرح مختصر العدل، ورقة 32 و.
- Y.O- (1/211)
صفحة 212
المستفيضة عن البناء والتجديد، وحمدت القرائح دون الابتكار العلمي
المطلوب.
أما في المسائل الفقهية فقد يستدرك المحشي على الشماخي في بعض
آرائه إن خالف فيها قواعد المذهب المعتمدة (1).
=
كتاب رفع التراخي عن مختصر الشماخي:
هو للشيخ عمر بن رمضان التلاتي الجربي (ت 1180 هـ)
وقد ذكر المستشرق شاخت (2). أنه رآه بمكتبة يحي بن صالح بمليكة، وأنه بمكتبة كلية الآداب بجامعة الجزائر ولم نتمكن من العثور عليه في الجزائر، لأن الخبر مضى عليه أكثر من نصف قرن، كما لم نستطع الدخول إلى مكتبة مليكة.
ثم حظينا بالعثور عليه في فهرس مكتبة الشيخ عيسى أزبار ببني يسجن، ولما فتشنا عليه لم نعثر له على أثر.
و = كتاب شرح شرح مختصر العدل والإنصاف (3). وهو من تأليف الشيخ امحمد بن يوسف اطفيش، الشهير بقطب
(1) - مثل قول الشماخي: "أما الإجمال في الفعل فكالقيام من الركعة الثانية من غير تشهد، فيحتمل السهو والجواز" عقب عليه أبو ستة بأن هذا لا يناسب قواعد المذهب، فإن من ترك التشهد عمدا بطلت صلاته، سواء قلنا إنها فرض أو سنة"، وأفاض في شرح أقوال الفقهاء في المسألة.
أبو ستة، حاشية على شرح مختصر العدل، ورقات 69 ظ 70 و.
J. Schacht, Bibliothèques et manuscites abadites, p 381. - (2)
-
(3) - ذكر بعض الباحثين أن هذا الكتاب شرح لمختصر العدل والإنصاف، والصواب أنه شرح لشرح المختصر، كما يفيده عنوان الواضح، ويؤكده مضمون الكتاب. ينظر: صالح بوسعيد دراسة وتحقيق الدليل والبرهان، ص 95.
-.7 - (1/212)
صفحة 213
الأئمة، (ت 1332 هـ / 1914 م).
توجد نسخة وحيدة من هذا الكتاب في مكتبة القطب ببني يسجن،
تحت رقم: أهـ: 1. وهي بخط يد المؤلف.
وتقع في ثلاث مجلدات ضخمة.
عدد أوراق المجلد الأول: 218،ورقة، والمجلد الثاني: 349 ورقة، والمجلد الثالث: 160 ورقة ومسطرتها بين 34 و 35 سطرا. مقاسها: 31 سم 20,5 سم. ودون ذكر لتاريخ النسخ.
كما أنها سالمة، وخطها مقروء
وجدير بالملاحظة أن هذا الشرح غير شامل لكتاب الشماخي، إذ تتوزع مباحثه على هذا النحو: في الجزاء الأول شمل شرح مقدمة الشماخي حول حد أصول الفقه، و مباحث اللغة والدلالات وفي آخر الجزء شرع في شرح الباب الثاني عن مباحث المجمل. وابتدأ الجزء الثاني بمباحث البيان، وانتهى بمفهوم اللقب ضمن أنواع
مفهوم المخالفة مع إيراد الجدل الطويل حول حجيته. وكانت بداية الجزء الثالث تكملة موجزة لمباحث مفهوم المخالفة، في ورقتين، ثم خصص بقية الجزء لباب الخبر، وهو الباب السادس من أصل كتاب الشماخي، وانتهى بمسألة "إذا تعارض القياس وخبر الأحاد، ولم يمكن الجمع بينهما، فما العمل؟ "
وظلت أربعة أبواب كاملة من الأصل دون شرح، فهل ضاعت أم
إن القطب لم يشرحها أصلا؟ يذكر المستشرق شاخت أن شرح القطب يقع في ثلاث مجلدات،
-207 - (1/213)
صفحة 214
وأنه رآها سنة 1953 (1). وهي هذه الثلاثة المذكورة، بينما يروى الفاضل الحاج سليمان بكاي عن تلميذ القطب وابن أخيه، أبي إسحاق إبراهيم اطفيش، أن القطب شرح الكتاب كاملا وأن شرحه يقع في ست
مجلدات (2).
وقد ورد في غلاف الجزء الأول من الداخل عبارة بخط المؤلف فيها: "إلى الشيخ عبد الله بن يحي الحاج في فساطو في جادو، ينسخه ويرده"، كما وجدنا تقريظا للشيخ عبد الله على هذا الكتاب).
وفي غلاف الجزء الثالث من الداخل أيضا عبارة "أمانة توصل إلى الشيخ سعيد ن علي العماني الصقري يُجمع إلى ما وصله من شرح شرح مختصر العدل".
الشقة،
ومعروف عن القطب أنه كان يرسل مؤلفاته إلى أصدقائه من العلماء لنسخها وإرجاعها، وكتابته السابقة شاهدة على انتقال هذه الكتب بين ميزاب بالجزائر ونفوسة بليبيا، وعمان، وفي تلك الفترة بما فيها من ظروف حرجة ووسائل نقل بسيطة، عبر الجمال وبعد مما يجعلها عرضة للضياع. ولئن حفظت لنا الأيام هذه الأجزاء الثلاثة التي عادت إلى قواعدها سالمة، فمن المرجح أن أخواتها قد ضاعت في الطريق، أو أنها لا تزال في تلك الديار، ولم يصلنا عنها خبر رغم محاولات الاتصال وكثرة السؤال.
J. Schacht, Bibliothèques et manuscites abadites, p 381. - (1)
(2) - أخبرني بذلك في لقاء معه ببني يسجن بتاريخ 15 سبتمبر 1991 م. (3) - أبو اليقظان إبراهيم سليمان باشا الباروني في أطوار حياته المطبعة العربية، الجزائر، 1376 هـ / 1956 م، ج 1، ص 37. وقد ذكر الشيخ أبو اليقظان هنا أن الشيخ عبد الله الباروني كتب هذا التقريظ لما أتم القطب اطفيش شرحه لشرح العدل والإنصاف للشماخي"
-208 - (1/214)
صفحة 215
منهج الشيخ اطفيش في شرحه
لم تسمح لنا طبيعة البحث وضخامة هذا الشرح). بقراءته كاملا، ولكن قراءة لبعض فصوله، أمدتنا بملامح منهج القطب في شرحه، إذ جاء شرحه وافيا جامعا لمحاسن الشروح السابقة، واستقصى فيه المسائل اللغوية والنحوية غاية الاستقصاء، وتلك عادة الشيخ اطفيش في كثير من مؤلفاته (2).
كما اهتم أيضا بتوضيح المسائل الكلامية والأصولية، واستقرأ آراء العلماء في كل مسألة يعرض لها، مع نسبة الأقوال إلى أصحابها، وتحديد الفوارق الدقيقة بين تلك الأقوال والآراء لدرجة تدهش القارئ، وتنبئ عن موسوعية في الاطلاع، وعن قدرة فائقة في الاستيعاب، مع التحليل
والنقد والترجيح.
المقارن.
ويمكن اعتبار هذا الشرح نموذجا متميزا في علم أصول الفقه
ز کتاب موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف.
=
وهذا الكتاب للشيخ أبي مالك عامر بن خميس المالكي (2).
ويعتبر الكتاب الوحيد للمشارقة حول مختصر العدل والإنصاف، وأصله العدل والإنصاف وهو أرجوزة طويلة تبلغ خمسين ومائتين وألف
(1)
تبلغ ورقات أجزاء الكتاب الثلاثة 727،ورقة أي 1454 صحيفة ذات الورق الكبير،
والخط الدقيق.
(2) - ينظر مثلا: تيسير التفسير للقطب نفسه، ويقع في ست عشرة مجلدا. وشرح النيل وشفاء العليل له أيضا، ويقع في سبع عشرة مجلدا. (3) - أبو مالك عامر بن خميس المالكي، من علماء عمان العاملين تتلمذ على الشيخ السالمي، ونشط لنشر العلم والفضيلة في بلده وهو من قبيلة بني مالك، إحدى القبائل العمانية.
-209
- (1/215)
صفحة 216
بيت (1250).
كما أن هذا هو الكتاب الوحيد الذي رأى نور الطباعة دون سائر
الأعمال الأخرى التي تتابعت على العدل ومختصره وشرحه. وقد تولت نشره وزارة التراث القومى بسلطنة عمان. سنة
1405 هـ 1985 م.
بنفسه
أما سبب وضع هذه الأرجوزة ومنهج الناظم فيها، فيقول عنها
وقد دعتني همتي أن أنظما أصوله أرجوزة تعلم ضمنتها مختصر العدل الذي قد عطّر الآفاق عرفه الشذي وربما أزيد فيه غير حواه، أو أنقص منه فاعلما (). وقد تتبع الناظم كتاب مختصر العدل للشماخي بكل دقة وجعل أرجوزته كالمختصر في عشرة أبواب، والتزم عدم تجاوز ما ورد في الأصل، زيادة أو نقصا إلا نادرا. وفي إيراده التعاريف كان يقتصر غالبا على المعنى الاصطلاحي، بينما حرص الشماخي على الجمع بين المعنيين اللغوي والاصطلاحي، في
كثير من تعاريفه (2).
-
(1) - المالكي، موارد الألطاف،
-
(2)
مثل تعريف النسخ الذي أورد الشماخي معناه لغة واصطلاحا، بينما اكتفى المالكي في
تعريفه بقوله:
النسخ عرفا واضح البيان
المالكي، موارد الألطاف، ص 41. وفي تعريف الاجتهاد قال:
الاجتهاد هو أن يستفرغا
في طلب الحكم من الأدلة
المالكي، موارد الألطاف، ص 45.
إزالة الشرع بشرع ثان
ذو الفقه
وسعه بحيث بلغا. بالشرع في نازلة في الملة
-210 (1/216)
صفحة 217
كما يقتصر الناظم في ذكر الأقوال على ما ورد في المختصر دونما توسع، ويؤكد ما ذهب إليه المصنف من رأي، وقد يرجح قولا إن لم يكن في
المسألة ترجيح). أما أسلوبه فقد جاء واضحًا سلسا يتبادر معناه إلى الذهن بيسر، بينما نجد عبارة المختصر أحيانا شديدة الإلغاز يحتاج فهمها إلى تأمل
وإمعان نظر.
(1)
مثل قبول الخبر المرسل، إذ يقول الشماخي: "والمرسل ما أخبر به عن الرسول من لم يسمع الخبر والأكثر على وجوب العمل به، وقيل: إن كان من أئمة النقل قبل، وقيل: إن قوته
قرينة، وإلا فلا. الشماخي، مختصر العدل، ورقة. او.
وقال المالكي في النظم:
و مرسل الأخبار ما يرفعه والأكثرون أوجبوا به العمل
عن
النبي غير من يسمعه وقيل لا يقبل إلا إن حصل
ذلك عن أئمة النقول
ما لم تقوّه قرينة، وما
المالكي، موارد الألطاف، ص 36.
وقيل ليسه من المقبول
قدمته هو الصحيح المعمى
والمعمى المختار من أعمى الشيء اعتماء إذا اختاره وقصده).
-211 - (1/217)
صفحة 218
المبحث الثالث
المقارنة بين العدل والإنصاف وبين المستصفى
المطلب الأول: ترجمة الغزالي وآثاره
أ= صعوبة البحث في الغزالي:
يعد الإمام أبو حامد الغزالي من أوسع الأعلام والشخصيات الإسلامية انتشارا في آثار القدامى والمحدثين ويتردد اسم الغزالي كثيرا في المصادر على اختلاف مشاربها وتنوع اختصاصاتها، في الأصول والفقه، والكلام والفلسفة والتصوف والتاريخ والتربية والتعليم. وقلما اتصف
بهذه الخصيصة أحد من مفكري الإسلام، وبهذا المستوى من الشمول. وعندما يذكر الغزالي تتوارد إلى الذهن مناحيه المتشعبة، فلا يخطر بالبال رجل واحد بل رجال متعددون لكل واحد قدره ومقامه وإسهامه البارز في تلك العلوم جميعا.
لقد كان أبو حامد بحق دائرة معارف عصره، وصورة حية للحياة العقلية والعلمية، وصدى لاصطراع التيارات الفكرية في العالم الإسلامي خلال القرن الخامس الهجري.
كما نشأ الرجل طلعة شغوفا إلى المعرفة لهما لاستقصاء مدارك
اليقين، بحثا عن الحقيقة التي ترسخ في القلب الطمأنينة والاستقرار. وكلّفه هذا البحث المضني عنتا بالغا، حتى كادت أن تطوّح به رياح في متاهات الضلال، لولا ما اهتدى إليه في النهاية من المنهج الذوقي ممثلا في علم التصوف والسلوك الذي ملأ عقله وقلبه طمأنينة
الشكوك
ويقينا.
هذه الشخصية الفريدة في خصائصها الفكرية، وسعتها العلمية، ومميزاتها الروحية استقطبت أقلام الدارسين فكتبوا عنها ما لا يحصى من
-212 - (1/218)
صفحة 219
الدراسات والأبحاث وشملت هذه الدراسات ظاهرة الغزالي بمختلف جوانبها الطريفة، وأبعادها المعرفية والإنسانية، فتناولت أبا حامد مفكرا وفيلسوفا ومربيا ومتكلما، ومتصوفا ...
كما تجاوزت هذه الدراسات اللغات الشرقية، لتشمل أغلب لغات العالم الحية، فتناوله الباحثون من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، ومع كل الدرجات في التأصيل والنقد والتحليل.
ولذلك لم يعد البحث في الغزالي فيه طراوة الجدة والأصالة، منذ عهد بعيد، لأن البحث العلمي قد استوفى ما لهذا العملاق من حقوق، أو
کاد (1).
وهنا تتجلى صعوبة الموقف وخطورته في آن واحد، لمن يتصدى للكتابة في الغزالي، ويصبح تخطي حلقة التكرار إلى ميدان الابتكار مجازفة لا تخلو من مخاطر. وبالرغم من كل هذا فإننا لا نعدو الحقيقة إن ذكرنا أن الاهتمام بالغزالي الأصولي لم يُحظَ بعدُ بما يستحق من جهود الباحثين، مثلما ناله الغزالي المتصوف أو الغزالي الفيلسوف).
استكمالا لهذا الجانب ارتأينا عقد مقارنة بين آراء أبي حامد وآراء أبي يعقوب الوارجلاني الأصولية، لإلقاء بعض الضوء على ما قدم الرجلان في ميدان علم الأصول.
(1) - د. عبد الأمير الأعسم الفيلسوف الغزالي، إعادة تقويم لمنحى تطوره الروحي، ط 2،
دار الأندلس، بيروت، لبنان، 1981 م، ص 7.
(2) - د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 325.
-213 - (1/219)
صفحة 220
ب= ترجمة الغزالي:
هو حجة الإسلام الإمام محمد بن محمد
محمد بن
بن أحمد الطوسي. وصفه ابن السبكي بأنه «محجة الدين، وجامع أشتات العلوم، والمبرز في المنقول والمفهوم»). ولد بطوس سنة 450 هـ، وكان والده يشتغل بغزل الصوف، ولما حضرته الوفاة أوصى به مع أخيه إلى صديق له متصوف من أهل الخير، فأنشأهما ورباهما، وأنفق عليهما كل تركة أبيهما، التي كانت نزرا يسيرا. ثم أرسلهما إحدى المدارس للتعلم، ففتح الله عليهما بالعلم الوافر.
وسافر أبو حامد بعد ذلك إلى جرجان وقرأ على الإمام أبي نصر الإسماعيلي، ثم رحل إلى نيسابور، ولازم إمام الحرمين، وجد واجتهد، حتى برع في جميع العلوم، وألف فيها وأجاد.
وامتاز الغزالي بحدة الذكاء، وكان سديد النظر، عجيب الفطرة، مفرط الإدراك، قوي الحافظة، بعيد الغور غواصا على المعاني الدقيقة. وصفه شيخه إمام الحرمين بأنه بحر مغدق.
وبعد وفاة شيخه رحل إلى نظام الملك فظهر على العلماء في مجلسه، واعترفوا بعلمه وولاه سلطة التدريس في مدرسته النظامية ببغداد، فقدم إليها سنة 484 هـ، ومنها عمّت شمس معارفه الآفاق، وسارت بأخبار
علمه الركبان. ولكن أبا حامد وهو في قمة مجده العلمي- توجس خيفة من غوائل نفسه، ومن بهرج المجد الذي ناله، فشدّ الرحال إلى الحج لتطهير نفسه سنة 488 هـ، واستناب أخاه أحمد في التدريس.
(1) - عبد الوهاب بن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ط 1، المطبعة الحسينية الكبرى،
د. م. شعبان 1324 هـ، ج 4، ص 101.
- (1/220)
صفحة 221
ومن مكة توجه إلى بيت المقدس، وجاور بها مدة، ثم أقام بدمشق عشر سنين كما ذكر ابن عساكر، ومنها خرج إلى مصر، وأقام بالإسكندرية، وعزم الرحيل إلى يوسف بن تاشفين بالمغرب، ولكن بلغه خبر وفاته فعدل عن السفر.
مع
وبقي في التجوال يزور المشاهد، ويطوف على المساجد، في جهاد نفسه، يروضها على المشاق. ثم عاد بعد زمن إلى بغداد للوعظ والحديث على لسان أهل الحقيقة. ثم رجع إلى طوس حيث اتخذ مدرسة للفقهاء إلى جانب داره ورباطا للصوفية ووزع أوقاته بين التدريس وقراءة القرآن ومجالسة أرباب القلوب، ووظائف العبادات، إلى أن وافه الاثنين 14 جمادى الأولى سنة 5.5 هـ (1). يوم
أجله
ج= مؤلفات الغزالي:
أغنى الإمام الغزالي المكتبة الإسلامية بتراث فكري ثمين، تميز بالكثرة والجودة والتنوع. وأكب القدامى والمحدثون على دراسة إنتاجه، واختلفوا حوله بما يختلفوا على أحد من العلماء، وشغلت آراؤه الطريفة، ومنهجه في المعرفة أفكار الدارسين من مختلف الأمم والأجناس.
ولسنا بصدد دراسة هذا النتاج الضخم، ولا لنا محال هذه يسمح
الدراسة إلا عرض عناوين إنتاجه فحسب.
فقد ترك في فقه الشافعية الوسيط والبسيط، والوجيز، والخلاصة. وكتب في سائر العلوم إحياء علوم الدين كتاب الأربعين، كتاب أسماء الله الحسنى، المستصفى من علم الأصول، وهو مدار مقارناتنا مع آراء
(1) - ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 4، صفحات 101 - 105.
-210 (1/221)
صفحة 222
-
أبي يعقوب المنخول في الأصول أيضا، ألّفه في حياة إمام الحرمين، بداية الهداية، المآخذ في الخلافيات تحصين، المآخذ كيمياء السعادة، المنقذ من الضلال، الباب المنتحل في الجدل، شفاء الغليل في بيان مسالك التعليل، الاقتصاد في الاعتقاد معيار النظر، محك النظر بيان القولين للشافعي، مشكاة الأنوار المستظهري في الرد على الباطنية، تهافت الفلاسفة، مقاصد الفلاسفة، إلجام العوم عن علم الكلام الغاية القصوى، جواهر القرآن، بيان فضائح الإمامية، كشف علوم الآخرة، الرسالة القدسية، الفتاوي ميزان العمل مواهم الباطنية حقيقة الروح، أسرار معاملات الدين، عقيدة المصباح، المنهج الأعلى أخلاق الأنوار، المعراج، حجة الحق، تنبيه الغافلين المكنون في الأصول، رسالة الأقطاب، مسلم السلاطين، القانون الكلي، القربة إلى الله، معتاد العلم، مفصل الخلاف في أصول القياس، أسرار اتباع السنة المنادى تلبيس إبليس، رسالة الرد على الله (1) من طغى، کتاب عجائب صنع
المطلب الثاني: كتاب المستصفى، أهميته، منهجه، وخصائصه
يعد كتاب الغزالي "المستصفى من علم الأصول" أحد الكتب الأربعة التي نوّه بها ابن خلدون (2)، واعتبرها أركان هذا العلم وعمدته. وتتضح أهمية الكتاب من ترتيبه الزمني بين مؤلفات الغزالي، فقد كان من أواخر ما كتب، ولذلك فهو يمثل في محتواه وخطته وأسلوبه قمة النضج العلمي عند الغزالي، إذ جاء نموذجا فريدا في التأليف وحسن العرض، وفيه طوّع أبو حامد لبنانه المعاني، وأبدع في تحقيق المسائل
(1) - ابن السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج 4، ص 116.
(2)
-
ابن خلدون، المقدمة، ص 455.
-216 - (1/222)
صفحة 223
والموضوعات. وساعده على ذلك اطلاعه الواسع على إنتاج السابقين من أئمة الأصول، مما هيّأ له الإشراف على أعمالهم والاستفادة منها، فضلا عن تجاربه السابقة في هذا الميدان تدريسا وتأليفا، فخرج من كل ذلك بفكر أصيل، ومنهج مستقل فريد (1).
ففي تصوره لعلم الأصول أبدع في وضع تشبيه تمثيلي لموضوعاته و مباحثه فشبهه بشجرة مثمرة، ثمرتها هي الأحكام الشرعية الخمسة، والمثمر أدلة الأحكام الثلاثة الكتاب والسنة والإجماع. وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة، وهي أربعة دلالة بالمنظوم، ودلالة بالمفهوم، ودلالة بالاقتضاء، ودلالة بالمعقول. والمستثمر هو المجتهد بشروطه وأوصافه. والعاجز عن الاستثمار هو المقلد ().
كما مهد الغزالي لكتابه بمقدمة ضافية حول تعريف هذا العلم، ومنزلته بين العلوم، وكيف ينقسم إلى الأقطاب الأربعة: الثمرة، والمثمر، والاستثمار، والمستثمر (3).
1
وقد وضع مدخلا تمهيديا للكتاب خصصه لعلم المنطق، وبين كيفية انحصار العلوم في الحد والبرهان وطريقة الحصول على الحقائق العلمية، بالتعريف الدقيق والبرهان، الصحيح وبين الأغاليط الواردة على الحدود
والبراهين.
وأوضح أن هذه المقدمة ليست من صميم علم الأصول، ولكنها ضرورية له، بل ولكل العلوم، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه» ().
(1) - د. عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان الفكر الأصولي، ص 325. (2) - الغزالي المستصفى من علم الأصول، ط 1، المطبعة الأميرية بولاق، مصر، 1322 هـ،
ج 1، ص 7.
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 4. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 105.
-217 - (1/223)
صفحة 224
وقد أثار موقف الغزالي من ربط المنطق بأصول الفقه ضجة واختلافا في أوساط العلماء، فنقم عليه بعضهم، وحمد الآخرون صنيعه، وإن انتصر الفريق الثاني في الأخير، واصطبغ علم الأصول بالمنطق إلى حد كبير. واللافت للانتباه لمن درس المستصفى انتظام موضوعاته في تسلسل منطقي ملائم، وإحكام العلاقة بين مباحثه، وتوضيح سبب ترتيبها، بحيث تبدو وكأن بينها علاقة عضوية لا تنفصم.
ومن مميزات المستصفى كذلك التركيز على تحديد محل الخلاف، وتبيين سببه، بدقة وقد يخلص من ذلك إلى أنه لا خلاف حقيقة، أو أنه أقل مما صوّره الأصوليون، أو أن الخلاف في غير المحل المذكور.
كما عُني الغزالي بالترفع عن سقطات المخالفين، وسعى جهده إلى تضييق فجوة الخلاف في الآراء والتماس المبررات لأفكار المخالفين، كما في حديثه عن المجاز في القرآن، ورده على من أنكروه (1).
وكذا في الخلاف في العلم الحاصل بالتواتر، أهو ضروري أم
نظري (2).
وقد التزم أبو حامد أدب الخلاف الرفيع، فلم يكن يتهجم على مخالفيه ولا ينقدهم إلا بألطف عبارة كقوله هذا غير مرضي، وهذا ضعيف". وقد
يحتد في التعنيف إن كان الخلاف سخيفا، وهذا دليل على مرونة
فكرية وأفق واسع، وصدر رحب للحوار والنقاش.
وفي عرضه آراء المخالفين فإنه لا يتوسع في سرد حججهم، بل
يقتصر على الضروري منها.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 105. الغزالي المستصفى، ج 1، صفحات 132 - 133.
(2)
-218 -
- (1/224)
صفحة 225
كما اختصر كثيرا في عرض الأدلة في القضايا التي لا جدوى من ورائها، كمسألة بداية اللغات ومسألة تعبد النبي صلى الله عليه وسلم قبل
البعثة.
وبهذه الخطوات كان كتابه محاولة موفقة لتصفية علم أصول الفقه من المباحث الدخيلة التي هي أليق بعلم الكلام. وإن لم ينجح في إقصائها كلية، نظرا للجو الفكري السائد في عصره، وولع الأصوليين بهذا المزج بين الأصول والكلام. والغزالي رغم اهتمامه بالحدود المنطقية الاصطلاحية، فقد عُني عناية
طلب
خاصة بالمعاني، ووضع لذلك قانونا عاما بينه بقوله: «واعلم أن من المعاني من الألفاظ ضاع، وهلك، وكان كمن استدبر المغرب وهو يطلبه، ومن قرر المعاني أولاً في عقله، ثم أتبع المعاني الألفاظ فقد اهتدى). وجاء أسلو المستصفى سلسًا علميا بقدر المعاني، لا إيجاز فيه ولا إطناب، ولا غموض فيه ولا إغراب واستحق أن يكون نموذجا يقتدى في الكتابة، الجمعه خصائص الأسلوب السهل الممتنع.
المطلب الثالث: دواعي المقارنة بين العدل والإنصاف، وبين المستصفى أ= هل تأثر الوارجلاني بالغزالي؟ ذكر الشيخ عبد العزيز الثميني أن الوارجلاني كثير الاطلاع على كتاب الإحياء وغيره من كتب الغزالي (2).
-
وأكد البرادي أنه كثيرا ما يحذو خطى الغزالي في كتاباته، ويقفو
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 21. الثميني، تعاظم الموجين، مخطوط، ص 11.
-219 - (1/225)
صفحة 226
أمثاله)). وأورد نموذجا لذلك في معرض كلام الوارجلاني عن بديع صنع الله، وما أودع في الإنسان من عقل وشهوات، ليسعى الناس للعمل بما يصلح دينهم ودنياهم. وأفاض أبو يعقوب في شرح أصول العمران الأربعة: الزراعة، والحياكة والبناء والسياسة، ثم أحال من أراد التفصيل على كتاب الإحياء للغزالي (2). كما عقد مبحثا للحديث عن علم المكاشفة، في "الدليل والبرهان"،
و دور هذا العلم في الوصول إلى الحقيقة، وأوضح درجات الرقي الروحي، ثم أحال على كتاب الاقتصاد في الاعتقاد () ().
أما الأستاذ فرحات الجعبيري فقد اعتبر اعتماد الوارجلاني فكر الغزالي في علم المكاشفة صورة للتعايش بين التراث الإباضي وسائر التراث الإسلامي (ه).
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 10 ظ. (2) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقات 10 ظ، 11 و.
(3) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3 صفحات 181 - 181. (4) - هذا الاقتباس عن الغزالي في علم المكاشفة دفع بعض الدارسين إلى القول بأن ثمة علاقة قرب بين الصوفية والإباضية، تجلت في "مسلك الكتمان" المشترك بينهما. ولكن الواقع التاريخي يخالف هذا الاستنتاج، إذ إن مرحلة الكتمان عند الإباضية مسلك من مسالك إقامة الدين، وهو متعلق بالجانب السياسي إلى حد كبير، أما الكتمان الصوفي فيعني تطهير النفس ومجاهدتها في الخلوات ورياضتها بالأذكار والأوراد فتزداد إشراقا. فضلا عن كون مصطلح الكتمان عند الإباضية والكتمان الصوفي قد تحددا بزمن بعيد قبل اقتباس الوارجلاني من الغزالي، ولذلك اعترف هؤلاء الدارسون بأن استنتاجهم لا يذهب بهم إلى إعطاء صفة الصوفية للإباضية.
ينظر:
سلفادور غوميت نوغاليس الرستميون كحلقة وصل بين الجزائر والأندلس، بحث ضمن أعمال ملتقى الفكر الإسلامي الحادي عشر وارجلان صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م، وزارة الشؤون الدينية الجزائر مطبعة البعث قسنطينة، 1984، ص 264.
(5) - د. فرحات الجعبيري البعد الحضاري، ج 1، ص 121.
-220
- (1/226)
صفحة 227
وورد ذكر الغزالي في "العدل والإنصاف" مرة واحدة في معرض الحديث عن عدد الملائكة والخلاف في ذلك. وقال الغزالي: وحكى عن رسول الله عليه السلام قال: "إن لكل مسلم مائة وستين ملكا يحفظونه
من الشيطان، لو نظرتم إليهم على رؤوس الشعاب والاكام» (1). ومن شواهد هذا الاقتباس أيضا ما ذكره الوارجلاني في "العدل والإنصاف" من تعاريف العقل وتقاسيمه (2). حتى قال البرادي: «فإنه الوارجلاني] إنما سلك في هذا التقسيم طريق أبي حامد).
وذكر نصوصا للغزالي لتأكيد هذا الاقتباس وفي معرض انتقاد أبي يعقوب على المشتغلين بفروع الفقه نعى عليهم إهمال «العلوم المتعلقة بالعبادات وإصلاح الأخلاق المهلكات وتقوية الأفعال المنجيات والأفعال التي تصلح للقربات». وهذه إشارة
إلى تأثره بمصطلحات الغزالي في الإحياء. وجدير بالملاحظة كذلك أن الغزالي في منحى تطوره الروحي تنكّر للاشتغال بفروع الفقه الافتراضي، وذكر أن علم الفقه علم دنيوي لا ديني» (.). وهو ما ذهب إليه الوارجلاني، بل إنه أربى على ذلك فعدّ هذا الفقه «الفتنة العظمى والبلية الموجعة للدهماء» (1). وذلك لما يوقعه من نزاع وجدل حاد بين أهله وما يورثه التعصب للآراء الفرعية من شحناء بين أهل الملة الواحدة.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 287. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صفحات 24 - 25.
-
(3)
البرادي البحث الصادق، ج 1، صفحات 85 ظ، 86 و. (4) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13 و.
-
(5) - الأعسم، الفيلسوف الغزالي، ص 37. (6) - الوارجلاني رسالة الوارجلاني، ص 13 و.
-221 - (1/227)
صفحة 228
ولا ريب أن أبا يعقوب في رحلته إلى الأندلس قد وجد صدى كتب الغزالي قويًّا بين مناصر له ومخاصم، وأنه سمع بإحراق كتب الغزالي من قبل المرابطين، بعد إصدار قاضي قضاة قرطبة فتوى اتمام الغزالي بالابتداع وإحراق كتبه ومنع قراءتها في كامل بلاد الأندلس). فتحركت في نفس أبي يعقوب دوافع الاستطلاع لمعرفة آراء أبي حامد من مصادرها، وكان ذلك سببا للانتفاع بها، والاقتباس منها، و"الحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها (2).
ب دواعي المقارنة بين العدل والإنصاف وبين المستصفى تدعو إلى المقارنة بين الكتابين أوجه شبه عديدة، تبدو للدارس
بمجرد أخذ ملامح عامة لشخصية كل من الرجلين: ويمكن إيجاز أوجه الشبه البارزة في النقاط الآتية:
التقارب الزمني بين الوار جلاني، والغزالي فالغزالي عاش بين سنتي 450 وه .. للهجرة، والوارجلاني بين ... و 570 للهجرة. وقد شهدا أوضاعا متماثلة في العالم الإسلامي، في نواحيه السياسية والاجتماعية والفكرية. ولئن اختلفت بعض الأحداث السياسية لاختلاف الزمان والمكان، فإن طابعها العام كان متشابها وميزتها عدم الاستقرار وتجزؤ الوحدة السياسية للمسلمين واستمرار الحروب الصليبية على مشرق العالم الإسلامي
ومغربه.
ما تميز به كلا الرجلين من موسوعية في الاطلاع، ونهم إلى العلم ليس له حدود وهو ما ترويه عنهما تراجم المؤرخين والدارسين بصورة تكاد
-
کارل بروكلمان تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي،
طه، دار العلم للملايين، بيروت، 1981، ص 322.
(2) - أخرجه الترمذي، كتاب الإيمان باب 19، حديث رقم 2687، جه، ص 51.
-222 -
- (1/228)
صفحة 229
-
تكون متطابقة وما امتازا به من حدة الذكاء وقوة الذاكرة، وحب العلم، لأنه أنجع وسيلة للتغيير وتصحيح المفاهيم، وتقويم الانحراف الذي حدث في مسار المجتمع الإسلامي. غزارة إنتاجهما الفكري وتنوعه واهتمامهما بأصول الدين باعتباره
الميدان الأساسي لتصحيح الأخطاء الفكرية في الأمة.
اهتمام الغزالي والوار جلاني بشكل خاص بظاهرة مرضية شكلت خطرا على تماسك المجتمع الإسلامي، وسلامة عقيدته وفكره، وهي ظاهرة الفكر الباطني، الذي استشرت سمومه في كيان المجتمع، وعمت بلواه المشرق والمغرب، وامتدت أيدي الباطنية إلى الدين مسخا وتشويها، وقلب الشريعة ظهرًا لبطن، وإلى حكّام المسلمين قتلا واغتيالا). ففضح الغزالي أفكارهم وحقيقتهم للمسلمين في كتابه "المستظهري" أو "فضائح الباطنية"، كما أفرد الوارجلاني فصلا مطوّلاً من "العدل والإنصاف"
"!
لتعرية حقيقة الباطنية، وسمومهم الفكرية، وخطرهم على الدين والأمة. وكان العامل الأساسي في اختيار الغزالي مجالا للمقارنة هو دوره البارز في استكمال بناء مدرسة المتكلمين في الأصول، إذ يعد كتابه "المستصفى نموذجا فريدا ورائدا لمؤلفات هذه المدرسة، وفيه تميزت خصائص مدرسة المتكلمين بصورة واضحة وكاملة، وغدًا "المستصفى" -وهو يمثل قمة النضج الفكري للغزالي- مرجعا لا يستغنى عنه عنه لكل من كتب على نهج مدرسة المتكلمين أو كتب عنها. وأخيرا، فإن هذا البحث يرمي إلى الكشف عن مدى التقارب أو
(1) - قتل الباطنية نظام الملك سنة 485 هـ، غيلة، فترك ذلك أثرا في نفس الغزالي، لأن نظام الملك ولي نعمته وصاحب الفضل عليه، فطلب المستظهر بالله من الغزالي محاربتهم والكشف
عن فضائحهم، فوضع كتابه "المستظهري".
د. الأعسم، الفيلسوف الغزالي، صفحات 38 - 39.
-223 - (1/229)
صفحة 230
التباين بين آراء الوارجلاني، الأصولية وآراء الغزالي من خلال كتابيهما الأصوليين،، "العدل والإنصاف" لأبي يعقوب، و"المستصفى" لأبي حامد.
-2240 (1/230)
صفحة 231
الباب الثاني
أمراء الوامر جلاني الأصولية
-225 - (1/231)
صفحة 232
تمهيد: أقسام العلوم وعلاقة علم الأصول بعلمي الكلام والمنطق
أ= أقسام العلوم: يتجه الفكر العلمي في إدراك الأشياء نحو التجريد والتعميم، وذلك بربط الجزئيات بالكليات واستخلاص الضوابط والقوانين العامة للظواهر المدروسة، مهما اختلفت أفرادا وأشكالاً، وللقضايا المطروحة مهما تنوعت وتشعبت فروعا وأجزاء. وفي ميدان أصول الفقه ينزع الوارجلاني في اتجاه مساير لمنهج المتكلمين إلى العودة بهذا العلم إلى جذوره الأولى، رابطا إياه بسائر العلوم، ومبينا منزلته ودوره بين هذه العلوم؛ نقلية كانت أم عقلية.
العادة
فالوار جلاني لم يكن بدعًا في هذا السبيل، بعد أن أصبح من افتتاح المؤلفات الكلامية أو الأصولية بمباحث العلم والمعرفة، مما عرف بمباحث النظر (1). وهو ما يعرف بنظرية المعرفة ومصادرها، ونقد الأخطاء
الحاصلة في مدارك العلوم وتبيين دور العقل ومحاله في هذه العلوم. ويورد الوارجلاني تقاسيم مختلفة للعلوم بحسب أنواعها وطبيعتها أو
مصدرها.
فمن حيث المصدر نجد أن الطرق التي تتطرق منها العلوم إلى العباد
ثلاثة حسّ، مطبوع وعقل، مجموع، وشرع مسموع» (2).
ويستدعي
النقد التوثيقي للمعرفة الحاصلة بهذه الطرق تفصيل كيفية حصولها، والعوارض التي تحول دون صحتها، إن في طبيعة الحواس، أو
(1)
د. عبد المجيد النجار، ابن تومرت، ص 161. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 17.
-226 - (1/232)
صفحة 233
العقل، أو سند الرواية الشرعية.
كما يورد أبو يعقوب تقسيما آخر للعلوم حسب حدوثها، وعدم حدوثها، «فغير المحدث علم القديم سبحانه، والمحدث علم المحدث المخلوق أو الإنسان]، وعلم المحدث ينقسم قسمين: ضروريا ومكتسبا» (1). ثم يقسم علوم الضرورة وعلوم الكسب إلى أنواع.
فأنواع العلم الضروري:
أولها: علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وبذاته وأفعاله وصفاته، وما يختلف من أحواله، من لذة وألم، وسرور وغضب. وقد تلتبس الحقائق بالخيال في هذا العلم، وإن كان ضروريا لعلة تعتري الإنسان في بدنه أو حواسه أو عقله.
ثانيها: ما علم من العقليات الواجبات والجائزات والمستحيلات.
وقد تقع للإنسان من أول وهلة وربما تقع بعد تردد الخاطر فيها. ثالثها: ما يعلم من جهة الحواس، وللحواس أغلاط في إدراكها، ولذلك لا يوثق بحاسة واحدة ما لم تعضده حاسة أخرى. ولأمر ما جعل الله الشهادة في الأحكام عدلين اثنين. الرابع: ما يُعلم من جهة الأخبار المتواترة، وهي مترددة بين الضروري والمكتسب فبدايتها كسب ونهايتها ضرورة» (2).
أما العلم الكسبي:
فأحد أنواعه: ما يقع من جهة الاستدلال بما أدركت الحواس، وما
دلّ عليه ما أدركته الحواس.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 19. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 13 - 23.
-227 - (1/233)
صفحة 234
فالأول كالصوت تدركه الحاسة موزونا منعما منظما رحيما. والثاني ما يدل عليه هذا الصوت من معنى أمرا أو نهيا، أو خبرا أو
غير ذلك.
وثاني أنواعه: ما وقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم
الشرائع، والفقه والطب وسائر العلوم المعنوية. وثالثها: ما وقع العلم به من جهة العادة في علم الصناعات
والحرف» (1).
هذا عن تقاسيم العلوم، ولكن الإشكال في تعريف العلم ذاته، فإنه مطلب عزيز المنال، اختلف فيه النظّار، وتعددت أقوالهم فيه حتى قاربت العشرين، حدا، واختار الوارجلاني أنه «إدراك الشيء على ما هو به» (2). أما إمام الحرمين الجويني فقد عف العلم بأنه «معرفة المعلوم على ما
هو به» (3).
ولكن الوارجلاني فضل الدرك على المعرفة لأن العرب تقصر المعرفة
على درجة في نهاية العلم. ويرى الغزالي في استعمال لفظ المعرفة تكرارا للفظ العلم، فضلا عن كونه حدا لفظيا، وهو أضعف أنواع الحدود. واعترف أن تحديده بعبارة جامعة للجنس والفصل الذاتي أمر عسير بل أكثر المدركات الحسية يعسر، تحديدها، ولذلك كان الملجأ الوحيد
- (2)
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 23. الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 23. (3) - عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، تحقيق وتعليق د. محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد، مكتبة الخانجي القاهرة، 1369 هـ / 1950 م، ص 12.
-
-228 - (1/234)
صفحة 235
لشرح معنى العلم هو التقسيم والتنويع). وهو مسلك الوارجلاني الذي
أوردناه قبل حين. ويبدو الاختلاف الثاني بين تعريف الوارجلاني وتعريف الجويني في اختيار الأول للفظة "الشيء"، وترجيح الجويني لفظة "المعلوم"، وسبب ذلك راجع إلى الاختلاف حول أعم الألفاظ، فهو عند الأشاعرة لفظ "معلوم"، وعند الإباضية لفظ "شيء". ولذلك انتقد الغزالي استعمال لفظ "شي" في تعريف العلم، إذ العلم
يتعلق بالمعدوم، والمعدوم ليس بشيء عند الأشاعرة (2). وبعد تحديد العلم، وأقسامه يفضي بنا البحث إلى بيان دور العقل في هذه العلوم، والعقل هو المحرك الأساسي والمحور الذي عليه مدار العلوم، ولذلك كانت العلوم العقلية لا يتخالج فيها الشك لأهلها، ولمن أثمر عقله المعرفة، فسلم من شوائب الغفلة وآفات التقليد، وجلّ احتجاج القرآن على أهل الأوثان عقليات» (3). ولكن العقل ليس طليقا لدرك كل أنواع العلوم، بل إن له حدودا في الإدراك وطاقة لا يتجاوزها وإلا اختلت، موازينه، وانقلبت حقائقه أباطيل، وتنكب بصاحبه سواء السبيل.
الله
واتصافه بالكمالات
ومن قدرة العقل الوصول إلى معرفة وجود و تنزيهه عن النقائص، وأن من صفاته الجائزة إرسال الرسل وتعريف صدقهم بالمعجزات، وهذا الجائز واقع فعلا.
وعندها ينتهي دور العقل ليفسح المجال للنقل، ويستمع إلى الرسول
(1) - الغزالي المستصفى ج 1، صحفات 24 - 25. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 25. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 25.
-229 - (1/235)
صفحة 236
المبلغ عن الله أحكام شرعه وأخبار غيبه، ويبقى العقل بعدها مساعدا،
مصدقا في خطاب الشارع (1). وإلى هذا الحد ينتهي دور علم الكلام، علم الكلام، ويفسح الطريق أمام علوم الشرع الأخرى من تفسير وحديث وفقه وأصول وأخلاق.
ب علاقة علم الأصول بعلم الكلام
بهذا التصنيف لأقسام العلوم تنكشف العلاقة بين أصول الفقه وبين علم الكلام، ويتضح كيف يكون علم الكلام أحد مصادر علم أصول الفقه، إلى جانب المصدرين الآخرين علم الفقه واللغة العربية (2).
ولئن كان علم الكلام هو المتكفل بإثبات مبادئ العلوم الدينية كلها، فكانت هذه العلوم جزئية بالنسبة إلى علم الكلام، فإنه ليس شرطا أن يكون الفقيه أو المحدث أو المفسر أو الأصولي من علماء الكلام، ففي كل علم مبادئ مسلمة تؤخذ بالتقليد في ذلك العلم، ويُطلب برهان ثبوتها في علم آخر، وكذلك الأصولي يأخذ بالتقليد من المتكلم أن قول الرسول حجة ودليل واجب الصدق، ثم ينظر في وجوه دلالته وشرط
صحته) (3).
ولكن بالرغم من هذا التمييز الواضح بين حدود هذين العلمين فإنه
يبقى محصورا في المجال النظري، دون أن يتخطاه إلى الواقع التطبيقي.
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقات هظ فما بعد الغزالي، المستصفى، ج 1،
صحفات 5 - 6.
(2) - عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني، البرهان في أصول الفقه، تحقيق د. عبد العظيم الديب، ط 1، مطابع الدوحة الحديثة، الدوحة 1399 هـ، ص 84.
وعلى نهج الجويني سار الغزالي في المنخول.
ينظر: الغزالي، المنخول تحقيق د. محمد حسن، هيتو دار الفکر، دمشق، ص 3.
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 7.
-230 (1/236)
صفحة 237
ولا نحسب أننا جاوزنا الحقيقة إذا زعمنا أنه يندر وجود مؤلف أصولي وبخاصة على منهج المتكلمين يخلو من إيراد المسائل الكلامية، إن في فاتحة الكتاب أو في ثنايا مباحثه وأبرز مثال على ذلك تعرُّضُ معظم الأصوليين لإثبات حجية أصول الفقه من كتاب وسنة بأدلة مستفيضة هي من صميم علم الكلام.
فإذا كانت نبوة الرسول الا الله ثابتة في علم الكلام، وكان ما يبلغه حجة، كتابًا أو سنة، فإن الحديث عن حجيتهما في أصول الفقه تأكيد لما تقرر في علم العقيدة أو الكلام.
ولكن الملاحظ أنه لا يمكن الاستغناء عن هذه المباحث وإخراجها من علم أصول الفقه، بعد أن أصبحت من صميم قضاياه وموضوعاته، لأنها تربط دارس الأصول بجذور القضية وبأساسها التوثيقي، وهو إثبات حجية مصادر التشريع. وفضلا عن ذلك، فإن العلاقة بين العلمين؛ أصول الفقه وعلم الكلام، تبدو أكثر توطّدا إذا أدركنا أن علم الكلام ذاته بحاجة إلى أصول الفقه كحاجة أصول الفقه إليه.
فعلم الكلام يستدل بنصوص الكتاب والسنة، ويستفيد من قواعد تفسير النصوص المقررة في أصول الفقه، لإثبات العقائد تلك من النصوص، وما يتعلق بعالم الغيب والدار الآخرة ونحوها من قضايا العقيدة. ولا يمكن تقرير هذه القضايا ابتداء إلا بعد إثبات حجية مصادر هذه النصوص المشتملة عليها، ثم دراسة طريق دلالة تلك النصوص على مضمونها ومعانيها، وهو مستفاد من علم أصول الفقه.
ويتبين من هذا أن بين العلمين تكاملا، وتبادلا في الاستفادة والتأثير، لا يمكن إنكاره أو إهماله، وهو ما قرره القاضي عبد الجبار بقوله: وإنما نذكر الآن جُمَل الأدلة لوقوع الحاجة إليها في باب معرفة أصول الشرائع، والوعد والوعيد، والأسماء والأحكام، والأمر بالمعروف والنهي
-2310
- (1/237)
صفحة 238
عن المنكر، والإمامة لأن هذه الأبواب أصلها الأدلة الشرعية، فلا بد من
بيان أصولها» (1).
ج= علاقة أصول الفقه بالمنطق
يعتبر علم المنطق من القواسم المشتركة بين علم الكلام وأصول الفقه، فقد عُني المتكلمون والأصوليون معًا بالمنطق عناية بالغة)، وأدرجوا كثيرا من قضاياه ومسائله في ثنايا مباحث الكلام والأصول.
وتجلت هذه العناية لدى الأصوليين في دراستهم مباحث الألفاظ على الطريقة المنطقية، وتناولهم للتصورات وعلاقة اللفظ بالمعنى بصورة واسعة؛ لم يبحثها المناطقة أنفسهم.
وعُني كثير من الأصوليين بافتتاح مؤلفاتهم بالمبحث المشهور: دلالة الألفاظ على المعاني، وتقاسيم هذه الألفاظ. كما تجلّى أثر المنطق واضحا في قضايا الحدّ والاستدلال.
وبحكم انتظام الوارجلاني والغزالي في مدرسة المتكلمين؛ فإنهما عُنيا بالمنطق، ونالت مباحثه حظا معتبرا من كتابيهما، "العدل والإنصاف" و "المستصفى " (). والملاحظ أن بين الرجلين فرقا في تناول قضايا المنطق، رغم اتفاقهما
على اعتبار هذا العلم وسيلة ضرورية لكل العلوم. فالوار جلاني يحدد أصول العلوم في قسمة رباعية واضحة، واضعا
-
(1)
-
(2)
د. عبد الوهاب أبو سليمان الفكر الأصولي، صحفات 200 - 201. نقلا عن القاضي عبد الجبار، المغني في أبواب العدل والتوحيد، ج 17، ص 92. حول تاريخ وأسباب انتشار المنطق في العالم الإسلامي، وموقف علماء الإسلام منه، ينظر: علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، صحفات 5 - 15. ينظر مطلب كتاب المستصفى أهميته ومنهجه ضمن هذه الدراسة.
-
- (3)
-232 - (1/238)
صفحة 239
إياها في صورة تمثيلية طريفة هي أن الإيمان له باب ومدخل، وعليه إقليد ومقفل، وهو الكتاب والسنة والرأي، ومفتاح الباب أصول اللسان وأصول الجنان. فأصول اللسان اللغة والنحو، وأصول الجنان المنطق والفقه، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها، إذ باللغة يكون البيان، وبالنحو يكون التبيان، وبالمنطق تظهر حجج البرهان، وبأصول الفقه تظهر معاني القرآن فنسبة صناعة المنطق إلى العقل في المعقولات، كنسبة صناعة النحو إلى اللسان في المقولات» (1).
رغم هذه العناية المشتركة بين الوارجلاني والغزالي، بعلم المنطق فإن الاختلاف بينهما تجلى في تباين أثر الصنعة المنطقية في كتابيهما، إذ نجدها أكثر ظهورا في المستصفى منها في العدل والإنصاف، بينما كانت عناية الوارجلاني متجهة إلى جانب البيان أكثر منها إلى جانب ضبط الحدود والاصطلاحات المنطقية. والوارجلاني، وإن استعمل المنطق العقلي في الاحتجاج، فإنه لم يكن يلتزم دوما قواعد أهل المنطق من العناية الخاصة بالتعاريف والتقاسيم، وضبط القياسات والاستدلالات في صورها المنطقية، مثلما هي في كتب المتكلمين المتأخرين الذين ناصروا اتجاه الغزالي، بل إنهم أربوا عليه بالتوسع في مباحث المنطق؛ حتى صارت مؤلفاتهم الأصولية في شكلها وروحها أقرب إلى كتب أهل الكلام والمنطق منها إلى منهج الرسالة كما وضعه
الإمام الشافعي ونحن إذ نذكر الرسالة، فإننا نرمي إلى إيضاح الفارق بين ما آلت إليه كتب الأصول للمتأخرين من المتكلمين وبين ما كانت عليه الرسالة التي ينتسبون إلى منهجها.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 1 - 2.
-233 - (1/239)
صفحة 240
ولا شك أن في الرسالة نظاما منطقيا، واضحا، يتجلى في الاتجاه إلى وضع التعاريف أولاً، ثم الأخذ في التقسيم مع التمثيل والاستشهاد لكل قسم، كما أن فيه أسلوبا في الحوار الجدلي المشبع بصور المنطق ومعانيه، حتى تكاد تحسبه حوارًا فلسفيا، رغم اعتماده على المنطق أولاً وبالذات، واتصاله بأمور شرعية خالصة (1).
ولكن الشافعي رغم هذه السمات في رسالته، كان يصدر عن فکر إسلامي، خالص معتمدا منهج البراهين العقلية التي رسمها القرآن في حجاج المشركين. ولم يكن استعمال القياس الأصولي نقلا لقياس التمثيل المنطقي، بل إنه منهج إسلامي أصيل، أوضحه القرآن ودعا إليه، وعُني الأصوليون بشرحه في مباحث حجية القياس.
وأما ظنية نتائجه فتتصل بقاعدة قرآنية أيضا، أن أغلب وهي الأحكام الفقهية ظنية، وأننا متعبدون بالظن، والظن أمارة لوجوب العمل. هذه السمات التي امتازت بها الرسالة نجد لها شبها في العدل والإنصاف، حيث يعتمد الوارجلاني على حجج العقل وبراهينه الفطرية، بعيدا عن الإغراق في قوالب الصناعة المنطقية. وقد ترددت في الكتاب عبارة "إن جميع ما خاطب الله به المشركين من الأمور العقلية، لأنها ضرورية، فمن أنكر الضروري كابر وتجنن» (2).
ولم يجنح هذا المنهج بالوارجلاني إلى الولع بتقفي آثار المناطقة في كل جليلة وحقيرة بل كانت استفادته من علومهم قصدًا، لا إفراط فيه
ولا تفريط.
-
(1)
النشار، مناهج البحث، ص 61.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 23.
-234 - (1/240)
صفحة 241
وتلك خصيصة تحسب لأبي يعقوب في هذا المجال، لأن الإسراف في إدخال صناعة المنطق إلى كل مسائل الأصول؛ دفع بالطرق الآخر إلى الرفض المطلق لهذا الاتجاه، وتمثل ذلك في فتوى ابن الصلاح بتحريم المنطق، وتبديع من مزج بين العلوم الشرعية والمنطق، كما دفع ذلك ابن تيمية إلى تسفيه دعوى من اعتبر تعلم المنطق فرض كفاية، فوضع كتابه "الرد على المنطقيين (1) وراجت بين الناس عبارة "من تمنطق فقد تزندق " (1).
و كلا طرفي قصد الأمور ذميم.
- (1)
د. محمد عابد الجابري الفقه والعقل والسياسة مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 24،
شباط 1983 م، بيروت، صفحات 17 - 27.
(2) - حول أسباب رفض علماء الإسلام لمنطق أرسطو، ينظر: د. سامي النشار، مناهج
البحث، صحفات 241 فما بعد.
- Yro- (1/241)
صفحة 242
الفصل الأول
الحكم الشرعي
-236 - (1/242)
صفحة 243
تمهيد: الحكم الشرعي وأركانه
يعرف الأصوليون الحكم الشرعي بأنه «خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو وضعا».
والمراد بالاقتضاء طلب الفعل أو الترك على سبيل الإلزام أو
الترجيح.
فطلب الفعل على سبيل الإلزام إيجاب، كقوله تعالى: (وَأَقِيمُوا
الصَّلاة) [سورة البقرة: 43]. فإنه يتضمن وجوب الصلاة.
وطلب الترك على سبيل الإلزام، تحريم كقوله تعالى: (وَلا تَقْرَبُوا
الزنى [سورة الإسراء: 32]. فإنه يتضمن تحريم الزنا. وطلب الفعل على سبيل الترجيح من غير إلزام؛ استحباب، كأمره تعالى بكتابة الدين في قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ} [سورة البقرة: 282]. فإنه يتضمن استحباب كتابة الدين. وطلب الترك بلا إلزام تكريه، كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا
تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) [سورة المائدة: 101]. أما التخيير فيراد به التسوية بين الفعل والترك بلا ترجيح، ويسمّى
إباحة، كقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) [سورة المائدة: 2]. وهذه الأنواع الخمسة هي أحكام الخطاب التكليفي: الوجوب، والحرمة والندب والكراهة، والتخيير. وهو أحد قسمي الخطاب
الشرعي.
أما القسم الثاني للحكم الشرعي فهو الخطاب الوضعي، والمراد به
جعل الشارع الشيء سببا لآخر، أو شرطا له، أو مانعا. فالسبب كجعل ملك النصاب سببا لوجوب الزكاة.
-237 - (1/243)
صفحة 244
والمانع كجعل القتل سببا للحرمان من الميراث).
ويتضمن تعريف الحكم الشرعي عناصر أربعة لابد من توفرها لتحصيل حقيقة هذا الحكم، وهي:
-1
الحاكم الذي أصدر الحكم، وهو الله سبحانه وتعالى، لأنه صاحب الخطاب، سواء ورد خطابه مباشرة في كتابه، أم بواسطة نبيه في السُّنَّة، أو ما أرشد إلى اعتباره دليلا كالقياس والإجماع.
-2
المحكوم به وهو تلك الأوصاف التي ورد بها التعريف، من
اقتضاء وتخيير ووضع.
-3
الأوصاف.
- {
المحكوم عليه وهو فعل المكلف، الذي تتعلق به هذه
المحكوم وهو المكلف، الذي يوجه إليه الخطاب، ويطلب منه
امتثاله وتنفيذه.
فمدار مباحث الحكم الشرعي على هذه المحاور الأربعة، وإن كان الأول والأخير منها الحاكم والمحكوم لازمين عن التعريف، وليسا ركنين أساسيين فيه، إذ التعريف يتناول فعل المكلف، ويعلّق عليه وصفا شرعيا، ويلزم من ذلك وجود فاعل مكلف، ووجود حاكم
مكلف.
والوارجلاني لم يتناول هذه الأركان مترابطة وفق هذا التقسيم والتصنيف، وإن تناول أغلب عناصرها في ثنايا مباحث الكتاب، حيث تندرج مسائل الأحكام في مباحث الأمر والنهي، وتظل
(1) - محمد بن علي الشوكاني إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، ط إدارة الطباعة المنيرية، بمصر، 1347 هـ، صحفات 5 - 6. /1964 م،
علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ط 3، دار المعارف بمصر، 1383 هـ
صحفات 327 - 328.
-238 - (1/244)
صفحة 245
الأحكام الوضعية وأوصاف المكلف وشروط التكليف، أليق بفروع الفقه، بينما تعتبر مسائل الحاكم من اختصاص علم الكلام. ولكن الأصوليين تناولوها أيضا باستفاضة ودرسوا دور العقل في تحديد الصلاح والأصلح، وهو ما عرف بقضية التحسين والتقبيح، وأين يتنزل العقل بجانب الشرع في تحديد حكم الأفعال، وهو مجال لتداخل علم الأصول وعلم الكلام.
وقد يكون مفيدا أن نتناول مسائل مختارة من أركان الحكم نحسبها كافية لتوضيح تصور الوارجلاني لمعالم نظرية الحكم الشرعي.
-239 - (1/245)
صفحة 246
المبحث الأول الحاكم
المطلب الأول: هل التحسين والتقبيح شرعيان أم عقليان؟
يشير تعريف الأصوليين للحكم بأنه خطاب الله تعالى المتعلق بأفعل المكلفين اقتضاء أو تخييرا أو "وضعا إلى أن مصدر الأحكام في الشريعة الإسلامية هو الله تعالى وحده، فهو الحاكم المطلق، والمشرع للناس، لا حكم إلا ما حكم به، ولا شرع إلا ما شرعه. وعلى هذا تواترت آيات القرآن وأحاديث الرسول وانعقد
إجماع الأمة.
ولئن انعقد الإجماع على هذا الأمر، وأن وصف الأفعال بالحرمة أو الوجوب، أو الصحة أو الفساد، وصف شرعي، فإن الخلاف بين العلماء كان حول وصف هذه الأفعال بالحسن أو القبح، هل هو وصف شرعي أم عقلي؟ وبعبارة أخرى هل في أفعال المكلفين وصف ذاتي بالحسن أو القبح؟ وهل يستقل العقل بمعرفة حسن الأفعال وقبحها؟ (1). وهل يشرع الله أحكامه وفق ما تتصف به الأفعال من حسن أو
-
(1) - يتفق علماء الإسلام على أن الحاكم حقيقة هو الله، وإنما الخلاف في العقل هل يستقل بإدراك هذا الحكم أم لا بد من ورود الشرع بذلك؟ ويخطئ من ينسب إلى المعتزلة القول بأن العقل حاكم مثل الشرع، فهذا إطلاق فيه تجاوز وعدم دقة، إذ لم يقل أحد من المسلمين إن الحاكم هو العقل، وإنما قال المعتزلة: إن العقل يعرف الأحكام ويدركها قبل نزول الشرع، وبين القولين بون شاسع. ينظر: محمد مصطفى الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، مطبعة جامعة دمشق، 1406 - 1407 هـ / 1986 - 1987 م، ص 364، وفيها الإحالة على المصادر.
-240 (1/246)
صفحة 247
قبح؟
لقد تعدد أقوال العلماء أزاء هذه القضية ومسائلها، إلى أقوال ثلاثة: الأول: قول المعتزلة وبعض الشيعة الجعفرية). الذين يرون أن في الأفعال حسنًا ذاتيا، وقبحا ذاتيا، وأن العقل البشري بمقدوره إدراك الحسن والقبح في معظم الأفعال، والاستقلال بهذا الإدراك بالنظر إلى صفات الفعل، وما يترتب عنه من نفع أو ضرر.
ولا يتوقف هذا الإدراك على الدليل السمعي من الرسل أو الكتب السماوية، وما الشرع إلا مؤكد لما أدركته العقول من أوصاف الأفعال. والله لا يكلف عباده إلا من جهة المصلحة، إذ يرد الشرع بالتكليف
باقتضاء الفعل أو التخيير، في حالة حكم العقل بحسن الفعل، أو باقتضاء الترك إذا حكم العقل على الفعل بالقبح. واشتهر عن المعتزلة قولهم إن التحسين والتقبيح عقليان لا
شرعيان» (2).
وصف
الثاني: قول الأشاعرة وجمهور الأصوليين، وهم يرون أن الأفعال بالحسن أو القبح إنما هو وصف إضافي لا ذاتي، فليس الحسن والقبح من ذات الأشياء ولا من ضرورات العقول، كما ذهبوا إلى أن العقل لا يستقل بإدراك حكم الله، بل لا بد من وساطة الرسل وتبليغهم، والحسن والقبح في الأفعال تابعان لحكم الله تعالى، فما أمر الله به فحسن، وما نهى عنه فقبيح. وقالوا: إن التحسين والتقبيح في الأفعال شرعيان لا
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 63؛ الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 65 فما بعد؛ عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، ط 1، دار النذير للطباعة والنشر والتوزيع، بغداد، 1382 هـ / 1962 م، ص 59.
(2) - لمعرفة حجج المعتزلة في هذه القضية، ينظر:
الشوكاني، إرشاد الفحول، صحفات 7 - 8.
-241 - (1/247)
صفحة 248
عقليان (1).
وقد انتصر الغزالي لهذا الرأي و استشهد له بأمثلة كثيرة (1).
الثالث: قول توسط بين القولين وإليه ذهب الماتريدية، فقالوا: إن للأفعال حسنا وقبحا يستطيع العقل إدراكهما في معظم الأفعال، بناء على ما فيها من صفات، وما ينتج عنها من مصالح أو مفاسد (). وإنكار قدرة العقول لكون الفعل حسنا أو قبيحا مكابرة ومباهتة (). ولكن لا يلزم من هذا أن يأمر الشرع ما أدرك العقل حسنه، وأن ينهى عما أدرك العقل قبحه من الأفعال والأشياء، لأن الناس مختلفو المدارك والأفهام وعقولهم قاصرة ومعرّضة للخطا مهما بلغت علما ونضحا وخبرة، (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قليلاً) [سورة الإسراء: 85] الله ولا تجوز مقارنة إدراك عقل الإنسان القاصر، بعلم الذي
بكل شيء علمًا.
أحاط
وبهذا سلّم الماتريدية للمعتزلة في المقدمات دون النتائج. رأي الوارجلاني: يرى الوارجلاني أن العقل حجة الله على عباده كما أن الشرع حجة (). وأن العقل بمقدوره التمييز بين الحسن والقبح في كثير من الأفعال، ولكن هذا لا يفضي بنا إلى الاعتداد برأي العقل مع ورود
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 56 - 57. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 56 - 57.
(3) - ابن عبد الشكور فواتح الرحموت على مسلّم الثبوت، ط 1، المطبعة الأميرية،
1322 هـ، ج 1، ص 25، (مطبوع بهامش المستصفى) (4) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 7.
(5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 33؛ الشماخي، شرح مختص
ورقة 21 و.
صر العدل،
-242 - (1/248)
صفحة 249
الشرع فإن ورد حكم الشرع على فعل بالأمر أو النهي، من الحسن والقبح تبعا لحكم الشرع.
الحقنا به وصفه
فإن توافق حكم العقل والشرع فيها ونعمت، وإلا ألغينا ما رآه
العقل وحكمنا عليه بالعجز والقصور.
فالحسن و القبح يُعلمان من جهة الشرع لا من جهة المصلحة، كما أن حكم الشرع من أمر الله ونهيه قد يكون وفق المصلحة، وقد يكون ابتلاء واختبارا للعباد ().
ويطابق رأي الوارجلاني هذا قول الماتريدية، وهو أيضا قول
الإباضية. وقد أوضحه الشماخي مميزا بينه وبين اتجاه المعتزلة، فيقول: «إن التحسين عند أهل الفكر [المعتزلة] للعقل مطلقا، مع الشرع أو مع عدمه؛ كما تقدم، إلا فيما لا إلى العقل، وعند أصحابنا [الإباضية] أن يرجع العقل يحسن ويقبح عند عدم الشرع، فإن ورد الشرع بخلافه ترك ورجع التحسين والتقبيح للشرع، فالحاكم في الحقيقة هو الشرع» (2). وأكد البرادي هذه النتيجة إذ بين أن للعقل حظا في التحسين والتقبيح عند عدم ورود الشرع، فإذا جاء الشرع لم يكن للعقل نصيب في ذلك، فإيلام الحيوان وذبحه وأكله قبيح عقلا، ولكن ما دام الشرع قد أجازه وحسنه فلا حظ للعقل حينئذ (3).
وخلص البرادي في رسالة الحقائق إلى أن «حقيقة الحسن على أصولنا ما حسنه الشرع، وحقيقة القبح ما قبحه الشرع، ولا التفات إلى
العقل في شيء من ذلك» (1).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 93.
-
(2) - الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 21 و. البرادي البحث الصادق ج 1، ورقات 58 و 60 و.
-
(3)
(4)
البرادي، رسالة الحقائق، مخطوط مصور. ر بمكتبة محمد الحاج سعيد، غرداية، ص 9
-243 - (1/249)
صفحة 250
وقد جاء رأي الوارجلاني ممثلا لموقف الإباضية.
المطلب الثاني: نتائج الخلاف في التحسين والتقبيح
إذا ما اتجهنا إلى الناحية العملية لتجسيد قضية التحسين والتقبيح على أرض الواقع الاجتهادي، لوجدنا مجالها ضيقا جدا، فالشرع الحنيف قد أكمل تنزيله في حجة الوداع، وانقطع الوحي بوفاة رسول الله، وبلغت رسالة الإسلام معظم أرجاء المعمورة و لم يبق كبير محال لافتراض خلو أرض من رسالة الإسلام وبخاصة في عصرنا الحاضر التطور المذهل في وسائل الإعلام والاتصال.
وبرغم هذا فإنه لا يمكن الإغضاء عن مسائل فرعية ناتجة عن قضية التحسين والتقبيح في الميدان العملي، وقد بحثها الأصوليون باستفاضة،
ومن
هذه المسائل:
حكم الأشياء قبل ورود الشرع.
حكم من لم تبلغه رسالة سماوية، أو لم تبلغه رسالة الإسلام.
شكر المنعم، هل هو واجب عقلا أم شرعا؟
الثواب والعقاب الأخرويين، هل يثبتان عقلا أم شرعا؟
أ حكم الأشياء قبل ورود الشرع:
تتفرع هذه المسألة عن قضية التحسين والتقبيح، وهي مسألة نظرية بحتة، لأن مجالها قد حُسم بورود شريعة الإسلام، وكان الأفيد عدم الخوض فيها، إذ لا يترتب عنها إلا رياضة الذهن وتمرينه على الجدل. ودونما إسهاب في عرض الآراء، فإننا نوجزها في ثلاثة:
- القائلون بالمنع - القائلون بالإباحة – الواقفون. فأكثر المعتزلة على القول بأن الأشياء قبل ورود الشرع على
-
-2440 (1/250)
صفحة 251
الحظر، ولا يجوز التصرف في ملك الله بغير إذن منه ونص صريح يبيح ذلكن لأن العقل يقضي بمنع التصرف في ملك الغير بدون إذنه، وبالتالي
فهو تصرف ممنوع ومحظور، بناء على نظرية التحسين والتقبيح عندهم (1). وإلى هذا الرأي ذلك بعض الإباضية ().
-
وذهب معتزلة بغداد وبعض الحنفية والشافعية والإباضية (3).
وسخر
ومعهم الوارجلاني). إلى أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع هو الإباحة، لأن الله سخر ما في السماوات وما في الأرض جميعا للإنسان: لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ} [سورة الجاثية:13]. والملاحظ أن هذه حجة نقلية لا يقوم الاحتجاج بها في هذا المقام
إذ الحديث عن الحكم قبل ورود الشرع لا بعده. وأما الحجة العقلية فهى أن الله خلق الخلق محتاجين إلى ما تقوم به حياتهم من هواء وأكل وماء، وسكن في الأرض، وما كان الله ليخلقهم ويُحوجهم، ثم يحرجهم في تناول ما به قوامهم. ولذلك كان حكم الأشياء قبل ورود الشرع هو الإباحة. كما أن الله لا يتضرر بتصرف الخلق وانتفاعهم بما أودع في كونه من منافع). فلا يجوز قياس تصرفهم بما خلق الله على تصرف الناس بملك الآخرين، كما ذهبت إلى ذلك المعتزلة؛ لأنه قياس مع الفارق. - ورأى الأشعري والصيرفي أن حكم الأشياء قبل ورود الشرع
(1)
(2)
-
-
الغزالي المستصفى، ج 1، ص 63؛ الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 235.
الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 20 و.
(3) - الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 20 و. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 88. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 89.
-245 - (1/251)
صفحة 252
على الوقوف (1).
وقد ذكر الغزالي آراء المذاهب واحتج لها، وخلص إلى تأييد رأي
الأشاعرة، وأما المذاهب الأخرى فإنها عنده "كلها باطلة" (2). وسبب اختيار الأشاعرة ومعهم الغزالي الوقوف أننا لا نعرف وصف الفعل أحسَنُ هو أم قبيح ما لم يأتنا شرع بذلك، فعلينا بالوقف حتى يردّ الشرع. ويحدد الغزالي معنى الوقوف بدقة موضحا أنه إن كان المراد به أن الحكم موقوف على ورود السمع، وأنه لا حكم لهذه الأشياء في الحال، فصحيح، وإن أريد به أن نتوقف فلا ندري أمحظورة هذه الأشياء أم مباحة، أي أننا شككنا في أي الحكمين ينسب إليها؛ فهذا خطأ، لأننا لا نعلم حكما بالإباحة أو الحظر حتى يرد الشرع (3).
هذا عن حكم الأشياء قبل ورود الشرع، أما المسائل الثلاث
الباقيات، فنوجزها معا في البند الآتي.
ب= ما حكم من لم تبلغه رسالة الإسلام؟ وهل شكر المنعم واجب عقلا؟
وهل يثبت الجزاء الأخروي عقلا أم شرعا؟
لقد تحددت آراء الأصوليين ومواقفهم تجاه هذه القضايا تبعا لوجهة
نظر كل فريق في التحسين والتقبيح.
فالمعتزلة قالوا: إن العقل يستقل بمعرفة حكم الأشياء والأفعال قبل
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 89. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 63.
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 63.
- YET- (1/252)
صفحة 253
ذلك
ورود الشرع تبعا لإدراكه الحسن و القبح فيها، فيقضي بوجوب فعل ما يراه حسنًا، واجتناب ما يراه قبيحا، وبنوا على ذلك أن الإنسان مكلف قبل البعثة وورود الشرائع بالاهتداء بما يقضي به العقل في حكمه على الأفعال، ومن وجوب معرفة الله وشكره، والتقرب إليه بأنواع القربات، والعمل بما يدرك العقل أنه طاعة وشكر للخالق، وصاحب الفضل والمنن على الإنسان لأن شكر المنعم واجب عقلا. وأن فعل الحسن يستوجب الثناء في الدنيا والثواب في الآخرة، وفعل القبيح يستلزم الذم في الدنيا والعقاب في الآخرة. لأن ما يقضي به العقل من تكليف ومسؤولية يستتبعه الحساب يوم القيامة، ثوابا أو عقابا (). - والأشاعرة ذهبوا إلى نقيض آراء المعتزلة، ومذهبهم أن لا حكم للعقل قبل ورود الشرع، فنتج عن ذلك أن من لم تبلغه رسالة سماوية؛ إن كان معزولا في جزيرة بحرية، أو جبل شاهق لا يلزمه التكليف، فلا يجب عليه إيمان ولا إحسان ولا يحرم عليه كفر ولا عصيان، كما لا يطالب بشكر المنعم المنان، لأن الله لم يقم عليه الحجة بالرسالة، وهو القائل: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً) [سورة الإسراء: 15]. وتبعا لذلك فإنه لا يُسأل يوم القيام عن أفعاله خيرا كانت أم
شر ا (2).
وقد انتصر الغزالي لاتجاه الأشاعرة، وردّ على المعتزلة قولهم بوجوب شكر المنعم عقلاً، إذ لا معنى للوجوب إلا ما أوجبه الله تعالى وأمر به،
(1)
علي حسب الله، أصول التشريع الإسلامي، صحفات 331 - 332؛ عبد الكريم زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص 59؛ محمد الزحيلي أصول الفقه، صحفات 368 - 369. علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ص 333؛ محمد الزحيلي، أصول الفقه،
-
(2)
صحفات 366 - 367.
- YEY - (1/253)
صفحة 254
وتوعد بالعقاب على تركه، فإذا لم يرد خطاب فأي معنى للوجوب» (1). ثم ناقش المعتزلة في استدلالهم العقلي بأن في إيجاب شكر المنعم فائدة للعبد واتباعا للأحوط، فردّ عليهم بأن الله لا تنفعه الطاعة ولا تضره المعصية، وأن العبد يكلف نفسه عنتا بالتزام الطاعة والشكر الله دون موجب، والحال أن الشكر والكفر عند الله سيان (2).
من
- أما الماتريدية والإباضية). ومعهم الوارجلاني فقد سلّموا للمعتزلة في مقدماتهم وخالفوهم في النتائج، إذ لم يُلزموا أهل الفترة ممن لم تبلغهم رسالة، ومن: أن في جزر البحر النائية أن يتكلفوا بعقولهم معرفة الواجب الطاعات فيأتوها ومعرفة المحرم من المعاصي فيجتنبوها، وليس عليهم من شكر المنعم شيء، لأن شكره واجب شرعا لا عقلا. وإن ألحقنا صفات المدح والذم بما يأتيه هؤلاء من أفعال تراها عقولنا حسنة أو قبيحة، فلا يلزم من ذلك أن يلحقهم الثواب والعقاب عليها يوم الدين. ويبدو الاتفاق إلى هنا واضحا بين هذا الفريق مع الأشاعرة في النتائج، كما اتفقوا مع المعتزلة في المقدمات، أي أن الحسن والقبح، عقليان والثواب والعقاب شرعيان ولكنهم انفردوا بعد ذلك بنتيجة وهي وجوب معرفة الخالق على من لم تبلغه الدعوة، وذلك بمجرد
مخالفة
فطرته وعقله.
القيامة
وقد قرر الوارجلاني أن العقل حجة الله على خلقه، كما أن الشرع كذلك). ولهذا فإن أهل الفترة وأهل الجزر النائية سيحاسبون يوم على أصل الإيمان الذي تهدي إليه جميع العقول، فمن آمن بالله أثيب، ومن
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 61. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 61 - 62. (3) - الشماخي شرح مختصر العدل، ورقة 20 و. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 33.
- YEA - (1/254)
صفحة 255
کفر به عوقب.
وروي عن الإمام أبي حنيفة قوله: لا عذر لأحد في الجهل بخالقه، لما يرى من دلائل وحدانيته» (1).
وذكر الوارجلاني أن من وقع في جزيرة من البحر مولودًا أو فطيما، وكان عقله سليما فعليه التكليف بالإيمان ولا يعذر أحد في جهالة التوحيد حالة واحدة إن صح عقله. وأما من كان على شريعة نبيء من الأنبياء فإنه يسعه شرعه حتى يسمع [رسالة الإسلام] كما قال الله عز وجل: وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا ر يَتَّقُون} [سورة التوبة: 115] (2). ولئن رجّحنا هذا الرأي على ما سواه، فإننا نؤكد في النهاية أنه إن كان لهذه المسائل مجال محدود للتطبيق على ضيقه، فإن مسألة حكم الأشياء قبل ورود الشرع بالخصوص لا جدوى من البحث فيها عمليا، بعد أن حسمت برسالة الإسلام وكمال الدين، ولم يبق بعد انقطاع الوحي إلا الاجتهاد لتزيل الحوادث المستجدة على حكم الشرع، ممن توافرت لديه أهلية النظر وشروط الاجتهاد.
(1) - محمد الزحيلي أصول الفقه، ص 372. الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 20 و. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 90.
-249 - (1/255)
صفحة 256
المبحث الثاني المحكوم به
تمهيد تعريف المحكوم به وأقسامه.
المحكوم به هو تلك الأوصاف التي يطلقها الشارع على أفعال المكلفين، وتعرف بالأحكام الشرعية.
ومعرفة الحكم الشرعي هي الغاية من علم الفقه وأصوله، ولذلك كانت هذه الأحكام المحور الأساسي بين أركان الحكم الأربعة، وعليها مدار مباحث الأصوليين والفقهاء.
وقد ذكرنا في تعريف الحكم الشرعي أنه ينقسم إلى طلب الفعل أو الكف أو التخيير بينهما، ولذلك سمي تكليفيا لأن فيه كلفة على الإنسان، ولو على سبيل التسامح والتغليب ما في المباح الذي يستوي فيه
الفعل والترك). أما الحكم الوضعي فهو ما يقتضي جعل الشيء سببا لآخر أو شرطا له أو مانعا منه، وهي أمور وضعها الشارع، وليس للمكلف إرادة في تحديدها أو التعديل منها حذفا أو إضافة فبلوغ الصبي سبب لوجوب الصلاة، والوضوء شرط لصحتها، والقتل مانع من الميراث، ولا دخل للإنسان في تعيين هذه الأسباب والشروط والموانع، وإن كان له مجال لإحداث بعضها أو عدم إحداثها إذ بإمكانها أن يتوضأ لتصح صلاته، ولكنه إن امتنع بطلت صلاته وإن قتل مورثه حرم من ميراثه، فإن امتنع من قتله كان له نصيب فيما ترك. وإن ارتكب جريمة السرقة قطعت يده، فإن عفّ عن أموال الناس سلمت يداه.
-
(1)
هذا، بينما تدخل الأحكام التكليفية كلها في إطار قدرة المكلف
زيدان الوجيز في أصول الفقه، صحفات 20 - 21.
- Yo. (1/256)
صفحة 257
وترتبط باستطاعته، لأن المراد منها امتثال المكلف ما كلّف به، والشارع لا يكلّف بالمحال منة منه ورحمة بالعباد.
وسنتناول بعض مسائل الحكم التكليفي دون الوضعي، التزاما بما وقفنا عليه من آراء الوارجلاني، إذ عُني بالقسم التكليفي بصورة خاصة. وكان اختيارنا المسائل توضح جانبا من نظرة أبي يعقوب إلى الحكم
الشرعي بصفة عامة، وتتوزع هذه المسائل المطالب الآتية: المطلب الأول: تعريف الأحكام الخمسة.
-
-
-
المطلب الثاني: بعض أقسام الواجب.
المطلب الثالث: هل المباح حكم شرعي أم عقلي؟.
المطلب الأول: تعريف الأحكام الخمسة
تعريف الجمهور:
عرف جمهور الأصوليين أقسام الحكم التكليفي الخمسة بما يلي: الواجب: هو الفعل الذي طلبه الشارع من المكلف طلبا جازما. كالصلاة والزكاة والصوم والحج إلى بيت الله الحرام.
المندوب: هو الفعل الذي طلب الشارع من المكلف طلبا غير جازم، كالكتابة عند المداينة، إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى فَاكْتُبُوهُ} [سورة
البقرة: 282]. المحرم: هو الفعل الذي طلب الشارع من المكلف الكف عنه طلبًا جازما كقتل النفس والزنا والسرقة. المكروه: هو الفعل الذي طلب الشارع من المكلف الكف عنه طلبًا غير جازم کالنهي عن الشرب قائما.
المباح: هو الفعل الذي خيّر الشارع المكلف بين إتياته وعدم الإتيان، كحلّية طعام الذين أوتوا الكتاب: وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ
-251 - (1/257)
صفحة 258
لكُمْ) [سورة المائدة: 0] (1).
والملاحظ أن الحنفية زادوا حكمين، آخرين، وذلك أنهم فرقوا بين الفرض والواجب، كما جعلوا المكروه نوعين: كراهة تحريمية، وكراهة
تنزيهية.
فالفرض عندهم ما ثبت بدليل قطعي كفرض الصلوات الخمس.
والواجب ما ثبت بدليل ظني كصلاة التواتر. أما الفرق بين التحريم والكراهة التحريمية والكراهية التنزيهية عندهم فهو:
أن التحريم ما ثبت طلب الكف عنه بدليل قطعي على جهة الجزم والحتم، والكراهة التحريمية ما ثبت طلب الكف عنه بدليل ظني، والكراهة التنزيهية ما ثبت طلب الكف عنه طلبا غير جازم.
ولا يختلف الحنفية مع الجمهور في المندوب والمباح.
وبهذا تكون أقسام الحكم عندهم سبعة مرتبة هكذا: الفرض، الواجب الندب التحريم الكراهة التحريمية، الكراهة التنزيهية،
الإباحة (2).
تعريف الوارجلاني:
تعرض الوارجلاني في مباحث الحكم للقسم التكليفي، وأورد
الأحكام الخمسة، كما
هي
عند جمهور الأصوليين، مشيرا إلى منهج
الحنفية الذين ميزوا بين الفرض والواجب.
وسلك أبو يعقوب في تعاريفه سبيل التقسيم وتحديد الأوصاف
(1) - ينظر: د. أحمد الحصري، نظرية الحكم، ومصادر التشريع في أصول الفقه، ط 1، دار
الكتاب العربي، بيروت، 1406 هـ / 1986 م، ص 41.
(2) - الحصري، نظرية الحكم، صحفات 39 - 40.
-252 - (1/258)
صفحة 259
المميزة لهذه الأقسام، وهو ما سارت عليه أغلب كتب الأصول، فجعل الوارجلاني أقسام الأفعال في الشرع خمسة واجب ومندوب، ومباح، و محظور، ومكروه. وزاد بعضهم الصحيح والفاسد. فالواجب هو الفرض، وهو اللازم، وهو الحتم، وهو المكتوب. وحده ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب.
وذهب آخرون إلى أن الواجب منزلة بين الفرض والمندوب. في
مقابلة المكروه. واستعملوه لأوكد السنن.
وحد المحظور ما في تركه ثواب وفي فعله عقاب (1).
