صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الدين - أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: اجتهادات الإمام السالمي دراسة في الأصول والقواعد والفنون التي بنى عليها الإمام السالمي اجتهاده
المؤلف: محمود مصطفى عبود هرموش
الناشر: دار الكتاب المصري - دار الكتاب اللبناني
مكان النشر: القاهرة - بيروت - لبنان
تاريخ النشر: 1435ه/ 2014م
الطبعة: 1
ردمك: 978-9953-483-82-5
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=5309&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/589
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 23 شعبان 1446ه/ 22 - شهر 02 - 2025م. دراسة في الأصول والقواعد والفنون التي بني عليها الإمام الشالي اجتهاده
أ. د. محمود مصطفى عبود هر موشن
الناشرون
دار الكتاب المصرى
دار الكتاب اللبناني
القاهرة
بيروت (1/1)
صفحة 2
تجليد: شركة قنونات البضع في التجملية س م م (1/2)
صفحة 3
الحمار ان الامام السالمي (1/3)
صفحة 4
اد ان الإِمَامِ السَّالِمِ
دراسة في الأصُوكَ وَالقَواحِد وَالفنون التي بَى عَليْها الإمام السالمي اجتهادة
أ. د. محمود مصطفى عبود هَر مُوش
دارالكتاب اللبناني
بيروت
دار الكتاب المصرى القاهرة (1/4)
صفحة 5
I.S.B.N
978 - 9953 - 483 - 82 - 5
جَمِيعُ حُقُوقِ الطَّبْعِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوْزِيع مَحْفُوظَةَ للنَّاشِرِينَ
دار الكتاب اللبناني بيروت
شارع مدام كوري - مقابل فندق البريستول - بيروت
تلفون: 1/ 735732
بيروت
ص. ب.: 11/ 8330:
لبنان - فاكسميلي: 351433 (9611)
ATT. MAY EL ZEIN
FAX: (9611)351433
E-mail: may-el-zein@hotmail.com
يمنع الاقتباس والنقل والترجمة والتصوير والتخزين الميكانيكي والإلكتروني في إطار استعادة المعلومات دون أذن خطي مسبق من الناشر
دار الكتاب المصرى القاهرة
33 شارع قصر النيل - تلفون: 23922168/ 23934301 / 23924614 عتبه - الرمز البريدي: 11511 القاهرة - ج. م. ع
ص. ب.: 156
فاكسميلي:
(23924657) 202:
FAX: (202) 23924657
ATT.AHMADAREF EL ZEIN
Website: www.daralkitabalmasri.com
E-mail: info@daralkitabalmasri.com
الطبعة الأولى
2014 م ـ 1435 هـ
First Edition
A.D. 2014 - H. 1435
جميع الحقوق محفوظة لدار الكتاب المصري - القاهرة ودار الكتاب اللبناني - بيروت
لا يجوز نشر أي جزء من هذا الكتاب أو اختزان مادته بطريقة الاسترجاع، أو نقله، على أي نحو، أو بأي طريقة سواء كانت «إلكترونية» أو «ميكانيكية» أو بالتصوير، أو بالتسجيل، أو خلاف ذلك، إلا بموافقة الناشر على هذا كتابة ومقدماً. (1/5)
صفحة 6
تمهيد
في التعريف بالإمام السالمي رحمه الله
اسمه ونسبه: هو الإمام عبد الله بن حميد بن سُلُوم (بضم السين وضم اللام مع تخفيفها) بن عبيد بن خلفان بن خميس السالمي. والسالمي نسبة إلى ضبة بن عامر بن لؤي بن غالب من قريش (1). ووالد الإمام نور الدين هو الشيخ حميد بن سلوم السالمي، كان رجلا وجيها وفاضلا ذا تقوى وورع، وهو أول أساتذة الإمام حيث درس على يديه القرآن الكريم.
كنانة
(1) اختلف النسابة في نسب السوالم من بني ضبة بعمان، فقيل من ضبة ابن أد بن طابخة (عمرو) بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان وهذا خطاء. والأصح أن بني ضبة هم من لؤي بن غالب بن فهر بن بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وقد ذكر هذا النسب الإمام نور الدين نفسه عندما ترجم للعلامة أبي جابر موسى بن أبي علي (الضبي)، وقد نسبه إلى سامة بن لؤي. ولكن المشهور عند علماء الأنساب أن ضبة ليس من سامة بن لؤي وإنما من نسل أخيه عامر بن لؤي بن غالب، ولعل نور الدين جرى على ما هو مشهور بأن القرشيين في عمان من أمثال العزور وبني غافر وغيرهم من سامة بن لؤي بن غالب والراجح من هذه الأقوال أنه من بني ضبة بن عامر بن لؤي بن
غالب.
7 - V (1/7)
صفحة 7
اجتهادات الإمام السالمي
أما والدة الإمام فهي (موزة امرأة من بني كاسب توفيت والإمام صغير لم يتجاوز الخامسة من عمره. وكان يلقب بألقاب عدة أهمها نور الدين وأول من لقبه به قطب المغرب الشيخ محمد بن يوسف أطفيش صاحب كتاب شرح النيل.
محمد.
أما كنيته فهو أبو محمد، ويكنى أيضاً بأبي شيبة، وشيبة الحمد هو لقب ابنه
مولده: وُلد الإمام السالمي رحمه الله في بلدة الحوقين وهي موطن آبائه وهي
من ولاية الرستاق.
أما تاريخ مولده فأرجح الأقوال أنه ولد عام (1284 هـ)، وتوفي عام (1332 هـ) وله من العمر ثمان وأربعون سنة [(48) سنة]. على ما ذكره ابنه شيبة الحمد في كتابه «نهضة الأعيان».
نشأته: نشأ رحمه الله في بلدته الحوقين، وترعرع فيها في كنف والده رحمه الله. توفيت عنه والدته وخلفته صغيراً هو وأخته. وعندما بلغ اثنتي عشرة سنة كُفَّ بصره فعوضه الله عن البصر بالبصيرة.
صفاته الخلقية: كان ربع القامة تعلوه سمرة، ليس بالسمين المفرط ولا
بالنحيف، مدوّر اللحية، سبط الشعر.
صفاته الخُلُقية: كان شديد الغيرة في ذات الله تعالى. لا تأخذه فيه لومة لائم، يقول الحق وينطق بالصدق، كان خطيباً مفوهاً فصيح اللسان رابط الجنان. جواداً، سخياً، مضيافاً من غير تكلّف، ولا بطر، شديد التعرف على حاجة إخوانه وتلاميذه.
حياته العلمية
ذكر الشيخ عبد الرحمن السالمي حفظه الله الفترات العلمية التي تنقل فيها الإمام السالمي، رحمه الله في تحقيقه لروض البيان ص 31. وقسمها إلى فترات
ثلاث:
الفترة الأولى: رحلته في طلب العلم (1284 هـ - 1308 هـ)
درس أول مرة القرآن الكريم على والده الشيخ حميد بن سلوم. ثم هاجر إلى
8_ A (1/8)
صفحة 8
تمهيد في التعريف بالإمام السالمي رحمه الله
الرستاق للتعلم في مدرستها الشهيرة آنذاك القائمة في البياضة، التقى فيها بالمشاهير من العلماء فدرس الفقه واللغة والعقيدة على يد الشيخ ماجد بن خميس العبري وسالم بن يوسف اللمكي وعبد الله بن محمد الهاشمي. وفي هذه الفترة ألف أول مؤلفاته وهو كتاب شرح بلوغ الأمل في المفردات والجمل، وكان عمره إذ ذاك سبعة عشر عاماً، ثم خرج من الرستاق إلى نزوى عام (1306 هـ) - (1888 م).
درس على الشيخ محمد بن خميس السيفي. ثم خرج إلى قرية الفيقين، فالتقى بالشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي فأخذ عنه وأعجب بالشيخ، فطلبه لتعليم أبنائه فرفض (نور الدين) لأنه كان يرى نفسه متعلماً وليس معلماً، ثم خرج إلى قرية المضيبي معلماً لأبنائها وتزوج منها واستقر مدة من الزمان يعلّم في مسجدها المعروف بمسجد الحساب: ثم خرج إلى بلدة القابل واستقر فيها للتعلّم على يد الشيخ صالح بن علي الحارثي، وأنشأ فيها مدرسته الشهيرة هناك.
الفترة الثانية: (1308 هـ) - (1314 هـ)
استقر السالمي في القابل وكان عمره آنذاك (24) سنة، فأخذ العلم عن شيخه صالح بن علي وبدأ في التدريس والتأليف. وقد درّس في مدرسته علوم اللغة، والتفسير والحديث والفقه والأصول والعقيدة والكلام، وتفرّغ للتأليف فأكثر من المصنفات العلمية (1)، وكان ذلك بتشجيع من شيخه صالح بن علي.
الفترة الثالثة: (1314 هـ) - (1331 هـ)
بعد مقتل شيخه صالح بن علي صار العبء ثقيلاً عليه، فأصبح السالمي يحملُ لواءين: لواء العلم والتدريس والتأليف ولواء الإرشاد والفتوى. وقد ذاع صيته وطارت شهرته. وكان الحدث المهم في تلك الفترة من حياته هي رحلته المشهورة حيث سافر في العام 1323 هـ لأداء فريضة الحج ومرَّ بمسقط وقابل السلطان فيصل بن تركي، ومن ثُمَّ سافر إلى جدة بحراً ومنها إلى مكة واستقر فيها، وأدى فريضة الحج، وقابل فيها علماء أجلاء من علماء المسلمين وحصلت بينهم مناظرات ومداولات، وبعد أداء
(1) نهضة الأعيان للشيخ شيبة الحمد، ص 123.
9 4 (1/9)
صفحة 9
اجتهادات الإمام السالمي
فريضة الحج قفل راجعاً إلى عُمان وقد أتى من مكة بكتب كثيرة من كتب المذاهب الإسلامية الأخرى للاطلاع عليها.
وفي حوالي سنة 1330 هـ حدث خلاف بينه وبين شيخه ماجد بن خميس العبري في مسألة (أوقاف القبور). كان الإمام السالمي يرى أنها لا تصح، وذلك لأن عامة المسلمين أصبحوا يعمرون القبور بالقراءة ويهجرون المساجد وأفتى ببطلان الوصية من أساسها، وأن مرجع تلك الأموال إلى ورثة الموصي إن وجدوا وإلا فمرجعه إلى بيت المال لعز دولة المسلمين. ويرى الشيخ العبري أن الوقف هو وقف إلى قيام الساعة لا يزول، فحدث الخلاف، وكان ذلك عن طريق المراسلة فعزم السالمي على السفر إلى حمراء العبريين لإقناع شيخه بوجهة نظره كي لا ينشب الخلاف ويطول وتحدث الفُرقة. وفي يوم 18 صفر سنة 1332 هـ توجّه إلى مقابلة الشيخ ماجد العبري، وفي طريقه ذاك وقت غروب الشمس، دخلوا قرية بني صبح فصدعه جذع شجرة فأرداه من فوق ناقته فسقط على ظهره، ونُقل مباشرة إلى القرية ولم يهدأ بال الإمام رحمه الله حتى رأى شيخه العبري فأقنعه بوجهة نظره، فرجع العبري عن تخطئة الشيخ السالمي فارتاح بال الشيخ الإمام لذلك. ثم حمل الإمام على الأكتاف إلى بلدة تنوف في يوم من شهر صفر من العام نفسه، فمكث مدة قليلة ثم توفي إلى رحمة الله في ليلة الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1332 هـ الموافق 21 يناير سنة 1914 م، ودفن في بلدة تنوف وقبره معروف فيها رحمه الله رحمة واسعة.
شيوخه:
-
1
-
تلقى الشيخ العلم عن علماء أجلاء عُرفوا بالعلم والفضل، وهم:
26
الشيخ صالح بن علي الحارثي، وهو من أشهر شيوخ الإمام السالمي، ولد سنة 1250 هـ، استشهد عام 1314 هـ.
الشيخ ماجد بن خميس العبري وُلد ببلدة الحمراء سنة 1252 هـ، وكان من العلماء الأجلاء، وتوفي سنة 1346 هـ وله من العمر 94 عاماً.
6
الشيخ راشد بن سيف اللمكي وهو من كبار العلماء في وقته، وكان عليه مدار الفتيا في الرستاق. وُلد سنة 1262 هـ، وتوفي وله من العمر 71 عاماً.
10 - 1. (1/10)
صفحة 10
تمهيد في التعريف بالإمام السالمي رحمه الله
الشيخ عبد الله بن محمد الهاشمي، أحد مشايخ الإمام من الرستاق، كان أحد العلماء الجهابذة والقضاة القائمين بالرستاق.
الشيخ محمد بن خميس السيفي من العلماء الأفذاذ كان عليه مدار القضاء في نزوى. ولد عام 1241 هـ، وتوفي عام 1333 هـ وله من العمر 92 سنة. الشيخ محمد بن مسعود البوسعيدي، ولد عام 1242 هـ وتوفي عام 1320 هـ.
تلاميذ الشيخ
تخرّج على الإمام السالمي ثلةٌ مباركة من العلماء الأجلاء الذين قامت عليهم
الإمامة من قضاة وولاة عدا المدرسين؛ ومنهم:
الإمام سالم بن راشد الخروصي.
الإمام محمد بن عبد الله الخليلي.
الشيخ عامر بن خليل المالكي.
الشيخ أبو زيد عبد الله بن محمد بن زريق الريامي.
الشيخ ناصر بن راشد الخروصي.
الشيخ عيسى بن صالح بن علي الحارثي.
الشيخ أبو الخير عبد الله بن عايش النوفلي.
- الشيخ حمد بن عبيد السليمي.
الشيخ سيف بن حمد
الأغبري.
10 - الشيخ سعيد بن حمد الراشدي.
11 - الشيخ سالم بن حمد الراشدي.
12 - الشيخ عامر بن علي الشيذاني. 13 - الشيخ محمد بن شيخان السالمي. 14 - الشيخ سليمان بن حمد الراشدي.
11 _ \\ (1/11)
صفحة 11
اجتهادات الإمام السالمي
15 - الشيخ قسور بن حمود الراشدي.
16 - الشيخ أبو الوليد سعود بن حميد بن خليفين.
مؤلفات الإمام السالمي:
تنوّعت مؤلفات الإمام السالمي. فقد ألف في العقيدة، والفقه، والأصول
والعربية؛ وهي كما يلي:
2
V
-
-
-
-
-
-
-
بلوغ الأمل في المفردات والجمل، منظومة في النحو تزيد على 300 بيت، نظم فيها قواعد الإعراب لابن هشام ألفها سنة 1301 هـ، ثم نقحها سنة
1315 هـ.
شرح بلوغ الأمل، وضعه بطلب من شيخه راشد بن سيف اللمكي. المواهب السنية على الدرة البهية في نظم الآجرومية، انتهى منه في 9 ذي
الحجة سنة 1306 هـ.
رسالة في الأدلة على نجاسة الدم المسفوح كتبها سنة 1310 هـ، (مطبوع).
مناظرة حميد بن راشد بن سالم الراسبي في العقيدة، (مخطوط). غاية المراد في علم الاعتقاد وقصيدة لامية تتكون من (76) بيتاً، (مطبوع). أنوار العقول، منظومة في علم العقيدة تربو على (300) بيت كتبها في حدود 1312 هـ، (مطبوع).
- بهجة الأنوار، شرح مختصر لمنظومة أنوار العقول تم تنقيحه سنة 1314 هـ،
-
(مطبوع).
روض البيان على فيض المنان فرغ منه سنة 1313 هـ، (مطبوع). 10 - شمس الأصول، منظومة في أصول الفقه، تربو على ألف بيت ألفها في حدود سنة 1314 هـ، (مطبوع).
11 - طلعة الشمس، شرح لمنظومة شمس الأصول، فرغ منه سنة 1314 هـ.
12 - رسالة في التوحيد يسميها بعضهم صواب العقيدة»، مخطوطة.
12 12 (1/12)
صفحة 12
- 13
تمهيد في التعريف بالإمام السالمي رحمه الله
الشرف التام شرح دعائم الإسلام، شرح لكتاب الدعائم لابن النضر، ألفه قبل
سنة 1314 هـ، (مفقود).
14 ـ الحق الجلي في سيرة شيخنا الولي صالح بن علي حرره بعد وفاة شيخه المذكور سنة 1314 هـ.
15 - طريق السداد إلى علم الرشاد، شرح قصيدة في أحكام الجهاد.
16 - الحجج المقنعة في أحكام صلاة الجمعة، فرغ منه سنة 1315 هـ. مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال، منظومة مطوله تربو على الألفي بيت
- 17
-
نظمها سنة 1316 هـ.
18 - الحجة الواضحة في رد التلفيقات الفاضحة، ردّ على بعض من ادعى الاجتهاد من أهل زمانه، فرغ منه سنة 1317 هـ.
19 - تلقين الصبيان فيما يلزم الإنسان، فرغ منها سنة 1318، (مطبوع).
20
20 - إيضاح البيان في نكاح الصبيان رسالة انتهى منها سنة 1319 هـ. 21 - معارج الآمال على مدارج الكمال شرح موسّع للمنظومة في ثمانية أجزاء كبار، انتهى منه قبيل ارتحاله إلى الحج سنة 1323 هـ.
6
22 - فاتح العروض والقوافي منظومة متوسطة في علمي العروض والقوافي، أنشأها في حدود سنة 1321 هـ.
23 - المنهل الصافي على فاتح العروض والقوافي، أتمه سنة 1321 هـ. 24 - حل المشكلات أجوبة على أسئلة لتلميذه أبي زيد الريامي، شرع فيه أواخر سنة
1321 هـ.
25 - رسالة إلى عبد الله بن سعيد الجعلاني في أمر أهل جعلان، فرغ منها سنة
1322 هـ.
26 - اللمعة المرضية من أشعة الإباضية حررها سنة 1323 هـ، (مطبوع). 27 - كشف الحقيقة لمن جهل الطريقة، أنشأها بعد رحلته إلى الحج، (مطبوع).
13 - 13 (1/13)
صفحة 13
اجتهادات الإمام السالمي
28 - شرح مسند الإمام الربيع، فرغ منه سنة 1326 هـ، (مطبوع).
29 - تصحيح الجامع الصحيح، وهو شبه تحقيق لمسند الربيع، فرغ منه سنة
1326 هـ.
30 سواطع البرهان، رسالة في بعض تطورات عصره في اللباس ونحوه جواباً لأهل، زنجبار، كتبها قبل سنة 1328 هـ، (مخطوط).
31 - بذل المجهود في مخالفة النصارى واليهود، فرغ منه سنة 1328 هـ، (مطبوع).
32 - تعليقات على رسالة إن لم تعرف الإباضية سنة 1328 هـ، (مطبوع). 33 - تعليقات على كرسي الأصول في الولاء والبراء للمحقق الخليلي، (مخطوط). 34 - تعليقات على خزائن الآثار الموسى بن عيسى البشري»، (مخطوط). 35 - جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام أتمها سنة 1329 هـ، (مطبوع). 36 - تحفة الأعيان في تاريخ عُمان فرغ منه سنة 1331 هـ، (مطبوع).
37 - تتمة تحفة الأعيان، حرّرها سنة 1331 هـ، (مخطوط).
38 - ديوان شعر في الحماسة والاستنهاض والرثاء، (مخطوط). 39 - مجموع المناظيم مختارات شعرية، له جمعها وعلّق عليها، (مخطوط).
،
40 - الأجوبة والفتاوى جُمعت في سبعة مجلدات، (مطبوع).
41 ـ مراسلات وكاتبات مع أهل عصره من العلماء والحكام (مخطوط) (1). مخطوط باختصار من كتاب معارج الآمال، مقدمة الأخوة المحققين، من ص 9
وما بعدها.
(1) باختصار من مقدمة الإخوة المحققين لكتاب المعارج ص 9 وما بعدها.
14 - 14 (1/14)
صفحة 14
مقدمة الكتاب
المبحث الأول
في تعريف الاجتهاد لغة وشرعاً
للاجتهاد حقيقتان: لغوية وشرعية
فالاجتهاد لغة: هو استعمال القدرة الحادثة في تحصيل أمر على وجه يشق،
يقال: اجتهد فحمل الصخرة ولا يقال: اجتهد فحمل الذرة.
وفي
الاصطلاح الشرعي: هو أن يطلب الفقيه حصول حكم حادثة بشرع ويبذل
بذلك مجهوده بحيث لا يمكنه المزيد عليه في الطلب.
مثاله: طلب معرفة حكم الأرز أهو ربوي، أو غير ربوي؟ فإذا استفرغ طاقته في التماس هذا الحكم في الأرز سمي ذلك الطلب الشديد اجتهاداً عندهم.
15 10 (1/15)
صفحة 15
اجتهادات الإمام السالمي
وبهذا يتضح أن الاجتهاد له ركنان مجتهد هو، الفقيه ومجتهد فيه هو الحادثة (1).: وعرَّفه الدهلوي بأنه: استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس. وهذا تعريف للمجتهد المطلق، لأن مجتهد المذهب هو الذي يستفرغ جهده في إدراك الحكم الشرعي لكن ليس من الأدلة بل من العلماء السابقين بأن يوافقهم أو يخالفهم أو يخرج صوراً على قواعد إمامه.
المبحث الثاني
في شروط المجتهد
ذكر الامام السالمي رحمه الله شروط المجتهد في شمس الأصول فقال: وفيه شرط فالذي يُشترط في أول الركنين أَشْيَا تُضْبَطُ وذاك أن يكون عالماً به إليه يحتاج اجتهاد العلما من علم نحو لغة أو صرف ومن أصول حسبما قد يكفي ومن بلاغة لفهم المعنى وكل فن عنه لا يستغنى وبالكتاب وبحكم السنة وما أتى به اجتماع الأمة. هذه شروط المجتهد فمن لم يتحقق بها لا يكون مجتهداً، وهي على النحو
التالي: 1 - أن يكون ملماً بعلم العربية نحواً وصرفاً، فالنحو لمعرفة حركة الاعراب ويختص بأخر الكلمات والصرف لبنية الكلمة، وعلم المعاني الذي يتوقف عليه معرفة الخطابات الشرعية.
- أن يكون عارفاً بالأصول أصول الدين وأصول الفقه أما أصول الدين فلمعرفة العقائد الضالة، وأما أصول الفقه فلمعرفة استنباط الأحكام من الأدلة.
(1) طلعة الشمس 2/ 416.
16 - 17 (1/16)
صفحة 16
V
مقدمة الكتاب
- ومن الشروط التي يجب توفرها في المجتهد أن يكون عالماً بالمسائل الاجتهادية التي أجمعت عليها الأمة لأن الإجماع أحد الأدلة الشرعية وهو مقدَّم
-
على القياس.
ومن شروط الاجتهاد أن يكون له معرفة بجميع الفنون المساعدة كفن التفسير،
وأسباب النزول، وأسباب ورود الأحاديث وبسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ومن الشروط أن يكون عالماً بالكتاب، محكمه ومتشابهه، وناسخه ومنسوخه، وخاصه وعامه، ومطلقه ومقيده، ومجمله، ومبيَّنه وغير ذلك من أحكامه. وأن يكون عارفاً بالآيات التي تُستخرج منها الأحكام.
ومن شروط المجتهد أن يكون عالماً بالسنة، وبأحكامها، وناسخها ومنسوخها، و خاصها وعامها، وآحادها ومتواترها وغير ذلك من الأحكام. وأن يكون عارفاً بالأحاديث التي يُستنبط منها الأحكام عارفاً بالعلل التي لأجلها يُرَدُّ الحديث (1).
ومن الشروط التي تجب في المجتهد فقه النفس، وهو معرفة ما للنفس وما عليها ومعرفة حقوق الرب، والوقوف على حدوده، فيجب فيه أن يكون تقياً ورعاً بعيداً عن العصبية، والهوى لئلا يصدر في أحكامه واجتهاداته عن عصبية وهوى. وهذه الخصيصة هي التي اشتهر بها الأئمة المجتهدون وهي صفة الربانية في قوله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّنَينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُم تدرسون که (2).
قال الامام البغوي رحمه الله: والمجتهد من جمع خمسة أنواع من العلم، علم كتاب الله وعلم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاويل علماء السلف من إجماعهم واختلافهم، وعلم اللغة وعلم القياس، وهو طريق استنباط الحكم من الكتاب والسنة
،
(1) أنظر هذه الشروط في طلعة الشمس 418/ 2 وما بعدها وعقد الجيد للدهلوي ص 3 - 4 ومعارج الآمال
72/ 1
(2) سورة آل عمران الآية: 79
-
17 - 17 (1/17)
صفحة 17
اجتهادات الإمام السالمي
إذا لم يجده صريحاً في نص كتاب، أو سنة، أو إجماع، فيجب أن يعلم من علم الكتاب الناسخ والمنسوخ والمجمل والمفصل، والخاص والعام، والمحكم والمتشابه، والكراهة والتحريم والاباحة، والندب والوجوب، ويعرف من السنة هذه الأشياء، ويعرف منها الصحيح والضعيف والمسند، والمرسل، ويعرف ترتيب السنة على الكتاب، وترتيب الكتاب على السنة. . وأن يعرف من اللغة ما أتى في كتاب، أو سنة رسوله من أمور الأحكام دون الاحاطة بجميع لغات العرب.
جمع
قال: «وإذا هذه العلوم وكان مجانباً للأهواء والبدع مدرعاً بالورع محترزاً عن الكبائر، غير مصرّ على الصغائر جاز له أن يتقلد القضاء والاجتهاد والفتوى ويجب على من لم يجمع هذه الشرائط التقليد فيما يعن له من الحوادث» (1).
،
موقع الإمام السالمي من هذه الشروط:
الاستدلال
إذا أردنا تنزيل هذه الشروط على الإمام السالمي نجد أن الإمام رحمه الله قد اتصف بها إلى حد كبير. فقد عوّل كثيراً على كتاب الله تعالى، فقد أكثر من بالقرآن الكريم حيث بلغ عدد الآيات التي استدل بها في كتابه سبعمائة وتسعاً وأربعين آية، وإذا حسبنا الآيات التي تكرر الاستشهاد بها في أكثر من موضع فيزاد العدد على سبعمائة وخمس وسبعين آية استدل بها منطوقاً ومفهوماً، وعموماً وخصوصاً، وإطلاقاً وتقييداً، وإجمالاً وتفصيلاً، وتصرف في دلالاتها تصرُّف الخبير.
أما
من السنة فقد أكثر من الاستدلال بها حتى زادت الأحاديث التي استدل بها رحمه الله على أربعة آلاف حديث، وقد أحسن توجيهها ومناقشتها من حيث المتن والسند، وتكلم على رجال إسنادها وسبر عللها سبر العارف الخبير، وقد أكثر من حشد أقوال النقاد وأكثرها في الصحيح والمسانيد، ولا يخلو بعضها من ضعف، شأنه في ذلك شأن جميع الفقهاء، وأكثر ما يستدل بالضعيف منها في باب الفضائل التي
تغتفر فيه رواية الضعيف.
(1) نقلاً عن كتاب عقد الجيد للدهلوي ص 3 ـ 4.
18 -
18 (1/18)
صفحة 18
مقدمة الكتاب
أما الإجماع فقد عوّل عليه كثيراً في محيط المسائل الفروعية وصوّب بعض الإجماعات، وانتقد البعض الآخر. وقد ذكرت بعض الأمثلة على أخذه بالإجماع في دراستي عن اجتهادات السالمي.
أما القياس فقد أكثر منه في معارج الآمال فذكر أنواع القياس الصحيح منها،
والفاسد، والمختلف فيها.
وتكلم على مسالك العلة وشروطها وقوادحها وتكلم على الحكمة. وقد
أكثرتُ من الأمثلة على ذلك في هذا الكتاب.
وهكذا فقد تناول الأدلة الإجمالية الأخرى كالاستحسان، والاستصلاح
جميع
والاستصحاب وسد الذرائع، وشرع من قبلنا والاستقراء وقول الصحابي، والعرف وقد فرّع الكثير على هذه الأدلة. وقد مثلتُ لذلك في هذا الكتاب بما يتضح به
المقصود.
كما فرع الكثير على قواعد أصول الفقه من العام والخاص، والمطلق والمقيد،
،
والمجمل والمبيّن والناسخ والمنسوخ والتعارض والترجيح، وتكلم على الدلالات المنطوق والمفهوم وشروط العمل بهما، والحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه والنص، والمفسر، إلى غير ذلك. وقد تكلمت على ذلك ومثلتُ له بمسائل من كتابه القيم معارج الآمال». وسوف يرى القارئ العزيز أنني قد وفيت بكل ذلك.
فقد
أما الفنون الأخرى المساعدة فقد برع فيها السالمي براعة لا تخفى على أحد، برع في فن اللغة وفن التفسير، وفن الفروق. وقد عقدتُ لذلك أبحاثاً واضحة المعالم أشرت فيها إلى ذلك بأمثلة واضحة بينة تشهد بإمامة السالمي وبوفائه بهذه الشروط كاملة غير منقوصة.
،
أما ما يتعلق بفقه النفس، فالإمام السالمي كان فقيه نفس اتصف بالتقى والورع، وقد اتضح ذلك جلياً في زهده ووعظه في مناسبات كثيرة، واتصف مخالفيه، فهو عالم رباني تدرع بالورع والخشية وقد حمله الإنصاف
،
بالإنصاف مع والخشية إلى تصحيح كثير من آراء مخالفيه والرد على بعض أصحابه لأن الحق رائده
19 14 (1/19)
صفحة 19
اجتهادات الإمام السالمي
فهو أحقُّ بالاتباع وقد عقدتُ لفقه النفس عند السالمي مباحث زينتها بالأمثلة من
كتابه المبارك.
•
وقد قمت بتأليف هذا الكتاب على نمط يثبت أن الإمام السالمي رحمه الله قد قام بشروط الاجتهاد التي ذكرها في كتابه طلعة الشمس والتي نص عليها الأصوليون في باب الاجتهاد، ولم يُخِلَّ منها بشيء. ولسوف يرى القارئ الكريم هذه الشروط قد تحققت جميعها فيه ولسوف يجد أمامه إماماً فذاً لم يبخس حقه لا في المنقول ولا في المعقول، وقد تصرف في الأدلة تصرُّف الأئمة المجتهدين. فقد قام بالعرض والاستدلال وتوجيه الأدلة، وناقش مناقشة الجهابذة، ورجح ترجيح الخبير، وقد بينت كل ذلك بالنماذج والأمثلة.
المبحث الثالث
في أنواع المجتهدين
ذكر العلماء أن المجتهد المطلق الذي سبقت الإشارة إليه وإلى شروطه على
،
قسمين مستقل ومنتسب فالمستقل يمتاز عن غيره بثلاث خصال:
•
إحداها: التصرف بالأصول التي عليها بناء مجتهداته.
وثانيها: تتبع الآيات والأحاديث والآثار لمعرفة الأحكام التي سبق بالجواب فيها، واختيار بعض الأدلة المتعارضة على بعض، وبيان الراجح من المرجوح منها. والثالثة: الكلام في المسائل التي لم يسبق بالجواب فيها أخذاً من تلك الأدلة.
المجتهد المنتسب:
والمنتسب من سلم أصول شيخه واستعان بكلامه كثيراً في تتبع الأدلة والتنبيه للمأخذ، وهو مع ذلك مستيقن بالأحكام من قبل أدلتها، قادر على استنباط المسائل منها قلَّ منه ذلك أو كثر، ويسمى هذا بمجتهد المذهب وهو مقلد لإمامه لكن مع معرفة الدليل والمأخذ، وخرَّج على أصوله مسائل لم يتعرض لها إمامه.
20 - Y. (1/20)
صفحة 20
مقدمة الكتاب
ودونه مجتهد الفتيا وهو المتبحر في مذهب إمامه المتمكن من ترجيح قول على
قول، ووجه من وجوه الأصحاب على آخر (1).
المبحث الرابع
تصنيف الإمام السالمي
والامام السالمي رحمه الله يمكن تصنيفه على ضوء الضوابط التي ذكرها
الأصوليون بأنه
جمع بين النوعين.
فقد تصرف في الأصول التي بني عليها اجتهاداته حيث أصل الأصول ووضع القواعد والضوابط مصححاً ما يراه صحيحاً ومزيفاً ما يراه فاسداً بصورة واضحة جلية. كما أنه تتبع المسائل والفروع التي سبق بالجواب فيها وبين رأيه حيالها مستدلاً بالآيات والأحاديث مع التتبع والاستقراء شبه التامين وناقش الأدلة ورجح تارة وجمع بين المتعارض منها تارة أخرى ونبَّه على الضعيف مبيناً وجه ضعفه. كما أنه تكلم على مسائل لم يسبق إليها، وكان يعبر في مثل ذلك وكم ترك السلف للخلف وهذه العبارة لا تصح إلا في المسائل التي لم يسبق في الجواب فيها. هذه الخصال الثلاث هي خصال المجتهد المطلق كما نص عليها الإمام الدهلوي
رحمه الله.
كما أنه رحمه الله قد سار على قواعد أصحابه، ورجح بين أقاويلهم، واستدل للكثير منها، وخرَّج على قواعدهم مسائل لم يتكلموا فيها، وعرف مآخذ الأحكام وأدلتها التفصيلية، والإجمالية، وهذه صفات مجتهد المذهب.
فقد
جمع رحمه
الله
بين خصال المجتهد المطلق وبين مجتهد المذهب،
فالسالمي مجتهد في الفقه الاباضي لكن من غير تعصب وقد أهله ذلك لأن يكون مجتهداً مستقلاً اجتمعت له صفات المجتهدين والأئمة الراسخين، والكتاب يشهد
بصحة ما أقول، وبالله التوفيق.
(1) انظر عقد الجيد للدهلوي ص 4 - 5 طبعة أولى.
21 - YI (1/21)
صفحة 21
گردم
الباب الأول
في مصادر التشريع
عند السالمي في معارج الآمال (1/23)
صفحة 22
الفصل الأول
الكتاب
القرآن الكريم: «هو كلام الله المنزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم المنقول إلينا بالتواتر المتعبد بتلاوته المعجز بأصغر حرف منه.
وعلى هذا النحو عرَّفه الإمام السالمي في شرح شمس الأصول حيث قال: أما الكتاب فهو نظم نزلا علي نبينا وعنه نقلا تواتراً وكان في إنزاله إعجاز من ناداه في أحواله فقد خرج بقوله المنزل على نبينا محمد الكتب المنزلة على غيره كالتوراة
والإنجيل.
وخرج بالمنقول عنه تواتراً منسوخ التلاوة وما نقل عنه آحاداً كالقراءة الشاذة فإنه ليس بقرآن ولا يعطى له حكم القرآن.
وخرج بقيد الإعجاز» الأحاديث الربانية على فرض نقلها متواتراً.
قلت: والأحسن أن يخرج به الترجمة فإنها ليست معجزة، أما الأحاديث القدسية
25 -
25 (1/25)
صفحة 23
اجتهادات الإمام السالمي
فيمكن إخراجها بقيد التعبد بتلاوتها لأنها لو نقلت إلينا بالتواتر وكان فيها بعض وجوه الإعجاز، إلا أنها ليست متعبدة بتلاوتها، فلا يصح فيها الصلاة ولا يؤجر قارئها. ويرى السالمي رحمه الله أن القرآن نقل متواتراً فالزائد فيه ما ليس منه، والناقص منه ما هو منه كافر لتضمنه تكذيب ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم به، والقرآن محفوظ من الزيادة والنقصان، قال تعالى: {إِنَّنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون (1)، والمراد بحفظه: أمران: أحدهما حفظه من التفويت بالنسيان.
وثانيهما من الزيادة فيه والنقصان والمعنى الأول غير مقصود لأن القرآن غير محفوظ عنه ضرورة فتعين إرادة المعنى الثاني (1)
(2)
أما من كان لديه شبهة قوية في زيادة شيء أو نقصه فليس بكافر، قال: ولذلك
لم تكفر كل طائفة من الحنفية والشافعية الأخرى حيث أنكرت الحنفية أن تكون البسملة آية من كل سورة من القرآن وأثبت ذلك الشافعية ثم قال: والحق عندنا معشر الإباضية أنها آية من كل سورة كتبت في أولها لأنها من جملة الآيات المنقولة بالتواتر المكتوبة في المصاحف (3).
وكان رحمه الله يرى ما يراه الجمهور من إعطاء القراءة الشاذة حكم خبر الواحد حيث يقول: «وجواز عملنا بالشاذ من القراءات لا يستلزم أن يعطى لغير المتواتر حكم المتواتر، لأننا إنما ننزل الشاذ من القرآن منزلة خبر الآحاد لأن كلا منهما مروي عن النبي، فكما أن خبر الواحد يوجب عندنا العمل ولا يلزم أن يعطى له حكم المتواتر، فكذلك الشاذ من القراءات (4).
وخالف في ذلك مالك والشافعي، والمحاملي، وابن الحاجب، وما ذهب إليه
(1) سورة الحجر، الآية: 9.
(2) وهذا قول البغوي في معالم التنزيل 369/ 4 - 370 والزمخشري في الكشاف 572/ 2. (3) طلعة الشمس للنور السالمي 106/ 1. (4) المصدر السابق.
26 - 26 (1/26)
صفحة 24
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الإمام السالمي أرجح لأن التفرقة بينهما تحكّم وإلا لزم تكذيب الناقل وهو صحابي،
ولا قائل بتكذيب الصحابي.
وقد أكثر الإمام السالمي رحمه الله
من الاستدلال بآيات القرآن الكريم حيث بلغ
عدد ما استشهد به من آيات القرآن الكريم سبعمائة وأربعة وسبعون آية.
وقد استدل بها منطوقاً، ومفهوماً، تصريحاً، وتلويحاً، وعموماً وخصوصاً،
وإطلاقاً وتقييداً فجاء استدلاله بها في غاية الروعة والجمال. وسوف أوضح ذلك بالأمثلة عند الكلام على منهجه في الاستدلال.
27 - 27 (1/27)
صفحة 25
الفصل الثاني
السنة
تمهيد في بيان معنى السنة وأنواع الوحي:
عرف الإمام السالمي السنة بقوله: اعلم أن السنة في اللغة: الطريقة والعادة، وفي اصطلاح الفقهاء: هي العبادات النافلة، وفي اصطلاح المحدثين والأصوليين: ما
صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير)
(1)
المبحث الأول
في أنواع الوحي
وتكلم السالمي عن السنة باعتبارها وحياً من الله غير متلو، فقسم الوحي إلى
ظاهر وباطن فجعل الظاهر خمسة أنواع:
-
أن يأتيه الملك في مثل صلصلة الجرس وهي أشد حالات الوحي.
(1) طلعة الشمس 5/ 2.
29 Y 9 (1/29)
صفحة 26
اجتهادات الإمام السالمي
2
-
-
4
-
أن يأتيه في صورة الرجل فيكلمه.
أن ينفث في روعه الكلام نفئاً كما قال: «إن روح القدس نفث في روعي (1).
أن يلهمه الله تعالى ذلك المعنى بغير واسطة الملك وهو المراد بقوله تعالى: هو وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إلا وحياه أي إلهاماً أَوْ مِن وَرَاى حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ) (2).
(Y),
ه - أن يأتيه الملك في النوم بما يأمره الله به ومن هذه الكيفية الوحي بسورة الكوثر (3).
وأما الوحي الباطن فهو ما ينال بالاجتهاد والتأمل في حكم النص وهذا النوع أجازه الشافعي وأحمد وأبو يوسف ومنعه الأشاعرة وبعض المعتزلة وجوزه البعض في الحروب دون أحكام الدين قال البدر (4): والمختار وقوعه لقوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عنك لم أذنت لَهُمْ (0).
قلت: وما رجحه البدر رحمه الله هو الحق لوقوع الاجتهاد منه في أسرى بدر وغير ذلك مما هو معروف، والوقوع من أقوى أدلة الجواز ولأنه لا يُقَرُّ على
الخطأ.
(1) أخرجه أبو نعيم في الحلية 27/ 10 من حديث أبي أمامة الباهلي.
(2) سورة الشورى، الآية: 51.
(3) طلعة الشمس 8/ 2.
(4) شرح مختصر العدل والانصاف ص 513، كشف الأسرار 205/ 3 وشرح اللمع 1091/ 2.
(5) سورة التوبة، الآية: 43.
30 - Y. (1/30)
صفحة 27
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المبحث الثاني
في الفوائد الحديثية
عند الإمام السالمي في معارج الآمال
المطلب الأول: زيادة الثقة
والمراد بزيادة الثقة كما قال الحاكم في معرفة علوم الحديث: «زيادة ألفاظ فقهية في أحاديث ينفرد بالزيادة راو واحد (1).
وقال ابن كثير في اختصار علوم الحديث (2) تفرد الراوي في الحديث عن بقية
الرواة عن شيخ لهم.
وعرَّفها الأخ الفاضل الدكتور علي بقاعي بأنها ما ينفرد بزيادتها بعض الثقات من التابعين فمن بعدهم من ألفاظ فقهية على حديث عرف بنص معين دون غيرهم من الرواة (3).
حكم الزيادة في المتن:
اختلف العلماء في الزيادة من الثقات في المتن اختلافاً كبيراً وتعددت أقاويلهم فيها. فمنهم من يقبل الزيادة مطلقاً، ومنهم من لا يقبلها، ومنهم من يقبلها في موضع
دون موضع. فالمذهب الأول هو مذهب ابن حزم وبعض المحدثين منهم النووي. قال ابن حزم رحمه الله: إذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها أو شاركه فيها غيره مثله، أو دونه، أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض ... وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق».
(1) ص 130.
(2) اختصار علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث ص 58.
(3) الاجتهاد في علوم الحديث ص 445.
31 - 31 (1/31)
صفحة 28
اجتهادات الإمام السالمي
وفي الكفاية في علم الرواية (1) قال الجمهور من الفقهاء، وأصحاب الحديث: زيادة الثقة مقبولة إذا انفرد بها، ولم يفرقوا بين زيادة يتعلق بها حكم شرعي أو لا يتعلق
بها حكم.
مطلقاً
وقال في شرح نخبة
من غير تفصيل.
(2): «اشتهر عن جمع من العلماء القول بزيادة الثقة
ويظهر أن السادة الإباضية موافقون لجمهور المحدثين والأصوليين في قبول زيادة الثقة في الأخبار، نص على ذلك العلامة محمد بن بركة في جامعه (3)، ومحمد بن
إبراهيم في بيان الشرع والإمام السالمي رحمهم الله تعالى.
قال الإمام ابن بركة في معرض كلامه عن صدقة الفطر: «واختلف أصحابنا في صدقة الفطر من قِبَلِ الزوجة فقال بعضهم: تجب على الزوج، وقال آخرون: لا يجب على الزوجة شيء من ديونها وصدقة الفطر من ديونها، وحجة هذا الرأي أن فرض الصدقة كان عليها فالفرض لا ينتقل عنها بتزويجها.
وحجة القول الثاني أن النبي الله فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير والحر
،والعبد، والذكر والأنثى من المسلمين.
ومن طريق محمد بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ممن تمونون» فدخلت المرأة،
وهذا الخبر زائد على الأول، والزيادة في الأخبار مقبولة والأخذ بها أوجب (4). وأما العلامة ابن إبراهيم فقد قال في معرض حديثه عن صدقة العوامل من الإبل والبقر: «وما اقتني في البيوت من الغنم فقال بعضهم الزكاة في جميع ذلك إذا بلغ كل جنس منها نصاباً بعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: في كل أربعين شاة شاة»، وفي خمس من الإبل شاة، ولم يوجب بعضهم الزكاة في العوامل لقول النبي: في سائمة الغنم
(1) ص 464 - 465.
(2) ص 47 و 50.
(3) كتاب الجامع لابن بركة 322 وبيان الشرع 21/ 165. (4) كتاب الجامع لابن بركة 2/ 32 وبيان الشرع 21/ 165.
32 - 32 (1/32)
صفحة 29
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الأمال
زكاة، وفي سائمة الإبل في خَمْسٍ منها زكاة وهذا يوجب صحة الرواية «ليس في القتوبة صدقة، ولا في الإبل الجارة صدقة، والقتوبة التي على ظهرها الأقتاب، والجارة التي تُجر بأزمتها، قال: وعندي والله أعلم أن ذكر السائمة يسقط الزكاة في غير السائمة، لأن أحد الخبرين فيه بيان عن الآخر، وأحد الخبرين حفظ فيه الراوي زيادة لفظة لم يحفظها الآخر، ولا نحب إسقاط الزيادة لأن فيها معنى ليس في الآخر، وهكذا نعمل في سائر الأخبار نحو هذا» (1)
وأما الإمام السالمي فقد نص على قبول زيادة الثقة في الأخبار، قال رحمه الله في معرض حديثه عما يوضع على القبر بعد الدفن: وعن المطلب بن أبي وداعة قال: لما مات عثمان بن مظعون أخرج بجنازته فدفن فأمر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً أن يأتيه بحجر فلم يستطع حملها، فقام إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحسر عن ذراعيه، قال (كثير): قال المطلب: قال الذي يخبرني عن رسول الله كأني أنظر إلى بياض ذراعيه حين حسر عنهما ثم حملها فوضعها عند رأسه وقال: أُعَلِّمُ بها قبر أخي وأدفن من مات
إليه من أهلي» (2)
رجليه.
وقيل: إنه وضع على قبره حجرين فيُسن أن يوضع حجر عند رأسه وحجر عند
ورد بأن المحفوظ في حديث عثمان حجر واحد كما تقرر.
وأجيب بأنه لا دلالة في الحديث المذكور على أن الحجر واحد أو متعدد فكيف يصلح للرد على من أثبت التعدد أن القاعدة المقررة عند التعارض على سبيل ثبوت أن زيادة الثقة مقبولة وأن المثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم
الواحد
يحفظ (3)
وهكذا فقد نص الأئمة الثلاثة على قبول زيادة الثقة مطلقاً موافقين لمذهب جمهور الأصوليين والمحدثين وهو الحق لأن إعمال الزيادة أولى من إهمالها.
،
(1) بيان الشرع 109/ 18.
(2) رواه أبو داوود عن المطلب بلفظه باب جمع الموتى في قبر رقم 3206.
(3) معارج الآمال 198/ 4 و 199.
33 - 33 (1/33)
صفحة 30
اجتهادات الإمام السالمي
المطلب الثاني: في تقديم رواية الإثبات على رواية النفي
والمراد برواية الإثبات أن يَرِدَ خبرٌ عن النبي لا يثبت أمراً ثم يَرِدُ هذا الخبر من طريق آخر ينفي هذه الزيادة.
فالذي ذهب إليه جمهور الأصوليين أن الزيادة مقدَّمة على النفي، فإذا ورد نصان فأثبت أحدهما حكماً ونفاه الآخر، فقد حكى في جمع الجوامع أربعة آراء: الأول: أن المثبت مقدم على النافي مطلقاً لاشتماله على زيادة علم فيكون تأسيساً وهو خير من التوكيد.
الثاني: أن النافي مقدم لأنه معضد بالأصل، والأصل في الأشياء العدم. الثالث: استواء الدليلين مطلقاً لاستوائهما في المرجح.
معضداً
بموافقة
الرابع: التفصيل على معنى ترجيح المثبت فيما عدا الطلاق والعتاق، وأما فيهما فيقدم النافي على المثبت لأن الأصل عدمهما فيكون النافي الأصل (1). وقال فخر الإسلام البزدوي: إن كان النفي أصلياً قدّم الإثبات على النفي، لأن المثبت يشتمل على زيادة علم لم يطلع عليها النافي
(2)
وفقهاء الإباضية موافقون لجمهور الأصوليين في تقديم الزيادة على النفي، وفي ذلك يقول الإمام السالمي رحمه الله مقرراً هذا الأصل في تقديمه رواية وضع حجرين على القبر تعليماً له على رواية وضع حجر واحد: إن القاعدة المقررة عند التعارض زيادة الثقة مقبولة وأن المُثبت مقدم على النافي، ومن حفظ حجة على من لم
يحفظ» (3)
أن
وقال في موضع آخر عند كلامه على غسل الشهيد والصلاة عليه: والحجة لنا
(1) انظر کتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول للعبد الفقير إلى مولاه ص 448 طبعة أولى، المؤسسة الجامعية ـ بيروت.
(2) انظر مسلم الثبوت 200/ 2، والتلويح على التوضيح 109/ 2 مطبعة صبيح.
(3) معارج الآمال 199/ 4.
34 - 34 (1/34)
صفحة 31
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الأمال
في الصلاة عليهم ما يروى أنه أمر يوم أحد بالقتلى فجعل يصلي عليهم فيضع سبعة
منهم» (1).
وحمزة فيكبر عليهم سبع تكبيرات ثم يرفعون ويترك حمزة، ثم يدعو بسبعة فيكبر عليهم سبع تكبيرات حتى فرغ منهم) وعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على
الميت (2).
واحتج المخالف بحديث جابر بن عبد الله في قتلى أحد أن النبي أمر بدفنهم في
دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.
قلنا رواية الإثبات أولى وحديث عقبة متأخر فيجب العمل به
• المطلب الثالث: عنايته بضبط الفاظ الحديث
(3)
والمراد بضبط لفظ الحديث: ضبط اللفظ بالشكل إذا احتمل الرسم أكثر من معنى، وهو دأب العلماء الراسخين حتى لا يُساء فهم الحديث ويفسد المعنى بالتصحيف وقد درج السالمي عليه الرحمة في كتابه على هذه القاعدة ولم يشذ عنها. ومن الأمثلة على ذلك ما فعله عند كلامه على حكم المسح بالمنديل للمتوضئ، رحمه الله: وقال بعض المالكية: لا بأس بمسح الأعضاء بالمنديل لما روي أنه عليه السلام كان إذا توضأ يمسح وجهه بطرف ثوبه وأثار وضوئه.
قال
وحجة من قال بالتكريه ما رواه البخاري من حديث ابن عباس قال: حدثتنا ميمونة قالت: صببت للنبي غسلاً فأفرغ بيمينه على يساره فغسلها ثم غسل فرجه ثم مال بيده على الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه وأفاض على رأسه ثم تنحى وغسل قدميه، ثم أتي بالمنديل فلم ينقض بها (4).
(1) رواه الطحاوي شرح معاني الآثار عن ابن عباس، بمعناه كتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهداء برقم 2886 والطبراني في الكبير مثله برقم 3529
(2) رواه البخاري بلفظه، کتاب الجنائز، باب الصلاة على الشهيد برقم 1344. (3) معارج الآمال 16/ 4.
(4) رواه البخاري كتاب الغسل باب المضمضة والاستنشاق برقم 259.
35 - Yo (1/35)
صفحة 32
اجتهادات الإمام السالمي
قال ابن حجر: قوله ولم يُردّها بضم أوله وإسكان (الدال) من الإدارة، والأصل يريدها لكن جزم، بلم ومن قرأها بفتح أوله وتشديد الدال فقد صحف وأفسد
المعنى
(1)
• المطلب الرابع: خبرته في نقد الإسناد وحكمه على الأحاديث
المراد بنقد الإسناد الكلام على رجال السند وهم سلسلة الرواة الذين رووا الحديث، والحكم على الحديث من خلال الإسناد هو أحد وجوه التصحيح
والتضعيف، أما الوجه الآخر فهو الحكم على الحديث من خلال متن الحديث.
فالنوع الأول كالحكم على الحديث بالصحة والحسن إذا كان رجاله موصوفين
بالثقة والضبط واتصل الإسناد وخلا من الشذوذ والعلة القادحة فهذا هو الصحيح.
فإن خف ضبط رجاله ورواته عن درجة رواة الصحيح فهو الحسن، فإن كان في السند إعضال، أو انقطاع في مواضع أو عنعنة أو تدليس، أو إبهام أو نحو ذلك مما له علاقة بالإسناد فهو ضعيف من قبل إسناده.
وإن كان متنه غريباً، أو مخالفاً للواقع، أو مخالفاً لأصول العربية فإنه يكون
ضعيفاً من قِبَل.
متنه
•
وإن كان في إسناده كذاب اشتهر بالكذب على رسول الله فهو حديث موضوع لا تجوز روايته بحال إلا على سبيل المعرفة والتنبيه عليه.
والإمام السالمي رحمه الله إمام جهبِةٌ خبير بدارسة الإسناد ونقده والحكم على الحديث صحة وضعفاً، وهذه إحدى الصفات التي أهلته للاجتهاد، فالذي لا يحسن هذه الصنعة لن يلج باب الاجتهاد حتى يلج الجمل في سَمِّ الخياط، والإمام السالمي كان عَلَماً من الأعلام في مجال السنة رواية ودراية وعلماً من الأعلام في دقة استنباطه الأحكام من الأحاديث، وسوف أورد أمثلة على خبرته في الصنعة الحديثية.
(1) معارج الآمال 414/ 1.
36 - 36 (1/36)
صفحة 33
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المثال الأول: في نقده للأحاديث بسبب ضعف الرواة.
قال
رحمه الله معرض نقده لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في العسل في كل عشرة أزق زق (1). وروى ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ من العسل
العشر.
والجواب أن هذه الأحاديث غير صحيحة كيف وقد قال الترمذي بعد نقل الحديث الأول: «إن في إسناده مقالاً، ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب كبير شيء، ومعنى قوله إن في إسناده مقالاً أي موضع قول للمحدثين أي تكلموا فيه وطعنوا في صحته» (2)
المثال الثاني: نقده لأحاديث زيارة قبر النبي.
:
فقد قال في معرض نقده لحديث ابن عمر عند الدارقطني وهو قوله: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» (3). قال الحسيني: رواه ابن عدي، والدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر قال ابن القطان: وفيه عبد الله بن عمر العمري، قال أبو حاتم، مجهول وقال العقيلي: لا يصح حديثه ولا يتابع عليه، وقال الذهبي: طرقه كلها لينة ولكن يتقوى بعضها ببعض، وقال ابن حجر حديث غريب أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال في القلب من سنده شيء، وأنا أبرأ إلى الله من عهدته، قال ابن حجر وغفل من زعم أن ابن خزيمة صححه، وقال ابن تيمية: موضوع (1).
وأنت خبير بأن النقل عن هؤلاء الأئمة الإثبات يدل على مدى خبرته في هذا
الشأن وعنايته بنقد الأسانيد والحكم عليها صحة وضعفاً.
(1) رواه الترمذي عن ابن عمر بلفظه، باب ما جاء في زكاة العسل رقم 629.
(2) معارج الآمال 351/ 4.
(3) رواه الدارقطني عن ابن عمر بلفظه برقم 194.
(4) معارج الآمال 271/ 4.
37 - 37 (1/37)
صفحة 34
اجتهادات الإمام السالمي
المثال الثالث: نقده لحديث من وجد سعةً ولم يَفِذ إليَّ فقد جفاني» () وحديث من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي (2).
فقد قال رحمه الله تعقيباً على هذه الأحاديث ولم يذكر لهذه الأحاديث راو فضلاً عن أن تصحح ثم إن في قوله فقد جفاني» وفي حديث «فليس له عذر عند الله» ما يدل على وجوب الزيارة وهو خلاف الإجماع إلا ما زعمته الصوفية من فرض ذلك ولا عبرة بهم ولا بقولهم فلو صحت المرويات وجبت الزيارة عند الاستطاعة كوجوب الحج وزيارته في حياته لم تجب فكم من مؤمن في عصره لم يره فكيف تكون أشدَّ في الوجوب بعد موته (3).
6
المثال الرابع: نقده لحديث أفطر الحاجم والمحجوم» (4).
قال رحمه الله تعقيباً عليه: ورُدَّ بأن في إسناده يزيد بن ربيعة وهو متروك، وحكم ابن المديني بأنه حديث باطل» (5).
المثال الخامس: نقده لحديث النهي عن دخول الحمام».
فقد قال تعقيباً عليه: فقد قيل في إسناده ضعف» (6).
قلة (7)
نقده لحديث القلتين بالاضطراب فإنه روي قلة وروي أربعين قلة (7).
• المطلب الخامس: في حسن استدلاله ودقته
والإمام السالمي كغيره من أئمة الهدى يقدم قول الرسول عليه على القياس، وإن صلى الله عليه وسلم
(1) أخرجه العجلوني في كشف الخفاء وقال ذكره في الإحياء ولم يخرجه العراقي رقم 2612. (2) أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد عن ابن عمر بلفظ قريب منه باب زيارة سيدنا رسول الله 2/ 4.
(3) معارج الآمال 272/ 4. (4) رواه أحمد بلفظه رقم 15996. (0) معارج الآمال 274/ 4. (1) معارج الآمال 267/ 5. (7) معارج الآمال 691/ 4.
38 - YA (1/38)
صفحة 35
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج في معارج الآمال
كان خبر واحدٍ، لأنه لا اجتهاد في موارد النصوص ولأنه كما عبر فقهاء الإباضية «لا حَظَّ للنظر النص والإجماع (1). مع
أخف
وهي
وهذا المسلك تجده مكرراً في موارد عدة من أمثلة ذلك ما قاله في معرض حديثه عن حكم تغسيل المرأة زوجها وتغسيل الرجل زوجته، قال رحمه الله: «وقد اختلفوا في ذلك والمذهب عندنا أن الزوجين أولى بعضهما ببعض في المحيا والممات، إلا أنه يكره بعد الموت النظر إلى العورة بخلاف الحياة فإن الكراهية فيها ها هنا أشد وإن لم تفض إلى الحرمة والمس أشد، فليجعل على يده عند غسل العورة خرقة كما يفعل ذلك بالغير، وقد أوصى أبو بكر الصديق أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأوصت فاطمة أن يغسلها علي بن أبي طالب وأسماء فغسلاها، وغسل ابن مسعود امرأته حين ماتت وكان ابن العباس يقول: الرجل أحق بغسل امرأته النساء، وغسل جابر بن زيد امرأة ماتت عنه وغسلته امرأته التي مات عنها وقيل إن اسمها أمينة.
من
وقيل: لا يجوز لأحدهما أن يغسل الآخر ونسب إلى حذيفة.
وقيل: يجوز غسل المرأة لزوجها ولم يجز غسل الرجل لأمرأته ونسب إلى أبي حنيفة وبعض أصحابه.
وقيل: إن تزوج بأختها من حينه فلا يطهرها.
قال: والحجة لنا قول عائشة رضي الله عنها: رجع رسول الله من البقيع وأنا أجد صداعاً في رأسي وأنا أقول: «وارأساه «فقال: بل أنا يا عائشة وارأساه «ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليكِ فغسلتك وكفنتُكِ وصليتُ عليكِ ودفنتك» (2)، وقالت رضي الله عنها: لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما غسل رسول إلا نساؤه (3). وما
(1) جامع ابن برکه 852 و 155 و 237 و 374 و 393 و 400 و 533 وبيان الشرع 111/ 22 والمصنف للكندي 15/ 38 والضياء 11/ 274.
(2) رواه ابن ماجه، بلفظه، کتاب الجنائز، باب ما جاء في غسل الرجل امرأته برقم 1465. (3) رواه أبو داوود بلفظ قريب كتاب الجنائز، باب ستر الميت عند غسله برقم 3141.
39 - 39 (1/39)
صفحة 36
اجتهادات الإمام السالمي
تقدم من وصية أبي بكر وفعل غيره من الصحابة من غير نكير فكان في هذا ما يشبه
الإجماع.
قال: واحتج المانع مطلقاً بأن العصمة قد انقطعت بينهما بالموت، ولذلك يجوز
له التزوج بأختها، وبخامسة ولولا انقطاع العصمة لحرم هذا بالكلية.
وأجيب بأنا لا نسلم بانقطاع العصمة بل هي باقية لقوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ ما تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ الله (1) وسماهن أزواجاً بعد الموت والأصل في الإطلاق الحقيقة، والمجاز يحتاج إلى قرينة ومدعي قطع العصمة محتاج إلى دليل.
فإن قيل: الدليل ما تقدم من جواز تزوج أختها والخامسة وهو بإجماع لا يجوز إلا عند انقطاع العصمة.
قلنا: حكم الموت مخالف لحكم الحياة فما ذكرتموه من الإجماع مختص بأحكام الحياة دون الموت لانقطاع انتفاع بعض ببعض فكانت الميتة لا تحسب خامسة لانقطاع منافعها فناسب فيها الترخيص دون الحية، فلو مات له عشر زوجات، أو مائة زوجة جاز له بأن يتزوج بأربع غيرهن وهن لا شك أزواجه فيما مضى والحكم باق على حاله مع هذا الترخيص، وهكذا القول في التزوج بأختها (2).
المثال الثاني: تأويله القرآن بالسنة
وقد يترك ظاهر القرآن إذا خالف السنة وذلك لأن السنة جاءت بياناً للقرآن وتفسيراً له ولأن القرآن الكريم حمال أوجه فيحتمل في دلالته التقديم والتأخير،
،
والحقيقة، والمجاز، والتصريح والإضمار، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد أما السنة فتأتي لرفع هذه الاحتمالات كلها ومن الأمثلة على ذلك: ما قاله في صفة الاستئذان على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألج؟ فقال ل لامرأة يقال لها روضة: «قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أأدخل، فسمعها الرجل فقال لها فقال: ادخل وسأل رسول الله عن أشياء.
(1) سورة النساء، الآية: 12.
(2) معارج الآمال 084/ 4
40 - {• (1/40)
صفحة 37
يجوز
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج في معارج الآمال
وفي هذا الحديث التصريح بأن السلام قبل الاستئذان وبه قال أبو المؤثر رحمه الله، وخالف في ذلك بعضهم فقال: إن الاستئذان قبل السلام محتجاً بظاهر الآية ونسب هذا القول إلى الحسن البصري، وقيل: إن رأى في البيت إنساناً قدَّم له السلام وإن لم يرَ فيه أحداً قدَّم الاستئذان والمعنى في ذلك إن علم أن في البيت أحداً إذ لا أن يقدم نظره قبل استئذانه كما مَرَّ، والأحاديث تدل على حمل الآية على غير ظاهرها، فقد روي عنه أنه كان إذا أراد أن يدخل داراً من دور المسلمين سلَّم ثلاثاً خارجاً من الباب، فإذا رَدَّوا السلام في المرة الأولى استأذن فإن أذن له دخل وإلا مكانه، وفي التسليم الثاني كذلك إذا لم يرد عليه رجع مكانه ولم يدخل ثلاث تسليمات، وقال: «مَن لم يسلّم ثلاثاً فلا تأذنوا له» (1).
رجع
فانظر كيف يؤول القرآن بالسنة ويفسره بها ويوفق بين كتاب الله وبين سنة رسوله ولا يضرب بعضهما ببعض لأن كليهما من عند الله (2)
(1) معارج الآمال 480/ 1.
(2) وللوقوف على تمسك السالمي بسنة رسول الله واعتصامه بها وتقديمها على اجتهادات المجتهدين ينظر المعارج 280/ 1 و 1/ 523 و 1/ 625 و 10/ 645 و 2/ 28 و 3/ 301 و 47/ 4 و 4/ 432.
41 - 41 (1/41)
صفحة 38
7913
خا
كتال
الفصل الثالث
الإجماع وتحته مباحث
A
المبحث الأول
في تعريفه
والإجماع هو الركن الثالث عند الإمام السالمي رحمه الله وقد عرفه في طلعة الشمس بقوله: وهو في اللغة العزم، وفي عرف الأصوليين والفقهاء وعامة المسلمين عبارة عن اتفاق علماء الأمة على حكم في عصر) (1).
وصورة الإجماع عنده أن ينطق كل واحد من المعتبرين بأنه يجب كذا أو يحرم، أو يندب أو يكره أو يباح، أو يفعل كل واحد من المعتبرين فعلاً يواطئ في ذلك فعل صاحبه نحو أن يصلوا على جنازة بأربع تكبيرات لا يزيد بعضهم عليها ولا ينقص، أو يتفقوا على ترك شيء نحو أن يتركوا الأذان في صلاة العيد أو نحو ذلك فيكون ذلك
(1) انظر شرح اللمع 665/ 2 للشيرازي والعدل والإنصاف 184/ 1 للوارجلاني، وغاية المأمول للعبد
الفقير إلى مولاه ص 285.
43 - 43 (1/43)
صفحة 39
اجتهادات الإمام السالمي
إجماعاً على أنه غير واجب فيها، أو يقول بعضهم قولاً أو يعمل عملاً ويسكت الباقون بعد انتشار ذلك القول، أو الفعل فيهم ومع القدرة على إنكاره فلا ينكروه بل يسكتون عليه كما إذا قال بعضهم صلاة الكسوف مشروعة وانتشر فيهم هذا القول فلم ينكره أحد
منهم
كان إجماعاً على شرعيتها (1).
ويُسَمَّى الأول: الإجماع النطقي العام.
ويُسَمَّى الثاني: الإجماع العملي.
ويُسَمَّى الثالث: الإجماع السكوتي.
والإمام السالمي جعل القسمة ثنائية، فسمى الأول والثاني إجماعاً قولياً لإطلاق لفظ القول على الفعل مجازاً كقولهم: قال بيده هكذا، والمقصود الفعل. الثالث إجماعاً سكوتياً، ولا مشاحة في الاصطلاح.
وسمى
المبحث الثاني
في أدلته
أدلة الإجماع عند السالمي رحمه الله:
واستدل السالمي بأدلة الجمهور ووجه الأدلة وقواها ورَدَّ على ما أُثير حولها من
شبهات من هذه الأدلة:
قوله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ
الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (2)
ووجه الاستدلال: أن الله توعد على اتباع غير سبيل المؤمنين كما توعد على مشاقة الرسول، فوجب كونه حجة (3)، ورد على ما أثير حولها من إشكالات ردوداً
قوية (4).
(1) طلعة الشمس 106/ 2. (2) سورة النساء، الآية: 115.
(3) طلعة الشمس 108/ 2.
(4) انظرها في طلعة الشمس من ص 108 إلى ص 110. 108
44
- (1/44)
صفحة 40
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
واستدل من السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تجتمع أمتي على ضلالة»، قال: وجزم
بعضهم بتواتره. وبقوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين (1). وكان يرى أن الإجماع اللفظي يفيد القطع لأن الأدلة التي ثبت بها أدلة قطعية لا
سيما التواتر المعنوي المفيد للقطع. وأما الإجماع السكوتي فهو مفيد للظن، قال رحمه الله: «وأما الإجماع السكوتي فهو حجة ظنية توجب العمل ولا تفيد العلم مثل خبر، العدل، فمن خالف الإجماع السكوتي لا يحكم بفسقه على الصحيح، كما لا يحكم بفسق من خالف خبر الأحاد لأن التفسيق لا يكون إلا مع مخالفة الدليل القاطع» (2).
المبحث الثالث
أنواع الإجماع وحكمها
وكان رحمه الله تبعاً لجمهور الأمة لا يعتبر إجماع أهل المدينة ولا إجماع أهل البيت وهم العترة الأطهار، ولا إجماع الشيخين أبي بكر وعمر، ولا إجماع الخلفاء الأربعة، ولم يقتصر على حجية إجماع الصحابة وحدهم.
وقد أشار إلى ذلك في أرجوزته التي سماها شمس الأصول قال رحمه الله: وليس يجزي فيه بعض الأمة وأن يكونوا ألف ألف مئة فليس إجماع ذوي المدينة عند خلاف غيرهم بحجة كذاك أيضاً أهل بيت المصطفى كذا الخليفتان أبي والخلفا والتابعي كالصحابي اعتبر وفاقه وخلفه مع من ذكر وقال قوم هو في الصحابة لا غير من سائر الجماعة (3).
(1) أخرجه البخاري ومسلم من حديث المغيرة بن شعبة، صحيح البخاري رقم 7311 ومسلم برقم 1920.
(2) طلعة الشمس 2/ 115. (3) طلعة الشمس 124/ 2.
45
-
45 (1/45)
صفحة 41
اجتهادات الإمام السالمي
وكان يرى أن التابعي إذا أدرك الصحابة اعتبر وفاقه وخلافه لأنه صار أحد علماء ذلك العصر لا ينعقد الإجماع بدونه، كما يشير إلى ذلك في البيت الرابع من الأبيات التي ذكرتها.
المبحث الرابع
في شروطه
قال رحمه الله في شمس الأصول:
وشرطه مستند فإن عُلم فهو وإلا أحسن الظن بهم.
قال: للإجماع شروط:
الشرط الأول: أن يكون للمجمعين مستند يستندون إليه من كتاب أوسنة أو اجتهاد، سواء كان ذلك المستند قطعياً أم ظنياً، فإن علمنا مستندهم كان ذلك زيادة في الاطمئنانية وتوسعاً في العلم وإن جهلناه مع حصول الإجماع منهم وجب علينا أن نحسن الظن بهم وأنهم لم يجمعوا على ذلك إلا وعندهم مستند من قِبَل الشارع، كإجماعهم على حد شارب الخمر فإنه كان يُحَدُّ أربعين جلدة، ثم اجتمعوا في خلافة عمر على أنه يحد ثمانين جلدة، فنحن نقطع بأنه لم يكن فعلهم في هذه الأشياء عن
هوى بل عن دليل عندهم واجتهاد ونصح للأمة (1). الشرط الثاني: أن لا يكون هناك نص من كتاب أو سنة، أو إجماع يخالف ما
أجمعوا عليه.
الشرط الثالث: انقراض العصر
يعني عصر المجتهدين، قال به ابن أبي هريرة، وأحمد بن حنبل، وابن فورك، وبعض الإباضية وهو أبو يعقوب الورجلاني صاحب العدل والإنصاف. وذهب الجمهور إلى أنه لا يشترط انقراض العصر، وقد صحح السالمي تبعاً
(1) طلعة الشمس 134/ 2.
46 - 46 (1/46)
صفحة 42
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
للجمهور عدم اشتراط هذا الشرط وأن انقراض العصر ليس بشرط، بل ينعقد الإجماع بمجرد اتفاقهم ولا ينتظر انقراضهم، لأن الله هذه الأمة أن
ضلالة (1).
عصم
من تجتمع على
المبحث الخامس
في تطبيقات الإجماع في معارج الآمال
لدى استقرائنا لكتاب معارج الآمال وجدنا كثيراً من تعويل الإمام السالمي رحمه الله على نقله الإجماع والاستدلال به والاعتماد عليه باعتباره الركن الثالث في مصادر التشريع الإسلامي. وقد استدل بنوعي الإجماع اللفظي والسكوتي في شتى أبواب
الفقه.
أمثلة يتضح بها المقصود:
والأمثلة على الاستدلال بالإجماع أكثر من أن تذكر وأوسع من أن تحصر، وسوف أورد أهمها وأحيل القارئ على مظانها في الحاشية.
المثال الأول: تقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء.
قال رحمه الله: أعلم أن أصحابنا رحمهم الله يأمرون بتقديم اليمني على اليسرى من جوارح الوضوء لما ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن ما استطاع في ترجله وتنعلِهِ وفي شأنه كله (2)، ولما ثبت أنه بدأ فغسل يده اليمنى ثم اليسرى في
وضوئه.
وقال أحمد: إن ذلك واجب قياساً على ترتيب سائر الأعضاء ... قلتُ - أي السالمي: وما تقدم من مذهب أحمد يستلزم وجوب الإعادة إلا أن يكون هذا الإجماع المذكور قبل وجود أحمد فيجب على أحمد الانقياد إليه (3). ويقصد السالمي بالإجماع
(1) انظر طلعة الشمس 138/ 2.
(2) رواه البخاري عن عائشة، كتاب اللباس 77، باب 38 برقم 5854.
(3) معارج الآمال 388/ 1
47 - EV (1/47)
صفحة 43
اجتهادات الإمام السالمي
المذكور ما نقله صاحب الأشراف (1) قال: وأجمعوا على أن لا إعادة على من بدأ
بيساره قبل يمينه ومقتضى قول أحمد يستلزم الإعادة.
المثال الثاني: حكم من نظر إلى بيت أجنبي بغير استئذان.
قال رحمه الله: من دخل منزل غيره بغير إذن عمداً هُدِرَ دَمُهُ، وقيل: لا حتى يعلم حاله فلعله ملتجئ أو سكران أو غيرهما، فإن عُلِمَ أنه معتد جاز ضربه.
وحجة أرباب هذا القول ما روى سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمتُ أنك تنظر إليَّ لطعنتُ بها في عينك إنما الاستئذان من أجل البصر) (2).
وقال أبو بكر الرازي: هذا الخبر يُرَد لوروده على خلاف قياس الأصول فإنه لا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق، فإن فمعناه: صح من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، فإما إذا لم يكن إلا النظر، ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَينِ وَالأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ والسنَّ بِالسِّنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ (3).
ورُدَّ بأن المراد بقوله تعالى والعين بالعين الله ما إذا لم تكن العين مستحقة للفقء فإنها إذا كانت مستحقة لذلك لم يلزم القصاص إجماعا (4).
(1) معارج الآمال 388/ 1.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه باب الامتشاط رقم (5580)، 2215/ 5، تحقيق د. مصطفى البغا،
دار ابن كثير - بيروت، ط.
(3) سورة المائدة، الآية: 45. (4) معارج الآمال 486/ 1.
48 EA
- (1/48)
صفحة 44
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المثال الثالث: في حكم غسل البول والغائط بالماء.
قال
رحمه
الله: «قال أبو معاوية: غسل البول والغائط بالماء واجب لسنة النبي وإجماع الناس على غسل الأذى الذي يكون في الإنسان قبل الوضوء، والبول والغائط من أشد الأذى» (1).
المثال الرابع: في حكم غسل النجاسة بالماء.
قال رحمه الله: «فقد أجمع الجميع بأن رجلاً لو كان طاهراً من النجاسة وغير متطهر بالماء وصلى لم يكن مؤدياً لفرضه حتى يجتمع له اسم الطهر والتطهر» (2). المثال الخامس: في حكم الغسل في حق من جامع ولم ينزل.
قال رحمه الله: «قال محشي الإيضاح: اعلم أن الأمة مجتمعة على وجوب الغسل بالجماع وإن لم يُنزل وعلى وجوبه بالإنزال وكانت جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال ثم رجع بعضهم وانعقد الإجماع بعد الآخرين.
قال: قلتُ: لكن يكون الإجماع على هذا حجة ظنية، ولا يكون حجة قطعية لتقدم الخلاف في المسألة» (3). فقد جعل الإجماع بعد سبق الخلاف حجة ظنية لكن عاد وبيَّن أن من ذهب من الصحابة إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال قد استدل بحديث «الماء قال بأن هذا الحديث منسوخ بحديث إذا التقى الختانان وجب الغسل» (ه)، فصار
من
الماء» (4)
،
الغسل واجباً أنزل أم لم ينزل بالإجماع القطعي
(1) معارج الآمال 402/ 1.
(2) معارج الآمال 420/ 1.
(1)
(3) معارج الآمال 596/ 1.
(4) رواه الربيع عن أبي بلفظه، كتاب الطهارة، باب 21 فيما يكون منه غسل الجنابة رقم 135. (ه) رواه الربيع عن عائشة وأم سلمة بلفظ قريب جداً، كتاب الطهارة، باب 21 فيما يكون من غسل الجنابة رقم 135.
(6) انظر بقية الأمثلة في 1/ 322 و 2/ 31 و 2/ 55 و 81/ 4 و 321/ 4.
-
49 29 (1/49)
صفحة 45
لماك حالة من المالت
ادر عصاره مالتا
الفصل الرابع
في القياس
المبحث الأول
موقفه من تعليل الأحكام الشرعية
والمراد من تعليل الأحكام هو ربط الأحكام الشرعية بالعلل وهي أوصاف ظاهرة منضبطة مناسبة ويطلق عليها الأصوليون لفظ الأمارات.
والعلماء حيال هذه العلل فريقان:
منهم من يعتقد تعليل الأحكام الشرعية وهم جمهور الأصوليين من الأشاعرة
والمعتزلة والإباضية.
ومنهم من ينكرها ومن أشدهم ابن حزم الظاهري.
ويقصدون بالعلة الوصف الظاهر المنضبط التي هي أحد أركان القياس، وليس العلة الغائية الباعثة للربو تو لالالالالالاله على الخلق والتدبير فهذه ينكرونها، ولذلك يقولون: إن الرب يفعل ما يشاء لا بالطبع ولا بالتعليل بمعنى لا يبعثه شيء على إيجاد شيء.
51 - 01 (1/51)
صفحة 46
اجتهادات الإمام السالمي
أما العلة التي هي الأمارة والتي نصبها الشارع وأناط بها الأحكام، فالجمهور الذين يثبتون القياس على إثباتها، أما الذين لا يثبتون القياس فهم من المنكرين لها. والإمام السالمي رحمه الله ممن يثبت التعليل والقياس والتعليل عنده تارة يكون
بالأوصاف الظاهرة، وتارة بالحكمة إذا كانت ظاهرة منضبطة.
تعريف العلة عند الإمام السالمي:
هي
قال الإمام السالمي رحمه الله: اختلف الأصوليون في تعريف العلة على أقوال أجودها أن العلة المعرف بكسر الراء بمعنى العلامة الدالة على وجود الحكم». وهذا اختيار الرازي في المحصول (1) وجعله التاج السبكي قول أهل الحق، وحكاه الزركشي في البحر عن طائفة من الأصوليين (2).
وقسم العلة إلى مؤثر كالقتل للقود، وإلى غير مؤثر كالإحصان للرجم فإن المؤثر
في الرجم هو الزنا والإحصان علامة لوجوبه.
وفرق بين العلة الشرعية والعلة العقلية بخمسة وجوه (3).
ولن نطيل الكلام فيها لأن غرضنا في العلل الشرعية.
وقسم العلة إلى متعدية وقاصرة وأراد بالمتعدية التي تتعدى من الأصل إلى الفرع
كالإسكار في الخمرة فإنها تتعدى إلى النبيذ، وأراد بالقاصرة ما تلزم الأصل فلا تتعدى
علة إلى الفرع كالنقدية في الذهب والفضة فإنه وصف لا يوجد في غيرهما
ويسمى
قاصرة، وذكر خلاف العلماء في التعليل بالقاصرة بين من يجوز التعليل بها كأبي حنيفة والكرخي، وبين من فصَّل فأجاز التعليل بالمنصوصة دون المستنبطة، ثم صحح جواز التعليل بها أي بالقاصرة مطلقاً واستدل بقوله تعالى: إن الصلوة تنهى عن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ (4) وهذه العلة لا تتعدى الصلاة (5).
52 - 52
150/ 0 (1)
(2) البحر المحيط 102/ 4.
(3) انظرها في طلعة الشمس 164/ 2. (4) سورة العنكبوت، الآية: 45.
(5) طلعة الشمس. (1/52)
صفحة 47
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الآمال
قلتُ: والأظهر جواز التعليل بها مع منع
القياس بها (1).
مثالها: شهادة خزيمة كشهادة رجلين لسبقه إلى ذلك النوع من تصديقه فهذا النوع من التصديق علة، لكن لا يلحق به أبو بكر الصديق في الشهادة مع أنه أسبق من خزيمة إلى تصديق النبي صلى الله عليه وسلم، فعلم أنه يصح التعليل بها دون القياس بها والله أعلم.
أمثلة على التعليل من معارج الآمال:
والمستقرئ لكتاب الإمام السالمي معارج الآمال كماً هائلاً يجد من التعليل فهو رحمه الله تارة ينص على العلة، وتارة ينبه عليها تنبيهاً، وتارة يذكر للحكم الواحد أكثر من علة على مذهب الجمهور في جواز تعدد العلل، وتارة يستخرجها عن طريق السبر والتقسيم، وتارة يعلل بالأوصاف الظاهرة وتارة يعلل بالحكمة على طريقة العلماء الراسخين وتكلم على شروط العلة من خلال الفروع التطبيقية، وذكر فروعاً على مسالكها وقوادحها، كل ذلك في أثناء تفريعه الفروع في شتى الأبواب والفصول والمباحث، وهذه أمثلة يتضح بها المطلوب.
،
المثال الأول: الاستنجاء بالزجاج الأملس.
قال رحمه الله: قال الشيخ إسماعيل رحمه الله تعالى ولا يستنجي بالزجاج الأملس ولا بالفحم لأنه لا ينشف، ولا يعامل البول بيده لأنه يورث عذاب القبر». قال: قلتُ: وذلك إن أمكن اتقاء البول، فأما عند الضرورة فلا بأس، وظاهر كلامه رحمه الله تعالى أن التعليل بعدم التنشيف متوجه إلى الفحم، وقد يقال إنه متوجه إلى الفحم وإلى الزجاج، وذلك أن تعليل منع الاستنجاء بالزجاج بخوف الضرر لأنه جارح والله أعلم» (2). وهكذا علل منع الاستنجاء بعلتين: الأولى أنه لا ينشف، والثانية بخوف الضرر.
المثال
الثاني: النهي عن استقبال الكعبة واستدبارها بالبول والغائط. قال رحمه الله: «قال في الإيضاح: فإن قال قائل لأي علة نهي عن استقبال القبلة
(1) غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول ص 353.
(2) معارج الآمال 297/ 1
53_ or (1/53)
صفحة 48
اجتهادات الإمام السالمي
واستدبارها عند حاجة الإنسان؟ قيل له ليس في الشرع أمر ولا نهي إلا وله معنى حظر أو أبيح إلا أن ذلك على ضربين:
لأجله
منه ما عقلناه في الجملة أنه مصلحة للمكلف واستأثر الله بعلم معناه على التفصيل كقوله تعالى: وإِن الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَر (1)، فعلمنا أن كل ما نهي عنه في الجملة فواجب لوجوبها قياساً عليها ولم يعلم المعنى في عددها
وصفاتها، ثم قال: والنظر يوجب عندي أن يكون النهي لأجل الكعبة تعظيماً لها» قال السالمي: قلتُ قال أبو سعيد رحمه الله وعلل ذلك بأنه أشرف المجالس ما
تستقبل به الكعبة» (2).
أرأيت كيف صرح
بأنه ليس شيء في شرع الله إلا وله معنى لأجله أبيح ولأجله
حرم، وكيف نص على علة الحكم نصاً صريحاً.
المثال الثالث: حكم إظهار المرأة صوتها لغير حاجة.
قال رحمه الله: وفي تخضعها بالقول لغير زوجها فإنها منهية لقوله تعالى: إن اتَّقَيْتُنَ فَلَا تَخَضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (3)، وهذا الخطاب وإن كان متوجهاً لنساء النبي صلى الله عليه وسلم فحكمه شامل لجميع المسلمات لأن قوله تعالى: فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ تعليل يدخل فيه التخضع بالقول من جميعهن، فنهاهن الله عن ذلك لئلا يطمع الفاسق فيهن عند سماعه لرقة أصواتهن ولطافة كلامهن إلخ ما قال» (4)
المثال الرابع: في التي تلد ولداً ويبقى في بطنها غيره.
قال رحمه الله: قلتُ لا نسلم أن النفاس اسم يجب لوضع الحمل كله، بل نقول إنه في العرف الشرعي اسم للدم الخارج مع الولد وفي اللغة اسم للولادة، ولا شك
(1) سورة العنكبوت، الآية: 45. (2) معارج الآمال 287/ 1 و 288. (3) سورة الأحزاب، الآية: 32. (4) معارج الآمال 519/ 1.
54 - 08 (1/54)
صفحة 49
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الأمال
أن الواضعة للولد الواحد واضعة فتستحق اسم النفساء بذلك. وأيضاً فلو سلم أن النفاس اسم يجب لوضع الحمل لوجب أن تعطى الواضعة للولد التام حكم النفاس إذ المعنى في وضع الولد الواحد ووضع الولدين والثلاث واحد، فلا فرق بينهما في باب الحكم. وإن سلمنا الافتراق في التسمية مثلاً لأننا لا نعلل الأحكام بالألفاظ بل نثبتها بالمعاني التي أومأ إليها الشارع لعلمنا أن الألفاظ تختلف والمعاني ثابتة، سلمنا أن الخطاب توجه إلى العرب بلغتهم فخوطبوا بالألفاظ التي يعرفونها لكن للعرب في فهم المعاني القدم الراسخة ولهم في مراعاة الأحوال واستنباط الدقائق من أحوال الخطاب اليد الطولى، فلا يقتصرون على نفس اللفظ بل يعد المقصر منهم على ذلك مع تركه لمراعاة الأحوال بليداً عيّاً والله أعلم) (1).
إن هذا النص يوزن بماء الذهب ومؤداه أن العرب لو سمت عصير البرتقال خمراً لم تثبت حرمته لعلة اسم الخمر فيه حتى يوجد المعنى الذي لأجله حرم الخمر وهو الإسكار، فإن العرب كانت لا تراعي المعاني في الوضع فإنهم سموا اللسيع سليماً والصحراء مفازة والقبيح جميلاً ونحو ذلك مما هو معروف في سُنَنِ وَضْعِ اللغة.
المثال الخامس: في اختلاف الفقهاء في الضبع والثعلب.
قال
رحمه الله: «واعلم أن اختلافهم في الضبع والثعلب ناشئ عن اختلافهم في
معنى ذي الناب من الحديث، فمنهم من قال: المراد بذي الناب ما يتقوى بنابه ويصطاد وبمعناه ما قيل إن المراد ما قويت أنيابه فعدا على الحيوان طالباً غير مطلوب فَعَدْوه
بأنيابه علة تحريمه.
ومنهم من قال: المراد به ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه، ومنهم من قال: المراد به ما افترس بأنيابه، وإن لم يبتدئ بالعدو وإن عاش بغير أنيابه، فهذه ثلاث علل أعمها العلة الثالثة وأخصها العلة الثانية وأوسطها العلة الأولى، فعلى العلة الأولى
(1) معارج الآمال 103/ 2.
55_00 (1/55)
صفحة 50
اجتهادات الإمام السالمي
والثانية يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد وكذلك الثعلب لأنه يتماوت وينفخ بطنه ويرفع قوائمه حتى يظن أنه مات فإذا قرب منه حيوان وثب عليه وصاده، وتحل السنانير على العلة الأولى لأنها لم تقو، بأنيابها، وتكون مطلوبة لضعفها، ويحل أيضاً ابن آوى لأنه لا يبتدئ بالعدو ويحرم على العلة الثانية لأنه يعيش بنابه وعلى العلة الثالثة فيدخل فيها الجميع القوية والضعيفة علة وهي من يحرمها كلها ولا يستثني منها شيئاً والله أعلم» (1).
أي حبرٍ
هذا الذي يُقلب الوجوه تقليباً ويسبر الأقوال سبراً دقيقاً ويغوص فيها غوصاً عميقاً ويقف على علة كل قول منها ويفرع على كل علة حكماً، إنه بحق فتح من
الله يفتح الله به على أوليائه وأصفيائه.
المثال السادس: في القيام للجنازة.
قال
رحمه الله: «ثم إن الأمر بالقيام إما لترحيب الميت وتعظيمه إن كان مؤمناً، وإما لتهويل الموت وتفظيعه والتنبيه على أنه ينبغي أن يضطرب ويقلق من رآه اقشعراراً منه، ورعباً ولا يثبت على حاله لعدم المبالاة وقلة الاحتفال ويشهد له حديث جابر قال: مرت جنازة فقام لها رسول الله وقمنا معه فقلنا: يا رسول الله إنها يهودية، فقال: إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا» (2).
وقيل: الحكمة غير ذلك، ففي حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن الحسن بن علي قال: إنما مرَّ بجنازة يهودي وكان رسول الله على طريقها جالساً وكره أن تعلو رأسه جنازة يهودي فقام (3). قال: وفي حديث أن رسول الله قال: «إنما قمتُ للملائكة»، فقد وقع تعليل القيام مرة بكون الموت فزعاً وأخرى بكراهية أن تعلو جنازة يهودي رأس رسول الله .. قال: ولا مانع أن يكون للشيء الواحد علل متعددة فيذكر في كل مقام ما يليق به من الكلام (4)، وهذا هو مذهب الجمهور وهو الصحيح.
(1) معارج الآمال 293/ 2
(4)
(2) رواه مسلم بلفظه، كتاب الجنائز، باب القيام للجنازة رقم 960.
(3) رواه النسائي بلفظه كتاب الجنائز، باب الرخصة في ترك القيام رقم 1927.
(4) معارج الآمال 189/ 4.
56 - (1/56)
صفحة 51
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المبحث الثاني
موقفه من التعليل بالحكمة
المراد بالحكمة هي الباعث على تشريع الحكم وهي غاية الحكم ومقصده وحقيقتها جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.
وإلى جواز التعليل بالحكمة ذهب جماعة من الأئمة مالك
منهم
بن أنس، والعلة الحقيقية هي الحكمة، لكن لما كانت الحكمة لا تنضبط في بعض مواردها أناط الأصوليون الأحكام بأسباب ظاهرة منضبطة وشرطوا لهذه الأسباب اشتمالها على
حكمة تصلح مقصوداً للشارع من شرع الحكم. مثال ذلك: المشقة في السفر هي الحكمة من قصر الصلاة الرباعية ومن الإفطار للصائم المسافر، لكن لما كانت المشقة تختلف باختلاف الأعمال والأشخاص والأزمان علَّق المجتهدون الحكم بسبب ظاهر منضبط وهو السفر، واشترطوا فيه اشتماله على المشقة، أما مشقة الحمال والحداد والخباز فليست علة لعدم انضباطها والذي يصلح للترخيص مشقة إضافية وهي سفر لا مطلق مشقة.
مشقة
وإمامنا السالمي قد سلك هذا المسلك كما سوف يتضح بالأمثلة وهو على
صواب ونصوص الكتاب والسنة تؤيده.
من
ذلك: قوله تعالى: يايها الذِينَ آمَنُوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (1). والتقوى حكمة الصوم، أما علته وسببه فهو رؤية
الشهر.
وقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكّيهم بها كه (2)، فحكمة الزكاة
الطهارة، وسببها ملك النصاب.
وقوله تعالى: وإن الصلوة تنهى عن الفحْشَاءِ وَالْمُنكَر (3)، فحكمة
(1) سورة البقرة، الآية: 183 (2) سورة التوبة، الآية: 103. (3) سورة العنكبوت، الآية: 45.
57 OV
- (1/57)
صفحة 52
اجتهادات الإمام السالمي
الصلاة أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر أما سببها وعلتها فهو دلوك الشمس لقوله تعالى: وأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الَّيْلِ} (1).
أما نصوص السنة فكقوله: (إنما جعل الاستئذان من أجل البصر» (2)، وقوله: «إنما نهيتكم عن ادخار لحوم الحيوان فوق ثلاث من أجل الدافة» (3)، وهذه كلها حكم دالة على مقصد الشارع من شرع الحكم.
أمثلة يتضح بها المقصود من معارج الآمال:
ولدى استقرائي لكتاب معارج الآمال في أسفاره الخمسة وقفت على مسلك هذا الإمام الفذ وهو يعلل بالحكمة تارة أو يستنبطها أخرى، أو ينص عليها في مئات المواضع، وسوف أختار بعضها وأحيل القارئ الكريم على مظانها من الكتاب في
الحاشية.
المثال الأول: في التعليل بالحكمة وذلك عند كلامه على سفر المرأة مع
الأجنبي. وملخص المسألة أن المرأة لا يحل لها أن تسافر مع الأجنبي لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها محرم لها» (4)، أما مع الجماعة فقد قيل يجوز لها أن تسافر مع الجماعة، قال رحمه الله: «وانظر في وجه جواز سفرها مع الجماعة وإن كانوا غير ثقات فإن الحكمة التي لأجلها حرم سفر المرأة الأجنبي إنما هي خوف الفتنة كما يرشد إليه حديث ابن عمر عن خطبة أبيه في باب الخلوة: إن الشيطان ثالثهما، وهذا المحذور بعينه موجود عند غير الثقات فهم يمكن أن يتعاونوا عليها فيكون ذلك أشد فتنة من أن لو كان رجل واحد
مع
•
(1) سورة الإسراء، الآية: 78. (2) تقدم تخريجه.
(3) صحيح مسلم، باب ما كان من النهي ... برقم (5215، 80/ 6، ومسند أحمد عن عائشة برقم (24981)، 90/ 53، وموطأ مالك باب ادخار لحوم الأضاحي رقم (1037)، 390/ 3. (4) صحيح البخاري، باب في كم يقصر من الصلاة، رقم (1038)، 369/ 1، وصحيح مسلم، باب سفر المرأة مع محرم، رقم (3332)، 103/ 4.
58 OA (1/58)
صفحة 53
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
فقوله: «فإن الحكمة التي لأجلها حرم سفر المرأة مع الأجنبي صريح في أنه
يعلل بالحكمة كما يعلل بالأوصاف المنضبطة.
المثال الثاني: التيمم في حق الحاضر
وحاصل هذه المسألة أن العلماء اختلفوا في التيمم في حق المقيم، ففي المسألة أقوال أربعة:
القول الأول: أن التيمم غير جائز له لأن التيمم عند هؤلاء خاص بالمسافرين،
واستدلوا بقوله تعالى: {وَإِن كُنتُم قَضَى أَوْ عَلَى سَفَرِه
وأجيب عنها بأن المفهوم لا يعمل به هنا لأنه خرج مخرج الغالب. القول الثاني: إن التيمم له إن خاف الفوت جائز مطلقاً لأنه معدم للماء، وقد أمر الله المعدم بالتيمم ولم يخص مسافراً من حاضر، قال رحمه الله: «وهذا القول هو الأصح عندي لأن مشروعية التيمم إنما كان لخوف تفويت الصلاة وللمحافظة على في الوقت، وهذه الحكمة بعينها موجودة في الحاضر المعدم للماء كالمسافر المعدم للماء والله أعلم ثم ذكر باقي الأقوال» (2).
الأداء
المثال الثالث: الحكمة التي لأجلها ثبت نزح الماء من البئر.
فقد جعل الحكمة عنوان الفرع الثاني، وملخص المسألة أن النجاسة في أول ملاقاتها للماء لا يلحقها من الماء إلا الأجزاء اليسيرة وهي التي تعلو الطرف الأعلى من الماء، فإذا دخل الدلو إلى الماء انحدرت هذه الأجزاء في جوف الدلو، وهكذا في المرة الثانية والثالثة، ففي كل دلو يخرج شيء من أجزاء النجاسة فإذا فرغ من النزح كان التقدير لم يبق من أجزاء النجس شيء
في
(4)
المثال الرابع: في الانتظار في النفاس.
قال
رحمه الله: اعلم أنهم أوجبوا الانتظار في النفاس كما أثبتوه في الحيض
(1) سورة النساء، الآية: 43.
(2) معارج الآمال 777/ 1 (3) معارج الآمال 710/ 1.
59_09 (1/59)
صفحة 54
اجتهادات الإمام السالمي
وأكثر قولهم في انتظار النفاس ثلاثة أيام وفي الحيض يومان، وفي الكدرة وليلة، يوم قال: وقد قدمت لك آنفاً أن حكمة الانتظار الاحتياط للدين مخافة أن يكون ذلك الحال حيضاً أو نفاساً (1).
ثم
ويقصدون بالانتظار بعد تمام عشرة أيام من الحيض وعند تمام أربعين في النفاس
على المذهب الذي يرى ذلك هو الأغلب.
المثال الخامس: مس الحائض والجنب المصحف
قال
رحمه الله: اختلف الناس في ذلك فمنهم من كره ذلك مطلقاً،
روي
هذا
القول عن ابن عمر.
وكره مالك إلا أن تكون له علاقة فيحمل منها.
ومنع الشافعي المحدث والجنب من مس المصحف.
والمذهب عندي أن حمل المصحف ومسه جائز إلا للحائض والنفساء والجنب، والحجة لنا قوله تعالى: {وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} ()
(2)
ثم قال: وأما من كره حمله بعلاقة، أو على الوسادة فكأنه نظر إلى الحكمة في النهي عن مسه إنما هي لأجل تعظيمه واحترامه وحمله على هذا الوصف منافٍ لهذه الحكمة» (3).
فقد ألحق حمل المصحف بعلاقته أو على الوسادة بمسه حال الجنابة بأن كلا
الصورتين منافية لحكمة تعظيمه.
المثال السادس: في آداب الحمل والتشييع.
قال رحمه الله وهو يعدد آداب تشييع الجنازة: ومنها أن من تبعها لا يجلس حتى توضع، ثم اختلفوا في تأويل قوله حتى توضع فقيل: حتى توضع عن أعناق الرجال،
(1) معارج الآمال 39/ 2. 2/ (2) سورة الواقعة، الآية: 79 (3) معارج الآمال 158/ 2.
60 - 7. (1/60)
صفحة 55
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
وقيل: حتى توضع في اللحد قال والحكمة في الوجه الأول القصد إلى المساعدة والقيام بحق الأخوة والمصاحبة، والحكمة في الثاني الاحتياج في الدفن إلى الناس وتكميل الأجر في القيام بخدمته، والأول أظهر لأنها ما دامت على أعناقهم فهم واقفون فقعوده مخالف لهم، ويشعر بالتميز عنهم والتكبر عليهم (1).
فانظر كيف استنبط لكل وجه حكمته ثم كيف رجح بينهما.
المثال السابع: في قضاء الحائض الصوم دون الصلاة.
قال
رحمه الله: وقد تكلم بعض الفقهاء في الفرق المذكور بين قضاء الصوم دون الصلاة واعتمد كثير منهم على أن الحكمة فيه أن الصلاة تتكرر فيشق قضاؤها بخلاف الصوم الذي لا يقع في السنة إلا مرة» (2).
المثال الثامن: فيمن أفسد صيامه عمداً بجماع أو إفطار.
قال رحمه الله: «وجمهور أصحابنا يوجبون عليه الكفارة ... قال: والحكمة في مشروعية الكفارة عليه أن من انتهك حرمة الصوم بالجماع فقد أهلك نفسه بالمعصية فناسب أن يعتق رقبة فيفدي بها نفسه، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار» (3)، (4).
(4)
المبحث الثالث
في مسالك العلة عند السالمي رحمه الله
والسالمي كغيره تكلم على مسالك العلة في طلعة الشمس، فذكر طرق العلل
(1) معارج الآمال 187/ 4 و 188. (2) معارج الآمال 95/ 5.
(3) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ قريب كتاب كفارات الأيمان، باب قوله تعالى (أو تحرير رقبة) رقم
6337
(4) معارج الآمال 299/ 5 وانظر 201/ 4 و 287/ 4 و 288/ 2 و 2/ 28 و 305/ 4 و 91/ 5 و 665/ 4 و 5/ 17 و 5/ 18 و 19/ 5 و 44/ 5.
61 - 61 (1/61)
صفحة 56
اجتهادات الإمام السالمي
المستنبطة وهي والطرد (1).
خمسة طرق السبر، والتقسيم والمناسبة، والشبه والدوران،
أمثلة يتضح بها المقصود من كتاب معارج الآمال:
وسوف أذكر بعض مسالك العلة.
المثال الأول: في النص على العلة.
- قال رحمه الله في معرض كلامه عن دم الحيض: قال تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في الْمَحِيضِ) (2) وقال: هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (3)، فقد ذكر وصف كونه) أذى في معرض بيان العلة لوجوب الاعتزال ثم قال: فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملاً بالعلة المذكورة على سبيل التصريح في كتاب الله» (4). - أن الله تعالى علل دفع الزكاة بكونها طهرة وزكاة لهم. قال تعالى: خُذْ مِنْ
أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا (5)
المثال الثاني: في السبر والتقسيم.
والمراد بالسَّبْرِ فحص الأوصاف، والتقسيم حصر الأوصاف.
يحصر المجتهد الأوصاف ثم يختبرها في ضوء المصلحة
والسبر والتقسيم هو أن والمناسبة فأي وصف لا مناسبة فيه يحذفه عن الاعتبار حتى يعثر على الوصف المناسب فيكون هو العلة.
وقد ذكر السالمي السبر والتقسيم عند كلامه على حديث «ليس للعبد من صلاته إلا ما عقل منها (6)، قال رحمه الله: فالمصلي يناجي ربه كما ورد في الخبر والكلام
(1) انظر طلعة الشمس 207/ 2 وما بعدها.
(2) سورة البقرة، الآية: 222.
(3) سورة البقرة، الآية: 222.
(4) انظر معارج الآمال 31/ 2. (5) سورة التوبة، الآية: 103.
(1) قال الألباني: لا أصل له مرفوعاً وإنما صح موقوفاً عن بعض السلف. انظر السلسلة الضعيفة للألباني حديث رقم (6941)، 1026/ 14.
62 - 62 (1/62)
صفحة 57
مناجاة
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الغفلة ليس بمناجاة أصلاً، ثم علل ذلك بالسبر والتقسيم فقال: «أما الذكر فإنه مع الله تعالى، فإما أن يكون المقصود منه كونه مناجاة أو المقصود منه مجرد الحروف والأصوات ولا شك في فساد هذا القسم فإن تحريك اللسان بالهذيان ليس فيه غرض صحيح فثبت منه المناجاة وذلك لا يتحقق إلا إذا كان اللسان معبراً عما في القلب من التضرعات فأي سؤال في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ إذا كان
القلب غافلاً.
وهذا النوع يسمى بالسبر والتقسيم المنحصر لأنه يدور بين شيئين، فإذا بطل أحدهما تعيَّن الآخر، وهو مفيد للقطع أكثر من المنتشر وهو الذي تعددت فيه
الأوصاف.
وتكلم عن الإيماء، وهو النوع الثالث من أنواع النص على العلة، فإن النص على العلة إما أن يكون صريحاً، أو ظاهراً، ومعارج الآمال مملوء بهذين النوعين، والنوع الثالث الإيماء إلى العلة وقد نص على مسلكه في ذلك فقال رحمه الله في معرض حديثه عن النفاس: وإن سلمنا الافتراق في التسمية مثلاً لأننا لا نعلل الأحكام بالألفاظ بل نثبتها بالمعاني التي أومأ إليها الشارع» (1).
أما المسالك الأخرى فهي مذكورة ضمن الأقيسة الصحيحة التي سوف نتعرض
لها إن شاء الله، وهي مذكورة كلها في طلعة الشمس
(2)
=
وقد ذكر مسالك العلة المنصوصة في شمس الأصول 196/ 2: وطرق العلة منها النص كذلك إجماع بها ين والنص يأتي تارة صريحاً نحو لأجل وأتي تلويحا وهذا عندهم هو الإيماء إذ فيه للعلية الإيماء
(1) معارج الآمال 2/ 103. (2) طلعة الشمس 2/ 205 وقد أشار إليها في شمس الأصول فقال: هذا وأما طرق المستنبطة سبر مناسب وشبه فاضبطه والدوران الطرد والخلف بدا في الكل لكن بعضها أقوى يدا
63
-
63 (1/63)
صفحة 58
اجتهادات الإمام السالمي
المبحث الرابع
في أنواع القياس
المطلب الأول: في الأقيسة الصحيحة
تقديراً.
قال
رحمه الله في طلعة الشمس:
القياس في اللغة هو التقدير، يقال: قاس الثوب هل يكمل قميصاً إذا قدره
وفي الاصطلاح هو أن القياس حمل مجهول الحكم على معلوم الحكم بجامع بينهما كالخمر فإن حكمه معلوم بنص الكتاب على تحريمه ويسمى في اصطلاحهم أصلاً، ومجهول الحكم كالتتن ونحوه فإنه لم ينص على حكمه كتاب ولا سنة ولا إجماع ويسمى فرعاً.
أما في معارج الآمال فإنه أتى على كل أنواع القياس لم يترك نوعاً إلا وذكره مصححاً الصحيح منها ومنتقداً الفاسد.
فذكر من الأقيسة الصحيحة: قياس المساوي، وقياس الأولى.
وذكر من الفاسد: القياس مع
بفاسد الاعتبار.
الفارق، والقياس المخالف للنص وهو ما يسمى
وذكر من الأقيسة المختلف فيها: قياس الشبه والقياس في العبادات، والقياس
في الحدود.
وسوف أورد لكل نوع ما يتضح به المقصود ويبرز قدرة هذا الحبر على استعمال
الأقيسة في اجتهاداته في محيط الفروع الفقهية.
المطلب الأول: في الأقيسة الصحيحة
الفرع الأول: القياس المساوي
أبدأ بالقياس المساوي وهو أكثر أنواع القياس عند السالمي رحمه الله، وأقصد
64 - 18 (1/64)
صفحة 59
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
بالمساوي: ما كانت العلة في الفرع مساوية للعلة في الأصل، كالإسكار في النبيذ، فهذا الوصف في النبيذ مساو له في الخمر، وكقياس حرق مال اليتيم على أكله في الحرمة، وهذه بعض الأمثلة:
المثال الأول: نقض الوضوء بالكذب والغيبة والنميمة وأيمان الفجور: قال رحمه الله: «وظاهر كلام القطب (1) أن الكذب، والغيبة والنميمة وأيمان الفجور متفق على النقض بها وأن الخلاف فيما سوى ذلك من الكبائر فقيل: غير
ناقض، وقيل: ناقض قياساً على الأربعة وذلك كالقذف والبهتان إلخ ما قال (2). المثال الثاني: قياس المجنون والسكران والمغمى عليه على النائم في نقض
الوضوء:
قال رحمه الله: قال بعض أصحابنا ليس على الناعس في الصلاة وضوء ولا تنتقض طهارته سواء كان قائماً، أو ساجداً لحديث ابن عباس «ليس على من نام قائماً أو راكعاً أو ساجداً وضوء الحديث (3).
وقيل: إن كان النوم ثقيلاً نقض الوضوء على أي حالة، وإن كان خفيفاً لا ينقض الوضوء على أي حالة كان قال صاحب الإيضاح والنظر يوجب عندي هذا القول حتى يصح القياس وتطرد العلة في المجنون والسكران، والمغمى عليه (4)
المثال الثالث: قياس التسمية والسواك في الغسل عليهما في الوضوء في
الفضيلة.
أنهما
قال رحمه الله: فجعل التسمية والسواك من سنن الغسل غير ظاهر بل الظاهر فضائله قياساً على الوضوء» (ه).
من
(1) المراد به قطب المغرب وهو العلامة الإمام محمد يوسف اطفيس صاحب شرح النيل، وأما قطب المشرق فهو الإمام السالمي الذي نحن بصدد اجتهاداته رحمه الله رحمة واسعة.
(2) معارج الآمال 550/ 1 و 555.
(3) رواه أحمد في مسنده بلفظ قريب منه رقم (2356)، 382/ 5.
(4) المرجع نفسه 583/ 1.
(5) معارج الآمال 626/ 1.
65 - 70 (1/65)
صفحة 60
اجتهادات الإمام السالمي
المثال الرابع: قياس الكدرات على الدم في حكم الانتظار.
قال رحمه الله: واختلفوا فيما عدا الدم الخالص هل يكون حيضاً أم لا ... وقد تعلق كل فريق بأدلة، فالقائلون بأنها حيض جعلوا لها أحكام الحيض في جميع الأشياء وأعطوها حكم الانتظار قياساً على الدم المذكور في رواية جابر (1).
المثال الخامس: قياس البواسير على الاستحاضة.
قال رحمه الله: فالظاهر وجوب القيام عليها كغيرها ما لم يتعذر عليها ذلك، والرخصة الموجودة لصاحب البواسير لا بد وأن توجد فيها لأن المعنى واحد والله
أعلم (2).
وقال في موضع آخر: «ثم نعم وجدت رواية عن رسول الله أنه كان يرخص لصاحب البواسير أن يصلي جالساً أو على جنب (3)، فإن صحت هذه الرواية فهي حجة
لما قالوه في صلاة المستحاضة إذ المعنى واحد» (4).
قلت: والرواية صحيحة فالقياس إذاً صحيح.
المثال السادس: عدم وطء المستحاضة قياساً على الحائض.
ذكر السالمي رحمه الله ثلاثة مذاهب في وطء المستحاضة:
أحدها: إباحة الوطء، وهو المروي عن ابن عباس قال عكرمة: كانت الصحابة
يغشون أزواجهن وهن مستحاضات.
،
المذهب الثاني: كراهة وطئها في كثرة الدم، وقيل لا يطؤها حتى تغتسل له أو على إثر غسل صلاة وهذا على سبيل الاحتياط والتنزه.
(1) المرجع نفسه 35/ 2.
(2) المرجع نفسه 93/ 2.
(3) رواه البخاري عن عمران بن حصين بمعناه كتاب أبواب تقصير الصلاة، باب إذا لم يطق الصلاة قاعداً
رقم 1117.
(4) معارج الآمال 92/ 2.
66 - 77 (1/66)
صفحة 61
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المذهب الثالث: لم يجيزوا وطأها وهو المنقول عن الشعبي والنخعي وابن سيرين، قال رحمه الله: ولعل حجتهم في ذلك قياس دم الاستحاضة على الحيض» (1).
قلت: ولعلهم قدَّموا قول عائشة المستحاضة لا يأتيها زوجها على حديث عكرمة فإن قول عائشة وإن كان موقوفاً إلا أن مثله لا يدرك بالرأي، فحكمه حكم الرفع، وإذا كان كذلك فحديثها أولى لأنها أعلم بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فهي زوجته وهي أعلم
بما يدوم من السنن وما ينسخ الفرع الثاني: في قياس الأولى
وهو ما كانت العلة في الفرع أولى منه في الأصل كحرمة الضرب قياساً على
التأفيف».
المثال الأول: قياس منع إبداء الزينة قياساً على منع سماع صوت الخلخال قال رحمه الله: «قال الفخر وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: إنما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى، الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب، الثالثة: الآية تدل على خطر النظر إلى وجه المرأة بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة». قال السالمي تعقيباً عليها: وهي فوائد حسنة موافقة للحق إن شاء الله» (2). المثال الثاني: قياس الأقلف على الحائض والنفساء والجنب في المنع من قراءة
القرآن.
قال رحمه الله: «فجملة الأقوال ثلاثة:
أحدها: التكريه والمراد به المنع من القراءة على سبيل التنزيه، ويحتمل أن يراد به التحريم لأنه كثيراً ما يعبر الأوائل عن التحريم بالتكريه.
(1) معارج الآمال 94/ 2، وانظر: 95/ 2 و 2/ 148 و 5/ 87 و 5/ 255 و 5/ 264 و 2/ 95.
(2) معارج الآمال 519/ 1.
-
67 TV (1/67)
صفحة 62
اجتهادات الإمام السالمي
القول الثاني: الترخيص للجنب مطلقاً أو في بعض الآيات والأحوال.
القول الثالث: إباحة القراءة للحائض وكراهيتها للجنب.
وخرج أبو سعيد معاني الاتفاق من قول أصحابنا أنه لا تقرأ الحائض والنفساء القرآن إلا لضرورة، أو سبب يوجب ذلك، وزاد في موضع آخر مع الحائض والجنب النفساء ثم قال: والأقلف عندي بمعناهم وأشد» (1).
المثال الثالث: منع القراءة على الجنب قياساً على منع دخوله المسجد في الحرمة.
قال
، فدل
رحمه الله: قال تعالى: {وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (2) ذلك على أنه ليس أهلاً للذكر لأنه لو كان أهلاً للذكر لما منعه من دخول المسجد لأن الله أذن لأهل الذكر في الدخول بقوله تعالى: وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا
اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (3) ومؤداه أن قراءة القرآن أشد» (4).
المثال الرابع: في منع الجنب من قراءة القرآن قياساً على منعه من مشه. قال رحمه الله: «قال الله تعالى: وَلَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (5)، ومن المعلوم أن الحائض والجنب غير متطهرين وإذا ثبت المنع من مس الكتاب المكنون الذي فيه القرآن الكريم إلا للمتطهرين فالمنع من القراءة في ذلك أشد» (1).
المطلب الثاني: في الأقيسة الباطلة
الفرع الأول: في القياس مع الفارق
المثال الأول: قياس المحدث ببول أو غائط على الجنب في تحريم قراءة القرآن. ذكر الإمام السالمي رحمه الله آراء الفقهاء في هذه المسألة، فمنهم من قال: لا
(1) معارج الآمال 134/ 2.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
(3) سورة النور، الآية: 36.
(4) معارج الآمال 2/ 135. (5) سورة الواقعة، الآية: 79 (1) معارج الآمال 2/ 135.
68 - TA (1/68)
صفحة 63
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
يقرأ القرآن إلا على وضوء، ومنهم من أجاز أن يقرأ القرآن على أي حال إلا للجنب فليس له أن يقرأ القرآن واحتج هؤلاء بقول النبي صلى الله عليه وسلم: اقرأ القرآن بأي حال شئت إلا جنباً، وادخل المسجد في أي حال إلا جنباً واحمل المصحف في أي حال شئت إلا جنباً» (1). . ثم استدل بذلك على إباحة هذه الأمور لمن لم يكن جنباً.
له
واحتج المانعون من القراءة للمُحْدِثِ ببول أو غائط أو نحوهما مما الصلاة يمنع بقياس غير المتوضئ على الجنب، وذلك أن الجنب لو غسل موضع النجاسة لم تجز أن جسده طاهر اتفاقاً، فكذلك غير المتوضئ فهو طاهر الجسد لا تجوز له
القراءة مع
الصلاة فلا تجوز له القراءة.
وهذا قياس فاسد لأنه كما قال السالمي رحمه الله يلزمهم أن يجوزوا القراءة للجنب إذا غسل النجس عن جسده لأنه طاهر الجسد كالمحدث إذا غسل النجس عن جسده وإلا فسد القياس
(2)
قلتُ: وهذا اللازم باطل فما أدى إليه يكون باطلاً مثله، وهو قياس الحدث الأصغر على الحدث الأكبر، ووجه الفرق أن من أحدث حدثاً أصغر لا يمنع من قراءة القرآن بخلاف الجنب، لأن الجنب كما قال السالمي رحمه الله لم يمنع من القراءة لنفس التلبس بالنجس بل منعه عبادة فلا يصح قياس غيره عليه (3).
المثال الثاني: في الشهيد إذا لم يمت في المعركة هل يقاس على شهيد المعركة
في أحكامه؟.
ذكر الإمام السالمي عن الأصحاب من فقهاء الإباضية مذهبين:
الأول: أن ترك الغسل خاص بشهيد المعركة.
الثاني: هو أن الشهيد في غير المعركة يقاس على شهيد المعركة فلا يغسل، وعليه فلا يغسل المبطون، والغريق والحريق ومن في حكمهم.
(1) رواه الترمذي بلفظ قريب أبواب الطهارة، باب في الجنب يقرأ القرآن رقم 229 وأحمد رقم 639.
(2) معارج الآمال 138/ 2. (3) معارج الآمال 138/ 2
69 - 19 (1/69)
صفحة 64
اجتهادات الإمام السالمي
وحجتهم قياسهم على شهيد المعركة.
وهو قياس مع الفارق قال السالمي عليه الرحمة وليس العلة في هذا الموضع، نفس الشهادة حتى يقال إنها كانت موجودة في الأصل والفرع، بل العلة ما أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «فإنهم يُحشرون وأوداجهم تشخب دماً» (1)، وهذا إخبار عن شهداء مخصوصين، فمن لنا أن غيرهم في هذا الوصف مثلهم (2).
وحجة هذا الفريق قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اغسلوا موتاكم» (3) فإن الخطاب عام لكل ميت، وخص من جملتهم شهيد المعركة النهيه له عن غسله فيبقى الخطاب متناولاً لما عدا المخصص إذ لا يصح إسقاط الحكم عن بعض أفراد العام إلا بدليل.
ومعنى هذا أن شهيد غير المعركة باقي على حاله تحت أفراد الموتى في قول
الرسول: «اغسلوا موتاكم، فالواجب فيه الغسل عملاً بدلالة العام.
المثال الثالث: قياس صوم النحر على صوم أيام التشريق.
يوم النحر هو يوم العيد، وأيام التشريق الأيام الثلاثة بعد العيد على المشهور والإمام السالمي رحمه الله ذكر مذاهب العلماء في صوم يوم النحر:
مطلقاً كالنحر.
فمنهم من منع
ومنهم من حمله على الكراهة.
ومنهم من أجاز صومها للمتمتع خاصة إن لم يجد هدياً.
ومنهم من جعل المحصر والقارن مثل المتمتع.
(1) سنن الترمذي، باب ومن سورة النساء، (3303، 274/ 11، وسنن النسائي، باب تعظيم الدم،
(3999)، 85/ 7 بلفظ قريب منه.
(2) معارج الآمال 53/ 4.
(3) أخرجه الربيع في مسنده من طريق ابن عباس، باب الكفن والغسل، 193/ 1. وقال ابن القطان في كتابه (بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام وهو مجهول من إسناد رجلين معروفان. تحقيق: د. الحسين
آيت سعيد، دار طيبة ـ الرياض.
70 - V (1/70)
صفحة 65
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
وحجة المانعين مطلقاً حديث كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق فنادى أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن وأيام منى أيام أكل
وشرب (1).
قالوا: هي
ملحقة
بيوم النحر كما التحقت به في النحر وغيره من أعمال الحج.
قال السالمي رحمه الله: «قلنا قياس مع عدم الجامع، فالصوم لا يشارك أعمال الحج في وصف من الأوصاف، وتحريمه في يوم النحر لا لأجل أعمال الحج بل ذلك محض تعبد في الحج وغيره» (2).
وقد علله بعض أهل الأصول بأن في صوم يوم العيد إعراضاً عن ضيافة الرحمن
جل ذكره، لأجل ذلك لا يصح صوم يومي العيد.
الفرع الثاني: القياس الفاسد بسبب بطلان أصله
لأن الأصل إذا بطل بطل الفرع، وقد ذكره السالمي رحمه الله. مثاله: قياس عورة الأمة على عورة الرجل.
قال السالمي رحمه الله: وقال محمد بن محبوب من نظر إلى فخذ الأمة المملوكة ورأسها وبطنها عمداً لم ينتقض وضؤوه ولعله إنما قال ذلك قياساً على عورة
الرجل على مذهب ولده بشير بن محمد رحمهم الله.
من حيث
لكن اعترضه بعض المسلمين بأن ذلك لا يستقيم، ولعل عدم استقامته الطعن في أصله المقيس عليه، فقد قدَّمنا أن الصحيح أن فخذ الرجل عورة لما تقدم من
حديث حذيفة وحديث علي بن أبي طالب، وإذا بطل الأصل بطل الفرع» (3). فهذا قياس فاسد لأن أحد أركانه وهو الأصل غير صحيح فيلزم عنه أن يكون
الفرع غير صحيح.
(1) رواه مسلم بسنده ولفظه باب تحريم صوم أيام التشريق رقم 1142.
(2) معارج الآمال 103/ 4.
(3) معارج الآمال 537/ 1.
71 - VI (1/71)
صفحة 66
اجتهادات الإمام السالمي
الفرع الثالث: القياس الفاسد بسبب اختلاف حكمي الأصل والفرع. إذا اختلف الأصل والفرع في الحكم كان القياس فاسداً. مثاله: قياس المستحاضة على الحائض في حكم الوطء. ذكر السالمي رحمه الله ثلاثة مذاهب في هذه المسألة:
الأول: إباحة الوطء وهو مروي عن ابن عباس.
الثاني: كراهة وطئها.
الثالث: تحريم وطئها.
واحتج القائلون بالتكريه بقياس المستحاضة في ذلك على الحائض بجامع الأذى
،
في الحيض والاستحاضة. قال الإمام السالمي: قال أبو محمد: وهذا غلط وإغفال من قائله لأن الرسول قد فرق بين دم الحيض ودم المستحاضة فقال: إن دم المستحاضة دم عِرْقٍ وليس بالحيضة، والدم الذي بوجوده سقوط الصلاة غير الدم الذي بوجوده وجوب الصلاة، وإذا ثبت أن كل واحد منهما غير صاحبه وجب أن يكون حكم كل واحد منهما غير حكم الآخر. قال رحمه الله: «قلتُ: وهذا الرد إنما يتوجه على نفس احتجاجهم بقياس الاستحاضة على الحائض، وهو اعتراض في غاية الحسن لأن احتجاجهم بذلك يوجب تحريم وطء المستحاضة لأن القياس لا عند اختلاف حكمي الأصل والفرع» (1).
المبحث الثالث
يصح
موقفه من الأقيسة المختلف فيها وتحته مطالب
والأقيسة المختلف فيها ثلاثة أنواع:
النوع الأول: قياس الشبه.
النوع الثاني: القياس في الحدود.
(1) معارج الآمال 95/ 2.
72 - 72 (1/72)
صفحة 67
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج معارج الآمال
• المطلب الأول: في قياس الشبه
أما قياس الشَّبَه فهو من الأقيسة المختلف فيها، فقد قال به بعض أهل العلم كأبي بكر بن العربي، وضعفه الجمهور ومنهم الإمام السالمي.
مثال هذا النوع ما ذكره السالمي رحمه الله في بيان أصناف المال وما يحمل منها على غيره وما لا يحمل في معرض كلامه عن حمل الزبيب على التمر، قال رحمه الله: وعن أبي زياد أن الزبيب يحمل على التمر، وسوّغ الخلاف في حمل أحدهما على الآخر أبو سعيد ونقله أبو نبهان وأقره وعلله أبو سعيد بأنه يتشابهان ولا معنى له ولا أصل إلا قياس الشبه في الصورة فإنهما يتشابهان صورة في بعض الأفراد، والشبه من أصله ضعيف فكيف إذا كان صورياً، فالحق ما عليه الجمهور أنه لا يحمل أحدهما على الآخر» (1).
• المطلب الثاني: القياس في الحدود
المراد بالقياس في الحدود هو أن الله تعالى إذا نص على حدٍ من الحدود لعلة ظاهرة منضبطة فيه ثم وجدنا هذه العلة في حكم مماثل للمنصوص عليه اشتمل على العلة نفسها، فهل نُعدِّي حكم المنصوص عليه إلى الحكم الذي لم ينص عليه؟ مثال ذلك: أن الله حرم الزنى وجعل فيه حداً مقدراً بسبب كونه وطأ في فرج
الفاحشة مسمى
محرم شرعاً مشتهى طبعاً، وهذه السببية موجودة في اللواط ويجمعهما لقوله تعالى حكاية عن قوم لوط: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مين العالَمِينَ (2)، فسمى إتيان الرجال فاحشة كما أنه سمى الزنا فاحشة في قوله تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} (3)، فهل يجوز قياس اللواط على
الزنا في الحد؟.
(1) معارج الآمال 358/ 4.
(2) سورة العنكبوت، الآية: 28 - 29.
(3) سورة الإسراء، الآية: 32.
73 - 73 (1/73)
صفحة 68
اجتهادات الإمام السالمي
ذهب جمهور الشافعية وأحمد وأصحابه والمالكية ومنهم ابن الحاجب وهو ما
أومأ إليه السالمي رحمه الله إلى جريان القياس في الحدود.
قال رحمه الله في معرض كلامه عن الوطء في الدبر: «أما الجماع الحلال فقد مرَّ الكلام فيه، وأما الحرام فلأنه يوجب الحد فهو أحرى أن يوجب الغسل. ... وأيضاً فإن السببية في الغسل من وطء القبل حاصلة بالمعنى في وطء الدبر وهي كون المحل مشتهى طبعاً إلخ ما قال» (1). فقوله عن الوطء إنه يوجب الحد فإنه إنما وجب بالقياس على الزنا، وأما ما أثر فيه من عقوبات كالرمي من شاهق فالظاهر أنه تعزير وليس بحد، وأما الحد فهو بالقياس على الزاني، فحصل من كلام السالمي أن اللواط يقاس على
الزنى في وجوب الحد وفي وجوب الغسل.
(1) معارج الآمال 598/ 1.
74 - VE (1/74)
صفحة 69
الفصل الخامس
في الاستحسان
بحث الإمام السالمي رحمه الله تعالى الاستحسان في طلعة الشمس بصورة الحكاية عن أهل العلم، فقد عرض المذاهب التي قالت بالاستحسان وذكر أدلتهم وتعريفاتهم بأسلوب العرض، ولم أجده أنه قرر فيه رأيه ومذهبه كسائر المصادر التي سبق كلامه فيها، كما أني لم أجده أنه أنكره، وزيفه لكن الذي وجدته أنه ينظر في كل معنى من المعاني التي قالها بعض العلماء، فتارة يزيف هذا المعنى، وتارة يدخله في أصل آخر.
فمثلاً على ذلك أنه عندما قال بعضهم: إنه دليل ينقدح في ذهن العالم المجتهد تقصر عن إظهاره، عبارته فقد ردَّه بأن الدليل المذكور إن تحقق عند المجتهد فهو دليل معتبر إتفاقاً ولا يضره قصور عبارته عنه قطعاً، وإن لم يتحقق عنده فمردود قطعاً.
ولما قال آخرون: هو عدول عن الدليل إلى العادة للمصلحة كدخول الحمام من غير تعيين زمن المُكْثِ وقدر الماء، والأجرة، ردّه أيضاً لأن هذه العادة جارية في زمنه فحصل أنها سنة معتبرة أو إجماع صحيح وليس من الاستحسان.
75_ Vo (1/75)
صفحة 70
اجتهادات الإمام السالمي
ولما قال آخرون: هو العدول عن قياس ضعيف إلى قياس صحيح، ردَّه أيضاً
بأن هذا من الترجيح بين الأمارات وليس بدليل جديد.
لكنه لَحَظَ أمراً مهماً وهو أن الاستحسان عند كل طائفة من أهل هذه الأقوال هو ما فسروه به، فإن وافق الخصم على ثبوت الاستحسان بتلك المعاني فقد أثبت الاستحسان الذي أثبته غيره، فيرتفع الخلاف في ثبوته (1)، وكأنه يقول: الاستحسان عند كل طائفة ما اصطلحت على تسميته استحساناً، ولا مشاحة في الاصطلاح، مع العلم أن الاستحسان موجود في مصادر الإباضية وقد عوّل أئمتهم على التفريع عليه لا سيما الإمام محمد بن بركة في جامعه.
والإمام السالمي ذكر فروعاً للاستحسان في معارج الآمال منها ما أورده حكاية عن الأئمة، ومنها من أورده دليلاً لبعض أصحابه من فقهاء الإباضية، وسوف أوردها
من كتابه.
نماذج من الاستحسان في معارج الآمال:
النموذج الأول: في مسألة انتظار انقطاع الدم
ذكر السالمي رحمه الله مذاهب الأئمة في الانتظار:
فمنهم من قال: إنها تنتظر انقطاع الدم فتترك الصلاة والصوم في مدة الانتظار. ومنهم من قال: تنتظر يوماً. ومنهم من قال يومين ومنهم من قال: ثلاثة. وقيل: انتظار الدم يومان وغير الدم يوم وهو من ساعة إلى ساعة.
قال رحمه الله: واختار صاحب الإيضاح ثبوت الانتظار في غير الدم وفرّق بينه وبين انتظار الدم بأن جعل انتظار الدم في الحيض يومين وانتظار الكدرات يوما وليلة، ثم بحث ذلك بقوله: فإن قال قائل: لِمَ فرَّقت بين انتظار الدم وانتظار غير الدم؟ والإجابة بأنه يظن أن بعض أصحابنا قال هذا استحساناً بين الأقاويل، ثم ذكر
(1) طلعة الشمس 282/ 2 و 283.
76 VT (1/76)
صفحة 71
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الخلاف المتقدم في مدة الانتظار وحاصله أن التفرقة في ذلك مبنية على الاستحسان لا غير، ثم قال: «والأصح ما عليه جمهور الأصحاب من أنه لا انتظار إلا في الدم الخالص لأن الرواية التي يحتج بها المثبتون للانتظار مثبتة للانتظار عند دوام الدم فقط، فلا دليل على إثباته في غيره، والاستحسان لا يفيد في باب العبادات شيئاً لأنها مقصورة على التوقيف من الشارع» (1).
