صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه - فقه
------------------------------------------
العنوان: الإمام ابن بركة السليمي البهلوي ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع دراسة مقارنة
المؤلف: زهران بن خميس بن محمد المسعودي
الناشر: [وزارة الأوقاف والشؤون الدينية]
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
أصله: رسالة ماجستير
الإيداع القانوني: 88/516
الكلمات الدالة: الفقه الإباضي، المذهب الإباضي
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=104&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/647
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 24 شعبان 1446ه/ 23 - شهر 02 - 2025م. الإمام ابن بركة السليمي البهلوي
(ت 362 ه - 972 م)
ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه «الجامع»
- دراسة مقارنة -
زهران بن خميس بن محمد المسعودي
الطبعة الأولى
1421 ه - 2000 م (1/1)
صفحة 2
حقوق الطبع محفوظة (1/2)
صفحة 3
??
2 (1/3)
صفحة 4
أصل هذا الكتاب رسالة قدمت لاستكمال مرحلة الماجستير في الفقه واصوله، بجامعة آل البيت الفتية بالمملكة الأردنية الهاشمية حملت عنوان «الإمام أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركه ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه الجامع - دراسة مقارنة وقد أشرف على الرسالة الأستاذ الدكتور / قحطان عبد الرحمن الدوري، عميد كلية الدراسات الفقهية بالجامعة المذكورة وتمت مناقشتها واجازتها بتاريخ 1998/ 8/9 م على يد كل من الأستاذ الدكتور / فاضل عبد الواحد، والأستاذ الدكتور / أبو اليقظان الجبوري والدكتور / عبد الحكيم عبد الرحمن السعدي.
ولا يسعني في هذا المقام إلا تجديد الشكر والاعتراف بالفضل للأستاذ القائم
بالإشراف وللأساتذة المناقشين فلهم مني خالص الشكر والتقدير والتبجيل. ولما للإمام ابن بركة من مكانة مرموقة بين فقهائنا العظام ولما لكتابه الجامع» من منزلة رفيعة بين كتب تراثنا الإسلامي الخالد جادت قريحتي الكليلة
بهذه الأبيات المتواضعة تكريماً للإمام ابن بركة واعترافا بجهوده الفقهية فقلت:
غذ في السير ودع عنك منح وات بهلا دار خير ومنح واقصد الضرح ففي الضرح ثوى شيخ علم از في السبق القدح واقره منى سلامازاكيا عطر الأكوان منها ونفح وابلغ الروح فذو العلم وإن غاب في الرمس لحي لم يرح أيها الراقد في تربته نشر الدهر عليه ما سمح ليت شعري هل علمت قدر ما ضم ذا الجامع من فقه وضح قرن الفرع بأصل واغتدى ينصر الرأي الذي كان رجح قت آثار أهل الحق من نشره فانتظمت فيه المدح
قمت عن عمد بكشف ماحوى
فأتى غضا طريا مبهجا
ـقهك الميمون من تلك الملح
وس الخلق بالحق رشح
وقع البحث لعمري موقعا عند شيخي فاستراح وانشرح فخذوه سلسبيلا فانقا كل سن نافاكل ترح وصلاة الله تغشى المصطفى أحمد المبعوث بالدين السمح
وكذا الآل وصـ با ماشدا بلبل الإيك ابتهاجا وصدح (1/4)
صفحة 5
توطئة.
المقدمة وتحتوي على
أهمية الدراسة.
الدراسات السابقة.
منهجية الدراسة.
حدود الدراسة.
خطة الدراسة. (1/5)
صفحة 6
توطئة:
الحمد لله القائل في كتابه العزيز: (وما) كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون التوبة [122]، والصلاة والسلام على رسوله الأمين القائل فيما أوحى إليه رب العالمين من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وعلى آله وأصحابه الفقهاء الأساطين والعلماء المجتهدين القائمين بدين رب العالمين وعلى من سلك سبيلهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن من أجل العلوم نفعا، وأشرفها قدرا، وأرفعها ذكرا وأجلها خطرا علم الفقه في الدين، الذي تعرف به مواطن الحلال والحرام، ويقف المتمكن فيه على أسرار ومزايا شريعة الإسلام، فهو علم جمة فوائده عظيمة عوائده، من نهل منه فقد أخذ بحظ وافر، ومن رغب عنه عاد بجد عاثر.
ولقد برز في المحيط الإسلامي مدارس فقهية عديدة، أغنت هذا الجانب بما دونه جهابذة العلماء فيها من كنوز فقهية أظهروا بها جمال الشريعة الخالدة في ثوب قشيب وأبرزوا مزاياها الرفيعة التالدة في صنع عجيب.
وتعتبر المدرسة الفقهية الإباضية - متمثلة في كيانها وتصوراتها واحدة من أوائل المدارس الفقهية الإسلامية المعروفة، والتي كانت جميعها روافد خصبة، وثمرة جهد متواصل طيلة القرون الماضية حتى عصرنا هذا.
لقد ظهر في المدرسة الفقهية الإباضية رجال فقهاء بارزون حبسوا أنفسهم للعلم والعمل به وواصلوا جهودهم لإخراج كنوز فقهية، كتب لبعضها البقاء حتى اليوم، ولحق بعضها الضياع والفناء.
ويعد الإمام ابن بركة من أشهر الفقهاء البارزين في المدرسة الإباضية
في القرن الرابع الهجري من خلال أعماله وكتبه الفقهية ومن بينها كتاب
الجامع"، وكان له دور في إبراز معالم الفقه من خلال تصورات ونظ (1/6)
صفحة 7
المدرسة الإباضية ظل له صدى في الحياة العلمية والعملية عند مختلف سائر
فقهاء هذه المدرسة على اختلاف بيئاتهم ومجتمعاتهم حتى عصرنا الحاضر. وتحاول هذه الدراسة تسليط الضوء على دور الإمام ابن بركة وجهده
الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع". ولما أن كانت المدارس الفقهية جميعها رغم تنوع وتعدد مذاهبها - تلتقي في الخطوط العريضة العامة للفقه الإسلامي لوحدة المصادر التي استمدت منها هذه المدارس الفقهية الفقه بشكل عام كان لابد من محاولة الربط بين أراء وتصورات الإمام ابن بركة الفقهية وآراء فقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى ولذا فقد جاءت هذه الدراسة استعراضا شاملا ودراسة مقارنة لمعظم ما تم طرحه وإبرازه من دور فقهي للإمام ابن بركة في كتابه "الجامع".
• أهمية الدراسة:-
إن عدم وضوح الرؤية وحصول الإشكال والغموض في أي تراث علمي كان يعد أكبر عائق أمام الدارسين لإعطاء الحكم الحق وإضفاء القول الصواب على هذا التراث عند تناولهم إياه بالبحث والتنقيب.
ولذا فقد هدفت من خلال اختياري للكتابة في هذا الموضوع إلى محاولة نفض الغبار وإزاحة الستار الذي أسدل من عهد غير قريب على مدرسة فقهية هي المدرسة الفقهية الإباضية التي كانت من أوائل المدارس الفقهية الإسلامية بروزا في الواقع، وكان لها دورها البارز في إثراء الفقه الإسلامي منذ نشته وأطواره الأولى.
إن هذه الدراسة بتناولها لأحد أعلام هذه المدرسة الفقهية الإسلامية لا شك أنها ستعطي القراء الكرام صورة واضحة عن بعض معالم هذه المدرسة وعن تراثها الفقهي، وستبرز مدى التقارب بينها وبين المدارس الفقهية الإسلامية الأخرى، كما أنها ستلبي رغبة كثير من العلماء والقراء الذين طالما نادوا بإلحاح (1/7)
صفحة 8
بضرورة قيام المنتمين إلى هذه المدرسة بالعمل على إيراز تراثها الفق ودورها في هذا المجال بناء على أن أصحاب كل مدرسة هم أقدر من غيرهم على القيام بهذا الأمر على الوجه الأكمل.
وإذا كانت الغاية من هذا البحث هو ما ذكر أعلاه فلا شك أن عدم التطرق إلى هذا الموضوع بالكتابة فيه ومحاولة دراسته سيبقي الجهل وعدم الاطلاع على بعض من جهود المدرسة الفقهية الإباضية في هذا الجانب قائما لدى عامة القراء والدارسين، ولذا فإن الهدف الأول من هذه الدراسة هو محاولة إزالة هذا الغموض وسد هذا النقص.
ويمكن تلخيص أهم الدوافع التي دفعتني للقيام بهذه الدراسة فيما يلي:- 1 - تزخر المدرسة الفقهية الإباضية بثروة من التراث العلمي ما تزال مجهولة عند كثير من العلماء والدارسين الإسلاميين وغيرهم مما ذلك بذل الجهد في القيام بإبراز هذا التراث العلمي الإسلامي
يستدعي
وتعريف الآخرين به.
محاولة دراسة تصورات فقه الإمام ابن بركة في كتاب من أهم كتبه الفقهية، وإظهار معالم فقه هذا الإمام للوقوف على بعض جوانب البعد الفقهي في المدرسة الفقهية الإباضية في القرن الرابع الهجري الذي عاش فيه الإمام ابن بركة.
محاولة الربط بين فقه الإمام ابن بركة وفقه غيره من الفقهاء من سائر المدارس الفقهية الإسلامية، ومن بينها المدرسة الفقهية الإباضية التي ينتمي إليها للتعرف على موقع وقيمة آرائه الفقهية بين آراء الفقهاء
الآخرين. (1/8)
صفحة 9
الدراسات السابقة:
لم أقف - رغم البحث والتقصي - على دراسة متقدمة ومتخصصة
تناولت دور الإمام ابن بركة وجهوده الفقهية من خلال كتابه "الجامع" وإنما غاية ما عثرت عليه شذرات مبعثرة وإشارات عابرة عن كتابه "الجامع" ذكرت استطرادا ضمن الكلام عن الإطار العام للفقه الإباضي
وهذه الشذرات مع كونها ذات فائدة لا شك فيها إلا أنها لم تتعرض لدراسة الدور الفقهي لهذا الإمام على الوجه المطلوب فهي غير وافية بالمراد. كما أنه توجد هناك دراسة قام بها أخونا الفاضل الشيخ جابر بن علي السعدي تقدم بها لنيل درجة الماجستير في الجامعة الأردنية حملت عنوان "الإمام ابن بركة وآراؤه الأصولية اقتصر فيها الباحث على بيان آراء الإمام ابن بركة الأصولية، ولم يتعرض فيها للجانب الفقهي، كما أنه لم يتقيد بما ورد عن الإمام ابن بركة من آراء أصولية في كتابه "الجامع" بل جمعها منه ومن كتب المذهب الإباضي التي وردت فيها الإشارة إلى آراء الإمام ابن بركة الأصولية. ولذا قمت بتقديم هذه الدراسة لهذا الموضوع لإخراجه بفائدة جديدة مفيدة وإبرازه على صورة أفضل لم يسبق إليها، وليلتقي دور الإمام ابن بركة الفقهي
مع دوره الأصولي.
* منهجية الدراسة:
تبرز منهجية الدراسة التي قمت بها في هذا الموضوع فيما يلي:- أولا: الاعتماد على المنهج الاستردادي "التاريخي" عند الكلام عن الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية في عصر الإمام ابن بركة بموطنه عمان، وكذلك عند الكلام عن حياة الإمام ابن بركة الشخصية والعلمية، حيث قمت بالرجوع إلى أهم المصادر التاريخية المتوفرة في ذلك. (1/9)
صفحة 10
ثانيا: الاعتماد على المنهج المقارن عند الكلام عن الدور الفقهي للإمام ابن
بركة في كتابه "الجامع" المتمثل فيما يلي:-
أ- القيام بالاستقراء والتقصي والمتابعة لما يمثل دور الإمام ابن بركة الفقهي في كتابه "الجامع واستخلاص ذلك منه، ووضع كل ذلك في
مكانه المناسب والملائم له على حسب الفصول والمباحث المعقودة لذلك في هذه الدراسة. ب إيراد الأدلة والشواهد النقلية والعقلية التي استند إليها الإمام ابن بركة في كل ما يذهب إليه من رأي فقهي أخذ مكانا له فـ
الدراسة.
ت - مقارنة ذلك بآراء المذاهب الإسلامية الأخرى ومن بينها المذهـ
الإباضي الذي ينتمي إليه الإمام ابن بركة.
هذه
ث عرض أدلة كل قول في المسائل المقارن فيها مع بيان وجه الدلالة من الدليل، وإيراد الاعتراضات على كل دليل عند وجود ذلك مع ذكر الأجوبة من الفريق الآخر على تلك الاعتراضات إن وجد
ذلك أيضا.
ج اختيار الباحث - أحيانا- لواحد من الآراء الفقهية التي تم عرض
أو لرأي آخر خارج عنها جميعها مع بيان وجه الاختيار.
ثالثا: القيام بتخريج الآيات والأحاديث التي وردت في الرسالة، فالآيات تم تخريجها في المتن عقب كل آية والأحاديث تم تخريجها في هامش
الرسالة.
رابعا: القيام بترجمة البقاع والأعلام الواردة في الرسالة التي ارتأى الباحث
التعريف بها. (1/10)
صفحة 11
حدود الدراسة:
تدور هذه الدراسة حول القضايا التالية:
أولا نشأة المذهب الإباضي ومدرسته الفقهية.
ثانيا: عصر الإمام ابن بركة وحياته الشخصية والعلمية. ثالثا: دوره الفقهي في كتابه "الجامع".
خطة الدراسة: تتلخص خطة هذه الدراسة فيما يلي: التمهيد نشأة المذهب الإباضي ومدرسته الفقهية
الباب الأول: الإمام ابن بركة، وعصره:
الفصل الأول: عصر الإمام ابن بركة:
المبحث الأول: الحياة السياسية بعمان في عصر الإمام ابن
بركة.
المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية بعمان في عصر الإمام ابن
بركة.
المبحث الثالث: الحياة العلمية بعمان في عصر الإمام ابن بركة.
الفصل الثاني: الإمام ابن بركة.
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
الباب الثاني: دور الإمام ابن بركة في كتابه "الجامع". الفصل الأول: كتاب "الجامع" ومنهجه فيه:
المبحث الأول: التعريف بالكتاب وأهميته
المبحث الثاني: منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي والعرضي في
كتابه "الجامع".
الفصل الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتابه "الجامع".
11 (1/11)
صفحة 12
الخاتمة:
المبحث الأول: القواعد الفقهية الواردة في كتابه "الجامع". المبحث الثاني: الضوابط الفقهية الواردة في كتابه "الجامع". الفصل الثالث: صور من آرائه الفقهية الواردة في كتابه "الجامع".
المبحث الأول: فقه الطهارات.
المبحث الثاني: فقه العبادات
المبحث الثالث: فقه الأيمان والنذور والكفارات.
المبحث الرابع: فقه الأطعمة والأشربة.
المبحث الخامس: فقه الأحوال الشخصية.
المبحث السادس: فقه المعاملات.
المبحث السابع: فقه الأحكام "المجال القضائي".
المبحث الثامن: فقه الجنايات والحدود.
المبحث التاسع: مسائل فقهية خالف الإمام ابن بركة فيها رأي
المذهب الإباضي الذي ينتمي إليه.
المراجع:
12 (1/12)
صفحة 13
التمهيد
نشأة المذهب الإباضي ومدرسته الفقهية
13 (1/13)
صفحة 14
نشأة المذهب الإباضي ومدرسته الفقهية
تعتبر المدرسة الإباضية الفقهية إحدى المدارس الإسلامية، ومع أن المذهب الإباضي جاءت نسبته إلى عبد الله بن إباض (1)، نظرا إلى مواقفه السياسية التي اشتهر بها إلا أن أتباع هذا المذهب يرون في الإمام جابر بن زيد مؤسسا حقيقيا لهذا المذهب ومدرسته الفقهية (3)، ولذلك لم يكن أتباع هذا المذهب
في تاريخهم المبكر ينسبون أنفسهم إلى عبد الله بن إياض، بل كانوا يسمون أنفسهم بـ أهل الدعوة (3)، وبـ "جماعة المسلمين ((4)، ويرى بعض المؤرخين المعاصرين أن ظهور استعمال أتباع هذه المدرسة لكلمة "الإباضية" بدأ في أواخر القرن الثالث الهجري ()، ولعل هذا راجع إلى أنهم لم يروا
(1)
(2)
عبد الله بن إياض المري التميمي، تابعي من الطبقة الأولى، عاصر الإمام جابر بن زيد، وهو الذي نابذ نافع بن الأزرق عندما حكم هذا الأخير بتشريك أهل القبلة، ولعبد الله مراسلات مع عبد الملك بن مروان، توفي في عهد عبد الملك بن مروان تقريبا البرادي، أبو القاسم، الجواهر، ص 151 - 156. السيابي، سالم، طلقات المعهد الرياضي، ص 77 - 78. ابن سلام، شرائع الإسلام، ص 108. القلهاتي، محمد، الكشف والبيان، ج 2 ص 478. الشماخي، أحمد، السير، ج 1 ص 68. الدرجيني، أحمد، الطبقات، ج 2 ص 205. وقد قال الدرجيني عنه في الطبقات: جابر بن زيد الأزدي- رحمه الله - بحر العلوم العجاج، وسراج التقوى ناهيك به من سراج، أصل المذهب وأسه الذي قام عليه نظامه، ومنار الدين ومن انتصبت به اعلامه ج 2 ص 205. وانظر صلة الإمام جابر بن زيد باتباعه الإباضية بتفصيل في: علي معمر الإباضية في موكب التاريخ يحيى بكوش، فقه الإمام جابر بن زيد. عوض، خليفات، نشاة الحركة الإباضية. مهدي هاشم الحركة الإباضية في المشرق العربي. (2) انظر ورود هذا اللفظ على سبيل المثال في: أبو المؤثر، الصلت سيرة أبي المؤثر، مخطوط، ورقة 513. أبو عبد الله محمد سيرة محمد بن محبوب إلى أهل المغرب، ص 230، 232، 234، 240، 255، 263، البسيوي، علي، سيرة السؤال، ص 87، 100، 104. أبو زكريا يحيى، سير الأئمة وأخبارهم، ص 42،
55، 125، 145، 159
(1) انظر ورود هذا اللفظ على سبيل المثال في ابن سلام، شرائع الإسلام، ص 135. أبو زكريا، سـ سير وأخبارهم، ص 92، 93، 96، 125، 127، 133.
(9) الجعبيري، فرحات، البعد الحضاري، ص 56.
الأئمة
14 (1/14)
صفحة 15
غضاضة في ذلك، خاصة أن عبد الله بن إباض يعد من رجال المذهب
البارزين (1).
وبناء على نسبة المذاهب إلى مؤسسيها، ومن كان لهم التأثير الديني الأكبر في الأتباع، فإن المذهب الإباضي يصبح من هذه الناحية- أقدم المذاهب الإسلامية على الإطلاق (2)، لأن مؤسسه الإمام جابر بن زيد قد مات - على الراجح - عام ثلاثة وتسعين للهجرة (3).
كان الإمام جابر بن زيد أزديا عمانيا من قبيلة اليحمد (4)، ولد ما بين عام ثمانية عشر وعام اثنين وعشرين للهجرة () في بلدة "فرق" من أعمال ولاية نزوى (6)، حاضرة المنطقة الداخلية بعمان.
ولم تسعف المصادر بأخبار هذا الإمام في مرحلة صباه، ومكان تلقيه تعليمه الأولي، إلا أنه من المحتمل أن يكون قد درس مبادئ العلوم بمسجد "فرق"
(1) الشماخي، السير، ج 1 ص 72 - 73. الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 214.
(2) السالمي عبد الله اللمعة المرضية، ص 8. معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ص 612. التيواجن مهني، أشعة من الفقه الإسلامي، ص 61.
6
(3) أبو عمرو، الربيع، الجامع الصحيح، ج 2 ص 285. البرادي، الجواهر، ص 155. ابن رزيق، محمد، الصحيفة القحطانية، مخطوط، ورقة 351. وقيل توفي عام 103 هـ انظر الأزكوي، سرحان، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 341 العسقلاني، ابن حجر، تهذيب التهذيب، ص 136. الشقصي، خميس، منهج الطالبين، ج 1 ص 615. وأما وفيات أئمة المذاهب الإسلامية الأخرى فهي كالتالي: زيد 122 هـ، جعفر الصادق 142 هـ، أبو حنيفة 150 هـ، مالك 179 هـ، الشافعي 204 هـ. أحمد 241. داود 270 هـ انظر أبو زهرة، محمد، تاريخ المذاهب الإسلامية ص 650، 688، 347، 389، 436، 484. (4) ابن مداد، عبدالله، سيرة ابن مداد، ص 20. البطاشي، سيف، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 40. و اليحمد أبو قبيلة عربية من الأزد تنسب إليه، وهو اليحمد بن حمى بن عبد الله بن نصر بن زهران، انظر ابن دريد، الاشتقاق، ص 506.
(5) البرادي، الجواهر، ص 155. الحارثي، سالم، العقود الفضية، ص 93.
-
(6) ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 19. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 615، و ص 628. نزوى مدينة عمانية من مدن منطقة الجوف بعمان كانت عاصمة الإمامة إلى وقت قريب، سميت قديما بتخت العرب وببيضة الإسلام، خرج منها العديد من الأئمة والعلماء، من معالمها الجبل الأخضر، وقلعة الشهباء، وتبعد عن مسقط العاصمة بحوالي 130 كم السيابي، سالم، عمان عبر التاريخ، ج 1 ص 66. مجموعة من الباحثين عمان في التاريخ، ص 296 - 297.
10 (1/15)
صفحة 16
بمدينة "نزوى" مسقط رأسه (1).
وقد هاجر الإمام جابر - وهو في عنفوان شبابه إلى مدينة البصرة،
وأخذ يتردد ما بين البصرة والمدينة المنورة طلبا للعلم والمعرفة على يد علماء الصحابة الذين أدركهم في ذلك الوقت (2)، ومن أشهرهم: عبد الله بن عباس، الوقت (2)،
وعائشة أم المؤمنين، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم (3). عنهم- (3). وقد برع الإمام جابر بن زيد في العلم، وأخذ منه بحظ وافر، مما جعل شيخه ابن عباس يقول عنه: عجبا لأهل العراق كيف يحتاجون إلينا وعندهم جابر بن
زيد، لو قصدوا نحوه لوسعهم علما (4).
(1) ابن رزيق، الفتح المبين، ص 129. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 41.
(1) السالمي، حاشية الجامع الصحيح، ج 1 ص.8. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 41. الحارثي، العقود
الفضية، ص 94.
(2) الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 205 - 206. السالمي، جوهر النظام، ج 4 ص 281.
-
•
ابن عباس: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم النبي- صلى الله عليه وسلم، ولد بمكة عام ثلاثة قبل الهجرة. ونشأبها، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم، وروى عنه، وكان عالما بالفقه والشعر والأنساب، أخذ عنه كثير من التابعين، شهد الجمل وصفين، ومات بالطائف عام ثمانية وستين للهجرة، ينسب إليه كتاب في التفسير ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 3 ص 66 - 70. ابن. بر، الإصابة، ج 4 ص 121 - 131. عائشة بنت أبي بكر الصديق: ولدت عام تسعة قبل الهجرة، زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم، فقيهة، عالمة، راوية للحديث، وكان لها دور بارز في وقعة الجمل ماتت بالمدينة المنورة عام ثمانية وخمسين للهجرة. ابن حجر، الإصابة، ج 8 ص 231 - 235. ابن عبد البر، الاستيعاب، ص 435 - 438. انس بن مالك بن النضر الأنصاري: كنيته أبو حمزة، أسلم صغيراً، وصحب النبي - صلى الله عليه وسلم، وخدمه، وشهد الحديبية وفتح مكة وخيبر، ونزل البصرة فمات بها عام 93 هـ/ ابن عبدالبر، الاستيعاب، ج 1 ص 198 - 200. ابن حجر، الإصابة، ج 1 ص 275 - 278.
ابن عمر: عبدالله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، أسلم صغيرا مع أبيه، وشهد الخندق، وكان عالما ورعا متحريا في الفتوى، وكان من أعلم الصحابة بمناسك الحج، توفي عام سبعة وثلاثين للهجرة بمكة المكرمة / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 3 ص 80 - 83. ابن حجر، الإصابة، ج 4 ص 155 -
161
(4) الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 205. الشماخي، السير، ج 1 ص 67.
16 (1/16)
صفحة 17
ونظرا لهذه المنزلة العلمية التي وصل إليها الإمام جابر عده الناس
مرجعا يرجعون إليه، ومفتيا يؤمونه لمعرفة الأحكام الشرعية إزاء ما يستجد عندهم من شؤون دينهم ودنياهم (1)، وقصده تلاميذ عديدون للأخذ عنه، كان من أشهرهم: أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وضمام بن السائب وأبو نوح صالح الدهان (2).
والى جانب ذلك صار الإمام جابر بن زيد إماما وزعيما لجماعة القعدة (3) الذين صاروا يأخذون بمشورته، ويصدرون عن رأيه اعتمادا على نظره العميق، واطلاعه الواسع في العلوم الدينية، وخاصة ما يتعلق بالتفسير
والحديث.
وقد أخذ الإمام جابر بن زيد يدبر أمر هذه الجماعة سرا، ويلقي تعليماته إليها خفية إمعانا في التستر والتكتم خوفا من بطش ولاة الدولة الأموية الذين
(1)
الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 205، 208، 213 - 214. الشماخي، السير، ج 1 ص 68 - 72. الحارثي
العقود الفضية، ص 97 - 99. طلقات المعهد، ص 29، 36.
(2) السيابي،
-
-
أبو عبيدة مسلم مسلم ابن أبي كريمة التميمي بالولاء، عالم ثقة، أخذ عن الإمام جابر بن زيد، ومن في طبقته كجعفر بن السماك وصحار العبدي، عاش في البصرة، واشتهر بعمل القفاف، وصار مرجعا للإباضية في مرحلة الكتمان بعد موت الإمام جابر بن زيد، وعن أمره قامت الإمامات الثلاث بعمان وحضر موت والمغرب، سجنه الحجاج، فخرج من السجن بعد موت الحجاج، وله روايات عن شيوخه، رواها عنه تلميذه الربيع بن حبيب، مات عام خمسة وأربعين ومائة للهجرة تقريبا .. الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 238 - 246. السيابي، أصدق المناهج، ص 48. معمر، الإباضية في
153 - 157
موكب التاريخ، ص أبو نوح: صالح بن نوح الدهان، منزله في طيء بالبصرة، عالم ورع من الطبقة الثالثة، شارك فـ التدريس مع أبي عبيدة مسلم، وكان أحد شيوخ الربيع، مجهول الوفاة ابن سلام، بدء الإسلام، ص 115. الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 254 - 255.
القعدة: مصطلح أطلقه نافع بن الأزرق وجماعته الأزارقة على الجماعة التي خالفته في الحكم على أهل القبلة بالشرك، وقعدت عن الاستعراض والاستحلال / خليفات النظم الاجتماعية والتربوية عند الإباضية في شمال افريقية / ص 14.
17 (1/17)
صفحة 18
-
كانوا يلاحقون الحركات المناوئة للدولة الأموية، ويتتبعون قادتها (1)، حتى بلغ به الحال في ذلك أنه كان يطلب ممن يراسلهم عدم ذكر اسمه في بلادهم، وأخذ الحيطة والحذر عند مراسلتهم له، ومن أمثلة ما ورد عنه في مراسلاته من ذلك: واعلم أنك - أصلحك الله بأرض أكره أن تذكر لي فيها اسما (2) و اكتب إلى بما كانت لك من حاجة في سر وثقة، فإنك قد علمت الذي نحن منه، وما نتخوف من الذي يطلب العلل علينا فلا تعرض .... لأمر تهلكنا به أصلحك الله ـ .. (3) و وأما الذي ذكرت من وليدة .... فاحب إن أنت بعتها أن تبيعها في أرض لا يعلم بها، فإن أمر الأمراء ما قد علمت ونحن لهم هائبون، يلتمسون علينا العلل (4)
وقد وضع الإمام جابر بهذه الأعمال التي قام بها من رئاسة دينية حجو الأساس واللبنات الأولى في بناء صرح المدرسة الفقهية الإباضية (5)، ولم يمت جابر بن زيد إلا وقد غدت الدعوة الإباضية عبارة عن حركة إسلامية شاملة اجتذبت عناصر مختلفة من قبائل وأجناس شتى (6).
وبعد وفاة الإمام جابر بن زيد عام ثلاثة وتسعين للهجرة انتقلت رئاسة المدرسة الإباضية إلى تلميذه أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة (7) الذي "كان سياسيا كبيرا، ويعتبر إحدى الشخصيات اللامعة في مجال التنظيمات السرية في تلك
(1) الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 300 معمر، الإباضية في موكب التاريخ، ص 145. قرقش، محمد، عمان والحركة الإباضية، ص 132.
(2) ابو الشعثاء، جابر، رسائل الإمام جابر، مخطوط، ورقة 15.
(3) أبو الشعثاء، المصدر السابق، مخطوط، ورقة 40.
(4) أبو الشعثاء، المصدر السابق، مخطوط، ورقة 33.
(5) قرقش، عمان والحركة الإباضية، ص 133. هاشم، الحركة الإباضية في المشرق العربي، 71. المرموري، ناصر أصول الشريعة الإسلامية عند الإباضية، ص 798.
(6) خليفات، نشأة الحركة الإباضية، ص 98.
(7) الشماخي: السير، ج 1 ص 86. السيابي، طلقات المعهد، ص 29. (1/18)
صفحة 19
الحقبة (1)، فابتكر أساليب جديدة في إدارة هذه الدعوة، فكون لها مجالس مختلفة
وجعل لكل مجلس منها اختصاصات معينة ورجالا قائمين عليه (2).
وقد وفد على الإمام أبي عبيدة الطلبة من المناطق التي وصلت إليها الدعوة الإباضية قبل ذلك، فوفدت عليه تلامذة عمان وحضرموت والمغرب وخراسان وغيرها، ودرسوا على يديه (3)
وفي عهد الإمام أبي عبيدة ثم عهد تلميذه الإمام الربيع بن حبيب الذي خلفه في رئاسة المدرسة الإباضية بالبصرة (4) انتشرت تعاليم المذهب الإباضي
في البلاد التي رجع إليها تلاميذ هما والذين أطلق عليهم لقب "حملة العلـ "فقد قام هؤلاء الرجال العلماء بدور كبير في نقل ثروة البصرة وغيرها الفقهية منها والعقدية (9)، وظهر للمدرسة الإباضية فقه" متميز له قواعده وأصوله التي يعتمد عليها" (6).
ونظرا لتنقل الإمام جابر بن زيد - وهو يطلب العلم - بين البصرة والمدينة المنورة، وأخذه عن علماء الصحابة من البلدين معا وتلقي طلبته عنه
(1) هاشم، الحركة الإباضية في المشرق العربي، ص 77 - 78.
(2) خليفات، نشاة الحركة الإباضية، ص 105، وانظر التفصيل عن هذه المجالس في: المصدر السابق،
ص: 106 - 108.
(3) الأزكوي، كشف الغمة مخطوط ورقة.317 السالمي، حاشية الجامع، ص 6، وانظر أسماء تلاميذه بتفصيل في الراشدي، مبارك، الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص 223 - 267.
(4) الشماخي، السير، ج 1 ص 95.
-
- الربيع بن حبيب: أبو عمرو، الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي العماني، من طبقة تابعي التابعين، ولد بغضفان بمدينة لوى بعمان، ما بين عام خمسة وسبعين وعام ثمانين للهجرة، وبها نشأ، ثم رحل إلى البصرة، وأدرك جابر بن زيد في أول شبابه، وأخذ عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة وأبي نوح صالح الدهان وضمام بن السائب، وكان فقيها محدثا، له المسند في الحديث من روايات شيوخه عن جابر بن زيد رتبه أبو يعقوب الوارجلاني على الأبواب الفقهية، وله كتاب آثار الربيع، رجع إلى عمان في آخر عمره، ومات بها عام ثمانين ومائة للهجرة. تقربيا. الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 273
277. القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب، ص 15 - 21.
(5) التيواجني، أشعة من الفقه الإسلامي، ص 91. (6) الراشدي، الإمام أبو عبيدة وفقهه، ص 170.
19 (1/19)
صفحة 20
ذلك صارت المدرسة الفقهية الاباضية مدرسة وسط تجمع بين مدرسة الحديث ومدرسة الراي (1)، فقد كان الامام جابر "يفتي ويصدر الأحكام وفق مبادئ وأصول اقتنع بصحتها وصوابها، وظهر من خلالها غير متهيب من الراي كل التهيب، ولا جريئا فيه كل الجرأة، كما لم يكن يقبل من الحديث كل ما ينقله الناس، ولم يكن يرد منه ما صح عنده (2).
فيما يلي:
ولهذا صارت مصادر التشريع عند المدرسة الفقهية الإباضية تتلخص
أولا: القرآن الكريم: وهو النظم المنزل على نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - للإعجاز المنقول عنه تواترا (3)، وهو قطعي الورود، يشرك من
رد شيئا منه، ولو حرفا واحدا () وأما دلالة لفظه فمنها ما هو قطعي الدلالة ومنها ما هو ظني الدلالة ().
والقراءة الشاذة منه تأخذ حكم خبر الآحاد فتكون مثله حجة في الأفعال العملية، ولا تأخذ حكم القرآن من حيث جواز التعبد بتلاوته، وقراءته في الصلاة
(1) الراشدي، نشاة التدوين للفقه، ص 178 - 179. (2) التيواجني، أشعة من الفقه الإسلامي، ص 71. (3) السالمي، مشارق أنوار العقول، ص 174.
(4) أبو إسحاق إبراهيم، مختصر الخصال، ص 8 ص 28. البسيوي، جامع أبي الحصن البسيوي، ج 1 ص 286. الجيطالي، إسماعيل، قناطر الخيرات، ج 1 ص 253.
(5) أبو إسحاق: مختصر الخصال، ص 9. السالمي، بهجة الأنوار، ص 32.
-
القطعي الدلالة هو ما كان نصا علي شيء بعينه، ومثاله قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة المائدة [3]، والظني الدلالة هو ما لم يكن نصا في شيء بعينه، وإنما أخذ الحكم من النص عن طريق الاستدلال والاستنباط، ومثاله: استنباط أن أقل مدة الحمل ستة أشهر من قوله تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا، حملته أمه كرها، ووضعته كرها، وحمله وفصاله ثلاثون شهرا الأحقاف [15]، ومن قوله تعالى: (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين) البقرة، [233] إذ أن الآية الأولى تبين أن مجموع مدة الحمل والفصال ثلاثون شهرا، وبينت الآية الأخرى أن مدة الرضاع حتى الفصال حولان كاملان، فبإسقاط مدة الرضاع وهي الحولان من مجموع مدة الحمل والرضاع وهي ثلاثون شهرا تبقى ستة أشهر هي أقل مدة الحمل. راجع السالمي، بهجة الأنوار، ص 32 - 33.
20 (1/20)
صفحة 21
وعدم جواز مسه لمن لم يكن طاهرا.
ثانيا: السنة: وهي ما صدر عن الرسول - عليه الصلاة والسلام- من غير
القرآن من قول أو فعل أو تقرير (1).
وهي تنقسم على سبيل الإجمال إلى:
سنة متواترة: وهي "ما نقله" جماعة عن مثلهم لا يجوز عليهم التواطؤ على الكذب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم (2) -، وهذه السنة تفيد العلم
والعمل معا (3).
سنة أحادية: وهي ما اتصل سندها بنقل العدل الضابط عن مثله، وسلم من شذوذ أو علة (4)، وهي تفيد العمل دون العلم ().
سنة مستفيضة: وهي "ما زاد نقله عن ثلاثة، وتلقته الأمة بالقبول (6)، وهي دون المتواتر وفوق الأحاد (7).
(1) الثميني، عبد العزيز، معالم الدين، ج 2 ص 137.
(2)
3
(1)
الكندي،
محمد، بيان الشرع، ج 1 ص 21. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 12.
الكندي، المصنف، ج 1 ص 44. الوارجلاني، يوسف، العدل والإنصاف، ج 1 ص 143. السالمي، طلعة
الشمس، ج 2 ص 12.
(4) القطب، محمد، وفاء الضمانة، ج 1 ص 8.
(•)
(1)
الكندي، المصنف، ج 1 ص 44. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 15. السيابي، خلفان، فصول الأصول،
ص 244. الشماخي، شرح المختصر، مخطوط، ورقة 152.
(1) الشماخي، المصدر السابق، مخطوط، ورقة.171. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 142. وانظ تقسيمات السنة النبوية على التفصيل في الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 142 - 145. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 75 - 77. القطب، وفاء الضمانة، ج 1 ص 7 - 031 السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 45 - 52. وهذا التقسيم الثلاثي المذكور جرى عليه بعض الأصوليين، وذهب بعضهم إلى جعل المستفيض من أقسام الآحاد راجع المسالة في الغزالي المنخول، ص 244. الزركشي، البحر المحيط، ج 4 ص 231، ص 249، ص 255. البخاري، كشف الأسرار، ج 2 ص 367 - 370. الصنعاني، إجابة السائل، ص 101.
21 (1/21)
صفحة 22
ثالثا: الإجماع: وهو "اجتماع مجتهدي الأمة في عصر على حكم في حادثة (1)
وهو على قسمين:
إجماع قولي: وهو حجة قطعية يفسق مخالفها إذا استوفى هذا الإجماع جميع الشروط المشروطة على صحة كونه إجماعا (2).
إجماع سكوتي: وهو حجة ظنية غير قطعية، فلا يفسق مخالفه (3). وبناء على اشتراط أن يكون الإجماع واقعا من جميع مجتهدي الأمة لكي
(?)
يصبح مصدرا تشريعيا عند فقهاء المدرسة الإباضية فإنهم لا يعتبرون الإجماعات الجزئية حجة، كإجماع الخليفتين (4)، أو إجماع أهل المدينة ()، أو إجماع أهل البيت (6) (2) الخ، ومن هنا يمكن القول بأن نظرة فقهاء هذه
...
المدرسة إلى الإجماع نظرة شمولية، فلا تحقق للإجماع عندهم إلا باتفاق جميع مجتهدي الأمة المحمدية.
رابعا: القياس: وهو حمل مجهول الحكم على معلومه لعلة جامعة بينهما (8).
(1)
الكندي، بيان الشرع، ج 1 ص 23.
(1) أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 15. السيابي، فصول الأصول، ص 280.) أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 15. السالمي، بهجة الأنوار، ص 33. السيابي، فصول الأصول، ص 272.
وكون لا يفسق مخالف هذا النوع من الإجماع مشروط بكون من خالفه مستندا إلى دليل عنده يحتمل له فيه وجه حق، وأما من خالفه تهورا واعتباطا أو مستندا إلى أوهام كسراب بقيعة كما يفعل كثير من مدعي العلم فهو فاسق بلا شك لتهوره وعدم مبالاته فإن التفسيق لا ينحصر وجوده في مخالف الدليل القطعي فحسب بل يتناول كل من رد دليلا صحيحا بغير دليل ولا برهان ولو كان ظنيا.
(1) خلافا لبعض الأصوليين الذين ذهبوا إلى ذلك. راجع الرازي، المحصول، ج 4 ص 175. ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 58. الزركشي، البحر المحيط، ج 4 ص 491. الطبري، شفاء غليل السائل، ج 1
(9)
(1)
ص 82.
خلافا للإمام مالك الذي يرى أن إجماعهم حجة فيما كان طريقه النقل كالآذان والمد والصاع ... الخ، راجع القرافي، أحمد، تنقيح الفصول، ص 334. التلمساني، محمد، مفتاح الوصول، ص 202. خلافا للزيدية والإمامية راجع، ابن المرتضى أحمد، منهاج الوصول، ص 619. الصنعاني، إجابة السائل، ص 154 - 159. سيد مرتضى الذريعة، ج 2 ص 605 - 614.
(2) الشماخي، شرح المختصر، مخطوط، ورقة 180. السيابي، فصول الأصول، ص 265.
22
الكندي، بيان الشرع، ج 1 ص 23.
(A) (1/22)
صفحة 23
وهذا المصدر مرتكز على الأصول الثلاثة التي قبله وهي: الكتاب، السنة، الإجماع، ولذا فلا اعتداد بقياس خالف واحدا من هذه الأصول
الثلاثة (1).
خامسا: المصادر التبعية (2): ويدخل تحت ذلك: الاستصحاب (3)، المرسلة (4)، الاستحسان (9) .... ألخ.
المصالح
هذا، وقد بدأ التدوين مبكرا عند فقهاء المدرسة الإباضية (6)، فقد دون الإمام جابر بن زيد ديوانه (7) الذي جمع فيه ما أخذ من علم عن شيوخه وما
(1)
القطب، شامل الأصل والفرع، ج 1 ص 9.
(2) وتدخل تحت ما يعرف بـ "الاستدلال" وهو ما ليس بنص أو إجماع أو قياس انظر الرواحي، ناصر، نار الجوهر، ج 1 ص 82.
| (3)
(4)
(°)
(1)
الرواحي، المصدر السابق، والصفحة. وعرفه هناك بأنه عبارة عن إبقاء ما كان على أصوله التي كان عليها من وجود أو عدم أو نحو هما ما لم يرد دليل ينقله عن حكم أصله إلى أصل آخر. الشماخي، شرح المختصر، ورقة 310 - 311. وعرفه هناك بأنه: "وصف مناسب لم يلف من الشارع اعتبارا
ولا إهدارا".
الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2 ص 73 - 74. السيابي، فصول الأصول، ص 355. وللاستحسان تعاريف عديدة منها: العدول عن قياس أو هى إلى قياس أقوى منه". انظر، السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 186. ومن الأنواع الداخلة تحت مسمى الاستدلال ما يلي:
أ - قول الصحابي: وهو في المذهب الإباضي ليس بحجة وشذ الإمام ابن بركة فاعتبره حجة إذا لم يوجد للصحابي مخالف، فجوز للمجتهد من غير الصحابة ترك اجتهاده وتقليد الصحابي ابن بركة الجامع، ج 1 ص 22، 23، انظر، السيابي، فصول الأصول، ص 356. ب- هل الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة أو الحظر أو التوقف؟ وفي المذهب الإباضي قولان: قول بالحظر وقول بالإباحة، والمصحح القول بالإباحة. انظر، الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 68. معمر، الإباضية بين الفرق الإسلامية، ص 43.
(7) الدرجيني، الطبقات، ج 1 ص 81. الباروني، سليمان، مختصر تاريخ الإباضية، ص 28. السيابي، أصدق المناهج، ص 31. حاجي خليفه مصطفى، كشف الظنون، ج 1 ص 781.
23 (1/23)
صفحة 24
روى عنهم من الأحاديث (1)، كما ترك الإمام جابر كتاب "النكاح" وأجوبة
وفتاوي ورسائل فقهية مبعثرة (2).
وترك الإمام أبو عبيدة رسالته في "الزكاة" التي كتبها جوابا لاسئلة تتعلق
بجزئيات ومسائل في الزكاة وجهت إليه من إباضية المغرب (3).
وترك الإمام الربيع بن حبيب بجانب مسنده فـ الحديث (4) - آثاره المعروفة بـ"فتيا الربيع" وهي عبارة عن مسائل فقهية متنوعة الأبواب غالبها رواه الربيع عن ضمام عن جابر بن زيد ().
وكتب أبو غانم كتابه "المدونة (6) " وهو عبارة عن مجموعة روايات وسماعات وبلاغات وردت من طريق تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي جمعها أبو غانم ودونها .... وقد تعرضت لأغلب الموضوعات الفقهية
(1)
(T)
(T)
التيواجني، أشعة من الفقه الإسلامي، ص 86.
وقد تم منذ زمن قريب جمع شيء منها، وترتيبه على أبواب الفقه، وطبع في مجلد خاص ضم إليها كتاب النكاح"، انظر الخروصي، سعيد بن خلف من جوابات الإمام جابر بن زيد وزارة التراث القومي والثقاقة
بسلطنة عمان.
الراشدي، الإمام أبو عبيدة، ص 509، وانظر تحليل هذه الرسالة في المصدر السابق، ص 531 - 572،
والرسالة مطبوعة متداولة.
(4) الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 273. البرادي، الجواهر، ص 218 وهو مطبوع متداول. القنوبي، الإمام الربيع بن حبيب، ص 50، وتوجد نسخة منه بدار الكتب المصرية تحت رقم 21582 وقد نقلت بالآلة الكاتبة.
(•)
-
الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 323. الشماخي، السير ج 1 ص 194. أبو غانم: بشر بن غانم من إياضية خراسان، درس بالبصرة، وأخذ العلم عن تلاميذ أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وعنهم دون كتبه وأهمها كتابه "المدونة"، وقد رحل في أواخر القرن الثاني الهجري الى تاهرت عاصمة الدولة الرستمية مارا بجبل نفوسه ورويت عنه المدونة بتاهرت ونسخت بجبل نفوسة بيد عمروس بن فتح النفوسي، مجهول للوفاة. الدر جيني، الطبقات، ج 2 ص 323. السالمي، اللمعة المرضية، ص 17.
24 (1/24)
صفحة 25
التي تعارف الفقهاء على بحثها مما يتعلق بحياة المسلم من عبادات
ومعاملات (1).
كما ترك أبو غانم الخراساني أيضا كتابه المسمى
الفتوى (2).
اختلاف
وأسهمت أسرة آل الرحيل بدور بارز في التأليف فقد دون أبو سفيان محبوب بن الرحيل كتابه المنسوب إليه المعروف بـ" كتاب أبي سفيان (3)،، وقد حاز شهرة واسعة حتى قال فيه الإمام أفلح الرستمي: "عليكم بدراسة كتب أهلى الدعوة ولا سيما كتاب أبي سفيان" (4).
(1)
(2)
- وكتب ابنه محمد بن محبوب كتابه الواقع في سبعين جزءا (9)
التيواجني،
وكتب بشير بن محمد بن محبوب عدة كتب من أبرزها: - الخزانة.
أشعة من الفقه الإسلامي، ص 81 وقد تم طبع أربعة أجزاء من كتاب المدونة وهي متداولة، كما
عثر في الأونة الأخيرة على أجزاء أخرى منها، انظر المصدر السابق، ص 82.
البرادي، الجواهر، ص 58.
(3) البرادي، رسالة في كتب الإباضية، ص 56. السالمي اللمعة المرضية، ص 16 - 17. - أبو سفيان: محبوب بن الرحيل القرشي المخزومي، عالم مؤرخ، عاش في القرن الثالث الهجري، أصله من مكة، ثم انتقل إلى البصرة، وكان ربيبا للإمام الربيع بن حبيب، وقد أخذ عنه وعمن في طبقته، مجهول الوفاة. الدرجيني، الطبقات، ج 2 ص 278 - 279. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 164 -
(1)
165
الدرجيني،
الطبقات، ج 2 ص 290.
- أفلح أفلح بن عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، ثالث أئمة الدولة الرستمية، بويع بالإمامة عام تسعين ومائة للهجرة وكان إماما عادلا وعالما، مكث في الإمامة خمسين عاما، إذ توفي عام أربعين ومائتين للهجرة/ الباروني، مختصر تاريخ الإباضية، ص 41 - 44
(5) البرادي، رسالة في كتب الإباضية، ص 85. محمد بن محبوب بن الرحيل القرشي، عالم فقيه أخذ عن شيخه موسى بن علي، تقلد القضاء على صحار للإمام الصلت بن مالك عام واحد وخمسين ومائتين للهجرة، وكان من أهل الحل والعقد، توفي عام ستين ومائتين بصحار، ودفن فيها السالمي اللمعة المرضية، ص 17. البطاشي، إتحاف الأعيان،
ج 1 ص 191 - 193. (1/25)
صفحة 26
- المحاربة.
- الرصف ويسمى أيضا بـ "المستأنف". - البستان في الأصول. (1)
وبرزت في القرن الثالث الهجري كتب تعرف باسم "الجوامع" من أشهرها: - جامع أبي قحطان لأبي قحطان خالد بن قحطان الخروصي (2) - جامع ابن جعفر: وهو أشهر وعليه حواش وزيادات من العلماء الذين جاءوا بعد مؤلفه (3).
(1)
(T)
- جامع أبي الحواري: لأبي الحواري محمد بن الحواري (4). -جامع الفضل بن الحواري: للفضل بن الحواري (5)
السيابي، أصدق المناهج، ص 60. الحارثي، العقود الفضية، ص 276.
-
بشير بن محمد أبو المنذر بشير بن محمد بن محبوب، فقيه تتلمذ على يد والده محمد بن محبوب وكان له نظر واسع في علم الأديان والتوحيد، توفي عام مائتين وثلاثة وسبعين للهجرة./ السالمي، اللمعة المرضية، ص 18. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 194.
وقد عثر الباحث على نسخة مخطوطة من كتاب "المحاربة وأخرى من كتاب "المستأنف"، وأما كتاب الخزانة" وكتاب "البستان" فهما في عداد المفقودات حتى الآن.
الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 623 / البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 205. وهذا الكتاب يوجد
مخطوطا.
-
أبو قحطان من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري، خروصي ينسب إلى قرية الهجار بوادي بني خروص، له سيرة تعرف بـ "سيرة أبي قحطان مجهول الوفاة. / الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 623. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 206.
(3) السالمي، اللمعة المرضية، ص 22. وقد طبع من جامع ابن جعفر حتى الآن خمسة أجزاء. - ابن جعفر أبو جابر محمد بن جعفر عالم من علماء القرن الثالث الهجري، من مدينة أزكي، أخذ العلم عن الإمام محمد بن محبوب، توفي في أوائل القرن الرابع الهجري تقريبا. البطاشي، إتحاف الأعيان
:
ج 1 ص 206 - 207.
،
الحارثي، العقود الفضية، ص 279 وقد طبع منه حتى الآن خمسة أجزاء.
- أبو الحواري، محمد بن الحواري عالم من أواخر القرن الثالث الهجري، درس بنزوى على شيوخ عديدين، أشهرهم أبو المؤثر الصلت بن خميس، وكان عالما بارعا في الفقه، له تفسير وجيز في آيات الأحكام، توفي في أوائل القرن الرابع الهجري. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 209 - 210. (0) الحارثي، العقود الفضية، ص 198، وقد طبع في ثلاثة أجزاء. الفضل بن الحواري عالم فقيه عاش في القرن الثالث الهجري، أخذ العلم عن الإمام محمد بن محبوب، خرج ثائرا لمقتل موسى بن موسى، فقتل في وقعة القاع بصحار / الشقصي، منهج الطالبين، ج 1
-
ص 622.
26 (1/26)
صفحة 27
ثم برز الإمام ابن بركة في القرن الرابع - مع غيره من العلماء، فألف
كتابه "الجامع" على نسق مغاير لما تقدمه من الكتب المعروفة بـ"الجوامع" كما سياتي توضيحه - إن شاء الله تعالى -.
27 (1/27)
صفحة 28
الباب الأول: الإماما بن بركة وعصره
الفصل الأول: عصر الإماما بنبركة.
المبحث الأول: الحياة السياسية بعمان في عصر الإمام ابن بركة.
المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية بعمان في عصر الإمامابن
بركة.
المبحث الثالث: الحياة العلمية بعمان في عصر الإمام ابن بركة.
28 (1/28)
صفحة 29
المبحث الأول: الحياة السياسية بعمان في عصر الإمام ابن بركة امتاز عصر الإمام ابن بركة بعمان بأنه كان عصرا مليئا بحوادث سياسة مهمة، فقد استولى القرامطة على عمان قبل هذا العصر بقليل، وقد قام أهل عمان في هذه الفترة ببعث روح الإمامة من جديد لإخراج القرامطة إلا أن محاولاتهم لم يكتب لها النجاح بسبب ضعف هؤلاء الأئمة المعقود عليهم في تلك الفترة وقوة سلطان القرامطة (1).
وقد استمر حال أهل عمان في الضعف حتى قاموا عام عشرين وثلاثمائة للهجرة بمبايعة الإمام سعيد بن عبدالله (2) بن محمد بن محبوب الرحيلي القرشي (3)، وكان ممن" أجمع" على ولايته وإمامته، فلم يطعن فيه طاعن، ولم يقدح في سيرته قادح (4).
وقد قام الإمام سعيد بن عبد الله بمحاربة من تغلب على عمان آنذاك وظهر عليهم (؟)، وبقي إماما ثماني سنوات حتى مات شهيدا عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة للهجرة (6).
? (0)
ثم قام أهل عمان بعقد الإمامة من بعده للإمام راشد بن الوليد (7) (8)، واستمر في الإمامة ما يقارب أربعة عشر عاما (1)، ثم قدم البويهيون إلى عمان
(1)
انظر: الأزكوي سرحان، كشف الغمة، مخطوط، ورقة، 371. ابن رزيق الشعاع الشائع، ص 59. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 265. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 211 - 225. (2) تأتي ترجمته في شيوخ ابن بركة.
(2) البسيوي، سيرة السؤال، ج 2 ص 104. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 631 - 632.
(4)
(•)
السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 289.
السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 232.
(6) اين مداد سيرة ابن مداد ص 30. ابن رزيق الشعاع الشائع، ص 66.
() راشد بن الوليد إمام بعمان من كندة بويع له بعد الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي، وخذلته الرعية فاعتزل
الأمر، وكان إماما عادلا جامعا لخصال الخير / السالمي تحفة الأعيان، ج 1 ص 279.
(8) الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 383.
(1) الحارثي، العقود الفضية، ص 257.
29
14 (1/29)
صفحة 30
في هذه الفترة أيضا (1)، فخذلت الرعية الإمام راشدا، فترك الإمامة (2)، وظلت عمان بعد ذلك تحت حكم البويهيين وقوادهم حتى بويع للإمام الخليل بن القرن الخامس الهجري ما بين عام ثلاثة وأربعمائة وعام سبعة
شاذان (3)
في
وأربعمائة للهجرة ().
(1) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 250. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 632.
(2)
(2) الخليل بن شاذان من نسل الإمام الصلت بن مالك الخروصي، إمام بعمان عقدت له الإمامة عام سبعة وأربعمائة للهجرة فسار بالعدل في الرعية وظل في الإمامة ما يقرب من اربعين عاما، وتوفي بنزوى عام خمسة وأربعين وأربعمائة للهجرة تقريبا / السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 295. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 251.
(1)
ابن رزيق الشعاع الشائع، ص 68. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 295. مجموعة من المؤلفين، عمان في التاريخ، ص 164.
30 (1/30)
صفحة 31
يلي:-
المبحث الثاني: الحياة الإجتماعية بعمان في عصر الإمام ابن بركة كانت طبقات المجتمع الإسلامي في عمان تتألف في ذلك العصر مما
أولا: السكان العرب: وهؤلاء كانوا ينحدرون من القبيلين العربيين المعروفين بالقحطانية والعدنانية (1).
ثانيا: الرقيق وكانت لهم طبقة كبيرة بعمان في ذلك العصر (2). ثالثا: أهل الذمة وجالية من الهنود وكان هؤلاء يوجدون في صحار (3) وجزيرة سقطرى (4) (5).
وقد اشتغل كثير من أهل عمان في ذلك العصر بالتجارة، وكانوا على حينئذ من أهم الموانئ التي كانت تستقبل
دراية تامة بالبحار (6)، وكانت وكانت مسقط (7)
السفن التجارية في ذلك العصر (8).
(1) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 180 - 181. (2) ابن كثير، البداية والنهاية، ج 11 ص 185.
(3) صحار مدينة ساحلية قديمة بعمان كانت عاصمة عمان إلى آخر عهد الإمام الجلندى بن مسعود، وه مركز تجاري هام منذ القديم، وبها كثير من أشجار النخيل والفواكه. / مجموعة من الباحثين عمان في التاريخ، ص 293 - 296.
(4) سقطرى جزيرة كبيرة تقع جنوب عدن، تسكنها في القرن الثالث الهجري قبائل مهرة وبعض النصارى وكان ولاية تابعة لعمان في ذلك العصر الحموي، معجم البلدان، ج 3 ص 227. مجموعة من الباحثين، عمان في التاريخ، ص 156.
(0) أبو المؤثر، الأحداث والصفات، ج 1 ص 67 - 68. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 91 و ص 108 -
109
(1)
المسعودي، المروج، ج 1 ص 106 - 107.
(2) مسقط: مدينة بعمان، تطل على البحر، وهي عاصمة عمان في الوقت الحاضر، بها قلعتا الجلالي والميراني، وموانئ ومطار دولي ومستشفيات وسائر دوائر الحكومة وتتوفر بها الخدمات العامة/ مجموعة من
المؤلفين، عمان في التاريخ، ص 299 - 302.
(8) المقدسي،.
محمد، أحسن التقاسيم، ص 93.
31 (1/31)
صفحة 32
كما اشتغلت فئة أخرى من أهل عمان في ذلك العصر بالزراعة، فقـ كانت البساتين وأشجار النخيل تغطي مساحة كبيرة من البلاد يعتمد الأهالي في
سقيها على مياه الآبار والأفلاج).
وقد أدى الاشتغال بالتجارة والزراعة إلى حصول الثراء عند بعض
فئات المجتمع في عمان فبنى يعضهم دورا شاهقة نفيسة مبنية من الآجر
والساج (").
وبرزت بعض النساء بثرائهن الواسع (3) وإن لم تذكر لهن أدنى مشاركة
في أمور البلاد.
(1) المقدسي، المصدر السابق والصفحة.
(2)
المقدسي، المصدر السابق، ص 92.
(3) انظر: السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 277.
3
32 (1/32)
صفحة 33
المبحث الثالث: الحياة العلمية بعمان في عصر الإمام ابن بركة شهدت عمان في هذا العصر حركة علمية مزدهرة رغم ما قاسته من حروب وفتن فيه.
فقد كانت صحار آنذاك مركزا علميا، إذ كانت تحتضن مدرسة أبي مالك
غسان بن الخضر الصلاني، وكان الإمام ابن بركة أحد الطلبة الوافدين لتلق العلم في هذه المدرسة (1)، وكانت نزوى مركزا علميا آخر في ذلك العصر، إذ كانت تضم نخبة ممتازة من العلماء البارزين منهم::أولا أبو الحواري، محمد بن الحواري القري، نشأ، بنزوى، وتلقى العلم فيها على يد علمائها كأبي جابر محمد بن جعفر، وأبي المؤثر الصلت بن خميس (2) الذي كان أخص شيوخه (3)، وكان أبو الحواري "أجمع أهل
عصره بعمان فقها وعلما، وخاصة في الأحكام والحلال والحرام (4). وقد شكل أبو الحواري حلقة من التواصل الحضاري العلمي مع إباضية حضرموت في ذلك الوقت، إذ كانت له مراسلات ومكاتبات علمية علماء الإباضية وأئمتهم بحضرموت (°).
ثانيا: أبو قحطان خالد بن قحطان الهجاري الخروصي، وقد درس أبو قحطان علي يد الشيخين عبدالله وبشير ابني محمد بن محبوب (6)، وكان عالما
(1)
السعدي، قاموس الشريعة، ج 1 ص 74 - 75. (2) أبو المؤثر: الصلت بن خميس الخروصي، من بهلا، عالم تتلمذ على يد محمد بن محبوب الرحيلي، وله مشاركة واسعة في الأحداث السياسية بعمان في عصره، توفي بنزوى، ودفن بمحلة العقر منها، من كتبه: والصفات". البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 20 - 202.
البيان والبرهان"، الأحداث
(3) البطاشي، المصدر السابق، ج 1 ص 109.
(1)
الكدمي، الاستقامة ج 1 ص 220.
(9) مجموعة من الباحثين، عمان في التاريخ، ص 236. وانظر سيرة أبي الحواري إلى أهل حضرموت مجموعة من علماء، عمان السير والجوابات، ج 1 ص 337 - 365.
(1)
الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 621. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 205.
33 (1/33)
صفحة 34
كبيرا، وله مشاركة بارزة في الأحداث السياسية في عصره، ظهرت معالم هذه المشاركة في سيرته المعروفة بسيرة أبي قحطان (1) ".
وقد برزت بعمان في هذا العصر مدرستان علميتان هما: المدرسة النزوانية والتي كان عميدها الإمام أبو سعيد الكدمي (2)، والمدرسة الرستاقية والتي كان عميدها الإمام ابن بركة (3)، وتناولت كلتا المدرستين قضية عزل الإمام الصلت بن مالك على يد موسى بن موسى، ونتج عن ذلك كله تأصيل علمي دقيق لأحكام الولاية والبراءة والوقوف وأحكام الإمامة وموجبات عزل
الإمام خاصة عند أصحاب المدرسة النزوانية، إذ دون الإمام أبو سعيد الكدم كتابه "الاستقامة" مهد فيه قواعد وأصول الولاية والبراءة والوقوف (4) قابله علماء المدرسة الرستاقية بكتاب "الموازنة" للإمام ابن بركة () وبرسائل وسير عديدة مثل سيرة السؤال" لأبي الحسن (2) علي بن محمد البسيوي (). كما قام الإمام أبو سعيد الكدمي في هذا العصر بتناول كتاب "الإشراف"
(1) انظر "سيرة أبي قحطان في مجموعة من علماء عمان السير والجوابات، ج 1 ص 81 - 174. (2) ابو سعيد: محمد بن سعيد الناعبي الكدمي، من كبار علماء المذهب الإباضي بعمان في القرن الرابع الهجري، تتلمذ على الشيخين محمد بن روح بن عربي الكندي، ودمشقي بن راشد من مؤلفاته: "الاستقامة" و المعتبر" و "زيادات الإشراف"، توفي عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة تقريبا / البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 215 - 223.
(3) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 159. السالمي، جوهر النظام، ج ص 285. وانظر، أبو سعيد الكدمي، "الاستقامة" في ثلاثة أجزاء، طبع وزارة
(1)
(•)
التراث العمانية.
السالمي،
اللمعة المرضية، ص 22 وانظر الإمام ابن بركة الموازنة في مجموعة من علماء عمان، السير
والجوابات، ج 2 ص 384 - 420.
(6) تأتي ترجمته في مطلب تلاميذ الإمام ابن بركة.
(v)
السالمي، اللمعة المرضية، ص 26. وانظر أبو الحسن البسيوي، "سيرة السؤال"، في: مجموعة من علماء
عمان السير والجوابات، ج 2 ص 62 - 105.
34 (1/34)
صفحة 35
لابن المنذر النيسابوري، وتعقب مسائله بذكر آراء المذهب الإباضي إزاء كل
مسألة يوردها صاحب "الإشراف" مسألة مسألة فصحح وضعف وقرب وبعد (1).
(1)
البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 219 وكتاب زيادات الإشراف" يوجد مخطوطا بمكتبة خاصة غير مرقم. (1/35)
صفحة 36
الفصل الثاني: حياة الإماما بن بركة:
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المطلب الأول: اسمه ونسبه وكنيته.
المطلب الثاني: ولادته ونشأته.
المطلب الثالث: وفاته.
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المطلب الأول: بداية طلبه للعلم، ورحلته إليه.
المطلب الثاني: شيوخه.
المطلب الثالث: تلاميذه.
المطلب الرابع: مكانته العلمية.
المطلب الخامس: آثاره العلمية.
3
36 (1/36)
صفحة 37
الفصل الثاني: حياة الإماما بنبركة
المبحث الأول: حياته الشخصية
المطلب الأول: اسمه ونسبه وكنيته:
هو عبد الله بن محمد بن بركة السليمي الأزدي (1)، ونسبته إلى سليمة بن مالك (2) بن فهم بن غنم بن دوس بن عدنان بن عبد الله بن زهران بن كعب بن الحارث (3)،.)، وكان يكنى بأبي محمد فهو المعروف والمشهور بهذه الكنية دون غيره عند الإطلاق، مع أنه قد وجد أربعة من العلماء يتفق كل واحد منهم معه الاسم الثنائي وفي هذه الكنية، و هؤلاء الأربعة هم:
أولا: أبو محمد عبد الله بن محمد بن محبوب محبوب (4).
:ثانيا: أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر (5).
ثالثا: أبو محمد عبد الله بن محمد بن صالح (1).
(1) العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218. الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 433. ابن رزيق، الصحيفة القحطانية مخطوط، ورقة 506. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 623. السالمي، اللمعة المرضية، ص 22. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 226. السعيد محمد، وآخرون، دليل أعلام عمان، ص 114. (2) سليمة بن مالك: جد جاهلي لقبيلة سليمة بعمان، نشأ بعمان، وقتل أباه خطأ، فنزح بسبب ذلك إلى بلاد كرمان، وصار ملكا عليها بعد فتكه بملكها، وذريته باقية بعمان إلى اليوم / الأزكوي، كشف الغمة،
مخطوط، ورقة 27 - 28. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1 ص 97 - 99.
(3) العوتبي، الأنساب، ج 2، ص 218. العبري، إبراهيم، مقدمة الجامع. (4) عالم عاش في القرن الثالث الهجري، من آل الرحيل بصحار من عمان، مات بعد النصف الأول من القرن الثالث الهجري تقريبا الشقصي منهج الطالبين، ج 1 ص 621. البطاشي، إتحاف الإعيان، ج 1 ص 194. عالم من علماء القرن الرابع الهجري بعمان، حفيد العلامة الشهير أبي المؤثر الصلت بن خميس، وأحد العلماء الذين تولوا عقد الإمامة لكل واحد من الإمامين سعيد بن عبد الله الرحيلي، وراشد بن الوليد، مات شهيدا في نزاع سعى لإصلاحه في عهد الإمام راشد بن الوليد ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 14 - 15. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 430.
(0)
(1) عالم من علماء القرن الرابع الهجري، أحد العاقدين الإمامة لراشد بن الوليد مات في النصف الأول من القرن الرابع الهجري تقريبا. ابن رزيق الفتح المبين، ص 241. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 281.
37 (1/37)
صفحة 38
رابعا: أبو محمد عبد الله بن محمد بن شيخه (1)، (2).
كما أنه قليلا ما يكنى باسم جده، بركة، فيقال له أيضا: "ابن بركة"، وهذه الكنية أكثر ما ترد في كتب المتأخرين دون المتقدمين من علماء المذهب
الإباضي (3).
هذا كله، فقد انفردت بعض المصادر بتكنيته بأبي عبد الله (4)، وهي ومع كنية غير صحيحة له، لأن هذه الكنية إنما اشتهر بها محمد بن محبوب، فهو المقصود بها عند الإطلاق ()، فإضافتها إلى ابن بركة من باب الوهم أو السهو الحاصل بسبب الاشتباه من كثرة النقول عن العلامة محمد بن محبوب، والاقتصار عند ذكره على كنيته أبي عبد الله، فظن أولئك العلماء أن المراد بها الإمام ابن بركة فأطلقوها عليه، وهو خطأ، والصحيح ما تقدم.
(1)
عالم من علماء القرن الرابع الهجري، عاش، بنزوى، وكان خطيب الجماعة في بيعة الإمام راشد بن الوليد، مات في النصف الأول من القرن الرابع الهجري تقريبا الأزكوي كشف الغمة، مخطوط، ورقة 384. ابن رزيق، الفتح المبين، ص 241.
(2) انظر أسماء هؤلاء الأعلام في الكدمي، الاستقامة، ج 1 ص 210، و ص 212. (2) انظر القطب شامل الأصل والفرع، ج 1 ص 11. السالمي، معارج الآمال، ج 4 ص 90 - 93. الرواحي، نثار الجوهر، ج 3 ص 135. بل صارت هذه الكنية هي الغالبة عليه في هذا العصر، وكادت تختفي كنيته الأولى. (4) انظر على سبيل المثال الشماخي عامر، الإيضاح، ج 5 ص 75، ج 8 ص 98، ص 106، ص 107. الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1 ص 192. وقد أشار الشيخ عبد الرحمن بكلي محقق كتاب القواعد في تعليقه هناك إلـ هذا الأمر، وقد دفع هذا الاضطراب عند صاحب الإيضاح وصاحب القواعد من علماء المغاربة في كنية ابن بركة دفع محشي الإيضاح أبو ستة - رحمه الله تعالى إلى القول أولا باحتمال أن تكون كلا الكنيتين وهما أبو محمد وأبو عبد الله له، ثم عاد فاستظهر أن يكون المكنى بأبي محمد غير المكنى بابي عبدالله راجع حاشية الايضاح ج ص 62، والاستظهار الأخير هو الصحيح فالمكنى من علماء المشارقة بابي عبد الله
(0)
هو محمد بن محبوب والمكنى بأبي محمد هو ابن بركة.
السيابي،
عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 227.
28 (1/38)
صفحة 39
المطلب الثاني: ولادته ونشأته:
لم أقف - رغم البحث على نص يحدد لنا العام الذي ولد فيه الإمام ابن بركة، فجميع المصادر التي ترجمت له أغفلت هذا الأمر (1)، واقتصر بعضـ على أنه عاش في القرن الرابع الهجري (2). وقد استظهر بعض الباحثين المعاصرين أن تكون ولادة الإمام ابن بركة
قد وقعت في أواخر النصف الثاني من القرن الثالث الهجري (3). وقد بنى الباحث استظهاره هذا على ما نقله الإمام ابن بركة نفسه من أنه
(4)
كان يناظر شيخه الإمام سعيد بن عبد الله الرحيلي)، وهذا الإمام قد عقدت له الإمامة عام عشرين وثلاثمائة للهجرة، وتوفي عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة للهجرة، وهذا يقتضي أن يكون الإمام ابن بركة قد جاوز العشرين من عمره أثناء مناظرته لشيخه الإمام سعيد بن عبد الله لما تستلزمه قرائن الأحوال من أن يكون قد بلغ مبلغا من العلم جعله أهلا لمناظرة شيخه (9).
وهذا الاستظهار - وهو أن الإمام ابن بركة قد ولد في أواخر النصف الثاني من القرن الثالث الهجري- من الصواب بمكان، ويمكن تحديد ذلك على سبيل التقريب لا الجزم والقطع - بأن ولادته كانت ما بين عام ستة وتسعين ومائتين وعام ثلاثمائة للهجرة، ويمكن الاستظهار على ذلك:-
(1) انظر العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218 - 219. ابن رزيق، الصحيفة القحطانية، مخطوط، ورقة 506. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 306. العبري، مقدمة الجامع.
(2) انظر، البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 227.
(د)
وقد ورد في كتاب دليل أعلام "عمان أن الإمام ابن بركة عاش في القرن الثالث الهجري. انظر/ السعيد، محمد، وآخرون، دليل أعلام عمان ص 114. وهو خطأ، محض، إذ الثابت أن الإمام ابن بركة عاش في
القرن الرابع الهجري كما ذكر صاحب إتحاف الأعيان.
السعدي، جابر، ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص 24. (4) تأتي ترجمته في مطلب شيوخ الإمام ابن بركة. السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص 24.
(°)
39 (1/39)
صفحة 40
أولا: ان وقت عقد البيعة لشيخه الإمام سعيد بن عبد الله كان عام عشرين وثلاثمائة للهجرة (1)، وكان شيخه الآخر أبو مالك (2) من العلماء المرموقين مالك (2) المنظور إليهم، ومع ذلك لم يؤثر عنه أدنى مشاركة في البيعة، ولا نقل عنه كلمة واحدة في تأييد الإمامة، وكان العاقدون للبيعة أدنى شهرة وصيتا منه، مع أن ظروف الواقع في ذلك الوقت تستدعي أن تكون لأبي مالك - وهو من هو في شهرته وعلمه يد طولى في البيعة وتأييد الإمامة، وحض الناس على الالتفاف حولها للتمكن من تخليص البلاد من بعض الغزاة المسيطرين على أجزاء عديدة من عمان في ذلك الوقت (3) كما فعل علماء ذلك العصر العاقدون للبيعة (4)، فهذا الحال من أبي مالك جار على خلاف العادة المألوفة من قيام العلماء المنظور إليهم ممن هم في منزلته بعقد البيعة والتصدر في ذلك، وهذا يؤدي إلى غلبة الظن بأن العلامة أبا مالك كان قد توفي في ذلك الوقت، فإذا قدرت وفاته أنها كانت عام تسعة عشر وثلاثمائة للهجرة، أي قبل بيعة الإمام سعيد بن عبد الله بعام واحد، وافترض أن الإمام ابن بركة كان قد توجه إلى حضرة شيخه أبي م لطلب العلم عام أربعة عشر وثلاثمائة للهجرة، وجعلت الفترة ما بين علم
الك
أربعة عشر وثلاثمائة للهجرة، وعام تسعة عشر وثلاثمائة للهجرة - وهي
أنه
خمس سنوات - مدة مكثه عند شيخه أبي مالك، لما دل عليه الحال من لازمه ملازمة طويلة تستغرق هذه المدة، فمن المتوقع أن يكون قد رحل إليه ما بين سن الرابعة عشرة والثامنة عشرة، فتكون ولادته ما بين عام
ستة وتسعين وعام ثلاثمائة للهجرة.
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 275.
(2) تأتي ترجمته في مطلب شيوخ الإمام ابن بركة.
(r)
السالمي، المصدر السابق، ج 1 ص 289. السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 231.
(1) انظر دور أولئك العلماء في ذلك في الكدمي الاستقامة، ج 1 ص 210 - 211. الأزكوي، كشف الغمة،
مخطوط، ورقة 382 - 383.
40 (1/40)
صفحة 41
ثانيا تذكر بعض المصادر أن العلامة أبا سعيد الكدمي قد عمل على السجون للإمام سعيد بن عبد الله شيخ الإمام ابن بركة في وقت ناهز فيه الحلم (1)، وأبو سعيد الكدمي هذا هو من أقران الإمام ابن بركة ومعاصريه، والعادة في القرينين أن يكون سنهما متقاربا، وإذا ثبت أن أبا سعيد الكدمي قد عمل في حراسة السجون وهو قد ناهز الحلم، فإن عمره يكون وقتئذ قريبا من الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة، وبيعة الإمام سعيد بن عبد الله كانت عام عشرين وثلاثمائة للهجرة - كما مر ذكره، فتكون ولادة العلامة أبي سعيد ما بين عام ثمانية وتسعين ومائتين وعام ثلاثمائة للهجرة تقريبا، وعليه فيكون الإمام ابن بركة قد ولد عام ثلاثمائة أو قبله بقليل، أي ما بين عام ستة وتسعين ومائتين وعام ثلاثمائة للهجرة، وهو ما تقدم ذكر اختياره
سابقا. والخلاصة أن ما ذكر هنا هو أمر قائم على الظن والتقدير استنادا إلى حوادث التاريخ، ولا يمكن بأي حال أن يكون أمرا مقطوعا به لأنه بني على ظن، ومل بني على ظن فهو مثله.
وقد نشأ الإمام ابن بركة في مدينة بهلى بمحلة منها تدعى الضرح، وبها قضى أيام صباه وطفولته، وكان فيها مسكنه (2).
ومدينة بهلى التي ولد وعاش فيها الإمام ابن بركة هي إحدى مدن المنطقة الداخلية بعمان بناء على التقسيم الإداري المعاصر، وكانت المنطقة الداخلية تعرف قديما بمنطقة الجوف (3)، وتبعد مدينة بهلى عن مسقط "العاصمة" بـ 180 كم تقريبا، كما أنها تبعد عن نزوى "العاصمة القديمة" بـ. 400 كم تقريبا.
(1) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 277. البطاشي، إتحاف الاعيان، ج 1 ص 215. (2) العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 219. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 623.
(د)
العبري،
مقدمة الجامع.
41 (1/41)
صفحة 42
المطلب الثالث: وفاته:
لم أقف مع طول البحث على تاريخ محدد لوفاة الإمام ابن بركة.
وقد استظهر بعض الباحثين المعاصرين أن تكون وفاة الإمام ابن بركة
منحصرة ما بين عام اثنين وأربعين وثلاثمائة للهجرة، وعام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة (1).
وقد استدل الباحث على جعل عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة
أقصى مدة كان الإمام ابن بركة فيها على قيد الحياة بما يوجد من سؤال وجـ إلى أبي الحسن البسيوي تلميذ الإمام ابن بركة وخليفته في مدرسته من بعده، يتضمن هذا السؤال استفسارا عن صحة إمامة الإمام حفص بن راشد (2) الذي عقدت له الإمامة عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وأخذ الباحث المشار إليه من ذلك أنه لو كان الإمام ابن بركة حيا إلى هذا الوقت - وهو عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة لكان المفترض في هذا السائل أن يتوجه بسؤاله إلى الإمام ابن بركة دون تلميذه أبي الحسن البسيوي بناء على أن العادة جارية بتقديم الأستاذ على التلميذ (3).
كما استدل على إثبات أن الإمام ابن بركة كان حيا حتى عام اثنين وأربعين وثلاثمائة للهجرة بأن هذا التاريخ - وهو عام اثنين واربعين وثلاثمائة للهجرة ــ كان نهاية إمامة الإمام راشد بن الوليد التي كان الإمام ابن بركة معاصرا لها بدليل أن تلميذه أبا الحسن البسيوي ذكر في ثنايا جوابه للسائل المتقدم ذكره ما نصه: ... وأما الشيخ فرأيته يوجب الضمان على من دخل
بغلط
...
، وقد ألزمني ضمان ما كان أيام راشد بن الوليد"، وقصد بـ"الشيخ"
(1) السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص 27.
(2) حفص بن راشد بن سعيد الأول، إمام من أئمة القرن الرابع الهجري بعمان، كان عهده عهد فتن وقلاقل، وجرت بينه وبين بني بويه بواسطة قائدهم المطهر بن عبد الله حروب انتهت بتغلب المطهر بن عبد الله على عمان السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 319. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 225 - 233. (3) السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص 27.
42 (1/42)
صفحة 43
شيخه الإمام ابن بركة (1)، وذكر عنه أنه ألزمه ضمان ما أتلفه أيام الإمام راشد بن الوليد، وهذا يدل على معاصرة الإمام ابن بركة لإمامة راشد بن الوليد التي انتهت عام اثنين وأربعين وثلاثمائة للهجرة (2).
والذي يبدو - والله اعلم هو أن وفاة الإمام ابن بركة واقعة ما بين عام اثنين وستين وثلاثمائة للهجرة وعام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة، وأنه كان حيا حتى التاريخ الذي جعله الباحث المذكور أقصى غاية لحياته وهو عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة.
فأما الذي يدل على أن الإمام ابن بركة كان حيا حتى عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة فهو أنه من المتعارف عليه أن وفاة الإمام ابن بركة كانت بعد وفاة قرينه الإمام ابي سعيد الكدمي بدليل أن الإمام ابن بركة ذهب لتقديم العزاء إلى أقارب أبي سعيد الكدمي عندما علم بوفاته، وقد كان أبو سعيد الكدمي – فيما يظهر - حيا حتى عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة، ويدل على ذلك ما ورد في كتاب بيان الشرع في الباب الثالث عشر المعقود في بيان حكم التملق والمداراة والمداهنة، من كلام عن أبي سعيد الكدمي يظهر من السياق أنه كان يلقيه على بعض تلامذته أو يخاطب به بعض جلسائه، يبين فيه صنفي الناس في زمانه
(1)
......
ويؤيد ما يقوله هذا الباحث من أن مراد أبي الحسن البسيوي بقوله: "وأما الشيخ الخ" شيخه ابن بركة ما ورد في المصنف بما نصه: وفي رجل متعلم من ضعفاء المسلمين يحفظ في مسألة قولين من أقوال المسلمين فيبتلي بعمل هذه المسألة، وهو لا يعرف عدل أقاويلهم، ويعمل بواحد من ذلك، هل يكون جائزا؟، قال: قد قالوا: إنه إذا كان لا يعرف عدل أقاويلهم فأخذ بأحد أقاويلهم جاز له ذلك، وقد كان مثل هذا بحضرة الشيخ فقال: على هذا أن يجتهد كما يجتهد جابر بن زيد". انظر، الكندي، المصنف، ج 1
ص 113.
وهذا الأمر بالاجتهاد بمثل اجتهاد الإمام جابر بن زيد منقول عن الإمام ابن بركة نقله عنه العوتبي في الضياء-كما سيأتي ذكره لاحقا فلا شك أن المراد بلفظ "الشيخ" في هذا النقل هو الإمام ابن بركة، وأن هذا الجواب الذي أورده صاحب المصنف هو من أحد تلاميذ الإمام ابن بركة سواء كان هذا التلميذ أبا الحسن البسيوي أو غيره، وأن أصحاب المدرسة الرستاقية كانوا إذا أطلقوا لفظ "الشيخ" يقصدون به الإمام ابن بركة، فاللام فيه عندهم للعهد، خاصة إذا علمنا أن صاحب المصنف ممن ينتمي إلى هذه المدرسة. السعدي، ابن بركة وآراؤه الأصولية، ص 27. (1/43)
صفحة 44
-
من حيث قبول النصح أو الإشارة به، وفي آخر هذا الكلام ما لفظه وكان هذا التقييد أي تقييد كلام أبي سعيد -هذا يوم الأربعاء ثالث عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وستين وثلاثمائة للهجرة (1).
–
والظاهر أن هذا التلميذ أو الجليس كان يكتب كلام أبي سعيد هذا في
ذلك المجلس، ثم ذكر في آخره تاريخ هذا المجلس.
وهذا بطبيعة الحال - يعطي دلالة واضحة على أن العلامة أبا سعيد الكدمي كان حيا إلى ذلك الوقت، وهو عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة، وإذا صح هذا مع ما مر ذكره آنفا من أن وفاة الإمام ابن بركة كانت بعد وفاة الإمام أبي سعيد الكدمي تبين أن الإمام ابن بركة كان حيا إلى هذا التاريخ وهو عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة، وأن وفاته كانت بعد ذلك.
وأما كون الإمام ابن بركة قد فارق الحياة قبل عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة فيمكن الاستدلال له بما علل به الباحث المتقدم من أنه لو كان الإمام ابن بركة حيا في زمن تقديم السؤال إلى تلميذه أبي الحسن البسيوي عن صحة إمامة حفص بن راشد لكان صاحب السؤال قد توجه بسؤاله إلى الإمام ابن بركة نفسه دون تلميذه أبي الحسن بناء على جريان العادة من قصد الشيخ دون التلميذ، فإن هذا التعليل حسن، غير أن الباحث المذكور يرى أن وقت هذا السؤال هو عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة، وهو العام الذي عقدت فيه الإمامة للإمام حفص بن راشد، وعلى هذا رأى أن الإمام ابن بركة كان قد فارق الحياة قبل هذا التاريخ بناء على هذا التعليل الذي ذكره.
والذي يبدو -والله أعلم - أن وقت السؤال الموجه إلى أبي الحسن البسيوي في شأن إمامة حفص بن راشد هو عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة.
ودليل ذلك ما يلي:-
44
الكندي، بيان الشرع، ج 6 ص 70.
(1) (1/44)
صفحة 45
أ-
ب?
ما تقدم ذكره من أن الإمام أبا سعيد الكدمي كان حيا حتى عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة، فلو كان وقت السؤال الموجه إلى أبي الحسن البسيوي هو عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة لكان هذا السؤال واقعا في حياة الإمام ابن بركة، لأن الإمام ابن بركة كانت
وفاته بعد وفاة الإمام أبي سعيد الكدمي كما مر ذكره آنفا.
أن ظاهر الحال بل المؤكد - يدل على أن الإمام حفص بن راشد قد عقدت له الإمامة مرتين مرة عام خمسة وخمسين وثلاثمائة للهجرة، كما ذكره الباحث المذكور ومرة عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة كما أشار إليه صاحب الكامل في التاريخ"، فقد ذكر في حوادث هذا العام أي عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة اجتماع كثير من الشراة يعنى الإباضية - بجبال عمان، وأنهم قاموا بمبايعة خليفة لهم، واسمه حفص بن، راشد وان عضد الدولة (1)
وجه لحربهم المطهر بن عبد الله (2)، فسار لمحاربتهم (3).
وفي وقت هذا العقد أي الثاني لإمامة حفص، وهو عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة كما ذكره صاحب الكامل" وقع توجيه السؤال إلى أبي الحسن البسيوي بشأن صحة إمامة حفص بن راشد.
(1)
(2)
ويدل عليه:-
أن عنوان السؤال المذكور الموجه إلى أبي الحسن البسيوي والوارد نصه في كتاب السير والجوابات" يشير إلى أن وقت السؤال كان
الفترة التي وقع فيها الصدام بين الإمام حفص بن راشد والمطهر بن
عضد الدولة أبو شجاع فناخسرو بن ركن الدولة، كان أحد ملوك الدولة البويهية، وكان واسع المملكة، مات بعلة الصرع عام اثنين وسبعين وثلاثمائة للهجرة ببغداد، ودفن فيها ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج
ص 50 - 54.
(2) لم أقف له على ترجمة.
(2) ابن الأثير، الكامل، ج 7 ص 348 - 349.
45 (1/45)
صفحة 46
عبدالله، فقد جاء العنوان لهذا السؤال على الوجه التالي: "عن الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسياني في حفص بن راشد أيام خروجه على المطهر بن عبد الله، وعقده الأول (1).
أن أبا الحسن البسيوي قال في أول جوابه لذلك السائل: "أما العقد الأول فإنه لم يصح، وعلى ما ذكره بعض من دخل فيه رأيته عقدا غير ثابت، وأمرا مشكلا، وقد جرى بعد العقد الذي هو غير ثابت أحكام غير جائزة، ومشهور فسادها (2).
فهذا الكلام من أبي الحسن البسيوي الوارد في جوابه يدل على أن السؤال وقع في العقد الثاني لإمامة حفص، كما يدل عنوان السؤال المصدر به في كتاب "السير" والجوابات" كما مر ذكره آنفا على أن توجيه ذلك السؤال كان في الفترة التي التقى فيها الإمام حفص بجيوش المطهر بن عبد الله، وهذه الفترة هي عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة كما أورده صاحب الكامل وسبقت الإشارة إليه آنفا.
وخلاصة الكلام في تحديد وقت وفاة الإمام ابن بركة هي أنه متى ما ارتضينا التعليل بأنه لو كان الإمام ابن بركة حيا وقت توجيه السؤال المشار إليه عن صحة إمامة حفص بن راشد لكان صاحب السؤال قد توجه بسؤاله ذلك إلى الإمام ابن بركة دون تلميذه أبي الحسن البسيوي لجريان العادة بتقديم الشيخ قبلي تلميذه، خاصة وأن الإمام ابن بركة كان شيخ المدرسة الرستاقية، وإليه مرجع أمرها في حياته، وعلم مما تقدم بيانه والتدليل عليه أن الإمام ابن بركة كان حيل حتى عام واحد وستين وثلاثمائة للهجرة، وأن وقت توجيه السؤال المذكور إلى أبي الحسن البسيوي كان عام ثلاثة وستين وثلاثمائة للهجرة أمكن القول أن وفاة
(1) مجموعة من علماء، عمان السير والجوابات، ج 2 صه. (2) مجموعة من علماء عمان المصدر السابق، ج 2 ص 5 - 6.
46 (1/46)
صفحة 47
الإمام ابن بركة كانت ما بين عام اثنين وستين وثلاثمائة للهجرة وعام ثلاثة
وستين وثلاثمائة للهجرة.
المبحث الثاني: حياته العلمية:
المطلب الأول: بداية طلبه للعلم، ورحلته إليه:
لا تشير المصادر التاريخية إلى المكان والزمان اللذين ابتدأ فيهما الإمام ابن بركة تعليمه الأولى، غير أنه من المحتمل جدا أن يكون الإمام ابن بركة قد تلقى العلم في هذه المرحلة من صباه في بلدته "بهلى" التي كانت تضم في ذلك الوقت بعضا من أهل العلم مثل محمد بن خالد الخروصي (1).
وبعد أن بلغ الإمام ابن بركة عهد الشباب والفتوة شد رحاله من بلدته "بهلى" ميمما قصده إلى مدينة "صحار"، حتى ألقى عصا السير لدى حضرة شيخه العلامة أبي مالك غسان بن محمد بن الخضر الصلان الصلاني العالم الطائر الصيت في تلك الناحية، ووفد إليه طلبا للعلم واستكثارا
للمعرفة. (2)
له
وذكر أن العلامة أبا مالك - حسب عادة العلماء في ذلك الوقت مع التلاميذ الوافدين لطلب العلم كان يدافع الإمام ابن بركة، ويعرض عنه امتحانا واستكشافا لرغبته في طلب العلم، وكان الإمام ابن بركة مع هذا الإعراض- يزداد إقبالا على شيخه أبي مالك، ويحرص على التلقي عنه، حتى أيقن شيخه أبو مالك بصدق رغبته، وتحقق إرادته لطلب العلم، فأقبل عليه، وعلمه، وقربه،
وأكرمه. (3)
(1)
(2)
محمد بن خالد بن زيد من علماء أواخر القرن الثالث الهجري، وأول القرن الرابع الهجري، ولي بعض قرى الجوف للإمام سعيد بن عبد الله، وكان أحد الذين كتبوا بإمامة محمد بن يزيد إلى أعيان الرستاق./ السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 270. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 214.
البطاشي، المصدر السابق، ج 1 ص 432. (2) السعدي، جميل قاموس الشريعة، ج 1 ص 74 - 75.
47 (1/47)
صفحة 48
المطلب الثاني: شيوخه: لقد تلقى الإمام ابن بركة العلم على شيوخ عصره الذين انتهت إليهم رئاسة العلم وحمل فقه المذهب الإباضي ونقله في عمان في ذلك العصر، وكلن من أشهر من تتلمذ هذا الإمام على يديه: أولا: العلامة أبو مالك غسان بن محمد بن الخضر وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري، وكان يقطن وادي صلان المشهور، وقد أخذ بمدينة "صحار" وإليهما ينسب فيقال: "الصلاني (الصحاري العلامة أبو مالك العلم مع نظيره أبي قحطان خالد بن قحطان الخروصي عن الشيخين عبد الله وبشير ابني محمد بن محبوب الرحيلي القرشي (2). وقد لازم الإمام ابن بركة شيخه أبا مالك ملازمة الحريص على الاستفادة و التلقي للعلم فصحبه في ظعنه وإقامته، وحفظ عنه أكثر مسائل العلم، وكانت له رقاع يقيد عنه فيها شوارد المسائل (3)، وأورد شيئا من آرائه في كتابيه: "الجامع" و "التعارف (4) ". ولم أقف على تأليف للعلامة أبي مالك إلا ما أورده عنه تلميذه الإمام ابن بركة من مسائل في أصول الدين والفقه (9)، كما أني لم أقف على تاريخ ولادته أو وفاته. ثانيا: الإمام سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب وهو سعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب الرحيلي المخزومي القرشي (6)، وكان يكن بابي
(1)
(1)
العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 219. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 432. العبري، مقدمة الجامع. ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 24
(3) قال ابن بركة في الجامع، ج 2 ص 587 ما نصه: ووجدت أنا في بعض الرقاع التي كنت أقيد فيها عن الشيخ أبي مالك رضي الله عنه من أجوبته في الرجل يوصي للفقراء ... الخ.
(1) راجع في ذلك: ابن بركة، الجامع، ج 1، ج 2، التعارف
(0) انظر ذلك في: ابن بركة، التقييد، مخطوط، ورقة 316 - 332.
(1)
الكدمي،
الاستقامة، ج 1 ص 210. الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 382.
48 (1/48)
صفحة 49
(4) '
القاسم (1)، وكانت أسرته بيت علم وفضل فوالده عبد الله كان من العلماء المرموقين في عصره، وكذلك كان عمه بشير (2)، وكان جده محمد بن محبوب عمدة المذهب الاباضي ومرجع الفتوى في عصره بلا منازع، وكان جده الثاني محبوب بن الرحيل عالما جليل القدر وتلميذا للإمام الربيع بن حبيب (3).
وكان موطن آبائه بمكة المكرمة، ثم انتقلت أسرته إلى عمان، واستوطنت مدينة صحار من بلاد عمان، وذريتهم إلى الآن قائمة بعمان خاصة في هذه المدينة (4).
وقد أخذ الإمام سعيد بن عبد الله العلم كصاحبه أبي مالك - عن والده عبدالله وعمه بشير ابني محمد بن محبوب (5).
وقد بويع الإمام سعيد بن عبد الله بالإمامة عام عشرين وثلاثمائة للهجرة (6)، وكان إماما عادلا عالما أثنى عليه علماء عصره بما لا مزيد عليه، حتى قال فيه أبو محمد عبد الله بن محمد بن أبي المؤثر: "لا نعلم أئمة المسلمين كلهم بعمان أفضل من سعيد بن عبد الله، لأنه كان إملم عدل وعالما وقد قتل شهيدا إلا أن يكون الجلندى بن مسعود (7) .....
في
(1) الأزكوي، المصدر السابق، ورقة 382. (2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 22 - 622. (3) السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 2 ص 227. (4) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 164. (5) القلهاتي، (1) انظر ص 29 من هذه الرسالة.
محمد، الكشف والبيان، ج 2 ص 475. الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورقة 284.
(2) الكدمي، الاستقامة، ج 2 ص 210. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 632. والجلندى: هو الجلندى بن مسعود بن عباد بن عبد بن الجلندى، أول الأئمة الإباضية بعمان، كان إماما عادلا فاضلا، مات بجلفار رأس الخيمة حاليا) شهيدا بعد حرب مع خازم بن خزيمة عام أربعة وثلاثين ومائة للهجرة، وكانت إمامته سنتين وشهرا. ابن رزيق الشعاع الشائع، ص 21 - 22. السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 95 - 96.
49 (1/49)
صفحة 50
وقد مات الإمام سعيد بن عبد الله شهيدا عام ثمانية وعشرين وثلاثمائة للهجرة، في وقعة بقرية تدعى "مناقي" من أعمال مدينة الرستاق (1) بعمان،
وقبره هناك (2)، وبهذا تكون مدة إمامته ثماني سنوات.
وللإمام سعيد بن عبد الله من المؤلفات كتاب يعرف بـ"كتاب الإمام سعيد بن عبد الله (3)، إضافة إلى رسائل قصيرة إلى بعض معاصريه، يظهر لهم
فيما مذهبه ودعوته (4)، ومسائل فقهية دونها عنه تلميذه ابن بركة (). ثالثا: أبو مروان سليمان بن محمد بن حبيب (1): وهو من علماء النصف الأخير من القرن الثالث الهجري وأول القرن الرابع الهجري.
(1)
وقد أخذ أبو مروان العلم مع صاحبيه أبي مالك غسان بن محمد بن الخضر وأبي قحطان خالد بن قحطان عن الشيخين عبد الله وبشير ابني محمد بن محبوب (7). ولم أقف على شيء من أخباره، ولا على تاريخ وفاته، ولا على شيء من مؤلفاته غير ما دونه عنه تلميذه الإمام ابن بركة من مسائل كان قد سأله عنها، ودونها في كتابه "التقييد (8) ..
الرستاق: إحدى مدن منطقة الحجر الغربي بعمان، وتمثل حلقة وصل بين ساحل عمان وداخلها، اتخذت عاصمة لعمان في عهد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي عام أربعة وثلاثين وألف للهجرة وفي بداية الدولة البوسعيدية عام سبعة وخمسين ومائة بعد الآلف من الهجرة، وتشتهر بقلعتها التي بنيت قبل الإسلام وبقلعة الحزم وبعين الكسفة الحارة وجامع البياضة الذي خرجت منه أفواج من العلماء والأئمة على مر العصور،
وكانت الرستاق مركزا تجاريا مهما حتى الوقت الحاضر / مجموعة من الباحثين عمان في التاريخ، ص 298. (2) الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط، ورفة 383. ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 12. الشقصي، منهج الطالبين،
ج 1 ص 622.
(2) السالمي، اللمعة المرضية، ص 19.
(4) السالمي، تحفة الأعيان، ج 1 ص 289 - 290.
(9) ابن بركة، التقييد، مخطوط، ورقة 316 - 329.
(1) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 427.
(V)
ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 24.
() راجع ابن بركة التقييد، مخطوط، ورقة 226 - 229، ورقة 420 - 423. (1/50)
صفحة 51
رابعا: أبو يحيى عبد العزيز بن خالد ولم أقف له على ترجمة سوى ما ذكره عنه تلميذه الإمام ابن بركة في قوله: وعلى هذا المذهب- أي الوقوف في الحكم على مصير أطفال غير المسلمين في الآخرة أدركت عليه شيوخي: أبا مالك وأبا مروان وأبا يحيى، ومن كان في عصرهم وأيامهم ممن هو في درجتهم، وإن لم يكن له مثل ذكر أحدهم رحمة الله عليهم) وقد صرح الإمام ابن بركة في كتابه "التقييد" في موضع آخر منه بأن اسم شيخه أبي يحيى هو عبد العزيز بن خالد (2).
:خامسا: أبو الحسن محمد بن الحسن السعالي النزوى: ويمكن الاستدلال علـ كونه شيخا للإمام ابن بركة بما يلي:
"
ما يوجد من جواب لأبي الحسن محمد بن الحسن هذا عن سؤال وجهه إليه الإمام ابن بركة يتعلق بمسألة في الولاية والبراءة، والأحداث الواقعة زمن الإمام الصلت بن مالك (3).
أن أبا الحسن محمد بن الحسن هذا شيخ للإمام أبي سعيد الكدمي بدليل ما ذكره أبو سعيد نفسه في كتابه "الاستقامة" من قوله: "وأما أبو عبد الله محمد بن روح (4) وأبو الحسن محمد بن الحسن فشاهدناهما وصحبناهما الزمان الطويل والكثير غير القليل، وعنهما أخذنا عامة أمر ديننا () "، وأبو سعيد الكدمي من أقران الإمام ابن بركة، فلا يبعد أن يكون الاثنان قد أخذا عن أبي الحسن محمد بن الحسن معا.
(1)
(2)
(2)
(4)
(0)
ابن بركة المصدر السابق، ورقة 47. ابن بركة المصدر السابق، ورقة 328.
الكدمي، المعتبر، ج 1 ص 102.
ابن روح أبو عبد الله محمد بن روح بن عربي الكندي النزوي، من علماء النصف الأول من القرن الرابع الهجري، أخذ العلم عن شيخه مالك بن غسان بن خليد، له سيرة في الأحداث الواقعة بعمان زمان الإمام الصلت بن مالك مجهول الوفاة. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 210 - 212.
الكدمي،
الاستقامة، ج 1 ص 223. (1/51)
صفحة 52
وهذا الشيخ خروصي من أهل سعال من مدينة نزوى، وقد عقدت له الإمامة عام اثنين وثمانين ومائتين للهجرة، وقبر بعد وفاته- غير المعروف تاريخها بمكان يقال له: الشعشعية من قرية سعال بنزوى (1). وهؤلاء الخمسة هم الذين عثرت عليهم فقط في كتب التاريخ والتراجم
شيوخا للإمام ابن بركة.
المطلب الثالث: تلاميذه:
شغل الإمام ابن بركة دورا هاما في إثراء الحركة العلمية في عهده بعمان، وكان من أهم ما قام به في هذا الجانب تأسيسه لمدرسته ببلدته "بهلى"، وقد برز من هذه المدرسة علماء كثيرون، كتب لبعضهم الشهرة في الأوساط
العلمية، وخفي عدد منهم. وكان من أهم تلاميذه المعروفين:
أولا: أبو الحسن البسيوي واسمه علي بن محمد من قرية "بسيا" من أعمال مدينة "بهلى" موطن الإمام ابن بركة (3).
ويرى بعض المؤرخين أن نسب أبي الحسن البسيوي من بني شكيل القبيلة الشهيرة بقرية "بسيا (3)، بينما يذهب آخرون إلى أنه "يحمدي" نسبة إلى اليحمد القبيلة الأزدية (4).
وكان أبو الحسن البسيوي من أشهر تلامذة الإمام ابن بركة، وأعظم من حمل عنه فقه المذهب الإباضي، ونقله إلى من بعده (ه).
(1)
(2)
(2)
السالمي: تحفة الأعيان، ج 1 ص 265. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 204.
ابن مداد سيرة ابن مداد، ص 24. العبري، مقدمة للجامع.
البطاشي، اتحاف الأعيان، ج 1 ص 229.
(4) ابن رزيق الصحيفة القحطانية، مخطوط، ورقة 506.
() العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 219. ابن، مداد، سيرة ابن مداد، ص 24.
02 (1/52)
صفحة 53
(1)
وكان أبو الحسن يعرف بالأصم لأنه كان أصم ثقيل السمع، فكان كل من
أراد استفتاءه يكتب مسألته على الأرض، فيكتب هو الجواب عليها (1). وكان أبو الحسن البسيوي متأثرا بمذهب شيخه الإمام ابن بركة في قضية موسى بن موسى و راشد بن النظر في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك الخروصي، فانتصر له في هذه القضية، إذ كتب رسالة في الرد على العلامة أبي سعيد الكدمي الذي كان له موقف مغاير لموقف الإمام ابن بركة شيخ أبي الحسن البسيوي في هذه القضية (2).
وقد ترك أبو الحسن البسيوي عدة مؤلفات هي: أ- "جامع البسيوي" وهو كتاب يتكون من أربعة أجزاء، "سلك فيه مسلك شيخه الإمام ابن بركة حيث قرن معظم مسائله بدليلها من الكتاب والسنة (3) (4).
ب "المختصر": وهو كتاب متوسط الحجم، اختصر فيه جامعه الآنف الذكر، وهو على اختصاره كتاب مفيد جدا جامع لكثير من مسائل
ابن مداد، المصدر السابق، ص 24. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 229. فإن قيل ما معنى كتابة الناس أسئلتهم لأبي الحسن البسيوي على الأرض مع إمكان استعمالهم للكاغد والورق فجواب ذلك هو أن العادة والغالب في ذلك العصر أن العالم السميع المبصر يسأل شفاها لقلة ما يكتب فيه من الورق والكاغد، وقد يكون الواجد لذلك لا تحضره الأوراق عند الحاجة إلى السؤال، ولما أن كان أبو الحسن البسيوي أصم تقيل السمع كان الناس يجدون صعوبة في استفتائه مشافهة بسبب ذلك فجعلوا الكتابة على الأرض وسيلة لابلاغه بما يستفتون فيه فلا غرابة في ذلك، بل فيما ورد دلالة واضحة على عظم منزلة أبي الحسن البسيوي عند الناس في ذلك العصر.
(2) انظر رسالته تلك في مجموعة من علماء عمان السير والجوابات، ج 2 ص 106 - 112، و ص 62 -
100
(3) السالمي، اللمعة المرضية، ص 26.
(4)
وهذا الكتاب مطبوع ومتداول وقد تناول المؤلف في:
الجزء الأول: علم التوحيد والعقائد، وما يسع جهله وما لا يسع من الأحكام الشرعية.
الجزء الثاني: فقه العبادات.
الجزء الثالث: فقه الأحوال الشخصية، وفقه الذبائح.
الجزء الرابع: فقه المعاملات، والجنايات والحدود، والجهاد، وختمه بخاتمة في الأخلاق والآداب.
53 (1/53)
صفحة 54
الأديان والأحكام، سهل التناول سلس العبارة، خال من
والتعقيد (1)
وكانت مسائل هذا الكتاب معتمد علماء المذهب الإباضي المشارقة
في الفتوى والقضاء حتى القرن التاسع الهجري (2).
ج- "سيرة أبي الحسن البسيوي وهي عبارة عن رسالة كتبها في بيان أصل ما اختلفت فيه الأمة بعد نبيها محمد صلى الله عليه وسلم-، تناول فيها أخبار بعض الفرق الإسلامية وشيئا من الاختلاف بينها، كما تناول أيضا بعضا من أحكام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
وأحكام الإمامة (3).
(1) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 229
(2) البطاشي، المصدر السابق، ج 1 ص 230 - 231.
ج.
وقد ذكر هناك عن بعض العلماء إخراج أربع مسائل من كتاب "المختصر"، العمل فيها على خـ
ما جاء فيه، وهذه المسائل هي:
ا مسالة أكثر الحيض، ففي المختصر أن أكثره خمسة عشر يوما والعمل على أن أكثره عشرة أيام. ب. مسالة الرجوع في عطية أحد الزوجين للآخر، نص في المختصر على أنه إذا أعطى أحد الزوجين الآخر عطية، فردها عليه ثبت الرد سواء في الصحة أو المرض، والعمل على أن الرد يثبت فـ الصحة دون المرض. مسألة حلف الرجل على زوجته على شيء يمنعها منه مما يجوز له منعها عنه، فعصته فيه، ذكر في المختصر أنه إذا عصته فيه فلا صداق لها، والعمل على أن لها الصداق في هذه الحال. مسالة بطلان الشفعة بموت البائع أو المشتري، نص في المختصر على ذلك، والعمل على أنها لا تبطل إلا بموت المشتري أو الطالب لها. هذا، وقد ورد تنبيه من بعض العلماء المتأخرين عن زمن أبي الحسن على هذه المسائل، إذ علق هذا العالم على كلام أبي الحسن في المختصر في بطلان الشفعة بموت البائع أو المشتري ما نصه: ويوجد في الأثر أن الشفعة لا تبطل بموت البائع، وهذا الذي عليه عمل أصحابناء وهذه المسألة- يعني مسألة بطلان الشفعة بموت البائع لاحقة بالمسائل الثلاث اللواتي في الحيض و العطية والطلاق" انظر المختصر ص 303.
د.
(3) انظر هذه السيرة في مجموعة من علماء عمان، السير والجوابات، ج 2 ص 124 - 222. (1/54)
صفحة 55
سبوغ النعم وهذا الكتاب" ورد النقل منه في كتاب "الإيضاح" وكتاب قواعد الإسلام"، وكتاب "النيل" (1)، وأشار محقق كتاب قواعد الإسلام" إلى أن كتاب "سبوغ النعم" هذا هو لأبي الحسن البسيوي (2)، ولم أقف على هذا الكتاب حتى الآن.
هـ "سيرة الحجة على من أبطل السؤال عن الحدث الواقع بعمان". وهي سيرة صغيرة ضمنها حجج أصحاب المدرسة الرستاقية" على أصحاب "المدرسة النزوانية" في قضية موسى بن موسي و راشد بن
النظر في خروجهما على الإمام الصلت بن مالك الخروصي (3).
ثانيا أبو عبد الله محمد بن زاهر ولم أجد له ترجمة كافية، إذ لم يحظ بالشهرة التي نالها أبو الحسن البسيوي بين تلاميذ الإمام ابن بركة، وغاية ما وجدت له تقييدات في مسائل فقهية عن شيخه الإمام ابن بركة، ومسائل أخرى عرضها على شيخه الإمام ابن بركة، وجميعها قد ضمن في المجلد الذي يحتوي على كتاب "التقييد المخطوط للإمام ابن بركة (4). ثالثا: أحمد بن محمد بن خالد وهو كسابقه لم أجد له ترجمة كافية، غير كان تلميذا للإمام ابن بركة ()، وانه كان من رجال القضاء (6).
أنـ
(1) الشماخي، الإيضاح، ج 2 ص 140. الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1 ص 265. القطب، النيل، ج 16 ص 291. (2) انظر تعليق عبد الرحمن بكلي على قواعد الإسلام، ج 1 ص 193، هذا، وقد ذكر البرادي عن بعض شيوخه ان كتاب سبوغ النعم" هو نفس الكتاب المعروف بـ "المختصر" انظر البرادي، رسالة في كتب الإباضية، ص 58، وهذا مع ما فيه من تأييد نسبة محقق قواعد الإسلام" كتاب "سبوغ النعم" إلى أبي الحسن البسوي إلا أنه لا يوجد ما يدل على أن كتاب "سبوغ النعم هو عين كتاب "المختصر". بل الظاهر أنهما كتابان متغايران فجعلهما كتابا واحدا وهم من قائله.
(3) انظر هذه السيرة في مجموعة من علماء عمان، السير والجوابات، ج 2 ص 62 - 105. (4) انظر التقييد مخطوط، ورقة.377 وورد هناك ما نصه: "هذا ما قيده أبو عبد الله محمد بن زاهر عن
الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة – رحمه الله".
البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 416.
(1) أبو زكريا يحيى، الإيضاح في الأحكام، ج 2 ص 16، ص 197 ج 3 ص 201. (1/55)
صفحة 56
ومن المحتمل جدا أن يكون هذا التلميذ ابنا لمحمد بن خالد البهلوي، وابن أخ لأبي يحيى عبد العزيز بن خالد شيخ الإمام ابن بركة، فعلى فرض صحة هذا الاحتمال يكون هذا التلميذ من مدينة "بهلى موطن الإمام ابن بركة. لأن ذينك العالمين من مدينة بهلي.
ويضاف إلى هؤلاء الطلبة الذين مر ذكرهم - الطلبة الإباضية المغاربة، إذ قيل إن بعثة من إباضية المغرب قدمت إلى عمان تتكون من سبعين طالبا، ودرست على يد الإمام ابن بركة، ولذا كان يسمى الإمام ابن بركة ب شيخ المغاربة (1).
وهؤلاء تلاميذه الذين وقفت عليهم في كتب التاريخ والتراجم فقط.
المطلب الرابع: صفاته ومكانته العلمية
يعد الإمام ابن بركة أحد أقطاب المذهب الإباضي، واحد المجددين لفقه
هذا المذهب في القرن الرابع الهجري.
ويبدو من قراءة سيرة حياته أنه كان شغوفا بطلب العلم ومحبا له ومكبا عليه، ودفعه حبه للعلم أن يخرج في مقتبل عمره من بلدته "بهلى" بعد أن لم يجد فيها ما يشفي غليله إلى مدينة "صحار" حيث يقيم شيخه أبو مالك، ولم يأنف من
المعاملة التي قابله بها شيخه أبو مالك في بداية الأمر من عدم الإقبال عليه والاكتراث به، بل أبدى رغبة صادقة وحرصا بالغا على طلب العلم، مما جعل شيخه أبا مالك يقبل عليه إقبالا لا مثيل له، ويخصه برعاية أكبر من بين سائر زملائه ويحمله معه في أسفاره (2).
(1) السالمي، الروض النضير، ص 171. (2) ومما يدل على اهتمام أبي مالك بتلميذه الإمام ابن بركة واصطحابه معه ما ذكره الإمام ابن بركة في رسالته التعارف" فقد جاء فيها في ص 22. وقد كنت دخلت أنا وأبو خالد مع الشيخ أبي مالك - رضي الله عنه - على مريض .... الخ. وقد كنا صحبنا الشيخ أبا مالك إلى سر عوتب .. الخ وسر عوتب" محلة بمدينة
صحار. (1/56)
صفحة 57
ولهذا كله بزغ نجم الإمام ابن بركة، وبرز في عصره عالما مجتهدا
فحقق ودقق، وأصل كثيرا من القواعد في الفقه (1).
وقد صار لفقهه صدى كبير عند من جاء بعده من علماء المذهب
الإباضي، فلا يكاد يخلو كتاب من كتب العلماء المتأخرين عنه من نقل أقواله، وتدوين فتاواه، ورصد تحريراته وتفريعاته وتخريجاته (2).
وقد كان الإمام ابن بركة رجلا حريصا على النظر والتأمل عند
الاستدلال، نابذا للتقليد المذموم وراء ظهره، داعيا إلى التحرر من غله وقيوده، ومن كلامه في ذلك.
ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء، ومسامحة الآراء، وتقليد الآباء، وإياه نسال أن يجعلنا من المتبعين لكتابه الذابين عن دينه، والقائمين
بسنة نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم (3).
واتباع الحجة أولى من اتباع الرأي الذي ليس بحجة (4).
والدليل هو حجة الله على الخلق (5) و "لاحظ للنظر" مع النص (6).
ولذا، فليس بغريب أن يفتي الإمام ابن بركة في سؤال وجه إليه- فيمن كان ضعيف العلم، فحفظ في مسالة قولين وابتلي بالعمل بتلك المسألة،
لا
(1)
(1)
(2)
العبري،
مقدمة الجامع.
راجع في ذلك مثلا، الكندي، بيان الشرع الكندي، المصنف العوتبي، الضياء. الجيطالي، قواعد الإسلام، الشماخي، الإيضاح الشقصي، منهج الطالبين القطب النيل السالمي، معارج الآمال، الرواحي، نثار الجوهر وغيرها. وقال عبد الرحمن بكلي في تعليقه على قواعد الإسلام للجيطالي ج 1 ص 193 في ترجمة الإمام ابن بركة: "وبالجملة فقد اشتهر علمه شرقا ومغربا، قل أن يخلو كتاب من كتب الأصحاب من ذكره".
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 25. (4) ابن بركة، المصدر السابق، 242.
(°)
ابن بركة المصدر السابق، ص 339. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ص 85.
07 (1/57)
صفحة 58
يقوى على معرفة أرجح القولين، أن عليه الاجتهاد في ذلك كما يجتهد جابر بن
زيد (1)
وكان الإمام ابن بركة عميد المدرسة الرستاقية"، تلك المدرسة التي كانت كما تقدم ذكره تنعى علي موسي بن موسي وراشد بن النظر خروجهما على الإمام الصلت بن مالك بلا موجب للخروج عليه.
وقد حرر الإمام ابن بركة وجهة نظر هذه المدرسة في هذه القضية، وأبرز أراءها، فكان لما قاله وقع عظيم في النفوس لم يمت بموته، بل ظلت له تأثيرات وشواهد حية بعد وفاته في الواقع الملموس زمنا ليس بالقصير
(")
وكان الإمام ابن بركة رجلا واسع الثراء، كثير المال، وكان سخيا بهذا المال، ينفق على الوافدين عليه منه، وقد أنشأ مدرسته المشهورة ببلدته "بهلى"، للمتعلمين أرضا واسعة من ماله تصرف منافعها عليهم، وبنى مساجد
كما
حبس
(1) العوتبي، الضياء، ج 1 ص 217، وهذا القول من الإمام ابن بركة، إما أن يحمل على قصد المبالغة في حث هذا الضعيف في العلم على التحري وأخذ الصواب، أو يحمل على أن مراده من قوله: إن على هذا الضعيف أن يجتهد كما يجتهد الإمام جابر بن زيد هو أن يجتهد في طلب السلامة بجهده على مبلغ قدر طاقته في العمل بالأعدل من الأقوال، وهذا ما يفيده كلام أبي نبهان من المتأخرين في تفسير اجتهاد هذا الضعيف كاجتهاد جابر بن زيد انظر البوسعيدي مهنا، لباب الآثار، ج 1 ص 49.
(T)
ويؤيد الاحتمال الثاني ما مر ذكره في هامش ص 43، مما نقله الكندي صاحب المصنف عن بعض تلاميذ الإمام ابن بركة في هذا الشأن، فإن ظاهر كلام هذا التلميذ أنه جعل رأي شيخه ابن بركة بالأمر لهذا الضعيف الذي لا يعرف عدل أقاويل العلماء بأن يجتهد كما يجتهد جابر بن زيد جعله مقابلا لرأي من يقول إن لهذا الضعيف أن يأخذ بأي قول من أقوال العلماء ولو مجازفة من غير تحر، فيدل هذا على أن مراد الإمام ابن بركة من هذه العبارة هو أن يجتهد هذا الضعيف في طلب السلامة لنفسه بالتحري في العمل بأحق الأقوال، وليس مراده أن على هذا الضعيف أن يجتهد ويستنبط كاستنباط واجتهاد جابر، فإنه عاجز عنه لا محالة لعدم تأهله وتحصيله لأدوات الاجتهاد والله اعلم، وعلى كلا التوجيهين لهذا الكلام فهو دال على حث
الإمام ابن بركة على طلب إصابة الحق اعتمادا على الدليل الصحيح سواء كان المكلف مجتهدا أو مقلدا. ويدل على ذلك أن آراء الإمام ابن بركة تلك ظلت قائمة بعد وفاته بزمن طويل، حتى أن صاحب المصنف الإمام أحمد بن عبدالله الكندي، وهو من علماء القرن السادس الهجري - ألف كتابه "الأهتداء"، وانتصر فيه لرأي الإمام ابن بركة، وقد حاول عرض محل النزاع بين المدرستين النزوانية والرستاقية على قواعد تنفق عليها للمدرستان، وتسلمان بها، ثم خرج بنتيجة صحيحة أن لو سلم له أن صفة الحدث الواقع بعمان في عهد الإمام الصلت بن مالك جارية على ما آل إليه نظره.
08 (1/58)
صفحة 59
عدة ببلدته "بهلى"، منها: مسجده الواقع بمحلة "الضرح، ومسجد الخير، ومسـ الشريعة، ومسجد الفحال، ومسجد الوحيد (1).
جد
ومن غرر كلامه المحفوظ عنه قوله: "من أقدم على معايب الرجال قبلي
أن يعرف معاذيرها وتقحم الموارد قبل أن يعد مصادرها ندم حيث لا تنفعه الندامة، وهرب حيث لا ترجى له السلامة، وحصل في ضيق المسالك، ودخول
المهالك وتورط في المشكلات وتهور في المهلكات ووقع في الشبهات" (2). وقال عن علم الشريعة: "هذا" علم لا يدركه إلا من سهر ليله بالتلاوة، واشتغل نهاره بالبحث عن الرواية، حتى يحفظ الآيات، ويعرف المحكمات من المتشابهات، والناسخات من المنسوخات، فأما من نبذ القرآن وراء ظهره، وقطع بالبطالة أيام عمره، ولم يتعرض للحفظ فيها، وهو لا يقف على معانيه، لم يكن له عدو أعدى من لسانه، ولا ناصح أعدل شانه (3). من
أقوال العلماء عنه: وقد أثنى عليه بعض العلماء، ومما قيل عنه: ومنهم أي الأزد - الشيخ أبو محمد ... وهو العالم المشهور والبليغ
المذكور (4)
و من علمائهم- أي الأزد - الشيخ الجهبذة أبو محمد عبد الله بن
محمد (9)
(1) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 226. العبري، مقدمة الجامع. ولا تزال آثار مدرسته قائمة حتى هذا العصر، وهي قرب مسجده الذي يقع بمحلة الضرح من مدينة بهلا موطنه، وقد وقفت عليها وعلى أرضه التي حبسها للمتعلمين والتي تقع قريبا من مكان، مدرسته وقد ضمت في الآونة الأخيرة إلى أوقاف بيت
(2)
المال.
الكندي،
(3) الكندي،
أحمد، الاهتداء، ص 198.
المصنف،
ج 1 ص 28.
(4) العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218.
(9) ابن رزيق، الصحيفة القحطانية، مخطوط، ورقة 506. (1/59)
صفحة 60
هو العلامة الكبير والمفتي الخبير، والشيخ الشهير، أبو محمد عبد الله بن محمد (1).
(د)
الشيخ العلامة الأصولي أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة" (2). وقال الإمام السالمي () عند كلامه عما يقوم مقام حركة اليد عند الغسل: "قما في نفس أبي محمد يأتي على جميع ذلك، لأن العلة
واحدة، ولا بأس، فهو محل اجتهاد، وأبو محمد من أهل ذلك (4). وقال صاحب كتاب "نثار الجوهر" بعد أن نقل عن الإمام ابن بركة أن لفظ: "العرية" الوارد في كلام بشير بن محمد بن محبوب في مسألة حد العورة، هو لفظ عامي: "والعجب من أبي محمد وهو اللغوي الأصولي أن تعزب عنه كلمة "العرية"، ثم يظن أنها عامية مع شيوعها في أمهات اللغة (5).
المطلب الخامس: آثاره العلمية:
ترك الإمام ابن بركة بجانب ما أحياه من نهضة علمية بعضا من
المؤلفات القيمة في الفقه الإسلامي.
أولا:
(1)
فقد صنف الإمام ابن بركة الكتب التالية:
كتاب "الجامع" وهو الذي سيدور موضوع البحث حوله- إن شاء الله-.
العبري، مقدمة الجامع.
(2) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 226.
(3) السالمي: هو الإمام عبد الله بن حميد السالمي عالم من علماء القرن الرابع عشر الهجري، انتهت إليه الرئاسة العلمية في عصره بعمان، كان ضريرا، ومن شيوخه: صالح بن علي الحارثي، وراشد بن سيف اللمكي، وكان عالما بارعا في علوم شتى، وكان متيقظا لما يحيط بالأمة من مكائد الاستعمار، وقد استطاع الشمل في عمان وإعادة الإمامة بمبايعة الإمام سالم بن راشد الخروصي عام واحد وثلاثين وثلاثمائة للهجرة، من مؤلفاته: جوهر النظام، طلعة الشمس في أصول الفقه، مشارق أنوار العقول في التوحيد، شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب / اطفيش إبراهيم، مقدمة جوهر النظام، جا دك. الخليلي،
جمع
عبدالله الحقيقة، مخطوط، ورقة 64 - 67
(4) السالمي، معارج الآمال، ج 3 ص 41.
(0) الرواحي، نثار الجوهر، ج 1 ص 225. (1/60)
صفحة 61
:ثانيا كتاب التقييد" وهو كتاب جمع فيه ما قيده من الأجوبة على المسائل التي كان يطرحها على شيوخه: أبي مالك غسان بن محمد بن الخضو،
والإمام سعيد بن عبد الله، وأبي مروان سليمان بن محمد بن حبيب. وكان أكثر ما قيد فيه عن شيخه أبي مالك، فقد خصه من بين شيوخه بتقييد أجوبة أسئلته التي كان يطرحها عليه، وبتقييد ما يسمعه من أجوبته على أسئلة غيره من الطلبة والعامة، بل كان يعرض أجوبة شيخيه الآخرين الإمام سعيد بن عبد الله وأبي مروان عليه ليعرف ما عنده من جواب مطابق أو مخالف لما أجابه به كل واحد من الشيخين المتقدمين (1).
وكانت هذه التقييدات منها ما يتعلق ببعض أبواب التوحيد والولاية والبراءة، وبباب الاجتهاد والاستنباط، ومنها ما يتعلق باب أحكام الإمامة والجهاد وغالب مسائل هذا الكتاب في الفقه. وما يزال هذا الكتاب ضمن الكتب المخطوطة للإمام ابن بركة (3).:ثالثا كتاب "المبتدأ" وهو كتاب" صنفه في التوحيد، وقيام الحجة بوجود الخالق - سبحانه وتعالى من طريق العقل، وفي الفرائض اللازمة على العبد
(1) انظر، ابن بركة التقييد مخطوط، ورقة 318 - 328.
(2)
و توجد لدى الباحث صورة منه. وقد جاء في آخر كتاب التقييد ما نصه: قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة - رضي الله عنه- وأيده بالتقوى: هذا الذي ضمنته هذا الكتاب مسائل كنت قيدتها عن شيخنا أبي مالك غسان بن محمد بن الخضر - رضي الله عنه، وحفظت جوابها من فتياه لي عنها، وربما كان يسأله غيري بحضرتي فأحفظه، وربما كنت أساله عن مسائل كنت أجدها في الآثار فأعرضها عليه على ذلك، أو يشرحه لي فأقيده بحضرته، أو في غيبته، وربما كتبت الجواب وأعرضه عليه فيجوزه (هكذا وردت ولعلها فيجيزه)، ومنه ما لم أكن أعرضه عليه إلا أني أرجو أن هذه الألفاظ وإن كانت ألفاظي فلم تخرج عن معنى الجواب، ولست آمن الغلط والزلل، ولا يؤخذ منه إلا ما وافق الحق، وإلى الله أرغب في
السلامة
والموافقة لما يرضيه إن شاء الله,
?? (1/61)
صفحة 62
بعد التوحيد، وفي الاختلاف بين العلماء، وحكم التقليد لهم، وفي الولاية
والبراءة ... الخ. (1)
رابعا رسالة "التعارف" وهي عبارة عن رسالة صغيرة، تناول فيها موضوع العرف، ومدى جواز تعامل الناس فيما بينهم على أساسه، وقد ألف هذه
الرسالة جوابا لسؤال وصل إليه من بعض
أهل عصره، أرسله في كتاب
كتبه إليه يساله عن العرف، وهي رسالة مطبوعة متداولة (2).