وحد المندوب ما كان في اكتسابه ثواب وليس في تركه عقاب. وحد المباح ما ليس في فعله ثواب وليس في تركه عقاب. وحد المكروه ما في تركه ثواب، وليس في فعله عقاب. وأما صحيح وفاسد فمن مواضعات الفقهاء فيه بإنفاذه قالوا: صحيح، كالصلاة في الدار المغصوبة، وما أمروا فيه
بإعادته قالوا فاسد كالصلاة للحاقن» (2).
ج= تعريف الغزالي:
بينهم
البين، فما أمروا
أما الغزالي فقد اختار في تعاريفه تعبيرا يتفادى به الاعتراضات
الكلامية،
- (1)
-
فما استوى الإقدام والإحجام فيه سماه مباحًا.
وما ترجح فعله ولم يُشعر بالعقاب على تركه كان مندوبا،
وما أشعر بالعقاب سُمّي واجبا.
حد المحظور ساقط من النسخة المحققة، ولكن المحقق زاده من كتاب طلعة الشمس للسالمي، ج 2، ص 224. بينما وجدت هذا التعريف في الطبعة العمانية لكتاب العدل
والإنصاف، فهو سقط من بعض النسخ فقط، وليس من أصل الكتاب.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 38 - 39.
-253 - (1/259)
صفحة 260
وما ترجح تركه ولم يُشعر بالعقاب على فعله سُمّي مكروها،
وما أشعر سُمّي حراما، ومحظورا، ومعصية (1).
ويحدد أبو حامد معنى الإشعار الوارد في تعاريفه المذكورة أنه «ما
عرف بدلالة من خطاب أو قرينة أو معنى مستنبط، أو فعل أو صريح
إشارة» (2). والمراد بالعقاب ما أخبر أنه سبب للعقوبة في الآخرة.
وليس تحقق العقوبة ضروريا بحصول سببها، إذ قد يعترضها مانع من مغفرة أ وشفاعة (3). وليست الأسباب منتجة لمسبباتها في كل الأحوال، فربّ دواء لم
يعقبه شفاء، ورب ضرب لم يُعقب ألما.
وإذا عدنا إلى تعريف الواجب وقلنا إنه ما يعاقب تاركه، أو ما توعد بالعقاب على تركه لوجب تحقيق الوعيد، فإن كلام الله صدق، ولكن يُتصور أن يُعفى عن المخالف ولا يعاقب).
وهذا المنحى الذي اختاره الغزالي يعد نموذجًا لتداخل أو لمزج علم
الكلام بأصول الفقه.
وبتوضيح الغزالي هذا يتبين سبب اختياره للفظة "الإشعار"، في تعاريفه للأحكام الخمسة، بينما اختار الوارجلاني "ترتيب الثواب والعقاب على مجرد إتيان الفعل أو تركه وكأن هذه الأفعال سبب وحيد للجزاء الذي يعقبها، لأن الثواب والعقاب في تعاريف الوارجلاني واردان بصيغة تفيد تحقق الوقوع أو رجحانه على أقل تقدير.
(1)
الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 27 - 28. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 28. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 28. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 66.
-254 - (1/260)
صفحة 261
ونحن لا نملك أن نصدر هذه الأحكام بصورة جازمة على أمور أخروية بناء على نظر عقلي، لأنها تابعة لأدلة السمع. بناء على الاحتياط في تقرير هذا المصير جنح الغزالي إلى التعبير بلفظ
"أشعر".
ولئن كان الاحتياط هنا مطلوبا فإن ما نميل غليه أن التعبير بلفظ الثواب والعقاب وأن الواجب ما يثاب على فعله، والحرام ما يعاقب على فعله، تشهد له عديد من نصوص الكتاب والسنة، والقرآن طافح بنماذج لترتب الثواب على فعل الأوامر، وترتب العقاب على إتيان المناهي الشرعية، وقد ورد ذلك بمختلف الصيغ والأساليب، تارة بالخبر، وأخرى بالوصف ومرة بالوصف، وطورا بصريح الأمر والنهي.
ومن هذه النماذج، قوله تعالى: لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيراً) [سورة النساء: 123]. وقوله: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [سورة النساء: 124].
وهذا المثال وارد بصيغة من الشرطية وجوابها.
وقوله: (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهَا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً) إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالحاً) [سورة الفرقان: 68 - 70]
فما دامت النصوص الكثيرة تشهد على جواز ترتيب الثواب على فعل الأوامر، وترتيب العقاب على فعل النواهي، فلا داعي إلى هذا التحرز في العبارة والاحتياط بلا ضرورة.
ولهذا فإن تعريف الجمهور للإحكام الخمسة يربطها بالطلب الجازم للفعل أو الكفّ، وعدم الجزم في الطلب فهو ما يؤخذ من قواعد اللغة،
- YOO - (1/261)
صفحة 262
وأما كون طلب الفعل الجازم مما يمدح فاعله عاجلا ويثاب آجلا، ويذم تارکه عاجلا ويعاقب، آجلا، وكون طلب الكف الجازم مما يمدح تاركه عاجلا ويثاب، آجلا ويذم فاعله عاجلا ويعاقب أجلا؛ هذا مما تفيده القرآنية الوفيرة، وفي ما أوردناه منها دلالة على ذلك، وهو ما من علم أصول الذي يبين فيه وجوب اعتقاد أن الأمر والناهي
النصوص
«يؤخذ
الله
الذي يرجى ثوابه ويخشى عقابه» (1).
بالشرائع الإلهية هو، وعليه فإننا نرى أن اختيار الجمهور ومعهم الوارجلاني في تعريف الأحكام الخمسة أرجح وأقرب إلى شواهد اللغة وأسلوب القرآن. المطلب الثاني: بعض أقسام الواجب
ينقسم الواجب إلى أربعة، تقسيمات باعتبارات مختلفة، فباعتبار الوقت، ينقسم إلى واجب مؤقت وواجب، مطلق، والمؤقت ينقسم إلى مضيق وموسع وذي شبهين.
محدد.
وهما:
وباعتبار المقدار المطلوب ينقسم إلى واجب محدد وواجب غير
وباعتبار المكلف ينقسم إلى واجب عيني وواجب كفائي. وباعتبار الفعل المأمور به ينقسم إلى واجب معين وواجب مخير. وسوف نختار من هذه الأقسام اثنين لتوضيح رأي الوارجلاني فيها،
الواجب المضيق والواجب الموسع.
-
(1)
محمد بخيت المطيعي، سلّم الوصول لشرح نهاية السول، (مطبوع بهامش نهاية السول للأسنوي)، نشر دار عالم الكتب، بيروت،1982، تصويرا عن طبعة المطبعة السلفية ومكتبتها،
1345 هـ، ج 1، ص 9.
-256 - (1/262)
صفحة 263
الواجب المعين والواجب المخيّر.
أ= الواجب المضيق والواجب الموسع:
الواجب المضيق والواجب الموسع هما قسما الواجب المؤقت، ويعرف الواجب المؤقت بأنه ما طلب الشارع من المكلف فعله طلقا جازما في وقت معين كالصلاة وصوم رمضان والحج، فالوقت جزء من الواجب، ولا يلتزم المكلف بالواجب ولا يكلف به إلا بعد دخول الوقت، كما لا يصلح فعله بعد خروج الوقت المحدد له. فإن قدمه عن وقته فهو باطل، وإن أخره فلا عذر فهو آثم، وقد يكون ملغى، وأداء الواجب داخل الوقت أداء، وبعد الوقت قضاء).
ولكن هذا الوقت غير واحد بالنسبة لجميع الواجبات، فبعض الواجبات يستغرق أداؤها الوقت كله وهي من الواجب المضيق، فلا يتسع الوقع المؤقت لمثل ذلك الواجب ثانية، وذلك كصوم رمضان، فإنه يسع صوما ثانيا فيه.
لا
يسع
وبعض الواجبات يسعها وقتها، ويسع غيرها من جنسها،
مثله
كالصلوات، فإن وقتها واسع لها ولمثلها؛ فرضاً أو تطوعًا. وثمة قسم ثالث يسمّى الواجب ذا الشبهين، وهو الواجب الذي لا من جنسه في نفس الوقت، وهو الحج، فوقته أشهر معلومات، شوال وذو القعدة وجزء من ذي الحجة، أو كله على خلاف. ولكن أعمال الحج محددة في الأيام المعدودات من ذي الحجة، ولا تصح في غيرها، فكان فرض الحج ذا شبهين، من حيث سعة الوقت من
هي
(1) - محمد الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، ص 244.
- YOY - (1/263)
صفحة 264
جهة، وعدم إجزاء واجب مثله في الوقت نفسه من جهة أخرى). وواضح أن هذا يؤول إلى الواجب المضيق في النهاية.
ويبقى
أمامنا: نوعان واجب موسع، وواجب مضيق. وخلاف الأصوليين ينحصر في الواجب الموسع، بعد أن اتفقوا أن الوقت سبب لوجوب الواجب فيه أي أنه علامة عليه وشرط لصحته، كما اتفقوا أيضا على جواز فعل الواجب في أي ساعة شاء المكلف من الوقت على اصطحاب نية فعل الواجب، ليصح وقوعه واجبا لا نفلا أو
غيره.
ولكن الخلاف بينهم كان حول جزء الوقت الذي يكون سببا للوجوب، أي علامة على توجه خطاب الشارع الملزم للمكلف: فمذهب الجمهور) ومعهم الوارجلاني (2) والغزالي (1) أن الوقت الموسع كله سبب لوجوب من بدايته إلى نهايته، إذ إن سببية وجوبه ثبتت بقوله تعالى: أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) [سورة الإسراء:78]. وثبتت نهايتها بالسُّنَّة النبوية في الحديث المشهور بحديث جبريل في الصلاة). وفيه حدد جبريل للنبي أوقات الصلوات أوائلها وأواخرها، وبين أن المكلف في سعة من أمره بين أول الوقت وآخره.
وذهبت الحنفية إلى أن وقت وجوب الواجب الموسع هو آخر الوقت حيث لا يسع إلا إتيان الواجب مرة واحدة، لأنه لو أخر المكلف
(1) - محمد الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، ص 248.
-
(2)
محمد الخضري أصول الفقه ط 1، مطبعة الجمالية بمصر، 1329 هـ، ص 40.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 99.
(4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 69.
(5)
-
ينظر نص الحديث في: سنن النسائي، كتاب المواقيت حديث 501، طبعة دار المعرفة،
بيروت، 1411 هـ / 1991 م، ج 1، ص 271.
- YOU- (1/264)
صفحة 265
الواجب عن هذا القدر لأثم لوقوعه خارج الوقت المحدد شرعا. وإذا ما أتى بالفعل أول الوقت وقع نفلا، وأجزأه عن الواجب. وحجة الحنفية في ذلك أنه يجوز للمكلف ترك الفعل أول الوقت، ولا عقاب عليه. وذلك حدّ الندب، بينما يعدّ ترك الواجب معصية يلحقه بها الذم والعقاب، وهو لا ينطبق على ترك الصلاة أول الوقت، إذ يجوز تأخيرها بلا إثم ولا حرج إلى آخر جزء من الوقت يسعها كاملة. ولذلك كان الحكم بوجوبها أول الوقت مناقضا لتعريف الواجب في
الاصطلاح الأصولي».
وقد ردّ الوارجلاني والغزالي ما ذهب إليه الحنفية، وحكم الغزالي
على قولهم: "التوسع يناقض الوجوب" بأنه باطل عقلا وشرعا). واستشهد الغزالي لذلك بنماذج واقعية؛ كقول السيد لعبده خط هذا الثوب في بياض النهار أوله أو وسطه أو آخره، فهذا أمر معقول مستساغ، ولا نقول إنه لم يوجب شيئا، ولا إنه ألزمه واجبا مضيقا، بل أوجب موسّعا وقد انعقد الإجماع على إجزاء الصلاة أول الوقت، ومهما أخرها
المصلّي كان ممتثلا إلى آخر الوقت. والعقل يقضي بوجود ثلاثة أفعال: فعل لا عقاب على تركه مطلقا، وهو الندب وفعل يعاقب على تركه مطلقا، وهو الواجب، وفعل يعاقب على تركه بالإضافة إلى مجموع الوقت وهو الواجب الموسع. أما دعوى الحنفية أنه ندب أول الوقت واجب في آخره، فغير
(1) - عبد الله بن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر، ط 1، دار الكتب العلمية،
بيروت، لبنان، 1401 هـ / 1981 م، ص 18.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 68.
-259 - (1/265)
صفحة 266
مسلم به، لأن الندب ما جاز تركه أصلا، بينما الصلاة أول الوقت واجبة، ولا يتركها المكلف إلا وهو عاقد العزم على فعلها بعد حين، قبل
انقضاء وقتها.
فالعزم على الفعل شرط لترك الفعل، وإلا كان عازما على الترك، فيأثم بنيته، لأن العزم على ترك الواجب حرام، وما لا خلاص من الحرام إلا به فهو واجب وأما من نام أو نسي الصلاة فلا لوم ولا إثم على الناسي والنائم). ويوجز الوارجلاني القضية بأن الواجب الموسع يجزئ فعله في كل أجزاء الوقت وكلها وقت وجوب ووقت أداء، وآخر الوقت تأقيت للأداء وتمييز عن القضاء. وليس في هذه المسألة إلا المغالطات، والمعنى واحد، وإنما الاختلاف في الألفاظ» (2).
ب الواجب المعين والواجب المخيّر
ينقسم الواجب باعتبار نوع الفعل المأمور به إلى قسمين: واجب
معين وواجب مخير.
الواجب المعين: ما طلب الشارع فعله بعينه، كالصلاة والصيام والحج، فيجب أداؤها بعينها، ولا تبرأ ذمة المكلف إلا بأداء عين الصلاة المطلوبة والحج المفروض، إلخ ..
الواجب المخيّر: ما طلب الشارع فعله بالتخيير بين عدة أعيان، وذلك كخصال كفارة اليمين في قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ
-
(1)
-
(2)
الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 69 - 70. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 99 - 100.
-260 (1/266)
صفحة 267
يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} [سورة المائدة: 89]. وقد أوجبت الآية عدة أعيان في واجب الكفارة)، فما المقصود
منها بالذات، أهو واحد بعينه، أم هي بالتخيير؟
من
اختلف الجمهور والمعتزلة حول الواجب في هذه الأعيان.
فالوار جلاني والغزالي وقفا في صف الجمهور القائلين بأن الواجب هذه الأعيان واحد غير محدد، وأن المكلف حرّ في اختيار أيها يشاء، ما دام خطاب الشارع الذي ألزمه وجوب الكفارة هو الذي حدد له أعيان الكفارة، وهو الذي منحه الاختيار بين هذه الأعيان الثلاثة، ولا يناقض هذا بدائة العقول ولا معاني الوجوب (2).
وأنكر المعتزلة الواجب المخيّر، لأن التخيير يناقض الوجوب. وردّ عليهم الغزالي بإيراده الأمثلة العقلية والواقعية والشرعية على جواز التكليف بالواجب المخير.
ومن الأمثلة الشرعية وجوب تزويج المرأة من أحدا الكفأين الخاطبين، وتقليد الإمامة لأحد الصالحين لها، فلا يجوز تزويج المرأة للخاطبين معا، ولا ردّهما معًا، لورود النصوص الناهية عن ذلك، وكذلك الأمر بالنسبة للإمامة (3). وقد احتج المعتزلة أيضا بأن الله يعلم ما سيأتيه المكلف الواجبات، فيكون الواجب منها معينا لا مخيّرا.
هذه
من
وردّ عليهم الغزالي بأنه احتجاج غير مستقيم، لأن الكلام هنا عن علم العباد لا عن علم الله الذي أحاط بكل شيء علما.
-
(1)
محمد الزحيلي أصول الفقه الإسلامي، صحفات 258 - 259. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 67؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 98.
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 67.
-261 - (1/267)
صفحة 268
والواقع أن الكل متفقون على وجوب أداء أحد أعيان الواجبات التي وقع التخيير بينها، وأنه بهذا الأداء يرتفع الإثم والعقاب، كما أن المكلف يلحقه الإثم والعقاب إذا تركها جميعا (1).
والخلاف بعد ذلك في شيء لا يترتب عليه عمل (2).
المطلب الثالث: هل المباح حكم شرعي أم عقلي؟
يتفق الوارجلاني). والغزالي) على اعتبار الإباحة حكما شرعيا،
وهو رأي الجمهور أيضا (ه).
والحجة لذلك أن الله هو الذي رفع الحرج عن المكلفين في أن يفعلوا
المباحات أو يتركوها.
وحقيقة الإباحة الإذن الوارد من الله إلى عباده بالتخيير في الفعل
والترك، وذلك قلنا إن المباح من الشرع). أما المعتزلة فقد ذهبوا إلى أن المباح ثابت قبل ورود السمع، ثم جاء الشرع فأكد هذا الحكم السابق الثابت بالعقل. وردّ عليهم الغزالي بأن الأصح أن يقال: «قد دلّ السمع على أن ما لم يرد فيه طلب فعل ولا طلب ترك، فالمكلف فيه مخير، وهذا دليل على العموم فيما لا يتناهى من الأفعال، فلا يبقى فعل إلا مدلولا عليه من جهة
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 99. (2) - الحصري، نظرية الحكم، ص 91.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 38. الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 75.
(4)
(5) - أبو إسحاق الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق عبد الله دراز، المكتبة
التجارية الكبرى بمصر، د. ت. ج 1، ص 109.
(6) - البرادي رسالة الحقائق، مخطوط، ص 14.
-262 - (1/268)
صفحة 269
الشرع، فتكون إباحته من الشرع» (1).
ويقول الوارجلاني: «إن المباح خارج من الحسن والقبح، كما أنه خارج من حد الطاعة والمعصية» (2). لأن الشارع منح فيه الضوء الأخضر للعباد أن يفعلوه أو يتركوه وفق ما تقتضيه مصالحهم وأنظارهم. وخروج المباح عن حد الطاعة والمعصية عند الوارجلاني معتبر عند انعدام نية الفعل والقصد إليه، أما عند اصطحابها فالحكم حينئذ يكون تبعا لها، فرب نية حسنة رفعت المباح إلى المندوب المثاب عليه، ورب نية سيئة أحالت المباح مكروها أو حراما معاقبا عليه.
ونظرا لوجاهة رأي الجمهور الذي تبناه أبو حامد وأبو يعقوب، فإن ترجيحه يبدو أمرا منطقيا، فضلا عن كونه متفقا مع عموم الشريعة وشمولها لكل مناحي الحياة البشرية، بما يضفي صبغة الإسلام على كل ما يبتكره الفكر البشري من منجزات تفيد الناس أفرادا كانوا أم جماعات، في كل الميادين الاقتصادية والتربوية والاجتماعية والسياسية، فيتحقق قوله
تعالى: (قُلْ إِنْ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [سورة الأنعام: 162]. وقوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) [سورة
الذاريات:56].
فدخول جنس المباحات تحت أحكام الشرع يجعلها عبادة يثاب صاحبها بما معه من نية صالحة ويحقق وحدة التصور الإسلامي الشامل لكل مناحي الحياة، فتكون كلها مرتبطة بالله، إذ لا فصام في الإسلام بين
شؤون الدين وشؤون الحياة.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 75. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 63.
-263 - (1/269)
صفحة 270
المبحث الثالث
المحكوم فيه والمحكوم عليه
المطلب الأول: المحكوم فيه
المحكوم فيه في الحكم التكليفي هو فعل المكلف، وهو الذي يوصف بالوجوب أو الحرمة أو غيرهما، ويكون صحيحا أو فاسدا أو باطلا (1). والتكليف موجه أساسا إلى فعل المكلف.
وقد عرف البرادي حقيقة التكليف بأنها «إلزام الله العبد ما على العبد فيه، كلفة والكلفة في اللغة المشقة» (2). وقد وضع الأصوليون لفعل المكلف شروطا حتى يصح
وهي:
أولا: أن يكون هذا الفعل ممكنا.
ثانيا: أن يكون الفعل معلوما للمكلف متميزا.
التكليف به،
ثالثا: أن يكون الفعل معلوما للمكلّف أنه مكلف مأمور به شرعا، قصده إلى إيجاده وامتثال خطاب التكليف (3).
حتى يصح
وفي تفصيل هذه الشروط تبرز من جديد قضايا كلامية تعتبر وجها آخر لتمازج علم الكلام وأصول الفقه.
ومن
هذه المسائل:
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 85؛ علي
ص 351.
(2) - البرادي رسالة الحقائق، ص 8.
-
حسب الله أصول التشريع الإسلامي،
(3) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 85 - 86؛ البرادي رسالة الحقائق، ص 8.
-264 - (1/270)
صفحة 271
-
هل يصح
التكليف بالمحال؟
وهل يصح
التكليف بلا جزاء؟
وهي يجوز التكليف الدائم بلا انقطاع؟
وقد أفاض أبو يعقوب في إيراد الافتراضات العقلية لهذه المسائل).
ورغبة في الاختصار رأينا الاقتصار على المسألة الأولى لتصدّرها على ما سواها من حيث الأهمية، وعنها تتفرع قضية تكليف الكفار بفروع
الشريعة.
أ= هل يصح التكليف بالمحال؟
يتضح من سرد الشروط العامة لفعل المكلف أن التكليف بالمحال غير وارد شرعا، لأن المقصود بالتكليف إيقاع الفعل، وإن كان إيقاعه مستحيلا، كان خطاب الشارع بلا معنى وعُدّ لغوا من الكلام، وهذا ما يتنزه عنه كلام الشارع الحكيم، وهو ما ينطبق على المستحيل عقلا، كطلب الجمع بين النقيضين وتحصيل الحاصل، وذلك ما لا يتصوّر عقلا، فكيف يوجد واقعا. أما المستحيل عادة، أي ما هو خارج عن قدرة العبد، فقد وقع فيه
الخلاف.
- فقد ذهب أكثر العلماء، ومنهم الوارجلاني (2) والغزالي (2) وقبلهما إمام الحرمين الجويني) إلى أن الله لا يكلف به أيضا. وحجتهم قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا) [سورة البقرة: 286]. كما علّمنا أن ندعوه قائلين: رَبَّنَا وَلا تحملنا ما لا طاقة لنا
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 77 - 79. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 38
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 86.
(4)
الشاطبي، الموافقات، ج 3، ص 27؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 8.
-265 (1/271)
صفحة 272
به [سورة البقرة: 286].
والمتفق عليه أن التكليف بالمحال لم يقع في شريعة الإسلام؛ منّة من الله وتفضلاً، ولذلك شرعت الرخص عند المشقات، والاستثناء عند الضرورات. - وذهب بعض الأشاعرة إلى جواز التكليف بالمستحيل عادة. ودليلهم أن الله كلّف قوما بالإيمان، وقد علم في الأزل أنهم لا يؤمنون، فحكم عليهم حكما أبديا بقوله: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [سورة البقرة: 1].
فقد أمرهم وكلفهم بالإيمان، رغم علمه أنهم يموتون كافرين). والجواب عن هذا الإشكال أن علم الله لا أثر له في وجود الفعل ولا، عدمه، إذ إنه لا يسلب قدرة العبد على الفعل، لأن ما يقع من الأفعال موافقا لعلم الله القديم لا يؤثر العلم في وجوده، وإنما يقع بكسب العبد وقدرة الله وخلقه.
ولا تلازم بين علم الأزلي، وبين قدرة الإنسان، التي منحها الله له،
على اكتساب الفعل (2). ويتفق الأشاعرة والإباضية هنا خلافاً للمعتزلة على أن الأفعال من
الله خلق، وإيجاد ومن العباد اكتساب واختيار (3). ونخلص إلى أن التكليف بالمحال عادة غير واقع، وإن لم يمنع وقوعه الافتراض العقلي. والفضل لله أن رحم العباد فطمأنهم بأن تكليفه ميسور،
(1) - لمزيد تفصيل رأي الأشعرية حول التكليف بالمحال ينظر: سيف الدين الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنا، 1403 هـ / 1983 م، ج 1،
صحفات 191 فما بعد.
--
(2)
093
محمد الخضري أصول الفقه، ص (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 137.
-266 - (1/272)
صفحة 273
وأنه لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إلا وُسْعَهَا} [سورة البقرة: 286]. ولا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْساً إلا ما آتاها} [سورة الطلاق: 7].
ب تكليف الكفار بفروع الشريعة
ترد هذه المسألة بعبارات متقاربة، منها: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؟ أم إن الخطاب لا يتوجه إليهم إلا بعد حصول شرط الإيمان الذي عليه مدار الأفعال الصالحات وهو مناط قبولها و الثواب عليها يوم
الجزاء.
- يتفق الوارجلاني (1) والغزالي (2) مع الجمهور (2) على ترجيح القول بأن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ما أنهم مخاطبون بأصل الإيمان، ولا استحالة في هذه القضية، إذ كلها أفعال في مقدورهم احتسابها بلا كبير
كلفة.
وقد أثبت الله تكليف الكفار بفروع الشريعة في قوله على لسان أهل الجنة مخاطبين أهل النار: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَفَرَ)) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ) (وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْحَائِضِينَ (وَكُنَّا
نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [سورة المدثر: 42 - 47].}
فتبين
أنهم محاسبون على أصل الإيمان، وعلى فروع الشريعة، ولو لم
يكونوا مخاطبين بها ما حوسبوا عليها). «أفيصح أن يعاقبهم الله بما لم يخاطبوا به؟ تعالى
الله
ذلك علوا عن
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 104.
(2)
-
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 91. (3) - الحصري، نظرية الحكم، ص 190. محمد الخضري أصول الفقه، ص 102.
- (4)
-
-267 - (1/273)
صفحة 274
كبيرا» ().
وقد نصت آية سورة الفرقان: وَالّذينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ) [سورة الفرقان:68]. على مضاعفة العذاب على من جمع بين الكفر والزنا والقتل.
- وقد نسب القول بعدم مخاطبة الكفار بفروع الشريعة إلى علماء الحنفية، من مشايخ سمرقند (2). وإلى أبي حامد الإسفراييني). ولكن الراجح ما اختاره الجمهور، ولذلك قرر العلماء أنه ليس من شروط التكليف حصول الشرط الشرعي، فالتكليف بالصلاة ليس متعلقا بحصول شرطها الشرعي وهو الوضوء، وغيره كالإسلام وستر العورة، بل إن الطلب متجه إلى المشروط وشروطه جميعا، مع تقديم الشروط لتحقق صحة المشروط).
ولو توقف التكليف على تحقق شروطه الشرعية لقلنا لغير المتوضئ: لست مكلفا بالصلاة ما لم تتوضأ، ولو عشر سنين. وهذا ما لا قائل به علماء الإسلام، وهو كما قال الغزالي "خلاف الإجماع " (.).
من
المطلب الثاني: المحكوم عليه
المحكوم عليه هو
المكلف، من حيث إنه موجه إليه خطاب الشارع،
و لم يفصل الوارجلاني الحديث عن وإنما تحدث عنه عرضا في سياق النظر في الأدلة وحكم النظر، وما يفضي
المكلف من بين أركان الحكم الأربعة،
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 105. محمد الخضري، أصول الفقه، ص 103؛ الحصري، نظرية الحكم، ص 188.
G
(2)
-
(3)
(4)
الشيرازي، التبصرة، ص 80.
محمد الخضري أصول الفقه، صحفات 101 - 102؛ الحصري، نظرية الحكم، ص 187.
(5) – الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 91.
-268 - (1/274)
صفحة 275
إليه من علم أو ظن. وذكر شروط النظر الصحيح، ومنها:
-
-
أن يكون الناظر عاقلا، بالغا مميزا.
أن يكون عارفا بطرق العلماء، ومواضعات أهل الشريعة. أن يكون عاريا عن التقليد).
وتنحصر شروط التكليف أساسا في العقل والبلوغ للتمكن من
الفعل عن علم وقدرة واختيار لأن فهم الخطاب وصحة القصد إلى
الامتثال لا يتمان إلا بهما).
عن
وهذا ما حدده الرسول في قوله: «رفع القلم عن ثلاث، النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو
يفيق» (3).
وعلى هذين الشرطين الأساسيين: العقل والبلوغ، مدار مباحث
الأصوليين والفقهاء، فيما عرف بالأهلية، أي أهلية فهم الخطاب وامتثاله. وأنواع الأهلية أهلية وجوب وأهلية أداء، ومراحلها: من من ناقصة إلى، كاملة وعوارضها من سماوية ومكتسبة.
وقد نالت هذه المباحث من عناية الأصوليين المتأخرين اهتماما أكثر ما عند المتقدمين). وهي أجدر بعلم الفقه منها بعلم الأصول.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 34.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 86.
(3)
(4)
-
-
سنن النسائي، كتاب الطلاق، باب 21 حديث 3432، ج 6 - 7، ص 0468 ينظر في هذا الشوكاني إرشاد الفحول، ص 10.؛ زيدان الوجيز في أصول الفقه، صحفات 77 فما بعد؛ محمد الزحيلي أصول الفقه، صحفات 393 فما بعد؛ الحصري، نظرية الحكم، صحفات 217 فما بعد.
-269 - (1/275)
صفحة 276
الفصل الثاني
أدلة الأحكام
-270
- (1/276)
صفحة 277
تمهيد: تعريف الدليل، ومنهج الوار جلاني في تقسيم الأدلة
يعرف علم أصول الفقه بأنه «معرفة أدلة الفقه إجمالا، وكيفية
الاستفادة منها وحال المستفيد» (1).
ويبين
هذا التعريف بأن دراسة أدلة التشريع تعد من صميم موضوعات علم الأصول، وأحد محاوره الأساسية. بل إن هذا العلم لم يأخذ اسمه إلا منها، إذ إن «أصول الفقه تعني أدلتهن فالأدلة الدالة على أحكام الشرائع هي أصوله، والعلم بها هو العلم بالأصول»). وقد مهد الوارجلاني بين يدي دراسة أدلة التشريع بتقسيم الأدلة عامة إلى عقلية ووضعية، وتعريف معنى الدليل، فعرفه بأنه «كل ما يتوصل به إلى معرفة الأمور النظرية»، وأن الدليل والحجة والبرهان والسلطان أسماء متعاورة على مسمى واحد (3). وهذا التعريف موافق لتعريف الدليل عند الآمدي. أنه «ما يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري» (1).
ولذلك وضع أبو يعقوب ضوابط النظر الصحيح للوصول إلى نتائج صحيحة، بل جعل كل ما أوصل إليه النظر الصحيح علما، فإذا اختل أحد شروط النظر كان مؤداه ظنا.
وضابط ذلك أن يكون الناظر في دليل صحيح لا في شبهة، ويكون عاريا من التقليد والاستحسان، كما يحتاج إلى معرفة طرق
(1) - القاضي عبد الله بن عمر البيضاوي، منهاج العقول، مطبوع مع شرحه نهاية السول للأسنوي) عالم الكتب بيروت، 1982 م، ج 1، صه.
(2) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 67 ظ.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 34. (4) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 11.
-271 -
- (1/277)
صفحة 278
العلماء ومواضعات أهل الشريعة وعامة ما اجتمعت عليه الأمة. فمهما
استقامت له هذه الأمور كان نظره علما وإن اختل شيء من الشروط كان ظنا» (1).
هذه
وينهج أبو يعقوب في تصنيف أدلة الأحكام نهجا مخالفا لما اختاره كثير من الأصوليين، من تقسيم الأدلة الشرعية إلى متفق عليها ومختلف
فيها.
فالوار جلاني يرى أن «الشرع المسموع الشرع المسموع ينقسم ثلاثة أقسام، أصل
ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل.
وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع، وينقسم معقول الأصل ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، وهو العبرة أو القياس.
الخطاب، ومعنى
وينقسم استصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل
الذمة، والاستحسان» (2).
وعلى هذا التقسيم سار أبو الوليد الباجي في كتابيه "الإشارات " (r)
و"المنهاج في ترتيب الحجاج).
بيد أن الغزالي عمد إلى تقسيم آخر لأدلة الأحكام ومباحث علم الأصول عموما، وهو وإن اختلف مع تصنيف الوارجلاني ظاهرا، فإنهما يتفقان في الجوهر.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 34. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18. (3) - أبو الوليد الباجي، كتاب الإشارات في الأصول المالكية، طبع بهامش حاشية الهدة على قرة العين على الورقات للجويني،،ط، ع، مطبعة التليلي تونس 1368 هـ، صحفات 5 - 6. (4) - أبو الوليد الباجي، كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج، الناشر: - G
1 P.Maisoneuve et Larose; Paris; 1978.
-
-272 - (1/278)
صفحة 279
والأدلة عند الغزالي ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع. وقد اصطلح على تسميتها بالمثمر، لأن الثمرة، وهي الأحكام تستخرج من هذه الأدلة.
أما طريق استخراج الأحكام من هذه الأدلة فهو الاستثمار، وقد جعله أبو حامد أربع طرق إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنظومها، أو بفحواها ومفهومها، أو باقتضائها وضرورتها، أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها، وهو القياس» (1).
فليست هذه الوجوه أدلة مستقلة، وإنما تستخرج من الأدلة الأصلية بالمنظوم أو المفهوم أو الاقتضاء أو المعقول، وهو ما عبر عنه الوارجلاني بمعقول الأصل، ليشمل هذه الأصناف إجمالا. ثم أضاف الغزالي أصلا رابعا سماه دليل العقل والاستصحاب للنفي الأصلي). وهو ما يتفق مع تقسيم الوارجلاني ما يتفق مع تقسيم الوارجلاني الذي جعله قسما ثالثا، وسماه استصحاب حال الأصل، وأدرج تحته: براءة الذمة وشغلها
والاستحسان (3).
وبهذه المقارنة يبدو الاختلاف بينهما ظاهريا، وأنهما في واقع الأمر متفقات في تقسيم الأدلة وتحديدها. ويؤكد ذلك ما أورده الوارجلاني في الدليل والبرهان أن طرق الحجة والبرهان أربعة: الكتاب والسنة والإجماع والعقل»).
والحقيقة أنه من غير المعقول أن يقع ثمة كبير اختلاف بين المجتهدين في أمهات علم الأصول، إذ هو القانون الضابط للاجتهاد، والمنهج الموصل
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 15.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 100. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18. (4) - الوار جلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 28.
-273 - (1/279)
صفحة 280
إلى حكم الله في أفعال المكلفين ومن طبيعة المنهج الثبات والاستقرار، والاتفاق على قضاياه الجوهرية حتى ينتج لنا علما، ويفضي بسالكه إلى الحقائق لا إلى الأوهام والظنون.
وعلم أصول الفقه ميزان الشريعة فإذا اختلت الموازين لم يبق للناس مرجع لمعرفة الحق من الباطل، والصواب من الخطا في أمور الدين.
-274 - (1/280)
صفحة 281
المبحث الأول دليل الكتاب
المطلب الأول: تعريف الكتاب
لا خلاف بين المسلمين أن القرآن الكريم هو المصدر الأول لجميع أحكام الإسلام عقيدة وعبادات ومعاملات وأخلاقا، وأنه المهيمن على الكتب السماوية السابقة، وهو ناسخ لها، والإيمان بأنه من عند الله مما يعلم من الدين بالضرورة.
وهو عند التحقيق المصدر الأصلي لجميع مصادر الأحكام الأخرى وأدلتها، علما بأن قول الرسول الله ليس بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى، فالحكم الله وحده، ولا طاعة لأحد غير الله إلا لمن أمر الله
بطاعته.
ومن هذه القاعدة تستمد السُّنَّة حجيتها لأن الله أمرنا في القرآن بطاعة الرسول، كما أن الإجماع يستمد قوته وحجيته من القرآن، وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية بل يدل على نفيها عند انتفاء دليل السمع، وتسميته أصلا من باب التجوز فحسب (1).
وقد درج
العلماء، مفسرين كانوا أم متكلمين أم أصوليين في بدء الحديث عن القرآن الكريم على التعريف به وإثبات حجيته، وتمييز المصحف المتواتر عن القراءات الشاذة، وحكم هذه القراءات، ما إلى ذلك من خصائص القرآن كالإعجاز، ووجوهه وكون القرآن متعبدا بتلاوته،
(1) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 100.
- YYO- (1/281)
صفحة 282
وغيرها من المسائل.
عند من
وعلى هذا السنن سار أبو يعقوب فذكر أن القرآن الكريم أنزله الله على قلب محمد الا الله فثبت بالمعجزات الخارقات للعادات، أنه الله تعالى، وأنه أنزل بمكة وأن الله أخبرنا في القرآن أنه محفوظ مصان، لا يأتيه الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [سورة فصلت:42]. وأن الأمة اجتمعت على ما في مصحف عثمان بن عفان، فمن ردّ منه شيئا كفر، وأنه الحق عند الله تعالى.
والمصحف في أيدي الأمة محفوظ مضبوط، بخلاف التوراة والإنجيل
اللذين يجوز عليهما التحريف، ويجري عليهما التبديل والتزييف» (1). وأورد الغزالي تعريفا للقرآن مشابها لما عند أبي يعقوب فقال: «وحدّ الكتاب ما نقل بين دفتي المصحف على الأحرف السبعة المشهورة، نقلا متواترا، ونعني بالكتاب القرآن المنزل»).
و لم يورد وصف الإعجاز في تعريفه للقرآن، وعلل ذلك بأن المعجزة دالة على صدق النبوة، لا على لزوم كون القرآن كتاب الله حتما، ولأن بعض الآية ليس بمعجز، ومع ذلك فقد عد من القرآن (3).
بينما ذكر أبو يعقوب أن القرآن ثبت بالمعجزات الخارقات للعادات
أنه من عن
الله تعالى).
فهل اعتبر الوارجلاني معجزة القرآن ضمن هذه المعجزات؟
يبدو
أنه لم يجعل من قضية إثبات القرآن دعوى ودليلا في آن واحد، لئلا يلزمه الدَّوْر في الاستدلال، وقرر أن ثبوت كون القرآن من
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 191 - 192.
(2) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 101.
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 101. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 191
-276 - (1/282)
صفحة 283
عند الله كان بمعجزات النبي الكثيرة، التي دلّلت على صدق نبوته، وأنه رسول مبلغ عن عز وجل،
الله
ومن جملة ما بلغه القرآن الكريم، والقرآن نفسه يشتمل على أنواع من الإعجاز تؤكد صدق رسالة النبي، وتؤكد بكل قطع ويقين أن القرآن ليس من نظم البشر، وقد ثبت تحديه للإنس والجن أن يأتوا بسورة مثله، ولو اجتمعوا له، فعجزوا عن ذلك، قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الأَنْسُ وَالْحِنُ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بمثلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظهيراً) [سورة الإسراء:88]. فألزمهم الحجة البالغة أنه الحجة البالغة أنه من عند الله. هذا ما يقتضيه منهج التدرج في الاستدلال، فبعد أن أثبت صحة رسالة محمد عرج على إثبات صحة كون القرآن كلام الله، ثم تليه مرحلة الاستنباط وتبيان معاني القرآن وأحكامه.
وبدائه العقول تقرر أنه محال ظهور الفرع قبل ثبوت الأصل، ومحال توجيه الكلام إلى من لا يعرف البرهان، وإلا كان الكلام معه لغوا، وذلك وجب البدء بتثبيت القرآن أولاً أنه حق من عند الله تعالى، ثم نشرع في إيضاح القرآن» (1). وتبيان وجوه دلالته على الأحكام.
المطلب الثاني: حقيقة الكتاب
لئن اتفق المسلمون على أن القرآن الكريم كلام الله العظيم، فقد تعددت بهم المسالك في فهم حقيقة هذا الكلام.
ومذهب الأشاعرة كما قرره الغزالي أن «كلام الله تعالى واحد،
وهو مع وحدته متضمن الجميع معاني الكلام كما أن علمه واحد، وهو
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص ص 2.
-277 -
- (1/283)
صفحة 284
وحدته محيط بما لا يتناهى من المعلومات حتى لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض» (1).
وهو المراد بالكلام النفسي، وينقسم إلى خبر واستخبار وأمر ونهي
وتنبيه (2).
أما الوارجلاني فلا يوافق الأشاعرة في هذه القضية، ويرى أن حد الله متكلّما، وكلام تعالى وقوله وخطابه
الكلام ما استحقه من سمي به
واحد.
أما الكلام النفسي فيرد على الأشاعرة بأنه ليس هو الكلام المسموع، ويورد لذلك شواهد من القرآن والسُّنَّة وكلام العرب، كقوله
تعالى: يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ} [سورة آل عمران: 167]. وقول رسول الله: «إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم
تتكلم» (3).
وينكر أبو يعقوب على الأشاعرة احتجاجهم بشعر الأخطل
النصراني:
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فهذا كلام نصراني لا يحتج به في العقائد ولو جاز هذا الاستدلال
لوافقنا قول شاعر آخر وإن الله ذاق حلوم قي
فلما رأى خفتها قلاها
وليس يجوز لمسلم أن يحتج في أمور دينه بهذه الأشعار (). وبعد هذا النقاش يخلص الوارجلاني إلى أن القرآن المتلو، بالألسن
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 101. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 100. حديث متفق عليه.؟؟؟؟؟
(3)
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص
- YYA- (1/284)
صفحة 285
المسموع بالآذان المكتوب في المصحف هو كلام محدث (1). أم الخوض في صفة كلام الله فمن مسائل علم الكلام لا الأصول ومحاولة إدراك حقيقة كلامه تعالى، أو تحديد معنى صفة كلامه أمر عسير، وقد أقر الغزالي بذلك قائلا: وفهم ذلك غامض، وتفهيمه على المتكلم لا الأصولي» (2).
والمتفق عليه بين المسلمين أن الكلام صفة صفات الله من وكمالاته، وهي صفة قديمة ولا شك بقدم ذاته تعالى، إذ لا يجوز أن يكون أن يكون الله غير متصف بها في أي وقت من الأوقات.
والمتفق عليه أيضا أن ورق المصحف ومداده وصوت القارئ
للقرآن كلها مخلوقة ولا ريب.
ومجال الخلاف منحصر في كلام الله الذي نقرؤه في القرآن أقديم
أم محدث؟
وقد سال في هذا الموضوع وبسببه مداد كثير، بل وسفكت دماء، وعذب أبرياء، وابتلي في ذلك علماء أجلاء. وكانت فتنة خلق القرآن التي اصطلى بنارها المسلمون في عهد المأمون، وكان الأجدر بالمسلمين أن يولوا عنايتهم لتدبر كلام معانيه وتجسيد أحكامه وهديه واقعا معيشا في حياتهم، فيحرزا فضل ما
الله
فيه من هداية وسعادة. ولكنهم حين تنكبوا عن المقصود الأساسي نالهم ما نالهم من ويلات وبلاء.
وفقه
منه
ونرى أن دور البحث العلمي اليوم الاجتهاد في توجيه مباحث علم الكلام والأصول وسائر فروع العلوم الإسلامية إلى وجهتها الصحيحة
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 44.
(2) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 101.
-279 - (1/285)
صفحة 286
التي تبني ولا تهدم، وتصلح واقع المسلمين ولا تزيد الطين بلة، وتخليص هذه العلوم من كثير من المباحث التي تعدّ ترفًا فكريا لا ينتج علما ولا يزيد إيمانا، حتى تنسجم هذه العلوم مع هدفها الذي وضعت له أول يوم، أن تكون في خدمة الكتاب والسنة وإصلاح حال الأمة، والأخذ
وهو
بيدها إلى سبيل الهداية والرشاد.
المطلب الثالث: هل القرآني كله عربي؟
من المسائل المثارة في معرض الحديث عن
،القرآن هل إنه كله عربي
أم يوجد فيه ما هو غير عربي؟
ومثار السؤال ما يتراءى من الاختلاف الظاهري بين آيات كثيرة، تؤكد كون القرآن الكريم عربيا مبينا وبين ورود ألفاظ أعجمية الأصل
في القرآن.
فمن تلك الآيات قوله تعالى: إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرآنا عربيا لعلكم تَعْقِلُونَ} [سورة يوسف: 2]. وقوله: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَميّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِي} [سورة فصلت: 44]. وقوله: وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِي
مبين [سورة النحل: 103].
ومن
الكلمات ذات الأصل الأعجمي: المشكاة، وهي هندية،
والاستبرق وهي فارسية.
وقد تكلف القاضي أبو بكر الباقلاني لإلحاق هذه الكلمات بالعربية و بيان أوزانها حتى قال كل كلمة في القرآن استعملها أهل لغة أخرى فيكون أصلها عربيا وإنما غيَّرَها غيرهم كما غيّر العبرانيون فقالوا: للإله لاهوت وللناس ناسوت وأنكر أن يكون في القرآن لفظ أعجمي، مستدلا بقوله تعالى: لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مبين) سورة النحل:103]. ولاتخذ العرب ذلك حجة وقالوا: نحن لا نعجز
-280 (1/286)
صفحة 287
عن مضارعة القرآن بالعربية، أما العجمية فنعجز عنها، ويسقط تحديه لهم، لعدم توفر لغته عندهم (1). ولكن الغزالي لا يوافق شيخه الباقلاني على هذا الرأي، وينقده
جميع
بأسلوب متأدب متزن قائلا: «وهذا غير مرضي عندنا، إذ اشتمال القرآن على كلمتين أو ثلاث أصلها، عجمي، وقد استعملتها العرب، ووقعت في ألسنتهم لا يخرج القرآن عن كونه عربيا، وعن إطلاق هذا الاسم عليه، ولا يتمهد للعرب، حجة، فإن الشعر الفارسي يسمى فارسيا وإن كانت فيه آحاد كلمات عربية إذا كانت تلك الكلمات متداولة في لسان الفرس، فلا حاجة إلى هذا التكلف» (2).
ويتفق الوارجلاني مع الغزالي على أن جميع ما في القرآن عربي،
ويورد شواهد القرآن على ذلك.
ولكنه يضيف إليها حديث القائلين بأن في القرآن ما هو غير عربي، وحجتهم قوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ} [سورة إبراهيم:4]. والرسول الله يقول: بعثت إلى الأحمر والأسود» ().
وفي
أمته العربي والعجمي والبربري والتركي، وسائر أهل اللغات،
فدل على أن في القرآن من كل لغات من أرسل إليهم محمد. ويرد أبو يعقوب على هذا القول ردًّا قاسيا معتبرا هذا الكلام دليلا على جهل صاحبه بحقيقة القرآن ومعاني لغة العرب، وبدائه العقول: فهذا خرق، ليته سكت ولم ينطق، وهل في القرآن ما يكفي أهل كل لغة ويفي لهم بجميع ما خوطبوا به؟ وفائدة اللغة أن يخصص صاحبها
—
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، ص 105. (2) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 106. (3) - أخرجه؟؟؟
-281 - (1/287)
صفحة 288
بمضمونها.
ويلزم صاحب هذا القول أن تكون أمته كلها قومه، فيكون
رسول الله روميا وعجميا كما أنه قرشي. والثانية أن محمدا لله تكلم بلغة كل من أرسل إليه. وإلا خرج أهل
كل لغة لم يتكلم بها أن يكونوا من أمته!
غاب عنهم المراد وفقدوا السداد، حين فارقوا الظاهر والباطن جميعا، وذلك أن كل نبيء إنما أرسل بلغة قومه إلى كل من أرسل إليهم» (1).
أما استدلالهم بكلمات من العجمية عربتها العرب فلا يقوم عند الاحتجاج، وحسبهم قولهم عربتها العرب وإنما رجعت عربية إذ عربتها العرب وانقطع العتاب ومن وراء ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآناً أَعْجَمِيّاً لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِي [سورة فصلت: 44] (2).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 53. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 53.
-282 - (1/288)
صفحة 289
المبحث الثاني
دليل السنة
المطلب الأول: تعريف السنة وحجيتها أ= تعريف السنة:
السُّنَّة في اللغة: يقصد بالسنة لغة ما يتخذه الإنسان لنفسه من طريقة
وسيرة في حياته، حميدة كانت أم ذميمة (1).
ومن هذا المعنى قوله: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده، من غير أن يُنقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها بعده، من غير أن يُنقص من أوزارهم شيء» (2). والملاحظ أن السُّنَّة في اللغة لا تعني الطريق الحسي، وإنما يراد بها
الطريقة المعنوية، التي ترادف المبدأ أو المنهج).
أما في الاصطلاح، فإن للسنة في الشريعة معنيين، فقهي وأصولي. ففي الاصطلاح الفقهي: تعني السُّنَّة كل حكم شرعي يترتب على فعله الثواب، ولا يستلزم تركه العقاب. ويرادفه المندوب في الأحكام
التكليفية.
وفي الاصطلاح الأصولي: تعني السنة كل ما أثر عن النبيء من
قول أو فعل أو تقرير.
(1)
-
-
(2)
-
ابن منظور، لسان العرب، إعداد يوسف خياط، ج 2، ص 222. سنن الترمذي، كتاب العلم باب،15 حديث 2657، ج 5، ص 43.
:
(3) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 29؛ محمد سعيد رمضان البوطي أصول الفقه مباحث الكتاب والسنة، مطبعة جامعة دمشق، 1406 - 1407 هـ / 1986 - 1987 م، ص 25.
-283 - (1/289)
صفحة 290
وقد جرى اصطلاح المحدثين بزيادة الوصف في مفهوم السنة لتشمل صفات النبيء الخلقية والخلقية. ولكن الاستعمال الغالب يقصر معنى السنة على القول أو الفعل أو
التقرير (1)، وهو التعريف الأكثر تداولا بين العلماء.
وعلى هذا فإن السُّنَّة في اصطلاح الأصوليين ما كان دليلا؛ قولاً أو فعلاً أو تقريرا، نسب إلى الرسول الله، مهما كان حكمه من الوجوب أو الندب أو الحرمة أو غير ذلك.
أما في اصطلاح الفقهاء فالسنة ما كان حكمه الندب فقط. فالاصطلاح الأصولي يتجه إلى دليل الحكم، بينما يتجه الاصطلاح الفقهي إلى عين الحكم.
هذا
وقد تطلق السنة عند علماء الشرع على ما يقابل البدعة، فيُعنى بها ما له أصل في الدين من سيرة الرسول أو الخلفاء الراشدين، وهي المعنى أقرب إلى المدلول اللغوي العام منها إلى الاصطلاح الشرعي
الخاص (2).
ومستند هذا الإطلاق العام للسنة قول الرسول: «عليكم بسنتي
وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (3).
ب= حجية السنة
اتفقت كلمة علماء المسلمين على وجوب اعتبار السنة مصدرا
(1) - د. شعبان محمد إسماعيل، الأحاديث القدسية ومنزلتها في التشريع، دار الشهاب باتنة، الجزائر، 1988 م، صحفات 17 - 21.
(2) - البوطي أصول الفقه، ص 25؛ الشوكاني إرشاد الفحول، ص 29.
ه (3)
-
سنن الترمذي، كتاب العلم باب 16، حديث،2676، جه، ص 44.؛ مسند أحمد، ج 4، ص 126، طبعة المكتب الإسلامي، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
-284 - (1/290)
صفحة 291
للتشريع بجنب كتاب الله تعالى، وثبتت حجيتها بما لا يدع مجالا للشك، وذلك في آيات كثيرة في القرآن الكريم تأمر باتباع الرسول وطاعته والأخذ بما جاء به، والانتهاء عما نهى عنه.
وفي سيرة الرسول الله وإجماع الصحابة من الشواهد على وجوب
العمل بالسنة ما يغني كل منصف دليلا وبيانا على حجية السنة النبوية. ولئن شكك بعض المستشرقين والمستغربين في ذلك، وزعموا أن الله
تكفل بحفظ القرآن دون ما سواه، وأن الوضع والكذب قد طال آلاف الأحاديث، بشهادة أهل الاختصاص من علماء الحديث، مما يجعل السنة
كلها في قفص الاتهام، فإن دعواهم هذه تنقض نفسها بنفسها. ويشهد لذلك ما قام به العلماء المحدّثون من جهود أشبه ما تكون بالمعجزة الخارقة لتحصين السنة النبوية فأقاموا صرح علم مصطلح الحديث، وضوابط الجرح والتعديل.
ولئن دلّ ركام الأحاديث الموضوعة والباطلة التي تركت منثورة خارج هذا الصرح على شيء، فإنما هي الدلالة على مدى صفاء ونقاء ما قد بقي محفوظا في داخله بصفة عامة ثم إن رجال الجرح والتعديل ونقدة الأخبار قد صنفوا لما شمله السنة من الأحاديث إلى متواتر وآحاد،
حصن
حسب قوة الرواية ووفرة رواتها.
كما قسموا أخبار الآحاد إلى صحيح، وحسن، ومتفاوت في الحسن،
مما يعتبر مظهر آخر للدقة المتناهية في حماية السنة المطهرة، من هذا الذي
يشتهي المبطلون أن تلتبس به السنة المحمدية (1).
السنة،
وكما أنجز الله
وعده بحفظ القرآن فقد حفظ معه البيان، وهو
وهو الذي تكفل بها أيضا في قوله: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) فَإِذَا
(1) - البوطي، أصول الفقه، ص 29.
- YAO - (1/291)
صفحة 292
قَرَأَنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) ثُمَّ إِنْ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [سورة القيامة: 17 - 19].
لذا فقد بات الحديث عن حجية السنة من الكلام المكرور، وأصبحت حجيتها من بدهيات الإسلام ومما لا يرتاب فيه مسلم صادق الإيمان). وهو ما أوضحه الشوكاني بقوله: «إن ثبوت حجية السنة المطهرة، واستقلالها بتشريع الأحكام ضرورية دينية، ولا يخالف في ذلك إلا من لا حظ له في دين الإسلام» (2).
وفي معرض الحديث عن مباحث السنة لم يكرر أبو يعقوب الحديث عن حجيتها، بل اكتفي باعتبارها ضمن مصادر التشريع الأصلية، عند تقسيمه الأدلة إلى أصل ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل (3). كما عدّها أيضا من بين طرق الحجة والبرهان الأربعة: الكتاب
والسنة والإجماع والعقل). وعرج إلى بيان أقسامها ودرجاتها وطرق الأخبار وروايتها، وكيفية
التوفيق بين السُّنَّة المتعارضة، والسنة المعارضة للقرآن. والوارجلاني في اعتماده حجية السُّنَّة يعبّر عن رأي الإباضية الذين ردّ السنة ومن
يقولون: «من ردّ ما اجتمعت عليه الأمة كمن ردّ السنة، کمن ردّ التنزيل ومن ردّ التنزيل أشرك» (ه).
فحجية السنة مقطوع بها عند الإباضية، وقد غدت مما يحفظه الصغار مع
(1) - حول حجية السنة ووجوب اتباع الرسول الله ينظر: محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاكر د. م د. ت. صحفات 88 وما بعد.
(2) - الشوكاني إرشاد الفحول، ص 29.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18.
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 28.
-
(5) - أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي رسالة في الفرق مخطوط، مكتبة محمد الحاج
-
سعيد، غرداية، ص 6.
- YAT- (1/292)
صفحة 293
متون عقيدة التوحيد (1).
المطلب الثاني: أنواع الأخبار ومراتب السنة
أ= أنواع الأخبار: قبل التطرق إلى أقسام السنة ودرجاتها، نمهد بذكر الوارجلاني للخبر تعريفا وتفريعا من حيث الصدق و الكذب.
- تعريف الخبر:
عرف الوارجلاني الخبر بقوله: «حدّ الخبر ما يدخل الصدق والكذب» (2). ثم قسمه حسب هذا التعريف قسمين: صدقا وكذبا. فالصدق كل وصف للمخبر على ما هو به والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به» (3). ويعرف الغزالي الخبر بأنه القول الذي يتطرق إليه التصديق أو
التكذيب، أو هو القول الذي يدخله الصدق أو الكذب»). فهو يحتملهما على سبيل البدلية لا على سبيل الاجتماع.
وأشار إلى الناحية الكلامية للخبر، معتبرا إياه «قسما من أقسام الكلام القائم بالنفس، وأما العبارة فهي الأصوات المقطعة التي صيغتها مثل
قول القائل: زيد قائم وضارب».).
-
(1) - الشماخي، شرح مقدمة التوحيد، تعليق أبو إسحاق اطفيش، صحفات 43 - 44. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189. (4) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 132. (5) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 132.
- YAY- (1/293)
صفحة 294
ولكنه ليس خبرا بنفسه بل يصير خبرا بقصد القاصد إلى التعبير به
عما في نفسه فيخرج من هذا كلام النائم والمغلوب. ولكن الوارجلاني انتقد تعريف الأشاعرة الذي اختاره الغزالي «لمجيئه على أصلهم بأنه صفة الله في ذاته، وليس بهذه الحروف والأصوات
المقطعة» (1).
ودون الإطالة في هذه الناحية الكلامية، وهل الخبر حقيقة في الكلام اللفظي والنفسي، أم هو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ فإن الغزالي عدل عن الاعتماد على هذا في ترجيح تعريفه واتجه إلى الواقع الفعلي فجعل تعريفه للخبر بأنه «ما يدخله الصدق أو الكذب، أولى من قولهم يدخله الصدق والكذب، إذ الخبر الواحد لا يدخله كلاهما، بل كلام الله لا يدخله الكذب أصلا، والخبر عن المحالات لا يدخله الصدق أصلاً» (2). والأقرب إلى المنطق أنه لا يجتمع الصدق والكذب في نفس الخبر إلا إذا اختلف الاختبار وتغيرت الجهات وحينئذ قد يكون الخبر صادقا باعتبار، و كاذبا باعتبار، آخر ويصير الخلاف بين الواو العاطفة، وأو البدلية لفظيا.
""
فالغزالي آثر استعمال أو البدلية، منعًا من اجتماع وصف الخبر
بالصدق ووصفه بالكذب في آن واحد. والوارجلاني فضل استعمال "الواو" وعرّف الخبر بأنه ما يدخله الصدق والكذب، نظرا إلى اختلاف الجهات والاعتبارات، فضلا عن كون احتمال وصف الخبر بالصدق مساويا لاحتمال وصفه بالكذب، بقطع النظر عن المرجحات والاعتبارات الخارجية، ولذلك استوى في
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189.
-
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 189.
- YAA - (1/294)
صفحة 295
حقه الوصفان، فتكون الواو لا لاجتماع الصفتين في نفس الخبر، بل
لاستواء احتمال الخبر للصفتين معا الصدق والكذب.
أما اختلاف الجهات بالنسبة لنفس الخبر، فمثاله قوله تعالى: (إذا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [سورة المنافقون: 1].
فشهادة المنافقين برسالة محمد صادقة باعتبار واقعه وكونه
رسول الله حقا،
وهي
كاذبة كما أخبر القرآن لأنها تخالف معتقدهم،
وما وقر في صدورهم من عدم الإيمان بمحمد نبيئا ورسولا.
فالصدق والكذب في نفس الخبر، كان يجهتين مختلفتين، وإذا
انفكت الجهات ارتفع الإشكال. ونميل بعد هذا التوضيح إلى ترجيح رأي الغزالي لورود شرط إضافي فيه، وإن لم يذكر في صلب التعريف وهو قصد المتكلم إلى الإخبار بالخبر، مما يخرج كلام النائم، والمجنون وكذلك كلام المنافقين الذين شهدوا برسالة محمد، فكفّ بهم القرآن لأن الله بحقيقة قصدهم، وأنهم في شهادتهم كاذبون. ولعل تعريف السالمي أكثر تحديدا، ووضوحا، إذ عرف الخبر بأنه لفظ أورده المتكلم على قصد الإخبار به في طريقة تحتمل الصدق والكذب لذاتها»، فيخرج كلام الناسي والنائم والمجنون، إذ لا قصد لهم، ويخرج كلام الله والنبيء، لأنها تحتمل الكذب لأمر آخر، وتخرج الإنشاءات المختلفة من مثل الأمر والنهي والتمني والدعاء).
(1) - السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صحفات 6 - 7.
-289 - (1/295)
صفحة 296
أنواع الأخبار:
عدد الوارجلاني الأخبار الصادقة والأخبار الكاذبة، فجعل كلا منها
ستة أنواع:
-
أما الأخبار الصادقة، فهي:
أخبار الله تعالى التي نصت عليها المعجزات الخارقات للعادات، كنطق جماد، أو حيوان، فنعلم أنه من عند الله.
عنه.
O
-
من
الأنباء المؤيدين بالمعجزات استشهادا على صدقهم فيما أخبروا
أخبر الصادق بصدقه كمن يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام إنه صادق لا يكذب.
وكإخباره بأن أمته لا تجتمع على ضلال، فدلّ على صدق ما أجمعت
عليه الأمة.
-
عنه
فدل
أن تحكي لأخبار عن جماعة كبيرة لا يسكتون عادة عما حكي وهم، حاضرون ولم يفعلوا ما حكي عنهم ولم يقولوه. أن يحدث أحد عن الرسول بحضرته، ولا ينكر عليه النبي. على أنه صدق، لأن رسول الله لا يقرّ منكرا. ما تلقته الأمة من مستفيض حديث رسول الله بالقبول، وجاوز حد الآحاد وإن لم يبلغ التواتر والتواتر أولى بالصدق). وأما الأخبار الكاذبة، فهي ستة كذلك:
-
أن يحدث بما يستحيل عقلا، كاجتماع الضدين.
أن يحدثنا بما تدفع المشاهدة والحواس، وهو أن يحدثنا بما يناقض الوجوه الستة المتقدمة.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 190.
السفسطة.
-290 (1/296)
صفحة 297
-
أن يحدث عنا بخلاف ما نجده في أنفسنا.
أن يحكي لنا خبرا عظيما حدث في بلد بحضرة أهله وهم جمع كثير، و لم يعرف به أحد من ذلك البلد كانتقال جبل أو حدوث مدينة كبيرة. - أن يحدثنا عما عجز عنه البشر كمعرفة عدد الرمل، وورق الشجر، وقطر المطر، وعلم الغيب بلا معجزة ولا مكرمة (1).
ب= مراتب السنة
رتب أبو يعقوب الأحاديث الواردة عن رسول الله وجعلها في
الأخبار
عشرة مراتب خمس صحاح وخمس ضعاف ساقطة. والصحيح منها الخبر المتواتر، ثم أخبار الآحاد، وهي المسندة ثم أخبار المراسيل لم أخبار الصحيفة، ثم الموقوفة. وأما الخمسة الأخرى فالخبر الضعيف ثم المقاطيع، ثم الشواذ، ثم المناكير، ثم الكذب» (2). ودون تفصيل تعاريف هذه الأنواع، فإننا ندلف إلى مراتب الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار الاحتجاج في السنة كمصدر أساسي للتشريع.
مراتب الأحاديث المتصلة
يكشف التقسيم السابق لدرجات الأحاديث الصحيحة والضعيفة أن المتصل منها اثنان المتواتر والآحاد.
وهذا تقسيم الجمهور للسنّة إلى أخبار متواترة وأخبار آحاد. ولكن الوارجلاني يعمد بعد هذا إلى قريب من منهج الحنفية؛ فيجعل
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 191.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 192 - 193.
-291 (1/297)
صفحة 298
أخبار الآحاد على ضربين ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله عليه السلام، واستفاض به الخبر، وهو دون المتواتر. فبعض قصره إلى المسند أي الآحاد بالاصطلاح الدقيق]، وبعض جعله من نفس المتواتر حين كان
فيه مزية استفاضة» (1).
وأما النوع الثاني وهو غير المستفيض، فلم يذكره اكتفاء بالأول، وذكر تعريفه الاصطلاحي، وهو المسند الصحيح، وهو: ما نقلته الثقاة عن من طريق أو طرق إلى رسول الله، و لم يدخلها وهن من جهة السند ولا من جهة المتن ولا ذكر فيه مجهول ولا ضعيف، وما مختلف
الثقاة
فيه» (2).
والذي يخلص لنا من إيراد تقسيم أبي يعقوب لخبر الآحاد إلى
مستفيض وغير مستفيض
متواترة ومشهورة وآحاد (3).
أنه يساير منهج
الحنفية في تقسيمهم السنة إلى
وهو ما أكده الشماخي في شرح مختصر العدل، إذ جعل الخبر المتواتر قسما مستقلا بنفسه والمستفيض والآحاد قسما ثانيا). أما السالمي الذي اعتمد على كتاب الشماخي كثيرا، فقد ذكر الأقسام الثلاثة، ولكنه صنف المتواتر والمشهور في قسم الخبر المتصل اتصالا كاملا على تفاوت في الدرجة أما الآحاد فجعله مما اتصل إسناده بالنبيء اتصالا غير كامله).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 193. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 194.
(3) - عبد الوهاب خلاف علم أصول الفقه، طا في الجزائر، الزهراء للنشر والتوزيع،
الجزائر، 1990، ص 41.
(4) - الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقات 51 و -51 ظ. السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صحفات 8 - 15.
(5)
-
-292 - (1/298)
صفحة 299
وبين هذه الأنواع الثلاثة فارق في تعاريفها وما يفيده كل منها من علم أو ظن، ومجال الاحتجاج بها، ودرجة كل منها، وكيفية الترتيب بينها عند التعارض، وبين غيرها من الأدلة، لإزالة التعارض والترجيح.
تعريف المتواتر:
الخبر المتواتر ما رواه جمع كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، عن جمع مثلهم، حتى يصل السند إلى النبي، ويكون مستندهم في ما نقلوه المشاهدة أو السماع). فالتواتر شرط في جميع حلقات السند من مبدإ النقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم إلى عصر التدوين، فإن نقل اللفظ بعينه سُمِّي تواترا لفظيا، وإن نقل المعنى سُمّي تواترا معنويا، وهو الأغلب.
منهم
وللتواتر شروط تضمنها تعريفه وقد حصرها الأصوليون (2) في أربعة الأول: أن يبلغ الرواة عددا يمنع تواطؤهم على الكذب، أو وقوعه
على حسب العادة، وليس في ذلك عدد محدد على الأرجح. الثاني: أن يكون الرواة في كل حلقات السند بهذا الوصف في العدد،
فإذا اختل الوصف في إحدى الحلقات فقد التواتر في الخبر.
الثالث: أن يكون مستند الرواة علمهم المستفاد عن طريق المشاهدة أو
السماع، ولا يكون علمهم عن غير محسوس، كالأمور العقلية. الرابع: أن يكونوا متيقنين بما يروونه، فإن اختلفوا فيه أو ظنّوه ظنا فلا
-
(1)
السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 8؛ البوطي أصول الفقه، ص 2؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، صحفات 153 - 154.
(2) - ينظر: الغزالي المستصفى، ج 1، ص 135؛ الشوكاني إرشاد الفحول، صحفات 41 - 442 السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صحفات 10 - 12؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص
-293 - (1/299)
صفحة 300
يصح التواتر بإخبارهم. وقد حصر الوارجلاني هذه الشروط في ثلاثة «أولها: العقل، والثاني: المشاهدة والثالث: العدد. فمهما أخل بشيء من هذه الشروط اختل التواتر، لأن أخبار المجانين والصبيان والذين لا يعقلون لا يوثق بأخبارهم، وأن أخبار من لم يشاهد لا يوثق بها، كالمقلدين من الأمم للآباء والأسلاف ما ليس لهم به، ولم يشاهدوه. ولا بد من العدد أن يكون كثرة عن كثرة، إلا من شاهد ورأى من يؤمن عليه الخطأ» (1).
-
وثمة شروط مختلف فيها، مثل:
أن يكون أهل التواتر عددا لا يحصى. أن تختلف أنسابهم وأوطانهم وأديانهم.
أن يكونوا أولياء مؤمنين.
أن يكون الإمام المعصوم من بينهم.
وهذه الشروط لم يذكرها الوارجلاني كلها وناقش بعضها، بينما عدها الغزالي شروطا فاسدة. وتعني الشروط الأربعة المتفق عليها في حصول التواتر المطلوب).
تعريف الخبر المشهور والمستفيض
الخبر المشهور ما رواه عن النبي عدد لم يبلغ حد التواتر، ثم تواتر في عصر التابعين ومن بعدهم، وتلقته الأمة بالقبول، وهو دون المتواتر وفوق الآحاد (2).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189. الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 139 - 140. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 190.
(2)
—
-294 - (1/300)
صفحة 301
فبدايته آحاد ونهايته تواتر.
تعريف خبر الآحاد: أما خبر الآحاد فهو ما لم يبلغ حد التواتر في بداية السند ونهايته. ومهم أن ننتبه إلى أن المقصود بنهاية السند هو عصر التدوين، حيث حفظت الأحاديث في كتب السُّنَّة المعتمدة. وأما بعد ذلك فقد بلغت كثير من الأحاديث الآحادية مبلغ التواتر، دون أن يغير ذلك من وصفها ويخرجها من دائرة الآحاد.
وإذا كان الوارجلاني قد اختار تصنيف الحنفية للسنة، فإن الغزالي بقي وفيا لمنهج الجمهور في تقسيم السنة إلى أخبار متواترة وآحاد).
المطلب الثالث: ماذا تفيده السنة الصحيحة.
لئن اتفق المسلمون على وجوب اعتبار السنة مصدرا للأحكام وأصلا يتلو القرآن في الدرجة ويستمد منه صفته الإلزامية من وجوب العمل بها واتباعها، فإن آراءهم اختلفت في تفاصيل ما تفيده السنة الصحيحة على اختلاف درجات صحتها، وقوة ثبوتها. فهل تفيد السُّنَّة كلها علما يقينيًا لا جدال فيه؟ أم إنها لا تعدو مرتبة
الظن الراجح؟ أم إن بين ذلك درجات؟
ذلك ما سنحاول استجلاءه بالنسبة لمراتب السنة التي عرفناها قبل
حين، وهي المتواتر والمشهور والآحاد.
زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص 156.
- Y 90 -
-
(1) (1/301)
صفحة 302
أ= ما يفيده الخبر المتواتر:
يفيد الخبر المتواتر العلم اليقيني عند جميع العقلاء، «و لم يخالف في ذلك العقلاء» (1). أحد من أهل الإسلام، ولا من وقد جعل الغزالي إثبات كون المتواتر مفيدا للعلم أمرا ظاهرا، خلافا للسمنية الذين قصروا مدارك العلوم في الحواس، وأنكروا العلم الحاصل بالتواتر ورد عليهم أبو حامد بأنه لا يستريب عاقل في وجود بغداد والصين، لتواتر الأخبار بذلك، وإن لم يدخلهما ويشاهدهما بعينه (2). والخلاف في التواتر لا في حصول العلم به، بل في نوع العلم الحاصل
به هل هو ضروري أم نظري؟
وكان الاختلاف في المسألة على ثلاثة أقوال: 1 - يرى جمهور الأصوليين أن العلم الحاصل بالتواتر علم ضروري (2). ويتبنّى الوارجلاني هذا الرأي معتبرا أن معرفة من حصل له العلم بالأخبار المتواترة من جهة الضرورة فهي ضرورية، ومن لم يسمعه إلا نادرًا كان كسبيا»». والتواتر من الأخبار علمه، ضروري كالإخبار عن القرون الماضية
وثمود، والأقاليم المشهورة كالصين وخراسان والعراق.). وحجة الجمهور لما ذهبوا إليه أننا نجد أنفسنا مضطرين إلى العلم بالتواتر كالعلم بوجود مكة، بينما يختلف الأمر في العلم النظري، إذ يجوز
(1) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 41. الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 126.
-
(2)
(3) - السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 13. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 193. (5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189.
- 296 - (1/302)
صفحة 303
أن يعرض فيه الشك، وتختلف فيه الأحوال، فيعلمه بعض الناس دون
البعض، ولا يعلمه من ليس أهلا للنظر كالصبيان (1).
ولكن الوارجلاني يميز في التواتر بين بداية وصول الخبر إلى السامع، ونهايته عند بلوغ حد التواتر، فيرى أن التواتر أوله كسبي وآخره ضروري، لا يتخالج الشك والارتياب فيمن وردت عليه هذه الأخبار من كل وجه، ويشترك في معرفتها كل مسلم و كافر ويهودي ونصراني، إذا حصل له علم التواتر بها» (2). 2 - وذهب الكعبي وأبو الحسين البصري من المعتزلة إلى أن العلم الحاصل بالتواتر علم نظري (2)، يحصل بالتأمل وترتيب مقدمات ينتج هذا العلم، وهي: أولا: أن المخبرين بالتواتر على كثرتهم واختلاف أحوالهم وبلدانهم لا يجمعهم على الكذب جامع، ولا يتفقون إلا على الصدق.
عنها
ثانيا: أنهم قد اتفقوا فعلا على الإخبار عن واقعة معينة كوجود القاهرة مثلا. والنتيجة حصول العلم لنا بوجود القاهرة بناء على هذا الخبر.
وهذا علم نظري نتج عن مقدمات برهانية منطقية. 3 - وينفرد الغزالي بموقف وسط، فيبيّن أن تشكل هذه المقدمات حاصل في النفس فطرة من غير ترتيب الذهن لها وفق اللفظ المنظوم، والترتيب المعهود عند المناطقة.
ولهذا فإذا أريد بالعلم الضروري ما يتم بغير واسطة، فالعلم الحاصل
(1) - ابن قدامة روضة الناظر، ص 49. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 193.
(3) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 41.
-297 - (1/303)
صفحة 304
بالتواتر غير ضروري لما أوضحناه وإن أريد بهما يحصل بدون تشكل
الواسطة في الذهن فهذا ضروري).
هذا
هو رأي الغزالي كما أوضحه في المستصفى، ولكن رغم وضوحه فقد اختلف الناقلون عنه، فحكى الشوكاني أنه يرى العلم الحاصل بالتواتر قسما ثالثا، ليس أوليًّا ولا كسبيا، بل هو من قبيل القضايا التي قياساتها
معها (2).
وحكى السالمي أن الغزالي يرى هذا العلم نظريا ().
قوة الخبر المتواتر ومجال الاحتجاج به:
حكم الخبر المستكمل لشروط التواتر القطع بصدقه. ويتفرع عن ذلك أمور هي:
وجوب اعتقاده إن كان من المسائل الاعتقادية. ووجوب اتباعه والعمل به إن كان من المسائل العملية.
و تفسيق من خالفه).
وهو ما يعبر عنه اختصارًا بوجوب العلم والعمل به (ه).
ب= مايفيده الخبر المستفيض
الخبر المستفيض دون المتواتر في القوة والمتواتر يفيد العلم القطي بالإجماع، وإن اختلف في كونه ضروريا أم نظريا، أما الخبر المشهور فلم
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 132 - 133.
(2) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 41.
(3)
السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 13.
(4) - السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 12. (5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 194.
-298 - (1/304)
صفحة 305
يُجمع على إفادته العلم القطعي.
وقد عد الوارجلاني من الأخبار الصادقة ما تلقته الأمة من مستفيض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقبول، وجاوز حد الأحاد، وإن لم يبلغ حدّ التواتر، إلا أن التواتر أولى بالصدق» (1).
وبهذا يتفق الوارجلاني مع الحنفية على أن المستفيض يفيد علم طمأنينة (2). وهو ما صرح به السالمي (3) والمقصود بعلم الطمأنينة زيادة توطين وتسكين تحصل للنفس على ما أدركته سابقا فإن كان المدرك يقينًا زاد بالخبر المستفيض يقينه رسوخا وكمالاً، وإن كان ظن ازداد ظنُّه
رجحانا ().
وهذا الخبر ليس بمتواتر عند الحنفية على الصحيح، ومثلوا له بخبر المسح على الخفين، خبر تحريم نكاح المتعة بعد إباحته، وخبر تحريم نكاح المرأة على عمتها وعلى خالتها).
وذهب أبو بكر الرازي إلى أنه يفيد القطع واليقين كالمتواتر).
وهو ظاهر كلام الشماخي في شرحه لمختصر العدل).
ولكن الراجح ما ذهب إليه جمهور الحنفية وأفاده ظاهر كلام الوارجلاني أن الخبر المستفيض يفيد علم طمأنينة، لا علم ضرورة ويقين.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 190.
(2) - أبو بكر محمد بن أحمد السرخسي أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، دار
المعرفة، بيروت، د. ت. ج 1، ص 192. السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 14.
-
(3)
-
(4) - السرخسي أصول السرخسي، ج 1، صحفات 192 - 193؛ السالمي، طلعة الشمس،
ج 2، ص 14.
(6)
(5) - السرخسي أصول السرخسي، ج 1، ص 192. السرخسي، أصول السرخسي، ج 1، ص 192. السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صحفات 13 - 14.
(7)
-
-299 - (1/305)
صفحة 306
إذ لا تزال الشبهة عارضة على أصل، ثبوته لأنه لم يتواتر من مبدإ السند
إلى منتهاه.
ج= حجية خبر الآحاد
ثار جدل طويل بين علماء الإسلام حول حجية خبر الآحاد وما
يفيده من علم أو ظن.
وسب
الخلاف لم يكن الشك في حجية السنة ذاتها، فهي مقطوع بها، ومسلم بأنها أصل للتشريع لا ينكره مسلم.
ولكن الإشكال حول خبر الآحاد كان بسبب الشكوك الواردة على طريق نقل الخبر، مما يجعل السامع غير واثق من صحة الخبر ونسبته إلى مصدره وهو رسول الله.
الله
وقد كان التثبت من صحة الأخبار سمة مميزة للصحابة رضوان عليهم؛ وعلى رأسهم أبو بكر وعمر وعلي وغيرهم. فكان أبو بكر وعمر يطلبان الشهود ممن يأتيهم بحديث عن رسول الله، وكان علي يستحلف الراوي للتأكد من صحة سماعه وحفظه لحديث رسول الله (1).
وفي عهد التابعين افترقت الأمة شيعا وأحزابا، وشاع الوضع في الحديث، ونشط الوضاعون لنصرة الاتجاهات السياسية والفكرية المتصارعة، أو الدعوة إلى الزهد والانقطاع للآخرة، أو ما سوى ذلك أسباب الوضع (2). وانبرى لحفظ السنة علماء جهابذة نقدوها وغربلوا الصحيح من
من
-
(1)
محمد الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، طع، المكتبة التجارية الكبرى بمصر،
1353 هـ / 1934 م، صحفات 125 - 126.
(2) - الخضري، تاريخ التشريع الإسلامي، صحفات 150 - 154. (1/306)
صفحة 307
غيره واستخلصوا الطيب من الخبيث.
ولكن برغم هذا فقد بقي الخلاف بعد ذلك حول حجية ما تبقى من هذا الذي صنّف في إطار الحديث المقبول، فهو مختلف في درجات الوثوق والصحة والسلامة من العلل، ومن المعارض الأقوى، حديثا كان أو آية أو قاعدة شرعية أو قياسا جليا، أو ما أشبه ذلك. وقد بحث العلماء هذه القضايا وأشبعوها تحليلا وإيضاحا. ونقتصر على قضية إثبات حجية خبر الآحاد أدلة
يفيده خبر الآحاد.
- أدلة إثبات حجية خبر
الآحاد:
ومنهجا، وماذا
ثار خلاف حاد بين مدرسة الحجاز الأثرية ومدرسة العراق العقلية، حول حجية خبر الآحاد ولم يُحسم الخلاف بينهما إلا بمجيء الإمام الشافعي، الذي قطع برأيه الفاصل دابر ذلك الخلاف. وعقد لذلك فصلا مطوّلا من "الرسالة" بسط فيه الأدلة، المقنعة والأمثلة العديدة على وجوب قبول خبر الواحد. وأوضح القول في ذلك بما ليس عليه مزيد). وغدا هذا الفصل من "الرسالة" موردا أساسيا لمن يريد الحديث أو الكتابة في حجية السنة عموما، وخبر الآحاد خصوصا. وجعل الشافعي في مقدمة أدلته حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «نصر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأدّاها فربِّ حامل فقه غير فقيه، وربّ حامل
فقه إلى من هو
-
أفقه منه» (2).
«فلما ندب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها امرءاً
:
(1) - انظر الشافعي الرسالة، صحفات 401 - 471.
-
(2)
أورد الشافعي هذا الحديث بلفظ: أخبرنا سفيان بن عبد الملك بن عمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، أن النبيء قال .... " الشافعي، الرسالة، ص 401
-~-
- (1/307)
صفحة 308
يؤديها، والامرؤ واحد، دلّ على أنه لا يأمر أن يؤدى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه، لأنه إنما يؤدّي عنه حلال وحرام يجتنب، وحدّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا» ().
ومن الشواهد العملية على حجية خبر الواحد خبر تحوّل أهل قباء إلى الكعبة في الصلاة حين أتاهم آت يخبرهم أن رسول الله قد أنزل عليه قرآن، وقد أمر باستقبال القبلة ().
وسنة نبيه سماعا
وأهل قباء أهل سابقة من الأنصار، وأهل فقه، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم به الحجة، ولم يلقوا رسول الله، ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، فيكونون مستقبلين بكتاب الله رسول الله، من ولا بخبر عامة، وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبيء أنه أحدث عليهم من تحويل القبلة. ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله، إذا كان من أهل الصدق» (2). ويؤكد هذا الاستنتاج أيضا خبر أنس بن مالك الذي أهرق جرار الخمر وكسرها بمجرد سماعه خبر تحريم الخمر، ولم يقل هو وأصحابه: «نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا، أو يأتينا خبر عامة،
وذلك أنهم لا يهريقون حلالاً إهراقه سرَفٌ، وليسوا من أهله»».
كما تواتر من أخبار رسول الله له إرسال الدعاة والقضاة إلى أقاصي البلاد لتبليغ الدين والحكم بين المسلمين وكذلك عقد الألوية والرايات
-
(1)
(2)
-
-
(3)
الشافعي، الرسالة صحفات 402 - 403. الشافعي، الرسالة، ص 406. الشافعي، الرسالة، ص 407.
(4) - الشافعي، الرسالة صحفات 109 - 110.
-302 - (1/308)
صفحة 309
لأمراء الجيوش والسرايا والحج. «وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله».
وكان بمقدور رسول الله أن يشافه الناس ويبلغهم بنفسه ما أرسل به، أو يبعث جماعة كبيرة ممن تقوم بهم الحجة، ولا يكتفي بواحد فقط. ولكنه لم يفعل، وقامت الحجة بالآحاد الذين أرسلهم، وإذ قامت الحجة بالآحاد الذين أرسلهم.
وإذا قامت الحجة بهم في عهد النبي كان ذلك فيمن بعده ممن لا
يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم، أولى أن يثبت به خبر الصادق» (1). وأخيرا؛ فقد حصل الإجماع من الصحابة على قبول خبر الواحد والعمل به، وذلك في وقائع كثيرة بلغت حد التواتر المعنوي، إن لم يتواتر
آحادها.