فقوله والاستحسان لا يفيد في باب العبادات شيئاً يشير إلى أن الإباضية
يقولون به في الجملة غير أنهم لا يقولون به في العبادات.
النموذج الثاني: في القيام في الصلاة
قال
رحمه
الله: «فإن صلوا جلوساً أو ركوعاً أو ركباناً فليست تلك بصلاة وعليهم
الإعادة لترك القيام إذا كان ذلك في حال الاختيار، أما الاضطرار فله حكم آخر.
وقال بعض قومنا: القياس أن يجزئهم لكن يستحسن أمرهم بالإعادة، ولم يُبْعِدُهُ أبو سعيد بل حسنه مقابله لكن قال: إن صلوا ركباناً أحببت لهم الإعادة للمبالغة في مع فضل الصلاة» (2).
النموذج الثالث: فيمن دخل جوفه ماء بغير اختيار
ذكر السالمي رحمه الله في هذه المسألة أقوالاً:
منها: إن كان يتوضأ للفريضة فلا بدل، عليه ومن توضأ للنافلة يبدل يومه،
وقيل: عليه بدل على الوجهين. وقيل: عليه بدل إن تطهر للصلاة قبل وقتها فدخل الماء حلقه، وكذلك إذا زاد في المضمضة على ثلاث فإنه يبدل إن دخل جوفه بعد الثلاث قال رحمه الله بعد ذكر هذه الأقوال: ومن فرَّق بين اللازم وغيره إنما فرق على وجه الاستحسان لا غير، وكذلك من فرق بين الدنيوي والأخروي» (3).
(1) معارج الآمال 34/ 2.
(2) معارج الآمال 4/ 160. (3) معارج الآمال 258/ 5 و 259.
شيء.
77 - VV (1/77)
صفحة 72
اجتهادات الإمام السالمي
النموذج الرابع: في تيمم الصحيح في الحضر
ذكر الإمام السالمي رحمه الله في هذه المسألة أربعة مذاهب:
أحدها: أن التيمم له غير جائز مطلقاً لأن التيمم خاص عند هؤلاء بالمسافر لأن الضمير في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء كنه (1) خاص عند هؤلاء بالمسافرين وخطاب
لهم.
وأجاب عنه السالمي بأن نزولها في السفر واقعة حال فلا تخصص عموم
الخطاب.
المذهب الثاني: إن له التيمم إن خاف فوات الوقت لأنه معدم للماء، وقد أمر الله
المعدم للماء بالتيمم ولم يخص مسافراً من حاضر.
المذهب الثالث: وهو ما ذهب إليه أبو المؤثر استحساناً منه أنه إذا خاف أن تفوته الصلاة كلها تيمم وصلى ثم اغتسل وأعاد الصلاة، وإن كان يطمع أن يدرك من الصلاة ركعة في وقتها اغتسل، وصلى ولا معنى لوجوب الصلاة عليه إذا أداها على وجهها. قال السالمي رحمه الله: وقد يعتذر لأبي المؤثر رحمه الله بأنه إنما قال ذلك ذلك استحساناً كما صرح به في جوابه فكأنه يلتزم هذا التوجيه الذي نشير إليه، ومع يستحسن الاحتياط بالجمع بين التيمم والإعادة طلباً لسلامة المبتلي ولمثله النظر
العالي» (2). المذهب الرابع: وهو أنه إذا كان الجنب واجداً للماء ولا يلتمسه غسل وصلى
ولو فات الوقت، وإن كان يستقي من بئر أويلتمسه من نهر تيمم وصلى. والناظر في كلام السالمي يرى أن كلمة الاستحسان شاملة لباب الاحتياط
والصيانة والورع، فهو واقع بعمومه على المعنى اللغوي العام.
(1) سورة المائدة الآية: 6.
(2) معارج الآمال 777/ 1 و 778.
78 - VA (1/78)
صفحة 73
الفصل السادس
في الاستصحاب
عرف السالمي رحمه الله تعالى الاستصحاب بقوله: «الاستصحاب عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عدم أو نحو ذلك ما لم يرد دليل عن حكم أصله إلى حكم آخر» (1).
ينقله
وعرفه الغزالي في المستصفى بأنه عبارة عن التمسك بدليل عقلي أو شرعي مع العلم بانتفاء المغير أو مع ظن انتفاء المغير عند بذل الجهد في البحث (2). وعرفه عبد العزيز البخاري بأنه ثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول» (3).
وعرفه ابن القيم بأنه استدامة ما كان ثابتاً أو نفي ما كان منفياً» (4).
(1) طلعة الشمس 2/ 270 ومختصر ابن الحاجب ص 368 بشرح الأيجي.
(2) المستصفى للغزالي 158/ 1.
(3) كشف الأسرار 377/ 3.
(4) أعلام الموقعين 339/ 1 دار الكتب، ط 2.
79 - V 9 (1/79)
صفحة 74
اجتهادات الإمام السالمي
وهذه التعريفات موافقة في المعنى لتعريف الإمام السالمي رحمه الله.
تطبيقات الاستصحاب في كتاب معارج الآمال:
المثال الأول: في ترتيب الأعضاء في الوضوء:
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في حكم ترتيب الأعضاء في الوضوء. وملخص الأقوال هي: قال الربيع بن حبيب الترتيب شرط لصحة الوضوء.
وقال مالك وأبو حنيفة: ليس الترتيب شرطاً لصحة الوضوء.
الجمع.
وحجة القائلين بوجوب الترتيب هو أن الآية جاءت بالوضوء مرتباً.
واعترض على هذا الاستدلال بوجوه:
الأول: أن الله عطف أعمال الوضوء بالواو وهي ليست للترتيب بل لمطلق
الثاني: بأن فاء التعقيب إذا دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى
أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأتوا بمجموع هذه الأفعال.
واحتج القائلون بعدم وجوب الترتيب بوجوه:
الأول: بقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُم لله (1).
قالوا: فالواو لا توجب الترتيب فكأن الآية خالية عن إيجاب الترتيب. فلو قلنا بوجوب الترتيب كان ذلك زيادة على النص وهو نسخ وهو غير جائز. وأجيب بأن الترتيب مستفاد من وجوه أخرى غير التمسك بالواو العاطفة. الثاني: ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم نسي مسح
كفه.
قالوا: لو كان الترتيب واجباً لأعاد الوضوء ..
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
رأسه فتذكره بعد فراغه فمسحه ببلل
80 - A. (1/80)
صفحة 75
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الثالث: الأصل براءة الذمة، وإشغالها بالفرائض حادث فلا يثبت إلا بدليل سالم
من المعارضة أو راجح على معارضه.
وأجاب عنه السالمي بأنه قد ثبت الدليل الراجح على معارضه وهو ما تقدم من
الوجوه في الاحتجاج بالآية (1).
والظاهر من جواب السالمي أنه لم يعترض على الاستصحاب باعتباره دليلاً شرعياً بل هو ممن يقول بأن الأصل براءة الذمة لكنه يعترض على تفريع هذه المسألة على الاستصحاب وليس على الاستصحاب نفسه.
المثال الثاني: في حكم الموالاة.
والمراد بالموالاة أن يوالي بين أعضاء وضوئه في الوضوء بأن يتابع غسلها بعضها
إثر بعض في أسرع حال بحيث لا يفصل بين العضوين بمهلة (2).
قال السالمي رحمه الله: وقد اختلف العلماء في حكم الموالاة:
من أئمة قومنا وهو
فقال قوم: إنها واجبة وعلى هذا المذهب مالك بن أنس الله. ظاهر اختيار ابن بركة وظاهر كلام محمد بن محبوب وابن بركة رحمهم وذهب آخرون إلى أنها ليست بواجبة وعليه الشافعي وأبو حنيفة من قومنا وهو الذي أعجب الشيخ أبا سعيد رحمه الله تعالى.
الله
وذهب آخرون إلى أن الموالاة واجبة مع الذكر والقدرة وأنه إن فقد أحدهما بني على ما تقدم طال الوقت أو لم يطل، وعليه الأثر من فتاوى أصحابنا رحمهم وصححه صاحب الإيضاح رحمه الله تعالى لأن الأصل في الناسي أنه معفو عنه إلا أن
يقوم الدليل على غير ذلك» (3).
(1) معارج الآمال 387/ 1.
(2) معارج الآمال 392/ 1.
(3) معارج الآمال 392/ 1.
81 - AV (1/81)
صفحة 76
اجتهادات الإمام السالمي
فهو تمسك بالأصل إلى أن يثبت الناقل عن الأصل، وهذا هو استصحاب الأصل كما عرفه السالمي رحمه الله.
المثال الثالث: إزالة النجس في صحة الوضوء ونقض الوضوء بمسه. قال رحمه الله: «وأما إذا كانت النجاسة في ثوبه ففي الضياء أن من توضأ وعليه ثوب نجس أو مسه وهو رطب ينقض وضوؤه.
وإن كانت النجاسة في موضع منه لا تعرف فمنهم من قال: حكمه نجس ينقض
وضوء من مسه.
وقال آخرون: الحكم للأغلب ولا ينقض وضوء من مسه حتى تقع يده منه على النجاسة ولا ينتقض وضوؤه على الظن لأن كل طاهر على طهارته حتى يصح فساده» (1).
يصح
هو عين
فقوله: «لأن كل طاهر على طهارته حتى يثبت أو فساده الاستصحاب لأن الطهارة إذا ثبتت في شيء فلا يصح نقله إلى النجاسة إلا بناقل. المثال الرابع: نواقض الوضوء.
قال السالمي رحمه الله: «قال الشيخ إسماعيل رحمه الله: اعلم أن المتوضئ يجب عليه استصحاب حال الوضوء عند فعل، الصلاة وإن طرأ عليه ما ينقضه وجب عليه الإتيان به وإلا بطلت صلاته لقول النبي الله: «لا يقبل الله صلاة من يتوضأ (2). فهذا نص صريح على التمسك بالاستصحاب.
المثال الخامس: في عدم نقض الوضوء بالشك.
أحدث حتى
قال السالمي رحمه الله: اعلم أن المرء إذا كان على طهارة قد تيقنها وعلم أنه قد توضأ ثم عارضه الشك في نقض تلك الطهارة فليس عليه أن ليتوضأ اتفاقاً يرجع أصحابنا على ما ذكر الشيخ أبو سعيد، ثم قال: ووافقنا على ذلك الثوري وأهل
من
(1) معارج الآمال 399/ 1.
(2) رواه البخاري عن أبي هريرة بلفظ قريب، کتاب 91 الحيل باب 2 في الصلاة رقم 6954.
82 - AY (1/82)
صفحة 77
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
معارج الآمال
العراق والشافعي وأصحابه والأوزاعي وأصحاب الرأي وبه قال أحمد وعوام أهل
العلم» (1).
وهذا نص صريح أيضاً. وقد استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الشيطان يأتي إلى أحدكم وهو في صلاته فيأخذ بشعرة من دبره فيمدها، وفي رواية ينفخ في دبره فيرى العبد أنه أحدث فلا ينصرف حتى يحدث صوتاً أو يجد ريحاً»، قال: إن الطهارة متيقنة
والنقض مشكوك، واليقين لا يرفع بالشك (2).
(1) معارج الآمال 423/ 1.
و
(2) المرجع نفسه 424/ 1 ومن أراد التوسع فلينظر المواضع التالية: 441/ 19438/12 4485 449/ 19
و 453/ 1 و 1/ 660 و 31/ 2 و 2/ 55 و 20/ 56 و 2/ 471 و 14/ 410 و 4/ 21 و 42/ 5 و 153/ 5 و 5/
258 و 290/ 5.
83 - AY (1/83)
صفحة 78
الفصل السابع
في الاستقراء
عرَّف السالمي رحمه الله تعالى الاستقراء بأنه: عبارة عن تتبع أفراد الجنس في حكم من الأحكام، فإذا وجدنا ذلك الحكم في جميع أفراد ذلك الجنس قطعنا بأن
حكم ذلك الجنس كذا» (1)
وهو نوعان: كامل، وناقص.
المستدل
جميع أفراد ذلك الجنس حتى لا يبقى من
يتتبع
فأما الكامل فهو أن أفراده إلا الصورة التي طلب معرفة حكمها فيحكم بأن حكم تلك الصورة حكم بقية
أفراد الجنس. مثاله: إذا رأينا فرداً من الحيوان فنقول: هذا حيوان متحرك أم لا؟، فنتصفح أفراد ذلك الجنس فإذا رأينا جميعها متحركاً استدللنا بذلك على تحرك ذلك الفرد.
وأما الناقص فهو أن يتتبع المستدل غالب أفراد الشيء الخ. .
(1) طلعة الشمس 278/ 2.
85 - Ao (1/85)
صفحة 79
اجتهادات الإمام السالمي
وعرَّفه القرافي في التنقيح بأنه: تتبع الحكم في جزئياته على حالة يغلب على الظن أنه في صورة النزاع على تلك الحالة كاستقراء الفرض في جزئياته بأنه لا يؤدى على الراحلة، فيغلب على الظن أن الوتر لو كان فرضاً لما أدي على الراحلة، وهذا الظن حجة عنده وعند الفقهاء كما قال» (1).
ويسميه البعض بالوجود كما فعل الحنابلة (2) وبجريان العادة.
تطبيقات الاستقراء في معارج الآمال:
والمستقرئ لكتاب السالمي يجد أنه قد فرع على الاستقراء فروعاً منها:
المثال الأول: أداء الوتر على البعير
ذكر السالمي رحمه الله استدلال من قال بعدم وجوب الوتر بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤديه على البعير، وهذا حكم ناتج عن الاستقراء لأنهم تتبعوا عمل الرسول في اليوم والليلة فلم يجدوا أنه صلى الفرض على الراحلة، فإذا ثبت أنه صلى الوتر على الراحلة دل ذلك بالاستقراء على أنه ليس فرضاً (3).
المثال الثاني: أكثر مدة الحيض ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في أقل وأكثر مدة الحيض ثم قال: وقيل إن أقصى أوقات النساء في الحيض سبعة عشر يوماً ونسب هذا القول إلى أبي عبيدة،
وذكروا عن نساء الماجشون أنهن يحضن سبعة عشر يوماً وهي العادة فيهن
والعادة في هذه الأمور لا تعرف إلا بالاستقراء والتتبع.
المثال الثالث: في أكثر مدة الحيض أيضاً
(4)
وذكر السالمي رحمه الله قول الإمام الصبحي في أكثر مدة الحيض وأنه عشرون
(1) شرح تنقيح الفصول للقرافي ص 448 دار الفكر.
(2) المغني لابن قدامة 224/ 1 و 251 و 8/ 321 وأثر الأدلة للبغا ص 651.
(3) معارج الآمال 690/ 2.
(4) معارج الآمال 87/ 2.
86 - AT (1/86)
صفحة 80
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الأمال
يوماً ثم قال: فغاية ما فيه تجويز أن يكون أقصى الحيض أكثر من خمسة عشرة يوماً، فيبقى التحديد بالسبعة العشر وبالعشرين محتاجاً إلى دليل يستند عليه، ولا دليل لذلك إلا أن يكون القائل رأى ذلك موجوداً في بعض النساء فقال به عن علم وخبرة (1). قلت: والوجود أحد أسماء الاستقراء كما ذكرت سابقاً عن الحنابلة، وهذا الذي
وجد بعض النساء قد استقرأ ذلك حتى وجده.
ثم قال عقب ذلك والعادة في هذا الباب محكمة (2)، والعادة لا تثبت إلا بالاستقراء والتتبع، وبالله المستعان.
(1) المصدر نفسه 30/ 2. (2) المصدر نفسه 30/ 2.
87 - AV (1/87)
صفحة 81
سي حالت
7913
الفصل الثامن
في قول الصحابي
المراد بقول الصحابي هو ما نُقل إلينا عن أحد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من فتوى أو قضاء في واقعة ليس فيها نص من كتاب أو سنة ولم يحصل إجماع عليها.
المبحث الأول
في مذاهب الأصوليين فيه
ذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه إلى أنه حجة وتقليده واجب ويُترك
به القياس.
وذهب الحنفية إلى القول بأنه حجة في صور:
إذا كان مما لا يُدرك بالرأي فإنه حجة.
ب - إذا كان مما لا يدرك بالرأي، واشتهر ولم يعلم له مخالف فهو حجة.
ج
-
إذا خالف القياس فهو حجة.
وذهب الشافعي إلى القول بمذهب الصحابي ولكن بشروط منها:
89 - 19 (1/89)
صفحة 82
اجتهادات الإمام السالمي
-
1
2
إذا اتفقوا على أمر ليس فيه كتاب ولا سنة ولم يُعلم فيه مخالف. عند اختلاف أقاويلهم يؤخذ من قولهم بما هو أقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة. يأخذ بقول الصحابي إذا لم يعرف غيره أنه وافقه في ذلك أو خالفه، والظاهر أنه لا يقدمه على القياس
(1)
أما الإمام السالمي رحمه الله فقال: والصحيح أن مذهب الصحابي ليس حجة على غيره إذ لو كان حجة على أحد لزم ألا يقع بين الصحابة خلاف أصلاً، وبيان ذلك أن الخلاف وقع بينهم في كثير من المسائل، فلو كان قول الصحابي حجة على غيره لزم أن يكون من سبق منهم إلى قول حجة على غيره يلزم الباقين اتباعه فلا يسعهم خلافه، والمعلوم أنهم اختلفوا ولم يجعلوا القول السابق حجة على غيره، ثم قال: وأقول إن الصحابي وغيره من المجتهدين سواء في ذلك فإذا لم يكن قول الصحابي حجة على صحابي مثله كذلك يجب أن لا يكون حجة على غيره من أن لا يكون حجة على غيره من غير الصحابة لأن الفرق بينهما تحكم، والله أعلم (2).
(2)
ولا شك أن مذهب الصحابي من المسائل الخلافية في أصول الفقه، والشروط التي اشترطها الشافعي لو توفرت في مذهب الصحابي لكان مذهبه حجة حتى عند السالمي نفسه، لأن الشرط الأول وهو اتفاقهم على أمر ليس في كتاب الله ولا سنة نبيه ولم يعلم لهم مخالف يجعل هذا المذهب إجماعاً سكوتياً وهو حجة
عند السالمي. وأما الشرط الثاني وهو أنه عند اختلاف أقاويلهم يؤخذ بما هو أقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة، وهذا نوع من أنواع الترجيح بقول صحابي على غيره لكونه أقرب إلى ظاهر الكتاب والسنة، وهذا النوع من الترجيح يقول به الإمام السالمي رحمه الله، لكن ما قاله السالمي هو خارج هذه الشروط.
(1) انظر الرسالة للشافعي ص 596 طبعة أولى بتحقيق أحمد شاكر، وانظر غاية المأمول في توضيح الفروع
للأصول ص 466. (2) طلعة الشمس 104/ 2.
90 - 4. (1/90)
صفحة 83
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المبحث الثاني
في ذكر الفروع المبنية
على مذهب الصحابي في معارج الآمال
ذكر السالمي فروعاً للعمل بقول الصحابي ذكرها حكاية عن أهل العلم ولم
ينكرها، وسوف أذكر أمثلة على ذلك:
المثال الأول: كراهة البول في الأجحرة:
قال
رحمه الله: «وكذلك لا يقضي حاجته في الأجحرة، والدليل عن طريق ابن عباس أن النبي لا نهى عن البول والغائط في الأجحرة، قال ابن عباس: لأنها مساكن إخوانكم من الجن. وقيل لقتادة: ما يُكَرَّه من البول في الجحر؟ فكان يقول: إنها مساكن الجن وظاهر كلام قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك، فقوله وظاهر كلام قتادة أن رسول الله كان يقول ذلك مؤداه إذا كان القول مما لا يدرك بالرأي عومل معاملة
الحديث المرفوع إلى النبي.
المثال الثاني: في عذاب القبر:
ومسألة عذاب القبر اختلف الناس فيها، فأنكرها الروافض، وضرار بن عمرو وبشر المريسي وجماعة من المعتزلة.
وذهب أكثر الأمة وأكثر الإباضية منهم جابر بن زيد وموسى بن أبي جابر ومحمد ابن محبوب، وزياد بن مثوبة وأبو محمد وغيرهم إلى إثباته، وقد روى أحاديثه الربيع عن أبي عبيدة وعن جابر وهو قول ابن عباس وعلي بن أبي طالب وأبي سعيد الخدري
وعائشة.
قال الإمام السالمي رحمه الله: والحجة لنا على ثبوته آيات وأحاديث رواها الثقات عن الثقات وعضدتها عند قومنا أحاديث بل الجميع جاء على حد التواتر المعنوي فلا سبيل إلى دفعه بمجرد الظن وخالص الوهم.
91
91 (1/91)
صفحة 84
اجتهادات الإمام السالمي
*
ثم ذكر الآيات منها قوله تعالى: {فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكا (1).
قال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود: هو عذاب القبر. قال علي بن أبي طالب: كان الناس في شك من عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة: حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (2)، فتعلمون الأولى إشارة إلى عذاب القبر،} (2) وتعلمون الثانية إشارة إلى عذاب الآخرة. وقد يقال: إن هذه الآيات كلها ليست نصاً في المطلوب لاحتمال أن يكون معناها غير ما ذكروه وهو الظاهر أيضاً، فحملها على عذاب القبر محتاج إلى دليل. والجواب أن الاستدلال بالآية مع ما انضم إليها من التفسير فإنها وإن لم تكن نصاً في المطلوب فالتفسير عن الصحابة مصرح بأن معناها ذلك.
وفيه أنه تفسير لم ينقل عن النبي فلا ينهض حجة.
والجواب أنهم أعلم بمعاني القرآن وأعرف بأحوال السنة، وقد شاهدوا ولم نشاهد، وكانوا يجتنبون تفسير الآيات بالرأي، فالظن أنهم إنما قالوا ذلك لعلم عندهم لا لمحض الرأي، وناهيك أن عليّاً يقول: حتى نزلت هذه السورة»، فمقتضى كلامه
الشك (3) أنها نازلة في ذلك فانتفى عنهم
هذا كلام السالمي بحروفه وفيه دلالة واضحة على أن مذهب الصحابي إذا كان مما لا سبيل للاجتهاد إليه كتفسير آية أو سبب نزول أو ما أشبه ذلك فإن حكمه حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن دين الصحابة يمنعهم من التقول على الله ورسوله من غير علم، كيف وقد ثبت عن أبي بكر أنه قال: «أيُّ سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلتُ بكتاب الله برأيي، ولم ينكر مسلكه أحدٌ من الصحابة الله.
على أن السالمي رحمه الله يرجح بمذهب الصحابي ولا يقطع به العذر لثبوت
الخلاف في أصله (4) كما قدمنا.
(1) سورة طه، الآية: 124. (2) سورة التكاثر، الآيات: 1 - 4. (3) معارج الآمال 224/ 4 و 225. (4) معارج الآمال 225/ 4.
92 - 92 (1/92)
صفحة 85
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الآمال
المثال الثالث: إحياء الأطفال في قبورهم (1):
قال الإمام السالمي رحمه الله: ليس في إحياء الأطفال في قبورهم خبر مقطوع
هريرة على صبي -
(2) «
:
به، وظاهر الخبر على التعميم (2) ثم قال: وقال سعيد بن المسيب: صليت وراء أبي يعمل خطيئة قط فسمعته يقول: (اللهم أعذه من عذاب القبر)، قال القاضي: يحتمل أن يكون أبو هريرة اعتقد شيئاً سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن عذاب القبر أمر عام للصغير والكبير) (3).
وهي
قلتُ: قد يراد بعذاب القبر ضغطته فهذه وردت أنها عامة لا ينجو منها أحد ضغطة ثم يفرج عن المؤمن والطفل الصغير، وليس المراد به العذاب الدائم لأن الطفل ليس من أهل التكليف ولم يجر عليه القلم.
من خلال هذا المثال يتضح بأن السالمي إنما ينكر حجية قول الصحابي الذي طريقه الاجتهاد، أما ما طريقه السماع فحكمه عنده حكم المرفوع، وسياق كلامه يؤكد ذلك لأنه إنما أنكره في المسائل الخلافية، وما لا سبيل فيه إلى الرأي والاجتهاد وليس من مسائل الخلاف فهذا حكمه حكم الرفع، فتفسير القرآن من الصحابي، وقوله في سبب النزول، وكذلك قوله في المقادير والآجال، والموازين، والمُدَدِ فهذا وما شابهه لا مجال للاجتهاد فيه فإذا قاله الصحابي أعطي حكم المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء أبي هريرة في الصلاة من هذا القبيل.
(?)
المثال الرابع: في صيام الصبي الصبي ليس عليه صوم حتى يطيقه، فإذا طاقه أُمِرَ وليه بأمره بالصوم. قال الإمام السالمي رحمه الله: وفي حديث رزينة أن النبي كان يأمر مرضعاته في عاشوراء، ورضعاء فاطمة فيتفل في أفواههم ويأمر أمهاتهم ألا يرضعن إلى الليل، وفي ذلك حجة
(1) معارج الآمال 241/ 4. (2) يقصد به حديث البراء بن عازب وفيه: فلتعاد إليه روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه .... الخ الحديث. وظاهره أنه عام وليس خاصاً في الصغير.
(3) معارج الآمال 241/ 4.
(4) معارج الآمال 56/ 5.
93 - 93 (1/93)
صفحة 86
اجتهادات الإمام السالمي
على مشروعية تمرين الصبيان على الصيام لأن من كان في مثل السن الذي ذكر في هذه الأحاديث فهو غير مكلف وإنما صنع لهم ذلك للتمرين.
وقال القرطبي إثر حديث الربيع: لعل النبي لا لا لا لو لم يعلم بذلك، قال: ويبعد أن يكون أمر ذلك لأنه تعذيب صغير بعبادة شاقة متكررة في السنة.
قال: ورُدَّ بأن حديث رزينة المتقدم يرد عليه مع أن الصحيح عند أهل الحديث وأهل الأصول أن الصحابي إذا قال: فعلنا كذا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان حكمه الرفع لأن الظاهر اطلاعه على ذلك وتقريرهم عليه مع توفر دواعيهم على سؤالهم إياه عن الأحكام مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه، فما فعلوه إلا بتوقيف وذلك مستند ما قاله أصحابنا وكثير من غيرهم» (1).
والمهم في هذا النص هو قوله: مع أن هذا مما لا مجال للاجتهاد فيه فما فعلوه إلا عن توقيف يكشف النقاب بما لا يقبل التأويل أنه يقول بمذهب الصحابي إذا كان مما لا مجال فيه للاجتهاد، أما إذا كان الصحابي قال في شيء اجتهاداً فلا عبرة به لأن
اجتهاده كاجتهاد غيره، وهو عنده ليس بحجة.
(1) معارج الآمال 56/ 5.
94 - 98 (1/94)
صفحة 87
الفصل التاسع
في المصلحة
المبحث الأول
في المصلحة وأقسامها وموقف العلماء منها
ذكر الإمام السالمي رحمه الله المصلحة عند كلامه على المناسب في أثناء كلامه أثناء كلامهم
كثير من
عن مسالك العلة كما درج من الأصوليين أنهم يبحثون المصلحة في عن المناسب، وهو الوصف الظاهر المنضبط الذي يحصل عقلاً من ترتيب الحكم عليه ما يصلح أن يكون مقصوداً للعقلاء، والمقصود حصول مصلحة أو دفع مفسدة وهو تعريف الآمدي في الإحكام (1).
وقال بعضهم: المناسب: هو الملائم لأفعال العقلاء في العادات (2).
(1) الإحكام في أصول الأحكام 294/ 3.
(2) طلعة الشمس 213/ 2.
95 - 40 (1/95)
صفحة 88
اجتهادات الإمام السالمي
ويسمى المناسب إخالة، وتخريج المناط وهو تعيين العلة بمجرد إبداء المناسبة
،
من ذاته لا بنص ولا إجماع كالإسكار في تحريم الخمر، فإن في ترتب حكم التحريم على الإسكار مصلحة حفظ العقل وفي ترتب القصاص على القتل مصلحة حفظ النفس، وفي ترتب الرجم على الزنا مصلحة حفظ النسب هذه المصلحة الحاصلة من
6
ترتب الحكم على العلة تسمى المناسبة وهي طريق من طرق إثبات العلة.
والإمام السالمي ذكر أقسامها وسوف أقتصر من أقسامها على ما له تعلق بموضوعنا وهو تقسيم المناسب من حيث اعتباره وعدم اعتباره، قال رحمه الله: الله: «اعلم أن الوصف المناسب ينقسم بالنظر إلى اعتبار الشارع إياه إلى أربعة أقسام: مؤثر، وملائم، وغريب ومرسل ثم عرَّف المؤثر بأنه: ما اعتبر الشارع عين الوصف في عين الحكم بنص أو إيماء أو إجماع مثاله: اعتبار تأثير عين الإسكار في عين التحريم الدال عليه قوله: «كل مسكر حرام» (1).
وعرَّف الملائم بأنه: ما اعتبر الشارع الوصف بعينه في جنس الحكم وذلك بأن يكون قد ثبت بنص أو إجماع اعتبار الوصف بعينه في جنس الحكم الذي نريد القياس عليه كالتعليل بالصغر في حمل النكاح على المال في الولاية، فإن عين الصغر معتبر في جنس الولاية بتنبيه الإجماع على الولاية على الصغير.
حال
أو اعتبر جنس العلة في عين الحكم كالتعليل بالحرج في حمل الحضر في المطر على السفر في رخصة الجمع، فإن جنس الحرج معتبر في عين رخصة الجمع
يجمع في السفر (2). بما روي أنه كان يجمع في
أو اعتبر جنس العلة في جنس الحكم كالتعليل بالقتل العمد العدواني في حمل المثقل على المحدد في القصاص، فإن جنس الجناية معتبر في جنس القصاص كالأطراف والعين والأذن فإن الشرع لما سوى بين المثقل والمحدد في الأطراف
(1) أخرجه الربيع (629) عن عائشة.
(2) أخرجه البخاري (1111)، ومسلم 704.
96 - 97 (1/96)
صفحة 89
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
حسن قياس النفوس عليها لاشتراكهما في جنس العلة التي هي الجناية التي نبه عليها قوله تعالى: النَّفْسَ بِالنَّفْسِ (1)، فاعتبر جنس الجناية في جنس القصاص. وعرَّف الغريب بأنه: ما عُلِم من الشارع إلغاؤه كإيجاب صيام شهرين في كفارة الظهار أو القتل ابتداءً لمن علم منه أنه لا ينزجر عن ذلك بنفس العتق، فإن الارتداع عن المحجورات مشروع لكن الشارع لم يعتبر هذا المناسب في هذا المحل بل ألغاه وأوجب العتق عند وجوده.
أما القسم الرابع فهو المرسل وهو ما لم يدل دليل على اعتباره ولا على إلغائه ويعبر عنه بالمصالح المرسلة وبالاستصلاح
(2)
هذا النوع اعتبره أكثر أهل العلم مطلقاً، أو بشروط كالغزالي فإنه اشترط للقطع
بها شروطاً ثلاثة:
1
-
-
أن تكون ضرورية أي واقعة في قسم الضرورات.
أن تكون كلية تتعلق بالأمة كلها.
أن تكون قطعية لا وهمية كمسألة الترس المشهورة في كتب الأصول. أما فقهاء الإباضية فيقول السالمي رحمه الله: وأنت إذا تأملت مذهب الأصحاب الله وجدتهم يقبلون هذا النوع من المناسب ويعللون لما دلّ عليه مجملاً أي وإن لم يدل دليل على اعتباره بعينه أو بجنسه فإن الأدلة الشرعية دالة على اعتبار المصالح مطلقاً.
رحمهم
ثم ذكر بعض الأمثلة على ذلك منها:
توريث المطلقة في المرض ثلاثاً وهو المسمى بطلاق الفار أي قصد بتطليقها الفرار من الميراث فعاملوه بنقيض قصده قياساً على حرمان القاتل من الميراث معاملة له بنقيض قصده الفاسد.
(1) سورة المائدة، الآية: 45. (2) طلعة الشمس 2/ 215 وما بعدها.
97 - 4 V (1/97)
صفحة 90
اجتهادات الإمام السالمي
-
ومنها: قتل الزنديق وعدم قبول توبته بسبب جواز التقية في مذهبه. ومنها: رمي البغاة بالمنجنيق وتهديم معاقلهم التي يخشى ببقائها عودهم إلى البغي
بتحصنهم فيها.
ومنها ما قاله أبو المؤثر حرق بيوت القرامطة فإنه أمر بحرقها بعد خروجهم يعودوا إليها (1).
لئلا
المبحث الثاني
تفريع الإمام السالمي
على المصلحة في معارج الآمال
إن المستقرئ لكتاب معارج الآمال يجد مئات الفروع التي ترجع إلى التعليل بالمصالح، وقد استقصيت بيان ذلك عند كلامي على عناية السالمي رحمه الله بإظهار حكمة الحكم والتعليل بها والحكمة هي عين المصلحة التي قصد الشارع تحقيقها من شرع الحكم كتحقيق مصلحة التقوى من خلال تشريع الصيام بنص قوله تعالى: هو يأيها الذين امنوا كتب عليكم الصيام كما كتب عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تتَّقُونَ (2)، فالغاية من تشريع الحكم تحقيق التقوى وهذه مصلحة. أمثلة تعليله بالحكمة ما ذكره في معرض حديثه عن سفر المرأة مع الأجنبي قال رحمه الله: وإن كانوا غير ثقاتٍ فإن الحكمة التي لأجلها حرم سفر المرأة مع الأجنبي إنما هي خوف الفتنة كما يرشد إليه حديث ابن عمر عن خطبة أبيه في باب الخلوة (إن الشيطان ثالثهما، وهذا المحذور بعينه موجود عند غير الثقات فهم يمكن أن يتعاونوا عليها فيكون ذلك أشد فتنة من أن لو كان رجلاً واحداً (3). الأمثلة ومن عدم تقليم الأظافر في أرض العدو، قال رحمه الله: قال الشيخ
-
ومن
(1) انظر مزيداً من التفصيل: كتاب طلعة الشمس للسالمي 216/ 2 وما بعدها.
(2) سورة البقرة، الآية: 183. (3) معارج الآمال 531/ 1.
98 - 9 A (1/98)
صفحة 91
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج
الأمال
إسماعيل: تقليم الأظافر مندوب إليه لشناعة صورتها إذا طالت ولما يجتمع فيها من الوسخ، قال: قلتُ: ويُستثنى من ذلك ما يروى عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنه كان يقول: إن كنتم في أرض العدو فوفروا أظافركم فإنها سلاح»، فهذا الخبر عن عمر دال على أن السنة في تقليم الأظافر إنما هي في غير الحرب، أما في الحرب فيؤمر بتوفيرها لأنها قوة يستعان بها في ذلك الحال. وأنت خبير أن الحكمة التي لأجلها شرع تقليم الأظافر وهي خوف الأدناس والنجاسات موجودة في السلم والحرب فيحتمل أن عمر سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم تخصيص ذلك بالسلم، ويحتمل أنه خصصه بالقياس، فإن كان الأول فلا قول إلا التسليم والقبول، وإن كان الثاني فينبغي أن نبين وجه القياس الذي خصص به أمير المؤمنين وذلك أنه نظر أن القوة على العدو أعظم مصلحة من التنظيف من الأوساخ وما يجتمع تحت الأظافر من
النجس
(1)
إذا نظرت إلى قوله: إن القوة على العدو أعظم مصلحة من التنظيف» علمت أنه
كان يبني الفروع على المصالح.
-
ومن
:
الأمثلة على تعليله بالمصلحة ما قاله في حكمة مشروعية الزكاة حيث قال رحمه الله: فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك المال بإخراج طائفة منه من يده ليصير ذلك الإخراج كسراً لشدة الميل إلى المال ثم قال: فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حُبِّ الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لهذه الحكمة وهو المراد بقوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهَرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم يَا (2). ولا جرم أن ذلك من أعظم المصالح. ومن الأمثلة ما قاله رحمه الله في معرض حديثه عن ستر القبر بالثوب عند وضع الميت فيه قال: كان يأمر بإدخال الميت القبر من قبل رأسه وأن يُبْسَطَ على قبر
المرأة ثوب عند إدخالها فوق السرير.
(1) معارج الآمال 906/ 1.
(2) معارج الآمال 287/ 4.
کيا ہے (2)
99 - 49 (1/99)
صفحة 92
اجتهادات الإمام السالمي
فإن صح
هذا فهو أصل الباب وإن لم يصح قلنا إنه مقيس على النعش، وإليه يشير كلام بعضهم وقد عرفت أن النعش حادث في زمن عمر ثم اتخذ ذلك سنة
ستر
يستوحش تركها لما حصل فيها من المصلحة، فكذلك وهذا تعليل صريح بالمصلحة والعمل بمقتضاها (2).
القبر (1).
(1) المرجع نفسه 192/ 4.
(2) ومن أراد المزيد فلينظر مبحث الحكمة في هذا الكتاب.
100 - .. (1/100)
صفحة 93
الفصل العاشر
في شرع من قبلنا وتحته مباحث
المبحث الأول
في تعريفه ومذاهب الأصوليين فيه
المراد بشرع من قبلنا: «ما نقل إلينا من أحكام تلك الشرائع التي كانوا مكلفين بها على أنها شرع الله وما قصه الله علينا من شرائعهم على جهة التشريع لنا كما في قول الله تعالى حكاية عن شعيب: وَيَقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا
النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ} (1).
مذهب الأصوليين في شرع من قبلنا:
ذكر السالمي رحمه الله فيه ثلاثة مذاهب:
المذهب الأول: لا يكون شرعاً لنا مطلقاً.
(1) سورة هود، الآية: 85.
101 _ \\ (1/101)
صفحة 94
اجتهادات الإمام السالمي
المذهب الثاني: يكون شرعاً لنا مطلقاً لأنه إذا لم يُنسخ علمنا بقاءه. المذهب الثالث: أنه يكون ـ ما لم يُنسَخ منه ـ شرعاً لنا بشرطين:
الأول: أن يقصه الله أو نبيه علينا من غير إنكار له.
الثاني: أن يكون ذلك على سبيل التشريع لنا وهذا أعدل الأقوال وهو الذي
ارتضاه السالمي رحمه الله تعالى.
المبحث الثاني
في حجيته
أدلة المنكرين للاحتجاج بشرع من قبلنا:
احتج المنكرون بقول الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ (1). فإنه من أبين الدلائل على أنهم بمنزلة أمة من بعث آخراً في وجوب اتباعه فلا يجوز أن يكون نبينا تابعاً لشريعة من تقدمه وإلا لزم أن يكون تابعاً ومتبوعاً وفيه حط مرتبته.
واستدل الشافعي على إنكاره بقوله تعالى: لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَا جَارَة) فالشَّرْعة الشريعة والمنهاج الطريق الواضح، قالوا: وهذا يقتضي أن يكون كل نبي داعياً إلى شريعته، وأن تكون أمته مختصة بشريعة جاء بها نبيها.
واستدلوا من السنة بما رواه البخاري ومسلم وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيتُ خمساً لم يُعْطَهُنَّ أحد قبلي ... وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثتُ إلى الناس
كافة.
فإذا كان الرسول قد بعث إلى قومه خاصة فلا تكون شريعته عامة لجميع الأمم.
(1) سورة آل عمران الآية: 81 (2) سورة المائدة، الآية: 48.
102 – 102 (1/102)
صفحة 95
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
واستدلوا من السنة أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذاً إلى اليمن قال له: «بِمَ تقضي يا معاذ إذا عرض لك القضاء؟، قال: بكتاب الله، قال: «فإن لم تجد؟ «قال: بسنة رسول الله، قال: «فإن لم تجد؟ «قال: أجتهد رأيي ولا آلو (1).
الوحي.
فلم يذكر معاذ شرع من قبلنا مع أن المقام مقام بيان. واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يترك مراجعة شرائع من قبلنا بل يتوقف وينتظر
واستدلوا بأن إنكاره على عمر بن الخطاب لما أتاه بصحيفة أصابها من بعض أهل الكتاب وقال: «أمنهوكون فيها يا ابن الخطاب، والله لو كان فيكم حياً ما وسعه إلا أن يتبعني» (2).
أدلة المجوّزين للاحتجاج بشرع من قبلنا:
واستدل
من أجاز العمل بشرع من قبلنا بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فبقوله تعالى: {أَوَلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَيَهُدَهُمُ اقْتَدِة)
وجه الدلالة: أن الاهتداء بالرسل هو الاقتداء بهم في شرائعهم.
(?).
وبقوله تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا))
وجه الدلالة أن الله أمر نبيه باتباع ملة إبراهيم والأمر للوجوب، ولفظ الملة عام يشمل أصول الدين وفروعه (5).
وبقوله تعالى: شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَضَيْنَا بهة إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ} (6)
(1) أخرجه أبو داوود في الأقضية.
•
(2) أخرجه أحمد في المسند برقم (15546)، (8032، والدارمي،1/ 115، وابن أبي عاصم في السنة 5/
2، وابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله 42/ 2.
(3) سورة الأنعام، الآية: 90.
(4) سورة النحل، الآية: 23. (5) انظر العدة لأبي يعلى 759/ 3. (6) سورة الشورى، الآية: 13.
103 - 103 (1/103)
صفحة 96
اجتهادات الإمام السالمي
وجه الدلالة: أن الله شرع لنا من الدين ما وصى به نوحاً وغيره من الرسل، والدين اسم جامع للأصول والفروع بشهادة حديث جبريل وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أتاكم يعلمكم أمور دينكم» (1)، وقد علم النبي الإسلام، والإيمان، والإحسان، أما التوحيد فليس فيه اختلاف أنه مطلوب على لسان الأنبياء جميعاً.
بن
مالك
وأما من السنة: فبما رواه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم عن أنس قال: كَسَرَتِ الرُّبيع - أختُ أنس بن النضر - ثنية امرأة فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «كتاب الله القصاص»، فقال أنس بن النضر: والذي بعثك نبياً ورسولاً لا تُكْسَر ثنيتها اليوم، قال: «يا أنس، كتاب الله القصاص»، فرَضُوا بأرش أخذوه، فعجب نبي الله وقال: «إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره» (2).
وجه الدلالة: أن النبي تعلق في القصاص في السن بما ورد في القرآن حكاية عما في التوراة وحكم به حيث لم يرد القصاص في السن إلا في قوله تعالى: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسَنِ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ الله إلى قوله تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأوليك هم الظَّلِمُونَ} (3). قالوا والإجماع منعقد على وجوب القصاص بهذه الآية.
بعد عرض أدلة الفريقين يتضح لنا أن ما ذهب إليه السالمي رحمه الله هو الأرجح رحمه الله وهو مذهب الجمهور من أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا لم يُنسخ في شرعنا وإذا عرضه الله تعالى علينا في مقام التشريع لنا.
أما ما استدل به الشافعية ومن وافقهم من بعض الحنابلة فيمكن تأويله بما ينسجم
مذهب الجمهور.
? (EVVV). •)619/1
(5)،(6).
(1) صحيح البخاري (19/ 1، (50) و 144/ 6، (4777)، وصحيح مسلم (30/ 1، ((9)، (5)، (6). وأخرجه أحمد 426/ 2 وأبو داوود (4698) وابن ماجه (64)، (4044) وابن خزيمة (2244) وابن حبان
(159) والبيهقي في شعب الإيمان (385).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلح ومسلم في القسامة. (3) سورة المائدة، الآية: 45.
-
104 _ \???? { (1/104)
صفحة 97
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الله
أما قوله تعالى: لكل جعلنا منكم شرعة ومنها جال لا يمنع تخصيص كل أمة بشريعة أن يكون شيء منها عاماً كالصيام والقصاص ونحو ذلك.
وبمثل ذلك يناقش استدلالهم بقول النبي صلى الله عليه وسلم: وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثتُ إلى الناس كافة فهذا لا يمنع أن تكون بعض شرائعه عامة كالقصاص والصيام، والكفالة بالنفس، وكقضاء الصلاة لمن نام عنها أو نسيها، وهذه من شرائع من قبلنا وهي مطلوبة لنا.
وأما استدلالهم بحديث معاذ وأنه لم يذكر رجوعه إلى التوراة والإنجيل، فجوابه: إن القائلين بلزوم اتباع شرع من قبلنا لم يوجبوا الرجوع إلى التوراة والإنجيل بل لم يجوزوه فضلاً عن القول بوجوبه، إنما قصدهم ما حكاه الله لنا عنهم في القرآن في مقام التشريع ولم ينسخ في شرعنا.
وكذلك غضب النبي على عمره، فهم يقولون بموجبه لأنهم لا يعنون الرجوع إلى كتبهم ولا يجوزون النظر فيها، ولكن يقتصرون على ما حكاه القرآن لنا عنهم في مقام التشريع.
المبحث الثالث
في تفريع السالمي عليه في معارج الآمال
عند تصفحنا لكتاب معارج الآمال نجد أن السالمي ذكر شرع من قبلنا في أربعة عشر موضعاً، منها ما استشهد به على سبيل الاستئناس ومنها ما ذكره على سبيل الرد لأنه لم يرد على سبيل التشريع لنا أو لكونه قد نسخ في شرعنا.
وأبدأ بذكر ما أورده السالمي رحمه الله على سبيل الاستئناس به.
المثال الأول: حكم من ترك صلاتين فأكثر:
ذكر السالمي رحمه الله خلاف الفقهاء في حكم من ترك صلاتين فأكثر، فمنهم من قال: تكفيه كفارة واحدة وبه قال أبو الحواري.
ومنهم من قال: لا تكفيه للجميع كفارة واحدة ثم اختلف هؤلاء فمنهم من
105
1.0 (1/105)
صفحة 98
اجتهادات الإمام السالمي
قال: عليه أن يكفّر لكل صلاة لأن ترك كل واحدة أوجب عليه كفارة ولا يزول هذا
الواجب بالترك الثاني ولا الثالث فتتكرر الكفارات بتكرر الأسباب.
ومنهم من قال: إن تعدد الترك تعددت الكفارات على كل ترك كفارة واحدة ولو
ترك أكثر من صلاة، فقد جعلوا الكفارات على نفس الترك وليس على المتروك. ومنهم من قال: إن كان ما ترك من الصلاة في معنى واحد بسبب واحد فعليه
كفارة واحدة، فإذا أضاع صلاة أو صلاتين بغير ذلك السبب فعليه لذلك كفارة ثانية. وهؤلاء اعتبروا تخلف الأسباب فأوجبوا الكفارة على السبب المفضي لترك الصلاة، لأن الترك إنما كان به فتوجيه العقاب عليه أولى قال رحمه الله: «وفيه أن العقوبة على الترك لا على السبب فقد يكون السبب في أصله مباحاً كالنوم والاشتغال بالمباح فلا يستحق عليه العقوبة.
ثم أجاب عنه بقوله: بأن المباح إذا أفضى إلى ترك الواجب انقلب معصية فيستحق لذلك العقوبة وقد يستأنس لقوله بفعل سليمان المذكور في قوله تعالى: طلا فقال إني أحببتُ حُبَّ الخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَى فَطَفِقَ مَسْما بالشوقِ وَالْأَعْنَاقِ (1)، فإنه روي عنه أنه اشتغل بعرض الخيل عليه حتى فاتت العصر وهو معنى قوله حَتَّى تَوَارَتْ بِالحِجَاب له أي حتى توارت بالحجاب لأي حتى توارت الشمس فانتبه عند ذلك من نسيانه وذكر الصلاة فندم على الاشتغال وأمر برد الخيل عليه وطفق بقطع سوقها وأعناقها معاكسة لحال الاشتغال ومراغمة لحب النفس، ولعل قطع أعناقها وسوقها كان كفارة له في شريعته، ولا بد من القول بجواز ما فعل في شريعته فلا يعترض عليه بالوارد في شرعنا» (2)
ففي هذا النص أورد شرع من قبلنا في حالتين:
الحالة الأولى: استأنس بها للرد على الإشكال الذي أورده وهو أن العقوبة على الترك لا على السبب، فإن السبب المباح لا يوجب العقوبة.
(1) سورة ص، الآيتان: 32 و 33.
(2) معارج الآمال 483/ 3.
106 - 106 (1/106)
صفحة 99
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
فكان الجواب بأن المباح إذا أفضى إلى ترك الواجب انقلب معصية ثم استأنس
عليه بشريعة سليمان، وهذا واضح لا لبس فيه.
الحالة الثانية: ذكرها على سبيل ما هو خاص بشريعة سليمان وما هو منسوخ في
شرعنا، فإن تعذيب الحيوان وقتله منسوخ في شرعنا.
المثال الثاني: سنة الاستسقاء:
ذكر السالمي أن الاستسقاء هو
سنة جميع الأمم، فقد استسقى موسى لقومه،
كما ذكر الله في القرآن واستسقى سليمان فخرج فإذا بنملة رفعت قوائمها إلى السماء فقال: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذه النملة وروي أن عيسى استسقى برجل أعور قلع عينه بسبب أنه نظر فيها إلى امرأة فكان من توبته أن أدخل أصبعه في عينه
فانتزعها
والاستسقاء وإن ورد في شرعنا فلا مانع أن يكون مما تواردت عليه الأدلة وأن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد تعبد به بشرع من سبقه ثم جاء شرعنا مقرراً له.
المثال الثالث: خصال الفطرة:
وخصال الفطرة هي شريعة إبراهيم حكاها القرآن الكريم بقوله: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِم رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمهُ الله (1)، قال السالمي رحمه الله: هي عشر خصال كانت فرضاً شرعه، وهي سنة في شرعنا خمس في الرأس وخمس في الجسد:
أما التي في الرأس فالمضمضة والاستنشاق وفرق الرأس، وقص الشارب
والسواك.
وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر.
،
وقوله سنة في شرعنا: أي طريقة فالمراد بلفظ السنة معناها اللغوي، لأن الختان واجب وكذا الاستنجاء بالماء، وهذا استئناس بشرع من قبلنا
(1) سورة البقرة، الآية: 124.
107
107 (1/107)
صفحة 100
اجتهادات الإمام السالمي أما الأمور التي فرضت على من قبلنا خاصة كالعقوبة لهم فقد تناولها الإمام السالمي رحمه الله مبيناً أنها خاصة بهم وهي عقوبة بسبب ظلمهم ونقضهم المواثيق وقتلهم الأنبياء بغير حق. قال رحمه الله تعقيباً على قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الصَّلَوَةَ وَآتُوا الزَّكَوَةَ وَارْكَعُوا مَعَ الزركمِينَ) (1) قال المفسرون: إن الله فرض عليهم خمسين صلاة وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة أمر بقطعها، وكانوا إذا نسوا شيئاً عجلت لهم عقوبتهم في الدنيا، وكانوا إذا أتوا بخطيئة حرم عليه من الطعام بعض ما كان حلالاً لهم، قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ (2). وكان عذابهم معجلاً في الدنيا، وكانوا يُمسَخون قردة وخنازير قالوا: وهذا معنى الإصر في قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: {ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من
قبلنا (3)
6
(2)
فمثل هذا النوع وقع الاتفاق عليه أنه خاص بشرع من قبلنا من اليهود والنصارى
وهو مما رفعه الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم فضلاً وتكرماً.
المثال الرابع: البناء على القبور:
قال السالمي رحمه الله: «فإن قيل إن البناء عليها - أي القبور ـ ثابت في الكتاب العزيز وذلك قوله تعالى في أصحاب الكهف: فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَنَا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِـ قال الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا (4). وهذا يدل على أن القائلين بذلك كانوا مسلمين فإن المسجد لهم خاصة.
قلنا: تلك حكاية عن أحوال وقعت بين أهل ذلك الزمان في هذه القضية، ولا يدل على جوازه ولا على عدم جوازه سلمنا فنحن لم نتعبد بشريعتهم وإنما تعبدنا بشريعتنا، وقد ورد النهي عن نبينا فلا يعدل عنه إلى ما كان قبله» (5).
(1) سورة البقرة، الآية: 43. (2) سورة النساء، الآية: 160. (3) سورة البقرة، الآية: 286. (4) سورة الكهف، الآية: 21. (0) معارج الآمال 262/ 4.
108 - VA (1/108)
صفحة 101
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
وهذا النص في غاية الوضوح من أن ما كان من شرائع أهل الكتاب منهياً عنه في شريعتنا أنه ليس شرعاً لنا، وهذا ما اختاره الإمام السالمي موافقة لأكثر أهل العلم، ولا يكون شيء من شرائعهم شرعاً لنا إلا بشرطين ذكرهما السالمي رحمه الله:
الأول: أن لا يكون منسوخاً في شرعنا.
الثاني: أن يكون الله قد قصّه علينا في معرض التشريع لنا.
وهو اختيار موفق وهو الذي دلت عليه فروع الأئمة الفقهية.
وبما ذكرته يتضح المقصود.
109 1.4
- (1/109)
صفحة 102
الفصل الحادي عشر
في سد الذرائع
*
?
4
V
المبحث الأول
في حقيقتها
الذريعة: هي الوسيلة إلى الشيء.
وقال ابن تيمية: الذريعة ما كان وسيلة وطريقاً إلى الشيء ثم صارت في عرف الفقهاء عبارة عما أفضت إلى محرم ولو تجردت عن ذلك الإفضاء لم يكن لها مفسدة، ولهذا قيل: الذريعة الفعل الذي ظاهره مباح وهو وسيلة إلى فعل محرم
المبحث الثاني
في أقسام الذريعة
قسم الشاطبي الذريعة أربعة أقسام:
الأول: ما كان أداؤها إلى المفسدة قطعاً كحفر البئر خلف الدار.
(1) الفتاوى الكبرى 256/ 3.
(1)
111 _ \\ \ (1/111)
صفحة 103
اجتهادات الإمام السالمي
الثاني: ما كان أداؤها إلى المفسدة غالباً كبيع السلاح في وقت الفتن، أو بيع
العنب للخمار.
الثالث: ما كان أداؤها إلى المفسدة نادراً كحفر بئر في موضع بحيث يغلب على الظن أن لا يقع فيه أحد، وهذا النوع باقي على أصل المشروعية إذ لا عبرة لندرة
المفسدة ما دامت المصلحة راجحة.
الرا
: ما كان أداؤها إلى المفسدة كثيراً لا غالباً بحيث أن هذه الكثرة لا تبلغ مبلغاً يحمل العقل على ظن المفسدة فيه دائماً وذلك كمسائل بيوع الآجال، وهذا النوع
محل نظر والتباس
الأم (2).
(1)
وقد اعتبر الأئمة الذرائع إلا الشافعي منهم لم يعتبر هذا الأصل كما نص عليه في
المبحث الثالث
في أدلتها
هناك أدلة كثيرة أوصلها ابن القيم في أعلام الموقعين إلى تسعة وتسعين دليلاً
(3)
على عدد الأسماء الحسنى من هذه الأدلة: قوله تعالى: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ بِغَيْرِ عِلم. ووجه الدلالة ظاهر جداً.
عدوا
(4)
وقوله تعالى: {يَأَيُّها الذين امنوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا
واسْمَعُوا (0)
(1) انظر الموافقات 357/ 2 - 361 باختصار، وكتاب الأم 267/ 7 و 270.
(2) المراجع السابقة.
(3) أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن قيم الجوزية 147/ 3 و 171.
(4) سورة الأنعام، الآية: 108.
(5) سورة البقرة، الآية: 104.
112 – 112 (1/112)
صفحة 104
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
فقد نهى الله المؤمنين أن يقولوا هذه الكلمة مع أن قصدهم كان حسناً لئلا يكون ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم يقصدون بها السب، فقد كانوا يريدون بها فاعلاً من الرعونة.
وأما من السنة: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكف عن قتل المنافقين لئلا يكون ذريعة لتنفير الناس عنه وقولهم إن محمداً يقتل أصحابه، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك
قتالهم.
وأما من الإجماع: فقد اتفق الصحابة على قتل الجماعة بالواحد وإن كان أصل القصاص يمنع من ذلك لئلا يكون عدم القصاص من الجماعة ذريعة إلى التعاون على سفك الدماء بصورة جماعية (1).
المبحث الرابع
بيان الفروع التطبيقية عليها
من كتاب معارج الآمال
والإمام السالمي والإباضية بعامة يأخذون بهذا الأصل لأن دلالته تعود إلى
الكتاب والسنة والإجماع.
وقد استدل به السالمي رحمه الله في مواضع:
الأول: في حكم من ترك المضمضة والاستنشاق حتى صلى. ذكر السالمي رحمه الله أقوال الفقهاء فيمن ترك المضمضة والاستنشاق: القول الأول: من تركهما عامداً فلا إعادة عليه.
وقيل: من تركهما ناسياً ثم ذكرهما قبل أن يدخل الصلاة فعليه البدل. وقيل: عليه الإعادة ما لم يتم صلاته على النسيان. قال رحمه الله: وأنت خبير أن هذه الأقوال متفرعة على القول بعدم فرضية
(1) انظر المزيد من الأدلة في أعلام الموقعين لابن القيم 149/ 3 إلى 170.
113 - 113 (1/113)
صفحة 105
اجتهادات الإمام السالمي
المضمضة والاستنشاق، فأما القائلون بأنهما واجبتان فلا بد من إعادة الصلاة عندهم
كما لو ترك غسل وجهه أو يده أو رجله.
وكذلك يخرج على القول بوجوبها في موضع دون موضع، وعلى القول بعدم وجوبها مطلقاً فإنه متى ما وجب الفعل فسدت الصلاة بتركه على العمد والنسيان، ومتى ما يكون مسنوناً فلا تفسد الصلاة بتركه على العمد والنسيان لكن استحب علماؤنا يعيد المتعمد لتركهما مطلقاً سداً للذريعة وإرغاماً لأنف من رغب عن السنة فإنه لا يتركهما عمداً إلا من رغب عن المسنون. (1). فقوله رحمه الله: «لكن استحب علماؤنا أن يعيد المتعمد الصلاة لتركها سداً
أن
للذريعة نص صريح في عمل فقهاء الإباضية بهذا الأصل العظيم».
المثال الثاني: حكم الوجه.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في حكم الوجه هل هو عورة يجب ستره أو ليس بعورة ويجوز كشفه. والذي رجحه أن الوجه والكفين يجوز النظر إليهما وليسوا بعورة، واستدل بحديث أسماء: إذا بلغت المرأة المحيض فلا يحل أن يُرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى الوجه والكفين (2).
لكن قبل هذا ذكر قول بعض أهل العلم بأن الوجه واليدين عورة سداً
للذريعة (3).
(1) معارج الآمال.3721 (1)
(2) السنن الصغرى للبيهقي باب النظر إلى امرأة يريد نكاحها 89/ 6، سنن أبي داوود، باب فيما تبدي
المرأة. . . (44106/ 106.
(3) معارج الآمال 504/ 1.
114 - 114 (1/114)
صفحة 106
لمال
الفصل الثاني عشر
الأصل في الأشياء
المبحث الأول
في بيان حقيقته وموقف العلماء منه
قال الإمام السالمي رحمه الله في شمس الأصول:
والحكم في الأشياء قبل الشرع إباحة الكل بغير منعِ وإنما حُرِّما ما قد حُرِّما من بعد ما جاء الخطاب فاعلما وقال قوم حكمه الحظر وفي قول بأن الحق في التوقف (1). قال رحمه الله: «والمراد بقولنا قبل ورود الشرع حيث لا شرع أي قبل إرسال الرسل، وإنزال الشرائع، فإن الأحكام إنما ثبتت بعد ورود الشرائع وبعدها حرم لا قبل ذلك لعدم الدليل على ثبوت الحكم، هذا قول جماعة قال البدر الشماخي
(1) طلعة الشمس 287/ 2.
ما حرم
(4):
(2) انظر العدل والإنصاف
ص 279 و 280.
115 110
- (1/115)
صفحة 107
اجتهادات الإمام السالمي
وهو قول الشيخ أبي يحيى زكريا بن أبي بكر واختاره المصنف يعني الإمام أبا يعقوب
رحمه الله.
قال: وقال أكثر أصحابنا وأكثر معتزلة بغداد والإمامية والشافعية: بل حكمها الحظر. وتوقف الأشعري والصيرفي في ذلك.
ثم ذكر خلاف الذين قالوا بالحظر فمنهم من قال: أما ما لا يقوم البدن إلا به من
طعام وشراب ونحوهما فمباح عقلاً وما زاد على ذلك فمحظور (1).
ومنهم من قال: بل كل ما مست الحاجة إليه فمباح وما سواه فمحظور. ومنهم من قال: الجميع على الحظر.
ومنهم من توقف لأنهم لا يأمنون من كونه محظوراً.
قال
رحمه الله: وأنت خبير بأن كل واحد من القائلين بالحظر قد أثبتوا للأشياء حكماً قبل ورود الشرع، والأحكام إنما تثبت بعد وروده لا قبله فلا سبيل إلى إثبات
شيء من ذلك إلا عند من جعل العقل حاكماً، والصحيح أن الحاكم هو الشرع.
والذي اختاره رحمه الله هو إباحة الانتفاع بها على معنى رفع الأحكام رأساً، وإذا ارتفعت الأحكام بقيت الأشياء بلا حكم وليس على المعنى الاصطلاحي المقابل
للحظر.
هذا القول هي
قال: والحجة لنا على تصحيح أنه لا مخالف في جواز التنفس وجذب أجزاء الهواء ودفعها وذلك نوع من أنواع الانتفاع بالأشياء فيقاس عليه سائر
الانتفاعات بالأشياء (2).
هذا الخلاف قبل ورود الشرع، أما بعد وروده فقد اختلفوا على ثلاثة مذاهب:
فقيل: الأصل في الأشياء الحل (3).
(1) انظر المحصول للرازي 158/ 1. (2) طلعة الشمس 289/ 2.
(3) انظر الأحكام للآمدي 130/ 1 وإرشاد الفحول ص 5 - 9 للشوكاني واللعمعص 246 للشيرازي
والبناني على جمع الجوامع 353/ 2.
116 117
- (1/116)
صفحة 108
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
وقيل: الأصل في الأشياء التحريم.
وقيل: إن الأصل في المنافع الحل وفي المضار التحريم، وصححه ابن السبكي وتبعه المحلى شارحه مستدلاً على صحته بقول الله تعالى: خَلَقَ لَكُم مَا فِي الْأَرْضِ ذكره في معرض الامتنان ولا يمن إلا بالجائز، وبقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمُ
(1).
(2)
الطيبت)
أما تحريم ما يؤدي إلى ضرر فلقوله: (لا ضرر ولا ضرار (3) وهذا يدل على نفي الضرر مطلقاً في ديننا (4)، وهو الذي ارتضاه الإمام السالمي رحمه الله.
هي
المبحث الثاني
في تفريع الإمام السالمي عليه في معارج الآمال
فرَّع الإمام السالمي رحمه الله فروعاً كثيرة على قاعدة (الأصل براءة الذمة) التي أحد معاني الأصل في الأشياء الإباحة لأن مؤدى قاعدة (الأصل براءة الذمة) أنه لا تكليف إلا بدليل من الشرع، فالذمم مفرغة من حقوق الله وحقوق العباد واشتغالها بالفرائض والتكاليف حادث، والأصل الإباحة.
وسوف أورد من الأمثلة على هذا الأصل بالقدر الذي يتحقق به المقصود.
المثال الأول: الترتيب في الوضوء:
ذكر الإمام السالمي اختلاف أهل العلم في ترتيب الأعضاء في الوضوء وأنه على
مذاهب:
الأول: أنه شرط في صحة الوضوء وبه قال الربيع بن حبيب والشافعي وأحمد.
(1) سورة البقرة، الآية: 29 (2) سورة المائدة، الآية: 5.
(3) سنن ابن ماجه باب من بنى في حقه ما يضر .. (2430)، (240/ 7، سنن الدارقطني، باب البيوع (3124)، 387/ 7، مسند أحمد رقم (23462)، 462/ 49، موطأ مالك، باب القضاء في المرفق،
1435 (483/ 4)
(4) غاية المأمول ص 503 د. محمود هرموش.
117 - 117 (1/117)
صفحة 109
اجتهادات الإمام السالمي
والثاني: ليس بشرط وهو مذهب مالك وأبي حنيفة.
وقال بعض فقهاء الإباضية: ترك الترتيب عمداً لا يصح وأما على النسيان فيجوز
لأن النسيان معفو عنه.
استدل القائلون بالترتيب بأن الله ذكر الوضوء مرتباً، وبقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأوا بما بدأ الله به (1) الشامل بعمومه للوضوء. واستدلوا بأن وضوءه كان على الترتيب ولم ينقل عنه أنه خالف الترتيب.
لا تفيد
واستدل المالكية والحنفية بأن الله عطف أعمال الوضوء بالواو وهي الترتيب. واستدلوا أيضاً بأن النبي لا نسي مسح رأسه فتذكره بعد فراغه فمسحه ببلل
كفه، ولو كان الترتيب واجباً لأعاد الوضوء.
الوجه الثالث: الأصل براءة الذمة (2)
والإمام السالمي لم يسلم بأن الأصل براءة الذمة لا لأنه لا يقول بهذا الأصل، بل لأن استدلالهم بهذا الأصل في غير موضعه كأنه يقول لهم: سلمنا أن الأصل براءة الذمة لكن في ترتيب الأعضاء فإن الذمة مشغولة به لما ثبت من الأدلة الشاغلة
تقدم في مذهب الجمهور.
وهي
ما
ولم يقل رحمه الله لا نسلم بأن الأصل براءة الذمة بل الذي منعه أن تكون الذمم بريئة من حكم الترتيب في الوضوء.
المثال الثاني: في الصلاة بالدراهم والدنانير التي فيها الصور والأصنام:
قال السالمي رحمه الله: ولم أجد لقدماء أصحابنا رحمهم الله ذكراً، وقد ذكر
بعض المتأخرين في الصلاة بالدواكري الفرنجيات ثلاثة مذاهب كلها عن المتأخرين:
(1) رواه بهذا اللفظ: الدارقطني في السنن، باب الحج، (2610، 371/ 6، والنسائي في سننه، باب القول بعد ركعتي الطواف، (2962)،،5/ 236، قال الألباني: صحيح. وفي صحيح مسلم: «ابدأ بما بدأ الله به، باب حجة النبي، (3009)، 39/ 4.
(2) انظر معارج الآمال 387/ 1
118 – 118 (1/118)
صفحة 110
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
أحدها: أن الصلاة لا تجوز بها على العمد والنسيان ولعل هؤلاء قاسوها على الثوب الذي فيه الصورة.
وثانيها: تجوز على النسيان ولا تجوز على العمد، وهو قول محمد بن عبد الله ابن عبيدان، فإن صلى بها ناسياً ثم ذكر وهو في الصلاة قال العلامة الصبحي: يعجبني البناء على صلاته قال: وإن أخرجها لم ألزمه بدلها.
بها.
وقيل: إن كان فيها شيء من الأصنام أخرجه من حينه ولا يتم صلاته بعد علمه
وقيل: يتمها كما مر وهؤلاء عذروا الناسي دون المتعمد لثبوت العفو عن الناسي في كثير من مقامات الشريعة المطهرة. وثالثها: أن الصلاة بها تجوز على العمد والنسيان حتى يصح أن بها صنماً، وهذا
القول مبني على أن الأصل في الأشياء إباحتها حتى يصح المانع. فهذا نص صريح على أن فقهاء الإباضية يعتبرون هذا الأصل ويفرعون عليه المسائل متوافقين مع أكثر أئمة الأصول من أصحاب المذاهب المتبوعة.
المثال الثالث: فيمن أخر القضاء إلى أن دخل رمضان الثاني:
ذكر الإمام السالمي رحمه الله أنه ليس لأحد أن يؤخر القضاء إلى هذا الحد، فمن أخره إلى أن دخل رمضان الثاني كان عاصياً لربه، فإن أخره لعذر سفر أو مرض
طال أمده فلا إثم عليه.
واختلفوا فيما يلزم المؤخر:
فمذهب الجمهور وجوب الفدية عليه وهي إطعام مسكين عن كل يوم من التي فرط فيها وذلك شامل للمعذور وغيره.
الأيام
وفرَّق بعضهم بين المعذور وغيره، فأوجبوا الإطعام والقضاء على المفرط في التأخير، ولم يلزموا المعذور إلا القضاء بعد تمام رمضان الحاضر لأن الإطعام كفارة
ولا تلزم الكفارة مع العذر ..
119 – 119 (1/119)
صفحة 111
اجتهادات الإمام السالمي
وقال قوم: يلزم المعذور الإطعام دون القضاء ونسبه ابن المنذر إلى ابن عباس
وابن عمر وغيرهما وكأنهم شبهوه بالكبير العاجز عن الصوم.
وذهب قوم منهم الحسن البصري والنخعي وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجب الفدية على من أخر بعذر وبغير عذر، وإليه مال المتأخرون من فقهاء الإباضية العمانيين كما ذكر السالمي.
قال رحمه الله: واحتجوا بقوله تعالى: {وَفَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَّكُمْ)
،
، قالوا: ولم يذكر الفدية فعلمنا أن وجوب القضاء ناسخ للفدية. قالوا: والبراءة الأصلية قاضية بعدم وجوب الاشتغال بالأحكام التكليفية حتى يقوم الدليل الناقل عنها، ولا دليل هنا فوجب عدم الوجوب (2).
المثال الرابع: في الوضع الذي يحفر فيه القبر:
قال الإمام السالمي رحمه الله: وذلك إما أن تكون للمسلمين هناك مقبرة وهي ما اجتمع فيها ثلاثة قبور فصاعداً اعتباراً بأقل الجمع، وإما ألا تكون مقبرة. فإن كانت مقبرة فإنه يجوز لهم أن يحفروا فيها لميتهم لأن القاعدة فيها الإباحة». وهذا نص على العمل بالبراءة الأصلية.
(1) سورة البقرة، الآية: 184 (2) معارج الآمال 289/ 5.
120 -
1 - 120 (1/120)
صفحة 112
الفصل الثالث عشر
في العرف والعادة
والعرف والعادة من الأصول التي بنيت عليها أحكام لا تعد كثرة، وفقهاء الإباضية من جملة الفقهاء الذين حكموا العرف والعادة في كثير من الأبواب.
قال الإمام السالمي رحمه الله في شمس الأصول:
وإن للعادة حكماً فعلى ما قد ذكرتُ أسس الفقه الأولى قال في طلعة الشمس الذي هو شرح شمس الأصول: «القاعدة الخامسة قولهم: (إن العادة محكمة أي حكمها الشرع، ومن فروع هذه القاعدة بيان أقل الحيض، وأكثره ومسائل التعارف ونحو ذلك» (1).
والكلام في هذا الأصل سوف يكون في مباحث.
(1) طلعة الشمس 291/ 2.
121
- 121 (1/121)
صفحة 113
اجتهادات الإمام السالمي
المبحث الأول
في تعريف العرف والعادة
العرف في اللغة: بمعنى المعرفة ثم استعمل بمعنى الشيء المألوف المستحسن الذي تتلقاه العقول بالقبول.
وقيل: هو ما تتابع متصلاً بعضه ببعض وسكنت النفس إليه (1).
وفي الاصطلاح ما استقرت النفوس عليه بشهادة العقول وتلقته الطباع بالقبول (2).
ومادة العادة تقتضي تكرار الشيء وعوده تكراراً كثيراً يخرج عن كونه واقعاً بطريق الاتفاق، ولذلك كان خرق العادة لا يجوز إلا في معجزة نبي أو كرامة وليّ. وفي اصطلاح الأصوليين: الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية. وعند الفقهاء: عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المقبولة عند الطباع السليمة (3).
عرفاً.
عاماً.
من خلال هذه التعريفات يتضح أن العرف والعادة مترادفان. وقيل: إن الأمر المتكرر إذا نشأ عن فرد سمي عادة، وإذا نشأ عن جماعة سمي
فإن كانت هذه الجماعة معيَّنة سمي خاصاً، وإذا كانت غير معينة سمي عرفاً
وإن كان هذا الأمر المتكرر لفظياً سمي عرفاً قولياً، وإن كان عملاً سمي عملياً. فإن كان موافقاً لأمر الشارع كان عرفاً صحيحاً، وإن خالف أمر الشارع سمي
عرفاً فاسداً.
(1) المغني 370/ 9.
(2) التعريفات للجرجاني ص 149 مكتبة لبنان.
(3) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص 93 مؤسسة الحلبي.
122
122 (1/122)
صفحة 114
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المبحث الثاني
في بيان مذاهب العلماء في العرف
المذاهب الفقهية على اختلافها متفقة على اعتبار العرف وأنه إليه يرجع في فهم النصوص وبناء شطر عظيم من الأحكام عليه.
بذلك».
قال القرافي: «أما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون
وقال الشاطبي في الموافقات: «العوائد الجارية ضرورية الاعتبار شرعاً سواء كانت شرعية في أصلها أو غير شرعية، أي سواء كانت مقررة بالدليل شرعاً أمراً أو نهياً أو إذناً أو لا» (1).
وقال السيوطي الشافعي: اعلم أن اعتبار العادة والعرف رجع إليه في الفقه في
مسائل لا تعد كثرة» (2).
وقال ابن القيم الحنبلي: وقد أجري العرف مجرى النطق في أكثر من مائة
موضع ثم عددها (3)
المبحث الثالث
في
أدلة اعتبار العرف
استدل العلماء على اعتبار العرف بالكتاب والسنة.
من هذه الأدلة:
1 - قوله تعالى: وخُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهِلِينَ (4)
وقد استدل بها الشهاب القرافي قال ابن عابدين (5): فإنه قال في كتابه الفروق في
(1) الموافقات 2/ 284 - 286. (2) أشباه السيوطي ص 99 - 109. (3) أعلام الموقعين 393/ 2 ـ 394. (4) سورة الأعراف، الآية: 199. (0) نشر العرف ص 3.
123 – 123 (1/123)
صفحة 115
اجتهادات الإمام السالمي
جواب قول الشافعي فيما إذا اختلف الزوجان في متاع البيت إن القول لمن شهدت له البينة ما نصه: «لنا قوله تعالى: وخُذِ الْعَفْوَ وَأمُرُ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَهلين الله، فكل ما شهدت له العادة قضي به لظاهر هذه الآية». وممن استدل بهذه الآية علاء الدين الطرابلسي في معين، الحكام وابن عطية ذكره الفتوحي الحنبلي في شرح الكوكب
المنير
(1)
(2)
2 - قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتِ مَتَنعُ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (2)، وقال: وحَقًا
على المحسنين.
والمتعة وكذلك النفقة ليس لها ضابط في الشرع ولا في اللغة فتُردُّ إلى العرف. وأما أدلة حجيته من السنة حديث حرام بن محيصة الأنصاري عن البراء بن عازب أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فيه، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الحائط حفظها في النهار وعلى أهل المواشي حفظها في الليل
(3)
وهذا الحكم كان عملاً بالعرف المنتشر في ذلك العصر. وهو ما جرت به العادة فإن العادة قضت أن المواشي في الليل تأوي إلى مراحها وفي النهار تسرح، فعلى أهل الحوائط حراسة حوائطهم في النهار، وعلى أهل المواشي حراسة مواشيهم في الليل. وهذا اعتبار للعرف والعادة.
والأدلة كثيرة فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى المطولات.
المبحث الرابع
تفريع الإمام السالمي على العرف والعادة
قد ظفرت بمسائل كثيرة بناها الإمام السالمي رحمه الله على العرف والعادة في
كتابه القيم (معارج الآمال) وسوف أسوق بعضها.
ص
392 - 391
(1) شرح الكوكب المنير (2) سورة البقرة، الآية: 241. (3) رواه أبو داوود وصححه الجماعة.
124 - 124 (1/124)
صفحة 116
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المثال الأول: حكم من مس قملة حية:
قال رحمه الله: ومن مس قملة حية ولم يخرج منها بلل فلا شيء عليه في
لأن
من
وضوئه وله إخراجها من ثوبه ما لم يمس منها نجاسة. وقيل: تنقض الوضوء عادتها إذا خرجت ذرقت في اليد لأن ذلك الماء يكون في طرف ذنبها تذرق من
حينها، ونسب هذا القول إلى الأكثر وهو كما ترى مبني على تحكيم العادة والأخذ بالأغلب من الأحوال» (1)
وهذا نص صريح في تحكيم العادة.
المثال الثاني: في البيوت التي تُدخَلُ من غير استئذان:
قال
وفي الأثر أن البيوت التي تدخل بغير استئذان البيت إذا سرق أو
رحمه الله: «وفي حرق أو انهدم والبيت الذي فيه معصية، وبيت الحاكم، وبيت المستغيث مثل المرأة يضربها زوجها إذا استغاثت وهو أن تقول: واغوثاه بالله وبالمسلمين، وأما إذا صرخت بغير الاستغاثة فلا يدخل عليها إلا بإذن، وكذلك حانوت التجار، وبيت العرس والمأتم، وإنما جاز ذلك للتعارف بالإذن والرضى بالدخول في هذه المواضع (2).
وهذا ما يسمى عند الفقهاء بالإذن العرفي وهو يقوم مقام الإذن اللفظي. ثم قال: قال أبو الحسن: إنما يجوز ذلك في النهار ولا يجوز في الليل لأن الليل لا تعارف فيه
ولا عادة (3).
المثال الثالث: في بيان أكثر النفاس:
ذكر الإمام السالمي خلاف الفقهاء في أكثر النفاس، وقد أوصل الخلاف إلى
سبعة مذاهب أذكرها باختصار.
المذهب الأول: عشرون يوماً وهو مذهب بعض متأخري الإباضية.
(1) معارج الآمال 448/ 1. (2) معارج الآمال 448/ 1. (3) معارج الآمال 489/ 1.
125
-
125 (1/125)
صفحة 117
اجتهادات الإمام السالمي
المذهب الثاني: أكثر النفاس شهر ثم هي بعد ذلك مستحاضة عشرة أيام وهو
عن أبي الحواري.
المذهب الثالث: أكثر النفاس أربعون يوماً وهو ما عليه أكثر فقهاء الإباضية. المذهب الرابع: أن أكثره تسعون يوماً وهو أحد الروايتين عن الربيع. المذهب الخامس: أكثره تسعون يوماً ثم هي بعد ذلك مستحاضة.
المذهب السادس: أكثره أربعة أشهر وهو منقول عن أبي الحواري.
المذهب السابع: إذا تطاول بها الدم ولم يكن لها وقت نظرت إلى ما كانت عليه أمهاتها تقعد فلتقعد كما يقعدن وقيل إن لم يكن لها وقت فوقت أمهاتها وعماتها وخالاتها، وفي موضع آخر إن لم يكن لها وقت اعتدت بأوسط عدة أمهاتها.
قال السالمي رحمه الله: قال أبو محمد وفي إجازة هذا القول إغفال من قائله إذ فرض الله عليها أن تدع الصلاة لأنها حائض أو نفساء، والفرض عليها غير الفرض على أمها. ثم عقب السالمي على قول أبي محمد بقوله: قلتُ: لا إغفال فيه بل هو مبني
على القول بتحكيم العادة (1).
المثال الرابع: في مقدار القبر:
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في مقدار عمق القبر، قال: فعند
أصحابنا أنه لا يزاد على ثلاثة أذرع.
وقال عمر بن عبد العزيز والنخعي: يحفر إلى السرة.
وقال مالك: أحبُّ إليَّ أن يكون عميقاً جداً ولا قريباً من الأرض.
وقال الشافعي: أحب إليَّ أن يعمق قدر بسطة. . . ولعل عمر بن عبد العزيز ومن بعده نظروا إلى أحوال الناس في زمانهم فقالوا بمقتضى الحال ولا بأس به فإنها أمور اجتهادية راجعة إلى العادة (2).
(1) معارج الآمال 2/ 115. (2) معارج الآمال 255/ 4.
126
-
126 (1/126)
صفحة 118
الفصل الرابع عشر
في عموم البلوى
المراد بعموم
البلوى ما
المبحث الأول في المراد به
يعسر التحرز عنه كطين الشوارع في حق المارة فإن من يمشي في هذه الشوارع - لا سيما في فصل الشتاء - فإن طين الشوارع سوف يصيب ثوبه لمشقة التحرز عنه والمشقة تجلب التيسير، وهذه قاعدة نص عليها السالمي في شمس الأصول فقال:
ويُجلب التيسير بالمشقة إذ ليس في الدين عذاب الأمة (1).
المبحث الثاني
في أدلة الاحتجاج به
وقد ثبت اعتبار هذا الأصل بالكتاب والسنة والإجماع.
(1) طلعة الشمس 290/ 2.
- 127
127 - (1/127)
صفحة 119
اجتهادات الإمام السالمي
أما الكتاب: فقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرج (1). وقوله تعالى:
ويُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (2).
وأما السنة: فقوله: «يسروا ولا تعسروا) وبشروا ولا تنفروا» (3)، وقوله: إن الدين يُسرّ ولن يُشادَّ الدين أحد إلا غلبه» (4)، وقوله: «بعثتُ بالحنيفية السمحة (5).
وأما الإجماع فقد أجمعت الأمة على أن الله لم يكلف الأمة فوق طاقتها وأن
الحرج والإعنات في الدين مرفوع عن هذه الأمة.
المبحث الثالث
تفريع الإمام السالمي عليه في معارج الآمال
فرع الإمام السالمي رحمه الله فروعاً على هذا الأصل في كتابه (معارج الآمال)،
وسوف أورد بعضها في الأمثلة الآتية:
المثال الأول: في مباشر النجس إذا كان غير ميتة:
قال
رحمه
فقال
الله: قال محبوب: أصابني مرةً وأنا ذاهب إلى الجمعة بولُ بعير لي الربيع: ما حبسك؟ قلتُ: أصاب قدمي بول بعير وتوضأت، قال: ليس ذلك بشيء إلا أن يصيبك ما يصبغ قدمك ولو كان الأمر على ما ترى ما سَلِمَ أحدٌ في طريق مكة أي لكثرة التلوث بأبوال الابل (6).
فهذا نص ظاهر بأن ما تعم به البلوى ويعسر التحرز عنه فإنه عفو في الشرع
(1) سورة الحج، الآية: 78. (2) سورة البقرة، الآية: 185.
(3) صحيح البخاري، باب ما كان النبي ... ((6) (38/ 1، صحيح مسلم، باب في الأمر بالتيسير
وترك التنفير (4626)، 141/ 5.
(4) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الإيمان باب الدين يسر (39) من حديث أبي هريرة. (0) أخرجه أحمد في مسنده، (22951)، 401/ 48.
(1) معارج الآمال 447/ 1.
128 -
128 (1/128)
صفحة 120
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
كتلوث طريق مكة بالأبوال ونحوها. وفرّق الربيع رحمه الله بين ما يعسر التحرز عنه وهو الشيء القليل فغض النظر عنه وبين ما لا يعسر التحرز عنه لكثرته فلم يتسامح فيه. المثال الثاني: في مس فرج الصبي الصغير:
ذكر الإمام السالمي رحمه الله جملة أقوال أهل العلم في مس فرج الصبي، وسوف ألخصها فيما يلي:
1
2
-
مس العورة ممن يأكل الطعام عمداً ينقض الوضوء.
وقيل: إن لم يبلغ لا ينقض مسه وإن بلغ إلى الحد الذي يشتهي ويُشتهى انتقض
الوضوء بمسه.
وقيل: ينتقض الوضوء بمسه مطلقاً.
فمن قال بعدم
الصبي عندهم
كأصبعه.
النقض منهم رأى أنهم لا عبادة عليهم، فهم كسائر الدواب، ففرج قال بالنقض رأى أن لهم حرمة، وقد ورد النقض بمس ومن الفرج من غير تفصيل فيعم جميع الفروج. ومن حدَّ ذلك بحد رأى أنهم قبل ذلك الحد في حكم البهائم وبعده في حكم الإنسان، وهذا ظاهر في الحد بالاستتار والشهوة وخفي في الحد بأكل الطعام كما قاله أبو زياد إلا أن يقال: إنه ما دام رضيعاً فالضرورة داعية إلى الاطلاع على عورته لتنظيفه من القاذورات (1).
وهذا نص في العمل بمبدأ العسر وعموم البلوى لأن من يقوم بتنظيف الصبي فلا
بد أن يطلع على عورة الصبي ولمسها لعسر التحرز عن ذلك.
المثال الثالث: قراءة القرآن لغير المتوضئ أو عليه ثوب غير طاهر:
ذكر السالمي أقوال أهل العلم في هذه المسألة:
فرخص فيه قوم وكره آخرون.
وكره أبو عثمان أن يقرأ الرجل وعليه ثوب الجنب.
(1) معارج الآمال 463/ 1.
129 – 129 (1/129)
صفحة 121
اجتهادات الإمام السالمي
وقيل: إن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وغيرهما أجازوا القرآن على غير وضوء ولم يجيزوا مس المصحف ولا أن يقرأ القرآن جنب.
وقيل: يقرأ الآية والآيتين، وقيل: سبع آيات، وقيل: ما لم يبدأ بالسورة
ويختمها جاز ...
قال السالمي رحمه الله: «وأما من أجاز السبع آيات فلا أدري ما علته ولعله نظر إلى أن الحاجة إلى التلاوة ترتفع بسبع آيات فما دونها فأجاز ذلك لعموم البلوى بالحاجة إلى القرآن (1).
(1) معارج الآمال 139/ 2.
130 – 130 (1/130)
صفحة 122
الفصل الخامس عشر
في الاحتياط
المبحث الأول
في معنى الاحتياط
والاحتياط هو الحذر وهو إعطاء الشبهة حقها من العمل بقصد التنزه والاستبراء للدين، والخروج من العهدة بيقين والخروج من الخلاف بإعطاء دليل المخالف حقه من المراعاة وهو أصل أصيل أخذ به جميع الأئمة أبو حنيفة ومالك والشافعي
وأحمد.
ومن أشدهم أخذاً
به فقهاء الإباضية، وقد ملأ الإمام السالمي كتابه (معارج
•
الآمال بالفروع المبنية على الاحتياط تزيد على مائة فرع ويسميه بعضهم مراعاة الخلاف، والبعض الآخر بالخروج من الخلاف، ووضعوا له قاعدة كلية وهي «الخروج
من الخلاف مستحب.
131 – 131 (1/131)
صفحة 123
اجتهادات الإمام السالمي
من
المبحث الثاني:
في أدلة اعتباره
الأدلة على اعتبار هذا الأصل قول النبي صلى الله عليه وسلم: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1)، فإن ترك ما فيه ريبة إلى ما ليس فيه ريبة هو عين الاحتياط.
،
وقوله في الحديث الذي رواه النعمان بن بشير الله: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام. . .» (2) الحديث. ومن أهم الأدلة ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد ابن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إليَّ أنه ابنه انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر النبي إلى شبهه فرأى شبهاً بيناً بعتبة فقال: هو لك يا عبد بن زمعة، الولد للفراش وللعاهر الحجر واحتجبي منه يا سودة» (3). وجه الدلالة: أن النبي الله الله العمل بالبينة وهي الفراش وأعطى الشبهة حقها من العمل وهي احتجاب سودة منه عملاً بالشبهة ولولا الشبهة لكانت سودة بنت زمعة أخته، وهذا هو عين الاحتياط.
المبحث الثالث
تفريع الإمام السالمي على هذا الأصل في معارج الآمال
لدى استقرائي لكتاب السالمي رحمه الله وجدته يعول كثيراً على مبدأ الاحتياط وذلك أن الكتاب في الطهارات والعبادات وفيها يكثر الأخذ بمبدأ الاحتياط، لأن المسلم في باب الطهارة يحتاط لدينه مستبرئاً من النجاسة، وكذلك الحال في باب العبادات. وسوف أورِدُ بعض الأمثلة وأشير إلى مظان الأمثلة الأخرى في الحاشية.
(1) صحيح البخاري، باب تفسير المشبهات، 723/ 2
(2) صحيح البخاري 20/ 1 (52) و 69/ 3 (2051)، صحيح مسلم 159950/ 5)، (107) و 51/ 5 (1599)، (107) و (108).
(3) رواه البخاري في الفرائض، الولد للفراش رقم الحديث 6749
132 – 132 (1/132)
صفحة 124
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
المثال الأول: إجالة الخاتم في اليد:
ذكر السالمي رحمه الله مذاهب العلماء في تحريك الخاتم في الوضوء:
المذهب الأول: تحريكه مطلقاً وروي عن علي بن أبي طالب وعبد
وغيرهم.
الماء
المذهب الثاني: جواز تحريكه مطلقاً ونُسب إلى الأوزاعي ومالك.
المذهب الثالث: إن كان ضيقاً حركه وإن كان واسعاً تركه.
الله
بن
قال السالمي رحمه الله: «قلتُ: وتحرير المسألة أنه إن كان الخاتم ضيقاً يمنع من وصوله إلى الجلدة وجبت إدارته حتى يبلغ الماء ذلك الموضع لوجوب غسله بظاهر الآية، وإن كان واسعاً لا يمنع من دخول الماء فلا يجب لكن الأحوط إدارته خروجاً من عهدة الوجوب» (1).
المثال الثاني: الجمع بين المسح والغسل في غسل الرجلين:
قال
رحمه الله: ومن أوجب المسح جعل الأرجل معطوفة على الرؤوس وهي قراءة الجر، ومن أوجب الغسل جعل الأرجل معطوفة على الأيدي وهي قراءة النصب، ومن أوجب الجمع بينهما نظر إلى أن المفروض أحدهما ولم يتبين له المراد منهما لاختلاف القراءتين فأوجب الحالين خروجاً من عهدة التكليف لأنه لو فعل أحدهما احتمل أن يكون المفروض الآخر فأوجب الإتيان بالحالين) (2).
المثال الثالث: حكم من توضأ في ثوب نجس:
قال الإمام السالمي رحمه الله: وفي بيان الشرع أحسب عن أبي الحسن أن من توضأ في ثوب نجس أو اغتسل ثم لبس ثوباً نجساً فقد وجدنا أنه جائز، ووجدنا أنها
(1) معارج الآمال 326/ 1.
(2) المرجع نفسه 399/ 1.
133
133 (1/133)
صفحة 125
اجتهادات الإمام السالمي
مسألة متروكة، قال: ونحن لا نعمل بها ولا نخطئ من يعمل بها، وقال غيره: نأخذ بقول أبي الحواري وأبي الحسن رحمهما الله وهو أحوط» (1).
المثال الرابع: فيمن ينجي الرجل:
قال الإمام السالمي رحمه الله: قال بعضهم: أحفظ عن جعفر وأظنه كان يرويه عن أبي يزيد قال: لا ينجي الرجل إلا امرأته أو أمته، ولا ينجي المرأة إلا زوجها، وقال أبو عبد الله: إذا كان مضطراً فلا بأس بذات المحارم أن ينقين أو يوضين وكذلك الآباء والمرفوع عن أبي يزيد أحوط عند المكنة والاختيار والمنقول عن أبي عبد الله عند الضرورة ظاهر في الصواب (2).
المثال الخامس: في الدم الخارج من الجروح:
الله: «ومن
طعنته سلاة (3)
ظنه
قال السالمي رحمه في أثره فإذا كان الأغلب في أن الدم لم يخرج لأن الطعنة خفيفة أو أن عادة دمه لا يخرج في الحال فليس عليه أن ينظر إلى محل الطعنة كان ذلك في ليل أو نهار، وإن كان الأغلب في ظنه خروج الدم من رجله لشدة الطعنة أو العادة له في سرعة سيلان دمه فاستحب له بعض الفقهاء أن ينظر احتياطاً لأمر وضوئه وتحرزاً لدينه» (4).
المثال السادس: اتخاذ الجورب في الصلاة لئلا يصيب العورة:
قال السالمي رحمه الله: «قال أبو سفيان: كان أبو عبيدة يتخذ جورباً يصلي فيه لئلا تصيب العورة مواضع الوضوء من رجليه، فبلغ ذلك حيان الأعرج ... فقال استعظاماً لفعل أبي عبيدة: لقد أشقانا الله إذا كان كما يقول أبو عبيدة ... ويحتمل أن أبا عبيدة فعله استحباباً عملاً بما أحب شيخه جابر بن زيد رحمها الله تعالى ..
(1) المرجع نفسه 404/ 1.
(2) المرجع نفسه 404/ 1.
(3) سلاة مفرد سُلاً وهي شوك النخل. انظر العين (سلا).
(4) معارج الآمال 438/ 1.
134 - 134 (1/134)
صفحة 126
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
ويحتمل أن حيان استعظم نفس اتخاذ الجورب لأجل التحرز وإن كان على سبيل
الاحتياط» (1).
ومن أراد التوسع في معرفة فروع الاحتياط عند السالمي رحمه الله فلينظر
المواضع التالية (2).
(1) معارج الآمال 445/ 1.
(2) مرجع 500/ 1 و 1/ 539 و 1/ 607 و 1/ 641 و 1/ 651 و 1/ 659 و 1/ 663 و 679/ 1 و 728/ 1 و 1/ 730 و 731/ 1 و 739/ 1 و 1/ 778 و 789/ 1 و 1/ 791 و 808/ 1 و 1/ 810 و 821/ 1 و 841/ 1 و 1/ 864 و 1/ 865 و 20/ 22 و 2/ 39 و 20/ 244 و 22/ 246 و 22/ 83 و 2/ 287 و 2/ 103 و 2/ 101 و 2/ 124 و 2/ 195 و 22/ 211 و 23/ 2222 و 23/ 225 و 23/ 231 و 409/ 4 و 4/ 445 و 4/ 586 و 623/ 4 و 5/ 41 و 5/ 52 و 5/ 61 و 76/ 5 و 153/ 5.
135
- (1/135)
صفحة 127
الفصل السادس عشر
في الحيل
المبحث الأول
في تعريف الحيلة لغة واصطلاحاً
الحيلة في اللغة: جاء في لسان العرب: الحول الحيلة والقوة أيضاً. وقال ابن سيدة: الحول والحيل، والحويل والمحالة والاحتيال والتحول والتحيل كل ذلك الحذق وجودة النظر والقدرة على دقة التصرف، والحيل، والحول جمع حيلة، ويقال: تحول الرجل واحتال إذا طلب الحيلة (1).
وفي المصباح المنير: الحيلة الحذق في تدبير الأمور وهو تقليب الفكر حتى يهتدي إلى المقصود وأصلها الواو واحتال: طلب الحيلة (2).
6
وفي الاصطلاح: عرَّفها الشاطبي رحمه الله بقوله: هي تقديم عمل ظاهر الجواز
(1) لسان العرب لابن منظور مادة (حَوَلَ).
(2) المصباح المنير مادة (حَوَلَ).
137 - 137 (1/137)
صفحة 128
اجتهادات الإمام السالمي
لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر» (1). وقيل في تعريفها غير
ذلك.
المبحث الثاني
في أقسام الحيلة
قسم العلماء الحيلة باعتبارات مختلفة أذكر أهمها:
القسم الأول: الحيلة التي يتوصل بها إلى محرم في نفسه. فهي حرام باتفاق المسلمين وصاحبها آثم.
القسم الثاني: ما هو مباح في نفسه ولكن يقصد به الحرام، كالسفر لقطع الطريق، وقتل النفس المعصومة، فالمقصود هنا حرام والوسيلة في نفسها غير محرمة لكن لما توسل بها إلى الحرام صارت حراماً.
القسم الثالث: أن يقصد بالحيلة أخذ حق أو دفع باطل. فإن كانت الوسيلة محرمة في نفسها كمن يقيم شاهدين على آخر فيشهدان شهادة زور فهذه الحيلة محرمة لأن الكذب غير مشروع، وإن كانت الوسيلة مشروعة فالحيلة عند ذلك تكون مباحة. والنوع الثالث: أن تكون الوسيلة مشروعة لكنها لم توضع لذلك المقصود من التوصل إلى الحق أو دفع الظلم، بل وضعت لغيره فيتخذها هو طريقاً إلى هذا المقصود الصحيح أو قد يكون وضعت له لكن تكون خفية ولا يفطن لها، فالوسيلة في هذا النوع وإن كانت مفضية إلى غير المقصود فهي كالمعاريض القولية الجائزة، وإذا كانت مفضية إلى المقصود ولكن بخفاء فهي جائزة. ومن أمثلة ذلك:
أن تشترط المرأة أن لا يتزوج عليها ولا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط أو تخاف أن يرفعها إلى حاكم يبطله، فالحيلة في تصحيحه أن تلزمه عند العقد أنه إن تزوج عليها فأمرها بيدها إن شاءت بقيت معه وإن شاءت فارقته.
(1) الموافقات 436/ 4 ط 1 القاهرة ـ دار الحديث.
138
-
138 (1/138)
صفحة 129
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
القسم الرابع: أن تكون الوسيلة لم تؤد للإفضاء إلى المحرم وإنما وضعت مفضية إلى المشروع، فيتخذها المتحيل طريقاً إلى الحرام، كالبيع والنكاح والهبة وغير ذلك، فهذا المحتال يقصد حل ما حرمه الله، أو سقوط ما أوجبه بأن يأتي بسبب نصبه الشارع سبباً إلى أمر مباح مقصود فيجعله المحتال المخادع سبباً إلى أمر محرم مقصود اجتنابه. وهذا النوع ينقسم إلى خمسة أقسام وهي كلها محرمة لأنها إما تحيل لفعل الحرام أو سببه أو لإسقاط واجب أو سببه أو لإسقاط حق الله أو حق العبد وكل ذلك حرام (1).
تقسيم الشاطبي للحيل:
قسم الشاطبي الحيل إلى ثلاثة أقسام:
الأول: حيل لا خلاف في بطلانها، كحيل المنافقين والمرائين، وكحيل اليهود الذين وضعوا شباكهم يوم الجمعة احتيالاً للصيد يوم السبت الذي نهوا عن العمل فيه. فقد احتالوا للصيد في يوم السبت بصورة الصيد في غيره فعذبهم ربهم ومسخهم قردة وخنازير. فهذا النوع من الحيل حرام.
الثاني: حيل لا خلاف في جوازها، كالنطق بكلمة الكفر إكراها عليها لقوله تعالى: {إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَانُ بِالإيمان (2)، فقد استثنى الله تعالى من أُكرِه على النطق بكلمة الكفر تحت التعذيب وقلبه يأبى ما يقول لسانه بل هو مطمئن
بالإيمان.
الثالث: وهو محل إشكال وغموض وفيه اضطربت أنظار الفقهاء، لأنه لم يتبين فيه دليل واضح يلحقه بأحد النوعين السابقين.
أمثلته ومن
نكاح المحلل فإنه تحيل إلى رجوع الزوجة إلى مطلقها الأول بحيلة
(1) انظر تفصيل ذلك في أعلام الموقعين لابن القيم 337/ 3 وما بعدها، طبعة دار الجيل.
(2) سورة النحل، الآية: 106.
139 - 139 (1/139)
صفحة 130
اجتهادات الإمام السالمي
توافق في الظاهر نص الشارع، وبيوع الآجال فإن فيها التحيل إلى بيع درهم بدرهمين إلى أجل لكن بعقدين كل واحد منهما مقصود في نفسه.
نقداً
ولا أدري لماذا مثل الشاطبي لهذا النوع من الحيل بنكاح المحلل وجعله مثالاً لما اختلف فيه، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله المحلل والمحلل له» (1)، وسماه التيس المستعار، إلا إذا كان قصده أنه فعل ذلك من غير مؤامرة.
المبحث الثالث
مذهب العلماء في الحيل
اختلف الناس في العمل بالحيل، فالحنفية من أكثر الناس عملاً بالحيل من أجل تحصيل حق أو التخلص من الحرام، فهم يعملون بها على أنها مخارج من الضيق
والحرج بوجه شرعي
(2)
وذهب الشافعية إلى أنها مكروهة كراهة تحريم (3).
أما المالكية والحنابلة فهم أبعد الناس عن الحيل. وقد أثر عن أحمد أنه قال: لا
يجوز شيء من الحيل (4).
ومذهب الإباضية من خلال ما وقفتُ عليه من فروع أن الحيل التي لا يتوصل بها إلى المحرم حلال كالنطق بكلمة الكفر لمن أكره على ذلك وقلبه مطمئن بالإيمان.
أما ما يتوصل بها إلى حرام فهي، حرام كتحريم نكاح المحلل لكون الرسول لعنه، واللعن لا يكون إلا بسبب كبيرة من الكبائر.
(1) سنن أبي داوود، باب في التحليل (2078)، (188/ 2 سنن ابن ماجه باب المحلل والمحلل له
1936 (، 623/ 1)
(2) انظر شرح فتح القدير على شرح بداية المبتدي لعلي المرغيناني 173/ 7 دار الفكر. (3) انظر فتح الباري لابن حجر 328/ 1 دار المعرفة. (4) شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل للبعلي الحنبلي ص 26 دار عالم الفوائد.
140 ـ 140 (1/140)
صفحة 131
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
مثال على موقف السالمي من الحيل: بينت موقف السالمي من الحيل في كتابه طلعة الشمس، والآن أورد مثالاً مهماً على موقفه من الحيل المبطلة لأحكام الشرع وهي موضع النزاع في مسألة الحيل. هذا المثال هو حكم المبادلة بماشيته قبل حلول الحول إلى ماشية الآخر فراراً من
الصدقة.
قال السالمي رحمه الله: «وقد اختلفوا في ذلك: قال ابن المنذر: كان الشافعي وأبو ثور، وأصحاب الرأي يقولون: لا زكاة على كل واحد منهما فيما قبض من صاحبه حتى يحول على ما اشترى من يوم اشتراه، قال سفيان الثوري كذلك غير أنه لم يذكر الفرار من الصدقة.
وكان مالك بن أنس، والأوزاعي، وعبد الملك، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد
يرون في ذلك الزكاة إذا كان فراراً من الصدقة.
وذكر المحقق الخليلي لعلمائنا ثلاثة أقوال: القولين المتقدمين، والثالث تجب الزكاة إذا كان البدال هرباً من الصدقة وإلا فلا. . .
،
وعلل أبو سعيد رحمه الله الأقوال فعلل القول الأول بأنه مال جديد وإنما تجب الزكاة في المال إذا حل عليه الحول، ولا عبرة بالأول لأنه قد انتقل.
وعلل القول الثاني بأنه لم ينتقل من يده إلا إلى مال مثله مخاطب فيه بمثل حكم
الأول. وعلل الخليلي القول الثالث بأنه من الحيل المبطلة للصدقة كالوراط (1) المنهي
عنه
بها.
فهذا مثال صريح في أنه ينكر هذا النوع من الحيل لسكوته على تعليل الخليلي
(1) الوراط: من ورط الشي يرطه ورطاً ستره وفلاناً خدعه والوراط في الصدقة الجمع بين متفرق أو عكسه أو يخبأها في إبل غيره أو في وهدة من الأرض كي لا يراها المصدق. المعجم الوسيط، مادة
(ورط).
141 141
- (1/141)
صفحة 132
الباب الثاني
في منهج السالمي الاجتهادي
في معارج الآمال
ترين کو شرک تاريخ (1/143)
صفحة 133
الفصل الأول
في استخدامه القواعد الأصولية
المطلب الأول: في قواعد العموم
عرف السالمي رحمه الله العام بأنه «لفظ دلَّ دفعة على ما لم يكن منحصراً».
قال في شمس الأصول:
العام لفظ دل دفعة على
مالم يکن منحصراً فكملا (1)
فاللفظ جنس شامل للعام وغيره من الألفاظ.
وقوله «دل دفعة» فصل أخرج به النكرة في سياق الإثبات كاضرب رجلاً، فإن «رجلا» دال على ما يصلح له بطريق البدلية، وخرج به أيضاً المشترك فإنه لا يدل دفعة على ما وضع له، وإنما يدل عليه بطريق اعتبار تعدد الوضع كالعين مثلاً فإنه لا يدل دفعة واحدة على الباصرة، والشمس والذهب إلى آخرها، وإنما يدل على كل واحد من
(1) طلعة الشمس 208/ 1.
145 - 145 (1/145)
صفحة 134
اجتهادات الإمام السالمي
هذه المعاني باعتبار أنه وضع له وضعاً مستقلاً، فمطلق العين ليس شاملاً لهذه الأشياء
دفعة واحدة، وهذا هو المراد من نفي العموم عن المشترك.
وقوله على ما ليس محصوراً فصل آخر أخرج به صيغة المثنى وأسماء العدد والجمع المعرف بلام العهد وما قامت القرينة على أن أفراده منحصرة فإن صيغة المثنى وإن دلت على الاثنين دفعة واحدة، فالاثنان شيء، محصور، وكذلك أسماء العدد والمعرف بلام العهد وإن كان عاماً كالسماوات والأرضين، فاللام العهدية دالة على مدلول منحصر وما قامت القرينة على أن أفراده محصورة كرأيت رجالاً، فالعقل قاض بأنه رأى عدداً محصوراً من الرجال (1).
المسألة الأولى: في صيغ العموم الواردة في معارج الآمال.
وسوف أسوق أمثلة لصيغ العموم ذكرها الإمام السالمي رحمه الله في
معارج
الآمال في مقام التفريع.
المثال الأول: في نظر المصلي أين يكون:
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال: لا يجاوز نظره موضع سجوده، وأوجب بعضهم عليه النقض إن مدَّ نظره خمسة عشر ذراعاً، ومنهم من قال: يرسل نظره خاشعاً ولا يتعمد به موضعاً دون موضع، وقيل: لا نقض عليه حتى ينظر إلى السماء وهو قول أبي زياد الوضاح بن عقبة، قال الحسن وابن سيرين: كان المسلمون يرفعون أبصارهم إلى السماء في صلاتهم وكان رسول الله يفعل ذلك، فلما نزل قول الله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ} (2) طأطأ وكان لا يجاوز بصره مصلاه. قال رحمه الله: فمن تمسك بعموم النهي المقرون بالتشديد أفسد صلاته بالنظر إلى السماء مطلقاً كان على العمد أو النسيان» (3).
(1) انظر طلعة الشمس 209/ 1. (2) سورة المؤمنون، الآيتان: 1، 2.
(3) معارج الآمال 209/ 3.
146 - 146 (1/146)
صفحة 135
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وصيغة العموم هنا هو الجمع المحلى بأل في قوله تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. المثال الثاني: في بيان الكنز المذكور في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْتِرُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَة (1)
ذكر السالمي خلاف أهل العلم في المراد بهذا الكنز المذموم.
فقال الأكثر: هو المال الذي لم تؤدَّ زكاتُه. القول الثاني: أن المال الكثير إذا اجتمع فهو الكنز المذموم سواء أُديت زكاتُه أم لم تؤد، وهو قول أبي ذر وأبي الدرداء.
القول الثالث: إن الآية نزلت في أهل الكتاب خاصة، قاله معاوية بن أبي سفيان. قال السالمي رحمه الله: احتج أرباب القول الأول بعموم قوله تعالى لَهَا مَا كسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (2)، فإن ذلك يدل على أن كل ما كسبه الإنسان فهو له. . . قال: واحتج أرباب القول الثاني بوجوه منها:
عموم
هذه الآية والذين يكيرون الذهب والفضة. وصيغة العموم التي تمسك بها أرباب القول الأول اسم الموصول (ما) وصيغته لأرباب القول الثاني اسم
الموصول (الذين). المثال الثالث: في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ (3).
قال
رحمه الله: «فمن العموم الذي لم يختلف فيه قوله تعالى: ويَاتِهَا النَّاسُ اتَّقُوا
المثال الرابع: في قوله: «الزعيم غارم» (4)، وقوله: «البينة على المدعي
واليمين على من أنكر» (5).
(1) سورة التوبة، الآية: 34. (2) سورة البقرة، الآية: 286. (3) سورة النساء، الآية: 1.
(4) رواه أحمد عن أبي أمامة بلفظه 267/ 5.
(ه) رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كتاب (13) الاحكام باب (12) ما جاء في أن البينة
على المدعي. . رقم 1341
147 - 147 (1/147)
صفحة 136
اجتهادات الإمام السالمي
قال السالمي: لا خلاف في عموم هذين الحديثين (1).
وصيغة العموم فيهما هي اسم الجنس المحلى بأل.
المثال الخامس: إذا كان عند المحدث ماء قليل لا يجزئه.
إذا كان عند المحدث ماء قليل لا يكفي لغسل ما أمر بغسله وجب عليه استعماله
يصح
له أن
عند الإباضية إلى حيث ينتهي ثم يتيمم لما بقي من جوارحه لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا (2)، والواجد للماء القليل واجد للماء، فلا له يستعمل التيمم من أول مرة بل يجب عليه أن يستعمله حتى إذا فرغ صار غير واجد للماء فيجب عليه حينئذ التيمم.
وذهب أبو حنيفة وداود إلى أن عليه أن يتيمم ولا يستعمل الماء لأن الله تعالى لم يتعبد في طهارة واحدة بالماء والتيمم، واحتجوا بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء إذ المراد بالآية فإن لم تجدوا ماء تتطهرون به، ولا شك أن الماء الموجود لا يكفي للتطهر فسقط الخطاب بالتطهر به ووجب المصير إلى التيمم.
قال السالمي في الجواب عن هذا الاستدلال والجواب عن الاستدلال الأول أنه لو لم يقل: فلم تجدوا ماءً يكفيكم للطهر، وإنما قال: فلم تجدوا ما فهو عام لأنه نكرة في سياق النفي فأي ماء وجد وجب استعماله، والتخصيص محتاج
إلى دليل (3).
والإمام السالمي استعمل كل الألفاظ الدالة على العموم في مواضع شتى في
معارج الآمال وأتى بها في غاية الروعة والجمال.
المسألة الثانية: في العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص. هذه القاعدة فرع عليها السالمي مسألة حصر المحرم في آيتين:
(1) معارج الآمال 65/ 1.
(2) سورة المائدة، الآية: 6. (3) معارج الآمال 666/ 1 - 667.
148 EA
- (1/148)
صفحة 137
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الأولى قوله تعالى: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ ميْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ) (1)
والثانية: قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِبْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لغَيْرِ اللَّهِ بِهِ (2). و (إنما): تفيد الحصر .. وأما قوله تعالى في المائدة: {وَالْمُنْخَنِقَةُ والْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصبِ (3)، فهذه أقسام للميتة فهي داخلة في قوله تعالى: {إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ.
وقد اعترض على هذا الحصر بأنه يلزم منه تحليل النجاسات والمستقذرات، ويلزم تحليل المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة مع أن الله حكم بتحريمها، وأيضاً فالمطعومات أكثر مما ذكر في هذه الآية.
قال السالمي رحمه الله: (وأجيب عنه بأنه تعالى قال في هذه الآية: أَوْ لَحْمَ خِيزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ ومعناه أن الله حرم لحم الخنزير لكونه رجساً، فهذا يقتضي أن النجاسة علة لتحريم الأكل، فوجب أن يكون كل نجس يحرم أكله، فالنجاسات داخلة تحت الحصر لا خارجة عنه.
وأيضاً قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبيث ل (4) وذلك يقتضي تحريم كل
الخبائث والنجاسات خبائث.
وأيضاً فإن الأمة مجمعة على حرمة تناول النجاسات سلّمنا أن الآية مخصصة بدلالة النقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في باب النجاسات، فيجب أن يبقى ما سواه على وفق الأصل تمسكاً بعموم كتاب الله في الآية المكية والمدنية.
وأما الخمر فإنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله تعالى
(1) سورة الأنعام، الآية: 145.
(2) سورة البقرة، الآية: 173.
(3) سورة المائدة الآية: 3. (4) سورة الأعراف، الآية: 157.
149 - 19 (1/149)
صفحة 138
اجتهادات الإمام السالمي
(1).
وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر وبقوله تعالى: {فَاجتَنِبُوهُ (1) والعام المخصوص
حجة في غير محل التخصيص فتبقى هذه الآية فيما عداها حجة» (2).
المطلب الثاني: في التخصيص والمخصصات في كتاب معارج الآمال
ومن القواعد الاجتهادية التي استخدمها الإمام السالمي في مسلكه الاجتهادي قواعد التخصيص، فقد استخدمها وفرع عليها مسائل لا حصر لها. وقبل بيان هذه القواعد يحسن بنا أن نعرف التخصيص ثم نأتي على ذكر القواعد التي تناولها السالمي في معارج الآمال في هذا الباب.
فالتخصيص كما عرفه السالمي رحمه الله هو إخراج بعض ما يتناوله لفظ العموم بدليل مخرج له عن دخوله تحت تناوله وذلك الدليل المخرج إما لفظ وارد عن الشارع في الكتاب أو في الحديث، وإما غير لفظ والمراد به العقل، والإجماع، والقياس والتقرير» (3)
المسألة الأولى: تخصيص العموم بالكتاب.
المثال الأول: في القواعد من النساء اللاتي رخص الله لهن وضع الثياب قال الله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ من النساء التي لا يَرْجُونَ نِكَاحا فليس عليهن جناع أن يضعن بيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِحَتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ (4)
قال السالمي رحمه الله: خصص القواعد من بين سائر النساء ورخص لهن قاعدة وضع الثياب وهن جمع وهي التي أدبرت عن الحيض والحمل، وانقطعت عنها شهوة الرجال لكبرها فلا تحمل ولا تحيض (5).
(1) سورة المائدة، الآية: 90. (2) معارج الآمال 295/ 2. (3) انظر طلعة الشمس 314/ 1.
(4) سورة النور، الآية: 60. (0) معارج الآمال 512/ 1 و 513.
150 -
10. (1/150)
صفحة 139
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فقد خصصت القواعد من عموم آية الحجاب. المثال الثاني: في إظهار المرأة صوتها لغير حاجة.
قال القطب (1): إن المرأة مأمورة بتغليظ المقال عند خطاب الأجانب لقطع
الأطماع فيها.
وقال بعض العلماء: إذا احتاجت المرأة إلى التكلم لأجنبي غيّرت صوتها بأن تجعل ثوبها في فيها.
قال السالمي رحمه الله: وهذا إنما هو على وجه الاستحباب لا على وجه الإيجاب إذ لو كان واجباً لأمرهن رسول الله بذلك، وكثيراً ما كانت النساء يأتينه ويسألنه عما بدا لهن وكذلك الصحابة فإن نساءهم كن لا يمتنعن عن محادثتهم، وكانوا لا يمتنعون عن محادثتهن حتى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كما يدل عليه قوله تعالى: {وَإِذَا سالتُمُوهُنَّ مَتَعًا فَسْتَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) النبي بالحجاب فلا يُكلَّمْنَ إلا من ورائه تشريفاً وتعظيماً واحتراماً لرسول الله
(3)
المسألة الثانية: تخصيص العموم بالسنة.
(†) E
، وخصت نساء
والسنة تخصص العموم سواء كانت متواترة أو من أخبار الآحاد، والإمام السالمي رحمه الله أكثر من التفريع على هذه القاعدة وسوف أسوق بعض الأمثلة على
ذلك.
المثال الأول: في سفر المرأة مع الأجنبي.
قال
رحمه الله: وهو حرام لما روي عنه: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا ومعها محرم لها» (4)، وليس المراد باليوم والليلة في
(?) ,
(1) هو محمد بن يوسف أطفيش فإنه قطب المغرب والإمام السالمي رحمه الله قطب المشرق. (2) سورة الأحزاب، الآية: 53.
(3) معارج الآمال 520/ 1.
(4) صحيح البخاري، باب في كم يقصر الصلاة، (1038، 369/ 1، صحيح مسلم، کتاب الحج، باب سفر المرأة مع محرم إلى حج وغيره، (3334)، 103/ 4.
151 – 151 (1/151)
صفحة 140
اجتهادات الإمام السالمي
يوم
مع
الجماعة
الحديث التحديد حتى لا يحرم ما دون ذلك وإنما المراد المبالغة في التحريم في أقل الأشياء ليدل على تحريم جميعها، فإن أقل السفر في الغالب لا يكون أقل من مسيرة وليلة، فليس المراد من ذلك التقييد، وقد قيل: إن للمرأة أن تسافر ولو لم يكن معها ولي. قال: وانظر في وجه جواز سفرها مع الجماعة وإن كانوا غير ثقات، فإن الحكمة التي لأجلها حرم سفر المرأة مع الأجنبي إنما هي خوف الفتنة كما يرشد إليه حديث ابن عمر عن خطبة أبيه في باب الخلوة إلا كان الشيطان ثالثهما» وهذا المحذور بعينه موجود عند غيرهم، فهم يمكن أن يتعاونوا عليها فيكون ذلك أشد فتنة من أن لو كان رجلاً واحداً.
قال: ولعل محبوباً ومن أجاز الخلوة بالمرأة التقية إذا أمنت الفتنة من الجانبين يجيزون السفر بالأجنبية على هذا الشرط المذكور إذ لا فرق بين الصورتين، فيلزم من رخص هناك أن يرخص ها هنا، فيخصصون عموم الحديث المحرم لسفر المرأة مع الأجنبي بما تقدم في باب الخلوة من حديث أنس فإن الاحتجاج هو عين الاحتجاج، والجواب هو الجواب (1).
قلت: ويمكن تخصيص حديث المحرم لسفر المرأة من غير محرم بحديث الظعينة والذي قال النبي صلى الله عليه وسلم: حتى تسير الظعينة فيما بين يثرب والحيرة لا تخشى إلا الله والذئب على غنمها (2). فإن في هذا الحديث إشارة إلى أن علة تحريم السفر للمرأة الفتنة، فإن أمنت الفتنة جاز سفرها من غير محرم وفي الجماعة، فإن الأغلب أن المروءة تمنع الجماعة من الإقدام على شيء مخل بالمروءة.
هي
حنيفة.
المثال الثاني: فيما أجمع على زكاته من هذه الأشياء وما اختلف فيه. وملخص هذه المسألة كما ذكره السالمي رحمه الله أن العلماء على مذهبين: المذهب الأول: يرى أن الزكاة في كل ما يخر أن الزكاة في كل ما يخرج من الأرض، وهو مذهب أبي
(1) معارج الآمال 531/ 1.
(2) سنن الترمذي (شاكر + ألباني) سورة الفاتحة، (2653)، 201/ 5، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وقال الألباني: حسن. ومسند أحمد (19908)، 194/ 42.
152 - 152 (1/152)
صفحة 141
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المذهب الثاني: يرى أصحابه أنه لا زكاة إلا في الحنطة والشعير والزبيب والتمر. قال أبو عبيد القاسم بن سلام خص رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه بالصدقة، وأعرض عما سواها وهو يعلم أن للناس أموالاً مما يخرج من الأرض وكان تركه لها عفواً منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق فهذه حجة من قصرها على الأصناف الأربعة من الثمار، وأما من زاد السلق والذرة فقد أخذ بقول ابن عباس حيث قال: الصدقة في الحنطة والشعير والزبيب والذرة والسلق. وفيه استدلال بمذهب الصحابي وهو مختلف فيه لا سيما أنه يحتمل أنه قال ذلك قياساً على الحنطة والشعير.
واحتج أبو حنيفة بقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ امنوا أنفقوا من طيبات ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ (1). فإن ظاهر هذه الآية يدل على وجوب الزكاة في كل مال يكتسبه الإنسان فيدخل فيه التجارة وزكاة الذهب والفضة، وزكاة النعم لأن ذلك مما يوصف بأنه مكتسب، ويدل على وجوبها في كل ما تنبته الأرض. وقوله تعالى: وخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ (2) فإنها متناولة لجميع أصناف الأموال، وبقوله: في كل شيء أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر (3).
قال السالمي: «إن هذا العموم مخصص بما مرَّ من الأحاديث، فلو وجبت الزكاة في كل شيء لوجبت في الحديد والصفر وآنية البيت وغير ذلك مما يسمى مالاً ويكون مكتسباً، ولوجبت أيضاً في الحطب والقصب والحشيش، والمخالف لا يقول بشيء من ذلك فوجب القول بالتخصيص».
وقال في موضع آخر: «وروى أبو حنيفة عن أبان عن أنس مرفوعاً: «في كل شيء أخرجت الأرض العشر أو نصف العشر.
•
قال السالمي رحمه الله: والجواب أن هذه العمومات مخصصة بأحاديث أخرى، من هذه الأحاديث: حديث معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما أمره أن
(1) سورة البقرة، الآية: 267.
(2) سورة التوبة، الآية: 103.
(3) رواه ابن أبي شيبة عن حماد موقوفاً رقم 10029.
153 - 153 (1/153)
صفحة 142
اجتهادات الإمام السالمي
يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والتمر والزبيب. وفي الخبر الصحيح لا تؤخذ الصدقة إلا من هذه الأربعة: الشعير والحنطة والتمر والزبيب، قال: وإذا جاء التخصيص من الوجه الصحيح بطل التمسك بالعموم» (1).
المسألة الثالثة: تخصيص العموم بالقياس.
ذكر الإمام السالمي في طلعة الشمس اختلاف العلماء في التخصيص بالقياس، فمنهم من منع كالحنفية، ومنهم من أجاز ذلك مطلقاً وهذا مذهب الأئمة الأربعة، قال الآمدي: ثم القائلون بكون العموم والقياس حجة اختلفوا في تخصيص العموم به، فذهب الأئمة الأربعة إلى جوازه مطلقاً» (2). وقال ابن عبد الشكور: «الأئمة الأربعة على جواز تخصيص العموم بالقياس» (3). وقال ابن الحاجب: «المنقول عن الأربعة جواز تخصيص العموم بالقياس (4). وقال ابن سريج: «يجوز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي.
الأئمة
وقد اختار الإمام السالمي رحمه الله مذهب الجمهور واستدل بفعل الصحابة قال رحمه الله: والحجة لنا على صحة تخصيص العام بالقياس هي أن الصحابة اختلفوا في الجد في مسائل وكل واحد منهم بنى مذهبه على قياس لا على نص،
تعيين سهم
وكل واحد من تلك القياسات مخصص لعموم آية الكلالة وهي قوله تعالى: {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكَللة إن أمروا هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ} (5) إلى آخرها، فقال علي وابن مسعود: إن الجد مع الأخت عصبة لعموم قوله تعالى: فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ، فحكم بأن لها النصف من مال كل أخ مات ولا ولد له.
وقال زيد بن ثابت: بل الجد يقاسم الإخوة إلى الثلث فإن نقصت المقاسمة عن
(1) معارج الآمال 351/ 4.
(2) الأحكام للآمدي 491/ 2 دار الكتب العلمية. (3) مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت 358/ 1
(4) منتهى الوصول لابن الحاجب ص 98 ط 1. وانظر غاية المأمول ص 546 للعبد الفقير. (5) سورة النساء، الآية: 176.
154 - 154 (1/154)
صفحة 143
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الثلث ردَّ إلى الثلث قياساً لحاله الأخت على حاله مع مخصص لعموم قوله تعالى: وإِنِ امْرُوا هَلكَ به.
مع الأخوة، فهذا القياس
وقال أبو بكر الله في جد وأخ لأب: المال كله للجد قياساً على الأب، وهذا
القياس أيضاً مخصص لعموم الآية» (1).
تخصيص القياس للعموم في معارج الآمال:
،
ذكر الإمام السالمي رحمه الله تعالى تعليل الحنفية نفي الزكاة في الحطب والقصب والحشيش مما لا يقصد بها استغلال الأرض غالباً، فلو استغل بها أرضه وجب فيها العشر قالوا: وعلى هذا فكل ما لا يقصد به استغلال الأرض لا يجب فيه العشر وذلك مثل العسف والتبن وكل حب لا يصلح للزراعة كبزر البطيخ والقثاء لكونها غير مقصودة في نفسها، وكذا لا عشر فيما هو تابع للأرض كالنخل، والأشجار لأنه بمنزلة جزء من الأرض ولهذا يتبعها في البيع، وكل ما يخرج من الشجر كالصمغ والقطران لا يجب فيه العشر لأنه لا يقصد به الاستغلال، ويجب في العصفر والكتان وبزره لأن كل واحد منهما مقصود. قال السالمي رحمه الله: قلنا: هذا كله تخصيص للعموم بالقياس وذلك مسقط لاستدلالكم بالآيتين إذ لغيركم أن يخصص مثل ما خصصتم (2). قلتُ: ويقصد بالآيتين اللتين استدل بهما الحنفية على وجوب الزكاة في كل ما يخرج من الأرض قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الْأَرْضِ} (3)، وقوله تعالى: {وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً)
المسألة الرابعة: تخصيص العموم بالمفهوم:
(?)
قال الإمام السالمي رحمه الله: «التخصيص بالمفهوم مثاله أن يقول: في
الأنعام زكاة. ثم يقول: «في سائمة الغنم زكاة» (5).
(1) طلعة الشمس 255/ 1.
(2) معارج الآمال 4/ 350. (3) سورة البقرة، الآية: 267. (4) سورة التوبة، الآية: 103.
(0) طلعة الشمس 338/ 1.
155 - 100 (1/155)
صفحة 144
اجتهادات الإمام السالمي
،
وقد اختلف العلماء في التخصيص بمفهوم المخالفة، فقال ابن سريج: لا يجوز، وهو رأي الحنفية نقله أبو زيد الدبوسي قال الشيرازي: وأما دليل الخطاب فيجوز تخصيص العموم به وقال ابن سريج: لا يجوز التخصيص به وهو قول أهل
العراق.
واستدل هؤلاء بأن العموم أقوى دلالة من المفهوم وفي التخصيص به تقديم للأضعف على الأقوى.
:.
المذهب الثاني: يجوز تخصيص العموم بمفهوم المخالفة كقوله: «في كل أربعين شاة شاة (1): فلفظ (شاة) في الحديث المصدر بلفظ (كل) يدل على العموم سواء كانت معلوفة أو سائمة، فلما نص على السائمة في قوله: «في سائمة الغنم زكاة (2)، دل بمفهومه المخالف على أن المعلوفة لا زكاة فيها. فأخرج هذا الحديث المعلوفة من عموم الحديث الأول بعد وجوب الزكاة فيها، وهذا قول القاضي من الحنابلة، والطوفي منهم، وهو مذهب جمهور الأصوليين.
(2)،
واستدل هؤلاء بأن في تخصيص العموم بمفهوم المخالفة إعمالاً للدليلين، وهو أولى من إهمالهما أو إهمال أحدهما بالكلية (3).
فالإمام السالمي أخذ بمذهب الجمهور في تخصيص العموم بمفهوم المخالفة في مسلكه الاجتهادي، وذلك لأن مفهوم المخالفة دليل معتبر وفي التخصيص به إعمال للدليلين الخاص فيما خصه من أفراد العام والعام فيما بقي منه بعد التخصيص، وذلك أولى من إهمالهما معاً أو إهمال أحدهما بالكلية، لأن الأصل في الأدلة الشرعية
(1) هو جزء من حديث رواه الترمذي وابن ماجه واللفظ لابن ماجه عن ابن عمر وقال الترمذي: حديث حسن والعمل عليه عند عامة الفقهاء، كتاب الزكاة، باب 4، 82/ 3. (2) جزء من حديث طويل رواه البخاري عن أبي بكر بلفظ وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة صحيح البخاري، كتاب وجوب الزكاة، باب زكاة الغنم، 146/ 2.
(3) القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول " للعبد الفقير إلى مولاه ص 384 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، طا.
156 107
- (1/156)
صفحة 145
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الإعمال وليس الإهمال، لقوله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ
مثال التخصيص بمفهوم المخالفة من معارج الآمال:
1 ـ السواك للصائم:
ذكر السالمي رحمه الله خلاف أهل العلم في استعمال السواك للصائم، فرخص بعضهم فيه بالغداة، والعشي روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم. ومنهم من رخص فيه أول النهار وكرهه آخره، روي ذلك عن عطاء ومجاهد وبه قال الشافعي وغيره.
ومنهم من فرق بين الرطب واليابس فكرهه بالرطب دون اليابس.