خامسا: كتاب "الموازنة" وهو كتاب ألفه - كما يظهر من مقدمته ردا وجوابا لأحد أصحابه الذين هم من "المدرسة الرستاقية"، والتي كان الإمام ابن بركة عميدا لها، وكان من آراء هذه المدرسة الحكم بالبراءة من موسى بن موسى وراشد بن النظر بسبب بغيهما وخروجهما على الإمام الصلت بن مالك الخروصي كما مر ذكره سابقا.
(1) العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218. وقد وردت نبذة من هذا الكتاب ضمن المجلد الذي يحوي كتاب "التقييد" للإمام ابن بركة، وجاء فيه ما نصه: كتاب "المبتدأ" تأليف أبي. محمد عبد الله بن محمد بن بركة رحمه الله انظر، ابن بركة، التقييد مخطوط، ورقة 99 - 106.
(2) انظر، ابن بركة: التعارف. وقد جاء في أوله بعد البسملة و الحمدلة ما نصه وصل كتابك تذكر ما ضاق صدرك به من الشكوك المعترضة عليك في نفسك ومالك، والوساوس الداخلة عليك في دنياك وآخرتك، حتى قد خفت أن يصير حلالك عليك لأجله حراما، وإن بناحيتك من يقوي ذلك في نفسك، ويثقل عليك من البيوع والمعاملات، والأخذ والعطاء، وأن الشيء الذي يكون حراما على غير مالكه لا يصير حلالا إلا بإطلاق اللفظ به من صاحبه بهبة أو إقرار، وبما يوجبه الحكم بالبينة العادلة، وأن اليقين لا يزيد (هكذا وردت والصواب لا يزول حكمه إلا بيقين مثله وان ما سوى ذلك لا يكون إلا ظنا وشكا، وان الفرائض
والأموال وسائر الحقوق لا تزول بالشك والظن، وإنك أحببت أن أرسم لك فيما بليت به شيئا يؤدي إلى تسكين الدواعي التي في قلبك لتحتمي به من الشيطان وحزبه من رخص المسلمين وآثارهم فيما فيه سلامة لمن أخذ به، وأنا مسعفك إلى مطلبك، ومجيبك إلى مسألتك متقربا إلى الله فيك بذلك .... الخ.
62 (1/62)
صفحة 63
وقد قام الإمام ابن بركة بعرض آراء المدرسة النزوانية" المعارضة لهم
في هذه القضية، وحاول نقض احتجاجاتهم وإلزاماتهم واحدا واحدا (1). وهناك كتب أخرى تنسب إلى الإمام ابن بركة، ولم أقف عليها، وهي:
-1
کتاب مدح العلم وأهله (2)
ب- كتاب "الشرح لجامع ابن جعفر (3)
ج- كتاب "منثورة أبي محمد (4) كتاب "المفسدات (5)
كتاب "الإقليد" (1)
(1)
(V)
انظر، ابن بركة، الموازنة في مجموعة من علماء عمان "السير"،والجوابات ج 2 ص 384 - 420، وقد جاء في أوله بعد البسملة ما نصه: كان كتابك الأول - أيدك الله - وصل بتعريف ما جرى بينكم وبين جيرانكم من المناظرة، وسألت بيان الحجة عليهم في ذلك، وقد نظرت فيما ذكرت من قولهم فما رأيته يستحق جوابا، ولولا أن يظن ظان ممن هو في الجهل مثلهم أنهم سألوا عن شيء فلم يجابوا عليه لكان السكوت عن جوابهم جوابا ولما تدبرت قولهم وجدتهم قد نطقوا بكل مذهب من مذاهب المخالفين بشنيع من قولهم وفاسد اعتقادهم، ولم أر لهم في مذهب الإباضية موضعا، فما أدرى ما الذي دعاهم إلى أن عدلوا عن الحق، واختاروا ما استبدلوا به مذهبا لأنفسهم، ولكن من يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا، أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ". البرادي، أبو الفضل، رسالة في كتب الإباضية، ص 59، وذكر هناك أن كتاب مدح العلم وأهله هذا هو كتاب "الجامع نفسه للإمام ابن بركة، وهذا معناه أن "الجامع" أطلق الاسمان عليه معا، ولكن لا دليل على
ذلك.
(2) السالمي اللمعة المرضية، ص 22، والظاهر أن هذا الكتاب كان موجودا حتى القرن السادس الهجري، لأن صاحب بيان الشرع وهو من علماء أوائل هذا القرن - يورد بعض النقول عنه في كتابه المذكور. انظر الكندي، بيان الشرع، ج 9 ص 10، 36، 64 - 65، 94 - 95، 111،105. بل في كلام العلامة أبي مسلم في كتابه تثار الجوهر" ما يدل على أن كتاب الشرح هذا كان موجودا عنده، إذ عبارته في النقل عنه يفهم منها أنه كان ينقل من نسخة موجودة عنده من هذا الكتاب وليس عن نقل غيره عن هذا الكتاب، فلعل نسخة منه توجد في شرق افريقيا محل إقامة أبي مسلم، والله أعلم. راجع أبي مسلم، نثار الجوهر، مخطوط ورقة
(1)
(•)
175 - 176 وغيرهما.
الكندي، المصدر السابق، ج 68 ص 79.
العبري، مقدمة الجامع.
(2) البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 229.
63 (1/63)
صفحة 64
الباب الثاني: دور الإمام ابن بركة الفقهي في كتابه "الجامع"
الفصل الأول: كتابه "الجامع " ومنهجه فيه، ويشتمل على:
المبحث الأول: التعريف بكتاب "الجامع"، وأهميته.
المبحث الثاني: منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي في كتابه "الجامع".
المبحث الثالث: منهج عرض المسائل الفقهية عند الإمام ابن بركة في
كتابه "الجامع".
??
0 (1/65)
صفحة 65
الباب الثاني: دور الإمام ابن بركة الفقهي في كتابه "الجامع"
الفصل الأول: كتابه "الجامع"، ومنهجه فيه:
المبحث الأول: التعريف بكتاب "الجامع"، وأهميته:
يعد كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة أهم إنتاج علمي وصل إلينا حتى الآن لهذا الإمام، فقد أفرغ فيه عصارة فكره وخلاصة استنتاجاته الفقهية بعد أن استفرغ فيه جهده، وأشبع معظم مسائله بحثا وتدقيقا.
ولم أجد خلافا بين المؤرخين الذين ترجموا للإمام ابن بركة في صحة إسناد كتاب "الجامع"، هذا للإمام ابن بركة، فقد نص هؤلاء على: تسمية هذا الكتاب بـ "الجامع" أو "جامع أبي محمد".
نسبة هذا الكتاب إلى الإمام ابن بركة (1).
وقد تبوأ كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة مكانة مرموقة بين كتب فه المذهب الإباضي، إذ جاء تصنيفه على طراز مغاير للجوامع التي تقدمته، إذ اعتنت تلك الجوامع غالبا بتجميع مسائل فقه المذهب دون تحريرها، وقد بوزت أهمية كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة من بين الكتب الجوامع الأخرى عند فقهاء الإباضية المشارقة من حيث
أولا: ان مؤلفه الإمام ابن بركة قد مهد له بمقدمة اشتملت على نصيب من مسائل علم أصول الفقه جعلها مدخلا ومنفذا ينفذ من خلاله إلى الفقه (2)،
(1) انظر، العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218، ابن رزيق، الصحيفة القحطانية، مخطوط ورقة 506. الفتح المبين، ص 144. السالمي اللمعة المرضية، ص 22. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 227. البرادي، رسالة في كتب الإباضية، ص 59، غير أن البرادي مع نصه على تسمية هذا الكتاب بـ"الجامع" يذكر له اسما آخر وهو كتاب "مدح العلم وأهله، وقد سبق التنبيه إلى وهم البرادي في ذلك ص 63 من هذه
الرسالة.
(2) راجع هذه المقدمة في: ابن بركة الجامع، ج 1 ص 14 175 (1/66)
صفحة 66
ولا غرابة في ذلك، فإن علم أصول الفقه هو بلا شك - القواعد والأصول التي
يبنى عليها الفقه، وتستخرج جزيئات مسائله في ضوئها.
وقد بين الإمام ابن بركة نفسه الدافع الذي دفعه إلى وضع هذه المقدمة وأهميتها في صدر كتابه حين قال: فالواجب عليه - أي الفقيه- إذا أراد علم الفقه أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على أصول صحيحة، ليجعل كل حكم في موضعه، ويجريه على سننه ويستدل على معرفة ذلك بالدلالة الصحيحة والاحتجاجات الواضحة ....... لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ما ذكرنا، وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم وأهل المعرفة بذلك، لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها، ونقلوا الحجة على غير جهتها، واستعملوها في غير أماكنها ... ونحن نذكر بعد هذا في كتابنا هذا من هذه المعاني ونبين من ذلك ما نرغب إلى الله في توفيقه لنا ومعونته على ذلك". (1)
ثانيا: وجود الفقه المقارن فيه: إذ حاول الإمام ابن بركة أن يجعل من كتابه "الجامع" ما يشبه كتابا في الفقه المقارن في عصرنا هذا، فعنايته البالغة بفقه مذهبه الذي ينتمي إليه لم تكن تمنعه من ذكر آراء الفقهاء من الصحابة (2) والتابعين (3) وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى (4).
وهذا يعطينا دلالة واضحة على أن الإمام ابن بركة قد اطلع على بعض كتب المذاهب الإسلامية الأخرى، واشتغل بقراءتها، فنق ل أقوال أصحابها في كتابه، ويدل على ذلك ما ذكره من أسماء بعض
الكتب التي طالعها، وأمعن النظر فيها، مثل كتاب "اختلاف الفقهاء" اء (o)
67
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 14 - 15.
انظر ذلك في ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ج 2.
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 2.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ج 2. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 25.
(1)
(2)
(3)
(4)
(•) (1/67)
صفحة 67
(د)
للإمام الطبري (1)، ومثل كتب داود (2) بن علي (3)، وكتاب ابن المغلس (4)، (5)، ولا شك أنه قد اطلع على غيرها من الكتب الأخرى، فإن معظم الفقهاء الذين ذكرهم في كتابه كانوا يعيشون في العراق، وقد كان الاتصال بين عمان والعراق - خاصة البصرة منها - في ذلك الوقت أمرا معتادا بحكم قيام سوق التجارة بينهما. ثالثا: عنايته بفقه المذهب الإباضي: وقد أولى الإمام ابن بركة هذا
الجانب اهتماما خاصا وعناية كبرى، وقد جاء ذلك انطلاقا من الغاية والـ هدف الذي حمله على تأليف هذا الكتاب، ولهذا فقد بذل جهده ليجعل من كتابه "الجامع" مرآة عاكسة يستشف القارئ من خلالها الفقه الإباضي بمعالمه واتجاهاته وتصوراته ومعالجة فقهائه للقضايا الفقهية من لدن أقطاب المذهب الأوائل الذين قامت أسسه ودعائمه على أيديهم كجابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة والربيع بن حبيب - رحمهم الله تعالى - ومن بعدهم حتى الحقبة التي عاشـ الإمام ابن بركة (1).
ــها
(1) الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، ولد عام أربعة وعشرين ومائتين للهجرة بأمل طبرستان، وكان من أشهر المفسرين والمؤرخين له مصنفات عديدة منها: جامع البيان في التفسير، وكتاب التاريخ، وكتاب اختلاف الفقهاء، مات ببغداد عام عشرة وثلاثمائة للهجرة ودفن في داره. ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 4 ص 191 - 192. ابن الأثير، الكامل، ج 7 ص 8 - 10.
(2) داود: أبو سليمان داود بن علي بن خلف الأصبهاني، إمام المذهب الظاهري، ولد بالكوفة، عام اثنين ومائتين للهجرة، ونشأ ببغداد، وأخذ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور، مات عام سبعين ومائتين للهجرة. / ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 2 ص 255 - 257. الذهبي، العبر، ج 1 ص 189 - 190.
(3) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 9. (4) ابن المغلس: هو أبو الحسن عبد الله بن أحمد بن المغلس البغدادي، أحد علماء الظاهرية، أخذ الفقه عن أبي بكر محمد بن داود، وهو الذي نشر فقه داود قبل ابن حزم وله عدة مصنفات، توفي بالسكتة عام أربعة وعشرين وثلاثمائة للهجرة / ابن كثير، البداية والنهاية، ج 1 ص 186. ابن العماد، شذرات الذهب، ج 4
ص 129.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 181.
(1) راجع ذلك في ثنايا كتاب الجامع لابن برحه، ج 1 ج 2.
68 (1/68)
صفحة 68
وبإلقاء نظرات فاحصة في كتاب "الجامع" يمكن إبراز وتلخيص وجوه
اهتمام الإمام ابن بركة بفقه المذهب الإباضي في كتابه "الجامع" فيما يلي: • أنه حاول تنقية وغربلة مسائل فقه المذهب الواردة في كتب الجوامع الفقهية في المذهب الإباضي السابقة عليه، وتبسيطها باسلوب يقرب إلى الاختصار، والبعد عن الإطالة والتفريعات الفقهية التي عنيت بها الكتب الجوامع المتقدمة عليه.
اعتنى بإبراز المسائل الفقهية التي ورد فيها الاتفاق بين علماء المذهب حتى العصر الذي يعيش فيه (1)، كما أبرز بالمقابل أيضا نظائرها من المسائل الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين علماء المذهب الإباضي حتى تلك الحقبة من الزمن (2).
ولم يكتف الإمام ابن بركة بعرض مواطن الاتفاق والخلاف بين علماء
المذهب في المسائل الفقهية فحسب، وإنما كان يشير أحيانا إلى ذكـ معتمد المذهب الإباضي في المسائل الخلافية في العمل والفتيا، وما تجري به الأحكام عند علمائه (3)، وبيان الشاذ والمتروك من الأقوال (4)، كما تعرض لذكر بعض اختيارات شيخه أبي مالك ()، وإلى ذكر بعض الآراء الفقهية التي لم يسمع بوجودها في المذهب كمسألة عدم اشتراط
(1)
انظر على سبيل المثال، ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 176، 184، 201، 214، 226، 304، 314، 324، 416، 431. و ج 2 ص 91، 97، 118، 171، 282، 283، 320، 466، 505، 563.
(2) انظر على سبيل المثال ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 303، 318، 331، 424، 580، 585،
610، 618، 625. و ج 2 ص 106، 117، 13، 149، 157، 175، 175، 340، 349، 411، 479. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 373، و ج 2 ص 19، 213، 220، 231، 284، 341، 384، 586. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 57، 192، 216، 434، 451.
(1)
(0) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 304، 566، 625، ج 2 ص 19، 212، 313، 343، 585.
69 (1/69)
صفحة 69
(1)
(T)
(1)
النية في الوضوء (1)، ومسألة عدم جواز الصلاة بطهارة حتى يتيقن أنه لم يحدث (2)، ومسألة جواز الصلاة الفريضة داخل الكعبة (3)، ومسألة القول بعدم وجوب الوصية للقريب غير الوارث (4)، ومسألة القول بتكافؤ الدم بين الذكر والأنثى في القصاص (5).
أنه حفظ لنا كثيرا من آراء علماء المذهب الإباضي المتقدمين على عصره ممن لم تصل إلينا مؤلفات لهم، فقد نقل آراء المذهب لوائل بن أيوب (6)، ومحمد بن محبوب، وسليمان بن عثمان ()، وموسى بن أبي جابر (8)، وهاشم بن غيلان (1)، وموسى بن
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 254. ابن بركة، المصدر السابق: ج 1 ص 356.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 489. (1) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 600.
(•)
(1)
(^)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 499.
وائل بن أيوب أبو أيوب، عالم من الطبقة الرابعة من أهل حضرموت اشتهر بالزهد والورع له مناظرات مع المعتزلة ومراسلات مع الإمام غسان بن عبد الله الشماخي السير، ج 1 ص 97. السيابي طلقات المعهد، ص 36.
:
(2) سليمان بن عثمان أبو عثمان من علماء النصف الثاني من القرن الثاني الهجري، من نزوى بعمان، أخذ العلم عن شيخه موسى بن أبي جابر الأزكوي، وكان أحد العاقدين الإمامة للإمام غسان بن عبد الله اليحمدي وأحد قضاته، وكانت وفاته في عام خمسة ومائتين للهجرة تقريبا السيابي، عمان عبر التاريخ، ج 1 ص 56. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 428. موسى بن أبي جابر عالم من الطبقة الخامسة من أهل إزكي بعمان، نسبه من بني سامة بن لؤي بن غالب، أخذ العلم عن الإمام الربيع بن حبيب، وكان أحد حملة العلم من البصرة إلى عمان، وصار مرجع أهل عمان في عصره، وقام بعقد الإمامة لمحمد بن أبي عفان، ثم عزله لأحداثه، وعقد للوارث بن كعب، توفي عام واحد وثمانين ومائة للهجرة / الأزكوي، كشف الغمة، مخطوط ورقة 363. البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 168 - 169. (1) هاشم بن غيلان أبو الوليد، أحد علماء أواخر القرن الثاني الهجري، من بني هميم أخذ العلم عن موسى بن أبي جابر، وعنه أخذ ابنه محمد بن هاشم وطالوت السموئلي وسليمان بن عبد العزيز الحضرمي، توفي على التحري في عهد الإمام عبد الملك بن حميد، وقبره ببلده سيجا بسمائل من عمان / البطاشي، اتحاف الأعيان، ج 1 ص 176 - 177.
Y. (1/70)
صفحة 70
(1)
علي
(1)، وأبي معاوية عزان بن الصقر (2)، وأبي المؤثر الصلت بن خميس، وبشير بن محمد بن محبوب، وأخيه عبد الله بن محمد، كما نقل آراءا لبعض إباضية البصرة وخراسان والموصل (3)، ولا شك أن الإمام ابن بركة قد اطلع بحكم قربه من عصور هؤلاء العلماء على مؤلفات لبعضهم إن لم يكن لجميعهم، ونقل أراءهم منها، ويدل على ذلك ما ذكره من اطلاعه على كتاب الخزانة (4) لأبي المنذر بشير بن محمد بن محبوب الذي توجد نسبته إليه، ولا يكاد يرى أثر له في عصرنا هذا. اهتم بتدوين وصياغة كثير من القواعد والضوابط الفقهية على هيئة نصوص قصيرة (5).
ولهذا كله ولسواه جاه كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة فريدا من نوعه بين كتب الإباضية المشارقة المعروفة بـ"الجوامع"، وصار ذا أهمية عند علماء المذهب - خاصة فقهاء عمان -، إذ صاروا يعكفون عليه دراسة وبحثا، ويكثرون من النقل عنه، ولذا يذكر بعض العلماء المعاصرين أن هذا الجامع" يعرف في الأثر العماني بـ"الكتاب"، فإذا
موسى بن علي: أبو علي الأزكوي، من بني سامة بن لؤي بن غالب، ولد عام سبعة وسبعين ومائة للهجرة، أخذ العلم عن والده على بن عزره وهاشم بن غيلان، وتبحر في العلم في سن مبكرة، وكان شيخ أهل الحل والعقد في عصره، فقام بأمور الإمامة بعد ضعف حواس الإمام عبد الملك بن حميد، مات عام ثلاثين ومائتين، وقيل عام واحد وثلاثين ومائتين للهجرة، وعمره ثلاثة وخمسون عاما/ البطاشي، المصدر السابق، ج 1 ص 181 - 182. (2) عزان بن الصقر: أبو معاوية عالم من علماء القرن الثالث الهجري، يحمدي من أهل نزوى، أخذ العلم عن شيخه محمد بن محبوب، مات بصحار من عمان عام ثمانية وستين ومائتين للهجرة / البطاشي، المصدر السابق، ج 1 ص 195 - 196.
(3)
انظر اراء هؤلاء العلماء في ابن بركة الجامع، ج 1 و ج 2. (4) قال الإمام ابن بركة عند الكلام عن ابتداء فرضية الصلاة والذي أتوهمه أن أبا المنذر بشير بن محمد محبوب كان يقول بهذا لأني وجدت له قولا في كتابه المعروف بالخزانة ... الخ المصدر السابق،
ج 1 ص 455.
...
(0) وسيأتي ذكر هذه القواعد والضوابط في فصل مستقل.
71 (1/71)
صفحة 71
وجد في شيء من كتب المشارقة كبيان الشرع (1) والمصنف (2) قولهم: ومن "الكتاب" فالمراد بذلك هذا الجامع (3).
هي
هذا، وهناك ملاحظتان تلفتان النظر عند التأمل والمطالعة في كتاب الجامع" للإمام ابن بركة وهما: أولا: أن مسائل الكتاب لم ترد مبوبة حسب الترتيب الموضوعي الفق المعروف، فهناك مسائل في الأحكام وفي المعاملات وفي الحدود عرضت قبل مسائل في باب الصلاة (4)، وهناك مسائل في باب الطلاق والعدة والعتاق جاء عرضها بين مسائل في باب البيوع ومسائل في باب الإيجارات ()، إلى غير ذلك من الأمثلة التـ تظهر عدم الترتيب والتنسيق (6). ثانيا: أن هناك مسائل عديدة في كتاب "الجامع" حظيت بالتكرار والإعادة وهي
على قسمين:
-1 - مسائل كررت وأعيدت بعرض مغاير لورودها السابق في الكتاب، ومن
أمثلة ذلك ما يلي:
(1) بيان الشرع: كتاب موسوعي في فقه المذهب الإباضي، لمؤلفه محمد بن إبراهيم الكندي المتوفى عام
508 ه، ويقع في حوالي اثنين وسبعين مجلدا.
(2) المصنف: كتاب في فقه المذهب الإباضي، لمؤلفه أبي بكر أحمد بن عبد الله الكندي، المتوفى عام 557 هـ اختصر فيه كتاب بيان الشرع ويقع في واحد وأربعين مجلدا.
(1) العبري مقدمة الجامع. غير أنه بالتأمل في الكتابين المذكورين وغير هما نجد أن هذا الأمر ليس على إطلاقه، إذ قد ورد في كل من الكتابين هذه العبارة وهي و من الكتاب" مع أن النقل ليس من "الجامع" للإمام
ابن بركة.
(1) انظر، ابن بركة الجامع، ج 1 ص 176 - 229.
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 372 - 391.
(1) راجع مثلا: مسألة تضمين السارق، ج 1 ص 329، ومسألة غيبة المؤمن، ج 1، ص 358، ومسألة استحباب عمل اليد، ج 2 ص 239، ومسألة استعمال الآنية الغالية، ج 2 ص 309، ومسألة الرضاع، ج 2 ص 453.
فهذه المسائل جاء عرض كل منها في غير بابه المعهود.
72 (1/72)
صفحة 72
-
مسألة "الوضوء مما مسته النار"، وردت في أول عرض لها في ج 1 ص 287 - 288، وكررت في ج 1 ص 305 وص 404 (1). مسألة "حكم تارك الصلاة وردت في أول عرض لها في ج 1 ص 463 - 465، وكررت في ج 1 ص 501 (2).
مسألة "بيع الرجل مال ولده وردت في أول عرض لها في ج 2، ص 357 - 358، وكررت في ج 2 ص 362 - 366، ثم كررت في ج 2، 466 - 467 (3).
2 - مسائل كررت وأعيدت بنفس ألفاظها تقريبا، ومن أمثلة ذلك:- - مسألة "حكم لزوم تعدد الغسل للمرأة التي تصيبها الجنابة من جماع ثم تحيض بعدها"، إذ وردت في أول عرض لها في ج 1، ص 331، وكررت بلفظها في ج 1 ص 375 (4). - مسألة اعتراض الخاص على العام وردت في أول عرض لها في ج 1 ص 391 - 392، وكررت بلفظها تقريبا في ج 1، ص 591 -
(0) 092
- مسألة: تفسير "الخداج" الوارد في قوله - صلى الله عليه وسلم-: "كل صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهي خداج (6)، وردت هذه المسألة في أول عرض لها في ج 1، ص 514، وكررت بلفظها تقريبا في ج 1
ص 594 (7).
(1) ابن بركة، المصدر السابق.
(T)
ابن بركة، المصدر الجامع. (3) ابن بركة، المصدر السابق. (4) ابن بركة، المصدر السابق.
(0) ابن بركة، المصدر السابق.
(1)
) أخرجه الربيع / كتاب الصلاة، ب [38] رقم 222 ج 1 ص 95. مسلم كتاب الصلاة، ب [11] رقم 38 ج 4
(7) ابن بركة، المصدر السابق.
73 (1/73)
صفحة 73
هذا، ويمكن توجيه هاتين الظاهرتين في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة بما يلي:
أولا من حيث ظاهرة عدم الترتيب الموضـ الترتيب الموضوع الفق لمسائل كتاب
"الجامع":
هي
يظهر - عند التأمل - أن الكتاب قد كان على هذه الصفة من عدم الترتيب
منذ عهد مؤلفه، ولتعليل ذلك احتمالان لكل واحد منهما ما يؤيده: أ- أن يكون المؤلف قد صرف همته في بداية التأليف للاشتغال بما جعله الغاية من تأليف الكتاب، وهي بناء فروع الفقه على القواعد الأصولية، وقرن المسائل بادلتها والترجيح بينها، وهذا جعله يتعرض لكل مسألة من مسائل الكتاب عندما يجد نفسه مستحضرا لأدلتها، ووجوه الاختلاف فيها، مع غض النظر عن سبقها أو تأخرها في التبويب الفقهي، ناويا أن يكون له عود على بدء لتبييض مسائل الكتاب وترتيبها، فعاجلته المنية قبل ذلك، فبقي الكتاب غير مرتب ولا مبوب، ولم يقدم أحد من العلماء بعده على ترتيبه وتبويبه.
ويؤيد هذا الاحتمال ورود بعض المسائل الفقهية في "الجامع" كان للإمام
ابن بركة في كل واحدة منها أكثر من رأي فقهي، ومن هذه المسائل:- أ- مسألة "حكم القدمين في الوضوء" فمرة ذهب الإمام ابن بركة في موضع من "الجامع" إلى القول بوجوب غسلهما (1)، بينما ذهب في موضع آخر من "الجامع" إلى القول بوجوب الجمع بين المسح والغسل فيهما (2). ب - مسألة صلاة العاري غير الواجد للسترة فقد صرح في موضع من "الجامع" بان الواجب عليه أن يصلي قائما لأن سقوط فرض السترة عنه لعدم وجدانه ما يستر به نفسه في الصلاة لا يسقط
(1) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 247.
(")
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 272.
74 (1/74)
صفحة 74
ج-
فرض القيام الواجب عليه (1)، بينما صدر في موضع آخر بوجوب أن يصلي قاعدا لأن فرض الإستتار في الصلاة بما أمكن أكد من فرض القيام (2).
مسألة "أداء النساء والعبيد والمسافرين لصلاة الجمعة ذكر في موضع من الجامع" أن هؤلاء إذا صلوا الجمعة مع من وجبت عليه أجزأتهم عن فرض الظهر (3)، بينما ذهب في موضع آخر إلى التردد في القول بإجزاء صلاتهم الجمعة عن فرض الظهر (4).
مسألة "حكم الزكاة في غير السائمة من الأنعام" فقد قال في موضع من "الجامع" بعدم وجوب الزكاة في غير السائمة، لأن التقييد الوارد في النصوص بالسائمة يخرج غير السائمة من الزكاة ()، بينما ذهب في موضع آخر إلى القول بوجوب الزكاة مطلقا في السائمة و غير السائمة، لأن ذكر السائمة لا يدل على نفي الزكاة في غيرها (6).
فورود أكثر من قول للإمام ابن بركة في هذه المسائل وغيرها يعط دلالة واضحة على أن الإمام ابن بركة مات ولم يضع لمساته الأخيرة على كتابه "الجامع" بتبييضه وتدقيقه، إذ لو ثبت أنه قد بيض كتابه قبل وفاته لكان له فـ تلك المسائل التي تم عرضها وغيرها رأي واحد قد استقر عليه.
Yo
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 503. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 541. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 566. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 572. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 610. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 620.
(1)
(2)
(1) (4) (°) (1) (1/75)
صفحة 75
أن يكون المؤلف الإمام ابن بركة حذا حذو بعض المؤلفين في عصره ب-
قبله بقليل في عدم الاهتمام بالترتيب والتبويب في مؤلفاتهم أصلا، فكتاب "جامع ابن جعفر" الذي كان مؤلفه متقدما زمنيا على الإمام ابن بركة لم تكن أبوابه ومسائله مرتبة أيضا، وإنما رتبه عالم متأخر
عنه (1).
ـبر
ويؤيد هذا الاحتمال تطابق اسم الكتابين، فكل واحد منهما يطلق عليه اسم "الجامع"، ودلالة هذا الاسم توحي برغبة كل منهما في جمع قدر من المسائل الفقهية مع صرف النظر عن ترتيبها، وإنما اختلف أسلوب كل منهما عن الآخر ومنهجه في كتابه بناء على الغاية التي انطلق كل واحد منهما إليها في تأليف كتابه، فابن جعفر كانت غايته فقه المذهب فلذا اقتصر على إيراد فقه علماء المذهب فقط، ولم يذكر غيرهم إلا نادرا، كما أنه يقتصر على إيراد الأدلة دون التعرض لمناقشتها وبيان راجحها (2)، بينما كانت غاية الإمام ابن بركة المقارنة والمناقشة، ولذا فقد استعرض أقوال الفقهاء من غير أهل المذهب الإباضي (3).
جمع
الذي رتب جامع ابن جعفر هو الشيخ مهنا بن خلفان بن محمد البو سعيدي، من علماء القرن الثالث عشر الهجري، وقد بين ذلك في تقديمه للكتاب حيث قال: "إلا أن هذا الجامع المشار إليه فيما تقدم من كلامنا، تصنيفه بخلاف أسلوب المصنفين في تصانيفهم من أجل أن بعض المسائل فيه موضوعة في غير موضعها وربما بعض أبوابه قد احتوى على مسائل مختلطة في معان متفرقة .... فاحببت وضع كل شيء في موضعه اللائق به من مسائل وأبواب لكي يستحسنه، قارئه وتسهل مطالعته على مطالعيه من غير نقصان منه ولا زيادة فيه ... الخ". انظر مقدمة جامع ابن جعفر، ج 1 ص 32. هذا، وقد يكون عدم الترتيب والتنسيق في تأليف الكتب أمرا معتادا عند متقدمي الفقهاء، فقد قال ابن خلدون في مقدمته ص 285 عن مدونة سحنون ما نصه فترك الناس كتابه يعني أسد ابن الفرات، واتبعوا مدونة سحنون على ما كان فيها من اختلاط المسائل في الأبواب، فكانت تسمى المدونة والمختلطة.
انظر، ابن جعفر، الجامع، ج 1، 5،4،3،2.
76
K
انظر، ابن بركة، الجامع، ج 2،1.
(1)
(2)
(T) (1/76)
صفحة 76
هذا، ومما ينبغي ملاحظته أن لبعض ناسخي كتاب "الجامع" دورا ثانويل في توسيع دائرة عدم الترتيب، فإن لمسات التصرف من بعض النساخ في الكتاب ظاهرة، ويبرهن ذلك ما يلي: أ- عبارة وردت في ثنايا الكتاب عقيب مسالة في القياس نصها: تتلو هذه المسألة أي مسالة القياس المذكورة مسألة أولها الدليل على من قال: العموم لا يستغرق الجنس، وهي مكتوبة قبل باب الوصايا في آخر الكتاب في السابع من النسخة، وعلى أثر هذه المسألة مسألة في صيغة الأمر مكتوبة بعد "باب حد السارق الآخر" من الكتاب، تجده إن شاء الله وتدبره لئلا يلتبس عليك (1)، فهذه العبارة تدل على أنه قد وقع بعض التصرف في ترتيب مسائل الكتاب. ب إدخال سؤالين في الكتاب مع إجابتهما، الأول منهما في زكاة الفط وصرح فيه بأنه موجه إلى الإمام ابن بركة (2)، والثاني منهما في باب "الضمان"، ولم يبين فيه إلى من وجه إليه (3).
أما من حيث ظاهرة التكرار لبعض المسائل الواردة في الكتاب، فقد تقدم أن التكرار جاء على قسمين:
-أ- تكرار متماثل لفظا ومعنى: وهذا يبعد أن يكون صادرا عن المؤلف نفسه، لأنه إما أن يكرر المسألة التي تكلم عنها ارتجالا، فيبعد أن يصوغ تلك المسألة بنفس ألفاظها السابقة، وإما أن يعيدها مع النظر فيما كتبه سابقا عنها، ثم ينقله بنصه وفصه في موضع آخر من الكتاب بغير زيادة، بيان، فهذا عبث لا يصدر من عاقل جاهل فضلا عن عاقل عالم، لأن
ذلك تحصيل حاصل ليس أكثر، ولا شك في أن هذا من النساخ.
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 156.
(2)
انظر،
، المصدر السابق، ج 2 ص 24، ونص هذا السؤال هو: سئل الشيخ أبو محمد عن الذي يعطي فطرة شهر رمضان رطبا؟ فقال: يعطي صاعا ونصفا، ومن البسر صاعين".
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 471.
77 (1/77)
صفحة 77
بتكرار مع زيادة معنى وبلفظ مختلف فهذا النوع لا شك أنه صادر عن المؤلف نفسه، وبرهان ذلك بعض العبارات التي وردت عن الإمام ابن بركة في الجامع" مثل قوله: وقد بينا معنى الخداج في غير هذا الموضع من كتابنا (1)، وقوله وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا الاختلاف بين الفقهاء في معنى المزابنة (2) وقوله وليس" الإشهاد عندنا على الحقوق واجبا لدلائل قد ذكرناها فيما تقدم من كتابنا هذا (3)، وقوله قد تقدم وجه كل رأي من هذين القولين فيما تقدم لنا من المسائل في هذا الكتاب (4) وقوله لكل واحد منهم حجة نذكرها في غير هذا الموضع إن
شاء الله (5)
فكل هذه العبارات تعطي دلالة واضحة على أن الإمام ابن بركة يتكلـ عن بعض المسائل في اكثر من موضع من كتابه، فنتج عن ذلك تكرار بعض المسائل في أكثر من موضع منه.
وهذا النوع من التكرار يباين النوع الأول المتفق لفظا ومعنى، ولا يخلو
من بعض الفوائد أهمها:
أولا: زيادة الأدلة وبعض التوضيحات: ففي الكلام عن مسألة وجوب الوتر أورد الخلاف فيه بين الإمام محمد بن محبوب والإمام موسى بن علي، وهما من علماء المذهب الإباضي ثم أعقب ذلك بقوله: "ولكل واحد منهم حجة نذكرها في غير هذا الموضع (6)، ثم ذكر حجة كل واحد
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 463. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 361. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 260. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 435. (0) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1، ص 580.
(r)
(4)
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1، ص 580. (1) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 587. (1/78)
صفحة 78
منهما بعد ذلك في موضع آخر (1).
ثانيا: ذكر أحكام متعلقة بالمسألة المتكررة لم ترد من قبل في العرض الأول للمسألة: ففي الكلام عن وجوب ستر العورة في الصلاة اقتصر في العرض الأول للمسألة على حكم صلاة المرأة وهي تظهر بعض عورتها أثناء الصلاة (2)، بينما أورد في العرض الثاني للمسألة زيادة على ما تقدم كيفية صلاة العاري غير الواجد للثوب، ومسألة من له ثوب نجس، هل يصلي به قائما، أو يلقيه عن نفسه ويصلي قاعدا؟ (3). ثالثا: ذكر أراء أخرى لعلماء المذهب في المسالة المتكررة: ففي مسالة "حكم إتيان من كانت حائضا ثم طهرت من حيضها، ولم تغتسل بعد "أورد في العرض الأول للمسألة رأي القائلين بعدم جواز الغشيان (4)، ثم قال: "وقد قال بعض أصحابنا بغير هذ التأويل، ونحن نذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله ()، ثم ذكر في ج 1 ص 373 قولا آخر لعلماء المذهب ماده جواز غشيان من كانت حائضا ثم طهرت ولم تغتسل بعد، وذكر هناك أيضا حجة المانعين وحجة المجوزين، وما اختاره هو من القولين. هذا، وقد شاع في بعض الأوساط العلمية بعمان في تعليل ظاهرتي عدم الترتيب والتكرار الواردتين في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة بأن مسائل هذا الكتاب كانت عبارة عن دروس كان يلقيها الإمام ابن بركة على تلاميذه في مدرسته التي أنشأها ببهلى ودونها التلاميذ عنه، ولم يكن هو عاكفا على تأليفها بنفسه، ثم جمعت بعد ذلك من أيدي التلاميذ، وضمت مع بعضها الآخر، فخرجت على هذا الشكل من عدم الترتيب والتكرار.
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 587 - 588. (2) بن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 483.
(د)
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 540 - 541.
ابن
بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 261. (9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 262.
79 (1/79)
صفحة 79
وهذه شائعة ليس لها أساس من الصحة، ولا يسعفها ثم دليل، ويكفي
لإبطالها ما يلي: أولا: أن إسناد كتاب "الجامع"، وتأليفه للإمام ابن بركة جاء مبكرا منذ زمن قريب من عصر الإمام ابن بركة نفسه (1).
:ثانيا تصريح الإمام ابن بركة نفسه في مقدمة الكتاب بتأليفه إياه، فقد قال بعد ذكر أهمية الربط بين الفقه وأصوله: ونحن نذكر هذا في كتابنا هذا من
(2)
هذه المعاني ثالثا: ورود عبارات كثيرة في ثنايا كتاب "الجامع" تصرح بتأليف الإمام ابن بركة للكتاب ومن أهمها:
أ- وهذا خبر له تأويل وشرح طويل، ولن يخفى على خواص أصحابنا -إن
شاء الله، لأن الكتاب لهم جمعناه، وإياهم قصدنا به" (3).
ب والدليل على منع تقديم كفارة اليمين قبل الحنث قد دللنا عليه فيما تقدم من كتابنا هذا (4).
ج- وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا الاختلاف بين الفقهاء في معنى المزابنة (5).
(1)
6
فقد كان أول من نسبه إليه العوتبي صاحب كتاب "الأنساب"، وهو متأخر عنه بقرن واحد إذ إنه من علماء النصف الأول من القرن الخامس الهجري / انظر البطاشي، إتحاف الأعيان، ج 1 ص 273، والإمام ابن بركة من علماء القرن الرابع الهجري، وقد أورد العوتبي نسبة كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة في كتابه "الأنساب" بقوله: "ومنهم أي الازد- الشيخ أبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة ... صاحب الكتاب "الجامع". انظر،
العوتبي، الأنساب، ج 2 ص 218.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 15.
(T)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 258.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2، ص 96. (0) ابن بركة، المصدر السابق: ج 1، ص 631. (1/80)
صفحة 80
المبحث الثاني: منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي في كتابه "الجامع" لقد ثبت – لدى الباحث ــ بالاستقراء والمتابعة وتكرار النظر في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة أن منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي لا يخرج عموما عن مناهج نظرائه من فقهاء المسلمين من أهل مذهبه أو غيرهم في الاستدلال إلا فيما يعرض فيه الخلاف بين الفقهاء في جزئيات ومفردات مسائل علم أصول
الفقه.
ويمكن القول بأن توافق منهج الإمام ابن بركة في الاستدلال مع منهج غيره من الفقهاء يعود إلى الاتفاق على مصادر التشريع الأصلية والتبعية، فالإمام ابن بركة - قبل كل شيء - تخرج من مدرسة فقهية ترى في القرآن الكريم والسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام- والإجماع والقياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة ... الخ، أدلة يمكن بواسطتها
معرفة الحكم الشرعي لكل حادثة ونازلة حسب الأولوية في سلم هذه الأدلة.
ولذا، فقد جاء منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي على النحو التالي: المطلب الأول: الكتاب: يعتبر القرآن الكريم المصدر الأول للتشريع عند الإمام ابن بركة، ولذا فهو يقرر أن القرآن متميز بأنه الكتاب الذي تكفل الله يحفظه، وسلم من دخول النقص والباطل عليه، مصداقا لقوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) الحجر [9]، ولقوله سبحانه: (وإنه لكتاب عزيز، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد) - فصلت [41] و [42].
وقد قام الإمام ابن بركة في مقدمة كتابه "الجامع" بإبراز بعض مزايا القرآن الكريم من حيث إعجازه وحسن نظمه وبلاغته وعدم قدرة الخلق على محاكاته والإتيان بمثله مستشهدا على ذلك بأن الرسول صلى الله عليه وسلم - جاء بهذا القرآن الكريم قوما كانوا هم الغاية في الفصاحة، والعلم باللغة، والمعرفة بأجناس الكلام جيده ورديئه، فعاب عليهم دينهم، وأظهر مثالب آبائهم
81 (1/81)
صفحة 81
وأسلافهم، وتحداهم أن يأتوا بمثله، ومكنهم من الفحص والبحث، وأمهلهم المدة الطويلة، وأعلمهم أن في إتيانهم بمثله ما يوجب إحقاقهم وإبطاله، فما قدروا على شيء من ذلك بارجوزة ولا قصيدة ولا خطبة ولا رسالة فصح بذلك إعجازه، وأن العرب لو استطاعت معارضته بالبيان لما نزعوا لإطفاء نوره إلى بذل الأنفس والأموال في ميادين القتال (1).
كما أبرز الإمام ابن بركة الحكمة من وجود المحكم والمتشابه في القرآن الكريم، وهي أن الله تعالى جعل بعض القرآن، محكما، وبعضه متشابها ليستبق الخلق في إعمال عقولهم وأذهانهم في مدلول آياته ليظهر بذلك مقدار تفاضلهم في الاستنباط للأحكام الشرعية وقال: لو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل، ولا يمكن الاختلاف فيه، لسقطت المحنة فيه، وتبلدت العقول، وبطل التفاضل والاجتهاد في السبق إلى الفضل، واستوت منازل العباد (3).
كما أبرز الإمام ابن بركة الحكمة من تكرار الألفاظ وسرد القصص فيه وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن القصص مكررة لوقعت قصة موسى عليه السلام- إلى قوم، وقصة عيسى عليه السلام إلى قوم، وقصة نوح عليه السلام- إلى قوم الخ، فكانت الحكمة من تكرارها هي نشر هذه القصص في أطراف الأرض،
(د)
وإلقاؤها على كل سمع، وبثها في كل قلب زيادة في الإفهام والإنذار (3)
وأما من حيث تكرار الألفاظ الواحدة في القرآن الكريم كقوله تعالى: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى القيامة [34 - 35]، وقوله تعالى: (كلا سوف تعلمون، ثم كلا سوف تعلمون) التكاثر [4 - 3]،وغيرها، فقد علل الإمام ابن بركة ذلك بأن القرآن الكريم نزل على لغة العرب، ومن مذهبهم في
(1)
(2)
(2)
ابن بركة الجامع، ج 1 ص 52.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 56.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 78.
82 (1/82)
صفحة 82
التخاطب التكرار في بعض مقامات الخطاب لإرادة التأكيد والإفهام، ومثل لذلك
بقول الشاعر:
هلاسألت جموع كندة
يوم ولوا أين أينا
كم نعمة كانت لكم
كمكم وكم جئنا فجينا)
يرى الإمام ابن بركة أن النسخ يقع في القرآن الكريم، ولذا فهو يورد في أول كتابه أمثلة عديدة على وقوع النسخ في القرآن الكريم (2). ويقع النسخ عند الإمام ابن بركة في الأوامر والنواهي والأخبار التي معناها الأمر أو النهي، أما الأخبار التي لم ترد مورد التكليف أمرا أو نهيا فلا يصح نسخها، لأن ذلك يستلزم إسناد صفة الكذب إلى الله عز وجل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. (3)
وقد وقع النسخ في القرآن الكريم عند الإمام ابن بركة على نوعين:
(1)
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 78 - 80. وقد يرد التكرار في القرآن الكريم للمعاني الواحدة بلفظين مختلفين، كقوله تعالى: (يعلم سركم ونجواكم) الأنعام [3]، وعلل الإمام ابن بركة ذلك بأنه راجع إلى اتساع اللغة، ومثل له بقول القائل: "أمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر، وأمرك بالتواصل، وأنهاك عن التقاطع والأمر بالوفاء هو النهي عن الغدر، والأمر بالتواصل هو النهي عن التقاطع انظر المصدر السابق، ج 1
ص 80.
راجع المصدر السابق، ج 1 ص 26 - 41. (3) راجع المصدر السابق, ج 1 42 - 45.
ومذهب جمهور الأصوليين على ما ذهب إليه الإمام ابن بركة من أن النسخ لا يدخل في الأخبار التي ليست يمعنى الأمر أو النهي، وذهبت طائفة منهم أبو عبد الله البصري من المعتزلة إلى جواز ذلك مطلقا، كما ذهب آخرون إلى المنع مطلقا، سواء الأخبار التي بمعنى الأمر أو النهي أو غيرها، ونسب هذا إلى أبي علي وأبي هاشم من المعتزلة أيضا. وبعض الأصوليين قيد جواز نسخ الأخبار بأن يكون الخبر مما يتغير مدلوله، وينتقل من حالة إلى أخرى، ويكون الإخبار في المستقبل، كأن يقول الشارع: هذا كافر، وهو كذلك، ثم يسلم. راجع المسألة في الباجي، إحكام الفصول، ص 398. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 164 - 165. ابن قدامة، روضة الناظر، ج 2 ص 198. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 437. عبد العلي، فواتح الرحموت، ج 2 ص 75. البناني، حاشية البناني، ج 2 ص 87.
83 (1/83)
صفحة 83
أ- نسخ القرآن للقرآن: وقد مثل له الإمام ابن بركة بقوله تعالى: (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض، تريدون عرض الدنياء
والله يريد الآخرة الأنفال، [76]، فإن هذه الآية نزلت في عتاب النبـ صلى الله عليه وسلم - لقبوله أخذ الفداء من الأسرى يوم بدر، ثم نزل قوله تعالى (حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق، فإما منا بعد وإما فداء) محمد [4] فكانت هذه الآية ناسخة للأولى (1).
ب- نسخ القرآن للسنة: وقد مثل له الإمام ابن بركة بقوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام، وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره البقرة [144]، فإن هذه الآية ناسخة للسنة النبوية، وهي توجه النبي صلى الله عليه وسلم- إلى بيت المقدس قبل نزول الآية (2).
يذهب الإمام ابن بركة إلى أن القرآن يمكن أن يخصص بعضه عموم بعض، فإذا ورد لفظ دال على العموم في الكتاب، وورد فيه أيضا لفظ يمكن أن يخصص به ذلك العموم، فإن الإمام ابن بركة ينص على أن
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 34 - 35. . وجواز نسخ القرآن بالقرآن متفق عليه بين الأصوليين إلا ما يحكى عن أبي مسلم الأصفهاني من القول بعدم جواز ذلك، ولعل هذا القول منه نابع من إنكاره وقوع النسخ مطلقا. . راجع المسألة في: ابن قدامة، روضة الناظر،، ج 1 ص 223، ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 160، ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 452، الجزري، معراج المنهاج، ج 1 429، أمين، بادشاه تيسير التحرير، ج 3 ص 181، السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 289.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 48.
مذهب الإمام ابن بركة في جواز نسخ السنة بالقرآن مذهب جمهور أهل الأصول، وخالف بعض كالشافعي وبعض المالكية فمنعوا ذلك. وذهب ابن سريج من الشافعية إلى القول بالجواز من جهة العقل، ومنع وقوع ذلك في الخارج. وقال الغزالي بجوازه ووقوعه. راجع المسألة في الباجي، إحكام الفصول، ص 424 - 427. الوارجلان والإنصاف، ج 1 ص 168 - 174. ابن قدامة روضة الناظر، ج 1 ص 224. ابن حزم، الإحكام ج 4 ص 518، الغزالي، المستصفى، ج 1 ص 124 - 125. ابن المرتضى، منهاج الوصول، ص 454، أمين بادشاه، تيسير التحرير، ج 3 ص 203.
العدل
84 (1/84)
صفحة 84
"الخاص يعترض على العام، والعام لا يعترض على الخاص (1)، وقد مثل
لذلك بـ:
أ قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين المؤمنون (6)، فهو يقول: فظاهر هذه الآية يبيح نكاح الزوجات والإماء في كل حال، ثم قال جل ذكره: (فاعتزلوا النساء في المحيض) البقرة [222] فخصت هذه الآية نكاح كل حائض في وقت حيضها حتى تطهر (2). ب قوله تعالى: (ولا) تنكحوا المشركات حتى يؤمن) البقرة [221]، فهو يقول: فحرم جميع المشركات بعموم هذه الآية، ثم خص من جملة ما حرم نكاح المشركات الكتابيات بقوله عز وجل: (والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) المائدة [5] (3).
• يرى الإمام ابن بركة أن القرآن يمكن أن يقيد بعضه إطلاق بعض. ومن أمثلة ذلك عنده ما نص عليه من أنه يجب أن تكون الرقبة الواردة بخصوص كفارة الظهار في قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) المجادلة [3] رقبة مؤمنة حملا على الرقبة الواردة بشان كفارة القتل الخطأ في قوله تعالى: (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) النساء [92] (4).
(1)
(2)
(3)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 106.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 150. وقد عبر هنا بلفظ تكاح" ويريد به الوطء.
ابن بركة المصدر السابق، ج 1، ص 591.
(4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 88. وورود المطلق مع المقيد يأتي على أربع صور هي: - 1 - أن يتحدا حكما وسببا، ب- أن يختلفا حكما وسببا، ج- أن يتحدا سببا ويختلفا حكما. د- أن يتحدا حكما، ويختلفا سببا. والمثال الذي أورده الإمام ابن بركة من الصورة الرابعة فان الحكم فيه هو الكفارة في الموضعين القتل والظهار، لكن السبب، مختلف، فالأولى سببها القتل والثانية سببها الظهار.
وقد اختلف الأصوليون في هذه الصورة: فذهب بعضهم إلى القول بمثل ما قاله الإمام ابن بركة من
وجوب حمل المطلق على المقيد، على خلاف بينهم هل هذا الحمل من جهة اللغة أو القياس؟
- (1/85)
صفحة 85
يقرر الإمام ابن بركة أنه إذا وردت قراءتان ليس في العمل بكلتيهما معا
ماه
ترك للأخرى، وأمكن الجمع بين مدلوليهما، فإنه يجب العمل بما تضمنت معا، لأنهما نازلتان عنده منزلة الآيتين، وقد نص هو على ما يأتي: "الآيتان
إذا أوردتا، ولم يكن في الأخذ بواحدة رفع للأخرى، وأمكن استعمالهما (1)، وجب إتيان ما تضمنتاه (2).
ويمثل الإمام ابن بركة لذلك بورود القراءة بالنصب والخفض في قول تعالى: (وامسحوا بروءسكم وأرجلكم إلى الكعبين المائدة [6]، ويذكر أن الآية قرأها الصحابة بالنصب والخفض، فالخفض يوجب المسح لأنه معطوف به على الرأس، والنصب يوجب الغسل لأنه معطوف به على الوجه واليدين، وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان فصارتا بمثابة
الآيتين (3). وبناء على ما أصله الإمام ابن بركة لنفسه هنا ذهب إلى القول بوجوب الجمع بين الغسل والمسح في الرجلين عند الوضوء، فقد قال: "فإذا كان هذا كذا، فالواجب أن يأتي المتوضئ بغسل يشتمل على مسح ليكون في ذلك استعمال القراءتين (4).
(1)
، وذهب آخرون وهم الحنفية وبعض الإباضية إلى عدم الحمل في هذه الصورة. انظر التفتازاني، شرح التوضيح، ج 1 ص 115. الشيرازي، اللمع، ص 102 - 103. الباجي، إحكام الفصول، 280 - 283. الطوفي، البلبل، ص 114 - 115. الطبري، شفاء غليل السائل، ص 229 - 231. السالمي،
طلعة الشمس، ج 1 ص 78 - 81.
يعني استعمال مدلوليهما معا في وقت واحد.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 272.
(د)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 272.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 272.
اضطرب رأي الإمام ابن بركة في مسالة غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء، فذهب مرة إلى ما ذكره هنا من وجوب الجمع بين الغسل والمسح، وذهب في موضع آخر إلى أن الغسل أولى من المسح عليهما، محتجا لذلك بأن الغسل للرجلين هو أشبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وبأمره لأمته، لأن المنقول إلينا عنه فعل الغسل، ثم قال بعد ذلك: والدليل من ذلك الإجماع، أنهم اجمعوا جميعا أن –
86 (1/86)
صفحة 86
المطلب الثاني: السنة النبوية: تأتي السنة النبوية - على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم - في المرتبة الثانية في سلم مصادر التشريع عند الإمام ابن بركة، وهي عنده أصل قائم بنفسه كالقرآن الكريم، مستقل في كثير من الأحيان بالتشريع أمرا ونهيا عبادة ومعاملة.
ولذا فقد أكثر الإمام ابن بركة من التنويه بمكانة السنة في كتابه "الجامع"، ومن ذلك قوله: "والسنة عمل بكتاب الله، وبه وجب اتباعها (1) وقوله: وقول الرسول صلى الله عليه وسلم - هو الحكم بين المختلفين" (2).
ويمكن تحديد منهج الإمام ابن بركة في الاستدلال بالسنة كما يلي: -1 من حيث صحة الإسناد: يقسم الإمام ابن بركة السنة على ضربين: أ- سنة قد اجتمع عليها، وقد استغني بالإجماع عن طلب صحتها.
- من غسل قدميه فقد أدى الفرض الذي عليه، واختلفوا فيمن مسح عليهما، فنحن معهم فيما اتفقوا عليه، والإجماع حجة والاختلاف ليس بحجة انظر، الجامع، ج 1 247.
ومذهب الجمع بين الغسل والمسح مذهب سبق إليه الإمام الطبري، فقد قال ما نصه: والصواب من القول عندنا في ذلك أن الله عز وجل أمر بعموم مسح الرجلين بالماء في الوضوء، كما أمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم، وإذا فعل ذلك بهما المتوضئ كان مستحقا اسم ماسح وغاسل لأن غسلهما إمار الماء عليهما، أو إصابتهما بالماء، ومسحهما إمرار اليد أو ما قام مقام اليد عليهما، انظر، الطبري، جامع البيان، ج 4
ص 470 - 471.
ومذهب جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية هو أن الآية دالة
على أن حكم الرجلين فيها هو الغسل عطفا على قوله تعالى: "و أيديكم.
وذهب الإمامية إلى أن الأية دالة على أن حكم الرجلين هو المسح عطفا على قوله تعالى: "بروسكم" بينما ذهب ابن حزم من الظاهرية إلى أن الآية واردة بالمسح، لكنها نسخت بالأحاديث الواردة بالأمر بغسل الأرجل. راجع المسألة في أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 35. الكاساني، البدائع، ج 1 ص 9. عبد الوهاب، التلقين، ص 42. الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 18. ابن قدامة، المغني، ج 1 ص 114. ابن المرتضى، الأرهار،
ص 22. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 72.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 280. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 301.
(2)
87 (1/87)
صفحة 87
ب سنة مختلف فيها، لم يبلغ الكل علمها، وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها، فتنظر الأسانيد، ويبحث عن صحتها (1).
ويضع الإمام ابن بركة شروطا ثلاثة لقبول الخبر، وهي:
- عدالة رواة الإسناد.
ب عدم المعارضة.
ج- عدم قيام دلالة على فساد الخبر العلة) القادحة)، فهو يقول معبرا عن ذلك كله والخبر إذا نقله عدل عن مثله، جاز القول به، إذا
لم يكن له معارض، ولم تقم الدلالة على فساده (2).
وبناء على هذه الشروط الثلاثة المذكورة التي جعلها الإمام ابن بركة مقياسا لمعرفة الحديث الصحيح من غيره، فقد قرر أن كل من صح معه حديث لتوفر شروط الصحة عنده فيه يجب عليه العمل به، فهو يقول: والخبر قد ينقل عن الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكون صحيحا عند بعض، وفاسدا عند آخرين إلى أن تقوم حجة الفاسد والصحيح، كالشاهد يكون عدلا عند معدل ساقط الشهادة عند معدل آخر
(د)
ومن حيث النظر إلى شرط عدالة الرواة التي يجب توفرها في رجال الإسناد خاصة ينتقد الإمام ابن بركة منهج جمهور الأصوليين القائلين بقبول الحديث إذا ورد من طرق كثيرة تبلغ حد التواتر، ولو لم يكن رواته عدولا، بل كانوا متهمين فساقا، بناء على ما قرره جمهور الأصوليين من أنه لا يمكن لهؤلاء الرواة الكثيرين الاتفاق على الكذب إذا جاءوا متفرقين من غير مواعدة
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 280. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 332.
وهذه الشروط التي وضعها الإمام بن بركة هي شروط الحديث الصحيح التي يشترط اجتماعها في الحديث حتى يحكم بصحته. انظر ذلك في العراقي، عبد الرحيم، التقييد والإيضاح، ص 24. السيوطي، عبد الرحمن ألفية السيوطي، ص 4. الصنعاني، توضيح الأفكار، ص 22 وغيرها.
(2) ابن بركة الجامع، ج 1 ص 397. (1/88)
صفحة 88
بينهم، وأخبروا بخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن العادة والحال هذه - تمنع أن يكون الخبر خرج مخرج الكذب، فيلزم قبول الخبر إذا جاء على هذه الصفة من غير حاجة إلى النظر في عدالة الراوي وصحة السند. ويرى الإمام ابن بركة أنه يجب البحث أولا عند ورود خبر ما عن عدالة رواته، فإن لم يعثر للحديث طريق رواته عدول ضابطون فينبغي طرحه، ولا يكفي وروده بطرق كثيرة رواتها غير عدول سببا لقبوله ويعلل ذلك بـ: أ- أن الله تعالى قد نهانا بقوله: (ممن ترضون من الشهداء) البقرة [282] عن تصديق الفاسق في الشهادة والرواية، لأن من اتهم في دينه فهو غير مرضي في نقل الأخبار، ولأن المخبر، شاهد، وكل شاهد ليس بعدل فهو مردود الشهادة، والحديث منزلته في ذلك منزلة الشهادة. ت أن الرواة إذا لم يكونوا عدولا في دينهم، فكثرتهم لا تصلح حجة لقبول الخبر حتى ينضم إلى ذلك شرط العدالة، فيكون الحديث صحيحا لعدالة رواته، ومتواترا لكثرة طرقه، واستحالة العادة بكذب الرواة الفسقة إذا
كثروا وجاءوا متفرقين وأخبروا بخبر واحد لا تكفي دليلا لاطراح النظـ في الرواة وقبول الأخبار مطلقا، ويدل عليه أن النساء لا تقبل شهادتهن وحدهن ولو كثرن، فلو جاء ألف امرأة فيهن زوجات النبي- صلى الله عليه وسلم - متفرقات عن غير مواعدة بينهن وشهدن الرجل بدرهم واحد ما جاز قبول شهادتهن وحدهن حتى ينضم إليهن أحد من الرجال العدول، مع أن العادة تحيل اجتماعهن على الكذب، ولا يظن بزوجاته صلى الله عليه وسلم- إلا الصدق، فلم تكف كثرتهن للحكم بشهادتهن، فكذا الحال هنك لأن الحديث منزلته في ذلك منزلة الشهادة (1).
(1) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 314. وخلاصة استدلال الإمام ابن بركة من الدليل الأخير هي: أن الله تعالى أمر في قوله سبحانه ممن ترضون من الشهداء) البقرة [282] بإشهاد العدول، لأنهم هم المرضيون في الدين، وأمر سبحانه في قوله: (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان البقرة [283] بوجوب أن يكون في الشهادة على الحقوق مع النساء أحد من الرجال، فكما أنه لا تقبل شهادة النساء وحدهن ولو بلغن مبلغ
89 (1/89)
صفحة 89
، ويبرز الإمام ابن بركة منهجه في روايات المخالفين لمذهبه التي تفردوا بها، ويقرر أن تلك الروايات لا ينبغي اطراحها ما لم يعلم فسادها بوجه من الوجوه التي يعرف بها فساد الحديث وعدم صحته، فهو يقول: "ولسنا ننكر أخبار مخالفينا بما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحا، وإن لم ينقلها معهم أصحابنا، لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض الأخبار، ولم يستقص في الكل علم ذلك الخبر، ولم يشتهر بينهم، وقد تختلف الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها، أو لانقطاع بعض الأخبار, أو اتصالها وقلة حفظنا فيها (1).
2 - من حيث الاستدلال والاحتجاج: تأتي السنة من هذه الحيثية عند الإمام ابن بركة على أربعة أوجه:
أولا: مستقلة بتشريع حكم جديد ابتداء: وإنما صح استقلالها بالتشريع لأنها كالقرآن الكريم في كونها وحيا من الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم-، وهذا ما قرره الإمام ابن بركة في قوله: "فالمرجوع (2) بيننا وبينك إلى كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللذين هما الأصل (3).
(1)
التواتر - في أمر قليل كدرهم ونحوه، فكذلك لا تقبل شهادة غير العدول في خبر ما ولو بلغوا مبلغ التواتر. وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن بركة هو مذهب لبعض الأصوليين من الحنفية وغيرهم، لأن الفسق عرضة للكذب والتحريف، وذهب جمهور الأصوليين إلى عدم اشتراط العدالة في خبر التواتر، وحجتهم أن الكثرة مانعة من التواطؤ على الكذب، وقالوا: لو أخبر أهل مدينة بموت ملكهم لحصل العلم بذلك لاستحالة تواطئهم مع كثرتهم على الكذب. راجع المسألة في الآمدي، الإحكام ج 2 ص 40، الطوفي. شرح مختصر الروضة، ج 2 ص 94 - 95. ابن ملك منار الأنوار، 206. الصنعاني، إجابة السائل، ص 98. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 31 - 32. الشنقيطي، نثر الورود، ج 1 ص 379 - 380.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 548.
(2) كذا وردت في الأصل، ولعل الصواب هو "المرجع" أو بتقدير المرجوع إليه
| (1)
) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 360. (1/90)
صفحة 90
ومن الأمثلة الدالة عنده على ذلك ما يلي:
1 - ما جاء في الأمر بالاستنشاق عند الوضوء بقوله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا توضأت فضع في أنفك ماء، ثم استنشق" .. (1).
3 - ما جاء في إيجاب زكاة الفطر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فرض زكاة الفطر في رمضان صاعا من بر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى صغير أو كبير
* .. (*) m
4 - ما جاء في طهارة ماء البحر وتحليل ميتته لقوله - صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن الوضوء بماء البحر: "الطهور ماؤه الحل ميتته (3).
:ثانيا مبينة لما ورد مجملا في
1 القرآن الكريم ومن أمثلة ذلك عند الإمام ابن بركة ما يلي:
أ. قوله صلى الله عليه وسلم: "حتى يذوق من عسيلتها، وتذوق من عسيلته"، فإن هذه السنة جاءت بيانا للإجمال الوارد في لفظ النكاح في قوله تعالى: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره البقرة [230] (4).
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 269. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الطهارة ب (15)، رقم 93 ج 1 ص 54. البخاري كتاب الوضوء، ج 1 ص 211. مسلم كتاب الطهارة، ب (8) رقم (20، ج 2 ص 127 - 128. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 29. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الزكاة بـ (4)، رقم 12، رقم 161، ج 1، ص 73. أبو داود كتاب الطهارة، رقم 83 ج 1 ص 21. الترمذي / أبواب الطهارة، بـ (52)، رقم 69، ج 1
ص 101.
(3) ابن بركة الجامع، ج 2 ص 257. والحديث أخرجه: الربيع / كتاب الطهارة ب (24)، رقم 161، ج 1، ص 73. أبو داود كتاب الطهارة، رقم 83 ج 1 ص 21. الترمذي / أبواب الطهارة بـ (52)، رقم 69، ج 1
(4)
ص 101.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 186. والحديث أخرجه البخاري كتاب الطلاق، ج 9 ص 383 - 384. مسلم كتاب النكاح ب (17)، رقم 111، ج 10 ص 253. أبو داود كتاب، الطلاق، رقم 2309، ج 2
ص 303.
91 (1/91)
صفحة 91
الله
ب. ما روي عن عمار بن ياسر (1) وعبد الله بن عمر - رض عنهما - أنهما قالا: تيممنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم- فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين"، فهذه السنة الفعلية منه - صلى الله عليه وسلم - بيان للإجمال الوارد في لفظ التيمم في قوله تعالى فتيمموا صعيدا طيبا النساء [43] المائدة [6] (2).
2. السنة النبوية نفسها ومن أمثلة ذلك عند الإمام ابن بركة: أ. قوله - صلى الله عليه وسلم - "الشفعة فيما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة (3)، فهذه السنة القولية بيان للإجمال الوارد في لفظ "الجار" في حديث الجار أحق بسقبه (4) وأن المراد منه الجار الخليط دون الملاصق. (5)
ب. فعله - صلى الله عليه وسلم - مناسك الحج. فهذه السنة الفعلية منه- صلى الله عليه وسلم- بيان لقوله صلى الله عليه وسلم- "خذوا عني مناسككم" (6).
(1) أبو اليقظان عمار بن ياسر بن عامر بن مالك العنسي، ينتهي نسبه إلى مذحج، حليف بني مخزوم، أسلم بمكة في دار الأرقم، وشهد بدرا وغيرها من المشاهد واستعمله عمر على الكوفة مع عبدالله بن مسعود، وشهد الجمل وصفين، ومات شهيدا بصفين عام سبعة وثلاثين عن عمر يقارب أربعا وتسعين عاما، وكان من مشاهير الصحابة وفضلائهم، ابن الأثير، أسد الغابة، ج 4 ص 129 - 135. ابن حجر، الإصابة، ج 4
ص 473 - 474.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 332 - 333. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الطهارة ب (25)، رقم 171، ج 1 ص 76. البخاري / كتاب التيمم، ج 1 ص 351 - 352 مسلم/كتاب الحيض، ب (28، رقم 110، ج 4
ص 301.
(3) أخرجه البخاري كتاب الشفعة، ج 4 ص 345. أبو داود / كتاب البيوع، رقم 1354، ج 3 ص 284. الترمذي كتاب الأحكام، ب (33)، رقم 1370، ج 3 ص 653.
(1) أخرجه البخاري / كتاب الشفعة، ج 4 ص 346. أبو داود / كتاب البيوع، رقم 3516، ج 3 ص 284. الترمذي / كتاب الأحكام، بـ (32)، 1369، ج 3 ص 651.
(0) لبن بركة، الجامع، ج 2 ص 324.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 523. والحديث أخرجه أحمد / ج 3 ص 318. ابن خزيمة / كتاب المناسك، رقم
2877، ج 4 ص 277. أبو نعيم/الحلية ج 7 ص 226.
92 (1/92)
صفحة 92
ومن هذه الأمثلة الواردة عند الإمام بركة في بيان السنة للإجمال الوارد في القرآن الكريم والسنة نفسها يتبين أن السنة النبوية بشقيها القولي والفعلي، قد تكون بيانا لإجمال القرآن الكريم والسنة نفسها عند الإمام بركة، وهذا ما قرره بنفسه في قوله: "قفي هذا دليل على أن البيان قد يقع مرة قولا، وتارة يقع فعلا" (1).
ثالثا: مخصصة لـ:
1 - القرآن الكريم ومثال ذلك عند الإمام ابن بركة قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لاوصية لوارث"، فإن هذا الحديث جاء مخصصا لقوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) البقرة [180]، فخرج به الوالدان والأقربون الوارثون، وبقي حكم وجوب الوصية متناولا لغيرهم (2).
2 للسنة نفسها ومثال ذلك عند الإمام ابن بركة: أ- ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الثيب أحق بنفسها من وليها: (3)، فإن هذا الحديث عنده مخصص لعموم قوله - صلى الله
(1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
وخلاصة الكلام في البيان بالسنة أن الأصوليين متفقون على جواز البيان بالقول من السنة للقرآن الكريم والسنة نفسها، وأما الفعل والتقرير فمذهب جمهور الأصوليين وقوعه بهما، وذهب أبو إسحاق المروزي
من الشافعية وأبو عبد الله البصري إلى منع البيان بالفعل، كما ذهب الدقاق إلى منع البيان بالتقرير. راجع المسألة في ابن حزم، الإحكام، ج 1 ص 80. الباجي، إحكام الفصول، ص 302 - 303. الزركشي، البحر المحيط، ج 3 ص 485. الأسمندي، بذل النظر، ص 286. الطوفي شرح مختصر الروضة، ج 2 ص 678 - 679. ابن المرتضي منهاج الوصول، ص 357. السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 188 - 189. (2) ابن بركة، الجامع ج 2 ص 596. والحديث أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (48)، رقم 667، ج 2 ص 264. أبو داود كتاب الوصايا، رقم 2870، ج 3 ص 113. الترمذي / كتاب الوصايا، (5)، رقم 212، ج ص 377. (1) أخرجه: الربيع / كتاب النكاح بـ (24)، رقم 511، ج 2 ص 206. مسلم كتاب النكاح، بـ (9)، رقم 67، ج 9 ص 217، أبو داود كتاب النكاح، رقم 2099، ج 2 ص 239.
93 (1/93)
صفحة 93
عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير رأي وليها فنكاحها
باطل (1) (3).
ب تخصيصه -صلى الله عليه وسلم - السلم بالإباحة من عموم عن بيع الإنسان ما ليس عنده. (3)
رابعا: ناسخة لـ
النهي
1 - القرآن الكريم و من أمثلة ذلك عند الإمام ابن بركة أن الرجم للمحصن الثابت بالسنة (4) ناسخ لقوله تعالى: (فأمسكوهن في البيوت
حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا) النساء [15] (5).
(1) أخرجه أبو داود كتاب النكاح، رقم 2082، ج 2 ص 236. الترمذي، كتاب النكاح، ب (14)، رقم 1102، ج 3 ص 407 - 408. (2) ابن بركة، الجامع ج 2 ص 392
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 392. وحديث النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده أخرجه الربيع/كتاب البيوع، ب (32)، رقم 563، ج 2 ص 225. أبو داود كتاب البيوع رقم 3503، ج 3 ص 281. وحديث إباحة السلم أخرجه مسلم كتاب المساقاة، ب (25)، رقم 127، ج 11 ص 44. أبو داود/كتاب البيوع، رقم 3460، ج 3 ص 273.
وخلاصة كلام الأصوليين في التخصيص بالسنة هي: أن مذهب جمهور الأصوليين هو جواز تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة والأحادية.
وذهب بعض الأصوليين إلى عدم جواز تخصيص السنة الأحادية للكتاب.
وقال عيسى بن أبان: يجوز إن كان قد خص الكتاب بدليل قطعي قبل ذلك وإلا فلا.
:
وأما تخصيص السنة بالسنة فمذهب الجمهور من الأصوليين جواز ذلك، وذهب بعضهم إلى عدم الجواز بناء على أن السنة جاءت للبيان فلا تحتاج إلى بيان راجع المسألة في الشيرازي اللمع، ص 82 - 83. الأسمندي بذل النظر، ص 226 - 227 ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 130 - 131. ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3 ص 362 - 366. الصنعاني، إجابة السائل، ص 328 - 329 السالمي طلعة الشمس، ج 1
ص 155 - 156
(1) انظر تخريج حديث الرجم في الربيع /كتاب الأحكام، ب (36)، رقم 607، ج 2 ص 238 - 239 البخاري كتاب الحدود، ج 12 ص 98 - 99. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 524 - 525. (1/94)
صفحة 94
2 - للسنة نفسها ومن أمثلة ذلك عند الإمام ابن بركة: قوله - صلى الله عليه وسلم-: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها، ولا
تقولوا هجرا (1)
زيادة الثقة:
زيادة الثقة مقبولة عند الإمام ابن بركة، فهو يقول في ذلك: "إذا ورد خبر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- من وجه وروي ذلك الخبر أيضا من وجه آخر، إلا أن أحد الخبرين فيه زيادة لفظة، استعمل الزائد من الخبرين، لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه، لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد القصة إلى آخرها، فيسمع ما لم يسمع الآخر، ويشاهد ما لم يشاهد الآخر (2).
(1) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 19. والحديث أخرجه الربيع كتاب الجنائز، ب (20)، رقم 481، ج 2 ص 194 - 195. أبو داود/كتاب الجنائز، رقم 3235، ج 3 ص 216. ابن ماجة / كتاب الجنائز، رقم 1581، ج 1 ص 500.
وخلاصة كلام الأصوليين في النسخ بالسنة هي:
أن الأصوليين متفقون على جواز نسخ السنة المتواترة والأحادية بالسنة المتواترة، وعلى نسخ السنة الأحادية بالأحادية.
واختلفوا في نسخ المتواترة بالأحادية، فمنعه أكثرهم وأجازه بعض كالظاهرية والباجي من المالكية. واختلفوا أيضا في نسخ القرآن بالسنة، فمذهب الشافعي، وهو رأي بعض المالكية المنع مطلقا. وذهب الجمهور إلى إجازة نسخ القرآن بالسنة المتواترة فحسب، وهو مذهب الغزالي من الشافعية، وزاد الظاهرية والباجي من المالكية جواز نسخ القرآن بالسنة الأحادية راجع المسألة في ابن حزم، الإحكام، ج 4 ص 518 - 530. الباجي، إحكام الفصول، ص 417 - 427. السرخسي، أصول السرخسي، ج 2 ص 67 - 78. الغزالي، المنخول، ص 292 - 295. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 171 - 174.
ابن قدامة روضة الناظر، ج 1 ص 223 - 227، ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 452 - 455. (2) ابن بركة الجامع، ج 1 ص 17 • ظاهر كلام الإمام ابن بركة قبول زيادة الثقة مطلقا من غير تفصيل، وهو رأي طائفة من العلماء منهم ابن حزم الظاهري، قال ابن حجر في نزهة النظر ص 27 واشتهر عن جمع من العلماء القول بقبول الزيادة مطلقا من غير تفصيل ولا يتأتى ذلك على طريق المحدثين الذين يشترطون في الصحيح أن لا يكون شاذا، ثم يفسرون الشذوذ بمخالفة الثقة لمن هو أوثق منه" اهـ.
90 (1/95)
صفحة 95
ومن الأحكام التي تبناها الإمام ابن بركة بناء على قبوله زيادة الثقة ما يلي: أ قوله بقصر الزكاة على السائمة من الإبل والغنم لورود التقييد بالسائمة في بعض طرق الحديث (1) الوارد في حكم زكاة الإبل والغنم (2).
ب قوله بإلزام الزوج بدفع زكاة الفطر عن زوجته لمجئ زيادة لفظ "من ((3) في بعض طرق الأحاديث الواردة في حكم زكاة الفطر
تمونون
والزوجة ممن تجب مؤنتها على زوجها، فتجب زكاة فطرها عليه (4). يقرر الإمام ابن بركة أنه إذا ورد خبران، ظاهرهما التعارض في نظـ المجتهد، نظر فيهما:
- فإن كان أحدهما يؤيده القرآن الكريم صير إليه، وطرح الثاني. ومثال ذلك عنده تعارض ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- من أنه "نهى عن الشرب قائما () مع ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم أنه شرب
-
واشترط بعض العلماء لقبولها عدم اتحاد مجلس سماع راويها والثقات الآخرين، فإن اتحد ردت، لان احتمال تطرق الغلط إليه أولى منهم، وهو مذهب الحنفية. وذهب ابن المرتضى من الزيدية إلى قبولها ما لم يبلغ عدد الذين أفردوا الخبر عنها حد التواتر، وللعلماء من محدثين واصوليين كلام كثير حول هذه المسألة. راجع المسألة في ابن برهان الوصول إلى الأصول، ج 2 ص 186 - 187. ابن الحاجب، منتهى الوصول ص 85. الطوفي البلبل، ص 68. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 532 - 534 أمين بادشاه، تيسير التحرير، ج 3 ص 108 - 112. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 29 - 30. العراق التقييد والإيضاح ص 110 - 112. ابن حجر، نزهة النظر، ص 27.
(1) انظر تخريجه في: أبو داود كتاب الزكاة، رقم 1567، ج 2 ص 99. النسائي /كتاب الزكاة، رقم 2455، ج 5 ص 27 - 28. ابن خزيمة / كتاب الزكاة، رقم 2227، ج 3 ص 19.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 610. (3) لم أقف على تخريجها في كتب الحديث النبوي.
(4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص
32 - 31
() أخرجه مسلم كتاب الأشربة ب (14)، رقم 112، ج 13 ص 206. أبو داود / كتاب الأشربة، رقم 3717 ج 3 ص 335 الترمذي /كتاب الأشربة، ب (11)، رقم 1879، ج 4 ص 265.
96 (1/96)
صفحة 96
من زمزم قائما (1) فيرى الإمام ابن بركة في هذه الصورة تقديم الخ الخبر الثاني المبيح للشرب قائما، لأن في القرآن الكريم ما يؤيده وهو قوله تعالى: (وكلوا واشربوا) الأعراف [31] لأن "هذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الأكل والشارب (2). - وإن لم يوجد من القرآن الكريم ما يدل على تأييد أحد الخبرين على الآخر، ففي هذه الصورة يجب التوقف عند الإمام ابن بركة حتى يعلم المتقدم منهما من المتأخر.
(4)
ومثال ذلك عنده تعارض ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- أنه سها في صلاته فسجد قبل التسليم (3) مع ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه سجد بعد التسليم المطلب الثالث: الإجماع: يعتبر الإجماع الأصل الثالث من أصول التشريع عند الإمام ابن بركة وهو - عنده إحدى حجج الله تعالى على خلقه، فهو يقول فـ ذلك: "إذ الإجماع حجة الله، وحجج الله لا يلحقها الفساد، ولا يجوز عليها بعـ ثبوتها الانقلاب" ().
(1) أخرجه الربيع / كتاب الزكاة والصدقة، ب (62) رقم 381، ج 1 ص 151. البخاري كتاب الأشربة، ج 10 ص 67 - 70 مسلم / كتاب الأشربة ب (15) رقم 117، ج 10 ص 208.
(2)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 21.
وكلام الإمام ابن بركة هذا في ترجيح الحديث المؤيد بنص من الكتاب مسبوق بكلام ابن عباس رضي الله عنه-، فقد حكى الإمام الربيع عنه بعد أن أورد حديثي النهي والإباحة الواردين في هيئة الشارب ما نصه: قال ابن عباس: المرجع فيه إلى كتاب الله، وهو قوله تعالى: (كلوا واشربوا) الأعراف [31]، فهذه الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال إلا في موضع خصه النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم. انظر الربيع، الجامع الصحيح، ج 1 ص 151.) أخرجه مسلم كتاب الأشربة ب (14)، رقم 112، ج 13 ص 206. أبو داود كتاب الأشربة، رقم 3717، ج 3 ص 335. الترمذي / كتاب الأشربة، ب (11)، رقم 1879، ج 4 ص 265. (1) أخرجه: الربيع / كتاب الزكاة والصدقة، ب (62)، رقم 381، ج 1 ص 151. البخاري كتاب الأشربة، ج 10 ص 68 - 70 مسلم / كتاب الأشربة، ب (15)، رقم 117، ج 10 ص 208
() ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 207.
97 (1/97)
صفحة 97
كما ينص أيضا على عدم جواز إعمال الفكر والنظر واللجوء إلـ القياس والاجتهاد عند وقوع الإجماع، فهو يقول بصدد ذلك: "والإجماع لا يزيله رأي (1)، و لاحظ للنظر مع الإجماع (2)، و الإجماع منعنا من القياس، إذ لاحظ للقياس مع التوقيف (3). ويبرز منهج الإمام ابن بركة في الاستدلال بالإجماع كما يلي:
، يأتي الإجماع عند الإمام ابن بركة:
1 - مستقلا بإثبات حكم شرعي جديد ابتداء، وذلك لأن الإجماع عنده أصل ثالث من أصول التشريع كما تقدم ذكره آنفا ومن الأمثلة التي حكى
-
الإمام ابن بركة حسب رأيه فيها الإجماع ما يلي: أ- أن الإجماع من الأمة واقع على أنه لا يجزي مسح ما دون الكف
عند التيمم (4).
ب أن الإجماع من الأمة واقع على بطلان صلاة من لم يستر عورته - في صلاته وهو قادر على ذلك (5).
ج- أن الإجماع من الأمة واقع على أنه يجب على السكران قضاء ما فاته من صلاة في سكره (6).
د-
- أن الإجماع من الأمة واقع على إسقاط فرض الجهاد عن النساء
والصبيان والعبيد والزمني (7).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 215 - 216.
) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 336.
) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 122. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 336. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 483.
(")
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 552. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 483.
98 (1/98)
صفحة 98
2 - مخصصا لعمومات القرآن والسنة:
ومن أمثلة تخصيص الإجماع للقرآن عنده ما يلي:-
أ- أن الإجماع من الأمة واقع على تخصيص عموم المأكول غير المسمى عليه في قوله تعالى: (ولا) تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام [121]، بالحيوان دون سائر الأطعمة (1).
بأن الإجماع واقع من الأمة على إخراج وتخصيص النساء والصبيان والعبيد من أهل الكتاب من عموم الأمر بأخذ الجزية الوارد في قوله تعالى: (قاتلوا) الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) التوبة [29] (2).
وهذه الأمثلة التي أوردتها كصور من الإجماع التي حكاها الإمام ابن بركة في كتابه "الجامع" عن الأمة هي إجماعات سكوتية كما هو ظاهر، وهذا يدل دلالة واضحة على أن الإمام ابن بركة يعتبر الإجماع السكوتي، ويعده دليلا شرعيا ويؤيد ما ذكرته هنا عنه أمران:
أولا: أنه نقل عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه- أنه رجع عند حضور أجله عن هبته التي وهبها ابنته عائشة - رضي الله عنها - والتي لم تقبضها منه بعد، ثم أتبعه بقوله: قدل هذا على أن الهبة ما لم تقبض لم تنتقل عن ملك الواهب، وكان ترك الصحابة الإنكار عليه يعني الصديق - ورد حكمه تصويبا منهم له، فصار الحكم منهم بذلك كالإجماع انظر / الجامع، ج 2 ص 416.
ثانيا: أنه نقل عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه- أنه فرق بين رجل وامرأة تزوجا، وكانت المرأة في عدة وفاة من زوج سابق، ثم قال بعد ذلك: " ولم أعلم أن أحدا أنكر ذلك على عمر، فإذا ترك المسلمون النكير على الإمام حكمه في حادثة كان أثرا يعمل به، ويعتمد عليه. انظر / المصدر السابق، ج 2 ص 139.
(1) ابن بركة، المصدر السابق،، ج 1 ص 156 - 157.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 632.
وكون الإجماع أحد المخصصات للعموم - كما ذهب إليه الإمام ابن بركة هو مذهب جمهور الأصوليين. وذهب طائفة من أهل الظاهر إلى منع ذلك.
وقصر بعضهم الجواز على الإجماع المتواتر والمشهور دون الأحادي.
ونص بعضهم على أن المخصص الحقيقي هو النص الذي استند إليه المجمعون في إجماعهم. راجع المسألة: ابن حزم الإحكام، ج 2 ص 352 - 353. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1، ص 127. ابن الحاجب، منتهى الوصول ص 131 - 132. الطوفي، شرح مختصر الروضة، ج 2 ص 555 - 556. ابن المرتضى، منهاج الوصول، ص 340، عبد العلي، فواتح الرحموت، ج 1 ص 352.
99 (1/99)
صفحة 99
ومن أمثلة تخصيص الإجماع للسنة عنده ما يلي:-
أ- أن الإجماع واقع من الأمة على إخراج وتخصيص عدم جواز قرض الإماء من العمومات الواردة بالحث والندب إلى الإقراض للمحتاج (1). ب أن الإجماع واقع من الأمة على تخصيص عموم قوله -صل صلى الله عليه وسلم -: "أكل ولدك نحلت؟ قال: لا، قال: "فاردده" بالولد الصلب دون ولد الولد، مع أن لفظ "ولدك" الوارد في النص يشمله (2). وقد قال الإمام ابن بركة معبرا عن تخصيص الإجماع لعمومات الكتاب والسنة: وقد يخص الإجماع بعض ما يشتمله الاسم، فيكون حكمه قد خرج من جملة ما دخل تحت الاسم (3).
أي
• لا يشترط الإمام ابن بركة لكي يكون الإجماع صحيحا ومعتبرا عدم تقدم الخلاف في المسألة المجمع عليها لاحقا بل متى ما وقع الإجماع من الأمة في عصر من العصور كان حجة عنده، ولو تقدم هذا الإجماع خلاف من قبل. وبناء على ذلك فقد حكى وقوع الإجماع في عصره على أن العشرة من الدراهم تصلح أن تكون صداقا للمرأة، ثم قال: فإن قال قائل: لم ادعيت
الاتفاق في العشرة، والاختلاف (4) موجود لإبراهيم موجود لإبراهيم النخعي (9) والشعبي (6)، وهما
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 414.
(2) ابن بركة المصدر السابق، ج 2، ص 419. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الأحكام، ب (35)، رقم 595، ج 2 ص 235 البخاري كتاب الهبة، ج 5 ص 161 - 163. مسلم كتاب الهبات ب (2)، رقم 9، ج 11
ص 72 - 73.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 122.
(4) هكذا وردت في الأصل، ولعل الصواب "الخلاف"
(5) النخعي: إبراهيم بن يزيد بن الأسود أبو عامر النخعي نسبة إلى بطن من مذحج قبيلة باليمن، الكوفي، فقيه تابعي، توفي عام خمسة وتسعين، وقيل ستة وتسعين، وعمره تسع وأربعون وقيل ثمان وخمسون سنة. ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 1 ص 25. ابن كثير، البداية والنهاية، ج 9 ص 140.
(6) الشعبي: عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار، أبو عمرو من همدان، كان أحد أعلام الكوفة، أدرك خلقا من الصحابة، وروى عنهم، وولي قضاء الكوفة، وكان أحد الخارجين مع ابن الأشعث على بني مروان، مات على الأرجح- عام مائة وخمسين للهجرة. الزركلي، الأعلام، ج 3 ص 251.
100 (1/100)
صفحة 100
(1)
من المتقدمين ولم يجوزا أقل من أربعين درهما؟ قلنا له: لسنا نعلم في عصرنا اليوم من يخالف ما قلنا (1).
• يذهب الإمام ابن بركة إلى القول بتنزيل اختلاف الأمة على قولين في مسألة ما منزلة الإجماع، ويفرع على ذلك عدم جواز إحداث قول ثالث، لأن الحق
عنده لا يخرج عن أحد القولين اللذين صارت إليهما الأمة، فهو يقول فـ ذلك (2): "وإذا كانت الأمة قد اختلفت في حكم على قولين، فأخطأ من ذهب إلى أحد القولين أصاب الفريق الثاني، ولا يجوز أن يكون الحق خرج من أيديهم جميعا، وإذا كان البعض في يده الحق، كان هو كالأمة وحده وإذا كانوا هم الحجة، جاز أن يحتج بالإجماع (3).
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 147.
لتقدم الخلاف على الإجماع صورتان:
...
أ- أن يختلف علماء العصر على قولين، ثم يرجع المتمسكون بأحد القولين إلى القول الآخر. ب- أن ينقرض علماء العصر الأول مع بقاء الخلاف بينهم، ثم يجمع أهل العصر الثاني على أحد القولين. وللأصوليين في هذه المسألة أقوال:
(2)
(2)
قيل يشترط ألا يتقدم خلاف قبل الإجماع، لأن اختلافهم الأول إجماع منهم على جواز الأخذ بأحد أقوال الخلاف، وهذا مذهب أبي يعقوب الوارجلاني من الإباضية، والصيرفي من الشافعية، وبعض المالكية، وهو لازم مذهب الظاهرية، حيث لم يعتدوا بإجماع من بعد الصحابة. وذهب غير هؤلاء ـ ونسب إلى الأكثر إلى عدم اشتراط ذلك، وأن الإجماع الواقع بعد الخلاف حجة قاطعة. وقيل إن أجمع المختلفون فحجة، إذ لا قول لغيرهم على خلافه، وإن أجمع غيرهم فلا. راجع المسألة في الجويني، البرهان، ج 2 ص 274. ابن حزم، الإحكام، ج 4 ص 560 - 561. الباجي، إحكام الفصول، ص 492 - 496. الاسمندي، بذل النظر، ص 550 - 553. الوارجلاني، العدل والإنصاف،
-
ج 2 ص 10. ابن قدامة روضة الناظر، ج 1 ص 376. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 610 - 612. وقال أيضا في: ج 1 ص 154: كل مسألة لم يخل الصواب فيها من أحد القولين ففسد أحدهما لقيام الدليل على فساده، صح أن الحق في الآخر"، وكما يؤخذ من هذه العبارة ومن العبارة المسوقة في المتن أعلاه عن الإمام ابن بركة أنه يرى عدم جواز إحداث قول ثالث، فإنه يمكن أيضا أن يؤخذ منهما أنه يرى أن الصواب عند اختلاف المجتهدين واقع عند فريق واحد دون جميع المجتهدين.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 123.
•
وللأصوليين في مسألة إحداث قول ثالث بعد اختلاف الأمة في المسألة على قولين، آراء عدة منها: - المنع مطلقا كمذهب الإمام ابن بركة.
101 (1/101)
صفحة 101
انفرد الإمام ابن بركة من بين علماء المذهب الإباضي بعدم الاعتداد بخلاف التابعي لما أجمع عليه الصحابة، فهو يقول معبرا عن رأيه ذلك وخلاف
التابعي عليهم - يعني الصحابة - ليس كخلاف بعضهم على بعض، لأنه ليس
م (1)
في طبقتهم المطلب الرابع: القياس يأتي القياس عند الإمام ابن بركة في المرتبة الرابعة بعد الكتاب والسنة والإجماع، فهو يقول معبرا عن ذلك: " وإذا ورد التوقيف، لم يكن معه للنظر حظ (2).
ويبرهن الإمام ابن بركة على اعتبار القياس دليلا شرعيا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أرشد الأمة إلى استعمال القياس فيما لا نص عليه وأورد لذلك مثالين من السنة هما:
- الجواز مطلقا.
شر
- التفصيل بين أن يكون القول الثالث رافعا للقولين السابقين فيمنع، مثل اختلاف الأمة في الجد هل له المال كله أو يقاسم الأخ؟، فيأتي قول ثالث بحرمانه البتة، أو يكون القول الثالث غير رافع لهما فيجوز، مثل اختلاف الأمة هل الطهارات تفتقر إلى النية أم لا؟ فيأتي قول ثالث بإيجاب النية في بعضها دون البعض. راجع المسألة في ابن برهان الوصول إلى الأصول، ج 2 ص 108 - 11. الاسمندي، بذل النظر، ص 556 - 562. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 2 ص 10. القرافي، تنقيح الفصول، ص 328. الطوفي، شرح مختصر الروضة، ج 3 ص 88 - 9. الصنعاني، إجابة السائل، ص 159 - 161. (1) ابن بركة، الجامع ج 1 ص 22، ومسألة عدم الاعتداد بخلاف التابعي في إجماع الصحابة الذين في عصره محل خلاف بين الأصوليين، فقد ذهب بعضهم ونسبه الشيرازي صاحب اللمع إلى بعض أصحابه الشافعية، وذكره غير واحد من الأصوليين عن داود الظاهري ذهبوا إلى القول بمثل رأي الإمام ابن بركة بعدم الاعتداد بخلاف التابعي في إجماع
الصحابة.
وأما الجمهور فقد ذهبوا إلى الاعتداد بخلاف التابعي المجتهد إذا خالف رأي الصحابة في عصره. وإن تأهل للاجتهاد بعد وقوع إجماعهم وخالفهم، فمن اشترط انقراض العصر اعتبر خلافه، وإلا فلا. راجع المسألة في أبو الحسين، شرح العمد، ج 1 ص 195. الباجي، إحكام الفصول، ص 464 - 467. الشيرازي، اللمع، ص 118. السرخسي، أصول السرخسي، ج 2 ص 114 - 116. الطوفي، البلبل، ص 132. ابن المرتضى، منهاج الوصول، ص 603 - 604. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 81 - 82. (2) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 389.
102 (1/102)
صفحة 102
أ - تشبيهه - صلى الله عليه وسلم - قضاء الحج عن الهالك بقضاء دينه في قوله - صلى الله عليه وسلم - للمرأة التي سألته عن حجها عن أبيها: "أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنت قاضيته عنه؟ قالت: نعم، قال: "قدين الله أحق وأولى بالقضاء" (1).
ت تشبيهه - صلى الله عليه وسلم - تقبيل الصائم زوجته بمضمضة الفم بالماء في قوله صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: "أرأيت لو مضمضت فاك أكنت مفطرا؟ قال: لا، قال: فذاك ذاك (2).
كما استدل الإمام ابن بركة أيضا على كون القياس دليلا شرعيا بأن وقائع الحياة لا تخلو من حكم الله فيها، بيد أن هذه الوقائع بالنسبة لأحكام الله فيها
على نوعين: أ- واقعة منصوص على حكمها الشرعي على جهة التفصيل والبيان. ب واقعة منصوص على حكمها الشرعي في الجملة مع غيرها. والنوع الثاني هو من باب القياس (3).
فالقياس عند الإمام ابن بركة دليل صحيح ومعتمد يحتاج إليه المجتهد لاستنباط الحكم الشرعي لكل حادثة لم ينص عليها، ولذا فقد وصف الإمام ابن بركة منكر القياس بقوله: "والمانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه" (4).
ويبرز منهج الإمام ابن بركة في الاستدلال بالقياس كما يلي:
يأتي القياس عنده:-
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 112 - 113. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الحج، ب (1)، رقم 392/ ج 2 ص 159. مسلم كتاب الحج، ب (70)، رقم 407، ج 9 ص 104 - 105. أبو داود/كتاب المناسك،
(2)
(2)
(1)
رقم 1809، ج 2 ص 167. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 113. والحديث أخرجه أبو داود / كتاب الصوم، رقم 2382، ج 2 ص 322 الحاكم كتاب الصوم، ج 1 ص 431. ابن خزيمة / كتاب الصيام، رقم 1999، ج 3 ص 245. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 115. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 112.
103 (1/103)
صفحة 103
1 مظهرا لحكم شرعي وذلك بقيام المجتهد بإلحاق حادثة غير منصوص أو مجمع على حكمها عنده على حادثة ورد نص من كتاب أو سنة أو إجماع على حكمها لعلة جامعة بينهما (1).
(1)
(T)
ومن أمثلة المسائل التي استنبط الإمام ابن بركة أحكامها عن طريق القياس ما يلي:
1 - قياسه جواز تزويج المرأة نفسها من كفء لها بغير إذن وليها إذا عضلها على جواز أخذ المرأة نفقتها من مال زوجها إذا منعها، والجامع بين المسألتين أنها أخذت حقا لها منعها منه من أوكل صاحب الشرع الحكيم القيام به إليه (2). ب- قياسه سريان العتق في الأمة المبعضة إذا أعتق صاحب الشقص شقصه منها على العبد المبعض إذا اعتق بعض الشركاء نصيبه منه، وهو قياس
(د)
جلي (3).
مخصصا للعموم وقد عثرت على مثال واحد فقط أورده الإمام ابن بركة وجعله مثالا على تخصيص القياس لعموم السنة، وهذا المثال- حسب قوله هو أن القياس أخرج إهاب الخنزير من عموم ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما إهاب" دبغ فقد طهر (4)، ووجـ خروج إهاب الخنزير من هذا العموم عنده هو أن الخنزير نجس
قال الإمام ابن بركة في ج 1 ص 100 موضحا ذلك: "والقياس في نفسه هو تشبيه الشيء بغيره، والحكم به هو الحكم للفرع بحكم أصله إذا استوت علته".
وقال أيضا في ج 1 ص 386: وليس إذا ذكر واحد بمنع أو إباحة لم يدخل معه غيره في باب العبادة، والحال بينهما واحد".
وقال ايضا في ج 2 ص 253: القياس الذي أصلناه هو رد حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق به".
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 127.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 242.
(4) أخرجه: الربيع / كتاب الزكاة والصدقة، ب (63)، رقم 389، ج 1 ص 154. مسلم كتاب الحيض، ب (27)، رقم 105، ج 3 ص 294. أبو داود كتاب اللباس، رقم 4123، ج 4 ص 65.
1.2 (1/104)
صفحة 104
العين فلا تصح فيه الذكاة بخلاف غيره من الميتة، وما كانت عينه نجسة
محرمة لا تطهره الذكاة لم يصلحه الدبغ، لأن الطهارة لا تحل فيه (1). يرى الإمام ابن بركة أن القياس لا بد أن يكون من بين أركانه علة جامعة بين الأصل والفرع، فهو يقول معبرا عن ذلك: "أن القياس لا يجوز إلا على علة"، وقد قرر أن كل علة يمكن أن تدرك وتعلم صحتها
بوجهين:
أ- أن ينصب القائس علة فيجريها على مظانها التي يمكن أن تجري فيها، فإذا جرت في جميع مظانها، ولم يمنع من جريانها نص دل ذلك على على صحة كونها علة (2). ب أن يتحقق فيها الدوران وهو أن يوجد الحكم مع وجودها، ويرتفع
بارتفاعها.
ومثاله كما يقول هو -: "إن التحريم في الخمر متعلق بالشدة، والدليل على ذلك أن العصير حلال، فإذا حصلت الشدة فيه حصل التحريم، وإذا
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 376 - 377. ونص كلامه هناك هو: وهذا الذي نذهب إليه ونختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد الخنازير، فإن قال قائل: لم تركت الخبر، ولم تستعمل عمومه والظاهر يوجب استعمال العموم؟ قيل له: قد قام الدليل على تخصيص الخنزير، فإن قال: وأي شيء خصه؟ قيل له: القياس خصه اهـ
(T)
وقد اختلف علماء الأصول في التخصيص بالقياس على عدة أقوال منها ذهب الأكثر منهم إلى جواز ذلك، سواء كان القياس خفيا أو جليا.
وقال أبو هاشم- في قديم -قوله والجبائي من المعتزله بالمنع مطلقا، وهو لازم مذهب الظاهرية. وذهب آخرون إلى جواز التخصيص بالقياس الجلي دون الخفي.
وقصر أكثر الحنفية جواز التخصيص بالقياس على العام الذي ثبت تخصيصه بدليل آخر. وذهب الجويني إلى الوقف. راجع المسالة في: ابن حزم، الإحكام، ج 3 ص 411. الجويني، البرهان، جا ص 157. السرخسي، أصول السرخسي، ج 1 ص 133. القرافي تنقيح الفصول، ص 203 - 206. ابن المرتضى، منهاج الوصول، ص 337 - 340. ابن النجار، الكوكب المنير، ج 3 ص 377، السالمي، طلعة
الشمس، ج 1 ص 297.
2 ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 140. (1/105)
صفحة 105
زالت الشدة عنه وصار خلا حل وارتفع التحريم، فقد رأينا التحريم معلقا
بها، يوجد بوجودها، ويرتفع بارتفاعها (1).
اشترط الإمام ابن بركة في الأصل المقيس عليه شرطين هما: أ- ألا يكون هذا الأصل معدولا به عن سنن القياس، فقد قال مبينا ذلك: ولا يجوز أن يقاس إلا على معلول (2).
ب أن يكون حكم الأصل متفقا عليه أي أن الفقهاء متفقون على حكـ واحد في تلك المسألة التي يراد جعلها أصلا في القياس، فإن وجد خلاف في تلك المسألة فلا يصح - عنده - جعلها أصلا في القياس، وقد قال معبرا عن ذلك والقياس لا يصح إلا على أصل يجتمع عليه
...... وما اختلف فيه فلا يكون أصلا، ولا يقاس عليه (3).
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 140 - 141. والدوران هو المعروف بالطرد والعكس، وقد اختلف إيجابه العلة.
فذهب الجمهور إلى أن الدوران موجب للعلة، لأن اقتران الوجود بالوجود والعدم بالعدم، يغلب على الظن أن المدار علة الدائر، مع خلاف بينهم في كونه يوجب ظن العلة أو القطع بها.
وذهب الحنفية إلى أنه لا يوجب ذلك. راجع المسألة في القرافي تنقيح الفصول، ص 396 - 397. الطوفي، البلبل، ص 162. الزركشي، البحر المحيط، ج 5 ص 243. الصنعاني، إجابة السائل، ص 185 - 186. أمين بادشاه، تيسير التحرير، ج 3 ص 49. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 147 - 150.
(2) ابن بركة، الجامع ج 1 ص 140. هكذا ورد في الأصل "معلول"، ولعل الصواب هو "معلل". (7) ابن بركة، المصدر السابق ج 1 ص 417.
وقد اختلف الأصوليون في اشتراط الاتفاق على الأصل المقيس عليه:
فذهب الجمهور إلى اشتراط ذلك، واختلفوا في كيفية هذا الاتفاق فقيل: يكفي فيه اتفاق الخصمين، كثير من الأصوليين، وقيل: لا بد من اتفاق مجتهدي الأمة على ذلك قاطبة، ونسب إلى بشر المريسي. وذهبت طائفة منهم أبو الحسين المعتزلي والرازي إلى عدم اشتراط ذلك، بل يكفي في القياس صحة العلة فمتى علم صحتها جاز حمل الفرع على الأصل لأجلها. راجع المسألة في أبو الحسين، شرح العمد، ج 2 ص 106 - 107. الرازي، المحصول، ج 5 ص 368. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 675 - 676. ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 4 ص 27 - 29. أمين، بادشاه تيسير التحرير، ج 3 ص 289. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 101 - 102. الشنقيطي، نثر الورود، ج 2 ص 452.
1.7 (1/106)
صفحة 106
انفرد الإمام ابن بركة دون من تقدمه من فقهاء المذهب الإباضي (1) بقوله بإثبات القياس في اللغات، وجواز تعليل الحكم الشرعي بالأسماء اللغوية. وبناء على ما ذهب إليه هنا، فإنه قرر ما يلي:
أ- تحريم زوجة من وطئ في الدبر، أو أثناء الحيض عالما متعمدا عليه (2).
ب حد من وطئ امرأة أجنبية في دبرها (3).
ج- حد من وطئ بهيمة من البهائم (4).
د حد من وطئ رجلا في دبره (9).
اللغة هذه الأمثلة خارجة عنده بناء على قوله بإثبات القياس وجميع
وتعدية الحكم بذلك.
وتوضيحه: هو: أن الإمام ابن بركة يذهب إلى أن أصل الزنا في لغة العرب هو الدخول في مضيق وقد استشهد على ذلك بقول الشاعر:
(1) اختلف الأصوليون في إثبات اللغة قياسا وترتيب الأحكام الشرعية على هذا القياس. فذهب جمهور الأصوليين إلى عدم صحة جريان القياس في اللغة، لقوله تعالى: (و) علم آدم الأسماء كلها) البقرة [31]، والقياس لا يجري في موضع النص. وذهب بعض الأصوليون إلى القول بمثل ما قاله الإمام ابن بركة من إثبات اللغة قياسا منهم الرازي وبعض المالكية، ونسب هذا القول إلى أكثر أهل العربية. وهذا الخلاف منصب على المتشق المشتمل على وصف كانت التسمية من أجله، ووجد ذلك الوصف في معنى آخر، كالخمر، وكإطلاق اسم السارق على النباش، واسم الزاني على اللائط، دون أسماء الأعلام وأسماء الصفات كالقادر والعالم. راجع المسألة في أبو الحسين، شرح العمد، ج 2 ص 117 - 128. الرازي، المحصول، ج ص 329. القرافي، تنقيح الفصول، ص 412 - 413. التفتازاني، شرح التلويح، ج 2 ص 122 - 125. ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 4 ص 17 - 18. الصنعاني، إجابة السائل، ص 182. طلعة الشمس، ج 2 ص 98 - 99.
(1)
(د)
السالمي،
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 123 - 124.
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 525. (4) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (0) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
107 (1/107)
صفحة 107
أحب وساع العيش والخلق الرحبا (1) ولست بزان في مضيق لأنني
أي لست بداخل في مضيق. ولما كانت الصور المذكورة آنفا من الوطء في الدبر، أو في وقت الحيض ... الخ، صورا قد حرمها الشرع صارت أمورا مضيقة بتضييق الشوع إياها، فالمرتكب لواحد منها أو جميعها داخل في أمر مضيق عليه، وعلى فإن كل من دخل بفرجه في ضيق مضيق عليه فهو زان وكل من استحق اسم الزاني فالحد واجب عليه، إلا ما قام دليله (2).
ولهذا رأى الإمام ابن بركة ما يلي:
هذا
أ- لزوم الحد على من وطئ أجنبية في دبرها، أو وطئ رجلا في دبره، أو وطئ بهيمة من البهائم (3)، لأن كل فاعل في كل صورة من الصور الثلاث قد دخل في أمر مضيق عليه فهو زان، والزاني يقلم
عليه الحد.
أو
ب الحكم بالحرمة والتفريق بين الرجل وزوجته إذا واقعها في دبر وقت حيض، لأن الشرع حرم عليه إتيان زوجته في كلتا الصورتين، ففاعل ذلك داخل في أمر مضيق عليه، فهو زان، والزاني يفرق بينه
وبين زوجته ().
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 124.
(1)
(2)
(4)
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 125.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 525، وقد قال هناك ما نصه: "قالواطئ للبهيمة، والواطئ للذكـ دبره، والواطئ للمرأة - يعني الأجنبية - في فرجها أو دبرها يسمى زانيا، وعليه ما على الزاني بظاهر
الأدلة اهـ
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 124، ونص كلامه هناك: فلما رأينا الواطئ في الدبر والحيض داخلين في المضيق عليهما علمنا أنهما قد استحقا اسم الزنا، والزاني يفرق بينه وبين زوجته". ملاحظة: هنا أمران يحسن التنبيه والإشارة إليهما:
الأول: أن لفقهاء المذهب الإباضي في إيقاع الحرمة والتفريق بين الرجل وزوجته إذا واقعها في الحيض ثلاثة
أقوال:
1. A (1/108)
صفحة 108
- أ- القول بالحرمة والتفريق وهو مذهب أكثر المتقدمين من فقهاء المذهب منهم الإمام ابن بركة وعليه جمع من المتأخرين منهم الإمام ابن النظر.
غير أن الإمام ابن بركة يجعل من بين أدلته على ذلك ما ذكرته عنه هنا من جواز تعليل الحكم بالأسماء اللغوية، أما موافقوه فيرون ذلك من باب دلالة النهي على فساد المنهي عنه، ومن باب المعاملة بالضد، حيث أن المجامع في الحيض تعجل شيئا قبل أوانه - وهو وقت إتيان الطهر-، فعوقب بحرمانه. ب القول ببقاء الزوجة مع حرمه الفعل وهو الإتيان وقت الحيض: وهو مذهب بعض المتقدمين، من فقهاء المذهب كأبي نوح صالح الدهان، وموسى بن أبي جابر الأزكوي، وعليه بعض المتأخرين كالإمام السالمي،
وغيره.
وقد ناقش بعضهم استدلال الفريق الأول بدلالة النهي على الفساد بأن هذا يصح أن لو كان النهي واقعا على ذات المنهي عنه، وأما في هذه الصورة فإن النهي وارد على صفة في الموضع، وهي الأذى في محل الجماع، فلا يدل على الفساد.
ب،
ج- القول بالوقف وهو رأي شيوخ المذهب الأوائل: جابر بن زيد، وتلميذه أبو عبيدة مسلم، والربيع بن حبي و محبوب بن الرحيل، ونسبه صاحب المصنف إلى أبي علي موسى بن علي. راجع المسألة في البسيوي، جامع أبي الحسن البسيوي، ج 3 ص 52. الكندي المصنف، ج 39 ص 65. الشماخي، الإيضاح، ج 1 ص 249 - 251. الشقصي، منهج الطالبين، ج 16 ص 101. القطب، النيل، ج 1 ص 349 - 352. السالمي، جوهر النظام، ج 2 ص 361 - 362.
الثاني: أن حكم الإمام ابن بركة بالتفريق بين كل من الواطئ في الدبر أو الحيض وبين زوجته جاء مبنيا على أصل متفق عليه بين علماء المذهب الإباضي، وهذا الأصل هو: أن فقهاء المذهب متفقون على أنه لا يصح نكاح المزني بها ممن زنى بها ابتداء، كما أنهم متفقون على أنه لو شاهد أحد الزوجين الآخر يزني، أو حصل الإقرار من أحدهما عند الآخر بالزنا مع الإصرار على ذلك الإقرار وعدم الرجوع عنه، وصدقه الآخر وقعت الحرمة بينهما، وكان مآلهما الفرقة. ولما أن كان وقوع الزنا من أحد الزوجين وعلم الآخر ذلك منه بمشاهدة أو إقرار صريح لم يرجع عنه موجبا للفرقة- باتفاق علماء المذهب، وقد أثبت الإمام ابن بركة وصف الزاني للواطئ في الدبر أو الحيض، بناء على قياسه الذي مر ذكره، رأى أن الزنا قد وقع من الآتي في الحيض أو الدبر مع مشاهدة زوجه منه ذلك لوقوع هذا الفعل منه عليها تحت سمعها وبصرها، فتحقق موجب الفرقة عنده، وهو وقوع الزنا من أحد الزوجين مع مشاهدة الآخر له وعلمه بذلك كما لو زنا بأجنبية، وشاهدته زوجته، أو زنا بها أجنبي، وشاهدها زوجها، ولهذا قال في آخر كلامه: قلما رأينا الواطئ في الدبر والحيض داخلين في المضيق عليهما علمنا أنهما قد استحقا اسم الزنا، والزاني يفرق بينه وبين زوجته انظر المسألة في البسيوي، مختصر البسيوي، ص 190. المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 35. أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 166. القطب، كشف الكرب، ج 2 ص 149 - 155. السيابي، فصل الخطاب، ج 1 ص 224.
109 (1/109)
صفحة 109
المطلب الخامس: الاستصحاب (1):
وهذا دليل يأتي عند الإمام ابن بركة بعد القياس، لأن المجتهد إذا لم يجد حكما على مسألته الآنية من الأصول الثلاثة وهي: الكتاب والسنة والإجماع ولا صورة تشبهها يمكن إرجاعها إليها قياسا، فإنه يلجأ إلى الاستصحاب، وهو إبقاء
الشيء على حالته التي هو عليها لتيقن ذلك حتى يصح الناقل له عن ذلك. ومن الأمثلة التي وردت عند الإمام ابن بركة المبنية على هذا الدليل ما
يلي:-
أ- استصحاب حال الطهارة الرافعة للحدث المبيحة للصلاة لمن كان متوضئا، ولم يعلم بحدوث ما يفسد وضوءه، فإنه يصلي بوضوئه
ذلك (2).
ب إذا تيقنت طهارة الماء، ثم وجد متغيرا، ولم يعلم أن تغيره من نجاسة نجاسة وقعت فيه فهو طاهر استصحابا لحالته السابقة (3).
ج تحريم صوم يوم الشك استصحابا لشهر شعبان الذي تيقنا دخوله ولم نعلم بخروجه (4).
د إباحة الأكل للصائم إذا لم يتقين طلوع الفجر استصحابا لبقاء الليل (9).
(1)
يعتبر الاستصحاب أحد الأدلة التبعية عند جمهور الأصوليين من سائر المذاهب - كما هو مذهب الإمام ابن بركة خلافا للحنفية الذين يرونه يصلح لأن يكون حجة للدفع لا للإثبات.
والجمهور مع اتفاقهم على اعتبار حجية الاستصحاب إجمالا، إلا أنهم لم يتفقوا على الأخذ بجميع أنواعه. راجع المسألة في الرازي المحصول، ج 2 ص 109 - 122. القرافي تنقيح الفصول، ص 447. الطوفي شرح مختصر الروضة، ج 3 ص 147 - 158 الصنعاني، بلغة السائل، ص 216 - 218. أمين بادشاه، تيسير التحرير، ج 4 ص 176 - 0178 السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 179 - 182
(2) ابن بركة الجامع، ج 1 ص 267.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 257.
(4)
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 18.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 23.
110 (1/110)
صفحة 110
المطلب السادس: الاستحسان (1): يعد الاستحسان أحد الأدلة الشرعية التبعية عند
الإمام ابن بركة. ومن أمثلة ذلك عنده ما يلي:
أ- إذا تشاجر رجلان في منبوذ وجداه معا، وأراد كل منهما القيام به فإنه يعطياه معا إذا قاما بما يجب له، وتقاربت دورهما، فإن تباعدت دورهما، فإنه استحسن أن يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة أخذ المنبوذ دون الآخر (2).
ب- لو وكل رجل آخر في شراء بضاعة له من مكان بعيد عن وطن الموكل، فاشترى الوكيل البضاعة واستأجر من يحملها إلى وطن موكله، فإن أجرة الحمل لا تلزم الموكل من جهة الحكم، لأن الوكالة مقصورة على الشراء فقط دون الحمل، فالوكيل في حكم المتبرع ومع هذا فقد رأى الإمام ابن بركة من طريق الاستحسان إلزام الموكل أجرة الحمل، بناء على أن الأمر بالشراء يقتضي تسليم المبيع إلى الآمر، فلما كان الأمر بالشراء مقتضيا ذلك، ولم يقدر الوكيل
بذلك،
جميع
المذاهب
(1) الاستحسان أحد الأدلة التي كثر فيها الأخذ والرد بين مثبتيه ونافيه خاصة بين الحنفية الذين كانوا أكثر توسعا فيه من غيرهم، وبين الشافعية الذين اشتد نكيرهم على الحنفية في الأخذ به، وعدوه هوسا. ويرى كثير من الأصوليين قدامى ومحدثين أن هناك أنواعا من الاستحسان مأخوذ بها عند الإسلامية، وأن حدة النزاع فيه ناتجة عن عدم فهم كل فريق مراد الآخر من إثبات الاستحسان أو نفيه. وبإمعان النظر في هذا الباب يتبين أن جميع الأصوليين يقرون الاستحسان الذي معناه العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل شرعي خاص"، كما يظهر أن أكثر النزاع منصب على الاستحسان الذي يعرف بأنه دليل ينقدح في نفس المجتهد، تقصر عبارته عنه. راجع المسألة في أبو الحسين، شرح العمد، ج 2 ص 189 - 202. ابن حزم الإحكام، ج 5 ص 195 - 200. الباجي، إحكام الفصول، ص 687 - 689. السرخسي، أصول السرخسي، ج 2 ص 199 - 208. الغزالي، المستصفى، ج 1 274 - 283. الوارجلان العدل والإنصاف، ج 2 ص 73 - 75. الطوفي شرح مختصر الروضة، ج 3 ص 190 - 203. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 696 - 699 وغيرها.
(2)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 447.
111 (1/111)
صفحة 111
على تسليم المبيع إلا بالكراء، صار الأمر بالكراء داخلا ي لفظ
الوكالة ضمنا، وإن لم يقع تصريحا (1).
المطلب السابع: المصالح المرسلة: تعتبر المصالح المرسلة من الأدلة الشرعية
التبعية عند الإمام ابن بركة (2).
1 -
ومن الامثلة المبنية على هذا الاستدلال عند الإمام ابن بركة ما يلي:
أ النهي عن بيع أمهات الأولاد زمن عمر رضي
الله عنه- (3).
ب- تجويزه دفع العوض من المال إلى الشاهد، إذا كان تفرغه لأداء الشهادة يؤدي إلى إلحاق ضرر به من تفويت طلب قوته أو قوت عياله، ترغيبا في إقامة الشهادة لإثبات الحقوق (4).
ج- جواز أخذ العوض على تعليم القرآن، إذا كان المعلم يحبسه تفرغه لذلك عن طلب قوت نفسه أو عياله، قياما بمصالح الدين (5).
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 294.
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 139، وقال هناك ما نصه: وللإمام أن يسوي بين رعيته فيما يراه صلاحا لهم، ما لم يخالف بذلك نصا من الكتاب أو السنة أو الإجماع" اهـ والاحتجاج بالمصالح المرسلة مذهب الإباضية والزيدية والمالكية، والأخيرون أكثر توسعا فيها، وأنكرها الحنفية ومعظم الشافعية وبعض الحنابلة إلا في المصلحة التي تحققت فيها الملاءمة للمصالح المعتبرة المشهود لها بالأصول، واشترط الغزالي لاعتبار حجيتها أن تكون ضرورية قطعية كلية. ويرى بعض العلماء أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى اللفظ دون المعنى، حتى قال القرافي المالكي: "هي عند التحقيق في جميع المذاهب، لأنهم يقيسون ويفرقون بالمناسبات، ولا يطلبون شاهدا بالاعتبار". راجع المسألة في الغزالي، للمستصفى، ج 1 ص 284 - 310. القرافي، تنقيح الفصول، ص 446 - 447. الطوفي، البلبل، ص 144. ابن المرتضى منهاج الوصول، ص 727 - 728. أمين بادشاه، تيسير التحرير، ج 4 ص 171 السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 185.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 346. وقال الإمام ابن بركة هناك فنهى عمر عن بيع أمهات الأولاد على طريق المصلحة والنظر للرعية".
112
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 311.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 392.
(T)
(1)
(•)
(1)
(2) (1/112)
صفحة 112
المطلب الثامن: شرع من قبلنا:
وظاهر كلام الإمام ابن بركة اعتبار شرع من قبلنا" دليلا شرعيا يمكن
التعويل عليه عند الاستدلال.
وقد أورد الإمام ابن بركة مثالين للاستدلال بذلك:
أ- استدلاله على جواز عقد النكاح بالصداق المجهول بقصة زواج موسى عليه السلام من ابنة شعيب عليه السلام-، وكان مهرها قيام موسى عليه السلام - برعي غنم شعيب - عليه السلام - ثماني سنوات أو عشرا، وهذا المهر لا يخلو من جهالة عنده، ثم قال بعد ذلك: "فإن كان النكاح تصح فيه الجهالة من فعل الأنبياء كان الاقتداء بهم أولى من نظر من يجب أن يتهم برأيه، ومن يجوز عليه الخطأ في أكثر اجتهاده (1). ب استدلاله على أن للأب حقا في مال ابنه عند الحاجة بقوله تعالى حكاية عن أم مريم عليهما السلام - رب إني نذرت لك ما في بطني محررا) آل عمران [35].
ووجه دلالة الآية عنده على ذلك هو: ان الإنسان لا يصح نذره إلا فيما يملك، فلما دلت الآية على صحة تصرف أم مريم بنذر ابنتها كان دليلا واضحا على تعلق حق الوالد في ولده، ولما قوي الوالد بهذا الحق في التسلط على بدن الولد، كان أقوى بطريق الأولى في التسلط على مال الولد عند الحاجة، لأن المال أهون من النفس (2).
وقد أتبع الإمام ابن بركة هذا الاستدلال بقوله: فهذا يدل على تعلق حق
الأب في مال ولده" (3).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 108.
(2)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 467.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 392.
• ومختار الإمام ابن بركة في اعتبار حجية شرع من قبلنا إذا لم ينسخ هو مذهب جمهور الإباضية والزيدية
والحنفية والمالكية والحنابلة.
وقيل ليس بحجة، وهو مذهب الشافعية وابن حزم من الظاهرية.
راجع المسألة في ابن حزم، الإحكام، ج 5 ص 135، السرخسي أصول السرخي، ج 2 ص 99. ابن قدامة، الروضة، ج 1 ص 400. الآمدي، الإحكام، ج 4 ص 147. ابن الحاجب، منتهي الوصول، ص 205. الصنعاني، إجابة السائل، ص 219. السالمي، طلعة الشمس، ج 2 ص 60 - 63.
113 (1/113)
صفحة 113
المطلب التاسع: العرف:
يرى الإمام ابن بركة اعتبار العرف دليلا شرعيا يمكن الاستناد إليه عند
الاستدلال.
ومن الأمثلة المبنية على الاستدلال بالعرف عنده ما يلي:
أ- أن من حلف ألا يسكن بيتا فسكن بيتا من شعر لا يحنث، لأن البيوت
المقصودة المتعارف عليها عند أهل الحواضر والمدن هي المبنية من حجر أو مدر (1).
ب لو أوصى للأرامل من قرابته قصر نفاذ الوصية على النساء الأرامل دون الرجال، وإن صدق عليهم اصطلاح الأرامل لغة، لأن الناس
تعارفوا على إطلاق الأرامل على النساء دون الرجال (2).
ج- لو قال لزوجته: إن وطئتك أو باضعتك أو أتيتك فأنت حرام، ثم أتى دون الفرج حتى أنزل لم تحرم، لأن العرف جار على أن المراد من
هذه الألفاظ هو الجماع (3).
د- لو قال: اعتقوا عني عبدي، أو عبدي حر بعد وفاتي، وكان له عبدان ذكر وأنثى، انصرف العتق إلى الذكر دون الأنثى، لأن العرف جار
(1)
(2)
(r)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 89.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 659.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 172. (1/114)
صفحة 114
على قصر إطلاق لفظ العبد على الذكر فقط، وإن كان يشمل الذكـ
والأنثى من باب التغليب (1).
المطلب العاشر: الأخذ بدلالة الأقتران: ومن أمثلة ذلك عنده:
أ- أن الأذان ليس بفرض، ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم - إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما، وليؤمكم أسنكم (2)، والإجماع واقع على أنه إذا أم الأصغر من هو أسن منه جازت الصلاة فدل هذا على أن الأمر في قوله "وليؤمكم "أسنكم خارج على غير الوجوب، ولما كان الأمر بالأذان جاء مقترنا بذلك دل أيضا على أن الأمر به خارج على غير الوجوب (3).
ب أن الإشهاد على الدين ليس بواجب، ودليله قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه.، واستشهدوا
...
شهيدين من رجالكم) البقرة [282]، والإجماع واقع على أن الكتابة
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 242.
اخرجه البخاري/ كتاب أبواب الأذان، ج 2 ص 88 - 89. أبو داود كتاب الصلاة، رقم 589، ج 1 ص 158. الترمذي، كتاب الصلاة، ب (37)، رقم 205، ج 1 ص 399.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 446.
ومذهب جمهور القرآن في الحكم.
الأصوليين عدم اعتبار دلالة الاقتران حجة، ولذلك قالوا: القرآن في النظم لا يوجب
وذهب بعض الفقهاء من الإباضية والحنفية والشافعية إلى الاحتجاج بدلالة الاقتران. راجع المسألة في السرخسي أصول السرخسي، لآ ج 1 ص 273. اللامشي، كتاب في أصول الفقه ص 142 - 143. الزركشي، البحر المحيط، ج 1، ص 99 - 102. ابن النجار، شرح الكوكب المنير، ج 3 ص 259 - 262. السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 267 - 268.
110
(1)
(T)
(2) (1/115)
صفحة 115
للدين ليست بواجبة (1) فكذلك الأمر بالإشهاد على الدين ليس بواجب،
بل هو على الندب (2).
