صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
المؤلف: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
ضبط النص: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 7
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2000/104
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الطهارات، الولاية والبراءة، فقه الإباضية، ترجمة عبد العزيز الثميني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=516&id_ty=1
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 صفر 1447ه/ 12 - شهر 08 - 2025م. التَّاجُ المَنْظُوم
مِنْ دُرَرِ المِنْهَاجِ الَمعْلومِ
تأليف الشيخ
عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم بن عبد العزيز الثميني
(ت: 1223 هـ / 1808 م)
ضبط النص
محمَّد بن موسى باباعمي
مصطفى بن محمَّد شريفي
القرارة 1416 هـ / 1996 م (1/1)
صفحة 2
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله حمدًا يوافي نعمه، ويكافئ مزيده، والصلاة والسلام على محمَّد خير البريَّة، وبعد:
فإنَّ التراث الإسلاميَّ بحر عميق يزخر بمختلف المؤلَّفات والوثائق في مختلف الفنون والعلوم، وهو مجال لا يزال يحتاج إلى المزيد من سبر أغواره، والبحث في أعماقه، لاستخراج لآلئه، والكشف عن درره وأصدافه، بهدف الاستفادة منه فيما يصلح البلاد والعباد. ولعلَّ من أولى الخطوات في هذا المضمار، إبراز ما يزال مغمورًا منه في رفوف الخزائن والمكتبات، ووضعه في متناول الدارسين والباحثين، لتحقيقه وطبعه وتمحيصه وتحليله.
ولعلَّ المدرسة الإباضيَّة من أولى المدارس الإسلاميَّة التي لم تنل حظَّها من إبراز ما أنتجه أعلامها في مجالات العقيدة والفقه على الخصوص، بالرغم مِمَّا تميَّزوا به من غزارة في الإنتاج، ولا أدلَّ على ذلك من الموسوعات الفقهيَّة العظيمة التي تصل إلى العشرات من المجلَّدات. ونذكر منها على سبيل المثال: كتاب قاموس الشريعة للشيخ جميل بن خميس السعدي في تسعين مجلَّدًا، وبيان الشرع لمحمَّد بن إبراهيم الكندي في اثنين وسبعين مجلَّدًا، وكذا المصنَّف لأحمد بن عبد الله الكندي، وديوان المشايخ لجماعة من الأشياخ، وشرح النيل للقطب اطفيش، ومعارج الآمال للسالمي وغيرها كثير ... (1/2)
صفحة 3
وكتاب التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم، للشيخ ضياء الدين عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني يعتبر من أهمِّ تلك المؤلَّفات. وقد وضعه اختصارًا لكتاب منهاج الطالبين للشيخ خميس بن سعيد الرستاقي.
ولتوضيح معالم هذا الكتاب "التاج" ينبغي أن نعطي لمحة وجيزة عن الكتاب الأصل: المنهاج.
كتاب منهاج الطالبين:
منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين من تأليف للقاضي الشيخ خميس بن سعيد الرستاقي العُماني (ق 11 هـ / 17 م)، يعتبر من أهمِّ الموسوعات الفقهيَّة عند الإباضيَّة، وهو مفخرة للمكتبة الإسلاميَّة. وقد تفضَّلت بطبعه ــ مشكورة ــ وزارة التراث القومي والثقافة بسلطنة عمان، ونعم ما فعلت، لما له من سمات نذكر منها:
1 - الجمع: يتميَّز الكتاب بجمع آراء عدَّة من المشايخ والعلماء، الذين لولاه لضاع منها الكثير. وقد يورد في كثير من الأحيان المناقشات التي تقع بين أولئك الفطاحل، فيؤيِّد هذا أو يساند ذاك أو يعارضهما، وهذا مِمَّا يبرز تنوُّع ومرونة الفقه الإسلاميِّ، الأمر الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه اليوم.
2 - إيراد الكثير من القضايا الفقهيَّة: ولعلَّ المنصب التي تولاَّه الشيخ ــ وهو القضاء ــ أكسبه إحاطة بالكثير من القضايا والأمور التي هي من النوازل، فلم يكتف بإيراد الأحكام في عمومها، وإنَّما قد يورد للحكم الواحد الكثير من الأمثلة الواقعيَّة أو المفترضة.
كتاب التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم:
ونظرًا لصعوبة الاطِّلاع على جملة ما في كتاب المنهاج، فقد انبرى الشيخ الثميني ــ بما عُرف به من قوَّة في "تكثيف" الأفكار، وإيراد المعنى الكثير (1/4)
صفحة 4
في اللفظ اليسيرـ إلى اختصاره ليضعه في شكل "كبسولات مركَّزة" يتناولها العلماء في وقت الحاجة ــ إن صحَّ التعبيرـ؛ وهذا من عادة الشيخ في الكثير من مؤلَّفاته، وقائمةٌ بأهمِّ أعماله كفيلة بأن تعطي لنا فكرة عن نوعية تلك المؤلَّفات. وكتابه الذي بين أيدينا يمدَّنا بصورة ــ ولو بسيطة ــ عن طريقته في الاختصار.
وقبل الاستمرار في الحديث عن الكتاب يجدر بنا أن نعرِّف بمؤلِّفه وحياته وأهمِّ إنتاجه، فمن هو الشيخ الثميني؟
ترجمة المؤلِّف (1)
الشيخ العلاَّمة عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم بن عبد الله بن عبد العزيز الثميني، ضياء الدين
(و: 1130 هـ / 1718 م - ت: السبت 11 رجب 1223 هـ / 1808 م).
علم من أعظم أعلام الإسلام المحقِّقين، ولد ونشأ ببني يسجن التي تقع بوادي ميزاب جنوب الجزائر، وحفظ القرآن ببلدته، ثمَّ سافر إلى وارجلان ليدير أملاك والده بها حتَّى سنِّ الثلاثين. وبقدوم الشيخ أبي زكرياء يحيى بن صالح الأفضلي (2) (ت: 1202 هـ / 1787 م) إلى ميزاب عاود الكرَّة في سبيل العلم، ولازمه في حلقاته إلى أن نبغ في علوم اللغة العربيَّة والشريعة والمنطق وغيرها.
__________
(1) () - الترجمة مقتبسة من معجم أعلام الإباضيَّة (النسخة التجريبية)، إنجاز جمعية التراث، الترجمة رقم 620. (والمعجم إشراف الأساتذة: بحاز إبراهيم، باباعمي محمَّد، باجو مصطفى، شريفي مصطفى).
(2) () - وانظر دليل مكتبة آل افضل - نسبة إلى الشيخ الأفضلي -، إنجاز جمعية التراث، دليل مخطوطات وادي ميزاب، رقم 5. (1/5)
صفحة 5
خاض مع شيخه معركة الإصلاح في المجتمع، إذ كان الفساد مستشريًا، فلاقى من أجل ذلك أذى كثيرًا، وكان ذلك العهد بداية للحركة الإصلاحيَّة التغييريَّة بوادي ميزاب، والتي امتدَّت إلى ما بعد عهد الشيخ بيُّوض إبراهيم.
وفي سنة 1201 هـ أسندت إليه مهمَّة مشيخة العزَّابة، فلازم العمل الاجتماعيَّ والإصلاحيَّ، والمهامَّ الدينيَّة ردحًا من الزمن، ثمَّ اعتزل الناس ليشتغل بالتدريس والفتوى والتأليف لمدَّة ثماني سنوات كاملة.
ومِمَّن تخرَّج على يديه: العالم إبراهيم بن بيحمان، والشيخ يوسف بن حمُّو بن عدُّون، وقد مرَّت عليه سلسلة نسب الدين. غير أنَّ التأليف استوعب معظم انشغاله فأثرى بذلك المكتبة الإسلاميَّة بكثير من أمَّهات الكتب في مختلف الفنون، وهي كالتالي:
? أرجوزة في الفلك ومنازل البروج (مخ).
? الأسرار النورانيَّة في شرح رائيَّة أبي نصر في الصلاة (مخ).
? التاج على المنهاج في ستَّة وعشرين جزءًا. وهو اختصار لمنهاج الطالبين وبلاغ الراغبين للشيخ خميس بن سعيد الرستاقي العماني.
? التاج في حقوق الأزواج (مخ).
? تعاظم الموجين، شرح مرج البحرين للشيخ أبي يعقوب يوسف الوارجلاني في المنطق.
? التكميل لما أخلَّ به كتاب النيل، (ط. حجريَّة).
? عقد الجواهر في بحر القناطر، في جزأين (مخ).
? كتاب النيل وشفاء العليل، عمدة المذهب في الفقه، وقد لخَّصه ثلاث مرَّات، وتوجد منه ثلاث نسخ مخطوطة حقَّقه الشيخ عبد الرحمن بن عمر (1/6)
صفحة 6
بكلِّي وطبع في ثلاث مجلَّدات، وشرحه القطب الشيخ امحمَّد بن يوسف اطفيَّش، وطبع في 17 مجلَّدًا.
? مختصر حواشي ترتيب مسند الربيع بن حبيب في الحديث (مخ).
? المصباح: مختصر أبي مسألة والألواح، لأبي العبَّاس أحمد بن محمَّد بن بكر.
? معالم الدين في علم الكلام، طبع بعمان، وهو بصدد الدراسة والتحقيق من طرف الطالب عمر بن إسماعيل لإعداد رسالة ماجستير في معهد أصول الدين بالجزائر.
? النور: شرح نونيَّة أبي نصر في العقيدة، مطبوع طبعة حجريَّة.
? الورد البسَّام في رياض الأحكام، مطبوع.
? مراسلات عديدة منها ما هو مع أهل عمان، خاصَّة الإمام سليمان بن ناصر، وهي مخطوطة يرجع تاريخها إلى عام 1205 هـ.
? فتاوٍ عديدة متناثرة في كثير من المصادر.
? وترك مكتبة ثريَّة انتقلت إلى حفيده عبد الله بن محمَّد الثميني، وهي الآن ببني يسجن باسم مكتبة الاِستقامة.
المصادر:
- الثميني: كتاب النيل وشفاء العليل، مقدِّمة الشيخ عبد الرحمن بكلِّي، 12 - 16.
- الثميني: معالم الدين، 1/ 14 - 15.
- الثميني: التكميل لما أخلَّ به كتاب النيل، مقدِّمة محمَّد الثميني.
- الثميني: تعاظم الموجين في شرح مرج البحرين (مخ) مقدِّمة.
- القطب امحمَّد بن يوسف اطفيَّش: شرح كتاب النيل، مقدِّمة.
- القطب امحمَّد بن يوسف اطفيَّش: حاشية معالم الدين (مخ).
- إبراهيم بن بيحمان: مجموع مؤلَّفات (مخ) 85 و.
- (1/7)
صفحة 7
إبراهيم بن بكير حفَّار: السلاسل الذهبيَّة (مخ) 14، 38.
- مجهول: تقييد ما وقعت من فتنة (مخ) 2 - 5.
- محمَّد علي دبُّوز: نهضة الجزائر الحديثة.
- إبراهيم أبو اليقظان: ملحق السير (مخ) 75.
- علي يحيى معمَّر: الإباضيَّة في موكب التاريخ، الحلقة الرابعة: الإباضيَّة في الجزائر، 237.
- خير الدين الزركلي: الأعلام، 4/ 135.
- أبو القاسم سعد الله: تاريخ الجزائر الثقافي: 2/ 72 - 85.
- فرحات بن علي الجعبيري: البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضيَّة: 162.
- يوسف الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب، 82، 84.
- عدُّون جهلان: الفكر السياسي، 254.
- بكير بن سعيد أعوشت: قطب الأيمَّة، 87.
- صالح خرفي: من أعماق الصحراء، 54.
- الجابري: النشاط العلمي، 38.
- حمُّو عيسى النوري: نبذة من حياة الميزابيِّين، 1/ 76.
- الحاج سعيد: الإمام اطفيَّش (مخ) 5.
- عمرو مسعود: قطب الأيمَّة (مخ) 6 - 8.
- محمَّد عيسى وموسى: بيبليوغرافية أعمال ليفيتسكي، مجلَّة عالم الكتب، مج 5، ع.1 86.
- أبو اليقظان: جريدة وادي ميزاب، ع.9 بتاريخ 20 جمادى الأولى 1345 هـ/ 26 نوفمبر 1926 م ص 2.
- وثيقة بيان التعيين والمراسلات، وثيقة 6.
- جمعيَّة التراث: دليل مخطوطات وادي ميزاب: فهرس مكتبة الاستقامة، فهرس مكتبة آل افضل، فهرس مكتبة آل يدَّر، فهرس مكتبة القطب، فهرس مكتبة الحاج سعيد محمَّد، فهرس مكتبة الإصلاح، فهرس مكتبة دار التلاميذ بالعطف، فهرس مكتبة الشيخ بلحاج، فهرس مكتبة حمُّو باباوموسى، فهرس مكتبة متياز، فهرس مكتبة البكري، فهرس مكتبة ابن ادريسو ...
- (1/8)
صفحة 8
Motylinsky: Encyclopédie de l' Islam, 2 em Ed. vol. 1, 58 - 59.
- smogorzewscki: Abdelaziz ses écrits et ses sources, M,S.
- smogorzewski: étude sur le waqf abadhite, 16.
- Zeys: législation mozabite, 46.
- Louis David: Les mechaikhs, 24.
ملاحظات حول ضبط النص ورموزه
بادئ ذي بدء لا بدَّ قبل أن نشير إلى أنَّ عملنا في هذا الكتاب يتمثَّل في جانبين أساسيين: وهما ضبط النصِّ، وتخريج الآيات. وقد تمَّ العمل عير المراحل التالية:
مراحل العمل:
1 - البحث عن النسخ المخطوطة للكتاب وتصويرها، وقد تمكَّنَّا من الحصول على ثلاث نسخ: فالأولى: النسخة الأم المنقَّحة بخطِّ المؤلِّف من مكتبة الاستقامة ببني يسجن. والثانية: نسخة بخطِّ الشيخ الحاج بن كاسي من مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة. والأخرى بنسخ حديث.
2 - رقن النصِّ بالكمبيوتر من نسخة الحاج بن كاسي، لأنَّها أسهل للقراءة.
3 - مقارنة المرقون بالمخطوط.
4 - المقارنة بين النسختين " أ " (نسخة المؤلِّف) و"ب" (نسخة الحاج بن كاسي).
5 - تخريج الآيات.
6 - طباعة أوَّلية في الورق.
ضبط النص والترقيم والرموز:
الضبط: حاولنا أن نضبط النصَّ حسب المستطاع حتَّى نقلِّل أكبر قدر ممكن من الأخطاء المطبعيَّة، خاصَّة إذا علمنا أنَّ أسلوب الشيخ دقيق، يحتاج إلى الانتباه وقوَّة التركيز، إذ أنَّ أيَّ تغيير في أيِّ حرف مهما يكن بسيطًا قد يبدِّل (1/9)
صفحة 9
المعنى رأسًا. مع الإشارة إلى أنَّ خطَّ النسختين المعتمدتين صعب المراس، فكثيرًا ما يقع الإشكال بين الأحرف المتماثلة رسمًا كالهمزة والمدِّ، مثل: إنَّ، إنْ، أنَّ، آن، بانَ، بأنَّ، فإنْ، فإنَّ ... أو كالباء والياء والتاء والثاء والنون، مثل: يثبت، ثبتت، تثبت، نُثبت، نبتت ... ومثل: قَبل، وقُبل، وقيل، وقد تأخذ كلمةٌ واحدة منَّا كثيرًا من الوقت لتقرير كتابتها بهذا الشكل أو ذاك!، وذلك بالمقارنة مع سباقها ولحاقها.
الترقيم: كما أنَّنا اجتهدنا أن نضع كلَّ أنواع الترقيم من فواصل، وقواطع، ونقط، وعلامات التنصيص وغيرها ... حتَّى نسهِّل على القارئ فهم النصِّ، مع العلم أنَّ أيَّ تقديم أو تأخير أو وضع رقم مكان آخر قد يغيِّر من المعنى؛ وهذا لم يكن بالأمر الهيِّن، نظرًا لأسلوب الشيخ المعقَّد في كثير من الأحيان، فقد يمرّ القارئ بعدَّة عبارات دون أن يفهمها، إلاَّ بتكرار وتركيز، ووضع الفواصل في موضعها.
وتسهيلا للباحث كتبنا الآيات والأحاديث المستشهد بها بالخطِّ العريض، وكذا أسماء الأعلام والكتب المذكورة.
الرموز المستعملة في المقارنة:
أ: نسخة مكتبة الاستقامة ببني يسجن، وهي النسخة الأم للمؤلِّف: الشيخ الثميني.
ب: نسخة مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة، لناسخها الشيخ الحاج بن كاسي.
+: زيادة كلمة أو عبارة.
-: نقص أو سقط كلمة أو عبارة.
[ ... ]: إضافة في المتن من وضعنا أو من إحدى النسختين. (1/10)
صفحة 10
نسخ الكتاب:
توجد للكتاب عدَّة نسخ في كثير من مكتبات وادي ميزاب، نذكر منها ما يلي:
1 - نسخة مكتبة الاستقامة ببني يسجن:
وهي النسخة الأمُّ، بخطِّ المؤلِّف وتقع مجلَّدين كبيرين وقد اعتمدناها أساسًا ورمزنا إليها بحرف أ. والملاحظة الجديرة بالذكر هنا أنَّ خطَّ هذه النسخة صعب القراءة بشكل جعلنا نعدل عن الرقن منها مباشرة، وإنَّما فضَّلنا الرقن من نسخة الحاج بن كاسي لأنَّها أوضح.
وهذه بعض أوصافها:
تاريخ الانتهاء من التبييض: عند الظهر من يوم الخميس لأربع عشر خلت من جمادى الأخرى من سنة 1192 هـ.
المقاس: ... عدد الأسطر: عدد الأوراق:
الخط: مغربي غير واضح.
2 - نسخة مكتبة آل افضل:
وهي كذلك بخطِّ المؤلِّف، إلاَّ أنَّنا لم نعتمدها في الضبط، لأنَّ المؤلِّف اعتبرها مسوَّدة، وقال في أوَّل الكتاب (ق 6 ظ): «الحمد لله وحده، هذا تلخيص من المنهاج وللكن [كذا] يؤخذ بما في هذا المجلَّد ولا ينسخ منه، إذ لم يحرَّر للنسخ منه». وهذه بعض أوصافها:
تاريخ النسخ: غير مذكور (لا شكَّ أنَّه قبل 1192 هـ)
المقاس: 231×175 مم عدد الأسطر:34 - 39
عدد الأوراق: 277 عدد الأجزاء: 7. (1/11)
صفحة 11
رقمها في الفهرس: 82 رقمها في المكتبة: [خ. م. 010/هـ 19]
3 - نسخة مكتبة الشيخ بلحاج بالقرارة:
وهي نسخة بخطِّ الناسخ العالم المعروف باسم الشيخ بلحاج (1). وقد رمزنا إليها بحرف "ب" واعتمدناها في أمرين: الرقن والمقارنة:
__________
(1) () - وهذه ترجمته المقتبسة من معجم أعلام الإباضيَّة، من إنجاز جمعية التراث بالقرارة. ترجمة رقم 247:
بلحاج بن كاسي بن محمَّد القراري المعروف بالشيخ بلحاج (ت: 1243 هـ / 1827 م)
من علماء القرارة، يعتبر ثالث شيخ قراري تولَّى المشيخة العامَّة للوادي باتِّفاق حلقات جميع القصور.
أخذ العلم عن أبيه كاسي بن محمَّد، وعن الشيخين الحاج يوسف بن حمُّو، والحاج عبد الله بن عيسى في بني يسجن، كما اعتبر تلميذًا للشيخ عبد العزيز الثميني وأبي يعقوب يوسف بن عدُّون.
كان شيخ القرارة ومحييها، تصدّى للتدريس ونشر العلم، ومن أشهر تلامذته: عمر بن سليمان اليسجني، وبلحاج بن عيسى العطفاوي، وإبراهيم بن داود بن يامي البرياني.
جازت عليه سلسلة نسبة الدين من أستاذه الثميني ومرَّت بتلميذه بلحاج العطفاوي.
تولَّى بنفسه نسخ مؤلفات الشيخ عبدالعزيز الثميني الذي وصفه بـ"العلاَّمة".
كان رحمه الله لسخائه ملجأ للمفطرين، وكان لحكمته وحسن تدبيره وسياسته ملجأ آمنا لمَّا وقعت في بلدته الفتنة الأولى؛ فقد آوى إليه كثيرا من الأبرياء رجالا ونساء، فجعل النساء في دوره، والرجال بالمسجد وتكفَّل بكلِّ ما يحتاجون إليه من الطعام والشراب.
حيكت ضدَّه المؤامرات، إلاَّ أنَّه نجا من القتل بأعجوبة، ولكنَّ المجرمين أحرقوا كتبه وانتهبوه.
يعدُّ أوَّل من رفع راية الإصلاح والنهضة الحديثة في القرارة، فتعرَّض نتيجة لذلك لبعض المضايقات والتهديدات من الحكام الاِستعماريين وأذيالهم، الأمر الذي دفعه للهروب إلى غرداية ثمَّ إلى العطف حيث توفي سنة 1243 هـ/1827 م في رواية، وفي رواية أخرى للشيخ حفَّار أنَّه توفي سنة 1235 هـ/1819 م.
المصادر:
*حفَّار: السلاسل الذهبية (مخ) 29 - 32 *أبواليقظان: ملحق السير (مخ) 1/ 83 - 84 *أبو اليقظان: الثميني كما أعرفه (مخ) 20 *مجهول: رسالة زيارة مشاهد مزاب (مخ) 24 *دبوز: نهضة الجزائر،1/ 282؛ 2/ 157 *النوري: نبذة، 1/ 97. (1/12)
صفحة 12
1 - الرقن: اضطررنا إلى الرقن منها بدل الرقن مباشرة من النسخة أ. لعدَّة اعتبارات، منها:
أ) أنَّها أوضح خطًّا، وأسهل قراءة، ففي كثير من الحالات نجد كلمات غير مقروءة البتَّة في نسخة أ. أو يشكل علينا قراءتها بهذه الصيغة أو تلك، فنجد الحلَّ للإشكال والتوضيح للغموض فيها.
ب) أنَّها قليلة الأخطاء، إذا قارنَّاها بما سواها من المخطوطات.
2 - المقارنة: رغم وجود نسخ أخرى للكتاب إلاَّ أنَّنا فضَّلنا المقارنة مع هذه النسخة فقط، لأمور نذكر منها:
أ) أنَّ عملنا الأساسيَّ في هذا الكتاب هو ضبط النصِّ ضبطًا دقيقًا، حتَّى يكون المتن أقرب ما يكون إلى ما كتبه المؤلِّف. وتبقى الأعمال الأخرى على الكتاب ــ من دراسة حوله وتحقيق الاستشهادات من أحاديث ونصوص، وتحقيق المسائل الأصوليَّة والفقهيَّة ... ــ من عمل فرقة بحث كاملة من مختلف التخصُّصات.
ب) أنَّ النسخة "ب" كتبت بخطِّ أكبر تلامذة المؤلِّف، ومن غير المستبعد أن يكون قد عرضها على أستاذه، مِمَّا يعطيها قيمة علميَّة ليست لسواها.
جـ) أنَّها نسخت من الأصل مباشرة. وهذا ما يفسِّر لنا انتقال نظره عند النسخ بين كلمتين أو عبارتين متشابهتين وفي سطرين متتابعين في النسخة " أ ". (1/13)
صفحة 13
د) ولأنَّنا لم نجد فيما بين أيدينا نسخة أقرب إلى النسخة الأمِّ منها؛ فالنسخة الأمُّ نسخت سنة 1192 هـ بينما انتهى الناسخ منها بعد عشر سنوات فقط أي سنة 1202 هـ.
4 - نسخة كاملة في أربع مجلَّدات:
وقد صوَّرناها من إحدى مكتبات وادي ميزاب، إلاَّ أنَّها ــ رغم وضوحها ــ من نسخ حديث، يحتمل أنَّها نسخت في أواسط القرن الرابع عشر الهجري، أي أوائل القرن العشرين الميلادي. أي أنَّها غير ذات قيمة علميَّة كبيرة عند وجود الأصل، ونسخة تلميذ المؤلِّف.
5 - نسخة مكتبة عشيرة آل يدَّر ببني يسجن:
وهي برقم: [134] في الفهرس، وبرقم: [236/هـ 27] في المكتبة. وليس بها غير وريقات قليلة من أوَّل الكتاب. وهذه أوصافها:
آخر المخطوط: « ... فقد أجزاه على هذه النية والصفة، وإن أدَّاه على غير قصد لأداء ما لزمه أو على ... »
الناسخ: غير مذكور [لعله صالح بن محمّد بن سليمان ابن ادريسو: أوائل القرن 14 هـ]
عدد الأوراق: 20 ق عدد الأسطر: 21
المقاس: 245×178 مم مخروم الآخر (لم يتمم نسخه).
الخط: مغربي واضح.
كتبت التمليكة في 1 و بمداد أزرق: «الحاج بن الحاج محمّد بن عيسى الشريف». (1/14)
صفحة 14
خاتمة:
وفي الأخير نهيب بكلِّ الباحثين في العلوم الشرعيَّة من أصول وفقه، أن يدرسوا بجدِّية مثل هذا التراث الإسلاميِّ الضخم، ويستخرجوا منه ما يحتاج إليه المسلمون ــ والعالم ككلٍّ ــ في الوقت الحاضر، ليقدِّموا لهم بديلاً إسلاميًّا في مختلف مجالات الحياة، ويكون في مستوى الصراع الفكري والحضاري.
نسأل الله تعالى أن يوفِّقنا لما يحبُّه ويرضاه، وأن يجعل هذا العمل خالصًا مخلصًا لوجهه الكريم، وأن يغفر لنا ما قد يقع فيه من السهو أو الخطأ من غير قصد. والكمال لله، وله الحمد من قبل ومن بعد.
محمَّد بن موسى باباعمي
مصطفى بن محمَّد شريفي
القرارة في 1 محرَّم 1417 هـ 18 ماي 1996 م (1/15)
صفحة 15
[صـ. ـو. ر. ة] (1/16)
صفحة 16
[صـ. ـو. ر. ة] (1/17)
صفحة 17
[صـ. ـو. ر. ة] (1/18)
صفحة 18
المجلَّد الأوَّل من مختصر المنهاج، محبَّسًا على من يقرأ فيه من أقاربي قبل غيرهم، في سبيل الله سبحانه وتعالى (1/19)
صفحة 19
[1] بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمد وسلّم (1)
الحمد لله الذي منّ علينا بمعرفة شيء من أحكامه الشرعية، وخصّنا (2) بالاطِّلاع على بعض الخبايا من أصولها وفروعها العلمية والعملية، وأفاض علينا سِجالاً من بحور علومه الغير المتناهية (3)، وأعلانا بُروجا مشيّدة من مؤسّسات القواعد المتعالية المتباهية، وأنالَنا من مواهبه ما لاَ وصول لنا إليه لولا أن تفضّل به علينا؛ فكان لِدِي الحاجة إليه عتيدًا مستحضَرا لدينا.
والصلاة والسلام على سيّدنا ومولانا محمد: المبعوث رحمة للعالمين، المنعوت بأوصاف الكمالات، من بين إخوته الأنبياء المرسلين؛ وعلى آله وأصحابه المهتدين، القامعين للمردة الضالّين المضلّين.
وبعد، فإنِّي لمّا ظفرت بما ظفرت به من أجزاء منهاج الطالبين وبلاغ الراغبين، للشيخ ضياء الدين خميس بن سعيد العُماني عفى الله عنّا وعنه، وعن جميع المسلمين؛ على يد بعض الأفاضل، أكرمه الله آمين؛ فوجدته كتابا فائقا، جامعا لكثير من المُهِمَّات رائقا، ولغليل الصدور شافيا، ولمؤنة المِلَمَّات كافيا.
ولكنَّه لما فيه من التطويل والتكرار، قابل للتجريد والاِختصار، صرفتُ عنان العناية نحو تحصيله، وشمّرت عن ساق الجِدّ في تلخيصه، واستنهضت الخَيْل والرَّجْل إلى مقاصده، ووجّهتُ رِكاب النظر تلقاء مراصده، وسَريت بها في ظُلَم الليالي، حتّى ظفرت منه بتلك المطالب، وفزت بعون الله سبحانه بنيل هاتيك المآرب، فطفقت أقتنص الدرّ من بحور معانيه، وأستعطف المخدّرات المحتجِبة في قصور مبانيه؛ فكانت تشير إليّ بالوصال في الحال، وبإدامته بفضل الله عزّ وعلا فيه وفي المآل؛ مع ما أنا (1/21)
صفحة 20
أكابده من الأمراض وتراكم البِلْبَال [3]، وأعانيه من تفاقم المحن وتكاثر الأشغال، ومع الكبَر وجمود القريحة، وخمود الفطنة، بعد توقُّد الطبيعة.
وقد تعطّلت من العلوم مواردُها، وانسدّت في وجوه الطالبين مصادُرها، واندرست أطلالها ومعالمها، وانطمست آثارها ومراسمها؛ وكنتُ في ذلك متى وجدت فرصة اِنتهزتها، وإذا بهرني (4) ما أنا فيه استكنت دونها؛ حتّى جاء بحمد الله ما طلبته يروق الناظرين، ويعجب الطالبين والمحصّلين، مسمّيا له بـ التَاجِ المَنْظُومِ مِنْ دُرَرَ الِمنْهَاجِ المَعْلُوم، مضيفا إليه من غيره بعض الفوائد، موشِّحا له بغرر الفرائد، طالبا من الله أن يصونه من تصحيف المصحّفين، ومسخ الضعفاء الماسخين، كما وقع لغالب مصنّفات المذهب لقلَّة تعاطيها بالتدريس والمطلب.
وينحصر في ستّة وعشرين جزءًا:
الجزء الأول: في العلم وفضله، وأصناف العلماء، وفي العقل وأصول (5) الدين، وتشبيه المسائل والفتيا، والحجّة وقيامها في قبول الفتيا، والجائز فتياه، والتقليد، ولزوم العلم والمعلّم والتعليم، والردّ على الفرق الملحدة في القرآن، لما فيه من المحكم والمتشابه وغيرهما، ومخاطبة الله (6) لعباده، والتكليف، وما يسع وما لا يسع، والإيمان ورديفه، والشرك وغيره، والجائز من الكلام، والملائكة (7) وغيرهم، ورفع المذهب؛ وفيه أربعة وعشرون بابا.
الجزء الثاني: في الوَلاية والبراءة وما يتعلّق بهما، وفي السؤال ووجوبه، والشهادة للمحْدِث بالتوبة، وفيها، وفي الذنوب والتهذيب منها، والخواطر، والاِستقامة، والإخلاص، والشكر ووجوبه، وذنوب الأنبياء والملائكة، وفضل النبيء صلّى الله عليه وسلّم وصاحبيه، وذكرِ الأبدال، والذكر والفكر، والدعاء والرجاء، وسوءِ الظنّ، والبعث والحساب، والجنّة والنار وموجبهما، والدارين وحالهما، والطيب ونحوه، وسنن الأبدان والنوم، والأكل والشرب ونحوهما، والتداوي والرقيا، والمستحبّ من القول، والجائز من التقية، والعتب، والعذر ونحو ذلك، والأهل والجار (1/22)
صفحة 21
ونحوهما، وصلة الرحم، والاستئذان، والسلام وردّه، والمصافحة، وما للرجال مع النساء وعكسه، وفي حقّ الولد على الوالد كعكسه، وفي الفرائض والسنن والنيات ووجوبها والشكّ [4] وعروضه، وأسباب البحر والجبابرة؛ وفيه ثمانية وأربعون بابا.
الجزء الثالث: في حكم الحدث والخبث والطهارة منهما، وفي الميت وما يتعلّق بأحواله؛ وفيه أحد وستّون بابا.
الجزء الرابع: في الصلاة وما يتعلّق بها؛ وفيه اثنان وستون بابا.
الجزء الخامس: في الزكاة ووجوبها وما يتعلّق بها، وفيما يؤخذ من أهل الذمّة ونصارى العرب، وفي الرِّكاز والمعادن ونحوهما، وفي المسألة والاِسترفاد والصدقة، والحمد والشكر، والصوافي وأحكامها؛ وفيه خمسون بابا.
الجزء السادس: في الصوم وفرضه وما يتعلّق به، وفي النذر والاعتكاف، واليمين، والعتق، والذبائح، والصيد، وما يتعلّق بها، وفي الخمر وتحريمها؛ وفيه ستّون بابا.
الجزء السابع: في الحجّ والعمرة ووظائفهما، وما يتعلّق بهما؛ وفيه خمسة وثلاثون بابا.
الجزء الثامن: في القسمة وما يتعلّق بها؛ وفيه ثلاثة وعشرون بابا.
الجزء التاسع: في الشفعة وأحكامها وموجباتها؛ وفيه ثمانية وعشرون بابا.
الجزء العاشر: في الإجارات وأحكامها، والعمل، والاشتراك، وأهل الصناعات، ونحو ذلك؛ وفيه اثنان وثلاثون بابًا.
الجزء الحادي عشر: في الأفلاج وما يتعلّق بها؛ وفيه تسعة وعشرون بابا. (1/23)
صفحة 22
الجزء الثاني عشر: في ما يحلّ من الأموال، وما لا يحلّ منها، والمباحات (8)، والضمانات، والحلّ والخلاص منها، وفي ركوب البحر، ونحو ذلك؛ وفيه عشرون بابا.
الجزء الثالث عشر: في المساجد، والرموم، والموات، والجبال، والأودية، ومال السبيل والفقراء، ومال الغائب، ومالا يعرف له ربٌّ، وأحكام ذلك؛ وفيه سبعة عشر بابا.
الجزء الرابع عشر: في البيوع ومعانيها، والجائز منها وغيره، وفي الرهن وأحكامه وما يتعلّق به؛ وفيه مائة باب.
الجزء الخامس عشر: في النكاح والتسرّي، والظهار، والإحصان، والطلاق، والفداء، والإيلاء، والمراجعة، والتحريم، والنفقة، والعدالة، والحمل [5] ووضعه، وأحكام ذلك وما يتعلّق به؛ وفيه مائة باب وعشرة أبوبة.
الجزء السادس عشر: في الوصايا وأحكامها وما يتعلّق بها؛ وفيه اثنان وتسعون بابا.
الجزء السابع عشر: في الفرائض وموجبات الإرث والموانع منه، وما يتعلّق بذلك؛ وفيه ثلاثة وعشرون بابا.
الجزء الثامن عشر: في الإقرار والعطية، ومن يجوز ذلك منه، ومن لا يجوز، وقبول ذلك، وفي العمرى والرقبا ومعناهما وأحكامهما، ونحو ذلك؛ وفيه ثلاثون بابا.
الجزء التاسع عشر: في الأولاد وتربيتهم وما يتعلّق بذلك؛ وفيه ثمانية وثلاثون بابا. (1/24)
صفحة 23
الجزء الذي هو العشرون: في العبيد وفيما لهم وما (9) عليهم، وفي العِتق والتدبير، وأحكام ذلك؛ وفيه اثنان وثلاثون بابا.
الجزء الحادي والعشرون: في الأمانة، والوديعة، والعارية، والهدية، واللقطة، ومعاني ذلك وأحكامه؛ وفيه اثنى عشر بابا.
الجزء الثاني والعشرون: في المضارِّ وصرفها، وإحداث الدواب والعبيد، وأحكام ذلك؛ وفيه عشرة أبواب (10).
الجزء الثالث والعشرون: في الدماء وأسبابها وأحكامها، وما يتعلّق بها؛ وفيه أحد وثلاثون بابا.
الجزء الرابع والعشرون: في الشهادات وقبولها وردّها؛ وفيه تسعة وثلاثون بابا.
الجزء الخامس والعشرون: في الأحكام والقاضي، ومن يصلح للقضاء، والواجب عليه، وآدابه، وما يتعلّق بذلك؛ وفيه أربعة وخمسون بابا.
الجزء السادس والعشرون: في الديون وما يتعلّق بها من الأداء، والإبراء منها، والإقرار بها، والحوالة، والكفالة، وغير ذلك؛ وفيه خمسة وعشرون بابا.
ويُفهم غالب تفصيل كلّ باب وترتيبه مما أجملناه في الأجزاء. وليكن نظرك أيها الأخ الناظر فيه بعين التأمّل والرضى؛ لتكون بذلك عند الله أنت المرتضى؛ فما وجدت (11) فيه من صواب فخذه، أو من خطأ فتجنّبه، أو من فساد فأصلحه أو من تحريف فبدّله؛ فقلّما يخلص مصنَّف من الهفوات، أو ينجو مؤلِّف من العثرات.
وأنا أسأل الله تعالى أن يوفّقنا إلى العمل بما فيه، وأن ينفع به كلّ من تعاطى النظر فيه، والقصد إليه؛ إنّه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير. (1/25)
صفحة 24
هوامش مقدِّمة المؤلِّف
(1) - ب: + هذا مختصر المنهاج من كتب إخواننا المشارقة، للعلاَّمة الشيخ عمِّنا: عبد العزيز بن الحاج اليزجني رحمه الله آمين.
(2) - ب: خصَّصنا.
(3) - كذا في النسختين، والصواب: غير المتناهية.
(4) - ب: أبهرني.
(5) - ب: أحوال.
(6) - ب: + تعالى.
(7) - ب: - الملائكة.
(8) - ب: وفي المباحات.
(9) - ب: فيما.
(10) - ب: أبوبة.
(11) - ب: وجدته. (1/27)
صفحة 25
الجزء الأوَّل
في العلم (1/29)
صفحة 26
الباب الأوَّل
من الجزء الأوَّل في العلم [6]
وهو لغةً: المعرفة.
وعرفًا: هو صفة يتجلّى بها المدركون (1) لمن قامت هي به.
وفيه تعريفات تطلب من محلّها.
وهو إمّا بديهي أو مكتسبٌ بالعلم، وسمي علمًا لأنّه علامة بها يمتاز العالم من الجاهل، وبها يهتدي العالم، وهذا في علم الخَلْق؛ وأمّا علم الله تعالى، فلا يتّصف بكونه ضروريا ولا كسبيا.
وللعلم فنون كثيرة، وضروب مختلفة، وكلّها شريفة؛ والإحاطة بجميعها محال؛ لما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم: «العلم أكثر من أن يُحصى، فخذوا منه بأحسنه». ومن ظنّ أنّ له غاية فقد بخسه حقّه، ووضعه في غير منزلة وصفه الله بها.
وقد قيل: لو كنَّا نتعلّم العلم لنبلغ غايته لكنّا بدأنا بتنقيصه، ولكنّا نطلبه لننقص كلّ يوم من الجهل، ونزداد فيه من العلم.
وله ثلاث درجات، فمن بلغ الأولى استكثر ما عَلِمه، فإذا بلغ الثانية استقلّ ما علمه، ولا يبلغ الثالثة غير الله.
والعلم إمّا دينيٌّ أو دنيويٌّ: فالدينيُّ قسط المريدين به النجاة، والدنيويُّ قسط المريدين به المراتب.
* والدينيُّ ظاهرٌ عامٌّ، كالعلم بأحكام الشرائع، وباطنٌ خاصٌّ، كعلم الأنبياء والصدِّيقين.
* والدنيويُّ أيضا روحانيٌّ، كالنحو والكلام وغيرهما؛ وجسمانيٌّ، كعلم الصنائع والحرف.
وروي: «العلم إمَّا بالقلب وهو النافع، وإمّا باللسان وهو حجّة الله على عباده». (1/31)
صفحة 27
وقيل: العلم علم الأديان، وعلم الأبدان، ولولاه ما كان علم الأديان.
فصل
قد جعل الله بحكمته لكلّ فنٍّ من يحميه ويقوم به؛ لتعذّر القيام به كلَّ القيام، ولتفاضل أهل كلِّ عصر في كلّ فنٍّ؛ كما روي في تفاضل الصحابة رضوان الله عنهم في العلوم، وكذا التابعون ومن بعدهم، فكلٌّ منهم صرف همّته إلى فنٍّ وبرع فيه؛ وأجلّها قدرًا وأنفعها: معرفة الله تعالى فإنّها أوّل الواجبات، وبعدها معرفة حدوده.
وثمرة العلم العمل به، وهو قدر النية.
وقيل أصل العلوم القرآن؛ لما روي أنّ فيه علوم الأوّلين والآخرين.
الباب الثاني
في فضل العلم
قال الله سبحانه: {ولَقَدْ يسَّرْنَا القُرْآنَ للذِّكْرِ ... } الآية (سورة القمر: 22)، ومعناه قيل: هل مِنْ طالب علمٍ فيعان عليه؟
وروي: «طلب العلم فريضة على كلّ بالغ عاقل»؛ وأيضا: «اطلبوا العلم ولو بالصين»؛ وأيضا: «عليكم بالعلم؛ فإنّ أحدكم لا يدري متى يحتاج إليه».
وعن عمر: تفقّهوا قبل أن تسودوا؛ أبو الدرداء (2): تعلّم العلم؛ فإِنّك أن تموت عالما خيرٌ لك أن تموت جاهلا.
وأوحي إلى داوود عليه السلام: «أن اتَّخِذْ نعلين من حديد، وعصًا من حديد، واطلب العلم» الحديث. (1/32)
صفحة 28
وروي: «اُطلبوا العلم فإنّ فيه حياة القلوب، ومصابيح الأبصار، وقوّة الأبدان؛ فإنّه يُبلغ العبيد منازل الأحرار، والأحرار منازل الملوك، والدرجاتِ العلى دنيا وأخرى؟»
وروي: «من مشى في تعلّم كُتب له بكلّ خطوة عبادة ألف سنة، قائمًا ليلَها، صائمًا نهارَها». و: «حفظ مسألة [7] خير من عبادة ستين سنة؟».
وأيضا: «صحبة العلماء دين، ومجالستهم كرم، والنظر إليهم عبادة، والمشي معهم فخر، ومخالطتهم عزٌّ، والأكل معهم شفاء ... » الحديث.
فقد سوّى الله بين قلوبهم واللوح المحفوظ، فقال: {بلْ هوَ قرآنٌ مَجيدٌ ... } الآية (سورة البروج: 21)؛ {بل هوَ آياتٌ بيِّناتٌ في صدور الذين أوتوا العلم} (سورة العنكبوت: 49).
وروي: «جلوس ساعة مع العلماء أحبّ إلى الله من عبادة ألف سنة، لا يعصى فيها طرفة عين ... » الحديث (3).
وأيضا: «من يرد الله به خيرًا يفقّهْه في الدين ... » الحديث.
وأيضا: «العلم خليل المؤمن، والحِلم وزيره، والرفق أخوه، والبِرّ والده، والصبر أمير جنوده؛ وما قُرن شيءٌ إلى شيءٍ أحسن من حلمٍ إلى علمٍ، فمن أوتيه أنار الله به قلبه، فعليه أن لا يطفئه بالذنوب؛ فيكون في الظلمة يوم يسعى أهل العلم بما آتاهم الله؛ ولا يحبّه إلاّ من أحبّه الله وبالعكس، ولا تقوم الساعة حتّى يصير العلم جهلا».
وروي: «باض العلم بمكّة، وفرّخ بالمدينة، وانتشر بالبصرة، ونهض إلى عمان».
والناقلون له منها عن أبي عبيدة إلى عمان خمسة: موسى بن أبي جابر الأزكوي، وبشير بن المنذر النزواني، ومحمد بن المعلا الكندي، ومنير بن النير العجلاني، ومحبوب بن الرحيل القرشي؛ وفي رواية بدله (4) هاشم بن غيلان. كما أنّ حملته عنه أيضا إلى المغرب خمسة مشهورون في السير. (1/33)
صفحة 29
وفضائل (5) العلم، والأحاديثُ فيه والآثار أكثر من أن تحصى، وليس ذلك من غرضنا هنا.
فصل
نقيض العلم الجهل وهو داء والعلم دواؤه، والجهل عورة تُستَر، والعلم زينة تُظهَر؛ والجهل أقبح ما في الإنسان، والعلم أصلح ما فيه. ومن جهل شيئا فقد عاداه؛ فالأمم لمّا جهلوا فضل أنبيائهم عادوهم، إلاّ من صدّق بهم.
ومن علامات الجاهل: معاداته للعالم، وازدراؤه عليه، وانصرافه عنه، وهو مشاهَدٌ.
والجاهل ميّت ولو كان حيّا، ومعدوم ولو كان موجودًا، وفقير وإن كان غنيًا.
وقيل لبعض الحكماء: ما لكم لا تعاتبون الجهّال؟ فقال: إنّا لا نكلّف العُميَ أن يبصروا، ولا الصمَّ أن يسمعوا، ولا البكم أن ينطقوا؛ فهم كما ذكرهم الله عزَّ وعلا (6): {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} الآية (سورة البقرة: 18)
وينبغي للعاقل أن يخاطب الجاهل مخاطبة المتطبّب للمريض، فإنّ الجهل طبع الإنس، والعلم حادثٌ فيهم.
وروي: «من لم يتعلّم عذِّب على الجهل، فلا أفضل عند الله من العلم، ولفقيهٌ واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد».
وندب للمتعلّم أن يقصد في تعلّمه وجه الله، ونفيَ الجهل عن نفسه، وأن يرغب في كلّ فنٍّ إن أمكنه؛ وإلاّ فبعد أصولِ الدينِ العلمُ بالأحكام الفرعية، لعموم الجهل وكثرة البلوى.
وكفى بالعلم شرفا أنّ كلّ أحد يدّعيه وإن لم يتأهّل له (7)، وبالجهل قبحا أنّ كلّ أحد عن نفسه ينفيه، ولو كان به موسوما. فالملوك حكّام والعلم حاكم عليهم، وقد خُيّر سليمان عليه السلام بين العلم والمال، فاختار العلم، فأعطِيَه والملكَ أيضًا. (1/34)
صفحة 30
[8] ومداد العلماء يوازن ــ قيل ــ دم الشهداء غدًا؛ ومن لم يحزن على موت عالم فهو منافق؛ وتبكي لموته ــ إن كان صالحا ــ سكّان السماوات سبعين يوما، فلا مصيبة أعظم من موته؛ وما من مؤمن يحزن على موته إلاّ كتب له ثواب ألف ألف عالم، وألف ألف شهيد، ورُفع له عمل ألف ألف شهيد؛ كذا جاءت الروايات، قلت: ولعلّه عابدٍ بدل شهيدٍ الأخير.
ويروى: «من حقر العالم فقد حقرني، ومن حقرني فله النار».
ويرفع الله بالعلم أقواما، ويجعلهم في الخير قادة، تُقتَصُّ آثارهم، وترفع أعمالهم، وترغب الملائكة في خُلّتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وكلُّ رطب ويابس يستغفر لهم: حتّى حيتان البحر وهوامه، وسباع البَرِّ وأنعامه، والسماءِ ونجومها، والأرض ونخومها (8).
وسئل أبو سعيد عن طلب المعيشة والتعليم (9) أيّهما أفضل؟ فقال: هذا ممّا يختلف فيه، وكلّه فضيلة، ولا أعلم أفضل من طلب العلم، وإن فُرض طلب المعيشة، وإن كان طلب العلم فضيلة (10) فالفرض أولى؛ فمن له قوت يجري عليه ولو يوما بعد يوم (11) فطلب العلم أولى له، وإن خاف عدمه، فطلبه أولى من العلم، ويَعتقِد السؤال عمّا يلزمه في الدين والطلبَ متى قَدِر عليه.
الباب الثالث
في أصناف العلماء وما يتعلَّق بذلك
قال عزّ وعلا: {يرفعِ اللهُ الذينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ... } (سورة المجادلة: 11) الآية، {نرفعُ درجاتِ منَْ نشاءُ ... } الآية (سورة الأنعام: 83)، {وما يستَوي الأحياءُ} وهم العلماء {ولا الأمْواتُ} (سورة فاطر: 22) وهم الجهّال، وقيل المؤمنون والكافرون. (1/35)
صفحة 31
وروي: «الناس موتى إلاَّ العالمون ... » الحديث.
وأيضًا: «أعلم الناس أبصرهم للحقّ إذا اختلف الناس، وإن قصّر في العمل».
وأيضًا: يبعث الله العباد ثمّ يميّز منهم العلماء، فيقول لهم: «إنّي لم أضع فيكم علمي لأعذِّبكم به، انطلقوا فإنّي قد غفرت لكم»؟
ومن وقّر عالمًا فقد وقَّر ربّه، ولا يزال الناس بخير ما عظَّموا الأشراف، وفضَّلوا العلماء، وأجلُّوا الشيوخ.
وروي: «أقرب الناس درجة من الأنبياء: العلماء، والمجاهدون» و «الشفعاء غدًا الأنبياء والعلماء والشهداء». وقد حبس الله على العلماء عقولهم وأفهامهم، فلا يسلبها عنهم إلى الموت.
وروي: جالسوا العلماء، وسالِموا الكبراء، وخالطوا الحكماء؛ فمَن صاحب العلماء وقُر، ومن صاحب السفهاء حقُر.
واتّباع العلماء واجبٌ؛ و «لا تحقرنّ (12) عالمًا آتاه الله علمًا، فإنّ الله لم يحقره حين آتاه علمه».
فصل
العلماء قيل ثلاثة: عالمٌ لنفسه ولغيره، فهو أفضلهم؛ وعالم لنفسه، فهو (13) حسن؛ وعالم لا لنفسه ولا لغيره، فهو أشرّ القوم (14).
وعالم، ومتعلّم، وهمّج رعاع.
معاذ بن جبل: سبعة من العلماء يصلوْن بأعمالهم النار: عالمٌ يخزن علمه، يرى أنّه إن حدّث به فقد ضيّعه؛ وعالم يتخيّر به وجوه الناس وأشرافهم، ولا يرى المساكين لعلمه أهلاً؛ وعالم يأخذ في علمه كأخذ السلطان، ويغضب إن قُصّر في شيء من حقِّه، أو رُدَّ عليه شيء من قوله؛ وعالم يتّخذ علمه مروءة وعفّة؛ وعالم إن وعظ (1/36)
صفحة 32
عنّف، وإن وُعظ أنِف؛ وعالم ينصِّبُ نفسه للناس، ويقول: استفتوني فيفتي بما لا يعلم؛ وعالم يتعلّم كلام اليهود والنصارى، يعزِّر به علمه، ويكثِّر به حديثه.
ونُدب [9] للعالم أن يوفّي لعلمه حقّه، بلزوم التقوى، والعمل بعلمه.
وروي: «أشدّ الناس عذابا غدًا عالم لم ينفعه علمه».
وأيضا: «لو أنّ أهل العلم أخذوه بحقّه لأحبّهم الله وملائكته والصالحون، وتهابهم الناس؛ ولكن طلبوا الدنيا فمقتهم الله، وهانوا على الناس». وقد شاهدنا ذلك.
ولا كنز ــ قيل ــ أنفع من العلم، ولا مال أربح من الحلم، ولا حسَب أرفع من الأدب. ومن تفرّد ــ قيل ــ بالعلم لم توحشه خلوة، ومن تسلّى بالكتب لم تفُته سلوة، ومن آنسته قراءة القرآن لم توحشه مفارقة الإخوان.
ومن آداب علمائنا: أن لا يمنعوا طالبا، وأن لا ينفّروا راغبا، ولا يؤيّسوا متعلّما، وأن لا يلبسوا متفهِّما. وروي: «من لا يُقنط الناس من رحمة الله ولا يؤيِّسهم من رَوْح الله فهو الفقيه كلّ الفقه».
ونُدب للعالم أن يكون أوسع الناس صدرا، وأكثرهم صبرا، وأجملهم لقاء، وأحسنهم خُلقا؛ لأنّه يؤخذ منه خلائقه، ويحتذى به طرائقه. وعليه أن يوقّر المتعلم كعكسه؛ لما روي: «وقِّروا من تتعلّمون منه، ومن تعلِّمونه».
ومن طلب العلم بلا تكلّف المؤنة واحتمال النَّصب، فقد التمس ما لا يجد. ومن سئل عن علم فكتمه، وهو يعلمه، جيء به غدًا ملجما بلجام من النار.
وروي: «تعلّموا ما شئتم فلن تكونوا به عالمين حتّى تعملوا به».
فصل
روى جابر: ويل لمن لم يعلم مرّة، ولمن يعلم ولا يعمل سبع مرّات؛ فالجاهل لا يُعذر بجهله، والعالم ملعون إن لم يعمل بعلمه وهو مدحوض الحجّة، مبخوس النصيب؛ ومن عمل بما علم علّمه الله ما جهل. (1/37)
صفحة 33
ابن عبّاس: علِّم علمك، وتعلَّم علم غيرك.
وروي: «نضَّر الله عبدا سمع منّا حديثا، فحفظه حتّى يبلّغه غيره ... »
ولا يدرك ــ قيل ــ العلمَ من لا يطيل درسه، ولا يُكدّ نفسه، وربّما استثقل المتعلّم كثرة الدرس والحفظ، واتّكل على المراجعة، فهو كمن أطلق صيده ثقة بالقدرة عليه، فأعقبه خجلا وندما؛ وقالت العرب: حرف في قلبك خير من ألف في كتبك.
وروي: «لَمذاكرة العلم ساعة أحبّ إلى الله من عبادة عشرة آلاف سنة».
أبو محمّد: لا يدرك العلم إلاّ من أسهر ليله بالتلاوة، وشغل نهاره بالبحث عن الرواية، حتّى يحفظ الآيات، ويعرف المحكمات من المتشابهات، والناسخات من المنسوخات. فأمَّا (15) إن نبذ القرآن وراء ظهره، وقطع بالبطالة أيام عمره، ثمّ تعرّض للخوض فيه ولم يقف على معانيه، لم يكن له عدوّ أعدى من لسانه، ولا ناصح أعدل من شأنه.
فرحم الله امرءًا اقتدى بفرائض الله، وسنن رسوله، وجعل العلم شعاره ودثاره، وأخذ نفسه بالتعلّم، وجعل الفقه همّه، واقتدى بأشياخه السالفين، واتّبع آثارهم، واهتدى بمن أدرك منهم وأجاد الاِستماع عنهم، وصدّق الرواية، ونصح لله، وأحبّ له ولرسوله، وأبغض كذلك، وراح عالما أو متعلّما أو مستمعا، واهتدى بقول النبيء عليه الصلاة والسلام وأخذ به.
أبو الدرداء: أخوف ما أخاف أن يقال لي علمت فما عملتَ فيما علمت.
وروي: «شرّ الناس العلماء إذا فسدوا»؛ ويقال: زلّة العالم لا تقال ولا تستقال، وزلّته (16) كالسفينة تغرق، ويغرق فيها كثير.
[10] وروي: «من ازداد علما ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلاّ بعدا». (1/38)
صفحة 34
وعن عمر: «خير العلم ما دخل معك قبرك، وشرّه ما خلّفتَه ميراثًا»، ففسّرهما بما عمل به وما لم يعمل به.
وروي: «العلماء أمناء الله في أرضه، ما لم يدخلوا في الدنيا، ويخالطوا السلطان ... » الحديث.
وإذا ترك العالم العلم، نودي: يا هذا تركت الطريق.
وروي: «أشدّ الناس عذابا، من يرى الناس فيه خيرا ولا خير فيه»؛ وقيل: أشرار العلماء.
ويذهب العلمَ من القلوب بعد أن وعته: الطمعُ والشره وطلب الحوائج.
ولا ينتفع عالم بعلمه حتّى يعمل به؛ والأحاديث هنا أكثر من أن تُعدَّ.
فصل
ندِب للمرء إذا عقل أن يتعلَّم الطهارة، ولأبويه أو من يقوم به أن يرفعه إلى المعلّم، ليتعلّم في صغره الحروف وما يترتّب عليها، والأيّام والشهور، والفاتحة وما بعدها إن أمكنه، وإلاّ فما تيسّر له؛ لأنّه إذا استعدّ قبل البلوغ لما يعنيه قبل أن يعنيَه لم تفته الواجبات عنده.
فإذا بلغ تزوّج إن اشتهى، فإن تزوّج بثيِّب علّمته ما يراد منها من مباح، وإن ببِكر علّمه من يخالطه من أبناء جنسه.
ويتعلّم الوضوء والصلاة وأوقاتها، ويصوم رمضان قبل البلوغ إن أطاقه، ثمّ يتعلّم.
فأوّل واجب معرفة الله ثمّ الرسول، ثمّ يتدرّج إلى مُمَكِّن له كالنحو والفقه والفرائض والحساب والطبّ. (1/39)
صفحة 35
الباب الرابع
في العقل ولوازمه
فأفضل ما أنعم به على العبد العقلُ، إذ روي: «لكلّ شيء دعامة وآلة، ودعامة المؤمن وآلته العقل»؛ وهو حجّة على العبد، ونور في القلب، به يميّز. وما اكتسَب مثل عقل يهديه إلى هدًى ويصرفه عن ردًى. وبقدره عبادته.
وآفته الهوى؛ وأشجع الناس، وأولاهم بالظفر من جاهده طاعة لربّه، واحترز من ورود خواطره على قلبه.
ويقال: خلق الله الخلق أربعةً: ملائكةً بعقول بلا شهوة تقارنها، وبهائمَ بعكسها، والجنّ والإنسَ بهما؛ فالشياطين منهما غلبت شهواتُهم عقولَهم، فقطعوا الأوقات في الأخلاقِ الذميمة، والأفعالِ المهلكة؛ والصالحون منهما في ضدّ ذلك فالتحَقوا بالملائكة والأنبياء (17). ومن غلبت شهوتُه عقلَه من الإنس، ولم تُخرجه من حلال ومباح إلى محرّم فهو من عالَم البهائم، وقد كلِّف ولم تكلَّف.
فصل
روي: أنَّ عقلَ الدنيوي عقيم، وعقلَ الأخروي مُثمر، وأنَّ من أعطِي ثلاثا: المعرفةَ، وحسنَ الطاعة، والصبرَ فقد كمل عقله. وأنَّه: لا فقر أشدّ من الجهل، ولا مال أعوز من العقل، ولا عبادة كالتفكُّر.
وأيضا: «ازدد عقلاً تزدد من الناس حبًّا، ومن ربّك قربًا، فإن اجتنبت المحارم، وأدّيت الفرائض كنت عاقلاً». (1/40)
صفحة 36
وقيل: إنّ العقل والهوى يصطرعان في القلب، فأيّهما غلب مال بصاحبه؛ وإنَّ الإيمان والحِلْم يقارنان العقل؛ وإنَّ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم أرجح عقلاً وأفضل رأيًا، ويقول: «أمِرتُ أن أكلِّم الناس على قدر عقولهم».
ورأس العقل بعد الإيمان التودّد.
بعض العجم: أفضل ما يؤتى العبد عقل يولد معه، فإن عُدم فأدب يعيش به، وإن حُرم فمال يستر عورته، فإن (18) لم يكن فجائحة [11] لا تُبقي له نسلا.
أنوشروان لبزرجمهر: خيرٌ للمرء عقل يعيش به، وإلاّ فإخوان يسترون عورته، وإلاّ فمالٌ يتحبّب به إلى الناس، وإلاّ فعيٌّ صامت، وإلاّ فموت جارف.
وروي: أفضل الناس أعقلهم، و: معادن التقوى قلوب العاقلين.
ولو صوِّر العقل ــ كما قيل ــ لأظلمت معه الشمس، ولو صوِّر الجهل لأضاء معه الليل. فإذا تمّ عقل المرء نقص كلامه، وكلُّ ما كثر رخص إلاّ العقل؛ وعقول كلِّ أمَّة على قدر زمانهم.
وروي: ما انتقصت جارحة آدمي إلاَّ زادت في عقله، والعقل أُسُّ الفضائل وينبوع الأدب.
وعقل المرأة ــ قيل ــ في جمالها، وجمال الرجل في عقله.
والعقل عشرة أجزاء: تسعة في الصمت وواحد في العزلة؛ لأنّ الناس سرَّاق العقول.
فصل
اختُلف في العقل ومحلِّه فقيل: جوهر لطيف يفصل بين الحقائق، وقيل: العلومِ الضروريةِ. وقيل: نورٌ في القلب، وهو ــ قيل ــ محلُّه في الجانب الأيسر من الصدر، وهو مذهب من نفى كونه جوهرا؛ لأنَّ القلب محلُّ العلوم؛ وقيل الدماغُ، وتدبيره في القلب.
وله ثلاث تجويفات: (1/41)
صفحة 37
* إحداها في أعلاه، وهو ما غلظ منه، وهو محلُّ الإيمان، والنفسِ الناطقة، والقوةِ المدبِّرة لمعاني الإرادة المنبعثة عن النفس.
* وثانيتها: في وسطه وهو محلّ التفكّر والتدبير.
* وثالثتها: في آخره، وهي محلُّ الرقَّةِ، واللطفِ، ويعبَّر عنه بالفؤاد، وهو محلُّ العقل والنورِ، والتصرُّفِ، وميزانِ العقل، ولطائفِ الحكم؛ ومحلُّ الحياة الطبيعية والحُبِّ.
وللفؤاد عين نورانية درَّاكة للحقائق والأسرار الخفية، وبها يبصر أهلُ البصائر.
وفي التجويف الأوسط محلُّ العشق، وبه ينبعث الجدُّ والطلب والشوق، وهو أسرع تعلّقا بالمزيَّنات وأرواح الوحي.
قيل: في الكتاب ثلاثةٌ الروح الأمين، وروح القُدُس، وروح الأمر؛ فالوحي من الأمين نزل على التجويف الأول وهو الإلهام. وأولى المراتب في التنزيل وبعد الإلهام روح القدس، وهو النقل من اللوح إلى الثانية من القلب، وبعدها روح الأمر في الثالثة منه وهي محلُّ النور والعقل (19).
وقد قيل لمتعبِّدة: أين محلُّ الحُبِّ والشوق والوجدان (20)؟ فقالت: الحبُّ في القلب، والشوق في الفؤاد والوجدان (20) في السرِّ. فقيل لها: الفؤاد غير القلب. فقالت: نعم، الفؤاد نوره، والسرُّ نور الفؤاد؛ فالقلب يحبُّ، والفؤاد يشتاق، والسرُّ يجد. فقيل لها: فما يجد؟ قالت: الحقَّ. فقيل لها: كيف يوجد؟ فقالت: وجدانه بلا كيف.
فصل
العقل المكتسب نتيجة الغريزي، وهو نهاية المعرفة؛ وأصلُه الفكر، ويزداد بالاِستعمال، وينتقص بالإهمال، وكفى بالتجارب تأديبًا [12] وبتقلّب الأيام عظةً؛ فالتجربة مرآة العقول. ولذا قيل: حَمِدتُ (21) آراء الشيوخ، فهم أشجار الأوقار (22) (1/42)
صفحة 38
وينابيع الأخبار، لا يطيش لهم سهم ولا يسقط لهم وهم، ولو عدموا ذكاء الطباع فقد أفادتهم الأيام تجربة.
وللعقل آفات لا يسلم منها إلاّ من عُصم (23)، وهي الهوى والشهوة، وهما أخفى مسلكا من الروح في الجسد، فمن أراد أن يكون حرًّا فلا يهوى، وإلاّ صار عبدًا.
الأصمعي العربي [لـ]ـصغير: أيسرّك أنّ لك مائة ألف درهم، وأنّك أحمق؟ فقال: لا والله. قال له: ولِمَ؟ قال: أخاف أن يجني عليّ حمقي جناية تذهب بمالي، ويبقى عليّ حمقي. فتعجّب من ذكائه، واستخراجه معنى لا يدركه أكبر منه.
ودهاة العرب ستّة: معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاصي، والمغيرة بن شعبة، وزيّاد بن أبيه، وقيس بن سعد بن عبادة، وعبد الله بن يزيد بن ورقاء. فمعاوية للأناءة في الأمور، وعمرو للبديهة، وزيّاد للصِّغار والكبار، والمغيرة للأمور العظام.
وقال: ما رأيت أطول أناءة ولا أثقل حِلمًا من معاوية، ولا أغلب للرجال وأقواهم حين يجتمعون من عمرو، ولا أشبه سرًّا بعلانية من زيّاد؛ ولو أنَّ المغيرة في مدينة لها ثمانية أبواب، لا يُخرج من باب منها (24) إلاَّ بالمكر، لخرج من جميعها.
ولم أجد على قيس وعبد الله كلاما.
ومن صرَّف عقله كهؤلاء والحجّاج وأمثالهم إلى الدهاء والمكر والشرّ والحيل فعقله مذمومٌ.
وإنّما العقل عقل عمر رضي الله عنه؛ وقد قال: لست بالخِبِّ، والخِبُّ لا يخدعني. قال المغيرة: كان والله عمر أفضل وأفضل من أن يَخدع»؛ وقد أمر أبا موسى أن يعزل زيّادًا عن ولايته فقال زيّاد (25): أعَن موجدة؟ -أي ذنب- أو خيانة يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا عن واحدة ولكن كرهتُ أن أحمل على الناس فضل عقلك. (1/43)
صفحة 39
الباب الخامس
في معرفة أصول الدين من الكتاب والسنَّة والإجماع والقياس
والمراد من ذلك ما يشمل أصول الفقه، إذ مقصودنا هنا الفقه لا أصوله، فمن حكم أو أفتى بما يوافق واحدا منها لم يجز لغيره أن يخالفه، وهو المصدَّق عليه.
فعلى مريد التفقُّه أن يعرف أصول الفقه وأمَّهاته؛ فما وجد في الثلاثة فهو الأصل، وما وجد في غيرها فهو الفرع. والأحكام تؤخذ من الكتاب، لأنَّ السنَّة والإجماع والقياس ترجع إليه.
ومن السنَّة ما أجمع عليه، ومنها ما اختلف فيه؛ فالأوَّل: ما لا يُحتاج إلى البحث عن صحَّته، لإشاعته عند الرواة وأهل التأويل، ولموافقته للكتاب.
والثاني: ما لم يَبلُغ علمُه للكلِّ، وتنازعوا في صحَّته وتأويله بعد صحَّة نقله.
والإجماع حجَّة؛ وهو كلُّ قول أو فعل (26) للأمَّة ولا مخالف منهم فيه، والأكثر على أنَّ أهل العصر إذا انقرضوا على ما أجمعوا عليه، كان ذلك شرطا في صحَّته؛ وقيل إذا وقع مرَّة صار حجَّة وإن لم ينقرضوا.
فصل
اختلفوا في القياس؛ فثالث الأقوال فيه جوازه وإثباته في التوحيد دون الأحكام؛ ورابعها [13] بعكسه. وهو تشبيه حكم الفرع بحكم الأصل لعلَّة جامعة. وممَّا يدلُّ على جوازه ما روي عن عمر أنَّه كتب إلى أبي موسى# وإلى شريح#: أنْ قسِ الأمور وانظر الأشباه، ولا يمنعك قضاء قضيته أمس&. (1/44)
صفحة 40
ولِما روي عنه صلَّى الله عليه وسلَّم حين سألَته الخثعمية عن أبيها، وقد لزمه الحجُّ، وهو كبير؛ وقالت: أفأحجُّ عنه؟ وقال لها: أرأيتِ لو كان على أبيكِ دَين فقضيتِه، أكنتِ قاضية عنه؟ قالت: نعم. قال: فدَين الله أحقُّ. أو قال: أولى. فقد شبَّه لها وتركها والاستدلالَ بما عرَّفها بوجه القياس. إلى غير ذلك ...
وأدلَّة المنع كثيرة، ولو أوَّلَها المجيزون كما عُلم في محلِّه. وقد أجمعوا على أنَّ المرتدَّة أبطلت صداقها، وقاس بها بعضُهم الزانيةَ، لأنَّ الحرمة جاءت منها كالمرتدَّة؛ ولم يبطله آخرون لها بتلك العلَّة مع اتفاقهم على تحريمها عن زوجها. وعن ابن مسلمة في المرأة إذا حلف عليها زوجها بطلاقها: أن لا تفعل شيئا ممَّا له أن يمنعها منه، ففعلته أنَّها تطلَّق، وبطل صداقها لإدخالها الحرمة عليهما فقاسها بالمرتدَّة.
ويدلُّ على أنَّ بعضا منَّا لا يقولون بالقياس، إجازتُهم طعام أهل الكتاب أخذًا بالظاهر، ولم يعتبروا نجاستهم.
ولم يجز بعضهم التعريض لبائنة بالتطليق قياسا على بائنة بالموت، ولعلَّهم ذهبوا إلى ما روي عن ابن عبَّاس أنَّه قال: من حمل دينه على القياس لم يزل -الدهرَ- في التباس».
وعن عمر: إيَّاكم والقياس فإنَّ أصحابه أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يعوها واستحيوا أن يقولوا إذا سئلوا لا نعلم، فقاسوا برأيهم، فإياكم وإياهم.&. وذلك مأوَّل قول أيضًا. (1/45)
صفحة 41
الباب السادس
في تشبيه المسائل
ابن محبوب# عن ابن علي: إن تزوَّجت زوجة المفقود ثمَّ قدم فاختار الصداق، فله أقلُّ الصداقين، ومثَّله بمن باع شفعة، ثمَّ باعها مشتريها لآخر، أنَّه يأخذها صاحبها ممَّن كانت بيده.
وقيل في مسألة لها أصل وصفة، وأتت شبيهة لها فيها أنَّها مثلها. وفي واجد في زراعته أربعمائةِ صاعٍ، فأخذ الجائر منها مائة، أنَّه يزكِّي على الكلِّ ولا تسقط عنه الزكاة، ولو أخذ الكلَّ عند الخراساني، إلاَّ إن كال الحَبَّ فأخرجها فأخذه، فلا عليه، وإن عزل زكاته فأخذها، زكَّى الباقيَ عنده؛ وكذا مَن عنده عشرة آلاف درهم، فأخذها [السلطان] (27) بعد حلول الوقت وقبل إخراجها، فإنَّها تلزمه في ذمَّته؛ كمن حاضت بعد دخول الوقت وقبل الصلاة، فقد لزمها بدلها (28).
الوضاح عن هاشم: من نسي مسح أذنيه وصلَّى جازت صلاته، وإن ذكره قبلها أعاد وضوءه إن جفَّ غيره، إن ذكر وقد أحرم رجع للوضوء؛ لأنَّ من نسي مسح رأسه حتَّى صلَّى أعادهما.
بشير في رجلين قتل كلٌّ ابن صاحبه، فقال كلٌّ أنا أقتل أوَّلاً: أنَّه يُقتل أوَّلاً من قَتل قبل، ثمَّ يُقتل الآخر، وإن جُهل البادئ اقترعا كالمتداعييْن بحق، فإنَّ الحاكم ينصف للمدَّعي الأوَّل ثم للثاني منه.
وكذا فرض على من تحمَّل [14] شهادةً أداؤها، فإذا شُغل (29) به عن اكتساب قوت -وإن لعياله -فله أخذ الكراء عليه؛ فقاسوا به من شُغل (29) بتجهيز ميت عن ذلك، فله ذلك أيضا من ماله إن كان يتضرَّر كلٌّ منهما باشتغاله بما ذكر.
ومن تزوَّج امرأة فاختلف هو ووليُّها في صداقها -قبل (30) أن يدخل بها -ولا بيان لكلٍّ، فإن شاء سلَّم لها ما ادَّعته عليه هي أو وليُّها، وإن شاء دفع لها نصف ما أقرَّ (1/46)
صفحة 42
هو به وطلَّقها؛ وقاسها أبو علي على سلعة كانت بيد بائعها فادَّعى بيعها بكذا، ومشتريها بأقلَّ، ولا بيان، فقال: إن شاء دفع لبائعها ما ادَّعاه وإن شاء تركها.
ابن بركة: اِتَّفق علماؤنا على أنَّ من لزمته صلاة أو زكاة أو حجٌّ أو عتق أو صدقة عن يمين أو نذر، أو نحوها مما أمر الله بفعله مما ائتمن فيه، ولا طالب له يخاصمه فيه، ومات ولم يؤدِّه ولا أوصى به عمدًا أو نسيانًا لم يلزم وارثَه أداؤُه عنه، واختلفوا فيه إذا أوصى به أو أمر بإنفاذه؛ فقالت جماعة: يُخرج من جملة ماله لوجوبه عليه فيه في حياته، فلا يُزال عنه بموته، كالديون الواجبة فيه. وقال ابن علي، وابن محبوب وعزَّان # وأبو المؤثِّر# وغيرهم: يخرج من الثلث وليس كالدَّيْن لوجوب قضائه وإن لم يوص به؛ ولأنَّ المريض إذا لزمه دَين وحجَّ ولم يترك وفاء لهما فإنَّه يُبدأ بدَينه، وقيل بحجِّه وبما لزمه من حقوق الله قبل دينه، وقيل يتحاصصان.
فصل
ابن بركة: يقاس الفرع بالفرع كما قال تعالى: {والذين يرمونَ المحصَناتِ ... } الآية (سورة النور: 4) فالقياس جلد قاذف المحصن أيضا، لاستواء العلَّة فيهما، وكذا جاءت السنَّة فيمن أعتق نصيبا له من عبد أنَّه يعتق عليه ويضمن حصَّة شريكه، فتُقاس عليه الأَمَة لاستواء العلَّة فيهما؛ وجاءت أيضا (31) في متوضِّئة مسَّت فرجها أنَّها تعيد وضوءها وقاسوا الرجل عليها؛ وكذا في سؤر الفأر ينجّسه من رآه سبُعا، لا من يراه وحشا، وكذا في بعره.
وقال الله سبحانه: {حُرِّمت عليكم الميتةُ ... } (سورة المائدة: 3) فعمّم فيها؛ وخصَّت السنَّة السمك والجراد فقاس العلماء عليهما ما يماثلهما: كالعقرب والذباب والخنفساء، غيرَ الجُعَل، وكذا في ذرق الطير المأكول لحمه أنَّ الوحشي منه طاهر والأهلي نجس، لأنَّ ذرق الدجاج مفسد فكان مثله، لاستواء العلَّة. (1/47)
صفحة 43
خميس: الطير الذي يسمّيه بعضهم الصفصوف وبعضهم العبير، وهو من العصافير يبرح في (32) المساجد والبيوت، ويوجد طرحه فيها وفي الثياب، ولا نعلم أحدا منَّا اجتنبه، ولا نجَّسه، فقاسوا (33) ما كان وحشيا مثله لاستواء العلَّة ولطهارة طرح الوحشي.
وقالوا: أقلَّ الصداق أربعة دراهم قياسا على القطع في سرقتها من حرز أو قيمتها، لاستواء العلَّة في البعض، فهذا ونحوه ممَّا يجوز فيه القياس.
الباب السابع
في الحجَّة [15] ومن يكون حجَّة وغير ذلك
أبو سعيد: الواحد حجَّة فيما أفتى به عند الأكثر، فإنَّه فيه (34) في مقام الاثنين والأربعة والأربعين ومائة ألف، وفي مقام أهل الأرض إن كان الحقُّ معه في الدين ولم يكن لأحد عليه فيه، ولولا ذلك ما قامت حجَّة الله بالرسول الواحد إلى الكافَّة، وكان محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم ناسخا للشرائع.
فصل
كتب أبو الحواري# إلى حضرموت# أنَّ المشركين من غير العرب يُغنمون ويُسبون (35)، ولا عهد لهم ولا ذمَّة، ولا يقبل منهم إلاَّ الإسلام أو السيف، وبذلك جاءت السنَّة والآثار، فبطل (36) فيه الرأي والقياس.
وعلى البكر الزاني مائة جلدة بالكتاب، وعلى المحصن الرجم بالسنَّة؛ وطلاق الحرَّة ثلاث بالكتاب، والأمة طلاقان بالآثار. (1/48)
صفحة 44
ابن محبوب: روي أنَّه جلد صلَّى الله عليه وسلَّم على الشرب أربعين، وكذا أبو بكر وعمر ثمانين، وبه مضت السنَّة؛ الربيع: من تركها هلك ولا تقبل فيه الأربعون.
وروي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا وادع المشركين عام الحديبية#، وكتب الهدنة بينهم: «من محمَّد رسول الله» فقالوا له: لو علمنا أنَّك رسول الله ما حاربناك، فضرب (37) على الرسالة وكتب: «من محمَّد بن عبد الله». ولمَّا وقعت المكاتبة بين عليٍّ ومعاوية في التحكيم كتب عليٌّ: من أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إلى معاوية؛ فكتب إليه: لو نعلم أنَّك أمير المؤمنين ما حاربناك، فدع اسم الإمارة ونتكاتب بالآباء، فأشار إليه ابن عبَّاس فيما قيل عنه بفعله صلَّى الله عليه وسلَّم المتقدِّم، فترك اسم الإمارة وكتب (38): من علي ... إلخ. فأنكر عليه المسلمون ذلك وعلى ابن عبَّاس وقالوا: ما حملك على أن تخلع اسما سمَّوك به، وفارقوه حتَّى رجع إلى اسمها.
وقد خُصَّ صلَّى الله عليه وسلَّم بأشياء لا تجوز لغيره ومنها ما فعل.
فصل
ابن بركة: من تزوَّج كتابية فله أن يأكل طعاما عملته بيدها إذا غسلتهما، ولم يحدث فيهما عرق أو نحوه من رطب مفسد إن حضر لعمله. قيل له: وكيف يحلُّ خبزهم وهم يعملونه رطبًا؟ فقال: جاء الأثر بذلك وهو لا يحمل على القياس.
وسئل أبو عبيدة عن سمن وجبن يؤتى بهما من المجوس، لِم لا يشترى من الجبن إلاَّ مضمونا دون السمن؟ فقال: جاء بذلك الأثر.
هاشم: من تعمَّد أكلا أو شربا في رمضان فعليه قضاؤه والتوبة دون الكفَّارة؛ ولعلَّه -قيل- ممَّن لا يرى القياس.
وقد أجمعوا على أنَّ من تعمَّد وطءًا فيه فعليه الكلُّ وبه قاس الأكثرون الأول؛ وإن تكرَّر من شخص إفطار فيه ولم يكفِّر حتَّى انسلخ أو تاب، لزمته واحدة؛ وإن (1/49)
صفحة 45
أفسده في عامين أو أكثر فعليه واحدة لكلٍّ، وكذا الحدود، إن تكرَّر موجبها من شخص ولم تقم عليه فعليه واحد إن اتَّحد جنس موجبها.
الباب الثامن
في الفتيا
لا يجوز الأخذ بفتيا قومنا ولا غير العدل منَّا، وجاز من ثقة إذا رفع عن غيره وأُمِن على رفعه وضبطه؛ ولا يؤخذ العلم -قيل- عن صالح غير فقيه ولو متولًّى إن كان لا يضبط [16] ما يسمعه من دقيق العلم وخفيِّه؛ لأنَّه إذا شهد اثنان من أهل هذه الصفة على متولى بموجب براءةٍ منه، لم تقبل حتَّى يفسِّرا ما شهدا به. وتقبل من عالمين بلا تفسير.
ومن ابتلي بالسؤال عن الحلال والحرام، ويحفظ من الكتب ويعرفها لفقهائنا أجاب على ما يعرف حقِّيته لا على ما لم يعرفها؛ ولا أنَّها لهم، وإنَّما تقبل فتيا عدل عالم بالسِّيَر صالح فقيه. ولا يصدَّق ثقة من قومنا فيما نسبه إلينا أو إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أو إلى الصحابة إن لم تعرف صحَّته.
وما قيل عن أبي سعيد أنَّه لا يجوز الأخذ بما في الأثر، ولو صحَّ أنَّه من أهل البصر معناه إن كان باطلا، وإلاَّ فالحقُّ واجب قبوله من كلِّ أحد.
ومن الباطل ما يكون القائل في الأثر محقًّا، والقابل منه ذلك على ما يوجد فيه عنه مبطلا، وذلك كلُّ ما خرج على وجه التقليد في الأحكام لا في الشريعة، كشهادة شهد بها على غيره، أو براءة منه خصَّه بذلك بعلمه فأنفذ فيه الحقَّ بحكمه ونحو ذلك. فيجوز له لا لغيره أن يتبع أثره فيه، ولا أن يقلِّده، ولو سمعه يشهد ويبرأ ما جاز له هو، حتَّى يعلم كعلمه. فالأثر أجدر أن لا يجوز الأخذ فيه عنه. (1/50)
صفحة 46
ومن الباطل ما يكون من نقل الشريعة، والقول في الدين، كالقول الباطل (39) المأثور عن مشهور هفا فيه أو زلَّ، ويؤثره عنه من عرفه، فليس لأحد أن يقبل باطلا ولو سمعه أحد ينطق به ما جاز له قبول مخالف للحق من الأصول الثلاثة.
ومنه ما يكون من عالم بقصده إلى عدل على علم منه بالحق فيخطئ بغيره، ولا يعلم أنَّه أخطأ به؛ فلا خطأ على مسلم لما روي: «أنَّه عفي عن أمَّتي في الخطأ والنسيان». وفي رواية «وما أكرهوا عليه» & فهذا مما القائل فيه على ذلك مصيب عند الله في دينه، لا تباعة عليه؛ إلاَّ إن علم فرجع عنه. والقائل منه ذلك والعامل به مبطل، لا عذر له في قبوله من أثر أو سماع له.
ومنه أيضا أن يقصد القائل إلى الذي قال على أنَّه حقٌّ في ظنِّه أنَّه سمعه أو علمه أو تجاهل على ذلك، فقال بباطل (فخالف مخالف الأصول) (40) فوافق مخالف الأصول، فهو هالك لا عذر له فيه، ولا يجوز قبوله عنه (41) أيضا. فكيف يجوز لأحد أن يقول لا يقبل ما في الأثر، ولو حقًا، فكل ما في الكتب فهو أثر. فالحق منه حق، والباطل منه باطل، ولا يجوز قبوله منه كالمسموع.
ولا يجوز ردُّ الحقِّ ولا الشكُّ فيما لا يجوز فيه. وقد قطع الله العذر بالكتاب كما قطعه بالوحي، وقد انقطعت حجَّة بلقيس وقومِها بكتاب ورد عليهم في منقار طائر أو عنقه، فكان حجَّة عليهم من سليمان عليه السلام، واستحلَّ بها غنيمة عرشها.
وكان محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم يحتجُّ على أهل القرى، والأمصار، والأقطار بكتاب على يد رجل فيقيم لهم وعليهم الحجَّة به. وكذا الأيمَّة، والقضاة، والولاة ولا نكير.
وسئل بعضهم عن أخذ برخصٍ عند الضرورة أيهلك به أم لا؟ فقال لا، وهو واسع له إذا أخذ بقول. وإنَّ الله [17] «-قيل- يحبُّ أن يؤخذ برخصه، كما يحبُّ أن يؤخذ بعزائمه».
وإذا وَجد اختلاف في مسألة وأخذ بقول من أقوالهم فيها أحد وعمل به، وكان مميِّزا وتحرَّى الأشبه بما أصل من الأصول، جازَ له؛ فاختلاف العلماء رحمة للمسلمين. (1/51)
صفحة 47
ولهم أن يتمسَّكوا بقول منها ما لم يحكم حاكم (42) منهم ممَّن له إجبار الرعيَّة على الحاكم بخلافه، فلا يجوز خلاف ما حكم به.
فصل
إذا أفتى العالم بما يعلم الأصل فيه، فزلَّ لسانه فخالف الحقَّ، فلا يسع المفتى له العمل بما أفتى له به، ولو لم يعلمه باطلا مخالفا للأصول، فإن مات عليه هلك، ولا إثم على العالم فيه. وإن كان لا يعلم الأصل (43) فتحرَّى الصواب، فأفتى بمخالف الأصول هلكا معا؛ وإن وافق قولا مما جاز فيه الرأي سلم المفتى له، وعَذَر المفتيَ بعضُهم لموافقته الحق؛ وبعض يراه آثما لتقدُّمه بغير علم. وإن أفتى له العالم بالأصول وخالف المجمع عليه، لم يجز له العمل بالباطل ولو اعتقد السؤال عما يلزمه. وإن عمل به على اعتقاده فلم يزل يعمل به ويسأل حتى مات قبل أن يصيب الحقَّ، فإن دان بأداء ما يلزمه، وتاب من كلِّ (44) ما خالف فيه رضى الله، أو من جميع ذنوبه، وقد دان بالسؤال عن كلِّ ما يلزمه في الدين وعمل بما أفتى له لا على قصد الباطل بل لظنِّه الموافقة لم يهلك. وإن أحسَّ في عقله خلاف الحقِّ فيما أفتى له به، وهو أقرب إليه غير أنه باطل في الأصول، فليس له أن يعمل به على حجَّة مِن عقلٍ أو قول معبر.
فصل
محبوب (45): لا اختلاف بينهم فيما جاء في الكتاب تحليله، أو تحريمه، وإنَّما هو فيما ساغ لهم فيه مما لا قطع عذرٍ فيه، وكلُّ تعلُّق بأصل يبني عليه؛ فمن عرف تأويل الأقوال وتمييزها، وأعْدَلَها لزمه التحرِّي إذا بلغ معرفة ذلك، وإلاَّ شاور العلماء ممن يحضره ويأمنه، فإن عدمه توكَّل على الله وتحرَّى الأحسن، وعمل به؛ حتَّى يتبين له غيره، فإذا ظفر بأعلم منه رجع إلى ما أرشده إليه مما بان له صوابه. ولا يخطِّئ نفسه (1/52)
صفحة 48
ولا من عمل بقوله، وهذا فيما اختلف فيه من ولاية، أو براءة، أو مفروضة، أو نكاح أو طلاق، ونحوها ممَّا يلزمه في الدين؛ وكذا إن صار بمنزلة احتيج إليه فيها، وكانت دلالته لغيره على سبيل ما لنفسه فأرجو أن يوفِّقه الله للصواب إن توكَّل عليه واجتهد، إن استجاب له.
وقيل خطأ الجائزِ له الفتيا بالرأي مرفوع عنه ويؤجر على الصواب.
ولا يسع الإفتاء به إلا لعالم بما في الأصول والآثار، ويضمن -قيل- من افتى برأيه فأخطأ إن لم يكن كذلك.
فصل
أبو سعيد: وجدنا معاني هذه الآثار صحيحة محكمة، غير أنَّها مجملة، فنذكر ما فتح به علينا فيها ونقول: معنى ما قيل: إنَّ خطأ الجائز له ما ذكر مرفوع عنه، وإنَّه يؤجر على الصواب أنَّه إن قال برأيه فيما لا يجوز فيه الرأي مما جاء حكمه في أحد الأصول فأخطأ الصواب، فقد ضلَّ وهلك وضمن؛ وإن قال به فيما جاز فيه أُجر إن أصاب؛ وعُذر إن أخطأ وسلم، فهو كمن أصاب الحقَّ لا فرق؛ كما لا فرق بين من تحرَّى القبلة عند التباسها، وصلَّى فأصاب به، وبين [18] من تحرَّاها عنده فأخطأ، فهم مسلمون إجماعا والأكثر أنْ لا بدل عليه. والحاصل أنَّه لا يجوز الرأي في الدين ولا العكس، وأنَّ العالم من علم شيئا من الفنون أو من الأبواب، ولو لم يكن العالم إلاَّ من أحاط بجميعها لأدَّى إلى محال. ومن ثَمَّ عُرِف المجتهد بذي الدرجة الوسطى عربية وأصولاً، وبلاغة، وفقهًا.
وفي جواز الأخذ بكلِّ ما يوجد في الكتب (46) خلافٌ، قيل جايز مطلقا، وقيل إن عرف أنَّ القول عدل في المسألة، وقيل إذا وجدت في ثلاثة مواضع، وجاز -قيل- الأخذ بأرخصها مطلقا، وقيل يتحرَّى العارف بالأقوال أعدلها إن عرفها، وإلاَّ أخذ بما (1/53)
صفحة 49
شاء منها، وقيل عليه معرفة الأعدل ويكون فيها كابن عبَّاس وإلاَّ هلك، وقيل: الآخذ بقول مسلم سالم.
فصل
ما مرَّ أنَّه يضمن من أفتى، ولا يجوز له الرأي إن أخطأ معناه، إن أراد التعبير عمَّا علمه فأخطأ فيه بغيره لا مطلقا فلا يأثم، ولو خالف الدين، كالجائز له الرأي بل هو أعذر منه؛ كعالم أنَّ ميراث الأمِّ السدس مع ولد، أو ولد ابن أو أكثر من أخ أو أخت، والثلث مع فقدِ الولد، أو وجود أخ أو أخت، فأفتى بما يجب فيه الأوَّل بالثاني -مثلا- قصدًا إلى الأوَّل ولو نسي معنى ما خوطب به، أو زلَّ لسانه فهذا لا يأثم ولا يضمن، وإن حفظ أنَّ لها السدس مع من ذُكر، ولم يحفظ مالها مع فقده، فأخطأ بواحد بدل آخر، لم يُعذر ولا ينفعه حفظه.
فعلى من أخطأ حيث يسعه الخطأ فيه إذا عَلم به أن يُعلم من أفتى له به أنَّه قد أخطأ، وإن بإرسال أو كتابة إن أمكنه لا أن يخرج إليه في طلبه، ولا يعذر من خالف الدين يقينا أو حكم بما لا يسعه، وعليه أن يطلب مخرجا ممَّا لزمه بما أمكنه من ضمان أو خروج في طلبه. وقيل إذا خالف مفتٍ ما لا يعذر فيه عالم، ولا ضعيف فأتلف موجب ضمانٍ فقد لزمه، ولا ضمان على عالم فيما يعذر فيه، ولا على ضعيف إن أفتى على وجه يعذر في نحوه.
ومن عرف بالجهل ولا يؤمن على العلم إن أفتى فيما جاز فيه الرأي فخالف الحقَّ فهو ظالم آثم، وليس عليه -قيل- بعد التوبة ضمان؛ لأنَّه ليس من الدالِّين على الحقِّ. وإن قصد إليه (47) بجهل ظنًّا منه أنَّه واسع له فوافقه سلِم، ولا توبة -قيل- عليه، ولا ضمان. ومن لا يؤمَن على العلم إن أفتى فخالف الدين والرأي بلا وجه يعذر فيه كالعالم، واستويا إن خالفا فيما لا يسعهما ولا يعذران، ولزمهما الضمان لأن المفتي ضامن كالدليل وإن لم يباشر بيده؛ وقيل لا يلزمهما لأنهما دالاَّن على القول المتلِف من قِبل غيرهما. (1/54)
صفحة 50
ولم تحجر تلك الدلالة على القابل أن يقبلها، ولا كان الدالُّ آمرًا بإتلاف الشيء، وللعالم بالرأي فيما أخطأ به في حفظه ومعرفته بالشيء، ما للضعيف فيه؛ وليس له إذا لم ينزل منزلته في الخطأ ما للعالم الجائز له الرأي لأنه خالف الأصل الذي لا حجة له فيه.
فصل
عثمان الأصم: إذا تنازع أهل الرأي في حلال وحرام، فخذوا بأيِّهم (48) شئتم، وليس لأحدهم أن يقطع عذر صاحبه على خلاف برأيه في حكم النازلة لقولهم من نصب رأيه دينا، ثم يبرأ من مخالفه عليه فقد ضلَّ، ومن نصبه دينا، وادعاه على الله فقد كذب عليه، لأنَّه لم (49) يجعل لعباده فيما حكم به خيارًا (50). أو إذا تركهم واجتهادهم برأيهم فلهم أن يختلفوا فيه، وكلٌّ يؤتمن على رأيه إن تأهَّل له، وعليهم أن يتوالوا ولو تصادَدوا بالرأي، فمن عمل بقول أحدهم، وأخذ به فقد عمل بالحق، وقال بالصدق فمن خطَّأه فيه [19] برأي أو دين خالف الحق، ولزمت براءته بالدين لحكمه بحكم الدين في محل إحكام الرأي، ومن حكم بذلك أو بعكسه خالف به أحكام الدين، وضلَّ لأنَّ كلاًّ من الدين والرأي أصلٌ بحاله، ولا يجوز نقل حكم كلِّ إلى آخر برأي، ولا بِدين، بجهل ولا بعلم.
فصل
إذا كانت الحوادث في الدين من الأصول فاختلافهم فيها خلع وتضليل، وبراءة (51)، وكان الحقُّ في واحد ومعه، ولا يسع خلافه، وإن كانت مما جاز فيه، الرأي وفوّض الأمر فيها إلى عقولهم واجتهادهم، فلكلٍّ أن يتحرى الصواب، وكان اختلافهم في الفروع رحمة، وفي الأصول نقمة. (1/55)
صفحة 51
أبو سعيد# إن نزل بحاكم حكم نازلة من أصول الدين، فليس له أن يخالف فيه الأصل، ولو اختلف فيه من يضاف إليه العلم من حاضر أو ذاهب؛ وإن كان مما جاز فيه الرأي وقد اختلفوا فيه، وكان الحاكم مميِّزًا اجتهد ولا يتخيَّر ما شاء من الآراء، إلاَّ إن (52) تساوت عنده في العدل، وكان ممن يبصره؛ وإلا فعليه أن يختار ما يراه صوابا، ويحكم به حتَّى يتبين له أصوب منه، ولا يحكم لأحد بقولٍ ولغيره بغيره اتِّباعا لهواه، وهو يرى أنَّ الأوَّل أو غيرهما أصوب، فإن فعل هذا خرج من سبيل الرأي، وإن كان الكلُّ عنده عدلا وكان مبصرا له جاز له ذلك (53) وحكم بما شاء، وكيف شاء؛ وإن لم يكن مبصرا مميِّزا وكان بحضرته هذا شاوره، وذلك من النظر والرأي، وإن لم يحضره شاور من بمصره، إن قدر عليه، وإن لم يكن قصد إلى من قدر عليه حيث كان، وإن بمراسلة ولا يضيِّع لازما ولا يتقدَّم بغير علم.
وعليه أن يشاور في الأقوال أيضا إن لم يميِّز وإن عدم ذلك، ولا يميِّز؛ فما حكم به منها وسعه إن وافق وقيل لا، ولا بد له أن يقصد إلى الأصوب عنده، ولا يهمل ذلك، ولا يعذر إن عمل بباطل. وقيل يأخذ بقول الأعلم إن عدم ذلك، وإن لم يعرفه فيقول وليه وإن استووا فيقول أفضلهم، ومن ابتلي بمسألة يريد أن يعمل بها وإن لغيره؛ فكالحاكم والمفتي والكل سواء.
فصل
ابن عمر: من ترك رخصة غِنًى عنها، جاء غدا على ظهره مثل جبل أحد.
وقيل لبعضهم: اطلبْ لي رخصة. فقال: إنَّما نفتي برأيهم وليس علينا طلبها.
أبو المؤثِّر#: ندب لمفتٍ أن يتحرَّج، ولا يضيِّق ما وسَّع الله، ولا يعكس. وقيل الأثر كله معمول به إلاَّ ما صحَّ باطله، وقيل لا يعمل إلا بما عرف عدله.
والضعيف الناظر في الأثر ولا يميِّز بين ما يحفظ وهو يسأل عما لا يعرف عدله، ويعلم أن سائله يأخذ بفتياه، عليه أن يقول: سمعنا كذا، ورأينا في الأثر كذا، ثم لا عليه (1/56)
صفحة 52
إن وافق (54) باطلا، وصدق فيما قال، ويثاب إن وافق الحقَّ. وعلى السائل أن لا يقبل باطلا.
وقيل لأبي عبيدة: أهل عمان يفتون بالرأي. فقال: ما سلموا من الدماء، والفروج. ولأبي سعيد: عندك أن القائل بالرأي فيما سواهما يرجى له أن يصيب الحق. فقال: كذا أحسب على تأويل أبي عبيدة لما يروى: كادت العلماء أن تحيط بالعلم لولا (55) الدماء والفروج، لدقة أمرهما عندهم.
فصل
إذا سأل السائل عن شيء في التعارف والحكم، وله وجهان، فعل المسؤول أن يخبره بهما فيهما، ليريَه الفرَج والضيق، فيطلب السلامة. فإن أراد الأخذ لنفسه بالتعارف، ويدع الحكم إذا أباح له التعارفُ التركَ، وحَجَره الحكمُ عليه، فإن كانا عدلا وصوابا، أخذ بأعدلهما عنده إن أبصر، وإلاَّ فعند العلماء.
ومن أخذ بأدنى الأقوال قصدًا للتخفيف لا لترك الأعدل، جاز له. ويأثم إن قصد تركه، لأنَّ [20] تركه على بصيرة أخذ بالجور. وإن استوت عنده الآراء، ولا يبصر أعدلها، خيِّر فيها على قصد العدل لا إهماله، والآراء المصحَّحة عندهم كلها عدل، إلاَّ ما صدر عن سهو أو غلط. ولزم اجتهاد في الأخذ بالأعدل وإنْ على ضعيف؛ ولا يصاب إلاَّ بالتوفيق. (1/57)
صفحة 53
الباب التاسع
في قيام الحجَّة في قبول الفتيا وغيرها
قال الله تعالى: {فاسألوا أهلَ الذكرِ ... } الآية. (سورة النحل، 43).
وتعلَّموا في الحلال والحرام، وميِّزوا. ويسع العالمَ أن يجتهد فيما يسعه كما مرَّ؛ فإن ورد عليه ما حَكَم به الرسول صلى الله عليه وسلم، فلا يفتي بغيره؛ وإن ورد عليه ما اختُلفَ في روايته عنه، اجتهد ونظر الأشبه، وإن لم يبلغه ذلك عنه، وجاءه عن الصحابة وأجمع عليه الثقات بعدهم أخذ به؛ وإن لم يبلغه فيه حديث عنه اجتهد في الأقوال؛ وإن لم يبلغه عنه، ولا عن أصحابه، وبلغه إجماع التابعين فلا يفتي بغيره.
فطلب الفقه بصدق النّية أفضل من كل عبادة، وندب لمبتلٍ (56) أن يسأل الأفقه في مصره إن كان ثقة ويأخذ بقوله؛ وإن كان فيه فقيهان فيما (57) اتفقا عليه، وإن اختلفا نظر الأشبه عنده من قولهما، وإن كانوا ثلاثة وتقاربوا في الفقه فيما اتفقوا عليه، وإن اتفق اثنان منهما فبقولهما إن اختلفوا، وإن قال كلٌّ بقول نظر هو في أقوالهم. وإن كان له فيما ابتلي به رأي إنْ تأهَّل له، وكان عليه زمانًا ثم رأى غيره أصوب رجع إليه، ولا يقيم على الأوَّل إن رآه خطأ، ولزم التسليم لما قضى به الثقة.
وإن أفتى عالم لجاهل فعمل بفتياه زمانا، ثم قال له استحسنت غيره، اجتهد ولو جاهلا، فإن كان ما رجع عنه أصوبهما فلا يرجع هو عنه لرجوع العالم، وإن رأى الثاني أحسن من الأوَّل، اتبعه فيه ولا يسعه الثبوت على الأوَّل فالقولان للعالم كالعالمين، وإن استوى الفقهاء أخذ بقول أورعهم، وإن استووا فبالأسنِّ والأقدم، وإن استووا في الكل فبما يشاء إن لم يبصر، وإن أبصر نظر بنفسه. (1/58)
صفحة 54
فصل
إن اختلفوا في أصول الدين بادَّعاء على الله بتحليل أو تحريم منه وكفر وإيمان، وجب قطع العذر بينهم، فمن تولاهم معًا مع ذلك هلك، وعند هذا يجب تكليف العالم على الجاهل، فيلزمه قبول الحجة إذا قامت عليه، وتحرم عليه ولاية المخطئ في الدين، ولزمته ولاية المصيب فيه، فإن ردَّ ذلك بجهل هلك، وكان كجاهل ما كُلِّف علمَه، فإن الرأي فيما لا يسع جهله حرام.
ولا يسع الشكّ فيما علم أنّه من الدين، وإنما الرأي فيما يقول فيه الرجل: «أرى كذا وكذا»، مما يسعه أن يراه. ولو كان الأمر على غير ما رأى، ما عصى به؛ لإخباره بما رأى وهو صادق.
فصل
لا تقبل الفتيا إلا من عدل، وتقبل الرفيعة من ثقة ضابط إن تأهل للرأي، ولا يدل المستفتي على غير العالم الورع، وإن كان المفتي مخبرا للمستفتي، فله أن يخبره بالآراء ليختار منها ما شاء. وإن كان مفتيا له فلا يفتيه إلاَّ بالأعدل عنده. وإن أخبره باختلاف ونقل له عمَّن لا يعرفه المستفتي، فلا يأخذ بقول الرافع ولو ضابطًا للنقل؛ ولينظر في المرفوع عنه، فإن كان ممن يؤخذ عنه أخذ به، وإلاَّ فحتَّى ينظر في عدل القول.
وإن قال المفتي: «في المسألة كذا وكذا» فليس بفتيا. وقيل يجوز الأخذ به وإن قال: «قال المسلمون»، جاز اتفاقا، وإن حجر على المستفتي في الأخذ عنه بقوله، تركه إلاَّ إنْ علم حَقِّيَّته.
ومن سمع قولا من أقوالهم، فأفتى به وأخذ عنه [21] سلم هو والآخذون به. (1/59)
صفحة 55
وقيل يؤخذ بفتيا عارف للحق من غيره، ولو غير ثقة. وإن قال ثقة غير عالم: «حفظت كذا»، جاز الأخذ به.
وإن رفع عن عالم يؤخذ به، قُبِل منه وأخِذ به عنه.
فصل
من سئل عمَّا لا يعلم فعليه بـ «لا أدري ولا أعرف». وأجاز أبو سعيد له أيضا: «الله أعلم»، أو «علم الله ذلك»، وعابه عنه بعض وقال: يقول لسائله: «سل غيري» لئلا يتركه في شبهة، ولكن ينبغي للضعيف أن يقول ما مرَّ ونحوه، لا «الله أعلم»، فيوهم وقوف الفقهاء.
أبو سعيد: من تشجَّع بعلم كمن تورَّع (58) به.
الباب العاشر
في الجائز فتياه وضمان المفتي
ابن محبوب#: من قال الحلال عليه حرام، فأفتاه مفتٍ بطلاق زوجته، وقد مرَّت له تطليقتان، وأخذ بفتياه، ورأى أن لا رجعة له عليها، وتزوجت، ثم سأل غيره، فأفتاه بعدمه، وانَّها زوجته، فرجع على الأول فاستضمنه في الصداق، أو يخرجها له من الزوج، فحاوله، فأبى إلاّ بضمان الصداق ضمنه له أيضًا. وإن قال المفتي: «لستُ بفقيه، ولا تأخذ برأيي»، لم يضمن، وعذر. وإن قال له: «الفقيه غيري، فإن شئتَ أن تأخذ برأيي، فرأيي كذا وكذا»، ضمن أيضا إلاَّ إن قال (59): «لا تأخذ به».
وإن أخطأ مقبول الفتيا، ففي ضمانه قولان، وعليه التوبة إن لم يجز له الرأي؛ وقيل لا يضمن حتَّى يقول: «هذا قول المسلمين». وإنَّما يضمن غير المجتهد إن خرج عن أقوال أهل القبلة. وإن أفتى المجتهد بمُجمع على خلافه، وتخطئته، أو بمحرَّم في (1/60)
صفحة 56
الأصول، ضمِن. وإن لم يكن في النازلة حكم من أحدها فأفتى بغير ما قال فيها أهل الرأي سلِم لأنَّه من أهله، وإلاَّ ضمن.
وعن منذر: من أفتى أو حكم بما لم يحفظ، فلا يهلك حتَّى يخرج عن اختلاف الأمَّة عند بعض.
ابن بركة: من أفتى وأخطأ ولم يخرج من أقوال أهل الوفاق، والخلاف، فلا يضمن.
وتلعن الملائكة -قيل- مفتيًا بما لم يعلم. وأضعف الناس علما أعجلهم بالفتيا.
أبو سعيد: ليس العالم من حمل الناس على ورعه، ولكن هو من أفتاهم بما يسعهم من الحقِّ، ولقد أحسن -قيل- فيما قال.
فصل
إن أخذ عالم أجرًا على فتياه. خسَّت حالته، وبرئ منه، إلاَّ إن تاب، وردَّ ما أخذ وللسائل قبول ما أفتاه من الحق.
ومن أرسل سائلا له فقيها فأفتاه بغيره غلطا منه، وعمل بما أخبره به الرسول، لم يجز له أن يقبل باطلاً من فقيه، أو من غيره ولو لم يعلم، فإن قبله وعمل به هلك إن لم يتب.
وإن قصد الصواب مفت فغلط، سلم كما مرَّ، وكذا الرسول إن بلَّغ حكاية الغلط بلا زيادة أو نقص. (1/61)
صفحة 57
فصل
أبو الحواري#: من سألك عن موجب طلاق زوجته ثمَّ غيرَك على غير ما سألك به، فأفتى له بعدمه، وكانت مسألته مما فيه اختلاف بالرأي وسعك أنْ تسكت وحسن لك أن تقول له «اتق الله».
وإذا سئل -ابن محبوب-: عما يقول بتحريمه، قال اكتبوا بها إلى القاضي ليحُلَّها. وإن كانت من مجمع على تحريمها فأفتيتَ له به لزمك أن تأمره بالتقوى، وأن تُعلِمَ المرأةَ به، والفقيهَ الثاني بما سألك السائل عنه، وأقرَّ به عندك كالإيلاء والظهار؛ وإذا وطئ (60) قبل أن يكفر أن يفعل.
وقد آلى رجل من امرأته بالطلاق ليفعلن كذا وكذا ثمَّ استشهد على رجعتها قبل أن يفعله، وجعله تطليقة، ثمَّ وطئها فأفتاه نبهان بن عثمان# بتحريمها، وخرج الرجل إلى محمد بن علي# فكتب له بتحليلها، فذهب نبهان [22] بما كتب له إلى ابن محبوب، فأنكروا ذلك، ثمَّ كتبوا به إلى عمر بن محمد#، وكان هو الكاتب إلى محمد بن علي، فرجع عن قوله، وقال إنما أفتاه برأيه.
فصل
ينهى عن استفتاء معالج الأخبثين، ومشغول بدَين عليه، أو بدنياه، أو بمصيبة، أو نحو ذلك؛ لأنَّه يؤدِّي إلى الزلل؛ لقولهم: لا يُسأل من ريء منه ملل أو كسل؛ لأنَّ المسائل تصطاد بنور القلب إذا اجتمع. (1/62)
صفحة 58
ولا يكثر على العالم السؤال سيما إذا حرد. ولمن علم من أحد جهلا بدينه أن يعلمه به، وإن لم يسأله، وإن سأله فعليه أن يجيبه، ولو لم يعلمه جاهلا، إلاَّ إن علم منه التعنُّت، أو قصد الاِحتجاج بتعلُّمه على المسلمين، أو عون الظالمين به عليهم، أو طلب المنزلة أو نحو ذلك، لما روي: «لا تطرحوا الدرَّ في أفواه الكلاب»، ولما قيل: من أعطى الحكمة غيرَ أهلها خاصمته إلى ربِّها، وظلمها مَن منعها أهلاً.
شعر:
فمن منح الجهَّال علما أضاعه ومن منع المستوجبين فقد ظلم
ومانع علم الدين ممن يريده ... يبوء بأوزار وإثم إذا حرم
فصل
وجب قبول فتيا مشهور بالعلم في مصره وعصره، ورِع في دين ربِّه. وقد تفاضل العلماء كما مرَّ، فمنهم البصير والمبصر، ودون ذلك.
ومن يحفظ من الكتب، ويُسأل أجاب بما عرف من الأثر، إن بان له عدلُه، وإن قال: «وجدت في أثر المسلمين»، أخِذ به؛ لا إن قال: «في الأثر».
وإن كان من يُسأل تعتريه الشكوك إذا سئل عمَّا يعلمه أجاب وترك الوسواس، واستعاذ بالله من شرِّه والشكِّ، ويعمل بما علَّمه الله، ويفتي بما أراه من الحقِّ؛ ولا يلزمه أن يتكلَّف ما لا علم له به.
ابن بركة: من سأله سائل عمَّا يحتاج إليه فليخبره (61) به إن علمه ولا يحلُّ له كتمانه عليه، بل ولو لم يقع ولم يحتج إليه إن لم يظنه ممن يُمنع.
فصل
من بعث بسؤال إلى ثقة مع غير ثقة ثمَّ يأتيه بجوابه منه بخطِّه، فإن اطمأنَّ أنَّه لا يبدل ولا يقصد غيره، أخذ به إن عرف خطَّه؛ وقد جرت العادة بذلك في المراسلات بالمبايعة والتقاضي وغيرهما ... (1/63)
صفحة 59
ابن بركة: من رفع إليه ثقة مسألة عن فقيه مضى وكان عدلا، قبلت شهادته عنه فيها على سبيلها لا على الفتيا؛ فإن أصاب الرافع والمفتي فيها قولا سلما معًا، وإن (أخطَئَا) (62) ولو قول مخالف ضمنا، وعلى السائل أن يرجع إذا علم بذلك، أو أعلماه برجوعهما إذا لم يصادفاه وعليهما أن يعْلماه ويضمنا ما تلف بفتياهما من مال، وإن لم يعلم السائل ولا المسؤول بالخطإ سلما إن ماتا.
أبو سعيد: إن قال المفتي يسع أو لا يسع أو يجوز أو لا يجوز، فقد حكم بالقطع فيما قال وإن حكى عن كتاب أو قال: سُنَّ كذا، ولو منسوخا، فلا يأثم إن لم يعلم بنسخه، ولا قصد الفتيا بباطل. وإن قال: أرى جواز كذا، أو حفظته، أو سمعته، والمضاف إليه ذلك قائل به فلا يأثم أيضا إن لم يعلمه باطلا ولم يقصده. وليس قوله: أرى جوازه بمنزلة المفتي، وإن رفع لي متولًّى عندي مسألة وقال: وجدها في الأثر، أو سمع فيها كذا، أو عنده فيها كذا، لم يجز لي (63).
البسياني#: إن عمل بها لأنَّ قوله عندي فيها ليس برفيعة، ولا فتيا، وإنَّما يقول في قياسي، ولا يقبل ذلك إلاَّ من أهل الرأي، ولا يعمل بقوله: سمعت فيها (64) حتَّى يقول من فلان الفقيه، وكان السامع منه ضابطا وتقبل رفيعة من عرف عدل الأثر إن قال وجدت فيه أو عن فلان، أو عن المسلمين وكان ضابطا. (1/64)
صفحة 60
الباب الحادي عشر
في التقليد وذمِّه
قال الله سبحانه: {وإِذَا قيلَ لهم تعالَوْا إلى ما أنزَلَ اللهُ} إلى {لا يهتدون} (سورة المائدة: 104)؛ {ويومَ يعَضُّ الظالمُ} إلى {خَذولاً} (سورة الفرقان: 27 - 29)؛ {إذ [23] تبرَّأ الذين اتُّبِعوا} إلى {من النارِ} (سورة البقرة: 166 - 167) وذلك في الكتاب كثير.
ومن السُّنَّة ما روي أنَّ مشجوجا أجنب وقد اندملت شجَّته فاستفتى له فأُمِر بالاغتسال ولم يعذروه فاغتسل وكرَّت عليه ومات؛ فأُخبِر صلَّى الله عليه سلَّم، فقال: «قتلوه قاتلهم الله»؛ فلم يعذر المستفتي ولا المفتي؛ ولعلَّه لم يتأهَّل للفتوى، فنعوذ بالله من غلبة الأهواء ومسامحة الآراء، وتقليد الآباء؛ وإياه نسأله أن يجعلنا من التابعين لكتابه، الذَّابين عن دينه، القائمين بسنَّة نبيئه.
وإذا رفع صحابي خبرا عنه بإيجاب فعلٍ لزم من بلغه العمل به، إلى إتيان ما ينسخه فيرجع إليه. وكذا الحاكم كما مرَّ يعمل بما صحَّ عنده فإذا ترجَّح عنده (65) غيره رجع إليه.
ابن بركة: كل مسألة لا يخلو الصواب فيها من أحد قولين إذا فسد أحدهما لدليل صحَّ أنَّ الحقَّ في الآخر {فماذا بعد الحقِّ} ... الآية (سورة يونس: 32)؛ فإذا اختلفت الأمَّة في حكم على قولين، فأخطأ بعضهم وأصاب آخرون، لم يخرج الحقُّ من أيديهم لأنَّ المصيب منهم كالأمَّة، وحُكِم بقوله في الآفاق، فإذا طلب ذلك الحكم منها وقام الدليل على خطإ البعض كان المصيب كإجماعها.
ومن تعبَّد بأمر فأخذ ببعض الآراء فيه ودان لله به لاعتقاده صوابا فأخطأ، سَلِم لاعتقاده إيجاب الله عليه قبوله، وإن أخطأ وجه الاستدلال ودان بما دان به من حيث لم يوجبه عليه من ذلك الوجه ولم يتعبَّده بتلك الحجة وإنَّما تعبَّده من وجه آخر وبأدلَّة (1/65)
صفحة 61
أخرى، هلك ولم يعذر؛ وكذا كلُّ ما تعبَّده به (66) أن يدين له به فأطاعه فيما أمره به فهو فيه سالم، إذ لم يكلِّف عباده إلاَّ بما نصَّب لهم عليه فيه دليلاً وأوجدهم إلى معرفته سبيلا، فإن أخطؤوه كان من قبلهم.
فصل
أبو سعيد: لا يجوز التقليد في الدين عند مخالفة المقلِّد أو المقلَّد شيئا من الأصول في قول أو فعل؛ ولا لمستفت ولا لمحكوم عليه بمخالفة ذلك، إذا علم أصل ما أفتى له به، أو حكم عليه، ولو جهل مخالفته للحقِّ، وذلك غير جائز في الدين بعلم ولا بجهلٍ برأيٍ، ولا بدين على معنى الإقامة عليه بالرأي غير تائب منه ولا نازع ولا دائن بسؤال؛ ليرجع إلى الإصابة.
وقيل لا يجوز في الفتيا ولا اعتقاده فيه، وقيل يجوز فيه للعلماء فيما لهم فيه أن يختلفوا إن وافق العالم معنى ما له أن يقول به ولم يخالف الدين.
أبو المؤثر: إنَّما تُتَّبع الفقهاء ويسألون عن الطلاق والحيض والصلاة ونحوها، ويقلِّدهم الناس فيما لا يعلمونه؛ لأنَّ الحوادث منها ما فيه الحجَّة من الأصول، فمن خالفها هلك. ومنها ما لا حجَّة فيه منها، فهذا رأيهم فيه مقبول، كما يقلِّد الحاكم الشاهديْن ويَقبل منهما ما شهدا به ويحكم ولو كذبَا عند الله؛ وهما حجَّة له عند الله إن كانا عدلينِ عنده؛ لأنَّه خوطب بعدالتهما؛ فلو ترك شهادتهما لظنِّها زورًا ووافق لكان حكمه جورا؛ لأنَّه ليس له أن يردَّها من عدلين عنده بظنِّه فيحكم به؛ فالحقُّ قبولها وترك الظنِّ.
وكذا إذا حكم وهو ممَّن يثبت حكمه كان حجَّة على المتحاكمين عنده حتّى يعلماه أو أحدهما باطلا. (1/66)
صفحة 62
الباب الثاني عشر
في لزوم العلم بالواجبات
أبو سعيد: من لزمته الفرائض فعليه أن يعلم وجوبها ويعتقد أداءها، إن وسِع وقتُها كالحجِّ والزكاة؛ وإن علمه وأخَّر أداءه، مع اعتقاده لم يكفر بتأخيره، ما لم يأت له حال لا يقدر معها عليه، أو يموت بلا إيصاء به؛ وقيل عليه أداؤه في وقت خوطب به فيه بما أمكنه. كالمضيَّق من الفرائض بأنَّه حين يكفر بالترك يكفر بالجهل.
ومن أدَّى فرضا بلا نية وقصد لأداء ما عليه لم ينفعه -قيل- أداؤه. فإذا عُدم معلِّما له بذلك فأدَّاه على أنَّه إن لزمه في الدين فقد أدَّاه أجزاه على هذه النية والصفة. وإن أدَّاه على غير قصد لأداء ما لزمه، أو على غير (67) فرض لزومه لم يجزه. وإن أقرَّ به ودان بأدائه وعرف [24] معناه، وحضره شيء منه وجهل لزوم أدائه، فأدَّاه على ما يرى من الناس بلا نية لأداءِ لازمٍ لم يجزِه أيضا وهلك.
وإن جهله وأدَّاه (68) عمَّا يلزمه في الجملة التي أقرَّ بها أجزاه وسلِم، ما لم يضيِّع فريضة أو يرتكب محرَّما في جهله؛ وقيل: ما لم يعلم فرض ذلك في وقته ويؤدِّيه بعلم منه أنَّه يلزمه بعينه فلا ينفعه كما مرَّ؛ وعليه علمه وأداؤه بعده. فإن أدَّاه بلا علم (69) بلزومه فعليه -قيل- البدل والكفَّارة.
وإن أقرَّ بالجملة وعلم معناها، ودان بها وجهل بعض الفرائض الحادثة الداخلة فيها، فإن عُدِم من يعلِّمه لزومه في وقته ودان بالسؤال عمَّا يلزمه فأدَّاه على ما استحسنه عقله، وقد عجز عن طلب معلِّم له في غير محلّه كان كمن لزمه أداء فرض كالحجِّ وعجز عن الخروج إليه لخوف، أو عدم زاد أو راحلة ولا يصله إلاَّ بالركوب، أو وجد ذلك وكان ذا علَّة؛ فإذا علم لزومه ولم يجد مفسِّرًا له سلِم على أيِّ وجه (1/67)
صفحة 63
أدَّاه، إن اعتقد السؤال عنه على الصفة؛ ولا يضيِّع الدينونة به ولا التماس معلِّمٍ له بما أمكنه؛ فإذا علم ذلك نظر فيما أدَّى، فإن كان على وجهه سلِم، وإلاَّ أعاده وسلِم أيضًا. وإن لم يدِن بالسؤال مع علمه بلزومه ولم يعلم بالتفسير هلك ولو عُدم المعلِّم بحضرته. (1/68)
صفحة 64
الباب الثالث عشر
في معلِّم الصبيان وما له فيهم ممَّا ليس له
روى ابن عبَّاس: «المعلِّمون خير الناس كلَّما خلق القرآن جدَّدوه ... » الحديث والآثار في ذلك كثيرة.
وعليه أن يعلِّمهم أخلاق الكرام. وجاز تعليمهم بغير وضوء (70)، وقيل: لا.
أبو سعيد: من علَّم شيئا من الدين بأجر فهو من السحت. وكذا من أخذه على حرام إجماعا. وفي قيام رمضان وتعليم الحساب قولان: الجواز لأنَّهما ليسا واجبين، والمنع لأنَّهما طاعة.
وجاز أخذه على القسمة ولو من مال اليتيم لأنَّه عناءٌ. وليس -قيل- له أن يرسل الصبيان إلى من تخلَّف منهم عن المكتب، إلاَّ بإذن آبائهم، فإن عُقر واحد منهم أو رُكِض بحمار أو جمل بإرساله بدونه خيف عليه ضمانه؛ وإن أمرهم أن يرملوا مكتبهم -وكان من مصالحهم- جاز له، ولو يتامى؛ وقيل لا يليق إلاَّ بإذنٍ إن كان لا يضرُّهم تركه.
ولا يضرِبهم إلاَّ بإذن آبائهم أو أوصيائهم. وإن ضرَبهم مؤثِّرًا لم يبرأ -قيل- من الضمان، وإن لزمه فيه الحلُّ له منه من والده، خلاف. وله أن يأمره بصالح له، كعمل مدادٍ، أو محوِ لوحٍ، أو غيرهما ...