و نورد نموذجين منها على سبيل التمثيل:
قبول عمر بن الخطاب لحديث حمل بن مالك في دية الجنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بغُرّة، فعمل به عمر، وكان قبل ذلك يرى أنه لا شيء في الجنين (2).
رجوع عمر أيضا إلى خبر الضحاك بن سفيان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته. وكان عمر لا يورث
المرأة من دية زوجها شيئا (3).
وانعقد الإجماع على هذين الخبرين قبولاً وعملاً.
(1)
(2)
(3)
الشافعي، الرسالة، ص 413.
الشافعي، الرسالة،
ص
0427
الشافعي، الرسالة، ص 426. (1/309)
صفحة 310
هذا ملخص أدلة حجية خبر الواحد كما أوردها الشافعي.
وقد سلك الأصوليون (1) منهج الشافعي بخصوص حجية خبر الواحد، وأوردوا استدلالاته جميعا، ولم يضيفوا إليها إلا شيئا من الترتيب والتنسيق. ولم يكن الوارجلاني (2) والغزالي (3) بدءًا من هؤلاء، فأوردوا ذات الحجج والبراهين تأكيدا لاتساق المنهج الأصولي لإثبات حجية خبر الآحاد الواردة عن الرسول الأمين.
منهج إثبات حجية خبر الآحاد:
تميّز الإمام الشافعي في عرضه لأدلة حجية خبر الآحاد بتقسيمها إلى محاور أربعة:
السنة
فبدأ أولاً بإيراد نصوص التي تفيد حجية خبر الواحد). ثم عرج على ذكر الشواهد من عمل الصحابة، والتزامهم بالأخذ بهذه الأخبار في عهد رسول الله، مع إمكانهم الرجوع إليه والأخذ منه مباشرة، ولكنهم لم يفعلوا، إذ قد قام صدق الرواة والثقة في روايتهم شاهدا على
(1) - ينظر في ذلك:
(2)
-
-
-
-
الشيرازي، التبصرة صحفات 304 - 309.
الجويني، البرهان، صحفات 600 - 601. ابن قدامة روضة الناظر، صحفات 53 - 55. السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صحفات 16 - 17. الخضري أصول الفقه، صحفات 289 - 290. علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، صحفات 40 - 44. زيدان الوجيز في أصول الفقه، صحفات 157 - 158. الوارجلاني العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 206 - 210.
(3) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 146 - 155. (4) - الشافعي، الرسالة صحفات 401 - 405.
- r.?- (1/310)
صفحة 311
وجوب الأخذ بإخبارهم).
عمل الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه بإرسال الرسل والقضاة والسعاة، مما يعد حجة قاطعة على وجوب قبول خبر الآحاد على المبلغ إليه متى توافرت دواعي الصدق في المبلغ (2). وختم الشافعي حججه بإيراد ما تواتر نقله عن الصحابة من أخذهم بأخبار الآحاد بعد وفاة الرسول، ومدى حرصهم على الاقتداء به،
والبحث عن أحاديثه وسنته، فيما يعرض لهم من قضايا ومشاكل (3). وبين الشافعي بجلاء أن الحجة في هذه الشواهد أقوى وألزم لعدم وجود مصدر آخر لمعرفة أحكام الدين وتفاصيله بعد القرآن، وبعد وفاة النبيء إلا ما تبقى من السُّنَّة متناثرا محفوظا في صدور الصحابة الكرام، وهو ما أجمع عليه التابعون وأئمة الإسلام).
أما الوارجلاني فقد سار على خطة الشافعي نفسها، مع إضافة آيات
قرآنية صدر بها موضوعه. ومن تلك الآيات قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَات فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ} [سورة الممتحنة: 10].
وقال إن العلم المراد هنا هو الظاهر، أما الباطن والحقيقي فقد ردّت الآية علمه إلى الله (الله أعلم بإيمانهنَّ، إذ لا يعلمه أحد سواه.). كما استشهد بآية سورة التوبة: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ
(1) - الشافعي، الرسالة، صحفات 406 - 410. (2) - الشافعي، الرسالة، صحفات 410 - 413. الشافعي، الرسالة صحفات 428 - 450. الشافعي، الرسالة صحفات 453 - 457. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 206.
-
(3)
(4)
-
-7.0 - (1/311)
صفحة 312
ليتفقهوا في الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [سورة
التوبة: 122].
فثبتت الحجة بالفرقة، وهم عدد آحاد لا يبلغ حد الشهرة ولا
التواتر (1).
ثم دلف أبو يعقوب إلى ذكر ما تواتر من الأخبار عن الصحابة بالتزام العمل بخبر الآحاد متى ثبتت عندهم صحة نسبتها إلى رسول الله
وتواتر الأخبار عن قبول أهل النواحي عن الرسل ما جاءت به عن رسول الله عليه السلام). وإذا اتجهنا إلى الغزالي فإننا نجده قد نسق بين أدلته ورتيها بصورة
أدق، وجعل الاستدلال بها على أربعة مسالك: (3) ما تواتر واشتهر من عمل الصحابة بخبر الواحد، بما يحصل العلم اليقيني
-
-
بمجموعها، وإن لم تتواتر آحادها وقد ذكر هذه الأخبار بتفصيل. ما تواتر من إنفاذ رسول الله الله أمراءه وقضاته ورسله وسعاته إلى آحاد لجمع الصدقات وتبليغ الأحكام والفصل بين
الأطراف، وهم
الناس.
- ما استقر في الفقه من وجوب اتباع المقلد للمجتهد، وهو أمر مقرر شرعا، فكذلك يجب على السامع قبول خبر الواحد، مع أن الظن والوهم أقرب إلى حكم المجتهد منه إلى خبر الواحد. آية سورة التوبة، فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 207.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 206 - 210.
-
(3) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 148 - 152.
-.7 - (1/312)
صفحة 313
وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ} [سورة التوبة: 122]. والطائفة نفر يسير كالثلاثة، لا يبلغون
عدد التواتر.
وإن اعتبر الغزالي هذه الآية للاستئناس لا غير، لأنه لا يستلزم الإنذار وجوب العمل على المنذر، كما يفيده ظاهر الآية العلهم
يحذرون). ولا نرى موافقة الغزالي على هذا الرأي إذ لا معنى لإيجاب الإنذار إلا قيام الحجة بلزوم العمل بمقتضاه، ولكن ليس على المنذر حمل المنذر على الالتزام قسراً، ولو لم يكن في الإنذار حجة لكان أمر القرآن به لغوا، وينزّه عن هذا كلام العليم الحكيم. وبعد عرض الغزالي أدلته عرّج على الردّ على شبهة منكري حجية الأحاد، وهي ردّ الصحابة بعض أحاديث صحيحة، كفعل أبي بكر
خبر
مع حديث المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة (()، وطلب عمر من عثمان بن عفان شاهدا على حديث الاستئذان (2)، وغيرها من الوقائع.
وبين أبو حامد أن ذلك لم يكن ردًّا للحديث، وإنما هو مبالغة في التثبت والاحتياط، إذ مناط القبول حصول الطمأنينة بصدق الراوي وصحة الرواية ولا دليل في ما ذكر على مدَّعَى المنكرين (3). وهو ما بينه الشافعي كذلك).
وأما الوارجلاني فإنه لم يتعرض لشبه المنكرين، وإن أورد القضية في إطارها العام، فذكر أن الأصل في المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل
الشريعة.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 153. الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 153.
(2)
-
(3)
-
(4)
الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 153 - 155.
الشافعي، الرسالة صحفات 418 - 419.
-307 - (1/313)
صفحة 314
الله
«ومن قصر فهمه عن الحجة وقارنته قرينة الارتياب، فيسعه التوقف ولو كثروا [أي الرواة]، وليس ذلك بقدح في المسلمين، وهذا كله ما لم تقع فيه البلوى، فإن وقعت البلوى واحتاج ألا يتخلف عن الحق، ويسعه ما لم يحوجه الله إلى الفعل، فيتخلف عن سبيل المؤمنين، أو تبرأ من واحد من المسلمين، أو وقف فيه أو قطع عذره، أو تقول خلافهم في دين رب العالمين، وتولّى من كان على خلاف دين المسلمين. وهو عندي قول أبي الشعثاء جابر بن زيد رضي حين ذكر ما يسع). ثم قال: لا يجوز للعالم أن يقول للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، ولا يجوز للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي، وإلا قطعت عذرك. فمن قاله منهما لصاحبه قطع الله عذره» (2). ماذا يفيد خبر الآحاد؟
الله عنه، عنه، ظني فيه
اختلف الجمهور القائلون بحجية خبر الآحاد حول ما يفيده هذا
الخبر، على أربعة أقوال:
1 - مذهب الجمهور، ومعهم الوارجلاني والغزالي، أنه يفيد رجحان
الظن، ووجوب العمل.
وهو معنى قول بعضهم: إنه يفيد العلم بالظن، كما في قوله تعالى: فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَات) [سورة الممتحنة: 10]. أي ظننتموهن). أو العلم بالظاهر دون الباطن، وهو ما تفيده الآية السابقة أننا نعلم إيمانهن ظاهرا لا باطنا () أي العلم الحقيقي بكلمة الشهادة التي هي
الإيمان.
ظاهر
-
- (1)
-
(2)
يبدو أنه سقطت كلمة "جهله".
الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 94 - 95. (3) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 49. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 206.
-308 - (1/314)
صفحة 315
الأحاد وإفادة خبر اتصال السند، وعدالة الرواة وضبطهم فيحصل الظن بصدق هؤلاء
رجحان الظن لتوفر شروط الرواية الصحيحة من
الرواة الثقاة).
ويحتاج ذلك إلى نظر، ومقدمات ولذلك جزم أبو يعقوب بأن
«العلم» الحاصل بأخبار الآحاد كسبي لا ضروري» (2).
والمراد بالعلم هذا الأمر المعلوم أو المستفاد
العلم القطعي كما يفيده المتواتر من الأخبار.
أما
من خبر
الأحاد، وليس
وجوب العمل فمعلوم بدليل قاطع أوجب العمل عند ظن الصدق، والظن حاصل قطعا، ووجوب العمل عنده معلوم قطعا، كالحكم بشهادة اثنين أو يمين المدعي مع نكول المدعى عليه» (3).
-
- وذهب أهل الظاهر وأحمد بن حنبل في رواية إلى أن
الواحد العدل يفيد العلم اليقيني). وحكى ابن قدامة اختلاف الرواية عن الإمام أحمد، وأن قول جمهور
الحنابلة مثل قول الجمهور بأنه يفيد العلم لا العمل). كما وجه الغزالي ما حُكي عن المحدثين من أنه يوجب العلم، فقال: لعلهم أرادوا أنه يفيد العلم بوجوب العمل، إذ يسمّى الظن علما» (1). وقريب من هذا قول أبي يعقوب إن «العلم الحاصل بأخبار الآحاد
(1)
السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 15.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 146.
(4) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 449 الوارجلاني، العدل والإنصاف،
ج 2، ص 206.
(5) - ابن قدامة روضة الناظر، ص 52. (6) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 145.
-309 - (1/315)
صفحة 316
كسبي لا ضروري» (1). وقد مضت الإشارة إليه قريبا. - وذهب النظام إلى أنه يفيد العلم إذا اقترنت به القرائن (2).
4 - وذهب بعضهم إلى أنهلا يفيد علما ولا يوجب عملا (2). والراجح قول الجمهور الذي استدل له الغزالي بقوله: «خبر الواحد لا يفيد العلم، وهو معلوم بالضرورة فإننا لا نصدق بكل ما نسمع، ولو صدقنا وقدرنا تعارض، خبرين فكيف نصدق بالضدين وهو
محال» (4) (ه).
أما الوارجلاني فلم يردّ على القائلين بأن خبر الواحد يوجب العلم، ولا على القائلين بأنه لا يوجب العمل أصلا، بل صورهم بصورة فيها بعض التندر والتهكم إذ قال: وأما الذين قالوا إن خبر الواحد يوجب العلم، والذين قالوا: إن خبر الواحد لا يوجب العمل، فأما هذان فكالأحولان، ولو عكسا لأصابا»).
د= الخبر المرسل
تبين لنا أن
الأحاد مقبول وحجة عند المسلمين، يوجب العمل
خبر
عند جمهورهم، وذلك بتوافر شروطه من كونه متصل السند إلى رسول الله بنقل العدل الضابط عن مثله بلا شذوذ ولا علة قادحة.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 189. (2) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص (3) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 50.
-
(4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 145.
(5) - لمزيد تفصيل حول هذه القضية ينظر الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص
052
(6) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 210.
-310
- (1/316)
صفحة 317
فما لم يكن متصلا من الأحاديث لا تقوم به الحجة، على خلاف بين العلماء؛ محدثين وأصوليين في بعض أنواع الأحاديث غير المستوفية لشرائط الكمال أو غير كاملة الاتصال ومن ذلك اختلافهم في حجية
الخبر المرسل.
يعرف الوارجلاني المرسل من الأحاديث بأنه «خبر أسنده الراوي إلى رسول الله ومعلوم أن الراوي الذي أسنده لم يصحب ولم يدرك، ولم تقع له صحبة مع رسول الله عليه السلام.
وقد يقع المراسيل في أخبار الصحابة وإن صحبوا، إذا علم منهم أنهم لم يسمعوا من رسول الله عليه السلام، أو قال الصحابي: حدثني صحابي عن رسول الله، كالذي يجري لأصاغر أصحاب رسول الله عليه السلام، أنهم يروون أمورا ومعلوم أنهم لم يشاهدوها ومن هو بحال الصغر ممن لا
يضبط ذلك ... ولذلك قال ابن عباس: نحن أصحاب رسول الله نروي عن رسول الله ما سمعنا من بعضها، ولا يكذب بعضنا بعضا،،لا نكذب» (1). هذا هو تعريف الوارجلاني للمرسل، أما حكم العمل به فذكر أبو
يعقوب أن أكثر العلماء على أن العمل بالمرسل واجب (2). والوارجلاني برأيه هذا يعد موافقا لما ذهب إليه الجمهور، إذ لم
يعترض عليهم و لم يورد رأيا خاصا له في القضية. وأكد الغزالي أن «المرسل مقبول عند مالك وبي حنيفة والجماهير،
و مردود عند الشافعي والقاضي، وهو المختار» (3).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 194. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 196. (3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 169.
-311 - (1/317)
صفحة 318
فظهر أن الوارجلاني والغزالي مختلفان في حكمهما على المرسل إذ قبله الأول وردّه الثاني. ولكن عند التحقيق نجد المرسل الذي قبله أبو يعقوب كما حدده بنفسه، هو مرسل التابعي أو الصحابي، وهو المقصود بالمرسل في اصطلاح
المحدثين (1).
الله
أما المرسل عند الشافعي فقد حدد صورته بأن «يقول: قال رسول من لم يعاصره، أو قال من لم يعاصر أبو هريرة قال أبو
هريرة» (2).
فتوسع مدلوله ليشمل مرسل التابعين ومرسل تابعي التابعين، وذلك هو اصطلاح الأصوليين (2).
والحجة عند الغزالي على رد هذا المرسل أن عدم ذكر الشيخ من قبل الراوي لا يخرجه عن دائرة المجاهيل ولا تكفي رواية العدل عنه، ولا تقوم دليلا على تعديله لأن العدل قد يروي عمن لو سئل عنه لتوقف فيه
أو جرحه.
ولو سلمنا جدلاً بأن رواية العدل عن مجهول تعديل له، فتعديله
المطلق لا يقبل ما لم يذكر السبب. وإن سلمنا قبول التعديل المطلق فذلك في شخص نعرف عينه، ولا يُعرف بفسق، أما من لم نعرف عينه فلعله لو ذكره لعرفناه بفسق لم
يطلع عليه المعدل».
والقاسم المشترك بين تعريف المحدثين الذي اختاره الوارجلاني،
(1) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 57.
-
(2)
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 169.
(3) - الشوكاني إرشاد الفحول، ص 53 (4) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 170.
-312 - (1/318)
صفحة 319
وتعريف الأصوليين الذي اختاره الغزالي، هو مرسل التابعين، فأبو يعقوب قبل الاحتجاج به إلحاقا له بمرسل الصحابة، الذي يحتج به أغلب العلماء، لأن الصحابة عدول كلهم). وردّ الغزالي مرسل التابعين إلحاقا له بمرسل تابعي التابعين، لأن أغلب العلماء أيضا على عدم الاحتجاج بمراسيل من بعد التابعين، بسبب فشوّ الوضع في عهد التابعين واحتياج أهل الحديث إلى التعرف على أسماء الرواة وأعيانهم لمعرفة حالهم من الجرح والتعديل (2).
" والذي يتماشي وقواعد التحري في قبول الحديث النبوي هو قبول مرسل، الصحابة وفاقا لرأي الجمهور ولاعتضاده بعدالة الصحابة كما شهد بها ابن عباس "لا" يكذب بعضنا ولا نكذب".
قرآنية.
وأما مراسيل التابعين فتقبل أيضا إلا ما خالف قاعدة شرعية أو نصا
وتبقى مراسيل من بعد التابعين في دائرة الأحاديث المقطوعة لا يحتج بها حتى يتبين أسماء رواتها، فتعلم عدالتهم فيقبل حديثهم، أو ينكشف جرحهم فيرد عليهم ما رووا.
هذا
الحديث المرسل، أما ما دونه من الأحاديث فأقل شأنا، ولا عن
مجال للاحتجاج بها، إلا ما أجازه بعض في باب الفضائل. والحق أن في الصحيح ما يغني في كل الأبواب، وهو الحجة والأصل في التشريع
والأخلاق وسائر مناحي الحياة.
-313
ابن قدامة روضة الناظر، ص 64. الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 57.
- (1)
(2) (1/319)
صفحة 320
المطلب الرابع: شروط رواة الحديث
فصل علماء المصطلح والجرح والتعديل القول في الشروط الواجب توافرها في رواة الحديث حتى تقبل روايتهم. وعلى نهجهم أو قريبا منه سار الأصوليون.
ولا تسمح طبيعة البحث بإضافة جديد في هذا المجال، نظرا لتوافق الآراء في معظمها، وتشابه وجهة نظر الوارجلاني والغزالي فيها، مما يجعل سردها خاليا من عمق أو طرافة.
ونجتزئ نبذا عن هذه الشروط بما يسمح به مجال الدراسة. وجماع هذه الشروط أن يكون الراوي: مكلّفا، عدلاً، مسلما،
ضابطا (1).
وتحقق هذه الأوصاف لازم لحصول الثقة بخبر الراوي، والظن
بصدقه، مما يستلزم وجوب العمل بخبره. فالتكليف يخرج رواية الصبي من الاعتبار، لأنه ناقص العقل، أو الوازع الذي يزجره عن الكذب، ورواية الصبي أولى بالرد من رواية الفاسق، لأن الفاسق معه أصل الوازع الديني والعقلي، مما يردعه عن
-
الكذب. أما الضبط فهو شرط أساسي في التلقي والرواية معا، لضمان صحة الخبر وسلامته من التحريف والزيادة والنقصان. وشرط الإيمان مُخرج للكفار عن دائرة الرواية، إذ لا دين معهم يَزَعُهُم عن التقول على رسول الله.
وأما العدالة فقد اشترطها القرآن، وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [سورة
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 155 - 157.
-314 - (1/320)
صفحة 321
الطلاق:2]. والفاسق لا يوثق بقوله لأنه لا يخاف الله خوفا وازعا من
الكذب.
ويعرف الوارجلاني العدل الذي يجب قبول خبره أن يكون ظاهر
العدالة، غير ساقط المروءة.
أما ظهور عدالته فإنه يدين بدين الحق، وينطق بلسان الصدق في حديث الخلق.
وملاك الأمر: الورع، والدين غير المبتدع.
فأما في أمور الشهادة الشرعية أن تقوده ديانته وتسلم أمانته» (1). كما شدّد أبو يعقوب في شرط تحقق العدالة، وتزكية الراوي، بأن «تقول إنه عدل، رضي، ولا بد من الكلمتين، لأنه يكون عدلا لا رضى، ويكون رض لا عدلاً، ولا بد من اجتماع الشرطين جميعا. قال الله تعالى: مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ [سورة البقرة: 282].
وقال أبو حنيفة حتى يقول: عدل مقبول الشهادة علي ولي. وقيل: إنه لا تجوز تزكية إلا من عالم والأصل لا تقبل تزكية إلا من عارف
بوجوه التزكية. وإذا اجتمع المجرّحون والمعدلون غلب التجريح» (2). * وثمة مباحث عديدة أعرضنا عنها كأنواع الحديث الضعيف،
وأنواع الرواية، وكيفية تلقي الحديث.
وللوار جلاني فقرة جامعة لمحاور دراسة السنة بعامة، أوضح فيها أن السنة تحتاج إلى ثلاثة أوجه: تخريج المتون، والثاني تصحيح نقلة الحديث، والثالث كيفية اقتباس العلوم من نفس الحديث.
ومن
هذه الوجوه وقع الخلل وعظم الزلل، وهو آفة هذه الأمة دون
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 210. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 212.
-710 - (1/321)
صفحة 322
سائر الأمم، لأن عامة الأمم فرائضها مقصورة مخصوصة، وهذه الأمة سلك بها طريقة الاستبداد بالرأي والاجتهاد، سلوك الملائكة صلوات الله عليهم طريقة الإلهام، فتشعبت عليهم العيون وبغت بهم الميون، فاتسعوا في الميدان وتسابقوا تسابق أفراس الرهان لكن الصواب من مصيبهم مقبول، والخطأ من مخطئهم محمول، ما لم يبغ بعضهم على بعض في الإمرار أو النقض ..
أما الوجهان الأولان فلحُب سبيلهما، وقرب دليلهما، وسهل
أصولهما.
وأما الثالث [وهو اقتباس العلوم من السُّنَّة] فلن يُهدَى له إلا من آتاه الله من التبصرة ما يخلص به الأثير من الهواء، والهواء من الماء، والماء من الثرى، مع توفيق الله تعالى»).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 197 - 199.
-
-316 - (1/322)
صفحة 323
المبحث الثالث
دليل الإجماع
تمهيد: أهمية الإجماع
يتبوأ الإجماع المرتبة الثالثة ضمن أدلة التشريع المتفق عليها بين المسلمين، ولم يجادل في إثباته إلا إبراهيم النظام من المعتزلة). والخلاف الواقع بين الأصوليين في موضوع الإجماع إنما هو حول بعض شروطه، أهله الذين ينعقد بهم؟ وهل يعتد بإجماع الأكثر، وبالإجماع السكوتي؟ وهل الإجماع مصدر تاريخي لا وجود له بعد عصر الصحابة؟ وغير ذلك من المسال التي يثيرها بحث موضوع الإجماع.
ومن هم
وقد مهد أبو يعقوب لتوضيح معنى الإجماع وتعريفه بمقدمة مسهبة حول تاريخ الرسل ودعوتهم أتمهم إلى دين الله، وكيف أن تلك الأمم تنكبت سبيل الهداية وكذبت، رسلها إلا فئة قليلة آمنت واتبعت سبيل
الرشاد.
هي
أمة
أحدا
بنو
من
وذكر أنه لم تجتمع من أمم الأرض على دين سماوي إلا ثلاث أمم، موسى وأمة عيسى وأمة محمد عليهم الصلاة والسلام، أما إسرائيل فقد من الله عليهم وجعلهم ملوكا وآتاهم ما لم يؤت العالمين، ولكنهم جحدوا أنعم الله وفضله وعصوا رسله، وعبدوا العجل، وقتلوا الأنبياء وأتوا الفواحش والمنكرات، إلا قليل ممن عصم
الله.
- (1)
-317 - (1/323)
صفحة 324
وكذلك كان شأن أمة عيسى إذ جاءهم بالبينات ودعاهم إلى تزكية النفوس، والتحلّي بفضائل الأخلاق، ولكنهم غلوا في عيسى وأمه حتى جعلوهما آلهة، فضلوا عن سواء السبيل.
وأما أمة محمد فكانت خير الأمم وأفضلها، وقد حباها الله
بصفة الوسطية والشهادة على سائر الأمم، وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) [سورة البقرة:143]. وجعل الله
من ميزات أمة الإسلام العصمة من الخطإ فيما اتفقت
عليه كلمتها. وقد وردت بذلك أخبار كثيرة عن الرسول، فكان إجماعها على أمر حجّة ودليلا على أنه الحق عند الله تعالى (1).
المطلب الأول: تعريف الإجماع وأركانه
أ= تعريف الإجماع:
ينطلق الوارجلاني في تحديد مفهوم الإجماع بإيراد معانيه اللغوية أولاً، ثم الخلوص إلى المعنى الاصطلاحي.
ف «الإجماع في لغة العرب على وجهين: تقول: أجمعت على الشيء إذا عزمت عليه. وتقول فيه: أجمعتُ على السفر وعلى الحج وعلى الجهاد؛ إذا عزمت عليه. والإجماع الآخر مثل الاتفاق.
وقد نطق بهما القرآن جميعا، قال تعالى: (فَأَجْمَعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةٌ ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظَرُونِ) [سورة
يونس: 71].
فإجماعهم أمرهم عزما عليه وشركاءهم: اتفاقهم عليه» (2).
(1) - ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 238 - 244
-
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 4.245 وانظر أيضا: ابن منظور، لسان العرب مادة: جمع. ج 1، صحفات 498 - 501.
-318 - (1/324)
صفحة 325
وهذا المعنى الثاني هو المراد بإجماع الأمة عند الفقهاء، وسواء أكان إجماعهم على القول أم الفعل أم الترك)).
ولا يحمل الإجماع معنى الصدق في ذاته، بل هو وصف أضافه الشارع للأمة الإسلامية امتيازا، ولفظة الإجماع تشمل على الحق والباطل، والخطا والصواب، ولكن اختصت هذه الأمة بالإجماع على الصواب، وبكون إجماعها حجة دون سائر الأمم» (2).
هذا
هو رأي الوارجلاني
وإذا اتجهنا إلى الغزالي فإننا نجده متفقا مع أبي يعقوب في مفهوم الإجماع «فإنما نعني به اتفاق أمة محمد ال خاصة على أمر من الأمور
الدينية)) (3).
وقد انتقد الآمدي تعريف الغزالي موضحا أن أمة محمد هي كل من اتبعه إلى يوم القيامة، فيكون اتفاقُ مَن وُجد في بعض الأعصار اتفاق بعض الأمة لا كلها، وهو ما يُشعر بعدم انعقاد الإجماع إلى يوم القيامة، إذا أخذ بتحديد الغزالي للإجماع، ولكن هذا ليس مذهبا للغزالي،،لا لمن اعترف بوجود الإجماع). وواضح أن الغزالي لا يقصد بالأمة ما فهمه الآمدي، بل عنى بها أهل الاجتهاد في عصر من العصور، كما سنبينه لاحقا. وإن كان للآمدي أن يقول: الإيراد لا يدفع المراد، فتعريف الغزالي فيه إبهام، وإن لم يكن قد
عناه.
ونختار لتعريف الإجماع ما حدده الأصوليون من أنه «اتفاق
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 245. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 245. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 173. (4) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 281.
-319 - (1/325)
صفحة 326
المجتهدين من أمة محمد الله في عصر من العصور بعد وفاته على حكم شرعي» (1).
ويشتمل التعريف على رؤوس مسائل كثيرة في موضوع الإجماع، سنعرض لبعضها مما يبين رأي أبي يعقوب فيها بإذن الله.
ب= أركان الإجماع:
يوضح تعريف الإجماع أنه: اتفاق المجتهدين، بأن الإجماع يعتمد في هيئته ووجوده على ركنين أساسيين هما: المجمعون، ونفس الإجماع. فمن هم هؤلاء المجمعون؟ وهل يحصل الإجماع بالاتفاق الكامل، أم
يجوز أن يخرج عنه البعض دون أن ينخرم الإجماع؟ هذا ما سيتضح لنا من خلال عرض النقطتين الآتيتين: من هم أهل الإجماع؟ وما حكم الإجماعات الجزئية؟
من هم أهل الإجماع:
المجمعون هم أمة محمد، وقد نصت دلائل الإجماع أن العصمة ثابتة للأمة بمجموعها، وظاهر هذا يتناول كل مسلم، لكن لكل ظاهر طرفان واضحان في النفي، والإثبات وأوساط متشابهة. أما الواضح في الإثبات فهو كل مجتهد مقبول الفتوى فهو أهل الحل والعقد قطعا، ولابد من موافقته في الإجماع، وأما الواضح في النفي فالأطفال والمجانين، والأجنة، فإنهم وإن كانوا من الأمة، فنعلم أنه عليه الصلاة والسلام ما أراد بقوله: "لا تجتمع أمتي على الخطيا (2) إلا من يتصوّر منه الوفاق والخلاف في المسألة بعد فهمها، فلا يدخل فيه من لا يفهمها.
(1) - على حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ص 95. (2) - أخرجه الترمذي بلفظ: إن الله لا يجمع أمتي على ضلالة، سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب 7 حديث 2167، ج 4، ص 466.
-320 (1/326)
صفحة 327
وبين الدرجتين العوام المكلفون والفقيه الذي ليس بأصولي، والأصولي غير الفقيه والمجتهد الفاسق، والمبتدع» (1). ويحدد الوارجلاني من يُعتد بهم في اجتهاد الرأي وفي الإجماع، وهم العلماء، وفي مقدمتهم العارفون بكتاب الله، وبفنون التفسير، وبالسنن وفنونها، وبالأصول، وهو علم الكلام وفنونه، وبالفقه وفنونه» (2). من لا يحسن إلا فنا واحدا من هؤلاء، فلا يعتد بهم في الإجماع ولا في الاختلاف، لأنهم في نمط العامة ولا سيما أنهم رواة، فأما أصحاب أصول الفقه فلهم حظ في الاجتماع والاختلاف، ما لم يكونوا
جفاة
وأما
عن الدين» (3).
بهذا نجد أبا يعقوب يدرج علماء الأصول ضمن المجتهدين بشرط توافر العدالة والأمانة فيهم، فإذا كانوا فساقًا أو أهل بدع، فلا اعتداد بهم في الإجماع. ويتفق الغزالي مع الوارجلاني في هذه النقطة، فيعتد بخلاف الأصولي
والفقيه المبرز، لأنهما أهل للاجتهاد، يقولان ما يقولان عن دليل). أما النحوي والمتكلم فلا اعتداد بهما لأنهما من العوام في حق هذا
العلم، إلا إن كانت المسألة منبنية على النحو أو الكلام. ودخول هؤلاء أو عدم دخولهم في عداد أهل الإجماع مسألة اجتهادية). ولكنها تنزل بالإجماع عند درجته العليا، فلا يصير حجة قاطعة، فإذا ما خالف متكلم، مثلا، ما أجمع عليه الفقهاء فإن إجماعهم
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 181. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 257. (4) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 183.
(5) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 183.
-321 -
- (1/327)
صفحة 328
ينزل عن درجته القطعية، لورود الشبهة عليه بدخول المتكلم ضمن أهل الإجماع. بينما لو خالف العوام هذا الإجماع لم تسلبه هذه المخالفة صفة القطع، لأنه لا اعتداد بالعوام في الإجماع اتفاقا، لعدم أهليتهم للاجتهاد، وهو أساس الإجماع، بل إنهم مكلفون باتباع المجتهدين، وتقليدهم بصريح أمر القرآن لهم بالسؤال وليس بعد السؤال إلا الاتباع؛ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ) [سورة النحل:43].
ورغم هذا فإنه يتصوّر دخول العوام في الإجماعات التي يشترك فيها الخواص والعوام، كالصلوات الخمس، وأركان الإسلام). أما إن شدت طائفة عن إجماع العلماء فرأي الوارجلاني أنه «إن ظهر الفساد في قولها، والعناد في فعلها، عُوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها، وكان إجماع المجتمع حقا عند الله، وصار الشاذ شاذا» (2). وضرب مثلا بما يروى عن السكاكية أنهم أنكروا السنة والرأي). وأن ليس ثمة إلا كتاب الله، ولا حاجة لنا إلى ما سواه، لقوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا في الكتاب منْ شَيْءٍ) [سورة الأنعام: 38]. والأصل أن يحاشي منهم كتابنا، غير أن الله لم يحاش من كتابه الكلب والخنزير والكافر» (). وتصوير الوارجلاني لمنزلة هؤلاء الذين خرقوا الإجماع، بيان منه لأهمية هذا الدليل وقوة الاحتجاج به، وخطورة إنكاره، وما يجره هذا الإنكار على المسلمين من تناقضات وابتداع في الدين.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 255؛ الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 181. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256. (3) - فرقة منشقة عن الإباضية، تزعمها أبد الله السكاك، لها آراء شذت بها عن الإسلام وتبرأ الإباضية منها لهذه الانحرافات.
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256.
-322
1 (1/328)
صفحة 329
- الإجماعات الجزئية:
لا يحصل الإجماع إلا بتوفر ركنه الأساسي، وهو اتفاق العلماء على رأي واحد في المسألة المعروضة للنظر.
ومن الاتفاق يستمد الإجماع حقيقته وقوته الإلزامية، ولكن من العلماء من لم يلتزم اشتراط حصول الاتفاق التام. وجوز إجماع الأكثر مخالفة الأقل. وثمة أنواع من الإجماع غير الكامل يمكن الاصطلاح على تسميتها بالإجماعات الجزئية. وأورد الوارجلاني بعض هذه الإجماعات والآراء حولها، ومنها: أن الإجماع المعتبر إنما هو إجماع أصحاب الفروع فقط. وقول البعض: إن المعتبر إجماع الأئمة وولاة الأمور.
وقول المالكية): إن إجماع أهل المدينة حجة (2). واكتفى أبو يعقوب بإيراد هذه الأقوال دون أن يكلف نفسه عناء الرد عليها أو مناقشتها. ولكن الغزالي لم يهمل، مناقشتها بعد أو أوردها وأضاف آراء
(1) - نسب العلماء إلى الإمام مالك القول بأن إجماع أهل المدينة حجة، ولكن الدكتور محمد حسن هيتو نقل إنكار بعض المالكية ذلك، منهم أبو بكير، وأبو يعقوب الرازي، والطيالسي، والقاضي أبو الفرج، والقاضي أبو بكر، وقالوا: "هذا ليس مذهباً له".
وقيل: قول مالك إن قولهم حجة محمول على أن روايتهم مقدمة على رواية غيرهم. وقيل: إنه محمول على المنقولات المستمرة كالأذان والإقامة. وذهب القاضي عبد الوهاب إلى أن اجتهادهم ليس بحجة، ولكن يقدم على اجتهاد غيرهم، فهو ليس قطعيا بل ظني يقدم على خبر الواحد والقياس. وفصل د. هيتو تأويلات العلماء لما ذهب إليه الإمام مالك، وحسم المسألة أخيرا بأن إجماع أهل المدينة ليس بحجة على المختار، وهو رأي الجمهور.
ينظر: الشيرازي التبصرة هامش المحقق د. محمد حسن هيتو، ص 365.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 256.
-323 - (1/329)
صفحة 330
أخرى منها:
قول البعض بإجماع أبي بكر وعمر، أو إجماع الخلفاء الأربعة، أو أن إجماع الأكثر لا تضره مخالفة الأقل.
وردّ عليهم أبو حامد بأن المعتمد عندنا أن العصمة إنما ثبتت للأمة بكليتها، وليس هذا بإجماع الكل، بل هو مختلف فيه، أما تمسكهم بأن قول الواحد لا يفيد العلم، فلا يرفع العلم الحاصل بالتواتر، فهو قول مردود، لأن العلم المدعى غير حاصل ما دام في المسألة خلاف، العلم لا يحصل إلا بالاتفاق (1). أما المالكية القائلون بإجماع أهل المدينة، ومن قال بإجماع العمرين أبي بكر وعمر أو إجماع الخلفاء الأربعة، فإن أرادوا أن هذه البقاع قد جمعت في زمن الصحابة أهل الحل والعقد فيحصل الإجماع باتفاقهم، صحيح نظريا، ولكن الأمر غير مسلّم في الواقع، لأن المدينة المنورة
فذلك
لم تجمع كل الصحابة قبل الهجرة، ولا بعدها وليس للمدينة مزيد فضل بحد ذاتها على سائر البلدان والأمصار بخصوص الإجماع، لأن العبرة بحصول الاتفاق؛ بقطع النظر عن زمانه ومكانه.
ولهذا فإنه لا وجه لكلام الإمام مالك إلا أن يقول: عمل أهل المدينة حجة لأنهم الأكثرون، والعبرة بقول الأكثرين، وقد أفسدناه، أو يقول: يدل اتفاقهم في قول أو عمل أنهم استندوا إلى سماع قاطع، فإن الوحي نزل فيهم، فلا تشذ عنهم مدارك الشريعة.
وهذا تحكم، فلا يستحيل أن
يسمع غيرهم حديثا
الله رسول من
في سفر أو في المدينة، ثم يخرج منها قبل نقله، والحجة في الإجماع ولا
إجماع ...
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 186. (1/330)
صفحة 331
وربما احتجوا بثناء رسول الله على المدينة، وعلى أهلها، وذلك يدل على فضيلتهم وكثرة ثوابهم لسكناهم المدينة، ولا يدل على تخصيص الإجماع بهم» (1). ويتبين بعد توضيح رأي الغزالي ونقاشه لقول المالكية، أن الراجح ما ذهب إليه الجمهور، وقرره أبو يعقوب وأبو حامد من أن الإجماع الذي يعتبر حجة قاطعة هو ما كان اتفاقا كاملا لمجتهدي الأمة، بلا استثناء. فإذا خالف البعض ولو، واحدا، فلا إجماع، ولا حجة، ولا إلزام في الاتباع، لأن الكثرة ليست دليلا على الصواب، فقد يكون الحق في جانب وهو ما قرره القرآن أيضا، وَقَليلٌ من عبادي الشَّكُورُ) [سورة سبا:13]، وَإِنْ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ} [سورة ص: 24]، (كَمْ مِنْ فِئَةً قَلِيلَة غَلَبَتْ فِئَةٌ كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ} [سورة البقرة:249]. لأنهم كانوا على الحق.
القلة،
وقد خالف عمر وحده المسلمين جميعا في قضية أسرى بدر، فنزل القرآن يؤيده، حتى قال رسول الله: «لو نزل عذاب ما نجا إلا عمر». ولكن يمكن الاستئناس برأي الأكثرين فيؤخذ به باعتباره اجتهادا أولى بالقبول إذا لم يتبيّن رجحان دليل الطرف الآخر، أما أن يرقى رأي الأغلبية إلى درجة الإجماع، فلا.
المطلب الثاني: حجية الإجماع
أ= أدلة المثبتين
سلك كل من الوارجلاني والغزالي خطا وحدا لإثبات حجية
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 187.
-325 -
- (1/331)
صفحة 332
الإجماع بدءاً بأدلة الكتاب ثم السنَّة ثم المعقول ولئن كانت أدلة السنة أوضح في الدلالة على المقصود، فإن أي القرآن أصح في الثبوت، إذ القرآن كله ثابت بالتواتر القاطع.
- أدلة الكتاب:
تتمحور هذه الأدلة حول خيرية هذه الأمة ووسطيتها واعتصامها
بحبل الله.
من
ذلك قوله عز وجل: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ
بالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل عمران:110]. ووجه الدلالة في الآية أن الله ما وصفهم بهذا الشأن العظيم، أوجب على الخلق اتباعهم في فعل المعروف وترك المنكر، وجعلهم حجة إذ أطلق هذا الاسم، فما أتت به هذه الأمة من الفروع كان سبيلا لهم معروفا وما نهت عنه كان منكرا، متروكا فمن اتبعهم اهتدى، فإجماعهم
أولى بالاتباع» (1). وفي قوله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختلفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الذينَ آمَنُوا لَمَا اختَلَفُوا فيه مَنَ الْحَقِّ بإذنه واللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاط مستقيم) [سورة البقرة:213].
في هذه الآية دلالة على وعد الله هذه الأمة أن يهديها إلى الحق في
كل ما اختلف فيه الأمم قبلهم، فإذا منح بعضهم الهداية إلى الحق، فما اتفقوا عليه فهو أولى أن يكون حقا وصوابًا.
وقد ذكر الله هذا الأمر في معرض الامتنان والتعظيم والإحسان.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 248.
-326 (1/332)
صفحة 333
كما جعل الله هذه الأمة وسطا، (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) [سورة البقرة: 143]. فكما لا يجوز الخطأ على الرسول في شهادته عليهم، فكذلك لا يجوز الخطأ عليهم في شهادتهم على غيرهم. وكونهم أمة وسطا معناه كونهم عدولاً، لأن الوسط هو العدل، فإذا كانت شهادة العدل الواحد جائزة، فهي في الجمع أجوز (1) وقد عقب الغزالي بعد إيراد الأدلة نفسها على أن هذه الآيات كلها ظواهر لا تنص على المقصود بصورة قاطعة وأن أقوى ما يمكن الاحتجاج به من الآيات آية سورة النساء (2).
-
وفي آية النساء يقول الحق عز وجل: وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مصيراً [سورة النساء: 115]. وفي هذه الآية الوعيد الشديد لمن تنكب طريق الحق، وشاق الرسول، واتبع غير سبيل المؤمنين. ويستخلص أبو يعقوب من الآية أنه لمّا توعد الله بالعذاب على ذلك، دلّ على وجوب اتباع سبيل المؤمنين، دون الندب، ودون
الإباحة» (3).
بينما يرى الغزالي أن الآية ليست نصاً في الغرض المطلوب، بل
الظاهر أن المراد بما أن من يقاتل الرسول ويشاقه، ويتبع غير سبيل المؤمنين
في مشايعته ونصرته ودفع الأعداء عنه، نوله ما تولّى)
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 249. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 174. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 245. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 174.ع
-327 -
- (1/333)
صفحة 334
ويستخلص الوارجلاني من الآية رأيا طريفا، مفاده أن اختلاف المؤمنين رحمة، وأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين واسع له، إذا كان في المسألة أكثر من قول. وبهذا تكون الآية أدل على سوغ الاجتهاد منها على حجية الإجماع، لأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين، وإذا كان الأمر كذلك فالإجماع أولى بوجوب اتباعه لأنه السبيل الوحيد عند حصول الاتفاق، وكل ما عداه فهو غير سبيل المؤمنين (1).
-
- أدلة السنة:
تعتبر
ذلك:
أدلة السنة أقوى من أدلة القرآن على بيان قوة الإجماع وحجيته، وقد تظاهرت الأحاديث عن رسول الله على اختلاف في الألفاظ واتفاق في المعنى على عصمة هذه الأمة من الخطا. ومن قوله: «لا تجتمع أمتي على ضلال» (2). وقد اشتهر هذا الحديث على لسان الصحابة الثقاة، كعمر وابن مسعود، وأنس وابن عمر وأبي هريرة وغيرهم. وقوله: «من فارق الجماعة قيد شبر مات ميتة جاهلية» (3). وقوله: «يد الله مع الجماعة، لا يبالي الله بشذوذ من شد» (4). وقوله: «من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليزم الجماعة» (.).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 245. سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب 7، حديث 2167؛ ج 4، ص 466. صحيح البخاري، كتاب الفتن باب 2، ج 9، ص 59 ولفظ الحديث «من فارق الجماعة
-
(2)
(3)
شبرا فمات، إلا مات ... »
-
(4)
سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب 7 حديث 2167، ولفظه «يدا الله مع الجماعة ومن
شذ شذ في النار».
-
(5)
سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب 7، حديث 2165، ج 4، ص 465 بلفظ «من أراد
بحبوحة الجنة فليزم الجماعة».
-328 - (1/334)
صفحة 335
هذه الأحاديث قد تجاوزت حد الآحاد، وهي إلى الاستفاضة أقرب، وبلغت حد التواتر المعنوي، ولم تزل ظاهرة في الصحابة والتابعين، لم يدفعها أحد من أهل النقل من سلف الأمة وخلفها، ولم تزل الأمة تحتج
بها في أصول الدين وفروعه (1).
-
دليل العقل:
أن الصحابة إذا قضوا بقضية وزعموا أنهم قاطعون بها، فلا يقطعون بها إلا عن مستند قاطع، وإلا فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم الحق، مع كثرتهم حتى لا يتنبه واحد منهم للحق والقطع بغير دليل قاطع خطأ، فإذا قضوا عن اجتهاد واتفقوا عليه فلا يكون إلا عن دليل قاطع، فيكون إجماعهم حجة (1).
ب أدلة المنكرين ومناقشتها
ينسب الأصوليون إلى إبراهيم النظام (3) القول باستحالة الإجماع، وفي كونه حجة ودليلا شرعيا ()، وذهب إلى أن الإجماع كل قول قامت، حجته، ولو كان قول امرئ واحد.
وهذا قول مخالف لعرف اللغة وواقع الاستعمال.
والذي دفع النظام إلى هذا القول هو التوفيق بين ما يراه من عدم
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 250؛ الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 175. (2) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 181 - 182. (3) - ينسب أغلب الأصوليين ومعهم الوارجلاني والغزالي - إلى إبراهيم النظام إنكاره الإجماع. وذكر د. محمد حسن هيتو قول ابن الحاجب أن النظام يحيل الإجماع عقلا، وعقب بأن الصواب ما قاله الشيرازي في شرح اللمع من أن النظام لا يحيله، وهو قول الجمهور في النقل عنه.
ينظر الشيرازي التبصرة هامش ص 349 وهو للمحقق الدكتور هيتو. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 4246 الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 173.
-329 -
- (1/335)
صفحة 336
حجية الإجماع، وما تواتر سمعا من تحريم مخالفة الإجماع، فقال: هو كل
قول قامت حجته (1).
-
وقد أورد الوارجلاني وجهة نظر النظام واحتجاجه وردّ عليه.
وتتخلص أدلة النافين للإجماع في ما يلي:
- من القرآن
تمسك نفاة الإجماع بقوله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول [سورة النساء:59]. أي إلى كتاب الله وسنة رسوله، ولا مجال للإجماع في الآية.
السنة
قلنا: هذا في النزاع، وأما إذا وقع الإجماع فلا ردّ، على أن أصل هو القرآن، وأصل الإجماع السُّنَّة، غير أن الإجماع يقضي على
السنة، والسنة تقضي على القرآن). كما تمسكوا بقوله تعالى: (وَمَا اختَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله} [سورة الشورى: 10]. وبقوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْل الله جميعاً وَلا تَفَرَّقُوا [سورة آل
عمران:103].
وهذه الآيات في الواقع نهي عن الاختلاف، وأمر بالرجوع إلى
الإجماع. والاختلاف المنهي *
فلا (3).
- من العقل:
عنه هو
ما اقترن مع البغي، وأما إذا فارقه
احتج النظام بالدليل العقلي والواقعي، وهو تعذر الإجماع لتعذر
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 173. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 249. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 250.
-330 (1/336)
صفحة 337
اللقاء بين المجتهدين واتفاق الآراء مع تباعد البلدان وقصر الأعمار، واحتمال كتمان بعض العلماء لما عندهم من رأي واجتهاد، لأسباب وظروف شتى، فيكون سكوتهم غير معتبر، ولاحتمال رجوع البعض عن آرائهم بعد الإدلاء بها.
ولكن هذه الافتراضات كلها لا تصمد أمام الواقع، إذ إن العلماء كالنجوم لا تخفى على الناس وآراؤهم سريعة الانتقال والاشتهار، لشدة حاجة الناس إلى معرفتها.
وأما سكوت العلماء فهو في غالب الأحوال حجة، لأننا نحسن الظن بهم والسكوت في معرض الحاجة إلى البيان بيان، إلا من قامت معه قرائن أثبتت أن سكوته كان عن غير رضى، وحال دون الإفصاح عن رأيه مانع من سلطان جائر، أو عدوّ قاهر. كما أنه لا اعتداد بالمخالف قبل حصول الإجماع، ولا عبرة أيضا به بعد الإجماع، لأن حجية الإجماع تثبت بمجرد حصوله، ولا يضر من
خالف بعد ذلك.
وفي موقف أبي بكر والصحابة من قضية محاربة مانعي الزكاة شاهد
قاطع وواضح على هذا).
«أما قول النظام بإحالة الإجماع فلا يدلّ عليه عقل ولا كتاب ولا سنة، وإن ادعى إحالته من قبل الإجماع فحسبه إيجاب الإجماع من قبل
إحالته من الإجماع» (2).
-
اعتراضات المنكرين على آية النساء:
تناول الوارجلاني اعتراض المنكرين على الإجماع على الاحتجاج
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 251 - 252.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 246.
-331
- (1/337)
صفحة 338
بآية سورة النساء، وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سبيل الْمُؤمِنينَ) [سورة النساء: 115]. فردّ عليها إجمالا ثم تفصيلاً.
به
أورد في البداية وجهة نظر النظام بأن الإيمان الذي وصف الله المؤمنين هو خصال كثيرة ولا يُلزم أحد اتباع المؤمنين حتى يعلم ما يتبعهم عليه (1).
وردّ عليه أبو يعقوب معرّضا «فقد انحل النظام من النظام، واختلط الانوار بالإظلام، فلو كلّف العامي ألا يتبع سبيل المؤمنين حتى يعلم أنه إيمان وطاعة، لكان العامي أعلم من المؤمنين الذين كلف اتباعهم» (2). - أما الردّ التفصيلي على شبههم على الآية، فهو:
- قولهم إن الأمر باتباع سبيل المؤمنين كان بخصوص وصف الإيمان. «لأنه قصر اتباعهم على اسمهم، فبخ بخ، فهذا كله عندنا إيمان وإسلام
ودين:
خذوا طرفي خرشى أو قفاها كلا طرفي خرشى لهنّ طريق.
و من توقف وقف، ومضينا نحن على ما هدانا الله.
ومن قصر على اتباعهم في البعض دون البعض، عكس عليه الآخر
فيما جعله في الإيمان دون سائر الطاعات انتصارا لمن فرّق.
وأما نحن فإن ذلك كله عندنا هو الإيمان والإسلام والدين» (3). أما قول القائل: إن الوعيد لمن حصل له الشرطان: مشاققة الرسول، واتباع غير سبيل المؤمنين، قلنا: إن الوعيد إذا وقع على الجملة فارز كل واحد منهما» (4).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 246. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 246. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 246. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 247.
-332 - (1/338)
صفحة 339
ومثاله في سورة الفرقان: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا
ولا
)
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَة وَيَخْلُدْ فيه مُهَانًا} [سورة الفرقان: 68 - 69]. «فمن ادعي أن الخلود هنا حصل على جميعها لا على الأفراد، قلنا: إن النهي واقع على جميعها، وأما على آحادها فلا يجب عليه خروج الشرك من النهي وسائرها، فالنهي والوعيد والخلود مقترنة ولا فرق» (). وكذلك الحال في آية النساء، فالوعيد فيها لمن شاق الرسول فقط، أو لمن اتبع غير سبيل المؤمنين فقط، أو لمن جمع بينهما؟ «لأن الوعيد إذا علق على أمرين اقتضى ذلك التوعد بكل واحد من الأمرين جملة وأفرادا» (2).
-
وأما الاعتراض على الآية أن الله قد اشترط بيان الهدى، ودليل الخطاب أن من لم يتبين له الهدى لم يدخل في الوعيد والتحريم وغيره، من أهل الجزائر، ومن كان في أقاصى الأرضين» (2). فهو غير مسلم، لأن تبين الهدى في الآية وصف لا شرط على أن دليل الخطاب فيه ما فيه» (!). المخالفة لا يحتج به على إطلاقه (ه).
لأن مفهوم
-
الترجيح:
بعد استعراض أدلة الطرفين، لا يخالج المنصف ريب أن الإجماع
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 247. (2) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص 292.
-
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 247.
(4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 247.
(5) - لمزيد تفصيل حول الاعتراضات على الاستدلال بآية النساء في إثبات حجية الإجماع
والردود عليها، ينظر:
الشيرازي، التبصرة، صحفات 349 - 353؛ الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، جا
صحفات 286 فما بعد.
-333 - (1/339)
صفحة 340
معتبر شرعًا، وقد ثبتت حجيته بأدلة نقلية متواترة المعنى، فكان حجة قاطعة مثل الكتاب والسنة.
ولكن الإجماع في واقعه وجوهره، يبقى جهدا بشريا، يتجلى فيه فكر علماء الأمة وفهمهم للإسلام نصاً أو روحا، واستلهام ضوابطه في الاجتهاد، ثم الاتفاق على رأي في المسألة.
وبهذا يختلف الإجماع عن الكتاب والسنة في كونهما مصدرين إلهيين
طريقهما الوحي، فالقرآن وحي متلو قطعي الثبوت، والسنة وحي
متلو متفاوت في درجات الثبوت.
غير
أما الإجماع فقد أقام الوحي كتابا وسنة قواعده بضمان عصمة الأمة، ووجوب اتباع ما اتفقت عليه كلمتها ولكنه يظل في حقيقته جهدا بشريا بذل في إطار ضوابط الكتاب والسنة.
لهذا فإننا حين ننتقل من الأخذ الله عن إلى نبيه، ثم إلى مجموع المؤمنين مجتمعين، فإننا ننتقل بلا ريب من درجة إلى أخرى، وفي نظام
تنازلي، ولكننا نظل دائما على مستوى ذي طبيعة واحدة» (1)، وهو
أمام أدلة أصلية نقلية، هي عماد مصادر التشريع الإسلامي.
المطلب الثالث: حقيقة الإجماع بين التصور والواقع
أننا
يقدم لنا الوارجلاني والغزالي تصوّراً لحقيقة الإجماع، وكيفية، وقوعه على اختلاف بينهما في بعض التفاصيل، مما يستدعي بالتبع
اختلافا حول بعض قضايا الإجماع.
(1) - عبد المجيد التركي، مناظرات في أصول الشريعة بين ابن حزم والباجي، تحقيق وتعريب د. عبد الصبور شاهين دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1987. ص 193.
-334 - (1/340)
صفحة 341
فأبو يعقوب يتصور وقوع الإجماع فيما إذا نزلت نازلة لا نص
فيها، فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن يجتهدوا، فإذا أطبقوا كان إجماعا، أو أقروا فاعل ذلك بلا نكير صار إجماعا، وإن رأى البعض غير رأيهم، وسكت كان آثما، وكان إجماعا لأن الدنيا بالظواهر وفي الآخرة تبلى السرائر. ومن سکت مجتهدا في طلب الأدلة، يراعى ما لمن ينقض العصر أو يصرّح وأما ما يتعلق بالدين [قضايا الديانة] فلا يسعه السكوت إن ظهر له علم وعنده فيه خبر لورود النهي عن ذلك. وأما إن كان شيء غير أكيد؛ فربما يبسط له العذر كما جرى لابن عباس مع عمرة في قضية العول ... » (1).
بهذا التوضيح نجد الوارجلاني قد فتح الباب واسعا للاحتجاج بالإجماع السكوتي، وهو ما لا يراه الغزالي الذي يصوّر الإجماع بأنه اتفاق فتاوي الأمة في المسألة في لحظة واحدة، انقرض العصر أو لم ينقرض، أفتوا عن اجتهاد أو عن نص مهما كانت الفتوى نطقا صريحا. وتمام النظر في هذا الركن بيان أن السكوت ليس كالنطق، وأن انقراض العصر ليس بشرط، وأن الإجماع قد ينعقد عن اجتهاد» (2).
انطلاقا
من تحديد الوارجلاني والغزالي لتصور الإجماع وواقعه، فإننا
نختار بعض قضاياه للتحليل والمقارنة. أ= حجية الإجماع السكوتي
بصريح
اللفظ
إذا أبدى المجتهدون آراءهم في المسألة محل البحث، كان إجماعا صريحًا، وهذا الإجماع متفق على ثبوت حجيته القطعية. ولكن الخلاف فيما إذا أبدى بعض آراءهم وسكت البعض، ولم
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 258. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 191.
-335 (1/341)
صفحة 342
ينكر الساكتون ما نطق به الآخرون.
فهل يُعتدّ بسكوتهم فيعتبر موافقة ضمنية وينعقد بذلك الإجماع؟
وهل يكون هذا الإجماع السكوتي في درجة الإجماع الصحيح؟ اختلف الأصوليون حيال هذه المسألة على ثلاثة أقوال أساسية (1). القول الأول: أن الإجماع السكوتي حجة قطعية لا تجوز مخالفتها، فهو كالإجماع الصريح، وإن كان أقل منه قوة.
وهذا رأي الوارجلاني). وبه أخذ الحنابلة وأكثر الحنفية (3).
وحجتهم
أن السكوت يُحمل على الموافقة متى قامت القرائن على ذلك وانتفت الموانع، وذلك باشتهار المسألة بين العلماء، ومُضي وقت
كاف للنظر فيها، وعدم وجود حائل يمنع من إصدار الجميع آراءهم. وقد أكد أبو يعقوب أن الواجب على العلماء إبداء آرائهم وعدم السكوت عن الحق إذا تبين لهم وبخاصة في أمور الديانات، وأنه يحرم على العالم تضييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة».
واستشهد لذلك بقول عبادة بن الصامت: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن نقول الحق ونعمل به، ولا تأخذنا في الله لومة لائم، في العسر
واليسر، والمنشط والمكره.
هذا
جانب العلماء، من
ودورهم في تحقيق الإجماع السكوتي.
وأما جانب العامة، فإننا نحسن الظن فيهم، وفي المسائل التي يشتركون فيها العلماء، عند من يقول باعتبارهم في إجماعاتها، وإن
(1) - فصل الشوكاني الأقوال في المسألة وبلغ بها اثني عشر قولا.
ينظر: الشوكاني إرشاد الفحول، صحفات 74 - 75.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 258.
-
(3)
ابن قدامة روضة الناظر، ص 78؛ زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 170. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 262.
-336 - (1/342)
صفحة 343
سكتوا عن الحق فهم آثمون ويحصل الإجماع رغم ذلك، لأن الدنيا
بالظواهر، ولسنا مكلفين باستطلاع السرائر ().
وقد يبسط العذر للعالم إن رأى وجهًا لسكوته، كما حدث لابن عباس مع عمر في قضية العول (2). القول الثاني: أن الإجماع السكوتي ليس
بإجماع، ولا يعتبر حجة أصلا، لا قطعية ولا ظنية.
وهو رأي الغزالي). وبه أخذ الشافعي والمالكية).
وحجة هذا الفريق أنه لا ينسب لساكت قول، ولا يمكن حمل السكوت على الموافقة بالضرورة، إذ قد يكون سكوت العالم لعدم توصله إلى رأي خاص في القضية المطروحة، أو عدم علمه بها أصلا، أو خوفه من سلطان جائر، أو لاعتقاده أن غيره قد كفاه مؤونة البحث، فلا حاجة إلى
إبداء رأيه، أو اعتقاده جواز المخالفة في المسألة، وكل مجتهد مصيب. وبناء على هذا فلا حجة في سكوت من سكت، لأن العصمة ثبتت للأمة كلها لا لبعضها، والناطقون هم بعضها لا كلها، فيكون السكوت خارما للإجماع (.).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 258. (2) - عُرضت على عمر الا الله مسألة في الميراث فيها: زوج، وأخت، وأم، فجعل للزوج النصف، وللأخت النصف، ولم يبق للأم شيء، وحكم عمر أن الله لم يجعل في المال نصفا ونصفا وثلثا. فأفتى العباس عليهم أن أنزلوها منزلة أصحاب الربا إذا وضعوا. فأجرى عمر العول في المسألة وصيّر مجموع السهام أصل المسألة، وكان ابن عباس في القوم صغيرا، فسكت ثم أبدى رأيه بعد مدة منكرًا إدخال العول في الميراث، فقال له عبيدة السلماني: انعقد الإجماع،
ولو مت اليوم ما قسم مالك إلى على رأي الجماعة.
فقد قام عذره في السكوت، ولكن لم ينخرم بسكوته الإجماع. ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 258 - 259. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 191. (4) - زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 169. (5) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 191 - 192.
-
-337 - (1/343)
صفحة 344
ظنية.
القول الثالث: أن هذا الإجماع السكوتي ليس بإجماع، ولكنه حجة
و ممن قال بهذا بعض الحنفية وبعض الشافعية (1).
أن حقيقة الإجماع الاتفاق من الجميع حقيقة، وهذا غير وحجتهم متيقن في الإجماع السكوتي، لأن السكوت مهما قيل في دلالته على الموافقة فلن يرقى إلى دلالة التصريح وعليه فإنه لا يعد إجماعا قاطعا، ولكن لرجحان دلالته على الموافقة عند انتفاء الموانع اعتُبر حجة ظنية (2).
الترجيح: لا نرى ضرورة حصر الاتفاق في ما دل عليه صريح اللفظ، إذ إن القرائن قد تفيد في أحوال عديدة، وتدل دلالة قاطعة على أن السكوت موافقة لصريح المنطوق، ولهذا فإن الإجماع السكوتي يندرج ضمن الإجماع المعتبر حجة شرعية.
والغالب على العلماء في السكوت الموافقة ولا يجوز لهم كتمان رأيهم إن كان مخالفا لما صرّح به الآخرون لأنهم يعتقدون حرمة إخفاء الحق ممن تبين له وأداه إليه علمه.
وأما احتمال سكوتهم خوفا من سلطان أو ظالم فهو أمر لا يخلوا منه زمان، ولا، مكان ولو تمسكنا بهذه الاعتبارات ما انعقد الإجماع إلى يوم الدين، ولبقي الإجماع تصورا في الأذهان، وسطورا في الأوراق، ونكون قد مكنا نفاة وقوع الإجماع من حجة ثمينة تأتي على ما بنيناه من أركان هذا الأصل ومكانته بين مصادر التشريع.
(1) - زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص 170.
-
(2)
زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص 170.
-338 - (1/344)
صفحة 345
ب هل انقراض العصر شرط للإجماع؟
من الأدلة
تباينت آراء الأصوليين حول المدة التي ينعقد فيها الإجماع، هل يتم ذلك بمجرد حصول الاتفاق؟ أم لا بد من مضي فترة زمنية يتأكد فيها هذا الاتفاق؟ فلا يعدل أحد المجتهدين عن ريه بما قد يستبين له بعد صدور رأيه الأول؟ وإلى أي وقت يكون الانتظار؟ أإلى أجل مسمى؟ أم حتى يموت المجمعين دون أن يخالف أحدهم ما أجمعوا عليه؟ يرى الغزالي أنه إذا اتفقت كلمة الأمة ولو في لحظة واحدة انعقد
جميع
الإجماع، ووجبت عصمتهم من الخطا).
بينما يترك الوارجلاني فسحة زمنية لمن غاب عن المجمعين، وكان أهلا للاجتهاد، فيجوز له إبداء رأيه ومخالفة ما اجتمع عليه أهل العصر (2). والواقع أن قول الوارجلاني في غير محل الخلاف، إذ إن غياب أحد المجتهدين، وعدم إبدائه الرأي في الحادثة خارم للإجماع، فلا يتم إلا باتفاقه مع ما ذهب إليه الآخرون، سواء بصريح اللفظ أو ضمناً، إن قامت دلائل رضاه في سكوته. ولكن الوارجلاني يقصد من هذه المسألة إلى فتح الباب أمام من لم يبلغ درجة الاجتهاد ليبدي رأيه فيما اجتمع عليه أهل العصر، حتى تكتمل لديه آلة الاجتهاد ().
وذكر بخصوص هذا قول البعض إنه لا يراعى من غاب أو حضر، إذا لم يكن أهلا للاجتهاد وليس بصحيح، وقال بعضهم: إنما يُنظر في
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 192.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 259. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 259.
-339 - (1/345)
صفحة 346
ذلك إلى الصحابة أيام الصحابة، فإن انعقد رأيهم كان إجماعا، ولا يراعى من التابعين أحد، وليس بصحيح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «رب مبلغ
أوعى من سامع» (1).
وقال بعضهم: إنما الاجتهاد في أكابر أصحاب رسول الله، وليس أصاغر الصحابة وليس بصحيح، بل للجميع
لغيرهم مخالفة
من
أن
يجتهدوا وليهم إيضاح وإظهار ما أبصروا. وقال بعضهم: إنما يراعى العصر، فإذا انقضى فلا رأي لأحد
بعدهم.
واختلفوا في من لم يبلغ درجة الاجتهاد فراعاه بعض ولم يراعه
بعض، والصحيح أنه يراعى (2).
المناقشة والترجيح:
لقد فتح الوارجلاني بهذا الاتجاه الباب واسعا أمام من لم يبلغ درجة الاجتهاد حتى حصول الاتفاق ليبدي رأيه في المسألة، بعد بلوغه درجة
الاجتهاد.
ولكن الأخذ بهذا الرأي يفضي بنا في واقعه إلى إبطال حقيقة الإجماع، ولذا فإننا نرى رأي الغزالي أولى بالاعتبار، لأنه حاسم لكل مداخل النقض والإبطال الواردة على الإجماع، حينما نزله على أرض الواقع والتطبيق.
وقد علّل أبو حامد رفضه اشتراط انقراض العصر الذي يعني انتظار موت جميع المجتهدين بأنه شرط فاسد لأن الحجة في اتفاقهم لا في موتهم والاتفاق حاصل قبل الموت فلا يزيده الموت إلا تأكيدا.
(1)
سنن الترمذي، كتاب العلم، باب 7، حديث 2656، ج 5، ص 34.
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 259.
- TE. (1/346)
صفحة 347
كما أن أدلة حجية الإجماع من كتاب و سنة، لا اعتبار فيها لانقراض العصر.
وهو
وأما القول باحتمال رجوعهم عن الإجماع ما داموا أحياء، فهو احتمال باطل، لأنهم إن رجعوا جميعا كان أحد الإجماعين محال، وإن رجع البعض فلا يحل له لأنه يكون بذلك قد خالف إجماع
الأمة (1).
القيامة،
واشتراط انقراض العصر يعني عدم حصول الإجماع إلى يوم لأن عدد المجتهدين لا ينحصر أبدا لاستمرار موت البعض، واستمرار بلوغ البعض درجة الاجتهاد بصورة لا تكاد تنقطع إلى يوم
الدين.
ج الرجوع إلى القول المهجور، وإحداث قول ثالث في المسألة قد يحدث أن تُعرض على المجتهدين مسألة فلا تتفق كلمتهم حولها، ويختلفون فيها على قولين، ثم يرجعون إلى العمل بأحد القولين باتفاق، فهل يصير ذلك إجماعا، ويحرم به الرجوع إلى القول المهجور؟ يرى الوارجلاني أن اتفاقهم على أحد القولين لا يصير إجماعا، خلافا لمن رآه كذلك.
ويعتبر أبو يعقوب القول المتروك خلافا قائما، لا يحظر الأخذ به، ويسع من يأتي بعدهم الرجوع إليه، والإطباق عليه، ولا ينبغي لأحد أن يحظر سعة رحمة الله (2).
وإلى قريب من هذا ذهب الغزالي في حالة ما إذا حصل الاتفاق في المسألة، وخالف أحد المجتهدين قبل حصول الاتفاق، ثم مات على رأيه
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 192.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 265 - 266.
-341 - (1/347)
صفحة 348
المخالف، فإنه لا يصبح رأي الآخرين في المسألة إجماعا، لأنهم بعض الأمة بالنسبة لتلك القضية، لوجود المخالف فيها، ويصير رأيه مهجورا، ولا
يبطل الأخذ به، لأن الفتوى لا ينقطع حكمها بموت صاحبها (1).
ويقابل هذه الصورة وجه آخر، وهو أنه:
إذا اختلف العلماء في المسألة على قولين فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول ثالث فيها؟
في
عمر
يفيد ظاهر كلام الوارجلاني أن ذلك جائز، وهو من سعة رحمة الله
مسألة
التي لا يجوز لأحد حظرها على الأمة. واستشهد أبو يعقوب لذلك بما روي عن جابر بن زيد ومسروق التحريم؛ من قال امرأته عليه حرام فرأي علي أنها ثلاث، وعن أنه [طلاق] رجعي، ورأي بعض الصحابة أنه واحدة بائنة، وأطبق الصحابة على هذه الأقوال الثلاثة، ثم بعد ذلك رأى مسروق وجابر وبعض التابعين أنه كفارة يمين وعليه العمل اليوم عند أكثر الأمة، إلا إحياء الأقاويل الثلاثة» (2). أما الغزالي فقد منع إحداث قول ثالث في المسألة بعد اجتماع الأمة على قولين، واعتبر المصير إليه خرقا للإجماع، لأن فيه نسبة الأمة إلى التضييع والغفلة عن الحق، وهذا محال (3).
ولئن اكتفى الوارجلاني بعرض رأيه وإيراد شاهد عليه، فإن الغزالي أضاف شبه الخصم القائلين بجواز إحداث قول ثالث في المسألة، وردّ
عليها.
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 194 - 195. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 260.
(2)
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 199.
-342 - (1/348)
صفحة 349
وهي تتلخص في أن فرض المجتهدين بذل الوسع بحسب ما عندهم من علم وأدلة، وليس عليهم الاطلاع على جميع الأدلة، بل يكفيهم معرفة
الحق بدليل واحد.
منه
واختلافهم على قولين لا يعني الإجماع على تحريم قول ثالث، فالمنع
تحكم بلا دليل).
ويردّ الغزالي بأنه كما يحرم مخالفتهم إذا اتفقوا على قول واحد عن
لأنه
يوجب
اجتهاد؛ فكذلك إذا اتفقوا على قولين لم يجز خلافهم، نسبتهم إلى تضييع الحق والغفلة عن دليله (2). ثم ذكر أن تخريج قول من قولين لا يعدّ قولا ثالثا، كما لو اختلف العلماء في حكم المس واللمس هل ينقضان الوضوء؟ فذهب بعضهم إلى أنهما ينقضان الوضوء معا، وذهب آخرون إلى أنهما لا ينقضانه معا، واتفقوا على القولين، فإذا قال من بعدهم إن المس وحده أو اللمس وحده ناقض فلا يعدّ قولاً ثالثا (3).
كما ردّ على رواية مسروق أنه أحدث قولا ثالثا في مسألة تحريم الزوجة، بأنه لم يستقر إجماع كافة الصحابة على قولين في المسألة. بل ربما كان بعضهم في مهلة النظر، أو لعل مسروقا كان من أهل الاجتهاد في عصر الصحابة.
فلا وجه للاحتجاج بالقضية أصلاً، فضلا عن كون الخبر عنه جاء آحاديا، فلا ينقض ما ذهب إليه أبو حامد من تحريم إحداث قول ثالث).
-
الترجيح:
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 199 - 200. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 199 - 200. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 200. (4) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 201 - 202.
-343 - (1/349)
صفحة 350
الأول
نحسب أن الأقرب إلى الواقع في المسألة التفريق بين عصر الصدر الصحابة والتابعين وبين العصور التالية فلا يستحيل أن تشذ من مدارك الشريعة وأدلة الأحكام عن الصحابة قبل عصر الجمع والتدوين، وقد كانت السنة متفرقة في الصدور، والصحابة منتشرون في الأرض للدعوة والجهاد، وابتغاء الرزق من فضل الله.
واحتمال إيجاد قول ثالث بعد اختلافهم في المسألة على قولين، يعدّ
احتمالا منطقيا، نظرا للعوامل المذكورة.
هذا
من جهة الافتراض العقلي، ومن جهة الدليل النقلي، فإننا نستسمح الغزالي في فهمنا لحجية الإجماع وعصمة الأمة، أنهما ضمنا لهذه ين توافر شرطهما، وهو الاتفاق. ولا يكون الاتفاق بدليل
الأمة
الخطاب، إذ عدّه اتفاقا على عدم وجود قول آخر. ولكن هل يبقى هذا الاستنتاج أو الاستدلال محصورا في دائرة الاختلاف على قولين؟ أم إنه استدلال، عام يمكننا أن نسحبه على اختلاف الأقوال مهما بلغت عددا؟ فنقول إن الاختلاف على تسعة أقوال اتفاق على عدم وجود قول عاشر في المسألة؟
الحق أن عدم القول بالشيء ليس دليلا على القول بعدمه، ولهذا فإن موافقة الغزالي في استدلاله بحجية الإجماع تعكر عليها هذه الأسئلة، ويكون حظر إحداث قول ثالث بالنسبة للصدر الأول تضييقا من سعة
رحمة الله.
أما بعد الصدر الأول فقد ضبطت أدلة الأحكام، ودونت السنة، وحفظت من الوضع والدخيل ضمن موازين الجرح والتعديل، وتميزت علوم الشريعة واجتمعت للمجتهدين وسائل البحث واكتملت لديهم آلة الاجتهاد. فإذا ما استفرغوا جهودهم في المسألة واختلفوا على قولين، فإن
إحداث قول ثالث بعد ذلك يعدّ نسبة للأمة إلى الغفلة والتضييع. ولا يمكننا رغم هذا أن نعتبره خرقا للإجماع، لأن حجية الإجماع
-344 - (1/350)
صفحة 351
مبناها عصمة الأمة، وشرط العصمة حصول الاتفاق التام بين جميع
المجتهدين على قول واحد لا أكثر.
ونخلص من ثالث في الصدر الأول دون ما بعده من العصور.
هذا إلى موافقة الوارجلاني بخصوص جواز إحداث قول
كما أننا نوافق الغزالي في القول بعدم جواز وقوع ذلك في الأعصر
التالية للصدر الأول، لما في ذلك من تهمة الأمة بالتضييع في أمور الدين، لا لما فيه من خرق للإجماع.
وبذلك يصير أي الوارجلاني تاريخيا، ورأي الغزالي واقعيا.
ونشير إلى أن الآمدي اختار رأيا أبان فيه المقصود بخرق الإجماع، «وهو أنه إن كان القول الثالث مما يرفع ما اتفق عليه القولان، فهو ممتنع مخالفة الإجماع، ومثله مسألة ميراث الجد والإخوة، فقد اختلف
لما فيه من فيها المسلمون على قولين بعض يقول بمقاسمة الجد للإخوة، وبعض يقول بحجبه لهم، فالمتفق عليه أن للجد قسطا من المال دائما، والقول الحادث أنه لا يرث شيئا يكون خرقا للإجماع» (). وهذا أمر واضح لا إشكال فيه، وإنما مناقشة الغزالي كانت في اعتبار إحداث القول الثالث نفسه خرقا للإجماع، بقطع النظر عن كونها رافعا للقدر المتفق عليه بين القولين السابقين أم لا. وهو ما أوضحناه بما نحسب أن فيه الكفاية إن شاء الله.
المطلب الرابع: الإجماع وخبر الآحاد
نتناول في هذا المطلب قضيتين موضوعهما علاقة الإجماع بخير الآحاد، الأولى: حول ثبوت الإجماع بخبر الآحاد، والثانية حول تعارض
(1) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، ص 386.
-345 - (1/351)
صفحة 352
الإجماع وخبر الآحاد.
أ= ثبوت الإجماع بخبر الآحاد
إذا كان الإجماع حجة قطعية وخبر الآحاد حجة ظنية، فهل يجوز
أن يثبت الإجماع بخبر الآحاد؟.
وقف الوارجلاني والغزالي أزاء هذه القضية على طرفي نقيض. فأبو يعقوب يرى أن الإجماع يصح ثبوته بخبر الآحاد).
بينما يذهب الغزالي إلى عدم ثبوته (2).
وبكلا القولين قد أخذ جماعة من الأصوليين، فالجويني والآمدي والماوردي اعتبروا الإجماع المنقول بطريق الآحاد حجة، ونقل الآمدي الاختلاف في اشتراط التواتر في نقله (3).
ويؤيد الشماخي ما ذهب إليه الوارجلاني معللا ذلك بأن الإجماع المروي بطريق الآحاد يجب العمل بمضمونه لأن الخبر دليل ظني، إذ نقلته الآحاد ويجب العمل به والإجماع دليل قطعي، فهو أولى بالعمل
بمضمونه» (1).
ويعتمد الغزالي في استدلاله كذلك على اعتبار الإجماع دليلا قاطعا يحكم به على الكتاب والسنة المتواترة، ولذلك وجب ثبوته بطريق قاطع، بينما خبر الواحد غير قاطع، فكيف يثبت به ما هو قاطع».). ولم ينكر أبو حامد استحالة التعبد بذلك عقلا، لو ورد السمع به،
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 265.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 2.
(3)
0404
الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 79؛ الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص
(4) - الشماخي شرح مختصر العدل، ورقة 62 ظ.
(5) - الغزالي المستصفى، ج 1، ص 216.
-346 - (1/352)
صفحة 353
ولكنه لم يرد. ومع ذلك فإنه لا يقطع ببطلان مذهب القائلين بثبوت
الإجماع بخبر الواحد، ووجوب العمل به (1).
الترجيح:
إن كون الإجماع دليلا قاطعا أمرٌ مسلّم به، ولكن هذا لا يستلزم التلازم بين حجية الإجماع وبين طريق نقله إلينا، فقد ينقل إلينا متواترا، وقد ينقل آحادا. ولا شك أن الطريق الأول أقوى في الثبوت وأولى بالقبول، كما، السنة حجة قطعية ثبتت حجيتها بأدلة كثيرة، ولكن أغلبها نقل إلينا بواسطة أخبار الآحاد، ولو شرطنا التواتر في نقلها لضاعت أغلب أحكام الشريعة، وطمست معالم الدين.
فالإجماع يجب العمل به متى حصل الظن، به، وذلك حاصل بنقله
بطريق الآحاد، قياسا على السنة، ولا فرق.
يتم
وقد يؤدي اشتراط التواتر في نقل الإجماع إلى استحالة نقله على صعيد الواقع العملي، لاختلاف الإجماع عن السنة في طريق النقل، فالسنة قولا أو فعلاً أو تقريرا، يمكن نقلها، متواترة لأن مصدرها واحد هو الرسول ويستمر نقلها بصفة التواتر في كل حلقات السند، أما الإجماع فلا غالبا حصوله في لحظة واحدة ومكان واحد مما يجعل تحقق نقله متواترا شبه مستحيل لاختلاف أمكنة المجتهدين وأزمنة إصدارهم الفتوى في المسألة محل الاجتهاد ولذلك يبعد أن يشاهد أهل التواتر بأسرهم كل واحد من المجتهدين المجمعين شرقا وغربا، ويسمعوا ذلك منهم ثم ينقلونه إلى عدد متواتر ممن بعدهم، وهكذا دواليك. ونرى ترجيح الرأي القائل بعدم اشتراط التواتر في نقل الإجماع
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 217.
-347 - (1/353)
صفحة 354
نظرا لعدم التلازم بين كونه حجة قاطعة وبين وجوب العمل به اللازم عن حصول الظن به وهذا الظن متحقق في نقله بغير طريق التواتر، فضلا عن كون اشتراط التواتر ذاته متعذرا عمليا لما يفضي إليه من إبطال وقوع الإجماع أصلا، أو تعذره على أقل تقدير.
ب تعارض الإجماع وخبر الآحاد
يقرر الوارجلاني أن الصحابة لا يمكن أن يُجمعُوا في قضية على الكتاب والسنة)). خلاف نصوص
(1)
خة
ويُقصد بالسنة المتواتر منها أو المشهور؛ أما ما دون ذلك فيصنفه ضمن نصوص القرآن والسنة وهو أن تكون هذه النصوص منسوخ بنصوص أخرى أو بوجه من وجوه النسخ، ولا يجيز نسخا إلا بقرآن أو
سنة مثلها، أما الإجماع والاجتهاد فلا ينسخان القرآن ولا السُّنَّة (2). والخلاف القائم هو: هل يمكن أن يتعارض الإجماع مع خبر الآحاد؟ لا يرى الوارجلاني ثمة تعارضا فإذا أطبقت الأمة على رأي وظهر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، فاتفق الجميع أن الرواية ترعى، ويكون قولة من
أقاويل العلماء. فإن رجعوا عن أقاويلهم إلى الرواية صارت إجماعا. وإن ثبتوا على رأيهم صارت الرواية قولة من أقاويل المجتهدين، وإن أطبقوا ولم ينكروا فهناك تصير الرواية وإجماعهم قولتين، أو ثلاثة أو أربعة، على قدر اختلافهم ... » (3). ويقرر أبو يعقوب أن الأصل في سنة ظهرت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 267.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 267. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 264.
- TEA - (1/354)
صفحة 355
أنها تعدّ قولة من أقاويل المسلمين» (1).
ويظل أبو يعقوب بموقفه هذا منسجما مع تصوره لإمكان حدوث قول ثالث بعد الإجماع على قولين في المسألة، وهو ما أوضحناه في ما مضى، إذ إن مدارك الشريعة في العصر الأول لم تكن مضبوطة مدونة، مما يفتح المجال لاحتمال عثور المجتهدين على حديث بعد حصول إجماعهم، أو استقرارهم في المسألة على قولتين أو ثلاث فلا يحجر على أحد أن يأخذ بالخبر الثابت بعد ذلك بل لا يجوز رده بدعوى الإجماع، لأن سابق على الإجماع ثبوتا، وإن تأخر عنه ظهوراً.
النص
كما نجد الوارجلاني منسجما ما قرره من قبول الإجماع واعتباره إذا نقل إلينا بطريق الآحاد مما يجعله مساويا لخبر الآحاد في
القوة وإفادة الظن ووجوب العمل.
من
فإذا ما ورد الخبر وثبتت صحته، ولم يقدح العلماء فيها لعلة العلل، فإن هذا الخبر يصير قولة من أقاويل العلماء، بجانب الإجماع السابق؛ وإن كان للإجماع فضل الرجحان لاستقرار المجتهدين عليه رغم ورود الخبر، وذلك لا يكون إلا لمرجّح، إذ يتنزه العلماء أن يميلوا إلى رأي أو يرجحوه اتفاقا بمحض الهوى واتباع الشهوات
خاتمة: الإباضية وحجية الإجماع ذكر الآمدي (2) والشوكاني (3) وعنهم نقل بعض المحدثين ومنهم الدكتور وهبة الزحيلي أن الشيعة والخوارج والنظام لا يعترفون بحجية
(1)
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 265. (2) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1 ص 286.
-
(3)
الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 65.
(4) - د. وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، مطبعة جامعة دمشق، ج 1،
-349 - (1/355)
صفحة 356
الإجماع.
وقد تعرّضنا لحقيقة نسبة إنكار الإجماع إلى النظام، ولم نتطرق إلى مقالة الشيعة، ففي كتبهم حقيقة موقفهم.