المطلب الحادي عشر: الأمر المطلق يقتضي فعل المأمور به مرة واحدة، ما لم يقم دليل على إرادة التكرار. ومن أمثلة ذلك عنده ما يلي:
أ- أن الأمر بالحج جاء مطلقا من غير دليل يدل على التكرار فيكفي إتيانه مرة واحدة في العمر (3)
ب أن الأمر بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جاء مطلقا، فإذا أمر المكلف تارك المعروف بفعله، أو نهي راكب المنكر عن
إتيانه مرة واحدة، سقط فرض الأمر والنهي بتلك المرة (4). المطلب الثاني عشر: ورود الأمر بعد النهي يقتضي الإباحة: ومن أمثلة ذلك
عنده ما يلي: أ- أن الأمر بالانتشار في الأرض الوارد في قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض الجمعة [10] محمول على الإباحة لأنه جاء بعد حظر، وهو منع الانتشار لأجل حضور صلاة الجمعة، الذي يدل عليه قوله تعالى: (يا أيها الذين أمنوا إذا نودي للصلاة من الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) الجمعة [9] (9).
(1)
(2)
(r)
يوم
ب أن الأمر بالاصطياد الوارد في قوله تعالى: (فإذا حللتم فاصطادوا) المائدة [2] محمول على الإباحة، لأنه جاء بعد حظر وهو منع
في حكاية الإجماع على ذلك نظر، فقد قال الإمام الطبري والظاهرية بوجوب الكتابة في الدين، انظر الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 120. ابن حزم المحلى، ج 8 ص 344. بل القول بالوجوب محكـ إمام المذهب جابر بن زيد - رحمه الله تعالى - فكيف يتسنى حكاية الإجماع على الندب.
عن
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 353. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 139 وقال الإمام ابن بركة هناك: "وفي هذا الخبر – أي حديث الأقرع بن حابس في الحج - دليل على أن الأمر بالفعل لا يوجب إلا فعلا واحدا، إلا أن تقوم دلالة بتكريرة.
116
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 180.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 91.
(4)
(•) (1/116)
صفحة 116
الاصطياد في وقت الإحرام، لقوله تعالى: (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) المائدة [96] (1).
المطلب الثالث عشر: الأخذ بمفهوم المخالفة: ومن أمثلة ذلك عنده: أ أن مفهوم قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء) المائدة [95] الوارد في بيان حكم جزاء قاتل الصيد حالة الإحرام وتقييده بالتعمد، يدل على أن القاتل المخطئ ليس عليه جزاء (2).
ب أن مفهوم قوله تعالى: (وما علمتم من الجوارح) المائدة [4] يدل على أنه لا يجوز الصيد بجارح علمه مجوسي، لأن الخطاب في الآية
للمسلمين (3).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 521. وللأصوليين في اقتضاء الأمر بعد النهي أقوال منها:
ذهب أكثر الفقهاء والمتكلمين كمذهب الإمام ابن بركة - إلى أنه يقتضي الإباحة.
وذهب بعض الإباضية وهو مذهب الحنفية إلى أنه يقتضي الوجوب. وقال أبن حزم إن الحظر إذا نسخ بلفظ الأمر فهو للوجوب، وإن كان أتى فعل لشيء تقدم فيه النهي فهو منتقل للإباحة.
وفصل الغزالي بين ما إذا كان الحظر السابق عارضا لعلة، وعلقت صيغة "افعل" بزواله، فيكون حكمه كما كان عليه قبل الحظر، وبين ما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة، ولا صيغة "افعل" علق بزوالها، فيكون موجب الصيغة على التردد بين الندب والإباحة. راجع المسألة في ابن حزم، الإحكام، ج 3 ص 341. الغزالي، المستصفى، ج 1 ص 435. ابن برهان، الوصول إلى الأصول، ج 1 ص 158 - 159. الأسمندي، بذل النظر، ص 69 - 72. ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 98. الطوفي، البلبل، ص 86. السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 41 - 42.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 53. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 79.
وظاهر كلام الإمام ابن بركة ترك الأخذ بالمفهوم إذا وجدت مناسبة تقتضي تخصيص شيء بالذكر دون غيره فيما ورد فيه النص، ولذا فقد قال في ج 2، ص 459 - 460 بعد أن أورد حديثا لفظه: "ملعون من ضار مسلما قال ما نصه: ليس فيه أي الحديث - أن من ضر غير مسلم أن الوعيد يسقط عنه، بل الوعيد يتوجه إلى كل ظالم ثم علل سبب تخصيص المسلم بالذكر في الحديث دون غيره بان حرمة المسلم أعظم من حرمة غيره وان إيقاع الظلم عليه أعظم من إيقاعه على غيره.
117 (1/117)
صفحة 117
المطلب الرابع عشر: اللفظ العام المخصص حجة في باقي أفراده: يرى الإمام ابن بركة أن اللفظ العام إذا خصص تناول التخصيص
الأفراد التي ورد بها، وبقي اللفظ العام حجة ودليلا.
وقد أورد الإمام مثالين لذلك:-
أ- أن قوله تعالى: (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين المؤمنون [5 - 6]، عام في إباحة إتيان الزوجات وإماء الرجل في كل حين، ثم جاء قوله تعالى: (فاعتزلوا النساء في المحيض) البقرة [222] مخصصا لهذا العموم، فيحرم على الرجل إتيان زوجته أو أمته وقت الحيض، ثم ورد الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في شان الإماء من السبايا بالمنع من وطء الحوامل منهن حتى يضعن، والحوائل حتى يحضن (1) فكان مخصصا لعموم الآية أيضا، وبقي اللفظ العام في الآية حجة على إباحة إتيان الأزواج أو الإماء في غير ذلك، ولذا قال
ولمفهوم المخالفة أنواع عدة أوصلها بعضهم إلى سبعة أنواع، وهي مفهوم الشرط، ومفهوم الصفة، ومفهوم العدد، ومفهوم الغاية، ومفهوم الاستثناء، ومفهوم اللقب.
وهذا الدليل- أي مفهوم المخالفة حجة على الإجمال عند جمهور الأصوليين مع اختلافهم في حجية بعض الأنواع منه، وبه قال الكرخي من الحنفية.
وذهب جمهور الحنفية إلى عدم اعتبار مفهوم المخالفة دليلا شرعيا.
وقال بعض الأصوليين هو حجة لغوية لا شرعية، بمعنى أنه يؤخذ به في خطاب البشر دون خطاب الشارع. راجع المسألة في الشيرازي اللمع، ص 105 - 106. السرخسي، أصول السرخسي، جا ص 255 - 266. ابن قدامة، الروضة، ج 2 ص 203. القرافي، تنقيح الفصول، ص 270. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 132 - 134. ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج 1 ص 115 - 116. الصنعاني، إجابة السائل، ص 224. (1) أخرجه: الربيع / كتاب النكاح، ب (27)، رقم 506، ج 2 ص 211. مسلم كتاب الرضاع، ب (9)، رقم 33 ج 10 ص 287 - 288. أبو داود /كتاب النكاح، رقم 2157، ج 2 ص 254. (1/118)
صفحة 118
الإمام ابن بركة عقب هذا المثال: "فما خص الإباحة بتحريم وقت فهو
حرام، والباقي على إباحته، وإطلاق الكتاب بجوازه (1). ب أن قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف، حقا على المتقين) البقرة
[180] عام في إيجاب الوصية لكل والد وكل قريب، ثم جاء قوله صلى الله عليه وسلم- "لا" وصية لوارث" مخصصا لهذا العموم الوارد في الآية فكان مانعا من الوصية لكل والد وقريب وارث، وبقي العموم الوارد في الآية حجة ودليلا على وجوب الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين، و لذا قال الإمام ابن بركة عقب ذلك: "فلما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - "لا" وصية لوارث" خص من هذا المذكور الوارث بالمنع، وبقي الباقي على حكمه (2).
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 150.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 562.
• للأصوليين في بقاء العام المخصص حجة في باقي أفراده أقوال منها:
ذهب جمهور الحنفية كمذهب الإمام ابن بركة إلى أنه حجة مطلقا، غير أنهم جعلوا دلالته بعد التخصيص ظنية وليست قطعية، كما هو حاله عندهم قبل التخصيص. وقال الجمهور من الأصوليين: إن خص العام بمعين كاقتلوا المشركين إلا أهل الذمة فهو حجة، وإن خص بمبهم كاقتلوا المشركين إلا بعضهم فليس بحجة.
وقال ابن حزم إن كان النص العام المخصص من المجمل قبل مجيء المخصص فلا يؤخذ منه إلا ما جاء به نص آخر مبين له، وإن كان النص العام من المفسر قبل مجيء المخصص، وأمكن استعماله على عمومه فهو عام فيما سوى الموضع الذي ورد فيه النص.
وقيل: هو حجة إن خص بدليل متصل لا منفصل.
وقيل: إن أنبا العموم عن المخصص قبل التخصيص فحجة، وإلا فلا.
وقيل حجة في أقل الجمع.
وقال أبو ثور ليس بحجة مطلقا، وهو ظاهر اختيار الكرخي من الحنفية.
وهناك تفاصيل أخرى.
راجع المسألة في ابن حزم الإحكام ج 3 ص 401 - 403. السرخسي، أصول السرخسي، ج 1 ص 144. الغزالي، المستصفى، ج 1 ص 56 - 57. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 120.
119
(1)
(2) (1/119)
صفحة 119
المطلب الخامس عشر: الفعل إذا سبقه نفي فهو عام:
يرى الإمام ابن بركة أن الفعل المسبوق بأداة النفي عام في جميع الأفراد
التي يتناولها ذلك الفعل المنفي. مثاله: أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لا يرث المسلم الكافر
(1) m
عام
في نفي إرث المسلم للكافر، فلا يرث ماله ولا حق القصاص والقود من قاتله إذا مات مقتولا (2).
المطلب السادس عشر: الاستدلال بالشواهد اللغوية العربية:
لقد جعل الإمام ابن بركة من شواهد اللغة العربية المنظومة حججا يؤيد بها ما يذهب إليه من آراء أو تفسيرات لبعض المعاني الواردة عنده: فمن أمثلة استدلاله بالنظم العربي ما يلي:
(2)
- ابن الحاجب، منتهى الوصول / ص 107 - 108. الطوفي، البلبل، ص 104 - 105. الصنعاني، إجابة السائل، ص 356 - 357 السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 129 - 131.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (46)، رقم 671، ج 2 ص 262. البخاري / كتاب الفرائض، ج 12 ص 41. مسلم كتاب الفرائض، رقم 1، ج 11 ص 57. (1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 276. وأما ما ورد في ج 2 ص 274 - 275 من قول الإمام ابن بركة بدفع مال المرتد وهو كافر - إلى أقاربه المسلمين فليس ذلك عنده من باب الميراث، وإنما قاله بناء على أن مال المرتد عنده يقسم عند موته بين المسلمين، فرأى هو جعل ماله في أقاربه دون سائر المسلمين، لأن أقارب المرتد ساووا سائر المسلمين من حيث التدين بدين الإسلام، وزادوا عليهم بالقرابة، ويقول هو في ذلك: ونحن لم نجعله ميراثا، ولكن نقسمه بين ورثته يقصد ورثته باعتبار ما كان قبل الارتداد من المسلمين خاصة، لأنهم يجمعون قرابة وإسلاما ألا ترى أن من أدلى إلى الميت بسببين أولى ممن يدلي بسبب واحد
• للأصوليين في عموم الفعل المنفي بنوعيه المتعدي واللازم، خلاف وهذا المثال الذي أورده الإمام ابن بركة من باب الفعل المتعدي، وجمهور الأصوليين على أنه إذا ورد النفي على فعل متعد، ولم يذكر المفعول به، ولا قامت قرينة عليه بعينه فهو عام في جميع أفراده، فيصح تخصيصه. وذهب الحنفية والرازي من الشافعية إلى عدم عمومه، فلا يصح تخصيصه عندهم، فلو قال مثلا: "لا أكل" كان عاما عند الجمهور، فلو نوى أكلا دون أكل صح عندهم، لأن العام يمكن تخصيصه، ولا يصح عند الحنفية والرازي. راجع المسألة في الرازي المحصول ج 2 ص 383. ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 111. ابن أمير الحاج، التقرير والتحبير، ج 1 ص 224. السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 117 -
120
118 (1/120)
صفحة 120
أ- أنه فسر الركوع لغة بالانحناء، وأنه يقال للشيخ إذا انحنى من الكبر
قد ركع"، ثم استدل على ذلك بقول الشاعر:
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع ب- أنه فسر المنبوذ في اللغة بقوله: "والمنبوذ هو الملقى في لغة العرب"، ثم استدل على ذلك بقول الشاعر:
وخبرني من كنت أرسلت إنما أخذت كتابي معرضا بشمالكا نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا ج- أنه فسر الرمث بقوله: "والأرمات جمع رمث، والرمث هو الخشب
المضموم بعضها إلى بعض، ثم استدل على ذلك بقول الشاعر: تمنيت من حبي بثينة أننا على رمث في البحر، ليس لنا وكر (1) د أن قرابة الإنسان يطلق عليهم في اللغة أيضا لفظ "الأطراف"،
-
واستشهد على ذلك بقول الشاعر:
فكيف بأطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح (2)
(1)
ابن بركة الجامع، ج 1 ص 299.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 570
121 (1/121)
صفحة 121
المبحث الثالث
منهج عرض المسائل الفقهية
عند الإمام ابن بركة في كتابه "الجامع"
لم ينهج الإمام ابن بركة منهجا واحدا متشابها عند بدايته لطرح مسائله الفقهية، غير أن غالب ما جرى عليه هو استهلال المسألة بقوله: اختلف أصحابنا (1)، أو "اتفق أصحابنا (2)، أو "اختلف الناس (3)، أو "أجمع الناس" (4). وقد يصدر المسألة بآية قرآنية (9) أو حديث نبوي) (1)، ثم يقوم بعد ذلك باستخلاص أهم ما ينطوي تحت كل واحد منهما من أحكام فقهية، كما يصدر المسألة في أحيان أخر بحكم فقهي، يتبعه بما يدل عليه ().
وقد سلك الإمام ابن بركة عند عرضه للمسائل التي يذكرها في كتابه "الجامع" مسلك المقارنة في كثير من المواضع بين آراء فقهاء المذهب الإباضي وفقهاء المذاهب الإسلامية الأخرى، إذ يورد عادة راي المذهب الإباضي في المسألة أو خلاف علمائه في تلك المسألة عند وجود الخلاف فيها بينهم، ثم يذكر عقب ذلك ما يحفظه من آراء الفقهاء الآخرين في تلك المسألة (8)، ذلك ويتبع
(1) انظر على سبيل المثال ابن بركة، المصدر السابق، ج 1، ص 318، 225، 303، 318، 331، و ج 2
ص 182، 343 257، 387، 411.
(2) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 179، 177، 379، 423، 479، و ج 2 ص 98، 123،
179،17157، 6
(3) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 120، 213، 369، 392، 418، و ج 2 ص 11، 16،
59، 165، 368 459 483
(2)
(0) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 163، 241، 264، 448، 515، و ج 2 ص 150، 225،
498 0549،283
(1) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 305، 330، 386، 457، 536، و ج 2، ص 78، 239،
241، 274، 314
(2) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 180، 200، 201، 384، 469، و ج 2 ص 5، 29،
311،183،139
(1) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1، ص 110 - 112، 176، 21 - 218، 399، 416، 465، 512، و، ج 2، ص 9، 28، 85، 117، 133، 12، 157، 177، 225، 451.
122 (1/122)
صفحة 122
غير
غالبا بذكر أدلة كل رأي، مع بيان وجه الدلالة من كل دليل (1)، ثم يعمد إلى النظر في الأقوال التي أوردها في المسألة، ويختار منها ما يراه راجحا أو أقرب إلى الصواب باستخدام عبارات مثل والذي نختاره، ونذهب إليه"، وهذا القول أشيق إلى قلبي"، وهذا عندي أنظر القولين"، و "وهذا عندي هو القول" و ها (2) ثم يحاول نصرة ما ارتضاه واختاره بالدليل الصحيح عنده نقليا كان أو عقليا (3)، وكثيرا ما يتبع ذلك بتضعيف أدلة المخالف مستخدما في ذلك طرق الترجيح ووجوه الاعتراضات كبيان عدم صحة دليل الخصم بتضعيف نقله إذا كان خبرا آحادا أو إظهار فساده بقادح يقدح فيه، كمعارضته لنص مثلا إن كان دليلا ناتجا عن اجتهاد بقياس ونحوه، وإذا صح عنده نقل دليل المخالف فإنه يحاول تفنيد استدلال المخالف بذلك الدليل بإبراز نسخه بدليله هو، أو تخصيصه أو تقييد إطلاقه، أو كون دليل المخالف غير دال على مراده ومدعاه في المسألة (4).
وكثيرا ما يحاول الإمام ابن بركة أثناء مناقشته للأدلة أن يبين مخالفة بعض الفقهاء فيما ذهبوا إليه لما أصلوه من قواعد وفروع فقهية (9).
(1)
انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 281، 303، 416، 443، 464، و ج 2، ص 7، 56،
456 - 457،387،13 - 12،137 - 13،93
(2) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1، ص 255، 270، 281، 304، 335، 373، 435، و ج 2
ص 224، 233، 235 237، 282، 563، 566، 570.
(2) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1، ص 125، 214 - 215، 226، 272 - 273، 424 - 425،
-194 610 A-108 6119 69?ve Ye go 711 - 91. 60^1 - 01. GOYA GETO-ETE GENT-EPO .24، 251، 276، 343، 415 - 4162 ،225 ،193
(4) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 176، 220، 286، 316، 325، 370، 371، 376 -
(°)
،50، 546، 565 - 566 569، 5768،87،4، 451 457، 46939،4، 424 42921،377
603، و ج 2 ص 10 - 11، 15، 23، 47، 107، 108، 115، 120، 125 - 126، 142، 148، 195،
551،536، 419،357،331،308 - 307،207 - 206
انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 119، 225، 357، 360، 390، 419، 515، 595 - 596، 604، و ج 2 ص 9، 112، 113، 115، 165، 193، 269، 380، 382، 571.
123 (1/123)
صفحة 123
ونجد الإمام ابن بركة عند ترجيحه لما ذهب إليه واختاره ومناقشة أدلة
مخالفيه لا يكتفي بالرد والاعتراض على ما نقله من أدلة معارضه، بل يفترض كأن أحدا من مخالفيه يقوم بالاعتراض على أدلته هو وتفنيدها، فيحلول الإجابة على تلك الاعتراضات، ولذا فقد كثرت في أثناء مناقشته للأدلة ألفاظ مثل: "فإن قيل"، و "إن سأل سائل"، و "فإن قال قائل لم قلت؟ "، و "فإن قال قائل ممن يخالف هذا القول"، و "فإن احتج محتج، و فإن عارض معارض"، ويكون الجواب عادة بقيل له، و يقال له، و قلنا (1).
ومع أن الإمام ابن بركة كان حريصا على إبداء رأيه في أكثر المسائل التي يعرضها وتأييده بالأدلة والبراهين مع تبيين ضعف استدلال مخالفه إلا أن ذلك لم يدفعه إلى التسرع في الاختيار والترجيح مجازفة، بل كان يقف أحيانا عن إبداء اختياره لأحد الأقوال الموجودة في المسألة عندما تتعارض الأدلة عنده، أو لم يظهر له ما يرجح رأيا على آخر، فيختم المسألة بقوله: "والله أعلم بأعدل القولين" أو "والله أعلم بأعدل هذه الأقاويل" أو "وينظر في هذه المسألة" أو ولم أعرف وجه جواز قولهم" أو "ونحن نطلب لهم الحجة في ذلك" (2). كما أن الإمام ابن بركة لا يجازف في رد استدلال مخالفه، بل يحاول أن يحتمل له وجها من الصحة ما دام مذهب المخالف مبنيا على حجة مقبولة، ومن العبارات التي يوردها في ذلك قوله: ولكل قول من هذين القولين دليل يسوغ الاحتجاج به (2)، و والله أعلم بتأويل الخبر الذي يعتمدون عليه وهذا قول يسوغ
(1) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق، ج 1 ص 122، 123، 13، 167، 198، 178، 181، 178،
،4، 422، 444، 449، 51713 388، 350، 38،319،310،226، 680،227 223،209
525، 54،،،594، و ج 2 ص 36، 12، 98، 110، 114، 120، 124، 134، 145،
،416،408،399،365،352،227 223 222،219،212،208،187، 183،178،17 426 1439 05470448
(2) انظر على سبيل المثال، المصدر السابق ج 1، ص 293، 271، 461، 571، ج 2 ص 16، 36، 77،
0444 446، 0454،387،309،289،281،20 - 119
(3) ابن بركة المصدر السابق ج 2 ص 289.
124 (1/124)
صفحة 124
تأويله في النفس (1)، و وكل تعلق بأصل يسوغ له الاحتجاج به (2)، و وكل من
الفريقين قد تعلق بمعني يسوغ له به الاحتجاج (3).
وهناك أيضا سمة حسنة تبرز لنا من خلال عرض الإمام ابن بركة لمسائله الفقهية في كتابه "الجامع" وهي حرصه على ألا يكون عرضه للمسائل الفقهية أجوف جافا هشا منصبا على الانتصار للرأي وعلى الدفع والاعتراض على المخالف، وبيان ما تستوجبه كل مسألة فقهية من الأحكام الخمسة المعروفة فحسب، بل كثيرا ما يضمن الإمام ابن بركة عرضه للمسائل ما يصبغه بصبغة من الشفافية والرقة بتقديم نصيحة للقارئ، فهو يقول - -مثلا- بعد الكلام عن الصلوات المفروضة: فالواجب على المرء أن يلقي علائقه قبل القيام إليها ليقوم مقبلا بجوارحه عليها منصرف الهمة إليها (4)، ومثل ذلك قوله أيضا: "وينبغي للآباء والقائمين بأمور الأطفال أن يعلموهم الأذان والإقامة والصلاة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ما يراد منهم لئلا تذهب طائفة من الزمان عند بلوغهم في التعليم، لأنهم إذا كانوا قبل البلوغ عالمين أتوا بالعبادات عند البلوغ على الفور ()، و يقول عند الكلام عن الحج: "و المستحب لمن خرج إلى الحج أن يستصحب رجلا عفيفا ذا دين وحفاظ لحق الصحبة (6)، أو يقول محذرا من مغبة أمر ضار فالواجب على الناس أن يتقوا معصية ربهم فلو لم يكن في اليمين الفاجرة خاصة إلا محو البركة في العاجلة لكان ذلك ردعا لهم عن بالباطل، فكيف وقد توعد الله عليها بأليم العقاب في الآخرة، فمن أنقص عقلا ممن اجترى على يمين فاجرة ليكسب بها مالا في العاجلة، فحرم عاجلته، وخسر
(1) ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 323.
الحلف
(1)
()
(1)
ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 49. ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 469.
(•)
ابن بركة، المصدر السابق ج 1 ص 450.
ابن بركة، المصدر السابق ج 1 ص 504 (1) ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 43. (1/125)
صفحة 125
آخرته (1)، أو يقول مرغبا في أمر نافع: فالواجب على العبد أن يتقي الله ربه،
قدمه (2)
- اكتساب
ويسارع إلى ما قدمه (2) الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى فعله من اكتسـ
الحلال الذي يعفه في نفسه، ويتصدق منه على غيره، ولا يكون كلا على
المؤمنين
(د)
ومما لا ريب فيه أن الإمام ابن بركة قد استقى هذه السمة من كتاب الله
تعالى وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن بين ثنايا الكتاب والسنة من الإرشاد والترغيب والترهيب من الكثرة الكاثرة مما لا يحتاج معها إلى التمثيل
ونصب الشواهد عليه.
اصطلاحاته
هناك عدة اصطلاحات معينة ورد استعمالها عند الإمام ابن بركة فـ كتابه "الجامع"، وهي تدل على مدلولات ومعان مختلفة عبر عنها الإمام ابن بركة بهذه المصطلحات، ووضعها إزاءها.
ويمكن تقسيم هذه الاصطلاحات الواردة عند الإمام ابن بركة في كتابه
"الجامع" إلى ما يلي:
(1)
أولا: اصطلاحات أوردها الإمام ابن بركة للدلالة على ترجيحاته واختياراته لبعض الآراء الفقهية التي ذكرها في كتابه "الجامع"
وهي:
و الصحيح ما قال أصحابنا (4).
وهذا القول أشبه، وأقرب إلى النفس (5).
ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 320.
(2) كذا وردت في الأصل ولعل صوابها "رغبه.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق ج 2 ص 239. وانظر أيضا: ح 1، ص 258، 450، 453، 454، 471، 504،
550، و ج 2 ص 43، 44،،128، 239، 257، 263، 320، 320.
(4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 380.
(9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 598.
126 (1/126)
صفحة 126
والقول الأول شيق إلى نفسي (1).
والقول عندي ما قاله أصحابنا (2). وهذا القول أشبه، والحجة له أصح" (3).
وهذا القول العمل عليه أكثر، والحجة له أقوى (4).
وهذا القول أشيق إلى قلبي" (5).
والذي ذهب إليه أصحابنا أنظر من قول مخالفينا" (6).
وهذا القول أنظر عندي، وأدل على موافقة السنة (7).
"وهذا عندي أنظر القولين (8).
و الأول عندي أشبه وأليق (1).
وهذا عندي هو القول (10).
ثانيا: اصطلاحات أوردها الإمام ابن بركة للدلالة على توقفه وإعادة النظر في بعض الآراء الفقهية التي نقلها في "الجامع" عن بعض
الفقهاء، وهي:
وفي نفسي من ذلك شيء (11).
وفي نفسي من هذا التأويل شيء"
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 605.
(T)
(r)
(°)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 620. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 206. (4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 224. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 231. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 233. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 237. (8) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 262. بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 404. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 507.
(1) (2)
(1)
(10)
(11)
ابن
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 434.
(12) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 572.
(12)
127 (1/127)
صفحة 127
ولنا في هذا نظر (1). وينظر في هذا القول (2).
وهذا قول فيه نظر (3).
والله أعلم بوجه ما ذهبوا إليه (4).
والله أعلم بالأعدل من القولين (5).
والله أعلم بأعدل هذه الأقاويل (6).
ثالثا: اصطلاحات رمز بها الإمام ابن بركة للدلالة على علماء المذهب
الإباضي الذي ينتمي إليه، وهي:
أسلافنا (7).
"أئمتنا (8).
أهل دعوتنا" (1).
أشياخنا (10).
علماؤنا (11).
الموافقين (12).
(1)
(")
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 77.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 80. (3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 268. (4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 496.
(•)
(1)
(V)
(^)
(1) (10) (11)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 438. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 444. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 94. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 389. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 395. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 402.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 466. (12) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 483.
128 (1/128)
صفحة 128
أهل الوفاق" (1).
"أئمة أصحابنا" (2).
"أصحابنا (3).
رابعا: اصطلاحات رمز بها الإمام ابن بركة للدلالة على علماء المذاهب الإسلامية الأخرى من غير علماء المذهب الإباضي، وهي:
"مخالفيهم"
(1) n
" أهل الخلاف" ().
فقهاء المخالفين" (6).
"مخالفينا" (7).
"المتفقهة من مخالفينا (8).
"فقهاء أهل الخلاف" (1).
فقهاء قومنا (10).
خامسا: اصطلاحات أوردها الإمام ابن بركة للدلالة على علماء الأمة قاطبة من أهل مذهبه وغيرهم وهذه المصطلحات هي:-
"أهل القبلة" (11).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 544. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 48. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 418.
(7)
(4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 51. (9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 304. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 420.
(1)
(V)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 483. (4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 237. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 252.
(10)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 406. (11) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 535.
129 (1/129)
صفحة 129
130
أهل الملة (1). أهل الصلاة (2).
علماء عوام الأمصار ((3).
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 47. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 51. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 535.
(1)
(2)
(2) (1/130)
صفحة 130
الفصل الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب
"الجامع" للإمام ابن بركة، ويشتمل على:
المبحث الأول: التعريف بالقاعدة والضابط لغة واصطلاحا، وبيان أهمية القواعد الفقهية، وبيان الفروق بين
القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية.
المبحث الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب
"الجامع".
المبحث الثالث: بيان الاستنتاجات والملاحظات العامة حول هذه القواعد والضوابط الفقهية.
المبحث الرابع: عرض نماذج من القواعد الفقهية الواردة في كتاب "الجامع " مقارنة بآراء فقهاء المذاهب الإسلامية حول
هذه القواعد.
المبحث الخامس: عرض نماذج من الضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع " مقارنة بآراء فقهاء المذاهب الإسلامية حول
هذه الضوابط
131 (1/131)
صفحة 131
الفصل الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع"
للإمام ابن بركة
المبحث الأول: التعريف بالقاعدة والضابط لغة واصطلاحا، وبيان أهمية القواعد الفقهية، والفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية.
المطلب الأول: تعريف القاعدة لغة واصطلاحا:
معنى القاعدة لغة: القاعدة في اللغة مأخوذة من قعدت قعودا، وتجمع على قواعد (1)، ومعناها الأساس، وكل ما يرتكز عليه الشيء فهو قاعدة، وهي أساس الشيء وأصله، حسيا كان ذلك الشيء أو
معنويا (2).
فمن الحسي: قواعد البيت، وهي أسسه، وقواعد الهودج، وهي خشبات أربع معترضة تحته، ركب فيهن الهودج (3)، وقواعد السحاب، وهي أصوله المعترضة في آفاق السماء، شبهت بقواعد
البناء (4).
ومن المعنوي: قواعد الدين، وهي دعائمه (9). وكقولهم: بنى أمره على
قاعدة، وقولهم قواعد أمرك واهية (6).
معنى القاعدة اصطلاحا وردت تعريفات عديدة للقاعدة بمعناها
الاصطلاحي، منها ما يلي:
(1) الزبيدي، محمد، تاج العروس، ج 2 ص 470، مادة قعد.
(2) الأصفهاني أبو الراغب، المفردات في غريب القرآن، ص 409.
(3) الجوهري، اسماعيل، الصحاح، ج 2 ص 525. ابن فارس، أحمد، مجمل اللغة، ج 3 ص 760. الفيروز أبادي،
محمد القاموس المحيط، ص 281، مادة قعد.
(1) الزبيدي، تاج العروس، ج 2 ص 473، مادة قعد. (5) الاصفهاني، المفردات، ص 409.
(1) الزبيدي، تاج العروس، ج 2 ص 473. مادة قعد.
132 (1/132)
صفحة 132
-
1 عرفها الجرجاني بقوله: "هي قضية كلية منطبقة على
جمي
جزئياتها" (1).
(1)
عرفها أبو البقاء بقوله: قضية كلية من حيث اشتمالها بالقوة على جزئيات موضوعها" (2).
- عرفت بأنها: "حكم كلي ينطبق على جزئياته، ليتعرف أحكامها منه (3). وهذه التعريفات -الثلاثة كما هو واضح - تعريفات للقاعدة بما هو أعم من القاعدة الفقهية، فإن هذه التعريفات تدخل تحتها القاعدة الأصولية والقاعدة النحوية وغيرهما، لأن كلا منها أمر كلي منطبق على جميع جزئياته. عرفها الإمام ابن السبكي (4) بقوله: "الأمر الكلي الذي ينطبق عليه جزئيات كثيرة، تفهم أحكامها منها ().
-
وهذا التعريف - كما يبدو - قريب من التعريفات الثلاثة المذكورة قبله وهو - عند التأمل - تعريف غير مانع لأمرين:
الجرجاني، علي، التعريفات، ص 219. الجرجاني: هو علي بن محمد بن علي المعروف بالشريف الجرجاني، ولد في تاكو قرب استرآباد، وقيل ولد، بجرجان ودرس بشيراز، وتوفي بها عام 816 هـ، له مصنفات عدة منها: التعريفات مقاليد العلوم، تحقيق الكليات الزركلي، الأعلام، جه ص 7. عمر كحالة، معجم المؤلفين، ج 7 ص 216.
(1) أبو البقاء، موسى الكليات، ص 728. أبو البقاء: هو موسى بن أيوب الحسيني القريمي الكفوي، ولى القضاء بإقليم (كفه) بتركيا، وبالقدس، وببغداد، وعاد إلى استانبول، فتوفي بها عام 1094 هـ من مؤلفاته الكليات الزركلي، الأعلام، ج 2، ص 38. باسم عبد الوهاب، معجم الأعلام، ص 123.) التفتازاني، التلويح، ج 1 ص 20. لبن السبكي: هو تاج الدين عبد الوهاب بن علي بن عبد الكافي، نسبته إلى سبك من أعمال المنوفية بمصـ ولد في القاهرة، ودرس على بعض علماء عصره، أخصهم والده، ثم انتقل إلى الشام، وكان قاضي قضاتها، لقي مضايقات من بعض علماء عصره، أدت إلى سجنه، ثم افرج عنه، توفي بطاعون في دمشق عام 771 هـ، من مؤلفاته: جمع الجوامع، الأشباه والنظائر، طبقات الشافعية ابن العماد، شذرات الذهب، ج 8 ص 378 - 380. الزركلي، الأعلام، ج 4 ص 184 - 185.
(4)
(9)
ابن السبكي، عبدالوهاب، الأشباه والنظائر، ج 1 ص 11.
133 (1/133)
صفحة 133
أ- أن المراد بالقاعدة عند الفقهاء هي القاعدة الفقهية، ولما كان الإمام ابن السبكي قد وضع كتابه "الأشباه والنظائر" في القواعد الفقهية كان يحسن أن يأتي بتعريف يختص بالقاعدة الفقهية دون غيرها، لأن هذا التعريف - كما هو مشاهد - تدخل تحته القاعدة الأصولية والقاعدة النحوية، فإن كلا منهما أمر كلي ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم
-
أحكامها منها.
ب- أنه يدخل في هذا التعريف الضابط الفقهي، فإنه أيضا أمر كلي في موضوعه ينطبق عليه جزئيات كثيرة تفهم أحكامها منه، إلا أن هذا في باب معين، وتلك جزئياتها في أبواب شتى. وقد لاحظ الإمام ابن السبكي نفسه الأمر الثاني، وأشار إليه مباشرة بعد ذكره تعريفه للقاعدة حيث قال: "ومنها أي القاعدة حسب -تعريفه مالا يختص بباب كقولنا: اليقين" لا يرفع بالشك"، ومنها ما يختص كقولنا: " كل كفارة سببها معصية فهي على الفور"، والغالب فيما اختص بباب، وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطا ............. ، وإلا فهو القاعدة (1).
- وقيل هي: "حكم أكثري لا كلي، ينطبق على أكثر جزئياته تفهم أحكامها
منها (2).
وقد جاءت عبارة ينطبق على أكثر "جزئياته في هذا التعريف للتدليل على أن القاعدة الفقهية قضية أغلبية، نظرا لما يرد من استثناءات تخرج عن كل قاعدة (3).
(1) ابن السبكي، المصدر السابق، ج 1 ص 11. ويمكن تعليل ذلك بأن الفقهاء الأقدمين لم يكونوا يفرقون كثيرا بين القواعد الفقهية والضوابط الفقهية، بل يوردون الضوابط الفقهية كثيرا بلفظ القواعد، وإنما لاحظ الفقهاء المتأخرون هذا الفرق، وأخذوا به الندوي علي القواعد الفقهية، ص 50 - 51.
(2)
الحموي، أحمد، غمز عيون البصائر، ج 1 ص 51. (3) البورنو، محمد، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ص 16.
134 (1/134)
صفحة 134
وبهذا يكون هذا التعريف مقابلا لتعريف القاعدة عند ابن السبكي الذي
ينص بقوله: "الأمر الكلي الذي الخ"، على أن القاعدة الفقهية قضية كلية،
لا استثناء فيها.
.....
ومع أن تعريف القاعدة بأنها حكم أكثري لا كلي"، يتفق مع الواقع في الخارج لوجود الاستثناءات التي لا تكاد تخلو منها معظم القواعد الفقهية إن لم يكن جميعها، ويتفق مع ما قرره بعض الفقهاء من أن أكثر قواعد الفقه أغلبية (1) غير أن بعض الدارسين للقواعد الفقهية من المعاصرين يرى أنه لا مانع من أن توصف القاعدة الفقهية بأنها قاعدة كلية كما جاء في تعريف الإمام ابن السبكي لها، ويعلل ذلك بـ:
أ- أن القواعد في سائر العلوم لا تخلو من الشواذ والمستثنيات، وإن تفاوتت نسبة ذلك بينها، ومع ذلك فإن هذه الاستثناءات لا تغض من شأن القاعدة وأهميتها، إذ بالإمكان حفظ تلك الاستثناءات كما تحفظ
الأصول.
- أن المستثنيات في القواعد الخمس الأساسية الكبرى قليلة جدا،
وليس من اللازم التركيز على صفة الأغلبية في التعريف. ج- أن قول بعض الفقهاء كما تقدم ذكره إن أكثر قواعد الفقه أغلبية يفهم منه أن هناك قواعد يسيرة أقرب إلى صفة الكلية.
د-
أن التعبير عن القاعدة بأنها كلية إنما يقصد بها الكلية النسبية لا
الشمولية، لوجود الشذوذ، والاستثناءات في بعض أفرادها (2).
وهذه التعريفات التي تقدمت هي لبعض قدماء الفقهاء وأهل اللغة، وقد وردت بعض التعريفات للقاعدة الفقهية عند بعض المعاصرين الذين كتبوا حول
موضوع القواعد الفقهية. ومن هذه التعريفات ما يلي:
(1) المالكي،
محمد، تهذيب الفروق بهامش كتاب الفروق للقرافي، ج 1 ص 36
(2) الندوي، القواعد الفقهية، ص 44. (1/135)
صفحة 135
1 - عبارة عن الكبرى التي تثبت عن أدلتها الشرعية، وتنطبق بنفسها على
مصاديقها انطباق الكلي الطبيعي على مصاديقه (1).
2 - أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاما تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها (2). الحكم الكلي أو الأكثري الذي يراد به معرفة حكم الجزئيات (3).
-
4 - الحكم الكلي الذي ينطبق على جزئياته لتعرف أحكامها منه (4). ه - أصل فقهي كلي، يتضمن أحكاما تشريعية عامة من أبواب متعددة فـ القضايا التي تدخل تحت موضوعه (5).
وعلى رغم اختلاف ألفاظ هذه الحدود والتعريفات المعاصرة إلا أنها تعطي حكما واحدا عاما وهو أن هذه القواعد الفقهية هي عبارة عن أسس يستدل من خلالها على فروع الفقه، وتبنى عليها مسائله الجزئية.
المطلب الثاني: معنى الضابط لغة واصطلاحا:
معنى الضابط لغة الضابط مأخوذ من ضبط يضبطه بالفتح.
وضبط الشيء حفظه بالحزم، يقال: ضبط الرجل الشيء يضبطه ضبطا،
إذا أخذه أخذا شديدا، ويقال: هو ضابط، أي حازم
ومنه سمي
الأسد الأضبط والضابط، لأنه يأخذ الفريسة أخذا شديدا،
ويضبطها، فلا تكاد تفلت منه (6).
(1) المصطفوي، محمد، القواعد، ص 44.
(2) الزرقا، مصطفى، المدخل الفقهي، ج 2 ص 947.
(3) علي، حيدر، درر الحكام، ج 1 ص 19.
(4)
البورنو، الوجيز، ص 25.
(0) الندوي، القواعد الفقهية، ص 45.
(1)
الزبيدي، تاج العروس، ج 5 ص 174 - 175. الجوهري، الصحاح، ج 3 ص 1139. ابن حجر، غراس
الأساس، ص 285 - 286، مادة ضبط.
136 (1/136)
صفحة 136
معنى الضابط اصطلاحا: لم أقف رغم البحث إلا على تعريف واحد للضابط الفقهـ عرفه به بعض الفقـ هاء، وينص هذا التعريف للضابط الفقهي على أنه أمر كلي ينطبق على جزئياته، ليتعرف أحكامها
منه (1).
وغاية ما يوجد عن بعض الفقهاء هنا هي إشارتهم إلى الفرق بين القاعدة الفقهية والضابط الفقهي، بأن القاعدة الفقهية تجمع فروعا من أبواب شتى، بينما يجمع الضابط فروعا من باب واحد (2)، واستنادا إلى هذا التفريق بين القاعدة والضابط الذي أشار إليه أولئك الفقهاء، مع التأمل في كلام الإمام ابن السبكي في قوله عند تعريفه للقاعدة و الغالب" فيما اختص بباب وقصد به نظم صور متشابهة أن يسمى ضابطا (3)، يمكن بالاستناد إلى ذلك كله أن يعرف الضابط الفقهي بأنه أصل كلي فقهي، ينتظم صورا متشابهة من باب واحد، تفهم أحكامها منه".
-
وبهذا يتبين أن التعريف السابق للضابط الفقهي المتقدم نقله عن بعض الفقهاء تعريف غير مانع لدخول القاعدة عموما تحته، لأنها بلا شك- أمر كلي ينطبق على جزئياته ليتعرف أحكامها منه، لكن تقييد الضابط بأنه ينتظم صورا متشابهة من باب واحد - كما ورد في تعريفه الأخير - يخرج القاعدة من دخولها تحت هذا التعريف لأنها تنتظم صورا متشابهة من أبواب شتى وليست من باب
واحد.
(1)
(2)
الحموي، غمز عيون البصائر، ج 2 صه.
ابن السبكي، الأشباه والنظائر، ج 1 ص 11. السالمي، طلعة الشمس، ج 1 ص 14. أبو البقاء، الكليات،
ص 728.
) ابن السبكي، المصدر السابق والصفحة.
137 (1/137)
صفحة 137
المطلب الثالث: أهمية القواعد والضوابط الفقهية، ومكانت ــها فـ
الإسلامية:
الشريعة
إن مما لا شك فيه أن لكل علم من العلوم- خاصة الشرعية منها،
أهميته ومكانته التي تدعو إلى دراسته ومطالعته وإتقانه بغية الوصول إلى فوائده ونتائجه المرجوة منه، سواء الدنيوية منه أو الأخروية.
وعلم القواعد والضوابط الفقهية له أهميته الخاصة به من بين سائر علوم الفقه المتنوعة، كما أن له أثارا نافعة تحصل لمن سبر غوره، ووقف على معانيه
وأصوله ومبانيه.
غير أنه مما تجدر الإشارة إليه قبل البدء في بيان أهمية هذا الفن من
العلوم أن أشير إلى أمر ذي بال نبه عليه بعض الفقهاء الذين تكلموا عن أهمية وفوائد القواعد الفقهية.
وهذا الأمر هو أن هؤلاء الفقهاء أشاروا إلى أن هذه القواعد والضوابط
الفقهية لا يسوغ للمجتهد أن يجعلها دليلا شرعيا كسائر الأدلة الشرعية الأخرى يستنبط من خلالها الأحكام الشرعية (1).
وإنما غاية ما يمكن أن يؤخذ منها عند الاستدلال هو اعتبارها شواهد
مصاحبة للأدلة، يستأنس بها في تخريج الأحكام للوقائع الجديدة، قياسا على
المسائل الفقهية المدونة (2).
وإنما لم يصح جعل هذه القواعد والضوابط الفقهية دليلا مستقلا لاستنباط
الأحكام الشرعية بواسطته لسببين:
أولا أن هذه القواعد والضوابط الفقهية إنما هي ثمرة للفروع المختلفة، وهي بمثابة الجامع والرابط بين أفراد هذه الفروع و جزئياتها، فلا يصح
(1) الحموي، غمز عيون البصائر، ج 1 ص 37.
(2)
البورنو،
الوجيز، ص 32. وانظر، الندوي القواعد الفقهية، ص 330.
138 (1/138)
صفحة 138
عقلا أن يجعل ما هو ثمرة وجامع دليلا لاستنباط أحكام هذه الفروع
والجزئيات (1).
:ثانيا أن معظم هذه القواعد لا تخلو من المستثنيات، ولذا فإن من المحتمل جدا أن تكون المسألة المراد استنباط حكمها من خلال إحدى هذه القواعد مسألة مستثناة من هذه القاعدة (2).
ومع أن عامة القواعد الفقهية لا يمكن جعلها دليلا شرعيا للاستنباط كسائر الأدلة الشرعية الأخرى، إلا أن هذا لا يغض من القيمة العلمية لهذه القواعد والضوابط الفقهية، وما لها من أثر وموقع جليل في الفقه الإسلامي، لأن فيها تصويرا بارعا للمبادئ والمقررات الفقهية العامة، وضبطا للأحكام العملية الفرعية يتبين من خلالها جهة الارتباط ووحدة المناط في هذه الفروع، وإن اختلفت موضوعاتها وأبوابها (3).
ولهذا كله فقد نوه بعض العلماء بهذه الأهمية، وأشار إليها في قوله: هذه القواعد مهمة في الفقه عظيمة النفع، وبقدر الإحاطة بها يعظم قدر الفقيه ويشرف، ويظهر رونق الفقه ويعرف، وتتضح مناهج الفتوى وتكشف فيها تنافس العلماء، وتفاضل الفضلاء ........... ومن جعل يخرج الفروع بالمناسبات الجزئية دون القواعد الكلية تناقضت عليه الفروع، واختلفت ........... ، واحتاج إلى حفظ الجزئيات التي لا تتناهى وانتهى العمر ولم تقض نفسه من طلب مناها، ومن ضبط الفقه بقواعده استغنى عن حفظ أكثر الجزئيات، لاندراجها في الكليات، واتحد عنده ما تناقض عند غيره (4).
(1) البورنو، المصدر السابق، ص 32.
(2)
الندوي، القواعد الفقهية، ص 330.
الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 35.
(4) القرافي، الفروق، ج 1 ص 3.
139 (1/139)
صفحة 139
وبناء على ما تقدم، يمكن تلخيص أهمية القواعد والضوابط الفقهية،
وفوائد دراستها فيما يلي::أولا أن للقواعد والضوابط الفقهية دورا بارزا في تنظيم الفروع الفقهية الكثيرة المتناثرة في أبواب الفقه، لولاها لبقيت الفروع الفقهية فروعا مشتتة دون أصول تجمعها، وتبرز عللها المتفقة، وتعين اتجاهاتها التشريعية (1). ثانيا أن دراسة هذه القواعد والضوابط الفقهية تساعد على حفظ وضبط المسائل الكثيرة المتشابهة، فتكون هذه القاعدة أو الضابط الفقهي بمثابة
الوسيلة والأداة لاستحضار الأحكام لتلك المسائل المتفقة (2).
:ثالثا: أن دراسة هذه القواعد والضوابط الفقهية تنمي في العاكف على دراستها ملكة فقهية يتمكن بها من معرفة الأحكام الشرعية، واستنباط الحلول للحوادث المتجددة من مصادرها كما تجعله قادرا على الإلحاق
والتخريج في المسائل الفقهية (3).
:رابعا أن هذه القواعد والضوابط الفقهية تيسر للباحثين غير المختصين بدراسة الفقه الإسلامي الاطلاع على الفقه الإسلامي، ومدى استيعابه
للأحكام، ومراعاته للحقوق والواجبات (4).
المطلب الرابع: الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية:
يعتبر كل من علم الفقه وكل من علم أصول الفقه فنا مستقلا بذاته، ولكل منهما قواعده التي تختص به كعلم، ولما كانت الأشياء تتبين بذكر أضدادها فإن
(1) الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 35.
(2) الندوي، القواعد الفقهية، ص 35.
(3) البورنو، الوجيز، ص 21. (4) البورنو، المصدر السابق والصفحة.
18. (1/140)
صفحة 140
مما ينبغي ذكره هنا تعداد أهم النقاط التي تخالف فيها القاعدة الفقهية القاعدة
الأصولية.
فهناك عدة فروق تفرق بين القاعدة الفقهية والقاعدة الأصولية يمكن استخلاصها وإيجازها فيما يلي: أولا: أن القواعد الأصولية ناشئة في أغلبها من الألفاظ العربية، وما يعرض لتلك الألفاظ من النسخ والترجيح، وكون الأمر للوجوب، والنهي للتحريم، وأما القواعد الفقهية فناشئة عن الأحكام والمسائل الشرعية المتشابهة (1).:ثانيا: أن القواعد الأصولية قواعد كلية تتصف بالعموم والشمول، فهي تنطبق على جميع جزئياتها وموضوعاتها، أما القواعد الفقهية فإنها أغلبية، يكون الحكم فيها على أغلب الجزئيات من المسائل المندرجة تحتها، وتكون لها المستثنيات (2).
:ثالثا: أن القواعد الأصولية هي الأساس والقانون الذي يلتزم به المجتهد لتفادي الوقوع في الخطأ أثناء استنباط الأحكام الشرعية، أما القواعد الفقهية فهي مجموعة من الأحكام المتشابهة التي ترجع إلى قياس واحد يجمعها، أو إلى ضابط فقهي واحد يربط بينها (3). رابعا: القواعد الفقهية متأخرة في وجودها الذهني والواقعي عن الفروع، لأنها جامعة لأشتاتها ومعانيها ورابطة بينها، أما القواعد الأصولية فالفرض الذهني يقتضي أن تكون موجودة قبل الفروع، لأنها القيود والأسس التي يلتزم بها الفقيه عند الاستنباط، ككون ما في القرآن الكريم مقدما
(1) انظر، العنقري، أحمد، التقديم لكتاب الأشباه والنظائر لابن الوكيل، ج 1 ص 19.
(1) البورنو، الوجيز، ص 17.
(1
أبو زهرة، أصول الفقه، ص 8 - 7
141 (1/141)
صفحة 141
على ما جاءت به السنة النبوية، وأن النص من القرآن والسنة أقوى
من ظاهر كل منهما إلى غير ذلك من مسائل الاجتهاد والمعرفة (1). وبناء على ما تقدم يمكن القول بان القواعد الأصولية هي الذريعة لاستنباط الأحكام أو معرفتها، وأنه بواسطة القواعد الفقهية يمكن جمع هذه الفروع المستنبطة تحتها بما يتلاءم مع كل قاعدة من القواعد الفقهية.
(3) الندوي، القواعد الفقهية، 268 - 69
142 (1/142)
صفحة 142
المبحث الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" للإمام ابن
بركة، وبيان بعض الاستنتاجات والملاحظات عندها.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: القواعد الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة. حوى كتاب "الجامع" للإمام ابن -بركة شأنه في ذلك شأن غيره من كتب الفقه الإسلامي في القرون الأولى - كثيرا من القواعد والضوابط الفقهية جاءت مبثوثة في كتاب "الجامع" حسبما اقتضاه نظر مؤلفه واجتهاده في صياغة
ألفاظها.
وهذه القواعد والضوابط الفقهية التي سيتم سردها تباعا هي بمثابة النصوص والعبارات القصيرة الموجزة تشبه غالبا في صياغتها عبارات القواعد والضوابط الفقهية في العصر الحاضر، وقد قمت بتتبع هذه القواعد والضوابط الفقهية وانتقائها من بين ثنايا كتاب الجامع"، فخرجت بحصيلة مهمة من هذه القواعد والضوابط الفقهية.
وقبل البدء في سرد هذه القواعد والضوابط الفقهية القصيرة الموجزة تجدر الإشارة إلى أنه يمكن استخلاص عدد آخر من القواعد والضوابط الفقهية من كتاب "الجامع"- غير ما سيذكر هنا، وذلك من خلال تتبع الفروع الفقهية التي أشار إليها الإمام ابن بركة في الجامع"، فكل مجموعة من هذه الفروع الفقهية تكون قاعدة أو ضابطا فقهيا معتبرا معتدا به عند الإمام ابن بركة، وإن لم
يذكره نصا كما ذكر غيره من القواعد والضوابط على سبيل الإيجاز والتهذيب. ولتقرير هذا الأمر وإيضاحه سوف أقوم بإيراد بعض الأمثلة من الفروع الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" التي توضح ذلك وتبينه مع ذكر القاعدة أو الضابط الفقهي الذي يمكن أن تدخل كل مجموعة منها تحته.
يمكن
فمن أمثلة الفروع الفقهية الدالة على بعض القواعد الفقهية التي يمكـ القول بتبني واعتداد الإمام ابن بركة بها، وإن لم ينص عليها بلفظها ما يلي:
143 (1/143)
صفحة 143
أولا: ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية تدخل تحت القاعدة المعروفة
الضرورات تبيح المحظورات، ومن هذه الفروع ما يلي:- أ- أن للمجاهد، وكذلك المطلوب من قبل عدو يخافه أن يصلي كل منهما حسب قدرته (1).
ب أن المريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال والتحول إلى جهة القبلة يصلي حسب وجهته التي هو عليها (2).
ج- جواز صلاة الفريضة على ظهور الدواب عند الاضطرار (3). د جواز تغطية المحرم رأسه إذا اضطر إلى ذلك (4). هـ - جواز أكل الميتة لمن اضطر إلى ذلك (5).
و - جواز شرب الخمر لمن اضطر إلى ذلك (6).
ز - جواز الأكل من أموال الناس اليتامى والبالغين لمن اضطر إلى
ذلك (7).
:ثانيا: ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية تدخل تحت القاعدة المعروفة "المشقة تجلب التيسير"، ومن هذه الفروع ما يلي:
أ- يتسامح في إزالة أثر النجاسة من الثوب إذا بولغ في تطهيره ولم يزل إذا زال طعمها ورائحتها (8).
(1)
(2)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 498.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 498
(د)
اين بركة المصدر السابق، ج 1 ص 578.
(4)
اين
بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 65. لكن عليه فدية لأجل ذلك كما جاء في قوله تعالى: "قفدية من صيام
لو نسك".
(0)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 543.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(2) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. لكن عليه غرم مقدار ما أكل.
(1) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 421 - 422.
144 (1/144)
صفحة 144
ب الراعف إذا لم ينقطع دمه صلى كما أمكنه، ولو مع سيلان
ج- جواز الجمع للمبطون لأجل المشقة (2).
د- جواز الجمع في اليوم المطير لأجل المشقة (3).
ثالثا: أورد الإمام ابن بركة فروعا فقهية تندرج تحت القاعدة المعروفة "العادة محكمة"، ومن هذه الفروع ما يلي:
أ- أنه يلزم المكفر في كفارتي الأيمان والظهار أن يطعم كل مسكين أكلتين في اليوم الواحد (4).
ب أن الحكم عند تنازع الزوجين أو خصومة أحدهما لورثة الآخر عند موته في متاع البيت أن يلحق ما يناسب كل واحد منهما من متاع البيت به، ويجعل ذا يد فيه، لأن العادة في الناس اقتناء كل من المرأة والرجل ما يناسبه من متاع). ج أن العادة إذا جرت بين الناس أن المضارب يخرج بمال المضاربة، ويتاجر به بركوب البحر، جاز للمضارب فعل ذلك، ولو لم يذكر له صاحب المال إباحة ذلك في عقد المضاربة المبرم
بينهما (6).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 417.
(2)
(2)
(1)
ابن بركة المصدر السابق والصفحة.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
ابن بركة، المصدر السابق" ج 2 ص 98. هذا عند من يراعي العرف في هذا الموضع وأما من نظر إلى معنى الاطلاق في الآية قال بالاكتفاء بأكلة واحدة اذ بها يصدق معنى الاطعام ويخرج المكلف من عهدة الأمر. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 266 - 267.
(•)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 370. (1/145)
صفحة 145
د إذا وقع في بيع المريض مرض الموت غبن تعدى مقدار ما يقع
في بيوعات الناس من غبن معتاد لم ينفذ البيع إلا برضى الورثة
لتعلق حقهم في المبيع (1).
رابعا ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية متشابهة، يمكن إدراجها تحت قلعدة معينة يعبر عنها بـ كل تصرف صدر من غير أهله، فنفاذه متوقف
على إجازة من له حق الإذن به، ومن هذه الفروع ما يلي:
أ- أن عقد النكاح على المرأة اليتيمة موقوف نفاذه على إمضائها إياه عند بلوغها (2).
ب أن الأمة إذا زوجت، ثم عتقت قبل الدخول، فنفاذ العقد موقوف على إمضائها إياه بعد العتق (3).
ج- أن من باع مال غيره بغير إذن صاحبه، فبيعه موقوف إمضاؤه على إذن مالكه (4).
د-
د أن من أكل من مال غيره بغير إذن صاحبه، فبراءته من ضمان فعله موقوفة على إذن المالك (5).
هـ من اشترى لغيره ما لم يأمره به فنفاذ شرائه موقوف على إجازة من اشترى له (1).
و - أن الموصي إذا أوصى بأكثر من الثلث، فنفاذ وصيته فيما زاد
عن الثلث موقوف على إجازة الورثة (7).
146
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 286. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 124.
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 125.
ابن بركة المصدر السابق والصفحة ابن بركة المصدر السابق والصفحة.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 124.
(1)
(2)
(2)
(1)
(0)
(1)
(V) (1/146)
صفحة 146
فهذه الفروع الفقهية المذكورة التي تم إيرادها من كتاب "الجامع" للإمام
ابن بركة، والتي تدخل كل مجموعة منها تحت قاعدة معينة تنتظمها من القواعد المشار إليها آنفا، هذه الفروع تعطي دلالة واضحة وبرهانا ناصعا على اعتبار الإمام ابن بركة، واعتداده بهذه القواعد المذكورة التي تدخل تحتها هذه الفروع وإن لم يسقها بعبارات قصيرة وألفاظ موجزة، كغيرها من القواعد الفقهية الواردة في كتابه "الجامع".
هذا، وأما القواعد الفقهية التي ساق الإمام ابن بركة عباراتها في كتابه "الجامع" على هيئة نصوص قصيرة غالبا، وبعبارات موجزة تقريبا، فهي
كالتالي: -1 ما كان من سائر الحقوق التي أمر بفعلها، ولا خصم له من المخلوقين فيها مما هو أمين في أدائها، ولم يؤدها، ولا أوصى بها، أنه لا شيء على الوارث، ولا تعلق عليه أداؤها، ولا أداء شيء منها، كان الهالك
تاركا لذلك من طريق النسيان أو العمد (1).
2 المعصية لا تكون إلا من قاصد إليها (2). "ما زالت عينه وتلف بالتعدي، كان مضمونا بالبدل أو القيمة، وما كانت عينه قائمة لم تكن الخصومة إلا في عينه (3).
-
4 - من حكم له حاكم بأخذ حق له في مال غريمه، جاز له أخذه" (4). ه الأموال لا تدفع إلا بالبينة (5). -6 - كل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين (1).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 151. وقوله، أمر بفعلها" أي المكلف.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 165.
(1)
(1)
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 200.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 212. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 214. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 223.
147 (1/147)
صفحة 147
من أخذ مالا ملك لغيره متعديا بأخذه، كان عليه أن يرده إلى ربه هو وليس له أن يرده إلى الموضع الذي أخذه منه وإن خلى سبيله فتلف
كان ضامنا (1).
-- ما يلزم في النفس من فعل الواجب، لا يجب أن يكون به بدل (2). 9 - "الفريضة لا تؤدى إلا بالإرادات وصحة العزائم (3).
1 - إن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية (4).
11 - من اضطر إلى مال غيره أكل منه قدر ما يزول عنه الخوف، وعليه ضمان ما أكل (5).
12 - الحد متى اعترضت فيه الشبهة سقط " (6).
13 ليس لأحد من الأمة أن يضع حدا يوجب بوضعه في الشريعة حكما، إلا أن يتولى وضع ذلك الحد كتاب ناطق، أو سنة ينقلها صادق عن صادق، أو يتفق على ذلك علماء أمة محمد - صلـ ى الله عليه
وسلم - (7).
14 - إذا وجد المبدل منه، عاد إليه وترك البدل (8).
15 من أمر بفعل شيئين، فعجز عن فعل أحدهما، لم يسقط عنه فعل مـ قدر عليه (9).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 238.
(2)
(r)
(4) (•)
(1) (7) (^)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 240. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 255. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 264. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 84. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 531.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 294.
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 339. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 347.
148 (1/148)
صفحة 148
16 - إن التيقن لا يزول بالشك (1).
17 - إذا جاءت العوارض وحدث العجز، سقط اللزوم، وتغيرت الأحكام، لوجود العذر (2).
18 - فجائز" للناس أن يخرجوا من الفرائض، إذا كان عندهم في الظاهر أنهم قد أكملوا، وإن لم يعلموا ذلك علما يقينيا لا يجوز عليه
الانقلاب" (3).
19 - اللوم لا يلزم إلا المتعمد للترك" (4).
20 - "الذمة إذا لزمها فرض عمل لم يزل الفرض إلا بأدائه ().
-21 - التعلق بأوائل الأسماء جائز " (6).
22 - "إذا وقع الإذن زال المنع (7).
23 - قول الثقة فيما يوجب العمل حجة" (8).
الأشياء إذا افترقت، وجب لكل واحد منها حكم، وإذ اجتمعت كان
حكمها واحدا" (1).
25 - إذا كان الفرض وجب بوصف سقط بزواله (10)
26 - " من جنى على مال غيره عامدا كان أو خطأ، فالغرم واجب عليه (11).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 363.
(2)
(7)
(1) (9)
(1) M (^) (1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 437. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 452. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 500. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 501. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 517. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 527. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 629. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 57. (10) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 491. (11) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 63.
149 (1/149)
صفحة 149
27 - ما أمر بفعله ولم يخص بوقت، فيكون المرء فيه مخيرا بين أن يوقعه في أوله، أو في وسطه، أو في آخره، وكان الأمر يريد تعجيله،
وقد أزيحت العلل عن المأمور به كان بتأخيره الفعل عاصيا (1).
2 - ما قبل فيه الإقرار يجوز أن يقبل فيه الإنكار (2).
29 - للإمام أن يسوي بين رعيته فيما يراه صلاحا لهم، ما لم يخالف بذلك نصا من الكتاب أو السنة أو الإجماع (3).
30 - للمرء أن يأخذ حقه من مال من ظلمه بغير علمه (4).
31 - إن أيمان الناس على عرفهم و عاداتهم، وما يقصدون به في
أيمانهم (5).
32 - ليس جهل الجاهل فيما عليه علمه يكون عذرا له (6). 33 - ما كان محالا في الوجود، فمحال أن يدعى مدعيه بالشهود (7). إن كل بالغ حر عاقل أقر على نفسه بحق أخذ به (8).
(1) n
35 - إن الإقرار إذا تضمن حكما على الغير لم يسمع (1).
36 - لا يرجع المتطوع على المتطوع عليه بشيء" (10).
37 - "الوكيل" أمين فيما وكل فيه من مال الموكل إلا أن يخرجه التعدي، فلا يكون على ما في يده أمينا" (11).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 65. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 121. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 139. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 164. بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 169.
(T) (4)
(•)
(1)
(V)
(^)
(1)
ابن
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 223.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 230. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 260.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 276.
(10) ابن بركة المصدر السابق ج 2 ص 290. لفظ "عليه" الوارد في القاعدة هكذا ورد, ولعل الأفصح عنه".
(11) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 300.
10. (1/150)
صفحة 150
38 - من كان له حق الطلب، كان له حق القبض ((1).
39 - كل أمر ولي على فعله أمينان، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالفعل وحده
دون صاحبه (2).
40 - كل مالك فملكه محبوس عليه، إلا أن يزيله عن نفسه (3).
41 - زوال اليد لا يزيل الملك " (4).
42 - "من احدث حدثا في مال لا يملكه أنه مأخوذ بحدثه (). إن ما أصله غير مضمون فيجب أن يكون الشرط لا يوجب ضمانه
-
كما أن أصل ما كان مضمونا لا يبطل ضمانه بالشرط (6).
44 - . من خرج من حد الأمانة بتعديه، وجب أن يكون ضامنا لما تعدى
فيه" (7).
45 إذا أمر بما ليس له الأمر به كان أمره وسكوته سيان" (8).
46 - "الخطأ في الأموال مضمون (1).
47 - "من غر غيره في أمر كان فيه تلف نفسه أو ماله ضمن (10). 48 - "أصل بني أدم الحرية (11).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 300.
(1)
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 304.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 333. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 345. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 394.
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 427. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 431.
(^)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 437.
(1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (10) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 444. (11) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 447.
151 (1/151)
صفحة 151
49 - "من امتنع في دفع حق وجب عليه، كان للحاكم أن يبيع عليه ماله،
ويؤدي الحق عنه (1).
للحاكم أن يؤدب بالضرب والحبس من امتنع عن الحق، وهو قادر
عليه (2).
51 - اليد دليل الملك غير موجبة للملك " (3).
52 - ليس لأحد من المسلمين أن يشفع في حد أوجب الله إقامته، ولا للإملم قبول ذلك ممن يشفع عنده (4).
53 - "من أقر بحد الله تعالى، ثم رجع عنه، فإنه يقبل منه، ولا يقام الحد
عليه (5).
54 - التوبة لا ترفع الحد (6).
301
55 - إن ما كان عند المسلمين قبيحا، فهو عند الله قبيح، كما أن ما كان عند
المسلمين، حسنا، فهو عند الله "حسن
56 - أيما كان جائزا أكله، جاز "بيعه
(7)
(A)
(9)
57 من زال عقله لم يخاطب بما لا يعقل " (1).
المطلب الثاني: الضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة. سبقت الإشارة آنفا عند مطلب سرد القواعد الفقهية إلى أن هناك عددا من
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 460. ولفظ في الوارد في القاعدة هكذا ورد، ولعل الصواب "عن".
(2) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(3) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 496.
(1)
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 477. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 528. (6) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 546. ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 551.
(V)
(^)
(1)
152 (1/152)
صفحة 152
-
القواعد والضوابط الفقهية لم يسقها الإمام ابن بركة كأخواتها -
بعبارات موجزة، لكن يمكن استخلاصها كما مضى بيانه- من خلال تتبع فروعها الواردة في كتاب "الجامع".
وقد تقدم إعطاء أمثلة عدة لبعض القواعد الفقهية التي لم ينص الإمام ابن
بركة على ألفاظها مع اعتباره لها، وذلك من خلال ذكر الفروع الفقهية الدالة على كل قاعدة منها.
ولذا، فإنه قبل البدء في سرد الضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" ينبغي أن أذكر هنا أيضا بعض الأمثلة من الفروع الفقهية الدالة على بعض الضوابط الفقهية المعتبرة عند الإمام ابن بركة، وإن لم ينص على ألفاظها.
فمن الأمثلة الموضحة لذلك ما يلي:
أولا: ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية تدل على ضابط معين يمكن صياغته بـ"ذو العذر مقصورة إمامته على من هو مثله أو دونه".
وهذه الفروع الفقهية هي:
أ- إذا صلى القارئ خلف الأمي.
ب- إذا صلى القادر على الركوع والسجود خلف من يصلي إيماء. ج- إذا صلى المتوضئ خلف المتيمم.
د - إذا صلت الطاهر من النساء خلف المستحاضة.
هـ- إذا صلى المعافى من سلس البول خلف المصاب به (1). فهذه الفروع الفقهية أعطاها الإمام ابن بركة حكما واحدا في جميع صورها، وهو عدم صحة صلاة المأموم بصلاة الإمام فيها لنقصان صلاة الإمام عنده في الأوصاف المذكورة لحصول العذر له في ذلك، فتصح بمثله أو من هو دونه، ولا شك أن هذه الفروع وما شابهها
داخل تحت الضابط المذكور.
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 458 - 459.
153 (1/153)
صفحة 153
(1)
(2)
:ثانيا ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية، تدل على ضابط معين يمكن صوغه
بعبارة هي:
كل عيب ظهر في أحد الزوجين، لم يعلم به الآخر قبل العقد أو عنده، وكان مما تفوت به متعة الزواج أو مرضا يخشى منه العدوى فهو فيه
بالخيار في إمضاء النكاح أو فسخه".
وهذه الفروع الفقهية هي:
أ- عيب الرتق.
العنة. ب- عيب
ج- عيب مرض الجذام.
د - عيب البرص.
هـ - عيب الجنون (1).
فهذه الفروع أعطاها الإمام ابن بركة حكما واحدا في جميع صور وهو تخيير كل واحد من الزوجين بظهور واحد من هذه العيوب في الآخر حسب القيود الواردة في الضابط المصوغ، وهي وما شابهها
داخل تحت هذا الضابط.
:ثالثا: ذكر الإمام ابن بركة فروعا فقهية تدل على ضابط معين، يمكن صوغه بعبارة هي:" كل وكالة مات الموكل فيها قبل إنفاذ الوكيل
موضوعها فهي باطلة"، وهذه الفروع هي:
أ- إذا وكله في التصرف في شئ من ماله، فمات قبل التنفيذ.
ب إذا وكله في تسليم شئ من ماله لغيره فمات قبل التنفيذ. ج- إذا وكله في تزويج بعض من يلي عقد النكاح عليهن، فمات قبل
التنفيذ (2).
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 142.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 287. (1/154)
صفحة 154
فهذه الفروع الفقهية المذكورة، نص الإمام ابن بركة على حكم واحد شامل لها، وهو بطلان الوكالة فيها، وهي وما شابهها مندرج تحت هذا الضابط المذكور. رابعا: ذهب الإمام ابن بركة إلى القول بأن العامل في المعادن إذا استأجره أصحابها على العمل فيها، فانهارت عليه، فإن دمه، هدر، ولا ضمان على من استأجره على ذلك. ثم قال بعد ذلك ما نصه: "وهكذا من عمل بأجر، فهو أصل لكل عامل بأجر (1)، فلا ضمان على من استعمله (2). فقوله: فهو أصل لكل عامل بأجر يمكن أن ينتزع منه ضابط فقهي، تكون صياغته هي: "كل عامل بأجر تلف بسبب ما يعمل فيه، فلا ضمان على مستأجرة.
فيدخل تحت هذا الضابط المذكور كل عمل كان سببا في تلف العامل فيه
بأجر من معدن أو منجم أو بناء ... الخ".
وأما الضوابط الفقهية التي ساق الإمام ابن بركة ألفاظها في كتابه "الجامع" بعبارات تقرب إلى الإيجاز والتهذيب فهي كالتالي:
1 - "من لم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالصعيد (3).
-2 - كل ما وقع عليه اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز (4).
(1)
يعني بقوله: فهو أصل ... الخ الإشارة إلى الحديث النبوي الذي أورده قبل كلامه هذا، وهو ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "جرح العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار انظر، ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 444. والحديث أخرجه: الربيع / كتاب الزكاة والصدقة ب (55)، رقم 334، ج 1 ص 136. مسلم الحدود، ب (11)، رقم 45، ج 11 ص 237. أبو داود كتاب الديات، رقم 4593، ج 4 ص 195 - 196,
ابن بركة الجامع، ج 2 ص 445. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 257.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (1/155)
صفحة 155
كل ما وقع في الماء من كافور أو ريحان أو دهن فاعتبره، فإن كان
ناقلا للماء عن اسمه، ومغيرا له عن حاله ووصفه لم يجز التطهر
به (1)
4 - كل ماء وجد متغيرا ولم يعلم أن تغيره من نجاسة، فهو محكوم له بحكم الطهارة (2).
ه يجوز استعمال الماء المستعمل في إزالة الأنجاس (3).
6 كل ميت من أهل الإسلام واجب غسله (4).
إذا وقعت نجاسة في ماء، فظهر فيه طعمها أو ريحها أو لونها نجس ما وصلت إليه، قليلا كان الماء أو كثيرا، إلا أن يعلم أن ما وقع في طائفة ولم يصل إلى بقيته، فتكون هذه البقية مما يجوز التطهر به لزوال النجاسة
عنها" (ه).
"الأبوال كلها نجسة (1).
كل ما حرم لحمه و لبنه من السباع، سؤره "نجس
(V)n
10 - " ذكاة البهائم طهارة لإهابها، ودباغ جلد الميتة ذكاته، وطهارة له" (8).
11 - "ليس في المأكول والمشروب وضوء" (1).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة. ويقصد بالتطهر به أي الوضوء للصلاة أو الغسل من حدث أكبر
كجنابة وحيض، وإنما يصح به إزالة النجس لا رفع الحدث.
(2)
ابن بركة المصدر السابق والصفحة.
(2)
(")
(1)
(V)
(A)
(9)
) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 309. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 367. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 384 - 385.
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 392.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 401 ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 402 - 403.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 404.
156 (1/156)
صفحة 156
12 ما كان نجسا، لعينه فزوال اسم النجس عنه غير جائز ما كانت عينه باقية، ............. والضرب الثاني يسمى نجسا بحلول نجاسة فيه فزوال ما صار به متنجسا يرفع اسم النجس عنه (1).
13 - إذا جف الإناء وسائر أواني الطين بشمس أو ريح أو مدة أذهبت منه عين النجاسة ورطوبتها فإنه يصير طاهرا" (2).
14 - سؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين له قائمة. فإنه يطهر بثلاث غسلات (3).
15 - ومما يقع في الماء، فيموت فيه، مما ليس له الماء، فيموت فيه مما ليس له دم سائل ...... فليس بمفسد للماء" (4).
16 روث ما يؤكل لحمه غير نجس
17 کل دم عرق فهو نجس" (1).
(°) n
18 ک ل دم ظهر من امرأة، يجوز أن تحيض مثلها فهو حيض، حتى يعلم
أنه إنما ظهر لعلة حدثت بها (7).
19 كل من صح طهرها وقتا من الأوقات لم يجز لها ترك شيء من الصلوات إلا أن تتيقن أنها قد حاضت " (8).
20 - "من لم يرقأ دمه، إن الجمع للصلاتين يجزيه (1).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 405
(T)
(4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 409. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 401. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 411. (9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 415. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 416.) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 225. (8) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 228. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 417.
157 (1/157)
صفحة 157
21 - إن من أدرك شيئا من الجماعة فلا أذان عليه ولا إقامة" (1). -22 كل من قدم شيئا من فرائض الصلاة قبل وقته، أو أخر شيئا منها عن موضعه، بطل ما قدمه وما أخره، وعاد أتى بالأول ثم نسق عليه بالثاني، وإن تعمد لفعل ذلك فسدت صلاته (2).
23 - من ذكر صلاة لم يكن صلاها حتى فات وقتها لم يجز له أن يصلي غيرها حتى يصليها إلا صلاة هو في آخر وقتها (3).
24 كل من أمر بالصلاة على وصف فلم يفعل لعذر أو لعجز، ثم قدر، ارتفع العذر عنه، وعاد إلى ما كان مأمورا بفعله، ما لم يكن قضى ما أمر به بفعله مع العذر، وأما من كان مأمورا بالصلاة في الابتداء على وصف، ولم يكن أمر بغيره، فعجز، ووجب العذر، ثم انتقل إلى حالة ثانية فلزمه زيادة الفرض لم يلزمه الخروج مما أمر به حتى يتم" (4). 25 - من لم يستر عورته في الصلاة، وهو يقدر على ذلك، كانت صلاته
باطلة (5).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 439.
(2)
(4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 453.
) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 470
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 472. وخلاصة مراد الإمام ابن بركة من هذا الضابط أمران هما: ا أن كل من أخل بشرط من شروط الصلاة لعذر قائم به، ثم حصلت له القدرة على الإتيان به قبل فراغه من الصلاة، فإن عليه ان يأتي به، ويستأنف صلاته من أولها، وقد مثل الإمام ابن بركة لهذا بالعاري يصلي عاريا لعدم وجدانه ما يستتر به، ثم يجد ذلك قبل فراغه من الصلاة، فإنه يلزم بالسترة، وينقض صلاته، ثم يستأنفها، وكذلك عنده المتيمم إذا وجد الماء قبل الفراغ نقض صلاته، وتوضا، ثم يصلي. ب- أن من دخل في الصلاة على وصف لا موجب للزومه عليه في صلاته، ثم حصل موجب الإلزام به عليه قبل الفراغ، فإن عليه أن يأتي به، غير أنه يبني على صلاته، ولا يستأنفها، ومثل الإمام ابن بركة له بالامة تصلي كاشفة رأسها، ثم تعلم بالعتق قبل فراغها من الصلاة فإن عليها أن تستر رأسها، لأن ستر الرأس على الحرة واجب، وهذا هو معنى قوله: قلزمه زيادة الفرض ثم تبني على صلاتها. انظر
المصدر السابق والصفحة.
(0) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 483. (1/158)
صفحة 158
(1)
(T)
(1)
(1)
26 - كل ما وقع عليه اسم ما يستحق أن يسمى به المصلي مسلما، فقد خرج به من الصلاة" (1).
27 - من حول وجهه في الصلاة عن القبلة مختارا لذلك، وكان يجد السبيل على الاستدلال عليها فلم يفعل، فسدت صلاته (2).
28 - "من تعمد ترك الصلاة حتى خرج وقتها فعليه قضاؤها (3). 29 - "لا يجوز للمأموم أن يسبق الإمام بشيء من أفعال الصلاة، فإن سبقه متعمدا خرج بذلك من أن يكون مأموما متبعا، وفسدت صلاته (4).
-30 كل من وقع عليه اسم غني من المسلمين ....... فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله (5).
31 - "فأما ما اقتني واستعمل، فلا أرى الزكاة فيه واجبة (6).
إذا كان الرجل مستغنيا بصنعة يكتسب منها بيديه لم يستحق من
الصدقة شيئا (7).
33 - كل من فعل في صومه ما ليس له فعله، فذلك الفعل مفسد
لصومه (8).
34 - "كل من استحق اسم آكل فصومه باطل" (1).
35 من مات وعليه، صوم، ولم يصمه بعد أن أفطر رمضان، وكان قادرا
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 495.
ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 498. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 499. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 508. (9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 615. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 619. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 628.
(
(4)
(^)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 9. (1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (1/159)
صفحة 159
على بدله، فعلى ورثته من البالغين صومه (1).
كل خروج معتكف لما لا بد له منه لا يفسد اعتكافه، وكل خروج هو مخير فيه يفسد اعتكافه (2).
37 - للحاج في وقت إحرامه أن يقتل كل سبع يخافه على نفسه، وكذا سائر الهوام (3)
38 - ليس فيما يخرج من الشعر الميت الذي لم يؤلم المحرم خروجه
جزاء (4).
كل حالف يمينا حنث فيها فعليه كفارتها (5).
كل من أوجب نذرا على نفسه في حال كفره أو إيمانه كان عليه الوفاء
به (1)
41 - كل ما وقع عليه اسم ميتة فهو محرم تناوله (7).
42 - لحم جميع السباع حرام (8).
43 - من اضطر إلى أكل الميتة جاز له الأكل منها إلى أن يزول
أبيح له الأكل (1).
44 - إذا صار الصيد مقدورا عليه في حال حياته لم يجز أكله إلا
بالتذكية (10).
(1)
(1)
(T) (4) (•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 16.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 41. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 46. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 48. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 85. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 102.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 379. (8) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 400.
33
(9) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص (10) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 138.
160 (1/160)
صفحة 160
45 - كل من استحق اسم السلطان، فإليه الولاية على العقد على النساء اللائي لا أولياء لهن (1).
46 كل من عقد نكاحا على غيره، والمعقود عليه لا يملك أمر نفسه، ولا يملك لها اختيارا أن العقد مراعى به حالا يملك فيها المعقود عليه أمر نفسه، فإن أمضى تم، وإن رده انفسخ (2).
47 - النساء محرمات الفروج، إلا بما أحلهن الله من نكاح، أو ملك
يمين" (3).
48 - من ملك من العبيد ما يناسبه أو يزاحمه نسبا قريبا ممن لا يحل نكاحه، فإنه يعتق عليه حين ملكه (4).
49 - من أعتق شقصا له في عبد، ضمن الشريكه قيمة حصته التي أتلفها عليه بالعتق (5).
-50 - المنبوذ يحكم له بما يوجد مصرورا في ثوبه من مال أو في فراشه أو دابة هو عليها" (6).
51 - "الوصية واجبة للأقربين على كل من ملك مالا تصح فيه الوصية (2). 52 - "لا تثبت الهبة إلا بقبض (8).
53 - "من أوصى بما لا يتقرب به إلى الله كانت وصيته باطلة (1).
161
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 131.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 138. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 141. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 245. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 249. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 447. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 588.
(1)
(1)
(1)
(1) (0)
()
(2) (4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 419. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 572. (1/161)
صفحة 161
54 - "من ثبت نسبه ثبت ميراثه، ومن لم يثبت له نسب لم يستحق ميراثا (1).
- كل دين عاجل أجله صاحبه فهو عاجل، ويبطل في الحكم تأجيله (2). 56 كل بائع خدع مشتريا في بيعه، أو مشتر خدع بائعا فيما ابتاعه منه كان عاصيا والبيع فاسدا (3).
57 - من باع ثمرة غير مدركة على أن يتركها المشتري على النخلة إلى أن يبدو صلاحها فبيعه باطل
(4)
58 من اشترى دابة أو غيرها من السلع، فاستحقت عليه، فصاحبها المستحق لها أحق بها، ويرجع المشتري على البائع بالثمن الذي دفعه كان البائع متعديا أو غالطا (5).
59 من باع سلعة، ثم باعها رجلا آخر، فبيعه الثاني باطل، وهي للمشتري الأول (1).
60 - إذا زال القبض بطل الرهن (7).
-61 للمسلم أن يشتري من كل بائع إذا لم يعلم أن في المبايعة ما لا يجوز
بيعه (8)
62 كل مفاوضة خرجت عن حد المفاوضة ودخلت في حد إتلاف المال المنهي عن إباحته فهي باطلة (1).
162
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 602.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 272.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 323.
(1)
(2)
(د)
(1)
(0)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 327. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 332 - 333.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 333. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 344. (8) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 335. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 348. (1/162)
صفحة 162
63 - "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يقبضه" (1).
64 - إن خرج المبيع زائدا أو ناقصا عن الوصف الذي وقع البيع عليه كان بيعا فاسدا (2).
-65 - البيع إذا اعتوره أمران أحدهما يفسده، والآخر يصلحه، فإنه بيع
فاسد (3).
66 - البيع لا يصح إلا من بائع مالك بالغ عاقل مختار بثمن معلوم (4). 67 - الإجارات الفاسدة التي ورد النهي عنها لا يجوز إتمامها، ولا الحل فيها (5).
68 - كل قرض جر منفعة لم يجز (6).
69 - كل شاهد ليس بعدل فهو مردود الشهادة" (7).
70 - "من شهد شهادة لغيره بحق، ولم يسال عنها، ولم يطلبها منه صاحب الحق، فشهادته مردودة (8).
كل من أدخل فرجه في ضيق مضيق عليه فهو زان، وكل من استحق اسم الزاني فالحد واجب عليه، إلا ما قام دليله (1).
72 كل لفظ يحتمل معنيين، وأمكن أن يكون قذفا، وأمكن أن يكون غير
قذف، لم يحكم فيه بحكم القذف (10).
(1)
(1)
(3
(1)
(9) ?)
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 349 - 350.
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 356.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 395. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 413. () ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 315. (8) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (10) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 125.
163 (1/163)
صفحة 163
73 - من مات في الحد فلا شيء له ولا لورثته على الإمام ولا فـ
المال، لأن الحق قتله (1).
74 كل ما في الإنسان واحد ليس له ثان فيه، ففيه الدية الكبرى ............ وما كان فيه اثنان فالدية لهما جميعا، وفي أحدهما النصف من الدية (2). 75 كل ما في المرأة من عضو فديته كنصف ذلك العضو من الرجل (3). 76 - "ما أتلف البغاة من دم أو مال في حال بغيهم ومناصبتهم الحرب للمسلمين فلا غرم عليهم فيه (4).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 551.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 515.
(3) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 504.
164 (1/164)
صفحة 164
المبحث الثالث: الاستنتاجات والملاحظات العامة على القواعد والضوابط الفقهية الواردة عند الإمام ابن بركة في كتابه "الجامع".
إن من المستحسن - بعد سرد هذه القواعد والضوابط الفقهية المستخلصة من كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة أن أسلط الضوء على جملة من الاستنتاجات والملاحظات العامة على هذه القواعد والضوابط الفقهية خرجت بها من خلال التتبع وإمعان النظر في هذه القواعد والضوابط الفقهية.
ويمكن تلخيص هذه الاستنتاجات والملاحظات فيما يلي:- أولا: أن القواعد والضوابط الفقهية جاءت عند الإمام ابن بركة في زمن بدأ فيه فن القواعد والضوابط الفقهية يأخذ طابعا خاصا في الظهور والبروز، وإن لم يكن مظهرا مكتملا بصورة واضحة يصل إلى حد النضج والفرز لهذا الفن عن غيره من العلوم، ففي هذا العصر وهو القرن الرابع الهجري، بدأ بعض الفقهاء في جمـ أهم القواعد والضوابط الفقهية (1).
:ثانيا: يعد الإمام ابن بركة من أوائل العلماء المساهمين في إبراز كثير من القواعد والضوابط الفقهية في الفقه الإسلامي.
ومما يوضح ذلك أن الإمام ابن بركة جاء في كتابه "الجامع" بقواعد وضوابط فقهية عديدة ترادف في معناها كثيرا من القواعد والضوابط الفقهية التي تم تهذيبها وتنقيحها في العصر الحاضر، وإن اختلفت معها نسبيا في صياغة ألفاظها.
(1) فقد ذكر السيوطي، وابن نجيم أقدم خبر في ذلك، إذ ذكرا أن أبا طاهر الدباس- وهو من علماء الحنفية في القرن الرابع الهجري، جمع أهم القواعد في المذهب الحنفي، وأوصلها إلى سبع عشرة قاعدة كلية. انظر، السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 7. ابن نجيم، الأشباه والنظائر، ج 1 ص 35 - 36، وانظر أيضا الندوي، القواعد الفقهية، ص 135. (1/165)
صفحة 165
ويمكن الإشارة إلى ذلك بالجدولين التاليين:
أ ـ جدول القواعد الفقهية:
القواعد الواردة في كتاب "الجامع" القواعد المرادفة والمقابلة لها في
للإمام ابن بركة.
معناها
1 - الأشياء إذا افترقت وجب لكل إذا اجتمع أمران من جنس واحد، واحد منها حكم، وإذا اجتمعت ولم يختلف مقصود هما، دخل
-2
- {
كان حكمها واحدا.
أحدهما في الآخر غالبا.
الذمة إذا لزمها فرض عمل لم | إذا عمرت الذمة لم تبرأ إلا بالإتيان
يزل الفرض إلا بأدائه.
بما عمرت، به، أو ما يقوم مقامه.
من اضطر إلى مال غيره أكل الاضطرار لا يبطل حق الغير.
منه قدر ما يزول عنه الخوف
به وعليه ضمان ما أكل.
إن الإقرار إذا تضمن حكما | الإقرار حجة قاصرة.
على الغير لم يسمع.
من خرج من حد الأمانة الأمانة لا تضمن إلا بالتعدي.
بتعديه، وجب أن يكون ضامنا
لما تعدى فيه.
166 (1/166)
صفحة 166
-7
ليس لأحد من الأمة أن يضع التحديد لا يثبت إلا من جهة حدا يوجب بوضعه في التوقيف، لا من جهة الرأي.
الشريعة حكما، إلا أن يتولى
وضع ذلك الحد كتاب ناطق،
أو سنة ينقلها صادق عن
صادق، أو يتفق على ذلك
علماء أمة محمد صلـ
الله
عليه وسلم-.
-7
-^
للإمام أن يسوي بين رعيته التصرف على الرعية منوط
فيما يراه صلاحا لهم.
بالمصلحة.
الحد متى اعترضت فيه الشبهة | الحدود تدرأ بالشبهات.
????.
الأموال لا تدفع إلا بالبينة. الدماء والأموال لا تسـ
بالدعاوى دون البينات.
تحق
-10 فجائز للناس أن يخرجوا من الظن الغالب ينزل منزلة التحقيق.
الفرائض، إذا كان عندهم فـ الظاهر أنهم قد أكملوا، وإن لم
يعلموا ذلك علما يقينيا، لا
يجوز عليه الانقلاب.
-11 الفريضة لا تؤدى إلا بالإرادات الفروض لا تسقط إلا بالقصد إلى
وصحة العزائم.
أدائها بالنية والعمل.
-12 ليس جهل الجاهل فيما عليه | كل جهل يمكن المكلف دفعه لا
علمه يكون عذرا له.
167
يكون حجة للجاهل. (1/167)
صفحة 167
1 - الوكيل أمين فيما وكل فيه من كل مال تلف في يد أمين من غير
مال الموكل إلا أن يخرجه تعد لا ضمان فيه.
التعدي، فلا يكون على ما في يذه أمينا.
14 - كل مال أيس من معرفة ربه | كل مال ضائع فقد مالكه، يصرفه أنه مصروف في الفقراء | السلطان إلى المصالح.
والمساكين.
15 كل مالك فملكه محبوس عليه | كل من كان مالكا، فماله ممنوع به
إلا أن يزيله عن نفسه.
محرم إلا بطيب نفسه بإباحته.
-16 من جنى على مال غيره عامدا لا يجوز لأحد أن يتصرف في مال كان أو خطأ فالغرم واجب | غيره إلا بإذن.
عليه.
17 - الضمان لا يجب إلا بالتعدي. لا يضمن إلا جان أو متعد. 18 قول الثقة فيما يوجب العمل ما كان من أمر الدين، فالواحد فيه
حجة.
حجة.
19 إن كل بالغ حر عاقل أقر على المرء مؤاخذ بإقراره.
نفسه بحق أخذ به.
20 من أمر بفعل شيئين فعجز عن الميسور لا يسقط بالمعسور.
فعل أحدهما لم يسقط عنه فعلى
ما قدر عليه.
21 - اليد دليل الملك غير موجبة اليد توجب إثبات التصرف، ولا
للملك.
توجب إثبات الملك.
22 - إن التيقن لا يرتفع بالشك. اليقين لا يزول بالشك.
168 (1/168)
صفحة 168
23 - إن صورة الفعل وهيئته لا تدل الأمور بمقاصدها.
على طاعة ولا معصية، وإنما
يصير الفعل طاعة أو معصية
إذا أضيفت إليه النية.
24 - إن أيمان الناس على عرفهم الأيمان مبنية على العرف (2).
وعاداتهم، وما يقصدون به في
أيمانهم (1).
(1) راجع الإحالات السابقة في كتاب الجامع، ج 1 ج 2.
(2) انظر هذه القواعد في: فهرسة القواعد الفقهية في البورنو، الوجيز، ص 395 - 403. وانظر أيضاء
الندوي، القواعد الفقهية، ص 537 - 558.
169 (1/169)
صفحة 169
ب ـ جدول الضوابط الفقهية:
الضوابط الفقهية الواردة في كتاب الضوابط المرادفة والمقابلة لها في
الجامع" للإمام ابن بركة.
1 - الأبوال كلها نجسة.
-
معناها
الأبوال والدماء كلها نجسة.
دباغ جلد الميتة ذكاته، وطهارة | أيما إهاب دبغ فقد طهر.
له.
النساء محرمات الفروج، إلا | التحريم مغلب في الأبضاع.
بما أحلهن الله من نكاح أو ملك
يمين.
- البيع إذا اعتراه أمران، أحدهما كل صفقة جمعت حراما وحلالا
-7
يفسده، والآخر يصلحه، فإنه هي كلها حرام، ولا ينعقد البيع
عقد فاسد.
الحلال منها خاصة.
لا تثبت الهبة إلا بقبض. لا يتم التبرع إلا بالقبض. ما كان نجسا لعينه فزوال اسم نجس العين لا يطهر بحال (2).
النجس عنه غير جائز ما
كانت عينه باقية (1).
ثالثا: يبدو من خلال الاستقراء والتتبع في مواطن ومواضع ورود هذه القواعد والضوابط الفقهية في كتاب "الجامع" أن هناك عدة بواعث جعلت الإمام ابن بركة يقوم بصياغة هذه القواعد والضوابط
الفقهية.
(1) راجع هذه الضوابط في الإحالات السابقة في كتاب الجامع، ج 1، و ج 2
(2) انظر هذه الضوابط في فهرسة الضوابط الفقهية في الندوي: القواعد الفقهية، ص 561 - 565.
170 (1/170)
صفحة 170
ولعل من أهم هذه البواعث وأظهرها باعثان أساسيان هما:
1 - إرشاد القارئ والمتعلم إلى أن الفروع الفقهية، سواء كانت من باب واحد أو من أبواب متعددة، إذا كانت متشابهة في علة واحدة جامعة بينها، فإنها تأخذ حكما واحدا تدخل تحته جميعها، فإذا عرف القارئ أو المتعلم القاعدة أو الضابط الذي تدخل تحته جميع الفروع المتشابهة سهل عليه إعطاء كل فرع منها حكمه الفقهي المناسب له
بإدخاله تحت القاعدة أو الضابط الفقهي الذي يعمه ويشمله.
ومن الأمثلة الموضحة لذلك من القواعد الفقهية ما يلي: أ- قاعدة كل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين (1).
وبيان ذلك: أن الإمام ابن بركة قد نص على أن اللقطة إذا لم يعثر ملتقطها على صاحبها بعد تعريفها، فإنها تصير مالا مجهولا ربه وسبيل المال المجهول عنده أن يكون مصروفا في الفقراء والمساكين (2). وقد بنى الإمام ابن بركة هذا الحكم في اللقطة بعد أن أورد مثالين عمن تقدمه من الفقهاء في المال المجهول ربه أنه يصرف في الفقراء والمساكين وهذان المثالان
هما:
أن الإمام العدل إذا ظهر على السلطان الجائر، واستولى على خزائن بيت المال، وكان فيها أموال جباها السلطان الجائر من الناس على سبيل الظلم والخراج المحرم، ولم يقف الإمام على أربابها بعد أن صارت في يده، فإنه يصرفها في الفقراء والمساكين، لكونها مالا مجهولا ربه (3).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 223.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 222 - 223.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 221.
171 (1/171)
صفحة 171
أن من لزمه ضمان للناس بسبب معاملة ربوية جرت بينـ وبينهم، ثم أراد الخلاص والتوبة، وإرجاع ما أخذه منهم عليهم، فإن لم يقف عليهم بعد ذلك وجهلهم لتطاول الزمان أو عسر عليه معرفة أماكنهم مع علمه بأعيانهم وشخوصهم، فإن ما بيده من حقوق يصير مالا مجهولا أربابه، فيكون مآله للفقراء والمساكين (1).
ولما أن كانت اللقطة قد جهل ملتقطها ربها بعد مدة التعريف، فهي مال مجهول ربه يكون مصرفها عند الإمام ابن بركة في الفقراء والمساكين، ولذا فقد قال بعد أن قرر هذا الحكم في اللقطة: وكل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين"، ثم قال: و اللقطة مال من هذه الأموال التي ذكرناها (2).
فهذا منه إرشاد للقارئ إلى أن اللقطة إذا لم يعثر على ربها بعد التعريف فإنها تأخذ نفس الحكم الفقهي الوارد في المثالين السابقين، لكونها مالا مجهولا ربه، فهي مندرجة تحت القاعدة المذكورة آنفا، التي تدخل تحتها جميع مفردات المال المجهول ربه. ب قاعدة كل أمر ولي على فعله أمينان، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالفعل وحده دون صاحبه (3).
توضيح ذلك هو أن الإمام ابن بركة ذهب إلى أنه إذا وكل شخص رجلين معا يقبضان له عبدا فقبضه أحدهما دون
الآخر، فتلف العبد من يده فهو ضامن له.
172
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 223. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 304.
(1)
(2) (1) (1/172)
صفحة 172
وقد بنى الإمام ابن بركة هذا الحكم على أنه لا يحق لأحد الوكيلين التصرف في أمر الوكالة وحده إذا كان الموكل جعل أمر الوكالة بينهما معا، ولذا لزمه الضمان بتلف العبد من يده
لتعديه بتصرفه الفردي في الوكالة دون قرينه (1). ثم إن الإمام ابن بركة قال بعد ذلك: "وكذلك قال أصحابنا في
...
ذلك (2). الوصيين والأمينين والوكيلين في النكاح والطلاق وغير فهذه الجملة الأخيرة إرشاد للقارئ وإفهام له بأن كلا من الوصين والأمينين والوكيلين في النكاح والطلاق الخ، يجري عليهم مثل الحكـ الوارد في مسألة الوكالة في قبض العبد المذكورة أعلاه من حيث عدم جواز تصرف كل واحد منهم منفردا عن صاحبه، وأنه متى فعل ذلك فتلف بتصرفه منفردا شيء فهو له ضامن، لأن هذه الصور وما شابهها تندرج تحت القاعدة المذكورة أعلاه.
| (1)
ومن أمثلة الضوابط الموضحة ذلك ما يلي:- أ- ضابط الإجارات الفاسدة التي ورد النهي عنها، لا يجوز إتمامها، ولا الحل فيها (3).
وبيانه أن الإمام ابن بركة يبين بهذا الضابط أن كل إجارة فاسدة لا يجوز للمتعاقدين عليها إتمامها، كما لا يجوز لهما التحالل فيها.
وقد مثل لذلك بالإجارة على مهر البغي والكهانة ثم قال بعد ذلك: وكل ما كان في هذا المعنى فسبيله سبيله، والأجرة عليه لا تحل، كالأجرة على النياحة، وعمل الخمرة، وحملها" (4).
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 304.
(2) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 395.
(4) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
173 (1/173)
صفحة 173
(1)
(Y)
فهذه الجملة الأخيرة نبه الإمام ابن بركة بها القارئ والمتعلم إلى
......
أن الأجرة على النياحة وعمل الخمرة وحملها .... الخ سبيلها في عدم جواز إتمامها ولا التحالل فيها سبيل الأجرة على
مهر البغي والكهانة، وأنها مندرجة تحت الضابط المذكور. ب ضابط كل ما في الإنسان واحد ليس له ثان فيه، ففيه الدية وما كان فيه اثنان فالدية لهما جميعا، وفي
الكبرى
...
أحدهما النصف من الدية (1).
وبيانه أن الإمام ابن بركة ينص في هذا الضابط على أن كل ما كان من الأعضاء واحدا في جسم الإنسان فإن فيه الدية الكبرى
عند إتلافه.
وأما ما كان من الأعضاء اثنين، فالدية لهما جميعا عند إتلافهما، وإن أتلف أحدهما فله نصف الدية (2).
وقد ذكر من بين ما ذكره من الأمثلة للنوع الأول: العقل، الكلام، الذكر الخ، ثم قال بعد ذلك: "وما جرى هذى المجرى (3).
......
كما ذكر من بين ما ذكره من أمثلة للنوع الثاني: اليدين الرجلين، العينين الخ، ثم قال أيضا بعد ذلك: "وما جوى هذا المجرى (4).
فقوله: "وما جرى هذا المجرى" في الموضعين، يرشد إلى أن كل ما كان في الإنسان من عضو واحد، لم يرد في الأمثلة المذكورة، فحكمه كحكم العقل والكلام والذكر من حيث
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 515.
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. (3) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(4)
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
174 (1/174)
صفحة 174
(1)
(2)
(3)
وجوب الحكم بالدية له كاملة عند إتلافه، كما يرشد أيضا إلى أن ما كان في الإنسان من الأعضاء اثنين، ولم يرد في الأمثلة المذكورة فحكمه كحكم اليدين والرجلين والعينين من حيث وجوب الحكم بالدية لهما جميعا عند إتلافهما معا، وبنصف الدية عند إتلاف أحدهما، وأنها مندرجة تحت الضابط المذكور. الاستئناس بهذه القواعد والضوابط الفقهية عند الاستدلال على أن هذه القواعد والضوابط الفقهية تشهد لهذا الرأي الفقهي وتؤيده على مقابله من الآراء الفقهية، ويأتي هذا على نوعين:
النوع الأول: الاستئناس بالقواعد والضوابط الفقهية عند الاستدلال على أنها شاهدة ومقوية لما يذهب إليه الإمام ابن بركة من آراء
فقهية ابتداء.
ومن أمثلة القواعد الفقهية على هذا النوع ما يلي:-
أ- قاعدة قول الثقة فيما يوجب العمل حجة (1).
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة على أنها شاهدة لما يذهب إليه من القول بوجوب الصوم بخبر العدل الواحد، لأن الصوم عبادة، وقد تعبدنا الله بقول خبر العدل الواحد في العبادات، فلزم الصوم إذا قال الثقة العدل أنه قد رأى هلال
الصوم (2).
ب- قاعدة الذمة إذا لزمها فرض عمل لم يزل الفرض إلا
بأدائه (3).
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 629.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 21. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 501.
170 (1/175)
صفحة 175
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة على أنها شاهدة ومقوية لما يذهب إليه من القول بأن من نسي صلاة من الصلوات، ولم يعرف أيهن التي نسيها منهن فإن عليه أن يصلي صلاة يوم وليلة، لأن في ذلك إبراءا لذمته، إذ لا مخلص لذمته من ذلك إلا بأمره بصلاة يوم وليلة، وما عداه فغير مبرئ لذمته من الفرض الذي لزمها بنسيانه وجهل تحديده، إذ لو قيل له: لا تصل حتى تعلم ما ضيعت لكان أمرا له بعدم الصلاة لجواز ألا يذكر الفرض الذي نسيه بعينه حتى الموت، ولم يؤد الفرض الذي لزمه، ولو أمر بفعل صلوات أقل من صلاة يوم وليلة لم يتيقن أداؤه للفرض الذي نسيه لاحتمال أن يكون الفرض الذي نسيه من الصلوات التي لم يؤدها، فلم يبق إلا أمره بإتيان صلاة يوم وليلة، لأنه لا بد له على هذا الحال من موافقة الفرض الذي نسيه لعدم خروجه عن هذه الصلوات، فيكون في ذلك إبراءا لذمته، والقاعدة شاهدة لذلك (1). ج- قاعدة: "من غر غيره في أمر كان فيه تلف نفسه أو ماله ضمن (2).
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة على أنها شاهدة لما ذهب إليه من القول بتضمين من كانت له دابة معروفة بالعقر فجعلها في منزله، ثم أسكنه، رجلا، وكتمه عيب الدابة، فجنت على الساكن فيه، لأنه بكتمانه عيب دابته مع تركها في المنزل
(1)
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 444.
176 (1/176)
صفحة 176
مع
الساكن فيه تغرير للساكن وتعريض له لما فيه تلف نفسه أو
ماله، فضمن جناية دابته، والقاعدة شاهدة لذلك (1).
د- قاعدة: "كل مالك فملكه محبوس عليه إلا أن يزيله عن نفسه (2).
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة على أنها شاهدة لما ذهب إليه من القول في العارية إذا باعها المستعير بغير إذن صاحبها أن لصاحبها أخذها بغير ثمن من مشتريها، ويرجع المشتري يأخذ حقه من الذي باعها له وأخذ ثمنها منه، وذلك لأن المستعير حين باعها بغير إذن من صاحبها فقد باع ما ليس له بيعه، فبيعه باطل، ولا تترتب آثار البيع الصحيح عليه من انتقال الملك وغيره، فهي باقية على ملك صاحبها وله أخذها، ويرجع المشتري بحقه على بائعها، والقاعدة شاهدة لذلك (3).
وأما أمثلة الضوابط الفقهية على هذا النوع فهي كما يلي:- أ كل ما وقع عليه اسم ما يستحق أن يسمى به المصلي مسلما فقد خرج به من الصلاة (4).
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذا الضابط على أنه شاهد لما ذهب إليه من أن المصلي إذا سلم تسليمه واحدة في صلاته فقد خرج بذلك من الصلاة، وكانت مجزية، له، لأن اسم التسليم شامل لها ()، والضابط شاهد لذلك.
(1)
(2)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 333.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 495.
(9) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
177 (1/177)
صفحة 177
ب كل ما وقع عليه اسم ميتة فهو محرم تناوله (1). فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذه الضابط على أنه شاهد على جواز الانتفاع بالشعر والصوف والوبر من الميتة، لأن لفظ الميتة مقصور على اللحم فحسب، فهو الذي يقع عليه اسم الميتة، بدلالة أنه لو قطع عضو من أعضاء الحيوان في حال الحياة لسمي ميتة، ولو جز شعره أو وبره وهو حي لم يسم ميتة، فظهر أن التحريم الوارد في الميتة واقع على ما يطلق عليه اسم ميت من أجزائها دون غيره (2)، والضابط شاهد لذلك. ج كل لفظ يحتمل معنيين، وأمكن أن يكون قذفا، وأمكن أن يكون غير قذف، لم يحكم فيه بحكم القذف (3).
فقد استأنس الإمام ابن بركة بهذا الضابط ليكون شاهدا لما ذهب إليه من القول بعدم اعتبار كلام من قال لغيره: يا من وطئ فرجا محرما عليه قذفا، وعدم ترتيب حد القذف عليه، وذلك لأن هذا اللفظ يحتمل معنيين، إذ يحتمل أن يكون قائله قصد به القذف بالزنا، كما يحتمل أن يكون مراد القائل به هو أن المقول له قد وطئ زوجته الحائض، أو وطئ امرأة أجنبية على فراشه يظنها زوجته، فإن الواطئ في هاتين الصورتين يصدق عليه أنه قد وطئ فرجا محرما عليه، وهو مع ذلك ليس بزان، فمهما لم يصرح القائل بإرادة المعنى الأول فليس بقاذف، ولا حد عليه، والضابط شاهد لذلك (4).
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 379 - 380.
(2) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 477.
(4) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
178 (1/178)
صفحة 178
النوع الثاني: الاستئناس بالقواعد والضوابط الفقهية عند الاستدلال على رد الإمام ابن بركة على المخالف له في بعض الآراء الفقهية، بناء على إقرار المخالف لنفس تلك القاعدة أو الضابط المذكور واعتباره لهما.
فمن أمثلة القواعد الفقهية الواردة لأجل هذا المعنى ما يلي:
أ- قاعدة: إذا وجد المبدل منه عاد إليه، وترك البدل (1). فهذه القاعدة استأنس الإمام ابن بركة بها للرد على بعض مخالفيه في مسألة المتيمم إذا رأى الماء وهو في الصلاة هل ينتقض تيممه برؤيته للماء؟
فمذهب الإمام ابن بركة هو أن المتيمم إذا رأى الماء في الصلاة
انتقض تيممه، ولزمه أن يتوضأ بالماء، ثم يستأنف صلاته. وقد نقل رأيا لبعض الفقهاء بأنه لا ينتقض تيممه، وعليه المضي في صلاته.
ومحل استئناس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة للرد على مخالفه هو أن هذا المخالف يتفق معنا على أن المكلف إذا عدم الأصل (المبدل منه انتقل إلى فعل البدل ما لم يخرج من الأداء، ولما أن كان التيمم بدلا من الماء، وقد وجده المتيمم قبل خروجه من عهدة أداء الفرض وجب أن يقال بنقض تيممه، ووجوب رجوعه إلى الماء للوضوء به واستئناف الصلاة (2).
ب- قاعدة: الإقرار إذا تضمن حكما على الغير لم يسمع (3). فهذه القاعدة استأنس الإمام ابن بركة بها للرد على مخالفه في
مسألة إقرار العبد بحد عليه.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 338 - 339. (2) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(3
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 276.
179 (1/179)
صفحة 179
فمذهب الإمام ابن بركة هو أن العبد إذا أقر بحد من الحدود لا يقبل إقراره على نفسه بذلك، ونقل عن بعض الفقهاء أن
العبد إذا أقر بحد من الحدود فإنه مؤاخذ بإقراره بذلك.
ومحل استئناس الإمام ابن بركة بهذه القاعدة للرد على مخالفه في هذه المسألة هو أن هذا المخالف يتفق معنا على أن كل إقرار يوجب حكما على غير المقر فهو غير مقبول ممن أقربه ولما أن كان العبد مالا لسيده، فإن إقرار العبد بما يوجب إقامة الحد عليه يتضمن إقرارا على السيد وهو غير العبد المقر، لأن في إقامة الحد على العبد بإقراره إتلافا لمال السيد، فيجب القول بعدم قبول هذا الإقرار لتضمنه حكما على غير المقر (1).
ج - قاعدة: "إن ما أصله غير مضمون فيجب أن يكون الشرط لا يوجب ضمانه، كما أن أصل ما كان مضمونا لا يبطل ضمانه
بالشرط (2). فهذه القاعدة استأنس الإمام ابن بركة بها للرد على مخالفه في مسألة وجوب ضمان العارية ومال المضاربة عند تلفهما إذا اشترط ربهما على آخذهما الضمان عند التلف.
فمذهب الإمام ابن بركة في هذه المسألة هو أنه لا ضمان على المستعير في العارية ولا على المضارب في مال المضاربة ما لم يتعديا، وإن شرط رب العارية أو رب المضاربة الضمان عند
التلف فشرطه باطل.
180
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 427.
(1)
(T) (1/180)
صفحة 180
(1)
وقد نقل عن بعض الفقهاء رأيا مفاده أنه إذا اشترط رب العارية أو رب المال المضارب فيه الضمان على آخذ كل منهما وإن لم يتعديا فله شرطه.
و محل استئناس ابن بركة من هذه القاعدة للرد على مخالفه في هذه المسألة هو أن هذا المخالف يسلم أن كل ما كان أمانة فالمؤتمن عليه غير ضامن ما لم يتعد فيه، ولما أن كانت العارية أمانة في يد المستعير، ومال المضاربة أمانة في يد المضارب لزم القول بعدم تضمين آخذ كل منهما إذا تلف ما أخذه بغير تعد منه، وإن شرط رب كل منهما على آخذه الضمان عند التلف ولو بلا تعد منه فشرطه لغو باطل، لأن الأمانة من أصلها غير مضمونة إذا تلفت من غير تعد فشرط ضمانها ولو بلا تعد لا يوجب ذلك (1).
وأما المثال على ذلك من الضوابط الفقهية فهو:- ضابط ومن لم يستر عورته في الصلاة، وهو يقدر على ذلك كانت صلاته باطلة (2).
فهذا الضابط استأنس الإمام ابن بركة به للرد على المخالف له في مسالة صلاة المرأة الحرة كاشفة رأسها في بيتها.
فمذهب الإمام ابن بركة هو أن المرأة الحرة إذا صلت في بيتها كاشفة رأسها، فصلاتها باطلة، وقد نقل عن بعض الفقهاء أن صلاتها على تلك الصفة صحيحة.
ومحل استئناس الإمام ابن بركة بهذا الضابط للرد على مخالفه في هذه المسألة هو أن هذا المخالف يسلم بهذا الضابط، ولذا فهو يبطل
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 483.
181 (1/181)
صفحة 181
صلاة الرجل وحده في بيته إذا كان كاشفا لعورته، فلما كان هذا أصلا متفقا عليه وجب القول ببطلان صلاة المرأة الحرة وحدها في البيت إذا كانت كاشفة لرأسها، لأن رأسها عورة يلزم سترها في الصلاة عند القدرة على ذلك (1).
رابعا: أن هناك بعضا من القواعد والضوابط الفقهية أوردها الإمام ابن بركة في "الجامع" أكثر من مرة بصيغ مختلفة لفظا متفقة معنـ
وهذه القواعد هي ما يلي:-
ي.
أ- إن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، وإنما
يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه النية (2).
فقد عبر الإمام ابن بركة عن هذه القاعدة بعبارة أخرى تقرب
منها، وهي
الفعل الواحد من فاعل واحد في مكان واحد، في
وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية (3).
ب "قول الثقة فيما يوجب العمل حجة (4).
فقد عبر الإمام ابن بركة عن هذه القاعدة أيضا بعبارتين
أخريين، هما:-
- خبر العدل مقبول، ويجب العمل به حكما، ولا يوجـ
علما (5).
- "خبر العدل واجب قبوله من طريق العبادة" (6).
(1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 264. (3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 524. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 620. (0) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 20.
(4)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 21.
182 (1/182)
صفحة 182
C
ج- إذا جاءت العوارض وحدث العجز سقط اللزوم وتغيرت
الأحكام لوجود العذر (1).
فقد عبر الإمام ابن بركة عن هذه القاعدة بلفظ آخر: "إنما يجب التكليف على ما يمكن (2).
د- الحد" متى اعترضت فيه الشبهة سقط (3).
فقد عبر الإمام ابن بركة عن هذه القاعدة أيضا بصيغتين
أخريين، هما:-
1 - إذا اعترضت الشبهة سقط الحد عندها" (4).
2 - الحد تراعى فيه الشبهة، فمتى احتمل الشبهة سقط (). هـ "من خرج من حد الأمانة بتعديه وجب أن يكون ضامنا لما تعدى فيه (6).
فقد عبر الإمام ابن بركة عن هذه القاعدة بصيغة أخرى، وهي:
"الضمان لا يجب إلا بالتعدي" ().
وأما أمثلة الضوابط التي عبر الإمام ابن بركة عنها بأكثر من صيغة واحدة فهي:-
أ كل من قدم شيئا من فرائض الصلاة قبل وقته، أو أخر شيئا منها عن موضعه، بطل ما قدمه وما أخره، وعاد أتى بالأول، ثم نسق عليه بالثاني، وإن تعمد لفعل ذلك فسدت صلاته (8).
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 437.
183
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 531. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 476. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 532. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 426.
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 453.
(1)
(2)
(1)
(4)
(•) (1)
(7)
(A) (1/183)
صفحة 183
(1)
فقد صاغ الإمام ابن بركة هذا الضابط بعبارة أخرى، وهي: "من سها حتى قدم شيئا قبل شيء، عاد إلى فعل ما نسي ثم فعل الذي بعده (1).
ب كل من عقد نكاحا على غيره، والمعقود عليه لا يملك أمر نفسه، ولا يملك لها اختيارا، إن العقد مراعى به حالا يملك فيها المعقود عليه أمر نفسه، فإن أمضى تم، وإن رده
انفسخ (2).
فقد صاغ الإمام ابن بركة هذا الضابط بلفظ آخر، وهو: "كل معقود عليه نكاحا، لا رأي له في نفسه، إن الخيار له إذا ملك رأي نفسه (3).
ج "لا تثبت الهبة إلا بقبض (4).
فقد
قد صاغ الإمام ابن بركة هذا الضابط بصيغة أخرى، وهي: الهبة لا تصح إلا فيما يملك، ويصح فيه القبض، وأما مالا يصح فيه القبض فغير جائز هبته (5).
:خامسا: إن هذه القواعد والضوابط الفقهية متنوعة في مصادرها و مأخذها من النصوص، فمنها ما كان أصل بنائه و مأخذه من
القرآن الكريم، و منها ما كان أصل بنائه و مأخذه من السنة النبوية، و منها ما حكى الإمام ابن بركة عليه الإجماع من الأمة أو الاتفاق بين علماء المذهب الإباضي، ومنها ما كان مصدره
القياس.
ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 132.
(5)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 417.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 419. (0) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 417.
184 (1/184)
صفحة 184
وسأذكر هنا بعض الأمثلة على ذلك على الوجه التالي:- القرآن الكريم: فمن أمثلة القواعد المأخوذة من دلالة القرآن الكريم
ما يلي: أ- قاعدة: المعصية" لا تكون إلا من قاصد إليها (1).
فأصل هذه القاعدة عند الإمام ابن بركة ودليلها هو قوله تعالى: (و) ليس عليكم جناح فيما أخطأتم به، ولكن ما تعمدت قلوبكم الأحزاب [5] (2).
وبيان وجه الدلالة من الآية على هذه القاعدة هو أنه من المتقرر شرعا أن المؤاخذة بالعقاب والتوعد به لا يكون إلا على معصية، فلما نفى الله تعالى المؤاخذة عما وقع خطأ من المكلف، و علقها على التعمد، دل هذا على أنه لا معصية إلا من قاصد إليها.
ب- قاعدة: قول الثقة فيما يوجب العمل حجة (3). فأصل هذه القاعدة عند الإمام ابن بركة ودليلها هو قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الحجرات
[6]
وبيان وجه الدلالة من الآية على مأخذ هذه القاعدة هو أن الله تعالى لما أمر بالتبين عند خبر الفاسق، علم أنه قد أمر بترك التبين عند خبر غير الفاسق (4).
ومن أمثلة الضوابط الفقهية المأخوذة من دلالة القرآن الكريم ما يلي:
110
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 165.
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 129.
ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة.
(1)
(1)
(1)
(1) (1/185)
صفحة 185
أ- ضابط كل حالف يمينا حنث فيها، فعليه كفارتها، كان عاصيا
في حلفها أو غير عاص (1).
فأصل هذا الضابط عنده ودليله هو قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة (89) (2).
وبيان وجه الدلالة من الآية على مأخذ هذا الضابط هو أن الآية أوجبت الكفارة على كل يمين حنث فيها صاحبها مطلقا، سواء كانت يمينا في طاعة أو معصية (3).
ب ضابط "الوصية واجبة للأقربين على كل من ملك مالا تصح فيه الوصية (4).
فأصل هذا الضابط ودليله عنده هو قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) البقرة [180] (5).
ووجه الدلالة من الآية على مأخذ هذا الضابط هو أن الآية أوجبت على الإنسان إذا ترك مالا الوصية لأقاربه غير
الوارثين.
• السنة النبوية ومن أمثلة القواعد المأخوذة من دلالة السنة النبوية
ما يلي:
1 - قاعدة من أمر بفعل شيئين، فعجز عن فعل أحدهما لم يسـ
قط
عنه فعل ما قدر عليه (6).
(1)
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 85. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 85. (3) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 588.
(1)
(•)
ابن بركة المصدر السابق والصفحة. (1) لبن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 347.
186 (1/186)
صفحة 186
فأصل هذه القاعدة عند الإمام ابن بركة و دليلها هو ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا نهيتكم عن شيء
فانتهوا، و إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) (1). وبيان وجه الدلالة على مأخذ هذه القاعدة من الحديث المذكور هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نص على وجوب إتيان ما أمر به عند وجود الاستطاعة لذلك، فإن حصل للمكلف عذر شرعي معتد به شرعا في ترك بعض ما أمر به أوكله سقط عنه
فرض الإتيان، سواء أمر بفعل واحد أو بفعلين فأكثر.
ب قاعدة فجائز" للناس أن يخرجوا من الفرائض إذا كان عندهم في الظاهر انهم قد أكملوا وإن لم يعلموا ذلك علما يقينيا لا يجوز عليه الانقلاب" (2).
فأصل هذه القاعدة عنده ودليلها هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه صلى بأصحابه، ثم سلم من ركعتين و قام لينصرف، فقال له رجل: أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أصدق ذو اليدين"؟، قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: كل ذلك لم يكن (3).
وبيان وجه الدلالة على مأخذ هذه القاعدة من الحديث المذكور هو أن النبي صلى الله عليه وسلم - قد سلم من ركعتين، وبني
(1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الحج، ب (1)، رقم 394، ج 2 ص 160. البخاري/كتاب الاعتصام، ج 13 ص 222 - 223. النسائي /كتاب مناسك الحج، رقم 2619،
(1)
ج ص 110.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 452.
() اخرجه البخاري كتاب العيدين، ج 3 ص 76. أبو داود / كتاب الصلاة، رقم 1008، ج 1 ص 263. ابن
ماجه / كتاب إقامة الصلاة، رقم 1213، ج 1 ص 383.
187 (1/187)
صفحة 187
على غالب ظنه أنه قد أكمل صلاته، ولم ينصرف عن يقين قاطع في ذلك بدلالة أن أصحابه أخبروه أنه لم يكملها، إذ لو كان منصرفا عن يقين قاطع بإكمالها لم يتابعهم، و يعود إلى إتمام صلاته، فدل هذا على أن للإنسان الخروج من سائر الفرائض إذا غلب في ظنه إنه قد أكمل أداءها، وإن لم يعلم ذلك علما يقينيا قاطعا (1).
ج- قاعدة للمرء أن يأخذ حقه من مال من ظلمه بغير علمه (2). فأصل هذه القاعدة عنده ودليلها هو ما روي أن هند بنت عتبة زوجة أبي سفيان بن حرب جاءت إلى النبي -صلـ الله عليه وسلم، فقالت يا رسول الله إن أبا سفيان رجل لئيم لا ينفق علي، ولا على أولادي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-:
خذي من أمواله ما يكفيك، و يكفي عيالك بالمعروف (3). وبيان وجه الدلالة على مأخذ هذه القاعدة من الحديث المذكور هو أن النبي صلى الله عليه وسلم - أمر هند بنت عتبة أن تأخذ من مال أبي سفيان حقها الذي منعها إياه من النفقة لها و لعيالها، ولم يأمرها بإعلامه وقت الأخذ.
و أما أمثلة الضوابط الفقهية المأخوذة من دلالة السنة النبوية هي ما
يلي:
أ- ضابط دباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له (4).
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 451 - 452.
(2) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 164.
(3)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 164. والحديث أخرجه الربيع / كتاب الأحكام، ب (34)، رقم 599، ج 2 ص 236. أبو داود كتاب البيوع، رقم 3532، ج 3 ص 288. ومعنى إن أبا سفيان رجل
لنيم" أي شحيح وممسك.
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 402 - 403. (1/188)
صفحة 188
فأصل هذا الضابط عند الإمام ابن بركة و دليله هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إيما إهاب دبغ فقد
طهر (1)
و بيان مأخذ هذا الضابط من الحديث المذكور هو حكمه صلى
الله عليه وسلم بالطهارة لكل إهاب دبغ.
ب ضابط كل من استحق اسم السلطان فإليه الولاية على العقد على النساء اللاتي لا أولياء لهن (2).
فأصل هذا الضابط عنده هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "السلطان ولي من لا ولي له (3).
وبيان مأخذ هذا الضابط من الحديث المذكور هو أن النبـ صلى الله عليه وسلم - جعل ولاية عقد النكاح على النساء اللائي عدم أولياؤهن إلى كل من شمله لفظ "السلطان"، فعم به كل من
له سلطة يتأهل بها للعقد على النساء اللائي لا ولي لهن (4). ج- ضابط من ملك من العبيد ما يناسبه، أو يزاحمه نسبا قريبا ممن لا يحل نكاحه، فإنه يعتق عليه حين ملكه (5).
فأصل هذا الضابط عنده و دليله هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (1).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 403.
(1)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 131.
(1) أخرجه أبو داود كتاب النكاح، رقم 2083، ج 2 ص 236. الترمذي / كتاب النكاح ب (14)، رقم 1102، ج 3 ص 399. ابن ماجه / كتاب النكاح، رقم 1879، ج 1 ص 605.
(4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 131.
(•)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 245.
(1) ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة. والحديث أخرجه أبو داود كتاب العتق رقم 3949، ج 4
ص 25. ابن ماجه / كتاب العتق رقم 2524، ج 2 ص 843.
189 (1/189)
صفحة 189
و بيان مأخذ هذا الضابط من الحديث المذكور هو أنه صلى الله عليه وسلم - جعل ملك الإنسان ذا الرحم المحرم عليه نكاحه سببا لعتق هذا المملوك، فيعتق عليه بمجرد دخوله في ملكه.
الاتفاق: وهو على نوعين
1 - ما حكى الإمام ابن بركة اتفاق علماء المذهب الإباضي مع سائر علماء الأمة على اعتباره، وهذه القواعد هي:
أ- قاعدة: إن كل بالغ حر عاقل أقر على نفسه بحق أخذ به (1). ب قاعدة: "إن الإقرار إذا تضمن حكما على الغير لم يسمع (2). ج قاعدة من أحدث حدثا في مال لا يملكه، أنه مأخوذ بحدثه (3).
فهذه القواعد الثلاث حكى الإمام ابن بركة عليها الاتفاق بين
علماء المذهب الإباضي و سائر علماء الآمة.
ما حكى الإمام ابن بركة اتفاق علماء المذهب الإباضي فقط، علـ اعتباره وهذه القواعد هي:
أ- قاعدة ما كان من سائر الحقوق التي أمر بفعلها، ولا خصم له من المخلوقين فيها مما هو أمين في أدائها، ولم يؤدها، ولا أوصى بها، أنه لا شيء على الوارث و لا تعلق عليه أداؤها، ولا أداء شيء منها، كان الهالك تاركا لذلك من طريق العمد أو
النسيان (4).