وإنما كره من كره السواك آخر النهار من أجل المحافظة على رائحة فم الصائم، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح
المسك» (2)
وحجة
من
تمسك بالسواك مطلقاً ما يذكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي
يستاك وهو صائم ما لا أحصي أو أعد (3).
قالوا: ولم يخص رطباً من يابس.
وقال أبو هريرة عن النبي: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء» (4). ويروى نحوه عن جابر وزيد بن خالد عن النبي الا الله.
وقالت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» (5).
(1) سورة النساء، الآية: 64.
(2) سنن الدارقطني، باب الصيام (2395)، (151/ 6، صحيح ابن حبان باب فضل الصوم 211/ 8، مسند أحمد (8136) 17/ 167.
(3) (4)
صحيح البخاري باب السواك الرطب واليابس 682/ 2، مسند أحمد (16086)، 235/ 33. صحيح البخاري، باب السواك الرطب واليابس 682/ 2. (0) سنن ابن ماجه باب السواك (289)، 106/ 1، سنن النسائي، باب الترغيب في السواك، (5)، 1/ صحيح ابن حبان، باب في الوضوء (1067)، 348/ 3، مسند أحمد (7)، 10/ 1.
،10
157_ \ OV (1/157)
صفحة 146
اجتهادات الإمام السالمي
قالوا: ولم يخص الصائم من غيره.
قال السالمي رحمه الله تعقيباً: وكأن من كرهه لم يثبت عندهم حديث عامر بن ربيعة، وخصوا عموم الحديثين الآخرين بمفهوم قوله: «الخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك وذلك أن الخلوف منه مطلوب محبوب شرعاً، والسواك يزيله،
فحملوا عموم الأحاديث لغير الصائم» (1).
المطلب الثالث: في المطلق والمقيد
المسألة الأولى: في تعريف المطلق والمقيد
تعريف المطلق:
عرف الإمام السالمي المطلق بأنه: «ما دل بالشيوع في جنسه» (2) وعرفه الآمدي بأنه: «اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه» (3)
ومثله لابن الحاجب (4).
تعريف المقيد:
عن ذلك الشيوع» (ه).
وعرَّف الشيخ السالمي رحمه الله المقيد بأنه: «ما خرج وعرفه ابن عبد الشكور بأنه: ما خرج عن الانتشار بوجه ما (6).
المسألة الثانية: في حكم المطلق والمقيد.
حكم المطلق والمقيد أن المطلق يجري على إطلاقه حتى ترد قرينة التقييد نصاً أو دلالة. مثال التقييد بالنص: أن يقوله لوكيله: اشتر لي حصاناً أدهم أو أشهب.
(1) معارج الآمال 269/ 5.
(2) طلعة الشمس 197/ 1.
(3) الاحكام للآمدي 3/ 3
(4) شرح مختصر ابن الحاجب 2/ 155.
(0) طلعة الشمس 198/ 1.
(6) مسلم الثبوت 360/ 1.
158 10 A (1/158)
صفحة 147
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومثال التقييد بالدلالة: أن يقول له: اشترِ لي كتباً. والموكل طالب علم شرعي، فيجب أن يشتري له كتباً في الشريعة، فإن اشترى له كتباً في الطب والهندسة فلا يلزم بها لأن تخصصه بعلوم الشريعة دلالة تنبئ عما يريد، فتخصص الكتب بالشرعية دون
غيرها.
6
أما إذا ورد المطلق في موضع والمقيد في موضع، فيُحمل المطلق على المقيد في مواضع اتفاقاً، وفي بعضها حدث فيها خلاف.
الموضع الأول: أن يتحد المطلق والمقيد في الحكم والسبب.
نحو قولك: أعتق رقبة عن قتل الخطأ، أعتق رقبة مؤمنة عن قتل
الخطأ.
فالسبب في الصورتين: هو قتل الخطأ، والحكم فيهما: عتق الرقبة.
فيجب أن يحمل مطلق الرقبة في الصورة الأولى على مقيدها بالإيمان في الصورة الثانية، وهذا محل اتفاق بين الأصوليين.
الموضع الثاني: إن اختلف سبب المطلق والمقيد واتفق حكمهما.
قفي
هذا الموضع ذهب الشافعي، وابن بركة من أئمة المذهب الاباضي إلى حمل المطلق على المقيد. وقال أبو حنيفة وابن محبوب من أئمة الإباضية: إنه لا يُحمل المطلق على المقيد في هذه الصورة (1).
مثاله: حمل المطلق في كفارة الظهار على المقيد في القتل الخطأ، فيجب عتق
رقبة مؤمنة.
الموضع الثالث: أن يختلف حكمهما ويتحد موجبهما. كإطلاق الأيدي في قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَأَمْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ، وتقييدها في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (3).
(Y),
(1) فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت 361/ 1 لابن عبد الشكور.
(2) سورة النساء، الآية: 43.
(3) سورة المائدة، الآية: 6.
159 - 109 (1/159)
صفحة 148
اجتهادات الإمام السالمي
ففي هذا الموضع حصل خلاف والأكثر على أنه لا يحمل المطلق على المقيد.
الموضع الرابع: إذا اختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب.
فالجميع متفق على أنه لا يحمل المطلق على المقيد كإطلاق الأيدي في آية السرقة، وتقييدها في آية الوضوء (1).
المسألة الثالثة: في تفريع السالمي على هذه القاعدة في معارج الآمال. فرع الإمام السالمي على قاعدة حمل المطلق على المقيد أثناء اجتهاداته في شتى
الفروع الفقهية. وسوف أسوق بعض الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: اختلاف العلماء في الفقراء والمساكين.
ذكر الإمام السالمي خلاف العلماء في تحديد الفقير والمسكين وبيان الفرق بينهما في كتابه (معارج الآمال)، فأوصل أقوال العلماء إلى ستة عشر قولاً، وبعد ذلك ذكر خلافهم في أي المساكين تصرف الزكاة، هل إلى مطلق مسكين؟ أو إلى مسكين مقيد كما في قوله تعالى: أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَة (2)؟.
(3)
فمن العلماء من أوجب صرف الصدقة إلى مطلق مسكين لقوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ (3). وقال بعضهم: بل لمسكين موصوف بكونه ذا متربة. قال الإمام السالمي تعقيباً عليه وفيه أن الكفارات ليس فيها هذا الوصف، بل فيها إطعام مطلق مسكين ويجاب بأن المطلق ها هنا محمول على المقيد في قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَمُ في يَوْمٍ ذِى مَسْفَبَةٍ * يَتِيمَا ذَا مَقرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِينَا ذَا مَتْرَبَةٍ.
المثال الثاني: فيما لا يجوز التوضؤ به من المائعات. اختلف العلماء في بعض المائعات كالعرق والدموع والريق واللبن والدهن وماء
الأشجار كماء الباقلاء والقثاء والبطيخ وأشباه ذلك.
(1) انظر تفصيل ذلك في طلعة الشمس 206/ 1 وغاية المأمول ص 560.
(2) سورة البلد، الآية: 16. (3) سورة التوبة، الآية: 60.
160 - 17. (1/160)
صفحة 149
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ذكر الإمام السالمي رحمه الله إجماع أهل العلم على منع التوضؤ بمثل ذلك.
وذهب الأوزاعي والأصم إلى أنه يجوز الوضوء والغسل
الطاهرة، وإليه مال أبو سعيد عند عدم الماء، والأكثر على منعه.
بجميع
المائعات
احتج المجوزون بأن قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الله أمر بمطلق الغسل، وإمرار المائع على العضو يسمى غسلاً كقول الشاعر:
فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل وإذا كان الغسل اسماً للقدر المشترك بين ما يحصل بالماء وبين ما يحصل من سائر المائعات كان قوله فَاغْسِلُوا متناولاً لكل المائعات.
قال السالمي رحمه الله: ورُدَّ بأن الله أوجب التيمم عند عدم الماء، وتجويز الوضوء بسائر المائعات يبطل ذلك.
وأيضاً فقوله تعالى فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ، مطلق، وقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا، مقيد، وحمل المطلق على المقيد هو الواجب (1).
المطلب الرابع: في النسخ
المسألة الأولى: في تعريف النسخ
عرف السالمي رحمه الله النسخ لغة بأنه إزالة الأعيان، يقال: نسخت الريح آثار بني فلان، وتكون لازالة المعاني.
شرعياً.
وأما شرعاً فهو: رفع حكم شرعي بعد ثبوته بحكم شرعي آخره. فخرج بالقيد الأول رفع حكم الاباحة الأصلية بالتكليف فإنها ليست حكماً
وخرج بالقيد الثاني وهو قوله (بعد ثبوته التخصيص، فإن التخصيص رفع
(1) معارج الآمال 729/ 1.
161 - 161 (1/161)
صفحة 150
اجتهادات الإمام السالمي
للحكم أو لبعض أفراد حكم العام قبل العمل به وهذا أهم فارق بين التخصيص
والنسخ.
وخرج بقوله (آخر) رفع الحكم لا بحكم آخر ولكن بسبب عارض سماوي أو مكتسب كالحيض والسكر والجنون والمرض والموت ونحو ذلك (1)، فهذا ليس
بنسخ.
المسألة الثانية: في حكم النسخ.
النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً. قال السالمي رحمه الله: اعلم أن النسخ جائز أهل الملل الإسلامية وغيرها لا خلاف بينهم في جوازه عقلاً ونقلاً خلافاً جميع لليهود وبعض من لا يعبأ بخلافه من الإسلاميين» (2).
عند
المسألة الثالثة: تفريع الإمام السالمي على هذه القاعدة في معارج الآمال. فرع الإمام السالمي في معارج الآمال على النسخ فروعاً كثيرة، وقد عقد مسألة خاصة في عدم نسخ شريعتنا بغيرها وجواز نسخ بعضها، قال رحمه الله: «أما شريعة نبينا فلا يصح نسخها لاخبار الله تعالى ورسوله وإجماع الأمة بأن نبينا خاتم النبيين، فيمتنع أن يكون شرعه منسوخاً بشرع غيره، فيستحيل النسخ استحالة شرعية بموته، وأما في زمانه فإنه قد وقع نسخ بعض شرعه ببعض.
قال: وزعم بعض الموحدين أنه لا نسخ في القرآن ولكنه ناسخ لغيره، وغيره نسخ بعضه بعضاً، ورُدَّ عليهم بظاهر قوله تعالى: مَا نَنسَحْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (3)، فإن لفظ الآية إذا أطلق انصرف إلى آيات القرآن العظيم، وأيضاً فقد نسخ بعضه بعضاً فلا وجه للقول بخلافه، فمن ذلك قوله تعالى: كُتِبَ علَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ (4) نسخ.
(1) طلعة الشمس 534/ 1.
(2) طلعة الشمس 537/ 1. (3) سورة البقرة، الآية: 106. (4) سورة البقرة، الآية: 180
162 – 162 (1/162)
صفحة 151
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الايصاء للوالدين بآية المواريث (1)، وقيل بحديث: «لا وصية لوارث» (2). ومن ذلك قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ (3)، قيل: نسخ بقوله تعالى: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (4).
ومن ذلك قوله تعالى: هو كما كتب على الذين مِن قَبْلِكُم ()، فإنه منسوخ بقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَا بِكُمْ (1) لأن مقتضاه الموافقة فيما كان عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم.
قال: ومن ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِم مَّتَلَعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخراج) (7)، فإنه منسوخ بقوله تعالى: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرا (8).
ومن ذلك قوله تعالى: {وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله (9) فإنه منسوخ بقوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} (10).
(11)
ومن ذلك قوله تعالى: والتي يأتين الفاحشة (11) فإنه منسوخ بآية
النور
(12)
(1) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، كتاب الإيمان والنذور، باب (46) في المواريث رقم 667.
(2) سبق تخريجه.
(3) سورة البقرة، الآية: 184.
(4) سورة البقرة، الآية: 185.
(5) سورة البقرة، الآية: 183.
(6) سورة البقرة، الآية: 187.
(7) سورة البقرة، الآية: 240.
(8) سورة البقرة، الآية: 234. (9) سورة البقرة، الآية: 284. (10) سورة البقرة، الآية: 286. (11) سورة النساء، الآية: 15. وهي الزانية والزَّانِي فَاجْلِدُوا) (2).
(12)
163 – 163 (1/163)
صفحة 152
اجتهادات الإمام السالمي
ومن وإن كله ذلك قوله تعالى: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ يَغْلِبُوا ماتنين (1) منسوخ بقوله
تعالى: الْتَنَ خَفَّفَ اللهُ عَنكُمْ كم (2).
وذكر أشياء من هذا القبيل، ومن أراد الوقوف على المزيد من ذلك فليرجع إلى
كتاب معارج الآمال (3).
المطلب الخامس: الزيادة على النص
المسألة الأولى: في بيان معنى الزيادة على النص وحكمها.
الزيادة على النص هي أن يرد نص شرعي من الكتاب ثم يرد نص آخر من السنة بدرجة الآحاد يتضمن نفس النص الوارد في القرآن ويزيد عليه شرطاً آخر أو جزءاً زائداً عليه، فهذه الزيادة عند الأصوليين يقال لها: الزيادة على النص. مثاله قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (4) البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام (0).
مع قوله
فالنص الأول ورد في حكم الزاني وهو جلد مائة إذا كان بكراً، أما النص الثاني فقد جاء فيه الحكم الوارد في النص الأول وهو الجلد ولكنه زاد عليه جزءاً من تمام الحد وهو التغريب.
وحكم هذه الزيادة عند الأصوليين ومنهم الإمام السالمي رحمه الله أنها من قبيل تقييد المطلق، أو تخصيص العام لأنها لا تعدو كونها تقريراً للحكم المشروع وضم شيء آخر وزيادته عليه فأشبه الأمر بالصيام بعد الصلاة ألا ترى زيادة التغريب وضمها إلى الجلد لم تُخرج الجلد عن أن يكون واجباً، بل هو واجب بعد هذه الزيادة كما كان واجباً قبلها، فكان التغريب ضمَّ حكم إلى حكم بينما النسخ رفع حكم بحكم
(1) سورة الأنفال، الآية: 65 (2) سورة الأنفال، الآية: 66.
103 - 98/ 1 (3)
(4) سورة النور، الآية: 2.
(ه) رواه مسلم في صحيحه بلفظ قريب منه باب حد الزنا، (4509)، 115/ 5.
164 - 164
- (1/164)
صفحة 153
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فافترقا. قال في المسودة: فالصواب ما أطلقه الأصحاب من أن الزيادة على النص ليست نسخاً بحال، والقول فيها كالقول في تخصيص العموم وتقييد المطلق سواء» (1) و دليل الحنفية أن الزيادة على النص أخرجت الذمة عن البراءة بمباشرة النص القرآني حتى يُعمل بالزيادة على النص، وهذا معنى النسخ فإن المنسوخ لا يبرئ الذمة
حتى يعمل بناسخه، وإذا كان ذلك كذلك فخبر الواحد لا ينسخ المتواتر (2).
المسألة الثانية: تفريع الإمام السالمي على هذه القاعدة في معارج الآمال والإمام السالمي رحمه الله قد فرع على هذه القاعدة ونص عليها نصاً صريحاً في معرض حديثه عن إعطاء المشرك من الصدقة وذكر رحمه الله خلاف أهل العلم في إعطاء المشرك من الصدقة فقال: وحكى ابن المنذر على منع الذمي إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم منهم ابن عمر والحسن البصري والنخعي وقتادة ومالك والثوري والشافعي وأحمد وأبو عبيد، وأبو ثور والنعمان وعلى ذلك جمهور أصحابنا، وإذا ثبت المنع لأهل الذمة فغيرهم أولى» (3).
قال: وفيها قول ثانٍ وهو قول بعض أصحابنا وقول نفر من قومنا، ثم ذكر حجة من أجاز إعطاءها للذمي بقوله تعالى: ولا يَنهَنكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخرجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (4). كمية
وأجاب عنها بأن البر ليس محصوراً في الزكاة، فأعمال البر كثيرة.
واحتج من جوّز إعطاء المشرك أيضاً بقوله تعالى: وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبّهِ مسكينا ويتيما وأسيرا (0)
والجواب أن الاطعام غير الزكاة لأن الزكاة يومئذ كانوا مأمورين أن يؤدوها إلى
النبي.
(1) المسودة لآل تيمية ص 210 - 211 دار الكتاب العربي.
(2) انظر أصول السرخسي 82/ 2 دار المعرفة وكشف الأسرار للبزدوي /193/ 3 دار الكتاب العربي.
(3) معارج الآمال 0754/ 4 (4) سورة الممتحنة، الآية: 8. (5) سورة الإنسان الآية: 08
،
165
165
- (1/165)
صفحة 154
اجتهادات الإمام السالمي
قال: وحجة الجمهور على المنع لقوله ل لمعاذ: خذها من أغنيائهم وردها في فقرائهم، فإن قيل: هذا خبر واحد ولا تجوز الزيادة به لأنه نسخ، قال رحمه الله تعقيباً عليه: قلنا أما أولاً فلا نسلم أن الزيادة على النص نسخ، بل نقول إنها حكم مستأنف في صورة البيان للأول لأنها تخصيص، والنسخ تغيير.
وأما ثانياً فإن النص مخصوص بقوله تعالى: {إِنَّمَا يَنهنكم الله عَنِ الَّذِينَ قَتَلُوكُمْ في
الدين (1) فجاز تخصيصه بعد ذلك بخبر الآحاد على مذهبكم أيضاً.
وأما ثالثاً فإن أبا زيد الدبوسي وهو أحد أئمتكم ذكر أن حديث معاذ مشهور مقبول بالإجماع، فجاز التخصيص بمثله وهذا على مذهب المانعين من تخصيص العموم بالآحاد، أما نحن فنجيز ذلك لأنه بيان للمراد (2).
وفي هذا النص النفيس فوائد عدة:
منها: أنه
رحمه الله موافق للجمهور من أن الزيادة على النص ليست نسخاً بل
هي تخصيص للعموم أو تقييد للمطلق.
محله
ومنها: أن مذهبه في التخصيص بخبر الواحد موافق للجمهور كما سبق بيانه في
من هذا الكتاب.
ومنها: دقة ملاحظته وقوة عارضته في المناقشة وإلزام المخالف على طريقة
الراسخين ومنهج الأئمة السابقين!.
المبحث الثاني
في الدلالات في كتاب معارج الآمال
المطلب الأول: فى تقديم العبارة على الإشارة
المسألة الأولى: معنى العبارة والإشارة.
العبارة: هي
الألفاظ الدالة على المعاني لأنها تعبر عما هو مكنون في الضمير
(1) سورة الممتحنة، الآية: 9.
(2) معارج الآمال 0757/ 4
166 - 166 (1/166)
صفحة 155
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المستور، والمقصود بها هنا عبارة النص وهي النظم المعنوي المسوق له الكلام. سميت عبارة لأن المستدل يعبر من النظم إلى المعنى والمتكلم من المعنى إلى النظم،
فكانت
،
هي موضع العبور، فإذا عمل بموجب الكلام من الأمر والنهي يسمى بعبارة النص، قاله السيد الشريف الجرجاني
(1)
استدلالاً
الإشارة: هي الرمز، والمقصود بها هنا إشارة النص وهي ما ثبت بنظم الكلام لغة لكنه غير مقصود ولا سيق له النص كقوله تعالى: {وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ كه (2)، سيق لاثبات النفقة وفيه إشارة إلى أن النسب إلى الآباء (3).
وهذا تعريف الحنفية، أما عند جمهور المتكلمين فعبارة النص عندهم هي المنطوق الصريح وهو (دلالة اللفظ على المعنى بطريق اللفظ كقوله تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا (4).
وإشارة النص هي دلالة الإشارة عندهم ويعرفونها بأنها (دلالة اللفظ على معنى
لازم غير مقصود ولم يسق اللفظ له أصالة ولا تبعاً).
المسألة الثانية: تعارض العبارة مع الإشارة.
إذا تعارض المنطوق الصريح مع المنطوق غير الصريح، وبعبارة أخرى إذا تعارضت العبارة مع الإشارة قُدِّمت العبارة على الإشارة، وقد نص على هذه القاعدة الإمام السالمي رحمه الله عند كلامه على النظر إلى الفروج.
قال رحمه الله: والصحيح أن النظر إلى الفروج حرام إلا لضرورة لا بد منها، وليس من الضرورة النظر لأجل الشهادة وقد قال الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَتُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ
فَأُولَيكَ هُمُ الْعَادُونَ (5).
371
(1) تعريفات البركتي ص (2) سورة البقرة، الآية: 233. (3) تعريفات البركتي ص 179.
(4) سورة البقرة، الآية: 275. (5) سورة المؤمنون، الآيات: 5 - 7.
167 -
167 (1/167)
صفحة 156
اجتهادات الإمام السالمي
فإن قيل: ليس المراد من الآية تحريم النظر إلى الفروج وإنما المراد تحريم الاستمتاع بها قلنا: دلالتها على تحريم الاستمتاع دلالة عبارة، وعلى تحريم النظر دلالة إشارة، فالجميع مستفاد من الآية».
قلت: وأصول مذهبه رحمه الله أن العبارة مقدمة على الإشارة، ولا يعني تقديم العبارة على الإشارة جواز النظر إلى الفروج، وإنما الجميع في مرتبة الحظر لكن الاستمتاع أشد من النظر، لأنه رحمه الله قد قدم الدال بالعبارة على الدال بالإشارة في طلعة الشمس، ومثل لذلك بقول الله تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ (1) فإنه إشارة في زوال ملكهم عما خلَّفوا في دار الحرب، فتكون الآية دالة بإشارة النص على أن ما اغتصبه المشركون من المسلمين إنما هو للمشركين وليس لأربابه المسلمين فيه ملك كما هو مذهب بعض أصحابنا والحنفية على حد تعبيره رحمه الله.
قال: وذهب آخرون منا إلى أنه لا يكون ملكاً للمشركين ما لم يُسلموا عليه لقوله تعالى: {وَلَن يَجْعَل الله لكفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا (2)، فإطلاق الفقراء في الآية على المهاجرين إنما هو إطلاق بطريق الإشارة. ولا شك أن المدلول عليه بعبارة النص هنا
أولى من المدلول عليه بإشارته (3).
المطلب الثاني: في تقديم النص على المؤول المسألة الأولى: في بيان معنى النص والمؤول.
قال الإمام السالمي رحمه الله في شمس الأصول:
فالنص ما لم يحتمل معنى سوى معناه والظاهر ما له احتوى (4) فالنص: هو الذي اتضح معناه بحيث لا يحتمل اللفظ غير ذلك المعنى والظاهر
فهو ما يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً.
(1) سورة الحشر، الآية: 8.
(2) سورة الحشر، الآية: 8. (3) طلعة الشمس 514/ 1. (4) طلعة الشمس 358/ 1.
168 - 168 (1/168)
صفحة 157
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
وأما المؤول فهو في اللغة: مصدر أوَّل، وأصله من آل إذا رجع.
الأمال
وأما في الاصطلاح فهو صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه لقرينة اقتضت ذلك
الصرف (1).
المسألة الثانية: أمثلة في تعارض النص مع المؤول.
ذكر السالمي في كتابيه «طلعة الشمس» و «معارج الآمال» أن النص إذا تعارض المؤول فإنه يقدم النص عليه، وهو الذي سار عليه جمهور أهل العلم، وأن المؤول لا يصار إليه إلا إذا تعذر حمل الكلام على ظاهره بأن دلت قرينة عقلية أو لفظية على أن الظاهر غير مراد فيصار حينئذ إلى التأويل.
ومثل رحمه الله للقرينة العقلية بقوله تعالى: {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِ)) (2)
قال: فالعين حقيقة في الحاسة لكن لما منع العقل من وجود هذه الجارحة فيه تعالى حكمنا بأن المراد بالعين في الآية غير حقيقتها الظاهرة فأولناها بالعلم أو الحفظ على سبيل التجوز.
وأما القرينة اللفظية فقوله تعالى: ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ (3) فإن هذه قرينة صارفة
للآيات التي ظاهرها التشبيه والتجسيم عن ظاهرها.
المسألة الثالثة: أمثلة على تعارض النص مع المؤول.
وقد مثل السالمي رحمه الله في كتابيه طلعة «الشمس» و «معارج الآمال. فمن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها
باطل» (4):
فلفظ المرأة نص في البالغة، فأوَّلها الحنفية بالصبيَّة، والأمة، وهذا تأويل فاسد
(1) منهاج الوصول (165) للمرتضى الزبيدي.
(2) سورة طه، الآية: 39. (3) سورة الشورى، الآية: 11.
(4) أخرجه أحمد في مسنده (24205) وأبو داوود (2083).
169
169
- (1/169)
صفحة 158
اجتهادات الإمام السالمي
إذ الصبية لا تسمى امرأة لا في العرف ولا في اللغة والأمة ليس لها مهر، والحديث ينص على أن لها المهر إن دخل بها، والأمة ليس لها مهر بل لسيدها. وإنما حملهم على هذا التأويل تقديماً للقياس على خبر الواحد خلافاً لجمهور أهل العلم. ولأن
الحديث صدر بأي وهي أقوى ألفاظ العموم، وقد كرر لفظ البطلان ثلاث مرات. المثال الثاني: قوله تعالى في كفارة الظهار لمن عجز عن الاعناق والصوم فإطعام ستين مسكينا (1): فإنه نص في إرادة العدد، فأوله الحنفية بأنه إطعام طعام يكفي ستين مسكيناً، فجعلوا الستين مسكيناً مقداراً لحد الطعام وأجازوا إطعامه مسكيناً واحداً لأن المقصود عندهم سد الحاجة وحاجة واحد كحاجة ستين. ووجه بُعدِهِ كما قال السالمي أنهم جعلوا المعدوم من لفظ الآية وهو «إطعام» موجوداً، وجعلوا الموجود فيها وهو ستين مسكيناً معدوماً مع إمكان أن يريد الشارع حصول الجماعة المذكورين لحصول البركة باجتماعهم ولتضافر قلوبهم على الدعاء
لمطعمهم
ومن
(2)
الأمثلة على ذلك من معارج الآمال ما ذكره السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن وجوب الغسل على المرأة بخروج المني بغير الجماع.
الغسل.
ذكر الإمام السالمي خلاف أهل العلم في هذه المسألة. وخلاصة أقوالهم فيها: ذهب أبو محمد وأكثر المخالفين إلى أن المرأة إذا رأت ما يرى الرجل أن عليها
وقال أبو عبيدة القاسم بن سلام: الاحتلام للرجال والحيض للنساء.
وقال أبو معاوية: إذا كان بشهوة ورأت الماء عليها الغسل.
وقال غيره: إذا عبث بها زوجها أو غيره حتى قذفت الماء فإن الغسل عليها.
وقيل: لا غسل عليها إلا من جماع.
(1) سورة المجادلة، الآية: 4. (2) طلعة الشمس 1 - 363 و 364.
170 – 170 (1/170)
صفحة 159
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وحجة من أوجب الغسل عليها قوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَرُوا (1)، وهذا خطاب يدخل فيه الرجال والنساء، ولا شك أن كل من خرجت منه الجنابة فهو جنب سواء كان في يقظة أو منام.
واستدل الفريق الآخر بأن الآية نص في الرجال ومتأولة في النساء، والنص مقدم على المؤول (2).
المطلب الثاني: في تعريف المجمل والمفسر المسألة الأولى: في تعريف المفسر والمجمل.
المفسر: ما ازداد وضوحاً على النص على وجه لا يبقى فيه احتمال التخصيص إن كان عاماً والتأويل إن كان خاصاً (3).
وقيل: هو ما اتضحت دلالته ولم يحتمل التأويل والتخصيص وإن احتمل النسخ في زمن الرسالة، ولا يوجد أرقى دلالة منه إلا المحكم. فإن المحكم ما اتضحت دلالته ولم يحتمل تأويلاً ولا تخصيصاً ولا نسخاً في زمن الرسالة ولا بعدها.
المجمل: هو ما خفي المراد منه بحيث لا يُدرَك بنفس اللفظ إلا ببيان من المجمل نفسه، سواء كان ذلك لتزاحم المعاني المتساوية الأقدام أو لغرابة اللفظ كالهلوع، أو لانتقاله من معناه الظاهر إلى ما هو غير معلوم، فترجع إلى الاستفسار ثم الطلب ثم التأمل (4).
المفسر.
المسألة الثانية: تعارض المفسّر مع غيره من مراتب واضح الدلالة.
قد يتعارض المفسر مع النص أو مع المجمل، وفي هذين الحالين يجب تقديم
(1) سورة المائدة، الآية: 6. (2) معارج الآمال 610/ 1. (3) تعريفات البركتي ص 499.
(4) تعريفات البركتي ص
0467
171 – 171
- (1/171)
صفحة 160
اجتهادات الإمام السالمي
مثال تقديم المفسر على النص ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم في فتواه لأم حبيبة: «دعي الصلاة أيام أقرائك ثم اغتسلي فإن أقبلت الحيضة فتوضئي لكل صلاة وإن قطر الدم على
الحصير
فهذه الرواية نص في أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة فتتوضأ في اليوم خمس مرات للفروض، وتحتمل أنها تتوضأ لوقت كل صلاة فتتوضأ في وقت كل صلاة وتصلي في هذا الوقت ما شاءت.
وفي رواية أخرى أنه قال لها: ثم توضئي لوقت كل صلاة»، فهذه رواية من قبيل المفسر لأنها لا تحتمل إلا هذا المعنى وهو الوضوء لوقت كل صلاة. والفرق بين الروايتين أن الأولى (توضئي لكل صلاة أنها لا تصلي بالوضوء إلا صلاة واحدة، بينما (توضئي لوقت كل صلاة أنها تستطيع أن تصلي بالوضوء الواحد ما شاءت حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى فتتوضأ مرة أخرى لوقت كل صلاة من صلاة الفرض.
المسألة الثالثة: تعارض المفسر مع المجمل.
وقد يتعارض المفسر مع المجمل فيجب في هذه الحال تقديم المفسر على
المجمل.
مثال ذلك ما نص عليه الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن
عذاب القبر ونعيمه.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف الناس في عذاب القبر ونعيمه، وسوف
أوجز كلامه هنا.
اختلف الناس في عذاب القبر ونعيمه فأنكر الروافض وجماعة من المعتزلة
وذهب أكثر الأئمة وأكثر أئمة الإباضية منهم جابر بن زيد وموسى بن أبي جابر ومحمد بن محبوب وغيره ونسبه ابن أبي الحديد إلى الشيعة كما نُسِبَ إلى المعتزلة ولم
(1) رواه أبو داوود عن أم حبيبة بنت جحش بلفظ قريب، كتاب الطهارة، باب المرأة تستحاض رقم (281) والدارمي مثله، كتاب الطهارة، باب غسل المستحاضة رقم (790). وانظر معارج الآمال 33/ 2.
172 – 172 (1/172)
صفحة 161
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ينكره منهم إلا ضرار بن عمر والسالمي رحمه الله يصحح نسبة إنكاره إلى أبي طاهر صاحب ركن الدين لأنهم لا يأخذون بخبر الواحد في أصول العقيدة التي لا تثبت إلا
بالعلم اليقيني.
أصله.
ورُدَّ عليهم بأن عذاب القبر تواتر في القرون الأولى، والمتواتر قد لا ينتقل عن
احتج من أنكر عذاب القبر بقوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ
الأولى (1).
وجه الدلالة: أن التعذيب لا يكون إلا بعد رَدّ الروح إليه فيلزم أن يذوق الموت غير الموتة الأولى وهو مخالف للآية.
وأجاب عنها السالمي بأن هذه الآية في أهل الجنة خاصة.
والحجة لمن أثبته آيات وأحاديث من هذه الآيات قول الله تعالى: إذ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَيْكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الهُونِ. قال ابن عباس: هذا عند الموت والبسط الضرب يضربون وجوههم
وأدبارهم. . ومنها قوله تعالى: {سَنُعَذِّبُهُم مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (3).
فالمرة الأولى في الدنيا بالفضيحة، والثانية في القبر.
ومنها قوله تعالى: {رَبَّنَا أَمَتَنا اثنين وأحييتنا اثنتين (4). والإماتة مرتين لا اثْنَيْنِ تحصل إلا بأن يحيا في القبر مرة أخرى ثم يموت في القبر مرة أخرى لتحصل الإماتة
مرتين.
وأجاب أبو طاهر بأنه لو صح ذلك لحصل الإحياء ثلاث مرات لا مرتين: إحياء
(1) سورة الدخان، الآية: 56. (2) سورة الأنعام، الآية: 93. (3) سورة التوبة، الآية: 101. (4) سورة غافر، الآية: 11.
173 - 173 (1/173)
صفحة 162
اجتهادات الإمام السالمي
في دار الدنيا، وإحياء في القبر، وإحياء عند البعث قال: وهذه الآية مفسرة لقوله تعالى: {وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْبَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (1)، والمفسر قاض على المجمل (2).
وأجاب السالمي رحمه الله: وأما قوله: فإن الإحياء يحصل ثلاث مرات. فجوابه: أنهم لم يعتبروا الحياة التي في الدنيا لكونها معلومة عندهم إلخ ما قال (3). ترى أنه لم يعترض على استدلال أبي طاهر بتقديم المفسر على المجمل، وإنما لم يسلم له أن الإحياء قد حصل ثلاث مرات لكونهم لم يعتبروا الحياة الدنيا. وجوابه رحمه الله موافق لنص الآية وربَّنَا أَمَتَنَا اثْنَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ.
فأنت ترى
المطلب الرابع: تقديم الحقيقة على المجاز المسألة الأولى: في تعريف الحقيقة والمجاز.
عرف الإمام السالمي رحمه الله الحقيقة بقوله: الحقيقة مأخوذة من حق الشيء إذا ثبت، سميت بها الكلمة المستعملة فيما وضعت له لثبوتها في موضعها (4).
فهي فعيلة بمعنى فاعل على سبيل التجوز في إسناد الحقيقة إليها. والمجاز مأخوذ من جاز بالمكان إذا تعداه سميت به الكلمة المستعملة في غير
ما وضعت له لمجاوزتها الموضع الذي وضعه لها العرب (5).
وفي الاصطلاح:
الحقيقة: هي
اللفظ المستعمل فيما وضع له شرعاً، أو عرفاً أو لغة (6).
وقد أدخل الحقائق الثلاث في هذا الحد. وهي الشرعية وهي التي استعملها
(1) سورة البقرة، الآية: 28.
(2) معارج الآمال 227/ 4. (3) معارج الآمال 227/ 4.
(4) انظر مفتاح العلوم للسكاكي (358) والكليات للكفوي ص 361.
(5) طلعة الشمس 404/ 1.
(6) طلعة الشمس 405/ 1.
-
174 _ \ VE (1/174)
صفحة 163
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الشرع في معنى من المعاني كالوضوء فإنه في اللغة للنظافة، وشرعاً استعمل لغسل الأعضاء المخصوصة، وكلفظ الصلاة فإنها في اللغة الدعاء، وشرعاً للعبادة المخصوصة.
بهم
خاص
وعرفية وهي التي نقلها أهل العرف عن أهل اللغة واستعملوها في معنى کلفظ الدابة فإنها في أصل الوضع لكل ما يدب على الأرض كما في قوله تعالى: وما مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا (1)، ثم غلب استعمال العامة لها في ذوات الأربع» هم يقصرونها عليها ولا يتبادر عند الإطلاق إلا ذلك.
والحقيقة اللغوية وهي اللفظ المستعمل في أصل ما وضعته له العرب كالإنسان
لابن آدم والدابة لكل ما يدب على الأرض، والأسد للحيوان المخصوص. والحقيقة اللغوية هي الأصل والأسبق في الوجود ثم الشرعية ثم العرفية، وإنما قدموا الشرعية والعرفية عليها لأنها الأهم في التخاطب فإن الشريعة خاطبت الناس بالعرف الشرعي، أو الاستعمال الحادث، لذلك إذا تعارضت هذه الحقائق قدمت الشرعية ثم العرفية، ثم اللغوية على ما سيأتي.
العلاقة
المجاز: عرَّف السالمي المجاز بقوله: هو اللفظ المستعمل في غير ما وضع له
قرينة.
فخرج بقوله (المستعمل في غير ما وضع له): الحقيقة.
وقوله (في غير ما وضع له): دخل فيه المجازات الثلاثة. لأن الصلاة في عرف أهل الشريعة مجاز عند أهل اللغة، وهي في عرف أهل اللغة مجاز في عرف الشريعة، ولفظ الدابة عند أهل اللغة مجاز عند أهل العرف. فالحقيقة الشرعية والعرفية مجازات عند أهل اللغة، والحقيقة اللغوية مجاز عند أهل العرف، لأن كل واضع يستعمل الشيء فيما وَضَعَ يكون حقيقة، وفي غير ما وضع يكون مجازاً.
(1) سورة هود، الآية: 6.
175_ \ VO (1/175)
صفحة 164
اجتهادات الإمام السالمي
المسألة الثانية: تعارض الحقيقة مع المجاز
:
إذا تعارضت الحقيقة المجاز قدمت الحقيقة عليه وهذا مذهب جماهير أهل مع العلم وعليه نص الإمام السالمي رحمه الله في معارج الآمال.
من
قال رحمه الله في معرض حديثه عن وطء الحائض بعد انقطاع دمها قبل الاغتسال والحجة للجمهور أن قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ (1) فيه تعليق الإتيان على التطهر والمعلق على الشرط معدوم عند عدم الشرط ... ». وذكر حجة أجاز إتيان الحائض بعد انقطاع الدم قبل الاغتسال وهي قراءة التخفيف (حتى يَطْهُرْنَ) لأنه من الطهارة بمعنى زوال الدم، وحملوا على ذلك قوله (فإذا تطهرن) وقالوا: ليس من عادة العرب أن يقولوا: لا تعط فلاناً درهماً حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فاعطه درهماً. بل إنما يقولون فإذا دخل الدار فأعطه درهماً، لأن الجملة الثانية مؤكدة لمفهوم الجملة الأولى، قالوا: ومن تأوّل قوله تعالى: (حتى يَطْهُرْنَ) على أنه النقاء وقوله فإذا تَطَهَّرْنَ على أنه الغسل بالماء فهو بمنزلة من قال: لا تعط فلاناً درهماً حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، وذلك غير مفهوم من كلام العرب إلا أن يُقدَّرَ في الكلام محذوف ويكون تقدير الكلام: متى يطهرن ويتطهرن، والحذف مجاز وحمل الكلام على ظاهره على الحقيقة أولى من حمله على
المجاز» (2). وقد أجاب الإمام السالمي رحمه الله على هذا الدليل بأنا لا نسلم أن حمل الكلام على عدم التقدير والإضمار أولى مطلقاً، بل إن الكلام إذا لم يستقم إلا بالتقدير فلا بد من تقدير ما يستقيم به الكلام، وذلك موجود في كثير من الآيات والأحاديث واللغة، فلا معنى لإطراحه أصلاً.
فأنت تر
تري
أن السالمي لم يعترض على تقديم الحقيقة على المجاز أصلاً، وإنما اعترض على تنزيل هذه القاعدة على هذا الموضع. والحق معه فإن هذا الأسلوب من
(1) سورة البقرة، الآية: 222. (2) معارج الآمال 173/ 3.
176 – 176
- (1/176)
صفحة 165
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
دلالة الاقتضاء وهي تقدير شيء في الكلام لولاه لا يصح الكلام شرعاً ولا عقلاً. ومنه قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1)، والمعنى المراد للشارع هو إثم الخطأ وإثم النسيان.
ومنه قوله تعالى: وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها (2)
والمعنى المقصود هنا واسأل أهل القرية ومن في العير.
منهم
المثال الثاني: أقل الحيض وأكثره.
ذكر الإمام اختلاف أهل العلم في ذلك على أقوال:
الأول: أقله ثلاثة أيام ولياليهن.
الثاني: أن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً، ونسب إلى جماعة من أئمة الإباضية أبو معاوية وجماعة من أهل خراسان وبه قال الشافعي وطائفة من الصحابة الكرام
منهم علي بن أبي طالب.
يوم
واختلف هؤلاء في أقله، فقيل: أقله وليلة، وقال آخرون يومان، وقال آخرون ساعة، قال الشيخ عامر: وهو شاذ.
ثم ذكر حجة الجمهور وهو أن أقله ثلاثة أيام وأكثره خمسة عشر يوماً وهو ما روي عن النبي الله أنه قال: تقعُدُ إحداكن شطر عمرها لا تصلي والشطر من كل شهر خمسة عشر يوماً (3) وأيضاً فقد روي عنه أنه قال لفاطمة بنت حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (4)، ولفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة لأنك تقول: ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى العشرة، ولا تقول: أحد عشر أيام.
(1) أخرجه ابن ماجه في كتاب الطلاق باب طلاق المكره (2045)، والبيهقي في السنن (14871)، 7/ 356 والحاكم في المستدرك (2801، 216/ 2، والطبراني في الكبير (11274)، 133/ 11، والدارقطني في السنن 171/ 4 كلهم بلفظ: إن الله تجاوز لي عن أمتي عن الخطأ. . . . .
(2) سورة يوسف، الآية: 82. (3) سنن الدارقطني (858)، 437/ 2.
(4) صحيح أبي داوود، باب من قال: تغتسل من طهر، 2/ 100.
-
177 177 (1/177)
صفحة 166
اجتهادات الإمام السالمي
ورُدَّ بأن العرب تقول: أيام الصيف وأيام الخريف وأيام بني أمية وأيام حياتك، فقد أطلقت هنا على الأشهر والسنين.
قال السالمي معقباً عليه وأجيب بأن إطلاق الأيام على الثلاثة إلى العشرة حقيقة، وعلى غير ذلك، مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة ما لم ترد قرينة على إرادة غيرها، والله أعلم».
فقد استدل هنا بالقاعدة وفرّع عليها في مناسبات كثيرة.
المطلب الخامس: في تقديم الحقيقة الشرعية على الحقيقة اللغوية
المسألة الأولى: في بيان المقصود بالحقيقة الشرعية واللغوية.
سبق أن بينت تعريف السالمي للحقيقة الشرعية وهي: «استعمال الشريعة الحقيقة اللغوية في معنى لا يعرفه أهل اللغة»، كاستعمال لفظ الصلاة في ذات الأذكار والأركان المخصوصة، وقد وُضِعَتْ في اللغة لمطلق الدعاء.
وأما اللغوية فهي: استعمال اللفظ فيما وضعه أهل اللغة»، كاستعمال لفظ
الصلاة في الدعاء.
المسألة الثانية: في حكم هذه الحقائق.
إن خطابات الشارع ترد بهذه الحقائق الثلاث، فإن ورد الخطاب بالحقيقة الشرعية حُمِلَ عليها، وإن ورد بالعرفية حُمِلَ عليها، وإن ورد باللغوية حُمِلَ عليها، ولا
ذلك. خلاف في
لكن الخلاف وارد فيما إذا تعارضت هذه الحقائق الثلاث.
فالذي ذهب إليه جمهور أهل العلم ومنهم الإمام السالمي رحمه الله هو تقديم الحقيقة الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية.
مثال تعارض الحقيقة الشرعية مع الحقيقة اللغوية ما ذكره الإمام السالمي رحمه الله تعالى في قوله: «من أكل أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله
178 - IVA (1/178)
صفحة 167
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وسقاه» (1)، قال رحمه الله: أي صومه الذي دخل فيه، وظاهره حمله على الحقيقة
الشرعية فيستمسك به حتى يدل دليل على أن المراد بالصوم هنا حقيقته اللغوية (2).
قلتُ: وهذا هو الحق، فإن حمل كلام الشارع على الحقيقة الشرعية أولى من حمله على الحقيقة اللغوية، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم بُعِثَ لبيان الشرعيات، ولذلك حمل العلماء قول النبي صلى الله عليه وسلم: إني إذا أصوم له على الصيام الشرعي فإنه كان يدخل على أزواجه فيقول: «هل عندكن طعام، فإن قلن: لا، قال: «إني إذا أصوم» (3). قالوا: وفي حمل كلامه على الحقيقة الشرعية فائدة وهي صحة صوم التطوع من النهار بغير نية
مبيتة من الليل.
وحملوا قوله: الاثنان فما فوق جماعة على المعنى الشرعي وهو صحة صلاة الجماعة بالاثنين، وكذلك التأمير في السفر ونحو ذلك مما تجب له الجماعة، ولم يحملوه على المعنى اللغوي وهو صحة تسمية الاثنين جماعة في اللغة (4).
وحملوا قوله صلى الله عليه وسلم: «الطوف بالبيت صلاة» (5) على الصلاة الشرعية. لذلك أوجبوا له الوضوء واستثنوا من أحكام الصلاة الكلام استحساناً بالنص، وهذه الأمثلة ذكرها السالمي في معارجه (6).
فالإمام السالمي نور الله ضريحه منسجم في أصوله الاجتهادية وفي قواعده
(1) أخرجه البخاري في كتاب الصوم، باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً (1933)، انظر فتح الباري 5/ 135، ومسلم في كتاب الصوم، باب في الصائم يأكل أو يشرب ناسياً، انظر مختصر صحيح مسلم
للمنذري ص 181 دار اليمامة ط 4، 2002 م.
(2) معارج الآمال 256/ 5. (3) السنن الصغرى للبيهقي، باب من خرج من صوم التطوع 444/ 3، سنن النسائي، باب النية في الصيام
195/ 4، (2330)
(4) انظر هذا المثال في معارج الآمال، وقد استدل به السالمي على الحقيقة الشرعية وهي اعتبار اليومين في الحيض أقل مدة الحيض، وسمى الرسول الاثنين جماعة وهو قد بعث لبيان الشرعيات، فالاثنان تسمى جماعة شرعاً ويعطى لها حكم الجماعة شرعاً.
(5) رواه الترمذي بلفظ قريب كتاب الحج، باب ما جاء في الكلام في الطواف رقم 960. (6) انظر معارج الآمال للسالمي 128/ 2.
-
179 179 (1/179)
صفحة 168
اجتهادات الإمام السالمي
الاستنباطية
مع جمهور أهل العلم، لذلك يُعَدُّ من مدرسة الأئمة الأربعة، ومن يتتبع
كتابيه (المعارج) و (طلعة الشمس) يتضح له ذلك
المبحث الثالث
وضوح
في مفهوم المخالفة
المطلب الأول: تعريف مفهوم المخالفة.
الشمس.
وقبل الدخول في تعريف مفهوم المخالفة لا بدَّ من الإشارة إلى أن مفهوم المخالفة أحد أقسام الدلالة اللفظية، لأن الدلالة اللفظية تتألف من المنطوق والمفهوم. والمنطوق: هو دلالة اللفظ على المعنى في محل النطق». مثل قوله تعالى: وَأَحَلَ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبوا (1).
الناطق.
وهو ينقسم إلى منطوق صريح ومنطوق غير صريح.
فالمنطوق الصريح: هو دلالة اللفظ على المعنى مطابقة أو تضمناً.
والمطابقة: هي
دلالة اللفظ على تمام المعنى كدلالة لفظ الإنسان على الحيوان
ودلالة التضمن: هي دلالة اللفظ على جزء، معناه كدلالة لفظ الإنسان على
الحيوان فقط، أو الناطق فقط.
قال صاحب السلم:
دلالة اللفظ على ما وافقه يدعونها دلالة المطابـ
وعلى جزئه تضمناً وما لزم فهي التزام إن بعقل التزم وأما المنطوق غير الصريح: فهو دلالة اللفظ على معناه بالالتزام. وقسموه إلى
ثلاثة أقسام:
(1) سورة البقرة، الآية: 275.
180 - VA (1/180)
صفحة 169
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
1 - دلالة الإشارة: وهي دلالة اللفظ على لازم غير مقصود ولم يسق اللفظ له أصالة ولا تبعاً». ومثلوا له بقوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَشُونَ شَهرام (1)
-
قوله تعالى: {وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ (2)، فإذا أنقصنا العامين من مجموع الثلاثين بقي ستة أشهر هي أقل مدة الحمل، لأن الله عيّن مدة الرضاع بحولين فبقي من الثلاثين شهراً ستة أشهر هي أقل مدة الحمل.
دلالة الاقتضاء: وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لولاه لما صح الكلام شرعاً ولا عقلاً». ومثلوا له بقول النبي صلى الله عليه وسلم: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه والخطأ والنسيان واقعان في الأمة، فقدروا محذوفاً يستقيم به الكلام شرعاً وهو إثم الخطأ وإثم النسيان. - دلالة الإيماء: وهي دلالة اللفظ على لازم مقصود للمتكلم لا تتوقف عليه صحة الكلام شرعاً ولا عقلاً، ولكن تتوقف عليه بلاغة الكلام». ومثلوا له بترتيب الحكم على الوصف كقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا (3) {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا ... (4)، فإن ترتيب الحكم على الوصف بالفاء دال على علية الوصف للحكم، وهو أنواع كثيرة يطلب تفصيلها من المطولات.
ثم قسموا المفهوم إلى قسمين مفهوم موافقة، ومفهوم مخالفة. وعرَّفوا مفهوم الموافقة بأنه: ثبوت حكم المنطوق للمسكوت عنه لاشتراكهما في معنى يدرك بمعرفة اللغة».
ثم قسموا مفهوم الموافقة إلى مفهوم مساو، وأولى.
وعرفوا المفهوم المساوي بأنه: ثبوت مثل حكم المنطوق في المسكوت عنه»،
كتحريم حرق مال اليتيم المساوي لتحريم أكله.
(1) سورة الأحقاف الآية: 15
،
(2) سورة لقمان، الآية: 14.
(3) سورة النور، الآية: 2. (4) سورة المائدة، الآية: 38.
181
-
181 (1/181)
صفحة 170
اجتهادات الإمام السالمي
وعرَّفوا المفهوم الأولى بأنه: ما كان ثبوت الحكم في المسكوت عنه أولى من إثباته في المنطوق، كتحريم الضرب فإنه مفهوم موافقة أولى من تحريم التأفيف من منطوق الآية: {فَلَا تَقُل لَّمَا أَفَ} (1). فتحريم الشتم والضرب أولى من
المستفاد
تحريم
التأفيف.
أما مفهوم المخالفة فهو: إثبات نقيض حكم المنطوق في المسكوت عنه لوجود نقيض قيد المنطوق في المسكوت». كقوله صلى الله عليه وسلم: مُطل الغني ظلم» (2)، فإنه يفيد بأن مطل الفقير ليس بظلم.
وينقسم إلى مفهوم الصفة، ومفهوم الشرط، ومفهوم العدد، ومفهوم اللقب
ومفهوم الغاية، ومفهوم الزمان، ومفهوم المكان.
أما تعريفاتها وحجيتها فتطلب من المطولات وأكتفي بهذا القدر لبيان الدلالة
اللفظية وموقع مفهوم المخالفة منها (3).
المطلب الثاني: في الاحتجاج به.
اختلف العلماء في الاحتجاج بمفهوم المخالفة، فالذي ذهب إليه جمهور أهل الأصول وهو اختيار أئمة المذهب الإباضي كما نص عليه السالمي رحمه الله قال: واختلفوا في كونه دليلاً وحجة، فأثبته قوم دليلاً لفظياً من حيث اللغة، وقوم من حيث الشرع. وقالت الشافعية: هو حجة لغوية فيما عدا مفهوم اللقب ... وأنكر أبو حنيفة كون مفهوم المخالفة دليلاً أصلاً وأثبت كثيراً من الأحكام الثابتة عند غيره بمفهوم المخالفة بغيره، وجعل ثبوتها بالبراءة الأصلية ... واختار أصحابنا كونه حجة من حيث اللغة لقول كثير من الأئمة أبو عبيدة والقاسم بن سلام أبو عبيد حيث قالا في حديث الصحيحين «مُطُلُ الغني ظلم: إنه يدل على أن مطل غير الغني ليس بظلم،
(1) سورة الإسراء، الآية: 23. (2) أخرجه البخاري برقم (2287).
منهم
(3) انظر كتاب غاية المأمول ص 165 - 169 وكتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام ص 351 وكلاهما للعبد
الفقير إلى مولاه.
182
182
- (1/182)
صفحة 171
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وهم إنما يقولون في مثل ذلك بما يعرفونه من لسان العرب، وقد فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم
(1) ,
من قوله تعالى: وإِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَةٌ فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لم (1)، فقال: سأزيد على الله
السبعين».
وأن يعلى بن أمية قال لعمر: ما بالنا نقصر وقد أمنًا وقد قال الله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن نَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَوَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) (2)؟ فقال عمر: تعجبتُ مما تعجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنها صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (3) ففهما نفي القصر حال عدم الخوف، وأقره النبي.
(4)
وهناك أدلة أخرى عدلت عن ذكرها خوفاً من التطويل (4).
• المطلب الثالث: أنواع مفهوم المخالفة في معارج الآمال.
إن المستقرئ لكتاب معارج الآمال يعثر على عشرات الأمثلة للتفريع على مفهوم المخالفة على اختلاف أنواعه، وسوف أسوق منها بالقدر الذي يتضح به المقصود. من هذه الأمثلة:
المثال الأول: قول النبي صلى الله عليه وسلم في تعليل غسل اليدين لمن كان نائماً قبل إدخالهما في الإناء: «إنك لا تدري أين باتت يدك» (5).
واستيقظ
وهي
قال السالمي رحمه الله: ومفهومه أن من درى أين باتت يده كمن لفها بخرقة على حالها أن لا كراهة وإن كان غسلها مستحباً على المختار. وقال أيضاً وذهب أصحابنا والجمهور من غيرنا إلى أن غسلها مندوب لا واجب وحملوا الأمر على الندب.
(1) سورة التوبة، الآية: 80. (2) سورة النساء، الآية: 101. (3) أخرجه مسلم برقم (686). (4) انظر غاية المأمول ص 174.
(0)
صحيح البخاري، باب الاستجمار. . (160)، (72/ 1 صحيح مسلم باب كراهة غمس المتوضئ. .
183 - 183
665 (، 160/ 1) (1/183)
صفحة 172
اجتهادات الإمام السالمي
وذهب أحمد إلى أن ذلك واجب من نوم الليل دون النهار. . قال: لكن التعليل
يقتضي إلحاق نوم النهار به، وإنما خص نوم الليل للغلبة (1).
فأنت
ترى أنه عمل بمفهوم الزمان وهو الليل لأنه تقييد للحكم بوقت فينتفي الحكم فيما سوى هذا الوقت، ومفهوم الزمان حجة عند جمهور الأصوليين. وبمفهوم المكان الذي نلحظه من خلال قوله: ومفهومه أن من درى أين باتت يده أن لا كراهة.
المثال الثاني: في عورة النساء البلغ الحرائر.
قال
رحمه الله: والصواب ما عليه الأصحاب من أن النظر إلى الوجه والكفين: جائز لما روي عنه الا الله و أنه قال لأسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يُرى منها إلا هذا وهذا» (2)، وأشار إلى وجهه
وكفيه. . .
ما
ولما روي عنه أنه قال: «ما تعدى الكفين من المرأة فصاعداً فهو في النار (3). فمفهوم هذا الحديث يبيح إبداء الكفين وأن المراد بما ظهر من زينتها هو كان من كحل في العين أو خاتم في الإصبع أو خضاب في اليد أو نحو ذلك» (4). فمنطوق الحديث أن ما زاد على الوجه والكفين في النار، فيكون الوجه واليدان
خارجين عن هذا الحكم فيجوز إبداؤهما.
المثال الثالث: في وطء المستحاضة.
قال الإمام السالمي رحمه الله: واحتج أبو محمد للقول بالإباحة بمفهوم قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى
(1) معارج الآمال 379/ 1 و 380.
(2) السنن الصغرى للبيهقي، باب النظر إلى امرأة يريد نكاحها 89/ 6، وسنن أبي داوود، باب فيما تبدي
المرأة. . . (4106)، 106/ 4.
(3) لم أقف على تخريجه بهذا اللفظ.
(4) معارج الآمال 505/ 1.
184 ـ 184 (1/184)
صفحة 173
يظهرون (1)
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
، قال: فالمانع من وطء الحائض ما دامت حائضاً، فإذا طهرت وتطهرت جاز وطؤها والمستحاضة مخالفة للحائض إذ هي متطهرة ومأمورة بالصلاة، والصيام بدلالة السنة واتفاق الأمة» (2).
فالمفهوم هنا هو هو مفهوم الصفة وهو الحيض وهو حجة عند الجمهور.
أمثلة على مفهوم اللقب:
المثال الأول: حكم الزكاة في الشركة في الماشية.
إذا كانت الماشية بين مالكين فصاعداً بحيث لا يتميز نصيب كل واحد منهم من نصيب الآخر كماشية ورثها قوم وابتاعوها فهي شائعة بينهم، وتسمى هذه الشركة خلطة الأعيان وخلطة الشيوع. قال السالمي رحمه الله: فأكثر القول عندنا أن حكم هذا المال حكم واحد فيستتم بسهم شريكه ويؤدي كل منهما على قدر حصته قل أو كثر، وهو المفهوم من قوله: ليس فيما دون أربعين شاة شاة» (3)، فالمفهوم منه الإطلاق سواء كان لمالك
الشريك
واحد أو مُلاك شتى
وقال أبو بكر الموصلي: لا تجب الزكاة على واحد منهما حتى يملك أربعين شاه، سواء كانت الشركة خلطة أعيان أو مشاعة قال الشيخ أبو محمد: هكذا عن الشيخ أبي مالك وهو مذهب الحنفية، ونسب أيضاً إلى مالك وبالأول قال الشافعي.
واستدل أرباب القول الثاني بحديث أنس: «إذا كانت سائمة الرجل أربعين شاة واحدة فليس فيها صدقة» (4)
(1) سورة البقرة، الآية: 222.
(2) معارج الآمال 94/ 2.
ناقصة
من
(3) موطأ مالك، باب صدقة الخلطاء، 288/ 2، مسند أحمد (11614)، 146/ 24 بلفظ قريب منه. (4) أخرجه الزيلعي في نصب الراية، وقال كتاب أبي بكر الصديق لأنس بن مالك رواه البخاري في صحيحه وفرقه في ثلاثة أبواب متتالية عن ثمامة أن أنساً حدثه أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى
البحرين 335/ 2
-
185 - AO (1/185)
صفحة 174
اجتهادات الإمام السالمي
وأيضاً فالشركة لا تؤثر في وجوب الحج فكذا الزكاة لأنها لا تفيده غنى كما لا
تفيده استطاعة.
وأجاب السالمي رحمه الله بقوله: والجواب عن الأول أن لفظ الرجل لقب لا
مفهوم له عند جمهور الأصوليين فلا يقيد المطلق (1).
المثال الثاني: الاستنجاء بغير الحجارة من حديد أو رصاص أو تراب أو فخار. ذكر الإمام السالمي رحمه الله قول صاحب الإيضاح بأنه لا يستنجى بما سوى الحجارة من حديد أو رصاص، أو تراب أو فخار أو رُضف إلا في الضرورة، لأن الحديث ورد في الحجارة، قال السالمي: وعكّر عليه المحشي بأنه قد يقال فيه اعتبار مفهوم اللقب وهو ضعيف جداً، فلذلك اختار الشيخ إسماعيل رحمه الله التعميم فيما يستنجى به حيث عرفه بقوله: كل جامد طاهر منق ليس بمطعوم ولا بذي حرمة كالمدر والتراب والأعواد» (2).
المثال الثالث: في نقض الوضوء بمس الذكر.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله صفة مس الفرج الناقض للوضوء، فقيل: لا ينقض شيء إلا الإحليل، والدبر، وهو قول أبي نوح واحتج بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من مس الفرج الأسفل والأعلى فليتوضأ (3). وأجيب عنه بأن اسم الفرج صار علماً للموضع المخصوص. وخصص ابن المعلا اسم الفرج بالإحليل دون الدبر واحتج بقول الرسول: «إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ» (4)، فقيد النبي الله المسلم بالذكر.
قال السالمي رحمه الله: ويعترض عليه بأن تخصيص الذكر في الحديث لا لأجل التقييد وإنما كان جارياً مجرى الأغلب فلا مفهوم له، وإن سلمنا أن له مفهوماً
فهو مفهوم لقب لا يقوم به الاحتجاج لأنه مردود عند غالب الأصوليين» (5).
(1) معارج الآمال 546/ 4.
(2) معارج الآمال 297/ 1 (3) لم أقف على تخريجه.
(4) رواه الربيع عن ابن عباس بلفظه، باب (17) ما يجب منه الوضوء رقم (115).
(5) باختصار من معارج الآمال 456/ 1 و 457.
186 - 186 (1/186)
صفحة 175
وفي هذا النص شاهدان:
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الأول: على أن المفهوم إذا خرج مخرج الغالب تعطل العمل به. الثاني: أن مفهوم اللقب لا يصلح للاحتجاج عند جمهور أهل الأصول.
المطلب الرابع: شروط مفهوم المخالفة من خلال معارج الآمال. اشترط جمهور الأصوليين للعمل بمفهوم المخالفة شروطاً منها:
-
1
ألا يخرج مخرج الغالب.
2 - ألا يخرج مخرج الواقع.
-
-
-
ألا يخرج مخرج الجواب عن سؤال.
ألا يخرج مخرج تهويل الحكم وتفخيم أمره.
ألا يكون المسكوت عنه أولى من المنطوق.
الاً يخالفه ما هو أقوى منه.
وهذه الشروط تعني أن مفهوم المخالفة ضرورة والضرورة تتقدر بقدرها، فإذا دل القيد على فائدة غير نفي الحكم عند انتفائه ككونه للأغلب، أو لبيان الواقع أو من الفوائد فإنه يتعطل العمل به ولا يعتبر القيد عند ذلك لنفي الحكم عند
نحو ذلك
انتفائه.
والمستقرئ لكتاب معارج الآمال يجد الإمام السالمي قد تقيد بهذه الشروط أنه جاء خارج هذه الشروط بأن دلّ على فوائد أخرى غير
وعطّل مفهوم المخالفة
نفي الحكم عما سواه.
بسبب
وسأعرض أمثلة تدل على دقة انضباطه رحمه الله بشروط مفهوم المخالفة، وكيف أنه ينتهج منهج جمهور الأصوليين في جميع قواعده وأصوله الاجتهادية. 1 - الشرط الأول: ألا يخرج مخرج الغالب.
أمثلة على الشرط الأول: ألا يخرج مخرج الغالب.
187 - 187 (1/187)
صفحة 176
اجتهادات الإمام السالمي
المثال الأول: حكم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في هذه المسألة. قال: فذهب أصحابنا والجمهور من غيرنا إلى أن غسلهما مندوب لا واجب وحملوا الأمر على الندب. وذهب أحمد إلى أن ذلك واجب في نوم الليل دون النهار وحمل الأمر على الوجوب وقيده بنوم الليل أخذاً من ظاهر الحديث وهو قوله لأنه لا يدري أين باتت يده. . . قال رحمه الله: لكن التعليل يقتضي إلحاق نوم النهار بنوم الليل، وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة (1).
المثال الثاني: الإناء المنهي عن إدخال اليدين فيه.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في الإناء المنهي عن إدخال اليدين فيه، فقيل: الإناء المعد للوضوء، وقال محشي الإيضاح الشيخ اسماعيل رحمه الله: إن ما يؤخذ منه لا يتقيد بالإناء بل الحكم كذلك لو توضأ من حوض أو نهر. وقال العلقمي: المراد بالإناء الذي أُعِدَّ للوضوء، فخرج بذكر الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغسل اليد على تقدير نجاستها قال السالمي: والخلاف في هذا مبني على القولين المتقدمين في الفرع الأول فإنه من قال: إن غسلهما تعبد أمر به دائماً ولم يراع به إناء دون إناء، وموضعاً دون موضع، وجعل التقييد في الحديث بالإناء تقييداً بالأغلب المعتاد عند أهل ذلك الزمان فلا مفهوم له» (2)
المثال الثالث: تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية.
ذكر السالمي رحمه الله مذاهب العلماء في أكل لحوم الحمر الأهلية والخيل والبغال، فذكر عن الشيخ عامر ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها حرام للحديث المروي عن علي بن أبي طالب قال: «نهى رسول الله عن متعة النساء خيبر وعن أكل لحوم الحمر الأهلية (3).
يوم
(1) معارج الآمال 380/ 1.
(2) المرجع السابق 381/ 1.
(3) رواه الربيع عن علي بلفظ قريب كتاب الزكاة، باب أدب الطعام والشراب رقم (388)، والبخاري كتاب المغازي، باب غزوة خيبر برقم (4216).
188 - 188 (1/188)
صفحة 177
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ثانيها: أنها حلال لقوله تعالى: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُومًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسُ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (1). فحصر المحرَّم في هذه الآية يقتضي إباحة ما سواه، ومن جملة ذلك لحوم الحمر الأهلية.
ثالثها: الكراهية جمعاً بين الدليلين.
واحتج المحرّمون بقوله تعالى: {وَالخَيلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً) (2). فالله تعالى ذكر الخيل والبغال والحمير بأنها مخلوقة للركوب، فإذا أُكلت فقد استعملت في غير ما خُلقت له. .
وأجيب عن الآية بأن الركوب والزينة قد خرجا مخرج الغالب لأن الغالب في
الخيل وما بعدها هو الزينة والركوب دون الأكل.
قال الإمام السالمي رحمه الله: «سلمنا فالآية خرجت مخرج الغالب، لأن الغالب في الخيل وما بعدها إنما هو الزينة والركوب دون الأكل، كما خرج قوله: وليستنج بثلاثة أحجار مخرج الغالب لأن الغالب أن الاستنجاء لا يقع إلا بالأحجار» (3).
المثال الرابع: في زكاة العوامل.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف العلماء فيما تجب فيه الزكاة من الأنعام. فذهب فريق من الفقهاء إلى أنه لا زكاة في العوامل، وذهب فريق آخر من فقهاء الإباضية إلى وجوب الزكاة في العوامل وبه قال مالك بن أنس، ومكحول وقتادة ورجحه أبو سعيد من أئمة المذهب الإباضي.
ثم اختلفوا في المعلوفة وهي التي تقنى في البيوت لحاجة العيال أو للركوب عند الحاجة، وهي غير العوامل، فقيل: فيها زكاة وهي أقرب إلى الوجوب من العوامل،
(1) سورة الأنعام، الآية: 145. (2) سورة النحل، الآية: 8. (3) معارج الآمال 285/ 2
189 - 189 (1/189)
صفحة 178
اجتهادات الإمام السالمي
وقيل: ليس فيها زكاة لأنها ليست بسائمة، واحتج هؤلاء بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «في سائمة الغنم زكاة وفي خمس من الإبل زكاة» (1)
قال أبو محمد: وعندي أن ذكر السائمة يسقط الزكاة عن غير السائمة لأن في ذكر
السائمة زيادة، بيان ولا تسقط الزيادة إذ فيها معنى لا يصح إسقاطه.
6
قال السالمي معقباً وناقضه في موضع آخر من كتابه فقال: ذكر السائمة لا ينفي وجوب الصدقة في غير السائمة لأن الأخذ بالخبرين أولى من إسقاط أحدهما، قال: والمسقط للصدقة من غير السائمة محتاج إلى دليل ففي كلامه الأول استدلال بمفهوم الصفة، وفي كلامه الثاني منع الاستدلال به، وقد وقع الخلاف فيه عند الأصوليين، ومذهب الأصحاب وكثير من غيرهم أنه دليل ظني، ولعلهم حملوا وصف السائمة على أنه واقعة حال لأنه جواب لسائل أو أنه جرى مجرى الأغلب من الأحوال أو نحو ذلك مما يبطل الاستدلال به (2).
فهذا تصريح منه أن المفهوم إذا كان جواباً عن سؤال أو خرج مخرج الغالب يسقط الاحتجاج به لأنه خارج عن الشروط التي نص عليها جمهور أهل العلم. الشرط الثاني: ألأ يخرج مخرج الواقع.
ومن الشروط التي يجب توفرها في مفهوم المخالفة ألا يخرج مخرج بيان الواقع. ومن الأمثلة التي ذكرها الإمام السالمي تفريعاً على هذا الشرط:
المثال الأول: نظر الخاطب لمن يريد نكاحها.
استدل
من قال بأن النظر إلى وجه من يريد نكاحها جائز بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها (3) وفي رواية: «انظر إليها فإنه أحرى يؤدم بينكما» (4). فإن قيل: إن مفهوم قوله: إذا خطب أحدكم امرأة فلا جناح
أن
(1) رواه البخاري عن أنس بمعناه باب زكاة الغنم رقم (1386).
(2) معارج الآمال 527/ 4.
(3) مسند أحمد (24319)، 368/ 5.
(4) مسند أحمد (18644)، 281/ 39.
190 - 14. (1/190)
صفحة 179
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
عليه أن ينظر إليها إذا كان ينظر إليها للخطبة، يدل على أن النظر المباح لأجل الخطبة شيء لم يكن مباحاً لأجل غيرها.
قال السالمي رحمه الله: أجيب بأنه لا مفهوم للحديث وإنما هو على حد قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا (1).
ومعنى ذلك أنها خرجت مخرج بيان الواقع فإن الناس كانوا يتحرجون في السعي بين الصفا والمروة لأن على أحدهما صنماً اسمه إساف وعلى الآخر نائلة، فأنزل الله تعالى {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوفَ بِهِمَا، وليس ذلك قيداً على أنه كان ممنوعاً.
المثال الثاني: دخول المشرك المسجد.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في دخول المشرك المسجد، قال: فعند أصحابنا ومالك يمنعون من كل المساجد.
وقال الشافعي: يمنعون من المسجد الحرام خاصة.
وقال أبو حنيفة: لا يمنعون من المسجد الحرام ولا من سائر المساجد.
(?)
(r),
قال: والحجة لنا على المنع من ذلك قوله تعالى: ومَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُوا مسَجِدَ اللَّهِ شَهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِم بِالْكُفْرِ (2)، وبقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) (3):: وتطهير المساجد واجب لقوله تعالى: {طَهِرَا بَيْتِيَ لِلطَّابِفِينَ} (4) واحتج الشافعي بقوله تعالى: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَام (5) فإن مفهوم الآية للمشرك دخول ما عدا المسجد الحرام. .
يبيح
قال السالمي رحمه الله: «قلنا الآية جارية مجرى الحال المعروف عند العرب
(1) سورة البقرة، الآية: 158.
(2) سورة التوبة، الآية: 17. (3) سورة التوبة، الآية: 28. (4) سورة البقرة، الآية: 125. (5) سورة التوبة، الآية: 28.
191 -
191 (1/191)
صفحة 180
اجتهادات الإمام السالمي
فإنهم
لا يعرفون من المساجد في ذلك الوقت إلا المسجد الحرام، فذكر المسجد الحرام في الآية لغير التقييده (1).
فهذا نص في أن المفهوم إذا خرج مخرج بيان الواقع لا يكون حجة، وهذا معنى قوله: فذكرُ المسجد الحرام في الآية لغير التقييد أي ليس قيداً لنفي الحكم فيما
سواه.
الشرط الثالث: ألأ يخرج المفهوم جواباً عن سؤال.
فمن الشروط التي اشترطها جمهور الأصوليين ألا يكون المفهوم جواباً عن سؤال. وهذا الشرط قد فرَّع عليه الإمام السالمي رحمه الله.
الأدلة.
قال السالمي رحمه الله في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا التقى الرفغان وجب الغسل (2) وهو ما بين الإنثيين وأصول الفخذين، وهذا يقتضي ألاً وجوب إلا إذا دخل الذكر كله إذ لا يلتقي الرفغان إلا بذلك، وهو مردود بحديث التقاء الختانين وما تقدم من أما الحديث الذي استدل به هذا القائل فغاية ما فيه أنه يجب الغسل بالتقاء الرفغين وهو مسلم لكن لا مفهوم للحديث فلا يفيد نفي الغسل مما دون ذلك لاحتمال أن يكون إنما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً لمن سأله عن حكم ذلك (3).
المبحث الرابع
في الأمر
المطلب الأول: في تعريفه
ومن القواعد التي بنى عليها الإمام السالمي اجتهاداته قاعدة الأمر، وقد عرفه بأنه: طلب فعل غير كف لا على وجه الدعاء».
فدخل بقوله «طلب فعل»: النهي على مذهب من جعل الترك فعلاً، ولكن خرج
(1) معارج الآمال 148/ 2.
(2) ذكره في شرح سنن أبي داوود انظر عون المعبود، كتاب الطهارة، باب في الغسل من الجنابة 1/ 284.
(3) معارج الآمال 597/ 1.
192 -
192 (1/192)
صفحة 181
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
بقوله «غير كف، وخرج بقوله لا على وجه الدعاء ما كان منه دعاء وهو طلب العبد من ربه الهداية ونحوها (1)، وأهمل المصنف قيد العلو والاستعلاء لأنهما ليسا بشرطين في الأمر على الصحيح تبعاً للجمهور، وقد اشترطهما المعتزلة.
والعلو أن يكون الأمر أعلى مرتبة من المأمور.
والاستعلاء أن يكون في الأمر غلظة ورفع صوت.
المطلب الثاني: حكم الأمر
أما حكم الأمر فقد قال السالمي بأن حكمه الوجوب وضعاً وشرعاً ما لم تصرفه عن معنى الوجوب قرينة، فإنه وإن كان شاملاً في ذاته للوجوب والندب لأن كلاً منهما مطلوب، فالوجوب إنما تعين بأدلة خارجة عن ذات الطلب منها قوله تعالى لإبليس حيث امتنع من السجود: {قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ} (2)، ولو لم يكن الأمر للوجوب عند عدم القرآئن لكان لإبليس العذر في ترك السجود لجواز أن يقول في جوابه إن هذا الأمر ندب وتاركه لا يعصي، لكن لم يكن له عذر بدليل الإنكار عليه وتعقيب ذلك بالطرد واللعن، فدل على أن الأمر للوجوب ما لم تصرفه قرينة.
ومنها أن تارك الأمر عاص لقوله تعالى: {أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى (3). والعاصي يستحق العذاب لقول الله تعالى: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حدوده يدخله نارا خلدا
(4)
فيهارة (4).
وهذا قياس عقلي من مقدمات نقلية صحيحة ونتيجته حتمية، وقد استدل به جمهور الأصوليين منهم القاضي البيضاوي وأتباعه، وأكثر أهل الأصول.
(1) طلعة الشمس للسالمي 124/ 1. (2) سورة الأعراف، الآية: 12.
(3) سورة طه، الآية: 93. (4) سورة النساء، الآية: 14.
193 - 193 (1/193)
صفحة 182
اجتهادات الإمام السالمي
المطلب الثالث: في بعض الفروع الفقهية على هذه القاعدة من معارج الآمال وقد فرع السالمي على هذه القاعدة فروعاً كثيرة في كتابه معارج الآمال أورد
بعضها:
المثال الأول: في وجوب الغسل على المشرك، والمرتد إذا أسلما.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس فقال بعضهم: يؤمر بالاغتسال استحباباً، وقال بعضهم: لا غسل عليه ولا يؤمر بذلك إلا أن يعلم أن به نجاسة، وقال قوم: الغسل عليه واجب لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ك)
(1).
قال رحمه الله: والحجة لأصحابنا في وجوب الغسل بسبب الشرك أو الارتداد لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ، والحديث الذي رواه أبو محمد من طريق أبي هريرة أن رجلاً أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالغسل (2).
قال أبو محمد: فإن قال القائل: إن النبي أمر المشرك بالاغتسال ولم يعرفنا لماذا أمره إيجاباً أو استحباباً أو لعلمه بنجاسة كانت عليه قيل له: الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد فالواجب استعماله وإباحة الأمر به واتباع الرسول فيه حتى تقوم دلالة بغير ذلك، وعلى من ادعى غير الواجب إقامة الدليل) (3).
المثال الثاني: تخليل اللحية.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في تخليل اللحية، فقال قوم: إن تخليل اللحية واجب، وذهب آخرون إلى أن تخليل اللحية غير واجب، وقال صاحب الأشراف: غسل ما تحت شعر اللحية في الوضوء غير واجب إذ لا حجة تدل على
ذلك.
(1) سورة التوبة، الآية: 28.
(2) رواه الترمذي عن قيس بن عاصم بمعناه أبواب الطهارة، باب (425) ما ذكر في الاغتسال عندما يسلم
الرجل رقم (605). (3) معارج الآمال 612/ 1.
194 - 198 (1/194)
صفحة 183
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واحتج القائلون بعدم وجوب إيصال الماء إلى ما تحت شعر اللحية بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ واحدة فقال: «هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به» (1)، وليس في طاقة الإنسان إيصال الماء إلى أصول الشعر مرة واحدة.
وحجة القائلين بوجوب إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية قوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (2). قال الفخر يجب إيصال الماء إلى جلدة الوجه لأن ظاهر الآية يدل على وجوب غسل الوجه لأن الوجه عبارة عن الجلدة الممتدة من مبدأ الجبهة إلى أسفل الذقن. واعترضه السالمي بأن الوجه ما واجه به الإنسان لأن العرب لا تعقل من الوجه
إلا ما واجهها، وإنما خوطبت بما تعرفه من لغتها.
للوجه.
لكنه رحمه الله لم يعترض على كون الأمر للوجوب لكنه لم يسلم تفسيرهم
المثال الثالث: حكم غسل اليدين قبل إدخالهم الإناء.
قال رحمه الله: اختلف الناس في ذلك.
فذهب أصحابنا والجمهور من غيرنا إلى أن غسلهما مندوب لا واجب، وحملوا
الأمر على الندب.
وذهب أحمد إلى أن ذلك واجب في نوم الليل دون النهار، وحمل الأمر على الوجوب، وقيَّده بنوم الليل. وروي عنه أنه استحب غسل الأيدي من نوم النهار وألزمه
القول بوجوبه من نوم النهار أيضاً (3).
المثال الرابع: حكم الاستنشاق.
ذكر السالمي رحمه الله خلاف العلماء في المسألة قال: فقال قوم إن الاستنشاق
(1) أخرجه الربيع عن ابن عباس بلفظه، كتاب الطهارة، باب (15) في آداب الوضوء وفرضه رقم (89).
(2) سورة المائدة، الآية: 69.
(3) انظر کتاب معارج الآمال 280/ 1.
195 - 190 (1/195)
صفحة 184
اجتهادات الإمام السالمي
واجب ولا تصح الطهارة إلا به واحتجوا بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وبقوله صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائماً (1)، قالوا: والأوامر على
الوجوب (2).
المثال الخامس: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك
عند كل صلاة» (3).
قال السالمي: أي أمر إيجاب.
وجه الدلالة أن الأمر يحمل على الايجاب أي أن الذي منع النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر هو خوفه المشقة على الأمة، فعُقل من ذلك أن أوامره محمولة على الإيجاب.
المثال السادس: غسل الأيدي إلى المرافق.
،
ذكر السالمي رحمه الله كلام الفخر الرازي في قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (4): أمر بغسل اليدين إلى المرفقين فإيجاب الغسل محدود بهذا الحد، فبقي الواجب هو هذا القدر فقط، أما نفس الغسل فغير محدود بهذا الحد لأنه ثبت بالأخبار أن تطويل الغرة سنة مؤكدة قال السالمي عقبه: «قلتُ: هذا فالشاهد قوله فإيجاب الغسل محدود إلخ ... ». فعقل من الأمر الإيجاب وهو
الصحيح.
صحيح،
(1) سنن أبي داوود، باب في الاستنثار (142)، 54/ 1، سنن ابن ماجه، باب المبالغة في الاستنشاق (40) 142/ 1، سنن الترمذي، باب ما جاء في كراهية الاستنشاق للصائم، (788)، 155/ 3، صحيح ابن حبان باب فرض الوضوء (1054)، 332/ 3، مسند أحمد (16824)، 141/ 35. (2) معارج الآمال 369/ 1.
(3)
صحيح البخاري، باب سواك الرطب واليابس، 234/ 7، سنن أبي داوود باب السواك (47) 17/ 1، سنن ابن ماجه باب السواك (287) 105/ 1، سنن الترمذي، باب ما جاء في السواك (22) 41/ 1، سنن النسائي، باب الرخصة في السواك بالعشي (7) 12/ 1.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
-
196 197 (1/196)
صفحة 185
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المبحث الخامس
الاحتجاج بالمرسل
المطلب الأول: في تعريفه
قال السالمي في شمس الأصول:
ومرسل الأخبار فهو المنفصل فإن يكن من الصحابي قبل
بلا خلاف والخلاف قد ورد في التابعي والصحيح لا يرد الرواة من كل من يروى عن الثقات
كذاك من أئة الـ
وقد اختلف في حد المرسل على ثلاثة أقوال:
القول الأول للأصوليين: «وهو ما سقط من إسناده راو واحد فأكثر من أي موضع
كان» (1).
(2)
القول الثاني للمحدثين: ما رفعه التابعي إلى النبي (1) سواء كان من كبار التابعين كجابر بن زيد وسعيد بن المسيب والحسن البصري، أو من صغارهم كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري.
القول الثالث وهو لبعض أئمة الحديث: «ما رفعه التابعي الكبير (3).
قال صاحب البيقونية:
ومرسل منه الصحابي سقط وقل غريب ما روي راو فقط.
المطلب الثاني: حكم المرسل
ذكر السالمي اختلاف العلماء في الاحتجاج بالمرسل
(4)
(1) انظر المعتمد لأبي الحسين البصري /143/ 2 وحاشية البناني على شرح المحلى 168/ 2.
(2) انظر تدريب الراوي 102/ 1 للسيوطي. (3) انظر علوم الحديث لابن الصلاح ص 51 - 52.
(4) انظر طلعة الشمس للسالمي 72/ 2.
197 - 197 (1/197)
صفحة 186
اجتهادات الإمام السالمي
فإن كان من مراسيل الصحابة فهو مقبول بلا خلاف.
أما مراسيل التابعين أو تابعي التابعين إلى من بعدهم فقد اختلف فيها على أقوال: القول الأول: أنه يقبل مرسل العدل مطلقاً ونسبه صاحب المنهاج (1) إلى
الجمهور.
القول الثاني: لا يقبل المرسل مطلقاً ونسبه صاحب المنهاج إلى بعض
المحدثين (2).
القول الثالث: لعيسى بن أبان وابن الحاجب أنه يقبل من الصحابي أو من التابعي أو من إمام نقل (3).
(3)
القول الرابع: وهو للشافعي وهو أنه لا يقبل إلا أن يعضده ما يقويه من ظاهر كنص أو عمل صحابي أو إرسال تابعي كمراسيل ابن المسيب أو أسنده غير المرسل وشيوخهما مختلفة في الإسناد والإرسال أو عرف أنه لا يرسل إلا عدل. عن
أما الحنفية فإنهم يعملون بالمرسل لا سيما مرسل الصحابة فإنهم أجمعوا على الاحتجاج به ونصره السالمي رحمه الله قال: لأن الصحابة قد أرسلوا ولم ينكره أحد، من ذلك قول البراء بن عازب ما كل ما أحدثكم به سمعته من رسول الله إلا أنا لا نكذب (4). فهذا تصريح بأنه كان يرسل وأرسل ابن عباس رواية: «إنما الربا في
النسيئة.
فلما سئل: هل سمعته من رسول الله؟ قال: لا، بل رواه لي أسامة. ولم ينكر لا، عليه إرساله فكان إجماعاً على تصويبه. ومن ذلك أن ابن عباس روى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقطع التلبية حتى رمى جمرة العقبة، ثم أخبر أنه أخبره الفضل بن العباس ولم ينكر
عليه (0)
(1) منهاج الوصول ص 225.
(2) المصدر نفسه.
ص
225
(3) مختصر ابن الحاجب 464/ 2.
(4) ذكره السرخسي في أصوله 359/ 1.
(0) طلعة الشمس 74/ 2.
198 - 198 (1/198)
صفحة 187
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
إذاً فالسالمي يرى الاحتجاج بمراسيل الصحابة متفقاً عليه، والخلاف في مراسيل
التابعين، وهذا الذي مشى عليه في معارج الآمال.
المطلب الثالث: في التفريع على المرسل في معارج الآمال
والسالمي رحمه الله تعالى تعرض للحديث المرسل وبيَّن موقفه منه وهو أنه حجة عند البعض، ولذلك لا يحسن الاعتراض من الخصم على الحديث المرسل ما دام أنه حجة عند البعض لأن الدليل ينبغي أن يكون مسلماً به عند الخصم، والحديث المرسل ليس مردوداً بإطلاق وليس مقبولاً بإطلاق فهو ليس من المجمع على العمل به ولا على رده، لذلك لا يحسن الاعتراض عليه، وسوف أورد بعض الأمثلة التي تبين
مسلکه رحمه الله من الاحتجاج به.
المثال الأول: ما يجزي من الأكفان.
ذكر السالمي خلاف العلماء في هذه المسألة.
فمذهب الجمهور أن أقل ذلك للذكر والأنثى، والحر والعبد ثوب ساتر لجميع البدن إلا المحرم فإنه لا يستر رأسه ولا وجهه.
احتج الجمهور بأن ساتر العورة لا يسمى كفناً والواجب التكفين. وقال بعض أهل الخلاف أقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان وأقل ما تكفن فيه المرأة خمسة أثواب. وقيل: يجتزأ بثوب واحد، وحجيته أن مصعب بن عمير كفن بثوب واحد كان إذا غطي به رأسه بدت قدماه وإن غطيت قدماه بان رأسه. واحتج من قال بالثوبين بحديث عبادة بن الصامت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خير الكفن الحلة» (1).
السنة.
والحلة: الإزار والرداء فوق القميص، وبدونه فإن كان معهما قميص فهو كفن
(1) رواه أبو داوود بلفظه كتاب الجنائز، باب كراهية المغلاة في الكفن رقم (3156).
199 - 199 (1/199)
صفحة 188
اجتهادات الإمام السالمي
واحتج القائلون بالثلاثة بحديث عائشة قالت: كُفّن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب
يمانية بيض من كرسف وليس فيها قميص ولا عمامة (1)
قال السالمي رحمه الله: قد ثبت القميص في الكفن في حديث جابر أن النبي ألبس عبد الله بن أبي بعد موته قميصه، وبما رواه إبراهيم النخعي أن النبي كُفّن في حلة يمانية وقميص ... قال: وأجيب بأن حديث جابر وحديث إبراهيم ضعيفان من طريق
السند، وأن حديث إبراهيم النخعي مرسل ..
والجواب أن المرسل حجة عند البعض
(2)
وهكذا لما كان المرسل حجة عند البعض بإطلاق، وعند البعض الآخر بشروط، فلا يحسن الاعتراض على الاحتجاج به لأنه حجة عند البعض، وتقييده الحجية بكونها عند البعض فيه دقة لأنه لو قال بأنه حجة بإطلاق أو مردود لكان كلامه موضع
اعتراض.
المثال الثاني: في إعطاء المشرك الصدقة.
ذكر السالمي رحمه الله خلاف أهل العلم في إعطاء المشركين من الصدقة. فالذي عليه جمهور الفقهاء بعامة والإباضية بخاصة أن الصدقة لا تعطى لمشرك، ومن شروط إنفاذها الإسلام.
والقول الثاني: جواز إعطاء أهل الذمة منهم قال به بعض فقهاء الإباضية وزفر
من الحنفية.
والقول الثالث: يعطى للمجوس فقط
•
،
احتج من أجاز التصدق على المشركين بما روي عن سعيد بن جبير مرسلاً مرفوعاً لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إلا ابتغاء
(1) رواه البخاري عن عائشة بلفظه، كتاب الجنائز، باب الثياب البيض للمكفن رقم (6412)، 92/ 2. (2) معارج الآمال 4/ 105 باختصار.
200 - Y .. (1/200)
صفحة 189
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
(1) ,
وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (1)، فقال: اتصدقوا على أهل الأديان» (2)، وهو بإطلاقه يتناول حكم الزكاة.
قال رحمه الله: والجواب أن الصدقة ليست بنص في الزكاة لوجودها في غير الفرض، وإذا وقع الاحتمال سقط الاستدلال، هذا إن سلمنا الاحتجاج بالمرسل» (3).
وفيه تصريح منه أن المرسل مختلف في الاحتجاج به فليس محل تسليم لا من حيث القبول ولا من حيث الرد، وكأنه يصلح دليلاً للناظر لنفسه وليس للمناظر خصمه، وهذا هو العدل في المراسيل.
المبحث السادس
في المجمل والمبين
المطلب الأول: في تعريف المجمل وحكم وقوعه
ذكر الإمام السالمي رحمه الله المبين في مبحث المحكم لأنه أحد أنواع المحكم، والمجمل في مبحث المتشابه لأنه أحد أنواعه.
فقال في تعريف المجمل بأنه: «ما اختفى معناه»، إما لاشتراك فيه كلفظ القرء للحيض والطهر، أو لظهور تشبيه كآية الاستواء (4).
وعَرَّفُوهُ أيضاً بأنه لغة من الجمل، وهو الاختلاط. وشرعاً: «ما لم تتضح
دلالته من قول أو فعل (5). فعل» (5)
(1) سورة البقرة، الآية: 272.
(2) رواه ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير بلفظه، باب ما قالوا في الصدقة لغير أهل الإسلام رقم (10398)،
401/ 2
(3) باختصار من معارج الآمال 757/ 4.
(4) طلعة الشمس 366/ 1.
(5) حاشية البناني على جمع الجوامع 58/ 1.
201 - Y (1/201)
صفحة 190
اجتهادات الإمام السالمي
أما المبين وهو أحد أنواع المحكم فهو: (الذي اتضح معناه بحيث لا يحتمل اللفظ غير ذلك المعنى، ويسمى نصاً أو يحتمل غيره احتمالاً مرجوحاً ويسمى
ظاهراً» (1).
حكم وقوعه:
الإجمال واقع في الكتاب والسنة، قال أبو بكر الصيرفي: لا أعلم أحداً أبى هذا إلا داود الظاهري. وقيل: لم يبق مجمل إلا وبيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم وقال إمام الحرمين: إن ما يثبت التكليف به لا إجمال فيه لأن التكليف بالمجمل تكليف بما لا يطاق.
قال السالمي رحمه الله في شمس الأصول:
ومن
(?)
وصححوا وقوع هذا الباب في سنة الرسول والكتاب أمثلة ذلك قوله تعالى: واَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقدَةُ النكاح (2)، وقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَليكم (3)، و قوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يومَ حَصَادِهِ (4) لتردد الضمير في الآية الأولى بين الولي والزوج ولإبهام المستثنى طور إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُم الله قبل البيان بعد ذلك، ولتردد الحق بين الزكاة وغيرها في الثالثة، ومن ذلك قول الرسول: أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ()، فإن الحق مجهول القدر
والجنس
(1)
وحكمه التماس البيان كما قال في شمس الأصول.
وحكمه نلتمس البيانا فنجري فيه حكمه إعلانا
(1) نفس المرجع 358/ 2. (2) سورة البقرة، الآية: 237.
(3) سورة المائدة، الآية: 1. (4) سورة الأنعام، الآية: 141. (5) متفق عليه.
(6) انظر جامع العلوم والحكم 232/ 1 لابن رجب الحنبلي.
الآية
202 - 202 (1/202)
صفحة 191
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أي حكم المجمل إذ ورد في خطاب الشارع أن نلتمس له الدليل الذي يبين معناه ويظهر المراد منه فإذا وجدنا البيان حملنا عليه المجمل وفسرناه به.
• المطلب الثاني: في تعريف البيان
عرَّف الصيرفي البيان بأنه: «إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي والوضوح. واعترضه المرتضى الزبيدي (1) بأنه غير جامع لخروج البيان الذي لم
يتقدمه إجمال.
وأجيب بأنه أراد تعريف البيان بالمعنى الأخص لا تعريفه بالمعنى الأعم.
المطلب الثالث: فيما يحصل به البيان من خلال معارج الآمال قال السالمي في شمس الأصول:
وقد يجب البيان بالمعقول وقد يجي من جانب المنقول يكون بالكتاب والسنة من قول وفعل وبإجماع زكن (2) معنى ذلك أن البيان يحصل بالعقل كقوله تعالى: (أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لَّا يَخْلُقُ (3) وكقوله تعالى: {أَفَرَعَيْتُمُ مَا تُمْنُونَ * وَأَنتُمْ تَخَلَقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَلِقُونَ (4)، فقد ألزمهم الله بأمور لا يمكنهم إنكارها عقلاً.
وأما البيان النقلي فكقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللهُ في أَولادِكُم (0) بيان للنصيب المفروض في قوله تعالى: {وَلِكُل جَعَلْنَا مَوَالِي مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ (1)
(1) منهاج الوصول (130).
(2) أي علم وعرف. (3) سورة النحل، الآية: 17.
(4) سورة الواقعة، الآيتان: 58 و 59.
(5) سورة النساء، الآية: 11.
(6) سورة النساء، الآية: 32.
203 - 203 (1/203)
صفحة 192
اجتهادات الإمام السالمي
وكقوله تعالى: {فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلوةَ وَ اتَوُا الزَّكَوة (1) بيان لقوله: «أُمرت أن
أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (2) الحديث.
،
ويكون البيان بالسنة كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالنضح نصف العشر (3) بيان لقول الله تعالى: {وَآتُوا حَقَهُ، يَوْمَ حَصَادِهِ (4). وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (5)
بيان للآية أيضاً.
ومثال البيان بالفعل قوله: (خذوا عني مناسككم» (6) بيان لقوله تعالى: وقوله: «صلوا كما رأيتموني
على الناس حج الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا)
" (v)
أصلي (1) بيان لقوله تعالى: وأَقِيمُوا الصلوة.
6
ومثال البيان بالإجماع كإجماعهم على قتال مانعي الزكاة، فإن هذا الإجماع مبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها»، فبين إجماعهم على قول الصديق أن من حقها أن لا يفرق بين الصلاة والزكاة (9)
المطلب الرابع: تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه
قال السالمي رحمه الله: يجوز تأخير البيان عن وقت ورود المجمل إلى وقت الحاجة إليه، وهو الوقت الذي يطلب منا العمل به، فإذا طلب منا العمل بالمجمل
(1) سورة التوبة، الآية: 5.
(2) متفق عليه.
(3) البخاري باب العشر فيما يسقى 0,0141290 ن 540/ 2.
(4) سورة الأنعام، الآية: 141.
(ه) صحيح البخاري، باب زكاة الورق (1378)، (524/ 2، صحيح مسلم، باب ليس فيما دون خمسة
أوسق. . 66/ 3.
(1) أحمد 301/ 3 و 318 و 332 و 337 و 378 و الدارمي (1899) ومسلم (479 (1297) (310) وأبو داوود (1970) والنسائي 9/ 270 والبيهقي 116/ 5 و 130.
(7) سورة آل عمران الآية: 97.
(8) سنن الدارقطني، باب الاجتهاد في القبلة ... (1079)، 181/ 3، وصحيح ابن حبان، باب الأذان
1658 (، 541/ 4)
(9) انظر طلعة الشمس 394/ 1 وما بعدها.
204 - 204 (1/204)
صفحة 193
الأمال
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآم
تأخيره مع
احتجنا إلى البيان فحينئذ يمتنع تأخير البيان بعد الحاجة إليه قطعاً لأن في طلب العمل تكليفاً بما لا يطاق، وهو مذهب الشريف المرتضي والإمامية وبعض الحنفية والشافعية وأبي الحسن الكرخي ووافقهم ابن الحاجب وصححه البدر الشماخي» (1).
قال: والقول المختار جواز التأخير إلى وقت الحاجة، والحجة لنا قوله تعالى: ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (2)، وثم للتراخي.
وأيضاً فإن رسول الله أنفذ معاذاً إلى اليمن يعلمهم الزكاة وغيره فسألوه عن الوقص فقال: ما سمعت فيه شيئاً من رسول الله حتى أرجع إليه فأسأله، فعلم أن بيان ذلك قد تأخر (3).
المطلب الخامس: في القواعد التي فرع عليها السالمي في معارج الآمال في هذا الباب
تعرض السالمي لفروع تطبيقية لقواعد الإجمال والبيان.
منها: قاعدة حصول البيان لأحكام الشريعة كلها قبل موت النبي، وقاعدة بيان السنة للكتاب، وقاعدة تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه وهي أهم ما في هذا
الباب.
وسوف أسوق بعض الأمثلة التي توضح رسوخ آلة الاجتهاد عند السالمي في قواعد الاستنباط، فإن التمرس بالقواعد الأصولية وتنزيلها على الفروع الفقهية هو بحق أكثر ما يرسخ قدم المجتهد لا سيما إذا تعامل معها في الجانب التطبيقي تعامل
من
الخبير.
القاعدة الأولى: ما من مجمل إلا بينه النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته.
فرع الإمام السالمي مسألة فقهية هي مقدار ما يمسح من الرأس، وذكر مجمل
(1) انظر شرح مختصر العدل والإنصاف ص 270 للشماخي.
(2) سورة القيامة، الآية: 19.
(3) أخرجه أحمد في مسنده برقم (22010) وانظر طلعة الشمس 388/ 1.
205 -
205 (1/205)
صفحة 194
اجتهادات الإمام السالمي
أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فذهب مالك وجمهور الإباضية إلى وجوب مسح جميع الرأس.
وقيل: يجزئ مسح بعض الرأس. وقال أبو حنيفة: يجزئ ربع الرأس. قال واحتج من بمسح مقدم الرأس وهو الناصية بأن النبي توضأ ومسح ناصيته (1).
ورُدَّ بأنه دال على هيئة ولا يلزم نفي ما سواها، ومن كلامهم جز ناصيته، وأخذ بناصيته، ومعلوم أن ذلك لا يتقدر.
تقدم.
واحتج أبو حنيفة بحديث مسح الناصية المتقدم وقدر ذلك بالربع، ورُدَّ بما
وحجة الشافعي أنه قال: «مسحت بالمنديل»، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية، أما لو قال مسحت يدي بالمنديل فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل، فإذا ثبت هذا فاعلم أن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية، فإن أو جبنا تقديره بمقدار معين لم يكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مغاير لهذه الآية، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل. وإن قلنا إنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة مفيدة، ومعلوم أن حمل الآية على مَحْمَل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على مَحْمَل تبقى الآية معه مجملة، فكان المصير إلى ما قلناه أولى فظهر أن المفروض فيه أقل ما يطلق عليه المسح ولو شعرة.
ورد بأنه لو كان كذلك لفعله ولو مرة في العمر لإسقاط الواجب، لكنه يمسح ما دون الناصية قطعاً وليس في الشرع واجب أو جائز لم يبينه الشارع بفعل أو بتعليم، بل الذي فعله دائماً مسح ربع الرأس مرة واستيعابه أخرى كذا قيل، وأيضاً
(1) رواه أبو داوود عن المغيرة بن شعبة، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين رقم 150.
206 - 206 (1/206)
صفحة 195
أ
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
لا يمكن المسح على شعرة إلا بالزيادة عليها، وما لا يمكن الواجب إلا به فهو واجب،
فالزيادة واجبة (1).
من تأمل هذا النص النفيس يتضح له ما يلي:
ورود عدة قواعد أصولية:
الأولى: أن الإجمال خلاف الأصل، فهو عارض من عوارض الأدلة.
الثانية: ما من مجمل إلا وبيَّنه الشارع فلم يبق مجمل بعد وفاة النبي الله.
الثالثة: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ومن الفوائد المستنبطة من هذا النص إيراد أدلة المخالفين كلها مستوفية كما أوردها أصحابها، وهذا من الإنصاف وهو من أخلاق المجتهدين وهو جزء من فقه النفس الذي يتحلى به السالمي. وسوف نفرد له مبحثاً مستقلاً الكتاب إن شاء الله تعالى.
في
هذا
ج - ومن هذه الفوائد حسن عرضه واستدلاله وقوة مناقشاته وردوده وترجيحاته.
وسوف نفرد لذلك مبحثاً مستقلاً إن شاء الله تعالى.
القاعدة الثانية: بيان السنة للقرآن.
ومن الفروع على هذه القاعدة حكم التسمية على الوضوء.
ذكر السالمي رحمه الله خلاف أهل العلم في حكم التسمية على الوضوء.
فقال قوم: إنها فرض وقال أحمد وإسحاق هي واجبة. وقال آخرون: إنها ندب، وصححه الشيخ عامر لنيل الفضل.
احتج القائلون بوجوبها بقوله صلى الله عليه وسلم: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» (2).
(1) باختصار من معارج الآمال 341/ 1 و 342. (2) رواه الربيع عن ابن عباس في كتاب الطهارة، باب (15) آداب الوضوء وفرضه رقم (88)، 53/ 1.
207 - Y?V (1/207)
صفحة 196
اجتهادات الإمام السالمي
وأجيب بأن الحديث ورد على سبيل الترغيب كقوله: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد (1).
واحتج القائلون بأنه مندوب بظاهر قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
(r).
المرافق (2)
وجه الاستدلال: أن الله لم يذكر التسمية مع الفروض فعلم أن التسمية ليست
فرضاً لحصول الطهارة بدونها.
قال السالمي رحمه الله: وأجيب عن الاحتجاج بالآية بأنه بعث مبيناً لحكم القرآن، وقد أخبرنا أنه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه» (3). القاعدة الثالثة: تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
يصبح
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في هذه المسألة. فذهب جمهور الإباضية إلى أن من تعمد تأخير الغسل وهو جنب في رمضان فإنه مفطراً، وهو المروي عن عروة بن الزبير والحسن البصري والنخعي وطاوس
وهو أحد قولي الشافعي.
وحكي عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنه يتم صومه ثم يقضيه،
ونقل عن إبراهيم النخعي إيجاب القضاء في الفرض دون النفل. وذهب الجمهور من المذاهب الأربعة إلى أنه يتم صومه ولا قضاء عليه، وصومه
صحيح.
احتج أصحاب المذهب الأول وهم فقهاء الإباضية ومن وافقهم بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً، والحديث متفق عليه عند الطرفين كما يقول السالمي.
(1) رواه الربيع عن ابن عباس في كتاب الصلاة، باب (44) في المساجد وفضل مسجد رسول الله رقم
256 (، 108/ 1)
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) باختصار من معارج الآمال 376/ 1.
208 - Y'A (1/208)
صفحة 197
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واحتج الجمهور بحديث عائشة وأم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم في رمضان (1).
وقالوا: إن حديث عائشة ناسخ لحديث أبي هريرة ولم يبلغ أبا هريرة الناسخ
فاستمر على الفتيا به.
والجواب: أما حمل حديث أبي هريرة على الاستحباب أو الإرشاد فغير ظاهر لأنه لو أراد ذلك لبينه بأمر يعرفه الخاص والعام، وفعله عند زوجتيه لا يكفي بياناً للعامة وقد أُمر أن يبلغ الناس على سواء.
وأما الترجيح فغير مسلّم لاحتمال الجمع بين الحديثين بأن حديث عائشة وأم سلمة خاص به، وحديث أبي هريرة عام لغيره ... وقوله: «من أصبح جنباً أصبح مفطراً حكم عام يشملنا وإياه، وفعله مخصص لهذا العموم، فيبقى من عداه من الناس تحت هذا الحكم القولي، وأما النسخ فلا يثبت بالاحتمال، وأيضاً فلا يصح أن يكون فعله ناسخاً لقوله لأن ذلك يمكن أن لو كان الفعل شاهراً ظاهراً كالصلاة والمناسك، فأما المستر كالغسل من الجنابة فلا يصح أن يكون ناسخاً لأنه قد كُلف التبليغ على سواء، والفعل المستتر يخالف ذلك، فلو كان القول منسوخاً لبينه بقول مثله حتى يعلم الحكم فيه ولا يترك الناس على غير بيان في دينهم، ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه إجماعاً (2).
قلتُ: هذا كلام فيه فقه وعلم يعذر صاحبه بما أدى إليه نظره، لكن يبقى لي
له
تعليق بسيط عليه وهو أن يقال: إن حديث أبي هريرة: «من أصبح جنباً فلا صوم وحديث عائشة وأم سلمة أن النبي كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم رمضان، وفي هذه الحال يرجح بين الحديثين بأكثر من وجه، فعائشة أدرى بحال رسول الله فهي زوجه وهي أدرى بشأن الغسل ونحوه، وهي أفقه من أبي هريرة وقد
(1) رواه مسلم بلفظه كتاب الصيام، باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب رقم (1109)، 2/
380
(2) باختصار من معارج الآمال 240/ 5.
209 ـ 209
- (1/209)
صفحة 198
اجتهادات الإمام السالمي
استدركت عائشة رضي الله عنها كثيراً على أبي هريرة وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «خذوا نصف هذه» (1) دينكم عن وأشار إلى عائشة، وقد تعضت روايتها برواية أم سلمة فكلاهما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.
أما الجمع فلا شك هو أولى من الترجيح، لكن أن يقال: الصوم على الجنابة
خاص برسول الله والاغتسال عام للأمة، فجوابه: أن الخصوصية خلاف الأصل.
وقوله رحمه الله: النسخ لا يثبت بالاحتمال صحيح لكن من طرق النسخ ثبوت التعارض وتعسر الجمع بطريق مقبول، وإن سلم بقيام الاحتمال فهو احتمال قوي. وقوله رحمه الله: بأن البيان إنما يحصل لكل الأمة وفعله عند زوجتيه لا يكفي بياناً للعامة.
:فجوابه أن الأحكام الفقهية التي حصل فيها البيان من أزواجه لا تعد كثرة، وأزواجه الله نصبن أنفسهن للفتوى في كثير من الأحكام لا سيما الأحكام الخاصة بالنساء ولكون النبي صلى الله عليه وسلم ندب المسلمين أن يأخذوا شطر دينهم عن عائشة، وفقه عائشة نقل إلى الصحابة خاصتهم وعامتهم ولم يمنعهن الحياء أن يُبيّننَّ عن الله ورسوله أحكام الدين، فهو ليس مخبوءاً ولا مستوراً عن العامة وما يروى من حلف أبي هريرة الله سمعه من رسول الله فهو صادق وقد سمعه لكن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعلم من أبي هريرة وغيره بما يدوم وبما يُنسخ من أحكام الدين.
بأنه
لذلك فنحن لا نرى الهلاك في الأمور الفقهية العملية الخلافية لأن كل فريق قد
قال بالذي أدى إليه اجتهاده الذي لا يحق له تعديه والاجتهاد لا يُنقض بمثله.
هذا ما أحببت تعليقه مع تسليمي بوجاهة قول السالمي ودقة اجتهاده الذي يبرئ
الله بمثله ذمته وأن له أجرين إن أصاب وأجراً واحداً إن أخطأ، فلله الحمد والمنة.
"
(1) سنن الدارقطني باب النكاح (3561، 328/ 8. وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث ابن الحاجب في إملائه لا أعرف له إسناداً، ولا رأيته في شيء من كتب الحديث إلا في النهاية لابن الأثير ذكره في مادة ح م ر ولم يذكر من خرجه. انظر كشف الخفاء 374/ 1.
210 – 210 (1/210)
صفحة 199
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المبحث السابع
في الجمع بين الأدلة
إن الجمع بين الأدلة المتعارضة والقدرة على ذلك من أهم خصائص المجتهد الذي يعمل بأحاديث رسول الله، وقد أولى أئمة الأصول العناية الفائقة للجمع بين الأدلة المتعارضة ووضعت كتب مستقلة في هذا الشأن كتأويل مختلف الحديث لابن قتيبة، وشرح غريب الحديث للشافعي، وتأويل مشكل الآثار للطحاوي وقال فيه أئمة هذا الشأن أقوالاً مهمة قال الإمام ابن خزيمة: لا أعرف حديثين صحيحين متضادين فمن كان عنده شيء من ذلك فليأتني لأؤلف له بينهما (1).
ويقول ابن القيم: إن نصوص رسول الله يصدق بعضها بعضاً ولا يترك له نص إلا بنص آخر ناسخ له» (2). لكن في زاد المعاد قدم الجمع على النسخ فقال: «وسننه الثابتة كلها حق يجب اتباعها ولا يضرب بعضها بعضاً بل يستعمل كل منها على
وجهه» (3).
ويقول اللكنوي رحمه الله: والحق الحقيق بالقبول الذي يرتضيه نقاد الفحول في هذا الباب أن يقال علم التاريخ لا يوجب كون المتأخر ناسخاً والمتقدم منسوخاً ما لم يتعذر الجمع بينهما، وليس للجمع حد ينتهي به، فإن لم يظهر لواحد طريق الجمع لا يلزم منه التعذر لإمكان ظهوره لآخر» (4).
وقبل الدخول إلى مسلك السالمي في الجمع بين الأدلة لا بد من الإشارة السريعة إلى وجوه الجمع بين الأدلة عند الأصوليين ثم تنزيل هذه الأنواع على الفروع الفقهية عند الإمام السالمي رحمه الله في كتابه معارج الآمال.
(1) شرح الكوكب المنير (428) الطبعة الأولى. (2) أعلام الموقعين 360/ 1 الطبعة الثانية، دار الفكر.
(3) زاد المعاد 179/ 4 دار الفكر.
(4) الأجوبة الفاصلة بتحقيق أستاذي الجليل عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله ص 192 و 193 نشر مكتبة
المطبوعات بحلب سنة 1964.
211 - 211 (1/211)
صفحة 200
اجتهادات الإمام السالمي
المطلب الأول: وجوه الجمع بين الأدلة المتعارضة
هذا ووجوه الجمع التي ذكرها الأصوليون ستة وجوه، وبعضهم يزيدها على الستة لكن تتداخل فإذا تداخلت قل العدد، والعدد الذي لا يتداخل ستة لأن الجمع تارة
يكون بالتخصيص، وتارة بالتنويع، وتارة بالتقييد، وتارة باختلاف الحال، وتارة
باختلاف الحكم، وتارة بتوزيع الحكم
الوجه الأول: الجمع بالتخصيص
(1)
وذلك إذا كان أحد الدليلين المتعارضين عاماً والآخر خاصاً فيُجمع بينهما بأن
يخص العام ويعمل به فيما وراء الخاص، مثال ذلك قوله تعالى: {فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} (2).
(د)
(2)
وعن عكرمة عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال: «لا تقتلوا أهل الصوامع (3) أي الرهبان. وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلاً صغيراً ولا امرأة ولا تغلوا» (4).
فجمع بين الآية والحديثين بتخصيص عموم الآية بأن تكون عامة في المشركين
ويستثنى من عمومها الرهبان والنساء والأطفال.
الوجه الثاني: الجمع بالتنويع.
أن وهو يحمل كل من المتعارضين على نوع يخالف النوع الآخر، ومثلوا لهذا النوع بقول النبي: خير الشهود أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (ه)، فقد روي عنه أنه قال: شر الشهود أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد» (6).
(1) القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول للعبد الفقير إلى ربه ص 457. (2) سورة التوبة، الآية: 5.
(3) رواه أحمد في مسنده 300/ 1 تصوير استانبول.
(4) أخرجه أحمد عن صفوان بن عسال 240/ 4.
(0) أخرجه مسلم في باب خير الشهود عن زيد بن خالد الجهني، كتاب الأقضية، باب (9) رقم (19)، 3/
1344
(1) رواه مسلم من عدة طرق في فضائل الصحابة (44) باب (52) رقم (214)، 1964/ 4.
212 - 212 (1/212)
صفحة 201
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فقد دفع العلماء هذا التعارض بوجوه متعددة منها أنهم حملوا الحديث الأول على نوع من الشهادة وهي في حقوق العباد يموت الرجل وله حق عند آخر ولا يعلمه أحد فيتقدم فيشهد من غير أن تطلب منه الشهادة فيؤجر لأن حقوق العباد مبنية على المشاحة، ويحمل الحديث الآخر على الشهادة في حقوق الله التي مبناها الستر والمسامحة، وهذا الوجه ليحيى بن سعيد شيخ مالك (1).
الوجه الثالث: الجمع بالتقييد.
وفي هذا النوع يقيد كل دليل من الدليلين المتعارضين بقيد يخالف الآخر، كما لو قال من تجب طاعته: أعط فقيراً، مع قوله: لا تعط فقيراً، ولم يعلم السابق من اللاحق من الأمرين، فإن الأول يقيد بالفقير المتعفف، والثاني بالفقير المتسول. هذا إذا كان النصان عامين، أما إذا كانا خاصين مطلقين قيد كل واحد منهما بقيد يخالف الآخر أيضاً.
كما لو قال من تجب طاعته أعط محمداً، وقال: لا تعط محمداً، ولم يُعلم
السابق منهما، فإن الأول يقيَّد بحال الاستقامة والثاني يقيَّد بحال الاعوجاج. ومثلوا له بالحديثين المتعارضين في كسب الحجام، فقد روي عن أبي هريرة أن مع روي احتجم حجمه أبو طيبة
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كَسْبُ الحجام خبيث» (2)، ما وأعطاه أجره وكلَّم مواليه فخففوا عنه (3).
أنه
فبين الحديثين تعارض، وقد جمعوا بينهما بتقييد النهي في صورة ما إذا كان
(1) انظر كتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول للعبد الفقير إلى ربه ص
(3)
809
(2) أخرجه النسائي عن أبي هريرة في كتاب البيوع، باب (94) 311/ 7 المكتبة العلمية ـ بيروت، وأحمد في مسنده 299/ 2 و 332 و 415. صحيح البخاري، باب السهولة والسماحة في ... (1996 (741/ 2 وباب من أجرى أمر الأمصار (2096) 769/ 2 وباب ضريبة العبد وتعاهد. . . (2157 (796/ 2 وباب الحجامة من الداء (5371) 2156/ 5 وصحيح مسلم، باب حل أجرة الحجامة (4121)، 39/ 5.
213 - 213 (1/213)
صفحة 202
اجتهادات الإمام السالمي
الأجر على عمل غير معلوم، ويقيد الجواز فيما إذا كانت الأجرة على عمل معلوم. وهذا القول ذكره صاحب سبل السلام (1).
والأولى في نظري والله أعلم أن يقيد الإذن بالحجامة في حال الحاجة وأن ينتفع بهذا الكسب في نحو علف الدواب وما أشبه ذلك من وجوه الإنفاق، وأما أن يأكله
فالظاهر الجواز مع الكراهة، ويقيد النهي عن الحجامة في حالة الاستغناء عنها. ويؤيد هذا التأويل روايات صريحة وصحيحة أولها ما رواه الترمذي عن محيصة عن أبيه أنه استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في إجارة الحجام فنهاه عنها، فلم يزل يسأله ويستأذنه حتى قال: «أعلفه ناضحك وأطعمه رقيقك». قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: حديث محيصة حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم (2)، ومثله عند ابن ماجه (3)
الوجه الرابع: الجمع باختلاف الحال.
وهو أن يحمل أحد الدليلين المتعارضين على حال والدليل الآخر على حال خلافها مثاله ما روي أن خباب بن الأرت له الله قال: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرمضاء فلم يشكنا. (4)، أي لم يزل شكوانا. وروي عن أبي هريرة له أن رسول الله
قال: إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم» (5).
الرمضاء
ففي
وهي
النصان معنيان متعارضان لأن الأول يقتضي عدم تأخير الصلاة بسبب شدة الحر، وهذا ينافي ما يقتضيه الحديث الثاني وهو تأخير الصلاة
والإبراد بها عند اشتداد الحر.
(1) سبل السلام 110/ 3 الطبعة الثالثة. (2) سنن الترمذي 576/ 3 رقم الحديث (1277). (3) سنن ابن ماجه 2/ 732 رقم الحديث (2166).
(4) رواه مسلم بهذا اللفظ عن خباب بن الأرت كتاب المساجد ومواضع الصلاة (5) باب (34) رقم
433/ 1، (189)
(ه) صحيح البخاري باب الإبراد في الظهر. . (10) 158/ 18 وباب الأذان للمسافر إذا. . . (603) 1/ 226 وباب صفة النار وأنها مخلوقة (3085) 1189/ 3 وصحيح مسلم، باب استحباب الإبراد (1426)
214 - YIE
107/2 (1/214)
صفحة 203
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقد جمع بين هذين الحديثين بحمل عدم الإذن بالإبراد بالصلاة على حال احتمال الحر بأن يكون محتملاً وليس شديداً، وبحمل الإذن بالإبراد بها على حال ما إذا كان الحر شديداً غير محتمل.
الوجه الخامس: الجمع باختلاف الحكم.
ويكون بجعل أحد الحكمين المتعارضين والذي أثبته أحد النصين غير الحكم
الذي نفاه الآخر، وحينئذ لا يبقى تعارض مثاله: قوله صلى الله عليه وسلم: لا صلاة لجار المسجد
إلا في المسجد (1)، مع ما ثبت أنه أقر صلاة من صلى في غير المسجد (3). فإن ظاهر الحديث الأول نفي الصلاة في غير المسجد عمن هو جار له، ومقتضى الحديث الثاني صحة صلاته في غير المسجد، فهما متعارضان. وقد جمع بين الحديثين بحمل الأول على نفي الكمال أو نفي الفضيلة، ومعنى نفي الكمال أن تكون الصلاة صحيحة ولكنها ليست كاملة، ونفي الفضيلة معناه أن الصلاة صحيحة ولكن مفضولة، ومعنى نفي الصحة أن الصلاة لا تكون صحيحة لمن صلى في بيته، وبذلك ينتفي التعارض بين الحديثين (3).
الوجه السادس: توزيع الحكم.
أن وهو يوزع الحكم على أكثر من موضع لأنه إذا انفك الموضع انتفى التعارض، ومثلوا له بحديث: لا تستقبلوا القبلة ببول أو غائط ولا تستدبروها ولكن شرقوا وغربوا» (4)، مع ما روي عن ابن عمر أنه قال: ارتقيت بيت أختي حفصة فرأيت رسول الله يقضي حاجته وهو مستدبر القبلة (5).
فبين الحديثين تعارض، وقد دفع هذا التعارض بالجمع بتوزيع الحكم على
(1) رواه الدارقطني بسنده عن جابر بن عبد الله بلفظه وقال الدارقطني: وقال أبو حامد لا صلاة لمن سمع النداء ثم لم يأته إلا من علة، سنن الدارقطني 219/ 1 دار المحاسن للطباعة.
(2) رواه أحمد في مسنده عن يزيد بن الأسود العامري 4/ 160 دار الدعوة، تصوير استانبول.
(3) انظر القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول ص 468. (4) رواه مسلم في صحيحه عن أبي أيوب بلفظه في كتاب الطهارة 224/ 1 حديث (59). (ه) رواه مسلم في صحيحه عن ابن عمر، كتاب الطهارة 1/ 225 رقم (62).
215 - YO (1/215)
صفحة 204
اجتهادات الإمام السالمي
موضعين، فتحمل الرخصة في استقبال القبلة بالبول والغائط في المنازل ووراء الجدر والأشجار، ويحمل المنع من ذلك في الصحارى والمواضع المكشوفة دون العمران. وممن قال بهذا الجمع الإمام البخاري حيث قال في ترجمة الباب الحادي عشر من الطهارة، باب لا يستقبل القبلة ببول أو غائط إلا عند البناء جدار أو نحوه (1)، وبه قال أبو داوود (2) رحمه الله فقد روى بسنده عن ابن عمر أنه أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول، فقيل له: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى، إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة ما يسترك فلا بأس.
فقد دفع التعارض بتوزيع الحكمين المتعارضين على موضعين فزال التعارض.
المطلب الثاني: الجمع بين الأدلة في اجتهادات السالمي رحمه الله في كتاب المعارج الأدلة. وسوف أورد فروعاً فقهية تبين مسلك السالمي رحمه الله في الجمع بين المثال الأول: مسح الأعضاء بالمنديل.
ذكر السالمي خلاف العلماء في هذه المسألة فقال إبراهيم النخعي والحسن البصري وأبو حنيفة والمالكية: لا بأس بمسح الأعضاء بالمنديل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا توضأ مسح رأسه بطرف ثوبه (3)، وكان جابر بن زيد به يفعله. وقد روي عن معاذ أنه رأى رسول الله يمسح وجهه بطرف ثوبه وآثار وضوئه (4).
وكرهه بعض فقهاء الإباضية ودليلهم ما رواه البخاري من حديث ابن عباس قال: حدثتنا ميمونة قالت: صببت للنبي غسلاً فأفرغ على يساره فغسلها ثم غسل فرجه ثم مال بيده على الأرض فمسحها بالتراب ثم غسلها ثم مضمض واستنشق
،
(1) انظر صحيح البخاري 45/ 1. (2) تفرد به أبو داوود انظر كتاب الطهارة، باب (4)، 20/ 1 حديث رقم (11). (3) رواه الترمذي بلفظه عن معاذ بن جبل وقال: حديث غريب وإسناده ضعيف، باب (40) ما جاء في
المنديل بعد الوضوء رقم (54)، 75/ 1. (4) رواه الربيع مرسلاً عن جابر بلفظ قريب كتاب الطهارة، باب (15) في آداب الوضوء وفرضه رقم
216 - 216
00/ 1 (90) (1/216)
صفحة 205
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
غسل وجهه وأفاض على رأسه ثم تنحى وغسل قدميه ثم أتى بالمنديل فلم ينقض بها. قال أبو عبد الله: يعني لم يمسح بها (1)
قال السالمي رحمه الله: (والجمع) يتأتى على القول بالكراهية وأنه إنما فعله
لبيان الجواز لا لكونه مستحباً» (2).
فهذا النوع من الجمع هو جمع باختلاف الحكم، وقد سبق الكلام عليه في
وجوه الجمع عند الأصوليين.
المثال الثاني: مقدار الماء الذي لا يجزئ أقل منه في الوضوء والغسل. ذكر السالمي رحمه الله أقوال أهل العلم في أقل ما يجزئ من الماء في الوضوء، فقال البعض من الفقهاء: يجزئ المُدُّ في الوضوء، وصاع في الغسل. واستدل هؤلاء بحديث: يجزئ الغسل من الجنابة صاع من ماء» (3)، وبحديث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد» (4).
عائشة
وذهب بعض فقهاء الإباضية إلى أن الصاع ليس بمقدار لأقل ما يجزئ من الغسل، فقد عمل بما أمر به ولو بأقل من الصاع واحتج هؤلاء بما روي عن أنها قالت: اغتسلتُ أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلمبصاع ونصف يقول: «أبقي لي» وأقول: أبقِ
لي ..
قال السالمي رحمه الله: ويمكن الجمع بين الروايتين بأن يقال: إن ذلك قد وقع، فمرَّة كان الاغتسال بصاع ونصف، ومرةً بصاعين ونصف، فهما واقعتان لا واقعة
واحدة.
وهذا الوجه من الجمع هو جمع بتوزيع الحكم، فالحكمان المتعارضان إذا وزعا
،
(1) البخاري، كتاب (5) الغسل باب (7) المضمضة والاستنشاق في الجنابة برقم (259)، 79/ 1. (2) باختصار من معارج الآمال 1/ 415. (3) رواه ابن ماجه عن عبد الله محمد بن عقيل بن أبي طالب عن أبيه عن جده، أبواب الطهارة وسننها، باب (1) ما جاء في مقدار الماء للوضوء والغسل من الجنابة رقم (270).
(4) سنن أبي داوود، باب ما يجزئ من الماء. . . (92) 34/ 1، ومسند أحمد (14621) 30/ 155.
217 - 217 (1/217)
صفحة 206
اجتهادات الإمام السالمي
على واقعتين فليس بينهما تعارض لأن التعارض إنما يتم باتحاد المحل والمأمور، فإذا
اختلف المأمور أو الزمن فلا تعارض حينئذ.
المثال الثالث: في اختلاف العلماء في تنجيس الماء الراكد.
ذكر السالمي اختلاف العلماء في الماء الراكد تقع فيه النجاسة على مذاهب: الأول: فرَّق بين قليله وكثيره، وقالوا: إن الكثير لا يفسده وقوع النجس فيه إلا أن يغير لونه أو طعمه أو ريحه وأما القليل فإنه يتنجس بوقوع النجس فيه وإن لم يتغير شيء من أوصافه، وعلى هذا أكثر الإباضية والشافعي وأكثر أصحابه. وذهب آخرون إلى أن قليل الماء وكثيره، سواء، وحكمه الطهارة فلا ينجسه إلا ما
غلب عليه من النجاسة فتغير بمخالطته.
ومنهم من كره الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة، وهؤلاء نظروا إلى تعارض الأدلة على حسب ما سيأتي، وحاولوا الجمع بينهما، فحملوا أدلة القائلين بنجاسة الماء القليل إذا أصابه النجس على الكراهية فقط جمعاً بينها وبين ما يعارضها (1).
وهذا
جمع
باختلاف الحكم وهو معتبر.
المثال الرابع: الصفرة والكدرة في أيام الحيض.
ذكر السالمي اختلاف أهل العلم في الصفرة والكدرة.
فقال قوم: هما حيض في أيام الحيض لا في غيرها.
وقال آخرون: هما حيض مطلقاً في أيام الحيض وغيرها.
وقال أبو الحواري ومحمد بن الحسن: الذي نأخذ به أن الصفرة في أيام حيضها
ليس بحيض إلا أن يتقدمها دم.
وقال أبو سعيد: هما في أيام الحيض حيض.
(1) باختصار من معارج الآمال 490/ 1.
218 - 218 (1/218)
صفحة 207
استدل
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال إنهما ليسا بحيض بحديث أم عطية الأنصارية قالت: كنا لا نعد من
الصفرة والكدرة حيضاً في زمان النبي (1).
واستدل
تطهر المرأة من حيضها حتى ترى القصة البيضاء».
فمن
من قال: إن الكدرة والصفرة من الحيض بحديث عائشة أنها قالت: «لا
أخذ بحديث أم عطية جعل الصفرة والكدرة ليسا بحيض، ومن أخذ بحديث
عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضاً.
ومن رأى الجمع بين الحديثين، حديث عائشة وحديث أم عطية، قال: إن حديث عائشة في أيام الحيض، وحديث أم عطية في غير أيام الحيض، أو حديث أثر الدم، وحديث أم عطية هو بعد انقطاع الدم
عائشة
هو في
(2)
وهذا الوجه من الجمع هو جمع باختلاف الحال، وهو طريقة في الجمع معتبرة، وقد سبقت الإشارة إليها عند الكلام على وجوه الجمع عند الأصوليين.
المثال الخامس: أقل وأكثر مدة الحيض.
ذكر السالمي خلاف العلماء في أقل وأكثر مدة الحيض، فذكر عن جابر بن زيد
أن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن في كل شهر حيضاً وطهراً يعتري النساء.
قال السالمي رحمه الله: «فإذا جمعت بين هذه الأدلة ظهر لك أن في كل شهر حيضاً وطهراً وأن أكثر الحيض عشرة أيام، فيحصل من مجموع ذلك أن هذه المرأة تكون حائضاً عشرة أيام لحديث جابر إذ لا حيض فوق العشر وتكون طاهراً عشرين يوماً للأدلة الدالة على أنه في كل شهر حيض وطهر (3)
(1) رواه البخاري بلفظ قريب كتاب الحيض، باب الصفرة والكدرة في غير أيام الحيض رقم (326)، 1/
97
(2) معارج الآمال 54/ 2 و 55.
(3) باختصار من معارج الآمال 67/ 2.
219 - 219 (1/219)
صفحة 208
اجتهادات الإمام السالمي
لكن يبدو أن هذا الجمع ليس جمعاً
بين أدلة متعارضة، لكنه
للأحاديث
جمع
الواردة في هذا الموضوع واستخلاص الحكم منها مجموعة.
المثال السادس: في عذاب القبر ونعيمه.