وأما إنكار الخوارج للإجماع فلا ندري من يُقصد بهؤلاء الخوارج؟ فإن عنوا بهم الأزارقة والنجدات والصفرية فتلك طوائف قد خلت ومضت إلى ما قدمت ولم تخلف لنا تراثا نحتكم إليه لمعرفة آرائها، كما تدعو إلى ذلك طبيعة المنهج العلمي، من استقاء المعلومات من مصادر
أصحابها.
وإن حشر هؤلاء الإباضية ضمن زمرة الخوارج، كما هو سائد في اصطلاح أصحاب المقالات، فهذا أبو يعقوب يوضح المسألة من ألفها إلى يائها، وعلى نهجه سار أصوليو الإباضية اللاحقون، من أمثال الشماخي والقصبي والتلاتي، والسالمي، واطفيش وفي كتب هؤلاء بيان موقف الإباضية من حجية الإجماع، وهم الذين قالوا من ردّ ما اتفقت عليه الأمة كمن ردّ السُّنَّة، ومن ردّ السُّنَّة كمن ردّ التنزيل، ومن ردّ
التنزيل أشرك» (1).
فهل بعد هذا البيان يحتاج الأمر إلى مزيد بيان؟!.
ص 101.
(1) - أبو عمرو السوفي، رسالة في الفرق، ص 6.
-350 (1/356)
صفحة 357
المبحث الرابع دليل القياس
تمهيد هل القياس دليل؟ أم استثمار للدليل؟
وما أهمية القياس ومدى خطورته؟
في حديث مضى عن تقسيم الأدلة عند كل من الوارجلاني والغزالي أشرنا إلى أنهما لا يعتبران القياس دليلا مستقلا بذاته، وإنما يحصران الأدلة في ثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع.
ويصنف الوارجلاني القياس، أو ما يسميه دليل العبرة، ضمن أقسام
ما يستفاد من معقول النص.
وهو ما يتفق اعتبار الغزالي القياس استثمارا للنص، وليس دليلا. ولكننا لم نلتزم هذا التصنيف مسايرة لما تواضع عليه أغلب الأصوليين من اعتبار القياس ضمن أدلة الأحكام، وأنه الأصل الرابع بعد الأصول الثلاثة المتفق عليها: الكتاب والسنة والإجماع.
وميدان القياس فسيح متشعب تتعذر الإحاطة بكل جوانبه ومسائله، ولذا سنقتصر على أهم قضاياه الجوهرية ونحن نعرض لآراء أبي يعقوب بما أمكننا من الإيجاز والتركيز. أما مكانة القياس فإنه لم يكن لينال من عناية علماء الأصول ما ناله لولا أهمية البالغة وخطورته الكبيرة في الوقت ذاته. وأهمية القياس تنبع من كونه مصدرًا أساسيا لضمان استمرار الشريعة الإسلامية ومواكبتها لتطور الزمان وتنوع البيئات والبلدان، وتحقيق ما تميز به هذا الدين من سمات أهمها الشمول والخلود. أما خطورة القياس فهي كامنة في أن استعماله على غير ضوابط
-351 - (1/357)
صفحة 358
الشرع وقواعده، يؤدّي إلى القفز على النصوص ولي أعناقها، وتطويع الدين قسرًا للأهواء والنزوات؛ بدعوى التطور ومواكبة ركب
الحضارة.
شعورًا بهذه المخاطر وسعيًا لدرئها فقد عُني الأصوليون بتحديد مسار القياس وضبط قواعده بما لا يخرجه عن غايته وهدفه، ألا وهو صبغ الحياة البشرية في مختلف مناحيها ومستوياتها الحضارية بصبغة الدين، وإخضاعها لأنظمته وتشريعاته، وليس العكس كما يريد أصحاب الأهواء من تطويع أحكام الدين وإخضاعها للمصالح المتقلبة، والنزوات الجامحة، و أنظار البشرية القاصرة.
-
-
وتدون مباحث الأصوليين في باب القياس حول المحاور الآتية:
تعريف القياس لغة واصطلاحا. أركان القياس، وشروط كل ركن.
إثبات حجية القياس والرد على منكريه.
مسالك العلة وقوادحها.
أقسام القياس ومجالاته.
وهي مباحث جد هامة وواسعة وتعتبر جوهر أصول الفقه وأصعب مباحثه، ولذلك نالت من العلماء بالغ العناية والاهتمام.
-352 - (1/358)
صفحة 359
المطلب الأول: تعريف القياس وأمركانه وشروطها
أ= تعريف القياس:
القياس لغة:
يعني
التقدير (1)، أي معرفة مقدار الشيء.
القياس في اللغة يقال: قست الثوب بالذراع، والأرض بالمتر، أي عرفت قدرهما. والتقدير نسبة بين شيئين تقضي بالمساواة بينهما، فالمساواة لازمة
للتقدير، إذ يقال فلان لا يقاس بفلان، أي لا يساويه (2). وقد جعل الوارجلاني أصل القياس في اللغة التساوي. وذكر أن العرب تقول: قس هذا الثوب إلى هذا يريد كيما يُعرف تساويهما في المقدار والقيمة (3). والأدق ما اختاره الآمدي من كون المساواة لازمة للتقدير. وأما
قولنا إن القياس معناه، التقدير فذلك باعتباره نتيجة وغاية للقياس. وليس هو نفس القياس. ولكن لما جرت العادة باستعمال القياس للتقدير، قلنا لا
مشاححة في الألفاظ.
-
القياس اصطلاحا:
يختلف القياس في اصطلاح المناطقة عنه في اصطلاح الأصوليين. اصطلاح المناطقة: القياس عند المناطقة قول مؤلف من أقوال متى
-
سلّمت لزم عنها لذاتها قول آخر).
(1) - ابن منظور، لسان العرب مادة: قيس، ج 3، ص 200. (2) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 3، ص 261؛ الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 174؛ وهبة الزحيلي الوسيط في أصول الفقه، ج 1، ص 158.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 325. (4) - د. أبو العلا عفيفي، المنطق التوجيهي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1951،
-
ص 077
-353 - (1/359)
صفحة 360
ميت.
وهو نوعان: قياس اقتراني، وقياس استثنائي أو شرطي. فالأول كقولنا كل إنسان، ميت ومحمد إنسان، يلزم عنه: محمد
والثاني وهو ما دلّ على النتيجة بواسطة أداة الاستثناء "لكن". وذلك كقولنا: كلما كانت الشمس طالعة فالنهار موجود، لكن النهار موجود فالنتيجة: أن الشمس طالعة).
وفي هذه الأقيسة تفاصيل مبسوطة في كتب المنطق (2).
- اصطلاح الأصوليين: يذكر الوارجلاني أن للأصوليين في تعريف القياس زهاء عشرين لفظًا، كلها قاصرة عن التوفية لحده (3). واختار تعريفه بأنه «حمل أحد المعلومين على الآخر في حصول الحكم أو إسقاطه بأمر يجمعهما» (4). أما الغزالي فقد عرفه بأنه حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة أو نفيه
عنهما» (ه).
والقياس الأصولي مختلف عن القياس المنطقي، فالمناطقة يسمون القياس الأصولي تمثيلاً، وهو ما يستلزم وجود أمرين ينسب أحدهما إلى الآخر بنوع من المساواة).
وللغزالي رأي طريف في ردّه القياس الأصولي إلى القياس المنطقي،
(1) - وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه، ج 1، صحفات 158 - 159. (2) - ينظر: أبو العلا عفيفي المنطق التوجيهي، صحفات 92 - 94. تنظر هذه التعاريف في: الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 174.
(3)
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 325.
(5) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 228. (6) - وهبة الزحيلي الوسيط في أصول الفقه، ج 1، ص 159.
-354 - (1/360)
صفحة 361
فقد جعل البرهان عبارة عن مقدمتين معلومتين، تؤلف تأليفا خاصا، فيتولد منهما نتيجة تسمى برهانا إن كان المقدمات قطعية، وإن كانت مسلمة سُمّي قياسًا جدليا، وإن كانت مظنونة سُمّي قياسا فقهيا. وذكر أن عادة الفقهاء أن يقولوا: النبيذ مسكر، فيكون حراما قياسا على الخمر، «وهذا لا تنقطع المطالبة عنه، ما لم يُرَدّ إلى النظم المذكور، ويثبت كون النبيذ مسكرًا بالحس والمشاهدة وكون الخمر حراما بصحة الخبر» (). ولكن تسمية هذا قياسا تجوز في نظر الغزالي، لأن حاصله راجع تحت عموم، ولا حاجة في الحقيقة إلى مقدمات ولا
إلى ازدواج خصوص نتائج وفق الشكل المنطقي المعهود ().
ويكاد يكون تعريف الوارجلاني وتعريف الغزالي للقياس متطابقين، ولا خلاف بينهما يُذكر، فلا حاجة إلى مناقشتهما في التعريف، وإن كان الأصوليون قد أوردوا عليه بعض الاعتراضات، ومنها: - أن المراد بحمل أحد المعلومين على الآخر إثبات مثل حكم أحدهما للآخر، فالتصريح بعد ذلك بعبارة إثبات" حكم لهما أو نفيه" تكرار لا
-
حاجة إليه. وهو مشعر أيضا بأن حكم الأصل وحكم الفرع ثبتا جميعا بالقياس، وهو باطل، لأن حكم الأصل ثبت بنص أو إجماع، وحكم الفرع ثبت بالقياس (3).
بل إن القياس نفسه ليس مثبتًا للحكم، وإنما هو كاشف فقط، فحكم الله سابق، وقياس المجتهد كاشف.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 37 (2) - الغزالي المستصفى، ج 1، صص 37 - 38. (3) - الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 174.
- roo - (1/361)
صفحة 362
ولا يكاد يخلو أحد التعاريف من إيرادات ينتقد بها، ولهذا السبب قال إمام الحرمين يتعذر الحد الحقيقي في القياس. وقال ابن الأنباري عن الحق الحقيقي: إنما يتصوّر فيما يتركب من الجنس والفصل، ولا يتصور ذلك في القياس (). ونميل بعد هذا إلى اختيار تعريف القياس بأنه «إلحاق أمر غير منصوص على حكمه الشرعي بأمر منصوص على حكمه الشرعي لاشتراكهما في علة الحكم» (1).
والمستفاد من أغلب تعاريفه أنه يتكون من أركان أربعة، هي: الأصل والفرع وحكم الأصل والوصف أو العلة الجامعة بين الأصل
والفرع. أما حكم الفرع فهو ثمرة القياس ونتيجته. ولا مشاححة بعد ذلك في الاصطلاح ما دام جوهر المعرف واحدا.
ب= أركان القياس
تبين من تعريفات القياس المذكورة أن أركانه أربعة هي: الأصل والفرع والوصف الجامع، وحكم الأصل.
و استكمالا للصورة فإننا نعرف هذه الأركان بكلمات معدودة، إذ
إن أبا يعقوب لم يورد تعاريفها.
-
(1)
الأصل: ويسمى بالمقيس عليه، وهو ما ورد النص بحكمه.
الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 174.
(2) - وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه، ج 1، ص 160.
وإلى قريب من هذا التعريف ذهب ابن قدامة والشريف التلمساني.
ينظر: ابن قدامة روضة الناظر، ص 145؛ الشريف التلمساني، مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، ط 1، المطبعة الأهلية، تونس 1346 هـ، ص 91.
-356 - (1/362)
صفحة 363
-
حكم الأصل: وهو الحكم الشرعي الذي ورد به النص في الأصل،
ويراد تعديته إلى الفرع.
الفرع: ويسمّى بالمقيس عليه، وهو ما لم يرد نص بحكمه، ويراد أ، يكون له مثل حكم الأصل بطريق القياس.
العلة: وهي الوصف الموجود في الأصل، والذي من أجله شرع الحكم
فيه، وبناء على وجوده في الفرع يراد تسويته بالأصل في هذا الحكم. ونتيجة القياس وثمرته هي الحكم الذي يثبت في الفرع بالقياس). والمثال الذي يتردد في مباحث القياس دائما هو تحريم الخمر الثابت بالنص، فيقاس عليه النبيذ في الحكم، بجامع علة الإسكار المشتركة بينهما.
فالخمر: أصل مقيس عليه.
وحرمتها: حكم ثابت بالنص.
والنبيذ فرع مقيس على الخمر.
والإسكار علة جامعة بين الخمر والنبيذ.
والنتيجة: الحكم بحرمة النبيذ.
ج= شروط أركان القياس
لا تتم عملية القياس صحيحة إلا بتوافر شروط في أركانه، بعضها متفق عليه وبعضها محل خلاف بين الأصوليين (2). ونكتفي بإيراد أبزر هذه الشروط دون تفصيل.
(1) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 3، ص 277. ينظر تفاصيل هذه الشروط في:
(2)
-
الشوكاني، إرشاد الفحول صحفات 179 فما بعد. زيدان، الوجيز في أصول الفقه، صحفات 183 فما بعد. وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه، ج 1، صحفات 191 فما بعد.
-357 - (1/363)
صفحة 364
- شروط الأصل:
يشترط في الأصل أن لا يكون فرعًا لأصل آخر، وهذا بدهي حتى
يكون أصلاً حقيقة.
-
- شروط حكم الأصل:
أن يكون حكما شرعيا.
ويكون ثابتا بنص. أما الثابت بإجماع أو قياس فهو محل خلاف. أن يكون معقول المعنى لا من الأحكام التعبدية، كأعداد الركعات
والكفارات.
أن لا يكون مختصا بالأصل، فإن امتنع تعديته امتنع القياس، وذلك مثل خصوصيات النبي.
- شروط الفرع:
أن يكون غير مخصوص على حكمه، إذ لا اجتهاد مع ورود النص، ولا معنى للقياس عندئذ.
أن يشترك مع الأصل في نفس العلة بدرجة متساوية أو أقوى منه، وإلا امتنع تعدية حكم الأصل إليه، فيقال: قياس مع الفارق. شروط العلة:
والعلة شروطها كثيرة جدا، باعتبارها أساس عملية القياس، وركنه الجوهري، وعلى أساس وجودها في القرع يتم القياس وتظهر ثمرته. ومن أهم شروط العلة:
-
أن تكون وصفا ظاهرا غير خفي، كالإسكار في الخمر. أن تكون وصفا منضبطا ذا حقيقة معينة محدودة لا تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وذلك مثل وصف القتل عمدا المانع من الميراث. أن تكون وصفا مناسبا للحكم وملائما لربط الحكم به، أي أن المصلحة التي قصدها الشارع بتشريع الحكم تتحقق بربطه بهذا الوصف، مثل القتل العمد العدوان، فهو وصف ملائم لربط حكم القصاص به.
-358 - (1/364)
صفحة 365
-
أن تكون وصفا متعديا لا قاصرا على الأصل. - أن تكون وصفا غير ملغى في نظر الشارع، كاعتبار البنوة وصفا مناسبا للتسوية بين الذكر والأنثى في الميراث فهو وصف ألغاه الشارع فلا اعتبار له لورود نص صريح يخالف هذا الوصف، في قوله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ) [سورة النساء: 11].
المطلب الثاني: حجية القياس
لم يحظ القياس من علماء المسلمين بالاتفاق والاعتبار الذي حظيت به المصادر الثلاثة الأخرى؛ الكتاب والسنة والإجماع.
واختلفت كلمتهم حوله بين مُقرّ بحجيته وبين منكر لها، ولكن الجمهور الأغلب على اعتباره حجة، وفي صف الجمهور ينتظم أبو يعقوب وأبو حامد. فكيف استدلا لحجية هذا الأصل التشريعي؟
أ منهج الاستدلال لحجية القياس
بحكم انتظام أبي يعقوب وأبي حامد في سلك الجمهور القائلين بحجية القياس فإننا لا نجد بينهما خلافا في إثبات القياس، ولا في منهج اعتماده والاستشهاد لصحته بنصوص الكتاب والسنة، وعمل الصحابة الذي بلغ حد الإجماع.
وقد تكون بينهما فروق في بعض مسائل القياس ومسالك إثبات علته، واعتبار بعض الأقيسة صحيحة دون بعض ولا ضير في هذا، بل هو من طبيعة القياس ذاته لانبنائه على الظن فيما لم تكن العلة فيه منصوصة اللفظ أو ظاهره على الأقل.
بصريح
وعند استعراض طريقة كل منهما في إثبات حجية القياس نجد
-359 - (1/365)
صفحة 366
الوارجلاني يعمد في البداية إلى إيراد اختلاف الأقوال حول هذه القضية (1). ثم يستعرض أدلة القول المعتمد، وهو قول الجمهور، انطلاقا من شواهد القرآن ثم السنَّة، وأخيرا من الإجماع).
ولم يُعنّ بإيراد
حجج
المنكرين للقياس، وإنما اكتفى بذكرها في باب
آخر هو باب الاجتهاد والاختلاف (3).
وكأن أبا يعقوب بمنهجه هذا قد جعل قضية حجية القياس أمرا محسوما، ولا ضرورة تدعو إلى مناقشة المنكرين فيما ذهبوا إليه، وإنما يكتفى بعرض وجهة نظر المثبتين وبيان عمادها من الأدلة، ثم الشروع في بحث مسائل القياس وأنواعه تفصيلا.
أما الغزالي فكان على خلاف ذلك إذ أولى آراء المنكرين للقياس عناية بالغة؛ إيضاحا لشُبههم كما سماها - وردا عليها. وقد برع في إفحامهم بكل ما توافر لديه من حجج مقنعة، نقلية كانت أم عقلية. واللافت للانتباه أنه لم يُفرد لحجج الجمهور فصلا مستقلا يميزها، وإنما أدرجها ضمن إطارها العام في الرد على شبه المنكرين، مع وتوجيهها بالقدر اللازم إيضاحا وإقناعا. وعنون مباحث حجية القياس بـ إثبات القياس على منكريه، وافتتحه بأقوال العلماء في المسألة متدرجا من أدناها ضعفًا إلى أقواها، وهو قول الجمهور). وحصر الأقوال الباطلة كما سماها - في ثلاثة:
من قال باستحالة القياس عقلا.
قال ومن
بوجوبه شرعا.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 326. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 327. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 274. الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 234.
-
(4)
تحليلها
-360 (1/366)
صفحة 367
ومن قال بمنعه وحظره شرعا.
وشرع في الرد عليها وعلى شبهها واحدة واحدة، متدرجا مع أصحابها بما يُقرون به، وهو أنه لا ينازع أحد في الاجتهاد في تحقيق مناط الحكم" أي تطبيق الحكم على الأفراد الذين تتوافر فيهم الصفة التي نيط بها الحكم شرعًا، وذلك كصرف الزكاة للفقير، والفقير يُعلم بأمارة ظنية، وكالقضاء بشهادة العدل والعدالة تعرف بالظن، ومعرفة صاحبها هو تحقيق المناط. فكما أمرنا بالعمل بالظن في هذه الأمور، فقد أمرنا به في الاجتهادات الأخرى، التي يندرج تحتها القياس).
وإن قالوا بأن النزاع في معرفة مناط الحكم وعلته، لا في تحقيق مناطه، فجوابهم أن ذلك يُستدل له بإجماع الصحابة على الحكم بالرأي والاجتهاد في كل واقعة وقعت لهم ولم يجدوا فيها نصا، وهذا مما تواتر إلينا تواترا لا شك فيه، فننقل من ذلك بعضه، وإن لم يمكن نقل الجميع (2).
وزاد الغزالي القضية تأكيدا بإيراد أخبار أخرى عن اجتهادات الصحابة الفردية في مسائل كثيرة (3). كرأي أبي بكر في الكلالة، وكتسويته في العطاء، ومخالفة عمر له في ذلك، وحكم عمر في المسألة المشتركة في الميراث، وغيرها.
وعمل الصحابة هذا لا يخلو أن يكون عن دليل قاطع، أو عن غيره، فإن وجد دليل قاطع وكتموه فقد أثموا، ولو بينوه لارتفع الخلاف، ولوجب تفسيق من خالفه.
-
-
- (2)
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 241. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 241 - 242. (3) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 243 فما بعد.
-361 - (1/367)
صفحة 368
وإن لم يكن ثمة دليل قاطع فإن رأيهم كان اجتهادا، فثبت عملهم
بالقياس.
وبعد إيراد شبه الخصم حول حقيقة عمل الصحابة بالقياس من حيث ثبوته وهل هو اجتهاد بالمعنى العام أم قياس بالمعنى الاصطلاحي الذي هو أحد أنواع الاجتهاد؟ وبعد هذا بين أن عمل الصحابة كان قياسا بمعناه الدقيق، وأنهم
استندوا فيه إلى نصوص من الكتاب والسنة.
وحتى على فرض عدم وجود مستند للصحابة في اجتهاداتهم فإن إجماعهم نفسه دليل كاف لحجية القياس لثبوت عصمة الأمة عن الإجماع
على الخطا. أما
مستندهم فإنهم اعتمدوا على مستندات كثيرة خارجة عن الحصر، وعن دلالات وقرائن وأحوال وتنبيهات تفيد علما ضروريا بالتعبد
بالقياس، وربط الحكم بما غلب على الظن كونه مناطا للحكم). كما فنّد أبو حامد مستمسكهم بآيات من الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: مَا فَرَّطْنَا فِي الكتاب من شَيْء [سورة الأنعام:38]. وقوله: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تبياناً لكُلِّ شَيْء [سورة النحل:89]. وآيات أخرى تفيد وجوب الحكم بما أنزل الله، والرد إلى الله ورسوله، وحرمة التقول الله بغير علم، والقول بالظن، مما يفيد بمجموعه الاكتفاء بالكتاب والسنة، وعدم حجية القياس. أما متمسكهم من الأحاديث فهي أحاديث ضعيفة لا يحتج بها. ولهم شُبَة عقلية تجعل من القياس سببا للاختلاف، وهو منهي عنه شرعا، كما أن مبنى القياس الجمع بين المتماثلات، والتفريق بين
على
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 253.
-362 (1/368)
صفحة 369
المختلفات، وهو مصادم لكثير من الأحكام التي تفرق بين المتماثلات، وتجمع بين المختلفات.
وتولى الغزالي الرد على هذه الشبه بكل تفصيل).
ب أدلة الجمهور على حجية القياس
نكتفي في عرض أدلة الجمهور على إثبات القياس مستندا شرعيا، بما أورد أبو يعقوب، نظرا لتطابق الأدلة عند هذا الفريق، مع الإشارة إلى بعض إيرادات المنكرين على هذه الأدلة مما أغفله الوارجلاني، وفصله
الغزالي.
- من القرآن:
تمثل الآية الأساسية لإثبات التعبد بالقياس عموما عند الجمهور، في قوله تعالى: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) [سورة الحشر:2]. وعنها يقول أبو يعقوب: «والاعتبار مأخوذ من قولك: اعتبرت هذا الثوب بهذا فقسته منه لتعلم مقداره من مقداره، أو ثمنه من ثمنه، أو كليه كيله مأخوذ من تعبير الميزان. وقيل: مأخوذ من عبور النهر، عبرت النهر أي جاوزته، وهو مجاوزة حكم الله من شيء إلى شيء كان مساويا له، ليجري عليهما حكم واحد.
من
فالأول من تعبير المكيال، والثاني من عبور النهر.
وقد رُوي عن ثعلب (2) أنه قال في تفسير الآية: الاعتبار هو القياس. وثعلب إمام في اللغة.
(1) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 256 - 259.
(2) - هو أبو العباس أحمد بن يحي الشيباني، إمام الكوفيين في اللغة والنحو، وكان راوية للشعر، توفي سنة 291 هـ. من كتبه "الفصيح" و"قواعد الشعر" و"معاني القرآن"، وغيرها.
-363 - (1/369)
صفحة 370
والآية نزلت في بني النضير حين أصابهم ما أصابهم من أمر الله عز وجل؛ من الجلاء في الدنيا والعذاب الأليم في الدار الآخرة، فخاطب الله عز وجل أهل البصائر أن يقيسوا أنفسهم إلى بني النضير، إن عصوا كما عصوا أن يؤاخذهم كما آخذهم).
ويمضي الوارجلاني بعد توجيه هذه الآية إلى سرد آيات أخرى، ويضرب صفحا عن انتقادات كثيرة وُجهت لتفسير المثبتين للقياس بهذه
الآية.
هذه الانتقادات التي أجهد ابن حزم نفسه في تعدادها وتوجيهها
للمثبتين وما استنتجوه من آية الاعتبار ().
وقرر ابن حزم أنه ما علم أحدٌ قط في اللغة التي نزل بها القرآن أن الاعتبار هو القياس، وأن تسمية القياس اعتبارا وعبرة، تمويه ضعيف، وحيلة واهية (3). ولكن أبا يعقوب يبدو منسجما خطته في استعراض الجانب الإنشائي لأدلة الجمهور دون اكتراث بالنقد الموجه إليها من قبل نفاة القياس، لأنه حسم الموقف من البداية معتبراً إياهم على خطا، وأنه في موقف تقرير رأي الجمهور، لا في مناظرة وجدال مع ويضيف بعضا من شواهد القرآن، منها:
الخصوم.
قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُم لَعَلِمهُ الَّذِينَ يَسْتَبِطُونَهُ مِنْهُم) [سورة
النساء: 83].
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 327.
[
(2) - ابن حزم الإحكام في أصول الأحكام ط 1، دار الآفاق الجديدة، بيروت،
1400 هـ / 1980 م، ج 7، صحفات 74 - 080
(3) - ابن حزم، الإحكام، ج 7، ص 75.
-364 - (1/370)
صفحة 371
ثم عقب قائلا: «ولم يذكر في معرض المخرج إلا وقد أمرهم
بالاستنباط.
وقال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُنْ للخائنين خصيماً) [سورة النساء:105]. ولو أراد الإنباء لقال بما أخبرك وأنبأك، وأعلمك، فلما علّق الأمر إلى ما أراه الله؛ كان ما أراده رأيه» (1).
ويستند الوارجلاني لتأكيد مفهومه من هذه الآية إلى سيرة رسول الله الله كما رواها ابن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي بالقضية فينزل القرآن، بخلافها، فيستقبل حكم القرآن ولا يردّ قضاءه».
ومسألة اجتهاد النبي قد أفاض فيها الأصوليون واختلفوا حولها، وترجّح القول بجواز اجتهاده لدلالة الواقع من حياته وسيرته على ذلك،
ولكنه لا يُقَرِّ على خطا، فيكون اجتهاده في النهاية كله حقا وصوابا. كما أورد أبو يعقوب قول عمر بن الخطاب: «إن الرأي من كان مصيبا، لأن الله عز وجل كان يسدده، وإنما هو
النبي
الظن» (2).
منا
ويعود الوارجلاني إلى عمومات في القرآن ترشد وتدعو إلى التفكر وإعمال العقل والنظر لتفهم أسرار الله في خلقه، وأحداث التاريخ، وعواقب الظلم والكفر في الأمم الخالية، وذلك كله للوصول إلى استخلاص قاعدة القياس الأساسية، وهي التمثيل والحكم على النظائر والأشباه بأحكام متماثلة. وقد قال تعالى: (وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ} [سورة العنكبوت: 43]. وهو جوهر آية الاعتبار.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 327. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 328
-365 -
- (1/371)
صفحة 372
وجل القرآن إنما نزل في استعتاب أولي البصائر والأبصار والنهي، شكله فما الذي يعتبر؟ يعتبر ببني وجنسه إلى مثله ونفسه. ومثل هذا في القرآن كثير من الأمر بالفكر والتذكر والاستبصار والعبر والبحث
والنظر» (1).
- من
السنة:
جمع الوارجلاني من السنة عددا وافيا من الشواهد لحجية القياس. ذلك قوله في تعليم القياس حين سئل عن قبلة الصائم، لا
من
فقال: أرأيت لو تمضمضت هل عليك من جناح؟ قال: لا» (2). «وهذا نفس تعليم القياس وتمثيل الأمور بعضها ببعض» (3). والطريف أن ابن حزم جعل هذا الخبر نفسه دليلا على نفس القياس، وقال: «لو لم يكن في إبطال القياس إلا هذا الحديث لكفي، لأن عمر ظنّ أن القبلة تفطر الصائم قياسًا على الجماع، فأخبره عليه السلام أن الأشياء المتماثلة والمتقاربة لا تستوي أحكامها وأن المضمضة لا تفطر، ولو تجاوز الماء الحلق عمدًا لأفطر، وأن الجماع يفطر، والقبلة لا تفطّر. وهذا هو إبطال القياس حقا. ولا شَبَة بين القبلة والمضمضة ... والقبلة من الجماع أقرب شبها، لأنهما من باب اللذة فهما أقرب شبها من القبلة
بالمضمضة» (1).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 328. (2) - أورده ابن حزم هكذا عن عمر قال: هششت إلى امرأتي فقبلتها وأنا صائم، فأتيت فقلت: يارسول الله، أتيت أمرا عظيما، فقبلت وأنا صائم؟ فقال رسول الله:
النبي
أرأيت لو تمضمضت وأنت صائم؟ قلت: لا بأس. قال: ففيم؟».
وذكر في الهامش أنه رواه أبو داود.
ابن حزم الإحكام، ج 7، ص 100.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 328 (4) - ابن حزم، الإحكام، ج 7، ص 100.
-366 - (1/372)
صفحة 373
والحديث واضح في تشبيه القبلة بالمضمضة، وكون كل منهما
مقدمة إلى الموضوع، وتمهيدا إلى الممنوع في الصيام، فالقبلة مقدمة الجماع، والمضمضة مقدمة الشراب وحكم المضمضة الجواز، ولما قيست بها القبلة حكم لها أيضا بالإباحة.
ولا نوافق ابن حزم فيما ذهب إليه، ولكننا نعجب في الوقت ذاته من براعته وعبقريته في توجيه الأدلة حتى صارت في صفه مؤيدة لموقفه الحاسم، الذي يعتبر القياس بدعة في الدين.
وفي مساق الاحتجاج بالسنة يتدرج الوارجلاني إلى دليل يراه «أقوى من هذا الذي مضى] كله، وهو قوله لسعد بن معاذ وأقد أمره أن يحكم في بني قريظة برأيه فحكم بأن تقتل المقاتلة، وتُسبّى الذرية، وتقسم الأموال، فقال رسول الله قد حكمت فيهم بحكم من فوق سبعة أرقعة» (1) (2).
الله
ومن شواهد السنة كذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا حكم الحاكم
فاجتهد ثم أصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (3). وقوله للخثعمي الذي سأل عن الحج عن أبيه: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته، أكنت تقضيه؟ قال: نعم، قال: فذلك كذلك»). وهو نفس تعليم القياس.
وفي بعض الروايات قال: «فدين
الله أحق أن يقضى».
ومنه قوله: «لعن الله اليهود حُرمت عليه الشحوم فجملوها وباعوها
(1) – أخرجه مسلم بلفظ حكمت فيهم بحكم الله»، صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير،
حديث 65، ج 12، ص 92.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 328.
(3) - صحيح البخاري كتاب الاعتصام باب 21، ج 9، ص 132. سنن النسائي، كتاب المناسك، باب 11، حديث 2637، ج 5، ص 125.
(4)
-
-367 - (1/373)
صفحة 374
وأكلوا ثمنها»). فقاس الثمن إلى المثمن.
ومنه حديث معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن، وسأله: تقضي؟ فأجاب معاذ بالكتاب ثم بالسنة ثم بالاجتهاد. فأقره النبي صلى الله عليه وسلم على هذا، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله، لما
ورسوله (2).
وما القياس إلا نوع من أنواع الاجتهاد بالرأي).
- من آثار الصحابة
يرضي
الله
يختم أبو يعقوب أدلته عن حجية القياس بأننا علمنا بالضرورة من جهة التواتر أن الصحابة قد اختلفت بعد نبيها عليه السلام في أشياء كثيرة، ورأوا فيها برأيهم، ووقعت المناظرة بينهم فيها، واستدل كل واحد منهم واحتج على صاحبه بالأدلة القياسية وشرح كل لصاحبه رأيه، ووقعت المخالفة والمناظرة من كل واحد منهم لقولته والانتصار لحجته، و لم يقطع واحد منهم عذر صاحبه ولم يحظر عليه رأيه» (). وأورد أمثلة عديدة من واقع حياة الصحابة على اعتمادهم الرأي
والقياس، وإجماعهم على جواز ذلك من دون نكير). كما نالت اجتهادات عمر الله نصيبها من العرض والتحليل، ومن
(1) - الحديث أخرجه مسلم بألفاظ متقاربة، انظر: صحيح مسلم، كتاب المساقاة،
حديث 71، ج 11، ص 96.
-
- (2)
صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب 19، ج 2، ص 96؛ سنن الترمذي، كتاب
الأحكام، باب 3، حديث 1327، ج 3، ص 616.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 329. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 330. (5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 330.
-368 - (1/374)
صفحة 375
ذلك منعه حق قرابة رسول الله الله من خُمس الغنائم، إذ عد أبو يعقوب هذا العلم من أعظم الأدلة على جواز القياس والتعبد به، واستخراج العلل، وذلك أنه تأول المعنى الذي به طهر رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابته من أوساخ الناس، وجعل بدله سهما من الخمس، فلما فتح الله على المسلمين
ما وعدهم من الفيء أغناهم بالعطايا عن الخمس وعن الصدقات (1). ومن اجتهاداته الكثيرة منعه سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة، عدم قطع السارق عام الرمادة (2). وقد أذعنت الأمة وصوبت فعل عمر، فنعما
فعل (3). ووفاء من الوارجلاني بمنهجه فإنه لم يخرج عن خط عرض الأدلة إلى مناقشة اعتراضات، الخصوم، سواء ما تعلق منها بصحة إثبات هذه المرويات عن الصحابة أم بحقيقة ومفهوم الاجتهاد الذي مارسوه، هل هو إعمال للنصوص وتحقيق للمناط؟ أم هو قياس بمعناه الاصطلاحي المتنازع عليه؟ أو تعلق الانتقاد بمستند الصحابة في اجتهادهم.
وكل هذه الشبه تناولها الغزالي وردّها على أصحابها، وأثبت بصورة جلية أن الروايات التي نُقلت عن الصحابة بخصوص الاجتهاد قد بلغت حد التواتر المعنوي، وأن كثيرا من تلك الصور كان اجتهادهم فيها إجماعًا، وكان هذا الاجتهاد في صورة القياس الأصولي.
كما أن الصحابة كانوا يصدرون في قياساتهم عن توجيه القرآن وإرشاد الرسول عليه السلام الذي علمهم القياس والوحي بعد لم ينقطع، وذلك تمهيدا لما يستقبلهم بعد انقطاع الوحي.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 297. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 298. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 298
-369 - (1/375)
صفحة 376
فكان ثبوت حجية القياس قاطعا بدلائل الكتاب والسنة والإجماع، وشواهد العقل، وضرورة الواقع، ولولا ذلك لخلت كثير من الحوادث عن حكم الله، وللجأ الناس في التشريع إلى ما تمليه المصالح والأهواء.
ج تقويم الخلاف حول حجية القياس
ج=
إنه لا يمكن فهم دلال الجدل الطويل والحاد أحيانا حول حجية القياس دون ربطه بأسبابه وجذوره التاريخية التي تمثلت نشأتها في الاختلاف بين مدرسة الحجاز الأثرية ومدرسة العراق العقلية، وكان حجر الزاوية الاختلاف بين القائلين بالحرفية والقائلين بالغائية، في فهم النصوص الشرعية. هل نكتفي بظواهر القرآن والسنة أم نتجاوزها إلى فهم العلل التي بنيت عليها الأحكام، والغايات التي تهدف إليها؟ فأهل الظاهر ومن شايعهم في نفي القياس توقفوا عند حرفية النص لا يجاوزونه، ولم يستجيزوا لأنفسهم من صور القياس إلا ما كان معناه من دلالة النص اللغوية، ويقولون على لسان ابن حزم العلة المنصوص عليها صحيح، وإنما تختلف تسميتها قياسا، فأما ما لا نص عليه من العلل فلا سبيل إلى إثبات علة لذلك الحكم» (1).
مستفادا
«أن اعتبار
فأنكروا تسميته قياسًا، ولا مشاححة في الألفاظ عند اتفاق المعاني، كما أنهم نفوا نفيا قاطعا أي تعليل للنصوص، ربطا لها بأفعال الله التي لا تعلل، إذ هو الخالق المالك المتصرف في شؤون خلقه، المشرع للناس ما
(1) - التركي، مناظرات في أصول الشريعة بين ابن حزم والباجي، ص 348، نقلا عن الإحكام، مخطوط، ورقة 66 ظ - 67 و. و لم أعثر عليه في المطبوع.
-370 (1/376)
صفحة 377
يشاء، لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [سورة الأنبياء:23] (1).
من
معناها
بينما وقف الغائيون عند معقول النصوص وما يُستفاد وعبرتها من علل، وأجروا على ما اتفقت علله من الفروع أحكام الأصول، بل إن الغزالي يحصر مجاري الاجتهاد كلها في العلل، سواء تعلق الأمر بتحقيق مناط الحكم، أم تنقيح المناط، أم تخريج المناط).
فالأول محل اتفاق بين الحرفيين والغائيين بلا استثناء، ومثاله: الاجتهاد في تعيين الإمام، وتقدير المقدرات والكفايات في النفقات الواجبة للأقارب، وإيجاب المثل في قيم المتلفات، إلخ ...
والثاني يُقرّ به أكثر منكري القياس، وهو إضافة الشارع الحكم إلى سبب، واقتران السبب بأوصاف متعددة، غير معلوم أيها كان معتبرا في إثبات الحكم. وبتنقيح نتوصل إلى الوصف المطلوب، بحذف الأوصاف التي لا مدخل لها في إضافة الحكم إلى هذا السبب. ومثاله: إيجاب الكفارة على الأعرابي الذي جامع أهله في نمار رمضان، فنلحق به كل مكلّف أفطر في رمضان بالوقاع.
ولا عبرة بكون هذا الشخص أعرابيا، أو أنه وطئ حلال في غير زنى، أو أنه وطئ في رمضان بعينه، لأن المناط هو هتك حرمة رمضان
بالوقاع.
أما الثالث فهو تخريج المناط حيث لا يتعرض الشارع لمناط الحكم وعلّته فيجتهد العلماء للتعرف عليه واستخراجه، وهو القياس الذي كان محله الخلاف بين الظاهرية والجمهور. و من الإنصاف الاعتراف بوجاهة بعض حجج الظاهرية
(1) - ابن حزم، الإحكام، ج 8، ص 98. (2) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 230.
-371 - (1/377)
صفحة 378
واعتراضاتهم على بعض أدلة الجمهور في إثبات القياس. ومن ذلك احتجاج الجمهور بآية (فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف} [سورة الإسراء:23]. مستدلين بأنها تدل على تحريم الضرب والأذى الجسمي من باب أولى.
ولكن ابن حزم شنّ هجوما عنيفا على هذا الاستدلال كعادته في مناظراته ونقد لآراء مخالفيه - فذكر أنه لو لم يرد في حق الوالدين غير قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف. لما كان فيه تحريم ضرب الوالدين، ولا قتلهما، ولما كان فيه إلا تحريم قول "أف" فقط. ولكن لما قال الله تعالى في الآية نفسها وَبِالْوَالدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كلاهما فلا تَقُلْ لَهُمَا أُفَ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَريماً} [سورة الإسراء:23]. فاقتضت هذه الآيات والألفاظ من الإحسان والقول الكريم وخفض الجناح والذل والرحمة لهما، والمنع من انتهارهما، وأوجبت أن يؤتى إليهما كل بر، وكل خير، وكل رفق، فبهذه الألفاظ وبالأحاديث الواردة في ذلك وجب برّ الوالدين بكل وجه وبكل معنى، والمنع من كل ضرر وعقوق بأي وجه كان لا بالنهى عن قول "أف" ... » (). وأكد ابن حزم القياس لما كان لبقية الآيات من معنى، ولكن الواقع أن لكل لفظة معنى غير معنى سائر ألفاظها، ولكنهم جَرَوْا على عادة لهم ذميمة من الاقتصار على بعض الآية والإضراب عن سائرها، تمويها على من اغتر بهم، ومجاهرة الله تعالى بما لا يحلّ من التدليس في دينه» (2).
أنه لو كانت لفظة "أف" مفيدة لما ذكره أهل
من
الآية
ولقد تتبع ابن حزم أدلة أهل القياس وشواهدهم واحدا واحدا، وردّ عليها بهذا الأسلوب الحادّ واللهجة القاسية، وأفرد لذلك قسما كبيرا من
(1) - ابن حزم، الإحكام، ج 7، صفحات 57 - 58.
-
(2)
ابن حزم، الإحكام، ج 7، ص 58.
-372 - (1/378)
صفحة 379
كتابه "الإحكام في أصول الأحكام، كما حالفه التوفيق في بعض الردود على شواهد الجمهور، فبيّن أنه لا قياس فيها، كما في المثال السابق، الذي استبعد الغزالي نفسه تسميته قياسًا، «لأنه لا يحتاج فيه إلى فكر واستنباط علة، ولأن المسكوت عنه فيه أولى بالحكم من المنطوق به، ومن سماه قياسا اعترف بأنه مقطوع به، ولا مشاححة في الأسامي» (1). إلا أن الغزالي ببراعته واستنتاجاته المنطقية استطاع أن يفرغ كنانة
الظاهرية من معظم السهام. والواقع أن منكري القياس لم يكن هدفهم من موقفهم إلا التمسك النصوص، وصيانة الشريعة من الاضطراب والأهواء، كفعل مدرسة
بحمى
الحجاز أول مرة، وقد وجدوا من الدلائل ما رأوه حجة لقولهم. وكذلك القائلون بالقياس، لم يريدوا بقولهم مناهضة النصوص والافتيات عليها ولا العبث بأحكام الشريعة وتسليط الهوى عليها، كما اتهمهم بذلك قلم ابن حزم ولكنهم وضعوا شروطا وضوابط دقيقة لصحة القياس، والأمن من هذه المزالق والتهم. وقد وجدوا أحكام الشريعة مبنية على علل ومعان معقولة، يمكن إدراكها بطريق سائغ ومقبول، فأجْرَوا أحكام الشرع على الحوادث
والحالات التي تشتمل على هذه العلل، وهي القسم الأكبر من التشريع. وما استتر عليهم فهم علته توقفوا عنده بلا تكلف ولا محاولة للي أعناق النصوص، وهو حال أغلب أحكام العبادات.
ولا يسع
المنصف إلا ترجيح ما ذهب إليه الجمهور، وإلا لتعطلت
أحكام الشريعة، وقرَت نصوصها المحدودة عن الوفاء بحاجات الناس
والحوادث المتجددة في كل زمان ومكان.
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 281.
-373 -
- (1/379)
صفحة 380
بل إن القياس في جوهره عمل في إطار النص الشرعي، إذ هو تعلق بدلالة القرآن والسنة على الأحكام بالمعنى، وهو مما دلت عليه النصوص من جهة، كما أنه اجتهاد في إطار النصوص من جهة ثانية.
وحجج الظاهرية فيها بعض الوجاهة، ولكنها في مقابلة أدلة
الجمهور كمن يحاول نقض الجبال بخيوط العنكبوت.
المطلب الثالث: أنواع القياس وأقسامه
عمد الوارجلاني إلى تصنيف القياس عموما إلى نوعين: القياس العقلي، والقياس الشرعي.
وجعل القياس الشرعي أيضا ضربين: جليا وخفيا
والجلي نوعان قياس علة منصوص عليها، وقياس علة مستنبطة. والخفي نوعان: قياس الشَّبَه وقياس الاستحسان). وقد تناول الوارجلاني هذه الأنواع إيضاحا وتمثيلا، بادئا بالنوع الأول، وهو القياس العقلي. وهذا النوع غير مندرج في إطار القياس الأصولي اصطلاحا، ولكنه معتبر في الشرع، لأن أكثر معوّل القرآن عليه في جميع ما خاطب به المشركين والحق فيه واحد، وقد يقع أحيانا جليا وخفيًّا ....
فالجلي: قوله تعالى: يَدْعُو من دون الله مَا لا يَضُرُّهُ وَمَا لا يَنْفَعُهُ ذلك هُوَ الصَّلالُ الْبَعِيدُ) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى ولبِئْسَ الْعَشِيرُ) [سورة الحج: 12 - 13].
-
وأكثر أدلة القرآن على هذا، ورده بعد سماعه مكابرة للعقول.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 336.
-374 - (1/380)
صفحة 381
والخفي: قوله تعالى: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَفَكَّرُوا ما بصاحبكُمْ مَنْ جَنَّة إِنْ هُوَ إِلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَاب شديد [سورة سبإ: 46]. وأما خفاؤه، فربما يجتمعون مثنى وفرادى فلا يقضون شيئا، وربما يتفكرون فيخطئون وجه الدليل لعلة في عقولهم أو غلبة شهوة أو
تقليد (1).
ويخلص أبو يعقوب بعد هذا التمهيد حول القياس العقلي إلى بيان أقسام القياس الشرعي، وهي أربعة: قياس العلة المنصوصة، وقياس العلة المستنبطة، وقياس الشبه، وقياس الاستحسان.
وعادة الأصوليين أن لا يسمّوا هذه قياسات، وإنما يُدرجون هذه
الأقسام في مباحث مسالك العلة (2).
وهذه المسالك هي
الطرق التي يتوصل بها إلى معرفة العلة في الأصل.
وأشهرها أربعة: النص، والإجماع، والسبر والتقسيم، وتنقيح المناط. أما المناسبة فقد اختلفوا في اعتبارها طريقا للعلة أو شرطا للتعليل (3).
-
(1)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، صفحات 336 - 337. (2) - من الأصوليين من يقسم القياس بحسب ذكر العلة وعدم ذكرها، إلى قياس علة وقياس دلالة، فما ذكرت فيه العلة إما نص أو استنباطا فهو قياس علة، مثل تحريم النبيذ قياسا على الخمر بعلة الإسكار، وما لم تُذكر فيه فهو قياس دلالة مثل عدم وجود سجود التلاوة لجوازه على الراحلة قياسا على النوافل. ونقل السالمي عن الشماخي أن قياس الدلالة هو ما لم يصرّح فيه القائس بالعلة، لكن صرح بأمر يلازم العلة، سواء ثبت ذلك بطريق النص أم بطريق الاستنباط.
ينظر: السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صفحات 153 - 154. ويفيد كلام الوارجلاني عن قياس الشبه أنه يندرج تحت هذا النوع الأخير. وإن لم ينص على ذكره ضمن تقسيمه لأنواع القياس.
ينظر: الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، صفحات 344 - 346. (3) - وهبة الزحيلي الوسيط في أصول الفقه، ج 1، ص 220.
- ryo - (1/381)
صفحة 382
وفصل بعضهم هذه المسالك فبلغ بها تسعة، ومنهم من زاد على العشرة وهي: النص، والإيماء، والإجماع، والمناسبة، والطرد والدوران، والسبر، والتقسيم، والشبه، وتنقيح المناط). ويتجه الغزالي في تقسيمه لمسالك العلة إلى قريب من هذا، ولكنه يميز في إثبات العلة بين الأصل والفرع فيقرر أن العلة في الأصل لا تثبت إلا بالأدلة الشرعية من كتاب أو سنة أو إجماع، أو نوع استدلال مستنبط، لأن العلة الشرعية علامة وضعها الشارع أمارة على الحكم، ولا مدخل للعقل في إثبات عينها أو وصفها.
أما إثباتها في الفرع، فيجوز بالحس ودليل العقل والعرف والشرع ... إلخ).
وما دام البحث حول ثبوت العلة في الأصل، فإن العلة الشرعية تنحصر في ثلاثة أقسام:
-
-
العلة النقلية: وتستفاد من 1 صريح النطق، 2= أو الإيماء، 3= - أو التنبيه على الأسباب.
إثبات العلة بالإجماع، كتقديم الأخ الشقيق على الأخ لأب في الولاية قياسا على الميراث.
=
إثبات العلة بالاستنباط، وطرق الاستدلال، وهو أنواع: 1 - السبر والتقسيم، 2= المناسبة وهي ما كان على منهاج المصالح، بحيث إذا أضيف الحكم إليها انتظم (3).
-
(1)
(2)
-
وقد حظي مسلك المناسب بتحليل واف من الإمام الغزالي). الأمر
الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 184.
الغزالي، المستصفى، ج 2، صفحات 287 - 288.
(3) - الغزالي المستصفى، ج 2، صفحات 288 - 296. الغزالي، المستصفى، ج 2، صفحات 296 - 306.
(4)
-
-376 - (1/382)
صفحة 383
الذي مهد الخطى أمام اللاحقين وبخاصة منهم الشاطبي للانطلاق في مباحث المناسب والحديث عن المصالح المرسلة، ثم إقامة دعائم علم
المقاصد (1).
و نورد هنا مزيد بيان حول تقسيم الوارجلاني للقياس بحسب أنواع العلة، أو مسالكها على مذهب الجمهور - ملتزمين نهج أبي يعقوب، إذ المضمون، واحد وإنما الاختلاف في التفسير.
أ= قياس العلة المنصوصة:
هي
على
العلة المنصوصة الوصف الذي دل نص القرآن أو السنة اعتباره علةً للحكم، إما بصريح اللفظ أو بإيمائه وإشارته. وقد جرى تصنيف الأصوليين لهذه العلة بحسب دلالة النص عليها،
إلى نص صريح، وإلى إشارة وإيماء.
والنص الصريح قد يدلّ على العلّيّة بصورة قاطعة لا تحتمل غيرها،
وقد يدل عليها دلالة ظاهرة.
وقد اختار الوارجلاني أن يقسم العلة المنصوصة أيضا بحسب مصدر
،ورودها، فجعلها نوعين:
العلة المنصوصة من القرآن (2). والعلة المنصوصة من السنة (2). كما جمع النصوص الدالة على العلة بالإيماء في مبحث واحد، وسماه قياس المعنى).
(1) - عبد المجيد التركي، مناظرات في أصول الشريعة، ص 474. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 338. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 339 (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 354.
-377 - (1/383)
صفحة 384
ولكنه أشار على بعض علل الإيماء في حديثه عن العلل المنصوصة في
أن
السنة، إذ لم يضع حاجزا منيعا بين هذه الأنواع الثلاثة، فضلا عن الأصوليين أنفسهم يختلفون في إلحاق بعض الأمثلة بالقسم الثاني للعلة المنصوصة، وهي العلة الظاهرة، أو بالإشارة والإيماء، نظرا لعدم وجود نص قاطع على العلية يحسم الخلاف كما هو الحال بالنسبة للقسم الأول
من
العلة، المنصوصة وهي التي تفيد التعليل بصورة قاطعة.
والغزالي نفسه يجعل العلة النقلية ثلاثة أضرب:
ما يستفاد من صريح
النطق، وهي
العلة المنصوصة القاطعة.
ما يستفاد من الإيماء، وأدرج تحتها العلة المنصوصة الظاهرة،
والتعليل بالفاء.
-
ما يستفاد من التنبيه على الأسباب بترتيب الأحكام عليها بصفة الجزاء والشرط، وبفاء التعقيب (1).
ولا ضير في هذا الاختلاف، فهو اختلاف تقسيم وتنويع، ليس إلا، وسوف نلتزم كما أشرنا بما اختاره الوارجلاني في تقسيم هذه العلل.
= العلة المنصوصة من القرآن -1 في القرآن الكريم آيات صريحة تدل على التعليل، كقوله تعالى: كَ لا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الأغنياء منْكُمْ} [سورة الحشر: 7]. وقوله: (مِنْ أَجْلِ ذَلكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فكأنما أحيا النَّاسَ جَميعاً) [سورة المائدة: 32].
-
وقوله: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
(1) - الغزالي المستصفى، ج 2، صفحات 288 - 290.
-378 - (1/384)
صفحة 385
فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [سورة الأنفال: 13].
وقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْحَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذكر الله وَعَن الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُنتَهُونَ)
[سورة المائدة: 91].
فهذه الألفاظ تفيد العلية بصورة قاطعة، لأنها وضعت أساسا
للتعليل، وهي كي، من أجل، إنما، الباء.
2 - وفي القرآن آيات تفيد التعليل بظاهرها من مجمل الخطاب، وإن لم يظهر فيها التعليل» بصورة قاطعة.
ومن
أمثلة ذلك قوله تعالى: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلِّ وَاحِدٍ منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة [سورة النور:2]. والمعنى: لأجل زناهما. وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا} [سورة
المائدة: 38].
وشبه هذا يُعلم من التعليل بظاهر الخطاب ()، إذ إن مما ينخرط في سلك العلل الأسماء المشتقة، ولذلك قاسوا واطئ البهيمة على الزاني،. والنباش على السارق، والنبيذ المسكر على الخمر وغيرها» (2).
= العلة المنصوصة من
السنة:
1 - في السُّنَّة كما في القرآن نصوص تفيد العلية إفادة قاطعة، كقوله: «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر» (3).
وكقوله: «إنما نهيتكم لأجل الدافة»). تعليلا لمنعه ادخار لحوم
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 338. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 353. صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب 11، ج 8، ص 66.
-
(3)
-379 -
مسند أحمد،
جه، ص 51.
-
(4) (1/385)
صفحة 386
الأضاحي.
2 - وقد تفيد نصوص السنة التعليل إفادة ظاهرة، ويُفهم من سياق الخطاب، كقوله: «لا يقضي القاضي وهو غضبان»». وقوله: «أدوا الخيط والمخيط» (2). وقوله: «العينان وكاء السَّه، فإذا نامت العينان انطلق الوكاء» (3). وقوله في الموقوص: لا تَخمّروا رأسه، ولا يُمس طيبا، فإنه
يبعث يوم
القيامة ملبيا» (1).
وأما أفعاله عليه السلام فكسجوده للسهو، وتخييره بريرة من زوجها وختم الوارجلاني هذا النوع قائلا: واعلم أن هذه العلل المنصوصة كلها أقوى من المستنبطة متى متى عقب بالفاء في خطاب ما تقدم، أو ما يقوم مقامها من الحروف ولم يكن صرفه إلا إلى التعليل».).
= قياس المعنى أو الإيماء:
«وهو إذا لاح وظهر مراد الشارع من نفس المقال، أو شاهد الحال، كقول رسول الله: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه» (1). فلاح من الحديث نجاسة الماء لنجاسة البول، أو المعنى التقذر، وسبيل الغائط والخمر والنجاسات كلها والقاذورات سبيل البول. فلو راعينا الصورة لقلنا إن من بال في كوز فصبّه في الماء الدائم أنه
(1) - صحيح البخاري، كتاب الأحكام باب 13، ج 9، ص 82 ولفظه «لا يقضين حكم بين
اثنين وهو غضبان». (2) - لم أهتد إلى تخريجه؟
(3) - لم أجده بهذا اللفظ؟.
(4)
صحيح البخاري، كتاب الجنائز، باب 19، ج 2، ص 96.
(5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 340.
(6) - صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب 68، ج 1، ص 69، ولفظ الحديث «لا يولن
أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه».
- TA (1/386)
صفحة 387
يتوضأ منه، ولا يناله النهي، على مذهب أهل الظاهر، وكذلك سائر النجاسات، فالقياس من هذه الصيغة النهي، وما كان في معناها من عنه أيضا. النجاسات فهو منهي
وكذلك لو سلك به سبيل الكوز على هذا الحال.
ومن أقيسة المعاني قوله عليه السلام لا يقضي القاضي وهو غضبان» (1). وقد لاح وظهر معناه وهو النهي عن القضاء إذا كان مشغول الخاطر، وكذلك الحاقن والجوعان والعطشان والوسنان والهيمان في معناه» (2).
وقال تعالى: لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا
تَقُولُون} [سورة النساء: 43].
ولذلك قال النبي: «إذا وضع العشاء وأقيمت الصلاة فابدؤوا
بالعشاء» (3).
فهذا كله لفراغ القلب إلى الصلاة، ولا فرق بين الدنيا، والشكر من الآخرة» ().
السكر
من
ب قياس العلة المستنبطة
يقصد بقياس العلة المستنبطة العلة التي لم يرد بها نص قاطع أو
ظاهر، ولا إيماء.
-
(1)
ويعتبر الوارجلاني قياس العلة المستنبطة أصل الفقه، ومناط الأحكام.
صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب 13، ج 9، ص 82، ولف حديثه «لا يقضين
حكم بين اثنين وهو غضبان».
(2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 354.
(3) - صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب 42، ج 1، ص 171.
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 354.
-381 - (1/387)
صفحة 388
وقد وضع لذلك ثلاثة شروط هي: الإخالة، والمناسبة، والإشعار. ولا بد لها أن تسلم من مبطلات، ثلاثة هي: ردّ المنصوص، وهدم القواعد، ومصادمة الإجماع. «فإذا وجدت الشروط الثلاثة، وسلم من المبطلات الثلاثة، ولم يمنع من التعليل وجه من التأويل، أجريت العلل على وجهها، وكانت بمثابة الفحوى وأخواتها. ومعتمد القياس على الإخالة، وهي الظن» (1). ويستفاد من هذا الإطار الذي وضع فيه الوارجلاني تصوره للعلة المستنبطة أنه
يندرج فيها ما اصطلح على تسميته بالسبر والتقسيم، وهو حصر الأوصاف التي يرى المجتهد إمكانية صلاحيتها للتعليل، ثم فحصها
واختبارها، واطراح ما لا يصلح لإناطة الحكم به في نظر الشرع). ويتم الوصول إلى طرح الأوصاف غير الصالحة للتعليل، بملاحظة إلغاء الشارع لها في محل آخر أو أنه وصف يصادم نصا أو إجماعا، أو
قاعدة شرعية.
كما
ولا بد أيضا من توافر صفة المناسبة بين الحكم والوصف، وهي يعرفها الغزالي ما كان على منهاج المصالح، بحيث إذا أضيف إليها الحكم
انتظم) (3).
وهذه المواصفات هي التي وضعها الوارجلاني إطارا لمجال العلة المستنبطة، وضرب لذلك مثالاً شهيرا على ألسنة الأصوليين، وهو تعليل حرمة الربا في الأصناف الستة التي ورد بها الحديث). وهي
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 355. (2) - وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه، ج 1، ص 231.
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 288.
الذهب
(4) - ورد الحديث في كتب الصحاح والسنن، بألفاظ متعددة، ولفظه عند أحمد «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبرّ، والشعير بالشعير والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل،
-382 - (1/388)
صفحة 389
والفضة والقمح والشعير والتمر والملح.
وكان الاختلاف في تعليل الحديث كبيرا، وذهاب كل واحد منهم إلى ما ظن في غلبة الظن أنه المعنى الذي من أجله حرم الربا في تلك العين، فبعضهم جعله هو الاقتيات والادخار، وهو قول مالك، وبعضهم من جهة المكيل والموزون، وهو أبو حنيفة، وبعضهم جعله مما تنبت الأرض، وهو الشافعي» (1).
جعله
ولكن أبا يعقوب بعد عرضه لأقوال العلماء لم يستخلص لنا العلة التي يراها سببا لتحريم الربا في هذه الأصناف، بل إنه عاد بقضية تعليل الربا إلى جذورها، وهي كون الربا مناقضا للعمران وللنشاط الاقتصادي، «فإن الأصل في تحريم الربا أن الله تعالى جعل الدنيا بلاغا وزادا إلى الآخرة، وأمر باقتناء الأموال، وفي الأموال ما هو أوكد حاجة من غيره، فالأموال التي تخص الآدمي لحياته النقود، ثم القوت، ثم الفواكه، ثم الأبزاز [اللباس]، فهذه الأربع لا ينبغي أن تتخذ تجارات، بل مواساة، فإن ضنّوا فلا ينبغي أن يكسب ربا، فشدد الله تعالى فيها ما لم يشدد في
غيرها» (2).
وبهذا التحليل يخلص إلى رأي، طريف وعلة جامعة، شاملة لأفراد العلل التي اختلف حولها العلماء في مسألة الأصناف الستة التي وراد فيها تحريم الربا، وهي شدة الحاجة إلى هذه الأموال، وضرورتها لقيام حياة
الناس.
كما أورد نماذج أخرى للعلل المستنبطة، ومنها:
يدا بيد، فإذا اختلف فيه الأوصاف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يدا بيد».
مسند أحمد،
جه، ص 320.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 341. (2) – الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 341.
-383 - (1/389)
صفحة 390
التفرقة بين الجنابة والنجاسة، فأوجبوا الغسل من الجنابة لعلة التعبد،
والاستنجاء
اء من
الحدث الأصغر لعلة النجاسة (1).
إسقاط الجزية عن النساء لعلة النهي عن قتلهن (2). قياس الأكل على المجامع في نهار رمضان، لانتهاك حرمة الشهر (2).
وهذا المثال يفيد إدراج الوارجلاني لمسلك تنقيح المناط ضمن العلل المستنبطة، لأن الشارع أوجب الكفارة على الأعرابي الذي جامع أهله
في
نهار رمضان، وذلك لعلة انتهاك حرمة، رمضان، أما سائر الأوصاف
الأخرى فهي ملغاة في نظر الشارع.
هل الإجماع من مسالك العلة؟
عني الأصوليون بإيراد الإجماع ضمن مسالك العلة، وجعله بعضهم في المرتبة الثانية بعد العلة المنصوصة، وبعضهم قدمه عليها نظرا لقطعيته). بينما أغفل الوارجلاني إيراده تماما.
وقد نلتمس له عذرا في اعتباره مسلكا للتعليل عند اشتراطه أن لا
تصادم العلة المستنبطة الإجماع. ويتردد في مسلك الإجماع عند الأصوليين مثال: الإجماع على تقديم الأخ الشقيق على الأخ للأب في الولاية، قياسا على تقديمه في الميراث.). وقد ذكر الوارجلاني شبها بهذا وهو تشريك الجدة لأب
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 343. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 344. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 344.
مع
الجدة
(4) - الشوكاني، إرشاد الفحول ص 184؛ وهبة الزحيلي الوسيط في أصول الفقه، ج 1،
ص 230.
(5) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 293.
-384 - (1/390)
صفحة 391
لأم في الميراث بجامع الأمومة، بل جعل الجدة لأب أولى بذلك، باعتبار عكس القضية، إذ لو كانت هي الهالكة لورث ابن ابنها كل المال، ولم يرث ابن بنتها شيئا.
وقد أجمعت الأمة على تشريك الجدتين في السدس، بعد قضاء أبي
بكر بذلك، والعلة المجمع عليها هي "الأمومة" (1).
ج= قياس الشبه
بعد توضيح قسمي القياس الجلي، وهما: قياس العلة المنصوصة، وقياس العلة المستنبطة، ينتقل الوارجلاني إلى القياس الخفي، وهو نوعان: قياس الشبه، وقياس الاستحسان.
ويعرف قياس الشبه بأنه: إذا كان الشيء يشبه شيئا من أصل، ويشبه غيره من أصل، آخر فينظر عندئذ إلى أي الشيئين أكثر شبها، فنلحقه به ولو لم تجمعهما علة فإن تساويا فهو نفس الاستحسان» (2). وقد اختلف الناس في هذا النوع، فمنعه بعضهم، وقالوا: لا يجوز القياس إلا عن علة، وقال بعضهم: بجوازه، وأن جميع القياس المعمول به هو قياس الشبه، لأن قياس العلل الشرعية لا تكاد تطرد وتنعكس
كالعقليات (2). ولذلك كان قياس الشبه أوسع الأقيسة مجالا ومآلا). وأكد الغزالي ذلك بأن جلّ أقيسة الفقهاء ترجع إلى قياس الشبه، إذ يعسر إظهار تأثير العلل بالنص والإجماع والمناسبة المصلحية (.).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 244. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، صحفات 344 - 345.
-
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 344. (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 355. (5) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 311.
- TAO - (1/391)
صفحة 392
ويضع أبو حامد وصف الشبه في درجة متوسطة بين الوصف
المناسب المعتبر شرعًا، والوصف الطرد المُلغَى في نظر الشارع. فالأول كوصف السفر المعتبر لقصر الصلاة، والفطر في رمضان. والثاني: كوصف الميوعة المطرد في جميع السوائل، فلا يناسب تحريم الخمر والعلة الجامعة إن كانت مؤثرة أو مناسبة عرفت بأشرف صفاتها وأقواها، وهو التأثير والمناسبة، دون الأخس الأعم الذي هو الاطراد والمشابهة، فإن لم يكن للعلة خاصية إلا الاطراد الذي هو أعم أوصاف العلل وأضعفها خُص بالطرد ... فإن انضاف إلى الاطراد زيادة ولم ينته إلى درجة المناسب والمؤثر سُمّي شبها. وتلك الزيادة هي مناسبة الوصف الجامع لعلة الحكم، وإن لم يناسب نفس الحكم» (1).
ويخلص الغزالي من هذا إلى أن معنى التشبيه الجمع بين الفرع والأصل بوصف، مع الاعتراف بان ذلك الوصف ليس علة للحكم، بخلاف قياس العلة فإنه جمع بما هو علة للحكم» (1).
ويستفسر عن مراد الأصوليين بالشبه إن لم يكن كما فهمه ووضحه لنا بقوله: «فإن لم يُرد الأصوليون بقياس الشبه هذا الجنس، فلست أدري ما الذي أرادوا، وبمَ فصلوه عن الطرد المحض، وعن المناسب، وعلى الجملة فنحن نريد هذا بالشبه» (3).
أما الوارجلاني فإنه يضع القاعدة العامة لاعتبار قياس الشبه، وهو أن التشبيهات تقع في الأمثل والأغلب، وأن الأبيض أبيض وإن كان أسود الرأس واللحية والأسود أسود وإن كان أبيض الأسنان والعينين،
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 310. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 311. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 311.
-386 - (1/392)
صفحة 393
والمعاصي والطاعة بمثابة هذه، وقلّما يخلص الصالح من معصية، وقلّما يخلو
الطالح من طاعة، والاسم للأغلب ... » (1).
وفي القرآن شواهد على اعتبار قياس الشبه، ومنها قوله تعالى: وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) [سورة الأنبياء:47]. ثم قال بعد ذلك: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالدُونَ} [سورة المؤمنون:102 - 103].
فأوجب الفوز والنجاة لمن غلبت طاعته معصيته، والشقوة والهلاك لمن غلبت معصيته طاعته، وهو معنى أصحاب الأعراف في قوله تعالى: خلطوا عملا صالحاً وَآخَرَ سَيِّئَاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِم} [سورة
الأعراف: 102]. توافقت سيئاتهم وحسناتهم، فغلب إحداهما بالعفو. ومثاله قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كبير ومَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) [سورة البقرة: 219]. فغلب
التحريم لغلبة الإثم (2).
ويصنف أبو يعقوب الشَّبه إلى نوعين شَبَه حُكمي، وشبه حسي.
- الشبه الحكمي: أورد لهذا النوع مثال العبد واختلاف العلماء في أحكامه وفي ديته. فهو من جهة مال يباع ويشترى ومن جهة هو مكلف مأمور منهي، فهو بخلاف الأموال، فمن جعله مالاً قصر جميع ما يملكه على سيده، وأسقط عنه جميع ما يلتزمه من أحكام الأموال والنفقات والكفارات والزكاة.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 356. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 345.
-387 -
- (1/393)
صفحة 394
ومن جعله في حكم المكلفين أثبت له الأموال، وأثبت عليه الزكوات والغرامات.
فبهذا السبب اختلفوا في قيمته فمن ردّه إلى أحكام المكلفين قصر قيمته إلى دية الحرّ، ومن جعله مالا وسلعة جاوز به الدية، وكانت قيمته
بالغة ما بلغت» (1).
-
الشبه الحسي:
مثاله قوله تعالى في كفارة الصيد للمحرم: فَجَزَاء مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [سورة المائدة: 95].
فالبقرة في البقرة، والشاة في الشاة، وألحقوا الجواميس بالبقر، والبخت (2) بالإبل، والبرازين (3) بالخيل، وسووا حكم البقرة الوحشية والحمار الوحشي في جزاء الصيد.
ومن وراء ذلك قوله عليه السلام تتكافؤ دماؤهم»، و لم يراع الملا والحلي والطول والقصر والحسب والنسب). فهذه الأحكام كلها قياسات مبنية على المشابهة إن في الحكم أو في
الحس أو في الشكل.
ومن طرائف اجتهادات الفقهاء في قياس الشبه أنهم «قالوا في رجل هوي امرأة فقتل زوجها، أن المرأة تحرم عليه قياسًا على قاتل مورثه ليرثه، أن ماله يحرم عليه. وزاد آخرون فيمن خيب امرأة على زوجها أنها تحرم
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 345.
(2) - البخت الابل الخراسانية. ينظر: ابن منظور، لسان العرب مادة بخت، ج 1،
ص 167.
-
(3)
البرازين صوابها: البراذين جمع برذون، وهي الخيل التي ليست من نتاج العراب. ينظر: ابن منظور، لسان العرب مادة برذن، ج 1، ص 190. (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 357.
- TAA - (1/394)
صفحة 395
عليه» (1).
وهذه الأمثلة أليق بأبواب المصالح وسد الذرائع منها بباب القياس.
د= قياس الاستدلال
عرف الوارجلاني قياس الاستدلال بما استوت فيه الأشباه بلا ترجيح، وسماه بالاستحسان.
وسنعرض له في مبحث المصادر التبعية قريبا إن شاء الله.
هـ = هل مفهوم الخطاب ودليل الخطاب من القياس؟
الأولى.
مفهوم
الخطاب هو مفهوم الموافقة المساوي لحكم المنطوق أو
و دليل الخطاب هو مفهوم المخالفة لحكم المنطوق.
فالأول: مثل حرمة الضرب والقتل المفهومة من تحريم التأفف في قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [سورة الإسراء: 23].
والثاني: مثل عدم وجوب النفقة على المطلقات الحوائل المفهوم من اشتراط الحمل في وجوب النفقة، في قوله تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [سورة الطلاق: 1].
و كلاهما وقع فيه خلاف.
- فمفهوم الخطاب ألحقه بعضهم بالمنصوص، وقال آخرون إنه القياس نفسه، وهو اختيار الوارجلاني بصريح قوله: «وهو الصحيح» (2).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 346. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 351.
-389 - (1/395)
صفحة 396
وقد تحدث عنه قبل أقسام القياس الجلي، وقدمه على قياس العلة
المنصوصة، فرفعه فوق اعتبار الشافعية الذين يعدونه قياسًا جليا). - أما مفهوم دليل الخطاب، وهو الذي نازع الحنفية في حجيته (2). فيقرر أبو يعقوب أن القياس عليه أولى، والحكم به أوثق ما لم تعارضه المبطلات». وضرب مثالاً على ذلك، وهو اشتراط الحمل في الإنفاق على المطلقات الذي نصت عليه الآية، فثبت أن ما عدا الحامل لا نفقة لها، وإلا لما كان للشرط من معنى، فيقع التخصيص والتنصيص بدون فائدة (). وكلام الشارع منزّه عن هذا اللغو.
خاتمة: التقويم العلمي للقياس الأصولي
توضح
العلماء
الصفحات السابقة في عرضها الوجيز لبعض مباحث القياس الأصولي الجهد الكبير الذي بذله علماء المسلمين للتوصل إلى المنهج الاستقرائي، متمثلا في تحديد مسالك العلة وبخاصة المستنبطة منها، وتجلت عبقريتهم في وضع الصورة الكاملة لهذا المنهج، وفي سبقهم المحدثين فى ضبط طرق الاستقراء وقوانينه. والقياس الأصولي راجع في حقيقته إلى نوع من الاستقراء العلمي الدقيق القائم على فكرتين أو قانونين هما قانون العلية، وقانون اطراد
الحوادث ().
(1) - وهبة الزحيلي، الوسيط، ج 1، صفحات 262 فما بعد. (2) - سيأتي الحديث عنه في مباحث استنباط الأحكام.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 351.
(4)
د.
علي سامي النشار، مناهج البحث عند مفكري الإسلام، صفحات 85 فما بعد.
-390 (1/396)
صفحة 397
وقد كان منطق الأصوليين في إثبات القياس أن أحكام الشرع في غالبها معللة، وأن العلة الجامعة هي مناط سريان الحكم من الأصل إلى
الفرع، لأن الحوادث المطّردة تأخذ أحكاما متشابهة في تصور العقلاء. وبهذا يختلف القياس الأصولي عن التمثيل الأرسطي. هذا التمثيل الذي لا يقدم لنا جديدا في عالم المعرفة، لأن القياس الأصولي عبارة عن قياس الغائب على الشاهد، وهو موصل إلى اليقين، أما التمثيل الأرسطي
فهو انتقال من جزئي إلى جزئي بلا علة ضابطة، فلا يفيد إلا الظن). كما يعتبر القياس الأصولي نتاجا إسلاميا خالصا، استقاه المسلمون من مصادر التشريع الثلاثة: الكتاب والسنة والإجماع، واصطف بجانبها مصدرا رابعا متفقا عليه بين جمهور العلماء. وغدا منبعا لا ينضب لأحكام الحوادث المستجدّة، وفق معالم وضوابط الشريعة السمحاء، التي حددتها الكتاب والسنة، وأجمع عليها الصحابة الأجلاء.
نصوص
(1) - د. النشار، مناهج البحث صفحات 85، 86، و 102.
-391 - (1/397)
صفحة 398
المبحث الخامس
الأدلة المختلف فيها
لئن حظيت الأدلة الأربعة السابقة باتفاق جمهور العلماء، فإن ثمة أدلة أخرى كانت مثار اختلاف الأصوليين والفقهاء من مختلف المذاهب، عُرفت بالأدلة المختلف فيها، أو الأدلة التبعية.
كما يجمع هذه الأدلة مصطلح الاستدلال.
ومن أبرز هذه الأدلة الاستصحاب والاستحسان، والمصالح المرسلة، وشرع من قبلنا، وسد الذرائع، وقول الصحابي، والعرف. وسنتقيد بإيراد دليلين منهما مما تناوله الوارجلاني، التزاما بمجال
البحث.
وهذان الدليلان: هما الاستصحاب، والاستحسان. ويحسن بنا قبل ذلك أن نمهد للمبحث بتوطئة حول مفهوم
الاستدلال.
تمهيد: مفهوم الاستدلال
الاستدلال في اللغة طلب الدليل والطريق المرشد إلى المطلوب وفي اصطلاح الأصوليين: عبارة عن قول ليس بنص ولا إجماع ولا
قياس (1).
وقد اعتبره الوارجلاني من أنواع القياس الخفي وجعله قسيما لقياس
الشبه، واصطلح على تسميته "قياس الاستدلال". وعند تحديده لمفهومه: قال بأنه ما استوت فيه الأشباه بلا ترجيح،
(1) - السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 177؛ وهبة الزحيلي، الوسيط في أصول الفقه، ج 1،
ص 280.
-392 - (1/398)
صفحة 399
وعنى به الاستحسان (1).
فمفهوم الاستدلال عنده قاصر على الاستحسان فقط. ولكنه زاد الأمر توضيحا بقوله: واعلم أن الاستدلال قد قال به طوائف من الفقهاء، وأنكره بعضهم. والأصل فيه وهو مشعر بالحكم من لوائح وإشارات مذكورة من الأمم السالفة في القرآن فنصبوها علما للقياس عليها لا يستند إلى شيء من قواعد الشريعة، فأجازه بعض الفقهاء بشرط أن يكون سالما من المبطلات، ونصبوه علمًا على طلب المصلحة، وكان رأيا من رأي المسلمين، وعضدوه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسن» (2) (3). فهذه الفقرة تفيد أن الاستدلال عند أبي يعقوب مشابه لما جرى عليه اصطلاح الأصوليين، من أنه لا ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس، وأنه نوع من الاجتهاد يندرج تحته الاستحسان وغيره. وقد ذكر الشماخي أن الوارجلاني أشار إلى اعتبار الاستصحاب وشرع من قبلنا والمصالح المرسلة والاستحسان). وهو ما استقر عليه مفهوم الاستدلال في اصطلاح المتأخرين من علماء الإباضية (.). بينما يعتبر الغزالي الاستحسان والاستصلاح وقول الصحابي، وشرع من قبلنا، كلها من الأصول الموهومة، فلا اعتداد بها (1).
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 345.
-
(2)
-
(3)
-
(4)
-
(5)
-
(6)
مسند أحمد،
ج 1، ص 379.
الوارجلاني العدل والإنصاف، ج 3، صفحات 357 - 358.
الشماخي، مختصر العدل، ورقة 14 ظ. السالمي، طلعة الشمس، ج 2، صفحات 177 - 178. الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 245.
-393 - (1/399)
صفحة 400
المطلب الأول: الاستصحاب
الاستصحاب في اللغة طلب المصاحبة)).
وعند الأصوليين: الحكم على الشيء بما كان ثابتا له، أو منفيا عنه،
لعدم قيام الدليل على خلافه.
فمبناه عدم قيام الدليل على تغيير حكم سابق.
ولهذا كان آخر ما يلجأ إليه المجتهد).
ويتبين من تعريف الاستصحاب أنه نوعان:
الأول: استصحاب حكم العقل بالإباحة أو البراءة الأصلية، عند
عدم الدليل على خلافه.
الثاني: استصحاب حكم شرعي ثبت الدليل، ما لم يقم دليل على
تغيير ذلك الحكم.
وقد جعل الوارجلاني دليل الاستصحاب آخر أقسام أدلة الشرع (3). وأدرج ضمن دليل الاستصحاب براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان ().
كما ذكر أن الأصل في الفرائض براءة الذمة، فلا فرض إلا بإثبات الشرع له فمن ادعى شغل الذمة قبل ورود نص الشارع فعليه الدليل. وإذا ثبت شغل الذمة بالدليل فيستصحب الأصل الجديد هو شغل الذمة، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل).
حالها،
ويصبح
-
(1)
-
(2)
ابن منظور، لسان العرب مادة صح
على حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ص 168.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18.
-394 - (1/400)
صفحة 401
ويُعتبر دليل الاستصحاب القاسم المشترك من بين المصادر التبعية المعترف بها عند كل من الوارجلاني والغزالي، وإن كان الغزالي يصنفه في الدرجة الرابعة بعد الكتاب والسنة والإجماع، ويسميه دليل العقل والاستصحاب (1).
أما القياس فقد ذكرنا أن الغزالي يعتبره استثمارا للدليل وليس دليلا
بنفسه (2).
ويقرر أبو حامد أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل لكن دل العقل على براءة الذمة عن الواجبات وسقوط الحرج عن الخلق في الحركات والسكنات، قبل بعثة الرسل) ... وانتفاء الأحكام معلوم بدليل العقل قبل ورود السمع، ونحن على استصحاب ذلك إلى أن يرد السمع، فإذا ورد نبيء وأوجب خمس صلوات فتظل الصلاة السادسة غير واجبة، لا بتصريح النبي بنفي وجوبها، ولكن لأن وجوبها كان منتفيا أصلا، إذ لا مثبت للوجوب، فنبقى على النفي الأصلي، لأن نطق النبي بالإيجاب وجاء مقتصرا على الصلوات الخمس دون ما عداها ومنها الصلاة السادسة، فالعقل قد دل عليه إلى أن يرد الدليل السمعي بالمعنى الناقل عن النفي
الأصلي).
ويرد الاعتراض بأن هذا الاستدلال صالح قبل ورود الشريعة، أما الآن فلا ينتهض انتفاء الحكم دليلا على براءة الذمة، لأن عدم العلم بورود الدليل السمعي ليس حجة على عدم وجوده.
-
(1) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 100. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 9.
-
(3)
الإباحة؟
ألا يتنافى هذا مع ما قرره سابقا أن حكم الأشباء قبل ورود الشرع هو الوقوف لا
(4) - الغزالي المستصفى، ج 1، صفحات 217 - 219.
-395 (1/401)
صفحة 402
ويجيب الغزالي عن هذا بأنه لو كان ثمة دليل لنقل وانتشر، ولا يخفى الأمة، فصار عدم العلم بالدليل علمًا بعدمه، وثبت بذلك
على جميع
استصحاب حال الأصل وهو براءة الذمة الثابتة بدليل العقل.
والمجتهد إذا استفرغ وسعه في البحث وغلب على ظنه انتفاء الدليل فإن ذلك ينزل منزلة العلم في حق العمل، لأنه ظن استند إلى بحث واجتهاد، وهو غاية الواجب على المجتهد» (1).
فائدة الاستصحاب
يفيد دليل الاستصحاب تأكيد الحكم السابق، لأنه لا يثبت حكما جديدا، بل يستمر به حكم البراءة الأصلية الثابت بالعقل، أو حكم الشرع الثابت بدليله.
ولذلك قالوا إن الاستصحاب حجة لإبقاء ما كان لا لإثبات ما
لم يكن.
وقد جرى الخلاف بين الفقهاء في حكم المفقود، إذا بقي أمره مجهولا، حتى حكم القاضي بموته، بناء على طول غيبته، وترجح موته، فما حكم ميراثه ممن مات من أقاربه في فترة الفقد، وقبل صدور حكم القاضي بموته؟
يرى المالكية والحنفية أن هذا المفقود لا يرث في هذه الحال، لعدم
تحقق وجوده حيا حين غيبته وفقده.
بينما يورثه الإباضية والشافعية والحنابلة استصحابا لحال حياته، التي كانت ثابتة قبل الفقد بيقين، فتستمر كذلك إلى حين ظهوره، أو الحكم بموته، فيتغير حكم الأصل حينئذ (2).
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 220.
(2) - ينظر: السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 179، علي حسب الله، أصول التشريع
-396 - (1/402)
صفحة 403
وقد انبنى على تطبيق الاستصحاب قواعد فقهية هامة، ومنها:
-
-
الأصل في الأشياء الإباحة.
الأصل في الذمة البراءة.
اليقين لا يزول بالشك.
وهذه القواعد ضوابط لكثير من مسائل الفقه وفروعه (1).
المطلب الثاني: الاستحسان
الاستحسان في اللغة عد الشيء حسنا ().
أما
في الاصطلاح الأصولي فقد اختلف في تعريفه اختلافا كبيرا، ولذلك كان محل جدل حاد بين الحنفية القائلين به، وبين الشافعية الذين
ردّدوا في هذا المقام مقالة إمامهم الشافعي "من استحسن فقد شرّع". ولا يمكن اتخاذ موقف عادل من القضية إلا بتحديد مصطلح الاستحسان لمعرفة الصواب من الخطا في موقف كل فريق.
ونختار بعض هذه التعاريف باقتضاب:
تعريف البزدوي الحنفي: «الاستحسان هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه أو هو تخصيص قياس بدليل أقوى منه» (3). تعريف ابن العربي المالكي: الاستحسان هو إيثار ترك مقتضى الدليل على طريق الاستثناء والترخص لمعارضة ما يعارضه في بعض
الإسلامي، ص 170.