190
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 620. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 276. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 394. ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 151.
(1)
(V)
(
(4) (1/190)
صفحة 190
ب- قاعدة: "كل أمر ولي على فعله أمينان، لم يكن لأحدهما أن ينفرد بالفعل وحده دون صاحبه (1).
ج- قاعدة: "أن ما أصله غير مضمون فيجب أن يكون الشرط لا يوجب ضمانه، كما أن أصل ما كان مضمونا لا يبطل ضمانه
بالشرط (2).
فهذه القواعد الثلاث حكى الإمام ابن بركة اتفاق علماء المذهب
الإباضي عليها.
وأما أمثلة الضوابط فهي:
1 - ما حكى الإمام ابن بركة عليه اتفاق الأمة و هي:-
أ- ضابط: "من شهد شهادة لغيره بحق ولم يسأل عنها ولم يطلبها منه صاحب الحق فشهادته مردودة (3).
ب ضابط من باع سلعة ثم باعها رجلا آخر فبيعه الثاني باطل، وهي للمشتري الأول". (4)
ج- ضابط: المنبوذ يحكم له بما يوجد مصرورا في ثوبه من مال أو في فراشه أو دابة هو عليها" ().
فهذه الضوابط الثلاثة حكى الإمام ابن بركة اتفاق أهل العلم قاطبة عليها فيكون الدليل على اعتبارها هو
الإجماع.
2 - ما حكى الإمام ابن بركة اتفاق علماء المذهب الإباضي على اعتباره
191
وهي:
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 304. ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 427. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 315. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 333. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 447.
(1)
(2)
(4)
(") (1/191)
صفحة 191
أ- ليس فيما يخرج من الشعر الميت الذي لم يؤلم المحرم
خروجه جزاء (1).
ب الأبوال كلها نجسة (2).
القياس وهو مقصور على الضوابط الفقهية دون القواعد، ومن أمثلة ذلك من الضوابط ما يلي:
ضابط كل ما حرم لحمه ولبنه من السباع سؤره نجس". (3) فهذا الضابط مأخذه عند الإمام ابن بركة من القياس، و بيان ذلك هو: أن الإمام ابن بركة قاس سؤر السباع المحرم أكلها و لبنها على سؤر الخنزير.
وعلة القياس الجامعة بينهما عنده هي أنه لما كان سؤر الخنزير نجسا لحرمة لحمه ولبنه وجب أن يلحق به في هذا الحكم كل سؤر سبع سوا سواه محرم لحمه و لبنه (4).
ب ضابط: من لم يرقا دمه إن الجمع للصلاتين يجزيه" (). وهذا الضابط مآخذه عنده من القياس أيضا. و بيان ذلك هو: أن الإمام ابن بركة قاس المثال الذي أورد عنده هذا الضابط وهو المصاب بالرعاف و نحوه ممن لا يرقا دمه على
المستحاضة
•
وعلة القياس عنده هي أن المستحاضة التي يجوز لها جمع الصلاتين إنما يجوز لها الجمع بين الصلاتين لاستمرار سيلان
(1)
(T)
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 48. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 392. ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 401.
(1) ابن بركة المصدر السابق والصفحة. (0) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 419.
192 (1/192)
صفحة 192
دمها تخفيفا لها، ودفعا للمشقة عنها، فيلحق بها من كان في
حكمها كالمصاب بالرعاف و نحوه ممن لا يرقأ دمه (1).
سادسا: أن هناك كثيرا من القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" صاغها الإمام ابن بركة كغيره من الفقهاء الأقدمين الذين أشاروا إلى القواعد والضوابط الفقهية في مصنفاتهم - صاغها بعبارات طويلة مفصلة، تحتاج إلى صياغة جديدة بعبارة مختصرة. وسأشير هنا إلى أمثلة من القواعد والضوابط الفقهية مع ذكر الصيغة الجديدة التي يمكن أن تصاغ بها، ويقاس عليها غيرها مما يشبهها من القواعد والضوابط الفقهية الأخرى.
فمن أمثلة القواعد الفقهية ما يلي: أ- قاعدة: "من جنى على مال غيره عامدا كان أو خطا، فالغرم واجب عليه" (2).
فهذه القاعدة يمكن صياغتها بلفظ أو جز مما هي عليه وهو:
"الجاني المباشر غارم".
ب قاعدة: "الوكيل أمين فيما وكل فيه من مال الموكل، إلا أن
يخرجه التعدي، فلا يكون على ما في يده أمينا (3). فتصاغ هذه القاعدة بصياغة مهذبة وهي "الوكيل أمين ما لم
يتعد.
ج- قاعدة: "ليس لأحد من المسلمين أن يشفع في حد أوجب الله إقامته، ولا للإمام قبول ذلك ممن يشفع عنده" (4).
(1) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 63.
(
(4)
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 297. ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 477.
193 (1/193)
صفحة 193
ومن
فهذه القاعدة يمكن إعادة صياغتها بعبارة أوجز وهي "لا شفاعة
في حد بعد الرفع إلى الإمام".
أمثلة الضوابط الفقهية ما يلي:
ا ضابط كل ما وقع عليه اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز (1). فهذا الضابط يمكن أن يعاد صوغه بلفظ أخر موجز وهو: "الماء المطلق مطهر".
ب ضابط للحاج في وقت إحرامه أن يقتل كل سبع يخافه علـ نفسه (2). فهذا الضابط يمكن أن يعاد صوغه بلفظ أخر موجز
وهو "جاز لكل محرم قتل كل مخوف".
ج- ضابط الإجارات الفاسدة التي ورد النهي عنها، لا يجوز إتمامها ولا الحل فيها (3).
فهذا الضابط تمكن صياغته بعبارة أخرى وهي "كل إجارة منهي
عنها فهي فاسدة، لا يحل إتمامها، ولا التحالل فيها". د ضابط: "من أقر بحد الله تعالى، ثم رجع عنه، فإنه يقبل منه، ولا يقام عليه الحد (4).
فهذا الضابط يمكن صوغه بلفظ موجز آخر، وهو: "كل رجوع
عن إقرار بحد مسقط للحد".
سابعا: أن هناك بعضا من القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب
"الجامع" جاءت مطلقة تحتاج إلى زيادة بعض القيود أو العبارات،
وبعضها الآخر وردت فيه ألفاظ زائدة تحتاج إلى حذف وإهمال.
(1)
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 257.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 46. (3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 395. (1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 525. (1/194)
صفحة 194
فمن أمثلة القواعد التي تحتاج إلى بعض القيود ما يلي:
-أ- قاعدة زوال اليد لا يزيل الملك " (1).
فهذه القاعدة المذكورة بهذه الصيغة التي عبر الإمام ابن بركة عنها يقع بعض الإشكال في مدلولها، إذ إنها تفيد أن ملك الشيء باق لصاحبه، ولو مع زوال يده عنه مطلقا.
وهذا الحكم ليس بصحيح على الإطلاق، قطعا، فإن هناك صورا يزول الملك فيها عن مالك الشيء بزوال يده عنه، كما أن هناك صورا لا يزول الملك فيها عن مالك الشيء مع زوال يده الظاهرة
عنه.
فمن أمثلة الأول ما يلي: أ- أن من باع شيئا من أملاكه كمنزل ونحوه زال ملكه عنه بزوال يده بالبيع.
- أن من وهب هبة لآخر زال ملكه عنها بزوال يده بقبض الموهوب له إياها.
ج- أن من وقف وقفا من ماله لجهة خيرية زال ملكه عنه بزوال
يده بانتقال الوقف إلى من وقف له.
ومن أمثلة الثاني ما يلي:-
-1 - أن المغصوب لا يزول ملكه عمن وقع عليه الغصب، وإن زالت
يده الظاهرة عنه، باستيلاء الغاصب عليه.
أن السيد لا يزيل ملكه عن عبده أو أمته الآبقين، وإن زالت يده
الظاهرة عنه بهروب العبد أو الأمة.
ج- أن العارية لا يزول ملك صاحبها عنها بزوال يده الظاهرة عنها لجحد المستعير، وتكذيبه له في أخذها عارية منه.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 345. (1/195)
صفحة 195
فإذا ثبت هذا، فلا يرتفع هذا الإشكال إلا بتقييد هذه القاعدة بقيد يزيحه، وهذا القيد هو زيادة عبارة بغير حق"، فتكون صيغة القاعدة هكذا زوال اليد بغير حق لا يزيل الملك"، ليدخل تحتها كل الصور التي يكون فيها زوال اليد بغير حق كما في أمثلة النوع الثاني وغيرها، ويخرج عنها كل الصور التي يكون فيها زوال اليد بحق، كما في أمثلة النوع الأول وغيرها، لأن منطوق القاعدة يكون بعد زيادة القيد هو أن كل يد زالت بغير حق فهي غير مزيلة للملك، ويكون مفهومه أن الملك زائل عن صاحبه بزوال يده عنه بحق مشروع
ب قاعدة: "من أحدث حدثا في مال لا يملكه، أنه مأخوذ بحدثه (1). فهذه القاعدة بهذه الصيغة تعطي حكما عاما على أن كل تصرف صادر من غير صاحب الملك في ملكه مأخوذ فاعله بجريرته فيه وهذا حكم مطلق صحيح على جهة الإجمال لا التفصيل، لأن هنالك صورا من التصرفات تحصل من غير المالك لا تبعة فيها علـ
الفاعل.
فهذه القاعدة تحتاج إلى قيد مهم، وهو إضافة عبارة: "بغير إذن حقيقة أو حكما، حالا أو مآلا من مالكه أو من يقوم مقامه"، فتكون
صيغة هذه القاعدة بعد إضافة هذا القيد هكذا" من أحدث حدثا فـ مال لا يملكه بغير إذن، حقيقة أو حكما، حالا أو مآلا من مالكه أو من يقوم مقامه، فإنه مأخوذ بحدثه".
وتوضيح ذلك هو أن التصرف في ملك الغير مأخوذ فاعله بما إذا كان هذا التصرف ناشئا عن غير إذن من المالك أو من يقوم مقامه
()
(ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 394.
196 (1/196)
صفحة 196
أما إذا كان ناشئا عن إذن فلا مؤاخذة ولا تبعة على الفاعل، لأنه
وكيل عن المالك في ذلك التصرف.
وعبارة: "من مالكه أو من يقوم مقامه تفيد خروج الإذن من المالك حقيقة، أو القائم مقامه من حاكم عادل أو وصي على قاصر ... الخ. والإذن إما أن يكون:
-
- إننا حقيقيا، كالإذن الصادر من المالك أو من قام مقامه كما مر وهذا يستوي فيه التصرف الواجب والجائز.
.
إذنا حكميا، كما لو شاهد من يريد إتلاف مال غيره ظلما وعدوانا في غير فائدة مع غياب صاحبه، فإن له أن يتصرف في هذا المال بما يؤدي إلى حفظه من التلف والضياع، كوضعه في مكان، ولو يتلف فيه بعضه، أو الاستعانة بمن يدفع عنه ذلك العادي، ولو ببعض ذلك المال الخ، ولا تبعة عليه في ذلك، لأن هذا هو الواجب عليه، وهو الواجب أيضا على المالك أن لو، حضر، فإن عليه الاستعانة عند عجزه بمن يقدر على إنقاذ ماله ممن يريد إتلافه، فكان هذا بمثابة الإذن في التصرف حكما، وإن لم يكن حقيقة وهذا الإذن الحكمي ينبغي قصره علـ الواجب عند غياب المالك كما في هذه الصورة. إذا شاهد من يفعل في مال غيره مع غياب مالكه مما يحتمل لـ الجواز كالأكل منه، فلا يقدم على التصرف في ذلك المال بشـ بقصد حفظه من هذا الآكل، لأن ذلك الفعل وهو الأكل- محتمل للحق لإمكان إذن المالك، فإن أقدم على شيء من ذلك، فنتج عن ذلك تلف في المال أو نقص منه شيء، فهو - في هذه الصورة مأخوذ بحدثه، ومشغول بالضمان عند مطالبة المالك.
الفعل
يء
197 (1/197)
صفحة 197
(1)
ولفظ "حالا أو مآلا يراد به الإذن في الحال عند مباشرة الفعل المال، أو مستقبلا كان يجيز المالك أو من قام مقامه فعل الفضولي المشروع في المال، فيزول عنه الأخذ بالضمان والجريرة.
قاعدة: الأموال لا تدفع إلا بالبينة (1). ج-
فهذه القاعدة تبرز حولها ثلاث ملاحظات هي:
أ- أن التعبير بلفظ "الأموال" الوارد في القاعدة، وإن كان تعبيرا صحيحا - خاصة في عصر الإمام ابن بركة، إلا أنه من الأولى أن يعبر عنه في هذا العصر بلفظ "الحقوق"، لأن لفظ "الحقوق" أعم، إذ يدخل تحته الحق المتمول كالدور والزروع والسلع والأثمان وغير المتمول كحق الشفعة، وحق الحضانة الخ، كما يدخل تحته الحقوق الاعتبارية المعروفة في هذا العصر، كحق التأليف، وحق العلامات التجارية عند القائلين
.
بذلك.
ب أن القاعدة بصيغتها المذكورة بها لم يرد فيها بيان الموضع والمحل الذي لا تنتقل فيه الأموال أو الحقوق إلا بالبينات وهذا الموضع والمحل هو مجال الحكم، وهو الذي أشار الإمام ابن بركة نفسه إليه في موضع آخر من "الجامع" حيث قال: والأموال لا يجوز أن تنتقل على وجه الحكم، ولا يحكم لمدعيها إلا بشاهدين عدلين (2).
ولذا، فإنه ينبغي بل يتعين أن يضاف هذا القيد إلى القاعدة المذكورة، فتكون صيغتها بعد إضافته هكذا: "الأموال لا تدفع
في الحكم إلا بالبينة.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 214.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 220. (1/198)
صفحة 198
وهذا القيد المذكور يخرج به ما يجوز دفعه من مال لمدعيه في موضع سوغ الشرع دفعه له بعلامة غير البينة العادلة كاللقطة إذا جاء بعلامتها المطلوبة شرعا، أو في موضع التوسع، كان يتوسع شخص بإعطاء آخر ما يدعيه، إذا ظهرت عليه مخايل الصدق، ولو لم يأت ببينة عادلة.
ج أن القاعدة على الصيغة الواردة بها - تفيد قصر الحكم بانتقال الأموال من ذمة إلى ذمة أخرى على موجب واحد من موجبات الإثبات وهو البينة.
غير أنه من المعلوم أن القضاء بانتقال الأموال من ذمة إلى ذمة أخرى، كما يثبت صحيحا بالبينة العادلة، يثبت أيضا بالإقرار الصحيح، فلو أقر بكر لزيد بشيء من المال أخذ بإقراره، وحكم بانتقال المقر به من ذمته إلى ذمة زيد، كما لو شهد عد لان بمال لزيد على بكر.
فإذا صح هذا، وجب حينئذ ضم عبارة أخرى أيضا إلى القاعدة المذكورة، وهذه العبارة هي أو إقرار صحيح"، فتكون حينئذ صيغة القاعدة النهائية على النحو التالي: "الحقوق لا تدفع على وجه الحكم إلا بالبينة العادلة أو إقرار صحيح". أما أمثلة الضوابط الموضحة للحاجة إلى القيد فيها فهي ما يلي: أ- ضابط كل قرض جر منفعة لم يجز" (1).
فهذا الضابط يحتاج إلى إضافة قيد فيه، وهو عبارة "بشرط" ليخرج بذلك القرض الجار للنفع بغير شرط، فإنه جائز، فتكون صيغة الضابط هي: كل قرض جر منفعة بشرط لم يجز".
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 413.
199 (1/199)
صفحة 199
ب ضابط: من مات في الحد فلا شيء له ولا لورثته على الإمام ولا في بيت المال (1).
فهذا الضابط يلزم تقييده بعبارة من غير تعد ليخرج بذلك لزوم الضمان للمحدود على المتصدي لإقامة الحد، إذا تعدى الصفة المقررة شرعا في إقامة كل حد، فتكون صيغة الضابط هي: "من مات في الحد من غير تعد فلا الخ".
......
ج- ضابط: "الوصية واجبة للأقربين على كل من ملك مالا تصح فيه الوصية (2).
فهذا الضابط لا بد من تقييده بعبارة غير الوارثين" ليخرج بذلك الوصية للقريب الوارث، فهي لا تصح فضلا عن أن تكون واجبة، فتكون صيغة الضابط بعد ذكر القيد هي: "الوصية واجبة للأقربين غير الوارثين
الخ".
وأما أمثلة القواعد الموضحة إلى الحاجة إلى حذف الألفاظ الزائدة
فيها وإهمالها فهي ما يلي:
أ- قاعدة: "الخطأ في الأموال مضمون (3).
فلفظ "في الأموال" لفظ زائد يحد من تعميم هذه القاعدة على ما يدخل تحتها، إذ من المعلوم أن الضمان في الخطأ غير مقصور على الأموال فحسب وإنما يتناول أيضا النفوس عند إتلافها كليا أو إلحاق أضرار بها، فبحذف عبارة "في الأموال" الواردة في القاعدة المذكورة تكون صيغة القاعدة على النحو التالي: "الخطأ مضمون، فيدخل تحتها حينئذ الخطأ في النفوس
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 551.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 588.
(3) ابن بركة المصدر السابق، ج 1 ص 437.
200 (1/200)
صفحة 200
والأموال، فهذا محكوم بضمان فاعله، فتكون القاعدة أعم، لا سيما وأن ضمان الخطأ في النفوس أولى وأجل من الخطأ في
الأموال. ب قاعدة للحاكم أن يؤدب بالضرب والحبس من امتنع عن الحق، وهو قادر عليه (1). فلفظ "بالضرب والحبس" الوارد في هذه القاعد، إنما جاء به الإمام ابن بركة للتمثيل على العقوبات التي يمكن للحاكم معاقبة الممتنع عن أداء الحق، مع قدرته على أدائه، وليس على سبيل الحصر والاقتصار عليها، ومتى ما حذفت من هذه القاعدة، فستكون صياغة القاعدة المذكورة هي: للحاكم أن يؤدب من امتنع عن الحق، وهو قادر عليه، فيكون معناها عاما وشاملا لجميع أصناف العقوبات التي يمكن اتخاذها لتأديب مانع الحق من غير الضرب والحبس، كالقتل للباغي الممتنع من الكون والمصير تحت إمرة الإمام العدل وكالأخذ من مال الممتنع عن أداء النفقة والكسوة لمن يلزمه عوله من والد أو زوجة أو ولد ...... الخ. وأما أمثلة الضوابط الموضحة للحاجة إلى حذف بعض العبارات
وإهمالها فهي: أ- ضابط: إذا كان الرجل مستغنيا بصنعة يكتسب منها بيديه، لم يستحق من الصدقة شيئا" (2).
فعبارة يكتسب منها بيديه الواردة في هذا الضابط هي لفظ زائد قصد به التمثيل أو البيان، وإلا فالصنعة التي تجعل الرجل غنيا غير مستحق للزكاة أعم من أن تكون مقصورة
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 460. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 628.
201 (1/201)
صفحة 201
على ما يعمل باليد فحسب، وبحذفها تكون صيغة هذا الضابط على هذا النحو: إذا كان الرجل مستغنيا بصنعة، لم يستحق من الصدقة شيئا"، فيدخل تحته جميـ جميع الصناعات اليدوية
وغيرها، مما يجعل الرجل غنيا خارجا عن كونه من
المستحقين للزكاة.
ب ضابط: "من مات وعليه صوم، ولم يصمه بعد أن أفطر رمضان، وكان قادرا على بدله، فعلى ورثته من البالغين
صومه (1)
فعبارة "ولم يصمه بعد أن أفطر "رمضان" الواردة في هذا الضابط هي لفظ مستغنى عنه لدلالة ما قبله عليه، وبحذف ذلك اللفظ تكون صيغة هذا الضابط كالتالي: "من مات، وعليه صوم، وكان قادرا على بدله فعلى ورثته من البالغين صومة". ج- ضابط: "ما أتلف البغاة من دم أو مال في حال بغي ومناصبتهم الحرب للمسلمين فلا غرم عليهم فيه (2).
فعبارة ومناصبتهم الحرب للمسلمين" الواردة في هذا الضابط عبارة قصد بها البيان والإيضاح، ويقوم مقامها ما قبلها من عبارة "في حال بغيهم"، لأن البغي هو عين نصب الحرب على الإمام الشرعي ومن انضوي تحت لوائه من المسلمين
وغيرهم.
(1)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 16.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 504.
202 (1/202)
صفحة 202
المبحث الرابع: عرض نماذج من القواعد الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة مقارنة بآراء فقهاء المذاهب الإسلامية.
القاعدة الأولى: إن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت إليه
النية (1).
شرح ألفاظ القاعدة:
صورة الفعل الصورة بضم الصاد لغة الشكل (2)، ومعنى الهيئة المعطوف قريب من معناها، إذ يعنى حال الشيء وكيفيته، (3) فهو كعطف البيان.
والفعل يقصد به هنا أعمال المكلف وتصرفاته القولية والفعلية. والظاهر أن اقتصاره على التعبير بـ "الفعل" من باب التغليب أو الاكتفاء وإلا فإن الأعمال القولية الصادرة من المكلف تأخذ نفس الحكم الذي تأخذه الأعمال الفعلية الواردة في القاعدة المذكورة.
الطاعة: فعل المأمورات ولو ندبا، وترك المنهيات ولو كراهة (4).
المعصية مخالفة الأمر قصدا ().
النية:
هي في اللغة انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض من جلب نفع،
أو دفع ضر حالا ومآلا. (6)
هي الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله وامتثالا
وشرعا: لأمره (7).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 264.
(T)
(1)
(4)
(•)
الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 385. مادة صور.
الفيروز آبادي المصدر السابق، ص 583. مادة هيا.
ابو البقاء، الكليات، ص 583. مادة طوع.
الجرجاني، التعريفات، ص 283. (7) أبو البقاء، الكليات، ص 902. مادة نوي.
(7) أبو البقاء، المصدر السابق والصفحة.
203 (1/203)
صفحة 203
معنى القاعدة:
يتلخص معنى هذه القاعدة في أن إضافة وصف الطاعة أو المعصية لكل ما يصدر عن المكلف من قول أو فعل متوقف على نيته في إيقاع ذلك
التصرف.
ولذا، يمكن أن يعبر عن هذه القاعدة بعبارة أوجز مما هي عليه الآن، وهي: كل تصرف من مكلف مرتهن وصفه بطاعة أو معصية على نيته ومقصوده".
وتعلق ارتهان وصف الفعل الصادر من المكلف بالطاعة أو المعصية بالنية- حسب مدلول هذه القاعدة هو من حيث الإجمال، وأما من حيث التفصيل لذلك فيمكن بيان ذلك كما يلي:
إن كل فعل صادر من المكلف لا يخرج عن كون الشرع الكريم قد أضفى عليه ابتداء صبغة الوجوب أو الحرمة أو الندب أو الإباحة أو الكراهة، وهي الأحكام الخمسة المعروفة.
فإذا صح هذا وهو صحيح إن شاء الله - فإن هذه القاعدة يندرج تحتها كل فعل داخل تحت أحد الأحكام الأربعة وهي الوجوب أو الندب أو الإباحة أو
الكراهة مطلقا.
فمثال الفعل الواجب الصلاة، فإن صلى لأداء ما وجب عليه بنية خالصة لله تعالى ففعله طاعة، وإن صلى رياء وسمعة ففعله معصية.
ومثال الفعل المندوب الجهاد غير المتعين عليه، فإن قاتل لإعلاء كلمة الله ففعله طاعة، وإن قاتل حمية وعصبية ففعله معصية.
ومثال الفعل المباح الأكل، فإن أكل للتقوي على العبادة ففعله طاعة، وإن
أكل للتقوي على المعاصي ففعله معصية.
204 (1/204)
صفحة 204
ومثال الفعل المكروه الطلاق، فإن طلق بقصد الخلاص من زوج.
•
مثلا كان فعله طاعة، وإن طلق بقصد التذوق للنساء كان فعله معصية (1) فظهر بهذا- كما هو ملاحظ أن كل فعل يدخل تحت واحد من الأحكام الشرعية الأربعة المتقدم ذكرها تتحكم نية فاعلة في وصفه بالطاعة أو
المعصية.
وبقي الكلام عن الفعل الداخل تحت الحكم الخامس وهو الحرمة من حيث اشتمال هذه القاعدة عليه.
وهذا ينبغي جعله على نوعين:
أ فعل محرم، ولا تأتي على المكلف حال يكون فيها مباحا له قط، وذلك مثل الزنا (2) أو الربا أو الظهار من الأزواج.
فهذا النوع لا يدخل تحت القاعدة المذكورة، بمعنى أن نية الفاعل له لا يمكن أن تتحكم فيه، فيكون طاعة تارة ومعصية تارة أخرى، بل هو حرام على أي حال كان، ولو أتاه فاعله على نية صالحة حسنة في ظنه.
فلو زنى بنية تنقية نفسه وتخليص جسمه من المادة المحتقنة به دفعا لضررها - حسب زعمه الكاذب، أو زنت بقصد تحصيل ما يقوتها أو يقوت من لزمها عوله، أو شرط زيادة على ما أعطى بنية تنمية المال لتوسيع دائرة القرض للمحتاجين، أو
(1) أي بمعنى أن يجعل الطلاق ديدنه فيتزوج في الصباح ويطلق في العشي لينزو كل يوم على واحدة أو يكمل النصاب فيستقر على ثلاث ويجعل الرابعة جديدة كل يوم اشباعا لشهوته الحيوانية وكلا الأمرين من عمل أهل الترف والغواية، نسأل الله العافية في الدارين.
(2) هذا مبني على القول بعدم تصور وقوع الإكراه على الزنا، إذ الانتشار من الرجل دليل على إتيانه الفعل رغبة، وبعض الفقهاء يرى أن مجرد الانتصاب الحاصل من الرجل أثناء الاكراه على الزنا ليس دليلا للرغبة بل قد يكون عن رهبة وفزع ويمكن أن يتأيد هذا بما يذكر ويتناقل من أن المقتول شنقا يحصل منه الانتصاب أثناء شنقه وأما المرأة المكرهة على الزنا فلا تسمى زانية إذا استمرت على النفور من الفعل ولم تطاوع بعد الإكراه. (1/205)
صفحة 205
ظاهر من زوجه بنية العقوبة والنكال لها لإخلالها بواجبات دينها، فكل فعل من هذه الأفعال يبقى محرما ومعصية، ولا تجدي نية الفاعل في جعله طاعة، لأن الشارع لم يأذن في إتيان مثل هذه الأفعال على أية نية كانت.
ب فعل محرم، ولكن تأتي على المكلف حال يكون فيها واجبا عليه كأكل الميتة، وشرب الخمر للمضطر، أو مباحا له كالتلفظ بكلمة الكفر عند الاضطرار والإكراه.
فهذا النوع داخل تحت القاعدة المذكورة، وهي متناولة له، فإن المكلف إذا أكل الميتة أو شرب الخمر، أو تلفظ بكلمة الكفر اختيارا بنية الانتهاك أو الاستحلال للفعل ففعله ذلك - بلا شك - معصية، وإن فعل واحدا
منها أو كلها عند الاضطرار بنية إحياء النفس، فلا شك أن فعله طاعة. وخلاصة هذا هي أن كل فعل - وهو ما عدا الفعل المحرم الذي لا تأتي حال يكون مباحا فيها يتصور وقوعه طاعة أو معصية، لأن النية هي التي تتحكم فيه، وإن اتفقت صورة ايقاعه في الخارج في حال الطاعة أو المعصية، وأن ما عدا ذلك وهو ما مر استثناؤه- فلا يقع إلا معصية، وإن أتاه الفاعل بنية الطاعة والقربة.
دليل القاعدة: أورد الإمام ابن بركة دليلا شاهدا لهذه القاعدة قوله - صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى (1).
ويمكن توضيح وجه الاستدلال من الحديث للقاعدة المذكورة بأن النبي -صلى الله عليه وسلم - جعل اعتبار الأعمال وتمييزها خيرا أو شراء طاعة أو معصية، موقوفا على نية الفاعل ومقصوده، وأضاف في الشطر الثاني من
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 264. والحديث أخرجه الربيع/ المقدمة، ب (1)، ج 1 ص 23. البخاري كتاب الإيمان، ج 1 ص 111. أبو داود كتاب الطلاق، رقم 2201، ج 2 ص 269.
206 (1/206)
صفحة 206
الحديث نية كل شخص إليه لا فعله الذي صدر منه، حيث قال: "وإنما لكل امرئ ما نوى ولم يقل: "ما فعل" فكان في الحديث دلالة واضحة على أن الأعمال لا تعتبر بهيئتها وأشكالها، وإنما اعتبارها بالدافع والباعث إلى إتيانها، وهذا ما تومئ إليه القاعدة المذكورة.
هذا، وإن من أظهر ما يمكن أن يستدل به لاعتبار هذه القاعدة- من غير ما ذكره الإمام ابن بركة والذي تظهر فيه صور الفعل وهيئته محسوسة على نمط واحد، وتتحكم النية في تصريف الفعل إلى طاعة أو معصية هو ما جاء في قوله - صلى الله عليه وسلم: "الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلتها من المرج أو الروضة كانت له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنيا وتعففا، ولم ينس حق الله في رقابها، ولا في ظهورها فهي له ستر، ورجل ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، فهي على ذلك وزر ووجه الدلالة من هذا الحديث للقاعدة المذكورة هو: أن الحديث أخبر
(1)
عن فعل متفق في الهيئة والصورة، وهو حبس الخيل وتربيتها، وهو صادر- على جهة الانفراد من ثلاثة مكلفين، ومع اتفاق هذه الأفعال الثلاثة منهم في
-
الهيئة والشكل، إلا أن وصف كل فعل منها بطاعة أو معصية رتبه النبي صلى الله عليه وسلم - على نية كل فاعل منهم في حبس خيله وتربيتها، فمن ربطها في سبيل الله ففعله طاعة، ومن ربطها تعففا واستغناء، وأدى حق الله فيها ففعله طاعة، وهو دون الأول، ومن ربطها رياء ومناواة للمسلمين ففعله
معصية.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الجهاد، ب (16)، رقم 461، ج 2 ص 187. البخاري / كتاب الجهاد، ج 2 ص 49.
مسلم/كتاب الزكاة، ب (6)، ج 7 ص 70 - 71.
207 (1/207)
صفحة 207
ويبدو أن هذه القاعدة المذكورة التي أوردها الإمام ابن بركة بتلك
الصياغة المتقدمة يمكن اعتبارها قاعدة جزئية من القاعدة الكلية الكبرى المعروفة بقاعدة "الأمور بمقاصدها".
وإنما كانت قاعدة جزئية من تلك القاعدة، ولم تكن قاعدة مرادفة لها
تماما، لأن قاعدة "الأمور بمقاصدها أعم وأشمل، لأنه ينظر فيها إلى القصد الباعث للمكلف إلى إتيان الفعل من جهتين
أولا: جهة وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية، بناء على نية وقصد
فاعله، وهذا هو القدر التي تشترك فيه القاعدة التي ذكرها الإمام ابن بركة مع قاعدة "الأمور بمقاصدها".
ثانيا: جهة ترتب الأثر الدنيوي بناء على النية والقصد الذي دفع المكلف إلى إتيان ذلك الفعل، ويمثل له بعض الفقهاء المعاصرين بما لو وقع صيد في شبكة إنسان، فإنه ينظر:
- إن كان نشر شبكته للاصطياد، فالصيد ملكه.
-
- وإن كان نشرها، اعتباطا، أو بقصد تجفيفها، فإنه لا يملك الصيد، ولغيره أن يتملكه بالأخذ.
ومن المعلوم أن هذه الجهة لا تدخل تحت القاعدة التي ذكرها الإمام
ابن بركة، لأن مدار قاعدته هو وصف الفعل بكونه طاعة أو معصية بناء
على القصد فحسب.
وهذه القاعدة جليلة القدر، عظيمة النفع، إذ يظهر لنا من خلالها مدى لطف الله تعالى بعباده وسعة عفوه ورحمته بهم، إذ رفع الحرج عنهم بعدم مؤاخذتهم بما يصدر عنهم من أفعال أو أقوال، يكون ظاهرها عصيانا محضا، لكنها تقع من العباد خطأ أو نسيانا، وبعضها نتيجة إكراه مما يرخص للمكلف فعله عند وقوع الإكراه من غير قصد وعزم على ارتكاب هذه
208 (1/208)
صفحة 208
المحجورات وبرهان ذلك قوله تعالى حكاية عن عباده المؤمنين: (ربنا لا
تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا)، البقرة [286].
كما تبرز هذه القاعدة مقابل ذلك مدى صلة الإنسان بخالقه عز وجل، مما يحتم عليه توجيه القصد والنية إليه تعالى عند مباشرة كل عمل ظاهره الطاعة المحضة، إذ كل عمل ظاهره مما يتقرب به إلى الله تعالى لم تصحبه نية التقرب فهو معدوم النفع، مصداقا لقوله تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) البينة [5]. فروع القاعدة: ذكر الإمام ابن بركة من الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة
ما يلي:
1 - لو التقط لقطة بنية حفظها لصاحبها كان فعله طاعة، وإن التقطها بنية الغصب وحيازتها لنفسه كان فعله معصية (1).
لو أنفق من ماله بنية القربة الله تعالى كان فعله طاعة، ولو أنفق رياء وسمعة كان فعله معصية (2).
لو ذكر شخصا بفعل مذموم قصد التحذير منه كان فعله طاعة، وإن ذكره بنية الغيبة كان فعله معصية (3).
وزاد غيره من الفقهاء ما يلي: 1 - لو أنفق أو دبر أو كاتب عبدا مشاعا بينه وبين غيره بقصد القربة كان فعله طاعة، وإن قصد الإضرار بالشريك كان فعله معصية (4). -2 - إذا طلب الولاية للقيام بالحق كان فعله طاعة، وإن قصد المنصب وظلم الناس كان فعله معصية (5).
(1)
(1)
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 221.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 265.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 465.
(4) القطب، النيل، ج 12 ص 542. (9) الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 330.
209 (1/209)
صفحة 209
إذا حمى مواتا بنية توفيره لخيل الإسلام أو نعم الجزية أو إيل
الصدقة كان فعله طاعة، وإن قصد بحمايته منع الإحياء له ورعي ما فيه من الكلأ كان فعله معصية (1). معصية (1).
- إذا أخذ من الغنيمة قبل القسمة بقصد الأكل أو الشرب كان فعله طاعة، وإن أخذ بنية الغلول كان فعله معصية (2).
إذا زاد في السلعة بقصد الشراء كان فعله طاعة وإن زاد بنية النجش كان فعله معصية (3).
6 - إذا فر من العدو بنية الكر عليهم أو التحيز إلى المسلمين كان فعله طاعة، وإن فر بنية الهروب منهم كان فعله معصية (4).
إذا باع أو اشترى بنية الإنفاق والتقوي به على الطاعات كان فعله طاعة، وإن كان بنية الرياء أو الاحتكار كان فعله معصية (5).
القاعدة الثانية: قول الثقة فيما يوجب العمل حجة (6).
شرح ألفاظ القاعدة:
قول: القول هنا يقصد به الخبر، أي خبر الثقة.
الثقة:
هو العدل، وقد عرفه الإمام ابن بركة بقوله: وصفة العدل أن يكون موافقا في القول والعمل، وهو المجتنب للكبائر والصغائر، لا يقع منه إلا الهفوات (7).
العمل: المراد به هنا الأحكام الشرعية الفرعية العملية دون الاعتقاديات.
(1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 427.
(2)
()
(4)
عبد الوهاب، التلقين، ص 240.
ابن قدامه، المغني، ج 4 ص 152.
ابن حزم المحلى، ج 7 ص 292.
(2) عماد الدين، البيان الشافي، ج 2 ص 355.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 629. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 460.
210 (1/210)
صفحة 210
حجة: معنى الحجة في الأصل هو ما دل على صحة الدعوى، و هي والدليل بمعنى واحد (1)، والمراد بها هنا لزوم التصديق والأخذ بمدلول خبر الثقة.
ويدل على ما تقدم ما أورده الإمام ابن بركة في موضع آخر من
"الجامع" من عبارات مرادفة في معناها للقاعدة المذكورة وهي: أ- إن خبر العدل مقبول ويجب العمل به حكما، ولا يوجب علما (2).
ب- "خبر" العدل واجب قبوله من طريق العبادة (3).
معنى القاعدة:
يمكن إيجاز معنى القاعدة من ألفاظها الثلاثة المذكورة آنفا كما يلي: إن العدل إذا أخبر بخبر يتعلق بأمر عملي فرعي وجب قبول خبره، والعمل بمقتضاه، لأن خبره حجة من حيث العمل، وإن كان غير موجب للعلم، فهو وإن كان محتملا للكذب في الواقع، غير أن الأدلة متضافرة على الأخذ وجوب بخبره في الفروع العملية (4)، لأن مجرد الظن كاف فيها، وخبر
العدل مظنون صدقه لتحرزه عن الكذب.
ويمكن تقسيم خبر الثقة الوارد على سمع المكلف من حيث حكم
القبول له إلى ما يلي:
(1) الجرجاني، التعريفات، ص 112.
(1)
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 20.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 21.
(4) انظر شيئا من هذه الأدلة في ابن حزم الإحكام، ج 1 ص 115 - 133. الوارجلاني، العدل والإنصاف، ج 1 ص 152 - 155. ابن الحاجب، منتهى الوصول، ص 74 - 76. ابن قدامة روضة الناظر، ج 1 ص 264 - 267. الجزري، معراج المنهاج، ج 2 ص 38 - 43. ابن المرتضى، منهاج الوصول ص 480 - 487 أمين، بادشاه تيسير التحرير، ج 3 ص 82.
211 (1/211)
صفحة 211
1 خبر يجب على المكلف قبوله: ومثاله: لو أخبره برواية عن الرسول - صلى الله عليه وسلم، ولا قادح عنده في صحتها، فإنه يلزمه قبولها، ولا يصح له ردها.
خبر يجوز، ولا يجب على المكلف قبوله، ولكن يكون عليه حجة في الحكم والقضاء.
ومثاله: لو أخبره الثقة ببيع ماله شفعة فيه، فإنه لا يجب عليه قبوله واعتقاده، ولكن إن أقر في مجلس الحكم بتماديه عن طلب شفعته بعد علمه بالبيع من خبر الثقة لزمه في الحكم وسقطت شفعته عند من يحكم بفورية الطلب.
خبر يجب على المكلف قبوله في موضع دون آخر.
ومثاله لو حضره وقت الصلاة، وليس معه إلا ثوبان فحسب، أحدهما نجس، ولم يدر أيهما النجس منهما، فأخبره ثقة بحضرته بعلمه بالطاهر منهما، وعينه له وجب عليه قبول خبره، والصلاة في الثوب الذي عينه الثقة طاهرا، وهذا هو موضع اللزوم.
أما لو كان معه ثوب ثالث غيرهما متيقن طهارته، وعين له الثقة الطاهر من ثوبيه الآخرين اللذين اشتبها عليه، ففي هذا الموضع لا يلزمه قبول خبر الثقة لجواز الانفكاك إلى الثوب الثالث الطاهر والصلاة به، وتوك استعمال الثوبين الآخرين (1).
دليل القاعدة: أورد الإمام ابن بركة دليلا لهذه القاعدة قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) الحجرات [6].
ووجه الدلالة - عنده - من الآية على القاعدة المذكورة هو أنه لما
(1) لما إذا أراد استعمال واحد منهما بعد ذلك في أمر يشترط فيه طهارة الثوب فيجب عليه استعمال ما عينه
الثقة له طاهرا ما لم يعلم بالطاهر منهما
•
212 (1/212)
صفحة 212
جاء الأمر بالتبين عن خبر الفاسق، دلت الآية بمفهوم المخالفة أن غير الفاسق وهو العدل لا يجب التبين عند خبره، بل يلزم قبوله، لأنه لو تساوى العدل والفاسق في حكم التبين عند الإخبار، لما كان هناك من فائدة في تخصيص الفاسق بالذكر في الآية في وجوب التبين عند إخباره (1).
رضي
وزاد غيره من الفقهاء من الأدلة على اعتبار هذه القاعدة ما يلي: أ ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال في أذان بلال الله عنه (2) - "كلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (3). ووجه الدلالة من الحديث على القاعدة هو: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتزام الصيام بآذان ابن أم مكتوم بالصبح، وهو خبر واحد في أن الفجر قد تبين (4). ب إن الفروع العملية هي من الدين، وقد صح قبول الخبر الواحد في الدين، فهو مقبول في كل موضع إلا حيث أمر الله تعالى بأن لا نقبل إلا عددا سماه لنا ().
ومجال هذه القاعدة هي المرتبة الوسطى بين مرتبتي الشهادة والرواية، فإن هذه المرتبة مرتبة مركبة من الشهادة والرواية، وذلك لأن الخبر ثلاثة أقسام: رواية محضة كرواية الأحاديث النبوية، وشهادة محضة
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 629. (2) بلال بن رباح الحبشي، أبو عبد الله، أحد السابقين إلى الإسلام بمكة، كان مؤذن رسول الله – صلى الله عليه وسلم، وخازنه، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد مات بدمشق وقيل بحلب، عام سبعة أو ثمانية عشر من الهجرة، ابن الأثير، أسد الغابة، ج 1 ص 243 - 245. ابن حجر، الإصابة، ج 1 ص 455 -
456
(5)
ابن أم مكتوم عمرو، وقيل عبد الله بن قيس بن زائدة القرشي العامري، أسلم بمكة، وكان مؤذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم، مات بالقادسية شهيدا ابن الأثير، اسد الغابة، ج 4 ص 263 - 264. ابن حجر، الإصابة، ج 4، ص 494 - 495.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 6 ص 236. والحديث أخرجه البخاري / كتاب الصوم، ج 4 ص 109 - 110. مسلم / كتاب الصيام، ب (8)، رقم 38، ج 7 ص 210.
(0) ابن حزم، المحلى، ج 6 ص 236.
213 (1/213)
صفحة 213
كإخبار الشهود عن الحقوق عند الحاكم على فرد أو أفراد معينين و رتبة ثالثة مركبة من الشهادة والرواية، ولذلك فإن كل خبر يرد ينظر إليه
فإن كان رواية محضة اكتفى فيها بالعدل الواحد.
وإن كان شهادة محضة اشترط فيها العدد من اثنين فصاعدا بناء على العدد المقرر شرعا في كل شهادة.
وإن لم يكن واحدا منهما فهو النوع الثالث، وهو الذي يأخذ شبها من كل واحد منهما.
وقد اختلفت فيه أنظار الفقهاء، فمن رجح فيه شبه الرواية اكتفى فيه بخبر الواحد، ومن رجح فيه شبه الشهادة اشترط فيه العدد (1).
وهذه القاعدة وقع الاتفاق بين سائر الفقهاء على اعتبارها والقول بها (2)، وإن اختلفوا في عد بعض الفروع الفقهية داخلا تحتها أو خارجا عنها بناء على اختلاف وتباين وجهات نظرهم في كل فرع منها، هل يترجح فيه شبه الرواية فيدخل تحت هذه القاعدة، أو يترجح فيه شبه الشهادة فيشترط فيه العدد، فيخرج عنها، كما مر ذكره آنفا.
فروع القاعدة: ذكر الإمام ابن بركة بعض الفروع الفقهية المندرجة تحت هذه القاعدة عنده، وهي:
-1 - وجوب قبول خبر الثقة العدل إذا أخبر بجهة الكعبة للجاهل بها (3). 2 - وجوب قبول خبر المؤذن الثقة العدل بدخول وقت الصلاة (4).
(1) راجع القرافي، الفروق، ج 1 ص 8.
(2) انظر: الشقصي، منهج الطالبين، ج 6 ص 359. الشيباني، محمد، الأصل، ج 3 ص 116. القراف الفروق، ج 1 ص 8. ابن الوكيل الأشباه والنظائر، ج 2 ص 215. ابن قدامة، المغني، ج 1 ص 322. ابن حزم المحلى، ج 6 ص 236. الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 262.
(3) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 522 - 523.
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 1 ص 439 - 440.
214 (1/214)
صفحة 214
وجوب قبول خبر الثقة العدل برؤية هلال رمضان (1).
وذكر غيره من الفقهاء ما يلي:
1 - وجوب قبول خبر القابلة العدلة إذا أخبرت بحصول الاستهلال (2). 2 - وجوب قبول خبر الثقة العدل إذا أخبر أنه قد بذل الأمان لأحد من المحاربين (3).
وجوب قبول خبر الطبيب العدل إذا أخبر بلزوم العدول عن الماء إلى
التيمم لكون المرض مخوفا (4).
4 - وجوب قبول خبر المرأة العـ دلة إذا أخبرت بحصول الرضاع بين رجل وامرأة، وترتيب حرمة النكاح بينهما بذلك (9).
5 - وجوب قبول خبر المعدل الثقة العدل للشاهد (1).
6 - وجوب قبول خبر المؤذن الثقة بانشقاق الفجر للإمساك في
رمضان (7).
القاعدة الثالثة: من خرج من حد الأمانة بتعديه، وجب أن يكون ضامنا
لما تعدى فيه (8).
شرح ألفاظ القاعدة:
من خرج من حد الأمانة: أي زال وانتقل لأن خرج هنا بمعنى الانتقال والانفصال، يقال: خرجت من البصرة إلى الكوفة، إذ
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 20. (2) أبو غانم، المدونة الكبرى، ج 2 ص 230. (1) الكاساني، البدائع، ج 6 ص 344.
(1)
ابن الوكيل، الأشباه والنظائر، ج 1 ص 246. (1) الخرقي، أبو القاسم، مختصر الخرقي، ص 169.
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 199.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 6 ص 236.
(4) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 431. (1/215)
صفحة 215
انتقلت وانفصلت عنها (1). والأمانة: هي كل ما يؤتمن عليه من أموال وحرم وأسرار (2)، مأخوذة من "أمن" - بكسر الميم - أمانة، فهو مصدر استعمل في الأعيان مجازا، وسميت به كوديعة وغيرها (3).
بتعديه: الباء فيه للسببية، أي بسبب تعديه، وأصل التعدي في اللغة هو مجاوزة الشيء إلى غيره (4)، يقال: عديته فتعدى إذا تجاوز ()، ولا شك أن
الأمين إذا تعدى فقد جاوز وصف الأمانة إلى الاتصاف بالخيانة.
وجب أي لزم وثبت، يقال: وجب البيع وجوبا إذا ثبت (6). ضامنا أي كفيل وزعيم وملتزم لرب الأمانة بغرم مثل أو قيمة ما أتلفه بسبب تعديه، يقال ضمنت الشيء أضمنه ضمانا، فأنا ضامن (7)، و ضمنته الشيء تضمينا، أي غرمته فالتزمه (8).
معنى القاعدة: يمكن أن يوجز معنى هذه القاعدة وما تدل عليه كما يلي: إن الأصل في كل أمين على شيء ما أن تكون يده يد حفظ ورعاية لأمانته، ولا ينقله عن هذا الأصل إلا التعدي الذي يخرج بسببه من وصف الأمانة إلى الاتصاف بالخيانة، فإذا خرج بذلك من صفة الأمانة كان ضامنا لما ضيعه من أمانته.
ولذلك قال الإمام ابن بركة في موضع آخر من "الجامع": "الضمان لا
(1)
أبو البقاء الكليات، ص 432. مادة خرج. (2) أبو البقاء، المصدر السابق، ص 176. مادة أمن. (3) الفيومي، المصباح المنير، ص 10 مادة أمن. (1) أبو البقاء، الكليات، ص 311. مادة عدا. (5) الجوهري، الصحاح، ج 6 ص 2421. مادة عدا. (6) الفيومي، المصباح المنير، ص 248. مادة وجب. ابن منظور، لسان العرب، ج 13 ص 257. مادة ضمن.
(V)
(8) أبو البقاء، الكليات، ص 575. مادة ضمن.
216 (1/216)
صفحة 216
غير
يجب إلا بالتعدي (1). أنه مما ينبغي التنبه له هنا هو أن التفريط والتقصير من الأمين في أمانته لاحقان بالتعدي في حكم التضمين إذا صدرا من الأمين في جنب ما أؤتمن عليه، ويمكن ملاحظة الفرق بينهما وبين التعدي بأن الأخير يكون محله على ذات الأمانة نفسها، كأن يتلفها، بينما هما يكون محلهما في الأسباب المتعلقة بالحفظ، كأن يشب حريق في الموضع الذي حفظ فيه
الأمانة، ثم يفرط الأمين، ويقصر في إخراجها مع قدرته على ذلك. دليل القاعدة: أورد الإمام ابن بركة من الأدلة على اعتبار هذه القاعدة ما
يلي:
أ قوله تعالى: (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس، ويبغون في الأرض بغير الحق) (2) الشورى [42].
ووجه الدلالة من الآية على اعتبار هذه القاعدة هو: أن الآية تقرر أن السبيل وهو المؤاخذة بالجناية (3) واقع على الذين يظلمون الناس حقوقهم، ويعيثون في الأرض بغيا وفسادا، ولما كان الأمين متعديا في أمانته بأي وجه من وجوه التعدي فهو ظالم وجان، والحكم الوارد في الآية شامل له، فيصح مؤاخذته بجنايته وتعديه.
ب- ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يحل مال
امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه (4).
ووجه الدلالة من هذا الحديث على القاعدة المذكورة هو: أن الأصل في كل أمانة صارت في يد الأمين إنما صارت إليه برضى ورغبة من مالكها بجعلها في حيازة أمينه، فتلفها من يد الأمين بغير تعد منه لا يكفي لأن
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 426.
(2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 427.
(3) الرازي، التفسير الكبير، ج 27 ص 156.
(4)
ابن بركة، الجامع، ج 2 426.
217 (1/217)
صفحة 217
يكون موجبا للحكم بالضمان عليه، لأن أملاك الأمين معصومة له، فلا يحكم بإخراج شيء منها إلا بموجب شرعي، أو بطيب نفس منه، ولا موجب هنا ما لم يتعد، ومفهوم هذا أنه إذا تعدى خرج بذلك من حد الوصف بالأمانة وصح تضمنيه لأجل تعديه.
وأما الدلالة على القاعدة من المعقول فهي أن الأمين نائب عن الأصيل فيما اؤتمن عليه، فكان الهلاك في يده بغير تقصير وتعد كالهلاك في يد الأصيل (1). ويمكن أن يضاف أيضا إلى هذا الدليل العقلي بأن الغالب في صور الأمانة أن يكون النفع فيها راجعا إلى رب الأمانة كصور الوديعة، ومال الوقف، فيجب ألا يلزم بالضمان إلا بالتعدي وما يأخذه القائم على أموال اليتامى، أو أموال الوقف من أجر، فذلك لأجل رعايته وقيامه بإصلاح ذلك المال، وتنميته بالطرق المشروعة من تجارة أو غيرها، فأخذه الأجر ليس على ائتمانه، وإنما لأمر زائد على ذلك، وهو ما سبقت الإشارة إليه. ولأن جعل مالك الشيء غيره أمينا على ما يملكه مناف للتهمة، إذ لو لم يرضه للقيام بموضوع الأمانة ولم يطمئن له لما ائتمنه على شيء من أملاكه، فينبغي استصحاب هذا الأصل حتى يثبت خلافه من وقوع التعدي أو التقصير أو التفريط الموجب للحكم بالضمان.
ويبدو لمن يمعن النظر في هذه القاعدة أنها تمثل الأمر الوسط في مراعاة كلا الجانبين جانب الأمين على الشيء وجانب المالك لموضوع
الأمانة.
فأما من حيث مراعاة جانب الأمين فهو أنه لو قيل بلزوم تضمين كل
أمين لما تلف في يده مطلقا ولو بغير تعد منه لوقع الناس في حرج وضيق ظاهرين، لأن هذا الحكم ينعدم عنده أو يندر كثير من التصرفات والعقود، إذ
(1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 357. الكاساني، البدائع، ج 6 ص 323.
218 (1/218)
صفحة 218
يندر في الناس من يقبل وديعة لغيره لئلا يتسبب في إشغال نمته بضمان ما تلف مما هي بريئة منه قبل قبوله الوديعة، ولعدم القابل للوكالة، والقائم على مال الوقف أو مال القاصرين إذا علم بتضمينه ما تلف عنده من أمانته ولو لم يتعد، لأن ما يأخذه من أجر وعناء قد لا يفي بما يلتزمه من الضمان عند تلف الأمانة، وليس من المصلحة لصاحب الشيء أن يبذل عناء وأجرا للأمين
يزيد عن قيمة الأمانة نفسها، فتنعدم عند ذلك هذه العقود وما شابهها. وأما من حيث مراعاة جانب مالك الشيء فهو أنه لو قيل بعدم تضمين المؤتمنين مطلقا، سواء حصل منهم التعدي والتقصير والتفريط أو لم يحصل لتسبب ذلك في ضياع وفوات كثير من الأموال والحقوق، فإن كثيرا من الأمناء قد يدفعه هذا الحكم إلى التهاون وعدم الأكتراث والمحافظة على
ما اؤتمن عليه. ولهذا كان مدلول هذه القاعدة بمثابة القاسم المشترك في رعاية وحفظ كلا الجانبين، فهي تنص على أن الأمين إذا خرج من حد الوصف بالأمانة كان ضامنا لما تلف في يده، وفي ذلك حفظ الحقوق مالك الشيء، ودلت بمفهومها على أن الأمين إن لم يخرج من الوصف بالأمانة فلا يكون ضامنا لما تلف في يده، وفي هذا حفظ ومراعاة لجانب الأمين.
وهذه القاعدة وقع ما يشبه الاتفاق بين فقهاء المذاهب الإسلامية على اعتبارها والأخذ بها، فقد نصوا على أن كل ما كان أمانة، فإن الأمين فيه لا يضمنه إذا تلف عنده إلا بالتعدي (1).
فروع القاعدة: ذكر الإمام ابن بركة من الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة مل
يلي:
(1) الأصم، عثمان، البصيرة، ج 2 ص 129. الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 34. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 246. الحصني، كفاية الأخبار، ص 387. ابن قدامة، المغني، ج 6 ص 267. شمس الدين، الروضة البهية، ص 252. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 219. ابن حزم، المحلي، ج 8 ص 277.
219 (1/219)
صفحة 219
1 - إذا أعطى رسولا له وديعة يدفعها إلى شخص معين، فدفعها إليه، ثم إن المودع أعاد الوديعة إلى الرسول بغير إذن صاحبها فتلفت فكلاهما ضامن، لأن الرسول لم يكن له أخذها بعد دفعها إلى المودع، والمودع ليس له دفعها إلى رسول من أودعه بغير وكالة أخرى (1). 2 - إذا اشترط رب المال على المضارب أن يتجر في ضرب معلوم من التجارة أو بلد معين، فقبل الشرط، ثم تاجر في نوع أو بلد غير ما حد له، فتلف شيء من مال المضاربة أو كله كان ضامنا لتعديه (2). وزاد غيره من الفقهاء ما يلى -1 - إذا أعطى من الكفارات التي أوصى المالك بإخراجها لمن ليس من أهلها عالما بذلك فهو ضامن لتعديه (3).
- إذا قصر الملتقط في حفظ لقطته بما هو العادة في حفظها فتلفت كلان ضامنا، لخروجه عن الأمانة بتقصيره (4).
3 - إذا استهلك المرتهن الرهن بغير إذن صاحبه كان متعديا وضامنا لما
استهلكه (ه).
- إذا قام المستعير بتأجير العارية بغير إذن صاحبها فتلفت كان
ضامنا (6).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 304. هكذا يرى الإمام ابن بركة، غير أن الظاهر في هذه المسألة أن مالك الأمانة يتبع بحقه المودع لأن التضييع جاء من قبله، وليس له سبيل على الرسول، والرسول أمين
(1)
(2)
للمودع فلا يتبعه بما ضاع من الأمانة إلا إذا تعدى، والله أعلم.
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 369.
الكندي، المصنف، ج 29 ص 144.
(4) القطب، النيل، ج 12 ص 254. (5) المرغيناني، الهداية، ج 4 ص 489. (1) الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 76.
220 (1/220)
صفحة 220
(1)
10
إذا تعدى الموكل بإقامة الحد، فجلد أكثر من العدد المقرر شرعا فمات المحدود كان متعديا وضامنا (1).
6 - إذا استأجر خبازا يخبز له، فأسرف في إيقاد النار، أو ألصق الخبز قبل وقته حتى احترق، فإنه يضمن ما تعدى فيه (2).
-
لو استأجر دابة للركوب، فجاوز بها المسافة التي حدها في عقد الإجارة، فتلفت الدابة كان ضامنا (3).
- إذا استأجر أرضا ليزرعها، فزرعها نوعا من الزرع ضرره على الأرض أكثر من ضرر النوع الذي حده في عقد الإجارة كان ضامنا
لتعديه (4). - إذا خالف الوكيل موكله فيما حد له، فاشترى غير ما أمر بشرائه، أو باع ما لم يؤذن له في بيعه، أو اشترى غير ما عين له، كان متعديا وضامنا لما تعدى فيه (9). 10 - إذا تعدى معلم الصبيان في ضرب الأطفال فوق الضرب المعتاد كان
ضامنا (6).
11 - إذا خلط المضارب مال المضاربة بغيره، أو دفعه إلى آخر ليضارب به، أو أقرضه آخر، كل ذلك بغير إذن رب المال، كان ضامنا لما
تعدى فيه (7).
الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 278.
(2) الحصني، كفاية الأخيار، ص 356.
(1)
(1)
(0)
عبد الوهاب، التلقين، ص 402.
عبد الوهاب، المصدر السابق، ص 2،4.
ابن قدامة، المغني، ج 4 ص 147.
(2) ابن قدامة، المصدر السابق، جه ص 320 - 321.
(2) شمس الدين الروضة البهية، ص 238.
221 (1/221)
صفحة 221
12 - إذا باع الوصي على اليتيم من المال فوق حاجته كان متعديا وضامنا
لما تعدى فيه (1).
13 - إذا تصرف أحد الشركاء في مال الشركة في غير ما جرى عليه الاتفاق بين الشركاء كان متعديا وضامنا (2).
14 - إذا أكره الإمام رجلا على صعود شجرة أو نزول في بئر لا يقدر عليه فمات، كان ضامنا لتعديه (3).
15 - إذا أدب الزوج زوجته متجاوزا حد التأديب المشروع ضمن ما جنى عليها بسبب تعديه (4).
16 - إذا تعدى المقتص في أخذ حقه من المقتص منه ضمن سراية القصاص لتعديه (5).
القاعدة الرابعة: اليد دليل الملك غير موجبة للملك " (1).
شرح ألفاظ القاعدة:
(1)
اليد: هي هي في أصل اللغة الجارحة المعبر عنها بالكف (7). وهي هنا بمعنى
الحوز والاستيلاء ونفاذ الأمر في الشيء، قال في اللسان: "ويقال:
اليد لفلان على فلان أي الأمر النافذ والقهر والغلبة" (8).
والظاهر أن تعبير الفقهاء باليد في باب الأحكام والقضاء في قولهم: "إن فلانا ذو يد في هذا الشيء" هو من باب المجاز المرسل، لأن اليد في إطلاق اللغة هي الجارحة - كما تقدم - فأطلقت هنا على الحوز
العنسي، التاج المذهب، ج 3 ص 469.
(2) الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 215.
(5)
(1)
(•)
(1)
الحلي، المصدر السابق، ص 263.
ابن حزم، المحلى، ج 11 ص 23.
ابن حزم، المصدر السابق، ج 11 ص 24.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 469.
(7) الفيروز آبادي القاموس المحيط، ص 1212. مادة يدي. (8) ابن منظور، لسان العرب، ج 10 ص 424. مادة يدي.
222 (1/222)
صفحة 222
هي
والاستيلاء ونفاذ التصرف في الشيء، والعلاقة الإنسان أن يحوز ما يملكه ويتصرف فيه بيده غالبا.
أن الأصل في
دليل أي علامة، إذ من معاني الدليل لغة العلامة، والمعنى هنا علامة
الملك (1).
الملك: هو اتصال شرعي بين الإنسان وبين شيء يكون مطلقا لتصرفه فيه، وحاجزا عن تصرف غيره فيه (2).
غير موجبة: أي غير قاطعة ومثبتة للملك، لأن أصل الإيجاب في اللغة هو الإثبات (3)، وكذا الوجوب أصله لغة الثبوت (4).
معنى القاعدة: يمكن تلخيص معنى هذه القاعدة بما يلي:
إن كل من حاز شيئا في يده، وتصرف فيه فيده وتصرفه ذلك دليل ملكه لذلك الشيء وولايته عليه من غير أن يقطع له بالملك على وجه لا يحتمل النقيض.
دليل القاعدة: لم يورد الإمام ابن بركة شيئا من الأدلة الشاهدة لهذه القاعدة
التي ذكرها.
غير أنه مما يمكن الاستشهاد به على اعتبار هذه القاعدة ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم - أن رجلا من كندة ورجلا من حضرموت جاءا إليه، فادعى الحضرمي أرضا في يد الكندي، فقال الكندي: هي أرضي في يدي أزرعها لا حق لك فيها، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للحضرمي،: "ألك بينة"؟ قال: لا، قال: "فليس لك إلا يمينه" ().
(1) أبو البقاء، الكليات، ص 439. مادة دلل.
(2)
الجرجاني، التعريفات، ص 295.
(1) أبو البقاء، الكليات، ص 218. مادة وجب.
(1)
(0)
الزبيدي، تاج العروس، ج 1 ص 500. مادة وجب.
) أخرجه مسلم كتاب الإيمان، ب (61)، رقم 139، ج 2 ص 521. أبو داود/كتاب الأقضية، رقم 3622،
ج 3 ص 311. البيهقي، كتاب الدعوى والبينات، ج 10 ص 255.
223 (1/223)
صفحة 223
ووجه الدلالة من الحديث على هذه القاعدة المذكورة ما يلي: أ- أما من حيث دلالته على صدر هذه القاعدة وهو قوله: "اليد دليل الملك فهي أن النبي صلى الله عليه وسلم - لما سمع جواب الكندي على دعوى الحضرمي بأن تلك الأرض موضع الدعوى هي في يده يزرعها، وينفي أي حق لذلك الحضرمي فيها، ولم يسمع من الحضرمي إنكارا لدعوى حيازة الكندي لتلك الأرض وزراعته لها جعل ذلك دليلا على ملك الكندي لتلك الأرض، وطالب الحضرمي بالبينة التي تشهد له بامتلاك الأرض دون الكندي وزوال يد الكندي
عنها.
ب وأما من حيث دلالته على عجز هذه القاعدة وهو قوله: "غير موجبة للملك فهي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لما علم بعجز الحضرمي عن إحضار البينة التي تشهد له بملكية تلك الأرض جعلى له على خصمه اليمين يحلف له إذا طلبها بأنه لا يعلم له شيئا من الحق الذي يدعيه في هذه الأرض، وهذا دليل على أن اليد على الشيء لا تكفي للقطع بملكية صاحب اليد على ذلك الشيء، إذ لو هذا لما شرع النبي - صلى الله عليه وسلم - اليمين على الكندي، بل لما أصغى أصلا إلى دعوى الحضرمي، لأنه يكون حينئذ مطالبا بإزالة ملك عن صاحبه مقطوع له به لثبوت يده عليه.
صح
وتتأيد هذه القاعدة أيضا - زيادة على ما تقدم بدليل الاستصحاب، وبيان ذلك هو أن حصول الشيء المتنازع فيه في يد أحد المتداعيين وقت قيام الدعوى دليل على إفادة تملكه له قبل قيام الدعوى فيستصحب الحاكم هذا الدليل، ويطالب المدعي بإحضار الناقل الراجح على هذا الدليل، وهو البينة
العادلة.
224 (1/224)
صفحة 224
ويبدو أن كون اليد دليلا على الملك غير موجبة له قبل البت في
الدعوى في الشيء المتنازع فيه إنما هو من حيث حكم الظاهر عند الحاكم، وأما في الباطن فقد تكون اليد موجبة للملك وليست دليلا عليه فحسب، وذلك نفي
إذا كان المدعى عليه الذي في يده الشيء المتنازع فيه محقا وصادقا في استحقاق المدعي للشي المتنازع فيه.
وأما بعد الحكم فهي موجبة للملك في الباطن لمن حكم له من المدعي
إن كان صادقا في دعوى استحقاق المدعى فيه أو المدعى عليه إن كان صادقا في نفي استحقاق المدعي للمدعى فيه.
وأما من حيث الظاهر بعد الحكم ففيه تفصيل: فإن كان المدعي استحق المدعى فيه من طريق الحكم بالبينة العادلة فيده بعد الحكم موجبة للملك في الظاهر عند الحاكم من حيث النظر إلى المدعى عليه المنتزع منه محل الدعوى، وليست دليلا للملك فحسب، وينبني على هذا أن الحاكم لا يسمع دعوى المدعى عليه سابقا ولا بينته في موضوع الدعوى السابقة لئلا يعود بالنقض على حكمه السابق، وقد يستثنى من ذلك ما لو ادعى انتقال محل الدعوى إليه بمعاملة جديدة جرت بعد الحكم السابق.
وإن كان المدعى عليه استحق المدعى فيه من طريق الحكم بيمينه بعد عجز المدعي عن إحضار بينته، فالمسألة على هذه الصورة لا تعدم خلافا بين الفقهاء ما بين قائل بأن يد المدعى عليه بعد الحكم موجبة للملك في المدعى فيه من حيث النظر إلى المدعي المحكوم عليه بعدم الاستحقاق لمحل الدعوى، فلا يسمع له الحاكم بينة جديدة في محل الدعوى سابقا، لئلا يعود على حكمه السابق بالنقض، وما بين قائل آخر من الفقهاء بأن يد المدعى عليه بعد الحكم دليل على الملك غير موجبة له، ويرتب على ذلك جواز سماع بينة جديدة من قبل المدعي في محل الدعوى سابقا.
225 (1/225)
صفحة 225
ويؤكد وقوع هذا الخلاف بين الفقهاء في هذه الصورة اختلافهم فى
جواز سماع البيئة من المدعي بعد تحليفه للمدعى عليه، فمما لا شك فيه أن القائلين بجواز سماع بيئة المدعي بعد تحليفه المدعى عليه يترتب على رأيهم هذا القول بأن يد المدعى عليه بعد يمينه تبقى دليلا على الملك غير موجبة له كما كانت قبل قيام الدعوى عليه، فيصح سماع البينة عليه من المدعي ولو بعد اليمين، إذ لو كانت يده موجبة للملك في المدعى فيه بيمينه في الظاهر عند الحاكم في مذهب هؤلاء لما صح سماع البينة بعد اليمين لأنها تؤول إلى نقض ما حكم القاضي به من إيجاب الملك ظاهرا للمدعى عليه بيمينه، كما يترتب بالمقابل على مذهب القائلين بعدم جواز سماع بينة المدعي بعد يمين المدعى عليه القول بأن يد المدعي عليه تكون موجبة للملك ظاهرا عند الحاكم، وليست دليلا عليه فقط، ولذلك فلا يسمع الحاكم بعد ذلك ما ينقض هذا الإيجاب في الظاهر.
وقد صرح الفقهاء بما يشبه الاتفاق منهم على الأخذ بهذه القاعدة والاعتبار لها والعمل بمدلولها من أن كل من حاز شيئا بيده فهو له، ويده عليه علامة على ملكه له، فلا يصح نقله عنه إلا بناقل راجح على هذه العلامة من بينة عادلة أو إقرار صحيح (1).
ويجدر قبل الأخذ في ذكر بعض الفروع الفقهية الداخلة تحت هذه القاعدة أن أشير إلى مسألتين لهما مساس قوي بهذه القاعدة وهما:
1 - حكم اختلاف اليد مع الظاهر
إذا توافق الظاهر
مع اليد كان صاحب اليد هو المدعى عليه
ومعنى الظاهر هنا هو ما جرت عليه العادة وألفه الناس، وذلك مثل
(1) انظر، الكندي، المصنف، ج 14 ص 53. الكاساني، البدائع، ج 6 ص 406. الغزالي، الوسيط، ج 7 ص 434. عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1569. ابن حزم المحلى، ج 9 ص 437. العنسي، التاج
المذهب، ج 4 ص 25. الحلي، شرائع الإسلام، ص 225.
226 (1/226)
صفحة 226
أن يختصم خياط ونجار في إبرة الخياطة وهي في يد الخياط، فإن الخياط في هذه الصورة يكون مدعى عليه لتقوي جانبه باليد لوجود إبرة الخياطة وقت التداعي في يده، وبالظاهر أيضا، لأن العادة قد جرت عند الناس إن إبرة الخياطة تكون من أدوات الخياطة لا النجارة.
لكن ما الحكم ما لو تخالف الظاهر مع اليد؟
ومن صور ذلك ما لو اختلف الزوجان في متاع البيت، فكان مما حازه الرجل شيئا جرت العادة فيه أنه من اختصاص النساء، أو حازت المرأة شيئا جرت العادة فيه أنه من اختصاص الرجال.
ففي هاتين الصورتين اختلف الظاهر مع اليد، لأن كل واحد من الزوجين مستول وواضع يده على ما جرت العادة ويشهد الظاهر باختصاص قرينه بذلك.
وهذه المسألة وقع الخلاف فيها بين الفقهاء في ترجيح أحد الأمرين من اليد أو الظاهر على الآخر، فذهب الإمام ابن بركة (1)، وهو مذهب الشافعية والزيدية والظاهرية، وهو رأي لبعض الإباضية وبعض الإمامية إلى أن اليد راجحة على الظاهر وما جرى به العرف، فكل منهما أولى بما في يده ولو لم يكن من اختصاصه فالقول قوله مع يمينه، وعلى الآخر البينة (2).
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 267، وقال هناك ما نصه: والنظر يوجب عندي أنهما مدعيان في سبيل يدعيانه سبيل ما يتداعاه الناس في الأملاك، ويدعي بعضهم على بعض، فمن كان في يده منهما
وفي قبضه، ودخل في حوزه، كان القول قوله فيه، ومن ادعى عليه دعوى ملك أو مشاركة كان عليه
البيئة".
(1) انظر، الماوردي، الحاوي الكبير، ج 21 ص 444. العنسي التاج المذهب، ج 4 ص 25. ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 424. الكندي، المصنف، ج 14 ص 300 - 301. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2
ص 229.
227 (1/227)
صفحة 227
(1)
ودليل هذا القول هو: أن كلا من الزوجين قد يدخل في ملكه من طريق الإرث أو الشراء ما يكون قد جرت العادة به أنه من
شيء
اختصاص الآخر، فإذا ثبت هذا صح أن كل من كان في يده شـ فهو أولى به من غيره (1).
وذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وهو الأشهر عند الإمامية وهو مذهب بعض الإباضية إلى ترجيح الظاهر على اليد، فيجعل كل منهما ذا يد فيما يختص به، ولو لم يكن في حوزته وقت الدعوى (2). 2 - حكم اليد مع البينة:
تعتبر اليد مرجحا ظاهرا للملك لا تقوى لأن تكون موجبة
للحكم بالشيء لمن كان في يده إلا بمرجح آخر.
وقد اتفق الفقهاء على أن اليمين مرجحة لليد للحكم لصاحب اليد (3). فلو أدعى شخص ملكية - عقار - -مثلا- على من هو في يده
وعدم
هذا المدعى البينة على دعواه، فإن المدعى عليه إذا حلف على
نفي دعوى المدعي في المدعى فيه صرف عنه القاضي دعوى خصمه فيه لأجل يمينه التي حلفها.
لكن اختلف الفقهاء في مسألة ترجح اليد بالبينة.
الشقصي، منهج الطالبين، ج 9 ص 202.
(2) انظر المرغيناني، الهداية، ج 3 ص 186. عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1575. المقدسي، العدة، ج 2 ص 232، الحلي، الجامع للشرائع، ص 526 - 527.
(2) انظر، الشقصي، منهج الطالبين، ج 9 ص 426. الحلبي، ابراهيم مجمع الأنهر، ج 2 ص 109. عبد الوهاب، التلقين، ص 544. ابن الملقن سراج الدين التذكرة، ص 170. البهوتي، الروض المربع ص 542. شمس الدين الروضة البهية، ص 315. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2، ص 212. ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 371.
228 (1/228)
صفحة 228
ومثال ذلك: ما لو ادعى رجل على آخر عقارا في يده، وأقام البيئة العادلة على دعواه، وجاء المدعى عليه الذي بيده العقار ببينة
عادلة تشهد بملكيته للعقار محل الدعوى، وتساوت بينتاهما.
فهل تعتبر هنا بينة الخارج وهو المدعي فيحكم له بالعقار
أو تعتبر بيئة الداخل وهو المدعى عليه لترجح هذه البينة باليد. فذهب الزيدية والظاهرية وهو مذهب جمهور الحنفية ومذهب بعض الإباضية وهو القول المشهور عند كل من الحنابلة والإمامية إلى تقديم بينة المدعي والحكم له بها واطراح بينة المدعى
عليه (1).
ودليل هذا القول ما يلي:
(Y)
1 - قوله - صلى الله عليه وسلم - "البينة على المدعى" ووجه الدلالة من هذا الحديث على ذلك هو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم - جعل البينة على المدعي، وذو اليد ليس بمدع فلا تكون البينة حجته، والدليل على أنه ليس بمدع هو أن حقيقة المدعي هو من يخبر عما في يد غيره لنفسه، والموصوف بهذه الصفة هو الخارج، لأن ذو اليد يخبر عما في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعيا فألحقت بينته بالعدم وبقيت بينة المدعي بلا معارض فوجب العمل بها (3).
(1) انظر، شمس الدين، الروضة البهية، ص 316. ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 436. الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 374. أبو غانم، المدونة الصغرى، ج 2 ص 114. ابن قدامة، للمغني، ج 9 ص 198. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 224.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأحكام، ب (35)، رقم 592، ج 2 ص 234، الترمذي، كتاب الأحكام، رقم 1314،
ج 3 ص 629.
(9) الكاساني، البدائع، ج 6 ص 354.
229 (1/229)
صفحة 229
2 - قوله - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: "بينتك أو يمينه، ليس لك غير ذلك (1).
ووجه الدلالة هو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- فصل محل البينة ومحل اليمين، والتفصيل قاطع للشركة، فيعتبر كل منهما في موضعه، ولا ينقل إلى غيره (2).
وذهب الشافعية والمالكية، وهو رأي عند الإباضية والحنابلة والإمامية، وهو مذهب زفر (3) من الحنفية إلى أنه يقضى ببينة من
كانت له اليد (4).
ودليل هذا القول ما يلي:
1 أن جانب المدعى عليه أقوى، لأن الأصل معه، ويمينه تقدم على يمين المدعي، فإذا تعارضت البينتان وجب إبقاء يده على ما فيها وتقديمه، كما لو لم تكن بينة لواحد منهما (). 2 - أن بينة المدعى عليه صارت راجحة باليد، فإذا تعارضت البينتان قدم ما كان له مرجح، فتقدم يد المدعى عليه لترجه
باليد (1).
فروع القاعدة من الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة ما يلي:
(1) أخرجه البخاري/ ج 8 ص 171.
(2) ابن حزم، المحلي، 9 ص 436. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 224. شمس الدين، الروضة البهية،
ص 317.
بالبصرة
(2) زفر زفر بن الهذيل بن قيس العنبري البصري، أحد فقهاء الحنفية، أصله من أصبهان، وأقام بـ وتولى قضاءها، وكان يغلب عليه الرأي والقياس مات عام ثمانية وخمسين ومائة للهجرة. أبو الوفاء، الجواهر المضية، ج 2 ص 207 - 209. الزركلي، الأعلام، ج 3 ص 45. (4) انظر الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 480 - 481. عبدالوهاب، المعونة، ج 3 ص 1570. الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 64. المقدسي، العدة، ج 2، ص 229. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 224.
ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 352.
(0) ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 199. (1) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 311.
230 (1/230)
صفحة 230
(1)
1 - لو تنازع خصمان في منزل، أحدهما ساكن فيه، فإن الساكن ذو يد في المنزل، وهي دليل ملكه
له (1).
2 - لو تنازع خصمان في دابة، لأحدهما حمل عليها، فصاحب الحمل على الدابة ذو يد فيها، وهي دليل ملكه
لها (2). - لو تنازع خصمان في أرض، لأحدهما فيها بناء وشجر، فصاحب البناء والشجر ذو يد فيها، وهي دليل ملكه
لها (3). 4 - لو تنازع خصمان في قميص أحدهما لابسه، فاللابس له نو يد فيه، وهي دليل ملكه له (4).
5 - لو تنازع خصمان في دابة، أحدهما راكب عليها، فالراكب ذو يد فيها، وهي دليل ملكه لها (5).
6 - لو تنازع خصمان في حائط بين ملكيهما، وكان متصلا ببناء أحدهما اتصال البنيان، فمن اتصل ببنائه كان ذا يد فيه، وهـ دليل ملكه له (6).
لو تنازع رجل وامرأته سلاحا، وهو في يد الرجل، فهو ذو يد فيه، وهي دليل ملكه له (7).
الشقصي، منهج الطالبين، ج 9 ص 234.
(2) الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 376.
(1) الشيرازي، التنبيه، ص 593. (4) المقدسي، العدة، ج 2 ص 232. ابن المرتضى البحر الزخار، ج 4 ص 393.
(•)
(1) الحلي، الجامع للشرائع، ص 534. (2) ابن حزم، المحلي، ج 9 ص 424.
231 (1/231)
صفحة 231
القاعدة الخامسة: الحد متى اعترضت فيه الشبهة سقط (1)
شرح ألفاظ القاعدة:
الحد:
هو في اللغة بمعنى المنع والحاجز بين شيئين (2) و اصطلاحـ عقوبة مقدرة وجبت حقا الله تعالى (3).
اعترض هو هنا بمعنى عرض وطرأ بعد أن لم يكن يقال: اعترض الرجل بفرسه في السباق، إذا دخل في بعض غاية السباق مع
الخيل (4).
الشبهة: هي في اللغة الضم بمعنى الالتباس، يقال: شبه عليه الأمر تشبيها، إذا لبس عليه فيه (9)، وعرفت بأنها: "ما يشبه الثابت، وليس بثابت (6).
سقط:
هو هنا بمعنى زال وعدم، يقال: سقط الرجل من الديوان، إذا وقع وزال وعدم اسمه من الديوان، وقد أسقط الفارض اسمه إذا أزاله وأعدمه (7).
معنى القاعدة: يمكن إيجاز معنى هذه القاعدة بما يلي:
إن حصول الشبهة في الفعل الموجب لاستحقاق إقامة الحد على فاعله
سبب كاف لإسقاط الحد عنه.
وهذه ميزة خص الشرع بها العقوبات المقررة في باب الحدود من بين سائر العقوبات، فهو تخفيف يناسب عظم عقوبة الحد وشدته، فإن الحدود
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 531.
(2) أبو البقاء، الكليات، ص 391. مادة حدد.
(3) الجرجاني، التعريفات، ص 113.
(4) الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص 581. مادة عرض.
(0) ابن منظور، لسان العرب، ج 13 ص 504. الفيروز آبادي القاموس المحيط، ص 1124. مادة شبه.
(1) أبو البقاء، الكليات، ص 539. مادة شبه.
(2) الزمخشري، عمر، أساس البلاغة، ص 301. الزبيدي، تاج العروس، ج 5 ص 157. مادة سقط.
232 (1/232)
صفحة 232
من أشد العقوبات المقررة شرعا، فناسب في مقابل ذلك أن يتشدد في البحث والتثبت والفحص عن عدم وجود ما يجعل الفعل الموجب للحد خاليا مـ معنى الإجرام والجناية، حتى تكون إقامة الحد مبنية على أمر واضح لا غبار عليه، فإن وجدت أثناء البحث والتقصي في ذلك شبهة يفهم منها أن فاعل ما يستوجب الخد قد أتى ذلك على صفة لا توجب حدا، فإنه يدرأ عنه الحد لأجل
ذلك.
ويمكن حصر موضع الشبهة في باب الحدود فيما يلي: أ- شبهة في الفاعل وذلك مثل أن يوقع ما يوجب الحد مجنون أو من في حكمه.
ب- شبهة في الفعل ذاته وذلك كمن يجد امرأة على فراشه فيواقعها على أنها زوجته، فإذا هي أجنبية منه.
ج - شبهة في محل الفعل وذلك مثل من يأخذ مال نفسه خفية من حرز على اعتقاد أنه مال لغيره.
دليل القاعدة: أورد الإمام ابن بركة دليلا وشاهدا لاعتبار هذه القاعدة ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أدرأوا الحدود بالشبهات ما استطعتم (1).
وقد ورد هذا الخبر عند غير الإمام ابن بركة بلفظ "أدرأوا الحدود
عن المسلمين ما استطعتم فإن وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (2).
ووجه الدلالة من هذا الخبر على اعتبار هذه القاعدة هو: أن الخبر
دال على الأمر بدرء الحدود وترك إقامتها متى وجدت شبهة تجعل موجب استحقاق الحد على فاعل ما يوجب الحد أمرا مشكوكا فيه، بل ورد فيه الحث
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 531. (2) انظر، السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 122. والحديث أخرجه الترمذي، كتاب الحدود، رقم 1324، ج 4 ص 33. ابن ماجة كتاب الحدود، ج 2 ص 850. البيهقي / كتاب الحدود، ج 8، ص 238.
233 (1/233)
صفحة 233
والدعوة إلى إيجاد المخرج لكل من واقع ما يوجب الحد ما وجد القائم بالأمر لذلك سبيلا معللا ذلك بأن الخطأ في العفو أفضل من الخطأ في العقوبة. وهذه القاعدة متفق عليها بين جمهور الفقهاء (1) خلافا للظاهرية (2) الذين يرون أن الحدود كما أنها لا يمكن أن تقام بالشبهات، فكذلك لا يمكن دروها بها، قال في المحلى وذهب أصحابنا إلى أن الحدود لا يحل أن تدرأ بشبهة ولا أن تقام بشبهة، وإنما هو الحق الله تعالى ولا مزيد، فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة ... وإذا ثبت الحد لم يحل أن يدرأ بشبهة لقول الله تعالى: (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (3) البقرة [229].
ومعول الظاهرية على ذلك هو: أن الأخبار الواردة بالأمر بدرء الحدود بالشبهات لم يثبت رفعها إلى النبي صلى الله عليه وسلم-، وإنما هي أخبار موقوفة على بعض الصحابة كعمر (4) وعائشة وابن مسعود (5) عنهم، وهي مع ذلك ضعيفة الإسناد، وما كان كذلك فلا يثبت به
الله
الحكم (1).
ومهما يكن، فإن الحدود بأجمعها زواجر عظيمة شديدة شرعت مقابل جرائم مخصوصة بشروط معروفة، فينبغي أخذ الحيطة والمزيد من التثبت قبل إقامتها حتى تكون إقامتها على بينة واضحة ظاهرة، فما ورد من احتجاج
(1) انظر، جامع البسيوي.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 11 ص 153.
(3) ابن حزم، المصدر السابق والصفحة.
(1)
(•)
عمر: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى القرشي العدوي، أبو حفص، أمير المؤمنين، أسلم بمكة في السنة السادسة بعد البعثة، ثم هاجر إلى المدينة، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وولي الخلافة بعد أبي بكر الصديق، وتوفي عام أربعة وعشرين للهجرة. / ابن الأثير، أسد الغابة، ج 4 ص 145 - 181. ابن حجر، الإصابة، ج 4 ص 484 - 486. ابن مسعود: عبد الله بن مسعود بن غافل، أبو عبد الرحمن الهذلي، حليف بني زهرة، كان سادس من أسلم بمكة، ثم هاجر إلى الحبشة ثم المدينة، وشهد بدرا وسائر المشاهد، وكان أحد علماء الصحابة، مات بالمدينة عام اثنين أو ثلاثة وثلاثين للهجرة، ابن الأثير، أسد الغابة، ج 3 ص 384. ابن حجر، الإصابة، ج 4 ص 198 - 201.
(6) ابن حزم المحلى، ج 1، ص 153 - 154.
234 (1/234)
صفحة 234
أهل الظاهر على عدم درء الحدود بالشبهات لعدم ثبوت تلك الآثار الواردة بذلك مدفوع بما يلي: أ- ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - في قصة ماعز وإقراره بالزنى من كثرة الفحص والبحث وترديد السؤال له عن أوصاف زناه وهيئته، حتى بلغ الأمر به صلى الله عليه وسلم- أن ترك الكناية في الكلام معه، وقابله بالصريح من الألفاظ التي كان- صلى الله عليه وسلم ينأى عنها في غير هذا الموطن لمقام نبوته وكمال أدبه الرفيع، مع أنه - صلى الله عليه وسلم- لم يعهد عنه كثرة البحث والتقصي وتوجيه الأسئلة للمقرين بما عليهم من الحقوق للمخلوقين أو الله تعالى من غير الحدود، بل كان يأمرهم بأدائها عقيب إقرارهم بها مباشرة. ب أن الحدود عقوبات لجنايات، ولا بد في الجناية من تحقق القصد الجنائي، وهو إتيان الفعل على جهة الإجرام والانتهاك، وما لم يكن الفعل جريمة لم يستوجب عقوبة، وبانتفاء الشبهات أو حصولها يتحقق كون الفعل جريمة أو لا. ج- أن ترديد ابن حزم الأمر في شأن الحدود بين أن لا تثبت ابتداء فلا يقام شيء منها لم يثبت، أو أن تثبت فلا مجال للقول بدرئها بعد ثبوتها هو ترديد وأمر مسلم به، لكن إنما يتيقن ثبوتها بعد صدور الإقرار الصحيح من الجاني أو قيام الشهادة العادلة مع دراسة ما يحيك بالواقعة من ملابسات وأحوال، ويدل على ذلك السنة الصحيحة الثابتة في واقعة إقرار ماعز بالزنا، فإن
ــها
النبي -صلى الله عليه وسلم - لم يقم الحد عليه بمجرد إقراره وهو طريق صحيح -للإثبات حتى وجه إليه عدة أسئلة للكشف عما يمكن أن يعلق بالقضية من لبس وهذا يدل على أن الشارع
235 (1/235)
صفحة 235
أوجب إقامة كل حد من الحدود المعروفة إذا وقعت على وصف معين حده الشرع وارتضاه، فلا بد من الوقوف على وقوع ذلك
الوصف وتحققه في كل جريمة من جرائم الحدود.
ومع هذا كله فإن مما ينبغي ملاحظته في هذا الباب أن الجمهور من الفقهاء- بناء على الأصل في درء الحد بالشبهة - قد أكثروا من توسيع دائرة الشبهات التي تدرأ بها الحدود حتى يخال للناظر أنه لا يمكن إقامة حد ما البتة، ومن أمثلة ذلك أنه يكفي بعد ثبوت إدانة السارق بالسرقة أن يدعي يد ليدرأ الحد عن نفسه أن المال المسروق هو ماله وملك له، فإذا قال ذلك درئ عنه الحد (1) إلى غير ذلك من الأمثلة الأخرى، والحق أن هذا توسع فاحش، فلا بد من دراسة الأوضاع المحيطة بكل جريمة والملابسة لها حتى يتحقق من قوة صحة الشبهة أو ضعفها، فكما أن للشرع مطلبا في ألا يوقع على أحد عقابا أو جزاء لا يستحقه، فإن له مقصدا في الضرب على يد من يستهتر بأحكامه ويرتكب محظوراته فلا ينبغي ترقيع أفعال المنتهكين بتوسيع دائرة الشبهات في باب الحدود.
فروع القاعدة: يندرج تحت هذه القاعدة فروع عديدة من شتى أبواب الحدود، وقد ذكر الإمام ابن بركة عددا من هذه الفروع أقتصر على سرد بعضها
وهي:
1 - إذا أخذت الزوجة من مال زوجها أو الزوج من مال زوجته فلا قطع
عليه (2).
2 - إذا أخذ مالا من بيت المال أو من الغنيمة لم يحد (3).
(1) انظر، السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 123، وسماه هناك باللص الظريف.
(2)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 473.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 474.
236 (1/236)
صفحة 236
-- إذا أخذ مالا من دار رجل له عليه حق وهو مماطل له، أو جاحد
لحقه، فلا حد عليه (1).
4 - إذا ارتد السكران في حال سكره فلا حد عليه (2). إذا وطئ أمة مشاعة بينه وبين شركائه فلا حد عليه (3).
18
6 - الزاني المكره على الزنا، أو المغلوب على عقله لا حد عليه (4). ومما ذكره غيره من الفقهاء من الفروع الداخلة تحت هذه القاعدة ما يلي: -1 - إذا أكره على الاعتراف بما يوجب الحد فلا حد عليه، لأن الإكراه على الإقرار شبهة قوية في إسقاط الحد ().
2 - إذا قذف رجل آخر مشتهرا بالزنا لم يحد (1). - لو وطئ جارية أبيه أو معتدة منه ثلاثا، وادعى ظن الحل لم يحد (). 4 - من وجد منه مجرد رائحة الخمر لم يحد (8).
-
ه إذ ادعى جهل تحريم الزنا، وكان قريب عهد بالإسلام لم يحد (1).
6 - إذا ترك الصلاة فاقد الطهورين متعمدا فلا حد عليه (10). إذا قذف كافرا أو عبدا أو صبيا أو صغيرا أو مجنونا أو خصيا لم
-
يحد (11).
(1) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 479. (2) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 502.
(1)
(4)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 522.
ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 531. أي لا يحد حد الردة ويحد للسكر.
(5) الاصم، عثمان، البصيرة، ج 2 ص 158.
(1) السالمي، جوهر النظام، ج 3 ص 216. (2) الموصلي، الاختيار، ج 4 ص 336 - 337. (8) الحلبي، ملتقى الأنهر، ج 1 ص 339. (1) الشيرازي، التنبيه، ص 560. (10) السيوطي، الأشباه والنظائر، ص 123.
(11) ابن عبد البر، الكافي، ص 576.
237 (1/237)
صفحة 237
(1)
(1)
إذا جحد المستعير العارية، ثم تبينت عنده لم يحد (1).
9 - إذا أخذ الأب من مال ولده فلا حد عليه (2).
10 - لو قال لآخر: زنت يدك أو رجلك، وفسره بغير القذف لم يحد (3).
11 - إذا رجع المقر بالحد عن إقراره لم يحد (4).
12 - إذا سرق العبد من مال سيده لم يحد (ه).
13 - إذا شرب خمرا، وهو يظن أنه ليس بخمر لم يحد (1).
عبد الوهاب، التلقين، ص 512.
()
ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 191.
البهوتي، الروض المربع، ص 109. (1) العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 221. (5) شمس الدين الروض البهية، ص 359. (1) الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 252.
238 (1/238)
صفحة 238
المبحث الخامس: عرض نماذج من الضوابط الفقهية الواردة في كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة مقارنة بآراء فقهاء المذاهب الإسلامية.
الضابط الأول: ومما يقع في الماء، فيموت فيه، مما ليس له دم سائل .. فليس
بمفسد للماء (1).
شرح الضابط:
تنقسم الميتة إلى نوعين أساسيين هما:
أ- ميتة بحرية.
ب- ميتة برية.
وتنقسم الميتة البرية إلى:
أ- ميتة لها نفس سائلة، مجتمع فيها اللحم والدم والعظم كميتة الإنسان
والحيوان، ويعبر عنها الفقهاء بميتة ذوات الدم.
ب- ميتة ليس لها نفس سائلة، كالذباب ونحوه، ويعبر الفقهاء عن هذا القسم بميتة غير ذوات الدم (2).
وقد أورد الإمام ابن بركة هذا الضابط ليدلل على أحد الأحكام المتعلقة بالنوع الثاني من أنواع الميتة البرية، وهو الحيوانات الميتة من غير ذوات الدم، وهذا الحكم هو أن هذا النوع من الحيوانات التي ليس لها دم سائل (النفس) إذا وقع في ماء طاهر، ثم مات فيه، فإنه لا يقوى على تنجيس وإفساد الماء الواق فيه، بل يبقى هذا الماء طاهرا كما كان قبل وقوع هذه الحيوانات وموتها فيه. دليل الضابط: أورد الإمام ابن بركة دليلا لهذا الضابط ما روي عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه (3).
(1)
ابن بركة الجامع، ج 1 ص 411. (2) الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1 ص 139.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الزكاة والصدقة، ب (63)، رقم 371، ج 1 ص 148 البخاري كتاب الطب، ج 10 ص 205 - 206. أبو داود كتاب الأطعمة، رقم 2844، ج 3 ص 364.
239 (1/239)
صفحة 239
ووجه الدلالة من الحديث على الضابط المذكور عنده مأخوذ من إشارة
هذا الحديث، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بمقل الذباب وهو غمسه في الإناء، فهذا ما يدل عليه منطوق الحديث وعبارته، ودل بإشارته على أن الذباب طاهر لأنه لا بد وأن بعضا منه يحدث فيه الموت عند مقله، فلو كان نجسا وينجس ما في الإناء بملاقاته لكان الأمر بمقله أمرا بإفساد ما يقع عليه في الإناء من طعام أو ماء، وهو - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بالفساد، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه حكم بإفساد طعام مات فيه ذباب، فدل هذا على طهارته وطهارة ما أشبهه (1).
وهذا الذي ذهب إليه الإمام ابن بركة أخذا بإشارة هذا الحديث هو ما دل
عليه منطوق ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لسلمان الفارس رضي الله عنه (2) - يا سلمان أيما طعام أو شراب ماتت فيه دابة، ليست لها نفس سائلة، فهو الحلال أكله وشربه ووضوؤه (3).
وأما دليل الضابط من حيث المعنى فهو أن الحكم بنجاسة ما ليس له نفس سائلة يوقع الناس في الحرج والمشقة، لأنه يتعذر صون الأواني عنه فأشبه موت الدودة المتولدة عن الخل فيه، وقد وقع الاتفاق على جواز أكلها (4). وهذا الضابط اتفق عليه جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والزيدية
والمالكية والحنابلة، والإمامية، وهو قول الشافعي في القديم.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 411.
(")
سلمان: أبو عبد الله أحد الصحابة، أصله من، فارس، أسلم بالمدينة، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وولي المدائن، وكان عالما زاهدا متقشفا، مات بالمدائن عام خمسة وقيل ستة وثلاثين للهجرة. ابن عبد البر،
الاستيعاب، ج 2 ص 634، 638. ابن حجر، الإصابة، ج 3 ص 118 - 120.
(3) أخرجه الدارقطني / كتاب الطهارة، ج 1 ص 37. البيهقي / كتاب الطهارة، ج 1 ص 253.
(4) الكاساني، البدائع، ج 1 ص 94. عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 179. الشقصي، منهج الطالبين، ج 3 ص 145. الحصني، كفاية الاخيار، ص 87.
240 (1/240)
صفحة 240
ومن عباراتهم الواردة بمعناه ما يلي:
أ وكل ميتة نجسة ... إلا ما لا نفس له سائلة (1).
ب موت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه (2).
ج والحيوانات على أربعة أقسام: الأول طاهر مطلقا، وهو ما لا دم له
سائل (3).
د ما لا نفس له سائلة، إذا مات في الماء لم ينجسه (4). هـ - "إذا مات في الماء اليسير ما ليس له نفس سائلة، ... فلا ينجسه" (). و - ينجس الماء بموت الحيوان ذي النفس السائلة، دون مالا نفس له" (6) ز - مالا نفس له سائلة، إذا وقع في الإناء، ومات فيه فإنه لا ينجسه (7). وخالف في مدلول هذا الضابط ابن حزم (8)، وهو قول الشافعي في الجديد (1). فقد ذهبا إلى القول بتنجيس كل ما كان في إناء وقعت فيه دابة، ثم ماتت فيه، سواء كانت من ذوات الدم أو من غير ذوات الدم كما عليه تنويع جمهور
الفقهاء.
(1) أبو اسحاق، مختصر الخصال، ص 41.
(2) المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 20
(3) عماد الدين البيان الشافي، ج 1 ص 44.
(4)
(•) (1)
عبد الوهاب، المعونة، ج 1 ص 179.
ابن قدامة، المغني، ج 1 ص 57. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 25.
(1) الحصني، كفاية الاخيار، ص 86. (1) ابن حزم، المحلي، ج 1 ص 148. (1) الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 392.
241 (1/241)
صفحة 241
ومن حجج أصحاب هذا القول ما يلي:
أ- أن هذا التنويع للحيوان بين ما له نفس سائلة، وما ليس له نفس سائلة، تنويع غير صحيح، لأن من المتفق عليه أن كل ميتة فهي حرام، والذباب ونحوه ميتة فهو حرام ونجس (1).
ب- أن جعل العلة في القياس على الذباب الذي ورد الحديث بمقله هي كون هذا الذباب مما ليس له دم سائل هو أمر باطل، لأن الذباب يدرك بالعيان
أن له دما، وعلى تقدير أن ليس له دم سائل، فإن جعل العلة للحكـ بنجاسته، ونجاسة ما شابهه هي كونه ميتة أظهر من جعلها كونه ليس بذي دم سائل، لأن الله تعالى كما حرم الدم حرم الميتة، فليس جعل الدم علة للنجاسة ونفيها عن كل حيوان تخلفت عنه تلك العلة كالذباب ونحوه بأولى من جعل العلة للنجاسة في كونه ميتة، فيكون الذباب ونحوه نجسا لتحقق علة النجاسة فيه، وهي كونه ميتة (2).
ج- أن ميتة الذباب ونحوه نجاسة حلت ماء قليلا فينجس قياسا على سائر الأنجاس (3).
-
د أن الاحتراز من الذباب ونحوه ممكن بتخمير الإناء، ولذلك روي عر أبي هريرة أنه قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بتغطية الوضوء، وإيكاء السقاء، وإكفاء الإناء" (4).
ووجه الدلالة من الحديث على ذلك هو: أن أمره صلى الله عليه وسلم بإكفاء الإناء وهو تغطيته، إنما كان لأجل حفظ الماء من وقوع ما يتنجس به
(1) ابن حزم المحلى، ج 1 ص 148.
(2) ابن حزم، المصدر السابق، ص 148، 149.
(3) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 1 ص 392.
(1) أخرجه مسلم كتاب الأشربة ب (12)، رقم 96، ج 13 ص 194. الترمذي / كتاب الأطعمة، رقم 1812، ج 4 ص 231 - 232. ابن ماجة كتاب الأشربة، رقم 3411، ج 2 ص 1129.
242 (1/242)
صفحة 242
و غالب ما يقع في الماء هو الذباب والحشرات، فدل هذا على أن الذباب ونـ موجب لتنجيس ما مات فيه (1).
وذهب بعض الشافعية إلى التفريق بين ما تعم به البلوى كالذباب ونحوه
فلا ينجس الماء بموته فيه، وبين مالا تعم به البلوى كالعقارب ونحوها فإنها تنجس الماء إذا ماتت فيه.
وحجتهم أن محل النص الوارد بالمقل هو الذباب خاصة، وفيه معنيان مشقة الاحتراز، وعدم الدم السائل، وهي علة مركبة، فإذا فقد أحد جزأيها انعدمت العلة، لأن العلة المركبة تنعدم بانعدام أحد جزأيها، وفي العقارب ونحوها فقد معنى مشقة الاحتراز لإمكان التحرز عنها، فتنجس الماء إذا وقعت
فيه (2).
فروع الضابط: ذكر الإمام ابن بركة ومن قال بمثل قوله باعتبار هذا الضابط من جمهور الفقهاء فروعا عدة تدخل تحت هذا الضابط.
فمما أورده الإمام ابن بركة ما يلي:
أ- الذباب إذا وقع في الإناء لم ينجس ما فيه (3). ب- العقارب إذا وقعت في الإناء لم تنجس ما فيه (4). ج- النحل إذا وقع في الإناء لم ينجس ما فيه (9).
وزاد غيره ما يلي: أ- الذر إذا وقع في الإناء، ومات فيه، فلا ينجس ما فيه (6). ب- الزنبور إذا وقع في الإناء، ومات فيه، فلا ينجس ما فيه (2).
(1) الماوردي، الحاوي الكبير، ج 1 ص 392.
(1)
(2)
(1)
الحصني، كفاية الأخيار، ص 87.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 411.
ابن بركة، المصدر السابق و الصفحة.
(9) ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة.
(1)
الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 1 ص 139.
(2) المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 20.
243 (1/243)
صفحة 243
ج الصرار إذا وقع في الإناء، ومات فيه، فلا ينجس ما فيه (1). د البعوض إذا وقع في الإناء، ومات فيه، فلا ينجس ما فيه (2). هـ - الخنفساء إذا وقع في الإناء، ومات فيه، فلا ينجس ما فيه (3).
الضابط الثاني: كل خروج لمعتكف لما لا بد له منه لا يفسد اعتكافه وكل خروج هو مخير فيه يفسد اعتكافه" (4).
شرح ألفاظ الضابط:
كل خروج لمعتكف الخروج المقصود هنا هو الخروج من المسجد الذي جعله المعتكف محلا لاعتكافه.
والمعتكف هو فاعل الاعتكاف، وهو الاحتباس والإقامة في المسجد بنية التقرب إلى الله تعالى، مأخوذ من عكف يعكف عكفا إذا أقام بالمكان ()،
وقال تعالى: (يعكفون على أصنام لهم) (1) الأعراف [138]. لما لا بد منه بد فعل من التبديد، وهو التفريق (7)، فمعنى لا بد أي لا فراق ولا محالة (8)، يقال، لا بد من كذا أي لا محيد عنه (1)، والمعنى هنا كل
خروج لا يجد المعتكف محيدا ولا مناصا من إتيانه.
244
عبد الوهاب، المعونة، ج 1 ص 179.
الحصني، كفاية الأخيار، ص 87.
ابن قدامة، المغنى، ج 1 ص 57.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 41.
(1)
(1)
(د)
(4)
(0)
ابن دريد، الجمهرة ج 2 ص 937. مادة عكف.
(1) الجوهري، الصحاح، ج 4 ص 1406. مادة عكف.
(7) أبو البقاء الكليات، ص 971. مادة بدد. (1) الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 242. مادة بدد (1) الفيومي، المصباح المنير، ص 15. مادة بدد. (1/244)
صفحة 244
مخير أي مختار غير مضطر، ليقابل "ما لا بد منه لا بمعنى أنه مخير فيه بين فعله وتركه، لأن التخيير في أصل اللغة هو ترديد الأمر بين شيئين،
ولا يجوز الجمع بينهما، كقولك: "تزوج زينب أو أختها (1). يفسد اعتكافه: أي يبطله، ويجعله عدما، لأن الفساد لغة هو زوال الصورة من المادة، بعد أن كانت حاصلة (3)، والمعنى هنا أن الخروج غير
الضروري يبطل الاعتكاف، ويجعله عدما لزوال صورته، وهي الإقامة واللبث في محل الاعتكاف.
معنى الضابط الاعتكاف واحد من العبادات البدنية المسنونة التي ينبغي ويسن للمسلم القيام بها لتطهير نفسه مما يمكن أن يعلق بها من أدران المعاصي والذنوب بسبب الاختلاط ببني جنسه الذي لا يجد بدا منه.
فالاعتكاف عزلة قصيرة عن الخلق، يعيش الإنسان فيها مع نفسه
ويتفرغ لمناجاة ربه، والإقبال على ذلك بجميع جوارحه، مشتغلا بالذكر وتعظيم ربه، فيخرج من هذه المدرسة الروحية، وقد هذب نفسه وصقلها وعودها ملازمة الطاعة واجتناب المعصية.
ومما يبين ويظهر أهمية هذه العبادة وفضلها حرص النبي -صلـ عليه وسلم على فعلها، فقد صح أنه كان يداوم على الاعتكاف في العشر الأواخر من شهر رمضان، يلتمس فيها ليلة القدر (3).
الله
والحكمة من مشروعية الاعتكاف هي التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة، وحبس النفس عن الشهوات، وكفها عن الخوض
فيما لا ينبغي (4).
(1) أبو البقاء الكليات، ص 32. مادة خير.
(2) الجرجاني، التعريفات، ص 214.
() أخرجه البخاري كتاب الصوم، ج 4 ص 219. مسلم كتاب الاعتكاف، ج 8 ص 315. أبو داود/كتاب الصوم،
رقم 2462، ج 2 ص 344.
(4) القطب، شرح النيل، ج 3 ص 441.
245 (1/245)
صفحة 245
ولأجل هذا كانت ملازمة المسجد والاحتباس فيه أثناء تأدية هذه العبادة شرطا من شروطها، فمنع المعتكف من الخروج من المسجد أثناء اعتكافه، لأن انتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط (1).
غير أن هناك حالات معينة قد تعرض للإنسان أثناء اعتكافه يرغب في
القيام بها، وتحصيلها، ولا يمكنه فعل ذلك إلا في خارج المسجد. وهذا الضابط - الذي بين أيدينا أورده الإمام ابن بركة لبيان الحالات التي يجوز للمعتكف أن يترك اعتكافه ويخرج لمباشرتها خارج المسجد، والحالات التي لا يجوز له أن يترك اعتكافه لأجل الخروج لمباشرتها خارج المسجد، فهو يقرر فيه أن كل حالة لا يجد المعتكف بدا من مباشرتها خارج مسجد اعتكافه فجائز له الخروج لذلك، وكل حالة يجد سعة وغنى عنها فلا يجوز له الخروج لمباشرتها.
دليل الضابط لم يورد الإمام ابن بركة لهذا الضابط دليلا نصيا عليه. غير أن من أظهر ما يدل على اعتبار هذا الضابط هو ما روي عن عائشة. رضي الله عنها - أنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إذا اعتكف يدني إلي رأسه، فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان" (2). وما روي عنها أنها قالت: "السنة" للمعتكف أن لا يخرج إلا لما لا بد له
منه (3).
رضي
ووجه الدلالة على اعتبار هذا الضابط من الخبر الأول هو: أن عائشة الله عنها - بينت في قولها: "وكان لا يدخل البيت ... الخ" أن النبي- صلى
(1) الصنعاني، منحة الغفار، ج 1 ص 476.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الصلاة ووجوبها، ب (44)، رقم 265، ج 1 ص 110. البخاري / كتاب الصوم، ج 4
ص 220.
(3) أخرجه أبو داود كتاب الصوم، رقم 2473، ج 2 ص 347. الدارقطني / كتاب الصوم، رقم 11، ج 2
ص 201.
246 (1/246)
صفحة 246
الله عليه وسلم - لم يكن يترك معتكفه، ويخرج منه إلا لما لا بد منه، وهو قضاء
حاجة الإنسان من بول أو غائط، وما في حكمهما.
رضي
ووجه الدلالة من الخبر الثاني على اعتبار هذا الضابط هو: أن عائشة الله عنها- أعطت حكما عاما لجواز خروج المعتكف من معتكفه، وهو الخروج لما لا بد له منه، ونسبته إلى السنة، ولفظ "السنة" في كلام الصحابي - لا سيما عائشة - ينصرف إلى سنة النبي - صلى الله عليه وسلم، ولهذا تكون السنة في المعتكف ألا يخرج إلا لما لا بد له منه.
وهذا الضابط وقع عليه الاتفاق بين فقهاء المذاهب الإسلامية، ومن
عباراتهم المرادفة له في معناه ما يلي:
1 - و المعتكف يخرج لحاجته التي لا بد له منها (1).
2 - لو خرج من المسجد ساعة بغير عذر فسد اعتكافه (2). 3 - "لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا لحاجة الإنسان، أو ما هو في معناها مما تدعو إليه الضرورة (3).
-
10
- "لا يجوز للمعتكف أن يخرج من المسجد لغير عذر (). ه "لا يخرج المعتكف من معتكفه إلا لما لا بد له منه (5). 6 - "يجوز الخروج للأمور الضرورية (6).
7 - لا يخرج أي المعتكف - إلا لحاجة ().
(1)
الكندي،
المصنف، ج 9 ص 13.
(2) المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 143.
(1)
(4) (0)
ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 317.
الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 192.
البهوتي، الروض المربع، ص 201.
(6) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 110. (2) شمس الدين، الروضة البهية، ص 112.
247 (1/247)
صفحة 247
كل فرض على المسلم فإن الاعتكاف لا يمنع منه، وعليه أن يخرج
إليه (1).
ومع أن الإمام ابن بركة لم يورد شيئا من الأمثلة التي تدخل تحت هذا الضابط عنده حتى يمكن الوقوف على الحالات التي تعد عنده داخلة تحت عبارة: "ما لابد منه" الواردة في هذا الضابط، والتي يباح للمعتكف الخروج ويعود بعدها إلى البناء على ما تقدم من اعتكافه، والوقوف أيضا على الحالات التي تعد عنده داخلة تحت عبارة هو مخير فيه، فإذا خرج المعتكف
عندها،
لأجلها فسد اعتكافه.
غير
أنه مما يمكن فهمه من لفظ "ما لا بد له منه" الوارد في الضابط هو أن مراد الإمام ابن بركة بقوله: "مما لا بد له منه" هي الحالات التي تدفع المعتكف إلى فعلها ضرورة ملجئة، أو يجد في ترك مباشرتها مشقة وعسرا ظاهرين، أو ينتج عن تركها تضييع الواجب متعين عليه خارج معتكفه.
كما أنه يمكن أن يفهم بالمقابل أن مراد الإمام ابن بركة من عبارة: "هو مخير فيه هو ما كان خارجا عن الأنواع الثلاثة السابقة الداخلة تحت عبارة "مل لا بد له منه".
والذي يقوي هذا أن الشماخي (2) من فقهاء المذهب الإباضي أورد في كتابه "الإيضاح ضابطا قريبا جدا من ضابط الإمام ابن -بركه إن لم يكن عينه وضرب أمثلة تدخل تحت عبارة لما لا بد له منه (3)، وهي أمثلة لا تخرج عن
(1) ابن حزم، المحلى، جه ص 188.
(2) الشماخي: أبو ساكن عامر بن علي بن عامر الشماخي اليفرني، عالم من علماء الإباضية بجبل نفوسه بليبيا، درس على يد شيخه أبي عيسى الطرميسي، اشتغل بالتدريس والدعوة، وبنى بعض المدارس العلمية في بلاد المغرب، وأخذ عنه كثيرون منهم ابنه، موسي و حفيده، سليمان، وأبو يعقوب بن مصباح، وأبو القاسم البرادي، وغيرهم، له مؤلفات عديدة أشهرها كتاب الإيضاح. انظر معمر، الإباضية في موكب التاريخ،
الحلقة الثانية، ص 113 - 119.
(2) الشماخي الايضاح، ج 3، ص 222
248 (1/248)
صفحة 248
كون المعتكف يأتيها إما لضرورة ملجئة، أو يكون في تركها عسر ومشقة ظاهرة، أو ينتج عن تركها تضييع لفرض متعين عليه خارج معتكفه، وعلى هذا فتبقى الصور الخارجة عن واحد من هذه الأنواع داخلة تحت عبارة: "هو مخير فيه (1).
والداعي إلى توضيح هذا كله هو أن الفقهاء على اختلاف مذاهبهم الفقهية- قد اتفقوا على أن المعتكف لا يجوز له الخروج من معتكفه إلا لعذر أو حاجة كما يتبين ذلك من خلال الضوابط المنقولة عنهم آنفا، إلا أنهم مع هذا الاتفاق تباينت آراؤهم في تحديد هذا العذر وتلك الحاجة التي يمكن للمعتكف أن يخرج لأجلها من معتكفه من غير أن يتسبب هذا الخروج في إفساد اعتكافه عليه، فصاروا بين موسع في هذا التحديد، وبين مضيق فيه.
وأكثر المذهب توسعا في هذا الباب مذهب الزيدية والظاهرية والإمامية وهو رأي لبعض الإباضية وبعض الشافعية وبعض الحنابلة، فقد أجاز هؤلاء للمعتكف الخروج من معتكفه لأداء واجب كفائي يوجد من يقوم به سواه كصلاة جنازة، أو مندوب كعيادة مريض، أو مباح كالذهاب للأكل في البيت (2).
بينما ذهب جمهور العلماء من الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى تضييق مجالات الخروج للمعتكف من المسجد، فقصروه على ما كان لحاجة، ضرورية، أو لضرورة ملجئة، أو لأداء واجب متعين (3).
(1) يؤكد ما ذكر أعلاه أن صاحب الإيضاح صدر الكلام عن هذه المسألة بالنقل عما في آثار المذهب وصححه، ثم قابله بما يوجد عند بعض غير أهل المذهب من أن المعتكف يجوز له الخروج لغير الحالات المذكورة أعلاه، وهذا يؤخذ منه أن معتمد المذهب هو جواز الخروج لهذه الحالات فحسب، فيكون مراد ابن بركة من قوله ما لا بد له منه هذه الحالات المذكورة. انظر، شمس الدين الروضة البهية، ص 112. ابن حزم، المحلى، ج 5 ص 188 - 191. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 110. الشقصي، منهج الطالبين، ج 6 ص 207. النووي، المجموع، ج 2 ص 531 - 533. ابن قدامة، المغني، ج 3 ص 137 - 138.
(2)
(1) انظر، أبو اسحاق، مختصر الخصال، ص 123 - 124. الميداني، اللباب، ج 1 ص 163. ابن جزي، القوانين، ص 85. الشيرازي، التنبيه، ص 112 - 115. البهوتي، الروض المربع، ص 201.
249 (1/249)
صفحة 249
ويعود اختلاف الفقهاء في هذه المسألة إلى اختلافهم في فهم معنى الاعتكاف. فقد ذهب فريق من العلماء إلى أن معنى الاعتكاف هو حبس النفس على الأعمال المختصة بالمساجد، بينما ذهب فريق آخر إلى أن معنى الاعتكاف أشمل من المعنى السابق وأعم منه، فهو يشمل عندهم الأعمال المختصة بالمساجد وسائر القربات الأخروية، فهو عندهم حبس النفس على القرب الأخروية (1).
فمن ذهب منهم إلى المعنى الأول لم يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لأداء واجب كفائي أو مندوب أو مباح، لأنه في عبادة تقتضي إقامته ولبثه في المسجد، فالخروج منه مناف لذلك، إذ لا بقاء لهيئة هذه العبادة مع الخروج والتردد بين المسجد وغيره. وإنما أجازوا له الخروج لما هو ضرورة ملجئة كقضاء حاجته وما يشبهها في الضرورة كأداء الواجبات، لأن هذه الأمور من ضرورات الاعتكاف ووسائله، وما كان من وسائل الشيء كان حكمه حكم ذلك الشـ الشيء، فكان المعتكف في حال خروجه من المسـ جد لهذه الحاجة كأنه في
المسجد (2).
ومن ذهب إلى المعنى الثاني فحجته في تجويز الخروج للمعتكف لما لابد منه حجة الفريق الأول، وأما حجته لتجويز الخروج لسائر القرب الأخروية غير الضرورية فهي من طريق النقل لما روي عنه- صلى الله عليه وسلم- من خروجه لتشييع زوجته أم المؤمنين صفية بنت حيي -رضي الله عنها- (2) -
(ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 312 - 313. الجيطالي، قواعد الإسلام، ج 2 ص 118. (2) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 171. (2) صفية: هي صفية بنت حيي بن أخطب أم المؤمنين، من سبط هارون بن عمران عليه السلام، كانت تحت سلام بن مشكم اليهودي، فمات عنها، وخلف عليها كنانة بن أبي الحقيق فقتل بخيبر، فصارت من سبي خيبر، فاصطفاها النبي - صلى الله عليه وسلم - لنفسه، وأعتقها، وتزوجها، وكانت حليمة عاقلة فاضلة، توفيت عام خمسين للهجرة. / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 4 ص 1871 - 1872. ابن حجر، الإصابة، ج 8
ص 210 - 212.
250 (1/250)
صفحة 250
إلى بيتها، بعد أن زارته في اعتكافه، وقاسوا ما عداه عليه (1). كما احتجوا أيضا بأن الأوامر والعمومات الواردة في الحث على عيادة
المريض وتشييع الجنازة الخ على عمومها، ولم تفصل بين معتكف وغيره،
...
والأصل الإباحة حتى يثبت الحظر (2).
والمتبادر أن مذهب القائلين بتضييق مجال الخروج للمعتكف من المسجد إلا لما لا بد له منه وهم جمهور الفقهاء- أقرب إلى القوة وصحة النظر، لأن الاعتكاف إنما شرع ليتخلى المعتكف فيه عن الدنيا ومتاعها، ولصقل النفس وتخليصها من شوائب اللذات الدنيوية، وهذا لا يكون إلا بالابتعاد قدر الإمكان عن العلائق والعوائق المانعة من ذلك، والإقبال على كثرة الأذكار ومداومة العبادة، فلو أبيح للمعتكف الخروج لكل ما هو مباح، فلا يسمع بجنازة أو مريض او مسافر راجع أو وليمة الخ، إلا هرع إلى ذلك لفاتت الحكمة المقصودة من الاعتكاف، وما احتج به الموسعون من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم- في تشييعه وهو معتكف-صفيه - رضي الله عنها - إلى بيتها، فقد أجيب عنه بـ: أ - إن ظاهر ذلك الفعل منه - صلى الله عليه وسلم- داخل تحت الأمور الضرورية التي لا بد له من فعلها، لأن صفية - رضي الله عنها - جاءته ليلا تزوره في معتكفه، وكان بيتها شاسعا عن المسجد، فقام معها ليوصلها إلى بيتها.
...
ب- إن هذا، فعل، والفعل لا ظاهر له، فلا يكفي دليلا لذلك (3).
(1) ابن حزم، المحلى، ج 5 ص 191. الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 477. وحديث صفية أخرجه البخاري/ كتاب الصوم، ج 4 ص 227. أبو داود كتاب الصوم، رقم 2470، ج 2 ص 346.
(2) الطوسي، أبو جعفر، الخلاف، ج 2 ص 235.
(2) الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 477. (1/251)
صفحة 251
وأما الرد على الاستدلال بالعمومات الواردة في الحث على عيادة المريض وشهود الجنازة غير المفصلة بين المعتكف وغيره، فهو أن هذه العمومات مخصصة بما ورد عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان". فأخبرت أنه عليه الصلاة والسلام كان يترك دخول بيته أثناء اعتكافه إلا لحاجته، وهذا يعتضد بما جاء عنها في الرواية الأخرى "السنة للمعتكف أن لا يخرج إلا لما بد له منه"، والسنة في قول الصحابي تنصرف إلى السنة النبوية - كما تقدم ذكره فإذا ثبت أن النبي- صلى الله عليه وسلم كان يترك دخول بيته وقت اعتكافه إلا لحاجة، فتركه للسير في الطرقات لعيادة المرضى وشهود الجنائز وحضور الولائم أولى، كما يتأيد هذه بملاحظة معنى الاعتكاف لغة الذي لا ينفك كثيرا عن معناه الشرعي، فإن القاسم المشترك هو الإقامة على الشيء، والمداومة عليه، وكثرة الخروج منافية لهذا
المعنى.
فروع الضابط: يندرج تحت هذا الضابط فروع فقهية عديدة، سواء على مذهب المضيقين، أو على مذهب الموسعين.
فمن أمثلة الفروع الفقهية الداخلة تحت هذا الضابط على مذهب
المضيقين ما يلي:-
1 - جواز الخروج من المسجد لقضاء حاجة الإنسان (1).
(د)
2 - جواز الخروج لطرو الحيض أو النفاس أو الجنابة (2). جواز الخروج لحدوث مرض، لا يمكن المقام معه في المسجد (3 4 - جواز الخروج لشراء طعام، اضطر إليه لنفسه أو لعياله (4).
(1) البسيوي، مختصر البسيوي، ص 138.
(2)
عبد الوهاب، التلقين، ص 196.
(1) الشربيني، الإقناع، ج 1 ص 214. (1) ابن قدامة، المغني، ج 3 ص 135.
252 (1/252)
صفحة 252
(1)
(2)
جواز الخروج لانهدام المسجد محل الاعتكاف (1).
-6 - جواز الخروج للجمعة الواجبة عليه (3). جواز الخروج بإكراه عدو له على ذلك (3).
جواز الخروج لقضاء عدة الوفاة (4).
-9 - جواز الخروج لأداء شهادة متعينة عليه (). 10 - جواز الخروج لإنقاذ غريق متوقف انقاذه عليه (6).
ومن أمثلة ذلك على مذهب الموسعين ما يلي: 1 - جواز الخروج من المسجد لعيادة مريض ("). جواز الخروج للأكل في البيت مطلقا (8). جواز الخروج لأداء شهادة لم تتعين عليه (1).
4 - جواز الخروج لتشييع الضيف أو الأهل (10).
ه جواز الخروج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن لم يتعين (11). -6 - جواز الخروج للصلاة على جنازة غير متعينة عليه (12).
- جواز الخروج لإجابة الدعوة إلى الوليمة (13).
الميداني، الباب، ج 1 ص 163.
الكاساني، البدائع، ج 2 ص 171.
) أبو اسحاق، مختصر الخصال، ص 124.
(4) الشيرازي، التنبيه، ص 214.
(0) ابن عبد البر، الكافي، ص 132.
(1)
ابن قدامة، المغني، ج 3 ص 136.) شمس الدين الروضة البهية، ص 112.
(A)
ابن قدامة، المغني، ج 3 ص 137.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 5 ص 189. (10) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 110. (11) السني، التاج المذهب، ج 1 ص 260.
(12) الطوسي، الخلاف، ج 2 ص 234. (1) ابن حزم المحلى، ج 9 ص 189.
253 (1/253)
صفحة 253
-- جواز الخروج للجلوس للتعزية (1)
الضابط الثالث: كل قرض جر منفعة، لم يجز (2).
شرح ألفاظ الضابط:
القرض لغة: ما تعطيه من المال لتقضاه، يقال: استقرضت من فلان، أي طلبت منه القرض فأقرضني (3).
جر
منفعة الجر في اللغة بمعنى جذب (4)، وهو هنا معناه جلب، أي جلب منفعة للمقرض. والمنفعة: اسم لما ينتفع به ()، وحقيقتها ما يتشوف إليه الكل بالطبع (6)، ولاشك أن المقرض الراغب في رد الزيادة متشوف إلى ذلك وراج له. لم يجز أي لم يعتبر، ولم ينفذ فيقع شرعا، وإن وقع صورة، إذ الجائز في الشرع هو المحسوس المعتبر الذي ظهر نفاذه في حق الحكم الموضوع له، مع الأمن عن الذم والإثم شرعا ().
معنى الضابط:
جاء الإسلام بتعاليمه السمحة لإقامة مجتمع إسلامي متماسك متعاون متكافل، تقوم العلاقة فيه بين أفراده بعضهم بعضا على دعامة التعاون على الخير، وما يحقق النفع المشروع، والبعد عن كل تعاون من شأنه تقويض تماسك المجتمع المسلم وزعزعة رابطة الأخوة فيه، ولذا جاء قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة [2]، مجملا ليشمل
(1) الكندي، المصنف، ج 9 ص 14.
(2) ابن بركة الجامع، ج 2 ص 413.
(3) الجوهري، الصحاح، ج 3 ص 1102. مادة قرض. (4) الفيروز آبادي القاموس المحيط، ص 328. مادة جرر.
(9) ابن منظور، اللسان، ج 8 ص 359. مادة نفع.
(1)
أبو البقاء الكليات، ص 670. مادة نفع. (1) لبو البقاء، المصدر السابق، ص 340. مادة جوز.
254 (1/254)
صفحة 254
البر والتقوى كل مصلحة ذات أثر صالح في المجتمع، وليشمل الإثم والعدوان
كل مفسدة تورث ضررا فيه.