قال السالمي رحمه الله: ذهب أكثر الأمة وأكثر أصحابنا منهم جابر بن زيد وموسى بن أبي جابر ومحمد بن محبوب إلى إثباته ... وأنكره بعض أصحابنا لتعارض
الأدلة
عندهم بتقادم الزمان حيث صار المتواتر في حكم الآحاد.
قال: والجواب أن حكم المتواتر لا ينتقل عن أصله (1).
واحتج من أنكره بقوله تعالى: ولا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ
(2)
الأولى (2).
أن
وأجاب عنها: أن هذه الآية في أهل الجنة ثم نقل كلام ابن المنير وهو قوله: وأشكل ما في القضية أنه إذا ثبتت حياتهم لزم موتهم بعد الحياة ليجتمع الخلق كلهم في الموت عند قوله تعالى: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ) (3)، فيلزم تعدد الموت وقد قال الله تعالى: وَلَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الأُولَى قال: والجواب الواضح عندي معنى قوله تعالى: {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ: أي ألم الموت فيكون الذي يعقب الحياة الأخروية بعد الموت الأول لا يذاق ألمه ألبتة ويجوز ذلك في حكم التقدير بلا إشكال، وما وضعت العرب اسم الموت إلا للمؤلم على ما فهموه لا باعتبار كونه ضد الحياة، فعلى هذا يخلق الله لتلك الحياة الثانية ضداً بعد مهلة لا يسمى ذلك الضد موتاً وإن كان للحياة ضد جمعاً بين الأدلة العقلية والنقلية واللغوية.
قال السالمي رحمه الله: قول الملكين في بعض الأحاديث أنهما يقولان للسعيد
نم نومة العروس وللشقي نم نومة السليم (4).
(1) باختصار من معارج الآمال 223/ 4.
(2) سورة الدخان الآية: 56.
(3) سورة غافر، الآية: 16. (4) معارج الآمال 223/ 4.
220 - YY. (1/220)
صفحة 209
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
في
ويقصد السالمي أنه يموت في القبر من غير أن يذوق ألم الموت كما ذاقه الحياة الدنيا، وهذا يؤيد كلام ابن المنير وإن بدا تأويله متكلفاً، لكنَّ حذف المضاف واقع في القرآن وهو من مجاز الحذف ومنه قوله تعالى: {قَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرا (1)، والصلاة لا تهدم حقيقة وإنما تهدم مواضع الصلاة، وهكذا قوله تعالى: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ أي ألم الموت. ومنه قوله تعالى: {وَسْتَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا (2) أي أهل القرية، وحذف المضاف سائغ لا تكلف فيه.
وهي غير
المثال السابع والأخير في هذا الموضوع: زكاة العوامل. ذكر السالمي رحمه الله خلاف الفقهاء في هذه المسألة قال رحمه الله: ثم اختلفوا في المعلوفة وهي التي تقنى في البيوت لحاجة العيال أو للركوب عند الحاجة العوامل، فقيل: فيها زكاة وهي أقرب إلى الوجوب من العوامل، وقيل: لا زكاة فيها لأنها ليست بسائمة. والحاصل أن الإجماع إنما هو على زكاة السائمة، والخلاف في ما عداها قال أبو محمد أما ما اقتني واستعمل فلا أرى فيه الزكاة. ورجح في موضع آخر وجوب الزكاة في السائمة وغيرها.
واحتج القائلون بوجوب الزكاة في العوامل وغيرها بقوله: «في خمس من الإبل شاة وفي خمس من البقر شاة وفي أربعين شاة شاة» (3)، فإن ظاهر الحديث وجوب الزكاة في الجميع ولم يخص سائمة من غيرها فالمسقط للصدقة من غير السائمة محتاج إلى دليل وذكر السائمة في بعض الروايات لا ينفي وجوب الزكاة في غيرها لأن الجمع بين الخبرين أولى من إسقاط أحدهما (4).
،
(1) سورة الحج، الآية: 40. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن مجازها مصليات. مجاز القرآن لأبي عبيدة 52/ 2 تحقيق د. فؤاد سيزكين مكتبة الخانجي بمصر.
(2) سورة يوسف، الآية: 82.
(3)
سنن أبي داوود، باب في زكاة السائمة (1570 573/ 1 سنن ابن ماجه، باب صدقة الإبل (1798) 573/ 1، سنن الترمذي، باب زكاة الإبل والغنم (621) (17/ 3، مسند أحمد (4734) 262/ 10. (4) معارج الآمال 526/ 4 و 527/ 4.
221 221 (1/221)
صفحة 210
الفصل الثاني
في الفنون المساعدة
على الاجتهاد عند السالمي
وفيه تمهيد وثلاثة مباحث
تمهيد في معنى القواعد الفقهية
وأهميتها وكيف تعاطى السالمي مع هذا الفن
• المطلب الأول: تعريف القاعدة لغة واصطلاحاً
القاعدة
في اللغة: الأساس وقواعد البيت: أساسه (1)، وفي التنزيل: {وَان
هي
•
يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَعِيلُ (2)، وهذا في الأمور الحسية، ثم استعملت في الأمور المعنوية ومن ذلك قولهم: قواعد الدين، وقواعد العلوم.
أما من الناحية الاصطلاحية فقد سار في تعريفها العلماء في اتجاهين اثنين:
(1) المصباح المنير 2/ 510 والمعجم الوسيط 748/ 2 وتاج العروس 60/ 9.
(2) سورة البقرة، الآية: 147.
223 - 223 (1/223)
صفحة 211
اجتهادات الإمام السالمي
الاتجاه الأول يرى أن القاعدة قضية كلية ينطبق عليها جزئيات كثيرة يفهم
أحكامها منها.
وقد سار في هذا الاتجاه كل من تاج الدين السبكي (1) والإمام المقري (2) والجرجاني في تعريفه (3) تعريفه (3) والتفتازاني في التلويح (4) والتهانوي في الكشاف (5) وكثيرون
غيرهم.
وأما الاتجاه الثاني: فإنه يرى أن القاعدة الفقهية قضية أغلبية تنطبق على معظم
جزئيات موضوعها.
وسار في هذا الاتجاه كل من محمد هبة الله التاجي في التحقيق الباهر شرح
الأشباه والنظائر (6) والحموي في غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر (7) والسبب الذي دعا العلماء إلى اعتبار القواعد الفقهية أغلبية أو أكثرية هو أن كثيراً من هذه القواعد يخرج عنها صور مستثناة فلا ينطبق عليها حكمها، وأما من يعتبرها كلية فإنه يري أن هذه المستثنيات لا تخل بكلياتها، فلا تنخرم بها الكليات، ولكونها تندرج تحت قواعد أخرى بحيث تكون لغير القاعدة المستثناة منها. وفي هذا المعنى يقول الإمام الشاطبي رحمه الله: وأيضاً فالجزئيات المتخلفة قد يكون تخلفها لحكم خارجة عن مقتضى الكلي فلا تكون داخلة تحته أصلا» (8)
ويقول صاحب التحقيق الباهر: إن الفرع المخرج منها عند الفقهاء إما أن يدخل تحت قاعدة أخرى أو لا، وعلى كل فهي كلية بالنسبة إلى غير ذلك الفرع» (9).
(1) الأشباه والنظائر للسبكي 11/ 1 ط أولى، دار الكتب العلمية.
(2) قواعد المقري ورقة 1/ 2 كما نقله محقق إيضاح المسالك للونشريسي ص 110.
(ad)
ص 171 دار الكتب العلمية.
(4) 20/ 1 طبعة مصر.
(5) کشاف اصطلاحات الفنون 1176/ 5 و 1177.
(6) مقدمة تحقيق كتاب القواعد للحصني 28/ 1 للزميل د. عبد الرحمن الشعلان.
(7) 22/ 1 دار الطباعة العامرة.
(8) الموافقات 53/ 2. (9) التحقيق الباهر ورقة 128
224 - 224 (1/224)
صفحة 212
أحكاماً
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
،
وهذا ما يجعلنا نميل نحو الاتجاه الأول الذي يعتبر القواعد الفقهية قضايا أو كلية، والمقصود بالكلية النسبية وليس المطلقة فهي كلية بالنسبة لما بقي تحتها من فروع لا لما خرج عنها.
وبناءً على ذلك نختار تعريف العلامة الأستاذ مصطفى الزرقا رحمه الله حيث قال في تعريف القواعد الفقهية بأنها: أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها (1). ويقصد بقوله «دستورية» أن العلماء تصرّفوا فيها وصقلوها حتى جاءت بصيغة
فنية تشبه النصوص الدستورية.
• المطلب الثاني: الفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية والنحوية القواعد الأصولية والنحوية قواعد كلية بالمعنى المطلق بمعنى أنه لا تخرج عنها
جزئية ألبتة.
يتخلف.
مثال القاعدة الأصولية: الأمر العاري عن القرائن يفيد الوجوب.
فهذه قاعدة لا يخرج عنها جزئي من جزئياتها. ومثال القاعدة النحوية: الفاعل مرفوع والمفعول به منصوب. فالحكم فيهما لا
أما القاعدة الفقهية فيكثر فيها الاستثناء، إلا أن عدم اطرادها لا يقدح في عمومها كما سبق بيان ذلك، لأن العلماء أجروا عموم هذه القواعد على العموم العادي الذي طريقه الاستقراء، ولا يضره تخلُّفُ بعض الجزئيات، وليس على العموم العقلي الذي لا يتخلف عنه جزئي من جزئياته.
المطلب الثالث: الفرق بين القاعدة والضابط
القاعدة الفقهية أوسع مجالاً من الضابط، فالقاعدة الفقهية تدخل في أبواب كثيرة
ولكن الضابط يختص بباب واحد من أبواب الفقه.
(1) المدخل الفقهي العام فقرة (556).
225 - 22 (1/225)
صفحة 213
اجتهادات الإمام السالمي
وهذا ما نص عليه الإمام تاج الدين السبكي حيث يقول: ومنها ما لا يختص كقولنا: اليقين لا يزول بالشك ومنها ما يختص كقولنا: كل كفارة سببها معصية فهي على الفور، والغالب فيما اختص بباب واحد وقصد به نظم صور متشابهة أن
ضابطاً (1).
يسمى
وقال البناني في حاشيته على شرح الجلال المحلي ما نصه: والقاعدة لا تختص بباب واحد بخلاف الضابط».
وقال ابن نجيم في أشباهه: الفرق بين الضابط والقاعدة أن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى، والضابط يجمعها من باب واحد (2). وقال السيوطي (3): «إن القاعدة تجمع فروعاً من أبواب شتى والضابط يجمع فروع باب واحد».
وعلى الرغم من هذا التفريق فإن كثيراً من العلماء يطلقون الضابط على القاعدة، والقاعدة على الضابط، كما فعل العلائي في قواعده وابن السبكي في أشباهه، وكذا
ابن رجب في قواعده وابن اللحمام في القواعد والفوائد والزركشي في المنثور)
(4)
وقد مشيت على هذا الاصطلاح في معجم القواعد الإباضية لأنني رأيت أن ذلك اصطلاح، ولا مشاحة في الاصطلاح، على أن أكثر هذه القواعد التي استخرجتها من كتب الفقه الإباضي لا تختص بباب واحد وما يختص بباب واحد فنادر جداً، والنادر لا حكم له.
1
المطلب الرابع: خصائص القواعد الفقهية
لهذه القواعد خصائص ومميزات مهمة أذكر أهمها بإيجاز:
إنها تمتاز بإيجاز في عباراتها فقد تصاغ بكلمتين نحو: (العادة محكمة)، أو
(1) الأشباه والنظائر للسبكي 11/ 1.
(2) أشباه ابن نجيم ص 166.
(3) أشباه السيوطي 7/ 1. (4) المنثور في القواعد للزركشي 17/ 1.
،
226 - 226 (1/226)
صفحة 214
2
-
-
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
بثلاث كلمات نحو: (المشقة تجلب التيسير) و (اليقين لا يزول بالشك). وبسبب هذا الإيجاز فإنها يسهل على الفقيه والمفتي حفظها، واستحضارها متى شاء، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف وتتضح له مناهج الفتوى
كما يقول القرافي
(1)
ومن خصائصها أنها تضبط للفقيه الفروع، وتنسق بين الأحكام المتشابهة فتردُّ الفروع إلى الأصول، وتسهل على طلبة العلم النظر في الفقه. إنها تكون المَلَكَة الفقهية عند طالب العلم وتيسر له السبل في دراسة أحكام الشريعة، واستنباط الحلول للوقائع المتجددة.
إنها تسهل على رجال التشريع غير المتخصصين الاطلاع على الفقه بروحه ومضمونه، وتقدم لهم العون لاستمداد الأحكام منه ومراعاة الحقوق والواجبات (2).
(†)
إنها توفر الطمأنينة في نفس المجتهد في أن اجتهاده مبني على قواعد كلية معتبرة في الشريعة، وكذلك حصول هذه الطمأنينة في نفس المقلد (3). وأن هذه القواعد المعتبرة قد ثبتت بعشرات النصوص فيطمئن على عبادته وأعماله.
تساعد الفقيه على توسعة مداركه، وطالب العلم حتى يقف على الفقه بأبعاده
وأسراره.
يقول السيوطي في هذا المعنى: إن فنّ الأشباه والنظائر فن عظيم، به يُطلع على حقائق الفقه، ومداركه، ومآخذه وأسراره، ويُمتهرُ في فهمه واستحضاره، ويقتدر على الإلحاق، والتخريج، ومعرفة أحكام المسائل التي ليست بمسطورة، والحوادث، والوقائع التي لا تنقضي على مر الزمان» (4).
(1) الفروق للقرافي 3/ 1 دار المعرفة. (2) المدخل لدراسة التشريع الإسلامي للصابوني 296/ 1 والمدخل في التعريف بالفقه د. محمد مصطفى
شلبي، دار النهضة العربية.
(3) انظر مقدمة تحقيق المنثور لتيسير فائق 37/ 1.
(4) الأشباه والنظائر للسيوطي ص 6.
-
227 227 (1/227)
صفحة 215
اجتهادات الإمام السالمي
المطلب الخامس: القواعد الفقهية عند الإمام السالمي
والإمام السالمي رحمه الله كبقية فقهاء المذهب الإباضي لم يفرد فصولاً خاصة بالقواعد الفقهية في معارج الآمال، أما في طلعة الشمس فقد ختم مباحث الأدلة بخاتمة مختصرة عَنْوَنَ لها بقوله: «خاتمة في قواعد الفقه» (1)
ذكر فيها القواعد الكلية الخمس وشرحها شرحاً مختصراً جداً، وقد أحسن رحمه الله في نظمها حيث قال في طلعة الشمس:
أما اليقين فهو لا يزيله إلا يقين مثله حصُولُهُ وإنما الأمور بالمقاصد والضر مرفوع بلا معاند ويجلب التيسير بالمشقة إذ ليس في الدين عذاب الأمة وإن للعادة حكما فعلي ما قد ذكرتُ أسَّسَ الفقة الألى لكن أثناء الاستدلال والمناقشة فإنه كان يستشهد بكثير من القواعد الفقهية، والأصولية واللغوية التي يندرج تحتها كثير من الفروع الفقهية. وإننا نلحظ ذلك من خلال تعليلاته للفروع والمسائل التي يذكرها أثناء تفريعه المسائل. وقد استدل بها في مواطن كثيرة مع ذكر الأدلة من الكتاب والسنة، وقد جاء استدلاله بها في غاية الروعة، والحسن.
وقد تتبعتُ هذه القواعد في كتابه معارج الآمال واستخرجتها، ورتبتها على حروف المعجم، ثم شرحتُ ألفاظها وبيَّنتُ معانيها ثم ذكرتُ أدلتها من الكتاب والسنة، ثم ذكرتُ ما يسره الله لي من فروع وأمثلة وبحثت ما يندرج تحتها من مباحث أصولية أو فقهية، وقد جعلتها في تضاعيف معجم القواعد الإباضية.
،
ولما كانت هذه الدراسة لها تعلق باجتهادات السالمي ذكرتُ أهمها في هذا الكتاب مع شيء من الاختصار في بعض المباحث الأصولية أو اللغوية المندرجة
(1) طلعة الشمس 290/ 2.
228 - 228 (1/228)
صفحة 216
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
تحتها، وتركتُ منها ما مَرَّ في كتب السادة الإباضية اكتفاء بما ذكرته في معجم القواعد فقد شرحتها هناك فارجع إليها، والله يتولانا وإياك.
المبحث الأول
في التقعيد الفقهي
[1] [أحكام الدار تسري على أهلها] (1)
هذه القاعدة أشار إليها الإمام السالمي في معرض كلامه عن الميت إذا وجد ولم يدر ما هو قال رحمه الله: «فإن كان في دار المسلمين عومل بمعاملة أهلها، وإن كان في دار شرك عومل بمعاملة أهلها، وإن كان في دار اختلاط عومل بمعاملة أهلها (2)
معنى القاعدة: أن أحكام الدار تطبق على أهلها فإن كانت دار إسلام طبقت فيها أحكام دار الإسلام وإن كانت دار حرب طبقت أحكام دار الحرب، وإن كانت مختلطة طبقت فيها أحكامها.
بعض أحكام هذه الدار:
نصت القاعدة على أن أحكام الدار تسري على أهلها، فإذا كان المسلم في دار الإسلام فإن أحكام الدار تسري على أهلها من وجوب إقامة الشعائر، وتحريم الهجرة منها إذا كانت الهجرة تقلل المسلمين مثل فلسطين اليوم فلو هاجر الفلسطينيون لتكاثر اليهود وغلبوهم على دارهم. وأحكام دار الإسلام كثيرة منها إذا جاءنا لحم من دار الإسلام فالأصل إباحته اعتباراً بالدار ولأن الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
ولو وجد منبوذ أو لقيط حُكم بأنه مسلم تغليباً لحكم الدار ولأن الإسلام يعلو
ولا يُعلى عليه.
(1) معارج الآمال 64/ 4.
(2) المرجع السابق.
229 - 229 (1/229)
صفحة 217
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها إذا وجد كنز في دار الإسلام غُلبَ عليه أنه مال المسلمين إذا لم يوجد
عليه أمارة أنه للكفار. أما أحكام دار الحرب فكثيرة أيضاً.
منها أنه لا تجوز السكنى فيها وتجب الهجرة منها.
ومنها أنه لا يجوز للمسلم أن يسافر إليها بالقرآن الكريم.
ومنها أن أموال الحربيين غير محترمة. إلى غير ذلك من الأحكام التي تطلب من المطولات.
ومن فروعها الميت إذا وجد بدار الإسلام غسل وكفن وصلي عليه وعومل بمعاملة أهلها. وإذا وجد بدار الحرب عومل بمعاملة أهلها لأن حكم الدار متناول له. وإن كان في دار اختلاط فإن كان أهل الإسلام فيها أكثر الحق بهم وعومل معاملتهم، وإن كان أهل الكفر أكثر ألحق بهم وعومل معاملتهم، وإن كانوا متساوين نظر علامات الإسلام وعلامات السجود في الجبهة والرجلين وتقليم الأظافر، والشارب وما يستدل به، فإن علم بأنه مسلم بتلك العلامات أُلحق بالمسلمين في أحكامه، وإن علم أنه مشرك ألحق بأحكام المشركين (1).
[2] [الأحكام المتعلقة باللفظ لا تنسحب على القلب
أو الأحكام المتعلقة باللسان لا تنسحب على الجنان] (2)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن التسمية على الوضوء. قال رحمه الله: وثانيها أن الأحكام المتعلقة باللفظ لا تتعلق بذكر
القلب (3).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن ما لا يسع الإنسان ذكره من الأذكار اللسانية من القرآن
(1) معارج الآمال 65/ 4.
(2) معارج الآمال 377/ 1 مع قليل من التصرف.
(3) نفس المرجع السابق.
230 - 230 (1/230)
صفحة 218
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
والذكر والبسملة ونحو ذلك يسعه ذلك في قلبه لأن ما يتعلق باللفظ لا ينسحب حكمه
على ما ذكره بقلبه.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة أن تلاوة القرآن محرمة على الحائض والجنب لكن إن قرأوا بقلوبهم دون أن يتلفظوا بذلك بألسنتهم جاز ذلك لهم.
،
ومنها: أن الأحكام اللسانية التي يقصد فيها اللفظ الصريح لا تنعقد بالقلب. مثل البيع والشراء، والوصية والوقف والنكاح والطلاق والعتاق، وسائر التصرفات القولية التي ينظر فيها إلى اللفظ لا تصح بالقلب.
،
ومنها: أن من كفر بلسانه تحت الإكراه وقلبه مطمئن بالإيمان بقي مؤمناً لأن محل الإيمان هو القلب وما كان متعلقاً بالقلب لا ينسحب على اللسان
القلب.
إنكار
ومنها أن الانة الكلام في وجوه الظالمين أو الفسقة المجرمين مع البراءة منهم في قلبه فإن هذا لا يضر وقد كان النبي يدخل عليه بعض الناس فيظهر له البشاشة فإذا انصرف قال: بئس أخو العشيرة أنت فتقول السيدة عائشة: ما هذا يا رسول الله؟ فيقول الرسول: إنا لنبش في وجوه قوم وإن قلوبنا لتلعنهم اتقاء شرهم (1).
كذب
وهذا أصل صحيح في تقية أهل الإسلام لا تقية أهل البدع التي هي ونفاق، فإنهم يدعون أن مصانعة علي لأبي بكر وعمر من باب التقية فينسبون علياً إلى الجبن والنفاق وهو منهما بريء، وإنما كانت إلانة الكلام مع الكفار أو الظالمين جائزة لأن الحب والولاء أمور قلبية وليست لسانية. وما يتعلق باللسان لا ينسحب على القلب وما يتعلق بالقلب لا ينسحب على اللسان، والله تعالى أعلم.
(1) رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (4028)، 221/ 4 وأحمد في المسند رقم (24842)، 6/ 111، وانظر: فتح الباري 454/ 10، وعون المعبود 103/ 13، وتحفة الأحوذي 113/ 6.
231 - 231 (1/231)
صفحة 219
اجتهادات الإمام السالمي
م الله شيئاً حرم أكل ثمنه] (1)
[3] [إذا حرم أصل هذه القاعدة نص حديث نبوي شريف رواه أبو داوود عن أبي هريرة عن
النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله حرم الخمر وثمنها، وحرم الميتة وثمنها وحرم الخنزير
وثمنه» (2).
فروع القاعدة:
من فروعها تحريم ثمن الكلب غير المعلم لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن اقتنائه ولم يعتبره مالاً ولا يصح بيعه ولا أكل ثمنه، والخنزير في معنى الكلب إن لم يكن أشد. ومن فروعها تحريم بيع الصليب والأصنام، ولا يجوز صناعتها ولا أكل ثمنها
عن طريق البيع.
:
ومن فروعها: تحريم بيع الخمرة أو العنب لمن يتخذها خمراً لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن شاربها وبائعها وآكل ثمنها.
ومنها: المتاجرة في الدخان وآلات اللهو وكل ما ثبت تحريمه لا يجوز. وكذلك محرم لأن الله مسخ اليهود قردة وخنازير، فعلمنا أنه مساو
تحريم بيع
للخنزير.
القرد لأنه
ومنها: بيع الهر وأكل ثمنه لكون بيعه حراماً.
ومن فروعها حلوان الكاهن ومهر البغي لحديث رافع بن خديج قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام» (3)، وفي رواية:
ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث» (4).
(1) معارج الآمال 253/ 2.
(2) رواه أبو داوود عن أبي هريرة بلفظه، كتاب البيوع باب ثمن الخمر والميتة رقم 3485. (3) صحيح مسلم، باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن، (4094)، 211/ 5. (4) سنن الترمذي، باب ما جاء في ثمن الكلب (1322) 211/ 05، سنن الدارمي، باب في النهي عن كسب الحجام (2677) 235/ 8، مسند أحمد، (16227)، 409/ 33.
232 - 232 (1/232)
صفحة 220
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[4] [إذا خرج الماء عن طبعه واسمه خرج عن وظيفته] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن الوضوء بالنبيذ قال رحمه الله: وبالجملة فهو ماء لم يتغير بمخالطة التمر له كما يدل على ذلك قوله «وماء طهور» فإن الماء إذا خرج عن طبعه واسمه خرج عن اسم الماء (2)
معنى القاعدة:
ومعنى
هذه القاعدة أن للماء طبعاً وهو تجرده عن الطعم واللون والرائحة فإن هذه أوصاف طارئة على طبيعة الماء وله اسم مطلق فإذا قيد بقيد من القيود مثل ماء الورد، وماء الزعفران أو إضافة من الإضافات التي تزيل اسم الماء المطلق عنه مثل ماء النبيذ وماء الخل ونحو ما ذكر فإن الماء يفقد وظيفته، ووظيفة الماء رفع الحدث وإزالة النجس.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة ما ذهب إليه جمهور الإباضية وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يصح الوضوء بالنبيذ حتى لو عدم الماء بل يجب على من عدم الماء التيمم بالصعيد وإن وجد النبيذ (3).
ومنها: إذا طهرت المرأة من دم الحيض ولم تجد الماء المطلق تيممت وكانت به
متطهرة (4)
ومنها: أن الطهارة من الحدث لا تصح بماء الورد، ولا ماء الزعفران، ونحو ذلك مما لا يقع عليه اسم ماء مطلق حتى يضاف إلى ما يعرف به لأن الله تعالى لم يأمرنا أن نتطهر إلا بالماء المطلق، قال تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طهورا (0) لأن الماء إذا خرج عن طبعه واسمه خرج عن وظيفته.
(1) معارج الآمال 733/ 1.
(2) نفس المرجع. (3) معارج الآمال 733/ 1
(4) بيان الشرع 12/ 8. (5) سورة الفرقان، الآية: 48.
233 - 233 (1/233)
صفحة 221
اجتهادات الإمام السالمي
[0] [الإذن العرفي كالإذن اللفظي]
(1) [
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي في الفرع السادس في المواضع التي يجب
فيها الاستئذان قال رحمه الله: وكذلك حانوت التجار والمأتم وبيت العرس وإنما جاز ذلك للتعارف بالإذن والرضى بالدخول في هذه المواضع.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة جواز الدخول من غير استئذان حوانيت التجار لأنها أعدت لذلك ولم يجر عرف في وجوب الاستئذان في الدخول إليها.
ومنها: الدخول إلى بيت فيه عرس أو مأتم، أو حريق لإطفائه فهذه جرى العرف في دخوله من غير إذن. قال السالمي رحمه الله: وفي الأثر أن البيوت التي تدخل من غير استئذان البيت إذا سرق أو حرق أو انهدم والبيت الذي فيه معصية وبيت الحاكم، ثم ذكر عن أبي الحسن تقييد هذا الدخول في النهار وليس في الليل لأنه لا تعارف فيه ولا عادة. (2)
ومنها: دخول الفنادق لأنها معدة لذلك وينوب فيها الإذن العرفي عن اللفظي. ومن ذلك: إذا دخل بيت صاحبه ووجد قدح ماء أعد للشرب فإن له أن يشرب
بغير إذن صاحبه حتى لو وقع وانكسر لا ضمان عليه اعتماداً على الإذن العرفي. ومن ذلك: التقاط الثمار الساقطة من غير إذن لجريان الإذن عرفاً بالتقاطها، وكذلك التقاط السنبل الذي يتركه الحصادون للفقراء حيث جرى العرف بالتقاطه وينوب الإذن العرفي فيه عن اللفظي.
ومنها: الشرب من السبل التي أعدت للناس اعتماداً على الإذن العرفي.
[6] [الأسباب غير لازمة] (3)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن تقليم
(1) معارج الآمال 489/ 1.
(2) معارج الآمال 489/ 1. (3) معارج الآمال 0908/ 1
234 -
234 (1/234)
صفحة 222
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الأظافر قال: ويقال: من قص أظافره كل خميس أربعين خميساً لم يصبه الفقر. ذلك أن تقليم الأظافر أربعين خميساً سبب للغنى والأسباب غير لازمة بل قد
ومعنى
يقع المسَبَّب معها وقد لا يقع كالغيث سبب للنبات وقد يوجد الغيث ولا ينبت (1). وبغض النظر عن هذا القول ومدى صحته فإن القاعدة مهمة والأحسن أن يقال: والأسباب غير لازمة بذاتها بل بتأثير الله فيها لأن الأسباب علل والعلل لا تؤثر في المعلول بذاتها بل بتأثير الله فيها ولذلك قالوا: إن العلل أمارات.
فروع القاعدة:
فقد
يربح
من فروعها: أن الزواج سبب للإنجاب والذرية، لكن هذا السبب غير لازم بذاته الإنسان ولا ينجب والتجارة سبب للغنى عادة، وقد يتاجر الإنسان ولا مالا بل قد يخسر. وإقامة الحدود سبب للانزجار، فقد تحصل الحدود ولا
يتزوج
يحصل الانزجار التام.
•
ومنها: الغيث، فقد ينزل ولا ينبت الزرع.
ومنها: أن الطعام سبب عادي للشبع، فقد يأكل الإنسان ولا يحصل الشبع.
إلا أن يخلق الله هذه المسببات عند مباشرة أسبابها.
ومن
ذلك: جاء في الأثر أن قراءة سورة الواقعة تنفي الفقر، فقد يحصل السبب
ويتخلف المسبب.
[7] [الأسباب في الزكاة لا يجب تحصيلها] (2)
ولا
هذه قاعدة نص عليها السالمي رحمه الله في زكاة الدين فقال: إن النصاب سبب يجب السعي في تحصيل الأسباب وإن تعذر الوفاء لمانع فما لم يحصل يقيناً لا
يمنع الواجب» (3).
(1) معارج الآمال 908/ 1 (2) معارج الآمال 416/ 4.
(3) نفس المرجع.
235 - 23 (1/235)
صفحة 223
اجتهادات الإمام السالمي
معنى القاعدة:
أن الحكم الشرعي قد يتعلق بسبب أو شرط فإذا وُجِدَ السبب وجد الحكم وإذا انعدم السبب انعدم الحكم، وكذلك الشرط إذا انعدم انعدم المشروط. أما الاحتيال من أجل تحصيل الأسباب والشروط فهذا لا يجب تحصيله كما أنه لو حصل السبب والشرط فلا يحتال لإسقاطهما.
فروع القاعدة:
إذا كان للإنسان مال وهذا المال صار دَيْناً في ذمة آخر فليس للساعي الاحتيال لتحصيل سبب الزكاة بإجبار الدائن على دفع الدَّيْن مع وجود العسرة، بل يجب إنظاره إلى ميسرة. هذا على قول من يقول: إن الدين مانع من الزكاة. ومنها: أنه لا
يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع في الزكاة لأن الأول احتيال
لتحقيق السبب، والثاني احتيال لإسقاطه، وكلاهما لا يصح. ومنها: إذا كان له مال على مفلس أو على مليء مماطل متمرد، فإن كان قادراً على أخذه من غير محاكمة فعليه أن يزكيه مع جملة ماله في شهره قولاً واحداً. وإن كان لا يقدر على أخذه إلا بمحاكمة لكونه على مليء متمرد فقيل: عليه أن يزكيه إذا ترك محاكمته لأنه قادر على أخذه بالإنصاف منه، وقيل: ليس عليه أن يزكيه حاكمه إذا ترك إذ لا يلزمه أن يحاكم، وإذا لم يلزمه ذلك فليس عليه أن يزكي ما توقف حصوله عليه كالنصاب لا يلزمه أن يسعى لتحصيله فإذا حصله وجبت عليه الزكاة (1). الزكاة (1). وكذلك الحكم في زكاة الماشية فإن ملك أقل من أربعين شاة لا يلزم بشراء ما
يتحقق به سبب الزكاة.
[8] [الاستخفاف بالسنة كفر] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن حكم جز
(1) معارج الآمال 416/ 4.
(2) معارج الآمال 901/ 1.
236 - 236 (1/236)
صفحة 224
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الشارب قال رحمه الله: نعم إذا ترك ذلك استخفافاً بالسنة أو مخالفة للمسلمين برئ منه حينئذ لأن الاستخفاف بالسنة كفر إجماعاً (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن من ترك السنة استخفافاً بها أو استهزأ بها فإنه يكفر لأن الاستهزاء نوع من الاستخفاف قال تعالى: {وَلَبِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَنَيْهِ، وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَيكُم) (3).
فروع القاعدة: من فروعها أن من حلق لحيته استخفافاً بالسنة أو أطلق عليها لفظ المخلاة استهزاء فقد كفر، وكفره من قبيل الاستخفاف والاستهزاء.
ومنها: أن من وصف حجاب المرأة بأنه عادة بالية أو مظهر من مظاهر الرجعية أو الظلامية كما يقول بعض العلمانيين اليوم، فإن هذا نوع من الاستخفاف والاستهزاء بشعيرة من شعائر الدين وهو كفر.
ذلك: أن من أطلق على ذؤابة العمامة لفظ الذَّنَب استخفافاً وهزواً فهو كافر ومن بخلاف ما إذا قالها جهلاً باسمها وعلى هذا فقس.
[9] [الأصل براءة الذمة] (3)
هذه القاعدة من القواعد الكلية نص عليها الإمام السالمي في معرض كلامه عن ترتيب الأعضاء في الوضوء قال رحمه الله: «الوجه الثالث الأصل براءة الذمة واشتغالها بالفرائض أما الحادث فلا يثبت إلا بدليل سالم من المعارضة أو راجح على
معارضه» (4).
(1) المرجع نفسه.
(2) سورة التوبة، الآيتان: 65 و 66. (3) معارج الآمال 387/ 1.
(4) المرجع السابق.
237 - 237 (1/237)
صفحة 225
اجتهادات الإمام السالمي
معنى القاعدة:
ومعنى
هذه القاعدة أن ذمم العباد بريئة من حقوق الله وحقوق العباد لا تشغل إلا
بدليل
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: لو يعطى الناس ما يدعون لادعى قوم دماء
قوم وأموالهم لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (1). وجه الدلالة: أنه لما كانت الذمم بريئة كان على من ادعى شغلها بحق من
الحقوق إثبات البينة لأنه ادعى خلاف الأصل، لأن الأصل براءة الذمة.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: لو ادعى إنسان على آخر بدين فعليه إحضار البينة لأن الأصل براءة الذمة من هذا الدين. ومنها: لو ادعى على آخر حداً من الحدود كحد القذف أو السرقة أو غير ذلك، وجب عليه إحضار البينة لأن الأصل براءة الذمة من حقوق الله وحقوق العبد. ومنها: لو ادعى إنسان عبادة من العبادات أو فرضاً من الفرائض كان عليه إثبات
الدليل، لأن الأصل براءة الذمم من الفرائض.
ومنها: لو ادعت امرأة نفقة على رجل لكونه زوجاً لها فأنكر الزواج منها، وجب عليها إحضار البينة بأنه زوجها لأن في ادعائها الزوجية إثباتاً لحق من الحقوق، والأصل براءة الذمة منه لذلك احتاجت إلى إثبات البينة على ثبوت الزوجية.
"
ومنها: لو ادعى إنسان ميراثاً من رجل فعليه أن يثبت البينة على أنه يرثه بعد موته بسبب صحيح من فرض أو تعصيب أو ولاء، لأن الأصل براءة الذمة الحق حتى تقوم البينة بأنه وارث بسبب صحيح.
هذا
من
(1) سنن البيهقي.233/ 9 وأصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن جريج ومن رواية نافع بن عمر الجمحي. انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي، حديث (33).
238 - 238 (1/238)
صفحة 226
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: لو ادعى إنسان بأن له في مال فلان وصية أو وقفاً فعليه أن يحضر البينة،
لأن الأصل براءة الذمة من هذا الحق.
[10] [الأعذار ترفع الإثم وليس الحكم] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن نجاسة الأقلف قال: وأما القول بنجاسته فوجهه أظهر وذلك أن عذره يرفع عنه الحرج وليس حكم النجاسة فإن حكم النجاسة لا يزول إلا بالطهارة» (2).
أصل هذه القاعدة:
وأصل هذه القاعدة قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه»
وجه الدلالة: أن النفي هنا وارد على الذات والذات حاصلة لحصول الخطأ، والنسيان والإكراه من الأمة، فيجب تقدير شيء في كلام المعصوم صيانة له عن الخلف، وهذا الشيء المقدر اسمه (المقتضى) بفتح الضاد- فقدر أبو حنيفة إثم الخطأ، وقدر الشافعي الإثم والحكم.
مسألة
وهذه القاعدة بحثها الأصوليون تحت قاعدة (عموم المقتضى) وهي خلافية وصفوة القول فيها أن الشافعي وكثيراً من علماء الأصول قالوا بعمومه، وقال أبو حنيفة إنه لا يعم والذي يظهر من القاعدة أنه لا
فروع القاعدة:
يعم.
من فروع هذه القاعدة: أن من نسي صلاة ثم تذكرها بعد فوات وقتها وجب عليه قضاؤها لأن النسيان عذر يرفع الإثم وليس الحكم، فتبقى صلاة واجبة القضاء كما
كانت واجبة الأداء.
ومنها: أن من نسي الوضوء فصلى فلا إثم عليه ولكن يجب عليه القضاء.
(1) معارج الآمال 850/ 1.
(2) المرجع السابق.
239
239 (1/239)
صفحة 227
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: أن من اضطر فأخذ مال غيره بالقوة فعليه ضمانه بعد زوال حال الضرورة
لأن العذر يزيل الإثم ولا يزيل حكم حرمة مال الغير.
ومنها: أن من نام على طفل فقتله أو قتل مسلماً خطأ فإن العذر وهو الخطأ يرفع
الإثم وليس الحكم وهو الدية هنا.
[11] [بعض الفرض لا يقوم مقام الكل] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي في معرض كلامه عمن وجد ماء لا يكفيه قال رحمه الله: والحجة لأرباب القول الثاني أن المأمور به الاغتسال والوضوء عند إمكان فعلهما فإذا لم يمكن إلا غسل بعض الأعضاء وجب علينا المصير إلى التيمم لعدم حصول الفرض الأول إذ لا شك أن بعض الفرض لا يقوم مقام الكل (2)
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن العبادة إذا لم يمكن أداؤها كلها لسبب ما لم تبرأ الذمة بأداء البعض دون البعض وعلى المكلف الانتقال إلى بدلها إن كان لها بدل أو إلى إعادتها إن لم يكن لها بدل.
دليل القاعدة:
ويمكن أن يستدل لهذه القاعدة بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيّبا (3). وجه الدلالة: أن من وجد ماء لا يكفي لوضوئه وجب عليه التيمم.
(r),
فروع القاعدة:
من فروعها ما ذكره السالمي من أن الرجل إذا وجد ماء لا يكفيه لوضوئه فقد ذهب بعض أئمة الإباضية إلى القول بأنه الإباضية إلى القول بأنه يجب عليه التيمم، لأن غسل بعض الأعضاء لا يقوم مقام الكل. وذهب البعض الآخر منهم إلى أنه يتوضأ بالقدر الموجود ثم يكمل
بالتيمم.
(1) معارج الآمال 772/ 1.
(2) نفس المرجع السابق. (3) سورة النساء، الآية: 43.
240 - 240 (1/240)
صفحة 228
التيمم.
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: إذا أجنب الرجل ولم يكن معه من الماء ما يكفيه للغسل انتقل إلى
ومنها: أن الحائض إذا لم تجد ماء يكفيها لغسلها أزالت النجس بالماء الموجود
معها وأكملت تطهيرها بالصعيد الطيب، لأن بعض الفرض لا يقوم مقام الكل. ومنها: إذا طاف الرجل بعض أشواط الطواف ثم انتقض وضوؤه توضأ وأتم الطواف، ولا يجزئ بعض الفرض عن الكل. ومثل ذلك الصلاة فبعض ركعاتها لا يقوم مقام الكل.
ومنها: الصائم في نهار رمضان إذا عجز عن إتمام الصوم لمرض أو حيض، أو نفاس وجب الانتقال إلى البدل وهو القضاء للمستطيع والكفارة للمريض، لأن بعض الفرض لا يقوم مقام الكل.
[12] [البينة في الخصومات والشهرة في الأخبار وفيما سواهما الدلائل] (1)
شرح المفردات:
البينة: هي
(2)
الحجة القوية والدليل. وتطلق البينة على الشهود.
والشهرة في الخبر هي استفاضته.
وأما الخبر فهو مشتق من الخبار وهو الأرض الرخوة لأن الأرض الرخوة إذا قرعت بنحو حافر أثارت الغبار والخبر يثير الفائدة كما تثير الأرض الخبار الغبار. وفي الاصطلاح ما احتمل الصدق والكذب لذاته.
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة هو أن الله تعالى جعل طرقاً للإثبات من هذه الطرق البينة في الخصومات والشهرة في الأخبار والدلائل والعلامات فيما ليس طريق إثباته بالبنية أو
بالشهرة.
(1) معارج الآمال 267/ 4. (2) تعريفات البركتي ص 226.
241 - 241 (1/241)
صفحة 229
اجتهادات الإمام السالمي
أصل القاعدة: قوله تعالى: {وَعَلَمَةٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (1). وجه الدلالة: (1) أن الله جعل النجوم علامات لأهل البادية يستدلون بها على الجهات وعلى أحوال الطقس من المطر والرياح وغير ذلك، فاعتبرت العلامات والدلائل فيما ليس طريقه الخبر المشهور أو البينة.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: تحديد القبور بالعلامات وهي الحجارة، فقد وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجارة على قبر عثمان بن مظعون يعلمه بها، وقد مضى السلف وخلف من بعدهم خلف والناس لا يعرفون القبور إلا بهذه العلامات وأين السبيل إلى صحة الشهرة أو ثبوت البينة في هذا (2)
رحمه الله:
ومنها: المساجد فإنها تثبت بالعلامات والدلالات، قال السالمي ومن ذلك المساجد فإنها لا تمتاز عن البيوت إلا بالهيئة المخصوصة والمحراب من جهة القبلة ومن المعلوم أن هذا ليس بينة ولا شهرة ولكنه دلالة وعلامة (3).
ومنها تميز قبر المرأة من قبر الرجل كان ذلك ولا زال معروفاً بالعلامات وطريقة وضع الشاهد وهو الحجر عند رأس القبر أي مما يلي الرأس. وهذا ليس بينة
ولا شهرة ولكنه علامة.
ومنها: تميز قبور المسلمين من قبور النصارى فإن قبور المسلمين تحفر من الشرق إلى الغرب ويضجع الميت على شقه الأيمن متجهاً بوجهه إلى القبلة، وأما قبور النصارى فبعكس ذلك من الشمال إلى الجنوب ووجوههم إلى المشرق، يعني ليست إلى القبلة حسب اتجاه القبلة في بلادنا أي الشام.
[13] [الثابت عادة كالثابت نصاً] (4)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن
(1) سورة النحل، الآية: 16.
(2) معارج الآمال 267/ 4.
(3) معارج الآمال 267/ 4. (4) معارج الآمال 627/ 4.
242 - 242 (1/242)
صفحة 230
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
•
إخراج الزوج صدقة الفطر عن زوجته بغير أمرها قال رحمه الله: وقال أبو حنيفة لو أدى عن ولده الكبير وعن زوجته بغير أمرهما جاز استحساناً لأنه مأذون فيه عادة قالوا والثابت عادة كالثابت بالنص فيما فيه معنى المؤنة بخلاف ما هو عبادة محضة كالزكاة فإنه لا يسقط عنها إلا بإذنها صريحاً، إذ لا يتحقق معنى الطاعة والابتلاء إلا به» (1). معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن كل ما ثبت عرفاً أو عادة فكأنه ثبت بالنص، لأن التعيين بالعرف كالتعيين بالنص، ولأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً. فروع القاعدة:
من فروعها: تقدير نفقة الزوجة المطلقة فإنها تقدر بالعرف وتثبت بالعرف كثبوتها بالنص، وقد ردَّ النبي الله النفقة إلى العرف بقوله: خذي من ماله ما يكفيك وبنيك بالمعروف» (2).
ومنها: إذا اختلف الزوجان في متاع البيت فيصار إلى العرف فما ثبت في العادة أنه من خصوصيات الرجل كآلات العمل والنجارة والحدادة وبنادق الصيد أنه يحكم فيه للرجل. وما ثبت في العادة أنه من خصوصيات المرأة كمكنة الخياطة ومغزل الصوف وما يدخل في الزينة كالحلق والأساور فإنها للمرأة، لأن الثابت بالعادة كالثابت بالنص. ومنها: إذا كانت عادة بلد من البلاد أنهم يجعلون المهر كله معجلاً ولم ينص ذلك في صلب العقد انصرف العقد إلى المتعارف عليه، لأن الثابت بالعرف كالثابت بالنص، وكذلك الحال إذا تعارفوا على كون المهر كله مؤجلاً أو معجلاً.
[14] [حق العبد لا يرفع حق الرب] (3)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن رفع
(1) المرجع نفسه.
(2) صحيح مسلم، باب قضية هند، (4574)، 129/ 5.
(3) معارج الآمال 477/ 4 و 481 و 484.
243
243
- (1/243)
صفحة 231
اجتهادات الإمام السالمي الزكاة بالدين قال: «وقد اختلفوا في رفع الزكاة بالدين فقال قوم منهم حماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى وربيعة: لا ترفع بالدين بل يزكي كل ما في يده، وهو قول بعض أصحابنا وذلك لأن الدين والزكاة حقان، هذا حق لله وهذا حق للعباد». وقال في موضع آخر:» والحقوق لا يسقط بعضها بعضاً».
فروع القاعدة:
من فروعها: الدين على قول من يقول إنه لا يرفع الزكاة لأنها حق لله والدين حق للعباد، وحق العباد لا يرفع حق الربع الا الله لكن مذهب الجمهور أن الدين مانع من الزكاة وهو قول أكثر الإباضية وأكثر المذاهب الإسلامية ونسبه ابن المنذر إلى سليمان بن يسار وعطاء وسفيان الثوري والليث بن سعد وابن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وغيرهم.
ومن فروعها: أن من كان معه ماء لا يزيد عن شرابه وطعامه فليس عليه وجوب الوضوء حفاظاً على حق العبد في الشرب لكن يجب عليه التيمم حفاظاً على حق الرب وهو الصلاة على ميقاتها.
ومنها: أن من كان مريضاً لا يقوى على الركوب على الراحلة أو ليس يملك من الزاد والراحلة ما يبلغ به للوصول إلى البيت العتيق، فإنه في حالة المرض ينيب عنه قادراً وفي حالة اليسر بأن كان لديه مال منقول أو عقار فإن عليه أن يبيع ما يمكنه من الوصول إلى البيت العتيق لأن حق العبد لا يرفع حق الرب.
ومنها اليتيم أو الصبي فإن الشريعة نصبت لهما ولياً يتصرف في مالهما بما يحقق المصلحة حفاظاً على مصلحتهما وفي مقابل ذلك جعلت الزكاة في مالهما لأنها حق الرب، وحق العبد لا يرفع حق الرب. فقد وفقت الشريعة بين حق العبد وحق
الرب جلا وعلا.
لكن إذا كان حق الرب من الواجبات الكفائية التي لا يتوجه فيها الطلب إلى مكلف بذاته فيمكن أن يقدم حق العبد مثال ذلك: إذا وجب الجهاد على شخص، وكان له والدان عاجزان فإنه يترك الخروج إلى الجهاد لخدمة والديه، فقد قدم حق
244 - 244 (1/244)
صفحة 232
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
العبد لأن الجهاد فرض كفاية. وهكذا إذا تزاحمت حقوق العبد حقوق الرب فإن
حق العبد لا يرفع حق الرب. والله أعلم.
[15] [الحق بنفسه حجة فلا ينظر إلى من أداه] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن
عن تكليف
الجن قال رحمه الله: وليسوا حجة علينا في شيء من ذلك لعدم تيقن الناقل فإنهم يتشكلون بأشكال متنوعة. نعم يكونون حجة فيما لا جهله يسع الأعمال فإن من طائفة من المسلمين جعلوا الحجة فيما لا جهله ذلك من يسع المعبرين وإن كان جميع فاسقاً، أو مشركاً، أو طائراً، أو بهيمة أو رآه في المنام أو وجده مكتوباً في شيء
المعبر
من الحجارة أو غيرها إذا وافق المعبر الحق لأن الحق بنفسه حجة فلا ينظرون إلى من أداه» (2)
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الحق واجب الاتباع بغض النظر عمن أداه إن كان من أهل العدالة أو الفسق وسواء كان من أداه رجلاً أو امرأة فقيراً أو غنياً، حراً أم عبداً. هذا إذا كان الذي أداه حقاً عليه من الله برهان أو كان مدركاً بأحد الحواس، أو موافقاً للواقع عن دليل. أما لو أخبر عن الحق إخباراً وكان مُتَصَوَّرَ الكذب كشهادة الفاسق فإن الشهادة إخبار عن الحق وليست حقاً بذاته، لذلك كان خبر الفاسق غير مقبول لا شهادة
ولا رواية.
فروع القاعدة:
إذا خرج الحق من امرأة وجب قبوله بدليل أن عمر بن الخطاب الله لما اجتهد في أن يخفض المهور ليجعله بقدر مهر بنات النبي صلى الله عليه وسلم وقال قولته المشهورة: «إن المهر ليس تكرمة للنساء»، فقامت إليه امرأة في عرض المسجد فقالت: يا عمر الله
(1) معارج الآمال 0843/ 1
(2) المرجع نفسه.
245 - 245 (1/245)
صفحة 233
اجتهادات الإمام السالمي
يعطينا وأنت تحرمنا! فقال: كيف ذلك، قالت: يقول الله: {وَاتَيْتُمْ إِحْدَتْهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا (1)، فقال عمر: أخطأ عمر وأصابت امرأة (2). ورضخ عمر
للحق ولم ينظر إلى من أداه، لأنه حق والحق بنفسه حجة فلا ينظر إلى قائله.
ماله
ومن ذلك: ما حكاه الشاطبي والغزالي وغيرهما أن بعض العلماء قال لعبد الرحمن الداخل لما جامع في نهار رمضان وهو صائم يجب عليك صيام شهرين متتابعين، فلما أنكر عليه بعض الفقهاء حيث لم يأمر الملك بإعتاق رقبة مع اتساع قال: لو أمرته بذلك لسهل عليه ذلك في قضاء شهوته، فكانت المصلحة في الصوم. إلا أن العلماء اعتبروا ذلك مصلحة ملغاة لكونها خالفت النص وهو إعتاق الرقبة، فلما خالف المجتهد الحق ردت فتواه. ومن هنا قالوا: يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال.
فاسقاً،
يتبع
ومنها: أن من خالف الحق في فتواه ردت لأن الحق أحق أن ولو كان قائله لأجل ذلك رُدَّت فتوى بعض المفتين الجاهلين الذين أفتوا بمساواة الرجل للمرأة في الميراث للأخوة الجامعة بينهما لما كانت هذه الفتوى مخالفة لقول الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ (3)
ومن
ذلك: ما ذهب إليه بعض الحنفية من أن للزوجة أن تحتفظ بحق العصمة فإن هذا القول مردود لكونه خالف الحق وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «الطلاق لمن أخذ
بالساق» (4).
ومن فروعها: إذا قال أحد من الخلق شيئاً لا يسع جهله من الأعمال أو الأقوال
وجب اتباعه إذا كان حقاً.
(1) سورة النساء، الآية: 20. (2) علل الدارقطني 239/ 2. (3) سورة النساء، الآية: 11.
(4) سنن ابن ماجه باب طلاق العبد، (2081)، 672/ 1، وسنن الدارقطني باب الطلاق والخلع
والايلاء، (4038)، 308/ 9.
246 - YET (1/246)
صفحة 234
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[16] [الحق لا يسقط بظلم الظالم]
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن حكم الموطأة بعد الطهر من الحيض وقبل التطهر، قال: وأما من قال بعدم فسادها إذا وطئها بعد مضي وقت الصلاة ولم تغتسل فحجته من وجهين أحدهما أنه لو كان محجوراً عليه وطؤها كان ذلك موجباً لإسقاط حقه منها بيانه أنها لو قعدت لا تغتسل من
•
الحيض الزمان الطويل للزمه على القول بالحَجْر أن لا يأتيها في ذلك الزمان كله فيلزم عليه أن يكون ظلمها مسقطاً لحقه، والحق لا يسقط بظلم الظالم» (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أنه لا يصح أن يتذرع بالظلم لإسقاط الحقوق بل الحق يجب
أداؤه ولا يسقط بظلم الظالم.
فروع القاعدة:
من فروعها: مطل الغني ظلم ومع ظلمه لا يسقط الحق وعلى المماطل أن يؤدي الحق أو يحيل المطالب على مليء لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم فإذا أحيل الطالب على مليء فليتبع (2). ولصاحب الحق أن يتكلم فيه بما يستحقه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: مطل الغني ظلم يحل عرضه وعقوبته» (3).
ومنها: أن المرأة إذا نشزت ذكَّرَها زوجها ووعظها فإن تذكرت فيها ونعمت وإلا ضربها بعد الهجر في المضاجع فإن لم تطعه سقط حقها في النفقة وكانت ظالمة، وله عليها كافة الحقوق من الوطء وغيره وظلمها له لا يسقط حقه.
ومنها: أن الزوج إذا ظلم زوجته وضربها وعذَّبها لتتنازل له عن حقها في المهر
(1) المرجع نفسه. (2) صحيح البخاري، باب في الحوالة. .، (2270)، 845/ 2، وصحيح مسلم، باب تحريم مطل الغني،
4085 (، 34/ 5)
(3) سنن ابن ماجه باب الحبس في الدين (2521، 374/ 7 سنن النسائي باب مطل الغني (4707) 398/ 14، مسند أحمد رقم 18431
247 - 247 (1/247)
صفحة 235
اجتهادات الإمام السالمي
،
فإن لها أن ترفع أمرها إلى القاضي وتطلب الخلع والخلع هنا ليس بمسقط لمهرها لأنها تطلب الخلع بسبب الظلم الواقع عليها من الزوج والمهر حق لا يسقط بظلم
الظالم.
[17] [الحقيقة العرفية هي المتبادرة إلى الذهن] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في أثناء حديثه عن مقدار ما يخرج في صدقة الفطر من كل صنف قال: «أما قولكم بأن الطعام يطلق على غير البر فمسلم لأننا لا نمنع إطلاقه على غيره إنما نقول إنه حقيقة عرفية عندهم في البر، المتبادرة عند الإطلاق فإن أريد غيرها بيّن بقرينة كما في طعام
والحقيقة العرفية هي الواحد يكفي الاثنين (2).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الخطاب الشرعي قد يرد بالحقيقة اللغوية، أو الشرعية أو العرفية، ولا خلاف في أنه يحمل فيما يرد به من هذه الحقائق الثلاث، إنما الخلاف إذا تزاحمت هذه الحقائق فعندها يجب تقديم الشرعية ثم العرفية ثم اللغوية. وما نحن فيه تزاحمت فيه الحقيقة العرفية مع الحقيقة اللغوية ولا جرم أن العرفية تقدم عند الإطلاق لأنها المتبادرة في خطابات الناس فإن الناس إنما يتخاطبون بما هو مشهور في
عوائدهم وأعرافهم. فروع القاعدة:
من فروعها ما نص عليه السالمي رحمه الله في معرض الاستدلال لمن أوجبها أي صدقة الفطر في القمح قال: واحتج الأولون بأمور منها حديث أبي سعيد الخدري قال: كنا نعطيها في زمان النبي صاعاً من طعام أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال أرى مداً مِنْ هذا يعدل مدين. والاستدلال بهذا
(1) معارج الآمال 655/ 4.
(2) معارج الآمال 655/ 4.
248
-
248 (1/248)
صفحة 236
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
من وجهين: أحدهما أن هذا الحديث يقتضي المغايرة بين الطعام وبين ما ذكره بعده، وقد حكى الخطابي أن المراد بالطعام الحنطة وأنه اسم خاص له ويدل على ذلك ذكر الشعير وغيره من الأقوات والحنطة أعلاها فلولا أنه أرادها بذلك لكان ذكرها عند التفصيل كغيرها من الأقوات ولا سيما حيث عطف عليها بحرف (أو) الفاصلة، وقال هو وغيره كانت لفظة الطعام تستعمل في الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل اذهب إلى سوق الطعام فهم منه سوق القمح، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه لأن ما غلب استعمال اللفظ فيه كان حضوره عند الإطلاق أقرب.
لكن قد يجاب عن كلام الخطابي بأننا نقول بموجب كلامه من الحمل على الحقيقة العرفية لكن كما يطلق لفظ الطعام عرفاً على القمح يطلق على اللحم أيضاً لقوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَكُم (1) أي ذبائحهم، ويطلق على كل ما يأكله الناس ومنه قوله: «لا صلاة بحضرة الطعام (2) وهو عام غير مخصص بنوع دون آخر. وعلى كل حال فما شاع في العرف انصرف الخطاب إليه.
ومن فروعها: حلف لا يأكل اللحم فأكل السمك لا يحنث وإن سمى الله السمك
لحماً تقديماً للحقيقة العرفية على اللغوية إلا إذا كانت له نية.
ومنها: إذا قال لزوجته: إن دخلت بيتاً فأنتِ طالق فدخلت مسجداً أو الحمام لا تطلق وإن سمى الله المسجد بيتاً وسمى الرسول الحمام بيتاً في قوله: بئس البيت الحمام» (3).
[18] [الحكم الثابت في المجموع لا يوجب ثبوته في كل فرد] (4)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في أثناء كلامه على توزيع الزكاة الأصناف قال في معرض الاستدلال لمن قال بأن الزكاة يمكن دفعها لصنف
على جميع
(1) سورة المائدة، الآية: 5.
0560
(2) رواه مسلم عن عائشة باب كراهية الصلاة بحضرة الطعام برقم (3) رواه ابو داوود وغيره، وهو ضعيف بهذا اللفظ. انظر إرواء الغليل للألباني 308/ 8. (4) معارج الآمال 0738/ 4
249 - 249 (1/249)
صفحة 237
اجتهادات الإمام السالمي
والمسكين كمية (1)
أنه
واحد ما نصه: (وأما الآثار فعن ابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وأما القياس فهو في أي صنف وضعته أجزأك ومثله عن عمر ... تعالى ذكر خمس الغنيمة في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمِّتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وللرسول (2) فجعل لهؤلاء الطوائف الخمس ثم لم يقل أحد إنَّ كل شيء يغنم بعينه يجب تفرقته على هذه الطوائف بل اتفقوا على أن المراد إثبات مجموع الغنيمة لهؤلاء الأصناف. فأما أن يكون كل جزء من أجزاء الغنيمة موزعاً على كل هؤلاء فلا، فكذلك ها هنا مجموع الصدقات تكون لمجموع هذه الأصناف الثمانية، فإما أن يقال: إن صدقة زيد بعينها يجب توزيعها على هذه الأصناف الثمانية فاللفظ لا يدل عليه ألبتة، وأما الاستدلال فهو أن الحكم الثابت في مجموع لا يوجب ثبوته في كل جزء من أجزاء
ذلك المجموع (3).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الحكم إذا ثبت للمجموع فلا يدل على أنه ثابت لكل فرد من أفراد الجماعة. مثال ذلك: إذا قيل إن العائلة الفلانية فيها كرم أو لؤم، فإن هذا الحكم وإن صدق على المجموع فقد يشذ عنه بعض الأفراد ويكون الحكم صحيحاً في الجميع وليس في كل فرد من أفراد ذلك المجموع.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن الله تعالى أوجب الصدقة للفقراء والمساكين فلو أخذها صنف واحد فقد حصل الامتثال ولا يشترط أن يأخذ من الصدقة كل فرد من أفراد الفقراء والمساكين. ومن فروعها: إذا نقض أهل الذمة العهد انتقض العهد في جميعهم من حيث المجموع ولو لم ينقض كل فرد العهد بمفرده لكن المجموع نقضوه فلم يعودوا آمنين على أموالهم ودمائهم بحكم ذلك العهد لأن الحكم هنا يثبت للمجموع.
(1) سورة التوبة، الآية: 60.
(2) سورة الأنفال، الآية: 41. (3) معارج الآمال 737/ 4 و 838.
250 - Yo (1/250)
صفحة 238
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[19] [حكم النجاسة موقوف على بيان الشارع وما لم يرد فيه بيان الحق بنظيره] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن أرواث الدواب قال رحمه الله: فالصواب الذي لا محيد عنه أن يقال إن حكم النجاسة والطهارة موقوف على بيان الشارع فما حكم بنجاسته فهو نجس وما لم يثبت فيه من قبل الشرع حكم الحق بنظيره الذي ساواه في العلة وشابهه في المعنى، وما ليس له نظير فالطهارة أولى به» (2).
هذه قاعدة عظيمة ومطردة ومعناها واضح كل الوضوح وصورها كثيرة. وزيادة في إيضاحها نقول: إن بيان الشارع تارة يحصل بالنص من كتاب الله وتارة بالنص من سنة رسول الله وتارة يحصل بالرد إلى هذين الأصلين وهو البيان بالقياس، فإذا لم يرد نص من الكتاب ولا من السنة ولم يصح قياس في حكم شيء حلاً أو حرمة فيكون هذا الشيء أقرب إلى الإباحة.
فروع القاعدة:
من فروعها كل ما نص الشارع على نجاسته من السباع، والكلاب، والخنازير، والدماء، والأبوال والأوراس مما لا يؤكل لحمه، ونحو ذلك، وذوات المخالب. ومن فروعها مما نص الشارع على حله كجملة الأنعام، من الإبل والبقر والغنم والمعز والطيور على اختلافها مما ليست بذي مخلب، وهذه حكمها الطهارة. ومن فروعها مما يلحق بنظيره الزرافة تلحق بالإبل والفيل يلحق بذوات الأنياب، ولا مانع من أن يثبت حكمه بالنص والقياس معاً، فما ألحق بالنجس فهو نجس وما ألحق بالطاهر فهو طاهر.
والبغل والنغل كل منهما يلحق بشبهه وهو الحمار لأن النغل متولد من الأتان
(1) معارج الآمال 2/ 290.
(2) المرجع نفسه.
251 - Yol (1/251)
صفحة 239
اجتهادات الإمام السالمي
والحصان، وكذلك البغل، إلا أن البغل أبوه حمار وأمه فرس والنغل أمه أتان وأبوه حصان، وقيل العكس فيهما. وإذا ثبت تحريم لحم هذه البهائم ثبت نجاسة فضلاتها قياساً على أشباهها.
[20] [ذَكَرُ الصبي كأصبعه] (1)
هذه قاعدة مهمة وقد تكون مما تميز بها فقه الإباضية، وقد نص عليها الإمام السالمي رحمه الله وقد مرت معي في مصادر عدة، وما فطنت لأهميتها إلى أن تجمعت لدي فروع عدة تندرج تحتها قال رحمه الله: وكذلك الصبي لا تفسد عليه زوجته بالوطء في الحيض، أو في الدبر لأن فعله في حكم الخطأ لأنه لم يصدر عن عقل، فإن من نفسها على ذلك فكلام أبي سعيد رحمه الله يدل على أنه لا يفسد عليها ولا تفسد عليه، ولعله لأجل ما قالوه في ذكر الصبي أنه كأصبعه».
أمكنته
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الأحكام المترتبة على إيلاج ذكر الرجل المكلف البالغ لا تنطبق على إيلاج ذكر الصبي الذي لم يبلغ، بل إيلاج ذكره من حيث الحكم كإيلاج أصبعه في عدم تأثيره في بعض الأحكام المبنية على إيلاج ذكر البالغ.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن الصبي إذا تزوج المطلقة ثلاثاً ودخل فيها لم يحلها للزوج الأول بعد أن يطلقها، لأن كلاً منهما لم يذق عسيلة الآخر كما ورد في الحديث: «حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك (2).
ومنها: أنه لو دخل بها ليحلها للأول فإنه لا يسمى التيس المستعار ولا يترتب
على وطئه شيء بل ذَكَرُه كأصبعه.
(1) معارج الآمال 186/ 2.
(2) صحيح البخاري، باب إذا طلقها ثلاثاً. . (5011)، 2037/ 5، صحيح مسلم، باب لا تحل المطلقة
ثلاثاً. . . (3599)، 104/ 4.
252
252
- (1/252)
صفحة 240
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
ومنها: لو وطئ الصبي زوجته في دبرها لا تفسد عليه لكون ذكره كأصبعه في عدم تأثيره في الحكم وهو تحريمها عليه.
ومنها: أن الصبي إذا وطئ زوجته في الحيض لا تفسد عليه أيضاً لنفس العلة.
ومنها: أن إيلاجه لا يوجب الغسل كإيلاج البالغ لأن ذكره كأصبعه.
وينبغي أن يخرج على هذه القاعدة أنه لو دخل بزوجته فظهر عليها حمل أن هذا الحمل لا يلحق به، وله ولوليه أن يطالب بالملاعنة لأن العقد وإن كان مظنة النسب لكن دخول الصبي لا يفضي إلى المقصود وهو حصول الحمل الذي سببه علوق النطفة في الرحم لكونه ليس من أهل الوطء ولكون ذكره كأصبعه.
ومنها أن زوجة الصبي بكر ولها أحكام البكر، وهكذا ترى عظم هذه القاعدة.
[21] [الزائد تبع للأصل] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي فيما لا يشترط في زكاته تمام الحول. قال: لا يشترط النصاب في الزائد على الذهب والفضة والحواشي أو الثمار والحبوب، فإن هذه الأشياء النصاب ثم دخل في ملكه شيء من ذلك الجنس قبل يخرج زكاته لزمه أن يضم الداخل إلى الذي معه ويزكي الجميع من غير أن ينتظر الزائد
من ملك
من
حولاً غير الحول الأول.
معنى القاعدة:
أن
ومعنى هذه القاعدة ظاهر وهو أن المال المتولد من الأصل قبل إخراج زكاة الأصل لا يستقبل به حولاً جديداً غير حول الأول، بل يضم إلى أصل المال ثم تخرج
الزكاة من الزائد والمزيد عليه أي من الأصل وما زاد عليه.
فروع القاعدة:
من فروعها: أن ما دخل على التاجر من ذهب زائد على أصل النصاب قبل إخراج الزكاة وجب ضمه إلى الأصل ولا يستقبل به حولاً جديداً. وكذلك الفضة.
(1) معارج الآمال 378/ 4 و 379 و 389 و 393.
253
-
253 (1/253)
صفحة 241
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: الحبوب فإن الزائد فيها تبع لأصله إن حدث قبل زكاته، وإن حصل بعدها زكاه في القابل معه
(1)
ومنها: عروض التجارة، قال جمهور فقهاء الإباضية: تضم إلى المال الأول
وأنها تزكى. معه عند حوله ولا ينتظرون بالفائدة وقتاً غير وقت النصاب (2). ومنها: الماشية فإن نتجت الماشية أثناء الحول وقبل إخراج الزكاة فإنه يضم الناتج إلى الأصل ويخرج زكاة الجميع، ولا يستقبل حولاً جديداً غير حول الأصل.
[22] [الغرض من تطهير النجاسة زوال عينها] (3)
هذه قاعدة نص عليها السالمي في مواطن كثيرة من الطهارة لا سيما المسألة السابعة قال رحمه الله: «قال أبو إسحاق: إذا دمى الفم أو أصابته النجاسة ثم بزق أو أكل أو شرب أو قام حيناً حتى لم يبق للنجاسة أثر ولا فقد طهر، وهذا منه بناء ريح على القول بأن الغرض من تطهير النجاسات زوال عينها».
فروع القاعدة:
من فروعها: التطهير بالماء لأن الماء يزيل عين النجاسة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل المسجد من بول الأعرابي، ولقول الله تعالى: وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُظْهِرَكُم
(4)
ومنها: التطهير بالتراب لكونه يزيل عين النجاسة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطُهرُهُما التراب» (5).
ومنها: التطهير بالشمس فإن الشمس تذهب عين النجاسة، والغرض من تطهير النجاسة زوال عينها وكان أبو قلابة يقول: ذكاة الأرض يبسها فإذا يبست الأرض
(1) معارج الآمال 378/ 4 و 379.
(2) معارج الآمال 379/ 4. (3) معارج الآمال 236/ 2.
(4) رواه أبو داوود عن أبي هريرة بلفظ قريب، كتاب الطهارة باب الأذى يصيب النعل، رقم 385، 105/ 1. (5) صحيح ابن حبان باب تطهير النجاسة، (1404)، 4/ 250.
254 - YO? (1/254)
صفحة 242
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المتنجسة طهرت ومنهم من قال: إن الشمس والريح لا يطهران شيئاً إذ لو كان ذلك مطهراً لكان يطهر به نجاسة يبست بريح أو بشمس وهو قول من يجعل التطهير مقصوراً على الماء.
ومن فروعها: التطهير بالريح لأن الريح تزيل عين النجاسة.
ومن
بيوم
،
العلماء من اشترط الزمان مع الريح فمنهم من قدر الزمان بثلاثة أيام، ومنهم من قال واحد لأنهم قاسوا الأيام على العرك فمن اكتفى بعركة واحدة قال باليوم الواحد، ومن اشترط ثلاث عركات قال بثلاثة أيام، قال السالمي: والصحيح أنه لا يشترط ذلك كله وقتاً إلا ذهاب العين والأثر إذ لا دليل على الاشتراط (1).
لكن الشمس والريح يطهران ما عدا الثوب، والبدن أما هما فلا يطهرهما إلا الماء، وهذا ما أجمع عليه فقهاء الإباضية ودليلهم ما يروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بغسل دم الحيض من الثوب وغسل عن وجهه الدم يوم أحد (2). ومنهم من قال: يطهران الثوب والأرض ولا يطهران البدن لأن غسله تعبد.
ومنها: تطهير النعل بالمشي وعليه أكثر فقهاء الإباضية، وكذلك إذا مسح النعل بالأرض حتى ذهبت النجاسة كما أفاد أبو سعيد رحمه الله لأن الغرض من المشي بها زوال النجاسة، ودليل ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا وطئ أحدكم بنعليه الأذى فإن التراب له طهور (3).
ومنها: تطهير الفم يكون بزوال أثر الدم عن طريق اصطراط الريق أو عن طريق الغسل، أو عن طريق البزق حتى يخرج الريق صافياً لأن المعتبر في النجاسة زوال عين
النجاسة.
ومنها: التطهير بالزمان والنار والدباغ لأن كل ذلك يزيل عين النجاسة. فالمسح
(1) معارج الآمال 231/ 2.
(2) سنن الترمذي، باب غسل دم الحيض في الثوب 1/ 245. (3) رواه أبو داوود عن أبي هريرة بلفظه باب الأذى يصيب النعل رقم 385.
255 - Yoo (1/255)
صفحة 243
اجتهادات الإمام السالمي
يطهر جميع
الأبدان إلا الفروج والأقدام المشقوقة والمسح يطهر الحديد والنحاس، والرصاص والفضة وجميع آنية العود مثل القصاع وبالجملة إن كل شيء لا يُنَشِّفُ النجس إذا وصله فإنه يجزئ فيه المسح وذلك لأن المسح إنما يستعمل في الظواهر. [2] [الغنى بمال أو احتيال] (1)
هذه القاعدة نص عليها السالمي رحمه الله في صفة من يستحق الزكاة، قال: والمذهب عندنا أن من استغنى بمال أو احتيال كان غنياً (2).
معنى القاعدة:
ومعنى القاعدة: أن من استطاع التكسب بطريق العمل أو التجارة أو ورث مالاً فهو غني، والغني لا تحل له الصدقة.
: صلى الله عليه وسلم أصل القاعدة وأصل هذه القاعدة قول الرسول الله في الصدقة: «لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي» (3)، والمرة (بكسر الميم وتشديد الراء) القوة، أي ولا لقوي على الكسب، وقوله (سوي) صحيح البدن تام الخلقة.
فروع القاعدة:
،
ومن فروع هذه القاعدة: الرجل لا مال له لكنه ذو قوة على الاكتساب وقد اختلفوا في إعطائه فقال الشافعي وأبو ثور، وأبو عبيد وابن المنذر: لا يُعطى منها. وقال أصحاب الرأي: من لم يملك مائتي درهم فله أن يأخذ من الزكاة وللمعطي أن يعطيه قوياً متكسباً أو غير قوي، ولا متكسب.
قال السالمي: وعندنا أن من استغنى بمال أو احتيال كان غنياً (4).
(1) معارج الآمال 0750/ 4 (2) المرجع نفسه.
(3) مسند أحمد (6687) (216/ 14، صحيح ابن حبان كتاب الزكاة، باب مصارف الزكاة (3290) 8/
A{
(4) معارج الآمال 750/ 4.
256 - 256 (1/256)
صفحة 244
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن فروعها أن من له حرفة تغنيه كحدادة وتجارة وزراعة وكان قوي البدن سالماً من الأمراض فهو غني لا تحل له الصدقة.
ومنها: أن من كانت له قوة في بدنه يقدر على الكسب إلا أنه متفقه ويمنعه الاشتغال بالكسب عن التفقه فإن الصدقة تحل له لفقره واشتغاله بما يعود نفعه على الإسلام، وكذلك إن قدر على الكسب لكن لا يليق بمروءته وبحال مثله فإنه تحل له الصدقة لفقره ولأن المحافظة على المروءة من الدين. أما إن كان متعبداً يمنعه الكسب من وظائف العبادات وأوراد الأوقات فليكتسب لأن الكسب أولى من ذلك، قال: طلب الحلال فريضة بعد الفريضة» (1).
ومنها: أن من استطاع عملاً ولو أن يحتطب وجب عليه العمل ولا تحل له الصدقة، قال: لئن يأتي أحدكم بحزمة حطب فيبيعها فيكف الله بوجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» (2).
[24] [فرض الزكاة في العين لا في القيمة] (3)
الأخذ
صفة هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن المدخر المقتات قال: «وإنما خص المدخر المقتات لكون اليسر في المدخر موجوداً بخلاف غيره فإن ما لا بقاء له مخالف للنمو، ولو سلمنا أنه يباع فيمكن القيمة لأن الفرض في الزكاة أخذها من العين لا من القيمة (4). فروع القاعدة:
من
من فروعها: أن زكاة المال تخرج عيناً لا نقداً فإن باع العين فإنه عند الشافعية والحنابلة وغيرهم تخرج من القيمة، وعند الإباضية تكون في العين ولا تخرج من القيمة، وكأنه فوت الزكاة، ويمكن توجيه مذهبهم بأن يقال: لو جوزنا إخراج القيمة
(1) رواه البيهقي في الكبرى عن ابن مسعود بلفظ قريب باب كسب الرجل وعمل يديه رقم 11474. (2) سنن ابن ماجه باب كراهية المسألة، (1836)، 588/ 1.
(3) معارج الآمال 431/ 4.
(4) معارج الآمال 431/ 4.
257 - Yov (1/257)
صفحة 245
اجتهادات الإمام السالمي
محل العين لكون القيمة أنفع للفقراء وأسرع في دفع الخلة والفاقة عنهم لأدى ذلك إلى استخراج معنى في العلة يعود على أصلها بالإبطال ومن شروط العلة المستنبطة أن لا تشتمل على معنى يكر على أصلها بالإبطال، لأننا لو طردنا إخراج القيمة في الزكاة كافة لبطلت زكاة الثمار والزروع والماشية ولم يبق إلا زكاة المال وهو باطل فما أدى إليه وهو إخراج القيمة بدل العين يكون باطلاً أيضاً.
ومن فروعها: إخراج العين في صدقة الزروع والثمار فيخرج العشر إذا كان الزرع قد سقي بماء السماء أو السيح، ونصف العشر إذا سقي بماء النضح إذا بلغ الخارج خمسة أوسق. ومن فروعها زكاة الماشية فتخرج العين وليس القيمة، قال: «في كل
أربعين شاة شاة» (1)
على تفصيل في الزكاة وأسبابها يطلب من مظانه.
ومنها: أن صدقة الذهب والفضة تخرج من النقدين في كل عشرين دينار نصف دينار إذا حال عليها الحول، فإذا زادت أربعة دنانير ففيها عشر دينار ونصف دينار، فإذا زادت أربعة دنانير أخر ففيها خمس دينار ونصف دينار، وهكذا يلزم في كل أربعة دنانير
عشر دينار.
درهم
ونصاب الفضة مائتا درهم وفيها خمسة دراهم وبعدها في كل أربعين درهم فيها (2)، ويطلب التفصيل من المطولات، والله أعلم.
أما زكاة الفطر فقد عللها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اغنوهم عن المسألة في سائر اليوم» (3)، والغنى يحصل بالعين وبالقيمة، لذلك جوّز بعض الفقهاء إخراج القيمة فيها، والله أعلم.
(1) سنن أبي داوود كتاب الزكاة، باب في زكاة السائمة (1570 8/ 2، سنن الترمذي، كتاب الزكاة، باب زكاة الإبل والغنم (621) 17/ 3. (2) معارج الآمال 567/ 4.
(3) غريب بهذا اللفظ، وأخرجه الدارقطني في سننه عن أبي معشر ورواه ابن عدي في الكامل وأعله بأبي معشر نجيح، قال البخاري: منكر الحديث انظر نصب الراية 432/ 2.
258 - YOA (1/258)
صفحة 246
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[25] [الفعل المحرم إذا لم يستقم إلا من جهتين حرم من الجانبين] (1) هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن وطء الحائض في حالة النسيان والخطأ: وكذلك النسيان فيجب أن تعذر هي في النسيان كما عُذر هو بل هي أولى بذلك لأن الخطاب في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (2) متوجه إليه، وهي عليها بطريق التبعية لخطابه ولئلا تعينه على إنما حرم المحجور ولأن الفعل المحرم إذا لم يستقم إلا من جهتين حرم من الجانبين، والوطء لا يستقيم إلا من الرجل والمرأة وهو محرم في نفسه حالة الحيض فوجب أن يجتنباه
جميعاً» (3).
معنى القاعدة:
معاً.
ومعنى هذه القاعدة أن الفعل المادي المحرم إذا لم يتحقق في الخارج إلا من جانبين وجهتين حرم على الجانبين فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: الوطء المحرم لما كان لا يتحقق إلا من الرجل والمرأة
حرم عليهما معاً.
ومنها: أكل الربا لما كان لا يتحقق إلا من الأكل والموكل حرم عليهما معاً ولعنهما النبي صلى الله عليه وسلم معاً فقال: «لعن الله الربا وآكله وموكله وكاتبه وشاهديه» (4) وذلك لأنه لم يتحقق إلا بهم جميعاً.
ومنها: وصل الشعر لا يتحقق إلا من الواصلة والمستوصلة، لذلك لعنهما النبي معاً فقال: «لعن الله الواصلة والمستوصلة (5) لأن هذا الفعل المحرم لم يستقم إلا
(1) معارج الآمال 2/ 190. (2) سورة البقرة، الآية: 222. (3) معارج الآمال 2/ 190.
(4)
(0)
صحيح مسلم، باب لعن آكل الربا ومؤكله (4176، 50/ 5، ومسند أحمد (3798)، 325/ 8، وسنن البيهقي 26/ 5.
صحيح البخاري، باب الوصل في الشعر، (5589)، وصحيح مسلم، باب تحريم فعل الواصلة،
5687 (، 165/ 6)
259 - 259 (1/259)
صفحة 247
اجتهادات الإمام السالمي
من الجانبين ومنها: الواشمة فإن الوشم محرم ولا يتحقق إلا من جانبين الواشمة والمستوشمة، فلذلك لعنهما النبي صلى الله عليه وسلم معاً فقال: «لعن الله الواشمة والمستوشمة» (1). ومنها: اللواط، محرم ولما كان لا يتحقق إلا من الفاعل والمفعول به كان العقاب عليهما معاً فقال: من فَعَل فعل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به (2).
ومنها: القمار حرام، ولا يتحقق إلا من جانبين فيحرم عليهما معاً.
وهكذا كل عمل لا يتجسد في الخارج إلا من جانبين لأنه تعاون على الإثم
والعدوان
وهو منهي عنه لقوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (3)،، وهذه النصوص تصلح دليلاً للقاعدة.
[26] [الكتابة ليست بكلام] (4)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله قال: سئل عزان بن الصقر عن الرجل الجنب هل يكتب بسم الله الرحمن الرحيم قال: لا، وقال غيره: لا بأس بالكتابة ما لم يتكلم لأن الكتابة ليست بكلام (0).
قلتُ: ويحمل كلام الشيخ عزان بن الصقر على من أجرى الكلام مع الكتابة لأنه
محتمل والله أعلم.
لكن هنا إشكالاً أثاره السالمي رحمه الله وهو أنه يلزم من الكتابة مس المكتوب لأنه متى كتب قرآناً فقد صار المكتوب في يده اللهم إلا أن يقال إن فرض
المسألة
في
(1) صحيح البخاري، باب ثمن البغي والنكاح (5347)، (51/ 18، تحقيق د. البغا. (2) مسند أحمد (2784)، 310/ 6، سنن البيهقي، باب الحد في اللواط، 245/ 7، سنن أبي داوود، باب
فيمن عمل عمل قوم لوط، 269/ 4
(3) سورة المائدة، الآية: 2.
(4) معارج الآمال للإمام السالمي 139/ 2.
(0) معارج الآمال 2/ 139.
260 - 260 (1/260)
صفحة 248
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
نفس إجراء القلم على صفحة لا يمسها بيده فإن كان الخلاف في هذا الموضع فالتعليل بأن الكتابة غير كلام ظاهر والله أعلم (1).
التفريع على القاعدة:
وكون الكتابة ليست كلاماً أصل يتفرع عليه مسائل كثيرة منها: لو حلف ألا
يكلمه فلا يحنث بالكتابة إليه.
ومنها: لو قال لزوجته: إن كلمتِ فلانة فأنت طالق فكتبت إليها لا تطلق. ومنها: أن الإمام أحمد بعد محنة خلق القرآن أخذ منه العهد على أن يمتنع من الكلام والتحديث، فلما جاءه بقي بن مخلد من بلاد المغرب فكان الإمام أحمد يكتب له الحديث ويناوله من وراء الباب وكان بقي بن مخلد يظهر بمظهر المتسول الذي يتناول الدراهم من الإمام أحمد بن حنبل له، وهذا من صبر العلماء وتحملهم في طلب العلم. وفي هذه القصة دلالة على أن الإمام أحمد كان يري أن الكتابة ليست كلاماً وهو الصواب، لأنه يصح نفيها فيقال: ما تكلمت ولكن كتبت له كتاباً وهو بذلك غير حانث والله أعلم.
ومنه: طلب النبي زكريا عليه السلام من الله تعالى أن يجعل له آية قال: آيَتُكَ ألا تكلم النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلا رَمْزا (2)، فالرمز هو الإشارة وهو قريب من الكتابة، فهو كتابة الحركة في الهواء والكتابة كتابة الحروف على الورق والله تعالى استثنى
الرمز من الكلام فدل على أن الرمز والكتابة ليسا من الكلام والاستثناء هنا منقطع.
تنبيه: ينبغي للقارئ أن يتنبه إلى أن هذه القاعدة تخالف قاعدة «الكتاب كالخطاب»، لأن هذه لا تشعر أن الكتاب خطاب لكن له حكم الخطاب شرعاً، فمن أعتق عبده أو طلق زوجته كتابة فإن العتاق والطلاق واقعان لا لأن الكتابة كلام ولكن لأن الطلاق والعتاق وكثيراً من العقود تقع بالكلام والكتابة والإشارة، لأن هذه الثلاث تنبئ عن الإرادة وليس لأنها كلها من جملة الكلام فليتبنه لذلك.
(1) نفس المرجع.
(2) سورة آل عمران الآية: 41.
261 ـ 261 (1/261)
صفحة 249
اجتهادات الإمام السالمي
[27] [قليل العلم خير من كثير العبادة] (1)
هذه القاعدة أصلها حديث نبوي شريف رواه الطبراني في الأوسط (2) والمنذري في الترغيب والترهيب (3) وقد نص عليها الإمام السالمي في أثناء كلامه عن فضل الفقه حيث ساق أحاديث عدة في فضل الفقه وهذا الحديث من جملتها (4).
معنى القاعدة:
أن العبادة القليلة مع الفقه في الدين خير من كثير العبادة مع الجهل بالفقه. لأنه
ما عبد الله بشيء خير من الفقه في الدين ومن هنا كان الفقهاء ورثة الأنبياء.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: إذا وجد في بلد واحد مفت اشتهر بالعلم وآخر أقل علماً لكنه أكثر ورعاً قدم الأعلم، لأن مدار الفتوى على العلم لا على الورع، هذا في حالة استوائهم في العدالة وفي هذه الحالة لا أثر لزيادة الورع مع قلة العلم (5) ولأن قليل
العلم خير من كثير العبادة.
ومنها: أنه
يقدم العالم على العابد في الصلاة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «يوم القوم
أفقههم بكتاب الله» (6).
ومنها: أنه
التأمير
يقدم العالم على غيره في الصلاة عليه وفي إنزاله في قبره وفي في السفر، وفي المشي وفي الدعاء، وفي الشهادة وفي القضاء يقدم قليل الفقه على كثير العمل من غير فقه لأن مدار الفتوى والقضاء على الفقه.
(1) معارج الآمال 127/ 1.
(2) برقم (8698)، 249/ 2.
(3) كتاب العلم الترغيب في طلب العلم وتعلمه وتعليمه 93/ 1.
(4) معارج الآمال 127/ 1.
(5) غاية المأمول ص 714.
(6) صحيح مسلم، باب من أحق بالإمامة، (1564)، 133/ 2.
262 - 262 (1/262)
صفحة 250
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[28] [الكفارة عقوبة التعمد والنسيان معفو عنه] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في مبحث الواجب على المرأة من الغسل، قال رحمه الله: «فإن تركت غسل والج الفرج جاهلة أو ناسية وكانت ثيباً، وصلت بجهل أو عمد فعليها البدل والكفارة لأنها قد أخلت بالغسل وهو شرط لصحة الصلاة ولا يسعها جهلها بذلك، وإن تركت ذلك ناسية فليس عليها إلا البدل لأن الكفارة عقوبة التعمد والنسيان معفو عنه فلا تجب فيه عقوبة (2).
أصل القاعدة:
وأصل هذه القاعدة قول الله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ، وَلَكِن
ما تَعَمَّدَتْ قُلُورُكُمْ (3).
فروع القاعدة:
من فروعها: لو سها المصلي حتى أكل أو شرب أو اضطجع نائماً أو نحو ذلك فإنه يكون في مثل هذه الصورة مقصراً إذ لو لم يكن مقصراً في المحافظة على عبادته
لما سها هذا السهو. هذا مثال لتقصير الناسي
•
ومن فروعها كلام الناسي في الصلاة لا يبطل الصلاة عند الشافعية لأن الكلام إنما كان مفسداً للصلاة لكونه منهياً عنه والناسي لا يتعلق بفعله نهي لعدم تكليفه فلا
تفسد صلاته للحديث السابق.
جاء
ومن فروعها: إذا أكل أو شرب ناسياً فلا يفسد صومه.
ومنها: أن
من نام عن صلاة أو نسيها فعليه أن يصليها إذا استيقظ من نومه كما
في الحديث: من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا
(1) معارج الآمال 61/ 2.
(2) معارج الآمال 61/ 2. (3) سورة الأحزاب، الآية: 5.
263 - 263 (1/263)
صفحة 251
اجتهادات الإمام السالمي
ذلك» (1). وفي هذا الفرع دليل على أن الخطاب لا يسقط عن النائم والناسي بل يتأخر إلى الانتباه (2).
ومن هنا أن من حفظ القرآن ثم نسيه آثم وهذا الفرع مبني على النسيان الذي لا يصلح عذراً لأن فيه جانباً من التقصير.
ومنها: القتل الخطأ فيه الدية، والدية ليست من خطاب التكليف بل هي من العوض المالي لأنها حق للعبد وهو لا يسقط بالخطأ ولا بالنسيان. والقاعدة تنص على أن الكفارة عقوبة التعمد والمخطئ ليس متعمداً والدية صلة وليست عقوبة.
[29] [كل الكلام في المسجد لغو] (3) أصل هذه القاعدة نص حديث نبوي شريف رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (4) واللالكائي في شرح اعتقاد السنة (5).
وأصل الحديث كما ذكره السالمي رحمه الله تعالى قال: «كل الكلام في المسجد لغو إلا ثلاثة مصلّ وذاكر لله، وسائل حقه فاعطوه حقه».
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن كلام أهل الدنيا فيما يعود إلى الدنيا لغو، واللغو في المسجد محرم، واستثنى النبي الا الله ثلاثة أنواع من الكلام: كلام المصلي وهو يقرأ القرآن، وكلام الذاكر وقيده أهل العلم ومنهم ابن حجر في الفتح بما لم يشوش على غيره، وكلام السائل والمقصود به صاحب حق على آخر جاز له أن يتقاضاه في بدليل قول النبي «فأعطوه حقه».
المسجد
(1) أخرجه الربيع في مسنده (184) من حديث جابر بن زيد بلاغاً ووصله البخاري (597) ومسلم برقم
(684) من حديث أنس.
(2) طلعة الشمس ص 381. (3) معارج الآمال 472/ 2. (4) برقم 35471.
(5) اعتقاد أهل السنة برقم 1121 عن أبي هريرة مرفوعاً في النهي عن الكلام في القدر.
264 - YTE (1/264)
صفحة 252
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وألحق السالمي عليه رحمة الله صوراً عديدة سوغ فيها الكلام في المساجد، منها التصافح وأخذ السلاح من الأضياف والاتفاق فيه على فعل المعروف من أموالهم، والسؤال فيه عن أخبار المطر وسلامة المسافرين وموت المفقودين، وتعزية من مات وليه، وتهنئة من ولد له ولد أو اشترى شيئاً، أو لبس ثوباً جديداً أو ما أشبه ذلك، فهذا کله جائز في المسجد لما ثبت عن رسول الله لهم من الدليل على جواز ذلك. وكذلك جواز الخطبة فيه والتزويج وطلاق السنة والرجعة فيه. وعلل الشيخ عامر
بأن هذه الأفعال أقرب إلى المندوبات فلذلك أجازها (1).
سمع
ومن فروعها نشد الضالة في المسجد لا تجوز لما روي عنه أنه قال: «من رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا أداها الله إليك فإن المساجد لم تبن
لهذا» (2).
ومن فروعها: أنه يحرم البيع والشراء في المساجد لما روي عن أبي هريرة أنه قال: «إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك» (3). قال الخطابي: ويدخل في هذا كل أمر لم يبن له المسجد من أمور معاملات الناس واقتضاء حقوقهم.
ومن فروعها: نشد الأشعار في المسجد لما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه نهى عن تناشد الأشعار في المساجد (4)
ومن فروعها: كراهة المسألة في المسجد، ورأى بعض أهل العلم أن لا يتصدق
على السائل في المسجد.
(1) معارج الآمال 472/ 2.
(2) رواه أبو داوود عن أبي هريرة بلفظه كتاب الصلاة باب كراهية انشاد الضالة في المسجد برقم 473. (3) رواه الترمذي بلفظه كتاب البيوع باب النهي عن البيع في المسجد برقم 1321.
•
(4) رواه الترمذي في كتاب الصلاة باب ما جاء في كراهية البيع والشراء وإنشاد الضالة والشعر في المسجد برقم 322.
265 -
265 (1/265)
صفحة 253
اجتهادات الإمام السالمي
واختلف في القضاء في المسجد، فمنعه قوم وأجازه آخرون لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا عن بين العجلاني وامرأته في المسجد، ولاعن عمر عند منبر النبي، وقضى شريح، والشعبي، ويحيى بن يعمر في المسجد (1).
[30] [کل دم عرق نجس] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن الرعاف قال: وأيضاً فدم الرعاف دم عرق فهو نجس لقوله صلى الله عليه وسلم في دم الاستحاضة: «دم عرق
نجس (3)
6
وكل ما كان نجساً فهو ناقض للوضوء (4).
أصل القاعدة:
وأصل القاعدة قول النبي الله الفاطمة بنت حبيش وقد كانت تهراق الدم: تحيضين في علم الله كما تحيض النساء فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة أيام أقرائك فإذا رأيت الدم بعد ذلك فتوضئي لكل صلاة فإنه عرق دم انفجر فروع القاعدة:
الرعاف.
(0)
من فروعها الاستحاضة فإن دمها نجس لكونه عرق، دم، وكل عرق دم نجس.
ومن فروعها: دم الرعاف فإنه عرق دم انفجر فإنه نجس كالاستحاضة. الحجامة نجس خلافاً للشافعي فإنه يصدق عليه أنه دم عرق نجس.
ومنها:
دم
ومنها: الدم المنفجر من الأذنين، فإنه عرق دم انفجر فهو نجس قياساً على
(1) معارج الآمال 474/ 2. (2) معارج الآمال 431/ 1.
(3)
صحيح البخاري قريب من لفظه باب غسل الدم (226)، (91/ 1، وانظر إرواء الغليل 146/ 1. (4) معارج الآمال 431/ 1.
صحيح
البخاري، باب الاستحاضة، (306)، 34/ 2، صحيح مسلم، باب المسحاضة وغسلها،
180/ 1، (779)
(0)
266 ـ 266 (1/266)
صفحة 254
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: الدم الخارج من أحد السبيلين فإنه ناقض للوضوء من باب أولى. ومنها: دم النفاس من باب أولى وجميع الدماء التي يثبت الطب أنها دماء علة أو دم عرق فإنها نجسة والله أعلم.
[1] [كل عبادة لا تجوز إلا بطهارة فالوضوء لها يجزئ لغيرها وكل عبادة تجوز بطهارة وغيرها فالوضوء لها لا ينوب لغيرها] (1) هذه قاعدة مهمة تدل على استقراء دقيق للشيخ الإمام رحمه الله تعالى نص عليها في معرض كلامه على المحافظة على الوضوء قال رحمه الله: وأصل ذلك أن كل عبادة لا تجوز إلا بطهارة فالوضوء لها يجزئ لغيرها وكل عبادة تجوز بطهارة وغيرها فالوضوء لها لا ينوب لغيرها. (2).
وهذه القاعدة اشتملت على شطرين كل شطر بمفرده قاعدة. الأولى: كل عبادة لا تجوز إلا بطهارة فالوضوء لها يجزئ لغيرها.
ومن فروع هذا الشطر: الوضوء للفرائض مثل صلاة الفرض، والنوافل مثل السنن والطواف وصلاة الجنازة وصلاة العيدين وصلاة الاستسقاء، والكسوف ومس المصحف.
فهذه الأوضية لا تجوز إلا بطهارة، فالوضوء لأي منها يجزئ لغيرها.
أما فروع الشطر الثاني وهي الأوضية التي لا يجزئ بعضها عن بعض فهي سبعة: لدخول المسجد وللنوم، وللدخول على السلطان، ولقراءة القرآن، والتبرد، والتنظف، والتعلم (3). فهذه الأمور تجوز بطهارة وبغير طهارة فلو توضأ لها فإن وضوءه لا ينوب عن غيرها من العبادات التي لا تصح بغير طهارة والله أعلم.
(1) معارج الآمال 315/ 1.
(2) المرجع نفسه 1/ 315.
(3) المرجع نفسه 1/ 315.
267 - 267 (1/267)
صفحة 255
اجتهادات الإمام السالمي
[32] [كل ما كان محترماً ومعظماً يجب تجنبه أثناء قضاء الحاجة] (1) هذه قاعدة نص عليها العلامة السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن آداب قضاء الحاجة حيث قال: وكذلك يؤمر أن يتجنب كل ما كان محترماً معظماً عند
الله (2).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أنه لا يجوز قضاء الحاجة في المساجد وكذلك في قبور
المسلمين.
ومنها: أنه يتجنب ما يضر بغيره من الناس فلا يقضي فيه حاجته كمواضع جلوس الناس ومسالكهم ومجرى، أنهارهم، ومساقط أثمارهم لورود النهي النهي منه قال: من قضى حاجته تحت شجرة مثمرة، أو على نهر جار، أو طريق عامر، أو على ظهر مسجد من مساجد الله فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (3)، وهذا الحديث
،
أصل القاعدة. ومنها: أنه يتجنب استقبال القبلة واستدبارها لورود النهي منه عن ذلك. وقيد صلى الله عليه وسلم العلماء ذلك في الأراضي المكشوفة، أما في البيوت والعمران فلا بأس لحديث ابن قال: ارتقيت بيت أختي حفصة فرأيت النبي يبول وهو مستقبل القبلة (4). فجمع البخاري في صحيحه (5) وأبو داوود في سننه (6 بين النهي والجواز بأن النهي محمول على الأماكن المكشوفة حيث لا يكون بين الإنسان وبين القبلة ما يستر. فإن كان بينه
عمر
وبين القبلة ما يستر فلا بأس.
(1) معارج الآمال 274/ 1.
(2) المرجع السابق.
(1)
(3) رواه ابو داوود عن معاذ بلفظ اتقوا الملاعن عن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل، كتاب الطهارة، باب (14) المواضع التي نهي عن البول فيها، رقم 26.
(4) رواه مسلم عن ابن عمر كتاب الطهارة 1/ 225 حديث 61 و 62. (5) انظر صحيح البخاري 45/ 1 تصوير استانبول ودار احياء الكتب. (6) سنن أبي داوود 591/ 2 تصوير استانبول.
268 -
268 (1/268)
صفحة 256
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: أنه يتجنب ذكر الله في مواطن الخلاء لإيذاء الملائكة عليهم السلام.
(1)،
ومنها: أنه يتجنب استقبال الشمس والقمر لأنهما خلقا من نور العرش (1)، ولأن الله أقسم بهما، والقسم بالشيء يدل على تعظيمه، وكرامته.
ومنها: أنه
يتجنب الظلال وشواطئ الأنهار وكذلك في الطرق والممرات والجحر، والبالوعة وتحت الميزاب وفي الماء الدائم وفي أثر الحوافر فإنها مساكن
الجن.
ومنها: أنه
يتجنب أثناء البول أخذ الذكر والاستجمار باليمين لشرفها.
والفروع كثيرة جداً وما ذكرت يتضح به المقصود.
[33] [كل ما كان من الخبائث فهو حرام] (2)
:
هذه القاعدة نص عليها السالمي في معرض كلامه عن صيد البحر والبر قال رحمه الله: والمذهب عندنا حل الجميع ما كان من صيد البحر لعموم قوله تعالى: هو أحِلَّ لَكُمْ صَيدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُه (3)، والخلاف الموجود عند قومنا في خنزير البحر ما را وكلبه سائغ عندنا وكذا القول في السرطان والضفدع والتمساح فإنها إن كانت من صيد البحر فهي داخلة تحت عموم الآية، وإن كانت من هوام البحر وحشرات البر فالخلاف فيها سائغ، وقد حرم الله علينا كل خبيث فكل ما كان من الخبائث فهو حرام.
دليل القاعدة:
قال تعالى في وصف النبي صلى الله عليه وسلم: (وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبيث (4)، فكل خبيث فهو حرام بنص الآية.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة كل ما استخبثته العرب وعافته الطبائع السليمة والنفوس
(1) معارد الآمال 288/ 1.
(2) معارج الآمال 282/ 2 (3) سورة المائدة، الآية: 96. (4) سورة الأعراف، الآية: 157.
269 - 269 (1/269)
صفحة 257
اجتهادات الإمام السالمي
،
،
،
الأبية والعقول السوية من حشرات الأرض كالأفاعي والعقارب، والفئران، والضفادع والحلزون والسحالي والصرصار والخفافيش والوزغ والذباب والدبر، والنمل والباز والعقاب والصقور وهي طيور تأكل الجيف والنسور والرخم والغراب سوى غراب الزرع والسلحفاة والسرطان وكل ما يعيش في البر والبحر، وكذلك الجرذان وهي ناقلة لمرض الطاعون، وكذلك الخنافس، ونحو ذلك من الحشرات فهي من الخبائث التي تنفر عنها الطبائع السليمة، ولا عبرة بطبائع الكفار فإنهم يستطيبونها فإن طبائعهم خبيثة كنفوسهم فإنهم يأكلون كل هذه الخبائث المستقذرة. والخنزير أبو الخبائث كلها والعياذ بالله تعالى.
محرمة.
ومنها: التبغ والدخان والمخدرات فإنها من الخبائث بل هي أم الخبائث.
ومنها: الدم المسفوح فإنه رجس بنص القرآن الكريم.
ومن
ذلك: كسب الحجام وحلوان الكاهن ومهر البغي فكلها خبائث وكلها
[34] [كل ما له رائحة منتنة يمنع من دخول المسجد] (1)
هذه قاعدة مستخرجة من تفريعات الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه فيمن أكل الثوم والبصل ثم دخل المسجد.
أصل القاعدة:
وأصل هذه القاعدة ما روي عن أنس وابن عمر وجابر قال: «من هذه الشجرة المنتنة فلا يقربن مساجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الانـ
فروع القاعدة:
أكل من
(Y)
من فروع هذه القاعدة أن ما له رائحة كريهة يتأذى منها المصلون فعلى صاحب
(1) معارج الآمال 476/ 2.
(2) رواه مسلم عن جابر بن عبد الله بلفظه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب نهي من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها رقم 564.
270 - 270 (1/270)
صفحة 258
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
،
هذه الرائحة تجنب مواضع الصلاة وتجمعات الناس كصلاة الجماعة، والجمعة والأعياد والمناسبات الأخرى التي يجتمع فيها الناس كالأفراح والأتراح وغيرها مما يجتمع فيها الناس ومن أعظمها حرمة المساجد.
ومن هذه الروائح المنتنة رائحة البصل والثوم والكراث والفجل الذي يسبب بالجشاء وكذلك رائحة الدخان والتنباك، قال النووي رحمه الله: ويلحق بالثوم والبصل والكراث كل ما له رائحة كريهة من المأكولات، وغيرها قال القاضي: ويلحق به من أكل الفجل وكان يتجشى قال: وقال ابن المرابط ويلحق به من كان به بخر في فيه أو به جرح له رائحة.
قال القسطلاني وألحق بعضهم من بفيه بخر أو لجرحه رائحة كالمجزوم والأبرص وأصحاب الصنائع الكريهة كالسماك وتاجر الكتان والغزل، قال وعورض بأن أكل الثوم أدخل على نفسه باختياره هذا المانع بخلاف الأبخر والمجزوم فكيف يلحق المضطر بالمختار؟.
شأن
قال السالمي رحمه الله: قلتُ: وعلى هذا فيكون القياس صحيحاً في أهل الصناعات الرديئة لأنهم فعلوها اختياراً دون أهل الضرورات لأنهم غير مختارين لذلك. ومن فروعها: الزيات الذي يحمل آثار الزيوت والشحوم على ثيابه فإن من هذه الزيوت والشحوم أن تؤذي برائحتها الكريهة جماعة المسجد. ومن فروعها: الحدادون فإن هذه الصنعة من شأنها أن تبعث بالروائح المنتنة. ومن فروعها: عمال الدهان فإن ثيابهم تحمل الروائح الكريهة وبيوت الله تصان عن مثل هذه الروائح المنتنة.
ومن فروعها: الجزارون الذين يعملون في ذبح الحيوانات وتقطيع أوصالها فإنهم يحملون روائح كريهة جداً تؤذي عمّار بيوت الله. فمثل هؤلاء يأثمون بدخول المساجد وأماكن اجتماع الناس.
من ذلك العمال الذين يعملون في الطين والأوحال والمجارير ونحوها فإن
حكمهم أشد لما يحملون من النجس فضلاً عن الروائح المنتنة.
271 - 271 (1/271)
صفحة 259
اجتهادات الإمام السالمي
[30] كل ما وقع عليه اسم الدم فإنه نجس إلا ما خصه الدليل] (1) هذه قاعدة نص عليها السالمي رحمه الله في معرض كلامه فيما خرج من المسلم من غير السبيلين قال: وعلى هذا الأصل اختلف العلماء في دم البرغوث والبعوض والقمل والحلمة (2) والقردان (3) ودم القلب، والعلق الجامد. وقال بعضهم بنجاسة كل ما وقع عليه اسم الدم إلا ما قام دليله لقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ ك (4) دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة قول الله تعالى: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ، وقد خص الدليل الكبد والطحال وبقي السائر على نجاسته وحرمته. فروع القاعدة:
من فروع القاعدة: الدم إذا رعف من الأنف أو من أي موضع في الجسم وسال عن موضعه وهو ما سماه الله بالدم المسفوح، وتقييده بكونه مسفوحاً قيد عند الشافعية والحنفية وجمهور الفقهاء، وذهب الإمام السالمي رحمه الله إلى أن تقييد الدم بكونه مسفوحاً في الآية لا يفيد تخصيص تحريمه بذلك لأنه وصف لم يؤت به للتقييد، وإنما جرى مجرى الأغلب المعتاد من أحوال العرب فيما قيل إنهم كانوا يأكلون الدم المسفوح من الإبل فحرم عليهم .. وإلا فلا خلاف بين أحد من المسلمين في أن حكم التحريم واحد في قليل الدم وكثيره. وقال: «وأيضاً فلو لم يكن الحكم متناولاً لما يصدق عليه اسم دم لما صح استثناء ما استثنته السنة من ذلك، فلما استثنت السنة بعض أنواع الدم علمنا أن الحكم لكل ما يسمى دماً إلا حيث الاستثناء» (ه).
(1) معارج الآمال 854/ 1 - 856 ـ 857 ـ 858.
(2) الحلمة: هي الصغيرة من القردان وقيل الضخم منها وقيل آخر اسنانها اللسان (حلم). (3) القردان: دويبة صغيرة واحدها القراد وهي التي تعض الإبل باللسان (قرد).
(4) سورة المائدة، الآية: 3.
(0) معارج الآمال 855/ 1.
272 - 272 (1/272)
صفحة 260
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
ومن فروعها: دماء البراغيث والبعوض والقمل والحلمة والقردان
والعلق الجامد.
الأمال
ودم
الكبد
ومنها: دماء السمك والحيوانات البحرية عند الشافعية وقال الإباضية بطهارة دماء السمك لأن دماء السمك دهن إذا يبس ابيض، والدم إذا يبس اسود.
وحجة الشافعي اطلاق اسم الدم عليه.
واختلفوا في دم الشهيد ودماء النبي الله فقال قوم بطهارتهما لأن النبي أمر أن يزمل الشهيد بثيابه بل غاية ما فيه تخصيص الشهيد بعدم الغسل، قال ولا نسلم أن غسل الموتى إنما كان لنجاستهم حتى يستدل بذلك على طهارة دماء الشهيد في ترك الغسل له بل نقول: إن غسل الميت عبادة تعبدنا الله بها سواء كان الميت نجساً قبل ذلك أم طاهراً، وخص الشهيد بترك غسله لئلا يذهب بالغسل شيء من دمه
أما دماء رسول الله صلى الله عليه وسلم لا دليل على طهارته وكون بعض الصحابة شربه هذه واقعة حال لا تخصص العموم، وحكم النبي كأحكام أمته إلا ما خصه الدليل
المعتبر (1).
[36] [كل نجس حرام (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن طهارة النبيذ إذا صار مسكراً، قال رحمه الله: ووجه ذلك أنه إذا كانت الخمر نجسة العين عند من قال بنجاستها فلا تطهر بزوال السكر عنها وكل نجس حرام» (3).
فروع القاعدة:
من فروعها: أن الخل إذا زال عنها الشدة فقد اختلف فيها العلماء، فمن قال: إن الخمر نجسة قال بنجاستها، ووجه ذلك أنه إذا كانت الخمر نجسة العين عند من قال بنجاستها فلا تطهر بزوال السكر عنها لأنها تبقى نجسة وكل نجس حرام.
(1) انظر معارج الآمال 856/ 1 و 857 و 858.
(2) معارج الآمال 733/ 1.
(3) المرجع السابق.
273 -
273 (1/273)
صفحة 261
اجتهادات الإمام السالمي
ومن فروعها الصابون والمعجون وسائر المنظفات المتخذة من شحم الخنزير نجسة وبالتالي يحرم استعمالها لأن كل نجس حرام.
ومن فروعها: المعلبات التي تشتمل على مواد حافظة نجسة فإنها حرام لأن كل
نجس حرام.
ومنها: أن الكلب إذا لم يكن معلماً فأمسك صيداً فهذا الكلب نجس العين لأنه
ليس معلماً وبالتالي فأكل صيده حرام.
حرام.
ومنها: أنه
يحرم استعمال الآنية التي ولغ فيها الكلب لأنها نجسة وكل نجس
ومنها: أنه لا يستعمل الدواء إذا كان نجساً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي في محرم (1) والنجس، حرام، فالنتيجة أن النجس لا يصلح للتداوي.
[37] [لا تتعلق الفروض العينية بالأموال دون الذمم] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن شراء الماء لغسل الميت قال: ثم إن شراء الماء لغسله وإن حكى فيه هذا البعض الاتفاق لا بد من خروج الخلاف فيه على حد ما تقدم في شراء الماء للوضوء فإن غسل الميت ليس بأشد وجوباً من الوضوء، بل الوضوء أشد لأنه فرض عين لا يقال، وكذلك الغسل فرض عين في حق الهالك وإن كان فرض كفاية على المغسلين لأنا نقول ليس على الميت شيء من الفروض. فإن قيل نعني بكونه فرضاً في حق الميت ثبوت ذلك في تركته فيخرج من رأس ماله، قلنا لا تتعلق الفروض العينية بالأموال دون الذمم (3). فروع القاعدة:
من فروعها أن الميت لا تتعلق به الفروض العينية كالصلاة، أما الفروض التي
(1) صحيح البخاري، باب شراب الحلوى والعسل 2129/ 5. ولفظه: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما
حرم عليكم. (2) معارج الآمال 93/ 4. (3) معارج الآمال 93/ 4.
274 - YVE (1/274)
صفحة 262
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
تتعلق بالمال كالزكاة فإنها تتعلق بالتركة وليس ذلك من باب خطاب التكليف فإن الميت
ليس
مكلفاً
بشيء، بل إن ذلك من خطاب الوضع وهو جود السبب والشرط وهما ملك
النصاب وحولان الحول.
أما الفروض التي لا تعلق لها بالمال فهذه لا بد لها من ذمة صحيحة وهي وجود إنسان له ذمة وحياة فإن الذمة فرع عن الحياة.
ومن فروعها: الجهاد في سبيل الله لا يتعلق بمال الرجل دون ذمته. ومنها: الصيام لا بد له من ذمة ولذلك لا يجب على الصبي الصغير، ولا على
المجنون.
ومنها: الصبي لا تتعلق به الفروض لأن الصبي ليس له ذمة صالحة لتعلق
الفروض بها.
ومنها: المجنون لا تتعلق به الفروض العينية لأنه ليس له ذمة صالحة لتعلق
الفروض.
ومنها: أن الميت إذا لم يجد أهله ماءً ليغسلوه به يمموه ولا يجوز أن يؤخذ المال من تركته لأن الميت ليس له ذمة والفروض العينية إنما تتعلق بالذمم ولا ذمة
للميت.
[38] [لا تعتبر النوادر من الأحوال] (1)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن الواجب إخراجه من الأشياء، قال: «ثم اختلف القائلون إنه يؤدي من قوت نفسه، فمنهم من قال: عليه أن يؤدي مما عليه الأغلب في سنته ولا تعتبر النوادر من الأحوال». معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن أحكام الشريعة تبنى على ما كثر وغلب لا على ما قل
وندر، وأن العبرة فيها للغالب الشائع، والنادر لا حكم له.
(1) معارج الآمال 647/ 4.
275 (1/275)
صفحة 263
اجتهادات الإمام السالمي
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن صدقة الفطر تكون مما غلب استعماله في الأكل كالحنطة والأرز واللوبياء، والحمص والتمر، لأنه الغالب.
أما النادر كالزبيب والجبن ونحو ذلك فلا عبرة به لأنه مما يندر، وتختلف أحوال الناس وبلدانهم فيما يعتبر من الشائع أو النادر فربما كان الشيء الواحد شائعاً في بلد نادراً في بلد آخر. ومنها: أن مدة الحمل الشائعة تسعة أشهر، وما روي عن الشافعي رحمه الله أنها أربع سنين فهذا حمل وهمي وهو ما يسمى في الطب الحديث بالحمل الكاذب، ولو سلم مع بعده فهو من الأحوال النادرة ولا تعتبر النوادر من الأحوال.
ومنها: أن الشائع في سن البلوغ خمس عشرة سنة، وقد يحدث البلوغ في السنة العاشرة وهذا من نوادر الأحوال.
ومنها: أن الكلب المعلم إذا كان في الغالب لا يأكل من الصيد كان ما يصيده حلالاً، أما إذا كان الغالب أنه يأكل من الصيد فليس بمعلم ولا يعتبر ما أمسكه حلالاً، أما إذا أكل نادراً أو ترك الأكل نادراً فنوادر الأحوال لا تعتبر.
ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم ردَّ فاطمة بنت حبيش في تقدير مدة الحيض إلى غالب عادة النساء، فقال لها: «تحيضين في علم الله كما تحيض النساء»، أي لأيام حيضهن وطهرهن، وأما الأحوال النادرة في سن الحيض فلا تعتبر.
ومنها: أن الغالب في المسافر أنه يشق عليه الصيام في السفر، ومن النادر أن تجد من لا يشق عليه الصيام في السفر والرخصة اعتبرت الشائع وأما الأحوال النادرة
فلا عبرة فيها.
[39] [لا تقوم الطاعة بالمعصية] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن الوضوء
(1) معارج الآمال 744/ 1.
276 276 - (1/276)
صفحة 264
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
بالماء المغصوب قال: ولأبي إسحاق أن يفرق بين المتوضئ من إناء النقدين وبين المتوضئ بالماء المغصوب لأن الماء شرط لصحة الوضوء، وإذا كان الشرط حراماً وجب ألا يصح الوضوء إذ لا تقوم الطاعة بالمعصية» (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن العبادة لا تؤدى بطريق محرم سواء كان طريقها شرطاً أو سبباً، فالمعصية لا تكون وسيلة صحيحة لأداء العبادات.
فروع القاعدة:
من فروعها الوضوء بالماء المغصوب لأن غصب الماء معصية وهو شرط للوضوء فإذا كان الشرط حراماً وجب ألا يصح الوضوء إذ لا تقوم الطاعة بالمعصية. ومنها: الوضوء بإناء النقدين على رأي بعض الأئمة لحرمة استعمالهما، وذهب
الشافعي وإسحاق، وأبو ثور إلى كراهة الوضوء في آنية الذهب والفضة (2). ومنها: الاغتسال بالماء المغصوب لأداء بعض الواجبات، فمن فعل ذلك فقد
عصى ربه في فعله وظلم نفسه في ذلك (3).
ومنها: أن الصلاة على الأرض المغصوبة لا تصح لأن الصلاة طاعة وغصب
الأرض معصية، والطاعة لا تقوم بالمعصية.
[40] [لا عبرة بالاحتمال العقلي إذا لم نكلف به] (4)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن نجاسة المشركين قال: وقيل إذا حمل المجوسي لمسلم لحماً ثم توارى عنه خلف جدار فلا يأكله لاحتمال أن يكون قد بدله بغيره، وقيل لا بأس بما حملوه وكان عندهم من
(1) معارج الآمال 0744/ 1 (2) معارج الآمال 0744/ 1 (3) المرجع السابق. (4) معارج الآمال 885/ 1.
277
- 277 (1/277)
صفحة 265
اجتهادات الإمام السالمي
الفاكهة اليابسة. وعلى كل حال إذا لم يُحتمل تبديل المجوسي للحم بغيره من طريق العادة فلا بأس بأكله عندي ولا عبرة بالاحتمال العقلي إذا لم نكلف به (1).
معني
القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن ما يتوارد على العقل من أمور محتملة في العقل لا يعتد بها لأن ذلك ضرب من ضروب الوسوسة والله لم يكلفنا اعتبار ذلك لأنه توهم محض. فروع القاعدة:
مع
من فروعها: إذا حمل الكفار إلى بلاد المسلمين لحماً من بلاد إسلامية جاز أكلها التسمية ولا عبرة لاحتمال أن يكونوا غيروها بغيرها.
ومنها: ماء البئر والعيون طاهرة وإن احتمل أن تردها الكلاب لأنه لا اعتبار
بالاحتمال العقلي. ومنها: لا بأس بالأدهان التي يبيعها المشركون إذا لم يعلم أنهم مسوها بأيديهم لأنها تحمل من بلد الإسلام (). أما الاحتمال العقلي بأنهم مسوها برطوبة فلا اعتبار
له.
(2)
ومنها: أن الاغتسال بآنية المشركين أو استعمالها لا يجوز لأن الأصل نجاستها
ولا عبرة لاحتمال أنهم لم يطبخوا فيها الخنزير ونحوه.
ومنها: أن المفقود يحكم ببقائه حياً إذا لم يفقد في البحر ولا تتزوج زوجته أو توزع تركته ولا اعتبار للاحتمال العقلي أنه مات إذ ربما كان حياً لأن حياته متيقنة وموته محتمل واليقين مقدم على الاحتمال.
ومنها: لو ادعى إنسان أن فلانة زوجته وأنكرت الزوجة وليس لديه بينة على قيام الزوجية فلا يثبت زواجه ولا ميراثه منها بعد موتها ولا ميراثها منه بعد موته تمسكاً
(1) معارج الآمال 885/ 1
(2) معارج الآمال 0884/ 1
278 -
278 (1/278)
صفحة 266
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الآمال
بالأصل، والأصل عدم الزوجية ولا تثبت إلا بدليل ولا عبرة للاحتمال العقلي أنه
تزوجها وليس معه أي بينة.
والفروع على هذه القاعدة كثيرة.
[41] [لا عذر بعد قيام الحجة ووضوح المحجة] (1)
هذه قاعدة أشار إليها الإمام السالمي في معرض كلامه عن غسل الرجلين قال: وكلام الشيخ عامر يؤذن بتسويغ الخلاف في المسألة لكن الإمام أبا إسحاق ذكرها في المسائل التي أجمع عليها المسلمون قال وقد خالفهم بعض أهل القبلة عناداً فواسع جهل معرفة الأمر به وفرضه قبل قيام الحجة عليه فمتى قامت الحجة عليه فَجَهله بشك كان ضالاً منافقاً» (2).
ويقصد ببعض أهل القبلة الإمامية من الشيعة فإنهم قالوا بوجوب المسح عملاً بقراءة الخفض فإنها معطوفة على الرأس الذي حكمه المسح والمعطوف يشارك المعطوف عليه في الحكم.
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الحجة إذا قامت على المكلف ووضحت له المحجة انقطع عذره ووجب عليه اتباع الحجة وترك التقليد القائم على غير حجة فما بعد الحق
إلا الضلال.
فروع القاعدة:
ومن فروع هذه القاعدة: خلافهم في فرض الرجل في الوضوء، قال جمهور الأمة فرضها الغسل، وذهبت الإمامية إلى أن فرضها المسح، وقال داوود إنه يجمع بين الغسل والمسح عملاً بالقراءتين. لكن إجماع الصحابة وفعل النبي أقاما الحجة وقطعا
العذر.
(1) معارج الآمال 329/ 1.
(2) المرجع نفسه.
279 - YVA (1/279)
صفحة 267
اجتهادات الإمام السالمي
ومن فروعها عدالة الصحابة فقد نازع فيها الإمامية حيث إنهم ينازعون في عدالتهم بل يذهب الكثيرون منهم إلى أنهم ارتدوا على أدبارهم، وهم محجوجون بالأدلة الصحيحة الصريحة، فقد نص الله على عدالتهم في سبع عشرة سورة بأحسن صفات التعديل، ومن أهمها قوله تعالى: رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوا عَنْهم (1)، ولا عذر لهم بعد قيام الحجة واتضاح المحجة.
ومنها: عذاب القبر فقد نازع فيه أناس من المسلمين ومن أهل القبلة لكن لا عذر لمن أنكر عذاب القبر بعد قيام الحجة من خلال النصوص القاطعة ومنها قوله تعالى حكاية عن قوم فرعون: والنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا عُدُوا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا عَالَ فرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (2). ومعلوم أن قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيَّا أنه في الدنيا أو قبل الآخرة في البرزخ ولا يتاح ذلك إلا في عذاب القبر، هذا فضلاً عن الأحاديث الصحيحة الصريحة. وهكذا يقال مع الذين خالفونا في مسائل التوحيد كالقدر، وتنزيه الله عن والتجسيم، وترك المحكم، واتباع المتشابه.
التشبيه
وكذلك المسائل التي خالفنا فيها الشيعة كصحة إمامة أبي بكر وعمر ونحو ذلك
مما قامت عليه الحجة واتضحت فيه المحجة.
[42] [لا نية للصبي] (3)
فاسد
هذه قاعدة من القواعد المهمة التي تعنى بأهلية التكليف نص عليها السالمي رحمه الله حيث قال وهو يتحدث عن طهارة النبيذ إذا صار مسكراً قال رحمه الله: «ومن تفريعهم على هذه القاعدة أنه متى ما عمل النبيذ على قصد السكر فهو عندهم أسكر أم لم يسكر إذ ليس علة الفساد عندهم نفس السكر وإنما عندهم نفس السكر وإنما هي نفس القصد، لقصد الإسكار قالوا لم يفسد ذلك إذ لا نية للصبي
نجس
فلو عمله
صبي
(1) سورة المجادلة، الآية: 22.
(2) سورة غافر، الآية: 46.
(3) معارج الآمال 733/ 1.
(4) المرجع السابق.
(4)
280 - YA (1/280)
صفحة 268
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الصبي ليس من أهل التكليف الذي يشترط فيه القصد، والصبي ليس من أهل القصد فإن التصرفات المبنية على القصد والنية لا تصح لقوله: «إنما الأعمال بالنيات (1) والقاعدة تنص على أن «الأمور بمقاصدها»
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة قول النبي: رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يصحو
فروع القاعدة:
من فروع القاعدة: أن من عصر العنب بنية الخمر فسد، وأما إذا عصره الصبي لقصد الإسكار لم يفسد لأن الصبي لا قصد له ولا نية كما نص عليه الإمام السالمي
رحمه الله.
ومنها: ما ذكره العلامة محمد بن بركة أن الصبي إذا ظهر منه كفر وهو يعقله أدب حتى يرجع عن ذلك (3)
ومنها: إذا ذبح الصبي شاة ولم يسم فإن ذبيحته تؤكل لأن الصبي ليس من أهل التكليف بشرط أن عليها من يأكل منها. يسمي
ينقض
ومنها: إذا نقض الصبيان عهدهم ولم يتابعهم أهلهم من أهل الذمة فإن العهد لا لأن الصبي لا يعتبر تصرفه لعدم قصده وتكليفه. أما إذا تابعهم أهلوهم ونابذوا المسلمين فإن العهد ينقض.
،
(1) صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي باب كيف كان بدء الوحي (1) 3/ 1. (2) سنن البيهقي، باب الحجر على الصبي حتى يبلغ (952)، 458/ 2، سنن أبي داوود، (4404)، 4/ 244، سنن ابن ماجه باب طلاق المعتوه (2041، 658/ 1، سنن النسائي، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، (3433)، 156/ 6، سنن الترمذي، باب ما جاء فيمن لا يجب ... ، (1488)، 1/ 658، صحيح ابن حبان باب التكليف (142)، 355/ 1، مسند أحمد (952)، 458/ 2. (3) الجامع 502/ 2 وبيان الشرع 137/ 7.
281 - 281 (1/281)
صفحة 269
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها ما ذكره صاحب بيان الشرع وهو أن غسالة الصبي للثوب النجس لا:
تجوز (1)، والعلة أنه ليس عنده قصد رفع النجاسة عن الثوب.
ومنها: إذا ترك الصبي فرضاً من الفروض أدب لكن لا يحكم عليه بالكفر إذ لا
نية له ولا قصد.
ومنها: أن الصبي إذا حج وقع حجه نفلاً ولم تسقط عنه حجة الإسلام لأنه ليس
من أهل التكليف إذ لا قصد له.
وهذا يقال في جميع تصرفات الصبي التي تحتاج إلى نية.
[43] [لا يجب حق الله في حق الله] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في مبحث غلة الأرض إذا لم تكن ملكاً لأحد، قال: «وأما المدرسة ومال السبيل فإنه لا زكاة فيه ولو بلغ ما بلغ لأنه لله تعالى، والزكاة أيضاً من حقوق الله ولا يجب حق الله في حق
فروع القاعدة:
الله» (3)
منها: المال الموقوف للمساجد لا زكاة فيه لأنه حق الله، والزكاة حق الله، ولا
يجب حق الله في حق الله.
ومنها: المال المحبوس على المدارس ومال السبيل والربط لا زكاة فيه لأنها حق
الله، والزكاة حق الله، ولا يجب حق الله في حق الله (4).
ومنها: الصوافي إذا زرعت لجملة مصالح الإسلام فلا زكاة فيها لأنهم أهلها، وأما إن زرعت لغير ذلك كالذي يطلبها من الإمام فيزرعها لنفسه فقيل لا زكاة فيها لأنها مال الله، وقيل إن بلغت النصاب ففيها الزكاة وذلك لأن الزرع للزارع.
(1) بيان الشرع 137/ 7. (2) معارج الآمال 469/ 4 - 470.
(3) المرجع نفسه.
(4) معارج الآمال 470/ 4.
282 - 282 (1/282)
صفحة 270
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: أن المال الموقوف لا زكاة في غلته لأنه مال الله وحقه، وحق الله لا
يجب في حق الله. والله أعلم.
[45] [لا يُجمع بين البدل والمبدل منه] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عمن کان به جرح يسيل منه الدم أو رعاف لا ينقطع قال رحمه الله: وذكر الشيخ أبو سعيد رحمه الله قولاً آخر وهو أنه يتوضأ ويتيمم، وقيل يتوضأ ولا تيمم عليه، قال: والتيمم أحب إليَّ وإنما كان التيمم أحب إليه رحمه الله لأن فيه ضرباً من الاحتياط حيث استعمل الطهارتين معاً، أما إيجابها على جهة الالزام فلا سبيل إليه لأنه منافٍ لحكمة التخفيف إذ المشروع في حق المريض التخفيف وجمع الطهارتين في حقه تشديد، ولا سبيل إلى إلزامهما معاً لأن التيمم إنما يجب بدلاً من الماء فلا يجب الجمع بينهما (2).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: الجمع بين الوضوء والتيمم فإن الله تعبد المسلم الله بين البدل بالوضوء، فعند انعدام الماء وجب بدله وهو التيمم، لكن لم يجمع والمبدل منه، لذلك فالصواب ما رجحه السالمي رحمه الله من أن صاحب الدم الذي لا ينقطع فلا يصح أن يجمع بين الوضوء والتيمم لأن ذلك ينافي حكمة التشريع، فعليه أن ينتظر انقطاع الدم أو يحشو منخريه قطناً ثم يتوضأ ويصلي.
ومنها: المعتدة الصغيرة تعتد بالأيام ثم ترى الحيض فإنها ترجع بعد أن دخلت
في البدل إلى الحيض فتعتد به (3).
ومنها: المتيمم إذا وجد الماء قبل الدخول في الصلاة الصلاة يرجع إلى الماء ولا
بين البدل والمبدل منه.
(1) معارج الآمال 789/ 1 و 826. (2) معارج الآمال 789/ 1 و 826. (3) معارج الآمال 826/ 1.
يجمع
283
-
283 (1/283)
صفحة 271
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: المتمتع بالعمرة إلى الحج فعليه هدي لقوله تعالى: وفَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الحج
ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيُّ) (1)، فإذا لم يجد الهدي فإنه ينتقل إلى بدله وهو صوم عشرة أيام،
•
ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله فإذا وجد الهدي عاد إلى الهدي ولا بين البدل والمبدل منه.