(1) - ينظر: أحمد الزرقاء، شرح القواعد الفقهية، طا، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1403 هـ / 1983 م، وهو كتاب جليل في هذا الموضوع السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 191؛ د. عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، صفحات 259 - 260.
(2) - ابن منظور لسان العرب، مادة حسن. (3) - عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار على أصول البزدوي، طبع مكتب الصنائع، د. م. 1307 هـ، ج 4، ص 1132.
-397 - (1/403)
صفحة 404
مقتضياته» (1).
تعريف ابن قدامة الحنبلي: الاستحسان هو العدول بحكم المسألة
عن نظائرها لدليل شرعي خاص» (2).
متفقا
وقد عد الوارجلاني الاستحسان أحد قسمي القياس الخفي، فكان
مع الحنفية في ذلك (3).
ومعنى الاستحسان كما يستفاد من تعاريف المتقاربة هو العدول عن القياس الجلي إلى قياس، خفي لمرجّح أو العدول عن مقتضى الدليل، واستثناء خاص من عام لعلة معارضة معتبرة شرعا.
واشتهر التمثيل للاستحسان بترخيص النبي صلى الله عليه وسلم في هذه بيع العرايا، وجواز عقد الإجارة، بينما تقضي قواعد البيوع منع الأنواع، فالعرايا بيع معلوم بمجهول والإجارة عقد على منفعة معدومة لم تحصل بعد، ولكن الشارع أجازها استحسانًا.
وقد اشتهر بالأخذ بالاستحسان الحنفية والحنابلة).
كما أخذ به الإباضية (.). ونُسب القول به على المالكية كذلك). أما الشافعية فقد أنكروه، وعدّه الغزالي من الأصول الموهومة (7). ولكنه فضل الوقوف على معانيه لتحرير محل النزاع فيه، فجعلها ثلاثة: أولها أن المراد بالاستحسان ما يستحسنه المجتهد بعقله. وهذا باطل
(1)
-
-
(2)
(3)
(4)
عبد الكريم زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 218.
ابن قدامة روضة الناظر، ص 85.
عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 4، ص 1128. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار، ج 4، ص 1128؛ ابن قدامة، روضة الناظر،
ص 85؛ الآمدي، الإحكام، ج 4، ص 209.
-
(5)
الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 347؛ السالمي، طلعة الشمس، ج 2، ص 185. (6) - على حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ص 165.
-
(7)
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 245.
ص 165.
398 - (1/404)
صفحة 405
مردود، إذ إن الحجة في أدلة المجتهد لا في قوله. ولا نعلم معتمده إلا بذر
،دليله فلعله باستحسانه قد نطق عن وهم أو هوى.
ثانيها: أنه دليل ينقدح في نفس المجتهد لا تساعده العبارة عنه، ولا يقدر على إبرازه، وهذا المعنى اعتبره الغزالي هوَسًا، فلا اعتداد به، ومآله
كالأول تماما.
ينگر (1).
ثالثها: العدول بحكم المسألة عن نظائرها بدليل خاص. وهذا مما لا
وبوصول الغزالي إلى هذه النتيجة يتبين أن الخلاف كان حول اسم الاستحسان فقط، وأن الجميع متفقون على معناه، وعلى الاعتداد به، ولا ضير بعد ذلك في الاصطلاحات.
الله
وقد أورد الوارجلاني معتمد الاحتجاج بالاستحسان (2). مثل قوله: تعالى الذينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} [سورة الزمر:18]. وقوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ} [سورة الزمر: 55]. وقوله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند ثم أفاض القول في إيراد أمثلة الاستحسان وشرحها. ومنها: تفريق الفقهاء بين أنواع النوم الناقض للوضوء استحسانًا، كما استحسنوا في النكاح المكروه إن سبقهم بالدخول أن يُقرّوه وإن لم يكن دخل أن يجدد
استحسانا.
حسن» (3).
وكذلك الحنث في اليمين بالملل الكافرة، وأحكام ديات غير
المسلمين. وعدد الإماء وحدود العبيد).
-
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صفحات 274 - 283. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 326.
-
(3)
مسند أحمد، ج 1، ص 379.
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، صفحات 347 - 348.
-399 - (1/405)
صفحة 406
وذكر أيضا أن الأحكام التي أخذ بها الإباضية في مسلك الكتمان، من تفويض بعض سلطات الإمام إلى مجلس العزابة وإيقاف بعض الحدود التي تطبق في حالة الظهور وتعيين بعض التعازير، كل ذلك راجع إلى
الاستحسان (1).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 358. (1/406)
صفحة 407
الفصل الثالث
استنباط الأحكام
-401 - (1/407)
صفحة 408
المبحث التمهيدي
قضايا اللغة ودلالات الألفاظ
المطلب الأول: علاقة أصول الفقه بمباحث اللغة:
تعتبر اللغة العربية أحد المصادر الأساسية لعلم أصول الفقه، لأن هذا العلم في جوهره استنباط للأحكام بما يُفهم من نصوص الكتاب والسنة، والكتاب والسنة كلام عربي مبين، بل هما أفصح ما سمع العرب من كلام، دقة في المعاني وبلاغة في التعبير، وجمالا في التصوير.
ومن هنا كان علم أصول الفقه وثيق الصلة بمباحث اللغة العربية، فيما يتعلق بدلالات الألفاظ على المعاني، إفرادا أو تركيبا، حقيقة أو مجازا، وضوحا أو خفاء، إلى غير ذلك من المباحث التي عُني بها الأصوليون عناية بالغة، وأبدعوا في بعضها ما لم يُبدع أهل اللغة أنفسهم، كفعلهم في معاني الحروف (1) وما يترتب عن ذلك من مسائل أصولية
وفقهية.
•
استفاضة
وقد يُشده الباحث لما يرى في بعض كتب الأصول من في مباحث لغوية محضة، ويتساءل عن سرّ هذا "الخروج عن الموضوع" في نظره. وإذا استبان له وجه العلاقة بين اللغة والأصول أدرك أنه في رحاب الأصول لم يبرح، وأن هذه المباحث تمهيد أساسي، وخطوة ضرورية للولوج إلى ميدان تفسير نصوص الكتاب والسنَّة، واستنباط الأحكام وفق ضوابط من إرادة الشارع وقواعد اللغة العربية.
(1) - ينظر: الآمدي، الإحكام، ج 1، صفحات 85 - 104.
-
-4020 (1/408)
صفحة 409
وبما أن التشريع نصوص، ولا سيما التشريع الإسلامي، الذي جاء به كتاب معجز على أسمى طراز من البلاغة كان بدهيا أن تنطلق فلسفة المجتهدين في فهم النص من منطق اللغة لا من منطق العقل المجرد» (1). وتتكامل جهود الأصوليين بالنظر على المعاني الظاهرية للنصوص، ثم باستثمار طاقات النص في دلالاته على كافة ما يحتمله من معان بطرق الدلالات المختلفة المشتقة من اللغة العربية وخصائصها في البيان. ومن تلك الطرق ما يفهم باللوازم العقلية للنص، من إشارته أو دلالته أو اقتضائه. وفي ذلك مجال واسع للاجتهاد واستنباط الأحكام بما يتفق وإرادة
الشارع، ويحقق مقاصده من التشريع.
المطلب الثاني: هل كانت بداية اللغة توقيفا أم مواضعة؟
قد لا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن اشتغال الأصوليين بقضية بداية اللغة، هل كانت توقيفا من الله، أم اتفاقا تواضع عليه الناس، يعتبر ترفا فكريا
خالصا.
والواقع أنه لا صلة حقيقية تربط هذه المسألة بعلم الأصول، كسائر
مباحث اللغة الأخرى.
والذي لا جدال فيه أن تصور المرء للمعاني والأفكار سابق في الوجود للعبارات والألفاظ الدالة على هذه المعاني.
ولكن السؤال المتبادر هو من علم الإنسان هذه الألفاظ بها عما يدور في فكره ويختلج في نفسه من الأفكار والمشاعر؟
حتى يعبر
(1) - د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي، ط 2، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1405 هـ / 1985 م، ص 28.
- 403 - (1/409)
صفحة 410
لقد انتهى جواب أهل اللغة والأصول بعد طول بحث وجدال في المسألة إلى رأيين: أحدهما: أن الله أنشأ تلك الرابطة بين اللفظ والمعنى، وألهمها آدم، ثم تلقاها أبناؤه من بعده بالتعلم والتلقين ثم اتسعت اللغات عبر التاريخ
وتطور الحضارات، وتنوع أنماط الحياة في مختلف بقاع الأرض. واستشهد لهذا الرأي بقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة
البقرة: 31].
ثانيهما: يميل إلى أن اللغة لم تكن توقيفا من الله تعالى، بل هي من تواضع الناس واصطلاحاتهم التي دفعتهم إليها الحاجة إلى التعاون وتبادل المنافع، كحاجتهم إلى الأكل واللباس والمسكن.
وقد أطال العلماء البحث في هذه المسألة بما لا طائل تحته (1).
وأنفقوا في ذلك من الزمن والجهد والمداد ما لا يقدر بثمن.
وما يفيدنا نحن أن نجزم في مسألة من الغيب لم يرد بشأنها دليل حاسم ولا خبر صريح وقد استقامت الألسن، واستقر التخاطب بين الناس في كل اللغات. وأما قوله تعالى (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا} [سورة البقرة:31]. فقد اختلف المفسرون في معناه ولا دلالة في الآية على معنى حاسم للقضية، فيجوز أن تكون بداية اللغة توقيفا، ويجوز أن تكون مواضعة، ويجوز
أن
تكون توقيفا ومواضعة وعقلا معا، والله أعلم كيف كانت فعلا (2). والخوض في هذه المسألة لا تعلق له بأصل ولا فرع (3). «وهو رجم
(1) - ينظر تفصيل الآراء واستدلالاتها الأسنوي، نهاية السول، ج 2 صفحات 22 - 30. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 44.
(3) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 157 و.
- 404 - (1/410)
صفحة 411
بالظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة،
فالخوض فيه فضول لا أصل له» (1).
المطلب الثالث: هل يجوز القياس في اللغة؟
هل تثبت الأسماء اللغوية على طريق القياس؟ أم لا بد فيها من السماع والنقل عن أهل اللغة؟
سؤال أثار اختلاف العلماء والأصوليين كعادتهم، فأجاز البعض
القياس في اللغة، وثبوتها به، ومنعه آخرون.
وقد حكى الوارجلاني آراء العلماء ولم يرجح أحدها (). أما الغزالي فذهب إلى أن اللغة كلها وضع وتوقيف، وأنه لا قياس فيها أصلا، وليس لنا أن نتحكّم على لغة العرب، فننسب بالقياس إلى لغتهم ما ليس منها. فاسم الخمر إن أطلقوه على عصير العنب لذاته، كان خاصا به، ولم يجز لنا أن نعدو به محله، وإن أطلقوه على كل ما يخامر العقل؛ وراعوا فيه معناها وهو التخمير، جاز لنا أن نقول إن النبيذ خمر، ونثبت هذا الاسم. وأضاف الغزالي أن هذا أيضا توقيف وليس قياسا كما يظنه
البعض (3). كما أن العرب إن عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، فإذا سمينا فاعل
الضرب ضاربا، كان ذلك عن توقيف لا عن قياس. وتسري هذه القاعدة على تسمية النباش سارقا، وواطئ البهيمة
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 318. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 47.
(3)
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 322.
-405 - (1/411)
صفحة 412
زانيا، واللوطي زانيا، وغيرها.
والغزالي ينتقد القائلين بجواز القياس في الأسماء المشتقة التي علق الحكم فيها بمصدر الاشتقاق، ويرى أن ذلك كله اتباع لوضع أهل اللغة، وليس اختراعا جديدا، أو قياسا.
وهذا رأي وجيه ودقيق، فإذا قصر العرب لفظ الأدهم على الفرس، واسم القارورة على الزجاج الذي يستقر فيه المائع، لم يجز لنا القياس عليها، فلا نسمّي كل أسود أدهما، ولا كل ما استقر فيه المائع قارورة، برغم ملاحظة العرب لهذا الوصف ومعناه عند إطلاق التسمية للأدهم والقارورة. لأنهم لم يُجْرُوا الاشتقاق في كل ما توفرت فيه هذه الصفات. وإذا اعتبروا هذه الصفات عند الاشتقاق وتابعناهم في ذلك فسمينا النبيذ خمراً، لأن الخمر عند العرب ما خامر العقل، وسمينا اللائط زانيا لأن الزنى عندهم إتيان فرج محرّم، فإننا نكون ملتزمين أيضا بما تواضع عليه أهل اللسان، ومتبعين لقواعدهم، وإن سمينا ذلك قياسا فهو تجوز في
الاصطلاح.
د= الحقيقة والمجاز
الله تعالى ومن
- تعريف الحقيقة والمجاز: يقول الوارجلاني: اعلم أن الخطاب الوارد من الرسول ومن الأئمة الخلفاء الراشدين الهادين المهتدين، الذين يقضون بالحق وبه يعدلون لا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا، فالحقيقة كل لفظ استعمل لما وضع له، والمجاز كل ما استعمل لغير ما وضع له» (1).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 39 وقد وردت عبارة الأصل والمجاز" كل ما وضع لغير ما استعمل "له" وهو خطأ من الناسخ.
-2.7 - (1/412)
صفحة 413
فالحقيقة والمجاز صفتان للفظ عند الاستعمال:
- فإذا استعمل اللفظ في المعنى الذي وضع له في اصطلاح التخاطب
سُمّي حقيقة. والحقائق ثلاثة أنواع: لغوية وعرفية وشرعية.
فاستعمال الإنسان في الحيوان الناطق حقيقة لغوية، لأن الوضع
اللغوي اصطلح على تسمية الحيوان الناطق إنسانا.
واستعمال الدابة للحيوانات ذوات الأربع حقيقة عرفية، لأن اصطلاح التخاطب في العرف العام أن الدابة لذات الأربع، وإن كان اللفظ اللغوي يريد بالدابة كل ما يدب على الأرض.
واستعمال الصلاة والزكاة والحج في معانيها الدينية حقائق شرعية،. وإذا استعمل اللفظ في غير ما وُضع له في اصطلاح المتخاطبين
-
فهو مجاز.
والمجاز كذلك أنواع ثلاثة: لغوي وعرفي وشرعي.
فاستعمال الأسد للشجاع مجاز لغوي.
و استعمال الدابة لكل ما يدب على الأرض مجاز عرفي.
واستعمال الصلاة للدعاء مجاز شرعي (1). وبهذا يمكن أن تكون الكلمة الواحدة حقيقة ومجازا في نفس الوقت ولكن باعتبارين مختلفين.
فالزكاة حقيقة شرعية، إذا استعملت في المجال الديني لمعانيها
الشرعية، ولكنها مجاز إذا استعملت لذات المعاني في المجال اللغوي.
(1) - علي حسب الله أصول التشريع الإسلامي، ص 221؛ البوطي، أصول الفقه، صفحات
-407 -
09 - 01 (1/413)
صفحة 414
- هل في القرآن مجاز؟
يتفق الوارجلاني (1) والغزالي (2) مع الجمهور على وجود المجاز في اللغة
العربية وفي القرآن بالتبع، لأنه بلغة العرب نزل.
ولم يشدّ بإنكار المجاز إلا نفر يسير منهم الظاهرية، والقاضي أبو بكر الباقلاني (2)، إذ يستندون في قياس منطقي خلاصته، أن المجاز يمكن إنكاره، وأنه لا شيء في القرآن يمكن إنكاره، والنتيجة: أنه لا مجاز في
القرآن).
وهذا استدلال غير مسلم بمقدماته، لأن المجاز واقع في اللفظ لا في المعنى، كما يقول الوار جلاني، والمعنى المراد منه هو الحقيقي الذي لا يمكن إنكاره، فقوله تعالى: فَوَجَدَا فِيهَا جدَاراً يُريدُ أَنْ يَنْقَضَ فَأَقَامَهُ} [سورة الكهف: 77]. والإرادة من أوصاف الحيوان لا من أوصاف الجدران، ومعناها في الآية: مال كأنه رجل هَمَّ بالوقوع.). فالمعنى المراد لا يمكن إنكاره أبدا، وشواهد هذا في القرآن أكثر من أن تُعدّ. والشرط الأساسي لقبول المجاز هو وجود علاقة بين الوضع الأصلي وبين المعنى المجازي الذي استعملت فيه مثل الشجاعة، فهي علاقة وصفة ظاهرة في تسمية الشجاع أسدا. وأبرز علاقات المجاز اللغوي المشابهة، وهي عماد الاستعارات
للفظة
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 52.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 341. (3) - الشيرازي التبصرة، ص 177 وانظر تفصيل الدكتور هيتو محقق الكتاب للمسألة في
الهامش.
(4) - محمد الأمين الشنقيطي، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، تتضمن رسالة في منع جواز المجاز في القرآن عالم الكتب، بيروت، د. ت. ج 10، ص 8 فما بعد.
(5) - الوارجلاني العدل والإنصاف، ج 1، صفحات 51 - 52.
-408 - (1/414)
صفحة 415
البلاغية بأنواعها).
وقد تكون العلاقة غير المشابهة كالسببية والجزئية، والكلية والحالية
والمحلية، وغيرها. فيسمى هذا النوع بالمجاز المرسل).
ولكن الغزالي لا يحصر دائرة هذه العلاقة في المشابهة، ويضيف
للمجاز نوعين سماهما مجاز الزيادة ومجاز النقصان. فالأول كقوله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْله شَيْء [سورة الشورى:11]. فإن الكاف وضعت للإفادة، فإذا استعملت على وجه لا يفيد كان على
خلاف الوضع.
والثاني كقوله تعالى: (وَاسْأَل القرية [سورة يوسف: 82]. والمعنى: يوسف:82].
واسأل أهل القرية.
وهذا النقصان اعتادته العرب، فهو تجوز وتوسعه).
وهذه الزيادة والنقصان تعرفان في علم المعاني بالإطناب والإيجاز (). - إنكار الحقائق الشرعية:
تبين لنا من العرض السابق أن الحقيقة الشرعية، يراد منها استعمال اللفظ في معناه الشرعي في خطاب الشارع، فتصبح مجازا بالنسبة للمعنى اللغوي الأصلي، كلفظ الصلاة والزكاة والحج، وسائر المصطلحات
الشرعية.
وهذا ما يتفق عليه كل من الوارجلاني والغزالي كما ذكرناه آنفا.
(1) - علي الجارم ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة ط 12 دار المعارف بمصر، 1375 هـ / 1956 م، ص 69.
(2) - علي الجارم، البلاغة الواضحة، ص 108، وانظر أيضا: السالمي، طلعة الشمس، ج 1،
صفحات 199 - 200.
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 342.
-
(4)
علي الجارم، البلاغة الواضحة، ص 239.
-?.9 - (1/415)
صفحة 416
ولكن المنكرين للمجاز في القرآن ينكرون أيضا الحقائق الشرعية. وقد نقل الغزالي حججهم على لسان القاضي الباقلاني، وهي: أن هذه ألفاظ يشتمل عليها القرآن، وهي ألفاظ عربية، ولم يأت القرآن بجديد غير ما عرفه العرب في لغتهم من ألفاظ وحقائق. وأن الشارع لو فعل هذا للزمه تعريف الأمة بمدلول الحقائق الجديدة، وذلك يحتاج إلى تواتر، إذ لا تقوم الحجة بالآحاد في إثبات حقائق
الشرع.
وما احتج به الجمهور من ألفاظ الصلاة والزكاة والحج وغيرها، لا تقوم عند الاحتجاج، لأن تلك الألفاظ أصلها وضع لغوي، وإنما أضاف لها الشارع شروطا، فأصبحت شرعية، فتصرف الشرع فيها بوضع الشرط لا بتغيير الوضع» (1).
وقد أنصف الغزالي الحجة الأخيرة واختار «أنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الأسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية كما ظنه، قوم ولكن عرف اللغة تصرف في الأسامي من
وجهين
أحدهما، التخصيص ببعض المسميات كما في الدابة، فتصرف الشرع في الحج والصوم والإيمان من هذا الجنس، إذ للشرع عُرف في الاستعمال كما للعرب.
والثاني، في إطلاق الاسم على كل ما يتعلق به الشيء ويتصل به، كتسميتهم الخمر محرمة والمحرّم شربها، والأم محرّمة، والمحرم وطؤها. فتصرفه [أي الشارع في الصلاة كذلك، لأن الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة، فشمله الاسم بعرف استعمال الشرع، إذ إنكار
-
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صفحات 327 فما بعد. (1/416)
صفحة 417
كون الركوع والسجود ركن الصلاة ومن نفس الصلاة، بعيد. فتسليم هذا القدر أهون من إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، وهو كالمهم المحتاج إليه، إذ ما يصوّره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون له أسامٍ، معروفة ولا يوجد لذلك في اللغة إلا بنوع تصرف
فيه» (1).
هذا عن الدليل الأخير للقاضي، أما الدليلان الأولان فواضح ضعفهما، لأن القرآن نزل بلغة العرب ولكن الشارع أوضح للناس معاني مصطلحاته الجديدة باللغة التي يفهمونها، وتم بيان ذلك بفعل الرسول، وبتكرار البيان في نصوص قرآنية ونبوية كثيرة، بما لا حاجة بعده إلى مزيد بيان لهذه الحقائق الشرعية.
ولم يتعرض الوارجلاني لهذا الإشكال في تقرير الحقائق الشرعية،
وإنما اكتفى بإيرادها مسلمة ومضى (2).
- استعمال الحقيقة والمجاز
بعد أن تأكد لنا أن الحقيقة والمجاز بأنواعهما موجودان في لغة العرب ونصوص الشارع، نصل إلى نتيجة أخرى هي محل اتفاق أيضا بين أبي يعقوب وأبي حامد وهي أن الأصل في الكلام أن يُستعمل في ما وضع له، ولا يُصرف عنه إلا بدليل أو قرينة.
فالأصل في خطاب اللغويين استعمال الحقائق اللغوية، والأصل في
خطاب أهل الشرع استعمال حقائق الشرع.
فإذا ما كنا تجاه نص من الكتاب أو السُّنَّة فسرناه بمقتضى الحقائق الشرعية، لأنها المقصود الأول من كلام الشارع. والله تعالى لم يُنزل
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صفحات 331 - 332. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 52.
-811 (1/417)
صفحة 418
كتابه ويبعث رسوله إلا لبيان حقائق دينه وتبيان أحكامه وتشريعه وفق المعاني التي حددها لنا الشارع الحكيم مثل الإيمان والكفر، والصلاة والزكاة، والنكاح والطلاق، وما أشبه ذلك.
وإذا تعذر إجراء اللفظ على حقيقته الشرعية عدلنا به إلى ما سواه من الوضع أو العرف وكان ذلك مجازا باعتبار العدول عن الأصل وهو
الحقيقة الشرعية.
ويقرر الوارجلاني أن الشريعة قد غيرت كثيرا من اللغة وجعلتها حقائق في الشرع، ومجازا في اللغة بعدما كانت بالعكس» (1). أمثلة ذلك جواب النبي لعمر بن الخطاب رضي الجنابة تصيب الرجل من الليل، فقال له: «توضأ، واغسل عن
ومن
وقد سأله
ذكركَ ثم نم» (2).
الله عنه،
فأراد بالوضوء غسل يديه ثم ذكره، ولم يُرد وضوء الصلاة المعروف شرعا (). إذ أصبح معنى الوضوء هنا مجازا بالنظر إلى الوضوء الشرعي. وكذلك الحج والصلاة والصوم وسائر الأسماء الشرعية، فهي في
معانيها الشرعية حقائق شرعية، وفي معانيها الأصلية مجازات شرعية). وبناء على قاعدة أن الأصل في الكلام الحقيقة، وأن الحقيقة المقصودة في كل خطاب هي ما تواضع عليه المتخاطبون، فإن إجراء خطاب أهل الشرع على حقيقته الشرعية غير قاصر على نصوص الكتاب والسنة بل يسري كذلك على معاملات الناس وتصرفاتهم من
العقود والأيمان والنذور.
- (1)
(2)
-
الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 52. البخاري، كتاب الغسل باب 26، ج 1، ص 80. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 52. السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 210.
- (4)
-
-12 - (1/418)
صفحة 419
فمن نذر أن يصلّي الله وجب عليه الوفاء بالصلاة المعهودة شرعا، المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم. ولا يجوز له الدعاء فقط، لأن المقصود
هو
الصلاة الشرعية أما الدعاء فهو مجاز في هذا المقام.
وكذلك من نذر أو حلف أن يصوم كان عليه الصوم الشرعي لا
مجرد الإمساك.
ومن
حلف ألا يأكل لحما لم يحنث بأكل السمك، لأن اللحم في
الاصطلاح العرفي لغير السمك، وإن كان المعنى اللغوي يعم الجميع. فلا يُعدل عن الحقيقة إلا عند التعذر، وذلك بالترتيب التنازلي من
الحقيقة الشرعية إلى العرفية ثم اللغوية.
وسواء أكان اللفظ في سياق الإيجاب أم النفي.
إلا أن الغزالي يجنح إلى التفصيل بين الإيجاب والنفي، إذ يرى أنه إذا ورد اللفظ في سياق الإثبات راعينا ترتيب الجمهور المذكور، أما إذا وردت الكلمة في سياق النفي في خطاب الشارع، فإننا لا نملك إلا التوقف، لأنها في نظر الغزالي من قبيل المجمل الذي لا يُعلم معناه الحقيقي إلا ببيان من الشارع، أو قرينة خارجية تحدد المعنى المقصود. فنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم النحر (). فهي مجمل، يتوقف على (1)
ورود بيان بمعناه المقصود (2).
هذا كله إذا رجحت القرينة أو رجح المجاز.
ولكن ثمة حالة يستوي فيها المعنيان الحقيقي والمجازي للكلمة دون رجحان ودون تعارض بينهما، فبأي المعنيين نأخذ؟
-
(1)
رواه مسلم بلفظ نهى عن صيام يومين؛ يوم الأضحى ويوم الفطر». صحيح مسلم کتاب الصيام حديث 141، ج 8، ص 15. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 359.
-413 - (1/419)
صفحة 420
معاء
أجاز الشافعية في هذه الحال استعمال اللفظ لمعنييه الحقيقي والمجازي
ومنعه الحنفية، وقالوا: يفسّر اللفظ بمجازه الشائع). وتوقف الشماخي في شرحه لمختصر العدل (2). ولم يذكر الوارجلاني
رأيه في القضية، ولذلك آثرنا عدم تفصيلها.
(1) - البوطي، أصول الفقه، ص 65.
(2) - الشماخي شرح مختصر العدل، ورقة 12 ظ السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 214.
- E 1 E- (1/420)
صفحة 421
المبحث الأول
وضوح وخفاء الألفاظ وطرق الدلالات
تمهيد: وضوح وخفاء الألفاظ وطرق الدلالات بين الحنفية والمتكلمين تختلف الألفاظ الواردة في خطاب الشارع من حيث قوة دلالتها
على معناها وضوحا وخفاء. وقد صنفها علماء الأصول بناء على وضوحها وخفائها إلى درجات، حتى يسهل الأمر أمام المجتهد للترجيح بينها عند التعارض، كما أن هذه الألفاظ قد تدل على المعنى بصيغتها ومنطوقها، وقد تدل عليه مفهومها وفحواها وذلك ما جعل الأصوليين أيضا يفردون مباحث لدراسة طرق دلالات الألفاظ على المعاني، بما عُرف بمباحث الدلالات. وقد سلكت مدرسة المتكلمين في هذين القسمين: الوضوح والخفاء
في الألفاظ ودلالات الألفاظ، مسلكًا متميزا، عن مدرسة الأحناف. وتعتبر هذه المباحث من أجلى ما يميز المدرستين في مناهج الاستنباط، وبالتالي في ترتيب الألفاظ عند التعارض، مما نتج عنه خلاف في فروع فقهية عديدة (1). وبما أن الوارجلاني والغزالي كليهما ينتميان إلى مدرسة الجمهور
المتكلمين، فسوف لا نجد بينهما كبير خلاف في هذه المسائل. ولذلك ارتأينا لمزيد من التوضيح إيراد مقارنات بين منهج الجمهور
ومنهج الحنفية في حدود ما تسمع به طبيعة البحث وحجمه.
(1) - أفرد بعض الباحثين دراسات مستقلة مقارنة بين منهج المتكلمين ومنهج الحنفية في وضوح الألفاظ وخفائها، وطرق دلالاتها.
ينظر: د. محمد أديب صالح تفسير النصوص في الفقه الإسلامي.
د. فتحي الدريني، المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي.
-810 (1/421)
صفحة 422
المطلب الأول: الوضوح والخفاء في الألفاظ
إن تحديد درجات الألفاظ في وضوحها وخفائها، أو دلالتها على معناها من حيث الوضوح والإبهام عمل أساسي في تفسير نصوص الشارع، والاجتهاد لاستنباط الأحكام.
والمقصود بالوضوح والخفاء ذاتُ الألفاظ، إذ إن نصوص الشارع
كلها واضحة لا غموض فيها، وإنما المراد هو قوة دلالاتها على مقصود الشارع من تشريع الأحكام، ومدى سعة هذه الألفاظ وقدرتها على
احتواء الوقائع المتجددة عند التطبيق.
و تنقسم الألفاظ إلى قسمين: الأول: واضح الدلالة على معناه، بحيث لا يحتاج فهم المراد منه تطبيقه على الوقائع إلى أمر خارج عنه.
الثاني: مبهم أمر خارج عنه.
أو
الدلالة على معناه يحتاج فهم المراد منه أو تطبيقه إلى
وكلا القسمين تتفاوت ألفاظه في وضوح المعنى أو إبهامه إلى
درجات.
وللجمهور المتكلمين تصنيف خاص لهذه الدرجات، كما للحنفية
تصنيفهم أيضا.
أما
منهج
المتكلمين فقد قسموا اللفظ باعتبار وضوح معناه إلى نص
ظاهر وباعتبار خفائه إلى مجمل ومتشابه.
بينما سلك الحنفية سبيلا أكثر تفصيلا، فجعلوا الواضح أربعة
أقسام: هي المحكم والمفسّر والنص، والظاهر كما جعلوا الخفي أربعة
-217 - (1/422)
صفحة 423
أقسام كذلك هي: الخفي والمشكل والمجمل والمتشابه. وهي مرتبة من
أعلاها وضوحا إلى أوغلها خفاء).
أ= طريقة المتكلمين:
تنقسم الألفاظ عند المتكلمين وضوحًا وخفاء إلى أربعة: النص
والظاهر والمجمل والمتشابه.
خاصة.
وسنتناولها ببعض البيان اعتمادا على الوارجلاني والغزالي، بصفة
- النص:
يقسم أبو يعقوب خطاب الشارع إلى حقيقة ومجاز، والحقيقة إلى مجمل ومفصل والمفصل إلى محتمل وغير محتمل.
وغير المحتمل هو النص، وهو ما رفع في البيان إلى أقصى غايته، كقوله تعالى: اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [سورة البقرة:255]. وقوله: إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهُ وَاحِدٌ} [سورة النساء: 171]. وقوله: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ} [سورة
الفتح: 29]» (2). ويحدّد البرادي معنى النص في تعريف الوارجلاني بأنه كل لفظ مفيد استوى ظاهره وباطنه حتى لا يتطرق إليه التأويل، وذلك استنادا إلى معنى النص في اللغة فالعرب تقول: نصت الظبية إذا مدت عنقها واشرأبت والمنصة كرسي تجلّى عليه العروس.
والمقصود بالنص الاستقلال بإفادة المعاني على قطع، مع انحسار
(1)
حول هذه الأقسام ينظر:
-
د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 1، صحفات 139 فما بعد.
د. الدريني، المناهج الأصولية، صحفات 37 فما بعد. البوطي أصول الفقه، صحفات 94 فما بعد. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 39 - 40
د.
- {\ Y- (1/423)
صفحة 424
جهة التأويلات، وانقطاع مسالك الاحتمالات» (1).
ويتفق الغزالي مع الوارجلاني في مفهوم النص، ولكنه يعرض الآراء
حوله بمزيد من التفصيل، إذ يقول:
النص اسم مشترك يطلق في تعاريف العلماء على ثلاثة أوجه: الأول: ما أطلقه الشافعي رحمه الله، فإنه سمى الظاهر نصا، وهو منطبق على اللغة، ولا مانع منه في الشرع والنص في اللغة بمعنى الظهور ... فعلى هذا حدّه حدّ الظاهر، وهو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع.
الثاني: وهو الأشهر ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا، لا عن القرآن ولا عن بعد، كالخمسة مثلا، فإنه نص في معناه، لا يحتمل الستة ولا الأربعة، وسائر الأعداد ...
الثالث: التعبير بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده
دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا. والإطلاق الثاني أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد» (2).
-
الظاهر:
يعرف الوارجلاني الظاهر بأنه ما سبق إلى النفوس معناه» (3). وحدده الغزالي بأنه اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه
من غير قطع» (1).
-
(1)
البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقات 146 ظ -147 و. (2) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 384 - 386. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 40. (4) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 385.
-?1^- (1/424)
صفحة 425
ومثاله قول النبي: لا صيام لمن لم يُجمع الصيام قبل الفجر» (1). فإن ظاهره عدم صحة صوم من لم يعقد النية قبل الفجر، ولكنه يحتمل معنى آخر مرجوحا، وهو أن النية شرط لكمال الصوم لا لصحته، ولأجل هذا الاحتمال كان لفظ الحديث ظاهرا لا نصا.
فالفارق الجوهري بين النص والظاهر قبول الظاهر للاحتمال؛ وعدم
قبول النص له.
والمعنى الذي يحتمله الظاهر معنى مرجوح وقد يصير راحجا إذا عضده دليل مقبول، وهو ما يعرف بالتأويل، أي صرف اللفظ عن ظاهره الراجح إلى معناه المرجوح لدليل قوي يسوّغ هذا التأويل.
- الظاهر والباطن
جعل الوار جلاني الباطن مقابلاً للظاهر، فإذا كان الظاهر هو «ما سبق إلى النفوس معناه، فإن الباطن ما لا يسبق إلى النفوس معناه» (2). وأورد للباطن آيات تتعلق بصفات الله تعالى، من مثل قوله: (وَجَاءَ
رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفاً) [سورة الفجر: 22]. وقوله: وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بيمينه [سورة الزمر: 67]. وكذلك جميع ما يؤول من أوصاف الباري سبحانه إلى صفات البشر، لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [سورة
الشورى: 11]» (3).
—
(1)
سنن النسائي، كتاب الصيام، باب 68، حديث 2338، ج 3 - 4، ص 511.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 10. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 41.
-419 - (1/425)
صفحة 426
وصفات الله تعالى لا مطمع لأحد في إدراك حقيقتها، والمعنى الباطن الذي تتضمنه هذه الآيات والذي لا يتبادر إلى الذهن هو تشبيه صفات الله بصفات البشر، فهذا معنى مرفوض وباطل، لا يجوز حمل الآيات عليه. وثمة باطن قد يصار إليه إذا اعتضد بدليل يقويه، ومثل له بقوله تعالى: (ذُق) إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [سورة الدخان:49]. «فظاهره أمر مدح وباطنه ذم وتهوين» (1). وبين الوارجلاني أن الظاهر والباطن من وجوه بيان القرآن وأحكام الشرع و أن أحكام المحكم والمتشابه قد اندرجت في أحكام الظاهر والباطن، لأن المحكم بعض الظاهر، والمتشابة بعض الباطن» (2). وذكر أن مذهب الجمهور استعمال الظاهر وهو المعنى الراجح
وتغليبه على الباطن، ما لم يرد شرع أو عقل يمنع منه. أما داود الظاهري ومن تبعه فغلبوا الظاهر على الباطن وعلى كثير من الشرعيات مثل الفحوى واللحن ودليل الخطاب ومعنى الخطاب، فهو الأصل عندهم، وعامة الفقهاء على خلافهم.
وقال بعضهم: إن الباطن أولى من الظاهر، وإنما نزل القرآن والمراد منه الباطن وهم الباطنية، وهم غلاة الشيعة والقرامطة (3). وعقد أبو يعقوب فصلا مطوّلا للردّ على شناعاتهم و تحريفهم
لنصوص القرآن بجة الاعتماد على التفسير الباطني.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 42.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 130.
وعلى نفس النسق سار السالمي، انظر: السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 169. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 133 - 134.
- EY. (1/426)
صفحة 427
- المجمل يعرف الوارجلاني المجمل بأنه ما لا ينفهم المراد به من لفظه، ويفتقر في بيانه إلى غيره، كقوله تعالى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه [سورة
الأنعام: 141]. فالحق مجهول الجنس والنصاب).
فالمجمل لا يستقل العقل بإدراكه، ولا بد من ورود نص من الشارع
يبين مراده من اللفظ، حتى يزول الإجمال).
وأسباب الإجمال كثيرة:
كالاشتراك في اللفظ، مثل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءِ) [سورة البقرة: 228]. والقرء في اللغة للحيض والطهر، ولا يعلم أيهما المراد إلا ببيان من الشارع.
أو لعدم تعيين ذات الشيء المطلوب، كما في الحق المذكور في آية النصاب وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِه).
- أو أو بسبب التركيب في العبارة، أوْ يَعْفُو الذي بيده عُقْدَةُ تاح} [سورة البقرة: 237]. فمن هو هذا الذي بيده عقدة النكاح؟ أهو
-
النكا
الزوج أم الولي؟.
أو بإخراج اللفظ عن حقيقته اللغوية، وهذا عام في جميع حقائق الشرع، إذ كانت مجملة ثم بين الشارع مراده منها، كالصلاة والزكاة
والحج، وغيرها.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 39.
(2)
-
لمزيد تعاريف أخرى للمجمل، ينظر: د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، صحفات
327 فما بعد.
- ETI -
- (1/427)
صفحة 428
-
المتشابه
ذهب أكثر العلماء إلى أن المتشابه هو غير متضح المعنى، فهو والمجمل سواء، وهو القول الأصح عند المتكلمين).
وأورد الوارجلاني للعلماء في معنى المحكم والمتشابه). أربعة أقوال:
الأول: المتشابه حروف المعجم التي في أوائل السور، وهي سر في كتابه. والمحكم ما فيه أمر ونهي وخبر واستخبار.
الله
الثاني: المحكم هو النصوص الظاهرة في كتاب الله التي وقع الاتفاق على بيانها والمتشابه ما يحتمل التفاسير كالمضمرات والمكنيات وكل ما
يحتمل الوجوه.
متشابه.
الثالث: المحكم هو الأمر والنهي خصوصا، وما عداه من القرآن فهو
الرابع: القرآن كله محكم وكله متشابه كما وردت بذلك الآيات) إذ قال تعالى فيه: كِتَابٌ أَحْكَمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حكيم خبير) [سورة هود:1]. وقال أيضا: كِتَاباً مُتَشَابِهَا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم} [سورة الزمر: 23].
والقول الأخير في غير محل الخلاف لأن المراد بكون القرآن كله متشابها أنه في مستوى واحد من حيث البلاغة والإعجاز وإحكام الآيات. فكلها متشابهة من هذا الوجه لا من حيث خفاء معناها.
ولا يرتضي الغزالي القول بأن المتشابه هو الحروف المقطعة في أوائل السور، أو أنه ما انفرد الله بعلمه، أو أنه القصص والأمثال، والمحكم:
-
(1)
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 322. (2) - ربط الوارجلاني بين المحكم والمتشابه لتلازمهما في الذكر غالبا، وللتفصيل حول المحكم والمتشابه ينظر: الشاطبي، الموافقات ج 3، صحفات 85 فما بعد.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 131 - 133.
-422 (1/428)
صفحة 429
الوعد والوعيد والحلال والحرام.
والصحيح في نظره أن للمحكم والمتشابه معنيين:
الأول: المحكم هو المكشوف الذي لا يتطرق إليه إشكال ولا احتمال والمتشابه ما تعارض فيه الاحتمال.
والثاني: أن المحكم ما انتظم وتَرَتَّب ترتيبا مفيدا، إما على ظاهر أو
تأويل والمتشابه ما كان مشتركا أو ورد في صفات الله مما الجهة والتشبيه، ويحتاج إلى تأويله).
يوهم
ظاهره
والتفسير الأخير للمتشابه يشمل المجمل وغيره، وهو الاصطلاح الشائع عند المتكلمين، وذلك بناء على المعنى اللغوي للمتشابه، أي ما
اشتبه معناه (2).
(1)
وهذا ما قرره الآمدي) والسالمي إذ جعلا المتشابه أعم من
المجمل، والمجمل نوعا من المتشابه.
وإذا ما استثنينا المجمل لم يبق في دائرة المتشابه إلا ما لا سبيل إلى إدراك حقيقته، وهو ما يتعلق بآيات صفات الله التي يفضي الأخذ بظاهر ألفاظها إلى التشبيه.
وبين
وقد وقف العلماء أزاءها بين مفوض أمر حقيقتها إلى الله مؤوّل لها بما تقتضيه قواعد اللغة ومجازاتها، وبما يتفق مع تنزيه الله تعالى
عن التجسيد والتشبيه بالمخلوقات.
(1)
-
(3)
وبين الفريقين جدل طويل، وتفصيله في علم الكلام.
ويخلص لنا بعد هذا أن أقسام الألفاظ وضوحا وخفاء عند
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 106.
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، صحفات 333 - 334. الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 1، صحفات 9 - 13. (4) - السالمي، طلعة الشمس، ج 1، ص 172.
-423 - (1/429)
صفحة 430
المتكلمين، والتي لا مدخل لها في استنباط الأحكام ثلاثة فقط، هي: والظاهر والمجمل.
النص
أما النص فقد دلّ على معناه بصورة قاطعة لا مجال فيها للتفسير والتأويل. وحكمه وجوب العمل به، وتفسيق من خالفه، وتكفير من ردّه وناقضة إن كان قطعي الثبوت.
وأما الظاهر فحكمه وجوب العمل بالمعنى المتبادر منه. ولا يصار إلى معناه المرجوح إلا بدليل من نقل أو عقل يسوّغ هذا العدول. وذلك مبسوط في مظانه ضمن مباحث التأويل).
ويبقى المجمل بعد هذا على إجماله، نؤمن به، ونستعد لتطبيقه إذا ورد بيانه من الشارع، لأننا لا نعلم معناه المراد إلا ببيان من الله ورسوله. وسنخصص للمجمل شرحا أوفى بعد عرض وجيز لتقسيم الحنفية
للألفاظ
من حيث الوضوح والخفاء.
ب طريقة الحنفية:
يقسم الحنفية الواضح إلى أربع درجات، والخفي أيضا إلى أربع درجات و نوردها مرتبة من أشدها وضوحا إلى أكثرها خفاء.
- المحكم:
هو اللفظ الذي دلّ على معناه دلالة واضحة قطعية، لا تحتمل تأويلا ولا تخصيصا ولا نسخا في حياة النبي ولا بعده (2). وذلك كأصول الدين الثابتة بألفاظ محكمة.
ينظر: الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 388 فما بعد. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 171.
-424 -
- (1)
-
(2) (1/430)
صفحة 431
هو
المفسر:
اللفظ الذي دلّ على الحكم دلالة واضحة، لا يبقى معها احتمال لتأويل أو التخصيص، ولكنه مما يقبل النسخ في عهد الرسالة).
- النص: هو اللفظ الذي يدل على الحكم الذي سيق لأجله الكلام دلالة واضحة، تحتمل التخصيص والتأويل احتمالا بعيدا، مع قبوله النسخ في
عهد الرسالة (2).
- الظاهر:
هو اللفظ الذي يدل على معناه بصيغته من غير توقف على قرينة
خارجية، مع والفرق بين الظاهر والنص أن النص سيق الكلام لأجله، بينما يفهم معنى الظاهر من صيغة الكلام فقط، فازداد الأول وضوحا لبيان قصد الشارع، منه، وعدم توقف ذلك على مجرد الصيغة.
احتمال التخصيص والتأويل وقبول النسخ).
ومثاله آية وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا [سورة البقرة: 275]. فهي نص
في نفي المماثلة بين البيع والربا، لأنها سيقت لأجل ذلك، وهي ظاهرة في حلية البيع وحرمة الربا، لعدم سوق الكلام لهذا أصالة.
الخفي:
هو اللفظ الظاهر في دلالته على معناه، ولكن عرض له من خارج صيغته ما جعل في انطباقه على بعض أفراده نوع غموض وخفاء. ولا
يزول إلا بالطلب والاجتهاد.
- (1)
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 165.
(2) - د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 149، البوطي، أصول الفقه، ص 98. (3) - د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 1، ص 143
-? YO - (1/431)
صفحة 432
فيعتبر اللفظ خفيا بالنسبة إلى هذا البعض من الأفراد). فالخفي كالظاهر في اللفظ، وإنما الفارق في التطبيق، ومثال ذلك
الطرار والنباش هل يطلق عليهما اسم السارق، فيقطعان أم لا؟ وقد انتهى اجتهاد الفقهاء إلى أن النباش غير سارق بالمعنى الكامل، فلا يقطع، وأن الطرّار سارق وزيادة؛ فيُقطع. وفي ذلك خلاف).
-
المشكل
هو اسم لما خفي المراد منه باللفظ نفسه لدخوله في إشكاله بحيث لا يدرك ذلك المراد إلا بقرينة تميّزه عن غيره، وذلك عن طريق البحث والتأمل بعد الطلب (2). وأبرز ما يبين معنى المشكل هو اللفظ المشترك الذي لا يتعين المراد منه إلا بعد البحث والاجتهاد بناء على القرائن الخارجية، وذلك كلفظ القرء المشترك بين الحيض والنفاس.
- المجمل
هو
اللفظ الذي خفي من ذاته خفاء جعل المراد منه لا يدرك إلا ببيان من المجمل، سواء أكان ذلك الخفاء لانتقال اللفظ من معناه الظاهر في اللغة إلى معنى مخصوص أراده الشارع، أم لتزاحم المعاني المتساوية، أم كان لغرابة اللفظ نفسه).
العلماء
وقد يبدو التشابه كبيرا بين المجمل، والمشكل، حتى إن كثيرا من من لا يفرق بينهما، فهما مشتركان في أن الغموض في كل منهما ذاتي من لفظه لا من عارض خارجي، كما في الخفي، ولكنهما يفترقان
(1)
-
(3)
(4)
11
-
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 231. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، صحفات 236 فما بعد. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 254. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 278.
- ETT- (1/432)
صفحة 433
في
أن البيان في المجمل لا يكون إلا من قبل المجمل نفسه، بينما يمكن تحصيل بيان الشكل بالبحث والتأمل، دون حاجة إلى بيان المجمل.
-
- المتشابه
وهو أشد أنواع الألفاظ خفاء وإيغالاً في الإبهام، وهو اللفظ الذي انقطع الرجاء في معرفة معناه الحقيقي ولا يُفسّر في كتاب ولا سنة، ولا يعلمه حتى الراسخون في العلم (). وهو بهذا يعد خارجا عن نطاق الأحكام التكليفية ولا دخل له بمسائل الحلال والحرام، وإنما محاله في بعض مسائل الاعتقاد.
المقارنة بين طريقتي المتكلمين والحنفية
يتبين من تقسيمي الجمهور والحنفية لدرجات الوضوح والخفاء في الألفاظ أن الجمهور لم يعتبروا إمكانية النسخ أو عدمه في ترتيب الألفاظ، لأن النسخ قضية تاريخية انتهت بإكمال الدين وانقطاع الوحي، فصار النسخ فارقا ساقطا من الاعتبار. والحنفية أنفسهم يرفعون المفسّر والنص والظاهر إلى درجة المحكم لغيره نظرا لعدم إمكانية ورود النسخ عليها الآن، فصار التقسيم العملي المختصر للفظ الواضح أنه: نص أو ظاهر.
كما أن تقسيم الحنفية لغير الواضح إلى خفي ومشكل ومجمل فيه نوع دقة، ولكن الجمهور آثروا إدراج هذه الأصناف كلها تحت اسم المجمل، ولم يلتفتوا إلى طبيعة الفوارق بينها في الخفاء، سواء أكان ذلك لعارض في أحد الأفراد؛ كما في الخفي، أم في جميعها؛ كما في المشكل، أو بسبب ذاتي في اللفظ نفسه. وهل يمكن إزالته بمجرد البحث
(1) - د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 1، ص 279.
-427 - (1/433)
صفحة 434
والاجتهاد، أم لا بد من ورود بيان من الشارع كما في المجمل. ويبقى القسم الأخير وهو المتشابه، فقد تبين لنا أنه غير موجود في نطاق الأحكام التشريعية. ولهذا فإن الحديث عن المتشابه في أصول الفقه استطراد لا تدعو إليه ضرورة، وهو دخول إلى ميدان علم الكلام. بيد أن هذا ليس بالأمر الغريب، بعد ما مضى من بيان طبيعة العلاقة ووشائج الصلة والاستمداد بين علم الأصول وعلم الكلام.
ج= المجمل والمبين
- المجمل وأسبابه:
يتفق المتكلمون و الحنفية على أن المجمل هو اللفظ الصالح لأكثر من معنى، ولا يتعين لأحد معانيه، لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال، ويفتقر في تعيين المراد منه إلى بيان من الشارع، وهذا البيان هو المبين). وللإجمال أسباب أهمها:
-
اشتراك اللفظ بين معان مختلفة، كالعين بمعنى الشمس، والذهب والباصرة، والجارية، والحرف الهجائي "ع". وقد يصلح لمعان متضادة،
كالقرء للطهر والحيض وكالجون للأسود والأبيض.
نقل الأسماء من معانيها اللغوية على معان شرعية جديدة. الاشتراك في التركيب كما في آية أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكاح [سورة البقرة: 237]. فمن هو: الزوج أم الولي؟
-
وإما بحسب التصريف، مثل المختار يصلح للفاعل وللمفعول.
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 345؛ الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 39.
،
- EYA - (1/434)
صفحة 435
أو يكون بسبب الوقف أو الابتداء، مثل آية (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} [سورة آل عمران:7]. فهل الوقف على لفظ الجلالة
والواو بعدها للابتداء؟ أم إن الكلام مستأنف والواو للعطف؟). وقد انفرد الغزالي برأي في المجمل مفاده أن الأسماء الشرعية إذا وردت في الإثبات حملت على معناها وحقيقتها الشرعية، وإذا وردت في سياق النفي فهي مجملة) وذلك مثل حديث لا صيام لمن لم يجمع الصيام قبل الفجر» (3). فهل أريد به نفي الصحة أم نفي الكمال؟ يرى الغزالي أن الحديث مجمل، يتوقف بيانه على ورود نص من الشارع، ولكن الوارجلاني والجمهور على أنه لا إجمال في حالتي النفي
والإثبات).
وثمة شرط عام لتحقق الإجمال في اللفظ، وهو أن لا يتعين اللفظ لأحد معانيه، لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال. وهذا الشرط يزيل كثيرا من الإشكال حول أمثلة عديدة أوردها الأصوليون نماذج للإجمال، والحقيقة أن لا إجمال فيها. من مثل قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ) [سورة النساء:23]. وقوله: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ} [سورة
المائدة: 3].
فالوارجلاني والغزالي ينكران صفة الإجمال في هذه الآيات؛ خلافا لبعض المعتزلة الذين ذهبوا إلى اعتبارها مجملة وقالوا: إن الأعيان لا
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 361 - 4363 الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1،
صحفات 53 - 54.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 359.
(3) - سنن النسائي، كتاب الصيام، باب 68، حديث 2338، ج 3 - 4، ص 511. (4) - الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 16 ظ.
-429 - (1/435)
صفحة 436
تتصف بالتحريم، وإنما يحرم فعل ما تعلّق بالعين، ونحن لا نعلم ماذا حرّم منها؛ أهو الضرب أم القتل أم السب أم السفاح أم النكاح؟ والمعنى المحرّم مجهول، وليس بعضها أولى من بعض. وكان ردّ الوارجلاني أن هذا ليس بشيء (1)، واعتبره الغزالي قولا
فاسدا (2)
وأوضح أبو حامد فساد هذا القول: «أن عُرف الاستعمال كالوضع، ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم على أنهم لا يستريبون في أن قال: حرّمت عليك الطعام والشراب" أنه يريد من الأكل دون النظر والمس، وإذا قال: حرّمت" عليك هذا الثوب" أنه اللبس وإذا قال: حرمت عليك النساء" أنه يريد الوقاع.
وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا» (3).
- البيان وأنواعه:
يريد
يقول أبو يعقوب «البيان» هو الإيضاح والإعلام والدلالة والإرشاد والهداية والإيذان، فجميع الوجوه التي تنفهم منها المعاني لأهل اللسان فهي بيان لما في القرآن والسنة والأثر وجميع الكلام»».
-
وعدد الوارجلاني للبيان أنواعًا حصرها في أربعة – البيان بالقرآن، البيان بالسنة القولية والفعلية والتقريرية - البيان بالإجماع، - البيان
بالعقل).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 54.
(2)
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 346. (3) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 346 - 347. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 54. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 55.
-? r. (1/436)
صفحة 437
وأورد لهذه الأنواع أمثلة مع التوضيح).
أما الغزالي فإنه جعل البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والإعلام، وأورد له حدودا كثيرة؛ اختار منها تعريف الباقلاني «أنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه».
وعلل اختياره أن هذا التعريف أقرب إلى اللغة والمتداول بين أهل
العلم، إذ يقال لمن دلّ غيره على شيء بينه له.
وعلى هذا فالبيان قد يكون بالعبارة أو بالفعل، أو بالإشارة، أو الرمز، إذ الكل دليل ومبين ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول، وكل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره حيث يكون دليلا (2).
- تأخير البيان عن وقت الحاجة: من القضايا المتفق عليها بين الوارجلاني والغزالي أيضا قضية تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه فقد اجتمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه» (3). إلا على مذهب من يجوز التكليف
بالمحال (4).
فإذا ورد الأمر في الصباح بوجوب صلاة الظهر، فإنه لا يجوز تأخير بيان كيفية أداء الصلاة بعد دخول وقت الوجوب، وإلا كان تكليفا بالمحال، وهو خطاب الناس بمجمل لا يفهمون معناه ولا مقصود الشارع
منه.
(1)
-
(2)
ينظر: الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 6055. الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 364 - 367. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 61. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 368.
- ET- (1/437)
صفحة 438
والخلاف منحصر في جواز تأخير البيان عن وقت ورود المجمل. فالجمهور ومعهم الوارجلاني والغزالي على جواز ذلك، ومنعه
المعتزلة (1).
ودليل الجمهور قوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) ثُمَّ إِنْ عَلَيْنَا
الله بَيَانَهُ} [سورة القيامة:18 - 19]. و"تم" في اللغة للتراخي.
بينما كانت حجة المعتزلة أن المجمل كلام غير مفهوم معناه، فيغدو خطاب المكلفين به خطابًا بما لا يُعقل، وهو كمن يخاطب الموتى أو العجم بالعربية، فلا يتحقق المقصود من خطابه (2).
وانتقد أبو يعقوب استدلال المعتزلة هذا، مجوزا هذا النوع من الخطاب بشرط إحياء الموتى، وبقاء العجمي حتى يفهم أو يأتي من يفهمه العربية، وهو أمر غير مستحيل.
وأما تمسكهم بأنه كما لا يجوز للنبيء تأخير البلاغ، فكذلك لا يجوز له تأخير البيان، فإنه قياس مع الفارق، إذ إن البلاغ متعين في الحال، أما البيان فلا يتعين إلا عند حصول الفعل وحضور النازلة، فالفعل له وقت، وليس للبلاغ، وقت بل هو واجب على الفور. أما أدلة جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب فهي مما يزخر به القرآن والسنة النبوية، من مثل تعيين أوقات الصلوات، إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كتاباً مَوْقُوتاً} [سورة النساء:103]. وهذه الآية نزلت بعد فرض الصلاة بزمن غير قصير، وكذلك وجوب الزكاة كان مبكرا، ثم ورد بيان
أنصبتها وأوعيتها في السنة النبوية، وغير ذلك من الأمثلة العديدة).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 61 الغزالي المستصفي، ج 1، ص 368. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 61 - 62؛ الغزالي، المستصفى، ج 1،
-
(2)
صحفات 368 فما بعد.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 61 - 62؛ الغزالي، المستصفى، ج 1،
-432 -
- (1/438)
صفحة 439
وأما الأدلة العقلية التي أطنب المعتزلة في تحليلها، فلا سناد لها من
واقع التشريع، وليس أدل على الجواز من الوقوع.
المطلب الثاني: طرق دلالات الألفاظ
إن الألفاظ قد تدلّ على المعنى بمنطوقها، وقد تدلّ عليه بإشارتها
وفحواها.
وقد تباينت أنظار الأصوليين بعض الشيء في طرق دلالة الألفاظ على الأحكام وضوابط تلك الطرق، فتنوعت مصطلحاتهم في هذا المجال، واتخذ كل لنفسه مسلكا متميزا.
وسبب هذا الاختلاف أن النصوص غير قاصرة في إفادتها للمعنى على عبارتها، فحسب بل إن كثيرا من المعاني تؤخذ من طريق الإشارة والمفهوم، وتختلف هذه المعاني المستنبطة من لوازم النصوص قوة وضعفا، وتتباين الأنظار تبعا لذلك في اعتبار بعض هذه المعاني أو إلغائه مقارنة بما من صريح اللفظ ومنطوق العبارة. وقد سلك المتكلمون منهجا غير الذي سلكه الحنفية في دراسة طرق دلالات الألفاظ ولكنهما في نهاية المطاف يصلان إلى نتائج واحدة، وأسماء واحدة كذلك.
أخذ
ولهذا فإننا سنكتفي في التحليل بما اختاره المتكلمون، مع الإشارة إلى
اختيار الحنفية لتوضيح الاتفاق الجوهري بين الفريقين. فالمتكلمون يقسمون دلالة اللفظ على الحكم أو المعنى قسمين
أساسيين هما دلالة المنطوق، ودلالة المفهوم. أما الحنفية فيفصلون هذه الدلالات إلى أربع عبارة النص، وإشارة
صحفات 368 فما بعد.
-433 - (1/439)
صفحة 440
النص، ودلالة النص، واقتضاء النص.
وسوف يتجلى لنا من تفصيل منهج المتكلمين أن الخلاف بينهما في طريقة التقسيم ليس إلا، وأن الفريقين متفقان على مضمون هذه التقسيمات وأسمائها.
والخلاف البارز بينهما منحصر أساسا في حجية مفهوم المخالفة. و معتمدنا في عرض طريقة المتكلمين على ما أمدنا به أبو يعقوب وأبو حامد، علما بأن الوارجلاني لم يفصل الحديث في طرق الدلالات مكتفيا بإشارات مركزة (1). ولكنها واضحة في تبيان رأيه فيها واعتبارها من وسائل الاستنباط وتفسير النصوص.
كما أن الغزالي لم يفرد للمنطوق والمفهوم مباحث مستقلة بهذه العناوين، ولكنه فصل القول في المنطوق في مباحث النص والظاهر والمجمل ومسائل الأمر والنهي والعام والخاص، وغيرها.
وكلها مما يؤخذ من منطوق اللفظ، وجعلها تحت عنوان "المنظوم
وكيفية الاستدلال به " (2).
أما المفهوم وما يستفاد بالفحوى والإشارة فقد جعلها خمسة
- الاقتضاء،
-
إشارة اللفظ، - فهم التعليل من إضافة
أضرب، هي: الحكم إلى الوصف المناسب، (أي الإيماء)، فهم غير المنطوق من المنطوق (أي) مفهوم الموافقة - المفهوم (أي مفهوم المخالفة) (3). وتسهيلا للمقارنة بين الرجلين فإننا آثرنا التصنيف الذي استقر عليه
-
(2)
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 55 - 60، الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 317 فما بعد. (3) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 186 فما بعد.
352
وقد تابع الآمدي الغزالي في هذا التقسيم، ينظر الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 3،
صحفات 90 فما بعد.
-434 - (1/440)
صفحة 441
الأصوليون المتأخرون، لوضوحه وشموله وانضباطه.
وينحصر
هذا التصنيف أو التقسيم كما ذكرنا- في محورين: دلالة
المنطوق، ودلالة المفهوم، وأنواعهما.
أ= دلالة المنطوق
دلالة المنطوق، هي دلالة اللفظ على حكم ذكر في الكلام، وورد النطق به مطابقة أو تضمنا أو التزاما ().
فقوله تعالى: {وَأَحَلَ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الربا) [سورة البقرة:275]. يتضمن نطقا طريحا بتحليل البيع وتحريم الربا، فتكون دلالة الآية على هذين الحكمين الحل والحرمة دلالة منطوق.
أنواع المنطوق:
-
(1)
المنطوق نوعان منطوق صريح، ومنطوق غير صريح.
المنطوق الصريح هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق المطابقة أو
درج المتكلمون على تناول الألفاظ بحسب دلالتها على المعاني، فقسموها إلى دلالة المطابقة، ودلالة التضمن، ودلالة الالتزام. فالمطابقة: دلالة اللفظ على تمام معناه كدلالة اسم الرجل على الإنسان الذكر البالغ، ودلالة الإنسان على الحيوان الناطق. والتضمن: دلالة اللفظ على جزء معناه كدلالة البيت على السقف لأنه متضمن في معنى كلمة البيت وكدلالة لفظ الإنسان على الجسم. واللزوم أو الالتزام وهو ما يلزم من اللفظ، ولا يدخل في معناه، وذلك كدلالة كلمة السقف على الحائط، لأن السقف لا يكون إلا على جدران وقد تناول الغزالي هذه الدلالات في مقدمته المنطقية على المستصفى، بينما اكتفى الوارجلاني بما أورده عنها في كتابه "مرج البحرين" في علم المنطق والهندسة.
ويوضح تقسيم المتكلمين لأنواع المنطوق وجها من تأثر علم الأصول بالمنطق. ينظر: الغزالي المستصفى، ج 1، ص 30.؛ الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2 (قسم مرج البحرين)؛ ابن قدامة روضة الناظر، ص 8.
-435 - (1/441)
صفحة 442
التضمن، فيفهم من اللفظ بمجرد العلم بالوضع اللغوي، أي ما يتبادر معناه بمجرد قراءته أو سماعه دون الحاجة إلى وساطة شيء آخر. المنطوق غير الصريح هو دلالة اللفظ على الحكم بطريق الالتزام،
فهو يفهم من لازم اللفظ لا من أصل الوضع اللغوي.
وينقسم المنطوق الصريح إلى ثلاثة أقسام.
- دلالة الاقتضاء - دلالة الإيماء، - دلالة الإشارة.
وأساس هذا التقسيم أن المدلول عليه بالالتزام إما أن يكون مقصودا للمتكلم من اللفظ، ذاته، وإما أن يكون غير مقصود، فإن كان غير مقصود للمتكلم فإما أن يتوقف عليه صدق الكلام أو صحته عقلا أو شرعا، وذلك هو دلالة الاقتضاء. وإما أن لا يتوقف عليه ذلك، وهو دلالة الإيماء. وإن كان غير مقصود للمتكلم فهو دلالة الإشارة). ويؤكد لنا هذا التقسيم لدى المتكلمين لدلالات الألفاظ أنهم
متفقون فيها مع الحنفية، في أسماؤها ومحتواها. ومجموع هذه الدلالات أربع دلالة المنطوق الصريح، ودلالة
الاقتضاء، ودلالة الإيماء، ودلالة الإشارة.
وهذه الثلاثة من أنواع المنطوق غير الصريح.
أما المنطوق الصريح وهو دلالة اللفظ بالمطابقة أو التضمن، فقد أوسعناه ذكرا وتمثيلا، في مبحث وضوح الألفاظ وخفائها، وجلها من
هذا القبيل. وسوف نولي الدلالات الأخرى مزيدا من البيان.
(1) - د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، صحفات 595 - 596.
-436 - (1/442)
صفحة 443
دلالة الاقتضاء
هي
دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم يتوقف عليه صدق
الكلام أو صحته عقلا أو شرعا).
مثال الدلالة على ما يتوقف عليه صدق الكلام قول النبيء «لا
تقبل صلاة بغير طهور» (2). فالصلاة إذا وقعت بغير طهور لا يمكن نفيها، فوجب تقدير الصحة أو الإجزاء حتى يصدق الكلام.
ويذكر الغزالي أن تقدير الصحة لازم عن مذهب من ينفي الحقائق الشرعية، أما من يقرّ بها، فإن حقيقة الصلاة المطلوبة شرعا تكون منتفية إذا كانت بغير طهور، لأنه شرطها فلا يحتاج الأمر إلى تقدير، وتكون دلالة اللفظ في الحديث دلالة بالمنطوق الصريح لا بالاقتضاء ().
ومثال ذلك أيضا قوله تعالى: (فَمَن كَانَ مِنكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) [سورة البقرة: 184]. فوجب تقدير لفظ "فأفطر" ليصحٌ إيجاب قضاء عدة من أيام أخر)).
ويسمّي الوارجلاني هذا النوع لحن الخطاب، وهو الضمير الذي لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رأْسه فَقَدْيَةٌ مِنْ صِيَام أَوْ صَدَقَة أَوْ نُسُك) [سورة البقرة: 196]. أي إن حلق. وقوله: (فَمَنْ تُمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) [سورة
(1) - د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 1، ص 595؛ وقريب منه تعريف الغزالي الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 186.
(2) - صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب 2 حديث ج 1، ص 46.
187
(3) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص (4) - هذا رأي الجمهور، خلافا للظاهرية الذين منعوا هذا التقدير وأوجبوا الصوم على المسافر، وحرموا عليه الفطر استمساكا بظاهر النص، وهذه حرفية حادت بالمجتهد عن روح
النص، فضلاً عن مصادمتها للسنة العملية من صوم وإفطار النبي له في السفر جميعا.
-437 -
- (1/443)
صفحة 444
البقرة: 196]. أي فعليه ما استيسر من الهدي.
وقوله: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمُهُ اللهُ} [سورة البقرة: 197]. أي
فينبئكم به (1).
- دلالة الإيماء:
هي
دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق
الكلام ولا صحته عقلا أو شرعا (2).
والحم المقترن بهذا اللفظ لو لم يكن للتعليل لما كان اقترانه به مقبولا
ولا مستساغا لانتفاء الملاءمة بينهما.
-
وقد عدد الأصوليون للإيماء أنواعا (). منها:
ترتيب الحكم على الوصف بالفاء للدلالة على التعقيب، سواء أكان ذلك في كلام الله أم الرسول أم الراوي.
الحكم عقيب واقعة ترفع إلى النبي.
وقد سمى الغزالي دلالة الإيماء فهم التعليل من إضافة الحكم إلى
الوصف المناسب ().
ومن
المائدة: 38].
القطع.
-
أمثلته قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [سورة
فترتيب الأمر بالقطع على السرقة دلالة على أن السرقة علة لحكم
وكذلك إيجاب النبيء له الكفارة على الأعرابي المجامع أهله في نهار
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 600. (3) - يورد الأصوليون هذه الأنواع نفسها بتفصيل ي مسلك الإيماء، ضمن مسالك العلة في
(2)
-
القياس.
(4) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 189.
- ETA- (1/444)
صفحة 445
رمضان (1). فيه تنبيه إلى أن الوقاع علة لوجوب الكفارة. أما الوارجلاني فيرى أن العلة هي انتهاك حرمة رمضان مطلقا). وكذلك نهي النبيء عن قتل النساء، إيماء إلى إسقاط الجزية
عنهن (3).
- دلالة الإشارة
هي
دلالة اللفظ على لازم غير مقصود للمتكلم لا يتوقف عليه صدق الكلام ولا صحته عقلا أو شرعا).
ومعنى الإشارة أن النص يشير إلى هذه الدلالة، كإشارة الإنسان
التي يفهم منها، مراده، مما لم ينطق به لسانه (ه).
ومثال الإشارة ثبوت النسب للأب دون الأم، الذي وردت الإشارة إليه في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أن يتم الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكسوتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفَ) (سورة
البقرة: 233].
فالآية دلت بمنطوقها الصريح على وجوب النفقة والكسوة للوالدات، لزاما على الآباء. ولكنها دلت بإشارتها "المولود له" على اختصاص النسب بالأب، لأن اللام ليست للملك هنا، بل للاختصاص،
فدلت على النسب، وهو محل إجماع).
وأما الوارجلاني فلم يتعرض لهذا النوع من الدلالات.
(1) - سبق تخريج الحديث.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 344. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 3، ص 344. (4) - د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 605. (5) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 188. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 484.
-
(6)
-439 - (1/445)
صفحة 446
ب= دلالة المفهوم:
دلالة المفهوم هي
دلالة اللفظ على حكم يذكر في الكلام ولم ينطق
به (1). مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُف [سورة الإسراء: 23].
فأفاد حرمة التأفيف وانتهار الوالدين بمنطوق اللفظ، وأفاد حرمة
ضربهما وقتلهما بمفهومه.
أنواع المفهوم:
يقسم المتكلمون المفهوم إلى نوعين:
- مفهوم الموافقة - ومفهوم المخالفة.
- مفهوم الموافقة:
هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه، و موافقته له نفيا أو إثباتا، لاشتراكهما في معنى يدرك بمجرد معرفة اللغة، دون الحاجة إلى بحث واجتهاد (2).
وسواء أكان المسكوت عنه مساويا للمنطوق أو أولى بالحكم منه.
وهذا المفوم مطابق تماما لدلالة النص عند الحنفية (3).
ويردد الأصوليون للتمثيل على هذا المفهوم آية حرمة التأفيف وانتهار الوالدين وإفادتها بمفهومها الأولوي حرمة ضربهما، وكف مطلق
الأذى عنهما.
(1)
(2)
(3)
-
—
د.
محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 592. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 608. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 608.
- 440 (1/446)
صفحة 447
وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نَاراً) [سورة الماعدة:10].
فتفيد بمنطوقها حرمة أكل أموال اليتامى، كما تفيد بمفهومها حرمة إحراق أموال اليتامى وإتلافها بمختلف أنواع الإتلاف).
ولا يجادل في هذا المفهوم أحد عارف باللغة.
وهو ما يسميه الشافعية بالقياس الجلي، كما يقرّ به الظاهرية المنكرون للقياس (2). ويسميه بعضهم بفحوى الخطاب، لأن فحوى الكلام معناه، وهو اختيار الوارجلاني، إذ عرفه بقوله: «ما يقتضيه المعنى المذكور دون ما ذكر». ومثل له بآية النهى عن تأفيف وانتهار الوالدين، فكان الشتم والضرب والأذى والقتل أولى بالنهي (؟).
مفهوم المخالفة:
هو دلالة اللفظ على ثبوت حكم للمسكوت عنه مخالف لما دلّ عليه المنطوق لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في الحكم).
ويسمى أيضا دليل الخطاب.
ولا خلاف بين الوارجلاني والغزالي في تحديد هذا المفهوم، فقد بينه أبو يعقوب بقوله: «اعلم أن دليل الخطاب يقتضي نفي الحكم عمّا عدا
الصفة المتعلق بها ثبوته» (.).
كما أكد أبو حامد أن معناه الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 190. الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 156.
(2)
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 18.
-
(4)
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 609.
(5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 179.
-441 - (1/447)
صفحة 448
على نفي الحكم عما عداه ويسمّى مفهوما، لأنه مفهوم مجرد، لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دلّ عليه المنطوق أيضا مفهوم، وربّما سُمّي هذا دليل الخطاب، ولا التفات إلى الأسامي»).
- موقف العلماء من مفهوم المخالفة:
المخالفة يعتبر مفهوم
جوهر الخلاف بين الحنفية والجمهور في طرق
دلالات الألفاظ فالمتكلمون يعتبرونه طريقا معتمدا في الاستنباط وفهم
النصوص، بينما يراه الحنفية من التمسكات الفاسدة.
المخالفة القائلون بمفهوم
وحججهم
ينتظم أغلب المتكلمين في سلك القائلين بحجية مفهوم المخالفة، ومعهم الإمام الشافعي ومالك وأكثر أصحابهما (2). ومن أئمة اللغة المبرد
وثعلب (3). وقد تبنى الوارجلاني هذا القول، وعقد مقارنة بين مفهوم المخالفة وبين القياس فأثبت أن دليل الخطاب بعكس القياس، فالقياس مبني على المماثلة، ودليل الخطاب مبني على المخالفة، كأن دليل الخطاب هو الحكم فيما عدا الصفة المذكورة، وكأن القياس الحمل على شبه الصفة
المذكورة».
وعمدة هذا الفريق أن الألفاظ كما تدل بمنطوقها ومفهومها الموافق،
تدل أيضا بمفهومها المخالف.
فمفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة يلتقيان في أن مستند فهم الحكم في محل السكوت إنما هو النظر إلى فائدة تخصيص محل النطق بالذكر دون
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 191.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 191. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 179
-442 - (1/448)
صفحة 449
هي
تأكيد
غيره، سواء أكان من قبيل مفهوم الموافقة أم من قبيل مفهوم المخالفة. ولئن كانت فائدة التخصيص بالذكر في مفهوم الموافقة تأكيد مثل حكم المنطوق في محل المسكوت عنه، فإن فائدته في مفهوم المخالفة نفي مثل حكم المنطوق عن محل السكوت). فقوله تعالى: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) [سورة النساء: 92]. يفيد بمنطوقه إجزاء الرقبة المؤمنة في كفارة قتل الخطاء ويفيد بمفهومه المخالف عدم إجزاء الرقبة غير المؤمنة لانعدام الوصف المعتبر فيها، وهو الإيمان.
كما استشهد هذا الفريق بأن اعتبار مفهوم المخالفة هو قول أئمة اللغة أمثال المبرد وثعلب والشافعي
واعتبر الوارجلاني الأخذ بمفهوم المخالفة موافقة لعرف الاستعمال
وقواعد لغة العرب (2).
وقد روي عن أبي عبيدة قوله: «إنا وجدنا العرب إذا علّقت الحكم بإحدى صفتي الشيء مما له صفتان مختلفتان نجد ما عدا ذلك الحكم
بخلافه» (3).
ويؤ
كد هذا فهم رسول الله له، وصحابته، فقد نزل قوله تعالى: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ} [سورة التوبة: 80]. فقال النبي: والله لأزيدن على السبعين). عمر متعجبا: أتستغفر لقوم نهاك الله أن تستغفر لهم؟ وفهم الرسول السبعين دلالة على المبالغة في قطع اليأس والطمع
فسأله
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 179.
-
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 184 - 185.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 179. الوارجلاني،
(4)
صحيح البخاري، كتاب التفسير باب تفسير سورة براءة، حديث. ج 6، ص 85.
-443 - (1/449)
صفحة 450
في مغفرة الله لهؤلاء القوم، ولكنه حمل الأمر على التخيير، فرأى الزيادة على السبعين لعل قلوب الأحياء من الكفار تلين لهذا القرآن، وتستجيب
له.
فزيادة النبي كانت لتحبيب الإسلام إلى هؤلاء القوم ليس إلا). بينما ذهب عمر إلى أن الآية لقطع الرجاء في المغفرة، فلا جدوى من الزيادة على السبعين.
ولكن الرسول أراد أن يُفقة أمته في القرآن حتى لا يحسبونه ضربة لازب وأن المعاني التي يذهب إليها الخطاب سائغ لهم التوجه إليها ما لم ينهوا عن بعضها» (2).
وقد فهم الصحابة من حديث «إنما الماء من الماء» (3). نفي وجوب الغسل عند عدم الإنزال حتى روت عائشة رضي الله عنها حديث «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل). فحكموا به على مفهوم المخالفة من الحديث الأول (.). كما سأل يعلى بن أمية عمر بن الخطاب ما بالنا نقصر في السفر وقد
المستفاد
أمنا، والله يقول: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا منَ الصَّلاة إن خِفْتُمْ أَنْ يَفْتَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [سورة النساء: 101].؟ فأجابه: عمر: لقد عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله فقال: صلى الله عليه وسلم صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» (1).
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 195. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 184. صحيح مسلم کتاب الحيض حديث 81، ج 4، ص 36. سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب 80، حديث 109، ج 1، ص 183.
-
(3)
(4)
(5) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 196.
-
(6)
سنن النسائي، كتاب الصلاة، باب 3، حديث 456.
- {{{- (1/450)
صفحة 451
-
فقد فهم يعلى وعمر أن اشتراط عدم الأمن قيد معتبر في القصر
المخالفة
في السفر، فإذا انعدم القيد انتفى حكم القصر، وكان الواجب حينها إتمام الصلاة ((). وأقرهما الرسول الله على هذا الفهم المستقيم. كما احتج ابن عباس لإباحة ربا الفضل بحديث «إنما الربا في النسيئة» (2). لورود قصر الربا على النسيئة فقط، مما يفيد بمفهوم عدم اعتبار الزيادة العاجلة من نفس الجنس ربا، إذ لا نسيئة فيها. فهذه الشواهد من فهم الصحابة وهم عرب أقحاح، تدل على اعتبار مفهوم المخالفة والاعتماد عليه في تفسير نصوص الشارع، ولكن بشروط دقيقة تضمن سلامة المفهوم، وعدم معارضته لمنطوق آخر، أو أقوى، أو قاعدة شرعية، وغير ذلك مما هو مبسوط في شروط
مفهوم
العمل بمفهوم المخالفة (3).
المنكرون لمفهوم المخالفة وحججهم: يشكل الحنفية الفريق الأساسي للمنكرين لمفهوم المخالفة، ومعهم ابن حزم الظاهري). وجماعة من المتكلمين على رأسهم القاضي أبو بكر الباقلاني والغزالى الذي قال: إن اعتبار مفهوم المخالفة لا دلالة له هو
الأوجه (ه).
فدلالة الألفاظ عندهم قاصرة على دلالة المنطوق، ودلالة مفهوم الموافقة، وإذ انتفى حكم المنطوق من المسكوت في نص من النصوص،
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 184؛ الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 197. صحيح مسلم، کتاب المساقاة، باب الربا، حديث 101، ج 11، ص 20. (3) - لمزيد تفصيل حول هذه الشروط، ينظر: د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1،
-
(2)
صحفات 672 - 679.
(4)
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 669. (5) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 192.
-445 - (1/451)
صفحة 452
فذلك راجع إلى دليل آخر كالعدم الأصلي، أو الإباحة أو البراءة الأصلية، أو العودة إلى القاعدة العامة).
ومن أدلة المنكرين لحجية مفهوم المخالفة، ما يلي:
حسن الاستفهام عن مفهوم المخالفة من مثل قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ هنَّمُ خَالداً فيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عظيماً)) [سورة النساء: 93]. فيحسن السؤال عن حكم من قتل
من قتل خطأ
ولو كان القاتل خطأ داخلا في الكلام بمفهوم المخالفة لكان السؤال عنه
قبيحا (2).
ومن قال لآخر: إن ضربك زيد عامدًا، فاضربه، حسن أن يقال: فإن ضربني خاطئا، أفأضربه؟ (3).
-
-
كما استدلوا بآية (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ [سورة النساء:23]. فقد أجمعت الأمة على عدم جواز نكاح الربائب، سواء كن في الحجور أو خارج الحجور، ولا اعتبار للمفهوم المستفاد من قيد الحجور الوارد في الآية).
والخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف. فقولك: قام الأسود، أو خرج الأبيض، لا يدل على نفيه عن الأبيض، بل هو سكوت عن الأبيض، وإلا لكان قولك: زيد، عالم كفرًا، لأنه نفي للعلم عن
وملائكته ورسله.
الله
فالصفة لتعريف الموصوف فقط، كما أن أسماء الأعلام لتعريف الأشخاص لا فرق بين قوله: "في الغنم "زكاة في نفي الزكاة عن البقر
(1) - د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 1، ص 667.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 180.
(3)
الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 192.
(4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 180.
-446 - (1/452)
صفحة 453
والغنم، وبين قوله: " في سائمة الغنم زكاة" في نفي الزكاة عن
المعلوفة"» (1).
المناقشة والترجيح
عمد الغزالي إلى أدلة مثبتي مفهوم المخالفة، ونقدها دليلا دليلا، وتركز نقده على اعتبار آراء أئمة اللغة وأقوال الصحابة في العمل بمفهوم المخالفة مجرد آراء شخصية إن كانت عن اجتهاد فهي غير ملزمة لغير أصحابها، وإن كانت عن نقل فيعوزها التواتر، ولا حجة في نقلها بطريق الآحاد، وليس لها قوة، الإجماع، إذ لم تتفق كلمة الأمة على الأخذ بمفهوم
المخالفة (2).
بكثير
المخالفة،
ولا نسلّم للغزالي فيما ذهب إليه واستدل به، وإلا لسقط الاستدلال من قواعد اللغة والشرع بحجة عدم ورودها عن طريق التواتر، إذ مبنى هذه الأحكام هو الظن، لأنها راجعة إلى أمور عملية لا اعتقادية. وقد تعبدنا الشارع في الأمور العلمية بغلبة الظن، لا باليقين. كما انتقد الغزالي معتمد الجمهور الأساسي في العمل بمفهوم وهو أن تخصيص الشيء بالذكر لا بد أن تكون له فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة، والثيب، والبكر، لم يكن للتخصيص معنى. وكلام الشارع الحكيم منزه عن اللغو، فكانت فائدة التخصيص بالوصف اختصاص الحكم بذلك الوصف ونفيه عما عداه. وكان رد الغزالي على هذا الاستنتاج أن الأصل فهم الوضع اللغوي أولاً، ثم ترتيب الفائدة عليه لا العكس، كما ذهب إليه الجمهور، الذين أثبتوا الفائدة قبل فهم الوضع اللغوي.
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 193. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 194 - 198.
(2)
- 447 - (1/453)
صفحة 454
هي
فكون هذا التخصيص لفائدة مسلّم به، ولكن كون هذه الفائدة اختصاص الحكم بهذا الوصف غير مسلّم إذ يحتمل وجود فوائد ومقاصد
كثيرة للشارع من إيراد هذا القيد أو الوصف في محل الحكم. وعدم علمنا بهذه الفوائد ليس علمًا بعدمها، وقصر الفائدة على
التخصيص تحكّم بلا دليل، وترجيح بلا مرجّح.