ولتحقيق قاعدة التآلف والتعاون بين أفراد المجتمع المسلم شرع الإسلام من بين ما شرعه مبدأ القرض، وجعله أمرا مستثنى من عموم النهي عن بيع كل متماثلين نسيئة، لأن الضرورة تدعو إليه، فأباحه دفعا للضرر والحرج والمشقة، وتحقيقا للمصلحة العامة (1).
ولما أن كان هذا العقد مستثنى من عموم النهي عن بيع كل متماثلين نسيئة، فقد حرص الإسلام على ألا يجعل من هذا العقد ذريعة ومدخلا يلجأ إليه ذوو النفوس المريضة بالجشع والطمع لتحقيق مآربهم الذاتية، ومصالحهم الشخصية في جمع المال وكنزه، فحرم كل ما ينتج عن هذا العقد من مصلحة دنيوية كتب عليها ألا توجد لو لم يكن هذا العقد، ولم يجز للمقترض إلا استرداد
رأس ماله.
وهذا الضابط الذي - بين أيدينا ذكره الإمام ابن بركة تقريرا ومتابعة لما قرره الشرع الحكيم، إذ بين فيه أن كل قرض نتجت عنه منفعة للمقرض فهو حرام، ولذا قال عقب هذا الضابط ما نصه: فمن أقرض قرضا لنفع صار إليه
كان عليه رده.
دليل الضابط أورد الإمام ابن بركة للاستدلال على اعتبار هذا الضابط ما روي نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قرض جر منفعة" (2). ووجه الدلالة منه على الضابط المذكور هو ثبوت النهي فيه عن عقد كل
قرض يبتغي المقرض به منفعة دنيوية فوق رأس ماله.
(1) الغزالي، الوسيط، ج 3 ص 451. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 413. وحديث: تھي رسول الله - صلى الله عليه وسلم- عن قرض جر منفعة أخرجه: الربيع/ كتاب البيوع، ب (32)، رقم 563، ج 2 ص 225. البيهقي / كتاب البيوع، ج 5 ص 348.
200 (1/255)
صفحة 255
ومما يدل على اعتبار هذا الضابط من الأخبار - غير ما ذكره الإمام ابن بركة - هو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا أقرض أحدكم قرضا، فأهدي إليه، أو حمله على دابته فلا يركبها، ولا يقبله، إلا أن يكون جرى بينه و بينه قبل ذلك (1).
وأما الدلالة عليه من حيث المعقول فهي: أن هذا العقد ارفاق وقربة فكل زيادة فيه عن رأس المال المقترض يطلبها المقرض تخرج هذا العقد عن موضوعه (2).
وهذا الضابط وقع عليه الاتفاق بين سائر فقهاء المذاهب الإسلامية، فقد نصوا على أن كل قرض يجر نفعا للمقرض زيادة على ما أعطى فهو حرام وفعل غير مشروع ومن عبارات الفقهاء المرادفة للضابط المذكور في معناه
وحكمه ما يلي: 1 - كل قرض جر نفعا فربا" (3).
2 - "كل قرض جر
حرام " (4) نفعا حرام
- القرض الجار للنفع حرام ().
-
لا يجوز قرض جر منفعة (6).
ه كل قرض يشرط فيه أن يزيده فهو حرام (7).
6 - لا يجوز أن يجر القرض نفعا لمقترض" 7 - في القرض أجر ... فلو شرط النفع حرم
(^)
(1) n
(1) أخرجه: ابن ماجة / كتاب الصدقات، رقم 2423، ج 2 ص 813. البيهقي / كتاب البيوع، جه ص 35.
الأنصاري، زكريا، فتح الوهاب، ج 2 ص 192.
(3) السالمي، جوهر النظام، ج 2 ص 446.
(1)
(•)
ابن عابدين، محمد رد المحتار، ج 7 ص 395.
عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 999.
(6) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 192.
(V)
ابن قدامه، المغني، ج 4 ص 228. (4) الشوكاني، الدرر المضيئة، ج 2 ص 114. (1) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 191.
|
256 (1/256)
صفحة 256
-- لا يحل أن يشترط رد أكثر مما أخذ (1).
هذا، ومما تجدر ملاحظته على هذا الضابط الذي أورده الإمام ابن بركة
بهذه الصيغة هو أن في هذه الصيغة شيئا من الإطلاق.
وبيان ذلك أن تحريم القرض الجار للمنفعة إنما هو مقيد بما إذا كان هناك شرط واقع بين المقرض والمقترض على أن يقرضه كذا مقابل أن يدفع له ما أقرضه مع زيادة مثلية أو غيرية، تجلب للمقرض نفعا دنيويا، أما إذا لم يكن هناك شرط بينهما ابتداء، وقام المقترض عند الوفاء بدفع زيادة على ما أخذ من المقرض جاز ذلك باتفاق الفقهاء (2).
وحجة جواز ذلك ما روي أنه كان لرجل على النبي صلى الله عليه وسلم- سن من الإبل، فجاءه يتقاضاه، فقال -صلى الله عليه وسلم -: "اعطوه"، فطلبوا سنه، فلم يجدوا إلا سنا فوقها، فقال: "اعطوه"، فقال: أو فيتني أوفى الله بك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إن خيركم أحسنكم قضاء (3).
ومن دلالة المعقول على ذلك هو أن تحريم شرط الزيادة إنما كان لأجل عدم الدخول في الربا، والربا إنما هو اسم لزيادة مشروطة في العقد، ولم يتحقق
(1) ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 77. (2) انظر، الكندي، المصنف، ج 20 ص 235. الكاساني، البدائع، ج 7 ص 583. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 191. الشيرازي، التنبيه، ص 287. البهوتي، الروض المربع، ص 284. عماد الدين، البيان الشافي
ج 2 ص 671 - 672. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 191. ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 77. (1) أخرجه: الربيع / كتاب البيوع، رقم 581، ج 2 ص 231. مسلم كتاب المساقاة، ب (22)، رقم 118، ج 11 ص 39 - 40. أبو داود كتاب البيوع، رقم 3346، ج 3 ص 245. وعلى هذا فيكون حديث النهي عن كل قرض جر نفعا محمول على أن المنفعة الواردة فيه هي المنفعة المشروطة أو ما في حكمها، ولذا فقد قيل بأنه إذا لم تكن هناك منفعة مشروطة بين المقرض والمقترض فإن رد المقترض أكثر مما أخذه ليس على سبيل الجواز فحسب بل يتعداه إلى الاستحباب، فإنه يستحب له أن يرد أكثر مما أخذ، ويكون ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة عرفا وشرعا انظر، د قحطان الدوري، صفوة الأحكام، ص 158.
257 (1/257)
صفحة 257
القضاء (1).
هذا المعنى هنا، بل هو من باب حسن القضاء (1).
وزاد بعض الفقهاء أيضا على ما تقدم ألا تكون هناك عادة جارية بين المقرض والمقترض في التهادي وتبادل المنفعة، فإن كان هناك عادة جارية بذلك بينهما قبل القرض، جاز للمقرض قبول الهدية من المقترض وتحصيل
المنافع منه، كما كان ذلك قبل إقراضه (2).
فإذا ثبت هذا كله، وأن القرض الجار للنفع إنما يحرم إذا وقع اشتراط ذلك النفع في العقد، بخلاف ما إذا لم يكن هناك شرط في ذلك، فإنه ينبغي تقييد الإطلاق الوارد في صيغة هذا الضابط عند الإمام ابن بركة بزيادة لفظ
"مشروطة فيه، فتكون صيغته هي: كل قرض جر منفعة مشروطة لم يجز". وهذا القيد وإن لم يذكره الإمام ابن بركة في صيغة هذا الضابط إلا أنه قد أشار إليه في موضع آخر في "الجامع"، حيث قال: "وجائز لمن كان عليه دين أن يقضيه ويزيده، ولصاحب الحق أن يأخذ ذلك إذا كان بطيب نفس الدافع (3). فروع الضابط يندرج تحت هذا الضابط كل صورة من صور القرض التي تجر للمقرض منفعة بسبب هذا القرض مشروطة في العقد.
ومن
أمثلة ذلك ما يلي:
1 - لو أقرضه درهما أو دينارا على أن يسكنه بيته شهرا لم يجز، لأنه قرض جر نفعا (4).
(1)
(2)
(T)
الكاساني، البدائع، ج 7 ص 583. ولعل مراد الكاساني بتعريف الربا بأنه اسم لزيادة مشروطة في العقد مقصور على هذا الباب وهو باب القرض، وإلا فإن اسم الربا أعم من ذلك، فلو تبايع اثنان جنسا واحدا نسيئة فهو ربا باتفاق الفقهاء، ولو لم تكن زيادة. المصنف، الكندي، ج 20 ص 213. ابن عبد البر، الكافي، ص 359. ابن حزم المحلى، ج 8 ص 77.
المقدسي، العدة، ج 1 ص 225 نظام الدين، الفتاوى الهندية، ج 3 ص 203.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 338. (4) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 413.
258 (1/258)
صفحة 258
لو أقرضه مالا على أن يرده إليه في بلد آخر، وكان لحمل المال مؤونة لم يجز، لأنه قرض جر نفعا (1).
لو أقرضه ألفا على أن يبيع له شيئا من ملكه لم يجز، لأنه قرض
جر نفعا (2).
لو أقرضه على أن يعطيه حيوانا ليستعمله لم يجز، لأنه قرض جو
نفعا (3).
ه إذا أقرضه متفرقا على أن يرد ذلك جملة لم يجز، لأنه قرض جر
نفعا (4).
-6 - لو أقرضه طعاما مسوسا على أن يرد طعاما سالما لم يجز، لأن
-9
قرض جر
نفعا (ه).
إذا أقرضه على أن يرد أكثر مما أعطاه لم يجز، لأنه قرض جر
نفعا (6)،
-9 - إذا أقرضه على أن يرهنه رهنا ينتفع به لم يجز، لأنه قرض جر
نفعا (7).
-10 - لو أقرضه على أن يرد إليه غير ما أخذه كذهب بدل فضة لم يجز، لأنه قرض جر نفعا (8).
(1) الشقصي، منهج الطالبين، ج 3 ص 309. (1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 304. ابن عابدين، رد المحتار، ج 9 ص 87.
(1)
(1)
المقدسي، العدة، ج 1 ص 225.
(1) ابن جزي، القوانين، ص 190. العنسي، التاج المذهب، ج 2 ص 484.) الحلي، الجامع للشرائع، ص 280.
(4) ابن حزم، المحلي، ج 8 ص 77.
259 (1/259)
صفحة 259
الضابط الرابع كل شاهد ليس بعدل فهو مردود الشهادة" (1). شرح ألفاظ الضابط:
الشاهد هو من يؤدي الشهادة، يقال: شهد له بكذا شهادة أي أدى ما عنده من الشهادة، فهو شاهد، والجمع شهد مثل صاحب وصحب (2). والشهادة
اسم لما يؤدى، وهي إخبار عن عيان بلفظ الشهادة في مجلس القاضي بحق للغير على آخر (3).
بعدل العدل في أصل اللغة هو ضد الجور، وما قام في النفوس أنه (4). أو هو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط
مستقيم
والتفريط ()، وقد تقدم بيان معناه الشرعي ()
(6)
مردود الشهادة: أي غير مقبولة شهادته، لأن من معاني الرد في اللغة عدم القبول، يقال، رد عليه الشيء لم يقبله، وخطأه (7).
عنى الضابط تعتبر الشهادة واحدة من أدلة الاثبات في القضاء في الفق الإسلامي، سواء في حقوق الله تعالى أو حقوق المخلوقين.
وقد عالج الفقهاء في كتبهم الفقهية قديما وحديثا موضوع الشهادة، وأفاضوا فيه البحث بدراسة دقيقة بغية الوصول إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من
الضبط و الدقة للحيلولة عن اتخاذ الشهادة غرضا للنيل من المشهود عليه بغير
حق لأي دافع من الدوافع إلى ذلك.
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 315.
(2) الجوهري، الصحاح، ج 2 ص 494. مادة شهد.
(1) الجرجاني، التعريفات، ص 170.
(1) الفيروز آبادي القاموس المحيط، ص 927. مادة عدل.
(0) الجرجاني، التعريفات، ص 191
() راجع ص 210 من هذه الرسالة.
(7) أبو البقاء، الكليات، ص 476. مادة ردد.
260 (1/260)
صفحة 260
وإن من بين ما محصه الفقهاء بالدراسة في باب الشهادة هو الركن الأول فيها وهو "الشاهد"، فنظروا إليه من حيث الجنس (1) والعدد (2) والصفة، وجعلوا لكل واحد من هذه الثلاثة شروطا يجب توفرها حتى تكون الشهادة في حيز القبول.
والمقصود بالصفة في هذا الموضع هو الصفات المعتبرة في قبول الشهادة، وهذه الصفات هي: العدالة، البلوغ، الإسلام، الحرية، نفي التهمة. ويتناول الضابط الذي ساقه الإمام ابن بركة واحدا من أهم هذه الصفات
صفة العدالة. المعتبرة في الشاهد، وهي
فهذا الضابط - كما هو واضح من عبارته - يقرر الإمام ابن بركة به أن كل شاهد لم يتحقق فيه شرط العدالة فهو غير مأخوذ بكلامه في الحكم، ومردودة
شهادته.
(1) قسم الفقهاء الشهادة من حيث النظر إلى جنس الشهود إلى ما يلي:
ا موضع لا يقبل فيه إلا شهادة الرجال وحدهم، وهو الحدود والقصاص، وهذا على مذهب الجمهور خلافا لابن حزم القائل بقبول شهادة النساء في الحدود والقصاص مطلقا إذا كان معهن رجل، وخلافا لبعض الإباضية القائلين بقبول شهادتهن مع رجل في الحدود غير الزنا.
ب موضع يقبل فيه شهادة رجلين أو رجل وامرأتان، وهو سائر الحقوق من غير الحدود والقصاص. ج- موضع يقبل فيه شهادة النساء وحدهن، وهو ما لا يطلع عليه الرجال كأمراض الفروج والاستهلال
ونحوه.
راجع المسألة في أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 197. المرغيناني، الهداية، ج 3 ص 129 - 131. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 332 - 334 ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 465. المقدسي، العدة، ج 2 ص 243 - 244 شمس الدين الروضة البهية، ص 318 - 320. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2
ص 237. ابن حزم المحلى، ج 9 ص 395 - 399.
() وأما تقسيمهم الشهادة من حيث عدد الشهود فهو كما يلي:
ا موضع لا يقبل فيه أقل من أربعة شهود، وهو الزنا.
ب- موضع لا يقبل فيه أقل من اثنين من الذكور، وهو القصاص وسائر الحدود من غير الزنا. وفي هذين الموضعين خلاف ابن حزم وبعض الإباضية المتقدم في قبول شهادة النساء حيث يقبل كل منهما امرأتين مقابل رجل في الموضع الذي أجاز فيه شهادتهن كما تقدم ذكره.
??? (1/261)
صفحة 261
دليل الضابط: أورد الإمام ابن بركة دليلا لهذا الضابط قوله تعالى: (واستشهدوا
ممن ترضون من الشهداء) البقرة [282].
ووجه الدلالة من الآية عنده على الضابط المذكور هو أن الله تعالى أمر عباده بإقامة الشهادة فيما يجري بينهم من معاملات وتصرفات، وذيل ذلك ببيان من يجعل شاهدا، وهو المرضي عند الناس، وليس بمرضي في الإسلام إلا خيار الناس، لأنهم هم الذين اختارهم الله تعالى من هذه الأمة ليكونوا شهودا على من قبلهم من الأمم، استنادا إلى قوله تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس) (1) البقرة [143]، و (وسطا) الوارد في الآية يعني "خيارا" عند الإمام ابن بركة، والخيار من الناس هم العدول الثقات المؤهلون لتحمل الشهادة، وأدائها على وجهها وكل من خرج عن هذا الوصف عنده لاتصافه بالفسق المنافي للعدالة فهو مردود الشهادة (2).
ويمكن القول بأن مما يؤيد اعتبار هذا الضابط، ويكون شاهدا له من دلالة الكتاب العزيز من غير الآية التي ذكرها الإمام ابن بركة هو قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل (منكم الطلاق. [2]. فمدلول الآية واضح تماما فـ الأمر بإشهاد العدول عند الحاجة إلى الإشهاد، ويؤيده أن لفظ "منكم" الوارد في الآية خطاب لأهل الإسلام، فدل ذلك على أن في الشاهد شرطا زائدا على الإسلام،
وهو العدالة.
(1)
ج- موضع لا يقبل فيه أقل من اثنين ذكرين أو ذكر وامرأتين وهو سائر الحقوق مما عدا الزنا والقصاص. د موضع يقبل فيه شاهد واحد من الرجال كرؤية الهلال أو من النساء فيما لا يطلع عليه الرجال كالبكارة، وبعض الفقهاء الحق هذا القسم بالقسم الثالث راجع المسألة في الإحالات المتقدمة.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 315.
(2) أخرجه أبو داود كتاب الأقضية، رقم 3601، ج 3 ص 305. ابن ماجه / كتاب الأحكام، رقم 2366، ج 2
ص 792.
262 (1/262)
صفحة 262
كما يؤيده من السنة النبوية ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- أنه
زانية (1).
قال: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا زان ولا زانية (1).
ووجه الدلالة من هذا الحديث على الضابط المذكور هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم- حكم برد شهادة كل من المتصف بالخيانة أو الزاني، لأنهما معصيتان منافيتان للعدالة المرعية في الشهادة، ويقاس عليهما سائر المعاصي الكبائر، لاتحاد العلة في الجميع وهي المنافاة للعدالة (2).
ومما يدل على هذا الضابط من حيث المعنى هو: أن الحاكم يحكم بقول الشاهد، وينفذه في حق غيره، فيجب أن يكون قوله يغلب عليه الصدق عند الحاكم، وهذا لا يتحقق إلا بالعدالة (3).
وهذا الضابط اتفق جمهور الفقهاء من الإباضية والحنفية والمالكية
والشافعية والزيدية والظاهرية والحنابلة والإمامية على اعتباره والقول به، ومن
عباراتهم الواردة في معناه ما يلي:
-
-1 ولا يجوز أن يكون الشاهد إلا عدلا (4).
2 - الشاهد المرضي هو الشاهد العدل" (5).
- "العدالة معتبرة في الشهادة، وشرط في قبولها والحكم بها (6).
10
- "لا تقبل شهادة فاسق" (7).
"لا بد من العدالة في كل شهادة، فلا تقبل شهادة من ليس بعدل مطلقا (8).
(1) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 324. (2) الشيرازي، المصدر السابق، والصفحة. (1) الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 404. أبو اسحاق، مختصر الخصال، ص 197.
(1)
()
الكاساني، البدائع، ج 6 ص 407.
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1517.
الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 324. (1) عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 175.
263 (1/263)
صفحة 263
6 - لا يجوز أن يقبل في شيء من الشهادات من الرجال والنساء إلا عدل
مرضي (1).
لا تقبل شهادة فاسق (2).
-- فأما من ليس بعدل، فلا تقبل شهادته (3).
وخالفه بعض الزيدية (4)، وأبو يوسف من الحنيفة ()، فذهبوا إلى عدم
اشتراط العدالة في الشهادة.
وحجة من أجاز ذلك من الزيدية هي أن الفاسق غير العدل إذا غلب على الحاكم ظن، صدقه، جاز الحكم بشهادته، لأن الشهادة العادلة لا يحصل بها إلا الظن فحسب فاستوى الأمران بحصول الظن لدى الحاكم بصدق الفاسق في تلك الشهادة التي يؤديها عنده.
وحجة أبي يوسف هي أن الفاسق إذا كان وجيها في الناس ذا مروءة
بغي قبول شهادته، لأنه لا يستأجر لوجاهته، ويمتنع عن الكذب لمروعته، هروبا من أن يعرف بين الناس بالكذب والاستئجار عليه.
واعترض هذا الدليل بان النص الوارد في الأمر بإشهاد العدول وهو قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2] عام في اشتراط العدالة في
الشهود، ولم يفرق بين ذي وجاهة، ولا غير
(")
ثم إن قبول الشهادة والعمل بها إكرام للشاهد، وإجلال له والمأمور به
في حق الفاسق خلاف ذلك، وهو إهانته واحتقاره، والمروءة منافية للفسق، فلا
(1) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 393. (2) المرداوي، علي، الإنصاف، ج 12 ص 47.
(3) الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 217. (4) عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 175.
(•)
العيني، محمود، البناية، ج 8 ص 134.
(1) الميداني، اللباب، ج 3 ص 143.
264 (1/264)
صفحة 264
مروءة لمجاهر بما يفسق به شرعا (1).
ومما يضعف القول بقبول شهادة الفاسق هو أن تعليل قبولها بأن الفاسق إذا كان وجيها فإنه لا يستأجر لتأدية شهادة ما تعليل غير كاف، لأن الحكم في رد شهادة الفاسق ليس لأجل مخافة أن يتجر في الشهادات فحسب، بل لمظنة الكذب بسبب الفاسق، وقد تكون هناك دوافع أخرى تدفع بالفاسق إلى أداء الشهادات الكاذبة غير طلب المال، ثم إن الفاسق إذا ظهر منه المجاهرة لدى الناس بما هو أشنع من الكذب، فكيف يقال بأنه يمتنع عن الكذب لأجل مروءته، وهل عرف عنه كونه فاسقا إلا بالمجاهرة بالكبائر من الذنوب، فأي فرق بين المجاهرة بالزنى أو بالربا أو شرب الخمر أو بالكذب، والحق أن لا مروءة لفاسق مجاهر، إذ لو كانت لمنعته ما يأتيه في حق خالقه من المجاهرة بالضلال. وما احتج به بعض الزيدية على القبول من أنه إذا غلب على ظن الحاكم صدق الفاسق جاز قبول شهادته لمساواته الظن الحاصل بالشهادة العادلة يدرؤه
أن في ذلك اطراحا للقيد المعتبر في الشهادة شرعا، وهو شرط العدالة كما فـ قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2]، والدليل على اعتبار الشارع له هو أن الله تعالى أمر برد قبول شهادة القاذف إذا لم يأت بما يدرأ عنه الحد
وما ذلك إلا لفسقه بركوبه هذه الكبيرة من الذنوب، وقد تقدمت الإشارة آنفا إلـ أن في قوله تعالى: (وأشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2] وصفا زائدا يشترط حصوله في الشاهد زيادة عن كونه من أهل الملة وهو وصف العدالة، ولو كان وصفا غير معتبر لجاء الخطاب بنحو واشهدوا منكم، وما ورد من الأمر بالإشهاد مطلقا كقوله تعالى: (وأشهدوا شهيدين من رجالكم) البقرة [282] فهو مقيد بأية (واشهدوا ذوي عدل منكم الطلاق [2] بل إن في آخر آية الإشهاد المطلقة ما يتفق مع آية اشتراط العدالة، وهو قوله تعالى: (ممن ترضون من
265
العيني، البناية، ج 8 ص 135.
(1) (1/265)
صفحة 265
الشهداء) البقرة [282]، وليس بمرضي إلا العدل كما تقدم ذكر الدليل على ذلك
سابقا.
ثم إن القول بأن ظن الحاكم صدق الفاسق مساو للظن الحاصل بالشهادة قول لا يخلو من النظر لأمرين: أ- أن الظن الحاصل من الشهادة قائم على أمر منضبط في الظاهر وهو الشهادة العادلة، وهو أمر ارتضاه الشارع، وقرره علينا، فيجب الوقوف عند ما حده الشارع لنا من غير أن نتجاوزه إلى غيره، لأن الشهادة عند التحقيق - ينتج عنها لدى الحاكم خبر ظني لاستحقاق من شهدت له لمحل الدعوى، ولا شك أن هذا الخبر الظني الناتج عن الشهادة أدنى مرتبة من الظن الحاصل لدى الحاكم بأحقية المدعى عليه لمحل الدعوى لوجود يده الظاهرة عليه التي تجعل ما في يده مالا معصوما ومحترما
له لا ينقل عنه إلا بظن أكبر غير مساو ولا أضعف، فكان الأصل حسب أصول الشريعة وأقيستها المقررة ألا يقضى بهذه الشهادة بنقل محل الدعوى من ذمة إلى أخرى، لأن في ذلك إهدارا لظن أقوى بظن أضعف منه، غير أن الشارع لما ارتضى هذه الشهادة على هذه الصفة دليلا من أدلة الإثبات فقد خرج بها عن مقتضى القياس، فوجب العمل بها مع التزام الشروط الموضوعة لها والتي من بينها شرط العدالة، لأن من شأن ما خرج به الشارع عن مقتضى القياس أن يلتزم العمل به بجميع حدوده و شروطه، فمتى حصلت الشهادة بشروطها فقد حصل الظن المجزي شرعا للبت في الدعوى، ولا يتجاوز في ذلك إلى غيره كظن الحاكم صدق الفاسق فهو أمر غير منضبط لتفاوته من قضية إلى أخرى، ومن فاسق إلى آخر، وهو أمر لم يعتبره الشرع فاختلفت اعتباراته ومرتكزاته، وما كان كذلك فهو غير مساو لما كان قائما على أمر منضبط ومعتد به شرعا.
266 (1/266)
صفحة 266
أدلة
ب- أن الظن الحاصل عن الشهادة العادلة هو أثر ونتيجة لهذا الدليل من الإثبات الذي هو الشهادة العادلة، والذي يتوجب عند حصوله الفصل في
الدعوى، بينما ظن الحاكم صدق الفاسق يكون هو الموجب نفسه للفصل في الدعوى، وليس أثرا للشهادة لأن شهادة الفاسق شهادة ملغاة شرعا فلا أثر لها، فلم يستو الظنان، إذ فرق بين ظن يكون أثرا لموجب البت بالدعوى وهو الشهادة العادلة، وبين ظن يكون نفسه موجبا للبت في الدعوى إذ يتسامح في الانتهاء ما لا يتسامح في الابتداء، فيكون الظن الحاصل عن الشهادة العادلة كافيا للبت بالحكم في الدعوى، ولا يكون الظن لدى الحاكم بصدق الفاسق كافيا لقبول الشهادة.
هذا ومما تجدد الإشارة إليه هو أن هذا الضابط يمكن أن يقال عنه بأنه يعد أحد العناصر التي تتفرع عن القاعدة المعروفة "دليل الشيء يقوم مقامه في الأمور الباطنة (1).
وبيان ذلك هو أن العدالة التي أنيط بها قبول شهادة الشاهد هي وصف باطني، لا يمكن للقاضي الاطلاع عليه لخفائه، ولأنه أمر بين العبد وخالقه، فاستحال على القاضي الوقوف عليه بمداركه، وفراسته ونظره، فأقيمت أفعال المكلف وأعماله لظهورها وبروزها في الخارج مقامه لتكون براهين وإمارات يمكن أن يوصف الشخص من خلالها بالعدالة أو عدمها، ثم يرتب على ذلك قبول الشهادة أو نفيها ودوران ذلك مع تحقق شرط العدالة وجودا وعدما. ولأجل ذلك فقد عمد الفقهاء عند تطرقهم إلى شرط العدالة في الشهادة في مصنفاتهم إلى بيان الأفعال والأقوال الصادرة من المكلف، ومدى صلتها بمفهوم العدالة من حيث القدح فيها أو عدمه.
(1) انظر هذه القاعدة، في الزرقا، شرح القواعد الفقهية، ص 345.
267 (1/267)
صفحة 267
ومع اتفاق جمهور الفقهاء المشترطين توفر العدالة في الشاهد على هذا الأصل من حيث الإجمال، إلا أن آراءهم كانت متباينة في تحديد الأفعال
والأقوال الصادرة من المكلف والقادحة في مفهوم العدالة.
ويمكن إرجاع هذا التباين إلى:
أ- اختلافهم في تحديد مفهوم العدالة وضبطه:
إذ يرى بعض الفقهاء أن معنى العدالة لا يمكن تحققه إلا باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وعدم إتيان الأمور المنافية للمروءة، وعدم التهاون بالسنن والرواتب (1).
بينما يذهب فريق آخر إلى أن معنى العدالة يمكن تحققه باجتناب الكبائر دون الصغائر، لورود العفو عنها، وأنه لا معنى لاشتراط المروءة (2)، وأن ترك المندوبات غير قادح في معنى العدالة (3).
ب اختلافهم في كون بعض الأفعال من المحرمات، فتكون ممارستها سببا موجبا لإسقاط العدالة، أو من المباحات فلا يكون إتيانه مسقطا للعدالة. ومثال ذلك اللعب بالحمام فذهب الإباضية والحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والزيدية إلى أنه فعل محرم مسقط للعدالة (4).
بينما ذهب الإمامية إلى القول بكراهته و ذهب الظاهرية إلى جوازه
وإباحته ما لم يسرق حمام الناس ().
(1)
انظر،
الكندي، المصنف، ج 15 ص 71. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 324 - 325. البهوتي، الروض المربع،
ص 550. العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 80.
(2) ابن حزم، المحلي، ج 9 ص 393 - و ص 395.
) الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 232.
(4) الكندي، بيان الشرع، ج 31 ص 13. الكاساني، البدائع، ج 6 ص 408. الصاوي، بلغة السالك، ج 2 ص 323. الشيرازي، التنبيه، ص 602. ابن قدامه المغني، ج 9 ص 125. عماد الدين البيان الشافي، ج 4 ص 195.
(0) الحلي، الجامع للشرائع، ص 541. ابن حزم، المحلى ج 9 ص 395.
268 (1/268)
صفحة 268
فروع الضابط يندرج تحت هذا الضابط فروع فقهية كثيرة ذكرها الفقهاء ف باب الشهادة، وهو يتناول كل فعل يوجب الاتصاف به إسقاط عدالة المتصف به، وترتب طرح شهادته على ذلك.
ومن الفروع الفقهية التي ذكرها الفقهاء المندرجة تحت هذا الضابط ما يلي: 1 - العاق لوالديه ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (1).
الغني المفرط في الزكاة والحج ليس بعدل فهو مردود الشهادة (3). المغني أو ضارب العود أو النائحة ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (3). - آكل الربا ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (4). تارك الإنكار مع القدرة على صاحب المعصية كشارب خمر أو آخذ مال ظلما ليس بعدل، فهو مردود الشهادة ().
المتغزل بالشعر الفاحش في امرأة معينة، أو هجو مؤمن بالشعر، ليس بعدل فهو مردود الشهادة (6).
من كتم شهادة يعلمها عند طلبه لأدائها من غير عذر ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (7).
- اللاعب بالنرد ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (8).
9 - المتصف بالكذب المتظاهر به المعتاد له ليس بعدل، فهو مردود
الشهادة (1).
(1)
(1)
(1)
الكندي، المصنف، ج 15 ص 64.
الثميني،
الورد البسام، ص 133.
الكاساني، البدائع، ج 6 ص 408.
(4) الميداني، اللباب، ج 3 ص 147.
(*) العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 80. (2) عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 195. (1) الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 427.
(^)
الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 325.
(1) ابن عبد البر، الكافي، ص 463.
269 (1/269)
صفحة 269
10 - تارك الجمعة الواجبة عليه من غير عذر ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (1).
-11 - من كان ذا صناعة محرمة كصانع المزامير والطنابير، أو كان ذا
صناعة يكثر فيها الربا كصائغ وصيرفي، ولم يتوق ذلك ليس بعدل فهو مردود الشهادة (2).
12 - المتتبع للرخص في غير حاجة لتهاونه وعدم مبالاته ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (3).
13 لابس الحرير من الرجال في غير الحرب أو المرض اختيارا، أو
المتختم بالذهب من الرجال ليس بعدل، فهو مردود الشهادة (4).
14 - قارئ القرآن بالتغني والترجيع الفاحش المطرب ليس بعدل، فهو مردود الشهادة ().
الضابط الخامس من أوصى بما لا يتقرب به إلى الله كانت وصيته
باطلة (6).
شرح ألفاظ الضابط:
أوصى هو بمعنى أوصل (7)، والوصية هي الاسم، وهي تمليك مضاف إلى ما بعد الموت على طريق التبرع (8).
"
(1)
(2)
(")
ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 203.
ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 123. المرداوي، الإنصاف، ج 12 ص 50. (4) الحلي، المهذب البارع، ج 4 ص 515 (5) الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 333.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 572. (2) الفيومي، المصباح المنير، ص 254. مادة وصي.
(1) الجرجاني، التعريفات، ص 326.
270 (1/270)
صفحة 270
يتقرب أي يطلب به القربة إلى الله تعالى يقال: تقرب به تقربا وتقرابا إذا طلب القربة (1)، ومعنى القربة هو ما يتقرب به إلى الله تعالى
بواسطة غالبا، وقد تطلق ويراد بها ما يتقرب به بالذات (2).
باطلة أي ليست صحيحة ولا معتبرة شرعا، ومردودة، إذ الباطل شرعا هو الذي لا يكون صحيحا بأصله، ومالا يعتد به لا يفيد شيئا (3).
معنى الضابط الوصية قربة وعبادة تقع من العبد في حياته، وتنفذ بعد موته يخرجها من خالص ماله لتصرف في واحد أو أكثر من وجوه الخير والبر. ولما كانت الوصية قربة وعبادة يتقرب بها العبد إلى ربه تعالى طلبا لرضاه، واستدرارا لثوابه، كان لابد له أن يضعها في الموضع الذي يجلب له ذلك، وأن يتعرف على المواضع التي لا تكون الوصية لها قربة إلى الله تعالى. ويمكن حصر الوجوه والأسباب التي تجعل من الوصية غير قربة لله
تعالى بإعادة ذلك إلى: أ- الموصى به كان يوصي لجماعة مسجد بخمر لبيعها وصرفها فـ مصالح المسجد.
ب الموصى فيه كأن يوصي بمال لجماعة لبناء حانوت خمر: ج- الموصى له كان يوصي بسلاح لعدو وقت حربه للمسلمين.
وهي
، أن كل
والضابط المذكور يتناول الوجوه الثلاثة لاتحاد العلة فيها، وصية في هذه الوجوه الثلاثة تؤول إلى المعصية والإثم، واستحقاق العقاب من الله تعالى، ومن شأن القربة أن تورث الثواب لا العقاب، فدل ذلك على أن الوصية في كل واحد من هذه الوجوه مما لا يتقرب به إلى الله تعالى.
(1)
الفيروز آبادي، القاموس المحيط، ص 114. مادة قرب.
(2) أبو البقاء، الكليات، ص 724. مادة قرب.
(1) الجرجاني، التعريفات، ص 61.
271 (1/271)
صفحة 271
دليل الضابط: لم يورد الإمام ابن بركة دليلا من الكتاب أو السنة النبوية لهذا
الضابط، وإنما اكتفى بالاستدلال عليه من المعقول.
وخلاصة دليله ذلك هو: أن الوصية زيادة للمؤمن في عمله بعد موته لكسب الأجر والثواب في الآخرة، فإذا لم تكن أمرا مشروعا وقربة إلى الله تعالى، فات المقصود منها، وعادت، باطلة، ويرجع ما أوصى به للورثة (1).
وقد ذكر غيره من الفقهاء أدلة لهذا الضابط المذكور منها:-
أ قوله تعالى: (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان المائدة [2]. ووجه الدلالة من الآية لهذا الضابط هو: أن الوصية بما هو أمر محرم داخل في باب التعاون على الإثم والعدوان، وكل ما كان كذلك فهو حرام باطل غير نافذ (2). ب ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم، زيادة في حسناتكم، ليجعلها زيادة لكم في
أعمالكم (3).
ووجه الدلالة من الحديث: هو: أن الوصية إنما جعلها الشارع ليتدارك بها العبد ما فاته من العمل الصالح، وليزيد بها حسناته و الوصية بما لا قربة فيه لا يستدرك بها شيئا من العمل الصالح، ولا يستزاد بها شيئا من الحسنات،
فلم تصح الوصية بذلك (4).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 573. (2) ابن حزم، المحلي، ج 9 ص 327.
(3) أخرجه ابن ماجه / كتاب الوصايا، رقم 2709، ج 2 ص 904، الدارقطني / كتاب الوصايا، رقم 3، ج 4
ص 150. البيهقي، كتاب الوصايا، ج 6 ص 269.
(4) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 451.
272 (1/272)
صفحة 272
وأما الدليل على أن هذه الوصية الموضوعة في غير سبيل القربة الله - عز وجل - باطلة ومردودة فهو ما روي عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (1).
ووجه الدلالة من الحديث على ذلك هو أن الوصية بما هو محرم، ليست
من هدي الشريعة في شيء، فهي فعل مردود ومنقوض أساسه شرعا. ومن حيث المعنى: أن الوصية بما هو معصية أحد المنكرات الواجـ إنكارها، ولا يتحقق ذلك إلا بإبطاله وعدم إمضاء وامتثال أمر الموصي فيه وإرجاع المال إلى الورثة (2).
وهذه الضابط متفق عليه بين الفقهاء، إذ نصوا على أن كل وصية يكون
مصرفها في شيء من المعاصي فهي باطلة ومردودة، ولا يجوز تنفيذها، ومن عباراتهم الموافقة لهذا الضابط في المعنى والحكم ما يلي:-
1 - "الوصية إنما هي
الله فيما أمر طاعة الله ورسوله - صلى الله عليه
وسلم -، فإذا دخل فيها شيء مما نهى عنه الرسول - عليه السلام -
كان معصية وإثما (3).
"الوصية بالمعاصي لا تصح (4).
الرابع- أي من أنواع الوصايا لا يجوز تنفيذه، وهو الوصية بما لا
يجوز (ه)
- {
"أما الوصية بما لا قربة فيه
......
فهي باطلة (6).
(1) أخرجه: الربيع، المقدمة، ب (7) رقم (49، ج 1 ص 39. مسلم كتاب الأقضية، ب (8)، رقم 17، ج 12
ص 257. أبو داود كتاب السنة، رقم 4606، ج 4 ص 2000.
(2) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 162.
البسيوي، المختصر، ص 140.
(4) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 503 - 504. (9) ابن جزي، القوانين، ص 266 - 267. (1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 451.
273 (1/273)
صفحة 273
ه لا تصح الوصية بمعصية، وفعل محرم
(1) n
-6 - ويجب امتثال جميع ما ذكره أي الموصي في وصيته- ما لم يكن
محظورا (2).
لا تصح الوصية في معصية (3).
لا تحل الوصية في معصية" (4).
فروع الضابط: ذكر الإمام ابن بركة فروعا لهذا الضابط، هي:-
1 - لو أوصى لعبده لم يجز، وكانت وصيته باطلة، لأن العبد، مال، فهو والوصية مآلهما إلى الورثة، فتكون الوصية للعبد آيلة للوارث، وهو
لا يجوز (ه).
2 - لو أوصى بنسخ كتب التوراة والإنجيل المحرفين لم يجز، وكانت وصية باطلة (1).
- لو أوصى بجعل ماله كله صدقة بعد وفاته لم يجز إلا في الثلث فمادونه، وكـ انت وصيته فيما زاد عنه
باطلة ().
وذكر غيره من الفقهاء من فروع هذا الضابط ما يلي:- 1 - لو أوصى لقاتل لم يجز، وكانت وصيته باطلة (8).
(1)
ابن قدامه، المغني، ج 6 ص 72.
ابن المرتضى، الأزهار، ص 308.
(2)
(r)
(1)
(9)
الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 258.
ابن حزم، المحلى، ج 29 ص 327.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 572.
(1) ابن بركة المصدر السابق والصفحة، وقد علل بعض العلماء عدم الجواز بأن الإنجيل والتوراة كتابان
منسوخان، ووقع فيهما التبديل والتحريف، فالاشتغال بها غير جائز انظر ابن قدامه المغني، ج 6 ص 72، لكن ينبغي تقييد هذا المنع بما يجلب الضرر على أفراد الأمة بخلاف ما لو نسخت لغرض صحيح كالوقوف على ما بقي فيهما من تأييد دين الإسلام أو الاطلاع على تحريف أصحابهما لهما لإقامة الحجة عليهم. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 584.
(^)
الشماخي، الايضاح، ج 8 ص 172. وعلله هناك بالقياس على الميراث.
274 (1/274)
صفحة 274
لو أوصى لكافر حربي أو مرتد كانت وصيته باطلة (1). لو أوصى بسلاح لأهل الحرب كانت وصيته باطلة (2). لو أوصى ببناء كنيسة، أو بيعة، أو بيت نار، لعمارته، أو الإنفاق عليه، فوصيته باطلة (3).
ه لو أوصى لابن ابنته بقصد التوليج والاحتيال، وهو يريد ابنته، فإن كان كثيرا فهو متهم بذلك، ووصيته باطلة (4).
-6 - لو أوصي وعليه دين يحيط بماله فوصيته باطلة (°).
لو أوصى بكتابة كتب النجوم وسائر العلوم المحرمة كانت وصيته
باطلة (1).
لو أوصى بعبده أو أمته للفجور، كانت وصيته باطلة (7). لو أوصى بوصية للشياطين فوصيته باطلة (8).
-10 - لو أوصى بمال للنائحة عليه، فوصيته باطلة (1).
11 - لو أوصى بمال لإعانة ظالم على ظلمه، فوصيته باطلة (1). 12 - لو أوصى بخمر أو لتطيين قبره، أو بناء قبة عليه، فوصيته
باطلة (11).
(1) العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 368. (2) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 451.
(
(4)
ابن حزم، المحلى، ج 9، ص 327. النووي، روضة الطالبين، ج 5 ص 227. البهوتي، الروض المربع،
ص 366.
ابن عبد البر، الكافي، ص 544.
الميداني، اللباب، ص 3 - 226.
(9)
(1)
(4)
(^)
(1)
الحصني، كفاية الأخيار، ص 407.
ابن قدامه، المغني، ج 6 ص 72.
الشقصي، منهج الطالبين، ج 19 ص 108.
ابن جزي القوانين، ص 276.
(10) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 258.
(11) الموصلي، الاختيار، ج 5 ص 551.
270 (1/275)
صفحة 275
13 - لو أوصي للبغايا على التعميم، كانت وصيته باطلة (1). 14 - لو أوصى لوارثه بالحقوق الواجبة عليه من الزكوات والكفارات والمظالم كانت وصيته باطلة (2).
15 - لو أوصى بخمر أو خنزير، كانت وصيته باطلة (3).
(1)
كاحتمال
العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 367. وقد ذكر هناك أنه إذا كانت الوصية لمعينة من البغايا، وليست العموم فهي جائزة لجواز أن تتوب، لكن قد يقال بإن حصول التوبة من البغايا عموما احتمال واقع. توبة البغي المعينة، ولعل الفارق هو أن الوصية للبغايا على العموم من غير تعيين يلاحظ فيه أن الموصي مراع لبغائهن، فكأنه لم يوص لهن ألا من اجل البغاء، ولذلك لم يجز، بخلاف أن لو أوصى لبغي معينة، فإن هذا المعنى لم يلحظه الموصي في وصيته، وهذه البغي لا تعدو كونها فاسقة، والوصية للفاسق غير ممنوعة إجمالا، وهذا كله ما لم يقصد بالوصية لهذا البغي لأجل بغيها، فإنه حرام ولو تعينت. (2) الشماخي، الإيضاح، ج 8 ص 171، وعلله هناك بأن لفظ "وصية" في حديث "لا وصية لوارث نكرة في سياق النفي، وهو عام فيشمل كل وصية.
(2) الحلي،، شرائع الإسلام، ج 1 258.
276 (1/276)
صفحة 276
الفصل الثالث: نماذج من الآراء الفقهية للإماما بنبركة الواردة
في كتابه "الجامع "
المبحث الأول: فقه الطهارات
المبحث الثاني: فقه العبادات
المبحث الثالث: فقه الأيمان والكفارات
المبحث الرابع: فقه الأطعمة والأشربة
المبحث الخامس: فقه الأحوال الشخصية
المبحث السادس: فقه المعاملات
المبحث السابع: فقه الأحكام القضائية
المبحث الثامن: فقه الجنايات والحدود
المبحث التاسع: مسائل فقهيةخالف الإماما بنبركة فيهارأي
المذهب الإباضي.
277 (1/277)
صفحة 277
توطنة
تناول الإمام ابن بركة في كتابه الجامع" كثيرا من المسائل الفقهية في أبواب شتى من أبواب الفقه الإسلامي.
وقد قام الإمام ابن بركة بعرض هذه المسائل الفقهية واختلف عرضه لها
بين إطناب وتوسع في التحليل لبعضها، وإيجاز واختصار لبعضها الآخر. وقرن الإمام ابن بركة كثيرا من مسائله الفقهية التي أوردها بالأدلة وبين حسب ما أداه إليه نظره واجتهاده صحيحها من سقيمها، وراجحها من مرجوحها، سواء بموافقته لبعض آراء من تقدمه من الفقهاء، أو بخروجه برأي جديد من عنده لم يسبق إليه.
وبما أن كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة حوى الجم الغفير من الآراء الفقهية لهذا الإمام، والتي يتعذر احتواؤها واستيفاء جميعها مقارنة بآراء الفقهاء الآخرين في هذه الرسالة الصغيرة المتواضعة، لذا قمت بانتقاء بعض الآراء الفقهية للإمام ابن بركة الواردة في كتابه "الجامع" مع تنويعها حسب أهم الأبواب الفقهية التي صار الفقهاء المعاصرون إلى تقسيم وتصنيف الفقه إليها، ومقارنة هذه الآراء بأقوال فقهاء المذاهب الإسلامية الثمانية.
ومن خلال هذا العرض لبعض آراء الإمام ابن بركة الفقهية الواردة في كتابه "الجامع" ومقارنة ذلك بآراء فقهاء المذاهب الإسلامية يمكن للقارئ أن يقف من خلال ذلك على فائدتين:-
أولا: الاطلاع على بعض اختيارات الإمام ابن بركة الفقهية في أهم أبواب الفقه ليقف على مدى إدراك الإمام ابن بركة ووعيه الفقهي، ومدى بعد
نظره في فهم مقاصد الشريعة، وسبر أسرارها.
ثانيا: موقع فقه الإمام ابن بركة بين فقه المدارس الإسلامية الأخرى.
278 (1/278)
صفحة 278
كما قمت بتخصيص مبحث عرضت فيه بعض آراء الإمام ابن بركة
الفقهية التي خالف فيها رأي المذهب الإباضي الذي ينتمي إليه. وهذا يمكن القارئ من الوقوف على مدى مصداقية دعوة الإمام ابن بركة ونداءاته المتكررة في ثنايا كتابه "الجامع" إلى نبذ التقليد، والأخذ بما هو أقوى دليلا وأنصع حجة، ولو خالف المجتهد في ذلك رأي المذهب الذي ينتمي
إليه.
279 (1/279)
صفحة 279
المبحث الأول: فقه الطهارات:
المطلب الأول: حكم اغتسال الداخل في الإسلام:
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: ذهب الإمام ابن بركة إلى القول بوجوب الاغتسال على من أسلم من المشركين (1).
وهذا القول هو مشهور مذهب كل من الإباضية (2) والمالكية (3) والحنابلة (4)
وهو مذهب بعض الإمامية (5)، وهو ظاهر مذهب الظاهرية (6)، واختاره
الشوكاني (2).
و أدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (إنما المشركون نجس) التوبة [28].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن الله تعالى وصف المشركين فيها بالنجاسة، ومن ثبت عليه الوصف بالنجاسة لم يكن طاهرا مع استحقاقه
لهذا الوصف (8).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 412 - 413.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 3 ص 169. الرواحي، نثار الجوهر، ج 1 ورقة 98. (3) ابن عبد البر، الكافي، ص 13. عبد الوهاب التلقين، ص 52.
(4) الزركشي، شرح الزركشي، ج 1 ص 285. البهوتي، الروض المربع، ص 42.
(0) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 29.
(1) ابن جزم، المحلي، ج 2 ص 27.
(V)
الشوكاني، السيل الجرار، ج 1 ص 123. والشوكاني عالم، يمني من هجرة شوكان باليمن، تتلمذ على يد علماء صنعاء، وبرز في العلم له عدة مؤلفات منها: السيل الجرار، الدرر البهية نيل الأوطار، توفي عام خمسين ومائتين وألف للهجرة / عمر، كحالة، معجم المؤلفين، ج 11 ص 53. مقدمة السيل الجرار، ص 12 -
23
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 414.
280 (1/280)
صفحة 280
ثانيا: ما ورد أن قيس بن عاصم (1) قال: أتيت النبي- صلى الله عليه وسلم-
أريد الإسلام، فأمرني أن أغتسل بماء وسدر.
ووجه الدلالة منه هو أن أمره صلى الله عليه وسلم - لقيس يقتض
الوجوب فدل هذا على وجوب الغسل على المشرك إذا أسلم (").
(د)
ثالثا: ما ورد أن ثمامة بن أثال (3) أسلم، فقال - صلى الله عليه وسلم- "اذهبوا به إلى حائط بني فلان، فمروه أن يغتسل (4).
واعترض علي الاستدلالين الثاني والثالث بأن الأمر فيهما محمول على
الاستحباب بدليل:
أ- أنه صلى الله عليه وسلم - أمر قيسا أن يغتسل بماء وسدر، والاتفاق على أن السدر غير واجب، فكذلك الغسل ليس بواجب بل هو مستحب.
ب أنه صلى الله عليه وسلم - علم أن قيسا وثمامة لا بد وأنهما قد أجنبا في شركهما لوجود الأولاد لهما، فالأمر بالغسل كان لحدث
(1) قيس بن عاصم بن سنان بن منقر المنقري التميمي، أحد الصحابة، كان مشهورا بالحلم ورجاحة العقل، قال عنه- صلى الله عليه وسلم -: "هذا سيد أهل الوبر"، مات بالبصرة، حوالي عام عشرين للهجرة./ ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 3 ص 354 - 355. ابن حجر، الإصابة جـ 5، ص 367 - 369. وحديث قيس: أخرجه: أبو داود/ كتاب الطهارة، رقم 355، ج 1 ص 96. الترمذي / أبواب الصلاة، رقم 605، ج 502. النسائي / كتاب الطهارة، ب (126)، رقم 188، ج 1 ص 109
(1)
ابن عبد البر، الكافي، ص 13. الشقصي، منهج الطالبين، ج 3 ص 169. () ثمامة بن اثال الحنفي، أحد الصحابة، كان سيد أهل اليمامة، أخذته خيل النبي - صلى الله عليه وسلم-، وجاءوا به المدينة، فدعاه صلى الله عليه وسلم للإسلام، فأسلم، وكان ممن بقي على دين الإسلام حين أرتد بنو حنيفة مات قتيلا عام اثني عشر للهجرة تقريبا. / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 1 ص 287 - 289. ابن حجر، الإصابة، ج 1 ص 525 - 526. وحديث ثمامة أخرجه مسلم كتاب السير والجهاد، ب (19)، رقم ج 12 ص 330 - 331. أبو داود / كتاب الجهاد، رقم 2679، ج 3 ص 56 - 57. النسائي، كتاب الطهارة، ب (127)، رقم 189، ج 1 ص 110. (1) الزركشي، شرح الزركشي، ج 1 ص 286. الشوكاني، السيل الجرار، ج 1 ص 123.
281 (1/281)
صفحة 281
الجنابة لا للإسلام (1) رابعا: أن المشرك لا بد وأن تصيبه جنابة في حال شركه، فلو اغتسل حينئذ لم يجزه ذلك الغسل، لأن الغسل من الجنابة قربة وعبادة، والمشرك إذا اغتسل في وقت شركه لم يكن غسله على جهة العبادة والقربة فلا يجزيه ذلك، فإذا أسلم فهو باق على حدثه، فوجب عليه الاغتسال لتصح صلاته وسائر عباداته (2).
القول الثاني: أن الغسل مستحب لمن أسلم من المشركين. وإليه ذهب الحنفية (3) والشافعية (4) والزيدية (5)، وهو مذهب محمد بن
محبوب من الإباضية (6)، وبعض متأخري المالكية (7)، وبعض الحنابلة (8). واستثنى الحنفية (2) والشافعية (10) - على الأصح عندهم - ما إذا كان
الداخل للإسلام قد أجنب في شركه، فإنه يلزمه الغسل حينئذ.
الله
وأدلة هذا القول ما يلي:- أولا: أن من المعلوم أنه قد أسلم خلق كثير، ولم يأمرهم النبي - صلـ عليه وسلم- بالاغتسال غير ثمامة بن أثال، ولو كان واجبا لأمر به كل
من أسلم (11).
(1) النووي، المجموع ج 2 ص 175.
(2) ابن بركة الجامع، ج 1 ص 413.
(2) الكاساني، البدائع ج 1 ص 54. الحلبي، مجمع الأنهر، ج 1 ص 22. (1) الحصني، كفاية الأخيار، ص.58. الشربيني، الاقناع، ج 1 ص 61.
(1)
(V)
(^)
(9) شمس الدين، الروضة البهية، ص 16 - 17. العنسي، التاج المذهب، ج 1 ص 52. ابن جعفر، الجامع، ج 1 ص 268. الشقصي، منهج الطالبين، ج 2 ص 172. ابن عبد البر، الكافي، ص 13. ابن جزي، القوانين، ص 23 ابن قدامة، المغني، ج 1 ص 163. البهوتي، الروض المربع، ص 42. السرخسي، أبو بكر، المبسوط، ج 1 ص 90. الكاساني، البدائع، ج 1 ص 54. (10) النووي، المجموع، ج 2 ص 173. الحصني, كفاية الأخيار، ص 59. (11) الماوردي, الحاوي، ج 1 ص 265.
(1)
282 (1/282)
صفحة 282
واعترض على هذا الاستدلال بأن الأمر بالغسل عند الدخول في الإسلام
كان في حكم المعلوم عندهم بدليل أن ثمامة بن أثال لما أراد الإسلام ذهب
فاغتسل، والحكم يثبت على الكل بأمر البعض، ومن جهل ذلك ممن أسلم فلا يكون جهله بذلك حجة (1).:ثانيا أن الاعتقادات لا تؤثر في الطهارات، ودخول المشرك في الإسلام غايته أن يقال عنه بأنه ترك معصية، فلم يجب معها غسل كالتوبة من سائر المعاصي (2).
ثالثا: أن حدث النجاسة القائم بالمشرك - سواء قيل إنه حسي أو معنوي- أمر ينهدم بالإسلام كسائر الأمور المتعلقة بالمشرك التي تجب بالإسلام،
لأن الإسلام يهدم ما قبله ويقطع ما سبق من معاني الكفر (3). رابعا: أن الكفار غير مخاطبين بالشرائع، والغسل يصير قربة بالنية فلا
يلزمه (4).
وأما أدلة الحنفية والشافعية على وجوب الغسل على المشرك إذا كان قد
أجنب فهي ما يلي: أولا: أن المشرك إذا بال ثم أسلم لزمه الوضوء لاستباحة الصلاة فكذلك يلزمه الغسل لاستباحتها من غير فرق، لأنه مخاطب بالغسل كما هو مخاطب بالوضوء (5).:ثانيا: أن إيجاب الغسل عليه ليس مؤاخذة وتكليفا بما وجب في الكفر، بل هو إلزام شرط من شروط الصلاة في الإسلام، فإن المشرك جنب،
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 1 ص 123.
(2)
(3
النووي، المجموع، ج 2 ص 175. الحصني، كفاية الأخيار، ص 59.
ابن عبد البر، الكافي، ص 13.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 1 ص 90.
(0) الكاساني، البدائع، ج 1 ص 54.
283 (1/283)
صفحة 283
والصلاة لا تصح من الجنب، ولا يخرج بإسلامه عن كونه جنبا (1).
• الرأي المختار:
إن من يمعن النظر في هذه المسألة يجد أن الخلاف بين الفقهاء من القائلين بوجوب الغسل على المشرك إذا أسلم ومن القائلين باستحبابه هو خلاف منصب على صورة واحدة وهي إذا ما بلغ المشرك ثم أسلم بعد بلوغه وقبل احتلامه (2) وما عدا ذلك فليس له وقع من الخلاف المعنوي، أما على مذهب القائلين بوجوب الغسل فظاهر، وأما على مذهب القائلين بالاستحباب فهؤلاء يقولون أيضا بوجوب الغسل إذا أجنب المشرك قبل إسلامه، فظهر أن الخلاف في أكثر صوره خلاف لفظي.
-
على انه إن كان ثم خلاف معنوي في المسألة، فإن القول بوجوب الغسل
على المشرك إذا أسلم مما يترجح الأخذ به لما يلي: أن الأصل في الأوامر الواردة بالغسل أن تحمل على الوجوب ما لم تصرفها قرينة عن ذلك، ولا تظهر هنا قرينة صارفة لذلك، وما قيل من أن النبي صلى الله عليه وسلم - قد أمر قيسا أن يغتسل بماء وسدر، والاتفاق واقع على أن استعمال السدر ليس بواجب لا ينهض قرينة الصرف الأمر عن الوجوب، لأن هذا استدلال بدلالة الاقتران، وهي دلالة ضعيفة مهجورة لا يعتمد عليها. - أن الاتفاق واقع على أن المشرك إذا أحدث حدثا أصغر في شركه، ولم يتطهر منه حتى أسلم، ثم أراد الصلاة أنه يلزمه التطهر منه لاستباحة الصلاة، ومن المعلوم أن الغالب في المشركين الراغبين في الإسلام أنه
(1) النووي، المجموع، ج 2 ص 174.
(2) ويتصور ذلك بما إذا دل على البلوغ واحدة من علاماته المعروفة من غير خروج الماء الدافق كالإنبات
في المواضع المعهودة.
284 (1/284)
صفحة 284
قد وقع منهم الحدث الأكبر وهو إما جنابة باحتلام أو جماع وإما حيض، ولا يخرج عن هذا الغالب إلا صورة ما إذا أسلم المشرك بعد البلوغ وقبل الاحتلام أو الجماع أو الحيض، وهو أمر نادر قد لا يقع أصلا
مع
والنادر لا يبنى عليه حكم فينبغي القول بوجوب الاغتسال على المشوك إذا أسلم ليرفع بذلك الحدث الأكبر القائم به لاستباحة الصلاة، هذا ملاحظة أن يكون الأمر بالاغتسال للمشرك إذا أسلم أمرا تعبديا لم يلحظ الشارع فيه هذه المعاني من الأحداث الكبرى التي قد تصيب المشرك في
شركه.
وأما ما قيل من أن نجاسة المشرك تنهدم بالإسلام، لإن الإسلام يجب ما قبله فليس بظاهر لاحتمال أن يكون الإسلام إنما يجب ويهدم بما أتى به المشرك قبل إسلامه من الذنوب والفجور وما لزمه من الجنايات والتبعات، ولا تعلق له بهدم ما كان من الأحداث الصغرى والكبرى من النجاسة القائمة بجسد المشرك قبل إسلامه، فاغتفر له ما صدر منه من جناية أو تبعة، ولم يغتفر له التطهر من الأحداث القائمة به لما يلي:-
أ- أنه لو قيل بمؤاخذته بالجناية والتبعة للزم البحث والتقصي والتتبع لما جناه في شركه، وهو أمر عسر، ثم إقامة ما يجب عليه من الحدود والتعازير التي قد يكون من بينها القتل الذي يأتي على النفس، وفي ذلك أعظم تنفير عن الدخول في الإسلام المنافي للترغيب الوارد في ذلك، بينما هذا الشأن معدوم في الأمر بالاغتسال خاصة إذا علم أن غسلا واحدا يأتي على جميع الأحداث السابقة عليه.
ب-
- أن الأمر بالغسل للمشرك إنما يتوجه إليه بعد الدخول في الإسلام والإسلام إنما يجب ما قبله لا ما بعده، فظهر الفرق بين الأمرين والله
أعلم.
285 (1/285)
صفحة 285
المطلب الثاني: حكم تطهير جلد الميتة بالدباغ
آراء الفقهاء في المسألة:
:
القول الأول: أن الدباغ مطهر لجلد كل ميتة إلا ميتة الخنزير.
وإلى هذا ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: "وهذا الذي
نذهب إليه ونختاره إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد
الخنازير (1).
وهذا الرأي هو مشهور مذهب الإباضية (2)، وهو رواية عند المالكية (3)، وهو مختار الشوكاني (4).
وإليه ذهب الحنفية، وضموا إلى استثناء جلد الخنزير جلد الآدمي أيضا ()، وبه قال الشافعية (6)، واستثنوا الكلب مع الخنزير، وما تولد منهما. وهو مذهب الظاهرية على التعميم ما عدا جلد الآدمي فإنه لا يطهر
بحال (2)، وعلى هذا بعض الإباضية (8).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أيما إهاب دبغ فق
طهر".
ووجه الدلالة من الحديث هو: أن ظاهره يدل (1) على أن كل إهاب
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 376.
(1)
الكندي، المصنف، ج 3 ص 107 - 108. القطب، النيل، ج 1 ص 469.
(3) ابن عبد البر، الكافي، ص 19. ابن جزي، القوانين، ص 27. (1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 1 ص 40 - 41.
() الكاساني، البدائع، ج 1 ص 128. الموصلي، الاختيار، ج 1 ص 24. (6) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 10. الحصني، كفاية الأخيار، ص 23.
(7) ابن حزم، المحلي، ج 1 ص 118.
(^)
(1)
الكندي، المصنف، ج 1 ص 108.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 376.
286 (1/286)
صفحة 286
يطهر بالدباغ، ويباح استعماله بعد دبغه.
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه مر بشاة ميتة لميمونة (1) - الله عنها - فقال: "هلا انتفعتم "بإهابها"؟ فقالوا إنها ميتة، فقال: "إنما حرم من الميتة أكلها (2).
رضي
ووجه الدلالة من الحديث هو أن المحرم بالموت هو ما يدخل تحت مصلحة الأكل لقوله: إنما حرم" من الميتة أكلها"، وبالدباغ خرج الجلد من أن يكون صالحا للأكل وتبين أن نجاسته بما اتصل به من
الدسومات النجسة، وقد زال ذلك بالدباغ فصار طاهرا (3). ثالثا: ما روته عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم- أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت (4).
رابعا: ما روته عائشة - رضي الله عنها - أيضا عنه- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "دباغ الأديم ذكاته ().
ووجه الدلالة من الحديث الأخير هو: أن هذا عموم لكل أديم ()، وفي تشبيهه-صلى الله عليه وسلم - الدباغ بالذكاة إعلام بأن الدباغ في
(1) ميمونة بنت الحارث بن حزن الهلالية، زوج النبي - صلى الله عليه وسلم، وأم المؤمنين، توفيت بسرف علم واحد وخمسين وقيل ثلاث وستين وقيل ست وستين / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 4 ص 467 - 470. ابن حجر، الإصابة، ج 8 ص 322 - 324. وحديث ميمونة أخرجه: الربيع / كتاب الزكاة والصدقة ب (63) رقم 389، ج 1 ص 154. مسلم / كتاب الحيض ب (27) رقم 100، ج 3 ص 292. أبو داود كتاب اللباس رقم
4120، ج 4 ص 64.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 1 ص 119. الشماخي، الإيضاح، ج 1 ص 324 - 325.
17
السرخسي، المبسوط، ج 1 ص 202. (1) الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 63. النووي، المجموع، ج 1 ص 271، وحيدث عائشة أخرجه الربيع كتاب
الزكاة والصدقة، ب (63)، رقم 390، ج 1 ص 154. أبو داود كتاب اللباس، رقخ 4124، ج 4 ص 65. أخرجه أحمد، جه ص 6. الدارقطني، كتاب الطهاراة، رقم 13، ج 1 ص 45. البيهقي /كتاب الطهارة، ج 1
(9)
ص 21.
) ابن حزم، المحلى، ج 122.
287 (1/287)
صفحة 287
التطهير بمنزلة التذكية للشاة في الإحلال، لأن الذبح يطهرها ويحل
أكلها (1). واعترض على الاستدلال بهذه الأخبار المذكورة بأنها أخبار منسوخة بحديث عبد الله بن عكيم (3) أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كتب إلى جهينة إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة، فإذا جاءكم كتابي هذا فلا تنتفعوا منها بإهاب ولا عصب (3)، ووجه النسخ بهذا الحديث للأحاديث الدالة على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ هو أن لفظ هذا الحديث دال على سبق الترخيص، وأنه متأخر عنه لقوله- صلى الله عليه وسلم-: "كنت رخصت لكم"، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمره- صلى الله عليه وسلم، وهذا آخر ما قاله، لأنه جاء في رواية أخرى: أتانا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم- قبل وفاته بشهر أو شهرين ... الخ (4).
وأجيب عن هذا الاعتراض بما يلي:
أ- أن هذا الحديث مضطرب في سنده، فإنه روي تارة عن كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم، وتارة عن مشايخ من جهينة عمن قرأ كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم-.
ب- أنه مضطرب في متنه فقد روي في أكثر رواياته بغير تقييد، وفي بعضها بالتقييد بشهر أو شهرين، وفي بعضها بأربعين يوما أو
بثلاثة أيام.
(1)
(2)
الصنعاني، سبل السلام، ج 1 ص 44.
عبد
الله بن عكيم الجهني، يكنى بأبي معبد، يعد في الكوفيين، اختلف في سماعه عن النبي-صـ الله عليه وسلم-. ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 9، ص 79 - 80. ابن حجر، الإصابة، ج 5 ص 143. (3) أخرجه أبو داود كتاب اللباس، رقم 4128، ج 4 ص 66. الترمذي /اللباس، ب (7)، رقم 1729، ج 4
ص 194.
(1) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 79. ابن قدامة، المغنى، ج 1 ص 73.
288 (1/288)
صفحة 288
ج- أنه معل بالإرسال، فإن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي -
صلى الله عليه وسلم- (1).
د أن دعوى النسخ ليست بصحيحة لاضطراب الحديث، ولاحتمال أن يكون شيء من هذه الأحاديث المجوزة وراء بعد هذا الحديث على فرض صحته (2).
خامسا: أن الدباغ يحفظ الصحة على الجلد، ويصلحه للانتفاع به كالحياة، والحياة تدفع النجاسة عن الجلد، فكذلك الدباغ (3).
سادسا: أنه جلد طاهر، طرأت عليه نجاسة فجاز أن يطهر كجلد المذكاة وكالثوب إذا تنجسا (4).
واعترض على هذا الاستدلال بأن علة المنع من طهارة جلد الميتة بالدباغ ليس لأجل ما طرأ على الجلد من النجاسة باتصال الدماء والرطوبات به، إذ لو كان نجسا لذلك، لم ينجس ظاهر الجلد، ولا متروك التسمية لعدم علة التنجيس ولوجب الحكم بنحاسة الصيد الذي لم تنفسخ دماؤه ورطوباته (9). وأما حجة الإمام ابن بركة وجمهور الإباضية والحنفية والشافعية على
إخراج الخنزير من عموم جواز دبغ الجلد فهي ما يلي:- أولا: أن الخنزير نجس العين، وما كان نجس العين لم يصح فيه طهارة والعين قائمة (6). وتوضيح ذلك: أنه لا يطهر بالذكاة فلا يطهر بالدبغ بخلاف جلد الميتة مما عداه، لأنها ليست بنجسة العين، وإنما نجاستها
(1) ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 49. الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 63. الصنعاني، سبل السلام، ج 1
(1)
ص 41 - 42.
النووي، المجموع، ج 1 ص 273.
(1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 10.
(1)
(9)
السمرقندي،
تحفة الفقهاء، ج 1 ص 71 - 72. الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 63.
ابن قدامة، المغني، ج 1 ص 73.
) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 377.
289 (1/289)
صفحة 289
عارضة بالموت، وتكون طاهرة إذا ذكيت فكذلك جلدها يكون طاهرا إذا دبغ، فالأحاديث الواردة بإجازة الانتفاع بالميتة بعد الدباغ مقصورة على المتنجس بسبب الموت، ولا يدخل معها ما كان نجس العين وهو الخنزير لعدم حصول الطهارة فيه بوجه من الوجوه. ثانيا: أن جلد الخنزير لا يحتمل الدبغ فإن له جلودا مترادفة بعضها فوق بعض (1).
وأما دليل الشافعية على إلحاق الكلب بالخنزير في عدم طهارة جلده بالدبغ فهو مساواتهم بين الكلب والخنزير في نجاسة العين أيضا (2).
القول الثاني: أن الدباغ غير مطهر لجلد الميتة مطلقا.
وإليه ذهب الزيدية (3) والإمامية (4) وهو الرواية المشهورة عند المالكية (9)
وعند الحنابلة () وهو قول لبعض الإباضية (7).
وأدلة هذا القول ما يلي:
(1)
:أولا قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة) المائدة [3].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن التحريم للميتة عام يشمل كل أجزائها، والجلد من جملة الميتة فيجب أن يكون محرم الاستعمال، ويؤيده أن الجلد قبل الدباغ معلوم النجاسة بالإجماع، فمدعي طهارته بعد الدباغ
يحتاج إلى دليل (8).
الكاساني، البدائع، ج 1، ص 128. الحصني، كفاية الأخيار، ص 24.
(2) النووي، المجموع، ج 1 ص 276.
(2) شمس الدين الروضة البهية، ص 22 السياغي، الروض النضير، ج 3 ص 479.
(4) الطوسي، الخلاف، ج 1 ص 60. الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 15.
(•)
:
عبد الوهاب، التلقين، ص 65. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 78.
(1) المقدسي، العدة، ج 1 ص 19. شرح الزركشي، ج 1 ص 151. (2) الأصم، البصيرة، ج 2 ص 38، الشماخي، الإيضاح، ج 1 ص 326. (8) شمس الدين الروضة البهية، ص 22. الطوسي، الخلاف، ج 1 ص 62. الزركش
ص 151.
ركشي، ج 1
290 (1/290)
صفحة 290
واعترض على الاستدلال بهذه الآية بأن هذا الآية عامة، والأحاديث
المجوزة للدباغ خاصة، فيقدم الخاص على العام عند التعارض (1).
:ثانيا: ما روي من طريق عبد الله بن عكيم - وقد تقدمت الإشارة إليه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى جهينة إني كنت رخصت لكم
في جلود الميتة الخ، وقد سبق آنفا بيان وجه الدلالة من هذا
......
الحديث على منع تطهير جلد الميتة بالدباغ من أن هذا الحديث ناسخ لجميع الأحاديث الواردة بإجازة تطهير جلد الميتة بالدباغ، كما سبق ذكر بعض الاعتراضات عليه، وقد أورد على الاستدلال به من الاعتراضات غير ما تقدم ما يلي:- أ أن هذا كتاب، والأخبار المجوزة للانتفاع سماع، فهي أقوى منه وأولى (2).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن كتابه - صلى الله عليه وسلم- كلفظه، ولولا ذلك لم تقم الحجة بكتبه على ملوك الأطراف الذين وجه إليهم كتبه، ولم يكن حصل لهم البلاغ، ولكان لهم عذر في ترك الإجابة، والواقع غير ذلك (3). ب أن النهي الوارد في حديث عبد الله بن عكيم وارد في استعمال الإهاب، لأن لفظه: "لا" تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب"، والجلد إنما يطلق عليه إهابا قبل الدبغ، وأما بعد الدبغ فلا يسمى
إهابا، وإنما يسمى أديما، كما جاء ذلك في قول الشاعر: قد كان نعلك قبل اليوم من أهب فصرت تخطر في نعل من الأدم (1)
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 377 - 378. الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 63.
(1) النووي، المجموع، ج 1 ص 272.
(3) ابن قدامة المغني، ج 1 ص 73.
(4) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 378 - 379. ابن حزم، المحلى ج 1 ص 121. ابن الجوزي، سبط، إيثار
الإنصاف، ص 49.
291 (1/291)
صفحة 291
فالنهي الوارد في هذا الحديث على فرض صحته- محله قبل الدبغ لا بعده، جمعا بين الأحاديث (1).
واعترض على هذا بأن هذا التفريق بين تسمية الجلد إهابا قبل الدبغ، وأديما بعده غير مسلم، وحجة ذلك أنه لم يعلم من النبي - صلى الله عليه وسلم-
فيه قبل الدبغ رخصة ولا عادة الناس الانتفاع به (2).
ثالثا: أن الجلد جزء من الميتة، فلم يطهر بالدباغ كاللحم (3).
واعترض على هذا الاستدلال بعدم صحة هذا القياس لأمرين:
أ- أنه قياس في مقابل النص، وهو أحاديث إجازة الانتفاع، فلا يلتفت
إليه.
ب أن الدباغ لا تأثير له في طهارة لحم الميتة، ولا يتأتى ذلك لأنه يمحق اللحم، بخلاف الدباغ للجلد، فإنه ينظفه، ويطيبه، ويجعله، صلبا، فحصل الفارق (4).
القول الثالث: أن الدباغ طهارة لجلد الميتة المأكولة اللحم دون غيرها، وبه قال أبو ثور (9) وبعض الفقهاء الأخرين (6).
ودليل هذا الرأي هو ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
دباغ الأديم ذكاته".
(1) القطب، النيل، ج 1 ص 470.
(2) الزركشي شرح الزركشي، ج 1 ص 153.
(3) المقدسي، العدة، ج 1 ص 19.
(4) الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 64. النووي، المجموع، ج 1 ص 273.
(*) أبو ثور: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، فقيه بغدادي من أئمة الشافعية، جمع بين الفقه والحديث، توفي ببغداد عام ستة وأربعين ومائتين للهجرة. / ابن خلكان، وفيات الأعيان، ج 1 ص 26. الزركلي،
الأعلام، ج 1 ص 37.
(1) الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 60. السياغي، الروض النضير، ج 3 ص 481.
292 (1/292)
صفحة 292
ووجه الدلالة منه هو: أنه - صلى الله عليه وسلم- جعل الدباغ في
التطهير كالذكاة، وما لا تعمل فيه الذكاة وهو غير المأكول، ولا تطهره فكذلك لا يطهره الدباغ (1). واعترض على هذا الاستدلال بأن قوله صلى الله عليه وسلم: "أيما
إهاب دبغ فقد طهر" عام لم يفرق بين مأكول اللحم وغيره (2). القول الرابع: أن جلد الميتة يجوز الانتفاع به مطلقا من غير حاجة إلى دباغ (3). وبه قال الزهري (4) من الفقهاء.
ودليل هذا القول هو: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم- أنه مر بشاة فقال: "هل انتفعتم "بإهابها قالوا إنها ميتة، فقال: "إنما حرم أكلها". ووجه الدلالة منه هو: أنه - صلى الله عليه وسلم- أمر بالانتفاع بجلود
الميتة مطلقا، ولم يذكر الدباغ).
واعترض على هذا الاستدلال بأن هذا الحديث مقيد بالروايات الأخرى
التي وردت باستعمال الدباغ (6).
• الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء أن الدباغ لجلد الميتة
مطهر، له وجاعله صالحا للاستعمال، لما يلي:-
أولا: أن الأحاديث الواردة في هذا الباب تدل دلالة واضحة على جواز استعمال جلود الميتة إذا دبغت فإن الحديث الوارد في شاة ميمونة -
(1) الماوردي، الحاوي، ج 1 ص 62.
(1) النووي، المجموع، ج 1 ص 273.) النووي، المصدر السابق، ج 1 ص 270.
(4) الزهري، محمد بن مسلم بن شهاب من بني زهرة بن كلاب، من قريش، يكنى بأبي بكر، كان أحد فقهاء المدينة المنورة، نزل الشام واستقر بها، ومات بموضع يقال له: شغب قرب فلسطين عام أربعة وعشرين
(9)
ومائة للهجرة / ابن خلكان وفيات الأعيان، ج 4 ص 177 - 178. الزركلي، الأعلام، ج 7 ص 97.
النووي، المجموع، ج 1 ص 275.
) الصنعاني، سبل السلام، ج 1 ص 43. السالمي، معارج الآمال، ج 5 ص 191.
293 (1/293)
صفحة 293
رضي الله عنها - قاض بجواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدبغ، لأن شلة ميمونة كانت ميتة، ومع ذلك فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم
بدبغ جلدها والانتفاع به، كما أن حديث أيما" إهاب دبغ فقد طهر" عام لم يفرق بين ميتة ومذكاة: ثانيا: أن القائلين بالمنع من الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ لم يقابلوا أدلة الجواز إلا بأحاديث فيها مقال وبأقيسة مقابلة للنصوص الصريحة في
الجواز. كما يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال باستثناء جلد الإنسان والخنزير من بين سائر الحيوان غير المأكول في الانتفاع بالجلد منهما بعد الدبغ. أما جلد الإنسان فلحرمته ومكانته التي جعلت له.
أكله
وأما الفرق بين الخنزير وغيره من الحيوان غير المأكول فلأن الخنزير نجس العين - حسبما يأخذ به الباحث، مع أن الاقتراب من استعمال جلده قد يدعو إلى تناوله، وأما الحيوان غير المأكول من غير الخنزير فإنما حرم فحسب مع إباحة الانتفاع به في الركوب والحمل .... الخ، والأصل في الأشياء الإباحة فيقتصر في التحريم على الأكل، مع أن الاقتراب من الانتفاع بجلده لا يدعو إلى الوقوع في أكله، لأنه قد أبيح لنا الاقتراب منه فـ مواضع أخر كالانتفاع بركوبه والحمل عليه، فصار الاقتراب منه أمرا معتادا للخلق لا تتشوف نفوسهم إلى تجاوزه إلى غيره، هذا مع ملاحظة أن الخنزير مجمع على أكله دون سائر الحيوانات الأخرى كالسباع فإنه مختلف في جواز أكلها بين الفقهاء، وليس المحذور في المجمع على تحريم أكله كالمحذور في المختلف
تحريم
فيه والله أعلم.
294 (1/294)
صفحة 294
المبحث الثاني: فقه العبادات
المطلب الأول: حكم صوم من أصبح جنبا في رمضان
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن الإصباح على جنابة في رمضان حدث لا يصح مـ
الصوم. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: ومن أصبح بجنابته وهو صائم من غير عذر بتأخيرها كان عليه قضاء يومه (1). وهذا القول هو مذهب الإباضية (2)، ومذهب جمهور الإمامية (3). وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: ما ورد من طريق أبي هريرة - رضي الله عنه- أن النبي- صل عليه وسلم قال: "من أصبح جنبا أصبح مفطر (4). ووجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- جعل الإصباح على الجنابة سببا للإفطار.
-
الله
واعترض على هذا بما روي عن عائشة وأم سلمة () -رضي الله عنهما: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير حلم فيغتسل ويصوم
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 321.
? (7) n ?
(1) أبو غانم، المدونة الكبرى، ص 253. الجيطالي، قناطر الخيرات، ج 1 ص 466.
) المفيد، محمد، المقنعة، ص 345. جمال الدين، أحمد المذهب البارع، ج 2 ص 27.
(4) أخرجه: الربيع / كتاب الصوم، ب (51)، رقم 315، ج 1 ص 129. مسلم كتاب الصوم، ب (13)، رقم 75، ج 7 ص 228. ابن ماجة / كتاب الصيام، (ب (27)، رقم 1702، ج 1 ص 543.
(9) أم سلمة: هند وقيل رملة بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، أم المؤمنين، تزوجها-صلى الله عليه وسلم- عام ثلاثة وقيل أربعة للهجرة بعد وفاة زوجها أبي سلمة، وكانت ممن أسلم قديما، وهاجرت إلى الحبشة ثم المدينة، وماتت عام اثنين وستين للهجرة / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 4 ص 493. ابن حجر، الإصابة، ج 8 ص 404 - 407.
() أخرجه مسلم كتاب الصيام، ب (13)، رقم 76، ج 7 ص 229. أبو داود كتاب الصوم، رقم 2388، ج 2 ص 323. الترمذي/ كتاب الصوم، ب (63)، رقم 779، ج 3 ص 149.
290 (1/295)
صفحة 295
والاعتراض بخبر عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما - هذا على خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - وارد على مسالك هي:
أ- الجمع بينه وبين حديث عائشة وأم سلمة بأن يحمل حديث أبي هريرة إما على أنه إرشاد إلى الأفضل، فالأفضل أن يغتسل قبل الفجر فلو خالف جاز (1).
أو يحمل المراد من حديث أبي هريرة على من أدركه الفجر مجامعا
فاستدام بعد طلوع الفجر عالما فإنه يفطر، ولا صوم له (2). وأجيب عن الاعتراض الأخير بأن هذا الحمل غير صحيح، لأنه ليس في مشهور اللغة أن يطلق لفظ "الجنب" ويراد به المقيم المستديم على الجماع، وعلى فرض تسليمه فلفظ "الجنب" يشمل الإثنين من أنجز جماعه قبل الفجر، وظل على جنابته ومن طلع عليه الفجر مجامعا واستدام ذلك، وكلاهما داخل تحت عموم لفظ "من أصبح جنبا أصبح
مفطرا"، ومدعي تخصيصه بواحد منهما عليه الدليل (3). ب - ترجيح خبر عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما على خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - للأمور التالية: - أن خبرهما من رواية اثنين وخبر أبي هريرة من رواية واحد فيقدم خبرهما على خبر أبي هريرة، لا سيما وهما زوجتان
للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهما أعلم بذلك من الرجال. - أن خبرهما يوافق مدلول قوله تعالى: (فكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) البقرة [187].
(1) النووي، شرح مسلم، ج 7، ص 229. ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 2 ص 230. (2) النووي، شرح مسلم، ج 7 ص 229. الجصاص، أبو بكر، أحكام القرآن، ج 1 ص 237. (3) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 316 - 317. الرواحي، نثار الجوهر، ج 3، ورقة 173.
296 (1/296)
صفحة 296
- أن خبرهما يوافق المعقول، وهو أن الغسل شيء وجب بالإنزال، وليس في فعله شيء يحرم على الصائم، فقد يحتلم بالنهار فيجب عليه الغسل، ويتم صومه إجماعا، فكذلك إذا احتلم ليلا بل هو أولى بالإتمام من النهار، وإنما يمنع الصائم من تعمد الجماع نهارا، وهو شبيه بمن منع من التطيب وهو محرم، ولو تطيب وهو حلال، ثم أحرم فبقي عليه لونه أو ريحه لم يحرم ذلك عليه (1).
- أن أبا هريرة - رضي الله عنه - قد رجع عما حدث به لما أخبر بخبر عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، وروي أنه قال أخبرني بذلك الفضل (2)، وكان الفضل ميتا، وما كان بهذه المثابة لم يصلح التعلق به (3).
وأجيب عن هذا الوجه الأخير بأن أبا هريرة لم يصح عنه الرجوع عما قاله بل ورد عنه أنه كان يحلف ويقول: "ما أنا قلته، إنما محمد - صلى الله عليه وسلم - قاله (4). وقوله: أخبرني بذلك الفضل، ليس فيه ما ينقص من شأن هذا الحديث، إذ لا ضير في رواية صحابي عن صحابي عن النبي-
صلى الله عليه وسلم -، فيكون قوله قال رسول الله - صلى
الله
(1) ابن حجر، فتح الباري، ج 4 ص 119.
(1) الفضل بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم النبي - صلى الله عليه وسلم – وأحد الصحابة شهد فتح مكة وحنينا وحجة الوداع، وكان أكبر أولاد العباس، وهو ممن غسل النبي - صلى الله عليه وسلم – بعد وفاته قيل مات بطاعون عمواس، وقيل يوم أجنادين، وقيل يوم اليرموك، وقيل يوم مرج الصفر./ ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 3 ص 333. ابن حجر، الإصابة، ج 5 ص 287 - 288.
(7) الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 265 - 266.
(1) الرواحي، نثار الجوهر، ج 3 ورقة 171.
297 (1/297)
صفحة 297
آنفا (3).
عليه وسلم - ... الخ مرسل صحابي عن مثله، وهو مقبول
بالإجماع ().
ج- النسخ: واختلف في ناسخه فقيل نسخه قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ... ثم أتمو الصيام إلى الليل) البقرة [187] (2).
وقيل هو منسوخ بحديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما - المتقدم
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن دعوى النسخ إنما تصح أن لو كان الفعل شاهرا ظاهرا كالصلاة، وغيرها، وأما المستتر كالغسل من الجنابة فلا يصح أن يكون ناسخا لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد كلف التبليغ على سواء، والفعل المستتر يخالف ذلك، فلو كان هذا الخبر منسوخا وهو قول لبينه- صلى الله عليه وسلم - بقول مثله حتى يعلم الحكم فيه، ولا يترك الناس على غير بيان في دينهم، إذ لا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة (4).
وهذا الجواب ليس في ظاهره القوة، ويوضح ذلك أن الصحابة من المهاجرين والأنصار قد اختلفوا في وجوب الغسل من غير إنزال عند الجماع فقال المهاجرون بوجوبه وقالت الأنصار: إنما الماء من الماء، حتى رجعوا إلى عائشة - رضي الله عنها، فأخبرتهم بقوله - صلى الله عليه وسلم-: "إذا التقى الختانان وجب الغسل ()، فرجعت الأنصار إلى الأخذ بهذا الخبر، وتركوا
قولهم.
(1) الرواحي، المصدر السابق، ج 3، ورقة 171.
(2) ابن حزم، المحلي، ج 1 ص 219 - 220.
(3) ابن حجر، فتح الباري، ج 4 ص 119. العيني، عمدة القارئ، ج 11 ص 4.
(4) السالمي، شرح الجامع، ج 2 ص 21.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الطهارة ب (21)، رقم 135، ج 1 ص 65. أبو داود / كتاب الطهارة، رقم 216، ج 1 ص 55. الترمذي، أبواب الطهارة، ب (80)، رقم 108، ج 1 ص 180.
298 (1/298)
صفحة 298
ووجه الدلالة من هذا هو: أن خبر "الماء من الماء (1) كان مشتهرا بينهم
حتى احتجت به الأنصار، ولم يبلغهم ناسخه حتى زمن وقوع الخلاف بينهم بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وقول المهاجرين بإيجاب الغسل الموافق لخبر إذا التقى ... الخ" إنما قالوه اجتهادا منهم، وليس عملا بالخبر، لأنهم لم يحتجوا به على الأنصار عند وقوع الخلاف، حتى لجأوا إلى عائشة - رضي الله عنها-
فأخبرتهم به.
فظاهر الحال يدل على أن كلا الطرفين لم يعلم بالخبر الناسخ إلا بعد إخبار عائشة - رضي الله عنها - به، فقد خفي عليهم مع حاجتهم إليه، فظهر بذلك إمكان وقوع مثل ذلك فيما نحن بصدده.
ثانيا: قياس الجنب على الحائض ووجه القياس هو أن الحائض لا يصح منها صوم ولا صلاة لعدم الطهارة لوجود الحدث الأكبر وهو الحيض، والجنب لا تصح منه الصلاة لعدم الطهارة أيضا بوجود الحدث الأكبر
وهو الجنابة، فوجب أن يستويا في حكم عدم الصحة للصوم ("). القول الثاني: أن الإصباح على جنابة حدث يصح معه الصوم، ولا يلزم الصائم شيء معه. وإليه ذهب الحنفية (3) والمالكية (4) والشافعية (5)، والحنابلة (6) والزيدية (7)
والظاهرية (8).
(1) أخرجه: الربيع كتاب الطهارة ب (21)، رقم 135، ج 1 ص 65. أبو داود /كتاب الطهارة، رقم 217، ج 1
ص 55. الترمذي، أبواب الطهارة، ب (81)، رقم 110، ج 1 ص 183.
(1) الرواحي، نثار الجوهر، ج 3، ورقة 173.
(7
(1)
()
الكاساني، البدائع، ج 2، ص 138. الموصلي، الاختيار، ج 1 ص 171. عبد الوهاب، المعونة، ج 1 ص 481. ابن عبد البر، الاستذكار، ج 10 ص 47. الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 264. الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 181.
() ابن قدامة، المغنى، ج 3 ص 98. المرداوي، الإنصاف، ج 3 ص 308.) الهادي، يحيى، الأحكام، ج 1 ص 245. عماد الدين، البيان الشافي، ج 1 ص 601. (1) ابن حزم، المحلى، ج 6 ص 220.
299 (1/299)
صفحة 299
فالآن
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة
[187]
ووجه الدلالة من الآية هو: أن المراد بالمباشرة فيها هو الجماع، وقد أباحت الآية الجماع من أول الليل إلى آخره، ومن المعلوم أن من جامع في آخر الليل فصادف فراغه من الجماع طلوع الفجر أنه يصبح جنبا، وقد حكم الله تعالى بصحة صيامه بقوله تعالى في آخر الآية: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) البقرة [187]، والإباحة لسبب الشيء إباحة
للشيء (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:- أ- أن "حتى" في قوله تعالى في هذه الآية: (فكلوا واشربوا حتى يتبين ... الخ) غاية للأكل والشرب دون الجماع (2).
ب- أن هذه الآية عامة، وخبر أبي هريرة من أصبح جنبا أصبح مفطرا" مخصص لهذا العموم أو مقيد له، بمقدار ما يغتسل فيه الجنب من الليل، وهذا الوقت غير داخل في الوقت المباح من الليل، فوجب على الصائم ألا يجامع في وقت يغلب على ظنه أنه لا يمكنه أن يغتسل فيه قبل طلوع الفجر، لأنه إن جامع فيه إلى آخر لحظة من الليل لم تبق فسحة لفرض الغسل فيصبح مفطرا على غير صوم، وصار جماعه في ذلك الوقت مانعا لفرض
(1) الجصاص أحكام القرآن، ج 1 ص 237. ابن دقيق العيد عمدة الأحكام، ص 335. (2) أبو ستة، محمد، حاشية الترتيب، ج 3 ص 17.
r .. (1/300)
صفحة 300
الغسل مفسدا لفرض الصوم لتسلسل الجنابة إلى الإصباح، فكلنت تلك الفسحة بهذا الاعتبار معدودة في حكم النهار، لأن الغسل من أحكام الجماع الذي منع منه الصائم نهارا (1).
ونظير هذا الصلاة، فإن لها أولا وآخرا، فالقائم إلى أدائها يوقعها فيه وفي أي وقت منه، ثم مع ذلك لا يجوز إلا بالطهارة، وقد خص للطهارة وقتا من أوقات الصلاة، وكذلك الغسل من الجماع خص له جزءا من وقت إباحته (2). ج- أن هناك فارقا بين الأكل والشرب وبين الجماع، لأن الأكل والشرب يمكن مريد الصوم فعلهما وهو ينتظر طلوع الفجر، فإذا تبين له ألقى ما في فيه، لأنه لا ينقض الصوم ما في الفم بل ينقضه ما في الحلق، وأما الوطء فلا يشبه الأكل والشرب لأن الذي يطأ وينظر الفجر إذا تبين له الفجر فأخرج، فإن ذلك الإخراج وطء فيكون قد وطئ في جزء من النهار (3). ثانيا: ما ورد عن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم " كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله، ثم
يغتسل ويصوم".
ووجه الدلالة منه هو: أن في الحديث دليلا على صحة صوم من دخل
في الصباح وهو على جنابة.
واعترض هذا الاستدلال بما يلي:
أ- ان خبر عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما- يدخله الاحتمال، إذ يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم - ترك الغسل عن عمد
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 318. المزاتي، يوسف، أجوبة ابن خلفون، ص 77. الرواحي، نثار الجوهر،
ج 3 ورقة 17.
(1) الرواحي، المصدر السابق، ج 3 ص 173. (3) أبو غانم، المدونة الكبرى، ج 1 ص 289. (1/301)
صفحة 301
(1)
(2)
لبيان جواز الإصباح للصائم على جنابة، ويحتمل أن يكون ناسيا لجنابته فأصبح عليها، أو أخر الغسل في الوقت الذي كان له تأخير الغسل فيه فغلبه النوم حتى أصبح، لأنه ليس في الخبر ما يقطع به على أنه أخر الاغتسال من الجنابة متعمدا حتى أصبح، والدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، ولذا وجب الوقف في هذا الخبر للاحتمالين المذكورين والرجوع إلى خبر أبي هريرة إذ لا معارض له (1).
ب- أن هذا الحديث بهذا اللفظ قابل لأن يكون الاغتسال قبل الفجر قريبا منه (2).
وهذا الاعتراض ليس بالقوي لما يلي:
-
أن لفظ "يدركه" الوارد في الخبر معناه هنا يدخل عليه. - أن لفظ "وهو جنب الوارد في الخبر جملة اسمية واقعة موقع الحال، والمعنى يدركه حال كونه جنبا.
- أن حرف "ثم" الوارد في "ثم يغتسل ويصوم" يفيد التعقيب مع مهلة، ومعنى هذا أنه يباشر الغسل بعد طلوع الفجر.
ج- أن ما جاء في خبر عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما- هو من خصائصه - صلى الله عليه وسلم، لأن قوله عام لغيره وفعله خاص به لا يتعداه إلى غيره إلا بوجوب الاتباع، وهو دليل خارج عن نفس الفعل، فعلينا اتباعه- صلى الله عليه وسلم- في جميع أحواله إلا ما خصنا فيه بحكم، فخبر أبي هريرة حكم عام يشمله ويشمل أمته، وفعله الثابت بخبر عائشة وأم سلمة مخصص لهذا
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 26. المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 28. الرواحي، نثار الجوهر، ج 3 ورقة
14.
(2) أبو غانم، المدونة الكبرى، ج 1 ص 255.
302 (1/302)
صفحة 302
العموم فبقيت الأمة تحت العموم القولي، وصار الخاص الفعلي حكما خاصا به صلى الله عليه وسلم- (1).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه صلى الله عليه وسلم- مساو للأمة في سائر الأحكام إلا ما خصه الله تعالى به وأفرده، ولأن أبا هريرة لم يفهم هذه الخصوصية عندما سمع بخبر بخبر عائشة، وإنما
نسب ما حفظه إلى الفضل، فالخصائص لا تثبت إلا بدليل (2).:ثالثا ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- أن رجلا قال يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم-: "وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم "فقال: لست مثلنا يا رسول الله، قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم الله، وأعلمكم بما أتقي ((3). رابعا: أن الغسل عن الوطء كالشبع والدي عن الطعام والشراب، وهما غير مفسدين للصوم، فكذلك الغسل من الجنابة لا يفسد الصوم، لأنه ثمرة
فعل مباح (4). خامسا: أن الجنابة حدث فبقي تطهيره لا يمنع الصوم كالحدث الأصغر (9). الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء بأن الإصباح على جنابة في رمضان حدث لا يصح معه الصوم، وذلك استنادا إلى قوله -صلى الله
(1) المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 78. السالمي، شرح الجامع، ج 2 ص 21. السيابي فصل الخطاب، ج 1
ص 130.
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 236. ابن حجر، فتح الباري، ج 4 ص 118.
(3) الزركشي شرح الزركشي، ج 2 ص 601 - 602. وحديث عائشة أخرجه مسلم كتاب الصيام، ب (139) رقم 79، ج 7 ص 230. أبو داود / كتاب الصوم، رقم 2389، ج 2 ص 323
(4) الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 256.
(9)
عبد الوهاب، المعونة، ج 1 ص 481.
303 (1/303)
صفحة 303
عليه وسلم - "من أصبح جنبا أصبح مفطرا"، فإنه واضح الدلالة على أن
الإصباح على جنابة مناف لصحة الصوم.
وما ورد من اعتراضات عليه لا تنهض حجة على دفع الاحتجاج به
على المراد منه.
فأما القول بحمله على الاستحباب والإرشاد إلى الأفضل جمعا بينه وبين حديث عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما - فليس بالقوي، لأن خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - المذكور لم يأت منطوقه للحث على المبادرة بالاغتسال من الجنابة قبل الفجر حتى يقال: إن فيه إرشادا إلى الأفضل، بل هو وارد في بيان أن الإصباح على جنابة سبب للإفطار مما يدل على تنافي اجتماع الصوم مع الإصباح على جنابة.
وأما القول بأنه منسوخ بقوله تعالى: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ... وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) البقرة [187]، وبالأحاديث الدالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم- كان يصبح جنبا ثم يصوم، وبأن أبا هريرة رجع عنه بعد سماعه بخبر عائشة وأم سلمة فهو مردود بأن دعوى النسخ لا تثبت عند جهل التاريخ كما هو الحال هنا، وما قيل من رجوع أبي هريرة عنه لا يصح، بل الثابت عنه ثبوته على التحديث به كما يظهر من قوله: "ما أنا قلته محمد - صلى الله عليه وسلم - قاله الذي يشم منه رائحة الإنكار على من ينكر عليه التحديث بهذا الخبر، وعلى فرض صحة رجوعه عنه فليس فيه ما يفيد اطراح الأخذ به خاصة وأن أبا هريرة بين طريق وصول الخبر إليه من أنه قد حدثه به الفضل بن العباس، فطريق وردوده سالم من القدح، ودلالته ظاهرة على المراد منه، وغاية رجوع أبي هريرة - إن صح عنه ذلك - اجتهاد منه، والحجة في روايته لا في اجتهاده. ثم إن خبر أبي هريرة يترجح على الأخبار الواردة بجواز الإصباح على
جنابة بما يلي: (1/304)
صفحة 304
1 - أن خبر أبي هريرة شاغل للذمة بفرض زائد وهو وجوب الغسل على مريد الصوم قبل الفجر في رمضان، والأخبار الأخرى مبرئة للذمة من هذا الفرض فيقدم عند التعارض ما يشغل الذمة على ما يبرئها، لأن الأحاديث الواردة بإباحة الإصباح للصائم على جنابة قد استصحبت حكم الإباحة الأصلية، وقد ارتفع حكم الإباحة الأصلية بورود الدليل الموجب للغسل وهو خبر أبي هريرة ولم يثبت رفعه، فوجب الأخذ به عند
التعارض.
في
جانب
2 - أن خبر أبي هريرة يعضده القياس، لأن كلا من الصوم والصلاة عبادة بدنية، وقد اتفقا في عدم صحتهما مع وجود الحيض، والصلاة لا تصح أيضا مع وجود الجنابة، فيلحق بها الصوم، وإذا ثبت هذا فمع تعارض الأخبار يقدم الخبر الموافق للقياس، لأن موافقة القياس من المرجات عند التعارض. ولا يعترض على هذا بأنه لو صح هذا القياس لوجب اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر في الصوم كاشتراطه في الصلاة، فجوابه هـ و أن مقتضى القياس دال على اشتراط ذلك، غير أنه اغتفر ذلك. الصوم دون الصلاة لوجود الفارق بينهما لأمرين: أ- أن وقت الصوم طويل ممتد يعسر على المكلف الاحتراز فيه عن الحدث الأصغر من بول أو غائط للضرورة الداعية إلى ذلك كما يعلم بالمشاهدة، فلو اشترطت الطهارة الصغرى في الصوم لأدى ذلك إلى إلحاق الحرج والمشقة بالصائم لعدم تمكنه من التحرز عنه، بينما وقت الصلاة وقت قصير يتمكن المكلف فيه من التحرز عن الحدث الأصغر حتى أدائها، فاشترط ذلك في الصلاة دون الصوم، ويؤيده اشتراط الطهارة الصغرى في الطواف دون الوقوف بعرفة لقصر
305 (1/305)
صفحة 305
وقت الطواف، وطول وقت عرفة مع أن الوقوف بعرفة أوكد
وأوجب.
ب - أن فرض الصوم فرض مستغرق لوقته، فوقوع السب الناقض في جزء منه يعم الوقت كله بالبطلان، فلو اشترطت الطهارة فيه من الحدث الأصغر مع عدم إمكان التحرز عنه لما تصور صوم أصلا في شهر الصوم، فتفوت الحكمة من تخصيص الشارع وتعيينه هذا الوقت أداء لهذه العبادة، لأن للشارع حكمة في ذلك سواء عقلها المكلف أو لم يعقلها، فاغتفر التكليف بذلك تحقيقا لهذه الحكمة، وما تصور من المحذور من ذلك في وقت الأداء، يتصور أيضا في وقت القضاء بعد رمضان إذ لا فرق بين الوقتين في عدم إمكان التحرز من الحدث الأصغر، وهذا يلزم منه التسلسل إلى مالا نهاية، وهو محال، ولا يصح التكليف بمحال، أما وقت الصلاة فهو غير مستغرق لوقته، وإنما يأخذ الأداء لها جزءا منه، فإذا انتقضت بحدث أصغر أمكنه أن يأتي بها في الجزء الثاني أو الثالث ... الخ من الوقت، فلا تفوت الحكمة من تخصيص الشارع وقت كل صلاة وقتا لأدائها، ويتأيد هذا بأن ذوي الأعذار المستمرة كسلس البول والمبطون ... الخ، اغتفر في حقهم اشتراط الطهارة من الحدث الأصغر، فيصلون مع وجود الحدث رفعا للحرج والمشقة، وتحقيقا للحكمة من تخصيص ذلك الوقت وقت أداء للصلاة والله أعلم.
306 (1/306)
صفحة 306
المطلب الثاني: حكم الزكاة في مال الصبي والمجنون
أراء الفقهاء في المسالة:
القول الأول: أن الزكاة واجبة في مال الصبي والمجنون، يخرجها عنهما الولي أو الوصي، وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك
هو: "الزكاة تجب في مال كل مسلم بالغا كان أو غير بالغ، مغلوبا على عقله أو عاقلا".
وهذا القول هو مذهب الإباضية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والحنابلة (4) والظاهرية (5)، وهو مذهب جمهور الزيدية (6).
وأدلة هذا القول ما يلي:
(1)
أولا: قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) التوبة [103]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن الهاء والميم في لفظ "أموالهم" الوارد في الآية عام يشمل كل صغير وكبير وعاقل ومجنون وحر وعبد، لأن الكل منهم محتاج إلى طهرة الله لهم وتزكيته إياهم (). واعترض على هذا الاستدلال بأن دعوى العموم في ذلك ممنوعة، لأن هذا الخطاب وارد لمن يصلح له الخطاب وهم المكلفون، لأن سائر التكاليف التي وقع الاتفاق على عدم وجوبها على من ليس بمكلف جاء
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 601. الشقصي، منهج الطالبين، ج 5 ص 40. القطب، الذهب الخالص، ص 230. لكن الظاهر أن هناك رأيا في المذهب الإباضي يقول بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون، فقد حكى في المعارج ج 14، ص 75 قولا بعدم وجوب الزكاة في مال اليتيم عن بعض فقهاء المذهب، ويلحق به المجنون لاتحاد علة الخلاف بين المثبتين للزكاة في مالهما والنافين لذلك.
() ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 1 ص 282. ابن العربي، القبس، ج 2 ص 455.
(4) النووي، المجموع، ج 5 ص 330. الشربيني، مغنى المحتاج، ج 1 ص 409.
(•)
ابن قدامة، المغني، ج 2 ص 390. المرداوي، الإنصاف، ج 3 ص 40.
(1) ابن حزم، المحلي، ج 5 ص 201. () السياغي، الروض النضير، ج 2 ص 417. العنسي، التاج المذهب، ج 1 ص 182. (1/307)
صفحة 307
الخطاب بها عاما، فلو كان عموم الخطاب في الزكاة مسوغا لإيجابها على غير المكلفين لكان العموم في غيرها كذلك، وهو باطل بالإجماع، مع أن تمام الآية وهو قوله تعالى: تطهرهم وتزكيهم بها يدل على عدم وجوبها على الصبي والمجنون، فإنه لا معنى لتطهير الصبي ولا لتزكيته (1).
وأجيب عن معنى تطهير الصبي وتزكيته بأن هذا شيء لا يتوصل إلى علمه وإدراكه، وقد ينفع الله الطفل بما أخرجه المتولي لماله من زكاة قبل بلوغه، ويدل على إمكان انتفاع الطفل بذلك ما ورد أن امرأة أخذت بعضد صبي، ورفعته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم - وقالت: يا رسول الله ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر (2)، فأثبت له الحج والانتفاع به قبل بلوغه، فكذلك الزكاة (3).
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم، وأردها على فقرائكم".
ووجه الدلالة منه هو: أن الأمر منه - صلى الله عليه وسلم - بأخذ الزكاة من الأغنياء عام في كل غني من صغير وكبير وعاقل ومجنون، فإن الكاف والميم من قوله "أغنيائكم" راجعة إلى المخاطبين
وهم المسلمون، فيدخل الصبي والمجنون فيهما إذا كانوا أغنياء (). والذي يوضح ذلك هو: أنه لما عم الخطاب وشمل في قوله صلى الله عليه وسلم-: "وأردها على فقرائكم الصبي والمجنون، فيعطى كل واحد منهما من الزكاة إذا كان مستحقا بالإجماع فكذلك الخطاب في
(1) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 4.
(T)
(1)
أخرجه مسلم كتاب الحج، ب (72)، رقم 409، ج 9، ص 106. أبو داود/كتاب المناسك، رقم 1736، ج 2 ص 147. الترمذي/كتاب الحج، ب (83)، رقم 924، ج 3 ص 264.
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 602. (1) ابن بركة الجامع، ج 1 ص 602 - 603. (1/308)
صفحة 308
قوله -صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن آخذها من أغنيائكم" يشمل الصبي والمجنون، فيأخذ الإمام الزكاة من مال كل واحد منهما إذا بلغ ماله نصاب الزكاة (1).
:ثالثا ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من ولي يتيما فليتجر له، ولا يتركه حتى تأكله الصدقة (2).
ووجه الدلالة منه هو: أن الأمر بالمتاجرة في مال اليتيم إنما علل بخوف إذهاب الصدقة للمال لو لم يتاجر فيه، وإنما يجوز إخراج الزكاة من مال اليتيم إذا كانت واجبة فحسب، إذ لو لم تكن واجبة لما جاز للولي أن يتبرع بمال اليتيم في إخراجها (3).
واعترض هذا الاستدلال بما يلي: أ- أن هذا الخبر جاء من طرق جميعها ضعيفة، فلا يصلح لأن يكون حجة، وأموال العباد المحرمة بنصوص الكتاب والسنة لا يحلها
إلا التراضي وطيبة النفس بها، أو ورود الشرع (4).
ب أنه يحتمل أن يكون المقصود من لفظ الصدقة الوارد في الحديث هو النفقة بدليل أنه أضاف الأكل إلى جميع المال، والنفقة هي
التي تأتي على جميع المال دون الزكاة ().
وهذا الاعتراض ليس بالقوي، لأن المعهود من ألفاظ الشارع استعمال لفظ "الصدقة" فيما يخرجه الإنسان من ماله لمن به فاقة
(1) الشقصي، منهج الطالبين، جه ص 40. (1) أخرجه الترمذي / كتاب الزكاة، ب (5)، رقم 641، ج 3 ص 32. الدار قطني / كتاب الزكاة رقم 1، ج 2
ص 110. البيهقي، كتاب الزكاة، ج 4 ص 107.
() الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 135. ابن قدامة، المغني، ج 2 ص 391. الصنعاني، سبل السلام، ج 2
ص 265.
(4) علل الكمال بن الهمام الحنفي ضعف هذا الخبر بأن في إسناده المثنى بن الصباح وهو ضعيف، متروك الحديث، انظر ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 237.
(9) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 163.
309 (1/309)
صفحة 309
أو حاجة بنوعيها الواجب والمندوب والأصل أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الموضوعة لها شرعا، ولا تنقل عن ذلك إلا بدليل، والظاهر أنه لا دليل على النقل هنا.
والزكاة وإن لم تأكل المال كله ببقاء ما دون النصاب إلا أنها إن لم يتجر بمال الصبي والمجنون أتت على معظم المال، وما بقي دون النصاب يستهلك في الإنفاق على الصبي والمجنون، وفي هذا ضرر دنيوي عليهما، ولذا حث الشرع على المتاجرة بماليهما دفعا لهذا الأمر المخوف. ج- أنه يحتمل أن يراد بلفظ "الصدقة" الوارد في هذا الخبر صدقة الفطر، لأنها تسمى زكاة (1).
وهذا الاعتراض ليس بالقوى أيضا لأن فيه قصر العام على بعض أفراده بلا دليل عليه، وذلك لأن لفظ الصدقة شامل للزكاة المفروضة وزكاة الفطر، فصرفه إلى أحدهما دون الآخر بغير
قرينة دالة على ذلك هو تخصيص بغير مخصص. رابعا: أن الزكاة تراد لثواب المزكي، ومواساة الفقراء، والصبي والمجنون من أهل الثواب وأهل المواساة، وهي مع ذلك لها تعلق بمالهما، فهي شبيهة بالالتزامات المالية كنفقة الأقارب والزوجات وأروش الجنايات وقيم المتلفات، ولذا وجبت هذه الأشياء في ماليهما، كما أنه تجب عليهما في مالهما زكاة الفطر والعشر، ويعتق عليهما الأب إذا ملكاه، وإذا ثبت أن الزكاة حق في المال فحيثما وجد المال أخذ منه الزكاة عند توفر شروطها (2).
واعترض على هذا الاستدلال بأن إيجاب النفقات والغرامات في مال الصبي والمجنون مبني على أن النفقات والغرامات من حقوق العباد، وهي لا تتوقف على النية، وأن القول بإيجاب العشر والخراج وصدقة
(1)
الكاساني، البدائع، ج 2 ص 8.
(2) الشربيني، مغني المحتاج، ج 1 ص 408. السالمي، معارج الآمال، ج 14 ص 77. (1/310)
صفحة 310
الفطر في ماليهما فلأنها ليست بعبادة محضة، بل هي عبادة بها معنى
المؤونة (1).
عمن
خامسا: أن الزكاة حق خالص في المال ليست كالصلاة التي هي حق الله (2)، ودليل الفرق هو: أن الزكاة يقوم رب المال بإخراجها، وقد ينيب عنه غيره في إخراجها، وقد يأخذها الإمام جبرا من مال من وجبت فيه، رضي رب المال ذلك أو كره، حضر أو غاب، بينما شأن الصلاة أنها عمل بالبدن، ليس فيها حق لأحد من المخلوقين، ولا ينوب وجبت عليه في أدائها (3). واعترض على هذا الاستدلال بأنه منقوض بالذمي، فإنه لا تؤخذ من ماله الزكاة، فلو كانت الزكاة واجبة لأجل أنها حق خالص في المال يثبت للآخرين لصح أداؤها من الذمي مع عدم إسلامه بل جاز جبره عليها كما يجبر على دفع نفقة زوجته ونحوها، وحيث أن الأمر على خلاف ذلك علم أنه اعتبر في الزكاة وصف آخر لا و وصف العبادة الزائل مع ـــدمه، وهـ يصح مع الكفر (4).
القول الثاني: أن الزكاة غير واجبة في مال الصبي مطلقا، ومال المجنون جنونا أصليا، وإليه ذهب الحنفية (5).
وأما المجنون جنونا طارئا فهو عندهم على نوعين:
(1) ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2 ص 217. ابن عابدين، رد المحتار، ج 3 ص 173.
ابن عبدالبر، الاستذكار، ج 9 ص 83. الشقصي، منهج الطالبين، ج ص 40.
ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 164.
المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 96. الموصلي، الاختيار، ج 1 ص 99. والمجنون الأصلي عندهم هو من بلغ
مجنونا، واستمر على ذلك. انظر، السرخسي، المبسوط، ج 2 ص 162.
311
(2)
()
(4)
(•) (1/311)
صفحة 311
أ- أن يدوم جنونه سنة كاملة فهذا حكمه عندهم حكم المجنون الأصلي، وهو أن الزكاة غير واجبة عليه في ماله (1).
ب ألا يدوم جنونه سنة كاملة، وهذا محل خلاف بينهم. ذهب محمد بن الحسن (2) إلى أنه إن أفاق في شيء من السنة وإن كان ساعة من الحول من أوله أو وسطه أو آخره، فإن زكاة ذلك الحول تجب عليه، وهو رواية عن أبي يوسف (3).
وذهب أبو يوسف في رواية أخرى عنه إلى أنه إن أفاق أكثر السنة وجبت في ماله الزكاة، وإلا فلا تجب (4).
والقول بعدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون هو مذهب بعض الزينية ()، واختاره الشوكاني (6).
وأدلة هذا القول ما يلي:
(1)
أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء
الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلا (7). ووجه الدلالة منه هو أن ما بني عليه الإسلام يكون عبادة، والزكاة من بين الأمور المبني عليها الإسلام الواردة في الحديث فهي إذن عبادة، والصبي والمجنون ليسا من أهل وجوب العبادة لعدم البلوغ في
المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 96. الموصلي، الاختيار، ج 1 ص 99. (2) محمد بن الحسن الشيباني من أئمة الحنفية، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، وولي قضاء الرقة، من مؤلفاته: الجامع الكبير، الجامع الصغير، الأصل الحجة على أهل المدينة، توفي عام تسعة وثمانين ومائة للهجرة بالري/ ابن أبي الوفاء، الجواهر المضية، ج 3 ص 122. الزركلي، الأعلام، ج 6 ص 80.
(3) السرخسي، المبسوط، ج 2 ص 163. الكاساني، البدائع، ج 2 ص 8.
(4)
السرخسي،
المصدر السابق، والصفحة الكاساني، المصدر السابق والصفحة. (0) عماد الدين البيان الشافي، ج 1 ص 456. الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 264. (1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 10 - 11.
(2) أخرجه البخاري كتاب الإيمان، ج 1 ص 42. النسائي / كتاب الإيمان، ب (13)، رقم 5001، ج 8 ص 108.
312 (1/312)
صفحة 312
الصبي والعقل في المجنون فلا تجب عليهما، ولأن هذه العبادات لا تتأدى إلا بالاختيار تحقيقا لمعنى الابتلاء، ولا اختيار لهما لعدم
العقل (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أ- إن كلا من الصوم والصلاة عمل بدني، والزكاة حق مالي، فحصل الفرق بينهما من حيث الإيجاب على الطفل والمجنون (2). ب- إن الزكاة وإن كانت عبادة فهي ليست بعبادة محضة، بل عبادة فيها مؤونة تصح نيابة الغير فيها، فإن تعذر إخراج الصب والمجنون لها ناب عنه وليه (3).
كما نوقش قياس عدم وجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون على عدم وجوب الصلاة والصوم عليهما بأنه قياس لا يصح، لأنهم إن قالوا في مقدمات قياسهم: فوجب ألا يجب على الصبي، قيل لهم: ليست واجبة عليه، وإنما هي واجبة في ماله، وإن قالوا: فوجب ألا تجب في ماله، لم يوجد هذا الوصف في الأصل المردود إليه من الصلاة والصوم، لأنهما ليستا بعبادتين ماليتين (4).
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى ينتبه، وعن المجنون حتى
يفيق (5).
(1) السرخسي، المبسوط، ج 2 ص 163. الكاساني، البدائع، ج 2 ص 7. ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 603، الشربيني، مغني المحتاج، ج 1 ص 409.
(2)
ابن العربي، القبس، ج 2 ج 465. (4) الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 153.
(1) أخرجه أبو داود كتاب الحدود، رقم 4398، ج 4 ص 137. الترمذي / كتاب الحدود، ب (1)، رقم 1423، ج 4 ص 24. ابن ماجة / كتاب الطلاق، ب (15)، رقم 2041، ج 1 ص 658. (1/313)
صفحة 313
ووجه الدلالة منه هو: أن في إيجاب الزكاة في مال الصبي أو المجنون إجراء للقلم عليهما، فإن الوجوب يختص بالذمة، ولا وجوب على ذمة الولي، فوجب القول بوجوب ذلك على ذمة الصبي والمجنون، وهذا على خلاف ما دل عليه الحديث، لأنه دال على رفع حكم المؤاخذة عن الثلاثة، وقد وقع الاتفاق على أن الصلاة ساقطة عن الثلاثة حتى يزول سبب سقوط التكليف عن كل واحد منهما، والزكاة عبادة فتسقط كالصلاة بطريق القياس (1).
واعترض على هذا الاستدلال بأن رفع القلم عن الثلاثة الوارد في الحديث مراد به رفع الإثم عنهم، وهذا لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في تعلق الوجوب، والحديث لا يدل على أنه لا يتعلق الوجوب على واحد منهم، بل فيه ما يدل على ذلك فإنه قد ذكر معهما النائم، ولا خلاف في وجوب الزكاة عليه في ماله (2)، فرفع القلم في الحديث يراد به الرفع عن نفس الطفل والمجنون لا عن مالهما (3). وأما دليل الحنفية على أن الجنون الطارئ إذا استمر سنة ولم يفق منه صاحبه خلالها أن حكمه حكم الجنون الأصلي في إسقاط الزكاة فهو قياس الزكاة على الصوم، لأن السنة في الزكاة كالشهر في الصوم، والجنون المستوعب للشهر يمنع وجوب الصوم فالجنون المستوعب للسنة يمنع وجوب الزكاة (4).
وأما دليل محمد بن الحسن منهم على وجوب الزكاة في مال المجنون إن أفاق في جزء من السنة فهو قياسه الزكاة على الصوم أيضا، وذلك لأن السنة للزكاة كالشهر للصوم والإفاقة في جزء من الشهر يكف
(1) السرخسي، المبسوط، ج 2 ص 163. ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2 ص 217. (2) السالمي، معارج الآمال، ج 14 ص 80.
(3) الماوردي، الحاوي، ج 3 ص 153.
(4) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 8. (1/314)
صفحة 314
لوجوب صوم الشهر، فكذلك الإفاقة في جزء من السنة تكفي لانعقاد الحول على المال ووجوب الزكاة فيه (1).
وأما دليل أبي يوسف على أنه يشترط لإيجاب الزكاة في مال المجنون المفيق أن يفيق أكثر السنة فهو قياسه المجنون في الزكاة على النمي في الجزية، فإن الذمي إذا مرض في بعض السنة نظر: فإن كان صحيحا في أكثر السنة لزمته الجزية، وإن كان مريضا في أكثر السنة لم تلزمه الجزية (2). القول الثالث: ذهب الإمامية إلى تقسيم مال الصبي والمجنون إلى قسمين:- أولا: المال الصامت وهو الدراهم والدنانير، وهذا ليس فيه زكاة عندهم (3). ثانيا: الغلات، والمواشي، وهذا فيه قولان عندهم:
قيل: تجب فيه الزكاة، وعلى الولي أن يخرجها عن كل من المجنون والصبي (4).
وقيل: تستحب فيه الزكاة وليست بواجبة (5).
وذهب بعضهم إلى التفريق بين مال الصبي وبين مال المجنون فأوجبها في مال الصبي دون المجنون.
ووجه الفرق عنده هو: أن البلوغ غاية محققة مرتقبة، فجاز إيجاب الزكاة في مال الصبي لترقب انتهاء غاية الحجر، بخلاف المجنون (1).
(1) السرخسي، المبسوط، ج 2 ص 163 - 164. (2) السرخسي، المصدر السابق، ج 2 ص 164.
(1) الطوسي، الخلاف، ج 2 ص 40. المفيد، المقنعة، ص 238. (4) الطوسي، المصدر السابق والصفحة المفيد، المصدر السابق والصفحة.
(1) الحلي، شرائع الإسلام، ج 1 ص 77.
(2) جمال الدين، المهذب البارع، ج 1 ص 505.
315 (1/315)
صفحة 315
وهذا الفرق غير ظاهر، لأن الصبي قد يموت قبل البلوغ، فلا وجه للجزم بانتهاء غاية الحجر عليه، فيكون الولي قد أخرج الزكاة من مال من لم
تجب فيه، كما أن المجنون قد يفيق، فيرتفع الحجر عنه بمجرد إفاقته.
الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ برأي من قال بوجوب الزكاة في مال الصبي والمجنون. وسبب اختيار واتباع هذا الرأي ما يلي:
هذه المسألة
بين الفقهاء يؤول في آخر المطاف إلى
1 - أن سبب الخلاف في النظر إلى الزكاة هل هي عبادة، أو حق متعلق بالمال؟. وفي جعلها حقا متعلقا بالمال أظهر من جعلها عبادة خالصة، وذلك لأن من بين المقصود منها مواساة الفقراء والمساكين وجميع من فرضت لهم من سائر المحتاجين والشيء يعتبر بما يؤول إليه، ويلحظ فيه ما جعل غاية له، وفي قوله تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم التوبة، [60] ما يفهم منه ترجيح كون الزكاة حقا متعلقا بالمال من ثلاثة وجوه: أ- أن اللام في لفظ للفقراء" و ما عطف عليه إما أن تدل على التمليك أو الاختصاص، وعلى كلا الأمرين فيستفاد منه أن الزكاة حق مالي مملوك أو مختص بالفقراء ومن عطف عليهم. ب أن قوله تعالى في آخر هذه الآية: فريضة من الله يدل على أن الزكاة حق مالي فرضه الله تعالى ذو الملك المطلق على من جعله مستخلفا في المال الذي عنده لهؤلاء الأصناف، ولهذا صار من المقرر عند الفقهاء أن الزكاة مخصوصة بهذه الأصناف، ولا يجزي دفعها إلى غيرهم.
316 (1/316)
صفحة 316
ج- أن في جعل الله تعالى المؤلفة قلوبهم وفي سبيل الله المفسر بالجهاد أو بالمصالح العامة كافة من بين مصارف الزكاة دليلا على أن الزكاة حق متعلق بالمال، لأن المقصود من إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة هو دفع كيدهم عن الإسلام، وعطف قلوبهم إليه، ورد شرورهم عن أهله. وكذلك المقصود من إخراجها في سبيل الله هو إعلاء كلمة الدين الحق إن فسر بالجهاد، أو إقامة كيان المجتمع المسلم إن فسر "سبيل الله" بالمصالح العامة عموما، وهذا يشترك فيه جميع أهل الملة كبارهم وصغارهم عقلاؤهم ومجانينهم، ولا يعترض على هذا بأن هذا داخل تحت مسمى الجهاد، والجهاد غير واجب على الصبيان والمجانين، إذ جوابه هو: أن الجهاد الساقط فرضه عن الصبيان والمجانين إنما هو في بعض أنواع الجهاد، وفي محل دون، آخر ففرض الجهاد الساقط عن المجانين والصبيان هو الجهاد بالنفس وتجهيز الغازين لملاقاة زحوف العدو ابتداء، فهذا لا يلزم الصبيان ولا المجانين منه شيء، أما إذا داهم أهل الشرك المسلمين في عقر دارهم فعلى البالغين القادرين على الجهاد بالنفس دفاع العدو، وكان مغرم الدفاع في هذه الحال على الجميع، ويدخل ذلك النساء والصبيان، وكذلك إن عجزوا عن دفعهم بالأبدان دافعوهم بالأموال واستوى في ذلك البالغ والصبي والذكر والأنثى والعاقل والمجنون فيؤخذ من أموال الجميع ما يندفع به شر العدو، وهذا كله بلا شك - نوع من الجهاد؛ لأنه قام مقام الجهاد بالنفس عند العجز عن ذلك؛ ولأن الجهاد غير متوقف على النفس فحسب، ومع هذا فقد ساوى الصبيان والمجانين البالغين والعاقلين في حكم الوجوب في هذا النوع، ومما لا ريب فيه أن المؤلفة قلوبهم نازلون منزلة العدو المداهم لدار المسلمين لمعايشتهم المسلمين في
في
عقر
317 (1/317)
صفحة 317
دارهم فضررهم على الإسلام واقع في عقر داره كضرر العدو المداهم الذي يتوجب على أهل الملة عموما دفعه خلافا لضرر المشركين النائين عن دار الإسلام المفترض جهادهم كفاية الذي لا يلزم الصبيان والمجانين منه شيء، وكذلك مصرف "في سبيل الله إذا فسر بالمصالح عموما، فإنه يشترك فيه أهل الملة كلهم، إذ نفعه راجع إلى الجميع، وبثبوت هذا كله يتبين أن الزكاة حق مالي يؤخذ من مال الصبي والمجنون، كما يؤخذ من مال غيرهما. 2 - أن القول بإيجاب الزكاة في أموال الصبيان والمجانين يتفق مع مقاصد الشريعة وحكمها، إذ من غير المعقول أن يتقلب صبي أو مجنون في رغد العيش ورخائه، ويكدس له وليه المال بتنميته يوما بعد يوم وبالقرب منه فقير قد يكون صبيا أو مجنونا مثله يتوسد الأرض،
ويلتحف السماء وهو مع ذلك يتضور من الجوع والمخمصة. وأما الجواب عن الاستدلال بحديث بني الإسلام على خمس"، ومنها الزكاة، وما بني على الإسلام فهو عبادة والعبادة لا تتأتى من الصبي والمجنون،
أن
فجوابه هو أن من المسلم به أن كل ما بني عليه الإسلام فهو عبادة، غير العبادة في الإسلام تتنوع إلى عبادة بدنية خالصة كالصلاة، وعبادة مالية كالزكاة، وعبادة بدنية مالية كالحج، فقصر تفسير العبادة المبني عليها الإسلام على ما كان بدنيا قصور في التفسير، بل ينبغي تفسير ذلك بما ذكر أعلاه حتى تظهر ميزة الإسلام بأن عباداته قد جاءت لتلبية مطالب الروح والجسد المشروعة، وأن أحكامه تتناول شؤون المكلف بدنا ومالا.