وأجاز أبو الحواري ما يعطى له على التعليم بغير اشتراط، وجوِّز له به وقيل له أن يؤدِّبهم بغير مبرِّح، أي بغير جرح ولا تأثير وإلاَّ فعليه أرشه، وكذا الوالد إذا ضربه مبرِّحا لأنَّه ليس من الأدب.
وإن قاطع آباءهم أو القائم بهم على معلوم كلّ شهر أو سنة أو أسبوع لم يجز عند الأكثر ولا يثبت، ولو قصد غير التعليم (71) إن كان له عليهم أجر مثله. وإن (1/69)
صفحة 65
قاطعهم على التعليم لا على معروف فهو مجهول، وله أجر مثله. وإن كان على تعليم الكتابة، والحساب أو شيء من الأدب ممَّا يعرف بأجر في أجل معلوميْنِ ثبت عليهم.
وأجاز له بشير ضربهم أدبًا، وأخذَ ما أعطوه له. وقيل لمعلِّم اليتيمِ أن يقبض ما يصل [25] إليه منه من رطب أو بُسر أو نحوهما، إن تعورف أنَّه مرسل به من القائم به، أو من أبيه إن كان له.
ومن أمر معلِّما بضرب ولده فأدَّبه فمات فعليه ديته لأبيه.
فصل
إن أتى صبيٌّ إلى معلِّم في محلِّ تعليمه، ولم يأمره أبوه أن يعلِّمه القرآن فإن كان تعليمه لا يشغله عن مصالحه كاكتسابٍ جاز له؛ والأولى به بعد صلاح نفسه تعليم الأدب والقرآن ومكارم الأخلاق؛ وللقائم بذلك عظيم الثواب، ولو لم يأمره به والده ولا غيره.
وإن أتاه في مكتبه ولم يعلمه ممن يقوم بمعاشه، أو كان له قائم به أم لا، فغفل أن يسأل عنه، فإن لاح له من حاله حين شاهده أنَّ له قائما بما يموِّنه، ولم يبن عليه ضرٌّ أخذ بظاهر حاله أنَّه ذو كفاية، حتَّى يعلم غيره.
وللمعلِّم -قيل- قبول هديَّة من صبي وخادم من نحو ما مرَّ، وقيل له أن يعلِّم الصبيان ولو بلا إذن، ما لم يحجر عليه أو يشغلهم عن حالهم، ولا ضمان عليه ويؤجر عليه وإن بإجبار وقهر إن رأى صلاحا فيه.
ومن أراد أن يحتسب في تعليم القرآن وفي بلده معلِّم بالأجر فقير، وخاف هو أن يتجاوز إليه الصبيان ويدعون الفقير فلا يأثم، ورِزْقُ الفقير على خالقه؛ وإن طلب رفقا به وتوقَّف فهو وجه أيضا. (1/70)
صفحة 66
وعليه أن يعلِّمهم تحسين الخطِّ والأدب، وأن يسألهم عمَّا أتوه به إن لم يطمئنَّ قلبه أنَّه رسالة ولو يتامى.
ابن محبوب: إن أهدي إليه من مال يتيم على تعليمه فلا عليه إن لم يشترطه، أو كان على تعليم الخطِّ وبري الأقلام؛ لأنَّ ذلك صنعة، وجاز الأخذ على تعليمها. (1/71)
صفحة 67
الباب الرابع عشر
في تعليم القرآن وقراءته وغير ذلك
وقد روى الترغيبَ (72) فيه والوعيدَ على نسيانه غيرُ واحد.
ولا بأس على قارئه إن أعجبته قراءته وصوته ما لم يُعجَب الناسُ به لأنَّه محبطا. وإن قرأه متوضِّئ وعليه ثوب نجس ففيه كراهة، ورخِّص، ولو في مصحف. وأجاز كثير قراءته لغير متوضِّئ ولو فيه أيضا. وجاز لجنب آية وآيتان، وقيل سبعٌ، وقيل ما لم يتمَّ السورة من أوَّلها؛ ومثله الحائض والنفساء دون المستحاضة.
ولا يحمل المصحفَ جُنب أو حائض؛ وجوِّز لهما بسيره و (73) حمالته، ومثلهم الأقلف والمشرك وقيل إنَّما جاز لمن ذكر قدر ما ذكر إن خافوا نسيانا (74) وهو عذر، أو توحَّشوا؛ وقيل لهم تلاوته تكييفا لأنَّه غير قراءة؛ وجاز -قيل- بها لخائف نسيانه، للوعيد فيه وقد روي: «اقرأ القرآن على أيِّ حال شئت، واحمل المصحف كذلك، وادخل المسجد إلاَّ جنبا»، لأنَّه ليس بمتطهِّر لا نجس.
ومن به حدث بول أو نجو أو مذي أو وذي أو دم فإنَّه يقرأه، وقيل: لا، وقيل: إنَّما يقرأه تامَّ الطهارة كما للصلاة، وهو بها أشبه؛ وفي سجوده أيضا خلاف، كالاِستقبال فيه؛ ومن تركه دائنا به، أو استخفافا هلك لتركه السنَّة. وتقرأ آيته سرًّا ويسجد عندها ولو بعد صبح وعصر، ولا يعاب على تاركه بعدهما، لما ثبت عنده أنَّه لا صلاة في الوقتين.
وسنَّت السجدة واحدة. وجازت صلاة الجنازة كلَّ وقت سوى الطلوع والغروب بقرن من الشمس حتَّى يتمَّ ولو بتيمُّم على المختار؛ لأنَّها دعاء كما سيأتي. (1/72)
صفحة 68
وصلاة التطوُّع لا تجوز -قيل- (75) إلاَّ بالوضوء كالفرض عند وجود الماء، وإمكان استعماله. وصلاة العيد أوكد وأولى. وقيل: من خاف فوتها مع الجماعة وهي سنَّة تيمَّم لها، وصلاَّها معها سيَما خلف العدل، أو إمام الجماعة، واختاره بعضهم لأنَّ قيامها بسنَّتها وهي الجماعة أفضل؛ ولأنَّ انقضاء وقتها هو انقضاء الجماعة التي لا يدرك مثلها [26] كالجمعة. (1/73)
صفحة 69
الباب الخامس عشر
في الردِّ على من قال بالزيادة والنقصان في القرآن، وتكرير القصص فيه
وممَّا يدلُّ على فساد القول بذلك آيات منه (76)، وروايات عن نبيه صلَّى الله عليه وسلَّم. أنزله عليه في ثلاث وعشرين سنة؛ كلَّما نزلت منه آية أو سورة قرأها على أصحابه، وفي صلاته، وفي كلِّ سفر أو حضر، وعلى المهاجرين وخيار الأنصار وربَّما قرأها على العوام، وفي المواسم العظام.
وفيه فرائضهم وحلالهم وحرامهم، ووعدهم ووعيدهم، والاِحتجاج لهم وعليهم. وكانوا أهل عناية به وتعظيم له، وتحريض عليه يدرسونه نهارهم، ويصلُّون به في ليلهم، ويتفهَّمون معانيه، ويُقرئ بعضهم بعضا في مساجدهم ومشاهدهم. وهم الحجَّة على غائبهم وعلى التابعين من بعدهم؛ كما كان النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم حجَّة عليهم أجمعين.
فإن تشاجروا في شيء ردُّوه إليه وإلى الكتاب؛ ومن ثَمَّ لم يخف على من كان كذلك ناسخُه من منسوخه، ومكِّيُّه من مدنيِّه، ومقدَّمُه من مؤخَّرِه؛ كيف وهم شهود القصَّة، وحضور التنزيل، وما هو في مغنم، أو فداء، أو عفو، أو قتل، أو أسر، أو قبض صدقة، أو صيام، أو صلاة، أو نسك؛ أو تحريم ربى، أو زنى، أو خمر، أو خنزير، أو في قصاص، أو حدٍّ، أو ميراث، أو غير ذلك. وفيهم أنزل، وإليهم يرجع؛ ولقد حفظوا من سننه، وأحكامه، وأحاديثه، وأخلاقه، وسيرته، ودلالته قبل مبعثه، أضعاف ما بين الدفتين، وعَلِم ذلك الفقهاء.
وخُصَّت العرب بشدَّة الحفظ، والبيان. وقد كان له كتاب يكتبون فيه ما أوحي إليه، لا يدفع ذلك صاحب خبر، ولا حامل أثر. (1/74)
صفحة 70
وكان منهم: ابن أبي سرح، وزيد بن ثابت، ومعاد بن جبل، ومعاوية. فلو لم يكن القرآن مجموعا مكتوبا في حياته، فأي شيء كتبه هؤلاء، وكيف يجوز لهم أن يتركوا جمع القرآن، والوقوف على تأليفه، وما اشتمل عليه. وأوَّل ما أنزل منه بمكة: {اقرأ بِسْمِ ربِّكَ ... } إلخ (سورة العلق: 1 ... )، وبالمدينة سورة البقرة، وآخر ما أنزل سورة براءة.
فلو ألَّفوا السور على رأيهم، لقدَّموا المقدَّم، وأخَّروا المؤخَّر، وفي تقديمهم البقرة، وتأخيرهم براءة دليل أنهم لم يتركوا وضع السور على ما عاينوا، وشاهدوا.
وقد قال أبو ذرٍّ: لقد تركَنا رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وما يقلب طائر جناحه في السماء إلاَّ وعندنا منه علم. فكيف تجهل أمَّة شهدت أوَّل ذلك، وآخره، تأويل السور، ومواضع الآي؛ وقد اختارهم الله للصحبة، ولقيام الحجَّة على من بعدهم، وعلى من غاب عنهم. وقد روي أنَّه كان مفرَّقا، حتَّى جمعه أبو بكر رضي الله عنه، وقيل عثمان.
وكانوا يأخذون آية من هذا، وأخرى من ذاك؛ فمن جاءهم بآية أو أكثر، سألوا الشهود عنها، ثم تكتب. وأنَّ زيد بن ثابت لماَّ أمر عثمان أن يكتبه في المصحف، فقد آيتين حتى وجدهما عند رجلين من الأنصار.
فصل
دلَّسَ الزّنادقة الزيادات، والأحاديث، وقال الشعبي: لم يَجمع القرآنَ على عهد الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم إلاَّ ستةٌ من الأنصار: أُبَيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأيوب، وأبو أيوب، وأبو زيد. (1/75)
صفحة 71
فصل
سبب تكرير القصص فيه أنه صلَّى الله عليه وسلَّم كان يبعث إلى القبائل المتفرِّقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء، والقصص متكرِّرة، لوقعت قصَّة موسى إلى قوم، وقصَّة عيسى إلى آخرين، وقصَّة نوح إلى من سواهم؛ فالله تبارك وتعالى بلطفه، ورحمته يسيِّر القصص في أطراف الأرض، ويلقيها في كلِّ سمع، ويثبتها في كلِّ قلب.
وتكرير ما هو جنس واحد، كما في سورة الرحمان، وغيرها؛ لنزوله على لسان القوم: ومن مذاهبهم [27] إرادة التأكيد للإفهام، كالاِقتصار لهم (77) للتخفيف أيضا، والإيجاز، والتفنُّن في الكلام، والخطب من جنسه للتطربة، فمن تتبَّع القرآن وجده في أحسن النظم من البلاغة، بل هو في الطرف الأعلى منها. وكان ابن عباس إذا سئل عن شيء منه أنشد الشعر ليعرفه به إن خفي، وقال: الشعر أوَّل علم العرب فتعلَّموه، وعليكم بشعر أهل الحجاز فإنَّه نزل على لغتهم.
وفي إعادة القصص أيضا حكمة لطيفة، وهي أنَّ من سمع موعظة، ثم لم يُعَد عليه ذكرها، خفي عليه قدرها، وذهب عنه وصفها، فإذا وُعظ بها مرَّة بعد مرَّة، صارت نصبا لخاطره وفكره، ورفقا على همِّه وذكره؛ ولذا تعيد الخطباء الموعظة في كل مقام، ومشهد، وتردِّد القصةَ في كلِّ محفل، ولم يكن ذلك عيًّا.
وروي عنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه كان يردِّد الآية مرارا، للتدبُّر. وقد ذمَّ الله سبحانه من يمرُّ بالآيات ولا يدبِّرها، ويرى المعجزات ولا يتأمَّلها، فقال: {وكأيِّن مِن آيةٍ ... } الآية (سورة يوسف: 105)
فصل
طعن قوم في القرآن لاختلاف القراءات، وقد اختلف فيما روي: «أنزل القرآن على سبعة أحرف كلُّها شاف كاف». فقيل هي: وعد، ووعيد، وحلال وحرام، (1/76)
صفحة 72
ومواعظ، وأمثال. واحتجاج؛ وقيل حلال وحرام، وأمر، ونهي، وخبر عن ماض وعن آت، وأمثال؛ وقيل سبعة أوجه من اللغات متفرقة فيه، وقيل في كلمة، ولذا كان معجزا عن معارضته، مع توفُّر دواعي العرب إلى تحدِّيه، وأنفتهم على من تحدَّاهم في أمر، فأقوى الناس فيه مِن البلاغة والبراعة.
وفي كونه معجِزا بنظمه، أو بمعناه أو بهما خلاف في محلِّه، وكيف لا يعجزهم وهو كلام الله. والله أعلم. (1/77)
صفحة 73
الباب السادس عشر
في المحكم والمتشابه، وذكر شيء مراد به غيره
فقيل المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ. وقيل المحكم هو الفرائض، والوعد، والوعيد، والمتشابه هو القصص والأمثال، وقيل هو: {ألم} (سورة البقرة: 1) و {المص} (سورة الأعراف: 1)، ونحوهما.
والمحكم ما تأويله تنزيله، تقع في القلب معرفته عند سماعه، وهو عندنا ما علق حكمه بظاهره ولا يحتمل وجهين نحو: {لم يَلِدْ وَلمْ يُولَدْ ... } (سورة الإخلاص: 3)، {حُرِّمَتْ عليكُم أمَّهاتُكم ... } (سورة النحل: 78)، {ليسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ ... } (سورة الشورى: 11)، {وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنسَ [إلاَّ ليَعبُدونِ] ... } الآية (سورة الذاريات: 56).
والمتشابه مالا يعلم المراد به في ظاهر تنزيله نحو: {يَا حَسْرَتَى علَى ما فرَّطتُ في جَنْبِ اللهِ ... } (سورة الزمر: 56)، {تَجْرِي بأعيُنِنَا ... } (سورة القمر: 14)، وغير ذلك ممَّا يرجع به إلى احتمال التأويل، ويصرف عن ظاهره كما يعلم بالوقوف على الكشَّاف وغيره.
وقوله: {منه آياتٌ مُحْكَمَاتٌ ... }: معناه متقنات، مبيَّنات، مفصَّلات {هنَّ أمُّ الكتابِ} (سورة آل عمران: 7): أي أصله المعوَّل عليه في الأحكام، ومجمع الحلال والحرام، ومرجع أهل الإسلام، وهو إمام في كلِّ كتاب يرضى به أهل كل دين، إنْ أَذعَن إليه، والعرب تسمِّي كلَّ جامع يكون مرجعا لقوم أُمًّا، كما قيل في اللوح المحفوظ: أمُّ الكتاب، وللفاتحة: أمُّ القرآن، ولمكَّة أمُّ القرى.
وإنَّما أفرد ولم يقل أمَّهات لأن الآيات في تكاملها واجتماعها في حكم الآية الواحدة. وكلام الله واحد، وقيل معنى كلِّ آية منها أمُّ الكتاب نحو: {وجَعَلْنَا ابنَ مريمَ وأُمَّهُ آيةً ... } (سورة المومنون: 50) مع أنَّ كلاًّ منهما آية. (1/78)
صفحة 74
{وأُخَرُ متَشابِهاتٌ}: يشبه بعضها بعضا.
وقيل المحكم ما فيه من الحلال والحرام، وما سواه متشابه يصدِّق بعضه بعضا، وقيل المحكم مالا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدًا (78)، والمتشابه ما يحتمل منه أوجها؛ وقيل المحكم ما فهم العلماء معناه، وتأويله؛ والمتشابه ما ليس لأحد إلى علمه سبيل، وهو ما استأثر الله بعلمه [28] بناء على وجوب الوقف على {إلاَّ الله ... }.
وقيل: المحكم ما أُجمِع على تأويله، والمتشابه ما ليس فيه بيان قاطع؛ والقرآن في الحقيقة كلُّه محكَم، أي متقَن في حقِّيته وثبوته، قال الله سبحانه (79): {أحْكِمَتْ آياتُه ثمَّ فُصِّلَتْ ... } الآية (سورة هود: 1). ولو كان -كما قيل- كلُّه محكما على غير معنى ما ذكرنا ما احتمل التأويل، ولا أمكن فيه اختلاف ولسقط الامتحان، وتبدَّلت العقول، وبطل التفاضل، والاجتهاد في الاستباق إلى الفضل، واستوت منازل العباد، ولكن جعل الله بحكمته ورحمته بعضه محكما ليكون أصلا يرجع إليه، وبعضه متشابها محتاجا إلى الاِستنباط، يرد إلى المحكم واجتهاد العقول ليثابوا به، ومسائل الباب كثيرة تطلب في محلِّها. (1/79)
صفحة 75
الباب السابع عشر
في مخاطبة الله لعباده وأمره لهم
فالأشبه أنَّه إن ورد بفعل خاصٍّ بوقت جاز للمأمور إيقاعه أوله أو وسطه، أو آخره؛ وتعجيله أفضل، وإن ورد غير مخصوص به جاز له تأخيره ما حيِيَ واختير وجوب تعجيله أوَّل أوقات الإمكان، لأنَّه إذا ورد مطلقا فإمَّا أن يلزم على الفور مع الإمكان أو التراخي، فآخر أوقات العمر كوسطه مجهول، فلا تتعلَّق العبادة به فيجب على الفور.
وصورة الأمر: افعلْ، نحو: {أقيمُوا الصلاةَ ... }، {اتَّقُوا اللهَ ... }، وصيغة النهي لا تفعل نحو: {لا تأكلوا أموالَكُم بينَكم بالباطلِ ... } الآية (80) (سورة البقرة: 188)، {ولا تقْرَبوا الزنا ... } (سورة الإسراء: 32)؛ فإذا ورد الخطاب مجردا عن قرينة، أو مقدمة، أو تابعة، حُمِل على الوجوب، والتحريم، وإلا فإنه يرد لمعان ذكرت في محلها.
وجاز تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عنه، لأنَّه إذا خاطب عباده بظاهر الإطلاق والعموم، ويريد التقييد والخصوص (81)، ولم يقرنه بمبيِّن له فقد ألزمهم أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، يتعالى مولانا عن ذلك؛ فإنَّ لكلٍّ من وجوه الخطاب صيغة تخصُّه ويعرف منها حكمه، غير أنَّ العرب -لسعة لغتها، وكثرة معاني كلامها- تعبِّر عن الخصوص بالعموم، وبالعكس، وبالحقيقة عن المجاز، وبالعكس، إلى غير ذلك، ويتبيَّن ذلك بالقرائن وعليها جاء الكتاب، والسنَّة. (1/80)
صفحة 76
الباب الثامن عشر
في التكليف
وهو إلزام الله العبد ما فيه كلفة، عند إيجاده الاستطاعة فيه، وهي عرض يوجد فيه مع الفعل لا قبله، ويتوجه إليه التكليف من طريق العقل، ومن طريق النقل.
أمَّا من العقل فإنه يجب عليه أوَّل حال بلوغه أن يعلم الله سبحانه وأنَّه واحد عالم قادر بمجرد عقله كما هو مبيَّن في محلِّه، وأنَّه مكلف بذلك.
وأمَّا من طريق النقل من ورود السمع ومعاينة البصر بغير لازم فرضه ولا هالك من جهله قبله، إلا بعد قيام الحجة عليه بالخبر، فإذا طرق سمعه لزمه فرضه إن كان مفسرا في لفظه، وإلاَّ فحتَّى يسأل عنه من يعبِّر له عنه بخطابه. ومالم تقم على المكلَّف حجة فهو سالم بجهله فيما طريقه السمع.
ومن التكليف ما أمر به اعتقاده، ومنه ما أمر بفعله، ومنه ما أمر بالكفِّ عنه.
والعبُّد مأخوذ من شرع مسموع، ومن عقل متبوع فيما لا يمنع منه الشرع، وبالعكس، لأنَّه لا يرد بما يخالف العقل، وإنما يتوجَّه التكليف إلى من كمل عقله، وقد ذكرنا مراتبه في "شرح مرج البحرين" (82)، والأحكام العقلية لا تكون أصولا للشرعية.
ويلزم قيل منقطعا عن الناس ولا علم له بهم، ولا بالشرائع أن يعلم من ذات عقله [29] أنَّ له خالقا خلقه، وصانعا صنعه، لما يراه من خلق السموات والأرض، وتقلُّب الليل والنهار، واختلاف الأحوال، بل ولِمَا يبصره ويعقله في ذات نفسه. وعليه أن يكفَّ عن جميع ما قبح في عقله كقتل الحيوان. ومن كان قيل على دين عيسى ولم يبلغه مبعث محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، ولقي أعرابيا جافيا أو عبدا أو امرأة جافية، فأخبره به قامت عليه الحجَّة، وانقطع عذره به، ولزمه الإيمان به، ولم يسعه المقام على دين عيسى؛ فإن مات عليه مات كافرا، وليس هذا من مقصودنا هنا. (1/81)
صفحة 77
الباب التاسع عشر
فيما يسع جهله وما لا يسع
فلا يسع كلَّ بالغ عاقل أن يجهل معرفة الله، أنَّه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار به، وبرسوله محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وبكلِّ ما جاء به عن الله عزَّ وجلَّ أنَّه حقٌّ؛ فمن أقرَّ بالجملة، وصدَّق بها، أقرَّ بالدين، وآمن بما جاء به. فإن ردَّ شيئا منها، أو أنكره، أو شكَّ فيه أشرك.
ولا يسع جهل الشرك بالله فما دونه من خصال التوحيد، ولا جهل معرفة السؤال المتَّصل بمعرفة الله، ولا يعذر من فرَّط فيه، ولا جهل الفرائض عند أوقاتها.
وإذا حضرت وهو يتعلَّم، ولم يفهم عن معلمه حتَّى فات وقتها، أبدلها وسلم -قيل- إن مات على ذلك؛ واختير أن يصلِّيَها بما فهمه عن معلِّمه، وإن بالتسبيح، أو التكبير، أو بهما، ولا يتركها حتَّى يفوت وقتها.
ولا جهل تحريم الخمر، والدم، ولحم الخنزير، والميتة. ولا جهل التقصير، ويسع جهل الجمع، ولا جهل الجنة، والنار. وقيل يسع ما لم يعلم بهما، ولا يوم القيامة إذا ذكر، وكذا البعث، والحساب، والعقاب؛ فمن آمن بذلك، وظنَّ، أو اعتقد أنَّ غير الجن والإنس من الخلق لا يحشر، ولا يبعث؛ فإن لم يسمع ذلك، ولا خطر بقلبه، ففيه خلاف، وإذا تُلي عليه: {ومَا مِن دابَّةٍ في الأرضِ ولا طائِرٍ ... } إلى {يُحشَرون} (سورة الأنعام: 38)، قامت عليه الحجة؛ فإن شكَّ بعد ما تُليَ عليه، أو خطر بقلبه، ولم يعلم كفر.
وعن ابن عبَّاس: يحشر كلُّ شيء سوى الذباب. ومن شكَّ في آية من القرآن ولم يعلمها، وهو مؤمن به فلا يشرك حتَّى تقوم عليه الحجَّة بها، فإن شكَّ بعدها أشرك، ويقتل إن لم يتب.
ولا يسع جهل الكتب المنزَّلة على الرسل. (1/82)
صفحة 78
من عاين دائنًا بتحليل ما حرَّم الله، أو بعكسه، فلا يسعه جهل كفره، ولا الشكُّ فيه. وفي وجوب علمه بأنَّ هذا المطيع يثاب، وهذا العاصي يعاقب خلاف، قيل سالم حتَّى تقوم عليه الحجة، وقيل إذا حسن في عقله فقد لزمه. ومن عاين مرتكبا وإن صغيرة مستحلاًّ له ممَّا يسع جهل علمه، لا ركوبه سَلِم إن لم يعلم حرمته، ما لم يتولَّه حتَّى تقوم عليه بتضليله فيردُّها، وقيل لا يسعه جهل تضليله مطلقًا.
ابن بركة: من عاين مرتكبا حراما، ولو محلِّلاً له، ولا يعلم حرمته، فقيل يسعه جهل تضليله ما لم يتوله، وقيل يسعه الوقوف فيه إن ركبه محرِّمًا له.
ومن صلَّى بثوب يشفُّ، لم يسعه جهل فساد صلاته به ولو ليلاً؛ ولزمه البدل لا الكفارة.
ولا يسع جهل جميع ما جاء عن الله عزَّ وعلا؛ ولا جهل تفسيره إذا عرف.
ويلزم -قيل- كلَّ عاقل تعلُّمُ العلم، إذ ليس له أن يعمل إلاَّ به، ولو أكلاً أو شربًا، فإن عمل بدونه أخطأ ولا يسعه ركوب ذلك.
ويسع جهل قسم المواريث، والحدود، ونحوِها من الأحكام (83) ما لم تقم به الحجة، أو يحكم بغير ما أنزل الله، أو يعطِّل أو يعان عليه.
ويسعه جهل ما دان بتحريمه ما لم يركب مثله، أو يتولى من ركبه، أو يبرأ مِن متبرَّإٍ منه، أو يقف عنه.
ابن محبوب: كلُّ ما لم يكن في الكتاب بيانه، ولا في السنَّة، ولا في الإجماع، فواسع جهله.
وقال أصحابنا: يسع جهل كفر المحرِّم دون المستحِلِّ، وبذلك [30] جاءت الآثار، إلاَّ بشير يقول: إنَّ المستحلَّ يسع جهل معرفة (84) كفره لمن علم ما لم يتولَّه.
وهذا ــ قال ابن بركة ــ: أَنظَرُ في باب الحجَّة لأنَّه لو رأى مرتكبا ما لم يعلمه ما هو لم يكن له أن يحكم فيه بصواب أو خطأ إلاَّ إن علم ذلك؛ وكذا لو رأى مرتكبَيْن لفعل لا يعلم هو إباحته، ولا حرمته، فقال أحدهما: «إنَّ الله حرَّم عليَّ (1/83)
صفحة 79
هذا»، والآخر: «أباحه لي»، ولا يعلم السامع حكم الفعل، لكان عليه أن يبرأ من المقرِّ بحرمته فقط. وإن علم تبرَّأ منهما معا.
أبو الحسن: من ركب معصية، أو أحدث حدثا لم يدر المشاهِد له أكان مستحلاًّ له أو محرِّما، ولا ما يبلغ به فاعله ولا سَمِعه (85) يدَّعي فيه على الله شيئًا وسعه الإمساك عنه إن لم تسبق له وَلايته، فإذا قامت عليه الحجَّة بتحريمه تبرَّأ منه، فإن علمه لا أن من ركبه يبرأ منه وسعه الوقوف إن كان سائلا معه عن حكم ما يلزمه فيما صحَّ عنده من ذلك، فإن أفتِيَ له بعد السؤال، أو قامت عليه الحجَّة بأنَّه مكفِّر لراكبه، وأنَّه موجب للبراءة منه، تبرأ منه ولا يسعه الشكُّ فيه بعد.
فصل
على الناس ــ فيما يسعهم جهله ــ إذا سمعوا به وعرفوا معناه، أنْ يعتقدوا (86) تعليمه، وأثموا إنْ اعتقدوا تركه، وعليهم فعل ما لا يسعهم تركه إذا بلوا به في حاله، وإن جهلوه، وإن تعمدوا تركه قبل مجيء وقته أثموا، وإن لم يتعلَّموه، ولا اعتقدوا تركه، ولا حضر وقته فلا عليهم، ولزمهم اعتقاد فعله بعد العلم، وهلكوا إن اعتقدوا تركه ولزمهم عند حضور وقته العمل، واعتقاد تعلم ما لم يعلموه إذا علموا أن التعلُّم فرض كفاية.
والسؤال آلة له، وقد يحصل بغيره ويجزي.
ويسع الوقوف في الأطفال حتَّى يصحَّ أمرهم بعد البلوغ، وجهل الدجَّال وإن أنكره بعضهم والأصحُّ ثبوته. (1/84)
صفحة 80
فصل
على المكلَّف أن يعلم مالا يسعه جهله من أمور التوحيد بما مرَّ، وإن بلا مُعَبِّر. وغيره من الفرائض يلزمه العمل به عند حضور وقته إن وجد معبِّرا له به عنه، وإلاَّ وعلمه وقت وجوبه لا تفسيره، وأداءه على وجهه فعليه كما مرَّ أداؤه على ما يحسن في عقله؛ ويعتقد السؤال عن علمه على وجهه، فإذا لقيَ معبِّرًا له عنه، كان حجَّة عليه، ولم يُجْزِ له جهله (87)، ولا الرجوع إلى الشكَّ فيه؛ وإن لم يعرف وقته فلْيَدِن بالسؤال عنه وعن تفسيره، ويؤدِّيه إذا علم فرضه بما حسن عنده أنَّه وقته، ويَسأل عنه متى قدر.
ومن جهل وجوب الصلاة، والصوم، ووقتَهما وتفسيرَ العمل بهما، ولم يجد مخبرا له بذلك، فإن حسن في عقله أنَّ عليه في الدين الذي تعبَّد به عملا بالأبدان أدَّى ذلك على ما استحسنه، ولا يهلك بجهله؛ فإذا أدَّاه على ذلك في وقتٍ مَا لم يلزمه غير اعتقاد السؤال عما يلزمه في الدين، فإن قدر أن يخرج طالبا لمعلِّم، وفي ظنِّه أنَّه يجده مع أمان من خوف، أو عطش، أو قلَّة زاد، أو تعب، أو غير ذلك، ومع وجود مؤونة من يعوله إلى رجوعه، والأمن عليه، لزمه الخروج في طلب معلِّم له فيما لا يسعه جهله، ولا يسلم إلاَّ بعلمه.
وإنما يلزمه في الواجبات التي يهلك فيها إن لم يدِن بالسؤال عنها عند عدم المعبِّر، ومالم يكن تعبير الواحد حجَّة عليه فيه، لا ينقطع عذره عن الخروج فيه، ومالم تقم فيه من تعبير البارِّ أو الفاجر، فالسائل عنه موسع له في السؤال، ولا يلزمه فيه خروج، ولا يعذر من ألزم الناس ما لم يلزمهم.
وإن لم يحسن في عقله أنَّ عليه عمل بدن، وأقرَّ بالوحدانية لله تعالى بخاطر مرَّ بباله، وبالوعد والوعيد لأهلها، ونحوهما، لزمه أن يدين بالتماس علم ما يلزمه في الدين، فإذا دان به ولم يجد معبِّرًا له، ــ ولو فاجرا ــ كان سالما، وإن لم يؤدِ لله [31] فرضا، ولا ترك محرَّما. (1/85)
صفحة 81
فصل
يسع جهل المحرَّمات ما لم يقارفها المكلَّف بعد العلم بتحريمها، أو يصرَّ معتقدا لها مع الجهل بتحريمها، أو يدَّع على الله فيها كذبا، ولم يدن بباطل. ومن ركب حراما، وفقد معبِّرا له به فقد سلم.
وتقوم عليه الحجَّة وإن بتعبير صبيٍّ أو معتوه، أو مشرك؛ فإذا وجد علمه عنده لزمه في حينه والتوبة منه بعينه فيما مضى، والرجوع عنه، ولا يكون عليه حجَّة في مستقبل أن يعلم تحريمه به (88)، ولزمه الانتهاء عنه فيه، وقامت عليه في الترك بالتعبير، فلمَّا ركبه جاهلا به، وفقد المعبِّر له بتحريمه أجزته التوبة من جميع المعاصي في الجملة، مع اعتقاد السؤال عمَّا يلزمه فيها عمَّا ركبه بعينه فإذا عُبِّر له وإن مَن ذُكر لزمته الحجَّة به في مرتكبه؛ ما لم (89) تقم عليه بعلم ما وسعه جهله في الأصل ما لم تقم عليه من المسلمين؛ لأن حجة الإنكار (90) والانتهاء غير حجة العلم واعتقاده، وعليه فيما يستقبله أن لا يرتكب ذلك بعينه فإن ركبه تاب منه، ولا تجزيه منه في الجملة كما وسعته منها عند عدم ذلك.
فصل
تقوم الحجَّة فيما يسع جهله من الدين (91)، وفي علم ما يسع جهله بالدين بالعالم الأمين فيه المشهور، وعليه الأكثر لا بالضعفاء وإن كثروا، إلاَّ إن عبَّر ضعيف عن عالم بكافية عن التعبير (92)، فقيل يكون بذلك حجَّة، وقيل لا يقبل قوله ولو كان ثقة، إن لم ُيومن على نقل العلم، والدين، والحفظ. وقيل لا يلزم قبول قوله إلاَّ من أبصر حقِّيته (93) حتَّى يكون له نظر يفرِّق به، ويمنعه عن الزيادة والنقصان، فهذا كالعالم، وما فرض فيه عمل البدن، والانتهاء عن المحرم، والتقوُّل على الله باللسان ممَّا (1/86)
صفحة 82
يسع جهله ما لم يضيِّع لازما، أو يرتكب محرَّما، أو تقوم عليه الحجَّة مع علمه، أو يتولَّى راكبه، أو نحو ذلك مما مرَّ، فلا يلزم في هذا سؤالٌ ولا خروج.
وقال جابر: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولَّوا راكبه، أو يبرأوا ممَّن تبرَّأ منه، أو يقفوا فيه، والمجتمع عليه عندنا أنَّ ما عدا التوحيد، والوعد، والوعيد، وما تولَّد من ذلك، ولحق به، فلا تقوم فيه إلاَّ بالسماع، ولا العلم به إلاَّ به، ولا يقطع عذر الجاهل فيه وله إلا بعد قيامها عليه به، فإن قيل لحق حكم الاستحلال بحكم مالا يسع جهله بعد السماع من العالم: أنَّ الحرام المستحَلَّ بالديانة حرام، وأنَّ المحرَّم بها حرام من الدين، فلم تقم عليه فيه إلا بالسماع؛ وأن المستحلَّ حراما فيه هالك مع أنَّه ليس مما أجمع عليه فيه أنَّ الجاهل له هالك ما لم يعلم ذلك، فلم يلحق إلا بالسماع وبعد العلم، ولم يلحق أيضا بالإجماع في الدين والتوحيد، والوعد والوعيد لاحقون بصفة الله، ولا يجوز جهله ولا صفته مع الخطور بالبال، أو السماع مع فهم المعنى.
قيل: له إن كان الخروج المأمور به فيما قامت به الحجَّة عليه من طريق حكم الاستحلال من المحدثين بالديانة، فإن قامت عليه وقد كذبوا بزعمهم أنها لا تقوم إلا بالعقل فالعبارة أولى وأَجْوَز أن تقوم بها، وكذبوا إن زعموا أنهم ليسوا بحجة، ويخرج في طلبها. وهذا تناقض ظاهر من كونه محجوجا وطالبا للحجة، وقد هلك بها مع أنه لا يجوز في العقل أن يُلزِم أحدا في الدين طلب قيامها على نفسه، وإنما عليه طلب علم ما يسلم به منها ويخرج من السلامة منها إليها وهذا من الضلال المتأول عن الضعفاء، وإنما الحجة عليه العالم كما مرَّ، فإذا قامت عليه لزمه أن يصدّقها وخرج من سعة لضيق، فإذا قبلها (94) خرج منه إليها، فإن شكَّ فيها بعد قيامها عليه هلك، ودخل في الضيق و {ما جَعَلَ عليكُم في الدين مِن حَرَجٍ ... } (سورة الحج: 78)، {لا يُكلِّفُ اللهُ نفسًا إلاَّ وُسْعَهَا ... } (سورة البقرة: 286). (1/87)
صفحة 83
فصل
من ألزم ــ قيل ــ الناسَ أن يخرجوا في طلب [32] ما يسعهم جهله، فهو كمن كلفهم الخروج إلى الحج بغير (95) استطاعة، وإنَّما ألزمهم الله علم ما لزمهم علمه من دينه الواجب عليهم أداؤه، ولا يجوز في العقول غير هذا، ولو كان ذلك كذلك لم تجز ولاية أحد ولا وجب له اسم الإيمان حتَّى يعلم أنَّه عَلِم جميع الدين من الأصول الثلاثة، وهو من المحال، والقول به زور، وضلال، بل الإجماع على أنَّ الإقرار بالجملة منفس على المسلم، وموجب له الولاية ما لم يأت منه ناقض لذلك وإنمَّا يلزم طلب العلم فيما لزم التعبُّد به كما مرَّ. وهذا المقام من مزالِّ الأقدام، ومختصرنا لا يفي بمسائله. (1/88)
صفحة 84
الباب العشرون
في الإيمان والإسلام واليقين وصفة ذلك
فالإيمان هو التصديق بالقلب، والإسلام منه كالضوء من الشمس، والطيب من المسك؛ فكلُّ شمسٍ ضوءٌ، وكلُّ مسك طيب من غير عكس كليٍّ. فكلُّ إيمان إسلام من غير عكس؛ لأنَّ الإسلام وهو الخضوع والانقياد (96) أعمُّ؛ لأنَّه قد لا يفارقه تصديق.
ولِما روي: «الإيمان سرٌّ والإسلام علانية»، وقيل مترادفان، وقيل الإيمان مركب من الاِعتقاد والإقرار والعمل وهو الصحيح عندنا. ويرادفهما الدين أيضا (97)، لأنَّ مصدوق الثلاثة واحد، ومفهوماتها مختلفة، وأدلَّة ذلك كثيرة، فمن خلا ممَّا تركَّب منه الإيمان دخل في قوله تعالى: {أولئِكَ الذين طَبَعَ اللهُ على قلوبِهم ... } الآية (سورة النحل: 108). ومن خلا منه لسانه وأركانه كان كقوم فرعون المقول فيهم: {وجَحَدوا بِها ... } الآية (سورة النمل: 14) ومن خلا منه عمله دخل في قوله: {ألم أَحَسِبَ الناسُ ... } الآية (سورة: 2).
ويتفاضل المؤمنون في الإيمان على قدر ترقِّيهم في درجاته: فالأولى هي المعنى الذى كلَّف الله به عباده ورضيه منهم، وهو قوله: {آمن الرَّسولُ ... } الخ (سورة البقرة: 285)، {فمن يكفرْ بالطَّاغوتِ ويومنْ باللهِ} الآية (سورة البقرة: 256)؛ فهذا تصديق العامَّة واعتقادهم، يقوى تارة ويضعف أخرى، والعمل يؤثر في نموِّه كالماء (98) في نموِّ الشَّجر علوًّا، ورسوخ أصله سفلا؛ قال عزَّ وعلا: {ليزدادوا إيمانًا مع إيمانِهم} (سورة الفتح: 4) وهذه الزّيادة قيل: لمَّا أقرُّوا (99) بالجملة وأوفوا (100) بالعمل بها زادهم الله إيمانا وتصديقا ويقينا. فدلَّ على أنَّه يزداد بالطاعات وينقص بارتكاب المحرَّمات. (1/89)
صفحة 85
وأنَّه قيل: يبدوا لمعة بيضاء في القلب، فإذا عمل العبد زادت حتَّى يبيضَّ كلُّه. والنفاق يبدوا نكتة سوداء فيه، ويزداد بانتهاك المحرَّمات حتَّى يسودَّ كلُّه فيطبع عليه، وهو الختم والرَّين {كلاَّ بل ران على قلوبهم ... } الآية (سورة المطففين: 14). فإذا رسا الإيمان في قلب العبد ورسخ فيه انتقل إلى أعلى درجة من الأولى وهي: الظنُّ الذي مدح الله به المؤمنين في قوله: {الذين يظنُّون أنَّهم ملاقوا ربِّهم ... } الآية (سورة البقرة: 46)، {وظنُّوا أنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إلاَّ إليه} (سورة التوبة: 118)، وهو هنا بمعنى اليقين، فمن رسخ في قلبه زال عنه الجهل والشَّك.
والظَّن يؤول إلى العلم؛ لأنَّ غالب الأحكام الشَّرعيَّة إنَّما تثبت على غلبته؛ فإذا قوي صار علما وهو النّور الذي يقذفه الله في قلب المؤمن فيتَّسع به وينشرح ويطمئن. ولذلك الشرح علامة وهي: التجافي والإنابة والاِستعداد.
فدرجة العلم في القلب أعلى من درجة الإيمان، وهو سرُّ قوله تعالى: {يرفعِ اللهُ الذين آمَنُوا مِنكم والذين أوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ} (سورة المجادلة: 11). وروى ابن عباس: أنَّها بسبعمائة درجة، ما بين الدرجة والدرجة مسيرة خمسمائة عام.
فإن ازداد العلم صار يقينا، وهو علم راجح في القلب لا يشوبه شكٌّ ولا اضطراب، فكان كالمشاهدة ولهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «من أقلِّ ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر». وقيل: إنَّ أقلَّ اليقين إذا وصل إلى القلب ملأه نورا وشكرا وخوفا من الله، ونفى عنه كلَّ ريب، والتوحيد نور والشرك نار؛ ونور التوحيد أحرق لسيئات الموحّدين من نار الشرك لحسنات المشركين، وهو اليقين.
وقيل أوَّل المقامات: المعرفة ثمَّ اليقين ثمَّ التصديق ثمَّ الإخلاص ثمَّ المشاهدة ثمَّ الطاعة.
والإيمان اسم لجميع ذلك، وقيل: اليقين داع [33] إلى قِصر الأمل الدَّاعي إلى الزُّهد المورث للحكمة المورثة للنظر في العواقب. ومن أعلامه قيل ثلاثة: النظر إلى الله في كلِّ شيء، والرجوع إليه في كلِّ أمر، والاِستعانة به على كل حال. ومعناه قيل: علم مستودع في القلب، وقيل: هو تحقيق الأسرار بحكم المغيَّبات، وقيل: هو العلم بمعارضة (1/90)
صفحة 86
الشّكوك، وقيل: الذي لا يتحول ولا يتغيَّر في القلب، وقيل: هو المكاشفة، وقيل: رؤية العيان بقوَّة اليقين. والصَّواب عندي: بقوَّة المعرفة لأنَّا نُعَرِّف في اليقين وإلاَّ لزِم الدَّور.
فصل
إنَّ الملائكة أعظم يقينا من الأنبياء والرسل؛ وهم فيه أعظم من غيرهم، ويتفاضل الناس في الدوام عليه وقلَّة السهو، على قدر تفاضلهم فيه. ويصيبه المسلم وغيره ولا يستحقُّ به الثواب إلاَّ الموفّي بالدّين، ويستجاب به الدعاء لكلٍّ، ولكن غير المؤمن دعاء الدنيا فقط، ومن كثرة اليقين تكون البراهين، ولا يستوثق به في أمر الآخرة، وإن كان يزيد الرغبة والاِجتهاد.
وقيل: اليقين استقرار معرفة العارفين ويتزايد بلزومها، فعلى قدر اشتغال القلب بالأمور الدنيويَّة يضعف. وروي: «أخوَف ما أخاف على أمَّتي ضعف اليقين»؛ فكلٌّ يجاهد على قدر قوَّة يقينه، ويقرب من الله بقدر مرتبته. ومن أمارات المعرفة: حضور الهمَّة من الله.
وروي: «دعامة الدّين المعرفة واليقين والعقل المانع من المعاصي، والحرص على الطاعة». فإذا عرف العبد ربَّه لزمت قلبه الرَّغبة فيها والرهبة عن ضدّها، وامتلأ عظمة وحياء.
وتتزايد المعرفة في قلب العارف بحسن التفكُّر، والاِعتبار في إتقان ما يشاهده من الصنع وحسن التَّدبير. وقيل: هو بحر لا يدرك له قعر، ولا يحيط به بشر، وعلى سواحله وأطرافه يحوم الخلق بقدر ما تيسَّر لهم؛ وما خاض بعض أطراف معرفته إلاَّ الأنبياء والأولياء والراسخون من العلماء؛ على قدر درجاتهم. فإذا قويت في قلب العارف لاح له من ربِّه اللطف الخفيُّ والنور الجليُّ، واستولى على قلبه حبه، واستأنس بذكره في الخلوات، وغلب نور قلبه على نور بصره؛ وظهر له المزيد من ربِّه.
جعلنا الله وإيَّاكم من أهل طاعته وتولاَّنا مع أهل رحمته. (1/91)
صفحة 87
فصل
الإسلام شرعا (101): إعمال القلب والجوارح. وهو يرادف الإيمان، وقيل: يغايره، وبينهما تلازم وارتباط، وقيل: هو القول، والإيمان: العمل. فمن لم يصدّق للقول به فليس بمؤمن.
أبو عبيدة: العزم على الإيمان إيمان، والعزم على الكفر ليس بكفر حتَّى يفعل.
أبو سعيد: الإيمان يزيد ولا ينقص؛ لأنَّه إذا انتقص منه شيء بطل كلُّه.
وقيل: يضعف ولا ينقص. وروي: «لا يجد المؤمن (102) طعم الإيمان ولا يكون مؤمنا حقًّا حتَّى يصل من قطعه ويعفو عمَّن ظلمه ويحسن إلى من أساء إليه ويعطي من حرمه. فمن فعل هذا مع استقامته في الدّين كان من المتَّقين».
ولا يجوز لأحد أن يقول: أنا مؤمن حقًّا ولا أنا من أهل الجنَّة. جعلنا الله من أهلها بفضله. (1/92)
صفحة 88
الباب الحادي والعشرون
في الشرك والكفر والنفاق
فالشرك لغة: التسوية. وشرعا: جعل شريك لله تعالى، أو جحده، أو إنكار خصلة من التوحيد، وهو إفراد الله بالوحدانية، وإثبات الكمالات له، وتنزيهه عمَّا لا يليق به، وإثبات الرسالة لأهلها وإنزال الكتب عليهم ... وغير ذلك ممَّا كان مذكورا في العقائد، ولشهرته فيها لم نبوِّب له، ولأنَّ مقصودنا هنا فروع الفقه.
ومن الشرك أن يتَّخذ العبد معبودا غير الله، ويسمِّيه بالألوهية؛ أو ينكر وجود الصانع؛ أو يجعل له شريكا من صنعته؛ أو يضيف إلى غيره خلْقا من خَلقه بلا تأويل؛ أو يصفه بمخرج له من الألوهية؛ أو يكذِّبه في كتبه أو يكذِّب رسله؛ أو يجهل ما لا يسع جهله طرفة عين؛ أو يشرك في عمله غيره، كقصد الرياء به؛ أو يكون ثقته به، لما روي: «الشرك في أمَّتي أخفى من ذبيب ذرَّة سوداء على صخرة صمَّاء (103) في ليلة ظلماء»، وكذا من شكَّ في خصلة من التوحيد، أو أنكر فرضا منصوصا عليه.
ومن شكَّ في أنَّ الله خالق ورازق، أو في أسمائه بعد قيام الحجَّة عليه، أو في تفسير التوحيد بعد علمه، أو في خصلة منه بعد قيامها عليه، [34] أو في القرآن بعد أن سمعه، كفَرَ.
وإن شكَّ أنَّ لعيسى أبًا، أو في الجنَّة والنار ونحوهما، أو في الكعبة بعد العلم بالكلِّ أشرك. وإن شكَّ في الجمعة بعد العلم بها كفرَ إن أقرَّ أنَّ الظهر أربعٌ، وإلاَّ أشرك، وقيل مطلقا.
فصل
الكفر لغة: التغطية والستر. وعرفا: استفساد إلى وليِّ النعمة. وهو كفر جحود وكفر نعمة، فالجحود كجهل الصانع. وكفر النعمة يكون بقول أو فعل. وقد (1/93)
صفحة 89
اجتمعت الأمَّة على أنَّ الكافر الأصلي هو المشرك، واختلفوا في كفر النعمة فنفاه القدرية والمرجئة والأشعرية، وأثبته الإباضية والصفرية والشيعة، وهو المشهور عند العرب، وأدلَّة الشرع تقوِّيه أيضا.
فصل
النفاق لغة: الخروج من غير المدخل، أخِذ من نافقاء اليربوع. وشرعا: مخالفة السرِّ للعلانية، والقول للفعل.
والمنافقون قيل مشركون؛ لمخالفة أقوالهم لاعتقادهم، وقيل: لا، ولا مؤمنون، ولكنَّهم كافرون ومنافقون وضالُّون وفاسقون لمخالفة أقوالهم لأفعالهم وهو الأشبه. ومنشأ الخلاف: اختلاف الصحابة في المتخلِّفين؛ فقال بعضهم: القوم على ما أنتم عليه (104) وهم إخواننا، وإنَّما ثقل عليهم أمر الهجرة والخروج من الوطن فهم مؤمنون. وقال آخرون: مشركون، لتخلُّفهم عنها، وقعودهم بين ظهراني مشركين؛ فأنزل الله فيهم: {فَمَا لَكُمْ في المُنَافِقِينَ فئتين} (سورة النساء: 88) فردَّ على الفريقين؛ فهو منزلة بين المنزلتين. وأدلَّة إثبات النفاق في الأفعال كثيرة. (1/94)
صفحة 90
الباب الثاني والعشرون
في الجائز من الكلام والدعاء
وقد أمر الله به وضمن فيه الإجابة (105) إذا وقع على وجه مرغب فيه غير محظور، لأنَّ غير الجائز لا يقع فيه ضمان بإجابته، إذ ليس من الحكمة أن يقول لعباده: سلوني ما لا يصحُّ أن أجيبكم إليه، ويدلُّ على ذلك أيضا ما يعرف من مسألة العبد ربَّه الرحمة والعفو والغفران، عند حادث يحدث به لا يُؤمَن أن يكون عقابا نزل به.
وعند توبته من ذنب سلف منه، فإنَّ الدعاء في مثل هذا واجب لا يترك، وهذه حالة من عرف نفسه بالضعف والعجز، وعرف ربَّه بالقدرة والقهر.
واختلف في الدعاء فقيل: واجب أن يدعو الإنسان، ويكون سؤاله مفيدا في العقل والضمير بشريطة حكم الله فيه، وما هو أعلم به من حقِّ تدبيره، لئلاَّ يقع دعاؤه موقع الاِعتراض على ربِّه والحكم عليه، لأنَّ العبد مربوب لا يحكم له على مولاه فيما هو أملك به وأعلم بوجهه منه.
وقيل قد يحسن إظهار ما يضمر من ذلك في أمور أخرى، كقول القائل: اللهمَّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأغنني ما كان الغنى خيرا لي، ولو أطلق لكان جائزا إن كان عنده على ما يدعو به المسلمون، وقيل لا يحتاج إلى إضمار ما ذكر، ولا على إظهاره، لأنَّ موضع الدعاء هو ذلك؛ ولا وجه لاشتراط ما ذكر. واختير أنَّه يجب عليه إذا دعا ربَّه أن يُغنيَه، أو نحو ذلك أن يقول: ما كان ذلك خيرا لي في ديني ودنياي ولا يرسله؛ لأنَّ من يشترط في مثل ذلك خرج دعاؤه مخرج السخط والاِستصغار بنعم الله عليه. ولا ينبغي للعبد أن يسأل ربَّه إلاَّ إن كان في دعائه مطيعا له. (1/95)
صفحة 91
فصل
الدعاء أيضا على ضربين:
* أحدهما: يفعله الله لعبده ولو لم يدعه، مثل ما حكاه عن ملائكته في قوله: {ربَّنا وسعتَ كلَّ شيء رحمةً وعلمًا ... } الآية (سورة غافر: الآية 7). وقد علمنا أنَّه يدخل عباده المؤمنين الجنَّة، وأنَّه يغفر للذين تابوا، وإن لم يدعه بذلك داع.
* والثاني: ما ليس من حكم الله أن يفعله إلاَّ بعد الدعاء، كدعاء الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما اتَّفق كونها على سبيل ما اتَّفقت عليه من الكثرة، ومواقيت الأفعال، لعلم الله تعالى أنَّ ذلك لا يكون موجبا للحجَّة ولا موافقا موضع المصلحة إلاَّ إن كانت بعد الدعاء.
والمؤمنون يوجِّهون دعاءهم إلى الله في النصر على الكفَّار وفي الاِستقاء وكشف المكاره، رغبة إلى الله وطمعا في أنَّ اجتهادهم سبب في اجتلاب ما سألوه. وقد يجري أيضا مجرى التقديس والتسبيح والذكر. والإجابة تكون بموافقة الإرادة.
وفي الخبر أنَّ دعوة المظلوم والحاجِّ والوالد مستجابة، لا ترد ولو فاسقا أو مشركا؛ ولو كانت الإجابة تستلزم تشريف الداعي وتعظيمه لم يجزْ للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم أن يجيب سائلا غير مؤمن تقيٍّ والمختار أنَّها قد تكون ثوابا وغيره، ولمؤمن وغيره بحسب علم الله سبحانه في فعل ذلك من الصلاح، وأنَّها (106) ليست مضمونة لكلِّ داعٍ، ولا دلالة في قوله: {اُدعوني أستجبْ لكم} (سورة غافر: 60) وفي قوله: {أجيبُ دعوة الداعي} (سورة البقرة: 186) على العموم كما توهِم، وإنَّما هو إخبار وإعلام بأنَّه ذو إجابة لمن أراد إجابته؛ كما أنَّه وصف نفسه بأنَّه {ذو مغفرةٍ للنَّاسِ ... } الآية (سورة الرعد: 6)؛ وليست على عمومه اتِّفاقا. (1/96)
صفحة 92
فصل
أبو سفيان القنوت في الصلاة ورفع الإمام يده عند خطبة الجمعة بدعة، وإنَّما يشير بإصبعه عبادة. رأيت بشير يرفع يديه يوم الجمعة على المنبر فنهيته، فقال رأيت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عليه وما يقول بيده إلاَّ هكذا، وأشار بالسبَّابة.
أبو المؤثر يكره للداعي رفع يديه في الخطبة والصلاة وغيرها. ورخِّص فيه يوم عرفة بالدعاء واختير المنع مطلقا. وكان حاجب يرفعها.
وكُره: اللهمَّ ارض عنِّي كرضائي عنك، لأنَّ رضاءه أكثر واختلف في: اللهمَّ ارحمني برحمتك، وتب عليَّ بتوبتك.
وروي: «اسألوا الله ببطون أكفِّكم». وجاز رفع الصوت بعرفات بالذكر والدعاء وبسط الأيدي من غير رفع، وإرسالهما أفضل لما فيه من التذلُّل والمسكنة، وهما في القلب لا في اليدين. قال تعالى: {ويدعوننا رَغبًا ورهَبًا} (سورة الأنبياء: 90).
ولا يجوز الدعاء بالموت إلاَّ على فاسق مؤذ للناس. ولا يؤمَّن على دعاء غير متولًّى؛ وجاز إن نافق بعافيته، وأن يقال: «بحرمة محمد» لا «بحقِّه عليك»؛ و «أدعوك بأسمائك»، لا «أسألك بها»؛ وأن يقال لغير متولًّى: «عظَّم الله أجرك، ورحمك الله» إن كان يتَّقيه وينويه في الدنيا؛ وأن يقال له (107) عند ابن محبوب: «أكرمك الله، وأحسن إليك». ومَنَع: «أحسن الله جزاءك، وذكرك (108) بخير، وبارك الله فيك، ونصرك الله، وكَلاك، وصحبك، وكان معك، وسلَّمك». وجوَّز ذلك غيره على إرادة الدنيا، وأضيق من ذلك: «بارك الله عليك». (1/97)
صفحة 93
فصل
من ذكر مسلما بما يكره أو سمَّعه بما ينقصه، أو قال: «ثقيل الروح» اغتابه. وإن قال: «هو من شرِّ الخلق» برئ منه السامع. وإن قال في مشتهر بأكل الحرام والظلم وانتهاك الحرمات: «أنا خير منه» لم يجز إلاَّ إن قال: «عندي فعلا». ويبرأ من قائل: «ليس في الدنيا خير منه». ويقال: «الغالبة من مقتتلين ببغي نصرت، ومنصورة»، لا «نصرها الله على الأخرى». ولا يقال عند بشير: «كلُّ من فعل كفرًا فهو كافر». وجاز في مؤمن: «عصى أو واقع المعصية (109)»، لا: «عاصٍ»، ولا «مخطئ».
وجاز عند ابن مسعود لمؤمن أن يقول: «أنا مؤمن عند الله حقًّا»؛ ومنعه ابن عبَّاس، وأجاز: «عند نفسي» , قال: وإلاَّ أن يقول: «أنا في الجنَّة»، فقال له ابن مسعود: إن لم يجز فأنت إذن شاكٌّ في إيمانك.
وروي: لا تشهد لنفسك بجنَّة ولا نار، ولا لغير منصوص عليه بالجنَّة، ولو لمتولًّى ظهر فضله، ولا يشهد بها قيل إلاَّ للأنبياء ولأبي بكر [36] وعمر ولأزواج النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم. وتشهد لميِّتٍ على كفر بالنار، ولا يقال فيمن يزكِّي ولا يتصدَّق، ومن يتصدَّق ويبذل الأخلاق الحسنة، وهما في الولاية: «هذا كريم، وذاك بخيل»؛ ولكن: «أكرم». ولا لِولِيَّيْن: «هذا أورع من هذا» ولا «أصدق منه» لما فيه من الإيهام. وجاز: «أفضل منه». ولا لمتولًّى بعد موته: «عفى الله عنه»؛ ولا لغيره: «حيَّاك الله» ولا «مرحبا بك» ولا «أعرض الله عنك» ولا «أقبل الله إليك» ولا «تعالى الله بالعزِّ والكبرياء» وجاز: «أستودعك الله وأستحفظك» و «يارجائي»، ولغير وليٍّ: «لا نظر الله إليك». وفي إطلاق: «يعرف ويدري» على الله قولان.
ولا يترحَّم على فاسق؛ وجاز -قيل- بِنِية الدنيا (110)؛ ولا «غفر الله لك إلاَّ على الشر فيها»، وجاز أنه جيد على معناها. (1/98)
صفحة 94
وقيل لبشير يبلغني عن رجل كلام يؤذيني لا بعدلين، وهو عندي في الوقوف، هل لي أن أدعوَ له بدنيويٍّ، وقلبي لا يحبُّه؟ فقال له لا بأس عليك فمن ليست له حرمة الإسلام دعي له بدنيويٍّ.
فصل
جاز: «الحمد لله بما حمد به نفسه وهلَّل به» ويراد بنفسه، هو لا غيره؛ لا جزاؤه الحمد والشكر، لاستغنائه عنه؛ وإنَّما حمد الحامد وشكر الشاكر تفضُّل من الله عليه بالإثابة.
وجاز: «أرحم الراحمين»، لا «أرحم الرحماء»، ويكره «فال الله»، وكذا «كالك الله». ومن طلب إليه شيء فقال ما عندي قليل الله ولا كثيره، يريد من جنس ما طلب إليه، فلا عليه إن صدق فيه. وجاز لوليٍّ لا شقيٍّ: «الله عليك». وكره: «اعتمادنا على فلان بعد الله». ولا يقال: «الحمد لله الذي كان كذا وكذا» ولكن: «الحمد لله أن كان». وجاز: «احتجب عن خلقه بعزَّته وقدرته»، لا «بنوره وسماواته»؛ ومنع لأنَّهما صفتا ذاته العلية؛ وقد حجب خلقه عن رؤيته، بمعنى منعهم لا كما قد يتوهَّم؛ فمن أراد أن يقف على تحقيق صفاته تعالى فعليه بالمعالم الدينية.
وجاز: «رضينا بقضاء الله وقدره». ولا يقال: «الرأي لله ثمَّ لك».
فصل
لا يجوز: «ما أبصر الله بعباده» ولا: «ما أعلمه بهم»؛ ولا نحوهما من التعجُّب لانتفائه عنه تعالى، وجاز -قيل- في الأفعال لا في الصفات، فيقال: «ما أحسن صنع الله وتدبيره» لا: «علم الله وقدرته وعزَّته». ولا يجوز في صفاته: «المتعزِّز ولا المتكبِّر»، وفيه نظر لورود المتكبِّر في القرآن. ولا: «تعزَّز» ولا «تجبَّر»، ولا (1/99)
صفحة 95
«تكبَّر» (111)، ولا «افتخر»، لأنَّ الافتخار إنَّما يقع بين المتضادَّين، ولِما في تفعَّل من التكلُّف والمطاوعة في بعض المواد. وجاز: «تنزَّه عن كذا».
ويقال: «نظر الله لك واختار لك، وكلَّف العباد الطاعة». وفي «سألهم الطاعة وطلبها منهم» قولان. وجاز: «أرادها منهم»؛ و «وهبتُ هذا لله وتركته له، وأقرضت الله»، لا «تصدَّقتُ عليه». ويقال: «وجدتُ الله صنع كذا وكذا» لا «أدركتُ».
ولا يوصف بالعناية ولا النصح، ولا ألزام نفسه، كذا. وجاز: «أوجب» و «كتب على نفسه». وأرض الله وسماؤه وعباده، لا قميصه ورداؤه ونعله وخفُّه ونحوها ... ممَّا يوهِم، وإن كان الكلُّ خلقَه؛ ولا «مال الله وملكه»؛ وفي هذين عندي الجواز لما روي: «كم من متخوِّض في مال الله له النار غدًا»؛ ولأنَّهما لا يوهمان نقصا، ولا محظورا، ولا أنَّه أَفسَد إذا خلق الفساد، بل خلْقُه لكلِّ ما خَلَق صلاح منه لا فساد، وعدل منه لا جور. ولا «المستعان بالله»، ولا «ليس وراء الله منتهى» لأنَّه ليس له وراء، ولا قُدَّام، وما ورد في الحديث بعد صحَّته فّمُؤوَّل ببعد.
ويكره: «لا والحمد لله»، ولكن «لا ولله الحمد»؛ و «عبدي وعبدتي» ولكن «فتاي وفتاتي»؛ ولا «قوس قزح» ولكن «قوس الله»؛ ولا «ما أجرى فلان على الله» لأنَّه أعزُّ من أن يجري عليه.
وجاز: «الحمد لله حقَّ حمده، ولم يزل إلهًا» وقيل: لا، حتَّى يقال: «إلها، لمالوه». ولا [37] «ياعماد من لا عماد له، وياسند من لا سند له» ... ونحو ذلك. (1/100)
صفحة 96
الباب الثالث والعشرون
في الملائكة والجنِّ وإبليس والشياطين وخاطر النفس
ويقال: خلق الله الملائكة من نور، وقيل من ريحٍ. والجانَّ من نار، والنار من النور. والألوكة هي الرسالة، لأنَّهم يبلِّغونها. ومن الملائكة -قيل- من لو أمره الله أن يبتلع السماوات والأرض ومن فيهنَّ لفعل. وهم مكلَّفون مأمورون منهيون، وقيل: مقصورون على الطاعة، ومحبوسون عليها، لا مطبوعون عليها ويقال: طُبِعوا طَبْعَ من لا يعصي.
أبو الحسن: في قوله تعالى: {يعلِّمونَ الناسَ السِّحرَ} إنَّما هم الشياطين {وما أُنزِلَ على الملَكينِ ببَابِلَ هاروتَ وماروتَ} (سورة البقرة: 102) أي لم ينزل عليهم السحر وما يعلِّمان هما من أحد، وإنَّما يقولان: السحر كذا وكذا فلا تفعلْ ذلك فتكفرْ.
وقيل: لكلِّ آدميٍّ ملَكان: أحدهما عن يمينه يكتب حسناته، والآخر عن شماله يكتب سيِّئاته؛ وقلَمُهما لسانه (112)، ومدادهما ريقه؛ فإذا عمل حسنة كتبها بلا مشاورة لصاحب الشمال، وإذا عمل سيِّئة قال له صاحب اليمين: قف سبع ساعات، لعلَّه يستغفر ويتوب منها، فإذا لم يفعل كتب واحدة، وقد وكَّل الله بكلِّ عبد ملكين بالليل، وملكين بالنهار، يتعاقبان عليه.
ولا توصف الملائكة بلحم ولا بدم ولا بذكورية، ولا بأنوثية، ولا بهرم، ولا مرض، ولا بأسف، ولا فرح، ولا بتناسل، ولا براحة ولا تعب (113)، ولا بموت، قبل فناء الدنيا بل هم عباد مكرمون {لا يَعصونَ اللهَ ما أمَرهم ويفعلون ما يؤمرون} (سورة التحريم: 6) عليهم السلام. (1/101)
صفحة 97
فصل
إبليس لعنه الله، أبو الجنٍّ، كما أنَّ آدم أبو البشر؛ وقيل أبو الجنِّ غيره. وليس هو من الملائكة وإن أمِر معهم بالسجود لآدم.
والجنُّ مكلَّفون كالإنس. والشياطين كفرة الجنِّ ومردَتهم. وقيل: سأل اللهَ أبو الجنِّ أن يجعله يَرى ولا يُرى، وأن يجعل مسكنه تحت الثرى؛ فجعل له ذلك ولذرِّيَّته.
ابن بركة: من قال إنَّ الجنَّ يراهم بنو آدم ويكلِّمونهم، وأنَّ السحرة ينقلبون حيَّاتا، تاب واستغفر وإلاَّ بُرئ منه. ولا يجوز لآدميٍّ أن يقول إنَّه رأى إبليس، أو رآه آدمي غيره.
وقول ابن بركة مشكل بالنسبة إلى الكلام، فإنَّه وقع لمشايخ كما يُعلم بالوقوف على سير المغاربة. وأمَّا الرؤية على شكل خلقوا عليه فنَعَم، ولا يبعد منهم تبدُّل الصور كما قال أبو سعيد: إنَّ ظواهر القول أنَّ الجنَّ قد يتصوَّرون بصور الطير والدوابِّ، ويتشبَّهون بصور الإنسان، وكذا بعض من يضاف إليه السحر من الإنس ولا يمتنع من كلٍّ منهما، ولا نثبت ذلك على الحقيقة فيهما، ولا ننفيه حتَّى يصحَّ.
وخلق الله -قيل- الشياطين في أقبح صورة، وأشنع هيئة، فلو أظهرهم لخافهم الإنس، وتوحَّش منهم، فأخفاهم رحمة منه لنا.
فالمؤمنون لهم أعداء من الجنِّ والإنس، فالكافرون من الإنس أعداؤهم ظاهرًا، ومن الجنِّ أعداؤهم باطنا؛ فأمِروا بجهاد الفريقين، لينالوا ثواب الظاهر والباطن.
وقيل يجوز دخول الجنِّ في أجساد الإنس؛ وقيل بمنعه، لأنَّه لا يمكن دخول جسم في آخر في حيِّز واحد. ويمنع علمهم الغيب لقوله تعالى: {أن لو كانوا يعلمون الغيب ... } الآية (سورة سبأ: 14)؛ وقيل بجوازه. وقيل: الشياطين يعلمون ما يحدث في قلب ابن آدم، وليس بغيب، لأنَّه تعالى جعل عليه دليلا. وقيل يلقون أحاديث (1/102)
صفحة 98
يسترقونها من السماء إلى الكهنة قبل مبعثه صلَّى الله عليه وسلَّم، فيزيدون فيها ادِّعاء للعلم والفراسة؛ وكلُّ ذلك غير متحقَّق.
وإبليس شرُّ الأشرار، ولا يلزم من كونه شرًّا أن يكون خَلْقه شرًّا، لأنَّه تعالى يفعل ما يشاء.
وقيل: كان [38] مومنًا صالحا، عبدَ اللهَ مع الملائكة ثمانين ألف سنة قبل مبعث آدم فانتقل إلى الكفر لامتناعه من السجود له، باستكباره وسوء اختياره مع كونه طاعة لله عزَّ وجلَّ؛ نعوذ بالله من سوابق الشقاء؛ فإنَّه تعالى لم يجبر أحدا على طاعته ولا على معصيته.
فصل
بشير: إذا همَّ أحد بحسنة، فقيل يصل إبليس إلى علم ذلك منه بالآلة، كمتناول شيء برمح أو غيره وقيل غير ذلك. قال: وأصحُّ ما سمعتُ أنَّ قلب ابن آدم كالقارورة في جوفها نور ينظر من خارجها؛ فإذا همَّ بطاعة سطع النور إلى دماغه، فيفترق على ثلاثة؛ فمن أراد بها وجه الله لم يمنع نوره مانع، ولم يستطع إبليس صرفه عنها إلى غيرها؛ ومن أراد بها غيره معه خالطه إبليس ومنع النور من نفوذه إلى العقل وشغله (114) عن تخليصه إلى حال القبول، وكدَّر عليه صفوه، وأخرجه من حال العبادة إلى حال اللهو واللغو بلا فائدة، فينطفئ النور أو ينعكس إلى أسفل.
ومن أراد بعمله غير الله طفئ نوره، فكانت مكانه (115) ظلمة في قلبه، وكان عمله وبالاً عليه. وقيل إنَّ الشيطان قاعد على الجانب الأيسر منه، واضعا خرطومه الشبيه بخرطوم الكلب على فم القلب يوسوس فيه، فإذا ذكر العبد ربَّه خنس؛ فمن أطاعه في وسواسه ضلَّ وغوى؛ ومن خالفه اهتدى وانهزم الشيطان. (1/103)
صفحة 99
وإضلاله للعباد دعاؤه وتزيينه؛ فتتَّبعه ضلالتهم بميلهم للمزيَّن، ويليها إضلال الله إياهم بإيجاده منهم ما سبق في علمه. وليس له من الضلالة شيء، ولا من النبيء من الهداية شيء.
وإرسال الشياطين على الكافرين هو التخلية، وعدم المنع بالقهر والإلجاء، وذلك أنَّه تعالى نهى إبليس وجنوده عن الكفر، والدعاء إليه، والأمر به من غير إجبار منه لهم؛ ولم يرسلهم على الناس تسليطا عليهم بالكفر والفساد؛ فلو كان كذلك لما أمر الله العباد بالحذر حيث يقول: {إنَّ الشيطانَ لكم عدوٌّ فاتَّخِذوه عدوًّا} (سورة الأعراف 22) 0.
وللشيطان قبيل، وهم أعوانه، وبذلك ظفر بالعباد من المشرق إلى المغرب. وقيل إنَّه يدخل على الشياطين والجنِّ كما يدخل على الإنس؛ وقيل في الإنس خاطر الإلهام، وخاطر الوسواس.
فخاطر الإلهام: ما يدلُّ على مكارم الأخلاق والإصابة في الأمور.
وخاطر الوسواس: ما يوقع في الباطل ويصرف عن الحقِّ، ويلقي في الأخلاق الرديئة، فالوسوسة إذا دخلت القلب كانت كالدخان في البيت، فما دام فيه فهو مظلم، فكذلك (116) الوسواس ما دام في القلب فهو قاس مظلم، فإذا خرج منه ثبت الإلهام، واستنار الحقُّ فيه لأنَّه من الملَك القاعد على الجانب الأيمن من القلب.
وقيل: الخاطر أربعة:
* خاطر من الله داع إلى الانتباه لفعل الخير.
* وخاطر من الملك الملهِم، داع إلى حبِّ الطاعة والمسارعة إليها.
* وخاطر من النفس داع إلى التزيُّن والراحة والتنعُّم في الدنيا.
* وخاطر من الشيطان داع إلى الأخلاق المهلكة كالحقد والحسد. (1/104)
صفحة 100
فصل
من أجاب -قيل- ناطقا فقد عبده، فإن كان من الله فقد عبد الله، وإن كان من إبليس فقد عبده، وعبادته طاعته فيما دعاه إليه من المعاصي. وقيل: الخاطر من الله ابتداء، قد يكون إكراما وإلزاما للحجَّة؛ وقد يكون امتحانا وتغليظا في المحنة، والذي من الملَك لا يكون إلاَّ بخير كأنَّه الناصح المرشد، والذي من الشيطان لا يكون إلاَّ بشرِّ إغواءٍ وإضلال. وقد يكون بخير مكرا واستدراجا.
والذي من قبل (117) النفس لا يكون إلاَّ بشرٍّ، وربَّما يدعو إلى خير والمقصود منه شرٌّ. والفرق بين الخواطر أنَّ كلَّ ما وافق الشرع، والاقتداء بالخير فهو خاطر خير، وكذا إن عرض على النفس فنفرت [39] منه نفرة طبعٍ لا خشية وترهيب، فخاطر خير أيضا (118)، وإن مالت إليه ميل طبع وجبلَّة فهو شرٌّ لأنَّها أمَّارة بالسوء، لا تميل إلى خير فلا مخلص منها، ومن دواعي ظهيرها - وهو الشيطان - إلاَّ برحمة من الله وهي العصمة وهي تختصُّ بالأنبياء عليهم السلام، وهاهنا كلام حسن ذكرته في أواخر النِّيل عن بعضهم.
وقيل الذي من قِبل النفس يكون ثابتا راكزا في القلب، والذي من الشيطان يكون مضطربا متردِّدًا. وإن كان عقب ذنب ارتكبه الإنسان فهو من الله إهانة وعقوبة له بشؤم ذنبه. وإن وجدتَ (119) الخاطر لا ينقص ولا يضعف فهو من حديث النفس، وإن كان يضعف تارة ويقوى أخرى، وحينا ينقص وحينا يزيد فمن الشيطان.
وقيل: إن كان قويًّا مصمِّما فهو من الله، وإن كان متردِّدا فهو من الملَك، لأنَّه كالناصر الراجي للإجابة والقبول. وإن كان عقب اجتهاد وطاعة فمن الله أيضا.
والخاطر الذي من الشيطان خيرا استدراجا إلى الشرِّ هو ما إذا كان العبد راغبا فيه، مبادرا إليه، فلا خوف منه معه من الله فيه، ومع بصيرة من أمره، ونشاط إليه، فهذه أمارات ترشد المهتدي، عصمنا الله من الشيطان ومكائده. (1/105)
صفحة 101
الباب الرابع والعشرون
في رفع مذهب أهل الحقِّ والدعوة والاستقامة ورجاله من المشرق
وقد رفعه -قيل- الشيخ أبو الحسن علي بن محمد البسيوني، وأبو محمد عبد الله بن محمد بن بركة، وسعيد بن عبد الله بن محمد بن محبوب؛ ومن كان بعصرهم، عن موسى بن علي ومحمد بن هاشم، ومحمد بن محبوب؛ ومن كان بعصرهم، عن هاشم بن غيلان، وموسى بن أبي جابر، وهو جدُّ موسى بن علي، ومنير بن النيِّر، وسليمان بن عثمان، ومحبوب بن لرحيل البصري، ومن بعدهم عن الربيع بن حبيب البصري، وخلف بن زيَّاد البحراني، وشبيب بن عطية العماني (120)، ومن بعصرهم (121)، عن الجلندى بن مسعود؛
وعبد الرحمن بن رستم الفارسي من أئمَّة المغرب الحاملين إليه العلم، وجعفر بن السماك، ومن بعصرهم، عن المختار بن عوف العماني، وعبد الله بن يحيى الحضرمي (122)، وعلي بن الحصين، وهلال بن عطية الخراساني، ومن بعصرهم، عن أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، وفروة بن نوفل، وداع بن عويرة، ومن بعصرهم، عن عبد الله بن إباض، وعروة بن حدير، وأبو بلال مرداس بن حدير بالحاء المهملة، ومن بعصرهم.
عن جابر بن زيد الأزدي اليحمدي (123)، وعبد الله بن وهب الراسبي، وزيد بن صوحان العبدي، ومن بعصرهم، عن عبد الله بن عبَّاس، وخزيمة بن ثابت، ومحمد وعبد الله ابنا بديل بن ورقاء الخزاعيان، وعمَّار بن ياسر، وبلال، وصهيب، وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجرَّاح، وأبو ذر الغفاري، وعائشة أمّ المؤمنين، والخليفتان: أبو بكر، وعمر، والمهاجرين والأنصار رضي الله عنهم أجمعي. (1/106)
صفحة 102
عن النبيء محمد بن عبد الله بن عبد المطَّلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لوي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، صلَّى الله عليه وسلَّم. وقد جمعتهم في ببيتين، وهما:
عهدت عظيما هال عقلي قرانه كتاب مبين كامل لي غرائبه
بدا معشر نفسي كرام خلاصة مد الفهم مدنان مجدا عواقِبُه
[40] عن جبريل الأمين عن الله ربِّ العالمين.
وروي: «أرحم أمَّتي بأمَّتي أبو بكر الصدِّيق، وأشدُّهم في دين الله عمر بن الخطَّاب، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأمين هذه الأمَّة أبو عبيدة بن الجرَّاح، وما أظلَّت الخضراء وما أقلَّت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذرٍّ، ومن أراد أن ينظر رجلا يحبُّ الله فلينظر إلى سالم المذكور قبل».
وقال: «لِيلني منكم أولو الأحلام» وكان يصفُّ خلفه عبد الله بن مسعود.
وقال: «ما لكم ولعمَّار، يدعوكم إلى الجنَّة وتدعونه إلى النار؟». وقال له: «تقتلك الفئة الباغية ياعمَّار».
وجعل شهادة خزيمة بن ثابت شهادة عدلين. ويقال لحذيفة صاحب سرِّ رسول الله عليه وسلَّم ورضي عمَّن ذكِر أجمعين وعن جميع المهتدين إلى يوم الدين.
فهؤلاء الذين أخذنا عنهم ديننا ومذهبنا، وهم الأمناء عندنا فيما نقلوه من الكتاب والسنَّة والإجماع ولم نذكر أهل المغرب لشهرتهم في السير.
تمَّ الجزء الأوَّل من مختصرنا. (1/107)
صفحة 103
هوامش الجزء الأوَّل
(1) - ب: المذكور.
(2) - ب: الدردائي.
(3) - ب: - الحديث.
(4) - ب: بدلة، وهو خطأ.
(5) - ب: فضل.
(6) - ب: عزَّ وجلَّ.
(7) - ب: - له.
(8) - ب: تخومها، وهو الصواب.
(9) - ب: التعلُّم.
(10) - ب هامش: وأمَّا إذا كان طلب المعاش فريضة وطلب العلم فضيلة إلخ مطول.
(11) - ب هامش: أي قوت يومه.
(12) - ب: تحقرون.
(13) - ب: وهو ... وهو.
(14) - ب: - وعالم لا لنفسه ولا لغيره فهو أشرَّ القوم.
(15) - ب: وأمَّا.
(16) - ب: - وزلَّة.
(17) - ب: - الأنبياء.
(18) - ب: وإن.
(19) - ب: العقل والنور.
(20) - ب: الوجد.
(21) - ب: حمد.
(22) - ب: الوقار.
(23) - ب: ... عصمه الله. (1/109)
صفحة 104
(24) - ب: - منها.
(25) - ب: زيادة.
(26) - ب: فعل أو قول.
(27) - من منهج الطالبين ليستقيم المعنى.
(28) - ب: فإنَّها تلزمها بدلها.
(29) - ب: أشغل.
(30) - ب: قبل، وهو خطأ.
(31) - ب: + السنَّة.
(32) - ب: - في.
(33) - ب: وقاسوا + عليه.
(34) - ب: - فيه.
(35) - أ هامش: يغنمون ويسبون [غير واضح ... ] صحَّ من الأصل باختصار.
(36) - ب: وبطل.
(37) - ب: وضرب.
(38) - ب: فكتب.
(39) - ب: +في الباطل.
(40) - العبارة بن القوسين مشطوب عليها في (أ) ولا نجدها في (ب).
(41) - ب: - عنه.
(42) - أ هامش: غير واضح.
(43) - ب: + فيه.
(44) - ب: جميع.
(45) - ب: - محبوب.
(46) - ب: الكتاب.
(47) - ب: - إليه.
(48) - ب: بأيِّها.
(49) - ب: لا.
(50) - ب: اختيارًا. (1/110)
صفحة 105
(51) - ب: - براءة.
(52) - ب: من.
(53) - ب: جاز ذلك له.
(54) - ب: أفتى.
(55) - ب: لو، وهو خطأ.
(56) - ب: لمبتلىً، وهو الصواب لأنَّ المبتلي هو الله تعالى.
(57) - ب: فما.
(58) - ب: تورَّغ، وهو خطأ.
(59) - ب: + له.
(60) - ب: مسَّ.
(61) - ب: فليخبر.
(62) - غير مقروء في النسختين، ولعلَّه ما أثبتنا.
(63) - أ هامش بخط مغاير: راجعه في الأصل لعلَّ فيه تقديما وتأخيرا.
(64) - ب: + كذا
(65) - ب: عليه.
(66) - ب: - به.
(67) - ب: - غير.
(68) - ب: + على.
(69) - ب: + منه.
(70) - ب: الوضوء.
(71) - ب: التعلُّم.
(72) - ب: - الترغيب.
(73) - ب: أو.
(74) - ب: نسيانه.
(75) - ب: قيل لا تجوز.
(76) - ب: - منه.
(77) - ب: - لهم. (1/111)
صفحة 106
(78) - ب: - أحدًا.
(79) - ب: الله تعالى.
(80) - أ وب: لا تاكلوا أموال اليتامى ظلما، وهو خطأ. وانظر سورة النساء: 10.
(81) - ب: التخصيص والتقييد.
(82) - وهو كتاب في المنطق سمَّاه: "تعاظم الموجين، شرح مرج البحرين"، ولا يزال مخطوطا. وأمَّا الكتاب المشروح فهو لأبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني (ت 570 هـ) وهو مطبوع ضمن كتاب الدليل والبرهان طبعتين: إحداهما حجرية والأخرى عُمانية تفضلت به وزارة التراث القومي والثقافة للسلطنة
(83) - ب: + ونحوها.
(84) - ب: - معرفة.
(85) - ب: سمع.
(86) - ب: يعتقد.
(87) - ب: ولم يجز له علمه ولا الرجوع ...
(88) - ب: - به.
(89) - ب: ولو لم
(90) - ب: + وحجَّة.
(91) - ب: بالدين.
(92) - ب: ... بكافيه عن التفسير ...
(93) - ب: حقيقته.
(94) - ب: قبله.
(95) - ب: من غير.
(96) - ب: الانقياد والخضوع.
(97) - ب: - أيضا.
(98) - ب: كا يؤثِّر الماء ...
(99) - ب: لمَّا أقرَّ بالجملة أقرُّوا بالجملة ... ،
(100) - ب: ووافوا.
(101) - ب: - شرعًا. (1/112)
صفحة 107
(102) - ب: + من.
(103) - ب: - على صخرة صمَّاء.
(104) - ب: - عليه.
(105) - ب: - الإجابة.
(106) - ب: أنَّه.
(107) - ب: + أيضًا.
(108) - ب: + الله.
(109) - ب: أو أخطأ أو واقع الخطأ.
(110) - ب: - الدنيا.
(111) - ب: ولا تكبِّر ولا تجبَّر ...
(112) - ب: لسانهما.
(113) - ب: ور بتعب ولا براحة ...
(114) - ب: أشغله.
(115) - ب: في مكانه.
(116) - ب: وكذا.
(117) - ب: - من قِبل.
(118) - ب: - أيضًا.
(119) - ب: وُجد.
(120) - ب: - العماني.
(121) - ب: بعدهم ... بعدهم بدل بعصرهم.
(122) - ب: - الحضرمي.
(123) - ب: ... أبي الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي ... (1/113)
صفحة 108
الجزء الثاني منه في الولاية والبراءة وما معناهما (1/115)
صفحة 109
الباب الأول في الولاية والبراءة وما معناهما
قال محمّد بن روح: إنّهما فريضتان من الثلاثة، فولاية الله للمؤمنين وبراءته من الكافرين لا تزولان ولا تنتقلان بخلافهما من العباد، فإنّهما تنتقلان بانتقال أفعالهم، فمن شكّ في فرضهما بلا ردّ لمنصوص بل بتأويل مضلّل فمنافق.
وأوثق عرى الإسلام الحبّ في الله والبغض في الله. والولاية -قيل- على أربعة: ولاية الله، وولاية رسوله، وولاية المؤمنين، وولاية المرء نفسَه؛ وقد ذكرتُ معانيها في المعالم وسيأتي هنا بعضها.
والولاية بالشهرة، والخبرة، والرفيعة. والبراءة من وليّ بالكفر إذا صحّ عليه، أو شهد عدلان أنّه أتى كبيرة إلاّ الزنا فلا يصحّ عليه إلاّ بأربعة عدول، أو بإقرار منه به، أو يُعلم منه أنّه رضي بكفر غيره أو أنّه أصرّ على صغيرة، لأنّه عليه كبير.
وتثبت -قيل- الولاية عند المسلمين بالموافقة لهم في القول والعمل، وبالرفيعة إذا رفع رجل ولاية آخر تولّوه، وبشهادة العدلين، وبالشهرة فتجب بذلك؛ كذا تجب البراءة بالمعاينة، لركوب محرّم ولترك (1) مفروض، وبالإقرار بهما، وبعدلين، وبالشهرة فولاية بالشهرة.
فولاية الجملة أن يتولّى المكلَّف الله ورسوله والمؤمنين، ويبرأ ممّن تبرّأ منه الله ورسوله والمؤمنين، وهما على ثلاثة: ولاية الحقيقة، وولاية الشريطة، وولاية الحكم. وكذا البراءة، وسيأتي شرح كلٍّ إن شاء الله.
فصل
قد وجبت ولاية الله على عباده بأن يوحّدوه، ويطيعوه، وينصروا أولياءه، (1/117)
صفحة 110
ويعترفوا له بنعمه عليهم. وولايته للمؤمنين علمه بهم، وبمصيرهم إلى الجنّة. وعندي أنّها هدايته إياهم وتوفيقه لهم.
وولايتهم للرسول التصديق له فيما جاءهم به من عند الله، والعمل بسنّته، والتعظيم له بالصلاة عليه ونحو ذلك. فهذه هي الولاية في الجملة على الحقيقة (2).
وتُعرَّف البراءة من أهل الأحداث بما ذُكر في الولاية؛ فالواجب علينا اعتقاد وجوب فعل ما أُمِرنا بامتثاله، وترك ما نُهينا عن ارتكابه.
ومحبّة الله لعباده ثوابه، وإيجاب الكرامة لأهل طاعته. ورضاه عنهم قبول أعمالهم. وسخطه على أعدائه عقوبته إياهم بموجبها منهم.
وتفسير الولاية والعداوة [41] والمحبّة والرضى والسخط بما ذُكر يؤذن بأنّها أفعال، سوى تفسير الولاية بالعلم فيما ذُكر.
فصل
من له وليّان يسمع (3) أحدهما يبرأ من الآخر، فإنّه يتولّى المتولّي لصاحبه، ويبرأ من الذي تبرّأ منه، ولا يتولاّهما معا؛ فإن علم المتبرّئ من صاحبه موجب براءته لزمه أن يتبرّأ منه سرّا، ولا يظهرها لمن لم يظهر له موجبها، فإذا ظهر منه جازت (4) إظهارها منه، وإلاّ أباح البراءة من نفسه ممّن يتولاّه وهلك بذلك.
وإن تبرّأ منك وليّك بلا موجب عَلِمه، لزمك أن تبرأ منه إلاّ أن يتوب، وإن عَلِمه، لزمك أن تتولاّه وتتوب وتظهر التوبة له منه (5)؛ وإن مات أو غاب تُبْتَ إلى الله من كلّ ما أوجبها به عليك، وتعذر عنه الله إن صدقت فيها ولو لم يعلم بها وليّك (6) إن لم يمكنك إعلامه بها. ولا يحلّ لك أن تضلّله ببراءته منك بصادر منك ولو منافقا.
ومعنى قولهم: ((من تبرّأ منّا برأي برأنا منه بدِين)) أنّ من تبرّأ منك بلا حقّ، فعليك أن تتبرّأ منه. ومن له وليّ فأظهرت جماعة البراءة منه، ثمّ شهد منهم اثنان أو أكثر بموجبها بعد إظهارها منه عليه، لم تقبل منهم ولو كانوا ألفا أو أكثر وعدولا، وعليه أن يتبرّأ منهم، إلاّ إن أتوا بعدلين ممّن لم يظهرها منه يشهد أنّ بموجبها منه، (1/118)
صفحة 111
فحينئذ يتبرّأ منه به، ويبقيهما على ولايتهما إن سبقت له؛ فافهم هذه الدقائق التي جهلها كثير.
واختلف فيمن له وليّان قتل كلّ منهما صاحبه، ولم يدر المحقّ منهما، فقال ابن علي: هما في الولاية حتّى يعلم بغي أحدهما، وتوقّف ابن محبوب فيهما وقال بالأوّل شبيب. وقال ابن أبي جابر: أتولّى المقتول وأبرأ من القاتل حتّى يصحّ القتل بحقّ. قلت: ولعلّ هذا منه في الوصف لا في العين، إذ هو في الفرض مجهول ولكلٍّ دليل.
فصل
إن قال رجل لمتولّى: غضب الله عليك، أو سخط أو لا رضِيَ عنك أو لا عفى عنك أو لعنك أو أخزاك أو أدخلك النار، أو حرّم عليك الرحمة، أو برئ منك أو مقتك، أو نحوها فهو منه براءة، وقيل: لا لاحتمال إرادة دنيوي.
أبو الحواري: إنّه سمع الصلت بن خميس كتب إلى فاسق من أعوان الظلمة وهو من أهل بلده: ((حيّاك الله وحفظك))، فقال له: أليس حيّاك الله ولاية؟ فقال له: ((إنّ للرحم والجار تقيّة ورأيت أحسن الأمور أوسطها وأقبحها أشطّها، فاجعل التقيّة فيما يسعك لك جُنّة تتوقّى بها عن نفسك أمور الفتنة، واحفظ لسانك، واعرف حال أهل زمانك؛ فقبيح عندي أن يخرج الرجل من بيته غير مجبور ولا مقهور، فيأتي الناس في مجالسهم وعند اجتماعهم، أو في حقّ يلزمه فيه، ملتهم في تعزية أو تهنئة، فيظهر لهم الجفاء والقول الْمُغْضِبَ لهم، ولو لم يصل لكان أجمل به وأسلم لهم؛ والمراد بالصلت أبو المؤثر.
وروي مثل ما قاله ولم يجزم بصحّته. ومن رأى وليّه يأكل مال اليتيم أو غائب، أو ركب فرجا، أو نحو ذلك ممّا لا يجيزه [42] هو أبقاه على ولايته، وأحسَنَ الظنّ به لاحتمال أنّه مباح له حتّى يَعْلَمُه حرامًا. (1/119)
صفحة 112
الربيع: إنّ بيننا وبين قومنا البراءة منهم عند المعصية، وعلى خلافهم الحقّ وركوبهم المحرّمات، واستحلال دمائهم عند المباينة لهم بعد دعائهم إلى الحقّ، وغير ذلك ممّا يجري بين المسلمين، كالموارثة والمناكحة وغيرهما، فلا بأس فيه. ومن رأى راكبا صغيرا وهو عنده في الوقوف أبقاه عليه.
وسُئل محبوب عن قول جابر حين سُئل عمّا يسع جهله فقال: هو ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولّوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برأوا من راكبه، أو يقفوا عنهم، وذلك لو أنّ من لم يعرف الخمر ولا الخنزير، ونحوهما من المحرّم شرعا، وهو يحرّمهما لم يضق عليه أن يعرفهما بأعيانهما ما لم يأكل أو يشرب، أو يتولّى راكبهما، أو يبرأوا ممّن تبرّأ منه، أو يقف فيه.
وقيل لمحبوب: إذا عرف حلالا وحراما، فرأى من قال: إنّ الله أحلّ كذا وكذا ممّا يعلم هو أنّه حرّمه، وكان في الكتاب؟ فقال: لا يسعه إلاّ أن يعلم كفر القائل، لأنّ الكاذب على الله ليس بمسلم؛ ولو وسّعنا جهل هذا لوسّعنا جهل من يزعم أنّ الله واحد ثمّ يرى من يقول اثنان، ولا يدري أيكفّر به أم لا؟
فقال محبوب (7): ليس له أن يرجع عن علمه، وليس القياس بأنّ الله واحد أو اثنان، كالحلال إذا حُرِّم، وعكسه.
قال بشير: لو أنّ رجلا ضرب آخر بنحو خشبة لألزمناه البراءة لقيام الحجّة عليه بالظلم، وهذا كمال حجّة من العقل؛ وكذا لو سرق منه في الميزان قدر حبّة فأكثر تعمّدا للتطفيف لكان في التعارف ظلما، ويبرأ منه، وإن دفره برفق مثل ما للناس أن يفعلوه وليس بظلم عندهم لم يُبرأ منه؛ وكذا إن أخذ من حبّه يسيرا ممّا لا يعدّ ظلما، ولا يغير عليه إن رآه، وجاز في التعارف بينهم وبين الجيران، فلا براءة فيه لأنّه ليس بظلم؛ وإن دفره دفرة بين دفرة الظلم ودفرة الإجازة، جاز الوقوف في مثل هذا؛ وقيل لا بأس بذلك. (1/120)
صفحة 113
أبو القاسم: فيمن له ولاية عندهم فأذنب صغيرا فهو عليها إن لم (8) يصرّ عليه؛ وقيل: يوقف فيه من حين اقترافه إلى أن يتوب أو يصرّ، والمختار الأوّل لقوله تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا} الآية (سورة النساء: 31)، وقد ضمن غفران الصغير باجتناب الكبير.
ولا يحدّ الصغير إلاّ في الوصف، ولا (9) أباح الله ذنبا إذ حرّمه وزجر عنه، فقلَّ ذنب قصده العبد عالما بتحريمه، ذاكرا له عند فعله، فليس بصغير.
والسيّئات المكفّرة هي التي بين العبد وبين ربّه، ويدين بالتوبة منها في الأصل لا بالإصرار عليها، ولا بالاِستحلال لها، كالنظرة والْقُبْلَة على ما قيل. ولا تُكَفَّر الحقوق التي بين العباد إلاّ بأدائها. ويستتاب راكب صغير، وإلاّ بُرئ منه ولو وليّا. محبوب: ندين بأنّ من عصى الله، وإن (10) بصغير وأصرّ عليه فله النار.
فصل
سُئل أبو سعيد عن وليّ عَمَلَ موجب براءة، هل يُلتمس له عذر قبلها أم يبرأ منه ثمّ يستتاب، فإن تاب رُدّ إلى ولايته، وإلاّ بُرئ منه وكان عليها؟ فقال: هذا الفصل يقتضي جميع الحقوق التي فيها حقّ لله وحقّ لعباده، كقتل من لا يجوز قتله -ولو ذمّيا- إلاّ بحقّ، فقيل: يبقيه من عاينه منه -ولم يعرفه محقّا فيه، ولا مبطلا على ولايته حتّى يعلمه مبطلا؛ وقيل: يُبرّأ منه، لأنّ الدماء محرّمة حتّى يَعْلَمه محقّا؛ وإن استتبت وليّك فقال لا أتوب؟ قال: إن كان ممّن يُتولّى بالشهرة من الأئمّة المشهورين، فليس على أهل الدار إظهار براءته عند من يتولاّه بها، فمن أظهرها من مستحقّ الولاية على أهلها أباح [43] البراءة من نفسه وكان فاسقا ولو كان عند الله من الصادقين، لعلمه منه ذلك دون غيره.
وقد روي خلع المؤمن كقتله، يعني من الولاية. وفي الأثر: البراءة السرّ بالسرّ، والجهر بالجهر، وكلّ مشكوك فيه موقوف عنه، ومن أشهر كفره أُظهرت براءته، فإن (1/121)
صفحة 114
تاب سرّا قبلت منه، وعلى من عَلِمَها ولايته سرّا، وإن شهرت وظهر فضله وجبته بالشهرة.
فإن أحدث أيضا برئ منه سرّا عالم بحدثه، وتولاّه غيره جهرا حتّى يعلم ما علمه المتبرّئ منه، أو تقضي الشهرة بكفره بشهرة حدثه. ومن أشكل أمره وسع الوقوف فيه جهرًا (11)؛ ومن تولاّه أصاب لعلوّ الإسلام. وأحكام الولاية ثابتة حتّى يصحّ مكفر وهذا في الأئمّة الأعلام، وأمّا الضعفة الواجبة ولايتهم على بعضهم دون بعض بمحنة وخبرة، فلمن علم من وليّه حدثا أن يتبرّأ منه ثمّ يستتيبه منه، فإن تاب وإلاّ مضى على براءته؛ ولا يسعه إظهارها لمن يتولاّه، ولا يجهر بها -قيل- إلاّ مع من لا يتولاّه، وإلاّ أباح البراءة من نفسه.
وقيل: إظهارها مع من لا يعلم أنّه يتولاّه أم لا صغير من ذنوبه؛ والمختار عدم إظهار براءة من استحقّ اسم الإسلام، إلاّ لمن عُلم (12) أنّ معه من تبرّأ منه عنده، أو يتبرّأ منه معه، فإن تبرّأ منه مع من لا يعلم أنّه لزمته ولايته ولم يغيّر عليه ولا ادّعى ولايته، لم نقل أتى صغيرا ولا كبيرا لأنّ حكم الخاصّ ليس كالعام.
ومن سئل عمّن له ولايته؟ فقيل: لا يسعه أن يكتمها. ومن رأى -قيل- من وليّه أمورا يكرهها من أخلاق السوء التي لا تنزل عليها الولاية، فله أن يتركها إن كانت ولاية الشريطة عندهم، وكانت تلزمه فيما لا يسعه، ولم يقصد تركها على تعطيل واجب عليه، بل هروبا من الباطل إلى موافقة الحقّ، لأنّ المتولّي لا يتولّى إلاّ طيّبا يصطفيه لنفسه لأنّه الصفوة، ولا ينبغي أن يكون إلاّ فيما لا يشكّ فيه، فإذا وقعت في غير محلّها لم يضق عليه أن ينظر لنفسه ما هو أسلم له.
فإذا صار بحالة (13) لو لم تسبق ولايته ما تولاّه، لم يضق الإمساك عنها، لا لأنّه عقدها على شرط تركها إن استحقّه منه، وعلى شرط البراءة منه في الجملة إن لم تطب له ولايته. (1/122)
صفحة 115
والمختار أن لا تترك إلاّ بكفر أو إصرار، وإن على صغير كما مرّ؛ ولا ينقل إلى الوقوف بل يبقى على ولايته ولا يقول على ولاية الشريطة عند المغاربة. وأجاز بشير وابن محبوب انتقاله إلى الوقوف.
فصل
فرض على من يدين لله تعالى بولاية أهل طاعته جملة، وببراءة أهل الضلال والكفر، أن يبحث في أعيانهم ويتفقّد أحوالهم حتّى يتولّى أهل الهدى، ويتبرّأ من أهل الردى. فمن ارتضاه في دينه موافقا لمذهبه لزمته ولايته في حينه، ومن ظهرت منه المحرّمات أو الإصرار، فعليه براءته بلا تراخ. والمجهول حاله في الوقف حتّى يظهر أمره.
الخراساني: من دخل بيت قوم بلا إذن، يوقف فيه حتّى يستتاب، وليس ذلك منه صغيرا ولا كبيرا، وفيه عندي نظر، وإلاّ فلِمَ يستتاب؟ وإن مات في بيتهم قَبْلَه وُقف فيه أيضا، لعلّه ندم بعد الدخول.
وإن أتى وليّ ما، كنظرة أو كذبة ممّا قيل ليس بكبير فلا يُبرأ منه حتّى يُستتاب، وإن مات قبله ولم يعرف حاله فيه، وُقف عنه أيضا. وقال أبو عيسى وهو الخراساني: هو على ولايته، ولا يُحكم بشهادته حتّى يستتاب، وإن مات قبله وُقف عنه أيضا.
ومن تولاّه المسلمون ورأوا منه أشياء يكرهونها غير أنّه إذا دُعي أجاب، وإذا عوتب رجع فقيل: ما دام على هذا فهو منهم، وإن رأوا منه تخليطا وما يكره، كفّوا عنه بلا براءة منه ولا ولاية، وأمروا متولّيه بالكفّ فيه، فإن أجاب وإلاّ فلا عليه.
بشير: من سمع أنّ فلانا أتى مكفّرا لزمه أن يعتقد أنّه إن صحّ منه، فإنّي منه بريء إن عرف معناه، وقيل: إن كان [44] ممّا لا يسع جهله، لأنّ المحدث بالاستحلال يبرأ ممّن يحرّم حدثه. (1/123)
صفحة 116
وأجاز بشير الشكّ في المستحلّين للكفر لمن لم يعلمه حتّى تقوم عليه الحجّة بأنّ الحدث كفر. ولا يجوز لأحد أن يقف عمّن كفر، وقد علم كفره. وممّا لا يُعْذَر بجهله والشكّ فيه، انتهاك المحارم على الاستحلال لمن علمه.
ومن تولّى محدثا على حدثه كفر مثله، والشاكّ في ضلالهما مسلم حتّى تقوم الحجّة عليه، فيشكّ ولم يبرأ من الراكب فيهلك حينئذ، كمن علم أنّ الله حرّم كذا، ثمّ يسمع من زعم أنّه حلال فقد لزمته تخطئته وبراءته. ومن شكّ فيه بعد العلم بالاستحلال له، وقيام الحجّة عليه هلك، ولا يُعذر بشكّه. ومن هنا لم يَجُزْ الشكّ في الإسلام.
ومن ركب محرّما، ولم يدر من رآه أمستحلّ له أم محرّم؟ ولم يسمع منه ادّعاء فيه على الله، وسعه الإمساك عنه إن لم يعرف ما يبلغ به فاعله ولم تسبق ولايته، وإن علم أنّ ذلك حرام، لا إن من ركب مثله يبرأ منه وسعه الوقوف حتّى يسأل عن حكمه. وقيل: إنّ أبا عبيدة قال: من له وليّ فلا يبرأ منه، حتّى يرى منه مثل شعاع الشمس الحجَّة (14) من ذنب، وَعَدَ عليه النار أو الحدّ.
فصل
أحكام (15) الولاية والبراءة على الحقيقة، وهي التي لا يجوز تكذيبها ولا الشكّ فيها، أن ينصّ على أحد معيّن أو أحد باسمه، أو صفته في كتب الله تعالى أنّه وليّ الله، أو عدوّ له، أو على لسان الرسول، أو أنّه مؤمن أو كافر، ولم يشكّ فيه من عرفه أنّه من كتب الله، وأنّه لم يزد فيه أهل ذلك الكتاب، ولم ينقصوا منه ولم يحرّفوا.
ولا يتحقّق ذلك إلاّ في عدول الأمّة، فهم الحجّة دون غيرهم. فجميع أهل الإقرار مأمونون على التنزيل، يُتعلّم منهم ويقبل، ولا يتوهمون في شيء منه إلاّ أن صحّ من أحد؛ ومن كان بمنزلة أجري عليه حكمها. وقد صحّ في العقائد الحكم بولاية بعض الرجال وبعض النساء، وبالبراءة كذلك. (1/124)
صفحة 117
ومن آمن بالله وبالأنبياء -صلوات الله عليهم-، ثمّ سمع بذكر واحد منهم، فشكّ فيه أنّه نبيء وسعه، لأنّه مؤمن بجميعهم. فمن آمن بالقرآن ثمّ سمعه يُتلى فجهل شيئا منه (16)، فلا يسعه إن شكّ فيه بعد أن سمع ثلاث آيات نظمن، لأنّ الأنبياء ليس على أسمائهم أدلّة بقطع العذر. والقرآن بنفسه دليل، لأنّ نظمه مُعجِز مع ما يتضمّنه من المعاني وأخبار الغيب. ولا يخفى أنّه تشديد على الضعفة.
ومن قال محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- ليس من قريش أو من مكّة، ولكنّه من الْحَبَشِ أو من الصين أو بلاد الزنج، أو أنّه لم يمت، بل رُفع إلى السماء كعيسى، فلا يُشرَّك إن أقرّ بإثبات رسالته واسمه ونسبه ولكنّه يبرأ منه؛ وكذا إن أنكر الرجم مَنْ أقرّ بما جاء به أنّه حقّ، فلا يُشرَّك ولكنّه يُنافق.
فصل
من دان بدين فرقة من فرق الضلال وخطّأ من خالفه واستحلّ دمه، فعلى كلّ من علم منه ذلك، والحكم فيه أن يبرأ منه؛ وإن عُلِم بحدثه لا الحكم فيه فلا يسعه البراءة منه، وقيل: يسعه ذلك حتّى تقوم عليه الحجّة، ومن تولّى أحدا على قلّة علم بالولاية والبراءة، فحين خالطه عرفه أنّه لا يستحقّها، فإنّه يمضي عليها حتّى يستتب ولا يقف، فإن تاب وإلاّ برئ منه، إلاّ إن كان على حال لا يُتولَّى عليها، فليرجع إلى الوقوف عنه ولا يستتيبه.
وقيل في وليّ رأى منكرا لا خلاف فيه: فترك الإنكار بلا عذر [45] أنّه يُبرأ منه ثمّ يُستتاب. ولا يعجّل على مسلم ببراءة ما وجد له مخرج؛ وأكثر ما يتأكّد فيه الجهاد، والأمر والنهي على من له القوّة حيث تكون فيه دعوة المسلمين ظاهرة، ويدهم قاهرة، فلا يسع من وافق ذلك ممّن له يد الإنكار، إلاّ أن يغيّر ما رأى بيده إن استطاع، وإلاّ فبلسانه إن قدر، وإلاّ فبقلبه؛ فإن لم يفعل قال ابن محبوب: لا تترك ولايته، ولا يعجّل ببراءته. (1/125)
صفحة 118
ومن سُمِعَ منه أنّه يقف فيمن تبرّأ المسلمون منه من الأئمّة، وقال: لم يصحّ عندي حدثه الذي تبرّأوا منه عليه، فإن احتمل صدق ما يقوله بوجه، فهو على ولايته ما لم يَبرأ من واحد منهم من أجل براءتهم من ذلك الإمام، أو يكفّ عن أحد منهم، أو من علمائهم من أجله أيضا، فإن تولّى الإمام والمتبرِّءين منه معا، لم يستقم له ذلك لشهرة حدث الإمام.
محبوب: كان الأشياخ إذا جاءهم من يريد الدخول في الإسلام يردّونه حتّى يروا حرصه فيه، فإن رأوه مستحقّا له أدخلوه فيه، فإذا قبله تولّوه. وقال الوضاح (17): لا أحبّ ردّ أحد يريد ذلك بعد ظهور الإسلام. ومن دخل فيه، وعُلِم منه خير، قُبِلت شهادته بعد ذلك بيوم أو يومين.
جابر بن يحيى: من له ولاية عند رجلين فاطّلع منه أحدهما على مكفِّر وإصرار عليه فبرئ منه سرّا، ثمّ اطّلع عليه الآخر أيضا أنّه أتى مكفِّرا آخر، وأصرّ عليه أيضا بعد الأوّل فتبرّأ منه أيضا، فقال له الأوّل: إنّي قد كنت برئت منه خفية منك، لأنّك لم تطّلع عليه، فقال له الآخر: أنت تبرّأت من وليّي فتب ممّا قلت، فقال له الأوّل: لا أفعل، إنّه لا سبيل عليه، لأنّه لم يظهر البراءة منه إلاّ في حال كفره.
ابن محبوب: من شهد جنازة رجل لم يعرف له ولاية حتّى رفعت له عند الصلاة عليه، ندب له أن يتولاّه إذا تولاّه عنده من له ولاية عنده ولو امرأة، فإذا لم يفعل استغفر له.
القاضي أبو زكرياء: من يتوب (18) من كلّ معصية، ثمّ يعود، ثمّ يندم ويتوب، ثمّ يعصي، ثمّ يتوب، فله أن يتولّى نفسه إذا تاب ولا يبرأ منها ولو أقام على العصيان، وعليه أن يتولاّها بالإقلاع عنها، والعزم على عدم العَوْد إليها، ويدعو لنفسه بما شاء وينوي قضاء ما عليه متى قدر. والمصرّ -قيل- يتولّى نفسه، وقيل: لا. وفي هذا الخلاف تأمّل. (1/126)
صفحة 119
الباب الثاني
في الوقوف
روح بن يحيى: كلّ ما ركب الناس ممّا دنوا بتحريمه من موجب النار على فعله أو على تضييعه فواسع للعالم به جهل ضلالهم عليه، والسؤال عنه منفّس ما لم يركب مثله أو يتولّى راكبه، أو من تولاّه عليه أو يثبت لهما الإيمان على ذلك، أو يبرأ من العلماء إذا برأوا من الراكب أو المتولّي، أو يقف عنهم فهذه الجملة يسع جهلها إلى قيام الحجّة بالعلم من الكتاب أو من الدين أنّ الفعل راكبه هالك، وكلّ ما ركب الناس ممّا دانوا (19) باستحلاله ممّا أوجب الله على فعله أو تركه العذاب فغير واسع للعالم به جهل ضلالهم عليه، ولا منفس في السؤال عنه، وقيام الحجّة فيه عند العلم أنّ الراكب مستحلّ.
ولا يسع الشكّ في هلاك المشركين المستحلّين الحرام، المحرّمين الحلال، الرادّين ما جاء به الرسول، ولا في هلاك المستحلّين المحرّمين الدائنين بذلك بالتأويل، فمن أقرّ بالجملة ولم يرض بحكم الرسول فكالمشركين في الاستحلال، وإنّما الخلاف في الأسماء والأحكام، فإنّ أولئك [46] جاحدون، مكذّبون، وهؤلاء مقرّون بالتنزيل، قابلون للجملة، قائلون عن الله وعن الرسول بغير الحقّ، مخطئون في التأويل، واتّفقت حالهم في الاستحلال، وكفر أولئك شرك، وهؤلاء نفاق.
فصل
أبو الحواري: جاءت الآثار أنّ الأئمّة إذا ذكرت لم يسع جهلها، إمّا ولاية على صحّة، وإمّا براءة بعد حجّة. وقيل: لا وقوف عن أهل الولاية حتّى يستبين (1/127)
صفحة 120
خروجهم منها بمكفر. ومن ترك ولاية العلماء عن شبهة فقد تبرّأ منهم، ولا عن أهل البراءة إلاّ بما يخرجهم منها (20) بتوبة.
وجاءت أيضا بالرخصة في الوقوف إذا كان حدث الإمام فيه شبهة ووقف عنه واقف فعليه أن يتولّى المسلمين على ولايتهم الإمام. وإن أحدث بما يبرؤون منه لزمه أن يتولّى متبرّئا منه منهم، وقد فارقوا الشكّاك في قتل عثمان كما يأتي قريبا لوقوفهم فيه. ومن قال: وقوفه وقوف مسألة، قيل له: وقوفها أن يقف عن المحدث بعينه، ولا يجوز عن من تولاّه ولا برأ منه، ومن وقف عمّن ذُكر نصّب الشكّ دينا، وتبع الشكّاك المفارقين على شكّهم. ومن قال بغير هذا خالف المسلمين.
وليست الولاية على الشكّ كالبراءة عليه؛ فمن له ولاية فهو عليها ولو دخل ريب في أمره حتّى يصحّ كفره. ومن تولّى وليّه على الشكّ فقد سلم لا أن برئ منه عليه وقد هلك به، لأنّ الولاية أصلية، والبراءة حادثة، وأنّها أوجب منها أيضا. وتُقبل من الواحد العدل ولو عبدا أو امرأة ممّن يبصرها إن قال: فلان وليّ لنا، أو نحن نتولاّه، ولا كذلك البراءة. إذ لا (21) تُقبل إلاّ من عدلين بعد البحث والحجّة. وجاء الأثر أيضا أنّه يؤخذ عن الأعمى رفع الولاية لا البراءة.
فصل
كثرت -قيل- وجوه الوقوف، وقوف الدين منّة وسلامة للمؤمن، من جاهل وعالم، وقويّ وضعيف، وهو أن يدين بالوقوف عن الناس كلّهم على شريطة ولاية المحقّ منهم، والبراءة من المبطل في جملة الدين حتّى يعلم من أحد موجب أحدهما، ووقوف الرأي يخصّ الواحد في الواحد بعينه.
فمن تولّى المسلمين جملة وسعه أن يقيم على الوقوف فيمن وقف عنه بالرأي بلا ديانة بالسؤال عن المحدث الذي ابتلي بولايته إن عاين منه موجب الوقوف فيه بالرأي بلا ديانة بالسؤال على ما قيل. ووقوف السؤال هو ما اختلف فيه أهل الحقّ وتنازعوا (1/128)
صفحة 121
في حكمه حتّى يؤدّي إلى التخطئة والبراءة، فالناشئ الذي لم يعلم حكم ما اختلفوا فيه ولا المصيب من المخطئ يلزمه الوقوف عنهم، والسؤال عن ذلك الحكم إلى أن يصحّ عنده فيدين لله بعلمه.
ووقوف الإشكال هو الوقوف عن مثل المتلاعنين والمتقاتلين والمتبرّئين؛ فمن لم يعلم حالهم، ولا المحقّ منهم وقف عنهم للإشكال من عدم العلم بالبادئ والمتعدّي، فإذا علمه لزمته براءته.
ووقوف الشكّ هو أن لا يتولّى إلاّ من شكّ ووقف مثل وقوفه وشكّه، فوقوف الرأي أن ترى وليّك يعمل ما لم تعلم ما يبلغ به فأردت أن تسأل عنه فنسيت الفعل فوقفت عنه. فمن وقف وتولّى المتولّي فقد تولّى، وإن وقف وتبرّأ ممّن تبرّأ فقد تبرّأ. وإن وقف عمّن تولّى ومن تبرّأ فأخاف أنّ وقوفه وقوف شكّ.
ووقوف السؤال هو أن يتنازعا في أمر يحلّله أحدهما ويحرّمه الآخر، فمن سمعهما ولا يدري ذلك فله أن يقف عنهما حتّى يسأل. وإن اختلف أهل الدعوة حتّى قدم بعضهم أمّا ما دون بعض ووقعت البراءة [47] والفرقة بينهم، فللمسلم أن يمسك حتّى يعلم المحقّ من المبطل. ولا تجوز ولاية الفريقين المتلاعنيْن والمحلّليْن دماءهما، وهو أسلم له، كذا عن ابن محبوب.
فصل
لمّا قتل عثمان اختلف الناس في قتله، فشكّ ابن عمر ومحمّد بن مسلمة وأبو هريرة وغيرهم، فسئل علي عنهم فقال: خذلوا الحقّ ولم ينصروا الباطل. وروي عنه -صلّى الله عليه وسلّم-: «إذا رأيت الناس مرجت عهودهم، وقلّت أمانتهم، وكانوا هكذا -وشبك بين أنامله- فالزم بيتك، واملك لسانك، وعليك بخاصّة نفسك، ودع عنك العامّة)). وقال أيضا: «المؤمن وقّاف، والمنافق وثّاب». (1/129)
صفحة 122
وقيل: إنّ الاختلاف في المشهور هو الداء الذي لا دواء له. ومن وقف -قيل- عن محقّ لعدم علمه بصحّة حقّه وعن من تولاّه برأي أو بدين من عالم أو ضعيف فقد هلك.
فمن حكم في أحكام الأوقاف المذكور في غير محالها لم يجز له، وكذا عليه أن يعلم الفرق بين ولاية الدين وولاية الرأي وبراءتهما، ويضع الأحكام على وجوهها، والفرق بين الاختلاف في الرأي بين العلماء وبين الاختلاف في الدين من المخالفين في الأصول التي لا يجوز الاختلاف فيها بالرأي، ويوضع ذلك في محلّه الذي لا يجوز لأحد خلافه.
وأن يعلم الفرق بين الاختلاف في أحكام الدعاوي في الولاية والبراءة، وبين الخلاف في الدين الخارج من أحكام الخلاف في الرأي وفي الدعاوي النازل أهلها منزلة المبتدعين إذا أظهروا حكمه ولو صدقوا في سرائرهم، وبين الخلاف في الدعاوي وبين الخلاف في الدعاوي التي إن صدقوا فيها فهم للحقّ موافقون في الظاهر ويلزم فيه موافقتهم على ما ظهر من أمرهم في الدعاوي ولو خانوا في سرائرهم حتّى يعلم ذلك من وافقهم عليه من أهل الدين، ويعلم الفرق بين قيام الحجّة من المعبّرين لما لا يسع جهله من غير ذلك منهم وبين قيامها فيما يسع في الدين من العلماء، وينزل ذلك منازله في أحكام الرأي والدين، وأن لا يتعدّى ذلك إلى غيره برأي ولا بدين.
فهذه الأصول محمل الخارج منها أحكام الولاية والبراءة، قال: ولا نعلم أصلا فيهما يزيد عليها، وما عداها من القول فيهما فهو فرع راجع إليها. وترجع تلك الأصول إلى ثلاثة منها، وهي: أصل ولاية الشريطة وبراءتها، وأصل ولاية الحقيقة وبراءتها، وأصل ولاية الظاهر.
ولا يقف واقف على جملة الثلاثة حتّى يقف على المذكورة أوّلا التي هي تفسير لها وعائدة إليها. ولا يسمّى عالما بها حتّى يعلم الأصول منها. وترجع الثلاثة إلى أصلين: أصل يسع جهله، وأصل لا يسع، وهما أصلا جميع الولاية والبراءة، بل وجميع الدين. (1/130)
صفحة 123
فصل
من علم الأصول الموصوفة في أمر الولاية والبراءة من أهل الاستقامة كان عندنا حجّة في الفتيا في أحكامهما فيما يسع جهله، وفيما لا يسع جهله في أحكامهما أيضا، وتؤخذ منه بالرفيعة، وكان حجّة لمن قبِلها عنه في الولاية ما لم يعلم كذبه فيما رفع إليه من ولاية غائب عنه أمره من الأوّلين والآخرين ما لم يعلمه خائنا فيما رفعه إليه، فإن قيل: أفليس يكون المسلم حجّة في الولاية والبراءة في الفتيا، ولا في الرفيعة في الولاية حتّى يكون بهذه المنزلة؟ قلنا: إنّ الرفيعة لا يكون فيها حجّة إلاّ العالم بأصول الولاية والبراءة، ولا يكون عالما بها إلاّ من علم التي وصفناها.
ومن جهل التي لا تجوز مخالفتها في الفنّ الذي منه وفيه لم يكن عالما به علم من يحتجّ به على من قام عليه ولمن قام له، كما أنّه لو كان العالم عالما بفنون العلم وبصفة جميع الأحكام وغاب عنه علم فنّ منها [48] أو بعض أصوله لم يكن عالما به، ولا يؤخذ منه علم الذي لا يعلمه، فلا يقع عليه اسم العلم بجميعه، ولا يكون بالشيء حتّى يعلمه بجميع أصوله. فلا تجوز الرفيعة إلاّ للعلماء بأصول الولاية والبراءة التي لا يجوز حمل أحكام بعضها على بعض، ولا يجتزى بالعام منها عند لزوم الخاصّ، ولا يُحمل الخاصّ منها على حكم العام.
وأمّا الفتيا في الولاية والبراءة فتقع موقع سائر الفتيا في الدين، فما كان من الفتيا فيهما ممّا لا يسع جهله فجميع المعبّرين لذلك حجّة على من عبّروا له، وما كان ممّا يسع جهله ما لم يركبه راكبه أو نحوه ممّا مرّ غير مرّة فلا يكون حجّة فيه إلاّ للعالم الثقة بما صحّ عنده علمه من أصول الولاية والبراءة ولو لم يكن عالما بها، فإذا صحّ له علم شيء من أصولهما كان حجّة في الفتيا في ذلك الأصل والباب، فليتأمّل هذا المقام. (1/131)
صفحة 124
الباب الثالث
في السؤال ووجوبه
ويجب -قيل- عند الاختلاف في الدين ممّا يؤدّي إلى قطع العذر، وعند الفرض إذا حضر وقته، فعلى العبد أن يدين بجميع ما يلزمه في دينه من قول وعمل ونية ولو جهله، وبالسؤال عن كلّ ما يلزمه علمه في حال يلزمه فيه علمه أو العمل به من ذلك، وعليه أن لا يردّ حقّا وإن جهله، وأن لا يشكّ في حجّة إن قامت عليه ولو جهلها فيهلك بترك قبولها، وبردّ الحقّ.