والجواب عمّا ذهب إليه الغزالي أن القول بمفهوم المخالفة ليس على إطلاقه، فإنه لا يصار إليه إلا عندما تنتفي وجوه الدلالات الأخرى على الحكم في المحل الذي خلا من الوصف المعتبر، فثبت له الحكم الثابت في المحل الذي ورد مقيدا بذلك الوصف. أما إذا وجد ثمة طريق أقوى لإثبات الحكم من منطوق أو مفهوم أرجح أو قاعدة عامة، فلا التفات حينئذ إلى مفهوم المخالفة. كما أن هذا المفهوم لا يعمل به إذا ورد القيد للتنفير أو التعظيم أو خرج مخرج الغالب، أو جاء جوابا عن سؤال أو ما شابه ذلك. وكل هذا مستوفى في شروط العمل بمفهوم المخالفة.
وعليه فإن انتقاد الغزالي في غير محله.
ويُخلص
هذا أن الأخذ
من
بمفهوم
المخالفة
اعتبار شروطه أمر مع
ذلك
يتفق وقواعد اللغة، وفهم الصحابة وأئمة اللسان، إذ إن تقييد العرب لأمر بالوصف أو الشرط أو الغاية ليس، اعتباطا، بل لإفادة أن ما خلا القيد لا يعطى نفس الحكم.
من
وهذا الاعتبار يفتح المجال أمام العلماء للاجتهاد في فهم لنصوص واستنباط الأحكام بما يتفق وقواعد اللغة ويحقق إرادة الشارع ومقاصده
من تشريع الأحكام.
-448 - (1/454)
صفحة 455
المبحث الثاني العموم والخصوص
تمهيد: أهمية العموم والخصوص في تفسير النصوص
إن الألفاظ وعاء المعاني والدلالات ودلالة اللفظ قد تتجه إلى الماهية المجردة، وقد تتجه إلى التشخصات الخارجية.
فقوله: إنسان قد نعني به مفهوم الإنسان الجامع لصفتي الحيوانية والناطقية، وقد نعني به شخصا وذاتا معهودة من بين سائر الموجودات، إذ تنطوي فيها حقيقة ومفهوم هذا اللفظ: إنسان.
جدا
والصلة بين المفهوم والماصدق كما يسميه المناطقة صلة وثيقة
وهي
أشبه بصلة الروح بالجسد، أو الفكر بالدماغ. وإطلاق اللفظ على الماهية أو الحقيقة المجردة، وتعريفه بـ"أل" الجنسية يسمّى علم الجنس، مثل: الرجل، المرأة، الأسد، الشجاع.
-
وقد يراد به فرد واحد من جنسه:
فإن كان معينا ودلّت عليه إحدى أدوات التعريف فهو المعرفة. وإن كان غير معين أي فردا واحدا شائعا في جنسه، فهو النكرة، أو
المطلق.
ولكن النكرة أعم من المطلق، إذ قد تدل النكرة على أكثر من واحد، كقولنا رجال، وأطفال .. بخلاف المطلق، فكل مطلقة نكرة، وليس كل نكرة مطلقا.
-449 - (1/455)
صفحة 456
وإن أريد باللفظ استيعاب جميع أفراده فهو العام).
وسنتناول الحديث عن العموم والخصوص في الألفاظ، ثم عن مخصصات العموم، ونعرّج على الإطلاق، والتقييد لوثيق صلتهما بالعموم
والخصوص.
وبدهي أن تنال مباحث العام والخاص من عناية الأصوليين قدرا كبيرا، واهتماما بالغا ذلك لأن طابع التكليف الشرعي من نصوص الكتاب والسنة تتسم في غالبها بالشمول والعموم، وقد جاء القرآن دستورا خالدا للحياة، فوضع أحكامه في قواعد كلية عامة، وبينت السنة طبيعة هذه العمومات وأن ثمة عاما أريد به العام، وعاما أريد به
الخصوص.
وفصل علماء الأصول هذه الأنواع، ثم تنامت كتاباتهم وتآلفيهم في مسائل العام والخاص، مما نتج عنه فيض من الآراء الأصولية والآثار الفقهية، التي دلّت عبقرية اللغة وعظمة الشريعة، وسعتها لتنوع الأمكنة
والبيئات، وتطور الأزمنة والحضارات.
المطلب الأول: العام
أ= مفهوم العام، وألفاظ العموم.
مفهوم العام:
عرّف الأصوليون العام بأنه اللفظ المستغرف لجميع ما يصلح له
(1) - البوطي أصول الفقه، ص 139.
-450 (1/456)
صفحة 457
بوضع واحد).
أو هو اللفظ الموضوع وضعًا واحدا للدلالة على جميع ما يصلح له من الأفراد على سبيل الشمول، والاستغراق من غير حصر في كمية
معينة، أو عدد معين (2).
الدال
وعرفه الوارجلاني بأنه كل قول يشتمل على شيئين فصاعدًا)). ويتفق الغزالي مع تعريف الجمهور أن العام عبارة عن اللفظ الواحد من جهة واحدة على شيئين فصاعدا (). والقاسم المشترك بين هذه التعاريف اعتبار العام لفظا، لأن العموم
من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني والأفعال.). كما أن العام يدل على أكثر من فرد واحد دفعة واحدة لا على سبيل الاشتراك أو البدلية، وإن خلا تعريف الوارجلاني من الشرط الأخير، وهو الدلالة على العموم بأصل الوضع أو من جهة واحدة حسب
عبارة الغزالي فكلمة "الرجال" تفيد استغراق جميع الأفراد الذين يتصفون بالرجولة، فهي عامة، وأما كلمة "العين" عند جمعها على عيون، فإن أريد بها معاني العين المختلفة من الشمس والذهب والباصرة والجارية، فليست عامة، وإن أريد بها نوع واحد كالباصرة مثلا، فهي عامة. وكلمة "الأسود" إن أريد بها الحقيقة عمّت، وإن أريد بها الحقيقة
والمجاز لم تعمّ.
(1) - البوطي أصول الفقه، ص 147.
(2)
(3)
-
د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 2، صحفات 9 - 10.
الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 155.
(4) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 32. (5) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 32؛ البوطي، أصول الفقه، ص 147.
-201 - (1/457)
صفحة 458
ألفاظ العموم:
الخلاف بينهم
ليس بين الأصوليين كبير خلاف حول ألفاظ العموم، وإن كان حادا حول وجود صيغة للعموم، نظرا لآثار التوجه الكلامي على فكرهم وهذا الاختلاف منبعه الجدل الطويل حول حقيقة الكلام، وصفته بالنسبة الله تعالى.
والذي نميل إليه في مجال أصول الفقه أن للعموم صيغة تدل عليه، بدليل شدة الحاجة إليه كالحاجة إلى صورة الواحد والاثنين والمذكر
والمؤنث (1).
أما صيغ العموم فقد صنفها أبو يعقوب في أربع صيغ:
أولها: الجموع، والأجناس، فالجموع مثل: المسلمون، الأبرار،
الفجار، والأجناس مثل الأرض، السماء، الهواء. ثانيها: أسماء الاستفهام مثل من، وما، وأين ومتى .. ثالثها: ألفاظ التوكيد مثل جميع، أجمعون، أكتعون.
رابعها الاسم المفرد المحلّى بأل الجنسية، كالرجل، المرأة، المؤمن. أما أل العهدية فلا تفيد العموم.
وإذا حصل خلاف فيها حملت على العهد، وإن تعذر ذلك كانت
للجنس (2).
وزاد الغزالي من ألفاظ العموم من ومَا الشَّرطيتين. وألفاظ النفي، نحو ما جاءني من أحد، وما في الدار رجل (3).
-
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 153. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 159 - 160. (3) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 36.
-452 - (1/458)
صفحة 459
ب= هل يفيد اللفظ العام الاستغراق؟
اختلف الأصوليون في دلالة اللفظ العام على مجموع أفراده؟ هل يتناولها كلها أم يتناول بعضها؟ وما حدود هذا البعض؟ وقد ذكر الوارجلاني والغزالي آراء العلماء في المسألة،
-
-
فقال أرباب الخصوص: إن اللفظ العام موضوع لأقل الجمع، وهو اثنان أو ثلاثة على خلافهم المشهور في أقل الجمع.
وقال الواقفية: إنه لم يوضع لعموم ولا خصوص، بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع. وهو بالإضافة إلى استغراق الجميع أو الاقتصار على الأقل أو ما بين ذلك مشترك يصلح لكل واحد من هذه الأقسام). ونسب الوارجلاني إلى الشافعية القول بالوقف حتى يقع البحث
والتماس الأدلة التي تخصها، أو تفيد استغراق الجنس. وهو ما يفيده كلام الغزالي من قوله بالاشتراك، فلا يتعين المراد إلا
ببيان من الشارع (2). وتبنّى أبو يعقوب رأي أصحاب العموم «أن العام يُحمل على تعميمه واستغراق، جنسه وليس علينا غير هذا حتى يرد بيان بأنه مخصوص، لأن البيان لا يتأخر بعد الحاجة إليه» (3).
وهو رأي متفق مع رأي الغزالي إذ إن العام وضع أصلا للاستغراق، إلا أن يُتجوز به عن وضعه» (4).
—
(2)
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 154. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 36 - 37. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 155. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 36.
-453 - (1/459)
صفحة 460
ولكل قول مستمسك يستند إليه
-1 - أما أرباب الخصوص فقالوا: إن حمل العام على أقل الجمع أمر متعين، لأن هذا القدر هو المتيقن وما زاد فهو مشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات
حكم بالشك.
ولم يردّ الوارجلاني على أصحاب هذا القول، نظرا لسقوط شبهتهم
على أرض الواقع.
وقال الغزالي عن شبهتهم: إننا استدلال فاسد).
ذلك لأن كون هذا القدر متيقنا، لا يدل على كون اللفظ العام مجازا في الزيادة، فإن الثلاثة مستيقنة في العشرة ولا يوجب ذلك كون العشرة مجازا في الباقي، وكون الندب مستيقنا من الأمر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب، لأنه زيادة على الندب. وإن قالوا بأن أقل الجمع هو المفهوم، فهذه حجة أوهى من أختها، لأنها تناقض قولهم: الباقي مشكوك فيه، بل يصير الباقي غير داخل أصلا
في مضمون العام.
وإن قالوا بالشك، فقد شكوا في المسألة كلها، لا في دخول الباقي،
وأخطؤوا في العبارة (2).
2 - وأما أرباب الوقف فحجتهم
-
أنه
جميع أفراده.
لم يرد إلينا نقل متواتر عن العرب في استعمال العام لاستغراق
- بل إن العرب استعملوه للعموم والخصوص كاستعمالهم العين للذهب والباصرة والشمس، فكان مشتركا.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 45. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 45.
-202 - (1/460)
صفحة 461
ولما حسن دخول الاستفهام والتوكيد في صيغ الجمع دلّ على عدم استغراقها إلا بدليل. فمن قال الخادمه من أخذ مالي فاقتله. حسن له أن يسأله: وإن كان أباك أو أخاك؟
والجواب أن دعوى عدم النقل غير مستقيمة، لكون الواقع
خلاف ذلك.
- وكذلك القول بالاشتراك غير مسلّم، وهو دعوى بلا دليل، إذ لقائل أن يقول: إن العرب تستعمل العام للعموم وللخصوص. فهو حقيقة في وأحد مجاز في الآخر، وتعيين أحدهما بلا مرجح تحكم بلا دليل، ولا قائل بهذا أبدا. - أما حسن دخول الاستفهام على صيغ الجمع فهو عند قيام القرينة على عدم إرادة العموم، وفي المثال المذكور ظهرت قرينة إرادة الخصوص من كون الرجل متسامحا مع ولده وأخيه في أخذ ماله، أما اللفظة فتفيد العموم ولا ريب.
- وكذلك التوكيد الداخل على العام لدفع توهم الاستثناء، لا
للدلالة على الاستغراق، لأن الأصل هو التعميم، والاستثناء عارض. 3 - أما القائلون بالعموم: فقد اعتمدوا أدلة كثيرة من النقل
والعقل لنصرة اتجاههم.
وقد أيد أبو يعقوب وأبو حامد هذا الاتجاه، وإن اختلفا في طريقة
الاستدلال، فأبو يعقوب اعتمد أدلة نقلية عمادها:
-
-
أن للعام صيغة وصورة مستعملة في لغة العرب.
وقد ثبت النقل المتواتر عن الصحابة في استعمال اللفظ العام للاستغراق، وذلك في تعاملهم مع نصوص الكتاب والسنة، دون التماس
قرينة أو بحث عن خصوصية.
ومن
هذه الوقائع:
1200 - (1/461)
صفحة 462
=
- احتجاج فاطمة على أبي بكر في أخذ ميراثها من أبيها رسول الله بقوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللهُ في أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَر مثْلُ حَظِّ الأنثيين) سورة النساء:11]. وقد أقر أبو بكر بعموم الآية، ولكنه اعترض عليها بدليل آخر عام، وهو قوله: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (1). ولما نزل قوله تعالى: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ} [سورة النساء:95]. قال ابن أم مكتوم: وأنا يارسول الله؟ فنزل جبريل عليه السلام بقوله تعالى: غَيْرُ أُولي
محمدا
=
.
الضربة. = وحين سمع ابن الزبعرى قوله تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ الله حَصَبُ جهنم أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [سورة الأنبياء:98]. قال: خصمت الكعبة، إن عيسى وأمه وعزير وأمه في النار. فأنزل الله قوله: إن الذينَ سَبَقَتْ لَهُمْ منَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [سورة الأنبياء:101]. فقال الوليد بن المغيرة تخلّص منها محمد. وهو يومئذ شيخ قريش وأفصحها، وبنو مخزوم فصحاء قريش (2).
ورب
= واستشهد أبو يعقوب بقوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لا دم فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [سورة البقرة: 34]. «ولو صح لأهل الوقف مذهبهم لكان في ذلك أعظم وسيلة وحجة لإبليس في عدم السجود، إذ يقول: يا إلهي ليس هاهنا ما يعمني مع الملائكة، وإن عمّني معهم فيحتمل هذا الأمرُ الندب والوجوه الأخرى،
-
(1)
أحمد،
مسند الربيع حديث رقم 669، ج 2، ص 84؛ مسند (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 154 - 155.
ج 1، ص 10.
1809 - (1/462)
صفحة 463
ولو صح
=
له ذلك لبطلت فائدة الكلام» (1).
أما الدليل العقلي، فهو أن اللفظ العام إذا احتاج إلى معرفة عمومه وخصوصه فلا يتوصل إليه إلا بمثله ومثله مثله، إلى ما لا يتناهى
والتسلسل باطل.
ولكن الغزالي أورد اعتراضات على مسلك الاحتجاج بالأدلة
النقلية، ومنها:
=
- أن أهل اللغات كلهم كما عقلوا الأعداد والأنواع والأشخاص والأجناس، ووضعوا لها أسماء خاصة بها، فكذلك عقلوا معنى العموم واستغراق الجنس، فلا بد أنهم وضعوا لها أسماء خاصة.
وينتقد الغزالي بنفسه هذا الاعتراض بانتقادات ثلاثة:
أن هذا قياس في اللغات والقياس في اللغة مردود وفاسد. وأن أهل اللغة غير معصومين، فقد يغفلون وينسون أمرًا
مهما كهذا.
وأن العرب قد عقلت الماضي والمستقبل والحال، ووضعت للماضي والمستقبل صيغا دون الحال فلا يستغرب منها أن تغفل العام ولا تضع له صيغة خاصة.
وقد يكون اللفظ العام مشتركا بين العموم والخصوص، فلا
يفيد بنفسه الاستغراق دون قرينة (2).
= ومن الاعتراضات على القائلين بالعموم، أن صيغة العموم لا تكون لأقل الجمع، ولا تكون مشتركة وإلا بقيت مجهولة لا يفهم معناها
إلا بقرينة.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 156. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 38 - 39.
-
(2)
-457 - (1/463)
صفحة 464
وردّ الغزالي على هذا بأن ثمة قرائن كثيرة تفيد الاستغراق في العموم، ولا يتم ذلك باللفظ والوضع اللغوي المجرد (). كما أورد أيضا اعتراضا على المعتمد الأساسي في أدلة أهل العموم، وهو إجماع الصحابة وأهل اللغة على إجراء ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما خُص بدليل فقال: بأن العموم في الأمثلة التي يحتج بها مستفاد من قرائن كثيرة احتفت بها لا من مجرد اللفظ والوضع اللغوي. ولخص الغزالي توجيه هذا الاعتراض من وجهين:
W
الأول: ما روي من القول باستغراق ألفاظ العموم، كان من بعض الأمة، فلا يصح من جميعهم، إذ لا يبعد من بعض الأمة اعتقاد العموم، فإنه الأسبق إلى أكثر الأفهام، ولكنه لا يُسلّم صحة ذلك على كافة
الصحابة.
الثاني: أنه لو نُقل ما ذكروه عن جملة الصحابة فلم ينقل عنهم قولهم على التواتر، أنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لأجل اللفظ
التفات إلى قرينة.
من
غير
والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء قرينة مخصصة، أو بشرط اقتران قرينة مسوّية بين المسميات، مما يستدعي الاستغراق، وهذا ما لم يقطع فيه الصحابة برأي فاصل، لعدم علمنا بظروف عملهم، وحملهم العام على الاستغراق (2). ثم خلص الغزالي بعد هذه الاعتراضات إلى بيان منهجه في إثبات دلالة ألفا العموم على الاستغراق، وذلك بإيراد مزيج من الاستدلال العقلي والنقلي الذي لا يختص بلغة العرب، بل هو مشترك بين جميع
(1) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 21 - 42. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 43 - 44.
1201 - (1/464)
صفحة 465
اللغات، لأن صيغ العموم محتاج إليه في جميع اللغات، مما يستبعد
الكل عنها، مع شدة الحاجة إليها.
-
ويشهد لصحة هذا الاستدلال أمور أربعة
دو
توجه الاعتراض على من عصى
الأمر.
وسقوط الاعتراض على من أطاع.
للأمر.
فمن قال لخادمه: من دخل الدار فأعطه درهما.
فإن منع
أن
يغفل
أحد الداخلين جاز الاعتراض على فعله، واعتباره عاصيا
وإن عاتبه سيده على إعطائه أحد الداخلين بسبب طوله أو لونه، كان مخطئا في العتاب، لأن الأمر بالإعطاء شامل لكل من دخل، دون اعتبار للونه أو طوله فسقط الاعتراض عليه، وكان مطيعا بفعله. لزوم النقض والخلف على الخبر العام.
كقوله تعالى على لسان اليهود: إذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدَى لِلنَّاسِ) [سورة
الأنعام: 91].
فإن أراد اليهود بنفيهم كل البشر فقد انتقض كلامهم بما أنزل على موسى. وهذا هو النقض. وإن أرادوا غير موسى فلم دخل موسى في
لفظة البشر، وهذا هو معنى
الخلف.
جواز الاستحلال على المحللات العامة.
فإذا قال الرجل: أعتقت عبيدي وإمائي ومات بعد ذلك مباشرة، أصبح الجميع أحرارا باتفاق العلماء، وجاز للجميع أن يتزوجوا دون إذن
ورثة الهالك.
-459 - (1/465)
صفحة 466
وبناء الأحكام على مثل هذه العمومات في سائر اللغات لا
ينحصر (1).
القول الراجح في المسألة:
لا يستريب منصف في رجحان قول الجمهور أهل العموم على أرباب الوقف وأرباب الخصوص.
إذ إن القول بالوقف يعطل كثيرا من الأحكام، ويجعل نصوص الكتاب والسنة بلا مضمون بحجة الإجمال أو الاشتراك، وهذا ما يناقض هدف الشارع، ويخالف ما عليه الواقع.
والقول بالخصوص يخرج كثيرا من العمومات عن مدلولها، ولا يلقي أصحابها في القيام بالتكاليف الشرعية المبنية في غالبها على
العهدة عن العمومات، إن في الأشخاص أو في الأفعال. فقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} [سورة المائدة: 1]. لا يعقل منه أن يقتصر الخطاب على مؤمنين أو ثلاثة، ويتوجه إليهم الأمر
بالوفاء بعقدين أو ثلاثة.
فهذا مما لا ينسجم ومنطق العقل أو اللغة أو الدين.
والمنطق يقضي بعموم الآية في خطابها لجميع من اتصف بصفة الإيمان وعموم الوفاء بجميع العقود، ولا ريب.
فصح رجحان قول الجمهور. والذي نراه هو اعتماد الأدلة العامة التي أوردوها، ولا نوافق جميع ما ذهب إليه الغزالي من اعتراضات على أدلة الجمهور، وبخاصة اعتراضه على دليلهم النقلي، وهو تواتر عمل الصحابة وأهل اللغة وإجراؤهم ألفاظ العموم على عمومها من أن ذلك لم يكن المجرّد صيغة العموم، بل لقرائن
(1) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 48 - 49.
-87. (1/466)
صفحة 467
احتفت بها فأفادت استغراقها.
فإن هذا مخالف للواقع، إذ إن سماع اللفظ العام مباشرة يفيد استغراقه الجميع أفراده، ولذلك بادرت فاطمة بالاعتراض على أبي بكر في
منعه ميراثها من رسول الله، وبادر ابن أم مكتوم بالسؤال عن حاله لما سمع آية: لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ
.
الله} [سورة النساء: 95]. كما بادر ابن الزبعرى بالتبجح على صناديد قريش بأنه سيفحم بمجرد سماعه آية الأنبياء إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ
محمدا
جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ} [سورة الأنبياء:18].
والتبادر أمارة الحقيقة دون انتظار للقرائن والمؤيدات. وأما القول بأن هذا قول بعض الأمة وليس قول جميعهم فأراه قولا غير وجيه، إذ كيف يُعقل أن يقرّ الله فهم ابن أم مكتوم، ويُنزل فيه قرآنا يستثني حالته غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ). تأكيدا لعموم آية لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ وكيف يقرّ الله كذلك فهم فصحاء قريش، ويُنزل آية تستثني من زعموا أنه في النار، بحكم عموم آية (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُون الله حَصَبُ جَهَنَّمَ، فنزل قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ؟
فلا نرى للغزالي حجة فيما ذهب إليه من كون القول بالعموم قول بعض الأمة لا كلّها، وإلا لكان في هذا الاستدلال سند لمنكري حجية خبر الواحد بعمل الصحابة، فإنه عمل بعضهم لا كلهم.
وإن كنا نوافقه على تأييد استدلالات الجمهور بما اعتمده في الأخير من أن العام في كل اللغات لا بد له من صيغة تدل على عمومه، وتأكيده ذلك بالأمور الأربعة من توجه الاعتراض على عاصي الأمر، وسقوطه عن المطيع، ولزوم النقض والخلف على الخبر العام، وجواز الاستحلال
-871 - (1/467)
صفحة 468
على المحللات العامة.
ولكننا نفضل تقديم أدلة الجمهور وترجيحها لوضوحها وقوتها، والكل في ختام الاستدلال على منهل واحد وهو أن ألفاظ العموم تفيد استغراق أفرادها، إجراء للقواعد على أصولها، وضبطا لأمور الحياة بنصوص الشارع وأحكامه العامة، ولو احتاج كل فرد إلى حكم خاص لضاقت النصوص عن استيعاب الحوادث، ولشذ كثير من الناس عن حكم الله.
ج= عموم بعض الخطابات
خطاب الأمة وخطاب النبي:
إذا ورد الخطاب موجها إلى الأمة فيدخل فيه النبي الشمول اسم الإيمان له يَا أَيُّهَا الذينَ آمَنُوا) (1).
(t)
وقال الغزالي: إن كان الخطاب خاصاً بالأمة لم يدخل فيه النبي ولم يورد مثالا على ذلك. وذهب قوم إلى أنه لا يدخل النبي في خطاب الأمة أصلا، لأنه قد بأحكام في خطاب خاص، وهذا قول مردود، لأن الشارع قد خص المريض والمسافر والحائض بأحكام، ولم يمنع هذا من دخولهم العموم حيث يعم الخطاب (2).
خص
تحت
أما إذا ورد الخطاب موجها إلى النبي، فإن ظاهر اللغة يمنع دخول أمته فيه ولكن ورد الشرع بالاقتداء به واتباعه عموما، إلا إن دل دليل على اختصاصه ويشهد لذلك اقتفاء الصحابة آثاره في أقواله، وتقرر في
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 102؛ الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 180.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 180. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 180.
-462 - (1/468)
صفحة 469
الأصول أن أفعاله بيان للقرآن. وقال: «خذوا عني مناسككم»). و قال:
«صلوا كما رأيتموني أصلي» (2) (3).
فثبت دخول أمته في خطابه لا بدليل العموم، بل بعموم الدليل.
إذا
دخول النساء في خطاب الرجال:
ورد الخطاب موجها إلى الرجال فالأصل أن النساء لا يدخلن فيه، ولكن جرت عادة العرب على إدخالهن من باب التغليب. والخطاب للأفضل في عرف اللغة، ويدخل معه المفضول معنى. والشارع طارئ على اللغة فيأخذ أحكامها. هذا رأي الوارجلاني).
واختار الغزالي موافقة القاضي الباقلاني على عدم إدخال النساء في خطاب الرجال، لورود خطاب خاص بالنساء في القرآن، فثبت أن لكل جنس صيغته وخطابه، ولكن يجوز إدخالهن عند الاقتصار على لفظ الذكور إذا اجتمعوا مع النساء في الحكم. أما ما يكون ابتداء فدخول النساء فيه يكون بدليل آخر غير التغليب؛ من قياس أو كونه في معنى المنصوص، أو ما جرى مجراه (0).
ونميل إلى ترجيح هذا التفصيل لتوافقه مع نصوص الشارع، فضلا
عن اتساقه مع قواعد اللغة العربية.
(1)
(2)
T
-
-
سنن الترمذي، كتاب مناسك الحج، باب 221، حديث 3061، ج 6 - 7، ص 298. صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب 18، حديث، ج 1، ص 162.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 104؛ الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 181. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 105.
- -
-
(5) - الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 79 - 080
-463 - (1/469)
صفحة 470
- دخول العبيد والكفار في خطاب المكلفين:
الأصل أن العبيد والكفار داخلون في خطاب المكلفين، لعموم الخطاب، فالعبد مكلف لا ترتفع عنه الآدمية، واختصاصه ببعض الأحكام
مثل اختصاص المريض والمسافر، فلا يرفع عموم خطابه في سائر العمومات.
وكذلك الكفار مكلفون بفروع الشريعة.
النسا ومن من أنكر تكليفهم لفقدانهم شرط الإيمان، وهذا غير صحيح، لأنه ليس في عدم صحة عبادتهم بسبب كفرهم، ما يمنع من خطابهم بهذه العبادة.
وقد خوطب المصلّي بالصلاة وإن كان محدثا، وخاطب الله الكفار بفنون الطاعات ونهاهم عن المعاصي وعاقبهم عليها، أفيصح أن يعاقبهم بما لم يخاطبوا به؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
والقضية مبسوطة في أحكام التكاليف).
د أكثر الجمع وأقله:
- أعم الأسماء:
اختلف في أعم الأسماء، ماهي؟
فذهب الوارجلاني إلى أنه كلمة "شيء"، وهو مذهب الإباضية
والمعتزلة.
وعند الأشاعرة أن أعم الأسماء لفظة "معلوم" و"مذكور" وشبههما. ولا يجعلون المعدوم شيئا، وعند الأصوليين أنه شيء معدوم.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 104 - 105؛ الغزالي، المستصفى، ج 2،
صحفات 77 - 79
-464 -
- (1/470)
صفحة 471
ويقرّ الوارجلاني أن الخلاف لفظي، لا أثر له في الواقع، إذ يقول: «
والعدم عندنا وعندهم في الحقيقة ليس بشيء» (1).
وهو ما أكده البرادي أن الخلاف، هين فالمذهبان فيها متقاربان، فالشيء عند الأشاعرة هو الموجود، وأطلقنا نحن الشيء على المعدوم حيث هو مسمى مذكور موصوف ممكن الوجود، والمسألة كلامية،
وليست بأصولية، وهي محتملة كما ترى» (2).
-
أعم العموم:
أعم العموم اسم يتناول جميع الموجود، وإن أخصه ما يتناول شيئين، وما بينهما حد يكون عاما من، وجه، وخاصا من وجه. مثاله: الجنس والنوع، فالتي فوق هي جنس لما تحتها، والتي تحت هي نوع لما فوقها. وعلى يكون الخاص خاصا، والخاص عاما، فقوله تعالى: (فَاقْتُلُوا المشركين [سورة التوبة: 5]. عام في كل مشرك، وخاص في المشركين دون
المؤمنين (3).
-
أقل الجمع:
اختلف العلماء في أقل الجمع على قولين:
فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت، أن أقل الجمع اثنان. وقال ابن عباس: أقل الجمع ثلاثة.
وبه قال: أبو حنيفة والشافعي، ولمالك فيه القولان جميعا). واستدلّ أهل الثلاثة أن أهل اللغة جعلوا للواحد والاثين والثلاثة
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 49. (2) - البرادي البحث الصادق، ج 1، ورقة 164 و 164 ظ. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 161. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 49.
-890 - (1/471)
صفحة 472
صورا مختلفة في الكلام، فلما اختلفت الصور دلّ على اختلاف المعاني، فلا يجوز أن تقول: رأيت اثنين رجالا، كما تقول: رأيت ثلاثة رجال. أما تسمية الواحد باسم الجماعة أحيانا فلعلة طارئة، نحو قوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [سورة الحجر: 9]. بمعنى الأبهة
والعظمة.
وقد يسمّى الاثنان باسم الجماعة كما قال الله في داود وسليمان: وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَان فِي الْحَرْثَ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) [سورة الأنبياء:78].
وقوله في ميراث الأم مع الإخوة: {فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ
السُّدُسُ [سورة النساء: 11].
فإن وقع كان مجازا لا حقيقة.
ورجّح الوارجلاني هذا الرأي، وعلّق على قول ابن عباس أنه لا يحجب الأم من الثلث إلى السدس إلا ثلاثة إخوة فصاعدا، قائلا: «غير أن ما حكمت به الأسلاف وتواترت به الأخلاف، وسارت به الركبان، في البلدان، أولى أن يُتبع»). وأورد ذات الأدلة التي تمسك بها القائلون بأن أقل الجمع اثنان، وبين أن لا دلالة فيها على ذلك.
جميع
ومن تلك الأدلة قوله تعالى: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا
فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا [سورة الحجرات: 9].
وأوضح أن التثنية هنا يقصد بها الطائفتان لا مجموع أفرادهما. وقوله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصم إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ [سورة ص:21]. وهما اثنان فقط. فأجاب بأن الخصم يجري على الواحد والاثنين
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 50.
-466 - (1/472)
صفحة 473
والجمع، والذكر والأنثى.
وقوله: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [سورة المائدة: 38]. أي
لهما أربعة أيد، فصح جمعها. وقوله تعالى لموسى وهارون: (فَاذْهَبًا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمَعُونَ
[سورة الشعراء: 15]. أراد هنا موسى وهارون وفرعون.
وغيرها من الآيات).
ورجح الغزالي بعد استعراض الآية ذاتها أن صيغة التثنية خاصة
بالاثنين والثلاثة، وما فوق الثلاثة (2).
المطلب الثاني: الخاص والتخصيص
أ= تعريف الخاص والتخصيص:
- تعريف الخاص:
إذا كان العام لفظا يشتمل على أفراد غير محصورة دفعة واحدة، فإن
الخاص باختصار هو ما عدا العام.
أو هو اللفظ الدال على مسمى واحد محصور (3).
سواء كان فردا، مثل زيد، أو نوعا مثل رجل، أو صنفا، مثل
ثلاث نسوة. - تعريف التخصيص
أما التخصيص فهو قصر اللفظ العام على بعض أفراده).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 51 - 52.
(2)
(3)
الغزالي، المستصفى، ج 1، صحفات 91 - 97.
زيدان، الوجيز في أصول الفقه،
(4) - البوطي، أصول الفقه، ص 206.
ص
0264
- ETY - (1/473)
صفحة 474
أو هو: إخراج بعض أفراد العام وإفرادها بحكم خاص (1).
وجعل الوارجلاني الخاص والتخصيص بمعنى واحد، فقال: «الخاص قول يخرج شيئا أو شيئين فصاعدا مما لولاه لوجب دخوله في العموم على قول أهل العموم، أو يصلح دخوله على قول من يراعي التعميم، ثلاثة
فصاعدا» (2).
والواقع أن بينهما فرقا واضحا، إذ إن الخاص اسم لنوع من الألفاظ، بينما التخصيص عملية دخول اللفظ الخاص على العام، واقتطاع جزء من مشتملاته، وإفرادها بحكم مخالف لحكم العام.
أما الغزالي فلم يعرّف الخاص، بل اكتفى بتحديد أنواعه، وجعلها ثلاثة «فاللفظ إما خاص في ذاته مطلقا هذا، زيد وهذا الرجل، وإما عام مطلقا كالمذكور والمعلوم، إذ لا يخرج منه، موجود، ولا معدوم، وإما عام بالإضافة كلفظ المؤمنين، فهو عام بالإضافة إلى آحاد المؤمنين، خاص بالإضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين» (3).
كما لم يتعرض أبو حامد لتعريف التخصيص اكتفاء بالمعنى الشائع له، وقرّر أنه لا خلاف بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل، وهو إما دليل العقل أو السمع أو غيرهما.
وكيف ينكر ذلك الاتفاق على تخصيص قوله تعالى: (خالق
كُلِّ شَيْء [سورة الأنعام:102]. بل أكد أن
جميع عمومات الشرع مخصصة
بشروط في الأصل والمحلّ والسبب، وقلّما يوجد عام لم يخصص، مثل قوله تعالى: إِنّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة الأنفال: 75] (1).
(1) - زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 288. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 153. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 32. (4) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 89 - 99.
-468 - (1/474)
صفحة 475
ولا يسلّم الوارجلاني بحصول الاتفاق على التخصيص المطلق للعام، بل ذكر اختلاف الناس في تعارض الخاص والعام بين قائل بالتعارض، وقائل بعدمه، وقائل بتقديم العام على الخاص.
«وقولنا إن الخاص، على العام مقدم كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "في العشر (1). ثم قال: "ليس فيما دون خمس أواق صدقة" (2). فقضينا بالخاص على العام وبطل قول من قال بتعارضهما» (3).
الرقة ربع
ب= مخصصات العام:
يقسم الأصوليون أدلة تخصيص العام إلى قسمين: مخصصات متصلة،
أو غير مستقلة، ومخصصات منفصلة، أو مستقلة. ويشمل القسم الأول: التخصيص بالاستثناء، والشرط، والصفة، والغاية، وبدل البعض.
أما القسم الثاني: فيشمل التخصيص بالعقل، والحس، والعرف،
والشرع. والشرع يكون بالكتاب والسنة والإجماع والقياس والمفهوم). وقد جعل الغزالي المخصصات عشرة ورتبها كالآتي: 1 - دليل الحس، 2 - العقل، 3 - الإجماع، 4 - النص الخاص، ه- المفهوم بالفحوى، فعل النبي، 7 - تقريره 8 عادة المخاطبين 9 - مذهب الصحابي،
10 خروج العام على سبب خاص (ه).
(1)
-
-
(2)
سنن أبي داود، كتاب الزكاة، بابه، حديث. صحيح مسلم كتاب الزكاة، حديث، ج 7، ص 51. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 174. البوطي أصول الفقه، صحفات 209 فما بعد. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 98 - 114.
-
(4)
(5)
-279 - (1/475)
صفحة 476
أما الوارجلاني فقد رتبها وفق الآتي:
1 - العقل، 2 - القرآن - السُّنَّة بأنواعها، قولاً وفعلاً وتقريرا، 4 - الاستثناء، ه- الإجماع، 6 - مذهب الصحابي، 7 - دليل الخطاب، أو
مفهوم
المخالفة (1).
ولعل الالتزام بتقسيم الوارجلاني أسهل في ضبط هذه المخصصات ومقارنتها بما عند الغزالي. وهو ما سنتبعه بإذن الله.
- التخصيص بالعقل:
ينص أبو يعقوب على أن التخصيص بدلالة العقول أمر ظاهر غير مستنكر لأن الشرع لا يرد بخلاف العقل، وإن استعمل اللفظ على ما يحيله العقل خُص به. والدليل على ذلك التفرقة بين قول الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عليم سورة الأنفال:75]. وبين قوله: وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [سورة} البقرة: 284]. فليس كل معلوم مقدورًا عليه، لأن الله تعالى معلوم، ولا تجري عليه القدرة» (1).
وأورد الغزالي المثال نفسه وذكر قوله تعالى: خَالِقُ كُلِّ شيء) [سورة الأنعام: 102]. فخرج عنه ذاته وصفاته، إذ القديم يستحيل تعلق
القدرة به.
وكذلك قوله تعالى: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سبيلاً [سورة آل عمران:97]. خرج منه الصبي والمجنون، لأن العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم (3).
(1) - الوارجلاني العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 162 - 179. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 162.
-
(3) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 99 - 100.
- EY,
- (1/476)
صفحة 477
وذكر أبو يعقوب أن دليل خروج المجانين والصبيان من التكليف
مسألة خلافية، فبعض يرى خروجهم بدليل العقل، وهو اختيار الغزالي، وبعض يراه تخصيصا من الشرع، لقوله: «رفع القلم عن ثلاث، عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل، أو
يفيق» (1) (2).
أضاف الوارجلاني أمثلة أخرى كلامية، من مثل قوله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفَا [سورة الفجر:22]. فخص العقل منه الانتقال. وقوله: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَاده} [سورة الأنعام:18]. خص منه الجهة. وقوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [سورة طه: ه]. خص منه الجهة والحلول والتمكن.
وجميع ما ذكر في القرآن من أوصاف الباري سبحانه خص منه
العقل ما لا يليق به إلا بالخلق (3). وقضية تأويل صفات الله تعالى أو التفويض فيها مسألة كلامية خاض فيها المسلمون منذ الصدر الأول، ولا يزالون مختلفين، وهي تعود في جوهرها إلى مبدإ تنزيه الله تعالى عن النقائص، واتصافه بجميع الكمالات، وتنزيهه عن التشبه بالمخلوقات.
وحول هذه المحاور الثلاثة دارت مناقشات العلماء، وجدالهم الطويل، والخلاف بينهم في الحقيقة لا يعدو الخلاف اللفظي ما دام الاتفاق حاصلا على تحقيق اتصاف الله بكل كمال، وتنزيهه عن كل نقص، ومن النقائص التشبه بالخلق أما كيفية اتصافه بكمالاته على
(1)
-
سنن النسائي، كتاب الطلاق، باب 21 حديث 3432، ج 6 - 7، ص 468. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 162. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 163.
-
-471 - (1/477)
صفحة 478
الحقيقة؛ فلا يعلمه إلا الله.
من
- التخصيص بالقرآن
جمع الوارجلاني في هذا النوع أمثلة المخصصات المتصلة وأخرى من
المنفصلة.
فمن المخصص المنفصل قوله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ
ثَلاثَةَ قُرُوء) [سورة البقرة:228].
فهذا حكم عام على جميع
المطلقات، ثم خص عدم المدخول بهن
بقوله: (إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عدَّة تَعْتَدُّونَهَا} [سورة الأحزاب: 49].
أما المخصص المتصل، فأورد له أبو يعقوب أمثلة من الاستثناء، منها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ} [سورة المؤمنون:5 - 6]. فاستثنى الأزواج من عموم حفظ الفروج. وقوله: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَف [سورة النساء: 23].
فخص الجمع بين الأختين السابق لنزول الآية بالعفو عنه (1). وقد أفرد الوارجلاني للتخصيص بالاستثناء كلاما مفصلا، سيأتي
لاحقا.
-
=
التخصيص بالسنة:
السنة القولية:
أما تخصيص العموم بالسنة فمثاله، قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا [سورة المائدة:38].
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 163.
-472 - (1/478)
صفحة 479
ثم خصت السنة
من السارق من سرق ما دون ربع دينار، لقوله
عليه السلام لا تُقطع يد السارق إلا في ربع دينار» (1). وقال تعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشركين كافة} [سورة التوبة: 36]. فخصت السنة النساء والصبيان والرهبان لنهيه عليه السلام أن تقتل
امرأة أو صبى (2). وقال: «لا يُقتل ذو عهد في عهده) () (). وقد جمع الغزالي التخصيص بالقرآن وبالسنة القولية فيما سماه
"النص الخاص"، وأورد أمثلة لكلا النوعين).
=
السنة الفعلية والتقريرية (1).
أما أفعال النبي الله فإنها بيان يُخص به العموم، إلا إن دلّ الدليل
على خلافه كنهيه عن الوصال ثم هو يواصل). كما خص قوله تعالى: وَهُوَ الذي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَات وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتِ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُختلفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِها وَغَيْرَ مُتَشَابِه كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَأَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) [سورة الأنعام:141].
-
-
(1)
(2)
صحيح مسلم کتاب الحدود، حديث 1، ج 11، ص 181. صحيح البخاري، كتاب الجهاد، باب 146، حديث. ج 4، ص 74، ولفظه نمى رسول
الله عن قتل النساء والصبيان».
-
(3)
-
(4)
سنن النسائي، كتاب القسامة، باب 10، حديث 4749، ج 7، ص 388. الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 164.
(5) - الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 102 - 103. (6) - دلالة أفعال النبي له على الأحكام غير مطلقة، فمنها ما هو جبلي، كأصل الأكل والنوم والأفعال الغريزية، وقد ورد التأسي به في كيفياتها، فيعتبر اتباعه فيها سنة لدلالة الاتباع على محبته المطلوبة شرعا، لا لذات الفعل. أما أفعاله التي هي بيان للأحكام الشرعية، فلا خلاف في وجوب اتباعها، وإذا ناقض فعله قوله، ولم يتبين أنه أراد بفعله البيان، فالأصل هو القول، لكن قد يدلّ الفعل على التخصيص.
الغزالي المستصفي، ج 2، ص 106. (7) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 165.
-473 - (1/479)
صفحة 480
فقد خص عموم الآية بفعله، إذ أثبت أنه لم يأخذ من الخضروات زكاة (1).
ونهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة (2). ثم رآه ابن عمر مستقبلا لها (2). تدل على الخصوص أو النسخ أو أن النهي للكراهة، على خلاف بين العلماء في ذلك.
ويرى الغزالي أن النسخ بالفعل بعيد جدًّا في هذا المثال، لأنه فعل
له
أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مستترا ما كان ليعلم به أحد لولا رؤية ابن عمر عرَضًا، وهذا إخفاء للأحكام لا بيان لها، والرسول منزّه عن هذا. أما تقرير النبي فإنه لو رأى أحدا من أمته يفعل غير ما يقتضي العموم، فأثره كان ذلك تخصيصا للعموم.).
وذلك كإقراره الصحابة على ترك زكاة الخيل فدل على تخصيصها بعدم وجوب الزكاة فيها من بين سائر الأنعام (1).
- التخصيص بالاستثناء:
لا يخرج التخصيص بالاستثناء عن كونه تخصيصا بالكتاب أو بالسنة، ولكن الوارجلاني أفرده بالحديث كنوع مستقل نظرا، لكثرة التخصيص به ولكونه المظهر البارز للتخصيص، فالتخصيص في عمومه استثناء لبعض أفراد العام بحكم خاص.
(2)
(3)
(4)
-
-
والملاحظ أيضا أن الوارجلاني أدرج الاستثناء ضمن مخصصات
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 165. سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب 6، حديث 8، ج 1، ص 13. سنن الترمذي، كتاب الطهارة، باب، حديث 11، ج 1، ص 16. الغزالي، المستصفى، ج 2، صحفات 107 - 108. (5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 165. (6) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 110.
-
-474 - (1/480)
صفحة 481
العموم (1). بينما لم يعتبره الغزالي من بينها، بل ذكر أن الاستثناء يختلف عن التخصيص في أنه يشترط فيه الاتصال بينما يكون التخصيص بأدلة منفصلة عن العام كما أن الاستثناء احتراز عن أدلة التخصيص، لأنها قد لا تكون قولاً، وتكون فعلاً، وقرينة ودليل عقل، فإن كان التخصيص
قولا فلا تنحصر صيغه، أما صيغ الاستثناء فهي محدودة). وعقد أبو حامد للاسثناء والشرط والتقييد مبحثا مستقلا في آخر
الحديث عن العام والخاص (3).
حقيقة الاستثناء وأنواعه:
حقيقة الاستثناء:
معنى الاستثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الرجل عن رأيه، أي صرفته عنه، وثنيت الشيء عطفت أوله على آخره).
وفي الاصطلاح إخراج بعض من كل ببعض الأدوات التي وضعتها
العرب لذلك.
وقيل الاستثناء كلام دال على أن المذكور فيه لم يُرد بالقول المتقدم
حقيقة (.).
وعرف الغزالي الاستثناء بأنه: قول ذو صيغ مخصوصة محصورة، دال
على أن المذكور فيه لم يُرد بالقول الأول). وأدواته هي إلا حاشا، سوى، غير، ما خلا، ما عدا، بلة، ليس،
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 165. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 163.
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 163. (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 165. (5) - البرادي رسالة الحقائق، ص 14. (6) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 163.
-4750 (1/481)
صفحة 482
لا يكون (1).
- أنواع الاستثناء:
الاستثناء يقع من ثلاثة أوجه:
أحدها: استثناء من الجنس نحو: رأيت القوم إلا زيدا.
ثانيها: استثناء بعض الجملة نحو: رأيت زيدا إلا وجهه. ثالثها: الاستثناء من غير الجنس، وهذا لا يقع التخصيص به، لأنه لا يُخرج من الجملة بعض ما تناوله العام، وقيل: إنه جائز.
والأولان واقعان في كلام العرب بلا خلاف، أما الثالث فمثاله قوله تعالى: لا تَأكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةٌ عَنْ تَرَاضِ منكُمْ سورة النساء: 29]. وليست التجارة من أكل المال بالباطل في شي).
- شروط الاستثناء:
تتخلص شروط الاستثناء في ثلاثة:
- الاتصال - اتحاد الجنس، - عدم الاستغراق.
1 - شرط الاتصال:
هو اتصال الاستثناء والمستثنى بالمستثنى منه وهذا الشرط محل اتفاق بين العلماء، إلا رواية عن ابن عباس أنه أجاز الاستثناء منفصلا إلى سنة. فابن عباس من أهل اللسان مستدلاً بقول الرسول: «والله
لأغزُونَ قريشًا ثم سكت ساعة فقال: «إن شاء الله» (3).
ففعله الدال على انفصاله، وقد بعث مبلغا ونبيئا).
ولكن الغزالي لا يسلّم بهذه الرواية على ظاهرها، ويفسرها بأنه «لا
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 166. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 166. (3) - سنن أبي داود، كتاب الإيمان، باب 17، حديث. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 166.
-
-476 - (1/482)
صفحة 483
يصح النقل عن ابن عباس إلا بتأويل عقد النية، ثم إظهار الاستثناء، أما تجويز تأخير الاستثناء دون هذا التأويل فغير مقبول، لاتفاق أهل اللغة على خلافه، لأنه جزء من الكلام يحصل به الإتمام فإذا انفصل لم يكن إتماما كالشرط وخبر المبتدإ» (1).
ونرى أن الموقف الوسط يقتضي إعطاء المتكلم فسحة الاستثناء ما دام متصل الفكر بالموضوع الذي يتحدث فيه، إذ إن اشتراط نية الاستثناء منذ البداية فيه نوع تضييق، ولا يُحمل عليه فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله "إن شاء الله بعد قسمه بغزو قريش، إلا على نوع من التكلف. كما أن إطلاق العنان للاستثناء بلا حدود في النية والزمن، خروج
من قيود اللغة وضوابط العرف.
2 - اتحاد الجنس:
(r)"
يشترط الوارجلاني والغزالي اتحاد الجنس بين المستثنى والمستثنى منه، لحصول التخصيص، أما الاستثناء من غير الجنس فلا يصح به التخصيص، لأن هذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والإخراج). فيكون استثناء مجازيا، لأنه تُجُوِّزَ فيه عن حقيقته، وتكون "إلا" فيه بمعنى "لكن" - عدم الاستغراق: اتفق الفقهاء على عدم جواز استغراق الاستثناء جميع أفراد المستثنى منه، ثم اختلفوا في استناء أكثر الجملة، فقال بعضهم: يجوز، ومنعه
آخرون.
وحجة المجوّزين قوله تعالى: (إنْ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 165.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 166؛ الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 168. (3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 170.
-477 - (1/483)
صفحة 484
مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ) [سورة الحجر:42].
وقول إبليس اللعين: قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) إِلَّا عِبَادَكَ منْهُمُ الْمُخلَصين) [سورة ص:82 - 83]. فثبت استثناؤه للأكثر، وهم أتباع)
الشيطان.
ولكن الغزالي والوار جلاني مع إقرارهما بجواز استثناء الأكثر يتفقان
على أنه مستقبح، وكلما ازداد الاستثناء قلة ازداد حسنا (). ولا يستسيغ الناس أن يقال لي عليك ألف دينار إلا تسعة وتسعين وتسعمائة، إلا أن تكون له قرينة تصلحه كقوله تعالى في الحديث: "قم يا آدم ابعث بعث النار قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعون وتسعون وتسعمائة إلى النار وواحد إلى الجنة). وقرينته التي تصلحه، تعظيم الأمر يوم يصير فيه الولدان شيبا ().
- الاستثناء من جمل متعاطفات
إذا اتصل الاستثناء بجمل معطوف بعضها على بعض، فهل يعود على جميعها أم على آخرها؟
بكلا القولين أخذ فريق من العلماء، وقال آخرون بالوقف). وبيان ذلك قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رحيم) [سورة النور: 4 - 5]. فهل التوبة ترفع الأحكام السابقة كلها، من
-
(2)
الجلد وعدم قبول
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 173. سنن الترمذي، كتاب التفسير باب 23 حديث 3168، ج 5، ص 322. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 167. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 167؛ الغزالي المستصفي، ج 2، ص 174.
- EVA - (1/484)
صفحة 485
الشهادة والفسق؟ أم إنها ترفع صفة الفسق وحدها؟
ذهب الوارجلاني إلى القول بعودة الاستثناء إلى أقرب مذكور، وهو الفسق، لأنه متيقن والباقي مشكوك فيه إذ إن الاستثناء يرجع إلى أقرب مذكور. وحكى أبو يعقوب عن الشعبي بأن الاستثناء يعود عليها جميعا، فيرفع الحد وردّ الشهادة والفسق ولكن الجمهور على خلاف هذا الحكم (1).
أما الغزالي فاختار التوقف، لأننا كما يقول وجدنا العرب تعود مرة بالاستثناء على أقرب مذكور، ومرة على جميع المتعاطفات، ولا ندري أيهما حقيقة أو مجاز. فوجب التوقف، وإن لم يكن بد من رفع التوقف فمذهب المعمّمين، أولى، لأن الواو ظاهرة في العطف، فيوجب نوع اتحاد بين المتعاطفات (2).
الترجيح:
ينحصر الخلاف في هذه المسألة في حالة ما إذا لم تتوفر قرينة تبين عودة الاستثناء إلى الجملة الأخيرة، أو إلى الجميع. ويبدو أن التفصيل الذي اختاره أبو الحسين البصري أرجح (3). وهو أن الجمل المتعاطفة إن سيقت لغرض واحد عاد الاستثناء إلى الكل، وإن لم تُسق لغرض واحد الاستثناء حينئذ إلى الجملة الأخيرة فقط. رجع
فمثال اتحاد الغرض قولك: حبست داري على أعمامي ووقفت بستاني على أخوالي، وسبلت سقايتي الجيراني، إلا أن يسافروا فيعود
الاستثناء إلى الجميع.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 168. (2) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 179. (3) - البوطي أصول الفقه، ص 211.
-479 - (1/485)
صفحة 486
ومثال اختلاف الغرض قولك: أكرم العلماء واحبس أرضك على أقاربك، واعف عمن ظلمك إلا الفسقة منهم فيعود الاستثناء حينئذ إلى
الجملة الأخيرة فقط.
- التخصيص بالإجماع:
يقع
ومن
تخصيص القرآن والسنة بالإجماع كثيرا، ذلك: قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللهُ في أَولادكم للذكر مثلُ حَظِّ الأثنين) [سورة النساء:11]. فخص الإجماع منه العبيد، وخصت السُّنَّة المشرك والقاتل.
وقال تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنْ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [سورة المائدة: 45]. وأجمعت الأمة أن هذا في المكلفين فلا قصاص بيننا وبين البهائم. وأجمعت الأمة أن الأموات لا يرثون فخص ذلك آية المواريث).
التخصيص بقول الصحابي
-
لا يعتبر الوارجلاني مذهب الصحابي حجة في تخصيص العموم، فنحن بالخيار في اتباعه أو عدم اتباعه، ولكن الراجح الأخذ وحسن الظن به في مخالفته
بعموم حديثه
وإذا اختلف صحابيان في تخصيص العام، لم يكن أحدهما أولى قولاً من الآخر، وأما إذا كان العموم متفقا عليه، ومختلفا في خصوصه، فالعموم
أولى (2).
ولكن الغزالي يقف موقفا صارما من قول الصحابي، وينكر حجيته
أصلا، ويرى تقليده عملاً فاسدا لا مستند له.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 171. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 175.
- EA-
: (1/486)
صفحة 487
وكذلك يرى أن تخصيص الراوي لا يرفع العموم، لأن الحجة في الحديث. وأما مخالفته وتخصيصه، فقد يكون عن نظر واجتهاد لا نرتضيه،
فلا نترك الحجة بما ليس بحجة (1).
- التخصيص بمفهوم المخالفة:
اتضح لنا في مبحث الدلالات أن مفهوم المخالفة كان محل خلاف بين الحنفية والجمهور. فالحنفية ومعهم الغزالي يرونه من التمسكات الفاسدة، والجمهور ومعهم الوارجلاني يعتبرونه طريقا صحيحة لإفادة الأحكام، «لأن دليل
الخطاب يقتضي نفي الحكم عما عدا الصفة المتعلق بما الحكم» (2). ويتنوع هذا المفهوم إلى مفهوم الصفة والشرط والغاية والحصر، وهذه كلها من المخصصات المتصلة عند المتكلمين، ولكن الوارجلاني أدرجها تحت هذه الصنف وهو التخصيص بمفهوم المخالفة، فإذا ورد الحكم مقيَّدا بشرط أو وصف أو غاية دلّ على أنه إذا افتقد ذلك القيد انتفى عنه هذا الحكم، لعدم توفر قيوده التي ربطه الشارع بها. فقوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} [سورة النساء: 25]. فتقييد نكاح الإماء بعدم القدرة المالية، ووصف الإماء بالإيمان، يدلّ على جواز هذا النكاح عند فقدان هذين الشرطين، مما يعد تخصيصا للعموم بطريق المفهوم. أما الغزالي فإنه يعتبر المفهوم، بالفحوى، وهو مفهوم الموافقة الأولى،
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 113. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 179.
- EA- (1/487)
صفحة 488
من مخصصات العام، كتحريم ضرب الأبوين، حيث فُهم النهي عن
التأفيف، فهو قاطع كالنص. ولعل مراده بالتخصيص هنا هو حكم البراءة الأصلية العام، الذي لم تدلّ عليه آية تحريم التأفيف، إذ بقي ما عدا التأفيف والانتهار في حكم البراءة الأصلية، وخصصه مفهوم الموافقة بتحريم الضرب.
أما مفهوم حجة كما تقدم (1).
المخالفة، فحكاه الغزالي عن القائلين به، وهو لا يراه
المطلب الثالث: المطلق والمقيد
أ= تعريف المطلق والمقيد:
والمقيد.
مما يندرج
تحت أحكام الخاص، ما يعرف لدى الأصوليين بالمطلق
وقد سبق بيان معنى الخاص أنه اللفظ الدال على مسمى واحد محصور، سواء أكان فردا أم نوعا أم جنسا.
فالواحد بالفرد أو بالشخص مثل: أحمد وزيد وعلي، وسائر أسماء
الأعلام.
والواحد بالنوع مثل رجل وامرأة، ومنزل وسيارة.
والواحد بالجنس مثل إنسان وحيوان ونبات. أما أسماء الأعداد فيه من قبيل الخاص كذلك، والوحدة فيها اعتبارية لا حقيقية لأن المعتبر فيها مجموع الأفراد الذي يعبر عنه العدد،
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 105.
-482 - (1/488)
صفحة 489
ولا يُنظر إلى كل فرد على حدة).
عن
ويندرج المطلق تحت الواحد بالنوع والواحد بالجنس. ويعرفه الأصوليون بأنه اللفظ الدال على فرد شائع في جنسه، مجردًا القيود اللفظية التي تقلل من شيوعه".
ومعناه: أن المطلق هو النكرة في سياق الإثبات، أي الفرد الشائع لا
على التعيين.
مثل قولنا رجل ورجلان ورجال فكلها ألفاظ مطلقة، تدل على
وحدة شائعة في جنسها بلا تعيين (2). والفارق الأساسي بين المطلق والعام أن العام يشمل جميع أفراده، على ترجيح رأي أصحاب العموم، أما المطلق فلا شمول فيه، بل يدل على فرد غير معين شائع في جنسه.
وهذا لا يمنع أن يكون المطلق صالحا للانطباق على كل فرد، ولكن
على سبيل البدل، والتناوب لا على سبيل الشمول. لهذا قرر الأصوليون أن المطلق عمومه بدلي تناوبي، وأن العام عمومه
شمولي استغراقي (3).
ولأجل هذا أيضا اعتبر بعضهم المطلق ضمن أنواع العام، ولكن التحقيق أنه من أنواع الخاص، لما بيناه من الفارق بينه وبين العام. ومثاله قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [سورة
النساء:11].
-
فلفظ الوصية مطلق يشمل القليل والكثير من التركة، ولو استغرقها
(1) - الدريني، المناهج الأصولية، صحفات 658 - 659؛ زيدان، الوجيز في أصول الفقه، ص
0263
(2) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 666.
—
(3)
د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 2، ص 12.
- EAT- (1/489)
صفحة 490
كلها، والأصل إجراء اللفظ على إطلاقه لولا ما ورد من الشرع بتحديد الوصية بالثلث في قوله: «الثلث والثلث كثير» (1). وهذا التحديد قيد ورد على لفظ الوصية المطلق في الآية، فأصبحت مقيدة بهذا القدر، لا يجوز الزيادة عليه إلا بإجازة الورثة.
لنا وهنا يتضح معنى المقيد الذي عرفه الأصوليون بأنه: معناه، "اللفظ الدال على شائع في جنسه مقترن بقيد لفظي زائد عن يقلل من شيوعه " (2).
? (+) "
هذا ما استقر عليه اصطلاح الأصوليين في مفهوم المطلق والمقيد، ولكن الوارجلاني والغزالي كليهما لم يتعرضا لتحديد اصطلاحهما في الإطلاق والتقييد، واكتفيا بجعل المطلق والمقيد من اللواحق والمباحث المتصلة بالعام والخاص (3). ودلف أبو يعقوب إلى الحديث عن أنواع المقيدات، فقال: «إن التقييد يقع بثلاثة أشياء بالغاية والشرط والصفة». وشرع في التمثيل لهذه
الأنواع). أما الغزالي فقال: اعلم أن التقييد اشتراط (ه). ونزل الاشتراط منزلة تخصيص العموم، ومنزلة الاستثناء).
ويتضح من الأمثلة التي عرضها الوارجلاني أن مفهومه للإطلاق والتقييد غير منحصر في المعنى الاصطلاحي الذي أوضحناه، بل المطلق قد
-
(1)
صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب 2، حديث. ج 4، ص 3.
(2) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 671.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 168؛ الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 186.
(4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 168.
(5) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 165. (6) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 181.
-484 - (1/490)
صفحة 491
يكون بمعناه الاصطلاحي وهو النكرة في سياق الإثبات، نحو: رجل، وقد
يكون عاما نحو: الرجال.
ولا نجزم أن هذا رأي أبي يعقوب، صراحة، وإنما هو استنتاج أفادتنا
على المطلق والمقيد.
أمثلته به فقد استشهد للتقييد بالغاية بقوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بالله ولا بالْيَوْمِ الْآخِر وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [سورة التوبة: 29].
وقال بعدها فقيد القتال بإعطاء الجزية، ولم يتناول ما بعد الغاية (1).
«وأما تخصيص العموم بالشرط، فقوله (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ
كافة} [سورة التوبة: 36]. فاشترط المشركين، فعم فيهم، وخص من يصلح الخطاب له، من
المؤمنين، وكلّما زادت الشروط زاد التخصيص. وقد يتقدم الشرط كقوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} [سورة المائدة: 6]. وقد يتأخر كقوله: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلِ حَتَّى تَغْتَسِلُوا [سورة
النساء: 43].
وإذا وقع شرطان علق الخطاب إليهما، كقولك: إذا دخل زيد الدار وجلس فأعطه درهما، فلا يقتصر على أحد الشرطين دون الآخر. وأما تخصيص العموم بالصفة، فكقولك: اعط الرجال الطوال، أو
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 168.
-485 - (1/491)
صفحة 492
السود، أو الحمر، كذا وكذا، قيّدت الإعطاء بالصفات .. ().
والذي منعنا من الجزم في تحديد رأي الوارجلاني أنه عرض أقوال العلماء في قضية حمل المطلق على المقيد والتزم فيها بالمعنى الاصطلاحي، ولكنه تجوز في الأمثلة السابقة بإيراد ما يفيد التقييد عموما، سواء للمطلق الاصطلاحي، أم للعام المطلق. أما الغزالي فلم يتعرض للتمثيل، وعرّج إلى قضية حمل المطلق على
المقيد مباشرة.
ولا حرج في ما ذهب إليه أبو يعقوب ما دام قد استقر لدى الأصوليين أن ثمة قاسما مشتركا بين العام والمطلق، وهو أن ما يصلح دليلا لتخصيص العام يصلح كذلك دليلا لتقييد المطلق).
ذلك أن المطلق من حيث إن عمومه بدلي يشبه العام، والمقيد بما اقترن به من قيد يقلل شيوعه يشبه الخاص. فصلح تخصيص العام وتقييد المطلق بالصفة والشرط والغاية ونحوها.
وهو ما صنعه أبو يعقوب وأبو حامد من إدراج المطلق والمقيد ضمن
مباحث العام والخاص.
ب حمل المطلق على المقيد
يعدّ حمل المطلق على المقيّد من المباحث المهمة في القواعد الأصولية
لتفسير النصوص.
ويقصد بحمل المطلق على المقيد سحب القيد الذي ورد على المقيد
على المطلق، وإشراكهما معا في القيد نفسه.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 168 - 169. (2) - الدريني، المناهج الأصولية، صحفات 692 - 695.
-486 - (1/492)
صفحة 493
أو بعبارة أخرى: تقديم العمل بالمقيد باعتباره بيانًا للمطلق). وجمهور الأصوليين على وجوب حمل المطلق على المقيد، ولكن ليس
في جميع الصور، فبعضها محل، وفاق، وبعضها الآخر محل خلاف. وثمة من ذهب إلى أنه لا يحمل أحدهما على الآخر مطلقا. وقد حكى الوارجلاني الآراء في المسالة، وجعلها ثلاثة (2). قائلون بعدم الحمل، وأنه الأصل، لأن كل نص حجة بنفسه. وقائلون بأن الحمل هو الأصل، لأن النصوص يفسر بعضها بعضاً. وقائلون بالحمل مع اشتراط القرينة الداعية إليها. والمختار هو التفصيل، وذلك أن صور اجتماع المطلق والمقيد لا
-
تخرج عن أربع حالات:
-
اتحاد الحكم والسبب. اختلاف الحكم والسبب. اختلاف الحكم واتحاد السبب.
اتحاد الحكم واختلاف السبب.
- اتحاد الحكم والسبب:
أي اتحاد الحكم واتحاد السبب الذي شرع من
أجله الحكم (1).
حيث يكون النصان من جنسين متفقين فيُحمل أحدهما على الآخر). وهو ما يسميه الغزالي بحالة اتحاد الموجب والموجب.).
(1) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 676.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 170 - 171. (3) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 678.
(4) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 185. (5) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 170.
- EAY - (1/493)
صفحة 494
وهذا محل اتفاق بين الجمهور.
ومثال ذلك قوله تعالى: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [سورة
الطلاق.
الطلاق:2]. في معرض المراجعة من وفي الدين قال: (وَاسْتَشْهِدُوا شهيدين من رحالكُم فَإِنْ لَمْ يَكُونَا
رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء} [سورة البقرة: 282]. فاعتبرنا العدالة في جميع أنواع الشهادة مما لم تذكر فيه العدالة، مثل الزنا، وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [سورة النور: 4]. وأجرينا المطلق على حكم المقيد).
-
اختلاف الحكم والسبب:
وهي عتق رقبة
إذا اختلف السبب والحكم فلا يُحمل المطلق على المقيد اتفاقا، إذ لا ارتباط بين النصين أصلاً، وذلك مثل كفارة القتل خطأ، مؤمنة، لقوله تعالى: {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَة [سورة النساء: 92]. فلا يجوز حمل مطلق الشهادة في الزنا على مقيَّد الرقبة في الكفارة بالإجماع (2)، لأن كلا الحكمين شهود الزنا، وكفارة القتل، مستقل لا ارتباط له، بالآخر، ولا تعارض له معه.
-
اختلاف الحكم واتحاد السبب:
وهو ما عبر عنه عنه الوارجلاني باتفاق الجنس واختلاف الحكم، وحكمه أن يبقى المطلق على إطلاقه والمقيّد على تقييده، ولا يحمل
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 170. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 170.
-488 - (1/494)
صفحة 495
أحدهما على الآخر. وهذا محل اتفاق أيضا.
ومثاله الصوم الذي ذكره الله تعالى في كفارة الظهار متتابعا فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسًا} [سورة المجادلة: 4]. والصوم الذي ذكره في المتمتع بالعمرة إلى الحج منقطعا، (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أيام فِي الْحَجِّ وَسَبْعَة إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَة} [سورة البقرة:196]. فلا يُحمل أحدهما على الآخر بالإجماع.
ومنهم من حمل الصوم في كفارة اليمين على الصوم في كفارة الظهار، فأوجب فيه التتابع، وأخذ بقراءة مجاهد، «فصيام ثلاثة أيام
متتابعات».
وقال بعضهم: لا يحمل مطلق صوم على مطلق صوم، وكذلك العكس، ويميل الوارجلاني إلى اعتبار شهود النكاح حكما مختلفا عن شهود الطلاق، الذين اشترط فيهم العدالة ولذلك رجّح عدم حمل مطلق شهود النكاح على مقيد شهود الطلاق، «ومن الأمة من يري تقييد لا الشهادة بالعدالة في النكاح، وهو قولنا ويتم النكاح بشهادة من ليس
بعدل، بل بفاجر لا تقبل له شهادة» (1).
-
اتحاد الحكم و اختلاف السبب:
إذا كانت الصور الثلاث السابقة محل وفاق بين العلماء، فإن هذه اتحاد الحكم واختلاف السبب، لم تحظ برأي واحد منهم.
الصورة،،هي
فذهب الجمهور إلى حمل المطلق على المقيد بدون شرط (2). وهو
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 171.
1
(2) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 684.
ما
-819 - (1/495)
صفحة 496
-
أيده أبو يعقوب (1). ومنع الحنفية هذا الحمل، وأبقوا المطلق على إطلاقه، والمقيد على
تقييده (2).
واختار محققو الشافعية كالشيرازي والرازي والبيضاوي التفصيل فأجازوا الحمل عند توافر علة جامعة بين المطلق والمقيد (3). وهو ما عبّر عنه الغزالي بقيام دليل القياس، وقال: «وهذا هو
الطريق الصحيح»).
والمثال الذي يتردد في كتب الأصول عن هذه الصورة هو كفارة
قتل الخطا وكفارة الظهار.
فقد وردت كفارة قتل الخطإ وهي إعتاق الرقبة، في قوله تعالى: وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأَ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} [سورة النساء: 92].
وجاءت مقيدة بوصف الإيمان، بينما وردت مطلقة في كفارة الظهار وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ
أَنْ يَتَمَاسًا [سورة المجادلة:3].
والحكم واحد وهو تحرير الرقبة.
والسبب مختلف وهو القتل الخطأ والظهار، أو إرادة العودة إلى
الاستمتاع بالزوجة بعد الظهار.
فالحنفية لا يرون حمل المطلق على المقيّد هنا، لأن الحمل تدعو إليه
ضرورة التعارض، ولا تعارض هنا، فيُحكم بكل في محله، فيُشترط الإيمان في كفارة القتل دون الظهار، وكفى.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 170. (2) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 684. د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 216.
-
(3)
-
(4)
الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 186.
- {9.
- (1/496)
صفحة 497
الأخذ
بمفهوم المخالفة لأن
ومستند الحنفية في رأيهم هذا هو عدم مفهوم المخالفة للمقيَّد عدم إجزاء ما خلا عن التقييد (1). فقوله تعالى في كفارة الظهار: (فَتَحرِيرُ رَقَبَة) يدل على إجزاء كل من الرقبة المؤمنة وغير المؤمنة، وقوله في كفارة قتل الخطا: (فَتَحرِيرُ رَقَبَةٍ مؤمنة، يدل بمنطوقه على إجزاء المؤمنة، وبمفهومه المخالف على عدم إجزاء غير المؤمنة، فيلزم التعارض بين النصين، فوجب حمل المطلق على المقيد لإزالة هذا التعارض.
ولم يكن الحنفية بحاجة إلى هذا التوفيق ما دام مفهوم المخالفة عندهم من التمسكات الفاسدة. ويرى الوارجلاني وفاقًا لرأي الجمهور حمل الرقبة في كفارة الظهار على الرقبة المؤمنة في كفارة قتل الخطا، فوجب توافر قيد الإيمان في
الجميع (2).
ويتفق أصحاب القول الثالث مع الجمهور على حمل المطلق على المقيد هنا، واعتبروا أن ثمة علةٌ جامعة بين المطلق والمقيد، وهي حُرمة سببهما، وهو النفس والعرض وأهمية غايتهما وهي تشوف الشارع إلى تحرير الرقاب المؤمنة. ولولا هذه الاشتراك لما قالوا بالحمل، لأن الحمل بلا حاجة ودون دليل تحكم محض مخالف لوضع اللغة (3).
ونميل إلى ترجيح هذا الرأي لوجاهته ولا نرى موافقة القول الأول بحمل المطلق على المقيد دون شرط بحجة أن اتحاد الحكم في النصين يوجب التنسيق بين الحكمين المتحدين في الإطلاق والتقييد).
(1) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 686.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 170.
(3) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 185. (4) - الدريني، المناهج الأصولية، ص 685.
-291 - (1/497)
صفحة 498
وهذا الاستدلال غير مسلّم به على إطلاقه، فإن اعتبار الوحدة في كلام الله وأحكامه؛ إنما يكون عند الحاجة إلى التفسير، أو عند حصول التعارض الحقيقي بين النصوص، أو وجود جامع بينهما يقتضي اتحاد الأحكام، وإلا للزم أن يتقيّد كل عام ومطلق بكل خاص ومقيد، وهذا ما لم يقل به أحد، وهو عين الخلط.
وقد عد إمام الحرمين الاستدلال بوحدة كلام الله على حمل المطلق
على المقيد من فنون الهذيان (1).
(1) - د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 222.
-492 - (1/498)
صفحة 499
المبحث الثالث الأمر والنهي
تمهيد: أهمية الأمر والنهي في الأحكام الشرعية
الأمر والنهي من أحكام الخاص لدلالتهما على معنى مفرد وهو الطلب، سواء طلب الفعل أم الترك، وسواء أكان الطلب جازما أم غير
جازم.
للأمر والنهي في مباحث علم الأصول أهمية بالغة، فعليهما مدار التكليف الشرعي، منذ بدأ في تاريخ البشرية تكليف. فقد قال الله لآدم وحواء في الجنة وكلا منْهَا رَغَدًا حَيْثُ شَئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذه الشَّجَرَة) [سورة البقرة: 35]. وتلك إشارة إلى أن الأمر والنهي محور التكليف. ومن الأمر والنهي استنبطت الأحكام الخمسة من الوجوب والندب والإباحة والكراهة، والحرمة وهما صلب التشريع وعماده. ولذلك قال السرخسي: «أحق ما يُبدأ به في البيان الأمر والنهي، لأن معظم الابتلاء
بهما، وبمعرفتهما تتم معرفة الأحكام، ويتميز الحلال من الحرام» (1). ومن الأصوليين من يبدأ كتابه بمباحث الأمر والنهي مكتفيا بهما عن تفصيل القول في مباحث الحكم الشرعي). لأن الأحكام الشرعية لازمة عن الأمر والنهي، وداخلة في مباحثهما ضمنا. وقد أورد الوارجلاني نصيبا من مسائل الأحكام التكليفية في باب
(1) - السرخسي أصول السرخسي، ج 1، ص 11. (2) - الشيرازي، التبصرة، ص 17؛ الباجي، الإشارات، ص 9.
-493 - (1/499)
صفحة 500
الأمر والنهي، مثل الواجب المخير ()، والواجب الموسع)، والواجب الملتبس بالمندوب (3)، وما لا يتم الواجب إلا به، وغيرها.
وليس في ذلك ما ينتقد، إذ إن العلاقة بين الأمر والنهي وبين الأحكام التكليفية علاقة أصل بفرع، والفصل بينهما تدعو إليه ضرورة التصنيف. والمسألة اعتبارية، ولكل رأيه وما اختاره في التأليف والتصنيف.
المطلب الأول: الأمر
أ= تعريف الأمر وصيغته تعريف الأمر:
عرف الوارجلاني الأمر بأنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه
المسألة» (ه).
به» (1).
وعرفه الغزالي بأنه: «القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور
وانتقد الغزالي اشتراط الاستعلاء في الأمر بأنه «لا حاجة إلى هذا الاحتراز بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد، وإن لم تجب الطاعة، بل الطاعة لا تجب إلا الله تعالى»).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 98. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 99. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 115. (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 111. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 64. (6) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 411. (7) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 411.
-494 - (1/500)
صفحة 501
وعلل
وجهة نظره بأن الأمر في لغة العرب يطلق على مجرد الطلب
دون النظر إلى مرتبة الآمر ومرتبة المأمور.
وتعليل الغزالي هذا مقبول إن أراد بالأمر المعنى العام الذي يشمل
كلا من الأمر اللغوي والأمر الأصولي.
إذ الأمر اللغوي لا يشترط فيه الاستعلاء، فيدخل فيه الالتماس
والدعاء).
الأعلى.
والالتماس طلب الفعل من المساوي والدعاء طلب من الأدنى إلى
وإن أردنا بالأمر المعنى الاصطلاحي عند الأصوليين فيشترط أن يكون صادرا من الأعلى إلى الأدنى، لأن الأوامر الشرعية كلها صادرة عن الشارع، إن في القرآن أو في المصادر الأخرى، وكلها تستمد شرعيتها من القرآن الكريم. ولذلك فإن تعريف الوارجلاني أدق من الناحية الاصطلاحية،
وتعريف الغزالي أعم من الناحية اللغوية. كما أن أغلب الأصوليين يذكرون الأمر بمعناه الاصطلاحي "الأمر طلب استدعاء الفعل بالقول ممن دونه (). أو هو "طلب الفعل على جهة
(1) - جاء في القاموس المحيط أن الأمر ضد النهي. الفيروز أبادي، القاموس المحيط، ج 1، ص 365. وجاء في لسان العرب: الأمر معروف نقيض النهي ابن منظور، لسان العرب، ج 1، ص 96.
وفي دائرة معارف القرن العشرين أمر طلب منه عمل شيء. محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، ج 1، ص 570. وفي المنجد في اللغة والأعلام أمره طلب منه فعل شيء وإنشاؤه / ص 17. وليس في هذه التعاريف جميعا إشارة إلى شرط الاستعلاء.
-
(2)
الشيرازي، التبصرة، ص 17.
-890 - (1/501)
صفحة 502
الاستعلاء " (1). أو هو "اللفظ الدال على طلب الفعل على جهة
الاستعلاء " (1).
صيغة الأمر:
يحكي الوارجلاني اختلاف الناس في الأمر هل له صيغة وصورة أم
لا صيغة له ولا صورة؟
فقال أكثر الفقهاء إن للأمر صيغة وصورة، وهو قولك "افعل"، وكذا النهي له صورة وهي قولك "لا تفعل". ويرى أبو يعقوب أن هذا الرأي هو الأصح). أما الغزالي فيفرق بين الأمر والوجوب، ويعتبر الجمع بينهما خطأ، ويجعل صيغ الأمر كل ما ورد فيه مادة "أمر"، وصيغ الوجوب ما وردت فيه مادة "الوجوب" أو دل على الإلزام. فإن قول الشارع: أمرتكم بكذا، أو أنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الأمر.
وإذا قال: أوجبت لعيكم أو فرضت عليكم أو أمرتكم بكذا، وأنتم
معاقبون على تركه فكل ذلك يدل على الوجوب. ولو قال: أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه،
فهو صيغة دالة على الندب فليس في هذا خلاف. وإنما الخلاف في قوله: "افعل" هل يدل على الأمر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن؟ فإنه قد يُطلق على أوجه منها: الوجوب والندب
(1) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، ص 204.
وقد انتقد الآمدي تعريف الغزالي، واختار هذا التعريف.
-
(2)
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 234.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 65.
-297 - (1/502)
صفحة 503
والإباحة والتأديب والتهديد والدعاء ... » ().
والواقع أن العرب قد وضعت للأمر صيغة هي "افعل" واستعمال أهل البيان حجة، لأنهم أرباب الشأن، وقد قسموا الكلام إلى أربعة أقسام، وقالوا: أمر ونهي وخبر واستخبار ولم يشترطوا لصيغة "افعل" قرينة تفردها للأمر، ولا لصيغة "لا" تفعل قرينة تصرف النهي عن غيره. والأمر والنهي هما الأصل وما عداهما من الوجوه ففرع (2). واحتجاج الغزالي بأوجه استعمالات "افعل" يؤكد أن الأصل
وضعها للأمر، أي الطالب، وقد تصرف إلى المعاني الأخرى بقرينة. واستدلال الغزالي في نفي كون "افعل" لمجرد الأمر يتجه إلى الناحية الكلامية، وهو رأي الأشاعرة في الكلام النفسي، فالأمر معنى قائم بالنفس، والتعبير عنه يكون بكل لفظ يفيد معنى الطلب، وليس قاصرا على صيغة "افعل". ودون العودة إلى تفصيل القضية من وجهتها الكلامية؛ فإن استعمال أهل اللغة يفصل الخلاف، أو يرجع أحد الأقوال على أحسن تقدير، إذ إن صيغة "افعل" كما سبق بيانه تستعمل للأمر أصلا، وصرفها إلى غير
الأمر يحتاج إلى قرينة (3). هذا أنه ليس ثمة ما يفيد الأمر إلا صيغة "افعل"، كما قد
ولا يعني
يتبادر إلى الفهم، بل هناك صيغ أخرى تفيد الأمر، ومن تلك الصيغ: المضارع المقترن بلام الأمر "لتفعل"،
أو الجملة الخبرية المفيدة للطلب، كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 417.
-
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 65 وينظر كذلك الشيرازي، التبصرة ص 22؛ البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقات 191 ظ، 192 و.
—
(3)
الشيرازي، التبصرة، صفحات 24 - 25.
- {91 - (1/503)
صفحة 504
أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [سورة البقرة:233].
- أو الإشارة، كقوله: «ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك»؟. وقد أشار إليه بذلك ولم يتكلم).
ولكن الصيغة الأصلية والأساسية هي "افعل"، وهي الأعم والأغلب في
استعمال أهل اللسان، وفي نصوص الشارع.
ب= هل الأمر المجرد للوجوب؟
لا خلاف بين الأصوليين في ورود صيغة الأمر في اللغة والشرع، لمعان كثيرة؛ كالوجوب والندب والإباحة، والتهديد، وغيرها، وقد ولع بعضهم بعدّها حتى قاربت العشرين معنى (2).
ومن
أمثلة ذلك:
1 - في الوجوب، قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) [سورة
البقرة: 43].
2 - في الندب قوله تعالى: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً) [سورة
النور: 33].
-3 - في الإرشاد، قوله تعالى: إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّى فاكتُبُوهُ} [سورة البقرة: 282]. 4 - في الإباحة، قوله تعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا [سورة
الأعراف: 31].
-0
في التهديد، قوله تعالى: (اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} [سورة فصلت: 40].
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 64.
-
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 466 الغزالي المستصفي، ج 1، صحفات 417 - 418؛ الدريني، المناهج الأصولية، ص 702.
- E 9 A- (1/504)
صفحة 505
في الإكرام، قوله تعالى: (ادْخُلُوهَا بِسَلامِ آمِنِينَ) [سورة الحجر: 46]. في الدعاء، قوله تعالى: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مؤمناً) [سورة نوح: 28].
في الاعتبار، قوله تعالى: انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ} [سورة
الأنعام: 99].
-
9 - في التعجب، قوله تعالى: أسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا} [سورة
مريم: 38].
والمتفق عليه أن دلالة صيغة "افعل" على أغلب هذه المعاني إنما هو
بالقرينة التي صرفتها عن المعنى الأصلي، الذي هو الطلب. لكن هل هو مطلق الطلب الذي يشمل الوجوب والندب، وحتى
الإباحة؟ أم هو الطلب الجازم الذي يختص بالوجوب؟
فمدار الخلاف بين الأصوليين حول المعنى الحقيقي للأمر)). إذ يقرر الوارجلاني أن الأمر إذا ورد من الله عز وجل اقتضى الوجوب دون الندب (2). وهو مذهب الجمهور من أن الأمر للوجوب حقيقة، ولا يصرف لغيره إلا بقرينة (3).
ونص البرادي أنه قول الإباضية، وفاقا المشارقة والمغاربة)). وذهبت المعتزلة وبعض الفقهاء إلى أن الأمر حقيقة في الندب (.).
(1) - عدد الدكتور محمد حسن هيتو الأقوال في المسألة وبلغ بما أحد عشر قولا، أهمها الثلاثة المذكورة. انظر: الشيرازي، التبصرة هامش ص 26 - 27.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 67.