يجمع
ومنها: المظاهر من زوجته يجب عليه إعتاق رقبة قبل المساس، فإذا لم يجد الرقبة انتقل إلى بدلها وهو الصوم فإن وجد الرقبة أثناء الصوم فإنه يعود إلى إعتاق الرقبة، ولا يجمع بين البدل والمبدل منه.
منه (2)
قال السالمي رحمه الله: وحكم جميع الأبدال المتفق عليها ترتفع بوجود المبدل:
ومنها: صدقة الفطر تجب في الطعام فإذا لم يجد الطعام أخرج القيمة من النقد،
لكن لا يجمع بين الطعام والقيمة النقدية.
[46] [لا يُستعمل شيء واحد طاعة ومعصية] (3)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله أثناء كلامه عن حكم الوضوء بالماء المغصوب فقال: لأن الله نهى الغاصب والسارق عن استعمال ما غصبا وسرقا والمستعمل لذلك عاص لله تعالى، فلا يجوز فعل واحد في شيء في حالة واحدة فيكون طاعة لله ومعصية (4).
معنى القاعدة:
أن ما تمخض معصية لا يمكن أن يُستعمَلَ طاعةً في فعل واحد وشيء واحد وفي
حالة واحدة، وسوف يتضح المعنى من خلال الفروع.
(1) سورة البقرة، الآية: 196.
(2) معارج الآمال 826/ 1. (3) معارج الآمال 0754/ 1 (4) معارج الآمال 0754/ 1
284 - YAE (1/284)
صفحة 272
فروع القاعدة:
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
من فروعها: الوضوء بالماء المغصوب لأن غصب الماء معصية وما تمخض معصية لا يستعمل طاعة لله، لأنه لا يتوسل إلى الطاعات بالمعاصي.
ومن فروعها الصلاة بثوب مغصوب وعلى أرض مغصوبة لأن الله حرم الغصب والسرقة فمن سرق فقد عصى ومن عصى ثم تلبس بطاعة حالة عصيانه لا تقبل طاعته لأنه لا يستعمل شيء واحد طاعة ومعصية.
ومنها: أن
من سرق مالاً للحج به
طاعة ومعصية.
?
يصح حجه لأنه لا يستعمل شيء واحد
وكذلك من سرق ثياب الاحرام ليُحرِم بها.
ومنها: أن من سرق أضحية ليضحي بها لا تقع أضحيته قربة للقاعدة. ومنها: أن من سرق مالاً ليؤدي به زكاة أو صدقة لا يقبل الله منه ذلك للقاعدة. ومنها: أن من حلَّلَ زوجة بنية القربة لم يصح ذلك لأن الله لعن المحلل والمحلل له، فلا يكون فعله قربة لله، لا سيما إذا كان زواجه بها عن مؤامرة.
[47] [لا يكلف الله الإنسان بما لم يعلمه] (1)
هذه قاعدة نص عليها السالمي في معرض كلامه عن المسافر إذا جهل موضع الماء، قال رحمه الله: «إذا جهل موضع الماء ثم تيمم ثم مشى غير بعيد، وأصاب الماء في وقت الصلاة فإن كان قد طلب الماء قبل أن يصلي فلم يجده أجزأه ذلك ولا إعادة عليه لأن ذلك هو أقصى ما يلزمه ولا يكلفه الله بما لم يعلمه» (2).
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة هو أن تكليف الإنسان بشيء لا يعلمه من التكليف بما لا
(1) معارج الآمال 0771/ 1
(2) نفس المرجع السابق.
285
285 (1/285)
صفحة 273
اجتهادات الإمام السالمي
يطاق وهو مرفوع عن الأمة بقوله تعالى: {وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)
عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قال: قد استجبت لكم ()
فروع القاعدة:
(2)
،
،
(1) فقد روي
من فروعها ما ذكره السالمي من أن من يجهل وجود الماء ولا دليل على مكانه فإن كان قد طلب الماء ولم يجده ثم مشى فوجد الماء فلا إعادة عليه لأن الله تعالى لم يكلفه ما لم يعلمه. وإن كان قد ضيّع الطلب فعليه الإعادة ولأنه في حكم العاجز عن
استعماله.
ومنها: تكليف النائم والمغمى عليه والجاهل بدار الحرب، وكذلك الصبي الذي لا يعلم الخطاب، فهؤلاء لا تكليف بحقهم لأنهم لا يعلمون الخطاب.
قال
رحمه
[4] [لا ينتقل الكلب بصيانة أهله عن حكم الكلاب] (3) هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن الكلب، الله: «احتج القائلون بطهارة الكلب المكلب دون غيره بقوله تعالى: {فَكُلُوا مما أمْسَكَنَ عَلَيْكُمْ} (4) ولم يذكر غسل موضع إمساكها. قلنا: لم يذكر في الآية غسل الدم منها فيلزمهم القول بطهارة دم الصيد وإذا لم يسلموا ذلك لزمهم ضم دليل إلى يدل على نجاسة الدم، فنجيء نحن أيضاً بالدليل الذي ذكرناه في نجاسة الكلب مطلقاً. قال أبو محمد: لا ينتقل الكلب بصيانة أهله عن حكم «الكلاب» (ه).
معنى القاعدة:
الآية
ومعنى القاعدة كما قال السالمي رحمه الله: أن جنس الكلب لا يتحول لتحول الصفات كالنجاسة الجامدة لا تنتقل عن أصلها ما دامت ذاتها موجودة.
(1) سورة البقرة، الآية: 286.
•
(2) أخرجه الحاكم في المستدرك 443/ 2 رقم 3535. والحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(3) معارج الآمال 2/ 268 و 273 و 274 و 278.
(4) سورة المائدة، الآية: 4.
(0) معارج الآمال 268/ 2.
286 - 286 (1/286)
صفحة 274
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ولعل العبارة تكون بصناعة أهله وكلتا العبارتين صحيحة، فالكلب كلب ولو صانه أهله عن موارد النجاسات لأنه بطبيعته نجس وهو أيضاً كلب ولو تعددت صناعة أهله فيه من حراسة أو ماشية أو زرع أو صيد لأن ذاته نجسة فلا يتحول بتحول صفاته
ومهماته عن طبيعته وحكمه.
فروع القاعدة:
من فروعها: اختلاف العلماء في طهارة كلب الصيد، فقد ذهب أكثر فقهاء الإباضية وأبو حنيفة والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد إلى نجاسته هو وعموم الكلاب.
وذهب بعض الإباضية إلى القول بطهارة سؤر الكلب ولا ينجس مسه، وممن قال بهذا أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وقال ابن محبوب: لا بأس بالكلب ينغمس في الماء النظيف ثم يخرج فينتفض فيصيب إنساناً من رطوبة شعره أو بدنه. ونقل القول بطهارته عن الحسن البصري، وعروة بن الزبير وعن الزهري ومالك وداوود. وفرق الكثير منهم بين الكلب المأذون في اتخاذه وبين غير المأذون. وعن عبد الملك بن الماجشون من المالكية أنه يفرق بين البدوي والحضري
احتج القائلون بنجاسة الكلب بحديث أبي هريرة الله عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالتراب» (1)، قالوا: لو لم يكن نجساً لما أمر بإراقته.
عنها.
واحتج من قال بطهارته بقول الله تعالى: {فَكُلُوا مِما أَمَسَكْنَ عَلَيْكُم وتقدم الجواب
ومما استدلوا به على طهارة الكلب المأذون به قياسه على الهر بجامع التطواف لقوله صلى الله عليه وسلم في الهرة: «إنها ليست نجسة إنها من الطوافين عليكم والطوافات» (2).
(1)
صحيح مسلم، باب حكم ولوغ الكلب، (674)، 161/ 1.
(2) سنن أبي داوود باب سؤر الهرة (75)، 28/ 1، سنن النسائي، باب سؤر الهرة (340)، 178/ 1، صحيح ابن حبان باب الأسآر (1299)، 114/ 4، مسند أحمد (23248)، 243/ 49.
287 - 27 (1/287)
صفحة 275
اجتهادات الإمام السالمي
ويجاب بأنه قياس مع الفارق، فالكلب ليس مخالطاً في بيت صاحبه كالهر، فالهر يجلس معهم على المائدة ويشرب من صحافهم وربما نام على فرشهم، وليس الكلب كذلك، فمخالطة الكلاب ليست كمخالطة الهررة.
لكن مع
ومن فروعها: نجاسة كلاب الصيد والزرع والحراسة لأن الكلب نجس بطبيعته، نجاسته هل يجوز اقتناؤه؟. الأصل في اقتناء الكلاب الحرمة إلا ما ورد الإذن في اقتنائه للضرورة، قال السالمي رحمه الله: وهو حرام إلا ما جاء في اقتنائه ترخيص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه النبي أنه رخص في كلب الصيد والزرع والضرع وهو الكلب الذي يحفظ الماشية، وهذا الترخيص منه لأجل حاجة الناس إلى ذلك فليس لأحد أن يتخذ كلباً قبل الماشية، ولا قبل الزراعة إذ لا حاجة إليه قبل ذلك، وكذلك من لا يصيد» (1). وهذا مفهوم قاعدة (ما جاز للضرورة يتقدر بقدرها). ومنها: جواز اتخاذ الكلب لحفظ الدور وهو في معنى كلب الماشية والزرع، ذلك أنها طاهرة في ذاتها لأن الكلب نجس بطبيعته ولا ينتقل عن حكم
لكن لا يعني النجاسة بصيانة أهله ولا بصناعتهم.
ومنها: نجاسة الكلاب الافرنجية التي يقتنيها الكفار في بيوتهم وسياراتهم وينفقون عليها الأموال الكثيرة، فهذه لا خير فيها ولا في من يقتنيها، وينتقص من أجر من يقتنيها من المسلمين كل يوم قيراطان القيراط كجبل أحد كما جاء في
[4] [المؤمن لا ينجس] (3)
السنة (2)
أصل هذه القاعدة نص حديث نبوي كريم استدل به السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن سؤر الجنب والحائض قال: لا بأس بالوضوء من سؤر الجنب والحائض لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: المؤمن لا ينجس
(1) معارج الآمال 273/ 2.
(2) رواه مسلم عن رافع بن خديج كتاب المساقاة باب تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن رقم 1576. (3) معارج الآمال 740/ 1 و 741 و 742.
(4) صحيح البخاري، باب الجنب ... (281)، 109/ 1، صحيح مسلم، باب الدليل على أن المسلم لا ينجس (850)، 194/ 1.
288 - YAA (1/288)
صفحة 276
فروع القاعدة:
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
من فروع هذه القاعدة: التطهر بفضل طَهُور المرأة، وتطهير المرأة بفضل طهور الرجل سواء كان الرجل طاهراً أو جنباً وسواء كانت المرأة طاهراً أم حائضاً، خلت بالماء أم لم تخل به ولهما أن يتطهرا من إناء واحد إذا أمكن ذلك (1).
وقيل: لا يجوز أن يتوضأ بفضل وضوء الحائض، وقيل: إنه مكروه، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يتطهر كل بفضل وضوء الآخر ما لم يكن الرجل أو المرأة جنباً. قال السالمي رحمه الله: «وما تقدم من الدليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كاف في بيان جواز ذلك وناف لهذه الأقاويل المخالفة للإجازة (2). ومنها: جواز الوضوء من سؤر الجنب أو الحائض لقوله: «المؤمن لا
ينجس.
ومنها: جواز الشراب من سؤر الجنب وكره النخعي الشرب من سؤر الحائض ولم ير بأساً بفضل وضوئها.
ومنها: أن سؤر الكافر نجس على رأي جماعة من فقهاء الإباضية (3) استفادة من مفهوم المخالفة لأن قوله: «المؤمن لا ينجس» قيد لنفي ما عداه وهو المشرك، وإنما جاز تفريع ذلك على القاعدة إعمالاً لمفهومها، فالمفهوم دليل معتبر كالمنطوق على الراجح من أقاويل الأصوليين ولم يخالف في ذلك إلا الحنفية وبعض من لا يعتد بقولهم على الصحيح.
ومنها: أن ريق المؤمن ليس بنجس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «بسم
بريقة بعضنا يشفى سقيمنا» (4).
ومنها: أن عَرَق المؤمن طاهر لأن المؤمن لا ينجس، والله أعلم.
(1) معارج الآمال 0741/ 1
(2) معارج الآمال 741/ 1. (3) المرجع السابق 742/ 1.
(4) أخرجه مسلم. انظر شرح مسلم للنووي 183/ 14 دار الشعب.
الله تربة أرضنا
289 - 289 (1/289)
صفحة 277
اجتهادات الإمام السالمي
[50] [ما تركه الله ورسوله فهو عفو] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض الاستدلال لأبي عبيد القاسم بن سلام قال رحمه الله: «قال أبو عبيد: خص رسول الله هذه الأصناف بالصدقة وأعرض عما سواها وهو يعلم أن للناس أموالاً مما تُخرج الأرض، وكان تركه ذلك عندنا عفواً منه كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق (2).
أصل هذه القاعدة:
وأصل هذه القاعدة قول النبي: الحلال ما أحله الله في كتابه والحرام ما حرمه الله في كتابه وما سكت الله عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته» (3). وقوله: وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (4).
معنى القاعدة:
أن كل ما لم ينص عليه الشارع بحل أو حرمةٍ فهو من المباح ويسمى عند الأصوليين بالمصالح المرسلة، أو المناسب المرسل، وهو كل مصلحة لم يرد فيها نص
خاص بالاعتبار ولا الالغاء.
فروع القاعدة:
ويدخل تحت هذه القاعدة كل ما تركه النبي الرحمة بأمته خشية أن يفرض عليها. كتركه لصلاة التراويح في جماعة رحمة بأمته كي لا تفرض عليها، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم وزال المانع عاد الممنوع إلى الجواز.
ومن ذلك ما سكت الشرع عنه مثل القصص، قال غضيف بن الحارث بدعة:
(1) معارج الآمال 347/ 4. (2) معارج الآمال 347/ 4.
(3) أخرجه الحاكم في المستدرك 375/ 2 وقال: صحيح الاسناد، وأخرجه البزار في مسنده، كما في كشف الأستار عقيب الحديث (123). وانظر جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي.
(4) أخرجه الدارقطني، باب (26) الرضاع، (4445)، 234/ 10. وانظر جامع العلوم والحكم، الحديث
290
290
(30) (1/290)
صفحة 278
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
وقيدها الحسن بقوله بدعة ونعمت البدعة كم من دعوة مستجابة وحاجة مقضية وأخ
مستفاد.
ومن ذلك: إحياء المناسبات الإسلامية وتخصيص بعض الأيام والحوادث بذلك، لأن هذا لم يرد النهي عن تخصيصه بمثل هذه الأعمال فهو في حيز ما سكت الله ورسوله عنه رحمة بالأمة. مثال ذلك: مسألة التعريف في الأمصار وهي أنهم كانوا يجتمعون ليلة عرفة في مساجد الأمصار للدعاء والذكر، وأول من أحدثها ابن عباس وعمرو بن حريث، وسئل عنه الإمام أحمد بن حنبل فقال: أرجو أن لا يكون به بأس، وكان يحضره يحيى بن معين شيخ البخاري.
ومن ذلك: صلاة الضحى جماعة أو في المسجد، فقد أخرج ابن أبي شيبة باسناد صحيح عن سالم عن أبيه عن ابن عمر قال: لقد قتل عثمان وما أحد يسبحها وما أحدث الناس شيئاً أحب إليَّ منها (1).
في
فعله
ومن ذلك: كتابة القرآن في المصاحف فهو أمر لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم وكان خير في الدين وهو من العفو وكذلك تدوين السنة وتقييد العلوم كالحديث والفقه
والتاريخ ونحو ذلك. ومن ذلك: الكتابة في العقائد والرد على الزنادقة والكفار والذب عن العقيدة الحقة. فهذا أمر لم يكن معروفاً بمثل هذه الكيفيات.
ومن
ذلك: تنقية السنة من الدخيل وعلم الجرح والتعديل من أجل الذب عن السنة. وأصل الجرح في الرجال ممنوع وقد أجيز لضرورة الحفاظ على الدين. ومن ذلك: إحداث لجنة تشرف على طباعة القرآن الكريم حفظاً له التحريف. وهذا أمر لم يكن معروفاً في الصدر الأول وهو داخل في دائرة العفو. ذلك: إحداث مصارف إسلامية تقوم على المضاربة والمرابحة وتمنع من
ومن
الربا. وهذا في دائرة العفو أيضاً (2). والمسائل كثيرة جداً.
(1) فتح الباري 56/ 3 مكتبة الرياض الحديثة.
عن
(2) وقد ذكرت مسائل كثيرة تحت موضوع البدعة اللغوية وهي البدع المباحة التي تندرج تحت أصل معتبر من أصول الشريعة ينظر كتاب البدعة وأثرها في اختلاف الأمة للعبد الفقير ص 115.
291
- 291 (1/291)
صفحة 279
اجتهادات الإمام السالمي
[51] [ما تولد من اللحم حكمه كحكم اللحم] (1)
:
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن أحكام أسآر الدواب قال رحمه الله: وضابط المقام أن الخلاف الموجود في أكل لحمها موجود في طهارة سؤرها وسائر رطوباتها إلا البول والدم فإنه متفق على نجاستهما لأنه إذا ثبت القول بتحريم لحومها ثبت القول بنجاسة كل شيء من أعراقها وأسارها، وجميع ما خرج منها من رطوبات، وإذا ثبت القول بتحليل لحومها ثبت القول بطهارة آسآرها ورطوباتها وحل ألبانها وقال أيضاً: «والسر في ذلك أن اللحم أصل رطوباتها فإذا حرم حرم ما تولد منه وإذا حل حل المتولد منه أيضاً وكذلك التكريه» (2).
معنى القاعدة:
أن ما تولد من رطوبات الدواب تابع في الحكم لأصل الحيوان الذي تولدت منه هذه الرطوبات في الحل والحرمة والكراهة، فإذا حل الحيوان حلت جميع توابعه وإذا حرم حرمت جميع توابعه.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أسآر الحمار والجمل والبقر والغنم فيها خلاف، فالبعض يرى طهارة هذه الأسآر قال الربيع: أسآر الدواب كلها الجمل والحمار والبقر والغنم يشرب منه ويتوضأ إلا الجلالة فلا يتوضأ بسؤرها.
وقال أبو المؤثر: قال المسلمون إن الدواب من البقر والخيل والحمير والغنم والبغال والبراذين أرواثها وأعراقها وقيؤها لا ينجس ما أصاب كان الإنسان متوضئاً أو
غير متوضئ.
وقال سليمان بن عثمان: لا يشرب ولا يتوضأ من سؤر الفرس والحمار لأنه لا
يؤكل لحمها، وهذا القول هو ما نصت عليه القاعدة.
(1) معارج الآمال 2/ 289 و 290.
(2) المرجع نفسه.
292
-
292 (1/292)
صفحة 280
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن فروعها اختلافهم في رجيع هذه الحيوانات وروثها فقال بعض فقهاء الإباضية بنجاسة ذلك، وروي هذا عن أبي المؤثر وأبي عبيدة، وحسين بن عمر، وحكي عن الشيخ أبي سعيد وجميع هؤلاء من أئمة الإباضية.
وقال بعضهم: كان القياس أن رجيع ما لا يؤكل لحمه من الخيل والحمير وما أشبههما أولى أن يكون نجساً، وما يؤكل لحمه هو أشبه بالجواز في حكم التطهير. قال السالمي رحمه الله: قلتُ: ذكر الإمام أبو إسحاق رضوان الله عليه في خصاله نجاسة أرواث الخيل والبغل والحمار ونجاسة قيئها، قال وقد عرفت مما تقدم أن رطوباتها تبع لحكم لحمها حلاً وحرمة (1).
6
ومنها: أن رطوبات السباع كلها كالأسود والنمور والفهود والذئاب تابعة للحومها
فهي نجسة تبعاً لنجاسة الأصل.
نجس.
ومنها: خلافهم في ألبانها فما يؤكل لحمه فلبنه طاهر، وما لا يؤكل لحمه فلبنه
ومن ذلك: خلافهم في مخاط الحيوان ودمعه جارٍ مجرى اختلافهم في السؤر والدمع، واللبن ونحو ذلك.
[52] [ما دل على هيئة لا يلزم نفي ما سواها] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن مقدار ما يمسح من الرأس فقال الرأس فقال رحمه الله: «واحتج القائلون بمسح مقدم الرأس بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ومسح ناصيته (3). والناصية هي مقدم الرأس، ورُدَّ بأنه لم ينقل أنه مسح جميع المقدم وإنما مسح الناصية، فهو دال على هيئة ولا يلزم فيها
نفي ما سواها» (4).
(1) معارج الآمال 289/ 2. (2) معارج الآمال 341/ 1.
(3) رواه أبو داوود عن المغيرة بن شعبة كتاب الطهارة باب المسح على الخفين 307/ 1 و 76/ 1.
(4) معارج الآمال 341/ 1.
293 - 293 (1/293)
صفحة 281
اجتهادات الإمام السالمي
معنى القاعدة:
ومعنى القاعدة أن تقييد فعل النبي صلى الله عليه وسلم بهيئة لا ينفي ما سواها، لأن الهيئة ليست قيداً كالصفة والشرط والغاية والعدد. حتى إذا قيد الحكم باحدى هذه القيود دل على نفي الحكم إذا خلا عن هذه القيود كما في مفهوم المخالفة فتعليق الحكم على هيئة مخصوصة لا ينفي ما سواها.
فروع القاعدة:
وفروع القاعدة كثيرة جداً، فمن فروعها: أن مسح الرَّجُلِ ناصيته لا يدل على نفي ما سواها لأن فعله دل على هيئة ولا يلزم نفي ما سواها إذا لم يثبت في حقنا وجوب التأسي بهذه الهيئة.
ومنها: نومه على هيئة لا يلزم نفي ما سواها، وكذلك مشيته على هيئة لا
يلزم نفي ما سواها وإن كان التأسي به من تمام محبته.
هي
هيئة لا يلزم نفي ما سواها وغير ذلك من هيئات الفعل
،
ومنها: طريقة أكله الجبلي التي يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة والفطرة أو يرشد إليها كهيئات الأكل، والشرب، والمشي، والنوم، وكذلك طريقة كلامه وضحكه فهذه هيئات جبلية لكن هذه لا نزاع في أن الاقتداء والتأسي برسول الله دليل على محبته وأن التأسي به في
6
الهيئات مأجور، وقد ورد أن ابن عمر كان يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الأفعال (1).
لكن الفعل إذا تردد بين الهيئة الجبلية وبين الهيئة الشرعية حمل على الشرع، کجلوسه للاستراحة بعد أن بَدنَ جسده فقيل إنه كان يجلس نظراً لثقل جسده، وقيل إن
جلسة الاستراحة سنة تغليباً للشرع على الجبلة
[53] [ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ليس ببدعة] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن
(1) غاية المأمول ص 256.
(2) معارج الآمال 891/ 1.
294 - 294 (1/294)
صفحة 282
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
حلق الرأس قال: وقال بعضهم: لم يحلق النبي رأسه إلا في سني الهجرة إلا في عام الحديبية، وعمرة القضاء وحجة الوداع، ولم يقصر شعره إلا مرة واحدة، ودعوى ابن العربي أن الحلق بدعة غير مسموعة لأنه قد ثبت أن رسول الله قد فعله وإن قل ذلك، وما فعله فليس ببدعة بل سنة مشروعة» (1).
البدعة لغة:
قال صاحب الصحاح: أبدعتُ الشيء اخترعته لا على مثال (2). وقال صاحب المصباح المنير: أبدع الله الخلق إبداعاً: خلقهم لا على مثال.
وفي الاصطلاح:
عرفها الشاطبي بقوله: هي طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في العبد لله تعالى (3).
فروع القاعدة:
من فروعها حلق الرأس سنة وليس بدعة كما قال السالمي رحمه الله في رده على ابن العربي الذي ادعى أن حلق الرأس بدعة قال: ودعوى ابن العربي أن الحلق بدعة غير مسموعة لأنه قد ثبت أن رسول الله قد فعله، وما فعله ليس ببدعة بل سنة
مشروعة.
ومن فروعها: الجهر بالبسملة، فقد قال بعض الفقهاء: إن الجهر بها بدعة. والجواب: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بها تارة وأسرَّ بها أخرى وكان إسراره بها أكثر من الجهر، لكن ثبت أن أبا هريرة الله عنه قال: ألا أصلي لكم كما صلى رسول الله، فقرأ: الرحمن الرحيم، وفي رواية أنه صلى وجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وقال: أنا
أشبهكم صلاة بالنبي (4)
(1) نفس المرجع.
(2) الصحاح للجوهري ج 3 باب العين.
(3) الاعتصام للشاطبي 127/ 2 ط التحرير.
(4) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه / 2611، 90/ 2، و 91.
بسم
الله
295
-
295 (1/295)
صفحة 283
اجتهادات الإمام السالمي
وروي عن علي وعمار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم. وأخرج عبد الرزاق عن ابن معمر عن أيوب عن عمرو بن دينار أن ابن عباس كان الله الرحمن الرحيم، وهذا سند صحيح، والأحاديث في الجهر
يفتتح الصلاة
بيسم
بيسم
الله الرحمن الرحيم كثيرة جداً وأكثرها في الصحيح.
ومنها: رفع اليدين في الدعاء ثم مسح الوجه بهما بعد الدعاء، فقد ذكر الكاندهلوي رحمه الله في كتاب حياة الصحابة ثلاثة أحاديث صحيحة في جواز ذلك، فليس إذن بدعة بل سنة.
ومن ذلك: الذكر بهيئة الاجتماع، قال الشاطبي ببدعته وقوله غير مسموع على حد تعبير السالمي رحمه الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في ملأ عنده» (1).
وقال أيضاً: إن لله ملائكة سيارة يتتبعون حلقات الذكر» (2).
وقال أيضاً: «وأنا عند ظن عبدي بي إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم (3). والذكر في الملأ لا يكون إلا جهرة ومع
الجماعة.
وما فعله النبي يا أو حثَّ عليه لا يمكن أن يكون بدعة.
ومنها: الأذان الأول الذي زاده عثمان، فقد قال بعض الجهات الدعوية إنه بدعة ونحن نقول: كل ما حدث في عصر النبي أو عصر الخلفاء الراشدين المهديين فليس ببدعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من
بعدي. .».
(1) رواه مسلم في الذكر والدعاء برقم 2700.
(2) رواه أحمد في مسنده 252/ 2 و 38، والبخاري في الدعوات برقم 2689.
(3) رواه البخاري في كتاب التوحيد باب قوله تعالى: {وَيُعَذِرُكُمُ الله نفسه 348/ 13. ومسلم في كتاب الذكر باب الحث على ذكر الله والترمذي في كتاب الدعوات باب حسن الظن بالله 581/ 5.
296 - 296 (1/296)
صفحة 284
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
[54] [المباحات تنقلب طاعات بالنيات] (1)
هذه قاعدة عظيمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن أحكام النية قال: والمباحات تنقلب طاعات بالنية فلا ينبغي للعاقل أن يتعاطى أفعاله تعاطي البهائم المهملة فتصدر عنه أفعاله بسهو وغفلة» (2)
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن المباح إذا قصد به القربة انقلب طاعة لله تعالى لأن
المقاصد تُغَير أحكام الفعل.
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة قول الرسول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما
نوي» (3).
وجه الدلالة أن النبي ربط العمل بالنية والعمل قد يكون عادة فإذا نوى به التقرب إلى الله انقلب طاعة وعبادة لله
فروع القاعدة:
وعبادة.
من فروعها: الأكل فإنه مباح، فإذا نوى الأكل التَقَوّي على طاعة الله انقلب طاعة
ومنها: النوم مباح فإذا اقترنت به نية الاستراحة لينشط في قيام الليل وقراءة
القرآن انقلب النوم طاعة طاعة وعبادة.
ومنها: النكاح، مباح فإذا اقترن بنية تحصين الفرج وإحراز الدين وطلب الولد
لعبادة الله وتكثير أمة محمد كان طاعة لله ه (4)
(1) معارج الآمال 1/ 164.
(2) المرجع السابق.
(3) أخرجه البخاري (1) 2/ 1 و (21/ 154) و (2529) 1903 و (3898) 72/ 5، و (4/ 7507 و 2/ 1 (6689) 175/ 8، و (6953) (29/ 9) ومسلم (1907) (155) 48/ 6. (4) معارج الآمال 264/ 1.
297 - 297 (1/297)
صفحة 285
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: أن التاجر إذا نوى الرزق الحلال وأن يكفّ الله يديه عن الحرام كان عمله
قربة وطاعة.
ومنها: أن المزارع إذا نوى بالزراعة حسن التوكل على الله وأكل الطيب الحلال كان عمله طاعة وقربة لله تعالى.
والقاعدة بمفهومها تشير إلى أن الحرام لا يمكن أن يكون طاعة بالنية. مثاله: من يغتاب مسلماً تطييباً لقلب آخر أو يطعم مسلماً من مال غيره طلباً للأجر، فهذه كلها جهل واغترار لأن النية لا تؤثر في إخراج الفعل عن كونه ظلماً ومعصية، بل قصده الخير بالشر على خلاف مقتضى الشرع شرع آخر فإن عرفه فهو معاند للشرع وإن جهله كان عاصياً بالجهل وارتكاب الفعل، إذ طلب العلم فريضة على كل مسلم (1) كـ له (2) قال النبي)
[55] [مدح الفعل والفاعل يدل على الأمر] (3)
(?)
كما
الاستنجاء
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن قال رحمه الله: وقيل غسل محل الغائط والبول فريضة ثبتت بقوله تعالى: وفِيهِ رِجَالٌ يحبون أَن يَنطَهَرُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَهِّرِينَ (4)، نزل في أهل قباء لأنهم يمرون بالماء والحجارة على أثر البول والغائط، وإن مدح الفعل والفاعل يدل على الأمر، كما أن الثواب عند الفعل يدل على الأمر» (5).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة غسل أثر البول والغائط بالماء واجب المواظبة النبي صلى الله عليه وسلم
(1) رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك بلفظه كتاب السنة (1) باب (17) فضل العلماء والحث على طلب
العلم رقم (244) ص 34.
(2) معارج الآمال 264/ 1. (3) معارج الآمال 401/ 1. (4) سورة التوبة، الآية: 108. (0) معارج الآمال 401/ 1.
298 - 298 (1/298)
صفحة 286
من
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وأصحابه ولإجماع الناس على غسل الأذى الذي يكون في الإنسان قبل الوضوء قاله أبو معاوية. وقال نصر بن سليمان: لا صلاة لمن صلى بغير استنجاء، قال السالمي رحمه الله: وقد قال بعض أصحابنا فيما وجدتُ عنهم: إذا لم يفض البول عن ثقب الذكر أو رمي الغائط عن الدبر رمياً فإنه ليست عليه استنجاء، لأنه مأمور بإزالة ما ظهر النجاسة دون ما بطن، قال الشيخ اسماعيل: ووجدتُ ذلك عن أكثر مخالفينا قال: وهذه الرخصة موجودة عند ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين، وأما المعمول به عند أصحابنا أنه لا بد من الماء لأن ما قدمناه كان في الصدر الأول حتى قالت عائشة رضي الله عنها: إنما كانوا يتبعرون بعراً وأنتم تثلطون ثلطاً، ومعنى ذلك أن الصدر الأول كانوا يأكلون الخشن من الطعام لضيق الدنيا على بعضهم ولزهد غالبهم فكان الخارج لا يؤثر في جوانب المخرج، فكانت الرخصة في ترك الماء لائقة أهل الأعصار المتأخرة فإن الدنيا قد اتسعت لهم ورغبوا في المعيشة وأرغدوا من الطعام وانعموا في المأكل فكان الخارج رقيقاً أو جامداً غليظاً لا يخلو من ظاهر الجسد فتعين وجوب الاستنجاء في حقهم دون حق من قبلهم
(1)
بهم.
وأما
ومن فروع هذه القاعدة: رفع الأذان لكون الله قد مدح القائمين عليه في قوله: وفِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَرَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَوةِ وَإِنَاءِ الزَّكَوةِ يَخَافُونَ يَوْمًا نَتَقَلَبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَرُ} (2).
فإن الله تعالى ذكر هذه الأفعال في سياق المدح لفاعلها وهي القرآن، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والخوف من الله.
الأذان وقراءة
ومنها: التفكر في خلق السماوات والأرض لأن الله قد ذكر ذلك في سياق المدح لأهلها فقال الله: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَما وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَطِلًا سُبْحَنَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (3).
(1) معارج الآمال 403/ 1.
(2) سورة النور، الآية: 37. (3) سورة آل عمران الآية: 191.
299 - 299 (1/299)
صفحة 287
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: عدم موالاة الكافرين لأن الله مدح المؤمنين في براءتهم من الكافرين، قال تعالى: وقَدْ كَانَتْ لَكُمْ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَأَىؤُا مِنكُمْ وَمِمَّا: تعبدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاهُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَولَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَى (1). فإن الله تعالى مدح إبراهيم والذين معه
في البراءة من المشركين فدلَّ مدح الفعل والفاعل على الأمر كما نصت القاعدة. ومنها: الوَجَلُ عند ذكر الله تعالى والتوكل عليه والإيمان به لكون الله قد مدح الفعل والفاعل فقال جلَّ ذكره: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ علَيْهِمْ وَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلوةَ وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ * أَوَلَيْكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا قَمْ دَرَجَتُ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (2).
وجميع
(2)
الخصال التي مدح
الله
ومنها: الخشوع في الصلاة والإعراض عن اللغو فعلها وفاعليها في أول سورة المؤمنون حيث قال تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هم في صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3). فهذه الأفعال مدح الله فاعليها فدل على الأمر بها، والله أعلم.
[56] [المستحاضة في حكم الطاهر] (4)
الله هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه في معرض كلامه عن وطء الحائض بعد الطهر وقبل التطهر، قال: والجواب أن قياسها ـ أي الحائض ـ على يصح لأن المستحاضة في حكم الطاهر لصحة الصلاة، والصيام منها
المستحاضة لا
إجماعاً» (ه).
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تهراق الدم فجاءت إلى النبي
(1) سورة الممتحنة، الآية: 4.
(2) سورة الأنفال، الآيات: 1 - 4. (3) سورة المؤمنون، الآيات: 1 - 11. (4) معارج الآمال 2/ 180.
(5) المرجع نفسه.
300 – 300 (1/300)
صفحة 288
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فسألته فقال لها النبي الله إنه عرق دم انفجر ثم أمرها أن تتوضأ لوقت كل صلاة ولو
قطر على الحصير
(1)
فيُعلم أن دم الاستحاضة غير دم الحيض وأن حكم المستحاضة حكم الطاهر.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن المستحاضة تصلي بعد أن تتوضأ لكل صلاة أو لوقت كل صلاة خلاف بين أهل العلم لاختلاف الروايات فَثَمَّ رواية (توضأي لكل صلاة)، وهناك رواية (توضأي لوقت كل صلاة، والفرق بين الروايتين يظهر في صلاة النوافل، فعلى رواية (توضأي لكل صلاة يكون المعنى أن الوضوء يلزمها لكل صلاة، وعلى الرواية الأخرى أنها تتوضأ مرة واحدة وتصلي ما تشاء من النوافل من وقت الظهر إلى وقت العصر، ومن وقت العصر إلى وقت المغرب قال العلماء: ورواية (لوقت كل صلاة) مفسر، ورواية لكل صلاة نص والمفسر مقدم على النص عند التعارض.
،
ومن فروعها: أن المستحاضة تصوم رمضان لأنها في حكم الطاهر. ومنها: أن المستحاضة تطوف في البيت بخلاف الحائض فإنها لا تصوم ولا
تطوف بالبيت.
ومنها: أن المستحاضة تقرأ القرآن والحائض لا تقرأ القرآن.
وهكذا فغالب أحكام المستحاضة كأحكام الطاهر، والله أعلم.
[57] [المعتبر من الظن الذي لا شبهة معه] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن الميت إذا وجد ولم يدر ما هو، قال رحمه الله: وكذلك لا يلحق بالأغلب مع وجود شيء من
(1) سنن أبي داوود، باب في المرأة تستحاض (270)، 111/ 1، سنن النسائي، باب ذكر الاغتسال من الحيض (208)، 119/ 1، سنن الدارمي، باب في غسل المستحاضة (808)، 450/ 2، مسند أحمد
382/ 07، (27269)
(2) معارج الآمال 65/ 4.
301 - 301 (1/301)
صفحة 289
اجتهادات الإمام السالمي
العلامات الخاصة لأن اللحوق بالأغلب أمر ظني والعلامة الخاصة أقوى من ظن الدلالة. وأيضاً فالمعتبر من الظن الذي لا شبهة معه» (1).
منه
معني
هذه القاعدة:
ومعنى القاعدة أنه يعمل بالظن إذا لم يعارضه ما يمنع استمراره من اليقين أو غلبة الظن لأن غلبة الظن تورثه شبهة تمنع من استمراره والتمسك به.
فروع القاعدة:
من فروعها: إذا وُجِدَ ميتُ في دار اختلاط أكثر أهلها مشركون هل يلحق بالأغلب أو ينظر في العلامات الخاصة التي تميز المسلم من غيره كآثار السجود على وجهه واللحية والعمامة والقميص الذي يشير إلى اتباع السنة وتقليم الأظافر، فإن العلامة أقوى من إلحاقه بالأغلب.
ومنها: إذا وجد اللقيط أو المنبوذ في دار مختلطة أكثر أهلها مشركون بالله ووجد في ثيابه ما يشير إلى أن أبويه مسلمان مثل رقية مكتوبة بمأثور الكتاب والسنة اعتبرت فيه العلامة وقدمت على العمل بالأغلب، لأن العلامات تنفي الشبهة. أو وجد في ثيابه كتابة اسمه أو وجد مختوناً، فإن بعض الناس ينبذون أولادهم هرباً من النفقة لفقرهم كما يحدث في بعض دول القارة الافريقية ويتركون معهم علامات مميزة، فيُعمل بها. ومنها: الأموال المدفونة وهل هي كنز من أموال المشركين أو أموال المسلمين، وجدت هذه الأموال في دار مختلطة أو كان يسكنها الكفار المشركون نظر في العلامات المميزة. ومنها أنه ينظر في سكتها وهل هي سكة إسلامية أو مشركة كي يبنى على هذا الكنز الحكم الشرعي الذي يخصه من تملَّكها أو ردها إلى بيت المال. ومنها: مسألة المقابر الجماعية كيف نميز أهلها هل هم من المسلمين أو من غير
فإذا
المسلمين.
وهذه المسألة نوقشت على الجزيرة وأنا أكتب هذه السطور حول المجزرة التي
(1) معارج الآمال 65/ 4.
302 - 302 (1/302)
صفحة 290
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
حدثت أيام العثمانيين بين المسلمين الأتراك وبين الأرمن، وكذلك المقابر الجماعية التي عثر عليها في تركيا، فالأرمن يقولون: إنها من الأرمن، قتلهم العثمانيون. والعثمانيون يقولون: إنهم من العثمانيين قتلهم الأرمن فطلب الباحث التركي لجنة تقصي الحقائق ثم قدَّم شواهد على أنهم من المسلمين ومن العلامات أنه جعلت قبورهم إلى القبلة، ونحو ذلك من القلائد التي تثبت أنهم من الأتراك المسلمين، وأثبت أن الأرمن قد قتلوا من المسلمين الأتراك أكثر مما قتل الأتراك من الأرمن. فأحببتُ تسجيل هذه المسألة لدى سماعها من الحلقة وأنا أشرح هذه القاعدة
فاعتبرت ذلك من القدر المبارك.
ويلاحظ أن الحمض النووي (DNA) من أقوى العلامات المميزة.
[58] [المعصية لا تستوجب الإعانة] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض حديثه عن سهم الغارمين، قال رحمه الله: «فالمراد بالغارمين المديونون ولهم في الزكاة حق بشرطين: أحدهما ألا يحصل ذلك بمعصية كفساد في الأرض وقتل بالباطل، وشرب الخمر ونحو ذلك، لأن المقصود من صرف المال المذكور في الآية الإعانة والمعصية لا تستوجب الإعانة» (2). ثم ذكر الشرط الثاني وهو ألا يؤديه من ماله لأنه حينئذ لم يبق غارماً.
أصل القاعدة:
وأصل هذه القاعدة قول الله تبارك وتعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا
(3)
عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ (3) فروع القاعدة:
من فروعها: أن الزكاة لا تُعطى لمن يستعين بها على محرم كشرب الخمر والدخان أو ينفقها على القمار والملذات التي تغضب الله.
(1) معارج الآمال 720/ 4 و 721. (2) معارج الآمال 720/ 4 و 721. (3) سورة المائدة، الآية: 2.
303 - 303 (1/303)
صفحة 291
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: أنه لا يجوز إنفاق الأموال على المقاهي ولا على بناء الكنائس التي يشرك بالله ويُكفر به فيها. ولا يجوز إنفاق الأموال على دور التنصير والتبشير كمدارس
الإرساليات.
ظلمه.
ومنها: أن الغارم إذا قتل ظلماً لا يُعان من الصدقات لئلا يعان الظالم على
ومنها: المبذر الذي يبذر المال بغير وجه حق لا يُعان من الصدقة.
ومنها: طالب العلم إذا كان لا يعمل بعلمه بل يجاري الفسقة ويتزلف إلى الحكام الجورة كحال كثير ممن ينتسب للعلم لكنه لا يرجو لله وقاراً بعلمه، فمثل هؤلاء الطلبة لا يُعانون من مال الله على ما هم عليه من الفجور والبعد عن الله، كما أن مثل هؤلاء السفلة لا يُبذل إليهم العلم، وقد جاء في السنة أن باذل العلم لغير كمقلد الخنازير الدر. نسأل الله العافية.
أهله
ومنها: أن الفقير وكذلك المسكين إذا عُلم من حالهما أنهما ينفقان المال حلال وفي حرام فالأحسن أن يشترى لهما طعام ولا يُمَكَّنان من المال كي لا ينفقانه في
معصية الله.
ومنها: أنه لا يعان على قتل مسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: مَن أعان على قتل مسلم بشطر كلمة جاء يوم القيامة مكتوباً بين عينيه: آيس من رحمة الله» (1)، ومثل ذلك الإعانة
على سائر المعاصي من الزنا والسرقة وقطع الطريق وغيرها.
وبهذا يتضح أن المعصية لا يُعان عليها.
[59] [يتشدد في الفروج ما لا يتشدد في غيرها] (2)
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أنه يحتاط في فروج النساء أكثر من غيرها لأنها حدود الله
(1) سنن ابن ماجه باب التغليظ في قتل مسلم (2718)، 161/ 8.
(2)
منهج الطالبين 438/ 7 وما بعدها.
304 - 304 (1/304)
صفحة 292
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ولأنها ذريعة إلى شرّ مستطير أكثر من غيرها لما يخشى منها من اختلاط الأنساب، والانتساب للغير وما يترتب عليه من دخوله على الأجانب والميراث بغير حق ونحو
ذلك.
فروع القاعدة:
ومن فروع هذه القاعدة: إذا تزوج الرجل بغير صداق وجب للزوجة مهر مثلها إذا دخل بها، وإن اختلفا في المهر قبل الدخول بها فُرّق بينهما لأن الفروج لا تستباح إلا بصداق بإجماع الأمة (1).
ومن فروعها: لو أعتق أَمَةٌ من إمائه ثم نسيها حرم عليه وطء الجميع، وهذا مذهب الأئمة الأربعة. وعند. وعند أحمد في هذه المسألة قولان:
الأول: أنها تعيَّن بالقرعة لأن القرعة قامت مقام الشاهد والمخبر للضرورة.
الثاني: لا يُقرع بل يتوقف حتى يتبين وهو الأقرب في أمر الأبضاع (2). ومن فروعها: إذا اختلطت زوجته بأجنبيات أو محرَّمة بنسب أو رضاع بنسوة قرية محصوران امتنع الاجتهاد بل يتوقف عن الدخول بإحداهن حتى يتبين لأنه يتشدد في الفروج ما لا يتشدد في غيرها.
ومن فروعها ما قرأته في كتب السادة الإباضية مناظرة حول الرضاع وهي لو أن قطرة لبن سقطت في بئر فشرب منه طفل ابن حولين ثبت التحريم وكان تعليل صاحب المناظرة لخصمه أنها الفروج.
وأظنها جرت بين أبي نوح صالح بن نوح الدهان وأبي عبيدة.
ومن فروعها: ما ذكره العلامة محمد بن إبراهيم (3) وخميس بن سعيد (4) أن الرجل إذا مس فرج امرأة من تحت ثيابها فتقبطت وأنكرت إنكار الحرة لا يحق له
(1) الجامع لابن بركة 1/ 132.
(2) قواعد ابن رجب الحنبلي القاعدة (60).
(3) بيان الشرع 129/ 47.
(4) منهج الطالبين 438/ 7.
305 - 305 (1/305)
صفحة 293
اجتهادات الإمام السالمي
تزوجها، وكان أبو نوح صالح الدهان يفتي بتزوجها. أما أبو عبيدة فكان يتشدد ويقول لأبي نوح إنها الفروج يا أبا نوح إنها الفروج!! فقال أبو نوح: صدقت يا أبا عبيدة ثم
قال: يا معشر الفتيان ألم أنهكم أن تسألوني إذا كان أبو عبيدة حاضراً.
قلتُ: هذا الورع والحياطة في حدود الله!.
ومنها: أن من رأى أي عورة امرأة أو لمسها بيده فلا يتزوجها وكذلك إذا قبلها.
وإن قبل امرأة من قرية ولم يعلمها تجنب الزواج من تلك القرية. ومنها: لو نظر فرج صبية ثم اختلطت بغيرها ترك التزويج من الجميع)
المبحث الثاني
في التقعيد الأصولي
[1] [الإجمال خلاف الأصل] (2)
(1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض تقرير دليل داوود الظاهري في الوضوء لكل صلاة، قال رحمه الله: وثالثها أن الأمة مجمعة على أن الأمر بالوضوء غير مقصور في هذه الآية على مرة واحدة ولا على شخص واحد وإذا بطل هذا وجب حمله على العموم عند كل قيام إلى الصلاة إذ لو لم تحمل هذه الآية على هذا المحمل للزم احتياج هذه الآية في دلالتها على ما هو مراد الله تعالى إلى سائر الدلائل فتصير هذه الآية وحدها مجملة وقد بينا أن الإجمال خلاف الأصل (3). ونحن لا نذهب مذهب داوود الظاهري من وجوب الوضوء لكل صلاة بل نراه
الأفضل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الطهور على الطهور نور على نور» (4).
(1) منهج الطالبين 440/ 7 و 441.
(2) معارج الآمال 306/ 1.
(3) معارج الآمال 306/ 1.
(4) ذكره المنذري في الترغيب والترهيب بلفظه كتاب الطهارة (5) الترغيب في المحافظة على الوضوء، باب
(1) ما جاء في الوضوء 234/ 1.
306 - 306 (1/306)
صفحة 294
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
لكن القاعدة صحيحة لأن الإجمال مما يعرض للدليل الشرعي كالعموم والخصوص والإطلاق والتقييد، فإنه لما كان عارضاً من العوارض كان الأصل عدمه فإذا عرض للدليل طلب بيانه من الشارع لأنه لم يبق مجمل بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد بينه من تمام إكمال الدين وإتمام النعمة الذي أخبر عنه الرب بقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ
النبي
لأنه
لَكُمْ دِينَكُمْ (1). فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة:
احتجاج بعض المالكية على المنع من بيع ذهب وعَرَض بذهب بحديث فضالة ابن عبيد أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ابتعث قلادة فيها خرز وذهب بذهب فقال رسول الله: لا حتى تفصل» وفي رواية: «حتى تفضل» (2) أي حتى يفضُلَ الذهبُ ليساوي الخرز والروايتان متعارضتان لتنافي معنييهما وأن اللفظ الوارد عن النبي واحد معين في نفسه مجهول عندنا فلا يحتج به.
والجواب عند المالكية أن رواية الصاد المهملة أصح عند المحدثين وهي المحفوظة عندهم ويؤيدها ما روي من طريق آخر أنه قال: «لا حتى تميز» فيجب أن تكون إحدى الروايتين مبينة للأخرى، ثم إن رواية الضاد المعجمة تستلزم زيادة النقطة والأصل عدمها ولأن القاعدة أن الإجمال خلاف الأصل لأنه يستلزم إهمال الأدلة ولا ريب أن إعمال الأدلة أولى من إهمالها.
هي
ومنها احتجاج المالكية على أن للأب أن يسقط نصف الصداق المسمى عن الزوج إذا طلق قبل الدخول بقوله تعالى: {اَوْ يَعْفُوا الَّذِي بِيَدِهِ، عُقدَةُ النِّكَاح (3)،
والذي بيده عقدة النكاح الوليّ في وَليَّتِه.
(1) سورة المائدة، الآية: 3.
(2) صحيح مسلم، باب بيع القلادة فيها خرز وذهب، (1591)، 1213/ 3.
(3) سورة البقرة، الآية: 237.
307 - 307 (1/307)
صفحة 295
اجتهادات الإمام السالمي
فيقول الشافعية هذا التأليف مشترك بين الزوج والولي، لأن الزوج يصدق عليه أن
بيده عقدة النكاح. والجواب عند المالكية أن نسق الآية يدل على أنه الأب، لأن ذلك كله مستثنى من قوله تعالى: {فَيَصفُ مَا فَضْتُم (1) أي الواجب نصف ما فرضتم إلا أن يقع عفو من المرأة أو وليها وإنما يعفو من له الحق وليس من عليه الحق. وهذا لأن المتعين هو الأصل عدم الإجمال.
(1)
ومن فروعها اختلاف الحنفية والمالكية في جواز الوضوء بماء النبيذ، فذهب الحنفية إلى جواز الوضوء به لقوله صلى الله عليه وسلم: «ثمرة طيبة وماء طهور» (2) فحكم على النبيذ بأنه طهور، فيقول المالكية يحتمل أن يكون المراد به التركيب أي مجموع من ثمرة طيبة وماء طهور أي قبل المزج والتركيب لا بعده فلا يصدق عليه بعد المزج والتركيب أنه ثمرة طيبة وماء طهور كما تقول المز: إنه حلو حامض فإنه يصدق هذا الكلام على المز ولا يصدق عليه أنه حلو وحده ولا أنه حامض وحده. فثبت أن اللفظ الواحد قد يصدق حالة التركيب على معنى لا يصدق عليه حالة التفصيل، فمن الجائز أن يكون قوله: ثمرة طيبة وماء طهور مما يصدق مجموعاً ولا يصدق مفرداً، ولا يتم الاستدلال به إلا إذا كان مفرداً.
والجواب عند الحنفية أن الحديث يراد به التفصيل لا التركيب بدليل ما روي أنه توضا به ولولا ذلك لحصل الإجمال في كلامه و والقاعدة أن الإجمال خلاف
الأصل.
مد
ومن فروعها: اختلاف العلماء في جواز استعمال حائط الجار في غرس خشبة أو شرفة عليه، فالذين قالوا بالجواز استدلوا بحديث: لا يمنع أحدكم جاره أن يغرس خشبة على جداره (3)، قالوا إن الضمير يعود على أحدكم ومن منع احتج بحديث: «لا
(1) سورة البقرة، الآية: 237.
(2) أخرجه أحمد والدارقطني.
(3) صحيح مسلم، باب غرز الخشب في الجدار، (1609)، 1230/ 3.
-
308 – 308 (1/308)
صفحة 296
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
يحل لامرئ مسلم أن يأخذ شيئاً من مال أخيه إلا عن طيب من نفسه (1)، وقالوا إن الضمير عائد على جاره. قالوا وهو المتعين لأن الإجمال خلاف الأصل.
ومنها: اختلاف الحنفية والجمهور في مسح الرأس فالحنفية قالوا إنه مجمل لتردده بين مسح الكل ومسح البعض فهو مجمل بينته السنة بمسح البعض.
وذهب الجمهور أن الآية لا إجمال فيها أصلاً قال الشافعي في كتاب أحكام القرآن: من مسح من رأسه شيئاً فقد مسح برأسه ولم تحتمل الآية إلا هذا (2).
[2] [الاحتياط بأهل الورع أولى] (3)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن وقت
وجوب الزكاة في الثمار وملخص أقوال أئمة الإباضية رحمه الله كما يلي: مذهب الأكثر لا تجب إلا فيما يبس وصار تمراً وزبيباً وبه جزم أبو جابر في
1
التمر.
2 - عليه الزكاة فيما جمعه المصطاح.
{
- ومنهم من قال فيما كيل وأما ما لم يكل فلا زكاة فيه. قال أبو جابر: والقول الأول أحوط وهو أحب إلي.
وروي عن أبي المهاجر وأخذت به أئمة من عُمان من بعده أن الزكاة فيما أطني دون ما أكله رب المال وعياله بسراً ورطباً.
وروي عن أبي إبراهيم أن الزكاة في الرطب. وقال بعضهم: وهذا فيه احتياط أخذ بالاحتياط فيما اختلف فيه الفقهاء فقد احتاط لنفسه والاحتياط من
لأن
بأهل الورع أولى.
(1) أخرجه الحاكم في المستدرك، كتاب العلم، (318)، 171/ 1.
(2) البناني على جمع الجوامع 59/ 2، وانظر كتابنا: غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول ص 572.
(3) معارج الآمال 445/ 4.
309 - 309 (1/309)
صفحة 297
اجتهادات الإمام السالمي
أصل القاعدة:
وأصل القاعدة قول النبي: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1)، وقوله: ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه (2). وجه الدلالة أن في الاحتياط استبراء
للدين والعرض.
معنى القاعدة:
ومعنى القاعدة أن الأحوط في المسائل الخلافية الأخذ بالاحتياط والخروج من
خلاف المخالف، وهذا من الورع.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة أن أجزاء الكلب عند الحنفية طاهرة وليس فيه نجس سوى لعابه لكن الاحتياط عدم لمسه خروجاً من خلاف الشافعية وغيرهم وهذا من الورع. ومنها ما ذكره السالمي من إجالة الخاتم في الوضوء وفي المسألة خلاف، قال السالمي: «قلت وتحرير المسألة أنه إن كان الخاتم ضيقاً يمنع وصول الماء إلى الجلدة وجبت إدارته وإن كان واسعاً لا يمنع دخول الماء فلا يجب لكن الأحوط ادارته خروجاً من عهدة الوجوب (3).
ومنها ما ذكره السالمي أيضاً في مسألة الجمع بين الغسل والمسح للرجل في الوضوء قال: ومن أوجب الجمع بين الغسل والمسح نظر إلى أن المفروض أحدهما ولم يتبين له المراد منهما لاختلاف القراءتين فأوجب الحالين خروجاً من عهدة التكليف (4)
ومنها: الوضوء في ثوب نجس فقد اختلف فقهاء الإباضية في هذه المسألة فمنهم
(1) صحيح البخاري، باب تفسير المشبهات، 1219/ 2.
(2) صحيح البخاري، باب فضل من استبرأ لدينه (28/ 152) وصحيح مسلم، باب أخذ الحلال وترك
الشبهات (1999)، 1219/ 3.
(3) معارج الآمال 326/ 1.
(4) المرجع نفسه.
310 - 310 (1/310)
صفحة 298
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
من قال: ينتقض وضوؤه ومنهم من قال: لا ينتقض وضوؤه، فالقول الأول لأبي الحواري، والثاني للامام محمد بن إبراهيم الكندي صاحب بيان الشرع، قال السالمي رحمه الله: وقال غيره - أي غير محمد بن إبراهيم - نأخذ بقول أبي الحسن وأبي الحواري رحمهما الله، وهو الأحوط.
[3] [الأحكام تعلق على المعاني لا على الأسماء] (1)
:
مجيء
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن وطء الحائض إذا انقطع عنها الدم قال: «ونقل أبو محمد قولاً في الأثر عن بعض أصحابنا بإجازة الوطء قبل الاغتسال قال وهو كالشاذ من قولهم: قال وفي هذا القول عندي نظر لأن الحيض هو الذي أزال الحكم الأول عنها وكذلك ارتفاع الحيض يوجب ردها إلى ما كانت عليه إذ الحائض اسم وجب لرفع الطهارة فارتفاعه يوجب زوال اسمه وردها إلى ما كانت عليه قلت وهذا تعلق بنفس الاسم والأحكام إنما تعلق على المعاني لا على الأسماء».
معنى القاعدة:
ومعنى القاعدة أن أحكام الله تعالى معللة بمعاني معقولة يحصل من إناطة الحكم بها مناسبة ظاهرة من جلب مصلحة أو دفع مفسدة، أما الأسماء التي لا تحمل معنى مناسباً فلا تناط بها الأحكام، ومن هنا منع الجمهور إجراء القياس في اللغات (2).
فروع القاعدة:
من فروع القاعدة: أن التعليل باسم الحيض وجوداً وعدماً لا يصح حتى يجوز به وطء الحائض وعدم وطئها بل العلة هو الأذى الحاصل من الحيض وقد أومأ القرآن إلى هذه العلة بقوله: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا نَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ (3) وفي قراءة حتى يَطَّهَّرْنَ) والزيادة في المبنى زيادة في المعنى. وهو هنا
الاغتسال بالماء بعد انقطاع الدم.
(1) معارج الآمال 172/ 2.
(2) انظر غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول للعبد الفقير ص 398.
(3) سورة البقرة الآية: 222
311 - 311 (1/311)
صفحة 299
اجتهادات الإمام السالمي
ومن فروعها: أن العرب لو سمت نبيذ التمر خمراً فهل يعلل بالاسم أو
بالمعنى؟
الجواب: أن أي عصير سمي خمراً فإذا كان بحالة لا يسكر ولا يزيل العقل فلا يعلل به الحكم ولا يثبت له حكم الخمر قياساً حتى يشتمل على نفس المعنى الذي علق عليه الحكم وهو زوال العقل به.
ومنها: أن اسم الولي له معنى معقول وهو المسلم العدل الذي يدين الله بالدين الحق ويقيم أحكام الدين ظاهراً وباطناً ويتعلق بمعنى الولي أحكام منها ثبوت عدالته
وشهادته وموالاته.
فلو أطلق هذا الاسم على رجل ليس فيه هذه المعاني كمن سُمِّي بهذا الاسم عن طريق الوضع بأن سمته أمه ولي الله أو أطلق عليه أصحابه ومريدوه هذا الاسم ولم تتحقق فيه معنى الولاية فمثل هذا لا تناط به أحكام الولاية المعروفة، لأن الأحكام لا تناط بالأسماء بل بالمعاني وقل مثل هذا في اسم الإيمان والإسلام ونحو ذلك.
[4] [إذا أجمع المسلمون على وجه في المسألة
فليس لأحد بعدهم أن يجمع على وجه آخر] (1) آخر] (1)
المسألة
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن صرف الزكاة لأولاده الصغار قال رحمه الله: «وأما قوله: الأشياء ما من يجمع أهل المصر عليه والأصل فيه الاختلاف فإن أراد بإجماع أهل المصر اتفاق قوم مخصوصين على حكم من الأحكام فظاهر لأن أهل المصر قد يختارون قولاً فيعملون به وفي غير ذلك القول، وإن أراد الإجماع الذي هو حجة على من خالفه فلا يكون ذلك لأنه لو كانت المسألة في أصلها اجتهادية ثم أجمع المسلمون على وجه من وجوهها فليس لمن جاء بعدهم القول بالوجه الثاني وإلا بطل الإجماع أصلا» (2).
(1) معارج الآمال 761/ 4.
(2) معارج الآمال 761/ 4.
312 - 312 (1/312)
صفحة 300
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
مذاهب الأصوليين في هذه القاعدة:
الأمال
إذا اختلف أهل العصر في مسألة على قولين فهل يجوز لمن بعدهم إحداث قول
ثالث فيه مذاهب:
المذهب الأول: المنع مطلقاً وهو كاتفاقهم على أن لا قول سوى هذين القولين وهو قول الجمهور وهو الصحيح عند الشافعية وبه الفتوى ونص عليه الشافعي في الرسالة، وكذا ذكره محمد بن الحسن حيث عد الأصول وعد في جملتها اختلاف
الصحابة.
المذهب الثاني: الجواز مطلقاً قال القاضي أبو الطيب: رأيت بعض أصحاب أبي
حنيفة يختاره وينصره.
المذهب الثالث: هو أن هذا القول إن لزم منه رفع ما أجمعوا عليه لم يجز إحداثه وإلا جاز، وكلام الشافعي في الرسالة يقتضيه
فروع القاعدة:
(1)
من فروعها: قول الشافعي: القياس تقدم الأخ على الجد لكن صدنا عن القول به أني وجدتُ المختلفين مجتمعين على أن الجد مع الأخ مثله أو أكثر حظاً منه فلم يكن لي عندي خلافهم ولا الذهاب إلى القياس والقياس مخرج من جميع أقاويلهم، قال الزركشي في البحر وإنما منعه لأن في إحداث قول ثالث رفعاً للاجماع وهذا الفرع مبني على المذهب الثالث.
ومن ذلك: ما ذكره الشافعي رحمه الله في وطء الثيب هل يمنع الرد بالعيب؟
تحزبت الصحابة حزبين:
ذهبت طائفة إلى أنه يردها ويرد معها عُقْرَها. وذهب حزب إلى أنه لا يرد فأخذ الشافعي في إسقاط العقر بقول حزب وفي تجويز الرد بقول حزب، فقد لفق من القولين قولاً ثالثاً لم يرفع الإجماع على القولين السابقين بل جمع بينهما.
(1) انظر البحر المحيط 581/ 3.
313 – 313
- (1/313)
صفحة 301
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: إجماعهم على نصيب الزوج والزوجة مع الأبوين على أن فيها قولين هما أن لهما ثلث الكل والثاني ثلث الباقي فإحداث قول ثالث يرفع الإجماع وهذ لا يصح. ومنها: اختلافهم في عدة المتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملاً فهل تعتد بوضع الحمل أو بالأقراء؟ اختلف فيها الصحابة على قولين: فقال بعضهم تعتد بوضع الحمل، وقال آخرون تعتد بالأقراء. فعلى مذهب الشافعي يجوز تلفيق مذهب ثالث وهو أنها تعتد بأبعد الأجلين. وهذا لا يلغي الإجماع على القول الثالث لأنه أخذ إما بوضع الحمل إن تأخر أو بالأقراء إن تأخر عن وضع الحمل، والله أعلم.
[0] [إذا اختلف المطلق والمقيد في الحكم والسبب لم يحمل أحدهما على الاخر] (1)
هذه قاعدة أصولية لها فروع فقهية كثيرة نص عليها السالمي رحمه الله في معرض کلامه عن المسكين قال: ويجاب بأن المطلق يحمل على المقيد في قوله أَو مِسْكِينا
ذا متربة ((2)
قال: ويرد بأنه لا نسلم جواز حمل إحدى الآيتين على الأخرى لاختلافهما
حكماً وسبياً (3).
متى يُحمل المطلق على المقيد ومتى لا يحمل:
وقبل بيان أحوال المطلق المقيد ومتى يحمل ومتى لا يحمل يحسن تعريف
كل منهما.
المطلق لغة: ما عري عن القيد.
واصطلاحاً: الدال على الماهية بلا قيد وعرَّفه الآمدي بأنه: «اللفظ الدال على
مدلول شائع في جنسه» (4) ومثله لابن الحاجب (5). جنسه» (4)
(1) معارج الآمال 703/ 4. (2) سورة البلد، الآية: 16. (3) معارج الآمال 703/ 4.
(4) الأحكام للآمدي 3/ 3. (5) شرح مختصر ابن الحاجب 2/ 155.
314 - 314 (1/314)
صفحة 302
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
والمقيد: لفظ يدل لا على شائع في جنسه فهو يقابل المطلق. وعرفه صاحب مسلم الثبوت بأنه: دلالة اللفظ على ماهية موصوفة بما يقلل من شيوعها وانتشارها، لذلك قال (ما خرج عن الانتشار بوجه ما).
حالات المطلق المقيد:
فالمطلق والمقيد إما أن يتحدا في الحكم والسبب وإما أن يختلفا في الحكم والسبب وإما أن يتحدا في الحكم ويختلفا في السبب وإما أن يتحدا في السبب ويختلفا
(2)
في الحكم. مثال الحالة الأولى: قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (1) مع قوله تعالى: طور إلا أن يكون ميتة أو دَمًا مَّسْفُوحا (2). فالحكم في المطلق والمقيد واحد وهو حرمة الدم والسبب أيضاً واحد وهو نجاسة الدم وفي هذه الحالة اتفق الجميع على حمل المطلق على المقيد.
مثال الحالة الثانية: قوله تعالى: {وَالسَارِقُ وَالسَارِقَةُ فَأَقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (3) مع قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (4)، فالآية الأولى مطلقة والثانية مقيدة بكونها إلى المرافق والحكم فيهما مختلف ففي الأولى وجوب القطع وفي الثانية وجوب الغسل، والسبب مختلف فالسبب في الآية الأولى هو السرقة وفي الثانية الحَدَث مع إرادة
القيام بعمل يشترط فيه وفي هذه الحالة لا يحمل المطلق على المقيد عند الجميع. مثال الحالة الثالثة: قوله تعالى: ويتأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ (5)، وقوله تعالى: {وَإِن كُنتُمْ جُنَّبًا فَأَطَهَرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنكُم مِّنَ الْغَابِطِ أَوْ لَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) (6)
(1) سورة المائدة، الآية: 2. (2) سورة الأنعام، الآية: 154. (3) سورة المائدة، الآية: 38.
(4) سورة المائدة، الآية: 6.
(1) ,
(5) سورة المائدة، الآية: 6. (6) سورة المائدة، الآية: 6.
315 - 315 (1/315)
صفحة 303
اجتهادات الإمام السالمي
فالآية في أولها جاءت الأيدي فيها مقيدة بأنها إلى المرافق وفي آخرها جاءت مطلقة، والآية جاءت بحكمين مختلفين هما الوضوء، والتيمم فهي كالنصين، والتيمم والوضوء حكمان مختلفان والسبب واحد وهو إرادة الصلاة مع قيام الحدث، ففي هذه الحالة فإن الجمهور والحنفية متفقون على أنه لا يحمل المطلق على المقيد فلا تحمل اليد المطلقة في التيمم على اليد المقيدة في الوضوء وأما المسح إلى المرفقين عند من أجازه فمستنده ليس حمل المطلق على المقيد وإنما مستنده أدلة أخرى (1). غير أن صاحب جمع الجوامع وشارحه المحلي جعلا هذه الصورة من الصور التي يجري فيها الخلاف (2)
(?)
مثال الحالة الرابعة: قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظْهِرُونَ مِن نِّسَابِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (3) مع قوله تعالى: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ (4) فالرقبة في آية الظهار مطلقة وفي كفارة القتل الخطأ مقيدة بالإيمان والحكم في الآيتين واحد وهو العتق ولكن السبب فيهما مختلف إذ هو في الأولى العود وفي الثانية القتل
الخطأ.
ففي هذه الصورة حصل خلاف بين الأصوليين في حمل المطلق على المقيد فالحنفية لا يحملون المطلق على المقيد ودليلهم هو اختلاف السبب، والجمهور يحملون المطلق على المقيد لأن الجميع كفارة والعتق صدقة على المعتق نفسه ومن شرط القابض للقربات الواجبة الإيمان كالزكاة فإنها لا تجزئ إلا بدفعها للمؤمن، هذه علة اعتبار الإيمان في كفارة القتل وذلك موجود في كفارة الظهار فوجب اعتبار
هي
الإيمان فيها.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور لأن الله تعالى يريد ردَّ أموال المسلمين إلى المسلمين وهذا هو الأحوط في إعمال الدليلين وفي رد مال المسلمين إلى المسلمين.
(1) الاحكام للآمدي 43/ 2.
(2) المحلي على جمع الجوامع 51/ 2.
(3) سورة المجادلة، الآية: 3.
(4) سورة النساء الآية: 92.
316 ـ 316 (1/316)
صفحة 304
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فروع القاعدة:
من فروعها ما ذكره الإمام السالمي في المسكين قال رحمه الله: «وأما ما صرف الاطعام إليه في الكفارات فذلك مسلم لكن لا نقول لكل مسكين بل المسكين الموصوف بكونه ذا متربة وهذا لا يدل على أنه أوجب الصرف إلى مطلق مسكين وفيه أن آية الكفارات ليس فيها هذا الوصف بل فيها إطعام مطلق مسكين، ويجاب بأن المطلق ها هنا محمول على المقيد في قوله تعالى أَوْ مِسْكِينَا ذَا مترية قال: ويرد بأنه لا نسلم جواز حمل إحدى الآيتين على الأخرى لاختلافهما حكماً وسبباً (1). ومنها: أنه لا يجوز حمل مطلق قوله تعالى: {وَالسَارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا (2) على قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إلى المرافق لاختلاف النصين في الحكم والسبب (3).
ومنها: أنه لا يحمل قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُم على قوله تعالى: {وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ فإن المطلق والمقيد وإن اختلفا في الحكم وهما الوضوء والتيمم فالسبب فيهما واحد وهو إرادة القيام بعمل يتطلب الطهارة والقاعدة صادقة فيما إذا اختلفا في الحكم والسبب وفيما إذا اختلفا في أحدهما.
،
[6] [إذا أمر الشارع بشيء لا يجزئ أقل منه] (4)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن الاستجمار بالحجارة قال رحمه الله: وقيل لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار لأن الشارع إذا أمر بشيء لا يجزئ أقل منه» (ه).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الله تعالى إذا أمر بشيء فلا يخلو إما أن يتقيد الأمر بعدد
(1) معارج الآمال 703/ 4. (2) سورة المائدة، الآية: 38. (3) غاية المأمول ص 563. (4) معارج الآمال 299/ 1. (5) المرجع نفسه.
317 - 317 (1/317)
صفحة 305
اجتهادات الإمام السالمي
أو لا يتقيد بعدد، فإذا تقيد بعدد معين فإن المأمور لا يخرج من العهدة إلا بالإتيان بالعدد المطلوب فإن أتى بأقل من العدد لم تبرأ ذمته ولم يقع فعله مجزئاً، وأما إذا لم يتقيد بعدد فإما أن يعجز عن الإتيان به كاملاً لعذر شرعي وإما أن لا يعجز عن الإتيان به كاملاً فإن عجز عن الإتيان به كاملاً أتى بما استطاع منه ولا يسقط الميسور منه بالمعسور كمن وضع جبيرة على عضده أو على موضع محدد من رجله أو وجهه فإنه الجبيرة ثم يغسل الباقي وكمن قطعت يده من الكوع لم يسقط غسل المرفق والعضد وكمن استطاع أن يصلي ركعتين وقوفاً وركعتين جلوساً لا يسقط عنه القيام في الركعتين الأوليين لقول الله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (1) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «ما أمرتكم به فاتوا منه ما استطعتم (2) لأنه أمر لم يتقيد بحد أو عدد.
يمسح
فإن لم يعجز عن الإتيان به فلا يخلو أن يكون له حد أدنى يتأتى به وحد أعلى أو لا يكون، فإن كان له حد أدنى وحد أعلى فقد اختلف فيه أهل الأصول فذهب الشافعي وعدد من أهل العلم إلى أن الواجب يتأتى بأقل ما ينطبق عليه الاسم كمسح شعرة في الرأس، وذهب أبو حنيفة إلى القول بأن الواجب لا يتأتى إلا بكل ما ينطبق عليه الاسم وهو ربع الرأس في المسح، وعند الشافعي يكون القدر الزائد عما يتأتى به الواجب نفلاً يثاب صاحبه عليه ثواب النفل.
مسح
وأما إذا لم يكن له حد أدنى ولا حد أعلى فلا بد من الإتيان به على الوجه الكامل لأن المطلق في القرآن والسنة إنما ينصرف إلى المعنى الكامل، كقوله تعالى: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (3) فلا بد من تعميم الوجه بالماء مع الدلك.
فروع القاعدة:
من فروعها: أن الشارع أمر المستجمر أن يستجمر بثلاثة أحجار فإن أنقص منها
شيئاً لم يقع فعله مجزئاً.
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) فتح الباري 261/ 13، شرح النووي على مسلم 9/ 102، سنن البيهقي (13371)، 103/ 7.
(3) سورة المائدة، الآية: 6.
318 - 318 (1/318)
صفحة 306
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: أن الشارع أمر الحاج أن يطوف سبعاً ويسعى سبعاً فإن أنقص من الطواف والسعي شيئاً من الأشواط لم يقبل سعيه.
ومنها: أن الشارع أمر الحاج أن يرمي سبع حصيات لكل جمرة فإذا أنقص منها
شيئاً لم يجزئ رميه.
ومنها: أن الله تعالى أمر بجلد الزاني البكر مائة جلدة فإن جُلد أقل منها لم يمتثل الأمر وكذلك حكم القاذف بجلد ثمانين جلدة فإن جلد أقل لم يجزئ الجلد وإن جلد أكثر فقد وقع الظلم وهكذا كل الأوامر التي قيدت بعدد لا يجزئ أقل من هذا العدد،
والله أعلم.
[7] [إذا تعارض واجبان قدم آكدهما] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في الفرع الرابع من الأعذار التي تبيح للجنب والحائض أن يقرأ القرآن قال رحمه الله: «وأما العذر الديني فإنه كان مبيحاً للتلاوة لئلا تدافع الأحكام ولأن بعض الفرائض أكد من بعض لأن تعلم ما يلزمه عمله وتعليم غيره ذلك آكد فريضة، وأثبت حجية من اجتناب القراءة حال الجنابة والحيض» (2)
وهذا كلام نفيس وفقه عظيم.
فروع القاعدة:
وفروع القاعدة أكثر من أن تحصى ومن فروعها ما نص عليه الإمام السالمي وهو أن الحائض أو النفساء أو الجنب إذا خاف كل منهما نسيان القرآن جاز له أن يقرأ لأن حفظ القرآن أكد من اجتناب القراءة حالة الجنابة أو الحيض، أو النفاس.
ومن فروعها: إذا دخل وقت الصلاة وحضرت الجنازة قدمت الصلاة على
(1) معارج الآمال 141/ 2.
(2) المرجع نفسه.
319 - 319 (1/319)
صفحة 307
اجتهادات الإمام السالمي
الجنازة لئلا تفسد أكد صلاة الفرض لأن صلاة الفرض يجوز تأخيرها ولا وهي من
يحصل أي فساد من تأخيرها بخلاف تأخير صلاة الجنازة.
ومن فروعها أن الجهاد واجب على من استطاعه فإذا كان لمن يريد الخروج للجهاد والدان قاصران ضعيفان كان ترك الخروج أولى لأن رعايتهما أوجب وآكد عنه أن رجلاً جاء يريد الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال له الرسول الكريم: ألك والدان»؟ قال: نعم، فقال له: «ارجع ففيهما فجاهد» (1). بأبي هو وأمي
وذلك لما
صح
عليه الصلاة والسلام. ومنها: أن إزالة المنكر واجبة فإذا ترتب على إزالته منكر أشد كان الترك آكد، ولذلك ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم إزالة الأوثان حول الكعبة ثلاث عشرة سنة في مكة لما أن في إزالتها من ترتب ضرر أشد حتى فتح الله له مكة فأزالها في أول وقت وصوله إليها. ومنها: تقديم حق الأم على حق الأب لكون حق الأم أكد وقد جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من أحق الناس بصحبتي؟، قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أمك ثلاث مرات قال: ثم من؟ قال: «أبوك» (2). ومنها: أن من أقر بحق من حقوق الله كحد من الحدود ثم كذب نفسه فإنه يصح عنه، وأما من أقر بحق من حقوق الآدميين لا يحق له الرجوع عنه لكونه أكد حيث بني على المشاحة بينما حق الله مبناه على المسامحة.
الرجوع
ومنها: أن حقوق الميت يقدم آكدها كتجهيزه ودفنه ودفع ديونه ثم يقدم الأخرى مثل تنفيذ وصاياه وتوزيع تركته.
[8] [إذا تعذر الأداء ارتفع الوجوب وإن تقدم سببه] (3)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه على الزكاة فيما يذهب بجائحة قال: وقال عقبة إذا ثبت معنى الخرص باجتهاد النظر من الإمام
(1) السنن الصغرى للبيهقي 452/ 7، سنن أبي داوود (2531، 324/ 2، صحيح ابن حبان، (318)، 21/ 2. (2) صحيح البخاري، باب من أحق الناس بحسن الصحبة، (5626)، (2227/ 5، وصحيح مسلم، باب بر الوالدين، (6664)، 2/ 8. (3) معارج الآمال 4/ 450.
320 - 320 (1/320)
صفحة 308
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
لتوفير الزكاة فيشبه معنى الاتفاق أنه لا زكاة على أرباب الأموال فيما يذهب بجائحة (قلتُ) وإذا تعذر الأداء ارتفع الوجوب وإن تقدم سببه (1).
معني
القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن أصحاب الأعذار ترتفع عنهم الواجبات التي قامت أسبابها
لوجود الموانع. فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: أن الزروع والثمار إذا أصابتها جائحة من السماء فإن الزكاة تسقط عنهم وإن حال عليها الحول (2).
ومنها: أن الحائض إذا حاضت في شهر رمضان فإن الصوم يسقط عنها وإن تقدم
(3)
سبب الصوم وهو شهود الشهر وتقاس الصلاة على الصوم في حق الحائض فإن الحائض تترك الصلاة شرعاً وإن
تقدم سببها وهو دخول الوقت.
ومنها: سقوط الطواف في حق الحائض لتعذر الأداء وإن تقدم سببه وهو دخول البيت وكذلك لو حاضت المرأة بعد الزوال بقليل لا يلزمها صلاة الظهر حيث قام فيها
فيه الأداء. العذر في وقت لا يسع ومنها: لو ضاع المال ممن قد نوى الحج أو غرق في البحر أو أخذته اللصوص والشطار ارتفع وجوب الحج عليه وإن وجد سببه وشرطه لأنه قد يطلق اسم السبب على الشرط الشرعي تجوزاً.
[9] [إذا توفرت الدواعي على نقل الخبر ولم ينقل دل ذلك على كذبه] (4) هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن إباحة التيمم
(1) معارج الآمال 4/ 450. (2) معارج الآمال 450/ 4. (3) معارج الآمال 450/ 4. (4) معارج الأمال 0786/ 1
321
-
321 (1/321)
صفحة 309
اجتهادات الإمام السالمي للمريض إذا خاف الضرر قال رحمه الله: فلم ينقل عن الصحابة ولا من بعدهم أنهم كانوا يرجعون في تيمم مرضاهم إلى الأطباء ... فلو رجعوا في ذلك إلى الأطباء مع كثرة عامتهم لاشتهر ذلك ونقل ولو آحاداً والحال أنه لم يوجد فيه نقل فعلمنا أنه لم يقع (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الخبر إذا توافرت الدواعي على نقله تواتراً أو آحاداً ومع هذه الدواعي لم ينقل تبين أن هذا الخبر عار عن الصحة.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة كما قال الزركشي في البحر بطلان النص الذي تزعم الروافض أنه دل على إمامة علي بن أبي طالب الله فعدم تواتره دليل على عدم صحته، قال إمام
الحرمين: ولو كان حقاً لما خفي على أهل بيعة الثقيفة ولتحدثت به المرأة على معزلها. ومنها: بطلان قول من يزعم أن القرآن قد عورض فإن ذلك لو جرى لما خفي والنص الذي تزعم العيسوية أن في التوراة أن عليه السلام آخر مبعوث فإنه باطل ولو كان صحيحاً لبرزوه للنبي مع كثرة حرصهم على نقله لو كان صحيحاً فإنهم كانوا في أشد الحرص على تكذيبه ولما لم ينقلوه نقلاً يعتمد عليه تبين أنه كذب.
موسي
ومنها بطلان الخبر الذي يرويه الروافض أن عمر ضرب فاطمة له عندما طلبت ميراثها منه بعد طلبها ذلك من أبي بكر، وأنها أسقطت (محسناً) أي جنيناً اسمه محسن، فهذا الخبر من أمحل المحال، وأعظم الكذب ولعمري ففيه من الإساءة لأبي الحسن الله أكثر مما فيه من الإساءة لعمر، ولو كان الخبر صحيحاً لنقل نقلاً متواتراً لتوفر الدواعي على نقله على هذه الصفة.
[10] [إذا جاء التخصيص من الوجه الصحيح بطل التمسك بالعموم] (2) الخاص لغة: مشتق من الخصوص وهو الانفراد وقطع الاشتراك فهو ضد
العموم.
(1) المرجع نفسه. (2) معارج الآمال 351/ 4.
322 - 322 (1/322)
صفحة 310
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واصطلاحاً: أحسن ما قيل في تعريفه ما ذكره الشوكاني في الارشاد (1) حيث قال في تعريفه: إخراج بعض ما كان داخلاً تحت العموم على تقدير عدم المخصص
بالكسر.
أنواع المخصصات:
والمخصصات نوعان: المخصصات المتصلة وهي الصفة، والشرط،
والاستثناء، والغاية والتخصيص بالحال. .
مثال التخصيص بالصفة: أكرم العلماء العاملين ومثال التخصيص بالشرط: أكرم العلماء إن جاؤوك، ومثال التخصيص بالاستثناء قوله تعالى: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا (2). ومثال التخصيص بالغاية: قول القائل: أكرم العلماء إلى آخر اليوم أو حتى يحمدوا الله تعالى أو نحو ذلك. ومثال التخصيص بالحال قولك: أعط الفقراء، متعففين أي حال كونهم متعففين وهذا يخرج المتسولين عن حد الكلام.
النوع الثاني: المخصصات المنفصلة، وهي نصية وغير نصية، فالنصية هي الكتاب والسنة، ومفهوم المخالفة، ومفهوم الموافقة وغير النصية وهي الإجماع، والقياس، والعرف والعقل، والحس.
أولاً: تخصيص القرآن بالقرآن: مثاله قوله تعالى: {وَأُوْلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ) (3)، وَرَدَ مخصصاً لقوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوع (4)
والأمثلة كثيرة. ثانياً: تخصيص الكتاب بخبر الواحد مثاله قوله تعالى: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (5) خصصه قوله صلى الله عليه وسلم في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب (6).
(1) إرشاد الفحول ص 142. (2) سورة العصر، الآيتان: 2 و 3.
(3) سورة الطلاق، الآية: 4. (4) سورة البقرة، الآية: 228. (5) سورة التوبة، الآية: 5.
(1) رواه مالك في الموطأ، باب جزية أهل الكتاب، (619)، 315/ 2.
323 – 323 (1/323)
صفحة 311
اجتهادات الإمام السالمي
ثالثاً: تخصيص عموم الكتاب بالقياس: مثاله قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (1) فهذا عام في الحرة والأمة ثم خصت الأمة بقوله تعالى: فَعَلَينَ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِن العَذَابِ) (2) وبقي حكم العبيد الذكور فقسناه على الأمة
وخصصناه من عموم قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ والزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ له.
فتكون الإماء مخصصة بالنص ويكون العبيد مخصصين بقياسهم على الإماء، ولا شك أن هذا قياس جلي وقواعد الإمام السالمي لا تأباه والذي منع التخصيص به هو القياس الظني فمفهوم كلامه أن القطعي من الأقيسة يخصص العموم، والله أعلم. رابعاً: التخصيص بالعرف مثاله: لو حلف أنه لم ير دابة فرأى كافراً لا يحنث:
وإن سماه الله دابة في قوله تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَاتِ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا (3). ولو حلف لا يدخل بيتاً فدخل مسجداً لا يحنث، وإن سماه الله بيتاً. وإن حلف لا يجلس على بساط في ضوء سراج تحت السقف، فجلس على الأرض في ضوء الشمس وتحت السماء لا يحنث ولو سمى الله الأرض بساطاً، والشمس سراجاً، والسماء سقفاً محفوظاً وذلك لأن الحقيقة العرفية أقوى من اللغوية فمن هنا كان عرف الاستعمال مخصصاً للنصوص لأن الناس إنما يخاطبون بما يتعاملون به من العرف الشائع المطرد عندهم، والله أعلم.
والأمثلة التي ذكرتها كلها نكرات في سياق النفي فهي من ألفاظ العموم وقد
خصصت بالعرف (4).
خامساً: التخصيص بمفهوم الموافقة: مثاله قوله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّمَا أَن وَلَا تنهر هُمَا) (9) فإن المفهوم الموافق للنهي عن التأفيف وهو الضرب وسائر أنواع الأذى
(1) سورة النور، الآية: 2.
(2) سورة النساء، الآية: 25.
(3) سورة الأنفال، الآية: 55.
(4) انظر فواتح الرحموت 345/ 1 ورفع الحاجب 345/ 3.
(5) سورة الإسراء، الآية: 23.
324 - 324 (1/324)
صفحة 312
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
مخصص لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «لَيُّ الواحد ظلم يحل عرضه وعقوبته (1)، فمفهوم الآية الموافق يخرج الوالد من عموم الحديث فلا يحل لولده حبسه ولا عقوبته (2). سادساً: التخصيص بمفهوم المخالفة: مثاله قوله: في كل أربعين شاة شاقه (3) عام خص بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم: في سائمة الغنم زكاة (4)، فمفهومه أن المعلوفة ليس فيها زكاة، فالمعلوفة خصصت بمفهوم المخالفة من عموم قوله: «في كل أربعين شاة شاة».
وهذا هو الراجح لما فيه من الجمع بين الدليلين قال السالمي رحمه الله في تعليل تخصيص العموم بالمفهوم: قلنا إذا كان مأخوذاً به فالجمع بين الدليلين أولى كغيره» (ه).
سابعاً: التخصيص بالعقل: مثاله قوله تعالى: الله خلق كل شي (1) فالعقل يمنع من دخول ذاته تحت هذا العموم، وقوله تعالى: {وَلِله عَلَى النَّاسِ حج البيت (7) فإن العقل يخرج الصبي والمجنون من دخولهما تحت هذا العموم
(v)
ثامناً: التخصيص بالحس التخصيص بالحس مذهب الأكثر، مثاله قوله تعالى: وتُدَمِّرُ كُلَّ شَتي (9) وقوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ (10) فالعين وهي من الحواس قضت أن الريح لم تدمر الجبال وهي شيء ولا السماوات وهي شيء وأن
(1) سنن البيهقي 294/ 5، سنن أبي داوود (3630 349/ 3، سنن النسائي (4689)، 316/ 7، مسند
أحمد (18431)، 25/ 39.
(2) غاية المأمول ص 554.
(3) سنن أبي داوود، باب في زكاة السائمة، (1570) 8/ 2 سنن الترمذي، باب زكاة الإبل والغنم،
621 (، 17/ 3)
(4) سنن أبي داوود، باب في زكاة السائمة، (1572)، 99/ 5.
(0) طلعة الشمس 2/ 338.
(6) سورة الزمر، الآية: 62. (7) سورة آل عمران الآية: 97.
(8) طلعة الشمس 354/ 2. (9) سورة الأحقاف، الآية: 2. (10) سورة النمل، الآية: 23.
325 - 325 (1/325)
صفحة 313
اجتهادات الإمام السالمي
بلقيس لم تؤت عرش سليمان وهو شيء، ولم تعط الشمس وهي شيء ولا القمر وهو شيء، فعلمنا بذلك أن الحس مخصص. ويرى الإمام السالمي صحة هذا النمط من التخصيص لكنه يرده إلى التخصيص بالعقل وأن الحس واسطة لادراكه. فيلزم القائلين التخصيص بالعقل أن يمنعوا التخصيص بالحس.
بمنع
فروع القاعدة:
من خلال هذه المخصصات المتصلة، والمنفصلة والأمثلة الكثيرة التي سقناها على هذه الأقسام اتضح مفهوم القاعدة وظهرت فروعها فليس من اللائق إعادتها من
جديد وبالله التوفيق.
[11] [إذا حرَّم الشارع شيئاً حرم ما هو شيئاً حرم ما هو أشد منه] (1)
هذه قاعدة أصولية وفقهية مهمة نص عليها الإمام السالمي في معرض كلامه عن استعمال أواني الذهب والفضة قال رحمه الله: «وأما قوله فقد يرد الشارع بتحريم الأخف وإباحة الأعظم منه فمردود لأن ذلك أمر لم يعهد في الشرع بل المعهود أن الشارع إذا حرم شيئاً حرم ما هو أشد منه (2)
معنى القاعدة:
أولى ويسمى
ومعنى هذه القاعدة أن الله إذا حرَّم شيئاً لمعنى من المعاني أو لعلة من العلل ثم وجدت نفس العلة في حكم آخر بشكل أوضح وأجلى فيأخذ نفس الحكم من باب هذا بقياس الأولى، أو مفهوم الأولى، والفرق بينهما أن المعنى الجامع بين الأصل والفرع إذا كان يدركه كل أحد من غير نظر نظر في استخراجه فهو من قبيل الدلالة اللفظية ويسمى مفهوم الأَوْلَى، وأما إذا كان لا يُدرَكُ إلا بالتأمل فهو من قبيل الدلالة القياسية ويسمى قياس الأولى.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: تحريم الضرب والشتم للوالدين لقوله تعالى: {فَلَا تَقُل
(1) معارج الآمال 751/ 1.
(2) معارج الآمال 0751/ 1
326 - 326 (1/326)
صفحة 314
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
لَمَا أَن وَلَا تَنْهَرْهُمَا (1)، فالتأفيف حرام لعلة الأذى، والأذى في الضرب والشتم أشد منه في التأفيف، فالعلة في الفرع أولى وأوضح منها في الأصل الذي هو التأفيف. ومنها: أن الله أكل أموال اليتامى والأكلُ لا يأتي على المال كله، فمن
حرم
،
باب أولى أن يحرم حرق المال وإتلافه بأي وجه من وجوه الاتلاف وهذا ما يسمى
بقياس الأولى أو مفهوم الأولى.
الله الزنا لكونه فاحشة ومقتاً وساء سبيلاً وقد حرم ما هو أشد منه
(2)
ومنها: إذا حرم وهو اللواط لكونه فاحشة أشد لقوله تعالى حكاية عن قوم لوط: {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الفحشة ما سَبَقَكُم بِها مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العَالَمِينَ كى (2). فقد كان الزنا موجوداً ومع ذلك فقد وصفهم القرآن بأنهم سبقوا العالمين في هذه الفاحشة. واللواط انحراف عن الفطرة وفاحشة عظيمة وقطع للسبيل وهي الذرية وإضرار بالعفائف من المؤمنات. فكان أشد وكانت عقوبته في الدنيا أشد والعياذ بالله تعالى. ومنها حرمة قتل المسلم فإذا كان المقتول أصلاً للقاتل فحرمته أشد. والفروع
كثيرة.
[12] [إذا ذهب بعض الحكمة بقي البعض الآخر (3)
(
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن إخراج زكاة الفطر من مال اليتيم قال: وقال محمد بن الحسن من الحنفية: لا تجب عليه الفطرة، لأنها عبادة، ولا تلزم الصبي واحتج بعضهم بأنها شرعت طهرة للصيام ولا صيام على الصبي. وأجيب عن الأول بأنها عبادة فيها معنى المؤنة بدليل أنه يتحملها عن الغير وصارت كنفقة الأقارب وعن الثاني بأنها شرعت طهرة للصائم وطعمة للمساكين فإذا ذهب بعض الحكمة بقي البعض الآخر» (4).
(1) سورة الإسراء، الآية: 23. (2) سورة العنكبوت، الآية: 28. (3) معارج الآمال 618/ 4. (4) نفس المرجع السابق.
327 - 327 (1/327)
صفحة 315
اجتهادات الإمام السالمي
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الحكم إذا شرع لحكمة من الحكم وكانت هذه الحكمة مركبة من أجزاء عدة فإذا ذهب بعض الحكمة بقي البعض الآخر أو يقال إذا علل الحكم الشرعي بحكم متعددة فتخلف بعض هذه الحكم بقي البعض الآخر وهو الأقرب. وهذه القاعدة مبناها على جواز التعليل بالحكمة كما هو مذهب المالكية، وخالف بعض الأصوليين. (قلتُ) وأصل التعليل في الكتاب والسنة هو التعليل بالحكمة وإنما لجأ المتأخرون إلى التعليل بالأسباب والأوصاف الظاهرة بسبب خفاء الحكمة في كثير من الموارد فحيث انكشفت الحكمة كانت علة الحكم لأن جميع من علل بالأوصاف الظاهرة المنضبطة قد اشترط أن يكون هذا الوصف مشتملاً على حكمة تشهد بصحة التعليل، فالحكمة هي بيت القصيد أولاً وآخراً.
فروع القاعدة:
(1) ,
هي
من فروعها فريضة الحج إنما شرعت لحِكَم عديدة كما قال تعالى: لِيَشْهَدُوا مَنَفِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَةٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَم (1)، والمنافع كثيرة منها سياسية، ومنها اقتصادية، ومنها دينية ومنها اجتماعية، فإن تخلف بعض هذه الحكم بقي البعض الآخر وإن فاتت كلها بقي ذكر الله في الأيام المعدودات وهي أيام منى وإن تخلفت جميع هذه الحكم تخلف الحكم وصار سفراً لا معنى له. ومنها: فريضة الصوم إنما شرعت لحكم عديدة منها التقوى كما قال تعالى: طول كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (2). ومن الحكم الحمية والتداوي بالصوم، ومنها كف اللسان عن الأذى والمعاصي كالكذب، وشهادة الزور، ومنها الاحساس بالجوع ليحصل تذكر الفقير فإن تخلفت بعض هذه
(1) سورة الحج، الآية: 28. (2) سورة البقرة، الآية: 183.
(2)
328 – 328 (1/328)
صفحة 316
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الآمال
الحكم بقي البعض الآخر فإذا تخلفت جميعها غدا الصوم جوعاً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: رُبَّ صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش (1)
ومنها: فريضة الصلاة شرعت لحكم منها أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، ومنها أنها مناجاة للرب، ومنها أنها طهارة من الذنوب ومنها رياضة للنفس، فإذا فات بعضها بقي البعض الآخر، وإذا فات جميع الحكم غدت حركات روتينية لا طائل تحتها. ومنها: فريضة الزكاة شرعت طهارة لمال الأغنياء، ونفوسهم من الشح وعوناً للفقراء، والمساكين، وطعمة لهم وصيانة لنفوسهم من الهلاك، وتحقيقاً للتكافل بين الأغنياء والفقراء، فإذا ذهبت بعض هذه الحكم بقي البعض الآخر.
[1] [إذا كان الكلام لا يستقيم إلا بالتقدير فلا بد من تقدير ما يستقيم به الكلام] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن وطء الحائض بعد انقطاع دمها قبل الاغتسال قال: ومن تأول قوله تعالى: حَتَّى يطهرْنَ (3) على أنه النقاء وقوله فَإِذَا تَطَهَّرْنَ (4) على أنه الغسل بالماء فهو بمنزلة من قال: لا تعط فلاناً درهماً حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهماً، وذلك غير مفهوم في كلام العرب إلا أن يُقَدَّرَ في الآية محذوف ويكون تقدير الكلام ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن إلى أن قال: لا نسلم أن حمل الكلام على عدم التقدير والإضمار أولى مطلقاً بل نقول إن ذلك حيث لم يكن محتاجاً إلى التقدير، فأما إذا كان الكلام لا يستقيم إلا بالتقدير فلا بد من تقدير ما يستقيم به الكلام وذلك موجود في كثير من الآيات والأحاديث (5).
(1) سنن ابن ماجه، باب ما جاء في الغيبة، (1690)، 539/ 1.
(2) معارج الآمال 174/ 2.
(3) سورة البقرة، الآية: 222
(4) سورة البقرة، الآية: 222 (0) معارج الآمال 174/ 2.
329 - 329 (1/329)
صفحة 317
اجتهادات الإمام السالمي
معني
القاعدة:
ومعنى القاعدة أن الكلام في مقام التشريع أو التخاطب قد تتوقف صحته الشرعية أو العقلية على تقدير شيء في الكلام وعندها يجب التقدير ويسمى هذا الأسلوب دلالة اللفظ على تقدير شيء في الكلام لتصحيحه عقلاً أو شرعاً.
بدلالة الاقتضاء وهي
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه (1). والخطأ والنسيان والإكراه أمور واقعة في الأمة فلا بد من تقدير شيء في الكلام، فنقدر كلمة (إثم) فيكون المعنى: رفع عن أمتي إثم أمتي إثم الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه وإلا تعرض كلام الشارع للخلف.
ومن فروعها: قوله تعالى: وَشَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها (2) وسؤال القرية متعذر عقلاً فقدَّرنا كلمة (أهل) أي أهل القرية ومن في العير، وهذا التقدير لتصحيح الكلام عقلاً.
ومن فروعها: إذا قال لوكيله: اعتق عبدك عني بألف فظاهر الكلام غير مستقيم إذ كيف يعتق عبده عن غيره؟ فيقدر كلمة (بعني) فيكون تقدير الكلام: بعني بألف، ثم كن وكيلاً عني في إعتاقه.
[14] [إذا لم يعقل المعنى فلا يصح القياس] (3)
عبدك
هذه قاعدة عظيمة من قواعد الأصول وتتفرع عليها مسائل كثيرة من مسائل
القياس، وسوف أعرض لبيانها إن شاء الله.
(1) سنن البيهقي، باب الحجر على الصبي حتى يبلغ، (952) 458/ 2، سنن أبي داوود، (4404)، 4/ 244، سنن ابن ماجه باب طلاق المعتوه، (2041) (658/ 1، سنن النسائي، باب من لا يقع طلاقه من الأزواج، (3433، 156/ 6، سنن الترمذي، باب ما جاء فيمن لا 658، صحيح ابن حبان باب التكليف، (142)، 355/ 1، مسند أحمد (952)، 458/ 2.
يجب
/1، (1488)، ...
(2) سورة يوسف، الآية: 82.
(3) معارج الآمال 087/ 4
330 - 330 (1/330)
صفحة 318
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقد نص الإمام السالمي رحمه الله على هذه القاعدة في معرض كلامه عن تغسيل الأجانب الأجنبيات وبالعكس فقال: وإن كانوا أجانب أو أجنبيات فقيل يصب الماء من فوقهم صباً أي من فوق الثياب وقيل بل يعدلون إلى التيمم لأن الغسل قد تعذر ... وقيل تدفن كما هي ولا تغسل ولا بأس به فإن له في الحق وجهاً وذلك لأنه لما تعذر الغسل ارتفع التكليف ولأن التيمم طهارة الأحياء ولم يذكر في طهارة الأموات وهو عبادة غير معقولة المعنى فلا يصح فيها القياس (1). فثبت بمفهوم كلامه أنه إذا عقل معنى العبادة صح فيه القياس.
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن القياس يدور على المعاني والعلل فما كان غير معقول المعنى وغير معروف العلة فلا يجري فيه القياس كالتعبدات التي لم تعرف عللها. فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: الرخص والتقديرات. اختلف الأصوليون في إجراء القياس في الرخص والتقديرات فذهب الجمهور إلى إجراء ذلك، وذهب الحنفية إلى عدم إجراء ذلك.
الأدلة: استدل الجمهور بالمنقول والمعقول، أما المنقول فقد استدلوا بأدلة
القياس عموماً حيث لم تفرق بين الرخص والتقديرات وبين غيرها. أما من المعقول فلأن القياس مداره على المعنى فحيث عقل المعنى صح القياس وحيث وجدت العلة وجد معلولها.
واستدل الحنفية بأن الرخص والتقديرات غير معقولة وفيها شائبة التعبد، وما كان غير معقول المعنى وفيه شائبة التعبد لا يعلل ولا يجري فيه القياس. مثال ذلك جواز الاستنجاء بغير الحجر من الجمادات لكون العلة في جواز الاستنجاء بالحجر كونه
(1) معارج الآمال 087/ 4
331 - 331 (1/331)
صفحة 319
اجتهادات الإمام السالمي
طاهراً جامداً قالعاً للنجاسة فيقاس عليه غيره كالخشب ونحوه باستثناء العظم لورود النهي عن استعماله.
ومثال القياس في التقديرات أن الكفارة مال يجب بالشروع ويستقر في الذمة، فيقاس عليها نفقة الزوجة بجامع أنها مال يجب بالشروع ويستقر في الذمة، وأكثر ما وجب في الكفارة لكل مسكين مُدَّان من الطعام وذلك في كفارة الأذى في الحج، وأقل ما وجب له مد وذلك في كفارة الظهار، فأوجبوا في نفقة الزوجة مدين على الموسر ومداً على المعسر، وأصل التفاوت في النفقة ثابت بقوله تعالى: الفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن
(1)
ومذهب الجمهور هو الأرجح لقوة أدلتهم ولأن القياس فرع تصور العلة فإذا عرفت العلة صح القياس.
ومن فروعها الحدود والكفارات، فمذهب الجمهور أنه يجوز القياس في الحدود والكفارات وذهب الحنفية إلى أنه لا يجري القياس في الحدود والكفارات. ومثال القياس في الكفارات: قياس كفارة القتل العمد على القتل الخطأ خلافاً لمن لم يقس ذلك لأن العمد أعظم من أن يُكَفَّر والله أعلم. وكقياس الآكل في رمضان على المجامع في وجوب الكفارة.
ومن فروعها: القياس في الأسباب والشروط.
اختلف العلماء في إجراء القياس في الأسباب والشروط على قولين: فذهب الجمهور إلى إجراء القياس في الأسباب والشروط (2). وذهب الحنفية إلى أنه لا يصح
ذلك.
(1) سورة الطلاق، الآية: 7.
(2) انظر الأحكام للآمدي 54/ 4 والذخيرة للقرافي ص 166 وتيسير التحرير 103/ 4 والمنخول بتحقيق د.
هيتو ص 385 والعضد على ابن الحاجب 254/ 2.
332 - 332 (1/332)
صفحة 320
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
مثال القياس في الأسباب القتل بالمثقل قياساً على القتل بالمحدد، وقياس اللواط
على الزنا في كونه سبباً في وجوب الحد، وهذا قياس في الأسباب. ومثال القياس في الشروط كاشتراط النية في الحج قياساً على اشتراطها في الصلاة. ونحو ذلك.
الترجيح: ما ذهب إليه الجمهور أرجح وقد عمل من الحنفية أبو يوسف ومحمد حيث ذهبا إلى قياس حد اللائط على الزاني وتطبيق حد الزنا على اللواط لتحقق نفس العلة وإن تخلفت الحكمة في بعض الوجوه.
[15] [إذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي في غسل الحائض وفي مواضع كثيرة من معارج الآمال قال رحمه الله: وإنما لا يجوز لها الصلاة إلا بغسل الجسد لأن: جميع تعميم الغسل شرط لصحة الصلاة فإذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط (2).
شرح القاعدة وفروعها:
هذه القاعدة كما قلت تتحدث عن الشرط الذي هو أحد مقدمة الواجب مثل السبب لأن الواجب قد يتوقف على السبب كزوال الشمس عن كبد السماء، وقد يتوقف على الشرط كالوضوء للصلاة والغسل من الجنابة لها أيضاً، وقد يتوقف الواجب كالزكاة فإنها تتوقف على ملك النصاب وحولان الحول، فكل من السبب
عليهما
معاً
والشرط يصبح
واجباً.
وهذا معنى القاعدة إذا لم يوجد الشرط لم يوجد المشروط كالوضوء للصلاة والغسل من الجنابة، ودخول الوقت للصلاة، واستقبال القبلة، والصلاة على أرض
طاهرة وبثوب طاهر.
(1) معارج الآمال للسالمي 63/ 2. (2) معارج الآمال للسالمي 63/ 2.
333
-
333 (1/333)
صفحة 321
اجتهادات الإمام السالمي
[16] [إذا ورد أمر مطلق ثم ورد النهي عن فعله في وقت مخصوص فمراعاة الأمر في محله ومراعاة النهي في وقته] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله.
معنى القاعدة:
ومعنى
هذه القاعدة إذا ورد الأمر المطلق بشيء ثم نهينا عن فعله في وقت مخصوص فيحمل الأمر على وقت ومحل غير وقت النهي ومحله فينتفي التعارض. فروع القاعدة:
من فروعها: الصلاة هي خير موضوع وقد نهينا عن فعلها في أوقات مخصوصة فالأمر إنما هو في وقته والنهي يكون في وقته وليس لأحد أن يصلي في وقت نهى الشارع عنه في ذلك الوقت لئلا يفوته فضل تلك النافلة (2)
ومنها: السواك أمرنا به أمراً مطلقاً
تم
نهينا عن استعماله في وقت مخصوص
کرمضان مثلاً، فالأمر يراعى في محله الذي يخالف وقت النهي فيستاك في عموم الأوقات إلا ما ورد النهي فيه فيراعى وقت النهي وهو رمضان مثلاً فلا يتسوك فيه. فيكون قد راعى الأمر في وقت لا يعارض وقت النهي، لأن الأمر والنهي لم يتواردا على محل واحد وفي زمن واحد.
ومنها: أنا أُمرنا بالصلاة مطلقاً ثم ورد النهي عن الصلاة في المقبرة وفي المجزرة وفي مرابض الإبل وفي قارعة الطريق فيراعى الأمر بالصلاة في غير هذه المواضع، ثم يراعى النهي عن الصلاة في هذه المواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها.
[17] [إذا وقع الإجمال ثبت الاحتمال] (3)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن تاريخ
(1) معارج الآمال 283/ 1.
(2) معارج الآمال 283/ 1 (3) معارج الآمال 285/ 4.
334 - 334 (1/334)
صفحة 322
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فرض الصلاة هل فرضت قبل الهجرة أو بعدها قال: واحتج القائلون بأنها نزلت قبل الهجرة بآيتين احداهما قوله تعالى: {فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتُوا الزَّكَوة (1) والثانية قوله تعالى: وَآتُوا حَقَهُ يَوْمَ حَصَادِهِ (2) إلى أن قال: إن ورود الآية المدنية لا يمنع كونها واجبة بمكة أيضاً لأنه قد ينزل في الشيء الواحد آيتان وثلاث وأكثر وقد يكون بعضها مجملاً وبعضها مبيناً كما هنا فإنها أجملت بمكة وبينت في المدينة. والجواب عن الثالث لا نزاع في الإجمال إذ لولاه لوجب القطع بمدلول النص
غير أن الإجمال إذا وقع ثبت الاحتمال (3).
معنى القاعدة:
أن الإجمال من عوارض الأدلة أو الدلالة فإذا عرض لدليل أو لفظ ثبت الاحتمال وهو عدم القطع في المراد منه، وإذا ثبت الاحتمال سقط منه، وإذا ثبت الاحتمال سقط به الاستدلال ووجب البحث عن المبين لهذا الإجمال.
فروع القاعدة:
من فروعها حكم ستر الوجه بعض العلماء يقولون إن الوجه عورة يجب ستره واستدلوا بقول الله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا (4)، قالوا: هو الثياب، أو ما كشفته الريح، أو ما ظهر منها بغير قصد. وبعضهم يقولون إن الوجه ليس بعورة ويستدلون بالآية نفسها ويقولون: إن ما ظهر منها هو الوجه والكفان، فالآية مجملة وإذا وقع الإجمال ثبت الاحتمال وبطل به الاستدلال.
ومنها: لفظ القرء، بعض العلماء قال هو الحيض واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت أبي حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، وترك الصلاة دليل على أن المراد به
الحيض.
وذهب فريق إلى أنه الطهر واستدلوا بقول الشاعر:
(1) سورة الحج، الآية: 78. (2) سورة الأنعام، الآية: 141. (3) معارج الآمال 285/ 4. (4) سورة النور، الآية: 31
335 - 33 (1/335)
صفحة 323
اجتهادات الإمام السالمي
أفي كل يوم أنت جاشم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا مورثة مالاً وفي الحي رفعة لما ضاع فيها من قروء نسائكا أي أطهارهن بسبب الغزو. فاللفظ مشترك لفظي وهو من أسباب الإجمال، فالقرء مجمل وإذا وقع الإجمال ثبت الاحتمال والكلام في هذه المسألة طويل لا تحتمله هذه الدراسة المختصرة.
ومنها خلافهم في قتل المسلم بالكافر، فمذهب الشافعي أن المسلم لا يقتل بالكافر واستدلوا بقوله: (لا يقتل مسلم بكافر (1). وقال أبو حنيفة: يقتل المسلم بالكافر وحمل الحديث على أن المراد بالكافر الحربي، ولفظ الكافر يحتمل الذمي والحربي، فاللفظ مجمل، وإذا وقع الإجمال ثبت الاحتمال هكذا قيل.
ومنها: اختلافهم في التوارث بين المسلم والكافر. فالجمهور أنه لا توارث مع اختلاف الدين، فالمسلم لا يرث الكافر والعكس صحيح.
وذهب البعض إلى تأويل الكافر بالحربي فوقع الإجمال فثبت الاحتمال، وممن تأول هذا التأويل معاذ بن جبل، ومعاوية، وإسحاق بن راهويه، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن الحنفية، ومسروق، وهو اختيار ابن تيمية وابن القيم
(2)
[18] [الاقتداء بآداب رسول الله أولى وأفضل وإن لم يكن ذلك واجباً] (3) هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه رحمه الله في معرض كلامه عن الاستئذان أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن والأيسر فيقول: السلام عليكم، وذلك لأن الدور لم يكن عليها حينئذ ستور وهذا كله كمال في الأدب، وزيادة في الفضل وإلا وقف حيث
قال: «وروي
(1) صحيح البخاري، باب لا يقتل المسلم بالكافر، (6517)، 2534/ 6.
(2) أحكام أهل الذمة لابن القيم 853/ 2.
(3) معارج الآمال 482/ 1.
336 - 336 (1/336)
صفحة 324
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
لا يؤذي أحداً من أهل البيت ولا يسبق نظره استئذانه أجزأه ذلك إن شاء الله تعالى والاقتداء بآداب رسول الله أولى وأفضل وإن لم يكن ذلك واجباً (1).
فروع القاعدة:
من فروعها: وقوف المستأذن عن جانب الباب الأيمن أو الأيسر.
ومنها: الأكل باليد اليمنى، فالاقتداء به في آدابه أولى وأفضل. ومنها: أن يأكل مما يليه فإنه أدب من آداب الطعام.
ومنها: التيامن في جميع الشؤون لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيامن ما استطاع في جميع شؤونه، في تنظيفه وترجله وتنعله فيقدم اليمنى في جميع شؤون الحياة. ومنها: الاقتداء برسول الله الله في آداب زيارة المريض من التخفيف وإدخال
السرور على المريض بطلب الشفاء له.
[19] [أقل الجمع ثلاثة] (2)
هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض الاستدلال للشافعي في أن الواجب تفريق الزكاة في الأصناف التي سمى الله تعالى، قال الشافعي رحمه الله: ولا بد في كل صنف من ثلاثة لأن أقل الجمع ثلاثة (3).
مذاهب العلماء في هذه القاعدة:
اختلف الأصوليون في أقل الجمع على مذاهب عدة:
المذهب الأول: أن أقله اثنان وهو المروي عن عمر وزيد بن ثابت وهو مذهب الأشعري وابن الماجشون وهو مذهب أبي بكر الباقلاني وهو مذهب بعض أئمة النحو منهم الخليل وسيبويه ونفطويه وثعلب وقد روي عنه الاثنان جماعة.
(1) معارج الآمال 482/ 1. (2) معارج الآمال 0774/ 4 (3) معارج الآمال 0774/ 4
337 - 337 (1/337)
صفحة 325
اجتهادات الإمام السالمي
المذهب الثاني: أن أقله ثلاثة. وبه قال ابن عباس وعثمان وهو ظاهر نص الشافعي في الرسالة ونقله عبد الوهاب عن مالك ونقله أبو الخطاب من الحنابلة عن أحمد بن حنبل وحكاه سليم الرازي عن غالب المعتزلة وهو محكي عن أبي حنيفة
نص
أيضاً.
وقال القفال في أصوله: أقل الجمع ثلاثة ولهذا جعل الشافعي أقل ما يعطى من
الفقراء والمساكين ثلاثة وقال في الوصية: للفقراء أن أقلهم ثلاثة.
المذهب الثالث: الوقف وهو محكي عن الآمدي.
،
المذهب الرابع: أن أقله واحد ومثل له بقوله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ لَحَفِظُونَ (1) وقد تقول العرب للواحد افعلا افعلوا، ومثل له ابن فارس بقول الله تعالى: {وَإِنَّا لَهُ تحفظون (2) وهو واحد بدليل قوله تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَنَ} (3). وقال الزمخشري في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (4) المراد بالمرسلين نوح. وذكر المازري أن القاضي أبا بكر صحح الاتفاق على أنه مجاز.
الترجيح:
والراجح ما ذهب إليه أئمة النحو ومنهم الشافعي أن أقل الجمع ثلاثة، أما من قال بالاثنين فإنه من الاجتماع وليس من قبيل العدد، وأما من قال إنه يرد إلى الواحد فهذا من حيث الاستعمال جائز ومآله أن يكون مجازاً والكلام فيما يدل عليه حقيقة وليس مجازاً، فاستعماله مجازاً خارج عن محل النزاع.
فروع القاعدة:
من فروعها: أنه إذا أقر بدراهم قبل تفسيره بثلاثة دراهم لأنها أقل الجمع (5).
(1) سورة الحجر، الآية: 9.
(2) سورة النمل، الآية: 35. (3) سورة النمل، الآية: 36.
(4) سورة الشعراء، الآية: 105. (5) البحر المحيط باختصار 293/ 2
338 - 338 (1/338)
صفحة 326
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومنها: من أوصى للفقراء والمساكين كان أقله ثلاثة.
ومنها: صحة صلاة الجمعة بثلاثة.
ومنها: من قال: علي عهود الله، أنها ثلاثة.
[20] [الأمر بما لا يستطاع محال] (1)
الله هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه في معرض معرض كلامه عن المرض المانع من استعمال الماء قال رحمه الله: «المذهب الثالث أنه يغسل وليس عليه يخاطب بالفرض لوجود العلة فيه لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْم (2): (وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم (3)، والأمر بما لا يستطاع
تيمم
لأنه
ده
محال» (4)
دليل القاعدة:
ودليل هذه القاعدة قوله تعالى: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (5).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: إذا أصاب بعض جوارح الوضوء مرض فيها ثلاثة
مذاهب:
المذهب الأول: أنه يغسل الأعضاء الصحيحة ويمسح على العضو العليل وهو
المعمول به عند فقهاء الإباضية كما قال محشي الإيضاح (6). المذهب الثاني: أنه يغسل ويتمم لأن كل عضو قد انفرد بفرضه.
(1) معارج الآمال 0787/ 1 (2) سورة التغابن، الآية: 16.
(3)
صحيح البخاري، باب الاقتداء بسنن رسول الله، (6858)، 2658/ 6، وصحيح مسلم، باب فرض
الحج مرة في العمر (3321) 4/ 102.
(4) معارج الآمال 0787/ 1 (5) سورة البقرة، الآية: 286.
(7) الايضاح 271/ 1.
339 - 339 (1/339)
صفحة 327
اجتهادات الإمام السالمي
المذهب الثالث: أنه يغسل وليس عليه تيمم لأنه لم يخاطب بالفرض لوجود العلة فيه لقوله تعالى: فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، والأمر بما لا يستطاع محال. فهذا القول أقرب إلى التفريع على القاعدة، لكن الأول أقرب إلى الصواب لأن علياً له انكسر إحدى زنديه فسأل النبي أن يمسح على الجبائر فقال: نعم.
ومن فروع القاعدة: الواجب المخيّر على قول من يقول إن الواجب معيَّن عند الله غير معيّن عندنا خلافاً لمذهب الجمهور القائل: إن الواجب المخير هو فعل أمر مبهم من أمور معينة كخصال الكفارة وهي الاعتاق أو الاطعام، أو الكسوة، فأي خصلة فعل سقط عنه الوجوب وإن فعل الجميع أثيب على واحد لا بعينه ثواب الواجب، وعلى الباقي ثواب النفل. أما قول المعتزلة معين عند الله
•
مبهم
عندنا فهو
مذهب باطل لأنه يؤول إلى كونه أمراً بما لا يستطاع وهو لا يصح. ومنها: أن الله لما أمر المؤمنين بقوله: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَائِهِ (1) عَظُمَ ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فنسخه الله بقوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ، لأن الله ل لا يأمر بما
لا يستطاع.
ومنها: أن الله تعالى لما أوجب على المؤمنين ثبات الواحد للعشرة، شق ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فنسخ الله ذلك بقوله: السَّنَ خَفَّفَ الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن مِّنكُم مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِاتَنَيْنِ))
(2)
[21] [التعليل بالإمكان في القدرة غير مستقيم بل المستقيم التعليل بالإمكان في العادة] (3)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن طلب الماء بعد دخول الوقت. قال رحمه الله رداً على من يعلل إمكان الشيء في قدرة الله مع إغفال ما جرت به العادة فكان الواجب على قياد هذا المذهب أن يلزمه الطلب مرة
(1) سورة آل عمران الآية: 102. (2) سورة الأنفال، الآية: 66. (3) معارج الآمال 622/ 1.
340 - 340 (1/340)
صفحة 328
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أخرى لامكان حدوث الماء في قدرة الله، بل كان الواجب عليه أن يلزمه حفر الأرض لامكان أن يجد الماء تحت الحفر بشير أو ذراع، أو ذراعين مما لا يشق على الحافر، فإن قدرة الله أن يوجد الماء في ذلك المكان القريب، فالتعليل بالإمكان في القدرة غير مستقيم بل المستقيم التعليل بالإمكان في العادة (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الأحكام المتعلقة بوجود أسبابها يجب أن يراعى في هذه الأسباب أن تكون أسباباً عادية جارية في الخلق بحكم العادة وليس أسباباً خارقة للعادة، فإن ذلك يصبح معجزة وليس قاعدة مطردة.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة أن المتيمم إذا وجب عليه طلب الماء اقتصر في الطلب والبحث في الأماكن التي جرت فيها العادة أن يوجد فيها الماء كالوديان وسفوح الجبال وممرات الأنهار ومهابط الطيور فإن الطيور عادة ما تهبط حول الماء لتشرب ونحو ذلك، فإن يئس من وجود الماء انتقل إلى الصعيد الطاهر ولا شيء عليه، وأما من يلزمه الكفارة على تركه معللاً بأن حدوث الماء في تلك الأمكنة جائز في قدرة الله، فإن جوابه أن التعليل بالقدرة لا يستقيم ولا ينضبط لأنه ربما لا يكتفى في البحث على ظاهر الأرض بل ربما يلزمه أن يحفر داخل الأرض لامكان وجود الماء في داخلها في قدرة الله أيضاً. ومن فروعها: أن التوكل على الله لا ينافي الأخذ بالأسباب العادية فإن رسول الله وهو سيد المتوكلين على الله كان يأخذ بالأسباب، فقد هاجر خفية واختبأ في غار ثور ولبس الدرع وقال يوم فتح مكة: اللهم عم أخبارنا عن قريش، مع قول الله له: هوياتها الرَّسُولُ بَلَغَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَغَتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ (2)، فقد أخذ بالأسباب العادية مع عصمة الله له من الناس فكيف بمن دونه
بمراحل؟!.
(1) معارج الآمال 622/ 1. (2) سورة المائدة، الآية: 67.
341 - 341 (1/341)
صفحة 329
اجتهادات الإمام السالمي
وكان يمكن أن يترك الأسباب ويعتل بقدرة الله على حفظه ومنع المشركين عنه، لو كان ذلك يستقيم في شرعه ودينه، فعلم قطعاً أن التعليل بالقدرة مع إغفال الأسباب
العادية غير مستقيم.
من ذلك: ما كان يفعله الصوفية إذا خرجوا إلى الحج خرجوا من غير زاد قائلين: نحن متوكلون على الله والله قادر على أن يجري علينا أرزاقنا من غير أسباب فهو مسبب الأسباب، فإذا قطعوا مراحل هلكوا من الجوع ووقعوا في زاد الحجاج فأنزل الله تعالى: وَتَزَوَّدُوا فَإِن خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى (1) أي ما تتقوون به على طاعة الله.
وقد
روي أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ناقته فقال: يا محمد أأعقل أو أتوكل؟ فقال: إعقل وتوكل (2). فجعل التوكل بعد عقل الناقة اعتماداً على الأسباب العادية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: تداووا عباد الله فما من داء إلا وأنزل الله دواء» (3)، ولم يترك التداوي اعتماداً على التوكل.
سبب
ومن فروعها أن من أراد الولد والذرية وجب عليه الزواج لأنه عادي لإنجاب الذرية لقول الله تعالى حكاية عن عباد الرحمن: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاما له (4) ولم ينتظروا قدرة الله أن الأولاد من غير زوجات، لأن ذلك من خوارق العادات التي لا تكون إلا في زمن
الأنبياء.
[22] [حتى لانتهاء الغاية] (5)
يهبهم
هذه قاعدة في العربية يتفرع عليها فروع فقهية كثيرة نص عليها السالمي في معرض كلامه عن التطهير بالخل قال: «وحجة المانعين من ذلك هي أنه لو كان الخل
(1) سورة البقرة، الآية: 197.
(2) رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه.
(3) صحيح ابن حبان كتاب الطب، (6061)، 426/ 13، ومسند أحمد (18951)، 0114/ 40
(4) سورة الفرقان، الآية: 74.
(0) معارج الآمال 730/ 1.
342 - 342 (1/342)
صفحة 330
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ونحوه من المائعات مزيلاً للخبث لكان طهوراً لأنه لا معنى للطهور إلا المطهر، ولو كان طهوراً لوجب أن يجوز به طهارة الحدث لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الطهور مواضعه (1)، وكلمة (حتى) لانتهاء الغاية فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور وانتهاء عدم القبول يكون بحصول القبول، فلو كان الخل طهوراً لحصل باستعماله قبول الصلاة وحيث لم يحصل علمنا أن الطهورية في الخبث أيضاً مختصة بالماء»
فروع المسألة:
من فروعها: أن العضد لا يدخل في الغسل في الوضوء لأن الله مد الغسل إلى المرافق والغاية لا تدخل في المغيا، وقيل: يدخل بناء على القول الثاني.
ومنها: إذا شرط العاقدان الخيار في البيع أو غيره مما يشرع فيه الخيار إلى الليل أو الغد لم يدخل الليل أو الغد في المدة بناء على المشهور من القاعدة. وقيل يدخل بناء على المذهب المرجوح، وسواء مد الغاية بحرف (إلى) أو (حتى). ومنها: أنه لا يدخل الكعبان في الوضوء لأنه غاية والغاية لا يدخل ما بعدها فيما
قبلها.
ومنها: لو حلف أنه لا يفعل ذلك حتى يوم الفطر فلما كان الفطر فعله هل يحنث؟ فيها أقوال تتخرج على هذه القاعدة، ومنها أنه لا يحنث بناء على الراجح من
القاعدة.
ومنها ما ذكره السالمي من أن الخل وما في معناه لا يزيل الخبث وقد تقدم
كلامه في بيان تنصيصه على القاعدة.
[23] [حرف «أو» يقتضي التخيير] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن إخراج
(1) رواه أبو داوود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه بمعناه، كتاب الصلاة باب صلاة من لا يقيم صلبه
في الركوع والسجود رقم 857 226/ 1.
(2) معارج الآمال 651/ 4.
343 - 343 (1/343)
صفحة 331
اجتهادات الإمام السالمي
•
الدقيق في صدقة الفطر قال رحمه الله: قال ابن التركماني من الحنفية جوز الشافعي إخراج الأرز والذرة والدخن إذا كانت غالب قوت أهل البلد وجوز الاقط مع أنه يتولد من الحيوان ولم يجوز الدقيق فإن عمل بظاهر الحديث فليست هذه الأشياء مذكورة فيه، ولا اعتبر فيه غالب القوت بل ذكر أشياء بخصوصها وإن اعتبر غالب القوت فالدقيق قوت غالب بل هو أسرع منفعة وأعجل إغناء للفقير عن المسألة ذلك في اليوم، ثم إن الشارع ذكر تلك الأشياء (بأو) المقتضية للتخيير فمقتضاه أنه لو كان غالب القوت الحنطة فأخرج شعيراً فإنه يجوز ومذهب الشافعي أنه لا يجوز» (1).
أصل القاعدة:
وأصل هذه القاعدة قول عبد الله بن عباس: كل شيء في القرآن (أو) فهو على التخيير، وكل شيء فيه (فإن لم) فالأول فالأول.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: خصال الكفارة في قوله تعالى: {وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أيمنكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدَتُمُ الْأَيْمَنَ فَكَفَرَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) (2). فالواجب واحد لا بعينه من هذه الخصال الثلاث فأي خصلة فعل فقد برئت ذمته وإن فعل الثلاث فقد حصل الامتثال بواحد غير معين
والباقي نفل.
(Y),
ومنها: فدية المحرم إذا حلق رأسه بسبب قمل أو نحوه من الهوام لقوله تعالى: و فمن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُك (3)، فهذه الخصال يجب واحد منها لا بعينه ويسمى هذا الواجب بالواجب المخيّر.
ومنها: صدقة الفطر تجب على التخيير صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير، أو نصف صاع من بر لحديث عبد الله بن عمر قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر أو
(1) معارج الآمال 651/ 4.
(2) سورة المائدة، الآية: 89 (3) سورة البقرة، الآية: 186.
344 - 344 (1/344)
صفحة 332
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال صدقة رمضان صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير فعدل الناس به نصف صاع من بر عن الحر والعبد والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين (1). وفي رواية: أو صاعاً من سلق أو زبيب (2).
أصله] (3) [24] [حكم المتواتر لا ينتقل عن
المتواتر هو ما نقله جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب وكان مستندهم الحس. والمراد بالقاعدة أن المتواتر لا ينتقل إلى المشهور ولا إلى الآحاد لأن السالمي رحمه الله ذكرها في معرض الرد على من أنكر عذاب القبر لتقادم الزمان حيث صار المتواتر في حكم الآحاد بانقطاع الرواة وتفرق الاجتماع، فقال تعقيباً على هذا القول: والجواب أن حكم المتواتر لا ينتقل عن أصله (4).
فروع القاعدة:
من فروعها عذاب القبر وسؤال منكر ونكير وما أشبه ذلك فحيث ثبت خبره بالتواتر فإن حكمه لا ينتقل عن أصله.
ومن فروعها: جميع الأخبار التي نقلت إلينا بالتواتر مثل هجرته من مكة إلى المدينة وبيعة المسلمين أبا بكر، في سقيفة بني ساعدة.
ومنها: حروب الردة وقتل مسيلمة الكذاب، وعزل عمر خالد بن الوليد لما كاد المسلمون يفتتنون به وتولية أبي عبيدة عامر بن الجراح مكانه، وسائر غزواته، ورسله إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام، وخبر طاعون عمواس وموت أبي عبيدة فيه. وخبر معركة الجمل، وصفين وغزو البرتغال لبلاد عمان وكذلك جهاد أهل عمان العظيم ضدهم ووقوفهم إلى جانب الدولة العثمانية في حرب الفرنجة الإيطاليين،
(1) رواه ابن ماجه باب صدقة الفطر برقم 1830، 586/ 1. (2) رواه النسائي عن ابن عمر بلفظ قريب باب السلف رقم 2516، 53/ 5.
(3) معارج الآمال 222/ 4.
(4) معارج الآمال 222/ 4.