فهذا أصل ما تعبد به من أمر السؤال في شأن دينه فما لزمه علمه فلا يعذر بجهله، وقد علم الله أنّه لا طاقة له بالعلم أو لا يصل إليه إلاّ بمعبّر أو بعقل، فإذا كان عاقلا سالما مفرّقا بعقله لزمه أن يعلم به ولو لم يسمع بالتعبير، ويوحّد به خالقه، ويصفه بما يليق به ويعرف به نفسه، وأنّه محدث وأنّ كلّ معقول ومحسوس فهو محدث، وأنّ صفات القديم غير صفات المحدث، وأنّ ذاته العلية مباينة لسائر الذوات، فهذا ما لا يسعه (22) جهله إن كان عاقلا كما وصفنا وإلاّ فالله لم يكلّفه فوق طاقته، وما لا يصل إليه من الدين الذي تعبّد به إلاّ بمعبّر
فإن كان بأرض قامت على أهلها الحجّة بالتعبير عن الدين فلا يسعه إلاّ أن يعلم بالجملة وما تضمّنته، وإن كان (23) بمحلّ بلغه فيه اسم الرسول لزمه أن يعلمه باسمه، ويؤمن به على ما قامت به الحجّة على أهله من أمره، وإن لم يبلغ محلّه علم ذلك ولا سمع هو من البلدان به فعليه مع علمه بخالقه أن يعلم أنّ له طاعة تعبَّد بها (24) عباده، وأنّ لهم فيها عليه ثوابا، وعليهم عقابا منه إن تركوها (25)، وأنّ له رسولا إلى خلقه بدينه، وأن يصدّق به إذا سمع به، وأن يعتقد السؤال عن كلّ ما يلزمه، وقد مرّ كلّ ذلك. وقيل كلّ من لم يصل علمه إلى شيء فهو معذور بجهله إياه، مطروح عنه (1/132)
صفحة 125
التعبّد به، والعلم به، والسؤال عنه لأّنه لم يعقله، وهو كالذاهب العقل، وإن لم يعقل شيئا كان متعبّدا بالتمسّك بما عقل فقط، وعليه أن يعلم ما لزمه علمه في خاصّة نفسه.
فصل
لزم -كما مرّ- من بلغ وعقل أن يعلم أنّ له خالقا، وأنّه ليس كمثله شيء، وأن يصدّق بالرسول وبما جاء به، وبالقرآن، ويعمل بما فيه، وأن يرجع في تفسيره إلى الثقات. وإن وجد [49] مختلفين في شيء من أمر الدين فعليه أن يستدلّ بالقرآن وبالسنّة، فإذا اجتهد في طلب موافقة رضى الله فلابدّ أن يهجم على مطلوبه لأنّه تعالى لم يتعبّد أحدا بشيء ثمّ يعدمه دليلا عليه، فإذا وجد اختلافا فلا يجمع بين مختلفين في الدين، فالواجب على الضعيف أن يقف ويسأل عن حكم ما اختلفوا فيه.
ومن نشأ بعد عصر أهل الأحداث، ووجد إجماعا على حكم في حدث أن فعليه (26) يسلم لهم لأنّه حجّة؛ وأن يسأل إن وجد اختلافا، وأن يصدّقهم فيما أخبروه به من أمر الأحداث إن كانوا عدولا، وأن يقلّدهم فيما جاز فيه، وهو ما لم ينه عليه في الثلاثة، وردّ الله فيه الأمر إلى العلماء.
والذي لا يجوز فيه هو اختلاف الصحابة فيما جرى بينهم حتّى صاروا إلى ما هو معلوم، وإنّما يرجع في أمرهم إلى الكتاب والسنّة وسيرة الخلفاء الراشدين الذين لم يبدّلوا، ولم يغيّروا، وماتوا على منهاج نبيئهم -صلّى الله عليه وسلّم-.
فصل
أبو سعيد: يحسن لمن يسأل عمّن يتولّى من الأحياء من تؤخذ عنه الولاية بالرفيعة، إذا أراد به الفضل ومعرفة الصالحين ليتقوّى بهم على الطاعة وابتغاء مرضات (1/133)
صفحة 126
الله إذا وافق العدل. وإن سأل عمّن تبرّأ منه المسلمون من الأئمّة المحدثين ليخرج من الشبهة والفساد، وليبلغ إلى معرفة المحقّ، وقد جهل بذلك ولم يُرِد بذلك تجسّسا ولا هتك ستر عن مسلم ولا شهوة في أحد جاز أيضا وهو من الفضل.
وقيل لأبي سعيد: أيّ شيء أصلح في الإسلام، الكلام والمناظرة للمعارضين في الأحداث أو الإغضاء عن ذلك والسكوت عنه؟ فقال: إذا كان الكلام يرجى نفعه ويخاف الضرّ في تركه فالكلام أولى، وإن خيف منه الضرّ فتركه أولى، وإن انتفى الرجاء والخوف فالسكوت عنه والاشتغال بغيره من الطاعات أولى؛ فالسكوت عمّا لا يعنيك أولى بك من الكلام فيما لا يعنيك ولو مصيبا. ومن التواضع لله -قيل- ترك الجدال والمناظرة ولو محقّا. (1/134)
صفحة 127
الباب الرابع
في حكم ولاية الظاهر وبراءته وحكم الدار
وذلك من الدين الذي لا تجوز مخالفته فهما بالشريطة، قيل: كافيتان للعبد ما لم يلزم بالحكم الظاهر، فإذا لزمه في أحد فليقصده باسمه وعينه (27)، ويحكم له وعليه بما لزمه منهما بالظاهر، ويعتقد فيه أيضا حكم الشريطة لاحتمال كون الوليّ بالظاهر عدوّا في الباطن وبالعكس، ولا يخرج من أحكامها إلاّ من نصّ عليه الشارع، وقد عرّفت أنّها غير معمول بها عند المغاربة.
فإن ظهر من عبد وفاء بالدين لم يجز تأخير ولايته طرفة عين على من علمه منه، وكذا في موجب البراءة، وقيل: ينتظر شهرا أو شهرين حتّى يُرى حرصه واستقامته، فإن أدام عقدها له، وإن اتّهم وقف عنه حتّى يُرى له الوفاء، وإن مات قبل أن (28) يعقدها له ولم يُرتب في أمره عقدها له قبل موته. وقيل: ما لم تطب نفسه به، وتزول عنه الريب فله أن يمسك عنه ولو صحّ له موجبها خوفا من دخوله في شبهة.
وقد وسّع بعض فيها خوفا من ذلك ولو إلى موته، فإذا مات ولم يطرأ عليه ما خافه لزمته حينئذ [ ... ] (29) ولا خوف عليه بعد موته، وهذا أرفق [50] بنا. وحجّة من أوجبها قبل انتظار الأعمال قوله: {يَاأَيُّهَا النَّبِيءُ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ} الآية (سورة الممتحنة: 12).
فإذا صحّ من عبد وفاء بالدين ولم تعرف موافقته فيه إن كان في بلد اختلط فيه أهل الوفاق وأهل الخلاف، أو غلب فيه اسم أهل الضلال أو دينهم لم تجب به ولايته إلاّ أن ظهرت موافقته بالقول والعمل؛ وإن مات قبل أن تعلم منه فقيل: يُتولّى، وقيل: لا. وإن كانت الدار أو المصر ظهر عليها التديُّن بالوفاق (30)، ومن عبد كان به أو بها وفاء لزمت ولايته، وقيل: إنّ أهلها كلّهم في الولاية إلاّ من ظهرت منه خيانة أو (1/135)
صفحة 128
اتّهم بخاصّته في دينه، وإلاّ فالحكم على أهلها بالاستقامة والولاية ولو لم يعرف من أحد منهم عمل من غير احتياج إلى امتحان.
فصل
اُختُلف في أحكام الدور في الولاية، فقيل: حكم الدار حكم مالكها، فإن كان عادلا كانت دار عدل واستقامة، وأهلها في ولاية وعدل بلا امتحان، وإن كان جائرا كانت دار جور، فلا ولاية فيها إلاّ لمن ظهر منه وفاء ووفاق.
وقيل: الدار تابعة للأحكام، فإن كان فيها أحكام أهل العدل كانت دار عدل ولا ينظر فيها إلى مالكها ولو جائرا، وإن كان فيها أحكام أهل الجور والخلاف كانت دار جور وخلاف، ولا تصحّ فيها موافقة إلاّ بخبرة وفي معيَّن.
وقيل: حكم الدار حكم أهل النِّحلة والتديّن، ولا يهدم حكم أهل العدل غلبة أهل الجور عليها، ولا يد المبطل على محقّ والجائر على عادل ولو تغلّب على أهل العدل، ولا حكم لحاكم بغير ما أنزل الله، ولا يكونون حكّاما عليهم، وإنّما هم متغلّبون على الأحكام، والملك بالجور والقهر.
فإذا صحّت النِّحلة وجرت على مذهب أهل العدل والوفاق لم يضر أهلها في ولاية وموافقة غلبة أهل الجور، وهو المختار؛ وقيل: ما قدر أهل العدل أن يظهروا دينهم في الدار ولو غلب على أهلها أهل الضلال فهي دار عدل، فإن لم يقدروا عليه وتوسّعوا بالتقيّة زالت الدار من أيديهم إلى يد مالكها، وصارت داره، وما داموا ينكرون عليه ما يدين به من الضلال بقول أو بفعل فهي دارهم، ولا يضرهم غلبة أهل الضلال حتّى يظهر الدخول من نِحلة أهل الحقّ في طاعة أهل الضلال واتّباعهم فيه، فحينئذ تصير دار اختلاط، فإذا لم يتميّزوا بدعوتهم ولا أظهروا الإنكار ولا قدروا على ذلك زالت عنهم أيضا وصارت دار اختلاط، وبطل منها حكم أهل العدل، وقيل: هي دار أهل العدل ما لم يكتموا دينهم، فإذا كتموه كانت دار (1/136)
صفحة 129
فصل
لا يحكم على أهل الدار بالكفر ما وسع مسلما القعود فيها على دينه ولو بكتمانها، وإن لم يقدر عليه إلاّ بإظهار دين الضلال والطاعة لأهلها والموافقة لهم فيه صارت دار كفر ونفاق إن لم يكن ضلالهم شركا؛ وكانت دار شرك إن كان شركا.
وإن تغلّب سلطان على الملك وأقرّ بضلاله، وجامع أهل الدار على مخالفتهم لأمره واعترف بصوابهم وبخطئه لم يكفّر تملّكه الدار. وقيل: لا تتحوّل دار أهل الإقرار دار كفر، ولا يحكم عليها به ما عرف فيها أهل العدل، لأنّ دار الكفر هي دار أهل الحرب.
فإذا صحّت الدار أنّها دار كفر وجبت البراءة [51] من جملة أهلها، ولا يجوز أن يُبرأ من أحد منهم بعينه حتّى يُعرف منه ما جرى عليه حكم أهلها، والجملة هنا تجزي، وكذا كلّ من جرى عليه حكم الدخول في جملة يجوز فيها، وفي أهلها البراءة منهم جملة ثمّ رُئي فيها محتمل أن يدخل فيها فلا يبرأ منه بعينه إذ لا تجوز البراءة بشبهة.
فصل
من صحّ له -قيل- ما تثبت موافقته في الدين ثبتت ولايته من غير احتياج إلى علم بأعماله، وقيل: لا حتّى تصحّ منه موافقة القول بها. وقيل: من صحّت منه جاز أن يُتولّى حتّى يظهر منه عدم موافقة القول للعمل، فإذا تغيّر عصر بحدوث أمر في الدعوة وافتراق الكلمة زالت الموافقة.
ويمتحن أهل كلّ زمان علماؤه المبصرون أحكام الولاية والبراءة، والفتن النازلة، والبدع المحدثة ومن ثمّ قيل: لا يتولّى في كلّ زمان إلاّ بولاية العلماء لهما لعلمهم بالامتحان. وقيل: إذا أقبلت الفتن فلا يبصرها إلاّ العلماء البصراء، وإذا أدبرت أبصرها العوام، وأحكام هذا الباب كثيرة، وفيما ذُكر كفاية. (1/137)
صفحة 130
الباب الخامس
في صفة العالم بالولاية والبراءة وأحكامهما ومن يجوز فتياه فيهما
ولا يكون -قيل- عالما بذلك حتّى يعلم الفرق بين أحكام ما يسع جهله وما لا يسع منها، وبين الخاص والعام منها فيهما. والفرق بين الخاص والعام من أحكامهما داخل في أصول الولاية والبراءة بجملتهما، لأنّ كلّ أصل من أصولهما داخل فيه أحكام الخاص والعام. ولا تجوز مخالفة الأصول فيهما كان الأصل ممّا يسع جهله أو ممّا لا يسع، وحتّى يعلم الفرق بين ولاية الحقّية وولاية الشريطة الكافية عنها، وعن ولاية الظاهر، وكذا في البراءة، والفرق بين أحكامهما بأحكام الظاهر التي إذا وجبت لم تجز أحكام ولاية الشريطة وبراءتها، والفرق بين الاستحلال والتحريم في الدين، وما يجب في ذلك من الأحكام، وبين أحكام التحريم لما يأتي من المحدث وما يدين بتحريمه ممّا يرتكبه، ويضع ذلك في موضعه، والحكم فيه بحكمه؛ والأكثر أنّه لا يسع جهل المستحلّين لمن عُلم أنّه مستحلّ لما حرّم الله فيما يدين به.
وقيل: يسع ما لم يتولّه الجاهل (32) أو يبرأ من العلماء، إذا برؤوا منه على ذلك أو يقف عنهم برأي أو بدين. والفرق بين أحكام الصغائر والكبائر في أحكام الولاية والبراءة، والفرق بين أحكام التوبة والإصرار، وبينه على الصغائر، والإقامة على الكبائر، وبين ما يجب فيه السؤال وما لا يجب، وبين أحكام الدين ممّا جاء في الثلاثة، وبين أحكام الدعاوي في ذلك وغير ذلك ممّا لا يتيسّر لأهل زماننا، ويفهمه من أتقن ما أسلفناه من الأصول.
ولا يسمّى عالما بها من لا يعلمها ويعرف معناها، وأصل ذلك كلّه معرفة ما يسع جهله وما لا يسع (32)، فمن علم ذلك وكان من أهل الدعوة كان حجّة في (1/138)
صفحة 131
الفتيا في الولاية والبراءة، وقد يتهاون في التعبّد بهما أهل زماننا، وتؤخذ عنه بالرفيعة كما مرّ.
فصل
الفتيا في الولاية والبراءة كسائر الفتيا في الدين، فما كان ممّا لا يسع جهله فجميع المعبّرين فيه حجّة على من عبّروا له به، وما كان ممّا يسع ما لم يركب أو يتولّى الراكب أو يبرأ ممّن برئ منه، أو يقف عنه بدين [52] أو برأي، فلا يكون فيه حجّة إلاّ الثقة فيما صحّ له علمه وتظاهر له من أصولهما ولو لم يكن عالما بجميعها، فإذا علم شيئا منها كان حجّة في الفتيا فيه ولو لم يعلم إلاّ أصلا واحدا، أو كان فقيها أمينا فهو حجّة في ذلك الأصل، وقد مرّ ذلك.
وليست الرفيعة كذلك، فإذا رفع عالمان الولاية لرجل أو امرأة وهما يبصرانها كانا حجّة على من رفعاها إليه ولا اختيار له في ذلك إذا علم بمنزلة ما يكونان فيه حجّة، إذ لا يسع جهلها وإن لمن جهلها لمن قامت عليه ولو جهل معرفة لزومها.
وجازت الولاية بالرفيعة من الواحد لمن تولّى بقوله ولا ينقطع به عذره وهو مخيّر، فإذا قامت بالاثنين انقطع، لأنّ رفيعة الواحد هو قبول التصديق، لا على حقيّة الصدق من الرافعين ولا المرفوع ولايته، ولا يُعتقد صدق ما رفعاه أو شهدا به ولو صادقين، ولا يشهد به أيضا لأنّه تقليد، ولا يجوز في الدين، ولا تكذيب الواحد ولا تصديقه ولو أنّه كالحجّة من الاثنين، وإنّما جاز تصديقه على الأمانة لأنّه حجّة لمن صدّقه كالمعدل لمن صدّقه من الحكّام في الإنفاذ لتعديله، فكذا الولاية برفيعة الواحد، ولا قائل بأنّها لا تجوز به، ويتولى الرافع لولايته إلاّ أن علم أنّه تولاّه بلا حقّ، ولا يجوز له الوقوف عنها لأجل ذلك.
وإن وقف عنه وتولّى الرافع جاز له ما لم يحتجّ عليه بالاثنين، وقيل: إن سأله عن ولايته فرفعها إليه لزمته وإلاّ كان مخيّرا، وقيل: مطلقا كما مرّ، وقيل: لا يحتجّ إلاّ بعالمين مطلقا، وقيل: إذا رفع الضعيف ولاية عن فقيه كان حجّة فيها. (1/139)
صفحة 132
فصل
إذا رفع عالم ولاية أحد عن عالمين كعكسه فكالواحد والاثنان، عن اثنين إتنان. وجازت الشهادة عن أخرى في الولاية كالرفيعة عن أخرى، لا الولاية بولاية الضعيف، إذ لا يحتجّ به فيها ولو ثبتت أو تعدّد إلاّ إن رفعوا شهادة تقوم برفيعتها الحجّة عن عالم أو عن صفة كافية عن التفسير إذا شهدوا بذلك على نقله بصفة يستوجب بها الموصوف بها الولاية، فحينئذ تجوز بشهادتهم وكانوا حجّة فيما شهدوا به، والواحد في ذلك في مقام العالم في رفع الولاية.
وإن رفع تلك الصفة ضعيفان إلى ضعيف لا يعرف موجب الولاية لم تلزمه ولايته بها حتّى يرفع ذلك إلى من يبصرها فيوقفه على ذلك، فتكون شهادة الضعيفين بالصفة مع تفسير العالم بها حجّة على الضعيف المرفوع إليه الصفة.
وإذا شهد ضعيف على شهادة موصوفة وهو من الثقاة لم يجز تكذيبه ولا الشكّ في قوله، وكان حجّة فيما قال من الموصوفات الغانية (33) بتفسيره لها عن تفسير غيره في رفعها، ومن ثمّ اختلفت أحكام الشهادة من الضعيف والولاية منه. فالشهادة منه حجّة دونها بخلافها من العالم لأنّه حجّة ومأمون على الولاية والبراءة.
وإذا شهد العلماء بصفة توجب الولاية ولم يقولوا توجبها لم تكن شهادتهم حجّة في الولاية. وإن شهد إتنان مطلقا على صفة توجبها وقال من يبصر الولاية إنّ الصفة توجبها لأهلها ثبت ذلك في الرفيعة والشهادة، وكانت الولاية من العالم أوجب [53] من الشهادة منه إذا لم يفسّر ذلك، وكانت من الضعيف إذا فسّرها العالم أولى من الولاية منه، وكانت شهادتهما سواء ما لم يفسّرها العالم. (1/140)
صفحة 133
الباب السادس
في الشهادة للمحدث بالتوبة والولاية 0
أبو معاوية: من غاب إلى بلد وتبرّأ منه المسلمون إلى أن قدم مَن تؤخذ منه الولاية من البلد فقال: إنّ فلانا صالح وأنا أتولاّه فلا يتولّونه بقوله إلاّ إن عُلم منه أيضا مثل ما علموه قبل، وقال إنّه تاب منه، ولم يكن ما تبرّأوا منه عليه ذنبا بينه وبين العباد، فإن كان هذا فهو على براءته حتّى يأتي عدل آخر مع الأوّل بأنّه أدّى ما عليه، ولا يردّه إلى الولاية قول الواحد أنّه أدّاه (34).
ومن تاب من حدثه وسعى في الخلاص منه قبلت توبته، وإن مات عاجزا عنه فالكفّ عنه أسلم ولا يُبرأ منه ولا يُستغفر له. وجاز -قيل- قبول قول عالمة في ميِّت غير متولّى: أنّي أتولاّه فتولّوه أنتم أيضا واستغفروا له إن كانت متولاّة، وقد وقعت.
ومن قذف أحدا بفسق ثمّ تاب بينه وبين الله ولم يعتذر إلى المقذوف لم يُعذر. ومن عُلم منه ارتكاب محرّمات ثمّ سمعه أحد يستغفر من كلّ ذنب فإنّه يتولاّه إن كانت بينه وبين الله، وإلاّ فحتّى يُعلم منه التخلّص، وهذا إن سبقت له فيردّه فيها، وإلاّ فحتّى يرى منه الوفاء.
وإذا ركب -قيل- وليٌّ ذنوبا ولم يستتبه منها وليّه حتّى سمعه يتوب من كلّ ذنب أو من جميع ذنوبه بأيّ لفظ يؤدّي هذا فليردّه في ولايته إن لم يكن مستحلاّ لها، وإن (35) استحلّها فحتّى يسمّي كلاّ منها ويتوب منه بعينه، وهي مسألة ابن عبّاد مع ابن محبوب، وقد أجاز له أن يتوب منها جملة حيث رآه، كالجمل المحرنج إن تقدّم نُحر، وإن تأخّر عُقر.
ومن ظهر منه أمر احتمل أنّه ركبه باستحلال أو بتحريم له فالأصل أنّه محرّم له حتّى يعلم استحلاله. وإن أخذ وليّ أموالا ظلما فتاب منها -وإن جملة- أحسن به (1/141)
صفحة 134
الظنّ في الأداء، ورُدّ إلى الولاية، وقيل: لا حتّى يُعلم منه، واختير أنّه إن ائتمن على ذلك وأظهر التوبة رُدّ فيها وإلاّ وُقف عنه حتّى يعلم تخلّصه منها، ولا يُعجّل ببراءته بعد إظهار التوبة.
وسئل أبو معاوية عمّن له ولاية عند رجل تبرّأ من آخر له أيضا عنده ولاية ثمّ سمعه يستغفر من جميع ذنوبه قبل أن يستتيبه؟ قال: إذا برئ من وليّك فابرأ منه، فإن تاب رجع إلى ولايته، وإن علم هذا الوليّ أنّ وليّه تبرّأ من وليّه بما يرى أنّه تقرّب إلى الله به لم تجزه التوبة حتّى يقول إنّه تاب من براءته من فلان وإن لم يعلم منه ذلك أجزته في الجملة. وتؤخذ الولاية عن امرأة وعبد وأمة إن أبصروها.
ابن محبوب: من تبرّأ من المسلمين وقد تولّوه وعمل للجبابرة ثمّ تركهم ولم تُعلم منه رجعة إلى العدل فزعم مسلم بعد موته أنّه تاب من عمله ومن براءته من المسلمين قبلوا قوله إن تولّوه.
فصل
لا يشهد أحد على أحد بموجب البراءة حتّى يستتيبه، فإذا أراد إظهاره للمسلمين مهّد لهم، وقال: أريد أن أقول شيئا فاسمعوا منّي واستتيبوني، وعليهم أن يفعلوا أو يحذروا من المقول فيه.
وإن شهد عدلان على غائب بموجبها كُفّ عنه حتّى يعلم ما يدفع به نفسه فيما شهدا به عليه، ويُتولّى إن مات. [54] وإن شهد وليّ على وليّ بفسق برأ من الشاهد إن لم يكن معه آخر، وإن ادّعاه معه وقف عنه، وإن أتى به وقال كقوله قُبل منهما وإلاّ بُرئ منه واستتيب، فإن جاء بعد توبة الشاهد الأوّل بُرئ من الأخير لأنّه واحد حينئذ. وقيل: لا يقبل وليّ على وليّ إلاّ بعدلين سواه.
أبو معاوية: إن لم يسمّيا الفسق وطلب الشهود عليه تفسيره فله ذلك ولو كان غير وليّ، وإلاّ كفى ما قالا به. وإن شهد عدلان على إمام مسجد أنّه شهد بزور لم (1/142)
صفحة 135
تترك الصلاة خلفه حتّى يبيّنا تلك الشهادة لعلّه علم ما لم يعلماه، وإن شهد عليه به واحد وآخران (36) أنّه أكل حراما لم تسقط ولايته لاختلاف الشهادة، ولا تُقبل على وليّ بعد موته شهادة. وإن سُئلا عن تفسير الحدث، فقالا: لا يحلّ لنا إظهاره، رُدّ قولهما، وكان على ولايته، وإن قالا: استتبناه فلم يتب برئ منه.
وإن سُئل عدلان مبصران عن رجل فقالا: برئنا منه على مكفِّر قُبلا وبُرئ منه، وقيل: لا حتّى يشهدا عليه بالحدث قبل البراءة ولو غير وليّ، وتُقبل في ذلك عدلتان مع عدل إن أبصروا.
ومن قذف وليّا بمكفِّر وأحضر عليه عادلة وقالوا أيضا: استتبناه فلم يتب بُرئ منه على الإصرار إن كان حيا، وإلاّ فلا تُقبل على ميّت بيّنة ولو كانت ألوفا؛ وإن كان حيا عالما مشهورا أو إماما لم تُقبل عليه إلاّ بحضرته لأنّه في نفسه حجّة، والبيّنة حجّة، فلا تُقبل حجّة على حجّة إلاّ بحضرتها، فإن سمعها ولم يدفعها بحجّة بُرئ منه واستتيب.
وإن شهد أربعة على رجل بزنى ولم يفسّروه فلا حدّ عليه، ولا عليهم، وإن سبقت ولايته فهو عليها.
أبو سعيد: لا تجوز شهادة مخالفينا علينا فيما يخرج من الدين، لأنّهم خصماؤنا، وجازت على بعضهم في كلّ الأحكام، وكلّ فرقة منهم تُجوِّز شهادة بعضهم على بعض لأنّهم أهل ديانة واحدة. (1/143)
صفحة 136
الباب السابع
في العالميْن إذا برئا من الرجل
وإن أحلّ أحدهما شيئًا وحرّمه الآخر أو برئ ضعيف من عالم أو عكسه، فقد مرّ أنّه لا يُبرأ من أحد -قيل- ببراءة عالمين ولو كانا حجّة إلاّ إن شهد عليه بمكفِّر. والقذف من فقيه إن قال: إنّه يبرأ من زيد أو برئ هو منه، أو لعنه فهو قذف، والفتيا هو قوله: إنّ من فعل كذا يبرّأ منه أو كافر أو مستحقّ للبراءة، والدعوى هو قوله: إنّ فلانا مستحقّ لها أو ممّن تجب عليه أو فعل موجبها وفي الحال التي يكون فيها قاذفا يكون مخلوعا حتّى يتوب، ولا يبرّأ ممّن قذفه حتّى يأتي على ما قذفه به بشاهدين على كلّ حدث غير الزنا.
ولا يُقبل قول المدّعي، ولا يبرّأ ممّن ادّعى عليه حتّى يأتي بهما أيضا، وإن جاء في حال يخرج فيها معنى قوله على الشهادة قبل أن تُطلب منه، فقيل: يُقبل منه مع آخر، وقيل: لا إلاّ من عدلين إذ هو مدّع أو بعد دعواه أو إحضاره شاهدا آخر له [55] عليه.
فصل
تقدّم أنّ العالم الأمين حجّة على من صحّ عنده علمه وصدقه ولو صحّ عند واحد أو في محلّة، ولا يسعه الشكّ فيما قام به من الدين.
وقد تشهر أمانة العالم في بلده، وصدقه في علمه فيكون حجّة في الفتيا فيما يسع على من صحّ عنده ذلك إن عرفه بعينه مع شهرته، ويكون العالم حجّة على الجاهل إن عرف منه المنزلة عند العلماء، وليس بحجّة فيما عبّره من الواسع جهله على من خفيت (1/144)
صفحة 137
عليه منزلته، ولو كان كأبي بكر وعمر وابن عبّاس وجابر، وإنّما يكون حجّة على من علمه عالما، ولا يسعه الشكّ فيما عبّره من الدين.
ولا تجوز مخالفة الحجج ولو تفاضلت، فأدناها منزلة كأعلاها إن ظهر الحقّ، ولو خفي الباطل، فالتي لا تكون إلاّ محقّة الأنبياء -عليهم السلام-، ثمّ الأولياء، والمحتملة للصدق والكذب العلماء والشهود فلا تجوز مخالفتهم ولو كاذبين في السريرة.
وقيل: إذا شهد للعالم بالفضل والأمانة لم يسع من علم ذلك منه أن يشكّ فيما عبّره من الدين، وإن ممّا يسع أو خولف فيه أو كان المخالف له فيه عالما فلا تجوز مخالفته ولا الشكّ في قوله، فالشاكّ فيه هالك كالمخالف، وقيل: يسعه، وقيل: ولو عبّره له عالمان إلاّ إن عبّره له أربعة مطلقا، وقيل: إن كانوا ممّن لا يغلط وشهروا كالخمسة إلى العشرة، وقيل: يسعه الشكّ فيه حتّى يعرف صوابه ويتّضح له؛ وحاصله لا يجوز له تخطئة المعبّرين له من الدين، ولا الوقوف عنهم، ولا البراءة منهم ولو برأي، ولو كان المعبّر واحدا أو خولف، وإن كان ما عبّروه ممّا لا يسع جهله فعليه قبوله، وإلاّ هلك ولو كان المعبّر صبيّا أو مشركا أو رآه في كتاب؛ وقيل: لا تقوم الحجّة عليه إلاّ بالأمناء {ولَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرينَ عَلَى المؤْمِنِينَ سَبِيلاً} (سورة النساء: 141).
ابن بركة: على الضعفاء طلب معرفة الحقّ وأهله في كلّ عصر وُجد فيه اختلاف. (1/145)
صفحة 138
فصل
إن اختلف ضعيفان فأحلّ أحدهما محرّما وعكس الآخر، وهما وليّان لعالم، فالولاية والوقوف عنهما بالرأي على اعتقاد ولاية المحقّ منهما، وبراءة المبطل في الشريطة.
وإن اختلف ضعيف وعالم وليّان لأحد وكان المحقّ مع الضعيف لم يكن العالم حجّة في هذا لإبطاله ولأنّه خصم، وإن تبارءا على ذلك ولم يعلم السامع المحقّ ولا البادئ بالبراءة، وقف حتّى يعلم، فإن علمه تبرّأ منه برأي لبراءته من وليّه وقذفه وهو يتولاّه به حين أحدث ذلك، ويعتقد البراءة منه به إن تبرّأ منه بغير حقّ، وإن كان المتبرَّأ منه على ولايته تبرّأ من قاذفه البادئ بالبراءة منه إذ ليس له أن يبرأ من وليّه حتّى تكون [56] له حجّة فيما قذفه به، ولم يصحّ عنده مزيل لولايته؛ وفي الظاهر قاذف لوليّه فله أن يبرأ بالرأي ممّن تبرّأ منه، قال: ولا تجوز براءة الرأي إلاّ هنا، وكذا لو تبرّأ المُتبَرَّأ منه ممّن تبرّأ منه، يبرأ في الظاهر من البادئ بها لقذفه فيه لوليّه، ولا يُبرّأ من الآخر بالرأي.
وإن اختلف الضعيفان في الدين كان الحكم فيهما كذلك، ولا يجوز لمتولّ وليّه برأي أن يبرأ من قاذفه بالدين، ولا يكون أشدّ حقّا من المتولّى، إذ لو كانت ولايته بالدين لكانت براءة قاذفه به.
فصل
قيل: لو أنّ جماعة قالوا: إنّ فلانا أكل ميتة غير مضطرّ، ثمّ قال بعضهم: أكل حلالا له وأنّه محقّ، وبعضهم: أكل حراما عليه وأنّه مبطل، لكان المحقّ من وافق الحقّ، والمبطل من خالفه ولا يُعذر. (1/146)
صفحة 139
وإن اختلف اثنان من ثلاثة وقد تولّى بعضهم بعضا فيما يكون الحقّ فيه في واحد حتّى برأ أحدهما من صاحبه، والسامع لا يعلم المحقّ في براءتهما، فإنّه يبرأ من البادئ بها إن علمه، وإلاّ فقيل: هما على ولايتهما، واختار بعضهم الوقوف حتّى يعلم.
أبو سعيد: إن اختلف ضعيفان في بعض ما يسع (37) حتّى برأ أحدهما من صاحبه، برأ السامع من قاذف لوليِّه (38) برأي، فإن كان المتبرّئ هو المحقّ فبرأ منه برأي، وتولّى المتبرّأ منه بدين كان بذلك هالكا لأنّه تولّى مبطلا به، وإلاّ كان سالما.
وإن تولّى المقذوف برأي وبرأ من القاذف بدين هلك أيضا، وسلم إن برأ منه برأي، وإن تولاّه بدين على براءته من وليّه، فإن خفت هلاكه، لأنّه محلّ ولاية الرأي، وإن تولاّه به ولم يبرأ منه بأحدهما سلم.
وإن تولّى المحقّ بدين سلم؛ وكذا إن تولاّه برأي لضعفه، وإن تبرّأ منه به، أو وقف عنه بدين هلك.
وإن اختلف عالمان فالمحقّ منهما هو الحجّة على سامعه، فإن كان هو البادئ بالبراءة لم تجز البراءة منه ولو برأي لأنّه حجّة، وهو محلّ قولهم: يسع الناس جهل ما دانوا بتحريمه ما لم يركبوه، أو يتولّوا راكبه، أو يبرأوا من العلماء إذا برأوا منه، أو يقفوا عنهم؛ ورُخِّص في الوقوف ما لم يتبيّن العدل، ولكن لا يسع على العالم المحقّ، ولا البراءة منه، لأنّه حجّة في فتياه، وفي براءته، وهذا كما قال موضع ضيّق لا يكاد يبصره إلاّ البصراء، وإن كان البادئ بالبراءة هو المبطل كان أعظم جرما، وأشدّ إثما، والبراءة منه بهما واسعة مطلقة، وإن تولّى المبطل برأي لا بدين ولم يقف عن المحقّ بواحد، ولا برأ منه وسعه ذلك، وإن لم يعلم البادئ، ولا المحقّ وقف.
وقيل: يبقيهما على الأصل، وقيل: يبرأ منهما لإظهارهما القذف بما ليس لهما فيه حجّة. (1/147)
صفحة 140
الباب الثامن
في ولاية المتقاتلين ونحوهما
فإن قتل رجل آخر، فدخل جمعا لم يعرف فيهم وقف عنهم حتّى يعلم، ولا تُقبل شهادة اثنين منهم إن عيّناه، وتُقبل من ثلاثة عدول. ومن رأى وليّه قتل رجلا، وقال إنّه قاتل أبي، أو ابني أو نحوهما رُدّ قوله، وبُرئ منه.
ومن تعمّد ضرب أحد برأ منه حتّى يظهر عذره. وإن شهد عدلان أنّ وليّهما تعمّد قتل رجل وأنكروا حضر عدلين، فشهدا أنّه عندهما وقت ادّعاء [55] الأوّلين قتله قبلت شهادتهما، ولا يُقتل به (40)، وهم على ولايتهم إن توالوا فيما بينهم. ومن له وليّان ادّعى أحدهما على صاحبه حقّا، فأنكره فحلّفه، فهما على ولايتهما عنده، وقيل: يقف عنهما كالقاتل إن ادّعى أنّ قتيله ظلمه، ويُستتاب إن لم يصحّ دعواه، وقيل: يُبرّأ منه ثمّ يستتاب، وقيل: يمكن صواب المتداعيين فيبقيان على أصلهما لا كالمتلاعنين، فإنّ فيهما اختلافا، قيل: هما عليه أيضا، والأكثر على الوقوف وهو أسلم، لأنّ أحدهما كاذب.
ومن سمع وليّيه يتلاعنان وقف عنهما. ومن علم من وليّه قتل رجل لا أنّه حقّ أو باطل، فقيل: يبرأ منه لانتفاء حجّة تعذره، ولأنّه تعالى تعبد خلقه بالظاهر، ويحكم عليه بقتله به، ولا يُنظر للاحتمالات الغائبة مع قيام الظاهر، وقيل: يبقى على ولايته وإن لزمه القِوَد به، وقيل: يوقف عنه لاحتمال كونه محقّا أو مبطلا. وإن بلغ ضعيفا اشتهار بمكفِّر من أحد يوجب البراءة منه فضعف خوفا أن لا تلزمه به وبالاِشتهار فوقف فقد سلم إذا لم يوافق وقوفه ذلك وقوف دين في محلّ وقوف رأي وبالعكس. (1/148)
صفحة 141
الباب التاسع
في ولاية الأيمَّة والقضاة والولاَّة والعمَّال ونحوهم
فإذا شهر الإمام -قيل- في الدار أنّه من أهل الدعوة وجبت ولايته حتّى يظهر جوره، وقيل: لا، إلاّ بعدلين.
ابن روح: لا يسع جهل ولاية الأئمّة، وبراءتهم، فمن ظهرت موافقته للدين، وحسنت سيرته لزمت ولايته، وبالعكس، ويُعتقد فيه بعيد عنه ولاية الشريطة وبراءتها.
ومن شهر كفره، واستعمله الإمام فيما لا يجوز فيه غير الأمين، أو صحبه من لا ولاية له قبل ظهور توبته، فإن كان مبصرا فتولّى أحدا على هذا جازت ولاية من تولاّه، وولاية الإمام أيضا على ولايته لهم، لأنّهم مأمونون على دينهم، وكذا استعماله لهم فيما لا يجوز فيه إلاّ أهل الولاية موجب لولايته وولايتهم، وقيل: لولايته فقط، والوقوف عنهم إذ لا يجوز له ولايتهم واستعمالهم إلاّ بعد توبتهم، وقيل: يتولّى هو على ذلك، ويبرأ منهم حتّى يتوبوا (40)، ولكلّ حكمه الذي كان عليه حتّى يصحّ خروجه منه، وإن استعملهم في جائز فيه غير الوليّ كان كلّ على حاله، لأنّ استعماله لغير الأولياء فيما ليس فيه أمانة جائز، ولو قبل التوبة.
وإن كان العامل تابعا في عمله لغير الأمين القائم بالأمر لم يضرّ استعمال محدث قبلها. والإمام أمين لا يستعمل إلاّ جائز، ويقبل -قيل- قوله إن ادّعى ذلك، وإن استعملهم وعدلوا فلا سبيل عليهم، وإنّما هو على مستعملهم قبل التوبة. وقيل: لا تجوز البراءة من الإمام حتّى يحلّ دمه، وقيل: إذا ولّى واليا أو قاضيا وجبت لهما (41) الولاية بذلك، وقيل: لا، حتّى يعلم منهما موجبها.
ابن محبوب: إن ولاّه المسلمون على الأمصار فهم على عدالتهم حتّى يحدثوا ما تسقط به. والأيمّة أعظم حرمة، وأثبت ولاية، لأنّ الحكم فيهم غيره في غيرهم، وهم (1/149)
صفحة 142
الأمناء والقوام، ومن ذلك أنّ الإمام يقيم الحدود، ولا يقيمها عليه غيره إلاّ إن كان إماما، وقيل: إذا عرف المسلمون منه أحداثا خفيّة، وخافوا الاِختلاف إن أشهروها ستروا ما علموا، وبرأوا منه سرّا، وتولّوا الصلحاء من أعوانه، وإذا صلّوا خلفه ركعتين أعادوها [58] أربعا إن كان في غير الأمصار السبعة، وفيها خلف الجورة خلاف.
أبو المؤثر: من قال لإمام المسلمين إنّه كفر إلاّ أنّ قولي فيه قولهم يبرأ منه لتكفيره حتّى يوضّحه بعدلين أنّه مكفّر أو يستغفر منه. والولي إذا طلب منه حقّ جناه في صباه، من قتل أو ركوب فرج محرّم أو مال فامتنع فلا يُتولّى، والوقوف عنه أسلم إلاّ المال فإنّه أهون من الدماء والفروج.
فصل
أبو إبراهيم: وجبت ولاية من عقدت له الإمامة في دار الإسلام، لا في دار الفتنة حتّى يشهد عدلان أنّه ثقة مستحقّ للإمامة. (1/150)
صفحة 143
الباب العاشر
فيمن لا يَتولَّى ولا يَبرأ ولا يَسأل عن أمور الدين
أبو الحواري: من عُرف ورعه، وصدقه لا أنّه يتولّى المسلمين، ولا أنّه يبرأ منهم، فإذا قيل له: تتولاّهم، قال: نعم أتولاّهم، وأبرأ ممّن خالفهم فهو منهم إذا عُرفت منه الأخلاق الحسنة، وجازت شهادته في الحقوق، وذلك إذا عُرفت نِحلتهم في البلد.
ومن عُرفت منه - قيل- أربع وجبت له أربع: إذا حدّث المسلمين صدق، وإن ائتمنوه لم يخنهم، وإذا عاهدوه وفا لهم، وإذا وعد لهم لم يخلف؛ فمن عُرفت منه وجبت ولايته ومحبّته، وحُرمت غيبته، وجازت شهادته.
ابن عليّ: من أقرّ للمسلمين هو وأبوه وجدّه، ويقول: ديني دينهم، وقولي قولهم وهو من الضعفاء قُبل منه ذلك، ويُتولّى عليه إن لم يُعرف منه ما يكرهون، وإن عُرف بالخلاف ولكن إذا سُئل قال كذلك لم يُقبل منه ولو لم يظهر منه ما يعيب به على المسلمين حتّى يُدعى إلى الإسلام، ويُنسب إليه الدين ورأيهم الذي يخالفه المخالفون في اعتقادهم، فإذا نُسب إليه ذلك وقبله وتبرّأ ممّا كان عليه من الخلاف قُبل ذلك منه، وصار منهم وتولّوه، ولا يخرج من الولاية إلاّ بحدث وامتناع من التوبة.
أبو عبد الله: من دان بفضلهم وعرف حقّهم، وأتى بما أُمر به، واجتنب ما نُهي عنه، ولم يدخل معهم فلا عليه ولو لم ينسب عليه ذلك أحد.
أبو معاوية: من لا يعلم أنّ الله فرض الولاية والبراءة، ولم يوال ولم يعاد حتّى مات فلا أراه إلاّ هالكا إن تولّى الجملة، فإن جهلها وكان قوله قولهم فيها حتّى مات؛ قال: إن علمهما، وإذا سمعهما من أحد لم يعلمهما فرضا فترك ولاية المسلمين، وعداوة الكافرين وقد عرفهم بأحداثهم لم يُعذر، قال: ولا أراه هالكا إن قال: قولي قولهم، وديني دينهم. وإن قال: لم أعرف محقّا من مبطل، وأنا واقف عن جميع أهل القبلة، ولا (1/151)
صفحة 144
أتولّى معينا ولا أبرأ منه، وأمْر الناس إلى الله، وبرئ من أهل الكفر جملة، ومات على ذلك وسعه (42) إن لم يتولّ كافرا على كفره، ولم يبرأ من مؤمن، ودان بالسؤال عمّا يلزمه في الدين، وطلب رأي المسلمين، وقوله قولهم، وتولّى جملتهم، فإذا رآهم على الدين لم يسعه أن يقف عنهم.
وإن قال: قولي قولهم، وديني دينهم وسعه، وكان له جُنّة فيما أشكل عليه. وإن علم الولاية والبراءة، ودان بفرضهما وله أولياء وأعداء، فليس له أن يقف عنهم إذا لم ينتقلوا عن حكمه [59]، ولا أن يرجع عن علمه. ومن قال لهم: أنا منكم، ووليّي وليّكم، وعدوّي عدوّكم، وأعطاهم الجملة التي لا يسع جهلها كان منهم.
فصل
من تولّى من تولاّه الله ورسوله والمسلمون، ولا معرفة له كافية، وكان سائلا، فإن تولّى أهل الدعوة دون غيرهم، وكان ضعيفا وتبرّأ من جملة المخالفين كان سالما. وإن لم يُشهر ذلك وإنّما يشهر لطالب الفضل والزيادة بمعرفة أهل الحقّ فيعرفوه فيوجبوا له حقّه {إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} (سورة الحجرات: 10)، فعليه أن يعرف المحقّين ولا يسعه الشكّ فيهم، وللضعيف أن يتولّى ويبرأ في الجملة ويتولّى عالم زمانه ولا عليه.
أبو جعفر عن هاشم: بلغ واليا لعمر بن عبد العزيز بإزكي موته فأظهر ولايته، فقال له رجل: إنّه لا يتولاّه المسلمون، فقال الوالي: كان من أخلاقه الحسنة كذا وكذا، فقال له عراقي: قل قولي فيه قولهم، فقالها. قال بشير: ((لولا أنّه قالها لتبرّأ منه العراقي)). (1/152)
صفحة 145
ابن محبوب: من قال منَّا: أنا أتولّى من تولاّه الله ورسوله والمسلمون، وأتبرّأ ممّن تبرّأ منه الله وأولئك فلا يكفيه، وعليه أن يقبل شهادتهم إذا أجمعوا على براءة أحد، وليس له أن يكذبهم، ولا أن يشكّ فيهم، وأن يتولّى من تبرّأوا منه برئ منه، وإن وقف وسلّم لهم، وتولّى من تولّوه، وتبرّأ ممّن تبرّأوا منه، وقال أسأل عمّن تبرّأوا منه بعينه قُبل منه، والشاكّ ضالّ، والسائل مقبول حتّى يعلم رأي الجماعة. وقيل: المسلم مسلم ما لم يبرأ من المسلمين أو يتولّى عدوّهم. (1/153)
صفحة 146
الباب الحادي عشر
فيمن ولايته بالظاهر إن أحدث وفي بيان معان من الولاية والبراءة
فمن لزمته ولاية أحد ثمّ علم منه موجب البراءة فعليه أن يبرأ منه بدين إن عرف الحكم فيه، وإن جهل حكم الحدث، فقيل: يتولاّه حتّى يعلمه، وقيل: يهلك إن تولاّه عليه، لأنّه لا يسعه جهل فعله، وقيل: إن كان ممّا لا حجّة فيه من العقل بل من السماع لم تجز له ولايته عليه (43)، لأنّه يلزمه أن يعلم أنّ فعله طاعة أو معصية إلاّ إن اعتقد براءة الشريطة أو تولاّه برأي، لأنّ الجمع عليه.
عن جابر: إنّه يسع جهل ما دانوا بتحريمه مالم (44) إلى آخر ما تقدّم غير مرّة. ووُجد عن غيره ما لم يركبوه أو يتولّوا راكبه بدين، أو يبرأ من العلماء إذا برأوا منه برأي أو بدين، أو من الضعفاء إذا برأوا من راكبه بدين، أو يقفوا عنهم به.
وإذا تولّى راكب ما لم يعلمه طاعة ولا معصية بدين، فقد تولّى من لزمت براءته به عند من علم الحكم، وإن تولاّه برأي، وحدثه لا يُخرجه من الولاية السابقة على أنّه يبرأ منه إن ركب موجب براءة، وشرط فيه هذا جازت قيل ولايته عليه، وكذا إن تولاّه على اعتقادهما إن كان عاصيا، لأنّه كما تلزمه براءته كذلك لا يلزمه أن يترك ما هو عليه من الولاية له [60] إن شرط براءته إن ركب ما يُخرجه منها؛ وكذا إن تولاّه على الأصل حتّى يعلم خروجه منها إن اعتقد البراءة من كلّ محدث لغير الحقّ في الجملة، ولو لم يعتقد فيه بعينه شيئا حتّى تصحّ ولايته لم يُخرجه ذلك من الدين بأصل منه إذا صحّت له الولاية بالسنّة ما لم يتولّ قطعا وشرط البراءة منه إن عصى، أو من جميع العاصين فهو سالم لسعة دينه ما لم يركبوا له نهيا، أو يتركوا له فرضا، أو يردّوا له حُجّة، أو يشكّوا فيها. (1/154)
صفحة 147
فصل
من تولّى من عَلِم منه موجب براءة من غير اشتراطها منه، ولا ولاية رأي، فقيل: هالك، ويسعه -قيل- أن يتولاّه على شريطتها إن كان عاصيا ولو مستحلاّ، وليس له أن يتولاّه على السابقة ولو شرط البراءة منه، ولا يسعه إلاّ ترك ولايته إن شكّ فيه أو البراءة منه إذا لم يعلم حكم ما ركبه؛ وقيل: يسعه الشكّ فيه، وأن يتولاّه برأي إن كان حدثه لا يخرجه منها، ويبرأ منه مطلقا إن كان يُخرجه، وقيل: إن كان محرّما له، وإن كان مُستحلاّ وجبت البراءة منه أو الوقوف عنه برأي.
ومن وجبت ولايته برفيعة أو خبرة، أو شهرة أو شهادة لزمت من بلغته بالدين. وإن رأى منه فعلا، أو سمع منه قولا ممّا يسعه جهله ولم يعلم حرمته، أو علمها لا أنّها توجب براءته فليس له أن يتولاّه بدين بلا شرط براءة منه إن ركب محرّما، ولا تجوز له ولايته به وبراءته به قطعا لتضاددها.
ولا يلزمه ترك ولاية على ديانة بلا حجّة واضحة وهو لا يعلم أنَّ ما رآه أو سمعه منه طاعة فيزيده أمانا في ولايته، ولا معصية فيزيلها عنه، ولو كان كلّما رأى من وليّه ما لم يعلمه لزمه تركها لكان عليه أن يتركها على عمل الطاعات إذا لم يعلمها طاعة، ولكان لا يجوز له أن يُثبت ولاية وليّه حتّى يغيب عنه أمره أو يعلم جميع الدين؛ واللازم باطل فالملزوم مثله.
وقيل: إنّما سلم الناس بولاية الظاهر، ولو تولّوا عدوّا لله عنده باعتقاد الشريطة من جميع أعدائه، وكذا في البراءة، ولولاها -قيل- ما جازت ولاية أحد حتّى يعلم أنّه وليّ لله، ولا براءة أحد كذلك، والأمر معها أيسر من القطع بالظاهر. ونحن لا نعتبرها، ولا يُقدح فيه ما ذكر. (1/155)
صفحة 148
الباب الثاني عشر
في البراءة بالرأي
ابن روح: لا تجوز به إلاّ في ضعيف غير فقيه إذا برأ من وليّك على اعتقاد السؤال، وعلى أنّ دينك دين الإسلام، ولا يحلّ لك أن تبرأ منه بدين، ولا من فقيه به، ولا برأي لأنّه حجّة في الفتيا، وفيه -قيل- نظر. وقيل: من علم من وليّه محرّما وجهله وسعه أن يتولاّه برأي، لأنّه مُنع أن يقف عنه وقوف دين فينقض ما دان به من ولايته به على شبهة.
ومن لزمته ولاية أحد به، ثمّ عَلِمَ منه وجوب براءة به فعليه أن يبرأ منه به إن عَلِم الحكم، وإلاّ لم تجز ولايته إلاّ إن كانت برأي مع اعتقاد براءة الشريطة [61] من العاصين، ويدخله فيهم مع الحادث، وإن لم يعلم له موجب براءة سلم بولايته، ولو رأى منه ما لم يعلمه حقّا أو باطلا بالشريطة التي عُذر بها من علم الصواب والخطأ، ما لم يركبه أو يتولّى راكبه أو يضيّع صوابا، أو يتولّى بمعصية فلما لزمه في الدين ظاهرا فيه بعينه لم تنفعه الشريطة إلاّ إن أحدثها حال ما تعبّد به (45)، ولم يكلّف القصد إلى ضدّه بلا علم يوصله إليه، ويكون حجّة عليه من معرفة الحدث، فإذا وقف عنه وقوف دين كوقوفه عن كلّ من لم يُعلم له حدثا لم يجز له في العقل أن ينتقل عن ولاية بدين بحجّة إلى وقوف به بغيرها.
ابن بركة: معنى الولاية والبراءة بالدين دينونة المرء به في الجملة، ومعناهما بالرأي أن يتولّى أحد برأيه، وفي أصل دينه البراءة منه، وأخطأ بولايته. (1/156)
صفحة 149
الباب الثالث عشر
في موجب البراءة من راكبه أو الوقوف عنه
وتُزال ولاية من عُرف بالكذب، وخلف الوعد بلا عذر، ومن دخل على غير محرمه بلا سلام ولا إذن، والنميم بين الناس، والداخل في محلّ التهم غير مرّة، ولم ينته بعد النصح، والناظر للحرم بعمد، ومُفش لسرّ، ومحبّ أن تشيع فاحشة في مؤمن، ونحو ذلك من الكبائر؛ ولا تنزل الولاية على كلٍّ، وتجب استتابة فيه بعد نزولها.
بشير: من أسرّ أخاه بسرٍّ (46) وعَلِمه يكره إظهاره أثم إن أفشاه، ونافق إن حجّر عليه فيه.
ومن شرب -قيل- ماء نجسا غير مضطرّ، أو طرح ميّتا أو حيّا إلى كلب أو سِنّور ليأكله، أو رأى آكل ميتة ولم ينهه لم يكفّر بذلك.
أبوسعيد: يبرأ من لاعن نفسه بلا عذر، وإن لم يظهر منه إلاّ اللعن واحتمل كونه حالفا يمينا أو نحوها أُحسن الظنّ به، ولا يبرّأ منه.
جابر: من لعن غير مستحقّ اللعن رجع عليه، ومن استحقّه فهو عدوّ لله، وأهون أمر من لعن نفسه أو غير مستحقّ، ولم يعرف ما في ذلك أن يوقف عنه ويُستتاب، فإن تاب وإلاّ برئ منه بإصراره. وتوقّفنا -قيل- عن براءته لأشياء عرفناها من مجاز الكلام، كقوله تعالى: {والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ} (سورة الإسراء: 60)، يعني آكلها، وهو أبو جهل.
وفي التوراة -قيل- الجمل الملعون المراد به ربّه، ويمكن إرادة صاحب الدابّة، أو أهل البلد فيمن لعنهما، وإن عُلم منه قصد الدابّة أو البلد بُرئ منه في حينه قبل أن يستتاب، وتُنظر حجّته. (1/157)
صفحة 150
وكذا من لعن صبيا أبوه أو أمّه في ولاية، وإلاّ -فقيل- يبرأ منه أيضا، وقيل: يوقف عنه. ومن أقرّ بقتل، أو زنى، أو سرقة أو نحوها برئ منه في حينه إن لم يكن إقراره اعترافا منه وتوبة.
وإن أقرّ بنظر إلى حرمة عريانة، أو قبّح إنسانا أو سبّه أو شتمه، فإن عُلم من الناظر أنّه تعمّدها به عالما أنّها ليست زوجته فقد روى ابن محبوب مرفوعا: «لعن الله الناظر والمنظور إليه»، ففسّره ابن بركة بما إذا تعمّد، وإن لم يقرّ بعمد احتمل أنّه خطأ فلا يكون صغيرا ولا كبيرا، وفسّر قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ}، (سورة غافر: 19) إلاّ أنّه باتّباع النظر عمدا، ويُبرأ ممّن قبّح وليّا وإلاّ فلا.
[62] أبو الحواري: من تعمّد وطء حائض استتيب إن كان وليّا، فإن تاب كان على ولايته، وإلاَّ فلا، ولا يُعجّل ببراءته لوجود الخلف فيه؛ قال: ولا نعلم أنّ أحدا أحلّه، وقد حرّمه بعض، وتوقّف آخرون.
فصل
إن قال وليّ: لا أصلّي على الجنائز فهو على ولايته، ولا يلزمه بترك ما يسقط عنه فرضه بفعل غيره ذنب، ولا انحطاط منزلة ما لم ينكر لزوم فرضها فيهلك، وانظر ما إذا تعيّن عليه وامتنع فعندي أنّه هالك مع اعتقاد فرضيتها.
ابن محبوب: إن قنت في الصلاة وليّ استتيب فإن تاب، وإلاّ فلا أتولاّه، وتوقّف في براءته. ومن ظهر منه خلاف ما عندنا كالمسح على الخفّين أو الإحرام قبل التوجيه، أو قراءة السورة مع الفاتحة ظهرا أو عصرا، أو قال في صلاته آمين، أو مسّ دم قمّلة فصلّى فرضا، أو نحو ذلك، أو تولّى عليه فاعله استتيب، فإن تاب وإلاّ فليس هو منّا؛ ومن لا يتمّ الركوع والسجود نُصح وعُرّف ما لزمه من حقّ الصلاة.
أبو معاوية عزّان بن الصقر: من قال: لا أصلّي الجمعة في جماعة، ولم تُفرض عليّ، فإن كان بمحلّ الإمام العدل، ودان بما قال فقد ترك الفرض، وردّ على (1/158)
صفحة 151
الرسول، وعلى الله، وهلك. وإن قال: لا جمعة في عمان، فإن كان بها إمام عدل عن مشورة العلماء، ولم يحدث مخرجا له من الإمامة فكالأوّل؛ وإن كانت في أيدي الجبابرة فهو على ولايته.
أبو سعيد: إن قال ذلك في صُحار دان بخلاف الحقّ وهلك، لأنّ الإمامة ثابتة فيها، وإن مع أهل الجور؛ ولا تلزم في الجوف إلاّ مع العادل. ومن صلّى جماعة يوم الجمعة في بلد كانت فيه، ويفتي بإجازة الظهر جماعة في بلد تلزم فيه الجمعة أُمر أن لا يخالف، فإن قبل وإلاّ فهو ضعيف لا تترك ولايته إن سبقت وحالته خسيسة.
ومن قال: لا أصلّي الفطر ولا النحر ولا على الجنازة ولا الجماعة ولا الوتر إلاّ ركعة ولو في حضر، ولا أركع بعد الهاجرة ولا بعد المغرب ولا الركعتين قبل الفجر، أو أصلّي قبل طلوع الشمس وبعد العصر، ونُصح بأنّ المسلمين على غير ذلك فقال: أنا وهم كلّنا على الصواب، فإذا دان بترك السنن والفريضة في جماعة برئ منه.
ومن صلّى خلف العصر خالف السنّة، وركب المنهيّ عنه. ولا تُترك ولاية تارك لركعتي الظهر وسنّة المغرب والفجر، ويُبرأ من مضلّل لمصلّيها. وجاز الوتر بواحدة، ولا تُتّخذ عادة.
ابن محبوب: من قال المسلمون له: يقصّر المسافر إذا جاوز فرسخين فقبل منهم، ثمّ سافر ونسي، ولم يقصّر ومات فلا يُتولّى ولا يُعذر، ومن قبل رأيهم إلاّ في القصر أخذ فيه برأي المرجئة ولا يقصر إلاّ في السفر النائي وهو ثلاثة أيام فإنّه ليس منهم. وإن أصاب يد متوضّئ نجس وغسله ولم يُعد وضوءه وصلّى لم يُعذر بجهله، ولا يُؤمن هلاكه. أبو زيّاد: أترك ولايته ولا أبرأ منه. (1/159)
صفحة 152
فصل
أبو المؤثر: إن خرج أحمد ومحمّد وعبد الله مثلا في حاجة لهم جاوزوا ثلاثين ألف ذراع قصّر أحمد ومحمّد وأتمّ عبد الله فعند أربعين ألف ذراع قصّروا معا، فتولّى أحمد عبد الله وتولاّه عبد الله، فقال لهما محمّد: [63] أنتما تدينان أنّ القصر على فرسخين فأنعما، فقال لهما: أليس أنّهما أربعة وعشرون ألف ذراع؟ قالا: بلى، قال لهما: فلِمَ فعلتما هذا؟ قالا: أدركنا أشياخنا يقصّرون وأتممنا حيث رأيناهم يتمّون، ونحن نتولاّهم، فقال لهما: إنّكم تدينون بالقصر على فرسخين، ولا تختلفون في عمران قريتكم.
الجواب: إنّه لا خلاف بينهم في وجوبه على من جاوزهما من عمران بلدهما، فمن أتمّ بعد أن جاوزهما أعاد صلاته، ومن دان بمخالفتهم فيه خرج من الإسلام، وينبغي للثلاثة أن يعترفوا بصواب من قصّر على الفرسخين، ويرجعوا إلى قوله وإلاّ نُصحوا، فإن احتجّوا برأي المشائخ مع إقرارهم بدينهم فهم على ولايتهم، وفي ذلك الكلام تأمّل. ومن نُهي عن تنفّله بعد الفجر والعصر فقال: لا يعذّبني الله على الصلاة، قيل له: إنَّه (47) يعذّبك على خلاف السنّة.
فصل
من رجع إلى المبتدعة كالمرجئة بُرئ منه وفورق. ومن شكّ في الأحداث المشهورة بين الأمّة المكفّرة لأهلها بالدين ولم يتولّهم، ولا من تبرّأ منهم، ولا من تولاّه لم يسعه شكّه، وهو الذي لا يجوز ولا أن يتولّى من تولاّهم ويبرأ ممّن برئ منهم، لأنّه قول الحشوية، لأنّ الوقوف عن الجميع وقوف عن محقّ، ومن تولّى الكلّ فقد تولّى مبطلا. (1/160)
صفحة 153
ووقوف من علم بالأحداث لا الحكم فيها وقوف سؤال دائنا بولاية المسلمين على ما دانوا به في الأحداث، وليس على من لم يعلم بها ولا سمع علم الغيب حتّى يُحتجّ عليه. ووقوف الدين وقوفه عمّن لا يعلمه بخير أو شرّ حتّى يحتجّ عليه أيضا، وهو الوقوف عن كلّ من لم يعلم حاله على اعتقاد ولاية المحقّ، وخلع المبطل مع الديانة بولاية كلّ مسلم وبراءة كلّ كافر، وما أحقّ بالتعزيز من قال لمسلم: يا سفل، لأنّ السفلة من عصى الله، وذووا الأخلاق الدنيئة والأفعال النازلة القدر، ويستتاب وإلاّ تركت ولايته.
ابن محبوب: من قال: إن كان سفلة فامرأته طالق، فلا تُطلّق.
أبو سعيد: إن قال له: ياقذر، يا وسخ كان شتما إن لم يُظهره بأن قال: نويت ذلك في بدنه أو ثيابه، ولا يُعذر إن قال في أخلاقه، ويُستتاب فإن أصرّ فلا أتولاّه.
فصل
من قال: لا أرضى بالذي عليه المسلمون بُرئ منه.
أبو سعيد: من علم من أحد كبيرا لا الحكم فيه، فقيل: يلزمه السؤال عنه، وقيل: إن كان وليّا، وقيل: لا مطلقا. وقيل: يُعذر من جهل فرض الولاية والبراءة ما لم يتولّ كافرا، أو يبرأ من مسلم، فمن لم يبصرهما ويرى ما يعمله الناس ويقولون، ولا يعلم حقّه وباطله، وحلاله وحرامه فليس له أن يتولّى ويبرأ حتّى يعرف (48) الموافقة والمخالفة، فمن تقدّمت ولايته فرأيته يفعل ويقول ما لا تعرفه فهو عليها حتّى تعلمه يقول ما لا يحلّ أو ارتكبه، ولا يسعك اتّباعه في ذلك.
وإن رأيته يأكل دابّة لا تعرفها لم يحلّ لك أكلها ولو تولّيته حتّى تعرفها، وإن كانت كخنزير هلك آكلها، وقيل: أتولّى آكلها، ولا يحلّ لي أكلها حتّى أعلم ما هي.
وكذا إن رأيتَه يأكل الربا لم يسعك أكله، وكان على ولايته حتّى تعلمه ربى، وإن أكلته قبل العلم ووافقته هلكت. (1/161)
صفحة 154
وكذا من رأى إماما أو قاضيا يحكم بخلاف الحقّ ولا يعلمه، يتولاّه حتّى يعلمه، وقيل: يهلك، ولا يسعه جهل فعله في الكلّ، واختير أنّ الفاعل هالك، والمتولّى له سالم، لأنّه يسعه جهل فعل غيره.
أبو مالك: من دُفع إليه [64] شراب لا يعرفه، فسأل عنه عدلا فقال إنّه حلال، فشربه فوافقه خمرا لم يهلك، لأنّ العدل حجّة له، وقال الفضل: يهلك، لأنّ الواحد ليس بحجّة.
أبو المؤثر: من وجد دابّة تُذبح، فسأل عنها فقيل هي بقرة، فأكل منها فإذا هي خنزير لم يهلك، لأنّه أكلها بحجّة، وهي إخبار المسلم له. وأهل القبلة حجّة في ذلك لاعتقادهم تحريمه.
أبو سعيد: من عاين وليّه يشرب خمرا وقد جهلها والحكمَ فيها، لم يجز له أن يتولاّه قطعا، وقيل: يتولاّه برأي، وقيل: يبقيه على ما عليه، ويعتقد فيه براءة الشريطة. (1/162)
صفحة 155
الباب الرابع عشر
في ولاية من يبرأ من الأولياء وبراءته
فمن سمع وليّه يبرأ من رجل غير وليّ له، أحسن به الظنّ وأبقاه عليها، ولا يحكم على الرجل بشيء، وإن جاء وليّ له آخر فأظهر ولاية الرجل كان على أصله أيضا من غير حكم في ولايته للرجل، إن كان عاميا وليس من أهل الأحداث المكفّرة.
وقيل لأبي المؤثر: ما تقول في وليّ لي ولك (49)، فقلت إنّه فاسق، فبرأت أنت منه تبعا لي أو بشهادتي؟ قال: أخطأت السنّة.
وإن علمت من وليّك زنى وشرب الخمر ونحوهما ثمّ سمعته يستغفر من كلّ ذنب رجع إلى ولايته، ولو لم تستتبه، لأنّه لا يدين أحد بحلّيّة ذلك.
أبو سعيد: من برأ من وليّ لرجل قدّامه ولا يعلمه وليّا له، واحتمل أنّه برأ منه بحقّ لم يكن قاذفا له، ولكن ينكر عليه إن قدر، وإن لم ينكر لم يضق عليه لقيام الاِحتمال، وإن كان المتبرّئ ممّن وجبت ولايته على أهل الدار، وعلم الرجل ذلك، مُنع من إظهار البراءة فيها وعند أهلها، قال: ولعلّه يلحقها اسم القذف عند من أظهرها عنده.
ومن سمعته من وراء جدار يبرأ من وليّ وعرفت صوته، فليس لك أن تبرأ منه حتّى تعاين شخصه، وكذا إن سمعته يتكلّم بما يكفّر به. (1/163)
صفحة 156
الباب الخامس عشر
في ولاية المشركين وأطفالهم، وأطفال المسلمين، والعصاة، وإبليس لعنه الله
ومن علم الله أنّه يؤمن ويموت على الولاية -فقيل- هو عدوّ لله وفي غضبه، لأنّه بشركه يحلّ قتله، وقيل: وليّ له يوم خلقه ومن سكّان جنانه، وعلمه لا يتحوّل، وقيل: وليّ لا يُوالى، وعدوّا لا يُعادى، وسيكون كما علم الله، لأنّ الوعيد متوجّه إلى من يموت كافرا.
أبو عبيدة: لا يتولّى الله مشركا علمه من السعداء حتّى يؤمن، والطفل إن أسلم أبوه وصلح، تبعه في الولاية، وتُزال عنه إذا بلغ حتّى يظهر حاله، وإن لم يسلم أبوه فقد جاء فيه حديثان، ورد خبر: «أن أطفال المشركين خدم لأهل الجنّة»، وآخر أنّ خديجة -رضي الله عنها- سألت النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- عن أولادها منه؟ فقال: ((هم في الجنّة))، وعن أولادها من غيره؟ فقال: ((هم في النار))؛ والمختار الوقف لتعارض الخبرين، وأمرهم إلى الله، ويسعنا جهل ذلك، وكذا حكم أطفال المنافقين.
وأمّا أطفال المسلمين فملحقون بآبائهم في ولايتهم لورود التنزيل فيهم دون غيرهم.
وقال الفضل: ليس يقع على ولد المسلم منه وقف [56] إذا بلغ ولم يُر منه ما يكرهه، بل هو في الولاية معه، وإنّما يقع على ولد غيره، والمجنون إن سبقت ولايته ثمّ جنّ فهو عليها، ولا يُتولّى الأعجم ولو يصلّي ويصوم.
أبو زيّاد: كتبت أنا وأبو جعفر في صبيّ أمه في الولاية أنّه يُترحّم عليه، فقرأ أبو علي الكتاب فلم يغيّره، وقيل: العبرة بالأب لا بها. (1/164)
صفحة 157
فصل
من تولّى إبليس على كفره بلا حجّة له في الإسلام بُرئ منه، وإن سبقت له ولاية في الظاهر (50)، ثمَّ عُلم منه أنّه يتولاّه، ولم يعلم بأيّ وجه، فهو عليها حتّى يُعلم أنّه تولاّه بغير حقّ، أو يحتجّ عليه بما يقطع عذره في ولايته له؛ فإن قيل: لا تسع ولايته لأنّه لم تكن له منذ خلق آدم، ولم يصحّ اسمه إبليس إلاّ مع كفره، قلنا: هما في حكم الله سواء.
وكُره أن يكثر معارضة الضعفاء بمثل هذه الدقائق، وأن يقال: ليس كلّ من لم تجب له ولاية في علم الله حرمت في علم العباد في الظاهر، ولا كلّ من تجب له في علم بعض حرمت في الظاهر على جميعهم، ولا كلّ من وجبت له على بعض زالت على كلّهم، ولا كلّ من وجبت له عند الله حرمت عند العباد، ولا كلّ من وجبت له على بعض حرمت عداوته عند جميعهم، ولا وجبت عليهم، وإنّما أحكام الولاية والبراءة جارية على أحكام الدعاوي لا على أحكام البدع، ولم يكلّف العباد في أحكامهما في معين حكما واحدا، وكلّ أحد فيها في معين خاصّ بعلمه لا يلزمه فيه علم غيره، ولا أعلم أحد حجّة على غيره، وإنّما على كلّ من علم أحكامهما في شخص ما قامت عليه، وله الحجّة فيه.
ومن خصّه الله بحكم بولاية من وجبت عداوته عنده تعالى وفي علم عامّة خلقه هلك بتضييع ما خصّه به من ولاية عدوّه، هذا في حكم ما تعبّد به، وإبليس اللعين من خلقه، وكلّهم في حكم الدين سواء، وكذا في حكم البراءة، وعليك بالتأمّل في ذلك. (1/165)
صفحة 158
الباب السادس عشر
في البراءة بالأموال وبالقذف (51)
فمن رأى من ينظر منازل الناس أو يدخلها بلا إذن فليستتبه، فإن تاب وإلاّ برأ منه، وإن دخلها بقهر عليهم برأ منه في حينه. وإن ادّعى وليّ حقّه على أحد أو أخذ مال منه فعليه البيان فهما على ولايتهما.
ومن رأى وليّه أخذ ثوبا من أحد وكلٌّ يدّعيه قبل قول من كان بيده، وعلى الوليّ ردّه بيده، فإن أبى كان ظالما حتّى يصحّ ما ادّعاه، وليس له أخذه بيده، فإن ردّه وتاب فعلى ولايته، وإلاّ برأ منه.
وإن تنازعاه وليّان وكان في أيديهما معا وكلّ يدّعيه، فهما على ولايتهما حتّى يصحّ الظالم منهما، وعليهما البيان، فإن برأ أحد منهما من صاحبه برأ منه، وإن تبارءا فالبادئ ظالم.
ومن أعطاه وليّه شيئا ممّا أخذه من أموال غيره، فلا يأكله حتّى تصحّ إباحته له. وإن رءاه يبيع مالا لوليّ آخر بحضرته ويدّعيه أنّه له وربّه يسمعه ويراه، ولم يغيّر عليه في المجلس ثمّ أنكر بعده، رُدّ إنكاره وثبت بيعه عليه وهما بحالهما لاحتمال أنّ المال انتقل إليه بوجه ونسيه الأوّل فأنكر عليه، وإن باعه ولم يدّعيه لنفسه، ولم يغيّر عليه ربّه هناك ثمّ غيّر، قُبل منه إذ له أن يغيّر ما لم يصحّ انتقاله إلى البائع، وإن بوكالة على بيعه أو ارتهان له.
وإن شهد وليّان على وليّهما في مال بيده ورثه أنّه لفلان، [66] حُكم له به وكانا على ولايتهما عند من شهدا عليه. وإن شهدا على نخلة بيده فسلها في ماله أنّها حرام أو لرجل كانا حجّة عليه، ولا يحلّ له أكلها وكانا على ولايتهما عنده، وإن ردّ قولهما وأكلها استتيب، فإن تاب وتركها وإلاّ بُرئ منه. (1/166)
صفحة 159
وإن شهد عليه أنّه طلّق زوجته عند الحاكم وفرّق بينهما وعنده أنّه لم يطلّقها مضى عليه الحكم بالطلاق، وإن علمهما شهدا عليه زورا كانت زوجته باطنا، ولا يحلّ له إظهار ملاقاتها عند من يتولاّهما.
والفرق بين المال والزوجة أنّه يمكن زواله من ربّه، والزوجة طلاقها بيد الزوج ويقع من لسانه، ولا يُقبل قولهما عند نفسه ولو ثبت عليه الحكم.
وإن شهد عدلان على وليّ أنّ لفلان عليه ديْنا فأنكر وقال الطالب: إنّ لي عليه كذا وكذا، فلا يحكم له بشيء إن لم يعرفا كميّته، وكان على ولايته.
وإن شهدا أنّ عليه لفلان نصيبا في نخلة لا يدري أيضا، فليس عليه شيء إذ لم يبيّناه، ولم يقرّ هو به فهو عليها أيضا، ولا يُبرأ ممّن رُئي ناقبا بيت غيره ولو رفع منه متاعا إن لم يعلم باطله، لأنّ إحسان الظنّ بالوليّ واجب.
فصل
ابن بركة: إن مات وليّ وعليه ديْن، وأوصى به ولم يخلف وفاء به، فقيل: إن أخذه ليقوِّت به نفسه وعياله باقتصاد (52) ولم يزل مجتهدا في طلب قضائه حتّى مات، كان على ولايته، ونرجو الله أن يقضيه عنه ويعفو عنه.
أبو زيّاد: من غصب من أحد شيئا فلمّا احتضر أوصى به إلى مسلم ودفعه إليه وأشهد به شهودا فمات ولم يدفعه الوصيّ لربّه، فهو على ولايته وذلك منه توبة، وصوّبه هاشم.
ومن دفع إلى رجل سلعة وقال له: إنّها للمسلمين فباعها وأكلها مستغنيا عنها وهو منهم، ومات ولم يوص بها، فإن كانت ممّا بأيديهم جاز له أكلها إن لم تكن زكاة ولم يتأهّل لها، وإن كانت ممّا أوصى به لهم على التنصّل فذلك لفقرائهم، فإن (1/167)
صفحة 160
كان فقيرا جاز له، وإلاّ فلا، ولا تُترك ولايته حتّى يُسمع قوله، فإن وُجد له مخرجا قُبل منه، وإلاّ بُرئ منه، وإن أشكل أمره وُقف عنه إن لم يتب، ولا يبرأ منه بعد موته.
وإن قذف وليّ موحّدا بزنى بُرئ منه إن لم يتب أو يأتي بأربعة شهود، وإن قذف به عبدا أو أمة بُرئ منه أيضا، وقيل: إن كان وليّا؛ ولا يجب على قاذف المملوك حدّ. (1/168)
صفحة 161
الباب السابع عشر
في البراءة بنظر الفروج وركوبها وإظهارها
فمن رُئي يجامع امرأة وقال: زوجتي أو سريّتي قُبل قوله ولا يُساء به الظنّ حتّى يصحّ الزنا.
ومن دخل نهرا يغتسل فيه عريانا ويمرّ الناس عليه، وُقف عنه ويُستتاب، وإن ألقى ثيابه بحضرتهم ودخله بُرئ منه أوّلا.
وإن ادّعت امرأة على زوجها الطلاق فانكر وحلف كان على ولايته إن سبقت، وإن ادّعت عليه أنّه أخذ لها مالا أو منعها واجبا لها عليه، أو أساء إليها، رُدّ قولها وكان عليها حتّى يصحّ دعواها.
ومن اعتزل زوجته ولم يعلم أنّه طلّقها وادّعته عليه ولم يغيِّر وانقضى عدّتها فتزوّجت برجل، فهما على ولايتهما إن سبقت ما لم ينكر الأوّل، فإن أنكر فالأحكام بينهما، وإن ادّعته بحضرته ومسمعه ولم ينكر فتركها حتّى تزوّجت ثمّ هو يُنكر، [67] لم يُنصت إليه، وإن لم يقرّ بالطلاق ولا ادّعته بمسمعه فتزوّجت وأنكره عليها، فهو زوجها وبينهما الترافع. وإن علم الأخير أنّ لها زوجا فتزوّجها، ولم يعلم بطلاقها بُرئ منه، وإن علم به بعد اعتزالها (53) وتاب.
ومن كشف عورته قدّام من ينظره، لُعن إن تعمّده.
ومن وطئ زوجته في دبرها عمدا ولم يتب بُرئ منه لما رُوي: ((اشتدّ غضب الله على من وطئ امرأته في دبرها عمدا))، ومن طلّقها ثلاثا ثمّ راجعها قبل أن تتزوّج غيره هلكا معا إن مسّها، ولا حدّ عليهما. ومن صلّى بلا طهارة من غير عذر وفات الوقت هلك. (1/169)
صفحة 162
فصل
أبو زيّاد: من زنا بامرأة ثمّ بان منهما صلاح بينهما فلا يتولاّهما غيرهما ولا فيما بينهما؛ وقال علي بن عرزة: يتولّيان بينهما، وكذا قال الخراساني، وابن محبوب، وعندي أنّ غيرهما يتولاّهما أيضا إن بان صلاحهما، وإلاّ فما دليل أبي زيّاد! ومن أقرّ عندهم أنّه تزوّج فلانة وهم يعلمونها أخته، فهم على ولايتهم له، ولعلّه لا يعلم ما علموه.
هاشم: من نكح محدودة بجهل ثمّ تاب قُبلت توبته، وإن أقام عليها بعد الحجّة عليه والأمر بفراقها بُرئ منه وأُجبر عليه.
أبو سعيد: وجب على رجل وامرأة (54) زنيا أن يُتبرّأ بينهما إذا عرفا أنّ الزنا كفر، وإلاّ وكانا محرِّمين له فمالم يثبتا إيمانا لبعضهم بعضا فهما سالمان.
وقيل: إن أبرزت امرأة يديها غير الكفّين تبرّجت تبرّج الجاهلية، وتعدّت النهي، فإن لم تتب بُرئ منها، وكذا الكعبين فصاعدا؛ ولا يحلّ لرجل أن تبرز له ما عدا الكفّين والكعبين بعمد بعد العلم بتحريم ذلك.
وإن توضّأت في فلج على جانب الطريق ولا ستر عليها، فلا يُبرّأ منها إلاّ إن أبت أن تتوب، أو يُعلم أنّها تعمّدت بلا عذر. إذا جاز للمرء أن ينظر يمينا وشمالا فإن رأى أحدا وإلاّ فكأنّه يقضي حاجته. والخطأ في الولاية أهون منه في البراءة.
فصل
من تعمّد زنى بامرأة فخرجت زوجته، أو صلاة بنجس فخرج طاهرا، أو خمرا فخرج خلاّ، أو قتل أحدا ظلما فخرج قاتل وليّه، أو سيرا مع باغية يقاتل معها فخرجت محقّة، أو ذبح مسروقة فإذا هي له أو بيع حرّ فإذا هو رقيق، أو نحو ذلك، لزمته التوبة، فإن مات قبلها فلا ولاية له. (1/170)
صفحة 163
الباب الثامن عشر
في ضروب من الولاية والبراءة
فمن علم من أبيه أنّه لا يؤدّي زكاة ماله، وهي أكثر ممّا أوصى به عنها، فله أن يستغفر له إذا تاب لاحتمال نسيانه لبعضها، أو أنّه أدّاه ولا علم لولده به.
ومن أسرف على نفسه، وأوصى عند احتضاره على ما قال له من حضره لا بجميع ما عليه لقلّة معرفته به أو نسيانه ووارثه يعلم ذلك بعد موته، فله أن يتولاّه إذا علم منه التديّن بالخلاص منه والتوبة، ويُعذر بنسيانه.
ومن تولّى من لا تجوز له ولايته بجهل، ولم تقم عليه حجّة، فقد جاء الترخيص فيمن يسمع بعضا بل أحدا أنّه يتولاّه ويترحّم عليه ما لم تقم عليه.
ومن تخلّص من كلّ ما عليه ونسي بعضه ولا يعلم أنّه أدّاه أم لا، فبعد موته أدّاه عنه وارثه لم يهلك به.
ومن حلف بالله أو بالطلاق أنّه من أهل الجنّة وقد توضّأ حنث وفسد وضوءه، وإن قال: ليس في الدنيا خير منه، كذب وأثم وانتقض وضوءه وصيامه.
ومن سُئل عن مذهبه في دار خاف [68] فيها (55) على نفسه إن أظهره، فله أن يُظهر غيره ولا يأثم بكذبه لطلب نجاته.
ومن اعتقد -قيل- أنّ عيسى أفضل من محمّد -صلّى الله عليه وسلّم-، ولم يشكّ في نبوءته ولا في رسالته ولا فيما جاء به من عند الله، فلا تُردّ شهادته ولا تسقط ولايته.
وقيل: البراءة وحدّ السيف سواء؛ وشتم المسلم كقتله، وكذا سبابه.
ومن أعطى بعض أولاده دون بعض -قال ابن محبوب-: لا تُترك ولايته. وإن بان بوليّة لا زوج لها حمل، فسُئلت عنه فقالت: والله لا أدري من حيث أوتيته، فإن (1/171)
صفحة 164
اعتلّت بما يُبتلى به الناس كإتيان في نوم أو إغماء، قُبل منها إن لم تُسترب، وبذلك يُدرأ عنها الحدّ.
ويُبرأ ممّن تعمّد بيع حرّ، فإن تاب واجتهد في فكاكه قُبلت منه، فإن قدر وفكّه فذلك وإلاّ أدّى ديّته لوليّه وأعتق رقبة.
وبغى وهلك (56) من لطم خدّا ظلما، (57) من ذكر نبيئنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- بمنقص، أو استخفّ بحقّه كفر إن لم يتب.
ومن قال لمشرك أو منافق: اللهمّ أصلحه، فلا عليه.
ومن ابتدع ودعا إلى بدعته وأضلَّ بها وحارب عليها وقتل كثيرا، فعليه أن يظهر التوبة ويدعوا إليها من أضلّه ويعلمه أنّه كان داعيا إلى الضلال، ويدين بأنّ ما عليه أهل الدعوة هو الدين الذي أمر الله به عباده، وتعبّدهم به.
فصل
لا بأس في جلوس مع قوم يضحكون في غير مأتم عند المزح، فإذا لهوا بباطل وضحكوا معه لم يجز لمُجالسهم قعوده إلاّ إن قُهر عليه.
ويُكره لرجل أن يتختّم بخاتمين أو أكثر، ولا يُخرجه من ولايته، وأن يعتم بلا تلحّ، وهو أن يطوّق عمامته على حلقه، وهو مندوب ليخالف به أهل الذمّة. (1/172)
صفحة 165
الباب التاسع عشر
في الذنوب والتوبة منها
وقد اختلف أهل صُحار فيمن يعمل الحسنات والسيّئات، فقيل: تُحصى عليه، فإذا مات نظر أيّهما أكثر فيُجازى به، وقيل: إذا عمل حسنة ثمّ سيّئة، محت السيّئة الحسنة؛ ثمّ سأل بعضهم هاشما عن ذلك، فقال له: كفّوا عن هذا، فقد وقع بصُحار وكتبوا إلينا، فلم نُجبهم، وعن هذا ومثله تقع الفرقة.
وسُئل الفضل عن مصرٍّ مات، هل تثبت له حسناته حال إصراره؟ قال: سألت عن ذلك سعيد بن محرز فقال: نظرت أنا وأبو عبد الله فيمن يعمل الحسنات ثمّ يكفر ثمّ يتوب، فافترقنا واجتمعنا على أن لا يضيع له ذلك عند الله؛ فقيل للفضل: فما عمله من حسنات حال إصراره؟ فقال: {إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ المُتَّقِينَ} (سورة المائدة: 27) والله أعلم.
ابن محبوب: إذا تاب ردّ الله إليه صالح عمله. أبو المؤثر: إنّما يتولّى على الخواتم، فمن ختم عمله بخير وتوبة تولّيناه، ولا يُضره ما سبق من كثرة ذنوبه، فمن ختمه بالنكث والإصرار وانتحال الباطل دينا، خلعناه ولا ينتفع بماضي حسناته، لأنّ الحسنات يُذهبن السيّئات وبالعكس، فعلمنا من قوله تعالى: {يَأَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيءِ} الآية (سورة الحجرات: 2)، أنّ الأعمال يحبطها أيسرها.
ومن عمل لجائر وجاء له بالخراج من الناس، وحبسهم عليه وضربهم، [69] وحارب معهم حيث لا يجوز له، بقتل وسلب، فتوبته الترك لذلك، والإقلاع منه (58)، والاِستغفار، والندم، وردّ المظالم، والخروج إلى كلّ ذي حقّ من حقّه، فما تلفه هو أو دفعه إلى الجائر، أو تلف في يده من قِبل غيره، فعليه ثمنه على ما قال به أهل العدل، وإن اختلفوا في القيمة وفي صفة الشيء فالقول فيهما قوله، وما باعه بأقلّ من ثمنه، (1/173)
صفحة 166
فلربّه عليه قيمة ما يسوى وما هو أوفر، وكذا فيما استغلّ وفيما ربح، وما تناسل عنده فضمان كلّ ذلك عليه ولو زال من يده ما لم يصل أهله أو يبرئوه منه، وإلاّ سعى في أدائه بما أمكنه، وإن لم يعرفهم وجعل قيمتها في بيت المال أو تصدّق بها وأشهد به، فإن جاء طالب لها (59) وصحّت له خُيّر بين أجره وغرمها له. وإن نسي بعضها احتاط بما رأى أو بأكثر، فهذا توبة من ركب ما يضمن على التحريم أو الجهل به، وقد بلغت الدعوة وقامت الحجّة وانقطع العذر، فلا جهل ولا تجاهل في الإسلام.
فصل
يكفَّر صاحب الصغائر بالإصرار عليها لا بركوبها، كالدفعة لا بعنف والركضة والكذبة والنظرة الأولى والهمّ بمعصية والرضا بها والأمر بها ما لم تُفعل، فما كان على المرء من حقّ لأحد أدّاه إليه أو استحلّه منه ويتوب ممّا لله عليه، وتُرجى له مغفرته ولو نسي بعض ذلك.
ومن الصغائر -قيل- أخذ حبّة أو حطبة أو خلال أو نباتة من مال الغير، ولبس ثوبه وركوب دابّته واستعمال خادمه يسيرا أو معارٍ بغير ما استعير له، ووطء في حرثه وقعود على سريره أو حصيره، أو كتابة من دواته وبقلمه، وقطعة قرطاس له، أو سقي بدلوه وزجر على دابّته، وشرب من إنائه بلا إذنه، وعليه التخلّص من ذلك إن لم يكن بإدلال عُرف مع أخ في الله أو بنسب أو صديق أو أهل إن علم أنّه يسرُّه ذلك، ولا يحتشم هو إن وجده يفعله.
ونرجو من مولانا مغفرتها مع عدم الإصرار والكبائر، ولا نأمن عقابه، فالفرض علينا حسن الظنّ به، وجميل الرجاء فيه أن يغفرها لتائب منها، وأن تكون من اللَّمَم. ابن محبوب: هو ما دون الكبائر، كالغمزة واللمزة والنظرة، وما دين بالتوبة منه. (1/174)
صفحة 167
فصل
من الكبائر ترك مفروض لا حقّ فيه لعبد، كالصلاة والصوم بلا عذر، فالتوبة منه الكفارة والبدل والندم والاِستغفار، فمن تاب منه ولم يبدّله تسويفا أو جهلا حتّى مات، هلك إن لم يتأهّب للبدل (60) ففُجئ بالموت، وإن أبدل وتاب ولم يكفّر كذلك أو نسيانا، فلا نقول بهلاكه.
ومن زنى، أو غنّى، أو ناح، أو قاد، أو وشم أوّله، أو فلج أسنانه، أو وصل بشعر إنسان، أو لعب بملاه، فتوبته إن أخذ شيئا على ذلك الردّ لربّه، وغرم مثله للفقراء إن أعطاه مع الندم وإلاّ أجزته.
والمأمور بفعل إن كان صبيا أو عبدا للآمر، فضمانه على الأمر له، وإن كان بالغا وأقرّ بالفعل فهو عليه، وإن أنكر فعلى الآمر، وإنّما يلزمه إذا بيّن عليه الأمر، أو عوين منه، لا إن أقرّ به المأمور.
[70] وإن اجتمع قوم على ضرب أحد، فضربه أحدهم وندم آخر ولم يضربه ولم يأمر به أجزته التوبة من نواه، وإن أمر به وأقرّ الضارب به لزمه الأرش، وآمره التوبة والأرش أيضا إن أنكر الضارب. وتوبة القاتل أن يقيّد نادما، تائبا إن لم تُقبل منه الديّة، ثمّ يعتق موحّدة، وإن لم يكن لقتيله عاصب ولا راحم أعطاه للفقراء، ثمّ إن بان بعده خيّره بينها وبين القِوَد.
فصل
ومن توانا عن التوبة حتّى نسي ما عليه لغيره، لم يُعذر ولو نواها إذ سوّف ونسي.
ومن أصرّ على حقّ لأحد حتّى مات مصرّا لم ينفعه ما أُدّي عنه بعد، ولا يظهر توبته من ذنب كان بينه وبين الله إن لم يظهر عنه. (1/175)
صفحة 168
ومن ركب موجب ضمان لأحد على استحلال له، فتوبته تركه والتحوّل عنه، والتوبة النصوح والأداء لما عليه إن قام بيده، وإلاّ فبدله أو قيمته أو مثله؛ وإن ركبه محرّما لعلمه والمعمول له مستحلاّ له، فالضمان على العامل، وفي العكس على المعمول له.
ومن لزمه حقّ لعبد أو حدّ لله، فامتنع منه وحارب عليه على استحلال ثمّ عرف الحقّ وتاب، فعليه أداؤه، ولا يوضع عنه، والاِنقياد حتّى يُنصف منه ويوضع عنه ما أصاب في محاربته إن دان بذلك.
أبو عبد الله: من (61) أصل ديننا أنّ من ظلم قدْر حبّة فما فوقها فهو كافر، وأقذر الذنوب ظلم المرأة صداقها، والأجير أجرته، والظلم كلّه عند الله عظيم.
فصل
من الكبائر ضرب الطنبور ونحوها، والدفّ إن غنِّي عليه، وكلّ ما فيه حدّ عاجل أو وعيد آجل.
وقيل: ليس فيما يُعصى الله به صغير، ومن تعمّد فعلا عالما أنّه لا يحلّ له ذاكرا، فليس بصغير فعله، ومنها اللطمة عند الأكثر، والكذبة إن أتلفت نفسا أو مالا، وإلاّ فصغيرة، وقيل: كبيرة مطلقا.
أبو عبد الله: يثاب الفاسق على ما فعل من خير وقت فسقه إن مات تائبا منه، وقال بشير: لا يثاب المصرّ على فعله الخير وقت إصراره، ولا تضر الخطيئة إذا خفيت -قيل- إلاّ صاحبها، وإذا أُظهرت أضرّت بالعامّة إن لم يغيّروا.
وإذا أراد الله بعبد خيرا عجّل عقوبة ذنبه. وقيل: ضاحك معترف به، خير من باك مدلّ على ربّه؛ ولا يأمن زوال نعمة، أو حلول نقمة، أو تعجيل فناء راكب المعصية. ورُوي: ((اشتدّ غضب الله على من ستر عليه ذنبا فأفشاه)). (1/176)
صفحة 169
ومن تاب من كبير رُدّ عليه صالح عمله، وقيل: يُعوّض في مستقبل عمره، ويضاعف له في عمله إن صدقت توبته. ومن عصى طويلا ثمّ تاب مُحيت ذنوبه، وقُبل عمله إن صدقت.
بشير: من عمل صغيرا أو نوى أن يتوب منه غدا فهو مصرّ، وقيل: لا إن دان بالتوبة. ومن تاب وندم، فندمه إقلاع وتوبة. ومن أكثر إجلالا لله كان أرجى لقبول توبته. (1/177)
صفحة 170
الباب العشرون
في التوبة وفضلها
قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ} (سورة النساء: 17) يعني بعمد، وقيل: بعقوبة الذنب، وقيل: كلّ معصية فهي جهالة، وقيل: هي اختيار اللذّة الفانية على الباقية.
{ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ} أي من قبل أن تحيط السيّئات بالحسنات فتحبطها؛ وقيل: ما صحّ العبد قبل المرض [71] والموت، وقيل: قبل الموت، وقيل: قبل معاينة ملَك الموت؛ ورُوي: ((أنّ الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بيوم))، وفي رواية بنصفه، وفي آخري بضحوة، وفي أخرى أيضا ما لم يغرغر بنفسه.
والتوبة معناها الرجعة عن الذنب، وتصحّ بالندم والإقلاع والتدارك بممكن، والعزم على عدم العود.
فإن قيل: كيف يمكن لعبد أن يصبر على الذنوب وأنبياء الله تعالى -صلوات الله عليهم- وهم أشرف الخلق قد اختلف فيهم هل نالوا هذه الدرجة أم لا؟ قيل له: إنّه ممكن، لأنّه تعالى يختصّ برحمته من يشاء.
ومن قال: إنّما يمنعني من التوبة عليه بأنّي أعود إلى الذنب، لأنّ النفس من طبعها عدم الصبر عليه فلا أثبت على التوبة، قيل له: إنّ هذا من الغرور، لأنّه لا يأمن أن يُفاجأ به، فلعلّه يموت قبل أن يعود إلى الذنب، فإن ثبت عليها، وسلم من العقوبة (62) فبفضل الله وتوفيقه، فإن عاد إليه (63) فقد تاب ممّا سلف منه وتطهّر من أقذاره، وليس عليه إلاّ ما أحدثه بعد، وهذا ربح عظيم، فلا ينبغي للعبد أن يمنعه خوف العود، فإنّ التائب لا يخلو من الفائدة. (1/178)
صفحة 171
فصل
الذنوب ثلاثة: ترك مفروض، على تاركه قضاؤه؛ وفعل محرّم عليه كالزنا وشرب الخمر، عليه فيه ما مرّ من الندم وغيره؛ وتباعة للعبد وهي أصعبها وأشكلها، وتكون في نفس ومال وعرض وحرم ودين.
فالمال يجب ردّه لربّه ويجزي عنه الحلّ والإبراء؛ وفي النفس القِوَد أو الديّة أو العفو أو القصاص أو الأرش؛ وعليه في العِرض تكذيب نفسه فيما اغتابه فيه أو بهته وأن يستحلّه منه إن أمكن ولم يحسّ منه زيادة غضب أو هياج فتنة إن ظهر ذلك له.
وفي الحرم كالأهل والولد إن خانه فيهما أن يتضرّع فيه إلى ربّه ليرضيه عنه إذ لا وجه للاِستحلال فيها؛ وفي الدين إن أضلّ فيه أحدا أو نسبه إلى البدع، والبراءة أن يكذّب نفسه بين يديه ويستحلّه منه، فإن قدر عليه فعل وإلاّ ابتهل إلى الله أن يرضيه عنه أيضا.
وإن أمكنه إرضاء الخصم فعل، فإذا علم الله صدقه أرضى عنه خصمه، فإذا فعل ذلك خرج من ذنوبه، وإن حصل منه تصفية القلب لا قضاء الفوائت وإرضاء الخصم فالتباعات باقية والذنوب مغفورة، فمن قبل الله توبته أحبّه وكان في غاية القرب.
فعلى العبد أن يجتهد فعسى أن يسلم، ولا يأمن قساوة قلبه، فإنّه من الذنوب، وعلامته أنّه لا تجزعه ولا تقلقه، ولا ينزع لطاعة، ولا يحزن بمعصية ولا يتألّم منها. وروي: ((خياركم كلّ مُفْتَن توَّاب))، أي كثير الاِبتلاء بالذنب كثير التوبة منه.
فصل
ندب للتائب بعد تطهير قلبه والتخلّص من تباعاته أن يلازم ذكر ذنوبه، ويُكثر توبيخ نفسه، والتضرّع منها إلى ربّه، والاِبتهال إليه؛ وعلى المسلمين أن لا يردّوا التوبة على أهلها. (1/179)
صفحة 172
أبو عبد الله: مَن كلَّما أذنب تاب، وكان على ذلك إلى أن مات تائبا فليس بمقيم على الذنوب، وإنّما المقيم هو المصرّ عليها، ومن كان كذلك وقد تقدّمت ولايته فهو عليها، وعُلم قبول توبته وهلاكه عند الله، فإذا تاب وثبت عقله، وجاز إيصاؤه وإقراره رُجي له قبولها، فإذا تغرغر وصار لا يجوزان منه ثمّ تاب لم يرجع إلى ولايته.
ابن روح: لا يتعاظم عند الله ذنب مع صدق التوبة، [72] ولا يتصاغر عنده مع الإصرار، ولو أنّ رجلا ابتُلي بقتل ما لا يُحصى من الأنفس ظلما ثمّ علم الله منه صدقها والديانة بالتخلّص ثمّ مات قبله، لكان وليا.
أبو عبيدة: إن أصاب قوم أموالا ودماء ثمّ قال بعضهم لبعض: أصبنا ذلك برأي لا بدين، ثمّ قُتلوا عقِب قولهم قبل أن يُعلم منهم التخلّص، فهم في الولاية لاعترافهم، ولا يرى هلاك فاعل ذلك إن لم يجد وفاء وعُلم منه صدق التوبة لما رُوي: ((إنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
وعلينا أن لا نؤيِس طالبها من الرحمة، فكلّ دائن بحقوق الإسلام ديانة الصادقين فغير مصرّ ولو لم يوص بها لإمكان نسيانه أو عدم تمكّنه من الوصيّة؛ وتوبة النبّاش ردّ الثياب أو قيمتها في أكفان الموتى والتوبة، ويُروى: ((إذا تاب إليّ عبدي، أنسيت جوارحه ذنوبه والبقاع والحفظة حتّى لا يشهدوا عليه غدا)).
وعلامة التوبة النَّصوح قلّة الطعام والمنام والكلام، قال تعالى: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ} الآية (سورة الزمر: 54)، فالإنابة -قيل- الرجوع عن الغفلة إلى الذكر مع طهارة القلب، وقيل: إنابة القلب رجوع العبد إلى ربّه بنفسه وقلبه وروحه، وإنابة النفس اشتغالها بخدمة الربّ، وقيل: إنابة القلب تخليته ممّا سوى الله، وإنابة الروح دوام الذكر حتّى لا يذكر غيره، وقيل: معنى أنيبوا إلى ربّكم ارجعوا إليه بالتضرّع والدعاء، وفوّضوا الأمر إليه، وقيل: الإنابة تورث البهاء في الوجه، والنور في القلب، والقوّة في الجوارح، والأمن والعافية، والمحبّة في القلوب، وقيل: الإنابة أبلغ من التوبة. (1/180)
صفحة 173
فصل
تقدّم أنّه لا يُعذر متوان عن أداء ما عليه حتّى مات ناسيا له، وقيل: يُعذر لقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا} الآية (سورة آل عمران: 135)، قدمهم بالإصرار مع العلم لا مع النسيان، ولقوله أيضا حكاية: {لاَ تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا} الآية (سورة البقرة: 285)، وروي (64): «أنّ الله عفى عن أمّتي الخطأ والنسيان».
وعن التروايني: أحبّ أن أنسى ذنوبي. ومن أوعد معروفا ثمّ أخلف وقد وجده نافق، ومن أعجبه ما مُدح به أثم، ومن فرح بقبول كلمة تكلّمها نافق، ولا عليه إن فرح لقبول الحقّ. ومن نوى أن يعمل كبيرة فترك ولم يتب من نواه فمات هلك، وقيل: العزم على المعصية ليس بمعصية حتّى تُعمل، وهو على الطاعة طاعة. وروي: ((إنّ الله عفى عن أمّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تتكلّم به أو تعمل))، وقد ورد في فضل التوبة أخبار لا يحتملها مختصرنا. (1/181)
صفحة 174
الباب الحادي والعشرون
في تهذيب النفس وتقويمها
قال الله سبحانه: {وَالذِينَ تّوَفَّاهُمْ المَلاّئِكَةُ طَيِّبِينَ} الآية (سورة النحل: 32)، {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ} (سورة الزمر: 73)، {وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةٍ فِي جَنَّةِ عّدْنٍ} (سورة التوبة: 72)، فلا يسكنها إلاّ طيّب، لأنّ المصرّ أصرّ على خبث، فالعبد مطالب بأوصاف العبودية، كالتواضع والخوف والحذر، فإذا اتّصف بها [73] سلم من أوصاف الفراعنة والبهائم والجبابرة، كالكِبْر والخداع والمكر وكثرة الأكل والوِقاع، وخلص من مشابهتهم وصار إلى مقامات القرب، وأوصاف الروحانيين.
والطريق إلى هذا أن يملك العبد نفسه، فإن لم يملكها ملكته، فإذا أراد أن يقوى عليها ضعّفها بقطع أسباب هواها، وحبس مواد شهواتها، وإلاّ قويت عليه وصرعته.
فأوّل الملكة لها أن يحاسبها كلّ وقت، يراقب مطلوبها كلّ حين، ويقف عند كلّ همّ لها، فإن كان بالطاعة بادر إليه، وإن كان في غيرها أعرض عنه، فإنّ البركة في العمر القصير أن يدرك به من الفوز ما فات أهل الطويل، فخطرة من ذاكر بتسبيح ونحوه أفضل من أمثال الجبال من أعمال الغافلين.
وكلّ ليلة للعارف -قيل- كليلة القدر، فينبغي للعبد أن يتفكّر في قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (سورة النساء: 1) وأمثاله، فإذا تحقّق له (65) ذلك استفاد مقام المراقبة، وهو شريف أصله علم وحال، ثمّ يثمر حالين، أمّا العلم فهو معرفة أنّ الله سبحانه مطّلع عليه ناظر إليه، يرى جميع أعماله، ويسمع جميع أقواله، ويعلم كلّ ما يخطر على باله، وأمّا الحال فهو ملازمة هذا العلم للقلب بحيث يغلب عليه، ولا يغفل عنه، ولا يكفي العلم دون هذه الحال، فإذا حصلا أثمرا عند أصحاب اليمين (1/182)
صفحة 175
الحياء من الله تعالى وهو موجب بالضرورة، ترك المعاصي والجدّ في الطاعات، وكانت ثمرتها عند المقرّبين المشاهدة الموجبة للتعظيم، والإجلال لذي الجلال، وإلى هاتين التمرتين أشار الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- بقوله: ((الإحسان أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك)) (66)، إشارة إلى التمرة الثانية وهي المشاهدة الموجبة للتعظيم، كمن يشاهد ملِكا عظيما، فإنّه يعظِّمه إذ ذاك بالضرورة.
وقوله: ((فإن لم تكن تراه فإنّه يراك))، إشارة إلى الأولى، ومعناه إن لم تكن من أهل المشاهدة التي هي مقام المقرّبين فاعلم أنّه يراك، فكن من أهل الحياء الذي هو مقام أصحاب اليمين؛ فلمّا فسّر الإحسان أوّل مرّة بالمقام الأعلى رأى أنَّ كثيرا من الناس قد يعجزون عنه فنزل عنه إلى المقام الآخر.
واعلم أنّ المراقبة لا تستقيم حتّى تتقدّم قبلها المشارطة والمرابطة وتتأخر عنها المحاسبة والمعاقبة، فالمشارطة هي اشتراط العبد على نفسه التزام الطاعة وترك المعصية، والمرابطة هي معاهدة العبد لربّه على ذلك، ثمّ تكون بعدهما في أوّل الأمر المراقبة، وبعد ذلك يحاسب نفسه على ما اشترطه وعاهد به ربّه عليه، فإن وجدها أوفت بما عاهده به حمده، وإن وجدها حلّت عقد المشارطة ونقضت عهد المرابطة عاقبها بزجرها عن المعاودة إلى مثل ذلك، ثمّ عاد إلى المشارطة والمرابطة ويحافظ على المراقبة ثمَّ بالمحاسبة (67)، ثمّ يكون هكذا إلى أن يلقى مولاه -عزّ وعلا-.
فصل (68)
فمن فهم ما ذكرنا ندب له إذا نال نعمة أن يشكر، وإن أُصيب أن يستغفر، وإن وجد نفسه بحال المؤمنين استبشر، وإن وجدها بضدّها تاب وتذكّر وحزن على ذلك واعتذر، فيكون ساعة يناجي وساعة يحاسب وأخرى يفكّر في صنع الله، وساعة يخلو فيها لمباح له، فإنّه عون على تلك الساعات؛ فالعاقل يكون مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، عارفا لزمانه. (1/183)
صفحة 176
وقد اجتمع الخير -قيل- في أربع: الجوع، والصمت، والاِعتزال، والسهر، وبهنّ صار الأبدال أبدالا.
وقد حجب الناس بثلاث: حبّ الدرهم، وطلب الرئاسة، وطاعة النساء.
ويُروى: لا يصلح (69) العبد حتّى يستقيم قلبه، ولا يستقيم حتّى يستقيم لسانه، وأقلّ الورع في اللسان، وما استقام لسانه إلاّ صلح سائر عمله، ولا اختلف إلاّ عرف الفساد في عمله، وفي خبر: لا يموت أحد إلاّ بحسرة وندامة، إن كان مسيئا كيف لم يحسن، وإن كان محسنا كيف لم يزدد؛ وفيما ذكرناه كفاية. (1/184)
صفحة 177
الباب الثاني والعشرون
في الخواطر والوسواس والدلالة على طريق الاستقامة
قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجَورَهَا وَتَقْوَاهَا} (سورة الشمس: 7)، وهما -قيل- التوفيق والخذلان، لأنّه خلق التقوى في المؤمن، والفجور في الكافر، فسعدت نفس زكّاها وأصلحها، وخابت نفس أضلّها وأهلكها.
وكلّ قلب جمعت فيه ثلاث معان لم يفارقه خاطر اليقين، ولكن يضعف ويخفى لضعفها ودقّتها ويقوى اليقين وتظهر قوّته، لأنّ الثلاثة مكانه: أحدها الإيمان وموضعه من اليقين مكان حجر النار، الثاني العلم، ومكان موضعه الزنادة، والثالث العقل، وهو مكان الضياء والاِقتباس؛ فإذا اجتمعت الأسباب قدح خاطر اليقين في القلب، ومثل القلب في قوّة مدده مثل المصباح في القنديل، فالماء مكان العقل، والزيت موضع العلم وهو روح المصباح، وبمدده يظهر اليقين، والفتيلة مكان الإيمان منه وهي أصله وقوامه الذي يظهر بها، فعلى قدر قوّة الفتيلة وجودتها يقوى اليقين، ومثل الإيمان في قوّته بالورع وكماله بالخوف، وعلى قدر صفاء الزيت ورقّته واتّساعه تضيء النار التي هي اليقين؛ ومثل العلم في مدد الزهد وفقد الهوى، فصار العلم مكانا للتوحيد، فتمكّن الموحّد فيه على قدر المكان.
وقد قال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلاَهَ إِلاَّ هُوَ} (سورة محمد: 19)، {فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللهِ} الآية (سورة هود: 14)، فقدّم العلم على التوحيد، فكلّما اتّسع القلب بالعلم بالله سبحانه وزهد ازداد إيمانا وعلا، لأنّه يرى في علوّه ما لا يراه غيره ويعلم في اتّساعه ما لا يعلمه سواه فيكون زيادة في إيمانه ثمّ يشاهد (69) كلّ ما آمن به فيكون قوّة (70) يقينيه وسعة مشاهدته، فكلّما قصر علم القلب بالله -عزّ وعلا- (1/185)
صفحة 178
وبصفاته وأحكام ملكوته قلّ إيمان العبد (71) ثمّ يشاهد (72) ما آمن به من وراء حجاب لما [75] غلب عليه من حبّ الأسباب، فبحسب القرب والبعد والزيادة والنقصان، يتفاوت الإيمان كتفاوت ما بين العشرة إلى مائة ألف، فيكون إيمان قلب المؤمن معشار عشر عشر إيمان قلب الموقن، فأهل اليقين هم العارفون بالله -عزّ وعلا-. وفي الخبر: ((اِحذروا فراسة المؤمن، فإنّه بنور الله يبصر، وهو اليقين)).
فصل
تُرتيب الخواطر القادحة في القلب على ستّة معان: ثلاثة منها لا يؤاخذ بها، وثلاثة أخرى مطالب بها؛ فأوّلها الهمّ وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء يحسّه العبد كالبرق، فإن صرفه بالذكر اِنمحى وإن تركه بغفلة كان قطرة
وثانيها خطور العدوّ بالتزيين، وإن نفى الخاطر ذهب، وإن ونى عنه قوي فصار وسوسة وهو ثالثها؛ فهذه محدثات النفس للعدوّ وإصغاؤها إليه، وإن نفى الوسوسة بالذكر خنس العدوّ وضعفت النفس، فهذه الثلاثة لها مغفورة برحمة الله
فإن أطلق العبد النفس في مطالبة العدوّ بالمحادثة قويت الوسوسة وصارت عقدا في القلب ومركزا، فإن أبدل العبد نيّة لعمل الخير وتاب انحلّ العقد وزال المركز، وإن تهاون به صار عزما؛ فهذه الثلاثة مأخوذ بها العبد.
فإن تداركه مولاه بعد العزم بالعصمة، وإلاّ تمكّن وصار طلبا وسعيا، وكان من أعمال الجوارح، فما كان من نيّة فمكتوب له في الحسنات إن كان خيرا، وما كان من نيّة شرّ وعزم عليه فمؤاخذ به؛ فالنفس مجالسة للعدوّ، مؤاخية له؛ ثمّ إنّ أعمال الجوارح أعظم في الأجر والوزر.
وقيل: ما لاح في القلب من همّ بمعصية ولا يثبت فهو من نزغ العدوّ، وما فيه من هوى (1/186)
صفحة 179
ثابت فمن الأمّارة بالسوء، وما ورد عليه من همّ بخطيئة ووجد العبد فيه انقباضا، فالورود من قبل العدوّ والاِنقباض من قبل الإيمان، وما وجده وجدا من هوى بمعصية ثمّ ورد عليه المنع فالوجد من النفس والوارد المانع من الملك الملهم، وما وجده من فكر في العواقب وتدبير في الأمور فمن العقل، فما وجده من خوف أو حياء أو ورع أو زهد فمن الإيمان، وما شهده القلب من تعظيم وإجلال فمن اليقين وهو من نور الإيمان.
فصل
اِعلم أيّها الطالب لرضى الله أنّ الشيطان لا يرضى منك بغير هلاكك ودخولك النار معه، فلا مطمع فيه بمصالحة ولا لأمن منه ولا لغفلة عنك، قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ} الآية (سورة يس: 60)، {إِنَّ الشَّيْطّانَ لَكُمْ عَدُوٌّ} الآية (سورة فاطر: 6)، لأنّه مجبول على العداوة، منتصب للمحاربة ليله ونهاره، ومعه عليك أعوان منك، وهو فارغ لك وأنت عنه مشغول، ويراك ولا تراه، وتنساه ولا ينساك، فوجب الحذر منه، والاستعاذة من شرّه ومكره، ولا طاقة لمحاربته إلاّ بعون من الله وعصمته.
فإياك وفضول النظر فإنّه يزرع الشهوة، والاِستماع فإنّه يهيِّج الخواطر، والكلام يقع في القلب موقع الطعام في المعدة، فمنه الضارّ، ومنه النافع، ومنه الغِذاء، ومنه السمّ؛ [76] وقد يزول الطعام عنها ويبقى الكلام في القلب مدّة العمر، فإن كان سيّئا أتعبه وأورث القلب وساوس رديئة يحتاج إلى أن يعرض عن تذكّرها ويستعيد من شرّها، وإلاّ فلا يأمن أن توقعه في آفة. ولابدّ من حفظ اللسان، لأنّه أشدّ الأعضاء طغيانا، والنفس تحتمل الصوم في الحرّ، لا ترك كلمة فيما لا يعنيها. (1/187)
صفحة 180
الباب الثالث والعشرون
في أعمال القلب
فإنّ آفاته أربعة: الأمل، والعجلة، والكبْر، والحسد؛ فمن طول الأمل ترك الطاعة والكسل فيها، فالأمل قاطع عن كلّ خير، والطمع مانع من كلّ حقّ، والصبر صائر إلى كلّ ظفر، والنفس داعية إلى كلّ شرّ، ومنه التسويف في التوبة، وابتداء الحرص، والقسوة في القلب، والفتور عن العبادة، والنسيان للآخرة.
ومن الحسد إفساد الطاعات، والقياد إلى المعاصي، وتوريث الغمّ، وعمى القلب عن فهم الحكمة.
ومن العجلة المبادرة إلى نيل منزلة قبل وقتها، فربّما يُحرم منها بها، والإياس والفتور من الاِجتهاد في نيلها، فيعقبه الحرمان منها، والغلوّ في الأتعاب المؤدّي إلى الانقطاع عن نيْلها، فالعبد بين إفراط وتفريط بالاِستعجال؛ وقد رُوي: ((إنّ هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، فإنّ المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى)).
وربّما أكثر الدعاء في حاجة فيستعجل الإجابة قبل وقتها فيسأم ويتركه فيُحرم منها. ومن العجلة أن يُظلم فيعجّل بالدعاء على من ظلمه فيهلك به، قال الله سبحانه: {وَيَدْعُو الإنسان بِالشَّرِّ} الآية (سورة الإسراء: 11)، فمن لم يتأنّ في الأمور ولم يتوقّف فيها، فإنّه في الغالب يزِلّ.
ومن الكبْر حرمان الحقّ وعمى القلب عن المعرفة، قال تعالى: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي} الآية (سورة الأعراف: 146)؛ وفي الكبر الخزي والهوان، والمتكبّر -قيل- لا يخرج من الدنيا حتّى يُهان ولو عند خدمه، والحريص لا يخرج منها حتّى يحوج إلى كسرة أو شربة ولا يجد مساغا لها، ولا المختال حتّى يتمرّغ في بوله وقذره. (1/188)
صفحة 181
ومن تكبّر بغير حقّ، أورثه الله ذلاّ بحقّ، وعذّبه بالنار؛ فالكبر خاطر في رفع النفس، ضدّ التواضع، فتواضع العامّة الاكتفاء بالدون من الملبس والمسكن والمركب ونحوها، والخاصّةِ تقرير النفس على قبول الحقّ، والكبر ضدّ ذلك.
والبطن أكثر الأعضاء شغلا ومؤونة وأشدّها إصلاحا، لأنّه المنبع والمعدن، ومنه تهيج الأشياء في الأعضاء من قوّة وضعف وعفّة وجماع، فيجب أن يُصان عن الحرام والفضول، ولا يصلح لخدمة المولى إلاّ طاهر، فأكل الحرام محروم، وإن اتّفق له فعل خير فهو مردود، والفضول آفة العبادة؛ فمن كثرة الأكل قسوة القلب، وذهاب نوره، وتهيّج الأعضاء، فأفعال العبد وأقواله على حسب طعامه وشرابه.
وقيل: إنّ سكرات الموت على قدر لذّات الحياة، فاجتناب الحرام وهو ما كان مِلكا للغير واجب إلاّ بحقّ، والشبهة وهو المتردّد بين الحلال والحرام في الشُّبَه مستحبّ.
[77] ويكفي في الحذر من الدنيا ما يعاينه العاقل من فعلها بغيره، وفي الاِحتراز من الشيطان أنّه لم ينفع إن أُطيع، ولم يُضر إن عُصي، ففي مخالفته راحة وفي مخالطة الخلق إفك، إن وافقتهم أثمت وإن خالفتهم تعبت وكدروا عليك أمرك، فإن مدحوك خيف عليك من العُجب، وإن ذمّوك خيف عليك الحزن والغضب لغير الله.
والنفس أشدّ الجنود، فإنّها في الشهوة كالبهيمة، وفي الغضب كالسبع، وعند المصيبة كالطفل، وعند النعمة كالجبابرة، إن شبعت بطرت وتاهت، وإن جاعت جزعت وصاحت، وقيل: إذا همّت بمعصية أو تحرّكت لشهوة لو تشفّعت إليها بالله سبحانه والملائكة والأنبياء والرسل والأولياء والكتب، وعرضت عليها الموت والقبر والجنّة والنار لما انقادت وتركت، لسوء خلقها وخسّة فعلها، كما وصفها خالقها حكاية بأنّها أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم. (1/189)
صفحة 182
فصل
العبادة صنفان: اكتساب واجتناب، فالاِكتساب فعل الطاعات، والاِجتناب ترك المنهيات، وهو أفضل من الاِكتساب، فمن جمع بينهما استكمل الفضل وحصل المراد، فسلم وغنم، وإن لم يقدر إلاّ على أحدهما، فاجتناب المنهي عنه أولى من النفل.
وسُئل ابن عبّاس عن رجل كثير الخير وكثير الشرّ، وعن آخر قليل منهما، فقال: لا أعدل بالسلامة شيئا، وكذا معالجة المريض بالدواء والاِحتماء إن لم يتّفقا، فالاِحتماء أبلغ له؛ وحمية صحّة الدين التقوى، وفسادها في الأغلب يأتي من قبل اللسان، لأنّه كلب عقور، ومن البطن فإنّه وعاء الطعام وبذر العمل وماؤه، فإذا خبث البذر لم يطب الزرع، فيجب على العبد النظر في قوته والتأدّب في أكله ومن القلب، لأنّ الصلاح والفساد منه، لأنّه أصل (73) الشجرة والأعضاء أغصانها، فمنه تستمدّ، وقيل: هو كالمَلِك، إذا صلح صلحت الرعية وبالعكس، فالاِهتمام بإصلاحه أشدّ من إصلاح غيره.
فصل
يعرض للعبد عن العبادة أشياء: الاهتمام بالرزق، ومطالبة النفس له، ثمّ الأخطار (74) والمخافات وارتكابها، ثمّ القضاء وأنواعه، ثمّ الشدائد والمصائب والجزع، فيكفي في الرزق التوكّل والتفويض، فمن له قوّة في قلبه وهو على بصيرة من أمره وكمال يقين بوعد الله وثقته بضمانه، فلا يلتفت إلى إنسان، ولا إلى شيطان، بل إلى الله سبحانه.
وضعيف القلب يكون بين توكّل وتردّد، وفتور وتحيّر. ورُوي: ((من سرّه أن يكون أقوى الناس، فليتوكّل على الله، ومن سرّه أن يكون أكرم الناس فليتّق الله، ومن سرّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق منه بما في يده)). (1/190)
صفحة 183
والتوكّل هو الطمأنينة بما وعد الله، {ومَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} (سورة الطلاق: 3).
وقيل: إنّ الرزق مضمون ومقسوم ومملوك وموعود، فالمضمون كفاية الغِذاء وما به قوام الجسم، لأنّ الله سيّدنا ونحن عبيده، والمقسوم هو ما قسم في اللوح المحفوظ ممّا يأكله العبد ويشربه، لا يزيد ولا ينقص، ولا يتقدّم ولا يتأخّر، والمملوك ما يملكه الإنسان حسبما قُدر له، والموعود ما وعده الله للمتّقين، والتوكّل أيضا انقطاع القلب إلى الله والإياس من غيره، وأن توطّن قلبك على أنّه تعالى سدّ خلّتك، وكفاك عمّن سواه، ولكن إمّا بسبب أو بغيره، فمن كان هكذا فهو متوكّل.