-
(3) - الشيرازي، التبصرة، ص 26؛ الأسنوي، نهاية السول، ج 1، ص 257؛ د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 241.
(4) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 195 و.
(5) - د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 2، ص 241. (1/505)
صفحة 506
-
واختار الغزالي التوقف، مكتفيا بأن الأمر يدل على اقتضاء الطاعة،
دون تحديده بوجوب أو ندب (1).
وقد استقر الغزالي على هذا الرأي، خلافًا لما صرّح به في "المنخول"
أن الأمر للوجوب (2).
أما أدلة هذه الأقوال، فنوجزها في الآتي:
أدلة الجمهور:
احتج الجمهور بعدة أدلة أوردها أبو يعقوب، وأهمها: - من القرآن:
- قوله تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة النور: 13].
-
وقد ورد الأمر في الآية مطلقا، فدل على أنه للوجوب حقيقة. وقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِن وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضلالاً مبيناً) [سورة الأحزاب: 36].
-
وقوله: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ)) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ
المُكَذِّبِينَ) [سورة المرسلات:48 - 19].
فذكره في معرض الذم دلالة على أن الأمر للوجوب.
-
وقوله عز وجل لإبليس: قالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ
أمرتك) [سورة الأعراف: 12] (3).
فتوبيخ الله إبليس، ولعنه حيث لم يبادر للامتثال كما فعلت
(1)
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 420.
(2) - الغزالي، المنخول، ص 107.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 67. (1/506)
صفحة 507
الملائكة، دليل قاطع على أن الأمر للوجوب.
وابتدار الملائكة للامتثال واعتقاد الوجوب من غير توقف، والأمر مجرد، حيث لم يقل "اسجدوا لآدم إلزاما عليكم، ووجوبا عليكم ().
السنة: - من
- قول رسول الله له البريرة في زوجها مغيث: لو راجعتيه. فقالت: يارسول الله، أبأمرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت: لا حاجة لي به" (). ففرق رسول الله الله بين الشفاعة والأمر، لأن طاعته مندوب
إليها، بخلاف الأمر.
-
- وقوله: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل
صلاة» (3).
ومعلوم أنه ندبهم، فصح أنه لم يأمرهم).
- من العقل
والدليل العقلي على كون الأمر للوجوب أن السيد إذا قال لعبده: اسقني ماء، أو قم، أو اقعد فلم يسقه ولم يقم ولم يقعد، حسن من السيد ومن كل أحد لومه وتوبيخه وعقوبته فهذا دليل على الوجوب. وعارضوا في هذا بقول السيد لعبده البس هذه الخلعة أو البس هذا
التاج، أتراه يكون عاصيا إن لم يلبسها؟ قلنا: هاتان معهما قرينة تدل على غير الأمر، وهو التبجيل والإكرام، وليس هو بموضع للعبد. ولسنا ننكر أن لفظة "افعل" تَرِدُ أمراً، وترد بخلافه، وإنما الكلام
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 195 و.
- (2)
(3)
-
-
سنن النسائي، كتاب آداب القضاة، باب 28، حديث 5432، ج 7 - 8، ص 637.
صحيح البخاري، كتاب الجمعة، باب 8، حديث. ج 2، صه. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 67.
-0.1
- (1/507)
صفحة 508
على ورودها مطلقة فالأصل فيها الأمر، ثم الوجوب (1).
أن
أدلة أهل الندب: وأورد الغزالي حجة القائلين بالندب في معرض الرد عليهم، وهي الندب أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب وهو طلب الفعل، وأن فعله
خير من تركه، وأما ما زاد على ذلك من لزوم العقاب فغير معلوم. وردّ عليهم بأن هذا استدلال وهو مردود في اللغات، وأن قولهم يستقيم لو كان الواجب ندبًا وزيادة ولكن الحقيقة أن الندب يدخله جواز الترك، بخلاف الواجب، فافترقا (2).
أدلة أهل الوقف
وحجة الغزالي في وقوفه أنه لما علمنا استعمال العرب للأمر عن المعاني كثيرة وواقع اللغة يبيّن أن الأمر يدل على اقتضاء الطاعة مطلقا، ولم يوقفنا العرب أهل اللغة على معنى محدد من هذا الاقتضاء، أهو الوجوب أم الندب أم الإباحة؟ فتوقفنا لئلا ننسب إليهم، ولا نتقول عليهم ما لم يصرحوا به (3).
مناقشة وترجيح: ناقش الغزالي القائلين بالندب والقائلين بالوجوب، وقد ذكرنا طَرَفاً من رده على أهل الندب، ثم قال عن الوجوب: «وجميع ما ذكرنا في إبطال مذهب الندب جار ههنا، وزيادة وهو أن الندب داخل تحت حقيقة الأمر كما قدمناه، ولو حمل على الوجوب لكان مجازا في الندب، وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته، إذ حقيقة الأمر ما يكون ممتثله
-
(2)
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 67 - 68. ينظر: الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 426 - 428. (3) - ينظر: الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 420 - 425.
- O.Y- (1/508)
صفحة 509
مطيعا، والممتثل مطيع بفعل الندب).
ولكننا لا نرى ضرورة الربط بين الأمر والندب بهذه الحجة، فإن اشتراك الأمر والندب في طلب الطاعة لا يستلزم بالضرورة اندراج الندب تحت الأمر، إذ عصيان الأمر يقتضي الذم والعقاب، في عرف أهل اللغة، وترك الندب لا يقتضي ذلك اتفاقا. وقد فهمت الأمة من أوامر الشارع وجوب الصلاة وسائر الفرائض، وهو ما يتفق وعرف اللغة.
ولكن أبا حامد يردّ على الاحتجاج بآية أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، بأنها دعوى غير مسلّمة، إذ الوجوب فيها مستفاد من قرائن أخرى
غير مطلق الأمر.
ولم يحدد لنا ما
هي
هذه القرائن، بينما يوضح أبو يعقوب أن الأمر
في الآية ورد مطلقا دونما قرينة خارجة عن مدلول الأمر وكونه صادرا من
أعلى إلى أسفل. واكتفى الغزالي في الردّ على الاستدلال بآيات الأمر بالإيمان والصلاة والعبادات أنها أوامر تخصص بإفادة الوجوب بخصوص تلك المواطن، ويبقى الأمر في ما سواها على أصله من مجرد الطلب، إلا أن تقترن به قرينة تفيد الوجوب (2).
كما ردّ أبو حامد على الاحتجاج بالسنة في حديث بريرة، أن هذا وضع على بريرة أن هذا وضع على بريرة وتوهم، فليس في قولها إلا الاستفهام أنه أمر شرعي من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبًا للثواب، أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه.
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 429. (2) - الغزالي المستصفى، ج 1، ص 430 - 432.
- o.r- (1/509)
صفحة 510
فإن قيل: شفاعة رسول الله أيضا مندوب إلى إجابتها، وفيها Sواب قلنا وكيف قال لا حاجة لي فيه؟ والمسلم يحتاج إلى الثواب فلا يقول ذلك، لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الأمر الصادر عن الله، لا فيما يتعلق بالأغراض الدنيوية. أو علمت أن ذلك
تعالى. وفيما هو
الله
تكلف
في الدرجة دون ما نُدبت إليه؛ فاستفهمت أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب، فعبرت بالأمر عن الوجوب فأفهمت» (1). وواضح من الاحتمالات التي ذكرها الغزالي أنها لا تخلو من في توجيه الدليل فبريرة تفهم أن أوامر الرسول هي أوامر الله، لأمر الله بطاعة رسوله. وأن أوامره كلها واجبة الاتباع، لتحذير الله عن فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أليم [سورة النور: 63]. والأمر وارد في الآية مطلقاً دون تمييز فيما يتعلق منها بحقوق الله، أو ما يختص بالحظوظ الدنيوية.
مخالفته:
ولهذا فإننا نرى ما ذهب إليه الغزالي غير وجيه، وهو ما فعله أيضا في توجيه حديث الأمر بالسواك، إذ قال: «لما كان قد حثهم على السواك ندبا قبل ذلك؛ أفهم أنه أراد بالأمر ما هو شاق أو كان قد أوحي إليه: أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لأوجبنا ذلك عليهم، فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الأمر» (2).
وهذا كذلك تكلف في النفسي لا يستقيم وفطرة الصحابة وسليقتهم من فهم الوجوب من مجرد الأوامر وهو الفهم الذي اعتبره الرسول فامتنع عن إصدار أمره بالسواك عند كل صلاة، خشية إرهاق أمته، وهو عزيز عليه ذلك.
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، صحفات 432 - 433 (2) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 433.
-0.2 - (1/510)
صفحة 511
،وعليه فإن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من أن مطلق الأمر يدل
على الوجوب، حقيقة، ولا يصرف إلى غيره إلا بقرينة.
ج= هل المندوب مأمور به؟
استقر رأي الجمهور على أن الأمر للوجوب حقيقة، وقد يُصرف إلى غيره بقرينة صارفة.
ومن المعاني التي ينصرف إليها الأمر الندب، فيكون المندوب مأمورًا به، لتوجه الخطاب بطلب تحصيله وإن خلا من الذم وترتب العقاب على
ترکه.
هذا رأي أغلب الأصوليين، وبه أخذ الغزالي). ولكن الوارجلاني ينفرد بقول في المسألة مفاده أن المندوب غير مأمور به، وبهذا أخذ الشيرازي من الشافعية، والكرخي من الحنفية (2). وقرر أبو يعقوب أن الأمة قد اجتمعت على أن النوافل كلها طاعة عز وجل، ومندوب إليها وليست واجبة والذي أختاره أنها غير مأمور بها» (3).
الله
وحجته فيما ذهب إليه أن الأمر للوجوب فقط، لما ورد من
الوعيد على المتخلف عن أوامر الله تعالى. وقد خالف شراح "العدل والإنصاف" ما ذهب إليه أبو يعقوب، فرجح الشماخي رأي الجمهور من كون المندوب مأمورا به). وفصل البرادي المسألة بأن مراد الوارجلاني أن الأمر إذا ورد كان
(2)
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 75. الشيرازي، التبصرة، ص 36. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 68. (4) - الشماخي شرح مختصر العدل، ورقة 23 ظ.
-
18.01 (1/511)
صفحة 512
للوجوب مطلقا، فجميع ما قاله فيه الشارع: "أمر" فمعناه أوجب، وألزم، وفرض ويقطع فيه بوجوب العقاب على الترك. وجميع ما أسقط فيه العقاب على الترك، فلا يطلق فيه أمر، وإنما يقال: ندب ودعا، ورغب» (1). وجمهور الإباضية على غير رأي أبي يعقوب، وقد أورد الوارجلاني مقالة الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي، "من قال إن النوافل لم يأمر الله بها، ولا أنها طاعة فهو كافر".
وعلّق على ذلك بأن مراد الشيخ أبي الربيع هو إنكار نفي كون
النوافل طاعة، فمن نفاها من الطاعة كفر. وأما إنكار كونها مأمورا به، فالله أعلم.
وقد اجتمعت الأمة على أن الله تعالى ندب إلى النوافل ودعا إليها، وإنما وقع الخلاف في الأمر (2). والأمر عند الوارجلاني للوجوب، فهو مقرون بالثواب والعقاب، وذلك توقف في إنكار كون النوافل مأمورا بها. والشيخ أبو الربيع لم ينف النوافل من الطاعة، ولم ينف الطاعة من
الأمر.
ولكن الراجح ما ذهب إليه الجمهور من جواز استعمال الأمر في غير الوجوب، إذ كثيرا ما ترد الأوامر ويراد بها الندب، أو غيره من المعاني التي يستعمل فيها الأمر؛ وفق القرائن وسياق النصوص.
وإن اعتبرنا الأمر في هذه الاستعمالات مجازيا؛ فهو في الندب أقرب
إلى الحقيقة لكثرة ورودها فيه.
(1) - البرادي، البحث الصادق، ج 1، ورقة 197 و. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 69.
-0.7 - (1/512)
صفحة 513
فيكون المندوب مأمورا به من حيث إنه طاعة وعبادة وإيمان، وقربة.
وهذه كلها مأمور بها بإجماع الأمة.
د= هل الأمر المجرد يفيد التكرار؟
إذا ورد الأمر مجردًا، فهل يفيد تكرار المأمور به؟
يرى الوارجلاني أنه لا يقتضي التكرار، خلافا لمن قال يقتضيه من الشافعية، ولمن قال بالتوقف من الأشعرية، لأن المأمور قد امتثل ما أمر به، وخرج من عهدة الأمر بذلك).
وإذا كان النهي يقتضي استدامة الترك، فإن الأمر عكس النهي يدل
على مطلق الطلب وتحصيل ماهية المأمور. و لم يصرح أبو يعقوب هل يدل الأمر بعد هذا على المرة الواحدة أم
لا؟
ويرى الغزالي أن الأمر بصيغته لا يفيد مرة ولا تكرارا، والمرة الواحدة، معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه، واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ولا على إثباتها وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ كتردده بين الوجوب والندب (2).
ولكن أبا حامد استدرك على هذا التفسير بأن تردد الأمر بين المرة والتكرار ليس كتردد اللفظ المشترك بين معانيه بل إن «اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به لكنه يحتمل الإتمام ببيان الكمية، كما أنه يحتمل أن نتممه بسبع مرات أو خمس وليس في نفس اللغة تعرض للعدد، ولا
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 95.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 2.
- O.Y- (1/513)
صفحة 514
اللفظ المشترك» (1).
هو موضوع لآحاد الأعداد، ووضع والذي يبدو أقرب إلى منطق اللغة أن الأمر بحد ذاته لا يدل على
التكرار إلا بقرينة، ودلالته على المرة لازم عن حصول ماهيته. فقولك: اركع أو اقتل يدل بالضرورة على الركوع مرة والقتل مرة. فتبرأ الذمة بالفعل مرة واحدة لأن وجوبها معلوم، وأما الزيادة فلا دليل عليها، إذ لم يتضمنها لفظ الأمر المجرد.
فخلص الخلاف إلى، وفاق وأن التوقف غير حقيقي.
والنتيجة العملية أن الأمر المجرد عن القرائن يفيد مطلق الطلب،
وحصول المرة ضروري للامتثال وما زاد على ذلك فهو بحاجة إلى دليل، وهو قول الجمهور. ومن الناحية العملية يلتقي القائلون بأن الأمر لمطلق الطلب، والقائلون بأنه للمرة الواحدة، إذ النتيجة في النهاية واحدة. أما القول بأن الأمر المجرد للتكرار (2). فهو مرجوح
اللغة.
لمخالفته واقع
وقد احتج أصحابه بسؤال الأقرع بن حابس النبيء لما أمرهم بالحج، فقال: «أفي كل عام يارسول الله؟» (3). فقد فهم الأقرع التكرار من الأمر، وهو من أهل اللسان، فكان فهمه حجة.
وردّ عليهم بأن غضب النبي وإنكاره قاطع في بطلان ما ذهبتم إليه،
وأن الأمر المجرد ليس للتكرار).
-
ويتفرع عن هذه المسألة ما إذا ورد الأمر معلقا بشرط أو صفة،
(1) - الغزالي المستصفى، ج 2، ص 2.
(2)
(3)
-
-
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص 284.
سنن النسائي، كتاب المناسك، باب 1، حديث 2619، ج 5 - 6، ص 117. (4) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 96.
10.^1 (1/514)
صفحة 515
كقولك: اخرج إن طلعت الشمس، أو سافر مع الرجل الأمين. فهل يقتضي هذا التعليق تكرارا؟
اختلف العلماء بين قائل بالتكرار وقائل بعدمه.
واتفق الوارجلاني (1) والغزالي (2) أن الراجح عدم اقتضاءه التكرار وإنما الشرط والصفة بيان لظروف الفعل، فقولك: اضرب زيدا إن كان قائما. لا يعني إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الإطلاق بحالة القيام.
ولو قال الزوج لوكيله طلق زوجتي إن دخلت الدار. لم يتكرر الطلاق بتكرار الدخول وأما إن قال كلّما دخلت الدار فطلقها، وكلّما طلعت الشمس فصل، فيُحمل على التكرار لدلالة لفظ "كلّما" عليه، لا لمطلق الشرط.
وتكرار أحكام الشارع مع شروطها مستفاد من تعبد الشارع لنا
بالقياس، واتباع العلل، لا من ذوات الشروط. فتكرارها ثابت بدليل شرعي، لا بمجرد اللغة.
والخلاف في مطلق دلالة الشرط في اللغة على التكرار أو عدمه. فالحنفية قالوا: إنه يقتضي التكرار مطلقا.
وذهب آخرون إلى أنه لا يقتضي التكرار مطلقا.
ورأي الوارجلاني و الغزالي أنه لا يقتضي التكرار إلا إذا أفاد الشرط أو الصفة العلية، التي عليها مدار الأحكام. فإنه حينئذ يدور معها وجودًا
وعدمًا، فيقتضي التكرار.
وهذا رأي الجمهور (3). وهو المختار.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 98.
1
(2)
-
(3)
الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات 7 - 8
د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، صحفات 335 فما بعد.
-0.9 -
- (1/515)
صفحة 516
هـ= هل الأمر المجرد للفور أم التراخي؟
إذا ورد الأمر مجردا عن القرائن التي تحدد زمان فعله، فهل يفيد
بمجرد صيغته طلب الفور في الامتثال أم التراخي؟
اختلف الأصوليون هنا فبعضهم قال: إن الأمر للفور، وبعض قال: هو للتراخي، وتوقف آخرون (1). وقال أبو يعقوب التراخي أصح لأنه كما يصح فعل المأمور به في كل الأمكنة، فكذلك الأزمنة، ولا يتعين زمان ولا مكان إلا ببيان (2). فيكون مدعي الفور متحكما بلا دليل نقليّ عن أهل اللسان. واختار الغزالي أن مطلق الأمر لا يقتضي إلا الامتثال، ويستوي في ذلك البدار والتأخير (3).
ويشهد لعدم الفور ورود الواجب الموسع. أما القول بأن المأمور لو أخر فمات قبل الامتثال كان عاصيا
فجوابه أنه يجوز له التأخير ما لم يغلب على ظنه الموت. وحكى الوارجلاني عن أبي حنيفة القول بجواز التأخير إلى الموت،
وإن حضره الموت فلا فرض في حقه، ولا إثم يلحقه. واختار أبو يعقوب موقفا وسطا بين الفور والتراخي المطلق، وهو أن الأمر المطلق في أصله على التراخي، وهو الأليق برأفة الله، فإن حضر المكلف الموتُ فالوصية تنوب عن والخلاف في المسألة منحصر في الواجب غير المؤقت، مثل الحج، هل
المعصية (1).
(1) - الغزالي، المنخول، صحفات 111 - 112. (2) - الوار جلاني العدل والإنصاف، ج 1، ص 100. الوارجلاني، (3) - الغزالي المستصفى، ج 2، ص 9. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 100.
-01. (1/516)
صفحة 517
هو واجب على الفور أم التراخي؟
أما الواجب المؤقت فإن الوقت فيه شرط لصحة فعل المأمور، وهو على الفور في الواجب المضيق، ولا تراخي فيه، أما الموسع فالمكلف في من أمره ما دام داخل الوقت، وهو ما أوضحناه في محله من أنواع
سعة
الواجب (1).
و = دلالة الأمر الوارد بعد الحظر
-
يرى الوارجلاني أن الأمر الوارد بعد الحظر إذا جاء عاريا عن القرائن فإنه يفيد الإباحة؟ لأنه الأليق بالشريعة لانبنائها على التيسير، ولأن أغلب الأوامر الواردة بعد الحظر للإباحة (؟). كقوله تعالى: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [سورة المائدة:2]. وقوله: (فَإِذَا قُضِيَت الصَّلاةُ فَانْتَشرُوا الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ} [سورة الجمعة:10]. وقوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} [سورة البقرة: 222]. وقول رسول الله:
فأْتُوهُنَّ
مين «ألا فادخروا» (3).
-
ويرى ابن حزم وعامة متأخري الحنفية حمل هذا الأمر على الوجوب، فيدل على مقتضاه دون اعتبار للنهي السابق عليه). واختار الغزالي التفصيل:
-
فإن كان الحظر السابق عارضا، وعلقت صيغة افعل بزواله فعرف الاستعمال أنه رفع للذم فقط، فيرجع حكمه إلى ما قبله، كقوله تعالى:
(1) - ينظر: الواجب الموسع والواجب المضيق في مباحث الحكم الشرعي من هذا الكتاب. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 69.
(3)
مسند أحمد،
ج 6، ص 51.
(4) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 435؛ د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2، ص
-011 - (1/517)
صفحة 518
وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا، لأن الصيغة فيه تقتضي زوال سبب الحظر لا غير، وحينئذ يرجع الحكم إلى ما كان عليه لأن الحظر لم يكن ناسخا للحكم السابق وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب أو إباحة، لكن الأغلب ما ذكرناه. أما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة ولم تعلق صيغة "افعل" بزوالها
فيبقى موجب الصيغة على التردد بين الندب والإباحة). والراجح أن الأمر بعد الحظر يدل على الحكم السابق قبل الحظر، إباحة أو ندبا أو إيجاباً، فالحظر كان على الحكم السابق، ثم ارتفع بالأمر الجديد وعاد الحكم إلى ما كان قبل ورود الحظر، والسلب والإيجاب في
الحساب يرجع
بالعملية إلى نقطة البداية.
المطلب الثاني: النهي
أ= حقيقة النهي:
أوجز الوارجلاني حديثه عن النهي ومسائله بقوله: «اعلم أن جل
أحكام النهي مندرجة في أحكام الأمر» (2).
وذلك للتقابل الموجود بينهما.
وقد تناول الأصوليون مسائل صيغ النهي ودلالته، وفيها اختلفوا كاختلافهم في مقابلها من مسائل الأمر.
(1) - الغزالي المستصفى، ج 1، ص 435. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 117.
-011 - (1/518)
صفحة 519
تعريف النهي:
عرف الوارجلاني النهي بأنه القول المقتضي ترك الكسب).
صيغة النهي: وأكد أبو يعقوب أن للنهي صيغة هي "لا تفعل"، خلافا للأشعرية الذين ينكرون صيغة الأمر والنهي اعتمادا على الكلام النفسي الذي هو أمر ونهي ووعد ووعيد وخبر واستخبار .. (2).
دلالة النهي:
أما دلالة النهي فهي للتحريم في الحقيقة (3).
وقد يرد النهي للتنزيه والدعاء والتسلية والموعظة، وغيرها.
ولكن «هذه المحتملات كلها تحتاج إلى القرائن، ولو قلنا إن مطلق النهي يحتاج إلى قرينة لكان خطاب المالك القاهر للعبد الذليل دليلا على أعظم قرينة، كيف والظاهر عند العرب أن نفس الصيغة دلالة على الأمر والنهي، ولولا ذلك لبطلت المعاني واختل البيان).
والنهي يقتضي الفور والاستمرار بخلاف الأمر (ه). لأن مقتضى النهي دوام الترك، ولو فعل المكلف ما نُهي عنه مرة واحدة كان عاصيا مستحقا للعقاب على فعله، فدل على أن الاستمرار أو تكرار الكف ضروري لتحقق معنى النهي. ولم يخالف في هذا إلا قلة ذهبوا إلى أن النهي يدل على مطلق الكف، من غير دلالة على الدوام أو المرة، كما قالوا في الأمر، وهو قول
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 118 (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 118. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 118. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 111. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 95.
-
- or- (1/519)
صفحة 520
ضعيف.
ونقل عن ابن برهان أن الأول محل إجماع).
ودلالة النهي المطلق على التحريم هو ما يجب أن يكون الأساس في فهم ما ورد من مناهي الكتاب والسنة لاستنباط الأحكام. ذلك لأن النهي المجرد موضوع لغةً للدلالة على طلب الترك على وجه الحتم، والإلزام وجاءت النصوص الشرعية موافقة لاستعمال اللغة العربية، كما تواترت هذه النصوص فوق دلالتها اللغوية بذكر ترتيب العقاب والذم والتوبيخ على فعل المناهي، مما أوج دلالة شرعية مع الدلالة اللغوية، على كون النهي المجرد للتحريم.
فلا يصرف عنه إلا بقرينة تصرفه إلى الكراهة أو التنزيه. ويقع النهي بصيغ كثيرة منها "لا تفعل"، وبالتحريم، وبالذم، وباللعن، وبالتبري. فالتحريم كقوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [سورة المائدة:3].
وقوله (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... [سورة النساء:23]. واللعن كقوله تعالى: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ
دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَريم} [سورة المائدة: 78].
وجميع
اللعن الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إنما يحمل على وجه
التحريم والزجر (2).
- (1)
-
ب= أثر النهي في المنهي عنه
يفرق الأصوليون في الحديث عن أثر النهي في المنهي عنه بين ورود
د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 2، ص 382. (2) - الوار جلاني العدل والإنصاف، ج 1، ص 127.
-018 (1/520)
صفحة 521
النهى في التصرفات الحسية، ووروده على التصرفات الشرعية. أما التصرفات الحسية المنهي عنها، فهي مثل السرقة والزنا والكذب، وسائر المحرمات المعروفة عند الناس ولا يتوقف فهم مدلولها على اصطلاح الشارع، فإنه لا أثر للنهي فيها إلا بحصول الإثم واستحقاق مرتكبها للعقاب. بينما يختلف الأمر بالنسبة للتصرفات الشرعية التي حدد الشارع
حقائقها، مثل العبادات والمعاملات كالبيوع والأنكحة وغيرها. فإذا ورد النهي متعلقا بها، فهل يؤثر ذلك في حصولها ويترتب على فعلها آثارها الشرعية أم لا؟
للأصوليين في هذه المسألة أقوال ثلاثة:
-
1 فبعضهم يرى أنه لا أثر للنهي مطلقا في المنهي عنه، أي أن ارتكاب المنهي عنه لا يعدم الآثار الشرعية للفعل. ومثاله البيع وقت النداء للجمعة، فهو منهي عنه بقوله تعالى: (إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعِ} [سورة الجمعة: 9]. ولكن لو عقد اثنان بيعًا وقت النداء كان آثمين، وكان العقد صحيحا يترتب عليه انتقال ملكية المبيع للمشتري واستحقاق البائع
للثمن.
وقال الغزالي: والمختار أنه [النهي] لا يقتضي الفساد» لعدم ورود تصريح من الشارع بذلك. وفعل المحرم يقتضي التعرض لعقاب الآخرة، دون تخلف الثمرات والأحكام).
2 - ويرى آخرون أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه، لأن الشارع بين بالنهي أنه لا يريد وقوع ذلك الفعل، ولا يعتد به إن وقع، فإذا تم
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 25.
-010 - (1/521)
صفحة 522
كان ملغى في نظر الشارع، لأنه كان على غير الوجه الذي طلبه أو
أباحه.
فالبيع الذي أحلّه الشارع هو ما كان في غير وقت النداء للجمعة، فإذا تم البيع في هذا الوقت كان هو وعدمه في نظر الشرع سواء، فلا تترتب عنه آثاره الشرعية.
وهذا هو رأي الظاهرية والحنابلة).
ونص البرادي أن أكثر الإباضية على أن النهي يدل على فساد المنهي عنه، في أكثر ما وقع النهي عنه في الكتاب والسنة، وفرعوا على هذا الأصل في أكثر الصور؛ خصوصا في الفروج. وجعلوا أكثر ما وقع ذلك منهيًّا عنه محرَّما على التأبيد، فاستقر ذلك في أبواب النكاح وما يتعلق به من الأحكام، وكذلك الطلاق، وأحكام الفرق الزوجية، وكذلك في الصلاة والصيام، فأكثر ما وقع منهيا عنه يأمرون فيه بالإعادة» (2).
من
واختار الجمهور في المسألة التفصيل.
ويظهر أن الوارجلاني في صف الجمهور، لأنه ذكر أن النهي قد يقتضي الفساد في بعض المواطن دون بعض (3). ولكن دون أن يحدد لنا طبيعة هذه المواطن مثلما فعل الجمهور في التفصيل الآتي:
-
فإذا كان النهي متجها إلى أصل المنهي عنه وإلى حقيقته اقتضى بطلانه وذلك كالزواج بالمحارم الذي ورد النهي عنه لذاته، في قوله تعالى: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ... ) [سورة النساء:23]. وكالنهي
(1) - الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، ج 2، صحفات 275 - 276. (2) - البرادي، البحث الصادق، ج 2، ورقات 243 و 243 ظ.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 119
1019 - (1/522)
صفحة 523
عن بيع الميتة الوارد في حديث إن الله حرّم بيع الخمر والميتة والخن
والأصنام» (1).
فالنهي هنا متجه إلى ذات المنهي عنه، فإذا أتى عنه، فإذا أتى به المكلف وقع باطلا، سواء كان في العبادات أم في المعاملات.
وذلك كان صنيع الصحابة في استدلالاتهم على بطلان الأفعال والعقود التي نهى الشارع عنها. كاستدلال ابن عمر على بطلان نكاح المشركات بقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَ) [سورة
البقرة: 221] (2).
-
وإن كان النهي متجها إلى وصف لازم للمنهي عنه، فإن الجمهور كذلك على أنه يقتضي بطلانه.
ومثاله النهي عن الربا، بسبب الزيادة على رأس المال فيه، وهو وصف لصيق لا ينفك عنه الربا، وإلا لم يكن ربا أصلا.
ومثاله أيضا البيع بشرط فاسد. ويرى الحنفية خلافا للجمهور أن هذا النهي لا يُبطل المنهي. عنه، بل يبقى الأصل صحيحا، والوصف باطلا، ويحكموه على المنهي عنه بالفساد، وهو مرتبة بين الصحة والبطلان فإن رُدَّت الزيادة في الربا لأصحابها، صح العقد، وإن أُلغي الشرط الفاسد في البيع صح البيع
كذلك. بينما لا يرى الجمهور فرقا بين البطلان والفساد (). وإن كان النهي لوصف مجاور للمنهي عنه، فالجمهور هنا على أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه خلافا لأهل الظاهر والحنابلة الذين
(1) - أخرجه أحمد، وأصحاب الكتب الستة.
-
(3)
د. محمد أديب صالح تفسير النصوص، ج 2، ص 394.
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 80؛ د. محمد أديب صالح، تفسير النصوص، ج 2 ص
-011 -
1030 (1/523)
صفحة 524
يرون النهى مطلقا مفسدا للمنهي - ولا يعتدون بهذه التفاصيل. ويمثل الأصوليون غالبًا لهذه الصورة بالصلاة في الأرض المغصوبة، فالصلاة بأصلها مأمور بها مثاب على فعلها شرعا، والغصب بمفرده عنه معاقب على فعله شرعا واجتماع الصلاة والغصب أمر لم ينص الشاعر عليه بذاته.
منهي
فلو قال: لا تصلوا في الأرض المغصوبة لارتفع الإشكال، ولحكمنا ببطلان هذه الصلاة لفقدانها شرطا من شروط صحتها، وهو كونها في أرض غير مغصوبة، ولكن لما يرد نص بهذا، فقد اختلف العلماء في المسألة، فذهب بعضهم إلى عدم إجزائها، إذ يؤدّي القول بصحتها إلى
أن تكون العين الواحدة من الأفعال حرامًا وواجبا وهو متناقض» (1). وفعل المصلّي أكوان حاصلة في الأرض المغصوبة، وهو معاقب عليها، ومنهي عنها. فكيف يثاب على ما يعاقب به، ويكون مطيعا بما هو عاص به؟ (2).
بينما رجّح الجمهور ومعهم الوارجلاني والغزالي صحة هذه الصلاة في الأرض المغصوبة، فالصلاة هنا، أجزأته، ولا يعاقب عليها، بل على غصب الدار والانتفاع بها ... وقد مضى الصحابة ولم يحكموا ببطلانها، على كثرة الجورة والغاصبين يومها، ولم يختلفوا فيها حتى نبغ التنطع من بعض المتحذلقين، وهي عندهم [الصحابة] إلى الإجماع أقرب» (3). أما إشكالية التناقض فقد حلّها الغزالي ببراعته قائلا: «الفعل وإن كان واحدا في نفسه، فإذا كان له وجهان متغايران يجوز أن يكون مطلوبا
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 77.
(2) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 77.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، صحفات 114 - 115.
-011 - (1/524)
صفحة 525
من أحد الوجهين مكروها من الوجه الآخر، وإنما المحال أن يطلب من الوجه الذي يُكره بعينه، وفعله من حيث إنه صلاة مطلوب، ومن حيث إنه غصب مكروه، والغصب معقول دون الصلاة والصلاة معقولة دون الغصب، وقد اجتمع الوجهان في فعل واحد» ().
وجزم أبو حامد أن المسألة قطعية لا اجتهادية، لثبوت صحة هذه الصلاة بالإجماع، وهو سابق لقول الحنابلة فإنه لم يبلغنا أمر العلماء للظالمين بقضاء صلواتهم في الأرض المغصوبة، ولو وقع لاشتهر (2). ويطرد في هذا الباب مسائل كثيرة، كالصلاة بثوب مغصوب،
والوضوء بماء مغصوب، والذبح بسكين مغصوبة، وغيرها. بل يتجاوز الوارجلاني فيقول: «وهو من الأمور المعفو عنها لهذه الأمة، وكثير من الأمور المنهي عنها أجزناها، وأبطلنا بها كثيرا من الأمور الصالحات، كطلاق البدعة والحج بالمال الحرام، وإخراج الزكاة من المال الحرام، وهذا كله إن تاب وراجع وأدّى، واصلح أن ليس عليه إعادة» (2). ونميل في الترجيح إلى هذا التفصيل لتماشيه مع روح الشريعة التي
تراعي التيسير، ولعدم ورود دليل شرعي يلزم ببطلان كل منهي عنه، فإن كان النهي لذات الشيء أو وصفه الملازم ترتب عنه البطلان، وإن كان لوصف مجاور يمكن انفكاكه عن المنهي عنه يسرنا على الناس، ولم نرهقهم بإبطال تصرفاتهم بسبب ما شابها من صفات منهي عنها، وندعوهم إلى إزالة ما ارتكبوا، والتوبة عما اقترفوا، وليس لنا بعد عليهم من سبيل. كيف وهو ما لم يفعله سلف الأمة إذ كاد ينعقد إجماعهم على
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 77.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 79.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 119.
-019 - (1/525)
صفحة 526
إمضاء مثل هذه التصرفات، والعقود وإن كان أصحابها آثمين.
-520 (1/526)
صفحة 527
الفصل الرابع
تعارض الأدلة والاجتهاد
-521 - (1/527)
صفحة 528
تمهيد: حقيقة التعارض بين الأدلة ووجوده
يقصد بالتعارض بين الأدلة الشرعية تناقضها وتدافعها، وذلك بأن يقتضي دليل شرعي حكما معينا في مسألة معينة، ويقتضي دليل آخر حكما آخر مغايرا في المسألة نفسها.
وهذا التعارض غير موجود في حقيقة الأمر، ولا يمكن وجوده، لأن وحدة المصدر التشريعي، وكون المشرع هو الله العليم الحكيم يستلزم اتساق الأدلة وانسجامها، وهو ما يفيده قوله تعالى: أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً [سورة النساء:82]. وأدلة الشرع نصبت لإفادة الأحكام ومطالبة المكلفين بالعمل بمقتضاها، وتنظيم شؤون حياتهم الخاصة والعامة وفق نصوص الشريعة وقواعدها.
ووقوع التعارض يحول دون تحقيق هذه الغاية الأساسية من التشريع، إذ يؤدي إلى التناقض والتجهيل، وإيهام المقصود وفوات شرط التكليف، وهو ما لا يجوز في الشريعة الإسلامية، أكمل الشرائع وأحسنها وأصلحها للبشرية قاطبة (1).
وإذا ما رأينا بين نصوص الكتاب والسنَّة تعارضا، فهو أمر ظاهري يعود إلى قصورنا في الفهم وعدم إحاطتنا بأدلة المسألة، دلالة تلك ووجوه النصوص على معانيها، إذ إن النصوص غير متساوية في قوة دلالتها وفي شمولها، وهي أيضا لم ترد دفعة واحدة، فقد تتابع نزول القرآن وورود السنة طيلة فترة الوحي، التي امتدت ثلاثا وعشرين سنة، كانت أحكام التشريع تتوالى في هذه السنين حسب ما تقتضيه حكمة المشرع ومصلحة
-
(1) - زيدان الوجيز في أصول الفقه، ص 344.
-5220
- (1/528)
صفحة 529
المكلفين. وكثير من الأحكام روعي فيها التدرج في التشريع قبل نزول الحكم النهائي فيها. وهو ما يبدو جليا في تحريم الخمر والربا. فكان بعض النصوص ناسخا لبعض، وليس في هذا تعارض ولا تناقض.
والناظر في نصوص الشارع قد يجد بينها تعارضا في بادئ الأمر، ولكنه بعد التأمل يدرك أنه لا يعدو التعارض الظاهري، الذي يمكن إزالته بطرق الجمع والترجيح بين الأدلة حسب قوتها وطرق دلالتها، أو بمعرفة الناسخ من المنسوخ منها.
وهذا كله يندرج في إطار عمل المجتهد، وهو ما يدعو إلى بسط القول في معنى الاجتهاد وحقيقته وشروط المجتهد، ومجال الاجتهاد. لذا رأينا عرض محاور هذا الفصل في مباحث ثلاثة:
بالمراد.
الأول: في قواعد الترجيح.
والثاني: في النسخ ومسائله.
والثالث: في الاجتهاد.
محاولين استجلاء رأي الوارجلاني في هذه القضايا بما نحسبه وافيا
-523 - (1/529)
صفحة 530
مفهوم الترجيح:
المبحث الأول
قواعد الترجيح
الترجيح في الاصطلاح تقوية أحد الدليلين المتعارضين (1). وأغلب مسائل الترجيح مندرجة في الفصول السابقة المتعلقة بأدلة الأحكام واستنباط الأحكام. ذلك أن الترتيب بين الأدلة يقتضي ترجيح الأقوى على الأدنى عند التعارض بين النصوص. فإذا تعارض نص قرآني مع حديث نبوي، ولم يمكن الجمع بينهما بوجوه الجمع قدمنا القرآن على السنة، لأنه قطعي الثبوت متواتر لفظا
ومعنى
ويقدم الخبر المتواتر على المشهور، والمشهور على الآحاد. وذلك دائما عند عدم إمكانية الجمع، وعدم معرفة الناسخ من
المنسوخ، لأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وفي هذا يقول أبو يعقوب: «فإن نظر في التاريخ كان الآخر ناسخا للأول، وإن لم يُعلم التاريخ التمسنا الدليل في غيرهما، فإن قدرنا على
استعمالهما جميعا وأن نجعل لكل منهما حظا في الاستعمال فعلناه» (2). وطريقة الجمع بين الدليلين عند استوائهما في قوة الثبوت تكون بمراعاة درجاتهما في الوضوح والخفاء، أو في طرق دلالاتهما، أو عمومهما
(1) - الأمين الشنقيطي مذكرة أصول الفقه الدار السلفية الجزائر، 1990، ص 317. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 177؛ ينظر أيضا الغزالي، المستصفى، ج 2،
صحفات 142 - 146.
-524 - (1/530)
صفحة 531
وخصوصهما.
وقد صرّح أبو يعقوب أنه إذا وقع التعارض في الأمور الشرعية
فيراعي هناك التخصيص أو النسخ أو البيان.
وإن كان أحد العمومين متيقنا والآخر مظنونا استعملنا المتيقن، وإن
استويا طلبنا الترجيح بمختلف الطرق).
ويكون الترجيح بتقديم النص على الظاهر، والظاهر على المؤول، إلا
إن رجحت القرينة المؤول على الظاهر.
كما يقدم المنطوق على المفهوم، والمفهوم الأولوي على المساوي،
وعلى الأدنى.
ويقدم الخاص على العام، والمقيد على المطلق.
وذلك بالشروط التي تم بيانها في مباحث هذه المصطلحات (2). وإذا تعارض النص مع العقل، فللعقل دوره في الترجيح كذلك، وهو ما يبينه أبو يعقوب بقوله: «فإذا تعارض عمومان أحدهما يخصه العقل والآخر يطلقه، فليس هناك تعارض، مثل قوله تعالى: إن الله بكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [سورة الأنفال:75]. وقوله: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} [سورة محمد: 31].
فإن كان المعنى حتى نعلم ذلك كائنا موجودا، فالتأويل صحيح. وهذا المعلوم إلى غاية الوجود بحالة الوجود، معلوم قبل وجود الوجود، فلا تعارض بينهما، وأما ترك هذا على ظاهره مع إحالة العقل له، فلا» (3). ويؤكد الغزالي هذا بأن كل ما دلّ العقل فيه على أحد الجانبين
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 178. (2) - ينظر الفصل الثاني والثالث من هذا الباب وكذا الغزالي المستصفى، ج 2، صحفات
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 177.
-525 - (1/531)
صفحة 532
فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكادبها. فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترا فيُعلم أنه غير
صحيح، وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا، ولا يكون متعارضا. وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل، وهو على خلاف دليل
العقل، فذلك محال، لأن دليل العقل لا يقبل النسخ والبطلان» (1). وإذا تعارضت الحقيقة والمجاز قدمت الحقيقة، كوله تعالى: خالق كُلِّ شَيْء [سورة الأنعام: 102]. وقوله: (وَتَخْلُقُونَ إفكا) [سورة العنكبوت:17]. وقوله: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) [سورة المائدة:110]. فليس بين هذه الآيات تعارض، فأصل الخلق الله تعالى، ونسبة الخلق إلى غيره مجاز، بدليل قوله: هَلْ مِنْ خَالقِ غَيْرُ الله} [سورة فاطر:3] (2). ويقول أبو يعقوب: «والظاهر والعام وأخبار الآحاد طرق مستعملة في الترجيح، فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأصل» (3). وذهب الغزالي إلى أن العموم يقوى ويضعف، وكذلك القياس،
هي
فيترجح القوي على الضعيف عند التقابل بحسب نظر المجتهد. والمسألة اجتهادية لا يقطع فيها بخطا الرأي المخالف). وهذا ما يوافق سماحة الشريعة وعمل الصحابة عند اختلافهم في
مسائل الاجتهاد.
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 137. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 178 (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 63. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 136.
-526 - (1/532)
صفحة 533
المبحث الثاني
النسخ
المطلب الأول: مفهوم النسخ، وشروطه، وإثباته
من أهم قواعد إزالة التعارض بين النصوص الشرعية معرفة الناسخ
والمنسوخ. وقد حظي النسخ بمباحث ضافية في كتب الأصول، تركزت حول تحديد ماهية النسخ وثبوته والرد على منكريه، وبيان مجالاته وأنواعه، وأهميته في عملية الاجتهاد بصفة عامة.
و لم يختلف أبو يعقوب في تناوله لقضايا النسخ عما جرى عليه سائر
الأصوليين.
أ= مفهوم النسخ: - النسخ في اللغة:
يرد النسخ في اللغة على ثلاثة أوجه
الأول: الإزالة، وهو من قول العرب: نسخت الشمس الظل،
ومعناها زوال المنسوخ بثبوت الناسخ، كما يزول الظل وتبقى الشمس
وتخلفه مكانه بدلاً منه.
الثاني: الإبطال، وهو أن يبطلا جميعا، كما تقول العرب: نسخت
الريح الأثر، ونسخ المطر الأثر، أي ذهبا جميعا.
- OTY - (1/533)
صفحة 534
الثالث: النقل: وهو نسخ الكتاب من الكتاب).
وعرف الغزالي النسخ لغة بأنه الرفع والإزالة، وقد يطلق على نسخ
الكتاب، فهو مشترك (2).
- النسخ في الاصطلاح
أما النسخ في اصطلاح الأصوليين فقد عرّفه أبو يعقوب بأنه «إزالة
حكم ثابت بشرع متقدم بشرع متأخر عنه، لولاه لكان ثابتا» (3). وعرفه الغزالي بأنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت
بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا، مع تراخيه عنه» (4). ويكاد يكون التعريفان متطابقين، إلا أن الوارجلاني اتجه بتعريفه إلى عملية النسخ ذاتها، وهي الإزالة، بينما يفيد تعريف الغزالي أنه متجه إلى الناسخ، وهو الخطاب الذي يفيد وقوع النسخ.
والخلاف هين ما دامت النتيجة واحدة.
ب= شروط النسخ:
من تعريفي الوارجلاني والغزالي للنسخ يمكننا استنباط بعض شروط
النسخ، وهي:
أولا: أن النسخ لا يكون إلا بدليل شرعي، ولا يقع إلا على حكم
شرعي ثابت بدليله.
(2)
-
ثانيا: أن الحكم السابق يجب أن يفيد الدوام، حتى يعتبر ورود
الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 218
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 107.
وانظر معاني النسخ لغة: ابن منظور، لسان العب مادة نسخ، ج 3، ص 624.
-
(3)
الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 218.
(4) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 107.
- OYA- (1/534)
صفحة 535
الحكم اللاحق نسخا له، أما إن كان الحكم السابق محددًا بفترة زمنية، فلا
يعد انتهاء مدته نسخا له.
ثالثا: أن النسخ هو إزالة للحكم السابقة كلية، أما تخصيص بعض أفراده بحكم منفرد فإنه لا يعد نسخا لذلك الحكم.
والفرق واضح بين النسخ والتخصيص، فالتخصيص بيان مخصص لم يتناوله الخطاب، ولم يكن مرادا للشارع ابتداء، ويبقى الخطاب ساريا فيما عدا ذلك الجزء المخصوص بينما يتجه النسخ إلى إزالة الحكم الذي ثبت من قبل الشارع من قبل، وإحلال الحكم الجديد محله.
وإذا ثبت عموم الأزمان والأعيان بخطاب، ثم نسخ بعض تلك
الأعيان أو الأزمان كان ذلك تخصيصا لا نسخا). رابعا: يشترط أيضا أن يكون الناسخ متراخيا عن زمان المنسوخ (2).
ج= إثبات النسخ على منكريه:
احتج المنكرون لوقوع النسخ بأنه بداء على الله تعالى، وهو محال في
حقه سبحانه.
وبهذا قالت اليهود، وعبيد بن عمير الليثي من التابعين (3). وآخرون. وفسر منكرو النسخ من المسلمين قوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ ويُثبت [سورة الرعد: 39]. بأنه المقصود من قوله: (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [سورة الجاثية: 29]. فالنسخ عندهم كنسخ الكتاب، وهو شأن
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 223. الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 223.
-
(2)
(3)
النبي
هو عبيد بن عمير بن قتادة بن سعد بن عامر الليثي، قاص أهل مكة، ولد على عهد
، وهو معدود في كبار التابعين.
ابن الأثير، أسد الغابة، ج 3، ص 353.
-529 - (1/535)
صفحة 536
الملائكة في تسجيل عمل ابن آدم فيثبت الله ما يشاء منه ويمحو ما يشاء،
مما ليس في الكتاب المحفوظ).
ومن الناس من أثبت النسخ، وهم الرافضة، ولكن اعتبروه بداء
وجهلا من
الله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. و لم يبسط أبو يعقوب القول في الردّ على الفئتين. بل قال عن الأولى إن الانتساخ الذي ذهبوا إليه غير منكور، وهو نسخ أعمال العباد من قبل الملائكة، ولكننا اختلفنا معهم في النسخ الاصطلاحي المذكور. أما الفئة الثانية فاعتبر قولتهم بأن النسخ بداء وجهل شركا وكفرًا بالله). ذلك أن البداء هو الظهور والانكشاف بعد الخفاء، وهو أمر لا يجري على الله، إذ هو نقص وجهل، والله تعالى عليم بما يصلح عباده في كل حال، ولا يجوز أن يعد تشريعه النسخ بدءا منه، تعالى الله علوا كبيرا. وهو العليم الحكيم، وعلمه محيط بكل شيء، فهو يعلم استلزام الأمر بالفعل في وقت معين للمصلحة، واستلزام النهي عنه للمصلحة في وقت آخر، إذ المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فلا يمتنع النسخ فيها عقلاء).
عن
ذلك
كما أن الشرع قد وردت فيه آيات صريح تفيد النسخ. منها قوله تعالى: مَا نَنْسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مثلها) (سورة البقرة: 101]. وأضاف الغزالي دليلا آخر زيادة على ما استفاض إيراده من الكثيرة التي تفيد وقوع النسخ في شريعة الإسلام، وفي الشرائع السابقة،
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 220.
(2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 220.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 218 - 219.
الأدلة
- or. (1/536)
صفحة 537
وكان ما أضافه دليلا قويًا يتمثل في حصول الإجماع على وقوعه، وسبق الإجماع حدوث بدعة المنكرين للنسخ فهم محجوجون به، وحجتهم
داحضة بعد ثبوت الإجماع).
المطلب الثاني: مجال النسخ:
اتفق القائلون بالنسخ على وقوعه في الأحكام، وهي الأوامر والنواهي، لأنها محل النسخ الشرعي، واختلفوا في ما عدا ذلك، وهو
الأخبار.
وقد عرض أبو يعقوب آراء العلماء في مجال النسخ بصورة تدريجية، واختار منها ما رآه، صواب فذكر أنه اختلف الناس فيما يقع فيه النسخ، قال بعضهم: لا يجوز في الأمر والنهي، فإذا ورد الأمر آخرا زال حكم النهي وكذا العكس، والأمر والنهي قائمان بأعيانهما. وقال البعض: إن النسخ يلحق الأمر والنهي، والطاعة والمعصية،
لأنهما تبع لهما.
وزاد البعض نسخ الثواب والعقاب لأنهما نتيجة للأمر والنهي،
وزاد البعض على نسخ الثلاثة نسخ الإخبار عن الثواب والعقاب» (2). وأيد الوارجلاني جواز النسخ في الأمور الثلاثة، الأمر والنهي، والطاعة، والمعصية والثواب والعقاب لأن العقل لا يحيل ذلك ولا يبطله وهو واقع أيضا. ويبقى الخلاف بعد ذلك منحصرا في نسخ الأخبار. فمن منع النسخ فيهما فإنما أبطل اللفظ وأوجب المعنى، لأنه يقول:
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 1، ص 111. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 221.
- or- (1/537)
صفحة 538
إذا زال الثواب زال الخبر من حين زوال الثواب وإذا زال العقاب زال عنه الخبر من حين زوال العقاب بل أعقبه ضدهما، وليس في تسمية من سماه نسخا ما يبطل حكمًا ولا يوجب كذبا لأن صاحبه قد أتى بمعناه ولم يكذب» (1). أما احتجاج من أبطل النسخ في الأخبار بأن الخبر الأول مكذب للآخر، والكذب في أخبار الله عز وجلّ محال، فقد ردّ عليه أبو يعقوب بأن «هذا ليس بشيء، لأن هذا القائل يقول: الخبر يوجب الثواب على هذه الطاعة قد جاء، فلما نسخ الأمر زال، ولا يزول إلا بضده، وليس كل واحد من الخبرين بمكذب الآخر في قوليهما، لأنا نقول: إن زمان استقبال بيت المقدس مأمور باستقبالها ومستقبلها مطيع ومثاب، ومخبر بأن له ثوابا وفي زماننا هذا أن مستقبل بيت المقدس منهي ومعاقب ومخبر أن له عقابا» (2). ويرى الغزالي أنه ما من حكم شرعي إلا وهو قابل للنسخ، خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا من الأفعال ما لها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها، مثل معرفة الله تعالى، والعدل وشكر المنعم، فلا يجوز نسخ وجوبه، ومثل الكفر والظلم والكذب، فلا يجوز نسخ تحريمه. وبنوا هذا على تحسين العقل وتقبيحه وعلى وجوب الأصلح على الله تعالى» (3). وقاعدتهم في التحسين والتقبييح العقليين غير مسلّم بها.
ولم يستثن الغزالي من حكمه العام بجواز النسخ في الأحكام إلا حالة
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 222. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 222. (3) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 122.
-532 -
- (1/538)
صفحة 539
أو اثنتين، وهو منع نسخ جميع التكاليف، ومنها الإيمان بالله، إذ لا يعرف
النسخ من لا يعرف الناسخ (1). فيكون هذا تكليفا بالمحال. كما لا يجوز أن يكلف الله العباد أن لا يعرفوه، ويحرم عليهم معرفته، لأن ذلك متضمَّن لمعرفته ضرورةً، فكان التكليف بعدم التكليف بالإيمان عين التناقض.
ولم يتعرض في تحديده لمجال النسخ إلى قضية نسخ الأخبار بصريح العبارة، وإنما يفهم من بعض استثناءاته منع نسخ الأخبار الواقعة الماضية، دون المنتظرة مستقبلا، فذكر أنه لا يجوز أن يكلف الله العبد معرفة شيء من الحوادث على خلاف ما هو به، لأنه محال لا يصح
ترکه)) (2)
فعله ولا
وباستحضار تعريف النسخ الاصطلاحي، ورأيي الوارجلاني والغزالي في مجال النسخ نخلص إلى أن النسخ أصلا يقع في الأوامر والنواهي، وهي مناط الأحكام، إذ يُعرف النسخ بأنه "رفع حكم شرعي"، تكليفيا كان أم وضعيًّا، فلا يقع في الأحكام العقلية ولا العرفية. والأحكام الشرعية في أصلها قابلة للنسخ بدون استثناء، خلافا للمعتزلة الذين منعوا نسخ بعض الأحكام بناء على التحسين والتقبيح العقليين. وقد أدرج الوارجلاني في مجال النسخ الإخبار بالثواب والعقاب، باعتبار أن هذا الإخبار نتيجة للتكليف الذي نسخه اتفاقا (2). يصح
(1) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 123. (2) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 123. (3) - يذكر الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي أن الجمهور استثنوا من الأخبار صورة واحدة أجازوا نسخها، وهي الإخبار بالوعيد، لأنه لا يستلزم أي نقيصة، بل الثابت أن إخلاف الوعد بمقدار ما يكون مستقبحا، فإن إخلاف الوعيد يكون محمودا ومستحسنا، وعليه
-533 - (1/539)
صفحة 540
أما الأخبار الواقعة فعلاً كأخبار القرون الماضية من الأمم والأنبياء، والأمور الغيبية الآتية، مثل أشراط الساعة، وفناء الدنيا، والقيامة والجنة والنار، فلا يجوز أن يقع النسخ فيها اتفاقا، وليس ذلك لامتناعها عقلا، ولكن لاستلزامها السهو والكذب، وهما محال في حق كما أن الأمور العقلية لا يقع النسخ فيها، لأن الشرع لا يأتي
بخلافها ().
الله تعالى.
ونظرا لهذا التمييز بين أنواع الأخبار، وما يجوز نسخه منها وما لا يجوز، فإن الوارجلاني يفسر ما رُوي عن الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف المزاتي فيمن أجاز النسخ في أخبار الله تعالى أنه مشرك، بأن في هذا الكلام عموما، والمراد منه أن ذلك في من أجاز النسخ فيما لا يجوز نسخه أخبار الله عز وجل، كقوله تعالى: {إِنَّمَا اللهُ إِلَه واحدٌ [سورة النساء: 171]. وجميع ما ذكر من أمور الآخرة الآتية، وأمور الدنيا الكائنة، وأخبار المرسلين والأمم مع أنبيائها، فهذا كله من أجاز النسخ فيه
من
فمشرك.
«وأما من أجاز النسخ في الأخبار التي تتعاقب على الأمر والنهي إذا وجب أو زال، بإيجاب الثواب مع الأمر، وسقوطه بعد الأمر، وإيجاب
قول الشاعر: وإني إذا ما أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي. (البوطي أصول الفقه، ص 276).
ولا ندري كيف يستحسن العقل هذا مع ورود النصوص الصريحة على صدق الله في وعده ووعيده، والحاسمة للموضوع بشكل لا يقبل جدلا ولا تأويلا من مثل قوله تعالى: (قَالَ لا تَحْتَصمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيد)) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلام للعبيد) [سورة ق: 28 - 29]. وقوله: رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخَلِفُ الْمِيعَادَ [سورة آل عمران: 9]. وغيرها من النصوص التي تعارض قول المعتزلة باستحسان العقل، وتقبيحه، ولا حظ للنظر مع ورود النص.
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 223.
- or? -
- (1/540)
صفحة 541
العقاب مع النهي، وسقوطه بعد النهي، وأن الخبر الأول الذي قال: هذا فرض، والخبر الآخر الذي قال هذا ليس بفرض، هما خبران مختلفان بإجماع الأمة، وإن اختلفا في التسمية.
فمن أجاز النسخ فلا حرج، وإن كان مخطئا، فإنما أخطأ اللغة، وقد أتى بالمعنى، وإن كان مصيبا فهو ذلك.
من جهة
ومن شرك هذا فقد حصل في مذهب الخوارج الذين يشركون على
الذنوب ..
والنصوص في هذه المسميات كلها معدومة ولا يصح تشريك من لم يصادم النص، وإن أخطأ في المعنى، فكيف بمن أصاب؟ والاحتمالات، موجودة، لا ضرر ولا ضرار على المعنى، ولا على
اللغة» (1).
المناقشة والترجيح
لا نرى ضرورة موافقة الوارجلاني في ما ذهب إليه من اعتبار رفع الأخبار المتعلقة بالأحكام وثوابها نسخا، وذلك أن التعارض الحقيقي الممتنع بين الأخبار يكون عند اتحادها محلاً وزمنا.
وقد وردت آيات في القرآن تخبر أن نوحا عليه السلام لبث في قومه أَلْفَ سَنَة إِلا خَمْسِينَ عَاماً) [سورة العنكبوت: 14]. فإذا ما ورد خبر آخر عن نوح أنه لبث غير هذه المدة، أو أنه لم يلبث قليلا ولا كثيران صح
التعارض وامتنع النسخ. وأما أمره تعالى بالتوجه إلى بيت المقدس، وإخبار المتوجه إليه بالثواب، فإنه خبر مقيّد لا مطلق، إذ هو متعلق بثبوت حكم الصلاة إلى بيت المقدس، ثم أعقبه الخبر بالعقاب على التوجه إلى المقدس، بعد زوال
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 223.
-535 - (1/541)
صفحة 542
الحكم الأول، والخبران هنا متغايران ولا يثبت تعارضهما إلا باتحاد المحل
والزمن.
والأمر يعود في النهاية إلى الاصطلاح، والمعنى متفق عليه، ولا مشاححة في الألفاظ.
وأما نسخ ما سوى الأخبار من مطلق التكاليف بما لا يناقض العقل، ولا يفضي إلى مستحيل فهو وإن كان جائزا عقلا، فإن الواقع التشريعي أفاد أن النسخ لا يطال أصول الدين وأصول الأخلاق، مما هو قدر مشترك بين الشرائع السماوية كلها، وهو ما أوضحته آيات القرآن الكثيرة: شرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وصينا به إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فَيهِ) [سورة
الشورى: 13].
وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون} [سورة الأنبياء: 25]. - وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلَنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعبدُونَ} [سورة الزخرف: 45].
- وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق» (1). وكذلك أسس العلاقات الاجتماعية وما هو من فطرة الإنسان و ضرورات، وجوده كالزواج والأكل والشرب والنوم، فإن نسخها يفضي إلى التكليف بما لا يطاق، وهو ما قرر الشارع نفيه عن التشريع (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَج [سورة الحج: 78]. واجتهاد العلماء في تحديد مجال النسخ ينبغي أن يتقيد بإطار الشرع
ومبادئه، ولا يبقى النظر في مجال الإمكان العقلي المجرد.
(1) - الطبراني، كتاب حسن الخلق، باب 8.
-536 - (1/542)
صفحة 543
ولذا فإننا لا نذهب مع الغزالي إلى القول بجواز النسخ في جميع الأحكام، حتى لو كانت كفرًا أو ظلما أو كذبًا، وليس ذلك انطلاقا من مبدإ المعتزلة في تحسين العقل وتقبيحه بل لأن النسخ قضية شرعية، ولا بد لتحديد مجالها من استقراء نصوص الشارع لتبيين حدود النسخ على أرض الواقع التشريعي. وقد أثبتت دلائل الشرع أن أصول الديانات وأصول العبادات وأصول الأخلاق، وضرورات الفطرة لا نسخ فيهان فكان التنبيه على ذلك لازما، وإن لم يناقض مقتضيات العقول.
المطلب الثالث: بم يقع النسخ؟
يكون النسخ بآية قرآنية أو بحديث نبوي، أي بالكتاب والسنة، فمصدره الوحي، وهو محدد زمنيا بعهد التنزيل. ولذلك لا يكون النسخ بالإجماع ولا بالقياس، فهما لا ينسخان ولا يُنسخ بهما، وإنما يكونان تبعًا لأصلهما، فإذا نُسخ الأصل تبعه الفرع ضرورة. وقد أورد أبو يعقوب أوجه النسخ بالكتاب والسنة وأجازها جميعا، دون استثناء، فقال: «وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن، ونسخ القرآن بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد، وأخبار الآحاد بالمتواتر، والمتواتر بأخبار الآحاد» (1). ويتفق الغزالي مع هذا الرأي، ويعلله «بأن الكل من عند الله وجل، فما المانع منه، ولم يُعتبر التجانس مع أن العقل لا يحيله، كيف،
عز
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 225.
- ory - (1/543)
صفحة 544
وقد دل السمع على وقوعه» (1).
وكلاهما مثل لكل نوع بما يؤكد صحة وقوعه. ونورد هذه الأنواع
وأمثلتها تباعا:
نسخ القرآن بالقرآن
[
عدة المتوفى عنها زوجها، إذ كانت حولاً كاملا، بقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصَيَّةٌ لأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غير إخراج) [سورة البقرة: 240]. ثم نسخت بأربعة أشهر وعشرا بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بأنفسهنَّ أربعة أشهر وعشراً) [سورة البقرة: 234). و حكم المرأة الزانية، كان أول الإسلام هو الحبس في البيود واللاتي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسَكُوهُنَّ فِي الْبَيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سيلاً) [سورة النساء: 15].
ثم نسخ الحبس بالجلد للزانية غير المحصنة: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلِّ واحد منْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) [سورة النور: 2].
نسخ القرآن بالسنة:
-
نسخ حبس الزانيات الثابت بالقرآن بحديث البكر بالبكر
والثيب بالثيب جلد مائة ونفي سنة» (2).
فشرع الرجم والتغريب بعد الحبس والأذى (2).
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 124.
(2)
صحيح مسلم کتاب الحدود، حديث 10، ج 11، ص 188. (3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 230.
-538 - (1/544)
صفحة 545
و
نسخ آية الوصية: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ
للْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبَين) [سورة البقرة: 180]. وكان نسخها بحديث ألا لا وصية لوارث» (1) (2).
وإن كان ثمة جدال حول نسخ الآية، إذ يرى الإباضية أنها محكمة، وأن الوصية لا تزال واجبة لغير الوارث، فالحديث بين أن الوارث لا
يوصى
له،
و لم ينسخ الوصية كلها. نسخ السنة بالسنة:
- أن الصلاة كانت ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي، فنسخت
بالصلوات الخمس المعروفة.
- ونسخ الكلام في الصلاة بالذكر والقراءة والتسبيح.
وأمثلة هذه النوع كثيرة جدا.
نسخ السنة بالقرآن:
نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة، بقوله تعالى: (فَوَل
وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) [سورة البقرة: 144].
نسخ أخبار الآحاد بأخبار الآحاد (3):
من
النهي عن زيارة القبور،
أمثلة هذا النوع، وهي كثيرة، نسخ والنهي عن ادخار لحوم الأضاحي، وجلد المحصن، وتغريب البكر عاما برجم المحصن وجلد البكر).
(1) - صحيح البخاري، كتاب الوصايا باب 6، حديث. ج 4، ص 6.
-
الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 124.
(3) - يصطلح الوارجلاني في أحيان كثيرة على حصر السنة على المتواتر والمشهور، دون ما سواهما مما يجعله تحت اسم الآحاد. ولعل اختياره هذا معتمد على تحقق كون المتواتر والمشهور سنة رسول الله بدرجة اليقين أو ما قاربه، بينما بقي ما دونها في درجة الظن، وإن كنا متعبدين بوجوب العمل بالظن. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 232.
-079 - (1/545)
صفحة 546
وتستوقفنا في هذا السياق قضيتان هامتان: الأولى: نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن. والثانية: نسخ المتواتر بالآحاد.
نسخ القرآن بالسنة، والسنة بالقرآن:
لم يتردد أبو يعقوب وأبو حامد في إجازة هذه الصور من النسخ، اعتمادا على وحدة المصدر التشريعي وهو أن الكتاب والسنة جميعا وحى الله تعالى، فالقرآن وحي متلو مقطوع بصحته، والسنة وحي غير متلو، جاءت بيانا للقرآن، ومن أوجه البيان النسخ.
من
ويستدل الوارجلاني على جواز نسخ السنة بالقرآن بجواز نسخ القرآن بالقرآن، فالسنة أولى).
ويشهد لذلك قول ابن عباس الله: «كان النبي يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها فيستقبل حكم القرآن ولا يردّ قضاءه» (2). ومثاله استقبال القبلة الذي ثبت أصله من التوجه إلى بيت المقدس
بالسنة، ثم نسخ بالتوجه إلى الكعبة بالقرآن.
ورد الوارجلاني على من قال إن التوجه إلى بيت المقدس ثبت بالقرآن لا بالسنة، موضحًا أن القرآن حكى ما كان عليه الأمر قبل تحويل القبلة، ولم يرد فيه أمر بالتوجه إلى بيت المقدس مطلقا).
وقضية نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن، محل اتفاق بين جمهور
الأصوليين).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 228. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 229. (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 229
(4) - الأسنوي، نهاية السول، ج 2، ص 579.
- (1/546)
صفحة 547
وحكى بعضهم عن الإمام الشافعي إنكار ذلك). وردّ عليهم الغزالي بأن الشافعي أجل من أن لا يعرف هذه الوجوه
في النسخ» (2).
ومثال هذه النسبة إلى الشافعي سوء فهم لما ورد في كتابه "الرسالة"
حول هذه القضية.
ونص الرسالة هو ألا ينسخ كتاب الله تعالى إلا كتابه، وهكذا سنة رسول الله لا ينسخها إلا سنة لرسول الله، ولو أحدث الله لرسوله في أمر سن فيه غير ما سنّ رسول الله، لسنّ فيما أحدث الله إليه، حتى يبين للناس أن له سُنّة ناسخة للتي قبلها مما يخالفها» (3).
ومعنى
هذا النص كما أوضحه المحققون أنه حيث وقع نسخ القرآن بالسنة، فلا بد أن يكون معها قرآن عاضد لها، يبين توافق الكتاب والسنة، وحيث وقع نسخ السنة بالقرآن فمعه سنة عاضدة لها، تبين توافق الكتاب والسنَّة» (). فيكون مراد الشافعي أنه لم يقع نسخ الكتاب إلا بالكتاب وإن كانت ثمة سنة ناسخة له ولا نسخ السنة إلا بالسنة، وإن كان ثمة كتاب ناسخ لها، أي لم يقع نسخ أحدهما للآخر إلا ومعه مثل المنسوخ عاضد
له.
وهذا ما تقتضيه ضرورة الانسجام والتوافق بين الكتاب والسنة،
(1) - ذكر الدكتور محمد حسن هيتو هذه النسبة للشافعي ونفاها استدلالا من كلام
الشافعي في الرسالة.
ينظر: الشيرازي التبصرة هامش ص 272، وكذا هامش ص 578.
(2) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 124.
(3) - الشافعي، الرسالة، ص 108. (4) - البوطي أصول الفقه، ص 284.
-081 (1/547)
صفحة 548
لإبعاد كتاب الله وسنة نبيه عن عبث العابثين، وكيد الكائدين، ولولا هذه الضمانة لافتات المبطلون على دين الله، فكلما رأوا آية تعارض حديثا، قالوا: نسخ أحدهما الثاني. ومضوا ينقضون أحكام الشريعة ويهدموه بناءها من الأساس بحجة نسخ الكتاب للسنة، ونسخ السنة للقرآن. فإذا سمع أحدهم حديث «لا أخيه» (1). قال: بعضكم على بيع يبع نسخته آية (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ [سورة البقرة: 275].
وإذا سمع آية: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُم} [سورة البقرة: 282].
قال: نسخه حديث من شهد له خزيمة فحسبه» (2). ويكفي مكانه كل
عدل أمين.
وليس أخطر على الشريعة من هذا التخريف والبهتان.
فبان من كلام الشافعي أن ربط الكتاب بالسنة والسنة بالكتاب في مجال النسخ، كما يشهد له الواقع التشريعي - يعد أكبر ضمانة وحاجز دون هذه الأفهام السقيمة وليس في كلام الشافعي ردّ لما استقر عليه رأي الجمهور من جواز نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن.
نسخ المتواتر بخبر الآحاد:
يرى الوارجلاني (3) والغزالي () جواز نسخ الخبر المتواتر بخبر الآحاد، بينما اشترط آخرون تكافؤ الأدلة في القوة لجواز النسخ، فلا ينسخ المتواتر
إلا متواتر مثله.
-
(1)
صحيح البخاري، كتاب البيوع، باب 58 حديث. ج 3، ص 90. (2) - سنن النسائي، كتاب البيوع، باب 82 حديث 4661، ج 6 - 7، ص 348. ولفظه فجعل رسول الله شهادة خزيمة بشهادة رجلين».
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 232. (4) - الغزالي المستصفي، ج 1، ص 124.
-542 - (1/548)
صفحة 549
وذهب آخرون إلى جواز ذلك في عهد النبوة، مستدلين بقبول أهل قباء خبر الواحد في تحويل القبلة، وقبول أهل الأطراف أخبار رسول الله وأحكامه من غير حاجة إلى التثبت والتواتر، إلا إن شكوا).
وإذا ما ثبتت صحة الخبر وجب العمل به دون اشتراط التواتر، ومن وجوه العمل به نسخه للكتاب والسنة المتواترة، وفوق هذا فإن أبا يعقوب يرى أن رواية الصحابي وقوله: "نسخت آية كيت وكيت" مقبول، بل لو قال: "الخبر الفلاني، والآية الفلانية منسوخة"، فإننا نحسن الظن به ونحمله على السماع، وهو ظاهر روايات الصحابة. أما إذا كان قوله متأولاً عن اجتهاد لا عن سماع، فرأيه مثل رأي المجتهدين (2). وإذا نظرنا إلى حجج من منع نسخ المتواتر بخبر الآحاد فإننا نجدها بادئ الأمر على جانب من القوة والوجاهة، ويتأيد هذا الرأي بقول عمر ه لفاطمة بنت قيس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل لها نفقة ولا سكنى، فكان جواب عمر: لا ندع كتاب ربنا ولا سنة نبينا لقول امرأة لا ندري صدقت أم كذبت، ذكرت أم نسيت» (3). فردّ عمر العمل بخبر الآحاد ولم يقبله مخصصا ولا ناسخا للمتواتر
من الكتاب والسنة. ولكن التحقيق أن الاحتجاج بهذه القصة في غير محله، وحادثة عمر لا دلالة فيها على بطلان تخصيص أو نسخ لمتواتر القرآن والسنة، وإنما هو اجتهاد من عمر في المسألة، إذ لم يطمئن شخصيًّا إلى حفظ فاطمة بنت قيس، وليس عمله إنكارا عاما لتخصيص أو نسخ خبر الواحد
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 232. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 233. (3) - الغزالي، المستصفى، ج 1، ص 154.
-543 - (1/549)
صفحة 550
للكتاب والسنة. وأما تكافؤ الأدلة في القوة الذي اشترطه النافون لنسخ خبر الواحد للمتواتر، فالجواب عنه أن دليل النسخ أو النص الناسخ يتجه إلى الحكم فيرفعه، ويقطع استمراره، لا إلى أصل الحكم فيبطله، فأصل الحكم السابق ثابت ثبوتا قطعيا، وهو الكتاب أو السنة المتواترة، أما استمرار الحكم ذاته فهو ثابت ثبوتا ظنيا (1). إذ هو محتمل للتخصيص والتقييد والنسخ، وهذا
محل وفاق.
فكان استمرار الحكم مكافئا في القوة لدليل النسخ، وهو هنا خبر الآحاد في كونهما ظنّيّين، فبطل ما ذهبوا إليه وصح القول بجواز نسخ متواتر الكتاب والسُّنَّة بخبر الآحاد)).
(1) - البوطي، أصول الفقه، ص 282.
-
(2)
الأسنوي، نهاية السول، ج 2، صحفات 087 - 088.
-544 - (1/550)
صفحة 551
المبحث الثالث الاجتهاد
تمهيد: ضرورة الاجتهاد وأهميته
تدعو طبيعة الحديث عن الاجتهاد إلى التذكير بتعريف علم أصول الفقه إذ يندرج ضمنه باب الاجتهاد.
وعودًا على بدء نقول: إن أصول الفقه هو معرفة دلائل الفقه
إجمالا، وكيفية الاستفادة منها وحال المستفيد» (1). فهذا المستفيد للأحكام الشرعية من أدلتها هو المجتهد، ونظره في هذه الأدلة هو الاجتهاد.
ووظيفة أصول الفقه كما ذكرنا هي تحديد مصادر الفقه وترتيب أدلته، ووضوع ضوابط الفهم والفقه بين يدي العلماء، حتى يكون استنباطهم للحكم صحيحا، وسالما من عيوب النظرة المرتجلة الضيقة، والمصلحة الآنية أو الموهومة.
والارتباط بضوابط الاجتهاد يعد أكبر حصانة وأمنع حصن للشريعة يحميها أن تتلاعب بها الأهواء الجامحة أو تمحو معالمها المصالح المتقلبة، والأنظار البشرية القاصرة، وذلك بما يحيط هذه الأنظار من ضيق أفقي في المعرفة، ويوجه سيرها من مؤثرات بيئية ضاغطة. وسنحاول استجلاء تصور الوارجلاني لمعنى الاجتهاد وشروطه
ومجالاته، ومدى اعتبار الخطإ والصواب في آراء المجتهدين.
(1) - البيضاوي، منهاج العقول، مع شرح الأسنوي نهاية السول، ج 1، صه. (1/551)
صفحة 552
المطلب الأول: مفهوم الاجتهاد وأدلته
أ= مفهوم الاجتهاد
الحادثة.
يعرف أبو يعقوب الاجتهاد بأنه استفراغ الوسع في طلب علم
ولا يكون الاجتهاد إلا لمن بلغ الأمر منه الجهد، فهو اجتهاد، ولا يقال: اجتهدت فحملت ذرة ولا لمن عمل عملا يعجز فيه إذا كان دون وسعه إنه مجتهد» (1). وهو عين ما أوضحه الغزالي بأن الاجتهاد «عبارة عن بذل المجهود و استفراغ الوسع في طلب فعل من الأفعال ولا يستعمل إلا فيما فيه وجهد فيقال: اجتهد في حمل حجر الرحى، ولا يقال: اجتهد في
كلفة
حمل خردلة.
لكن صار في عرف العلماء مخصوصا ببذل المجتهد وسعه في طلب
العلم بأحكام الشريعة.
والاجتهاد التام أن يبذل الوسع في الطلب بحيث يحس من نفسه
بالعجز عن مزيد طلب» (2) (3). والمثال الأخير الذي أورده الوارجلاني، وهو أنه لا يقال لمن عمل عملا يعجز فيه إذا كان دون وسعه إنه مجتهد. يبين أن من شروط الاجتهاد اكتمال، آلته، وهي العلوم الضرورية لصحة اجتهاد المجتهد، أما العامي فلا يقال في حقه إنه اجتهد في فهم نصوص الشارع واستنباط
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 268.
(2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 350.
(3) - وعرّف ابن حزم الاجتهاد بأنه استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه، حيث
يرجى وجوده فيه، أو حيث يوقن بوجوده فيه».
ابن حزم الإحكام، ج 8، ص 133.
-546 - (1/552)
صفحة 553
الأحكام، حتى ولو بذل في ذلك أقصى ما أمكنه من جهد، إذ ليس
بوسعه الاجتهاد لعدم توفر شروطه فيه.
وهذا ملحظ دقيق في تحديد معنى الاجتهاد.
فكما أنه لا يسمى العمل البسيط اجتهادا فإن محاولة القيام بعمل مستحيل لا تعد اجتهادا أيضا، بل يشترط أن يكون هذا العمل من الممكن تحقيقه بالجد والاجتهاد ولا يكون محالا، كالذي يقعد ويقول: إنني أجتهد في عد نجوم السماء، فهذا إنسان عابث لا مجتهد ().
ب=
أدلة مشروعية الاجتهاد
يستند الوارجلاني في إثبات مشروعية الاجتهاد إلى الأدلة النقلية عموما، فقد ورود الإذن فيه من قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْن أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَةَ الذينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [سورة النساء: 83]. وقوله (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اختَلَفُوا فِيهِ وَمَا اختلف فيه إلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى
?
الله الذينَ آمَنُوا لمَا اختَلَفُوا فيه مِنَ الْحَقِّ بإذنه} [سورة البقرة:213]. وهذه المشروعية ثابتة بنصوص القرآن أما العقل فلا حظ له في الإذن حتى يرد به الشرع، لأنه يقضي أن الاجتهاد من الأمور الجائزة، ولا يقطع فيه بشيء. وفي السنة نجد تصريح النبي بذلك في قوله: «إذا اجتهد الحاكم
(1) - عبد المنعم النمر الاجتهاد، ط 1، دار الشروق بيروت القاهرة، 1406 هـ / 1986 م،
-
ص 22.
- 547 - (1/553)
صفحة 554
فأصاب فله أجران أجر اجتهاده وأجر إصابته وإن اجتهد وأخطأ فله
أجر اجتهاده، وحط الله عنه المأثم» () ().
كما احتج بعمل الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أن القرآن قد نزل على قوم وافري العقول، يعرفون غرضه ومراده، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واسطة بينهم وبين الله تعالى، فما عازهم (2). بينه لهم، وما انفهم لهم مضوا (3) عليه، وما لم ينفهم لهم فسّره لهم). مصداقا لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [سورة النحل: 44]. من الإجماع فقد سبق الحديث عن اجتهادات الصحابة في باب
القياس (). وإجماعهم على ذلك، وفصلناه بما فيه الكفاية. وإجماع الصحابة حجة قاطعة على جواز الاجتهاد بلا نكير.
المطلب الثاني: شروط الاجتهاد ومجاله
أ= شروط الاجتهاد:
يقول الوارجلاني في تفصيل صفة المجتهد: اعلم أن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل من كان:
عارفا بوضع الأدلة موضعها من جهة العقل والشرع والتوقيف فيها. ويكون عارفا بأصول الديانات وأصول الفقه.
(1) - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب 21، ج 9، ص 132.
(2) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 59.
- (3)
-
جاء في لسان العرب: العوز أن يعوزك الشيء، وأنت إليه محتاج، فإذا لم تجد الشيء
قلت: عازني.
ابن منظور، لسان العرب، ج 2، ص 927 مادة: عوز.
(4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 223. (5) - ينظر أدلة حجية القياس في مبحث القياس من هذا الكتاب.
-548 - (1/554)
صفحة 555
-
وعالما بأحكام الخطاب في فنون الشريعة؛ من العموم والخصوص، والأوامر والنواهي، والمفسر والمجمل، والمنصوص والمنسوخ. ويعلم من النحو واللغة وما يفهم به معاني الكلام كلام العرب، فإنه يحتاجهما للقرآن والسنة والآثار.
ويحتاج في السنة والآثار إلى طريقهما، فإنه لا غنى للسنة والآثار عن تصحيح طرقهما. وعوفينا في القرآن من ذلك، لأن الله تولّى حفظه، وأجمعت الأمة على متنه.
فإن حرم المجتهد من هذه الشروط كان راوية لا عارفا، ومتفقها لا
فقيها.
ويكون صحيح الأمانة، مأمون الخيانة، سليم الديانة» (1). بينما اختصر الغزالي هذه الشروط في اثنين:
متمكنا من استثارة الظن
أحدهما: أن يكون محيطا بمدارك الشرع، بالنظر فيها وتقديم ما يجب تقديمه وتأخير ما يجب تأخيره. والثاني: أن يكون عدلا، مجتنبا للمعاصي القادحة في العدالة. وهذا يشترط لجواز الاعتماد على فتواه فمن ليس عدلا فلا تقبل فتواه، أما هو في نفسه فلا فكأن العدالة شرط القبول للفتوى لا شرط صحة الاجتهاد» (2).
- شروط الاجتهاد بين التصور والواقع
ما ورد ذكره من شروط الاجتهاد كان على صعيد التصور النظري، ولكن عند النزول إلى الواقع وتحقيق هذه المواصفات على الصعيد العملي، فإننا نجدها عسيرة التحقيق وقلما اجتمعت في شخص
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 257. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 350.
-549 - (1/555)
صفحة 556
واحد، فأين هم العلماء الذين استوعبوا مدارك الشريعة، وأحاطوا بجميع
علومها إحاطة المتخصص الخبير بدقائق هذه العلوم؟
إنها شروط تعجيزية تجعل بلوغ درجة الاجتهاد أمرا شبه مستحيل. والنتيجة المنطقية بعد هذا أن يستكين الناس إلى الراحة، ويوصدوا دونهم باب الاجتهاد، وتتعطل الحوادث عن حكم الله، وبالأحرى عن معرفة حكم الله فيها، وتلك نتيجة خطيرة لها عواقبها الوخيمة على حياة المجتمع الإسلامي. وقد اعتبر أبو يعقوب واقع الناس في وضع شروط الاجتهاد فعلق على مقالة الشيخ سليمان بن يخلف في العالم الذي يجوز له الاجتهاد أنه كان حافظا لكتاب الله عز وجل، ولجميع معانيه، ومكان حافظا لسنة رسول الله ولجميع معانيها وحافظا لآثار من كان قبله من
من
المسلمين (1).
أن
فعقب أبو يعقوب على هذا قائلا: «لقد صدق، هكذا ينبغي يكون العالم، غير أنه تتعذر هذه الصفات إلا في الشذوذ من الأمة، إن كان يجوز أن يكون إلا إن أراد كثرتها، فربما وأما من يجمع جميع معاني الكتاب فشاذ، وقد قال علي بن أبي طالب ما من شيء إلا وفي القرآن علمه ومعرفتهن غير أن آراء الرجال تعجز عنه» (2).