وأما الاستدلال بحديث "رفع القلم عن ثلاثة ... الخ"، فالمقصود به الرفع عن المؤاخذة بالذنوب والآثام، وليس بما يتعلق من حق في المال بدليل أن النائم أحد المذكورين في الحديث ممن تلزمهم الزكاة ولو في حال نومه والله
وهو
أعلم.
318 (1/318)
صفحة 318
المبحث الثالث: فقه الأيمان والنذور
المطلب الأول: حكم إخراج كفارة اليمين قبل الحنث في اليمين آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن اليمين تجب بالعقد فيصح إخراج الكفارة قبل الحنث. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: وكفارة اليمين
بالعقد بظاهر الخطاب لقول الله: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة [89]). وهذا القول هو مذهب ابن حزم خلافا للظاهرية (2)، وهو رأي موسى بن موسى بن علي من الإباضية (3)، وهو مذهب الحنابلة (4)، ورواية عند المالكية (5). وأدلة هذا القول ما يلي:-
أولا: قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة [89]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن الكفارة وجبت بنفس اليمين، ولم يعلقها
على الحنث، فقد قال تعالى: (إذا حلفتم، ولم يقل: إذا حنثتم (1). ويوضح ذلك أن كلا من الإطعام أو الكسوة أو تحرير الرقبة، أو الصيام الوارد في الآية هو كفارة لليمين عند وجود الحلف، فإذا أداها بعد الحلف قبل الحنث، فقد أدى الكفارة عن ذلك اليمين، وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يخرج من عهدة التكليف بذلك (7).
ثم إن في قوله تعالى: إذا" حلفتم دقيقة" بلاغية" وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز، وأما بعده وقبل الحنث فجائز (8).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 97.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 65.
(1)
(1)
الشقصي، منهج الطالبين، ج 6 ص 249.
المقدسي، العدة، ج 2 ص 111. الزركشي، شرح الزركشي، ج 7 ص 405.
(1) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 42. ابن جزي، القوانين، ص 111.
() ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 97.) الرازي، التفسير الكبير، ج 12 ص 66.
(4) الرازي، المصدر السابق والصفحة.
319 (1/319)
صفحة 319
:ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: يا عبد الرحمن بن سمرة (1) إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك، وأت الذي هو خير (2).
ووجه الدلالة منه هو: أن الحديث نص على الأمر بإتيان ما هو خير من اليمين، ثم يكفر الحالف عما حلف عليه من ترك ما هو خير منه، وهذا أمر، وأقل أحواله الجواز (3).
(4)
:ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: إذا حلف أحدكم علـ يمين فرأى غيرها خيرا منها، فليكفرها، وليأت الذي هو خير ووجه الدلالة منه هو: أن الحديث دليل ظاهر على جواز إخراج الكفارة قبل الحنث (5).
رابعا: أن اليمين سبب الكفارة، والدليل عليه قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة [89]، فأضاف الكفارة إلى اليمين، والمعاني تضاف إلى أسبابها، ويؤكد ذلك أن الحنث قد يكون من غير فعل الحالف كقوله: والله لا جاء فلان غدا من سفره، ولا طلعت الشمس غدا (2) ومعنى هذا أنه إذا جاء فلان غدا، أو طلعت الشمس غدا حنث الحالف من غير فعل منه.
(1)
عبد الرحمن بن سمرة بن حبيب العبشمي القرشي، أبو سعيد، أسلم يوم فتح مكة، وافتتح سجستان وكابل، ثم رجع إلى البصرة، فسكنها، وتوفي بها عام واحد وخمسين/ ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 2 ص 378. ابن حجر، الإصابة، ج 4 262 - 263.
(1) أخرجه أبو داود كتاب الأيمان والنذور، رقم 3278. النساني / كتاب الأيمان والنذور، رقم 3784، ج 7
ص 10.
(3) الزركشي، شرح الزركشي، ج 7 ص 105.
(1) أخرجه مسلم كتاب الأيمان ب (3)، رقم 11، ج 11 ص 124. مالك / كتاب النذور والأيمان، ب (7)، رقم
11، ج 1 ص 38.
(5) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 344. الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 26.
(6) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2 ص 649.
320 (1/320)
صفحة 320
واعترض على هذا الاستدلال بأنه لا يسلم أن اليمين سبب للكفارة، لأن السبب ما يكون مفضيا إلى المسبب، إذ هو في اللغة اسم لما يتوصل به إلى الشيء، واليمين ليس كذلك، لأنه مانع من الحنث، لأن الحنث خلف في الوعد ونقض للعهد، وقد قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها) (النحل [91]، ولأنه استخفاف باسم الله تعالى من حيث الصورة، وكل ذلك مانع من الحنث، فصارت اليمين مانعة من الحنث، وكانت مانعة من الوجوب للكفارة، إذ الوجوب شرط الحنث بلا خلاف (1).
وأما إضافة الكفارة إلى اليمين فهو محمول على إضمار لفظ "حنثت
فيكون الحنث بعد اليمين سببا لا قبله والحنث يكون سببا - لما آنفا، ولقوله عز وجل أيضا: ذلك كفارة أيمانكم) المائدة [89] والكفارة اسم لما يكفر بالذنب، ولا ذنب إلا ذنب الحنث (2)، ومثل هذه الإضافة إضافة كفارة الفطر إلى الصيام وإضافة الدم إلى الحج، والسجود إلى السهو، والمضاف إليه هنا ليس سببا للوجوب، فكذلك الشأن في إضافة الكفارة إلى الحلف (3).
ثم انه لو سلم أن اليمين سبب فلا شك في أن الحنث شرط الوجوب للقطع بأن الكفارة لا تجب قبله، وإلا لوجبت بمجرد اليمين، والمشروط لا يوجد قبل شرطه فلا يقع التكفير واجبا قبله فلا يسقط الوجوب قبل قبوله ولا عند ثبوته بفعل قبله لم يكن واجبا (4).
القول الثاني: أنه لا يجوز إخراج كفارة اليمين إلا بعد الحنث في اليمين.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 8 ص 148. الكاساني، البدائع، ج 3 ص 29. (1) السرخسي، المصدر السابق والصفحة الكأساني، المصدر السابق والصفحة.
(
الكاساني،
المصدر السابق، ج 3 ص 28.
(1) ابن الهمام، فتح القدير، جه ص 79.
321 (1/321)
صفحة 321
وإليه ذهب جمهور الإباضية (1) وهو مذهب الحنفية (2) مذهب الحنفية (2) والإمامية (3) والظاهرية (4) خلافا لابن حزم، وهو رواية عند المالكية (°)، وهو مذهب
الزيدية (6).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم) المائدة [89]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن في الآية إضمارا، والتقدير إذا حلفت فحنثتم، ومثل هذه الآية في الإضمار قوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) البقرة [196]، إذ معناه فحلق ففدية، وقوله تعالى: (فمن كان منكم مريضا أو
على سفر فعدة من أيام (آخر) البقرة [180]، ومعناه فأفطر فعدة (7). ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك" (8).
ووجه الدلالة منه هو: أنه صلى الله عليه وسلم-جعل التكف اليمين، ويؤيده أمران:
أ- أن الأمر يفيد الوجوب، حقيقة، ولا وجوب قبل الحنث اتفاقا.
ير بعد
(1)
(T) (~) (1)
الكندي،
المصنف، ج 9 ص 165. البسيوي، المختصر، ص 129. ابن الهمام، فتح القدير، ج 5 ص 77. العيني، البناية، ج 6 ص 36. المفيد، المقنعة، ص 556. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 126.
ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 65.
(9) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 420. ابن جزي، القوانين، ص 111. (1) السياغي، الروض النضير، ج 2 ص 516. الصنعاني، سبل السلام، ج 4 ص 192.
(2) الجناوي، يحيى، الوضع، ص 7.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (44)، رقم 256، ج 2 ص 57 مسلم / كتاب الأيمان، ب (3)، رقم 11، ج 11 ص 124. أبو داود كتاب الأيمان والنذور، رقم 3277، ج 3 ص 226.
322 (1/322)
صفحة 322
- أن قوله - صلى الله عليه وسلم - "فليكفر" أمر بمطلق التكفير، ولا
ب-
يجوز مطلق التكفير إلا بعد الحنث (1).
واعترض على هذا الاستدلال بـ:
أ- أن الأخبار الواردة بتقديم الكفارة أشهر من الأخبار الواردة بتقديم
الحنث.
-- أن الأخبار الواردة بتقديم الكفارة على الحنث محمولة على ما إذا كان التكفير بالمال، والأخبار الواردة بتقديم الحنث محمولة على مل إذا كان التكفير بالصيام (3).
ثالثا: أن سبب الكفارة ليس هو اليمين فحسب، وإنما هو أمر مركب من مجموع اليمين والحنث (3).
واعترض على هذا الاستدلال بأن السبب هو اليمين فحسب، والحنث شرط وليس بسبب، وتعجيل حق المال بعد وجود سببه وقبل وجود شرطه جائز بدليل تعجيل الزكاة بعد وجوب النصاب قبل الحول، وكفارة القتل بعد الجراح وقبل زهوق الروح (4).
وأجيب بوجود الفارق بين كفارة اليمين قبل الحنث وكل من الزكاة قبل الحول، وكفارة القتل بعد الجراح وقبل الموت، بأن الزكاة إنما هي شكر للنعمة، والنعمة المال دون مضي الحول، فكان حولان الحول
(1) السرخسي، المبسوط، ج 8 ص 148.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 19 ص 344. (1) السياغي، الروض النضير، ج 2 ص 516.
(1)
ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 492. (1/323)
صفحة 323
تأجيلا فيه، والتأجيل لا ينفي الوجوب، وأن كفارة القتل إنما هي جزاء الجناية، والجناية حاصلة بالجراح، ولا صنع له في زهوق الروح).
رابعا: أن الكفارة لستر الجناية، ولا جناية قبل الحنث، لأنها منوطة به. القول الثالث: وإليه ذهب الشافعية (2) على التفصيل الآتي:
إن كان التكفير لليمين بالصوم فلا يجزي تقديمه على اليمين في مشهور المذهب عندهم، وفيه قول قديم بجوازه.
وصحيح
وإن كان التكفير بالمال نظر: فإن كان الحنث بغير معصية جاز تقديـ الكفارة قبل الحنث قولا واحدا، وإن كان الحنث بمعصية، ففيه وجهان والصحيح عندهم جوازه.
ودليل التفريق عندهم بين منع تقديم الكفار على الحنث إذا كان التكفير بالصوم وجواز تقديمها على الحنث إذا كان بالمال هو أن الصوم من حقوق الأبدان، ولا يجوز تقديمها قبل وقتها كالصلاة والصيام المفروض، بخلاف الكفارة بالمال عتقا أو كسوة أو إطعاما فإنها من حقوق الأموال فيجوز تقديمـ
كالزكاة (3).
واعترض على هذا الاستدلال بأن الصيام نوع تكفير أيضا كالمال، فجاز تقديمه قبل الحنث، وقياس الكفارة على الكفارة أولى من قياسها على الصلاة المفروضة (4).
وأما حجة المفرقين منهم بين جواز تقديم الكفارة بالمال على الحنث إذا لم يكن بمعصية، وبين منع ذلك إذا كان الحنث بمعصية فهي: أنه على الوجه
(1) السرخسي، المبسوط، ج 8 ص 149.
(2) الغزالي، الوجيز، ج 2 ص 225. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 141. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4
ص 326.
(2) المزني مختصر المزني، ج 8 ص 291.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 493.
324 (1/324)
صفحة 324
الأول - وهو الجواز - تعتبر الكفارة حقا ماليا يتعلق بسببين يختصان به، فإذا
وجد أحدهما جاز تقديمه على الآخر كالزكاة قبل الحول.
وأما على الوجه الآخر - وهو المنع - فلأن الكفارة تكون في هذه الحال
مما يتوصل بها إلى معصية، وهو أمر لا يجوز (1).
• الرأي المختار:
-
يذهب الباحث إلى الأخذ برأي الفقهاء القائلين بأن كفارة اليمين يكون
إخراجها بعد الحنث، ولا يجزي إخراجها قبله لما يلي:- 1 أن في الأخذ بهذا القول ضربا من الاحتياط، إذ الكل متفقون على اجزائها بعد الحنث، ومختلفون في اجزائها قبل الحنث، وليس المتفق عليه كالمختلف فيه. 2 - أن الأحاديث الواردة في المسألة تكاد تكون متكافئة من حيث ورودها، ومن حيث دلالة كل منها على ما وردت فيه، فهي أقرب إلى التعارض في نظر المجتهد، غير أن الأخذ بالأحاديث الواردة بالأمر بالتكفير بعد الحنث أولى لموافقتها أصول الشريعة وقواعدها المقررة من أن المسبب يقع بعد وجود سببه، وما ورد من إخراج الزكاة قبل الحول - مثلا - فهو مما خرج عن هذا الأصل لداع اقتضى ذلك، ويبقى ما عداه على والحنث هو سبب الكفارة فلا يقع إجزاء إخراجها إلا بعد وقوعه، وما قيل من أن اليمين سبب الكفارة فهو غير ظاهر، وإلا لزم أن تجب الكفارة بوجود اليمين، وعلى التسليم بأن اليمين سبب فالحنث شرط، ولا يقع المشروط إلا بعد شرطه، وإن وجد سببه والله أعلم. المطلب الثاني: حكم الكفارة في نذر المعصية
الأصل،
أراء الفقهاء في المسألة:
ذهب الإمام ابن بركة إلى القول بأن نذر المعصية لا يجوز الوفاء به
وعلى صاحبه التوبة من نذره ذلك، ونص كلامه في ذلك هو والوفاء بالنذور
(1) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 141.
325 (1/325)
صفحة 325
واجب على من نذر طاعة، فإما من نذر بفعل معصية فالفرض عليه أن لا يفي
به، وعليه التوبة مما أراد فعله (1).
وهذا أمر متفق عليه بين الفقهاء (1).
-
واختلفوا - بعد ذلك في لزوم الكفارة بسبب نذر المعصية على أقوال: القول الأول: أنه لا كفارة في نذر المعصية.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك بعد أن ذكر الخلاف
-
بين فقهاء مذهبه في المسالة: والنظر يوجب أن لا كفارة عليه (2). وهذا الرأي هو مذهب بعض الإباضية (3)، والمالكية (4)، وجمهور الشافعية ()، ورواية عند الحنابلة (6)، وهو مذهب الإمامية (7)، ومذهب
الظاهرية (8).
وأدلة هذا القول ما يلي:-
أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه (9).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 102.
(1) انظر، أبو إسحاق، مختصر الخصال 125 ابن عابدين رد المحتار، ج 3 ص 319. ابن جزي، القوانين الفقهية، ص 112. الحصني، كفاية الأخيار، ص 652. المقدسي، العدة، ج 2 ص 98. شمس الدين، الروضة البهية، ص 193. المفيد المقنعة، ص 562. ابن حزم المحلى، ج 8 ص 2.
(2)
(4)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 102.
(3) البسيوي، المختصر، ص 139. الشماخي، الإيضاح، ج 4 ص 105. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 423. ابن جزي، القوانين، ص 112. الماوردي، الحاوي، ج 20 ص 47. الحصني، كفاية الاخيار، ص 652.
(1)
(V)
(^)
ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 5. المقدسي، العدة، ج 2 ص 98. المفيد، المقنعة، ص 562. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 131.
ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 2.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (44)، رقم 658، ج 2 ص 258. أبو داود كتاب الأيمان والنذور رقم 3289، ج 2 ص 229. الترمذي / كتاب الأيمان والنذور، ب (2)، رقم 1526، ج 4 ص 88.
326 (1/326)
صفحة 326
(1)
ووجه الدلالة منه هو أن ظاهر الحديث دال على عدم لزوم النذر
بالمعصية (1).
:ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - من قوله للمرأة التي نجت من العدو على ناقته عليه الصلاة والسلام-، وقد نذرت أن تذبحها إن نجاها الله عليها: "بئس ماجازيتيها، لا نذر في معصية الله، ولا فيما لا يملكه العبد (2).
ووجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى بتأنيب المرأة، ولم يقل: إن عليها كفارة، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة (3).
وهذا الاستدلال قد يقال: بأنه يدخل عليه أنه ليس فيه دليل على المدعى، وبيان ذلك هو أن نذر المرأة لم يكن معصية محضة لجواز وقوع إذن المالك، فهي فضولي تصرف في مال غيره، وفعله متوقف على إجازة المالك، كما لو باع فضولي مال غيره، وإنما لم يأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالكفارة لأن نذرها غير منعقد لا لكونه معصية، وإنما لكون محله مال الغير، وهو متوقف على إذن المالك، ولم يأذن النبي- صلى الله عليه وسلم، ولعدم الإذن بطل النذر، وصار معدوما، والمعدوم لا يترتب عليه شيء. ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه رأى رجلا قائما في الشمس، فقال ما بال هذا؟ قالوا نذر ألا يتكلم ولا يستظل، ولا يجلس ويصوم، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "مروه فليتكلم، وليجلس وليتم
صومه".
ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 423.
(1) أخرجه مسلم كتاب النذور، ب (3)، رقم 8، ج 11 ص 108. أبو داود كتاب الأيمان والنذور، رقم 3316،
17
ج 3 ص 237.
البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 4 ص 218.
327 (1/327)
صفحة 327
ووجه الدلالة منه هو: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر الرجل بإتمام ما
كان طاعة، ونهاه عما كان معصية، ولم يزد شيئا من ذكر كفارة أو
غيرها (1).
رابعا أنه نذر غير منعقد فلا يوجب شيئا كاليمين اللغو (2).
القول الثاني: أن الكفارة واجبة في نذر المعصية كما تجب في نذر الطاعة. وإليه ذهب الحنفية (3) وبعض الإباضية (4)، وهو مشهور مذهب الحنابلة ()، وهو قول عند الشافعية (6).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا نذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين (7).
:ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "كفارة النذر كفارة يمين (8).
ووجه الدلالة من الخبرين هو: أن في هذين الخبرين زيادة على الأخبار التي يحتج بها القائلون بعدم الكفارة، فعدم ورود الأمر بالكفارة
(1)
(1)
ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 424.
ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 7.
(1) السمرقندي، تحفة الفقهاء، ج 1 ص 339. الكاساني، البدائع، جه ص 38.
(1)
(•)
البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 4 ص 218.
ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 3.
(6) الماوردي، الحاوي، ج 20 ص 47. الحصني، كفاية الأخيار، ص 652.
(1) أخرجه أبو داود كتاب الأيمان والنذور، رقم 3290، ج 3 ص 229. الترمذي / كتاب الأيمان والنذور، ب (1)
رقم 1524، ج 4 ص 87. ابن ماجة / كتاب الكفارات، ب (16) رقم 2125، ص 686. (8) أخرجه مسلم كتاب النذور، ب (5)، رقم 13، ج 11 ص 113. أبو داود كتاب الأيمان والنذور، رقم 3323 ج 3 ص 239. النسائي / كتاب الأيمان والنذور، ب (41)، رقم 3832، ج 7 ص 26.
328 (1/328)
صفحة 328
في تلا تلك الأحاديث لا يمنع من وجوبها إذا وردت بها سنة أخرى، لأنه يلزم العمل بمجموع الأحاديث (1).
ثالثا: أن الشرع قد أوجب الكفارة في الظهار، وهو من قول الزور، فكما
وجبت في الظهار- وهو معصية
المعصية (2).
تجب أيضا في نذر
رابعا: أن النذر، عقد، كما أن اليمين عقد، فإذا حلف على فعل معصية الله كان عليه كفارة يمين، فكذا إذا نذر في معصية (3).
يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء أنه لا كفارة في نذر
• الرأي المختار:
المعصية لما يلي:
(1)
-1 - أن ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - من قوله: "لا نذر في معصية الله "دال على نفي الحقيقة، فلا تشخص في الخارج ولا وجود لماهية وذات النذر الوارد في معصية الله، فهو معدوم بإعدام الشارع له، والمعدوم لا يبنى عليه حكم، إذ ما لا وجود له لا أثر له. وما يرد على هذا من أنه يحتمل أن يكون المراد من الحديث النهي لا النفي، والمعنى لا تنذروا في معصية الله، ولا يلزم النهي عن النذر في المعصية عدم ترتيب حكم عليه وهو الكفارة عند إيقاع المكلف له فهو احتمال غير ظاهر لورود مثل هذا اللفظ في نفي الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي"، وقوله: "لا وصية لوارث"، فإن المصححين لكلا الخبرين يبطلون كل نكاح بغير ولي، وكل وصية لوارث، مما يدل على أن المراد بهذه الألفاظ النبوية نفي حقيقتها وإعدام
ابن قدامة المغني، ج 9 صه. (2) الشعراني، عبدالوهاب، كشف الغمة، ج 2 ص 258.
(2) للشماخي، الإيضاح، ج 4 ص 107.
329 (1/329)
صفحة 329
تشخص ذواتها في الخارج، وعلى التسليم بأنه وارد للنهي لا للنفي فإن تعامله - صلى الله عليه وسلم - مع الوقائع التي وقعت بحضرته من نذور المعصية يدل على عدم ترتيب شيء من الكفارة في نذر المعصية،
إذ اكتفى - صلى الله عليه وسلم - بنهيهم عن الاستمرار في نذورهم تلا
تلك،
ولم يرد أنه أمر أحدا منهم بالتكفير، ولا يؤخر البيان عن وقت الحاجة. وأما الاستدلال بخبر كفارة النذر كفارة يمين فهو محمول على النذر المشروع إذا لم يف به صاحبه تعظيما لحق الله تعالى لعدم الوفاء بالنذر مثل عدم الوفاء باليمين، جمعا بين الأدلة.
وأما الاستدلال بخبر: "لا نذر" في معصية الله، وكفارته كفارة يمين" فالظاهر أن الضمير في لفظ " وكفارته" ضمير" قام مقام الاسم الظاهر، واستغني عن إظهاره تقدم ما يدل عليه من لفظه، وتقدير الكلام "لا نذر في معصية الله، وكفارة النذر كفارة يمين، والمراد به النذر المشروع المعتد به شرعا، وليس عائدا إلى قوله: "لا نذر في معصية الله"، فكأنه صلى الله عليه وسلم - بعد أن نفى وقوع النذر في المعصية أراد أن يبين أن الناذر نذرا مشروعا إذا لم يف بنذره وأخل به فعليه كفارة يمين، فهو كلام مستقل لا تعلق له بأوله.
وأما قياس كفارة النذر في المعصية على كفارة الظهار فهو قياس غير صحيح، لأن كفارة الظهار إنما شرعت عند إرادة الفيء إلى الزوجة التي ظاهر منها لا لأجل كونه معصية بدليل أن المظاهر إن لم يف حتى مضي أربعة أشهر لم تلزمه كفارة، والكفارة عند القائلين بها في نذر المعصية إنما شرعت لأجل المعصية فيلزم الناذر بالمعصية التكفير بمجرد النذر عندهم فبطل الوصف الجامع بين الأصل والفرع وهو كون الفعل معصية في هذا القياس، فظهر أنه قياس غير صحيح والله
أعلم.
330 (1/330)
صفحة 330
المبحث الرابع: فقه الأطعمة والأشرية
المطلب الأول: حكم أكل متروك التسمية من الذبائح
أراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن التسمية واجبة عند الذبح ولا يجوز أكل متروك التسمية مطلقا، سواء ترك الذابح ذلك عمدا أو نسيانا.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: "ولا تؤكل الذبيحة إلا بالتسمية ... فترك الذكر بالعمد والنسيان لا يبيحها (1).
وهذا الرأي هو مذهب جمهور الإباضية (2)، وهو مذهب الظاهرية (3)، وقال به بعض متأخري الشافعية (4)، وحكي رواية عند المالكية (5)، ورواية عند الحنابلة (6) وهو ظاهر ما يدل عليه كلام الشوكاني في السيل الجرار (").
و أدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام [121]. ووجه الدلالة من الآية ما يلي:
أ- أن الآية عامة لم تفصل بين متروك التسمية عمدا أو نسيانا، بل جلء النهي مطلقا فاقتضى التحريم على الإطلاق ().
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 76.
(V)
(7)
ابن جعفر، جامع ابن جعفر، ج 3 ص 561. المحروقي، درويش الدلائل، ص 200.
ابن حزم المحلى، ج 7 ص 412.
(4)
(•)
ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 2 ص 175.
القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 7 ص 75.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 389. الزركشي شرح الزركشي، ج 6 ص 637.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 69.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 76. القطب، النيل، ج 4 ص 470.
331 (1/331)
صفحة 331
ب أن هذه الآية مقابلة للآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه) الأنعام [118]، وفي هذا بيان لموضع ما يجوز وما لا يجوز أكله (1).
أكله
ج- أن الله تعالى سمى ذلك المذبوح الذي لم يذكر اسم الله عليه فسقا، والفسق، محرم، وما كان محرما فلا يجوز أكله (2).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أ- أن هذه الآية لا تدل على أن متروك التسمية لا يجوز أكله، لأن
النهي الوارد فيها مخصوص بما إذا ذبح على النصب بدليل: قوله تعالى: (وإنه لفسق) الأنعام، [121]، وقد أجمع المسلمون
على أنه لا يفسق آكل ذبيحة المسلم الذي ترك التسمية (3). قوله تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم) الأنعام [121]، فهي مناظرة مخصوصة بأكل الميتة بسبب أن ناسا من المشركين قالوا للمسلمين: تأكلون ما تقتلون ولا تأكلون مـ
قتله الله.
قوله تعالى: (وإن أطعتموهم إنكم لمشركون) الأنعام [121]، وهذا مخصوص بما ذبح على النصب، والمعنى لو رضيتم بهذه الذبيحة التي ذبحت على اسم آلهة الأوثان فقد رضيتم بإلاهيتها، وذلك يوجب الشرك، ويؤكد هذا المعنى المخصوص قوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق) الأنعام [121]، وقد فسر الفسق في آية أخرى وهي قوله تعالى: (قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ........ أو فسقا أهل لغير الله الأنعام، [145]، فصار الفسق مفسرا في هذه
(1) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2 ص 749. (2) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 413.
(3) بل هو فاسق على رأي من قال بأنه لابد من وجوب التسمية عند الذبح وأن الترك لها عمدا أو نسيانا يوجب كون المدبوح ميتة لا يحل أكلها، لأن الأكل يكون حينئذ أكلا للميتة، وأكل الميتة من غير عذر فاسق بلا
شك.
332 (1/332)
صفحة 332
الآية بما أهل به لغير الله، فيكون النهي عن الأكل في الآية الأولى مما لم يذكر اسم الله عليه مخصوصا بما أهل به لغير الله (1). ب- أن الذكر في الآية محمول على ذكر القلب، إذ حقيقة الذكر بالقلب، لأن ضده النسيان المضاف إلى القلب (2).
وأجيب عن هذا بأن الذكر يكون باللسان والقلب، والذي كانت العرب تفعله هو التلفظ بأسماء الأصنام والنصب باللسان، فنسخ الله ذلك بالأمر بذكره على الألسنة (3).
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم
الله عليه فكل " (4).
ووجه الدلالة منه هو: أن الحديث أباح الأكل بشرطين: إنهار
الدم والتسمية، فلا يجوز الأكل إلا بعدهما ().
ثالثا: ما ورد أن عدي بن حاتم قال: قلت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: أرسل كلبي فأجد مع كلبي كلبا قد أخذ، لا أدري أيهما أخذ، فقال -صلى الله عليه وسلم: "فلا تأكل، إنما سميت على كلبك ولم تسم على
غيره" (6)
ووجه الدلالة منه هو: أنه - صلى الله عليه وسلم - جعل المانع من الأكل هو احتمال أن يكون الكلب الذي لم يسم عليه هو الآخذ للصيد، ولو لم تكن التسمية واجبة لما نهاه عن ذلك (7).
(1)
الرازي، التفسير الكبير، ج 13 ص 138.
(1) الماوردي، الحاوي، ج 19 ص 14.
(7) ابن العربي، أحكام القرآن، ج 2 ص 750.
(4) أخرجه مسلم كتاب الأضاحي، ب (4)، رقم 20، ج 13 ص 131. أبو داود/كتاب الضحايا، رقم 2821، ج 3 ص 101. الترمذي / كتاب الأحكام والفوائد (ب (5)، رقم 1491، ج 4 ص 69.
(9) شمس الدين الروضة البهية، ص 303. ابن حزم، المحلى، ج 7 ص 414.) أخرجه مسلم كتاب الصيد والذبائج، ب (1)، رقم 3، ج 13 ص 81. أبو داود/كتاب الصيد، رقم 2849، ج 3 ص 108. الترمذي / كتاب الصيد ب (6)، رقم 1470، ج 4 ص 56.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 7 ص 414.
333 (1/333)
صفحة 333
واعترض هذا الاستدلال بما يلي:-
أ- أن الحديث محمول على الاستحباب (1).
ب أن الحديث وارد في الصيد، وهو يفارق الذبيحة، لأن التذكية فيه تقع في أي محل من جسمه بخلاف الذبح فله محل معين وهو موضع
الودجين والحلقوم والمريء، فاشترطت التسمية تقوية لذلك (2). القول الثاني: أن التسمية عند الذبح مستحبة غير واجبة، فيجوز أكل المذبوح بدونها. وإليه ذهب الشافعية (3)، وهو رواية عند المالكية (4) وعند
الحنابلة (5).
وأدلة هذا القول ما يلي:-
(1)
(2)
أولا: قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ... إلا ما ذكيتم)
المائدة [3].
ووجه الدلالة من الآية هو أن الله تعالى أباح المذكي، ولم يذكر
التسمية (2)، والآية على عمومها فيما سمي عليه أو لم يسم ().:ثانيا: قوله تعالى: (اليوم) أحل لكم الطيبات، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل
لكم) المائدة [5]
ووجه الدلالة من الآية هو أن الله تعالى أباح ذبائح أهل الكتاب،
والظاهر الغالب من أحوالهم لا يسمون عليها، فهو دليل على إباحتها،
وأن التسمية غير واجبة (8).
الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 272.
ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 398.
(1) الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 252. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 272. (1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 7 ص 75. ابن جزي، القوانين، ص 124.
(°)
ابن قدامة، المغني، ج 8 ص 389. ابن مفلح المبدع، ج 9 ص 224.
(6) الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 272.
(7) الماوردي، الحاوي، ج 19 ص 13.
(1) الماوردي، الحاوي، ج 19 ص 13. ابن حجر، فتح البارئ، ج 9 ص 523.
334 (1/334)
صفحة 334
واعترض على هذا الاستدلال بأنه إنما حلت ذبيحة أهل الكتاب لأنه
وجد ذكر اسم الله تعالى عليها من حيث أنهم يدعون ملة التوحيد، فاكتفي بذلك في هذا الموضع (1). ثالثا: ما ورد عن عائشة -رضي الله عنها- أن قوما قالوا: يا رسول الله إن قوما حديثو عهد بالجاهلية يأتونا بلحام لا ندري أذكروا اسم الله عليها لم يذكروا، أناكل منها؟ فقال صلى الله عليه وسلم -: "اذكروا اسم الله وكلوا" (2).
ووجه الدلالة منه ما يلي:
أ- أنه لو كانت التسمية واجبة لما أجاز صلى الله عليه وسلم - الأكل
(4)
الشك (3). مع ب- أن التسمية على الأكل ليست فرضا، فلما نابت عن التسمية على. الذبح دل على أنها سنة، لأن السنة لا تنوب عن الفرض واعترض على هذا الاستدلال بأن الحديث لا ينافي وجوب التسمية على الذابح، بل فيه الترخيص لغير الذابح إذا شك في اللحم، هل ذكر اسم الله عليه عند الذبح أم لا؟ فإنه يجوز له أن يسمي ويأكل (5).
ويمكن أن يضاف إلى هذا بأن من وقع السؤال عن ذبائحهم أناس مسلمون، وإن كانوا حديثي عهد بالجاهلية، والأصل في المسلم حل ذبيحته ما لم يقم دليل على تحريمها، فيحتمل أن يكون مراد النبي-
(1) العيني، البناية، ج 10 ص 652. أهل الكتاب بسائر طوائفهم مشركون قطعا لورود الأدلة القطعية من الكتاب
(2)
(
(4)
(9)
والسنة على ذلك.
أخرجه البخاري كتاب الذبائح، ج 9 ص 522. أبو داود كتاب الضحايا، رقم 2829، ج 3 ص 103. ابن ماجة/كتاب الذبائح، ب (4)، رقم 3174، ج 2 ص 1059.
النووي، شرح مسلم، ج 13 ص 80. الشربيني. مغني المحتاج، ج 4 ص 272.
ابن حجر، فتح البارئ، ج 9 ص 522.
الشوكاني، الدرر البهية ج 2 ص 165. الصنعاني، سبل السلام، ج 4 ص 157.
335 (1/335)
صفحة 335
(1)
صلى الله عليه وسلم - من أمر السائل بالتسمية على هذا اللحم خاصة الدعوة إلى نفي الشك وترك الريبة في مثل هذا الموضع ما دام الذابح مسلما، ويدل عليه أن للذبح موضعا مخصوصا فكذلك التسمية عليه لها زمن، مخصوص، فكما لا يجزي تقديمها عليه فكذلك لا يجزي تأخرها
عنه، فليس في الخبر دليل على أن التسمية غير واجبة.
رابعا أنه قول باللسان فلم يكن شرطا في إباحة الذبيحة، كالصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم (1).
خامسا: أن الحوت وسائر حيوان البحر يستباح بترك التسمية كما يحل الصيد بذكاته، فلما لم تكن التسمية شرطا في استباحة الحوت ونحوه، لم تكن شرطا في استباحة غيره (2).
القول الثالث: أن التسمية على الذبيحة شرط عند الذكر ساقطة عند النسيان. وإليه ذهب الحنفية (3) والزيدية (4) والإمامية (5) وهو مشهور مذهب المالكية (6) ومذهب الحنابلة (7) وهو قول الإمام عبد الوهاب بن
عبد الرحمن الرستمي من الإباضية (8).
عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 698.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 19 ص 14.
| (3)
الموصلي، الاختيار، ج 5 ص 462. الميداني، اللباب، ج 3 ص 91.
(4) شمس الدين الروضة البهية، ص 302. العنسي، التاج المذهب، ج 3 ص 61.
(°)
(1)
(Y)
(A)
المفيد، المقنعة، ص 58 الحلي شرائع الإسلام، ج 2 ص 138. عبد الوهاب، التلقين، ص 268 - 268. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 48.
ابن قدامة المغني، ج 8 ص 389. البهوتي، الروض المربع، ص 525. الكندي، بيان الشرع، ج 27 ص 11. ابن عبيدان، محمد، جوهر الآثار، ج 15 ص 72. وعبدالوهاب، هو عبد الوهاب بن عبد الرحمن الرستمي، ثاني أئمة الدولة الرستمية، استمر في الإمامة تسعة عشر عاما، وكان عالما فقيها، له كتاب مسائل نفوسة مات حوالي عام تسعين ومائة للهجرة، الدرجيني، الطبقات، ج 1 ص 47 - 66. الشماخي، السير، ج 1 ص 130 - 134.
336 (1/336)
صفحة 336
و أدلة هذا القول ما يلي: أما أدلتهم على وجوب التسمية عند الذكر فهي عين أدلة القائلين
بالوجوب مطلقا في العمد والنسيان، وقد مر ذكرها آنفا. وأما أدلة القول بجواز الأكل في حال النسيان فهي ما يلي: أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه (1).
ووجه الدلالة منه هو: أن الناسي في حال نسيانه غير مكلف بالتسمية لاستحالة خطاب الناسي، وإذا لم يكن مكلفا حال النسيان بالتسمية فقد أوقع الذكاة على الوجه المأمور به فلا يفسده ترك
التسمية (2).
واعترض على هذا الاستدلال بأن المراد بالرفع في الحديث هو رفع الإثم والحرج إذا نسي التسمية، وأما الذبيحة نفسها فهي غير مذكاة، لأن الذابح مع نسيانه التسمية ظن أنه قد ذكى وهو لم يذك بذلك، كمن نسي الصلاة وظن أنه صلى وهو لم يصل، فإنه يرفع عنه الإثم، وتلزمه الصلاة عند الذكر، فلما ثبت أن منسي التسمية غير مذكى كان ميتة لا يحل أكله، لأن الله تعالى نهى عن أكل ما لم يذكر عليه اسمه (3).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن النسيان لم يجعل عذرا في الأحكام الدنيوية المعتادة بخلاف غير المعتادة، ومثاله، أن من ترك الطهارة للصلاة ناسيا وصلى بغير طهارة أنه يلزمه التطهر عند الذكر وإعادة الصلاة، لأن الأخذ للطهارة عند حضور الصلاة أمر معتاد، فالشروع في الصلاة من غير طهارة نسيانا يكون نادرا فلا يعذر به
(1) أخرجه: الربيع / رقم 794، ج 3 ص 301. ابن ماجة، كتاب الطلاق، ب (16)، رقم 2040، ج 1 ص 659. (1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 3 ص 10. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 449. شمس الدين، الروضة
البهية، ص 304.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 7، ص 414.
337 (1/337)
صفحة 337
ويلحق بالعدم، فأما ذكر اسم الله تعالى فأمر لم يعوده الذات
نفسه
فترك التسمية منه سهوا لا يندر وجوده بل يغلب فيكون عذرا دفعا
للحرج (1).
وهذا الجواب قد يعترض عليه بأنه يلزم منه أن من كان معتادا للذبح والاشتغال به حتى صار مهنة له أنه إذا نسي التسمية فإن ذبيحته لا تكون حلالا، لأنه نسيان نادر كنسيان الطهارة والقائلون بالتفريق بين العمد والنسيان لا يقولون بهذا بل يقولون بحلية الأكل في هذه الصورة أيضا. ثانيا: أن في تحريم ذبيحة من ترك التسمية ناسيا حرجا عظيما لأن الإنسان قلما يخلو من النسيان فكان في الاعتداد بذلك حرج له، والحرج مرفوع بقوله تعالى: (وما جعل عليكم في الدين من حرج الحج
(2) [78]
"
ثالث: أنه مسلم لم يتمكن من التسمية، فوجب أن يؤكل ما ذكاه (3). رابعا أن التسمية سنة، وترك السنن ناسيا لا يبطل العبادة (4).
الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ برأي من قال من الفقهاء بحرمة المذبوح المتروك التسمية عمدا كان الترك أو نسيانا
فأما من حيث القول بحرمة المذبوح عند ترك التسمية عمدا فلأن الأصل في الأوامر الواردة بالأمر بالتسمية عند الذبح أن تحمل على الوجوب، ومع أن هذا هو الأصل فهو مع ذلك معتضد هنا ببعض القرائن المحتفة به الدالة علـ
ذلك وهي:
على
1 - أن الله تعالى إنما أمر بالتسمية والتلفظ بها عند إرادة الذبح لتقوم مقام ما كان يجريه أهل الجاهلية على ألسنتهم عند إرادتهم للذبح من ذكر
(1) الكاساني، البدائع، جه ص 70.
(2) الموصي، الاختيار، ج ص 462. (3) شمس الدين، الروضة البهية، ص 304.
(4)
عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 698.
338 (1/338)
صفحة 338
أسماء آلهتهم الباطلة، وهو حرام قطعا، وكل ما قابل الحرام وجعل
ضدا له فهو واجب. أن الله تعالى قد فصل لنا ما يجوز لنا أكله من الذبائح بقوله سبحانه وتعالى: (وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه) الأنعام [119]، كما بين لنا ما يجوز لنا أكله بقوله تعالى: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) الأنعام [121]، وجعل الجواز والمنع يدور كل منهما مع التسمية وجودا وعدما، فدل هذا على أنها شرط. 3 - أن الله تعالى وصف المذبوح الذي لم يذكر اسمه عليه بالفسق في قوله سبحانه: (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه، وإنه لفسق الأنعام
[121]، والفسق، محرم، فدل على حرمة متروك التسمية عمدا. وما قيل من أن الفسق الوارد في الآية مفسر بالمذبوح على النصب في قوله تعالى: (وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فق المائدة [3] فهو غير ظاهر، إذ لا مانع من وصف كلا الأمرين بالفسق، هذا بسبب الذبح على النصب، وذلك بسبب ترك التسمية عند الذكر بجامع المخالفة للأمر الإلهي فيهما.
وأما من حيث القول بحرمة المذبوح عند ترك التسمية عليه نسيانا فلأن التسمية عند الذبح شرط، ولما أن كانت شرطا دل ذلك على أنها من أنواع الحكم الوضعي لا التكليفي وخطاب الوضع لا يشترط فيه حتى يتحقق أثوه أن يأتيه المكلف عمدا بل يظهر أثره ولو وقع من المكلف بغير إرادة منه
ولا نية.
وأما الاستدلال بحديث رفع" عن أمتي الخطأ والنسيان ... إلخ" فغير ظاهر لأن المراد رفع الإثم بدليل أن المكره من قبل غيره بذبح حيوان ليس مملوكا لفاعل الاكراه لا تحل تذكيته ولو سمى عليها على الصحيح من القول، لأن فاعل الإكراه غاصب لمال غيره ولا عرق لغاصب، والمكره
339 (1/339)
صفحة 339
المتولي للذبح بمنزلة ألة الذبح في يد فاعل الإكراه فلم تصح تذكيته رغم ورود ذكر العفو عنه في هذا الحديث.
بأن
عدم
وأما الاستدلال بأنه مسلم لم يتمكن من التسمية لأجل نسيانه فيعذر فجوابه تمكنه من التسمية لأجل النسيان لا يكفي عذرا لإباحة متروك التسمية ولو نسيانا حاله في ذلك حال من شرع في التذكية فاقترن بفعله فعل خارج عن إرادته أعان على قتل الحيوان المراد تذكيته فإنه لا يحل مع أن هذا أمر خارج عن تمكن الذابح وإرادته، ويرشد إلى هذا كله قوله - صلى الله عليه وسلم - لعدي بن حاتم وقد قال له أرسل كلبي فأجد مع كلبي كلبا قد أخذ، لا أدري أيهما أخذ، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "فلا تأكل، إنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره مع أن مشاركة الكلب الآخر خارجة عن إرادة صاحب الكلب الأول، فدل ذلك على أن عدم التمكن من إتيان ماهو شرط في الحكم لا يكفي عذرا للقول بصحة ما اشترط فيه ذلك الشرط عند فقد الشرط لعدم التمكن من إتيانه. وأما القول بأن التسمية سنة فهو أمر منازع فيه بل هي واجبة والواجب يفوت إذا زال محله وعدم ولم يكن له محل أخر يؤتى فيه كما هو الشأن في الحيوان المراد تذكيته بعد إزهاق روحه. وأما الاستدلال بقوله تعالى: "و إنه "لفسق والفسق محرم ولا يوصف فعل المكلف بكونه محرما إلا إذا كان تركه عن إرادة وقصد مصداقا لقوله - صلى الله عليه وسلم - إنما الأعمال بالنيات فجوابه أن هذا الاحتجاج إنما يستقيم لو كان الضمير في قوله تعالى: "وإنه لفسق راجع إلى فعل المكلف فيصح حمل ترك التسمية الوارد في الآية على جهة العمد، لكن التحقيق على ما أظهره بعض جهابذة العلماء هو أن الضمير في الأية عائد إلى المذبوح، أي أن ذلك الحيوان المذبوح متروك التسمية فسق ولم تخصص الآية ذلك بحال العمد بل هو عام يتناول حال العمد والنسيان، ويدل على ذلك قوله تعالى في سورة المائدة: "حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم
340 (1/340)
صفحة 340
مع
فسق المائدة (3) أي أن جميع المذكور في الآية موصوف بكونه فسقا أنه لا فرق في الميتة - مثلا - بين ميتة تسبب المكلف في إماتتها عمدا وأخرى سهوا ونسيانا وكذلك لا فرق في الآية - مثلا - بين متردية أرداها المكلف عمدا وأخرى سهوا ونسيانا بل الكل موصوف بصفة الفسق الذي يترتب عليه حرمة الأكل مطلقا فكذلك الشأن والحال في سورة الأنعام
والله أعلم.
المطلب الثاني: حكم تخليل الخمر أراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: جواز تخليل الخمر.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ومن كلامه في ذلك: "فقد جاء الأثر في الخمر بأن يطرح فيها الملح، فإذا زالت شدته، وانتقل عما كان عليه، جاز الانتفاع به (1). وهذا القول ذهب إليه بعض الإباضية (2)، كالإمام الربيع بن حبيب، وعبدالله بن عبد العزيز (3)، وهو مذهب الحنفية (4)، وهو مذهب الإمامية ()، ورواية عند الحنابلة (6)، وهو رواية عند المالكية (7).
(1)
(2)
(3)
(1)
أدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (اليوم أحل لكم الطيبات) المائدة [5].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن عين الخمر قد تغيرت بالتخليل
والخل طيب في الطبع، فيحل استعماله (8).
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 547.
أبو غانم، المدونة الكبرى، ج 2 ص 258. الشقصي، منهج الطالبين، ج 6 ص 55. عبد الله بن عبد العزيز، أبو سعيد أحد فقهاء المذهب الإباضي، أخذ عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، فهو من الطبقة الثالثة، وكان مغرما بالقياس، وهو أحد من دون عنهم أبو غانم الخراساني مدونته في الفقه، من مؤلفاته كتاب النكاح / النامي عمرو، أعلام ابن خلفون، ص 107 - 108. مختصر القدوري، ص 204. السمرقندي، تحفة الفقهاء، ج 3 ص 209.
القدوري،
(5) المفيد، المقنعة، ص 581. الطباطبائي، محمد، العروة الوثقى، ج 1 ص 104.
(^)
الكلوذاني،
أبو الخطاب، الانتصار ج 1 ص 216. المرداوي، الإنصاف، ج 1 ص 319. ابن الجلاب، أبو القاسم، التفريع، ج 1 ص 410 - 411. ابن جزي، القوانين، ص 117.
ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 375.
341 (1/341)
صفحة 341
ثانيا قوله -صلى الله عليه وسلم -: "نعم الإدام الخل (1).
ووجه الدلالة من الحديث: هو: أن المدح الوارد فيه جاء علـ
التعميم، فيتناول جميع صوره، ومنها ما صار منقلبا عن الخمر إلـ
الخل بالتخليل (2).
ثالثا: إن تحريم الخمر ليس لعينها، وإنما هو واقع للعلة العارضة فيه من الإسكار، فإذا زال الإسكار من الخمر بالتخليل زال حكم التحريم وصارت حلالا (3)، وذلك لأنه من الثابت شرعا أن الأحكام المختلفة إنما هي للذوات المختلفة، فإذا اكتسب الخمر صفات الخل انتقل من ذاته التي كان عليها إلى ذات أخرى وسمي خلا، والخل بإجماع حلال، فإذا انتقلت ذات الخمر إلى ذات الخل صار حلالا بأي وجه صار انتقاله (4).
واعترض على هذا الاستدلال بأن تحريم الخمر ليس لعلة
الإسكار، وإنما حرمت لأمر تعبدي (5).
وهذا الاعتراض بجعل التحريم للخمر من الأمور التعبدية ليس بالقوي، فإن الآيات التي وردت في تحريم الخمر وهي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) النساء [43]، وقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر
والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكـ تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر
(1) أخرجه مسلم كتاب الأشربة، ب (30)، رقم 164، ج 13 ص 249. أبو داود / كتاب الأطعمة، رقم 3820، ج 3 ص 359 الترمذي / كتاب الاطعمة، ب (35)، رقم 1889، ج 4 ص 245.
(2) الموصلي، الاختيار، ج 4 ص 352. المرغيناني، الهداية، ج 4 ص 451.
(r)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 547. العوتبي، الضياء، ج 4 ص 184. (4) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 1 ص 476. الكندي، المصنف، ج 3 ص 317. ابن رشد المقدمات الممهدات، ج 1 ص 443.
(•)
342 (1/342)
صفحة 342
والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) المائدة [91 - 92] تشير - ولو من طرف خفي - إلى أن العلة في تحريم الخمر إنما هي بسبب ما ينتج عنها من مفاسد وأضرار سببها الإسكار الذي يحصل منها، فتعليل التحريم لأجل الإسكار أقرب من جعله أمرا تعبديا.
رابعا قياس جواز التخليل للخمر على جواز دبغ جلد الميتة. ووجه هذا القياس هو: أن الدباغ للإهاب يطهره وينقله من حكم النجاسة التي يحرم معها الانتفاع إلى الطهارة التي يباح معها الانتفاع بالإهاب، فكذلك التخليل يزيل الإسكار الذي هو علة التحريم في الخمر وينقلها من النجاسة إلى الطهارة فيباح حينئذ الانتفاع بخلها (1). واعترض على هذا الدليل من القياس بأمرين:
أ- أن الدباغ مأمور به بالنص (2)، ومعنى هذا أنه يجب الوقوف عند هذا النص، ولا يتعدى به إلى غيره
ب حصول الفارق بين دبغ الجلد وتخليل الخمر، لأن الجلد مادة
-
جامدة يمكن غسلها بخلاف الخمر، فإن ما طرح فيها يصير نجسا،
ولا يمكن غسلها، فافترقا من هذه الجهة (3).
خامسا: أن التخليل سبب لحصول الخل، لأنه إصلاح لجوهر فاسد وهو الخمر بإزالة صفة الخمرية عنه بنقله إلى الحموضة، فيزول أثر المرارة من الذوق، فصح بهذا أن التخليل سبب الحصول الخل، فيكون مباحا، لأنه حينئذ يكون اكتساب مال متقوم، وهو أمر
مشروع (4).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 548. الكاساني، البدائع، جه ص 70.
(r)
الكلوذاني، الانتصار، ج 1 ص 229.
() الكلوذاني، المصدر السابق والصفحة.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 4 ص 23. الكاساني، البدائع، ج 5 ص 170 - 171. العيني، البناية، ج 11 ص 456.
343 (1/343)
صفحة 343
سادسا: أن الخمر مائع نجس لوجود معنى فيه لو زال بغير صنع آدمي لطهر، فكذلك يجب أن يزول بفعل الآدمي، كالماء إذا تغير من
نجاسة ثم زال التغير (1).
القول الثاني: عدم جواز تخليل الخمر.
وذهب إليه جمهور الإباضية (2)، وهو مذهب الشافعية (3)، ومذهب
الزيدية (4)، ومذهب الظاهرية ()، وهو الرواية المشهورة عند المالكية (6)، وهو
الصحيح في مذهب الحنابلة (7).
و أدلة هذا القول ما يلي:
(1)
أولا: ما ورد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه - أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بالمدينة قال: "يا أيها الناس إن الله تعالى يعرض بالخمر، ولعل الله سينزل فيها أمرا، فمن كان عنده منها شيئا فليبعه ولينتفع به، فما لبثنا يسيرا حتى قال النبي-صلى الله عليه وسلم -: "إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبع" قال: "فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها (8).
ولعل وجه الاستدلال من الحديث: هو أن الناس لما بلغهم تحريم الخمر استقبلوا بها طرق المدينة فأراقوها فيها، ولم يعمدوا إلى التخليل، ولم يأمرهم النبي -صلى الله عليه وسلم - بذلك، ولو كان
عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 713 - 714. (2) العوتبي، الضياء، ج 4 ص 184. السالمي، جوهر النظام، ج 2 ص 235.
(3) الماوردي، الإقناع، ص 32 القفال، حلية العلماء، ج 1 ص 316. . (1) الصنعاني، سبل السلام، ج 1 ص 49. العنسي التاج المذهب، ج 1 ص 24. ابن حزم، المحلى، ج 7 ص 516.
(•)
(1) ابن عبد البر، الكافي، ص 190. ابن جزي، القوانين، ص 117. الكلوذاني، الانتصار، ج 1 ص 216. المرداوي، الإنصاف، ج 1 ص 319.
(V)
(8) أخرجه مسلم كتاب المساقاة، ب (12) رقم 67، ج 11 صه.
344 (1/344)
صفحة 344
التخليل جائزا لأمرهم به حفاظا على المال، خاصة وأنه قد ورد في
الحديث أنه أمرهم قبل التحريم بالانتفاع بها.
لكن يعكر على هذا الاستدلال من الحديث أن التخليل ليس بواجب، وقد فعل الناس بطرحها في الطرق أمرا مشروعا، ولذلك سكت النبي - صلى الله عليه وسلم - عنهم، والاحتجاج بأنه لو كان التخليل جائزا لأمرهم به حفاظا على المال لا يلزم، فإن من المتفق عليه أن الدبغ لجلد الميتة جائز وفيه معنى الحفظ للمال، ومع ذلك ذلك لم يقل أحد بوجوبه، فكذلك الشأن هنا. ثانيا ما ورد أن أبا طلحة الأنصاري (1) - رضي الله عنه - سأل النبي -صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرا، فقال -صلى الله عليه وسلم -: "أهرقها" قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: "لا" (2).
ووجه الدلالة من الحديث هو: أن النبي –صلى الله عليه وسلم - أمر أبا طلحة بإراقة الخمر، ونهاه عن تخليلها، ولو كان التخليل جائزا لكان ذلك أولى ما يفعل بأموال الأيتام حفظا لمالهم من الضياع، فف الأمر بالإراقة والحال هذه - أبين البيان على أن الخمر ليست بمال يجوز الانتفاع به (3). واعترض على هذا الاستدلال بأن النهي الوارد في الحديث عن التخليل محمول على التغليظ والتشديد، فهو وارد لمعنى في غيره، وهو دفع عادة العامة، لأن القوم كانوا حديثي عهد بتحريم الخمر، وقد ألفوا
(1) أبو طلحة، زيد بن سهل بن الأسود الأنصاري الخزرجي، شهد بدرا وأحدا، وما بعدهما، وهو الذي تصدق بيير حائه، وهو زوج أم سليم، مات عام واحد وقيل اثنين وثلاثين للهجرة / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 2 ص 123. ابن حجر، الإصابة، ج 2 ص 502 - 504.
(2) أخرجه مسلم كتاب الأشربة، ب (2)، رقم 11، ج 13 ص 162. أبو داود كتاب الأشربة، رقم 3675، ج 3 ص 325. الترمذي / كتاب البيوع، ب (59)، رقم 1294، ج 3 ص 589. (1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 24 ص 316. النووي، المجموع، ج 2 ص 593.
345 (1/345)
صفحة 345
شربها، وصار عادة لهم يصعب النزوع عنها، فلو أجيز لهم الإبقاء عليها وتخليلها لاحتاجت إلى وقت، إذ أنها لا تتخلل من ساعتها فيؤدي ذلك إلى شربها لتمكنها من قلوبهم لقرب عهد التحريم، فلذا أمروا بإراقتها وعدم تخليلها (1).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن الأصل في النهي هو التحريم، وعلى تسليم أن الإراقة أمر بها لأجل ذلك السبب، فلا يعني ذلك أن إراقتها في هذا الوقت متروكة لزوال ذلك السبب، لأنه قد يؤمر بالشيء لسبب، ثم يزول السبب، ولا يزول الحكم، ومن ذلك أن الرمل في الطواف شرع أول ما شرع إظهارا للجلد والقوة وردا على مقال المشركين أن المسلمين أنهكتهم حمى يثرب (2)، ثم صارت مكة دار
إسلام وزالت العلة وبقي الحكم وهو الرمل في الطواف (3).:ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن الخمر تتخذ خلا؟ فقال: "لا" (4).
ووجه الدلالة من الحديث على النهي عن تخليل الخمر ظاهر.
وقد اعترض على ذلك بأن المراد من النهي عن التخليل الوارد في الحديث هو أن يستعمل ويتخذ الخمر كاتخاذ الخل بأن يؤتدم به ويصطبغ به، وهذا نظير ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه نهى أن تتخذ الدواب كراسي ()، والمراد الاستعمال (6).
(1) السرخسي، المبسوط، ج 24 ص 24. الكاساني، البدائع، ج 5 ص 171.
(2)
(أخرجه أبو داود كتاب المناسك، رقم 1886، ج 2، ص 184. (3) الكلوذاني، الانتصار، ج 1، ص 218. والرمل في الطواف غير معمول به عند أصحابنا - رحمهم الله - تبعا لابن عباس - رضي الله عنهما - لزوال العلة المشروع من أجلها، هذا هو مشهور المذهب، وقيل ببقاء الحكم وعليه بعض أصحابنا من المتأخرين. (4) أخرجه مسلم كتاب الأشربة، ب (2)، رقم 11، ج 13 ص 163. أبو داود / كتاب الأشربة، رقم 3675، ج 2 ص 325. الترمذي/كتاب البيوع، ب (59)، رقم 1294، ج 3 ص 589.
() أخرجه: أحمد / ج 3 ص 439. البيهقي / كتاب الحج، ج 5 ص 255. (1) السرخسي، المبسوط، ج 24 ص 24. العيني، البناية، ج 11 ص 458.
346 (1/346)
صفحة 346
:رابعا: أن الخمر نجاستها في عينها، فأصلها محرم، فلا ينتقل عن حاله بالتخليل (1)، ولأنه إذا طرح فيها ما يجعلها تتخلل تنجس بملاقاتها، فإذا زالت الشدة المطربة بقيت نجاسة الخل النجس فلم يصح استعمالها (2). واعترض على هذا الاستدلال بأنه إنما جاز ذلك لأنه صلاح باعتبار المآل، وإن كان فيه إفساد للملقى في الحال، والعبرة للمآل لا للحال، ومثل ذلك إلقاء البذر في الأرض يكون إتلافا للبذر في الحال، ولكنه صلاح باعتبار مآله (3).
وأجيب عن هذا الاعتراض بالتفريق بين ما يلقى في الخمر لأجل تخليلها وبين إلقاء البذر في الأرض بأن الزورع لا يمكن أن تخرج إلا بفعل ذلك، فالضرورة اقتضت ذلك، ولا ضرورة إلى التخليل (4).
واعترض هذا الجواب بأن الحاجة داعية إلى التخليل، كما دعت
إلى دبغ جلد الميتة (5).
خامسا: أن من عمد إلى تخليل الخمر بطرح شيء فيها يجعلها خلا هو مستعجل لأمر قد يقع لإمكان تخللها بنفسها، فناسب معاقبته بتحريم ما خلله لاستعجاله (6). سادسا: أن المسلم لا يستقر ولا يثبت له بحال ملك على خمر، كما لا يثبت له ساعة ملك لخنزير أو دم أو صنم، فكيف يتمكن من تخليل الخمر واستعمالها بتخليلها (7).
واعترض على هذا الاستدلال بأن التخليل للخمر ليس بتصرف في الخمر على قصد التمول لها، بل هو إتلاف لصفة الخمرية، فبين
العوتبي، الضياء، ج 4 ص 184:
الشيرازي، المهذب، ج 1 ص 84.
(1)
(1)
3
السرخسي، المبسوط، ج 24 ص 23.
(4) الكلوذاني، الانتصار، ج 1 ص 225.
(0) الكاساني، البدائع، ج 5 ص 171. (1) الرملي، محمد، نهاية المحتاج، ج 1 ص 248. وهذا الدليل يصح على مذهب من أجاز استعمال خل الخمر
إذا تخللت بنفسها من دون فعل آدمي لا إذا خللها الآدمي بنفسه.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 34 ص 316.
347 (1/347)
صفحة 347
التمول والإتلاف منافاة، فالاقتراب من الخمر لإتلاف صفة الخمرية
عنها مثل الاقتراب منها لإراقتها، وذلك جائز شرعا (1).
• الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء بعدم جواز تخليل
الخمر لما يلي:-
من
1 - أن الأحاديث الواردة بالنهي عن تخليلها، كقوله - صلى الله عليه وسلم - ردا على من قال: "أفلا أجعلها خلا"؟، قال "لا"، وكقوله صلى الله عليه وسلم - وقد سئل عن اتخاذ الخمر خلا: "لا" أظهر في الدلالة على المنع أدلة القائلين بالجواز كقوله تعالى: (أحل لكم الطيبات المائدة [4] وكقوله صلى الله عليه وسلم -: "نعم الإدام الخل"، لأن أدلة المنع تفيده نصا، وأدلة الجواز تفيده ظاهرا، والنص مقدم على الظاهر. - أنه إذا ثبت أن أدلة النهي عن التخليل نص في المراد فمعارضتها بوجوه من الأقيسة وضروب من التأويل الواردة عند القائلين بالجواز استنادا إلى ظواهر أحاديث أخرى لا تقوم حجة في وجه تلك الأدلة، لأنها أقيسة وتأويلات مقابل النصوص الصريحة. -3 - أنه لو قيل بجواز تخليلها للزم منه جواز الاحتفاظ بها، وجواز شرائها من أهل الذمة -مثلا- وجعل قيمة مقابلة لها لأجل هذا الغرض، وكل ذلك ممنوع اتفاقا، وللزم منهم أيضا عدم جواز إراقتها وإبادتها كليا من يد القابض لها، لأن الشيء المحرم إذا أمكن استعمالة في غير موضع تحريم استعماله لم يجز إبادته كليا لإمكان استعماله في غير موضع التحريم، ولذا قيل بتضمين القائم على إنكار المنكر إذا أباد أدوات المعازف واللهو كليا إذا كانت هذه الأدوات يمكن استعمال مادتها في غير اللهو كخشب في وقود أو بناء، والأمر هنا على عكس ذلك إذ لا ضمان على من أراق
الخمر على مسلم اتفاقا، والله أعلم.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 24 ص 23.
348 (1/348)
صفحة 348
المبحث الخامس: فقه الأحوال الشخصية
المطلب الأول: حكم التفريق بالإعسار بالنفقة:
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن للمرأة حق طلب الفراق إذا أعسر الزوج بالنفقة.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: "وإذا عجز الزوج عن نفقة زوجته وكسوتها ... وطلبت المرأة الفراق كان لها ذلك (1). وهذا القول هو مذهب الإباضية (2) والمالكية (3) وهو الرأي المشهور
عند الشافعية (4) وعند الحنابلة () وإليه ذهب الشوكاني (6).
و أدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) البقرة [229]. ثانيا: قوله تعالى: (وعاشروهن بالمعروف) النساء [19].
ووجه الدلالة من الآيتين هو: أن الله تعالى قد أمر الأزواج أن يعاشروا أزواجهم بالمعروف، ويمسكوهن على ذلك، ومن الأمور الداخلة تحت لفظ "المعروف" الوارد في الآيتين النفقة، فإذا عجز الزوج عن الإمساك بالمعروف يقال له: فأنت قادر على التسريح إذ عجزك عن الأمر الأول وهو الإنفاق لا يسقط الأمر
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 193.
(1)
(
الكندي، المصنف، ج 35 ص 45. الشقصي، منهج الطالبين، ج 16 ص 51.
ابن عبد البر، الكافي، ص 225. عبد الوهاب، التلقين، ص 229. لكن المالكية استثنوا من عموم ذلك ما لو تزوجت المرأة الرجل مع علمها بفقره وإعصاره، فقالوا ببطلان حق المرأة طلب الطلاق على هذا
للوصف. راجع المصدرين السابقين.
(1) المزني، مختصر المزني، ص 233. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 163.
(1) ابن قدامة، المغني، ج 7 ص 383. المقدسي، العدة، ج 2 ص 37.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 452.
349 (1/349)
صفحة 349
الثاني وهو التسريح، فإما أن تنفق وإما أن تسرح فإذا لم ينفق وطلبت المرأة الفراق حكم عليه به (1).
واعترض على هذا الاستدلال بأن الخطاب للأزواج بمعاشرة
ـة
أزواجهم بالمعروف على مراتب، ففي حق الموسر الواجد للنفق تكون المعاشرة بالمعروف هي الإنفاق على الزوجة، وفي حق المعسر بالنفقة تكون ما يليق بحاله وهو الالتزام في الذمة بتأدية مل تستدينه المرأة من الآخرين للنفقة والقيام بوفائه عند اليسر، ويؤيد هذا قوله تعالى: (على الموسع قدره، وعلى المقتر قدره البقرة [236]، وقدر المقتر هو الالتزام في الذمة إذا لم يجد ما ينفق منه على زوجته (2).
ثالثا: قوله تعالى: (ولا) تمسكوهن ضرارا لتعتدوا) البقرة [231]. رابعا: قوله تعالى: (ولا) تضاروهن لتضيقوا عليهن الطلاق [6]. ووجه الدلالة من الآيتين هو: أن زوجة المعسر
بعدم
تضرة
النفقة، ففي إمساكها على هذا الحال إضرار وتضييق عليها (3)، وهو من أعظم الضرر، لأن قوام النفس لا يكون إلا بالطعام
والشراب (4).
خامسا: قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم). النساء [34].
(1) ابن بركة، الجامع ج 2 ص 194. عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 784. الشوكاني، السيل الجرار، ج 2
ص 452.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 191.
(3) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 50. عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 784. الأغبري، سيف، اللآلي
السنية، ص 4.
(4) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 452.
350 (1/350)
صفحة 350
ووجه الدلالة من الآية هو: أن لفظ الرجال في الآية عام
ففي إشارة الآية دليل على ثبوت النفقة للزوجات من غير فرق بين
موسر ومعسر
(1)
غير أن هذا الاستدلال يمكن الاعتراض عليه بأن المسألة مفروضة في حكم طلب المرأة فسخ النكاح بسبب الإعسار في النفقة، وغاية ما في الآية هو إيجاب النفقة على الأزواج لزوجاتهم، وليس فيها دليل على أنه إذا ثبت إعسار الزوج بالنفقة أن للمرأة حق طلب الفسخ بسبب ذلك.
:سادسا: ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه – أن النبي- صلى الله
-
عليه وسلم - قال: "خير الصدقة ما كان على ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، فقيل من أعول يا رسول
(Y)n
الله؟ قال: امرأتك ممن تعول، تقول: أطعمني وإلا فارقني ووجه الدلالة منه ظاهر وهو أن الرجل مع زوجته في باب
الإنفاق بين خيارين وهما الإنفاق أو الفراق.
واعترض على هذا بأن أبا هريرة صرح بأن عبارة "امرأتك ممن تعول" ... الخ - عندما سئل عن سماعه ذلك منه صلى الله عليه وسلم - هي من كيسه، فهو موقوف عليه، وليس فيه حجة، لأنه كلام عام لا يخص المعسر ولا الموسر، و على صحة رفعه فإن ذلك من كلام المرأة، وليس فيه ما يدل على أن الرجل يلزم به (3).
(1) السالمي، العقد الثمين، ج 3 ص 129.
(2)
(1)
ابن الهمام، فتح القدير، ج 4 ص 352.
العيني، البناية، جه ص 508.
351 (1/351)
صفحة 351
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن نفي أبي هريرة ذلك ليس
على ظاهره، وإنما أراد به التهكم بسائله عندما شم منه رائحة
التكذيب له في تحديثه به (1).
وأما الجواب عن أن ذلك من قول المرأة، وليس فيه ما يدل على إلزام الرجل به، فهو على تقدير رفع ذلك أنه إن سلم ذلك فقد حكاه النبي -صلى الله عليه وسلم - على جهة التقرير له، إذ لو لم يقره لوصله بقوله: -مثلا- وليس لها ذلك، لأن المقام يستدعي
البيان.
سابعا: ما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم، فأمرهم أن ينفقوا أو يطلقوا (2)، وهذا الفعل
منه ليس له مع انتشاره في الصحابة مخالف، فثبت إنه إجماع (3). واعترض على هذا الاستدلال بأن أولئك الجند لم يكونوا عاجزين عن النفقة، لأن نفقة عيال من كان جنديا من بيت المال
الله
والإمام هو الذي يوصل ذلك إليهم، وإنما خاف عمر. عنه على النساء الفتنة بطول غيبة، أزواجهن، فأمرهم أن يبعثوا إليهن ما تطيب به قلوبهن (4).
:ثامنا: أن النفقة حق مقصود لكل نكاح، فوجب أن يستحق الفسخ لاعوازه كحق طلب الفسخ بفقدان الاستمتاع من المجبوب والعنين ()، بل حق طلب الفراق بفقدان النفقة أولى من ذلك لوجهين:-
(1)
(1)
الصنعاني، سبل السلام، ج 3 ص 422.
ابن قدامة، المغني، ج 7 ص 383.
(3) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 51. وأثر عمر أخرجه عبد الرزاق، المصنف، رقم 12346. ج 7
ص 93 - 94.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 191.
(0) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 163. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2، ص 52.
352 (1/352)
صفحة 352
أ- أن البدن يقوم بترك الجماع ولا يقوم بترك الغذاء، فلما ثبـ
الخيار لفوات الجماع كان ثبوته بفوات النفقة أولى.
ب أن الاستمتاع في الجماع مشترك بين الزوجين، والنفقة مختصة بها، فلما ثبت الخيار في الحق المشترك كان ثبوته في المختص أولى (1).
واعترض على هذا الاستدلال بوجود الفارق بين التفريق
بسبب العنة والجب وبسبب الإعسار بالنفقة وهو: أ- أن المقصود من النكاح هو الاستمتاع، فإمساك الزوج للمرأة في العنة والجب حاصل من غير حاجة به إليها فيما هو المقصود من النكاح فكان ظالما لها، بخلاف إمساكه لها في الإعسار بالنفقة، فإنه يمسكها مع حاجته إليها في المقصود من النكاح فلا يكون ظالما لها. ب أن فوات حقها في الاستمتاع بسبب العنة والجب لا يصير دينا على الزوج في ذمته بمضي المدة ولذا فرق بينهما فيه، بخلاف الإعسار بالنفقة، فإن النفقة الفائتة تصير دينا في ذمة الزوج
فلا يفرق بينهما.
تاسعا: إن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلما كانت الزوجة إذا نشزت لا نفقة لها لمنعها الاستمتاع، فكذلك إذا عدمت النفقة من جهة الزوج
بإعساره فلها مفارقته (2).
ويمكن الاعتراض على هذا الاستدلال الأخير بأن هذا قيلس
لا يصح، بدليل أن الزوجة إذا فات الزوج الاستمتاع بها بسبب منه لا يد لها فيه لم تسقط نفقتها، فكذلك الزوج إذا أعسر بنفقة زوجته
(1) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 51. (2) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 191.
353 (1/353)
صفحة 353
بسبب خارج عن إرادته لا يفوت ذلك عليه الاستمتاع بزوجته
بالتفريق
القول الثاني: عدم إجابة الزوجة إلى طلب الفراق بسبب الإعسار في
النفقة.
وإليه ذهب الحنفية (1) والزيدية (2) والإمامية (3) والظاهرية (4) وهو رأي
الشافعية () وعند الحنابلة (6).
و أدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق
مما آتاه الله، لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها الطلاق [7].
ثانيا: قوله تعالى: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) البقرة [286].
ووجه الاستدلال من الآيتين هو: أن معنى الآيتين أن الله تعالى لا يكلف الإنسان ما ليس في وسعه ولا آتاه الله تعالى إياه، وكل ما لا يكون الإنسان مكلفا به فهو غير واجب عليه، وما يكون غير واجب على الإنسان فلا يجوز أن يقضى عليه به (7).
واعترض على هذا الاستدلال من الآيتين بأن الحكم بالتفريق عند الإعسار بالنفقة ليس من تكليف ما ليس في الوسع، ولا بإنفاق زيادة على مقدار رزقه، بل هو لأجل دفع الضرر عن المرأة
(1)
الموصلي، الاختيار، ج 4 ص 237. الميداني، اللباب، ج 2 ص 213.
(2) عماد الدين، البيان الشافي، ج 2 ص 424. العنسي، التاج المذهب، ج 2 ص 276. (3) الطوسي، المبسوط، ج 6 ص 61. ابن البراج، المهذب، ج 2 ص 348.
(4) ابن حزم، المحلى، ج 1 ص 92. بل إن ابن حزم ذهب إلى أكثر من ذلك فأوجب على الزوجة أن تنفق
في هذه الحال على زوجها، ولم يحكم برجوعها عليه بشيء من ذلك إذا أيسر بعد إعساره. (9) الحصني، كفاية الأخيار، ص 531. الشربيني، مغني المحتاج، ج 3 ص 442.
(1) الزركشي شرح الزركشي، ج 6 ص 9.
(2) ابن حزم المحلى، ج 10 ص 93. الجصاص أحكام القرآن، ج 3 ص 97.
354 (1/354)
صفحة 354
وتخليصها لتذهب تطلب قوت نفسها بالكسب أو بالزواج من زوج
آخر يقوم بنفقتها (1).
ثالثا: قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) البقرة [280]. ووجه الدلالة من الآية الكريمة هو: أن الآية أمرت بإنظار
المعسر إلى وقت يسره في كل دين عليه لا يجد له وفاءا في الحال، وغاية النفقة أن تكون دينا في الذمة، فإذا أعسر بها الزوج كانت
المرأة مأمورة بالإنظار بالنص كسائر الديون المتعلقة بالذمة (2). واعترض على هذا الاستدلال من الآية الكريمة، بأن مدلول الآية وارد في دين استقر ثبوته في الذمة، والزوجة لا يحق لها طلب الفسخ بما استقر ثبوته في الذمة من ماضي نفقتها، وإنما يحق لها طلب الفسخ بنفقة الوقت الذي لم يستقر في الذمة، فلم يتوجه إليه معنى الآية (3).
رابعا: أن في التفريق بسبب الإعسار في النفقة إبطالا لحق الزوج كليا، وفي إلزامها الإنظار له والاستدانة عليه تأخير حقها دينا عليه، فلما دار الأمر بين هذين الحالين وعلم أن إبطال حق الزوج أضر من إلزامها الإنظار والاستدانة إلى وقت يسره، كان دفع الإبطال أولى، ولذا يفرض لها القاضي، وتؤمر بالاستدانة، ويكون الدين في ذمة الزوج، فيوفيه في حياته، أو يكون في تركته إذا مات (4).
:خامسا أن النفقة، مال، فالعجز عنه لا يكون موجبا للفرقة كالمهر وسائر النفقات المجتمعة على الزوج، بل الإعسار بالنفقة أولى بألا يكون
(1) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 435.
(1)
ابن الهمام، فتح القدير، ج 4 ص 351. الطوسي، المبسوط، ج 6 ص 21.
(7) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 52.
(1) الموصلي، الأختيار، ج 4 ص 237. ابن نجيم البحر الرائق، ج 4 ص 312.
355 (1/355)
صفحة 355
موجبا للفسخ، لأن المهر والنفقات المجتمعة صارت دينا مستقرا في
ذمة الزوج، ونفقة الوقت لم تستقر دينا بعد (1).
سادسا: أن المقصود بالنكاح غير المال وهو الاستمتاع، فكان المال زائدا، والعجز عما هو تبع لا يكون سببا لرفع الأصل، وكما أن المرأة لا تتوصل بالتفريق إلى مهرها من زوجها، فكذلك النفقة لا تصل إليها
بالفرقة (2).
الرأي المختار:
يبدو عند النظر في أدلة كل من قال بجواز التفريق بسبب الإعسار بالنفقة، ومن قال بمنع ذلك أن كلا الفريقين لم يستند إلى نص قاطع وجازم من الكتاب أو السنة يمكن التعويل عليه في المسألة، وإنما غاية تعلق كل منهم بظواهر من الأدلة لا تصل عند النظر فيها إلى جعل خلاف الفريق المقابل خلافا لاحظ له من النظر والقوة.
كما يبدو أيضا أن قول القائلين بجواز التفريق بسبب الإعسار في النفقة أقرب ما يكون إلى الأخذ بالقياس في هذا الباب، لأن حق النفقة واحد من سائر الحقوق المكفولة للزوجة شرعا والتي يعتبر الإخلال وعدم الوفاء بواحد من هذه الحقوق مسوغا شرعيا لطلب الزوجة فك رباط الزوجية، وأن قول القائلين بعدم التفريق أقرب ما يكون مبنيا على الترجيح بالمصلحة، إذ رجحوا مصلحة الزوج المعسر بالنفقة على مصلحة الزوجة إبقاء للرابطة الزوجية ودفعا للأضرار التي قد تنتج عن حلها قدر الإمكان ما وجد طريق يمكن من خلاله توفير هذه النفقة كالاستدانة من الآخرين أو قيام الزوجة بالإنفاق على نفسها من مالها والرجوع بذلك على الزوج عند يساره.
(1) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 191. الزركشي شرح الزركشي، ج 6 ص 9.
(2) السرخسي، المصدر السابق والصفحة.
356 (1/356)
صفحة 356
وما دام الخلاف في هذه المسالة لم يترجح حسمه بدليل نص لأحد الطرفين، فلا يبعد من أن يقال: إن على الحاكم أن ينظر عند رفع المرأة طلب الفراق بسبب الإعسار بالنفقة إلى الأسباب التي جعلت الزوج عاجزا عن الإنفاق على زوجته على الوجه التالي: * إن كان هذا العجز ناتجا عن إهمال من الزوج وتقصير منه بتركه الضرب في الأرض طلبا للرزق مع توفر الفرص المتاحة له في ذلك، أو كان بسبب تبذير أملاكه في وجوه لا يحل الإنفاق فيها كما يفعل كثير من الأزواج في هذا العصر وقبله من الإنفاق على شراء المسكرات وتعاطي المخدرات وتبذير الأموال بالدخول في أماكن اللهو ومواطن الغي، ففي هذه الحال على الحاكم المسارعة إلى إجابة الزوجة إلى طلبها ذلك إذا تحقق ذلك عنده تخليصا لهذه المرأة، ليس عدم الإنفاق فحسب بل لانعدام العشرة بالمعروف التي خير الله تعالى الأزواج بين القيام بها أو تسريح الزوجات في قوله تعالى: (فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) البقرة [231].
لأجل
* وإن كان العجز عن النفقة بسبب إقدار الله تعالى لهذا الزوج في رزقه لانغلاق باب الزرق عليه، فإن على الحاكم عدم التعجل في هذه الصورة بإجابة المرأة إلى طلب الفراق حتى يستفرغ جميع الوجوه التي يمكن بها توفير النفقة حتى يسار الزوج من الاستدانة أو قيام المرأة بالإنفاق على نفسها من مالها والرجوع به على الزوج عند
يسره.
وقياس طلب الفراق بالإعسار بالنفقة على طلبه بالعجز بسبب العنة والجب ليس بالقوي لوجود الفارق، فإن الزوجة عند عجز الزوج عن الجماع لا تجد طريقا آخر لتوفير حقها من ذلك، فالقيام على ذلك قيام على ضرر مع عدم وجود البديل له، بخلاف العجز عن النفقة إذ تجد الزوجة أو الزوج طريقا آخر من الطرق المذكورة آنفا، ويكون ذلك دينا في ذمة الزوج يؤديه
عند يساره.
ثم ان القائلين بالتفريق بسبب العجز عن النفقة قياسا على العجز عن الجماع بسبب العنة يلزمهم أن يرتبوا على الفرع أحكام الأصل، فلا يحكمون بالتفريق مباشرة حتى يمهلوا الزوج عاما كاملا للبحث عن الرزق كما أعطوه
357 (1/357)
صفحة 357
هذه المدة عند العجز عن الجماع بحثا عن العلاج، بل ما نحن بصدده أولى بالإمهال لأمرين:
أ- أن الزوجة في مدة الإمهال للزوج عند الإعسار بالنفقة يمكن توفير حقها من النفقة بوجه آخر كالاستدانة ونحوها، ولا
يمكن توفير حقها من الجماع في تلك المدة.
ب أن الواقع يشهد بأن رجاء حصول اليسار وانفتاح باب الرزق في مدة عام أقوى من رجاء حصول العلاج والشفاء من الأمراض المانعة من الجماع، وما كان أرجى فهو أولى
بالإنظار والله أعلم.
المطلب الثاني: حكم الوصية للأقارب غير الوارثين:
أقوال الفقهاء في المسألة
القول الأول: أن الوصية واجبة للوالدين والأقربين غير الوارثين. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك: "والوصية واجبة
على من يخلف مالا لوالديه وأقربائه إذا كانوا غير وارثين" (1). وهذا الرأي هو مذهب الإباضية (2) والظاهرية (3)، ورواية عند
الحنابلة (4)، وهو قول الطبري (5) والشوكاني (6).
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) البقرة
[180]
(1)
(2)
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 562. ويتصور كون الوالدين أو أحدهما غير وارث بما إذا وجد مانع من
موانع الإرث كاختلاف الملة أو الرق.
البسيوي، المختصر، ص 139. أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 218.
ابن حزم المحلى، ج 9 ص 312.
(1) المرداوي، الإنصاف، ج 7 ص 189. ابن مفلح المبدع، ج 6 ص 9.
(5) الطبري، جامع البيان، ج 2 ص 121.
(1) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 260.
358 (1/358)
صفحة 358
ووجه الدلالة من الآية أمران:
أ- أن قوله تعالى: كتب عليكم بمعنى فرض وحكم عليكم، ويؤيد ذلك
ما جاء في قوله تعالى:
وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة [45]. - كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) المجادلة [21].
والمعنى من الآيتين فرض وحكم
-
-
- كتب عليكم (الصيام) البقرة [183]، ولا خلاف بين أحد أن من ترك الصوم مع قدرته عليه فهو مضيع بتركه فرضا من فروض الله عليه، وكذلك إذا ترك الوصية لغير وارثيه من الوالدين والأقربين وله ما يوصي لهم يكون مضيعا لفرض افترضه الله عليه (1)، والآية وإن كان الأمر فيها بوجوب الإيصاء عاما للوالدين
والأقربين الوارثين وغير الوارثين منهم، إلا أنها إما أن تكون: مخصصة بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لاوصية لوارث"، فخرج الوالدان والأقربون الوارثون، وبقي من لا يرث منهم على الفرض (2).
أو أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخة بما بينه الله
تعالى في آيات المواريث من سورة النساء، فكانت الوصية فـ حقهم منسوخة، وبقيت وصية الوالدين والأقربين غير الوارثين على حالها.
ب أن قوله تعالى حقا على المتقين" يدل على أن الوصية فرض، لأن "على" حرف يدل على الإيجاب" و "حقا" معناه حق ذلك حقا، فهو مصدر مؤكد للجملة (3).
(1) الطبري، جامع البيان، ج 2 ص 21.
(1)
(T)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 562. الكندي، المصنف، ج 28 ص 124. ابن حزم المحلى، ج 9 ص 314.
القطب، تيسير التفسير، ج 1 ص 257.
359 (1/359)
صفحة 359
واعترض على هذا الاستدلال من الآية بما يلي:
أ- أن الآية منسوخة، واختلف هؤلاء القائلون بنسخها في الناسخ لها: فذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بآية المواريث (1)، ومعنى هذا القول هو أن آيات المواريث نسخت وجوب الوصية مطلقا في
-
حق الوالدين والأقربين الوارثين وغير الوارثين منهم.
- وذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان
والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) النساء [7] (2). - وذهب بعضهم إلى أنها منسوخة بقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين) النساء [11].
ووجه ذلك هو: أن الله تعالى قد أطلق الوصية في هذه الآية بلفظ منكر، وهذا يقتضي شيوعها في جنسها كسائر حكم النكرات، فدخل تحت هذا اللفظ الوصية للوالدين والأقربين والوصية لغيرهم، وفي ذلك إيجاب نسخها للوالدين والأقربين، لأن الوصية لهم قد كانت فرضا، وفي هذه الآية جواز ترك الإيصاء لهم، والوصية لغيرهم وجعل مابقي ميراثا للورثة على سهام مواريثهم، وليس يصح ذلك إلا وقد نسخ الله تعالى تلك الوصية الواردة في قوله تعالى: كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ... ) البقرة [180] (3).
وأجيب عن هذا الاعتراض الأخير بأنه إنما جاء تنكير لفظ الوصية في قوله تعالى: (من) بعد وصية يوصي بها (أودين النساء [11] لأن هذه الآية جاءت لبيان أن الورثة يأخذون نصيبهم من المال بعد قضاء الوصايا
(1) الرازي، التفسير الكبير، ج 5 ص 53. العيني، عمدة القارئ، ص 14 ص 27.
(2)
اين كثير، تفسير ابن کثير، ج 1 ص 217.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 204.
360 (1/360)
صفحة 360
والديون، ويدخل في ذلك الوصايا الواجبة وغير الواجبة على الموصي، ولذا جاء لفظ الوصية في الآية منكرا ليكون مستغرقا لجنس الوصايا واجبة أو غير واجبة، إذ لو جاء معرفا بالألف واللام لا نصرف إلى وصية معهودة، ونظير ذلك ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور (1) فنكر لفظ "صلاة" ليستغرق الفرائض والنوافل، ولو جاء لفظ صلاة معرفا بالألف واللام لم يدخل فيه النوافل لأنه ينصرف إلى المعهود
(1) n
الذهني وهو الفرائض، فكما أنه لا يفهم من تنكير لفظ "صلاة" الوارد فـ الحديث أنه لا صلاة واجبة، فكذلك لا يفهم من تنكير لفظ "وصية" الوارد في الآية أنه لا وصية واجبة (3).
- وقال بعضهم: إن الآية منسوخة بقوله - صلى الله عليه وسلم-: "إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث (3).
ب- إن معنى الوصية الوارد وجوبها في قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت الوصية للوالدين والأقربين) البقرة [180]، لا يراد به الوصية لهم بالمال، وإنما معنى ذلك أي كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين بتوفير ما أوصى به الله لهم، ولا ينقص من أنصبائهم" (4).
وهذا الاعتراض لا يخلو من وهن فيه لما يلي:-
-
أنه خلاف الظاهر، إذ الظاهر الشائع عند سائر الفقهاء القائلين بالوجوب وغيره أن المراد بالوصية في الآية هو الوصية بالمال.
(1) أخرجه أبو داود كتاب الطهارة، رقم 59، ج 1 ص 15. النسائي / كتاب الطهارة، ب (104)، رقم 139. ج 1 ص 88. ابن ماجة / كتاب الطهارة، ب (80) رقم 271، ج 1 ص 100.
(2) ابن بركة، الجامع، ص 598.
) أخرجه أبو داود كتاب الوصايا، رقم 2870، ج 3 ص 113. الترمذي/كتاب الوصايا، ب (ه)، رقم
2120، ج 4 ص 376 - 377. الدارقطني / كتاب الوصايا، رقم 13، ج 4 ص 152 - 153.
(4) الزمخشري، محمود، الكشاف، ج 1 ص 224.
361 (1/361)
صفحة 361
(1)
- أنه لو صح هذا التوجيه لدلالة الآية، وقيل إن قوله صلى الله عليه وسلم - "لا وصية لوارث" مخصص أو ناسخ لهذه الآية فإنه يلزم منه أن يكون الأمر من المحتضر بالعناية بالوالدين والأقربين والأمر بتوفير ما أمر الله به لهم منهيا عنه بالحديث المذكور آنفا وهذا لم يقله أحد.
ج- أن الآية لا دلالة فيها على الوجوب، لأن آخرها وهو قوله تعالى: متاع بالمعروف حقا على المتقين) البقرة [10]، يدل على عدم الوجوب، لأن الواجب لا يقال فيه إنه معروف، ويستوي فيه المتقي
وغيره (1).
ثانيا: قوله -صلى الله عليه وسلم -: لا يحل لامرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلتين إلا و وصيته مكتوبة عند رأسه" (2).
وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم - قال: "ما حق امرئ
مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة (3). مكتوبة" (3). ووجه الدلالة منه على الرواية الأولى: هو: أن ظاهره دال على
تحريم ترك الوصية لمن كان له شيء يوصي به (4)، ويقتضي أيضا أن من بات تلك المدة المذكورة بغير وصية يكون عاصيا، لأنه مرتكب لما لا يحل (°).
ووجه الدلالة منه على الرواية الثانية هو: أنه مفيد لوجوب الوصية، لأن في هذه العبارة ما يقتضي الإيجاب علـ الإيجاب على طريق
ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 3 ص 119.
(2) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (48)، رقم 677، ج 2 ص 677.
(3) السالمي، شرح الجامع، ج 3 ص 462.
(1) أخرجه مسلم كتاب الوصية، ب (1)، رقم 4، ج 11 ص 84. أبو داود / كتاب الوصايا، رقم 2862، ج 3
ص 111. الترمذي / كتاب الجنائز، ب (5)، رقم 974، ج 3 ص 304.
(0) أبو ستة، حاشية الترتيب، ج 6 ص 86.
362 (1/362)
صفحة 362
المبالغة، ويؤيد ذلك أن ابن عمر - وهو راوي الحديث قال بعد
روايته "ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - قال ذلك إلا وعندي وصيتي
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
(1) n
أ- أن الحديث محمول على الإيصاء بالفرائض والواجبات كالحج والزكاة والكفارات، فإن الوصية بأداء الواجب وإخراجه واجبة (2)، ويدل على تقييده بذلك ما جاء فيه من عبارة له شيء يريد أن فيه (3) "، لأن فيه إشارة إلى قدرته على تنجيزه - ولو كان يوصي مؤجلا، لأنه إذا أراد تعجيله ساغ له، وإن أراد تأجيله والإيصاء به
ساغ له (4). ب- أن الحديث لا يراد به ظاهره، وإنما المراد منه أخذ الحزم والاحتياط، لأن الموت قد يفاجئ الإنسان، وهو على غير وصية، ولا ينبغي لمؤمن أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له (9).
ج- أن الحديث دال على الندب، لأن لفظ الحق إذا قيل فيه: "عليه" فو محتمل للوجوب وللندب، وأما إذا أضيف إليه وجعل له فقيل فيه:
من حقه أن يفعل كذا أو كذا، فالأظهر فيه الندب لا الوجوب (6). د إن في الحديث زيادة عبارة: "له مال يريد أن يوصي فيه"، وفي هذا ما يدل على ما ينفي الوجوب، لأن الحديث دال على تحريم ترك
(1) ابن حزم، المحلى، ج 9، ص 312. الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 412. أثر ابن عمر أخرجه مسلم كتاب الوصية ب (1)، رقم 4، ج 11 ص 84.
(1) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 488. الصنعاني، سبل السلام، ج 3 ص 199.
(9) هذا اللفظ أخرجه مسلم كتاب الوصية، رقم 1، ج 11 ص 83. الدار قطني، كتاب الوصايا، رقم 4، ج 4
ص 150. البيهقي/ الوصايا، ج 6 ص 272.
(4) العيني،
عمدة القارئ، ج 14 ص 29.
(1) ابن حجر، فتح البارئ، ج 5 ص 275. العيني، عمدة القارئ، ج 4 ص 29.
(2) ابن رشد المقدمات الممهدات، ج 3 ص 113.
363 (1/363)
صفحة 363
الإيصاء عند إرادة الإيصاء فحسب وليس مطلقا، ولو كان دالا على الوجوب ما علق ذلك بإرادة الموصي، لأن الواجبات لا يقف وجوبها على إرادة من هي عليه (1). وأجيب عن هذا الاعتراض بأن هذه الزيادة لم ترد في غالب طرق هذا الحديث، وقد وردت الروايات الصحيحة بإيجاب الوصية فوجب العمل بمقتضى هذه الأحاديث، وإذا ثبت الوجوب، وجب على المكلف أن يريد هذه الوصية (2).
هـ - أن رواية "لا يحل" تحتمل أن يكون راويها ذكرها بالمعنى، وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم الذي يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح (3).
ثالثا: ما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - أن رجلا قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن أبي مات ولم يوص، فهل يكفر عنه أن أتصدق عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم -: "نعم" (4).
ووجه الدلالة منه هو: إن في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "نعم" إيجاب للوصية وللتصدق عمن لم يوص، لأن التكفير لا يكون إلا في ذنب، فبين-عليه الصلاة والسلام- أن ترك الوصية يحتاج فاعله إلى أن يكفر عنه بأن يتصدق عنه (°).
القول الثاني: الوصية للأقارب غير الوارثين مندوبة وليست بواجبة.
(1)
الكاساني، البدائع، ج 7 ص 488. ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 3 ص 113.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 312.
(2)
ابن حجر، فتح الباري، ج 5 ص 275.
(1) أخرجه مسلم كتاب الوصية، ب (2)، رقم 11، ج 11 ص 92. النسائي / كتاب الوصايا، ب (8)، رقم
5632، ج 6 ص 252. ابن ماجة / كتاب الوصايا، ب (7)، رقم 1716، ج 2 ص 906.
(0) ابن حزم المحلي، ج 9 ص 313.
364 (1/364)
صفحة 364
وإليه ذهب الحنفية (1) والمالكية (2) والشافعية (3) والزيدية (4) والإمامية (5)
وهو مشهور مذهب الحنابلة (6).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت
إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين) البقرة [180].
ووجه الدلالة هو: أن الله تعالى إنما فرض الوصية على التارك خيرا، فلما نسخ الوجوب بقي الاستحباب في محل الوجوب لا يعدوه (7).
واعترض هذا الاستدلال بأن الآية غير منسوخة، وإنما مخصصة بحديث "لا" وصية لوارث"، لأن حقيقة النسخ أن يرفع
جميع ما تضمنته الآية فإذا بقي منها شيء وقدر على العمل به كان تخصيصا ولم يكن نسخا، فالآية قد تضمنت الوارث وغير الوارث وخصت السنة الوارث بأنه لا وصية له، ومن لم يكن وارثا لم يرفع حكم الوصية له لا بآيات المواريث ولا بهذا الخبر (8).
ثانيا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم في آخر أعماركم زيادة في أعمالكم، فضعوه حيث
شئتم".
(1)
المرغيناني، الهداية، ج 4 ص 231. الموصلي، الاختيار، ج 5 ص 62. (2) ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 3 ص 114. ابن جزي، القوانين، ص 266. (2) الماوردي، الحاوي، ج 8 ص 302. الحصني، كفاية الأخيار، ص 406. (4) عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 679. السياغي، الروض النضير، ج 4 ص 109. (1) المفيد، المقنعة، ص 670. الطوسي، الخلاف، ج 4 ص 136. (1) المقدسي، العدة، ج 1 ص 270. المرداوي، الإنصاف، ج 7 ص 189. (2) المقدسي، المصدر السابق، ج 1 ص 270 - 271. الحصني، كفاية الاخيار، ص 406.
(^)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 596.
365 (1/365)
صفحة 365
ووجه الدلالة منه هو أن الوصية مشروعة لنا لا علينا
والمشروع لنا مالا يكون فرضا ولا واجبا، بل يكون مندوبا إليه بمنزلة النوافل من العبادات (1).
:ثالثا: ما روته عائشة - رضي الله عنها - ان النبي - صلى الله عليه وسلم - مات ولم يوص (2).
واعترض على هذا الاستدلال بأن للنبي -صلى الله عليه وسلم - وصية ثابتة لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة (3)، وهذه وصية صحيحة بلا شك، لأنه أوصى بصدقة ما يترك إذا مات، وإنما المقصود بنفي وصيته في الحديث المتقدم هو نفي الوصية بالخلافة لشخص معين (4).
ويزاد على ذلك بأن من المحتمل أن تكون الحكمة من إبقاء الشارع الكريم حكم وجوب الوصية لغير الوارث من الوالدين والأقربين بعد نزول آيات المواريث هي جبر وتطييب خاطر غير الوارث من والدي الميت أو أقربائه حين يرى استيلاء الورثة على ميراث ابنه أو قريبه فتنكسر عند ذلك نفسه فجعلت له الوصية تطييبا لخاطره، ولما كان هذا المعنى معدوما في حقه- صلى الله عليه وسلم - لكون تركته صدقة غير موروثة من جانب من يتصل به نسبا أو سببا لم يوص -صلى الله عليه وسلم، إذ لا حاجة إلى
(1) السرخسي، المبسوط، ج 27 ص 142. (2) الماوردي، الحاوي، ج 10 ص 8، وحديث عائشة أخرجه مسلم كتاب الوصية ب (5)، رقم 18، ج 11، ص 97. أبو داود كتاب الوصايا، رقم 2863، ج 3 ص 111.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (46)، رقم 669، ج 2 ص 362. مسلم كتاب الجهاد،
ب (16)، رقم 51، ج 12 ص 320.
(1) اب) ابن حزم المحلى، ج 9 ص 313.
366 (1/366)
صفحة 366
(1)
جبر خاطر قربيه غير الوارث لانتفاء ذلك المعنى بل الحاجة هنا داعية إلى جبر خاطر الورثة لئلا تنكسر نفوسهم إذا منعوا من الميراث وأعطي من التركة بسبب الإيصاء من هو أدنى منهم قربل إليه- صلى الله عليه وسلم، لا سيما وأن ذاك المال هو تركة المصطفى صلى الله عليه وسلم -. رابعا أن أكثر أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم - لم ينقل عنهم وصية، ولم ينقل لذلك نكير عليهم، ولو كنت واجبة لم يتركوا ذلك، ولنقل عنهم نقلا ظاهرا (1).
خامسا: أنه لو كانت الوصية واجبة للأقربين، ثم لم يوص بها لوجب أن لا يسقط حقهم قياسا على الديون التي لا توجد الوصية بها، لكن لو عدمت الوصية للأقربين لم يستحقوا شيئا، وقوله تعالى: (من بعد وصية يوصي بها أو دين النساء [11]، يقتضي أنه إذا لم تكن وصية ولا دين فالمال أجمع مصروف إلى أهل الميراث (2). سادسا: إنها إثبات حق في ماله، فلم تكن واجبة كالهبة والعارية (3). وهذا الدليل من الضعف بمكان، فإن الوصية قد ثبت وجوبها للوالدين والأفربين بآية البقرة المتقدمة، وهذا باتفاق الفقهاء، وإنما قال من قال منهم باستحبابها بناء على دعوى النسخ، وإذا ثبت الوجوب للوصية بذلك الدليل فارقت الهبة والعارية لوقوع الاتفاق على عدم وجوبهما.
سابعا: إن القريب غير الوارث لا تلزم عطيته في الحياة، فكذلك لا تجب له الوصية بعد الممات كالأجانب (4).
ابن قدامة، المغني، ج 6 ص 40.
(2) الرازي، التقسير الكبير، ج 5 ص 54. ابن حجر، فتح الباري، جه ص 275.
(1) العيني، عمدة القارئ، ج 14 ص 29.
(1)
ابن قدامة، المغني، ج 6 ص 2.
367 (1/367)
صفحة 367
وهذا الدليل في الضعف كسابقه وما تقدم من اعتراض هناك صالح هنا، إذ كيف يقال بعدم وجوبها قياسا على العطية في الحياة
بعد ورود النصوص بإيجابها.
القول الثالث: أن الوصية باطلة عموما.
وهو قول بعض العلماء غير المنسوبين (1).
ودليل هذا القول: أن الأقربين الموصى لهم يقع الجهل بعددهم، لأن الناس كلهم قرابة، لأن آدم - عليه السلام - يجمعهم ويلتقون فيه (3). واعترض على هذا بأنه منتقض بالزكاة، فإن الله تعالى أمر بإخراجها إلى أقوام لا يحصى عددهم، ثم هي مع ذلك واجبة فكذلك هنا (3). • الرأي المختار: -
يذهب الباحث إلى الأخذ بمذهب الفقهاء القائلين بوجوب الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين لما يلي:-
1 - أن قوله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) البقرة [180] ظاهر في الوجوب، ولم يأت ما يفيد رفع هذا الوجوب أو بعضه إلا ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - من قوله: "لا وصية لوارث" فهذا الخبر مخصص لعموم الآية، فخرج به الوالد والقريب الوارث وبقي ما عداهما على حكم الوجوب، لأن مفهومه أن من ليس بوارث فالوصية له جائزة وواجبة في محل الإيجاب الوارد في الآية، فالوالد إذا حصل له مانع من موانع الإرث المعروفة (4)، وكذلك القريب إذا
(1) الماوردي، الحاوي، ج 10 ص 149. (2) الماوردي، المصدر السابق، والصفحة. (3) الماوردي، المصدر السابق، والصفحة.
(4) كاختلاف الدين أو كالرق.
368 (1/368)
صفحة 368
وجد من يحجبه حجب حرمان من الميراث كانت الوصية له واجبة
بالأمر الوارد في الآية.
والقول بأن الآية منسوخة قول ضعيف إذ كل ما قيل إنه ناسخ
لهذه الآية من الأدلة الأخرى ليس فيه دلالة على ذلك.
فأما آية المواريث فإنها جاءت لبيان أنصبة الميراث ومستحقيها، فتشريع حكم لا يلزم منه رفع حكم، آخر، فلا مانع من اجتماع الحقين الوصية لغير الوارثين والميراث للوارثين في التركة.
وأما آية (للرجال نصيب مما ترك ... الخ) النساء [7] فإن تنكير لفظ "نصيب" الوارد فيها يفيد أن الوارثين ليس لهم جميع المال بل النصيب الباقي بعد إخراج الحقوق الأخرى ومنها الوصية الواجبة لغير الوارثين. وإما حديث "لا" وصية لوارث فقد مر أنه مخصص وليس بناسخ،
وتخصيصه مقصور على الوارث، وهو أمر متفق عليه. - أن قوله - صلى الله عليه وسلم - "لا يحل لامرئ مسلم يبيت ليلتين الخ" دليل واضح على تحريم ترك الوصية، لأن لفظ" لا يحل يرد في كلام الشارع على التحريم للفعل أو الترك الوارد بعده، وما قيل من أن لفظ "لا يحل" يحتمل أن يكون من كلام الراوي لروايته الحديث بالمعنى فدعوى لا يعجز عنها أحد عندما تقهره الأدلة، ولو صحت للزم فتح الباب على مصراعيه أمام النصوص الأخرى المشابهة له لفظه بمثل هذا الاعتراض. وما قيل أيضا من أن هذا الحديث فيه زيادة له مال يريد أن يوصي
في
به وهي تفيد أن الوجوب معلق بالإرادة فيحرم ترك الإيصاء عند إرادته فهو
ضعيف لما يلي:
369 (1/369)
صفحة 369
أ- أنه يلزم منه أن يكون مقتضى الوجوب هو النية وتوجه الإرادة إلى الفعل، وهو أمر لم يعهد في واجبات الشريعة، إذ لا دخل للنية والإرادة من المكلف في إيجاب الفعل أو تحريمه، ويزيده ضعفا في هذا الباب أن القائلين بذلك يجيزون للموصي الرجوع في وصيته بعد أن أحكم عقدها، وفي هذا تناقض واضح إذ أوجبوا ذلك عليه بمجود نيته وتوجه إرادته، وأجازوا له ترك ذلك بعد الدخول فيه. ب- أنه يلزم منه أيضا أن تكون الوصية بالفرائض التي لم يؤدها المكلف في حياته كالحج والزكاة ... الخ، وسائر التبعات وحقوق الآدميين التي لم يقضها ليست بواجبة وإنما هي معلقة على إرادته، وهو على خلاف ما وقع عليه الاتفاق من أن الوصية بذلك واجبة، ولا يعترض على هذا بأن تعليق الوصية في هذا الحديث على الإرادة والنية مقصور على الوصية للوالدين والأقربين دون الفرائض والحقوق إذ لا دليل في الحديث ولا في غيره على ما يبدو - على هذا التخصيص، بل الظاهر من لفظ الحديث العموم لكل وصية. والظاهر أن هذه العبارة واردة لمعنى التحضيض وبعث الهمة إلى المسارعة والتعجل بكتابة الوصية، والمعنى هو أن من كان له مال، وهو عازم على القيام بواجب الوصية عليه فيما يلزمه الإيصاء ومنه الوصية للوالدين و الأقربين غير الوارثين - فليسارع وليتعجل في ذلك لئلا يدهمه الموت على حين غفلة، ولما يقم بهذا الواجب فهو في هذا المعنى كقوله تعالى: (وما هو إلا ذكر للعالمين، لمن شاء منكم أن يستقيم) التكوير [27 - 28]، والمعنى - والله اعلم أن هذا القرآن ذكر وعظة وهداية لمن همه وشأنه المسارعة إلى الاستقامة والتطلع إليها، فكما لا يفهم من تعليق الاستقامة في الآية بالمشيئة التخيير بين الاستقامة، وتركها، فكذلك لا يفهم من
تعليق الوصية في الحديث بالإرادة عدم الوجوب.
370 (1/370)
صفحة 370
وأما ما قيل من أن أكثر الصحابة لم ينقل عنهم أنهم أوصوا فجوابه هذا فالحجة فيما وردت به النصوص لا في أفعال المكلفين، مع
أنه إذا صح
أنه يمكن قلب هذا الاستدلال بأن يقال أنه لما كان أمر الإيصاء بينهم مشتهرا لم يشتغلوا بنقل وقائعه لشهرته وتواتره، بينهم كما لم يشتغلوا بنقل أفعالهم في إتيان الفرائض المعلومة بينهم كالصلاة والزكاة والصوم لشهرة ذلك بينهم مع أن هذه أيضا فرائض لازمة، وإنما صار أمر الوصية للوالدين والأقربين غير الوارثين إلى الخمول بعد قرن الصحابة لما تبناه أكثر العلماء من القول بالاستحباب دون الوجوب ومتابعة مقلديهم لهم في ذلك فخفيت شهرته بترك
الناس له.
وأما ما قيل من أنه لو كانت الوصية واجبة ثم لم يوص للزم إخراجها من المال كسائر الديون فهذا القول مفرع على أصل بعض الفقهاء القائلين بوجوب إخراج حقوق الله تعالى من التركة وإن لم يوص بها الهالك، وهذا أصل غير متفق عليه فإن جماعة من الفقهاء يرون عدم لزوم ذلك إذا لم يوص الهالك بإخراجها بخلاف حقوق المخلوقين فإن الوارث يلزم بإخراجها لوجود المطالب بها عند الحاكم، ولا يقوى الأقربون على المطالبة بالوصية إذا لم يوص لهم بها لأنها في حكم الهبة لهم، والموعود بالهبة لا يمكن من نصب الخصومة في الهبة قبل قبضها، فالقول بوجوب الوصية بإيجاب الله لها لا يتنافى مع القول بعدم لزوم إخراجها من التركة وعدم تمكين الأقربين من نصب دعوى المطالبة بها إذا لم يوص الهالك بها، إذ مثلها في ذلك مثل العطية للأولاد، فإن الأب إذا أعطى بعض بنيه في حياته وحرم الأخرين ثم مات ولم يوص لمن حرمهم من أولاده بمثل ما أعطى إخوانهم فإن الأولاد المحرومين من العطية لا يمكنون في الحكم من المطالبة بمثل ما أعطي
371 (1/371)
صفحة 371
إخوانهم من التركة مع أن العدل بين الأولاد في العطية واجب على الأب، وما ذلك إلا لأن العطية تضعف بالموت والوصية مثلها، وكمن وعد آخر بشيء ثم أخلفه فإن أيجاب الله تعالى عليه بتنفيذ ذلك الوعد متوجه إليه. لوجوب الوفاء بالعهود، ومع ذلك لا يمكن الموعود من نصب الخصومة بينه وبين الواعد له، ولا يلزم الواعد في الحكم بتنفيذ ما وعد به ولا الوارث بذلك بعد وفاته والله أعلم.
372 (1/372)
صفحة 372
المبحث السادس: فقه المعاملات
المطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم:
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: ويجوز
للمعلم أن يأخذ الأجرة على تعليمه القرآن (1).
وهذا المذهب هو مذهب بعض الإباضية (2) وهو مذهب المالكية (3) والشافعية (4) والظاهرية () والزيدية (6) والإمامية (3) واختاره متأخرو فقهاء الحنفية (8)، وهو رواية عند الحنابلة (1).
واستثنى الزيدية (10) والإمامية (11) من موضع الجواز القدر الواجب
من تعلم القرآن فمنعوا أخذ الأجرة عليه.
وأدلة هذا القول ما يلي:-
أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: زوجتكها على ما معك من القرآن (12).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 392. (2) ابن جعفر، جامع ابن جعفر، جه ص 140. أبو اسحاق مختصر الخصال، ص 52. (1) ابن جزي، القوانين، ص 182. الأبي، صالح جواهر الاكليل، ج 2 ص 188. (4) النووي، شرح مسلم، ج 14 ص 438. المقري، اسماعيل، إخلاص الناوي، ج 2 ص 403. (0) ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 193.
(1) عماد الدين، البيان الشافي، ج 3 ص 9. العنسي، التاج المذهب، ج 3 ص 70. (1) الحلي، الجامع للشرائع، ص 295. الطباطبائي، العروة الوثقى، ج 2 ص 442. السرخسي، المبسوط، ج 16 ص 37. الميداني، اللباب، ج 2 ص 37.
(1)
(10)
ابن
قدامة، الكافي، ج 2 ص 200. ابن مفلح، المبدع، جه ص 90. الصنعاني، ضوء النهار، ج 3 ص 1462. العنسي، التاج المذهب، ج 3 ص 70. (11) الطباطبائي، العروة الوثقى، ج 2 ص 442. الطباطبائي، محسن، مستمسك العروة الوثقى، ج 12
ص 134.
(12) أخرجه: الربيع/كتاب النكاح، ب (24)، رقم 515، ج 2 ص 207 - 208. مسلم كتاب النكاح، ب (13)، رقم 76، ج 9 ص 223 - 224. أبو داود / كتاب النكاح، رقم 2111، ج 2 ص 242.
373 (1/373)
صفحة 373
ووجه الدلالة منه هو: أن الإجماع واقع على أن الفروج لاتستباح إلا بعوض، فلما زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - الرجل بالمرأة على ما عنده من القرآن علم أن المراد من ذلك أنه جعل تعليمه إياها ما عنده من القرآن مهرا يستبيح به منها مالا يستباح إلا بعوض من المال فثبت بذلك صحة أخذ العوض عن تعليم القرآن لأنه إذا جاز أن يكون تعليم القرآن عوضا في باب
النكاح وقام مقام المهر جاز أخذ الأجرة عليه في الإجارة (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أ أنه ليس في الحديث تصريح بأن تعليمه إياها القرآن هو صداقها، وإنما قال: "زوجتكها بما معك من القرآن"، فيحتمل أنه زوجها بغير صداق إكراما له وتعظيما للقرآن (2)، وعلى هذا فمعنى الباء للسببية أي زوجتك إياها بسبب حفظ القرآن (3).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأنه لا يصح أن يكون المراد من الحديث أن النكاح ينعقد على القرآن نفسه، بدليل قوله تعالى: (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتهم لهن فريضة فنصف ما فرضتم) البقرة [237]، فلو كان المراد انعقاد النكاح على القرآن نفسه لانعدم النصف الذي تستحقه المرأة بالطلاق قبل الدخول، لأن القرآن لا نصف له، ولا يملكه الزوج فيملكها إياه، فظهر بذلك أن المراد به جعل تعليمه إياها عوضا لها مقابل استحلاله
فرجها (4).
ويزاد على هذا أن احتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم - زوجها بغير صداق إكراما للرجل وتعظيما للقرآن احتمال، واه، لأن هذا في حكم
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 401.
(1)
العيني،
البناية، ج 9 ص 340.
(3) ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 338.
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 401.
374 (1/374)
صفحة 374
الهبة إن لم يكن هبة قطعا، ودليل ضعفه هو أن الهبة في الفروج من خصوصياته صلى الله عليه وسلم - مصداقا لقوله تعالى: (وامرأة مؤمنة
وهيت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) الأحزاب [5]، ولا تخلو هذه الواقعة إما أن تكون حادثة قبل نزول هذه الآية، فعلى صحة ذلك الاحتمال فهو منسوخ بهذه الآية، ولا يصح الاعتراض بشيء منسوخ، وأما أن تكون حادثة بعد نزول الآية فهو احتمال مردود لأنه يخرم هذه الخصوصية للنبي - صلى الله عليه وسلم – المتفق على بقاء حكمها له إلى يوم القيامة، وعلى كلا الأمرين فهو احتمال واه وضعيف. ب إن ذلك رخصة من النبي - صلى الله عليه وسلم - لشدة فقر ذلك الرجل بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم – تتبع ما عنده حتى قل الرجل: لم أجد خاتما من حديد والرخصة لا تتعدى مكانها، ولو سلم تعديها فإنها تتعدى إلى من كان في مثل حالة ذلك الرجل في شدة الفقر وحاجة التزوج والصداق لا في مطلق التعليم لورود الأدلة المانعة لذلك (1).
(1)
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله (2).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:-
أ- أن المراد بذلك الجعالة في الرقية، لأنه ذكر ذلك في سياق خبر الرقية، والرقية نوع مداواة، والمأخوذ عليها جعل، والمداواة
يباح أخذ الأجر عليها (3).
القطب، شامل الأصل، ج 1 ص 35.
(1) أخرجه البخاري كتاب الطب، ج 10 ص 163. الدارقطني / كتاب البيوع، رقم 247، رقم 247/ ج 3
ص 65. البيهقي/كتاب الإجارة، ج 6 ص 124.
(3) ابن قدامه، المغنى، ج 5 ص 332. العيني، البناية، ج 9 ص 341.
375 (1/375)
صفحة 375
ب- أن معنى الحديث هو أن أحق ما اتخذتم عليه أجر عمل بدن
وافق كتاب الله أي لا عمل دين الشيطان (1).
:ثالثا: ما ورد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - كانوا فـ غزاة فمروا بحي من أحياء العرب، فقال لهم أهل الحي: هل عندكم من راق، فإن سيد الحي قد لدغ أو قد عرض له، فرقى رجل بفاتحة الكتاب، فأعطي قطيعا من الغنم فأبى أن يقبلها، فسأل عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم-: "بم رقيته؟ "، قال: بفاتحة الكتاب، قال: "وما يدريك أنها رقية؟ "، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: "خذوها واضربوا لي معكم بسهم ولعل وجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم – أباح لصاحب الرقية أخذ ما أعطي من الغنم مقابل رقيته فيجوز أخذ
الأجرة أيضا على تعليم القرآن.
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:- أ- أن القوم كانوا كفارا فجاز أخذ أموالهم.
ب أن حق الضيف لازم، وهم لم يضيفوهم (3).
(2)
ج- أن هذه رقية، وهي ليست بقربة محضة، فجاز أخذ الأجرة عليها (4).
(1) القطب، شامل الأصل، ج 1 ص 35.
(1)
ابن رشد، بداية المجهد، ج 2 ص 224. والحديث أخرجه مسلم کتاب السلام ب (23)، رقم 65، ج 14 ص 437. أبو داود/كتاب الإجارة، رقم 3418، ج 3 ص 262. ابن ماجه / كتاب التجارات، ب (7)، رقم
2156، ج 2 ص 729.
(1) ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 338. والاحتجاج بجواز أخذ أموال هؤلاء القوم لأجل كفرهم ليس بشيء فإن الكافر وإن لم يكن كالموحد في عصمة النفس والمال إلا أنه لا يجوز أخذ ماله خلسة واحتيالا وخديعة خصوصا إذا كان كافرا مسالما غير حرب على المسلمين كما هو ظاهر حال هؤلاء القوم، وإنما تستباح أموال الكفار في ميادين الجهاد والقتال والله أعلم. (4) ابن الجوزي، المصدر السابق، والصفحة ابن قدامه المغني، ج 5 ص 332. ابن عابدين، رد المحتار،
ج 1 ص 78.
376 (1/376)
صفحة 376
رابعا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه (1).
ووجه الدلالة منه هو أن الحديث شامل لكل من علم القرآن
:
وعلمه حتى الوالد يعلم ولده القرآن بأجرة (2).
خامسا: أن الرعية ملزمة بالقيام مع الإمام بأمور الأمة من الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر وجبي الصدقات والزكوات ... الخ، وعلى الإمام دفع الأجرة لهم على هذا القيام مع أنه واجب عليهم، ويجوز لهم
أخذ العوض عن ذلك، فكذلك القائم بتعليم القرآن بجوز له أخذ
العوض عن تعليمه (3). سادسا: إن الله تعالى جعل للمرضعة أخذ الأجر على ما تقوم به من إحياء الطفل بالرضاع ورعايته، فكذلك يجوز لمعلم القرآن أخذ الأجرة
على تعليمه (4).
سابعا: أن تعليم القرآن يجوز أخذ الرزق عليه من بيت المال فجاز أخذ الأجرة عليه من غيره كبناء المساجد والقناطر ().
واعترض على هذا الاستدلال بأن هذا قياس لا يصح، لأن بناء المساجد والقناطر لا يشترط أهلية المأمور فيهما، بل المشروط هو أهلية الأمر فقط، ولذا يجوز استئجار الكافر على بناء المساجد والقناطر وغيرها، وأما تعليم القرآن فإنه يشترط فيه أهلية
المأمور (6).
(1) أخرجه أبو داود كتاب الصلاة، رقم 1452، ج 2 ص 71. الترمذي / كتاب فضائل القرآن، ب (15) رقم 2907، ج 5 ص 159. ابن ماجه المقدمة ب (16)، رقم 211، ج 1 ص 77.
(2) الصاوي، أحمد، بلغة السالك، ج 2 ص 254.
(")
ابن بركة الجامع، ج 2 ص 392.
(4) ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة.
(0)
ابن قدامه، المغني، ج 5 ص 331.
(1) الطوري،
محمد، تكملة البحر الرائق، ج 2 ص 33 - 34.
377 (1/377)
صفحة 377
ثامنا: أن الظاهر من أحوال الناس التهاون والتواني في الأمور الدينية، ففي منع أخذ الأجرة على تعليم القرآن (1) تضييع لحفظه، لأنه قل
القائم بتعليم القرآن احتسابا للثواب.
القول الثاني: عدم جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
وإليه ذهب جمهور الإباضية (2) وهو مذهب متقدمي الحنفية (3) ورواية
عند الحنابلة (4) واختاره الشوكاني ().
وأدلة هذا القول ما يلي:-
أولا: قوله تعالى: (قل) ما أسألكم عليه من أجر) ص [86]. (6)
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "بلغوا عني ولو آية". ووجه الدلالة من الآية والحديث المذكورين هو: أنه - صلى الله
عليه وسلم - أمر بالتبليغ دون الأجرة. (2)
ثالثا: ما رواه عبادة بن الصامت (8) - رضي الله عنه - قال: "علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم قوسا، فقلت: ليست بمال وأرمي عليها في سبيل الله، لآتين رسول الله - صلى
(1)
عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 1116.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 1 ص 186 - 187. القطب، النيل، ج 10 ص 21.
(3) القدوري، مختصر القدوري، ص 104. الكاساني، البدائع، ج 4 ص 281. ابن قدامة، الكافي، ج 2 ص 200. البهوتي، الروض المربع، ص 321.
(4)
(2) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 117.
(1) القطب، شامل الأصل، ج 1 ص 35.
(2) القطب، المصدر السابق، والصفحة، والحديث أخرجه البخاري / كتاب أحاديث الأنبياء، ج 6 ص 388. الترمذي / كتاب العلم، ب (13)، رقم 2669، ج 5 ص 39. أحمد / ج 2 ص 159.
(^)
عبادة: عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد، أحد النقباء ببيعة العقبة، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد، وكان أحد من جمع القرآن الكريم على عهده صلى الله عليه وسلم -، مات بالرملة وقيل ببيت المقدس عام أربعة وثلاثين وقيل عاش حتى عام خمسة وأربعين للهجرة. / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 2 ص 355 - 356. ابن حجر، الإصابة، ج 3 ص 505 - 50.
378 (1/378)
صفحة 378
الله عليه وسلم - فلأسألنه فأتيت فقال: إن كنت تحب أن تطوق
طوقا من نار فاقبلها" (1).
رابعا: خبر أبي بن كعب (2) - رضي الله عنه - قال: علمت رجلا القرآن فأهدى إلى قوسا، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن أخذت أخذت قوسا من نار (3).
ووجه الدلالة هو: أن هذين الخبرين واردان في النهي عن قبول الهدية في تعليم القرآن، فدلالتهما على تحريم أخذ الأجرة أولى (4). واعترض هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن حديث عبادة هذا ضعيف لضعف إسناده (ه).
ب- أنه لو صح فهو محمول على أن عبادة رضي الله عنه- - كان متبرعا بالإحسان والتعليم غير قاصد لأخذ الأجرة، فحذره -
صلى الله عليه وسلم - من إبطال أجره، وتوعده على ذلك.
ج- إن عبادة إنما علم أهل الصفة، فأخذ الأجرة منهم دناءة، لأنهم ناس فقراء كانوا يعيشون على صدقات الناس، فأخذ المال منهم
مكروه (1).
أخرجه أبو داود كتاب الإجارة، رقم 3416، ج 3 ص 262. ابن ماجه / كتاب التجارات، ب (8)، رقم 2157، ج 2 ص 729. البيهقي / كتاب الاجارة، ج 6 ص 125. (1) أبي: أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو المنذر، شهد العقبة الثانية، وبدرا وسائر المشاهد، وكان أحد فقهاء الصحابه وقرائهم، وأحد من كتب الوحي مات عام عشرين، وقيل اثنين وعشرين، وقيل ثلاثين للهجرة. ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 1 ص 161 - 164. ابن حجر، الإصابة، ج 1 ص 180 - 182. (1) أخرجه ابن ماجه كتاب التجارات، ب (8)، رقم 2158، ج 2، ص 730. البيهقي/كتاب الإجارة، ج 1
ص 162.
(4) الشوكاني، السيل الجرار، ج 3 ص 192. (1) ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 196. وذكر هناك أن لحديث عبادة ثلاث طرق: الأولى فيها الأسود بن ثعلبة، وهو مجهول، والثانية فيها بقية، وهو ضعيف، والثالثة فيها إسماعيل بن عياش، وهو ضعيف وهذه الطريق الثالثة فيها انقطاع أيضا.
(1) الصنعاني، سبل السلام، ص 156.
379 (1/379)
صفحة 379
د-
د أن حديث أبي بن كعب ليس بصحيح لأن في سنده انقطاعا (1). خامسا: أن من شرط صحة هذا الفعل وهو تعليم القرآن – أن يكون قربة الله عز وجل فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، إذ هو شبيه بمن استأجر قوما يصلون خلفه الجمعة أو التراويح (2).
سادسا: إن تعليم القرآن قربة، والقربة تقع من العامل فتتعين عليه، لقوله تعالى: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى) (3) النجم [39].
وعورض هذا الاستدلال بأنه ينتقض بفعل الحج، إذ هو قربة
أيضا، ومع ذلك يصح وقوعه من شخص عن آخر يقوم مقامه في
??