ورجّح قوم التوكّل، وآخرون الاكتساب، وثالثها الاختلاف باختلاف الناس، وهو المختار. فمن كان في توكّله لا يستشرف إلى ما في [78] أيدي الخلق، فالتوكّل له أفضل، ومن كان بعكسه، فالاكتساب له أفضل، ومن ثمّ قيل: إرادة التجريد مع داعية الأسباب شهوة خفيّة، وسلوك الأسباب مع داعية التجريد انحطاط عن الذروة العليّة.
وقد يأتي الشيطان بإطراح جانب الله تعالى في صورة الأسباب، وبالكسل والتماهن في صورة التوكّل؛ والموفَّق يبحث عن هذين الأمرين، ويعلم أنّه لا يكون إلاّ ما يريد (75) الله، ويكفي في الأخطار والمخاوف التفويض إلى الله سبحانه، لأنّ العبد إذا حضرته أموره الخطرة المبهمة وفوّض أمرها إلى الله سبحانه، علم أنّه لا يقع إلاّ في صلاح وخير، فيكون آمنا من الخطر، فإذا فكّر في العواقب، وجد كم من شرّ في صورة خير، وبالعكس.
والجاهل إذا أخذ في الأمور باختياره هلك وهو لا يشعر.
وضدّ التفويض الطمع، وهو في غير الله لا يجوز فإنّه فقير حاضر، وقيل هلاك الدين أو فساده الطمع وملاكه الورع. ويكفي في القضاء وورود أنواعه الرضى به، لأنّ من لم يرض به كان مهموما، مشغول القلب عن العبادة، فليس للعبد إلاّ قلب واحد، فإذا ملأه بهمّ الدنيا لم يبق فيه موضع للذكر؛ ولقد صدق من قال: ((إنّ (1/191)
صفحة 184
حسرة الأمور الماضية، وتدبير الآتية، تذهب ببركة الساعات))، ولا يُؤمن على من لم يرض بالقضاء من سخط المولى؛ ويكفي في المصائب والشدائد (76) الصبر، فإنّه الموصل إلى العبادة وحصول المقصود، فإنّ أساسها بني على الصبر واحتمال المشقّة فإنّ النفس لا تنقاد إلى العبادة إلاّ بقمع الهوى ومخالفتها وذلك من أشدّ الأمور على الإنسان، فطالب الآخرة أشدّ بلاء ومحنة.
ويروى: ((أشدّ بلاءً الأنبياء ثمّ الأولياء ثمّ الشهداء ثمّ الأمثل فالأمثل))، فالنجاة والخير في الصبر، والقضاء نافذ لا محالة، ولا يصرفه الهمّ ولا السخط، فإنّ من لم يصبر على المصيبة وقع فيها، ففي تركه مصيبتان: فوات الشيء، وفوات الأجر، وحلول المكروه.
وقيل: حرمان الصبر أشدّ من المصيبة.
وروي: إنّ من أُصيب وقال: «إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللهمّ أجرني في مصيبتي، وعوّض لي ما هو خير منها»، عوّض له ما هو خير منه؛ قالتها أمّ سلمة عند موت زوجها أبي سلمة فعُوّضت خير (77) الأولين والآخرين.
وقد ورد الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعا، لجلالة موقعه في الدين. وقيل: كلّ الحسنات لها أجر محصور من عشرة أمثالها إلى سبع مائة إلاّ الصبر، فإنّه لا يُحصى أجره لقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (سورة الزمر: 10)، وذكر تعالى لهم ثمانية أنواع من الكرامات: المحبّة لقوله تعالى: {والله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (سورة آل عمران: 146)، والنصرة كقوله تعالى: {إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (سورة الأنفال: 46)، وغرفات الجنّة لقوله: {يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا}، والأجر الجزيل كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ} الآية، والأربعة الأخرى هي المذكورة في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} إلى {المُهْتَدُون} (سورة البقرة: 155). فمنها البشارة والصلاة والرحمة والهداية. (1/192)
صفحة 185
والصبر على أ ربعة: صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخّط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبّر بها، وصبر على الطاعات بالمحافظة والدوام عليها، وصبر عن المعاصي بكفّ النفس عنها.
وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخّط ظاهرا، وترك الكراهية باطنا؛ وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس لفعل الله، وهو صادر عن [79] المحبّة، وكلّ ما يفعله المحبوب محبوب. (1/193)
صفحة 186
الباب الرابع والعشرون
فيما تستقيم به العبادة
وإنّما تستقيم للعبد باستشعار الخوف والرجاء، فالنفس كما علمت ميّالة للشرّ، لا تنزجر إلاّ بالتخويف البليغ قولا وفعلا وفكرا وذكرا، وتعرف ضروب الأخطار.
والرجاء يجب على العبد تذكّره ليبعثه على الطاعات لثقل فعل الخير وزجر الشيطان عنه ودعاء الهوى إلى خلافه. والرجاء يقوّي على الطاعات ويهوّن احتمال الشدائد والمشقّات، فإنّ من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل ولم يبال بما يلقى دونه؛ فمن ذكر الجنّة وأنواع نعيمها هان عليه ما احتمل من التعب، فإذا كان مدار العبادة على الطاعة والانتهاء عن المعصية لا يتمّ إلاّ بترغيب وترهيب، وخوف ورجاء، فلابدّ من قائد للنفس يقودها بحبل الرجاء، وسائق يسوقها بسوط الخوف لتستقيم للسير وتهتدي للطريق.
وموجب الرجاء في رحمة الله ذكر ما أنعم الله به على عباده من صنوف النعم تفضّلا منه عليهم، ابتداء من غير تقدّم طاعة ولا سابق عبادة، وذكر ما وعدهم به من جزيل ثوابه وعظيم كرامته مع قليل من عملهم وحقيره.
فعلى العبد أن لا ييأس من رحمة الله، ولا يأمن من عذابه، ويكون بين الرجاء والخوف، وهو الطريق المستقيم والباعث على الخوف ما علم من إبليس اللعين وما عبد الله تعالى -فيما قيل- وأبى من أمر واحد أُمر به، وما علم من أبينا آدم وحواء (79)، وقد خلقه الله تعالى واصطفاه وأباح له كلّ ما في الجنّة إلاّ شجرة واحدة نُهي عنها، وخالف فأُهبط منها وبكى مائتي سنة.
وما حُكي عن نوح وإبراهيم وداوود وموسى ويونس وسليمان -عليهم السلام-، وما حكي عن بلعام بن بعورا وغيرهم لولا سابقة الخير لأنبيائه وأصفيائه؛ فإذا كان الأنبياء والأصفياء مؤاخذين على قليل من الذنوب فكيف بنا أهل الأوزار (1/194)
صفحة 187
العظام، وأهل التفريط والإهمال لولا أنّه بواسع رحمته، وعموم كرمه، عالم بضعفنا وعجزنا ما طمعنا في النجاة من عذابه مع قلّة موجبها منّا، ولكنّه واسع المغفرة، وعميم اللطف؛ وقد قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الذِينَ أَسْرَفُوا} الآية (سورة الزمر: 53)، {قُلْ لّلذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا} الآية_ (سورة الأنفال: 43)، وقد منّ على السحرة وأصحاب الكهف بمجرّد الإيمان، وكان لهم به ما هو مشهور.
وروي: ((لا تقنط عبادي فإنّي أنا الغفور الرحيم)). ومن تتبّع الأخبار والآيات (79) علم ضرورة أنّ الخوف والرجاء واجبان، لا يترجّح أحدهما على الآخر إلاّ ما قيل في حقّ المؤمن المواظب على الطاعات وترك المنهيات إذا ضعف حاله وقرب احتضاره أنّه لابأس عليه في الميل إلى الرجاء. وكلّ تائب من ذنوبه متخلّص من تبعاته فهو مثله، وليظنّ بربّه خيرا. (1/195)
صفحة 188
الباب الخامس والعشرون
في إخلاص العمل وتصفيته ووجوب الشكر عليه
فعلى العبد أن يخلصه لمولاه، لأنّه المالك له، المحسن إليه، ولا يقبل ما شورك فيه بقصد لما روي: «أنا أغنى الشركاء عن الشركة»، وفي الرياء فضيحة في السرّ عند الملائكة الصاعدين بعمله، فيردّ إن لوبس به، وفضيحة في العلانية غدا يوم ينادى بالمرائي: ((يا كافر، يا فاسق على رؤوس الأشهاد، ضلّ سعيك، وبطل أجرك، اِلتمسه ممّن تعمل له)).
ويروى أنّ الجنّة قالت: أنا حرام على كلّ بخيل، ومراء.
وينوي بإخلاص عمله ابتغاء مرضات الله وطلب الأجر عليه [80] بالتقرّب إليه به وتعظيم أمره وإجابة دعوته مع صحّة الاعتقاد، وقيل: هو تصفية العمل ودوام المراقبة سرّا وعلانية.
والرياء إرادة النفع العاجل ولو بحبّ المحمدة، وطلب المنزلة عند الخلق أو مع الآجل، وهو مفسد للعمل.
وقيل: العمل ثلاثة: عمل يقع فيه إخلاصان، وهو العبادات الظاهرات؛ وعمل لا يقع فيه شيء منهما، وهو العبادة الباطنة؛ وعمل يقع فيه إخلاص طلب الأجر، وهو المباحات.
وقيل: كلّ عمل يحتمل صرفه إلى غير الله من العبادات يقع فيه الإخلاص، وفي أكثر الباطنة أيضا لا يقع فيها إخلاص طلب الأجر إذ لا يطّلع عليها غير الله سبحانه، فيمتنع فيها دواعي الرياء، فلم تحتج إلى الإخلاص، وهو يقارن العمل عند مباشرته، وإخلاص طلب الأجر قد يتأخّر عنه، وقيل: يعتبر فيه عند الفراغ منه، فلا يمكن (1/196)
صفحة 189
استدراك الإخلاص أو الرياء بعد انقضاء العمل؛ وقيل: لكلّ عمل إخلاص؛ وقيل: يجوز اعتقاده لجملة العبادات.
ومن طلب بسعيه التعفّف عن الخلق والقدرة على العبادة، لم يكن به مرائيا، وكذا ما قصد به الآخرة، كمن اعتاد قراءة أو عبادة أراد بها دفع شدّة أو طلب رزق يغنيه عن المسألة، ليكون له عونا على العبادة وقوّة على الدرس، فكلّ ذلك من الآخرة.
وعلى المؤمن اجتناب العُجب، فإنّه يفسد العمل، ويحجب عن التوفيق، فإذا عارضه في عمله استغفر منه وتمادى فيه، فإنّ ترك العمل مخافة العُجب من مكائد الشيطان، ومن ثمّ قيل: اعمل وإن خفت العُجب مستغفرا. واحتياج استغفارنا إلى الاستغفار -كما قيل- لا يوجب ترك الاستغفار.
والناس في العجب ثلاثة: معجب بكلّ حال، وهو من لا يرى لله عليه منّة في أفعاله، وينكر العون والتوفيق منه؛ ومخلط ينتبه تارة فيذكر منّة الله عليه، ويغفل أخرى فيعجب لعروض الغفلة وضعف البصيرة؛ وذاكر لمنّة الله عليه في كلّ حال، لا يعرض له العُجب أصلا لقوّة بصيرته التي خُصّ بها وأُكرم، فدام مستقيما.
وليحذر العبد من النفاق والرياء والتخليط والمنّ والأذى والعُجب والحسرة والتهاون والندامة (80)، وخوف ملامة الناس؛ فهذه العشرة تفسد عمله كغيرها.
فضدّ النفاق الإخلاص في العمل، وضدّ الرياء إخلاص طلب الأجر، والتخليط إفراد العمل لله، والأذى كفّه وتركه، والمنّ تسليم العمل لله، والندامة تثبّت النفس حتّى تحكّم الأمور قبل إتيانها.
والعُجب ذكر المنّة، والحسرة اغتنام فعل الخير، والتهاون تعظيم التوفيق، وخوف الملامة الخشية من الله.
فالنفاق يحبط العمل، والرياء يوجب ردّه، والمنّ والأذى يبطلان الصدقة، والندامة تورث الهمّ والخذلان، والعجب يذهب أضعاف العمل، والحسرة وخوف الملامة والتهاون تخفيف وزن العمل؛ فمن عمل للخلق فأكثر ما يناله منهم كلمة مدح (1/197)
صفحة 190
يذكرونه بها، فلا فائدة له فيها، بل يبقى عليه وزرها إن أحبّها، ومن عمل لخالقه، حمده الحمد الدائم، وضاعف له، وحبّبه إلى خلقه، وأثابه وأرضاه. فانظر ما بين الأمرين.
فصل
ندب لمن وُفّق لما ذُكر أن يحمد الله ويشكره، لأنّهما قيد النعم، وبهما دوامها، وبتركهما ذهابها.
والنعمة دينية ودنيوية، وهي نعمة نفع ودفع؛ فنعمة النفع ما أعطاك [81] الله من المصالح والمنافع، من تسوية الخلقة والسلامة والعافية والمطعم والمشرب والملبس والمركب ونحوها، ونعمة الدفع ما صرفه عنك من المضارّ والآفات؛ والدينية نعمة العصمة والتوفيق لدين الإسلام، والعون عليه والمعرفة ودوام ذلك بالحمد والشكر؛ فالحمد قيل من صنوف التسبيح والتهليل، والشكر من صنوف الصبر والتفويض.
وقيل: الحمد هو الثناء الجميل، والشكر هو الطاعة بجميع الجوارح واجتناب المعاصي، وقيل: هو الاِحتراس عنها بجميع الأركان حتّى لا يُعصى الله بشيء منها، فهو غير الاجتناب لأنّه ترك الشيء عند الدواعي إليه، وقيل: هو تعظيم المنعِم في مقابلة نِعمه.
ومن أقبح الأشياء أن تجعل نعمه عونا على عصيانه، فعلى العبد أن يكون عنده من التعظيم ما يحول بينه وبين المعاصي، ثمّ يجتهد في طاعة المنعِم.
واختلف فيما يناله من المصائب والشدائد، فقيل: إنّما يلزمه فيها الصبر لا الشكر، لأنّه على النعمة، وقيل: يلزمه عليها أيضا، لأنّه في خلال ذلك نعم؛ قال تعالى: {فعسى}، {وعسى}.
واختلف في الصابر والشاكر أيّهما أفضل؟ فقيل: الشاكر لقوله تعالى: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} الآية (سورة سبأ: 13).وفي نوح: {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} الآية (1/198)
صفحة 191
(سورة الإسراء: 3)، وفي إبراهيم {شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ} الآية (سورة النحل: 121)، وعن بعض الصالحين: ((لأن ينعم عليّ فأشكر أحبّ إليّ من ابتلى فأصبر))، وقيل الصابر لأنّه أعظم مشقّة فيكون أعظم ثوابا وأرفع منزلة لقوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا} الآية (سورة ص: 44).
وقد كثر فضل الصبر في الآيات كما مرّ؛ والمختار أنّهما متلازمان، لأنّ الشاكر لا يكون إلاّ صابرا، وبالعكس؛ فلابدّ من أربعة: العلم والعمل والإخلاص والخوف ليعلم الطريق وإلاّ فهو أعمى، ثمّ يعمل بالعلم وإلاّ فهو محجوب، ثمّ يخلص وإلاّ فهو مغبون، ثمّ لا يزال يخاف ويحذر وإلاّ فهو مغرور. (1/199)
صفحة 192
الباب السادس والعشرون
في ذنوب الأنبياء والملائكة -على الجميع ... السلام- وذكر بعض الذنوب والتوبة
أبو سعيد: يقال في الأنبياء ما قال الله فيهم، ويُنزّهون ممّا نزّههم عنه اتّباعا لكتابه وتصديقا له، ونعلم أنّهم صفوته، ومن أهل جنّته، وأنّهم لم يموتوا على معصية ولم يستقرّوا عليها، وأنّ خطاياهم وإن صدرت عن عمد لا على قصد عصيان الله -حاشاهم- هي في حقّهم في حكم اللَّمَم.
ومن سمع آية فيها ذكر معصية بعضهم ولم يعلمه نبيئا لم يسعه أن يشكّ فيها أنّها من الكتاب، ولزمه السؤال عنه إلاّ إن احتمل التأويل ولم يبصر وجهه، وما صدر من إخوة يوسف -عليهم السلام- فليس بكبير؛ وقيل: كبير لكنّه صدر منهم قبل النبوءة.
وقيل: خطايا الأنبياء تصدر منهم عن عمد مقارن لخوف وإشفاق لم يكن لغيرهم ولو لم تكن -قيل- عن عمد مع ذكر النهي ما كانت ذنوبا.
وكان آدم -عليه السلام- عند أكله من الشجرة بالإغواء وميل الطبع إليه غافلا عن النهي لاستغراقه فيما دعته إليه طبيعة البشر، لأنّها إلى كلّ ممنوع أميل؛ وقيل: صدر منه باجتهاده فغلط في تأويله، كأنّه قيل له: لا تأكل من هذه الشجرة وأُريد بها جنسها، كما يقال لمريض: لا تأكل من هذا الطعام للون بين يديه.
وفي جواز اجتهاد الأنبياء خلاف؛ وقد مرّ أنّ الملائكة لا يصدر منهم ذنب. (1/200)
صفحة 193
فصل
من أصرّ على ذنب ونسيه، وإصراره عليه ثمّ تاب في الجملة -فقيل- تجزيه عليهما، وقيل: لا، لأنّه نسي ما عزم على عدم الرجوع عنه، فهو كالمستحلّ، وقد مرّ حكمه، وذلك فيما لله عليه؛ وأمّا ما للعبد عليه ولو بخطإ، فعليه أداؤه له وقت علمه به أو ذكره إن نسيه وقد دان بتحريمه، وتجزيه توبته في الجملة.
والخطأ المرفوع عن الأمّة هو مثل [82] أن يريد الحقّ فيخطأ بغيره، مثل أن يريد أن يقول: لا إله إلاّ الله، فقال: إنّ الله ثالث ثلاثة؛ أو يقول: المسلمون أهل الجنّة، فقال: هم من أهل النار؛ أو لزوجته: إنّك بارّه، فقال: طالق، أو نحو ذلك، فلا يأثم عند الله، ولا تُطلَّق، ولا يعتق عبده إن أخطأ فيه كالزوجة؛ فإن حاكماه في ذلك لزمه الانقياد للحكم عليه، وإظهار التوبة فيما أخطأ فيه بالإشراك إن سُمع منه، وهو في الأنفس والأموال غير مرفوع عنه الغرم والتكفير كما سيأتي، ولا إثم عليه فيه.
ويأثم بتضييع ما لزمه من أحكام الخطإ (81) عند القدرة. ومعنى ما رُوي: ((رُفع عن أمّتي الخطأ والنسيان وما أُكرهوا عليه))، هو الإكراه في القول دون الفعل، كمُكرَه على ولاية الظالمين، وتصويب الضالّين، والبراءة من المسلمين وتخطئتهم، وتحليل المحرّم وعكسه، والإشراك بالله، وقد رُفع ذلك عن المُكرَه عليه إجماعا برخصة الله إن اطمأنّ قلبه بالإيمان.
ومن أُكره على حرام، كزنى وشرب خمر وقتل ببغي وأكل مال الغير وإتلافه لم يجز له فعله؛ وإن أُكره -على ما رُخّص فيه- لمضطرّ، كأكل ميتة أو دم أو لحم خنزير، فقيل: لا يأثم فيه، لأنّ الإجبار من الضرورات، فتجوز فيه التقية بذلك في النفس، ولا يجوز شرب الخمر ولو عند الضرورة، إذ لا يُعصى من جوع ولا من عطش، وقيل: يعصى ويرجى فيه نجاة النفس، فلذا (82) وقف فيه بعض عند الإجبار على شربه، ويأثم بفعل ما لا يجوز عند الضرورة ويهلك عندنا اتّفاقا. (1/201)
صفحة 194
وفي الحدّ عليه به خلاف؛ فقيل: بوجوبه، وقيل: بسقوطه لدرئه بالشبهة وهو الإجبار؛ وكذا القِوَد في النفس، ولا تسقط الديّة والكفّارة اتّفاقا.
وسلم بما حدّثت به نفسه من خاطر بالقلب ما لم يحقّقه ويعتقده ويرضى به من فعل المحرّم أو أمر التوحيد، وهو ما رُوي: «أنّ الله عفى عن أمّتي ما حدّثت به أنفسها ما لم تتكلّم به أو تعمل»، ومنه أخذه من قال: وحديث النفس ما لم تتكلّم به أو تعمل والهمّ مغفوران.
وقد مرّ أنّ توبة المبتدع إذا عمل الناس ببدعته أن يأتيهم ويخطّئ ما دعاهم إليه، ويصوّب ما خطّأه؛ وقد جاء صفريّ إلى الربيع ووائل أراد أن يتوب، وقالا له: نثبت لك الإسلام ولا ولاية لك عندنا حتّى تخبر من دعوتهم بما ذكرنا، ففعل وقبلا منه، وبيّناه الإسلام، ويجزيه ذلك ولو مات من عمل ببدعته كما مرّ.
ومن حلف على مال يأخذه باطلا، فحُكم له به، فتوبته الندم والردّ له والتكفير. وتوبة المتقوّل في الناس الاعتراف والاستغفار، وقيل: تصحّ وإن لم يعترف. (1/202)
صفحة 195
الباب السابع والعشرون
في فضل النبيء -صلى الله عليه وسلّم- وصاحبيه، وفي ذكر الأبدال
قال تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ} الآية (سورة التوبة: 128)، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (سورة القلم: 4)، وكفى في تفضيله الآيتان؛ فهو أفضل الأنبياء -عليهم السلام-، وأكرمهم وأعلمهم وأعقلهم وأعزّهم وأحلمهم؛ وقد خصّه الله بفضائل من ابتداء الأمر إلى انتهائه، لا يحصيها كتاب ولا يحويها خطاب، ولا يعلمها حقيقة إلاّ الله سبحانه.
فمن أراد أن يطّلع على كثير منها فعليه بالمواهب، وفي وجوب الصلاة عليه، هل متى ذُكر؟ أو دبر كلّ صلاة؟ أو مرّة في العمر؟ أقوال. ولم تجب في حقّ غيره من الأنبياء والملائكة، ولكنّها مندوبة.
وأمّته خير الأمم عند الله مثله، [83] وخيرهم أبو بكر الصدّيق، وهو عبد الله بن عثمان بن عامر بن كعب، ويقال له: "عتيق والصدّيق" لأنّه أوّل من صدّقه حين كذّبته قريش، وأوّل من أسلم من الرجال، وقيل: سُمّي صدّيقا، لأنّه لمّا أُسري بالنبيء -صلّى الله عليه وسلّم- من مكّة إلى بيت المقدس فأخبر الناس عند الصباح بذلك، فأعظموه وارتاب فيه بعضهم، ثمّ أتوا أبا بكر فقالوا له: أما بلغك ما قال محمّد؟ فقال لهم: وما قال؟ فقالوا: يزعم أنّه ذهب الليلة إلى بيت المقدس ورجع إلى مكّة، فقال لهم: إن قال لكم ذلك، فقد صدق، والله إنّه ليخبرني بالذي يأتيه من السماء في ليل أو نهار فأصدّقه، وهو صادق فيما قال؛ وفضله ممّا عُلِم ضرورة.
ثمّ عمر بن الخطّاب -رضي الله عنهما- بن نفيل بن عبد العزّى، وقد استجيبت فيه دعوته -صلّى الله عليه وسلّم- فأظهر الله به الدين وأعزّ به المسلمين، (1/203)
صفحة 196
وقد أسلم قبله تسعة وثلاثون رجلا، فأتمّ الله به أربعين، وعندما أسلم يقول: لا يُعبد الله سرّا بعد اليوم؛ وأنزل الله فيه {يَأَيُّهَا النَّبِيءُ حَسْبُكَ اللهُ} الآية (سورة الأنفال: 64). وقد كان من فضائلهما ما ينظره الأعمى ويسمعه الأصمّ، فهما أفضل الأمّة بعد نبيئها -صلّى الله عليه وسلّم- وجعلنا من أمّته.
فصل
ولمّا أراد الله -قيل- (83) قبض روح محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- شكت الأرض إليه، وقالت: يا ربّ لا يمشي عليّ نبيء إلى يوم القيامة؛ فأوحى الله إليها: «إنّي سأجعل في هذه الأمّة رجالا مثل الأنبياء، قلوبهم على قلوبهم»، وهم ثلاثة مائة رجل الأولياء، وسبعون النجباء، وأربعون الأوتاد، وعشرة النقباء، وسبعة العرفاء، وثلاثة المختارون، وواحد الغوْث؛ وقد اختير من الثلاثة فجعل في مرتبته، ومن السبعة واحد فجعل في الثلاثة، ومن العشرة واحد فجعل في السبعة، ومن الأربعين واحد فجعل في العشرة، ومن السبعين واحد فجعل في الأربعين، ومن الثلاثمائة واحد فجعل في السبعين، ومن الدنيا واحد فجعل في الثلاثمائة، دائما هكذا حتّى تقوم الساعة.
فمنهم من قلبه كقلب موسى، ومنهم من قلبه كقلب نوح، ومنهم من قلبه كقلب إبراهيم، وكذا في داوود وسليمان وأيوب وعيسى؛ فما من نبيء إلاّ وعلى طريقته رجل من هذه الأمّة إلى يوم القيامة -صلوات الله عليهم وسلامه-.
أبو الدرداء: لم تُفضّل الأبدال بكثرة صلاة ولا صوم ولا قيام ولا خشوع، ولكن بصدق الورع، وحسن النيّة، وسلامة الصدور، والنصيحة للمسلمين ابتغاء مرضات الله، وبصبر ثخين ولبّ حليم، وتواضع في غير مذلّة، اصطفاهم بعلمه قلوبهم على مثل يقين إبراهيم، لا يلعنون غير مستحقّ، ولا يؤذونه ولا يحقرونه، ولا يحسدون (1/204)
صفحة 197
أحدا بدنياهم، أطيب الناس خيرا، وألينهم عريكة، وأسخاهم نفسا، علامتهم السخاء، وسجيّتهم البشاشة، ووصفهم السلامة؛ لا تختلف أحوالهم بينهم وبين ربّهم، لا تذريهم العواصف، وقلوبهم تصعد في السقوف العلا ارتياحا إلى الله واشتياقا إليه، {أَوْلاَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ} الآية (سورة المجادلة: 22).
أبو سعيد: الأبدال -قيل- أربعون رجلا، لا تخلو الأرض منهم إلى يوم القيامة، وهم من أفضل أهل زمانهم في دينهم.
ورَوى محمّد: ثلاثة من كنّ فيه فهو من الأبدال الذين هم قوام الدنيا وأهلها: الرضى بالقضاء، والصبر عن المحارم، والغضب في ذات الله؛ والفضل [84] بيد الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. اللهمّ تفضّل علينا بعفوك، وباستعمالنا في مرضاتك يا ذا الجلال والإكرام. (1/205)
صفحة 198
الباب الثامن والعشرون
في فضل الذكر والفكر والدعاء والرجاء؛ وسوء الظنّ
ويُروى عن عيسى -على نبيئنا وعليه الصلاة والسلام-: من قال: الحمد لله الذي ذلّ كلّ شيء لعزّته، الحمد لله الذي استسلم كلّ شيء لقدرته، الحمد لله الذي تواضع كلّ شيء لسلطانه، الحمد لله الذي خضع كلّ شيء لعظمته، كتب الله له بها عشرة آلاف حسنة، ومحى عنه عشرة آلاف سيّئة، ورفع له عشرة آلاف درجة، وسبعون ألف ملَك يستغفرون لقائلها إلى يوم القيامة.
وقيل: اسم الله الأعظم: يا حيّ يا قيّوم يا ذا الجلال والإكرام.
ويُروى: أنّ من قال حين يصبح أو يأوي إلى منامه: أَستغفر الله العظيم الذي لا إله إلاّ هو الحيّ القيّوم، وأتوب إليه، ربّ اغفر لي وتب عليّ؛ غُفر الله (84) له ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر، أو ملأت ما بين السماء والأرض.
وأفضل الأذكار الباقيات الصالحات. ولا يكون العبد مؤمنا بلسانه شاكّا بقلبه، إذ لا إيمان بغير خشية، ولا شكر بغير معرفة، ولا دين بغير شريعة؛ فمن دين الله الورع عن المحارم، والوفاء بالعهد، ولزوم الفرض.
ويُروى: «أحبّكم إلى الله -عزّ وجلّ- أكثركم له ذكرا»، وأفضل الدعاء الحمد لله، والصلاة أفضل من القراءة، وهي أفضل من الذكر، وهو أفضل من الصدقة، وهي أفضل من الصوم، وهو جُنّة من النار.
ومذاكرة العلم أفضل من صلاة النفل، ولا شيء -قيل- بعد أداء الفرض من تعليم العلم. ويُروى: «أقربكم منّي غدا، أكثركم جوعا وتفكّرا»، والتفكّر نصف العبادة، والجوع العبادة كلّها.
وقيل: إنّ لله أقواما أنعم الله عليهم بمعرفته، وشرح صدورهم فأطاعوه، فتوكّلوا عليه، فسلّموا الخلق والأمر له، فصارت قلوبهم معادن لصفاء اليقين، وبيوتا للحكمة، (1/206)
صفحة 199
وتوابيت للعظمة، وخزائن للقدرة، فهم بين الخلق مقبلون ومدبرون، قلوبهم تجول بين الملكوت، وتلوذ بمحجوب العيوب ثمّ ترجع، وحقّ لها من لطيف الموائد ما لا يمكن لواصف وصفه؛ فهم في باطن أمورهم كالديباج وحشاهم، في الظاهر مناديل يبذلون لمن أرادهم تواضعا.
وهذه طريقة من الفكر لا يبلغها أحد بالتكلّف، وإنّما هو فضل الله يؤتيه من يشاء. ومن تفكّر -قيل- في العواقب دمعت عيناه ووجف قلبه، والفكر مرآة المؤمن تريه حسناته وسيّئاته، وتفكّر ساعة خير من قيام ليلة. والفكر ثقيل على القلب ويخفّفه الله على من يشاء.
فصل
الأدعية كلّها حسنة، وأفضلها الاستغفار في الأسحار مع حضور القلب والقطع بالإجابة.
وروي: اُدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، وأنّه لا يستحبّ دعاء من قلب غافل، وأنّه لا يحرم السائل الإجابة، وأنّ من سأل ربّه أعطاه.
فإذا أراد أن يستجيب لأحد ألهمه الدعاء، وإذا أراد أن يحرمه أنساه الدعاء والتضرّع إليه. وربّما كانت الإجابة بسرعة مقتا من الله وبالعكس محبّة منه لعبده ليعاود الدعاء والتضرّع، وذلك أصلح له.
ويروى: «إذا دعوت فادع بباطن كفّك، فإذا فرغت فامسح بهما وجهك»؛ ويكره رفع الأيدي والأصوات عند الدعاء، وقد مرّ ذلك.
وفرق بين التضرّع والمسكنة والابتهال؛ فالتضرّع -قيل- أن تبسط يسراك وتجعل باطنها [85] نحو السماء وظاهرها نحو الأرض، وتقبض أصابع يمناك وتشير بسبّابتها وتحرّكها وتدعو؛ والاستكانة أن تضمّ أصابعك جميعا وتجمع كفّيك وتجعلهما (1/207)
صفحة 200
تحت لحيتك ثمّ تدعو؛ والابتهال أن تمدّ يديك أمامك وتجعل بطون كفّيك نحو القبلة وظهورهما نحو وجهك وتدعو.
وأفضل الدعاء في جوف الليل وبعد المكتوبة، ويُبتدأ بالصلاة على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- بعد البسملة، ويختم بالصلاة عليه؛ وقد تعبّد بالدعاء، وتاركه استغناء عنه كافر.
وقيل: من قرأ آية الكرسيّ، وقل هو الله أحد مرارا بعد الفريضة قبل أن يتكلّم لم يمنعه من الجنّة مانع، ولا يداوم -قيل- على قراءة آية الكرسيّ دبر كلّ صلاة إلاّ نبيء أو صدّيق أو شهيد.
فصل
ابن مسعود: ما أعطي عبد مثل حسن الظنّ بالله، والذي لا إله غيره، لا يحسن الظنّ به إلاّ أعطاه ظنّه.
ويروى: «أنا عند ظنّ عبدي بي، فليظنّ عبدي بي ما شاء». قال تعالى: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} (سورة البقرة: 195)، قيل: هو حسن الظنّ بالله؛ وهو فرض متعبّد به، ودليله حسن العمل له.
ويروى أنّ عيسى ويحيى -عليهما السلام- كانا إذا التقيا يبتسم عيسى ويبكي يحيى، ويقول لعيسى: تلقاني ضاحكا كأنّك آمن، ويقول هو ليحيى تلقاني باكيا كأنّك آيس، فأوحى الله إليهما: إنّ أحبّكما إليّ أحسنكما ظنّا بي. (1/208)
صفحة 201
الباب التاسع والعشرون
في البعث والحساب والجنّة والنّار والغضب والقساوة
والأكثر على أنّ الجنّة والنار مخلوقتان اليوم، لقوله تعالى: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا} (سورة البقرة: 38)، وقيل: لا ولا دليل في الآية. والحقّ الإيمان بوقوعهما وأنّهما - كما قيل - إن كانتا فقد كانتا، وإن لم تكونا فستكونان، وقيل: إنّهما بعد وقوعهما اليوم يفنيان ثمّ يعادان غدا لقوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} (سورة القصص: 88).
وقيل: ذكر الجنّة موت، وذكر النار موت، فيا عجبا لنفس تحيى بين موتين؛ أمّا الجنّة فلا صبر عنها، وأمّا النار فلا صبر عليها، وفوات النعيم أيسر من مقاساة الجحيم.
ويُسأل العبد غدا في سبعة مراصد، واحد بعد واحد، عن الإيمان أوّلا، ثمّ عن الصلاة، ثمّ عن الزكاة، ثمّ عن الصوم، ثمّ عن الحجّ، ثمّ عن العمرة، ثمّ عن المظالم، وهي أصعبها لقوله تعالى: {إَنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ} (سورة الفجر: 14).
وقد أجمع المليون على جواز حشر الأجساد ووقوعه؛ أمّا الجواز فلأنّ جمع الأجزاء على ما كانت عليه، وإعادة التأليف المخصوص فيها أمر ممكن، فإنّ الحشر عبارة عن جمع الأجساد وإحيائها وسوقها إلى الحشر والنشر، وهو البعث عبارة عن إحيائها بعد مماتها، لأنّ الأجزاء المتفرّقة قابلة للجمع، وإن فرض أنّها عدمت جاز إعادتها ثمّ جمعها وإعادة التأليف فيها لصحّة القبول من القابل والفعل من الفاعل، وذلك يوجب الوقوع عقلا. (1/209)
صفحة 202
وأمّا جوازه نقلا، فلأنّ المعلوم صدقه بالأدلّة القاطعة أُخبر عنه في مواضع بعبارات لا تقبل التأويل حتّى صار معلوما بالضرورة كونه من الدين، فمن أراد الاطّلاع على مزيد البحث في ذلك فعليه [86] بالمعالم الدينية (85).
فصل
روي أنّ الناس في الغضب والرضى أربعة، وخيرهم البطيء الغضب السريع الرضى، وأشرّهم عكسه، وأوسطهم الشبيه بالأوّل هو السريع فيهما، والبطيء بهما أشبه بالأشرّ.
وإنّ الغضب يفسد الإيمان كإفساد الصبِر للعسل، وإنّه يأكل الحسنات كأكل النار للحطب؛ وأنّ البطنة تقسي القلب، وحبّ الراحة والطعام والنوم يورث القساوة.
أبو ذرّ: أوصاني رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بالنظر إلى من دوني لا إلى من فوقي، وبحبّ المساكين والدنوّ منهم، وبأن أصل رحمي ولو أكثرت منّي، وبأن أقول الحقّ وإن كان مرّا، وبأن لا أخاف في الله لومة لائم، وبأن أكثر من لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
وروي: إنّ إعادة المرضى وتشييع الجنائز والإشراف على القبور ممّا يزيل القساوة.
فصل
وَلدت حواء لآدم -عليهما السلام- مائة وعشرين بطنا، في كلّ بطن ذكر وأنثى، ولم يزل آدم بمكّة وقبره بمسجد الخيف، وقبر حواء بجدّة.
وروي: لا يدخل الجنّة من في قلبه حبّة من خردل من الكبر، والمراد منه من يترك الحقّ ويغمط الناس. (1/210)
صفحة 203
الباب الثلاثون
في ذكر الدنيا والآخرة وبيان حالهما
وسُمّيت دنيا لدنوّها، وقيل: لدناءتها، والآخرة لتأخّرها عنها؛ فذهب قوم إلى أنّ الدنيا هي الأرض والسماوات وما بينهما، والآخرة تكون بعد انقضائها، وقيل: إنّ بينهما برزخا، ويقال: ليس شيء أقرب من شيء من الدنيا إلى الآخرة، وليس شيء أبعد من شيء من الآخرة إلى الدنيا لامتناع الرجوع إليها.
عزّان: ليس الدنيا بلهو ولعب ولكن فيها ذلك، وكذا من فيها. قال تعالى: {إَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} إلى {الغرُورُ} (سورة الجديد: 20).
ابن أدهم: سألت راهبا ما الدنيا؟ فقال: خلق كخلق امرأة، رأسها الكبر، ووجهها الفرج، وعيناها الشهوة، ولسانها الغدر، وأذناها النسيان، ونفسها العلوّ، وقلبها الطمع، وبطنها الحرص، ورجلاها الحسد، وعنقها الحزن، وظهرها الإياس من الله، وزينتها الشهوات؛ فهي صفة الدنيا التي تتشاجرون عليها، فاحذروها.
وقال علي: لذّة الدنيا في ستّة: مأكول ومشروب وملبوس ومركوب ومنكوح ومشموم؛ وللدنيا ظاهر وباطن، وجسم وعرض، وأوّل وآخر، وشاهد وغائب؛ فالباطن اتّباع الهوى كالكبر والحسد والغلّ والحقد وحبّ المحمدة والرئاسة وسوء الظنّ ونحو ذلك، والظاهر الدينار والدرهم والدار والخادم والمركب ونحو ذلك، فما أخذته من الدنيا للآخرة فمحمود، وما أخذته من الدنيا للدنيا فمذموم.
وسمع -قيل- علي رجلا يذمّ الدنيا فقال له: أيّها الذامّ لها أنت المجترم عليها أم هي المجترمة عليك، ويحك فيم تذمّها! أليست منزلة صدق لمن صدقها، ودار عمل لمن فهم عنها؛ هي مسجد أحبابه ومصلّى أنبيائه ومهبط وحيه ومتجر أوليائه، اكتسبوا منها الرحمة فربحوا [87] فيها الجنّة، فمن ذائد بها وقد أذنت بزوالها ونادت بانقطاعها ونعتت نفسها لأهلها، فذمّها رجال يوم الندامة، وحمدها آخرون، حدّثتهم (1/211)
صفحة 204
فصدّقوا (86)، وذكّرتهم فتذكّروا؛ أيّها الذامّ للدنيا والمغترّ بغرورها متى استدامت إليك إلى آخر ما أطال فيه، ولكن -كما قيل- هي شاهدة بنفسها على حالها في أهلها لمن رُزق الاعتبار والادّكار وما ينظره منها من تغيّر الأحوال وتقلّب الأكوان. (1/212)
صفحة 205
الباب الحادي والثلاثون
في الطيب والزينة واللباس واستعمال الآنية والخاتم والدهن
ويروى عنه -صلّى الله عليه وسلّم- يُعرف بالطيب، ويدخّن بالعود، ولمّا تزوّج علي بفاطمة أمر بالطيب الممسك والعنبر، وقال: إنّها غالية؛ وجرى اسمها بذلك. والمشهور أنّ الغالية هي الزابدة لا المسك ولا العنبر، وكانت تسمّى باسم لم يحضرني حين الكتابة؛ وقد أتى بها عبد الله بن جعفر إلى معاوية، فقال له: كم قيمتها؟ فقال: كذا وكذا، وقال معاوية: غالية فجرى اسمها بذلك.
محبوب: لا بأس بمبايعة المسك والتطيّب به بلا خلاف. وروي أنّه -صلّى الله عليه- أُهدي إليه مسك فقسّمه بين أصحابه ثمّ مسح بيده وجهه ورأسه، وقال: «يا لك من ريح الجنّة». ولا خلاف أيضا في كونه طاهرا.
وجاز للرجل أن يتطيّب في بدنه ولو بزعفران، ولا يظهر الحنّا على قدميه إلاّ من ضرورة، وجاز في باطنهما وفي رأسه ولحيته، ويُكره في يديه.
وقيل: كان جابر يصفّر إزاره، ولم ير بالزينة والصبغ بأسا ما لم يؤدّ إلى خيلاء.
ويُكره لمؤمن لباس زيّ الفسّاق والجبابرة وأهل الذمّة لئلاّ يُتّهم، وأن لا يؤثّم الناسَ فعله في نفسه، ولا يجوز له -قيل- أن يصادق منافقا لئلاّ يغرّ غيره وهو من الغلوّ. فالواجب أن لا يخرج من زيّ المسلمين، وأن يتشبّه بصالحي أهل الدعوة.
وجاز -قيل- الجلوس على مخدّة الحرير والديباج، وإنّما نهى عن لبسه؛ ولا خلاف في تحريم لبس الحرير والذهب للرجل، ولا في جواز الصلاة بمصبوغ بزعفران أو بورس أو شوران أو نحوها له. (1/213)
صفحة 206
وأحسن لباسه الأبيض، ولا بأس عليه أن يحزم رأسه بخرقة حرير أو خيطه ويصلّي بذلك إن اعتلّ، وكذا إن رفع ثوبه به يصلّي إن لم تكن الخرقة أعرض من قدر أصبعين.
فصل
ابن بركة: اتّفق الناس على جواز استعمال الآنية الغالية الثمن من غير الذهب والفضّة، وبعض حرّم استعمال آنيتهما، وبعض الشرب منها فقط، وأجاز الأكل وغيره؛ وبعض كره ذلك بلا تحريم.
وجاز الشرب من إناء مضبّب بفضّة، وقد شرب -قيل- منه عمر من بين الضبّتين، إذ لا يصدق عليه الاسم.
وقد انصدع -قيل- للنبيء -صلّى الله عليه وسلّم- قدَح فجعل مكان الصدع (87) سلسلة من فضّة.
ولا بأس بشراء إناء فيه صورة، وحسن تغييرها [88]. ولا يفسد الوضوء بإناء ذهب أو فضّة. وجاز الاكتحال بميل ذهب أو فضّة، أو مكحلتهما، ولم يُحفظ قطّ بمقصّ منهما (88). وكانت -قيل- حلية سيفه -صلّى الله عليه وسلّم- من فضّة.
ونهى عن التختّم بصُفر أو حديد وإن لامرأة إن لم يُلْوَ عليه ذهب أو فضّة، وعن نقش حيوان في خاتم، وجاز بأسماء الله. وقيل: مكتوب على خاتمه "محمّد رسول الله"، وعلى خاتم أبي بكر "لا إله إلاّ الله"، وعلى خاتم عمر "كفى بالموت واعظا يا عمر".
ولا يلبس المرء لباسا من حديد أو صُفر أو رصاص أو نحوها إلاّ بضرورة، ولا بأس بإناء وسلاح منها. ويُكره لبس خلخال ذي صوت يُسمع وإن لصبيّ أو حيوان في عنقه. (1/214)
صفحة 207
وروي أنّه -صلّى الله عليه وسلّم- أمر في بعض غزواته بقطع الأجراس المعلّقة في رقاب الدوابّ، وأنّه أمر بالدهن ليذهب البؤس، وبإظهار النعمة باللباس وبالأدهان غبّا، كالامتشاط وبالاكتحال وترا، وربّما اكتحل اثنين. ونهى عن الأدهان كلّ يوم، وأمر بالبداية فيه من الرأس قبل اللحية، وبالحاجب قبل الشارب. ومن شمّ طيبا أوّل النهار لم يفقد عقله إلى آخره، كذا روي عنه.
وخذ الميل بيمناك عند الاكتحال وأدخله المكحلة ببسم الله، وقل عند جعله في العين: اللهمّ نوّر بصري، واجعله لي نورا أُبْصِرُ به حكمتك، وإن قرأت {الله نُورُ السَّمَاوَاتِ} (سورة النور: 35) إلى تمامها كانت شفاء إن شاء الله.
ويروى: لا ترمد عين من اكتحل بالإثمد يوم عاشوراء أبدا، وعليكم بالحبّة السوداء فإنّها شفاء من كلّ داء إلاّ السامّ وهو الموت. وإن أردت أن تمشط، فخذ المشط بيمناك وقل: باسم الله، واجعله على أمّ رأسك ثمّ سرّح مقدمه، وقل: اللهمّ حسّن شعري وبشري، واصرف عنّي الوباء، ثمّ مؤخّره، وقل: اللهمّ اصرف عنّي كيد الشيطان، ولا تمكّنه فيه فيردّني على عقبي، ثمّ حاجبك، وقل: اللهمّ زيّنّي بزينة أهل الهدى، ثمّ لحيتك، وقل: اللهمّ سرّح عنّي الهموم والغموم ووسوسة الصدور والشيطان، ثمّ مرّ المشط على صدرك، وهذا كلّه من السنّة.
وللرجل أن يحفّ وجهه، ويحلّق رأسه، ويهدب ثوبه، وقيل: يُكره له حفّ الوجه.
وروي: ((تعمّموا تزدادوا حِلما))، أو قال: علما. وأيضا: ((أُمرت بالعمامة والنعلين والخاتم))؛ ويروى تغطية الرأس بالنهار فقه، وبالليل ريبة، والتعميم قياما، ولبس السراويل جلوسا، وبداية الانتعال باليمنى، والخلع باليسرى، ولا يمشى بواحدة فوق ثلاث خطوات إلاّ بضرورة؛ ويستحبّ النعال الأصفر، لأنّه يجلب السرور.
وهل وجب ستر العورة عقلا أو شرعا أو بهما وهو المختار، أقوال. (1/215)
صفحة 208
ومن تجرّد عند من يراه قبيحا أثم، ولو ميّتا، لا عند مجنون لا يعقل. ولا يجوز إظهار العورة للناس ولو ليلا إلاّ في ظلام ساتر. وأجاز أبو سعيد للرجل أن يتعرّى إن اضطرّ وأذاه الحرّ، وليس عنده من يحرم عليه النظر إليه. (1/216)
صفحة 209
الباب الثاني والثلاثون
في السواك والشارب وقلم الأظافر ونتف الإبطين وحلق العانة والختان وآداب النفس
قال -صلّى الله عليه وسلّم-: ((أوصاني جبريل -عليه السلام- بالسواك حتّى خفت أن يفرض عليّ، [89] والجار حتّى خفت أن سيورث)). وقال: ((لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسواك عند كلّ صلاة)). وقال: ((ركعتان به خير من سبعين بدونه، وفيه خصال مشهورة، فمن لم يجد عود أراك أو بشام استاك بإصبعه))؛ وندب عند الجوع، وكره لمحتجم، ولمن به قيء أو سعال أو عطش أو رمد يابس أو خفقان، وندب عند الوضوء، وقيل: عند قيام من النوم، وقيل: عند صلاة الفجر.
معاذ: من أحبّ أن يحبّه الله فليكثر التسوّك والتخلّل، فالصلاة بهما مائة صلاة.
وروي: ((قصّوا الشوارب وأعفوا اللحى؛ فإنّ الملائكة تقرب من القارئ، وتنفر منه إن طال شاربه. وليعتدنّ أحدكم قصّ شاربه وتنظيف عنقفته، فإنّهما مكان الملكين منه)).
وقيل: إذا تعدّى زيّ المسلمين إلى زيّ المشركين فقصّه فرض، وكُره نتفه، وقيل: هو عذاب المنافقين، وقيل: المكروه نتف بعضه. وقيل: إنّ بشيرا يحلّقه ويقصّ على شهر، وقيل: على أربعين كالعانة، وقيل: إذا زاد على حدّ الشفة، ودخل في حدّ الفمّ، وقيل: في كلّ أسبوع، وقيل: إذا قبح وصار في زيّ المشركين، وقد سُنّ جزّه. (1/217)
صفحة 210
ويُكره -قيل- جزّ متّصل باللحية من شعر الوجنتين، ولا بأس -قيل- بإخراج ما خرج من حدّ اللحية، ويؤخذ -قيل- من أسفل الشارب ومن أعلاه ويُترك في وسطه خطّا، وقيل: السنّة جزّه كلّه.
وروي: ((الشعر كسوة الله، فأكرموه، والشيب نور فلا تنتفوه))، وأيضا: ((من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورا غدا، ولا يغيّر بالحنّاء))، وقيل: لا بأس وتركه أفضل، ولا يجوز بالسواد.
وقصّ اللحية كبيرة إلاّ ما أُجيز من أخذ فاضل منها عند الإحلال كما سيأتي. ولا يؤخذ -قيل- من طرفها، ولكن من عرضها، وقيل: لا يؤخذ منها ولو قليلا، ومن أخذ منها ومن حاجبه بمقراض، ونتف من شاربه فلا أراه -قيل- محرّما.
وحدودها المحرّم أخذ الشعر منها هي اللحي الأسفل وما حوله ممّا يلي الحلق الذي هو عليه حدّ اللحي فغير خارج إلى حكم الحلق في حدّها إلى أعلا العظم الذي يلي الحاجب من بين الوجنة والرأس؛ وما في الحلق من الشعر وخرج من حدّ اللحية وسمج تركه فإخراجه شبه الطهارة، ولا بأس بما أزيل به من حلق أو قصّ. ويؤمر كثير الشعر ببدنه بالتطهير ممّا كان فيه
فصل
سُنّ فرق الشعر، وليس بمؤقّت، ولا يُتولّى تاركه ولا يُبرأ منه إن لم يقصد مخالفتهم، ويؤمر من يطيل شعر رأسه أن يقصّه عند شحمة أذنيه ولا تُترك ولايته إن لم يقبل، ولم يقصد الخلاف أيضا.
أبو الحواري: لا حدّ في قصّ الشارب ونتف الإبط وحلق العانة وقلم الأظفار، إلاّ على ما أمكن، وروي: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يدَع عانته أكثر من أربعين يوما))، وهي للرجال وعشرين للنساء. وقيل -لو صحّ ذلك- لكفر من لم يفعل. (1/218)
صفحة 211
ابن محبوب: يستحبّ حلقها في كلّ شهر. أبو سعيد: خالف [90] السنّة إن نتفها رجل أو جزّها، وأخاف عليه الإثم لأنّها جاءت بحلقها، ونتف الإبط وجزّ الشارب. ومن وجد النورة وحلقها بغيرها خالفها أيضا. ويجزي شبهها إن وجد؛ ومن عَدِم ذلك حلق بالموسى، وهو الأشبه، ثمّ القصّ. والمرأة فيها كالرجل.
ابن روح: لا تفسد صلاة من ترك حلقها سنة أو أكثر، وحدّها الفرجان وما بينهما وحواليهما، ممّا ينقض مسّه الوضوء؛ وما قبح من بدن امرأة بشعر فيه، لزمها تطهيره كالرجل، ويخرج من حال القبح إلى حال الحسن، وتحلق صدرها إن نبت فيه، وقد أُمرت بلقيس بحلق ساقيها.
فصل
أجمعوا على الأمر بتعجيل حلق العانة والنهي عن تأخيره لمصالح، كالإعانة على الطهارة للمجامع وإزالة الوسخ، ونتن الريح إذا أبطأ وكثر شعرها، وربّما كرهته زوجته أو سريّته به وأحبّته إن لم يتوفّر، وكذا للمرأة إلاّ أنّ الحلق لها مستحبّ، وللرجل واجب، ويُكره له حلق رأسه بنورة بلا عذر، ولا يترك عانته بدونه، ويأثم إن خالف السنّة فيه، وخسّت منزلة تاركها وأظفاره حتّى طالا، ولا يُكفّر بذلك، ويؤمر بالتنظيف.
ولا بأس في حلق الإبط وجزّه، وسنّ القلْم والحلق (89) على الطهارة، وكان -صلّى الله عليه وسلّم- يدفن أظفاره إذا قلمها، فقالت اليهود: إنّه مقتد بنا، ثمّ كان ينثرها يمينا وشمالا ليخالفهم.
وروي: «من قلم أظفاره أربعين خميسا متوالية لم يفتقر»؛ ونُدب الابتداء بمسبحة اليمنى، ثمّ الإبهام، ثمّ الوسطى، ثمّ البنصرة، ثمّ الخنصرة، ثمّ بوسطى اليسرى، ثمّ بالمسبحة، ثمّ الإبهام، ثمّ البنصرة، ثمّ الخنصرة. (1/219)
صفحة 212
فصل
أوّل من اختتن إبراهيم -عليه السلام- بعد ثمانين سنة، وقال -صلّى الله عليه وسلّم-: ((من كرامتي على الله أنّي وُلدت مختونا لئلاّ يطّلع أحد على سوءتي)).
قال علي: خلق الله آدم وأحد عشر من أولاده مختونين، وهم شيت وإدريس ونوح وسام ولوط ويوسف وموسى وسليمان وزكرياء وعيسى ومحمّد -صلّى الله عليه وعليهم أجمعين-.
والختان في العرب ولو من النساء من لدن إبراهيم وهاجر إلى هلمَّ جرّا؛ ثمّ لم يولد -قيل- صبي مختونا أو في صورته. وهو سنّة واجبة، ويؤمر من أسلم به، وإن كبيرا بأن يظهر للرجل مكان الختان من ذكره فقط؛ وهو للنساء مكرمة فيهنّ للرجال ولم يجب عليهنّ. ولا يسع ترك صبي حتّى يبلغ إلاّ بعذر؛ ولا يضمن الخاتن من مات به إن كان بحال من يختتن مثله، ولا يأثم أيضا؛ ويلزم والديه ختانه قبل بلوغه، وكذا الأخرس والبنت إن اعتيد لها؛ وأجرة الخاتن من مال الصبي إن لم يكن من يؤدّي عليه.
وإن قطع أكثر قلفته وظهر أكثر الحشفة أجزاه، وقيل: حتّى تظهر كلّها، وهل يجزي [91] نصف القلفة أو لا؟ قولان.
ومن وُلد مكشوف الحشفة لم يلزمه الختان لحصول المقصود منه، ومن أسلم حين يخاف منه أو لم يجد فيه خاتنا، فله أن يؤخّره ويتعلَّم القرآن حال العذر، ويُصلّى عليه إن مات فيه. وشدّة البرد عذر لبالغ إن دان بالختان واعتقده متى أمكنه، وجاز -قيل- لقوم إن اعتيد لهم الموت به، وعُرفوا به وشهر تركه، لأنّه عذر، ويُحكم لهم بالطهارة.
وعن الحسن أنّ من أسلم كبيرا وخاف العتب إن اختتن لا يلزمه، ولا بأس بذبيحته وصلاته، واتّباع السنّة أولى من قول الحسن. (1/220)
صفحة 213
ويجبر الأب ابنه عليه إن كرهه، والسيّد عبده إن بلغ، ولا يلزمه إن كان صبيا. وتأمر أمّ اليتيمة أو القائم بها من يختنها، ولا يضمنها الآمر إن ماتت، ويضمنها الفاعل إن تعدّى المعتاد في مثلها لا الآمر. ويستحبّ قبل البلوغ، ولا يجب إلاّ عنده.
ومن احتسب فختن يتيما، فلم يرق دمه حتّى مات وله وليّ أو وصيّ لم يضمنه، ولو لم يأمره به، وإن لم يكن له أحدهما وكان مطيقا للختان وصالحا له في المعتاد، فقيل: لا يلزمه الضمان أيضا، ولعلّ بعضا -قيل- يذهب إلى أنّ الصبيّ غير متعبّد بالختان والاحتساب إنّما يكون في إزالة الضرّ عنه عند وقوعه في نفسه، وقيل: يجوز في مثل هذا أيضا إن لم يكن له قائم به، وليس المحتسب في ذلك متعدّيا، وربّما أدّى ترك ختانه إلى ضرره وفوت طهارته.
أبو المؤثر: يُختتن موضع الذكر من الخنثى. أبو عبد لله: لا يسمّى أقلف من بقي من ختانه شيء إذا ظهر بعض حشفته. ويبدل الصلاة من لزمه إعادة الختان، لا الصوم. وجاز لرجل أن تختنه المرأة إن لم يجد رجلا، لا عكسه.
فصل
قال بعض الحكماء: الأدب صورة العقل، فصوّر عقلك كيف شئت. ومن أحبّ الأدب تواضع له، ومن بغضه تكبّر عليه؛ ومَن غذاؤه الأدب كان ينبوعا للحكمة، ومن كثر -قيل- اعتباره، قلّ عثاره؛ وليتصفّح أحوال غيره ليتّبع أحسنها ويدَع أقبحها، كما قيل: إنّ السعيد من وعظ بغيره.
ومن الأدب أن لا تسأل من لقيت أين يريد، ولا من أين أتى، وأن لا تقف عند متحدّثيْن، وأن لا تدخل بينهما، وأن لا تناجي واحدا دون آخر إن كنتم ثلاثة، ولا اثنين إن كنتم أربعة.
ويُكره لأديب أن يخاطب من ليس بأديب، كما لا يخاطب الصاحي السكران. وللعاقل أن يُعوّد نفسه صعب الأمور، ليصبر عليها وتسهل عليه عند الاِحتياج، (1/221)
صفحة 214
لأنّ الرخاء ليس بدائم، والمرء ليس من الشدّة بسالم؛ وإن دخلت مع أحد منزله، فادخل بعده واخرج قبله، وأقبل على الجلساء بوجهك. ومن سوء الأدب أن تعرض على المحدث، وأن تقبل على المعرض، وأن تنعس بين الناس، وأن تعيد الحديث. وعلى العبد أن يصبر على ما ساءه أو سرّه، ويرضى بما قُدر له.
فصل
روي أنّه قال -صلّى الله عليه وسلّم-: «إنّ الله أمرني أن أعلّمكم ممّا علّمني، وأؤدّبكم بما أدّبني»؛ لا يكثرنّ أحدكم الكلام عند الجماع، لأنّ منه الخرس، ولا ينظر عنده إلى فرج أهله، لأنّ منه العور والعمى، ولا يشربنّ من حيال [92] عروة الكوز، فإنّها مرصد الخبيث للشارب أيسمّي أم لا؟ ولا تدعوا القمامة في منازلكم إذا اجتمعت حتّى تُخرجوها، وطهّروا بيوتكم من نسج العنكبوت، فإنّ تركه يورث الفقر، ولا يبيتنّ في بيت ليس فيه باب يغلقه أو ستر يرخيه، ولا فوق سطح ليس عليه حاجب، فارخوا ستوركم وأطفئوا سرجكم وخمّروا آنيتكم، وقد أوتي بإناء مكشوف فقال: هلاّ خمّرته ولو بعود تعرضه عليه، والتخمير التغطية، ولا تحدثوا بما تخلوا به عند نسائكم، ولا يحتجمن يوم الأربعاء، ولا يوم السبت، فمن فعل فأصابه وضح فلا يلومنّ إلاّ نفسه.
وأكثروا من التلاوة في بيوتكم، ومن الحوقلة تُغفر لكم ذنوبكم. وروي: لا يتمنّى أحدكم الموت يدعو به إلاّ إن وثق بعمله، ألا وإنّ المؤمن يزداد إحسانا في أجله إن أصابته سرّاء، وإن صبر على ضرّاء كانت له خيرا.
والمروءة -قيل- ستّ خصال: التلاوة وعمارة المساجد، واتّخاذ الإخوان في الله، وبذل الزاد في السفر، وحسن الخلق، والمزاح في غير معصية. (1/222)
صفحة 215
وإذا قرعت باب غيرك، فتمهّل، وليكن بين كلّ ضربتين قدر فراغ متوضّئ ومصلّ من ركعتين، وآكل من أُكْلَته، ولامس من حاجته، وإذا دخلت مع ربّ المنزل فاجلس حيث أمرك، فإنّه أعرف بعورته.
ورمي النوى يورث نقصان العقل، والقمّل يورث الفقر، ويُكره البزاق في النهر. عبد الله بن القاسم: لا بأس بوضع غائط فيه، وينهى الربيع عن استنجاء في الجاري، واغتسال من جنابة فيه، ولم يتابعه عليهما ابن المعلاّ؛ وكُره التنخّم والبزاق في الماء.
الربيع: تُكره الصلاة والقراءة في سكرة النوم، وما كرهه الفقهاء كان مكروها.
فصل
روي: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم»، فإنّ حسن الخلق والجوار يعمّران الديار ويزيدان في الأعمار، وإنّ الخلق الحسن لزمام بيد مَلَك يجرّه إلى الخير، والخير يجرّه إلى الجنّة، وإنّ الخلق السيّء لزمام من عذاب الله في أنف صاحبه، بيد شيطان يجرّه إلى الشرّ، والشرّ يجرّه إلى النار؛ وقال: إنّ هذه الأخلاق منائح من الله، فمن أراد به خيرا منحه خُلقا حسنا، ومن أراد به شرّا منحه خلقا سيّئا.
وقال الأحنف: ألا أخبركم بأدوإ الأدواء؟ قالوا: بلى، قال: الخلق الدنيء، واللسان البذيء، وخير الرجال من كرمت خلائقه في العسر واليسر، ومن لم يبطره الغنى ولم يذله الفقر ولم يغيّره الدهر.
ابن عبّاس: أكرم الناس عليّ جليسي، وليساو الرجل بين جلسائه في إقباله وحديثه وإكرامه وتقريبه، اقتداء بنبيئه -صلّى الله عليه وسلّم-، فإنّه يقسّم لحظاته بين جلسائه، ولا سُئل شيئا قطّ فقال لا، ولا عاتب أحدا على ذنبه، وقال: ((من كان في مجلس ثمّ قام منه ثمّ رجع إليه، فهو أحقّ به))، وقال عمر: من تناول شيئا من لحية أخيه [93] فليره إياه. (1/223)
صفحة 216
فصل
من كان بين منافقين لا غنى له عنهم، فله لقاؤهم ببشر حسن، وملاطفة بقول وفعل، ويريهم التصويب لهم منه، ويفارقهم في السرّ، وتسعه التقية، لأنّ المؤمن يلقى الناس بلين الكلام ولو آمنا، وبما يكون به في دينه سالما، وينكر بقلبه أفعالهم القبيحة إن قبلوا قوله.
وإن أذاه أحد بقول أو فعل، فالمأمور به كفّه عنه بمداراته والإحسان إليه، اقتداء بسيّد البشر.
وجاز إضمار العداوة للكفّار، وإظهار الودّ لهم تقيّة اقتداء به أيضا حين قال لرجل استأذنه في الدخول عليه: «بئس العشير»، فلمّا دخل ألان له القول، فعاتبته عائشة في ذلك، فقال لها: «إنّ أشرّ الناس منزلة غدا من تركه الناس اتّقاء لفحشه».
وللمرء أن يُرضي من يخشاه بقول ليّن، ويضمر خلافه لجرّ نفع أو دفع ضرّ، لا مصانعة في معصية. ولقاء الناس بلين الجانب من حسن الخلق، والتعطّف لا من المصانعة؛ ومن سلم من معصية ويلقى الناس كيف شاء، وإن بوصوله إلى جائر ولم يكن عاصيا بذهابه إليه لم يكن عاصيا في ذلك ولا مصانعا، وإنّما هو من حسن أخلاقه ليتّقيه صرفا لضرّه، واستكفاء لمعصيته، وذبّا عن غيره، فيكون ذلك منه عبادة.
وجاز الصنع -قيل- لذمّيّ وملِك وغيرهما إن أدّى إلى تقوية الدين، وأمر الآخرة، أو قضاء حاجة مباحة، وكلّ ما ينقص من دنياك فتحتمله فهو مدارات، وفي أمر الآخرة مداهنة.
وندب لعاقل أن يعتزل أهل زمانه إن رأى العزلة أصلح لشأنه، لما روي: «أنّ صوامع المسلمين بيوتهم».
ابن عبّاس: وهل يفسد الناس إلاّ الناس. وعن عمر: خذوا حظّكم من العزلة. (1/224)
صفحة 217
ولمن مرّ تحت مائل أو مخوف أن يسرع في مشيه اقتداء به -صلّى الله عليه وسلّم- إذ فعله، فقيل له فيه، فقال: أخاف موت الفجأة. ويدَع الرجل الالتفات فإنّه فعل الحمق، وينظر في موضع قدمه، ويمشي الراجل في جانب الطريق والراكب في وسطه، وهذا في العمران، وأمّا في الفضاء ففي وسطه لهما.
وفي الحكمة إياك والحاجة (91) والمشي في غير حاجة، ولا بأس بالجري فيها، وقيل: هو من الجفاء إن كانت تُدرك بالمشي؛ وجاز فيما خيف فوته أو عطبٌ فيه أو هلاك نفس أو مال ولو للغير، بل ذلك مندوب.
وروي: اجتنبوا الجلوس على الطرقات إلاّ بضمان أربعة: ردّ السلام، وغضّ الأبصار، وإرشاد الضالّ، وعون الضعيف، قيل: وتشييع الجنائز.
ابن محبوب: لا يقوم أحد إلاّ لإمام عادل أو فقيه أو والديه.
فصل
روي: «إنّ الله قسّم بينكم أرزاقكم كما قسّم بينكم أخلاقكم، ولو هرب أحدكم من رزقه كما يهرب من الموت لأدركه رزقه كما يدركه الموت».
ابن بركة: الأرزاق في السماء الرابعة، وفي رواية: أرزاقكم على قدر نفقاتكم، فمن كثّر كثّر له، ومن قلّل قلّل له، فعلى العبد أن يسعى في طلب رزقه بالاكتساب له، ولمن يموّنه، ولا يكن كَلاّ على الناس. وقد أجمعوا على ذمّ من تخلّف عنه، وأوجبوا التحرّك في طلب القوت، فإنّ طلب الرزق ليس من طلب الدنيا، ولا يسع أحدا أن يظنّ أنّه إن لم يعمل لم يأته رزقه، وهو مقسوم لا زيادة فيه ولا نقصان، وعليه أن يطلبه، وإن ترك العمل وتوكّل على الله أنّه لا يفوته رزقه، لم يخطأ. ومن أظهر حاجته (92) للناس ولم يقدر أن يكتمها لم يكن ساخطا لرزقه. (1/225)
صفحة 218
[94] الباب الثالث والثلاثون
في النوم والأكل والشرب والجماع، وأدب ذلك
وقد روي: «إنّ الله يبغض كثرة النوم والأكل والراحة، ويحبّ قلّة ذلك»، وأيضا: «أريحوا القلوب تعي الحكمة».
وقد جعل النوم دليلا على الموت، والقيام منه دليلا على البعث؛ وينبغي للعبد أن يعلم أنّ عليه لنفسه حقّا، فلا يمنعها حقّها؛ إذا أسهرها ليلا، أراحها نهارا؛ ولا يمنعها الطعام والشراب إن وجد، فتضعف عن أداء ما افترض الله عليها، وليصبر لقضاء الله.
ونُهي عن النوم قبل صلاة العِشاء والسمر بعدها، وهو التحدّث في أمور الدنيا والشعر واللهو والمعازف، وهذا حرام في كلّ وقت، وعن نومة الضحى وهي مخلفة، لأنّها ساعة الانتشار وابتغاء الفضل؛ والعرب تقول: إنّها مكسلة ومبخرة ومنسئة للحاجة.
فالنوم ثلاث: نوم الخلق في الهاجرة مأمور به، ونوم الخرق في الضحى، ونوم الحمق في العصر؛ وعن النوم بين الشمس والظلّ، فالظلّ مبارك؛ وعن نوم الصبيّ عند الباب، ولا يُتخطّى نائم، وعن نوم الرجل على بطنه والمرأة على قفاها، وهي نومة الشيطان، وعن وضع مستلق إحدى رجليه على الأخرى، ولا تدَعوا نائما على بطنه، ولا على المحجة.
وجاز إيقاظ النائم لحاجته، وإن لم يأمر به، ويؤجر موقظه للصلاة، ويأثم إن تركه حتّى فات الوقت، ولا بأس بإيقاظ نائم بين جماعة، وإن لم يحدث. وكُره تنبيه صبيّ، ويضمن إن زال عقله به.
وينام -صلّى الله عليه وسلّم- على يمينه، ويضع يمناه تحت خدّه، وليقل من استيقظ: الحمد لله الذي أحياني بعد أن توفّاني وإليه النشور؛ وكُره النوم في حمراء لاعتراء الجنون به، فالأنبياء -عليهم السلام- ينامون على ظهورهم لانتظارهم الوحي (1/226)
صفحة 219
بالعيون، والمؤمن على يمينه مستقبلا (93)، والملوك على شمالهم ليهنأ لهم ما أكلوه، وإبليس وأعوانه وذو عاهة على وجوههم، ولا ينام أهل الجنّة، لأنّه أخو الموت.
فصل
فرق بين النفس والروح، فقيل: الروح ما به الحياة والنفس ما به العقل، وتُقبض عند النوم لا الروح، وقيل: لكلّ إنسان نفسان، نفس الحياة وهي المفارقة عند الموت، ونفس التمييز وهي المفارقة عند النوم، فيمسك التي قضى عليها بالموت عنده فلا يردّها إلى الجسد، ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى، فيردّها إليه حتّى يقضي بموتها.
وقال عليّ: يخرج الروح عند النوم، ويبقى شعاعها في الجسد يرى بها الرؤيا، فإذا انتبه عاد إليه بأسرع من لحظة، ويقال: إنّ الأرواح تتلاقى عند النوم فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها أمسك الله أرواح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء إلى أجسادها إلى مدّتها، وهو معنى قوله: {اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا} الآية (سورة الزمر: 42)، وقيل غير ذلك؛ ولينفض مريد النوم فراشه من داخله، وليقل: باسمك ربّي الخ (94).
فصل
أحبّ الطعام إلى الله -قيل- ما كثرت عليه الأيدي، وأنّ الله وملائكته يصلّون على أهل بيت إذا اجتمعوا على طعامهم؛ وكره الأطبّاء والحكماء الأكل بين يدي السباع مخافة شره نفوسها وأعينها.
ابن عبّاس: إنّ الكلاب من الجنّ، فإذا غشيكم شيء منها فألقوا إليه شيئا [95] واطردوه، فإنّ لها أنفس سوء. وكرهوا أيضا قيام الخدم على الرؤوس مخافة العين. (1/227)
صفحة 220
وقد أمر -صلّى الله عليه وسلّم- من شكى إليه طول السقم أن يطبخ اللحم باللبن، قال: «فقد سألت ربّي أن يجعل فيهما الشفاء والبركة»؛ وشكى -قيل- نبيء إلى الله قلّة الولد، فأوحى إليه بأكل البيض والحيتان فإنّهما يكثران النسل؛ وقال: «العدس مبارك مقدّس، يرقّ القلب ويكثر الدمعة، وبارك فيه سبعون نبيئا»، منهم عيسى -عليه السلام-، فعليكم به وبالقرع، فإنّه يزيد في الدماغ والعقل، وبالتمر فإنّه يذهب العياء ويدفئ ويشبع، وفيه نيّف وسبعون بابا من الشفاء، منها الأمان من القولنج، وبالزبيب على الريق، فإنّه ينشف المرّة ويذهب البلغم والغمّ والنصب ويشدّ العصب، ويحسّن الخلق، ويطيّب النفس، وقال: أكل العنب حبّة حبّة، فإنّه أهنأ وأمرأ، وباللحم فإنّه ينبت اللحم، ومن تركه أربعين صباحا ساءت خلقه.
ابن سلام: من أكل اللحم قبل الطعام وبعده أذهب الله عنه ثلاث مائة وثلاثين نوعا من البلاء، أهونها الجذام.
وعليكم بالتين فإنّه يذهب البواسير (95)، ويقطع النقرس، ويفتح السدد، ويزيل رمل المتانة، ويسمّن البدن، ويخضّب اللون. قال: لو قلت إنّها فاكهة الجنّة لكانت، فإنّها بلا عجم جليانوس التين والعنب سيّد الفاكهة.
قال كعب: كلوا التين الرطب واليابس، فإنّه يزيد في الجماع ويرقّ القلب.
واشرب على ثلاثة أنفاس: الأولى شكر الله، والثانية مهضمة الطعام، والثالثة مطردة الشيطان، فمصّوا الماء وعبّوا اللبن، وأياك أن تقرن اللقمتين أو التمرتين في فيك، إذ لا شبع معه، وأن تكثر الالتفات إلى محلّ يؤتى منه الطعام، وأن تتأخّر برفع اليد منه، وأن تجلس صدر المجلس فتُظهر التعزُّز أو في آخره فتُظهر المهانة.
ونهي عن السخن جدّا، ويُكره وضع اليد في الأرض عند الأكل، وذكر الموت، وجاز الأكل ممّا أوصي به لمأتم ولو لغني، وكُره النفخ في طعام أو شراب أو رقيا.
وإن حضرت لمضطرّ ميتة نعم وخنزير مذكّى أكل الميتة، وقيل سواء بقدر ما ينجيه ويقوّيه على أداء الفرض في وقته. (1/228)
صفحة 221
ونهى عن التخلّل بقضيب الرمّان وعود الريحان لتحريكهما عرق الجذام، وقيل: إنّه يتخلّل بكلّ ما وجده إلاّ القصب والخوص، وقيل: من تخلّل بخوص لم تُقض له حاجته أربعين يوما، فإن قُضيت فبكدّ وتعب؛ وقد أمر بالتخلّل وقال: لا أبغض عند الله من وجود طعام بين أسنان العبد.
فصل
ليقل مريد الجماع: باسم الله العظيم، اللهمّ اجعلها ذريّة طيّبة إن قدَّرت خروج نسمة من صلبي، وجنّبنا من الشيطان وجنّبه عنّا؛ فإذا فرغ قال في نفسه: الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا سويّا، وليستتر ولا يتجرّدا تجرّد العيرين.
روى جابر عن عائشة أنّه -صلّى الله عليه وسلّم- يأتيني (96) قائما وقاعدا ونائما، لا كما تأتي الدوابّ، فإذا أراد معاودة الأولى أو غيرها قبل الاغتسال، غسل مذاكره وتوضّأ ثمّ فعل، ولا يجامع جاريتين في فراش واحد، وجاز بجنابة الأولى، ومنعه بشير ولو معاودة الأولى بها. أبو الحواري: أجازوا إتيان أربعة باغتسال واحد، ورفعوه إلى النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- أنّه كان يفعله بنسائه، وهو المختار.
ونهى عن الجماع ليلة الإهلال والنصف من الشهر، لأنّ الجنّ تكثر جماع نسائها فيهما؛ وشكى رجل إلى ابن عبّاس أنّ امرأته انتبهت وكان بفرجها شعلة نار، فقال له (97): ذلك وطء الجنّ، فقال: هل يُحمل [96] لهم؟ قال: نعم، قال: فمن أولادهم؟ قال: المخنّثون، وقيل: أولاد الزنا.
وقيل: يقعد الشيطان على ذكر الرجل، فإذا جامع، جامع معه ثمّ يصبّ ماءه معه، وهو معنى قوله تعالى: {لَمْ يَطْمِثْهُنَّ} الآية (سورة الرحمن: 56)، وقيل: يدخل في إحليل الرجل فينكح كما ينكح، ويقرّ ماؤه مع مائه، وذلك معنى قوله: {وَشَارِكْهُمْ ِفي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ} (سورة الإسراء: 64)؛ وينوي ابتغاء الولد وكسر الشهوة عنه وعنها. (1/229)
صفحة 222
ولا يصلح الجماع إلاّ عند هيجانها مع استعداد المنيّ، ويضرّ حبسه عند ذلك ضرّا عظيما كسائر الفضلات الرديئة، وليس له وقت إلاّ عندما ذكرنا، ولو سنّة، خصوصا صاحب المزاج الصفراوي والسوداوي، لأنّهما يضرّهما لقلّة الرطوبة فيهما، والأصلح لذي الدموي والبلغمي مع الاستعداد والقوّة، في الأسبوع مرّة أو مرّتين أو ثلاثا مفترقات فيه، ولا يجامع مرّتين في يوم وليلة، لأنّ المنيّ من خالص الغذاء الذي هو مادّة الروح، فإن عاود كثيرا استفرغ، ثمّ يأخذ المنيّ من دم الغذاء ومن الرطوبة الأصليّة، فيكون سببا للعطب؛ والإكثار منه يسرع الهرم والشيب، وضعف البدن والبصر.
فصل
للجماع كيفيّة، وهو استلقاء المرأة والعلوّ عليها، ولا خير في غيرها بعد ملاعبة وتقبيل وضمّ ونحو ذلك ممّا يحضر شهوتها، فإذا حضرت أولج، ولا يعجّل بالنزع بعد الإنزال حتّى يسكن جسمه وتفتر أعضاؤه.
وقد جرّب الأطبّاء أنّه ممّا يكون به الولد ذكرا بإذن الله، إذا أحسّ من نفسه إرادة الإنزال أمال المرأة على جنبها الأيمن، ثمّ ينزل فيصادف محلّ الذكر من الرحم، إذ قيل فيه محلّ الذكر ومحلّ الأنثى بقدرة العزيز الجبّار.
وأحسن الجماع ما يعقب نشاطا، وطيب النفس، وبقاء الشهوة، وشره ما يعقب رعدة وضيق النفس وموت الأعضاء والغشيان وبغض المنكوح ولو محبوبا؛ ويُكره -قالوا- أوّل الليل لامتلاء المعدة والعروق، وذلك سبب القولنج واللقوة والنقرس والحصاة والتقطير وضعف البصر، وفي آخر الليل أصلح للبدن وأروح للقلب وأذكى للولد. (1/230)
صفحة 223
والتوسّط في الجماع بين الإكثار والإقلال (98) أصلح، لأنّ الإكثار يؤدّي إلى ما ذُكر، والإقلال يؤدّي إلى موت النفس وعدم التشهّي، لأنّ المنيّ إذا استحلب ذرّ، وإن ترك فرّ.
ومنافع الجماع لأهل الرطوبة كثيرة، يجلب السرور، ويطيب النفس، ويذهب الفكر العارض، ويفرغ الامتلاء فراغا قويا، ويسكن ألم العشق ولو مع غير من يهواه. (1/231)
صفحة 224
الباب الرابع والثلاثون
في جواز مداواة العلل والرقيا، وما يجوز في الأنفس وما لا يجوز
وقد روي: ((إنّ من الله الداء ومنه الدواء، فتداووا عباد الله، فلم ينزل داء إلاّ وأنزل معه دواء، فعليكم بالحجامة))، والحمّى من فيح جهنّم، فأطفئوها [97] بالماء البارد، وحمّى ساعة كفّارة ذنوب شهر، وحمّى يوم أو ليلة كفّارة سنة.
وجاز شرب الدواء وأكله، ولا يهلك من مات به إن تعورف، وهلك من تعمّد قتلا به وإن لم يهلك، والكيّ وإن لنفسه بنفسه، وقطع العرق وتفجير الجرح بالنار إن كان في غير مخوف والجلد ميّت، وتعورف ذلك ورجئ نفعه، وقطع خارجة في البدن إن خيف منها تلف لمن طمع فيه حياة، وموضع اللذع (99) إن عرف فيه الشفاء عادة، وللمرأة حلق شعر رأسها إن تقمّل وخافت ضرّا ورجت نفعا.
وإن عرض لها وجع قريب من فرجها، فلها أن تريه الطبيب وتستر ما حواليه بمحضر زوج أو وليّ محرم أو قريب مطلقا.
وقد دخل قيل على جابر (100) طبيب وببنته وجع في كبدها، فذكرته له، فقال: لا أعرفه حتّى تستلقين فأمسّه بيدي، فأنظر فيه، فأمرها جابر فاستلقت، فمسّه الطبيب من فوق الثوب.
وإن وجدت ماخض كيف لا تنظرها القابلة فعلت، إلاّ إن اضطرّت.
ويداوي الرجل المرأة إن اعتلّت ولم تجد امرأة، إذ لا جناح على مضطرّ. ولها إن كانت طبيبة أن تنظر بدن رجل إن لم يتحرّك قلب أحدهما.
ولبالغة أن يحجمها صبيّ لا يعرف عورات النساء، وكانت لا تشتهي، ويعالج صبية لا تشتهي، ولا تستتر كبير إن أمن نفسه، وهو أشدّ من بالغة مع صبيّ، وإن (1/232)
صفحة 225
مات الجنين ببطن أمّه ونشب وخيف موتها منه جاز للرجل أن يدخل يده في فرجها ويعالج إخراجه منها إذا لم تحضر امرأة.
فصل
كُره الكيّ لبشر ودابّة، وقيل: له فقط، وقيل: جائز لكلٍّ مع رجاء النفع؛ ونظر -قيل- عزوان امرأة مكشوفة، فلطم عينه، فلقي أبا موسى فسأله، فقال له: استغفر الله وتب إليه، فإنّ لها أوّل نظرة، وعليها ما بعدها، فأمسك عن الضحك حتّى مات، وقيل: ليس له أن يلطم نفسه، ولو خدّه لطما مؤلما، لأنّه حجّر عليه في نفسه ما حجّر عليه في نفس غيره، وإنّما له في بدنه ما يرجو به نفعه، ولو نظر ما لا يجوز له، وعليه التوبة، وتجزيه عن مضرّ لا نفع فيه، وليس له أن يضرّ نفسه بشيء.
وإن زنى وهو بكر لم يجز له أن يحدّها، وعليه التوبة والستر على نفسه.
ومن سقطت أسنانه أو بعضها فله أن يتّخذ أسنانا من فضّة، إن لم يجد بدّا منها، وتركه أفضل، وانظر كيف يصحّ ذلك حتّى ينهى عنه إن قصد به المباهاة والرياء.
واختلف في إخراج متحرّك من بطن أمّه، وأجاز مالك معالجته ليخرج من مخرج الولد، وكره أحمد شقّ بطنها، وحرّمه إسحاق، ولم ير الثوري به بأسا؛ وقال أبو سعيد -رحمه الله-: تخرج إجازة المعالجة لإخراجه إذا ثبتت حياة الجنين بلا إباحة ضرّ في الميّت والحيّ، وقد حجّر من الميّت ما حجّر من الحيّ على العمد.
فصل
نتف اللحية أشدّ من أكل الطين، ويُنهى عن ذلك، ولا تُردّ به الشهادة، ولا تُترك به الولاية.
ولا يخلط محرّم أو نجس في دواء. (1/233)
صفحة 226
أبو سعيد: من وجعته عينه فوضع له فيها أدمي عذرة، فإنّه يغسلها ويصلّي، وإنّما يحرّم المحرّم والنجس الأكل والشرب، وجاز لغيرهما، ويُغسل وقت [98] وجوب الطهارة.
ومن شرب مباحا يُعرف بزوال عقل شاربه، فأُغمي عليه حتّى فاتته الصلاة فعليه التوبة والقضاء والكفّارة إن علم أنّه يزيله.
ومن اتّفق مع زوجته أن تشرب مانعا من الحمل أو تسترقي له، أرجو أن لا بأس عليه إن كان الدواء غير مضرّ، وقيل: لا يجوز لأحد أن يسترقي بما لا يعرف معناه؛ وإن نسخه في دفتر ولا يعرف موافقته، لزمته التوبة لإقدامه على ما لم يعرف صوابه، وإن محاه وسعه ذلك وحسن، وإن كتب عليه لا يعمل به حتّى يبصر عدله أو تركه وسعه أيضا.
وجاز تعليق التعاويذ، وقيل: لا، ولا الإقدام على استعمال ما كتب بغير العربية لاحتمال كونها شركا أو سحرا؛ وجاز لمن تضرّرت بحيض قطعه بأكل دواء غير مضرّ أو برقيا.
ومن طلب امرأة فأبت من تزوّجه، فقيل له أن يكتب لها بما يميلها إليه إن كان لا يغيّر عقلها به ولا جسدها، وقصد إسعافها به، وكان كفؤا لها، ويضمن ما أصابها به إن وقع، ويؤجّل سنة فإن دام ما أصابها فعليه ديّة ذلك؛ وهذا إن أمن الطالب المطلوب في فعل ذلك، وهو يأمن الطالب بالعدل فيه إذا وجّهها إليه؛ وقد سحر رجل -قيل- امرأة حتّى واقعها، فكتب معاوية بذلك إلى المدينة، فاجتمع ابن عبّاس وابن عمر على قتله وترك المرأة.
ومن أدرك امرأته يُصنع بها ضبع كما يصنع الرجل بامرأته، فهي زانية إن مكّنت الضبع من نفسها، ولا يتوارثان إن مات أحدهما.
ومن رأى امرأة كذلك، فلا يتزوّجها ولا يقتلها، ولا يصحّ بركوبها الضبع أنّها ساحرة. (1/234)
صفحة 227
ومن أظهر سحره وكان شركا حلّ قتله إن لم يتب. وروى أبو سعيد: ((أقتلوا الساحر والساحرة))، فقيل: إذا صحّ عليهما ذلك مطلقا، وقيل: إن كانا مشركين.
ومن نفى وجود السحر البتّة، فقال لا دليل عليه من الثلاثة، فهو مبطل؛ ومن نفى وجوده اليوم كان مقلّدا.
فصل
جاز لأجنبي إخراج ساقطة في بئر أو مضيق كيف أمكنه بعد أن يلفّ يده إن أمكنه.
أبو سعيد: لا يجوز لمن عُرفت بمداواة أن تمسّ الرجل إلاّ لضرورة، إن عُدِم غيرها، وقيل: يباح له منها مالا يباح لها منه من المسّ، لأنّه يجوز له المسّ والنظر في وجهها وكفّها ما لم يكن لشهوة، وقيل: لا يجوز المسّ إلاّ لمعنى.
وإن قطع طبيب عرقا لأحد فمات به، فعليه ديّته إن زاد على المتعارف، وإن ادّعى وارثه الزيادة وأنكر هو، قُبِلَ قوله مع يمينه إن لم تكن للوارث بيّنة، وإن أنكر القطع أو الموت به وادّعاه الوارث، فعليه البيّنة وإلاّ حلّفه.
ومن جعل لأحد شيئا على معالجة عليل إذا زالت علّته، فلا شيء له ما تعاوده.
ومن حلق لأحد بأمره وجرحه فلا يضمنه إن لم يتعمّد، وكان ذلك معرفته، وقيل: يضمنه، وكان (101) كالخطإ؛ وكذا من فعل في صبيّ أو عبد أو يتيم ما يسعه فعله فيه، فأصاب منه شيئا.
وإن تعدّى الحاجم في حجامة أو ختن ضمن على [99] وجه الخطإ، وإن تعمّد فعلى وجه العمد؛ وكذا الطبيب إن فعل ما يسعه ولم يتعدّ فعل مثله لا يضمن. والفاعل بعبد ما لم يأذنه به مولاه ضامن لما أصاب منه إن أمكن إذنه، وكذا في صبيّ مع إمكان مشورة قائم به، وإن خيف الضرّ على من ذكر ولم تمكن مشاورة السيّد والقائم، فقيل: يرجى له جواز الفعل. (1/235)
صفحة 228
ومن علم ما يفعله الطبيب ونحوه وفعل مثله، فبمنزلته، ولا يسعه، وضمن إن فعل بلا معرفة. ومن طلب من يغمز له بدنه فكسّر له ضلعا أو عضوا، فقيل: لا يضمنه إن لم يتعدّ المعتاد في مثله، وقيل: يضمنه خطأ، لأنّه أذن له بالغمز لا بالكسر.
فصل
إن وصف لذاهب عقل شرب دواء أو سعوط أو غيرهما فلا بأس على الواصف والمعالج إن اعتيد نفعه وأمن ضرّه، ولم يقصد غير النفع له، ولو حصل له به ضرّ على غير المعتاد فيه، وكذا في الصبيّ والعبد.
وإن ربط راق إبهام مجنون بلا إذن رجاء لنفعه لم يضق عليه إن اعتيد بلا ضرّ يحصل به. وإن سقت امرأة ولدها دواء فمات، فلا عليها (102) إن قصدت به شفاء.
أبو المؤثر: إن حملت فاجرة ثمّ شربت ما تطرح به، قال: تتوب إلى الله إن طرحته ميّتا، وتؤدّي ديّته إلى أرحامه منها على قدر ما يرثونه، ولا تأخذ معهم منها، وإن طرحته حيّا فمات، لزمتها الديّة لا القِوَد، وإن لم تعلم أنّها حامل فشربت دواء فأسقطت حيّا فمات، فديّته على عاقلتها، وإن خرج ميّتا فغرَّة [كذا] عبد أو أمة أو غيرهما على الخلف فيها.
وعندنا -قيل- من شربت معتادا شربه قصد شفاء ولا تعلمه قاتلا، فطرحت به ولدها، قال أبو علي: لا ديّة عليها، ولا أرى بأسا أن تصوم شهرين.
وإن شربت حامل معتادا نفعه فألقت به، فلا عليها، وإن لم يعتد فديّة الخطإ، وكذا إن سقته ولدها.
ومن شرب قاتلا قصد القتل نفسه هلك؛ وفي الصلاة عليه وفي التداوي بناجس كبول، قولان.
ومن وُصف له حرام يداوي به علّته، فأكله أو شربه فبرأ منه لزمته التوبة، وهل يجوز لمن خرج له باسور قطعه، وبه قال أبو المؤثر إن لم يكن مخوفا أو لا يجوز قطع العروق قولان، وقد فعل ذلك عزّان.
وأجاز أبو سعيد إخراج مدّة من جرح أو ضربان بنار إن رجي نفعه، ولا يجوز لأحد أن يفدي بنفسه غيره ممّن قصد ظلمه، ولو أبويه، إلاّ إن ظنّ أنّه يطيق منعها منه، ولا أن يؤاجرها بقعود عنه في حبس ولا أن يظلمها عن ظلم غيره.
ومن دخل حريقا أو سيلا أو ألقى نفسه في البحر أو نحوه لينجي مالا أو نفسا، فلا يأثم إن عطب ولم يتعمّد هلاك نفسه، وكفر إن قصده. (1/236)
صفحة 229
الباب الخامس والثلاثون
فيما يقال عند العطس والتثاؤب والنوم وغير ذلك
وقد روي أنّ من ناله فقر أو هاله أمر، فليكثر من الحوقلة -كما مرّ- ومن الاستغفار إن أبطأ عليه رزق؛ وأنّ من أصابه حزن أو سقم أو غمّ أو أزال، وهو شدائد البلوى أو لأواء، وهو الجوع، فليقل: الله ربّي ولا أشرك به شيئا ثلاثا.
[100] وأيضا: ما أنعم الله على عبد في أهل أو مال أو ولد فأعجبه، فقال إذا رآه: ما شاء الله، لا قوّة إلاّ بالله، إلاّ دفع عنه كلّ آفة؛ ونُدب عند النظر إلى المعجب الصلاة على النبيء، ليطرد عنه بها العين (103).
ومن نظر مبتلاً قال سرّا: الحمد لله الذي عافاني ممّا ابتلاه به، وفضّلني عليه وعلى كثير ممّن خلق تفضيلا، عفاه الله من ذلك.
ومن نظر ذمّيا قال: الحمد لله الذي فضّلني عليك بالإسلام دينا، وبمحمّد نبيئنا.
وإن نظر جنازة قال: الله ربّي ولا أشرك به شيئا، الله أكبر، أعوذ بالله من غدوّ ورواح إلى النار.
وعند العطس: الحمد لله، فإذا قال: فشمّتوه، وإلاّ فلا، ولكن لمن سمعه ولم يقل الحمد لله أن يحمده هو. والتشميت بمعجمة وبمهملة أن يقول له: يرحمك الله، وإن كان العاطس وليّا قلت له: يرحمك الله آمين غفر الله لنا ولك، ويردّ عليك: هداك الله، وأصلح بالك.
ويروى: سابق العطاس بالحمد لله يأمن من داء البطن والخاصرة والصداع، ولا يرى في جنبيه مكروها حتّى يموت، ولا يشمّته بعد ثلاث لأنّه زكام.
ابن عبّاس: العطاس من الله، والتثاؤب من الشيطان، فإذا تثاوبت فضع ظاهر أصابعك على فيك تسكينا له، وأوّل من عطس آدم -عليه السلام-، فقال: الحمد لله (1/237)
صفحة 230
إلهاما منه عزّ وعلا، فقال: يرحمك الله ياآدم، فسبقت رحمته غضبه، فسنّ ذلك. وسببه -قيل- أنّ الروح جرت في جسده، فتنفّس وخرجت من خياشمه عطسة.
فصل
كان ابن مسعود يعلّم الصحابة الاِستخارة كالسور، ويقول: من أراد منكم أمرا، فليتوضّأ ويصلّي ركعتين، وليقل: اللهمّ إنّي أستخيرك بعلمك وأَستقدرك بقدرتك، فإنّك تعلم ولا أعلم، وتقدر ولا أقدر، وأنت علاّم الغيوب، وعلى كلّ شيء قدير، اللهمّ إن كان هذا الأمر خيرا لي ولديني ولدنياي ولعاقبة أمري فيسّره لي وقدّره، أنت أعلم به منّي.
ومن خرج من منزله قال: بسم الله، واعتصمت بالله، وتوكّلت على الله، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، قالت له الملائكة: هُديت وعُصمت وقُويت وكُفيت، ويقول الشيطان: كيف لي بعبد صار له ذلك! وقال إذا دخله: السلام علينا من ربّنا، وعلى عباد الله الصالحين، والحمد لله ربّ العالمين.
ومن دخل القرى فلا عليه إن نظر ظاهر دور الناس وأموالهم.
ومن أوى إلى منامه ذكر الله بما تيسّر له حتّى ينام، وفيه أدعية ومندوبات لا أطيل بها، وإن بات طاهرا أوْكل الله له ملائكة يستغفرون له، ويؤذن لروحه بالسجود لله تحت العرش، وكان شهيدا إن مات فيه، وليقل إذا انتبه: لا إله إلاّ أنت سبحانك الخ؛ ونُدب له إذا أراد أن ينام أن يقرأ عشر آيات من البقرة، أربعا من أوّلها إلى {المُفْلِحُونَ}، وآية الكرسيّ، وآيتين بعدها، وهما: {لاَ إِكْرَاهَ} إلى {عَلِيم}، وثلاثا من {آمَنَ الرَّسُولُ} الخ، فلا يضرّ الشيطان من قرأها في نفسه، ولا في ماله، ولا في أهله، وكان كقائم ليله؛ وإن قرئت على مجنون برأ. ويستفتح المرء ليله ونهاره بالذكر؛ ومن الأدب أن لا يرفع صوته بعطس، ولا بقراءة ولا بغيرهما (1/238)
صفحة 231
الباب السادس والثلاثون
في جائز فيه التقيَّة ومندوح الكلام
وقد أُجيز المعاريض عندها وعند الأمن كما روي أنّه -صلّى الله عليه [101] وسلَّم- كان يصيب من الرأس وهو صائم، يريد أنّه يقبل، وذلك من ألطف الكنايات، وكقوله لأزواجه (104): أسرعكنّ لحوقا بي أطولكنّ يدا، فطاولن أيديهنّ، فطاولتهنّ سودة، فماتت زينب أوّلهنّ، وهو يريد أمدّكنّ يدا بالإعطاء، وكانت زينب تعمل الأزمّة والأوعية تقوي بها في سبيل الله.
وكما روي أنّه إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أيقظ أهله، ورفع المئزر، كناية عن اعتزال النساء والإيقاظ للصلاة، وعن الاِجتهاد في العبادة.
وكما روي أنّ رجلا أتاه وعليه ثوب معصفر، فقال له: لو أنّ ثوبك كان في تنّور أهلك لكان خيرا لك، فذهب ثمّ جاء من الغد، فقال له: ما فعل الثوب؟ فقال: صنعت به ما أمرتني به، فقال له: ما كذا أمرتك، إلاّ أنّي أردت أن تلقيه على بعض نسائك، وقيل: أراد لو بعته واشتريت بثمنه دقيقا تخبزه وحطبا توقده، لكان خيرا لك من أن تلبسه، لا إحراقه لأنّه فساد، وقيل: أراد إن لم تفهم ما قلت وأردت كسوة به بعض نسائك، لأنّ المعصفر مكروه للرجال.
ودخل -قيل- رجل على عيسى بن موسى وعنده ابن شبرمه (105)، فقال له (106) عيسى: أتعرفه؟ قال: نعم، إنّ له بيتا وشرفا وقدما، ولم يكن يعرفه، وإنّما أراد بيته الذي يسكن فيه، وأعلاه وقدمه الذي يمشي به، وأوهمه أنّ له سابقة في الفضل وقدم صدق أي عمل صالح، وشرف في الحسب والنسب.
وللمرء أن يرضي من يخشاه بالقول الحسن مع إضمار خلافه، كما مرّ.
أبو الحواري: من حدث عن رجل فأخطأ في اللفظ ووافق المعنى جاز له، ولا يكون بذلك كاذبا، كأن يقول لأحد: هلمّ إليّ، فقال عنه تعال، وهو قال: هلمَّ (107) (1/239)
صفحة 232
وكان يقول له: اذهب إلى فلان، فقيل عنه قال: امض إليه، فلا كذب فيه، ولو اختلف اللفظ لاتّحاد المعنى.
وفي قصّة موسى -عليه السلام- ما يدلّك على هذا حكاية {سَآتِيكُمْ}، {إِنِّيَ آتِيكُمْ} الآيات؛ ولا يجوز ذلك في الشهادة، لقوله تعالى: {ذلك أدنى أن يأتوا بالشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا} (سورة المائدة: 108).
ومن تعمّد -قيل- تحويل كلام قصدا لإثبات حقّ أو إزالة باطل أو إصلاح بين قوم لم يكن به كاذبا ولا آثما وجاز له، قال يوسف -عليه السلام-: {أَيَّتُهَا الْعِيرُ} الآية (سورة يوسف: 70)، وهو يعلمهم غير سارقين، وإنّما قصد الاحتيال في أخذ أخيه، بجعل السقاية في رحله (108) {وَقَالَتْ اِمْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ ِلي وَلَكَ لاَ تَقْتُلُوهُ} (سورة القصص: 9) فاحتالت على أن لا يُقتل، وقال إبراهيم -عليه السلام-: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} (سورة الأنبياء: 63).
فصل
كتب -قيل- أبو زكرياء إلى أهل حضرموت: لكم سعة فيما بُليتم به من جور الظلمة على أموال الأيتام، إذا أتاكم خارصها عليهم أن تقولوا له: هذا للمسجد أو للسبيل أو نحوهما، وأن تعرضوا في الكلام الذي يسعكم أن تقولوه، ولو لم تتّقوهم، لقول عمر: وإنّ لكم في المعارض لمندوحة عن الكذب؛ والمندوحة السعة.
ابن عبّاس: ما أحبّ بمعارض الكلام حمر النَّعَم؛ وجاء التعريض في قوله تعالى حكاية عن موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ} (سورة الكهف: 73).
ابن عبّاس: لم ينس ولم يكذب، إذ لم يقل: إنّي نسيت؛ ومنه قول إبراهيم -عليه السلام-: {إِنِّي سَقِيمٌ} (سورة الصافات: 89)، أي سأسقم؛ {إِنَّكَ مَيِّتٌ} (سورة الزمر: 30) [102] وإِنَّهَا أُخْتِي؛ وقد كثر مثل ذلك واستعمله المسلمون. (1/240)
صفحة 233
وروي أنّ عبد الله بن رواحة اتّهمته زوجته بجاريته، فقالت له: إن لم تفعل فاقرأ، فإنّ الجنُب لا يقرأ، فقال شعرا:
شهدت بأنّ وعد الله حقّ ... وأنّ النار مثوى الكافرين
وأنّ الماء تحت العرش طام ... وفوق العرش ربّ العالمين
فبلغ ذلك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فضحك، فقال: ((رحم الله نساءكم يا معشر الأنصار))؛ وأنّ جابر بن عبد الله أتاه أيضا فقال له: إنّي قمت إلى جارية لي في بعض الليل فاتّهمتني زوجتي، فقلت لها: لم أفعل شيئا، فقالت لي: اِقرأ ثلاث آيات من كتاب الله إن كنت صادقا، فأنشأت أقول:
وفينا رسول الله يتلو كتابه ... كما انشقّ معروف من الصبح ساطع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه ... إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
فقالت: أمّا إذا قرأت ثلاث آيات فأنت صادق، فقال رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: ((رحم الله ابنة عمّك، فقد وجدتها فقيهة في الدين)).
ابن محبوب: عجبت ممّن يكذب وفي الكلام مندوحة له عنه، أي مخرج له.
فصل
روي أن أسباب اقتراب الساعة أن يكون الملْك في الأشرار، والمكر في الكبار، والمداهنة في الأخيار، والعلم في الصغار. أبو سعد: أي أخيار أهل زمانهم وليسوا بأخيار حقيقة؛ والصغار هم الذين لا يسمع لهم قول ولا يطاع لهم رأي.
أبو عبد الله: لا يخلو المرء من ثلاث: إمّا فاعل، أو قائل، أو ساكت، فإن كنت فاعلا فانظر نظر الله إليك، وإن كنت قائلا فانظر سمع الله إليك، وإن كنت ساكتا فانظر علم الله فيك. (1/241)
صفحة 234
وأقوى الرجال -قيل- من غلب جدّه هزله، وقهر برأيه هواه، وعبّر عمّا في ضميره فعله، ولم يخدعه رضاه عن إنصافه، ولا غضبه عن حقّه.
ويقال: عاملوا أحرار الناس بالمودّة محضا، فإنّهم لا يحتملون إلاّ ذلك، وعاملوا العامّة بالرهبة في السرّ، وسوسوا السفلة بالمخافة صراحا، وهذا على النظر في الأوقات والناس وصنوفهم. (1/242)
صفحة 235
الباب السابع والثلاثون
في العذاب والعذر والعفو والبغض والهجر والغيبة
وعن بعض: إنّ الصفح عن المذنبين وأهل العتب على الدنيا، والتماس عذرهم والرجوع إلى الرضى عنهم أفضل من الإقامة على الإعتاب عليهم، إذا لم يرد بذلك غير الله، وإن كان بعد المعتوب أسلم للدين وأهله كان إغفال أمره أفضل ما لم يلزم بأمره بالرجعة، فحينئذ يجب قبوله لواجب الحكم.
وإن كان في رجعته صلاح للدين ولأهله فالتماسها أفضل والعفو عن المذنبين عند نزولهم بأهل العتب أفضل من الإغضاء عنهم إن لم يتضرّر به الإسلام وأهله.
والتهجّم عند لقاء من لا تحبّه إن كان يرجى فيه البلوغ إلى ما لا يرجى في التلطّف من إعزاز أهل الحقّ وإذلال أهل الباطل، وإحياء الحقّ وإماتة الباطل أفضل من التلطّف له، والتهجّم في وجه الظالم أولى من البشر واللين [103] له.
وينبغي أن لا يوضع اللين في موضع الشدّة، ولا يعكس إن أمن حلول الفتن في الشدّة، ومعنى ما قيل: من أحبّ قوما فهو منهم أو حشر معهم، حبّهم على باطلهم وتصويب ضلالتهم، وإعانتهم على ذلك، ولا يضره إن كان على غيره.
واختلف بشير وموسى في رجل قتل كافرا فيعجب المسلم قتله، فقال موسى (109) أثم به إن لم يرد استراحة الناس من ظلمه، لا عصيان الله فيه؛ هذا ما في الأثر، ولم يذكر فيه قول بشير.
ويروى: من لم يقبل عذر معتذر لم يرد الحوض غدا، ولو كاذبا في اعتذاره، وإنّ إبليس قال لفرعون -لعنهما الله-: ما أجرأك على الله، تدّعي الربوبية مع ضعفك، وقلّة أنصارك، وقصر مدّتك، وتعلم أنّك عبد ضعيف لربّ عظيم! وأنا مع كثرة أعواني، وطول مدّتي، ما جسرت على ذلك، فقال له فرعون: هل تعلم من الخلق أخبث منّي ومنك؟ قال: من هو؟ قال: من اعتذر إليه ولم يقبل، فهو أشرّ منّي ومنك. (1/243)
صفحة 236
فصل:
روي أنّه: ((لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام، يتلاقيان فيتصاددان، وخيرهما البادئ بالسلام)). ومن هجر وليّه أياما لا يكلّمه، فقد جاء الأثر أنّه: إن هجره ثلاثا فلا ولاية له إن اعتقد قطيعته، وإن ترك كلامه على وجه العتب، ويؤدّي حقوقه، ويعتقد ولايته ومواصلته، فلا نحبّ له ذلك، وهو على ولايته ولو لم يكلّمه أكثر من ثلاثة. وقد ابتُلي الإخوان بذلك كثيرا.
أبو زيّاد: إن لم يكلّمه بعدها بُرئ منه حتّى يكلّمه ويتوب، ولا يهجر أخاه، ولا رحمه، ولا جاره فيما له عليه، لأنّ القطيعة كفر، لقوله تعالى: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ} (سورة المائدة: 8) الآية، {خُذِ الْعَفْو} الآية (سورة الأعراف: 199). وتجوز -قيل- قطيعة المنافق وهجرانه؛ وعن بعض: من عصى الله فينا أطعنا الله فيه؛ وغيبة المسلم حرام، والفاسق لا غيبة له.
ابن محبوب: من قال في أخيه ما فيه اِغتابه إن كان ينقّصه، وبهّته إن قال ما ليس فيه. ولا شهادة لمن اِغتاب المسلمين. وقال أيضا: إذا ذكرت إخوانك، فاذكرهم بما فيهم من الأخلاق الشريفة، وأعرض عمّا سواها، وأحْسِن الثناء عليهم. ولا بأس على من يستمع لقوم يغتابونه ولو في بيتهم؛ وعلى من اِغتاب مسلما أن يتوب ويُعلم إلى من معه أنّه تاب، ويعتذر إلى من اِغتابه إن علم بالغيبة. (1/244)
صفحة 237
الباب الثامن والثلاثون
في الأهل والجار والصاحب وابن السبيل والضيف
وليس من حقّ الجار أن تكفّ عنه أذاك، ولكن أن تحمل أذاه، وتستر عورته، وتشكر حسنته، وتنصحه إذا هفا، وتعوده إذا مرض، وتحضر جنازته إذا مات، وتُقرضه إذا استقرضك، وتجيبه إذا دعاك، وتُغيثه إذا استغاثك، وتعزّيه في مصيبته، وتهنّئه في مسرّته، ولا تؤذيه بقتار قِدرك إن لم تهده منها.
أبو الحواري: يلزم الجار لجاره إذا طبخ أرزا أو غيره وعلم به أن يطعمه منه، وقيل: هو كالرحم في لزوم الصلة، وتلزم للضيف دون كلّ مسافر، وله أن يبغض جاره الفاسق دون قطع الكلام والصلة، ويسعه السكوت عنه في صادر منه من قبيح إن خاف منه ضرّا إذا أمره أو نهاه، وقيل: للجار -كما مرّ- تقيّة.
وحدّ الواجب حقوقه أربعون بيتا من بابك الذي تبرز منه، ومن بيته وحده أو عند بيوت أقلّ منها، فقيل: يعدّ في الأرض قدرها، فينقطع عنه حقّ ما بعدها، ويعدّ فيه بيوت مماليكه ومماليك جيرانه، وقيل: يعدّ في العمران لا في الخراب. وعلى الأوّل، [104] فإن عدّ قدّر تسعة وثلاثين بيتا فيه، ووصل إلى واحد في العمران لزمه ذلك البيت فقط.
وعلى العبد صلة مولاه إن أسكنه وحده، كعكسه، ويصل جارته والتي من أرحامه، ويدخل عليها إن كانت ممّن يدخل مثله عليها، ولا بأس عليهما إن دخل عليها مريضة، ولو نائمة مستترة إن أمكن، وإلاّ كلّمها من الباب، أو من وراء الحجاب إن أمكن، وإلاّ أوصلها بسلام وإعلام به، وهو أقلّ الصلة.
وعلى غريب سكن بجوار قوم أن يصلهم، ولو كان في بيت لغيره أو مقصّرا؛ ونُهي أن يصدّق على جاره ولده السفيه أو امرأته؛ وروي: ((من أذى جاره أورثه الله داره، وفي خبر ملّكه الله دياره)). (1/245)
صفحة 238
ويقال: ركوب البحر خير من مجاورة سيّء؛ وأجاز الخراساني لجيران السيّء أن يقولوا له: اشتر منّا فنتحوّل عنك، أو نشتري منك فتتحوّل عنّا أو تدع الشرّ، فإن أبى فلا بأس أن يشتروا منزله بقدره من الثمن، ويُخرجونه من جوارهم، قلت: ولعلّ هذا منه بالإجبار وإلاّ فلا فائدة فيه.
ويصل مماليكه في فرح وحزن، وهم أوجب حقّا عليه من غيرهم، ولا تجب صلة عبد بعد عتقه على معتقه إن لم يجاوره، وليتفقّد حال جاره إن لم يعرفه محتاجا أو ذا غنى، وكذا رحمه، وإن قدم من سفر فعلى جيرانه وأرحامه أن يصلوه ويهنّئوه وأهله بقدومه، وعليه إذا أراد سفرا أن يصلهم بنفسه ويودّعهم ويستبرئهم.
فصل:
غزّان: تقسّم وصيّة الجيران على أربعين بيتا، ويعدّ الخراب إن كان بين البيوت كما مرّ. ويعتبر في البادية اقتباس النار فيما بينها، وقيل: لا يعتبر الخراب، ولا يعدّ في الجوار ولو خرب بعد العمران، ويعدّ في الجوار أهل الذمّة والعبيد، وقيل: قدر ما يحميه الكلب.
الوضّاح: إن اشتريت فاكهة فاسترها عن جارك، وإلاّ فأنله منها، واخف رائحة قِدرك وإلاّ فأنله منها.
وقيل: من حقّ الجار والزوجة والأهل أن تظهر لهم أنّهم محسنون ولو كانوا غير محسنين، لأنّ لهم أن لا يظهر عيوبهم في وجوههم.
وفي الحكم أنّ صلة الأرحام وحسن الجوار يعمّران الديار ويثريان المال ويحسّنان الحال ويزيدان في الأعمار، وقد مرّ؛ ومن ترك ذلك انقطعت به الأسباب وصار أمره إلى تباب.
أبو الحسن: لا يسع الجار أن يترك معاونة جاره إن استعانه في حلال، وله أن يدعو عليه بفقر أو موت إن كان يؤذيه. (1/246)
صفحة 239
وإن سكنت جماعة بمنزل، ولكلّ فيه بيت لا يدخل عليه فيه إلاّ بإذنه، فلا يجزي من لزمته مواصلتهم إلاّ أن يصلهم جميعا. وإن لم يجد بعضهم في بيوتهم وإن سكنوه جميعا، ولم يختصّ كلّ ببيته فيجزي مواصلهم إن وجد بعضهم فقط أن يقولوا له: اعلم من غاب منكم أنّي قد واصلت.
ومن واصل منزل جاره أو رحمه فلم يجده فيه، أو استأذن ولم يؤذن له، نوى صلته لم تلزمه إعادتها، فإن لقيه أو أُعلم إليه بحاله أجزاه، فإن أعاد ثانية فهو أفضل، وإن قيل له من البيت: إنّه في موضع كذا، لم يلزمه وصوله فيه، وليعلمه إن لقيه بعد. وإن استتر عنه أرسل إليه من يعلمه بوصوله.
وإن كان الجار صغيرا يعرف الخير من الشرّ، والجفاء من البرّ وجبت صلته، ولزم القيام به لا الصلة إن كان لا يعرف ذلك، وإن كان كالأبوين أو الأخوين أو [105] الزوجين أو غيرهما سكنا بيتا واحدا، لم يجز الوصول إلى أحدهما دون الآخر إلاّ إن اعتقد وصولهما معا وقصده، وعليه أن يُعلم الذي وجده بقصدهما.
ويجزي ذات حياء أن تصل منزله وليس عليها أن يُعرف شخصها.
ومن كثر جيرانه وعنده قليل لحم يشويه أو يطبخه، فإن هاج عليهم قتاره فعليه أن ينيلهم منه، وإلاّ فلا يأثم إن وصل بعضهم، ولا يلزمه أن يطوف منازلهم ليعتبر وصول الرائحة إليهم، والأقرب أوجب حقّا من الأبعد، وينقطع الجوار بالخراب إن كان فيه قدر أربعين، ويُعتبر الأوسط في البيوت عرفا. وإن وجد رحم بينك وبينه خمسة آباء فصاعدا وجار فصلته أوجب من الرحم، ولزمت لمن بينك وبينه أربعة وهل بك أو بأبيك قولان. والرضاع كالنسب، ولا يتهاون بحقوقهما، ولا يلزمه السؤال عمّن لم يعرفه رحما حتّى يعلمه. (1/247)
صفحة 240
فصل
روي: إنّ الجار ثلاثة: جار له حقّ كالذمّيّ والفاسق، وجار له حقّان كقريب غير وليّ، وجار له ثلاثة كقريب متولَّى؛ وإنّ حرمة الجار كحرمة الأمّ، وإنّ الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، وأن لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره، وأجمعوا أنّ العريش إن كان مضرّا بجداره لا يلزمه ذلك فيه.
أبو المؤثر: لا يشرف البناء على جاره، ولا يمكِّن لصبيانه ما يؤذي به صبيانه إن لم يقسّمه بينهم.
أبو سعيد: لا يحلّ لك أن تمنع صاحبك أو جارك ما طلبه إليك إن احتاجه وقدرت عليه (110)، ولا بأس عليك إن لم تخف هلاكه بمنعه، ويلزمه إعلام جاره إن أراد أن يصلح منزله، وكان يشرف عليه ليستتر، وإن كان شاربا لخمر أو دخّان، أو مُظهرا لمنكر أنكر عليه بما قدر وإن بقلبه، ولا يلزمه التحوّل من منزله، فإن أنكر بلسانه فاستهزأ به أُعذر وسلم.
فصل:
روي: إنّ أخياركم عند الله أحسنكم خلقا وأجلّكم لقاء (111)، وألطفكم بأهله، وإنّه يؤتى بالرجل من أمّتي غدا وما له حسنة ترجى له بها الجنّة، فيقول الربّ -جلّ ثناؤه (112) -: «ادخلوه الجنّة، فإنّه كان يرحم عياله؛ وكفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوته»، وإنّ الصدقة على العيال أفضل، فابدأ بمن تعول، والنفقة على العيال أفضل ثمّ على الوالدين ثمّ على الرحم ثمّ في سبيل الله. ومن ضجر من عياله فسأل الله كفايتهم (113) بالموت، فقد دعا على مؤمن بما لا يحلّ له، وجاز له -قيل- أن يحبّ موتهم بلا دعاء. (1/248)
صفحة 241
ويروى أنّ للمسلم على أخيه ثلاثين حقّا لا براءة له منها غدا إلاّ بأدائها، أو يعفو أخوه عنه، وهي: أن يغفر ذنبه، ويرحم عَبرته، ويستر عورته، ويقيل عثرته، ويرضى صحبته، ويحفظ خلّته، ويعود مرضه، ويحضر موته، ويشهد جنازته، ويجيب دعوته، ويقبل هديّته، ويكافئ صلته، ويشكر نعمته، ويحسن نصرته، ويقضي حاجته، ويشبع مسألته، ويشمت عطسه، ويرشد ضالّته، ويردّ سلامه، ويطيّب له كلامه، ويبدئ إنعامه، ويصدق أقسامه، ويتولاّه ولا يعاديه، وينصره ظالما أو مظلوما، ونصرته ظالما ردّه عن ظلمه، ونصرته مظلوما إعانته على أخذه حقّه، ويحبّ له ما يحبّ لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه.
ومن له حاجة إلى أخيه فليكن هو الذي يأتيه، فإنّه أحقّ بذلك [106]. ومن ذبّ عن عرض أخيه كان له حجابا من النار. ومن لقي أخاه بما يسرّه سرّه الله غدا. ومن أكرم أخاه حقّ له أن يحمله الله على درج الجنان.
ابن بركة: حقّ المسلم أوجب فيما تعبده الله به من حقّ الأب إن كان غير مسلم.
ابن عبّاس: أَحَبُّ إخواني إليّ من إذا عبت عذرني، وإذا عبته قبلني؛ والمسلم أخو المسلم، لا يغيِّره، ولا يضرّه، ولا يخدعه، ولا يمكر به، ولا يخونه، ولا يغشّه؛ وهم كالبنيان يشدّ بعضه بعضا.
وروي: لا خير فيمن لا منفعة للمسلمين فيه، وأنّ لله عبادا خصّهم الله بنعمه لمنافع خلقه، يقرّها فيهم ما بذلوها، وإن ضيّعوها حوّلها إلى غيرهم؛ وإنّ لله وجوها خلقهم لحوائج خلقه يرغبون في الحمد، وأنّ الله يحبّ مكارم الأخلاق، وأنّ أفضل الناس ثوابا غدا أنفعهم للناس اليوم، وإذا أراد الله بعبد خيرا استعمله في قضاء حوائج الناس، وإن المؤمن من المؤمن كالرأس من الجسد. ومن رأى من يقتل أو يضرب ضربا يموت به، فعليه أن يفديه إن أمكنه، ولا يلحقه به عطب وإن لعياله، إذ لا يجبر غيره ويميت نفسه. وإن رأى مال أحد يغصب وأمكنه فداؤه لم يلزمه إن كان بالغرم. (1/249)
صفحة 242
فصل
والصاحب بالجنب هو الرفيق في السفر، وقيل: الجار الملاصق، وقيل: الزوجة، وقيل: من يلازم الرجل ويلاصقه ويصاحبه رجاء لخيره.
وروي: ((ليس بمؤمن من لا يأمن منه جاره بوائقه))، فأيّما رجل أغلق بابه دون جاره خوفا منه على أهله أو ماله، فليس جاره ذلك بمؤمن، ومن أذى جاره حارب الله.
وما اصطحب -قيل- رجلان، إلاّ كان أعظمهما أجرا وأقربهما إلى الله -عزّ وعلا- أرفقهما بصاحبه.
ويروى: يُسأل الصاحب عن صحبة صاحبه ولو ساعة، هل أحبّ له ما أحبّ لنفسه أم لا؟ ومن كرم الرجل أن يطيّب زاده.
وقال عمر: لا يصلح السفر لأقلّ من ثلاثة، فإن مات واحد جهّزه اثنان، والواحد شيطان، والاثنان شيطانان، والثلاثة سفر. ويروى: ركب وقال: إذا كنتم في سفر فأمّروا أحدكم.
وروي: لو يعلم الناس ما في الوحدة ما سافر أحد بليل وحده.
وحُسْنُ العشرة والصحبة مأمور به، وإن في حضر، وفي السفر أوكد، فإنّ الأسفار منبئة عن الأحرار، ومُظهرة جواهر الرجال، وكرم الفعال. وقال كعب لرجل أراد سفرا: لكلّ رفقاءٍ كلبٌ، ولا تكن كلب أصحابك.