345 - 345 (1/345)
صفحة 333
اجتهادات الإمام السالمي
كل هذه الأخبار المتواترة منذ زمن بعيد وإن ذهب رواتها فإنها تبقى متواترة ولا ينتقل
حكمها عن
أصله.
[25] [الحكم المعلل بعلة ينتهي بانتهاء علته] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن سقوط سهم المؤلفة قلوبهم قال رحمه الله: واختلف الحنفية في وجه سقوط هذا الصنف بعد النبي صلى الله عليه وسلم فمنهم من ارتكب النسخ ومنهم من قال هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته، قالوا وقد اتفق انتهاؤه بعد وفاته.
والمراد بالعلة العلة الغائية وهي الدفع لهم لإعزاز الدين وقد أعز الله الدين
فانتهت العلة فانتهى ترتيب الحكم وهو الإعزاز على الدفع الذي هو علته» (2) قلت: وما قاله السالمي يشعر بأن زوال الحكم بزوال علته الغائية ليس من قبيل النسخ وهو الحق. لأن الأصوليين اشترطوا في النسخ ألا يكون الحكم مقيداً ومغياً بوقت فلا يكون انقضاء وقته الذي قيد به نسخاً له (3).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: سهم المؤلفة قلوبهم لما كان بسبب ضعف الدين فإنه يسقط بسقوط سببه الذي هو الضعف. قال السالمي: لأن الله أغنى عنهم وأعز
الدين
(4)
ومن فروعها: إيقاف حد القطع بسبب المجاعة العامة كما حدث في عصر الفاروق عمر الله. فلما زالت المجاعة عاد الحكم.
شد
ومن فروعها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يضمن الصناع بل أوكلهم إلى دينهم وأمانتهم
(1) معارج الآمال 712/ 4. (2) معارج الآمال 712/ 4. (3) غاية المأمول ص 620. (4) معارج الآمال 712/ 4.
346 - 346 (1/346)
صفحة 334
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وكان يقول كما قال الله تعالى: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سبيل (1)، فلما ضعف الدين وقلت الأمانة وذهب الورع من قلوب الصناع قال عمر: لا يصلح الصناع إلا الضمان وهكذا زال الحكم بزوال علته.
ومن فروعها: أن النبي جاءه الناس وقالوا له: يا رسول الله سعر لنا، فقال:
(*)
إن الله هو الخافض الرافع المسعر وكان ذلك منه ركوناً إلى دين التجار، لكن لما ظهر الجشع والطمع في التجار أفتى علماء الشريعة في عصر الخلفاء بجواز
التسعير.
[26] [الخطأ والنسيان يرفعان الإثم والمؤاخذة لا نفس الواجب] (3) هذه قاعدة مهمة وهي متفرعة عن قاعدة أصولية خلافية وهي اختلافهم في عموم المُقْتَضَى والمراد بعموم المقتضى هو أن اللازم الاقتضائي المقدر في قول الرسول: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» (4)، هل هو إثم الخطأ فقط، أو الإثم والحكم معاً؟.
،
فالذي ذهب إليه الشافعي وجمهور أهل الأصول هو أن للمقتضى عموماً، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «رفع عن أمتي الخطأ» شامل للاثم والحكم. فمن نسي شيئاً من الدراهم ثم تذكرها بعد أن استفاد مالاً جديداً هل تجب عليه الزكاة؟ فقيل: لا زكاة عليه في الفائدة لأنه يغتفر للناسي ما لا يغتفر للمتهاون.
وقيل: يجب عليه إخراج الزكاة، لأن النسيان سبب لرفع الإثم والحرج لا لرفع نفس الواجب نص عليه السالمي وهو مقتضى مذهب الحنفية الذين لم يقولوا بعموم المقتضى حيث حملوا الحديث على رفع الإثم والمؤاخذة وليس على رفع الحكم وهو
الواجب هنا.
(1) سورة التوبة، الآية: 91.
(2) سنن أبي داوود 286/ 3، سنن ابن ماجه 741/ 2، سنن الترمذي 605/ 3، مسند أحمد (12927)،
ET./YT
(3) معارج الآمال 382/ 4.
(4) تقدم تخريجه.
347 - 347 (1/347)
صفحة 335
اجتهادات الإمام السالمي فروع القاعدة:
من فروعها: أن من نسي زكاة بعض من دراهمه ثم استفاد مالاً ثم تذكر، وجب عليه زكاة ما نسي من ماله لأن الخطأ والنسيان سببان لرفع الإثم والحرج لا لرفع نفس
الواجب.
ومنها: أن من نام عن صلاة أو نسيها ثم تذكرها بعد ذلك فعليه قضاؤها. وأما حديث رفع عن أمتي الخطأ. فالمرفوع هنا هو الإثم والمؤاخذة وليس نفس الحكم. وهكذا يكون الخطأ والنسيان سببين معتبرين في رفع الإثم في جميع حقوق الله تعالى، وليسا سببين في رفع نفس الحقوق، وفي حقوق العباد من باب أولى.
ومنها: من نسي حقاً كدين أو نفقة أو إرث أو وصية أو نحو ذلك، فإن النسيان
يحتمل أن يكون عذراً في رفع الإثم والمؤاخذة لا في رفع هذه الحقوق نفسها. ومنها: إذا نسي قراءة الفاتحة بطلت صلاته وعليه الإعادة إذا تذكر لأن النسيان عذر في رفع الإثم والحرج وليس عذراً في رفع نفس الواجب، وهكذا يقال في جميع أركان الصلاة.
[27] [الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة الفعلية] (1)
هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي في معرض تقرير دليل داوود الظاهري على وجوب الوضوء عند القيام إلى الصلاة حيث إن مذهبه وجوب الوضوء رحمه الله: والراجح أن دلالة القرآن على قولنا لفظية ودلالة الخبر الذي رويتم على قولكم فعلية والدلالة القولية أقوى من الدلالة
لكل صلاة وهو
مذهب مرجوح
قال
الفعلية (2).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة ما ذهب إليه المالكية والشافعية من أن المحرم لا يتزوج:
(1) معارج الآمال 308/ 1.
(2) معارج الآمال 308/ 1.
348
- 348 (1/348)
صفحة 336
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ولا يزوج واحتجوا بحديث أبان بن عثمان الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا ينكح المحرم ولا يُنكِحُ ولا يخطب (1).
وذهب أبو حنيفة إلى جواز ذلك واحتج بحديث عبد الله بن عباس أن النبي
(2)
تزوج ميمونة وهو محرم إلا أن العلماء قدموا القول على الفعل لأن الدلالة اللفظية أقوى من الدلالة
الفعلية.
ومنها: ما ذهب إليه بعض فقهاء الإباضية وغيرهم من أن من أصبح جنباً فلا صوم له واحتجوا بحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أصبح جنباً فلا صوم له (3)، وقدموه على حديث عائشة وأم سلمة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصبح جنباً من جماع غير احتلام ثم يصوم» (4)، لأن حديث أبي هريرة دلالته لفظية وحديث عائشة وأم سلمة دلالته فعلية، فتقدم الدلالة اللفظية.
وقد سلك الجمهور مسلكاً آخر فقالوا بتقديم حديث عائشة وأم سلمة لأنهما أكثر
صحبة من أبي هريرة وأعلم بما يدوم وبما ينسخ من السنن (5).
ومنها: النهي عن مجالسة المجذوم لقول الرسول الله: «وفر من المجذوم كما تفر من الأسد (6)، وقدموا هذه الرواية على الفعل الذي رواه جابر قال: «إن النبي أكل مع مجذوم وقال كل ثقة بالله وتوكلاً عليه (7)، وقالوا: إن دلالة اللفظ أقوى من دلالة
الفعل.
(1) صحيح مسلم، باب تحريم نكاح المحرم، (3512)، 136/ 4. صحيح البخاري، باب تزويج المحرم، (1740)، 652/ 2، صحيح مسلم، باب تحريم نكاح
(2)
المحرم، (3517)، 137/ 4. (3) مسند أحمد، (26253)، 362/ 55.
53
(4)
صحيح مسلم، باب صحة صوم من طلع عليه. (2650)،،143/ 7، موطأ مالك، باب ما جاء في صيام الذي. . . (645)، (352/ 2، مسند أحمد، (27424)، 37/ 58. (5) غاية المأمول ص 659.
(6) رواه ابن ماجه في كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة، 1170/ 2، حديث 3539. (7) أخرجه أبو داوود في الطب باب الطيرة 24، 239/ 4، حديث 3925.
349 - 349 (1/349)
صفحة 337
اجتهادات الإمام السالمي
[28] [الزيادة على النص ليست نسخاً له] (1)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي في معرض كلامه عن النية في الوضوء قال رحمه الله: احتج أبو حنيفة ومن قال بقوله بأنه تعالى أوجب غسل الأعضاء ولم يوجب النية فيها، فإيجاب النية زيادة على النص والزيادة على النص نسخ، ونسخ القرآن بخبر الواحد وبالقياس لا يجوز. قلنا: لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ للنص وإنما هي كالحكم المستقل كما حققناه في موضعه (2).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة هو أنه إذا ورد نص من القرآن الكريم ثم ورد حديث من أحاديث الآحاد وقد زاد هذا الحديث شرطاً أو ركناً أو فرضاً على النص القرآني، فهذه الزيادة عند الحنفية نسخ للنص من جهة المعنى، ووجهوا قولهم هذا بأن النسخ بيان انتهاء حكم، وهذا المعنى موجود في الزيادة على النص فيكون نسخاً. وبيان ذلك أن الإطلاق معنى مقصود من الكلام وله حكم معلوم وهو الخروج عن العهدة بالإتيان بما يطلق عليه الاسم من غير نظر إلى قيد والتقييد معنى آخر مقصود على مضادة المعنى الأول لأن التقييد إثبات القيد والإطلاق، رفعه، فإذا صار المطلق مقيداً فلا بد من انتهاء حكم الإطلاق بثبوت حكم التقييد لعدم إمكان الجمع بينهما للتنافي، فالأول يستلزم الجواز بدون القيد، والثاني يستلزم عدم الجواز بدونه، وإذا انتهى حكم الأول بالثاني كان الثاني ناسخاً للأول ضرورة (3).
وذهب الشافعية والمالكية والحنابلة والإباضية إلى أن الزيادة على النص ليست
نسخاً له، وإنما هي كالحكم المستقل
(1) معارج الآمال 310/ 1 و 387. (2) معارج الآمال 310/ 1 و 387.
(?)
(3) انظر كشف الأسرار عن أصول البزدوي 193/ 3 دار الكتاب العربي.
(4) انظر كتاب القاعدة الكلية إعمال الكلام أولى من إهماله وأثرها في الأصول للعبد الفقير إلى مولاه ص
422 طبعة أولى المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
350 - Yo. (1/350)
صفحة 338
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة وجوب النية كما هو مذهب الجمهور، وهو مذهب السادة الإباضية لأن النية ثبتت بالسنة وهي دليل مستقل الدلالة في إفادة الحكم وليس بينها وبين نص القرآن تنافٍ أو تعارض، فلماذا إلقاء العداوة بين الزائد والمزيد عليه وكلاهما من عند الله تعالى مع إمكان الجمع بينهما؟ والصلح خير!
ومن فروعها: تغريب الزاني. إذا زنى البكر جلد بكتاب الله وغُرّب بسنة رسول الله. وهو ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وخالف في ذلك الحنفية لأن التغريب زيادة على النص القرآني، وأما التغريب فهو تعزير يرى فيه الإمام رأيه.
قلتُ: والتعزير متروك لاجتهاد الإمام فإذا لم يعزره الإمام فبماذا يعتذر عن حديث رسول الله بأبي هو وأمي. والحديث صحيح رواه مسلم، وأبو داوود، والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد جعل الله لهن سبيلاً البكر بالبكر جلد مائة وتغريب سنة».
(1)
وقصة العسيف في البخاري ومسلم وفيها أن النبي غرب العسيف لما اعترف بالزنا، وقد غرب أبو بكر، وكذلك عمر وعثمان. هذا وسواء في التغريب الرجل والمرأة، غير أن مالكاً خصص حديث التغريب بحديث نهي المرأة عن السفر بغير محرم. والراجح ما ذهب إليه الجمهور لأننا لا نسلم أن الزيادة على النص نسخ له. ومن فروعها ترتيب الأعضاء في الوضوء الثابت بقوله: «ابدأوا بما بدأ الله به (2) الشامل بعمومه للوضوء ولأنه من دوام فعله لا فإنه لم يتوضأ إلا مرتباً، قالوا: الأدلة أن الله ذكر ممسوحاً بين مغسولات والعرب لا ترتكب هذا إلا لفائدة ومن والفائدة هنا هي وجوب الترتيب. وذهب الحنفية إلى القول بأن الترتيب سنة انطلاقاً من أن الزيادة على النص نسخ له (3). والراجح ما ذهب إليه الجمهور.
قاعدتهم وهي
(2)
(1) أنظر: الأم 134/ 6 والمغني 167/ 8، ونيل الأوطار 253/ 7 دار الجيل. صحيح مسلم، باب حجة النبي، (3009)، 39/ 3. ولفظه: ابدأ بما بدأ الله به. (3) معارج الآمال 387/ 1.
351 - Yol (1/351)
صفحة 339
اجتهادات الإمام السالمي
ومن فروعها: القضاء بالشاهد واليمين في الأموال. فمذهب الجمهور أنه يجوز القضاء بالشاهد واليمين في الأموال واستدلوا بحديث ابن عباس عند مسلم وأبي داوود، وابن ماجه وأحمد: قضى النبي صلى الله عليه وسلم بيمين وشاهد، وفي رواية لأحمد: «إنما كان ذلك في الأموال (1).
وعن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد الواحد (2).
وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يقضى في الأموال إلا بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين لقول الله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ و أمر أَنسَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إحْدَتهُما فَتُذَكَّرَ إِحْدَتْهُمَا الْأُخْرَى (3). وأما الأخبار الزائدة فمردودة لأنها زيادة على النص وهذا لا يصح.
والراجح ما ذهب إليه الجمهور.
[2] [الشاذ لا يعتد به] (4)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله قال: فهذا ما أجمعوا عليه، فما وجدت إلا خلافاً شاذاً في المذي والنوم، والشاذ لا يعتد به» (5).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الأحكام الشاذة عن إجماع الأمة أو عن أقاويل الثقات من علماء الأمة لا يعتد بها ولا تصلح في باب الفتوى.
فروع القاعدة:
من فروعها ما ذكره الإمام السالمي رحمه الله من قول بعض الشاذين بطهارة: المذي، وهذا شاذ لا يعول عليه.
(1) رواه مسلم في الأقضية برقم 1712 وابن ماجه برقم 2370 وأبو داوود في الأقضية برقم 3610. (2) أخرجه ابن ماجه برقم 2368 وأبو داوود في الأقضية برقم 3610.
(3) سورة البقرة، الآية: 282.
(4) معارج الآمال 419/ 1. (0) معارج الآمال 419/ 1.
352
- 352 (1/352)
صفحة 340
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن فروعها: فتوى الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بتحريم الذهب المحلق
حيث خالف فيها الإجماع، لذلك لا يعتد بقوله لأنه شاذ مخالف للإجماع. ومنها: فتوى الإمام ابن تيمية في تحريم شد الرحال إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وهي فتوى
شاذة لأنه خالف فيها الإجماع.
ومنها: فتواه في الطلاق الثلاث بكونه لا يقع إلا طلقة واحدة، فقد خالف قضاء عمر، فإن عمر بن الخطاب أمضاه ثلاثاً ووافقه الصحابة فكان إجماعاً على قضاء عمر، فمن خالف الإجماع فلا يعتد به.
ومنها: القول بعدم إخراج الزكاة في عروض التجارة وهو قول ابن حزم. ومن شواذ ابن حزم قوله في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه» (1). فقال: لا مانع من الطبخ فيه لأن المنهي عنه هو الغسل فلو استعمله في الطبخ أو الشرب لكان جائزاً. وقال أيضاً: لو أنه بال في قارورة ثم صبها في الماء الدائم صح الغسل به لأنه بال في القارورة وليس في الماء.
ومنها: قول الشافعي بجواز نكاح البنت ولو كانت مخلوقة من ماء زناة اعتماداً منه على قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر (2)، وهو شاذ لأن الأبضاع مبنية على الاحتياط والحرمة.
[30] [العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص] (3)
هذه القاعدة الأصولية نص عليها السالمي رحمه الله تعالى في معرض حديثه عن
المحرمات في سورة المائدة (4) وسورة البقرة (5).
(1) صحيح البخاري، باب البول في الماء الدائم، (239)، (420/ 1، صحيح مسلم، باب النهي عن البول في الماء الدائم، (682) 1/ 162.
(2) صحيح البخاري، باب تفسير المشبهات وغيره من الأبواب، (1948)، (724/ 2، صحيح مسلم، باب
الولد للفراش (171/ 43686
(3) معارج الآمال 295/ 2.
(ع) و حرمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخنزير ....... الآية: 1.
(0) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ
353 - 353 (1/353)
صفحة 341
اجتهادات الإمام السالمي
6
وقضية هاتين الآيتين أنهما حصرتا المحرم في هذه الأشياء من الدم ولحم الخنزير والمنخنقة والموقوذة والمتردية وما أكل السبع ومفهوم الحصر يعني حل ما سوى ذلك ومن جملتها الخمر فإنه غير مذكور في المحرمات، ويجاب عن ذلك كما قال السالمي رحمه الله: (وأما الخمر فإنها نجسة فيكون من الرجس فيدخل تحت قوله تعالي رجس» وتحت قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَيت (1)، وأيضاً ثبت تخصيصه بالنقل المتواتر من دين محمد صلى الله عليه وسلم في تحريمه وبقوله تعالى: فاجتنبوه (2) .. والعام المخصوص حجة في غير محل التخصيص» (3)
مذاهب الأصوليين في هذه القاعدة:
ذكر الإمام السالمي رحمه الله في كتابه طلعة الشمس «أن في كتابه طلعة الشمس «أن في المسألة إطلاقين وأربعة تقييدات.
أما الإطلاقان فهما أن العام المخصص حجة في الباقي بعد التخصيص وهو قول
الجمهور.
والثاني: ليس بحجة مطلقاً وهو قول أبي ثور، وعيسى بن أبان.
وأما التقييدات الأربعة فأحدها: أنه حجة إن أنبأ لفظ العموم عن المخصص
قبل التخصيص وهو قول أبي عبد الله البصري وضعفه صاحب المنهاج.
وثانيها: أنه حجة إذا خص بمتصل وهو قول البلخي ونسب صاحب المنهاج هذا القول لأبي الحسن الكرخي ومحمد بن شجاع لأنه يصير مع المخصص المنفصل مجملاً، واعترضه الإمام السالمي رحمه الله لأنه إذا علم قدر المخصص فلم يعد هناك
فرق بين المتصل والمنفصل.
وثالثها: إن كان قبل التخصيص لا يحتاج إلى بيان فهو حجة كالمشركين وإلا
(1) سورة الأعراف، الآية: 157. (2) سورة المائدة، الآية: 90. (3) معارج الآمال 2/ 295.
354 - Yo (1/354)
صفحة 342
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
فلا، نحو: {أَقِيمُوا الصَّلوة (1) لأنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الحائض، ولذا قال: «صلوا كما رأيتموني أصلي (2).
ولم يسلم السالمي رحمه الله بهذا الفرق لا سيما إذا علم منه المراد، أما إذا لم يعلم منه المراد فلا خلاف أنه مجمل.
:
رابعها أنه حجة في أقل الجمع خاصة ولم ينسب هذا إلى قائله. قال السالمي رحمه الله: والأصح من هذه الأقوال كلها هو القول الأول وهو أنه حجة في الباقي بعد التخصيص مطلقاً أي ما لم يخصص بمجمل (3)، وحجتنا على ذلك أن العام قبل التخصيص متناول لجميع أفراده، فإذا أخرج منه بعض الأفراد بدليل بقي متناولاً لما عدا ذلك المخرج، ولا يصح إلغاؤه بسبب ذلك الاخراج لأن إلغاءه بسبب ذلك إلغاء للفظ بلا دليل وهو تحكم» (4).
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: حل جميع بهيمة الأنعام إلا ما خص منها بقوله تعالى: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وما أكل السبع (0).
وإلا ما خصته السنة مثل تحريم كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير،
ويكون الباقي حجة في غير محل التخصيص.
ومنها: وجوب قتال المشركين إلا ما خصه الدليل منهم كالنساء والصبيان، والأجراء والمستأمنين بقول النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقتلوا امرأة ولا شيخاً ولا صبياً ولا عسيفاً ـ أي أجيراً (6). والعام إذا خص بقي حجة في غير محل التخصيص
(1) سورة الأنعام، الآية: 72.
(2)
صحيح ابن حبان باب الأذان، (1658)، (541/ 4، سنن الدارقطني، باب الاجتهاد في
القبلة، (1079) 181/ 3.
(3) المراد بالمخصص بالمجمل كما لو قال اقتلوا المشركين إلا بعضهم فيكون مجملاً. البحر المحيط 414/ 2. (4) انظر كتاب طلعة الشمس للسالمي /292/ 1 دار الرشد - بيروت.
(5) سورة المائدة، الآية: 3.
(6) تقدم تخريجه.
355 - Yoo (1/355)
صفحة 343
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: حرمة دخول البيوت بغير إذن إلا ما قام دليل تخصيصه كالبيوت المهجورة والفنادق بقوله تعالى: وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَعْ لكُر (1) وتبقى سائر البيوت على وجوب الاستئذان لأن العام المخصوص حجة في
غير محل التخصيص ومنها: تحريم بيع المعدوم إلا ما خصه الدليل والأصل في تحريم بيع المعدوم قول النبي: يا حكيم بن حزام لا تبع ما ليس عندك، وأما ما خصه الدليل فهو بيع السلف، أو السلم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: من أسلف فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم (2)، وحقيقة السلم بيع الإنسان ما ليس عنده لكنه أجيز للضرورة ويبقى ما عدا السلم على التحريم لأن العام المخصوص يبقى حجة في غير محل
التخصيص.
ومنها: حرمة الميتة إلا ما خصه الدليل كالسمك والجراد، والأصل في حرمة الميتة قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ. وأما المخصص فهو قوله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فالسمك والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» (3). وحكم العام أنه يبقى حجة في غير محل التخصيص. ويقال في مثل ذلك في تحريم الدم مع ما يخصصه منه الحديث السابق في الكبد والطحال.
ومن فروعها: أنه لا يجوز شرعاً شد الرحال إلى مسجد من مساجد الأرض إلا ما قام الدليل على تخصيصه وهي المساجد الثلاثة: المسجد الحرام، ومسجد النبي والمسجد الأقصى ويبقى العام في الباقي بعد التخصيص حجة قاطعة. ولذلك قال الفقهاء: لو نذر أن يقصد مسجداً للصلاة فيه غير المساجد الثلاثة لا يجب الوفاء بنذره بل يصلي في مسجد بلدته القريب لأن في قصد مسجد بأعمال المطي هجراً
(1) سورة النور، الآية: 29.
(2) صحيح البخاري، باب السلم في وزن معلوم، (2125)، (781/ 2، صحيح مسلم، باب السلم، (4202) 5/ 55.
(3) سنن البيهقي، باب في الجراد 8/ 283، سنن ابن ماجه باب الكبد والطحال، (3439)، 189/ 10،
مسند أحمد، (5856) 12/ 384
356 356 - (1/356)
صفحة 344
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
للمسجد القريب منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ...
والنفي يفيد التحريم كالنهي.
ومن فروعها وجوب الترتيب في الوضوء وفي السعي بين الصفا والمروة لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ابدأوا بما بدأ الله به. وهذا وإن ورد في الصفا والمروة إلا أن العبرة اللفظ لا بخصوص السبب. أقصى ما في الباب أنه مخصوص في بعض الصور
بعموم
(1)
لكن العام حجة في غير محل التخصيص ا، وحجته قاطعة لأنه يبعد تخصيصه مرة
ثانية.
ومنها: أن المطلقة تتربص بنفسها ثلاثة قروء، وخص منها الحوامل فتعتد بوضع الحمل بقوله تعالى: {وَأُوَلَتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمَلَهُنَّ) (2) ويبقى العموم حجة في الباقي بعد التخصيص فتكون عدة الحائل ثلاثة قروء بطريق القطع.
ومنها تحريم السبق أو السباق لقوله: «لا سبق إلا في خف أو نصل، أو حافر (3) و (سبق) نكرة في سياق النفي فهو عام، وقد خص منه السبق في الخف، والنصل، والحافر، وبقي السائر على حكم التحريم وهل يقاس ما له عجلة على ما له حافر ويخرج من العموم، فقد يرد ذلك عند من يقول بتخصيص العام بالقياس وهي
مسألة خلافية.
[32] [العرب تعقل بالمطلق ما لا تعقله بالمقيد] (4)
هذه القاعدة نص عليها السالمي رحمه الله تعالى قال وهو يتحدث عن الوضوء بالماء إذا خالطه الزعفران: وسبب الخلاف هل يتناوله اسم الماء المطلق أم لا؟ لأن الوضوء لا يكون إلا بالماء المطلق والعرب تعقل بالمطلق ما لا تعقله بالمقيد».
(1) معارج الآمال 385/ 1. (2) سورة الطلاق، الآية: 4.
(3) سنن البيهقي، باب السبق والرمي 413/ 8، سنن أبي داوود، باب في السبق، (2576)، 334/ 2، سنن ابن ماجه باب السبق والرهان، (2878)، 2/ 960، سنن النسائي باب السبق، (3589)، 227/ 6، صحيح ابن حبان باب السبق، (4690، 544/ 10، مسند أحمد، (7691)، 222/ 16. (4) معارج الآمال 725/ 1.
357 - Yov (1/357)
صفحة 345
اجتهادات الإمام السالمي
شرح المفردات:
المطلق: لغة ما عري عن القيد.
واصطلاحاً: عرَّفه الأصوليون بتعريفات متعددة تفيد كلها بأن المطلق دلالة اللفظ على الحقيقة من حيث هي بأن يدل على مدلول منتشر في جنسه غير مقيد بأي قيد يحد من انتشاره.
وعرَّفه الآمدي بأنه اللفظ الدال على مدلول شائع في جنسه (1).
ومثله لابن الحاجب (3)، وعرفه صاحب جمع الجوامع بأنه الدال على الماهية بلا قيد. فهذه التعريفات تؤدي معنى واحداً وهو أنه «اللفظ الدال على مدلول شائع في
جنسه».
وأما المقيد فهو لفظ يدل على ماهية موصوفة بما يقلل من شيوعها، وانتشارها، ولذلك عرفه ابن عبد الشكور بأنه ما خرج عن الانتشار بوجه من الوجوه (3).
معنى القاعدة:
ولكي نتصور معنى هذه القاعدة فإنا نقول: المطلق يفيد معنى من المعاني، والمقيد يفيد معنى آخر زائداً على معنى المطلق بوصف أو قيد بحيث أن أهل اللغة يعقلون من المطلق ما لا يعقلونه من المقيد بحيث يرون أن المطلق دليل وأن المقيد دليل آخر ولكل منهما دلالة مستقلة.
فروع القاعدة:
أن الماء المطلق يجوز به التطهير لقوله تعالى: وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
(4)
(1) الأحكام للآمدي 3/ 3 محمد علي صبيح ومؤسسة النور. (2) شرح مختصر ابن الحاجب 155/ 2 مكتبة الكليات الأزهرية. (3) مسلم الثبوت 360/ 1 المطبعة الأميرية ببولاق. (4) سورة الفرقان، الآية: 48.
358 - TOA (1/358)
صفحة 346
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
أما الماء المقيد فلا يصح التطهير به لأن الله ذكر الماء الصالح للتطهير مطلقاً والعرب تعقل من المطلق ما لا تعقله من المقيد.
ومن فروعها: تحريم الدم فقد ورد تحريمه بإطلاق في قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ. . (1) ثم ورد تقييده بكونه مسفوحاً في قوله تعالى: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْنَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحا (2)، والعرب تعقل من المطلق ما لا تعقله من المقيد، فيحمل المطلق على المقيد لأن المقيد دليل آخر غير المطلق ولكل منهما معنى مستقل، وفي حمل المطلق على المقيد إعمال للدليلين معاً وهو أولى من إعمال أحدهما وإهمال الآخر.
ومنها: أنه
يجب في إعتاق الرقبة في كفارة الظهار أن تكون مؤمنة حملاً للمطلق في آية الظهار على المقيد في كفارة القتل الخطأ، لأن المقيد غير المطلق، والعرب تعقل من أحدهما ما لا تعقله من الآخر، وفي حمل المطلق على المقيد عمل
بالدليلين.
(?)
ومنها: أن الشهود تشترط منهم العدالة حملاً للمطلق في قوله تعالى: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُم لله (3) على المقيد في قوله تعالى: {وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنكُر) (4)، وهذا ما يعقل من ورود المطلق المقيد. والأمثلة كثيرة.
[33] [العطف يقتضي المغايرة] (5)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي في مواضع منها في معرض كلامه عن إثبات أن الفقير والمسكين صنفان متغايران قال رحمه الله: «الله أعلم أن الناس في معنى الفقير والمسكين صنفان ومنهم من فرق بينهما ومنهم من قال إنهما اسمان لمعنى
(1) سورة المائدة، الآية: 3. (2) سورة الأنعام، الآية: 145. (3) سورة البقرة، الآية: 282.
(4) سورة الطلاق، الآية: 2. (0) معارج الآمال 695/ 4.
359 - Yoq (1/359)
صفحة 347
اجتهادات الإمام السالمي
واحد، فالفقير هو المسكين والمسكين هو الفقير ورد بأن ظاهر العطف يقتضي
المغايرة» (1).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الشيء لا يمكن عطفه على نفسه لأن ذلك عي ولكنة فاقتضى ذلك أن يكون المعطوف غير المعطوف عليه.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة أن المسكين غير الفقير لأن الله عطف أحدهما على الآخر، والعطف يقتضي المغايرة، قالوا: فالفقير من لا يملك إلا قوت يومه والمسكين من يملك مالاً لكن لا يكفيه، وقيل غير ذلك، لكنهما مختلفان قطعاً لأن ظاهر العطف
يقتضي المغايرة.
ومن فروعها: اختلاف الفقهاء في المعدن والركاز والكنز، فمذهب الحنفية أنها أسماء ثلاثة لمسمى واحد وذهبت الإباضية والمالكية والشافعية إلى تغاير هذه الأسماء فالركاز هو المدفون دفن الجاهلية والمعادن ما كان من النقدين، والكنز هو المدفون والمعدن جميعاً.
المال
قال السالمي رحمه الله: والحجة لنا حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العجماء جرحها جبار والبئر جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس» (2). وجه الدلالة عطف الركاز على المعدن يقتضي المغايرة.
ومنها: أن اسم الإيمان والإسلام بمعنى واحد إذا انفردا، لكن إذا عطف أحدهما على الآخر كقوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (3) فالمؤمنات غير المسلمات واسم الإيمان غير اسم الإسلام عند العطف.
(1) المرجع نفسه.
(2)
صحيح البخاري، باب في الركاز الخمس، (1428)، (545/ 2، صحيح مسلم، باب جرح
العجماء
والمعدن. . . (4562)، 127/ 5
(3) سورة الأحزاب الآية: 35.
360 - 360 (1/360)
صفحة 348
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن ذلك قوله تعالى: {وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (1)، فكتم الحق عدم البوح فيه. لكن تلبيسه بالباطل هو التصريح فيه مع تلبيسه
بالباطل، والتمويه والخداع والتحريف بدلالة العطف الذي يقتضي المغايرة. ومثال كتم الحق قول اليهود إن النبي محمداً ليس رسولاً من عند الله ولا توجد علاماته ودلائله في كتبهم، وأما تلبيسهم الحق بالباطل فقولهم إن محمداً رسول الله ولكنه أرسل إلى العرب خاصة أو إلى بني هاشم وإن رسالته لم تنسخ رسالة موسى، فقد أقروا بالحق لكن لبسوا فيه فظهر الفرق بين كتم الحق وبين التلبيس فيه والذي أرشدنا إلى ذلك العطف الذي يقتضي المغايرة.
[4] [العلة المركبة لا يثبت فيها الحكم الا باجتماع أجزائها] (2) هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي رحمه الله تعالى في معرض كلامه عن استعمال آنية الذهب، قال رحمه الله: «أما أولاً فإن العلة في تحريم ذلك شيئين: أحدهما عين النقدية في الذهب والفضة وثانيهما الخيلاء، فإذا ثبت الوصفان
مجموع
وهما العين والخيلاء ثبت الحكم الذي هو التحريم وإن اختل أحد الوصفين ارتفع الحكم، ومن ثم لو غشي إناء النقد بنحو نحاس حتى عمه جميعه حل استعماله لفوات العين فإن عين النقد مستورة لا ترى فقدح البللور الذي ذكره وسائر الأواني النفيسة المثمنة كالياقوت واللؤلؤ يحل استعمالها لانتفاء العين ولا نظر لوجود الخيلاء فيها، لأن الخيلاء جزء العلة لا جميعها فلا يكفي وحده في إثبات الحكم (3).
تعريف العلة المركبة:
وقبل بيان معنى التركيب في العلة لا بد من بيان معنى العلة البسيطة. العلة في اللغة: اسم لما يتغير الشيء بحصوله أخذاً من علة المريض لأن تأثيرها
في الحكم كتأثير العلة في ذات المريض.
(1) سورة البقرة، الآية: 42.
(2) معارج الآمال 0750/ 1 (3) معارج الآمال 0750/ 1
361 - 361 (1/361)
صفحة 349
اجتهادات الإمام السالمي
وفي الاصطلاح: فقد عرَّفها الإمام الفخر الرازي واختاره البيضاوي بقوله: العلة هي الوصف الظاهر المنضبط المعرف للحكم
(1)
أما العلة المركبة: فهي العلة المؤلفة من جزأين فأكثر، فإذا كانت العلة مركبة فإن
هذا
الحكم الشرعي يتعلق بأجزاء العلة، فإذا سقط جزء منها سقطت كلها، ويسمى بالكسر وهو من قوادح العلة، وطريقة إسقاط هذا الجزء من العلة يكون ببيان المعترض بأنه ملغى بوجود الحكم عند انتفائه، فلو كان مؤثراً لانتفى بانتفائه (2).
فروع القاعدة:
من فروع هذا القاعدة: القتل العمد العدوان لمكافئ معصوم الدم. هذه علة مركبة من عدة أجزاء لتحقيق القود، فالقود وهو حكم شرعي معلل بعلة مركبة لا يثبت إلا بثبوت الأجزاء، فإذا تخلف جزء من العلة تخلف الحكم لأن الأجزاء الخمسة علة واحدة وليست عللاً خمسة كما يتوهم من ليس له دراية بهذا العلم.
فإذا تخلف الجزء الأول وهو العمدية يصبح خطأ أو شبه عمد، وإن كان المقتول غير مكافئ للقاتل فلا قود، وعدم المكافأة بأن يكون المقتول حربياً والقاتل مسلماً، وإن كان المقتول مهدور الدم بحرابة أو حد فلا، قود وهكذا لم يتحقق الحكم إلا باجتماع أجزاء العلة.
ومنها: أن
تحريم
استعمال أواني الذهب والفضة معلل بكونه نقداً وبكونه يستعمل خيلاء ومن ثم فلو غشي إناء النقد بنحو نحاس حتى عمه جميعه حل استعماله لفوات أحد جزئي العلة وهو العين، فإن عين النقد مستورة لا ترى، فالأواني النفيسة من غير الذهب والفضة لا يحرم استعمالها لانتفاء العين ووصف الخيلاء لا أثر له لأنه أحد أجزاء العلة فلا يكفي وحده لإثبات الحكم.
ومنها: أن الرق معلل بالكفر والحرابة فلو كان مسلماً خارجاً على الإمام الحق،
(1) شرح المنهاج للأسنوي ص 207. (2) غاية المأمول ص 380 للعبد الفقير.
362 - 362 (1/362)
صفحة 350
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أو أظهر الحرابة لا يضرب عليه الرق لأن أحد جزئي العلة وهو الكفر تخلف، فتخلف
معه الحكم.
[35] [الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط] (1) هذه القاعدة قول لبعض الحكماء وهي قاعدة كلية كبرى نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في أنواع الصدقة في معرض كلامه عما يبقيه من مال بعد قال: وقال الحكماء: الفضيلة بين طرفي الإفراط والتفريط.
معنى القاعدة:
الصدقة
ومعنى هذه القاعدة أن الدين يقوم على التوسط والاعتدال لا إفراط ولا تفريط في كل شيء من شرائع هذا الدين وشعائره. فروع القاعدة:
هذه القاعدة لها من الفروع ما لا يدخل تحت الحصر فهي قاعدة كلية كبرى انتظمت تحتها العقيدة، والعبادة والاقتصاد، والأخلاق، والسياسة.
فمن فروعها: التوسط بين عقيدة التشبيه والتعطيل، فبين المقامين فضيلة عظيمة.
(2)
ومنها: التوسط بين مقام الإثبات والنفي كما قال الذهبي وهو يتحدث عن الصفات. فبعد الإيمان بها مقامان مذمومان، المقام الأول المبالغة في إثباتها وتصورها وتشكلها في الذهن وهو مقام يؤدي إلى التشبيه والمقام الثاني المبالغة في نفيها وهو مقام يؤدي إلى التعطيل.
هذا المقام
ومنها: التوسط بين الجبر المطلق، والاختيار المطلق. فالعبد في ليس مجبراً الجبر المحض ولا مختاراً اختياراً محضاً، قال الراجز: وعندنا للعبد كسب كلفا به ولكن لم يؤتر فاعرفا فليس مجبوراً ولا مختاراً وليس كلا يفعل اختيارا
(1) معارج الآمال 314/ 4.
(2) شرح اعتقاد أهل السنة 98/ 1.
363 - 363 (1/363)
صفحة 351
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: العقيدة أيضاً التوسط بين العقل والنقل فلا نعطل العقل بتاتاً في مقام النصوص بل نتدبرها لأن الله تعالى قال: {إِنَّا جَعَلْتَهُ قُرْءَنَا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} (1) وقال: لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وقال: وأَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْء ان كم (2) ولا نعطل النقل ونخضعه للعقل بل يتواكب العقل مع النقل ويلتقيان في آصرة القربى فلا يبغي أحدهما على الآخر. أما فروعها في العبادة:
فمنها التوسط بين الخوف والرجاء فلا يبغي أحدهما على الآخر، قال تعالى في وصف المؤمنين: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ الله))
(r)
ومنها: التوسط بين الأسرار والجهر في الصلاة قال تعالى: وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَائِكَ ولا تخافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا (4).
ومنها: التوسط في القيام في الصلاة بين التطويل الممل أو التقصير المخل، لقوله صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ فمن أم الناس فليخفف فإن وراءه المريض والمسافر وذا
الحاجة» (5).
والخفيف محمول على التوسط بشهادة النصوص الأخرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم نفى
صلاة المسيء صلاته لما لم يطمئن بها. ومنها: التوسط في الموعظة لقول الصحابة: كان النبي لا يتخولنا في الموعظة في الأيام مخافة السآمة.
ومنها: التوسط في رفع الصوت بالدعاء والذكر لقوله لأصحابه لما رفعوا أصواتهم في الدعاء: اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون غائباً ولا أصماً» (1).
والعبادة كلها قائمة على التوسط والاعتدال وهي وسط بين الإفراط والتفريط.
(1) سورة يوسف، الآية: 2.
(2) سورة محمد، الآية: 24.
(3) سورة الإسراء، الآية: 57. (4) سورة الإسراء، الآية: 110.
(0)
صحيح ابن حبان، باب إعادة الصلاة، (2400)، 159/ 6، مسند أحمد، (14558)، 92/ 30. (1) صحيح البخاري، باب ما يكره من رفع الصوت، (2830)، 3/ 1091، وصحيح مسلم، باب استحباب خفض الصوت، (7037) 73/ 8.
364 - 364 (1/364)
صفحة 352
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن فروعها في المعاملة الزكاة فلا يستحب للإنسان أن يتصدق بجميع
يبقي لأهله شيئاً كي لا يتكففوا الناس.
ماله ويسن أن
ماله بل
يوصي
الثلث فإني
ومن فروعها في المعاملة أيضاً الوصية، فلا تجوز بجميع بالثلث ويندب التقليل عن الثلث لقول ابن عباس: لو أن الناس غضوا من سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الثلث كثير فإنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون (الناس) (1).
ومن فروعها في الاقتصاد التوسط بين التقتير والتبذير، لقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يدك مغلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا نَسُطها كُلَّ الْبَسْطِ فَنَقْعُدَ مَلُومًا تَحْسُورًا (2).
عسى
ومن فروعها في الآداب والأخلاق التوسط بين الحب والكره لقول النبي صلى الله عليه وسلم: أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما أن يكون حبيبك يوماً ما» (3).
ومنها: التوسط بين تقصير الثوب وتطويله.
ومنها: التوسط بين تطويل اللحية وتقصيرها وحدد الوسط بالقبضة. وهكذا لو استقرأنا موارد الشريعة كلها لرأيناها كلها قائمة على التوسط بين
الإفراط والتفريط.
[36] [قول الصحابي مقدم على القياس] (4)
هذه قاعدة أصولية ينبني عليها كثير من الفروع الفقهية، وقد نص عليها السالمي في مقدمة المعارج قال رحمه الله: وإجماع المسلمين حجة في الشرع وقول الصحابة
مقدم على القياس» (5)
(1)
صحيح البخاري، باب أن يترك ورثته أغنياء، (2591)، 1006/ 3، وصحيح مسلم، باب الوصية
بالثلث، (4296)، 41/ 5.
(2) سورة الإسراء، الآية: 29.
(3) سنن الترمذي، باب الاقتصاد في الحب والبغض، (1997)، 360/ 4.
(4) معارج الآمال 71/ 1.
(5) المرجع السابق.
365 - 365 (1/365)
صفحة 353
اجتهادات الإمام السالمي
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن قول الصحابي إذا عارض القياس فهو مقدم على القياس لأن مجيئه على خلاف القياس قرينة دالة على أنه سمعه من النبي، إذ لولا احتمال من النبي لجاء على وفق القياس لأن الصحابي مع علمه ودينه لا يخالف صريح
سماعه
المعقول إلا لصحيح المنقول.
فروع القاعدة:
من
من فروع هذه القاعدة ما ذكره الأسنوي في التمهيد وقد نص الشافعي في مواضع من الأم على أنه حجة ثم ذكر هذه النصوص معتبرها فروعاً على هذا الأصل. هذه النصوص قول الشافعي في كتاب اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى في باب الغصب إن عثمان قضى فيما إذا شرط البراءة من العيوب في الحيوان أن يبرأ قال: وهو الذي نذهب إليه وإنما ذهبنا إلى هذا تقليداً. هذا لفظه ثم صرح بأن الأصح في القياس عدم البراءة (1).
ومنها: قول الشافعي فيما نقله عنه الأسنوي في التمهيد مانصه: «وإذا أصاب الرجل بمكة حماماً من حمامها فعليه شاة اتباعاً لعمر وعثمان وابن عباس وابن عمر وغيرهم، وواضح أنه لم يقل هذا قياساً لأن القياس أن يقدم مقابل الحمامة دجاجة لا شاة لكن قال ذلك تقديماً لقول الصحابي على القياس.
ومنها ما قاله الشافعي أيضاً عند كلامه عن عتق أمهات الأولاد وهو مذكور بعد باب جماع تفريق أهل السهمان (2) ما نصه ولا يجوز إلا ما قلنا فيها ـ أي أم الولد -
وهو تقليد لعمر بن الخطاب»، هذه عبارته.
وذكر في البويطي أيضاً ما يدل على أنه حجة فقال في باب الدلالة: «لا يحل تفسير المتشابه إلا بسنة عن رسول الله، أو خبر عن أصحابه أو إجماع العلماء» (3).
(1) الأم للشافعي 90/ 7.
(2) هذه في لغة الشافعي بمعنى السهام.
(3) التمهيد للأسنوي ص 501 والقواعد الأصولية لابن اللحام ص 298.
366 - 366 (1/366)
صفحة 354
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقال أي الشافعي في تعريف البدعة: والبدعة بدعتان: فما وافق الكتاب والسنة والإجماع والأثر فمحمود، وما خالف واحداً مما ذكرنا فمذموم»، وهذا عمل بقول
الصحابي.
] [3]
والفروع كثيرة جداً وقد اتضح المقصود بما ذكرت.
إسقاط الحكم عن بعض أفراده إلا بدليل] (1) يصح
هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن غسل الشهيد، قال رحمه الله: والاحتجاج المحكم قوله: «اغسلوا موتاكم (2) فإن الخطاب عام لكل ميت وخص من جملتهم شهيد المعركة لنهيه عن الخطاب عاماً لما عدا المخصص إذ لا يصح إسقاط الحكم عن بعض أفراد العام إلا
بدليل (3).
معنى القاعدة:
غسله، فيبقى
ومعنى هذه القاعدة أن الحكم الشرعي إذا ثبت بنص عام أو مطلق لا يجوز لأحد أن يسقط هذا الحكم عن فرد من الأفراد أو شخص من الأشخاص إلا بدليل مخصص
أو مقيد من أدلة الشرع الحنيف.
دليل هذه القاعدة:
من
أدلة هذه القاعدة أن الصحابة كانوا يستدلون بالعموم على أنه يستغرق الصالح
له من غير حصر حتى يثبت المخصص. مثال ذلك: تمسك السيدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم قول الله تعالى: ويُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الْأُنثَيَيْنِ (4) وجاءت إلى أبي بكر الله تطالبه بإرثها من فيء، فاحتج عليها الصديق بقول رسول الله
(1) معارج الآمال 53/ 4. (1)
(2) أخرجه الربيع في مسنده عن ابن عباس، باب الكفن والغسل، 193/ 1.
(3) معارج الآمال 53/ 4.
(4) سورة النساء، الآية: 11.
367 - 367 (1/367)
صفحة 355
اجتهادات الإمام السالمي
: «نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة» (1)، فرجعت راضية مرضية رضي
الله عنها لا كما يزعم المبطلون. فروع القاعدة:
الذنب منه
من فروع هذه القاعدة: عدم فناء الأنبياء في قبورهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم مخصوصون من عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: كل ابن آدم يأكله التراب إلا خلق ومنه يعود (2)، فهنا يسقط حكم الفناء عن الأنبياء بالدليل وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا
تأكل الأرض أجساد الأنبياء» (3).
(4)
عجم
ومنها: إثبات عدالة الصحابة بعموم قوله تعالى: تُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحماء بينة (4) بينهم وبعموم قوله تعالى: {وَالسَّسِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِرِينَ والأنصار (0) وبعموم قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ
الشجرة (1)، وهذا حكم ثبت لجميعهم ولا يصح إسقاطه إلا بدليل.
(7)
ومنها: أنه يجب قتال المشركين كافة بعموم قول الله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} (7) ولا يجوز إسقاط هذا الحكم إلا بدليل. وقد ثبت إسقاطه عن الطفل والمرأة والشيوخ والعسيف، ونحو هؤلاء ممن ثبت تخصيصهم من عموم الآية الكريمة.
ومنها: أنه يغسل جميع موتى المسلمين إلا شهيد المعركة لأنه ثبت تخصيصه.
(1) صحيح البخاري باب فرض الخمس (2926) 1126/ 3، صحيح مسلم، باب حكم الفيء
4676 (، 15/ 12)
(2) رواه أحمد في مسنده عن أبي هريرة بلفظ قريب منه، (8404)، 435/ 17. (3) سنن أبي داوود، باب في الاستغفار (1533) 5/ 48 سنن ابن ماجه باب في فضل الجمعة (1085)، 345/ 1، سنن النسائي، باب إكثار الصلاة على النبي (1374)، 91/ 3، مسند أحمد
16592 (، 387/ 34)
(4) الفتح (29). (5) سورة التوبة، الآية: 100.
(6) سورة الفتح، الآية: 18.
(7) سورة التوبة، الآية: 5.
368 - 368 (1/368)
صفحة 356
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
[38] [اللغة تشتق ولا يقاس عليها] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن وطء النفساء قال: والاختلاف الموجود في فساد الموطأة في الحيض يجب أن يكون كله ها هنا لأن العلة واحدة فلا معنى لكلام الإيضاح في قوله وكذلك الواطئ في دم النفاس عليه امرأته لأنه لم يرد فيه تصريح النهي كما ورد في دم الحيض وإن كان الدمان حكمهما في ترك الصلاة والصوم واحد ولكن اللغة تشتق ولا يقاس عليها، ولذلك لم يحرموها على من وطئ في دم النفاس لأن اسم النفاس عَلَمٌ على الدم الخارج مع الولد» (2).
لا تحرم
معنى القاعدة:
،
(2).
ومعنى هذه القاعدة أن من وطئ النفساء في دم النفاس لا تفسد عليه زوجته وإن اشترك النفاس مع الحيض في اسم التنفس فالاشتراك في الاسم لا يصلح علة للقياس لأن القياس لا يجري في اللغات. لكن يمكن أن يشترك الحيض مع النفاس في المعنى أن النفاس حيض زادت أيامه وقد اشتركا في غالب الأحكام فهما في معنى واحد
وهو
كما قال السالمي
رحمه الله (3).
المهم أن اللغة لا يقاس عليها، فهذا القدر محل اتفاق بين أكثر الفقهاء.
فروع القاعدة:
من فروعها: هل يسمى اللواط زنا لكون الزنا في اللغة الولوج في مضيق فيكون قد شارك الزنا في المعنى ويكون حكمه ثابتاً بنص قوله تعالى: الزانية والزَّانِي فاجلِدُوا (4). فمن قال بأن القياس يجري في اللغات أثبت اسم الزنا للواط ومن لا فلا. ومنها: هل يسمى عصير التمر خمراً لكونه يخامر العقل أو لا يسمى خمراً بل
(4)
(1) معارج الآمال 196/ 2 و 197.
(2) المرجع نفسه.
(3) معارج الآمال 197/ 2.
(4) سورة النور، الآية: 2.
369 - 79 (1/369)
صفحة 357
اجتهادات الإمام السالمي
نبيذاً، فإن
صح
تسميته خمراً لغة ثبت حكمه بالنص ومن لم يسمه خمراً أثبت حكمه
بالقياس على الخمر وأبقى اسم النبيذ عليه.
ومنها نباش القبور هل يسمى لغة سارقاً لأنه آخذ للمال خلسة فيثبت حكمه
بالنص لأنه سارق أو لا يسمى
السارق.
سارقاً في اللغة بل يسمى نباشاً ويقاس حكمه على
ومنها: هل يسمى النفاس حيضاً لاشتراكه في التنفس أو لا حيضاً بل يسمى نفاساً ويقاس حكمه على الحيض. يخرج الخلاف فيها على الخلاف في المسألة، والله
أعلم.
[39] [ما جُعِلَ غاية للحكم يكون خارجاً عنه] (1)
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن غسل المرفقين، فقال رحمه الله: «احتج القائلون بعدم وجوب غسل المرفقين بظاهر قوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ} (2) لأن كلمة (إلى) حقيقة في انتهاء الغاية، وما يجعل غاية للحكم يكون خارجاً عنه (3).
فروع القاعدة:
ونحن سوف نختار في التفريع مسائل انبثقت عن الخلاف المذكور في القاعدة. فمن فروعها: غسل المرفقين، فمن يرى دخول ما بعد الغاية في حكم ما قبلها أوجب غسل المرفقين ومن يرى أن ما بعد الغاية لا يدخل في حكم ما قبلها لم يوجب غسلهما والذي رجحه السالمي دخول المرفقين لأن المرفقين من جنس اليد فيجب غسلهما وهو الصحيح.
•
ومنها: غسل الكعبين، فمن يرى أن ما بعد الغاية داخل في حكم ما قبلها أوجب غسلهما، ومن لا يرى دخول ما بعد الغاية في حكم ما قبلها لم يوجب غسلهما.
(1) معارج الآمال 323/ 1 (2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) معارج الآمال 323/ 1.
370 - 370 (1/370)
صفحة 358
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
والصحيح وجوب غسل الكعبين لأنهما من جنس الرجلين كما مرَّ في حكم
المرفقين.
ومنها: أن الصوم ينتهي بدخول الليل ولا يدخل جزء من الليل في الصوم لأن الليل ليس من جنس المحدود (1).
ومنها: أنه
قتال المشركين حتى يعطوا الجزية لأن (حتى) هنا للغاية، لأن يجب صدر الكلام احتمل الامتداد وعجزه الانتهاء فإن القتال الذي صدرت به الآية محتمل للامتداد والبقاء، وإعطاء الجزية يحتمل أن يكون غاية ينتهي إليها القتال (2)
[40] [ما لا معنى له يكون لغواً] (3)
هلال
هذه قاعدة مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن ذكر الله بلا معنى ولا اعتقاد أو يفعل فعلاً بلا اعتقاد أو تكلم بغير نية قال رحمه الله نقلاً عن ابن سعيد: لا يجوز أن يلفظ بشيء لا معنى له فإن ما لا معنى له يكون لغواً لا طاعة» (4).
معنى القاعدة:
ومعنى
هذه القاعدة أن كلام المكلف في مقام الذكر والعبادة وفي مقام التصرف
أن يكون له معنى صحيح
والعقود يجب بأن يُحمل على حقيقته، فإن تعذرت الحقيقة يصار إلى المجاز إذا كان كلامه في مقام التصرف الشرعي، فإن تعذر حمله على حقيقته و مجازه صار لغواً لا فائدة منه
فإن كان في مقام العبادة والذكر استحضر المعنى والنية، وإلا كان ذكره لغواً.
فروع القاعدة:
من فروعها: كلام النائم الذي لا معنى له ولا نية فيه ولا اعتقاد يقع لغواً لا ينبني
عليه شيء.
(1) طلعة الشمس ص 490. (2) طلعة الشمس 492/ 1. (3) معارج الآمال 266/ 1.
(4) نفس المرجع.
371 - 371 (1/371)
صفحة 359
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: كلام المبنّج والمبرسم الذي لا تحقيق فيه للمعاني ولا نية فيه ولا اعتقاد يقع لغواً.
ومنها: كلام الغضبان إذا كان غضبه شديداً أغلق على عقله فلم يع ما يقول، قال جماعة من الفقهاء: إن طلاقه لا يقع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في إغلاق (1)، هذا في فاقد النية والاعتقاد. وهناك تصرف في مقام التصرف القولي قد يقع لغواً لتعذر حمله على معنى حقيقي أو مجازي، من هذه التصرفات: 1 - إذا قال لمن هو أكبر منه سناً ومعروف النسب من غيره إنه ابنه، فهو لغو لظهور كذبه عقلاً وشرعاً (2).
فلا يمكن إعماله حقيقة في إثبات نسبه ولا مجازاً عن إعتاقه، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء. وذهب أبو حنيفة إلى إعمال كلامه مجازاً عن الحرية. والسبب أن الجمهور يعتبر المجاز خلفاً عن الحقيقة باعتبار الحكم وأما أبو حنيفة فإنه يعتبر
المجاز خلفاً
عن الحقيقة باعتبار التكلم.
ومعنى هذا الكلام أن معروف النسب الذي يولد مثله لمثله يصلح سبباً لإيجاب ما هو الأصل وهو ثبوت النسب إلا أنه امتنع إعماله لثبوت نسبه من الغير فيكون موجباً لما هو خلف عنه وهو العتق، لكن فيمن هو الأكبر منه سناً لا يصلح سبباً لإيجاب ما هو الأصل أي النسب فلا يصلح لما هو خلف عنه وهو العتق.
لكن أبا حنيفة يقول المجاز خَلَفٌ عن الحقيقة باعتبار التكلم، فالشرط فيه أن يكون الكلام صالحاً، وصلاحيته بكونه مبتدأ وخبراً بصيغة الإيجاب وهو موجود هنا فيقع كلاماً صحيحاً في انعقاد المجاز فيفيد الكلام الحرية مجاز (3).
(1) أخرجه أحمد (278/ 6، والبخاري في التاريخ الكبير (514) 172/ 1، وأبو داوود (2193)، وابن ماجه (2046)، وأبو يعلى (4444) و (4570)، والطحاوي في شرح المشكل (655)، والدارقطني (3943) و (3944)، والحاكم 2/ 198، والبيهقي 357/ 7 و 61/ 10، كلهم بلفظ: «لا طلاق ولا عتاق
في إغلاق عن عائشة رضي الله عنها. وإسناده ضعيف لضعف محمد بن عبيد.
(2) انظر المادة (1629) من شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر.
(3) أصول السرخسي 158/ 1 وما بعدها.
372 - 372 (1/372)
صفحة 360
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وجاء في الشرح الكبير للدردير: «من ادعى نسب رجل صح النسب بشرط أن لا يكذبه العقل لصغره أي الأب أو العادة» (1).
وكذلك الحكم في المذهب الشافعي قال في شرح الجمل على المنهاج: «ولو أقر من يصلح إقراره بنسب فإن ألحقه بنفسه شرط فيه إمكانه بأن لا يكذبه الحس أو الشرع بأن يكون دونه في السن بزمن يمكن كونه ابنه وأن لا يكون معروف النسب
بغيره.
وقال صاحب الحاشية بعد هذا الكلام وعبارة الروض مع شرحه لو استحلق عبده أي عبداً بيده ولم يمكن لحوقه بأن كان أسنَّ منه لغا قوله (2). (2).
وهكذا الأمر عند الحنابلة (3).
ومن فروعها: إذا قال لزوجته وهي معروفة النسب من غيره: هذه ابنتي. لا تقع الفرقة بينهما، وموجب هذا الكلام إثبات النسب فقد كذبه الشرع فيقع لغواً عند الجمهور، وخالف أبو حنيفة (4).
[41] [ما لا ينضبط في نفسه فلا يكون قاعدة لغيره] (5)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن الإثابة في الحيض قال الله: «وما لا ينضبط في نفسه فلا يصلح أن يكون قاعدة لغيره (1).
معنى القاعدة:
رحمه
أن القاعدة تكون ضابطاً لما يندرج تحتها من فروع، ومعنى هذا أنها تكون منضبطة في نفسها، فأما إذا لم تكن منضبطة في نفسها فلا يمكن أن تكون قاعدة
لغيرها.
(1)
الكبير للدردير على هامش حاشية الدسوقي 412/ 3 دار إحياء التراث. (2) شرح الجمل على المنهج 447/ 3 والمهذب للمطيعي 306/ 2 دار التراث العربي. (3) انظر المغني لابن قدامة 332/ 9 مطبعة الرياض.
(4) أصول السرخسي 1/ 187 دار المعرفة.
(5) معارج الآمال للإمام السالمي 49/ 2. (6) نفس المرجع 49/ 2.
373 - 373 (1/373)
صفحة 361
اجتهادات الإمام السالمي فروع القاعدة:
ما ذكره الإمام السالمي رحمه الله من الشروط المتفق عليها في إثابة الحيض وهو أن تكون مدة الدم المعاود لها متفقة، مثال ذلك: أن تراه في كل مرة يوماً، أو يومين أو ثلاثاً أو نحو ذلك، إلا أنه لا يختلف عن الحال الذي يأتيها في كل مرة، فلو جاءها مرة يوماً ومرة يومين، ومرة ثلاثة أو العكس فلا تكون هذه إثابة بل استحاضة لعدم انضباطها في نفسها، وما لا ينضبط في نفسه فلا يصلح أن يكون قاعدة لغيره (1). ومنها: إذا كانت تأتيها مرة يوماً ومرة يوماً ونصفاً ومرة يومين فإنها ليس بإثابة لعدم اتفاقها (2).
6
ومنها: المحيرة وهي المرأة التي لا تنضبط عادتها وسميت بذلك لأنها حيرت الفقهاء في أمرها، فهذه عادتها لا تكون قاعدة لغيرها لأن عادتها في نفسها غير
منضبطة.
ومنها: العرف الذي لم يستقر على حال، مثال ذلك: إذا كان هناك مدينة كل جهة أو حارة لها عرف مستقل عن عرف المقاطعة الأخرى مثل أن يشطر بعضهم المهر وقسم لا يشطره، فهذا يسمى بالعرف المضطرب، وهذا النوع لا يكون ضابطاً لشيء من الأحكام، إنما يُضبط العرف المطرد والمستقر.
ومثال ذلك: أيام البطالة التي تحدث في المدارس وهي أيام العطل الرسمية، فالبعض يعطل فيها والبعض الآخر من المدارس لا يعطل فيها، فإذا تعاقد مدرس ولم يشترط عليه رب المدرسة أيام العطل فيها، فليس للمدرس أن يحتج بالعرف الجاري في العطل المعمول فيها في بعض المدارس لأنه عرف مضطرب فلا يطبق في هذا البلد قاعدة المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً».
وهذا يجري في بلادنا في المدارس الأهلية فليس لهم عرف متسق ومطرد في أيام
العطل الرسمية، لذلك فلا يحتكم إليه.
(1) معارج الآمال للإمام السالمي 49/ 2. (2) المرجع السابق 49/ 2.
374 - YVE (1/374)
صفحة 362
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ومن فروعها أن علة الإفطار في السفر إنما هي مطلق السفر وليس المشقة، قالوا: لأن المشقة غير منضبطة بل مضطربة، وما لا ينضبط في نفسه لا يكون معرفاً ولا ضابطاً لغيره.
[42] [المشرك ليس بأهل لأداء العبادات] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن غسل الميت، قال رحمه الله: «أما أولاً فلأن المشرك فليس بأهل لأداء العبادات فكيف يكتفى به في أدائها».
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن المشرك ليس من أهل التكاليف، فلو أدى عبادة من
العبادات فلا تقع صحيحة.
علاقة هذه القاعدة بقاعدة مخاطبة الكفار بفروع الشريعة):
إن الناظر في هذه القاعدة يظن للوهلة الأولى أنها هي قاعدة مخاطبة الكفار
بفروع الشريعة.
تحرير محل النزاع:
وحتى ندرك الفرق بين هاتين القاعدتين فلا بد من تحرير محل النزاع في قاعدة (تكليف الكفار بفروع الشريعة).
فنقول: لا خلاف بين أهل العلم أن الكفار مخاطبون بالإيمان إجماعاً لأن النبي بعث للناس كافة ليدعوهم إلى الإيمان بل هم في مقدمة من أُرسل النبي صلى الله عليه وسلم إليهم.
ولا خلاف أنهم مخاطبون بالمشروع من العقوبات ولهذا تقام عليهم الحدود،
إذا كانوا أهل ذمة عند قيام أسبابها بالشروط المعروفة عند الفقهاء.
(1) معارج الآمال 68/ 4 و 69.
375 - Vo (1/375)
صفحة 363
اجتهادات الإمام السالمي
ولا خلاف أن الخطاب الوارد بتنظيم المعاملات الدنيوية يتناولهم أيضاً بل هم أحرص الناس على التمتع بأمور الدنيا لأن الدنيا جنة الكافر.
موجب
التوحيد.
ولا خلاف أن الخطاب بالشرائع يتناولهم من حيث المؤاخذة في الآخرة، لأن الاعتقاد لزوم الأداء وهم ينكرون اللزوم اعتقاداً وذلك كفر منهم بمنزلة إنكار
ويبقى الخلاف قائماً في تكليف الكفار بفروع الشريعة على معنى أنه يضاعف لهم العذاب بتركها يوم القيامة وهذا معنى قول العلماء أنهم مأمورون بها وليس معناه أنهم مأمورون بأدائها في الدنيا حال كفرهم.
فالذي ذهب إليه الجمهور هو أنهم مخاطبون بها أي أنهم سيعاقبون على تركها زيادة على ترك التوحيد.
دره
واحتجوا بقوله تعالى: وما سلككم في سقر قالوا لم نك مِنَ الْمُصَلِّينَ (1)، فهذا دليل على أنهم معاقبون بترك الصلاة. وبقوله تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَها واخر إلى قوله تعالى: {يُضَعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَمَةِ} (2).
وذهب الحنفية إلى القول بأنهم ليسوا مكلفين بفروع الشريعة. واستدلوا على مذهبهم بأن قالوا: لو وجبت الصلاة على الكافر مثلاً لوجبت إما في حال كفره، أو بعده، فالأول باطل لامتناع الصلاة من الكافر حالة كفره والثاني أيضاً باطل لاتفاقنا على أن الكافر إذا أسلم لا يؤمر بقضاء الصلاة الفائتة في أيام الكفر.
والصحيح أن الكفار مخاطبون بالفروع على معنى المؤاخذة بتركها زيادة على عقابهم على ترك التوحيد وليس على معنى أنها تصح منهم حال كفرهم ولا على معنى أنهم مطالبون بقضائها بعد إسلامهم.
من
خلال تحرير محل النزاع يتضح أن ما يقول به الجمهور لا ينكره الحنفية،
(1) سورة القيامة، الآية: 43. (2) سورة الفرقان، الآية: 69.
376 - 376 (1/376)
صفحة 364
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وأن ما ينكره الحنفية لا يقول به الجمهور، فالخلاف في موضعين منفكين وليس في موضع واحد.
أما القاعدة التي نحن بصدد شرحها فهي في حكم أداء الكافر المشرك للعبادات. فالذي عليه جمهور الأصوليين من الشافعية والحنفية والإباضية أن المشركين ليسوا أهلاً لأداء العبادات، وهذا موضع متفق عليه، فهو في غير المسألة المختلف فيها وهي مخاطبة الكفار بفروع الشريعة على معنى المؤاخذة فهي لا تصح من الكافر لكن سيؤاخذ على تركها زيادة على ترك التوحيد.
فروع القاعدة:
من فروعها: أن المشرك لا تصح منه الصلاة ولا الزكاة، ولا الصوم ولا الحج، لأن هذه العبادات يشترط فيها الإسلام والإسلام فيها شرط صحة فلا تصح عبادة من غير المسلمين.
المسلم.
ومنها: غسل الميت لا يصح من مشرك لأن فيه نوع عبادة.
ومنها: أن ظهار المشرك غير صحيح لأنه يعقُبُ كفارة ليس هو من أهلها (1).
ومنها: أنه لا يشترط في الذمي التسمية على الذبيحة كما يشترط ذلك في حق
ومنها: أنه لا يصح نذر المشرك لأنه عبادة ليس هو من أهلها.
[4] [المشقة لا تنضبط] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن المسافر إذا علم وجود الماء، قال: قال أبو محمد: أحوال الناس مختلفة فمنهم من يصل إلى المكان البعيد وينال الماء ولا تلحقه مشقة، وآخر تلحقه مشقة مع قرب الماء منه وليس
(1) التلويح على التوضيح 114/ 2 وقواعد ابن اللحام ص 56 وغاية المأمول ص 117. (2) معارج الآمال 766/ 1.
377
377 (1/377)
صفحة 365
اجتهادات الإمام السالمي
في التحديد للمواضع خبر ولا ينبغي أن يعتمد على ما قدر من المكان لكل إنسان وفي
کل زمان». معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن
من شروط العلة الانضباط، فإذا اضطربت العلة سقط
التعليل بها، والمشقة من هذا القبيل فإنها غير منضبطة، ولذلك لا تصلح لأن تكون علة في طلب الماء في التيمم، لأنها تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة
أو
في
القصر والأشخاص. فروع القاعدة:
مناطاً
من فروع هذه القاعدة مشقة طلب الماء في التيمم. فهي: التيمم. فهي غير منضبطة فلا تصلح للرخصة لأنه كما قال السالمي رحمه الله عن أبي محمد فإن أحوال الناس مختلفة، فمنهم من يصل إلى الماء البعيد ولا تلحقه مشقة ومنهم من لا يصل إلى الماء القريب إلا بمشقة فادحة. لذلك لا تصلح علة للتيمم بل العلة مسافة محددة تكون
مظنة المشقة.
ومنها: أن المشقة في السفر في رمضان لا تصلح علة للإفطار لأنها لا تنضبط،
فأنيطت الرخصة بسبب منضبط وهو السفر فإنه مظنة للمشقة.
ومن فروعها: أن المشقة لا تصلح رخصة في ترك الصيام والجمعة في حق الحدادين، والخبازين والحمالين وأصحاب الحرف الشاقة، والسبب في ذلك أن
المشقة لا تنضبط.
أما إذا كانت المشقة تنضبط وهي المشقة الفادحة التي لا يختلف فيها اثنان ولا يتناطح فيها كبشان وهي التي يستوي فيها جميع المكلفين، فهذه تصلح مناطاً للرخص کالاغتسال بالماء البارد الشديد البرودة في حق المريض، فإن ذلك مشقة فادحة يستوي فيها الجميع، وقد ثبت أن أحد الصحابة أصابه حجر فشجّ رأسه فسأل بعض الصحابة هل تجدون لي رخصة في ترك الغسل من الجنابة فقالوا: لا نجد لك رخصة، فاغتسل
378 - 378 (1/378)
صفحة 366
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فمات، فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قتلوه قتلهم الله أفلم يسألوا إذا لم يعلموا فإنما شفاء العي السؤال» (1).
ومثل ذلك: ترك الجماعات في يوم عاصف شديد البرودة أو غزير المطر ولا
راحلة، والقاعدة في ذلك: «إذا ابتلت النعال صلي بالرحال».
يتيمم،
ومن ذلك: إذا كان في موضع الماء لصوص، أو طاعون معدٍ فلمريد الصلاة أن لأن مشقة ذلك منضبطة تصلح مناطاً للأعذار، والله أعلم.
[44] [المصلحة إذا خالفت النصوص ألغيت] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن إعفاء اللحية قال: وأما ما اعتل به الشيخ إسماعيل من تشويه الخلقة بطول اللحية المفرط وإطلاق ألسنة المغتابين فذلك أمر ألغاه الشارع فإنه أمرنا بإعفاء اللحية» (3).
أقسام المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها:
تنقسم المصلحة من حيث اعتبار الشارع لها وعدم اعتباره لها إلى ثلاثة أقسام:
يرجع
،
حاصلها
المصلحة المعتبرة: وهي المصالح التي اعتبرها الشارع وقام دليله على رعايتها فهذا النوع من المصالح حجة لا إشكال في صحته إذا المصلحة في هذا إلى القياس كما يقول الغزالي، والدليل على اعتباره قائم، مثال ذلك: المصالح الخمس الكبرى كحفظ الدين وحفظ العقل، وحفظ النفس، وحفظ النسب، وحفظ
المال.
،
(1) سنن أبي داوود، باب في المجروح يتيمم (336) (1321، سنن ابن ماجه، باب في المجروح تصيبه. . (572) 189/ 1، سنن الدارقطني باب جواز التيمم لصاحب .. (744) 316/ 2، سنن الدارمي باب المجروح تصيبه. . (405/ 2777، صحيح ابن حبان باب التيمم (1314) 4/ 140، مسند أحمد (3112) 1387. (2) معارج الآمال 911/ 1.
•
(3) (قصوا الشارب واعفوا اللحى». رواه أحمد عن أبي هريرة بلفظه 229/ 2 والطبراني في الكبير عن ابن عباس بلفظه رقم (1335)، 152/ 11.
379
-
379 (1/379)
صفحة 367
اجتهادات الإمام السالمي
المصلحة الملغاة وهي ما شهد الشرع بإلغائها، وهذا النوع ليس بحجة. مثال:
ذلك: إعطاء الأنثى مثل نصيب الذكر فإن هذا وإن كان مصلحة للبنت إلا أنها ملغاة لكونها مصلحة مخالفة لقوله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ})
(1)
المصلحة المرسلة: وهي التي لم يشهد الشارع باعتبارها ولا إلغائها بنص خاص، كمصلحة النفوس وأقصد بها الدوائر التي تنظم سجلات النفوس، ومصلحة الكهرباء، ومصلحة المساحة وبناء المستشفيات والسجون وبناء القناطر ونحو ذلك مما لا يدخل في دائرة التعبدات والمقدرات. وهذا القسم حدث فيه خلاف بين الأصوليين والأكثر على أنه حجة.
فروع القاعدة:
من فروعها: إعطاء البنت مثل نصيب الذكر في الميراث، فإن هذه المصلحة ملغاة لكونها مخالفة للنص القرآني السابق الذكر.
الرجل.
ومنها: إعطاء الزوجة حق الطلاق بأن تشترط أن تكون العصمة بيدها، فإن هذه المصلحة مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: الطلاق لمن أخذ بالساق» (2) كناية عن
ومن فروعها ما يفعله بعض ذوي الجاه والشرف في النكاح من عدم التنصيص على المهر ومقداره لكون جاههم يحل محل المهر، فإن هذا وإن ظهرت مناسبته لهم فإنه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التمس ولو خاتماً من حديد» (3).
ومن فروعها: إفتاء بعض الأئمة في أيام عبد الرحمن الداخل الذي جامع زوجته
(1) سورة النساء، الآية: 11. (2) سنن ابن ماجه باب طلاق العبد، (2081) 672/ 1، سنن الدارقطني باب الطلاق والخلع والايلاء
403 (، 308/ 9)
(3) صحيح البخاري، باب تزويج المعسر لقوله تعالى (إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله)، 6/ 7 - 7، وصحيح مسلم، باب الصداق وجواز كونه تعليم القرآن. وجواز. . . 143/ 4 و 144.
380 - 380 (1/380)
صفحة 368
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
في نهار رمضان فقد أفتاه بعض الأئمة بالصوم شهرين متتابعين، فلما قيل له: لماذا لم تفْتِه بمذهب مالك؟ قال: إذاً يستسهل الملوك إعتاق الرقاب في سبيل قضاء شهواتهم لكن لم يعتبروا فتواه لأنها خالفت النص وهو عتق الرقبة.
[45] [المضارع المنفي يدل على الاستقبال] (1)
هذه قاعدة أصولية مهمة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض ذكره حجة المانعين من رؤية الجن قال: وحجة المانعين ظاهر قوله تعالى: {إِنَّهُ يَرَنكُمْ هُوَ ة وقبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُ، (2)، قالوا: فهذا يدل على أن الإنس لا يرون الجن لأن قوله هومن حيثُ لَا نَروهم يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص».
مذاهب العلماء في المضارع المنفي:
ما ذكره السالمي هو مذهب سيبويه وقال الأخفش: إنه باق على صلاحيته للحال والاستقبال فإن دخلت عليه لام الابتداء أو حصل النفي بـ (ليس) أو (ما) أو (إن) مضارعاً أو غيره ففي تعينه للحال مذهبان، والأكثر على تعينه.
فروع القاعدة:
ومن فروعها: إذا أذن المرتهن في عتق المرهون ورد الراهن الإذن وقال: لا
أعتقه ثم أعتقه فيه وجهان.
ومنها:: إذا قال: لا أقبل هذه الوصية فإنه يكون رداً لها.
ومنها: إذا قال: لا أقبل هذه الوكالة فيكون رداً لها (3).
ومنها: احتجاج جمهور علماء الأمة على نفي رؤية النبي لربه يوم الإسراء تصديقاً لقول عائشة رضي الله عنها: من زعم أن محمداً رأى ربه يوم المعراج فقد
(1) معارج الآمال 0846/ 1
(2) سورة الأعراف الآية: 27.
(3) غاية المأمول في توضيح الفروع للأصول ص 127 للعبد الفقير.
381 - 381 (1/381)
صفحة 369
اجتهادات الإمام السالمي
أعظم الفرية على الله، لقوله تعالى حكاية عن موسى لما طلب من الله النظر إليه وقال لن
تركني (1)، فهو مضارع منفي يتناول أوقات الاستقبال من غير تخصيص.
ومنها: أنه لا
يصح الحلف بالله على قطع أعمال البر والقربات لقوله تعالى:
(2)
وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَكِينَ} (2).
بـ (لا) يتناول جميع أزمان الاستقبال.
، وهو مضارع منفي
ومنها: وجوب البراءة من المشركين والكفار ولو كانوا أولي قربى لقول الله تعالى: ولا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ من حاد الله ورسوله ولو كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ (3)، وقوله تعالى: يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا نَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللهُ عَلَيْهِمْ} (4)
وجه الدلالة: أنه مضارع منفي فيفيد تحريم موالاتهم في جميع
والأحوال.
الأوقات
ومنها ما ذهب إليه الشافعي وبعض فقهاء الإباضية أن الجن لا يمكن رؤيتهم على حالتهم التي خلقهم الله عليها لقول الله تعالى: {إِنَّهُ يَرَنكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا نرونهم وهو مضارع منفي بـ (لا) فيتناول أوقات الاستقبال من غير حصر)
(0)
[46] [المعلق على الشيء بحرف الشرط ينعدم عند عدم الشرط] (6)
هذه قاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله عند كلامه على تبعية الوضوء للأمر بالصلاة، قال رحمه الله: «قال الفخر (7): قال قوم: الأمر بالوضوء تبع للأمر
(1) سورة الأعراف الآية: 143.
(2) سورة النور، الآية: 22. (3) سورة الحشر، الآية: 22. (4) سورة الصف، الآية: 13.
(0) معارج الآمال 846/ 1. (1) معارج الآمال 305/ 1. (7) الفخر الرازي التفسير 11/ 6 و 53.
(1) °
382
-
382 (1/382)
صفحة 370
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
بالصلاة وليس ذلك تكليفاً مستقلاً بنفسه، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إلى الصَّلَوةِ فَاغْسِلُوا (1) جملة شرطية شرط فيها القيام إلى الصلاة، والجزاء الأمر بالغسل، والمعلق على الشيء بحرف الشرط عُدِمَ عند عدم الشرط، فهذا يقتضي أن الأمر بالوضوء تبع للأمر بالصلاة». ثم ذكر أن الوضوء طهارة وهي مقصودة بذاتها بدليل القرآن والسنة، أما القرآن فقوله تعالى: {وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (2)، وأما السنة فقد قال: «أنتم الغُرُّ المحجلون يوم القيامة من آثار الوضوء (3).
معني
القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن الله تعالى إذا علّق حكماً شرعياً على شرط أو سبب فلا يتحقق هذا الحكم إلا بتحقق شرطه أو سببه.
فروع القاعدة:
من فروعها: أن المُحرم إذا لم يحل من إحرامه بأن خرج إلى الحل لم يبح له الصيد حتى يخرج من الحرم إلى الحل، لأن الحل شرط فإذا انعدم الشرط انعدم الحكم لقوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَأَصْطَادُوا (4).
C
ومنها: أن المطلقة إذا لم تكن حاملاً فإن زوجها لا ينفق عليها لقوله تعالى: {وَإِن كُنَّ أُولَتِ حَمْلٍ فَأَنفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} (5).
ومنها: أنه لا يحل إتيان المرأة الحائض إلا بعد الطهارة لقوله تعالى: فإذا
تطهرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ الله كله (6).
(1) سورة المائدة، الآية: 6.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
(3) رواه الترمذي بلفظ قريب كتاب الطهارة باب (427) ما ذكر من سيما هذه الأمة يوم القيامة من آثار
السجود (607).
(4) سورة المائدة الآية: 2.
(5) سورة الطلاق، الآية: 6. (6) سورة البقرة، الآية: 222.
383 -
383 (1/383)
صفحة 371
اجتهادات الإمام السالمي
ومنها: أن الله أباح تعدد الزوجات بشرط العدل، فإذا خاف الزوج من الجور وجب الاقتصار على الواحدة، قال تعالى: {فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَثَ وَرُبَعٌ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةٌ) (1).
ومنها: وجوب الاستعاذة عند قراءة القرآن لقوله تعالى: {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَنِ الرَّحِيمِ (2)
ومنها: الطلاق المعلق على شرط، لا يقع إلا بوقوع الشرط.
[47] [مفهوم اللقب ليس بحجة] (3)
هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي رحمه الله وهو يتحدث عن مس الذَّكَر: واحتج له بما روي عن النبي: إذا مس أحدكم ذَكَرَهُ فليتوضأ» (4)، فقيَّد المس بالذكر. ويعترض عليه بأن تخصيص الذكر في الحديث لا لأجل التقييد وإنما كان جارياً مجرى الأغلب المعتاد فلا مفهوم له سلمنا أن له مفهوماً فهو مفهوم لقب لا يقوم به الاحتجاج لأنه مردود عند غالب الأصوليين (5).
مذاهب الأصوليين في الاحتجاج بمفهوم اللقب:
وقبل الكلام عن الاحتجاج بمفهوم اللقب لا بد لنا من بيان معناه.
فمفهوم اللقب هو دلالة اللفظ الدال على حكم مقيَّد باسم أو لَقَب على انتفاء هذا الحكم عما عدا ذلك الاسم أو اللقب، مثل: رأيت زيداً، فإن مفهومه أنه لم ير غيره. عن الاحتجاج به فقد اختلف العلماء فيه، فقال أصحابه به أحمد وبعض ومالك وداوود، واختاره أبو بكر الدقاق من الشافعية ذكر ذلك إمام الحرمين في
أما
(1) سورة النساء، الآية: 3.
(2) سورة النحل، الآية: 98. (3) معارج الآمال 457/ 1.
(4) رواه الربيع عن ابن عباس في كتاب الطهارة بلفظه باب (17) ما يجب منه الوضوء رقم (115)، 1/
100 وابن ماجه عن بسرة بنت صفان بلفظه كتاب الطهارة باب (63) رقم (479).
(5) معارج الآمال 453/ 1 وما بعدها.
384 - YAE (1/384)
صفحة 372
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
البرهان (1)، ونفاه غالب الأصوليين والقاضي وابن عقيل وأبو محمد المقدسي من
الحنابلة.
واحتج من نفاه بأن القول به يؤدي إلى الكذب أو الكفر، وما كان يؤدي إلى ذلك لا يمكن أن يكون حجة، مثال ذلك: إذا قال: رأيت زيداً يلزم عنه أنه لم لم ير غيره، وهذا يكذبه الحس والواقع ضرورة أنه يرى أشياء كثيرة، ومثال ما يؤدي إلى الكفر قول القائل: محمد رسول الله، فإنه يلزم نفي الرسالة عن غير محمد صلى الله عليه وسلم من الرسل، وهذا
كفر.
فروع القاعدة:
(2)
من فروعها: أن مسَّ الذَّكَرِ لا ينقض الوضوء، لأن تقييد الحكم بالاسم أو اللقب لا يدل على أنه قيد، وأن الإنسان لا ينتقض وضوؤه بمس الذكر ومنها: لو قال: أوصيتُ بهذه العين لزيد، ثم قال: أوصيتُ بها لعمرو، فالصحيح أن ذلك لا يكون رجوعاً عن الوصية الأولى بل يشرك بينهما ولا يجعل التقييد بالاسم الثاني دالاً على نفي غيره.
ومنها: إذا قال لزوجته: إن رأيت فلانة فأنت طالق، ثم قال: إن رأيت فلاناً فأنت طالق، فتعليق الطلاق الثاني لا يرفع التعليق الأول بل تطلق طلقة إن رأت فلانة وأخرى إن رأت فلاناً من الناس.
ومنها: لو قال المعلم: فلان من الطلاب مثل محمد أو أحمد مستقيم لا يُعدُّ کلامه تجريحاً لغيره من الطلاب لأن ربط الحكم بالاسم لا يدل على نفي الحكم عن غير الاسم المذكور، والله أعلم.
هذه الفروع مبنية على أن مفهوم اللقب ليس بحجة أما على رأي بعض الشافعية ومن وافقهم فإنهم يحتجون به ويفرعون عليه مسألة التيمم بغير تراب الحرث حيث لا
(1) انظر البرهان 453/ 1 وما بعدها.
(2) معارج الآمال 459/ 1.
385 - YAO (1/385)
صفحة 373
اجتهادات الإمام السالمي
يجيزون التيمم إلا بتراب الحرث لقول النبي صلى الله عليه وسلم: وجُعِلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً» (1)، ولهذا لا يجوز التيمم بغير التراب لأن النبي قيَّد الحكم به، أما من أنكر مفهوم اللقب فيقول: التراب خرج مخرج الغالب وليس قيداً لنفي ما عداه. ومن العلماء من فرق بين اسم العلم فلم يعتبره حجة وبين اسم الجنس فاعتبره حجة وعليه يحمل قول الشافعي.
[48] [مناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمراً ظاهراً لا خفياً] (2) هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض رده على الإمامية في إثبات أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين في طرف الساق وليس العظم المستدير الموضوع في المفصل، قال رحمه الله: إن العظم المستدير الموضوع في المفصل شيء خفي لا يعرفه إلا المشرحون والعظمان الناتئان في طرفه محسوسان معلومان
لكل أحد، ومناط التكاليف العامة يجب أن يكون أمراً ظاهراً لا أمراً خفياً» (3).
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن مناط الحكم والتكليف وهو العلة يجب أن يكون ظاهراً لأنه يتعذر تعريف الخفي، لأن العلة معرف للحكم إذا كان المعرفُ للحكم خفياً في نفسه فلا يمكن أن يكون معرفاً لغيره.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: غسل الكعبين وهما العظمان الناتئان الظاهران في طرف الساق وليس العظم المستدير داخل المفصل لأنه شيء خفي لا يصلح معرفاً للحكم
الشرعي وهو الغسل.
ومن فروعها: انتقاض الوضوء بمجرد لمس الرجل للمرأة الأجنبية خلافاً لمن علل نقض الوضوء بالشهوة وهي اللذة الحاصلة
من اللمس، لأن الشهوة أمر خفي لا
(1) صحيح البخاري كتاب التيمم، باب قول النبي: جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، (427) 168/ 1.
(2) معارج الآمال 334/ 1 و 335. (3) معارج الآمال 334/ 1.
386 - 386 (1/386)
صفحة 374
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
يطلع عليها أحد، ومن المقرر أن العلة وصف ظاهر معرف للحكم، والشهوة وصف خفي والخفي لا يكون معرّفاً.
ومنها: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا تعطَّرَتِ المرأةُ ثم خرجت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية» (1). فذهبت بعض الفرق الشاذة إلى القول بأن المرأة إذا تعطرت ثم خرجت على قوم لتفرح بنفسها لا ليجد الناس رائحتها فليست بزانية لأن اللام في نظرهم هي
لام التعليل. والجواب أن هذه العلة أمر خفي لا يطلع عليها أحد، والحكم الشرعي لا يعلل بالأوصاف الخفية وأن اللام هنا لام العاقبة فهي وإن خرجت لتفرح بنفسها إلا أن عاقبة ذلك أن الناس يجدون رائحتها فدخلت في المحظور.
ومنها: أن الرشد لما كان أمراً خفياً لا يطلع عليه أحد فقد أقامت الشريعة السنّ
وهو البلوغ لأنه مظنة الرشد وهو وصف ظاهر، لذلك يعلق الحكم به.
على
ومنها: أن الجنون هو اختلال في العقل وهو وصف خفي، لذلك اعتبرت التصرفات في الدلالة عليه فإن لم يحسن التصرف القولي والفعلي بحيث لم تجرِ نمط العقول الراجحة، لذلك كان عارضاً سماوياً يمنع من صحة التصرف اعتماداً على تصرفاته الظاهرة وليست على التشخيص الطبي.
[49] [النسخ لا يثبت بالاحتمال] (2)
النسخ في اللغة: هو الإزالة، والنقل ومن ذلك قولهم: نسخت الشمس الظل إذا
أزالته، ومنه نسخت الكتاب إذا نقلته.
وفي الاصطلاح: فقد عرَّفه القاضي البيضاوي رحمه الله بأنه: بيان انتهاء حكم
شرعي بطريق شرعي متراخ
عنه
(3)
(1) صحيح ابن حبان باب الزنى وحده (4424)، 270/ 10، مسند أحمد (20242)، 42/ 43.
(2) معارج الآمال 602/ 4.
(3) شرح البدخشي على المنهاج 225/ 2 دار الكتب العلمية.
387 - 387 (1/387)
صفحة 375
اجتهادات الإمام السالمي
والاحتمال: هو التردد بين أمرين من غير مرجح.
والمعنى العام أن النسخ لا يثبت بالاحتمالات والشكوك بل هناك طرق لإثبات النسخ كالإجماع، والنص الصريح كقول النبي صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور إلا فزوروها» (1) وثبوت تأخر أحد الحكمين عن الآخر مع تعذر الجمع والتوفيق بين
الدليلين المتعارضين. فروع القاعدة:
من فروعها زكاة الفطر فإنها فرض ولا تسمع دعوى النسخ فيها من الفرض إلى السنة لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وليس ثمة دليل صريح وصحيح يثبت نسخ صدقة الفطر من الوجوب إلى الندب قال السالمي رداً على القطب (2) في دعواه النسخ: والجواب أن النسخ لا يثبت بالاحتمال وليس على ثبوته دليل صريح ولا ظاهر .. لاسيما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث منادياً في فجاج مكة «ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم.
(*) ||
ومن فروعها المصراة وهي الناقة المتروكة الحلب لإيهام كثرة لبنها، وحكم التصرية أنها عيب وللمشتري أن يقبلها أو يردها، فإن ردَّها ردَّ معها صاعاً من تمر.
أن
وذهب الحنفية إلى رد حديث المصراة لكونه خالف قاعدة الرد بالعيب وهي التالف المضمون إن كان مثلياً وجب ردُّ مثله وإن كان قيمياً رُدَّت قيمته من المال، والتمر ليس مثلاً ولا مالاً.
وذهب بعضهم إلى احتمال النسخ، وأجاب الجمهور عن ذلك بوجهين: الأول أنه لا اجتهاد في مورد النص والثاني: أن النسخ لا يثبت بالاحتمال.
(1) صحيح مسلم، باب استئذان النبي ربه عز وجل. . (2308)، 3/ 65. (2) هو محمد بن يوسف أطفيش وهو عمدة المتأخرين من أهل الجزائر وله فضل في نقل أقوال المذهب حتى أقاويل المذهب المالكي وهو من أعيان المذهب الإباضي.
(3) سنن الترمذي، باب ما جاء في صدقة الفطر (676)، 148/ 3، قال ابو عيسى: هذا حديث حسن
غريب
388 - YAA (1/388)
صفحة 376
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
(1) ,
الأمال
ومنها: قوله تعالى: وَقُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ ميْنَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ) (1) فحصر المحرم في هذه الآية يقتضي حل ما سواها ومن جملتها ذوات المخالب من الطير والأنياب من السباع.
ثم نُسخت هذه الآية بحديث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع أو مخلب من الطير» (2).
وأجاب الجمهور بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال لأن الآية تتناول الموحى به إلى
تلك الغاية ولا يتناول ما بعد ذلك، فإذا ثبت الاحتمال بطلت دعوى النسخ. ومن فروعها: قوله تعالى: {وَالشُّعَرَاهُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ ... إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا) (3) قيل: نُسخت بقوله تعالى: هو إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّلِحَتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) (4).
قال مكي بن أبي طالب القيسي: وهذا تخصيص وليس بنسخ (5). ومنها قوله تعالى: {وَلَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)، قيل: نُسخت بقوله: تعالى: هو لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ) مسكونة (7). وهذا تخصيص وليس
بنسخ (8).
ومنها قول وهب من منبه في قوله تعالى: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) (9)
(1) سورة الأنعام، الآية: 145 (2) تقدم تخريجه.
(3) سورة الشعراء، الآيات: 224 - 227.
(4) سورة الشعراء، الآية: 227.
(5) انظر الايضاح لناسخ القرآن ومنسوخه تحقيق أحمد فرحات ص 271 وما بعدها، والموافقات للشاطبي
(6) سورة النور، الآية: 27.
(7) سورة النور، الآية: 29.
(8) الايضاح لناسخ القرآن ومنسوخه ص 373.
(9) سورة الشورى الآية: 5.
389 - 389 (1/389)
صفحة 377
اجتهادات الإمام السالمي
نسختها آية: {وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) (1). وهذا خبر لا يدخله النسخ لكن معناه أن آية الشورى مبينة بآية غافر.
ومثل هذه الوقائع كثيرة التي ادعِي فيها النسخ مع الاحتمال، والنسخ لا يثبت
بالاحتمال.
[50] [الواجب المرتب لا ينتقل فيه من رتبة إلى أخرى إلا بانعدام الأولى] (2) هذه قاعدة مخرجة على أصول الإمام السالمي رحمه الله حيث ذكر فروعها مؤداها أن المكلف بالواجب المرتّب لا ينتقل من الرتبة الأولى إلى الثانية إلا بالعجز عن الأولى. ذكر ذلك في معرض حديثه عمن طلب الماء بعد دخول الوقت وذكر أن ذلك محل إجماع.
مرتب.
ما هو الواجب المرتب؟:
وينقسم الواجب من حيث التخيير بين أفراد المأمور به إلى واجب مخيّر وواجب
فالواجب المخير هو طلب فعل مبهم من أمور معينة ككفارة اليمين الواردة في قوله تعالى: {وَلَا يُؤَاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَدتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَو كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (3). فالطلب المقدر في هذه الآية تعلق بواحد مبهم من أمور معينة هي الإطعام، أو الكسوة، أو تحرير الرقبة، دل على ذلك حرف العطف (أو) الذي يفيد التخيير، وعلى المكلف أن يختار خصلة واحدة من هذه الثلاث لتبرأ ذمته فإن اختار الخصال كلها أثيب على خصلة غير معينة ثواب الواجب وعلى الباقي ثواب النافلة فإن ترك الجميع يلام أو
يحاسب على خصلة واحدة.
(1) سورة غافر، الآية: 7.
(2) معارج الآمال 819/ 1 (3) سورة المائدة، الآية: 89.
،
390 - 390 (1/390)
صفحة 378
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أما الواجب المرتب فهو الذي جعله الله في المرتبة الثانية كالصوم فيمن عجز عن الرتبة الأولى التي هي خصلة من ثلاث في الواجب المخير وهي الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فمن عجز عن هذه الخصال انتقل إلى الواجب المرتب وهو الصوم لقوله تعالى في تمام الآية السابقة: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّاءِ ذَلِكَ كَفَرَةُ أَيْمَنِكُمْ إِذَا
حلفة
(1)
قال ابن عباس: كل شيء في القرآن (أو) فهو على التخيير، وكل شيء في القرآن (فإن لم فهو الأول فالأول، أي لا ينتقل من رتبة إلى أخرى إلا بالعجز عن الأولى. فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة: التيمم شرعاً لا يُصار إليه إلا بعد طلب الماء وعدم وجوده لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طيبا (2)، فيطلب المسافر أو المقيم على الراجح الماء الشمال وإن كان هناك وادٍ هبط إليه، وإن كان عن اليمين وعن جبلاً سهلاً صعد إليه، فإن لم يجد تيمم. أما إذا تيمم قبل طلب الماء فذلك لا يصح لأنه من قبيل الواجب المرتب الذي لا يصار إليه إلا بعد الرتبة التي قبله.
ومن فروعها: أن المُظَاهِر لا يعدل إلى الصيام إلا إذا فقد الرقبة لقوله تعالى: وتم يعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسا (3).
ومن فروعها: أن من قتل مسلماً خطأ فعليه الدية وتحرير رقبة ولا ينتقل إلى الصيام إلا بعد فقد الرقبة لأن الصيام من قبيل الواجب المرتب الذي لا ينتقل إليه إلا بالعجز عما قبله من الرقبة.
ومن فروعها: كفارة التمتع في الحج، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فعليه هدي، فمن لم يجد الهدي فعليه صيام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله،
(1) سورة المائدة، الآية: 89.
(2) سورة المائدة الآية: 6. (3) سورة المجادلة، الآيتان: 3 و 4.
391 - 391 (1/391)
صفحة 379
اجتهادات الإمام السالمي
لكن لا ينتقل من الهدي إلى الصوم إلا إذا عجز عن الهدي لأن الصوم واجب مرتب على العجز عن الهدي.
[51] [وضع العربية مبني على مدرك الحواس دون المعاني الباطنية] (1)
في
هذه قاعدة جليلة القدر عظمية الفائدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله معرض كلامه عن معنى المسكين قال رحمه الله: والجواب عن السادس لا نسلم أن المسكين إنما سمي مسكيناً لسكون قلبه لأن ذلك أمر لا تدركه الحواس، ووضع غالباً على مدرك الحواس دون المعاني الباطنية.
العربية مبني معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن أهل الوضع حين يضعون الحقائق بإزاء مسمياتها إنما
يراعون في الغالب معطيات الحواس الخمس.
هذا في الغالب وتقييد المصنف رحمه الله تعالى ذلك في الغالب مهم جداً لأن العرب في نوادر حالهم حين الوضع لا يراعون معطيات الحواس إنما يراعون التجوز من خلال علاقات وملابسات اقتضتها الاستعمالات المجازية، فتارة يسمون الجميل قبيحاً، والقبيح جميلاً، ويسمون اللسيع سليماً، ويسمون الصحراء مفازة من باب
التفاؤل.
وقد نزل القرآن على طريقتهم في التعبير قال تعالى: ومن وَرَأَىبِهِ جَهَنَّم (2) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى في مجاز القرآن: مجازه قدامه (3).
لكن ذلك ليس الغالب في وضعهم إنما الغالب مراعاة مقتضيات الحواس
الخمس.
فيسمون الريحان لما يُشم منه الرائحة، وهذا وضع روعي فيه حاسة الشم.
(1) معارج الآمال 701/ 4 و 704. (2) سورة ابراهيم، الآية: 16.
(3) مجاز القرآن لأبي عبيدة ص 337 تحقيق فؤاد سيزكين، مكتبة الخانجي بمصر.
392 - 392 (1/392)
صفحة 380
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
ويسمون الجميل لمن رأت العين فيه علامات الحسن والجمال. وقل مثل ذلك للبارد والحار وغير ذلك من الأوضاع التي بنيت على مدرك الحواس. فروع القاعدة:
وفروع هذه القاعدة تظهر أكثر ما تظهر في مباحث التأويل والتفسير الباطني أو الإشاري الصوفي كتأويلات الشيخ محي الدين بن عربي الصوفي المشهور بشطحاته وخرافاته، فإنه يفسر القرآن تفسيراً يخل بقاعدة الوضع التي أشار إليها السالمي نور الله ضريحه، فإنه بهذه القاعدة أصاب من الباطنية مقتلاً وزيف طرائقهم وأتى بنيانهم من القواعد فخرَّ عليهم سقف باطلهم وهذيانهم، وتشغيبهم في كتاب الله.
بالحية
فإن الباطنية قالوا في تفسير قوله تعالى: {فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تَسَعَى (1) قالوا: المراد له (1) الشريعة تسعى في النفوس فتحييها، قال لي شيخ مخرف هذا الكلام فقلتُ
هي
له: فبماذا تفسر قوله تعالى: {فَإِذَا هِيَ تُعبَانُ مُّبِينٌ (3) فانقطع وخرس.
وفسر بعض هؤلاء قوله تعالى حكاية عن إبراهيم: {وَلَكِن لِيَطْمَينَ قَلِي بقوله: إن لإبراهيم صديقاً اسمه قلبي كان عنده شك بقدرة الله على إحياء الموتى. وقال بعضهم في قول الله تعالى: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (4) قال: هو فعل من
اللمعان وهو البريق. وفسر بعضهم الصلاة بالدعاء وحسب. وفسر آخر الصيام بكف اللسان عن
السوء. وهكذا حمل الحقائق الشرعية على معان قلبية ليس لها ضابط. ولو استقامت طرائق الباطنية في تفسير حقائق الشريعة لزال الوضع وانتهت اللغة
من أساسها.
ومن
ذلك التفسير المردودِ تفسير المسكين بمن سكن قلبه، وتفسير المجاهد بمن
(1) سورة طه، الآية: 20. (2) سورة الأعراف، الآية: 107.
(3) سورة البقرة، الآية: 260. (4) سورة العنكبوت، الآية: 69.
393 - 393 (1/393)
صفحة 381
اجتهادات الإمام السالمي
أجهده التعب، وتفسير ابن السبيل بالطفل المنبوذ في الطريق، وتفسير الزكاة بطهارة النفس وطهارة القلب، ومن قرأ كتاب ابن عربي (1) الدمشقي اتضح له مقصود هذه
القاعدة وعلم أن الدين لم يؤت إلا من هذا القبيل.
نسأل الله السلامة.
[52] [وقائع الأحوال لا تخصص العام] (2)
هذه قاعدة أصولية نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في مواضع منها أثناء كلامه عن تيمم الصحيح في الحضر قال رحمه الله: «فحاصل الأقوال في المسألة أربعة: أحدها أن التيمم له غير جائز مطلقاً لأن التيمم خاص عند هؤلاء بالمسافرين، فالضمير في قوله تعالى (فلم تجدوا ماءً إنما هو خطاب عندهم للمسافرين لأن الآية نزلت في السفر كما مرَّ. ويجاب بأن نزولها في السفر واقعة حال فلا تخصص عموم الخطاب وإلا لزم تخصيص كثير من الأحكام بالأحوال الواردة لأجلها» (3).
معنى القاعدة:
أن وقائع الأحوال وهي وقائع تحصل في وقت معين لشخص معين حول واقعة معينة، هذه الواقعة لا تصلح للعموم لأن هذه الواقعة قد تكون اقترنت بشيء يصلح لها لا يصلح لغيرها، كما أنها لا تصلح لتخصيص العام لأنها ليست من قبيل التعبير اللفظي لنطبق عليها قاعدة «العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب»، بل هي حالة عملية لا
تتعدى موردها.
فروع القاعدة:
من فروع القاعدة جواز التيمم في حق الصحيح في الحضر لما مرَّ في كلام
(1) ابن عربي صوفي له شطحات ادعى الحلول ووحدة الوجود وله كتاب فصوص الحكم قيل دس له فيه. وليس المراد به الإمام ابن العربي المالكي الفقيه المعروف.
(2) معارج الآمال 777/ 1 و 857.
(3) معارج الآمال 0777/ 1
394 - 394 (1/394)
صفحة 382
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
السالمي رحمه الله فإن احتج بأن الآية وردت في المسافر كان جوابه أن السفر واقعة
•
حال لا تصلح لتخصيص العام.
ومن فروعها حكم دم النبي صلى الله عليه وسلم قال محشي الإيضاح: قال أبو جعفر الترمذي: دم النبي صلى الله عليه وسلم طاهر لأن بعض الصحابة شربه مع اطلاعه عليه ولم ينهه (
(1) ,
لكن يمكن أن يجاب على هذا الاستدلال بأنه واقعة حال لا تخصص عموم قوله تعالى: وحُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (2) فتكون أحكامه كأحكامنا إلا ما خصه الدليل، وواقعة الحال لا تصلح مخصصاً للعموم.
ومن فروعها مسألة رضاع الكبير، فالحكم العام أن الرضاع يؤثر فيمن كان عمره حولين كاملين بنص قوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يتم الرَّضَاعَة (3)، ومسألة رضاع سالم بن عبد الله (4) وكان كبيراً، واقعة حال وواقعة الحال لا تقوى على تخصيص العام.
ومن فروعها: أن السفيه وهو المبذر لأمواله يُضرب عليه الحجر لعموم قوله تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ الله لكم قيما الله (5) وهذا مذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة إلى أن السفيه يزول عنه الحجر بعد الكبر وحدده بسن الجدودة وهي خمس وعشرون سنة، وقال: أستحي أن أحجر على من كان جداً. الأدلة ومن التي استند إليها ما روي أن رجلاً كان يُخدع في البيوع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا بعث فقل: لا خلابة» (6).
(1) فعل ذلك عبد الله بن الزبير كما جاء في البزار والطيالسي والحاكم من حديث عامر بن عبد الله.
تلخيص الحبير لابن حجر 30/ 1.
(2) سورة المائدة، الآية: 3. (3) سورة البقرة، الآية: 233. (4) قصة سالم أخرجها أهل السنن. (5) سورة النساء، الآية: 5.
(6) صحيح البخاري، باب ما يكره من الخداع في. . . (2011) (745/ 2، صحيح مسلم، باب ما يخدع في
البيع (3939)، 11/ 5.
395 - 40 (1/395)
صفحة 383
اجتهادات الإمام السالمي
وجه الدلالة أن النبي الله لم يحجر عليه. ويُجاب عنه بأنه واقعة حال لا تقوى على تخصيص العام.
[53] [يحمل المشترك على المعنى الذي لا يوجب المحذور] (1)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي في باب الحيض، قال رحمه الله: «ومن المعلوم أن اللفظ إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما محذوراً يوجب وحمله على الآخر لا يوجب ذلك المحذور فإن حمل اللفظ على المعنى الذي لا يوجب المحذور أولى» (2).
شرح المفردات:
أولاً تعريفه:
المشترك: هو اللفظ الموضوع لحقيقتين أو أكثر وضعاً أولاً من حيث هما
كذلك (3)
فقوله (اللفظ) جنس في التعريف يشمل المهمل والمستعمل.
وقوله (الموضوع): أخرج المهمل كديز.
وقوله (الموضوع لحقيقتين أو أكثر): يشمل ما وضع لذلك أولاً وما وضع له
ثانياً كالمجاز.
وقوله (وضعاً أولاً: أخرج ما دل على حقيقتين أو أكثر إذا كان بعضها وضع اللفظ بإزائها بالوضع الثاني لأن بعضها يكون حقيقة عندئذٍ وبعضها مجازاً فلا يكون اللفظ مشتركاً.
وقوله (من حيث هما كذلك: احترز به عن اللفظ المتواطئ فإنه يتناول الماهيات المختلفة لكن لا من حيث هما كذلك، بل من حيث أنها مشتركة في معنى واحد (4).
(1) معارج الآمال 14/ 2.
(2) نفس المرجع 14/ 1.
(3) المحصول للرازي ج 1 ق 359/ 1.
(4) المحصول للرازي ج 1 ق 359/ 1 مع زيادة عليه.
396 - 396 (1/396)
صفحة 384
ثانياً وقوع المشترك:
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
حدث خلاف بين الأصوليين في المشترك فقال قوم: إنه واجب الوقوع، وقال آخرون: ممتنع الوقوع، وقال قوم: جائز الوقوع. قال الشوكاني: إن المشترك موجود في هذه اللغة ولا ينكر ذلك إلا مكابرة، والدليل على ذلك وجوده في القرآن كقوله تعالى: والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُو (1)، والقرء يطلق على الحيض {والطهر، وكقوله تعالى: فَأَصْبَحَتْ كَالصِّرِيم (2)، والصريم لغة يطلق على الليل والنهار، وكقوله تعالى: وَالَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (3): أقبل وأدبر.
يدج
ثالثاً الحاجة إلى المشترك: احتج من قال بوجوده بأن الألفاظ متناهية لاشتقاقها من الحروف المتناهية والمعاني غير متناهية لأن الأعداد منها وهي غير متناهية، والمتناهي إذا وزع على غير المتناهي لزم الاشتراك.
ومن
أن يقال: إن المواضعة تابعة لأغراض المتكلم الأدلة على الحاجة إليه هو وقد يكون للإنسان غرض في تعريفه شيئاً على التفصيل، وقد يكون غرضه تعريف ذلك الشيء على الإجمال بحيث يكون التفصيل سبباً للمفسدة كما روي عن أبي هريرة الله أن أبا بكر لما سأله رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: هاد يهديني السبيل
رابعاً حمل المشترك على جميع معانيه:
(4)
تشير القاعدة إلى أن المشترك يمكن حمله على أكثر من معنى، لذلك اختلف الأصوليون في حمل المشترك على جميع معانيه.
فالذي ذهب إليه الشافعي وجماهير الأصوليين هو أن المشترك يحمل على جميع
معانيه، واحتج لمذهبه بأن اللفظ استوت نسبته إلى كل واحد من المسميات فليس تعيين البعض منها بأولى من البعض، فيحمل على الجميع احتياطاً.
(1) سورة البقرة، الآية: 228.
(2) سورة القلم، الآية: 20.
(3) سورة الكوثر، الآية: 17.
(4) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (45).
397 - 397 (1/397)
صفحة 385
اجتهادات الإمام السالمي
الثاني: وقوعه في القرآن، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ وَمَلَكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيُّ (1)
الله رحمة ومن الملائكة استغفار، ومن الناس الدعاء، وأراد الله بهذا
والصلاة من اللفظ المعاني جميعها.
وذهب الحنفية وأبو هاشم وأبو الحسين البصري إلى منعه
(2)
أن
وحجتهم العرب إنما وضعت الاسم لكل معنى على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فإذا حمل على الجميع كان استعمالاً له في ضد ما وُضِع له وعكس ما قصد به (3). فروع القاعدة:
قوله تعالى: {وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ (4)، ولفظ المحيض مشترك بين زمان الحيض وبين مكان الحيض، لكن حمله على زمان الحيض منه محذور وهو عدم صحة الاستمتاع بالزوجة فيما فوق السرة ودون الركبة، وأما حمله على مكان الحيض فلا يلزم منه حرمة الاستمتاع فيما فوق السرة ودون الركبة فكان أولى (5).
ومن فروعها: قوله تعالى: {وَالْمُطَلَّقَتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَثَةَ قُرُو (6)، والقرء مشترك بين الحيض والطهر، فإذا حملناه على الطهر لزم منه تطويل العدة على المطلقة، وإن حملناه على الحيض لم يلزم. منه ذلك، فكان حمله على ما لا يلزم عنه
محذور أولى.
ومن فروعها قال في مرضه هذه الدار لمولاي من بعدي ثم مات، فإذا له مولى أعلى وهو السيد، ومولى من أسفل وهو عبد كان في يده قبل الموت لأن كلمة
(1) سورة الأحزاب، الآية: 56.
(2) انظر الاحكام للآمدي 352/ 2 والتمهيد للأسنوي ص 176 وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 313 وارشاد الفحول للشوكاني ص 20.
(3) التمهيد للأسنوي ص 176 وتخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص 314 وارشاد الفحول للشوكاني
ص 20
(4) سورة البقرة، الآية: 222.
(0) معارج الآمال 14/ 2. (6) سورة البقرة، الآية: 228.
398 - 398 (1/398)
صفحة 386
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
مولي مشترك لفظي بين السيد وبين العبد، وهذا الفرع ذكره فقهاء الحنفية والشافعية وصورته: أن هذا الموصي كان عبداً فأعتقه سيده فصار حراً ثم اشترى عبداً فصار له مولى وهو سيده باعتبار ما كان ومولى آخر وهو عبده الذي في ملكه، والوصية تصح للاثنين فإن كانت للسيد فهي بمثابة الشكر على أياديه ونعمته عليه بالعتق لأن العتق نعمة على المعتق لقوله تعالى: {وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكَ عَلَيْكَ زوجك (1)، قيل في التفسير: أنعم الله عليه بالإسلام وأنعمت عليه بالعتق. وإن كانت الوصية للعبد فهي بمثابة الشفقة والرحمة، لكن نظرنا فإذا بالعبد أو السيد قد ارتد عن الإسلام، فنحمل المشترك على المسلم دون غيره، والله أعلم.
(1) ,
المبحث الثالث
في التقعيد العقدي
[1] [البراءة لا تكون على شبهة] (2)
هذه القاعدة نص عليها الإمام السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن مؤخّرِ الزكاة بعد وجوبها. قال رحمه الله: وإن كان ممن يقر بالزكاة ويدين بها غير أنه بلي بالتواني فمات ممسك اللسان أو مفاجأة أخذت الزكاة من ماله ولم يبلغ به إلى أن يُحوّل عن ولايته التي كانت له من قبل كذا في الأثر ووجهه أن البراءة لا تكون على
شبهة» (3)
معنى القاعدة:
ومعنى هذه القاعدة أن المسلم إذا دخل في الولاية وقامت به يقيناً فلا تنزع
منه
إلا يقيناً.
(1) سورة الأحزاب، الآية: 37. (2) معارج الآمال 296/ 4.
(3) نفس المرجع.
399 - 399 (1/399)
صفحة 387
اجتهادات الإمام السالمي فروع القاعدة:
من فروعها أن من أخر الزكاة حتى مات أو الصلاة أو أي فريضة وكان ممن
يدين الله بها فلا تسقط ولايته، لأن من ثبتت ولايته بيقين فلا تزول إلا بيقين.
ومن فروعها المسائل المشكلة في العقيدة لا سيما في فروعها وكانت من المسائل التي تقوم على أدلة صحيحة في نظر أصحابها، فمثل هذه المسائل ينبغي أن لا تسلب الولاية. لأن منكرها في الحقيقة متأول ولا تكفير ولا تبديع مع التأويل. مثال ذلك: خلافهم في كلام الرب لا اله الا الله هل هو قديم أو مخلوق؟ فهذه مسألة لها شبه من الأدلة يعذر الله بها أصحابها واختلف فيها أصحاب المذهب الواحد.
ومن
أمثلة ذلك: من ينكر عذاب القبر متأولاً بعض الآيات، وهذه مسألة فروع عقيدة الإيمان بالغيب وقد يختلف فيها أصحاب المذهب الواحد.
من
ومن ذلك: مسألة التوسل بالنبي، فقد بدع فيها من بدع وكفر بها من كفر، هي في الحقيقة من المسائل الخلافية في فروع العقيدة.
ومنها: شد الرحال إلى قبر النبي. .
ومنها: مسألة رؤية الله تعالى في الآخرة، فمن نفاها استدل بقول الله تعالى: هولًا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِلُ الْأَبْصَر (1)، ومن أثبتها استدل بقول الله تعالى: لو وجوه يوميذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ال (2)، مع العلم أن كلا الفريقين متأول لأدلة الفريق
الآخر.
والحق يقال أن هذه الأمور المشكلة قد يعذر الله بها عباده فليعذر العباد بعضهم بعضاً ولا يكفرون في مسالك الظنون لأن التكفير لا يكون إلا بإنكار القواطع. ولقد أعلن العز بن عبد السلام موقفه الشجاع من هذه الأمور المشكلة ونفى أن يكفر أحد في
(1) سورة الأنعام، الآية: 103.
(2) سورة القيامة، الآيتان: 22 و 23.
400 - .. (1/400)
صفحة 388
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
مثل هذه الأمور، فقد ذكر ذلك في آخر كتابه القيم «قواعد الأحكام في مصالح
الأنام.
المهم أن ما قاله السالمي يكتب بماء العيون فضلاً عن أن يكتب بماء الذهب، وهذا المسلك منه رحمه الله يجمع الأمة الإسلامية على تعدد مدارسها ويحوطها بسياج من الأخوة الإسلامية المباركة فرحمه الله رحمة واسعة.
[2] [التكفير لا يكون إلا بالدليل القاطع] (1)
هذه القاعدة نص عليها العلامة السالمي رحمه الله في معرض كلامه عن حكم حلق العانة، قال رحمه الله: «سلمنا أن الأشياخ لم يحكموا بكفر من ترك الحلق فوق الأربعين فإنهم لم يحكموا بذلك لأن الخبر آحادي الإسناد فلا يفيد القطع فلا يصح معه بالتكفير، لأن التكفير لا يكون إلا بالدليل القاطع (2).
الحكم.
أقوال الأئمة في مسألة التكفير:
قال ابن دقيق العيد رحمه الله: «المخالفة في العقائد أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض أو تبديعهم، وأوجبت عصبية اعتقدوها ديناً يدينون به ويتقربون به إلى الله، ونشأ عن ذلك الطعن بالتكفير والتبديع وهو موجود كثيراً في الطبقة المتوسطة من المتقدمين. والذي تقرر عندنا أنه لا تعتبر المذاهب في الرواية إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر عن صاحب الشريعة صلوات الله وسلامه عليه (3).
(?)
وقال ابن حجر في نزهة النظر (4) والتحقيق أنه لا ير كل مكفر ببدعته فإن كل أن مخالفيها مبتدعة وقد تبالغ فتكفر مخالفيها، فلو أخذ ذلك على الإطلاق
طائفة تدعي
(1) معارج الآمال 898/ 1 (2) نفس المرجع السابق.
(3) الاقتراح في بيان الاصطلاح ورقة / 27.
(4) صفحة 100.
401 - 201 (1/401)
صفحة 389
اجتهادات الإمام السالمي
لاستلزم تكفير جميع الطوائف، فالمعتمد أن الذي ترد روايته من أنكر أمراً متواتراً من الشرع معلوماً من الدين بالضرورة وكذلك من اعتقد عكسه».
فمن خلال هذه النصوص يتضح أن تكفير المسلم لا يصح بإنكار ما ثبت بالآحاد وإنما يكفّر بإنكار متواتر عن صاحب الشريعة لا يقبل التأويل.
فروع القاعدة:
من فروع هذه القاعدة أن من أنكر حلق العانة ليس بكافر لأن حلق العانة وبعض خصال الفطرة لم تثبت بطريق متواتر قطعي الثبوت.
ومنها: أن منكر الإسراء كافر ومنكر المعراج فاسق لأن الإسراء ثبت بدليل قطعي الثبوت والدلالة، أما المعراج فقد ثبت بطريق ظني وهو خبر الواحد، إذ لم يرد في القرآن صراحة بل بطريق التلميح.
ومنها: خيار الشرط أو خيار المجلس ثبت كلاهما بخبر الواحد، فلا يكفر أحد بإنكاره، وقد أنكر مالك بن أنس حديث: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا» (1)، لأنه خالف عمل أهل المدينة، وقد شنّع عليه ابن أبي ذئب وربما كفّره ويبطل صنيعه أن التكفير لا يكون إلا بإنكار متواتر عن صاحب الشريعة وتكفير بعض العلماء في مثل ذلك
محض تعصب مقيت.
أما إنكار ما ثبت بقاطع وانعقد عليه إجماع الأمة المحمدية فذلك كفر صراح كإنكار الصلوات والزكاة والحج والجهاد في سبيل الله والاعتقاد بأن القرآن ناقص أو محرّف أو طرأ عليه تبديل أو تكفير أهل العصر الأول، وكل ما ثبت فإنكاره كفر.
صحيح البخاري، باب السهولة والسماحة. .، (1973)، 732/ 2، وصحيح مسلم، باب الصدق في
البيع والبيان، (3937)، 10/ 5.
402 - 402
(1) (1/402)
صفحة 390
الفصل الثالث
في فَنّ اللغة
تمهيد
اللغة العربية هي لغة الخطابات الشرعية التي خاطب الله بها العرب، وهي أشرف اللغات على الإطلاق، وقد جعلها الله تعالى لغة أهل الجنة.
وقد اختص الله تعالى هذه اللغة بخصائص ليست موجودة في غيرها من اللغات، ففيها الظاهر، وفيها الخفي المشكل، وفيها النص، وفيها المفسر، وفيها المؤول، وفيها الحذف، وفيها الإطناب وفيها الإضمار، وفيها الحقيقة وفيها المجاز، وفيها الصريح وفيها الكناية، وفيها التعريض، وفيها التورية وفيها العموم والخصوص، وفيها الإطلاق والتقييد وفيها العام الذي لا يقبل التخصيص، وفيها العام المراد به الخصوص، وفيها التقديم وفيها التأخير، وفيها التعريف وفيها التنكير، وهذه أمور تعترض الكلام العربي فتخل بالفهم، لذلك وجب في حق المجتهد أن يكون متمرساً في هذه اللغة فاهماً أساليبها التعبيرية، والدلالية غوّاصاً على المعاني يستخرج لآلئ
403 - 403 (1/403)
صفحة 391
اجتهادات الإمام السالمي
المعاني من أصداف الألفاظ، قادراً على توجيه الكلام في السياق والسباق، ومن لا يستطيع ذلك فليس له أن ينظر في الكتاب والسنة، فإن الكتاب والسنة لما كانا عربيين لم يكن لينظر فيهما إلا، عربي، وأما الأعجمي الطبع فليس له أن ينظر فيهما لأنه لا يصح له بذلك نظر ألبتة.
والإمام السالمي إمام في اللغة كما هو إمام في الفقه والأصول وعلوم السنة، يستثمر اللغة ليوظفها في خدمة الدليل في محيط الأحكام الفقهية والقواعد الأصولية. قد اكتملت فيه آلة الاجتهاد فإذا نظرت إليه وهو يستخرج الحقائق ويغوص في استنباط الدقائق ويُلحِقُ الأشباه بالنظائر ويرشد بالأدلة كل حائر، رأيته إماماً في
الفقه.
وإذا نظرت إليه وهو يسبر الأدلة العقلية والنقلية ناظراً في الخصوص والعموم، مستخدماً المنطوق والمفهوم والعبارة والإشارة متمرساً في التصريح والتلويح، قادراً على التوفيق والترجيح، علمت أنه إمام في الأصول قد اكتملت إمامته وظهرت علامته. وإن نظرت إليه وهو يوجه اللغة مميزاً بين صحيحها وسقيمها، موضحاً توجيهها وإعرابها، علمت أنه إمام في محرابها.
والمستقرئ لكتاب الإمام السالمي يقف على كثير من الاستدلالات اللغوية التي يخدم بها الدليل في عملية الترجيح على طريقة العلماء الراسخين والأئمة الفاهمين، وسوف يرى القارئ العزيز من شيخنا الفاضل ما يدهشه في هذا الباب، وقد تنوع أسلوبه في استخدام اللغة بين موجه للدليل وبين راد على الخصوم، وكل ذلك بأسلوب
بين واضح يكشف عن أصالته في اللغة وإمامته فيها.
المبحث الأول
في المسائل التطبيقية
وسوف أسوق رؤوس المسائل الفقهية التي استخدم فيها اللغة بين موجه للدليل
وراد على الخصوم من خلال المسائل الآتية.
404
404
- (1/404)
صفحة 392
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
المسألة الأولى: فرض الرجلين.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في فرض الرجلين.
فمذهب الجمهور ومنهم فقهاء الإباضية أن فرض الرجلين الغسل، ومذهب
الإمامية المسح.
وقال داوود والناصر من الزيدية بالجمع بينهما.
وذكر السالمي رحمه الله أن سبب الاختلاف القراءتان المشهورتان في آية الوضوء، قراءة من قرأ وأرجلكم بالنصب عطفاً على المغسول، وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفاً على الممسوح وهو الرأس، فمن أوجب الغسل جعل الأرجل معطوفة على الأيدي وهي قراءة النصب، ومن أوجب المسح جعل الأرجل معطوفة على الرؤوس وهي قراءة الجر، ومن أوجب الجمع بين الغسل والمسح نظر إلى أن المفروض أحدهما ولم يتبين له المراد منهما لاختلاف القراءتين فأوجب الحالين خروجاً من عهدة التكليف، ومن جعله مخيراً بين المسح والغسل نظر إلى اشتهار القراءتين وأن الأمة لم تردَّ واحدةً منهما، فلو لم يكن الفعلان جائزين لوجب ردُّ إحدى القراءتين أو بيان المراد من الآية ولم يحصل شيء من
ذلك.
قال رحمه الله: احتج المخالف على وجوب المسح بظاهر الآية فإن ظاهرها
،
عطف الأرجل على الرؤوس وذلك يوجب المسح قالوا: وكذلك القراءة بالنصب توجب المسح أيضاً وذلك أن قوله وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فرؤوسكم في محل نصب ولكنها مجرورة بالباء، فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفاً على محل الرؤوس، والجر عطفاً على الظاهر، وهذا مذهب مشهور النحاة، فظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله وأرجلكم هو قوله «وامسحوا»، ويجوز أن يكون هو قوله «فاغسلوا لكن العاملين إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله وأرجلكم» هو قوله «وامسحوا» فثبت أن قراءة وأرجلكم بنصب اللام توجب المسح أيضاً ... قلنا: جعل الأرجل في قراءة النصب معطوفة على محل الرؤوس خلاف الظاهر لأن الظاهر عطفها
405_ {.0 (1/405)
صفحة 393
اجتهادات الإمام السالمي
على الأيدي أو الوجوه لاتفاق إعرابها والقاعدة في العاملين إذا توجها على معمول واحد إنما هي فيما لم يقم دليل أن العمل لأحدهما. واتفاق الإعراب دلالة على الاشتراك في العمل، واختلاف الإعراب أمارة على اختلاف العاملين. فإذا وجدنا منصوباً مقروناً بمجرور فإن رأينا للمنصوب منصوباً مثله يصلح أن يكون عطفاً عليه
رددناه إليه، وإن لم نجد ذلك جعلناه معطوفاً على محل المجرور إن أمكن (1).
فقد استعمل السالمي اللغة للرد على مذهب الخصم وجعل الحكم في ذلك الحمل على ظاهر اللغة لأن الظاهر كما يقول عطفها على الأيدي أو الوجوه لاتفاق إعرابها. والقاعدة التي استدل بها الخصم في العاملين إذا توجها على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى الخ ... إنما هي فيما لم يقم دليل أن العمل لأحدهما، واتفاق الإعراب دلالة على الاشتراك في العمل، واختلاف الإعراب أمارة على اختلاف العاملين إلخ ما قال.
ومؤدى كلامه أن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ يكون حق الرأس المسح لكونه معمولاً للباء في برؤوسكم بدليل حركة الإعراب التي هي الكسر، أما الأيدي والوجوه فحقها الغسل لكونها معمولاً لفعل «فاغسلوا بدليل حركة الإعراب التي هي الفتح، وهذا معنى كلامه رحمه الله: واختلاف الإعراب دليل على اختلاف العاملين».
المسألة الثانية: تعريف الكعبين.
قال السالمي رحمه الله: مذهب جمهور الفقهاء أن الكعبين عبارة عن العظمين الناتئين من جانبي الساق.
وقالت الإمامية وكل من ذهب إلى وجوب المسح: إن الكعب عبارة عن عظم
،
مستديرة مثل كعب البقر والغنم، موضوع تحت عظم الساق حيث يكون مفصل الساق والقدم، وهو قول محمد بن الحسن، وكان الأصمعي يختار هذا القول ويقول: الطرفان الناتئان يسميان المنجمين هكذا رواه القفال في تفسيره.
(1) معارج الآمال 332/ 1.
406 - 406 (1/406)
صفحة 394
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
قال محشي الإيضاح: لكل رِجْل كعبان على المعروف عند أهل اللغة قيل قوله تعالى: إِلَى الْكَعْبَين إشارة إلى الناتئين في مفصلي الساقين لأن لليد مرفقاً واحداً فلو كان المراد الناتئ في ظهر القدم لكان لكل رجل كعب واحد، فكان يقول إلى الكعب كما يقول إلى المرافق لتقابل الجمع بالجمع، فلما عدل عنه إلى التثنية دل على أن مراده
الكعبان اللذان في أطراف الساق، فيصير معنى الآية: اغسلوا كل رجل لكعبيها. وقد نقل بعض قومنا الإجماع على غسل الكعبين الناتئين في مفصلي الساق (1). وهنا استعمل توجيه اللغة لتصحيح مذهبه ورد مذهب الخصم على طريقة الجدليين الراسخين في علم الجدل أو ما يسمى بعلم البحث والمناظرة وهو دأب المجتهدين الكاملين في الاجتهاد!.
المسألة الثالثة: في حكم اليدين قبل إدخالهما في الإناء.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، فمذهب الإباضية والجمهور أن غسلهما مندوب وحملوا الأمر على الندب. وذهب أحمد إلى أن ذلك واجب من نوم الليل خاصة أخذاً من ظاهر الحديث وهو قوله: أين باتت يده لأن المبيت إنما هو عبارة عن السكوت ليلاً.
لا يدري
قال السالمي رحمه الله: «قد ذكر غير واحد من أهل العربية أن بات في الحديث
بمعنى صار فلا يتقيد
الليل (2). بنوم
وفي هذا الفرع يستعمل اللغة للرد على خصمه وتصحيح مذهبه كالمسائل السابقة.
المسألة الرابعة: في ترتيب الأعضاء في الوضوء.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الناس في هذه المسألة، فذهب الربيع من فقهاء
الإباضية والشافعي وأحمد وأبو عبيد وأيوب إلى أن الترتيب شرط.