سابعا: أن تعليم القرآن مما لا يقدر عليه المعلم إلا بمعنى من جهة المتعلم فيكون المعلم ملتزما ما لا يقدر على تسليمه (9)، فأشبه الاستئجار لحمل خشبة لا يقدر على حملها بنفسه (6).
واعترض هذا الاستدلال بأن المعلم إنما يأخذ الأجرة على فعل نفسه وهو التلقين والإلقاء، وكون المتعلم لم يفهم ما لقنه إياه معلمه فهو مما لا دخل فيه للمعلم، والأجرة إنما هي على فعله لا فعل المتعلم (7).
(1)
(2)
(T)
ابن حزم المحلى، ج 8 ص 195 - 196. وقد ذكر هناك أن سبب انقطاع حديث أبي هو أن له طريقين في الأولى أبو إدريس الخولاني ولا يعرف له سماع عن أبي، والأخرى فيها علي بن رباح وهو لم
يدرك أبي بن كعب.
ابن قدامة، المغني، ج 5 ص 332.
الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 302.
(4) قاضي زاده، تكملة فتح القدير، ج 9 ص 99.
(•)
(1)
الطوري، تكملة البحر الرائق، ج 8 ص 33.
الكاساني، البدائع، ج 4 ص 281.
5 (V)
قاضي زاده، تكملة فتح القدير، ج 9 ص 100. (1/380)
صفحة 380
:ثامنا أن الاستئجار على تعليم القرآن سبب لتنفير الناس عن تعلمه، لأن ثقل الأجر يمنعهم من ذلك، فيؤدي ذلك إلى الرغبة عن تعلم القرآن، ولهذا المعنى أشار الله تعالى في قوله: (وما تسألهم عليه من أجر يوسف [104] وقوله تعالى: (أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون) الطور [40] (1).
الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء بجواز أخذ
الأجرة على تعليم القرآن الكريم عند تحقق شرطين هما:
1 - أن يكون المعلم قد حبس نفسه على ذلك، حتى كان احتباسه لذلك مانعا من الكسب على نفسه وعلى من يلزمه عوله، أو مفوتا عليه مصلحة من مصالح حياته الضرورية.
2 - أن لا يوجد من يقوم بهذا التعليم تبرعا واحتسابا لوجه الله تعالى. فإن كان يجد قوت نفسه وعياله من مصدر آخر، أو وجد من يوم بتعليم القرآن تبرعا واحتسابا تعليما يفي بالحاجة المطلوبة في هذا الجانب في
المجتمع فلا يجوز اتخاذ القرآن الكريم مكسبا ومتجرا لتحصيل المال. وإنما جاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مع توفر ذينك الشرطين المتقدمين - مع أن الأصل في تعليم القرآن أن يكون طاعة وقربة، لأن ذلك ما توجبه مصلحة الإسلام العامة خصوصا في هذا العصر الذي أصبح أعداء الإسلام يبثون بين أوساط أهله سموم ثقافتهم وآدابهم وتعاليمهم الباطلة العاطلة، وندر فيه القائم تبرعا بهذا الأمر من التعليم، إذ لو قيل بعدم الجواز مطلقا لأدى ذلك إلى هجران كتاب الله تعالى الذي هو أول ما ينبغي أن يتعلم، ولتخلي المسلمون عن أعظم حصن يحصنون به أبناءهم من تيار الثقافة
(1) الكاساني، البدائع، ج 4 ص 282.
381 (1/381)
صفحة 381
الغربي الجارف ومآل ذلك بلا شك - إلى هدم الدين الذي يعد أول ما جاءت
مقاصد الشرع الكريم لحفظه والعناية به.
ومما يدل على أن هذا الرأي مما ينبغي المصير إليه هو ما وقع من شبه اتفاق بين الفقهاء المعاصرين من شتى المذاهب الإسلامية من العمل والإفتاء به في هذا العصر حفظا للدين وللملة، فإن هذا الاتفاق بعد تقدم ذلك الخلاف دليل واضح على أن المصلحة العامة للإسلام تكمن في القول بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم في هذا العصر عند وجود الشرطين المتقدم ذكرهما آنفا خصوصا أن في هذا العصر قد جعل في بعض بلدان العالم الإسلامي - إن لم يكن جميعها أجر المعلم من موارد الدولة العامة، فما على القائم بتعليم القرآن - خروجا من دائرة الخلاف إلا أن ينوي أخذ الأجرة على احتباسه وملازمته وتلقينه لمن يعلمهم، وأن ذلك الأجر الذي يأخذه على تعليم القرآن هو عوض عن عطائه من بيت مال المسلمين الذي عدم إنفاذ حقه منه له في هذا العصر.
ثم ان القول باستثناء تعليم القدر الواجب من القرآن الكريم من جواز أخذ الأجرة على التعليم قول له حظ من الصواب، وذلك لأن إجازة أخذ الأجرة على العبادة والقربة ممنوعة في الأصل، وأجيز أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم استثناء لمكان المصلحة الداعية إلى ذلك كما سبق بيانه، فيقتصر الجواز على محل الضرورة، ولا ضرورة في أخذ الأجرة على تعليم القدر الواجب من القرآن الكريم، لأن القدر الواجب تعلمه هو مقدار ما تؤدى به الصلاة، فهو أمر ميسور لا يفوت على المعلم شيئا من مصالحه الدنيوية
ولا ينفق فيه جهدا ووقتا كثيرا فلا يجوز أخذ الأجرة عليه والله أعلم.
382 (1/382)
صفحة 382
المطلب الثاني: حكم الإشهاد عند البيع:
آراء الفقهاء في المسالة:
القول الأول: أن الإشهاد عند البيع مندوب إليه غير واجب. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو والنظر
يوجب عندي أن الأمر بالإشهاد إذا تبايع المتبايعان ليس بواجب (1). وهذا الرأي هو مذهب جمهور الفقهاء من الإباضية (2) والحنفية (3)
والمالكية (4) والشافعية (5) والحنابلة (6) والإمامية (3) والزيدية (8).
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه ابتاع فرسا من أعرابي، فاستتبعه النبي - صلى الله عليه وسلم - ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه في الفرس حتى زاد بعضهم
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 262.
(1)
الكندي، المصنف، ج 20 ص 117. الشقصي، منهج الطالبين، ج 11 ص 8. لكن استثنى الشماخي في الإيضاح السلم من سائر عقود المعاملة فحكى فيه وجوب الإشهاد عن فقهاء المذهب، واحتج له بأن السلم عقد مخصوص بالجواز من جملة النهي عن بيع الإنسان ما ليس عنده، والمخصوص لا يصح إلا بجميع شروطه، ومنها- عندهم الإشهاد، فكان بذلك حكمه الوجوب في هذا الباب. انظر الإيضاح، ج 6
ص 70.
ومع هذا التعليل من الشماخي، فإن استثناء بعض فقهاء المذهب الإباضي السلم بإيجاب الإشهاد فيه دون سائر العقود لا يبعد أن يكون هذا القول منهم موافقة لمذهب ابن عباس -رضي الله عنهما- فإن المنقول عنه أن آية الدين التي ورد فيها الأمر بالإشهاد مخصوصة بالسلم دون غيره من العقود انظر، الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 116.
الجصاص أحكام القرآن، ج 1 ص 585. الألوسي، أبو الفضل، روح المعاني، ج 3 ص 55 (4) ابن عطية، المحرر الوجيز، ج 2 ص 501. القرطبي، الجامع لإحكام القرآن، ج 3 ص 402. (1) الرازي، التفسير الكبير، ج 7 ص 96. الكياهراسي، عماد الدين، أحكام القرآن، ج 1 ص 238. (1) ابن الجوزي، زاد المسير، ج 1 ص 340. ابن قدامة، المغني، ج 4 ص 302. المبسوط، ج 8 ص 173. الطبرسي، الفضل، مجمع البيان، ج 2 ص 684.
(4)
الطوسي،
(8) عمال الدين، البيان الشافي، ج ص 179.
383 (1/383)
صفحة 383
الأعرابي في السوم على ثمن الفرس الذي ابتاعه النبي صلى الله عليه وسلم، فنادى الأعرابي النبي - صلى الله عليه وسلم - إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه وإلا بعته ... قال: "أو ليس قد ابتعته منك؟ فقال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -: "بلى قد ابتعته منك" فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا يشهد أني بايعتك ... قال خزيمة - رضي الله عنه (1) ـ أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال بتصديقك يا رسول الله، فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهادة خزيمة يشهادة رجلين (2) ".
ووجه الدلالة منه هو: أنه لو كان الإشهاد واجبا لأشهد النبي- صلى الله عليه وسلم - على هذا البيع ولم يفزع إلى طلب من يعلم ذلك الحق، ولم يقل لخزيمة بم تشهد؟، أو من أين لك هذه الشهادة؟ (3).
واعترض على هذه الاستدلال بما يلي:- -أ- أن هذا الخبر لا يصح، لأن في إسناده مجهولا لا يعرف (4). ب - أنه لو ثبتت صحته لما كان فيه حجة لأنه:
(1) خزيمة بن ثابت بن الفاكه الأنصاري الأوسي، أبو عمارة، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد وكانت راية بني خطمة من الأنصار عنده يوم الفتح، ويعرف بذي الشهادتين، استشهد في صفين عام سبعة وثلاثين للهجرة / ابن عبد البر، الاستعياب، ج 2 ص 30 - 31. ابن حجر، الإصابة، ج 2 ص 24. (2) أخرجه أبو داود كتاب الأقضية، رقم 3607. النسائي / كتاب البيوع، ب (81)، رقم 4647، ج 7
(1)
ص 301 - 302.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 354. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3 ص 405. الشماخي، الإيضاح،
ج 2 ص 69 - 70.
(1) ابن حزم المحلى، ج 8 ص 348. وذكر هناك أن هذا الراوي المجهول هو عمارة بن خزيمة، وهو غير معروف، اهـ. لكن الظاهر أن هذا الراوي هو عمارة بن خزيمة بن ثابت وعلى هذا فهو معروف
غير مجهول.
384 (1/384)
صفحة 384
(1)
ليس فيه أن أمر البيع تأخر مقدار مدة يمكن فيها الإشهاد فلـ يشهد -عليه الصلاة والسلام-، وإنما فيه أنه - صلى الله عليه
-
وسلم ـ ابتاع من الأعرابي الفرس ثم استتبعه ليوفيه الثمن، فأسرع - عليه الصلاة والسلام، وأبطأ الأعرابي، والبيع لا يتم إلا بالتفرق بالأبدان، ففارقه عليه الصلاة والسلام ليتم البيع
-.
والإشهاد إنما يجب بعد تمام البيع وصحته لا قبل أن يتم (1). أنه لو ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم ـ ترك الإشهاد في هذه الحادثة وهو قادر عليه بعد تمام البيع، فليس فيه ثم دليل على أن
هذه الحادثة كانت بعد نزول الآية الآمرة بالإشهاد حتى يصح
أن
يقال: إن الأمر فيها بالإشهاد على الندب لتركه- صلى الله عليه
وسلم - الإشهاد على ذلك البيع (2).
ثانيا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه رهن درعه عند يهودي، ولم يشهد على ذلك، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب
مع الرهن خوف المنازعة (3).
ثالثا: ما ورد عنه ـ صلى الله عليه وسلم - أنه أمر عروة بن الجعد (4) أن يشتري له أضحية، ولم يأمره بالإشهاد، ولم يعب عليه ترك ذلك.
واعترض على الاستدلال بهذين الدليلين بما يلي:
ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 348. وقوله إن البيع لا يتم إلا بالتفرق بالأبدان هو خلاف المذهب عندن
البيع يتم بالتفرق بالأقوال دون الأبدان. (2) ابن حزم، المصدر السابق والصفحة.
() ابن العربي، أحكام القرآن، ج 1 ص 259، وخبر رهن الدرع أخرجه البخاري كتاب المسلم، ج 4 ص 343. ابن ماجة / كتاب الرهون، باب (1)، رقم 2436، ج 2 ص 815.
(1)
إذ
عروة بن عياض بن أبي الجعد البارقي الأزدي، يعد في الكوفيين استعمله عمر على قضاء الكوفة قبل استقضائه شريحا عليها، وكان له سبعون فرسا مربوطة في بيته للجهاد / ابن عبدالبر، الاستيعاب، ج 3 ص 175 ابن الأثير، أسد الغابة، ج 4 ص 26 - 27. وخبر عروة، أخرجه أبو داود كتاب البيوع، رقم 3384، ج 3 ص 253.
385 (1/385)
صفحة 385
أ- أن هذين الخبرين لم يرد فيهما أنه أشهد أو ترك الشهادة فهما محتملان للأمرين فلا دليل فيها على شيء بعينه، وليس ترك
ذكر جميع الأحكام في كثير من الأخبار بمسقط لها إذا جاءت
بها نصوص أخرى.
ب- أنه لو صح عند المعاملة لأجل عدم ورودة فيهما للزم أيضا أن يقال: بجواز
الاستدلال بهذين الخبرين على جواز ترك الإشهاد
البيع بغير ثمن لعدم ذكره في هذين الخبرين.
رابعا: أن الكتابة التي ورد الأمر بها مع الأمر بالإشهاد في قوله تعالى: (يل أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ..... واستشهدوا
شهيدين من رجالكم ... ) البقرة [282] ليست بواجبة، فكذلك الإشهاد ليس بواجب لاقترانه بها. خامسا: أن الرهن الوارد أيضا مع الأمر بالإشهاد في آخر هذه الآية في قوله تعالى: (فرهان مقبوضة) البقرة [283] مشروع بطريق الندب الوجوب، فيكون الإشهاد حكمه في ذلك حكم الرهن انه على سبيل الندب لا الوجوب (1). وقد يعترض على هذين الاستدلالين بأن الدليل فيهما مأخوذ من دلالة الاقتران، وهي دلالة ضعيفة، إذ لا يلزم من اقتران أمر بآخر أن يأخذ مثل الحكم الذي حكم به على الأمر الآخر. سادسا: أن الأمة ما زالت منذ عهد الصحابة ومن بعدهم- متواطئة على عدم الإشهاد في سائر عقود المداينات والبيوع في جميع والأعصار مع علم الفقهاء والحكام بذلك وتركهم النكير على عدم الإشهاد، ولو كان الإشهاد واجبا في هذه العقود لورد النقل به عن الصحابة ومن بعدهم متواترا مستفيضا، ولظهر الإنكار على تاركه
(1) ابن قدامة، المغنى، ج 4 ص 195. القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 3 ص 404.
الأمصار
386 (1/386)
صفحة 386
من العامة، فلما لم يثبت شيء من ذلك، دل الحال على أن الإشهاد ندب وليس بواجب (1).
سابعا: أن من المعلوم أن الله تعالى قد أباح للإنسان أن يأتمن على ماله الكثير من شاء أن يودعه من الناس ولم يوجب عليه الإشهاد في ذلك
مع
احتمال أن يعرض الجحود ممن استأمنه، فكذلك البيع لا يلزم
الإشهاد فيه لاتحاد العلة (2).
:ثامنا: أن الدين ومثله البيع - مشروع لترفيه الناس فلو وجب الإشهاد عليه لكان تضييقا لا ترفيها، لا سيما مع كثرة وقوع التداين ومع كثرة الدين القليل مما يكون السعي في كتابته أو دفع أجرة الكتابة أكثر أو
مساويا أو أقل بقليل منه (3).
القول الثاني: أن الإشهاد واجب عند البيع.
وإليه ذهب الظاهرية (4) وابن جرير الطبري (5).
وأدلة هذا القول ما يلي:-
:أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى
فاكتبوه ... واستشهدوا شهيدين من رجالكم، فإن لم يكونا رجلين
فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ... الخ) البقرة [282]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن الأوامر الواردة في هذه الآية من الأمر بالكتابة للدين إذا كان لأجل مسمى وبالإشهاد في التجارة المدارة أوامر مغلظة مؤكدة لا تحتمل تأويلا، والأصل في الأوامر أن تكون على الوجوب،
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 354. الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 585. الرازي، التفسير الكبير،
ج 7 ص 96. (2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 264. القطب، تيسير التفسير، ج 1 ص 458.
(")
(1) ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 346. (1) الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 119.
387 (1/387)
صفحة 387
ولا تنتقل إلى غيره إلا بدليل، ولم يأت ما يدل على أن الأمر هنا مراد به
غير الوجوب، فثبت بهذا أن الإشهاد على الدين واجب (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن الأمر في الآية يراد به الإرشاد والندب إلى الإشهاد وليس الوجوب (2).
وأجيب بأن دعوى الندب لا تثبت إلا بدليل لأن معنى النب إن
شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، ولا يفهم في اللغة العربية من لفظة "افعل" لا تفعل إن شئت إلا بدليل يوجب ذلك، ولا دليل هنا على ذلك (3).
ولأنه لو صح حمل الأمر الوارد في هذه الآية على الندب مع عدم ما يدل على ذلك لصح أن تحمل سائر الأوامر الواردة في القرآن أيضا على الندب (4).
ب أن الأمر بالكتابة والإشهاد الوارد في أول الآية منسوخ بقوله تعالى في آخرها فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته) البقرة [283] (5).
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن دعوى نسخ وجوب الإشهاد بما ورد في آخر الآية باطلة لما يلي:
أن قوله تعالى: (فإن أمن ... الخ) راجع إلى ما يتصل به من
الرهن (1).
(1) الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 119. ابن حزم المحلى، ج 8 ص 345. (2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 584. ابن كثير، تفسير ابن كثير، ج 1 ص 344. (3) الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 120. ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 346.
(4) الطبري،
المصدر السابق، والصفحة ابن حزم المصدر السابق، والصفحة.
(9) الرازي، التفسير الكبير، ج 7 ص 96. الشقصي، منهج الطالبين، ج 11 ص 8.
(1)
ابن حزم، المحلى، ج 8 ص 346.
388 (1/388)
صفحة 388
- أو إنما أذن الله بذلك حيث لا سبيل إلى الإشهاد، فأما إذا وجد الشهود فالفرض هو الإشهاد عند وقوع البيع، لأنه إنما يكون الناسخ في موضع لا يجوز اجتماع حكمه وحكم المنسوخ في حال واحدة، فأما إذا كان أحدهما غير ناف لحكم الآخر فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء (1).
أنه لو صح نسخ قوله تعالى: (وأشهدوا إذا تبايعتم) البقرة [282] بقوله في آخر الآية: (فإن أمن بعضكم بعضا .. ) البقرة [283] لصح نسخ الوضوء بالماء في الحضر عند عدم وجود الماء فيه وفي السفر الوارد في قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين) المائدة [6] بقوله تعالى: (وإن كنتم مرضى
أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلـ
تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) المائدة [6]، ولصح نسخ تحرير الرقبة في الظهار الوارد بشأن كفارة الظهار في قوله تعالى: (فتحرير رقبة) المجادلة [4] (2) بقوله تعالى في آخر الآية: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين) المجادلة (4)
ثانيا ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ثلاثة يدعون الله تعالى فلا يستجاب لهم، وذكر فيهم ورجل كان له على رجل دين
فلم يشهد عليه (3).
ووجه الدلالة منه ظاهر.
(1) الطبري، جامع البيان، ج 3 ص 120.
(1)
الطبري،
المصدر السابق والصفحة.
(2) ابن حزم المحلى، ج 8 ص 345. وهذا الخبر أسنده ابن حزم متصلا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم من طريق أبي موسى الأشعري كما رواه بإسناد آخر موقوفا على أبي موسى الأشعري. انظر، المحلى، ج 8 ص 345، ورواه الطبري، بإسناده موقوفا على كعب الأحبار، انظر، جامع البيان، ج 3 ص 117.
389 (1/389)
صفحة 389
واعترض هذا الاستدلال بأن من بين الثلاثة المذكورين ورجل لـ امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها"، مع أنه لا خلاف أنه ليس بواجب على من كان له امرأة سيئة الخلق أن يطلقها.
وعلى هذا، فالمراد من هذا الخبر ومعناه هو: أن تارك الإشهاد تارك للاحتياط والتوصل إلى ما جعل الله تعالى له فيه المخرج والخلاص (1).
الرأي المختار:
يبدو لمن أمعن النظر في أدلة الفريقين في هذه المسألة أن اعتراضات وأجوبة الجمهور من الفقهاء من سائر المذاهب الإسلامية القائلين بأن الإشهاد على المعاملات أمر مندوب غير واجب الواردة على أدلة القائلين بالوجوب لم تصل إلى درجة الكفاية في توهين تلك الأدلة. وتوضيح ذلك هو أن القائلين بندبية الإشهاد صاروا إلى قولين في
توجيه الأمر الوارد بالإشهاد في سورة البقرة.
فقال بعضهم: أن هذا الأمر على الندب ابتداء.
وقال آخرون: أن الأمر في الآية على الوجوب، وقد نسخ هذا الوجوب بقوله تعالى في آخر الآية: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته) البقرة [283].
هذا، ومن المعلوم أن حمل الأمر بالإشهاد الوارد في الآية على الندب استنادا إلى وقائع وحوادث بدا ظاهر التعاقد فيها خاليا من الإشهاد حمل ليس بالقوي، لأنه من المحتمل جدا كما يقول القائلون بوجوب الإشهاد أن تكون هذه الوقائع حصلت قبل نزول الآية، وإذا صح هذا الاحتمال فحمل الأمر في الآية على الندب يبقى محل نظر، وما قد يتعلل به
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 584.
390 (1/390)
صفحة 390
أن هذه فوائد دنيوية والأمر بالإشهاد فيها يدل على الإرشاد مدفوع بالأمر
بالإشهاد على الزواج.
وأما القول بأن الأمر بالإشهاد منسوخ بقوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن (أمانته) البقرة [283] فمع أنه وارد بعد ذكر الرهن الذي جعل عوضا عن الكتابة وما يتبعها من الإشهاد مما يدل على أن ذلك يصار إليه عند تعذر وجود الكاتب والشاهد ففيه مع ذلك أيضا- أن هذا النسخ واقع قبل التمكن من الامتثال، فإن ظاهر حال نزول هذه الآيات أنها نزلت دفعة واحدة فيكون النسخ قد وقع مباشرة عقيب الأمر بالإشهاد قبل التمكن من الامتثال اعتقادا فضلا من أن يكون عملا وهو ممنوع صيانة لأفعاله تعالى عن العبث وفقدان الحكمة من تشريع الأوامر والمخاطبة بالنواهي لغير حاجة ولا مخرج - فيما يبدو - من ذلك إلا أن يقال إن النسخ إنما هو واقع على رفع الوجوب، ولا يلزم من رفع الوجوب رفع الجواز والندب إلى الفعل، وتكون الحكمة من تشريع الوجوب أولا ثم نسخه ثانيا قبل التمكن من الامتثال هو إظهار المنة والفضل الله تعالى على عباده إذ امتن عليهم برفع ما أوجب عليهم من الإشهاد عند التعامل مما يورثهم كلفة ومشقة بإيجابه، وهي حكمة كافية لتشريع إيجاب أمر ما ثم نسخه مراعاة لهذه الحكمة، إذ لا تقتصر الحكمة على التمكن من الفعل فحسب، وشاهد ذلكم نسخ الصلوات الخمسين إلى خمس صلوات قبل التمكن من الفعل إظهارا للامتنان بالتخفيف عن العباد.
ومهما يكن من أمر، فإن الأمة قد صارت في العصر الحاضر إلى العمل بالأوامر الواردة في هذه الآية من الأمر بالكتابة والإشهاد على ذلك في غالب صفقات التعامل الواقعة بين أفرادها خصوصا المعاملات ذات القدر الخطر، وهذا مما يخفف وقع الخلاف في هذه المسألة التي تبدو فيها أدلة جمهور الأمة غير قادرة على الصمود أمام أدلة القائلين بالوجوب.
391 (1/391)
صفحة 391
وهذا الأخذ بما جاءت به هذه الآية يحقق ما لحظه القائلون بالوجوب من الحفاظ على الحقوق وكف النزاع والخصومات التي قد تنتج عند عدم الإشهاد، فالأمة قد أخذت في هذا العصر بالأوامر الواردة في هذه الآيات في هذا الموضوع عملا، وإن لم تأخذه بها اعتقادا على أنها واجبة، وهذا لا شك أنه أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدفع للارتياب والله أعلم.
392 (1/392)
صفحة 392
المبحث السابع: فقه الأحكام القضائية
المطلب الأول: حكم القضاء على الغائب:
آراء الفقهاء في المسألة:
اتفق الفقهاء- ومن بينهم الإمام ابن بركة على عدم جواز القضاء على الغائب في الدعاوى المتعلقة بالحدود (1).
كما يلي:
واختلفوا في جواز القضاء على الغائب في الحقوق المتعلقة بالآدميين
القول الأول: جواز القضاء على الغائب في حقوق الآدميين.
:
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو والنظر يوجب عندي أن يكون على الحاكم أن يحكم على الحاضر والغائب ما يصح عنده من حقوق الآدميين" (2). وهذا الرأي هو مذهب جمهور الإباضية (3) وهو مذهب الشافعية (4) والإمامية (5) والظاهرية (6) وهو مشهور مذهب كل من الحنابلة () والزيدية (8)، وهو رأي عند المالكية (1).
(1) انظر، ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 457. القطب، النيل، ج 13 ص 107. السمناني، روضة القضاة، ج 1 ص 190. الكوهجي، عبد الله، زاد المحتاج، ج 4 ص 559. ابن مفلح الفروع، ج 6 ص 458. عماد الدين البيان الشافي، ج 4 ص 430. الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 163.
(2) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 457. () الشقصي، منهج الطالبين، ج 9 ص 167. القطب، النيل، ج 13 ص 107. (4) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 303. القفال، حلية العلماء، ج 8 ص 146. (1) الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 163. جمال الدين، المهذب البارع، ج 4 ص 487.
(1) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 366.
(2)
(4)
(1)
المقدسي، العدة، ج 2 ص 236. المرداوي، الإنصاف، ج 11 ص 298. شمس الدين الروضة البهية، ص 330. عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 430.
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1513. ابن جزي، القوانين ص 197. (1/393)
صفحة 393
وأدلة هذا القول ما يلي:
(2)
أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء الله)
النساء [135].
:ثانيا: قوله تعالى: (وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط) المائدة [42].
ثالثا: قوله تعالى: (و أن احكم بينهم بما أنزل الله) المائدة [49]. ووجه الدلالة من الآيات الثلاث: هو: أن الله تعالى قد أمر بالحكم وإقامة الشهادة مطلقا على أي حال، ولم يفصل بين حاضر وغائب (1).
رابعا: ما ورد أن هند بنت عتبة قالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل
شحيح، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي. فقال
وسلم -: "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
--
-
الله عليه
ووجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم ـ قضي
-
لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان مع عدم حضوره، فهو قضاء على
الغائب (2).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:- أ- إن هذا لم يكن قضاء من النبي - صلى الله عليه وسلم ــ وإنما كان فتوى منه أو إعانة لها على الأخذ من ماله، بدليل أنها لم تدع الزوجية، ولم تقم البينة (3).
ولأنه لو كان هذا قضاء لاحتاج إلى إثبات السبب المسلط عل الأخذ من مال الغير، ولما لم يكن شيء منه هاهنا علم أن هذا فتوى لعدم الحاجة إلى ذلك في الفتوى
(?)
(1) شمس الدين الروضة البهية، ص 330. ابن حزم المحلى، ج 9 ص 369. عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1512. القطب، النيل، ج 13 ص 106 - 107. (3) الزيلعي، عثمان، تبيين الحقائق، ج 4 ص 191.
(1)
ابن دقيق العيد، إحكام الأحكام، ص 654.
394 (1/394)
صفحة 394
ب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عالما باستحقاق النفقة على أبي سفيان بالنكاح الظاهر بدليل أنها لم تقم البينة على
ذلك (1).
وأجيب عن الاعتراض بالوجه الأول بأنه لو كان ذلك فتوى لقال لها: لك أن تأخذي، أو لا بأس عليك أو نحوه، ولم يقل خذي، لأن المفتي لا يقطع فلما قطع كان حكما (2)، ولأن الغالب من تصرفاته - صلى الله عليه وسلم - إنما هو الحكم لا الفتوى (3). خامسا: ما ورد عنه ـ صلى الله عليه وسلم - أنه قضى على العرنيين
الذين قتلوا الرعاة، وسملوا أعينهم، وفروا فاتبعهم حتى أدركوا وهم
غائبون، واقتص منهم
(t)
ولعل وجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قضـ على العرنيين باتباع أثرهم وإحضارهم إلى حضرته ثم اقتص منهم
على ما سمع من خصمهم وهم غائبون.
سادسا: قوله - صلى الله عليه وسلم - "البينة على المدعي". ووجه الدلالة منه هو: أن في جعل البينة على المدعي دلالة على أنه إذا أحضرها حكم له بها ().
واعترض على هذا بأن البينة اسم لما يحصل به البيان، وليس المراد البيان في حق المدعي ولا في حق القاضي، لأن المدعي عالم بحقه،
(1) السرخسي، المبسوط، ج 17 ص 39. الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 406.
(2)
(1) ابن حجر، فتح البارئ، ج 9 ص 421.
(1) ابن حزم المحلي، ج 9 ص 369. وخبر العرنيين، أخرجه البخاري كتاب الطب، ج 10 ص 116.
النسائي / كتاب تحريم الدم، رقم 4024، ج 7 ص 93 - 94.
(1) القطب، النيل، ج 13 ص 107.
395 (1/395)
صفحة 395
والقاضي بان له الأمر بكلام المدعي إذا لم يكن له منازع، فتعين أن
يكون في حق الخصم الجاحد وذلك لا يكون إلا بحضوره (1).
رابعا: أن الغائب لو حضر لكان بين إقرار وإنكار، فإن أقر فالبينة موافقة، وإن أنكر فالبينة حجة، فلم يكن في الغيبة مانع من الحكم بالبينة في حالتي إقراره أو وإنكاره (2).
واعترض على هذا بأن حال المدعي عليه مع البينة ليس متوقفا على الإقرار أو الإنكار فحسب وإنما هو دائر بين ثلاثة أمور إما أن يقر فيبطل الحكم بالبينة ويحكم بالإقرار، وإما أن يطعن في البينة ويثبت صحة الطعن، وأما ألا يقر ولا يطعن فيحكم عليه بالبينة، وفي حال غيبته لا يعلم ما عنده فيشتبه القضاء (3).
ويمكن أن يزاد على هذا وجه آخر وهو أن يصدق المدعى عليه أنه عند حضوره المدعي في دعواه، ولا يطعن في بينته، ولكن يدعي قضاه ما عليه من حق له فيصير مدعيا بعد أن كان مدعى عليه، وإذا لم يحضر لم يتبين هذا الوجه أيضا، ولعله لو حضر وادعى ذلك كان صادقا في دعواه فيكون القاضي قد أثبت عليه بالبينة في حال غيابه حقا قد قضاه هو، ولذا كان لا بد من اشتراط حضوره خامسا: أن الإجماع واقع على أن النبي – صلى الله عليه وسلم ـــ حكم بدية الخطأ على العاقلة، والعاقلة في حال الحكم غائبة (4).
سادسا: أن الحكم على الصغير والميت جائز، فكذلك الغائب، لأنهما أعجز عن الدفع من الغائب (5).
(1)
الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4 ص 191 - 192. السرخسي، المبسوط - ج 17 ص 39، ص 1512.
العيني، العناية، ج 8 ص 62. (2) الماوردي، الحاوي، ج 20 ص 372. (3) ابن الهمام، فتح القدير، ج 7 ص 279
(4)
المصنف، الكندي،
ج 14 ص 151.
(5) الشربيني، مغني المحتاج، ج 4 ص 106.
-
396 (1/396)
صفحة 396
سابعا: أن الغائب لا يفوت عليه حق، لأنه إذا حضر فحجته قائمة يجب على الحاكم العمل بمقتضاها من قبول أو رد ولو كان ذلك مؤديا إلى نقض
حكمه السابق لأنه في حكم المشروط بانعدام وجود ما ينقضه (1).:ثامنا أن في الامتناع عن القضاء على الغائب إضاعة للحقوق، إذ لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الغيبة فتكون الغيبة والاستتار طريقا إلى إسقاط الحقوق التي نصب الحاكم لحفظها (2).
تاسعا: أن للخصم الحاضر بينة مسموعة عادلة طلب صاحبها الحكم بها فجاز الحكم بها كما لو كان الخصم حاضر ا (3).
القول الثاني: عدم جواز القضاء على الغائب. وإليه ذهب الحنفية (4) وبعض الإباضية (5)، وهو رواية عند الحنابلة (6)
وقول عند الزيدية (7) وهو قول بعض المالكية (8).
واستثنى الحنفية ما لو كان للغائب نائب حاضر كالوكيل أو الوصي
أو الوارث أو من كان بينه وبين الغـ ائب اتصال فيما وقع فيه
الدعوى (9).
(1)
(1)
(2)
(1)
السياغي، الروض النضير، ج 3 ص 439.
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1513.
عبد الوهاب، المصدر السابق والصفحة.
السمناني، روضة القضاة، ج 1، ص 190. الكاساني، البدائع، ج 6 ص 340.
(0) المحروقي، الدلائل، ص 426.
(1)
المقدسي، العدة، ج 2 ص 236.
(2) عماد الدين، البيان الشافي، ج 4 ص 430.
(8) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 472.
(1) الكاساني، البدائع، ج 6 ص 340. الميداني، اللباب، ج 3 ص 165. والظاهر أن هذا مستثنى عند جميع
القائلين بعدم جواز القضاء على الغائب.
397 (1/397)
صفحة 397
وأدلة هذا القول ما يلي:
(1)
أولا: قوله تعالى: (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق) ص [26].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن القاضي مأمور بالقضاء بالحق والحق أسم للكائن الثابت ولا ثبوت مع احتمال العدم، واحتمال العدم ثابت في البينة لاحتمال الكذب فلم يكن الحكم بالبينة حكما بالحق، فكان ينبغي ألا يجوز الحكم بها أصلا، إلا أنها جعلت لضرورة فصل
الخصومات والمنازعات، ولم يظهر هذا في حال الغيبة (1). واعترض على هذا الاستدلال بأن الحق في الآية شامل لما ثبت
بالبينة، فالقاضي إذا قضى بذلك فهو قاض بالحق (2). ثانيا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لعلي (3) -كرم الله وجهه: "لا تقض لأحد الخصمين حتى تسمع كلام الآخر، فإنك إذا
n
سمعت كلام الآخر علمت كيف تقضي (4).
ووجه الدلالة منه هو: أن وجه القضاء يشتبه في هذه الحال، لأنه يحتمل أن يقر الخصم ويحتمل أن ينكر، وأحكامهما مختلفة، فلا يجوز القضاء مع الاشتباه، ثم إن في قوله - صلى الله عليه وسلم فإنك إذا سمعت كلام الآخر علمت كيف تقضي دليـ
الكاساني، البدائع، ج 6 ص 340 - 341.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 20 ص 370.
(3) علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي -صلى الله عليه وسلم-، أسلم صغيرا، وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد إلا تبوك، وكان من شجعان الصحابة ولي الخلافة عام خمسة وثلاثين للهجرة، ومات عام أربعين من الهجرة / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 3 ص 197 - 225. ابن حجر، الإصابة، ج 4 ص 464 - 468. (1) أخرجه أبو داود كتاب الأقضية، رقم 3582، ج 3 ص 299 - 300. الترمذي / كتاب الأحكام، ب (5) رقم 1331، ج 3 ص 618. البيهقي / كتاب آداب القاضي، ج 10 ص 137.
398 (1/398)
صفحة 398
اشتراط العلم بوجه القضاء ليكون القضاء صحيحا ولا يرتفع هذا
الجهل إلا بكلامهما وحضورهما (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:-
أ- إن هذا الحديث مطعون فيه لضعف إسناده، فإن في رواته من هو معروف بالتدليس، وبعضهم ساقط لا يحتج به (2).
بأنه على فرض صحته فهو محمول على الحال التي يمكن الاستماع فيها وهي عندما يكون الخصم حاضرا، أما إذا كان غائبا فإنه يحكم عليه (3).
ومن وجه آخر فليس في هذا الحديث أنه لا يقضى على غائب بل فيه أنه لا يقضى على حاضر بدعوى خصمه دون استماع
حجته (4).
ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إنكم تختصمون إلي فإنما أقضي له بحسب ما أسمع (°).
ولعل وجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق قضاءه على حسب ما يسمعه من دعوى المدعي أو جواب المدعي عليه، وهذا يدل على اشتراط حضور كل واحد منهما إذ لو لم يشترط ذلك لما كان قضاؤه - صلى الله عليه وسلم - مبنيا على حسب ما يسمعه من كل واحد منهما.
(1) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4 ص 191. (2) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 368، وذكر هناك أن في إسناده راويا مدلسا يدعى شريكا، وفيه سماك بن
حرب وهو يقبل التلقين، وفيه حنش بن المعمر وهو ساقط الرواية.
(3) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 456. ابن حزم المحلى، ج 9، ص 368 - 369. المقدسي، العدة، ج 2 ص 236.
(4)
(9) ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 472، والحديث أخرجه الربيع / كتاب الأحكام، ب (35)، رقم 588، ج 2 ص 233. أبو داود كتاب الأقضية، رقم 3583، ج 3 ص 300.
399 (1/399)
صفحة 399
وهذا الاستدلال قد يورد عليه المجيزون القضاء على الغائب بأنه
محمول على الحال التي يمكن الاستماع فيها وذلك عندما يكون الخصمان حاضرين معا.
رابعا: أن البينة لا تكون حجة إلا عند عجز المدعى عليه عن الطعن فيها، ومع غيبته لا يتحقق عجزه لجواز أن يكون معه ما يبطل هذه البينة، ويقدح فيها، ولذا فهي ليست بحجة مع عدم حضوره (1).
(1)
(2)
خامسا: أن الحكم لو كان جائزا على الغائب لم يكن الحضور عليه واجبا (3). لكن قد يعترض على هذا الاستدلال بأنه استدلال ضعيف، إذ لا يلزم من القول بجواز الحكم على الغائب جواز عدم حضوره إذا دعي إلى مجلس القضاء، لأن إجابة الحاكم العدل واجبة ولو في
مباح. سادسا: أن القضاء إنما جعل لقطع المنازعة ولا منازعة هنا لعدم الإنكار، فلا يصح (3). سابعا: أن الغائب أحد المتداعيين فيشترط حضوره للقضاء بالبينة كالمدعي
بل هو أولى، فإن المدعي ينتفع بالقضاء، وهو يتضرر به (4). وأما دليل الحنفية على استثناء ما إذا كان للغائب نائب من وكيل ووصي ... الخ فهو أن الوكيل والوصي نائبان عن الغائب بصريح النيابة، والوارث نائب عنه شرعا، وحضور النائب كحضور المنوب عنه فلا يكون قضاء على الغائب معنى، وكذا إذا كان بين الحاضر والغائب اتصال فيما وقع فيه الدعوى بأن كان ذلك سببا لثبوت حق
الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 4 ص 192. الصنعاني،، سبل السلام، ج 4 ص 225. (3) ابن نجيم، البحر الرائق، ج 7 ص 29.
(4)
السرخسي، المبسوط، ج 17 ص 39 - 40.
400 (1/400)
صفحة 400
الغائب، لأن الحاضر يصير مدعى عليه فيما هو حقه، ومن ضرورة ثبوت حقه ثبوت حق الغائب، فكان الكل حق الحاضر، لأن ما كان
من ضرورات الشيء كان ملحقا به، فيكون قضاء على الحاضر (1). القول الثالث: ذهب جمهور المالكية في أشهر الروايات عندهم إلى التفريق ما بين الرباع - وهي العقارات كالدور والدكاكين ونحوها وبين غيرها من سائر الأموال، فمنعوا القضاء على الغائب فيما كلان
رباعا، وأجازوه في غيره من الأموال (2).
ودليل هذا الفرق عندهم هو:
أن الرباع مأمونة ثابتة غير متنقلة فلا يخشى فواتها، ولذا يتوقف في الحكم فيها على الغائب حتى يحضر ويسمع جوابه على خلاف الأموال المنقولة والعروض فيحكم فيها خوفا من فواتها وضياعها (3).
واعترض على هذه التفرقة بأن هذا تقسيم لم يرد به برهان، بل العقار أولى في الرأي أن يحكم فيه على الغائب لأنه لا ينتقل ولا يفوت، بل يستدرك فيه الخطأ في كل وقت وليس كذلك سائر الأموال (4).
(1) الكاساني، البدائع، ج 6 ص 340.
(1)
ابن عبد البر، الكافي، ص 484، عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1513. وهناك من فقهاء المالكية من قسم الغائب من حيث حكم إنفاذ القضاء عليه في حال غيبته إلى ثلاثة أقسام: أ- غائب قريب الغيبة، وقدروه بمسيرة يوم إلى ثلاثة أيام، فهذا يحكم عليه بعد إبلاغه ورفضه الحضور، ولا تسمع له حجة بعد ذلك.
(1)
(4)
ب غائب بعيد الغيبة، وقدروه بمسيرة عشرة أيام، فهذا يحكم عليه فيما عدا الأصول والرباع، وله
حجته عند حضوره
ج- غائب منقطع الغيبة، فهذا يحكم عليه في كل شيء من الأصول والعروض، وله حجته عند حضوره. انظر: ابن فرحون، ابراهيم، تبصرة الحكام، ج 1 ص 1513.
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1513.
ابن حزم المحلى ج 9 ص 366.
8.1 (1/401)
صفحة 401
• الرأي المختار:
يميل الباحث إلى الأخذ بالتفرقة بين الغائب غيبة منقطعة صار ميؤوسا فيها إمكان احضاره إلى مجلس القضاء، فيصح في هذه الحال القضاء عليه مع إبقاء حجته له عند حضوره وبين الغائب غيبة قريبة يمكن فيها دعوته إلى مجلس القضاء لسماع رده على الدعوى المرفوعة ضده فلا
يصح
القضاء عليه غيابيا.
ووجه الفرق بينهما هو: أن الغائب غيبة منقطعة استدعت الضرورة
سماع الدعوى عليه غيابيا لتعذر حضوره، إذ لو لم تسمع الدعوى عليه والحال هذه للحق الضرر بالمدعي لتفويت حقه مع عدم إمكان احضار خصمه الغائب الذي قد يستمر إلى مالا نهاية لعدم الوقوف على مكانه الذي غاب فيه، فيصرف الضرر عن المدعي بسماع دعواه وبينته والحكم له مع الاحتفاظ بحق الغائب بإرجاء سماع حجته إلى وقت حضوره، هذا كله من باب ترجيح المصالح على بعضها الآخر، ولا شك أن مصلحة المدعي في هذه الصورة بسماع دعواه أولى بالتقديم من مصلحة الغائب في عدم السماع، لأن الغرض من إحضار المدعى عليه إلى مجلس القضاء هو سماع اعتراضه وطعنه في دعوى المدعي، وتحصيل هذا الغرض من الغائب غيبة منقطعة الذي لا يوقف على مكانه ولا يعرف متعذر فكان الغائب بهذه الصورة نازلا منزلة الميت المدعى عليه الذي تعذر تحصيل ذلك الغرض
منه أيضا.
وأما الغائب عن مجلس القضاء الموقوف على مكانه والذي يمكن استدعاؤه إلى مجلس القضاء فلا يصح الحكم عليه حتى يطلب ويرسل خلفه في الحضور إلى مجلس القضاء لسماع دعوى المدعي المرفوعة ضده وذلك
لما يلي:
402 (1/402)
صفحة 402
1 - أن القضاء في الإسلام قائم على أتم درجات العدل والمساواة بين الخصوم المترافعين إليه، ولذا شرع الإسلام من بين ما شرعه- في هذا الجانب آدابا دقيقة جليلة يجب على القاضي التحلي بها من حيث نظره إلى المتداعيين أمامه من عدم تقديم بعضهم على بعض، ومؤانسة بعضهم دون الآخر ... الخ لأن ذلك أدعى إلى العدل وأقوب إلى الإنصاف، فكيف يقال مع ذلك بجواز سماع الدعوى مع غياب المدعى عليه الذي يتردد قريبا من مجلس القضاء أو في مكان يمكن استدعاؤه منه ثم يفاجئ القاضي هذا الغائب بصدور الحكم ضده من
حيث لا يشعر.
2 - أن للحكم على الغائب مع إمكان استدعائه إلى مجلس القضاء آثارا سلبية ينتج عنها عدم استقرار وثبات في الأحكام الصادرة من القاضي، إذ من المعلوم أن حضور الخصم الغائب المحكوم عليه غير متوقف على طلب القاضي إياه للحضور فقد يحضر بعد سماع الحكم ضده ثم يدلي ببينات واضحة وبراهين ساطعة على بطلان دعوى خصمه فلا يجد القاضي مناصا من تعقب حكمه بالإبطال والنقض فيكون قد حكم بحكم في الغداة ونقضه في العشي، ثم ليس من المستبعد أيضا أن يحضر المدعي المحكوم له بالأمس أمام القاضي بعد ذلك فينقض ما اعترض به خصمه علي،دعواه، وهكذا يستمر الأمر، ينتظر كل من الخصمين غيبة الآخر حتى يمثل أمام القاضي يقول ما يشاء، ويبرهن عليه فيصبح القاضي يتقلب ذات اليمين وذات الشمال وقد فتح على نفسه بابا ما أحراه بالاغلاق باستحضاره كلا الطرفين واستفراغ سماع جميع حججهما ثم البت في الدعوى بتا يقطع دابرها. (1/403)
صفحة 403
وأما الاستدلال بالآيات الواردة في أدلة القائلين بجواز الحكم على الغائب فليس فيها دليل، لأنها آيات مجملة لا يمكن التعويل على الاستدلال بها في هذه المسألة.
وأما الاستدلال بحديث هند بنت عتبة في طلبها النفقة من مال زوجها فليس يصلح دليلا للقائلين بجواز القضاء على الغائب لأنهم يشترطون في سماع الدعوى ضد الغائب أن تكون للمدعي بينة تقوم بحقه، ولم تقم هند هنا بينة على ذلك، ولم يطلب النبي - صلى الله عليه وسلم - منها ذلك، مما يدل على أنه ليس في القصة دليل على جواز الحكم على الغائب.
وأما الاستدلال بقصة العرنيين على ذلك فليس بالقوي، لأن أمره - صلى الله عليه وسلم - بتتبعهم واحضارهم إليه ليس حكما عليهم، وإنما شأن ذلك كشأن سائر المدعى عليهم يطلبون إلى مجلس الحكم، وإنما الحكم الواقع عليهم هنا هو الحكم بالاقتصاص منهم، وهذا كان واقعا بحضورهم في حضرته، سواء قيل إن مستند الحكم عليهم بذلك قرائن الأحوال أو الاعتراف منهم والإقرار بالقتل للرعاة، لكن كل ذلك لم يكن إلا بحضورهم فلا دليل فيه على جواز الحكم على الغائب.
وأما الاستدلال بحديث البينة على من أدعى"، وبأن للمدعي بينة متى أحضرها وعدلت وجب سماعها والحكم بما شهدت به فليس بشيء، لأن البينة التي يجب الحكم بها إنما هي البينة التي سلمت من الطعون فيها، أو لم يعارض المدعي عليه شهادتها بكلام عاكس للقضية كأن يسلم بما شهدت به ثم يدعي الوفاء ويبرهن عليه، فإذا فعل شيئا من ذلك وثبتت صحته صار كلام البينة أمرا عدما لا يعول عليه، وهذا لا يوقف عليه إلا بحضور المدعى عليه، فلا بد من اشتراط حضوره.
-
وأما الاحتجاج بأن النبي - صلى الله عليه وسلم – حكم بدية الخطأ
-
على العاقلة، والعاقلة في وقت الحكم غائبة فلا يصح الاحتجاج به لما يلي: 1 أن المحتجين بهذا لم يعينوا واقعة مخصوصة من ذلك جرى الحكم فيها على العاقلة وهي غائبة حتى يمكن الوقوف على مدى صحة
404 (1/404)
صفحة 404
الاحتجاج بذلك، وكل الوقائع التي حكم فيها -صلى الله عليه وسلم - بدية الخطأ على العاقلة فالظاهر فيها حضور العاقلة إن لم يكن جميعهم فمعظمهم، والحكم على الشريك الحاضر حكم على الشريك
الغائب.
-2 - أن المحكوم عليه هنا ليس العاقلة، وإنما هو القاتل خطأ لأنه هو المدعى عليه القتل، ويدل عليه أنه هو الذي يطالب بالدفع والاعتراض والمثول أمام القضاء وليس العاقلة، فإذا توجه الحكم عليه بدية الخطأ صار ذلك على العاقلة لأمر خارج عن موضوع الدعوى، فغياب العاقلة عن مجلس الحكم لا ضير منه ما دام المدعى عليه القتل حاضرا. وأما الاحتجاج بأن في عدم القضاء على الغائب إضاعة للحقوق، إذ لا يعجز الممتنع من الوفاء عن الهرب والتغيب عن مجلس القضاء فتكون الغيبة والاستتار طريقا إلى إسقاط الحقوق وإضاعتها فجوابه هو أن الكلام في الغائب المعذور الذي لم يصل إلى علمه دعوى المدعي ولا دعي للحضور، وليس الكلام في المستتر بعد الطلب والهارب من القضاء فإن هذا يحكم عليه غيابيا، لأن الغاية من حضور المدعى عليه تمكينه من استعمال حقه في الرد والاعتراض والطعن على دعوى المدعي، فإذا هرب واستتر بعد الطلب جاز الحكم عليه، لأنه ضيع حقه بهربه، وأسقطه باستتاره، ولأنه مضار للمدعي بهربه، والضرر مرفوع.
وأما القياس على الميت فجوابه أن الميت قد تعذر حضوره ولذا جاز الحكم عليه، ثم إن الخصم في الدعوى على الميت حاضر وهو الوارث، فإن الوارث وإن لم يكن له شيء من التركة إلا بعد إخراج الحقوق والديون فالأصل أنه لا دين ولا حق لغيره في التركة حتى يثبت، فهو أحق بها ابتداء حتى يثبت خلاف هذا الأصل، ومن كان في يده شيء كان هو الخصم لمن ادعاه والله أعلم.
405 (1/405)
صفحة 405
المطلب الثاني: حكم سماع البينة بعد اليمين:
ال الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن المدعي إذا أهدر بينته، وأحلف خصمه على دعواه، ثم
جاء ببينة بعد اليمين، فإنها لا تسمع منه.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك: "فإذا أهدر أي المدعي بينته وأبطلها لم يسمع الحاكم البينة بعد اليمين (1).
وهذا القول هو مذهب ابن حزم من الظاهرية (2)، ونبهان بن عثمان (3)
من الإباضية (4) وهو أيضا رواية عن الإمام الربيع بن حبيب (5)، وهو مذهب لبعض الزيدية (6) واختاره الشوكاني)
(V)
وأدلة هذا القول ما يلي:- أولا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم أن رجلين جاءا إليه يختصمان في أرض، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ــ للطالب: "بينتك" فقال" ليس لي بينة، قال: "يمينه"، قال: إذا يذهب بمالي، فقال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس لك إلا ذلك". ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بين في قوله: ليس لك إلا ذلك أنه ليس للمدعي بعد يمين خصمه شيء،
(1)
(2)
(T)
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 176.
ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 371.
نبهان بن عثمان: أبو عبد الله السمدي النزوي، من علماء النصف الثاني من القرن الثـ الث الهجري، وكان أحد الفقهاء الثلاثة الذين كان عليهم مدار أمور أهل عمان في عصره، والآخران أبو جابر محمد بن جعفر الأزكوي، وأبو المؤثر الصلت بن خميس، لا يعرف تاريخ وفاته. البطاشي، إتحاف الأعيان
ج 1 ص 208.
أبو زكريا، الإيضاح في الأحكام، ج 2 ص 188.
(0) أبو غانم، المدونة الصغرى، ج 2 ص 237.
(1) العنسي، التاج المذهب، ج 4 ص 29. الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 215.
406 (1/406)
صفحة 406
فصح بهذا أنه ليس للمدعي إلا أحد الأمرين إما البينة أو اليمين، فإذا حلف خصمه فقد استوفى حقه فلا تسمع بينته بعد ذلك (1). ثانيا: أن كلا من البينة واليمين هو فصل الخطاب في الحكم، فإذا حلف المدعى عليه اليمين بطلب من المدعي انفصلت الخصومة بينهما فلا تقبل بعد ذلك بينة المدعي، لأنه كان عليه ألا يحلف خصمه ويطلب بينته حتى يجدها (2).
واعترض على هذا الاستدلال بأن انقطاع الخصومة باليمين في الحال لا مطلقا، وهو انقطاع مؤقت إلى غاية إحضار البينة، لأن الأصل في الحجة لأنها كلام الأجنبي، فأما اليمين فهي
البينة هي كالخلف عن البينة لأنها كلام الخصم صير إليها للضرورة، فإذا جاء الأصل انتهى حكم الخلف، فكأنه لم يوجد أصلا (3).
ثالثا: أن اليمين في معنى الإبراء من الدعوى، ولذا فلو أنكر المدعى عليه دعوى المدعي فقال المدعي: قد أبرأتك من دعواي، ثم أقام البينة لم تسمع، فكذا إذا استحلفه لم تسمع، لأنه رضي
رضي باليمين (4).
رابعا: أن اليمين مستند صحيح للحكم، ولا يقبل المستند المخالف لها بعد فعلها، لأنه لا يحصل بكل واحد من البينة واليمين إلا مجرد الظن ولا ينقض الظن بظن مثله (9).
خامسا: أن عدول المدعي إلى اليمين مع القدرة على البينة ترك منه لبينته، ورضى منه باليمين، فلا يملك الرجوع بعد ذلك لما تركه وأهدره (6).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 176. الشقصي، منهج الطالبين، ج 10 ص 51. ابن حزم، المحلي، ج 9
ص 372.
(2) ابو زكريا، الإيضاح في الأحكام، ج 2 ص 187.
(1) الكاساني، البدائع، ج 6 ص 350.
| (1) (•)
ابن بركة، الجامع، ج 1 ص 176 - 177. الكندي، المصنف، ج 15 ص 133.
الشوكاني،،، الدراري المضيئة، ج 2 ص 221. الكندي، المصنف، ج 15 ص 132، عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1581.
407 (1/407)
صفحة 407
القول الثاني: أن البينة تسمع بعد اليمين مطلقا.
وإليه ذهب الحنفية (1) والشافعية (2) والحنابلة (3)، وهو مشهور مذهب الزيدية (4)، وهو الصحيح في مذهب الإمامية (5) وهو رأي ابن عبد العزيز ()، ورواية أخرى عن الإمام الربيع بن حبيب من الإباضية (7)، وهو رأي عند المالكية (8).
وأدلة هذا القول ما يلي:
:أولا ما ورد عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "اختصم رجال من حضرموت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" (1). ووجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم- لم يجعل اليمين مبرئة في الباطن، وإن انقطعت بها المطالبة في الظاهر، فإذا قامت بها البيئة لزمت في الظاهر والباطن (10).:ثانيا: ما ورد عنه ـ صلى الله عليه وسلم - أنه قال: البينة على من
ادعى".
ووجه الدلالة منه هو: أن هذه الصورة وهي إقامة البينة بعـ اليمين داخلة في عموم هذا الحديث، لأن المدعي أظهر دعوى، وأقام
(1) السرخسي، المبسوط، ج 16 ص 119، الحلبي، ملتقى الأبحر، ج 2 ص 9.
(r) (1)
(2) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 302. الأنصاري، زكريا، فتح الوهاب، ج 2 ص 231. ابن قدامة، المقنع، ج 3 ص 619. البهوتي، الروض المربع، ص 542. ابن المرتضى، الأزهار، ص 256. العنسي التاج المذهب، ج 4 ص 29. (5) الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 210. المفيد، المقنعة، ص 733.
(1) ابو غانم، المدونة الكبرى، ج 2 ص 251.
(2) الشقصي، منهج الطالبين، ج 10 ص 52.
(^)
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1581.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان، ب (44)، رقم 657، ج 2 ص 258. أبو داود / كتاب الأيمان، رقم 3243،
ج 3 ص 218. الترمذي/كتاب البيوع، ب (42)، رقم 1229، ج 3 ص 569.
(10) الماوردي، الحاوي، ج 21 ص 145.
408 (1/408)
صفحة 408
عليها البينة فيحق له ذلك، واليمين المتقدمة لا تزيل الحق، ولا تبطل الحكم بالبينة، لأن أثرها عند عدم البينة، أما مع وجودها فالحكم لها).:ثالثا: أن البيئة هي الأصل، واليمين بدل عنها، ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها، والبدل يبطل بالقدرة على المبدل منه كبطلان التيمم بالقدرة على الماء، ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل، ويدل على الفرق بينهما أنهما في حال اجتماعهما وإمكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها، ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها (2).
رابعا أنها بينة لو أراد إقامتها قبل اليمين، كان له ذلك فوجب ألا تقطعها اليمين (3).
خامسا: أن الحق يثبت بالإقرار تارة وبالبينة تارة أخرى، فإذا أقر بعد يمينه أخذ به، ولم تمنع اليمين إقراره هذا، فوجب أيضا ألا تمنع من ثبوته
بالبينة، لأنه لو برئ باليمين لما كان الإقرار منه حجة بعدها (4). القول الثالث: التفريق بين ما إذا لم يعلم المدعي ببينته وأحلف خصمه، ثم أقام بينته بعد ذلك فإنها تسمع، أو كان يعلم بها فأهدرها وأحلف خصمه ثم أقامها ثانية فإنها لا تسمع.
وإليه ذهب أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة (5) ومحمد بن محبوب (1) من الإباضية وهو مشهور مذهب المالكية (7) وهو رأي بعض الإمامية (8).
(1)
(1)
(2)
(1)
(•)
الزركشي، شرح الزركشي، ج 7 ص 372 - 373.
ابن قدامة، المغني، ج 9 ص 163. الموصلي، الاختيار، ج 2 ص 367.
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1581.
الماوردي، الحاوي، ج 21 ص 142. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 302. عبد الوهاب، المعونة، ج 3
ص 1581.
الشقصي، منهج الطالبين، ج 10 ص 52.
(1) الكندي، بيان الشرع، ج 31. أبو زكريا، الإيضاح في الأحكام، ج 2 ص 188 - 189.
M
عبد الوهاب، المعونة، ج 3 ص 1581. ابن جزي، القوانين، ص 202.
(4) الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 210.
409 (1/409)
صفحة 409
ولعل حجة هذا القول هي: أن الجهل بالبينة عند الدعوى يصلح عذرا
له، لأنه لم يظهر الإعراض منه عنها ولم يرض بيمين خصمه إلا لفقدانه ما يبرهن به على دعواه، فجعلوا الجهل له في هذا الموضع عذرا صالحا على خلاف ما لو تركها مع علمه بها، فإن هذا يدل على أنه مهمل لها وراض بيمين خصمه ويرى أن يمين الخصم خير له من بيئته، لأن المعهود في الخلق المشاحة عند الخصومات والترافع للقضاء، وهذا يدفع كل منهم إلـ طلب ما هو أجدى في حقه وأفضل. الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء بأنه لا تسمع البينة بعد اليمين مطلقا سواء علم المدعي ببينته فأهدرها أو لم يعلم بها، فإنه إذا طلب يمين خصمه وحلف له سقطت دعواه ولم يبق له شيء، وذلك لما يلي: ا- أن في قوله صلى الله عليه وسلم "البيئة " على من أدعى واليمين على من أنكر" ما يدل على: أ- أن كلا من البينة واليمين مستند صحيح کاف شاف للقاضي للبت في الدعوى بحكم قاطع لا رجوع فيه، لأن هذا التفصيل الوارد في الحديث جاعل كلا منهما حجة في الموضع الذي جعله الشارع فيه، فهو حجة وحق وليس بعد الحق إلا الباطل. ب أن البينة واليمين مستندان ودليلان متكافئان من حيث القوة والمرتبة، وإلا لو قيل إن البينة أقوى من اليمين للزم القول بأن الشارع قد حابي المدعى عليه بأن جعل دليله على دفع دعوى المدعي وهو اليمين أمرا أسهل من الدليل الذي جعله على المدعى
عليه لإثبات دعواه وهو البينة. وتقديم البيئة على اليمين عند المرافعة لم يأت من حيث النظر إلى أن البينة أقوى مرتبة من اليمين ولذا قدمت عليه كما يمكن أن يتوهم، وإنما جاء تقديم البينة على اليمين من حيث النظر إلى أن المدعي ذو جانب ضعيف
410 (1/410)
صفحة 410
حيث أنه يدعي خلاف الأصل المستصحب الذي هو براءة ذمة المدعى عليه
من الاشتغال بمحل الدعوى، بينما كان المدعى عليه ذا جانب قوي لاستصحابه الأصل المذكور، والقضاء إنما وضع لتحقيق واحد من أمرين على سبيل الترتيب وهما إثبات خلاف الأصل بشغل ذمة المدعى عليه بمحل الدعوى أو دفع ما يعارض هذا الأصل بتبرئته من ذلك، ولما كان هذا على سبيل الترتيب وكانت البينة هي التي يتم بها إثبات خلاف الأصل قدمت على اليمين فإن لم يتحقق بها إثبات خلاف الأصل بأي مانع من الموانع جاء اليمين لدفع ما يعارض هذا الأصل.
-2 - أن في العمل بهذا القول سدا للباب أمام الخصوم من تعنت بعضهم بعضا وراحة للقضاء من الاشتغال بقضايا دارسة طويت قماطرها وسجلاتها، لأن القائلين بجواز سماع البينة بعد اليمين يعممون ذلك مهما تطاول الزمن ودرس - أن قوله - صلى الله عليه وسلم - لمن عدم البينة على دعواه: لك يمينه"، وقوله بعد ذلك: "ليس لك إلا ذلك نص على أن اليمين قاطعة للخصومة إذا حلفها المدعى عليه بطلب من المدعي، وأنه ليس للمدعي حق على المدعى عليه بعد ذلك خصوصا وأن القائلين بجواز سماع البينة بعد اليمين إنما يعللون ذلك بأنه إذا قامت البينة العادلة للمدعي بعد يمين المدعى عليه تبين بذلك أن اليمين كانت يمين فجور، مع أنه صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث إنما قال للمدعي: "ليس لك إلا ذلك بعد قوله له: "فلك يمينه" ورد المدعي بقوله: "إذا يحلف ويذهب بمالي"، مما يدل على أن المدعي يرى أن خصمه إن حلف حلف يمين فجور في هذه القضية وذهب بماله بها، ومع ذلك لم يجعل له – صلى الله عليه وسلم - إلا ذلك، ولو كانت البينة تنصب بها الخصومة بعد اليمين لبين النبي- صلى الله عليه
411 (1/411)
صفحة 411
وسلم ـــ ذلك للمدعي بقوله - مثلا: إنك وإن أحلفت خصمك وذهب بما تدعيه بيمينه فإنك إذا وجدت بينة عادلة حق لك مخاصمته واسترجاع ما أخذ، لأن هذا الوقت وقت حاجة إلى البيان، ولا يصح تأخير البيان عن وقت الحاجة.
وأما احتجاج القائلين بسماع البينة على اليمين بقولهم: أن البينة هي الأصل وإن اليمين بدل عنها يبطل بالقدرة على المبدل منه كبطلان التيمم
بالقدرة على الماء فجوابه هو أنه لا يسلم أن اليمين بدل عن البينة بل أصل في الجانب الذي شرعت فيه وهو جانب المدعى عليه، كما أن البينة أصل في الجانب الذي شرعت فيه وهو جانب المدعى عليه بدليل أن للمدعي الحق في طرح بينته مع وجودها وتحليف خصمه مع أن البدل لا يصار إليه
على
إلا مع فقدان المبدل منه، وعلى فرض التسليم بأنها بدل فقياس ذلك علـ بطلان التيمم عند وجود الماء دليل مقلوب على قائله، لأن المصير إلى الأصل وهو الماء بعد التيمم الذي هو بدل عنه مشروط- على الصحيح- بما لم يخرج المكلف من عهدة أداء الفرض، أما إذا صلى ثم وجد الماء فلا يلزمه العود إليه، فكذلك المدعي هنا إنما يصح سماع بينته ما لم يتم الفصل في الدعوى، كأن يطلب يمين خصمه ثم يجد بينته قبل تحليفه فله الرجوع هنا عن اليمين إلى إقامة، البينة، أما إذا فصلت الدعوى بيمين المدعى عليه لم يكن للمدعي إقامة بينته بعد ذلك لخروج المدعى عليه من عهدة المطالبة بمحل الدعوى بيمينه التي حلفها.
وأما الاستدلال بأن المدعى عليه إذا أقر بعد يمينه التي حلفها أخذ بإقراره وثبت الحق عليه به ولم تمنع يمينه المتقدمة هذا الإقرار فوجب أيضا أن لا تمنع ثبوت هذا الحق بالبينة، إذ لو كانت اليمين مبرئة له لما صح إقراره، فجوابه هو أن المدعى عليه حين أقر بالدعوى بعد يمينه دل ذلك على كذبه في الظاهر في يمينه وفجوره فيها فصارت أمرا عدما، وصار
412 (1/412)
صفحة 412
كأنه أقر بالدعوى ابتداء فجازت مؤاخذته بإقراره خلافا لبقائه على يمينه، فإنه لم يظهر منه رجوع عن نفي دعوى المدعي، فكما أخذ بإقراره بعد يمينه لتبين كذبه لرجوعه عنها بالإقرار وجب أيضا الاعتداد بيمينه إذا لم يرجع عنها وصرف المدعي عن مطالبته، وإلا لم يكن فرق بين رجوعه عن يمينه بالإقرار وإقامته عليها بعدم الرجوع عنها، وغاية البينة مع ثبوت المدعى عليه على يمينه وعدم رجوعه عنها أن تكون كالبينة المعارضة، وهي بينة غير مقبولة، ولا تقوى على هدر يمين المدعى عليه بعد أن حلفها، لأن كلا من البينة واليمين إنما يثمر ظنا، ولا يصرف ظن متقدم بظن طارئ. وأما عدم الفرق بين أن يعلم المدعي ببينته ثم يهدرها ويطلب يمين خصمه وعدم علمه بذلك فدليله هو أن اليمين حجة قاطعة للخصومة متى طلبها المدعي، وحلفها المدعى عليه ولا تعلق لكونها كذلك بعلم المدعي ببينته ثم إهدارها أو جهله بها، إذ لا تأثير له في هذا الحكم، وما لا تأثير له لا يبنى عليه حكم، ويرشد إلى ذلك ما ورد في قصة الحضرمي والكندي مع النبي - إذ قال الكندي بعد طلبه ــ صلى الله عليه وسلم ــــ صلى الله عليه وسلم. منه البينة على دعواه: لا بينة لي، فهذا النفي عام يتناول ما إذا كان المدعي لم يحضر البينة مع علمه بها لاطراحه لها مع علمه بها أو لجهله بها أصلا، وجعل له - صلى الله عليه وسلم - اليمين مع ذلك كله، ولم يستفسره هل ترك بينته عن علم بها أو جهل؟، والله أعلم.
-
413 (1/413)
صفحة 413
المبحث الثامن: فقه الجنايات والحدود
المطلب الأول: حكم قتل المسلم بالكافر الذمي:
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: عدم جواز قتل المسلم بالكافر الذمي قصاصا. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو "وإذا قتل مسلم ذميا لم يقد به (1). .
وهذا الرأي هو مذهب الإباضية (2) والشافعية (3) والمالكية (4)
والحنابلة (5) و الزيدية (6) والإمامية (7) والظاهرية (8).
واستثنى المالكية من تعميم عدم قتل المسلم بالذمي حالة واحدة وهي قتل الغيلة، فقد قالوا: إن المسلم إذا قتل الذمي غيلة فإنه يقتل به. (9) كما استثنى الإمامية حالة ما إذا اعتاد المسلم قتل أهل الذمة، فإنه
يقتل بالذمي على هذا الوصف. (10)
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص) البقرة [178].
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2، ص 505.
(r)
(2)
(1)
(0)
(1)
(2)
(^)
الشقصي، منهج الطالبين، ج 11 ص 217، القطب، النيل، ج 15 ص 116.
الغزالي، الوسيط، ج 6 ص 273. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 173. ابن رشد، بداية المجتهد ج 2 ص 399. ابن جزي القوانين، ص 277.
ابن قدامة، المقنع، ج 3 ص 346. المرداوي، الانصاف، ج 9 ص 469. شمس الدين، الروضة البهية، ص 339. عماد الدين البيان الشافي، ج 4 ص 533.
المفيد، المقنعة، ص 739. الحلي، الجامع للشرائع، ص 572.
ابن حزم، المحلي، ج 10 ص 347.
(1) ابن جزي، القوانين، ص 127 ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 399. وفسر ابن رشد قتل الغيلة هنالك
بـ أن يضجعه فيذبحه، وبخاصة على ماله.
(10) المفيد، المقنعة، ص 739. واشترط هناك أن يرد أولياء الذمي إذا أرادوا القود من المسلم في هذه الحال الفاضل من دية المسلم وإلا لم يجابوا إلى القود.
414 (1/414)
صفحة 414
ووجه الدلالة من الآية هو أن الخطاب فيها متوجه إلى المؤمنين خاصة، (1) ولم يقل يا أيها الناس، أو يا بني آدم فيؤخذ منه اختصاص القصاص بالمؤمنين، ويؤيده قوله عز وجل - بعد ذلك: (فمن عفي له من أخيه شيء) البقرة (178)، ولا أخوة بين المؤمنين والكافرين (2). واعترض على هذا الاستدلال من الآية بأنه ليس في قصر وتوجيه الخطاب إلى المؤمنين بإيجاب القصاص بينهم في القتلي موجب لأن يكون القتلى مؤمنين فحسب، لأن الأصل عموم اللفظ ما لم تم قرينة على الخصوص، وليس في الآية ما يوجب خصوص الحكم في بعض القتلى دون بعض. (3)
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن في آخر قوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ... الخ) البقرة [178]، ما يدل على قصر الخطاب على المؤمنين، لأن الكافر لا يكون أخا للمسلم. (4)
(1)
وعورض هذا الجواب بـ:
أ- أنه إذا كان الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم اللفظ، وذلك نحو قوله
تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) البقرة [228] وهو عموم في المطلقة ثلاثا وما دونها، ثم جاء بعد ذلك قوله تعالى: (فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف) البقرة [231] وقوله تعالى: (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) البقرة [228]، وهذا حكم خاص في المطلق دون
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 505.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 10 ص 353. ابن عبد البر، الاستذكار، ج 25 ص 177. السياغي، الروض
النضير، ج 4 ص 275.
(3) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 163. (1) الزركشي، شرح الزركشي، ج 6 ص 65.
415 (1/415)
صفحة 415
الثلاث، ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ في إيجاب ثلاثة
قروء من العدة على جميعهن)
(1)
ب أن المراد بالأخوة في الآية هي أخوة النسب لا من جهة الدين، ومثله قوله تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا) الأعراف [65] (2). وهذا الاعتراض غير صحيح، إذ يلزم منه أن يقتل المسلم بقتله الوثني خصوصا أن الاستشهاد بآية عاد المتقدمة يؤيد إبطال هذا الدليل، لأن هودا كان مؤمنا وقومه كانوا مشركين وثنيين.
ثانيا: قوله تعالى: (والحرمات قصاص) البقرة [194]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن القصاص يكون عند تساوي الحرمات بين القاتل والمقتول، وليست حرمة المشرك كحرمة المسلم (3).
ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا يقتل مؤمن
بكافر (4).
ووجه الدلالة من الحديث هو أن النبي -صلى الله عليه وسلم نهى أن يقتل المسلم بالكافر، وعموم لفظ الكافر يدخل فيه الذهـ
(1)
(0) '
فهذا نص صريح يوجب المنع من قتل المسلم بالكافر الذمي)) واعترض على هذا الاستدلال من الحديث المذكور بأن فيه زيادة في آخره وهي: "ولا ذو عهد في عهده (7)، ولها أربعة توجيهات:
(1) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 163.
(2) الجصاص، المصدر السابق والصفحة. (3) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 506.
(4) أخرجه البخاري كتاب الديات، ج 12 ص 220. ابن ماجة / كتاب الديات، ب (21)، رقم 2658، ج 2
ص 887
(5) الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 394. (1) شمس الدين الروضة البهية، ص 399.
(1) أخرجه ابن ماجة كتاب الديات، ب (21)، رقم 2660، ج 2 ص 880. الدارقطني / كتاب الحدود والديات، رقم 61، ج 3 ص 98. البيهقي /كتاب الجنايات، ج 8 ص 30.
416 (1/416)
صفحة 416
أ- أن المراد به الكافر المستأمن فيكون المعنى هو لا يقتل مؤمن بكافر مستأمن، ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر مستأمن (1). - أن المراد به الكافر الحربي، لأن لفظ الكافر متى أطلق ينصرف إلى الحربي عادة وعرفا (2).
ج- أن المراد بقوله -صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مؤمن بكافر" هو كافر معين، وذلك أن رجلا من خزاعة قتل رجلا من هذيل في الجاهلية، فدل هذا على أن المقصود بالكافر في الحديث هو ذلك الكافر المقتول في الجاهلية، والمعنى (3) أي لا يقتل هذا المسلم الخزاعي لقتله الكافر الهذلي في الجاهلية.
د-
أن قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ولا ذو عهد في عهده معطوف على قوله: "مؤمن" فيكون التقدير" لا يقتل ذو عهد في عهده بكافر"، ثم يخص الكافر بالكافر الحربي، لأن الذمي يقتل بالذمي، ثم من المعلوم أن المعطوف مطابق للمعطوف عليه، فيقيد الكافر أيضا في قوله - عليه الصلاة والسلام: "لا يقتل مؤمن بكافر" إي حربي، ومعناه أنه يقتل بالذمي، إذ تقدير مجموع الكلام هو: "لا
(?) n
يقتل مؤمن بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بكافر "حربي قالو: ولا يصح أن يكون قوله -عليه الصلاة والسلام-: "ولا ذو عهد
في عهده"، كلاما مستأنفا يكون معناه ولا يقتل ذو عهد في عهده" لخلو اللفظ من الفائدة حينئذ، وحكم كلام النبي - صلى الله عليه وسلم- حمله على مقتضاه في الفائدة وغير جائز إلغاؤه وإسقاط حكمه (5).
(1) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 351.
(2)
(r)
(:)
ابن الجوزي، سبط، إيثار الإنصاف، ص 399. الموصلي، الاختيار، ج 5 ص 485.
العيني،
عمدة القاري، ج 2 ص 192.
قاضي زادة تكملة فتح القدير، ج 10 ص 238.
(5) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 175. العيني، عمدة القارئ، ج 2 ص 162.
417 (1/417)
صفحة 417
وأجيب عن هذا بـ: أ- أن تقدير الحديث "لا يقتل مؤمن بكافر حربي" باطل، لأن المسلمين مأمورون ومندوبون إلى الجهاد وقتل أهل الحرب
-
ومحرضون على ذلك فلم تكن ثمة حاجة إلى الإخبار بأنه لا يقاد
(1)
منطلقا
مسلم بكافر حربي ب أنه لو سلم أن قوله - عليه الصلاة والسلام" ولا ذو عهد في عهده معطوف على قوله" "مؤمن" فلا يسلم ذلك التقدير وهو التقييد بلفظ" حربي"، لأن المشاركة بين المعطوف والمعطوف عليه في أصل النفي لا من كل وجه، فهو كقول القائل: "مورت بزيد منطلقا وبعمرو فإنه لا يوجب أن يكون مارا بعمرو أيضا، بل المشاركة في أصل المرور. (2) ج- أن القول بأن في جعل قوله عليه الصلاة والسلام-: "ولا ذو عهد في عهده كلاما مستأنفا خلوا من الفائدة مردود، لأن فائدة أنه ربما سمع السامعون أنه لا يقتل مسلم بكافر، فيكون ذلك جرأة على قتل كل كافر ومعاهد وغيره، فنهاهم النبي-صلى الله عليه وسلم عن قتل الذمي لأنه معصوم بالذمة بخلاف
ذلك هي
الكافر الحربي.
(د)
رابعا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم" (4). ووجه الدلالة من الحديث هو أن الحديث دال على أن دم الكافر لا يكافئ دم المسلم، وإذا انتفت المكافأة انتفى القصاص (5).
(1) ابن حزم، المحلى، ج 10 ص 355.
(T)
ابن حجر، فتح البارئ، ج 12 ص 220.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 4 ص 394.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب الأيمان والنذور، ب (45)، رقم 664، ج 2 ص 260. أبو داود كتاب الجهاد، رقم 2751، ج 3 ص 81 ابن ماجة / كتاب الديات، ب (31)، رقم 2683، ج 2 ص 895.
(°)
ابن رشد المقدمات الممهدات، ج 3 ص 281.
418 (1/418)
صفحة 418
واعترض على هذا الاستدلال بأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، فلا يكون في هذا بيان أن دماء غير المسلمين لا تكافئ دماء المسلمين (1)، وفائدة الحديث هي وفائدة الحديث هي إيجاب التكافؤ بين الحر والعبد، والشريف والوضيع والصحيح والسقيم والمرأة والرجل (2). خامسا: أن المسلم لا يقاد بالحربي المستأمن إذا قتله، فكذلك لا يقاد بالذمي إذا قتله، لأنهما في تحريم القتل سواء (3).
واعترض على هذا الاستدلال بأن هذا القياس غير صحيح، لأن المستأمن لم يحرز نفسه بدار الإسلام على التأبيد، ولذا لا يجب على المسلم القطع إذا سرق ماله لبقاء الشبهة المبيحة وهي المحاربة لإمكان رجوعه إلى دار الحرب فيعود حربا للمسلمين. (4) وأجيب عن هذا الاعتراض بأن كلا من الكافر المستأمن
والذم
الحكم
محرم الدم إذا قتل تحريما مساويا لدم الآخر، وإنما يراعى وقت الجناية الموجبة للحكم لا بعد ذلك، لأن المستأمن قد لا يرجع إلى دار الحرب، ولأن الذمي قد ينقض الذمة ويلحق بدار الحرب فيعود دمه حلالا (ه).
سادسا: أن الذمي ناقص بالكفر، فلا يقتل به المسلم كالمستأمن (1). واعترض على هذا بأنه لا يسلم أن مطلق الكفر يجعل الذم ناقصا عن رتبة الاقتصاص من المسلم إذا قتله، وإنما الكفر المبيح هو كفر المحاربة لقوله تعالى: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله حتى
(1) السرخسي، المبسوط، ج 26 ص 134.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 176.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 25 ص 176. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 399.
(:)
السرخسي، المبسوط، ج 26 ص 134.
419
ابن حزم المحلي، ج 10 ص 357.
ابن قدامة، المغني، ج 17 ص 438.
(0)
(3) (1/419)
صفحة 419
يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون) التوبة [29]، فكفر الذمي ليس باعثا على المحاربة إذا أعطى الجزية فلا يكون دمه مباحا، ولا يشترط التساوي بينه وبين المسلم في الدين لأجل القصاص (1). سابعا: أن الإجماع واقع على أنه لا يقاد الكافر من المسلم فيما دون النفس من الجراح، فالنفس بذلك أولى (2).
:ثامنا: أن كون الذمي مباح الدم شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم، والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة، فمن الوفاء بالعهد ألا يقتل مسلم ذميا، فإن وقع القتل لم يتجه القود، لأن الشبهة المبيحة
لقتله موجودة ومع قيامها لا يحكم بالقود (3).
واعترض على هذا بأنه لا شبهة في إباحة دم الذمي، بل هو محرم لا يحتمل الإباحة بحال مع قيام عقد الذمة بمنزلة دم المسلم مع قيام الإسلام (4).
وأما دليل المالكية على استثناء ما لو قتل المسلم ذميا غيلة فإنـ يقتل به فهو: أن قتل الغيلة يعد من باب المحاربة وقطع السبيل فيقتل
به (9)
واعترض عليه بأن قوله - صلى الله عليه وسلم-: "لا يقتل مؤمن
بكافر" عام لم يستثن صورة دون أخرى (6).
(1) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 351. العيني، البناية، ج 12 ص 105. (2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 25 ص 177.
(3) ابن حجر، فتح البارئ، ج 12 ص 220.
(4) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 251. (0) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 25 ص 177. (1) ابن عبد البر، المصدر السابق والصفحة.
420 (1/420)
صفحة 420
القول الثاني: جواز قتل المسلم بالكافر الذمي قصاصا.
وإليه ذهب الحنفية (1).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: كتب عليكم القصاص في القتلى) البقرة [178].
ثانيا: قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس) المائدة [45].:ثالثا: قوله تعالى: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) الإسراء [33]. ووجه الدلالة من الآيات المتقدمة هو أن الخطاب فيها جاء عامل من غير تفصيل بين قتيل وقتيل، ونفس ونفس، ومظلوم ومظلوم (3). فهذا كله عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين، ويؤيد هذا قوله تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه) البقرة [194] (3). واعترض على الاستدلال بهذه الآيات بما يلي:
-
أما الآية الأولى فهي خطاب للمؤمنين فقط بدلالة ما جاء في آخرها من قوله تعالى: (فمن عفي له من أخيه شيء) البقرة
(4) [178]
ولأنه لما قال الله تعالى فيها بعد ذلك: (الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى) البقرة، [178]، علمنا أنه أراد التساوي، ولا مساواة بين المسلم والكافر (9).
وأما الآية الثانية فهي حكاية عما كتبه الله على بني اسرائيل في شريعتهم من القصاص، وشريعتهم غير لازمة لنا بعد شريعته- صلى الله عليه وسلم- (6).
(1)
المرغيناني، الهداية، ج 4 ص 160. الموصلي، الاختيار، ج 275.
(2) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 351.
(1)
(•)
الجصاص أحكام القرآن، ج 1 ص 165.
ابن حزم، المحلى، ج 10 ص 351.
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 506. (2) ابن حزم المحلى، ج 10 ص 351.
421 (1/421)
صفحة 421
ثم إن في آخر هذه الآية ما يدل على أنها في المؤمنين خاصة وذلك قوله تعالى: (فمن تصدق فهو كفارة (له) البقرة [178]، ولا خلاف أن صدقة الكافر على ولي الكافر الذمي المقتول عمدا لا تكون كفارة له (1).
- وأما الآية الثالثة فهي مخصوصة بقوله تعالى: أ- ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) النساء [141]. ب أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) السجدة [118]. ج- (أفنجعل المسلمين كالمجرمين مالكم كيف تحكمون) القلم [35 - 36].
فهذه الآيات تبين أن الكافر ليس كالمسلم أصلا، ولا يساويه في شيء فلا يجب القود منه (2).
ثم إن الاستدلال بالعموم الوارد في هذه الآية يلزم منه أنه إذا قتل رجل عبده ظلما وجب الاقتصاص منه له لأن العبد مظلوم أيضا، فإن قيل بأن العبد خارج عن هذا العموم بدليل، قيل كذلك الكافر خارج عنه بدليل آخر. (3)
رابعا: قوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) البقرة [179]. ووجه الدلالة من الآية هو أن تحقيق معنى الحياة في قتل المسلم بالذمي أبلغ منه في قتل المسلم بالمسلم لأن العداوة الدينية تحمله على القتل خصوصا عند الغضب فكانت الحاجة إلى ما يزجره عن
(1) ابن حزم، المصدر السابق والصفحة.
(V)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 506. (3) ابن بركة، المصدر السابق والصفحة.
422 (1/422)
صفحة 422
ذلك أمس، فكان في شرع القصاص فيه في تحقيق معنى الحياة
أبلغ. (1)
واعترض على هذا الاستدلال بأن الآية خطاب للمؤمنين فهو
قصاص لهم فلم يجز أن يكون قصاصا عليهم (2).
خامسا: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه جيء إليه برجل من المسلمين قد قتل معاهدا من أهل الذمة فأمر به فضرب عنقه، وقال:
"أنا أولى من وفي بذمته (3).
ووجه الدلالة منه هو: أن قوله: "أنا أولى ..... الخ" تعليل للقتل، وهو تنصيص على وجوب القود على المسلم بقتل الذمي واستيفاء
هذا القود منه (4). واعترض على هذا بـ:
أ- أن هذا الحديث ضعيف الإسناد لضعف بعض رواته، ومع ذلك فهو مرسل لا تقوم به حجة.
ب- أنه يجوز أن يكون القاتل أسلم بعد قتله للمعاهد فقتل به، وإذا احتمل هذا وجب التوقف عن الاحتجاج به ().
سادسا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
أ- ألا ومن قتل قتيلا، فوليه بخير: النظرين بين أن يقتص أو
يأخذ الدية (6).
(1) الكاساني، البدائع، ج 7 ص 351. (2) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 154.
(2) أخرجه: الدارقطني / كتاب الحدود والجنايات، رقم 166، ج 3 ص 135. البيهقي/كتاب الجنايات، ج 8
ص 30.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 26 ص 132.
(9) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 154.
(1) أخرجه البخاري كتاب الديات، ج 12 ص 174. ابن ماجة كتاب الديات، ب (3)، رقم 2624، ج 2
ص 876.
423 (1/423)
صفحة 423
ب لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان، وكفر
بعد إيمان، وقتل نفس بغير نفس (1).
ووجه الدلالة من الحديثين هو أن عمومهما يقتضي القول بقتل المسلم إذا قتل الذمي (2).
سابعا: أن الذمي محقون الدم على التأبيد، فيجب بقتله القصاص على المسلم
كالمسلم (3).
واعترض على هذا بأن المسلم حقن دمه بدينه، فدينه يمنع استرقاقه
وبهذا خالف الكافر (4).
ثامنا: أن المسلم يقطع بسرقة مال الذمي، فيجب أن يقاد به من طريق أولى، لأن أمر المال أهون من النفس (5).
واعترض على هذا بأن القطع في السرقة حق الله تعالى، ولذا فلو أعيد المسروق بعينه أو عفا رب المال لم يسقط الحد، والقتل على
خلاف ذلك (6).
الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء أنه لا قود على
مسلم إذا قتل نميا عمدا، وذلك لما يلي: -1 - أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يقتل مسلم بكافر" نص في المسألة لا ينبغي العدول عنه، إذ لفظ "كافر" الوارد فيه عام يشمل
(1) أخرجه مسلم كتاب القسامة، ب (6)، رقم 25، ج 11 ص 76. أبو داود/كتاب الحدود، رقم 4352، ج 4 ص 124. الترمذي / كتاب الديات، ب (10)، رقم 1402، ج 4 ص 12 - 13.
(2)
الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 172.
(2) السرخسي، المبسوط، ج 26 ص 123.
(4) الماوردي، الحاوي، ج 15 ص 155.
(5) الجصاص أحكام القرآن، ج 1 ص 75. ابن عابدين رد المحتار، ج 10 ص 165.
(1) ابن حجر، فتح البارئ، ج 12 ص 221. ابن حزم، المحلى، ج 10 ص 356.
424 (1/424)
صفحة 424
الحربي والذمي، والمصير إلى تأويله بتقدير "حربي" خروج بالنص
عن ظاهره من غير داع
2 - أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسلمون تتكافأ دماؤهم في دلالة ظاهرة على عدم الحكم بالقود على المسلم إذا قتل نميا، لأن الحديث علق التكافؤ في الدم بالمشتق وهو لفظ "المسلمون"، وتعليق الحكم بالمشتق يؤذن بالعلية، ومفهوم هذا أن من فقد فيه هذا المعنـ فدمه غير كفء لدم المسلم. 3 - أنه قد وقع الاتفاق على أن المسلم لا يقاد بالكافر المستأمن فكذلك ينبغي القول بعدم قوده بالكافر الذمي، لأن كلا منهما صار في بلاد الإسلام واستقر بها بعقد أمان، وما قيل من أن الذمي أحرز نفسه بدار الإسلام بخلاف المستأمن فغير ظاهر، لأن الأمان إنما حصل لكل من الذمي والمستأمن بعقد الحماية الواقع بينه وبين أهل الإسلام، ولا تأثير للبقعة في هذا الحكم، ولو سلم أن لها تأثيرا في ذلك لوجب تساوي طول مدة المكوث في دار الإسلام وقصرها في الحكم، إذ لا فرق ظاهر في ذلك، ومما يدل على أنه لا تأثير للبقعة أن دم الذمي يباح بنقضه العهد وإن كان في دار الإسلام. 4 - أنه إذا ثبت أن قوله - صلى الله عليه وسلم: "لا يقتل مسلم بكافر" نص في المسألة، وأن قوله - صلى الله عليه وسلم-: "المسلمون تتكافأ دماؤهم معضد له، فما احتج به القائلون بقود المسلم إذا قتل نميا لا يقوى على رد هذا الاحتجاج، ويتضح ذلك كما يلي: أ- أما استدلالهم بقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة) البقرة [178]، وقوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس الخ) المائدة [45]، وقوله تعالى (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) الإسراء [33]، فليس فيها دليل، أما الآية الأولى
425 (1/425)
صفحة 425
فظاهر الخطاب فيها للمؤمنين فلا يدخل فيها غيرهم، وأما الآية الثانية فهي مما شرع على من قبلنا، وعلى القول بوجوب العمل بها فذلك مشروط بعدم نسخها وهي هنا منسوخة أو مقيدة بنحو قوله صلى الله عليه وسلم: "لا" يقتل مسلم بكافر"، وإلا فإن قوله تعالى (النفس بالنفس ... الخ) عام يشمل الكافر الحربي الأخذ بهذا العموم لوجب قود المسلم بقتل
والذمي، ولو صح الكافر الحربي، مع أن ما في آخر هذه الآية وهو قوله تعالى: فمن تصدق به فهو كفارة (له ما يدل على أن الخطاب فيها للمؤمنين، وكذلك الآية الثالثة لا دلالة فيها إذ هي عامة، وحديث النهي عن قود المسلم بالكافر الذمي مخصص لهذا العموم، ويدخل على الاستدلال بها ما دخل على الاستدلال بما قبلها من شمول النص لأجل عمومه الكافر الحربي. ب أما استدلالهم بحديث إلا" ومن قتل له "قتيل" فليس فيه دليل، لأنه عام وحديث النهي خاص فهو قاض عليه.
ج- وأما استدلالهم بحديث لا يحل دم امرئ مسلم" فهو مخصص أيضا بحديث النهي عن قود المسلم بالكافر، وإلا لو لم يكن كذلك لوجب قود المسلم بقتله الكافر الحربي، لأن لفظ "وقتل نفس بغير نفس الوارد فيه عام يشمل ما إذا قتل المسلم نفسا ذمية أو
-
حربية.
وأما استدلالهم بحديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل مسلما بذمي فهو حديث ضعيف كما تقدم، ومع ذلك فعلى فرض صحته فهو معارض بحديث النهي عن قتل المسلم بالكافر، ومع التعارض وعدم معرفة الناسخ من المنسوخ لا ينبغي الإقدام على الفتك بدم مسلم لم يقم دليل عليه والله أعلم.
426 (1/426)
صفحة 426
المطلب الثاني: حكم الحد بوجود رائحة الخمر
آراء الفقهاء في المسألة
القول الأول: عدم جواز إقامة الحد على من وجدت فيه رائحة الخمر فقط. وإليه ذهب الإمام ابن بركة، ونص كلامه في ذلك هو: "ومن وجد
منه رائحة الخمر لم يلزمه الحد (1).
وهذا القول ذهب إليه جمهور الإباضية (2) وهو مذهب الحنفية (3) والشافعية (4) وهو مشهور مذهب الحنابلة () وهو رأي الإمامية (1) وظاهر اختيار ابن حزم من الظاهرية ().
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم) الإسراء [36].
وجه الدلالة من الآية على ذلك هو أن الحاكم ليس له علم
:
متحقق بالرائحة، فلم يجز أن يحكم بمجرد ذلك ().
ثانيا: أن وجود رائحة الخمر في الفم لا يكفي دليلا لإيجاب الحد بها لدخول الاحتمالات العديدة في ذلك، إذ يحتمل أنه شربها مكرها أو مضطرا لدفع العطش أو ظنها ماء فتمضمض بها أو أسعط بها، ومع وجود هذه الاحتمالات فلا يثبت الحد (1).
(1)
(2)
()
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 550.
البسيوي، جامع أبي الحسن، ج 4 ص 102. الكندي، المصنف، ج 4 ص 26.
الكاساني، البدائع، ج 7 ص 95. الميداني، اللباب، ج 3 ص 67. الغزالي، الوسيط، ج 6 ص 508. القفال، حلية العلماء، ج 8 ص 6. (5) المرداوي، الإنصاف، ج 10 ص 233. البهوتي، كشاف القناع، ج 6 ص 8.
(1) الطوسي، المبسوط، ج 8 ص 61. (2) ابن حزم، المحلى، ج 11 ص 156 - 157.
(8)
الماوردي، الحاوي، ج 17 ص 313.
(1) أبو غانم، المدونة الصغرى، ج 2 ص 63. السرخسي، المبسوط، ج 24 ص 31. الرملي، نهاية المحتاج،
ج 8 ص 16.
427 (1/427)
صفحة 427
ثالثا أن بعض المأكولات كالتفاح يشارك الخمر في رائحتها، والأصل براءة الشخص من العقوبة والشارع متشوف لدرء الحدود (1).
القول الثاني: وجوب إقامة الحد على من وجدت فيه رائحة الخمر. وإليه ذهب المالكية (2) والزيدية (3) وهو مذهب بعض الأباضية (4)
ورواية عند الحنابلة ().
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: ما روي أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خرج على الصحابة فقال: إني وجدت من فلان يعني ابنه ريح شراب فزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان يسكر جلدته، فجلده عمر الحد تماما (6).
قال في الاستذكار: "وفي هذا الحديث من الفقه القضاء بالحد على من وجد منه ريح الخمر (7).
واعترض على هذا الاستدلال بأن عمر - رضي الله عنه- سل ابنه حين شم منه الرائحة فاعترف بشرب الطلاء فحده باعترافه لا بمجرد وجود الرائحة (8).
ثانيا: أن وجود رائحة الخمر في فم من وجدت فيه دليل على أنه شربها، فيجري ذلك مجرى الإقرار منه بالشرب (9).
() الماوردي، الحاوي، ج 17 ص 313. الحصني، كفاية الأخيار، ص 576.) ابن عبد البر، الكافي، ص 578. ابن جزي، القوانين، ص 237.
(3) ابن المرتضى، البحر الزخار، ج 5 ص 194. عماد الدين البيان الشافي، ج 4 ص 492. (1) أبو غانم، المدونة الصغرى، ج 2 ص 62.
) المرداوي، الإنصاف، ج 10 ص 233. ابن مفلح المبدع، ج 9 ص 104.
(1) أثر عمر: أخرجه البخاري كتاب الأشربة، ج 10 ص 35. مالك / كتاب الأشربة ب (1)، ج 2 ص 642.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 24 ص 258.
الماوردي، الحاوي، ج 17، ص 313.
(1) ابن مفلح، المبدع، ج 9 ص 104.
428 (1/428)
صفحة 428
ثالثا: أن الحد كما ثبت بتقيؤ الخمر، لأنه دليل على شربها فكذلك يثبت
بالرائحة قياسا على القيئ لأنها تدل أيضا على شرب من وجدت
فيه (1).
رابعا أنه من المعلوم ببداهة العقل أنه لا تفوح رائحة الخمر من جوف
رجل إلا أنه شربها (2).
• الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ برأي من قال من الفقهاء ان وجود رائحة الخمر من شخص ما لا يكفى لأن يكون موجبا لإقامة حد الخمر عليه، ولو تيقنت الرائحة أنها رائحة خمر.
وسبب اختيار هذا الرأي على الرأي المقابل له هو: أنه لو كان وجود رائحة الخمر يعد دليلا كافيا لإقامة الحد على من وجدت فيه فلا بد من القول بأنه إما أن يحد مع فقدان الوعي المصاحب للرائحة أو بعد الصحو وبقاء
الرائحة.
ولا يصح إيقاعه عليه مع فقدان الوعي، لأن في ذلك تفويتا لما أمر به الشارع الكريم من التثبت والفحص عن عدم وجود شيء من الشبهات التي يدرأ بها الحد، ولا شك أن احتمال الشبهة وارد وقوي هنا، إذ يحتمل أنه شربها مكرها أو غالطا أو عن جهل بالمشروب. الخ.
...
وإن قيل أنه يحد بعد الصحو فلا يخلو إما أن يستفسر عن سبب
شربه الخمر أو لا يستفسر، فإن لم يستفسر وقع المحذور المذكور أعلاه، وإن استفسر فهو إما أن يقر بشرب الخمر ولا يدعي شبهة فموجب الحد يكون حينئذ هو الإقرار لا الرائحة، وإما أن يقر بشرب الخمر ويدعي شبهة من إكراه أو غلط أو جهل فلا يصح أن يقام عليه الحد على هذه الصفة، لأن في
(1) ابن المرتضى، البحر الزخار، جه ص 194.
(2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 4، ص 305.
429 (1/429)
صفحة 429
إقامته والحال هذه اطراحا للمانع من إقامة الحد وهو وجود الشبهة، فتكون
إقامة الحد عليه ظلما وعدوانا.
وأما استدلالهم بأن وجود رائحة الخمر من فم من وجدت فيه يدل حسا وعقلا على أنه قد شربها فغاية هذا الدليل هو إثبات الملزوم بوجود اللازم، وهو لا يكفي لأن يكون حجة في إقامة الحد، لأن إقامة الحد لا تقتصر على مواقعة ما يوجب حدا في الظاهر وإنما تتعدى ذلك إلى الوقوف على عدم وجود شبهة في هذا الفعل الصادر من المكلف، فلا يكفي فعل الشرب موجبا لإقامة حد الخمر حتى تنتفي كل شبهة من إكراه أو غلط أو
جهل معتد به شرعا حول هذا الفعل.
وأما استدلالهم بالقياس على تقيؤ الخمر فهو قياس غير صحيح لعدم التسليم بأن تقيؤ الخمر سبب كاف لإقامة الحد، بل هو أمر يدخل عليه ما يدخل على الرائحة من شبهة مانعة للحد، والله أعلم.
430 (1/430)
صفحة 430
المبحث التاسع: مسائل فقهية خالف الإمام ابن بركة فيها
رأي المذهب الإباضي
المطلب الأول: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي؟ آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن الحج واجب على الفور على المستطيع.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة خلافا لمن تقدمه من فقهاء المذهب الإباضي، ونص كلامه في ذلك هو والواجب على القادر على أداء الحج وفعله أن لا يؤخره، لأن تأخيره مع الإمكان يوجب مخالفة الأمر به. (1) وقد نقلت متابعة الإمام ابن بركة على هذا الرأي من فقهاء المذهب الإباضي المتأخرين عنه زمنيا عن أبي طاهر إسماعيل بن موسى الجيطالي (3) وعن المحتسب صالح بن علي الحارثي (2). وهذا الرأي هو مذهب أبي حنيفة - في أصح الروايتين عنه (4) ومذهب تلميذه أبي يوسف (9) ورواية عن مالك (6) وهو مذهب الإمامية (7)
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 64.
(2) القطب، النيل ج 4 ص 17.
•
الجيطالي: إسماعيل بن موسى أخذ العلم عن شيخه أبي موسى عيسى الطرميسي وأبي عزيز، وكان عالما عاملا ورعا مجاب الدعاء من مؤلفاته: القواعد القناطر، شرح النونية في التوحيد، كتاب في الحساب والفرائض، مات بجربة عام خمسين وسبعمائة للهجرة، ودفن بمقبرة الجامع الكبير منها. الشماخي، السير، ج 2 ص 195 - 198. عبد الرحمن بكلي، مقدمة قواعد الإسلام، هز. السالمي، المشارق، ج 1 ص 229. المحتسب: صالح بن علي الحارثي، أبو عيسى، أحد علماء أواخر القرن الثالث عشر الهجري، أمير الشرقية بعمان، وأحد القائمين بإمامة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي - رحمه الله تعالى ــ ثم قام بالحسبة والجهاد بعد وفاة الإمام عزان مات عام أربعة عشر وثلاثمائة وألف للهجرة / السالمي، تحفة الأعيان، ج 2
(r)
ص 296.
(1)
(0) (1)
ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 17. الكاساني، البدائع، ج 2 ص 180.
ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2 ص 333.
ابن رشد المقدمات الممهدات، ج 1 ص 381. ابن جزي، القوانين، ص 86. (2) الطوسي، الخلاف، ج 2 ص 257. جمال الدين، المهذب البارع، ج 2 ص 117.
431 (1/431)
صفحة 431
والمختار في مذهب كل من الحنابلة (1) والزيدية (2) وهو ما ذهب إليه المزني
من الشافعية (3)، واختاره الشوكاني (4).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) آل عمران [133]. ووجه الدلالة من الآية هو أن الآية قد أمرت بالمسارعة إلى ما يوجب المغفرة، والحج أحد الأفعال الموجبة لذلك، فهذا يدل على أن المكلف يجب عليه الإتيان بفريضة الحج في أول أوقات التمكن من ذلك بتوفر شروط الاستطاعة لديه وإلا كان عاصيا غير مسارع إلى الخيرات وما يوجب المغفرة).
ثانيا: قوله تعالى: (والله) على الناس حج البيت) آل عمران [97].
ثالثا: قوله تعالى: (وأتموا الحج والعمرة الله) البقرة [196]. رابعا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "يا أيها الناس ـ فرض عليكم الحج فحجوا (6).
ووجه الدلالة مما تقدم هو أن الأوامر بالحج في الآيتين
والحديث مطلقة، والأمر المطلق يقتضي الفور. (7)
واعترض عليه بأن الأمر المطلق المجرد عن القرائن لا يقتضي الفور بل هو على التراخي.
(1)
(2)
ابن قدامه المغني، ج 3 ص 171. المرداوي، الإنصاف، ج 3 ص 404.
ابن المرتضى، البحر الزخار، ج 2 ص 279. عماد الدين البيان الشافي، ج 1 ص 641.
(3) النووي، المجموع، ج 7 ص 103.
(4) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 31.
(0) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 64 - 65.
(1) أخرجه مسلم كتاب الحج، ب (73)، رقم 412، ج 9 ص 108 - 109. النسائي / كتاب مناسك الحج، ب (1)
(V)
رقم 2619، ج ص 110، أحمد / ج 2 ص 508.
النووي، المجموع، ج 7 ص 103. السياغي، الروض النضير، ج 3 ص 4.
432 (1/432)
صفحة 432
ومما يبين ذلك هو: أن الله تعالى قد فرض الحج في قوله: (والله
على الناس حج البيت آل عمران [97] مطلقا عن الوقت، ثم بين وقت الحج بقوله تعالى: (الحج) أشهر معلومات) البقرة [197] ومعناه أي وقت الحج مطلقا من العمر، فتقييده بالفور تقييد للمطلق، ولا يصح إلا بدليل (1).
:خامسا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: من ملك زادا يبلغه إلى بيت الله تعالى ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا (2).
ووجه الدلالة منه هو: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- توعد تارك الحج مع امتلاكه ما يبلغه إليه، فلو لا أنه يقتضي الفور لم
يتوعده على تأخيره (3).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن الحديث ضعيف (4).
ب- أن الذم الوارد فيه خاص بمن أخره إلى الموت فلم يحج، فهو
على التراخي بأن يفعل قبل الموت (5).
الاستطاعة،
ج- أنه محمول على من تركه معتقدا عدم وجوبه مع ويؤيد هذا التأويل ما جاء في آخره: "فليمت إن شاء يهوديا أو نصرانيا"، لأن الأمة مجمعة على أن من تمكن من الحج فلم
(1) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 180 - 181. (2) أخرجه الترمذي / كتاب الحج، ب (3)، رقم 812، ج 3 ص 176. ابن عدي /ج 7 ص 268. (3) الطوسي، الخلاف، ج 2 ص 258. الكاساني، البدائع، ج 2 ص 181.
(4) الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 32. وذكر هناك أن سبب ضعفه هو أن في إسناده رجلا يدعى
بهلال بن عبد الله وهو مجهول.
(5) النووي، المجموع، ج 7 ص 108. (1/433)
صفحة 433
يحج ومات لا يحكم بخروجه عن الملة كاليهود والنصارى بل هو عاص. (1)
وهذا الاعتراض الأخير ليس بالقوي فإن ظاهر التهديد الوارد فيه
لاحق بتاركه حتى الموت مع الاعتقاد بفرضيته وليس متوجها إلى منك وجوبه، ويرشح لهذا ما جاء في أول الخبر من ملك زادا يبلغه إلى بيت الله تعالى، ولم يحج ... الخ"، ففيه تلميح إلى توجه التهديد إلى المقر بالحج المضيع لأدائه، لأن الإنكار لفرض الحج موجب للخروج من الملة سواء وجد عند المنكر لفرضيته زاد وراحلة يبلغان إليه أو لم يوجد شيء من ذلك، والحديث فيه حث للمقر بفرض الحج إلى المسارعة إليه عند توفر الإمكانات له ولو أراد به المنكر -لقال - -مثلا- من مات ولم يعتقد بوجوب الحج فلا عليه أن يموت ... الخ".
وتشبيه التارك لأداء الحج من غير عذر عند الموت باليهود والنصارى إنما هو بجامع الترك من كل هو بتهاونه وتكاسله عن الأداء وهم بالإنكار للفرض، ولا يشترط في التمثيل التشابه من كل وجه، بل يكفي وجود الشبه في صورة واحدة لعقد التمثيل، وبهذا لا يلزم وصف تارك الحج المعتقد لوجوبه بالخروج من الملة كاليهود والنصارى. سادسا: ما روي عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من أراد الحج فليتعجل، فإنه قد يمرض المريض، وتضل الراحلة، وتعرض
الحاجة (2).
ولعل وجه الدلالة منه هو: الأمر بتعجل الحج حذرا من أن
يعرض المانع من ذلك كالمرض أو الحاجة.
(1) النووي، المصدر السابق والصفحة.
(2) السياغي، الروض النضير، ج 3 ص 4. الحديث أخرجه ابن ماجه كتاب المناسك ب (1)، رقم 2883، ج 2 ص 962. أحمد / ج 1 ص 214. البيهقي / كتاب الحج، ج 4 ص 340.
434 (1/434)
صفحة 434
واعترض عليه بما يلي:
أ- أن هذا الحديث على اختلاف الفاظه - لا يخلو سنده
مقال (1).
ب- إن كون الحديث على فرض صحته - دليلا على التراخي أكثر منه دليلا على الفور، لأن الأمر فيه بالتعجل قد علله بتفادي ما يحدث من الحوادث، وهذا دليل على أن الأمر فيه للإرشاد لا للوجوب (2).
ج- أنه علق التعجل بالخروج للحج على إرادة الإنسان، إذ قال: "من أراد"، فهذا دليل على أن الخروج للحج موكول إلى الإنسان نفسه متى شاء فعله (3).
سابعا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل (4).
ووجه الدلالة منه هو: أن لفظ "قابل" الوارد في الحديث متعارف في السنة الآتية التي تلي السنة التي أصيب فيها الحاج) فلو كان الحج على التراخي لم يعين صلى الله عليه وسلم - العام القابل
للقضاء (1).
(1)
الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 13. وذكر هناك سبب ضعفه بأن في بعض أسانيده إسماعيل بن خليفة العبسي، وهو صدوق ضعيف الحفظ، وفي بعضها ليث بن أبي سليم، وآخر اسمه شريك وهما
ضعيفان.
(2) القطب، النيل، ج 4 ص 16. (3) الماوردي، الحاوي، ج 4 ص 26.
) أخرجه أبو داود كتاب الحج، رقم 1862، ج 2 ص 179. الترمذي /كتاب الحج، ب (96) رقم 940،
| (1)
ج 4، ص 277. البيهقي / كتاب الحج، ج 5 ص 220.
() ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 419.
الشوكاني،
نيل الأوطار، ج 4 ص 337.
435 (1/435)
صفحة 435
واعترض على هذا الاستدلال بأن لفظ "قابل" أعم من أن يكون مقصورا على العام القابل بل يشمله وما بعده من الأعوام (1). وقد يضاف إلى هذا الاعتراض أيضا القول بالتفريق بين من دخل في الحج وأصابه مانع من إتمامه بأنه يلزمه إتيانه في العام القابل وبين من لم يشرع فيه أصلا فيكون فرض إتيانه على التراخي عليه، والفارق بينهما هو أن من دخل في العبادة لزمه إتمامها، فإن عرض مانع من إتمامها كان عليه إتيانها في أول أوقات الإمكان بعد زوال المانع على خلاف من لم يشرع فيها
أصلا.
ثامنا: أن الحج فرض غير مؤقت، والفرض غير المؤقت يجب تعجيله، لأنه لو لم يجب تعجيله حال إمكان إتيانه لأفضى ذلك إلى تعطيل الحج، وبيان ذلك أن المكلف يؤخر الحج إلى وقت لا يمكنه فيه فعله فتجب عليه الوصية فقط، ثم أنه يسع الوصي من تأخيره ما وسع الموصي، وهكذا فينتقل الوجوب إلى نفس الوصية دون فعله فيحصل التعطيل له أبدا. (2)
واعترض عليه بما يلي: أ- أن جواز تأخير الحج والزكاة مقيد بما إذا لم يكن المكلف معتقدا تركهما، فأما من اعتقد تركهما اجتزاء بالوصية آخر العمر فهو عاص وهالك. (3)
ب- أنه لا يتصور انتقال الوجوب إلى نفس الوصية إلا بالقصد إلى ترك الفعل والتعويل على الوصية، وخلاف ذلك لا تعطيل فيه،
(1) ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 419.
(2) السالمي، المشارق، ج 1 ص 229. (3) السالمي، المصدر السابق، والصفحة.
436 (1/436)
صفحة 436
لأن المكلف يوصي به خشية مفاجأة الموت له مع عزمه
الأداء في الحياة (1).
تاسعا: أن الحج أحد أركان الإسلام، فكان واجبا على الفور كالصيام (2). واعترض بوجود الفارق بين الصوم والحج، لأن الصوم وقته
مضيق فكان فعله مضيقا بخلاف الحج (3).
والمتبادر أن كلا من هذا الاستدلال والاعتراض عليه، كل واحد منهما مفرع على مذهب قائله، لأن القائلين بالفورية يرون أن الحج مضيق وقته أيضا كالصوم وليس موسعا، إذ لو قالوا بالتوسعة في الحج لسقط قولهم بفورية الحج، لكنهم يقولون بأن على المكلف الإتيان به أول أوقات الإمكان، فإن أخره كان عاصيا فالفرق المذكور في الاعتراض المتقدم آنها غير ملزم للقائلين بالفورية، لأنه مبني على مذهب من قال بالتوسعة في الحج، وهم لا يقولون إلا بما تقدم ذكره عنهم من تضييق وقت الحج عند الإمكان كالصوم. القول الثاني: أن الحج واجب على التراخي:
وإليه ذهب جمهور الإباضية قاطبة قبل مجيء الإمام ابن بركة وأكثرهم بعد عصر بعد عصره (4) وهو مذهب الشافعية (9) ومحمد بن الحسن من الحنفية (6) وهو رواية عند كل من المالكية (7) والحنابلة (8) وهو مذهب بعض
الزيدية (1).
(1)
السالمي، المصدر السابق، ج 1 ص 229 - 230.
(2) ابن قدامه، المغني، ج 3 ص 171.
(1) النووي، المجموع، ج 7 ص 108.
(4) انظر: رأي المذهب الإباضي في هذه المسألة في البسيوي، جامع ابي الحسن، ج 2 ص 256. الكندي، بيان الشرع، ج 22 ص 40. الشقصي، منهج الطالبين، ج 7 ص 11 - 12 و ص 21. أبو ستة، حاشية الترتيب، ج 3 ص 173. القطب النيل، ج 4 ص 17. السالمي، شرح الجامع، ج 2 ص 153 وغيرها.
(5) الغزالي، الوسيط، ج 2 ص 578. النووي، المجموع، ج 7 ص 103. () الكاساني، البدائع، ج 2 180. ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2 ص 333. (2) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4 ص 144. ابن جزي، القوانين، ج 86. (8) المرداوي، الإنصاف، ج 3 ص 404. ابن مفلح المبدع، ج 3 ص 94. (1) الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 497. الشوكاني، الدراري المضيئة، ج 2 ص 32.
437 (1/437)
صفحة 437
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: إن قوله تعالى: "والله على الناس حج البيت ... الخ" آل عمران [97]
نزلت سنة ثلاث من الهجرة ولم يحج رسول الله - صلى الله وسلم- إلى سنة عشر من الهجرة. (1)
ووجه الدلالة منه هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أخـ الحج بعد فرضه إلى عدة سنوات، فلو كان واجبا على الفور لما أخره إلى ذلك الوقت.
وقد اعترض على هذا الاستدلال من وجوه كما يلي: أ- أن النبي صلى الله عليه وسلم - لم يكن يلزمه الحج إلا في تلك السنة التي حج فيها، ثم لو كان الحج لازما عليه قبل تلك السنة لكان له عذر عن أدائه للاشتغال بإصلاح شأن أهل الإسلام ومحاربة أعدائه (2)، ولا خلاف في جواز التأخير لعذر، ومما يدل على وجود العذر له صلى الله عليه وسلم عن أداء الحج قبل السنة التي حج فيها هو أنه لا خلاف في أن التعجيل بالحج أفضل، والرسول - صلى الله عليه وسلم - لا يترك الأفضل إلا لعذر (3). ب- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد حج قبل الهجرة، والنزاع فيمن لم يحج رأسا (4).
وهذا الاعتراض ليس بالقوي لأنه إذا ثبت أن أقرب وقت فرض فيه
الحج - عند القائلين بالتراخي - هو سنة ثلاث من الهجرة، فإن حج
(1) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 4 ص 144.
(2)
(")
(4)
ابن برد
ركة، الجامع، ج 1 ص 172 - 173.
الكاساني، البدائع، ج 2 ص 181. ابن المرتضى البحر الزخار، ج 2 ص 279.
الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 499.
ج النبي-
438 (1/438)
صفحة 438
صلى الله عليه وسلم - قبل الهجرة إيقاع للفرض قبل وجوبه عليه فلا يجتزئ به -صلى الله عليه وسلم - عن فريضة الحج في العمر إلا أن يخرج هذا على مذهب القائلين بأنه - صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بشريعة من كان قبله،
وكان الحج مفروضا في شريعة أبيه -إبراهيم - عليه الصلاة والسلام-. ج- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مخصوصا بتأخير الحج عن وقت إمكان فعله، لأن الله تعالى لم يأمره بالحج حتى قطع ما أراد أن يقطعه من عهود المشركين ودار الحج إلى الشهر الذي جعلى الله فيه الحج والذي حج فيه أبوه إبراهيم - عليه الصلاة والسلام-.
-
د أن تأخير النبي -صلى الله عليه وسلم- الحج إلى تلك السنة التـ حج فيها كان بسبب كراهته لمخالطة من بقي من حجاج المشركين وطوافهم عراة بالبيت (1)، إذ لو حج وأهل الشرك حضور هناك وتركهم على ما يتدينون به من هديهم المخالف لدين الحق لكان ذلك وهنا في الدين، ولو منعهم لأدى ذلك إلى تشاغله عن أداء المناسك وآل أيضا إلى استحلال حرمة الحرم. (2)
أن التأخير للحج إنما يمنع لأجل خوف فجأة الموت لأن الحج له وقت معين في السنة، والموت في السنة غير نادر، فالتأخير بعد التمكن تعريض له على الفوات، وهذا المحذور غير متحقق فيه صلى الله عليه وسلم -، لأنه كان يعلم أنه سيعيش حتى يحج ويعلم الناس مناسكهم تكميلا للتبليغ. (3)
(1) الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 499.
(2) السياغي، الروض النضير، ج 3 صه.
(د)
ابن الهمام، فتح القدير، ج 2 ص 420. ابن نجيم، البحر الرائق، ج 2 ص 333.
439 (1/439)
صفحة 439
(1)
و - أن من بين الأقوال في وقت فرضية الحج هو عام عشرة للهجرة، فيكون صلى الله عليه وسلم - قد حج في أول أوقات الإمكان. (1). وهذا الاعتراض يرده إرسال النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر الصديق رضي الله عنه (2).
ثانيا: ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما - موقوفا عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - لم يحج إلا بعد مرور عشر حجج من
هجرته، ولا أنكر على من تخلف عن الحج من أمته (3).
ووجه الدلالة منه ما يلي:
1 -
-أ- تأخيره -صلى الله عليه وسلم - الحج إلى السنة العاشرة.
ب- تقريره وعدم إنكاره على المؤخرين المستطيعين للحج في تلك
السنة. (4)
ثالثا: ما ورد عن ضمام بن ثعلبة () أنه قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم - فسأله عن الإسلام، فذكر له صلى الله عليه وسلم- الشهادة
والصلاة والزكاة والصيام والحج، وقدوم ضمام قيل: كان سنة خمس،
تسع. (6)
وقيل: سبع وقيل: تسع.
الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 499.
(2) أبو بكر الصديق: عبدالله بن أبي قحافة، أول من أسلم من الرجال، وكان صاحب النبي-صلى الله عليه وسلم- في الغار والهجرة، شهد بدرا وما بعدها، وولي الخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومكث في الخلافة سنتين وثلاثة أشهر، وتوفي عام ثلاثة عشرة للهجرة، وعمره ثلاث وستون سنة./ ابن عبد البر، الإستيعاب، ج 3 ص 91 - 102، ابن حجر، الإصابة، ج 4 ص 144 - 150.
(3) أخرجه: الربيع / كتاب الحج، ب (1) رقم 393، ج 2 ص 159.
السالمي، شرح الجامع، ج 2 ص 153.
(5) ضمام: ضمام بن ثعلبة من بني سعد بن بكر، بعثته عشيرته إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسأله عن شرائع الإسلام، فأسلم، وكان يسكن الكوفة / ابن عبد البر، الاستيعاب، ج 2 ص 304 - 305. ابن حجر، الإصابة، ج 3 ص 393 - 394. (1) القرطبي، الجامع لاحكام القرآن، ج 4 ص 144. النووي، المجموع، ج 7 ص 105 - 106. وخبر ضمام أخرجه: الربيع المقدمة، ب (9)، رقم 55، ج 1 ص 42. مسلم كتاب الأيمان، ب (2)، ج 1 ص 280 - 282. (1/440)
صفحة 440
ووجه الدلالة منه هو: أنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر عن فرض الحج، ولم يحج إلا عام عشرة من الهجرة فهو دليل على التراخي.
رابعا: أن من الثابت عنه - صلى الله عليه وسلم ـ أنه غزا حنينا بعد فتح
-
مكة، واعتمر من سنته في ذي القعدة، ولم يكن بقي بينه وبين الحج إلا أيام يسيرة، ولم يحج في ذلك العام، مع أنه كان-صلى الله عليه وسلم- وأصحابه موسرين في ذلك العام بسبب ما نالوه من غنائم حنين، ولم يشغلهم قتال حينئذ، فتأخيره - صلى الله عليه وسلم- الحج
في تلك السنة بيان لوجوب الحج على التراخي وجواز تأخيره. (1):خامسا: أن من استطاع الحج فلم يحج في عامه ثم حج في عامه الثاني أو الثالث فإنه يسمى مؤديا للفرض الواجب عليه ولا يسمى قاضيا له، كالصلاة إذا خرج وقتها فقضاها بعد خروج وقتها، وكالصوم إذا أفطر لمرض أو سفر ثم قضاه بعد ذلك، فلما كان الحاج في أي وقت من عمره يسمى مؤديا لا قاضيا دل هذا على أن وقت الحج هو العمر كله على التراخي. واعترض عليه بأنه إنما سمي مؤديا لا قاضيا لأن أثر الوجوب على الفور عمل في احتمال الإثم بالتأخير عن أول الوقت في الإمكان لا في إخراج السنة الثانية أو الثالثة ... الخ من أن تكون وقتا للواجب، وهذا لأن وجوب التعجيل إنما كان تحرزا عن الفوات بالموت، فإذا عاش إلى السنة الثانية أو الثالثة فقد زال احتمال الفوات فحصل الأداء في وقته (2). سادسا: أن الحج عبادة وسع وقت افتتاحها، فوجب أن يوسع وقت أدائها
كالصلاة (3).
(1)
النووي، المجموع، ج 7 ص 104. (2) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 182. (3) الماوردي، الحاوي، ج 4 ص 26.
441 (1/441)
صفحة 441
سابعا: أن الحج وظيفة العمر، فكان العمر فيه كالوقت في الصلاة. (1)
• الرأي المختار: يرى الباحث أن الأخذ بقول من قال من الفقهاء بأن الحج على الفور
أمر يتلاءم مع واقع الحج في العصر الحاضر لما يلي: -1 - أن القول بفورية الحج- قبل كل شيء فيه ضرب من الاحتياط، إذ هو خروج من الخلاف في المسألة وتدارك لما يحذر من أن يفاجئ المكلف الموت قبل أدائه وقبل الوصية به فيكون قد ختم عمله بكبيرة
(1)
من الكبائر.
- أن مناسك الحج في هذا العصر تحتاج إلى جلد وقوة صبر وتحمل أكثر مما كان عليه في الأزمن الخوالي نظرا لتدفق العدد الهائل من الحجاج من بقاع العالم الإسلامي وغيره في كل عام مما يجعل مواطن المناسك مكتظة بالحجيج، ولا شك أن الواجد الاستطاعة للحج إذا أخر أداء هذه الفريضة في مقتبل العمر وزمن الفتوة إلى وقت الهرم والشيخوخة فقد عرض حجه لدخول النقص عليه وعدم الإتيان بمناسك الحج على الوجه المطلوب نظرا لعجزه عن الوفاء بذلك لشيخوخته وهرمه فيكون مخلا بأركان الحج وواجباته التي كان يمكنه الإتيان بها على وجهها لو حج فتيا قويا، ومتى توقف أداء المناسك على الوجه المطلوب على القوة والفتوة صار الحج في مقتبل العمر واجبا عند أول أوقات الإمكان، إذ مالا يتم الواجب إلا به فهو
واجب.
- أن ما ظهر في هذا العصر من وضع كثير من القيود والقوانين في معظم الدول الإسلامية بشان وضع الترتيبات اللازمة لأداء مناسك الحج وتقلبها من حال إلى آخر مدا وجزرا يدفع المكلف إلى بعث
المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 134.
442 (1/442)
صفحة 442
الهمة للقيام بأداء هذه الفريضة في أقرب وقت ممكن يجد فيه استطاعة لذلك حذرا من أن يكون بعض من هذه القيود التي تتجدد
كل عام عائقا أمامه في المستقبل تحصره عن أداء هذا الفرض. فهذه الملاحظات تحتم على المكلف المسارعة إلى أداء الحج في أقرب وقت يمكنه أداؤه فيه والله أعلم.
443 (1/443)
صفحة 443
المطلب الثاني: حكم اشتراط الولي في النكاح:
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: أن الولي شرط في نكاح البكر دون الثيب.
وإليه ذهب الإمام ابن بركة خلافا لمن تقدمه من علماء المذهب الإباضي، ونص كلامه في ذلك هو: والنظر يوجب عندي أن يكون للمرأة أن تزوج نفسها إذا وضعت نفسها في كفء " (1) فيؤخذ من كلامه هذا ما يلي: أولا: تجويزه أن تزوج المرأة نفسها. ثانيا: أن جواز نكاح المرأة مشروط ومرهون بأن تضع نفسها في كفء
من الرجال.