أبو المؤثر: من حسن الصحبة فيه، أن يضيف الرجل وعاءه إلى العموم، ويقول مثلا: (114) وسقاؤنا، وقدحنا، لا إلى نفسه ولو كان له، ومن ثمّ قيل: من حسن (116) الصحبة فيه. وكرم الفعل خلط الزاد وهو فيه سنّة، والانفراد به لؤم. ولمن خاف سوء خلق أصحابه بالخلط أن ينفرد بزاده. ولا يصوم فيه نافلة دون (1/250)
صفحة 243
صاحبه، ولا يذهب عنه ويتركه إلاّ بإذنه، وإن أبطأ عليك بلا مانع، فاطلب منه التعجيل، وإن تأخّر وخفت أن يضرّك انتظاره فلا عليك إن ذهبت.
ومن الواجب التعاون في السفر. وإن اصطحب رجلان في طريق فخرج عليهما اللصوص فهرب أحدهما وترك صاحبه، فقُتل أو سُلب لزمه الضمان إن قدر، ولعلّه عند الله لا في الحكم. ولا إن هرب عن ضعف مطلقا، وذلك إن كان في حدّ ما يلزمه الجهاد، وكان كنصف العدوّ.
ومن سافر مع قوم، فنفد زاده لزمتهم نفقته، وإحياؤه إن لم يجد من يبايعه أو يطعمه. وإن ضلّ أحدهم وتركوه وأكله سبع ضمنوا ديّته إن قدروا على انتظاره، وكان في مخافة وضيّعوا حقّ الصحبة [107]. وإن عطش وطلب ذا فضل من الماء فأبى فمات عطشا، لزمته ديّته، وإلاّ فلا ينجي نفسه بنفسه.
وإن تعاهد قوم أن يخرجوا في طاعة، أثم من تخلّف منهم، ولم يجز له التخلّف إن كان يلحقهم به ضرّ. وإن خرج رجلان إلى بلد وصلح لأحدهما المقام فيه، وكره الآخر ولم يجد رفيقا، لم يلزم صاحبه أن يخرج معه إن كان الآخر في البلد ويأمن على نفسه.
فصل
روي: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته». وقيل: الضيافة ثلاثة أيام، فما فوقها صدقة.
ابن روح: تجب على السلطان وعمّاله من بيت المال، ولا تلزم غيرهم إلاّ من زكاة أموالهم، وإن كان قوم بمحلّ لا سوق فيه ولا زكاة معهم لزمهم أن يطعموا من يَرِد عليهم من أبناء السبيل إن لم يكن عندهم شيء، وإن بقرض أو رفد. ومن السنّة أن تُعرّف الضيف موضع الخلاء. ومن الأدب أن تمشي معه إلى الباب، ومن الجفاء أن يأكل ربّ البيت معه إلاّ إن كان من الملوك أو الأكابر، ولا يناول بعضا دون بعض، (1/251)
صفحة 244
ولا يناجيه، ولا يناول أحدا شيئا على مائدة غيره، ولا يطيل السكوت عنده فتدخله الوحشة، ولا يستخدمه.
وقد دُعي فقيه، فأجاب على شروط، أن لا يتكلّف الداعي ما ليس عنده، ولا يضنَّ بما عنده، ولا يحرم عياله.
وقيل: إنّه ينزل برزقه ويرتحل بذنوب أهل البيت، ولكلّ شيء فضيحة، وفضيحة القرى اتّساع البطون. ويروى: لا يزال أهل الأرض مرحومين ما تحابّوا، وأدّوا الأمانة، وأقرّوا الضيف، وعملوا بالحقّ؛ وقد برئ من البخل من أدّى زكاته. (1/252)
صفحة 245
الباب التاسع والثلاثون
في صلة الرحم
قد حثّ الله عليها في كتابه، وذمّ من قطعها ولعنه، وحثّ عليها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-أيضا، وقال: ((صلوا أرحامكم ولو بالسلام))، ولمّا خلق الله الرحم قال: ((أنا الرحمان الرحيم، شققت لك اسما من أسمائي ليتعاطف بك العباد، وعزّتي وجلالي لأكرمنّ من أكرمك، وأقطعنّ من قطعك، وكذا أصنع بمن ضيّع وصيّتي وتهاون بحقّي)).
وقيل: إنّ الأرحام إذا تناسبت تعاطفت، ومن ثمّ حفظت العرب أنسابها.
ابن بركة: لا حدّ لصلة الرحم، فمن قدر أن يصل بنفسه أو بماله، وتجب عليه فيه إن خاف هلاكه بجوع، وكذا الأجنبيّ -كما مرّ-؛ ولا يُسمّى قاطعا من نوى صلتهم وشغل عنها.
ومن جفاه أرحامه وعزموا على إجلائه من بلده وهم منافقون، استحبّ له أبو الحسن أن يصلهم ويعفو عنهم، إن أمن منهم على دمه، لما روي: ((صِلْ من قطعك، واعف عمّن ظلمك، وأعط من منعك))؛ ويلاطفهم، ويصلهم بسلامه إن لم يأمنهم أو بهديّة تسكنهم، وهي أفضل الصلات. وإن زار رحمه في بلده كان أفضل.
وعلى مخدرة أن تصل رحمها عند مساءة أو مسرّة، ولا تُعذر إن لم تُمنع، ولا يأثم زوجها أو والدها إن منعها إن لم يعتمد قطيعة. ولا يلزمها الترحيب بقادم من سفر، ولا تشييع جنازة؛ ولا تُعذر عن الصلة ولو شابّة أو ذات عيال أو بعل، إلاّ بمن ذكر أو بخوف أو بمرض أو بعمى ونحو ذلك.
ومن كره رحمه وصوله إليه بنفسه وصله بسلامه، وفي الإجزاء بالقلب قولان. وتجزي في الصلة المرّة كما تجزي في أعظم منها، وأوجب كالتوحيد والصلاة على (1/253)
صفحة 246
النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-، وقد (116) يجري فيها الخلاف أيضا كما فيهما، فيجب تجديدها عند الذكر أو الخطور بالبال.
ويجزي الحلّ من رحمه [108] أو جاره إن لم يصله مع اعتقادها والتوبة.
ورحم الأمّ كرحم الأب، ومن قال له أحد بيننا قرابة من أحدهما وكان ممّن يُقبل قوله وشهد له ثقة ولو امرأة، فقيل: يعتقد من صلته بقدر ما أخذ قلبه من قوله بلا لزومها.
ومن فرّح جاره أو رحمه على باطل، أو حزن على ما لا يحلّ له لم تلزمه صلته عليه، إلاّ إن اعتقد أن يصله بالأمر والنهي والنصح في ذلك (117)، فهو حسن. وإن ذهب إليه وسمع منكرا في منزله ولم يطمع أن يقدر على إنكاره فلا يترك صلته بالإنكار والنهي إن أمن على نفسه -كما مرّ-.
ومن لزمته صلته من جهات فتركها حتّى وصله مرّة ونواها عنها أجزاه إن ذكر له أسبابها.
وروي أنّ صلة الوالدين تلزم من مسيرة سنين (118)، والأرحام من مسيرة سنة. ومن سمع من أحد والديه أنّ فلانا من أقاربي لزمته صلته، وأخذ من وصية الأقرب. وإن قال ثقة: إنّه من أقارب الميّت دخل معهم فيها، ولا نعلم -قيل- وجوب صلة الأرحام من الرضاع، كالأمّ منه والإخوة ونحوهم إلاّ أنّا لا نحبّ قطعهم، ووصلهم أفضل. ولا يأثم إلاّ قاطع الرحم من النسب.
وكُره لزوج منع زوجته وصول رحمها ولو بالخروج، ولا تخرج إلاّ بإذنه، وكذا أبوها.
وإن جرت -قيل- بين جائز الشهادة وبين أخته خصومة وغلّظ يمينا لا يدخل منزلها وعجز عن التكفير، فله أن يقف ببابها ويرسل إليها ثانية ويسلّم عليها، ولا يعتلّ باليمين.
وقيل: أُمُّ امرأة الرجل من محارمه، وهو محرم لها، لا أخت امرأته، لأنّها قد تحلّ له، وإن أظهرت تلك الأمّ شعرها أو قدمها فلا عليهما. (1/254)
صفحة 247
ولمسلمة -قيل- أن تخرج مع يهوديّ أو نصرانيّ أو مجوسيّ إن أمنته، لأنّه محرم عليها (119). ومن زنى بامرأة حرمت عليه بناتها، ولا يحلّ له منهنّ من النظر ما يحلّ من الربائب لثبوت حرمتهنّ بالحلال.
ولا بأس بالتسليم على النساء إذا لقيهنّ الرجال على الطريق أو على أبوابهنّ إذا سلمت القلوب من الريب. (1/255)
صفحة 248
الباب الأربعون
في الاِستئذان في البيوت، والسكن، والسلام وردّه، والمصافحة ونحو ذلك
قال الله -عزّ وعلا-: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} إلى {طَيِّبَةً} (سورة النور: 61).
عزّان: (120) هذا تأديب وإعلام لعباده، فمن دخل بيته قال ما مرّ، ومن تركه تهاونا بأدبه تعالى هلك، وإن كان في بيته متجرّدات يتحدّثن مع أهله، فله أن يدخل بلا إذن، لأنّ البيت والمرأة له، فإن سلّم فهو المأمور به.
ولا يدخل أحد بيت قوم حتّى يقف ببابه، ويسلّم عليهم، ويردّون له، ثمّ يطلب الدخول، فإن أذنوا له به دخل. وتُدخل بيوت أهل الذمّة بإذنهم بعد استئناس، إذ لا سلام عليهم.
ابن محبوب: فرض الاستئذان في بيوت الغير إن سُكنت، وله أن يدخل بيته بلا تسليم. ولسيّد أن يدخل بيت عبده إن كان فيه وحده بلا إذن، لا إن كانت له زوجته، ولا على أمته إن كان لها زوج، وإلاّ فلا يدخل عليهما أيضا حتّى يكون منهما ما يعرفان بدخوله، فيستتران منه إلاّ إن حلّ له وطء أمته، [109] فيدخل عليها كيف شاء.
وحُرّم ترك الاستئذان تهاونا بالفرض، ولا يكفر من لم يتعمّده إلاّ إن أبى من التوبة منه؛ وقيل: لا يسعه تركه ولو جهلا.
ابن عبّاس: ترك الناس من الكتاب آيات لا يعملون بها، منها: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنَكُمْ} الآية (سورة النور: 58)، {فَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمْ الحُلُمَ} الآية (سورة النور: 59). وإن كان في دار مساكن استأذن على (121) بابها وباب الذي يريد دخوله فإن كان على المساكن ستور فله أن يمرّ عليها بلا إذن إلى ما قصده. (1/256)
صفحة 249
وعلى بالغ أن يستأذن في الدخول على أبويه لعموم التعبّد به. وقد رخّص الله -عزّ وعلا- في دخول ما لم يسكن من الخانات على الطرق لنفع من حرّ أو برد أو غيرهما. وروي: لا تأذنوا لمن لم يسلّم؛ وعصى داخل بلا تسليم.
الخراساني: الدخول بلا إذن ليس بكبير ولا صغير، فإن كان وليا وُقف عنه حتّى يستتاب، فإن مات قبل ولو فيما دخله، وُقف عنه لعلّه ندم حين دخل. ومن دخل على غير محرمته بلا إذن ولم يتب بعد استتابة، فلا ولاية له، وهُدر -قيل- دم من دخل بدونه عمدا، وقيل: لا يُضرب حتّى يعلم حاله، ولعلّه ملتجئ أو سكران أو غيرهما، وجاز -قيل- ضربه إذا علم أنّه متعدّ.
أبو الحسن: لا يلزم داخلا منزله السلام، ولكن نُدب له أدبا.
أبو سعيد: يسلّم فيه إذا ذكر أنّه نسيه، ولا عليه بعد الخروج. ولزم الإذن من دخل على امرأته في غير منزله إن لم تكن فيه وحدها. ولا يدخل على أخته وأمّهاته وعمّاته وخالاته إلاّ به؛ ولا يباح الدخول بدونه، وإن من ربّ البيت. واختير أنّه إن كان فيه من له مساكنته معه جازت إباحته له. ومن سكن مع محارمه لم يلزمه استئذان، ولكن نُدب له أن ينحنح أو يتكلّم أو نحوهما فيدخل حذرا من مفاجأة مكروه نظره.
وإن سمع المستأذِن صوتا من داخل البيت موهما إذنا له، فله أن يدخل ولو لم يعلم من أذن له.
ابن عبّاس: في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمْ الذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ} (سورة النور: 58) من العبيد والإماء {وَالذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} (سورة النور: 58) من الأحرار الصغار {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاَةِ الْفَجْرِ} (سورة النور: 58) ونصف النهار {وَمِنْ بَّعْدِ صَلاَةِ الْعِشَاءِ}. (سورة النور: 58) ويُدخل بيت إن سرق أو احترق أو هدم أو فيه منكر أو مصيبة وبيت الحاكم والمستغيث بغير استئذان. وعلى امرأة يضربها زوجها إن استغاثت بالله وبالمسلمين لا إن صرخت بغير (1/257)
صفحة 250
استغاثة؛ وكذا يدخل مسجد وحانوت وبيت التاجر والعرس والمأتم، ويجب فيما فيه خلوة الرجل بأهله أو متاعه.
فصل
يجب السلام وهو تحيّة أهل الإسلام، وقيل: هو سنّة من آدم لمّا رُوي: الملائكة في صفوفهم، قال: السلام عليكم ورحمة الله، فقالوا: وعليك السلام والرحمة والبركة؛ قيل له: يا آدم هذه تحيّة أولادك من بعدك.
وروي: لا تسلّم على النساء، وإن بدأنك فرد عليهنّ؛ وإنّ الملائكة لتتعجّب من مسلم يمرّ على مسلم ولا يسلّم عليه، وهو تحيّة أهل الجنّة.
أبو المؤثر: السلام تطوّع، والردّ فريضة، وقيل: كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إذا صافح أحدا لا ينزع يده من يده حتّى يكون هو النازع ليده. وتمام التحيّة المصافحة، وقيل: لا يتصافح إخوان في الله إلاّ تناثرت ذنوبهما كما تناثر الورق، وتنزل عليهما مائة رحمة؛ للبادئ تسعة وتسعون، وواحدة للرادّ. وتقبيل الرجل للرجل في التسليم جائز.
وروي: أجود [110] الناس من أعطى من حرمه، وأحلمهم من عفى عمّن ظلمه، وأبخلهم من يبخل بسلامه، وأعجزهم من عجز عن الدعاء، وأسرقهم من يسرق صلواته؛ وأنّه يسلّم القليل على الكثير، والصغير على الكبير، والراكب على الماشي، وهو على القائم، وهو على الجالس؛ وقيل: يسلّم الماشي على الراكب الواقف، والحرّ على العبد، ولا يسلّم على قوم يصلّون. ومن سلّم على مصلّ رَدّ عليه إذا سلّم، ولا على مشتغل ببول أو نحوه ولا ردّ عليه، وقيل: يردّ إذا فرغ من حالته، ولا على آكل.
موسى: لا بأس على من سلّم على مغتسل، ولا على نائم، ومشتغل بضيعة، وحامل ثقيلا، وعاص في عصيانه، وعريان ومريض. (1/258)
صفحة 251
وإن سلّم عليك من لا تتولاّه فقلت: وعليك السلام ورحمة الله، فلا عليك، وقيل: لا يجوز ويردّ على المتولّى ذلك، وزيادة "وبركاته". ولا تردّ على فاسق ومُتوقَّف فيه "وبركاته"، إلاّ إن عنيت في رزقه. ولا يجوز لغير متولّى "سلام الله عليك"، إلاّ إن عُنِي ما عليه من الثياب أو العافية، فكأنّه أخبر بحاله لا دعاء له.
وجاز ردّ السلام على الظالم، والردّ بِ "أطال الله بقاءك" ونحوه دعاء لا ردّ و"حيّاك الله" بنيّته ردّ. وفي إجازته لغير وليّ خلاف مرَّ. ولا يلزم ردّ على من قال: السلام والرحمة حتّى يقول: عليك، وأهلا وسهلا ليس بردّ أيضا؛ والإسرار به كعدمه. ولزم الردّ على مبتد ولو صبيّا أو مجنونا.
والنيّة في التسليم إحياء السنّة، وفي الردّ أداء الفرض. ومن أشار على بعيد منه بيده بالتسليم أجزاه حيث لا يسمعه، وكذا على الأصمّ، ولا يترك إلاّ من عذر، لأنّ تركه يورث الجفاء.
أبو الحواري: من لم يردّه بغير عذر، سقطت ولايته، "وعليكم" وحده ليس بردّ كعليكم مثله حتّى يقول: وعليكم السلام؛ ولمن قيل له: فلان يسلّم عليك أن يقول له: عليه وعليك السلام.
أبو عبد الله: يجزي "وعليكم (122) السلام" ردّا على من قال: السلام عليكم ورحمة الله؛ وإن سلّم واحد من جماعة كفى عن غيره، وفي كفاية الواحد عنهم في الردّ قولان، وقيل: إن كانوا واقفين لزمهم جميعا، ويجزي الواحد إن كانوا مشاة.
ومن تحمّل السلام إلى أحد فقبله بغير استثناء فيه، فكالأمانة يؤدّيها من قدر عليها. ومن لقي ذمّيا ولو مجوسيا أو صابيا، فتحيّته "كيف أصبحت"، و"كيف أمسيت"، و"ما حالك".
وكُره لداخل منزله أن يترك السلام على نفسه وعلى من به، إن كان عالما وإلاّ لم يلزمه شيء، لأنّه يكثر خير المنزل. (1/259)
صفحة 252
وإن دخل مسجدا لا أحد فيه، سلّم على نفسه، لأنّه أفضل البيوت، والله يقول: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا} الآية (سورة النور: 61)؛ وليسلّم الداخل على امرأة بمنزل لا على عبيد غتّم ولو قاعدين، وإن سلّم عليهم كان أفضل.
ونُدب إفشاؤه على أهل الصلاة، وإن بدأ له أهل الذمّة، ردّ بـ "وعليكم"، ولا يبتدئون به. ومن سلّم عليه رجل ومضى، ردّ عليه بقدر ما يسمع من مكانه؛ وإن التقى حرّ وعبد فلكلّ أن يبتدئ به. (1/260)
صفحة 253
الباب الحادي والأربعون
في الجائز للرجال مع النساء وبالعكس من النظر والتسليم والخلوة والتجرد
وجاز النظر لكفّ امرأة [111] وظاهره، ووجهها، وظاهر قدمها إلى الكعب؛ وقيل: يُمتنع إلى ظاهرهما؛ والنظر أجوز من المسّ، كما مرّ.
أبو سعيد: يُنهى أن يخلو الرجل بأجنبية ولو ثقة، لأنّ القلوب تحيى وتموت؛ وإن دعاها إلى غير مريب فلا عليه.
منير بن النيّر: أدناه الجلابيب على النساء، ورفع الخُمُر فوق الأذنين؛ وستر النواصي وسائر الزينة واجب إلاّ الوجه والبنان، وما وراء ذلك حرام على المرأة إن أبدته. وعلى الرجل إن نظره لشهوة وعليها النطاق من تحت الدرع إن قدرت على سابغة، وإلاّ فلتتّزر فوقها.
وتُنهى النساء عن الجلوس في السكك، والخروج يوم مطر أو ريح.
والرجال أن يظهروا ما فوق الركبة، وتحت السرّة، وعليهم الغضّ ما استطاعوا، ولو عن تهاميات.
عزّان: يُكره للمرأة أن تتطيّب أو تتلحّف بأجود، فتخرج من بيتها. أبو سعيد: إن لم يكن خروجها فيما لابدّ لها منه، وإن أمكن تركه حتّى يزول منها الطيب فهو أحسن. ولابأس -قيل- أن يُشمّ طيب من امرأة إن لم يخف فتنة، لإباحة الطيب، وإن عفّ فهو أزكى.
ومن تعمّد مسّ حرّة أو شعرها من فوق الثياب لشهوة، أتى كبيرة. وله تقبيل ابنته وأخته وعمّته وأمّه وخالته، ومن يحرم عليه نكاحه، ولهنّ أيضا ذلك لكرامة ورأفة، لا لشهوة.
ومن تعمّد نظر المتبرّجة أبدل وضوءه. (1/261)
صفحة 254
ولامرأة أن تبرز لأجنبيّ إذا سترت عنه محارمها. ولا يبرز هو فخذيه عند من لا يتجرّد معه، لأنّهما من العورة. والركبة -قيل- منها، وقيل: لا. ولا تبدي زينتها من سوار في ساعد أو دملوج أو خلخال أو قرط، وهي الظاهرة إلاّ لمن ذُكر في قوله تعالى: {إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ} إلى {أَوْ الطِّفْلِ} الخ (سورة النور: 31)، {وَالتَّابِعِينَ} هم البلَّه الذين لا عقول لهم، ولو كان من ذُكر من جهة الرضاع. ولا يظهرن لغيرهم إلاّ ما ظهر، وهي الخاتم في الإصبع والكحل في العين، {وَالْقَوَاعِدُ} (سورة النور: 60) هنّ من لا يرِدن ولا يرَدن، ولا تضع مع ذلك جلبابها عند من يُتّهم بريبة {وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ} عن وضعه {خَيْرٌ لَهُنَّ}.
وللرجل -قيل- أن يقعد مع غير محرمته من جيرانه وأرحامه ما لم يظهر منها ما لا يحلّ له نظره، ولا يلزمه أن يأمرها أن تكون من وراء باب أو جدار إن خاف أن يدخلها مكروه أو مشقّة، فإن فعلت هي فحسن.
ويُرحّب -قيل- بامرأة من فوق الثوب، وإن صافحها من تحته جاز له، إن لم يخف فتنة، لأنّ له كما مرّ أن ينظر كفّها وخارجه إلى الرسغ، وباطن قدمها، وأن يتعمّد مسّ ذلك لا لشهوة إن لم يخفها، ويُنكر عليها إن أظهرت ما فوق الرسغ والكعب، وإن عند رحمها.
ولا يسع حاضرا له ترك الإنكار عليه إن قدر، ولكن بمعروف ورفق من القول، ويريه أنّه محسن له وداع له بخير، وذلك في الرحم والجار والصاحب والصديق، وهو من مكارم الأخلاق، ومذاهب أهل الإسلام.
ومن دخل -قيل- على أجنبية، فعليه أن يُنكر عليها إن أظهرت له ما لا يحلّ له منها، إلاّ إن علم منها أنّه عندها محرمها من الرضاع، وعليه الغضّ حتّى يَعْلَمَها محرمته. ولا يحلّ لامرأة مفاكهة طفل بتلذّذ، وتُمنع منها، ويُكره لها أيضا إذا عقل. ولا بأس على من دخل على متنقّبة. (1/262)
صفحة 255
فصل
تؤمر الإماء بكشف الرؤوس، لما أنّ عمرَ مرّت عليه متجلببة، فعلاها بالدرّة، ونهاها عن ذلك، وقال: تتشبّهين بالحرائر يا لكّاع، ولأنّ [112] كسوتها على سيّدها قميص. ابن محبوب: من نظر إلى رأس أمة أو فخذها لم يفسد وضوءه؛ وعورتها -قيل- كالرجل من السرّة إلى الركبة؛ والمسّ -قيل- كالنظر. وإن سافرت أجنبية مع رجل، فلتضع رجلها على رقبته فوق الثوب إذا أرادت أن تركب.
ولا بأس بمعانقة أمّ أو أخت ونحوهما عند قدوم من سفر إن أمنت فتنة.
وتُنهى المرأة عن الحمّام. وقيل: الركبة والسرّة عورة؛ ولا بأس على الرجل إن أبرزهما ولو بغير علّة، ولا على من أبصرهما نقض الوضوء.
وعن بعض أُمرنا أن نغضّ عمّن استتر عنّا أو استحيى منّا. وقيل: المستحيية وغيرها سواء في الحرمة.
وسرّة الرجل عند الأكثر ليست بعورة، عكس الركبة منه؛ ويُكره لها أن ترفع ذيلها على عاتقها، أو عن عقبيها، وأن تعصب بجلبابها.
وإن سباها عدوّ فلتستتر منه ما قدرت، ولا لوم عليها إن امتنعت. ولا يحلّ لامرأة أن تجعل جلبابها رقيقا، يُرى منه نحرها وصدرها، ولا لأجنبي نظر ذلك منها، وكفرت إن فعلت (123) ونظر منها، ولها أن تنظر من امرأة من سرّتها إلى ما فوقها، ومن الركبة فما تحتها، لا لشهوة، وكُره لها أن تُبدي محاسنها لفحلة تشتهي نظر محاسن النساء.
ومن صافح من يحلّ له نكاحها من فوق الثوب، فلا يحسن من فوق الثوب فلا يقبض يدها من يده، وله أن يبسط أصابعه وشُّدّد فيه.
ولشاب -قيل- مصافحة شابّة إن وثقا بأنفسهما. ولا يحلّ لامرأة أن تصافح محرما لها إن عُرف بفسق، وأجازه أبو عبد الله إن لم تخفه. (1/263)
صفحة 256
وله أن يرحّب بغير الشابّة من فوق الثوب، ولها أن تسكن مع أعمى ولو أجنبيا إن لم تخف. والعبيد بعد العتق كالأحرار؛ ومُعتق أمة كغيره في المسّ والنظر. وقد مدّ -قيل- أبو عبيدة يده إلى ذات فضل يريد أن يرحّب بها، فقالت له: نحن نساء لا نرحّب بالرجال ولا يرحّبون بنا. وإن تعمّدت نظرا لغير السرّة والركبة وما بينها من أجنبي لشهوة (124)، لم نقل (125) ركبت حراما، وكُره لها أن تملأ عينيها من غير زوجها ومحرمها، وإن لغير شهوة، إلاّ إن كان لما لابدّ منه، من مباح.
ابن محبوب: لا شيء على داخل على امرأة لمبايعة أو كلام، ولا على من ينظر إليها مستترة لا لشهوة، ولا يريد منها قبيحا. ويُكره لها أن تنزع الشعر من وجهها أو جبهتها، ولها نزع لحيتها، وإن حلقت رأسها بلا إذن زوجها أثمت.
ولزوجة الابن أن تغمز لأبيه إن أخرج الريبة من قلبه، وتركه عندي أحسن.
ويروى: «ما تعدّى الكفّين من المرأة في النار»، أي ما أبرزت منهما فصاعدا، وهذا موجب لبراءتها إن فعلت ذلك عند من لا يحلّ له النظر إليها على عمد، وتُستتاب منه.
ولها أن تنظر إليها موحّدة رأسها إن تقمّل، ومن نظر ما لا يحلّ له أجزته التوبة منه دون استحلال المنظور إليه، وليستر من نفسه ما ستر الله عليه، ولا يحلّ لها أن تتعرّى عند خادمها.
واختلف في النظر إلى متبرّجة، فقيل: يغضّ عنها جهده، وقيل: ليس لها من الحرمة ما ليس لمستترة. ولا بأس على من نظر منها غير الفرج، واختير ترك التعمّد بالنظر إليها.
وسُئل أبو الحواري عن مغتسلة في فلج أو نهر متجرّدة، أيحلّ لمحرمتها أن تنزل معها فيه نهارا متجرّدة أيضا، أو مع أخيها أو ابنها البالغ؟ فقال: لا يحلّ لأحد أن ينظر إلى عورة أحد ولو في الماء، إلاّ إن كان لا ينظر أحدهما لآخر. (1/264)
صفحة 257
هاشم: لا خمار على الإماء، ولا رداء. أبو عليّ: [113] ولا على النساء نقاب، ولا على امرأة إن وضعت جلبابها في ظلمة عند أجنبي حرج، إن لم تحدث بينهما ريبة.
ويُكره لها أن تلبس الطيلسان، وأن تخرج في مطر، وترفع إزارها ونعليها، إلاّ إن لبست خفّين، ولا على مريد شراء جارية أن يجرّدها، ويضع يده على عجزها من فوق الثوب، ويكشف ذراعيها، ويمسّ بدنها، وينظر صدرها لا لشهوة.
ولا على أمة -قيل- أن تغمز لغير مولاتها ومولاها مثل الرأس والرجلين ما وثقا بأنفسهما. ونُهي أن يصغى الرجل لحديث امرأة لا يملكها، ولو من وراء جدار.
وحولوا بين نسائكم ومحادثة الرجال، وبين أطفالكم منهنّ ومحادثتهنّ، فإنّ القلوب تحيى وتموت ولو بعد حين؛ وهذا في محلّ الريبة من المراهقين والمسترابات.
فصل
قد مرّ أنّ الله أمر النساء بستر الزينة، إلاّ ما ظهر منها، كالخاتم والكحل، وليضربن بخمورهنّ على الصدور والنحور، ويُرخين الإزار على أقدامهنّ، ولا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنّ من انقضاء العدّة والحمل والحيض (126)، ولا يحلفن كاذبات، ولا يخنن، ولا يشربن مسكرا، ولا يلعبن بالمعازف، ولا الدفوف، واللهو، ولا يشتمن، ولا يحلقن رؤوسهنّ، ولا يصلن شعورهنّ، ولا يوشّمن، ولا يبيّضن وجوههنّ، ولا يتنمّصن، ولا يفلجن أسنانهنّ، ولا يدعون عند مصائبهنّ، ولا يلطمن خدودهنّ، ولا يشققن جيوبهنّ، ولا ينحن، ولا يناح لهنّ، ولا يستمعن النوح تلذّذا به.
ولهنّ الأجر في العبادة والصلة، لا في الخروج إلى الجنائز. وقيل: إذا تستّرن وأردن تذكّر الآخرة لا لبكاء وصراخ ولا لرياء، فيُرجى لهنّ الثواب. والأحسن لهنّ القعود في البيوت، إلاّ إن لزمهنّ الخروج لميّت لفقد الرجال عنده، ولصلاة العيد، وبه جاءت السنّة إلاّ من عذر. (1/265)
صفحة 258
وقعودها عنه وعن المساجد في رمضان وغير ذلك أفضل. وتُنهى أن تؤذن أحدا في دخول بيت زوجها إلاّ بإذنه، ولو والديها وأخاها، وعن التزيين لغيره، وعن التزيّي بزيّ الرجال، ولو في الكلام، وعن قصّ شعرها، وهلكت -قيل- إن فعلت ذلك. ويحلّق المنفصل من شعر رأسها والنابت بذراعيها.
فصل
أبو سعيد: لا يجوز على أعمى دخول على أجنبية، ولا مساكنتها، ولا الدخول بلا إذن؛ وله الخلوة معها إن أمن من الشهوة، لأنّه محجوب.
وإن ماتت امرأة مع أجنبيين وبها حليّ، فلهم أن يخرجوه منها كيف أمكنهم، ولو بلفّ أيديهم، وإن لم يجدوه إلاّ بالمسّ جاز لهم.
وللنساء أن ينظرن بطن امرأة وجرحها، ولو كان بفرجها، ويقسنه.
ويُكره للرجل النظر إلى قميص امرأة ووجهها، إلاّ لحاجة وبالعكس، خوفا من فتنة؛ والخلوة بها إلاّ إن كانت معها أخرى. وإن اضطرّ إلى مكالمة أو قضاء حاجة فالأحسن أن يحضر غيرهما أو من وراء حجاب، لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ} (سورة الأحزاب: 53).
ولا تجب التوبة إلاّ من محادثته بحرام أو شهوة.
وكُره لمسلم ومسلمة أن يبيتا بمنزل وحدهما، ولو وثقا بأنفسهما إلاّ إن لم يجدا أحدا.
أبو سعيد: من ابتُلي بسفر مع أجنبية يوما أو أكثر، فعلى ولايته إن غاب أمره لاحتمال أنّها لحقته بغير إذنه أو نحوه. ونُهيت أن تسافر إلاّ مع وليّها أو جماعة. ومن اضطرّ إلى مساكنة أجنبيّة، فقيل: قد جاء الأثر بأكثر منها؛ ومن السفر كالغرق والحرق ونحوهما. (1/266)
صفحة 259
والمؤمن في وسع [114] ما احتمل له عذر؛ وجاز لها -قيل- في سفر مع اثنين فأكثر، ولو غير ثقتين، وقيل: مع ثلاثة فأكثر حيث لا وليّ لها معهم.
ولا يحلّ لرجل أن يُبرز فخذيه وركبتيه عند خدمته، أو طلوع نخلة، ويُنهى عنه؛ ولا أن يختن امرأة؛ فإن ختنها بإذنها جهلا لم يلزمه صداقها به. ويُكره له أن يتزوّجها إن تعمّد ذلك؛ فإن تزوّجها جهلا، لم يبعد أن يُفرَّق بينهما.
وقد مرّ أنّ للرجل أن يتجرّد عند من لا يراه قبيحا، كصبي ومجنون؛ لا أن تصبّ عليه الماء جارية امرأته (127) أو يظهر لها بعض عورته. ونُهي تأديبا أن يُتعرّى ليلا.
هاشم: إن مرض رجل وعجز عن استنجاء، فلأبيه أو ابنه أن يتولاّه.
ابن بركة عن أبي مالك: كنّا تذاكرنا فيمن يصبّ عليه غلامه الماء متجرّدا نهارا، فأجازه سليمان، ولم يره عبد الله بن محمّد. عزّان: كنّا نمنعه حتّى وجدناه عن موسى وغيره. قال ابن بركة: يُحتمل أنّه أجازه ليلا فقط.
اِختُلف في عيوب وجروح تحدث بفرج النساء، هل جاز الوقوف عليها لمعنى الشهادة؟ فقيل: لا يجوز قصد النظر إليها، إلاّ من زوج أو سيّد، فما حدث فيها فالإيمان بينهم، فقيل: يجوز إن أوجبه العلماء أو الحاكم بأمر ثقات ينظرنه، وتجزي واحدة فيما لا يطّلع عليه إلاّ النساء، وقيل: لا، إلاّ اثنتان، وقيل: لا، إلاّ أربع. (1/267)
صفحة 260
الباب الثاني والأربعون
في حقّ الوالد على الولد وعكسه
قال الله -سبحانه-: {وَقَضَى رَبُّكَ} الآية (سورة الإسراء: 23)، فأوجب الإحسان إلى الوالدين، ولو استغنيا عنه؛ وليقل لهما قولا كريما، ولا يسمّيهما ولا يكنّي، بل يا أبت، ويا أمّي، فإن عجزا على القيام بأنفسهما فلا يستقذرهما في خبث، ويميطه (128) كما فعلا به في صغره؛ وليرحمهما بلين الكلام والتذلّل لما روي: ((رضى الله مع رضاهما))، وبالعكس وإن ظلماه؛ ويكفي مع برّهما يسير العمل؛ وقيل: خير الأولاد من لم يدعْه البرّ إلى الإفراط ولا التقصير إلى العقوق. ومن حقّه عليه (129) أيضا أن يبرّه حيّا وميّتا. ويلزم طاعته، ويدَع معصيّته،
ويجيب دعوته، ويقضي حاجته، ويحسن خدمته، ويسارع في مرضاته، ويُكرمه، ويتعاهده ما قدر، ويسلّم عليه، ولا يخرج من أمره إلاّ إن أمره بمعصية، ويواسيه من ماله إن افتقر، ويأثره على نفسه، ويعالجه إذا مرض، ويديم محاضرته إن أمكنه، وإلاّ أدام عيادته، ويشيّع جنازته إذا مات، ويحضر مواراته، ويواصل زيارته، ويترحّم عليه إن تولاّه، ويستغفر له، ولا يكلّم في مجلسه إلاّ بإذنه، ولا ينظر إليه شزرا.
وحقوق الوالدين لا تحصى؛ والأمّ أعظم حقّا، لأنّها حملته في بطنها، وغذّته بلبنها، وربّته في حجرها، وضمّته إلى صدرها، وأولته الخير كلّه حيث لا يقدر على نفع ولا على دفع، ولا وضع ولا رفع، وكانت تُنيمه وتسهر، وتخدمه ولا تضجر. وتجب ولايتهما كغيرهما بلا تفضّل عنه، إذ لا تختلف أحكام الله في الناس. ومن لم يعرف حالهما تولاّهما حتّى تصحّ عند براءتهما؛ وقيل: يقف، وقد مرّ ذلك. (1/268)
صفحة 261
فصل
ومن حقّ الولد على والده أن يحسن تربيته، وأدبه، وتعليمه، ويموّنه فيما يحتاجه حتّى يطيق الاكتساب. وروي: ((برّوا آباءكم يبرّكم أبناؤكم))؛ فالأدب من الآباء، والصلاح من الله. وقد سأل معاوية الأحنف بن قيس عن الأولاد، فقال له: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، نحن لهم أرض ذليلة، وهم لنا سماء ظليلة، وبهم نوصل عند كلّ جليلة؛ فإن طلبوا فأعطهم، وإن غضبوا فأرضهم، فإن أرضيتهم منحوك وُدّهم، وأعطوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقلا فيملّوا حياتك، ويطلبوا وفاتك، ويخافوا من (130) قربك.
فقال له معاوية: لقد دخلتَ عليّ وإنَّي (131) لمملوء غضبا على يزيد، ولقد أصلحت له من قلبي، [115] فلمّا خرج الأحنف، بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم، فبعث هو إلى الأحنف بنصفها.
وروي: «إنّ للجنّة بابا يُسمّى باب الفرح، لا يدخله إلاّ من يُفرح الصبيان»؛ وأنّ من حمل أطروفة إلى ولده، كان كمن حمل صدقة، وليبدأ بالإناث، فإنّ الله يرزق لهنّ؛ ومن فرّح أنثى، فرّحه الله يوم الحزن.
فعلى الأب أن يسوّي بين أولاده في كلّ شيء إلاّ البارّ منهم، فله أن يفضّله، فإن استووا في برّه لم يجُز له التفضيل، إلاّ لمن يحضر منهم المجالس والوفود ونحو ذلك، فله أن يفضّله في المركب واللباس ونحوهما.
وقيل: إنّ امرأة أحرقت صبيّا لها، فلمّا بلغ سأل أن يقطع لها برّها، فمُنع ولزم لها الأرش. والمملوك كالولد في لزوم الحقّ إن كان صبيّا، وتابعا لربّه في الطهارة، والمخاطبة، ولو أبوه مشركا. ويؤمر الصبيّ باتّقاء النجس، وتعلّم الطهارة، والأدب. (1/269)
صفحة 262
الباب الثالث والأربعون
في الفرائض والسنن
فأوّل ما يلزم العبد، معرفة ما لا يسع (132) جهله، وما لا يسع تركه، كما مرّ.
وروي: ((إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي: كتاب الله، وسنّتي)).
وقيل: الفرائض، كتفسير ما لا يُعرف من القرآن إلاّ بتوقيف وبيانه، كَـ {وأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وآتُوا الزَّكَاةَ} (سورة البقرة: 43)، {وَأَتمُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (سورة البقرة: 196)، {وَجَاهِدُوا فِي اللهِ} (سورة الحج: 78)؛ فلا سبيل إلى معرفته إلاّ ببيانه -صلّى الله عليه وسلّم- لجملة الصلوات، وعددها، وأوقاتها، والمسنون منها، والزكاة وأحكام الحجّ، والجهاد؛ والناسخ من السنّة لأحكام القرآن نحو: {يُوصِيكُمْ} الآية (سورة النساء: 11)، {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} الآية (سورة البقرة: 180)، {وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ} الآية (سورة الممتحنة: 11).
وقد سنّ: لا يرث الكافر المسلم ولا العكس، ولا الحرّ العبد ولا العكس. وأن لا وصيّة لوارث. وأن لا تجاوز الوصايا الثلث. وتحريم نكاح العمّة على بنت أخيها، والخالة على بنت أختها. وأنّه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، مع قوله: {وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (سورة النساء: 24) ورجم المحصن.
وحدّ قاذف المؤمن، وقد نزل في قاذف المحصنات؛ وأن لا قصاص حتّى يبرأ المجروح. وفي الجائفة ثلث الديّة، وغير ذلك ممّا مرّ، وممّا يأتي. (1/270)
صفحة 263
الباب الرابع والأربعون
في النيّات وألفاظها ووجوبها
وهي فريضة في كلّ طاعة؛ وقد روي: ((الأعمال بالنيّات، ولكلّ امرئ ما نوى)). ((ونيّة المؤمن خير من عمله))، لدخول الرياء دونها.
بشير: لا أعلم من أصحابنا اختلافا في ممتثل فريضة، أنّه يقدّم نيّة فيه غيره إن حدث له ذكر ذلك عند قيامه إليه ودخوله فيه، فعليه تجديدها، وإلاّ أجزته المتقدّمة، ما لم يحوّلها أو يذكر ذلك.
وقيل: لا يسع الرجل إهمال نيّة الجهاد ولو أيسر منه، وعليه أن يجدّدها ولا ييأس، فيهلك لتركها، ولا فقير لا يستطيع حجّا بل يعتقد متى قدر حجّ؛ وكذا آيس من تعلّم القرآن أو العلم، كمن له رحم لا يعرفه ولا يمكنه الوصول إليه، فليعتقده متى عرفه أو أمكنه؛ ولا يحلّ أيضا قطعها عن النكاح ولا عن جميع أبواب البرّ، ولو نفلا. ومن أيس فقد أساء الظنّ بالله، وعليه أن يجدّدها ولو عاجزا في حينه، لأنّه قادر أن يوجد له ذلك من حيث لا يحتسب.
والنيّة عقد في القلب، وعزيمة على الجوارح، وهي لبّ العمل؛ فيجب إحكامها، وهي مستدامة. والعمل ينقطع وكلّ عمل خلا منها فهو باطل، وهي قربة إلى الله وابتغاء مرضاته. فمن أراد أن يطعم أحدا نوى به إمّا وجه الله، أو مكافأة، أو تقيّة.
ونيّة التعلّم أن يعلم كيف يعمل؛ وذهاب المسجد زيارته وأداء الفرض فيه.
روى أبو المؤثر أنّ رجلا أتى النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- فقال له: إنّي أقاتل في سبيل الله، وأحبّ أن أُحمد، فقال له: ألست تقاتل أن تكون كلمة الله هي العليا؟ فقال: بلى [116] يا رسول الله، فقال له: فأنت إذًا شهيد، أو قال: لك الأجر.
ومن أصبح فنوى أنّ كلّ ما عملته في يومي فهو لله، أو ما عملته من البرّ ما حييت فله، أجزته نيته (133). ولا يجوز له -قيل- أن يذكر الله أو يعمل بلا نيّة. (1/271)
صفحة 264
وقيل: أفعال المؤمن تابعة لاعتقاده، وعليه فمن ذكر الله بنيّة كان أفضل، وإلاّ لم يعص.
وهل تجزي في صوم رمضان أو ليلة منه لجميعه أو لابدّ من تجديدها في (134) كلّ ليلة؟ قولان. وقد مرّ من وطئ أو أكل على نيّة الحرام وأصرّ عليه ومات، هلك بنيّته، وتُترك -قيل- ولايته.
ومن أدّى صلاة بوقتها ثمّ ذكرها فيه ونسي أنّه صلاّها أوّله، ونوى أن لا يصلّيها لم يهلك، إذ لم يلزمه أن يصلّيها ثانية. وأمّا من قضى ما عليه من ديْن لأحد ونسيه ثمّ ذكر الديْن ونسي القضاء وعزم على أكل حقّه حتّى مات، فهو عازم على سوء النيّة.
وإن نوى عاجز عن الحجّ أن لا يحجّ، أو نوى أن لا يصلّي، فالنيّة في أن لا يفعل أشدّ منها في أن يفعل. ومن خرج -قيل- من بيته بلا نيّة، فقد أتى كبيرا، فإن مات عليه فقد هلك؛ وهذا -عندي- لا يناسب أنفاس الشريعة.
وعلى العبد أن ينوي في كلّ مباح له طاعة الله فيه، لأنّ هذه الأجساد خُلقت ليُطاع الله بها.
ومن نوى أن يقتل رجلا غدا، فلم يفعل أثم بنيّته. ومن أتى صغيرا ونوى أن يتوب منه غدا أو بعده، هلك إن مات قبله عند الأكثر؛ وقيل: يلزمه في حينه وأصرّ إن أخّره، وهو الأشدّ كما مرّ؛ وقيل: لا يُقطع عليه بذلك، لأنّه دان أن يتوب يوما ما.
فصل
من حسنت -قيل- نيّته، استقامت طريقته. ويُروى أنّه يؤتى بعبد غدا ومعه من الحسنات أمثال الجبال، فينادي مناد: من له على فلان مظلمة فليأخذها، فتؤخذ كلّها، فيبقى حيرانا، فيقول له مولانا: إنّ لك عندي كنزا لم يطّلع عليه أحد، فيقول: ما هو (1/272)
صفحة 265
يا ربّ؟ فيقول له: نيّتك في الخير كتبتها لك سبعين ضعفا. وهاهنا أخبار تؤدّي هذا المعنى. وفضل الله أوسع من ذلك، لا حرمنا الله منه والمسلمين، آمين.
وكان الحسن يقول: إنّما يخلّد أهل الجنّة في الجنّة، وأهل النار في النار بالنيّات؛ وكذا قال بشير، لأنّ القصد بالقلوب أبلغ من حركات الجوارح. ومن لم يقرن -قيل- سبعة بسبعة، فهو يعمل في غير معمل: الخوف بالحذر والرجاء بالطلب والنيّة بالقصد، والدعاء بالجهد، والاستغفار بالندامة، والعلانية بالسريرة، والعمل بالإخلاص.
يحيى بن معاذ: سلامة العمل في ثلاثة: النيّة في أوّله، والصبر في وسطه، والإخلاص عند فراغه. فالواجب استصحاب النية في جميع الأعمال.
فصل
النية في الجملة أن يقول العبد: اللهمّ إنّ نيّتي واعتقادي في كلّ طاعة منَنْتَ بها عليّ، ووفّقتني إليها من صلاة أو زكاة أو صيام أو حجّ أو جهاد أو أمر أو نهي أو صلة أو صدقة أو ضيافة أو تعلّم أو تعليم، أو قراءة أو نحو ذلك من واجب، أو فضيلة أو مباح أن أمتثل به طاعة لله ولرسوله، وقُربة إليه.
وعلى التفصيل، فكلّ معنى على قدر ما تجب فيه؛ ففي الفرض أداء ما تعبّد به، وفي النفل التقرّب به، وفي المباح الشكر لله والتقوّي به. فيقول في الوضوء: ((أرفع بوضوئي هذا جميع الأحداث، وأتوضّأ [117] للصلاة))؛ وفي التيمّم: ((أرفع بتيمّمي هذا جميع الأحداث، وأتيمّم للصلاة طاعة لك ولرسولك -عليه السلام-)).
ومن لم يجد ماء ولا ترابا، فله أن ينوي أن يتطهّر بالماء لها، وينويه لكلّ عضو. وقيل: ينوي التيمّم ويصلّي، وقيل: ليس على المتيمِّم أن ينوي به فريضة ولا تطوّعا، ولكن الطهارة ورفع الحدث للصلاة. والنيّة في غسل الجنابة والحيض والنفاس (1/273)
صفحة 266
والاستنجاء بعد تقديم القُبُل فيه في كلّ شيء، وباعتقاده. وفي غسل الميّت أداء السنّة؛ والطهارة من كلّ حدث وخبث.
القاضي محمّد بن سليمان: ينفع المرء أن يقول: اللهمّ إنّ نيّتي واعتقادي أنّ كلّ ما أخرجتُه من مالي أو أُخرج عنّي بإذني للفقر، فهو ممّا يلزمني من زكاة أو مفطر في رمضان، أو من ضمان لما لا أعرف ربّه، صدقة عنه وقضاء عنّي، طاعة لله.
وينوي في كلّ صلاة على انفراده؛ فإذا جمع بين المغرب والعشاء والوتر في وقت، جمعها عند قيامه للمغرب، ويجدّد النيّة لكلّ واحدة بعد التوجيه لها إذا أراد أن يحرم لها، وإن لم يجدّدها عنده أنّه يجمع، ونوى الجمع قبلُ أجزاه. وتجديدها عند الإحرام لكلّ أفضل، وليقس ما لم يُذكر على ما ذُكر. (1/274)
صفحة 267
الباب الخامس والأربعون
فيمن يعارضه الشكّ في ماله أو اختلط بمال غيره
أبو سعيد: من اشترى شيئا فأكله ثمّ شكّ أكان شراؤه جائزا له ثابتا أم لا؟ أو في عقد النكاح كذلك؟ فإن عرف من نفسه أنّه لا يدخل على شبهة ولا يتقدّم إليها في ذلك وكان في يده، فلا يلتفت إلى الشكّ بعد مضيّ الأمر، لأنّه من الوسواس، يضيّق عليه فيما أُبيح له، ويكدّر عليه الصافي، لأنّه إمّا أن يكون أخذه على حلال، فتركه له ضلال إن كان على تحريم له فيما لا يعلم حقيقة حرمته، وإمّا أن يكون دخل عليه بباطل غاب عنه علمه ونسيه، فله العذر إن دان بالتوبة؛ والخلاص من كلّ، لازم لله أو للعباد.
وكذا إن عارضه بعد انقضاء الحجّ أو بعد الركوع والسجود، أو انقضاء رمضان، أو بعد التلبّس به أو إخراج الزكاة، أو كلّ عقد من نكاح أو مراجعة أو تكفير أو غير ذلك، فلا يلتفت إليه، ولا يرجع إلى الشكّ إلاّ باليقين.
قال ابن المختار في بيدار بيده مال فنسبه لفلان، ولا تعرف ذلك إلاّ بقوله، فلك أن تشتريه ممّن نسبه إليه، أو من وارثه، وإن قضاه زوجته أو غيرها ومات، جاز للمقضي له أن يأخذه بقول البيدار، وإن لم يعلم هو بالقضاء والبيدار غير ثقة.
وقد كتب ابن محبوب إلى رجل داخله الشكّ في أمره ما ملخّصه: اِعلم أنّك إن أطعت الخنّاس أضلّك وأوحشك، وفتح لك أبوابا من الوسوسة لينال منك مراده، فإنّه قد أضلّ كثيرا من المتورّعين في حلالهم حتّى حرّمه عليهم، وأضلّ أهل الحرام فيه حتّى أحلّه لهم، فإذا عارضك، فخذ باليقين، وتوكّل على الله، وأعرض عن الوسواس، فإنّه يفتح عليك ما استغلق، ويغلق ما فتح، فيدعك متحيّرا بين اليقين والشكّ، واثبت على يقينك، ولا تُمكّن الشيطان من دينك، فإياك إن عارضك في نحو ذلك، أو في أنّك (1/275)
صفحة 268
تصدّقت بمالك أو بعته أو نظرت محرمتك بعمد أو قلت لزوجتك ما تُطلّق به أو نحو ذلك، فلا تدع حلالك بالشكّ [118] حتّى تتيقّن.
ومن حلف بطلاق زوجته وشكّ في أنّه حنث، وبانت منه ولم يدر ما قال وما حلف عليه، فلا تحرم عليه حتّى يتيقّن.
ومن خرّف نخلة لا يعرف ربّها وسأل فلم يعرفه وأراد الخلاص، فإن كان حين يخرّفها يعلمها لفلان أو أُخبر به وصدّق ثمّ شكّ، فإن اطمأنّ في خرافتها أنّها له تخلّص منها إليه إلاّ إن صحّ بعلم أو بيان أنّها لغيره، فيتخلّص إليه؛ وإن صحّ عنده أنّه خرّفها كما لا يحلّ له وأيس من معرفة ربّها، خُيّر في التخلّص منها للفقراء، وفي الإيصاء بها حتّى يعرف، وإن خرّفها غير مطمئنّ تخلّص حتّى يطمئنّ أنّه خرّفها حلالا له.
ومن بيده مال يتصرّف فيه، وقد لزمت منه أحدا تباعة وأراد التخلّص منها، فقال له ثقة: إنّه أو بعضه ليس لمن رأيته بيده، فلا يلتفت إلى الواحد هنا، حيث كان يدّعيه ويتصرّف فيه ولا نكير عليه حين دخلته التباعة منه، وليتخلّص منها إليه؛ فإن احتاط تخلّص منها أيضا إلى من نسب الثقة المال إليه.
فصل
من طلبه سلطان بخراج فأعطاه له وخلطه بغيره ثمّ ردّ إليه قدر ما أُخذ منه، لم يحلّ له أخذه إلاّ بإذن من اختلط ماله به وإلاّ ضمن لمن خلط معه، وكان له معهم منابه فيه، وقيل: يأخذ منه مثل جنس ماله إن قدر عليه، لا فوقه ولا دونه، وقيل: مثله أو دونه، لا فوقه، وقيل: له مثل ماله من المشترك ما لم يبلغ فوق حقّه، وبه يحكم عند اختلاط الأموال.
وإن أخذ -قيل- حبوب الناس وخلطها، فلمن له فيها حبّ. قال أبو الحواري: أن يأخذ بقدره فيها، وكذا ما غصبه من الماء من الفلج، فلمن له فيه نصيب أن يسقي منه بقدر ما يقع له منه، وقال ما غصبه من المياه يكون كالسيل على الجميع. ومن له (1/276)
صفحة 269
-قيل- عشر خشبات في مائة ولا علامة لكلّ، ويعرف موضعه من السفينة وقد انكسرت فلم يدرك منها إلاّ سبعون خشبة، فهي بينهم على المحاصصة إن لم يعرف القوم خشبهم.
وإن وجّهت ثلاث صرر دراهم لثلاثة، لكلٍّ صرّة، فأخذت منها صرّتان فالباقية بينهم إن استووا ولا معرفة، وإلاّ فلكلّ بقدره، وقيل: لا يحكم لهم ولا عليهم بشيء حتّى يتّفقوا أو يبيّن لمن هي منهم.
أبو الحواري: إن حمل ربّ السفينة فيها تمرا أو أمتعة متشابهة فانكسرت فغرق بعضها وبقي بيده بعض، ولا تعرف علامة كلٍّ، فإن تراضى أصحاب الأمتعة على أمر فذاك، وإلاّ وقف البعض حتّى يتّفقوا أو يُفرّق للفقراء. وكذا إن أخلط الريح أو السيل السنبل.
ابن سعيد: إن اختلط مكّوك حبّ حرام وهو صاع ونصف في قفيز حلال وهو ثمانية مكاكيك أو كفّ تمر في جراب كذلك، حرم الحبّ كلّه والتمر، فإن عُرف موضعه أُخرج وإلاّ حرم أيضا.
وإن تداخلت أعناب ناس لم يجز أخذ منها إلاّ عن رضاهم إن بلغوا، وإلاّ أو لم يتّفقوا فكلّ أولى بماله؛ وإن طلب صرف ما أناف عليه كان له، ولكلٍّ ما حمل عنبه؛ ومن أخذ من عنب غيره ضمنه له.
وإن نضّدت -قيل- جماعة تمرهم معا فعسله بينهم على التمر، وقيل: يوقف حتّى يتّفقوا. ومن عنده أمانات وهي صرر مكتوب فيها، وأخذها جبّار ومزّق المكتوب وخلطها، ثمّ ردّها عليه، فإن كان يميّزها قُبِلَ قوله، وإلاّ وقفت كذلك. (1/277)
صفحة 270
الباب السادس والأربعون
في مسائل البحر
فمن أراد سفرا في سفينة لا يعرف ربّها واحتاج إلى إذنه في كثير من أمورها، فإن أخبره بعض راكبيها أنّه هذا وصدّقه جاز له إن قام بها وبجهازها، فإذا قاضاه ووضع له المركب فلا يركب حتّى يشاور ربّه، [119] ويأمره، فإذا دخل في السفينة قعد حيث دخل حتّى يستأذن من قاضاه، فيقعد حيث أمره إن كان لا يؤذي به (135) أحدا، وإن لم يشاوره أو كان في البرّ وقد أذن له بالدخول، قعد حيث شاء حتّى يجيء إن لم يمكنه إلاّ كذلك إلاّ إن حوّله أو أباح له المركب، فيقعد حيث شاء بلا إيذاء أحد.
فإن اضطرّ قعد حيث أمكنه ولو به، إذ لابدّ له من القعود. وإن أقعده أو بنفسه على أحد اضطرار ثمّ أراد التحوّل إلى مشمس أو في مستظلّ جاز له إن شرطه على من قاضاه، فإن أباح له عمل كما أباح وإلاّ واستأذن بعض الركّاب أن يقعد معه، وإن على فراشه بلا إيذاء جاز له، ولا يقعد على القماش إن كان يضرّه. وإن قعد في حدّ اختيار من المركب، فلا يبغي غيره إلاّ برأي صاحبه، وكذا في حوائجه إلاّ إن حجّر عليه أرباب المركب، لأنّهم أعلم بعوراته منه.
وقيل: الراكب في البحر يحتاج أن يعلم أنّ السفينة محلّ الصبر واليقين، فمن ركبه صاحب الهمّ والبلاء له مقارن، وأمّا الخوف فكالبرّ إلاّ من ضعف يقينه ورقّ دينه؛ فمن أيقن بالقضاء نال السرور، ومن شكّ فيه فهو المغرور.
ولراكب السفينة -قيل- أن يتوضّأ بالدلاء الموضوعة على السناديس بلا استئذان، لاعتياد إباحتها له، وإن تنجّس ثوبه علّقه في حبل وأرسله ليضربه الموج حتّى يرجو نظافته إن قام مقام العرك، وإن أمكنه رفعه وعركه ثمّ يرسله أيضا حتّى يغمره الماء يفعل به ذلك ثلاثا أجزاه، وإن أذن له ربّ المركب أن يعرك على الخشب فعل. (1/278)
صفحة 271
وإن سقط بعض الدلاء بإرساله فلا عليه إن لم يتعمّد.
ومن لزمته تباعة من قِبَل أمتعة أو أداة في المركب أو أحدث فيه موجب ضمان، تخلّص منه إلى من عرف أنّ المركب له أو يُنسب إليه، إلاّ إن أقرّ أنّه لغيره فيؤدّيه له. وإن عجز عن التخلّص إليه تخلّص به للمقرّ ويأمره بأدائه إلى من أقرّ أنّه له.
ومن أراد من الركّاب شراء طعام أو متاع من أحد أو وهبه فيها (136) له جاز له إن كان بيده، وإن استخرجه منها ولم يعلمه له طالع عليه فيه ربّ المركب، فإن أقرّ أنّه له اشتراه منه، وإن تناكرا فيه تركه، وإن أخرجه (137) من تحت فراشه وقد عرف (138) أنّه يملك مثل ذلك عند الراكبين فيه، فلا بأس على من أخذه منه، وإن لم يعرف له عندهم كُره له أخذه منه، إلاّ ما كلباسه أو ما جزم فيه (139) أنّه ذو يد فيه.
وإن أتى ثقة بمتاع فله شراؤه منه (140) إن صدّقه ولم يعارض فيه، لأنّ الأمين لا يفعل إلاّ جائزا له، ودعواه في الحكم عند من لا يعرفها غير مقبولة منه إلاّ ببيان.
وللراكب فيه أن يمضي إلى الوضوء وإلى حاجته حيث أمكنه إذ ليس في المركب طريق معروف، إلاّ إن حجّر عليه صاحبه أو يتعمّد هو ضرّ أحد فيه، إذ لابدّ من ذلك؛ وإن كان له منه بدّ، فالسلامة له أولى من الخطر فيما هو مستغن عنه.
وحكم الماء الذي في القنطاس للشاربين منه، لأنّهم فيه شركاء. وكُره لمن يستأثر به بحيلة إلاّ برأي الكلّ، لإدخاله الضرّ عليهم، وقيل: إنّ حكمه لربّ المركب، وعليه سقي الراكبين، لأنّه على ذلك حملهم، ولا بأس على من آثره بشيء منه ما لم يؤدّ إلى ضرّ أحد، ولو لم يجز له ذلك، لأنّ عليه أن يعدل بينهم فيه، ولا يلزمه أن يستحلّهم معا، إن آثر أحدا ويتخلّص من ذلك إليه ويحتاط بمثله للفقراء. ومن خيف عليه الموت بعطش فعليهم أن يطلبوا له كلّ من في المركب. (1/279)
صفحة 272
فصل
تقدّم أنّ على الأب أن يسوّي بين أولاده، وقد اتّفقوا أنّ للولد قبول ما أعطاه أبوه ولو آثما فيه، وكذا من ابتُلي بقسم ما ائتمنه الله عليه، يلزمه أن يسوّي فيه، ولا يأثم من فاضله بشيء [120] على غيره. وقيل كراء الركبان من السفينة إلى البَرِّ أو عكسه على المتعارف في المركب، وإن قدّموا أصحابها قاربا وأرادوا النزول إلى موضعٍ وأمروا به، فمن تيقّن أنّ الآمر به للكلّ نزل إن كان منهم، ومن لم يتيقّن شاور ربّ القارب، فإن أذن له نزل؛ وإن قاضى الركّاب ربّ المركب إلى ساحل معلوم فليقصد بهم إليه، ويجد السير إليه لا إلى ما يضرّ بهم أو يعوقهم عن مرادهم، فإن شارطهم على أمر فله عليهم شرطه، وإن كانت له (141) عادة اتّبعوها كغيرهم، وإن قصده عدوّ بأخذ المركب وعزموا عليها استسلاما وخوفا ورجاء لسلامتهم، فلا ينبغي لمسلم أن يقاتل وحده فيدخل الهلاك؛ على الكلّ بقتاله إن لم تقع حرب، وإن وقعت واستسلموا حال المحاربة جاز للمقاتل أن يمضي على قتاله إلى أن يظفر أو يُقتل شهيدا.
وإن عزم الركّاب على القتال وأبرزوا السلاح والحجارة في موضع لأجله، فلمن شاء أن يقاتل بها، ولا يضمن ما تلف حين المقاتلة. واختير لمن ابتُلي بذلك عند المخالفين له أن لا يقاتلهم بسلاحهم حتّى يستأمرهم فيه، وإن جاءت نوارج، وقال أهل المركب: إنّها نوارج الهند بلا شكّ، واطمأنّ قلب المسلم، ورأى علامة أهل الشرك المعتادة منهم، فله أن يقاتلهم ويغنم ما معهم منهم، وإن لم يكن للحرب قائد وكان يقاتل برأيه، كان لكلٍّ ما غنم، ويُخرج (142) خمسه. وإن اعتقدت جماعة أن يقاتلوا من لقيهم من المشركين وأنّ الغنيمة بينهم فهم على ما اعتقدوه من إخراج الخمس، والباقي بينهم.
فصل
إن خاف أهل المركب غرقه فلصاحبه أن يطرح أمتعتهم إن كان فيه نجاتهم فداء الأنفس بالأموال، ولو كرهوا. واختير أن يكون بعد الحجّة عليهم، ولزمهم دفع (1/280)
صفحة 273
الضرّ عن أنفسهم. وإن طرح متاع بعضهم اشتركوا في ضمانه؛ فإن كان النفع للمتاع كان على قدره، وإن كان للأنفس فعلى الرؤوس، وإن كان لهما فعليهما، وإن كان معهم صبيان. والنفع والضرّ للكلّ، لزمهم في الحكم جميعا لا في الحجّة، إذ لا تقوم على صبيّ.
مسعدة: إن اتّفق الرجال على الطرح كان على عدد الآمرين منهم به، وإن طرح واحد وسكت باقيهم فعلى من طرح أو أمر؛ ومن أمر بطرح متاعه كان عليه، ولهم أن يصانعوا وكيل الماء ليسقيهم، وأن يشربوا من ماء القنطاس إن احتاجوا إليه بلا إذن ربّ المركب، وأن يرشوا من يسقيهم، وعليهم أن يردّوا الفاضل.
ومن أوقد فيه نارا لحاجته، فحملتها (143) ريح فأحرقته أو بعضه لم يضمنه إن لم يتعدّ المعتاد ولا تعمّد الحرق.
ومن اضطرّ إلى أكل بعض المكاسير التي لا يُعرف لها ربّ جاز له، ولو كان لغير أهل المركب، لأنّه صار في حدّ التلف عن أهله، ولا يضمنه إذ صار كاللقطة، وقيل: هو لقطة مضمونة لربّها إذا عُرف، وإلاَّ تصدّق بمثله (144) وهو المختار. وإن غصب المشركون قوما ثمّ أطلقوهم ومعهم مركب لأحد، فلهم أن يركبوه وينجّوا أنفسهم، ويضمنوا له كراءه إن سلم، وقيمته إن عطب، كمضطرّ بجوع يأكل من مال الغير ما ينجيه ويضمنه، وكذا من أخذه الظلمة وعذّبوه وخاف، فافتدى به، وإن ركبوه ووصلوا مأمنهم، فإن كان له رُبَّان (145) فلهم [121] تركه بيد من حفظه ومن يده، ركبوه ونقدوا له كراءه، وإن لم يكن له ربّ ولا وكيل كان عندهم أمانة، وضمنوا كراءه حتّى يجدوا ثقة يوصلهم إلى ربّه إن عُرف، وإلاّ كان هو وكراءه أمانة عندهم، وليس لهم بيعه وحفظ ثمنه لربّه إلاّ إن خافوا تلفه، فيحلّ لهم ذلك، ثمّ إن ضاع الثمن ففي ضمانه قولان، وإن كسر المركب قبل الوصول أو بعده ضمنوه إن أخذوه تعدية، لا إن كان تنجية. (1/281)
صفحة 274
فصل
كره الفقهاء -قيل- ركوب البحر لطلب عيش، وجاز لجهاد أو حجّ.
ومن غصب العدوُّ مركبه وصار في بلادهم، فحجّر على التجار أن لا يشتروه فاشتراه بعضهم، وخرج به إلى بلد آخر فاشتراه منه رجل فيه، وسار به إلى عمان مثلا، وأتى وكيل المغصوب ببيّنة بالحِجر ولم يعرف بكم اشتراه الأوّل من العدوّ، وصحّ الغصب والحِجر عليه فربّ المركب أحقّ به، ويرجع المشتري الأخير على الأوّل، وهو على الغاصب.
وقيل: إنّ ما ألقاه أهل السفن من متاع أو حليّ أو غيرهما، وعجزوا عن إخراجه والرجوع إليه جاز لمن قدر عليه أن يأخذه، وإن طلبه أهله فيه، فلهم أخذه منه، وله هو أجر مثله؛ وبه قال هاشم.
أبو سعيد: هذا إن كان ممّا يرجع إليه، وإلاّ فالقول الأوّل أشبه. ومن قاضى ربّ مركب أن يحمله بكذا وكذا، فحمله وأدخل متاعه فيه، وأصاب ربّه خبّ وهو اضطراب البحر (146)، وطرح متاع الرجل فيه فطلبه وبيّن أنّه أدخله فيه، وقد أمر ربّه بطرح متاع الرجل ومتاع غيره حين وجد الخبّ، وقال إجمالا: اِطرحوا المتاع، وبيّن أنّه أمر بطرح متاع غير الرجل، فبيانه أولى من بيان ربّ المركب.
وجاز -قيل- لمن يتعلّق ببعضه إن انكسر أو بمتاعه لينجو به إن أمكنه، ولا يضمنه، إلاّ إن اتّصل به إلى الساحل فنجى، فيلزمه ضمانه حينئذ إن قدر على التخلّص منه، وعرف ربّه، وإلاّ تخلّص منه لربّ المركب. وقيل: إذا حمل متاعا وعناهم الخبّ فله أن يطرح، وإن من متاع الغائب، ويتحاصصون فيه على الأموال كما مرّ.
ابن محرز: من ذهب ماله في البحر بالانكسار، وقال: من أخرج منه شيئا فهو له، جاز له أن يرجع عليه فيما أخرجه، ويعيطه عناء مثله، وإن قال فله: نصفه أو مثله من الأجزاء كان له، إذ يلزمه ما شرط على نفسه. (1/282)
صفحة 275
ومن أراد التخلّص ممّا حمل إلى ربّ المركب، واستحلّه إلى أكثر ممّا حمل فيه، فرأي: إن أحلّه.
ومن حمل في سفينة بضمان، فغرقت أو أتاها ما لا يمكن دفعه كريح لم يلزم الحامل ضمان، إلاّ إن كان بها عيب. وإن تلاقت سفينتان، وفي إحداهما ركّاب والأخرى واقفة ضمنتها ذات الركّاب إن أصابتها، وإن لم يكن فيها أحد فلا يتضامنان، وإن سارتا فأدركت إحداهما الأخرى وكسرتها ضمنتها، وإن انكسرت هي فلا تضمنها المتقدّمة، وإن استقبلت إحداهما الأخرى فانكسرتا تضامنتا، وقيل: لا، إلاّ إن ضيّعت إحداهما أو تعمّدت ضرّ أخرى.
وإن تعالى سمك من البحر فوقع في المركب، فقيل: هو لصاحبه أو لمن أخذه؛ وعند الأكثر: إنّه كاللقطة.
وسُئل عزّان عمّن بيده مال بمضاربة، فأخذه جائر، فقال له: إن لم تدفعه إليّ قتلتك، فقال: [122] ليس له أن يدفعه إليه، فقيل له: فلو أنّه كان في مركب فجاءه الخبّ المهلك، هل له أن يطرح المال رجاء لسلامة نفسه؟ قال: نعم، لأنّه يرجوها له ولغيره.
قيل لأبي سعيد: ما تقول في هذا؟ قال: لم يتبيّن أنّ سلامة غيره أوجب عليه من نفسه، ولكن إن ثبت هذا، فمن طريق أنّ البحر جاء أمره من الله، وإذا ثبت الخوف على الأنفس من قِبَل آت منه، كغرق أو حرق أو نحوهما، فمن ترك ما يقدر عليه من استنقاذها لزمه ضمانه، فإذا ثبت أنّه يخاف هلاك الأنفس من المال جاز استنقاذها بطرحه بالتزام ضمانه، وقيل: إذا كان على مثل هذا، كان ما طرح لإزالة الضرّ ثابتا على كلّ من يصرف عنه على الرؤوس، وإن كان على الأموال، فعلى قدرها. وإذا اجتمع معنى الاِسخراج (147) في الصلاح ودفع الضرّ كان من رأس المال ورؤوس البشر. (1/283)
صفحة 276
الباب السابع والأربعون
في الجبابرة وعمّالهم
روى جابر: ((تُحشر الظلمة وأعوانهم، وأعوان أعوانهم ولو ببري قلم، أو بمدّة دواة إلى النار)). ويقول: إن قويت على الجائر فردّه إلى الحقّ، وإن خفت أن يُذلّك فعليك بالدعاء والتضرّع.
وعن عمر أنّ عمّال الناس على قدر أعمالهم، إن أصلحوا صلح عمّالهم، وإن أفسدوا فسد عمّالهم. وفي بعض كتب الله: ((إنّني أنا الله لا إله إلاّ أنا؛ من انتهك من محارمي محرما سلّطت عليه من ينتهك من حرماته بقدر ما انتهك من حرماتي، عدلا بلا ظلم)).
وفي بعض آخر: ((إنّني أنا الله لا إله إلاّ أنا، أنتقم من الظالم بالظالم، ثمّ منهما معا))، إلى غير ذلك من الأخبار. وكفاك قوله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُوا} الآية (سورة هود: 113).
ومن كان في مملكة جبّار وبُلي بقرب داره وخاف أن لا يغفل عنه، وأن تدهاه منه داهية ولو في جيرانه، فزاره وصانعه بمال أو رفق، أو بما يرجو دفع ظلمه عنه ممّا لا يقوى عليه، وهو مُبغض له في قلبه لله، فنرجو سلامته بفضله. وقد مرّ أنّه تجوز التقيّة في القول لا في الفعل.
وقد روي: ((لا حنث على مغصوب)). فتوبة من أُجبر على محرّم إن فعله، أداء ما لزمه فيه، إلاّ إن علم أنّ من أجبره غرم للمفعول به، فيكفي المجبَر الندم والاِستغفار. وإن أكره على وطء امرأة فعليه عقرها لا الحدّ. وأجاز عزّان في التقيّة ما يجوز حال الاضطرار.
ومن أُكره على عمل في مغصوب ممّا يزيد به، فتوبته الحلّ والندامة؛ وإن كان فيه ضرّ على ربّ المال أو غيره، ضمن ما أحدثه فيه. ومن حبس في مغصوب فله أن (1/284)
صفحة 277
يتيمّم بترابه، ولا يجوز لحدّاد أن يقيّد أحدا ظلما، ولا يضيّق عليه سنّ السلاح، وعمل النعال إن كان في غير وقت المسير إلى محاربة المسلمين. وإن عمل حَرْبة لجنديّ فقتل بها أحدا، فلا يضمنه إلاّ إن كان وقت مسيره إلى الحرب.
فصل
ابن بركة: إن أخذ جبّار مسلما وقال له: إن لم تصوّبني أو ديني قتلتك، وعلِم من عادته القتل على ذلك وعلى ردّ أمره، وغلب على ظنّه أنّه يقتله إن لم يفعل، فله أن يظهر بلسانه كما مرّ. وكذا إن خاف ضربا يتلف نفسه؛ وإن خاف حبسا لا قتلا، وأمِن فيه من عطش وجوع يتلفانه، فليس [123] له أن يقول ذلك. وإن خاف أخذ ماله ولا يتضرّر به، بل يبقى له ما يقوّته وعياله ويرجع إلى كفاية، فليس له أن يصوّب الكفر والكفّار لتنجية ماله، وجاز له إن أدّى أخذه إلى هلاكهم؛ وإن قال له: اضرب هذا أو اقتله، وإلاّ قتلتك، فلا يحيي نفسه بتلف غيره، ولا تُفدى نفس بمثلها. وإن أكرهه على شرب الخمر أو أكل الميتة أو نحوهما، فله أن يفعل، لأنّه أبيح له عند الاضطرار، وقد مرّ ما فيه.
وإن أُكره على زنى بامرأة لم يجز له وإن طاوعته، إذ لم يأذن الله لها (148) أن ترضى به، كما أنّه لا يحلّ له إن أمره أحد أن يقتله أو يقطع منه (149) عضوا أن يفعل، إذ لم يجعل الله له الرضى بذلك.
وإن أُكرهت على زنى، فعليها أن تمسك جوارحها، وليست كالرجل، لأنّ الفعل منه، وهي لا فعل لها، وإنّما حرّم عليها المطاوعة. وإن طلب منه الفداء من القتل بالكثير، فعليه أن يفتدي به إن قدر عليه؛ وقد ألزمه الفقهاء شراء الماء إن خاف موتا بعطش، وإن بكثير (150) الثمن، أو بجميع ما يملكه، وأن يشتريه لطهارة صلاته به عند بعض، ولو وجد البدل وهو الصعيد. وإن امتنع بالغلاء لم يلزمه إن خاف ضرّا بدفع (1/285)
صفحة 278
ثمنه؛ وعلى ذي الماء أن يردّ عليه فضل قيمته في موضعه. وإن بان له أنّ الجبّار يأخذ ماله ثمّ يقتله، فله أن يمسكه لئلاّ يتقوّى به على ظلمه.
ولا يجوز دفع مال لغير نفع عاجل أو آجل. وعلى الإمام فداء الأسراء من بيت المال إن وُجد الإمام، وإلاّ فعلى الجماعة إن لم يضعفهم المال ويقوّي الجبّار عليهم جميعا، لأنّ قتل الواحد أيسر من قتل الجميع أو ذهاب الحقّ من أيديهم، وكذا إن قدروا أن يُخلصوه بقتال أو باحتيال، فتخليصه بالمال أيسر من أنفسهم، وعليهم الأمر والنهي إن قدروا بما يمكنهم.
فصل
من أخذه الجبّار بمال وليس عنده إلاّ الوديعة، فله أن يفتدي بها، ويضمنها لربّها، ولا يلزمه أن يقاتل عليها إن علم أنّه لا ينجو من القتل، وتؤخذ منه، وجاز له على ماله وأمانته إن كان بين خوف ورجاء، وإن كثر العدوّ، ومن المعتاد أن يغلبوه، لم يلزمه إن يعين على نفسه، ويُلزمها ما لم يلزمها.
وإن طولب بمال فلم يجده، اِفتدى بمال الغير وضمنه كما مرّ، لأنّ على ربّه إذا علم أنّ الجبّار يقتله، وقدر على إنقاذه منه بماله أن يخلّصه منه به. وأيضا فلا خلاف أنّ من فقد قوتا وخاف هلاكا، بجوع ولو في حضر، ووجد مال مسلم فعليه أن ينجّي نفسه به، وإن بلا إذنه ويضمنه.
والخلف إن وجده والميتة، فالأكثر على أنّه ينجّيها به كذلك، وقالوا -كما مرّ- إن خاف قوم غرقا، فلهم أن يلقوا ما في المركب من المال لتنجية الأنفس. ومن رمى ماله من غير اتّفاق معهم فله عليهم إن سلموا ضمانه على الرءوس، ويحكم عليهم به.
ومن خاف ضربا، لا قتلا فله أن يفتدي بمال غيره لأدائه إلى القتل، لا إن خاف حبسا [124] إلاّ إن خاف هلاكا فيه، وإن ببرد أو حرّ. (1/286)
صفحة 279
ومن أسره النصارى وأجبروه أن يتنصّر ففعل، فأكل الخنزير وشرب الخمور لم يجز له، لأنّ التقيّة في الفعل لا تجوز، وهي جُنّة المؤمن (152) في القول. ومن لا تقيّة له لا دين له.
ومن عِلْم الرجل -قيل- أن يعلم أحوال التقيّة في ومواضعها وأوقاتها (153)، وقيل: إنّها على ثلاثة: فرض، وتوسّع، وما لا يسع. فالفرض هو خوف المرء على دينه، فيلزمه أن يتّقي عليه (154)؛ والتوسّع أن يخاف على نفسه أو ماله، فإن شاء مضى إعطاء ما طُلِب منه، فإن أُصيب حاز الفضل، وإن توسّع برخصة ربّه فلا عليه.
والتي لا تسع أن يخاف انتقاص منزلته وشتم عرضه، فلا ينبغي له استعمال التقيّة على ذلك، ويؤخذ بما فعله لأجله. والخلف في الإمام فقيل: لا تسعه، وقيل: هو كغيره في سعتها، إذا نزل فيها منزلة غيره.
ولا يحلّ لمسلم أن يتولّى لجبّار عملا في مغصوب، ولا يعينه فيه، ولا يأمر فيه وينهى. ومن أُجبر على سكن منزل فلا عليه فيما جعل فيه من طعامه وشرابه وآنيته وكتبه، وما يتقوّى به على الطاعة؛ وليحرز به ما خاف عليه من ماله، ولا ضمان عليه، وإنّما هو على من أجبره، ولو كان المنزل (155) مغتصبا. والأحسن أن يستحلّ ربّه ولو قيل لا يجوز فيه، وله أن يأذن لمن يدخل عليه فيه لأنَّه لا غنى له عنه، لا لمن يسكن معه فيه (156)، وفي جواز التيمّم والاِستبراء بالمغصوب قولان.
فصل
لا يجوز لخائف على نفسه أن يعلِّق مقتولا أو يحمل رؤوسا، لأنّ حرمة الأموات كالأحياء بالسنّة. ومن حُبس في منزل أحد فله أن يتوضّأ بالذي فيه من الماء، ويصلّي فرضه في موضع منه أقلّ ضرّا، وإن لم يمكنه إلاّ به صلّى وضمن الضرّ، وإن صلّى على بساط فيه، فقد استعمله في الحكم وإن لم تضره الصلاة، وأمّا عند الله إذا لم يحوّله من مكانه ولا ضرّه باستعماله فنرجو أن لا يضمنه. (1/287)
صفحة 280
وقيل: إنّ القعود عليه والصلاة استعمال له، فلو حوّله وصلّى مكانه وردّه لكان أقلّ استعمالا وأشبه. ومن له على الناس ديون وماطلوه وقد أيسروا، لم يجز له أن يعطي الجبّار وأعوانه شيئا ليخرجوا حقّه منهم، لأنّهم لا يؤمَنون على ظلم بسببه.
وإن أخذ الجائر أحدا فتقدّم على الرعية أو على معيّنين: إنّكم إن لم تعطوني كذا وكذا قتلته، فإن قدروا أن يفدوه فقد لزمهم؛ وحدّ القدرة -كما مرّ- أنّهم إن باعوا من أصولهم قدره ويبقى لهم ما يموّنون به من لزمتهم مؤونته، فقد لزمهم، وإلاّ ضمنوا ديّته وأثموا، وقيل: لا يلزمهم بذلك.
وإن نزل الجائر أو عمّاله منزل قوم، فلا يدخل عليهم فيه إلاّ من أُخذ بالدخول إليهم، فلا عليه إن لم يحدث فيه به موجب ضمان، ولو كان لغائب أو يتيم، ولا على داخل سواه لقضاء حاجة من الجائر ثمّ ينصرف بلا إحداث، ولا فتح باب. ومن سخّره عونه فكسح منزلا مغصوبا، فأحدث فيه موجب ضمان، فقد لزمه. (1/288)
صفحة 281
الباب الثامن والأربعون
في الجائر يسخّر الناس للعمل بأنفسهم وخَدَمهم ودوابّهم وحديدهم
قال أبو الحواري (157): إذا عملوا له (158) فعليهم أن يستحلّوا أرباب الأرض ولو مشاعا، وعليهم في الصوافي التوبة، لا الغرم. وإن سار إلى القرى وبنى فيها العرش والمنازل، وسكن فيها مدّة ثمّ رحل وتركها، فإن كانت في مال أحد فهو أولى بها، وللجائر قيمة بنائه إن أراد قلعه [125] إذ جاز له؛ وإن تركه خرابا ولا حاجة لأهلها (159) به، فاضطرّ إليها ساكن، فلا عليه، ولا يتّخذها سكنى إلاّ برأي أهلها، وإنّما جاز فيه المبيت والمقيل والنزول على معنى احتياج المسافر إلى ذلك، وإن كان البناء في غير أموال الناس ثمّ تركه خرابا جاز سكنه لمن أراده ما لم يرجع إليه فيمنعه أو كان مشاعا، فمنعه أهله، فلا يسعه إلاّ برأيهم، وله سكنه إن لم يمنعوه ما لم يتّخذه أصلا أو دارا يقيم فيها.
وقد أجازوا الصلاة في مسجد اغتصبت أرضه، والاِغتراف من نهر أو بئر مغتصبة، وفي مسجد الغير؛ ولا يتّخذه المصلّي مسجدا له. وإن أُجبر لحمل ما جباه بظلم إلى بيت الجباية فله حمله دون إدخاله إليه إن كان مغصوبا، وإن جعله فيه على ثوبه هو ليكيلوه ويدخلوه جاز له على تقية؛ وكذا إن أهدى إليه شيئًا (160). ولا يحلّ له أن يحمل باغيا على دابّته، ولا سلاحه، ولا متاعه؛ ولا يبيع له ما يتقوّى به على الحرب. وإن سخّره على دوابّه وتبعها إلى ما أراده سلم من ضمان ما أصابه من دم أو مال ما لم يعنه أو يحارب معه، أو يدلُّه أو يرضى بفعله. (1/289)
صفحة 282
وإن نزع دابّته من أحد فدفعها لبعض أصحابه، فإن استحلّ أخذها، فليس في ماله شيء، وإن حرمه فعليه فيه قيمتها إن قدر ربّها على أخذها منه وإلاّ وعلم من دفعها الجائر إليه أنّها مغصوبة فإنّه يضمنها لربّها.
فصل
تجب براءة الخارص باستعمال الجائر له، وكذا من دلّه على زرع أحد، أو نخلة إعانة له، ويلزمه الضمان إن عمل بقوله. ومعين الظالم بقصده ظالم. ومن أخذه جائر ليحمل له كتابا إلى جائر قرية أخرى، فلا نحبّ ذلك لمسلم ولو لم يعرف ما فيه إن عرف مكاتبتهم بينهم بظلم. وقيل: إن لم يُشهر عنه ذلك ولم يُعرف ما فيه لم يضق عليه لاحتمال أن يكون فيه غير الظلم، وإن لم يحتمل لم يجز له.
ومن له حصّة في أرض أو نخل وأبرأه الجائر من خراجها وأخذ من حصّة شريكه لزمه أن يغرم معه إذ لم يلزمهما ذلك، وقيل: لا يلزمه. أبو سعيد: من دعا خارصا ليخرص (161) له أرضه، وخرص على جاره لزمه الضمان إن دلّه عليه. ومن يتبع الخارص ويستشفع به أرباب الأموال فله أن يقول: اطرح عن فلان كذا وكذا، لا أن يقول له (162): أثبت عليه كذا وكذا.
ولا يجوز لأحد أن يدلّ الخارص على قرية أو مال، وإن دلّ وأخذ ضمن كما مرّ إلاّ إن استحلّ الدالّ ذلك ودان به، فتلزمه التوبة لا الغرم. ومن كتب لجائر أسماء الناس لزمه الغرم إن أخذهم بكتابته، وتلزم التوبة لا الغرم ناقلا له من قرطاس إلى آخر إن لم يأخذ ولم يأمر.
بشير: إنّ الخارص مقوم لا يلزمه ضمان إلاّ إن كتب الأسماء ودفعها للجائر فيكون دالاّ، وإن أرسل المأخوذ باستعماله في الخراج إلى العامل أن يقبض من أحد لم يلزمه غرم إن لم يقبض منه، وكذا إن أرسل الدالّ رسولا من غير الأعوان إلى المدلول (1/290)
صفحة 283
عليه، وأعطى له لا يلزمه غرمه أيضا، وإنّما يضمن الدالّ إذا قبض هو أو الأعوان [126] بدلالته.
فصل
من أعطى مغشوشا من النقود في غير ما يلزمه جاز له إن قُبل منه، وقيل: لا، لأنّه يصل إلى المسلمين، ولا أن يغشّ النقد ويهديه لظالم، ولا حبّا ولا تمرا بما يبقى فيه إلى أن يصل الناس كحجر أو حشف؛ وإن أخذه الظالم وخاف منه ضربا أو قتلا، ولم يمكنه ما يدفعه إليه بقرض أو غيره فله أن يدفعه عن نفسه وإن بغشّ.
ولا يجوز لأحد أن يحمل لجائر خراجا من أحد إلاّ بإذنه إن كان بالغا عاقلا حاضرا، وإن كان في خراج بلد يتامى ونحوهم لم يجز حمله، ويضمن ويغرم إن علم حامله أنّه يؤخذ منهم ظلما وإلاّ أجزته التوبة ولو ظنّ.
ابن جعفر: إن اشترك اثنان مالا، وغاب أحدهما وطلب الجائر الحاضر بخراج المال، لم يلزم الغائب شيء، وإن أخذه الجائر بلا أمر الحاضر فهو بينهما، واختار أبو المؤثر أن يشاركه الغائب في الغرم.
أبو الحواري: من قال لك: احسب ما عليّ من الخراج فأعطيه فلا عليك إن حسبت له، وإن قال لك العامل: أحسب ما على فلان فاتركه له، فلا تفعل لأنّه لا يؤمَن؛ وإن طلب إليك جنديّ قرطاسا أو مكيالا أو ميزانا ولم تدر ما يفعل به، فإن قدرت أن تمنعه كان أسلم لك، وإن أعطيته له فلا عليك، وإن علمت أنّه يكتب فيه الخراج أو يزنه به أو يكيل لزمتك التوبة لا الغرم.
ومن قال لصاحبه: حوّل اسمك من الخراج عليّ، وأحوّل اسمي عليك ففعلا، فأخذ الجائر باسم من حوّله على نفسه فعلى كلّ ما ضمن به لصاحبه إن كان ذلك باختيارهما. (1/291)
صفحة 284
ومن أمر أحدا أن يكتب اسمه أو نخله عند الجائر في الخراج فله أن يملي أو يكتبه، ولا يلزمه الضمان، وقيل: يلزمه.
والخرج -قيل- ما يؤخذ دفعة، والخراج ما يؤخذ كلّ سنة.
ومن باع ماله لرجل أو أقرّ له به، ثمّ طلب بالخراج فقال للجنديّ: مالي صار لفلان فطلب به، فإنّه يلزمه ما أخذ منه بدلالته عليه. واختلف في أداء الخراج، والأصحّ أنّه يؤدّى ولو لم يطلب، وقيل: حتّى يطالب به.
ومن اشترى سلعة من أحد، وأرسل إليه الدراهم وقال له: إنّها من الخراج فلا عليه إن لم يكن المشتري من أهله لاحتماله وجها أبيح، وإن لم يحتمل إلاّ المأخوذ ظلما لم تحل مبايعته بتلك الدراهم.
وإن جاء صبيّ بدراهم ليشتري بها، وهو من جهة الجائر وقال: إنّها من الخراج فلا يصدّق، وكذا عبده البالغ. وإن تعوّد بالغ حرّ بأخذه وقد قبض السلعة من البائع ووزن له الثمن، وقال: هو من الخراج، فله أخذه منه باعتقاد فقره إن افتقر، ولا يعلم الجنديّ به إن كان يتّقيه عند من يراه الفقراء، ويدين بغرمه متى علم ربّه عند من يرى أنّ اللقطة ينتفع بها لاقطها لفقره، ويوصي بها إذا احتضر لعلّها يوجد ربّها.
ويبرئ على المختار ممّن يملي على الخارص أموال الناس، وقيل: لا لاحتمال حقيّته في إملائه. ومن أخذ دراهم الناس ودفعها في الخراج بأمرهم [127] لم يلزمه ضمانها، وإن أخذها لنفسه ودفع فيه مثلها من ماله لم يجز له، وعليه ردّ ما أخذ، لأنّه خالف الدافع له. ومن له تسويغ عند جائر وقال له رجل: اِدفع منه عن خراجي، وأعطيك مثل ما دفعت عنّي، لم يحل له أن يأخذ من ماله شيئا، وإنّما رُفع له ظلما من ظالم. (1/292)
صفحة 285
فصل
إن عسكر جائر في بلد، واتّخذ فيه بناء وإسكانا، ولم يعلم أنّه غصب الموضع، أو هو له؛ فما كان في أيدي الناس من بار وفاجر، وعادل وجائر فهو له حتّى يصحّ غيره؛ وإن خرج منه ولم يصحّ اغتصابه وهدّمه رجل لزمه ضمانه إلاّ إن أوجب الحكم إزالته بحقّ، وقيل: السكنى يد في العمارة وما فيها.
ابن بركة: أجمع أصابنا على جواز الإقامة لمسلم في بلد غلب عليه الجبابرة وأن يعمر فيه أموالا، ويزرع فيه ويغرس مع علمه بأخذهم الأموال من غير حلّ، ويتقوّون به على ظلمهم، لأنّ ما جعله فيه نفع له، لا لتقويتهم ولو لم يجز له ذلك ما جاز له أن يفتدي من المشركين بالكثير غير السلاح.
ابن جعفر: يُكره لرجل أن ينقل أهله إلى أرض الشرك من غير أهل الذمّة، كالهند والصين والزنج، فمن اضطرّ إليها فلا يضيق عليه الوقوف فيها ولو كانوا حربا لنا وأمِنوه ولو على ماله، ولم يتّخذ بلادهم دار قرار باختيار كما مرّ. ويُكره أيضا أن يتّجر فيها، وليس لأحد أن يعينهم إلاّ إن خاف على البلاد والرعيّة فلا بأس على من قام بذلك طلبا لاستبقاء عليها، ويستخرج لهم ما وضعوه من الخراج عليها من مُعطيه باختياره، ولا يتعرّض بمال غائب أو يتيم. وإن حارب الجبّار المسلمين لم يجز لمسلم إعانته وقت محاربته على أخذ خراج، ولا على كلّ ما يتقوّى به، ولو مقالا.
أبو المؤثر: ولو غير محارب. وإن خاف المسلون هلاك البلاد جاز لهم الدفع عنها ولو بأموالهم، ولا تكون عونا للظالم.
ومن دفع إلى عون الجائر ما يستكفيه به فردّه إليه يحرزه له (163) أمانة عنده فمات العون، فله أن يرتجع فيه لنفسه إن قام بعينه، وإن دخل بلدا أو خاف أهله ظلمه واغتصابه للبلد لم يجز لهم دفعه بمال يتيم وغائب قبل أن يقع أمره، لأنّ الله قادر أن يزيله عنهم كذا قيل وفيه شدّة. (1/293)
صفحة 286
وإن رأى أهل البلد زيادة الجور من عامل عليهم لم يجز لهم أن يطلبوا السلطان تبديله بأقلّ منه جورا، ولهم أن يطلبوا الإحسان منه، لا إثبات الجور عليهم، وإن قلَّ كما مرّ، ولا أحدا بعينه، وإن أجابهم إلى ما يصلح لهم فليس لهم أن يمتنعوا منه، وإلاّ فحتّى يجيبهم إلى ما هو أهون وأصلح. ولا إثم على من قال ولاية فلان أحبّ إلينا من غيره وأعدل للبلاد وأصلح، ويُكره له أن يأمر بولاية من لا يثق به أو يطلبها.
فصل
إن ذكر جائر أحدا بسوء، وتوّعده بشرّ، فتكلّم فيه أحد عنده بما يقوّي غضبه، فإن قصد الدلالة عليه كان شريكا له فيما أصابه به، وإن قصد الإخبار بما فيه على وجه الشهادة بما عنده من الحقّ فلا ضمان عليه إذ لم [128] يقصد بقوله إغراء، وقيل: لا يسلم منه إن قال حين تكلّم الجائر: فلان معروف بذلك.
ويُكره للرجل أن يتولّى للسلطان بيعا أو شراء، أو يكون له عونا إن كان يتّقى فيه بزيادة أو نقص.
وإن ضرب أحدا أو قيّده حتّى دافعه عن نفسه بمال يكتبه عليه له، فلا يبرأ الكاتب له ذلك من ضمانه.
ومن وضع عند أحد تمرا وعلم به الجائر فأتاه ربُّه ليحمله فخاف المؤتَمَن من الجائر فأعلمه أنّ ربّه يريد حمله من عنده فمنعه الجائر فاحتال على تمره فحمله ولم يأخذ الجائر منه شيئا ثمّ رجع بعد مدّة فأعطى للجائر الخراج، فقيل (164): إن أعطاه برأيه لا بدلالة المؤتمَن، لزمته التوبة لا الغرم، ولزمه إن أعطاه بها، وإن لم يحمل تمره حتّى ضمن الجائر أو رهن له، فعلى المؤتمَن غرم ما أخذ منه، وإن أحلّه جاز له. ومن قاطعه على ما يؤدّيه له من ماله فأقبل الجائر على أهل بلده، فأخذ منهم مثله لم يلزمه شيء، لأنّه قاطع على ماله. (1/294)
صفحة 287
ابن جعفر: من قهره الجبّار على الدلالة لم يجز له أن يضلّه عن الطريق فيهلك هو ومن معه جوعا أو عطشا، ولا يبتدئون بذلك حتّى يدعو إلى الحقّ، فإن امتنعوا وحاربوا جاز له. وحلّ أيضا عند محاربتهم وإن لم تكن، وكانوا في قرية كُره اغتيالهم إلاّ بعد الحجّة عليهم.
أبو المؤثر: لا أرى قتل الجبابرة أو بعض أعوانهم فتكا إلاّ بعدها وبعد المناصبة، أو الابتداء بالقتال إلاّ إن قتلوا مسلما على دينه، وإن بأمر فيفتك بقاتله وبالمعين عليه. وإن سار إلى قوم يريد ظلمهم فللدليل أن يضلّه وقومه حتّى يهلكوا.
ومن دلّ على أحد بقتل أو ضرب (165) أو سلب لزمه ما أصابه به، والدالّ شريك الظالم، فإن دلّ ناسيا أو ساهيا عمّا يلزمه فعليه الضمان لا الإثم. وعلى الشريك في الزرع أو التمر (166) إن أخبر الخارص بشركائه الغرم لما أخذ منهم. ومن ذهب برجل إلى جائر بغيا فأخذ منه شيئا فله أخذ مثله من ماله إن وجده، وكذا إن ضربه أو جرحه (167)، فله أخذ أرشه منه لا القصاص إذ لم يباشر إلاّ إن قتل بسعايته، فعليه القود أو الدية؛ ويحكم الحاكم بما أصيب برفيعة الباغي إلى الجائر من نفس (168) أو مال إن وجد العدل، وإلاّ جاز للمسعي عليه أخذ مثل ما أصيب منه من مال الباغي بعد احتجاج عليه.
فصل
من أخذ على دلالة على مال مسلم فلا يفعل ولو يقتل إن أبى، وإن أخبر الجبّار به ضمن وظلم.
أبو سعيد: لا خلاف في ضمان ما أصيبت به نفس من قتل أو غيره بدلالة، وفي القود ومعنى الحدود خلاف، فبعض يدرأ ذلك بالشبهة، واختار أن لا يبرأ منه حتّى يُستتاب، وإذا صار الخبر في الدلالة على الأموال إلى حدّ التقيّة فيما يسع فيه معناها، فدلّ مخبر على مال فأُخذ لزمه ضمانه اتّفاقا، وفي تسميته بالظالم قولان لعروض الشبهة (1/295)
صفحة 288
له، إذ يسعه فداء نفسه بأخذه، وقيل: هو على ولايته إن سبقت، فيسعه ذلك لاضطراره إن لم يجد فداء نفسه بأخذه، وقيل هو على ولايته إن سبقت فيسعه ذلك لاضطراره إن لم يجد فداء إلاّ به، وإن افتدى به ديانة ولم يجد غيره فهو ضالّ اتّفاقا.
ومن سأله ظالم عن أحد فأرشده عليه فأخذ ماله أو قتله [129]، فعليه ضمانه وديته في ماله إن علم بظلمه، ولزم من أطعم باغيا أو سقاه ولم يدله التوبة لا الضمان.
ولا تجوز دلالتهم على قرية أو حيّ لم يقصدوهم بظلم، ولكن إذا وصلوهم تيسّر لهم الوصول إلى من يريدونه به، فكلّ ما أصابوه من قتل أو مال فلا توبة لمن دلّهم إلاّ بأدائه ولو أُكره بالقتل.
ولا تجوز دلالة ظالم البتّة لأنّه لا يؤمَن. وإن خرج من بلد وترك أمتعته في دار الإمارة فكلّ ما بيده فهو أولى به في الحكم؛ وجاز لمن أخذ منه شيئا أو ناله منه موجب ضمان أرش بظلم عند عدم من يحكم له به من ماله أن يأخذ منه قدر حقّه أو دونه.
ومن لزمته تباعة لهذا الأمير وجعل لمن ظلمه أن يقاصصه منها وقد أمنه أنّه لا يرجع بالأخذ بعد من مال الأمير فله ذلك، وقيل: لا، إلاّ من حكم الاطمئنان لا القضاء.
والجائر وأعوانه شركاء في ضمان ما تعاونوا فيه. وعلى كلّ ظالم في ذاته ما جناه. وعلى الجائر ضمان ما أصابه أعوانه بأمره، وعليهم أيضا، وإن تخلّص من الضمانات برأ الأعوان وبرأ إن تخلّصوا أيضا (169).
وجازت شكاية الرعية للأمير من العمّال، وقيل: لا، خوفا من العقوبة عليهم، وعليه فيلزم الرعية ضمان ما عوقبوا به مطلقا، وعلى الأوّل إن زادوا في الشكاية بهم على ما كان منهم، وقيل: تجوز إن علم الشاكي أنّهم يعاقبون بما يعاقب به غيرهم. وجاز لمن جاروا عليه ولا يقدر على ردّهم إلاّ بالشكاية أن يشتكي بهم. ومن تعدّى على أحد فأظهره حتّى بلغ الجائر فعاقبه، فإن قصد بإظهاره أن يبلغه فيعاقبه لزمه (1/296)
صفحة 289
ضمانه، وإن قصد به أن يكفّ ظلمه عنه فلا عليه، وإن حبس بعض أعوانه أو ألزمه ما لم يلزمه جاز أن يطلب الأمر في إخراجه أو ترك الأخذ بماله، أو ردّه بعد أخذه.
فصل
إن ظهر المسلمون على جائر، ووجدوا ما جمعه وصحّ عندهم أنّه ممّا يُجبونه فلهم أخذه حتّى يعلموه حراما ولو عرف بجبايته وأخذ الأموال؛ وإن وجدوا ما لا يصحّ أنّه ممّا جباه، فليس لهم أن يتعرّضوا له.
وقد أخذ أبو بلال عطاياه وأصحابه ممّا حمل إلى ابن زيّاد من بعض عمّاله، وترك الباقي.
ولا بأس -قيل- في جائزة السلطان إن لم تعرف أنّها حرام بعينها. وفي أخذ نفقة الجبابرة وما أعطوه من بيت المال. وقد أخذ ابن عبّاس عطاء معاوية وهو عنده ظالم، وقبل جابر جائزة الحجّاج.
ولا بأس في المبايعة مع الجند ولو في الطعام، وفي قبول هدية الجبّار وأكل طعامه ولبس ثيابه وركوب دوابّه ما لم يُعرف ذلك حراما بعينه، ومن علمه بعد أخذه فليردّه إلى أربابه إن عرفهم وإلاّ فرّقه على الفقراء، فإن جاءوا بعد خيّرهم بين الأجر والغرم.
أبو الحسن: من يعمل لجائر ويعطيه أجرا [130] على عمله فعليه ردّ ما أخذه منه على العون على ظلمه إن أراد التوبة وكان محرّما للدخول معهم في ذلك. وإن كان محلّلا له فعليه التوبة لا الردّ، وقيل: يلزمه إن شارطه في معلوم على ظلم، كالزانية والنائحة وكان محرّما له. (1/297)
صفحة 290
فصل
تجوز -قيل- مبايعة المتّهم في نفسه، والعاهر وعطيّتهما ما لم يعلم أنّ ما عندهما حرام. وما تجيء به الأمة العاهر لسيّدها، ولا يعرفه من أين لها فهو له حلالا، وحكم ما بيدها له؛ وإن عرفه من زناها فله أخذه إن كان ينهاها عنه، لأنّه من عقرها، ويطالب الزاني بها بالباقي منه، وهو عشر قيمتها إن كانت بكرا، ونصفه إن كانت ثيّبا.
ولا تجوز مبايعة مدون لا مال له وكان ما بيده حرام حتّى يعلم أنّ الشيء حلال، أو ما بيده. وقيل: يعامل ببيع أو شراء حتّى يعلم أنّ المبيع أو الثمن حرام. ومن أقام عاهرا في بيته على الحرام لم يجز طعامه لمن يطعمه من بيته، ولا أن ينتفع أحد من عندهما بمتاعه، ولا بشيء من عندها ممّا هو له. وإن ادّعت أنّه أباح لها ذلك فلا تصدّق حتّى تعلم منه الإباحة لها.
وإن مرض عون الجبّار في بيت مغتصب فلا بأس على من يعوده فيه.
وللناس أن يصلوا إلى السلاطين في حوائجهم في البيوت المغتصبة، وأن يعودوا فيها المرضى، ويخرجوا منها الموتى، ويقضوا اللوازم، وينكروا المنكر. وإن أخذ جائر غلّة قطعة أحد فأعطاها واحدا من أعوانه، ثمّ أخذ أيضا غلّة قطعة ذلك العون، ودفعها (171) لربّ القطعة فله أخذها إن كانت كحقّه أو دونه.
ومن جمع -قيل- دولة وسار إلى بلد فقتل فيه النخل وأحرقه، وهدّم البيوت ثمّ أخذ الرجل من أهله ممّن أفسد عليه ماله من مال قائد الدولة فسيلا وفسله في ماله، فله أن يقوم يوم أخذه، ويقوّم فساد ماله، ويأخذ مثله أو أقلّ منه، والله أعلم. (1/298)
صفحة 291
هوامش الجزء الثاني
(1) - ب: ترك.
(2) - ب: - على الحقيقة.
(3) - ب: فسمع.
(4) - ب: جاز.
(5) - ب: منه له.
(6) - ب: وليُّك بها.
(7) - ب: - محبوب.
(8) - أ: غير مقروء وهو من ب.
(9) - ب: إلاَّ.
(10) - ب: ولو.
(11) - ب: - جهرًا.
(12) - ب: + منه.
(13) - ب: بحاله.
(14) - ب: - الحجَّة.
(15) - ب: في أحكام ...
(16) - ب: - منه.
(17) - ب: الوضوح.
(18) - ب: + إلى الله.
(19) - ب: + به.
(20) - ب: عنها.
(21) - ب: ولا.
(22) - ب: يسع.
(23) - ب: - كان.
(24) - ب: به (1/299)
صفحة 292
(25) - ب: تركوه
(26) - ب: - فعليه.
(27) - ب: - وعينه.
(28) - ب: ولم.
(29) - قدر كلمتين غير مقروء في النسختين، وشكلها: اذلاكطرو
(30) - ب: - التديُّن بـ ...
(31) - ب: - الجاهل.
(32) - ب: + جهله.
(33) - ب: - الغانية.
(34) - ب: ولا يردُّه قول الواحد أنَّه أدَّاه إلى الولاية.
(35) - ب: + كان.
(36) - أ هامش: وعبارة الأصل: وآخر أنَّه أكل حرامًا؛ وب هامش: لعلّه آخر بالإفراد لا بالتثنية
(37) - ب: + جهله.
(38) - ب: من وليِّه.
(39) - ب: ويقتل به.
(40) - ب: يتوب.
(41) - ب: لهم.
(42) - ب: وسع.
(43) - ب: - عليه.
(44) - كذا في النسختين ولعلَّ فيه سقطا ..
(45) - ب: بها.
(46) - ب: - بسرٍّ.
(47) - ب: - إنَّه.
(48) - ب: يعلم.
(49) - ب: - ولك.
(50) - ب: - وإن سبقت له ولاية في الظاهر. (1/300)
صفحة 293
(51) - ب: والقذف.
(52) - ب: باقتصادهم.
(53) - ب: وإن علم به اعتزلها.
(54) - ب: امرأة ورجل.
(55) - ب: - فيها.
(56) - ب: - وهلك.
(57) - ب: + وهلك.
(58) - ب: - منه.
(59) - ب: طالبه.
(60) - ب: - للبدل.
(61) - ب: - من.
(62) - ب: العقوبة.
(63) - ب: - إليه.
(64) - ب: ولما روي
(65) - ب: في.
(66) - ب: - فإن لم تكن تراه فإنَّه يراك ..
(67) - ب: ... حافظ على المراقبة بالمحاسبة، ثمَّ ...
(68) - ب: - فصل.
(68) - ب: يستقيم
(69) - ب: يشهد.
(70) - ب: - في.
(71) - ب: - العبد.
(72) - ب: شهد.
(73) - ب: - أصل.
(74) - ب: أخطاء.
(75) - ب: أراد.
(76) - ب: الشدائد والمصائب. (1/301)
صفحة 294
(77) - ب: سيد.
(78) - ب: + وأمِّنا.
(79) - ب: الأخبار والآيات.
(80) - ب: الندامة والتهاون.
(81) - ب: + إن قدر عليه.
(82) - ب: فلذلك
(83) - ب: - قيل.
(84) - ب: غفرت ..
(85) - هو كتاب معالم الدين للشيخ عبد العزيز الثميني.
(86) - ب: فصدَّقوها.
(87) - ب: الصدعة.
(88) - ب: بمقصِّهما.
(89) - ب: الحلق والقلب.
(90) - أ وب: فاسعوهم، وهو خطأ وقد صوَّبه في هامش أ: فسعوهم.
(91) - أ هامش: وعبارة الأصل اللجاجة.
(92) - ب: حاجة.
(93) - ب: + للقبلة.
(94) - ب هامش: لعلّ تمامه "أضع جنبي، وبك أرفعه" فالظاهر أنّه لم يتقدّم له هنا
(95) - ب: البواسر.
(96) - أ هامش تعليق غير مقروء.
(97) - ب: - له.
(98) - ب: الإقلال والإكثار.
(99) - ب: اللدغ، ويجوز الوجهان.
(100) - ب: على جابر قيل.
(101) - ب: + ذلك.
(102) - ب: عليه.
(103) - ب: عنه العين بها. (1/302)
صفحة 295
(104) - ب: لنسائه ..
(105) - ب: - ابن.
(106) - ب: - له.
(107) - ب: - وهو قال: هلمَّ.
(108) - ب: في رحل أخيه.
(109) - ب: - فقال موسى.
(110) - ب: - وقدرت عليه.
(111) - ب: - أجلّكم.
(112) - ب: جلاله.
(113) - ب: أن يكفيهم.
(114) - ب: + وعاؤنا.
(115) - ب: - حسن.
(116) - ب: -قد
(117) - ب: - في ذلك.
(118) - أ هامش: عبارة الأصل سنين.
(119) - أ هامش: وعبارة الأصل إن كان مع المرأة المسلمة ولد يهودي أو نصراني أو مجوسي فإنَّه محرم لها، ولها أن تخرج معه، اهـ فلتحرر
(120) - ب: + إنَّ
(121) - ب: في.
(122) - ب: عليك ..
(123) - ب: - إن فعلت.
(124) - ب هامش: لعلّه لا لشهوة بدليل ما بعده
(125) - ب: + إنَّها.
(126) - ب: + ولا يكتمن ما خلق الله في أرحامهنَّ. [مكرَّر ولعلَّه من انتقال النظر إلى الأعلى]
(127) - ب: لا أن أن تصبَّ عليه جارية امرأته الماء.
(128) - ب: + عنهما. (1/303)
صفحة 296
(129) - ب: - عليه.
(130) - ب: - من.
(131) - ب: أنا مملوء.
(132) - ب: + الناس.
(133) - ب: أجرته ..
(134) - ب: - في.
(135) - ب: - به
(136) - ب: - فيها.
(137) - ب: استخرجه.
(138) - ب: علم.
(139) - ب: - فيه.
(140) - ب: - منه.
(141) - ب: لهم.
(142) - أ هامش: قوله نوارج لعلَّه بوارج كما بالأصل وهي السفن الكبار للقتال.
(143) - ب: فحملته.
(144) - ب: بمثلها.
(145) - ب: ربُّ.
(146) - ب: - البحر.
(147) - ب: الإخراج.
(148) - ب: لها الله.
(149) - ب: له.
(150) - ب: - من.
(152) - ب: - المؤمن.
(153) - ب: أوقاتها ومواضعها
(154) - ب: على دينه.
(155) - ب: - المنزل. (1/304)
صفحة 297
(156) - ب: - الجملة: وله أن يأذن ... لا لمن يسكن معه فيه، ولا يجوز ... [قد حدث له انتقال النظر إلى الأسفل في كلمة يجوز.
(157) - ب: أبو المؤثر.
(158) - ب: + بأنفسهم.
(159) - ب: لأهله.
(160) - ب: - شيئًا.
(161) - ب: يخرص.
(162) - ب: - له.
(163) - ب: - له.
(164) - ب: فقال.
(165) - ب: بضرب أو قتل.
(166) - ب: في التمر أو الزرع.
(167) - ب: إن جرحه أو ضربه.
(168) - ب: بنفس.
(169) - ب: وبرأ أيضا إن تخلَّصوا.
(170) - ب: فأعطاها. ه وأخذ الأموال؛ وإن وجدوا ما لا يصحّ أنّه ممّا جباه، فليس لهم أن يتعرّضوا له. (1/305)
صفحة 298
الجزء الثالث منه
في الطهارات وغيرها (1/307)
صفحة 299
الباب الأوَّل منه
في المياه وأحكامها والأنجاس ومعانيها
قال الله سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَآءً طَهُورًا} (سورة الفرقان: 48) أي طاهرا مطهّرا. وروي: «الماء طاهر لا ينجّسه إلاّ ما غيّر لونه، أو طعمه، أو رائحته». والطاهر المطهّر اتّفاقا هو ماء السماء والعيون والأنهار والآبار؛ واختلف في القليل إن حلّته النجاسة ولم تغيّره، فنجّسه قوم، ولم ينجّسه آخرون إن لم تكن فيه أمارة النجاسة، وأجمعوا على أنّ الماء محكوم بطهارته ما لم تحله النجاسة وتغيّره.
وفي التطهير بماء البحر خلاف، فالأكثر أجازه لما روي: «هو الطهور ماؤه، والحلّ ميتته»، وهو الصحيح.
وإذا وجد المطلق ترك [131] المضاف، وإن عدم الطهور ووجد المشبه له في زوال النجس لم يترك، كماء الورد والشجر والبقول، وهل يرفع به الحدث أو لابدّ من التيمّم معه؟ خلاف.
وإن احتبس الماء في محلٍّ أو إناء حتّى تغيّر لا بنجس، جاز التطهّر به، لأنَّه في حكم الطهور. وكلّ مستعمل في غسل نجس أو جنابة أو في وضوء أو نحو ذلك فهو مستهلك لا يجوز استعماله بعد في أداء ما تعبّد به؛ وجاز شربه وإزالة النجس به.
وإذا وجد دون المطلق فهل يستعمل وحده أو مع التيمّم أو يتعيّن التيمّم لاستهلاك الماء؟ خلاف. ابن محبوب: من نسي مسح رأسه حتّى جفّ وضوءه أعاده، وإن لم يجف بعضه مسح رأسه، ويجزيه لمسحه أخذ ماء من لحيته، وكذا إن كان في بعض أعضاء الوضوء ما لم يصبه الماء، وبيده رطوبة يجزيه مسحه بها (1).
ولا يجوز استعمال البائن المستعمل ثانية، وجاز بما لم يبن من الأعضاء عند بعض. ومن المضاف ماء الصباغات، كالزعفران ونحوه، والمطبوخات ممّا لم يقع عليه اسم المطلق، فلا يرفع به الحدث على المختار وإن أزال حكم الخبث. (1/309)
صفحة 300
وقيل: المياه ثلاثة: مضاف إلى واقع فيه، وإلى خارج منه، وإلى محلّ يقوم به؛ فالمطلق وإن راكدا أو متغيّرا أو مكدّرا أو سخينا طاهر مطهّر.
ولا يجوز التطهير بنبيذ وخلّ ولبن (2)، وقيل: إن خُلطا بالماء وكان أكثر من الثلثين جاز رفع الحدث به لا إزالة الخبث، كالاِستنجاء به. وأجاز ــ قيل ــ ابن عبّاس الوضوء بالنبيذ وبعض إن فقد غيره مع التيمّم أيضا، وضعّفه ابن بركة لقوله تعالى: {فلم تجدوا ماء} الآية (سورة المائدة: 6)، وهو الصحيح.
أبو الحواري: لم يجيزوا الوضوء بمستعمل بما ذُكر أو بغسل إناء أو بطبخ، فمن توضّأ به وصلّى أعادها. وإن وقع في إناء بعر غنم أو إبل أو روث دابّة أو بسر أو ورق أو خوص أو نبْت صحّ الوضوء به ولو غيّر أوصافه، ما لم يخرج عن حكم الماء.
ومن طرح في ماء ما يطيّب رائحته وغلاّه بنار فله أن يرفع الحدث به إن لم يغيّره بما يخرجه عن اسمه، وقيل: إن طبخ به ريحان أو زعفران أو غيرهما أزال الخبث لا الحدث؛ وفي غسل الميّت به الوقف، وقيل: جائز إذ لم يكلّف أداء فرض به.
ابن محبوب: إن دخل كلب ماء، كفلج جارٍ أو جبٍّ غزير لا يحتمل خبثا، ثمّ برز منه فانتفض فطار منه على إنسان فلا بأس به.
ومن وجد منقطعا، فأجرا بعضه إلى بعض، أو وجبة في ساقية فأجراها، فله أن يتوضّأ منه أو يستنجي وإن فيها (3). وقدر خمسِ قُلَلٍ من الماء لا ينجّسه، قيل: نجس إلاّ إن غلب عليه بلون أو نحوه، وقيل: لا بأس بالرائحة.
وجاز الوضوء من ماء مسّه صبي إن لم تنجس يده، ومن إناء غير مغطّى في بيت ولو مكث فيه يومين إن لم يعلم فيه شيء؛ والجاري وما في حكمه لا ينجسه إلاّ ما غيّره. ومن وجد ماء، ولم يره جاريا، [132] وقد اتّصل بين الحصا وأزاله، أو كان منقطعا قائما ففتح عنه الحصى فتتابع، فكالجاري يتوضّأ به ولو انقطع بعد فراغه.
ومن بال في ماء، فغلبه البول فقد نجس حتّى يدخله ماء أكثر منه، وإن كثر الماء فغلب على موضع منه حكم النجس، وليس بأكثر منه نجس الموضع، فإذا خالطه الطاهر فاستهلك عينه، حُكم بطهارته، وإن كان بالموضع بعض بدنه أو ثوبه حين (1/310)
صفحة 301
النجس فزال عينه وصفى الماء بنزح أو حركة أو غيرهما، ثمّ أخرج ثوبه أو بدنه فهو نجس حتّى يغسله؛ وإن تغيّر لون الغزير ممّا يلي الأرض وأعلاه صاف ونزل النجس إلى أسفله فطاهر من أعلاه إن لم يغلبه حكمه؛ وإن اتّصل في الحصى وانقطع في مواضع به فكالجاري إن كان لا يحتمل خبثا.
وإن قام القليل في موضع فداخله جار من أعلاه، ولم يصل آخره، ولم يجر منه، فإن غلبه الجاري فطاهر وإلاّ فنجس، وإن لم يكن ذلك القليل نجسا في أصله وعارضه النجس بالمداخل قبل أن يصل آخره ويجري من أسفله كان طاهرا ما لم يغلبه.
أبو سعيد: لا يفسد قدر أربعين قلّة شيء، والقلّة هي أوسط الجرار، وما تحملها (4) الخادم عادة. وجاز الوضوء من ماء بان جريه، والاستنجاء فيه وإن قلّ. أبو عبيدة: إن كان الماء أكثر من البول فلا يفسده. ويصحّ التوضُّؤ من ماء خلط فيه قاطر من وضوء إن كان أقلّ من ثلثه.
فصل
روي: «لا يبولنّ أحدكم في الماء الراكد ثمّ يتوضّأ منه»، يعني إن كان قليلا. وإن بال صبي أو شاة على ثوب أو غيره أجزاه صبّ الماء عليه بلا عرك بيد. وإن غسل المصبوغ بصبغ نجس في جار فغلبه الصبغ فلا ينجس إن كان لا ينجس حتّى يغلبه النجس بذاته لا بعارض في طاهر.
وإن بالت الدوابّ في الطرق فأمطر عليها فغلب الماء البول لم يفسد وضوء من مرّ فيه، وقد نُقل هذا عن أبي عبيدة. أبو عبد الله: لا يتوضّأ بمثل ذلك الماء، وإن أصاب إنسانا أو ثوبه فلا أفسد به صلاته.
وقيل: إذا كان الماء (5) قدر قلّتين لم يحتمل خبثا، وقيل: إن كان قدر ذنوبين، وقيل: إن كان قدر أربعين دلوا، وقيل: لا ينجس القليل كالكثير، إلاّ ما غيّر أحد أوصافه. واختلف في تقدير القلّة، فقيل: هي الجرّة التي تسع قربتين ونصف من أوسط (1/311)
صفحة 302
القرب، وقيل: من أكبرها، وقيل: لا تعتبر صغرا أو كبرا، وقيل: إنّها سبعة عشر مكّوكا، وقيل: هي قلل هجر. ويقال للكوز يحمله الرجل ويشرب منه قلّة، وقيل: قياس القلّتين في [133] الأرض ذراع وربع طولا وعرضا وعمقا.
ومن عطش وحضره ماء نجس والصلاة فله الشرب منه لا الوضوء والغسل. ومن عنده ماء، فخاف بردا أو عطشا إن استعمله فلا يحلّ له استعماله لها، وكذا من سرق ماء أو غصبه، لأنّ الطهارة عبادة يثاب عليها، ولكن يسقط به الفرض مع العصيان.