،
وقال أبو حنيفة ومالك: ليس الترتيب شرطاً.
(1) معارج الآمال 373/ 1 (2) معارج الآمال 380/ 1.
407 - 407 (1/407)
صفحة 395
اجتهادات الإمام السالمي
احتج من قال إن الترتيب شرط لصحة الوضوء بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصلوةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم الآية واحتجاجهم بها من وجوه:
الأول: أن قوله وإذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ يقتضي وجوب الابتداء بغسل الوجه لأن الفاء للتعقيب وإذا وجب الترتيب في هذا العضو وجب في غيره لأنه لا قائل بالفرق.
قال السالمي: واعترض بأن فاء التعقيب إذا دخلت في جملة هذه الأعمال فجرى الكلام مجرى أن يقال: إذا قمتم إلى الصلاة فأتموا مجموع هذه الأفعال. وأجيب بأن فاء التعقيب إنما دخلت على الوجه لأن هذه الفاء ملتصقة بذكر الوجه، ثم إن هذه الفاء بواسطة دخولها على الوجه دخلت على سائر الأعمال، وعلى هذا دخول الفاء في غسل الوجه أصل ودخولها على مجموع هذه الأعمال تبع لدخولها على غسل الوجه، ولا منافاة بين إيجاب تقديم غسل الوجه وبين إيجاب مجموع هذه الأفعال.
،
فنحن اعتبرنا دلالة هذه الفاء في الأصل والتبع وأنتم ألغيتموها في الأصل واعتبرتموها في التبع فكان قولنا أولى.
قال: قلتُ: وهذا الجواب غير دافع لهذا الاعتراض لأن المعترض يقول: إن المذكور في عطف الأعضاء بعضها على بعض في الآية هو الواو لا الفاء، وأن الفاء إنما دخلت على المجموع حقيقة كأنه قيل: إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا الأعضاء الثلاثة كما في قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَوَةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا البيع) (1).
(1)
وحاصل الاعتراض أن الفاء إنما عطفت الجملة التي فيها غسل الأعضاء لا الأعضاء نفسها. وهذا الاعتراض لا جواب له إلا أن يتمسك القائلون بذلك بما قيل عن بعضهم إن الواو للترتيب، وقد ردَّ بأنها لا تقتضي الترتيب إلا بقرينة، وأما نفس وضعها
فلمطلق الجمع (2)
(1) سورة الجمعة، الآية: 9. (2) معارج الآمال 1/ 384.
408 - . A (1/408)
صفحة 396
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المسألة الخامسة: مس الرفغين.
،
ذكر السالمي أقوال أهل اللغة في معنى الرفغ قال رحمه الله: «فإن الرفغين تثنية رفع بضم الراء وهو ما حول الفرج، وقد يطلق على الفرج. وقال ابن فارس: أصل الفخذ، وسائر المغابن وكل موضع اجتمع فيه الرسغ فهو رفغ. وقال ابن السكيت: هو أصل الفخذ، والمراد به هنا هذا المعنى
(1)
وهنا يستعمل أقوال أئمة اللغة في تحديد معنى من المعاني وترجيحه على غيره.
المسألة السادسة: صفة الفرج الناقض مسه.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في نقض الوضوء بمس الدبر، فقال أبو نوح: لا ينقض الوضوء شيء منه إلا الإحليل، والدبر، ولم ير ابن المعلى نقض الوضوء على من مس دبره أو دبر، غيره ولعله قصد بدبر الغير دبر زوجته أو سريته، وكان حيان الأعرج يقول: لا ينقض الوضوء مس الذكر إلا من حيث يخرج البول، وأما القضيب فلا.
حجة أبي نوح ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «من مس الفرج الأسفل والأعلى فليتوضأ». وحجة من قال بنقض الوضوء من مس الدبر عموم قوله: «أيما رجل أفضى بيده إلى فرجه فمسه بكفه انتقض وضوؤه (2).
قال الخليل: «الفرج اسم يشمل جميع عورات الرجال والنساء. والقبلان وما حواليهما كله فرج. وقال حميد بن ثور:
كأن هزيز الريح بين فروجه أحاديث جن زرن جن جهنما (3)
(1) معارج الآمال 444/ 1.
(2) سنن ابن ماجه باب الوضوء من مسند الذكر (487) 162/ 1، سنن الدارقطني، باب ما روي في مس القبل والدبر (538) 96/ 2، سنن النسائي، باب الوضوء من مس الذكر (444) 216/ 1، صحيح ابن حبان، باب نواقض الوضوء (1114) 398/ 3، مسد أحمد (22317) 244/ 47 كلهم بلفظ قريب.
(3) في الكتاب:
كان هزيز الريح بين فروجه أحاديث جن زرن جنابجهنما
409
- {+ q (1/409)
صفحة 397
اجتهادات الإمام السالمي
يعني بالفروج ما بين قوائمه وجهنم موضع كثير الجن بالغور. وأهل العربية
حجة في عربيتهم، واللغة لا تخصص بالقياس
(1)
وفي هذه المسألة يستخدم السالمي اللغة في تقوية دليل المستدل وتوجيه حديث النبي صلى الله عليه وسلم على مقتضى اللغة لأن الحقائق اللغوية هي أسبق الحقائق وجوداً وإن كانت أضعفها استعمالاً لأن طروء الحقائق الشرعية والعرفية قد أضعف الحقيقة اللغوية، لكن إذا لم تنقل الحقائق اللغوية عن وضعها إلى الاستعمال الشرعي أو العرفي تبقى حجة، وهذا معنى قول السالمي رحمه الله: وأهل العربية حجة في عربيتهم.
المسألة السابعة: في إمرار اليد على البدن حال الغسل.
ذكر السالمي رحمه الله تعالى اختلاف الناس في إمرار اليد على البدن حال الغسل فقال بعضهم: إمرار اليد على البدن شرط لا يتم الغسل إلا به وهو قول في المذهب الإباضي وعبر بعضهم عنه بالدلك.
وقيل: إن إمرار اليد ليس بشرط في صحة الغسل بل يجزئ في ذلك وصول الماء إلى البدن واحتجوا بحديث: إذا وجدت الماء فامسسه بشرتك» (2)، وأيضاً: فإن اسم الغسل في اللغة يطلق على صب الماء من غير أن يكون هنالك إمرار يد، ومن ذلك قول الشاعر:
وبتنا جميعاً ناعمين بلذة تحدثني طوراً وأنشدها الغزل وجاءت سحابة فاغتسلنا بقطرها وما عملت كفي عراكاً لمغتسل والجواب عن الحديث أن المراد بإمساس البشرة نفس الغسل المشروع من صب الماء وإمرار يد على الكيفية المشروعة، ولولا ذلك لبين المراد منه. وأما قول الشاعر فإنه استعمل اسم الغسل في صب الماء بلا دلك تجوزاً إذ لو لم يكن متجوزاً لما احتاج إلى قوله وما عملت كفي عراكاً لمُغتسل، فالبيت دليل على أن الغسل في اللغة صب
(1) معارج الآمال 457/ 1.
(2) رواه أحمد عن رجل من بني عامر بلفظ قريب 146/ 5.
410 - 410 (1/410)
صفحة 398
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
الماء
مع إمرار الكف حيث كان هو المتبادر فمن ثم احترز بقوله وما عملت
الخ» (1)
كفي ... الخ (1).
فقد استعمل اللغة لتصحيح مذهبه والرد على مذهب الخصم.
المسألة الثامنة: في معنى الحيض.
ذكر السالمي رحمه الله كلام أئمة اللغة في معنى الحيض، فقيل: هو بمعنى الانفجار، وقيل: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال، وقيل: مأخوذ من اجتماع الدم ومنه سمي الحوض لاجتماع الماء فيه، ورُدَّ بأن الحوض واوي وهذا يائي، وأجيب بأن العرب تبدل الواو بالياء قال: وقال بعض أئمة اللغة إن أردت الحالة المستمرة قلت حايض وطئهر وطئلق، وإن أردت الحالة الحاضرة قلت حائضة وطئهرة وطئلقة والمحيض اسم يراد به الحيض وهو خروج الدم من فرج
المرأة لا كل خروج دم وقيل: هو أصل في نفسه لا اشتقاق له، وقيل: بل مشتق لأن المحيض إما مصدر ميمي أو اسم مكان أو اسم زمان ميمي وذلك أن ميمي
مفعل على ثلاثة أوجه:
فيطلق على الفعل كقولك: حاضت محيضاً مثل سار مسيراً.
وعلى الوقت كقولك: جاء وقت المحيض كالمسير.
وعلى الموضع الذي يكون فيه، فالفرج محيض كالبيت مبيت لأنه يبات فيه.
،
قال: وزعم ابن السكيت أنه إذا كان الفعل من ذوات الثلاثة نحو كال يكيل وحاض يحيض وأشباهه فإن الاسم منه مكسور والمصدر مفتوح من ذلك: مال ممالاً وهذا مميلة يذهب بالكسر إلى الاسم وبالفتح إلى المصدر، ولو فتحهما جميعاً أو كسرهما جميعاً في المصدر والاسم لجاز، تقول العرب: المعاش والمعيش، والمغاب
والمغيب، والمسار والمسير
(4)
(1) معارج الآمال 638/ 1. (2) معارج الآمال 14/ 2.
411 - 411 (1/411)
صفحة 399
اجتهادات الإمام السالمي
فهذا بحث في اللغة وهو مهم جداً لفهم قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ في المحيض (1)، فهل المحيض مصدر ميمي أو اسم زمان ميمي أو اسم مكان ميمي؟. وتترتب على معرفة ذلك أحكام كثيرة فإن كان مصدراً من حاض يحيض وجب اجتناب المرأة في الحيض نفسه وهو الدم. وإن كان اسم زمان ميمياً وجب اجتناب المرأة الحائض في زمن الحيض، وعليه فليس له مباشرتها فوق الإزار.
وإن كان اسم مكان ميمياً وجب اجتناب الحائض في مكان الحيض وهو الفرج وما حوله لأن للحريم حكم ما هو حريم له فما دون السترة هو حرم للفرج فيجب اجتنابه أثناء الحيض للحديث الوارد في مباشرة الحائض فوق الإزار.
فهل علمت ما فائدة البحث الذي أثاره الإمام السالمي رحمه الله؟ وهل علمت
أيضاً أن هذه طريقة الأئمة المجتهدين والأئمة الراسخين؟!
المسألة التاسعة: في بيان أقل الحيض وأكثره.
ذكر السالمي اختلاف العلماء في أقل الحيض وأكثره، فقيل: أقله وليلة يوم وأكثره خمسة عشر يوماً. وقيل: أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام. وقيل: أقله يومان، وقيل أقله ساعة. قال الشيخ عامر: وهو شاذ. وقيل: أقله دفعة. وروي عن مالك وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا: الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام، واستدل هؤلاء بقوله: «دعي الصلاة أيام أقرائك» (2)، ولفظ الأيام مختص من الثلاثة إلى العشرة لأنك تقول: ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام، ولا تقول: أحد
عشر أيام إلى ما فوق ذلك.
ورد بأن العرب تقول: أيام الصيف وأيام الخريف وأيام بني أمية وأيام حياتك،
فقد أطلقت هنا على الأشهر والسنين.
(1) سورة البقرة، الآية: (222).
(2) تقدم تخريجه.
412 - 412 (1/412)
صفحة 400
غير
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال رحمه الله: وأجيب بأن إطلاق الأيام على الثلاثة إلى العشرة حقيقة وعلى ذلك مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة ما لم ترد قرينة على إرادة غيرها (1).
وهنا يوجه اللغة بما يخدم دليله ويرجحه على دليل الخصم.
المسألة العاشرة: حكم من ولدت ولم تر الدم.
ذكر السالمي خلاف أهل العلم في ذلك، فبعضهم أوجب الغسل عليها وإن لم تر الدم وهو قول أبي سعيد رحمه الله. وقال أبو محمد الصلاة عليها واجبة بعد الاغتسال. قال السالمي رحمه الله: قلتُ: والخلاف في وجوب الاغتسال عليها نقله الشيخ إسماعيل في قواعده والقطب في جامع الوضع وحاشيته، ولعل القائلين بوجوب الغسل عليها نظروا إلى معنى النفاس في اللغة فإنه في أصل اللغة بمعنى الولادة كما مر، وأما من لم يلزمها ذلك فقد نظر إلى معنى النفاس في الشرع (2).
فقد استعمل اللغة في توجيه كلام الأئمة وبيان سبب وبيان سبب الخلاف.
المسألة الحادية عشرة: في حكم دخول الجنب المسجد.
نقل السالمي رحمه الله عن الشيخ عامر صاحب الإيضاح ثلاثة أقوال:
أحدها: المنع
مطلقاً.
والقول الثاني: الإباحة مطلقاً.
والقول الثالث: المنع إلا لعابر سبيل فيه. وقال أبو سعيد: يشبه الاتفاق من معاني قول أصحابنا أنه لا يدخل الجنب المسجد إلا لضرورة.
احتج المانعون بقول الله تعالى: {ولَا تَقْرَبُوا الصَّلوةَ وَأَنتُمْ سُكَرَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تقُولُونَ وَلا جنبا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (3).
(1) معارج الآمال 2/ 28 و 29.
(2) معارج الآمال 119/ 2. (3) سورة النساء الآية: 43.
413 - 413 (1/413)
صفحة 401
اجتهادات الإمام السالمي
وجه الدلالة أن الصلاة هنا يراد بها مواضع الصلاة على حذف المضاف وهو مجاز مشهور والقرب والبعد لا يصحان على نفس الصلاة على سبيل الحقيقة وإنما يصحان على المسجد، كقوله تعالى: {قَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فيها اسم الله كثيرا (1)، إذ المراد بالصلوات مواضعها، وهذا من باب حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه
(2)
قلت: وقد ذكر أبو إسحاق الشيرازي في كتابه (شرح اللمع في أصول الفقه) أن أبا العباس بن سريج قد تناظر في هذه المسألة قد تناظر في هذه المسألة مع أبي بكر محمد بن داوود الظاهري وكان قريناً له وصديقاً، فاحتج ابن سريج بقوله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضُهُم بِبَعْضٍ هَدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فيها اسم الله كثيرا، فقال أبو العباس: الصلوات لا تُهدم حقيقة وإنما أراد موضع الصلاة وعبر بالصلوات عنها على سبيل المجاز، فحذف المضاف وأقام مكانه المضاف إليه، فلم يكن لأبن داوود عنه جواب على حد تعبير أبي العباس)
(3)
فقد لجأ إلى اللغة لأجل تقوية دليله ورد أدلة الخصم.
المسألة الثانية عشرة: في عذاب القبر ونعيمه.
(4) «
هذه المسألة سبق ذكرها عند الكلام على القواعد الأصولية الاجتهادية عند السالمي أثناء الكلام على قاعدة المفسر قاض على المجمل أما هنا فالغرض من الكلام عليها هو الاستدلال باللغة في رد دليل الخصم وبيان
ضعفه.
وملخص هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ومنهم الإباضية يثبتون عذاب القبر
ونعيمه. وذهب البعض منهم إلى نفيه.
(1) سورة الحج، الآية: 40.
(2) معارج الآمال 144/ 2. (3) الإبهاج شرح المنهاج 297/ 1. (4) معارج الآمال 227/ 4.
414 -
414 (1/414)
صفحة 402
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
استدل الجمهور بأدلة كثيرة ذكرها الإمام السالمي منها قوله تعالى: {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوا وَعَشِيّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا وَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (1). وجه الدلالة: أنه لا يتأتى عذابهم غدواً وعشياً إلا في القبر، وقوله تعالى {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ هذا نوع آخر من العذاب وهو في الآخرة.
أجاب أبو طاهر بأن هذا التفسير لقوله تعالى: {وَحَاقَ بِشَالِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (2) وأنه يريد بذلك يوم القيامة، وأن في الآية تقديماً وتأخيراً، والمعنى: يوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وحاق بهم سوء العذاب النار يُعرضون عليها غدواً وعشياً. وأن قوله: {غُدُوا وَعَشِيّا من مجاز اللغة والمراد به الاستمرار على حد قوله تعالى: {وَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّا (3) وأن كل واحد من المجاز، والتقديم والتأخير واقع في القرآن وهو من طرق اللغة المشهورة.
وأجاب السالمي رحمه الله بقوله: «قلنا هذا تكلف بغير ضرورة وخروج عن الظاهر بغير دليل، وعدول عن الأصل بغير مقتض. وأما الآيات التي وقع فيها نظير ذلك فإنها مخالفة لهذه الآية لوجود المقتضي وظهور الدليل، ولا يصح أن يحمل عليها غيرها مما لم يكن مثلها في الدلالة لأن ذلك تخصيص للعموم بغير مخصص وعدول به عن ظاهره بغير دليل وأما قوله تعالى: {وَلَمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيا فالاستمرار فيها ظاهر وليست آية العذاب مثلها فإن فيها قوله: {يُعْرَضُونَ عَلَيْها وهو يقتضي التجدد والحدوث مرة بعد أخرى، ولا كذلك آية الثواب. ثم إن القادر الحكيم قد أنزل الآية على طريقة يفهم منها بظاهرها المعنى المراد منها، وتأويلها على خلاف ذلك صرف لها عن هذا المفهوم إلى معنى لم يفهم إلا من لفظ المتأول فلو أراد الله من الآية ما ذكره لأنزلها على حال يدل على ذلك المعنى.
ثم إنك لو ذهبت تتأوَّل القرآن بمثل هذا التأويل لوجدته ممكناً في كل آية لأن
(1) سورة غافر، الآية: 46.
(2) سورة غافر، الآية: 45.
(3) سورة مريم، الآية: 62.
415 - 415 (1/415)
صفحة 403
اجتهادات الإمام السالمي
طريقه التعكيس فتنقلب بذلك جميع معاني القرآن ويأبى الله ورسوله والمسلمون
ذلك (1).
هذا النص العزيز فوائد عظيمة:
الفائدة الأولى: أن الأصل في فهم معاني كلام الله أن تحمل على الظاهر حتى يقوم مقتض لصرف الكلام عن ذلك الظاهر.
الفائدة الثانية: أن هذا التأويل متكلف ممجوج، ولو فتح هذا الباب لتأويل كلام الرب لانقلبت جميع معاني القرآن على نحو يأباه الله ورسوله والمؤمنون.
الفائدة الثالثة: أن الاتكاء دائماً على المجاز لا
علاقة وقرينة، أما التجوز بغير علاقة ولا قرينة فغلط كبير.
يصح.
يصح، لأن التجوز يحتاج إلى
وأما التقديم والتأخير فلا بد له من قيام المقتضي لذلك، أما من غير مقتض فلا
الفائدة الرابعة: أنه يجب حمل كلام الله على المعنى المتبادر عند الجمهور من الناس، أما حمله على معانٍ غير مفهومة إلا عند المتأول فإن هذا عبث في الكتاب
العزيز.
ما
الفائدة الخامسة: وهي أهمها أن الإمام السالمي عمل على إظهار الفارق بين جعله المعترض أصلاً وبين ما جعله فرعاً ليصح له الحمل فأبطل ذلك القياس بقوله: وأما الآيات التي وقع فيها نظير ذلك فإنها مخالفة لهذه الآية لوجود المقتضي وظهور الدليل، ولا أن يصح يحمل عليها غيرها مما لم يكن مثلها في الدلالة لأن ذلك
تخصيص للعموم بغير مخصص وعدول به عن ظاهره بغير دليل.
فرَدَّ قياس المخالف وأتى بنيانه من القواعد، فلله دره!!.
(1) معارج الآمال 226/ 4.
416 - EIT (1/416)
صفحة 404
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المسألة الثالثة عشرة: في جمع لفظ «شاة».
قال رحمه الله معلقاً على قول الناظم ثلاث شوهات (1) قال: وقوله: «ثلاث
شوهات»
جمع
شاة جرى فيها على اصطلاح العامة من أهل البلاد، ولا تُجمع العربية على ذلك وكأن هذا الاصطلاح العامي نظر إلى الأصل فإن أصل الشاة شاهة، حذفت الهاء الأصلية وأثبتت الهاء التي هي العلامة التي تنقلب تاءً في الإدراج.
وقيل في الجمع شياه كما قالوا: ماء ومياه، والأصل ماهة.
وقال ابن سيدة: جمعه شاء أصله شاه وشياه وشواه بكسرها» وإشاوة، وشوي وشية، كعنب وشيه كسيد والثلاثة الأخيرة اسم للجمع، ولا يجمع بالألف والتاء كان الجمع جنساً أو مسمى به.
فأما شِيَه فعلى التوفية وقد يجوز أن يكون فعلاً ثم وقع الإعلال بالإسكان ثم وقع
البدل للخفة.
وأما شوي: فيجوز أن يكون أصله شوية على التوفية ثم وقع البدل للمجانسة لأن قبلها واواً وياء وهما حرفا علة ولمشاكلة الهاء الياء، ألا ترى أن الهاء قد أُبْدِلَتْ من الياء فيما حكاه سيبويه من قولهم (ذه) في (ذي). . وأما شِيَة: فبين أنه شيوه أبدلت الواو ياء لانكسار الواو ومجاورتها الياء.
قال رحمه الله: وأما شوهات فلقلب الألف واواً وردّ الهاء الأصلية كما فعل ذلك في التصغير فقيل شويهة وزيادة الألف والتاء للجمع السالم، فهذا وجه الاصطلاح
العامي
(2)
والواضح هنا قدرة السالمي رحمه الله على تأصيل اللغة العامية وهذا ليس بالأمر
(1) قال الناظم:
إن إيلاً خمساً فشاةٌ وذكر في العشر شاتين وفي خمس عشر ثلاث شوهات وإن خمس تَزِدْ فزدلها شاة وهذا فاعتمد
(2) معارج الآمال 506/ 4.
417 - 417 (1/417)
صفحة 405
اجتهادات الإمام السالمي
السهل والمعاني التي نقلها عن ابن سيدة لمحض العلم والمعرفة وهذا غرض
•
صحيح.
المسألة الرابعة عشرة: في اختلاف العلماء في معنى الفقير والمسكين.
ذكر السالمي ستة عشر قولاً في بيان معنى الفقير والمسكين. ونحن نريد ما يهمنا في بحثنا وهو اللجوء إلى اللغة في تحديد المعاني وتقوية الأدلة وتوجيهها، وخلاصة القول في هذه المسألة أن من قال إن الفقير أسوأ حالاً من المسكين بأن اشتقاق اسم الفقير من المفقور وهو الذي نزعت فقرة من فقار ظهره.
هي
وأجيب عنه بالمنع لجواز أن يكون الفقير مأخوذاً من فقرتُ له فقرةً من مالي: أي قطعة منه، فيكون الفقير له قطعة منه لا تغنيه وهذا منقول عن الأخفش (1).
واستدل من قال بأن المسكين من سكن قلبه قال الإمام السالمي معقباً: والجواب عن ذلك أنا لا نسلم بأن المسكين من سكن قلبه وذلك لأنه أمر لا تدركه اللغة الحواس، ووضع مبني على مدرك الحواس دون المعاني الباطنة (2).
وفي هذا السياق نرى السالمي يستخدم اللغة لتقوية دليل المستدل ورد دليل الخصم، وهو من أكثر الأغراض التي دعت الإمام السالمي رحمه الله لاستعمال اللغة.
المسألة الخامسة عشرة: في صيام هذه الأمة قبل فرض رمضان.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في وجوب صيام أيام قبل رمضان، فقيل: لم يجب على هذه الأمة صوم قبل رمضان، وما وقع من صوم قبله فتطوع. وقيل: بل كان عليهم قبل رمضان صوم وهو قول معاذ وقتادة وعطاء ورواه عن ابن عباس ثم اختلف هؤلاء في عدد الأيام، فقيل: ثلاثة وقيل ثلاثة أيام من كل شهر وصوم
(1) باختصار من معارج الآمال 701/ 4.
(2) وهذه قاعدة مهمة وقد شرحتها في معجم القواعد الفقهية الإباضية. وانظر معارج الآمال للسالمي 4/ 701 باختصار وانظر 704/ 4
418 - 418 (1/418)
صفحة 406
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
عاشوراء، واتفقوا على أنه منسوخ بصوم، رمضان واحتج هؤلاء بوجوه منها قوله تعالى: {أَيَامًا مَعْدُودَات (1) مع قوله تعالى: شهر رمضان (2) فإنه يدل الأيام غير الشهر وذلك من وجهين: أحدهما: أن الأيام صيغة قلة وهي حقيقة فيما دون العشرة، والشهر ثلاثون يوماً أو تسعة وعشرون يوماً، ثم إن وصفها بالمعدودة يؤذن بذلك.
جمع
وأجاب السالمي عن ذلك بأن الأيام وإن كانت قلة، وأن حقيقتها فيما دون العشرة فإن ذلك لا يمنع من استعمالها في الكثرة مجازاً لقرينة، والقرينة ها هنا قائمة وهي تفسيرها بشهر رمضان وكونها معدودة لا يستلزم قلتها بل المراد أنها مضبوطة
بالحساب
(†)
فإن ضبطها من التعبد، وتفسيرها بالشهر مستقيم لأنه تعالى قال: أولاً: كتب عليكُمُ الصِّيَامُ} (3) وهذا محتمل ليوم ويومين وأيام، ثم بينه بقوله تعالى: أَتاما معدودات فزال بعض الاحتمال، ثم بيَّنه بقوله: شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْهَانُ) فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره وإثبات النسخ فيه لأن كل ذلك زيادة لا يدل اللفظ عليها (4).
المسألة السادسة عشرة: في تسمية شهر رمضان.
قال السالمي رحمه الله: واختلفوا في اشتقاقه قال الخليل: إنه مشتق من الرمضاء بسكون الميم وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض من الغبار، والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة.
وقيل: مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والاسم
(1) سورة البقرة، الآية: 184. (2) سورة البقرة، الآية: 185. (3) سورة البقرة، الآية: 183. (4) معارج الآمال 12/ 5.
419 - 19 (1/419)
صفحة 407
اجتهادات الإمام السالمي
الرمضاء، فسمى هذا الشهر بهذا الاسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع،
أو مقاساة شدته، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم. وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت
فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر.
وقيل: سمي بهذا الاسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وفيه حديث عن النبي إنما سمى رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله» (1).
وقيل: مأخوذ من قولهم: رمضت النصل أرمضه رمضاً: إذا دفعته بين حجرين ليرق، فسمي هذا الشهر بهذا الاسم لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم ليقضوا منها
(2)
أوطارهم (2)
فالسالمي يحشد هذه الاشتقاقات لأنه يأخذ من كل اشتقاق معنى لغوياً تظهر من
6
خلاله صلة القربى بينه وبين المعنى الاصطلاحي الشرعي فإن تكثير المعاني للفظ الواحد باعث على الإقدام على امتثال الأمر بموجباته وأدعى إلى اطمئنان النفس و استئناسها به فإنه يحصل الانشراح بالأنس ما لا يحصل بغيره، فإذا عقل المكلف من الرمضاء معنى الطهارة والغسل، طمع أن يغسل الله به ذنوبه ويطهره من الخطايا، أو عقل منه معنى رمض الذنوب وحرقها طمع أن يحرق الله ذنوبه ببركة هذا الشهر المبارك، أو عقل منه رمض النصل إذا دفعه بين حجرين ليرق طمع أن يرق قلبه بسبب الصوم حيث يتذكر جوع الفقير فيرق قلبه على الفقراء والمساكين ويشعر بآلامهم فيشعر برقة في قلبه تجاههم.
هذه فوائد البحث عن معاني اللفظ عند السالمي رحمه الله تعالى.
المسألة السابعة عشرة: في الوقت الذي يجب فيه ابتداء الصوم.
قال السالمي رحمه الله: هو طلوع الفجر الصادق لقوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُم
(1) رواه الديلمي في الفردوس بلفظ قريب عن أنس بن مالك رقم (2339)، 60/ 2. (2) باختصار من معارج الآمال 35/ 5.
420 - 420 (1/420)
صفحة 408
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الخيط الأبيض من الخيط الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (1) وهو اسم للنور الذي يظهر بالمشرق مستطيلاً منتشراً، به ينقضي الليل. وأصله مصدر من قولك: فجرتُ الماء أفجره فجراً، فسمي به ذلك النور، فهو من التسمية بالمصدر.
وقال الأزهري: الفجر أصله الشق وعليه فهو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح. و (من) في قوله (من الفجر) قيل: للتبعيض لأن المعتبر في وجوب الصوم بعض الفجر وهو أوله (2).
فأنت
ترى الإمام السالمي رحمه الله يحرص على إظهار المعاني اللغوية الأصلية والثانوية لأنه يتوقف عليها استنباط الأحكام الشرعية.
فمثلاً نلحظ من معنى الفجر الذي هو انشقاق ظلمة الليل أن المستحب للصائم تأخير السحور إلى انجلاء الظلام وظهور نور الصبح كما نلحظ ذلك من معنى التبعيض في قوله تعالى: {مِنَ الْفَجْرِ فإن المعتبر في وجوب الصوم بعض الفجر وهو أوله، وهذا يكون في آخر الليل والصحابة الكرام قد فهموا من النبي صلى الله عليه وسلم تأخير السحور وكانوا يأكلون ويشربون حتى تبدو رؤوس الجبال، ولا يكون ذلك إلا بظهور النور وذهاب الظلمة.
،
6
المبحث الثالث
استخدامه فن التفسير
فن التفسير فن عظيم به يقتدر على فهم كلام الله تعالى واستنباط الأحكام ومعرفة دلالات الآيات التي تشتمل على الأوامر والنواهي، والعموم والخصوص، والإطلاق والتقييد والناسخ والمنسوخ، ومعرفة أسباب النزول والحروف التي نزل عليها القرآن الكريم، ولكونه يتعلق بالوجوه والأحوال التي نزل عليها القرآن كمعرفة المكي والمدني وخصائص كل نوع ومعرفة ما نزل في مكة وحكمه لأهل المدينة، وما نزل في المدينة
(1) سورة البقرة، الآية: 187.
(2) معارج الآمال 40/ 5.
421 - 421 (1/421)
صفحة 409
اجتهادات الإمام السالمي
وحكمه لأهل مكة، ومعرف الآيات المكية في السور المدنية والآيات المدنية في السور المكية، ومعرفة ما نزل في الصيف وما نزل في الشتاء، وما نزل ليلاً وما نزل نهاراً، وما نزل مشيعاً وما نزل مفرقاً، وهذه علوم يتمرس بها المفسر لكتاب الله ويحتاج إليها نهاية الأمر مطالب بأن يكون على دراية تامة بتفسير القرآن ومعرفة
المجتهد لأنه
القواعد المساعدة على ذلك.
والإمام السالمي قد عوّل في كتابه على أقوال المفسرين في استنباط الأحكام الفقهية ومعرفة مقاصد الكتاب العزيز، وسوف نوضح ذلك في المسائل الآتية: المسألة الأولى: في تفسير قوله تعالى: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ.
ذكر السالمي رحمه الله تعالى اختلاف المفسرين في غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ قال: واختلف في غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ، فقيل: هم البله الذين يتبعون الرجل إلى بيته للطعام ولا حاجة لهم بالنساء ولا ينتشر لهم ذكر، ونسب هذا القول إلى الحسن قال الثعالبي: والذي لا إربة له من الرجال قليل. وقيل: يحتمل أن يكونوا الشيوخ الصلحاء يتبعون الرجل إلى بيته ويغضون أبصارهم عنهن وينفون عن قلوبهم أمر النساء.
وقيل: الرجال الأحمقون الذين لا تشتهيهم النساء ولا يشتهونهن ولا يغار عليها
منهم الزوج.
وقيل: الذين لا يشتهونهن ولا يستطيعون غشيانهن.
وقيل: قوم كانوا في المدينة طبعوا على غير شهوة النساء.
وقال القطب: والظاهر أن مثلهم يقاس عليهم عند أصحاب هذا القول.
وقال ابن عباس: التابع الأحمق العنين.
وقيل: الشيخ الهرم الذي بلغ به الهرم إلى أن لا يشتهى.
وقيل: المجبوب والخصي.
422 - 422 (1/422)
صفحة 410
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقيل: الممسوح وهو الذي قطعت، مذاكيره والمراد بالمحبوب ما قطع ذكره دون غيره، والمراد بالخصي ما قطع منه الخصية دون الذكر.
وقال الفخر: ومعلوم أن الخصي والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع وذلك يمنع من أن يكون هو المراد، فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه أنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع إما لفقد الشهوة وإما لفقد المعرفة وإما للفقر والمسكنة.
وقيل: المعتوه الذي لا أرب له.
وقيل: جميع ذلك داخل في الآية.
وقيل: المراد المخنث.
روي هشام بن عروة عن زينب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلمدخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك
فقد
على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال: «لا يدخلن عليكم هذا (1) أباح النبي دخول المخنث حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعلم أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الاربة فحجبه (2).
وهكذا فالسالمي رحمه الله قد اطلع على أقوال المفسرين في بيان معنى قوله تعالى: وغَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِه لأنه قد تعلق بهم حكم شرعي وهو دخولهم على النساء وإبداء النساء زينتهن بحضرتهم، وفي جمع أقوال المفسرين زيادة علم وفقه فإنه المذكورين على ألسنة المفسرين داخلين في الاستثناء وأن لا مانع من قوله غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ ينتظم الجميع.
(1)
أن يكون جميع
صحيح البخاري، باب غزوة الطائف (4069 1574/ 4، باب ما ينهى من دخول. . (4937) 5/ 2006، باب إخراج المتشبهين. . . (5548) (2208/ 5، وصحيح مسلم، باب منع المخنث من
الدخول. . (5820) 11/ 7. (2) معارج الآمال 503/ 1.
423 - 423 (1/423)
صفحة 411
اجتهادات الإمام السالمي
المسألة الثانية: في معنى قوله تعالى: {إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا.
ذكر السالمي رحمه الله أقوال المفسرين فقال ابن مسعود: إلا ما ظهر منها هو الثوب، وأما بدنها فعورة كله حتى الوجه والكفين واختاره البعض سداً للذريعة.
وقال ابن جبير والضحاك والأوزاعي: ما ظهر هو الثوب والوجه والكفان. وقيل: ما ظهر منها بحكم الضرورة.
وعن ابن عباس: ما ظهر هو الكحل والخاتم وخضاب اليدين، والوشمة في الوجه واليد لكن لا يحل عمل الوشمة.
قال السالمي عقب هذه الأقوال: والصواب ما عليه الأصحاب من أن النظر إلى الوجه والكفين جائز لما روي عنه أنه قال لأسماء بنت أبي بكر: «يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يحل أن يرى منها إلا هذا وأشار إلى وجهه وكفيه (1). فالسالمي رحمه الله ذكر أقوال طائفة من مفسري الصحابة والتابعين والذي يظهر أنهم قالوا ذلك اجتهاداً ولو قالوه سماعاً لما اختلفوا في تحديد المعنى المراد، فإن النبي قال في ذلك قولاً واحداً لا أقوالاً متعددة، ثم رجح بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم فإليه المنتهى في مثل ذلك.
السنة.
وما رجحه السالمي هو الذي تشهد له النصوص من من ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك
الثانية» (2).
ومن ذلك: قوله: «إياكم والجلوس على الطرقات فإن أبيتم إلا الجلوس فأعطوا الطريق حقها»، قالوا: وما حقها يا رسول الله؟ قال: «غض البصر وإماطة الأذى ورد السلام (3). فلو لم تكن هناك وجوه مكشوفة لما أُمروا بغض البصر عنها.
(1) باختصار من معارج الآمال 505/ 1.
(2) رواه أحمد وأبو داوود والترمذي والحاكم عن بريدة وحسنه في صحيح الجامع الصغير رقم (7953). (3) صحيح البخاري، باب أفنية الدور والمجالس (2333) 870/ 28، صحيح مسلم، باب النهي عن الجلوس في الطرقات (5685) 165/ 6.
424 - 424 (1/424)
صفحة 412
ومن
ميزها بنقابها.
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف عائشة من بين النساء بنقابها، ولو كنَّ منتقبات لما
ومن ذلك: ما رواه النسائي أن امرأة من خثعم كانت تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أحكام الحج، وكان الفضل بن العباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الفضل يلتفت وكانت امرأة حسناء، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحوّل وجه الفضل عنها بيده الشريفة ولم يأمرها بستر وجهها (1)، والمقام مقام بيان، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه.
وقد أثبت المحققون أن هذه الحادثة كانت بعد التحلل، ولو كان الوجه عورة لوجب ستره بعد التحلل من الإحرام وممن قال بذلك الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، فلماذا هذا التشدد في أمر النقاب ولماذا التأكيد على كونه فرضاً، ولماذا تأثيم السواد الأعظم من أمة محمد؟!. ألا يكفي أن يكون مندوباً، أو مكرمة، أو احتياطاً؟، فلماذا التركيز على فرضيته إلا تأثيم الأمة وإيقاعها في حمأة الذنب والمعصية وشعورها بالنقيصة في دينها؟!!.
المسألة الثالثة: في لباس المرأة وما تؤمر به.
قال السالمي رحمه الله: «والأصل في ذلك قول الله تعالى: {يَاتِهَا النَّبِيُّ قُل لأزواجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَبِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفَنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وقوله تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوهِنَّ (3)، ثم ذكر أقوال المفسرين.
فعن ابن عباس: الجلباب الذي يستر من فوق إلى أسفل. وعن ابن مسعود: أنه الخمار وقيل الملحفة وكل ما يستر من كساء ونحوه. والجيوب: جمع جَيْب وهو ما يبدو من صدورهن عند فتح طوق ثيابهن. قال ابن عباس: أمر الله نساء المؤمنين أن يغطين رؤوسهن ووجوههن بالجلابيب إلا عيناً واحدة ليعلم أنهن حرائر.
(1) رواه النسائي وقال: حديث حسن صحيح، أبواب الحج رقم (885).
(2) سورة الأحزاب، الآية: 59.
(3) سورة النور، الآية: 31.
425
425 (1/425)
صفحة 413
اجتهادات الإمام السالمي
وقال قتادة: ذلك أن تلويه على الجبين وتشده ثم تغطيه على الأنف وإن ظهرت عيناها لكنه يستر الصدر ومعظم الوجه.
وفي معناه قول عَبَيْدَةَ السلماني. وقال السدي: تغطي إحدى عينيها وجبهتها
والشق الآخر على العين.
قال
رحمه الله: «وفي الهميان كانوا في أول الإسلام تخرج نساؤهم ليلاً لقضاء الحاجة في النخيل والغيطان وكانت النساء على عادتهن في الجاهلية يتبرزن في خمار ودرع كالإماء فربما تعرض الفساق للحرة يقولون حسبناها، أمة، فأُمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه ليحتشمن ويهبن ... وقيل: «ليس على النساء نقاب ولا بأس بالنظر إلى وجوهن من غير شهوة) (1). ويظهر من خلال قوله تعالى: {ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤذين أن العلة أو الحكمة من زيادة التحصن بالحشمة واللباس هي دفع الأذية الواقعة أو المتوقعة عليهن ودفع الأذى عنهن مصلحة دنيوية تعود إلى مزيد من الصيانة والحفظ لهن في هذه الحياة، وهذه قرينة تصرف الأمر من الوجوب إلى الإرشاد، فإن الأصوليين فرقوا بين الوجوب وبين الإرشاد بأن مصلحة الوجوب دينية أخروية كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (2). قالوا: إن مصلحة التقوى أخروية أما الإرشاد فمصلحته دنيوية، هكذا قالوا وبكل حال فالجمع بين ظاهر هذه الآية وبين
الأحاديث السابقة التي تفيد جواز كشف الوجه يقتضي ذلك.
ولعل هذا الأمر يفيد الندب جمعاً بين الأدلة والله أعلم.
المسألة الرابعة: في بيان معنى القواعد.
قال السالمي رحمه الله: المرأة القاعد هي التي أدبرت عن الحيض والحمل
وانقطعت عنها شهوة الرجال لكبرها فلا تحيض ولا تحمل.
(1) باختصار من معارج الآمال 512/ 1.
(2) سورة البقرة، الآية: 183.
426 - 426 (1/426)
صفحة 414
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقال ربيعة: هي التي تستقذر لكبرها. وقال بعض أصحابنا: هي التي يقبحها التزيين. وعن العلاء ومسبح هي الكبيرة التي لا تريد الرجال وقد انقطعت شهوتها
منهم.
،
وقيل: هي التي لم ترد الرجال ولا تراد. وقال القطب: فالمدار على عدم الاشتهاء لا تشتهي ولا تشتهى فلو تركت النكاح وكانت لا تحيض ولا تلد لكن تشتهي أو تشتهى لوجب عليها ستر رأسها وجسدها إلا ما حل من غيرها (1).
المسألة
وهكذا فإن النقل عن أئمة التفسير يثري البحث ويكشف النقاب عن ويغني الفروع الفقهية بأقوال المفسرين من الصحابة والتابعين، وفي ذلك ثروة فقهية عظيمة يكتسبها الفقيه المجتهد بمعرفة مذاهب علماء الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار، وهذا فن عظيم مساعد على الاجتهاد والاستنباط، فإن من لم يعرف أقوال السلف ومواطن الاتفاق والاختلاف ومسالك النظر عندهم وما أدلوا به من آراء واجتهاد مجتهداً حتى يلج الجمل في سم الخياط.
لا يصير
ولذلك فإن الإمام السالمي قد اكتملت لديه آلة الاجتهاد ومقوماته العلمية واستعداداته النفسية، لذلك تراه مبرزاً في شتى العلوم والفنون، ذا قدم راسخة فيها من غير تكلف أو تعسف يزين ذلك أدب جم وورع ظاهر وفقه نفس عظيم. المسألة الخامسة: في تفسير المحيض في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي المحيض (2)
قال السالمي رحمه الله: وزعم أكثر المفسرين من الأدباء أن المراد بالمحيض في قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ له الحيض وردَّه الفخر الرازي بأنه لو كان المراد بالمحيض ها هنا الحيض لكان قوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ الله معناه فاعتزلوا النساء في زمان الحيض فيكون ظاهره مانعاً من الاستمتاع بها فيما فوق السرة
(1) باختصار من معارج الآمال 512/ 1.
(2) سورة البقرة، الآية: 222.
427 - 427 (1/427)
صفحة 415
اجتهادات الإمام السالمي
ودون الركبة، فلما كان هذا المنع غير ثابت لزم القول بتطرق النسخ أو التخصيص إلى
الآية.
ومعلوم أن ذلك خلاف الأصل. أما إذا حملنا المحيض على موضع الحيض كان معنى الآية: فاعتزلوا النساء في موضع الحيض، ويكون المعنى فاعتزلوا موضع الحيض من النساء، وعلى هذا التقدير لا يتطرق إلى الآية نسخ ولا تخصيص، ومن المعلوم أن الكلام إذا كان مشتركاً بين معنيين وكان حمله على أحدهما لا يوجب محذوراً وعلى
الآخر يوجب محذوراً كان حمله على المعنى الذي لا يوجب محذوراً أولى» (1). إن في تقرير الفخر الرازي رحمه الله فائدة فقهية وهي التي عوّل عليها الإمام السالمي وهي أننا إذا اعتبرنا المحيض اسم مكان ترتب على ذلك حل الاستمتاع بالزوجة فوق السرة ودون الركبة، أما إذا اعتبرناه مصدراً لما حل الاستمتاع بالحائض فيما فوق السرة ودون الركبة، وهذا أولى لأن استعمال هذا اللفظ في الموضع أكثر وأشهر منه في المصدر.
المبحث الرابع
في استخدامه فن الفروق اللغوية والشرعية
ومن الفنون المساعدة في الاجتهادات فن الجمع والتفريق لأن الجمع طريق لمعرفة القياس وإلحاق الأشباه بنظائرها والوقائع بأصولها. وأما التفريق فهو من الملاحظ الدقيقة التي يلحظها المجتهد فيبطل من خلاله الأقيسة التي تشتمل على فارق دقيق بين الأصل والفرع، وهو من أهم عدة المجتهد التي يستطيع بها المسائل المتناظرة والمتحدة في مناطها أو يفرق بين المسائل المتناظرة في الظاهر المختلفة في حقيقة الأمر.
أن
يجمع بين
والإمام السالمي قد برع في فن الفروق براعة تامة ومهر فيه مهارة واضحة وسلك مسلكاً عميق الأغوار على طريقة العلماء الراسخين والأئمة السابقين. وسوف يتضح
(1) معارج الآمال 14/ 2.
428 - 428 (1/428)
صفحة 416
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
لطالب العلم هذه الحقيقة التي لا مرية فيها من خلال المسائل والنماذج التطبيقية الكثيرة التي توضح صحة ما نقول.
المسألة الأولى: في حكم من دخل دار غيره من غير استئذان.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله حكم من دخل بيت غيره بغير إذن وهو التحريم، ومذهب الإباضية المشارقة يتوقف في ولايته ومذهب المغاربة البقاء على ولايته وحكمه أن دمه، هدر، وحجتهم في ذلك ما روى سهل بن سعد قال: اطلع رجل في حجرة من حجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه مدرى يحك بها رأسه فقال: «لو علمتُ أنك تنظر إليَّ لطعنتُ بها في عينيك إنما الاستئذان قبل النظر (1). وروى أبو هريرة أنه قال: «من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤوا عينه فقد هدرت عينه (2).
ورد أبو بكر الرازي من الحنفية هذا الخبر لوروده على خلاف قياس الأصول فإنه لا خلاف أنه لو دخل الدار بغير إذنه ففقأ عينه كان ضامناً وكان عليه القصاص إن كان عامداً والأرش إن كان مخطئاً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع، فظاهر الحديث مخالف لما حصل عليه الاتفاق فإن صح فإن معناه: من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم فمونع فلم يمتنع فذهبت عينه حال الممانعة فهي هدر، إذا لم يكن إلا النظر ولم يقع فيه ممانعة ولا نهي ثم جاء إنسان ففقأ عينه فهذا جان يلزمه حكم جنايته لظاهر قوله تعالى: {وَالْعَيْنَ بِالْعَينِ) (3).
فاماً
قال السالمي رحمه الله: وردَّ بأن المراد بقوله تعالى: هو والعين بالعين ما إذا لم تكن العين مستحقة للفقء، وأما إذا كانت مستحقة لذلك لم يلزم القصاص
إجماعاً.
وأما قوله: إنه لو دخل لم يجز فقء عينه فكذلك إذا نظر فمردود بالاتفاق، لأن
(1) صحيح البخاري، باب الامتشاط (5580) 5/ 2215.
(2) سنن أبي داوود، باب في الاستئذان (5174) (56/ 15، سنن الترمذي، باب من اطلع في دار قوم بغير
إذن 63/ 5، مسند أحمد (9599) 130/ 20.
(3) سورة المائدة، الآية: 45.
429 - 429 (1/429)
صفحة 417
اجتهادات الإمام السالمي
الفرق بين الأمرين ظاهر، لأنه إذا دخل علم القوم دخوله عليهم فاحترزوا عنه وتستروا، فأما إذا نظر فقد لا يعلمون بذلك فيطلع منهم على ما لا يجوز الاطلاع، فلا يبعد في حكم الشرع أن يبالغ ها هنا في الزجر حسماً لباب هذه المفسدة، هذا إن سلم أن دمه لا يباح بعد الدخول إلا إذا مونع فلم يمتنع (1).
فالإمام السالمي هدم قياس أبي بكر الجصاص من وجهين:
الوجه الأول: لأنه قياس مع الفارق فلا يقاس الناظر على الداخل، لأن خطر الناظر أشد لأن أصحاب البيوت في مأمن بخلاف الداخل إليهم لأنهم حال دخوله في احتراز وتستر فافترق الأمران.
الوجه الثاني: هو عدم تسليمه حكم الدخول الذي جعله أصلاً وألحق به حكم النظر فهو إما غير مسلم به أو شاك على أقل تقدير، نلحظ ذلك من قوله: «هذا إن سلم أن دمه لا يباح بعد الدخول إلا إذا مونع فلم يمتنع، فكان مورد الاعتراض على القياس
من وجهين:
الأول: أنه قياس مع الفارق والثاني: بالمنع في حكم الأصل. وهذه طريقة
العلماء الراسخين والأئمة المجتهدين. المسألة الثانية: في حكم المتبرجة.
يبيح ما حرم
الله منها.
ذكر السالمي أقوال أهل العلم في المرأة المتبرجة التي لا تستتر، فذكر أن كلام الأصحاب عدم جواز النظر إليها وإن كانت متبرجة فإن تبرجها لا وقال هشام بن غيلان: سئل أبو عبيدة عن نساء تهامة ونحوها اللاتي لا يستترن فقال: هي مثل الإماء، فقيل ذلك لبشير فقال: لا لعمري الإماء مال وأما
ويتبر جن
الحرائر فغض ما استطعت.
وسئل عن المرأة الفحلة التي لا تستر هل يصح أن ينظرها؟ قال: إنما أمرنا أن
نغض عمن يستتر.
(1) انظر معارج الآمال 486/ 1.
430 - 430 (1/430)
صفحة 418
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقال أبو عبد الله: على الرجل أن يغض بصره عنها وإن لم تستر لأن الله تعالى قد أمرنا بالاستتار ... قال: وأشار بعضهم إلى أن إباحة النظر إلى المتبرجات مقيس على الأمة لأن الأمة لا حرمة لها فعورتها عورة الرجل، وقد أسقطت المتبرجة حرمتها فهي مثل الأمة في خسة المنزلة، قال بشير: لعمري الإماء مال وأما الحرائر فغض ما استطعت، فهذا الكلام من أبي المنذر رحمه الله يدل على ثبوت الفرق بين المتبرجة والأمة فهو اعتراض على من قاس المتبرجة بالأمة. ووجه الاعتراض: أن الإماء أبيح النظر إلى أبدانهن لكونهن مالاً متصرفاً فيه لا لكونهن مسقطات لحرمتهن، والحرائر ليس كذلك (1)
فتوجيه الاعتراض من السالمي رحمه الله دليل على إقراره اعتراض بشير بن محمد بن محبوب فإنه رحمه الله قد أظهر الفرق بين الإماء والحرائر فسقط القياس لوجود الفارق بين الأصل والفرع.
المسألة الثالثة: حكم الخلوة مع الأعمى.
قال السالمي رحمه الله: وقال أبو سعيد في الأعمى: إنه لا يجوز له مساكنة أحد
لم
من الحرم إلا ذوات محارمه، وأن الأعمى وغير الأعمى في هذا سواء إلا إن غَضٌ البصر زائل عن الأعمى، وهو أقرب إلى السلامة عند الضرورات في مثل هذا ما يخالف الحق في مساكنة أو دخول بغير إذن، فإذا دخل بإذن وبرئ قلبه من الشهوة جاز الخلوة مع الحرم ما لا يجوز للذي يبصر لأنه مثل من يكون وراء حجاب وهو لا يبصر، وقد جاء الأثر بكراهية الخلوة مع غير ذوات المحارم إلا من وراء حجاب أو من وراء باب لزوال النظر، فهذا فرق بين الأعمى والبصير في هذا (2).
له
معي
فالسالمي في هذا الفرق يجعل الأعمى في حكم من ينظر من وراء حجاب لأنه
يفرق بينه وبين البصير.
(1)
(1) معارج الآمال 517/ 1. (2) انظر معارج الآمال 529/ 1.
431 - 431 (1/431)
صفحة 419
اجتهادات الإمام السالمي
ثم يذكر فرقاً آخر بين الأعمى وبين من ينظر من وراء حجاب فقال: فإن الحجاب المذكور في الأثر إنما يكون مانعاً لكل واحد من الرجل والمرأة عن رؤية الآخر، والعمى إنما يمنع أحدهما ويبقى الآخر يبصر صاحبه فلا سواء (1).
وهذا فرق صحيح يؤيده ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بعض أزواجه أن يحتجبن حين دخل عليهن الأعمى فقلن له أو ليس بأعمى يا رسول الله؟ قال: «أو عمياوان أنتما» (2).
وجه الدلالة: أن الأعمى وإن كان لا يرى فإن الآخر يرى فليسا سواء.
المسألة الرابعة: في التفريق بين الصغائر والكبائر.
قال السالمي رحمه الله: اعلم أنه ذكر المصنف نقض الوضوء بالمعاصي الكبيرة والصغيرة الذميمة ناسب أن نذكرها هنا وجه التفريق بين الصغائر والكبائر حتى يعلم وجه كلام المصنف، ثم نقل عن أبي سعيد أن الكبيرة لا يختلف فيها هو ما يثبت فيه حد في الدنيا، أو عذاب في الآخرة من كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع أو ما أشبه ذلك أو ورد فيه لعن عن رسول الله، ثم ساق أنواع الكبائر وما يترتب عليها من عقاب ثم قال: وأما الصغير من الذنوب فقيل ليس هو بشيء محدود لأنهم قالوا إنما دون الكبائر فهو صغير، وقال ابن محبوب ما دون الكبائر التي تكون بين مثل الغمزة، واللمزة والنظرة وما كان أهله يدينون منه بالتوبة والاستغفار فذلك هو
(3)
اللمم (3). ثم ذكر أقوالاً أخرى في تحديد الصغيرة.
العباد
الله وبين
فهذا فرق مهم تنبني عليه أحكام فقهية وعقوبة في الآخرة، كما تنبني عليه أحكام الولاء والبراء وأحكام التكفير وغير ذلك من الأحكام المهمة.
(1) نفس المصدر والجزء والصفحة.
(2) رواه أبو داوود وعن أم سلمة بلفظ قريب كتاب اللباس، باب في قوله تعالى: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ)
رقم (4112)، 63/ 4.
(3) انظر کتاب معارج الآمال 573/ 1.
432 - 432 (1/432)
صفحة 420
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
المسألة الخامسة: في التفريق بين الناسي والجاهل في الغسل
الأمال
ذكر السالمي خلاف أهل العلم فيمن أصابته جنابة ثم نسيها واغتسل بعد ذلك لحرٍ أو تبرد ولم ينو به من جنابة وقام وصلى ولم يكن علم بها، ذكر فيها خمسة
مذاهب:
مطلقاً.
المذهب الأول: أن النية شرط لصحة الغسل من الجنابة فلا يجزئ الغسل بلا نية
المذهب الثاني: النية ليست بشرط للغسل فإذا حصل الغسل أجزى عن الغسل من الجنابة مطلقاً.
المذهب الثالث: أن الغسل بلا نية يجزئه إذا لم يعلم بالجنابة لأنه قد حصل له الغسل الذي كان مخاطباً به وإنما منعه من النية عدم العلم بالجنابة فهو معذور فيما لم
يعلم.
المذهب الرابع: أن الاغتسال بدون نية يجزئ لمن علم بالجنابة ثم نسيها حتى اغتسل بلا نية ولا يجزئ لمن لم يعلم بالجنابة رأساً، والفرق بينهما أن الناسي معذور بخلاف الجاهل (1). فقد فرق رحمه الله بين الجاهل والناسي مع أن كليهما عارض من العوارض المخففة إلا أن الجهل أشد لأنه يزول بسؤال أهل العلم حتى قالوا: لا عذر للجهل في
دار الإسلام. المسألة السادسة: في الجنب إذا اغتسل للجمعة هل يجزئه ذلك للجنابة.
ذكر السالمي رحمه الله خلاف الأصحاب في هذه المسألة فقال بعضهم: يجزئه ذلك، وقال بعضهم: لا يجزئه ذلك عن طهارته من الجنابة، قال أبو محمد: وهذا هو القول عندي، فالنظر يوجبه والسنة تؤكده واعترض بأن الغسل للجمعة فضل مندوب إليه وكذلك الوضوء للنوافل، والغسل للجنابة فريضة وكذلك الوضوء للفرائض، فكان
(1) معارج الآمال 622/ 1.
433 - 433 (1/433)
صفحة 421
اجتهادات الإمام السالمي
الواجب عليه أن يساوي بين الاجتزاء عن غسل الجنابة بالغسل للجمعة وبين الاجتزاء
بالوضوء للنافلة عن وضوء الفريضة إذ لا فرق بينهما.
يؤدي
وأجاب بأنا لا نسلم أنه لا فرق بينهما، بل الفرق بينهما حاصل وذلك أن النية في الوضوء إنما هي لرفع الأحداث، فإذا نوى بوضوئه رفع الأحداث أو نوى أن بذلك الوضوء النافلة فقد حصل له رفع الأحداث وأبيح له الدخول في الصلاة فعلمنا بذلك أنه قد حصل طاهراً، والطاهر لا يجب عليه أن يتطهر مرة أخرى.
وأما غسل يوم
الجمعة فليس فيه رفع الحدث، وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من أجل الوقت لأنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما أجزأه ذلك الغسل عن غسل يوم الجمعة المسنون (1).
والإمام السالمي ذكر اعتراض أبي محمد بن بركه رحمه الله تعالى وأقره ومؤداه إثبات الفرق في القياس الذي قاله بعض الأصحاب ولم يسمه، وصورة ذلك القياس هو أن الوضوء للنافلة يجزئ عن الوضوء لصلاة الفرض فليجزئ الاغتسال للجمعة عن غسل الجنابة فأثبت أبو محمد الفرق بينهما وأبطل القياس وسكت عليه السالمي رحمه
الله.
المسألة السابعة: في الموالاة في الغسل
قال السالمي رحمه الله: إذا حصل تطهير بعض الجسد ثم توانى المغتسل حتى جف المغسول فإنه لا يلزمه إعادة الغسل وإنما يلزمه أن يغسل الباقي من جسده لأنه إذا غسل الباقي فقد أتى بالتعميم وليس من شرط هذه الطهارة الموالاة بين غسل الأعضاء، قال أبو جابر ومن غسل من جوارحه مثل رأسه أو غيره ثم خرج في أمرٍ عناه فليس عليه إلا غسل ما بقي من، بدنه وكان قد قال في الوضوء: إنه إن طهر بعض جوارحه ثم ترك الباقي حتى جف ما طهره فإنه يبتدئ الطهارة.
قال أبو محمد من أين وجب افتراقهما عنده وهما طهارتان من حدثين؟.
(1) معارج الآمال 623/ 1.
434 - 434 (1/434)
صفحة 422
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قلت: وجب افتراقهما من حيث إنهما طهارتان من حدثين فلو كانتا
من
حدث
واحد لوجب تساويهما في أحكام ذلك الموجب، وأما الآن وقد افترق الموجب فلا يلزم تساوي حكميهما (1).
المسألة الثامنة: حكم من رأى الماء بعد أن تيمم وقبل الدخول في الصلاة. قال السالمي: ذهب أصحابنا وغيرهم إلى أنه ينتقض تيممه. وقد حكى ابن المنذر في إشرافه إجماع العلماء على ذلك.
ولكن نقل غيره الخلاف فيه عن أبي موسى الأشعري، والشعبي قالوا: لا يبطل تيممه. والحجة لنا قوله تعالى: ويتاتها الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلوة الله إلى قوله: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيّبا ..
ووجه ذلك أنه تعالى شرط جواز الشروع في الصلاة بالتيمم بعدم وجدان الماء ومن وجد الماء بعد التيمم، وقبل الشروع في الصلاة فقد فاته هذا الشرط فوجب ألاً
يجوز له الشروع في الصلاة بذلك التيمم.
وحجة الآخرين: قياس التيمم على الوضوء، فإنه لما كان الوضوء لا ينقضه إلا الأحداث المخصوصة وجب أن يكون التيمم مثله، فعندهم أن عدم وجدان الماء شرط لصحة التيمم، فإذا تيمم مع عدم الماء صار تيممه صحيحاً، فوجود الماء بعد ثبوت
صحة التيمم غير ناقض للتيمم عندهم
?
(2)
فأجاب السالمي على هذا القياس بأنه قياس غير صحيح لأنه قياس مع الفارق،
الماء، وعند عدم القدرة على استعماله،
فإن التيمم طهارة ضرورية تباح عند عدم وجود والوضوء ليس كذلك فما أبيح لأجل الضرورة يزول بزوالها (3).
(1) معارج الآمال 636/ 1.
(2) انظر معارج الآمال 825/ 1.
(3) نفس المرجع السابق مع الجزء والصفحة.
435 - 435 (1/435)
صفحة 423
اجتهادات الإمام السالمي
الفارق،
فالإمام السالمي هدم قياس المستدل في هذا الفرع لأنه قياس مع والفارق هنا بكل بساطة هو أن حكم الاضطرار غير حكم الاختيار، فلا يقاس أحدهما
على الآخر.
إن هذا الأسلوب الدقيق في سبر سبر الأقيسة ونقدها وإبطال ما لا يصلح منها لهو من
أكبر الأدلة على أصالة الإمام السالمي في الاجتهاد وإمامته في الفقه والأصول. إن باب الفروق باب عظيم ودقيق المسالك، وشديد الوعورة، لا يسلكه إلا
الراسخون في العلم.
المسألة التاسعة حكم من تيمم ودخل في الصلاة ثم رأى الماء بعد دخول
الصلاة وقبل الخروج منها. ذكر السالمي فيها مذهبين:
المذهب الأول: مذهب الأصحاب والثوري وأبي حنيفة وهو أنه ينصرف ويتوضأ ويستقبل صلاته، إلا أن يكون في وقت يخاف فيه فوات الصلاة.
المذهب الثاني: مذهب مالك والشافعي وأحمد وهو أنه يمضي في صلاته ويتمها ولا إعادة عليه. قال أبو سعيد ولا يبعد عندي ما ذكر لثبوت الحكم بالدخول
في العمل.
واحتج أصحاب المذهب الأول أن التيمم طهارة اضطرارية وأجمعوا على أنه ما أبيح للضرورة يرتفع بارتفاعها.
ثانياً: أن التيمم بدل من الوضوء، وحكم جميع الأبدال المتفق عليها يرتفع بوجود المبدل منه ألا ترى الصغيرة تعتد بالأيام فإذا رأت الحيض أنها ترجع بعد أن دخلت في البدل إلى الحيض فتعتد به، وكذلك المتيمم إذا وجد الماء قبل أن يتم الفرض الذي دخل فيه يرجع إلى الماء.
فقد بتيمم
واحتج أصحاب المذهب الثاني بأن عادم الماء إذا دخل في الصلاة انعقدت صلاته صحيحة بحكم الآية، لأن وظيفة وقته حينئذ التيمم، فإذا وجد الماء
436 ـ 436 (1/436)
صفحة 424
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أثناء الصلاة فما لم تبطل لا يصير قادراً على استعمال الماء، وما لم يصر قادراً على استعمال الماء لا تبطل صلاته فيتوقف كل واحدٍ منهما على الآخر فيكون دوراً وهو
باطل.
مع وجود المبدل
وأيضاً ففي الكفارات لا ينقطع البدل ولا يخرج منه إلا بتمامه منه، وكذلك من تزوج أمة بوجود الشرطين عدم الطول إلى تزويج الحرة وخوف العنت ثم وجد الطول لم يفسخ نكاح الأمة.
قال السالمي: والجواب عن الاحتجاج الأول أنا لا نسلم أن المصلي غير قادر على استعمال الماء بل هو قادر عليه بأن يترك صلاته من حين ما وجد الماء فيستعمله ثم يستأنف الصلاة لأن تلك الصلاة إنما بنيت صحتها على صحة التيمم، وقد بطل التيمم فبطلت الصلاة فخوطب بالوضوء، ولا صلاة له على ذلك حتى يتوضأ ويصلي
فلا دَور.
والجواب عن الاستدلال الثاني أن البدل في الكفارات غير البدل في الطهارات، فإن البدل في الطهارات مؤقت إلى وجود المبدل منه بنص الشارع على ذلك وهو قوله: «إذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك». والبدل في الكفارات غير متوقف توقف البدل في الطهارات فإنه متى لم يجد العتق فرض عليه الصيام من غير تحديد فإن الصيام يجزئه ما لم يجد العتق (1).
ويهمنا هنا الجواب الثاني فإن فيه فرقاً واضحاً بين البدل في الطهارات وبين البدل
في الكفارات.
فإن الشارع أقام البدل في الطهارة إلى وقت وجود المبدل منه وهو الماء، كأنه قال لعادم الماء: تيمم إلى حين وجود الماء، فمتى وُجِدَ الماء فتوضأ. والأمر بالوضوء المفهوم من قوله صلى الله عليه وسلم: «أمسسه بشرتك عام للمتيمم وغيره، فمتى وجد المتيمم الماء صار فرض وقته وبطل التيمم فالبدل في الطهارات مغيا إلى وجود الماء، أما
(1) معارج الآمال 827/ 1
في
437 - 437 (1/437)
صفحة 425
اجتهادات الإمام السالمي
الكفارات فإن البدل مطلق عن الغاية كالمظاهر إذا لم يجد الرقبة انتقل إلى بدلها الذي هو الصيام، وهذا الصيام لم يحدد بغاية ولا بوقت فالفرق بين البدلين في غاية الدقة. المسألة العاشرة: الفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة.
ذكر السالمي رحمه الله أقوال الأئمة من الأصحاب وغيرهم أن الدم الخارج من
الرحم ثاد ثلاثة:
النوع الأول: دم حيض وهو الخارج على جهة الصحة. النوع الثاني: دم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض.
النوع الثالث: دم نفاس، وهو الخارج مع الولد.
وبعد تعريفه هذه الدماء فرق بين دم الحيض ودم
الاستحاضة، وقد نقل هذا
الفرق عن الشيخ عامر الجيطالي صاحب القواعد قال: والفرق بين دم الحيض ودم
الاستحاضة يكون بوجهين:
إما ببلوغ أقصى أوقات الحيض مع دوام الدم.
وإما حدوث علة توجب أن الدم دم استحاضة (1). استحاضة (1).
وهذا الفرق مهم في زمان الحيض. فالمستحاضة تصلي بالوضوء لكل صلاة وتقرأ القرآن، وتطوف بالبيت، وتصوم رمضان وهذه العبادات كلها ممنوعة على الحائض، فالحائض لا تصوم ولا تصلي ولا تقرأ القرآن ولا تطوف بالبيت فكان التفريق بين الدمين مهماً في حقهما.
جداً لأن المرأة مأمورة في زمان الاستحاضة بأشياء نهيت عنها
المسألة الحادية عشرة: الفرق بين الذكر وقراءة القرآن.
نقل السالمي رحمه الله عن الشيخ عامر جواز قراءة القرآن للحائض قياساً على
جواز ذكر الله تعالى.
(1) انظر معارج الآمال 65/ 2 والقواعد للجيطالي 206/ 1.
438 - 438 (1/438)
صفحة 426
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال رحمه الله: والجواب فإن إجماعهم على جواز الذكر للحائض لا يستلزم أن يكون جواز القراءة أحب إليهم لأنهم يفرقون بين قراءة القرآن وبين ذكر الأسماء، لأن للقراءة خصوصية لا توجد لغيره من الأذكار، لأن القرآن هو الذكر المطلق، قال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرُ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) (1) وقال: {وَالْقُرْآنِ ذِي الذكري (2)، ولأن غير القرآن ربما يذكر مراداً به غير معناه فيكون كلاماً غير ذي ذكر فإن من قال: «أستغفر الله «أخبر عن نفسه بأمر، ومن قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم «فقد أخبر عن أمر كائن، بخلاف من قال: قل هو الله أحد «فإنه ليس بمتكلم به، بل هو قائل له غير آمر لغيره بالقول، فالقرآن هو الذكر الذي لا يكون إلا على قصد الذكر لا على قصد الكلام، فهو الذكر المطلق وغيره قد يكون ذكراً وقد لا يكون (3).
وقصده رحمه الله أن قراءة القرآن لا تكون إلا عبادة فلا تحتاج إلى نية، بخلاف الذكر العادي فقد يقوله الإنسان بحضور القلب فيكون عبادة وقد يقوله مع غير حضور القلب كما هو مشاهد فيكون عادة.
وهناك فرق آخر هو أن القرآن محجور على غير المتطهر قال تعالى: لا يَمَسُّه إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (4)، أما الذكر العادي فالأصل فيه الإباحة ولم يرد حجره عن غير المتطهر، والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: في بيان أن الحول لا يشترط في زكاة الثمار.
ذكر السالمي رحمه الله أن غلة النخيل والعنب والزروع التي تجب فيها الزكاة فإن
الحول لا يُشترط فيها بل النصاب فقط.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «فيما سقت السماء العشر وما سُقي بالنضح نصف
(1) سورة الزخرف 44.
(2) سورة ص، الآية: 2. (3) معارج الآمال 136/ 2. (4) سورة الواقعة، الآية: 79
439
-
439 (1/439)
صفحة 427
اجتهادات الإمام السالمي
العشر (1) مع قوله: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة» (2). فإنه أوجب الزكاة في الثمار في الحديث الأول، وشرط النصاب في الحديث الثاني ولم يذكر الحول. والفرق بينهما أن الحول يشترط فيما يكون نماؤه بالأزمنة كالتجارة، والمواشي،
هنا
والذهب والفضة، وأما الثمار فنماؤها نفس وجودها وانتهاؤها إلى دراكها، ومن كان الدراك والحصاد شرطاً لوجوب الزكاة فيها دون الحول، فإذا زكيت وبقيت عند صاحبها أحوالاً فلا زكاة فيها بعد الزكاة الأولى، لأن الزمان يفنيها ولا ينميها، قال رحمه الله: وهذا معنى قول بشير رحمه الله: أما الحبوب فلا تجب عليه فيها زكاة في
السنة الثانية.
قلت: وهذا فارق دقيق يؤيده ظاهر القرآن فقوله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حصاد (3) كالنص في عدم انتظار الحول لأنه لو كان الحول شرطاً لما ظهر للتقييد الحصاد أي فائدة، فالفائدة في هذا القيد إسقاط شرط الحول عن زكاة الثمار.
بيوم
المسألة الثالثة عشرة: في الفرق بين المريض والحائض. قال الإمام السالمي رحمه الله: وزعم المهلب أن في منع الحائض من الصوم أن خروج الدم يُحدث ضعفاً في الجسم غالباً فاستعمل هذا الغالب في جميع الأحوال، فلما كان الضعف يبيح الفطر ويوجب القضاء كان كذلك الحيض. واستضعف هذا المأخذ بأن المريض لو تحامل فصام صح صومه بخلاف الحائض، وأن المستحاضة في نزف الدم أشد من الحائض وقد أبيح لها الصوم ... وقال: والفرق بينهما وبين
المريض أنه كان يفعلها بنية الدوام عليها مع أهليته والحائض ليست كذلك» (4). المهم أن الحائض تفارق المريض فإن المريض لو تحامل، وصام صح صيامه
(1) صحيح البخاري، باب العشر فيما يسقى ... (54021412، موطأ مالك، باب زكاة ما يخرص من الثمار (611) 302/ 2، مسند أحمد (22687) 136/ 48.
(2)
صحيح البخاري، باب زكاة الورق (13789 524/ 2، باب ليس فيما دون خمسة أوسق. . (1413) 5402، صحيح مسلم، باب ليس فيما دون خمسة أوسق. . 66/ 323109.
(3) سورة الأنعام، الآية: 141).
(4) معارج الآمال 5/ 255.
440 - {{. (1/440)
صفحة 428
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
مع مرضه والحائض لا يصح صيامها مع الحيض، فالعلة في منع الحائض من الصوم ليست ضعف الجسم بنزف الدم، لأنها منقوضة بالمستحاضة، فإنها أكثر نزفاً، ودمها ذلك دم علة، ومرض ومع يصح صومها. إذاً فقياس الحائض على المريض قياس غير
صحيح،
لوجود الفرق بينهما.
المسألة الرابعة عشرة: قياس المجامع ناسياً على الآكل ناسياً.
ذكر السالمي رحمه الله خلاف أهل العلم فيمن أكل أو شرب ناسياً، فقيل: لا بدل عليه وقيل: عليه بدل يومه ونسب الأول إلى جماعة من الصحابة والتابعين ومنهم جابر بن زيد ونسب الثاني إلى أكثر الأصحاب.
•
وحجة الأولين الحديث الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نسي
فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه (1).
واحتج الفريق الثاني بأن الصوم قد فات ركنه.
وألحق بعضهم المجامع ناسياً بالآكل ناسياً لحصول النسيان في الكل.
ومنهم من فرّق بين المجامع و الآكل لقصور حالة المجامع عن حالة الآكل، وبه قال أبو عبد الله. وعن ابن جرير أنه سأل عطاء عن رجل أصاب امرأته ناسياً في
رمضان؟
قال: لا ينسى هذا كله، عليه القضاء.
قلتُ: وهذا فرق وجيه فإن الآكل قد لا يتذكر لكونه وحده ولكون الأكل قد
يحصل بلحظة عابرة، وكذلك الشرب.
أما المجامع فمعه المرأة ويبعد أن ينسي الاثنان الصوم، وهو ومقدماته أطول في الاعتياد من الأكل، فالفرق حاصل والقياس ضعيف. والله ورسوله أعلم.
(1) تقدم تخريجه.
441 ـ 441 (1/441)
صفحة 429
الفصل الثالث
في منهج السالمي في الفقه المقارن
المبحث الأول منهج السالمي
المطلب الأول: منهجه في عرض المذاهب
من تأمل أسلوب السالمي رحمه الله فإنه يجد أنه
الله
لم يلتزم منهجاً رحمه
وطريقة واحدة مطردة في جميع الكتاب كالطرائق الأكاديمية الرتيبة التي يسلكها
الباحثون المعاصرون، وإنما تعدد أسلوبه وتنوعت طرائقه.
فتارة يبدأ بمذاهب الصحابة الكرام
(1)
ثم يتبعها بذكر المذاهب الأربعة وجمهور أصحابه (2).
وتارة يبدأ بمذهب أصحابه ويذكر في ثنايا ذكرهم المذاهب الأربعة (3).
(1) معارج الآمال 358/ 1.
(2) معارج الآمال 359/ 1. (3) معارج الآمال 361/ 1 و 363/ 1.
443 - 443 (1/443)
صفحة 430
اجتهادات الإمام السالمي
التفسير
وتارة يقول: قال قوم كذا، وقال قوم كذا من غير تحديد (1). وتارة يذكر مذاهب الأئمة علماء الأمصار (2).
وتارة يذكر الفقهاء مع المفسرين (3).
وتارة يقول: قال بعض الأصحاب (4).
وتارة يذكر الخلاف بقيل كذا وقيل كذا وأكثر ما يكون هذا أثناء نقل
(0)
وتارة يقول: قال
منهم
كذا، وقال منهم
كذا.
وسوف أذكر أمثلة على ذلك وأشير إلى مظان ذلك في الحواشي.
لكن الأمر المتفق عليه أنه ما ترك فرعاً ولا مسألة إلا وعرض فيها أقوال الفقهاء
على طريقة الفقه المقارن وكتاب السالمي رحمه الله معارج الآمال» يعتبر ويصنف كتب الفقه المقارن وهو من الطراز الأول في هذا الفن.
مع
وقد ملأ هذه الأسفار المباركة بأقوال أهل العلم على اختلاف المذاهب، فقد ملأه بنقول من المذهب الحنفي، ونقول من المذهب المالكي، ونقول من المذهب الشافعي، ونقول من المذهب الحنبلي، وكتب المذهب الزيدي، والجعفري، والظاهري، وموارد السالمي من مصادر المذاهب المتبوعة بالعشرات من كل مذهب، وكان يذكر الأقاويل والمذاهب من عمدة الكتب في كل مذهب، وكان أسلوبه في عرض المذاهب مفعماً بالأدب متدرعاً بالإنصاف وكان يقول: ذهب أصحابنا إلى كذا، وذهب قومنا أو بعض قومنا إلى كذا وهي عبارة محببة تقرب ولا تبعد وتبني سواراً من الود والألفة والأخوة الجامعة والعلم الذي جعله الله رحماً بين أهله.
(1) معارج الآمال 1/ 369 و 376/ 10 و 388/ 1 و 10/ 392 و 458/ 1 و 459/ 1.
(2) معارج الآمال 374/ 1.
(3) معارج الآمال 382/ 1. (4) معارج الآمال 382/ 1 و 383. (5) معارج الآمال
444
- (1/444)
صفحة 431
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وكثيراً ما يرجح ما ذهب إليه أئمة المذاهب الأخرى، وكثيراً ما يردُّ على أصحابه ويناقشهم كما يناقش غيرهم. وسوف أوضح ذلك بالأمثلة عند كلامي على سجايا هذا الإمام وفقه نفسه في الفصول القادمة إن شاء الله لي ذلك.
• المطلب الثاني: منهجه في الاستدلال
والإمام السالمي رحمه الله لم يسلك طريقة واحدة في الاستدلال، فتارة يذكر كل مذهب ثم يعقبه بالاستدلال، وتارة أخرى يستكمل المذاهب ثم يستدل لكل مذهب حسب ترتيب المذاهب.
فيستدل بالكتاب ثم بالسنة ثم بالإجماع ثم بالقياس وبالأدلة الأخرى، كما أنه يستدل بكلام السلف من الصحابة والتابعين، ويعتني بتوجيه استدلالاته حيث يقتضي المقام ذلك.
وأثناء الاستدلال فإنه يورد أدلة المخالفين مستوفية كاملة غير منقوصة.
ثم بعد الاستدلال يلجأ إلى المناقشة.
• المطلب الثالث: منهجه في
المناقشة
وطريقته في المناقشة أنه يقول: استدل الفريق الفلاني بكذا، وأجيب عنه بكذا، ويتلخص منهجه في مناقشة الأدلة وردّها ضمن القواعد والضوابط الآتية:
-
1
V
-
-
-
يردُّ الدليل لكونه ضعيفاً بأحد وجوه الضعف عند المحدثين.
يرد الدليل لكون صاحبه قد تأوّله على غير وجهه الصحيح.
يردُّ الدليل لكونه منسوخاً.
يرد دلالة العموم لكونه مخصصاً، ودلالة المطلق لكون مقيداً.
وقد يردّه لكونه عورض بأرجح.
وقد يردُّ الإجماع لثبوت المخالف له في عصره.
وقد يرده لكونه قياساً فاسداً.
445 - 445 (1/445)
صفحة 432
اجتهادات الإمام السالمي
-
9
-
وقد يرده لكونه قول صحابي عورض بمثله، أو لكونه اجتهاداً منه وعندها لا يكون قوله حجة على غيره.
وقد يردُّ الدليل لكونه مفهوم مخالفة خرج عن شروط العمل به لكونه خرج مخرج الأغلب، أو لكونه مفهوم لقب، أو لتخلف شرط من شروطه.
10 - أو لكونه ناقلاً عن حكم الأصل من غير دليل.
هذه ضوابط عشرة ترسم منهج السالمي في مناقشة الأدلة، وقد ذكرت نماذج لها أثناء كلامي عن أصول السالمي وقواعده الأصولية الاجتهادية فلا داعي لإعادتها
بالتفصيل.
المطلب الرابع: منهجه في الترجيح
أما الترجيح عند الإمام السالمي رحمه الله فمحكوم بهذه الضوابط. فهو يرجح المنقول الصحيح على المعقول، ويقدم النص والإجماع على القياس، والمحكم على المنسوخ والخاص على العام والصريح على الكناية والظاهر على المجمل.
وهكذا وليس للهوى سبيل إلى ترجيحاته ولا للتعصب طريق إليها. أما
عن عباراته في الترجيح فلم يسلك فيها مسلكاً واحداً رتيباً، فتارة يقول: والراجح كذا، وتارة يقول: والصواب كذا، أو يقول: قلتُ) كذا وكذا، مقرراً المذهب الراجح لديه.
وتارة يقول: والصواب كذا، أو ما قاله فلان هو الصواب، أو هو الأقرب.
وتارة يقول: وهو قريب من الصواب أو قريب من الحق، أو والحق معه
المبحث الثاني
نماذج تطبيقية لمنهج السالمي في الفقه المقارن
الآن أَوَدُّ أن أورد نماذج تطبيقية على منهج الإمام السالمي عرضاً واستدلالاً،
ومناقشة، وترجيحاً كي يتضح المقصود.
446 EET (1/446)
صفحة 433
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
النموذج الأول: في مقدار ما يمسح من الرأس.
وقبل عرض هذه النماذج أقول: هنا لا بدَّ من النقل الكامل للنماذج وإن اقتضى ذلك طول النقل، لأن المقصود عرض النموذج بكامله كي يتبين لنا منهجه الفقهي
المقارن.
قال رحمه الله: اعلم أنهم اتفقوا جميعاً أن من مسح جميع رأسه كان مؤدياً للواجب الذي أُمر به.
واختلفوا في مسح ما دون ذلك، فأوجب بعض أصحابنا ومالك بن أنس جميع
الرأس، ولم يكتفوا بمسح بعضه، وإليه ذهب محمد بن بركة. وقال أبو جابر محمد بن جعفر: إذا مسَّ مقدم رأسه أجزى، وإن مسح قفاه وترك
مقدمه لم يجزه، ونسب هذا القول إلى أكثر أصحابنا.
وقيل: إنه يجزئ مسح بعض الرأس مقدار ما يطلق عليه اسم مسح، ونسب هذا
القول للشافعي وهو مقتضى كلام محمد بن المسبح.
وقال أبو حنيفة: الواجب مسح ربع الرأس.
بن
احتج القائلون بوجوب مسح الرأس كله بأن الآية مجملة بينها حديث عبد الله زيد أنه عليه الصلاة والسلام توضأ ومسح رأسه واستوعب، وبالقياس على آية التيمم وهي قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ (1)، فإن التيمم مستوعب لجميع الوجه اتفاقاً مسح الرأس فظهر أن (الباء) في قوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُ وسيكم (2) إنما
فكذلك
دخلت للتأكيد لا للتبعيض. ورد بأن الحديث محمول على الاستحباب جمعاً بين الحديث والآية.
والقياس ليس بشيء إذ لا قياس بين الأصل والبدل.
(1) في الكتاب: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ، وهذه آية الوضوء، أما آية التيمم فهي: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ) وهذا
سهو من الطابع.
(2) سورة المائدة، الآية: 6.
447 - 447 (1/447)
صفحة 434
اجتهادات الإمام السالمي
واحتج القائلون بمسح مقدم الرأس بما روي عنه أنه توضأ ومسح ناصيته (1)،
والناصية هي مقدم الرأس.
مسح
دال
الناصية، فهو على هيئة أخذ بناصيته»،
ورد بأنه لم ينقل أنه مسح جميع المقدم وإنما
ولا يلزم فيها نفي ما سواها ومن كلامهم قولهم جز ناصيته». و ومعلوم بأن ذلك لا يتقدر لأنهم قالوا الطرة الناصية، وفي المصباح أن الناصية
قصاص الشعر وجمعها النواصي.
تقدم.
هي
واحتج أبو حنيفة بحديث مسح الناصية المتقدم وقَدَّر ذلك بربع الرأس. ورُدَّ بما
حجة الشافعي ومن قال بقوله: لو قال: مسحت المنديل، فهذا لا يصدق إلا عند مسحه بالكلية أما لو قال مسحت يدي بالمنديل، فهذا يكفي في صدقه مسح اليدين بجزء من أجزاء ذلك المنديل، فإذا ثبت هذا فاعلم أن قوله تعالى: {وَامْسَحُوا پsوسِكُم يكفي في العمل به مسح اليد بجزء من أجزاء الرأس، ثم ذلك الجزء غير مقدر في الآية فإن أوجبنا تقديره بمقدار معين لم يكن تعيين ذلك المقدار إلا بدليل مبين لهذه الآية، فيلزم صيرورة الآية مجملة وهو خلاف الأصل.
وإن قلنا: إنه يكفي فيه إيقاع المسح على أي جزء كان من أجزاء الرأس كانت الآية مبينة ومفيدة، ومعلوم أن حمل الآية على محمل تبقى الآية معه مفيدة أولى من حملها على محمل تبقى الآية معه مجملة، فكان المصير إلى ما قلناه أولى، فظهر أن المفروض فيه أقل ما يطلق عليه المسح ولو شعرة لكن لا يمكن المسح على شعرة إلا بزيادة عليها، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
ورد بأنه لو كان كذلك لفعله عليه الصلاة والسلام ولو مرة في العمر لإسقاط الواجب، لكنه لم يمسح ما دون الناصية قطعاً، وليس في الشرع واجب أو جائز لم
(1) رواه أبو داوود عن المغيرة بن شعبة بلفظه، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين رقم (150)، 1/
38
448 - 448 (1/448)
صفحة 435
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
يبينه الشارع بفعل أو بتعليم بل الذي فعله دائماً مسح ربع الرأس مرة واستيعابه أخرى كذا قيل (1).
من خلال هذا النموذج يتبين بعض أسلوبه في عرض المذاهب حيث إنه جمع بين أقوال أصحابه وبين المذاهب الأربعة حيث أورد مذاهب الأصحاب مع مذاهب الأئمة بأن جعل كل قول من أقوال أصحابه موافقاً لبعض الأئمة الأربعة.
وظهر بعض أساليبه في الاستدلال، وكيف استدل تارة بالكتاب، وتارة بالسنة،
وتارة بالعرف، وأخرى باللغة.
أما استدلاله بالقرآن فبآية الوضوء وآية التيمم.
وأما استدلاله بالسنة فبحديث المغيرة بن شعبة.
وأما استدلاله بالعرف فهو استدلاله بقولهم: «جز ناصيته» و «أخذ بناصيته». وأما استدلاله باللغة فهو استشهاده بقول الشافعي وبقول صاحب المصباح. وكذلك فقد أتى بأدلة كل فريق كاملة مستوفية.
النموذج الثاني: في بيان أقل الحيض وأكثره.
قال الإمام السالمي: وقد اختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن أقله ثلاثة أيام ولياليهن، فإن نقص عنه فهو دم فاسد، وأكثره عشرة أيام، ونسب هذا القول إلى أكثر أصحابنا وأبي حنيفة والثوري من قومنا. قال الشيخ عامر: فما دون الثلاثة أيام ليست بحيض عندهم. قال أبو سته: ومعنى ذلك أنها تعيد الصلاة والصوم إذا انقطع عنها الدم قبل ثلاثة أيام لأنه قد كشف الغيب أن ذلك ليس بحيض وإنما هو غيض الأرحام ...
وثانيها: أن أكثر الحيض خمسة عشرة يوماً ونسب إلى جماعة من أصحابنا منهم أبو معاوية وجماعة من أهل خراسان وبه قال الشافعي، ونسب إلى علي بن أبي
(1) انظر معارج الآمال 340/ 1.
449 - 449 (1/449)
صفحة 436
اجتهادات الإمام السالمي
طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وأحمد وإسحاق واختلف هؤلاء في أقله فقال الشافعي وبعض أصحابنا: إن أقله يوم وليلة، ونسب إلى علي بن أبي طالب وعطاء بن أبي رباح والأوزاعي وإسحاق، قال أبو بكر الرازي: وقد كان أبو حنيفة يقول بقول عطاء أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً ثم تركه. . .
وقال آخرون: يومان لقوله صلى الله عليه وسلم: الاثنان فما فوق جماعة» (1).
وقال آخرون: ساعة. قال الشيخ عامر: وهو شاذ.
قال رحمه الله: (قلتُ): الظاهر أنهم لم يريدوا بالساعة وقتاً محدوداً بالآثار المعروفة وإنما أرادوا به المكث القليل، فهو عبارة عن قلة الزمان وذلك هو المتبادر من لغة العرب، فأما التحديد بالمقادير فهو أمر فلكي لم تعتبره الشريعة ولا أهلها والله
أعلم. وقيل: إن أقله دفعة ولعل حجة هذا القول والذي قبله ما يروى أن رسول الله قال: فإذا أقبلت الحيضة فاتركي لها الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي. وقيل: أقله
يوم، ولم يذكر صاحب هذا القول الليلة، وقد حكى في الضياء إجماع المسلمين عليه وهو زعم مردود بما تقدم من نقل الخلاف عن الموافقين والمخالفين، فلا يلتفت إليه.
وقيل: إن أقصى أوقات النساء في الحيض سبعة عشر يوماً، ونسب هذا القول إلى أبي عبيدة، وذكروا عن نساء الماجشون أنهن يحضن سبعة عشرة يوماً وهي العادة
فيهن.
وحكى العلامة الصبحي قولاً أن أكثر الحيض ثلاثة عشر يوماً، وحكى أن أكثره
عشرون يوماً.
وقال مالك: لا تقدير لذلك في القلة والكثرة، فإن وُجِدَ ساعة فهو حيض وإن
وجد أياماً فهو حيض كذلك.
(1) سبق تخريجه
450 - 450 (1/450)
صفحة 437
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال: والحجة للمذهب المشهور ما روي عن جابر بن زيد عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام (1). وروي هذا الحديث في بعض كتب المخالفين عن أبي أمامة أبي أمامة عن النبي.
قال أبو بكر الرازي: فإن صح هذا الحديث فلا معدل عنه لأحد.
وأيضاً فقد روي عن أنس بن مالك وعثمان بن أبي العاص الثقفي أنهما قالا: الحيض ثلاثة أيام وأربعة أيام إلى عشرة أيام، وما زاد فهو استحاضة. وأيضاً فإن فرض الصوم والصلاة لازم يتعين للعمومات الدالة على وجوب ترك العمل بهما في الثلاثة إلى العشرة فوجب بقاؤها على الأصل فيما دون الثلاثة وفوق العشرة، وذلك لأن فيما دون الثلاثة حصل اختلاف للعلماء فأورث شبهة فلم نجعله حيضاً، فأما من الثلاثة إلى العشرة فهو متفق عليه فجعلناه حيضاً.
وأيضاً فقد روي عنه الله أنه قال لفاطمة بنت حبيش: «دعي الصلاة أيام أقرائك»، ولفظ الأيام مختص بالثلاثة إلى العشرة، لأنك تقول: ثلاثة أيام، وأربعة أيام إلى العشرة، ولا تقول: أحد عشر أيام إلى ما فوق ذلك.
ورُدَّ بأن العرب تقول أيام الصيف وأيام الخريف، وأيام بني أمية، وأيام حياتك، فقد أطلقت ها هنا على الأشهر والسنين.
وأجيب: بأن إطلاق الأيام على الثلاثة إلى العشرة حقيقة وعلى غير ذلك مجاز، والأصل في الإطلاق الحقيقة ما لم ترد قرينة على إرادة غيرها.
وحجة من قال: بأن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً ما روي عنه أنه قال: «إن
الله جعل في كل شهر حيضاً وطهراً».
وروي عنه أنه قال للنساء: تقعد إحداكن شطر عمرها لا تصلي»، وهذا يدل على أن الحيض قد يكون خمسة عشر يوماً لأن على هذا التقدير يكون الطهر أيضاً
(1) رواه الربيع عن أنس، كتاب الطلاق، باب الحيض، رقم (541)، 218/ 2.
451 - 201 (1/451)
صفحة 438
اجتهادات الإمام السالمي
خمسة عشر يوماً، فيكون أقصى الحيض نصف عمرها. ولو كان أقصى الحيض أقل
من ذلك لما صح هذا الكلام لأنه لا توجد امرأة لا تصلي نصف عمرها.
والجواب عن الحديث الأول أنه لا يدل على ثبوت المطلوب، بل غاية ما فيه الإخبار بأن الله جعل في كل شهر حيضاً وطهراً، ولا يلزم من ذلك تساوي الحيض والطهر في الأيام.
ما قيل.
والجواب عن الاستدلال الثاني: أن الشطر ليس هو النصف، بل هو البعض على
وأيضاً فإن ما مضى من عمر المرأة قبل بلوغها وهو من عمرها، فلو كان المقصود من الحديث أن أقصى مدة الحيض نصف عمر المرأة لم يصح معناه، لأن ما مضى من وقتها قبل البلوغ هو من عمرها، والله أعلم.
ورُدَّ بأن الشطر هو النصف، يقال: شطر الشيء: أي جعله نصفين، ويقال في المثل: واجلب جلبابك شطره»: أي نصفه. والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» إنما يتناول زماناً هي تصلي فيه، وذلك لا يتناول إلا زمان البلوغ.
واحتج أبو سعيد لثبوت القول بأن أكثر الحيض أكثر من خمسة عشر يوماً بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة: دعي الصلاة أيام حيضك قال: ولم يحدد لها وقتاً معلوماً فيمكن أن تكون أيام حيضها أكثر من خمسة عشر يوماً على معنى الرواية، وهذا الاحتجاج متناول للقول المروي عن أبي عبيدة بأن أكثره سبعة عشر يوماً وللقول الذي حكاه الصبحي بأن أكثره عشرون يوماً، فغاية ما فيه تجويز أن يكون الحيض أكثر من خمسة عشر يوماً فيبقى التحديد بالسبعة عشر يوماً وبالعشرين محتاجاً إلى دليل يستند عليه، ولا دليل لذلك إلا أن يكون القائل رأى ذلك موجوداً في بعض النساء فقال به عن علم وخبرة، والعادة في هذا الباب محكمة. ثم إن الاستدلال بالحديث على المطلوب مبحوث بأن الأيام حقيقة في غير ذلك وأن حمله على هذا المعنى حمل للفظ على المجاز من
غير قرينة تصرفه عن حقيقته وهو مردود.
452 - 452 (1/452)
صفحة 439
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وحجة مالك على عدم التحديد بوقت محدود شيئان:
أحدهما: أن النبي بين علامة الحيض وصفته بقوله: دم الحيض هو الأسود المحتدم فمتى كان الدم بهذه الصفة كان الحيض حاصلاً فيدخل تحت قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ، وتحت قوله لفاطمة بن حبيش: «إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة
وثانيهما: أنه تعالى قال في دم الحيض: {هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ،
ذكر وصف كونه أذى في معرض بيان العلة لوجوب الاعتزال.
وإنما كان أذى للرائحة المنكرة التي فيه واللون الفاسد وللحدة القوية التي فيه، وإذا كان وجوب الاعتزال معللاً بهذه المعاني فعند حصول هذه المعاني وجب الاحتراز عملاً بالعلة المذكورة في كتاب الله تعالى على سبيل التصريح.
واستدل الشيخ إسماعيل على ثبوت ما أوجبه نظره بقوله عليه الصلاة والسلام: إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي.
ووجه استدلاله: أن هذا الحديث مفيد لترك الصلاة عند إقبال الحيضة، ولوجوبها مع الاغتسال إذا أدبرت الحيضة ولا دليل يدل على اعتبار ذلك في العدد والاستبراء، فتبقى العدة على حكمها وهو عدم الانفساخ حتى يصح أنها انفسخت
بدليل.
ورُدَّ بأن الحديث ورد على سبب خاص لأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك لفاطمة بنت حبيش حين صارت مستحاضة، فالمراد إذا أقبلت الحيضة المعتادة المعتبرة شرعاً وهي التي
تكون من ثلاثة إلى عشرة لقوله: «أقل الحيض ثلاثة أيام».
وأجيب بأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
هذا النموذج أتيت به مع طوله لتحليله ودراسته واستخلاص منهج السالمي منه.
وهو نموذج مهم، وفي معارج الآمال المئات إذا لم أقل الآلاف منه، لأن كل مسألة فيه فهي على غراره أو أوسع.
453_ or (1/453)
صفحة 440
اجتهادات الإمام السالمي
وليس الهدف من سوق هذا النموذج تكثير الصفحات لأنني سوف أكتفي به وأرشد القارئ العزيز إلى مظان نماذج مثله في الحاشية (1).
هذا النموذج يمكن تحليله على النحو التالي:
1 - اشتمل على بعض أسلوبه في عرض المذاهب، فقد عرضها بأسلوب جمع فيه بين المذاهب الكبرى الأصلية وهي ثلاثة، وقد نص على ذلك بقوله: وقد اختلف
الناس في أقل الحيض وأكثره على ثلاثة أقوال.
أقله
وهذه الأقوال الثلاثة
هي
أن أقله ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام، والقول الثاني: أن
يوم وأكثره خمسة عشر يوماً، والقول الثالث: وهو أنه ليس له حد أعلى ولا حد
أدنى ولكن له صفات إذا ظهرت فيه هذه الصفات فهو حيض.
والمذهب الأول لأكثر أصحابه وأبي حنيفة والثوري.
والثاني للشافعي ونسب إلى علي وعطاء والأوزاعي، وإسحاق.
والثالث لمالك بن أنس والشيخ إسماعيل من أصحابه.
سته
لكن السالمي ذكر في ثنايا هذه المذاهب الأصلية مذاهب كثيرة، ولما لم تكن عنده مذاهب مشهورة كان يشير إليها بقيل وقال آخرون أو قال الشيخ عامر، وقال الشيخ الصبحي، وقال أبو عبيدة رحمهم الله، وقال الشيخ عامر، وقال أبو فقد تصل هذه الأقوال إلى ما يقارب العشرة لكنها لما كانت ثانوية عنده أو ليست بالقوية ولا المشهورة جعلها مبثوثة بين المذاهب الثلاثة المشهورة من باب الإفادة والإحاطة بالمذاهب والأقوال من كل جوانبها.
ويتضح منها سعة علمه واطلاعه على أقاويل أهل العلم.
(1) أنظر: 283/ 18 و 1/ 309 و 1/ 409 و 1/ 606 و 25/ 35 و 25/ 145 و 2/ 47 و 25/ 91 و 101/ 2 و 371/ 4 و 310/ 1 و 1/ 332 و 1/ 343 و 1/ 378 و 1/ 390 و 391/ 1 و 396/ 1 و 2/ 795 و 2/ 285 و 329/ 1
و 1/ 359 و 1/ 376 و 501/ 1 و 2/ 107 و 2/ 112 و 1/ 127 و 2/ 130 و 2/ 146 و 148/ 2 و 347/ 4 و 4/ 352 و 1/ 341 و 1/ 356 و 5/ 16 و 5/ 120 وما تركته مما جمعته كثير جداً.
454 - 454 (1/454)
صفحة 441
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
أما من حيث الاستدلال، فقد استدل لجميعها فلم يبخسها حقها من الاستدلال بالمنقول والمعقول على قدر ما يفتح الله عليه وييسره إليه! وقد استدل بالقرآن والسنة والبراءة الأصلية وبالعرف والعادة، واللغة، ووجه الاستدلال حيث دعت الحاجة إليه.
أما المناقشة فكانت في هذا النموذج وفي النماذج المشابهة واضحة المعالم، فقد رَدَّ دعوى العوتبي صاحب الضياء إجماع المسلمين على أن أقل الحيض دفعة، قال رحمه الله: وقد حكى في الضياء إجماع المسلمين عليه وهو زعم مردود بما تقدم من نقل الخلاف عن الموافقين والمخالفين، ورَدُّ دعوى الإجماع هو أحد الضوابط المعتمدة في المناقشة عند السالمي رحمه الله كما أشرتُ إلى ذلك سابقاً، ومن الضوابط تقديم الحقيقة على المجاز وذلك واضح في جوابه على من اعترض بأن الأيام تطلق على الشهور والسنين فرَدَّ عليه بأن ذلك الإطلاق إنما يصح على طريقة المجاز، والأصل في الكلام الحقيقة.
ومن الضوابط في مناقشاته لا سيما في هذا النموذج عدم تسليمه بدلالة الحديث كما في حديث: «في كل شهر حيض وطهر» قال: فإن هذا الحديث لا يدل على تحديد الحيض بخمسة عشر يوماً.
وأما الترجيح فالسالمي قد لا ينص على الترجيح نصاً صريحاً لكنه قد يشير إليه
تلويحاً إذا كانت الأدلة قريبة من التعادل في القوة من حيث الثبوت والاستدلال. وحينئذ يصدر ما يراه راجحاً ويستدل له من غير مناقشة أو بمناقشة لا تصمد أمام
الجواب عليها.
وفي هذا النموذج يظهر أنه يقدم المذهب الأول وهو مذهب جمهور أصحابه ومذهب أبي حنيفة والثوري لقوله أدلتهم ولكونها لم تواجه بمناقشة أو ردود. وهذا الأسلوب أحد أساليبه في الترجيح.
وهناك أساليب أخرى يحسن الإشارة إلى استعمالاته فيها باشارات سريعة.
455 - 200 (1/455)
صفحة 442
اجتهادات الإمام السالمي
من ذلك قوله: والحق كذا. مثاله: قوله رحمه الله في نجاسة الخنزير: «والحق الذي عليه أصحابنا والجماهير من غيرنا الحكم عليه بالنجاسة (1).
وقوله في حكم الماء الذي ولغ فيه الكلب: والقول الأول هو الحق. ومن ذلك قوله: والصواب كذا. مثاله: في رجيع الخيل والحمير: فالصواب الذي لا محيد عنه أن يقال إن حكم النجاسة موقوف على بيان الشارع، فما حكم بنجاسته فهو النجس، وما لم يثبت فيه من قبل الشارع حكم ألحق بنظيره الذي ساواه في العلة، وما ليس له نظير فالطهارة أولى به هذا ما أدى إليه نظري وما قدمت ذكره فإنما قلته على سبيل الاتباع وبيان ما قالوه في ذلك».
•
ومن ذلك قوله: الصحيح عندي أو الصواب عندي مثاله: قوله في حكم ما في البطون بعد الموت بالذكاة الشرعية: والصحيح عندي ما قدمت لك في شرح
الأبيات
وهو أنه لا يؤكل حتى يكون في حد ما تنفخ فيه الروح لأنه قبل ذلك ميتة لا تمكن ذكاته» (2). (2)
وقوله في ميتة ما يعيش في البحر: والصحيح الجواز والحجة له قوله تعالى: و أحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ} (3).
ومن ذلك قوله: هذا إلى الحق أقرب مثاله: قوله في تخليل اللحية: «قلتُ هذا أسهل مما تقدم وكأنه للحق أقرب، والله أعلم» (4).
ومن
ذلك قوله: قريب من الصواب. مثاله في صفة الاستنجاء: «وإذا غلب على ظنه زوال ذلك ثم شم في يده ريح النجاسة فإن كان من جرم اليد المباشر للمحل وجب
(1) معارج الآمال 2/ 255. (2) معارج الآمال 364/ 2. (3) المرجع نفسه 367/ 2.
(4) المرجع نفسه 391/ 1.
456 - 456 (1/456)
صفحة 443
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
غسله لأن ذلك يدل على نجاسته، وإن لم يشمها من ذلك كأن شمها بين أصابعه أو شكٍّ لم يلزمه إلا غسل يده لاحتمال أن الريح في المحل الذي لم يباشر الدبر وهو قريب من الصواب» (1).
إلى غير ذلك من عبارات الترجيح.
(1) المرجع نفسه 407/ 1.
457 - {OV (1/457)
صفحة 444
ماتا
الفصل الرابع
في فقه النفس وأثره
في الاجتهاد عند السالمي
4
خه
a
ية التي
تمهيد
المقصود بفقه النفس معرفة العبد حق الرب عليه، والقيام بجميع هذه الحقوق. وقيل: هو معرفة النفس ما لها وما عليها، وهو الفقه الأكبر.
وفقه النفس من أهم صفات العلماء الربانيين الذين شهدوا لله بالوحدانية، وشهد الله أنه لا إله إلا هُوَ وَالْمَلَيْكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قَابِمَا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الحكيم (1) أهل الله وخشيته قال تعالى: {إنما يخشى الله من عِبَادِهِ الْعُلَموا (2) وهم وهم الذين عبدوا الله وأخلصوا له الدين وما أمروا إلا ليعبدوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلوةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَوةُ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ) (3).
(†)
وهم
وهم الذين يستشعرون رقابة الله عليهم قال تعالى: {وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُوا مِنْهُ مِن
(1) سورة آل عمران الآية: 18
(2) سورة فاطر، الآية: 28. (3) سورة البينة، الآية: 5.
459_09 (1/459)
صفحة 445
اجتهادات الإمام السالمي
قُرْآنِ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِثْقَالِ ذَرَّةٍ
(1)
فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَبٍ مُّبِينٍ} (1).
وقد اتصف بفقه النفس الأئمة المجتهدون فكانوا قدوة في الدين والورع والزهد والعزوف عن الدنيا، وقد سارت الركبان بأخبارهم وسجاياهم وألفت الكتب في فضائلهم ومناقبهم فقد أسهروا ليلهم في الجد والطلب وأظمأوا نهارهم وكابدوا المشقات في أسفارهم كانوا قدوة لمن أراد الاقتداء وأسوة لمن أراد التأسي، طلبوا رضوان الله يسخط أهل الدنيا فرضي الله عنهم وأرضى عنهم أهل الدنيا.
رفعوا منار العلم فرفع الله مناراتهم بين الناس أعطوا لله أخلص ما عندهم فأعطاهم الله تعالى ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، وجعلهم أئمة في السابقين الأولين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين.
والإمام السالمي رحمه الله كان من الأئمة الربانيين ومن العلماء الزاهدين السالكين طريق المؤمنين ومن المجتهدين الراسخين زكت نفسه وحسنت أخلاقه، وظهر الورع والدين في كلامه وكل من قرأ وكحل ناظريه في هذه الأسفار المباركة وقف على نفس عظيمة ونَفَس مبارك، لقد طبعت أخلاقه وسجاياه على صفحات كتابه قبل عباراته وكلماته، ففاضت علماً ونبلاً وبراً وهدياً واستقامة.
إن هذه الصفات والخلال لهي من أخص خصائص الاجتهاد لا سيما الاجتهاد في تنزيل القواعد والضوابط على الوقائع والحوادث، وهو ما يسمى بالاجتهاد في تحقيق المناط، وهو الاجتهاد الباقي ما بقيت السموات والأرض، وهو الذي لا ينقضي إلا بانقضاء الدنيا، وهو الذي يفتح الله به على أوليائه وأصفيائه.
لقد تجلت في هذا الإمام الفذ كل مقومات الإمامة فأخذ عن الأصاغر والأكابر وهو من علامات النبل، ونقل عن الموافق والمخالف ووالله ما قزع وما قرع، ولا انتهر ولا احتقر بل حلم وصبر وغفر. أخذ عن جهابذة السلف والخلف على شتى
6
(1) سورة يونس الآية: 61.
460 - 460 (1/460)
صفحة 446
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
مذاهبهم وتنوع مشاربهم وتصرف مع القريب والبعيد، برحم العلم، وصلة الأخوة الإسلامية الجامعة، ينقل المذاهب وَيُدَلِّل لها، ويناقش من غير تأنيب، ولا تشغيب،
بل يسدد ويقارب ويتحرى الحق، لأن الحق أحقُّ أن يُتَّبع.
إن كل ما ما ا أُسطره هو هو جزء مما انطوت عليه نفسه الكبيرة، ومن قرأ كتابه (معارج الآمال) وقف على هذه الحقائق من فقه نفسه، وحسن خصاله، وكمال آدابه رحمه الله رحمة واسعة وجمعنا به في مستقر رحمته مع الأنبياء والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
وسوف أبين هذه الصفات الكريمة والخصال الحميدة في مباحث.
المبحث الأول
في وعظه وزهده
(1)
والزهد في اللغة ترك الميل إلى الشيء. وفي اصطلاح أهل الشريعة: هو الإعراض عن الدنيا وبغضها فمن كره الزائد على ما يحتاج إليه فهو زاهد والإمام السالمي رحمه الله كان يجمع بين الفقه والوعظ والتذكير بأمر الدين والتخويف من الوقوع في محارم الله، وهو الفقه الحقيقي، وهو الفقه الأكبر. وإلا فما فائدة الفقه إذا تجرد من هذه المعاني التربوية والأمور السلوكية التي تقود الإنسان إلى الدينونة وتحقيق العبودية لله تعالى في كل شأن من شؤون الحياة. وسوف أسوق أمثلة على هذا الوعظ والتوجيه التربوي الذي ازدان به کتاب
السالمي رحمه الله.
المثال الأول: الكلام عن غض البصر.
بدأ السالمي بالكلام على هذه المسألة بقوله تعالى: وقُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أبصر هيتم الآية (2).
(1) انظر تعريفات البركتي ص 315. (2) سورة النور، الآيتان: 30 و 31.
461 - 461 (1/461)
صفحة 447
اجتهادات الإمام السالمي قال رحمه الله: قال في الهميان: واعلم أن البصر هو الباب الأكبر إلى القلب فكثر العثور من جهته، وإطلاقه يقدح في القلب ناراً وغضُه يورث فيه نوراً، وسأل جرير رسول الله عن نظرة الفجأة فقال: اصرف نظرك» (1)، وسأله عمر
بصرك».
فقال: «غض
قال: وإنما خلق الله العينين للإنسان لينظر بهما في حوائجه ويعتبر بها ويستعملها أذاقه وعنه: «النظرة سهم مسموم من سهام إبليس فمن غض بصره
فيما هو طاعة، الله عبادة يجد طعم لذتها» (2).
ونظر أبو مرداس إلى امرأة مكشوفة الرأس بغير عمد فصام لذلك سنة. قال ابن سيرين: ما ثبتت عيني في وجه امرأة قط إلا أمي وأختي وامرأتي. ويقال: إن حسان بن أبي سنان انصرف من العيد فقالت له امرأته كم من امرأة حسناء نظرت إليها، فقال لها ويحك ما جاوز بصري إبهامي منذ خرجت عنك حتى رجعت إليك.
وقيل: النظرة الأولى فجاءة، والثانية فتنة، والثالثة ريبة.
وقيل: لا تجعل محاسن النساء علفاً لعينيك فتخرج عظمة الله من قلبك، فإن النظر إلى ذلك خربة للدين فإنهن شباك لأعينكم فيصطاد بها اللعين، فاحذروهن فإنهن كحل جهنم لأعينكم، وسموم أراقيمها (3) لفروجكم، وقسوة لقلوبكم، ومرض يشين إيمانكم، وداء يبعدكم عن مليككم، يعرض عنها خياركم، ويستنشقها شراركم. وقيل: محاسن النساء بحر من سم ناقع، وغض البصر سفينة من عود مانع، فمن
ركب السفينة نجا، ومن تخلف عنها غرق.
فتنة.
وعن عيسى: إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب شهوة، وكفى بها لصاحبها
(1) رواه أبو داوود عن جرير بن عبد الله بلفظ بصرك كتاب النكاح في ما يؤمر به من غض البصر رقم
2148 (، 246/ 2)
(2) رواه الديلمي في الفردوس عن حذيفة بن اليمان بمعناه رقم (7124)، 44/ 5. (3) أراقم جمع أرقم وهو من الحيات الذي فيه سواد وبياض. انظر اللسان (رقم).
462 - 462 (1/462)
صفحة 448
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وقيل: من أرسل طرفه أورده حتفه، وأطال أسفه.
وقال ذو النون: نعم حاجب الشهوة غض البصر.
وفي المثل: رب حرب جنيت من لقطة، وعشق غرس من لحظة.
(1)
وفي القناطر (1) من كتاب محجة السعادة قال ابن عبد الحميد: غضوا أبصاركم
عن محارم الله تجل عظمته في قلوبكم وتتجول في ملكوت السماء عقولكم، وقال ابن عبد الله: «غضوا أبصاركم فإنه يزيد الإيمان كمالاً، ويزيد المؤمن جمالاً، ويزيد الشيطان نكالاً، وتجدد لذات الطاعة في قلوبكم، وتبدوا معالم الإيمان في صدوركم». وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: إنما جاءت فتنة داوود عة من أجل النظرة
وقال لابنه سليمان: امش أمام الأسد ولا تمش خلف المرأة» (2).
وقال يحيى: بدء الزنا النظر والتمني».
وقال ابن مسعود: «لأن يزاحم أحدكم جملاً أجرب مطلياً بقطران أحب إليه من أن يزاحم امرأة».
،
وقال مجاهد: غض البصر يورث محبة الله، وكان الربيع بن خيثم يداوم على غض البصر وإذا مرت به النساء يقلن ما أجمله إلا أنه أعمى».
ونظر غانم بن هشام إلى غلام فقال: {فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثُ مَنَتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ} (3) ثم قال: اللهم لا تستدرجنا من حيث لا نعلم ارجع بنا إلى توبة تقربنا من رحمتك وتدنينا من عفوك، ولا تسلط علينا لحظات أعمل في قلوبنا من السيوف المرهفات والمنايا القاضيات (4).
(1) قناطر الخيرات للجيطالي 188/ 3.
هي
(2) في الكتاب: امش خلف الأسد والمحفوظ أمام الأسد، والمعنى خطورة الأسد عليك من خلف أهون من خطورة المرأة أمامك لأنك إن سرت خلفها كان ذلك مظنة النظر إلى مفاتنها، وربما كان ذلك من خطأ الطباعة أو النساخ وكنت وأنا في طلب العلم في حمص يقول لنا شيخنا المربي الزاهد العابد عبد الفتاح المسدي رحمه الله: امشوا أمام الأسد ولا تمشوا خلف المرأة.
(3) سورة القلم، الآية: 44.
(4) معارج الآمال 1/ 474 و 473/ 1 و 704.
463 - 463 (1/463)
صفحة 449
اجتهادات الإمام السالمي
هذه المواعظ وكثير غيرها مما تركتُ ذكره تدل على هذا الفقه الذي أوتيه السالمي رحمه الله. فكُتُبُ الفقه عادة لا تهتم بمثل هذه المواعظ والإرشادات وتتركها لكتب الوعظ والتربية ككتاب إحياء علوم الدين للغزالي وكتاب «الزهد والورع للامام أحمد بن حنبل، أما أن تذكر في ثنايا الفروع الفقهية فهذه محاولة للجمع بين فقه الأحكام الشرعية وبين فقه النفس، وفي ذلك تزويد لطالب العلم بالعلم والعمل، فإن من يقرأ هذه الأقوال كان أهون عليه أن يفقأ عينيه ولا ينظر بهما إلى محرم.
لقد استطاع السالمي رحمه الله أن يصل إلى هدفه ويبلغ مبتغاه وهو تربية المهابة والخشية لدى طالب العلم الذي يفترض فيه أن يكون أكثر الناس خشية لله تعالى {إِنَّمَا يخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَؤُوا (1). وإلا فما فائدة العلم إذا لم يتبعه العمل، وما فائدة الاجازات والشهادات إذا لم يتبعها العمل، وما مثل صاحبها إلا كمثل الحمار يحمل أسفاراً، أو كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث، وهذا مثل لعالم من علماء بني إسرائيل واسمه (بلعام).
وقد أنزل الله فيه: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِى آتَيْنَهُ وَايَنَيْنَا فَأَنسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لرفعته بها ولكنه أخلد إلى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَنَهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَتْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِنَايَنِنَا فَأَقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (2)
إن الجمع بين أحكام الشريعة وبيانها وبين التربية هي طريقة القرآن الكريم. والله تبارك وتعالى لم يشبه أهل الكتاب الذين حملوا العلم ولم يعملوا به بالحمار الذي يحمل الأسفار والمجلدات على ظهره إلا بعد أن ذكر لنا الحكمة من بعث النبي في الأمة الأميَّة وهي قوله تعالى: ويَتْلُوا عَلَيْهِمْ آبَيْهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كانوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (3). فكان في ذلك دلالة والله أعلم على أنه إذا لم تحصل
(1) سورة فاطر، الآية: 28.
(2) سورة الأعراف، الآيتان: 174 و 175.
(3) سورة الجمعة، الآية: 2.
464 - ETE (1/464)
صفحة 450
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
التزكية من تعلم الكتاب والحكمة غدا هذا العالم الذي لم تحصل له التزكية بهذا العلم كمثل الحمار يحمل أسفاراً لأنه حمل علماً لم ينتفع به ولم يرفعه الله به.
وأما المثال الثاني فهو للعالم كثير التشدق بالكلام من غير عمل وإنما جدل وسفسطة لا طائل تحتها ولا ثمرة منها، فمثله كالكلب كثير النباح إن حملت عليه أو لم تحمل عليه فهو لهاث بلهاث من غير جدوى ولا ثمرة.
المثال الثاني: في النميمة.
عرف السالمي رحمه الله النميمة بأنها نقل الكلام أو الفعل على وجه الإفساد. فيخرج بذلك ما إذا كان لا على غير طريقة الإفساد فإنه ليس بنميمة كنقل العلم الواجب نقله، وكنقل الخبر لتنجية النفس المحرم، قتلها، والتحدث بالأخبار المباحة عند الضيف لتطيب نفسه وينشرح صدره وهذا النوع من النميمة أي ما كان على وجه الإفساد هو المحرم دون ما عداه لقوله: من اكتسى برجل مسلم ثوباً فإن الله يكسوه مثله من نار جهنم، ومن أكل برجل مسلم أكلة فإن الله يطعمه مثلها من نار جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فإن الله يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة» (1).
وعنه: «لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا نمَّام ولا منان (2).
وروي
أن رجلاً قال لعلي: أين ذكر الله تعالى الجاسوس في القرآن؟ قال علي: في سورة براءة في قوله تعالى: {وَفِيكُمْ سَمَعُونَ ممَّ (3).
هي
يقصد الإمام الله أن الجاسوس وهو النمام في ديوان المنافقين، فسورة التوبة الفاضحة سميت بذلك لأنها فضحت المنافقين.
وحكي أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن في بلدك ساعياً ولست أمطرك وهو في
(1) رواه أبو داوود عن المستورد بلفظ قريب كتاب الأدب، باب في الغيبة رقم (4881)، 270/ 4. (2) رواه الترمذي عن أبي بكر بلفظ قريب كتاب (28) البر والصلة باب (41) ما جاء في البخيل رقم
(1963)، 343/ 4، وأحمد 7/ 1.
(3) سورة التوبة، الآية: 47.
465 - 465 (1/465)
صفحة 451
اجتهادات الإمام السالمي
أرضك، قال: يا رب دلني عليه حتى أخرجه قال يا موسى أكره النميمة وأَنه؟!! ().
قلت: وفي القرآن ما يصدق ذلك، فإن الله في سورة براءة أتى على صفات المنافقين صفة صفة فكان يقول: ومنهم ومنهم إلى آخر السورة، وما سمى واحداً منهم لأنهم كانوا يطلبون الستر في الدنيا فلم يهتك الله لهم ذلك الستر لأنه الستير، فكان يقول: {وَمِنْهُم مَن يَلْمِرُكَ لكم يليزك في الصَّدَقَتِ) (2)، وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَنذَن لِي وَلَا
(3)
،
لو ومنهم الذين يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ لين واتَنَا مِن فَضْلِهِ، لَنَصَّدَّ قَنَّ (5).
(4)
الله ومنهم من عهد الله
والحديث عن النميمة والتنفير منها والتحذير من عواقبها هو من فقه النفس التي يحرص المجتهد على غرسها في نفوس طلبة العلم لأنه قائم مقام النبي في تبليغ شرع الله إلى الناس وقائم مقام النبي في التربية والتعليم والتزكية والتذكير بالله تعالى. وما أعده الله للمؤمنين الطائعين وما أعده للعصاة المذنبين الحائدين عن طريق
الرشاد.
،
المثال الثالث: في تذكر الموت والأحوال المذكرة به.
إن مجرد بحث الموت في كتاب عظيم من كتب الفقه إشارة إلى اعتنائه رحمه الله بفقه النفس وتذكير الناس بالآخرة، فما من حديث أكثر ترغيباً في العزوف عن الدنيا، والاقبال على الآخرة من الحديث عن هادم اللذات ومفرق الجماعات، وميتم البنين،
والبنات.
(1) معارج الآمال 566/ 1. (2) سورة التوبة، الآية: 58.
(3) سورة التوبة، الآية: 49.
(4) سورة التوبة، الآية: 61.
(5) سورة التوبة، الآية: 75.
466 - 466 (1/466)
صفحة 452
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قال السالمي رحمه الله: لأن في تذكره إزعاجاً إلى الآخرة، وانبعاثاً إلى العمل الصالح، ورغبةً عن الدنيا، وتشوقاً إلى الآخرة.
قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكثروا من ذكر هادم اللذات (1).
وروي
أن رجلاً من الأنصار قال يا رسول الله أي المؤمنين أفضل؟، قال: «أحسنهم خلقاً». قال: أي المؤمنين أكيس؟، قال: «أكثرهم للموت تذكراً وأحسنهم لما بعده استعداداً أولئك الأكياس» (2).
وروي أنه قال: أكثروا من ذكر هادم اللذات فإنه يمحص الذنوب ويُزهِدُ في
الدنيا» (3).
وكان يقول: كفى بالموت واعظاً» (4).
ثم ذكر رحمه الله فوائد ذكر الموت.
قال رحمه الله: إن تذكر الموت يورث استشعار الانزعاج وطلب الخروج من هذه الدار الفانية والتوجه في كل لحظة إلى الدار الباقية قالوا: ولا ينفك الإنسان في هذه الدار عن حالتين: ضيق وسعة نعمة ونقمة. وقالوا في ذكر الموت: قصر الأمل، وانتظار الأجل. وقالوا: ليس للموت نفس معلوم ولا مرض معلوم، ولا زمن معلوم، ولهذا استعد له الأكياس وصاروا على أهبة.
وروي
أن رجلاً كان ينادي طول الليل على سور المدينة: الرحيل الرحيل. فلما
توفي فقد أمير المدينة صوته فسأل عنه فقالوا له: قد مات. فأنشد يقول: ما زال يلج بالرحيل وذكره حتى أناخ ببابه الجمال فأصابه مستيقظاً متشمراً ذا أهبة لم تلهه الآمال
(1) رواه الترمذي عن أبي سعيد بلفظه، كتاب صفة القيامة، رقم (2460)، 639/ 4. (2) رواه ابن ماجه عن ابن عمر بلفظه كتاب الزهد باب ذكر الموت والاستعداد له برقم (4259)، 2/
1423
(3) رواه الترمذي عن أبي سعيد بمعناه، كتاب صفة القيامة رقم (2460)، 639/ 4. (4) رواه ابن أبي عاصم، كتاب الزهد عن عمار بن ياسر بلفظه، 176/ 1.
467 - {TV (1/467)
صفحة 453
اجتهادات الإمام السالمي
وقد كان يزيد الرقاشي يعاتب نفسه ويقول لها: ويحك يا نفس من ذا الذي يصلي عنك بعد الموت؟ من ذا الذي يصوم عنك بعد الموت وهكذا ... ثم يقول: أيها الناس ألا تبكون وتنتحبون على أنفسكم بقية عمركم؟ فمن كان الموت موعده، والقبر بيته، والثرى فراشه والدود، مؤنسه وخوف الفزع الأكبر يزعجه كيف يلتذُ بمنام ثم يبكي حتى يخر مغشياً عليه.
وكان عمر بن عبد العزيز يجمع الفقهاء ويتذاكرون الموت، وأهوال يوم القيامة، وسوء الحساب والمرور على السراط، ويبكي أحدهم حتى كان
بين يديه جنازة. وكان سفيان الثوري إذا ذكر الموت لا ينتفع أحد به أياماً عديدة، ولا يأكل ولا يشرب، وكان إذا سئل عن شيء يقول: لا أدري.
داره.
وكان يوسف بن إسباط إذا شيع جنازة يكاد يموت فيرجعون به في النعش إلى
،
وكان حامد اللفاف يقول: من أكثر من ذكر الموت أُكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة وقناعة النفس والنشاط في العبادة. ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، والشره في الدنيا والتكاسل عن الطاعة ذكر ذلك كله في مختصر التذكرة القرطبية» (1).
ثم تكلم عن الأحوال المذكرة للموت، وساق نقولاً كثيرة في هذا المقام، أكتفي بنقل عن لقمان الحكيم لابنه قال: يا بني أمر لا تدري متى يلقاك استعد له قبل أن
يفاجئك.
وتكلم عن أحوال الذاكرين للموت، كما تكلم عن تمني الموت، وعن نذير الموت، وتكلم عن علامات الخير والشر عند الموت وتكلم عن حسن الظن بالله
تعالى.
(1) انظر معارج الآمال 17/ 4، 18/ 4.
468 - 468 (1/468)
صفحة 454
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وتكلم عن تلقين الميت، وعن سوء الخاتمة، وحسن الظن بالله، وعن البشارة.
ثم دخل في الأحكام فتكلم عن تغميض عين الميت وعن علامات الموت (1). إن طالب العلم لا يدخل أحكام الموتى أو أحكام الجنائز حتى ينقلع قلبه خوفاً ومهابة ووجلاً وقلقاً من هادم اللذات وهذا مقصد عظيم من مقاصد العلم، فالعلم الذي لا يذكر صاحبه بالموت وما بعد الموت والأهوال التي يكابدها الإنسان في القبر أو في عرصات يوم القيامة ليس بعلم ولا يستحق أن تُبذل لأجله المهج ونفاس الأوقات لقاء وملذات العمر. لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظ أصحابه وينذرهم ويخوفهم يوم الحساب حتى يسمع لهم حنين من البكاء، وبقدر ما كان يفقههم في الدين وبقدر ما يعلمهم
الحلال والحرام.
والوعظ والإرشاد من مهمات الأنبياء الأولى، فقد حكى الله خبر هود ووعظه لقومه قال تعالى: وإِنِّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُون) (2)
وقال عن لسان لقمان: {وَإِذْ قَالَ لَقَمَنُ لابْنِهِ، وَهُوَ يَعِظُهُ يَنْبي لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ
الشِّرْكَ لَظُلُهُ عَظِيمُ)
(3)
وكان النبي محمد سيد الواعظين، فعن العرباض بن سارية الله قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي» الحديث (4).
إذاً فالإمام السالمي مستن بسنة الأنبياء والمرسلين والأئمة المهديين، وقد حاول أن يكتب بهذا النفس من الجمع بين الفقه المعرفي والفقه النفسي الشيخ سيد سابق رحمه الله تعالى في كتابه الماتع النافع (فقه السنة)، فقد حاول أن يضع مقدمات
(1) انظر معارج الآمال 20/ 4، 37/ 4.
(2) سورة الشعراء الآيات: 124 - 136. (3) سورة لقمان، الآية: 13.
(4) رواه ابن ماجه في المقدمة رقم (42) ـ 43 ـ 44) مطبعة الحلبي.
-
469 - 879 (1/469)
صفحة 455
اجتهادات الإمام السالمي
توجيهية على أبواب الفقه وهذا مسلك عظيم وهو دأب العلماء العاملين، والأئمة
المجتهدين.
المبحث الثاني
في إنصافه وأدبه
العلماء
مع
الإمام السالمي إمام جُبل على محاسن العادات وكرائم الطباع، تجسد فيه الأدب الجم لاسيما مع أهل العلم، فما رأيت على كثرة ما قرأت في كتابه تغايراً وتحاسداً ولا انتقاصاً من أحد بل يذكر أقوال موافقيه ومخالفيه مع ذكر أدلتهم التي أخذوا بها يسوقها كاملة غير منقوصة ولا مقطوعة.
،
فإن كان في المخالفة وجه سائغ للتأويل تأوّل لهم تأويلاً يليق بحالهم وعلو مراتبهم ولا يتأول عليهم الأخطاء الشنيعة كما هو دأب علماء السوء الذين لم يجعل الله لهم قدم صدق في الأولين ولا لسان صدق في الآخرين.
ودونك أخي القارئ هذه الأمثلة الناطقة بعلو قدره وحسن شيمه وكرائم خصاله
وجمال فعاله.
المثال الأول: ما قاله في حكم الغيبة.
قال
رحمه الله: ورفع عن محمد بن إبراهيم أنه كان يقول: ما أرجو الجنة لأحدٍ من أهل هذا الزمان إلا الأطفال من كثرة الغيبة بينهم وهذا كلام يقصد به المبالغة في التنفير من الوقوع في المحجور لأن إرادة حقيقته لا تصح لما فيها من الإياس من روح الله تعالى {إِنَّهُ لَا يَأْيْسُ مِن زَوْجِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَفِرُونَ (1). ومثل محمد بن إبراهيم لا يجهل هذا الحكم فكلامه رحمه الله تعالى محمول على أحسن الوجوه، فإن عنه فوجهه ما ذكرت لك من المبالغة، والله أعلم» (2).