أما إذا وضعت نفسها في غير كفء من الرجال فإن الإمام ابن بركة قد نص على أن للأولياء الحق في فسخ هذا النكاح، وعبارته في ذلك هي: "فإذا وضعت نفسها في غير كفء فحينئذ يكون للأولياء فسخ النكاح (2) ". وأما تخصيصه المرأة الثيب دون المرأة البكر في حق تزويج نفسها إذا وضعت نفسها في كفء من الرجال، فمأخوذ من قوله: "إلا أني ناظر في تزويج البكر بغير رأي وليها والشائق إلى نفسي ألا يجوز (3). فخلاصة مذهبه في هذه المسألة هو جواز نكاح المرأة الثيب نفسها
"
بغير إذن وليها إذا وضعت نفسها في كفء من الرجال. وهذا الرأي هو مذهب داود الظاهري (4) وبعض الإمامية (5) ورواية
عند الحنابلة (6).
(1)
(2)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 119.
ابن بركة، المصدر السابق، والصفحة.
(3) ابن بركة المصدر السابق، ج 2 ص 119 - 120.
(4) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 445.
(9) جمال الدين، المهذب البارع، ج 3 ص 217. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 10.
(1) ابن مفلح، الفروع، جه ص 175.
444 (1/444)
صفحة 444
وأدلة هذا القول ما يلي:
أما دليل الإمام ابن بركة على أن للمرأة أن تزوج نفسها.
بغير إذن وليها فهو:
أولا: قوله تعالى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) البقرة [232].
ووجه الدلالة من الآية من وجهين
أ- أن الله تعالى أضاف التراضي إلى الزوجين ولم يجعل للولي
حظا من الخطاب.
ب أن نهي الله تعالى الأولياء عن العضل يوجب أن الحق للمرأة إذا حصل التراضي بينها وبين من تريد نكاحه (1).
ثانيا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "الثيب أحق بنفسها (2). ووجه الدلالة منه هو: أن ظاهر هذا الخبر يدل على أن الولي لا حق
له في عقد النكاح على الثيب ولا يملك ذلك دونها، كما يقال: فلان أحق من فلان مع أن الثاني لا حق له أصلا (3).
(1)
وقد اعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن معنى الحديث: هو: أنه لا ينفذ على الثيب أمر بغير إذنها، ولا تنكح إلا من شاءت فإذا أرادت النكاح لم يجز لها إلا بإذن وليها، فإن أبى أنكحها السلطان (4).
ب- أن معنى الحديث: هو: أنها أحق من الولي في اختيار الزوج فتختار لنفسها من شاعت، لا أن تزوج نفسها (9).
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 119.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب النكاح، ب (24)، رقم 511، ج 2 ص 206. مسلم كتاب النكاح، ب (9)، رقم 67،
(1)
(1)
ج 9 ص 216 - 217. أبو داود كتاب النكاح، رقم 2098، ج 2 ص 239
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 120.
ابن حزم المحلى، ج 9 ص 457. (5) النووي، شرح مسلم، ج 9 ص 216.
445 (1/445)
صفحة 445
وأما دليل الإمام ابن بركة على أن عقد المرأة الثيب النكاح على
نفسها إنما يصح إذا وضعت نفسها في كفء من الرجال دون غيره فهو: 1 - أنه لما قال الله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) البقرة [232]، وكان وضع المرأة نفسها في يد كفء يعد من التراضي بالمعروف دل هذا على أنها إذا وضعت نفسها في غير كفء فحينئذ يكون للأولياء فسخ هذا النكاح، لأنه تراض على غير المعروف (1).
2 - قياس تصرف المرأة في ذلك على تصرف السفيه.
ووجه القياس هو: أنه لما كان الذي عليه الحق سفيها .. الخ، وكان في إملائه ما عليه من الحق - على هذا الوصف - يدخل عليه الضرر رد أمر الإملال إلى الولي لقوله تعالى: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أولا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل) البقرة [282]، فكذلك الموأة إذا أدخلت على نفسها الضرر بعقدها على غير كفء من الرجال رد أمرها إلى وليها رعاية لمصلحتها (2).
وأما دليل تخصيصه الثيب من النساء دون البكر منهن في جواز أن تباشر العقد على نفسها فهو أن قوله - صلى الله عليه وسلم: "أيما امرأة نكحت بغير رأي وليها فنكاحها باطل (3) عام لكل امرأة بكرا كانت أو ثيبا، وقوله - صلى الله عليه وسلم - " الثيب أحق بنفسها مخصص لعموم الخبر
(1) ابن بركة الجامع، ج 2 ص 119.
(2)
ابن بركة المصدر السابق والصفحة.
(1) أخرجه أبو داود كتاب النكاح، رقم 2083، ج 2 ص 216. الترمذي / كتاب النكاح، ب (14)، رقم 1102، ج 3 ص 408. ابن ماجه / كتاب النكاح، ب (15)، رقم 1880، ج 1 ص 605.
446 (1/446)
صفحة 446
الأول، فخرجت الثيب بهذا الخبر، وبقي العموم في الخبر الأول مقصورا على الأبكار من النساء. (1)
القول الثاني: أن الولي شرط من شروط النكاح، سواء كانت المرأة بكرا أو ثيبا. وإليه ذهب جمهور الإباضية (2) قبل عصر الإمام ابن بركة وبعده وهو مذهب المالكية (3) والشافعية (4) والزيدية (5) وهو الرواية المشهورة عند الحنابلة (6) وهو مذهب ابن حزم خلافا لأصحابه من الظاهرية (2).
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف) البقرة [232].
ووجه الدلالة من الآية هو أن الآية دالة على اشتراط الولي من
وجهين
أ- أنه قد ورد فيها النهي للأولياء عن العضل، وهو إما بمعن المنع أو التضييق، فلو جاز لهن التفرد بالعقد لما أثر عضل
الأولياء، ولما توجه إليهم نهي.
(1)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 120.
(2) راجع رأي المذهب الإباضي في هذه المسألة التي خالف فيها الإمام ابن بركة رأي المذهب في أبو غانم، المدونة الكبرى، ج 2 ص 4. المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 66. البسيوي، المختصر، ص 191. أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 157. ابن النظر، أحمد الدعائم، ص 99. الجناوني، النكاح، القطب، النيل، ج 6 ص 126 - 127. السالمي، العقد الثمين، ج 3 ص 12. السيابي، فصل الخطاب، ج 1 ص 164، وغيرها.
(2) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 35. ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 3 ص 471. (4) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 35. القفال، حلية العلماء، ج 6 ص 323. (5) الهادي، يحيى، الأحكام، ج 1 ص 346. الصنعاني، منحة الغفار، ج 2 ص 735.
(1)
المقدسي، العدة، ج 2 ص 5. ابن مفلح الفروع، ج 5 ص 175.
(2) ابن حزم المحلي، ج 9 ص 451.
447 (1/447)
صفحة 447
ب- أن قوله تعالى في الآية: (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) البقرة [232] يدل على أن المعروف ما تناوله العرف بالاختيار وهو الولي
والشاهدان (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أ- أن ظاهر الآية يدل على أن الخطاب فيها للأزواج الذين يطلقون نساءهم، ثم يعضلوهن بعد انقضاء العدة تأثما، ولا يتركوهن يتزوجن من شئن من الأزواج (2)
ب- أنه لو كان الخطاب في الآية للأولياء لما كان فيها دليل على اشتراطه في العقد لأمرين:
- إن جعل الولي هو الذي يلي العقد أمر جار على وفاق العادة والعرف، لأن النساء في العادة لا يتولين النكاح بأنفسهن لما فيه من الحاجة إلى الخروج إلى محافل الرجال، وفيه نسبتهن إلى الوقاحة، فخرج الخطاب بالأمر بالنكاح على جهة الندب والاستحباب لا الوجوب والإلزام (3).
وأجيب عن الاعتراض الأول بأن القول بتوجه الخطاب في الآية إلى الأزواج غير صحيح، لأنه إن عضل الزوج قبل انتهاء العدة فهو حق مشروع له غير منهي عنه، وإن عضل بعد الخروج من العقد فعضله غير
مؤثر. (4)
:ثانيا قوله تعالى: (فانكحوهن بإذن أهلهن النساء [25].
(1) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 39. ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 9. الزركشي، شرح الزركشي، جه
ص 15.
(2) ابن الهمام، فتح القدير، ج 3 ص 248. العيني، عمدة القارئ، ج 20 ص 121.
(3) الكاساني، البدائع، ج 2 ص 371.
(4) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 39.
448 (1/448)
صفحة 448
ووجه الدلالة من الآية هو: أن الله تعالى جعل النكاح مشروطا بإذن الأولياء. (1)
:ثالثا: قوله تعالى (ولا) تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) البقرة [221]. قوله تعالى: (وأنكحوا الأيامى منكم) النور [32].
(1)
(2)
(2)
ووجه الدلالة من الآيتين هو: أن هذا خطاب للأولياء، فلما كان هذا الخطاب متوجها للأولياء دون النساء دل على أن ليس لواحدة منهن
الحق في تزويج نفسها ومباشرة العقد على ذلك (2).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي: أ- أن الآية الأولى منسوخة بقوله تعالى: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم المائدة [5]، والخطاب أعم من أن يكون للأولياء أو غيرهم، فلا يتم به الاستدلال (3).
ب أن معنى الآية الثانية هو أيها المؤمنون زوجوا من لا زوج له من عبادكم وإمائكم، ثم أن لفظ الإيامي" في الآية جمع أيم، وهو أعم من لفظ" امرأة لتناوله الرجل، فلا يصح أن يراد بالمخاطبين الأولياء، وإلا كان للرجل ولي. (4)
رابعا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أيما امرأة نكت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل ().
ووجه الدلالة منه هو: أن الحديث أفاد إثبات الولاية في النكاح على النساء كلهن، لأن كلمة "أيما" كلمة استيفاء وإستيعاب فتدخل فيه
العوتبي، الضياء، ج 8 ص 295.
ابن رشد، المقدمات الممهدات، ج 1 ص 472. المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 67.
العيني،
عمدة القارئ، ج 20 ص 121. (4) العيني، المصدر السابق والصفحة.
(*) أخرجه أبو داود كتاب النكاح، رقم 2083، ج 2 ص 236. الترمذي / كتاب النكاح، ب (14)، رقم 1102،
ج 3 ص 408.
449 (1/449)
صفحة 449
البكر والثيب، فهذا يدل على أن المرأة لا تلي أمر العقد على نفسها
وأن العقد إذا وقع بغير إذن الولي كان باطلا (1).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن الحديث محمول على الأمة دون الحرة (2).
ب أن معنى الحديث لا يتنافى مع القول بجواز أن تنكح المرأة
نفسها، لأنها ولية لنفسها فلا يكون نكاحا بلا ولي.
(د)
وأجيب عن الاعتراض الأول بأن قصر الحديث على الأمة لا معنى
له لاستواء الحرة والأمة فيه، ولم يكن لتخصيص الأمة تأثير (4). وأجيب عن الاعتراض الثاني بأنه لو صح ذلك لكان خطابا غير مفيد، لأنه من المعلوم أنه لا نكاح إلا بمنكوحة، ولا يتميز عن سائر العقود، وقد خص النكاح به ()، وقوله - صلى الله عليه وسلم ـ في
(") "
خبر آخر: "لا نكاح إلا بولي (6) يقتضي أن يكون الولي رجلا، ولو كانت هي المرأة لقال: "لا نكاح إلا بولية (7).
:خامسا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لانكاح إلا بولي".
(1) الخطابي، أحمد، معالم السنن، ج 3 ص 196 - 197. المزاتي، جوابات ابن خلفون، ص 68. الصنعاني،
منحة الغفار، ج 2 ص 735.
(2) الجصاص، أحكام القرآن، ج 1 ص 478.
(3) الكاساني، البدائع، ج 2، ص 371. الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 91.
(4) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 40.
(•)
الماوردي، المصدر السابق والصفحة.
(1) أخرجه: الربيع / كتاب النكاح، ب (24) رقم 510، ج 2 ص 206. أبو داود / كتاب النكاح، رقم 2085، ج 2
ص 236 الترمذي / كتاب النكاح، ب (14) رقم 1101، ج 3 ص 407.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 40.
450 (1/450)
صفحة 450
ووجه الدلالة منه هو: أن النفي الوارد فيه واقع على نفي ذات النكاح، والنكاح من الأمور التي لها موقع واحد وهو نفي الصحة فمعنى الحديث حينئذ لا نكاح صحيح إلا بولي. (1)
واعترض على هذا الاستدلال بأن راوي هذا الخبر وهو الزهوي لما سئل عنه قال: لا أعرفه والراوي إذا أنكر الخبر دل على بطلانه (2)
وأجيب عنه بأن نسيان الراوي شيئا من الأخبار بعد روايته لها ممكن، لأن الإنسان عرضة للنسيان غير أن ذلك لا يضير صحة
الخبر إذا كان من حفظه عن الراوي الناسي له ثقة (3).
سادسا: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لاتزوج المرأة المرأة، ولا تزوج نفسها (4).
ووجه الدلالة منه هو: أن في الحديث دليلا على أن المرأة ليس
لها ولاية في باب النكاح على نفسها ولا على غيرها فلا اعتداد بعبارتها في النكاح إيجابا وقبولا ().
سابعا: أنها غير مأمونة على البضع لنقصان عقلها وسرعة انخداعها فلم يجز تفويض أمر العقد إليها كالمبذر الذي يحجر عليه التصرف في
ماله لنقصان عقله (6).
(1)
محمد، المعلم، ج 2 ص 94. أبو ستة، حاشية الترتيب، ج 4 ص 128. الشوكاني، السيل
المازري، الجرار، ج 2 ص 264.
الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 92
(2) ابن حزم، المحلى، ج 9 ص 435. ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 32.
(1) أخرجه ابن ماجه / كتاب النكاح، ب (15) رقم 1882، ج 1 ص 605. الدار قطني كتاب النكاح، رقم 25،
ج 3 ص 227. البيهقي / كتاب النكاح، ج 7، ص 110.
(5) الصنعاني، سبل السلام، ج 2 ص 232 - 233.
(1) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 35.
451 (1/451)
صفحة 451
واعترض بأن المعتبر في الولاية مطلق العقل والبلوغ دون الزيادة والنقصان في العقل لتفاوت الناس في الرأي والعقل تفاوتا فاحشا ولا اعتبار به في باب الولاية، فإن كامل العقل والرأي ولايته على نفسه كولاية ناقصهما، ففي اعتبار ذلك حرج عظيم وهو حرج التمييز بين الناس، فعلم أن المعتبر هو أصل البلوغ والعقل، وقد وجدا في المرأة فيترتب عليهما ما يترتب عليهما في الرجل قياسا على المال. (1) ثامنا: أن المرأة لما لم يجز لها أن تلي العقد على غيرها لم يجز أن تلـ عقد نكاح نفسها. (2)
وهذا الاستدلال - فيما يظهر غير لازم للمخالف في اشتراط الولي في النكاح لأنه مفرع على مذهب المشترطين، ولعل من لا يشترط ذلك يقول بجواز توكيل المرأة لعقد النكاح على غيرها، وقد يحتج لهذا بأنه كما جاز لها أن تعقد على نفسها جاز لها أن تتوكل في العقد على غيرها.
القول الثالث: أن الولي ليس بشرط في النكاح مطلقا. وإليه ذهب أبو حنيفة وتلميذه أبو يوسف وهو راوية عن محمد
وهو مشهور مذهب الإمامية (4) ورواية عند الحنابلة ().
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن) البقرة [234]. ثانيا: قوله تعالى: (فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن) البقرة [232].
(1) الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 92.
(2)
ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 43.
(3) السرخسي، المبسوط، ج ص 15. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2 ص 117. المرغيناني، الهداية، ج 1
ص 196.
(1) المفيد، المقنعة، ص 510. الحلي، شرائع الإسلام، ج 2 ص 10.
(5) ابن مفلح، الفروع، ج 5 ص 175.
452 (1/452)
صفحة 452
:ثالثا: قوله تعالى: (حتى تنكح زوجا غيره) البقرة [230]. رابعا: قوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود
الله) البقرة [230].
ووجه الدلالة مما تقدم هو أن هذه الآيات مصرحة بأن عقد
النكاح يتم بعبارة النساء، لأن النكاح المذكور فيها منسوب المرأة في قوله تعالى: "أن ينكحن" و "حتى تنكح"، وهذا صريح في أن النكاح صادر منها، وكذا قوله تعالى: "فيما فعلن" و "أن يتراجع" صريح بأنها هي التي تفعل، وهي التي تراجع. (1)
وقد اعترض على الاستدلال بالآية الأولى بما يلي: -أ- أن المراد برفع الجناح عنهن هو ألا يمنعن من النكاح إذا رغبن فيه فلا يدل على تفردهن بغير الولي، كما لم يدل على تفردهن بغير شهود. (2)
- أن خاتمة الآية هي (في أنفسهن بالمعروف)، وهذا يقتضي أن يكون العقد جاريا على ما جرى به المعروف الحسن، وليس
من المعروف الحسن أن تنكح المرأة نفسها بغير ولي. (3):خامسا: قوله تعالى: (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن
يستنكحها) الأحزاب [50].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن الآية ورد النص فيها على انعق
النكاح بعبارة المرأة بلفظ الهبة (4).
(1) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2 ص 117. الكاساني، البدائع، ج 3 ص 370.
(1) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 42.
(1) الماوردي، المصدر السابق، ج 9 ص 42 - 43.
(4) الكاساني، البدائع، ج 3 ص 370.
453 (1/453)
صفحة 453
(1)
وهذا الاعتراض غير صحيح لأن الهبة في الفروج مر خصوصياته ـ صلى الله عليه وسلم - لقوله تعالى بعد ذلك في
نفس هذه الآية: (خالصة لك من دون المؤمنين) الأحزاب [50]. سادسا: ما ورد عنه ــ صلى الله عليه وسلم ــ أنه قال: "الأيم أحق بنفسها من وليها (1).
ووجه الدلالة منه هو: أن لفظ "الأيم" في اللغة اسم لامرأة لا زوج لها بكرا كانت أو ثيبا (2)، ومعنى هذا أن الحديث أشار إلى أن
المرأة أحق بنفسها على العموم بكرا كانت أو ثيبا.
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
-1 - أن بعض الروايات جاء التصريح فيها يلفظ "الثيب أحق بنفسها (3)، وهذا دليل على أن المراد بالأيم في الرواية الأخرى
بنفسها" (3)،
الثيب. (4)
2 - أن خاتمة الحديث هي: والبكر" تستأذن (°) " فذكر البكر بعد ذكر
الأيم دليل على أن المراد بها ما يقابل الثيب (6).
سابعا: ما ورد – في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنه أن فتاة جاءت
-
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا نبي الله أن أبي زوجني من ابن أخ له ليرفع خسيسته وأنا له كارهة، فقال لها:
:أخرجه: الربيع / كتاب النكاح، ب (24) رقم 511، ج 2 206 مسلم كتاب النكاح، ب (9)، رقم 66، ج 9 ص 216. أبو داود كتاب النكاح، رقم 2098، ج 2 ص 239. (2) الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2، ص 117.
(3) أخرجه مسلم كتاب النكاح، ب (9) رقم 67، ج 9 ص 217. أبو داود كتاب النكاح، رقم 2099، ج 2
ص 239.
(4) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 22.
(0) أخرجه: الربيع / كتاب النكاح، ب (24)، رقم 511، ج 2 ص 206. مسلم كتاب النكاح، ب (9)، رقم 66،
ج 9 ص 216. أبو داود كتاب النكاح، رقم 2098، ج 2 ص 239.
(1) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 22.
454 (1/454)
صفحة 454
أجيزي ما صنع أبوك فقالت: لا رغبة لي فيما صنع أبي، قال: "اذهبي فانكحي من شئت، فقالت: لا رغبة لي عما صنع أبي ولكني أردت أن أعلم الناس أن ليس للأباء من أمور بناتهم
شيء" (1).
ووجه الدلالة منه ما يلي:
1 - أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فانكحي من شئت دليل على أن أمر النكاح إليها لإضافته إليها.
2 - عدم إنكاره - صلى الله عليه وسلم ـ لقولها: ولكني أردت أن أعلم الناس .. الخ، ولو كان قولها غير صواب لما سكت عنه. - أن قوله صلى الله عليه وسلم -: "أجيزي ما صنع أبوك" يدل على أن عقده غير نافذ عليها (2).
:ثامنا: أن المرأة إذا بلغت عن عقل وحرية فقد صارت ولية على نفسها كالصبي العاقل إذا بلغ فإن الولاية على نكاحه تزول عنه ببلوغه
وتثبت له (3).
تاسعا: أن المرأة لو أقرت بالنكاح لصح إقرارها، فلو لم يكن لها إنشاء العقد لما صح كالرقيق والصغار (4).
القول الرابع: اشتراط الولي في العقد على المرأة الشريفة دون الوضيعة. وإليه ذهب الإمام مالك في رواية عنه (5).
ودليل هذا القول هو: أن اشتراط الولي إنما كان القصد منه هو الاحتياط لحفظ المرأة عن أن تضع نفسها في غير كفء من الرجال، وهذا يظهر في المرأة الشريفة، أما الوضيعة فهذا المعنى المخوف منه معدوم فيها لدناءتها.
(1) أخرجه: الدارقطني / كتاب النكاح، رقم 46، ج 3 ص 232 - 233. البيهقي/كتاب النكاح، ج 7 ص 118.
الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 91.
(3) الكاساني، البدائع، ج 3 ص 370 - 371.
(4) السرخسي، المبسوط، ج 5 ص 12. الزيلعي، تبيين الحقائق، ج 2 ص 117. (9) ابن عبد البر، الاستذكار، ج 16 ص 35. ابن العربي، القبس، ج 2 ص 688. (1/455)
صفحة 455
واعترض على هذا التفريق بأنه غير صحيح لما يلي: (1)
أ- أنه ليس من امرأة دنيئة إلا وفي الرجال من هو أدنى منها، فاحتيج
إلى احتياط الولي فيها كالمرأة الشريفة.
ب أنه لو عكس هذا الفرق لكان صحيحا، إذ يقال: إن المرأة الشريفة يمنعها كرم أصلها من أن تضع نفسها في غير كفء من الرجال فليست بحاجة إلى الاحتياط بالولي على خلاف الدنيئة، فإن لؤم أصلها يحملها على وضع نفسها في غير أكفائها ممن هو أدنى منها. ج- أن هذا الفرق غير ظاهر في الشهادة لتساوي الشريفة والوضيعة في قبولها أو ردها من كل منهما فوجب ألا يعتبر أيضا في باب الولاية
على النكاح (2).
القول الخامس: أن المرأة إذا عقدت النكاح على نفسها بإذن وليها نكاحها (3). وإليه ذهب أبو ثور.
ــح
ودليل هذا القول هو: ما ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل". ووجه الدلالة منه هو أنه لما أبطل – صلى الله عليه وسلم - النكاح
بغير إذن الولي دل أنه إذا وقع بإذنه صح. (4).
واعترض عليه بأن إذن الولي الذي يصح به النكاح هو إذن لمن ينوب عنه، والمرأة لا يصح أن تكون نائبا عن الولي فيه لأن الحق عليها فلم
(1) ابن العربي، المصدر السابق، ج 2 ص 688 - 689.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 44.
(3) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 35.
(1)
الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 45. الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 35.
456 (1/456)
صفحة 456
تكن هي النائبة فيه، فصارت بمثابة الوكيل في البيع الذي لا يجوز أن يبع
على نفسه (1).
• الرأي المختار:
يذهب الباحث إلى الأخذ بقول من قال من الفقهاء باشتراط الولي في
النكاح، وأنه لا يصح نكاح بلا ولي، وذلك لما يلي:
-1 - أن قوله -صلى الله عليه وسلم -: "لا نكاح إلا بولي نص في
المسألة،
وهو حديث صحيح لا غبار عليه ودلالته ظاهرة في نفـ
حقيقة النكاح الواقع بغير ولي وإلغاء لذاته، ويتأيد هذا بما يلي: أ قوله صلى الله عليه وسلم: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل باطل باطل فهو واضح الدلالة على إبطال النكاح الواقع بغير ولي. ب ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "السلطان ولي من لا ولي له" ووجه الدلالة منه على اشتراط الولي في النكاح هو: أن الحديث دال على أن المرأة قاصرة عن ولاية نكاح نفسها، لأن الشارع لا يجعل الولاية للسلطان عند عدم الأولياء إلا على قاصر لا ولاية له على مباشرة الفعل الذي قام فيه السلطان مقام الأولياء عند فقدهم، ومثل ذلك ولاية السلطان العادل على أموال الأيتام والمجانين وغيرهم من القاصرين عند عدم أوليائهم، وما ذلك إلا لعجز هؤلاء عن مباشرة الفعل الذي نقلت فيه الولاية للسلطان عند عدم الأولياء المباشرين.
أن جعل قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثيب أحق بنفسها" دليلا على أنها أحق بالاختيار للأزواج أولى بالصواب من جعله دليلا على
(1) الماوردي، الحاوي، ج 9 ص 49.
457 (1/457)
صفحة 457
جواز نكاح الثيب نفسها بغير ولي أو المرأة عموما على رواية "الأيم أحق بنفسها التي قيل عنها أنها عامة في البكر والثيب، وذلك لأن الثيب بسبب تجربتها الحياة الزوجية التي خرجت منها بطريق من طرق الفراق من موت أو طلاق ... الخ، صارت أدرى من الولي بمن يناسبها من الأزواج، فصارت مقدمة في اختيار الأزواج على الولي، وبقي له حق الولاية على النكاح وحق الرفض إن اخت ارت رجلا ليس بكفء لها، أما البكر فلأنها لم تمر بتجربة زوجية سبق أن ارتبطت بها كان حق الولي في اختيار الزوج مقدما على اختيارها مع ولاية النكاح عليها، وبقي لها حق الاعتراض على من اختاره لها وليها إن لم يوافق هواها المشروع.
والمصير إلى هذا التأويل لهذا الخبر أولى من تأويله بأحقية الولاية للنساء على النكاح لما يلي:
أ- أن في هذا التأويل جمعا بين هذا الحديث والأحاديث المشترطة الولاية على النساء في النكاح، والقول بغير ذلك فيه اطراح لتلك الأحاديث، ولا يصار إلى الطرح ما أمكن الجمع، لا سيما وأن
هذا الجمع بينها خال من التكلف والتعسف. -ب- أن القائلين بصحة ولاية المرأة على نكاحها صاروا إلى فريقين رئيسيين في هذه المسألة:
- فريق يرى أن ذلك مخصوص بالثيب دون البكر، ويبحث في استدلالهم بهذا الخبر على مرادهم بأن جعل وجه الفرق الوارد في الحديث بين الثيب والبكر في اختيار الأزواج أولى من جعل ثمرته حق الولاية للثيب دون البكر وذلك لما تقدم من التعليل من أن مرور الثيب بتجربة الحياة الزوجية يجعلها أدرى بها من البكر التي لم تمر بها، وأما جعل وجه الفرق
458 (1/458)
صفحة 458
-
بين الثيب والبكر هو حق الولاية على النكاح للثيب دون البكر فلا يظهر من الخبر دليل على صحة وجه الفرق في
ذلك بينهما، لأن غاية الولاية على النكاح إنما هي إشراف ورقابة على عقد النكاح وأمر به، وهذا المعنى يستوي فيه البكر والثيب خلاف الاختيار للأزواج فإن وجه الفرق ظاهر
فيه بين الثيب والبكر لما تقدم من التعليل الذي مر ذكره. - فريق يرى بأن الولاية للمرأة على النكاح حق للبكر والثيب، لأن رواية "الأيم أحق بنفسها" شامل لها، إذ الأيم عندهم هي من لا زوج لها، ويبحث في استدلالهم بهذا الخبر على مرادهم بأن آخر هذا الخبر هو قوله - صلى الله عليه وسلم والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها"، فمع أنه يفيد
قصر لفظ "الأيم" الوارد في أوله على الثيب لمقابلتها فـ آخره بلفظ "البكر"، فهو مع ذلك لا يدل على حق الولاية للنساء على النكاح، إذ لو دل على ذلك لما كان لقوله ـ صلى الله عليه وسلم -: والبكر" تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها معنى، لأن معنى الحديث إنما يستقيم إذا حمل معناه على معنى الاختيار للأزواج، والمعنى أن ولي البكر يختار لها من يراه كفؤا لها ثم يأخذ رأيها بالموافقة أو الرفض، وجعلت علامة رضاها صمتها لأجل الحياء الذي يغلب عليها هذا الموطن فيمنعها من التصريح، ولا يستقيم على معنى أن لها حق الولاية على النكاح، إذ لو كان هذا الحمل صحيحا ففيم تستأذن حينئذ، بل في الخبر دليل بطريق التنبيه بالأولى على اشتراط الولي، لأنها إن امتنعت عن التصريح بالرضا عمن اختاره لها وليها لفرط حيائها كان امتناعها عن الخروج لانتقاء الأزواج ومباشرة عقد النكاح أولى. (1/459)
صفحة 459
-
4 - أن أضرار النكاح الفاشل الذي لم يحالفه التوفيق هي أضرار تنال من جانب الأولياء وجانب المرأة معا، فحرص الإسلام على العمل والأخذ بالأسباب الواقية من ذلك وتفادي وقوع النكاح الفاشل قدر الإمكان، فجعل الإسلام للمرأة الحق في اعتبار رأيها في الزوج قبولا أو رفضا لئلا تزوج بمن لا يناسبها مع إمكان زواجها بمن هو أفضل منه، وجعل للولي أيضا حق الولاية على النكاح والاعتراض لئلا تضع المرأة نفسها – إن اختارت - في عصمة رجل غير كفء لها، فتدخل على نفسها وعلى أوليائها الضرر والشنار بسبب ذلك، وفي هذا حفظ لحق المرأة في اختيار الأزواج وحفظ لحق الأولياء من أن تدخل عليهم وليتهم ما يسيء إليهم ويعيرون به. أن الإسلام حرص أشد الحرص على تقوية وشائج الرابطة الأسرية، وعظم أمر القربى والرحم، ومنع لذلك كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تقويض تماسك الأسرة الواحدة، ويهدم دعامة التالف والترابط بين أفرادها، فحرم أن تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها، وأن يجمع بين الأختين في نكاح، وحرم تفضيل بعض الأولاد على بعض في الخ، فلا يبعد أن يكون من جعل الإسلام الولاية على النساء في النكاح إلى أوليائهن تحقيق لهذا الغرض، إذ لو جعلت الولاية على ذلك للمرأة لأدى ذلك في غالب الأحيان إلى وقوع الشقاق والنزاع بين الأولياء وبناتهم بسبب الاختيار غير المناسب للأزواج والاستبداد بالعقد على ذلك دونهم، فجعل أمر الولاية إلى الأولياء تفاديا لذلك، وجعل للمرأة حق الاختيار إلحاقا لها بهواها المشروع ليكون مانعا من تسلط الولي عليها بغير حق، ولا شك أن
الهبة
...
في هذا وسطا بين الأمرين، ولا شك أن خير الأمور أوسطها. وأما استدلال بعض القائلين بجواز ولاية المرأة على نفسها في النكاح
بخير الفتاة التي جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ـ تشكو إليه ما
-
460 (1/460)
صفحة 460
صنع أبوها في زواجها فالظاهر أنه لا دليل من الخبر على صحة ولاية للمرأة للنكاح، لأن ظاهر الشكوى واقع على من اختاره أبوها زوجا لها لا على ولايته للنكاح، فقولها في آخر الخبر ولكني أردت أن يعلم الناس أن ليس للآباء من أمور بناتهم شيء وارد في اختيار الأزواج، فإن المرأة تلحق بهواها في ذلك إذا لم يقع به ضرر معتد به شرعا على الأولياء. وأما استدلالهم بقياس المرأة على الصبي في انتقال الولاية عليه من قبل الولي أو الوصي إليه عند البلوغ والرشد فكذلك المرأة إذا بلغت عاقلة راشدة انتقلت الولاية إليها في جميع شؤونها فهو أمر مسلم به في الولاية
على المال، وأما على النكاح فهو قياس غير صحيح لما يلي: 1 - أنه قياس في مقابل النصوص الناصة على أن تكون الولاية في النكاح على النساء إلى الأولياء.
2 - أنه يمكن القول بوجود الفارق بين أن تلي المرأة على مالها بعد بلوغها ورشدها وبين أن تلي على نكاح نفسها بأن شأن المال أهون من شأن الأعراض لما يلي: أ- أن الأضرار الناتجة عن تعرض الأموال للضياع أهون من الأضرار الناتجة عن تعرض الأعراض لذلك، كما أن أضرار المال عادة ما تكون منحصرة في رب المال، بينما أضرار الأعراض تنال من الأولياء والأقارب. ب أن المال تدخله العطية والهبة والنزول عنه للآخرين، بينما الأعراض لا يدخلها شيء من ذلك إلا ما خص به ــ صلى الله عليه وسلم - من الهبة في الفروج، وقد انقطع أمر ذلك بوفاته صلى الله عليه وسلم- فترخص في أمر المال دون أمر النكاح
لأجل ذلك والله أعلم.
461 (1/461)
صفحة 461
المطلب الثالث: حكم طلاق السكران
آراء الفقهاء في المسألة:
القول الأول: وقوع طلاق السكران المميز دون السكران المطبق. وإليه ذهب الإمام ابن بركة خلافا لمن تقدمه من فقهاء المذهب
الإباضي، ونص كلامه في ذلك هو: فالسكران" على ضربين سكران مميز وسكران غير مميز، فالمميز إذا أتى بفعل وادعى عزوب النية وترك القصد
لا تقبل دعواه، والسكران الذي لا يعقل لا يقع منه طلاق ولا غيره (1). وقد تابع الإمام ابن بركة من جاء بعده من فقهاء الإباضية على هذا القول تلميذه أبو الحسن البسيوي (2)، وهذا الرأي منسوب إلى ابن رشد (3) من المالكية (4).
أدلة هذا القول ما يلي:
أما وقوع طلاق السكران المميز فقد استدل له الإمام ابن بركة بقوله
تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) النساء [43]. ووجه الدلالة من الآية هو: أن الله تعالى خاطب عباده المؤمنين ألا يقربوا الصلاة في حال سكرهم، وهذا النهي متوجه إلى بعض السكارى من الذين لهم تمييز أثناء القيام إلى الصلاة، لأنهم هم الذين يمكنهم ترك القيام إلى الصلاة أثناء السكر على خلاف من زال عقله بالكلية بسبب السكر فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يتوجه خطاب الله تعالى له، لأن الله تعالى لا يخاطب إلا من يعقل عنه خطابه، وأما من لا يعقل الخطاب فلا تلزمه أحكام العقلاء، فدلت الآية على أن السكران إذا كان فيه تمييز صح توجيه الخطاب إليه
(1)
(2)
(r)
ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 180.
البسيوي، مختصر البسيوي، ص 272. الشقصي، منهج الطالبين، ج 26 ص 302. ابن رشد محمد بن أحمد بن رشد أبو الوليد، أحد علماء المالكية بالأندلس من أهل قرطبة، يعرف بالحفيد تمييزا له عن جده ابن رشد، وكان عالما فيلسوفا من مصنفاته "بداية المجتهد في الفقه، وتهافت التهافت في الفلسفه و "الضروري" في المنطق، مات بمراكش عام خمسة وتسعين وخمسائة للهجرة. ابن فرحون الديباج المذهب، ص 284 - 285. الزركلي، الأعلام، ج 5 ص 318. (4) ابن جزي، القوانين، ص 151.
462 (1/462)
صفحة 462
وإلزامه بالأحكام الشرعية ومنها الطلاق فيحكم عليه به إذا أوقعه في هذه
الحال. (1)
وأما عدم وقوع طلاق السكران المطبق غير المميز فقد استدل له
الإمام ابن بركة بما يلي: أولا: ما ورد عنه ـ صلى الله عليه وسلم - من قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ مانوى".
ووجه الدلالة منه هو: أن كل فعل يصدر من الإنسان مرتهن بنيته
ويترتب الحكم عليه بالفعل عليها، فإذا لم تكن له نية في ذلك لم يحكم عليه به، والسكران المطبق لا نية له لزوال عقله بالسكر فإذا أوقع الطلاق في حال سكره أوقعه بغير نية فلا يحكم عليه بها. (2)
ثانيا: أن السكران المطبق كالمجنون بجامع زوال العقل في كل منهما، والمجنون لا يقع طلاقه فكذلك السكران (3).
القول الثاني: أن طلاق السكران واقع ومحكوم عليه به مطلقا.
وإليه ذهب فقهاء الإباضية قاطبة قبل مجيء الإمام ابن بركة وجمهورهم من بعد عصره) وهو مذهب جمهور كل من الحنفية (5) والمالكية (6) والشافعية (7)، والزيدية (8)، وهو رواية عند الحنابلة (1).
(1) ابن بركة، الجامع، ج 2 ص 179 - 180.
(2)
ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 180.
(3) ابن بركة، المصدر السابق، ج 2 ص 179.
(4) انظر رأي المذهب الإباضي في هذه المسألة في أبو إسحاق، مختصر الخصال، ص 146. الكندي، المصنف، ج 36 ص 212. الشقصي، منهج الطالبين، ج 16 ص 302، وقد ورد فيه ما نصه: وأما السكران فقد قيل: "إن طلاقه يقع منه ومحكوم عليه به وعليه الحد، وهذا اباتفاق من أصحابنا – رحمهم الله "، ثم قال بعد ذلك أيضا ما نصه وقال أبو محمد وأبو الحسن - رحمهما الله- إذا كان السكران كالمجنون الملقى لو قطع ما عقل ما يراد به لم يقع طلاقة العوتبي، الضياء، ج 9 ص 205. الخليل سعيد، تمهيد قواعد الإيمان، ج 11 ص 60، وفيه ما نصه: قطلاق السكران ثابت في قول أصحابنا". (5) المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 250. الموصلي، الاختيار، ج 3 ص 162 - 163. (1) أبن عبد البر، الكافي، ص 262. عبد الوهاب، المعونة، ج 2 ص 840.
(2) الشيرازي، المهذب، ج 2 ص 77. الحصني، كفاية الأخيار، ص 486.
(^)
(9)
الصنعاني،
، منحة الغفار، ج 3 ص 901. العنسي، التاج المذهب، ج 2 ص 119.
ابن قدامة، المغنى، ج 7 ص 78. الزركشي، شرح الزركشي، جه ص 383.
463 (1/463)
صفحة 463
وأدلة هذا القول ما يلي: أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى)
النساء [43].
ووجه الدلالة من الآية هو: أن السكران مخاطب فإذا صادف تصرفه محله نفذ، ودليل ذلك هو: أن الله تعالى قد خاطب السكارى في الآية بعدم قربان الصلاة في حال السكر، ولا تخلو الآية إما أن تكون خطابا للسكران في حال سكره مطبقا أو غير مطبق فتكون نصا في الدلالة على أن السكران مخاطب في حال سكره، وإما أن تكون خطابا له قبل السكر ففيها دليل أيضا على أنه مخاطب في حال سكره، لأنه لا يقال في الخطاب مثلا: إذا جننت فلا تفعل كذا، ولأن الخطاب إنما يتوجه مع اعتدال الحال، وهو أمر باطني لا يوقف على حقيقته فيقام السبب الظاهر الدال عليه وهو البلوغ عن عقل مقامه تيسيرا، وبالسكر لا ينعدم هذا المعنى، فإذا ثبت أنه مخاطب فغفلته عن نفسه لما كانت بسبب هو معصية ولا يستحق التخفيف لم يكن ذلك عذرا في المنع من نفوذ شيء من تصرفاته لما تقرر بسببه، لأن السكر لا يزيل عقله، وإنما
يعجز عن استعماله لغلبة السرور عليه. (1)
واعترض هذا الاستدلال بما يلي:
أ- أن القول بأن السكر معصية لا تناسب التخفيف ليس بشيء لان
من تعمد كسر ساقيه يجوز له أن يصلى قاعدا، ولو ضربت
(1) السرخسي، المبسوط، ج 6 ص 176.
464 (1/464)
صفحة 464
المرأة بطنها فنفست سقطت عنها الصلاة، ولو ضرب رأسه
فجن سقط عنه التكليف. (1)
ب أن القول بإيقاع طلاقه عقوبة له ليس بصحيح، لأن الشرع شرع عقوبته الحد، وليس للعباد أن يجعلوا له عقوبة من جهة أنفسهم زائدة على الحد (2).
ثانيا: قوله تعالى: (الطلاق) مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. الخ) البقرة [229].
ووجه الدلالة من الآية هو: أنها جاءت مطلقة من غير فصل بين
سكران وغيره، إلا من خص بدليل كالصبي والمجنون فيبقى الباقي على عمومه (3).
ثالثا: ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم- أنه قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ وعن النائم حتى يصحو، وعن المجنون حتى
يفيق".
ووجه الدلالة منه هو: أن عدم المؤاخذة المعبر عنها في الحديث برفع القلم محصور في هؤلاء الثلاثة، والسكران ليس من هؤلاء فدل على أنه مؤاخذ بأقواله، ومنها الطلاق. (4)
واعترض على هذا بأن السكران إذا كان ذاهب العقل كان لاحقا بالمجانين، وحكمه كحكمهم في التصرفات. (5)
(1)
ابن قدامة، المغني، ج 7 ص 79. (2) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 342.
(3) الكاساني، البدائع، ج 3 ص 145. (4) الشربيني، مغني المحتاج، ج 3 ص 219 (5) الشوكاني، السيل الجرار، ج 2 ص 243. (1/465)
صفحة 465
رابعا: أن السكران أزال عقله بمعصية فينزل عقله باقيا وقائما عقوبة وزجرا له عن ارتكاب المعصية، فيقع طلاقه لذلك إلحاقا بالصاحي كما لو قذف أو قتل إنسانا فإنه يجب عليه حد القذف والقصاص، وهما لا يجبان على غير العاقل، فإذا جاز إلحاقه بالصاحي فيمـ يسقط بالشبهة وهو الحد كان أولى أن يلحق بالصاحي فيما لا يسقط بالشبهة وهو الطلاق. (1)
خامسا: أن الطلاق بمثابة العقد في يد السكران له أن يحله أو أن يبقيه، فإن حله صاحيا أو سكرانا فقد انحل. (2)
وهذا الاستدلال يدل على أن لفظ الطلاق من خطاب الوضع الذي لا يشترط فيه القصد والتعمد.
وقد اعترض عليه بأنه لا يصح، لأن السبب الوضعي إنما هو طلاق العاقل، والشرط كما يكون للحكم التكليفي يكون للحكم
الوضعي وإلا وقع طلاق الصبي وعقوده وإن لم يكن مأذونا له (3). سادسا: أن الخمر مسكر طبعا محرم شرعا، فمن قصده فقد تعرض لزوال عقله، فهو في حكم المتعمد لإيقاع الطلاق، لأنه إذا تعمد الإسكار فقد تعمد توابعه، لعلمه بأن السكران يجري على لسانه أشياء لا
يقصدها. (4)
سابعا: أن السكران مؤاخذ بسكره فوجب أن يؤاخذ بما حدث عن سكره، كالجاني جناية فسرت إلى غير محل الجناية من الجسد فإنه يؤاخذ بجنايته وبسرايتها (5).
(1) الكاساني، البدائع، ج 3 ص 145 ابن رشد، بداية المجتهد، ج 2 ص 82.
(2) الكندي،
المصنف، ج 36 ص 212.
(3) الصنعاني، منحة الغفار، ج 3 ص 902.
(4) السالمي، العقد الثمين، ج 3 ص 106. (5) الماوردي، الحاوي، ج 13 ص 107. (1/466)
صفحة 466
القول الثالث: أن طلاق السكران غير واقع على الإطلاق.
وإليه ذهب الظاهرية (1) والإمامية (2) وبعض الزيدية (3) وهو رواية
عند الحنابلة (4) وهو رأي الكرخي والطحاوي من الحنفية)، وأبي ثور
والمزني من الشافعية (1).
وأدلة هذا القول ما يلي:
أولا: قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى
حتى تعلموا ما تقولون). النساء [43].
ووجه الدلالة من الآية: هو: أن الله تعالى نهى السكارى عن قربان الصلاة في حال السكر، وجعل علة ذلك عدم معرفة السكران لما يقوله أثناء الصلاة فأخبر الله تعالى أن السكران لا يدري ما يقول، ومن كان كذلك فلا يحل أن يلزم شيئا من الأحكام من طلاق أو غيره (7). ثانيا: ما ورد في قصة ما عز أنه قال: يا رسول الله طهرني، قال: "مم أطهرك؟ قال: من الزنا، فسأل رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم "أبه جنون؟ " فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: "أشرب خمرا"؟ فقلم
رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريح خمر، فقال النبي ـ صلى الله
عليه وسلم: "أزنيت"؟. قال: نعم، فأمر به فرجم.
-
ووجه الدلالة منه هو أن ظاهر استفساره - صلى الله عليه وسلم - عن احتمال شرب ماعز الخمر وقيام ذلك الرجل باستنكاهه
(1) ابن حزم، المحلي، ج 10، ص 208. (2) الحلي، الجامع للشرائع، ص 465. جمال الدين، المهذب البارع، ج 3 ص 442.
(د)
(4)
(0)
الصنعاني،
منحة الغفار، ج 3 ص 901.
ابن قدامة، المغني، ج 7 ج 78. الزركشي، شرح الزركشي، ج 5 ص 383. المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 250, الكاساني، البدائع، ج 3 ص 145.
(6) الشيرازي المهذب، ج 2، ص 77.
(2) ابن حزم، المحلى، ج 10 ص 208.
467 (1/467)
صفحة 467
دليل على أن وجود ريح الخمر يمنع من ترتب الحكم عليه، ويجعله في حكم المجنون، فلا يصح شيء من تصرفاته كإقرار و طلاق
ونحوه. (1)
ويمكن أن يعترض على هذا بأن للحدود خصوصية تميزها عن سائر الأفعال وهي تشوف الشارع إلى درئها قدر الإمكان، ولذا كان النبي – صلى الله عليه وسلم - باسئلته تلك عن شبهة معقولة يمكن أن يدرئ الحد بها عن ماعز. ثالثا: أن السكران مفقود الإرادة بعلم ظاهر فلم يقع طلاقه كالمكره، ولأنه زائل العقل فلم يقع طلاقه كالمجنون، ولأنه غير مميز فلم يقع طلاقه كالصغير.
(210
واعترض بأن السكران يفارق المكره والمجنون بأمرين.
أ- أن مع المكره والمجنون علم ظاهر يدل على فقد الإرادة هما فيه معذوران بخلاف السكران فليس يستدل على سكره بعلم ظاهر هو معذور فيه، وإنما يعرف من جهته وهو فاسق مردود الخبر، وربما تساكر تصنعا فلم يجز أن يعدل به عن يقين الحكم السابق بالتوهم الطارئ. ب أن المكره والمجنون غير مؤاخذين بالإكراه والجنون، فلم يؤاخذا بما حدث منهما، كما أن من قطع يد سارق فسرت إلى نفسه لا يؤاخذ بالسراية، لأنه غير مؤاخذ بالقطع، ولو كان
مؤاخذا بالقطع لكان مؤاخذا بالسراية (3).
وخالف الصبي لأن السكران مكلف، والصبي غير مكلف. (4)
(1) الزركشي، شرح الزركشي، ج 5 ص 384 - 385.
(2)
ابن قدامه، المغني، ج 7 ص 78 - 79. المرغيناني، الهداية، ج 1 ص 251.
(2) الماوردي، الحاوي، ج 13 ص 107.
(4) الماوردي، المرجع السابق، والصفحة.
468 (1/468)
صفحة 468
وأجيب عن الاعتراض الأول بأن الخلاف في وقوع الطلاق وعدمه ليس واقعا على من تساكر تصنعا وكذبا وإنما الخلاف منصب على من عرف منه تغير العقل بفعل مالا يصدر عن
عاقل (1).
رابعا: أن غفلة السكران عن نفسه أشد من غفلة النائم، لأن النائم ينتبه إذا
نبه، والسكران لا ينتبه، وطلاق النائم لا يقع فطلاق السكران أولـ
بعدم الوقوع (").
(د)
خامسا: أن السكران لا تصح منه الردة، فلأن لا يصح طلاقه أولى. (3) واعترض بأن الركن في الردة الاعتقاد، والسكران غير معتقد لمل
يقول فلا يحكم بردته لانعدام ركنها (4).
الرأي المختار:
يذهب الباحث من حيث النظر إلى طلاق السكران إلى الأخذ بقول
الإمام ابن بركة بالتفريق بين السكران المميز فيقع طلاقه وغير المميز فلا
يقع طلاقه.
فأما من حيث القول بوقوع طلاق السكران المميز فلأن حكمه كحكم الصاحي العاقل لأجل ما بقي لديه من حاسة العقل الذي يتمكن به ـ مع سكره من التمييز بين الأشياء، فإذا أوقع الطلاق فالأصل أنه قد أوقعه بإرادته فيجب إلزامه به في الحكم كالعاقل تماما.
وأما من حيث القول بعدم وقوع طلاق السكران المطبق غير المميز
فدليله ما يلي:
(1) الصنعاني، منحة الغفار، ج 3 ص 902.
(2)
السرخسي، المبسوط، ج 6 ص 176.
() لكاساني، البدائع، ج 3 ص 145. البناية،. ج 5 ص 28 - 29.
(1)
لعيني،
469 (1/469)
صفحة 469
1 - أن العقل هو مناط التكليف، وبه يتمكن المكلف من إبرام عقوده وتصرفاته وايقاعاته ونقض ذلك وفسخه، ويعول الشرع الكريم عليه في تصحيح ما يصدر عن الإنسان أو إبطاله، والطلاق واحد من الإيقاعات التي يوقعها المكلف، فإذا أوقعه وهو فاقد لوعيه ولو بسكر- فقد أوقعه مع فقدانه ما به يقع هذا الإيقاع صحيحا وهو العقل - فلا يقع هذا الطلاق ولا يمضي عليه. أن الأعمال من أقوال وأفعال مرتهنة بنية المكلف، ومن لا نية له لا عمل له، والنية مرتبطة بما يصرفها ويوجهها وهو العقل، ومن لا عقل له كالسكران المطبق لا نية له ومن لا نية له لا اعتداد بقوله أو
فعله، وطلاق السكران المطبق واقع بلا نية فلا يقع صحيحا. - أن طلاق اللجاج والغضب الذي يحيل العقل عن حاله المعتاد غير واقع فطلاق السكران الفاقد للعقل كليا أولى بعدم الوقوع. 4 - أن القائلين بوقوع طلاق السكران مطلقا عاملوا السكران على أصل غير ثابت بنوا رأيهم عليه، فأبطلوا بعض تصرفات السكران
كالمعاملات والأنكحة ... الخ، وصححوا بعضها كالطلاق والعتاق الخ، وهو تفريع غير قائم على أصل ثابت لأنه إما أن يعامل السكران معاملة العاقل بتنزيل عقله قائما وباقيا ولو زال بالسكر - أفعاله وتصرفاته، أو يعامل معاملة المجنون الفاقد
فيصحح جميع
للعقل فتبطل جميع أفعاله وتصرفاته.
وما قيل من أنه ينزل منزلة العاقل فيما هو عليه ضرر كالطلاق
ونحوه، وينزل منزلة المجنون فيما يعود عليه بالنفع عقوبة له على تعمده للسكر ليس بالقول القوي لما يلي:
أ- أن الشارع قد وضع عقوبة معينة للسكران وهي جلده الحد ثمانين على رأي أو أربعين على رأي آخر، فلا يصح إضافة عقوبة أخوى
470 (1/470)
صفحة 470
زيادة على ذلك، وما يقال من أن تصحيح طلاقه الواقع منه أثناء سكره هو من العقوبات التعزيرية وليست زيادة على الحد، ويجوز للإمام العدل تعزير راكب الحد بما فوق الحد قول يعود على أصل القائلين بذلك بالإبطال، لأنه إذا قيل أن هذا من باب التعزير لزم أن يفرع عليه أن يكون ذلك أمرا موكولا تقديره إلى الإمام العدل بتصحيحه تارة وإبطاله تارة أخرى، فيلزم منه جواز تصحيح طلاق بعض السكارى، وإبطال طلاق بعضهم، إذ شأن عقوبة التعزير عدم القرار على وصف معين، وإلا كانت لاحقة بالحدود، والقائلون بوقوع طلاق السكران لا يقولون بذلك بل يعممون وقوع الطلاق على كل من صدر منه من السكارى. ب أن القول بأن عقود المعاملات والأنكحة ... الخ منافع، وإيقاع الطلاق ونحوه ضرر، فينبغي إبطال تصرفات السكران فيما هو منفعة وتصحيح تصرفاته فيما هو ضرر عقوبة له على سكره ليس قولا صوابا، إذ الضرر والنفع محتمل في كلا الأمرين، فكم من طلاق أبرد قلوبا طالما تلظت بنار الشقاق، وكم من معاملة أورثت فقرا بعد غنى، وكم من نكاح كانت عاقبته جحيما لا يطاق، فإن قيل إن التفريق بين ما هو منفعة وبين ما هو مضرة مبني على ما خرج مخرج الغالب من هذه التصرفات، إذ الأصل في المعاملات والأنكحة ونحوها النفع، والأصل في الطلاق والعتاق ونحوهما الضرر، فأبطلت أفعال السكران فيما غالبه النفع، وصححت فيما غالبه الضرر، فجوابه إن هذا التعليل بالخروج مخرج الغالب لكل نوع من هذه التصرفات إما أن ينظر فيه من حيث تصرف العاقل الصاحي من السكر أو من حيث تصرف السكران، فإن كان ينظر إليه من حيث تصرف العاقل الصاحي من السكر فإن الغالب في طلاق العاقل
471 (1/471)
صفحة 471
الصاحي أن يكون تخلصا من ضرر ألم به فيعود الطلاق منفعة فـ غالبه ليس ذا ضرر. وإن كان ينظر إليه من حيث تصرف السكران، فكما أن السكران يكون طلاقه وبالا عليه غالبا لإيقاعه له مع فقدانه عقله فكذا معاملاته وأنكحته قد تكون وبالا عليه لفقدانه العقل، فيقع له الغبن الفاحش والسلعة الكاسدة، وقد يدفع ثمنا باهضا مقابل مبيع رخيص، وقد يتزوج بمن ليست له بكفء أو بها عيب من عيوب النكاح مع رضائه به عند العقد ولزوم ذلك عليه.
فظهر من هذا كله أن السكران كما أنه قد يتضرر من الطلاق قد ينتفع به، وكما أنه قد ينتفع بما هو معاملة أو نكاح قد يتضرر به، فقصر معاقبة السكران لأجل سكره فيما هو طلاق أو عتاق ونحوهما ليس بالقول السديد لما تقدم من التعليل، وإذا صح ذلك تبين أن ما قيل من ذلك هو مما لا يمكن التعويل عليه في إنزال العقاب على السكران من حيث تصرفاته بإمضاء ما كان ذا ضرر عليه وإبطال ما كان ذا منفعة، لأن جميع تصرفاته لا يظهر مالها من أثر ضار أو نافع إلا بعد مباشرته لها وبعد أمد، فيبطل كل ما عول عليه في هذا الجانب، لأن تصرفات السكران إما أن تصحح من أول وهلة فلا تأثير لما صارت إليه من نفع في إبطالها بعد ذلك، أو أن يقال بإبطالها ابتداء فلا تأثير لما صارت إليه من ضرر في تصحيحها، وإما أن توقف ـ وهذا لم يقل به أحد فيما أعلم - فلا يظهر لتصرفاته من أثر نافع أو ضار أبدا، لأن هذا لا يمكن الوقوف عليه إلا بعد مباشرته لتصرفاته والله
أعلم.
-
472 (1/472)
صفحة 472
الخاتمة
473 (1/473)
صفحة 473
الخاتمة
وبعد هذه الجولة السريعة الممتعة للقلم في ميدان موضوع (الإمام ابن بركة السليمي البهلوي (ت 362 هـ - (972 م ودوره الفقهي في المدرسة الإباضية من خلال كتابه "الجامع")، يستحسن أن اختم الكتابة في هذا الموضوع بتسجيل أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال ما كتبته فيه مع تدوين بعض التوصيات في هذا الجانب، وقبل الشروع في إيراد هذه النتائج أود أن أشير إلى أنه من خلال معايشتي لهذا الموضوع تبين لي أنه موضوع شيق ممتع، وإني وإن كنت لم أوفه حقه من البحث والدراسة فحسبي أني أعلنت بالدخول في الكتابة فيه نقطة الانطلاق في ذلك، فعسى في المستقبل. بعون الله وتوفيقه - أن يكون في الإمكان أبدع مما كان.
-
-
وأما أهم النتائج التي خرجت بها من خلال الكتابة في هذا الموضوع
فتتلخص فيما يلي: 1 تعد المدرسة الفقهية الإباضية أول المدارس الإسلامية الفقهية وجودا على أرض الواقع، فمؤسسها الإمام جابر بن زيد ـ رضي الله عنه مات عام ثلاثة وتسعين للهجرة.
2 - يعتبر الإمام ابن بركة من أبرز فقهاء المدرسة الإباضية في القرن الرابع الهجري، ويمتاز عصره بأنه كان عصر تحولات سياسية خطيرة في موطنه عمان، كما أنه كان ـــ رغم ذلك - عصر ازدهار وتفوق في الحياة العلمية وعصر رخاء وثراء في الحياة الاجتماعية. - أن للإمام ابن بركة دورا ملحوظا في الحياة العلمية بوطنه عمان بدت معالمه في تأليفه الفقهية وبناء مدرسته ببلدته بهلى، والتي تخرج منها على يديه أفواج من فقهاء المذهب مشارقة ومغاربة، كما كان له
474 (1/474)
صفحة 474
دور بارز في الحياة السياسية بعمان إذ كان الإمام ابن بركة عميدا
للمدرسة الرستاقية.
4 - أن كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة من أهم مؤلفات هذا الإمام الفقهية التي وصلت إلينا حتى الآن، وله عدة مزايا تميزه عن الكتب الجوامع
10
المتقدمة عليه من حيث الصنعة والغرض من التأليف.
- أن منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي في كتابه "الجامع" منهج سليم قائم على أصول الاستدلال الأصلية من الكتاب والسنة والإجماع، ثم على أصول الاستدلال التبعية من القياس والاستصحاب والاستحسان والمصالح المرسلة ... الخ، فهو منهج لا يخرج في عمومه عن مناهج الاستدلال عند فقهاء المدرسة الإباضية وسائر المدارس الفقهية
الأخرى. 6 - أن كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة زاخر بثروة قيمة وحصيلة وافرة من القواعد والضوابط الفقهية، ولذا يعد الإمام ابن بركة ـ بحق – من أوائل الفقهاء المساهمين بتقعيد هذه القواعد والضوابط الفقهية، وإن لم تتبلور معالم هذه القواعد والضوابط الفقهية بصورة واضحة عنده على وضعها الحالي، إذ شأنه في ذلك شأن من تقدمه من سائر فقهاء المذاهب الإسلامية في هذا المجال. أن كتاب "الجامع" حوى نخبة وافرة وكما هائلا من المسائل الفقهية، قام الإمام ابن بركة بعرضها فيه ومقارنتها بأقوال غيره من الفقهاء من أهل مذهبه وغيرهم مع نصب الأدلة والبراهين لها، ولذلك يمكن القول بأن الإمام ابن بركة يعد من أوائل الفقهاء الذين وضعوا فقه
الخلاف.
- ظهر الإمام ابن بركة من خلال عرضه للمسائل الفقهية فقيها مجتهدا متحررا من ربقة التقليد ناشدا للدليل الأقوى، فرجح وضعف وقوى حسبما أداه إليه اجتهاده ونطره، فكانت له آراء عديدة في مسائل أصولية وفقهية خالف فيها ما وقع عليه الاتفاق بين علماء المذهب
475 (1/475)
صفحة 475
الإباضي منذ نشأة هذا المذهب وحتى الحقبة التي عاشها الإمام ابن
بركة.
• وأما أهم التوصيات فهي ما يلي: 1 - دعوة العلماء والدارسين والباحثين المعاصرين ومن يأتي بعدهم إلى التعرف والاطلاع على فقه المدرسة الفقهية الإباضية والقيام ببعض الدراسات القائمة على الدليل والبرهان السليمة من أهواء النفوس للوقوف على معالم هذه الفقه وتصوراته ومدى تطبيق أتباعه له في الواقع العملي، ومدى ملاءمة وموافقة الآراء الفقهية الواردة فيه لواقع الحياة المعاش.
2 - دعوة أصحاب وأتباع المدرسة الفقهية الإباضية إلى العمل بجد واجتهاد ومثابرة وإخلاص لإخراج التراث الفقهي الإباضي ونفض
الغبار عنه ونشره بين العلماء والدارسين والباحثين بصورة أفضل.
دعوة القائمين والمسؤولين بوزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان إلى بذل أكبر جهد للبحث والتنقيب عن مكنونات التراث عموما، وعن المؤلفات المفقودة للإمام ابن بركة خصوصا كتابه الموسوم بـ: "الشرح لجامع ابن جعفر الأزكوي"، فإن هذا الكتاب حسب نظرة الباحث - بناء على النقول المأخوذة مه الواردة في كتب الفقهاء المتأخرين زمنيا عن الإمام ابن بركة يعد أفضل تصنيفا وتحقيقا في المسائل الفقهية من كتاب "الجامع" للإمام ابن بركة الذي كان موضوع هذه الرسالة، كما ينبغي الاهتمام بنشر المؤلفات الفقهية المدونة في هذا العصر - وهو القرن الرابع الهجري - المتزامنة مع مؤلفات الإمام ابن بركة، ومن أهمها كتاب "زيادات الإشراف" للإمام
-
أبي سعيد الكدمي قرين الإمام ابن بركة، فإن هذا العصر يعتبر حسب نظرة الباحث - واسطة العقد بين ما تقدمه من فترة زمنية في حياة المدرسة الفقهية الإباضية وما جاء بعدها.
476 (1/476)
صفحة 476
المصادر والمراجع
1 الأبي، صالح عبد السميع أتمه) سنة 1332 هـ - (1913 م)، جواهـ الإكليل شرح مختصر خليل دار الفكر بيروت (د ط د ت)
2 - ابن الأثير، أبو الحسن على بن محمد الجزري (ت 630 هـ-1233 م)، أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق محمد إبراهيم البنا وآخرون، دار الشعب 1390 هـ 1970 م.
الأزكوي، أبو جابر محمد بن جعفر (ب) قهـ - 9 م) الجامع، تحقيق
عبد المنعم عامر، وزارة التراث سلطنة عمان (د ط د ت).
- أبو إسحاق، برهان الدين إبراهيم بن محمد بن مفلح (ت 884 هـ 1479 م المبدع في شرح المقنع المكتب الإسلامي، دمشق
1394 هـ 1974 م. (دط).
ه الأسمندي، محمد بن عبد الحميد ب 552 هـ 1157 م)، بذل النظر، تحقيق محمد زكي عبد البر دار التراث القاهرة ط (1) 1412
1992 م.
6 - الأصبحي، مالك بن أنس (ت 179 هـ - 795 م)، الموطأ، علق عليه: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الحديث القاهرة ط (2) 1413 هـ 1993 م. الأصم، أبو عبد الله عثمان بن أبي عبد الله (ت 631 هـ 1233 م) البصيرة، وزارة التراث سلطنة عمان (د ط د ت).
- الأغبري، سيف بن حمد، عقد اللآلئ السنية في الأجوبة على المسائل النثرية، وزارة التراث، سلطنة عمان 1404 هـ 1984 م.
الآلوسي، شهاب الدين محمود (ت 1270 هـ - 1853 م) روح المعاني
في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، دار إحياء التراث العربي- بيروت ط (4) 1405 هـ 1985 م.
477 (1/477)
صفحة 477
10 الآمدي، علي بن محمد (ت 631 هـ - (1233 م)، الإحكام في أصول الأحكام، تحقيق سيد الجميلي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط (2)
1406 هـ 1986 م. 11 - ابن أمير الحاج محمد بن محمد بن الحسن (ت 879 ه - 1474 م)، التقرير والتحبير، دار الكتب العلمية بيروت ط (2) 1413 هـ 1983 م 12 - أمير بادشاه، محمد أمين (ت 972 هـ - 1564 م)، تيسير التحرير دار الكتب العلمية، بيروت (د) ط د ت).
13 - الأنصاري، أبو يحيى زكريا بن محمد بن أحمد، (ت 926 هـ 1520 م)، فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب، دار الفكر (د) ط د ت). 14 - الباجي، أبو الوليد سليمان بن خلف (ت 474 هـ - 1081 م) إحكام الفصول في أحكام الأصول، تحقيق عبد المجيد تركي، دار الغرب الإسلامي ط (1) 1407 هـ 1985 م.
15 - البخاري، محمد بن إسماعيل ت (256 هـ 870 م صحيح البخاري بشرح فتح البارئ دار إحياء التراث العربي بيروت.
16 البرادي، أبو القاسم بن إبراهيم (ت 810 هـ - 1407 م) الجواهر المنتقاة
-17
فيما أخل به كتاب الطبقات، طبعة حجرية، القاهرة 184 م.
.. رسالة في كتب الإباضية، تحقيق محمد
زينهم عزب، أحمد عبد التواب عوض، دار الفضيلة القاهرة (د. ت). 18 ابن بركة عبد الله بن محمد (ت 362 هـ - 972 م) الجامع، تحقيق
عيسى يحيى الباروني، وزارة التراث، سلطنة عمان (د) ط د ت).
.... - 19
التعارف وزارة التراث، سلطنة عمان، 1984 م (دط).
20 - ................ الموازنة، مطبوع ضمن مجموعة من علماء عمان
السير والجوابات ج 2 ص 384 - 420، تحقيق سيده إسماعيل كاشف
وزارة التراث، سلطنة عمان 1406 هـ - 1986 م (د ط).
478 (1/478)
صفحة 478
21 ابن برهان أحمد بن علي البغدادي (ت 518 هـ- 1124 م)، الوصول
إلى الأصول، تحقيق عبد الحميد بن علي أبو زنيد مكتبة المعارف الرياض ط (1) 1407 هـ 1985 م.
22 - بسام عبد الوهاب، معجم الأعلام، الجفاف والوابي للطباعة دمشق ط (1) 1987 م.
23 - البسيوي، أبو الحسن علي بن محمد (ت ق 4 هـ - 10 م) جامع ابي الحسن البسيوي، تحقيق أبو الحسن محمد، ط (1) 1404 هـ 1984 م،
وزارة التراث سلطنة عمان.
-24
مختصر البسيوي تقديم الشيخ أحمد بن حمد
الخليلي، راجعه عبد الله بن علي الخليلي، وزارة التراث سلطنة عمان،
1406 هـ 1986 م.
25 - البطاشي، سيف بن حمد، إتحاف الأعيان في تاريخ بعض علماء عمان. ط (1) 1413 هـ 1992 م.
26 - البغدادي، عبد الوهاب بن علي بن نصر (ت 422 ه 1031 م)
-27
التلقين، تحقيق محمد سعيد الغاني، دار الفكر بيروت، (د ط د (ت). ...... المعونة على مذهب أهل المدنية، تحقيق
حميش عبد الحق، دار الفكر، بيروت، 1415 هـ 1995 م. (د ط). 28 - البهوتي، منصور بن يونس بن إدريس (ت 1051 هـ 1641 م)، كشاف القناع عن متن الإقناع، علق عليه هلال مصيلحي، دار الفكر
-29
1402 هـ – 1982 م.
.
الروض المربع، تحقيق محمد عبد الرحمن
عوض مكتبة الرشد الرياض ط (5) 1414 هـ - 1994 م.
479 (1/479)
صفحة 479
- البو سعيدي مهنا بن خلفان (ت 1250 هـ - 1834 م)، لباب الآثار، وزارة التراث القومي سلطنة عمان تحقيق عبد الحفيظ شلبي 1404 هـ 1984 م. 31 - البورنو، محمد صدقي، الوجيز في إيضاح قواعد الفقه الكلية، ط (2) 1410 هـ 1990 م.
32 - البيهقي، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي (ت 458 هـ 1065 م)،
السنن الكبرى، دار المعرفة بيروت 1413 هـ 1992 م (د ط). 33 - الترمذي، محمد بن عيسى بن سورة (ت 279 هـ 892 م) سنن الترمذي، تحقيق كمال يوسف الحوت دار الكتب العلمية بيروت (د ط
د ت).
34 - التفتازاني، سعد الدين بن مسعود بن عمر (ت 792 - 1390 م) شرح التلويح على التوضيح لمتن التنقيح في أصول الفقه، ضبطه زكريا عميرات، دار الكتب العليمة بيروت ط (1) 1416 هـ 1996 م. 35 - الثميني، ضياء الدين عبد العزيز بن إبراهيم (ت 1223 هـ - 1807 م)، معالم الدين وزارة التراث سلطنة عمان 1407 هـ 1986 م.
-36
..
، الورد البسام، تحقيق: محمد بن صالح
الثميني، وزارة التراث سلطنة عمان 1405 هـ 1985 م. (دط). الجرجاني، علي بن محمد (ت 816 هـ (1413 م)، التعريفات، تحقيق إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي بيروت ط (3) 1417 هـ
1996 م.
الجزري، شمس الدين محمد بن يوسف (ت 711 هـ - 1311 م) معراج المنهاج شرح منهاج الوصول إلى علم الأصول للبيضاوي (ت 6685 هـ - 1286 م) تحقيق شعبان محمد إسماعيل مطبعة الحسين
الإسلامية القاهرة ط (1) 1413 هـ 1993 م.
480 (1/480)
صفحة 480
39 ابن جزي، أبو القاسم محمد بن جزي (ت 741 هـ 1340 م) القوانين الفقهية، دار القلم بيروت (د) ط د ت).
40 - الجصاص، أبو بحر أحمد بن علي الرازي، (ت 370 هـ 980 م)، أحكام القرآن، ضبطه عبد السلام محمد شاهين، دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1415 هـ 1994 م.
41 - الجلاب، أبو القاسم عبد الله بن الحسني (ت 378 هـ 988 م)، التفريع، تحقيق حسين بن سالم الدهماني، دار الغرب الإسلامي ط (1) هـ
1987 م. 42 - الجلال الحسن بن أحمد بن محمد (ت 1084 هـ 1673 م)، ضوء النهار المشرق على صفحات الأزهار وبهامشه منحة الغفار على ضوء النهار لمحمد بن إسماعيل الصنعاني (ت 1182 ه - 1768 م) مكتبة غمضان لإحياء التراث اليمني صنعاء-اليمن.
43 - جمال الدين أحمد بن محمد بن فهد (ت 841 هـ- 1437 م) المهذب البارع شرح المختصر النافع، تحقيق مجتبى العراقي، مؤسسة النشر
الإسلامي، 1411 (دط).
44 - الجناوني، أبو زكريا يحيى بن أبي الخير (ت قهـ 10 هـ)، النكاح، علق عليه علي يحيى معمر، مكتبة وهبة القاهرة (د) ط د (ت).
-45
....... الوضع، علق عليه أبو إسحاق إبراهيم
اطفيش، دار أبو سلامة تونس (د ط د ت).
46 - الجوهري إسماعيل بن حماد (393 هـ - 1002 م) الصحاح، دار العلم
للملايين، بيروت ط (4) 1990 م.
47 الجويني، أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف (ت 478 هـ /10 م البرهان في أصول الفقه، تعليق صلاح محمد عويضة
دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1418 هـ 1997 م.
481 (1/481)
صفحة 481
48 - الجيطالي، إسماعيل بن موسى (ت 750 هـ 1349 م)، قواعد الإسلام، تصحيح وتعليق بكلي عبد الرحمن عمر مكتبة الاستقامة، سلطنة عمان
-29
(2) 1413 هـ 1992 م.
قناطر الخيرات، وزارة التراث، سلطنة عمان،
ط (2) 1409 هـ 1989 م.
50 - ابن والأمل في علمي الأصول والجدل، دار الكتب العلمية ط (1)
1405 هـ 1985 م.
51 الحارثي، سالم بن حمد العقود الفضية في أصول الإباضية، وزارة التراث، سلطنة عمان (د) ط د ت).
52 - ابن أحمد حجر، بن علي العسقلاني (ت 852 هـ - 1448 م) الإصابة تمييز الصحابة، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود، وآخرون. دار
-53
-0 {
-00
الكتب العلمية بيروت 1415 هـ 1995 م.
.... غراس الأساس تحقيق توفيق محمد شاهين
مكتبة وهبة القاهرة ط (1) 1411 هـ 1990 م.
فتح البارئ بشرح صحيح البخاري، دار
إحياء التراث العربي بيروت ط (2) 1402 هـ 1982 م.
، نزهة النظر شرح نخبة الفكر، علق عليه محمد
كمال الدين الذهبي، مكتبة التراث الإسلامي القاهرة (د) ط د ت).
63 - -
56 - ابن حزم، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم (456 هـ الإحكام في أصول الأحكام، دار الكتب العلمية بيروت (د) ط د ت).
.
المحلي، تحقيق لجنة إحياء التراث العربي
دار بيروت، دار الأفاق الجديدة بيروت، د ط د (ت).
482 (1/482)
صفحة 482
58 - أبو الحسين محمد بن علي بن الطيب (ت 426 هـ 1034 م)، شرح العمد، تحقيق عبد الحميد بن علي أبو زنيد مكتبة العلوم والحكم
المدينة المنورة ط (1) 1410 هـ 1990 م. 59 - الحصني، أبو بكر بن محمد بن عبد المؤمن (ت 829 هـ 1425 م) كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار، تحقيق علي عبد الحميد أبو الخير، محمد وهبي سليمان دار الخير بيروت كمشق ط (1) 1417 هـ 1996 م.
60 - الحضرمي، أبو إسحاق إبراهيم بن قيس (ت) 475 هـ 1082 م)، مختصر الخصال، وزارة التراث سلطنة عمان، ط (1)
1404 هـ 1984 م. 61 الحلبي، إبراهيم بن محمد، (ت 956 هـ 1549 م)، ملتقى الأبحر،
-
تحقيق وهبي سليمان، مؤسسة الرسالة، ط (1) 1409 هـ 1989 م. 62 - الحلي، جعفر بن الحسن بن أبي زكريا (ت 676 هـ 1277 م)، شرائع الإسلام، دار مكتبة الحياة بيروت 1406 هـ 1986 م. (دط). 63 - الحلي، يحيى بن سعيد، ت 690 هـ 1291 م)، الجامع للشرائع إشراف جعفر السبحاني المطبعة العلمية بقم 1405 هـ.
64 - الحموي، أحمد بن محمد (ت (1098 هـ 1687 م) غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية - بيروت ط (1)
1405 هـ 1985 م.
65 - الحموي، ياقوت بن عبد الله (ت (626 هـ - 229 م) معجم البلدان، دار صادر بيروت (د) ط د (ت).
66 - الخراساني، غانم بن بشر (ت 220 هـ 834 م) المدونة الكبرى، وزارة التراث سلطنة عمان، 1404 هـ 1984 م. (د ط).
483 (1/483)
صفحة 483
المدونة الصغرى، وزارة التراث، سلطنة عمان،
1404 هـ 1984 م. (دط).
68 - الخرقي، عمر بن الحسين (ت (334 هـ (946 م مختصر الخرقي، علق عليه محمد زهير الشاويق، منشورات مؤسسة السلام دمشق ط (1) 1378 هـ. 69 - الخروصي، الصلت بن خميس (ت 278 هـ 891 م الأحداث والصفات، مطبوع في أئمة وعلماء عمان السير والجوابات ج 1 ص 21 - 79، تحقيق سيده إسماعيل كاشف، وزارة التراث سلطنة عمان، ط (2) 1410 هـ 1989 م. 70 ابن خزيمة، أبو بكر محمد بن إسحاق (ت 311 هـ - 922 م) صحيح ابن خزيمة، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي، المكتب الإسلامي، ط (2) 1412 هـ 1992 م. الخطابي، أبو سليمان، أحمد بن محمد (ت 375 هـ - 985 م)، معالم السنن، شرح سنن أبي داود المكتبة العلمية بيروت ط (2) 1401 هـ
1981 م. 72 ابن خلدون عبد الرحمن بن خلدون (ت) 808 هـ 1406 م)، مقدمة ابن خلدون تحقيق حجر عاصي (د) ط د ت).
73 - ابن خلكان أبو العباس أحمد بن محمد (ت 681 هـ 1282 م)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عباس دار صادر بيروت
1398 هـ 1978 م (د ط).
74 - الخليلي، سعيد بن خلفان (ت 1288 ه - 1871 م) تمهيد قواعد الإيمان وتقييد شوارد مسائل الأديان والأحكام، وزارة التراث سلطنة
عمان ط (1) 1407 هـ 1986 م.
484 (1/484)
صفحة 484
-75 الدار قطني علي بن عمر (ت 385 هـ 990 م)، سنن الدار قطني، عالم
الكتب بيروت (3) 1413 هـ 193 م.
76 أبو داود سليمان بن الأشعث، (ت 275 ه 888 م) سنن أبي داود دار الجيل- بيروت، 1413 هـ 1993 م.
77 - الدرجيني، أبو العباس أحمد بن سعيد (ت 670 هـ 1271 م) الطبقات، تحقيق إبراهيم طلاي (د) ط د (ت).
78 ابن دريد، أبو بكر محمد بن الحسن (ت 321 ه 933 م)، جمهرة اللغة، تحقيق رمزي منير، بعلبكي، دار العلم للملايين بيروت
ط (1) 1988 م. 79 - ابن دقيق العيد، محمد بن علي وهب (ت 702 هـ 1302 م) عمدة الأحكام شرح عمدة الحكام، تحقيق القادر عرفان دار الفكر - بيروت ط (1) 1417 هـ 1997 م.
80 - الدوري، قحطان عبد الرحمن، صفوة الأحكام من نيل الأوطار وسبل السلام، مطبعة الإرشاد، بغداد ط (2) 1406 هـ 1986 م.
1 الرازي، فخر الدين بن عمر (ت 606 هـ - 1207 م) التفسير الكبير،
-82
دار الكتب العلمية - بيروت ط (1) 1412 هـ 1990 م.
.... المحصول في علم الأصول، تحقيق طه جابر
العلواني، مؤسسة الرسالة بيروت (2) 1412 هـ 1992 م.
83 - الراغب الأصفهاني، الحسين بن محمد (502 ه 1108 م)، المفردات في غريب القرآن، تحقيق سيد محمد كيلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي مصر ط (1) 138 هـ 1960 م.
ابن رزيق حميد بن محمد (1274 هـ - 1857 م)، الشعاع الشائع باللمعان في ذكر أئمة عمان، تحقيق عبد المنعم عامر، وزارة التراث، سلطنة عمان 1405 هـ 1984 م (د. ط).
485 (1/485)
صفحة 485
-^0
. الفتح المبين في سيرة السادة البوسعيديين. تحقيق
عبد المنعم عامر، محمد مرسي عبد الله، وزارة التراث سلطنة عمان (2) 1403 هـ 1983 م.
86 ابن رشد، محمد بن أحمد بن محمد بن رشد (الحفيد) ت 595 هـ 1198 م)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، دار الكتب العلمية بيروت
د ط د ت).
87 - الرملي، شمس الدين محمد بن أبي العباس (ت 1004 هـ- 1595 م)، نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج، دار الكتب العلمية بيروت 1414 هـ 1993. (د ط).
88 - الزبيدي، محمد مرتضى بن محمد د (ت ت 1205 هـ 1790 م) تاج العروس من جواهر القاموس منشورات دار مكتبة الحياة بيروت (د
ط دت). 89 - الزرقا، احمد بن محمد (ت 1357 هـ 1938 م) شرح القواعد الفقهية، دار القلم، دمشق بيروت- ط (3) 1414 هـ 1993 م.
90 - الزرقا، مصطفى أحمد، المدخل الفقهي العام، مطبعة طبرين دمشق ط (1) 1387 هـ 1978 م. 91 - الزركشي، شمس الدين محمد بن عبد الله (ت 772 هـ 1370 م)، شرح الزركشي على مختصر الخرقي، تحقيق عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين مكتبة العبيكان، الرياض ط (1) 1413 هـ 1993 م. 92 - الزركشي، محمد بن بهادر بن عبدالله (ت 794 ه 1391 م) البحر - المحيط، راجعه عبد الستار أبو غدة محمد سليمان الأشقر، دار
الصفوة، القاهرة ط (1) 1409 هـ 1988 م.
الزركلي، خير الدين (ت 1396 هـ - 1976 م)، الأعلام، دار العلم للملايين بيروت ط (11) 1415 هـ 1995 م.
486 (1/486)
صفحة 486
94 - أبو زكريا يحيى بن سعيد (ت) 472 هـ -1079 م)، الايضاح في
الاحكام، وزارة التراث سلطنة عمان.
95 - الزمخشري، أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538 هـ 1143 م)،
-97
أساس البلاغة، دار لصادر بيروت (1) 1412 هـ 1992 م.
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في
وجوه التأويل، صححه مصطفى حسين أحمد، دار الكتاب العربي
بيروت 1366 هـ 1947 م.
97 - أبو زهرة محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ -194 م)، أصول الفقه، دار الفكر العربي، القاهرة (د ط د ت).
9 - الزيلعي فخر الدين عثمان بن علي (ت 743 هـ 1343 م)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، دار المعرفة بيروت ط (2) مصورة بالاوفست عن ط (1) المطبوعة بالمطبعة الأميرية ببولاق بمصر عام
1313 هـ.
99 - السالمي عبد الله بن حميد (ت 1332 هـ 1914 م)، تحفة الأعيان، المطابع الذهبية، روي، سلطنة عمان (د ط د ت).
العقد الثمين راجعة عبد الستار أبو غدة،
(1417 هـ 1996 م.
اللمعة المرضية من أشعة الإباضية، وزارة التراث
سلطنة عمان 1981 م.
جوهر النظام في علمي الأديان والأحكام، تعليق أبو
إسحاق إبراهيم اطفيش إبراهيم بن سعيد العبري، المطابع الذهبية
روي،
سلطنة عمان، ط (12) 1413 هـ 1993 م.
. شرح الجامع الصحيح للإمام الربيع بن حبيب
المطابع الذهبية، روي، سلطنة عمان (د ط د ت).
487
-) ..
-1.)
102
-103 (1/487)
صفحة 487
... - \. {
-1.7
طلعة الشمس على ألفية الأصول، وزارة التراث
سلطنة عمان ط (2) 1405 هـ 1985 م.
مشارق أنوار العقول، علق عليه: الشيخ أحمد بن حمد
الخليلي، تحقيق عبد الرحمن عميرة، دار الجيل بيروت، ط (1)
1409 هـ 1989 م.
. معارج الآمال شرح مدارج الكمال، وزارة
التراث سلطنة عمان، 1404 هـ 1983 م.
107 - السالمي، محمد بن عبد الله الروض النضير مكتبة مسقط،
عمان ط (1) (دت).
................... -) ^
1963 م.
لطنة
ناجي عساف عمان تاريخ يتكلم، 1383 هـ
109 - سبط ابن الجوزي، (ت 654 هـ 1256 م)، إيثار الإنصاف في آثار الخلاف، تحقيق: ناصر العي الخليفي، دار السلام، ط (1) 1408 هـ
1987 م. 110 - السبكي عبد الوهاب بن علي (ت 771 هـ 1369 م)، الأشباه والنظائر، تحقيق عادل أحمد عبد الموجود علي محمد معوض دار الكتب العلمية ط (1) 1411 هـ 1991 م.
111 - أبو ستة، محمد بن عمر ت ق 11 هـ ق 17 م) حاشية الترتيب، وزارة التراث سلطنة عمان 1402 هـ 1982 م.
112 - السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت 490 هـ 1096 م)، أصول السرخسي، تحقيق أبو الوفاء الأفغاني، دار المعرفة بيروت (د ط د
ت).
المبسوط، دار المعرفة بيروت 1414 هـ
1993 م (دط).
488
113 (1/488)
صفحة 488
114 السعدي، جابر بن علي ابن بركة وآراؤه الأصولية، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية عمان 1994 م.
115 السعدي، جميل بن خميس (ت ق 13 هـ - 19 م)، قاموس الشريعة الحاوي طرقها الوسيعة وزارة التراث، سلطنة عمان، ط (1)
1983 م. 116 - السعيد محمد بدوي، وآخرون، دليل أعلام عمان، المطابع العالمية
-
مسقط - مكتبة لبنان بيروت ط (1) 1412 هـ 1991 م.
117 سليم رستم باز ت (1338 هـ (1920 م) شرح مجلة الأحكام العدلية دار الكتب العلمية ط (3) (دت).
118 - السمرقندي، علاء الدين (ت (539 هـ (1144 م) تحفة الفقهاء، دار الكتب العلمية بيروت ط (2) 1414 هـ 1993 م.
119 السمعاني، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار (ت 489 هـ 1095 م) قواطع الأدلة في الأصول، تحقيق محمد حسن
هيتو مؤسسة الرسالة بيروت (1) 1417 هـ 1996 م.
120 - السمناني، أبو القاسم علي بن محمد (ت 499 هـ 1105 م)، روضة القضاة وطريق النجاة، تحقيق: صلاح الدين الناهي، دار الفرقان
عمان، مؤسسة الرسالة بيروت، ط (2) 1404 هـ 1984 م.
121 - السهالوي، نظام الدين بن قطب الدين (ت 1161 هـ 1748 م)، وجماعة من علماء الهند، الفتاوى الهندية، دار صادر بيروت ط (7)
1310 هـ.
122 - السيابي- أبو يحيى خلفان بن جميل (ت 1392 هـ 1972 م)، فصل
الخطاب، وزارة التراث سلطنة عمان 1404 هـ 1984 م.
فصول الأصول، وزارة التراث سلطنة عمان (د ط).
489
..
-123 (1/489)
صفحة 489
124 السيابي سالم بن حمود عمان عبر التاريخ وزارة التراث، سلطنة
عمان، ط (3) 1415 هـ 1994 م.
125 - السياغي، الحسين بن أحمد الحيمي (ت 1221 هـ 1806 م)، الروض
النضير شرح مجموع الفقه الكبير، دار الجيل د ط د ت).
126 - السيواسي، ابن الهمام كمال الدين محمد عبد الواحد (ت 681 هـ (1282 م) شرح فتح القدير ومعه تكملة فتح القدير المسماة نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار لشمس الدين قاضي زادة (ت 988 هـ - 1580 م)، علق عليه عبد الرزاق غالب المهدي، دار الكتب العلمية ط (1) 1415 هـ 1995 م.
127 السيوطي، جلال الدين بن عبد الرحمن (ت 911 هـ 1505 م) ألفية السيوطي في علم الحديث، بشرح أحمد محمد شاكر، الناشر المكتبة
128
التجارية مكة المكرية (د) ط د (ت).
الأشباه والنظائر في فروع وقواعد فقه
الشافعية ط (1) دار الكتب العلمية بيروت 1403 هـ 1983 م.
129 - الشافعي، محمد بن إدريس) ت 204 هـ 819 م)، الأم ومعه مختصر المزني لإسماعيل بن يحيى المزني (ت 264 هـ 878 م) صححه
زهري النجار، دار المعرفة بيروت (د) ط د (ت).
130 - الشربيني، شمس الدين محمد بن أحمد الخطيب (ت 977 هـ 1569 م مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار إحياء
التراث العربي، بيروت (د ط د ت).
-131
(د ط د ت).
الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، دار الفكر
490 (1/490)
صفحة 490
132 - الشقصي، خميس بن سعيد (ت) ق 11 هـ - 17 م)، منهج الطالبيين وبلاغ الراغبين تحقيق سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث
سلطنة عمان، ط (1) 1400 هـ 1980 م.
133 - الشماخي أحمد بن سعيد (ت 928 هـ 1425 م)، السير، تحقيق احمد بن سعود السيابي، وزارة التراث سلطنة عمان ط (2) 1412 هـ
1992 م. 134 - الشماخي عامر بن علي (ت (792 هـ 1390 م) الإيضاح، مع حاشية عليه للشيخ محمد بن عمر أبو ستة، وزارة التراث.
135 - شمس الدين، جعفر بن أحمد بن أبي يحيى عبد السلام (ت 537 هـ 1177 م) الروضة البهية في المسائل المرضية شرح نكت
العبادات، دار الندوة الجديدة بيروت، (د) ط د ت).
136 - الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار (ت 1393 - 1973 م) نثر الورود على مراقي السعود، تحقيق وإكمال محمد ولد سيدي ولد حبيب الشنقيطي، دار المنارة المملكة العربية السعودية ط (1) 1415 هـ 1995 م.
137 - الشوكاني، محمد بن علي (ت 1250 هـ 1834 م)، الدراري المضية شرح الدرر البهية، دار المعرفة بيروت 1406 هـ 1986 م. (دط). ... السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار
-138
تحقيق محمود إبراهيم زايد دار الكتب العلمية بيروت، ط (1) د ت). 139 - الشيباني، أحمد بن حنبل (ت 241 هـ - (855 م)، المسند، دار صادر -
بيروت.
140 - الشيباني، محمد بن الحسن (ت 189 هـ - 804 م الأصل، علق عليه أبو الوفاء الأفغاني عالم الكتب بيروت ط (1) 1410 هـ 1990 م.
491 (1/491)
صفحة 491
141 الشيرازي، أبو إسحاق إبراهيم بن علي (ت 476 هـ-1083 م) اللمع في أصول الفقه، تحقيق محي الدين ديب مستو، يوسف علي بديوي
دار الكلم الطيب- دار ابن کثير دمشق بيروت ط (1)
-142
1416 هـ 1995 م.
التنبيه، تحقيق علي معوض، عادل عبد
-143
الموجود دار الأرقام بن أبي الأرقم بيروت ط (1) 1418 هـ 1997 م. المهذب، دار الفكر بيروت (د) ط د ت). 144 - الصاوي، أحمد بن محمد (ت 1241 هـ بن محمد (ت 1241 هـ 1825 م) بلغة السالك لأقرب المسالك، دار الفكر (د) ط د (ت).
145 الصنعاني، أبو بكر عبد الرزاق بن همام (ت 211 هت 826 م) المصنف، تحقيق حبيب عبد الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي
بيروت ط (2) 1403 هـ 1983 م.
146 - الصنعاني، محمد بن إسماعيل (ت 1182 هـ 1768 م)، توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، علق عليه صلاح بن محمد بن
-147
-18^
عويضة، دار الكتب العلمية بيروت ط (1) (دت).
إجابة السائل شرح بغية الآمل، تحقيق حسين
بن أحمد السياغي، محمد مقبولي الأهدل مؤسسة الرسالة بيروت-
مكتبة الجيل الجديد صنعاء، ط (1) 1406 هـ 1986 م.
......... سبل السلام شرح بلوغ المرام، تحقيق محمـ
عبد القادر عطا، دار الفكر، ط (1) (1311 هـ 1991 م. 149 - الطباطبائي، محسن الحكيم (ت 1390 هـ 1970 م) مستمسك العروة الوثقى، دار غحياء التراث العربي بيروت ط (3) 1392 م.
150 - الطبرسي، الفضل بن الحسن ت ق 6 هـ ق 11 م) مجمع البيان في تفسير القرآن، دار المعرفة - بيروت 1406 هـ 1986 م.
492 (1/492)
صفحة 492
151 - الطبري علي بن صلاح، ت 840 هـ (1436 م)، شفاء غليل السائل عما تحمله الكافل، مكتبة اليمن الكبرى، ط (1) 1408 هـ 1988 م. 152 - الطبري، أبو جعفر محمد بن جرير (ت 922310 م)، جامع البيان في تأويل القرآن، دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1412 هـ 1992 م.
153 - الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن (ت 460 هـ 1067 م) الخلاف، تحقيق جماعة من المحققين، مؤسسة النشر الإسلامي قم (د
-108
ط د ت).
المبسوط، علق عليه محمد الباقر البهبودي،
دار الكتاب الإسلامي بيروت 1412 هـ 1992 م، (دط). 155 - الطوفي، سليمان بن عبد القوي (ت 716 هـ) البلبل في أصول القه،
-156
مكتبة الإمام الشافعي الرياض ط (2) 141 هـ.
شرح مختصر الروضة، تحقيق عبد الله بن
عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة بيروت ط (1) 1408 هـ
1988 م.
157 - ابن عابدين، محمد أمين بن عمر، (1252 هـ 1198 م) رد المحتار
على الدر المختار، وتكملته المسماة قرة عيون الأخبار لابن المؤلف
محمد علاء الدين أفندي، تحقيق: عادل أحمد، علي محمد معوض، دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1415 هـ 1994 م.
158 ابن عبد البر أبو عمرو يوسف بن عبدالله النمري (ت) 463 ه- 107 م)، الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الامصار، خرجه ووثقه عبد المعطى أمين قلعجي، دار قتيبة دمشق بيروت، دار الوغى حلب - القاهرة ط (1) 1414 هـ 1993 م.
493 (1/493)
صفحة 493
-109
-17.
.. الاستيعاب في معرفة الاصحاب، تحقيق
علي معوض، عادل أحمد، دار الكتب العلمية - بيروت ط (1)
1415 هـ 1995 م.
الكافي في فقه أهل المدنية، دار الكتب
العلمية - بيروت ط (2) هـ 1992.
161 - عبد العلي، محمد بن نظام الدين، (ت 1225 هـ - 1810 م)، فواتح الرحموت بشرح مسلم الثبوت بهامش المستصفى للغزالي، دار
إحياء التراث العربي، ط (3) 1414 هـ 1993 م.
162 - العبري، إبراهيم بن سعيد (ت 1392 هـ - 1972 م)، مقدمة جامع ابن بركة، وزارة التراث، سلطنة عمان .. (د ط د ت).
163 ابن عبيدان، محمد بن جمعة بن عبد الله (ت ق 11 هـ-17 م)، جواهر الآثار، وزارة التراث، سلطنة عمان 1405 هـ 1985 م. 164 - العراقي، عبد الرحيم بن الحسين (ت 806 ه 1403 م)، التقييد والإيضاح لما أطلق وأغلق من مقدمة ابن الصلاح، مؤسسة الكتب
الثقافية، بيروت لبنان ط (3) 1415 هـ 1995 م.
165 ابن عربي، أبو بكر محمد بن عبد الله (ت 543 هـ 1148 م)، أحكام القرآن، تحقيق علي بن محمد البجاوي، دار المعرفة بيروت دار
الجيل بيروت، 1407 هـ 1987 م.
-166
.......
القبس شرح موطأ مالك بن أنس، تحقيق
محمد عبد الله ولد كريم دار الغرب الإسلامي ط (1) 1992 م. 167 - العطار، حسن بن محمد (ت (1250 هـ - (1835 م) حاشية العطار على جمع الجوامع، دار الكتب العلمية بيروت (د) ط د ت).
169 ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن عطية (ت 541 هـ - 1146 م)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، تحقيق عبد الله بن إبراهيم
494 (1/494)
صفحة 494
الأنصاري وآخرون مؤسسة دار العلوم الدوحة، قطر، ط (1)
1401 هـ 1981 م.
169 - علماء وأئمة عمان في ق،2، 3، 4 هـ ق 8، 9، 10 م)، السير والجوابات تحقيق سيده إسماعيل كاشف وزارة التراث سلطنة عمان ط (2) 1410 هـ 1989 م.
170 - علي حيدر، درر الحكام شرح مجلة الأحكام، نقلها إلى العربية فهمي الحسيني، دار الجيل بيروت ط (1) 1411 هـ 1991 م.
171 - علي يحيى معمر (ت 1401 هـ 1980 م) الإباضية في موكب التاريخ، الحلقة الثانية، مكتبة وهبة القاهرة ط (2) 1414 هـ
1993 م.
172 عماد الدين يحيى بن أحمد بن مظفر (ت) 875 هـ 170 م) البيان الشافي المنتزع من البرهان الكافي، مكتبة غمضان لإحياء التراث العربي صنعاء ط (1) 1414 هـ 1984 م.
173 - ابن العماد، عبد الحي بن أحمد ت (1089 ه 1.679 م) شذرات الذهب في أخبار من ذهب تحقيق محمد الأرناؤوط، دار ابن كثير
دمشق، بيروت ط (1) 1410 هـ 1989 م.
174 عمر رضا كحالة معجم المؤلفين، دار إحياء التراث العربي، بيروت د ط د ت).
175 العمري، إبراهيم بن علي (ت 799 هـ (1397 م)، الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، دار الكتب العلمية بيروت (د) ط د ت). 176 - العنسي، أحمد بن قاسم، التاج المذهب لأحكام المذهب، مكتبة اليمن الكبرى، صنعاء ط (1) 1366 هـ 1947 م.
177 - العوتبي سلمة بن مسلم (ت ق ه هـ 11 م)، الأنساب، وزارة التراث، سلطنة عمان، ط (4) 1415 هـ 1994 م.
495 (1/495)
صفحة 495
-178
1411 هـ 1991 م.
الضياء، وزارة التراث، سلطنة عمان، ط (1)
179 العيني، أبو محمد محمود بن أحمد (ت 855 هـ 1451 م)، البناية في شرح الهداية، دار الفكر بيروت ط (2) 1411 هـ 1990 م. ..... عمدة القارئ شرح صحيح البخاري، دار
-180
..........
إحياء التراث العربي بيروت 1348 هـ (د ط).
181 - الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد (ت 505 ه (ت 505 - 1111 م)، 1111 م)،
المستصفى من علم الأصول، دار إحياء التراث العربي بيروت ط (3)
1414 هـ 1993 م.
182
-183
المنخول من تعليقات الأصول، تحقيق
الوسيط، تحقيق محمد تامر أحمد
محمد حسن هيتو دار الفكر دمشق ط (2) 1400 هـ 1980 م.
محمود، دار السلام، ط (1) 1417 هـ 1997 م.
184 ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا (395 هـ 1004 م) مجمل اللغة دراسة وتحقيق زهير عبد المحسن، مؤسسة الرسالة ط (2)
1406 هـ 1986 م.
185 - الفراهيدي، الربيع بن حبيب ت (175 هـ (791 م الجامع الصحيح، ضبطه محمد إدريس، راجعه عاشور بن يوسف دار الحكمة بيروت
-
دمشق، مكتبة الاستقامة سلطنة عمان ط (1) 1415 هـ 1995 م. 186 ابن فرحون برهان الدين إبراهيم بن محمد بن فرحون (ت 742 هـ 1342 م)، تبصرة الحكام المطبعة الشرقية بمصر ط (1)
1301 هـ.
187 - الفيروز آبادي محمد بن يعقوب (ت 817 هـ 1414 م)، القاموس المحيط، دار الفكر 1415 هـ 1995 م (د ط).
496 (1/496)
صفحة 496
188 - الفيومي، أحمد بن محمد بن علي (ت 770 هـ 1378 م) المصباح
المنير)، مكتبة لبنان بيروت ط (1) 1407 هـ 1987 م.
189 - أبو قحطان خالد بن قحطان ت ق 4 هـ - (م) سيرة أبي قحطان مطبوع في مجموعة من علماء، عمان السير والجوابات جا
ص 81 - 17 تحقيق سيده إسماعيل كاشف وزارة التراث سلطنة عمان ط (2) 1410 هـ 1989 م.
190 ابن قدامة، عبدالله بن أحمد بن قدامة، ت 620 هـ 1223 م) روضة
-191
-192
الناظر وجنة المناظر، مكتبة الكليات الأزهرية، (دطد (ت).
الكافي، تحقيق إبراهيم بن أحمد عبد
المغني، صححه عبد السلام محمد شاهين
الحميد، دار إحياء الكتب العربية القاهرة (د ط د (ت).
دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1414 هـ 1994 م، مكتبة الرياض
الحديثة (د) ط د ت).
193 - القدوري، أبو الحسن أحمد بن محمد (ت 428 هـ 1036 م)، مختصر القدوري، تحقيق كامل محمد عويضة، دار الكتب العلمية بيروت
ط (1) 1418 هـ 1997 م.
194 - القرافي، شهاب الدين أحمد بن إدريس (ت 684 هـ 1285 م)
-195
الفروق، دار إحياء الكتب العربية مصر 1847 هـ.
تنقيح الفصول باختصار المحصول، تحقيق
طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية القاهرة، ط (2)
1414 هـ 1993 م.
196 - القرشي، ابن أبي الوفاء عبد القادر بن محمد بن نصر (ت 775 هـ
1373 م)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية، تحقيق عبد الفتاح
محمد الحلو، مؤسسة الرسالة، (2) 1413 هـ 1993 م.
497 (1/497)
صفحة 497
197 - القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد (ت 671 هـ 1273 م)، الجامع لأحكام القرآن، دار إحياء التراث العربي بيروت 1405 هـ 1985 م. (د ط).
198 - القشيري، مسلم بن الحجاج (ت 261 هـ، 874 م) صحيح مسلم (بشرح النووي)، راجعه خليل الميس دار القلم بيروت (د) ط د ت). 199 - القطب، محمد بن يوسف اطفيش (ت 1332 هـ 1914 م)، تيسير التفسير، وزارة التراث، سلطنة عمان، 1406 هـ 1086 م. (د ط). الذهب الخالص، علق عليه أبو اسحاق اطفيش،
-200
-201
202
-203
المطابع العالمية، روي سلطنة عمان (د ط ت ت).
..... النيل وشفاء العليل مكتبة الإرشاد، جدة
المملكة العربية السعودية ط (3) 1405 هـ 1985 م.
... شامل الأصل والفرع، وزارة التراث سلطنة
عمان 1404 هـ 1984 م (د ط).
كشف الكرب، وزارة التراث، سلطنة عمان
ط (1) 1405 هـ 1985 م.
AC
20 - القفال، سيف الدين أبو بكر محمد بن أحمد الشاشي (ت 507 هـ 1113 م)، حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء، تحقيق ياسين
أحمد إبراهيم دراركة مكتبة الرسالة الحديثة ط (1) 1988 م. 205 - القلهاتي، محمد بن سعيد الأزدي (ت ق 6 هـ ق 12 م) الكشف والبيان، تحقيق سيده إسماعيل كاشف وزارة التراث سلطنة عمان،
1400 هـ 1980 م (د ط).
206 - الكاساني، علاء الدين أبو بكر بن مسعود (ت) 587 ــــــــ- 1191 م) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، دار الفكر ط (1) 1417 هـ
1996 م.
498 (1/498)
صفحة 498
207 - ابن كثير أبو الفداء إسماعيل بن كثير (ت 774 ه 01372 م)،
208
البداية والنهاية، مكتبة المعارف بيروت 1412 هـ 1991 م.
تفسير القرآن العظيم، تقديم يوسف عبد
الرحمن المرعشلي، دار المعرفة بيروت ط (6) 1413 هـ 1993 م.
209 - الكدمي، محمد بن سعيد ت ق 4 هـ (10 م) الاستقامة، صححه محمد أبو الحسن، وزارة التراث سلطنة عمان، 1406 هـ 1986 م (دط).
-210
المعتبر، صححه محمد أبو الحسن، وزارة التراث
سلطنة عمان ط (1) 1405 - 1984 م.
211 - الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى (1094 هـ 1683 م)، الكليات، قابل نسخه محمد المصري، عدنان درويش مؤسسة الرسالة ط (2)
1413 هـ 1993 م.
212 - الكلوذاني، أبو الخطاب محفوظ بن أحمد (ت 510 هـ- 1121 م)، الانتصار في المسائل الكبار، تحقيق سليمان العمير، مكتبة العبيكان
الرياض ط (1) 1413 هـ 1993 م.
213 - الكندي، أحمد بن عبد الله (ت 557 هـ - 1161 م)، الإهتداء، وزارة
التراث سلطنة عمان.
......
، المصنف، تحقيق: عبد المنعم عامر وزارة
التراث سلطنة عمان 1404 هـ 1984 م.
215 - الكندي، محمد بن إبراهيم (ت 505 هـ 1111 م) بيان الشرع وزارة
التراث سلطنة عمان 1404 هـ 1984 م.
216 - الكيا هراسي، عماد الدين بن محمد (ت 504 ه 1110 م)، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية - بيروت ط (2) 1405 هـ 1985 م.
499 (1/499)
صفحة 499
217 - اللامشي، أبو الثناء محمود بن زيد (ق 6 هـ -12 م)، كتاب فـ أصول الفقه، تحقيق عبد المجيد تركي دار الغرب الإسلامي، ط (1)
1995 م. 218 - ابن ماجة عبد الله بن محمد بن يزيد القزويني (ت 275 هـ 888 م) سنن ابن ماجة تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، دار الريان للتراث. (د
ط ذ ت). 219 - المالكي، محمد علي بن حسين تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية بهامش كتاب الفروق للقرافي مطبعة دار إحياء الكتب العربية مصر 1347 هـ.
220 - الماوردي، علي بن محمد بن حبيب البصري (ت 450 هـ 1058 م)، الحاوي الكبير تحقيق محمود مطرحي، علي محمد معوض، عادل أحمد، دار الفكر 1414 هـ - 1994 م) (د) (ط) دار الكتب العلمية
-221
بيروت ط (1) 1414 هـ 1994 م.
6.
الإقناع، تحقيق خضر محمد خضر، مكتبة
دار العربية، الصفاة الكويت، ط (1) 1402 هـ - 1982 م. -222 مجموعة من المؤلفين عمان في التاريخ المطابع الذهبية، روي
سلطنة عمان.
223 - ابن مداد، عبد الله بن مداد (ت 917 هـ 1640 م)، سيرة عبد الله بن مداد وزارة التراث، سلطنة عمان 1984 م (د ط).
224 ابن المرتضى، أحمد بن يحيى (ت 840 هـ 1437 م)، الأزهار في فقه الأئمة الأطهار، ط (5) 1403 هـ 1992 م.
، البحر الزخار الجامع لعلماء مذاهب
الأمصار، صححه عبد الله بن عبد الكريم الجرافي، دار الحكمة
اليمانية صنعاء، 1409 هـ 1988 م. (1/500)
صفحة 500
-226
منهاج الوصول إلى معيار العقول في علم الأصول، تحقيق أحمد علي مظهر المأخذي دار الحكمة اليمانية (د ط
د ت).
227 - المرداوي، علاء الدين علي بن سليمان (ت 885 هـ 1490 م)، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، تحقيق محمد حامد الفقـ
دار إحياء التراث العربي بيروت ط (1) 1376 هـ - 1956 م.
228 المرغيناني برهان الدين علي بن أبي بكر (ت 593 هـ 1196 م)، الهداية شرح البداية، دار الكتب العلمية بيروت ط (1)
1410 هـ 1990 م. 229 - المزاتي، يوسف بن خلفون (ت 685 هـ - 1286 م) من جوابات ابن خلفون تحقيق عمرو النامي دار الفتح - بيروت ط (1) 1394 هـ 1974 م. 230 - المسعودي، علي بن الحسين، (ت 346 ه 957 م) مروج الذهب، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد المكتبة العصرية صيدا -بيروت 1408 هـ 1988 م.
231 - المصطفوي، محمد كاظم القواعد، مؤسسة النشر الإسلامي، ط (2)
1415 هـ.
232 ابن مفلح عبد الله بن محمد بن مفلح (ت 763 هـ 1960 م) الفروع راجعه عبد اللطيف محمد السبكي، دار مصر للطباعة ط (2)
1379 هـ 1960 م.
233 - المفيد، أبو عبد الله محمد بن النعمان (ت 413 هـ 1022 م)، المقنعة، مؤسسة النشر الإسلامي بقم ط (2) 1410 هـ.
0.1 (1/501)
صفحة 501
234 - المقدسي، بهاء الدين عبد الرحمن بن إبراهيم (ت 620 هـ 1223 م) العدة شرح العمدة، علق عليه صلاح بن محمد بن عويضة، دار
الكتب العلمية بيروت، ط (1) 1416 هـ 1996 م.
235 - المقدسي، محمد بن أحمد بن أبي بكر (ت 380 هـ- 947 م) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، مطبعة بريل ليدن ط (2) 1909 م.
236 - المقرئ، شرف الدين إسماعيل بن أبي بكر (ت 1433837 م)، إخلاص الناوي، تحقيق عبد العزيز عطية زلط، مطابع الأهرام
القاهرة 1410 هـ 1990 م. (د ط). 199 م.
237 - ابن الملقن، سراج الدين عمر بن علي (ت 804 هـ- 1410 م)، التذكرة في الفقه، تحقيق ياسين بن ناصر الخطيب، دار المنارة جدة ط (1) 1410 هـ 1990 م. 238 ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مکرم (ت 7719 هـ 1329) لسان العرب، دار صادر بيروت ط (1) 1400،
1990 م.
239 الموصلي، عبد الله بن محمود بن مودود (ت) 683 ه- 1284 م)، الاختيار لتعليل المختار، تحقيق زهير عثمان الجعيد، دار الأرقم بن أبي الأرقم بيروت (د) ط د ت).
240 - الميداني، عبد الغني بن طالب الغنيمي (ت) 1298 هـ 1880 م)، اللباب في شرح الكتاب، علق عليه عبد الرزاق المهدي، دار الكتاب العربي بيروت ط (1) 1415 هـ 1994 م.
241 - ابن النجار، محمد بن أحمد بن عبد العزيز الفتوحي (ت 972 ه- 1564 م)، شرح الكوكب المنير، تحقيق محمد الزحيلي، نزيه حمد،
ط (1) 1408 هـ 1987 م.
O.Y (1/502)
صفحة 502
242 ابن نجيم زين العابدين بن إبراهيم بن محمد (ت 970 هـ-1562 م)، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ومعه تكملة البحر الرائق لمحمد بن حسين بن علي الطوري (ت (1380 هـ - 1726 م)، دار الكتب العلمية - بيروت ط (1) 1414 هـ 1994 م.
-243
الأشباه والنظائر غمز البصائر
للحموي، دار الكتب العلمية بيروت ط (1) 1405 هـ 1985 م. 244 - الندوي، علي أحمد، القواعد الفقهية، دار القلم -بيروت- دمشق ط (3)
1414 هـ 1994 م.
245 النسائي، أحمد بن شعيب ت 303 هـ 915 م)، سنن النسائي (بشرح السيوطي وحاشية السندي) اعتنى به أبو غدة، دار البشائر الإسلامية
- بيروت ط (2) 1409 هـ 1988 م.
246 - أبو نعيم أحمد بن عبدالله الأصفهاني، (ت 430 هـ - 1038)، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار الكتب العلمية بيروت ط (1)
1409 هـ 1988 م.
247 - النووي، أبو زكريا محي الدين بن شرف (ت 676 هـ 1277 م)، روضة الطالبين وعمدة المفتين إشراف زهير الشاويش المكتب
-248
الإسلامي، بيروت ط (3) 1412 هـ 1991 م.
. المجموع شرح المهذب، تحقيق محمد
نجيب المطيعي، دار إحياء التراث العربي، بيروت 1415 هـ
-249
1995 م. (د ط).
شرح صحيح مسلم راجعه خليل الميس
دار القلم بيروت ط (3) (دت).
250 - النيسابوري أبو عبد الله محمد بن عبد الله المعروف بالحاكم ت 405 هـ 1014)، المستدرك، دار المعرفة بيروت (د ط د ت).
503 (1/503)
صفحة 503
251 - الهادي، يحيى بن الحسين بن القاسم (ت (298 هـ 910 م) كتاب الأحكام في معرفة الحلال والحرام، رتبه أبو الحسين علي بن أحمد، ط (1) 1410 هـ 1990 م.
252 - الوارجلاني، أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم (ت) 570 - 1175 م)، الدليل والبرهان، تحقيق سالم بن حمد الحارثي، وزارة التراث سلطنة عمان، ط (2) 1417 هـ 1997 م.
-253
العدل والإنصاف في أصول الفقه
والاختلاف، وزارة التراث سلطنة عمان 1404 هـ - 1984 م. 254 ابن الوزير، أحمد بن محمد بن علي (ت 1372 هـ 01952 م) المصفى في أصول الفقه، دار الفكر المعاصر ط (1) 1417 هـ
1996 م. 255 ابن الوكيل، محمد بن عمر بن مكي (ت 716 هـ 1316 م) الأشباه والنظائر، تحقيق أحمد بن محمد العنقري، مكتبة الرشد، الرياض، ط (1) 1413 هـ 1993 م.
-256 أبو الوليد محمد بن رشد (الجد) (ت 520 ه 1126 م)، المقدمات الممهدات، تحقيق محمد حجي، دار الغرب الإسلامي بيروت ط (1)
1408 هـ 1988 م.
504 (1/504)
صفحة 504
المخطوطات:
الأزكوي، سرحان بن سعيد (ت 1150 هـ - 1640 م)، كشف الأمة الجامع لأخبار الأمة تاريخ مكتبة السيد محمد بن أحمد البوسعيدي،
سلطنة عمان رقم 571، (مخطوط).
ابن بركة، التقييد، فقه مكتبة خاصة بعمان، بدون رقم (مخطوط). الخليلي، عبد الله بن علي الحقيقة، تاريخ مكتبة خاصة بعمان، بدون رقم (مخطوط).
ابن رزيق، حميد بن محمد (ت 1274 هـ 1857 م)، الصحيفة القحطانية، أنساب صورة من مكتبة اكسفورد ببريطانيا، رقم 1261
(مخطوط).
الرواحي، ناصر بن سالم (ت 1339 هـ - 1921 م)، نثار الجوهر فقه، مكتبة خاصة بعمان بدون رقم (مخطوط).
5.5
-1
-2
- { (1/505)
صفحة 505
Abstract
The title of this thesis is Al-Imam Abu Mohamad Abdullah bin Mohamad Bin Barka Who died in 362 of the bhegira and his jutistic role in Al-ebadyya school through his book "Aljam 9".
1.
2.
3.
The main objectives for choosing this subject:
To identify the Juristic hertage of Al-ebadyya school which still unknown for many scholars moreover to common people.
To study jurisprudence's concepts of Al-Iman Ibn Barka in "Al jam 9" book which considrs one of his best Jurstic book, and clarification of jurisprudence's characteristics of Ibn Barka in order to understand the juristic dimension at Al ebadyya juristic school in the fourth century of the hegria.
To connect between Ibn Barka's jurisprudence and other Jurists's Jurisprudence to compare his Juristic opinions with other Jurists.
Jurisprudence to compare his Juristic opinions with other Jurists. The scholar partitioned the thesis into introduction, Tow chapters, and coclusion.
The introduction: The scholar illustrated in it the importance of the Subject, his motives for selection it, research methodology and presentation the benefits of this thesis.
0.7 (1/506)
صفحة 506
The first chapter: its title is "the period of Al-Imam Ibn Barka" the scholar divided it into two parts.
The first part: The scholar dealt with Al-Imam Ibn Barka period, where as he talked about the political, social, and academic life in (OMAN) the homeland of Al Imam Ibn Barka, at that time. in terms of the reign policy, academic prosperity,and social classes at that time.
The second part: The Scholar discussed the personal life of Al-Imam Ibn Barka by mentioning his name, surname, lineage, his date of birth and death, and his place of rise, also the scholar dealt with his academic life by showing his starts or seeking for knowledge and mentioning his instructors and students as well as his status and academic remains.
The second chapter: its title is "juristic role of Al-Imam Ibn Barka throughout his book ?ljam 9" the scholar divided it into three parts:
The first part: the scholar reviewed "Aljam 9" book in terms of its importance and category and compared it with other of Al-ebadyya juristic books as well as the inferential methodology in his book "Aljam 9", that he reviewed his fundamental opinions and giving examples from the jurisprudence branches.
The Second part: The scholar mentioned thorugh it the juristic rules which presented in "Alam 9" book and chose some of these rules in order to compare them with other Islamic Jurists opinions.
O.Y (1/507)
صفحة 507
The third part: The sholar mentioned some opinions of Al- Imam Ibn Barka that written in his book and compared them with other jurists of the Islamic school.
The conclusion: It is summarized the results of this study as followed:
1.
2.
3.
4.
5.
Al-ebadyya juristic school is considered the first juristic school in the Islamic world because it was established before the rest of other juristic schools by Al-Imam Jaber Ibn Zaid.
Ibn Barka's time was full of political events in his homeland (Oman), with a prosperity at the academic field and revival in social life.
Al-Imam Ibn barka was one of the most famous jurists in Al-ebadiyya school during the fourth century of the heritage, and "Aljam 9" book is considered on of the most important compilations at Al-ebadiyya school in the fourth of Hegira century.
The inferential methodology of Ibn Barka did not deviate from the general inference of Al-ebadyya Juristic school despite he had some opinions that he has performed single handedly among the most famour jurists.
Al-Imam Ibn Barka is considered one of the Jurists that have contributed in condification many of Juristic rules.
6. The opinions of Al-Imam Ibn Barka in Juristic affairs are similar to the opinions of the other Jurists especially the Jurists of Al-ebadyya school and other jurists of the other Islamic schools also Ibn Barka had some opinions that he has performed single handedly among the others.
?. A (1/508)
صفحة 508
الفهرين (1/509)
صفحة 509
[صفحة فارغة] (1/510)
صفحة 510
العوض
خروج
الصية حان
المقدمة
* التمهيد
-الباب الأول: الإمام ابن بركة وعصره
الفصل الأول: الحياة السياسية والاجتماعية والعلمية بعمان
في عصر الإمام ابن بركة.
المبحث الأول: الحياة السياسية بعمان في عصر الإمام ابن بركة.
- المبحث الثاني: الحياة الاجتماعية بعمان في عصر الإمام ابن بركة. المبحث الثالث: الحياة العلمية بعمان في عصر الإمام ابن بركة.
- الفصل الثاني: حياة الإمام ابن بركة.
المبحث الأول: حياته الشخصية.
المطلب الأول: اسمه ونسبه وكنيته.
المطلب الثاني: ولادته ونشأته.
المطلب الثالث: وفاته
المبحث الثاني: حياته العلمية.
المطلب الأول: بداية طلبه للعلم ورحلته إليه.
المطلب الثاني: شيوخه.
المطلب الثالث: تلاميذه.
المطلب الرابع: صفاته ومكانته العلمية.
المطلب الخامس: آثاره العلمية.
الباب الثاني: دور الإمام ابن بركة الفقهي في
«الجامع»
- الفصل الأول: كتابه «الجامع» ومنهجه فيه
11 (1/511)
صفحة 511
الصفحة
العوضي
- المبحث الأول: التعريف بكتاب «الجامع» وأهميته.
-المبحث الثاني: منهج الإمام ابن بركة الاستدلالي في كتابه «الجامع».
المطلب الأول: الكتاب العزيز.
المطلب الثاني: السنة النبوية.
المطلب الثالث: الاجماع.
المطلب الرابع: القياس.
المطلب الخامس: الاستصحاب.
المطلب السادس: الاستحسان. المطلب السابع: المصالح المرسلة. المطلب الثامن: شرع من قبلنا. المطلب التاسع: العرف.
المطلب العاشر: الأخذ بدلالة الاقتران.
المطلب الحادي عشر: حكم الأمر المطلق.
المطلب الثاني عشر: حكم ورود الأمر بعد النهي.
المطلب الثالث عشر: الأخذ بمفهوم المخالفة.
المطلب الرابع عشر: حكم اللفظ العام المخصص.
المطلب الخامس عشر: حكم الفعل المسبوق بنفي.
المطلب السادس عشر: الاستدلال بالشواهد اللغوية العربية. المبحث الثالث: منهج عرض المسائل الفقهية عند الإمام ابن بركة في
كتابه «الجامع».
- الفصل الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب
الجامع للإمام ابن بركة.
012 (1/512)
صفحة 512
الموضـ
-المبحث الأول: التعريف بالقاعدة والضابط لغة واصطلاحاً وبيان
أهمية القواعد الفقهية والفرق بين القاعدة الفقهية
والقاعدة الأصولية.
المطلب الأول: تعريف القاعدة لغة واصطلاحاً.
المطلب الثاني: تعريف الضابط لغة واصطلاحاً.
المطلب الثالث: أهمية القواعد والضوابط الفقهية ومكانتها في
الشريعة الإسلامية.
المطلب الرابع: الفروق بين القواعد الفقهية والقواعد الأصولية. المبحث الثاني: القواعد والضوابط الفقهية الواردة في كتاب «الجامع للإمام ابن بركة وبيان بعض
الاستنتاجات والملاحظات عندها.
المطلب الأول: القواعد الفقهية الواردة في كتاب «الجامع» للإمام ابن -
بركة.
المطلب الثاني: الضوابط الفقهية الواردة في كتاب «الجامع للإمام ابن بركة
- المبحث الثالث: الاستنتاجات والملاحظات العامة حول القواعد والضوابط الفقهية الواردة عند الإمام ابن بركة في
كتابه «الجامع».
- المبحث الرابع: عرض نماذج من القواعد الفقهية الواردة في كتاب
«الجامع» للإمام ابن بركة مقارنة بآراء فقهاء
013
المذاهب الإسلامية. (1/513)
صفحة 513
الألعوض
المبحث الخامس: عرض نماذج من الضوابط الفقهية الواردة في كتاب «الجامع» للإمام ابن بركة مقارنة بآراء
فقهاء المذاهب الإسلامية.
- الفصل الثالث: نماذج من الآراء الفقهية للإمام ابن بركة الواردة في كتابه «الجامع، مقارنة بآراء فقهاء
المذاهب الإسلامية.
- توطئة.
المبحث الأول: فقه الطهارات.
المطلب الأول: حكم اغتسال الداخل في الإسلام.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم تطهير جلد الميتة بالدباغ.
الرأي المختار.
المبحث الثاني: فقه العبادات.
المطلب الأول: حكم صوم من أصبح جنباً في رمضان.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم زكاة مال الصبي والمجنون. الرأي المختار.
- المبحث الثالث: فقه الأيمان والنذور.
المطلب الأول: حكم إخراج كفارة اليمين قبل الحنث.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم الكفارة في نذر المعصية.
الرأي المختار.
514 (1/514)
صفحة 514
الصيف
المعوض
المبحث الرابع: فقه الأطعمة والأشربة.
المطلب الأول: حكم أكل متروك التسمية من الذبائح.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم تخليل الخمر. الرأي المختار.
المبحث الخامس: فقه الأحوال الشخصية.
المطلب الأول: حكم التفريق بالإعسار بالنفقة.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم الوصية للأقارب غير الوارثين.
الرأي المختار.
المبحث السادس: فقه العبادات.
المطلب الأول: حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم الإشهاد عند البيع.
الرأي المختار.
المبحث السابع: فقه الأحكام القضائية.
المطلب الأول: حكم القضاء على الغائب.
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم سماع البينة بعد اليمين. الرأي المختار.
- المبحث الثامن: فقه الجنايات والحدود. المطلب الأول: حكم قتل المسلم بالكافر الذمي. (1/515)
صفحة 515
(الصفحة
الرأي المختار
الموض
المطلب الثاني: حكم إقامة الحد بوجود رائحة الخمر.
الرأي المختار.
المبحث التاسع: مسائل فقهية خالف الإمام ابن بركة فيها رأي
المذهب الإباضي.
المطلب الأول: هل الحج واجب على الفور أم على التراخي ..
الرأي المختار.
المطلب الثاني: حكم اشتراط الولي في النكاح.
الرأي المختار.
المطلب الثالث: حكم طلاق السكران.
الرأي المختار.
- الخاتمة.
- المصادر والمراجع
الفهرس.
516 (1/516)
صفحة 516
رقم الإيداع: 88/ 516 (1/517)