وإن حضر ذا ماء جنب وميّت وحائض ويكفي أحدهم، فقيل: يجود به على من شاء منهم، واختير غسل الميّت به، وإن كان جنبا أو حائضا كان أولى به من غيره؛ وإن كان الماء له فهو أحقّ به إن لم يخف الحاضر تلفا بعطش وينجّ به نفسه إن خافه، ويضمن للورثة قيمته، وهو قول الأكثر.
وإن نسي المسافر ماء عنده فتصعّد وصلَّى ثمّ ذكره ففي إعادته قولان. ومن علم أنَّه يصل الماء في الوقت فعليه قصده دون تيمّم، وإن وجده الأوّل في رحله بعد تيمّم وصلاة فقيل: لا يعيد، لأنَّه غير واجد له في حينه. والجنب إن لم يجده إلاّ في مسجد تيمّم، ودخله إليه.
ومن عجز عن غرف من ضيق تيمّم ولا يقع فيه فيفسده لورود النهي عن الغسل في الماء الدائم. وإن أمكنه أخذه بغير ثوبه أخذه به، وإلاّ فبثوبه وعصره ونواه كإناء، وتوضّأ وإلاّ أشبه المستعمل.
ومن أراد الطهارة وقد اختلط إناؤه الطاهر بآنيته النجسة ولم يفرزه تطهّر بأحدها، ثمّ يمسك عن ثوبه حتّى يجفّ بدنه ثمّ يصلّي، ثمّ يفعل كذلك حتّى يأتي عليها، إذ لابدّ أن يصادف الطاهر، ولو صلّى آخر الوقت به فيلزمه على هذا أن يتطهّر بطاهر أيضا مخافة أن يكون الآخر هو النجس، وقيل: يتحرّى الطاهر ويستعمله، وقيل: يتصعّد ويصلّي، وهو الأنظر، وقيل: يصبّ ماء من كلّ في الآخر حتّى ينجسها كلّها ثمّ يتيمّم، وكذا إن كانت طاهرة إلاّ واحدا، وقيل: إن تطهّر بإناء (1/312)
صفحة 303
منها على أنَّه طاهر إذ لم يعلم نجاسته تحقيقا أجزاه حتّى يعلم، إذ كلّ منها طاهر، فإذا وُجدت الآنية غير متغيّرة فهي طاهرة حتّى يصحّ بخبر من يحتجّ به.
فصل
من لم يجد ماء إلاّ بشراء فإنّه يشتريه إن لم يكن بزائد الثمن، وكذا من وجده وفقد الحبل والدلو وإن غلا فوق ثمنه أو خاف ضرّا بشرائه وإن بأقلّ منه تيمّم.
وجاز اغتسال الرجل والمرأة من إناء واحد. وكُره الوضوء بفضل وضوء الحائض واغتسالها، والأصحّ جوازه. ومن تنجّس ثوبه وعنده قليل يكفي تطهيره أو وضوءه توضّأ به وتيمّم للثوب، والمختار عكسه، وكذا في تنجّس بدنه مع وضوئه، كالاستنجاء، وقيل: هو مخيّر.
ومن أحدث ولا نجس به وماؤه لا يكفي أعضاءه استعمله إلى حيث وصل، وتصعّد للباقي. أبو حنيفة وداود: لزمه التيمّم، لأنَّه غير واجد، والأشبه ما قلنا، وكذا إن وجدت جماعة ما يكفي واحدا فإن كان معهم إمام دفع إليه وتيمّموا، وإلاّ فصاحبه أولى به، وإن استووا فيه اقترعوا.
وقيل: حكم الماء الطهارة حيث وجد، وإن قلّ أو تغيّر حتّى يصحّ تنقّله عنها (6). ويوصف بنجس لما روي: «للسباع ما حملت، ولكم ما غبر»، وكذا ما أخذت الوحوش والبهائم، وهذا يدلّ على أنّ الماء لا ينجّسه [134] شيء، وإنّما يتعلّق التحليل والتحريم بالأسماء، وهي مأخوذة من الصفات.
محبوب: الماء لا يفسده شيء. أبو عبيدة: إن كان أكثر من نجس وقع فيه لم يتنجّس، وعليه فمن يتوضّأ من إناء فرعف وقطرت (7) فيه قطرة دم أو بول، فلا تفسده، وقيل: تفسده، فلو قطرت في بئر تُنزح بالدلاء لأفسدتها حتّى تُنزح؛ ولو أنّ جاريا يغسل فيه الذبائح والفروث فتختلط به فتغيّر لونه لأفسدته. (1/313)
صفحة 304
أبو سعيد: إن كان بأرض نجس يابس فنضح عليه ماء فطار على طاهر قبل تمكّنه من النجس أو حلّه فلا بأس به ولو قلّ الماء، وكذا إن وقع على النجس أكثر منه فلا يفسده ما لم يغيّره.
وإن وقعت نجاسة في إناء ولها مادّة كبول الحمير فيصل أسفله ويخلص منه أعلاه، فالماء ــ قيل ــ طاهر لتخلّصه بعد امتزاجه.
فصل
الجاري ما حمل بعر الشاة ونحوه، فإن انقطع من أوّله وآخره، وجرى من وسطه حتّى اجتمع منه قدر جرّتين أو أكثر، فالمجتمِع كالجاري إن وقف بأرض تشربه، وما اجتمع في موضع لا يشربه يفسده واقع فيه إن لم يكن كثيرا لا يتنجّس؛ وما في الصفا إن كان يدخله الجاري، ولا يرى خارج منه لا يتنجّس أيضا.
وكره الربيع استنجاء في نهر، ولا يرى موسى بأسا ببول في جار. وإن حرّك الماء من طرف ولم يتحرّك من آخر، فكثير لا يتنجّس. ابن بركة: لا وجه لتقديره بالحركة لاختلافها. وسُئل ــ قيل ــ فقيه يتوضّأ على فلج عن البول في الماء هل ينجّسه أم لا؟ فقال: إن كان هكذا وأشار بكفّه وفيه ماء ظهر عليه البول فوجده غالبا، فقال: هذا حدّ ما يفسد الماء، وهو أن يتغيّر بصفرته، ويظهر عليه، لأنّ الحكم للأكثر.
وما طار من ماء عند وقوع بول فيه فطاهر حتّى يعلم أنَّه من البول إن كان الماء هو الأغلب بعد الامتزاج. وإن انخرق إناء من أسفله وجرى جاز غسل النجس به ما جرى.
أبو سعيد: إن وقعت رطبة في كثير أو جار، وطار منه عند وقوعها فيه ففي طهارة الطائر ونجاسته خلاف لاحتمال أنَّه طار بوقوعها فيه، فينجس حتّى يعلم أنَّه (1/314)
صفحة 305
طاهر، أو أنَّه طاهر حتّى يعلم أنَّه نجس، لأنّ أصله طاهر، والنجس حادث (8) فطهارته أشبه.
وإن اغتسلت حائض في راكد ببطحاء، فإن كان ينزح ولم يبن جريه ولو باطنا، فهو نجس ولا تتطهّر به (9) وإلا أو كانت له علامة جري فيه فطاهر ما لم يغيّره النجس.
فصل
لا تتنجّس بئر لا تنزح بدلاء، وقيل: ولو مات فيه كعصفور أو فأر. ابن محبوب: إذا غرفت البئر (10) بدلو ممتلئة وأخرى منتصفة فلا ينجّسها ذلك، وقيل: ينجّسها ولو أخرج حيّا.
وتنجس الأماحي غير الزاجرة إن وقعت فيها عند من يراها من السباع. وإن وقع جنب في بئر واغتسل فيها لم يفسدها ولو قبل غسل الأذى عنه إن كانت مستجرة [كذا] (11)، وهي التي لا تنزحها الدلاء، وقيل: التي ماؤها قامتان، [134] وقيل: التي فيها أربعون قلّة، وقيل: التي لا تنزح، وقيل: التي تغلب القويّ إن استقى منها بدلوها، وقيل: التي لا تفرغ إن نُزح منها أربعون دلوا في ساعة. وفسد من ثيابه ما مسّه ماؤها، وإن وقع في بئر تنزح، (12) وخرج منها فوقع في أخرى فاغتسل فيها وبدنه رطب من الفاسد أفسدها أيضا، وكذا في الثالثة.
واختلف في النزح، فقيل: إذا نقصت عن حالها، وقيل: ولو نقصت عنها إذا وقفت على حال لا تنزح، وقيل: ولو لا تمتلئ الدلاء ودامت على حال، وتأتي فوق النصف، وقيل: ما لم يفرغ ماؤها. والتي تُنزح هي ما يفرغ فراغا يضرّ بالزجر، وقيل: إن غرف منها أربعون ولم يفرغ ماؤها فهي بحر، ولا ينتفع بما غرف منها إلاّ لضرورة.
وماء بئر فيها عين تطرح كالجاري لا ينجّسه إلاّ الغالب عليه. ومن اغتسل حيث تصبّ الزاجرة من جنابة ورجع من ذلك الماء إلى البئر، فلا يفسده اغتسال فيه (1/315)
صفحة 306
لأنَّه جار. وإن وقعت ميتة فيها فبقيت فيها حتّى ذهب لحمها وبقي عظامها جاز الوضوء منها، وإن وقع فيها عظمها ولم يغيّر وصفا لمائها لم يضره، لأنَّه طاهر (13) إن خلا من لحم وزهم. ولا بأس بعظم ذبيحة إن وقع فيها وبه لحم وغيّر رائحته.
وإن ماتت (14) فيها غيلمة وهي السلحفة لم تفسدها ولو بريّة. وتفسدها حيّة ولو بحرية، لأنّ الحيّات يدخلن البحر من السيول، وأهابها المنسلخ منها طاهر ما لم يعلم أنَّه نجس. وإن مات فيها كلب وانهدمت عليه، ثمّ أخرج منها عظامه ولحمه ونبع الماء بالحفر إليه فهو طاهر إن نبع بعد إخراجهما، وإن وجدا فيها فنجس حتّى تُنزح، ولا تضرّ الرائحة الباقية بعد النزح، وإن مات فيها إنسان وبقي بها أكثر من عشر سنين فلأهلها إن احتاجوا إليها أن يحفروها ويدفنوا ما أخرجوه من عظامه.
ولا تنجّسها الوزغة إن وقعت فيها ولم تمت كالفأرة، وإن ماتت في بئر لا تُنزح بدلاء فلا تنجّسها. وإن وقعت دجاجة أو شاة فيها ولم تمت نُزحت عند أبي زيّاد، لأنّ فيها مجرى الدرق والبول لا عند ابن محبوب، لأنَّها طاهرة، فإذا بالت وجفّ موضعه فهو طاهر إلاّ إن علم أنَّه رطب ببول عند وقوعها فتفسدها، وكذا عندي في الدجاجة.
ومن بال وجفّف بحجر فسقط له في بئر فإن لاقى الذكر وجفّ فطاهر حتّى يعلم أنَّه أصابه بول، وأنَّه لاقى موضعه رطبا، فلزق منه قليل بالحجر فسدت إن قلّ ماؤها، لأنّ قليل النجس يفسد قليل الماء عند بعض. وإن وقعت قمّلة حيّة فيها فلا تفسدها حتّى يعلم موتها فيها.
ومن بال ليلا في بئر في بيت قوم وستره حياء فلا عليه حتّى يعلم أنَّه وصل ماءها، وأنَّه يفسدها واقع فيها من بول فيلزمه إعلامهم به أو نزحها. الخراساني: إن كان ماؤها أكثر من البول فلا يفسده.
أبو الحواري: من ألقى نجسا في بئر قوم لزمه إخراجه إن كلّفوه، ويُخرجه وإن بلا إذنهم، ولا ينزحها إلاّ به. (1/316)
صفحة 307
وإن وقعت دابّة أو طير ولو ميّتا في بئر ولم يعلم بانتهائه إلى الماء، ولا أنَّه مات إن وقع حيّا فلا تفسد حتّى يعلم أنَّه وصله ميّتا.
ابن محبوب: لا بأس بماء الزاجرة إن جرى الحبل في البول عند الزجر ثمّ ينزل فيها، ويدخل الماء، وإن وقع في البول، ثمّ في الماء قبل أن يسحب على التراب فإنّه يفسده، [136] وقيل: لا إن كثر الماء.
فصل
إن وقع إنسان أو دابّة في واسعة الماء فقيل: تُدفن، وقيل: تطهّر. ونُقل أنّ زنجيا مات بزمزم فأمر ابن عبّاس بطهارتها. وإن مات ــ قيل ــ في ماء أخرج (15) منه ونزح كلّه أو المقدار منه إن كان لا ينزح؛ والتقدير عندنا في نزح البئر إن تنجّست أربعون دلوا أو خمسون للسنّة، وهو قدر ما فيها قبل أن يزاد إليها من العيون.
ابن بركة: إن حُكم على بئر بنجاسة ونُزحت حتّى قلّ النجس وزاد الطاهر منها صار الحكم له لغلابته، ولا حدّ يرجع إليه في النزح لاختلاف النجس قلّة وكثرة، وصغر البئر وكبرها، وقيل: ينزع ما فيها قبل أن تُنزح. وقد أمر ابن عبّاس أن تُسدّ عيون زمزم بعد إخراج الزنجي، وأن تُنزح حتّى يفرغ الماء؛ فمن قدر على السدّ في غيرها لغلبة الماء فليفعله، وإلاّ فله أن ينزح منها قدر القائم فيها.
وقد اختلف الصحابة في فأرة ماتت في بئر، فأمر بعضهم أن ينزح منها أكثر ممّا أمر به الآخر، واتّفقوا على نزحها، وإنّما اختلفوا في قلّة الماء وكثرته لا في قدر ما فيها. وقال من ذهب إلى تنجيسها إذا حلّها قليل وتمدّ زاجرها أنَّها تنزح خمسين دلوا بأوسط دلائها للطاهرة، وتطهر معها بعد الفراغ، فإن قام بها عين النجس فلا يطهّرها النزح إلاّ بعد نزعه، ثمّ يغرف منها ذلك أو أربعون، وهو قول الأكثر. فإن كان بها عيون تنبع ونزح العدد فقد طهرت هي والدلو والحبل، وإن كانت زاجرة فبدلوها إن اعتيد لها وإلاّ فبالأوسط كما مرّ. وفي طهارة الماء الذي في الدلو تمام العدد قولان. (1/317)
صفحة 308
أبو سعيد: إن غلب النجس على وصف ماء بئر لا تنزح، نُزح منه ما تغيّر وغلبه حكم النجس، ولا حدّ لذلك إلاّ زوال الغالب، وهو دلو أو ألف دلو. ولا يجب تطهير جوانب البئر إذا نزحت إذ ليست كالأواني، لأنّ ما لاقى جوانبها لا يزيله إلاّ الغسل عنها إن امتنع، بخلاف الآبار فإنّ ما لاقى جوانبها من الماء النجس يزيله ما ترشّح منها، ونحو ذلك. وإن أصاب النجس حجارة البئر غُسلت إن أمكن غسلها، وإلاّ لعود الماء فيها لم يجب، وقيل: تطهر عند النزح لأنَّها إن غسلت رجع الماء فيها.
وإن تقطّعت ميتة فيها فأُخرجت ثمّ نُزحت وبقيت رائحتها في الماء فسد عند أبي مروان. أبو مالك: الذي وُجد في الأثر أنَّه لا بأس بها بعد النزح، وإن وقعت عذرة أو ميتة فيها فغلب ريحها، ولا تنزح من غزارة الماء فهي فاسدة حتّى يخرج منها كلّ ما فيها ولو بعد أن تفتّت إلاّ إن تلاشى وذهب فلا تضرّه الرائحة بعد.
وإن وقع نجس في زاجرة فأخرج ثمّ زجر منها قدر أربعين (16) طهرت عند بعض إن كانت تنزح، وإلاّ فطاهرة ما لم يغلب عليها النجس، وقيل: إن نزحت وبقي من العدد دلو فاغر لفراغ الماء إلى غد أُعيد العدد التامّ، ولا تُنزح بأصغر من دلوها، وإن نُزحت على حساب الأكبر جاز كعكسه. أبو سعيد: الأوسط أصحّ، والأكبر أحوط.
ولا يجزي نزح عشرين بُكرة وعشرين [137] عشيّة إلاّ إن فرغ الماء بالأولى، ثمّ يجمع للباقية. أبو الحواري: يجوز النزح وإن متفرّقا، أو في أيام بقصده. ومن نزح بئرا بدلوها النجس أربعين طهرت البئر، وقيل: لا؛ وحسن غسل الدلو والحبل، ولا يضرّ تركه. وإن تنجّست الدلو بغير نجاسة البئر، فقيل: لا يجزي حتّى تطهر ثمّ ينزح بها، ولا يضرّ الراجع منها بخرق أو امتلاء حال النزح.
وإن تركت ميتة أو عذرة في بئر حتّى كثر ماؤها بغيث جاز الاِستقاء منها وإن قلّ بعد، إلاّ إن تغيّر وقام النجس؛ وفسدت إن قلّ الماء، وطهرت إن كثر. ولا تضرّ قلّة بعد كثرة إن ذهب النجس. وإن سقطت ميتة فأرة (17) في بئر وغيّرت ريحها حُفرت بقدر ما يظنّ وصولها أو ذهاب الريح، ثمّ ينزح منها أربعون (18) فتطهر بعد (1/318)
صفحة 309
ذهابها، وإن كان لها دلوان نُزحت بالأكبر، وقيل: بالأغلب استقاء، فإن كانت تزجر ويسقى منها فإن تنجّست وقت الزجر زُجرت وإلاّ فبالأصغر. وإن ماتت فأرة في بئر ولم يُعلم بها إلاّ بعد أيام، فإن تغيّر ريحها أو طعمها فسدت. ويعيد متوضّئ منها من حين ما وُجد لها ذلك، إلاّ إن أُخرجت أو كانت بحرا لا تُنزح.
ومن أخرج من قليب طيورا فوقع بعضها فيها ولم يعلم به وهم يشربون منها ويتوضّؤون، ثمّ علموا به فأخرجوه، وأخبرهم رجل أنَّه وقع يوم كذا، أبدلوا ما صلّوا من اليوم ولو غير ثقة. أبو منصور: إن ماتت فيها فأرة ولم تعلم وتوضّأ منها قوم، ثمّ علموا فليبدلوا ثلاثة أيام. أبو عبد الله: يوما وليلة. أبو الحواري: إن أنكروا طعمها أو ريحها أبدلوا من حين أنكروا، وفسدت من حين علمهم بالميتة. أبو منصور: إن ذهب شعرها أبدلوا ثلاثا، وإلاّ غسلوا ثيابهم، وأبدلوا يوما إن لم يعلموا متى وقعت. وقال أيضا: إن توضّؤوا من بئر ثمّ وجدوا ميتة فأرة فيها صحّت صلاتهم، ولا غسل عليهم لاحتمال موتها بعد توضّئهم، وقيل: إن وجدوا فيها ميتة أو نجاسة، ولم تعلم متى وقعت حكم بنجاستها بعد العلم إلاّ إن تغيّر طعمها أو ريحها، فالحكم من حين التغيّر، وعليهم بدل آخر صلاة من حين وجود التغيّر، وقيل: خمس صلوات، وهذا إن تغيّر ريحها فقط، فقيل: ذلك ممّا يدلّ على نجاستها، وقيل: ليس الريح ممّا يغلب على الطهارة، وإنّما يغلب عليها تغيّر اللون أو الطعم.
أبو سعيد: إن تغيّر في بئر ثمّ وجد بها (19) ميتة فأر ولو بعد أيام، فإن أحاطوا علما بجميعها فلم (20) يروا شيئا، وأمكن التغيّر من غيرها فلا يحكم عليهم بالنجاسة إلاّ من حين وجود الميتة؛ فإن أمكن أن تغيب في القليب وتغيّر ماؤها فذلك شبهة، والأحوط أن يغسل ما مسّه ماؤها إن كان ينجس على قول. (1/319)
صفحة 310
فصل
إن تنجّست البئر وأراد أهلها حفر غيرها بجنبها، فإن دُفنت حفروا حيث شاءوا، وإلاّ أبعدوا عنها بقدر عشرة أذرع، وقيل: ستّة؛ وإن كان الحفر في أعالي الماء من حيث يجري تركوا أربعة، وإن كان أسفل [138] من حيث ينزل إليه من الأولى فثمانية، وقيل: يبعدوا خمسة عشر، وقيل: لا تحدّ المسافة، ويعتبر بقطران أو نحوه ممّا يدلّ على اختلاط المياه.
وإن وُجد مرحاض قرب بئر يُشرب منه ويُتوضّأ، وبينهما خمسة أذرع جاز ذلك منها إن لم يوجد لمائها تغيّر، ولا خير فيه إن وُجد ولو بينهما أكثر من خمسة.
ومن رأى أثر كلب في ماء فلا يتوضّأ به عند سعيد وبشير، وأجازه أبو الحواري إلاّ إن رأى الكلب يطأ فيه.
فصل
من علم بنجس في بركة أو قلّة أو غدير، واحتاج شربا منه أو عجينا جاز له عند من يرى أنّ النار تُذهب النجس منه؛ وله أن يسقي منه دابّة خاف هلاكها بعطش بقدر ما ينجّيها، وجاز ردّ الباقي في البركة احتياطا من إتلافه، وتركه ينتفع به آتٍ عليه إن لم يكن فيه إتلافه. فمن وجدها متغيّرة ريحا أو طعما ولم ير بها عين النجس فاحتمل أنَّه من غيره فهي طاهرة حتّى يصحّ النجس. وإن وقع في بئر طاهر، كريش وبعر وخوص فغيّر ماءها لا بإيقاع من أحد جاز استعماله. أبو مالك: لا يُتوضّأ به إن وجد غيره. ابن بركة: إن تغيّر لونه (21)، وجاز بطعم أو ريح.
ودم السمك إن وُجد في قليل من الماء جاز التطهّر به ما لم ير مستعملا أو مُضافا. (1/320)
صفحة 311
وإن زُجرت بئر بمدهونة فاحمرّ الماء وطفى عليه الدهن، فلا بأس به، وإن كان في الماء قاشع فيسقى (22) به الزرع لم يجز اعتقاد العبادة به إن اختلطا، لأنَّهما اسمان: ماء وقاشع.
ومعنى ما روي: «لا يُتوضّأ بفضل المرأة»، ما قطر من فضل وضوئها لا ما فضل في الإناء.
فصل
من وجد ماء عند غيره، فله أن يتيمّم ولا يأخذه منه قهرا، ولا بزائد الثمن كما مرّ. وفي جواز الوضوء بمغصوب قولان؛ وجاز بالنداء إن جمع منه ماء.
أبو الحواري: إن كان جاريا، لا إن كان بعصر، وبما ذاب بعد جمود وبسؤر بهيمة لا يتنجّس سؤرها، ولا بخلّ، ولبن وريق ودمع ومخاط، ويزال به الخبث ــ كما مرّ ــ، وبالمستعمل إن كان طاهرا مطلقا، وقيل: إن لم يوجد غيره، ويشرب أيضا.
ومن لم يجد ماء ولا ترابا نوى التيمّم بقلبه، وقيل: الوضوء، وقيل: بالإشارة كاستعماله بالماء أو التراب عند عدمه لأعضائه، ثمّ لا يعيد ما صلّى بذلك عند الأكثر.
وإن حضرت حاضرا ولم يجد ماء تيمّم، وصلّى على المختار، وقيل: يطلبه ولو فات الوقت حتّى يجده. وآية التيمّم نزلت في السفر.
ابن محبوب: إن أصاب قوما خبّ في البحر وعجزوا عن وصول الماء فلهم أن يتيّمموا بتراب المتاع إن وجدوه، وإلاّ نووا الوضوء وصلّوا، ثمّ إن أمكنهم توضّأوا وأعادوا ولو فات الوقت، ولا يعيدون عند غيره.
وقيل: إن ضرب بيديه فاقد التراب لا في الهواء، فثوبه بمنزلته إن كان طاهرا وإلاّ فلا يجزيه كما مرّ. ومن أجنب ونجس ثوبه، وعنده قليل ابتدأ باغتسال ثمّ بوضوء، (23) ثمّ بثوبه إن فضل، وإلاّ فلا عليه فيه. محبوب: يغسل ثوبه ويتيمّم [139] كما مرّ. (1/321)
صفحة 312
ابن بركة: إن كان لمسافر أصحاب وماء قليل، وحضره فاضل أو من يلزمه إكرامه كوالد وصلاة فأعطاه إياه، وتصعّد (24) وصلّى لزمته الكفّارة إن لم يطمع في وصول الماء؛ وقد مرّ جواز دفعه للإمام.
فصل
الأنجاس نوعان: نجس لذاته، ونجس لعارض:
* فالأوّل كالدم والميتة (25) ولحم الخنزير والبول والغائط والمني والمذي والودي، والطهر من النساء، ونحو ذلك، وكذا الجنُب والحائض والنفساء، والمشرك والأقلف البالغ، ولكن هؤلاء يطهّرهم الماء عند زوال وصفهم.
* والثاني هو ما حلّته نجاسة خارجية ويطهر أيضا بزوالها عنه، وقيل: مجاورة الطاهر للنجس تنجّسه، لا عكسه لما روي أنَّه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ سُئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: «إن كان جامدًا (26) فألقوها وما حولها، وإن كانا مائعا فأهرقوه»، فأفاد (27) أنَّ ما كان نجسا لعينه ينجِّس ما جاوره، وإنّ المتنجّس بالمجاورة لا ينجّس ما جاوره.
وأقوى الأنجاس البول، ثمّ العذرة ثمّ الدم ثمّ المنيّ. ابن محبوب: هو أشدّ من الدم، وبول الإنسان أشدّ من غيره، وبعده بول القرد والخنزير ونحوهما؛ والجمهور منّا على تنجيس بول ما يؤكل، وقيل: الدم ينقض الوضوء وإن قلّ.
ومن (28) اغتسل ــ قيل ــ ولبس ثوبا فيه بول يابس لم يضره إلاّ إن كثر. وقد نضح الوضّاح يوما ماء فوقع على عذرة يابسة ورجع عليه فقال له أبو العبّاس: لا بأس به، وكذا عن أبي المؤثر. ولا خير في مكحلة العاج ونحوها عند ابن محبوب، ولا بأس به ولا بالكميخة عند غيره. (1/322)
صفحة 313
الباب الثاني
في نجاسة المائع والجامد والحبّ والتمر والبيض ونحو ذلك
فالمائع كلّ جار جريا منبسطا، ويعتبر بطرح خاتم أو حصاة فيه قدر درهم، فإن نزل إلى أسفل الإناء فمائع يراق لسريان النجس فيه، ويرمى ما حول النجس إن لم ينزل؛ وإن نزل إلى بعضه أخرج إلى حيث بلغ، وقيل: الخاتم قدر درهمين.
ومن بيده جرح به دم غير فائض فنسي غسله (29) فأكل رطبا ولو سمنا، وكان يردّد يده فيه ويمسّ الجرح فهو ــ قيل ــ طاهر، وكذا ما قطر من سمن في ثيابه من (30) محلّ الجرح ما لم يغيّره الدم كالماء وجاز استعمال السمن المتنجّس للسراج ونحوه وإنّما حُرم أكله وخلطه في طاهر وجاز ــ قيل ــ بيعه، كالصبغ النجس وغيرهما بإعلام مشتريه به، وقيل: لا.
أبو سعيد: الأكثر على أنّ ما تنجّس كعجين أو طبيخ أو غيرهما ممّا لا وجه لتطهيره يدفن، ولا يطعم دابّة ولا غيرها، ولا يباع ولا يوهب، وقيل: يطعم الدوابّ والأطفال لعدم التعبّد والإثم. فمن أجازه لهما أجاز بيعه والاِنتفاع به أو بثمنه. والنجس لذاته لا يباع ولا يطعم اتّفاقا إلاّ حال اضطرار.
ومن طبخ طعاما أو ودكا، فوجد فيه ميتة جاز استعماله للسراج عند الأكثر.
وفي دخان النجس قولان.
والمتنجّس أولى لمضطرّ إليه من نجس لعينه، وإن وجده وكان منجيا كميتة ومال غيره، فهل ينجّي بها أو به بالتزام غرمه أو مخيّر فيهما؟ وليس لربّه إلاّ ما يسوى، ويردّ إليه إن طلب أزيد منه؟ خلاف تقدّم. (1/323)
صفحة 314
وتتعيَّن ميتة ما يؤكل إن وجدت هي وميتة غيره؛ وخُيِّر إن وجدها وحراما مذكًى. وميتة مختلف فيه أولى من ميتة متّفق عليه. وإن أحيى نفسه من أيّ ميتة كانت فلا إثم عليه سوى آدمي فلا يحلّ على كلّ حال.
وإن نبتت بقلة أو شجرة في عذرة خالصة فلا تؤكل إن لم تصل عروقها الأرض، وقيل: لا بأس، والبقل المأكول ورقا أشدُّ.
فصل
إن تنجّس بعض أوعية الطعام ولم يدر، فإن أمكن غسله غُسل وأكل (31)، وإلاّ وكان مائعا، فيُتحرّى النجس منها فيترك ويؤكل غيره، وإن ترك الكلّ فأحوط. ابن عبّاس: إن وقع طائر في برمة لحم ومات، فإنّه يؤكل ويراق المرق، وقيل: إن مات وقد سكن غليانها أُكل أيضا بعد غسله وأريق المرق، ولا يؤكل إن مات حال الغليان.
أبو عليّ: إن بال نسر أو نحوه على جراب تمر، فإنّه يشقّ ويغسل التمر إن علم أنَّه وصله. وإن كُنز تمر بماء نجس أو دُلك به فإنّه يغسل بقدر ما يظنّ أنَّه قد طهر، وإن نضح به غسل ونضح بالطاهر، وقيل: إن سال عليه البول غسل ما ظهر منه حتّى يصحّ أنَّه مسّ ما استتر منه إن أمكن مسّه للتمر وإلاّ غسل الجراب ثمّ يصبّ عليه بقدر ما يبلغ حيث بلغ البول. وقيل: يغسل ظاهر الجراب إن اعتبر أنّ الطهارة تصل ما استتر إن كان الماء يبلغ حيث بلغ النجس على ما قيل في غسل الحصير ونحوه. وإن تنجّس وعُرك وسال الماء إلى أن يبلغ حيث بلغ النجس من الجانب الآخر، فقيل: تلك طهارة ظاهره وباطنه، وقيل: يغسل حيث بلغ النجس، ولا يجزي بلوغ الماء إليه إلاّ بماء وغسل جديدين أو بصبّ يقوم مقام العرك والغسل، وإن كان في ظاهر الجراب فغسل فدخل الماء فيه فطهارة ظاهره تجزي وإن لما سُتر منه. وكذا ما يشبهه، وقيل: يغسل ظاهره ثمّ يقطع عن الموضع النجس حتّى يظهر ثمّ يصبّ عليه الماء أكثر منه ويبلغ حيث بلغ، وقيل: يغسل ظاهر التمر حين انكشف. (1/324)
صفحة 315
وطهارة غير المكنوز من التمر أن يصبّ عليه الماء قدر ما يغلب النجس، وكذا الحبّ، وقيل: لا يجزي إلاّ الغسل بالعرك والحركة، أو التقلّب القائم مقام العرك ما لم يضرّ التمر. واختير التوسّع بما يكون غسلا إن حصل الضرّ، لأنّ الماء مطهّر إن ذهب العين.
وإن عُجن التمر بماء نجس فقيل: لا يوصل إلى تطهيره كالمائع، وقيل: يفتّت في [141] الشمس قدر ما تبلغه حرارتها، وتزول منه رطوبة النجس للضرورة، كما قالوا في بول البقر عند الدرس، وشرر بول الإبل عند الاِزدحام.
وطهارة الأرض بالريح والشمس (32) ونحو ذلك ممّا رخّص فيه للضرورة.
وإن عجن الدقيق بنجس فقيل: لا يطهر أصلا، وهو متروك، وقيل: يبسه طهارته، وقيل: يغسل ويؤكل بأن يصبّ عليه الماء بقدر ما يأتي عليه ظاهرا وباطنا أو يُغمس في الكثير الذي لا يتنجّس إلى أن يبلغ إلى جميعه، وهذا فيه تعذّر، وقيل: يطهر بالنار في فرن أو غيره.
والسمك إن تنجّس بعد أن صار بحدّ ما لا ينشف، فقيل: يغسل ويؤكل، لأجل ما شرب من الطاهر؛ وإن اعتبر أنَّه يشرب من النجس بقدر ما لا يبلغه الطاهر فإنّه يُغسل، ثمّ يجفّف في الشمس أو يشوى حتّى تزول منه رطوبة النجس ثمّ يغسل، وقيل: يجعل في الماء إن كان لا يضرّه بقدر ما يبلغ حيث بلغ النجس، وقيل: يصبّ منه الماء، ثمّ يغسل، وقيل: هو كالمطبوخ من سمك وغيره.
فصل
أجاز ابن أحمد أن يصبغ بالنيل ونحوه إن تنجّس ويغسل رطبا، ولا ضير بعد يبس. (1/325)
صفحة 316
وإن طبخ البيض في أرز ثمّ وجد به فرخ بانشقاق فسد الكلّ، وإن غرف من الأرز بعد نضجه فخرج منشقا في المغرف فلا ينجس إلاّ ما فيه إن أمكن انشقاقها عند الغرف، وإلاّ إلاّ قبله فسد الكلّ.
وإن طبخ بسر بنجس أو وقع فيه عند غليانه غسل، وجُفّف بقدر ما يذهب النجس، ثمّ يغسل ثمّ يغلى بطاهر بقدر ما يدخل مداخل النجس، ثمّ يغسل أيضا.
وإن بال سِنّور في جراب تمر صُبّ عليه الماء ما دام رطبا حتّى يبلغ مبلغه، ويغلب (33) عليه؛ وإن يبس نكل وغسل، وقيل: إذا غسل خارجه حتّى يلج في التمر إلى حيث بلغ البول طهر بلا نكل. وإن نتجت سِنّورة في حبّ ولم يدر أخرجت فيه رطوبة أم لا؟ لم يفسد؛ ولا يغسل إن خرجت حتّى يعلم تنجّسه بها. وإن بالت في ظرف به حبّ غسل ما أصابه البول، وغسلُ الحبِّ أن يدخل في ماء حتّى يبلغ مبلغه، لأنَّه ينشف، وقيل: إن نتجت في ظرف فيه كثير، أُلقي ما أصابه النجس، وجاز غسله.
وإن وقعت فيه ميتة أو بال فيه بقر بعد الدوس لا عنده غسل أيضا. ولا ضير إن باضت فيه دجاجة ولم يعلم نجسه. ويغسل إن خرج من بطن ميتة، ويجفّف ثمّ يجعل في ماء قَدْر ما لبث فيها. وإن علم ببول سنّور في حبّ بعد طحنه خبز حتّى تنشِّفه النار؛ وإن خبز غليظا حتّى نضج، فقيل: يطهِّره التنّور ونحوه إن لم يبق للنجس فيه ريح ولا طعم ولا لون، وإن عمل من الدقيق ما كعصيدة أو هريس أو حلوى، فلا يطهر بمثل هذا.
وإن قلي الحبّ وطحن سويقا فقيل: إذا بلغ وهج النار جميعه في المقلى فقد طهر، وقيل: لا. أبو الحواري: إن خبز عجين نجس في تنّور أو نحوه، أجاز موسى أكله. (1/326)
صفحة 317
الباب الثالث
في طهارة الأرض والصفا والثمار ونحو ذلك
ابن جعفر: طهارة الأرض يبسها، ويطهر اليابس منها الرطب والطيّب الخبيث، وما تنجّس منها ببول أو غيره إذا ضربته الريح أو الشمس حتّى يذهب النجس فقد طهر، [142] وقيل: حتّى يضرباه معا، وإن لم يصبه أحدهما فحتّى يطهر.
وذهاب العين منها ينقل حكمها إلى أصلها لما روي أنّ امرأة تسحب ذيلها على الطاهرة وغيرها، فقال لها: إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا كما مرّ؛ وأنَّها تحمل خبث بني آدم، وعليه فإن نزل العين فيها فحكمها الطهارة، وإن صبّ الماء على بول فجرى عليه فقد طهر المحلّ، وينشف الماء ولا يضرّ إن ترك.
وقيل: إن وقعت فيها (34) نجاسة من غير الذوات، فغشيها ماء أكثر منها طهرت بلا عرك، وقيل: لا، إلاّ به، وقيل: إذا جرى عليها ثلاثا وإن اتّصل كفى مرّة، ويطهر ما فيها من خشب بجريه عليه ثلاثا. وما وقع فيها من حطب وحصى ونحوهما فهو في حكمها؛ ويغسل الجندل والخشب.
وفي صفة لها أبواب يدخل بعضها الشمس والريح أنَّها تطهر إذا زال عين التي تطهر بهما ولو لم تأت الشمس عليها كلّها إن أتتها الريح جميعا.
واختلف في كم يوم يطهران؟ فقيل: في ثلاثة، وقيل: في يوم إن لم تقم العين كالبول ونحوه. والقائم العين كالدم والمنيّ ونحوهما إنّما يطهِّره الماء لإزالته إياه. وإن زال الأثر من الأرض وضربها ما ذكر فقد طهرت، وقيل: لا يطهّرانها، ولو جاز لجاز تطهير كلّ ما تيبّس بهما. والمنازل كالمساجد تطهر بصبّ الماء.
بشير: من رأى نجسا بأرض ثمّ رجع (35) فلم يره زال عنها إن أصاباها وإلاّ صبّ عليها ماء. فإذا يبس المحلّ فقد طهر. أبو الحواري: ولو لم يتيبّس إذا غلب الماء (1/327)
صفحة 318
النجس، وإن كان بمحلّ بول وغائط ويمرّ عليه الفلج، فلا يطهر به حتّى يزال منه الغائط وأثره، ثمّ يعرك جيّدا إن لم تكن للماء حركة قويّة.
وقيل: إذا يبس البول وزال أثره وبقي ريحه فلا ينجس موضعها، وكذا أثر الكلب إذا يبس وذهب من محلّه الثرى، فإنّه يطهر، وقيل: لا ما قام أثره، وكذا كلّ سبع، والأوّل أكثر، وقيل: لا يطهر البول حتّى يزول أثره الذي عرف به ولو يبس.
واختلف في الماء الذي يطهر به النجس في الأرض، فقيل: نجس ما دام رطبا، وقيل: إنّما ذلك فيما غسل به الذاتي، كالدم ونحوه، وقيل: لا بأس في ذلك مطلقا. وفي نادرة الماء الذي يغسل به النجس أيضا فقيل: نجسة ولو طالت وتباعدت، وقيل: إذا جرى على النجس حكم الطاهر واتّصل الماء فقد طهرت، وقيل: إن جاز الماء بعد طهارة النجس وأدرك بعضه بعضا فلا فساد.
وإن بالت دابّة على أرض ثمّ عمل من طينها مصلّى، فطهارته أن يُصبّ الماء من فوقه ثمّ يُصلّى عليه.
فصل
إنّما يطهّر البدن والثوب بالماء (36) لا بالريح، ولا بالشمس، وفي غيرهما خلاف.
فطهارة الجدار المعمول بنجس يبسه، وقيل: ظاهره فقط، وقطر الغيث أيضا إن اعتبر كالجاري المتّصل، وإن اعتبر مكثه بعد مزايلة الجاري فنجس. وإن احتمل كلاّ فحكم الماء الطهارة حتّى يعلم أنَّه نجس.
ويعتبر دخول الريح ولو من كوّة، وما لا تصيبه هي ولا الشمس، وجرت عليه حركة من كسح أو وطء حتّى استحال النجس فقد طهر. وإن كتب ــ قيل ــ في لوح بمداد نجس ثمّ غسل فلم يخرج كلّه، [143] فقيل: نجس؛ واختير أنَّه طاهر. (1/328)
صفحة 319
وإن كتب به في قرطاس فبمنزلة الصبغ النجس إذا بولغ في غسله فإنّه يطهر، وقيل: لا.
وإن أوقد على طين نجس نار فقد طهر، وإن عُمل منه تنّور حُمِّم مرّتين ليطهر ثمّ يُحمّم لخبز. وإن شويت فيه ميتة فعلق به منها دسم، فقيل: يغسل، وقيل: يكسر، وقيل: يحمّم حتّى يذهب.
وإن مات في مغسلة فأر وطهر محلّه وسال الماء واجتمع، فقيل: طاهر، وقيل: لا، حتّى يتيبّس. وإن اتّصل الماء حتّى طهر المحلّ فطاهر اتّفاقا.
أبو سعيد: إن وجد بسطح عذرة أو نحوها فأصابها غيث، وجرى الماء طهر إن لم يغلبه النجس ولو انقطع وبقي جاريا.
فصل
إن ذهب العين من الأرض وما لاقاها، كالنعال والخفّ حكم بطهارتها لما روي أنَّه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ صلّى بعض صلاته منتعلا، ثمّ ذكر أنَّه وطئ بنعليه نجسا، فخلعهما ثمّ نظر فلم ير عليهما قذرا، فأتمّها بهما. ويروى أنَّهم خلعوا لمّا رأوه خلع، فأخبرهم بعد فراغه أنَّه وطئ بهما نجسا. وعن أبي هريرة: «من وطئه ثمّ مشى إلى أن زال عينه فلا يطهر حتّى يغسل». وروي: «إذا وطئ أحدكم أذى بخفّيه فالتراب طهرهما». ومن وطئه بنعليه ولم يلصق بهما طهرتا إذا خطا بهما سبع مرّات، وإن ظهر بهما طهرتا بماء ما قام عينه. أبو سعيد: إنّ الخفّ والنعل ونحوهما إذا تنجّست بأيّ نجس كان وسحق بالأرض حتّى ذهب الأثر والريح أجزى عن الغسل، وقيل: لا بدّ منه، ولا يجزي في بدن وثوب غيره إن وجد الماء، والأصحّ أنَّه يجزي ما أزال النجس منه من تراب أو غيره. وقيل إذا تنجّس باطن النعل فلا يطهره إلاّ الغسل، وفيما يلي الأرض ما مرّ. (1/329)
صفحة 320
الموصلي: كنت أقود أبا عبيدة إلى المسجد فوطئ بنعليه قذر آدمي، فلمّا دخله أراد أن يصلّي بهما فقلت له: قد وطئته فرفع إحدى رجليه، فقال لي: أترى شيئا؟ فقلت: لا، فصلّى بنعليه، فأخبرت ابن محبوب بذلك فقال: إذا سحقته الأرض، وأرخّصه في الخفَّين. ولا يطهر الصفا والحصا إلاّ بالغسل، وقيل: الحصى في حكم الأرض.
أبو سعيد: إن ضربت الريح والشمس جندلا، فقيل: يطهرانه مثلها، وقيل: لا. ويجزي ــ قيل ــ في الصفا والحصى أن تنجّسا بغير الذوات صُبّ الماء ولو كان النجس يابسا، وقيل: يُعرك الصفا، ويقلّب الحصى، ويصبّ على التراب.
وقيل: إن بال صبي على رحى ويبس البول وطحن بها حبّ فلا يفسد الطحين، لأنَّه يابس على يابس.
فصل
إذا كان النجس ولو عذرة في أجيل فحكمه الطهارة إذا سقي بالكثير ما دام كثيرا، وإن نقص حتّى صار قدر ما يتنجّس والعين قائمة فهو نجس، وقيل: لا، إلاّ موضعه وحواليه إلى ثلاثة أذرع.
ومن سمد زرعا بنجس فهو وما لاقاه نجس إن رطب الزرع.
أبو سعيد: إن عفرت الجلبة بتراب نجس ثمّ سقيت فقد طهرت، وقيل: حتّى تسقى مرّتين، وقيل: ثلاثا. وإن سدّت أجالة بماء نجس ثمّ ضربته الريح والشمس حتّى يبس خارجها فاليابس طاهر لا ما لم تضربه ولو يبس، وكذا الجلبة إن سقيت [144] بنجس ثمّ يبس ظاهرها بضربهما فقد طهر لا الثرى الداخل.
ومن لقَّح نخلة ثمّ بال على حملها ثمّ تزداد التمرة حتّى تدرك فقد طهرت عند تقلّبها في النموّ. وإن حرث بصل أو غيره ممّا يؤكل دون تمر في عذرة كما مرّ، فقيل: يؤكل بعد سقي ثلاث، وقيل: بعد واحد، وقيل: طاهر إلاّ ما مسّه النجس فيغسل. (1/330)
صفحة 321
وإن سقي الزرع بنجس فهو وما أثمر قبل السقي ثلاثا نجس، وقيل: يجزي مرّتين، وقيل: مرّة، وقيل: طاهر إلاّ ما مسّه النجس حتّى يسقى ويتغيّر الأثر، وتناله الريح والشمس، وهذا فيما كالقثّاء والقرع والباذنجان ونحوها، بخلاف النخل والشجر الكبار، كالتين والسِّدر فلا ينجّسها شيء وقيل: جميع الزروع (37) والبقول والشجر والثمار طاهر ما لم ينتقل حكمه إلى غيره، ويغلبه النجس. وفي زراعة لا تسقى إلاّ بنجس خلاف؛ ولم يُجمع إلاّ على نجاسة ما مسّه النجس من ثمره أو أصل أو جذع فيطهر بالريح والشمس بعد زوال العين، وقيل: لا، وقيل: إن نبت نابت في عذرة أو نحوها خرج عنه حكم النجس واكتسى حكم الطاهر لتغيّر لونه واسمه؛ والأحوط ما مرّ.
ويصلّى على أرض سمدت بالسرجين والأرواث بعد مرور سنة. وأمّا العذرة فحتّى تذهب منها. وإن كانت في أجيل ثمّ سقي قال أبو المؤثر: قد طهر إن ذهبت، ولا بأس بطينه ولا الصلاة فيه. وإن بقي عينها على الماء أو في الأرض بعد انقطاعه فالأجيل وطينه نجس إلاّ إن دخله الماء الكثير لم يفسد طينه إلاّ ما حوّل العذرة إلى ثلاثة أذرع كما مرّ.
وإن سقي بقل أو شجر من ماء ميتة فلا بأس ــ قيل ــ في أكله. وقيل: في البقل والبصل وما يؤكل ورقه أنَّه لا يؤكل حتّى يخرج من الأرض، وقيل: حتّى يغسل. وأمّا القرع والبطّيخ ونحوهما فإنّها تؤكل عند الأكثر لأنَّها من الثمار. وقيل: إن سقيت جلبة بقل أو بصل وفيها عذرة لم يفسد منها إلاّ ما مسّه النجس على الأصحّ ولو كان أصله ــ قيل ــ منه، ولا عبرة بقول من نجّسه.
ومن غزل قطنا أو كتّانا نجسا ففي طهارته إن غسل قولان. (1/331)
صفحة 322
الباب الرابع
في ذكر الأخبثين ونحوهما
وقد اختلف في بول الرضيع ولو يأكل، وقيل: ولو لم يأكل هما سيَّان لما روي أنَّه ينضح بول الصبي ويغسل بول الجارية وهو الأصحّ. ابن بركة: يجزي بول الرضيع صبّ الماء عليه، واختير أنّ البول مطلقا يطهّره ــ إن كان رطبا ــ سيلان الماء عليه لما روي أنَّه أمر أن يصبّ على بول الأعرابي في المسجد ذنوبا من الماء. أبو الحسن: لا يجزي الصبّ على بول صبيّ يُطعم؛ ويعرك بول الجارية، وكفى الصبّ على بول من لا يُطعم.
وشرر البول لا يحكم بتنجيس ما طار منه ما لم تدرك على بدن أو ثوب منه نجاسة برؤية أو شمّ أو غيرهما، ولا يحكم بها إلاّ إن كانت عينها كذلك، غير (38) أنّ الذباب يقع على رطب من دم أو عذرة ويسقط على بدن الإنسان بقربه فيحسّ ببرودة ورطوبة عليه؛ ومعلوم [145] أنَّها إن وقعت على ذلك علق بأجنحتها وبدنها ممّا يلاقيه، ويقع به على طاهر من بدن أو غيره فلا يحكم بنجاسة ما لاقاه حتّى يتبيّن أثره.
ورخّص الربيع في قيء الجمال والشرر الطائر من بولها ما لم يصبغ. أبو عبيدة: أرخّص من ذلك ما وجدت برودة لا رؤيته.
والأبوال في الحصير والجندل ونحوهما يطهّرها صبّ الماء عليها كما مرّ. وما أفسد حزقه من طير فبوله مفسد أيضا وما لا فلا. وكذا بول الفأر والأماحي ونحوهما في فساده قولان.
وقد ثبت من الأصول غسل المنيّ والمذي والودي من البدن والثوب، ولا عبرة بقول من قال بطهارة المنيّ وهو خارق للإجماع. (1/332)
صفحة 323
ولا خلاف عندنا في طهارة أرواث الأنعام ونجاسة أبوالها إلاّ من شذّ. وأبوال الخيل والبغال والحمير ونحوها نجسة، وأرواثها طاهرة عند الأكثر.
وأبوال السباع وكلّ ذي مخلب من الطير فاسدة كطرحها. وحزق المأكول من الطير طاهر، وفي بوله خلاف. والدجاج الأهلي وإن كان منه فأكثر غذائه النجس فأُلحق به حزقه، وطهر إن صين وغذّي بالطاهر. (1/333)
صفحة 324
الباب الخامس
في أدب قضاء حاجة الإنسان
وقد سنّ فيها الإبعاد، ورفع الثوب عند القرب من الأرض، وترك الاِستقبال والاِستدبار في الصحاري، وهو الأصحّ، وقيل: مطلقا، والاِلتفات إلاّ من عذر. ولا تُقضى حال القيام، ولا ترد به الشهادة (39) ولا تترك به الولاية.
ويكره الذِّكر عندها وعند الوقاع، وحسن بالقلب، ولا بأس بالحمد عند العطس فيها، ولا ينظر إلى الخارج بلا داع، لأنَّه ــ قيل ــ (40) يورث الباسور، ولا يردّ السلام، ولا يتكلّم إلاّ في (41) مهمّ، وإن كان في فصّ خاتمه اسم الله جعله في فيه أو غيره أو يديره إلى كفّه ويقبض عليه.
ولا تُقضى على قبر أو في نهر أو تحت مثمرة أو في ظلّ منزل، أو طريق أو ظهر مسجد، أو فيه، أو على باب أو في أجحرة أو ماء راكد؛ ويُكره في جار، وقيل: يورث النسيان. ولا في مزرع، ورخّص فيه، ولا في مغسل ولا عريانا ولا قاعدا، ولا يبزق فيه، ولا ينصت لحديث، ولا يعمل. وليرتد سهلا، مستدبرا لريح القبلة ولا مستقبلا لها كما مرّ، ولا للقمرين، ولا لكلّ ذي حرمة ولو نارا، ولا في بيوت الغير بلا إذن. ورخّص بمحلّ يخف ضرّه لمضطرّ بشرط إصلاحه، كظهر مسجد أو فيه كذلك؛ ولا في أثر حافر، ولا يصطحب في الذهاب بلا عذر.
وليذكر الوِرد المعلوم عند إرادة الدخول وهل خاصّ بالأمكنة المعدّة لذلك أو عام، ــ وهو الأظهر ــ قولان، وعند التشمير في غيرها. وليحفر حفرتين ثمّ يدفنهما بعد (42) قضائها، وليستطب بيسراه إلاّ من عذر بما أعدّه من حجر أو عود؛ ويقدّم يسراه دخولا ويمناه خروجا عكس مسجد، والمنزل يمناه فيهما.
ولا بأس إن لم يتوضّأ بعد أن يبس البابان ولو ركب أو قعد أو نام. (1/334)
صفحة 325
الباب السادس
في الإزالة
وتصحّ بكلّ جامد طاهر منقّ لا بذي حرمة، ولا بحشيش ولو يابسا، ولا بعظم، ولا برجيع وإن لبهيمة، ولا بقصب، وليبالغ في التنقية مع الإيتار، وليدفن المزيل به إن قضاها في غير المرحاض، ويقدّم قبله على دبره مع تفريج فخذيه واسترخائه. ولا حدّ في الإزالة إلاّ التنقية، وقيل: يزال الغائط [146] بالثلاثة عند عدم الماء ولو بحجر له ثلاثة أوجه؛ فإذا عرق وسال على ثيابه فإن حكم على المحلّ بالنجس فما مسّه نجس.
والبول إن أُزيلت رطوبته لم يحتج إلى تيبّس بحجر بعد، وإن نفذ المزيل فليستبرئ بيده أو في الأرض. ومن كان يحتشي ذكره بقطن أو نحوه ثمّ رطب الحشو بخارج منه فلا بأس حتّى تظهر الرطوبة إلى خارج؛ وإن لم يرطب شيء من ظاهر القطنة وترطّب باطنها فلا بأس حتّى يعلم ظهور الرطوبة، لأنّ عليه غسل ما ظهر لا ما بطن من ذكره (43)، وقيل: إن احتشى غسل رأسه، وليس بلازم. والاِحتشاء أن يلوي قطنة على عود ثمّ يدخلها فيه ويحذب العود، وإن بقي بعضها خارجا لم يضر، وإن انقلعت من المحلّ أعاد الطهارة، وقيل: لا تنقض حتَّى تصير القطنة إلى محلِّ الطهارة. (44) ومن احتشى من مذي ثمّ بال فلم يخرج الحشو مع البول فليعالجه حتّى يخرجه.
أبو المؤثر: إن بال رجل ثمّ احتشى ثمّ استنجى ونسي الحشو ولم يخرجه صلّى تمّت صلاته. وقيل: من يجد خارجا من إحليله ولم يستيقن بخروجه، فتارة ينظر فيجده، وتارة لا يجده فهو على طهارته حتّى يعلم بخروج شيء منه، وإن كان كلّما حسّ وجد إذا نظر غالبا إلاّ أنَّه لم يتيقّن في حاله هذه فهو وثوبه طاهران حتّى يعلم بالنجس، والأحوط النظر متى حسّ فإن كان ليلا أو في صلاة أو خاف انتقاض وضوئه إذا مسّ، فليضرب بيده على ذكره من فوق الثوب، فيمسح به على فخذه أو ما يليه، فإن أيقن بللا لا شكّ فيه أنَّه حادث لا من طهارة تقدّمت حكم بالنجس، (1/335)
صفحة 326
وقيل: لا، إلاّ إن وجد سيلان الحدث وخروجه بلا شكّ؛ فلو لم ينظر أو يمسّ ولم يصحّ عنده بلل لا يشكّ فيه خارج إلى محلّ الطهارة بإحساس من بدنه أو ثوبه لم يفسد هو ولا وضوءه ولا صلاته إن كان فيها؛ وإن لم ينظر حين أحسّ به ثمّ نظر بعدُ فوجد خارجا لا يعرفه متى خرج، فعلى رأي من يقول: لا نظر عليه، ولا مسّ حتّى يستيقن بخارج منه، فإن أمكن أنّ خروجه كان بعد تمام صلاته إن كان فيها أو (45) خارجا في وقته على ما عاين وأبصر فلا بأس عليه فيما مضى، وتمّت صلاته حتّى يتيقّن بخروجه وقت إحساسه، وعلى رأي من أوجب عليه النظر والمسّ، فإن تركهما وقته ومضى في صلاته ثمّ أبصره بعد أعادها (46) إن لم يتيقّن بخروجه بعدها، وكذا ثوبه. وقيل: إذا فسدت بذلك فلا يحكم بفساده حتّى يتيقّن بمسّ النجس له، والمدار في ذلك على اليقين.
وكذا إن أحسّ بطعم الدم في فيه أو بريحه في أنفه أو كالريح خرج من دبره، فعلى طهره ما لم يتيقّن لاحتماله من الشيطان كما مرّ. ومن وجد بللا وتيقّنه في مواضع الطهارة وقد تقدّم له وضوء أو غسل أو نحوهما فاحتمل حدوثه من نجس أو من متقدّم له، فهو عليها حتّى يعلمه [147] من غيرها، فإذا لم يمكن بقاء الرطوبة من المتقدّم إلى ذلك الوقت بوجه ثبت النجس ومع الاِحتمال فالطهارة أولى.
فصل
إن كان يخرج من فرج ثيّب ماء بعد الوضوء أو الغسل، وتعرف أنّ الطاهر يدخل فيه عند تطهّرها ثمّ يخرج ولا تعرفه، فقيل: نجس حتّى تعلمه باقيا فيه من الطاهر، وقيل: يحتمل بقاؤه فهو طاهر حتّى يخرج متغيّرا عن حاله، أو لا يمكن بقاؤه فيه فنجس لخروجه من مجاريه في العادة.
واختلف في غسل داخل الفرج، فقيل: عليها أن تبالغ فيه ما لم تؤذ موضع الولادة مطلقا، وقيل: إن جومعت فأنزل فيه، وقيل: الحيض أشدّ، لأنَّها إن أنزلت (1/336)
صفحة 327
دافقا من غير جماع لا يلزمها غسل، كاحتلام وغيره، ولا استنجاء عليها بإدخال إصبع فيه، والأشبه أنَّه يُغسل إن لم يتضرّر، وقيل: لا يلزمها غسل فرجها من حيض ولا جنابة، لأنَّه من دواخل البدن، وليست متعبّدة بغسلها، كالدبر. ولا يبعد ــ قيل ــ ذلك من معنى الاتفاق أنَّه لا يلزمها في حيض؛ ولا استحاضة إذا لم يفض الدم على خارج الفرج، وقد كمن في الرحم.
وكذا لا يلزمها في جماع إن لم تغب الحشفة ولو وجدت شهوة ما لم ينزل على ظاهر الفرج، فلو لزم غسل ما أدرك من الدواخل للزم في الدبر، لأنَّه قد يدرك إدخال إصبع فيه بلا مضرّة. قال: ويخرج هذا على أنَّه إمّا أن يلزمها غسل من كلّ نجس ومن كلّ موجب، ويكون في معنى حكم الظاهر من بدنها، وإمّا أن لا يلزمها شيء من معنى ما تنجّس به، أو لغسل يلزمها فعلى الحوطة يلزمها لا على الحكم، كالدبر لأنَّه من الدواخل، وهما سيان في الاِسم والمعنى، وكلاهما موجب للغسل من الجماع فيهما والحدّ وفساد الوضوء بخارج منهما؛ فإذا ثبت أنَّه من الدواخل كان كلّ ما كمن فيه من دم أو ماء أو صفرة أو كدرة غير ناقض، ولا يكون حيضا أو استحاضة إلاّ الظاهر خارجا، فيكون ناقضا.
وما خرج من والج في فرج بكر فنجس ولو صحّ أنَّه ممّا دخل فيه من الماء الطاهر، وكذا ما دخل في الدبر منه أو من غيره أو في الذكر حتّى جاوز محلّ الطهارة ثمّ خرج فنجس، وكذا كلّ خارج من الدبر من قيح أو ماء أو غيرهما، ولو أدرك باليد.
فصل
من نضح ماء بعد وضوء على مخارج النجس وما يليها من بدنه وثوبه فقد دفع الشكّ عن نفسه، وقد تعوّده بعض، ويأمر به ليتقوّى به على معارضة الوسواس، فتدفع الرطوبة عنه الشكّ، وبعض لا يأمر بذلك خوفا أن يكون هناك نجس فيدعه للرطوبة (1/337)
صفحة 328
التي قصد إليها، وهذا على الحوطة، والأوّل على معنى الحكم والاِحتيال، ونُدب ذلك لموسوس.
ومن احتشى بعد بول ثمّ استنجى ولم يخرج ففيه قولان، لأنَّه إن احتشى قبل استنجاء كان الحشو مانعا للطهارة، وقيل: إن بلغ هو أو بعضه إلى ما تناله لم يجز له، لأنَّه حال بينه وبينها. وإن جاوزه جاز له قبله أو بعده. وإن كان فيما يمنعها حيث تبلغ وتجب فحال بينهما لزمه إخراجه عند استنجائه، ولا يلزمه في الحكم إن لم يمنعها ويعلم أنَّه تنجّس ويقدر [148] على إخراجه، وليس هو فيما تعبّد بطهارته فكان لمجرى البول حكما إذ لا يمنع النجس ولا تبلغه، وقيل: إن كان فيما يقدر على إخراجه وعلم بنجاسته فقد لزمه، لأنّ عليه إزالة ما قدر عليه من النجس بلا تحمّل ضرّ؛ وإن كان لا يقدر عليه إلاّ بالبول فلا أحد يوجبه عليه ليخرج الحشو، وعليه إخراجه بمعالجة من ظاهر إذا تنجّس وقدر عليه، وإذا ثبت ذلك لم يبعد ــ قيل ــ لزوم إخراجه بالبول كما لزمه بغيره، ولا فرق. ولا يلزمه إخراج ما بالداخل بمعالجة إذا لم يكن فيما تناله الطهارة؛ وإن احتشى عليها ثمّ تنجّس، فعند من يلزمه إخراجه وقد أمكنه بغير البول فلم يخرجه وصلّى كان كمصلّ بنجس، وعليه فسواء تنجّست القطنة من داخل أو من خارج أو منهما، وقيل: لا يلزمه ولو علم بنجاستها من داخل إن لم تظهر (47) رطوبة على خارجها، ولا تفسد عليه إن كانت في غير مواضع الطهارة، لأنَّها تنتقض بظاهر على سمة الذكر، واختير أنَّه لا يلزم إخراجه قبل استنجاء ولا بعده ما لم يبلغ محلّ الطهارة، فيحول بينهما ولو قدر عليه ما لم يضرّ النجس إلى محلّ النقض به ويكون رطبا؛ وإن كان يابسا وجب على كلّ حال، لأنَّه صار في ظاهر البدن وليس ما يقدر على إخراجه بعلاج إن لم ينله بطهارة، كالثيّب وإدخال يدها لغسل والج بفرجها، لأنَّها تقدر عليه بها وبالماء، وهو لا يقدر على طهارة ذلك في موضعه ولو بلغ موضعها متنجّسا برطب ناقض، كبول؛ ويلزمه غسل ما مسّ من محلّ الطهارة، لا في إخراج ما ظهر من الحشو ونالته اتّفاقا ولو تنجّس باقيه، لأنَّه لا يصل إلى غسله وإنّما عليه غسل ما أمكنه وما بلغ إليه من خارج منه أو داخل فيه ممّا جعله هو أو غيره فيه، (1/338)
صفحة 329
أو خرج منه؛ ولا يلزمه إخراجه إن أمكنت طهارته، ويلزمه غسل ما قدر عليه ولو بعضه، وليس وجوب غسله بموجب غسل كلّه أو إخراج ما لم يقدر على غسله؛ وإن بلغ محلّ الطهارة وتيبّس بعد أن تنجّس بخارج منه إلى محلّ الحشو بعد تيبّسه، وجب بقدر ما لا يرطّب سمة الذكر من حيث يلزم الطهارة، فيخرج اليابس النجس إن شاء، ولا غسل عليه في إحليله، ولا نقض عليه، وإن شاء غسل الظاهر من الحشو، لا الباطن إن أمكنه بلا مسّ الذكر في جار أو نحوه ممّا لا يتنجّس.
وكذا إن احتشت ثيّب بما لا يظهر من فرجها ليمسك عنها مفسدا لوضوئها أو ثيابها أو بدنها ما لم يبرز إلى ظاهره اللازم غسله، فهو كاحتشاء الذكر، فإذا لم يلزمها غسله في موضعه إذ لا يلزمها غسل ما فيه من نجس، لم يلزمها إخراجه إذا تنجّس ما لم يبلغ محلّ الطهارة من خارج الفرج؛ ولا يتبيّن أمر البكر إلاّ أنَّها فيه كالذكر. (1/339)
صفحة 330
الباب السابع
في الاِستبراء والاِستنجاء وما فيهما
وقد روي: «إذا بال أحدكم فليستبرئ ذكره ثلاثا». وعن جابر أنَّه يمسحه من أسفله لينقطع عنه، وذلك إذا فرغ من بوله، فليضرب بيسراه إلى مجرى العرق الذي تحت أنبوبته، فيسلته من دبره إلى أصل أنبوبته اليمنى ثلاثا، وينتر ذكره عند كلّ سلتة، وقيل: يتنحنح، فإن نتر [149] قبل انقطاع البول لم يجزه.
والنتر ثلاثا وهو جذب فيه جفوة، والسلت القبض على الشيء لاستخراج ما فيه، ويعتبر مع ذلك سكون القلب. وقيل: إن جابرا إذا بال نتر ثلاثا ثمّ يقوم، ولا يلزمه العصر، وذلك غاية الاِستبراء إذا انقطع. والناس مختلفون فيه على ما يعرف كلّ من نفسه، وإنّما قيل عليه الوضوء من النجس، فإذا لم ينقطع إلاّ بالاِستبراء فعليه إزالة اتّصاله.
ابن محبوب: من لم يفض بوله على السمة، ولا غائطه على الحلقة فلا استنجاء عليه، فأين هذا من الاِستبراء؟ وكان بعضهم يتبع البول بصبّ الماء، وقال: إنّ الماء يقطع الماء. عزّان: من بال ثمّ نتر ثلاثا فإنّه يجري الماء على ذكره مع كلّ نترة.
ويروى أنّ جبريل علّم النبيء ــ عليهما السلام ــ الوضوء، فلمّا فرغ منه أخذ جبريل حفنة من الماء، فرشّ به من تحت الثوب، وقال له: إذا توضّأت فانضح ثلاثا، وكان يفعله.
ونهى عن استبراء باليمين بلا عذر.
ومن بال ولم يستبرئ فهو أمين نفسه، فإن قال: إنّه لا يتبعه شيء واستنجى من حينه قبل قوله، ولا يُسأل عن ذلك إن لم يعرف قوله، ولا يحكم عليه بما لا يعلمه إلاّ الله، ثمّ هو ومن استنجى ولم يستبرئ وصلّى وعادته الاِستبراء أعاد إذا لم يتنظّف. (1/340)
صفحة 331
ومن بال في ماء ولو جاريا فعليه أن يستبرئ فيه خارجه بقدره خارجه، ثمّ يتوضّأ إن كان في نهر جار أو بحر وسعه ذلك إن اضطرّ، وإلاّ أُعدّ أشدّ منه. وقيل: يخرج من الماء ثمّ يستبرئ، وقيل: لا يلزمه استبراء ولا استنجاء، ويحكم له بالطهر.
وجاز استبراء بنعل وتطهّر إن مشى بها.
وإن أجنب صائم ليلا وخاف الفجر إن استبرأ بعد البول وفساد ثوبه إن اغتسل فإنّه يغتسل ويحرز صومه، ثمّ يستبرئ ويتوضّأ.
ومن استبرأ بتراب الغير أنقى إحليله حتّى لا يبقى فيه شيء منه وإلاّ ردّ مثله في محلّه. ورُخّص في أخذ الحجر والتراب والطفالة للاِستبراء من أرض الغير إذ لا تتحرّج النفوس بمثل ذلك، ولا حكم له.
ولا بأس ــ قيل ــ على محدث في خراب أن يتصعّد بترابها، ويستبرئ بحجرها، وبالعود الساقط فيها، ولا باستبراء من طريق إن لم تخرجه. وفي أموال الناس خلاف، قيل: لا بأس لأنَّه لا قيمة له، ولا تتحرّج الأنفس به. وقيل: يستبرئ بذلك، ولا يحمله؛ وبعض ألزمه الضمان.
ومن استبرأ بطفالة فبقي في كفّه منها شبه غبار، فحكمه الطهارة، لأنّ ما يرطّبه البول لا يبقى له غبار ولو انحلت من كفّه بعد رميها فهو عليها لاحتماله من غير ما أصابه البول.
فصل
وجب الاستنجاء بالماء، ولا يعدل عنه إلى غيره إن وجد، ونُدب باليسرى؛ والبداية من القبل، والاسترخاء عند غسل الدبر بلا استدخال، لأنَّه تعبّد بغسل الظاهر، وقيل: يذهب الباسور.
ولا استنجاء على من لم يحدث ولو خرج منه ريح، إلاّ إن أحسّ معها رطوبة، وتيقّن بها. ومن تغوّط داخل الماء وعلم بلصوق شيء منه ببدنه فليزله. (1/341)
صفحة 332
ابن علي: إنّه من الغائط عشر عركات؛ ومن البول خمس، وقيل: ثلاث؛ ومن الغائط إلى اطمئنان لاختلاف الأحوال. ابن محبوب: من قعد في نهر وعرك محلّه ثلاثا ولم يعلم بقاء الأذى فيه [150] أجزاه. أبو سعيد: قيل: يجزي فيه ثلاث عركات مع كلّ صبّة لكلّ باب. وقيل: للغائط خمس، وقيل: عشرون، وقيل: أربعون، وقيل: حتّى توجد خشونة بعد ليْنٍ، وقيل: لا حدّ له إلاّ بسكون النفس. وقيل: يجزي البول عركتان، وقيل عركة إن عمّ الماء محلّ النجس، لأنَّه يستهلكه حيث كان، والأحسن فيه إن زال بالواحدة أو بأكثر أنَّه إذا مثّ الغائط من المخرج ولم يبق حوله شيء منه على الحلقة حسن أن يطهّر بذلك مع السكون. ولا يلزم غسل ظاهرها إلاّ إن استرخت، ولا فتح الذكر، وإنّما تغسل الثقبة وما حولها، والعرك بين شدّة وفتور لا ضرر فيه على فرج وعضو، ولا تعب نفس.
وإن مسّت يد مستنج ثوبه ولم يعلم أبقي فيها شيء أم لا؟ فإن كان من نهر جار أو مستبحر فحكمها الطهارة ولو عرك بها قليلا حتّى يعلم بلصوق نجس بثوبه وإن كان من إناء، فإن من بول فالماء الأوَّل فاسد، وفي الثاني خلاف والثالث طاهر؛ وإن كان من غائط فقد مرّ الخلف فيه، فما دام في حدّ النجس فإنّه يفسد ما مسّته اليد، والأحوط أنَّه إن تعدّى العشرة ولم يجد نجسا أخذ له بهذا القول، ونَكْره له ترك الاِستنجاء حتّى تطيب نفسه.
والمني كالغائط لا حدّ فيه إلاّ النقاء.
فصل
إذا صبّ الماء على محلّ الغائط واتّبع بعرك فالماء غير مستهلك بالنجس حتّى يعلم أنَّه غلب الماء، فكان طاهرا مطهّرا ولو استهلك لم يثبت به حكم الطهارة. والمستهلك هو ما زايل المحلّ الذي طهّر به وما مسّه في حال لا يكون فيه مستهلكًا ممّا قرب فيه النجس إلى الطهارة لا يفسده ما لم يغلبه النجس. (1/342)
صفحة 333
وكذا الماء المترادد على الأعضاء حال غسلها لوضوء لا يستهلك إلاّ ساقط منه. والطائر من استنجاء إن وقع بثوب أو بدن لا يفسده مطلقا. وقال سليمان: يغسل إن كان من غائط، وقيل: لا يفسد إلاّ إن طار النجس بعينه أو ماء منه، وقيل: يفسد منه الأوّل والثاني لا الثالث إن وجد العرك. أبو الحسن: الثلاثة فاسدة لا ما بعدها، وقيل السائل من الغائط مفسد. ابن بركة: هذا إن انفصل من النجس بعد امتزاج به والماء قليل، وأمّا الذي فيه نجس استنجاء وقد تتابع حتّى غلبه فهو طاهر، ولو كان نجسا في ابتدائه حال تكاثره لوجب كونه نجسا ولو دفع خلفه السيل أو بلغ من قرية إلى أخرى؛ ولا قائل بهذا.
ومن غسل فرجه ثمّ وطئ مجرى مائه لم ينجّسه، لأنّ النجس جرى عليه الطاهر فطهّره. وإن اجتمع من استنجاء ومسح فإن كان من بول وغائط ومعه غيره وكان النجس قليلا فالوقف، وإن أخذ من إناء ماء فطار إليه ماء ولم يعلم أهو من المجتمع النجس، أو ممّا أخذه، أو من بدنه فطاهر حتّى يعلمه من النجس، فإن وقع فيه ماء، فطار منه فنجس، فإن كان لا يجتمع عند الاِستنجاء والمسح وتبقى الرطوبة، فالموضع طاهر، لأنَّه إن سال الماء مع الاِستنجاء ثلاثا طهر المحلّ والرطوبة يجزي الطاهر بعد النجس، لأنّ الجاري بعد ثلاث عركات طاهر.
ومن بال ثمّ دخل [151] نهرا فنسي عرك المحلّ، وقد انغمس فيه أجزاه، وإن خرج منه ولبس ثوبه لم يفسد، وأجزاه في البحر موجه أيضا. وإن كان يستنجي في نهر ثمّ عنّ له أمر فقام قبل أن يتمّ فسال الماء على ثوبه أو بدنه، فإن اتّصل جريه فكالجاري لا ينجّسه إلاّ ما غلب عليه كما مرّ، وإن لم يبصر جريه ولا عرف أغلب عليه أم لا، فإن كان جاريا فطاهر حتّى يعلم غلبة النجس عليه.
أبو عبد الله: من استنجى بباطن كفّه ولم يعرك ظاهرها والماء يسيل عليه، فإن نقّى باطنها فلا عليه في غسل ظاهرها. أبو سعيد: إن كان النجس حيث لا يبصر ويدرك بلمس كغائط حسُن إثبات طهارته به. (1/343)
صفحة 334
ومن بال ولم يجد ماء فليستبرئ حتّى ينقطع ويجفّ، ثمّ يغسله بريقه إن أمكنه، ثمّ يجفّفه ويتصعّد، وإلاّ أجزاه التيمّم. وإن أدخل ذكره في جار وفيه بول، وحرّكه ثلاثا فيه ولم يعركه أجزاه، وكذا إن كان البول في رجله فرشّها بلا مسّ حتّى عمّه الماء أجزاه أيضا، وهو أولى من العرك إن كان به شقوق. (1/344)
صفحة 335
الباب الثامن
في طهارة اليد (48)
فمن طهّر بدنه أو ثوبه من نجس فزال عينه فبقي بيده ريحه بعد الغسل لم يضره. والزوك كالريح عرض لا حكم له بعد الزوال. والنجس جسم.
وقيل: من وطئ نجسا ثمّ مشى فلابدّ من غسله ولو زال عينه. ومن تنوّر بنجسة فوقع (49) منها على ثيابه، وغسل بدنه جيّدا ولم يربه شيئا منها، فلمّا جفّ بقي موضعها أغبر أو أبيض، فإن نجست بذاتها غسل بياضها إن كان يخرج وإلاّ فلا يعيد غسلا. وإن عرض لها نجس فالباقي من بياضها طاهر، والمختار أنَّه عارض للنورة لا أصيل، وإن خالطها ذاتي كعذرة أو دم فالباقي منها بعد الغسل طاهر، وقيل: كلّ ما لا عين له باقية، وغسل مرّة صحّت طهارته. وكُره التنوّر بنجسة.
أبو سعيد: من كان به ذاتي ولو يابسا فحرّكه في الجاري حتّى ذهب عينه أجزاه. وكذا في إناء أو ثوب. ومن به مائع لا دسم بين كتفيه أجزاه صبّ الماء عليه إن كانت له حركة تغني عن العرك. ومن برجله دم ونسيه، فدخل نهرا حتّى ذهب بلا عرك ولا حركة فلا يطهر إن لم يخض فيه قدر ثلاث خطوات.
وإن قلس صبي ثمّ رضع أمّه فغسلت ثديها لا فاه، ثمّ رضع ثانية لم يتنجّس ثديها.
ومن تنجّس فوه فسال دم أو بزاق على شفتيه فأخذ ماء بيده من إناء وأوصله فلقيه النجس قبل أن يصله فمضمض بذلك ومسح (50) على موضعه منه بشيء ثلاثا فلا يطهر حتّى يصل إليه طاهر، فإن كان يصبّ من إناء في كفّه ويهدي به إلى فيه، ولا يجدّد غسل يده اختير أن يجزيه لما مضى، ويستقبل غسل كفّيه كلّما أراده.
ومن شرب ماء نجسا ثمّ مضمض فاه مرّة أجزاه أيضا، وشبّهه الفضل بشربة نبيذ [152] الجر. (1/345)
صفحة 336
ومن غسل فاه من دم أو غيره فمضمضه فالماء الأوّل طاهر عند من يرى أنّ الماء لا ينجّسه إلاّ ما غلب عليه. ومن غسل منخريه أو فاه (51) من دم أو قيء فليغسل ما ظهر وأمكنه حيث يصل للوضوء ثمّ لا يفسده ما خرج منه أو من صدره من نخام. ومن أدمى أنفه كفاه أن يستنشق حتّى يخرج الماء ما فيه، ولا يلزمه إدخال إصبع فيه.
وكان أبو المؤثر إذا غسل بعض جسده من دم يقول: لا تنظروا إليه، وكان مذهبه إذا غسل محلّ النجس وخاف خروجه ثانية أن لا يلزمه إعادة نظره.
ومن سال جرحه دما فغسله ثلاثا في جار فقد طهر حتّى يعلم أنَّه لم ينقطع، ولو احمرّ موضعه لأنّ الحمرة غير الدم لبقائها في الجرح غالبا.
أبو المنذر: من تنجّس فوه فبزق حتّى ذهب العين فقد طهر. ومن بفيه دم فشرب من إناء فمضمض لم يفسد ماؤه. وإن (52) تخلّل فأدمى فبزق حتّى اصفرّ بزاقه فلا يفسده إن مسّه؛ وإن حسّ طعمه بفيه فلا عليه حتّى يتيقّن بالدم؛ وإن تنجّس فنسي أو تعمّد أكل طعام فبقي منه في أضراسه ثمّ مضمض فإن تنجّس فبقي فيها فنجس إن لم يجر عليه الماء عند غسل الفم؛ فإن أكل ثمّ تنجّس فمضمضه فهو طاهر.
ومن تسوّك أو خلّل، وفوه نجس من غير ذاتي وغسله ثمّ وجد بعض السواك أو الخلال لاصقا بين جلد وضروس، فإن كان الماء يبلغ إليه فقد طهر، فإن كانت في محلّ الضرس خبية فأكل عارض النجس فأخرجه وبقي بعضه، فإذا خضخض الماء في فيه طهر إن دخل محلّ النجس.
أبو سعيد: من تنجّس فوه فبزق حتّى صفى الريق فله بلعه ولو صائما. واختلف في الفمّ، فقيل: لا يطهر بذلك، وإن مسّ ريقه بدنه أو ثوبه أفسده ولو فقد الماء إذ لا يطهر إلاّ به، وقيل: قد طهر بذلك إن فقده، فإذا وجده لزمه غسله، وقيل: قد طهر به ولو وجد ماء، (53) وقيل: لابدّ أن يمضمض بالريق ثلاثا بعد خروجه صافيا، وزوال عينه، وقيل: مرّة، لأنَّه كالماء ولو وُجد، وقيل: إنّما يطهر بذلك على الأقوال الدم لا غيره، لأنَّه كالماء فيه، أو هو في الماء. ومن تقيّأ ولو قليلا أفسد الفم والريق؛ وكذا غير القيء فيه، وإذا ثبت هذا فيهما لم يبعد ــ قيل ــ في الأنف والمخاط إذ هما سواء، (1/346)
صفحة 337
وقيل: الريق يطهِّر الفم من كلّ نجس فيه، لأنَّه كالماء، ولا يبعد أيضا في المخاط، وقيل: يطهِّر كلّ نجس، وإن في غير الفم إن زال العين، وكذا المخاط، وقيل: كلّ ما أزاله ولو دهنا أو خلاّ، فهو مطهّره؛ وكذا الدمع في العين بعد العرك، واختير إجزاء كلّ ذلك عند فقد الماء، ويُعاد الغسل به إن وجد وأمكن.
ومن اكتحل بكحل نجس فغسله وبقي سواده لم يضره، وكذا من غسل شيئا من بدنه وبقي أثره فلا عليه. ومن فاض من جشائه إلى فيه ولم يغيّر بزاقه، فقيل: طاهر لا يفسد ما طار به حتّى يغلبه النجس، وقيل: فاسد وإن لم يغلبه النجس. من ابتلي فله أن يأخذ بالرخص. وقد رخّص [153] بشير لمن بفيه دم فبزق حتّى ذهب أن لا يلزمه غسل، وقيل: يلزمه. قال: وكذا كلّ نجس أُزيل بريق حتّى بلغ الأرض فقد طهر هو والشفتان. وظاهر الفم لابدّ من غسله.
أبو الحواري: إن أحسّ متوضّئ دما بفيه فبزق حمرة أو صفرة لم يفسد وضوؤه إلاّ ما لاقى بزاقه إن غلب ذلك.
والزول، وقيل الزيل وهو الخارج من فم النائم طاهر، لأنَّه من مواد الفم.
ولبن المرأة طاهر على كلّ حال.
فصل
الموحّد غير الأقلف البالغ طاهر. أبو الحواري: من صافحه فاسق وبه عرف مسكر وعرقت يده أو طار من فيه بزاق، فلا يضره إلاّ إن علم أنَّه شرب حراما ولم يشرب عليه ماء أو لم يغسل فاه أو مسّه بيده.
وإن سقط جلدٌ ميّت من بدن الإنسان فهو طاهر، لا يفسد ما مسّه. والحيّ نجس كلحمه، وكذا ظفر ميّت كشعر ونجس ما اتّصل منهما باللحم، وما زايل بدنه من جلد ميّت أو قشر من قرح بلا إيلام لا ينقض، وإن أولم نزعه أو أتبعه رطب (1/347)
صفحة 338
نقض، وإن اختلط بدم قيح، فالحكم للأغلب. وإن خرج القيح أو البيس من مجرى بول أو غائط فنجس وشعره وظفره إن لم يلحق بهما حيّ طاهران.
ابن أحمد: إن نُتف شعر من أنف أو إبط وخرجت منه رطوبة غير الدم اختير طهارته، وقيل: لا وإن توسّطت بزاقًا (54) علقةُ دم أفسدته. أبو سعيد: إن كان البزاق أو المخاط أكثر منها ولا تفضي إلى ظاهر طهر كلّ ذلك وإن أفضت إليه أفسدته، وطهر ما خالطها من الريق لجمودها.
وإن عقدت سرّة المولود حتّى تقع أو تقصّ فهي طاهرة، لأنَّها ميّتة من حيّ. وفسدت (55) إن قصّت من حينه رطبة؛ ولا بأس بخدش ونحوه إذا يبس فقصّ.
أبو الحسن: من طعن برمح أو غيره فأخرج، ولم ير به دم ولو اتبعه فهو طاهر.
ابن محبوب: من مسّ صبيا يمسّه بوله إذا بال ولا يتّقي القذر، أو مسّه هو رطبا أو ماء، وتوضّأ منه أو ثوبه لم يضر حتّى يعلم أنّ ما لاقاه منه نجس في حينه.
أبو سعيد: إن قلح (56) أو دسع ورضع أمّه فوق ثلاث مصّات لبنا أو ماء، فقيل بطهارة فمه ونجاسة ثديها، لإمكان غسله.
وإن رأيت بدابّة أو صبيّ نجسا ثمّ غاب ولو يوما حتّى ذهب طهرت إن يبس موضعه، وأمّا الصبي فحتّى يغسل منه ويتّقي من المكلّف ثلاثة أيام إن رئيَ فيه، (57) ثمّ لابأس به، وقيل: إن غاب قدر ما يغسله ثمّ لم ير فيه، فهو طاهر حتّى يعلم بقاؤه، وقيل: نجس حتّى تصحّ طهارته. والخارج من الرحم نجس، وكذا رطوبات الصبي حين يولد، ولا يطهر ولو يبس حتّى يغسل، لأنّ البشر ليس كالدوابّ.
ومن جرح ليلا وتألّم به، ولا يعلم أخرج منه دم أم لا؟ فلينظره إن أمكنه، وإلاّ صلّى ولا عليه حتّى يعلم به. وعن منير إذا غسل الجرح أو الحجامة ثمّ خرج منه دم فليس بمفسد. قال: ولا نعلم أنّ غيره قال به؛ والمختار أنَّه فاسد إن كان خالصا لا صفرة ولا حمرة. ومن برجله عقر فغسله ثمّ صلّى ثمّ رأى دما خارجا منه فشكّ أنَّه كان ورجله رطبة، فإن احتمل أنَّه كان بعد صلاته ويجفّ إلى الوقت الذي رآه، لم (1/348)
صفحة 339
يحكم بنجاسته حتّى يعلم ذلك، وإن احتمل خروجه بعد خلع نعليه [154] لا صلاته، فقيل: تفسد لا نعليه.
فصل
أبو سعيد: من زخى عليه تراب من كنيف فغسل ونسي موضعا من بدنه لم يجرّ عليه يده فلبس ثوبه وقد أجرا عليه الماء أكثر منه، فإن كانت له حركة كالعرك في تواترها عليه قدر ثلاث عركات أجزاه، فإن يبس بدنه وبقي ذلك الموضع أغبر فإن ثبت له حكم الطهارة لم تضره الغبرة، وإن أجراها عليه بعد يبس بدنه أو حال رطوبته فتحوّل في يده من المحلّ طين كالسماد أو على لونه بعد أن أجرى عليه الماء، فإن جرى عليه حكم الطهارة، وقام النجس لا من الدوات بالغبرة، وكانت أكثر من السماد ولم يبن فيها عين النجس، فهو طاهر، وإن اشتبه عليه أقام جري الماء مقام الغسل أم لا؛ فإن صحّ النجس فهو أولى به إن اشتبه الطهر حتّى يصحّ.
ومن نجست يداه إلى الإبط ثمّ غسلهما إلى المرفقين ونكسهما ومشى أو قام، فالسائل على كفّيه من حيث بلغ غسله إليهما طاهرا.
ومن ببدنه عقر رطب فناله تراب السماد فعلقه به فغسله ولم يخرج فخاف أن يدمي إن عركه ويؤلمه، فإن بلغ الغسل محلّ التراب وأزال النجس العارض له فقد طهر. أبو سعيد: من عفر زرعا بسماد ثمّ نفض يده وثوبه فبقيت غبرة التراب، فإذا لم يبق عين النجس ولا الزوك فيهما، فلا غسل عليه، وإن وجد ذلك خيف نجسه إن نجس التراب. ومن أخرج سمادا من كنيف فزخى منه تراب على محلّ الريح والشمس فضرَبَتاه ثلاثا أو أكثر، فإن كان الزخو من نجس أو ما غلب عليه فقد طهر إن زال عينه، وإن تغيّر الزخو، وغلبه العين فهو نجس، وإلاّ فكالتراب وغيره. وقيل: زخو الكنيف وترابه نجس، واختير أنّ الكنيف وغيره سواء إن كان طاهرا في الأصل فطاهر حتّى يعلم بعروض النجس له ولو تغيّر حتّى يعلم أنَّه منه. (1/349)
صفحة 340
ومن أصابه غبار نجس فلينفضه إن لم يعرق ثمّ لا عليه؛ وإن عرق ولصق به غسله. وإن دخل في منخريه غبار السماد فنسي أن يتمخّط ويدخل إصبعه بهما ثمّ تمخّط فخرج المخاط متغيّرا منه، فإن لم يغسل محلّ النجس وقد قدر على غسله فنجس، وإن استنشق وبالغ فيه بحركة الماء بقدر ما تقوم مقام غسله ولم يكن النجس من الذوات أجزاه، وقيل: لا، حتّى يزول عينه العارض، وقيل: كلّ ما لم تكن له عين أو ذات تبقى، فغسل مرّة بعرك أو مضمضة أو نحوها صحّ غسله وطهارته.
واختُلف في التطهير قبل الوقت، فأوجبه قوم، ولم يوجبه الآخرون إلاّ عنده. (1/350)
صفحة 341
الباب التاسع
في الدم وأحكامه وبيان أقسامه
فإنّ للرجل واحدا، وللمرأة أربعة: دم حيض، واستحاضة، ونفاس، ومشترك في البدن. والحيض أربعة: دم غليظ، وصفرة، وحمرة، وكدرة. وقيل الدماء ثلاثة: دم مسفوح محرّم إجماعا، وهو دم الأوداج، وقيل: دم كلّ جرح طريّ، وقيل: كلّ دم مبتدإ من بدن صحيح، وقيل: ما خرج بحديد، ولا يعلم للفرق معنى.
والمجمع عليه أنّ المسفوح من الأنعام المذكاة بذبح أو نحر وما يتبعهما ما لم يغسل مذبحها رجس وإن قلّ، [155] وكذا من الدوابّ والطير ممّا له دم أصلي. ودم الحيض والنفاس مسفوح، وقيل: لا.
واختلف أيضا فيما أتى من غير جرح ولا قطع طريّ، كالرعاف والخارج من الفم إن كان خالصا كذلك وغير المسفوح هو الخارج من جرح قديم أو شقّة قديمة، ولا يفسد في الثوب الصلاة إلاّ قدر ظفر على غير علم. واختلف أصحابنا في صفة المسفوح، فقيل: ما انتقل إن لم يظهر على فم الجرح، وقيل: ما انتقل إلى غير مكانه. وما لا يتعدّى ظهوره الجرح فليس بمسفوح ولو أملى فمه وكثر، وقيل: ما تردّد فيه، وقيل: ما يُنظر أو يُلتقط بقطنة. وقال سليمان: «شرر المسفوح لا يفسد»، وقيل: بعد موت الأشياخ يفسد وإن قلّ.
والدم المحلّل هو المروي في خبر «أُحلّ لكم ميتتان، وهما السمك والجراد، ودمان الكبد والطحال» يعني دمهما، وقيل: دم السمك ودم اللحم. أبو سعيد: لا خلاف في أنّ الميّتتين هما ما ذكر. ودم ما لا يعيش في البرّ من السمك ولا يشبه ذواته طاهر، وما أشبهها منه، فقيل: ميتته حلال إن أشبه الأنعام والصيد، لأنَّه صيد البحر، وقيل: يذكّى لأنَّه أشبه ما يذكّى، وما يشبهه الخنزير، ويسمّى به حرام ودمه تابع له، وقيل: لا وهو الأصحّ، لأنَّه صيد البحر، وحكم ما يعيش في البرّ منه على الأغلب في (1/351)
صفحة 342
معيشته. فإن كان في البحر فمن صيده، وإن كان (58) في البرّ فكصيده في التذكية والدم، وإن أشكل حاله فالأحوط التنزّه عنه في ذلك، ودم اللحم بعد غسل المذبح والمنحر طاهر حتّى قالوا: إنّ دم الأوداج من دماء اللحوم لا يفسد ولو كثر، وليس منها دم العروق، وهو ما قام في البهيمة في حياتها، وما كان دما فيها لا يتحوّل إلى الطهر بذكاتها، وإنّما يتحوّل الداخل في اللحم من غير العروق. وكذا دم الرئة والفؤاد ــ قيل ــ فاسد، لأنَّه دم على انفراده.
الربيع: لا بأس بدم اللحم، ولا يُعاد منه الوضوء بعد غسل المذبح والأوداج. وإذا ناول أبو عبيدة لحما مسح يده وصلّى. أبو زيّاد: نحبّ ذلك إلاّ دم الأوداج، والمذبح والعروق فإنّه ناقض.
فصل
ليس بمسفوح ولا طاهر ما خرج من جرح قديم ونحوه. فالمسفوح مفسد وإن قلّ أو مع نسيان وغيره مثله في ذلك إلاّ في الصلاة على غير علم به كما مرّ، فإنّه يفسدها إلاّ إن كان قدر ظفر إبهام اليد أو الدينار في بدن أو ثوب؛ وأقلّ منه لا ينقض فيه. وفي البدن خلاف إذا لم يعلم به إلاّ بعد الصلاة. ابن بركة: يصعب الفرق بينهما.
واختلفوا في دم الضمج والحلم والقراد، فقيل: كلّ ما يقع عليه اسمه فنجس، وما كان بصفة العلق والكبد والطحال فلا يحكمون بنجاسته.
أبو سعيد: اختلف في مجتلب في ذات روح، فقيل: طاهر، لأنَّه كالمتحوّل عن حاله ولو كان فاسدا في أصله، وقيل: فاسد، لأنَّه دم وأن تحوّل، وقيل: يفسد عند الوسع لا عند الضرورة إليه ولا بأس لا بدم البعوض، وقيل: ما لم يصر كالظفر؛ والأكثر أنَّه طاهر مطلقا. أبو مالك: إلاّ إن غلب على الثوب فلا يصلّى به، وقيل: دم البقّ والرغوث ونحوهما طاهر، لأنَّه غير مسفوح. بشير: دم البراغيث السود والضمج والحلم والقراد مفسد. أبو المؤثر: إن كان أصليًّا لا إن كان مُجتلَبا. (1/352)
صفحة 343
ويعرف دم البعوض بنثار الشرر في ثوب أو غيره؛ وقد صلّى ــ قيل ــ (59) أبو زياد بثوب فيه دم كثير، فقيل له فيه، فقال: إنّه دم البعوض. الحسن: دم الضمج نجس لا دم العقرب والعنكوبة والذباب.
ومن لقي حاملا لحما فمسّه منه دم فنجس حتّى يعلم أنَّه غُسل مذبحه. وإن باعه منه فحكمه الطهارة، لأنَّه لا يبيعه إلاّ طاهرا.
ومن صلّى بثوب ثمّ وجد فيه دما فإن أمكن حدوثه بعدها غسله، ولا يبدّلها. أبو سعيد: إن وجد فيه، أو في بدنه ولا يعلمه مسفوحا أو غيره، فقيل: طاهر لطهارتهما، وقيل: مفسد وإن قلّ، لأنَّه مسفوح، وقيل: نجس لا مسفوح ولا طاهر حتّى يعلم أنَّه غير ذلك، وقيل: الحكم للأغلب، فنحبّ الأوسط وهو أنَّه غير مسفوح. ابن بركة: إن رأى مصلّ بثوبه دما لا يعرفه، فإنّه يتمّها، ثمّ إن رأى فيه قدر الظفر أعاد آخر صلاة صلاّها به، وإن كان نقطة لا يدري أدم بعوضة أو غيره، فإن ظنّه من بعوضة وإلاّ غسله، وقيل: كالمسفوح مفسد وإن قلّ حتّى يعلمه غيره، وقيل: طاهر حتّى يعلمه نجسا، وقيل: كالمسفوح، ولا يحكم بأنَّه مسفوح فهو كالشائع. (1/353)
صفحة 344
الباب العاشر
في الميتة والخنزير والجلود والضفدع والغيْلَم
وصغار الذباب
فالخنزير رجس بجميعه. أبو سعيد: اختلف في الانتفاع بشعره كشعر الميتة لثبوت التحريم في لحمه، وليس الشعر منه بل هو على الجلد، وإهابه كإهابها، وشعره كشعرها؛ وإهابها طاهر في الأصل فيكون إهابه وإهاب القرد كذلك إذ لم يأت نصّ عليه، فلا بعد في استوائه بجلدها. وجلود السباع إن دُبغت ــ قيل ــ أهون من جلودهما، فإذا ثبت أنّ الدباغ طهارة لجلدهما فجلود السباع أولى ولو ثبت النهي عن أكلها.
ومن أراد أن يستعمل جلد ميتة فليدبغه له غيره، ولا بأس بنفسه، ولا يطهر به جلد الكلب، لأنَّه نجس بالذات؛ وعندي أنّ الخنزير أولى. وكره عبد الله جلد الأسد والنمر أن يُلبس أو تُكسى به السروج؛ وأمر رجلا أن يخرج جلد نمر من علا سرجه.
أبو سعيد: يمنع من الميتة (60) شعر وصوف ووَبَرٌ وقرن وظلف وعظم وسنّ، لأنَّها ميتة بما فيها، وقيل: لا بأس بانتفاع بها إن ذهب منها الودك واللحم. وبعض أجاز الشعر والصوف إذا جُزَّا، وقيل: إذا لم يلصق بهما جلد ولا رطوبة وغسلا، وكذا الريش. وحكم العظم إذا وجد حيث توجدُ الذكاةُ الطهارةُ حتّى يعلم أنَّه من غيرها، وإن وُجد حيث لا ذكاة فميتة حتّى يعلم أنَّه (61) غيرها. وفي سنّ الفيل وعظمه قولان.
وجاز ــ قيل ــ أخذ جلد الميتة إن طرحها ربّها، ولا حجّة له فيه بعد ذلك إن طلبه إذ (62) صار بحدّ الذهاب عنه. وإن قطعت جارحة من بهيمة تتحرّك، فقيل: حيّة حتّى تموت، وقيل: ميتة. ومن قطع لحما أو شحما من حيّة فهو ميتة، وإن قطعت دابّة (1/354)
صفحة 345
تؤكل، فإن كان ما يلي الرأس أكثر من النصف وأدرك ذكاته في محلّ الذكاة، وتحرّكت بعدها أكل، وما يلي الذنب ميتة.
فصل
أجمعوا على أنّ كلّ ما لا دم له من الخشاخش كعقرب وذباب لا يفسد ما وقع فيه ولو ميّتا. وأنّ موت السمك في الماء لا يفسده، وكذا كلّ ما يعيش فيه. وأنّ كلّ ذي روح من غير ذوات الدماء الأصلية إذا لم يجتلبها طاهر ولو ميّتا، وأنّ ما خرج منه من بول أو بعر أو من فم أو سؤر تابع له، وما لا دم له أصلّي فاجتلبه ميتة، وأحكامه كذوات الدماء الأصليّة في سؤرها، وخارج منها، فإذا ثبت فساد ميتة مثل [157] هذا لم نر أن تلحقه أحكام الدوابّ التي تفسد ميتتها لمعيشته من الدم النجس، فإذا لم يثبت أنَّه من غير ذوات الدماء لحقه حكمها دخل في المسترابات، وذلك كالبراغيث ونحوها، وما لا يحكم فيه بالاِجتلاب ممّا لا دم له طاهر ولو ميّتا.
ومن الأصلية الضفدع فيلحقها بعض أحكام البرِّيَّة، وبعض أحكام المائية؛ فبعض كره سؤرها إن جاءت من البرّ، لأنَّها تقذر من النجس، والأصحّ أنَّها طاهرة وبولها إن جاءت من الماء أو من قربه ولم تصل مسترابا، فكالمائيات طاهر، ولو جاءت إليه من البرّ، وقيل: فاسد مطلقا، وقيل: كبول الفأر، وقيل: الفأر أشدّ، وفي بعرها خلاف أيضًا، (63) وقيل: كبولها إن جاءت من البرّ أفسد وإلاّ فلا.
وبين الضفادع والحيّات والأماحي ونحوها فرق، لأنَّها مائية، وما دامت في الماء فما جاء منها ولو ميّتا طاهر. وإن انتقلت إلى حال تعيش في البرّ والماء لحقها الخلاف، وقيل: تفسده مطلقا، وقيل: إن غيّرت وصفا منه، وقيل: لا ولو ماتت في غيره ووقعت فيه، أو غيّرته. وإذا ثبت لها حكم ذوات البَرّ من غير أن يستراب مرعاها اختير أن لا يفسد بعرها، وهي كالأنعام وأرواثها، وإذا صارت إلى أحكام البرِّيّة أفسدت ميتتها غير الماء وأن لا تفسده إن ماتت فيه ولم يسترب مرعاها في البرّ، بخلاف الحيّات (1/355)
صفحة 346
ونحوها، فأصلها برِّيّة وتفسد الماء إن ماتت فيه إن عاشت في البرّ، وإن عاشت فيهما فالخلاف.
ومالم يثبت لذوات البرّ حكم بالعيش في الماء، كما ثبت له الانتقال منه إلى البرّ فعلى أصلها، واختير أنّ ميتة الحيّات ونحوها مُفسدة للماء وغيره. وأنّ الضفدع إن ماتت في خلّ أو طعام لم تفسده إلاّ إن عاشت بنجس فلو وقعت ميتتها في ماء يطبخ فيه طعام ممّا لا يخالطه وينفرد باسمه كماء الباقلاء والحمّص واللوبيا ونحوها فلا تفسده، وينجس ما فيه كما قيل في القمّلة؛ إن ماتت في ثوب أو بدن لا تفسده ولو رطبا أو رطبة، لأنَّها من ذواته، ولو كان فيهما طهارة غيرهما لأفسدتها، وقيل: كلّ ذلك نجس، لأنَّها أطعمة لا ماء، وقيل: لا يمكن أن يكون الماء طاهر، وما فيه نجس فإمّا أن يطهرا أو ينجسا.
وما انتقل عن حال الماء إلى غيره كنبيذ وخلّ ونحوهما تفسده الضفدع إن ماتت فيه، وكلّ ماء أوقد تحته نار فماتت فيه من حرّها أفسدته، وإن ماتت في الماء ثمّ أُغلي عليها، وهي فيه بعد موتها، فقيل: لا فرق، ماتت فيه بها أو بحرّه بلا نار، كان عذبا أو مالحا، إلاّ إن كانت لا تعيش بماء البحر، وقيل: إن خالف (64) ما تعيش به (65) بحر أو ملوحة كان من أصله أو حادثا فهو كغيره من اللبن والخلّ والنبيذ ونحوها، وتفسده؛ واختير هذا لمخالفة الذوات التي تعيش به وفيه، (66) والذي يقتلها، ومن طبعها النفور عنه، وتهلك إن وقعت فيه وتفسده.
فصل
الغيلم وهو الذكر من السلاحف، يلحقه حكم ذوات البرّ، وهي من ذوات الأصليّ، وميّتها مُفسد ما لم تُذكّ إلاّ أنَّها كالضفادع في ميتها في كلّ شيء إلاّ في الماء، فإن لم تعش في العذب كما في البرّ والبحر فتفسده إن ماتت فيه إذ ليست من (1/356)
صفحة 347
دوابّه، وكذا ما كالغيلم من دوابّ البحر، وقيل: دمه مفسد كالبرِّيَّات، وقيل: لا لأنَّه كصيده، فلا أقلّ من أن يفسد دم مذبحه؛ وفيما سواه خلاف.
وما لا يعيش في البرّ ولو أشبه الكلب والخنزير والقرد والسباع لا يحرم لما قيل: إنّ لكلّ دابّة في البرّ مثلها في البحر، وتسمّى باسمها، فلا ذكاة ولا إفساد في دم أو غيره [158] إلاّ ما قيل في مسفوح من السمك؛ والأكثر أنّ كلّ ذلك طاهر، وقيل: إنّ قردة البحر وخنازيره وما كمحرّمات البرّ محرّمة بالشبه.
وطير الماء العائش في البرّ والعذب فكطير البرّ في التحريم على المحرّم وفي الجزاء في قتله، وفساد ميّته إلاّ موته في الماء ففيه خلاف؛ ودمه كدم البرّيّ إلاّ إن كان لا يعيش في البرّ فهو كصيد الماء في الدم وغيره. وكلّ ما يعيش فيه وفي البحر أو (67) العذب فأشبه محرّما أو مكروها من البرّيّة فلا يخرج من الشبهة وثبوت التحريم أو التحليل أو الكراهية، وميّته ودمه حرام إلاّ إن مات في الماء ففيه خلاف كالضفدع والغيلم ونحوهما.
فصل
أبو سعيد: في الضفدع والأماحي والحيّات، وما خرج من حال النواهش من السباع والنواسر أنّ بعره وبوله كبول الحيّات والأماحي فيها خلاف، وإنّما كرهوا سؤر الحيّة خوفا من ضرّها.
وإن لدغت ــ قيل ــ متوضّئا فسد وضوءه، وقيل: يغسل محلّ لدغة الغول، لأنَّه قرضه نجس، فإن لم يغسله حتّى انفجر الجرح أجرى الماء حوله. وقرض الأماحي والأجدل نجس. وفي قرض الفأر خلاف والقمّلة وما خرج منها كالإنسان وما خرج منه، لأنَّها تعيش به، ولأنّ دمها غير مجتلب، وهي نجسة عندنا وعند غيرنا، إلاّ أنّ مخالفينا قالوا نجاستها قليلة لا حكم لها. (1/357)
صفحة 348
وإن ماتت في طعام رطب أو في ماء أفسدته؛ وإن مسّها حيّةً متطهّر ولا خرج منها بلل فلا عليه، وقيل: تدرق حين تؤخذ بيد، ولا تفسد صلاة من أمسكها، ولا وضوءه، وإن رءاها في ثوبه أو بدنه مصلٍّ فلا عليه إن لم يأخذها بيده، وإن قتلها بها أو قبضها وخرج منها ماء انتقض وضوؤه، إلاّ إن أمسكها ممّا يلي رأسها. وتفسد ميتتها ما وقعت فيه إن كان رطبا، وإن ماتت في ثوب أحد أو بدنه فلا يصلّي به إن علمها فيه. وإن ماتت في بئر نزح منها أربعون، (68) ولا تفسد الكثير إن ماتت فيه.
ويُصلّى بثوب فيه قمّل، ويغسل دم أو ذرق إن وُجد فيه منها. وإن ماتت فيه أُخرجت منه، وإن غسل وهي فيه حيّة لم ينجس. وإن ماتت فيه نجس ما لاقاها منه إن كانا رطبين أو أحدهما، لا إن كانا يابسين. وجاز قتلها على ظفر ويُغسل. وعندي فيه شيء خوفا من نسيانه، وكُره طرحها في المسجد. ولا تنجس نارا إن وقعت فيها إذ لا غبار لها، ولا التنّور. ويُخرج الرماد إن لم توجد. ولا تُرمى، ولا تُحرق، ورميها معصية، وقتلها طاعة. وروي: «نبذها يورث النسيان، وراميها لا يكفى همّا».
ابن علي: تخرج من ذنبها مفسدا إن أُمْسِكَتْ منه. وفي إعادة مصلّ بها ميّتة في ثوبه أو بدنه قولان. وإن ماتت في ماء فهو طاهر إن حمل قدرها من نجس، وإن ضعف عن حملها لقلّته بولغ في إخراجها، فإن خرجت وإلاّ قلع الطين من البئر حتّى تطيب النفس بخروجها معه. وإن لم تخرج في الماء سدّوا العيون حتّى تستمسك، وقيل: لا تفسد ثوبا أو (69) بدنا إن ماتت فيه، ولو رطبين لأنَّها من ذاته.
ومن يأخذ بيده قمّلا في أكثر نهاره ولم يبصر أنَّه غسلها، فإن احتمل أن لا يمسّها منها نجس فهي طاهرة حتّى [159] يعلم نجسها.
أبو سعيد: الصوب من هوامّ الأنسان طاهر، وإن ميّتا، لأنَّه ليس من ذوات الدم.
ومن أخذ بيده قمّلة ثمّ مسّ بها خلاّ أو نحوه قبل أن يغسلها فطاهر حتّى يعلم أنَّه مسّ منها رطوبة. ابن بركة: يُكره أن يجعل قمّل على حصى فتقتل بها لانتفاع الناس بها. (1/358)
صفحة 349
الباب الحادي عشر
في السباع والفأر والطير ونحوها
ابن بركة: سؤر السباع ولحومها عند أبي عبيدة ومالك حلال، وكره أهل عمان أكل لحومها، ولم يخطِّئوا من أكلها. قال: وعندي أنَّها حرام وسؤرها نجس إلاّ الهرّ، وقيل: إلاّ المكلّب أيضا لا يفسد هو ولا سؤره ولو رطبا، وقيل: وغيره من الكلاب سواء في الأحكام، لما روي: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا» كما مرّ، ولم يميّز ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ المكلّب من غيره. وفي رواية: ثمان مرّات، وقيل: خمسا، وقيل: ثلاثا، وقيل: يُغسل كغيره.
وإن مسّ كلب إناء لا ماء فيه تنجّس وحده. وإن مسّ ثوبا وأحدهما رطب أو بلعابه أو مخاطه أفسده. وروثه ناقض إن رطب إلى أن يبس ولو رطبت رجل المتوضّئ إن وطئه، وينجس الطين الرطب إن وطئه. وشعره نجس مطلقا، واختير طاهر إن بان عنه وغسل (70).
والضبع ــ قيل ــ صيد، وقيل: سبع؛ ولا يتوضّأ من سؤره.
أبو الحسن: ترك (71) ألبان السباع أحبّ إليّ، وفي ألبان ما لا يؤكل (72) من البهائم خلاف. وفي العاج قولان.
ابن المسبِّح: سؤر السباع لا يفسد ولها ما حملت بأفواهها إلاّ الذئب، فإنّه مفسد كالكلب.
وحاصله أنّ الدوابّ ثلاث:
* صنف محرّم بالأصول كما مرّ بكلّه، كالخنزير والقرد وجلد الكلب بالإجماع، وكلّ ذي ناب أو مخلب بالسنّة. (1/359)
صفحة 350
* وصنف محلّل بالتذكية وهو الأنعام والصيود والطير فهذا حلال لحمه وطاهر سؤره وأعراقه والخارج من أفواهه ومناخره سوى دمه وبوله وفيه خلاف، والأكثر على الطهر إلاّ الجلال منه.
* وصنف كالخيل والبغال والحمير فيه خلاف.
وعن الربيع وابن عليٍّ أنّ سؤر الجمل والفرس والحمار والشاة طاهر إلاّ الجلال؛ وكذا البغل. ولا يفسد عرق ما صين منها، والأكثر أنَّه طاهر إلاّ إن رُئي عليها نجس. والحمار محتاج إلى الحبس والصيانة. ابن المسبح: إلاّ عرق الجمل حين يضرب بذنبه؛ والحمار إن لم يصن عن تمرّغ في بوله. وقيل: الخيل والبغال والبقر والشاء مثله. وسؤر الفيل وروثه طاهر، ولحمه حلال، وكرهه بعض. وقيء ما لا يجترّ ولا كرش له من الدوابّ طاهر على المختار. واختلف في سلح الإبل إذا لاقى أذنابها وطار منها وفي قيئها، فرخّص فيه بعض، وشدّد بعض. ومن طار إليه شيء منه ولم يعلم أنَّها ضربت بأذنابها (73) فلا عليه حتّى يعلمه.
وزبد الجمل الهائج ليس بنجس إلاّ إن مسّ نجسا كبول، وقيل: سلح الإناث مفسد لمروره على مبالها؛ والصحيح عند الأكثر طهارته. ولا بأس بدبرة جمل أو حمار ولو رطبة، ولا بحبل يربط به ما لم يعلم أنَّه مسّه نجس.
فصل
الجلالة ما تعيش بنجس لا تخلطه بغيره، وهي خارجة عن جنسها في مبايعتها، وأكل لحمها ولبنها، والاِنتفاع به، وسؤرها وعرقها وأرواثها، وما يخرج [160] منها إلى المحرّمات، كالقرد ونحوه. وقد نهى ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ عن ركوبها والحجّ عليها، وبيعها وهبتها إلاّ بإعلام أنَّها جلالة. واختلف فيها إن كانت من الأنعام وخلطت، وإن قليل نجس فقد فسد لحمها حتّى تُحبس قدر ما ينقضي منها، فقيل: الشاة ثلاثة أيام، والإبل والبقر سبعة، وقيل: عشرة، والبقرة من عشرين إلى شهر، (1/360)
صفحة 351
وقيل: أربعين والجمل أربعين أيضا، وقيل: تُذبح وإن بلا حبس، (74) ويُلقى ما في بطنها وتؤكل، وقيل: الكرش فقط؛ وكاللحم قيل الذرّ، وقيل: لا بأس به. ونتاج الدابّة مثلها في أكله والانتفاع به، وفي حبسه. وإن حبست أمّه مدّة ثمّ نتجته حبس إلى أن يتمّها. وقيل: لو أنّ خنزيرا أنتج (75) عناقا أو غيره من أشباه المحلّلات لكان حلالا أكله؛ ويحبس كالجلالة.
ولو ولدت شاة خنزيرا أو قردا أو نحوهما لكان حراما.
فصل
الربيع: حزق ما لا يؤكل من الطير نجس، وما يؤكل طاهر. والأوّل كلّ ذي مخلب، كنسر ورخم وغراب. ولم ير ابن محبوب بأسا بذرق الغراب والرخم، والأكثر أنّ سؤر الغراب لا بأس به إلاّ إن رئي بمنقاره قذر. وقيل: إنّه والرخم والنسر مفسد حزقها مكروه لحمها؛ واختير أنّ سؤر الغراب وذرقه نجس، والطير المفسد لا يفسد بيضه إلاّ إن كان به دم.
ابن بركة: لا بأس بذرق الوحشيّ وسؤره للإجماع على أنّ ما يرد البيوت والمساجد، ويسكن فيها كالصفصوف وغيره لا يتّقى ذرقه ولا يُغسل. وسؤر الأهلي كالدجاج والحقم نجس كذرقه. أبو الحواري: ذرق الأهلي طاهر كبيضه أبو الحسن: إنّه نجس.
وذرق الحمام الوحشيّ لا (76) يفسد إلاّ حمام مكّة، فإنّه مفسد ولو وحشيا، لأنَّه يرعى الكنيف، وقيل: لا بأس به.
أبو المؤثر: حزق النعام الأهلي أهون من خبث السباع، ولا بأس بخبث الوحشي منه، ولا بما في بطون العصافير ما لم يكن بها فرث. وما في بطون الأرانب مفسد، ولا بأس ــ قيل ــ ببعر الضبّ. وخبث الثعلب مفسد. وبول العقاب لا يفسد كبعره. وقيل: كلّ ما يفسد حزقه من الطير يفسد بوله، وما لا فلا، وقيل: يفسد. (1/361)
صفحة 352
أبو سعيد: الطير البرّي الأصليّ الدم كلّه سوى السنّور والنواهش يشبه الأنعام في كلٍّ حكم؛ والأكثر أنّ البيض طاهر.
الربيع: إن أرسلت الدجاجة وتأكل (77) الخبث فلا تؤكل هي ولا بيضها. أبو سعيد: هي كالشاة إن خلطت. والريش إن قُطع من أعلاه طاهر، لا إن قطع من أصله. والحمام الأهلي إن رعي مرعى الدجاج في الخبث، فقيل: حزقه نجس ولو طاهرا في الأصل ما لم يثبت جلالا، فإذا خلط كان في لحمه وسؤره ورطوبته وبيضه كالأنعام.
وحزق الأجدل والعقاب وسؤرهما طاهر، إذ ليسا من ذوات المخالب ولا المناقير؛ وقيل: هما كالفأر وقد مرّ أنّ في بعره وسؤره قولان، وهما إلى الطهارة أقرب، لأنّ غذاءهما طاهر. وقيل: لا حكم للمرعى، وكلّ ما حكمه الطهارة طاهر، وبالعكس.
ولو أنّ سبُعا حبس وأكل طاهرا صرفا لكان محرّما نجسا، فالمرعى لا يحوّل الحكم.
فصل
ابن علي: من مسّ ما في الكرش وهي محلّ الفرث انتقض وضوءه، لا إن مسّ ما في الأمعاء؛ والمختار أنّ ما في الكرش لا يفسد ــ قيل ــ ونجاسته أحوط. ولا بأس بما في المصارين [161] والأمعاء وغيرهما. ومن نجّس الفرث احتجّ بقوله تعالى: {مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا} (سورة النحل: 66) وقرنه بالدم، ولا يخفى ضعفه إذ ربّما يدلّ على طهارته إذ هما متضادّان كما لا يخفى.
ولا بأس بالأنفجة ــ قيل ــ ما لم تصل كرشا.
ومبال التيس إن انقطع، وبقي بعضه في اللحم فالقضيب طاهر. والمبالة الجامعة للبول نجسة حتّى تغسل، وقيل: يُرمى بها. أبو المؤثر: لا بأس أن تُطعم دابّة. (1/362)
صفحة 353
وإن شويت شاة ولم تخرج مثانتها، فإن انخرقت في اللحم غُسل، ثمّ يؤكل وإلاّ لم تضره، والأكثر أنّ سؤر الهرّة طاهر للخبر المشهور، وقيل: كالكلب، ولا فرق بين مخطها وفمها وجسدها، ولا يفسد منها إلاّ بولها وطرحها، ولا بأس بسؤرها إلاّ إن كان بفيها قذر؛ وبعض كره إن أفسد ما له قيمة أو إليه حاجة، فيجوز الأخذ بالرخص خوف ضياع المال. ابن علي: إن شرب السنّور من صبغ صُبِغ به، وأُريق الماء من سؤره. أبو إبراهيم: إن عطس وخرجت (78) من أنفه رطوبة أعجبه أن تفسد.
فصل
قيل: بعر الفأر وسؤره كالسنّور. ابن محبوب: بوله مفسد لا بعره. هاشم: بعره لا يفسد السمن، إلاّ إن غيّر طعمه وكان قدره، وإن غلب عليه اختار تركه. أبو عبد الله: إن ولغ في ذائب أفسده، وقيل: إن كان عشرا فأكثر، وقيل: يفسد إن تكسّر، لا إن كان شادا، وقيل: لا يضيق في الدهن. وقيل: إن وقع فيما لا تسمح به النفوس فلا يُترك؛ وإن وقع فيما تسخو به تُرك، وقيل: طاهر عند الضرورة، نجس عند المكنة، وقيل: إن كان رطبا وبضدّه، وقيل: إن كان نصف ما وقع فيه أفسده لا إن كان أقلّ منه، وقيل: إن كان أكثر منه، وإن وُجد مطبوخا في أرز _أكل، وقيل: يُكره. ولا بأس ــ قيل ــ به إن طُبخ فيه أو في غيره. أبو الحواري: لا يفسد ولو رطبا.
ابن محبوب: إن وقعت فأرة في مائع وأُخرجت منه حيّة فلا نحرّمه ولو قذرة. وعنه: إن وقع بعرها في لبن فلا يشرب؛ والأكثر أنّ بولها لا يفسد، (79) وقرضها كسؤره. وإن وُجد بثوب قروض ولم يدر أمنها أم غيرها صُلّي به حتّى تعلم منها فتُغسل، وقيل: لا بأس بها.
محمّد بن أحمد: لا بأس بسمن إن جعل في إهاب ضبّ أو ورل، ولا بسؤر أرنب وبعره. (1/363)
صفحة 354
الباب الثاني عشر
في المشركين والمرتدّين وأهل الكتاب وأحكام نجاستهم
أبو عبد الله: اختُلف في تسمية المشركين نجسا، فقيل: معناه الذمّ لهم، كما سمّاهم قردة وخنازير، وقيل: لملامستهم الأنجاس، وقلّة توقّيهم لها. وقال أصحابنا: إنّهم (80) أنجاس في أنفسهم، إذ لم يطهّرهم الإسلام. فمن أسلم لزمه أن يتطهّر.
واختلف في رطوبة أهل الكتاب، فقيل: نجسه، وقيل: طاهرة، و {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ} (سورة التوبة: 28) نزل في مشرك (81) العرب؛ وقد خصّهم الله بتحليل طعامهم ولو رطبا، وإنّ عمر توضّأ من جرّة نصرانية، ولم يصحّ عند بعض، وتأوّل الطعام بالذبائح؛ وبه قال ابن محبوب. ويجب اجتناب ما عداها. ولو غسلوا أيديهم، فقيل: طاهرة ما لم تعرق، وقيل: ما لم تنشف. ونُقل عن ابن الوضّاح أنَّه أكل مع مجوسي في وعاء.
وقيل: [162] لا يُصلّى بما يُشرى من ثيابهم إلاّ ما قمّطه الغسّال. وأجازها محبوب بثوب غسله مجوسي. ولا بأس إن باعوها مقموطة. ولا يُصلّى بما نشر. وقيل: إن نشر ذمّيّ ثوب مسلم أو طواه فلا يصلّي به إن غاب عنه عند أبي عبدالله. ومن أجاز رطوباتهم أجاز شراء الدواء منهم، وبالعكس.
ولا بأس بآنيتهم إذا غُسلت، ولا بأكل ما لا تصل إليه أيديهم من طعامهم عند ابن محبوب، ولا بأدهان يليها المشركون إذا لم يعلم مسّها بأيديهم، لأنَّها تُحمل من بلاد الإسلام عند ابن بركة. والتنزّه عن شراء معمول بها أحوط إن لم يعلم مسّها، ولا بشراء الجرب المكنوزة من التمر من اليهود إذا لم يعلم أيضا.