ويحدد أبو يعقوب الشروط الضرورية العملية للمجتهد ويصنفها في ثلاثة أقسام، فلا بد من معرفة ثلاثة أشياء وهي السوابق ثم الأصول ثم
اللواحق
أما السوابق فاللغة والنحو، لأن الله خلق الحروف بسائط، والكلم
(1) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 278 (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 278. (1/556)
صفحة 557
وسائط، والمركبات، معاني وتحت مركب الكلم البيان، فمن لم ينته إلى
حد البيان قصر عن بلوغ التبيان، وعجز عن إقامة البرهان. وأما الأصول، فأن يعرف أصول الديانات وفنون الخطابات في الشريعة من العموم والخصوص، والأوامر والنواهي، والمجمل والمفسر، والناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه.
وأما اللواحق فأن يكون عارفا بوضع الأدلة مواضعها عقلا وشرعا، وأن يوقع العلل مواقعها وقفا وسمعا، ويعرف وجوه القياسات متنا
ووضعا.
وهذه المعاني يحتاجها للقرآن والسنة والآثار»».
وغني عن البيان أن هذه الشروط مما يمكن توفرها لمن صحت عزيمته، واستفرغ جهده لتحصيلها وأخلص قصده الله خدمة لشريعته، ونصحا لأمته.
وبذلك ينفتح الباب واسعا أمام الكفاءات العلمية لطرق مسائل
الاجتهاد وفق ضوابطه الشرعية المحددة. ولا غرو أن القول بسدّ باب الاجتهاد كان ردّ فعل لكثرة المتطفلين الشريعة الخائضين في بحارها بلا عدة من الكفاءة العلمية المقتدرة التي تحول دون التفسير السطحي، أو الفهم السقيم لنصوص الشرع، وعدم التبصر بعلل الأحكام ومقاصد التشريع.
على
وكان غلق باب الاجتهاد سواء بالفتوى المباشرة بمنعه وتحريمه، أم بالنتيجة غير المباشرة بوضع الشروط المستحيلة له، كان ذلك نكسة في تاريخ تطور الفقه الإسلامي، فانطوى الفكر المسلم على نفسه يجتر إنتاج السابقين، وإن كنا لا ننكر فوائد هذا الجهد في التحليل والتعليل
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 278.
-001 - (1/557)
صفحة 558
والترجيح، إلا أنه حال دون الإبداع ومواكبة تطور الحياة. فوجدنا ضمورا شديدا في فقهنا الاقتصادي والتربوي والسياسي، مقابل الوفرة الوفيرة في كتب فقه العبادات والأحوال الشخصية.
وبالرغم من رصيدنا المعتبر في فقه المعاملات، إلا أن فقدان روح المبادرة نتيجة لقرون من الجمود وغلق باب الاجتهاد حال دون تطوير هذا الرصيد وعرضه بأسلوب عصري بلة الاجتهاد لاستنباط أحكام مناسبة المستجدات العصر الاقتصادية التي أغرقتنا بها المدنية الحديثة، وجَمّدت عقولنا بما قدمته لنا معها من حلول وضعية جاهزة.
ب = مجال الاجتهاد
هل الاجتهاد يتم في كل القضايا ويشمل كل الميادين؟ أم إن ثمة مجالات لا يطرقها الاجتهاد؟
ينقل الوارجلاني عن بعض علماء الإباضية قولهم: «إن الذي يجوز فيه الرأي للعلماء هو ما لم يجدوه في الكتاب وفي السنة، ولم يكن في آثار من قبلهم من العلماء، فإذا نزلت نازلة من هذا القبيل، فعلى العلماء أن
يجتهدوا فيها» (1).
ويوافق أبو يعقوب على هذا الرأي، وهو أن الاجتهاد يكون حيث لم يسبق حكم في المسألة، سواء في الكتاب أم في السنة أم في آثار العلماء. ثم يضيف محالا آخر وهو تفسير القرآن لأنه نزل بلغة العرب، وهي كثيرة الفنون والشجون والرسول صلى الله عليه وسلم لم يفسر القرآن كاملا، ولم يمنع الصحابة من تفسيره بل تركهم يجتهدون في ذلك).
-
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 277 - 0278 (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 279.
-552 - (1/558)
صفحة 559
ومن نماذج فتح الرسول الباب أمام اجتهاد الصحابة في التفسير سؤاله لأبي بن كعب أي آية في القرآن أفضل؟ فقال: الله ورسوله أعلم.
فقال النبي: «إنما أسألك عن علمك، لا عن علم الله ورسوله» (1) .. ومنها اجتهاد عمرو بن العاص في آية: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحيماً) [سورة النساء: 29]. فترك الغسل للجنابة وتيمم، فأقره الرسول على ذلك، وسُرّ به (2).
ونماذج غير هذه كثيرة، وقد قال: لن يتفقه أحدكم كل الفقه
حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» (3).
وهكذا يحدد الوارجلاني مجال الرأي بالنظر في النوازل والأحكام وفي تفسير القرآن).
المستجدات،
وهو بهذا التحديد قد وسّع مجال الاجتهاد بعد بيان ضوابطه، فالاجتهاد لا يقتصر على ما لا نص فيه. كما يتردد كثيرا أنه "لا اجتهاد مع النص". بل إن الاجتهاد كما يكون في ما لا نص فيه من فيبذل المجتهد وسعه لمعرفة حكمها بالقياس أو الاستحسان أو المصالح المرسلة، أو غيرها من الأدلة، فكذلك يكون الاجتهاد في إطار النص للتعرف على مدلوله واستنباط الحكم منه، وهذا شامل لتفسير نصوص القرآن ونصوص السنة أيضا.
وأغلب دراستنا لمباحث استنباط الأحكام تنصب على تفهم النص، إن في دلالته اللغوية أو معانيه ومقاصده الشرعية، وتكون هذه الأبحاث
-
- (1)
مسند أحمد، جه، ص 58. وروه بدون زيادة: إنما أسألك
ورسوله.
(2)
(3)
صحيح
عن علمك، لا عن علم الله البخاري، كتاب الوضوء، باب 7 حديث. ج 1، ص 95. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 279 - 282. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 73.
- oor- (1/559)
صفحة 560
في إطار النص تعتمده وحده ميدانا للاجتهاد والتفسير.
وقد قسم العلماء النصوص الشرعية من حيث ثبوتها ودلالتها قسمة
رباعية هي:
-
أن يكون الدليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة. أن يكون الدليل قطعي الثبوت ظني الدلالة. أن يكون الدليل ظني الثبوت قطعي الدلالة.
أن يكون الدليل ظني الثبوت ظني الدلالة.
فيكون الاجتهاد في الدليل الظني إما من حيث الثبوت أو الدلالة. فتدخل الأقسام الثلاثة في إطار الاجتهاد ويظل القسم الأول في منأى عن آراء العلماء، وذلك كقوله تعالى: إِنَّمَا الله إله واحدٌ [سورة النساء: 171]. الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَة) [سورة
النور:2]. فلا اجتهاد في وحدانية الله، ولا في جلد الزاني مائة جلدة، لثبوت ذلك بدليل قطعي، وإفادته له بدلالة قطعية.
النص"،
وهذا القسم هو الذي ينطبق عليه بحق قولهم "لا اجتهاد أما الأقسام الثلاثة الأخر، فهي عرضة لنظر المجتهدين، إما في طريق ثبوتها أو دلالتها على معانيها، مما تختلف فيه الأنظار.
فإذا كان النص ظني الثبوت كان مجال الاجتهاد فيه بالبحث في سنده وطريق وصوله إلينا، ودراسة أحوال رواته ضبطا وعدالة، وهو مجال اختلاف تقدير المجتهدين حسب درجة اطمئنانهم وثقتهم بسلسلة الرواة
ورواتها.
وإذا كان النص ظني الدلالة كان الاجتهاد منصبا على التعرف على معنى النص وقوة دلالته وفي ذلك تختلف النصوص اختلافا كبيرا من حيث الوضوح والخفاء والعموم والخصوص، والأمر والنهي، ودلالتهما على الأحكام التكليفية الخمسة، بما يفتح المجال واسعا أمام اجتهاد
-5540
- (1/560)
صفحة 561
العلماء، وهم في ذلك يراعون قواعد اللغة التي ورد النص بها، ويستلهمون
مقاصد الشرع التي يهدف النص إليها. وبهذا يتجلى لنا التقسيم الأساسي لمجال الاجتهاد، وهو «أنه لا
يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة، أما أصولها فلا» (1). لأن هذه الأصول قد ثبتت بأدلة قطعية لا يرقى إليها شك، ولم يبق فيها مجال للنظر، مثل الإيمان بالله والملائكة والرسل والبعث والجنة والنار. والتفرقة بين الأصول والفروع أن الأصول كل ما جاء في كتاب الله نصا أو مستخرجا مجمعًا عليه، أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعا بها، أو أجمعت عليه الأمة، والأصل أن المجموع (2) ما يؤثم فيه بعضهم بعضا، والفروع بخلافها، وهو ما طريقه غلبة الظن والاجتهاد» (3).
وأضاف الغزالي أن العقليات لا يجوز فيها الاجتهاد).
بينما سوّغ الوارجلاني الاجتهاد فيها (ه). ولكنه حسم الأمر بأن الحق فيها في واحد وهو ما قرره الغزالي من أن المحق واحد، وهو مصيب، والمخطئ، آثم لأن الاجتهاد في نظره ما لا يكون المخطئ فيه
آئما (1).
وهذا ما سنعرض له ببيان آراء أبي يعقوب وأبي حامد حول الخطأ
والصواب في الاجتهاد.
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 268. (2) - كذا في الأصل، ولعل صوابها "الأصول" بدل "المجموع". (3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 269. (4) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 354. (5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 268. (6) - الغزالي المستصفى، ج 2، ص 354.
18001 (1/561)
صفحة 562
المطلب الثالث: الخطأ والصواب في الاجتهاد
تبين لنا من تحديد مجال الاجتهاد
أنه
محصور في فروع الفقه، ولا
يكون في أصول الدين لأنها قطعيات لا يجوز فيها الخلاف، وأن الحق
فيها مع واحد، والمخالف فيها مخطئ آثم).
هذا ما عليه الجماهير من العلماء إلا الشذوذ ممن أباح الاجتهاد في
الأصول، وسوّغ أن يكون اليهود والنصارى بعقائدهم الباطلة على صواب، وهو مصادمة صارخة لقواطع الأدلة النصوص (2). وصريح
والخلاف المقبول بين العلماء كان حول الخطأ والصواب في
الاجتهاد المشروع، وهو الذي ينحصر في دائرة الفروع. وانقسم العلماء أزاء هذه المسألة إلى رأيين أساسيين: الأول: أن كل مجتهد في الظنيات مصيب.
ونسب الوارجلاني هذا القول إلى بعض الحنفية (3). وذكر الشماخي أنه مذهب أكثر المعتزلة والأشاعرة)). ونقل عن أبي حنيفة ومالك والشافعي رواية بهذا القول.). ولكن أصحاب هذا القول اختلفوا بعد ذلك: هل الله تعالى في الواقعة المجتهد فيها حكم معين أم لا؟
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 268؛ الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 354. (2) - الشيرازي التبصرة، ص 4496 البرادي رسالة الحقائق، ص 13. وقد نسب هذا القول إلى عبد الله بن الحسن العنبري، وبشر المريسي والجاحظ، لكن العنبري قال: كل مجتهد في الأصول مصيب، وليس فيها حق متعين. وقال المريسي: الحق فيها واحد متعين، والمخطئ آئم. وقال الجاحظ فيها حق متعين، لكن المخطئ معذور غير آثم.
ينظر: الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 359.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 269. (4) - الشماخي شرح مختصر العدل، ورقة 63 ظ.
(5)
-
البرادي، رسالة الحقائق، ص 13.
1007 - (1/562)
صفحة 563
-
فذهب بعضهم إلى أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين عند الله يُطلب من المجتهد إصابته بل الحكم تبع لظن المجتهد، وحكم الله تعالى على كل مجتهد ما غلب على ظنه. وهو ما اختاره الغزالي).
- وذهب آخرون إلى أن الله حكمًا معينا في المسألة يتوجه إليه الطلب، لكن لم يكلف المجتهد إصابته، فإن أخطأ ذلك الحكم المعين في علم الله، فقد أدّى ما عليه، وأصاب بفعله ما كلف به، وهو الاجتهاد (2). وكلا الفريقين يُعرفون بالمصوّبة في الاجتهاد، لاتفاقهم في النهاية
على أن الجميع مصيب. الثاني: أن المصيب في الاجتهاد في الظنيات واحد.
وهؤلاء متفقون على أن الله حكمًا معينا في المسألة، هو الذي يصل
إليه المصيب، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك، هل المخطئ آثم أم لا؟ فذهب فريق منهم إلى أن المخطئ معذور، والإثم عنه مرفوع، وبهذا الرأي أخذ الوار جلاني، الذي يعلله بأن الاجتهاد مأمور به ومأجور عليه، ومأجور على إصابته الحق، وفتواه والحكم به، أما إذا أخطأ الحق عند الله فهو مأجور في اجتهاده ونشره، ومأجور في كل شيء استخراجه بدليل قوله: (إذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد» (3). ألا ترى إلى أنه أوجب له الأجر في إصابته الحق، وعلى اجتهاده، وأوجب له الأجر إذا أخطأ الحق في اجتهاده، وحطّ المأثم في
عنه
غير
خطئه» (4).
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 363.
(2)
الغزالي المستصفى، ج 2، ص 363؛ الشماخي، شرح مختصر العدل، ورقة 63 ظ. (3) - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام، باب 21، حديث، ج 9، ص 132 بألفاظ متقاربة. (4) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 269.
-557 - (1/563)
صفحة 564
ورأي الوارجلاني هذا هو قول الإباضية اتفاقا).
وقال أبو يعقوب: وهذا أصح الأقوال عن الشافعي، وإن كان يروى
عنه خلاف هذا القول (2).
وقال البرادي وهو قول أكثر الأمة (3).
وكذلك أكده الدكتور هيتو بأن هذا هو الحق، ورأي الجمهور، وعليه الأئمة الأربعة، في أصح ما روي عنهم).
ومن
- وذهب الفريق الثاني إلى أن الحق في كل ما اختلف فيه في واحد، أصاب الحق الذي نصب الله عليه الدليل فهو مصيب، ومن
أخطأه
كان آثما غير معذور. وهو قول نفاة القياس (.). وهو رأي النكارية كذلك). وبه قال بشر المريسي وأحمد بن الحسين (). ممن شذ عن الإباضية.
-
-
ويتلخص لنا مما سبق أن في القضية أقوالا أربعة:
الكل مصيب، وكلا الحكمين حق وصواب عند الله،
الغزالي.
وهو قول
الكل مصيب، وحكم الله في المسألة، واحد، لكن المجتهد لم يكلف
إصابته.
(1) - ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، ص 99. (2) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 270.
-
(3)
البرادي، رسالة الحقائق، ص 12.
(4) - الشيرازي التبصرة هامش ص 498.
(5) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 270. (6) - المارغني رسالة في الفرق، ورقة اظ.
(7) - البرادي رسالة الحقائق، ص 12.
1001 - (1/564)
صفحة 565
-
المصيب واحد والمخطئ غير آثم، وهو قول الوارجلاني.
المصيب واحد، والمخطئ آئم. عرض الأدلة:
إذا ما استعرضنا هذه الأقوال وجدنا القول الأخير أوهاها، لمعارضته لصريح الحديث النبوي الشريف الذي يرفع الإثم عن المجتهد المخطئ. والأخذ بهذا القول تكليف بما لا يطاق، فلو كانت القضية واضحة
الأدلة ما حصل فيها الاختلاف.
كما أن المجتهد إذا علم أنه مؤاخذ إن أخطأ حكم الله بعد استفراغ وسعه في البحث والاستنباط، ما أقدم على هذه المجازفة، وفي هذا تنفير وتثبيط للعلماء أداء رسالتهم التي كلفوا بها، في قوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ عن منْ كُلِّ فرقَة مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) [سورة التوبة: 122].
وفي قوله أيضا: وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ
الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم) [سورة النساء:83]. فدور العلماء هو الإرشاد واستنباط الأحكام لهدي الأمة وتوجيهها
في طريق الشرع، وفي إطار أحكامه وضوابطه. ونتيجة القول بإثم المخطئ في الاجتهاد إغلاق باب الاجتهاد، وهو
ما ألمحنا إلى بعض مخاطره قبل حين. أما القول الأول والثاني، فهما في الحقيقة قول واحد، هو تصويب المجتهدين المختلفين في المسألة الواحدة. ويقابلهما القول الثالث بأن الصواب في قول واحد، وغيره مخطئ،
لكنه معذور غير آثم.
ويخلص لنا أن التقابل هنا بين رأي الغزالي، ورأي الوارجلاني،
ونصطلح عليهما برأي المصوبة، ورأي المخطئة.
-009 - (1/565)
صفحة 566
حجة المصوبة
يتلخص احتجاج المصوبة في حجة عقلية، تتمحور في نقطتين:
1 - قياس ما لا نص فيه على ما ورد فيه النص:
وهو
أن المجتهد إذا اجتهد في مسألة فيها نص لم يبلغه، وأفتى فيها
برأيه بعد استفراغ جهده في البحث ثم بلغه النص، فلا يعد مخطئا قبل ورود النص إليه، وقد يسمّى مخطئا مجازا، على معنى أنه أخطأ بلوغ ما لو بلغه لصار حكما في حقه» (1). فإذا ثبت هذا في مسألة فيها نص فالمسألة التي لا نص فيها، كيف
يتصوّر الخطأ فيها.
قاطعا.
2 - لو كان الحق متعينا في باب الاجتهاد لنصب الله عليه دليلا
«ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها، علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع تكليف محال، فإذا انتفى التكليف انتفى الخطأ» (2).
- أما الأدلة الظنية فهي تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وهي في الحقيقة أمارات لا أدلة وتسميتها بالأدلة من باب التجوز فقط، والأمارات كحجر المغناطيس تحرك طبعا يناسبها كما يحرك المغناطيس
•
(2) ? الحديد دون النحاس وإذا سلمنا تسمية حكم المجتهد على خلاف النص قبل بلوغه إليه خطاً مجازا، فذلك غير مسلّم فيما لا نص فيه، إذ المجتهدات التي لا نص
(1) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 364. (2) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 365. (3) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 366.
-07. (1/566)
صفحة 567
فيها ليس فيها حكم معين أصلا، وليس في هذه المجتهدات خطاب ونطق،
الله عليه
فلا حكم فيها أصلا، إلا ما غلب على ظن المجتهد). والاتفاق حاصل على أن الله كلف المجتهدين أن ينظروا ويجتهدوا في النوازل، فما أدّى إليه نظر كل واحد فهو الحق الذي افترضه ولا يأثم إلا بكتمان الاجتهاد، أو تبديل خلاف ما رأى برأيه. فلما كان الإثم في تركه الاجتهاد، أو كتمانه ما أوصله إليه اجتهاده، أو استبداله، دلّ على أن ما رآه هو الحق عند الله تعالى (2).
وليس في تصويب آراء المجتهدين على اختلافها ما يدعو إلى التناقض، بدليل أن الله تعالى خير عباده في بعض الواجبات، مثل الكفارات، فما أتوه منها فهو الحق عند الله، ولو كان متضادا، كالإطعام والصيام، والتعجيل والتأجيل في الحج، ومحال أن يكلف الله ارتكاب العباد للخطإ ويقرّهم عليه، ويجعله لهم شرعًا متبعا (2). و لم يبق إلا أن جميع ما رآه المجتهدون هو الحق عند الله تعالى.
حجة المخطئة:
أما القائلون بأن الحق في، واحد ولكن لا يضيق على الناس خلافه، فاحتجوا بأن الله بكرمه ورحمته قد وسّع على عباده في أمور وكلهم الحكم فيها، وفوضه إليهم وأمرهم بالاجتهاد فيها، وجعل فرضهم الاجتهاد ثم إظهار ما رأوه، ثم العمل به. فمن لم يجتهد، أو اجتهد فلم يُظهر أو أظهر فلم يستعمل، كان
(1) - الغزالي المستصفي، ج 2، ص 367. (2) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 270.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، صحفات 270 - 271.
-561
- (1/567)
صفحة 568
مقصر ا).
أما
وجه الحق فلا يكون عند الله تعالى إلا واحدا متعينا، وذلك لاستحالة أن يكون الشيء الواحد في الزمان الواحد، في الشخص الواحد،
حلالا
و حراما (2).
ويؤيد هذا الاستدلال العقلي عمل الصحابة، فقد جرى الاختلاف بينهم في مسائل كثيرة، ولم يؤثم بعضهم بعضا، «وقد يقول أحدهم لصاحبه أخطأت في رأيي الحق، فإذا كان حقا عند الله فما باله
يخطئه؟» (3).
بل إنه حصل الإجماع من الصحابة على وجود الصواب والخطا في
الاجتهاد ().
ومن شواهد ذلك قول أبي بكر في الكلالة: "أقول في الكلالة برأيي،
فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني، وأستغفر الله (.). وروي مثله عن ابن مسعود، أنه قال في المفوضة: "أقول فيها برأيي، ورسوله، وإن كان خطأ فمنّي ومن الشيطان،
الله
فإن كان صوابا فمن والله ورسوله منه بريئان " (1). وروي عن عمر أنه قال لكاتبه اكتب" هذا ما رأى عمر، فإن كان خطأ فمنه، وإن كان صوابا فمن الله تعالى ورسوله (7).
(1) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 270.
(2)
الشوكاني، إرشاد الفحول، ص 230.
(3) - الوار جلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 271.
(4) - الشيرازي، التبصرة، ص 500.
(5)
-
ص 223.
-
(6)
أخرجه الطبري في التفسير جامع البيان، ج 8، ص 53. والبيهقي في السنن، ج 6،
سنن أبي داود حديث 2116. مسند أحمد، حديث 4079. (7) - ابن القيم أعلام الموقعين دار الجيل، بيروت 1973 م، ج 1، ص 54.
-
-562 - (1/568)
صفحة 569
وغير هذه الأمثلة من حياة الصحابة كثير، مما يدل على إجماعهم على وجود الصواب والخطا في الاجتهاد.
ويدل لذلك أيضا إجماع الأمة على وجوب النظر والاستدلال في ترتيب الأدلة، وبناء بعضها على بعض، ولو كان الجميع حقا وصوابا، لم يكن للنظر والاجتهاد معنى). ولبطلت بذلك فائدة الاعتبار والتدبر والتفكر والاستنباط (2). أما الوارجلاني فيضيف إلى هذه الاستدلالات آية من القرآن الكريم، هي قوله تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَان فِي الْحَرْثَ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ عَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدينَ (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْماً وعلماً) [سورة الأنبياء 78 - 79]
فسماها الباري حكما وعلما فماذا بعد الحكم والعلم إلا الحق، والحق سائغ في القولين جميعا، وإنما الذي لا يسوغ فأن تكون صوابها كلها، إذ لا بد من الخطا فيها عند الله، بدليل قوله "ففهمناها سليمان"» (3).
ويؤكد الوارجلاني هذا الفهم بأنه أطبقت الأمة على أن الأقاويل المختلفة وإن اختلفت أنها حكم وعلم واختلفت في الحق والصواب، فبعض أطلق على المختلفين أنهما، حق كما أنهما علم وحكم، ولم يسوّغ ضده من الباطل على واحد منهما وإلى هذا الرأي أميل، أما الخطأ والصواب؛ فأحدهما مخطئ والآخر مصيب، ولا يجتمعان»).
(1) - الشيرازي التبصرة، ص 500. (2) - ابن خلفون أجوبة ابن خلفون، ص 99.
(3) - الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2، ص 273. (4) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 3، ص 36.
-563 - (1/569)
صفحة 570
المناقشة والترجيح إن الحجج التي أوردها الغزالي لدعم رأي المصوّبة
حجج
منطقية
وجيهة، ولكنها كلها تظل رهينة النظر العقلي المجرد، لأن محاولة تنزيلها على الواقع يجعلها غير متكافئة حجة مع من قال: إن الحق في واحد،
والمخطئ سالم غير آثم.
وقد يبدو الغزالي منسجما مع تصوره في وضعه قاعدة خاصة، تتمثل في الربط بين الإثم والخطا في الاجتهاد. إذ قال: «والإثم ينتفي عن كل من جمع صفات المجتهدين، إذا تمم الاجتهاد في محله، فكل اجتهاد تام أهله وصادف محله فثمرته حق وصواب، والإثم عن المجتهد منفي. والذي نختاره أن الإثم والخطأ متلازمان فكل مخطئ آثم، وكل آثم مخطئ، ومن انتفى عنه الإثم انتفى عنه الخطأ»).
إذا صدر من
والسؤال المحرج للمصوبة هو: كيف يفسرون نص الحديث: «إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم
فله أجر» (2).؟
أخطأ
إذ هو صريح في وجود الصواب والخطا في الاجتهاد، وهو صريح أيضا في رفع الإثم عن المخطئ، وثبوت الأجر على الاجتهاد، في كلتا الحالتين، الإصابة والخطا. ويزداد أجر المصيب على ما وُفِّق إليه من إدراك وجه الصواب، ببذله جهدًا أكبر أو ازدياد فطنة ومقدرة على النظر، وسعة في العلم والعقل، وذلك فضل يؤتيه من يشاء. ولسنا ندري كيف اجتهد الإمام الغزالي وربط بين الإثم والخطا، مع هذا النص الذي يميز بينهما تمييزا يكاد يكون قاطعا، لأن الأجر
وجود
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 357.
(2) - صحيح البخاري، كتاب الاعتصام باب 21، ج 9، ص 132.
-078 -
- (1/570)
صفحة 571
والثواب لا يعطى لآثم. فكيف يكون المخطئ آثما، ومأجورا في الوقت
نفسه؟
وقد يعجب المرء حين يطالع في نهاية عرض الغزالي للآراء حول قضية المصوبة والمخطئة في الاجتهاد مما يقرره أبو حامد أن «المختار عندنا، وهو الذي نقطع به، ونخطئ المخالف فيه، أن كل مجتهد في الظنيات مصيب، وأنها ليس فيها حكم معين الله تعالى» (1). فلم خالف مبدأه وهو لم ينته بعد من تقريره وتلخيصه، فحكم
بخطا من يخالفه في هذه القضية؟
أم إنه يراها قضية قطعية لا مجال فيها للنظر والاختلاف؟ وإن كان الأمر كذلك فلم اختلف المسلمون فيها منذ عصر الصحابة والتابعين والأئمة الأعلام؟
يجيب الغزالي عن هذا التساؤل قائلا: ومن نظر في المسائل الفقهية التي لا نص فيها علم ضرورة انتفاء دليل قاطع فيها، وإذا انتفى الدليل فتكليف الإصابة من غير دليل قاطع محال، فإذا انتفى التكليف انتفى
الخطأ» (2).
وواضح أن الراجح أن أحدا لم يكلّف المجتهد الإصابة في الظنيات
حتما، وأنه لم يقل أحد بأن المخطئ آثم.
يخالفه في
وربط الغزالي بين هاتين القضيتين أداه إلى الحكم بخطا من تصويب المجتهدين. وقد بينا عدم ثبوت تلك المقدمات أمام النصوص وعمل الصحابة الذي يكاد يبلغ حد الإجماع.
بل إن الوارجلاني من طرف آخر يدرج ضمن الرأي المردود المأزور
(1) - الغزالي، المستصفي، ج 2، ص 364. (2) - الغزالي، المستصفى، ج 2، ص 364.
-565 - (1/571)
صفحة 572
صاحبه كل رأي قطع فيه الشهادة أنه حق عند الله، وقطع عذر من خالفه، أو صادم فيه الشرع، ولك في القدرية والصفرية والخوارج وأشباههم معتبر» (1). ونحن لا نملك أن تصدر على الإمام الغزالي حكما قاسيًا كهذا، وإنما نقول بأن ما أدّاه إليه اجتهاده كان عن مقدمات غير مسلّمة، فأخطأ من خالفه، وأن التصويب والتخطئة في الظنيات قضية ظنية.
تخطئة
في
ولكننا رجحنا فيه رأي الجمهور الذي تبناه الوارجلاني لاعتضاده بالحديث الصحيح، وعمل الصحابة الكرام، وطبقنا هذا الرأي الراجح على هذه القضية ذاتها، فكانت خير مثال لبيان الخطأ والصواب في
الاجتهاد.
أخيرا.
بعد هذا النقاش الهادئ والممتع نرى أنه لا ضير من الحوار بين العلماء في أي مسألة اجتهادية وقع فيها الخلاف بين الفقهاء، «بغية التعاون في البحث عن الحق الواحد في ميزان الله عز وجل» (2). فإن وصلوا إليه واتحدوا في التمسك به فذاك، وإلا فإن على كل فريق أن يُعذر الآخر، بل أن يوصيه بالعمل وفق ما دلّ عليه اجتهاده. وهذا ما يقضي به دين الله، وما يدعو إليه منهج المعرفة وقواعد
الاجتهاد التي أقرها علماء الإسلام.
(1) - الوارجلاني، الدليل والبرهان، ج 2، ص 73
(2) - البوطي السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، دار الفکر، دمشق 1988 م،
ص 195.
1099 - (1/572)
صفحة 573
الخاتمة
بعد هذه الجولة التاريخية الأصولية نرجو أن يكون هذا البحث قد كشف في نهاية المطاف جانبا من تراث وتاريخ أحد أعلام الإسلام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، وأنه أسهم حقا في إثراء المكتبة الأصولية بآرائه ومواقفه من مختلف قضايا علم الأصول. كما كشفت لنا المقارنة بين آرائه وآراء الغزالي عن مواطن الاتفاق ونقاط الاختلاف بين الرجلين. ومنطقي أن تكون أوجه الوفاق شاملة لأغلب المسائل المطروقة، ذلك أن أصول الفقه كما سلف - يعد دستور الفقه وقانون الاجتهاد، ومن خصائص القاعدة القانونية أن تكون متفقا عليها من الجميع، حتى يلتزم بها الجميع، وتتصف بالعموم في الأشخاص والزمان والمكان. وبذلك يمكن وضع تشريع فقهي واضح المعالم، أساسه أدلة
الأحكام، وحدوده قواعد الاستنباط وضوابط الاجتهاد. ويمكننا تسجيل نتائج البحث وما توصلت إليه فصول هذه الدراسة في معالم أساسية، هي:
بينت دراسة آراء أبي يعقوب أصالة فكره الأصولي، فبرغم اعتبار كتابه "العدل والإنصاف" ضمن نتاج مدرسة المتكلمين، فإنه كان لا يتحرز من إبداء رأيه، وإن خالف هذا العالم أو ذاك الاتجاه، إذ يوافق الحنفية في تقسيم السنة، إلى متواترة ومشهورة وآحادية. وفي حجية الاستحسان، كما يخالفهم في إنكارهم حجية مفهوم المخالفة، ويقف
موقفا وسطا بين المعتزلة والأشاعرة في قضية التحسين والتقبيح. كما قد ينفرد بآراء غير مرضية من الجميع، مثل إنكاره كون
-091 - (1/573)
صفحة 574
المندوب مأمورا به، وغير ذلك من المسائل التي بين البحث رأي الوارجلاني فيها، وما كان محل وفاق أو خلاف بينه وبين العلماء. - يمكن تصنيف كتاب "العدل والإنصاف" في دائرة كتب علم الأصول المقارن، التي لم تكن تلتزم حرفية قواعد مذهب فقهي بعينه، وإنما تورد الأقوال وتعتمد ما رجع بالدليل. والاتجاه إلى المقارنة في مختلف فروع الدراسات الإسلامية ضرورة تستوجبها القراءة الواعية لتراثنا الفكري بغية الاستفادة المثلى من التراث، وإزالة الجفوة المصطنعة، التي أفرزتها ظروف السياسة والتاريخ بين أبناء الأمة الإسلامية.
-
-
هذا
عمل أبو يعقوب على تأصيل كثير من القضايا الاجتهادية في الفقه الإسلامي بعامة والفقه الإباضي بخاصة مثل مسالك الدين، وأحكامها
بما يعبر عن مرونة في التعامل مع كل الظروف السياسية المتقلبة. اتفاق الوارجلاني والغزالي على ضرورة ربط قضايا الأصول بالواقع المعيش، وتوظيفها لمعالجة المشاكل الآنية التي تعرفها الساحة الفكرية والاجتماعية في العالم الإسلامي، ومن ذلك تناولهما لقضية استشراء الفكر الباطني، والسعي للحد من خطره على البناء العقدي والسلوكي للمجتمع الإسلامي.
وقوف الوارجلاني موقفا وسطا من قضية إدخال المنطق إلى أصول الفقه، رغم انتصاره للفكرة مبدئيا، فإنه أخذ جوهر المنطق، وهو استعمال الاستدلال العقلي عموما، دون الإغراق والمبالغة في إدراج اصطلاحات المناطقة في شتى المسائل الأصولية، بينما كان اتجاه الغزالي أبعد ذلك، إذ اعتمد آلة المنطق في جل مباحث كتابه، معتبرا قواعده مقدمة هامة لكل العلوم، ومن لا يحيط بها فلا ثقة بعلومه. يعتبر كتابا العدل والإنصاف والمستصفى نموذجا لتمازج علم الأصول وعلم الكلام، وتداخل قضاياهما في كثير من الأحيان، مما أنتج
من
-568 - (1/574)
صفحة 575
-
خلافات بين الأصوليين لا صلة لها بمباحث الفقه وميادين الاجتهاد التشريعي، وتجلّى هذا التداخل في مسائل عديدة تنالها كل من الوارجلاني والغزالي، بفعل اشتغالهما بعلم الكلام مما كان له أثر في كتاباتهما الأصولية.
وأبرز مثال على ذلك الخلاف حول حقيقة كلام الله تعالى، في معرض الحديث عن الأمر والنهي، والحال أن الموضوع الأساسي هو دلالة الأمر والنهي على الأحكام وأثرهما في أفعال المكلفين، من عبادات
ومعاملات.
لقد كشفت هذه الدراسة عن كثير من أخلاق العلماء التي حظي بها أبو يعقوب وأبو حامد، من أمانة في العلم، وإنصاف في الخصم، وعمق في البحث، وأدب في الحوار، وذلك شأن من لا يبتغي وراء الحق مطلبا. ويمكن اعتبار الوارجلاني بإنتاجه المتنوع، وبخاصة كتابه "العدل والإنصاف" شاهدا على الحركة العلمية النشيطة التي ازدهرت بوارجلان خلال القرن السادس الهجري، وصورة حية لكثير من القضايا الفكرية والسياسية التي ظلت تؤرق العالم الإسلامي في ذلك العصر.
أخيرا،
فإننا نرجو أن تكون هذه الدراسة فاتحة مشوقة، وخطوة تتلوها خطوات متساوقة تنطلق في مجالات رحيبة لدراسات أخرى أعمق و أشمل، تتناول تراث الوارجلاني، وما تتابع على كتابه "العدل والإنصاف" أعمال، وتمتد إلى غيرها من تراث الإباضية الذي لا يزال أغلبه دفين خزائن المخطوطات.
من
والهدف من وراء ذلك كله أن يكون نشر هذه الأبحاث دافعا لعلماء الأمة ومفكريها لتدبّر نتاج هذه المدرسة الفقهي والأصولي، ووضعه في مكانه الصحيح، الذي يقوّي الصف ويلم شعث المسلمين، في زمن هم أحوج ما يكونون فيه إلى تضافر الجهود لصدّ مكايد العدو المتربص بهم في
-079 - (1/575)
صفحة 576
- OY.
الداخل والخارج. (1/576)
صفحة 577
أولاً: المخطوطات
فهرس المصادر والمراجع
1 أبو ستة، محمد بن عمر بن عمر المحشي (1088 هـ)
-
حاشية على مختصر العدل والإنصاف، 175 ورقة، 21 سطرا.
مكتبة الحاج صالح، لعلي بني يسجن، غرداية، الجزائر. 2 - أبو عمار عبد الكافي، الوارجلاني، ت 570) (هـ) أبي عمار 6،ورقات 11 سطرا مكتبة الحاج سعيد محمد،
-
سير
غرداية، الجزائر.
- أبو اليقظان إبراهيم بن عيسي، (ت 1393 هـ / 1973 م) - الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم السداراتي الوارجلاني، 61 أحمد فصوص أوت 1966، مكتبة آل أبي اليقظان،
صفحة، نسخ
القرارة، الجزائر.
- E
اطفيشن محمد بن يوسف (ت 1332 هـ / 1914 م). - شرح شرح مختصر العدل والإنصاف 3 مجلدات، الأول 218 ورقة الثاني 349 ورقة الثالث 160 ورقة. المسطرة بين 34 و 35 سطرا، نسخ بخط المؤلف، مكتبة القطب، بني يسجن، غرداية،
الجزائر.
-
أعزام إبراهيم بن صالح، (1965 م). غصن البان في تاريخ وارجلان 198 صفحة، 23 سطرا.، نسخ بخط المؤلف، مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر. البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم، (القرن الثامن هـ). البحث الصادق والاستكشاف عن حقائق معاني كتاب العدل والإنصاف 288،ورقة المسطرة بين 28 و 35 سطرا، نسخ بابة بن
-7
- OY) - (1/577)
صفحة 578
محمد
الجزائر.
-
ربيع الأول 1179 هـ مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية،
رسالة الحقائق، 21 صفحة المسطرة 25 سطرا. مكتبة الحاج
سعيد محمد، غرداية، الجزائر.
- V
الثميني، عبد العزيز، (ت 1223 هـ / 1808 م).
- تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين 56 صفحة، المسطرة بين 35 و 37 سطرا، نسخ بخط المؤلف مكتبة الاستقامة، بني يسجن، غرداية، الجزائر.
-
الشماخي، أبو العباس أحمد بن سعيد، (ت 928 هـ). مختصر العدل والإنصاف، 16 ورقة المسطرة 22 سطرا، نسخ سعيد بن قاسم بن أبو علي، صفر 1209 هـ، مكتبة الحاج صالح لعلي، بني يسجن، غرداية، الجزائر.
شرح مختصر العدل والإنصاف 89،ورقة، المسطرة 22 سطرا.
يوجد
-9
-
المختصر، ولنفس الناسخ، والمكتبة.
المارغني، أبو عمرو عثمان بن خليفة السوفي، (القرن السادس
هـ).
رسالة في في فرق الإباضية ضمن مجموع)، 6 ورقات، المسطرة 25 سطرا. مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر. 10 الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت 570 هـ). العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف، تحقيق وتعليق د. عمرو خليفة النامي، 400 صفحة من القطع الكبير، نسخة مرقونة مصورة بمكتبة الباحث.
-
كما رجعنا إلى مخطوطتين: - الأولى: تقع في 208 ورقة مسطرتها 31 سطرا، نسخ: علي بن موسى بن علي الباروني، ذو القعدة 1183 هـ، بخط مغربي واضح،
-572 - (1/578)
صفحة 579
مكتبة الشيخ بالحاج، القرارة، الجزائر. - الثانية: تقع في 120 ورقة مسطرتها 27 سطرا، نسخ: محمد بن الحاج صالح بن إبراهيم المصعبي جمادى الأولى 1268 هـ، بخط
مغربي دقيق وواضح مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر. رسالة أبي يعقوب، 20،ورقة مسطرتها 21 سطرا، نسخت في
-
رجب 1308 هـ مكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر. القصيدة الحجازية، مخطوطة مصورة بمكتبة الحاج سعيد محمد، غرداية، الجزائر. ونسخة أخرى بخط عبد الرحمن بن عمر الحاج يوسف، بتاريخ ذي القعدة 1377 هـ، مصورة بحوزة الباحث. 11 الوسياني، أبو الربيع سليمان بن عبد السلام، (القرن السادس
هـ).
- سير الوسياني، 3،أجزاء، 182،ورقة مسطرتها 21 سطرا، مكتبة الحاج صالح لعلي بني يسجن، غرداية، الجزائر.
ثانيا: المصادر:
-1
الآمدي، أبو الحسن علي بن أبي علي بن محمد (ت 631
هـ).
- الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان،
•
1403 هـ /1983 م.
-2
ابن الأثير، أبو الحسن علي بن محمد بن محمد، (ت 630
هـ).
الكامل في التاريخ، ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان،
140 هـ / 1980 م.
ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد، (ت 456 هـ).
- الإحكام في أصول الأحكام طا، دار الآفاق الجديدة، بيروت،
-573 - (1/579)
صفحة 580
1400 هـ / 1980 م.
- {
ابن خلدون عبد الرحمن، (ت 808 هـ).
- مقدمة ابن خلدون تحقيق وشرح. د علي عبد الواحد وافي. ط 2، لجنة البيان العربي، المنيرة، مصر، 1387 هـ / 1967 م.
- كتاب العبر وديوان المبتدإ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، دار الكتاب اللبناني،
بيروت، 1978 م. ابن خلفون، أبو يعقوب يوسف القرن السادس هـ). أجوبة ابن خلفون، تحقيق وتعليق د. عمرو خليفة النامي، ط 1، دار الفتح، بيروت، لبنان، 1394 هـ / 1974 م.
-7
ابن السبكي، تاج الدين عبد الوهاب، (ت 771 هـ). طبقات الشافعية الكبرى، ط 1، المطبعة الحسينية المصرية، د. م. شعبان 1324 هـ.
-
ابن قدامة، عبد الله بن أحمد، (ت 620 هـ). روضة الناظر وجُنّة المناظر، ط ا، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1401 هـ / 1981 م.
-
-
- أبو زكرياء، يحي بن أبي بكر الوارجلاني، (ت 528 هـ). كتاب السيرة وأخبار الأئمة، تحقيق عبد الرحمن أيوب، ط 1، الدار التونسية للنشر والتوزيع، 1405 هـ / 1985 م. الأسنوي، جمال الدين عبد الرحيم بن الحسن، (ت 772
- q
-
هـ).
نهاية السول في شرح منهاج الأصول، عالم الكتب، بيروت، 1982 م) (نسخة مصورة عن طبعة المطبعة السلفية ومكتبتها
1345 هـ).
10 اطفيش محمد بن يوسف (ت 1332 هـ / 1914 م).
- OVE - (1/580)
صفحة 581
- إن لم تعرف الإباضية ياعقبي ط حجرية، ضمن مجموع، د. م.
د. ت.
- ترتيب الترتيب، ط. حجرية، د. م. محرم 1326 هـ. الرسالة الشافية في بعض التواريخ، ط حجرية، د. م.
-
رجب 1326 هـ.
11 - الأنصاري، محمد بن نظام الدين، (ت 1180 هـ). - فواتح الرحموت على مسلم الثبوت، ط بولاق، 1322 هـ، (طبع بهامش المستصفى).
12 - الباجي، أبو الوليد، سليمان بن خلف، (ت 493 هـ). - كتاب الإشارات في أصول المالكية. طع، مطبعة التليلي، تونس، 1308 هـ. (طبع بهامش الشيخ هدة السنوسي على قرة العين على الورقات للجويني).
كتاب المنهاج في ترتيب الحجاج، تحقيق د. عبد المجيد تركي،
الناشر 1978 ; G-P.Maisoneuve et Larose; Paris 13 - البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم، (القرن الثامن هـ). - الجواهر المنتقاة في إتمام ما أخل به كتاب الطبقات، ط حجرية،
د. م. 1306 هـ.
-
14 - التركي، د. عبد المجيد، مناظرات في أصول الشريعة بين ابن حزم والباجي، تحقيق وتعريب د. عبد الصبور شاهين دار الغرب الإسلامي، بيروت،
1987
15 - التلمساني، الشريف التلمساني،
-
مفتاح الوصول إلى بناء الفروع على الأصول، طاء المطبعة
الأهلية، تونس 1346 هـ، ص 91.
16 - الجعبيري، د. فرحات
-070 - (1/581)
صفحة 582
-
البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية ط 2 نشر جمعية التراث،
القرارة، غرداية، الجزائر.
- نظام العزابة عند الإباضية الوهبية في جربة، المعهد القومي للفنون والآثار، تونس 1975، 17 - الجناوني، أبو زكرياء يحي بن أبي الخير، (القرن الخامس
هـ).
كتاب الوضع، مختصر في الأصول والفقه، نشر وتعليق أبو إسحاق إبراهيم، اطفيش، مطبعة الفجالة الجديدة، القاهرة، د. ت. 18 - الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف
ت 478 هـ).
- البرهان في أصول الفقه، تحقيق د. عبد العظيم الديب، ط 1،
مطابع الدوحة الحديثة، الدوحة 1399 هـ
19 - الحصري، د. أحمد - نظرية الحكم ومصادر التشريع في أصول الفقه. ط 1، دار الكتاب العربي، بيروت، 1406 هـ / 1986 م.
-
20 - الحموي، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله،
معجم
/1967 م.
ت 626 هـ).
البلدان دار، صادر و دار، بيروت بيروت، 1376 هـ
21 - الحميري محمد بن عبد المنعم، (ت 727 هـ). الروض المعطار في خبر الأقطار، تحقيق د. إحسان عباس، مكتبة
لبنان بيروت، 1675 م.
22 الخراساني، أبو غانم بشر بن غانم (القرن الثاني هـ). - المدونة الكبرى ترتيب وشرح امحمد بن يوسف اطفيش، مخطوط مصور بدار اليقظة، بيروت، لبنان، 1394 هـ / 1974 م.
-576 - (1/582)
صفحة 583
23 - خليفات، د. عوض محمد.
الأصول التاريخية للفرقة الإباضية، ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان، د. ت.
-
-
نشأة الحركة الإباضية مطابع دار الشعب، عمّان، 1978 م. النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال إفريقية، ط 1،
شركة المطابع النموذجية، عمّان، 1982 م.
24 - الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد، (ت 670 هـ). طبقات المشايخ بالمغرب، تحقيق إبراهيم طلاي. ط 1، دار البعث،
-
قسنطينة، د. ت. وقد صدر الكتاب سنة 1974 م.
25 - الدريني، د. محمد فتحي. - المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي. ط 2، الشركة المتحدة للتوزيع، دمشق، 1405 هـ / 1985 م. 26 - الربيع بن حبيب بن عمر الأزدي الفراهيدي، (القرن الثاني
-
هـ).
الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، ترتيب أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني، ط 2، المطبعة السلفية، القاهرة،
1349 هـ.
27 - الزحيلي، د، محمد مصطفي،
-
أصول الفقه الإسلامي. مطبعة جامعة دمشق، 1406 -
1407 هـ / 1986 - 1987 م.
28 - الزحيلي، د. وهبة مصطفى،
-
الوسيط في أصول الفقه الإسلامي، دار المستقبل للطباعة،
مطبوعات جامعة دمشق، 1406 - 1407 هـ / 1986 - 1987 م.
29 - زيدان، د. عبد الكريم. - الوجيز في أصول الفقه، ط 1، دار النذير للطباعة والنشر والتوزيع،
- OVY - (1/583)
صفحة 584
بغداد، 1382 هـ /1962 م.
الله 30 - السالمي، عبد بن حميد، (ت 1332 هـ / 1914 م). - حاشية الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب، الجزء الأول، والجزء الثاني، مطبعة الأزهار البارونية، القاهرة، 1326 هـ. حاشية الجامع الصحيح مسند الربيع بن حبيب الجزء الثالث تحقيق عز الدين التنوخي، المطبعة العمومية، دمشق، 1383 هـ / 1963 م. طلعة الشمس على الألفية، ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة،
-
سلطنة عمان، 1405 هـ / 1985 م. - اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، ضمن مجموع، د. م.؛ د. ت. 31 - السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، (ت 490
-
هـ).
أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة، بيروت،
د. ت.
32 - الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى، (ت 790 هـ). - الموافقات في أصول الشريعة، تحقيق وشرح عبد الله دراز، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، د. ت.
33 - الشافعي، محمد بن إدريس، (ت 204 هـ).
- الرسالة، تحقيق وشرح أحمد محمد شاکر، د. م. د. ت. 34 - الشماخي، أبو العباس أحمد بن سعيد، وداود بن إبراهيم
-
التلاتي.
مقدمة التوحيد وشروحها، تصحيح وتعليق أبو إسحاق إبراهيم اطفيش طا، القاهرة 1353 هـ.
35 الشوكاني محمد بن علي بن محمد، (ت 1255 هـ). إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، إدارة الطباعة
-
المنيرية، بمصر، 1347 هـ.
- OVA - (1/584)
صفحة 585
36 - صالح، د. محمد أديب.
-
تفسير النصوص في الفقه الإسلامي، (رسالة دكتوراه). ط 3،
المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، 1409 هـ / 1989 م. 37 - الصوافي، د. صالح بن أحمد. - الإمام جابر بن زيد وآثاره في الدعوة (رسالة ماجستير). ط 2، وزارة التراث القومي والثقافة سلطنة عمان
1409 هـ / 1989 م.
38 - طالبي، طالبي، د. عمار.
-
مسقط
آراء الخوارج الكلامية، تحقيقة كتاب الموجز لأبي عمار عبد الكافي، (رسالة دكتوراه مطابع الشروق، بيروت، نشر الشركة
39 -
الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر، 1398 هـ / 1978 م. الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ته. ه هـ). المستصفى من علم الأصول، ط 1، المطبعية الأميرية، بولاق، مصر، نشر دار صادر، د. م.؛ د. ت.
-
-
المنخول من تعليق الأصول تحقيق د. محمد حسن هيتو، دار
الفكر، بيروت، د. ت.
40 - الكباوي، عمر مسعود أبو القاسم.
الربيع بن حبيب، محدثا رسالة ماجستير، كلية التربية جامع الفاتح، طرابلس د. ت الرسالة مصورة بحوزتي.
41 - كسبة د. محمد حسان. - الإباضية وعقيدتهم رسالة دكتوراه بكلية اصول الدين بالأزهر، 1399 هـ 1979 م، الرسالة مصورة بمكتبة الحاج سعيد محمد،
غرداية، الجزائر.
---
42 - المالكي، أبو مالك عمر بن خميس،
-
- موارد الألطاف بنظم مختصر العدل والإنصاف وزارة التراث
-579 - (1/585)
صفحة 586
القومي والثقافة سلطنة عمان، 1405 هـ / 1985 م. 43 - معمر، علي يحي (ت 1400 هـ / 1980 م).
- الإباضية دراسة مركزة في أصولهم وتاريخهم، المطبعة العربية،
غرداية، 1985 م.
-
الإباضية بين الفرق الإسلامية، طا، مكتبة وهبة، القاهرة،
1396 هـ / 1976 م.
- الإباضية في موكب التاريخ
- الحلقة الأولى نشأة المذهب الإباضي، طا، مكتبة وهبة، القاهرة،
1964 م.
- الحلقة الثالثة الإباضية في تونس، ط 1، دار الثقافة، بيروت، لبنان، 1385 هـ / 1965 م.
-
أحمد عمر
الحلقة الرابعة الإباضية في الجزائر، ط 2، تصحيح أوبكة، المطبعة العربية، غرداية 1985 م. 44 - الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم: (ت 570 هـ). الدليل لأهل العقول لباغي السبيل بنور الدليل، ط حجرية،
-
المطبعة البارونية، القاهرة، 1306 هـ.
ثالثا: المراجع:
-
-1
-
ابن الأثير، علب بن محمد بن محمد (ت 630 هـ). - أسد الغابة في معرفة الصحابة. انتشارات إسماعيليات، طهران،
د. ت.
-2
ابن بركة، أبو محمد عبد الله البهلوي، (ت أواخر القرن
هـ).
- كتاب الجامع، تحقيق وتعليق عيسى يحي الباروني، ط 2، دار الفتح، بيروت، لبنان، 1394 هـ / 1974 م. (1/586)
صفحة 587
-3
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني، (ت 852 هـ). - تهذيب التهذيب ط 1، مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدر أباد الدكن، 1325 هـ.
- {
ابن حنبل، أحمد، (ت 241 هـ).
المسند، طع، المكتب الإسلامي، بيروت، 1403 هـ 1983 م.
-
ابن خلكان أبو العباس أحمد بن محمد، (ت 681 هـ).
- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت، د. ت.
-7
ابن عاشور، محمد الطاهر.
- أليس الصبح بقريب الشركة التونسية للتوزيع، تونس، 1967 م.
-
-7
ابن عذارى، المراكشي. البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب تحقيق د. إحسان عباس و آخرين، ط 3 دار الثقافة، بيروت، 1983 م.
-^
ابن القيم أبو عبد الله محمد بن أبي بكر، (ت 751 هـ). - إعلام الموقعين عن رب العالمين مراجعة وتعليق طه عبد الرؤوف سعد،
دار الجيل، بيروت، لبنان، 1973 م.
- q
ابن منظور، محمد بن علي بن أحمد، (ت 711 هـ).
- لسان العرب المحيط إعداد وتصنيف يوسف، خياط دار لسان العرب، بيروت، لبنان، د. ت.
10 - ابن يوسف، د. إبراهيم.
- الحكم والسياسة في الإسلام من منظور الإباضية، مطبعة تقنية الألوان، الجزائر. 1991 م.
-
11 - ابن يوسف سليمان بن داود. (ت 1992 م).
مجهودات الدولة الرستمية في نشر الحضارة وتركيزها، ضمن أعمال محاضرات ومناقشات الملتقى 11 للفكر الإسلامي، ورجلان
-011 - (1/587)
صفحة 588
(صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م)، نشر وزارة الشؤون الدينية، الجزائر،
1984 م.
-
12 - أبو خزر يغلا بن، زلتاف، (القرن الثالث هـ).
- الرد على جميع المخالفين، تحقيق د. عمرو خليفة النامي، بحث مرقون مصورة بحوزتي.
-
13 أبو داود السجستاني، (ت 388 هـ).
سنن أبي داود، وبهامشه معالم السنن شرح سنن أبي داود لأبي سليمان الخطابي، طبع وتحقيق محمد راغب الطباخ المطبعة العلمية، حلب،
1352 هـ / 1984 م.
14 - أبو رزاق، د. أحمد
بن
محمد.
الأدب في عصر دولة بين حماد الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،
الجزائر، 1979 م. 15 أبو ريان، د. محمد علي.
- تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار النهضة العربية، بيروت، 1976 م. 16 - أبو سليمان، د. عبد الوهاب إبراهيم.
الفكر الأصولي، دراسة تحليلية نقدية ط 2 دار الشروق، جدة، 1404 هـ / 1984 م.
17 - أبو اليقظان إبراهيم بن عيسي، (ت 1973 م). سليمان الباروني باشا في أطوار حياته المطبعة العربية، الجزائرن 1376 هـ /1956 م.
-
-
18 - الإدريسي، أبو عبد الله محمد الشريف، (القرن السادس
هـ).
المغرب العربي من كتاب نزهة المشتاق تحقيق محمد حاج صادق،
ديوان المطبوعات الجامعية، الجز ائر، 1983 م.
19 - إسماعيل، د. شعبان محمد.
- DAY- (1/588)
صفحة 589
- الأحاديث القدسية ومنزلتها في التشريع دار الشهاب، باتنة، الجزائر،
1988 م.
20 - إسماعيل، د. محمود.
- الخوارج في المغرب الإسلامي، (رسالة دكتوراه)، دار العودة، بيروت، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1976 م.
21 - اطفيش أبو إسحاق إبراهيم، (ت 1965 م).
الدعاية إلى سبيل المؤمنين، المطبعة السلفية ومكتبتها، القاهرة
1342 هـ / 1923 م
22 - الأعسم، د. عبد الأمير.
الفيلسوف الغزالي، إعادة تقويم لمنحنى تطوره الروحي، ط 2، دار
الأندلس، بيروت، لبنان، 1981 م. 23 - أعوشت، بكير بن سعيد.
-
أبو يعقوب يوسف الوارجلاني والمدارس الكلامية الإسلامية. المطبعة
العربية غرداية، 1987 م.
24 - با، عمر بن الحاج محمد صالح.
دراسة في الفكر الإباضي، تقديم وتعليق
مسقط عمان، 1407 هـ / 1987 م.
25 بابا عمي، محمد بن موسى.
أحمد بن سعود السيابي، ط 1،
- أصالة الفكر الفلسفي عند الوارجلاني، بحث مرقون بحوزة كاتبه.
-
26 - باجية، صالح
الإباضية بالجريد في العصور الإسلامية الأولى، طا، دار بوسلامة
للطباعة والنشر والتوزيع، تونس، 1396 هـ / 1976 م.
27 - الباروني، سليمان
بن عبد الله، ت 1914 م).
الأزهار الرياضية في أئمة وملوك الإباضية مطبعة الزهار البارونية،
القاهرة، د. ت.
-583 - (1/589)
صفحة 590
28 - الباروني، عبد الله بن يحي،
- سلّم العامة والمبتدئين إلى معرفة أئمة الدين. مطبعة النجاح، مصر، ذو
الحجة، 1324 هـ.
29 - بجاز، إبراهيم بن بكير.
- الدولة الرستمية دراسة في الأوضاع الاقتصادية والحياة الفكرية. ط 1،
مطبعة لافوميك، الجزائر، 1985 م.
-
30 البخاري عبد العزيز (ت 730 هـ).
كشف الأسرار على أصول البزدوي طبع مكتب الصنائع، د. م.
1307 هـ.
-
31 - البخاري، أبو عبد الله محمد بن إسماعيل. (ت 256 هـ). صحيح البخاري، دار إحياء التراث العربي، بيروت، لبنان، د. ت. 32 - بدوي، د. إبراهيم عبد العزيز. - دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، المنعقدة بجامعة السلطان قابوس، (شعبان 1408 هـ / أفريل (1988 م، صفحات 717 - 766 نشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية سلطنة عمان، 1410 هـ / 1990 م.
33 بروکلمان کارل - تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس، ومنير البعلبكي، طو، دار العلم للملايين، بيروت، 1981 م.
34 - البكري، أبو عبيد
الله
بن عبد العزيز، (ت 487 هـ).
المغرب في ذكر بلاد إفريقية والمغرب، وهو جزء من كتاب المسالك والممالك، تحقيق البارون دوسلان مطبعة الحكومة، الجزائر 1857 م. 35 بكوش، يحي بن محمد
- التواجد الإباضي بالأندلس، المطبوعات الجميلة، الجزائر. د. ت. 36 - بلحميسي، د. مولاي.
-584 - (1/590)
صفحة 591
- ovo-
مدينة ورقلة في رحلة العياشي، مجلة الأصالة ع 41
(محرم 1397 هـ / جانفي (1977 م) وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية،
الجزائر، صفحات 60 - 70. 37 - بلغراد. د. محمد
-
الحركة الإباضية في تاهرت وسدراتة، مجلة الأصالة ع 41 (محرم 1397 هـ / جانفي (1977 م) وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية،
-
الجزائر، صفحات 43 - 50.
38 - بوسعيد، صالح.
دراسة وتحقيق كتاب الدليل والبرهان لأبي يعقوب الوارجلاني. (رسالة دكتوراه الحلقة الثالثة المعهد الأعلى لأصول الدين، الكلية الزيتونية، تونس، د. ت.
-
39 - البوطي، د. محمد سعيد رمضانز
السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، طا، دار الفكر،
دمشق، 1408 هـ / 1988 م.
-
40 - بونار، رابح.
المغرب العربي، تاريخه وثقافته. ط 2، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،
الجزائر، 1981. 41 - تادوز ليفيتسكي.
- دائرة المعارف الإسلامية مادة "إباضية"، ومادة "حلقة". 42 - الترمذي، أبو عيسى بن عيسى (ت 297 هـ).
-
سنن الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر دار إحياء التراث العربي،
بيروت، د. ت.
-
43 - الجابري، د. محمد عابد.
الفقه والعقل والسياسة. مجلة الفكر العربي المعاصر، ع 24، (شباط 1983) صفحات 17 - 27 مركز الإنما العربي، بيروت. (1/591)
صفحة 592
44 - الجعبيري، فرحات بن علي.
- دور المدرسة الإباضية في الفقه والحضارة الإسلامية. ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، المنعقدة بجامعة السلطان قابوس، (شعبان 1408 هـ / أفريل (1988 م، ط 1 نشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية،
سلطنة عمان، 1410 هـ / 1990 م.
45 - الجنحاني، د. الحبيب.
- دراسات مغربية في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي للمغرب الإسلامي، طر، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1980.
-
ا المغرب الإسلامي، الحياة الاقتصادية والاجتماعية (3 - 4 هـ / 9 - 10 م). الدار التونسية للنشر والتوزيع تونس الشركة الوطنية للنشر والتوزيع،
الجزائر، 1389 هـ / 1978 م. 46 - جهلان عدون.
- الفكر السياسي عند الإباضية رسالة ماجستير)، نشر جمعية التراث،
القرارة، الجزائر، د. ت.
الله
بن يوسف، (ت 478 هـ).
47 - الجويني، عبد الملك بن عبد الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. تحقيق وتعليق د. محمد يوسف موسى، وعلي عبد المنعم عبد الحميد. مكتبة الخانجي، القاهرة،
-
1369 هـ / 1950 م.
-
48 - الجيلالي، عبد الرحمن.
أبو يعقوب يوسف الوارجلاني وكتابه الدليل والبرهان، مجلة الأصالة ع 41 (محرم 1397 هـ / جانفي (1977 م) وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر، صفحات 162 - 170.
- تاريخ الجزائر العام ط 6، دار الثقافة، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
-
-
49 الحارثي، سالم بن حمد بن سليمان (ت 2006 م). العقود الفضية في أصول الإباضية وزارة التراث القومي والثقافة،
1019 - (1/592)
صفحة 593
سلطنة عمان، 1403 هـ / 1983 م. 50 الحجازي، أبو محمد، وآخرون.
- المغرب في حلى المغرب تحقيق شوقي ضيف، دار المعارف بمصر،
د. ت.
51 - حسن، جمال الدين بوقلي.
- قضايا فلسفية، ط 3، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1984.
-
52 - حسن، د. حسن إبراهيم.
- تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي. ج 4،
مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1968.
-
53 - د. حسين أحمد إلياس.
- دور فقهاء الإباضية في إسلام مملكة مالي قبل القرن 13 الميلادي. ضمن أعمال ندوة "العلماء الأفارقة ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية" المنعقدة بالخرطوم، يوليو 1983 م. إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة جامعة أم درمان طبع بغداد 1405 هـ / 1985 م، صفحات
والعلوم مع
107 - 91
54 - الخضري، محمد
- أصول الفقه الإسلامي، ط 1، مطبعة الجمالية، بمصر، 1329 هـ. تاريخ التشريع الإسلامي، ط ع المكتبة التجارية الكبرى بمصر،
-
1353 هـ / 1934 م.
هه خلاف، عبد الوهاب.
- علم أصول الفقه طا في الجزائر، الزهراء للنشر والتوزيع، الجزائر،
1990
56 - دبوز، محمد علي. (ت 1981 م).
- تاريخ المغرب الكبير، ج، طا، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة،
1383 هـ / 1963 م.
587 (1/593)
صفحة 594
-
-57
101
نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 1، المطبعة
التعاونية، د. م. 1385 هـ / 1965 م.
دي بور، ت.
ج.
T.J De Beor
- تاريخ الفلسفة في الإسلام ترجمة د. محمد عبد الهادي أبو رية، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1377 هـ / 1957 م.
-
الله
59 الراشدي، مبارك بن عبد نشأة التدوين للفقه واستمراره عبد العصور ضمن أعمال ندوة الفقه الإسلامي، المنعقدة بجامعة السلطان قابوس شعبان 1408 هـ / أفريل 1988 م)،ط 1 نشر وزارة العدل والأوقاف والشؤون الإسلامية، سلطنة عمان، 1410 هـ / 1990 م، صفحات 201 - 230.
-
60 - الراوي، د. عبد الستار.
العقل والحرية دراسة في فكر القاضي عبد الجبار المعتزلي، ط 1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 1400 هـ / 1980 م.
-
61 - الزرقاء، أحمد (ت 1357 هـ).
شرح القواعد الفقهية، طا، دار الغرب الإسلامي، بيروت،
1403 هـ / 1983 م.
62 - الزركلي، خير الدين.
- الأعلام، قاموس تراجم، ط 3، بيروت، 1969 م.
63 - سالم، د. سالم عبد العزيز.
- تاريخ المغرب الكبير، ج 2، العصر الإسلامي، دار النهضة العربية،
بيروت، 1981.
64 - سزكين، فؤاد
تاريخ التراث العربي، ترجمة د. محمود فهمي حجازي، د. فهمي أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1977.
65 - سعيدوني، د. ناصر الدين.
- OAA-
- (1/594)
صفحة 595
-
ورقلة ومنطقتها في العهد العثماني، مجلة الأصالة ع 41 (محرم 1397 هـ / جانفي (1977 م) وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية،،الجزائر، صفحات 71 - 95.
66 - سلفادور غوميث نوغاليس (دكتور).
الرستميون كحلقة وصل بين الجزائر والأندلس، ضمن محاضرات ومناقشات الملتقى 11 للفكر الإسلامي، ورجلان، (صفر 1397 هـ / فبراير (1977 م)، نشر وزارة الشؤون الدينية الجزائر، 1984 م. صفحات
257 - 273
67 - شرارة، عبد اللطيف.
ابن حزم، رائد الفكر العلمي، المكتب التجاري للطباعة والنشر
والتوزيع، بيروت، د. ت.
68 - الشكعة، د. مصطفى.
- إسلام بلا مذاهب الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 1407 هـ / 1987 م. 69 - الشنقيطي، محمد الأمين.
- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، ج 10، عالم الكتب، بيروت،
د. ت.
- مذكرة أصول الفقه الدار السلفية، الجزائر. د. ت.
70 الشهرستاني، أبو الفتح محمد بن عبد الكريم، (ت 548 هـ). - الملل والنحل، تصحيح وتعليق الشيخ أحمد فهمي محمد، طا، مكتبة الحسين التجارية، القاهرة، 1368 هـ / 1948 م.
71 - عبد الحميد، د. سعد زغلول.
- تاريخ المغرب الكبير، ط 2، منشأة المعارف، الإسكندرية، 1979.
72 - عبد المطلب، رفعت فوزي.
- الخلافة والخوارج في المغرب الإسلامي، الصراع بينهما حتى قيام دولة
الأغالبة، ط 1، د. م. 1393 هـ 1973 م.
-019 - (1/595)
صفحة 596
73 - العربي، إسماعيل.
- الصحراء الكبرى وشواطئها المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1983. 74 - عفيفي، أبو العلاء.
-
المنطق التوجيهي، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1951. 75 علي الجارم، ومصطفى أمين.
- البلاغة الواضحة، ط 12، دار المعارف بمصر، 1375 هـ / 1956 م. الله 76 - علي حسب
-
أصول التشريع الإسلامي. ط 3 دار المعارف بمصر،
1383 هـ / 1964 م. 77 - العوامر، إبراهيم بن محمد الساسي، (ت 1934 م).
- الصروف في تاريخ الصحراء وسوف الدار التونسية للنشر، تونس، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع الجزائر تونس 1397 هـ / 1977 م.
•
78 - العياشي، أبو سالم عبد الله
ت 1090 هـ).
محمد
بن
بن
أبي بكر
الرحلة المسماة بماء الموائد، ط حجرية، فاس، رمضان
1316 هـ / 1898 م.
-
79 - فخار. د. إبراهيم
تجارة القوافل في العصر الوسيط، ودور التجار الليبيين في حضارة الصحراء الكبرى ضمن أعمال ندوة "تجارة القوافل ودورها الحضاري حتى نهاية القرن 19 صفحات 47 - 68.
80 - الفيروز أبادي.
القاموس المحيط، طه، المكتبة التجارية الكبرى، بمصر،
1373 هـ / 1954 م.
81 - لقبال. د. موسى
- من قضايا التاريخ الرستمي، مكتبة المعصومة بتاهرت، هل أحرقت أو
-09.
- (1/596)
صفحة 597
نُقلت عيونها إلى سدراتة في جوار بني وارجلان؟ مجلة الأصالة ع 41 (محرم 1397 هـ / جانفي (1977 م) وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية، الجزائر، صفحات 51 - 59.
82 - ماريا خيسوس فيغيرا (دكتورة)
- محمد وعبد الرحمن بن رستم في قرطبة ضمن محاضرات ومناقشات الملتقى 11 للفكر الإسلامي، ورجلان (صفر 1397 هـ / فبراير 1977 م)، نشر وزارة الشؤون الدينية الجزائر، 1984 م. صفحات 275 - 298. 83 - المجدوب، عبد العزيز.
-
الصراع المذهبي بإفريقيا إلى قيام الدولة الزيرية، الدار التونسية للنشر،
تونس، 1395 هـ / 1975 م.
84 - المدني، أحمد توفيق
- كتاب الجزائر. المطبعة العربية، الجزائر، 1350 هـ.
85 مزهودي، مسعود.
- الإباضية في المغرب الأوسط منذ سقوط الدولة الرستمية إلى هجرة بني هلال إلى بلاد المغرب، (296 - 442 هـ / 909 - 1085 م) (رسالة ماجستير)
جامعة القاهرة كلية الآداب قسم التاريخ، 1409 هـ / 1989 م. 86،مسلم أبو الحسين مسلم بن الحجاج النيسابوري، (ت 261
هـ).
صحيح مسلم بشرح النووي، ط 1، المطبعة الأهلية بالأزهر، 1347 هـ / 1929 م.
-
87 - المصلح، عبد الرحمن أبو بكر.
الإباضية عقيدة وفكرا، رسالة ماجستير كلية أصول الدين، جامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 1402 هـ / 1982 م.
-88 - المطيعي، محمد بخيت. - سلم الوصول لشرح نهاية السول، طبع بهامش نهاية السول، دار عالم
-091 - (1/597)
صفحة 598
الكتب، بيروت، 1982.
-
-19
المنجد في اللغة والأعلام، ط 21 دار المشرق، بيروت،
1973
90 - موسى، عز الدين أحمد
النشاط الاقتصادي في المغرب الإسلامي خلال القرن السادس الهجري، طا، دار الشروق، بيروت، 1403 هـ / 1983 م.
-
ضمن
انتشار الإسلام في غرب إفريقيا حتى القرن السادس عشر الميلادي، أعمال ندوة العلماء الأفارقة ومساهمتهم في الحضارة العربية الإسلامية" المنعقدة بالخرطوم، يوليو 1983 م. إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مع جامعة أم درمان طبع بغداد 1405 هـ / 1985 م. 91 - الميلي، مبارك بن محمد.
- تاريخ الجزائر في القديم والحديث المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر،
1989
92 - ناصر، د. محمد.
- حلقة العزابة ودورها في بناء المجتمع المسجدي، نشر جمعية التراث القرارة، غرداية، الجزائر. 1410 هـ / 1989 م.
-
93 - النامي، د. عمرو خليفة.
ملامح عن الحركة العلمية بوارجلان ونواحيها منذ انتهاء الدولة الرستمية حتى أواخر القرن السادس الهجري. ضمن محاضرات ومناقشات الملتقى 11 للفكر الإسلامي، ورجلان، (صفر) 1397 هـ / فبراير (1977 م)، نشر وزارة الشؤون الدينية، الجزائر، 1984 م. صفحات 119/ 97. 94 - النجار، د. عبد المجيد. - المهدي بن تومرت ط 1 دار الغرب الإسلامي، بيروت، لبنان، 1985. 95 - النسائي، سنن النسائي، بشرح السيوطي، ط 1، دار المعرفة، بيروت، لبنان،
-091 - (1/598)
صفحة 599
1411 هـ/1991 م.
-
96 - النشار، د. علي سامي.
مناهج البحث عند مفكري الإسلام، ونقد المسلمين للمنطق الأرسططاليسي، ط 1، دار الفكر العربي، القاهرة، 1367 هـ / 1947 م.
-
-97 النمر، د. عبد المنعم.
-
- الاجتهاد، ط 1، دار الشروق القاهرة، بيروت، 1406 هـ / 1986 م. 98 النويري، شهاب الدين أحمد بن عبد الوهاب، (ت 733 هـ). نهاية الأرب في فنون الأدب، ج 24، تحقيق د. حسين نصار، د، عبد العزيز الأهواني، نشر المجلس الأعلى للثقافة والهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1403 هـ 1983 م.
—
99 - نويهض، عادل
معجم أعلام الجزائر من صدر الإسلام إلى العصر الحاضر، ط 2، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة النشر، بيروت، لبنان،
1400 هـ / 1980 م. معجم المفسرين من صدر الإسلام إلى العصر الحاضر، طا، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، بيروت،
-
1404 هـ / 1984 م. 100 - الهاشمي، أحمد.
- ميزان الذهب في صناعة شعر العرب، مطبعة السعادة مصر، د. ت
-
101 - هويدي، د. يحي
لبنان
تاريخ فلسفة الإسلام في القارة الإفريقية، مكتبة النهضة المصرية،
القاهرة، 1965.
102 - الهيثمي، علي بن أبي بكر، (ت 807 هـ).
مجمع الزوائد ومنبع الفوائد ط 3، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 1402 هـ / 1982 م.
-593 - (1/599)
صفحة 600
-
103 - وجدي، محمد فريد
- دائرة معارف القرن العشرين، ط 3 دار المعرفة، بيروت، لبنان، 1971.
104 - الوزان الحسن بن محمد (ليون الإفريقي).
- وصف إفريقيا، ترجمة د. محمد الحجي، و د. محمد الأخضر، ط 3، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1983.
100 - ونسنك د أ ي ولفيف من المستشرقين
- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، ليدن، 1936 106 - يوسف، جودت عبد الكريم.
—
العلاقات الخارجية للدولة الرستمية، المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر،
1 - A.K. ENNAMI.
رابعا: المراجع الأجنبية:
1984
- discription of new Ibadi manuscripts from North Africa, journal of semitic, vol:15, N:1, spring: 1970, pp 63 - 87.
-
Studies in Ibadism, a thesis submitted for university of Cambridge for the degree of doctor ot philosophy, May 171.
2 - GERAR DANGEL.
L'imamt ibadite de Tahert (761 - 909) Thèse prèparèe pour le Doctorat de troisième cyclen. Univèrsite des sciences humaines de Strasbourg; 1977.
3 - JEAN LETHIELLEUX
Ouargla; citè saharienne dès origines au début de 20 eme siècle. Guethner; Paris 1984.
4 - JOSEPH SHACHT
Bibliothèques et manuscrits abadites; Revue africaine. Tome 100; Alger ; pp 375 - 398.
-594 - (1/600)
صفحة 601
5 - TADEUSZ LEWICKI
- Etude Magribines et Soudanaises; Acadèmie Polonaise des scienses; Comitè des ètudes Orientales; Varsovie; 1976.
- Les historiens Biographes et Traditionnistes Ibadites- Wahbites de l'Afrique du nord de geme Au au 16 eme siécle, Extrait des Folio Oriontalia, vol 8, 1961, Karakov, 1962, pp 1 - 134.
Une cronique ibadite: "Kitab as- sijar" d'Abi'l Abbas asshamakhi, éxtrait de la revue des Etudes Islamiques; année 1934, cahier 1, Librairie Orientaliste Paul Geuthner, Paris 1934.
6 - ZYGMUNT SMOGORZEWSKI
Apérçu général des écrits Abadies, Zrodla abadyckie do historji ?slamu (w. zarysie), Lewow- warszawa.
Krakov;1962.
- Essai de bio-bibliographi ibadite-Wahbite. Avant-propos. Article dans "ROCZNIK ORIONTALISTYCZNY", tome 5, 1927, pp 45 - 57.
-090 - (1/601)
صفحة 602
المقدمة
إطار البحث. ...
منهج
البحث
فهرس الموضوعات
المصادر عرض وتحليل:
الباب الأول عصر الوارجلاني وشخصيته
الفصل الأول عصر الوارجلاني.
تمهيد: حول موقع وارجلان وسدراتة ونشأتها وسكانها ...... المبحث الأول الحياة السياسية
تمهيد: أوضاع المغرب والعالم الإسلامي في القرنين الخامس والسادس الهجريين 26 المطلب الأول: أثر موقع وارجلان على وضعها السياسي
المطلب الثاني: علاقة وارجلان بدول المغرب الإسلامي.
المطلب الثالث وارجلان تحت نظام العزابة
المبحث الثاني الحياة الدينية والاجتماعية
المطلب الأول: الجانب الديني المطلب الثاني: الجانب الاجتماعي
المطلب الثالث: الجانب الاقتصادي والعمراني
المبحث الثالث الحياة العلمية
المطلب الأول: جذور الحركة العلمية بوارجلان المطلب الثاني: دور حلقة العزابة في الحركة العلمية:
المطلب الثالث: مظاهر الحركة العلمية بوارجلان
المطلب الرابع: أبرز العلماء .. وارجلان .... الفصل الثاني شخصية الوارجلاني
المبحث الأول نشأة الوارجلاني (1/602)
صفحة 603
تمهيد: ندرة المعلومات حول الوار
المطلب الأول: اسمه ونسبه
المطلب الثاني: مولده ووفاته المطلب الثالث: نشأته
المطلب الرابع شيوخه ..
المطلب الخامس معاصروه .. المطلب السادس: أخلاقه.
المبحث الثاني رحلات الوارجلاني
تمهيد: أهمية الرحلات في التكوين العلمي. المطلب الأول: رحلته إلى الأندلس ...
المطلب الثاني: رحلته إلى السودان
المطلب الثالث: رحلته إلى المشرق
المبحث الثالث آثار الوارجلاني
المطلب الأول: تلاميذ الوارجلاني
المطلب الثاني: إنتاج الوارجلاني
المطلب الثالث: نظرته إلى بعض العلوم
الفصل الثالث كتابه العدل والإنصاف
تمهيد: أماكن وجود الكتاب ونسخه المخطوطة والمطبوعة ...... المبحث الأول محتوى كتاب العدل والإنصاف ومنهجه ........ 175 المطلب الأول: عرض محتوى كتاب العدل والإنصاف .... 175 المطلب الثاني: العدل والإنصاف منهجًا وأسلوبًا.
المبحث الثاني أهمية كتاب العدل والإنصاف ... المطلب الأول: تطور علم الأصول ومنزلة الكتاب
المطلب الثاني: الأعمال التي تتابعت على العدل والإنصاف 195 المبحث الثالث المقارنة بين العدل والإنصاف وبين المستصفى .. 212
المطلب الأول: ترجمة الغزالي وآثاره (1/603)
صفحة 604
المطلب الثاني: المستصفى أهميته منهجه، وخصائصه ....
المطلب الثالث: دواعي المقارنة بين الكتابين
الباب الثاني آراء الوارجلاني الأصولية
تمهيد: أقسام العلوم وعلاقة علم بعلمي الكلام والمنطق الفصل الأول الحكم الشرعي
تمهيد: الحكم الشرعي وأركانه
المبحث الأول الحاكم
المطلب الأول: هل التحسين والتقبيح شرعيان أم عقليان؟
المطلب الثاني: نتائج الخلاف في التحسين والتقبيح المبحث الثاني المحكوم به
المطلب الأول: تعريف الأحكام الخمسة.
المطلب الثاني: بعض أقسام الواجب
المطلب الثالث: هل المباح حكم شرعي أم عقلي؟
المبحث الثالث المحكوم فيه والمحكوم عليه
المطلب الأول: المحكوم فيه
المطلب الثاني: المحكوم عليه
الفصل الثاني أدلة الأحكام
تمهيد: تعريف الدليل، ومنهج الوارجلاني في تقسيم الأدلة
المبحث الأول دليل الكتاب
المطلب الأول: تعريف الكتاب
المطلب الثاني: حقيقة الكتاب
المطلب الثالث: هل القرآني كله عربي؟
المبحث الثاني دليل السنة.
المطلب الأول: تعريف السنة وحجيتها
المطلب الثاني: أنواع الأخبار ومراتب السنة المطلب الثالث: ماذا تفيده السنة الصحيحة. (1/604)
صفحة 605
المطلب الرابع: شروط رواة الحديث
المبحث الثالث دليل الإجماع تمهيد أهمية الإجماع.
المطلب الأول: تعريف الإجماع وأركانه المطلب الثاني: حجية الإجماع
المطلب الثالث: حقيقة الإجماع بين التصور والواقع
المطلب الرابع: الإجماع وخبر الأحاد .....
المبحث الرابع دليل القياس
المطلب الأول: تعريف القياس وأركانه وشروطها.
المطلب الثاني: حجية القياس
المطلب الثالث: أنواع القياس وأقسامه
خاتمة: التقويم العلمي للقياس الأصولي المبحث الخامس الأدلة المختلف فيها تمهيد مفهوم الاستدلال.
المطلب الأول: الاستصحاب
المطلب الثاني: الاستحسان ....
الفصل الثالث استنباط الأحكام.
المبحث التمهيدي قضايا اللغة ودلالات الألفاظ المطلب الأول: علاقة أصول الفقه بمباحث اللغة:
المطلب الثاني: هل كانت بداية اللغة توقيفا أم مواضعة؟ المطلب الثالث: هل يجوز القياس في اللغة؟ المبحث الأول وضوح وخفاء الألفاظ وطرق الدلالات ........ 415
المطلب الأول: الوضوح والخفاء في الألفاظ
المطلب الثاني: طرق دلالات الألفاظ.
المبحث الثاني العموم والخصوص
تمهيد أهمية العموم والخصوص في تفسير النصوص (1/605)
صفحة 606
المطلب الأول: العام
المطلب الثاني: الخاص والتخصيص
المطلب الثالث: المطلق والمقيد
المبحث الثالث الأمر والنهي.
تمهيد أهمية الأمر والنهي في الأحكام الشرعية.
المطلب الأول: الأم
المطلب الثاني: النهـ
الفصل الرابع تعارض الأدلة والاجتهاد تمهيد: حقيقة التعارض بين الأدلة ووجوده
المبحث الأول قواعد الترجيح
مفهوم الترجيح:
المبحث الثاني النسخ
المطلب الأول: مفهوم النسخ، وشروطه، وإثباته
المطلب الثاني: مجال النسخ:.
المطلب الثالث: بم يقع النسخ؟
المبحث الثالث الاجتهاد
:تمهيد ضرورة الاجتهاد وأهميته
المطلب الأول: مفهوم الاجتهاد وأدلته المطلب الثاني: شروط الاجتهاد ومحاله المطلب الثالث: الخطأ والصواب في الاجتهاد
الخاتمة (1/606)
صفحة 607
لالات
حقوق الطبع محفوظة لوزارة التراث والثقافة
سلطنة عُمان
ص. ب: 668 - الرمز البريدي: 113 مسقط
رقم الإيداع
/2006 م (1/607)