(1) سورة يوسف، الآية: 87.
(2) معارج الآمال 566/ 1.
صح
هذا
470 - 470 (1/470)
صفحة 456
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المثال الثاني: في ما قاله في نقض الوضوء بالشرك والمعاصي.
ذكر الإمام السالمي عن أصحابه الخلاف في نقض الوضوء بالقذف والبهتان
،
يوجب
ولعن من لا يستحق اللعن كالبهيمة والطفل ولعن المستحق على وجه لا اللعنة، وبعضهم لم يقل بنقض الوضوء في هذه الأمور الأربعة، قال رحمه الله: «وقد عرفت مما تقدم الخلاف في هذه الأربعة وغيرها، فلعل القائلين إنها لا تنقض الوضوء لم يصح معهم هذا الحديث كما هو اللائق بحقهم فحينئذ لم يثبت الاتفاق على النقض بالأربعة المذكورة» (1).
المثال الثالث: ما ذكره في حكم الصلاة على البغاة وسائر أهل الكبائر. قال رحمه الله: واختلفوا في مانع الحق والآبق والمرأة العاصية .. وسائر أهل الكبائر والبدع وفي من قتل نفسه. ومذهب المشارقة منا أنه لا يصلى على الباغي المقتول على بغيه والقاطع للطريق ومن قتل بحد وامتنع عن التوبة والانقياد ومن قتل قصاصاً ولم يتب ويصلون على سائر أهل الكبائر ... وحجة المانعين قوله تعالى هو ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره (2)، والآية في المنافقين، وأهل الكبائر كلهم أهلُ نفاق.
والجواب من وجهين:
الأول: أن الآية فيمن أظهر الإسلام وأخفى الشرك لقوله تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ هُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ فَهُمَّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَاللَّهُ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (3)
وسائر أهل الكبائر مسلمون باطناً وظاهراً غير أنهم نقضوا دينهم بفعل الكبيرة، وليس الكبيرة من المعاصي كالكبيرة من الشرك (4). وكلامه له أصل في كلام علماء
(1) معارج الآمال 550/ 1.
(2) سورة التوبة، الآية: 084 (3) سورة التوبة، الآية: 80. (4) معارج الآمال 56/ 4.
471_ {V\ (1/471)
صفحة 457
اجتهادات الإمام السالمي
السلف، فقد روي عن ابن عباس وغيره أنهم كانوا يقولون: كفر دون كفر، ونفاق دون
نفاق، وشرك دون شرك.
فنفاق المعاصي غير نفاق الشرك، وهذا محل تسليم، وفي كلامه إنصاف
وإشفاق على أمة محمد.
المبحث الثالث
في نقده لبعض أصحابه
ومن أهم علامات فقه النفس عدم التعصب للمذهب أو الشيخ أو الأصحاب على
حساب الحق لأن الحق أحق أن يُتَّبع.
والإمام السالمي رحمه الله تجلت فيه صفة الإنصاف والتحري للحق ولو مع غير
أصحابه فهو مع الحق حيث دارت رحاه!
الأخوة.
ومن هنا انتقد بعض أصحابه انتقاداً علمياً حفظ المودة والحرص على
وهذه بعض الأمثلة التي يتضح بها المقصود.
المثال الأول: في غيبة الفاسق.
قال رحمه الله: قال أبو محمد: غيبة الفاسق لا شيء فيها بل هي من المأمور به لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لكم تراعون عن ذكر الفاسق اذكروا الفاسق بما فيه يعرفه
الناس» (1).
وروي عن ضمام أنه قال: قيل لجابر بن زيد أرأيت الرجل يكون وقاعاً في الناس فأقع فيه أله غيبة؟ قال: لا. قيل: ومن هو الذي تحرم غيبته؟ قال: رجل خفيف من دماء المسلمين، عفيف بطنه من أموالهم، أخرس اللسان عن أعراضهم، فهذا
الظهر
الذي تحرم غيبته وما سواه فلا حرمة له ولا غيبة فيه
(1) معارج الآمال 056/ 4
472 - 472 (1/472)
صفحة 458
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
قلتُ: وهذا الكلام لا يدل على جواز غيبة المجهول، لأنه إنما أجاز ذلك فيمن
اتصف بضد تلك الخصال، لا فيمن لم يعلم منه عدم الاتصاف بها، فلا بد من تقييد
لإطلاق كلامه الله» (1) رحمه
المثال الثاني: حكم الماء الراكد.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله الأحاديث مثل حديث: نهى رسول الله عن
(2)
البول
في الماء الدائم، وحديث: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (3)، وحديث: لها ما حوت في بطونها وما بقي فهو لنا شراب وطهور (4).
ثم قال: فهذه جمله الأحاديث التي وردت في حكم الماء الراكد، فالنهي لأحدنا عن البول في الماء الدائم ثم يتوضأ منه إنما هي خصوصية الماء الراكد لحكمة علمها الشارع سواء كان الماء قليلاً، أو كثيراً، لذلك أجاز أبو علي البول في النهر لكونه غير راكد .. وليس النهي عن ذلك لمخافة تنجيس الماء فقط كما فهمه أبو محمد حيث قال: والنظر يوجب عندي أن النهي عن التوضئ منه لقلته لأن الراكد من الماء قد يكون قليلاً وقد يكون كثيراً ولأجل الحكمة التي أشرنا إليها.
الماء
قال أصحاب الظاهر: ولغير البائل الممنوع أن يتوضأ منه أي نهي نه أي نهي البائل في الدائم أن يتوضأ منه لا يستلزم المنع لغير البائل أن يتوضأ من ذلك الماء، لأن النهي عن ذلك لا لكونه ينجسه بل لحكمة غير ذلك وهو صواب إن شاء الله فيسقط اعتراض أبي محمد عليهم بقوله: فما ينكر أن يكون عليه الصلاة والسلام أراد الماء القليل. ولأصحاب الظاهر أن يقولوا إن حمل الحديث على الماء القليل تخصيص بغير
مخصص
فلا يصح.
(1) معارج الآمال 564/ 1.
(2) رواه الربيع مرسلاً عن جابر بن زيد بلفظه، باب (4) في العلم وطلبه وفضله رقم (29) /126. (3) رواه الربيع عن جابر مرسلاً بلفظ لم يحتمل الخبث، كتاب الطهارة (24) في أحكام المياه رقم (157)،
71/ 1
(4) سنن الدارقطني، باب الطهارة (37) (41/ 1. قال الألباني: ضعيف السلسلة الضعيفة (1609) 4/
473
473
-
112 (1/473)
صفحة 459
اجتهادات الإمام السالمي
وأما استدلال أبي محمد بقوله صلى الله عليه وسلم: حكمي على الواحد حكمي على الجميع (1) فلا يسقط احتجاج الظاهرية المذكور إذ لهم أن يقولوا لم نقصر النهي على بائل بعينه، بل أجريناه في كل من فعل ذلك، وذلك هو الحكم على الجميع، فالعموم مع أهل الظاهر في هذا المعنى وإن ادعاه ابن بركة (2).
فالسالمي هنا يصوّب ما ذهب إليه الظاهرية ويناقش الإمام محمد بن بركة وهو من هو في العلم والفقه وهذا من إنصافه وحبه للحق من أي جهة جاء، وهذا من فقه
نفسه
رحمه الله.
المثال الثالث: في وجوب الغسل على المشرك والمرتد إذا أسلما. ذكر السالمي رحمه الله اختلاف العلماء في المشرك إذا أسلم.
فقال بعضهم: يؤمر بالاغتسال استحباباً لملابسته للأنجاس.
وقال بعضهم: لا غسل عليه استحباباً ولا إيجاباً إذا لم تكن عليه نجاسة مرئية. وقال قوم: الغسل عليه واجب لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُ (3). فظاهر هذه الآية أوجب للمشرك اسم النجس. وروي من طريق أبي هريرة أن رجلاً أسلم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر بالغسل. قال ابن بركة: وهذا القول يذهب إليه أصحابنا. وقال غيره: لم نجد في الأخبار دلالة على وجوب غسل المشركين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غيره.
ويوجد أن محمد بن محبوب كان يدخل الهند ويجلب عبيداً إلى بلاد الإسلام:
ولم نعلم أنه أمرهم بالغسل.
قال السالمي: قلتُ: إذا لم يجد هو ذلك فقد وجد غيره ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والآية شاهدة لثبوت ذلك بحسب ظاهرها (4).
(1) ذكره ابن قدامة في كتاب الجنائز ما يفعل بالمحرم إذا مات 208/ 2 مسألة (1639).
(2) معارج الآمال 687/ 1.
(3) سورة التوبة، الآية: 28.
(4) معارج الآمال 612/ 1.
474 -
- 474 (1/474)
صفحة 460
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وهذا استدراك حسن فالحجة لمن ملك الدليل، هذا هو الحق الذي لا مرية فيه، فإن الإمام يتصرف بالدليل، ويعتصم به وظاهر الآية يوجب الاغتسال وهو خير من تأويلها وصرفها عن ظاهرها، فهم نَجَسٌ على الحقيقة لمقارفتهم الأنجاس كالخمرة، والخنزير، ولا يستنزهون من بول أو غائط، وهم أنجاس على المجاز لاتصافهم بالنجاسة لشركهم وكفرهم، لذلك صان الله المسجد الحرام منهم لذلك صان الله المسجد الحرام منهم لنجاسة أعيانهم. المثال الرابع: في بيان أقل الحيض وأكثره.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف أهل العلم في أقل الحيض، وأكثره.
فقيل: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام.
وقيل: أكثر خمسة عشر يوماً وهو قول الشافعي وبعض فقهاء الإباضية. واختلفوا في أقله فقيل: يوم، وقيل: يومان.
وقال قوم: ساعة، وهو قول شاذ، والظاهر أنهم لا يقصدون بالساعة وقتاً محدداً. وقد حكى في الضياء إجماع المسلمين على أن أقله يوم.
قال السالمي: وهو زعم مردود بما تقدم من نقل الخلاف عن الموافقين والمخالفين فلا يلتفت إليه» (1).
فهذا استدراك على صاحب الضياء وهو استدراك صحيح
سبق الخلاف غير صحيح.
المثال الخامس: في حكم الصُفْرَةِ والكُدْرَةِ.
لأن ادعاء الإجماع مع
قال السالمي رحمه الله: وقال أبو محمد أما من ذهب من أصحابنا إلى أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض إذا لم يكن الدم متصلاً بهما فهو حيض فقوله فيه نظر .. وصحح الشيخ عامر تبعاً لأبي محمد أن تكون الصفرة والكدرة حكمهما حكم
ما سبق.
(1) معارج الآمال 27/ 1.
475 - 475 (1/475)
صفحة 461
اجتهادات الإمام السالمي
فالاستدراك وإن كان من أبي محمد بن بركة رحمه الله إلا أن السالمي سكت عليه وأقره ثم سكت على ما صححه الشيخ عامر تبعاً لابن بركة أن تكون الصفرة والكدرة
حكمهما حكم ما سبق لهما.
المثال السادس: في استحاضة المبتدئة.
وهي التي أول ما جاءها الحيض وهي بكر.
ذكر السالمي رحمه الله اختلاف الأصحاب فيها.
فقال ابن بركة تدع الصلاة إلى أقصى وقت اتفق الناس على أنه آخر وقت الحيض ومنتهاه خمسة عشر يوماً.
قال: قلتُ: لكنهم لم يتفقوا على أن منتهاه خمسة عشر يوماً بل منهم من قال بأكثر كما مرَّ. وأيضاً فلا يلزمها أن تترك الصلاة إلى وقت يتوقف عليه بل ولا تؤمر بذلك مطلقاً، بل كل قائل بحد في أقصى الحيض يلزمها على قوله أن لا تترك الصلاة بعد ذلك، ويأمرها بالاغتسال والصلاة.
وقال بعضهم: تنسب إلى قريباتها في الحيض والنفاس، ثم تنتظر بعد وقت
قريبتها ثم تكون مستحاضة، لأن وقتها سببه بوقت قريبتها في الحيض والنفاس. قال ابن بركة: لا معنى للقول بذلك إذ الفرض عليها غير الفرض على أمها،
وذلك أن الله تعالى فرض عليها أن تدع الصلاة لأنها حائض أو نفساء لا غير ذلك. قال: ويجاب عنه بأن غالب أمر الحيض والنفاس مبني على أمور ظنية رحمةً من الله تعالى حيث وسع للعلماء الاجتهاد فيه، وليس قولهم: إنها تفعل كفعل أمهاتها بأشد من قولهم في تحديد أكثر الحيض على أن ابن بركة بنفسه اختار في البكر إذا دام بها الدم أنها تدع الصلاة خمسة عشر يوماً ولا مستند له في ذلك إلا ما قيل: إن أكثر الحيض خمسة عشر يوماً وذلك القول بنفسه مبني على إشارة دليل ظني كما مرَّ في
محله (1)
(1) معارج الآمال 79/ 2.
476 EVT (1/476)
صفحة 462
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وهذا استدراك مهم من السالمي على الإمام محمد بن بركة رحمهما الله تعالى، ومؤداه تصحيح قول من قال باعتبار مدة قريباتها لأن ذلك اعتبار للعرف والعادة، والعادة في هذا الباب محكمة.
وقد رَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم عادة فاطمة بنت حبيش إلى عادة مثيلاتها، قال: «تحيضين في
علم الله كما تحيض النساء لعادة حيضهن وطهرهن) (1).
المثال السابع: قياس النفاس على الحيض.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله اختلاف الناس في أقل النفاس.
فقيل: لا حَدَّ لأقله.
وقيل: أقل النفاس، ساعة والمراد بالساعة أقل زمان يوجد فيه النفاس وهو الدفعة الواحدة، وعليه يكون قريباً من القول الأول.
المذهب الثالث: أن أقل النفاس ثلاثة أيام كأقل الحيض على الرأي المشهور في أقل الحيض، ولعل حجتهم قياس النفاس على الحيض بجامع أن كلا منهما دم نجس تترك لأجله الصلاة، ويحرم به الوطء.
قال السالمي رحمه الله: ويُرَدُّ بما تقدم عن أبي سعيد رحمه الله أن كل واحد من الحيض والنفاس أصل برأسه، وليس أحدهما مقيساً على الآخر».
،
والحقيقة أن مسائل الحيض والنفاس مبنية على العرف والعادة، فإذا استقرت عادة المرأة على عدد محدد من الأيام واستقر ذلك واطرد صار ذلك عادة تعرف من خلالها عدد أيام الحيض والنفاس عند النساء.
المثال الثامن: في أقل النفاس.
قال السالمي رحمه الله: «المذهب السابع أن أقل النفاس عشرون يوماً، حكاه أبو
(1) سنن أبي داوود باب من قال إذا أقبلت الحيضة (287 (116/ 1، سنن الترمذي، باب المستحاضة تتوضأ لكل صلاة (128) (221/ 1، سنن الدارقطني، باب الحيض (844) 423/ 2، مسند أحمد
477 - {VV
28236(491/59) (1/477)
صفحة 463
اجتهادات الإمام السالمي
جابر في جامعه ولم ينسبه إلى أحد ولم يذكر له حجة، ولعل حجته تنزيل أقل النفاس منزلة حيضة على مذهب من يرى أكثر الحيض عشرين يوماً، وقد تقدمت حكاية ذلك وأنه قول شاذ.
عشر يوماً.
ثم قال: وقد حكى أبو محمد قولين لقومنا أحدهما لأبي حنيفة: أن أقل النفاس خمسة وعشرون يوماً. والآخر لصاحبه أبي يوسف وهو أن أقل النفاس أحد عشر وغلطهم أبو محمد في ذلك لأن أصلهما في الحيض عشرة أيام، فظاهر تغليطه لهما من حيث إنهما لم يبنيا على أصلهما في أكثر الحيض، وكأنه يريد أن يلزمهما أن يجعلا أقل النفاس كأكثر الحيض، وهو إلزام لا يتوجه إلا على من يلتزم ذلك، فأما لم يلتزم أن أقل النفاس كأكثر الحيض فلا يتوجه عليه ذلك.
من
ولهما أن يستدلا بأمر ظني على قولهما كما استدل أصحابنا بمثل ذلك في أقوالهم بأقل النفاس على أنك عرفت مما مرَّ ثبوت الخلاف في المسألة وأنه لا دليل قاطع يقطع بشيء من تلك الأقوال (1).
ففي هذه المسألة نرى إنصاف السالمي نرى إنصاف السالمي رحمه الله واضحاً حيث لم يُلزم الإمام أبا حنيفة وصاحبه ما أراد إلزامه لهما الإمام ابن بركة على أن لازم المذهب ليس
بمذهب.
كما أنه أثبت لهما مخرجاً جيداً وهو الاستدلال بأمر ظني، وذلك لأن أمر الحيض والنفاس مبني على التيسير والسعة، فيسع الاجتهاد فيهما، والله أعلم.
(1) معارج الآمال 2/ 110.
478 - EVA (1/478)
صفحة 464
23
الفصل الخامس
في قضايا مختلفة
المبحث الأول
موقفه من البدعة
• المطلب الأول: في تعريف البدعة
قال صاحب الصحاح: أبدعتُ الشيء اخترعته لا على مثال، والله تعالى بديع
السموات والأرض)
(1)
وقال في المصباح المنير: أبدع الله الخلق إبداعاً: خلقهم لا على مثال. وأبدعت الشيء: استخرجته وأحدثته، ومنه قيل للحالة المخالفة: بدعة، وهي اسم من الابتداع كالرفعة من الارتفاع، ثم غلب استعمالها فيما هو نقص في الدين.
(1) الصحاح للجوهري الجزء الثالث، باب العين.
479 - EVA (1/479)
صفحة 465
اجتهادات الإمام السالمي
أما في الاصطلاح: فقد عرَّفها الشاطبي بأنها: طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشريعة يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى» (1)
فقوله «طريقة في الدين»: فصل مُخرِجٌ لما كان من طرائق الدنيا كالعوائد
ونحوها.
وقوله «مخترعة»: فصل مخرج ما كان طريقةً في الدين لكن ليست مخترعة بل
لها أصل تندرج تحته، فهذا ليس بدعة مذمومة.
وقوله تضاهي الشريعة»: أي تشبهها من غير أن تكون منها، بل وُضعت
لتضاهي الشريعة وتشابهها من حيث السلوك الديني. وقوله يقصد بها: هذا قيد يفيد أن السلوك حتى يصبح بدعة يفتقر إلى قصد
التعبد، أما لو فعل الأمر من غير قصد التعبد فليس ذلك بدعة.
وقوله «المبالغة في التعبد: أي أن التصرف لا يكون بدعة حتى يُقصد به المبالغة التعبد، أما ما يفعل بغير قصد التعبد من التصرفات فليس ببدعة.
المطلب الثاني: في تقسيم البدعة وموقف أهل العلم من ذلك انقسم العلماء في تقسيم البدعة إلى مذهبين:
المذهب الأول: يتوسع في معناها فيحملها على ما أُحْدِثَ بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم سواء كان حسناً أو قبيحاً، وفي هذا الاتجاه سار علماء أفاضل منهم الشافعي وأصحابه، وابن حزم، وبعض المالكية كالقرافي، والقاضي عياض وغيرهم كثير.
فالشافعي رحمه الله يطلق لفظ البدعة على كل مستحسَن في الشرع حدث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم ويسميه بدعة حسنة. كذلك يطلقه على كل مستقبح في الشرع حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ويسميه بدعة سيئة.
فهو يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة أو محمودة ومذمومة، وبناء على هذا
(1) الاعتصام 127/ 1 طبعة التحرير.
480 - 480 (1/480)
صفحة 466
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
التقسيم فهي تشمل كل محدث حدث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وعصر الخلفاء الراشدين. فعن حرملة بن يحيى قال: سمعتُ الشافعي رحمه الله يقول: «البدعة بدعتان: بدعة محمودة، وبدعة مذمومة، فما وافق السنة فمحمود، وما خالف السنة فهو مذموم (1). وقال الربيع: قال الشافعي: المحدثات في الأمور على ضربين: أحدهما ما أُحدث يخالف كتاباً، أو سنة، أو إجماعاً، أو أثراً، فهذه البدعة
الضلال.
والثاني ما أُحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، فهي محدثة غير
مذمومة».
وقد استند الشافعي رحمه الله على أحاديث متعددة منها قول في التراويح نعمت
البدعة هذه».
ويقول الإمام النووي في تهذيب الأسماء واللغات (2): البدعة في الشرع هي إحداث ما لم يكن بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم وهي منقسمة إلى حسنة وقبيحة، قال الإمام المجمع على إمامته وجلالته وتمكنه في أنواع العلوم وبراعته أبو محمد بن عبد السلام في آخر كتاب القواعد: البدعة منقسمة إلى واجبة ومحرمة، ومندوبة، ومكروهة، ومباحة، والطريق في ذلك أن تُعرَض البدعة على قواعد الشريعة فإن دخلت في قواعد الإيجاب فهي واجبة، أو في قواعد التحريم فهي، محرَّمة، أو الندب فمندوبة، أو المكروه فمكروهة، أو المباح فمباح.
وأما الإمام ابن حزم الظاهري رحمه الله فيقول: «البدعة في الدين ما لم يأتِ في القرآن ولا عن رسول الله إلا أن منها ما يؤجر عليه صاحبه ويُعذر بما قصد إليه، ويكون ما كان أصله الإباحة كما ورد عن عمر نعمت البدعة هذه»، وهو ما كان وهو فعل خير جاء النص بعموم استحبابه وإن لم يقرر عمله في النص. ومنها ما يكون
حسناً
(1) كتاب فتح الباري 257/ 4 وجامع العلوم والحكم لابن رجب ص 291 دار الجيل. (2) 23/ 1 مادة (بدع).
481
-
481 (1/481)
صفحة 467
اجتهادات الإمام السالمي
مذموماً ولا يُعذر صاحبه وهو ما قامت الحجة على فساده فتمادى القائل به» (1). ويقول الحافظ ابن العربي في شرحه على سنن الترمذي في شرحه لحديث إياكم ومحدثات الأمور، قال: اعلموا علمكم الله أن المحدثات على قسمين: محدث ليس له أصل إلا الشهوة والعمل بمقتضى الإرادة فهذا باطل قطعاً أي هو المراد بالبدعة ومحدثٌ بحمل النظير على النظير فهذه سنة الخلفاء والأئمة الفضلاء يعني وليس المراد به البدعة الضلالة.
ويقول ابن حجر تعليقاً على قول عمر: نعمت البدعة هذه»: البدعة أصلها ما أحدث على غير مثال سابق وتطلق في الشرع مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما يندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما يندرج تحت مستقبح فهي مستقبحة وإلا فهي من قسم المباح
(2)
ويقول العلامة ابن الأثير (3) البدعة بدعتان: بدعة هدى، وبدعة ضلال.
الأفعال
فما كان في خلاف ما أمر الله به ورسوله فهو في حيز الذم، والإنكار، وما كان تحت عموم ما ندب الله إليه وحض عليه، أو رسوله فهو في حيز المدح، وما لم يكن له مثال موجود كنوع من الجود والسخاء وفعل المعروف فهو من المحمودة، ولا يجوز أن يكون ذلك في خلاف ما ورد الشرع به، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل له في ذلك ثواباً فقال: «مَن سنَّ في الإسلام سُنةَ حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها، وقال في ضده: «ومن سنَّ سُنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل، وذلك إذا كان في خلاف ما أمر الله.
بهار (4)
وهي
ثم مثل للبدعة الحسنة بقول عمر: «نعمت البدعة هذه»، ثم قال: على الحقيقة سنة لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين
(1) انظر كتاب البدعة د. عزت عطية ص 161.
(2) فتح الباري 253/ 4 مكتبة الرياض الحديثة. (3) النهاية في غريب الحديث 79/ 1 ط. الخيرية.
(4) صحيح مسلم، باب الحث على الصدقة (2398) 86/ 3، مسند أحمد (19674) 456/ 41.
482 - 482 (1/482)
صفحة 468
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المهديين. .» (1)، قال: وعلى هذا التأويل يُحمل الحديث الآخر: وكل مُحْدَثَةٍ
بدعة» (2) على ما خالف أصول الشريعة ولم يوافق السنة.
ويقول الشيخ عبد الحق الدهلوي رحمه الله في شرح المشكاة: واعلم أن كل ما ظهر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدعة، وكل ما وافق أصول سنته وقواعدها، أو قيس عليها فهو بدعة حسنة، وكل ما خالفها فهو بدعة سيئة وضلالة (3).
المذهب الثاني: يرى أن البدعة خصصت شرعاً في الحادث المذموم واشتهرت فيه، فهي حقيقة شرعية في كل ما حدث بعد الرسول صلى الله عليه وسلم مخالفاً للسنة. فإذا أطلقت في لسان الشرع وأهله انصرفت إلى المذمومة، وإذا أريد بها المعنى اللغوي المرجوح قيدت بالحسن، فقيل: بدعة ونعمت البدعة، أو ما أحدث الناس أحسن منها، أو بدعة
حسنة.
وفي هذا الاتجاه سار علماء أفاضل مثل الإمام الشاطبي، والزركشي. قال الزركشي رحمه الله: البدعة في الشرع موضوعة للحادث المذموم. ومنهم الشيخ محمد بخيت المطيعي حيث يقول: والبدعة الشرعية هي التي تكون ضلالة ومذمومة، وأما البدعة التي قسمها العلماء إلى واجب وحرام .. البدعة اللغوية وهي أعم من الشرعية.
مستند المذهب الأول:
- 1
فهي
استند الشافعي ومن سار على غراره في تقسيم البدعة إلى أدلة أذكر منها ما يلي: ما روي عن عمر الله أنه قال عندما جمع الناس في التراويح على قارئ
(1) سنن أبي داوود، باب في لزوم السنة (4609) (329/ 4، سنن ابن ماجه باب اتباع سنة الخلفاء (42) 15/ 1، سنن الترمذي، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة (2676 44/ 5، صحيح ابن حبان، باب الاعتصام بالسنة (5) 178/ 1، مسند أحمد (17606) 73/ 37.
(2) سنن أبي داوود، باب في لزوم السنة (329/ 44609 صحيح ابن حبان، باب الاعتصام بالنسة (5) 1/
178
(3) کشاف اصطلاحات الفنون.
483 - 483 (1/483)
صفحة 469
اجتهادات الإمام السالمي
-
2
-
-
-
واحد: «نعمت البدعة هذه»، فقد سمى عمر هذا الفعل بدعة، وأثنى عليها بفعل المدح، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم ترك صلاتها في جماعة خشية أن تُفرض على الأمة، فلما زال المانع عاد الممنوع إلى الجواز.
وسمى ابن عمر صلاة الضحى في المسجد أو في جماعة بأنها بدعة واستحسنها. روى الإمام البخاري عن مجاهد قال: دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى في
المسجد، فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة (1).
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن الحكم بن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى؟ فقال: بدعة ونعمت البدعة.
وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن سعيد بن عمر القرشي قال: اتبعت ابن عمر لأتعلم منه فما رأيته يصلي السبحة وكان إذا رآهم يصلونها قال: من هذه. أحسن ما أحدثوا سبحتهم
(2)
وأخرج مثله عبد الرزاق في مصنفه عن ابن عمر وعن رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحْدَثَ في أمرنا
عائشة
هذا ما ليس منه فهو رد» (3).
وهناك أدلة أتيتُ على ذكرها في كتابي: «البدعة وأثرها في اختلاف الأمة» واستقصيت كلام الأئمة وأدلتهم، وما احتجوا به بشكل مفصل (4).
مستند المذهب الثاني:
وهم القائلون بتخصيص البدعة حالة الإطلاق بالمذمومة بالأدلة التالية:
(1) أخرجه البخاري في كتاب العمرة باب كم اعتمر النبي 199/ 2 تصوير استانبول. (2) فتح الباري لابن حجر 56/ 3 دار مكتبة الرياض الحديثة. (3) رواه البخاري في كتاب الصلح، باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، رقم (2697)، 5/
301
(4) انظر البدعة وأثرها في اختلاف الأمة للعبد الفقير إلى مولاه ص 87 وما بعدها.
484 - EAE (1/484)
صفحة 470
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
-
1
عن حذيفة لا الله قال: «لا يقبل الله لصاحب بدعة صوماً، ولا صلاة، ولا حجاً، ولا عمرة، ولا جهاداً، ولا صرفاً ولا عدلاً، يخرج من الإسلام كما تخرج الشعرة من العجين
2 - أن صاحب البدعة ملعون، فقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم تارك السنة، وصاحب
4
-
البدعة.
ومن أهم أدلتهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: وكل بدعة ضلالة» (1).
•
وعن ابن عباس: «ما أتى عام على الناس إلا وأحدثوا فيه بدعة وأماتوا سنة» أن وجهه يسود يوم القيامة، فقد تأول مالك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ في أهل الأهواء، ونقل هذا عن ابن عباس.
وجوه (2)
تقويم هذين المذهبين:
إن أصحاب المذهب الأول سبروا الأدلة فوجدوا أن التسنين في لسان صاحب الشرع يساوي معنى الابتداع والدليل على ذلك ما رواه الترمذي وحسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال بن الحارث اعلم، قال: ما أعلم يا رسول الله؟ قال: «إنه من أحيا سنة قد أميتت بعدي كان له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا يرضاها الله ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً» (3).
وقال: مَن سن سنة خير فاتبع عليها فله أجره وأجر من اتبعه غير منقوص من أجورهم شيء، ومن سن سنة شر فاتبع عليها كان عليه وزرها ووزر من عمل بها غير منقوص من أوزارهم شيء» (4).
فهذا الحديث مع الذي قبله من أَصْرَحِ الأدلة على أن معنى التسنين يساوي معنى
الابتداع.
(1) الاعتصام للشاطبي ص 31 دار الشعب.
(2) سورة آل عمران الآية: 106.
(3) سنن الترمذي، باب الأخذ بالسنة واجتناب البدعة، (2677) 45/ 5.
•
(4) سنن الترمذي، باب فيمن دعا إلى هدى فاتبع أو ... (2675) 43/ 5 وقال: هذا حديث حسن صحيح.
485 - {AO (1/485)
صفحة 471
اجتهادات الإمام السالمي
أما أصحاب المذهب الثاني فإنهم يرون أن الشريعة قد نقلت لفظ البدعة عن
مسماه اللغوي العام الشامل للمحمود والمذموم واستعملته في مسماه الشرعي بالمذموم وصار معناه اللغوي نسياً منسياً.
الخاص
فالفريقان متفقان على أمر كلي وهو أن الحادث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ثبت حسنه شرعاً فهو مقبول وليس بمردود عند الطرفين، لكن يسميه الطرف الأول بدعة
حسنة، ويسميه الطرف الثاني سنة حسنة.
مناقشة المذهبين وبيان الراجح منهما:
ناقش الفريق الثاني الفريق الأول القائلين بعموم لفظ البدعة لكل ما أُحدث بعد عصر الرسول صلى الله عليه وسلم من خير أو شر بأن قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وكل بدعة ضلالة» فإن مؤدى هذا الحديث تخصيص البدعة بالحادث المذموم وبالتالي فالبدعة لا تكون إلا
ضلالة، فلا يكون منها شيء حسن.
وأجاب أصحاب المذهب الأول بأن هذا الحديث عام أريد به الخصوص أو عام
دخله التخصيص.
والمراد بالعام الذي يراد به الخصوص هو أن الشارع قصد باللفظ العام معنى
خاصاً أو فرداً خاصاً من أول الأمر، فلفظ العموم مجاز وليس حقيقة. أما العام الذي دخله التخصيص فهو اللفظ الذي قصد به العام أولاً ثم ورد تخصيصه على طريقة البيان كبيان الكتاب للكتاب وبيان السنة للكتاب. فلفظ العموم فيه حقيقة وفي كلا الأمرين تكون دلالته ظنية على مذهب جمهور الأصوليين.
وهذا النوع من العموم المراد به الخصوص واقع في الكتاب والسنة، ففي الكتاب قوله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ (1)، فلفظ الناس الأول نعيم ابن مسعود، ولفظ الناس الثاني أبو سفيان.
ومنه قوله تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَيْهَا، (2) ولم تدمر السموات والأرض
(1) سورة آل عمران الآية: 173. (2) سورة الأحقاف، الآية: 25.
486 - EAT (1/486)
صفحة 472
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وهما شيء، ومنه قوله تعالى: {وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَاءٍ (1) ولم تؤت عرش سليمان
(2)
وهو شيء، وقوله تعالى: {فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ (2) ولم يفتح لهم باب
الرحمة.
أما
السنة فكقوله: كل ابن آدم يأكله التراب إلا عجب الذنب (3)، من فالأنبياء لا يأكل التراب أجسادهم.
أما على مذهب من قال بأنه عام دخله التخصيص والأدلة المخصصة كثيرة وقد تقدمت عند ذكر أدلة المذهب الأول. وممن قال بتخصيص حديث: «وكل بدعة ضلالة الحافظ ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: وما سمي بدعة وثبت حسنه بأدلة الشرع فأحد الأمرين فيه لازم، إما أن يقال: ليس ببدعة في الدين وإن كان يسمى بدعة من حيث اللغة كما قال عمر: نعمت البدعة هذه، وإما أن يقال: هذا عام خصت منه هذه الصورة لمعارض راجح فيبقى ما عداها على مقتضى العموم كسائر عمومات الكتاب والسنة (4).
وكل من أثبت تقسيم البدعة ممن ذكرنا قال بتخصيص عموم هذا الحديث حتى الشاطبي نفسه وهو ممن أنكر شمول لفظ البدعة للحادث المحمود والمذموم، يقول كلاماً مؤداه تخصيص حديث: وكل بدعة ضلالة عند كلامه عن البدعة الجزئية قال رحمه الله: (وأما الجزئية فهي الواقعة في الفروع الجزئية ولا يتحقق هذا الضرب من البدع تحت الوعيد بالنار وإن دخلت تحت الوصف بالضلال، كما لا يتحقق ذلك في سرقة لقمة والتطفيف بحبة وإن كان داخلاً تحت الوصف بالسرقة (0).
والإمام النووي رحمه الله ممن قال بتخصيص هذا الحديث حيث يقول:
(1) سورة النمل، الآية: 23. (2) سورة الأنعام، الآية: 44.
(3) صحيح البخاري سورة النبأ (4651 4/ 1881، صحيح مسلم، باب ما بين النفختين (7603) 8/
210
(4) مجموع الفتاوى للإمام ابن تيمية 370/ 10.
(5) انظر الاعتصام للشاطبي 317/ 1 - 318 طبعة أولى، دار الكتب.
487 487 - (1/487)
صفحة 473
اجتهادات الإمام السالمي
وحديث كل بدعة ضلالة هذا عام مخصوص والمراد به المحدثات التي ليس في الشريعة ما يشهد لها بالصحة فهي المرادة بالبدع» (1).
مناقشة المذهب الأول لأدلة المذهب الثاني:
قالوا: إن أقوى دليل عندهم حديث وكل بدعة ضلالة» إلا أن عمومه لم يسلم وقد عرفت من جواب أصحاب المذهب الأول أنه عام يراد به الخصوص، أو عام دخله
التخصيص.
وأما الأحاديث الأخرى التي ساقها الشاطبي فإنها صريحة في أهل الأهواء كالأزارقة، والقدرية نفاة القدر فهؤلاء هم الذين تسود وجوههم وهم الذين يذادون عن الحوض، وهم الذين يستحقون الطرد من رحمة الله.
وهذا النوع من البدع لا يكون إلا مذموماً، ومحل الخلاف ليس في هذا النوع، وإنما محله في لفظ البدعة إذا أطلق عن أي وصف أو قيد هل ينصرف إلى المذمومة، أو يعمها وغيرها.
لذلك فإن ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول هو الأقرب إلى الصواب والله
أعلم. وأن لفظ البدعة وإن نقلته الشريعة إلى الحادث المذموم فإن معناه اللغوي لم يهجر ألبتة، ولم يقطع النظر عنه، فإنه يتعاهد في بعض الأحيان وإلا لزم تبديع
والعصر الأول.
السلف
والدليل على ذلك الاستقراء لأقوالهم في إطلاق لفظ البدعة أو لفظ الحادث أو المحدّث فإنهم كانوا في كثير من الأحيان يطلقونه ولا يريدون به الحادث المذموم كما يقوله أصحاب المذهب الثاني، ومن الأمثلة على ذلك:
-
روى الإمام البخاري عن مجاهد قال: دخلتُ أنا وعروة بن الزبير المسجد فإذا ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة والناس يصلون الضحى فسألناه
فقال: «بدعة».
(1) شرح مسلم للنووي 153/ 6.
صلاته عن
488 - 488 (1/488)
صفحة 474
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فقد أطلق ابن عمر لفظ البدعة وهو لا يريد بها الحادث المذموم بدليل أنه قيدها في روايات أخرى.
أخرج سعيد بن منصور في سننه عن أبي أمامة قال: كتب الله عليكم صوم رمضان ولم يكتب عليكم قيامه وإنما القيام شيء ابتدعتموه فدوموا عليه ولا تتركوه، فإن ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضوان الله فعاتبهم الله بتركها ثم تلا: وَرَهْبَانِيَّةُ ابْتَدَعُوهَا (1)، فسمى أبو أمامة صلاة التراويح بدعة وأطلقها وقيدها عمر بالحسن.
الله
- مسألة التعريف والمراد به اجتماع علماء الأمصار ليلة عرفة في المساجد للدعاء والذكر، قال الأثرم وهو من أصحاب أحمد المتقدمين: سألت أبا عبد أحمد بن حنبل عن التعريف بالأمصار فقال: أرجو إلا يكون به بأس قد فعله غير واحد. وقال الإمام أحمد: أول من فعله عبد الله بن عباس، وعمرو ابن حريث.
يعني
وفي حاشية الروض المربع: وقال قتادة عن الحسن: أول من صنع ذلك ابن عباس، وسئل عنه الحكم وحماد وإبراهيم فقالوا: محدث». فقد أطلقوا لفظ المحدث لكنهم قطعاً لم يقصدوا به الحادث المذموم وإلا لبدعوا الصحابة والتابعين.
من هنا نعلم أن لفظ البدعة وإن نقل عن مسماه اللغوي العام إلا أن المعنى اللغوي العام لم يصبح نسياً منسياً بل بقي يراد في كثير من الأحيان، وبهذا يترجح مذهب القائلين بشمول لفظ البدعة للحادث بعد النبي خيراً كان أو شراً وبالتالي يصح تقسيم البدعة بهذا الاعتبار والله أعلم.
• المطلب الثالث: موقف الإمام السالمي رحمه الله من تقسيم البدعة
الإمام نور الدين السالمي موافق للمذهب الأول القائل بتقسيم البدعة وهو المذهب الذي رجحناه بحجج الشرع الصحيحة والصريحة، وقد نص على ذلك نصاً صريحاً واضحاً وضوح الشمس وضحاها والقمر إذا تلاها، والنهار إذا جلاها.
(1) سورة الحديد، الآية: 27.
489 - 489 (1/489)
صفحة 475
اجتهادات الإمام السالمي
فقد قال رحمه الله في معرض كلامه عما يفعله الناس من إطعام الجيران ومن يأتي للعزاء بالميت: وقد بالغ بعض قومنا في إنكار هذا المعنى وقال: إنه حرام من أقبح المحرمات لأنه محدث، وثبت في الحديث الصحيح «أن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة». وليس هذا بالاستدلال القوي لأن المراد بالمحدثات في لفظ الحديث المحدث في الدين لا في عادات الناس وأحوالهم، ومن المعلوم أن أمر الطعام ليس من أمر الدين في شيء، وإنما هو من عادات الناس لكنها عادة خالفت العادة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فأقصى ما يمكن أن يقال فيها: إنها مكروهة وإنها بدعة، وليس كل بدعة حراماً فقد سمى عمر الاجتماع على التراويح بدعة وقال: «نعمت البدعة»، وقد وصفوا البدعة في مواضع بأنها بدعة حسنة، ولو كان كل محدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ضلالة لضاق على الناس المسلك فينافي ذلك يسر الدين وسهولة الحنيفية.
وليت شعري ما يقول هذا المعترض في تأليف الكتب فإنها حادثة أيضاً، فإن اعترف أن بعض المحدثات ليس بضلالة، وإلا لزمه أن يكون ضالاً لأنه قد ألف التأليف وأكثر منها، ولكن الحق أن يقال: إنها بدعة مكروهة وأن الوصية بها ـ أي بإعداد الطعام أيام العزاء بسبب الميت - وصية بمكروه» (1).
-
1
2
-
3
-
-
هذا نصه بتمامه وفيه فوائد منها:
نصه الصريح بأن من البدع ما ليس بحرام.
تخصيصه لحديث وكل بدعة ضلالة) بقول عمر نعمت البدعة هذه»، وقول أمير المؤمنين مع سكوت الصحابة عليه يصلح مخصصاً للعموم.
استئناسه بقول من وصف البدعة الموافقة للشريعة بالحسن. تنصيصه على كون إعداد الطعام لمن يأتي للتعزية بالميت بأنه بدعة مكروهة، وأن الوصية بها وصية بمكروه دليل صريح على تقسيمه للبدعة بأنها تتناولها الأحكام الخمس كما هو مذهب العز بن عبد السلام ومن سار على غراره.
(1) معارج الآمال 211/ 4 - 212.
490 - 490 (1/490)
صفحة 476
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
والحق إلى جانبه لأن مَنْ حَسَّنَ البدعة اللغوية قد حسَّنها بالشرع، وليس بالعقل وجملة القائلين بتحسين البدع الموافقة للشرع هم في الحقيقة ممن لا يقول بالتحسين والتقبيح العقليين.
والأدلة التي وصفت بعض المحدثات بالحسن كثيرة وهي في صحيح البخاري أو
على شرط صاحب الصحيح، وقد سبقت الإشارة إليها.
أما الاصرار على جعل كل جديد بدعة في الدين فهو من سوء فهم نصوص الشارع وعدم اعتبار بعضها ببعض، وتفسير بعضها ببعض تخصيصاً أو تقييداً أو بياناً أو هوى وعصبية وإلى الله المشتكى!.
• المطلب الرابع: موقفه من المبتدع
تكلم السالمي رحمه الله في طلعة الشمس عن رواية المبتدع حيث قال: «نص ابن بركة على رد خبر فاسق التأويل (1)، وقال البدر (2): لم أحفظ فيها خلافاً يعني في قبول رواية المبتدع، وقال في موضع آخر: ومذهبنا ردُّ الجميع (3).
وقال في معارج الآمال: وأما من علم منه الشر فإن غيبته جائزة لما روي عنه: «ليس لصاحب بدعة غيبة» (4)، ولا يقبل له عمل (5).
فهذان النصان يوضحان موقف السالمي من المبتدع، فهو ملائم وموافق لجمهور أهل الحديث وأهل الأصول، وهو ردُّ خبر المبتدع إذا كانت البدعة مفسقة أو مكفرة، إلا إذا كان يدين بتكفير الكاذب كالخوارج فإنهم من أصدق الناس في الرواية كما جزم
(1) الجامع لابن بركة 351/ 2. (2) شرح العدل والانصاف 151/ 1. (3) طلعة الشمس 55/ 2.
(4) رواه اللالكائي في اعتقاد أهل السنة عن إبراهيم بلفظه رقم (276، 140/ 1 والبيهقي في شُعَبِه عن الحسن بمعناه باب (44) في تحريم أعراض الناس رقم (6793). ورواه ابن ماجه في كتاب السنة في
المقدمة باب (7) اجتناب البدع والجدل رقم (50).
(0) معارج الآمال 563/ 1.
491 - 491 (1/491)
صفحة 477
اجتهادات الإمام السالمي
بذلك ابن تيمية، وقد نص عليه السالمي في طلعة الشمس (1) قال: «إذ من يعتقد
حال
من
الكذب شرعاً كالأزارقة والصفرية فإن الظن بصدقه يكون أقوى لأنا نعلم من يؤمن بالله والثواب والعقاب أنه يكون تحرزه من الكفر أعظم من تحرزه مما دونه من
المعاصي، وإن من يعتقد الكذب كفراً أعظم تحرزاً
أن ممن يرى معصيته لا تبلغ
الكفر.
وهكذا كان السالمي رحمه الله
مع جمهور علماء الأمة فى الحكم على رواية
المبتدع كما هو معهم في تقسيم البدعة.
المبحث الثاني
في الفقه التقديري عند الإمام السالمي
المراد بالفقه التقديري فقه التوقع، وهو التعرض للبلاء قبل وقوعه على حد تعبير أهله بالأرأيتية لتفريع الفروع على الأسئلة بأرأيت.
أبي حنيفة، ويسمى
حكم هذا النوع من الفقه:
انقسم العلماء في حكمهم على هذا النوع إلى مذهبين:
المذهب الأول: كرهه، وهم طائفة من أهل الحديث على رأسهم الإمام البخاري، والدارمي وابن أبي شيبة وطاووس، ويحيى بن أيوب، وابن وهب،
وسعيد بن نصر، وعبد الوارث بن سفيان.
وحجة هؤلاء ما روي عن ابن عباس قال: ما رأيت قوماً كانوا خيراً من أصحاب النبي، ما سألوه إلا ثلاث عشرة مسألة حتى قبض.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: لا تسألوا عما لم يكن فإني
عمر بن الخطاب يلعن من يسأل عما لم يقع.
سمعت
(1) طلعة الشمس 54/ 2.
492 - 492 (1/492)
صفحة 478
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
وعن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات فسره الأوزاعي بصعاب
المسائل.
وعن طاووس قال: قال عمر وهو على المنبر: أُحَرِّجُ بالله على كل امرئ سأل
عن شيء لم يكن فإن الله بين ما هو كائن.
المذهب الثاني: قال بجوازه، وهم أئمة الحنفية وكثير من فقهاء المالكية
والشافعية وكثير من علماء الأمصار.
واستدلوا بما روي في الصحيح عن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون
رسول الله عن الخير، وكنتُ أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه.
فقد سأل حذيفة عما لم يقع مخافة وقوعه، وقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم وهذا توقع. وبما روي عن أبي هريرة أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال: «لا تعطه مالك»، قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: «قاتله» قال: أرأيت إن قتلني؟ قال: فأنت شهيد قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: «هو في
النار» (1).
قال الحافظ ابن رجب (2): وقد كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يسألونه عن حكم الحوادث قبل وقوعها.
قال أستاذي الجليل عبد الفتاح أبو غدة رحمه الله (3): فهذا نص قاطع في جواز فرض المسائل المحتملة الوقوع قبل وقوعها وبيان حكمها إذا وقعت، فقد سأل الصحابي رسول الله عما لم يقع، وشقق السؤال على أوجه متعددة، وأجابه الرسول عن كل الوجوه التي جوّز السائل احتمال وقوعها ولم ينهه، أو يقل له: حتى تقع. قال: وفيه السؤال بأرأيت فليست الأرأيتية مستنكرة والأدلة كثيرة من السنة ومن سيرة السلف الصالح.
(1)
صحيح مسلم، باب الدليل على أن من قصد. . . (377) 87/ 1. (2) جامع العلوم والحكم لابن رجب 204/ 1. (3) منهج السلف في السؤال عن العلم وفي تعلم ما لم يقع ص 33.
493 - 493 (1/493)
صفحة 479
اجتهادات الإمام السالمي
وأجابوا عن الآثار الواردة بالنهي عن سؤال ما لم يقع بعدة أجوبة، فقالوا: إن المراد بأثر ابن عباس أن الصحابة ما سألوا إلا عن اثنتي عشرة مسألة من المسائل التي حكاها القرآن عنهم، وإلا فالمسائل التي سألوا النبي عنها وبين لهم حكمها بالسنة لا
تكاد تحصر.
وأجابوا عن أثر بأنه محمول على ما كان السؤال من أجل التعنت وإثارة عمر الأغاليط المشكلة على طالب العلم والرأي المذموم الذي لا عمل فيه ولا طائل
تحته (1).
وقد تعرض السالمي رحمه الله لمثل هذا النوع من الفقه الافتراضي أو التقديري،
أو فقه التوقع.
ومن الأمثلة على ذلك:
المثال الأول: مسألة حكم الإيلاج في فرج الجني.
ذلك.
بحث السالمي مسألة الإيلاج في فرج الجني وأن حكمه كحكم الإيلاج في فرج الانس لتساوي المعنى بين وطء الانس ولأنهم متعبدون مثلنا في وذكر عن الحنفية أنه لو قالت امرأة: معي جني يأتيني فأجد ما أجد ما إذا جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها لانعدام سببه الذي هو الإيلاج أو الاحتلام. قال رحمه الله: «قلنا إذا تحقق الجماع فقد ثبت الإيلاج فلا معنى لنفيه بعد
ثبوته» (2).
وكذلك بحث مسألة المرأة إذا أوطأت نفسها بهيمة أو أوطأ الرجل نفسه
لبهيمة (3).
(1) الفقه التقديري عند الحنفية. بحث مقدم في الندوة الفقهية في عُمان خلال الفترة (8 - 11) ربيع الثاني 4
-
7 إبريل 2009 للعبد الفقير إلى مولاه
(2) معارج الآمال 599/ 1. (3) المرجع السابق 599/ 1.
494 - 494 (1/494)
صفحة 480
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الآمال
وهذه مسائل افتراضية غير واقعة لكنها ليست مستحيلة الوقوع. والفقه الافتراضي منه ما يتصور وقوعه والبحثُ فيه سائغ، ومنه ما لا يتصور وقوعه فالبحث فيه عقيم وهو الذي كرهه السلف.
مثاله: رجل له فرج رجل وفرج أنثى فحمل ولدين من بطنه وآخر من ظهره فما حكمهما ولم يجتمعا في بطن واحد ونحو هذا هراء بهراء وعبث يصان عنه الفقه. ومن المسائل الافتراضية التي بحثها السالمي رحمه الله كتابة الجنب للقرآن على صفحة من غير أن يلمسها قال رحمه الله: وأقول إذا ثبت المنع من مس المصحف للجنب لما سيأتي من الحجة على ذلك لزم أن يمنع من كتابة شيء من القرآن، لأن الكتابة مستلزمة للمس، وذلك أنه متى ما كتب شيئاً فقد صار قرآناً في يده، اللهم إلا أن يقال: إن فرض المسألة في نفس إجراء القلم على صفحة لا يمسها بيده» (1).
فقوله إلا أن يقال: إن فرض المسألة ... إلخ» نص على أنها مسألة افتراضية غير، واقعية، فكتابة الجنب للقرآن من غير أن تمس يده الورق فقه افتراضي وتقديري
واضح.
ومن المسائل الافتراضية حكم رؤية الجن على حقيقتهم، بحثها الإمام السالمي فذكر فيها خلاف أهل العلم وعن مصارعتهم، فأنكرها الشافعي والزمخشري والشيخ
أحمد بن مفرج، والإمام ابن بركة حتى والإمام ابن بركة حتى قال بوجوب البراءة ممن ادعى رؤيتهم. وقال أبو سعيد رحمه الله وهو من أعيان المذهب الإباضي ومن عمدة فقهائهم: يعجبني الإمساك عن هذه المسألة وإغلاق، أمرها وترك التكلف فيها (2). وما إعجابه
،
بإغلاق هذه المسألة ومثيلاتها وترك التكلف بها إلا لكونها مسائل افتراضية توقعية لا
واقعية.
(1) المرجع السابق 2/ 140.
(2) معارج الآمال 2/ 0840
495 - 495 (1/495)
صفحة 481
اجتهادات الإمام السالمي
المعاملة
المبحث الثالث
في موقفه من التصوف
مع
وحسن
معنى التصوف: قال الغزالي: «التصوف شيئان: الصدق الله، مع الناس، فكل من صدق مع الله وأحسن معاملة الخلق فهو صوفي كذا في
خلاصة التصانيف» (1).
والغزالي عرف التصوف بالمعنى العرفي. وأما تعريفه لغةً فالذي يظهر كما قاله غير واحد من أئمة أهل العلم أن اشتقاق التصوف من الصوف لأن قوماً من أهل الزهد كانوا يلبسون الصوف تزهداً وتخشناً وذلك في الشتاء والصيف ثم عرف هؤلاء الزهاد بالصوفية، وليس اشتقاق الكلمة من الصفاء لأن النسبة عند ذلك تكون الصفائية، أو الصفوية، وليس لأهل الصفة وهم فقراء الصحابة لأن النسبة تكون الصفية.
والصوفية طريقة في السلوك إلى الله لها وعليها تُعْرَفُ منهم وتنكر فما وافق من
هذه الطريقة ظاهر الشرع، فمقبول، وما خالف الشرع فمردود.
العلماء الربانيون الذين يحملون أنفسهم ومريديهم على
وأرباب السلوك منهم ظاهر الشرع كالإمام الجنيد رحمه الله والإمام أبي سليمان الدارمي، والإمام الجيلاني، والرفاعي، فمثل هؤلاء عرفوا باتباع ظاهر الشرع وكان الإمام الجنيد رحمه بشيء ينسبه إلى الدين طلبنا منه شاهدي عدل هما الكتاب
الله يقول: «كل من أتانا
والسنة.
ومنهم
أصحاب الشطحات المخالفون لظواهر الشريعة، كابن عربي الصوفي والحلاج، وبين الطائفتين طوائف تعرف منهم وتنكر فمن وافق قوله ظاهر الشرع فهو المقبول ومن خالف ظاهر الشرع فهو المردود.
والإمام السالمي تعامل مع الصوفية على هذه القاعدة، فقد نقل وأكثر النقل عن الغزالي وهو من العلماء الذين تقيدوا بحقائق الشرع ونقله في معارج الآمال عن الغزالي
(1) تعريفات البركتي ص 230.
496 - 496 (1/496)
صفحة 482
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
كثير وفي مواطن متعددة لكنه لما نقل عن بعض أصحاب الشطحات نبه على
شطحاتهم.
مثال ذلك: نقله عن القشيري قوله في أوقات الدعاء حيث قال القشيري: الأوقات مختلفة ففي بعض الدعاء أفضل بأن يجد في قلبه إشارة إليه وهو الأدب وفي بعض السكوت أفضل أن يجد في قلبه إشارة إلى ذلك وهو الأدب أيضاً، قال: ويصح أن يقال: ما للمسلمين فيه نصيب أو لله فيه حق، فالدعاء أولى لكونه عبادة، وإن كان لنفس الداعي فيه حظ فالسكوت إثم.
وقد عقب السالمي رحمه الله على ذلك بقوله: «وهذا كله ليس بشيء، أما الأول فلكونه مبنياً على أحوال الصوفية من اعتبار الإشارة بالضمير وهو كما ترى تخصيص للشرعيات بنفس الوهم والخيالات، فالأدب مراعاة الشرع في كل حال وإلغاء ما عداه.
وأما الثاني فلأن حق النفس أعظم وطلب النجاة والنفع لها ألزم قال تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ... (1) فلا معنى للعدول عن هذه الأدلة إلى نفس الوهم والخيال» (2).
مع
إذا نظرنا إلى قوله: فالأدب مراعاة الشرع في كل حال وإلغاء ما عداه» إنكاره تخصيص الشرعيات بالوهم والخيالات، علمت أن الشيخ رحمه الله كان منضبطاً بظاهر الشريعة لأن الشريعة هي العاصمة من زلل الأهواء والبدع والخرافات، والأوهام، وهي من أخص خصائص علماء الإسلام الذين شهدوا لله بالوحدانية، والذين حملوا ميراث النبوة.
أما أصحاب الشطحات والأوهام، والخرافات، فهؤلاء غير مؤتمنين على شرع الله لأنهم قد يبنون الأحكام على أوهام ومواجيد غير مضبوطة بضابط الشرع لا سيما وأن البعض منهم يفرق بين الحقيقة والشريعة، فإذا سئل أحدهم عن حكم زكاة المال
(1) سورة محمد الآية: 19.
(2) معارج الآمال 3/ 180 و 181.
497 - 497 (1/497)
صفحة 483
اجتهادات الإمام السالمي
مثلاً قال: عندنا أو عندكم؟ فإن قيل له: عندكم قال: عندنا المال كله لله، وإن قيل
له عندنا، قال: ربع العشر وقد سمعتُ أحدهم يقول ذلك.
ولا شك أن هذا تلبيس وتخبيص ما أنزل الله به من سلطان ولم يفرق النبي ولا أصحابه ولا التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين بين الشريعة والحقيقة، فالشريعة هي الحقيقة، والحقيقة هي الشريعة.
ولم يشترط أحد من العلماء أن يكون المجتهد متصوفاً، بل اشترطوا فقه النفس
من الإيمان والإسلام والإحسان والتقوى والورع والخوف من الله، والزهد في الدنيا حتى لا يكون للدنيا على قلب المجتهد سبيل.
ومن
الأمثلة على موقف السالمي من الصوفية تعقيبه على حديث: «من وجد سعة ولم يعد إليَّ فقد جفاني»، وحديث: من زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي، فقد قال رحمه الله: «ولم يُذكر لهذه الأحاديث راو فضلاً عن أن تصحح، ثم إن في قوله «فقد جفاني» وفي حديث فليس له عذر عند الله ما يدل على وجوب هذه الزيارة وهو خلاف الإجماع إلا ما زعمته الصوفية من فرض ذلك ولا عبرة بقولهم» (1). وهذ أمر واضح يكشف عن منهج الإمام السالمي رحمه الله في أنه متعبد بما يصح من الشرع، أما المذاهب الغريبة عن ظاهر الشرع والتي لا تؤيدها النصوص الصريحة الصحيحة فإنه أبعد الناس عنها وهو ما اشتهر عن الأئمة المتبوعين الذي جعل الله لهم لسان صدق في العالمين.
المبحث الرابع
منهجه في الموازنة بين المصالح والمفاسد
من المتفق عليه أن هذه الشريعة موضوعة على نمط يحقق مقاصدها في الخلق، وهذه المقاصد كما ذكر إمام الحرمين الجويني والغزالي، والشاطبي ثلاثة أنواع:
(1) معارج الآمال 272/ 4.
498 - 498 (1/498)
صفحة 484
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
مصالح ضرورية: وهي التي لو اختلت لاختلت باختلالها الحياة وعاش الناس في فوضى وتهارج، وهي حفظ الدين والنفس والعقل، والمال، والنسب. ومصالح حاجية: وهي التي لو اختلت لم تختل الحياة باختلالها، ولكن يعيش الناس في حرج وعسر كإباحة البيع والشراء، والإجارات والرهون وشرع الرخص والتخفيفات الواقعة في الشريعة.
ومصالح تحسينية وهي التي لو تخلفت لم يقع الناس في عسر ولا مشقة، ولكن لم تكن الحياة جارية على محاسن العادات ومكارم الأخلاق. كعزل العبد عن منصب الشهادة والتنظف، وأخذ الزينة في بيوت الله وما أشبه ذلك مما ينتظم في سلك محاسن العادات والترفع عن العادات السيئة، والأخلاق الذميمة.
ومن المتفق عليه في هذا الباب أن أحكام الشريعة إما مصالح وإما مفاسد. فما أمر الله به ورسوله فامتثاله مصلحة، وما زجر الله ورسوله عنه ففعله مفسدة وتركه مصلحة. هنا ردَّ الإمام القرافي الشريعة كلها إلى قاعدتين: جلب المصلحة، ودرء ومن
المفسدة.
وهي
أما شيخه العز بن عبد السلام رحمه الله فقد ردَّ الشريعة كلها إلى قاعدة واحدة قاعدة المصلحة، لأن درء المفسدة في حد ذاته مصلحة. ومن المقرر هنا أن المصالح إذا تعارضت مع المفاسد كان درء المفسدة أولى من
جلب المصلحة.
وإذا تزاحمت المصالح قُدم أعلاها، فتقدم الضرورية على الحاجية، والحاجية على التحسينية، وتُقدم القطعية على الظنية والكلية على الجزئية، والأصلية على
التبعية.
وإذا تزاحمت المفاسد والأضرار ارتكب أخف الضررين، واختير أهون الشرين.
وهذا ما يسمى بسُلَّم المصالح والمفاسد ولا يبلغ العالم درجة الإمامة في
الفقه حتى يحسن ارتقاء هذا السُلَّم.
499 - 499 (1/499)
صفحة 485
اجتهادات الإمام السالمي
والإمام السالمي رحمه الله قد أحسن الارتقاء في هذا السلم العظيم سُلَّم المصالح والمفاسد، وتصرف فيها تصرُّفَ الإمام الخبير، ومشى في اجتهاداته المقاصدية على نمط يحقق الدستور المتكامل في رسم السياسة الشرعية والمقاصدية ناسجاً على منوال إخوانه من الأئمة العظام. ونحن نسوق لك أمثلة تُسَلّط الضوء على هذه القضية.
المثال الأول: الصلاة على البغاة بقصد جمع الكلمة.
تكلم السالمي عليه الرحمة على تجهيز الباغي وهو من قُتِل على بغيه محارباً للمسلمين أو قاطعاً للطريق، أو قتل مؤمناً ظلماً من غير توبة، قال: وقد اختلف في تغسيلهم والصلاة عليهم وأكثر القول في المذهب أنهم لا يغسلون ولا يصلى عليهم، وبه جزم أبو سعيد، وأبو إسحاق وغيرهم.
وقيل: يغسلون ويصلى عليهم واختاره الشيخ إسماعيل وعمل به الإمام عبد الوهاب بن عبد الرحمن حيث صلى على البغاة يزيد ابن فندين وأصحابه المعروفين بالنكار لإنكارهم إمامة عبد الوهاب خرجوا عليه ووثبوا على المدينة وكان غائباً وفيها ابنه مفلح، فأخذ سيفه وترسه ووقف بباب المدينة يدافع عنها حتى ضرب ابن فندين ضربة فقسمه نصفين، ففرَّ أصحابه عنه، فقدم الإمام فوجد القتلى على باب المدينة فصلى عليهم جميعاً طمعاً في اجتماع الكلمة بعد الفرقة، وقيل: كان عدد القتلى اثني عشر ألف قتيل.
وقد ثبت أن علي بن أبي طالب أمر قضاة البصرة أن تقبل شهادة الخوارج لأنهم قاتلوه على تأويل، ولأن في ردّ شهادتهم فتنة وتجديد خلاف فلعل الإمام عبد الوهاب قد لاحظ ذلك وهو ملحظ دقيق وعظيم في السياسة الشرعية التي يسلكها الإمام في رعيته كما هو مسلك عظيم للامام المجتهد الذي يوازن بين المصالح، فمصلحة اجتماع كلمة المسلمين بعد الاختلاف هي أعظم من مصلحة الترفع عن الصلاة على البغاة.
عادته من
والإمام السالمي ينقل هذه الواقعة ويعلل تصرف الإمام بالطمع في اجتماع الكلمة بعد الفرقة، ويسكت على هذه المصلحة سكوت المقر لها وإلا لردها كما هي أنه لا يسكت على ما لا يرتضيه.
500_0 .. (1/500)
صفحة 486
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
المثال الثاني: في تغسيل المرأة.
إذا ماتت المرأة عند الرجال وجب على النساء تغسيلها لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر النساء أن يغسلن ابنته حين ماتت، ولم يتولَّ ذلك بنفسه ولم يأمر زوجها. قال السالمي: وعلى هذا جرت السنة وأجمعت الأمة حتى قال بعضهم في المرأة إذا ماتت عند الرجال ولم يكن هناك إلا يهودية، أو نصرانية: إنها تغسل يدها وتعلم كيف تغسل المرأة وتغضي (1) عن الفرج. وقيل وهو الصحيح: إن المسلم أولى بذلك من اليهودية أو النصرانية ... ومن لم يكن طاهراً في نفسه فكيف يطهر غيره، ولزوم الغسل فرض على الكفاية في عموم الإسلام، فكيف يقوم به غير مسلم.
فإن قيل: لا نسلّم أن أهل الذمة أنجاس في ذواتهم، بل نقول: إن النجاسة فيهم عارضة لما تلبثوا به من الشرك المقتضي لترك الطهر، ولا نسلم أن غسل الميت لا يقوم
به إلا المسلم، وإن كان فرضاً في عموم المسلمين، بل المراد التنظيف وقد حصل. سلمنا فها هنا موضع ضرورة إذ المخاطب بغسل النساء يجوز له غسلها عند الاختيار، فحين لم يكن اختياراً ألجأت الضرورة إلى أحد شيئين: إما تغسيل الرجال، أو الذمية، فاخترنا أسهل الأمرين. وهذا نص منه رحمه الله على اختيار أخف الضررين، وأسهل الشرين، ودفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما، وهذه قواعد معتبرة عند
المثال الثالث: في ما يفعل الإمام بالزكاة.
جميع
الأئمة.
ذكر الإمام السالمي رحمه الله أن السهام ثمانية فأربعة منهم يحضرون قسمتها لا محالة وهم الفقراء والمساكين والرقاب، والغارمون فيفرق فيهم النصف، وأما الأربعة السهام فهو يلي أخذها، ثم سهم في سبيل الله، ثم سهم ابن السبيل، وذلك لأن ابن السبيل إذا أتى لم يجد ملجاً إلا إلى الإمام وإليه يأتي، وعنده يجد سهمه، وبذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر عماله، فلما قُبض قام الإمام بذلك بعده فكان يسلك على منهاجه، وذلك إذا لم يكن الإمام محتاجاً إلى جميعها لعز الدولة لأن في قولهم: إنه
(1) أي ترخي جفونها وتدنيهما. انظر العين مادة (غَضَوَه).
501 - 0.1 (1/501)
صفحة 487
اجتهادات الإمام السالمي
جائز للامام أن يستعين بجميع الصدقات كلها إذا احتاج إلى ذلك، وعز الدولة أولى من إعطائها الفقراء لأن ذلك يعود عليهم بالصلاح (1)
وهم
وهذا النص الصريح يرسم السياسة الشرعية التي يتبعها الإمام وتقديم المصلحة الكلية القطعية على المصلحة الجزئية الظنية لأن في إعزاز الدولة بإمدادها بالمال إعزازاً للأمة كلها، وهذه مصلحة عامة قاطعة فتُقدَّم على مصلحة بعض أفراد الأمة الفقراء لأن إعزاز الدولة نصرةٌ، وانهيارها انهيار لمصالح العباد كلهم فقرائهم وأغنيائهم، ثم قال: وإقامة عساكر المسلمين والذب عن بيضتهم أحق وأولى من الفقراء إذا خيف على الدولة أن يظهر عليها عدوها وينتهك حرمتها، فالذب عنها وإمدادها بالمال أحق وأولى من تفرقته على الفقراء، هذا كلام الإمام أفلح ابن الإمام عبد الوهاب رحمهما الله تعالى. نقله السالمي على جهة الإقرار له لأنه أثار اعتراضاً وأجاب عنه، فقال: فإن
قيل: من أين أخذوا هذا الجواز مع أن الله فرضها لأصناف مخصوصة؟ فالجواب: إن هذا لم يخرج عن الأصناف، وإنما هو وُضِعَ في بعضها، أليس من بعضها سبيل الله؟ وأي سبيل أقوى من إعزاز الدولة الإسلامية، وإظهار الكلمة المحمدية، وإنفاذ الأحكام القرآنية؟ على أنه قد جعل للمؤلفة فيها نصيباً، وما ذاك إلا لتأليف قلوبهم لعز الإسلام وإظهار الكلمة، فهم مع ذلك يُعطَوْن وإن كانوا أغنياء، ولم تفرض الزكاة لسد حاجة الفقير فقط، بل فُرضت له ولغيره وهو عز الإسلام، والثاني أقوى الأركان ولهذا قدموه عند الحاجة إليه.
المبحث الخامس
فقه التعايش مع أهل الذمة عند الإمام السالمي وفقهاء الإباضية عموماً رحمهم الله
هناك، إطار عام شكل مدخلاً لفقه التعايش انطلق منه الإمام السالمي هذا الإطار
يقوم على مبادئ منها:
(1)
(1) معارج الآمال 740/ 4.
502 ـ 502 (1/502)
صفحة 488
1
?
-
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
{
مبدأ العدل الشامل بعمومه للعدل مع أهل الكتاب وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَتَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى.
البر، الذي أشارت إليه الآية: لا ينهَنكُرُ الله.
إعطاءهم كامل الحقوق إذا بذلوا الجزية. وقبولهم في المجتمع مواطنين ومؤمنين على دمائهم وأعراضهم.
أهل الذمة ومن تؤخذ منهم الجزية:
ومن
أهل الذمة أهل الكتاب ومن ألحق وأهل الكتاب اليهود والنصارى
ألحق
الكتاب» (1).
هم
بهم،
هم
بهم وهم المجوس لقول الرسول صلى الله عليه وسلم في المجوس «سنوا سنة أهل
بهم
وقال العلامة أطفيش الملقب بقطب الغرب: تؤخذ الجزية من جميع العُجم أهل الكتاب أو الجاحدين، أو الوثنيين. وقال الشافعي وأحمد لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب وتؤخذ ممن زعم أنه متمسك بصحف إبراهيم وزبور داوود. وقال مالك: تؤخذ من جميع الكفار، ولا تؤخذ من المرتد ولا تؤخذ عند فقهاء الإباضية ومن وافقهم من المذاهب الأخرى من نصارى العرب ولكن تضاعف عليهم الزكاة. نص على ذلك النور السالمي رحمه الله في تلقين الصبيان (2).
الذين يعفون من الجزية:
نصت كتب الإباضية ومن ضمنها كتب السالمي رحمه الله «أن الجزية ساقطة عن الرهبان والصبيان والزمني. قال السالمي رحمه الله: وليس على العبد والمرأة والطفل
والراهب والشيخ الهرم جزية» (3)
(1) السنن الكبرى للبيهقي: 189/ 9، الموطأ برواية الشيباني: 135/ 2، الموطأ برواية الليثي: 278/ 1
مصنف عبد الرزاق: 68/ 6. (2) تلقين الصبيان: 66/ 1.
(3) جامع ابن بركة: 454/ 1، منهج الطالبين: 207/ 4 و 4/ 408، جوابات الإمام السالمي: 33/ 5.
503 - 503 (1/503)
صفحة 489
اجتهادات الإمام السالمي
الحكمة من الجزية:
أما حكمتها فهي ترك الذمي القتال مع المسلمين ليتسنى لهم الدخول في الدين
عن قناعة، وهي مقابل رد الظلم عنهم إذا قصدوا من عدو خارجي.
قال
وقد علل السالمي الجزية بأنها في مقابل الدفاع عن نفس أهل الذمة (1). العلامة خميس بن سعيد من أئمة الإباضية: وقال أبو سعيد رحمه الله: وأما اليهود والنصارى فتؤخذ منهم الجزية على قدر منازلهم إذا خلا لهم من حماية المسلمين ثلاثة أشهر. وفي قول إذا وفرت لهم الحماية شهراً) (2).
فهذا النص يوضح بعض الحكمة من أخذ الجزية من أهل الذمة وهي التزام الدفاع عنهم، إذا قصدهم عدو خارجي، ودرجة الالتزام تصل إلى درجة الإيجاب. قال العلامة خميس بن سعيد رحمه الله: وعلى الإمام الوفاء لهم بعهدهم ما لم ينقضوه (3).
قلت: وما قاله تؤيده حقائق التاريخ، فقد ذكر أبو يوسف في الخراج أن ما أخذه
عدم
قدرته
أبو عبيدة من جزية من بعض مناطق الشام لما اجتمع عليه الروم لما رأى على الدفاع عنهم ردها عليهم، وأمر ولاته أن يقولوا لهم: «إنما رددنا عليكم أموالكم قد بلغنا ما جُمِعَ لنا من الجموع، وإنَّكم اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا عليكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا وبينكم إن نصرنا الله عليهم، فلما قالوا ذلك لهم، وردّوا عليهم الأموال التي جَبَوْها منهم، قالوا: رَدَّكم الله علينا ونصركم عليهم
(4)
(ه) وقد نص الشريفي على أن الجزية مشروطة بالإحاطة والدفع
(1) جوابات الإمام السالمي: 35/ 5
(2)
منهج الطالبين: 209/ 4.
(3) المصدر نفسه: 83/ 7.
(4) الخراج لأبي يوسف: ص 153، المهذب: 272/ 2، کشاف القناع: 729/ 1.
(5) مقاصد الشريعة لمصطفى الشريفي: 166/ 1.
504 -
504 (1/504)
صفحة 490
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
ومن حكمة الجزية الضمان عند العجز والشيخوخة، فقد رأى عمر يهودياً يتسول
في بعض أسواق المدينة فقال له: ما أنصفناك أكلنا شبيبتك وتركناك في هرمك ثم أجرى عليه راتباً من بيت مال المسلمين.
ومن حكمتها إعفاؤهم من الجندية.
من الذي يعقد الجزية:
وعقد الجزية يعقده الإمام أو نائبه، قال في منهج الطالبين: «وعلى الإمام الوفاء
لهم بعهدهم (1).
حقوق أهل الذمة عند الإمام السالمي رحمه الله وفقهاء الإباضية عامة: هناك حقوق أوجبها الإسلام لأهل الذمة وكفلها عقد الذمة لتكون مظاهر حية من مظاهر تعايش المسلمين مع غيرهم من أهل الكتاب - هذه الحقوق نص عليها النور السالمي وهو قطب المشرق عند أئمة الإباضية.
إن من يستقرئ ما كتبه النور السالمي يجد كثيراً من النصوص التي تبين مظاهر التعايش مع الآخرين سواء كان الآخرون من المسلمين المخالفين أو أهل الكتاب من اليهود والنصارى لا سيما إذا كانوا من أهل الذمة.
من هذه الحقوق:
1 ـ حق الحياة:
إذا عقد الذمي مع إمامي المسلمين عقد الذمة ودفع ما عليه من الجزية حقن دمه لقول علي بن أبي طالب: إنما بذلوا الجزية لتكون دماؤهم كدمائنا، وأموالهم كأموالنا. الله وقد نص الإمام السالمي رحمه في طلعة الشمس وغيره من كتبه القيمة على أن القتال ينتهي عند دفع الجزية، فهي الغاية التي ينتهي إليها ويتركون على ديانتهم التي دانوا بها، ولا يجوز التعرض لهم في شيء من الأشياء، وإن أكلوا لحم الخنزير وشربوا
(1)
منهج الطالبين: 83/ 3.
505 - 0.0 (1/505)
صفحة 491
اجتهادات الإمام السالمي
الخمور وتزوجوا وذوات المحارم إذا كان في أصل الشرع الذي تدينوا به أن ذلك حلال
كتمسك المجوس في تزويج ذوات المحارم بشريعة نبينا آدم عليه السلام.
2 ـ لهم من الأحكام جميع ما ثبت في شريعتهم:
فيثبت لهم النسب بذلك النكاح وتجري عليهم بسببه النفقات. . . وكذلك تثبت
أنه
لهم المعاملة فيما بينهم بنحو الخمر والخنزير وغيرهما مما هو حلال في دينهم حتى يضمن من أراق خمرهم، ومن أضاع خنزيرهم ونحو ذلك، لكنهم يؤمرون بستر ما يخالف شرع المسلمين ولا يقرون على فعل ما لم يكن مشروعاً لذلك لا عندهم، يقرون على أكل الربا فإنهم قد نهوا عنه لقوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ [النساء: 161]. ولا يعطون الذمة ولا عهد لهم حتى يتركوا الربا، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: اتركوهم وما دانو به» (1). هذا تمام ما قال رحمه الله.
3 ـ إقرارهم على دينهم:
ومن أهم حقوقهم التي نص عليها النور السالمي وجميع أئمة الفقه الإباضي. قال رحمه الله تعالى: (وأما أحكام أهل الذمة وهم الذين أعطاهم الإمام أو من يقوم مقامه ذمة. فهي أنهم يقرون على ديانتهم التي دانوا بها» (2).
وفي جامع أبي الحسن البسيوي: وأنزل الله بعد إسلام العرب وإعطاء أهل الكتاب الجزية ولا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيَّ) [البقرة: 256] (3).
وقد نص السالمي رحمه الله أن الذمية تقر على دينها، ولا تجبر على دين
المسلمين لقوله تعالى: {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ} [البقرة: 256] (4). وقال العلامة أطفيش رحمه الله في معرض كلامه عن يمين الذمي أنه يحلف
(1) طلعة الشمس: 308/ 2.
(2) طلعة الشمس: 308/ 2. (3) كتاب الجامع للبسيوي: 40/ 13. (4) معارج الآمال: 348/ 2.
506 - 506 (1/506)
صفحة 492
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
بقوله: وربّ التوراة والإنجيل أو النار لا يزيدون والله الذي لا إله إلا هو لأنه لا يكلف الإنسان الخروج من دينه لقوله تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الذِينَ) (1). وقال أبو الحسن البسيوي: وقد صالح النبي الوفد الذي أتاه من نجران وأقرهم
على دينهم
(2)
وقال خميس بن سعيد ويتركون على دينهم مع علمنا أنهم يستحلون الأمهات
والبنات (3).
4 ـ أهل الذمة داخلون في الجوار:
فلهم حق الجوار، فقد نص السالمي رحمه الله على أن الذمي والمجوسي داخلان في الجوار فيجب لهم حق الجوار وإن كانوا مشركين قال السالمي رحمه الله: مواصلة الجار فإنها حق ثابت على الجيران بعضهم لبعض، كان الجار قريباً أو بعيداً لقوله تعالى: {وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ، قال: «لا يجوز أن يؤذي
وأما
جاره وإن كان مشركاً (4).
حق حماية أموال الذميين:
ومما
أن يتمتع به أهل الذمة حماية أموالهم وقد عبر عن هذا الحق خير يجب تعبير علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: «إنما بذلوا أموالهم لتكون دماؤهم
كدمائنا وأموالهم كأموالنا» (5).
وقد نص السالمي رحمه الله على وجوب الضمان على من أتلف أموالهم فأراق
لهم خمراً أو أتلف لهم خنزيرا
(1) شرح النيل: 282/ 26. (2) جامع أبي الحسن: 237/ 1. (3) منهج الطالبين: 195/ 14. (4) تلقين الصبيان: 46/ 1.
(1) ,
(0) أورده صاحب مرقاة المفاتيح بلفظ: إنما بذلوا الجزية لتكون دماءهم كدماتنا وأموالهم كأموالنا»، 12/
71 موقع المشكاة الإسلامية.
(6) طلعة الشمس: 309/ 3.
507_0. V (1/507)
صفحة 493
اجتهادات الإمام السالمي
وهذا ما نص عليه أئمة المذاهب الأخرى فإنهم قالوا إن أموال الذميين محترمة، فقد جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران، وفيه: «ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة رسوله على أموالهم وأنفسهم وأرضهم وملتهم وغائبهم وشاهدهم وعشيرتهم وبيعهم وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير» (1). وفي عهد عمر لأبي عبيدة بن الجراح أن أمنع المسلمين من ظلمهم والإضرار بهم وأكل أموالها إلا بحلها» (2).
وقال العلامة أطفيش رحمه الله: «ما أخذه المسلمون من أموال أهل الذمة على
ما شرط من ضيافتهم يجب رده إليهم (3).
6 ـ وجوب الاستئذان عند الدخول عليهم:
ومن حقوقهم أنه لا يجوز الدخول عليهم إلا بإذنهم، وهذا حق لبيوت أهل الذمة، وحق لأعراضهم فبيوتهم لها حرمتها، لا يجوز لمسلم ولا لذمي أن يقتحم هذه
الحرمة.
قال أطفيش رحمه الله: وتدخل بيوت أهل الذمة بإذن بعد استئناس أي استئذان ... وعلل ذلك بأن لهم حقاً إذا كانوا في الذمة أو الأمن ولأنهم مكلفون في الستر ونحن مكلفون بتحريم النظر إلى عوراتهم ولأنهم مالكون فلا يتصرف في ملكهم بدخول ولا بغيره إلا بإذن منهم وقال السالمي رحمه الله: ولا يسلم على بيوت أهل الذمة ولكن لا يدخل
" (0)
عليهم إلا بإذنهم (ه).
وقال في منهج
(?) ? l
الطالبين: وفي بعض التفسير أن الاستئناس في بيوت أهل الذمة
(1) الخراج لأبي يوسف: ص 85.
(2) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي: ص 15. (3) شرح النيل: 223/ 9.
(4) شرح النيل: 075/ 10 (0) معارج الآمال: 212/ 2.
508 - . A (1/508)
صفحة 494
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واجب .. فمن أراد أن يدخل عليهم فلا يدخل إلا بإذنهم، فإذا وقف بيابهم فليقل من هاهنا أأدخل؟ فإن قالوا ادخل دخل وإلا فلا يدخل
(1)
المسلمين
وهذا حق عظيم يصور الحالة السلمية والتعايشية التي كانت من بين وأهل الذمة، وفيه تعظيم حرمة بيوت أهل الذمة وهذه نظرة كريمة من المسلمين إلى
حرمات أهل الكتاب.
ـ اتخاذ المعابد والبيع:
ومن حقوقهم - اتخاذهم المعابد والكنائس والبيع، وقد اختلف فقهاء المسلمين في حقهم في اتخاذ المعابد والكنائس. فقد انقسم الفقهاء في جواز إحداث الكنائس لكنهم اتفقوا على أن الكنائس القديمة التي كانت موجودة لا يجوز هدمها وقد نص على ذلك قطب الغرب في شرح النيل (2).
إما إحداث كنائس جديدة، فقد اختلف العلماء في ذلك، ففي الأمصار التي اختطها المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد، فلا يجوز إحداث كنيسة ولا بيعة بإجماع
أهل العلم.
وأما ما فتحة المسلمون عنوة فلا يجوز إحداث شيء من ذلك بالاتفاق لأنه صار
ملكاً للمسلمين. وما كان شيء من ذلك قبل الفتح لا يجب هدمه، لأن الصحابة فتحوا البلاد فلهم يهدموها ـ أي الكنائس وإن فتحوها صلحاً وكان الاتفاق على أن الأرض لهم
.
والخراج لنا، فلهم إحداث ما يحتاجون إليه من الكنائس
صور من فقه التعايش بين المسلمين والذميين:
(3)
ذكر الإمام السالمي والإمام أطفيش وهما قطبان من أقطاب المذهب الإباضي
(1) منهج الطالبين: 345/ 2.
(2) شرح النيل: 489/ 30. (3) الموسوعة الفقهية الكويتية: 130/ 7.
509_0.4 (1/509)
صفحة 495
اجتهادات الإمام السالمي
صوراً تدل على مدى ما وصل إليه المسلمون من التعايش في ظل المجتمع الإسلامي،
منها:
1 - كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب:
قال الكاتب الإمام السالمي: وكان النبي صلى الله عليه وسلم: يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم
(1)
يؤمر فيه بشيء وهذا أصل أصيل في حدود موافقة المسلمين لأهل الكتاب ولذلك فإننا نخالف أهل الكتاب في أمور نص عليها فقهاء المسلمين وهي المسائل التي تتعلق بالعبادات، وفيها يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «التتبعن سنن من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا حجر ضب لسلكتموه: قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (2).
6
فقد قال شراح الحديث إن المحرم في اتباع أهل الكتاب ما يتعلق بخصائص عباداتهم وأديانهم أما موافقتهم في الأحكام الاجتماعية، أو في بعض الأعراف
والعادات التي لا تناقض شرائع المسلمين فلا مانع من موافقتهم فيها.
2 ـ جواز إعطاء الزكاة والصدقات لأهل الذمة أو شيء من الجزية:
ومن صور التعايش التي نص عليها النور السالمي رحمه الله وكذلك فقهاء المذهب الإباضي، دفع الزكاة لفقراء أهل الكتاب.
قال السالمي رحمه الله: قال أبو سعيد: أهل الذمة داخلون في عامة الفقراء
وأهل الدعوة أفضل من غيرهم، وأهل الخلاف أفضل من أهل الذمة» (3). وهو وإن قدم المسلمين على أهل الذمة إلا أنه أجاز دفع الزكاة لفقرائهم إذا كانوا
فقراء محتاجين.
(1) معارج الآمال: 3/ 110. (2) صحيح البخاري: 169/ 4. (3) معارج الآمال: 367/ 9.
510_ o. (1/510)
صفحة 496
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واحتج الإمام السالمي على حِلِّ دفع الزكاة لأهل الذمة بقول الله تعالى: لا ينهَنكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَرِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8] (1).
كما أجاز رحمه الله دفع صدقة الفطر لفقراء أهل الذمة. وفي فتاوى الشيخ سعيد القنوبي: ويجوز دفع الزكاة إلى فقراء أهل الذمة (2).
وقال العلامة الشيخ الخليلي متعة الله بحياته بأن عمر بن عبد العزيز أمر أن يواسى بها ـ أي الزكاة ـ فقراء أهل الكتاب (3)
الذمة
وقال عبد الله الحضرمي في الكوكب الدري وجائز للإمام إعطاء فقراء أهل: من الجزية إذا احتاجوا لذلك فإن تعذر حصول شيء من الجزية أعطوا من الصلح بين المسلمين فإن لم يكن شيء فمن الصدقة وكل ذلك جائز
(4)
وقال السالمي رحمه الله: قال أبو سعيد في معاني قول أصحابنا: إن المساكين كانوا قوماً من أهل الكتاب أهل مسكنة وكان قد جعل الله لهم سهماً والفقراء فقراء أهل الذمة (5). وهذا قول فى المذهب وهناك أقوال أخرى في معنى المسكين. وفي إعطاء فقراء أهل الذمة شيئاً من الصدقة صورة رائعة من صور التكافل والتعاون والتعايش مع المخالفين في المعتقد في حدود ما أباح الله تعالى.
3 ـ الصلاة في كنائس أهل الذمة وبيوتهم:
ومن مظاهر التعايش مع أهل الذمة جواز الصلاة في كنائسهم وبيوتهم، فقد ذكر الإمام السالمي هذه المسألة في كتابه القيم معارج الآمال، فقال رحمه الله: «الصلاة في اليهود والنصارى والمجوس لا بأس فيها فيما تظهر عليه الشمس
بيوت أهل الذمة
من
(1) معارج الآمال: 452/ 9 و 399/ 9 (2) فتاوى القنوبي: 107/ 2. (3) انظر فتاوى الخليلي: 263/ 1. (4) الكوكب الدري: 078/ 5
(5) معارج الآمال.
511011 (1/511)
صفحة 497
اجتهادات الإمام السالمي
منها، أما حيث لا تظهر عليه الشمس فقيل: لا تصح الصلاة فيه، وقيل: إن صلى فلا قضاء عليه». . . قال: وأما الصلاة في بيع النصارى وكنائس اليهود ففيها ثلاثة أقوال: أحدها الجواز، وقد صلى أبو موسى الأشعري في كنيسة.
ورخص الأوزاعي وابن عبد العزيز الصلاة على كنائس اليهود والنصارى.
الثاني: لا تجوز، ونسب ابن المنذر إلى ابن عباس ومالك كراهتها.
الثالث: الجواز في بيع النصارى دون كنائس اليهود ويروى عن ابن عباس
(1)
وقال العلامة الكندي في بيان الشرع: ولا أجد معنى بحجر الصلاة في الكنائس والبيع، وقد قال الله تعالى: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَرِهِم بِغَيْرِ حَقٍ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ خَدَمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرا [الحج: 40]. فقد ثبت ذكر الله في البيع كما ثبت في المساجد (2).
والصلاة في منازل أهل الذمة وفي كنائسهم وبيعهم مظهر من مظاهر التعايش بين المسلمين وغير المسلمين وصورة من صور حسن العشرة مع أهل الكتاب ومظهر من مظاهر البر والقسط الذي عبر عنه القرآن بقوله: لَا يَنهَنكُرُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَوْ يُخرِجُوكُم مِّن دِيرِكُمْ أَن تَبَرُوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة: 8].
فإن في الصلاة في منازلهم نوعاً من المودة المسموح بها تجاه أهل الذمة.
وممن جوز الصلاة في الكنائس والبيع الإمام أبو صفرة في جامعه (3)
ـ اعتبار أبدانهم طاهرة:
ومن مظاهر التعايش اعتبار أبدانهم طاهرة، حيث يذهب الكثير من أئمة الإباضية أن أبدان أهل الكتاب طاهرة، وأما قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28]، فقد
(1) معارج الآمال: 112/ 5.
(2) بيان الشرع: 54/ 1. (3) الجامع لأبي صفرة: 33/ 1.
512 ـ 512 (1/512)
صفحة 498
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
حمله العلامة خميس بن سعيد على النجاسة المعنوية، واستدل لرأيه بأن عمر رضي الله عنه توضأ من جرة نصرانية، وحمل الآية على مشركي العرب (1).
وبه قال
جمهور الفقهاء، واستدلوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل وفداً من نصارى نجران في
المسجد. وذهب الفريق الآخر من فقهاء الإباضية إلى القول بنجاسة أبدانهم وقالوا إنها نجاسة عارضة بسبب تعاملهم في الخمر والخنزير وليست أصيلة.
وقال الشيخ الثميني في التاج المنظوم: واختلف في رطوبة أهل الكتاب، فقيل نجسة، وقيل طاهرة وأن قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) [التوبة: 28] نزل في مشركي العرب، وأن عمر توضأ من جرة نصرانية، وضعف بعضهم الحديث (2). إلا أن الإمام السالمي رحمه الله يوجب عليهم الاغتسال ويرى أبدانهم غير طاهرة لملابسة الأمور النجسة كالخمر والخنزير (3).
ه - إسقاط لفظ الجزية لكون نصارى العرب يأنفون من هذا اللفظ:
ومن مظاهر التعايش أن سيدنا عمر رضي الله عنه لما جاءه وفد من نصارى العرب وشكوا إليهم أنهم كعرب يأنفون من مصطلح الجزية، وطلبوا منه أن يستبدل به ذلك. لفظ الخراج ونحوه، وأن يضاعفه لهم فقد قبل عمر منهم
فقد ذكر الإمام السالمي رحمه الله أن أبا عبيد القاسم: روى أن عمر بن الخطاب أراد أن يأخذ من نصارى بني تغلب الجزية فأنفوا منها، وأرادوا أن يلحقوا بالروم، فقال النعمان بن زرعة يا أمير المؤمنين، إن بني تغلب قوم عرب يأنفون من الجزية فلا تعن: عدوك عليك بهم، فصالحهم عمر على أن يضعف عليهم الصدقة وترك الجزية لما رأى من نفارهم منها وأنفهم عنها أنه لا ضرر على المسلمين من إسقاط ذلك الاسم عنهم، فكان في ذلك رتق لما خيف من فتقهم مع استيفاء حقوق المسلمين من رقابهم فاستحق
الثناء الجميل على هذا المعنى الجليل (4).
(1) انظر منهج الطالبين: 135/ 3. (2) التاج المنظوم: 301/ 1. (3) معارج الآمال: 102/ 3.
(4) معارج الآمال: 081/ 9
513 - 013 (1/513)
صفحة 499
اجتهادات الإمام السالمي
ففي هذه القصة التي حكاها السالمي عن أبي عبيد القاسم بن سلام دلالة واضحة على مراعاة شعور أهل الكتاب وأنفهم من قبول مصطلح رأوا فيه امتهاناً لكرامتهم، وفي استجابة عمر لطلبهم لأكبر دلالة على كل مظاهر التعايش مع أهل الذمة.
وإذا أردنا تقويم هذا التصرف من أمير المؤمنين عمر لوجدناه في قمة الفهم لمقاصد الأحكام، وليس هذا كبيراً على عمر، وهو الرجل الملهم الذي لا يألو جهداً في النصح للإسلام. وذلك لأن عقد الذمة عقد من العقود التي ينظر إلى مقاصدها ومعانيها، وليس إلى ألفاظها ومبانيها، والقاعدة الفقهية تنص على ذلك فتقول: «العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني»، والمقصد حاصل وهو دفع المال الذي يسد مرافق الدولة من قوم ليس عليهم زكاة في أموالهم ولتغطية ضمان العجز والشيخوخة فيما بعد، ولتأمين الحماية لهم. فما دام أن هذه الأمور قد تأمنت فلا مانع من تغيير اسم الجزية باسم الصدقة أو نحوها مع حصول الرضا منهم والشعور بالطمأنينة بأن محافظ عليه في وجدان المسلمين وفي عقيدتهم وأن كرامتهم مصانة عند
شعورهم المسلمين.
6 - نكاح حرائر أهل الكتاب:
ومن مظاهر التعايش بين المسلمين وأهل الذمة إباحة نكاح حرائر أهل الكتاب، ذهب الإمام السالمي رحمه الله تبعاً لجمهور المذاهب الفقهية إلى جواز نكاح حرائر أهل الكتاب. وذهب الشافعي إلى أنه لا يحل نكاح الكتابية إلا بشرطين: الأول أن تكون إسرائيلية: أي من ذرية يعقوب عليه السلام.
الثاني: أن يكون أصولها قد دخلوا في ذلك الدين قبل تحريفه.
واحتج السالمي والجمهور بقوله تعالى: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَبَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ مَّمْ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا اتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ) [المائدة: 5].
514_01 { (1/514)
صفحة 500
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
واحتجوا أيضاً بأن عثمان رضي الله عنه تزوج نائلة الكلبية وهي نصرانية على نسائه، وطلحة بن عبيد الله تزوج يهودية من الشام، ولم ينقل عن أحد من الصحابة
أنكر ذلك النكاح. واستدل من منع نكاح حرائر أهل الكتاب بقوله تعالى: {وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَتِ حَتَّى يُؤْمِنَ} [البقرة: 221]. والكتابية مشركة فلا يجوز نكاحها.
وروي عن ابن عمر أنه سئل عن نكاح الكتابيات، فقال: لا أعلم شركاً أكبر من أن تقول عيسى ابن الله (1).
وأجاب الجمهور بأن لفظ المشركات أو المشركين لا يتناول عبدة الأوثان عند الطلاق ومن غيرهم بدليل قوله تعالى: {مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ} [البقرة: 105]. وقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كفروا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكَينَ حَتَّى تَأْنيهم البينة) [البينة: 1]. وقوله تعالى: لَتُبْلُونَ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أشركوا أذَى كَثِير الله [آل عمران 186].
والعطف يقتضي المغايرة، ولو سلم أن لفظ المشركات عام يتناول الكتابيات، فيجب تخصيص هذا العموم بقوله تعالى: {وَالْخصَنَتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ [المائدة: 5]. قال السالمي رحمه الله: ولا يحل أن يتزوج المشركة إلا الذمية من أهل
الكتاب» (2). وقال أيضاً: وقد أباح الله المحصنات من أهل الكتاب ولم يقيد هذه الإباحة بشرط فهي على الإطلاق (3). وهذا رد على من قيد الإباحة كالشافعي، حيث اشترط لإباحة نكاحهن شرطين بأن تكون إسرائيلية من ذرية يعقوب، وأن يكون أصولها قد دخلوا في ذلك الدين قبل تحريفه.
(1) تفسير الجصاص: 332/ 1، والمغني: 590/ 6.
(2) معارج الآمال: 194/ 1.
(3) معارج الآمال: 208/ 2.
515_010 (1/515)
صفحة 501
اجتهادات الإمام السالمي
ولا يخفى أن في إباحة الزواج من حرائر أهل الكتاب تأسيساً لعلاقة أسرية حميمة تقوم على المصاهرة بين المسلمين وأهل الكتاب وهذه العلاقة تعتبر تجسيداً لقاعدة التعايش بين المسلمين وأهل الذمة الذين يعيشون کنف دار المسلمين في مع الإسلام، مع ما يستتبع ذلك من حرية الاعتقاد من هذه الأسرة، حيث ذكر بعض الفقهاء أن للزوج المسلم أن يسمح لزوجته الكتابية في أن تذهب إلى الكنيسة، ورأى له أن يصطحبها ليوصلها إلى الكنيسة ما دام أنه ليس له أن يكرهها يسمح على دينه وعقيدته، وهذا من تسامح المسلمين مع أهل الذمة. ـ تصحيح أنكحة أهل الذمة:
بعضهم
V
أن
ومن صور التعايش تصحيح أنكحة أهل الكتاب وغيرهم من الكفار، فقد نص السالمي عليه رحمة الله على ذلك في كتابه القيم طلعة الشمس»، حيث قال: «ويجعل لهم من الأحكام جميع ما ثبت في شريعتهم، فيثبت لهم النسب بذلك النكاح وتجري عليه بسببه النفقات» (1)
ولا شك أن الاعتراف بأنسابهم وأنكحتهم صورة رائعة من صور التعايش
الكريم. - الوفاء بالعهد:
ومن أروع صور التعايش بين المسلمين وأهل الكتاب الوفاء بالعهد، فإن صفة الوفاء من أعظم الأخلاق والخلال التي يتمتع بها الإنسان والوفاء بالعهد من الدين، والغدر من صفات المنافقين، وقد أمر الإسلام أتباعه بالوفاء بالعهود والمواثيق وبخاصة العهود التي أبرمت مع أهل الكتاب وبموجب الوفاء بالعهد حافظ الإسلام على دماء أهل الذمة وأموالهم وأعراضهم حتى ذهب أئمة الحنفية إلى وجوب القصاص على من قتل ذمياً محتجين يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «إنما بذلوا أموالهم لتكون دماؤهم كدمائنا وأموالهم كأموالنا. بينما ذهب آخرون إلى تغليظ الدية والتعزيز، ومن
سرق ذمياً قطعت يده، ومن زنى بذمية رجم إن كان ثيباً وجلد إن كان بكراً.
(1) طلعة الشمس: 208:2.
516_017 (1/516)
صفحة 502
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج
الأمال
قال السالمي معبراً عن ذلك بقوله: ونوفي بعهود قومنا من أهل الذمة وغيرهم ونجير من استجار من قومنا وغيرهم ويأمن عندنا الكاف عن القتال منهم (1). 9 ـ ومن صور التعايش التي أسسها الإسلام التحاكم إلى المسلمين: فعلى القاضي أن يستقبلهم في دار القضاء ويستمع لهم ويطلب منهم البينات كما
يطلب من المسلمين، وأن يعدل بينهم.
قال الإمام السالمي رحمه الله: أما قوله تعالى: (فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) [المائدة: 42]. فقال قوم: إن حكمها منسوخ بقوله تعالى: {وَأَنِ أَحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ). وقال قوم: إنها في أمر خاص وهو قضية وقعت عند اليهود في زمنه. فالتخيير عند هؤلاء في تلك القضية بعينها لا فيها وفي غيرها.
فلما
(2)
وقال آخرون: إنها عامة في كل من جاءه من الكفار ليحكم بينهم. وقد سجل القرآن الكريم موقفاً رائعاً في العدل والإنصاف مع اليهود في المدينة في قصة أحد المنافقين الذي سرق درعاً ولما كاد ينكشف أمره رماها في بيت يهودي، ثم جاء يتظلم من المؤمنين الذين رموه بالسرقة ويطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجادل عنه ويخاصم عنه، هم النبي بالدفاع عنه نزل القرآن في تبرئة اليهودي وفضح ذلك المنافق، فقال تعالى: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَنكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِلْخَاسِنِينَ خَصِيمًا * وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا * وَلَا تُجَدِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ الله لا يحبُّ مَن كَانَ خَوَانًا أَثِيمًا * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا * هَتَأَنتُمْ هَؤُلَاءِ جَدَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فمَن يُجَدِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَمَةِ أَم مَن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) [النساء: 105 - 109]. هذا التعقيب الشديد الذي عقب به القرآن الكريم على تعاطي النبي صلى الله عليه وسلم واجتهاده في هذه القضية، يصور لنا المنهج الفريد الذي ربى الله عباده المؤمنين عليه، وهو وحده الكفيل
(1) تحفة الأعيان: 162/ 1.
(2) جوابات الإمام السالمي: 51/ 5.
517 - 517 (1/517)
صفحة 503
اجتهادات الإمام السالمي
بانتشال البشرية التي انحرفت بعيداً عن منهج الله تعالى، إنه منهج يربي أصحابه على العدل والإنصاف وسياسة البشرية بسياسة العدل بعيداً عن سياسة الكيدية ونفي الآخر بدعوى النقاء والتطهر من أوضار الشرك وأهله.
،
وقد عقب على هذه الآيات شهيد الإسلام سيد قطب تعقيباً فريداً قد لا يسبق إليه حيث يقول: فماذا يملك الإنسان إلا أن يقول إنه المنهج الفريد الذي يملك وحده أن يلتقط الجماعة البشرية من سفح الجاهلية ذاك فيرتقي بها في ذلك المرتقى الصاعد فيبلغ بها إلى تلك القمة السامقة في مثل هذا الزمن القصير»، ثم قال رحمه الله معلقاً على هذه الآيات، ثم قال رحمه الله معلقاً على هذه الآيات هذه الآيات تحكي قصة لا تعرف لها الأرض نظيراً ولا تعرف لها البشرية شبيهاً وتشهد وحدها بأن هذا القرآن وهذا الدين لا بد وأن يكون من عند الله، لأن البشر مهما ارتفع تصورهم ومهما صفت أرواحهم ومهما استقامت طبائعهم لا يمكن أن يرتفعوا بأنفسهم إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات إلا بوحي من الله، هذا المستوى الذي يرسم خطا على الأفق لم تصعد إليه البشرية إلا في ظل المنهج! إنه في الوقت الذي كان اليهود في المدينة يطلقون كل سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة على الإسلام والمسلمين .. في الوقت الذين كانوا ينشرون الأكاذيب، ويؤلبون المشركين ويشجعون المنافقين. . . ويطلقون الإشاعات ويضللون العقول ويطعنون في القيادة النبوية، ويشككون في الوحي والرسالة ويحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، والإسلام ناشئ في المدينة ورواسب الجاهلية ما يزال لها آثارها. وبعض المشركين واليهود أنفسهم يمثلون خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم وتناسقه في هذا الوقت الحرج الخطر، كانت هذه الآيات تتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الجماعة المسلمة لتنصف رجلا يهودياً اتهم ظلماً بسرقة، ولتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار في المدينة يومئذ هم عدة الرسول وجنده في مقاومة هذا الكيد الناصب من حوله ومن حوله الرسالة والدين والعقيدة الجديدة. أي مستوى هذا من النظافة والعدالة والتسامي! ثم أيُّ كلام يمكن أن يرتفع ليصف هذا المستوى، وكل تعليق وكل تعقيب
518
518 (1/518)
صفحة 504
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
يتهاوى دون هذه القمة السامقة التي لا يبلغها البشر وحدهم إلا أن يُقادوا بمنهج الله إلى هذا الأفق العلوي الكريم الوضيء (1).
،
وإنني اضطررت لنقل هذا التعقيب بطوله لأهميته في رسم ملامح التعايش في المجتمع الإسلامي الذي يحوط أمته بسياج من العدل والإنصاف، ويبادل من يعيش في كنفه من أهل الذمة في ظل منهج رباني فريد هذا المنهج الذي لم يظلم يهودياً لا يفتأ يحارب الإسلام وأهله فكيف بمن أعطى المسلمين عهداً على أن لا يتعامل مع أفراد المجتمع الإسلامي بالتآمر والكيد والمكر، فهؤلاء لا شك أن المسلمين سوف يكونون أكرم الناس معهم، وأبر الخلق في الوفاء لهم. إن هذا المنهج الرباني برصيده العقيدي والأخلاقي لهو الضمانة الوحيدة لكل من يعيش في كنف دار الإسلام، وقد وصلت هذه الضمانة إلى حد إذاية الله ورسوله لكل من آذى ذمياً فضلاً عن حل دمائه. ولما رفع قبطي من أقباط مصر مظلمة على ولد عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطاب، دعاه عمر ليحضر مع ولده مجلس قضاء عمر رمز العدالة فلما مثلوا بين يديه قال عمر: «يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ثم أمر بضرب ابن
الأكرمين».
هذه
هي
ضمانة التعايش مع غير المسلمين في دار الإسلام.
10 ـ للذمي إذا أراد التحاكم إلى المسلمين أن يدخل المسجد:
ذكر العلامة أطفيش خلاف فقهاء الإباضية في جواز دخول أهل الذمة المسجد للتحاكم، فذكر أن صاحب التاج قال: لا يترك أهل الذمة يدخلون المساجد للتحاكم إلا من ضرورة. قال: وقال أبو الحسن: لا يمنع من أراد الحكم من دخول المسجد من حائض وجنب وكافر إلا الحرام وقد أنزل النبي صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف المسجد (2)
وهذه صورة وضيئة من صور التعايش، وفي تمكين أهل الذمة من دخول المساجد إذا كانت دار القضاء اعتناء بأوضاع من يعيش في دار الإسلام في مجال
(1) في ظلال القرآن: 0751/ 2 (2) شرح النيل: 422/ 9.
519_019 (1/519)
صفحة 505
اجتهادات الإمام السالمي
،
التقاضي ورفع الظلم عنهم وإيصال الحقوق لهم سواء كان التقاضي بين الذميين أنفسهم أو بينهم وبين المسلمين.
وقد تقاضى علي بن أبي طالب مع يهودي في درع ادعى اليهودي أنها له، فقال عمر: يا أبا الحسن قف بجانب خصمك. فقال اليهودي: أشهد أن هذا لحق أمير المؤمنين قدمنا إلى قاضيه وقاضيه قضى عليه أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
11 ـ ومن صور فقه التعايش تقرير حق الحرية الشخصية لأهل الذمة: وتتمثل في تقرير حقهم في التنقل والمجيء وعدم حبسهم أو القبض عليهم أو
معاقبتهم إلا بجرم.
وقد حرمت نصوص الشريعة الأذى بصورة عامة، وهناك نصوص صدرت عن مقام النبوة تمنع أذى الذمي بأي صورة من صور الأذى. فقد ذكر العلامة أبو ستة من أئمة لإباضية روايات شتى عن النبي الله في هذا المقام من هذه الروايات حديث الجنة حرام على من قتل ذمياً». قال: وفي موضع الجامع: «من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً. وفي بداية: «من قتل معاهداً غير كنهه حرَّم الله عليه الجنة قال أبو ستة: وقوله: في غير كنهه أي في غير وقته الذي يجوز فيه قتله والمراد أنه قتله بغير جناية توجب قتله.
وفي رواية: «من قتل ذمياً فأنا خصمه يوم القيامة، ومن كنت خصمه فقد
خصمته.
والمراد بالمعاهد في هذا الحديث: من له عهد من المسلمين، سواء كان بعهد
جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم (1).
وقد أوصى النبي الله خيراً في خطبة الوداع، كما أوصى بهم الخلفاء الراشدون
المهديون من بعده.
(1) حاشية الترتيب لأبي ستة: 203/ 4.
520 - OY. (1/520)
صفحة 506
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
فقد جاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لأهل نجران ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد رسوله لا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر (1).
ومن الحرية الشخصية أن يعبر الذمي عما يجول في خاطره ما لم يطعن بدين المسلمين أو يقع في أعراضهم فهذا محرم على المسلم نفسه فضلاً عن غير المسلم. 12 ـ حل ذبائح أهل الكتاب:
ومن مظاهر التعايش بين المسلمين وأهل الكتاب أو أهل الذمة بشكل خاص إباحة ذبائحهم، وقد نص النور السالمي رحمه الله على ذلك في مشارق أنوار العقول حيث قال رحمه الله، إنما تحل ذبائحهم ونكاح نسائهم إذا صالحوا المسلمين وتركوا الحرب، أما إذا حاربوا فلا يحل شيء من ذلك منهم، وهذا الذي صححه أصحابنا.
(2)
وقال بعضهم: لأنهم حين حاربوا لم تكن لهم حرمة تحل بها ذبائحهم ولا نساؤهم) قلت: وهذا جزء الحكمة، والجزء الآخر هو قطع المودة بين المسلمين والحربيين لقوله تعالى: {وَلَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَبِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمَنَ وَأَيَّدَهُم بِرُوج مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَبِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة: 21] والزواج قائم على المودة لقوله تعالى: {وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرُ تَنتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَتٍ لِقَوْمٍ يتفكرونَ} [الروم: 20 و 21] فيلزم من ذلك حرمة نكاح الحربية.
6
ولا يخفى في ما حل ذبائحهم دون غيرهم من المجوس من إيجاد مناخ من المودة معهم والبر بهم كل هذه المظاهر التي قررها الإسلام واعتبرها أحكاماً شرعية تثبت للدنيا أن الإسلام دين لا يعمل على نفي العناصر المخالفة إذا عاشت وصفاء، وتعاملت مع المنهج الرباني الذي صاغ هذه المظاهر صياغة
ألفة المسلمين في
(1) الخراج لأبي يوسف: 72. (2) مشارق الأنوار: 310/ 1.
521 - 521 (1/521)
صفحة 507
اجتهادات الإمام السالمي
ربانية بشيء من الوقار، ولم تؤذ مشاعر المسلمين الذين دانوا الله بهذا المنهج الرباني الفريد دينونة مطلقة لله رب العالمين.
13 - التعامل المالي:
ومن مظاهر التعايش مع أهل الذمة عند الإباضية التعامل المالي أو التجاري. والقاعدة عند الإباضية والجمهور هي أن كل ما يجوز للمسلمين أن يتعاملوا فيه جاز لأهل الذمة إلا بيع الخمر والخنزير ونحوهما في أسواق المسلمين، وكذلك التعامل بالربا لأنهم منهيون عنهم في شرائعهم لقوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161] واستدلوا على ذلك بأن النبي أقر أهل خيبر من اليهود وعاملهم على نصف ما يخرج من ثمار خيبر ورهن درعه عند يهودي واشترى تمراً من زيد بن سعنة
الحبر
(2)
(1)
وهكذا الحكم عند جميع المذاهب الفقهية كالحنفية والشافعية والمالكية والزيدية. بل وأجاز الحنابلة أن يملك الذمي الأرض بالإحياء (3)، ونص الشافعية على عدم اشتراط الإسلام في البائع (4)، وكذلك الحنفية، وأجاز المالكية للذمي إحياء الأرض فيما بعد العمران أما فيما قبل فقالوا: لا بد من إذن الإمام، فإذا أذن جاز. ونص الزيدية على جواز شركة الذميين فيما بينهم كصحتها بين المسلمين (5).
ومما يمنعون من التعامل به الربا، لأن الربا محرم في شريعتهم. قال الإمام
قد
السالمي رحمه الله: ولا يقرون على فعل ما لم يكن في شرعهم، كأكل الربا فإنهم نهوا عنه لقوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ} [النساء: 161]، ولا يعطون الذمة ولا عهد لهم حتى يتركوا الربا ودليل على ما تقدم قوله صلى الله عليه وسلم: اتركوهم وما دانوا به».
(1) شرح النيل: 134/ 16.
جامع أبي الحسن البسيوي: 236/ 1. (3) المغني: 5/ 515 - 516.
(4) المهذب: 255/ 1.
(5) البحر الزخار: 91/ 4، وانظر كتاب أحكام الذميين للدكتور عبد الكريم زيدان ص 550.
522 - 522 (1/522)
صفحة 508
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
(1)
أما المعاملة فيما بينهم فجائز أن يتعاملوا بالخمر والخنزير فيما بينهم شرط أن لا يظهروها في أسواق المسلمين، لكن يؤمرون بستر ما يخالف شرع المسلمين هذا ملخص عن صور ومظاهر التعايش بين المسلمين وأهل الذمة مما خطته يد الإمام السالمي وبعض أئمة المذهب الإباضي، يلقي بأضوائه الكاشفة على سماحة هذا الإمام العظيم وسماحة المذهب الإباضي مع المخالفين والذي لا يختلف الإسلامية الأخرى. وهذه السماحة في التعامل مع المخالفين لهم، هي التي حفظت وجودهم وجعلت المذهب الإباضي يقف في مصاف المذاهب الأخرى. والحمد الله أولاً وآخراً.
المذاهب
(1) طلعة الشمس: 308/ 2.
523 - 523 (1/523)
صفحة 509
فهرس المصادر (1/525)
صفحة 510
فهرس المصادر
مع
الإبهاج شرح المنهاج لتاج الدين السبكي مطبعة الفجالة، سنة 1401 هـ.
أثر الأدلة المختلف فيها د. مصطفى ديب البغا، دار الإمام.
الاجتهاد في علوم الحديث د. علي بقاعي، طبعة أولى. الأجوبة الفاصلة، تحقيق د. عبد الفتاح أبو غدة، نشر مكتبة المطبوعات -
حلب، 1964 م.
أحكام أهل الذمة، لابن القيم.
الإحكام في أصول الأحكام للآمدي، دار الكتب العلمية.
اختصار علوم الحديث المطبوع مع الباعث الحثيث.
- إرشاد الفحول للشوكاني، دار المعرفة.
إرواء الغليل للألباني، المكتب الإسلامي.
الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي، مؤسسة الحلبي.
527 - 527 (1/527)
صفحة 511
اجتهادات الإمام السالمي
الأشباه والنظائر للسبكي، دار الكتب العلمية، ط 1.
الأشباه والنظائر للسيوطي.
أصول السرخسي للإمام السرخسي، طبع ونشر دار المعرفة، سنة 1393 هـ.
الاعتصام للشاطبي، طبعة التحرير.
اعتقاد أهل السنة، اللالكائي.
أعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم دار الكتب، ط 2، ومطبعة دار
الجيل.
الأم للإمام الشافعي.
إيضاح المسالك للونشريسي.
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، تحقيق: أحمد فرحات.
البحر المحيط للزركشي.
البدعة وأثرها في اختلاف الأمة، د. محمود هرموش.
البرهان في أصول الفقه، لامام الحرمين الجويني.
البناني على جمع الجوامع.
بيان الشرع.
بيان الوهم والايهام لابن القطان، تحقيق: د. الحسين بن سعيد، دار طيبة -
الرياض
تاج العروس.
تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي.
التحقيق الباهر شرح الأشباه والنظائر محمد هبة الله الناجي، دار الطباعة
العامرة.
تخريج الفروع على الأصول للزنجاني.
528 - 528 (1/528)
صفحة 512
فهرس المصادر
تدريب الراوي للسيوطي.
الترغيب والترهيب للمنذري.
تعريفات البركتي.
التعريفات للجرجاني، مكتبة لبنان.
تفسير الفخر الرازي.
- تلخيص الحبير لابن حجر العسقلاني.
التلويح على التوضيح للتفتازاني، مطبعة صبيح.
التمهيد في تخريج الفروع على الأصول للأسنوي، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، مؤسسة الرسالة، سنة 1400 هـ.
تيسير التحرير للأمير، بادشاه، مطبعة محمد علي صبيح.
جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي.
جامع بيان العلم وفضله، لابن عبد البر.
41 - الجامع لابن بركة.
حاشية البناني على شرح المحلى.
الحلية لأبي نعيم.
دفع الشبه لابن الجوزي.
الذخيرة للقرافي.
الرسالة للإمام الشافعي، تحقيق: أحمد شاكر، طا.
زاد المعاد لابن القيم، دار الفكر، ط 2.
سبل السلام للصنعاني، ط.
السلسلة الضعيفة للألباني.
529 - 529 (1/529)
صفحة 513
اجتهادات الإمام السالمي
السنة لابن أبي عاصم.
سنن ابن ماجه.
سنن أبي داوود.
سنن الترمذي، دار إحياء التراث العربي.
سنن الدارقطني.
سنن الدارمي.
السنن الصغرى للبيهقي.
سنن النسائي.
شرح البدخشي على المنهاج، دار الكتب العلمية.
شرح الجمل على المنهاج.
الشرح الكبير للدردير على هامش حاشية الدسوقي، دار إحياء التراث العربي شرح الكوكب المنير للفتوحي الحنبلي، طا، تحقيق الفقي وطبعة دار الفكر.
شرح المنهاج للأسنوي.
شرح تنقيح الفصول للقرافي، دار الفكر.
شرح فتح القدير على شرح بداية المبتدي للمرغيناني، دار الفكر. شرح مجلة الأحكام العدلية لعلي حيدر.
شرح مختصر العدل والإنصاف للشماخي.
شرح مسلم للنووي، دار الشعب.
شرح معاني الآثار.
شعب الإيمان للبيهقي.
شفاء العليل في اختصار إبطال التحليل للبعلي الحنبلي، دار عالم الفوائد. (1/530)
صفحة 514
فهرس المصادر
الصحاح للجوهري. صحيح ابن خزيمة.
صحيح أبي داوود.
صحيح البخاري، تحقيق د. مصطفى البغا دار ابن كثير - بيروت،
1407 هـ.
صحيح الجامع الصغير للشيخ الألباني.
العدة لأبي يعلى الحنبلي.
العدل والإنصاف للوارجلاني.
العضد على مختصر ابن الحاجب مكتبة الكليات الأزهرية.
عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي،
المطبعة السلفية ـ القاهرة، 1385.
علل الدارقطني.
علوم الحديث لابن الصلاح.
عون المعبود شرح سنن أبي داوود، لابن القيم.
غاية المأمول في توضيح الفروع على الأصول د. محمود هرموش.
غاية المرام للشيخ محمد ناصر الدين الألباني.
الفتاوى الكبرى لابن تيمية.
فتح الباري شرح صحيح البخاري، لابن حجر العسقلاني، دار المعرفة.
الفروق للقرافي، دار المعرفة.
فواتح الرحموت لابن عبد الشكور.
القاعدة الكلية: إعمال الكلام أولى من إهماله، د. محمود هرموش، المطبعة
الجامعية ـ بيروت، ط 1. (1/531)
صفحة 515
اجتهادات الإمام السالمي
90 - قناطر الخيرات للجيطالي.
91 - القواعد للجيطالي.
99 - القواعد والفوائد الأصولية لابن اللحام.
الكامل في الضعفاء لابن عدي.
الكشاف للزمخشري.
كشف الأسرار للبزدوي، دار الكتاب العربي
کشف الخفاء للعجلوني.
الكليات للكفوي.
لسان العرب لابن منظور.
اللمع في أصول الفقه للإمام أبي إسحاق الشيرازي، ط 1، سنة 1326 هـ.
100 - مجاز القرآن لأبي عبيدة، تحقيق: د. فؤاد سيزكين، مكتبة الخانجي - مصر.
مجمع الزوائد للهيثمي.
102 - المحصول للإمام فخر الدين الرازي تحقيق د. طه جابر العلواني، مطابع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض.
103 - مختصر ابن الحاجب بشرح الأيجي.
104 - المدخل الفقهي العام للشيخ مصطفى الزرقا.
105 - المدخل في التعريف بالفقه، د. د. محمد مصطفى شلبي، دار النهضة العربية.
106 - المدخل لدراسة التشريع الإسلامي، للشيخ الصابوني.
107 - المستدرك للحاكم النيسابوري.
108 - المستصفى للغزالي.
109 - مسلم الثبوت، المطبعة الأميرية ببولاق.
532 - 532 (1/532)
صفحة 516
110 - مسند الإمام أحمد.
111 - مسند البزار.
112 - مسند الربيع.
-113
مسند الفردوس للديلمي.
114 - المسودة لآل تيمية، دار الكتاب العربي.
-110
115 - المصباح المنير للفيومي.
116 - مصنف ابن أبي شيبة.
117 - المصنف للكندي.
118 - معالم التنزيل للبغوي.
119 - المعتمد لأبي الحسين البصري.
- 120
120 - المعجم الأوسط للطبراني.
121
121 - المعجم الكبير للطبراني، مكتبة العلوم والحكم - الموصل ط 2.
122 - المعجم الوسيط.
123 - المغني لابن قدامة.
124 - المغني لابن قدامة المقدسي.
125 - مفتاح العلوم للسكاكي.
126 - مقدمة ابن ماجه، مطبعة الحلبي.
127 - مقدمة تحقيق المنثور لتيسير فائق.
128 - مقدمة تحقيق كتاب القواعد للحصني، د. عبد الرحمن الشعلان.
129 - منتهى الوصول لابن الحاجب.
130 - المنثور في القواعد للزركشي.
533 - 533
فهرس المصادر (1/533)
صفحة 517
اجتهادات الإمام السالمي
131 - المنخول للغزالي، تحقيق: د. هيتو. 132 - منهاج الوصول للمرتضى الزبيدي. 133 - منهج الطالبين، مكتبة مسقط ـ عُمان.
134 - المهذب للمطيعي، دار التراث العربي.
135 - الموافقات للشاطبي، دار الحديث - القاهرة.
136 - موطأ مالك.
137 - نشر العرف.
138 - نصب الراية تخريج أحاديث الهداية للزيلعي مطبوعات المجلس العلمي -
مصر، 1357 هـ.
139 - نصب الراية للزيلعي.
140 - نيل الأوطار للشوكاني، دار الجيل.
534 - 534 (1/534)
صفحة 518
الفهرس
الله (1/535)
صفحة 519
كتال
تالار
الفهرس
تمهيد في التعريف بالإمام السالمي رحمه الله
مقدمة الكتاب
المبحث الأول: في تعريف الاجتهاد لغة وشرعاً
المبحث الثاني: في شروط المجتهد
المبحث الثالث: في أنواع المجتهدين
المبحث الرابع: تصنيف الإمام السالمي
الباب الأول: في مصادر التشريع عند السالمي في معارج الآمال
الفصل الأول: الكتاب
الفصل الثاني: السنة
المبحث الأول: في أنواع الوحي
المبحث الثاني: في الفوائد الحديثية عند الإمام السالمي في معارج الآمال
الفصل الثالث: الإجماع وتحته مباحث (1/537)
صفحة 520
اجتهادات الإمام السالمي
المبحث الأول: في تعريفه
المبحث الثاني: في أدلته
المبحث الثالث: أنواع الإجماع وحكمها
المبحث الرابع: في شروطه
المبحث الخامس: في تطبيقات الإجماع في معارج
الفصل الرابع: في القياس
المبحث الأول: موقفه من تعليل الأحكام الشرعية
الأمال
المبحث الثاني: موقفه من التعليل بالحكمة المبحث الثالث: في مسالك العلة عند مسالك العلة عند السالمي رحمه الله المبحث الرابع: في أنواع القياس
المبحث الثالث: موقفه من الأقيسة المختلف فيها وتحته مطالب
الفصل الخامس: في الاستحسان
الفصل السادس: في الاستصحاب
الفصل السابع: في الاستقراء
الفصل الثامن: في قول الصحابي
المبحث الأول: في مذاهب الأصوليين فيه
المبحث الثاني: في ذكر الفروع المبنية على مذهب الصحابي في معارج الآمال ....
الفصل التاسع: في المصلحة
المبحث الأول: في المصلحة وأقسامها وموقف العلماء منها
المبحث الثاني: تفريع الإمام السالمي على المصلحة في معارج الآمال الآمال ....
الفصل العاشر: في شرع من قبلنا وتحته مباحث المبحث الأول: في تعريفه ومذاهب الأصوليين فيه
المبحث الثاني: في حجيته (1/538)
صفحة 521
الفهرس
المبحث الثالث: في تفريع السالمي عليه في معارج الآمال
الفصل الحادي عشر: في سد الذرائع
المبحث الأول: في حقيقتها
المبحث الثاني: في أقسام الذريعة
المبحث الثالث: في أدلتها
المبحث الرابع: بيان الفروع التطبيقية عليها من كتاب معارج الآمال
الفصل الثاني عشر: الأصل في الأشياء
المبحث الأول: في بيان حقيقته وموقف العلماء منه
المبحث الثاني: في تفريع الإمام السالمي عليه في معارج الآمال
الفصل الثالث عشر: في العرف والعادة المبحث الأول: في تعريف العرف والعادة المبحث الثاني: في بيان مذاهب العلماء في العرف المبحث الثالث: في أدلة اعتبار العرف
المبحث الرابع: تفريع الإمام السالمي على العرف والعادة
الفصل الرابع عشر: في عموم البلوى
المبحث الأول: في المراد به
المبحث الثاني: في أدلة الاحتجاج به
المبحث الثالث: تفريع الإمام السالمي عليه في معارج الآمال
الفصل الخامس عشر: في الاحتياط
المبحث الأول: في معنى الاحتياط
المبحث الثاني:: في أدلة اعتباره
المبحث الثالث: تفريع الإمام السالمي على هذا الأصل في معارج الآمال ........... 132
الفصل السادس عشر: في الحيل (1/539)
صفحة 522
اجتهادات الإمام السالمي
المبحث الأول: في تعريف الحيلة لغة واصطلاحاً المبحث الثاني: في أقسام الحيلة
المبحث الثالث: مذهب العلماء في الحيل
الباب الثاني: في منهج السالمي الاجتهادي في معارج الآمال
الفصل الأول: في استخدامه القواعد الأصولية
المبحث الثاني: في الدلالات في كتاب معارج الآمال
المبحث الثالث: في مفهوم المخالفة المبحث الرابع: في الأمر
المبحث الخامس: الاحتجاج بالمرسل
المبحث السادس: في المجمل والمبين
المبحث السابع: في الجمع بين الأدلة
الفصل الثاني: تمهيد في معنى القواعد الفقهية وأهميتها وكيف تعاطى السالمي
مع هذا الفن
المبحث الأول: في التقعيد الفقهي
المبحث الثاني: في التقعيد الأصولي
المبحث الثالث: في التقعيد العقدي
الفصل الثالث: في فَنّ اللغة
المبحث الأول: تمهيد
المبحث الثاني: في المسائل التطبيقية
المبحث الثالث: في استخدامه فن التفسير
المبحث الرابع: في استخدامه فن الفروق اللغوية والشرعية
الفصل الثالث: في منهج السالمي في الفقه المقارن
المبحث الأول: منهج السالمي (1/540)
صفحة 523
الفهرس
المبحث الثاني: نماذج تطبيقية لمنهج السالمي في الفقه المقارن الفصل الرابع: في فقه النفس وأثره في الاجتهاد عند السالمي
المبحث الأول: في وعظه وزهده
المبحث الثاني: في إنصافه وأدبه مع العلماء
المبحث الثالث: في نقده لبعض أصحابه
الفصل الخامس: في قضايا مختلفة
المبحث الأول: موقفه من البدعة
المبحث الثاني: في الفقه التقديري عند الإمام السالمي
المبحث الثالث: في موقفه من التوصوف
المبحث الرابع: منهجه في الموازنة بين المصالح والمفاسد
المبحث الخامس: فقه التعايش مع أهل الذمة عند الإمام السالمي وفقهاء الإباضية
541 - 041
عموماً رحمهم الله
فهرس المصادر (1/541)
صفحة 524
IGTIHADAT
AL-IMMAM AL-SALIMI
Prof. Mahmoud Moustafa 'Aboud Harmoush
Dar Al-Kitab Allubnani
Dar Al-Kitab Al-Masri
Beirut
Cairo (1/542)
صفحة 525
I.S.B.N
978 - 9953 - 483 - 82 - 5
Dar Al-Kitab Allubnani Beirut
P.O. Box 11 - 8330 Beirut Lebanon
Telephone: (9611) 735732 Fax: (9611) 351433
Att.: Miss May H. El Zein
Dar Al-Kitab Al-Masri Cairo
33 Kasr El Nile Street
P.O.Box 156 Zip Code 11511 Atabah-Cairo Telephone 23922168 - 23934301 - 23924614 Fax: (202) 23924657
Cairo - Egypt
Att.: Mr. Ahmad Aref H. El Zein
First Edition
A.D. 2014 H. 1435
Website: www.daralkitabalmasri.com
E-mail: info@daralkitabalmasri.com
All rights reserved to the publishers. No part of this book may be reproduced in any form or by any electronic or mechanical means, including information storage and retrieval systems, without prior written permission from the publishers. (1/543)
صفحة 526
IGTIHADAT
AL-IMMAM AL-SALIMI (1/544)
صفحة 527
تجليد: شركة فؤاد البعينو للتجليد ش. م. م. (1/545)