وإن كسّر يهودي جراب مسلم أفسده. (1/364)
صفحة 355
واختُلف فيما صاغه مشرك أو كتابي مجوّفا ويمسّه برطوبته ولو حشاه، فقيل: طاهر، لأنّ النار إذا نشّفته طهّرته، ويُصلّى به، وقيل: لا، إلاّ إن غُسل، ولا يكفي باطنه غسل ظاهره؛ فإن كان به منفذ يدخل منه الماء يطهر إن خضخض ثلاثا أو أكثر، ولم يبق فيه نجس ذاتي، وقيل: إن كان متغطّيا لا يمسّ ثوبا ولا بدنا، فلا بأس به قياسا على البيض إذا غسل ظاهره وحمل وفيه أفراخ، فإنّه لا بأس به. وأجاز أبو عبد الله خياطة كتابي إن لم يبل الخيط بريقه، وكذا الغسّال؛ وكرهه ابن محبوب، وقال: ماؤهم كدهنهم، وقيل: ليس المجوسي مثله، وقيل: إن غسل يديه وعجن لمسلم عجينا، أو صنع له طعاما بحضرته لا بأس به.
ويستحبّ لمن دناه أن يلثّم فاه حذرا من بزاقه.
وإن حمل مجوسي لمسلم لحما فتوارى به عنه فلا يأكله، وقيل: لا بأس بما حملوه، أو كان عندهم من الفاكهة اليابسة، ولا بما باعه ــ قيل ــ أهل الذمّة من دهن إن ختم عليه لا ما مسّوه.
وأجازوا صبغهم، واختُلف في تطهيره، فقيل: إذا طهر النجس، وقيل: إذا انقطع الصبغ.
وإن استقى ذمّي بدلوه من بئر أو مسّ ماءها بيده أو بها، ثمّ رجع ما مسّه فيها أفسده حتّى تُنزح إن لم تكن بحرا، وقيل: من أراد أن يستقي منها فلا يمسّ ماءها، وإن بدلوه، ويستقي له موحّد، ويصبّ له إلاّ إن كان في سفر أو حيث لا يجده، فلا يُمنع من الماء.
وإن مسّ موحّد ثوب ذمّي ويده رطبة أعاد وضوءه، وغسلها. وإن أعطاه خاتما كان يلبسه، فليصلّ به بعد غسله؛ وكذا ثوبه، ولا يصدّق إن قال لم يلبسهما بعد غسل. (1/365)
صفحة 356
فصل
لزم مرتدًّا (82) وإن بنية أو طرفة عين إن رجع أن يغسل جسده كغيره من المشركين. وإن ارتدّ في نفسه، فقيل: عليه الغسل والوضوء، وقيل: الوضوء فقط. وإن ارتدّ متوضّئ أو متصعّد أبدل عند الرجوع.
ابن بركة: اختلف في مشرك إذا أسلم، فقيل: يؤمر بالغسل ندبا، وقيل: لا يلزمه إلاّ إن كان به نجس (83) يعلمه. واختار وجوبه عليه، وهو المذهب، لأنّ الارتداد حدث ناقض للطهر. وإن عقد نكاح مسلمة أو تزوّجها بطل إن ارتدّ. وإن حوّل مشرك محرّما كخمر أو خنزير ببيع إلى محلّل، ثمّ أسلم جاز له أن يمسكه، لا إن قام عينه.
أبو الحسن: من تكلّم بما يشرك به ولم يرد به ردّة، ومن حاله إذا علم بخطائه تاب ورجع إلى الحقّ، فلا عليه في زوجته إن كانت له، ولا يلزمه [163]ــ قيل ــ غسل، وقيل: لا يسعه جهل ارتكاب ما جهل من الشرك، وحرمت عليه زوجته في حينه إن كان ذاكرا لما كان منه؛ وإن كان منه خطئا ثمّ نسيه، وتاب في الجملة، ولم يدِن بذلك، ولم يتعمّد ففيه قولان.
وإن ارتدّ الصائم بعد أن أصبح صائما اختير أن لا يفسد ماضٍ منه ولا يومه، لأنَّه (85) كناوٍ فطرا بعد صبح ولم يكن منه ناقض لصومه إلاّ النية وحدها. وإن ارتدّ ليلا ثمّ أصبح على ذلك ثمّ رجع، خيف عليه فساد يومه، وثبت ما مضى من عمله.
ابن الفضل: من أشرك باعتقاد أو بلفظ ولم يعلم وجامع زوجته، قال: أمّا بالاعتقاد فالوقف، وأمّا باللفظ بلا علم فلا تحرم؛ وبه قال ابن أحمد. ابن عثمان: من قال ما يشرك به ثمّ مسّها قبل علمه بشركه لم تحرم عليه بغلط أو سهو، وإنّما يحرّمها العمد؛ فلو كان الغلط ونحوه يحرّمها لم تسلم زوجة موحّد غير عالم بصير، ولكن الله لطيف بعباده. وحرمت على من تعمّده وإن لم يمسّها، فإن رجع قبله رجعت إليه على العقد الأوّل ما لم تتزوّج. وفي الغسل بغلط خلاف. (1/366)
صفحة 357
ومن قال في صلاته ما يشرك به خطأً أبدلها والوضوء لا الغسل.
ونجس ريق مشرك بكلام. وإن أشرك بتأويل لم تحرم رطوبته ولا زوجته. (1/367)
صفحة 358
الباب الثالث عشر
فيمن نجّس غيره أو رأى به نجسا
أبو سعيد: من رآه بأحد، فقيل: هو على حاله ولو علمه عالما به فلا يصلّي خلفه حتّى يعلم أنَّه غسله، وقيل: يجتنبه ثلاثة، وقيل: إن غاب قدر ما يغسله إن لم يره فيه بعد، وقيل: هذا في العالم بنجاسته لا من لا يعلم بها فهو على حاله إذ لم يتعبّد بغسله إلاّ إن علم به.
ومن أصاب أحدا بنجس بلا قصد، فعليه إعلامه به وإلاّ عصى، وكذا يلزمه غسل ما نجّس، وإلاّ فليعرّف به، فإن غسله ربّه استحلّه أو غرم له نقصه. ومن تعمّد تنجيس مصبوغ فعليه قيمة ذاهب منه، وكراء غاسله؛ وإن كان بخطإ فالوقف، وعندي أنّ الخطأ لا يزيل الضمان. ومن باع سمنا نجسا، فليردّ على مشتريه فضل القيمة لأنَّه (85) ينتفع به. ومن شرب نجسا بحضرتك، فإن علم به ثمّ رأيته يصلّي زال عنه حكم النجس، وإلاّ لزمك أن تعلمه به.
ومن وجد بمحلّ نجسا، ثمّ رجع إليه فلم يره فلا عليه. ومن مسّ جدار مسجد وبيده نجس رطب، ومرّ عليه زمان فوجده متغيّرا اختير له غسل المحلّ ولو لم ير به أثرا إن كان من الذوات.
وإن علمت ــ قيل ــ من وليّك أكل نجس فعلى حاله، ولا تصلّي خلفه ثلاثا احتياطا لا لزوما. ومن أخبره ثقة أنّ فلانا يشرب مسكرا لزمه أن ينجّسه في حينه إلاّ إن رءاه هو قبل؛ وغير الثقة لا يقبل إن أنكر.
ومن رأى من يمسّ رطبا فأعلمه به فلم يقبل ثمّ غاب عنه مدّة ثمّ عاود مسّه في المحلّ، فلا يحكم بطهارته ولو ثقة، وإن قام الماسّ قفا الإمام والصفّ خال من الجانبين فإن وجد من رءاه صلاة جماعة في غير ذلك المسجد صلّى فيه، وإلاّ فلا يتركها إلاّ إن قام النجس، وهو يمسّه إذا صلّى معه لاحتمال طهارته وثوبه ونعله وبدنه؛ وبينهما ــ (1/368)
صفحة 359
قيل ــ فرق، واختير أنَّه لا فرق، وإن علم به نجسا فصلّى معه بصفّه، فقيل: تامّة إذ ليس بإمام فتفسد به، ولا بماسّ لنجسه، وقيل: لا تتمّ، لأنّ من به النجس كالفرجة، فإن أخذ بالأوّل قصدًا إلى الجماعة فلا يأثم.
وإن رأى نجسا بثوب رجل أو بدنه أو [164] نعله، ثمّ غاب قدر غسله، فإن كان فيه أو في ثوبه واحتمل أنَّه يصلّي بغيرهما، أو لا يمسّهما رطبين، اُختير له أن يصلّي خلفه، ولا يدع الجماعة، وإن لم يحتمل، أو كان في بدنه، اُختير له أن لا يصلّي خلفه إن وجد أخرى، وإلاّ فلا يدعها لقيام الاحتمال؛ وليُعلم الإمام به إن لم يعلم.
ومن له أمانة رطبة عند غيره فأخبره أنَّها نجسة قُبل قوله إن كان أمينا، وإلاّ فلا يصدّقه. والثقة حجّة في مثل هذا إلاّ في تحريم المال إذ لابدّ فيه من عدلين. ومن استعار ثوبا من موحّد فأخبره أنَّه نجس فليصدّقه ولو غير ثقة. وإن أخبره بعد ما صلّى به فلا يصدّقه، إلاّ إن كان ثقة.
ابن بركة: من رأى بثوبه دما لا يعرفه، وكان يصلّي فعليه البدل، وإن صلّى به وكان قدر الظفر أعاد آخر صلاة به. (1/369)
صفحة 360
الباب الرابع عشر
في غسل الثياب والغزل والأواني ومن يُقبل قوله في ذلك
وقد وجب غسلها من نجس لقوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} (سورة المدَّثر: 4)، وجاز تطهير عارف بغسل النجس. فإذا غسل ثوب هو فيه جيّدا بلا نية جاز أن يصلّى به. ولا يصحّ غسل بأقلّ من ثلاث عركات عند زوال عينه، فإن زال وإلاّ غُسل حتّى يذهب. وإن لم يُعرف محلّه غُسل كلّه. وإن كان بثوب بلّة ماء وبلّة بول غُسلتا إن لم تتميّزا.
وإن غُسل ثوب في حلول بثلاثة أمواه طهر الثوب وغُسل الحلول بواحد إن كان مستعملا وإن كان ينشف طهر الثوب بثلاث عصرات؛ وينشّف الحلول ويجعل فيه الماء، وإن عصر ثلاثا لم ينجس ما مسّه بعد، فالخارج منه قبل العصر كالماء الذي في الحلول.
أبو سعيد: إن عُرك المنيّ في ثوب أربعين عركة ولم يزل منه كلّه، وقد تغيّر، أو بقيت حمرة دم بثوب بعد غسله، فقيل: لا يطهر ما قامت العين، ولا غاية لذلك حتّى يصير إلى حدّ الزوك الذي لا ينحلّ منه شيء، ثمّ لا بأس به، وقيل: نجس حتّى يغيَّر بطاهر، كصبغ، وقيل: إن زال الطعم والريح فقد طهر، وقيل: إذا بولغ فيه حتّى يتغيّر ولو بقي (86) الأثر. وقد أجاز ــ صلى الله عليه وسلّم ــ الصلاة مع بقائه في ثوب من سألته عنه، وقيل: إنَّه بقيّة من أجزاء النجس لا يطهر ما دام يتغيّر حتّى لا يخرج منه شيء، ولا ينتقص الأثر، ويقشَّر المنيّ اليابس، ثمّ يُغسل ويُعرك حتّى لا ينتقص أثره، ولا يضرّ زوكه بعد والأوّل والثاني من غسل منيّ بثوب نجس لا الثالث إن كان بعرك.
وإن قالت أمّ صبي به نجس: إنّها أزالته أو غيّرها قُبل قولها إن سكن القلب إليه. (1/370)
صفحة 361
أبو الحسن: من أعطى ثوبا به نجس لمن يغسله فأتى به مغسولا فلا يلزمه أن يسأله عنه إن أخبره به أوّلا، ولو غير ثقة. أبو المؤثر: سألت ابن محبوب عن غثماء تغسل ثوبا نجسا هل يُصلّى به؟ فقال لي: مرّة لا بأس به ومرّة قال إذا غسلته، ويُصبّ عليه الماء وعصره غيرها، (86) جاز أن يصلّى به إن علمت بنجسه وعرفت غسله وكيفيته، وإلاّ فحتّى يُعاد غسله.
ابن الحواري: من سلّم إلى عبد أو أمة ثوبًا ليغسله ولم يعلمه أنَّه نجس، وأتاه به وفيه أثر الغسل، فله أن يصلّي به مطلقا إن كان بالغا، وقيل: يسأله. ولا يجوز غسل صبي.
أبو سعيد: إن خيط ثوب نجس ثمّ غُسل، فإن تصله الطهارة [165] بعرك أجزاه وإلاّ فلا، وقيل: يبالغ في غسله، ولا يلزم نقض خياطته.
وإن صُبغ ثوب بنجس غُسل حتّى يصفوا الماء، ثمّ يُلبس، ولا يُصلّى به؛ وإن بيع عرّف مشتريه أنَّه لا يُصلّى به. وقيل: إن غُسل قدر زوال النجس أجزاه، ولو خرج متغيّرا بسواد أو حمرة.
وصفة غسل الثوب في الإناء أن يُصبّ عليه الماء فيه، ثمّ يُعرك، ثمّ يُكفى، ثمّ يُجدّد له آخر إلى ثالث فيطهر.
وكلّ إناء يشرب الماء إذا غُسل فيه نجس أجزاه أن يغسل من حينه بعرك وعصر، ويُنقّى النجس كلّ منها ويطهّره وإن بانفراد. (88)
فصل (89)
أبو سعيد: من أجنب ليلا فنظر ثوبه فلم ير به شيئا، فله أن يصلّي به إن لم يربه. وإن وقع فيه تنجّس ما تحته. أبو المؤثر: إن كان طاقات تنجّس الثاني لا الثالث حتّى يعلم مسّه. أبو الحواري: الثاني طاهر إن لم يعلم مسّه. ابن خالد: إلاّ إن اتّهمه به فيغسله. (1/371)
صفحة 362
أبو الحسن: إن التزق ثقب قضيبه بثوبه فإن من رطوبة ظهرت منه غُسل الموضع إن صحّت، وإلاّ فحتّى يعلم أنَّه مسّته فاسدة.
وإن وجد دم ببدن ولم يُر بثوب أثره، فإن احتمل مسّه وعدمه لم ينجس إن وُجد محركا، فإن احتمل تنقّله بغير الثوب وإلاّ غُسل ما لاقاه منه، لأنّ مدافعة اليقين تجارة المنافقين.
وإن وقع على يابس ثوب بين رطب ويبس فطاهر حتّى يعلم أنَّه أخذ من اليابس. وإن وقع على مائع فلا مخرج من أخذه منه. أبو الحواري: إن وقع على ثرى بول لو ينجس حتّى يعلم أخذه منه. وما مسّ ثوبا من الطاهرات الرطبة، ولم يعلم مسّه لمحلّ النجس بعينه، فطاهر ما مسّه، وقيل: نجس وإن كان فيما أريد غسله تعذّر دون غسل الكلّ، فما مسّه طاهر حتّى يعلم مسّه للنجس، وإن لم يعرف محلّه من الثوب وقد رطب كلّه ومسّه فقد نجس، وإن رطب بعضه حُكم بنجاسته حتّى يعلم أنّ الموضع طاهر، وقيل: طاهر حتّى يعلم نجسا.
وتُغسل خرقة يُغسل بها فرج ميت بعد طهره.
وإن صبغ غزلٌ نجسٌ بطاهر أو عكسه ثمّ عمل ثوبا، وعقد فيه النسّاج عقدا طهر إذا بولغ في غسله.
فصل
إن تنجّست أواني الطين رطبة أو بمائع، فلم يمكث فيها قدر ما يدخلها وتجذبه، غُسلت كوعاء الرصاص أو الزجاج ونحوهما ممّا لا يجذب النجس، إن كانت رطوبتها (90) تدفع عنها كدفعهما، وإن مكث فيها قدر المعتاد بالجذب والتولّج فيها صبّ فيه الماء حتّى يرتفع عن محلّ النجس، فيترك فيها قدر بلوغه مبلغ النجس فتطهر.
وغسل الطلا كالصفر والزجاج والجرار وأوعية الشراب إن تنجّست أو كانت من منجس، يوضع فيها (91) الماء حتّى يصل مداخل النجس خمس مرّات ويبالغ في (1/372)
صفحة 363
غسلها بعرك، وما لا يُدرك به خضخض بماء، وبولغ فيه أيضا ولو من صفر أو زجاج، وقيل: إن تنجّست وإن بمائع حتّى جفّت وذهب عينه منها بالريح والشمس، أو بالطول ولم يُر بها أثره لم يُحتج إلى غسل قياسا على الطين. وإن وقعت ميتة في إناء رطب ينشف وأُخرجت من حينها غُسل، وإن جفّ غُسل كغسله، وطهرت إن غسلت رطبة. وإن يبست وتولّجها النجس فحتّى تطهر ثلاثة أمواه، ويبقى كلّ فيها يوما وليلة، ثمّ يُراق ويُجدّد غيره، وقيل: ليلا ويراق نهارا، وتقام في الشمس نهارا فارغة حتّى تتمّ، وقيل: بواحد يوما وليلة، وقيل: لا حدّ في ذلك، وإنّما يُعتبر حال الإناء إذا حلّه النجس وفيه ماء أو رطوبة أو يبس، فيُصبّ فيه الماء ثمّ يُحكم بطهارته مع غلبة الظنّ [166] أنَّه بلغ مبلغه.
أبو سعيد: لا تطهر ــ قيل ــ أوعية تنشف، ولا يُنتفع بها إلاّ لغير رطب إن لم يدرك تطهيرها أو تكسّر، وقيل: يُنتفع بها بعد غسلها كغيرها، وقيل: تطهر بجعل الماء فيها قدر مكث النجس، إلاّ إن قام فيها أكثر من سبعة أيام، فالسبعة مجزية لها؛ وإن كان في الماء وقام فيها ثمّ كفي وتغيّر النجس بلا غسل، ثمّ صبّ فيها آخر قدر مقعده فيها، اُختير أن لا تطهر حتّى تغسل جيّدا، ثمّ يُجعل فيها الماء بعد جفوفها من الجيد. وقيل: إن قام النجس في الماء أقلّ من سبعة، غُسل واحدا ثمّ يجعل فيها أيضا إلى حيث بلغ النجس قدر ما وقع فيها، ثمّ يكفى، وتُغسل ثلاثا في وقت فتطهر. وإن مكث فيها سبعة فأكثر أُخرج منها ثمّ تُغسل، ثمّ يُجعل فيها الماء يومين أو ثلاثة ثمّ يكفى، وتُغسل أيضا ثمّ يُجعل فيها أيضا كذلك (92) وليلة ثمّ يكفى فتغسل.
وتسبيع الإناء أن يُغسل بثلاثة أمواه في سبعة أيام؛ واختلف في ذلك الماء، فقيل: طاهر، وقيل: نجس، وقيل: أوّله لا آخره. وفي الأوسط خلاف أيضًا (93).
وإن وقع في جرّة خضراء نبيذ وغلا، ثمّ سكن فشرب، فقيل: تسبع ويُطرح فيها الطفل والماء، والماء سبعا.
أبو الحواري: من تسوّك بيابس وبفيه دم أو غيره فليغسل ما ظهر منه فيطهر إن لم يبق فيه نجس ولو نشف من رطوبة الفم حين التسوّك إن دخل الماء مداخله، لأنَّه (1/373)
صفحة 364
ينشف من الماء كما ينشف من النجس، لأنَّه يستهلكه الماء إن لاقاه وإن تفلّق ولان. فإن اعتبر أنَّه اذا دلك بإصبع زاد بلاغا في طهارته طهر بذلك.
ومن مدّ دواة بماء أو مداد نجس أو نبيذ الجرّ، فإن كانت من خشب ينشف غسلت وجُعلت في الماء يوما وليلة حتّى يدخل مداخله، ثمّ تُغسل، وقيل: يُجعل فيها ليلا وتُجفّف بالشمس نهارا ثلاثة، ثمّ تغسل وغسلت إن كانت لا تنشف.
وإن قال صبي يعرف غسل النجس إنَّه غسله قبِل قوله، لا قول من لا يتَّقيه، كمشرك.
ومن (94) بثوبه مني أو خمر أو دم، فأتى به الغسّال وبه شبه الزوك، فلا بأس به حتّى يعلم أنَّه ينجل منه شيء بعد أن توجد فيه عينه فهو نجس حتّى تذهب، ولا بأس بالزوك ــ كما مرّ ــ حتّى يعلم منه انحلال، وكلّ فاسد فعلى فساده حتّى تعلم طهارته كعكسه.
فصل
ومن انصبّ عليه ماء لا يعرفه، فقيل: طاهر، وقيل: يسأل عنه ويقبل ما أخبر به، وقيل: لا يلزمه السؤال وإن قال له الصابّ: إنَّه نجس لم يلزمه قبول قوله. ومن أخبره ــ قيل ــ ثقة أن ماء إحدى هاتين القلّتين نجس قبل قوله، لا إن كان غير ثقة، وقيل: لا مطلقا حتّى يشهد اثنان بعين النجس.
ومن بثوبه مني ولم يقشّره، وقال لغسّال أغسله ولم يخبره به، ثمّ أتى به فقال له: إنّه كان نجسا، فسأله عنه فأنعم، فله أن يصلّي به كما مرّ، وقيل: لا، حتّى يقول له اغسله من نجس.
وإن قال نسّاج ثوب إنّه نجس، فهل يكون حجّة، لأنّ الموحّدين مأمونون عليه أو لا؟ قولان؛ وقيل: الواحد الثقة حجّة فيه، وقيل: في طهارته لا في عكسه، وقيل: لا فيهما، وقيل: لا يقبل فيما مضى من نجاسة الطاهر لبدل الصلوات كما مرّ؛ ويقبل (1/374)
صفحة 365
فيما يأتي [167] من عكسه فيما أصله طاهر، وقيل: يقشّر المني حتّى يذهب عند فقد الماء إن يبس وإلاّ ترّب.
أبو مالك: يغيّر بقشّر (95) أو تتريب بمبالغة في الإزالة، وقيل: يوضع عليه التراب إن كان رطبا حتّى يلتزق به مرّة أو ثلاثا، فيجزيه عند فقد الماء، وقيل: لا يجب تتريب الثوب من نجس، وهو أن يبسط ثمّ يدرّ عليه التراب حتّى يغطّيه مرّة. أبو عبد الله: إن بسطه أجزاه بلا درّه على وجهه، وإن بسطه على غير التراب وترَّبه من الوجهين مرّتين فحسن، وقيل: إن كان النجس في جانب منه ترَّبه منه، وإن كان فيهما فلابدّ منهما إلاّ إن ثار الغبار فعمّهما فيجزيه. ومن ترَّب ثوبا لفقد ماء وصلّى به، ففي إعادته قولان، ويُترَّب كلّه إن لم يعرف محلّ النجس. (1/375)
صفحة 366
الباب الخامس عشر
فيما ينجس بالنار ومسّ الميّت وغيرهما
واختلف في تأثير الدخان من كعذرة ودهن نجس، فقيل: نجس؛ وكذا ما زاك به. أبو الحواري: لا يفسد البتّة. ابن الحواري: لا بأس برماد الحطب النجس، ونجس جمره.
ولا يصطلى ــ قيل ــ بنار مشرك، ولا ينتفع بلهب النجس، ولا بدخانه؛ وقيل: إن كان ذاتيا كعذرة لا يطهر بالنار، وصحّ إن كان مائعا، وقيل: إن ذهب العين وصار رمادا.
وهل جاز أن يبخّر بحطب نجس أم لا؟ قولان؛ وكذا في جمره ولهبه ورماده.
وفي تطهير النار لما تنجّس كلحم وخبز بها قولان أيضا كما مرّ.
وإن أصلح العود بعسل أو سكّر نجس فلا بأس أن يبخّر به الثوب إن لم يؤثّرا فيه سوادا ولو كان رطبا. وأجاز ابن محبوب أن يدبّس بدبس نجس قسط ويغيّر به.
وإن وسمت دابّة بحديد محمّى ولم يخرج منها دم فهو طاهر، ولا يشوى بنار طرحت بها عذرة.
وإن تنجّس الحطب بمائع طهر جمره.
وإن أُحرقت خرقة نجسة فوضع رمادها على جرح فلا بأس ــ قيل ــ أن يصلّى به إن كان النجس غير ذاتي. ويفسد الذاتي عند الأكثر.
فصل
كره الربيع ومحبوب وابنه وكثير دهنا وضع فيه جلود مسك، ولا بأس به عند الأكثر منهم. أبو عبيدة: وقيل إن كان الدهن النجس في وعاء ينشف فهو أشدّ من (1/376)
صفحة 367
الماء النجس نشوفا، لأنَّه يلصق ما لا يلصق الماء؛ وكذا السمن، ولعلّه قيل: أشدّ تولّجا من الدهن. فإن أُغلي في قِدر دهن أو سمن أو ماء نجس غُسلت ثمّ يغلى فيها ماء قدر ما أُغلي فيها ذلك، ثمّ يُراق فتغسل.
وجاز دهن السفن بنجس، وانتفاع به كما مرّ؛ وإن أثّر دخانه في شيء أفسده. وإن وقع بحصى أو غيره فغسل وبقي زوكه طهر إن كان الدهن طاهر الأصل، وإلاّ كودك الميتة فنجس ما بقي زهمه.
وإن دُهن جلد بشحم نجس فغسل وبولغ في عركه، وتغيّر لونه أو دنّسه، فإن كان ميتة أو ذبيحة حربي فلا يطهر حتّى [168] يزيل الماء ذلك؛ والمختار غير هذا القول. وإن كان النجس عارضا للدهن أو الشحم فبولغ في غسله فقد طهر، لأنّ الماء يزيله، والمختار الأوّل أيضا في هذا.
أبو سعيد: من بيده نجس لا عين له، ونسيه فصبّ فيها دهنا فدهن به، فلا ينجس ما مسّه، لأنَّه يلصق في موضعه، ولا يميّعه. وإن كان له عين كدم، فالدهن أيضا لا يميّعه إلاّ إن رآه ماع فينجس ما مسّه.
وميتة الدوابّ والطير وأهل الكفر مسّها مفسد، وأهل الولاية ــ قيل ــ طاهرون مطلقا، وقيل: حتّى يتطهّروا كغيرهم. وقد أجمعوا أنّ الموحّدين لا يطهرون إلاّ بالتطهير، وأنّ أهل القبلة سواء في حكم الطهارة في المحيا. ومن قال بطهارة أهل الولاية يقول: إنّ التعبّد زال عنهم بالموت.
ابن بركة: اختلف في حكم الميّت، فقال أصحابنا: نجس حتّى يطهر، وقيل: طاهر، وغسله عبادة على الأحياء لما روي: «إنّ المؤمن لا ينجس حيّا ولا ميّتا». ومن مات بفراش أو وقع فيه بعد موته فطاهر؛ والأكثر منّا على أنّ من غسل ميّتا أو مسّه انتقض وضوءه لما روي من انتقاضه على من مسّ ميتة. والإنسان إذا مات صدق عليه اسمها، وليس فيه ذكر وليّ ولا غيره، ولو جاز خروجه من الخبر لجاز خروج البهائم منه فقد ورد (96) عاما، فأُجري على عمومه. أبو مالك وابن بركة وابن محبوب: مسّ الميتة ناقض ولو وليا، فمن غسل وليّا اختير له أن يتوضّأ، ولا غسل عليه. وقيل: (1/377)
صفحة 368
مسّ عظام المشرك ناقض إن كانت رطبة، لا إن كانت يابسة، ولا إن كانت نخِرة، ولا إن كانت الميتة ــ قيل ــ يابسة والماسّ يابس. (1/378)
صفحة 369
الباب السادس عشر
في الطهارة والقصد إليها
فقيل: إنّها اسم جامع لمعاني النظافة. قال تعالى: {لَهُمْ فِيهَآ أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ} (سورة النساء: 57) لا يحضن، ولا يتمخّضن، ولا يتغوّطن، ولا دنس فيهنّ؛ فالنخام والمخاط والبزاق مستقذر لا نجس، لأنّ كلّ نجس فهو قذر من غير عكس كلّي؛ فالطهارة إمّا إزالة نجس أو أداء عبادة، والنجس كالدين في إزالته، فتصحّ الأولى وإن بلا نية، وبفعل الغير كقضاء الدين بخلاف الثانية، كالوضوء والغسل من حدث فلابدّ فيها من نية ضرورة أنَّها عبادة (97) تعبّد بها المكلّف، ولا تصحّ إلاّ بفعله.
والطهر إمّا غسل أركان، وإمّا غسل بدن.
وعن ابن عبّاس: أربع لا يخبثن الثوب والإنسان والأرض والماء، وفُسّر بأنّ الثوب إن أصابه عرق محدث لا ينجّسه، ولا إن صافح آدميا، ولا الأرض إن اغتسل فيها كالماء إن اغتسل فيه، ولم يغلبه النجس كما مرّ.
ومن نجس باطن رجله ثمّ حكّها بالأرض حتّى زال، أو مشى في تراب نجس ورجله رطبة حتّى يبست فلا تطهر حتّى تغسل وتطهر النعل بذلك كما مرّ. أبو سعيد: إن وقع نجس فيما يُهلك بعرْك كقرطاس أو غيره أجزاه صبّ الماء عليه مرّة إن كان أكثر من النجس، ولم تقم عينه وبقي أثره فالثلاثة أحبّ إلينا. وإن كان يهلكه الصبّ عليه أجزاه إن بلغ إلى طهارته. وإن أميط ذاتي بترب (98) أو غيره وذهب عينه كان محلّه كغيره.
ومن كتب قرطاسا [169] بمداد نجس طهر ــ قيل ــ إذا تيبّست كتابته، وقيل: لا إن كان ذاتيا؛ وإن عارضه غيره ثمّ يبس فلا تبعد ــ قيل ــ طهارته، وتركه أسلم. (1/379)
صفحة 370
ولا يقبل في طاهر الأصل قول قائل بنجاسة ولو ثقة إلاّ إن بيّن. وكذا كلّ حلال من فرج أو مال شهد بتحريمه لا يحتجّ بالشهود فيه حتّى يبيّنوا، ولا يزال من يد صاحبه لقيام الاحتمال. (1/380)
صفحة 371
الباب السابع عشر
في الجنُب وأحكامه
فالجنابة ضدّ الطهارة؛ ويُكره الأكل والشرب والنوم وغير ذلك قبلها تأديبا لا لزوما، فإنّ روحه عند النوم لا يؤذن لها في السجود تحت العرش لخالقها فتمرّد، فإن أراد ذلك قبلها غسل يديه والفرجين ومضمض ثلاثا وتيمَّم، (99) فإن أكل قبل أن يغسل فاه خيف أن يعلّق بفيه طعام مانع من غسل محلّه، وقيل: إن خرج شيء منه من بين أضراسه قدر قلامة ظفر بعد اغتساله أعاده والصلاة، وقيل: الوضوء، وقيل: عليه الكلّ وإن قلّ الخارج، وقيل: لا يعيد ذلك إن لم يعلم به، ولو أكل بعد الجنابة أو كان كثيرا؛ وكذا إن فعل ذلك قبل إراقة البول إن خرج منه شيء من المنيّ بعد الغسل، وإنّما ينهى عن الشرب قبله تأديبا، وقيل: يورث كالأكل قبله نسيانا.
وكُره لمؤمن أن يبيت إلاّ طاهرا. والنوم بالجنابة تقصير في الطهارة. وقال لقمان لابنه: كُلْ لذيذا أي بعد جوع من صوم، والبس جديدا أي طاهرا نظيفا، ومت شهيدا أي متطهّرا.
فإن أراد معاودة وطء غسل الأذى وكتم جنابته إن أراد وطء غير الأولى بها عنها تأديبا. ويطأ الأمة بجنابة حرّة لا عكسها استحبابا، وجوّزه أبو مالك. ولو وطئ حراما أو دبرا ثمّ حلالا له لم تفسد به.
ولابأس بذبيحة الجنب. وله تسريح لحيته، ودهن رأسه واستياكه. وبعض كره ذلك. وله أن يتناول من المسجد شيئا أو يضعه فيه. ومن أجنب فيه أو علم بها فيه فليخرج منه إلاّ من عذر، ولو حَرّا أو بردا. وقيل: لابأس أن يقعد في مكانه فيه، ولا يمشي حتّى يتيمّم، وقيل: له الخروج بدونه لا الدخول؛ وكذا إن حاضت فيه امرأة أو نفست أو احتاجت لدخوله لعذر، وقد أُزيل عنهما التطهّر إذ لم تخاطبا به. (1/381)
صفحة 372
ولا يكتب الجنب البسملة، ولو في الأرض وفي تعليقه التعاويذ. ولبس الخاتم ومسّ الدرهم إن نقش فيهما اسم الله جواز، ومنع كالحائض. ولا دليل على نقض وضوء من غسل جنبا إلاّ إن مسّ نجسا أو فرجه أو نظره من لم يجز له.
وإن قعد جنب أو حائض بمسجد نسيانا حسن رشّه بماء أو غسله إن تعمّداه. وفي دخوله للجنب الجواز، وعليه الأكثر منهم. ابن بركة: والمنع والكراهة. وفي تناول الحائض شيئا منه جواز وكراهة.
وفي شَعر الجنب إن وقع بثوب مصلّ أو في بدنه فساد صلاته مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل: يفسدها إن لم يغسل؛ وليس له أن يطلى بنورة قبل غسل، فإن فعل غسل موضع الطلى؛ ولابأس إن عركه حتّى لا يبقى منه شيء. وإن أراد أن يحلق شَعرا أو يقصّ ظفرا فليغسله قبل؛ وليحذر ثيابه أن يبقى فيها بعضه. ولا يلزمه التخليل بعد الأكل. وإن أكل قبل أن يغسل فاه فليخلّله. (1/382)
صفحة 373
الباب [170] الثامن عشر
في غسل الجنابة ومقدار الماء
وهو فرض لا عذر لمن جهله بعد الاِبتلاء، وهو أمانة يُسأل العبد عنها غدا، فقيل: من صبّ ماء على نفسه ولم يمرّ يده على بدنه ثبت له اسم مغتسل، وقيل: هو الصبّ وإمرار اليد على البدن لا العرك إذ يجب في إزالة النجس، وقيل: يؤمر به أيضا.
ومن دخل ماء له حركة أو موج فضربه أجزاه عنه كما مرّ. ومن غسل بدنه كما يدهنه، وعمّه بالماء، فقيل: قد طهر، ويجزيه الوقوف في غيث إن نظّفه.
أبو الحواري: يجزي غسل الجنابة عن الوضوء إن لم يمسّ فرجه بعد الغسلة الأخيرة، وقيل: هو الوضوء.
أبو سعيد: إن أراد باغتساله لا الجنابة أو النجس، ولم يمسّ فرجه أجزاه (100). وأجمعوا على أنّ من غسل بعض بدنه منها وأخّر بعضه إلى حضور الصلاة، ثمّ غسله أجزاه. ومن غسل إلى رأسه في وقت ثمّ غسله وحده في آخر يريد بذلك غسل الجنابة أجزاه أيضا. وإن نسي محلاًّ (101) ثمّ ذكره بعد خروجه من الماء فليغسله، وإن من لحيته كما مرّ.
وإن كان ببدنه نجس فغسله قبل الوضوء لم يلزمه غسله مرّة أخرى، ويجزيه الأوّل لذلك العضو؛ فإذا غلب على ظنّه أنّ الماء قد عمّ بدنه بالإمرار أجزى، وإن بقليل منه.
أبو الحسن: تجديد الماء للغسل والوضوء غير لازم، لاختلاف معرفة الناس بهما. ابن بركة: لم أحفظ عنه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ أنَّه يجزي للغسل صاع، ولا يظنّ به أن يأمر به كلّ من لزمه مع علمه باختلاف أحوال الناس؛ وفيهم من يحسن الاِقتصاد، وصغير البدن، وقليل الشعر، ومن هو بخلاف ذلك، وتنازعه هو وعائشة (1/383)
صفحة 374
على الماء، كلّ يقول لصاحبه: «أبق لي»، يدلّ على عدم التحديد فيه، وإلاّ كان المتجاوز له مخالفا للسنّة، فإذا صحّ الخبر عنه ففيه ــ قال خميس ــ فوائد منها:
جواز الاِكتفاء بالقليل، والكلام عند الاِغتسال، وتجرّد الزوجين معا، وإدخال يد الجنب في الإناء بعد غسلها لتناول الماء، والتدهّن به بلا صبّ ولا انغماس فيه، وغسل الرجل والمرأة من إناء، وأنَّه لا ينجس ما مسّه. وقيل: لابأس أن يعرك بدنه بيده، (102) ويردّها إلى الماء، ولا بماء وقع في إنائه منه.
فصل
إن علق ببدن جنب قار أو حائل بينه وبين الماء قلعه، وغسل محلّه وإلاّ أعاد. ولابأس إن كان رقيقا لا يمنعه، ولا إن عجز عن إزالته إذ لا يكلَّف فوق طاقته؛ ولا ــ قيل ــ إن كان أقلّ من ظفر.
ومن لم ينل عرك بدنه بيده فليعركه بما قدر عليه إن وجده، وإلاّ أجزاه إفاضة الماء عليه. أبو سعيد: إن كان للصبّ حركة كالعرك ولو خفّ وقوعه وجب له حكمه، وإن صبّ وعرك كان أفضل، وقيل: ولو لم تكن له حركة إذ لم يكلَّف عركا بغير يده إن لم يمكنه بها، وقيل: يجزي ذلك وإن بلا عذر.
وليجعل الإناء عن يمينه، ويقول: «أداءً لغسل الجنابة، ولما فرض عليه طاعة لله ولرسوله». فيبدأ بغسل كفّيه ثمّ الأذى، ثمّ يتوضّأ إلاّ قدميه. ابن بركة: إنّا نأمره بغسل يديه أوّلا ولو يغتسل من غير إناء إن كان بهما أذى، وإلاّ فلا يلزمه أدبا ولا فرضا إلاّ إن قام من نوم الليل فليغسلهما ولو طاهرتين لما روي: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتّى يغسلهما ثلاثا»، فإذا أزال الأذى فله أن يمسّ بدنه ويعركه، ويردّ يده في الماء.
وإن وقع في نهر فاغتسل قبل الوضوء فلا عليه ولو من إناء. وقيل: الاِغتسال من الجنابة طهارة تامّة للصلاة لا تحتاج إلى مسح. أبو عبد الله: من أراد أن يجعل وضوءه (1/384)
صفحة 375
عن غسله، فلينقّ النجس ثمّ يمضمض ويستنشق، [171] ثمّ يغسل بعرك، ولا يمسّ فرجيه فيجزيه (103) ذلك عن الوضوء. أبو قحطان: يبدأ بفمه وأنفه، ثمّ بشقّ رأسه الأيمن ثمّ الأيسر، ووجهه وعنقه، ثمّ يمناه وما يليها، ثمّ يسراه وما يليها، ثمّ ظهره وصدره، ثمّ رجليه ويعرك بدنه.
وإن قدّم جارحة قبل الأخرى فلا عليه، وتجزي للفرض مسحة واحدة؛ والمأمور به ثلاث عركات، وتجزي واحدة لمن قلّ ماؤه واستعجل.
فصل
يؤمر الجنب بإراقة البول قبل الغسل، فإن اغتسل قبله وخرج منه منيّ أعاده كما مرّ، فالواجب عليه أن يقصد كلّ محلّ بإيصال الماء إليه إن أمكنه، ويخلّل لحيته به ويمسح تحت خاتمه ويدخل أصابعه في أذنيه. وأجمعوا على أنَّ غسل داخلهما والإبط واجب، وأنّ المضمضة والاِستنشاق في غسل الجنابة فرض، وفي الوضوء سنّة، لما روي: «تحت كلّ شعرة جنابة، فبلّوا الشعر، وانقوا البشر». وفي الأنف بشرة وشعر، وفي الفم بشرة، وهي جلدة تقي اللحم.
ولا يلزمه فتح عينيه في الماء، ولا غمضهما، (104) فإن أحدث قبل أن يتمّه، فقيل: يتمّه ويتوضّأ، وقيل: يستأنف. أبو سعيد: الأكثر على أنّ الأحداث لا تنقض الغسل؛ ومن فرغ منه فوجد بفخذه منيًّا، (105) فالمختار أنَّه يغسله، وقد تمّ غسله، وقيل: يعيده.
ومن غسل عضوا ثمّ شغل بأمر فلا يلزمه إلاّ الباقي، وإن نسي الإدخال بأذنيه حتّى فرغ غسلهما، وتمّ أيضا.
أبو سعيد: ليس الغسل كالوضوء في الترتيب والمولاة عند الأكثر، ويصحّ ولو متفرّقا عن عمد أو بعد جفوف أو نوم أو صلاة، أو شغل أو بلا عذر وبتأخير الأكثر أو فرجيه أو نجس سواهما، وقيل: يجب تقديم غسل الأذى وإلاّ أعيد إن تعمّد، وقيل: (1/385)
صفحة 376
مطلقا، وقيل: إن جفّ بتشاغل عنه، وقيل: إن نسي موضعا، وتوضّأ وصلّى أعاد الباقي، والصلاة لا الوضوء، وقيل: الكلّ، وقيل: الغسل أيضا؛ قال: والأصحّ ما عليه الأكثر وإنّما يعيد غسل ما نسي أو ترك وإن كان متوضئا لم يلزمه إلاّ ما تركه إن لم يكن من أعضاء الوضوء، وإلاّ أعاده ولو تركه ناسيا له، وقيل: إن تعمّده.
وإن تركه حتّى دخل في الصلاة أعاده مطلقا، وقيل: لا، ولو فرغ منها إلاّ ما ترك والصلاة؛ واختير أنَّه لا يلزمه بنسيان إلاّ ما ترك ما لم يدخل فيها، ثمّ الوضوء إلاّ إن خاف فواتها فيغسل ما ترك، ويصلّي. ويعيد في العمد الوضوء ولو غير مجنب. وإن ترك بعض بدنه أو عضوا من وضوئه أو دونه فلا خلاف في إعادته إن تعمّد ولزمته الكفّارة؛ فإن كان أقلّ من الظفر أو الدينار أو الدرهم ففيه خلاف، وهلك بذلك إذ لا يسعه جهله، ولزمته على القول بها معه. وإن تعمّد تركه بلا جهل 1 به وبلا عذر، وكان قدر ما ذُكر لزمته أيضا. وإن غسل بدنه إلاّ طرفا من شعره وصلّى لم تتمّ صلاته إن تعمّد ولو قليلا أو جهله. وإن نسي أقلّ ممّا ذكر لم يضره، وقيل: يعيد ولو قليلا.
فصل
من لم يعلم بجنابته فاغتسل لا لها، فقيل: يجزيه لها، وقيل: لا إلاّ بنيّتها؛ وأجزاه إن علم بها ونسي، إن غسل ناويا لهذه (106) لا تلك، وقيل: لا إلاّ بنيّتها، وقيل: لا في كلّ ذلك؛ ويجزيه إن كان بمحلّ (107) فقد فيه الماء على جهل أو نسيان أن يتصعّد، وقيل: على النسيان فقط.
وقيل: لا يلزم مغتسلا لا لجنابة إن لم يعلم بها إعادة غسل، وفيه لابن محبوب قولان.
وإن نوى بغسله وضوء نافلة لم يجزه لجنابة. (1/386)
صفحة 377
ومن أجنب بسفينة ولم يمكنه إلاّ بتدلّ في البحر فتدلّى فيه بحبل، وانغمس فيه أجزاه إن كان له حركة.
ويُكره لطم الوجه بالماء عند التطهّر.
والمرأة كالرجل في الغسل، ولا يلزمها نقض ضفائرها إن وصلها الماء بدونه.
أبو سعيد: [172] إن بان للماء جري ولو باطنا أو باطمئنان جاز فيه استنجاء وغسل ووضوء إن كانت له مادّة، وإلاّ اختير أن لا (108) يغسل منه إن كان أقلّ من صاع. ولا يتوضّأ فيه إن كان أقلّ من مدّ؛ وإن كانت له مادّة تدخله وتخرج منه جازا فيه ولو لا يدرك منه إلاّ قدر كفّ، والمختار أنَّه يجزي فيهما بعد زوال النجس أقلّ ما وجد، لما روي أنَّه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ توضّأ بما لا يبل الثرى، وقليل يرفق به خير من كثير لا يبالي به. (1/387)
صفحة 378
الباب التاسع عشر
في تيمّم الجنب
فإذا فقد الماء أجزاه وإن في حضر أو أمن، ثمّ إن وجده اغتسل ولا يعيد ما صلّى بالتيمّم لقوله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ لأبي ذرّ: «الصعيد الطيّب يكفيك ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فامسسه بشرتك».
أبو سعيد: من حضرته الصلاة وفقد الماء، فقيل: يجزيه تيمّم واحد لإحداثه، وقيل: لكلّ من الجنابة والوضوء تيمّم؛ وعليه فلا يثبت في كلّ صلاة تيمّمان، وإنّما عليه بعد تيمّم الجنابة واحد بدل الوضوء إذا حضرت.
وإن تيمّم الصائم لإحراز صومه كفاه كما مرّ؛ وحاصله أنَّه لا يعيد الجنب تيمّما إلاّ إن أحدث أخرى.
أبو سعيد: لا أعلم منعا من وطء لمن فقد الماء عندنا؛ وقد اختلف فيه أهل الرأي، والأكثر على الجواز.
ومن خاف بردا بغسل تيمّم وصلّى وأعاد، وقيل: لا يعيدها ولو زال في الوقت، وقيل: يجزيه في السفر لا في الحضر؛ وأجمعوا على أنّ للمسافر أن يتيمّم إن خاف عطشا، واختلفوا فيه إن أجنب ولم يجد إلاّ قدر وضوء، فقيل: يتيمّم، ولا يلزمه غسل أعضائه، وقيل: إن كان قدر وجهه وكفّيه وفرجيه أجزاه (109) غسلها وإن كان قدر وجهه وفروجه (110) غسلهما، ومسح كفّيه بالتراب.
أبو سعيد: لزم الجنب إذا وجد ماء أن يغسل ما أمكنه من بدنه، وإن قلّ لثبوت، غسل جميعه، ويتيمّم لباقيه؛ وإن لم يعلم بجنابته فتيمّم لوضوئه وصلّى، ثمّ علم بها، فقيل: يجزيه واحد لهما، وقيل: لا إلاّ تيمّمان، وقيل: يجزيه إن علم بها ثمّ نسيها. وفرَّق بين نسيانه لها وجهله بها من قال بتيمّمين لا من قال يجزيه واحد لوضوء وجنابة. (1/388)
صفحة 379
وإن احتلم المسافر في حضر ثمّ نسيها إلى السفر، ومعه ماء وتوضّأ به وصلّى، ثمّ تيمّم لحضور أخرى، وفقده وصلّى، ثمّ وجده وتوضّأ وصلّى، فإنّه يبدّلها كلّها.
وإن تيمّم الجنب للصلاتين وجهل أن ينوي للصلاة والجنابة، وصلّى أجزاه عند أبي عليّ. ومن وجد ماء وعليه ناس فليس له أن يقاتلهم عليه؛ فإن وجد إليه سبيلا اغتسل وحمل منه، وإلاّ تيمّم إن كان لا يصله إلاّ بخوف، وإن لم يمنعوه ولا يمكنه الاِغتسال إلاّ بالتعرّي فكالعادم، وقيل: يستتر بثوب إن أمكنه؛ وإن جهل ذلك أعاد ما صلّى؛ وإن تركه حياء لم يُعذر ولزمته الكفّارة، وعليه حمل الماء إن قدر والاِعتزال حيث لا يُرى؛ وإن عجز تيمّم، وقيل: لا تلزمه إذ (111) صلّى بالتصعّد. وإن قال للزاجر: غضّ بصرك حتّى أغتسل، فقال له: أغسل فإنّي لا أبصرك، فألقى ثيابه فغسل سلم إن كان الزاجر ثقة، وسقط عنه الفرض مطلقا، وعصى إن تعرّى حيث يُبصر. وإن لم يكن عنده إلاّ قميص صبّ فوقه وأجزاه، ولا يتعرّى.
وإن أتى المسافر إلى مورد وقد طمع في الماء ولا يناله وهو جنب فأدركه بعد الطلوع فبئس ما صنع وكان عليه أن يتصعّد ويصلّي، فإذا (112) فعل ذلك تمّت صلاته، ولا كفّارة عليه. (1/389)
صفحة 380
الباب العشرون
في جنب شَكَّ هل غسل أم لا، أو تعمّد ترك بعض بدنه أو غير ذلك
أبو الحسن: إن مضت لجنب صلاة أو أكثر ثمّ شكّ هل صلاّها بغسل أو بدونه، فإنّه في الغسل مغتسل حتّى يعلم عدمه إن عرف أنَّه لا يتركه كما مرّ. [173] أبو سعيد: يخرج هذا على الاطمئنان، ولو يدين به. وليس الغسل كالوضوء، لأنَّه في الغالب لا يصلّي إلاّ به؛ والغسل يجري عليه فيه النسيان، فإذا علم أنَّه جنب لزمه حتّى يعلم أنَّه اغتسل، فإن ذكر أنَّه ذاكر للجنابة حتّى يمضي إلى الماء فوقع فيه ليغسل أو مضى إليه وعرف ذلك أو ذكر شيئا منه زاد له اطمئنانا به إذا ذهب وقت الصلاة، لأنَّه إن مضى ثمّ شكّ أصلاّها أم لا؟ فلا يلزمه أن يصلّيها حتّى يعلم تركها؛ ولزمه إن شكّ في الوقت حتّى يعلمها؛ ولا وقت للغسل، وقد افترق معناه مع الوضوء.
وإن نزل في ماء ثمّ خرج منه فشكّ أغسل منها أم لا؟ تمّ صومه وصلاته حتّى يتيقّن بتركه أو يكون ببدنه منيّ أو غيره لم ينظّف محلّه بعرك، وقد أرسل عليه الماء بدونه فعليه إعادة غسله، والوضوء، والصلاة، لا الصوم، وقيل: إذا لم يكن ذاكرا لجنابته قاصدا لغسلها أعاده. وإن بقي من بدنه ما لم ينظّفه أعاد الوضوء إن كان في محاله، وإلاّ غسل المحلّ وحده. (1/390)
صفحة 381
فصل
من بثوبه منيّ ولم يمطه منه حتّى بات فيه ليلة أخرى، فإن لم يعرف متى أصابه فهو (113) من آخر نومة فيه إن لم يتيقّنه من الأولى. ومن أعار رجلا ثوبا ليلا فوجدا فيه صباحا منيا ولم يعلماه من أيّهما اغتسلا معا إن ناما فيه تلك الليلة معا؛ وإن قال أحدهما: إنّه أجنب فيه ولم يُعلم بذلك الآخر فليصدّقه فيغتسل من تيقّن.
ومن وطئ زوجته أو سريّته قدر التقاء الختانين ولم يغتسلا ظنّا أنَّهما لا يلزمهما به، لزمهما الغسل وإعادة ما صلّيا؛ وفي لزوم الكفّارة به قولان.
ومن وجد بثوبه منيا ولم ير احتلاما فظنّ أن لا غسل يلزمه فصلّى كذلك فعليه البدل ولو للصوم، لا الكفّارة. وعلى من وجده فيه اغتسال إن لم يعلمه من غيره.
ولا يسقط الفرض ــ قيل ــ إلاّ بتقديم النية، وقيل: لا يجزي الغسل للوضوء إلاّ إن عقده لهما، ولم يمسّ ناقضا له، وقيل: لا يقوم بالفرضين، إذ يجب كلّ منهما على انفراده؛ واختير أنَّه إن نواهما به أجزاه لهما إن عمّ البدن.
وإن اغتسل قبل إراقة البول ثمّ خرج منه مني بعده أعاده؛ وفي الصلاة قولان. أبو المؤثر: من اغتسل ليلا ولم يبل ولم يدر أخرج منه شيء أم لا؟ ثمّ غسله حتّى يعلم بالخروج؛ والمرأة إن راقت قبله حسن، وإلاّ فلا عليها، وإن غسلت ثمّ خرج منها فلتتنظّف منه، وليست كالرجل فيه، وقيل: يعيد الصلاة مطلقا، وقيل: لا إلاّ إن خرج فيعيدها والوضوء والغسل، كما مرّ؛ وإن لم يحضره البول وخاف الفوت اغتسل وصلّى؛ فإن أراق بعدها ولم يخرج أجزاه، وإن خرج تمّت، وفي الغسل والوضوء ما مرّ؛ فالبول قاطع للمادة الأولى فمن بال واغتسل ثمّ خرج منه شيء فالأكثر أنَّه لا يعيد لاتّفاقهم على أنَّه لو وجد شهوة ولم ينزل حتّى فرت، ثمّ خرجت منه نطفة فحكمها أنَّها ميّتة، لأنَّها حياتها الشهوة، وموتها ذهابها كذلك خروجها بعد اتّصالها بالدافق؛ فما خرج بعد البول فهو حادث من غير الأولى، ولا يلزمه إراقته إن لزمه (1/391)
صفحة 382
غسل لا بإنزال كالتقاء الختانين، ولو خرج منه شيء بعد، لأنَّه من ميّت النطفة والودي والمذي، ولا غسل بذلك على الأكثر. (1/392)
صفحة 383
الباب الحادي والعشرون
في موجب الغسل من الجنابة كإنزال دافق وإن باحتلام أو تشهّ أو عبث بذكر أو بدخول حشفة وإن في دابّة أو بخطإ
ابن بركة: لا أعلم أحدا منّا أسقط الغسل في الإكسال وهو انكسار الذكر قبل الإنزال، وبلوغ المراد لقوله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ: «إذا التقى الختانان وجب الغسل»، ومن وطئ زوجته [174] في دبرها فأولج الحشفة لزمهما الغسل وأثم (114) إن تعمّدا وإن لم ينزل، وبعضٌ: لا يُلزمه بذلك غسلا (115).
ومن وجد شهوة القذف فأمسك على إحليله إمساكا مانعا من خروج الدافق حتّى سكن ثمّ خرج غسل لا إن خرج بعد سكون بلا إمساك مانع.
واختلف في الصبيّ إن جامع بالغة وعكسه، فقيل: إن عقل الصغير الصلاة لزمه الغسل، وقيل: لا؛ والمختار أن لا يلزم المرأة بالصبيّ، لما قيل: إنّ إحليله كإصبعه في موجب الحدّ والعدّة؛ وإحلاله (116) المطلّقة ثلاثا لمطلّقها وإفساده نكاح الممسوس، ولأنَّه لو أدخل بالغ إصبعه بفرج بالغ لما أوجب حكم الجماع في حدّ أو عدّة أو غسل أو غير ذلك. وإن كان بحدّ من يشتهي أو راهق البلوغ لحقه الخلاف في لزوم الغسل.
ولزم الرجل مع صبيّة أو غيرها جميع الأحكام إلاّ الحدّ بالخطإ؛ وكذا إن مكَّن متعبَّد بالغسل نفسه لدابّة لزمه إذا مضى في فرجه ذكرها وإن دبرا، وقيل: لا غسل عليه فيه، وقاسوا ذكرها بذكر الصبيّ؛ والأوّل أصحّ. (1/393)
صفحة 384
ومن _أولج حشفته في غير الفرجين كفم يريد به قضاء شهوته فلا يحكم عليه بالجماع إلاّ في الغسل إن أنزل، وكذا إن عبثت امرأة بنفسها أو غيرها بها حتّى أنزلت دافقا بلذّة لزمها، لا من عبث بها.
ولزم محتلما إن أنزل دافقا وإن بلا جماع أو في يقظة؛ وإن رأى أنَّه يجامع وأنزل فلم ير منيا حين استيقظ، ورأى بللا قليلا، فإن كان من الدافق اغتسل، وإلاّ فلا. وإن خرجت نطفة بشهوة بعد سكون أو فيه فجنابة. وإن خرجت بها على غير اضطراب ولا انتشار لكان هو الدافق. وإن خرجت بهما لا على حضور الشهوة كانت في حكم الميتة إن كانت نطفة، وإلاّ فمن المذي إلاّ إن أمسكه بيده أو بما يحبسه فيه حتّى تفرّ الشهوة وتسكن وتخرج النطفة فيدخلها الريب لاحتمال أنَّها ميتة أو حيّة لإمكان خروجها بعد زوال الشهوة، فالغسل أحوط؛ وليس حبسه فيه مزيلا حكمه إن ثبت خروجه بها، وذلك في النوم أقرب، لأنّ الاحتلام قد يوجد غير الحقيقة من معنى الشهوة وليستها. وإن رأى فيه جماعا أو نحوه فانتبه فوجد بللا لم يعلمه نطفة أو غيرها غسل حوطة لا حكما حتّى يعلم خروجها بشهوة حين رأى واستيقظ بها لإمكان خروج البلل بعدها إلاّ أنَّه يغتسل. وإن وجد مع ذلك عرفا يشبه ريح النطفة قرب من الريب. وإن لم ير في النوم احتلاما من جماع أو من مقدّماته وانتبه فوجد بللا لا يعرفه فعليه الغسل حتّى يعلمه (117) غيرها، وقيل: لا حتّى يعلمه جنابة، وقيل: إن كان لها ريحها غسل، وإلاّ فلا. وإن رأى ذلك فلمس حين انتبه فلم يجد ثمّ خرج منه بللا لا يعلمه دافق أو غيره لم يلزمه، إلاّ إن وجد شهوة بها خرج المنيّ بعد يقظته، فإن لم يلمس حين انتبه لزمه في الأحوط، وقيل: لا، وقيل: إن لم يلمس في حينه بقدر إمكان خروج شيء منه، ويجفّ ثمّ لمس فلم يجد لزمه احتياطا أيضا.
وإن لم يعلم أنام قليلا أم كثيرا لم يبعد من الريب؛ فإن رأى ذلك فوجد نطفة في ثوبه أو بدنه لزمه إن نام فيه، ولو يابسة. وإن وجدها بأحدهما بلا رؤية جماع أو نحوه فاحتمل أنَّها منه أو من غيره غسل احتياطا. وإن رأى جماعا ثمّ انتبه قبل أن يقذف (1/394)
صفحة 385
وقد وجد لذّته وخرج منه مذي لم يلزمه. وإن وجد مستيقظ في ذكره رطوبة [175] لا يعرفها، فقيل: يغسل، وقيل: لا، وقيل: إن كان لها ريح جنابة.
وإن وجد في نومه نطفة فظنّ أنَّه إن لم ير احتلاما لم يلزمه غسل فتركه وصلّى وصام لم يسعه جهل غسل الجنابة؛ وعليه الغسل، وبدلهما، وعُذر في الكفّارة لظنّه ذلك.
ابن عليّ: من رأى جماعا لا شهوة فأنزل فانتبه فرأى بللا قليلا فظنّه مذي، فالغسل أحبّ إلينا إن لم يتيقّنه. وإن لم ير بللا ثمّ لبث قليلا فرءاه قليلا، فكالأوّل؛ وفي لزومه بنطفة ميّتة كما مرّ قولان. (1/395)
صفحة 386
الباب الثاني والعشرون
في جنابة المرأة والخنثى وغسلهما
فقيل: إن أجنبت ثمّ حاضت قبل غسلها، فقيل: لزمها أن تغسل منها، وإن لم تطهر منه لأنَّه قد فرّق بينهما بأشياء تكره لها لا له، كالأكل وغيره ممّا مرّ، وقيل لها أن تؤخّره إلى أن تطهر منه فيجزيها واحد لهما، وقيل: لا، إلاّ غسلان بنية كلٍّ (118) منهما؛ والنفاس معها كالحيض في ذلك.
فإن رأت ما يرى الرجل في النوم وأنزلت دافقا، فقيل: لا غسل عليها، لأنَّها تعبّدت بغسل الحيض؛ ولا يجتمع عليها غسل واحتلام، وقيل: يلزمها لأنَّها فيه كالرجل.
وإن عبثت بما مرّ أو بإصبعها أو نحوهما، أو عُبث بها لزمها إن أنزلت وفسد صومها، ومن ألزمه صبيةً بوطء بالغ ألزمه بالغةً بصبي إن لم تنزل. ولأبي الحواري فيها قولان. وإن أنزلت بلا إفضاء رجل إليها اختير الغسل عليها، وقيل: لا، إلاّ بدخول حشفة أو نطفة بفرجها إن جومعت خارجه. ابن بركة: إن أخذت نطفة رجل بإصبعها فأولجتها فيه لزمها الغسل، فقيل: إن كانت ثيّبا، وقيل: مطلقا. ومن عبث بفرجها فأمْنت ولم يمن لزمها دونه.
وهي كالرجل في غسل الجنابة والحيض والنفاس، وكالميّت إلاّ أنّ الحائض تؤمر بالتطيّب بعد الغسل، وبتتبّع أماكن الدم بمغيّر ريحه ندبا، وبتخليل شعرها بأصابعها، وتوصل الماء إلى أصوله، وتدلكه وتحلّه إن عُقد بخيط لا بنقض الضفائر كما مرّ. (1/396)
صفحة 387
فصل
لزم الخنثى ــ قيل ــ غسل من الجنابة وحيض، فإذا أتاه توضّأ لكلّ صلاة، فإذا طهر اغتسل. أبو سعيد: يحسن هذا في أمره إذا ثبت أنَّه خنثى، لأنَّه يلزمه حكم الذكر والأنثى فيما يجتمع فيه من حكمهما؛ فإن خرج منه مني من خلق الأنثى باحتلام أو في يقظة بلا جماع اغتسل على القول بلزومه بذلك للأنثى، وقيل: لا مثلها أيضا. وإن خرج منه دافق من خلق الذكر بأيّ وجه كان، لزمه كالرجل اتّفاقا.
فإن جامع بخلق الذكر فغابت حشفته وإن بدابّة أو جومع هو، وإن بها أو بخنثى حتّى غابت في دبره أو قبله لزمه الغسل. وقيل: إن بلغ فحاض من خلق النساء ولم يجنب من خلق الذكر فامرأة وبالعكس رجل؛ وإن أجنب وحاض منهما فخنثى. فإن أجنب غسل، وإن حاض توضّأ، فإذا طهر غسل واحدا، ولا يدع الصلاة في الحيض. وقيل: إن حاض حُكم له بأنثى، لأنّ الذكر لا يحيض، والأنثى تجنب.
أبو سعيد: يحتمل أن يحكم له وعليه في الحيض بما احتمل من حكم الذكر والأنثى. فالذي يثبت من حكمها لزوم الغسل عند الطهر، ولا صلاة على الأنثى في الحيض. وليس للذكر أن يتركها على كلّ حال فثبت عليه حكم الصلاة والتطهّر للإشكال، والوضوء لكلّ صلاة للزوم ذلك للأنثى في الاِستحاضة، فعليه ما يلزم كلاّ على انفراده. وإن سال منه دم في غير أيام الحيض فاستحاضة منه كالمرأة، فيلزمه منه غسل مثلها، وقيل: إنّما عليها الوضوء؛ فالخنثى (119) أرخص منها في سقوطه [176] عنه، وقيل: لا غسل عليه من الحيض للإجماع على أنّ الذكر لا يحيض. وكذا إن ولد فأنثى لأنّ الذكر لا يلد إجماعًا (120) أيضا؛ وإن ولد له ولد من أنثى فذكر، لأنَّها لا يولد لها. وكذا الحيض إنّما يكون من أنثى إجماعا أيضا، فلذا (121) قيل: لا يلزمه منه غسل عند الطهر، وإنّما يلزمه الاِستنجاء والوضوء للصلاة من الدم، لأنَّه حدث ولو خرج من خلق الأنثى، لأنّ دم الفرج من الرحم، ولا غسل على المرأة في الاِقتضاض في أيام الحيض أو الاِستحاضة، وإنّما عليها فيه الوضوء. (1/397)
صفحة 388
فصل
هل تُجبر النصرانية على غسل الجنابة والحيض إن كانت تحت مسلم أو لا؟ قولان.
أبو سعيد: لا يتزوّجها حتّى يشترطه عليها، ويثبت عليها في الحكم لا في التعبّد، فتُجبر عليه إلاّ إن لزم بشريعتهم؛ فإذا طلبه منها زوجها ولو لم يشترطه حكمنا له به عليها. (1/398)
صفحة 389
الباب الثالث والعشرون
في غسل المرأة من حيض واستحاضة
قال الله سبحانه: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية، {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} بالماء أو بالتصعّد عند عدمه {فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ} (سورة البقرة: 222) أمر إباحة، وغسلها منه كالجنابة، إلاّ أنّ الحائض تؤمر بحمل الغسيل إن حضرها وإلاّ استغنت بالماء، وتبالغ بتنقية الفرج من الدم، وإن فقدته تصعّدت وصلّت، ومتى وجدته اغتسلت. وهل تبدل ما صلّت (122) بالتصعّد أم لا؟ قولان.
وعلى الثيّب أن تدخل بفرجها إصبعها عند غسلها، ولا تؤلم محلّ الولد؛ وإن لم تغسل داخله عمدا أو جهلا لزمها البدل والكفّارة، وأبدلت إن نسيت، ولا بأس عليها في غامض فيه من دم إن نقّت ما يبلغه الماء، ولا في غسل رأسها بخطمي أو طين أو سدر قبل غسلها بيوم أو يومين، فإن رأت طهرا وقت الصلاة وقد تخطّمت غسلت بالماء وصلّت، فإذا أصبحت غسلت رأسها بخطمي أو نحوه إن شاءت؛ وعليها إن تعمّم بدنها بالغسل وتتمّ ما تركته منه إغفالا أو عمدا، وتبدل ما صلَّت قبل إتمامه عند أبي العزيز، وقيل: إن غسلت فرجها ورأسها خرجت من حكم الحيض، وإن لم تغسل بقيّة البدن. ولا تصحّ لها الصلاة حتّى تغسله كلّه؛ وإن غسلته إلاّ الفرج والرأس لم تخرج من حكمه.
ولا يحلّ وطؤها إلاّ بالغسل التامّ عند الأكثر. ويحلّ ــ قيل ــ بغسلهما لا بما سوى الفرج، ولا بغسل لا تجوز به الصلاة، وإن غسلت (123) بمستعمل ووطئت لم تحرم.
وقيل: إذا طهرت مطلّقة من آخر حيضة وغسلت به أو بنجس بلا علم بهما أو بجهل فأتت به مطلّقها، ولا تتزوّج حتّى تغسل برافع للحدث. (1/399)
صفحة 390
ومن لا تدخل إصبعها بفرجها عند الغسل وغسلت ظاهره ويأتيها زوجها على ذلك، ولم يعلم به وظنّت أن لا يلزمها غسل داخله ثمّ علمت، فإن افتدت ــ قيل ــ منه لأجل ذلك فحسن، وإلاّ وتابت منه ولم يعلم به لم يضق عليها. ومن تزوّج بكرا وكان يجامعها ولا تدخل إصبعها إذا غسلت فقد شدّد فيها أبو القاسم، وألزمها البدل والكفّارة. وإن غسلت من حيض كذلك أفسدها عليه إذا وطئها ولم تتنظّف؛ وابن بركة يلزمها البدل لا الكفّارة، ولا يفسدها عليه.
فصل
لم يُجمع على وجوب غسل من استحاضة، فمن وطئ مستحاضة بلا غسل أو بتيمّم لم يضرهما، فإن شاءت غسلت لكلّ صلاتين، وجمعتهما، وإن شاءت أفردت كلاّ بغسل وصلاة بوقت، وقيل: إن شاءت أن تتنفّل بعد الفريضة بين الصلاتين غسلت للنفل إذا فرغت منها. أبو [177] سعيد: يجزيها ــ قيل ــ أن تتنفّل بغسلها للحاضرة ما قامت بمكانها، وقيل: ما حفظت وضوءها جازته صلاتها به إلاّ إن حضرت فريضة يلزمها لها غسل؛ وإن انقطع عنها الدم غسلت لكلّ فريضة في وقتها كالطاهرة.
وإن غسلت مستحاضة ليلا ثمّ أصبحت لا ترى دمًا توضّأت لصلاة الغداة وصلّت وجاز وطؤها.
فصل
أبو سعيد: كره بعض وطء مستحاضة إلاّ إن غسلت له أو دبر غسل صلاة، وبعض في الدم الكثير ولو غسلت، وبعض لا يرى به بأسا إلاّ إن استقذر وهو الأصحّ. ومن رأت دما أو شمّت ريحه، فإن كان وقت حيضها أمسكت عن الصلاة وإلاّ (1/400)
صفحة 391
غسلت لكلّ، وصلّت، فإن كان سائلا غسلت وجمعت. أبو عبد الله: إن ظهر من الفرج دم (124) غسلت محلّه لا بدنها منه؛ وإن سال منها بياض وختمت نفسها بشيء وصلّت، فإذا حضر وقت أخرى وكانت مختومة توضّأت لكلّ صلاة. أبو سعيد: إن دامت على ذلك إلى أن توضّأت واحتشت، وعهدها بذلك توضّأت للثانية، وكذا ما كانت على هذا تستنجي وتطهّر لكلّ صلاة. واختلف فيها إن حضرتها، فقيل: تتوضّأ لكلّ وقيل: تغسل، وقيل: تجمع صلاتين بغسل كالمريض يؤمران بالجمع، ولا يلزمهما، ولو صلّيا كلاّ بوقتها بغسل كان أفضل لهما.
وإن جهلت غسلا للصلاة أبدلتها لا الصوم. وإن اعتاد لحامل حيض، فقيل: كالحائض، وقيل: كالمستحاضة؛ وما جعل الله حيضا مع حبل، ولا يطأها زوجها لحال استحاضة عند من كره وطء مستحاضة في السائل، وقيل: تتنظّف للزوج كالصلاة، ويطؤها ولا تفسد عليه على كلّ حال. (1/401)
صفحة 392
الباب الرابع والعشرون
في صلاة الحائض والمستحاضة وصومهما وغسلهما
اختلف في حائض ترى دما وقت الصلاة، فقيل: تعيدها إذا طهرت، وقيل: إذا دخل منه قدر ما تتطهّر وتصلّي فأخّرتها حتّى حاضت فعليها قضاؤها؛ ومخالفونا لا يرونه عليها لوسع الوقت لها، وقولنا أقوى، لأنَّها خوطبت بأدائها. واختلفوا إذا طهرت وقد بقي منه ما لا تدرك فيه التطهّر والصلاة، فقيل: لزمتها لأنَّها طهرت في وقتها، وقيل: لا؛ وإن طهرت ليلا في نصفه الأخير فعليها الوتر لا العتمة، ولزمها في الأوّل منه. وإن طهرت والشمس بيضاء نقيّة لزمها العصر لا إن طهرت بعد اصفرار لمغيب، وقيل: إن بقي من الوقت قدر (125) ما تصلّي فيه أبدلتها، وإلاّ فلا ولو جاءتها وقد صلّت منها ركعتين.
وإن طهرت أوّل النهار فتوانت عن الغسل حتّى فاتتها الصلاة لزمتها الكفّارة والقضاء لا إن طهرت وقتها فقامت إليه من حينها ولم تفرغ منه حتّى فات.
ابن الحسن: إن طهرت أوّل حيضها في أقلّ من عشرة أو نفاسها في أقلّ من أربعين فتركت الصلاة إلى التمام ظنّا منها الجواز لزمها البدل لا الكفّارة. أبو علي: من كان وقتها في الحيض ستّة فطهرت في ثلاثة فظنّت أنَّ عليها ترك الصلاة حتّى تبلغ الستّة، ولم تصم أيضا أبدلتهما.
ومن اعتاد لها أربعة فدام بها الدم، فأكلت إلى تمام العشرة تظنّ أن كلَّ ذلك حيض أبدلت ما أكلت، وما تركت من الصلاة فوق المعتاد. فإن جاء للمرأة دم يوما أو يومين ثمّ انقطع فليس بحيض، وتقضي ما تركت عند من قال أقلّه ثلاثة، وقيل: لا إن كان في وقتها، وكذا إن تركت ظنّا أنَّها حائض، فإذا هي حامل، فإنّها تبدل. ابن الحسن: إن طهرت منه وهو خمسة ثمّ راجعها الدم فكانت تغسل وتصلّي حتّى مضت تسعة فأكملت العاشر، [178] فإن جهلت وأكلت يوما من العشرة التي هي فيها (1/402)
صفحة 393
مستحاضة أبدلت ما مضى من صومها، وذلك اليوم إن كان غلطا؛ وإن لم تذكر حتّى فات لم يلزمها إلاّ بدله تلحقها بالأيام التي كانت عليها حين تطهر من الحيض. فإن كان في رمضان أبدلته، وإن عرفت أيام حيضها فانقضت واستحاضت فقعدت عشرة تغتسل وتصلّي ثمّ طهرت بعدها فتركت الصلاة والصوم عمدا فعليها بدل رمضان و (126) الكفّارة له، وبدل الصلاة وأخرى لها أيضا.
ومن عالجت في رمضان حتّى ذهب الحيض عنها لئلاَّ يلزمها بدله، فإن حاضت بعده أبدلت أيام حيضها، وقيل: إن عالجته بعد أن أتاها فعليها بدله، لا إن قبله. نبهان: لا بدل عليها في الحالين.
وكلّ امرأة طهرت قبل تمام حيضها وصامت ثمّ راجعها الدم في أيامها تلك انتقض (126) صومها الذي بين اليومين، وتمّ لها ما صامت إن لم يراجعها في الوقت.
وإن طهرت ــ قيل ــ منتفسة بعد ستّة ووقتها أربعون فصامت رمضان فراجعها فيه تمّ ــ قيل ــ صيامها له، وهي طاهر، وقيل: منتقض لرجوعه في الأربعين؛ وكذا من طهرت في أيَّام حيضها، وتصوم، فإذا تمَّ لها الطهر حتَّى تنقضي وهي صائمة، تمَّ صومها؛ وإن راجعها وقت حيضها انتقض.
وإن رأته في رمضان بعد طهر عشرة فدام بها يومين ثمَّ رأت طهرًا في ثالث، فلم تصم ولم تصلِّ، ولم يراجعها، وقد تركتهما ثلاثًا، فقيل: تبدل صلاة اليومين، وقيل: لا، إن لم يتمَّ الحيض ثلاثة، وتبدل صلاة الثالث اتِّفاقًا؛ وفي الصوم ــ قيل ــ عليها بدل ما مضى منه، وقيل: ما أفطرت فقط؛ وإن أتاها في الثالث ولو ساعة، فحسبته من أيَّام حيضها، فإذا صحَّ فلا بدل عليها في الصلاة لتركها في أيَّامها، وتبدل ما تركت منها وهي طاهر من الثالث؛ وإن طهرت في أيَّام حيضها في رمضان، فتركت الصوم منتظرة لرجوع الدم، وظنَّته جائزًا لها، فقيل: تبدل ما تركت منه مطلقًا، وقيل: ما مضى مطلقًا، وقيل: ما أفطرت إن راجعها في أيَّام حيضها، وإلاَّ أبدلت ما مضى.
وإن كانت تبدل رمضان، ثمَّ قطعها الحيض قبل التمام، فإذا طهرت منه وصلت ما بقي بما سبق؛ وإن لم تصله فسد ما صامت. (1/403)
صفحة 394
وإن أتى حاملاً في رمضان، فأفطرت وتركت الصلاة، لظنِّها جائزًا لها، فلتبدلها وما مضى من صومها، ولا كفَّارة عليها، وندب لها الغسل لكلِّ صلاتين، فتصلِّي وتصوم.
فصل
ابن محبوب: من كان وقتها ستَّة فرأت طهرًا بيِّنا على ثلاثة فلم تصلِّ ولم تصم منتظرة لوقتها الأوَّل، فإن راجعها قبل انقضاء وقتها فلا تبدل الأيَّام، وإلاَّ فسد ما مضى من صومها، ولا تبدل مطلقًا عند الوضَّاح.
ومن حاضت فلجَّ بها الدم واختلط عليها وقتها، صامت الشهر كلَّه، وأبدلت أيَّامها المعتادة لها في حيضها؛ وإن أتاها في أيَّامها، واتَّصل يومًا أو يومين بعد وقتها، وقد صامت، أبدلتهما.
أبو منصور: لا تبدل في الصفرة والكدرة، ولا تدع بهما صلاة ولا صومًا (128). وإن رأت طهرًا بعد صفرة غسلت وأبدلت الصوم.
وإن تمَّت أيَّام حيضها، ورأت طهرًا في أوَّل رمضان، فغسلت وصامت عشرة، ثمَّ عاودها بعدها، فإنَّها عند الربيع تدع الصلاة والصوم، وعند غيره لا، حتَّى تنقضي خمسة عشر يومًا. وإن اعتيد لامرأة عشرة فطهرت على خمسة وهي في رمضان، فصامت حيث رأت الطهر، ثمَّ عاودها قبل تمام العشرة أعادت صوم الأيَّام، [179] ولو تمَّ لها الطهر إلى تمامها لتمَّ لها صومها؛ وإن كان وقتها ثلاثة فرأت الطهر في الثاني فصامت، فإذا لم يعاودها الدم في أيَّامه تمَّ صومها؛ وإن عاودها فيها فسد.
وإن اشتبه عليها أمر الطهر في أيَّام حيضها، فرأت كالبزاق، أو الصفرة أو الكدرة، ولا تعرفه طهرًا أو غيره، فحكمها في أيَّامه له حتَّى ترى طهرًا لا شبهة فيه، ولها ترك العبادة حتَّى تتيقَّن به. (1/404)
صفحة 395
وإن انقطع حيضها لكبرها، ثمَّ رأت دمًا في رمضان، ولم تدعها، فإن كانت كأترابها في حدِّ الإيَّاس جاز صومها، وكانت كمستحاضة في أيَّام طهرها، ولو عاودتها صفرة أو كدرة.
وقيل: إن تمَّ لامرأة أيَّام حيضها ودم بها فزادت يومًا أو يومين، ولم ينقطع، وهي في رمضان، اختير لها أن تعيد صومها وصلاتها إن تركتها (129) فيهما؛ وإن انقطع في اليوم واليومين فكالحائض، فتعيد الصوم لا الصلاة.
وإن تمَّت أيَّام حيضها فانقطع الدم، فبقيت صفرة أو نحوها يومًا أو يومين، فقيل: تبدله، وقيل: لا، فيهما، والأخذ بالأوثق أولى؛ ولا تدع ما ذكر بكالصفرة إلاَّ في أيَّام الحيض إن سبقها الدم؛ وإن رأت طهرًا بعد صفرة، فقيل: تغسل، وقيل: لا إن غسلت بعد انقضاء الأيام، وانقطاع السائل، وهو المختار.
وإن اعتيد لها ستّة وكانت تبدل رمضان، فجاءها الدم وقد صامت يومين فقعدت أربعة، ثمّ طهرت في خامس ولم تغسل ثمّ اغتسلت من الليل وصامت ثمّ راجعها الدم، فإن أفطرت في الخامس فسد ما صامت وأعادت ما تركت من الصلاة، وهي طاهر. فإن راجعها في بقيّة أيام حيضها أمسكت عنها حتّى تتمّ أيامه، فإذا طهرت اغتسلت وصلّت، وإن دام بها بعد انقضائها انتظرت يوما أو يومين، فإن طهرت غسلت، وإلاّ فمستحاضة، وقيل: تعيد صلاة من انتظرت فيه، وقيل: لا، وهو المختار.
وإن دام بها حيض حتّى ظنّت أنَّها مستحاضة، فأرادت غسلا فحين شرعت فيه انصبّ منها دم فظنّته دم سقط فلم تصلّ، ثمّ زال يومين فلتُرِه من يعرف دم الحيض من دم الولادة؛ فإن كان دمها انتظرت وإلاّ غسلت وصلّت، فإن لم تفعل أبدلت صلاتها من بعد قروئها، وتزيد عليها يوما أو يومين، ثمّ تبدل ما تركت. (1/405)
صفحة 396
فصل
إن نامت طاهر عن مغرب فاستيقظت حائضا أعادته إن ذهب وقته وإلاّ فلا. وإن ضيّعت أعادت واستغفرت. أبو سعيد: إن نامت عنها قبل وقتها واستيقظت حائضا، وقد فات صلّتها إذا طهرت لأنّ النائم تلزمه الصلاة إذا استيقظ، إلاّ إن علمت بمجيء الدم أوّل الوقت حيث لا (130) تدركها ووضوؤها، وإن استيقظت ومضى قدر ما لا تدركهما فيه فلا تعيدها، إلاّ إن تطوّعت.
وإن تمّت أيام امرأة فأرادت غسلا أوّل الليل فرأت دما، فنامت وأصبحت طاهرا قضت صلاة العشاء، وإن رأته بعد ثلثه صلّت الوتر احتياطا لا حكما، لأنَّها إذا جنّها وبها دم فهي حائض ليس عليها أن تلمس نفسها ليلا حتّى تعلم طهرا بيقين؛ وإن لم تره حتّى أصبحت غسلت وصلّت الفجر، ولا تبدل صلاة الليل. وإن لم يسل الدم وكان منكمنا أو كان صفرة أو نحوها ولم تصلّ جهلا، اختير لها البدل.
وقيل: إن رأت حائض طهرا وقت صلاة لزمتها لا غيرها، وإن رأت دما أو غيره ولو دفعة بوقته، ثمّ زال غسلت، وقيل: كلّ طهر كان بين أيام الحيض أو النفاس حسب من الأيام التي رأت فيها الدم قبل وبعد.
وكلّ صلاة أتت على طاهر بيِّنا ولم يعقبها دم بوقتها أو بعده وتركتها، فإنّها تعيدها وإن كان فيه ورأت طهرا أو أخّرت غسلا، ولم تصلّ انتظارا لتمام الدم، كُره لها [180] ذلك، ولا يلزمها بدلها إن راجعها وإلاّ وتمّ لها الطهر اختير لها أن تبدل كلّ ما تركت منذ طهرت إلى أن غسلت.
ولزم بدل وكفّارة من انقضى وقتها ورأت بيِّنا ولم تغسل انتظارا لرجوع الدم أو لسبب آخر حتّى فات الوقت إلاّ إن اعتاد لها بعد انقضائه، فأرجو أن لا تلزمها (131).
وإن حاضت بعدما صلّت العتمة أوّل الليل اختير لها أن توتر بعد الغسل.
ابن الحسن: المختار لمن طهرت بيِّنا في أيام حيضها أنَّها تغسل وتصلّي، وإلاّ أبدلت ما تركت طاهرا. أبو سعيد: إن أصبحت طاهرا فيها في رمضان حُكم لها عند (1/406)
صفحة 397
طلوع الفجر بالحيض حتّى تعلم أنَّها طاهر، ولا يحكم عليها بالطهر إلاّ حين تراه، وإن كان حكمها حكم ساعة نظرها فرأت طهرا بعد الفجر، وصامت يومه أبدلته.
عزّان: إذا طهرت ليلا برمضان فلم تغسل حتّى أصبحت أبدلت ما مضى منه، وقيل: يومها، وإن طهرت فيه لتمام حيضها فعند آخر يوم من عدّتها في ظنّها أكلته، فقيل: تبدله مع أيامه ولا عليها، وقيل: تدع الأكل وتغسل، وتعيد صومها. أبو سعيد: إن أكلته ظنّا أنَّها تطهر فيه فلا عليها ما لم تطهر، (132) فإذا طهرت فيه، فقيل: تمسك، وقيل: تأكله إن شاءت.
ومن وجدت بفرجها رطوبة فظنّتها حيضا ثمّ لم تر بعد وقت الصلاة شيئا، أجزاها أن تبدلها؛ ولا تبدل ظهرا من طهرت وقت العصر، ولا هو وقت المغرب، ولا هو وقت العشاء.
الربيع: إذا جنّها الليل ولم تطهر لم تلزمها صلاة حتّى تصبح وأوترت إن رأته سحرا.
أبو سعيد: إذا طهرت وقت صلاة بقدر ما تغتسل وتصلّي فلم تغسل من حينها، فلمّا تأهّبت للغسل راجعها، فقيل: تبدلها، وقيل: لا.
فصل
أبو سعيد: إن سال دم مستحاضة، فلا تصلّي في مسجد أو مصلّى وإن احتشت، فإن أمكنها شيء تجعله تحتها تتّقيه به فعلت، وإلاّ حفرت حفرة تجلس عليها وصلّت قاعدة، وقيل: إذا غسلت وأرادت أن تصلّي لفّت على فرجها بثوب أو خرقة، ثمّ صلّت.
وإن غسلت من رأت طهرا أو صلّت ولم تر دما أجزاها غسلها. وإن غسلت وبها دم فلمّا صلّت انقطع حسن لها أن تغسل إذا تمّ انقطاعه؛ وإن دام بها فعلت كغيرها. وإن غسلت لصلاتين غسلت لما تبدله ثانيا؛ وكذا تصنع لكلّ فرض ولكلّ (1/407)
صفحة 398
بدل، وقيل: لها أن تصلّي ما شاءت بواحد ما كانت عليه بمحلّها. وإن تحوّلت جدّدت لنفل، وقيل: إن أحدث بعد غسل لصلاتين فلا يلزمها آخر، وعليها الوضوء؛ وكذا إن وقع منها دم بعد غسل لهما لا تعيده لهما؛ وقيل: إن جمعتهما (133) جدَّدت أخرى لأخرى أو نافلة كما مرّ، وقيل: ما رأت دما على خرقتها تصلّي عشرة أيام وغداة أحد عشر ثمّ تمسك عن الصلاة قدر أقرائها لا تزيد عليها، وتدوم على ذلك، وقيل: تصلّي عشرة وتدع اثنى عشر حتّى يفرّج (134) عنها، وقيل: تزيد على أيام أقرائها يوما أو يومين انتظارا، وقيل: تفعل ذلك ما رأت دما يصبغ القطنة، وقيل: لا يكون الغسل إلاّ من السائل والقاطر، وكذا الاِنتظار بعد أيام الحيض لا يكون إلاّ منهما.
وإن استقام لامرأة ثلاثة قروء على حال واحدة، فإذا غسلت من حيضها بعد الطهر من الدم راجعها عند الفجر وهاجرة وعصرا ومغربا وعشاء، ولا يدوم بها، فهذه تغسل وتصلّي ولا تدع [181] إلى وقت الأخيرة، ولا تجمع لأنَّها إمّا طاهرة، أو ينقطع عنها الدم، وإنّما الجمع لمن اتّصل بها وقت الأولى سائلا أو قاطرا. وإن أخّرتها إلى الأخيرة ما لم ينقطع فأرجو أن يجوز لها ذلك؛ وكذا (135) إن جرّتها إلى الأولى، وتؤمر بتوسّط الوقت بينهما، وإن زال عنها وقت الأولى صلّتها بالغسل الأوّل، ولا تصلّي الأخيرة. فإن لم تغسل وتوضّأت وصلَّت فلا كفّارة عليها، واختير أن تبدلها، وقيل: لا. وقد روي فيها عنه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ قول بأنَّها تؤمر بالغسل، وقول بأنَّها تؤمر بالإنقاء والوضوء.
فصل
من السنّة ــ قيل ــ إبدال الحائض ما تركت من صوم لا صلاة، وقيل: أصل ذلك أنّ حواء لما حاضت سألت آدم ــ عليهما السلام ــ عن الصلاة، فقال لها: أتركيها، فسقط عنها بدلها لذلك، ولمَّا أتاها في الصوم قاسته بالصلاة فأكلت، ولم (1/408)
صفحة 399
تستأمره في الإفطار، فألزمها بدله، وقيل: لأنَّه لا يتكرّر دائما كالصلاة، فشقّ أمرها دونه. (1/409)
صفحة 400
الباب الخامس والعشرون
في صلاة المرأة إذا ضربها الطلق عند الولادة
فإذا رأت دما، فقيل: تغسل وتصلّي، لأنَّها لا حائض ولا نفساء، وقيل: لا تدعها حتّى ترى أعلام الولادة؛ وإن رأت سائلا ثمّ انقطع أو كصفرة وقد ضربها، فقيل: تدعها إن رأت دما لا كصفرة، وهل تدعها إن خرج الأوّل وبقي فيها آخر، أو حتّى يخرج أيضا؟ قولان.
وإن رأت حامل دما وصلّت به بلا غسل جهلا، اختير لها البدل؛ وإن رأته وظنّت أنَّها حامل، وكانت تصلّي وتصوم، ثمّ بان أنَّه حيض، ولا حمل بها، فقيل: عليها بدل صوم أيامه، وتمّ لها صوم ما بعدها.
أبو سعيد: إن ضربها فجاءتها دفعة دمٍ ثمّ زال فعليها الغسل والصلاة إن رأت طهرا، وإن رأت كصفرة وقد تقدّمها دم، فقيل: لزماها، وقيل: لا حتّى تطهر، وهذا مختاره. وقيل: إن رأت دما أو صفرة صلّت حتّى تضع أو ترى أعلام الولد، إلاّ إن كانت تحيض على نحو ما لم تكن حبلى فلها أن تدعها. الربيع: لا إن بان حملها وتغسل إن رأت دما لكلّ صلاتين، وتتوضّأ بكصفرة لكلّ، واختاره أبوسعيد. وقال نبهان: إذا رأت دما وركّزت للولد وانفقأ الهادي تركتها لا إن رأت ــ قيل ــ ماء، وقيل: إذا خرج الماء، وقيل: جارحة من الولد ولو لم يخرج دم ولا ماء.
وجاز وطء حامل يخرج منها ماء ما لم يضربها الطلق؛ وعليها الوضوء لا الغسل. وإن جامعها زوجها وقد انفقأ الهادي فلا يقيم ــ قيل ــ معها (136).
ابن بركة: إن ضربها المخاض واشتدّ الميلاد، فقيل: تدع الفرض، وقيل: لا تدعه للماء. أبو المؤثر: إن ضربها وخرج الماء استتفرت وتوضّأت وصلّت ولو يسيل. فإذا انفقأ تركتها ولو لم تر شيئا ولم يضربها الطلق؛ فإن ضربها ورأت كصفرة ولم ينفقئ الهادي تركت أيضا، فإن رأت دما ثمّ زال وبقي ماء صاف يخرج فلها تركها، وقيل: (1/410)
صفحة 401
لا، وإن ضربها ورأت دمًا وإن قلَّ فلها تركها؛ (137) وإن لم تره ولكنّها إذا أدخلت إصبعها خرج الدم بها ولم ينفقئ الهادي فلا تدعها حتّى ينفقئ أو يظهر الولد، ولو ضربها الطلق، لأنّ ما لا يرى من الدم ليس بشيء ولا من حيض ولا نفاس، ولا غسل عليها منه.
لدم، فإن أفطرت في الخامس فسد ما صامت وأعادت ما تركت من الصلاة، وهي طاهر. (1/411)
صفحة 402
الباب السادس والعشرون
في النفاس
وهو ظهور الدم بعد الولادة، فإذا زال غسلت [182] وطهرت، وإن تمادى بها بعد أربعين فمستحاضة. ومن السنّة أنَّه كدم الحيض، وأنَّها تدع العبادة ما دامت نفساء، وتبدل ما أفطرت فيه لا الصلاة، وإتيان الزوج والصفرة ونحوها في أيامه منه ولو تقدّمها الطهر، وقيل: الحكم لما سبقهما، فإذا كان وقتها أربعين وزال عنها بعد عشرة فغسلت وصلّت خمسة عشر، ثمّ راجعها الدم فمن نفاسها إلى أربعين فتبدل الصلاة، وفي لزوم الكفّارة خلاف؛ فإن طهرت على عشرين ثمّ راجعتها صفرة أو نحوها فيها وقد صامت، فقيل: تامّ لأنَّهما تابعان، وقيل: لا لأنَّهما نفاس في أيامه. فإن كانت تطهر أياما ويراجعها الدم أكثر منها، فإن لم تسبقها عادة فعدّتها أربعون؛ فمن ولدت أوّلا فرأت دما في ميلادها ثلاثا، ثمّ زال وطهرت عشرة ثمّ رأته بعدها، فإن رأت ــ قيل ــ طهرا أوّل ولادتها فوقتها أوّل ما تطهر فيه.
عزّان: إن طهرت في الأوّل على عشرين فهي وقتها، فإن ولدت الثاني ومدّ بها أكثر منها انتظرت يومين أو ثلاثا، فإن زال، وإلاّ فمستحاضة إلاّ إن اتّفق لها بعد الأوّل ثلاثة مواليد على مدّة رجعت إليها في الرابع وتتّخذها وقتا، وتدع العبادة والزوج إلى تمامها إن كان بها دم أو تابعه. وإن لم يستقم لها النفاس فالأوّل وقتها ولا تتحوّل عنه، وقيل: إن كان أقلّ من أربعين وعليه طهرت أوّلا، فإن ولدت الثاني فمدّ بها الدم بعد وقتها تركت ما ذكر إلى أربعين. فإن نقص عنها في الثاني ثمّ ولدت ثالثا فمدّ بها عن وقت الثاني تركت إليها أيضا، فإن طهرت قبلها فهو وقتها في الثالث، وقيل: ما دام يزيد؛ وأوقاتها دون أربعين تركت حتّى تتمّ، وكذا قيل: في الحيض إن كان دون عشرة. (1/412)
صفحة 403
عزّان: إن طهرت في الأوّل على عشرين وفي الثاني على خمسة عشر اغتسلت وصلّت، فإن راجعها دون عشرين فنفاس، وبعدها استحاضة (138) إن راجعها بعد خمسة عشر من بعد العشرين فحيض.
أبو سعيد: إن أتاها دم بعد أيام الطهر من يوم طهرت ولو في أيام الحيض أو النفاس فحائض، وإن أتاها بعد عشرة أو خمسة عشر عند بعض، وقد انقضت أيامها في حيضها أو نفاسها فحائض أيضا؛ وتعدّ بأيام طهرت فيها من بقيّة أيامه.
فصل
اختلف (139) في مدّة النفاس، فقيل: شهر، فإن مدّ بها بعده دم فمستحاضة، وقيل: أربعون ثمّ كذلك إلى عشرة، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: كأمّهاتها إن كانت صغيرة، وقيل: أربعة أشهر، وقيل: وقت البكر انقطاع الدم ولو طال، وأقلّه عشرة، وقيل: ثلاثة، وقيل: أسبوع، وقيل: ساعة؛ والأكثر وهو المختار أربعون، وقيل: إن دام بعدها (140) واعتاد لها ثلاثة مواليد اعتدّت إلى تسعين.
وأقلّه ــ قيل ــ غير محدود. فإن طهرت منه في أقلّ من أربعين غسلت وصلّت كما مرّ إلى تمامها إلاّ إن اعتاد لها دونها في ثلاثة مواليد.
وإن اتّصل بها بعد معتادها انتظرت ما مرّ، وقيل: ثلاثا. فإن زال وإلاّ فمستحاضة، وقيل: لا تنتظر إلاّ إن كان أقلّ من أربعين، وقيل: تنتظر ولو كان فوقها.
عزّان: إن ولدت وخرج منها ماء لا دم غسلت وصلّت، وإن رأته بعد أيام في أربعين ولم توقّت تركت الصلاة، وهي نفساء إلاّ إن أتاها بعد خمسة عشر كانت فيها طاهرا فدم حيض إن لم يعتد لها وقت.
[183] وإن ولدت أوّل ولد فرأت ــ قيل ــ طهرا بعد عشرين فغسلت، ثمّ دما في يومها فلا تزيد فقد صار لها وقتا. (1/413)
صفحة 404
فصل
إن خرج من امرأة ماء عند ولادة فتمادى بها اختشت [كذا] (141) وتوضّأت وصلّت إن لم ينفقئ الهادي؛ فإن أمكن الاِحتشاء واستمسك بعد الوضوء فلا يلزمها تيمّم. فإن فاض منه ففي لزومه خلاف. وإن لم تحتش جهلا لم يلزمها بدل.
وقيل: من رأت طهرا حين ولدت فإنّها تصلّي وتدع الزوج ثلاثة أيام. أبو المؤثر: أُمرنا أن لا نطأ نفساء قبل أربعين، فمن وطئ قبلها على طهر أساء ولا تفسد عليه ولو راجعها الدم فيها.
أبو سعيد: من سُبيت من أرض الحرب، ولم يعرف كم دام بها أوّل ما ولدت فيها فكالأوّلة إذا ولدته؛ وحسن أن لا تدع الصلاة أكثر من أربعين، ولا توطأ إلى ستّين، وتغسل وتصلّي فيما بينهما. وقيل: إن دام بامرأة أوّل نفاسها عشرين فطهرت، فاغتسلت ثمّ رأته يومها فنفساء إلى أربعين ما راجعها؛ وإن تمّ لها الطهر على عشرين كان وقتا لها؛ وكذا تقعد في الثاني، فإن دام بها الدم انتظرت ما مرّ، فإن زال وإلاّ فمستحاضة. واختير أن لا توطأ ما دام بها إلى أربعين، فإن تمّ لها النفاس ثلاثة مواليد على معتاد فوقت لها، وإلاّ فهو الأوّل. وقيل: من تمّ لها أربعون فطهرت وغسلت وصلّت وأقامت عشرة طاهرا بعد الأربعين فرأت صفرة أو نحوها لم تكن حائضًا بذلك حتّى يتقدّمها دم أحمر.
ابن علي: من وقت نفاسها تسعة في (142) ثلاثة مواليد فطهرت في الرابع على سبعة وصلّت، ثمّ راجعها بعدما صلّت عشرة وقد غشيها زوجها فلا عليهما. وما بعد طهر العشرة فحيض عند الربيع كما عرفت.
وقيل: من ولدت أوّلا فقعد نفاسها عشرا ثمّ طهرت سبعا ثمّ راجعها دم أو تابعه فمن نفاسها؛ وإن قعدت خمسا وزال واتّصل بها تابعه فمنه أيضا. (1/414)
صفحة 405
فصل
اختلف فيمن ألقت مضغة (143) أو علقة، فقيل: نفساء، وتخرج من العدّة بها، وقيل: من عدّة الطلاق، ولا تدع الصلاة، ولا توطأ على ذلك احتياطا لا حكما، وقيل: لا حتّى تظهر بها جارحة إنسان، وقيل: تنظرها النساء، فإن قلن ولد قبل قولهنّ، وقيل: حتّى يُعرف ذكرا أو أنثى؛ والمختار أنَّه لا تكون بهما نفساء، ولا تستحقّ اسمه إلاّ بما يسمّى ولدا. فإن رأت بعد إلقاء المضغة دما وميّزته أنَّه ليس بحيض لم تدع له عبادة؛ وإن عرفته حيضا فعلت كالحائض.
أبو سعيد: اختلف في السقط، فقيل: إذا صحّ أنَّه من أسباب الولد قعدت له كالنفاس ولو سائلا إن كثر، وقيل: حتّى تكون علقة، وقيل: مضغة وإن غير مخلّقة، وقيل: حتَّى تكون مخلَّقة، (144) وقيل: حتّى تكون لحما مطلقا، وقيل: حتّى يتبيّن له جارحة، وقيل: إنّه ذكر أو أنثى أو خنثى، ثمّ تقعد للنفاس وتنقضي به العدّة، ولا خلاف في هذا، وقيل: تقعد في ذلك كالحائض، ولا تنقضي به ولا تتزوّج حتّى تحيض ثلاثا، ولا يردّها الزوج، وقيل: له ردّها [184] ما لم تحلّ للأزواج. وإن أسقطت فزال عنها الدم فلا يطأها ثلاثة، فإن لم تر دمًا فلا بأس إن وطئها.
أبو سعيد: إن رأت بيِّنا، فقيل: عليها غسل النفاس، وإن أسقطت بيِّنا ثمّ آخر بعد ثلاثة أيام انقضت عدّتها به لا بالأوّل. وفي اسم النفاس خلاف مرّ؛ واختير أن تدع الصلاة بخروج الأوّل وأن لا توطأ إلاّ بعد انقضاء نفاس الآخر.
ومن ولدت أوّل ولادة في أوَّل رمضان، (145) وطهرت على عشرين فغسلت وصلّت وصامت عشرة، (146) وراجعها الدم في أربعين، فقيل: إذا تمّت أيام الشهر صائمة ثمّ راجعها فيها (147) تمّ صومها، لأنَّها ختمته صائمة طاهرة، وقيل: لا، لرجوعه فيها، وهي من النفاس؛ واختير لها أن تبدل احتياطا إن لم تمكث خمسة عشر طاهرا، ثمّ يراجعها فيتمّ لها صومها، فإنّما يأتي بعدها حيض لا نفاس؛ فلو ولدت في (1/415)
صفحة 406
شعبان ومكثت منه نفساء عشرة ومن رمضان أخرى ثمّ طهرت فيه وصامت خمسة عشر فجاءها في الخمس الأواخر منه لتمّ صومها، لأنَّه حيض. وإن أتاها في رمضان قبل مضيّ خمسة عشر منذ طهرت (148) انتقض ما صامته. (1/416)
صفحة 407
الباب السابع والعشرون
في صفة دم الحيض والاِستحاضة وأحكامه
فالحيض أسود ثخين منتن أسِن لا يكاد يخرج من الثوب، ودمها أحمر رقيق لا رائحة له، وهو دم عرق، ويرجع إلى الصفرة. فإذا وجدت العين القائمة على الصفة حكم بها، لأنّ للعبادة إن علقت بشرط (149) أو وصف ووجد لزم وجوبها. فكلّ خارج من محلّ البول فليس بحيض، وإنّما يأتي من محلّ الولد والجماع، وهو أسفل من محلّ البول وواسع؛ فلا تدع عبادة بآتٍ منه ولا وطئا وإن كثر.
وعليهنّ معرفة الفرق بين الدماء. فإن أشكل على امرأة تمييز حيض من استحاضة فلا تدع فرضا إلاّ بيقين، ولا توطأ إلاّ بيقين طهر.
ويتعلّق بالحيض ــ قيل ــ اثني عشر أمرا: ترك الصلاة والصوم، ولزوم بدله، ومنع دخول المسجد، والوطء، وحمْل المصحف والقراءة والطوافّ والاِعتكاف، ووجوب الغسل، والبلوغ، وعدم انقضاء العدّة، والخلف في أكثره، فالأكثر على أنَّه عشرة، وقيل: خمسة عشر لا ما فوقها. فعلى الأوّل أقلّ الطهر عشرة، وعلى الثاني خمسة عشر، وقيل: شهر. وليس الحيض بأكثر من الطهر عند الجميع.
وأقلّ الحيض ــ قيل ــ دفعة، وقيل: يوم وليلة، وقيل: ساعة؛ والجمهور ثلاثة أيام، ولا حدّ لأكثر الطهر؛ فلو كان حيضها خمسة أو ستّة إلى عشرة فحاضت ثلاثة فطهرت فيما بقي، فهي حائض فقد كملت عدّتها إن حاضت ثلاثة في أيامها، ولو حاضت يومين ثمّ طهرت بقيّتها لم تكن حائضا، لأنّ أقلّ الحيض ثلاثة، ولو حاضت يوما وطهرت يوما، ثمّ كذلك فيهما. فإن كان الطهر أكثر من الحيض لم تكن حائضا، وفي عكسه حائض أيضا؛ وهذا إن كانت في أيام حيضها وما تقعد فيه أوّل بلوغها. وإن رأت يومين دما ثمّ طهرت فليس بحائض حتّى يكون ثلاثة تامّة، وقيل: إذا رأته يومين واعتادا لها فحيض. (1/417)
صفحة 408
أبو عبد الله: إن طهرت عشرة ثمّ رأت الدم يوما أو يومين، فالربيع ووائل: إنّه حيض لا أقلّ من يوم وليلة، وقيل: إن طهرت خمسة ثمّ رأت دما فحينئذ يكون حيضا مطلقا، وقيل: إن كان يوما أو يومين. (1/418)
صفحة 409
[185] الباب الثامن والعشرون
في بلوغ الصبيّة وحيض الكبيرة وانتقال العادة
فمن كانت بحدّ ما يبلغ مثلها وقد صحّت، فظهور الدم من فرجها أحد دلائل البلوغ، وهو حيض حتّى تعلمه من علّة، وإلاّ فهي أبدا محكوم لها بالسلامة لا إن انقطع قبل تمام اليوم، لإجماعهم أنّ المبتدئة إذا لم تميّز تُردّ إلى أقلّ الحيض وأكثره، فإذا بلغت أقصى وقته ثمّ زال أُمرت بالغسل، وبإعادة ما تركت من الصلاة، وهو المختار إلاّ ما يكون أقلّه وهو يوم وليلة، وقيل: لا تعيده. وإن حاضت الأوّل يوما أو أكثر ثمّ زاد في الثاني انتظرت، فإن مدّ بها فمستحاضة، وإن حاضته يومين أو أكثر فمدّ بها، أو كصفرة فمن الحيض، وتقعد إلى عشرة من حين بدأها الدم، فإن زال غسلت وصلّت، وإلاّ توضّأت ولا تنتظر بعدها إن مدّ بها ذلك يوما أو يومين؛ فإن حاضت ما ذُكر أو أكثر ثمّ زال فصلّت يومين ثمّ راجعها في العشر تركت الصلاة، وكذا إن طهرت في ثلاثة أو أربعة، ثمّ روجعت بصفرة بعد غسل وصلاة يومين أو ثلاثة، فمن حيضها ما أتاها في العشرة إلاّ إن انقطع أكثر ممّا أتاها؛ فإذا حاضت ثانية قعدت أقصى ما انقطع عنها الدم ثمّ الصفرة، فإن كانت إلى عشرة قعدت عشرا، ثمّ هي مستحاضة إلى أن تحيض ثلاثا بعد الأولى إن اتّفق له، وتدع وقتها الأوّل وتنتقل إلى الآخر؛ وإن اختلفت فالأوّل وقتها.
عزّان: إن أتت جاريةً لم تحض صفرةٌ لم تسبق بدم توضّأت وصلّت وليست بحيض، وتدع الصلاة إن رأته، فإن ذهب قبل ثلاثة غسلت وصلّت، وفي بدل ما تركت منها قولان، والمختار عدمه، ولو مكث بها الدم يوما، فإن أتاها في الشهر الثاني كما أتاها في الأوّل، فإن زال غسلت، ولا تبدل ما تركت، فإن حاضت على ذلك مرارا يومين يومين، أو يوما يوما فهو وقت لها، وتنقضي به العدّة. فإن حاضت ثلاثا كذلك في ثلاثة أشهر، فقيل: تنقضي بذلك. (1/419)
صفحة 410
وقيل: إن بلغت صبيّة فرأت صفرة لا دما ومدّت (150) بها ولو سنة أو أكثر قعدت عند أبي عبد الله؛ كما تقعد الحائض إن كان يأتيها ذلك وقت حيضها، وقيل: ليس بحيض. واختار أبو سعيد أن لا توطأ على ذلك إن اعتيد لها.
ولو اختلط ــ قيل ــ بها دم ما لم يغلبها أو نحوها إن كان بها؛ وحدّ السائل ما بلغ الثوب أو الفخذ أو محلّ الشعر خارج الفرج، فما دام في شقّه فليس بفائض، فلا تدع له صلاة إن لم يسبقه سائل؛ وأقلّ ما تحيض به تسع سنين.
فصل
إن انقطع عن كبيرة حيض، وأيس أترابها منه كانت آيسة إن بلغت ستّين على المختار، وقيل: سبعين، وقيل: خمسين، وقيل: خمسة وخمسين، وقيل: خمسة وأربعين؛ فإن انقطع فيما بين ذلك ثلاثة أشهر أو أربعة كانت آيسة، وذهب عنها أحكام الحيض. فإذا جاءها دم أو كصفرة فمن غيض الأرحام، وتغتسل (151) للدم وتصلّي وتتوضّأ لكصفرة، واختير أن لا توطأ في أيام تكون فيها كالحائض (152) احتياطا لما قيل إنّها تدع الصلاة إن كان يأتيها ذلك أوقات الحيض.
أبو سعيد: حفظ أبو صفرة أنّ الآيسة إذا راجعها تدع له الفرض قدر أيَّامه، وقيل: كمستحاضة. محبوب: تدعه لصفرة في معتاد حيض.
واختلف في العادة والتمييز، فقيل: هو مقدّم عليها، وقيل: عكسه، وقد مرّ معناهما. وقيل: تقعد المبتدئة في حيض أو في نفاس مقعد أمّهاتها وأخواتها ونحوهما، وقيل: تنتظر بعد وقتهنّ، فإن اختلف وقت أمّها أخذت بالأكثر وإن لم تعرف وقتها ودام بها الدم جعلت حيضها عشرة وطهرها خمسة عشر، فتكون [186] كمستحاضة.
ابن جعفر: كلّ امرأة عُرف لها وقت ثمّ اختلف فوقتها ما حاضت عليه أوّلا حتّى تتفقّ لها ثلاثة متوالية على واحد، فتتحوّل إليه بزيادة أو نقص، إلاّ إن كان الأوّل (1/420)
صفحة 411
عشرة فلا تنتقل إلى أكثر منها عند الجمهور، ولا حدّ للنقص إن استقام لها الطهر على أقلّ في ثلاثة متوالية، فتنتقل إليه في الرابعة. وقيل: إن توالت حيضتان انتقلت في الثالثة، والأوّل قول الأكثر. ومن اعتيد لها ستّة ثمّ لا ينقطع عنها إلاّ بعد عشرة زادت على الستّة يوما أو يومين ثمّ تغتسل. وغالب النساء عليها وعلى السبعة.
فصل
من رأت دما يوما في أيام حيضها ثمّ طهرا فاغتسلت وصلّت فيها ثمّ رأته كثيرا بعد انقضاء عدّتها، فإن علمت ما رأت فيه الدم من (153) الحيض فمستحاضة فيما رأته فيه بعد، وقيل: إن لم تتمّ لها أيامه بعد أو ثلاثة فليس بحيض.
ومن جاء وقت حيضها فرأت كصفرة خمسة ثمّ سائلا فدام بها قدر أيامها، قال أبو سعيد: إن خرج من محلّ الوطء فحيض إن لم يكن حمل، وإن ميّزه نساء ثقات أنَّه دم حيض أو علّة قُبل، وتستحيض (154) للصلاة وتدع الزوج، واختير أن لا تنقضي به عدّتها، وأن لا يدركها مطلقا ــ كما مرّ ــ إن حاضت على ذلك ثلاثا.
ومن كانت أوّل حيضها عشرة ثمّ ردّت إلى ستّة فكانت عليها ثمّ رأت دما فلم ينقطع حتّى جاوز العشرة قعدت الستّة ثمّ تنتظر. أبو سعيد: إن استقام لها على ستّة ثلاثة أقراء فهي أقراؤها، وقيل: العشرة؛ والمختار الستّة وتنتظر بعدها إن اعتبرتها لا بعد العشرة كما مرّ، وتتّخذ للحيض وقتا واحدا، والأكثر على الاِنتقال فيه، وقيل: لا وإنّما تستعمل أبدا ما حاضت عليه أوّلا، وإن اختلف أحوالها ولا تعرف وقتا يصحّ لها، فإن ابتليت بدم فمدّ بها، فقيل: تدع الصلاة إلى أقصى أوقاتها في العشرة ثمّ تنتظر إن كانت دونها، ثمّ تنتقل، وقيل: إنّما تنتظر إلى أقلّ أوقاتها فتدع فيه الصلاة، ثمّ تغسل وتصلّي احتياطا، وتعمل كمستحاضة، ولا توطأ ثمّ تنتظر. وإن صامت في أيام تغسل فيها وتصلّي احتياطا أبدلت ما صامت إذ لعلّه وقتها، فتكون على هذا، فهو أصحّ وأبرأ. (1/421)
صفحة 412
وإن عرفت لها أيام فتقدّمت لها فيها قبل وقت حيضها صفرة قبله فلا تكون حيضا حتّى يتقدّمها سائل عند الجمهور. وإن اعتاد حيضها في كلّ شهر سبعة ثمّ صارت تراها صفرة ثمّ سبعة دما توضّأت فيها وصلّت، وتدع في التي ترى فيها الدم كما اعتاد لحيضها؛ ولم يروا على واطئ بصفرة كانت قبله فساد زوجته إلاّ إن اعتادت لها ثلاثا في كلّ شهر تتّصل بالدم فيكونا معا حيضا؛ والمختار وهو الأكثر أنَّها إن لم يتقدّمها دم لا تكون حيضا.
ابن الحسن: إن طهرت فمكثت خمسة ثمّ ردفت به، فتغسل وتصلّي حتّى مضت لها تسعة فأكلت العاشر ولم تصلّ جهلا أو نسيان العدد، فإن أكلت يوما من عشرة هي فيها مستحاضة بجهل فظنّته حيضا أو بنسيان، فإن أمسكت حين ذكرت أبدلت يومها، وكذا (155) إن لم تذكر حتّى فاتها وتلحقه بما كان عليها من الأيام. فإن كان رمضان أبدلته أو ما مضى (156) إن كان بجهل أو اليوم إن كان بغلط.
وإن عرفت طهرها وحيضها فتركت الفروض أيامه وغسلت عشرة كانت تصلّي وتصوم فيها ثمّ تركتهما أيام طهرها أكثر منها، فإن استحاضت وقعدت فيها تغسل وتصلّي وتصوم ثمّ طهرت بعدها فتعمّدت ترك ذلك في رمضان فعليها بدل الصلاة والكفّارة لها والصوم والأخرى له. وإن كانت تصلّي عشرين ثمّ تحيض عشرة فصلّت خمسة ثمّ رأت دما فكمستحاضة إلى عشرة، فتريه ــ كما مرّ ــ للنساء، فإن قلن حيض قعدت، وإن قلن علّة [187] فمستحاضة حتّى تبلغ العشرين.
الربيع: كلّ دم رأته بعد صلاة عشرة فهو حيض؛ وعند غيره خمسة عشر كما مرّ، واختار أبو الحواري قول الربيع.
وإن اختلف ــ قيل ــ طهرها مرّة تصلّي شهرًا (157) ومرّة خمسة وعشرين أو دونها أو أكثر منها، فقيل: تصلّي حتّى تبلغ أقصى أيامها ثمَّ تدعها قدر ما تحيض وتصلّي بقيّة الشهر.
واختلفوا إذا رأت يوما أو يومين دما وثلاثة طهرا، فقيل: كلّها حيض، وقيل: إذا تخلّل الدمين طهر ثلاثة فلا يكونا حيضا. ويرفعه ــ قيل ــ كبَر وحمل ومرض (1/422)
صفحة 413
ورضاع وريح؛ فإن ارتفع لسبب منها وعاد إليها فوقتها معتادها الأوّل. ابن الحسن: إن حاضت بأيامها يوما ثمّ طهرت يومين فليس بحيض، وإن حاضت يومين ثمّ طهرت ثلاثة أو كان الطهر أكثر منه بطل الحيض. وإن حاضت ثلاثا وطهرت ثلاثا أو خمسا وهي في أيام حيضها عدّت ذلك منه حتّى تتمّ أيامه.
فصل
إن رأت الأوّل يومين ثمّ زال ثمانية ثمّ أتاها لتمام العشر، (158) فاليومان والثمانية حيض، وكذا إن رأته يوما ثمّ زال تسعا ثمّ رأته عاشرا أو بعده، فالعشرة وما دونها حيض والزائد عنها استحاضة، وقيل: لا يكون ذلك حيضا حتّى يكون (159) الدمان أكثر ممّا بينهما من طهر أو نحوه.
ويكون الطهر حيضا إن كان قبله وبعده حيض، واختاره ابن الحسن. وإن كان أكثر من الدم لم يكن حيضا وإن رأته أربعة ثمّ زال خامسا، ثمّ رأته عاشرا فالكلّ حيض اتّفاقا. وإن رأته يوما دما ثمّ يومين طهرا ثمّ يوما دما ثمّ يومين طهرا ثمّ طهرت فالكلّ حيض أيضًا (160) لما مرّ. وإن رأته ثلاثا ثمّ زال ثمّ رأته ثلاثا أو يوما فانقطع حتّى رأته ثلاثا من آخر تمام العشرة أو بعدها، فقيل: إنّ الأول (161) إلى تمامها حيض، وما سوى ذلك استحاضة، وقيل: إنّ الثلاثة التي حاضت فيها أوّل العشرة وآخرها أو بعدها فمن الحيض، وما سوى ذلك استحاضة أيضا.
وإن كان حيضها خمسة في أوّل كلّ شهر فرأت دما خمسة قبل أخرى كانت تحيض فيها وطهرا أيامها المعروفة ثمّ دما يوما أو يومين أو ثلاثا وثلاثا من أيام حيضها طهرا، ثمّ يومين (162) من أيامه هو دما، ثمّ من بعد الثلاثة دما، ثمّ انقطع فإنّ الخمسة التي رأت فيه الدم قبل أيامها الأولى هي الحيض، وهو منتقل وسوى ذلك استحاضة، لأنَّها لم تر ثلاثا من أيامها من الأولى، فلوكان في أوّل الشهر خمسة فتقدّمه خمسة ثمّ رأت في أيامه ثلاثا دما في أوّل القديمة أو آخرها، ثمّ الطهر يومين، ثمّ الثلاثة دم فكلّه (1/423)
صفحة 414
ثلاثة عشر فهي في ذلك مستحاضة إلاّ في الثلاثة التي رأت فيها الدم في أيامه في أوّلها أو في آخرها، وقيل: أيامها الأولى هي حيضها، وإن لم تر فيها دما، ولا نقول ذلك.
فمن كان حيضها أربعة من أوّل كلّ شهر فحاضتها من أوّله، ثمّ طهرت خمسة عشر، ثمّ رأت دما أحد عشر إلى تمام الشهر ثمّ طهرت الأربعة، فالأربعة من أوّل أحد عشر حيض، وما سوى ذلك استحاضة. فإن رأت دما في أيامه الأربع أو في ثلاث منها فحيض، والأحد عشر قبلها استحاضة، فإن رأته في يومين من أوّل الأربعة أو آخرها ثمّ طهرت فحيضها أربعة من أوّل أحد عشر الأولة، والباقي استحاضة، وقيل: إن رأته في يومين من آخر أربعة كان وقتها بالأربعة حيض وسواها استحاضة، فإن كان حيضها من أوّل الشهر ثلاثا فرأت دما يومين وزال يوما، ثمّ كذلك فلم تزل عليه، فإن خمسة من أوّل كلّ [188] شهر حيض، وسواها استحاضة، وإن رأته يومين من أوّله ويوما طهرا ثمّ مدّ بها بقيّته، فإنّ حيضها الثلاثة من الذي مدّ بها مكان الثلاثة الأولى، وسقطت إذ لم تتمّ ثلاثة ولو رأته يوما من أوّل الشهر ثمّ طهرا يوما ثمّ الدم ثلاثا ثمّ انقطع لكان كلّه حيضا ولو مدّ بها لكان على ما وصفنا في الأولى، فلو كان خمسة فرأت دما ثلاثا ثمّ زال خمسة ثمّ دما ثلاثا لكان الثلاثة الأولى إذ لم تر بعدها ما يكون حيضا.
فمن عرفت طهرها في أيام لا تجاوزها فرأت دما بعده عشرة فمستحاضة إلى أن تصل إلى أيام اعتيد لها حيض فيها.
فمن عفاها دم شهرا ثمّ عادت تحيض في معتادها فتحرّك بطنها فظنّته ولدا، وحاضت ولم تتيقّن به فلها أن تعطي للحيض حتّى تتيقّن بالولد. واختير أن تري ذلك للنساء، فإن استدللن به وإلاّ تركت الصلاة. وإن بان بعد أن تركت حيضتين أو أكثر ولم تعاود حيضا على حبلها أبدلت ما تركت إن بان أنَّها حامل يوم تركت.
فإن دام (163) لبكر أوّل دم وعرفت وقت أمّها كان لها وقتا، وإلاّ جعلت حيضها كطهرها عشرة؛ وإن اختلف أخذت ــ كما مرّ ــ بأكثره، وقيل: تجعل طهرها خمسة عشر. (1/424)
صفحة 415
الباب التاسع والعشرون
في المرأة يستمرّ بها الدم بعد وقتها وفي أداء فرضها
فإذا مدّ بها سائل بعده أو فائض واتّصل انتظرت ما مرّ وتدع الفرض، فإن مدّ بعد (164) ما انتظرت به أبدلته، وقيل: لا تبدل الصلاة وانتقض صومها فيه ولا تبدلها إن لم يتماد فوقه، والأكثر أنَّها تعيد الصوم ولا انتظار في كصفرة ولا في منكمن، وتتوضّأ وتغسل ما دام بها، إذ هي مستحاضة، فإذا طهرت بيِّنًا، فقيل: تغسل لها جيّدا، وقيل: يكفيها الأوّل. والتي ختمت آخر ساعة من أيامها بكصفرة أو طهر أو منكمن ثمّ راجعها، فإنّها تغسل وتصلِّي (165) ولا تنتظر، فإن كان بها سائل غسلت لكلّ، وكذا التي تنتظر ويمدّ بها تكون مستحاضة إلى تمام العشرة غير ما انتظرت به، وإن لزمها الغسل والصلاة من حينها بلا انتظار غسلت وصلّت إليها بعد انقضاء أيام حيضها على القول بأنّ أقلّ الطهر عشرة.
وإن لم تعرف أيام حيضها قعدت عن الصلاة عشرًا، (166) ثمّ تغسل وتصلّي أخرى حتّى يفرج عنها؛ وإن عرفته مختلفا ثلاثة أقراء ولا عرفت على كم طهرت من أوّل ما حاضت تركت الفرض إن مدّ بها الدم إلى أقصى أيام اعتادت أن تقعد فيها عنه، ولا تجاوز عشرة على المعمول به، وإن لم تجهلها. فإذا قعدت أقصى ما عرفت أنَّها تقعد فيه أيام حيضها فإن كان أقلّ من عشرة، ثمّ مدّ بها ما لم تجاوزها انتظرت، فإن مدّ غسلت وكانت (167) كمستحاضة إلى عشرة ثمّ تقعد أقصى ما عُوِّدت بإتيان الدم فيه، ولا تنتظر إن مدّ بعد وغسلت وصلّت عشرا، والفجر من أحد عشر ثمّ تدعها أيام حيضها.
وإن عرفت أوّل ما طهرت عليه أوّل حيضها ثمّ التبس ويختلف كانت على أوّله وبه تعمل إن قعدت فيه ثلاثا فصاعدا، أو عشرا فنازلا حتّى تعلم أنَّها تحوّلت ثلاثة أقراء متوالية على حال فترجع إليه، فتدع الفرض أيام حيضها. (1/425)
صفحة 416
فصل
إن احتشت مستحاضة بخرقة بها دم حيض وصلّت فسدت صلاتها. ومن أتاها ــ قيل ــ دم ولم تدر أنَّه في وقت حيضها [189] أو في طهرها فلا تدع (168) الصلاة ولا توطأ. ومن عرف لها قرء ثمّ فاجأها دم تركتها أيام حيضها وانتظرت، ثمّ صلّت أيام طهرها، ثمّ تدعها أيضا أيامه، ولا تنتظر إن انقضت.
أبو الحواري: من لا تعرف أيام حيضها من طهرها تقعد عشرا وتصلّي عشرا، وقيل: كأمّهاتها فيهما؛ وإن عرفت أيام حيضها وفي أيّ يوم من الشهر، فوقتها أولى بها، فإن لم تعرف دمه قعدت من كلّ شهر عشرا، ثمّ غسلت وصلّت عشرين إلى أن يزول عنها، وقيل: ثلاثة ثمّ تصلّي سبعا كأنَّها طاهر، ثمّ تغسل من حيض وتصلّي بقيّة الشهر، وهذا ــ قيل ــ أحوط. فإذا أرادت أن تقعد لحيض ولا تدري من أيّ يوم تبتدئ من الشهر انتظرت، فإن أتاها دم بعد الطهر عشرة جعلت أوّله أوّل ما أتاها وحسبت أيام حيضها، وإن لم تعرفها فثلاثة، ثمّ جعلت عشرة طهرا وكانت فيها مستحاضة. فإن أتاها قبل طهر عشرة فهي فيه أوّل ما أتاها كذلك حتّى تتمّ منه عشرة إلى ما طهرت من قبل ثمّ ترجع إلى الحيض، فإن كانت تعتدّ فإلى مضيّ ثلاثة أشهر لها فتكون عدّتها إن دام بها الدم.
ابن محبوب: عن والدة تعتدّ مذ جاءها خمسة عشر لحيضها وعشرة لطهرها، ثمّ كذلك، ثمَّ كذلك، (169) ثمّ انقضت فتتزوّج، فإنّ أكثر الحيض عندهما خمسة عشر. واختير فيها أن تدع عشرا وتصلّي عشرا، وتعتبر له أقلّه وهو ثلاثة من الشهر، وتصلّي باقيه. وإن مدّ بها ولا تدري متى أوّل وقتها وقد علمت أنّ لها أياما تحيض فيها، ونسيتها وكمّيتها ولا في أيّ وقت من الشهر يأتيها اختير لها أن تفرّق بين أيام تقعدها للحيض، وأيام تصلّيها وتصومها، ولا توطأ خوفا أن تصادف حيضها. وفي رمضان ــ قيل ــ تبدل خمسة عشر، وقيل: عشرين، وقيل: شهرا. (1/426)
صفحة 417
فصل
ابن محبوب: إن دام بالنفساء أكثر من أربعين، وبالحائض أكثر من وقتها فلتصلّ شهرا بالجمع، وتدع ثلاثة وهي أقلّ الحيض، وتجعل في العدّة الطهر شهرا، والحيض خمسة عشر فيكون لكلّ حيضة شهرا ونصفه حتّى تكمل، وتوطأ في كصفرة؛ وعند قيامها من غسل وتدع في كثرة الدم وزيادته.
وقيل: فيمن تراه يوم أحد وعشرين منه ثمّ استحاضة ولا تدري كمّية أيامها أنَّها تمسك يومئذ يوما، ثمّ تغسل وتصلّي تسعا، ثمّ أيضا من الحيض. وإن قالت لا تدري متى يأتيها في ذلك اليوم أمرت بما يوثق به منه؛ فلذا لا تؤمر بترك الصلاة فيه إذ لعلّه يأتيها بعد العصر.
وإن كان حيضها سبعة من العشرة الأواخر، ولا تدريها فإذا جاوزت العشرين غسلت وصلّت ثلاثة، ثمّ تدع أربعة ثمّ تصلّي ثلاثة، لأنّ الأربعة لا تخلوا من الحيض مع الثلاثة الأولى أو مع الأخيرة. وهذا إن كانت في الشهر مستحاضة، وإن كان ثمانية منها صلّت بعد عشرين يومين، ثمّ تدع ستّة، ثمّ تصلّي يومين، وقس على ذلك غيرهما.
ابن محبوب: من أتاها الأوّل في أوّل من رمضان فمدّ بها حتّى انقضى، ولا وقت لها أبدلت عشرة من أوّله، وعشرة من آخره لقول الربيع كما مرّ.
أبو عبد الله: إن لجّ ببكر دم وعلمت وقت أمها انتظرت بعد انقضائه، وإن عرفت معتادة عدد أيامها لا وقتها أبدلتها مرّتين، وإن لزمها صومُ متتابعين صامتهما، ثمّ شهرا وجعلت كلّ شهر منهما لعلّ عشرا منهما بدل حيضها، وتبقى عشرة وهي أيامه من الشهر. وإن لزمها بدل صلوات أبدلت في كلّ عشرة من الذي تبدل فيه مرة. (1/427)
صفحة 418
الباب الثلاثون
في الصفرة والكدرة ونحوهما
فإن انقضت [190] أيام حيض امرأة أو نفاسها فرأت ذلك لا طهرا، فإن كان فائضا دون العشرة، فالأكثر أنَّها تغسل من الحيض وتصلّي ثمّ تتوضّأ بعد وتصلّي ولو كان دما منكمنا. الربيع: إن تطاول بنفساء دم ولا وقت لها، نظرت إلى أقصى ما تقعد أمّهاتها، وإن كان لها وقت ومدّ بها الدم زادت يومين أو ثلاثة، ثمّ تغتسل؛ والحائض يوما أو يومين. وإن رأت صفرة وقت طهرها فلا انتظار ولا زيادة. وإن رأت دما واتّصل بعد انقضاء أيام حيضها وانتظرت فتمادى أبدلت صلاة ذلك، وإن زال ورأت طهرا، فقيل: تعيد، وقيل: لا.
أبو سعيد: إن اتّصلت بها صفرة بعد أيامها غسلت واحدا، ثمّ تتوضّأ لكلّ، فإذا طهرت منها، فقيل: تغتسل لاتّصالها بها، وقيل: لا إن اغتسلت من الدم (170) بعد انقضاء حيضها، وإن لم تغسل منها أبدلت الصلاة على القول بلزوم الغسل منها، وقال أيضا: لا تدعها متعبّدة بها إذا جاء وقتها إلاّ بالسائل والقاطر من محلّ الوطء، فإن زال فهي طاهر ولو بها سيلان صفرة أو حمراء أو غبرة أو نحوها، أو قاطرها، ولزمها الغسل والفروض، ولو اتّصلت بالدم بعد انقطاعه، ولا تدعهما على هذا القول، لأنَّها طاهر، وتوطأ. وقيل: اتّصالها بالقاطر أو السائل تمام لحيضها، لأنّ الحكم لما سبقها على المختار حتّى تتمّ أيامه سال أو قطر؛ فإن انكمن هو أو الدم فكالطاهر، وتغسل وتصلّي، وتوطأ، وقيل: إن انكمن فكالحائض، فإذا زال وانكمنت فيه صفرة أو نحوها فكالطاهر، وقيل: كالحائض، ولو كان بها بلل غير طهر أو ماء أو يبس فطاهر إن زال كالصفرة حتّى يأتي البيِّن كالفضّة، أو كالقطنة يأتي كالحيض، فإذا لم تره فكالحائض حتّى تنقضي أيامه. وإن كانت لا ترى ذلك طهرت بانقطاع الدم، وبالصفرة ونحوها، وبانكمانه لاختلاف أحوال النساء. (1/428)
صفحة 419
وقيل: إن أتى البيِّن أيام الحيض غسلت وصلّت، ولا توطأ حتّى تنقضي أيامه؛ فإن وطئت بعد طهر وتطهر لم تحرم اتّفاقا. وإن حاضت في أيامه يوما ثمّ زال الدم وبقيت صفرة فحائض حتّى تنقضي أيامه، وإن طهرت ثمّ راجعتها في أيامه، فقيل: حائض، وقيل: لا إذا لم يعاودها بعد الطهر دم تتّصل هي به. وقيل لأبي سعيد: هل تعلم قائلا إنّها ليست بحيض في أيامه ولو تقدّمها دم؟ قال: يوجد في آثار العلماء، قيل له: فإن عملت به وغسلت حين زال الدم ثمّ صلّت وبها صفرة، ثمّ طهرت منها هل تغسل بعد طهارتها منها؟ قال: لم يظهر لي ذلك على القول، بأنَّها تغسل إذا غسلت من حيضها وبها صفرة بعد تمامه، فإذا طهرت منها لزمها الغسل.
عزّان: إن لم يتقدّمها ولا الكدرة دم فهل هما حيض أو لا؟ قولان. وقيل: إن تقدّمتاه واتّصل بهما عُدّتا حيضا معه. أبو سعيد: الأكثر أنَّهما ليستاه إن لم يسبقهما في أيامه، وقيل: إن اعتيدت لها في كلّ قرء كانتا حيضا، وقيل: هما حيض في أيامه مطلقا، والمختار ما مرّ.
وإن حبس حيضها أشهرا ثمّ رأت صفرة أياما ثمّ دما فطال بها فهما في أيامه حيض، وفي غيرها داء، فتعتدّ أيام حيضها من أوّل ما رأت صفرة ثمّ تغسل، وتصلّي؛ وإن تقدّمتا قبل وقته وقبل الدم (171) فليستاه حتّى يتقدّمها سائل [191] أو قاطر. وإن تمّت أيامه وزال الدم لا الصفرة ونحوها غسلت وتوضّأت. وهل يلزمها ثان بزوالها أوّلا؟ قولان. وإن زال قبل انقضاء أيامه لا الصفرة أو نحوها انتظرت إلى آخر وقته، وقيل: تغسل وتصلّي، ولزمها أيضا إن زالت وقد اتّصلتا بالدم. أبو الحواري: إن اتّصلت به انتظرت إلى آخر وقتها ثمّ تغسل وتصلّي. ابن الحسن: ليست بحيض وإن في أيامه حتّى يتقدّمها دم؛ وإن اشتبه طهرها فربّما رأت كبزاق أو صفرة ولا تعلمه طهرا أو غيره، فلا صلاة عليها، ولا صيام في أيام حيضها حتّى ترى مالا شبهة فيه.
وإن حبس عنها دم قبل تمامه وترى يبسا أو بياضا كبول أو صفرة أو كدرة أو حمرة، فذلك في أيامه حيض. وإن رأتها (172) قبل وقتها بيومين في رمضان فأكلت ظنّا أنَّها حائض ثمّ زالت عنها فليس بحيض ولو كانت في وقته. وإن عرفته وتغتسل (1/429)
صفحة 420
على آخره وتعقبها إذا غسلت بيوم أو يومين صفرة أو نحوها توضّأت من ذلك وصلّت وإن عُوِّدت به مرارا، فإن تقدّمه دم فزال واتّصل به دون عشر فمن حيضها.
وإن رأتها صبيّة أياما وتوطأ فيها ثمّ دما بعدها بشهر فليست هي ونحوها منها بشيء، ولا من بالغة، وهي كالطاهر، ولا من آيسة فإنّها ونحوها في غير أيام الحيض، ولو سائلة كالبول.
ومن غسلت منه ثمّ رأت دما تلقطه بقطنة، فقيل: تغسل إذا ظهر بلا طلب وإلاّ فلا، وقيل: إذا لم يفض فأخرجته فكالفائض. (1/430)
صفحة 421
الباب الحادي والثلاثون
في الإثابة في الحيض
فمن اعتادها إتيان دم بعد طهر في كلّ قرء، فإذا طهرت من الأوّل بيّنا غسلت وصلّت، فإذا عاودها تركتها حتّى تطهر ثمّ تغسل وتصلّي، ولا توطأ في طهر بين حيض ورجوع ثان حتّى تطهر منه، وتبدل ما صامت بين الدمين، ولا تفسد إن وطئت فيه، وهذا إن كان يراجعها قبل تمام العشرة وبعدها (173) استحاضة لا حيض والأكثر منّا على هذا. وإن لم يستقم رجوعه على وقت فليس بإثابة، ولا يعتدّ برجوع كصفرة ولو اعتادت إلاّ إن تقدّمها خالص واتّصل بها. وإن طهرت على وقت ولبثت يوما أو نصفه ثمّ راجعها الدم بعد انقطاعه فلا تنتظر.
وإن وطئها زوجها بعد الطهر وعلم أنَّه يعاودها لم تفسد عليه، وقيل: كواطئ بحيض. وإن عوّدت برجوعه فروجعت بكصفرة فليست منه ولو عوّدتها في كلّ حيضة. وإن ثبت الرجوع بثلاثة أقراء على حال فلا تتحوّل عنه حتّى تتحوّل عن معتادها ثلاثة مختلفة.
أبو سعيد: إن انقلبت الإثابة ولم تستقم ثلاثة أقراء فيأتيها مرّة بعد طهر يوم، ومرّة بعد يومين فاستحاضة لا إثابة والمنكمن كالصفرة، وقيل: كالتيبّس ونحوه.
وإن جاءها سائل ثلاث حيض كلّ حيضة مرّة في يوم بعد طهرها ثلاثا في العشر فإثابة إن انقطع عن صلة أيامها وحيضها، وقيل: هو على ما حاضت أوّلا، والزائد استحاضة. ولا تثبت الإثابة بمرّتين ولا بعدم التوالي في الثلاثة ولا باختلاف بيوم أو يومين وثلاثة، فلو عاودها في حيضة فلم تدع فرضا ووطئت وفي ثانية أيضا وثالثة، وفي رابعة صفرة أو نحوها أو باختلاف بفيض وعدمه فيختلف في ذلك بعد طهر. وزوال حيض في مراجعة بعد طهر في حيض، وفي إثابة أو بعدها. وإن اتّفق ذلك في الحيض واختلف في اليوم فمرّة في أوّله، ومرّة في آخره، فقيل: اتّفاقا، وقيل: لا. (1/431)
صفحة 422
الباب الثاني والثلاثون
فيمن ترى طهرا أيام حيضها أو بعدها وفي الدم إذا جاء لا من محلّ الجماع (174)
ابن [192] محبوب: إن حاضت ثمّ زال ولم تغسل ووطئت فلا تفسد إن زال الحيض وفات وقت الصلاة وقد طهرت منه، وقيل: تفسد إذ هي كالحائض ما لم تغسل، وعليه الأكثر والأوّل أصوب. وإن كان تسعة فرأت دما يومين وزال بلا طهر بيّن، ووطئت بعد غسل فراجعها في سادس، فقيل: كالطاهر ولا يحكم عليها بالحيض إلاّ بالفائض ونحوه، وقيل: حائض لتقدّم ذلك في أيامه ما لم تر البيّن؛ وإن رأته أيام حيضها وقت صلاة فتأهّبت فعاودها فلا تبدلها.
أبو سعيد: إن زال عن حائض دم وتابعه أيام حيضها لزمها غسل، وقيل: لا؛ وإن رأته دفعة سائلة أو قاطرة فيها فحيض. فإن دامت بها صفرة أو ما تكون به حائضا فعلى حيضها، وإذا طهرت غسلت ولو من حينها وأبدلت ما تركت.
ابن علي: إن زال عنها في وقتها انتظرت يوما وليلة ثمّ تغسل، فإن راجعها قعدت تمام أيامها، وإن كان يأتيها أيام أقرائها ثمّ طهرت دون معتادها، ثمّ تراه في اليوم مرارا ثمّ ينقطع فتدع الصلاة إلى أقصى أقرائها، فإن دام فمستحاضة. عزّان: إن عرفت وقتها فحاضت بعضه، ثمّ رأت طهرا انتظرت يوما، فإن رأت دما وإلاّ غسلت وصلّت، فإن رأته بعدُ فلا تبدله. وقيل: إن زال غسلت ولا تنتظر، فإن راجعها أيامه فحائض.
ومن لزمها بدل عشرة من رمضان فحاضت يومين ثمّ طهرت وتمّ لها وقد أدّت الفرض فيهما، فقيل: تبدل الصلاة لا الصوم، وقيل: عكسه. وإن أصبحت صائمة ثمّ حاضت فرأت طهرا قبل أن تأكل وغسلت فلها أكل يومها، إذ حكمه حيض. (1/432)
صفحة 423
أبو سعيد: إن رأت طهرا وقت صلاة لزمتها والتي قبلها، وقيل: ما طهرت وقتها فقط إلا إن طهرت قبلها في وقت يمكنها فيه أداؤها بغسلها، وإن طهرت آخر وقت وخافت إن ذهبت إليه فأتتها فتصعّدت وصلّت فهل تعيدها به أم لا؟ قولان. وإن دخل بقدر ما تؤدّيها فيه بكمالها قبل أن تحيض فأتاها أبدلتها ولو يبقى عليها منها حدّ لا تتمّ إلاّ به فلا بدل عليها.
وإن طهرت وقت صلاة، فقيل: لزمتها والغسل، وقيل: لها انتظار الرجوع ولا تعيدها إن رجع؛ وإن تمَّ لها الطهر أعادت، وقيل: لها انتظار (175) الصلاة والصلاتين، وقيل: يوما وليلة؛ واختير أن لا تدعها بغسل إلاّ إن طهرت وقتا لا يمكنها فيه هو والصلاة ولو بادرت فتُعذر.
وليس بحيض ما يأتي من محلّ البول ولو في أيامه، وقيل: إن سال ندب لها أن تغسل منه ثلاثا، وقيل: لا إلاّ من حيض واستحاضة ونفاس. (1/433)
صفحة 424
الباب الثالث والثلاثون
في حيض الحامل
الربيع: تعيد ما تركت لدم رأته، وتصنع كمستحاضة، وقيل: إن اعتاد لها في أوقاته فحيض، وقيل: مثلها ولا توطأ، وقيل: مثلها في كلّ شيء، وقيل: إن راجعها فتعتدّ في كلّ شهر أيامها حتّى مضت لها سنة، ثمّ أسقطت لزمها بدل ما تركت أيام الدم، ولها أن تعيد الكلّ وقتا واحدا إن قدرت، وإلاّ فعند كلّ صلاة مثلها.
وإن تحرّك حملها فحاضت كما عوّدت فلا تدع الفرض وتغسل وتجمع، ولا تفسد إن وطئت.
وفي الغالب أن لا تحيض إلاّ من علّة في الرحم أو الجنين. (1/434)
صفحة 425
الباب الرابع والثلاثون
في التيمّم وأحكامه
قال الله سبحانه: {فلَمْ تَجِدُوا مَآءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا} الآية (سورة المائدة: 6)؛ والصعيد التراب النقيّ الطاهر الحلال رخصة منه تعالى لعباده في دينهم، ورحمة لهم، وهو فرض لا عذر لمن جهله عند لزومه. ومن تعمّد تركه وصلّى أعادها وكفر.
وفرضه النية، وضربة للوجه وأخرى لليدين. وقيل: واحدة لهما، والأوّل أشهر؛ والتسمية سنّة عند النيّة، وضرب اليدين بالأرض ورفعهما والنفخ لهما عنده، ومسح عامَّة الوجه بهما، وقيل: ينفضهما برفق. ولا يضر [193]ــ قيل ــ ترك النفخ والنفض وإعادتهما فيها ومسح ظاهر اليمنى من خنصرها لإبهامها باستيعاب بباطن اليسرى وبالعكس كذلك، وبتخليل الأصابع عند المسح إلى الرسغين ظاهرا وباطنا. ولا يتعمّد ترك شيء منهما؛ ولا يضرّ إن بقي بلا عمد.
وكُره مسح الوجه والكفّين ممّا لزق بهما قبل الصلاة، ولا ينتقض به التيمّم، ولا ببدايته منهما قبل الوجه، ولا ضرّ بتراخ بينهما إن كانا بمحلّ واحد.
ابن علي: إن حكّ كفّا بكفّ ممّا علق بهما حتّى ذهب لم يضرّ إن بقي منه شيء، ولا يلزمه إيصال التراب إلى أصول شعر الوجه. ومن لم يعرف كيفيّته أجزاه المسح بالتراب على مواضعه إن اعتقده. ومن باشره بقصده أجزاه على أيّ حال كان لا تيمّم الغير له تعليما له لا بكفّيه، ولا غبار إن أصابه وذراعيه لا بقصده إليه، وهو كالوضوء في الشكّ على ما مرّ.
وإن سفّت الريح تربا على وجهه فمسحه بيده أو أخذه من بدنه لهما ولم يستعمله بتيمّم أجزاه، وقيل: لا. (1/435)
صفحة 426
فصل
اختلف في حدّ التيمّم، فقيل: بلوغ الوجه واليدين به إلى الإبطين، وقيل: إلى المرفقين، وقيل: إلى الكعبين، وقيل: إلى الرسغين، وهو قول عليٍّ وأصحابنا.
ابن بركة: أجمعوا على وجوب مسح الوجه كلّه، واختلفوا في اليدين، وقد مضت السنّة بالمسح إلى الرسغين، والوضوء إلى المرفقين من الكتاب. (176) وقد حُمل التيمّم على القطع للإجماع على أنَّه من الرسغ.
ومن مسح ظاهر أصابعه لا الراحتين إليه بعمد أو جهل، وترك ولو قليلا أعاد صلاته، وفي النسيان خلاف، فقيل: إن ترك قدر درهم أعاد، وقيل: لا، ويفرّق ــ قيل ــ بين أصابعه عند وضع الكفّين بالأرض، ولا ينفضهما وينويه طهارة الصلاة أو رفع الحدث لا فريضة ولا نافلة. ويجزي ــ قيل ــ وإن لم يعلق بهما تراب؛ واختير بتراب يعلق ولو قليلا منه. وجاز بكلّ تراب. وقيل: بذي غبار وبمخلوط برمل. وجاز ــ قيل ــ بكلّ ما على الأرض، وإن بضرب على حائط أو بحصى أو بفخارة؛ وإن لم يجد إلاّ طينا وضع منه على يديه أو غيرهما حتّى ييبس، ثمّ يتيمّم به.
ويصلّي بإيماء من لم يجد محلاًّ (177) غير الطين، لأنَّه لا يسجد عليه. وإن خاف الفوت قبل يبسه نوى التيمّم أو الوضوء وصلّى.
وجاز استخراج تراب بحفر عليه لبلل ظاهره أو نجاسته، لا بتراب تيمّم به قبل، ولا بساقط من ضربة الوجه.
وإن تيمّم رجل وامرأة بمحلّ فلغيرهما (178) إن يتيمّم فيه لا من ساقط منهما. وقيل: إن أبا عبيدة مرض بالبصرة ووضع ترابا في شيء يتيمّم به عند الصلاة.
ولا يجوز بهك ولا رماد ولا ملح ولا جصّ، ولا زرع ولا بتراب بيوت أهل الذمّة. أبو سعيد: إن كان الجصّ من طين ونحوه جاز، وقيل: لا، لانتقاله عن اسم الصعيد؛ وجاز بثلج عند فقده، وبالآجر ــ قيل ــ، وبالرخام لا بتراب المقابر والسبخ (1/436)
صفحة 427
عند وجود غيره، ولا بالثرى؛ فإذا وجدا قدّم الأشبه بالغبار، فإن استويا فالثرى أولى من السبخ.
وجاز بكلّ ما كان أصله من تراب، (179) وإن تحوّل عنه كالآجر. وفي النورة ونحوها ممّا كان من حجر خلاف.
فصل
أجمعوا على جواز الطهارة بالماء للصلاة قبل الوقت؛ وفي التيمّم خلاف، واختير لفريضة عند حضوره. وإن دخل ولم يطمع بالماء ولو في آخره فالتيمّم أوله إن أمكن أولى، ولا يعيد إن صلّى به ووجد الماء بعد الوقت. وإن وجده فيه فقولان. وقيل: إن تيمّم للجنابة والصلاة أعاد، وإن [194] كان لغيرها فلا يعيد.
ويصلّي بواحد ولو صلوات ما لم يحدث كالماء، لأنَّه رافع للحدث، وقيل: إلاّ التي حضر وقتها، وعليه الأكثر والأوّل أنظر، وهذا في الحضر، وأمّا في السفر فلا خلاف في جواز الجمع به. وإن تيمّم لبدل الفوائت جاز واحد، وقيل: لكلّ تيمّم. وجاز به لبدل منتقضات وإن كثرت بمقام اتّفاقا.
وما مرّ في باب التيمّم للجنابة من الخلف والأحكام يأتي هنا في الوضوء. (1/437)
صفحة 428
الباب الخامس والثلاثون
في وجوب طلب الماء وصفته
فمن وجده وجاوزه فليطلبه إذ لم يبح له التيمّم إلاّ بعد عدم، ولا عدم إلاّ بعد طلب واجتهاد فيه؛ فمن جهله وصلّى بتيمّم لزمته الكفّارة ولو أيس الماء، لأنّ الله قادر أن يحدثه بمحلّ الإياس، فإن طلبه بملاحظة يمينا وشمالا وسؤال وغيره ممّا يرجو أن يوصله إليه فلم يجده فتيمّم وصلّى، ثمّ حضرت فليطلبه أيضا، وإن قرب عهده بطلب وملاحظة ولا يمكن حدوثه في الوقت والموضع ولم يرد عليه كمطر أو نزول أحد بالمكان جاز له التيمّم بلا (180) ملاحظة. وقيل: إن لم يسأل أصحابه عنه وراءهم يصلّون بالتيمّم فتيمّم وصلّى أعادها ولو بعد الوقت، وإن كان معه ماء فعارضه فيه غيره (181) نجاه به، وتيمّم.
أبو سعيد: لا حدّ في الطلب في بعد المسافة، ولا يلزم أحدًا (182) تحمّل المشقّة في نفس أو مال، ولا يضرّ بأصحابه ولا يعوقهم، ولو سمع صوت زاجرة إذا لم يعرف أين هي، وإن رجاه بلا مشقّة تدخل عليه (183) فليعدل إليه.
وقيل: إن حان على مسافر وقت الصلاة ودنا من الماء ورجى أن يدركه أوّله أو وسطه فله أن يتصعّد في حينه ويصلّي، وقيل: ينتظر ما رجاه في الوقت، فإن جاء إليه وقت الأولى وجمع إليها العصر وفي بدنه نجس أو كان طاهرا ففي بدلهما عليه خلاف، واختار خميس بدل العصر لا الأولى.
ابن الحسن: إن سافرت امرأة مع قوم لا محرم لها منهم وحضرت ومعهم ماء يتوضؤون منه، واستحيت أن تطلبهم فتيمّمت وصلّت، لزمها البدل لا الكفّارة. أبو إبراهيم: لا آمن عليها منها.
ومن مرّ على بئر عليها دلو أوّل الوقت وسار ولا يرجو ماء غيرها، وقدر أن يتوضّأ منها فقد لزمه، وإن تركه بلا عذر وصلّى بتيمّم، فقيل: تامّة إن كان بوسع من (1/438)
صفحة 429
الوقت، وقيل: يعيدها، وكذا إن وصل البئر آخر وقت الأولى فمضى ولم يرج غيرها، ولم يصلّ بتصعّد حتّى فات، وجمعها بالعصر به في وقته، فإن وسعه وأراد الجمع ونوى بترك الأولى في وقتها ما به من مشقّة السفر ولم يخف فوت وقت الجمع في مشيه، وتركه الوضوء ففيه الخلف السابق. وكذا إن توضّأ أصحابه منها أوّل الوقت الأولى وجمعوا، أو خاف هو المشقّة في الوضوء أو حدوث النجس عليه، وسار ولا يرجو ماء، وصلّى بتصعّد، وكذا إن فعلوا فعله. وإن تركه قادرا عليه بلا عذر أعاد؛ وإن صغر دلوها وكثر الناس عليها وتركه لذلك وسار لم يُعذر به، ويُعذر بما لا يطيقه في الوقت وبما خاف معه تولّد ضرّ في دين أو نفس أو مال.
أبو الحواري: إن حان على مسافر وكان على الماء فلا يتجاوزه حتّى يتوضّأ، وإن تركه جهلا أو عمدا ثمّ تصعّد وصلّى أبدلها. وإن نزل بين ماءين وجاوز أحدهما والآخر دونه، وتصعّد وصلّى وهو لو طلب أحدهما لأدركه [195] في الوقت، فطلبه للماء أفضل؛ ولا بأس بما فعل.
ومن أجنب على بئر ويرجو أنّ لها دلوا يغتسل بها فتركه ومضى، فلا عليه إن كان قبل الوقت وإلاّ، ورجى ماء يلحقه فلم يبلغه، فقيل: يبدل به إذا أدركه، وإن لم يرجه فأشدّ، ولا كفّارة عليه.
أبو المؤثر: إنّ الخائف من الوصول إلى الماء كالعادم له، وله أن يتصعّد إذا حال بينه وبين الماء خوف.
فصل
من جهل التيمّم بمحلّ لا يجد فيه ماء وصلّى بلا تصعّد لزمته الكفّارة، وقيل: البدل لا الكفّارة في غير السفر. وإن رجى إدراكه في الوقت آخر التيمّم، وإلاّ تيمّم. (1/439)
صفحة 430
ويؤمر خارج إلى السفر أن يتوضّأ إذا مرّ بالماء، فإن انتقض تصعّد؛ وإن حضرته وبعُد الماء فإن مضى إليه فاته تصعّد ولا يعرج عليه، (184) ولا يشقّ عليهم في الذهاب إليه إن لم يكن على الطريق.
وأجمعوا على أنّ من كان بمحلّ يعلم أن يصل الماء قبل خروج الوقت فليقصده ولا يتصعّد. وعن معاذ أنَّه يحبّ لمن حضرته أن يتصعّد ويصلّي، وإن قربه الماء. والحاضر إن لم يجده وخاف الفوت، فقيل: يتيمّم، وقيل: يطلبه ولو يفوته الوقت؛ فإن أخّرها في سفر حتّى فات لزمه القضاء والكفّارة. قيل: وكذا المقيم.
أبو سعيد: ليس على مسافر أن يعدل عن سفره في طلب الماء إن كان يتضرّر به، وإن في مال. وإن لم تكثر عليه مشقّة ولا ضرّ عليه فيه أو في نفس فمن الفضل إن قصد امتثال الأمر وأداء الفرض. ويعتبر التحديد في النظر لا في المسافة لاختلاف الأحوال فيها.
أبو عبد الله: (185) إن لم ينزل على بئر فلا يلزمه طلب أخرى، وقيل: إن بُعد منزل البادي عن الماء بقدر ما إن ذهب إليه أوّل الوقت لم يمكنه أن يرجع إليه ليصلّي فيه آخره لم يلزمه الذهاب إليه، وإن حضرت راعيا وخاف إن ذهب إليه تلفت غنمه تيمّم وصلّى، لأنّ الخائف كالفاقد، وقيل: إذا طلبه ولم يجده فتصعّد ثمّ علمه برحله أو بمحلّ لو طلبه فيه لوجده أبدلها ولو بعد الوقت، وإن لم يطلبه ليلا حيث لا يعلم محلّه، ولا وجد من يدلّه عليه وصلّى بتيمّم، فلمّا أصبح وجده قريبًا منه أبدل لتركه الطلب. (1/440)
صفحة 431
الباب السادس والثلاثون
في تيمّم ذوي العلل ومن يجوز له والجاني والحاطب ونحو ذلك
وجاز لكلّ ذي علّة ومرض خيف عليه من الماء زيادته أو تأخير برئه لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية (سورة المائدة: 6) وذلك عامّ لكلّ عاجز عنه، إمّا بعدمه أو الوصول إليه بآلة أو ثمن، أو قرض، أو بنيته لتعذّر الوصول إليه بمرض، أو خوف وذلك مبيح للتيمّم فليس على المرء أن يُحمّل نفسه على مخوف أو متلف أو يُحمِّلها شاقّا، (186) وقد يسّر الله دينه لعباده تخفيفا ورحمة وتفضّلا.
فمن به جرح أو قرح أو جدري أو علّة وخاف من استعماله زيادته أو تأخيره، أو كان صحيحا وخاف على نفسه من تلفها ببرده، وعجز عن تسخينه فله أن يتيمّم. وفي إعادته الصلاة بعدُ خلاف؛ وكذا من حبْس ونحوه إن عجز. وقيل: إن قدر المجدور على وضوء توضّأ وإلاّ تصعّد. وإن فقد المريض من يناوله الماء (187) أو خاف منه تصعّد، فإن عجز [196] عن التراب ضرب بيديه على فراشه أو لبد سرجه إن طهر، وأثار منه غبارا وتيمّم به، وكذا من بالبحر.
وإن أجنب المريض وغسل قذرًا (188) وتوضّأ ولم يتصعّد جهلا منه، فأقلّ ما عليه ــ قيل ــ البدل بعد الغسل.
أبو زياد: كنت أتوضّأ بسفر وأنا جنب وظننته يجزي عن التيمّم، فسألت سليمان فسكت ساعة ثمّ قال لا نقض، وعليك أن تتيمّم بعد الوضوء، وقال غيره بالنقض.
ومن به جرح يضرّه الماء لزمه ــ قيل ــ غسل ما سواه، ولا تيمّم عليه له إذ لزمه غسل ما صحّ لإمكانه، وقيل: يتيمّم لجارحته. ومن معهم ماء لشرابهم وطعامهم وخافوا فراغه وإن على دوابّهم إن تطهّروا به أجزاهم التصعّد. (1/441)
صفحة 432
والشائف والراقب والمؤتمن على مال إن كانوا بمحلّ لا ماء فيه، ولا أحد يؤتمن به يتصعّدون ولو قريبا؛ وإن ائتمن من لا يعرفه وذهب إلى الماء وخانه ضمن ما ضاع من أمانته.
أبو المؤثر: إن أتى جنب ماء وخاف إن غسل (189) لا يدرك الصلاة أو بعضها في الوقت فليتصعّد ويصلّي ثمّ يغتسل ويعيدها، وإن رجا إدراك ركعة بعد غسل قبل طلوع أو غروب اغتسل وإلاّ تيمّم ويعيد إذا اغتسل. وإن رجا غسلا وركعة فلا عليه إن لم يدرك. وإن خاف أن لا يدرك إن غسل أو توضّأ فتعمّدهما فلا عليه أيضا. أبو الحسن: إن وجده ولا يلتمسه إلاّ فات الوقت غسل وصلّى ولو فات. وإن خاف الفوت بتناوله تيمّم. وقيل: إذا لم يطمع في إدراكها تامّة فليتصعّد أيضا إذا لا تنفع في غير وقتها، وذلك للنائم والناسي (190) والعادم للماء. وإن خاف فوتها متعمّد تركها وتاب، فقيل: يتيمّم ويصلّي إذ لا تصحّ إلاّ في وقتها، وقيل: يلزمه الغسل ولو فات، ويعيدها وقد مرّ.
أبو المؤثر: إن جاء جنب إلى الماء وخاف الفوت إن غسل فتيمّم وصلّى حتّى جاء وقت أخرى اختير له أن يغتسل ويعيدها، فإن لم يفعل حتّى جاء وقت الظهر أبدل الصبح، وإن غسل ونسي إعادته فذكره في صلاة الظهر، فقيل: يقطعها إن لم يخف فوتها وإلاّ أتمّها وأبدل الصبح والظهر أيضا، وإن ذكره بعد تمامها أعاده وحده؛ وإن لم يجد لوضوئه إلاّ ماء حيل دونه إلاّ بمدافرة أو تنازع (191) فإن مُنع ظلما احتجّ على من ظلمه، وإن خاف ولو على ماله وسعَتْه التقية، وإن حال دونه ربّه لاحتياج أو شبهة فالتيمّم أولى له.
فصل
من مشى بطنه أو سال رعافه أو قيئه، ولا يستمسك تصعّد وأومأ. هاشم: يسدّه بقطنة أو خرقة ثمّ يصلّي. أبو المؤثر: ينتظر إلى ما يرجو إدراك الوضوء والصلاة (1/442)
صفحة 433
قبل الفوت لا انتظار مخاطرة، فإن زال غسله وتوضّأ، وإلاّ حشاه إن أمكنه وتوضّأ وإلاّ وخاف إن مسّ وجهه بما خالطه الدم وتنجّس بدنه وثوبه تصعّد، ويغسل عند غيره من حدود الوضوء ما أمكنه، ثمّ يتصعّد فإن أمكنته قائما ويضع بين يديه ما يقطر فيه الدم فعل وصلّى، وإلاّ قعد ووضعه كذلك وطأطأ برأسه وأومأ به، وجعل السجود أخفض من الركوع، وإن جرى على شاربه لم يفسد وضوءه أو تصعُّده، لأنَّه مجاريه، وقيل: إن لم يحبس عن سائر وجهه ولحيته فلا عليه أن يصلّي كذلك {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا} الآية (سورة البقرة: 286).
ومن بعضو من أعضائه جبائر توضّأ لغيره ومسح على ما لم يمكنه غسله إلاّ إن عمّته، فقيل: يتوضّأ ويتصعّد لذلك العضو، وقيل: [197] لا يتيمّم له إن كان الباقي أكثر من نصف أعضائه، وقيل: يتيمّم لكلّ ما فقد غسله وإن قلّ، وقيل: إن كان أكثر، وإلاّ مسحه إن أمكنه، وقيل: إن تنجّس وإلاّ فلا تيمّم عليه. وقيل: من به جبائر لا يمكنه غسلها صلّى كما أمكنه ولا إعادة عليه.
ومن به سلس بول أو جريان دم فعليه الوضوء، وقيل: والتيمّم أيضا، وقيل: التصعّد فقط.
أبو الحواري ونبهان: إن سافرت طامعة بإدراك الماء قبل صلاة الصبح وجهلت أن تتيمّم فوصلته مع الطلوع لم تعذر وكفرت. وإن صلّى حاضر فاقد له بتصعّد، ثمّ وجده في الوقت أعادها، وقيل: لا؛ وكذا إن صلّى به خائف أو مسجون ثمّ أمن أو أطلق اختير إعادته إن قدر عليه.
ومن نام ببلدة وانتبه آخر الوقت وخاف الفوت إن ذهب إليه تيمّم. أبو سعيد: من عدمه في الوقت ولا يرجو وصوله فيه تيمّم وصلّى، فإن كان غير جنب فالأكثر أنَّها تامّة ولو وجده بوقتها. وإن كان جنبا أعاد إن أدركه فيه، وقيل: لا؛ وكذا إن وجده بعده أيضا ولو غير جنب، وقيل: يعيد إن كان مقيما. (1/443)
صفحة 434
فصل
من خرج لحطب أو اصطياد أو جراد أو نحو ذلك وجاوز الفرسخين أُمر بحمل الماء معه لوضوئه، وإلاّ رجع إلى القرية عند حضور الوقت إن لم يبلغ حدّ السفر وتوضّأ؛ وإن خاف الفوت قبل وصوله تيمّم. والفقير في هذا ونحوه أعذر من الغنيّ. ابن بركة: لا يُعذر في التيمّم إلاّ إن كان إذا رجع إليه فاتته حاجته، ويتضرّر بفوتها، وإن على عياله، ولم يفرّق بين غنيّ وفقير، إذ يجوز الخروج في طلب الرزق ولم يجب حمل الماء للطهارة قبل الوقت. فإذا حضر ووجد الماء لزم استعماله، وإن عدم وفي طلبه فوت أو مشقّة في الذهاب إليه (192) أو التماسه وسع التيمّم.
أبو الحواري: لا يخرج حاطب ولا جان من قريته حتّى يتوضّأ، فإن فسد تيمّم. وإن خرج بلا وضوء وأدركته الصلاة ولا ماء عنده، فإن احتاج ما خرج إليه تيمّم وصلّى، وإن استغنى عنه رجع إليه وتوضّأ ولو يفوته. ولم يُسمع أنّ الراعي وطالب الضالّة ونحوهما يخرجون بوضوء ولكن إذا حان الوقت ولم يجدوا ماء ولا يمكنهم الرجوع إليه ألاّ يفوت مرادهم تيمّموا إن بعُد، وإن حصل للجاني ما جناه كنبق أو غيره، وخاف إن طلب الماء ضاع من يده لم يلزمه الرجوع إليه، بل يتيمّم؛ ولو (193) غنيا عنه وكذا الصائد ونحوه. (1/444)
صفحة 435
الباب السابع والثلاثون
في الوضوء ومعانيه وفرائضه وسننه والنية له
فالوضوء شرعا إمرار الماء على أعضاء معيّنة، وهو أخفّ الغسل، كالمسح قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ} الآية (سورة المائدة: 6)، فالأعضاء المذكورة فيهما (194) من فرائضه من الكتاب؛ فحدّ الوجه طولا من منتهى شعر الرأس إلى أسفل الذقن، وقيل: من منتهى تقبّض الجلد، وعرضا من أذن لأذن، وتخلّل اللحية بالماء، ويوصل إلى ما تحت شعر الحاجب والشارب والعدار والعنفقة، فمقدَّم (195) الأذنين من الوجه، وقيل: من الرأس؛ والمرفق داخل في الغسل. ويجزي مسح بعض الرأس بلا حمل الماء إليه، ومسح ظاهر الأذنين وباطنهما بإدخال الإصبع في الصماخ، وفي تجديد الماء له قولان؛ ولا فساد على من لم يمسحهما. وغسل الرجلين مع الكعبين لما روي أنَّه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ لمّا أراد أن يتوضّأ غسل يديه ثمّ مضمض ثلاثا واستنشق كذلك، ثمّ غسل وجهه ثلاثا، ثمّ يديه مع المرفقين كذلك، ثمّ مسح رأسه.
ونُدب تخليل أصابع اليدين والرجلين. وأكمل الوضوء مسح كلّ جارحة ثلاثا، [198] وجاز وإن بواحد إن عمّ؛ وبتخالفه في الأعضاء بعرك. وأجمعوا أنَّه لا تجوز الصلاة ــ مع الإمكان ــ إلاّ بالطهارة، وروي: «لا صلاة لمن لا وضوء له»، والمحافظ عليه كالمجاهد، وتحبّه الحفظة، وتتساقط عنه ذنوبه؛ ومن مات طاهرا مات شهيدا.
وإسباغ الوضوء عند المكاره تضاعف به الأعمال.
وفرائضه ستّة: الماء الطاهر، والنية، وغسل الوجه واليدين والمرفقين، ومسح الرأس، وغسل القدمين.
وسننه كذلك: التسمية، وغسل اليدين، والاِستنجاء، والمضمضة، والاِستنشاق، ومسح الأذنين. (1/445)
صفحة 436
ومن علم وجوبه عليه لا فرائضه وسننه وأدّاه أجزاه؛ وكذا (196) الصلاة والزكاة.
ومن جعل ماء في كفّه ثمّ نفضه ومسح بها رأسه أو غيره لم يجز له، وإن مسحه برطوبة يديه أجزاه إن بلّه، وإن لم يكن ماء ولا رطبة تبلّ لم يجز لمسح، ولا وضوء.
فصل
نُدب الاِقتصاد في الوضوء، وكُره السرف فيه وإن (197) من نهر؛ ولابأس بقلّة إن عمّت. وروي: «أحبّ الوضوء إليّ ما خفّ، وأكرهه إليّ ما ثقل، وخيار أمّتي المتوضّئون باليسير».
ونُدب له أيضا أن يكون على عاتقه ثوب أو خرقة، ولا يتطهّر عريانا ولو ليلا، ورخّص فيه، ولا في ثوب نجس، وأن لا يتكلّم حتّى يفرغ منه. ابن عليّ: إن أقبل على من يكلّمه يحدّثه جدّد؛ وكذا إن غسل بعض أعضائه ثمّ وقف حتّى جفّ أعاده. وليشرب عينيه ماء، ولا تفسد إن تركه، ويتعاهد الشاكل، وهو بياض بين اللحية والأذن، والنثلة وهي محلّ الخاتم، والمغفلة وهي العنفقة، (198) لأنَّه يغفل عنها كثير.
ومن توضّأ وبفيه درهم (199) لبان أو نحوه فلا عليه.
ومسح الأعضاء بعده بثوب مكروه، وقيل: لا. أبو عبد الله: لا يجوز بمنديل، وجاز بثوب صلاته، ولا يتوضّأ عريانا ولا قائما، ولا نقض إن فعل، والقعود فيه أحسن.
والماء الصافي لا يستر من توضّأ فيه عريانا، فإن أُبصر عند قيامه منه إلى لباسه ففي نقضه قولان؛ وإن توضّأ في منكشف يأمن فيه، فقيل: لا ينعقد نهارًا، (200) وقيل: يصحّ ما لم يبصَر فيه، وإن أُبصر حاله أعاده. وإن توضّأ في غير مأمن من الأبصار فالأكثر أنَّه لا يجوز نهارا ولو لم يمرّ به أحد، وقيل: تامّ حتّى يبصره من لا (1/446)
صفحة 437
يجوز له إبصاره قبل إتمامه، وهو مقصِّر إلاّ من عذر؛ واختار خميس أنَّه تامّ ولو نهارا حيث لا يبصَر.
ونُدب تعميم الجوارح بالماء لما روي: «ويل لبطون الأقدام من النار، وويل للأعقاب»، وفي رواية: «للعراقيب».
وفي وجوب الترتيب قولان؛ وقيل: مخيّر إن لم يُرد خلاف السنّة. ابن بركة: أجاز أصحابنا التقديم والتأخير بلا إرادته، واختار هو الترتيب على ما في الآية. الربيع: يعيده من تعمّد عدمه، وأجمعوا أنَّه لا يعيد من بدأ بيسراه قبل يمينه إن لم يتعمّد، وإلاّ فالخلاف.
وكُره ترك المولات مع الذكر والإمكان.
أبو سعيد: إن اشتغل بسبب من وضوئه فله أن يبني ولو جفَّ، ويعيد إن اشتغل بغيره وجفّ، وقيل: عليه ما بقي وقد مرّ. ومن ترك رجليه إلى المسجد يغسلهما فيه جاز ــ قيل ــ مطلقا، وقيل: إن لم يجفّ.
فصل
اختير أن لا يكون متطهّرا إلاّ بالنيّة. وقيل: من أحكم وضوءه ولم ينو به صلاة ولا قراءة ولا ذكرا صلّى به الفرض ولو أهملها، وقيل: يعيدها. ومن توضّأ لغير فرض ممّا لا يقوم إلاّ به صلّى به الفرض إذا حفظه، وقيل: لا، لأنَّه ليس بفرض، والفرض لا يقوم إلاّ بالفرض؛ والتيمّم كالوضوء إذا وقع موقعه حيث ينعقد ويجزي اعتقاده بالقلب عن اللسان وحسن التلفّظ [199] بها، وتجزي واحدة ما لم ينقلها بحدث؛ فإن قيل: إن كان لا يتمّ إلاّ بها فلم لا يحتاج إلى دوامها إلى الفراغ من الفرض؟ قيل له: هذا لا يمكن إذ تلحق به مشقّة، فإنّ الصوم لا يجزي إلاّ بالنيّة، ثمّ ينسى صاحبه وينام ويأكل، ولا يضرّه. وكذلك لا يدخل في صلاة إلاّ بها، ثمّ يسهو وينسى ولا يضرّه ذلك. (1/447)
صفحة 438
ولا يجزي ــ قيل ــ تقديم غسل بعض الأعضاء على النية. أبو الحسن: ما لم يتمّ وضوؤه لما اعتقده جاز. أبو سعيد: إن حفظه بعد فراغه لثانية صحّ حتّى ينتقض.
ومن علّم أحدا كيف يتوضّأ وأجرى الماء على محاله تعليما له أجزاه هو أن يصلّي به ولو لم ينو به الطهارة لها، وقيل: لا، وقيل: يجزيه اعتقادها ما لم يتمّ وضوءه، وقيل: يصلّي ما لم يصلّ التي نواها، وفي دبرها ما لم يهمله.
فصل
استحبّ الأكثر ابتداء الوضوء بالتسمية، ولا يضرّ تعمّد تركها، وقيل: لكلّ شيء مفتاح، ومفتاحه التسمية. واختُلف في تأويل: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه»، فقيل: الوجوب لأنَّه أَمَرَ به صلّى الله عليه وسلّم وفعلهُ؛ وقيل: الكمال والفضيلة.
ومن ذكره بقلبه على وضوئه وأراد به الله فقد ذكره، وهذا منه تأكيد للنية، وتاركه عنده تارك للمندوب، وقيل: أساء بلا نقض، وقيل: فاسد إن قصد خلاف السنّة، ولا يضرّه نسيانه. وكلّ ما لم يُذكر فيه ولا عليه فلا يُرجى له صلاح ولا نجاح ولا فلاح.
ونُدب منتبه من نوم الليل غسل يديه ثلاثا لما روي: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتّى يغسلها ثلاثا، فإنّه لا يدري أين باتت يداه»، فإن رجع إليه فيه بعد غسلهما لم يلزمه إعادته. (1/448)
صفحة 439
الباب الثامن والثلاثون
في ذكر أعضاء الوضوء وترتيبها فيه
فإذا غسل يديه بعد استنجاء مضمض فاه بتحريك الماء فيه لتنقيته واستنشق كما مرّ بإدخاله في أنفه دون السعوط. ويجب إدخال إصبع بفم وأنف (201) ودلك أسنانه في الجنابة لا فيه، وإن ندب بإصبع يمناه، وقيل: يسراه. الربيع: كلاهما، وإن نسيهما جنب أعاد الغسل والصلاة، وتتمّ في الوضوء، وقيل: لا إن لم يتمّها، وقيل: لا تتمّ إلاّ بهما مطلقا، وقيل: إن ذكرهما فيها فلا يعيدها، وقيل: يعيدها إن تعمّد تركهما، وصحّتا بغرفة.
وقد فرض غسل الوجه ويجب دلك شعره، وقيل: يجزي مسح اللحية من فوقه، وقيل: ليست من مواضع الوضوء، وندب تخليلها، ولا نقض بتركه. الربيع: يخلّلها، ووائل: يمسحها بيده، ولا تخلّل بتصعّد، ولا يجب في حاجب وعنفقة، ولا يفتح عينيه فيه ولا يغمضهما، ولا في غسل، وليرخهما ليبلّهما الماء، وقيل: إن لم يفتحهما فيهما (202) لم يحكمهما، وإن عركهما حتّى دخلهما أجزاه إلاّ إن أجنب فإنّه يبلّلهما لما روي: «أشربوا أعينكم الماء لعلّها لا ترى نارا حاميه». هاشم: ما رأيت مخلّلا شعر العارضين إلاّ منيرا، ولا يخلّلهما الواصلي ولا الذقن، وكان هاشم يمدحه بحسن الرأي.
والأكثر على دخول المرفقين في غسل اليدين.
وفي مسح الرأس، قيل: كلّه، وقيل: بعضه، وقيل: مرّة، وقيل: ثلاثة؛ والأكثر منّا إن مسح بعضه يجزي، وأقلّه قدر ثلاثة شعرات من مقدّمه لا من مؤخّره. بشير: يمسحه وقفاه؛ وهل يجزي بإصبع وبإصبعين أو لا بدّ من ثلاث؟ خلاف. أبو عبد الله: يجزيه مرّة (203) يردّد فيه ثلاثا. أبو سعيد: بجديد إلاّ أن يؤخذ من ذراع أو لحية (1/449)
صفحة 440
غير مستهلك قدر ما يمسحه، وإن نسيه حتّى فارق الماء، فقيل: إن وجد فيها أو في بدنه قدره أجزاه، وقيل: لا إلاّ بجديد ولو نسيانا.
والأذنان هل هما من الرأس أو الوجه أو مقدّمهما منه وظاهرهما من الرأس؟ خلاف مرّ، وأرخص ما قيل فيهما: أن يمسحا معه؛ وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم مسح برأسه وأذنيه داخلهما [200] بسبّابتيه، وخالف بإبهاميه إلى مسح ظاهرهما وباطنهما بجديد. ابن محبوب: من نسيه وذكره فيها فلا يقطعهما. أبو سعيد: من تعمّد تركه أعاده، وقيل: لا؛ وكان عزّان إذا مسح رأسه بإصبعيه مسح بهما أذنيه، وقال: (204) يجزيه ولا كراهة فيه.
وغسل الرجلين إلى الكعبين، والكعب من المقدَّم (205) ــ قيل ــ هو المفصل المقدّم دون العظم الناتئ في جنبه، وقيل: هو الكعب. ابن بركة: نأمره بإدخاله لأنَّه من جنس المحدود كالمرفق، ويصبّ بيمناه ويغسل بيسراه لا بهما معا. ونقاء القدمين انصباب الماء منهما صاف بلا عرك. أبو إبراهيم: من غمسهما فيه بدونه (206) وبلا تخليل وبلا مسح على عرقوبيه لم يتمّ وضوءه؛ ومن صبّ عليهما بلا غسل لم يجزه إلاّ إن رأى المسح كافيا.
واختلف قومنا فيه على الخفّين. ابن عبّاس: إنّما جاز قبل نزول سورة المائدة فنسخته، وهو مذهبنا، فمن اضطر إليه عدل إلى التيمّم، واختلف من قال به في مدّة يجوز فيها، فقيل: يوم للمقيم وثلاثة للمسافر، وقيل: لا حدّ فيه، ونزعهما من أحدث وغسل قدميه عند وضوئه، وبه قال جابر وابن عبّاس وعلي وعائشة، وقالت: «قطَعَ الله رجليّ يوم أمسح على الخفّين»، وأنَّه صلّى الله عليه وسلّم ما لبسهما قطّ بعد قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (سورة المائدة: 6). المهنّا: لو جاز لجاز على العمامة ولكن أبى الله ذلك. عطاء: من فعله صلّى بلا وضوء، ومن زعم أنَّه فعله فقد كذب عليه وكفر، وهو الصحيح. (1/450)
صفحة 441
الباب التاسع والثلاثون
فيمن توضّأ وبيده نجس، وفي ناسٍ بعضَ وضوئه
أبو سعيد: لا يثبت إلاّ بكمال الطهارة من حادث وإن من غيره، وقيل: لو كان بعض منه نجس فتوضّأ فغسله هو بحجر أو نحوه أو غيره له تمّ له ويُعزى لابن محبوب، فإذا ثبت عنه جاز ولو في القدم الأيسر، ويشبه إن لو كان في غير أعضاء الوضوء فغسله بعده بما ذكر بلا مسّه لتمّ أيضا إذ لا فرق، ومواضعه أقرب للشدّة، وإذا ثبت على نجس فيها أو في غيرها لم يبعد أن يكون المتوضّئ إذا مسّه نجس في بدنه مثله إذ لا فرق.
هاشم: لو مسّ متوضّئا دم في غير محلّ الوضوء فغسله غيره فلا نقض عليه. قال خميس: ليس ببعيد إذا ثبت ذلك، وتمامه أقرب أن يجوز له لما قيل: إنّ المتوضّئ إذا خرج منه دم من جرح طريّ أو غيره ولم يفض لا نقض عليه، وإن انتقض به أشبه أن لا يتوضّأ حتّى يغسله، وقيل: لا يغسل في الحالين، ولا يفسد ما جرى عليه ولو في محلّ الوضوء إلاّ إن تغيّر لون الماء عند غسله، والأصحّ المختار ما مرّ أوّلا من أنَّه لا يبتدئ فيه حتّى يتقي (207) النجس من بدنه.
أبو سعيد: من بفيه دم أو غيره فتمضمض لوضوئه قبل غسله ثبت وضوؤه، لأنّ غسله فرض وهي سنّة فيه، فطهارة الفم مطهّرة له بالمضمضة، وإن كان بمحلّ الاِستنشاق ففعله بعدها فهو كمن تركها عمدا أو نسيانا، وكذا إن كان بوجهه ففعلهما كذلك ثمّ غسله حتّى نظف ثبت له غسله في وضوئه، وهو كالتارك لهما كذلك؛ وإن برجله فمسحه حتّى وصله فليس كالأوّل، وفسد لأنّ غسل الوجه فرض، وقد وقع قبل إزالة النجس، وهذا عند من يوجب الترتيب؛ وعند من يجيز غيره يتمّ وضوء عضو كما إن كان بيسراه ثبت له مسح الرأس والرجلين، ويعيد وجهه ويمناه والمضمضة والاِستنشاق. (1/451)
صفحة 442
وإن نسي يدا أو رجلا أو وجها، فقيل: يجوز مسحه كالرأس ببلل غيره، وقيل: لا، لأنَّه مخاطَب بالغسل، وهو بالماء، وإن فقده بلّه [201] برطوبة إن وجدها ولو ريقا، ولا يتيمّم ولو بلّه ــ قيل ــ به. وإن كان لماء حكم خيف أن لا تتمّ صلاته إن أمكنه، وإلاّ فلا فرق بينه وبين الريق.
ومن مسح عضوا ثلاثا أجزاه، وإن لم يتيقّن بمرور الماء على جميعه ولولا تعمّد كلّ مسحة لأنّ الحكم للأغلب.
وإن علم ببقاء قليل من عضو لم يمسّه بعدما صلّى فلا عليه. أبو سعيد: من نسي مسح رأسه استأنف الوضوء ولو رطبا، وقيل: رأسه فقط ولو جفّ ما لم يدخل فيها، وقيل: مطلقا. (1/452)
صفحة 443
الباب الأربعون
في الشكّ في الوضوء وأحكامه
وقد روي: «إنّ له شيطانا يقال له الولهان، فإذا أحسّ أحدكم شيئا من ذلك استعاذ، فإذا أقمتم الصلاة خبطكم بين ثيابكم، فلا تصدّقوه حتّى تروا قاطرا أو تشمّوا ريحا» كما مرّ، فإنّ استعمال الشكوك مكروه ومتروك لأنَّه من عوارضه. فمن شكّ في وضوئه بعد إكماله أو في عضو منه بعد أن جاوزه فلا يرجع إليه، وإن لم يجاوزه فلا يخرج منه حتّى يحكمه.
ومن شكّ أنَّه لم يغسل يده أو وجهه ثمّ نظر فيه رطوبة فلا يعيده.
وإن شكّ في باب البول وكان في الآخر فلا يجاوز القبل حتّى يحكمه، لأنّ الاِستنجاء واحد وبأيّهما بدأ جاز، وإن شكّ فيه بعد أن جاوزه فلا يرجع إليه.
ابن محبوب: من خرج من غسل ثمّ شكّ أنَّه لم يغسل بعض بدنه أو لم يستنج أو من وضوء فلا يرجع وإن قبل أن يلبس ثيابه حتّى يتيقّن كما مرّ.
ومن تغوّط وبال ثمّ دخل نهرا، ثمّ خرج منه فشكّ في غسلهما فلبسها وصلّى فلا فساد فيهما.
ومن توضّأ ثمّ أحدث ثمّ توضّأ ثمّ ذكر الأوّل والناقض له ونسي الأخير فصلّى على ذلك فإن ذكر فيها ــ قال ابن محرز: ــ آخرها يصلح أوّلها، وأبو سعيد: إذا ثبت الوضوء فلا يزيله الشكّ بالإحداث. ولمن ابتلي به أن يأخذ بأرخص الأقوال التي لا تخرج من العدل ليتقوّى به على مخالفة الشيطان ولا يساعد الشكوك فإنّها مفسدة لدينه ومشغلة عن عبادة ربّه، وروي: «يسّروا فإنّ الله يحبّ اليسر». (1/453)
صفحة 444
الباب الحادي والأربعون
في نقض الوضوء وحفظه وقطع الشَّعَر والأظفار والأكل بعد الوضوء ونحو ذلك
أبو سعيد: ذهب بعض إلى أنّ حفظه أفضل من تجديده، وبعض إلى عكسه، وأختارُ الأوّل لأنَّه أحرز للدين من الاِلتفات والكلام القبيح والإحداث. وقيل: الطهر على الطهر نور على نور.
ومن توضّأ وصلّى ثمّ أهمله فله أن يصلّي به أخرى إذا لم يتيقّن بالحدث، و «هدَمْتُ وضوئي» لا يبطله، ولا طول المدّة ولو أيَّاما إن لم ينم ولم يحدث. وحكى مخالفونا إجماع الصحابة عليه، وذكره أبو الحسن.
ومن توضّأ وحلق رأسه، فقيل: يمسحه، وقيل: يعيده، وقيل: لا تطهر الموسى وإن كان بها دم، ثمّ سنّها بالمسنّ فزال عينه فقد طهر بالمسنّ أو غيره أو بماء أو ريق، وإن قصّ شعره فلينفضه، وإن بقي منه في رأسه أو ثوبه (208) وصلّى، فقيل: يبدل، لأنَّه ميّت، وقيل: لابأس به إن نفضه.
ومن نتف إبطيه ثمّ صلّى ولم يغسلهما فلا نقض عليه إن لم يدميا؛ ولا على من نزع شعرة من لحيته أو بدنه، وفي قطعها بأسنانه قولان. ابن بركة: من نزعها أو جلدة أو ظفرا من أعضاء الوضوء فلا نقض عليه إن لم يبله [كذا] بالماء، ولا في الشعرتين أو اليسير أو الميتة إلاّ إن خرج معه دم، ولا على من طرح خبزا في تنّور واحترق شعره، وليبلّ به ما أصابته النار عند بعض. أبو مروان: من قطع ظفره بضروسه انتقض وضوءه، وإن قلّمها بمقصّ غسل موضعه، وقيل: لا نقض عليه به، وليبلّه وإن بريق، وقيل: لا بلّ يلزمه. وقال غيره: من قصّ أظفاره أو أخذ شعره أو شاربه أو عانته فعلى طهارته. (1/454)
صفحة 445
وإن أخرج من بدنه جلدة ميّتة بضروسه فلا نقض عليه، وليبلّ مكانها؛ وانتقض بحيّة إن رطبت وبلّ مكانها إن يبست، وقيل: تنقض [202] مطلقا، ولا نقض بألم إن لم يدم، ولا على حامل جنازة ولا على ذابح إن لم يمسّه دم لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم نحر بمنى ثلاثا وستّين بدنة، ولم يجدّد طهارة، وهو قول عامّة العلماء.
ومن استاك أو تخلّل أو نزع ما بأسنانه فلا نقض عليه إن لم يدم؛ ولا على آكل ما مسّته النار، ونُدب له غسل يده وفمه. ويروى: «لا وضوء من طعام حلّ أكله، وأنَّه قبله ينفي الفقر، وبعده اللمم». (1/455)
صفحة 446
الباب الثاني والأربعون
في النقض بالنوم والضحك ونحو ذلك
وروي: «إنّما الوضوء على من نام مضطجعا»، وقيل: ينتقض على من نعس قاعدا، وعلى من زالت مقعدته واسترخت عن مقعده، وقيل: لا حتّى يضع جنبه؛ فمن نقض على ناعس قاعدًا (209) قاسه بالمغمى عليه والزائل العقل. ومن نقضه باسترخاء المقعدة ذهب إلى ما روي: «العينان وكاء السته، فإذا انسدّتا ارتخى الوكاء». ومن ذهب إلى عدمه حتّى يضع جنبه احتجّ بما روي أيضا: «إنّما الوضوء على من نام مضطجعا»، وأكثرنا على أنَّ من نام متّكئا فزالت مقعدته عن مجلسه انتقض عليه. وقيل: إن كان يسقط بإزالة المتّكئ عليه.
واتّفقوا على أنّ الناعس في صلاته قاعدا أو راكعا أو ساجدا لا نقض عليه حتّى ينقلب على جنبه، فلمّا كان هذا أصلا وجب الرجوع إليه. ابن محبوب: لا نقض على ناعس متّكئا على يده حتّى يضعه أيضا، ولا عليه مستندا أو مقعدته بالأرض، فإن وضعه وغلبته عيناه فهو أعلم بنفسه، فإن كان لبطنه ضغضغة ريح بامتلاء فليتوضّأ وإلاّ فلا، إلاّ إن احتاط.
وينتقض بزوال عقل كجنون أو غشية وإن مع قعود. ابن محبوب: وبكلّ مغيّر له ولو نعاسًا (210) على كلّ حال إلاّ في الصلاة، ولا على راكب إن نعس ولا على محتب جاعل رأسه على يديه وركبتيه، أو خدّه على إحدى يديه إلاّ إن وضع جنبه ورفع رأسه على كفّه.
ولا على ضاحك في غير الصلاة إجماعا، وفيها ينقضها الضحك، وفي وضوئه خلاف؛ وينتقضا بالقهقهة فيها، وينقضها دونه تكشّر الأسنان به، ولا يفسدهما عدمه، وعدم حركة البدن به معا. ومن خاف ضحكا فيها فسلّم مبادرا في غير محلّه (1/456)
صفحة 447
ليسلم وضوءه خاف أبو عبد الله أن يفسدا عليه؛ ورجا أبو زيّاد سلامته، ثمّ توقّف أبو عبد الله في نقضه.
محبوب: لا ينتقض على من تعمّد قطع صلاته بكلام إلاّ من ضحك، ولا على من قهقه في التوجيه أو بعد فراغ من التحيّات الأخيرة. (1/457)
صفحة 448
الباب الثالث والأربعون
في نقض الوضوء بمسّ العورة والميّت
أبو أيوب: لا يفسده مسّ الفروج نسيانا. ابن محبوب وابن بركة: يفسده مطلقا، وعليه الأكثر. جابر: من جلس في صلاته فمسّ فرجه بعقِبه (211) نُدب له أن يتوضّأ.
واختلف فيمن مسّ فرجه أو زوجته، فقيل: ينتقض بالذكر والدبر، وقيل: بهما وبالأنثيين، وقيل: إلاّ بالكوّتين مطلقا، وقيل: إن تعمّد.
ومن وقعت يده بذكره ولم يعلم أمسّت ثقبته أم، فلا عليه حتّى يعلم بمسّها. والخلف فيمن مسّ الثقبتين خطئا. وكان أبو عبيدة يتّخذ جوربا لذكره يصلّي به حذر أن يمسّ رجليه فيها، فبلغ حيّان الأعرج وكان أكبر منه سنّا وحاملا [203] عن جابر، وقال: إن كان الأمر كذلك أشقانا الله في ديننا، وكان ينقضه بالثقبة فقط، وأبو عبيدة بالقضيب، وقيل: بالحشفة لا بالدبر.
وزعم هاشم أنّ أبا عبيدة وأبا نوح اختلفا في مسّ العورة، فأبو نوح ينقض بالذكر (212) والدبر وأبو عبيدة بهما وبالأنثيين، والمراق والعانة، فتبع موسى أبا نوح، وبشير أبا عبيدة. ورخّص جابر في العانة.
ابن المعلاّ: لا ينقض الدبر وإن من الغير (213) ولا فرج الزوجة بساتر، وينقضه العمد بدونه، وإن مسّ منها محلاّ أو قبَّلها شهوة فالخلف في النقض، وأشدّ من النظر. ومن مسّ منهما فرج صاحبه بلا ساتر انتقض عليه دون صاحبه. ومسّ فروج (214) النساء ناقض بالعمد، وفي الخطإ خلاف، وغير الفرج ناقض بالعمد
وإن تماسّت الفروج انتقض لا إن مسّ زوجته بفرجه في بدنها ولا بظاهر الكفّ فيه عند الأكثر، والقدم مثله، وقيل: كباطنه. والمعتبر في المسّ باطن الكفّ. (1/458)
صفحة 449
أبو سعيد: من مسّ أحد الثقبين من ساتر وعرف ما مسّ انتقض عليه، (215) ولا يضرّ مسّ الزوجة ولو بفرجها من ساتر ولو شفّافا.
وما جاز النظر إليه من أجنبية ــ قيل ــ جاز مسّه كوجه وكفّ وباطن قدم، وقيل: لا، وإن لا لشهوة كما مرّ. والملامسة ــ قيل ــ الجماع. ابن مسعود: دونه؛ الشافعي: المباشرة باليد لمس، وبالرجل دوس، وبالفرج وطء، وبالفم بوس.
وقيل: مسّ الفروج ناقض إلاّ ما لا حرمة له، كدابّة أو صبيّ أن لم يرطب، واختار ابن بركة النقض به، لأنّ له حرمة، وله قول بعدمه، وإن من صبيّة إلاّ إن مسّ الفرج المنفرج، ولا نقض به عند جابر.
أبو زيّاد: عورة من يأكل الطعام ناقضة بالعمد، وقيل: فرج الغلام إن كان هو أو اليد رطبا ناقض إن لم تكن الرطوبة من طهر به، وقيل: إن كان الذكر من الخيل والحمير رطبا نقض؛ (216) فمن مسده إلى موضع الجمار لم ينتقض وضوءه إلاّ إن مسّ رطوبة.
فصل
من مسّ نجسًا رطبا أو وقع عليه فسد عليه لا إن كانا يابسين؛ ومسّ الخمر ونحوها (217) وميتة المشرك وعظامه إن كان بها لحم أو رطوبة ناقض؛ ولا نقض بيابسين.
أبو سعيد: إن سبحت عذرة على متوضّئ في ماء ولم تنله فالخلف، وإن به شيء منها نقض ولو لم يعلق ببدنه.
ومن مسّ ثوبا به نجس يعلم محلّه ولاقته يده رطبة بقدر ما يتمازجا فسد عليه به. ولا بلدغ عقرب إن لم يدمِ؛ وبوطء أثر الكلب كما مرّ إن رطب، لا إن كان في كثير أو جار. وإن يبس ورطب الرجل فقولان. وببول الخفّاش وعرف الديك، وبدفرى الجمل، وبأخذ القمّلة باليد عند الأكثر. ومن طال شعر رأسه فأصابه نجس لا بدنه (1/459)
صفحة 450
فسد عليه ولو قطعه، وإن صلّى به جاهلا أعادها، وإن وقع بطرف لحيته فقصّه أعاده. وفي النقض بمصافحة مشرك ويده رطبة خلاف مرّ، لا إن يبست.
محبوب: أصابني بول بعير انتضح على قدمي ذاهبا إلى الجمعة، فرجعت فتوضّأت، فقال الربيع: ما حبسك؟ فقلت: بول بعير، فقال: ليس ذلك (218) بشيء إلاّ إن أصابك ما يصبغها (219) فلو كان الأمر على ما ترى ما سلم أحد بطريق مكّة مع الأركاب. (1/460)
صفحة 451
الباب الرابع والأربعون
في نقض الوضوء بالنظر
ابن بركة: النظر عندنا إلى المحرّمات ناقض إن كان عمدا، فمن نظر فرجه لا لمعنى فسد عليه. وقال هاشم: إن كان معجبا به، وقيل: لا مطلقا؛ وليتنزّه عنه. ابن جعفر وابن بركة [204] وابن الحسن: لا فساد بفرجه وزوجته أو سريّته ما لم يزوّجها أو يطأ أختها أو يخرجها من ملكه.
والليل كالنهار إن أيقن الناظر ما نظر أو تبيّن له، وإلاّ فهو لباس؛ والنار كالنهار، وكذا بعد غروب وقبل ظلام. ولا يضرّ طلوع الفجر مع حلوله، ولابأس في قمر وانفجار صبح، وقيل: طلوع الليل ليل وإن لم يستول الظلام كعكسه. ومحلّ الظلمة نهارا إن حالت كالليل.
وإن تعمّد الزوجان نظرا بينهما لشهوة لم يفسد وضوؤهما، وقيل: فسد ولا صومهما. ولا على متشهّ زوجته أو سريّته إن لم يُمذِ، وقيل: يفسد.
ونظر الميّت ومسّه كالحيّ في النقض به.
ومن نظر فرج امرأة أو رأسها ثمّ أراد نكاحها أو الصلاة فشكّ أتعمّد فيه أو أخطأ فلا عليه حتّى يعلم بالعمد. الربيع: من تعمّد نظرا لقدمها استغفر ولا نقض عليه، وبه قال ابن إبراهيم. ابن عليّ: لا نقض بنظر لرجلها. ومن نظر رأس إنسان وبطنه عمدا يظنّه رجلا فكان أجنبية فغضّ بصره فلا عليه؛ ولا على من نظر دابّة تغشى أخرى ولو اشتهى ما لم يمذ؛ ولا على من نظر جارة له لا تستتر منه عند ابن إبراهيم.
ولا بغير الفرج من الرجل، والأكثر على النقض بالفخذين. فمن مسح لآخر سرّته من علّة فلا عليهما. وكلّ ما نُهي الرجل عن نظره من غيره لم يجز له إبداؤه له، وبالعكس. (1/461)
صفحة 452
والعورة عند أبي المؤثر من حدّ منابت الشعر إلى غلظ الفخذين. ومن نظر بدن محرمته وإن من رضاع أو مصاهرة غير ما بين السرّة والركبة عمدا لغير شهوة فلا نقض عليه، وبها فيه قولان؛ والمسّ كالنظر، وقيل: أشدّ. والميّت كالحيّ، والتلذّذ به حرام، وإن كان تعجّبا من حسنها أو دمامتها أو لعلّة أو لغير شهوة لم يضرّه.
ابن إبراهيم: النقض بمن تأبد حرمتها أشدّ من المحرمة وغيرها، ولا نقض على من نظر قبرا من تحت الثوب. وثبت على ناظر إلى ميّت وإن من تحته لا إن لم يقصد إليه ولو رآه.
فصل
هاشم: لا خمار على أمة ولا رداء؛ وعبيد الحبش (220) وغيرهم في الستر والنظر إليهم عراة كغيرهم، ولا يجوز إلى عوراتهم، ولا بأس بنظرها من الصبيان ما لم يوجد حياء منهم أو لهم، وفسد عند جابر بالنظر إلى داخل فرج صبيّة ولو مرضعة (221) لا به إن قامت ولو إلى شقّه، ولا بنظر لرأس جارية مكشوفة لا لشهوة. (1/462)
صفحة 453
الباب الخامس والأربعون
في نقض الوضوء بخارج من إنسان
وينتقض ببول وغائط ونحوهما ممّا مرّ. فمن وجد حركة في دبره لخروج الريح فلا عليه حتّى يشمّ أو يسمع، فإذا أيقن بهما أعاده، وقيل: لا إن خرجت من أسفل لا من الجوف، ولا إن اشتبه عليه أنَّه منه أو من غيره؛ وفسد بخارج من باطن باسور لا بخارج من ظاهره من رطوبة، ومن [205] تخرج مقعدته باسترخاء ويطهّرها ويصلّي بها خارجة لم تضرّه، فإن طهّرها وردّها وتوضّأ، فإذا قام للصلاة خرجت ربط عليها تفارة بعد أن يطهّرها ويصلّي كمستحاضة.
أبو سعيد: اتّفق أصحابنا على أنّ كلّ سائل أو فائض عن محلّه ناقض ومن بأنفه دم حيث يبلغ الاِستنشاق فإنَّه مفسد لا إن كان أدخل منه، ولا إن غلبه البزاق بفم، فإن وقع بثوب واتر أفسد وغالب المخاط من الأنف مفسد لا عكسه، ولا إن استويا ولا إن نفر (224) فتخرج من أنفه قشرة حمراء ولا دم بها، ومن يخرج بلسانه حينا دم أو يجد طعمه بفيه فلا عليه إلاّ إن تيقّن به.
وإن كانت بيده بترة فحكّها ليلا فوجد رطوبة قال الفضل: يشمّها، فإن وجد ريح دم توضّأ، لا من خرجت من أنفه علقة رطبة بلا تبع إذا عطس. ويستنشق من أدمى أنفه كما مرّ حتّى يخرج الماء صافيا بلا وجوب إدخال إصبع فيه.
ابن المسبح: من خرج من منخريه مخاط اتّصل به دم أعاد وضوءه لا إن كان منقطعا. أبو الحواري: لا يعيد حتّى يغلب على المخاط ولو اتّصل.
ومن تخلّل ورأى بالعود دما لا في البزاق نجس فمه، وقيل: لا حتّى يغلبه الدم.
أبو سعيد: من مسح وجهه بثوب فرأى به صفرة مع الرطوبة من وضوئه فتوهّمها من أنفه فأدخل إصبعه فيه فإذا بها دم فالصفرة طاهرة حتّى يعلمها من نجس إلاّ إن استرابها. (1/463)
صفحة 454
ومن اجتمع بضربته دم فلا عليه حتّى يخرج رطبا. وإن لم يفض دم جرح ثمّ يبس فيه فقشّر منه وطار فطاهر إن غيّر محلّه. ومن اعتقرت رجله ليلا فصلّى ولم ينظرها حتّى أصبح فرأى بها حمرة كأنَّه سيل عليها حول العقر، ودخل الماء قبل أن يحقّقها فلا عليه حتّى يتيقّن بالدم.
ودم الضمج والوخض إذا يبس محلّه ثمّ ظهر قال الشيخ: نجس، وأبو سعيد: كالمجتلب الخارج من حيّ ــ قيل ــ طاهر. والقيح والبيس طاهران، وجوهرهما نجس في الأصل، وطهُرا بانتقال حياة لموت.
فصل
لابأس بماء (226) خرج من طعنة ولو كان الجرح طريّا. ومن خرج من جرحه دم وبه قبّة منه لولاها لفاض منها لم يفسد وضوءه ولو في أعضائه.
والحجامة توجب الوضوء لا الغسل، ولا يصحّ حتّى يغسل محلّها، فإن خرجت منها حمرة أو كدرة أو صفرة بعد غسلها أو من جرح طريّ لم يضرّ ذلك، وإن خرج قبله فقولان.
أبو عبد الله: إن ابتدأ الجرح بصفرة خالطتها حمرة وإن قلّت أفسدت، وما مسّته إن لم يفض دمه ثمّ يبس الجرح ولم يغسل ثمّ خرجت منه مدّة من تحت اليابس ولم يفض ففيه قولان؛ وإن خرجت منه صفرة فإن كانت تمرّ عليه أفسدت. وقيل: الماء الأصفر من الطريّ مفسد لأنَّه من البدن الحيّ، والقيح والبيس منه قد ماتا؛ والميّت من حيّ لا يفسد، والحيّ من حيّ مفسد. وقيل: لا حتّى يكون دما خالصا كخارج من فم وأنف. (1/464)
صفحة 455
وإن خلا للذغة ضمج يوم أو أقلّ أو أكثر ثمّ انفجرت بدم فنجس إن لم يتغيّر إلى لون قيح أو بيس فيكون ميّتا من حيّ. ومن لم يفض دم جرحه فتوضّأ وأجرى عليه يده وصلّى اختير إعادته إن لم يطهر قبل وضوئه، لأنَّه فاض بإجراء الماء عليه.
أبو الحواري: الماء طاهر إلاّ إن تغيّر بلون الدم. (1/465)
صفحة 456
الباب السادس والأربعون
في نقض الوضوء بالكذب والكلام القبيح والردّة
وقد روي أنّ الكذب والغيبة ناقضان ومفطران. أبو مالك: غيبة المؤمن تنقض وتفطر، وقيل: لا تنقض ولا شيء في غيبة الفاسق وذهب أصحابنا إلى النقض بها، وبالكذب عن عمد، واختلفوا [206] في نقض الصوم به؛ وأجمعوا أنَّه لا ينقض الغسل. ومن تعمّده وصلّى أبدل واستغفر. الربيع: إنَّه ناقض للأيْمان. بشير: من حلف كاذبا أو قبّح أو لعن أو أفحش قولا فسد وضوءه، وإن حلف على صحّة خبر في ظنّه فبان كذبه حنث، (227) وإن حلف بالله لا يأكل من طعام فحنث، فعليه الكفّارة لا الوضوء. الربيع: كلّ كلام أوجب حنثا ناقض. منير: لا ينقض ذكر عورة بأقبح اسم إلاّ إن شتم به أحدا، وقيل: ينقض مطلقا.
وكلّ معصية أوجبت على فاعلها وعيدا ناقضة.
ومن شتم مسلما أو لعنه أو قذفه أو بهته أو برئ منه انتقض (228) به.
وإن توضّأ منافق ونوى به الصلاتين فصلّى الأولى وسكت إلى الثانية تمّ وضوءه لا إن تكلّم. أبو قحطان: يتوضّأ لكلّ، ولا يؤتمن على وضوء صلاتين. ابن بركة: إن نواهما به وغضّ بصره وحفظه ولزم موضعه أو طريقه فلا أُفسده؛ ولا على عاص والديه.
وقيل: من استنشق أجنبيّة ولو أمة لا يطأها انتقض وضوءه بإثمه؛ وكذا من قال: فلان سلحة، لا إن لم يشتم بها أحدا ولو ذكرها.
أبو المؤثر: من ذكر فرج أتان باسم أوّله حاء، فالربيع يعيده. وكذا من ذكر الفروج والأدبار بأسمائها القبيحة لا إن نسي فذكرها. وإن قال لمن لا يستحقّ العذاب: ويل لك، فسد عليه عند بعض؛ وبوليّ إن قبّحه أو لعنه، وبصبيّ أو عبد إن كان أبوه أو العبد وليّا. (1/466)
صفحة 457
أبو سعيد: لزمت والد صبيّ ولايته كنفسه وأوليائه البالغين، فإذا فسد على من قبّح وليّا أشبه أن يفسد على من قبّح صبيّه أو نفسه. ومن قبّح خادمه أو وجه امرأته أو ابنته اختير إعادته لا صومه. وفسد ــ قيل ــ على لاعن عبده، أو من لا يستحقّه. ومن لعن نفسه أو قبّح وجهه تاب لا غير.
وعلى قائل لإنسان: يا كلب عند ابن محبوب إلاّ إن (228) كافرا. وعلى قائل له: هذا إبليس أو ناداه به لا إن قال له شيطان، أو من الشياطين والماردين.
أبو عليّ: إن قال لامرأته: يا كافرة، اختير له أن يتوضّأ إن لم يعلمها كافرة أو ارتاب فيها.
ومن دعا محمّدًا محمّدوه، أو سعيدا سعيدوه، أو لقّبه بما لا يغضبه، ويجيب إذا دعي به فلا نقض عليه.
وإن قال لمن لا ذنب له كدابّة وصبيّ: لعنك الله أو أخزاك، أو قبّحك أو تعست، أو لا بارك فيك أعاده لا إن شتم أحدا بما فيه، كيا أعور، ويا أعمى ولم يقصد به شتما، ولا إن حدّث بما لا يضبطه فزاد فيه أو نقص خطئا إن أتى بالمعنى ولم يتعمّد زيادة كذب فيه، لأنّ الألسن تزِلّ، والخطأ مرفوع، والحمد لله.
ولا على من قصّ خبرا في ظنّه صدقا فبان كذبه، ولا على منشد شعر غيره ولو أفرط فيه بمدح أو ذمّ، أو فيه كذب إلاّ إن شتم فيه (230) مسلما؛ وينتقض بشعره إن كذب فيه، وبالمزاح كذبا لا إن كان غلطا. وكره عزّان أن يقول لغير أبويه: يا أمّاه، يا أبتاه لقوله تعالى: {مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهُمْ} الآية (سورة المجادلة: 2). ولابأس إن قاله مجازا، ولا إن قال لزوجته كأنَّها الشمس أو الشاة أو الزبدة ونحوها، وكُره كالجدار.
ومن قال: إن هاجت الريح على هذا السماد ذهبت به كلّه، أو لأحد: حمارك بغل، أو الحبّ ذرَة أو شعير كحمص أو نحو ذلك اختير له أن يتوضّأ.
وفسد على من قال: غدا يجيء الغيث أو الريح أو العرب أو غير ذلك إن لم يستثن، لا على من قال: لقيت الناس كلّهم، أو أبصرت منهم ما لا يحصى، أو لا أبيع (1/467)
صفحة 458
سلعتي إلاّ بكذا فباعها بأقلّ، أو أُشير إليه ليصلّي بالناس فقال: لا أفعل، ثمّ فعل إذ لم يكن كذبا.
وإن قال: ما فلان إلاّ بحرا أو برق فلا عليه، لأنَّه من المجاز إلاّ إن قصد تنقيصا بقوله برق.
فصل
من ارتدّ ثمّ أسلم من حينه فليتوضّأ، [207] وإن ارتدّ في نفسه فعليه الوضوء، وقيل: والغسل أيضا، وقيل: بطل ما عمله في الإسلام، وقيل: لا يلزماه إذا رجع. (1/468)
صفحة 459
الباب السابع والأربعون
في وضوء النساء ونقضه
فإن لم تجد امرأة ماء خرجت إليه طالبة إن وجدت كسوة وإلاّ طلبتها، فإن لم تجدها تصعّدت، وإن استحيت أن تُكشف فصلّت بلا وضوء لم تلزمها كفّارة.
وهي في مسح رأسها كالرجل بأن تضع راحتها على هامتها وتمسح ذوائبها وأطراف شعرها.
وتؤمر بالتفتّح عند الاِستنجاء لا بإدخال كما مرّ؛ وبالصمت عنده إلى الفراغ. وإن أدخلت إصبعها جاز لها ولو صامت، وقيل: تؤمر به؛ ولا يتجرّدن عند الغسل كما مرّ فيسقط عنهنّ فرضه، لا فرض الوضوء إن أبدين عوراتهنّ، ولا تصحّ به صلاة وهنّ مأزورات.
وإن مسّ عقبها فرجها فيها فلا نقض عليها به، وباحتشاء إن كانت لا تمسك؛ وتلوي نظيفا كما تيسّر لها من قيام أو قعود. ولا تصحّ بثوب نجس وما حملته أو الرجل من دواء فناقض إن خرج، ومفسد ما أصابه، وقيل: لا نقض عليها بريح من قبلها ولو سمعته. وتزيل خضابها عند الوضوء. وإن خرج من رحمها ماء لا تعلمه من طهورها أو من فرجها، فقيل: تبدل وتغسل ما أصابه، وقيل: إن جاء من حيث تصل الطهارة واليد عندها (231) وكان صافيا واحتمل أنَّه اجتمع منها فطاهر حتّى تعلمه من الرحم، وقيل: ناقض حتّى تعلمه طاهرا وقد مرّ.
ويلزمها إدخال عند غسل من حيض أو جماع، وإن تركته لزمها البدل والكفّارة، والتنقية من وطء إن أنزل فيه أو أنزلت لا من حيض، وقيل: هو أشدّ وقد مرّ غالب ذلك. (1/469)
صفحة 460
الباب الثامن والأربعون
في وضوء ذوي العلل والعاجز
ومن بجارحة وضوئه جرح أو جبائر وخاف زيادته بالماء أجزاه لباقيها حوله، وإن عمّها توضّأ لغيرها وتصعّد لها، وقيل: لا فرق لأنّ العذر بالبعض كالكلّ بل هو بالكلّ أولى، لأنَّه أمر بطهارة الأعضاء. ونهي عند الخوف عن غسلها، وقيل: إن عمّها وباقيها أكثر لا يلزمه تيمّم، وقيل: يلزمه لكلّ ما لا يغسله، وقيل: إن كان أكثر العضو، وإن كان أقلّ مسحه إن أمكن. (232) وقيل: إن تنجّس الموضع، وإلا فلا يتيمّم عند الأكثر.
ومن أُصيبت إحدى يديه ولا يمكنه استنجاء بها ولا يجد واسعا ولا من يصبّه عليه وخاف أن ينجّسه إذا قعد فيه فلينقِّ النجس بحجر وتراب (233) ويتوضّأ لجوارحه، ولا يتيمّم لأنَّه واجد للماء. وإن أصيبتا معا فإن وجد ماسحا له وموضّئا فهو أفضل، وإلاّ وعجز ولو عن تيمّم نوى الطهارة وصلّى كما أمكنه. وإن حزّت من مرفق غسل محلّ الحزّ، لأنَّه ظاهر.
فصل
ثلاثة لا يطهِّرهم الماء: حائض وأقلف ومقرن، وهو من يتبعه بول وغائط أو أحدهما. ابن بركة: لا يجوز لمن به ذلك أن يصلّي به إن أشغله وغيّر عقله حتّى يتخلّص منه ولو فات الوقت، ثمّ يتوضّأ ويصلّي وإلاّ تمّت. ويجزي مبطونا تيمّم لا من به رعاف أو جرح أو بول لا ينقطع، ومن به قاطره، ويتطهّر معه ولا يستمسك تطهّر إن أمكنه صون ثوبه، وقيل: يتوضّأ ويتيمَّم، (234) وقيل: يتوضَّأ فقط، وقيل: يعكس، وكذا إذ وجرح لا يرقى، (235) وقيل: يوضّئ مبطونا أهله، وإن كان كلّما وضوءه (1/470)
صفحة 461
فسد عليه استنجى وأمسك بقطنة على دبره وتوضّأ. وله أن يتيمّم إن كان لا يحفظ وضوءه. وكذا من به قيء أو رعاف.
ومن سال من فيه أو أنفه دم ولا يمسكه أو الحشو فليتمسّح ويصلّي قاعدا ويسجد [208] إن أمكنه، وإلاّ أومأ وبزق في رمل أو غيره. وإن كان لا يرقى وخاف الفوت اتّقى الدم عن ثوبه وصلّى، ويكبّ؛ ويومئ إن كان من فيه أو أنفه. وإن كان فيما يحشى (236) حشّاه وتوضّأ وإلاّ وسال كوجه وضئ غيره وتيمّم، وقيل: لا يتيمّم إن كان بأعضاء الوضوء، وإلاّ توضّأ وصلّى بعد استبراء أمره آخر الوقت، ولا يخاطر بصلاته. وفي جواز الجمع له قولان، فإن توضّأ وتيمّم وصلّى فلا إعادة عليه.
ومن قُطعت أصابعه فربطها وعلم أنها إن فتحها سالت فليجر الماء على العصابة ويصلّي، وإن خاف إن غسل جرحه أدمى فتركه وصلّى جاز قيل له.
وليس على جنب أن يخرج الجبائر عند الغسل، وإن مسحها مسحا لا يبلّها فحسن. ويغسل خائف ممّا به ما أمكنه ويتيمّم لغيره. ومن طلى رأسه بدواء وعجز عن نزعه مسح عليه. أبو مالك: إن غُطّي كلّه مسحه وتصعّد. ابن بركة: وعندي أنَّه مع المسح غير لازم لكنّه احتياط لوجوبه عند فقد الماء، ومن أوجبه من الجارحة منعت منه فقد غلط، ويمسح على خرقة على جرح إن تعذّر نزوعها. ومن طلى جرحه غسل الطلاء وتوضّأ إن لم يخف عليه. هاشم: يغسل ما حول الجرح لا هو، وبه قال ابن بركة ولا يبلّه إن خاف.
وقد جرح أبو أيوب بجنبيه فلم يقلع عليه دواءه حتّى برئ. ومن جعل عليه دواء قبل غسله وفي ظنّه لا يخرج منه دم فإن رجى به نفعا أو دفعا جاز له؛ وإن خاف أن يدمي إذا غسله وصبّ عليه الماء، وكانت له حركة تنوب عن عرك، جاز ولو ألطف منه وحسن وضع الجبائر على طهر، وإلاّ فقيل: تُعاد الصلاة، وقيل: لا.
وإن كانت بعضو الوضوء وجب التيمّم له مع وضوء غيره له، وقيل: لا. أبو الحواري: إن كان الجرح في غيره وكان قدر جارحة منه لزمه التيمّم، وأصغرها عنده (1/471)
صفحة 462
الأذن. أبو سعيد: بدن الإنسان كلّه واحد في لزوم الغسل، فإن ابتلي بما يعذر به منه نقل إلى التيمّم، وكان كالعادم، ويلزمه غسل ما قدر عليه منه عند وجود الماء، ولا يُعذر بتركه ولو قلّ؛ وما له فيه عذر عن غسله يلزمه التيمّم له وإن كثر.
فصل
من قدر على تطهّر نفسه فلا يولّيه غيره، وإلاّ أعين عليه. ابن عليّ: إن عجز مريض عن وضوء ولا زوجة له ولا سريّة استنجى إن قدر وإلاّ فلا يولّيه غيرهما. وجاز ــ قيل ــ لرجل أن يتوضّأ له ولده أو أخوه أو وليّه، فإذا أراد نزع الأذى من فرجيه أو غسلهما لفّ يده بخرقة ومسحه للضرورة. وإن فقد وليا وضّأه ــ قيل ــ أجنبي، ولا ينظره. واختار أبو الحسن أن يستجمر بحجر ويتمسّح بماء ولا يتعرّى لأجنبي. ولا يتيمّم ــ قيل ــ لمريض إلاّ برأيه، وقيل: لا يعمل أحد لأحد عمل بدن فيما تعبّد به إلاّ في حجّ وقضاء صوم إذ لا يكون إلاّ بعقد ونية، فلا يقوم مقام غيره في أداء فرضه.
ابن بركة: إن عجز المريض فلغيره أن يزيل عنه النجس بماء أو غيره، ولا يمسح له فأن عجز عن مسح وتيمّم نوى الطهارة به وصلّى، وأن يتيمَّم له غيره وفي الوجوب خلاف قيل لا يستعين بغيره لزوما. وإن قدر أن يتوضّأ فتركه ظنّا أنَّه حيث عجز عن غسل النجس يسقط عنه الوضوء، ففي وجوب الكفّارة عليه قولان.
ومن أجنب ولم يمكنه التحوّل عن موضعه فإن غسل على فراشه فسد وتضرّر في نفسه، [209] فإنَّه يمسح على بدنه إن أمكنه، وإلاّ تيمّم وصلّى، ويقدّم الوضوء عليه من أوجبهما. (1/472)
صفحة 463
الباب التاسع والأربعون
في غسل الميّت ومن أولى به وصفته
ابن عبّاس: لمّا توفي آدم ــ عليه السلام ــ أتته الملائكة بحنوط وكفن من الجنّة، فغسلوه ثلاثا، أولاهنّ بماء قراح، والثانية بماء به سِدر، والثالثة بماء فيه كافور، وكفّنوه في ثلاثة، وصلّوا عليه، وقالوا: يا آدم هذه سنّة ذرّيّتك بعدك وقد أُمر سيّدنا محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ بغسل ابنه ثلاثا. فغسل الميّت واجب لقوله: «أغسلوا موتاكم»، وهو على الكفاية غسلة؛ والمأمور به ثلاث.
ولا ينظر الغاسل إلى عورته، ويبدأ بنزع ثيابه إلاّ خرقة تسترها من سرّة لركبة، ثمّ يغسل كفّيه ثمّ يرفع ظهره ورجليه قليلا، ويغمز بطنه غمزا رفيقا ثلاثا إن لم يكن حبلى ثمّ يذكر الله، ثمّ يغسل يديه ثلاثا، ثمّ يستنجئ له بعد لفّ يده بخرقة غليظة لا يحسّ بها فرجه كلّ ما نجاه مرّة غسلها (237) ويده ثمّ يرجع كذلك ثلاثا، فإذا أحكم استنجاءه وضّأه وضوء الصلاة، ويجري يده على أسنانه، وينشّق منخريه بماء ولا يبالغ بهما حذرا من تولّجه بفيه ومنخريه، وقيل: يمضمض له، ولا ينشّق؛ فإذا فرغ من وضوئه غسله بماء فيبدأ بشقّ رأسه الأيمن على لحيته، ويده وجنبه وما يلي ذلك، ثمّ الأيسر كذلك وما يليه من جنبه، وصدره وظهره ثمّ رجله اليمنى ثمّ اليسرى، يصبّ على كلّ جنب ثلاثة أمواه، فإذا أجرى عليه يده ثلاثا وفرغ من غسله أفاض عليه ماء فيه طيب إن لم يكن محرّما، ثمّ يلبسه ما يجفّفه غير أكفانه ثمّ يدرجه فيها، فيؤزره بثوب ويلبسه قميصا، ويلفّه بلفّافة، وإلاّ فإزار ولفّافة، وإلاّ اجتزى بثوب يلفّه فيه من رأسه لقدميه، ولا حدّ في غسله إلاّ النقاء؛ ويُقلّب يمينا وشمالا عنده، ولا يُكفّن على وجهه، ولا يقعد فيه، ويستر فرجه، ويُغطّى وجهه، وتُغسل ذوائبه بخطمي دون دهن.
وإن جرى من فيه أو أنفه أو دبره دم أو غيره حُشّي بقطن وبطين إن كثر وأُلحم عليه. (1/473)
صفحة 464
وإن عدم الماء تيمّم له، ويحملوه إن وجد حيث لا يشقّ حمله إليه إلاّ إن خيف عليه تغيّر، وقيل: يُنتر الغسل ببدنه نترا، ثمّ يتبعه بالصبّ عليه. وأخذ الماء بخرقة. وبعض يأمر بوضع الغسيل في إناء ويُصبّ عليه ما يزيد على ما يغمره، ثمّ يضربه حتّى يزبُد، فإذا خرج فيه زبد القاه منه ويُغسل ببقيّة الغسيل والماء. وإن بقي منه في لحيته أو بدنه غسل حتّى يخرج وينقى.
وندب غسله بمكان مستتر، وحسن تحت سقف.
وإن لم يكن لميّت سِدر ولا خطمي فالقراح كاف. ولا غسل على غاسله من أجله، ويعيد الوضوء إلاّ إن طار به من أوّل عركة من مائه، فيغسل ما مسّه.
ولم يوجب جابر على غاسله نقض طهارته، وقال: المسلم أطهر من أن يُغسل من طهوره. وقيل: لا وضوء على من غسل وليا إن لم يمسّ منه نجسا أو فرجا، فإذا ثبت هذا فيه فأهل القبلة مثله لاستوائهم في الطهارة في المحيا والممات. وإذا ثبت الوضوء من غسل مقرّ لا وليّ ثبت ــ قيل ــ منه، ولا فرق.
فصل
اختلف فيمن مات جنبا، فقيل: يجزيه غسل، وقيل: غسلان؛ والحائض الجنب ــ قيل ــ واحد، وقيل: ثلاثة. ونُدب في آخر غسله كافور يُطرح في الإناء ثمّ يصبّ على بدنه من رأسه لقدميه، وتنقية وسخ من أظفاره، وإن بدأ بغسل يديه من الأصابع أو المنكب جاز؛ واختير البداية منه. وفي الرجلين من الوركين هابطا إلى أطراف الأصابع؛ واستقبال به عند موته، وتطهيره، وتكفينه، والصلاة عليه إن أمكن، وإلاّ فعلى ما أمكن، وأن لا يغسله إلاّ الثقات، وليتّقوا الله، ولا يُظهرون شأنَّه، وأن يلي تطهيره أولياؤه وأرحامه الأمناء استحبابا لا لزوما في كلّ ذلك. وقد اجتمعت الأمّة على غسل موتاهم، فيغسله أولاهم به من أهله، وإلاّ فأهل الستر والأمانة. (1/474)
صفحة 465
وما من مسلم غسل مسلما فستر منه ما رأى [210] إلاّ ستر الله عليه (238) دنيا وأخرًى.
وإن لم يغسله أولياؤه أمروا غيرهم، وكذا الصلاة عليه. وفي رواية: «خرج من ذنوبه كيوم ولد».
ابن عبّاس: اجتمع لغسل النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ عمّه العبّاس وابنه الفضل وعليّ وأسامة وصالح مولاه؛ أسنده علي إلى صدره ولم ينزعوا عنه قميصه، والعبّاس والفضل يقلّبانه عليه، وأُسامة وصالح يصبّان عليه الماء، وعلي يغسله، ولم يروا منه ما يُرى من ميّت، ويقول: «بأبي أنت وأمّي طبت حيّا وميّتا».
وإذا مات ــ قيل ــ رجل غير متزوّج فأولى بغسله الأب، ثمّ الجدّ ثمّ الابن، ثمّ ابنه، ثمّ الأخ ثمّ ابنه، ثمّ العمّ ثمّ ابنه، وإن كان ذا زوجة فالحيّ منهما أولى بغسل الميّت.
فصل
إن احتيج إلى حائض أو جنب أن يغسل ميّتا جاز.
وإن غسل ولم يُدفن لحينه فلا يعاد وإن تطاول وأجزاه الأوّل، وإن كان به خضاب ووصل الغاسل إليه ولم يحل بين الماء والبدن أجزاه ولو بقي له أثر، ولابأس بجعله على ميّت إن لم يكن محرّما.
وإن كفن ثمّ ذكروا أنَّه غُسل بنجس فإن وسع الوقت إن لم (239) يخف فساده أعادوه، وإن خافوا الفوت أو التغيّر دفنوه بحاله.
وإن صلّوا عليه ثمّ بان لهم ترك شيء من صلاته أعادوها ولو في اللحد من فوقه. وإذا سوّوا عليه الطين ترك (340) بحاله. (1/475)
صفحة 466
وإن صلّوا عليه ولم يُغسل غسل بلا إعادة الصلاة، وإن خيف تغيّره بغسل تيمّموا له، وأعادوها كفاقد الماء، وتُرك إن دُفن بلا غسل، والأكثر أنَّه يُخرج ويُغسل ما لم يتغيّر، ويُصلّى عليه في قبره إن نسوها.
وكُره نبشه إن دُفن، ويُسرّح شعره ولا يفرق إن كان ذا جمّة، وإن خرج رُدّ فيه ما خرج منه، ويُرسل ولا يُظفر ولو امرأة، وقيل: يفرق شعرها، ولا يؤخذ منه، ولا من أظفاره وإن طالت؛ فمن فعل أخطأ لأنَّه مُنع من التصرّف في جسد الغير إلاّ بما أُمر به. وأجاز بعض قومنا الأخذ منها ومن الشارب إن طال.
فصل
لا يبادر بغسل ميّت قبل تحقّق موته؛ ومن علاماته ــ قيل ــ سيلان الأنف، واسترخاء البدن، وافتراق الزندين، واعتبره قوم بخروج منيّ، وتلويح العينين، وآخرون بجسّ العرق الذي بين الكعب والعرقوب، وعرق في الدبر.
أبو علي: إن ماتت حامل ولم يُعرف حال حملها جاز تطهيرها وقبرها، وإن خرج منه بعد غسله سائل أو قاطر، فقيل: يُعاد إلى خمس، وقيل: ثلاث، وقيل: سبع، وإن انتفيا أُعيد المكان وحده وذلك قبل أن يُكفن لا بعده، وقيل: لا يُعاد مطلقا، وقيل: يُعاد ما أمكن، وقيل: محلّ الحدث، ولا يُزاد على عشر. وإن خرج بعد ما كُفن أعيد الموضع، وقيل: لا؛ والمختار عدم إعادة الغسل بخارج من أيّ محلّ كان، وإنّما يُغسل محلّ النجس ثمّ يوَضّأ. أبو سعيد: في إعادة غسله ــ قيل ــ تجزيه واحدة، وقيل: ثلاث، وقيل: خمس، وقيل: سبع، ولا يعاد بعدها إلاّ غسل المحلّ، ولا يعاد إذا كُفن ما لم يظهر حدثه على أكفانه، ويؤمن الضرّ عليه، وقيل: لا يعاد إلاّ بخارج من الفرجين وغيرهما يُغسل حدثه.
وإن غسل وحُنّط ثمّ تحرّك جدّد غسله. (1/476)
صفحة 467
الباب الخمسون
فيمن يلزمه غسل الموتى ومن لا يلزمه وميّت السفر والبحر
ويجب غسل كلّ موحِّد ولو عبدا أو صغيرا، على كلّ مقرّ وتكفينه والصلاة عليه، ودفنه على الأحرار القادرين عليه. فغسل الرجال على الرجال، والنساء على النساء. وفي وجوب الصلاة عليهنّ على ميّت قولان؛ اختير اللزوم عند فقد الرجل كالدفن والغسل، ولا يلزم ذلك عبيدا إن حضروه وحدهم، ولو بقي بينهم أياما ما كفروا (241) بتركهم له لقوله تعالى: [211] {عَبْدًا مَّمْلُوكًا} الآية، (سورة النحل: 75) فلا يتصرّفون في شيء إلاّ بإذن ساداتهم إلاّ إن أباحوا لهم ذلك فيلزمهم غسله وحمله ودفنه.
وإن مات في محلّة ولم يدفن لم يكفر أهل البلد، وإنّما يكفر من علم وتركه. وإن علم الكلّ به وتركوه بلا غسل وكفن ودفن وصلاة عليه كفروا إن قدروا، ويُعذر من لم (242) يعلم أو لم يقدر لأنّ ذلك عليهم بلا عوض لهم، إلاّ إن كان من مات عندهم لا كفاية لهم ولا قوّة فيرجعون إليه إن وسع ماله، فيأخذوا منه قدر عنائهم، وإلاّ فعليهم غسله وما بعده. وإن استغنوا عن ذلك لزمهم ضمان ما أخذوا ولا عوض لهم على الصلاة عليه ولو فقراء.
وإن حضر ميّتًا (243) محارمه دون رجال غسلنه دون فروجه، فلا ينظرن إليها ولا يمسسنها.
ويغسل (244) المرأة حيث لا نساء من كان أولى بها من الرجال بعد الزوج إلاّ فروجها (245) كذلك، وقيل: إن كانت معهم كتابية غسلت يديها وغضّت عن فروجها، (245) ويعلّمونها غسلها، وإن كانوا وحدهم صبّوا عليها بساتر. وقيل: (1/477)
صفحة 468
المسلم أولى بمسلمة من كتابية وبالعكس، وكذا كلّ مشرك، وقيل: يعدل إلى التيمّم فيهما ويدفنان في ثيابهما ولو غسلا بصبّ أو تصعّد.
ومن تزوّج أخت امرأته الهالكة قبل أن تُغسل فلا يغسلها بعد. قال الربيع: لا يغسل مؤمن كافر كعكسه، وكذا مؤمنة وكافرة، وأنّ موسى ــ قيل ــ طهّر أخته. هاشم: إن وجد نساء كنّ أولى. مسبح: لا يطهّرها ولو فقدن. وجاز في المريض ما جاز في الميّت إن فقدن. هاشم: إن جاز في الحياة جاز في الموت، ومن لم يدخل يده ليطهّر مريضة لم ينقِّ الصبّ شيئا.
فصل
من مات بسفر ومعه أجنبيات معهنّ مشرك غسلنه صبّا على ساتر لا هو، وغسلوها كذلك في العكس لا مشركة، وإذا غُسلت جُمع شعرها بين كتفيها أو في رأسها أو أُرسل، ولا يُعقد ولا يُسرّح بمشط، وتُرسل جمّة الرجل، ويبلّغ بالماء إلى أصوله ويُترك مرسلا إن حلّت ضفائره، وإلاّ ترك بحاله، وقيل: الزوج أولى بغسلها والأب بالصلاة عليها، والزوج أولى من الاِبن فيها، والصبيّة كالبالغ. وتغسل حائض صبيّها، وسيّد أمته حيث لا زوج لها ولا امرأة، وهي به أولى من النساء إن استقعدها.
وإن ماتت حبلى (246) ويتحرّك بطنها فلا يخرق ويخرج منه، فمن فعل أرشى ما أحدث بها كالحيّة.
أبو الحواري: إن مات مسافر حيث لا ماء إلاّ بشراء فلرفقائه شراء قدر تطهيره وبلّ طينه والرشّ على قبره، وأجرة حفره، وجميع أسبابه من ماله إن حضر، وإلاّ فمن مالهم؛ فإن أشهدوا على أخذه من ماله حيث يوجد أو من وارثه جاز وإلاّ عدّوا فيه متبرّعين، وقد يلزمهم ذلك كما سيأتي. وإن خلّف قليل ماء بقربة عنده وبه نجس، أو بثوبه ولا يفي بتطهيره وغسله (247) وله يتامى ولمائه هناك ثمن، فإنَّه يغسل به لأنَّه وكفنه وأرضه من رأس ماله إن كان، وإلاّ فعلى حاضريه إن لم يشهدوا، وهل يُغسل (1/478)
صفحة 469
به النجس ويتيمّم له أو يعكس خلاف مرّ. وإن كان لا يكفي غسله بدوه (248) الأوّل فالأوّل وتيمّموا للباقي. وإن فقد الماء والصعيد دُفن بدونهما. ولا يُغسل كالحيّ إلاّ بالمطلق، ولا يعدل به إلى التصعّد مع وجوده بالثمن إن لم يزد فيه.
ويُغسل الغريق ولا يجزيه وقوعه في البحر، وإن مات بمركب غُسل وكُفن وصُلّي عليه، وجُعل بين لوحين ثمّ يُرمى به في البحر لعلّه يجده مسلم فيدفنه بالبرّ، فإن فُقدت الألواح رُمي به فيه للضرورة؛ وقيل: يُجعل في رجله ثقيل لينزل. ومن علم بغريق فعليه إخراجه إن قدر، وغسله وتكفينه والصلاة عليه، ولا يجزيه وقوعه فيه كما مرّ، ويصلّى على ميّت بمركب [212] قياما أو قعودا. وإن رُجي وصوله للبرّ قبل تغيّره أُخّر إليه. وإن قذفوه في البحر بلا صلاة عليه نسيانا أو جهلا صلّوا عليه كذلك ودعوا له كما فعل النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ على النجاشي. (1/479)
صفحة 470
الباب الحادي والخمسون
في غسل المجدور والمُحْرم والشهيد والصبيّ والجنين
فإذا مات المجدور وخيف من تساقط لحمه إن غُسل أجزاه التصعّد، وقيل: تُبلّ خرقة ويتبع بها جسده، وقيل: يصبّ عليه بلا عرك.
ويُغسل المحْرم بماء وسِدر، ولا يُمسّ طيبا، ويكفّن بثوبي إحرامه أو مثلهما، ولا يُغطّى رأسه ووجهه، ولا يُحنّط ولا يخمّر. أبو قحطان: يُدفن حيث مات في حلّ أو حرم، ودفنه بالحرم أولى. وعن عائشة يُصنع به كالموتى بلا فرق لزوال الإحرام عنه بموته، وبه قال ابن عمر.
وجاز لامرأة غسل صبيّ إن كان بحدّ من لا يستحيي، وقيل: دون سبع؛ لا لرجل غسْل صبيّة بموجب فساد عقد وطهر وإن صغيرة، وقد مرّ الترخيص فيه. تغسل النساء الرضيع ويحمله الرجال على أيديهم ولو جارية، ويُكفن في واحد بلا منع زيادة، ونُدب فيه الوتر.
ومن تزوّج يتيمة وماتت قبل بلوغ وجواز بها وعلم برضاها اختير أن لا يغسلها، وأولى بالصلاة عليها منه عاصبها.
وبغسل خنثى خناثى مثله إن وُجدوا، وإلاّ فذو محرم منه من النساء، فإن فُقد فمن الرجال، ولا يُنظر لفروجه، فإن عُدم صبّ عليه بساتر، ويُكفّن في قميص وإزار وخمار ولفّافة، ويكون الإزار أسفل الثديين تحت القميص.
ولا يُغسل شهيد المعركة، ويُكفّن في ثيابه، ويُنزع عنه الخفّان والكمّة فقط، ولا يُزاد فيها، ولا يُخيّط عليه؛ وإن كان فوقها عمامة تُركت بحالها، ويُغسل إن أجنب، وقيل: لا. أبو الحواري: يُنزع عنه أيضا ما عليه من حديد ولو درعا.
ومن قتله لصوص أو حُمل من معركة وبه رمق غُسل، وقيل: لا
ولو تعدّاها شبرا. وقد غُسل عمر وكان شهيدا. بعض الصحابة: لا! لا تغسلوا عنّي دمي ولا (1/480)
صفحة 471
تنزعوا عنّي إلاّ الخفّين، وأرمسوني رمسا، فإنّي أُخاصم غدا. سفيان: لا يُغسل من قتل ظلما، وبه قال ابن المسبح لما روي: «إنّ القتيل دون ماله شهيد». ويُغسل قتيل ببلد، واختير أن لا يُترك إلاّ قتيل المعركة إن خرج عنه حدث.
ابن شهاب: بإسناد إلى جابر بن عبد الله أنّ رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ كان يجمع بين الرجُلين من قتلى أُحد في ثوب واحد، ثمّ يقول: «أيّهم أكثر أخذا للقرآن؟» فإذا أُشير إلى أحدهما قدّمه في اللحد، وقال: أنا أشهد على هؤلاء يوم القيامة، فيدفنهم بدمهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يُغسلوا، وهو عندي ضعيف من جهة الجمع وترك الصلاة.
أبو سعيد: إن قُتل مراهق بحدّ من يحارب فكالرجل في الغسل، وكذا المرأة والمعتوه، والأعجم ولو كان آباؤهم أهل حرب ومنافقين، أو أحياء أو من غيرنا، ولا يُترحّم عليهم، ولا يُسلّمون إليهم إن طلبوهم وهم عدوّ، إلاّ إن سالمونا؛ ولا يُدفعون لغير آبائهم. وإن قُتلوا مع بغاة ولهم أو لآبائهم ولاية غُسلوا وكفنوا وصُلّي عليهم، وإلاّ دُفنوا بدونها. ولا يُغسل القتيل بين القرى.
وتجب الصلاة عندنا على موتى أهل القبلة إلاّ من سيذكر، واختار خميس غسل الشهيد إن لم يخف [213] ضرّه وأمكن لأنَّه زيادة في كرامته وطهارته، وعندي أنَّهما في شهادته.
أبو الحسن: يُغسل قتيل بطريق أو سوق أو بيته، وكان شهيدا إن ظُلم. موسى: لا يُغسل إن تقطّع أو نُقر بطنه أو جُدع أنفه بحديد، فإن شاءوا صبّوا عليه الماء، ويُجمع ما قطع منه أو انتثر، ويُدفن. وإن وُجد بعض الشهيد غُسل وكُفن وصُلّي عليه إن عُرف لمسلم أو كان مع قتلانا. والمتّفق عليه هو من قُتل محاربا معنا.
ابن محبوب: المبطون والغريق والنفساء والمتردّي واللديغ وغيرهم شهداء، والحيّ المرزوق من قُتل مجاهدا.
ومن وَجد قتيلا وعجز عن حمله دفنه بمحلّه، ولا يجرّه إن قدر، وإلاّ عمل عليه ما يأمن عليه به من حجر أو شجر أو طوب أو نحو ذلك؛ وفي الصلاة عليه خلاف، (1/481)
صفحة 472
وقيل: لا يُترك حتّى يعلم أنَّه مشرك، وقيل: إن كان في أمصار الإسلام حتّى يعلم مشركا.
وقيل: إن قطع وأمكن غسله ضمّت أعضاؤه ولو تباينت وغُسلت في واحد. وجاز غسل كلّ على حدة، وقيل: يتصعّد لما لم يمكن غسله. (1/482)
صفحة 473
الباب الثاني والخمسون
في موتى المشركين
فإذا ماتت كتابية حامل من مسلم دُفنت مع أهلها لأنّ حملها لم يُعلم أحيّ أم لا، أو فيه روح أم لا. واختلف قومنا فيها، فقيل: يصلّى عليها قصدا إليه، وقيل: لا ولا تُدفن معنا. وإن خرج ولدها فوالده أولى به وإن ميّتا، ويُغسل ما خرج منه منها إن أدرك غسله، وإن ماتت وقد خرج نصفه ويصيح ثمَّ (249) مات قال ابن بركة: يُدفن كما هو بها بلا صلاة عليه.
وإن مات مشرك مع مسلم فليدفنه غير مستقبل به ولا في مقابرنا. الربيع: إن ماتت كتابية تحت مسلم دفنها أهلها ويحضرها ولدها منه ويقوم عليها. ومن أشرك ولده ومات لم يصلّ عليه ولم يقم على قبره، وله أن يمضي خلف جنازته ويدفنه.
ويُحفر لمشرك لم يحضره أهله حفرة ويُطرح فيها ويُدفن بلا لحد ولا غسل لما روي: «اللحد لنا والشقّ لغيرنا». ولا يُكفّن ولا يُحنّط، ويلوى بساتر عورته.
أبو سعيد: لا يُصلّى على أولاد المشركين ما لم تنلهم سيوف المسلمين، فإذا سبوهم وغنموهم ومات منهم طفلا قبل القسمة صلّى عليه، وقيل: لا، والحكم أوجبها عليه لتعلّق حكم الإسلام أو جماعته عليه. وإن مات بعدها تبَع مالكه في الصلاة والطهارة، ولا يلحق بحكم أبويه ولو كانا معه أو أحدهما لزوال الحرية بالرقية بالإسلام، وما سبوه من ذريّة بعضهم بعضا كان في حكمهم ولو ميّتا. (1/483)
صفحة 474
الباب الثالث والخمسون
في الكفن وما جاء فيه وفي الحنوط
فكفْن الميّت من رأس ماله فإذا لم يكن سواه وعليه محيط به فطلبه غرماؤه ويُدفن عريانا أثبته لهم ابن علي ونفاه أبو عبد الله ويُكفن بواحد ويبسط. ومن ترك ــ قيل عشرة دراهم وعليه مثلها فاشتُري له كُفن بأخرى حوصصت التي تركها بين الكفن والديْن، وقيل: الديْن أولى بها، وقيل: عكسه.
ومن أوصى أن يُكفن بغالي الثمن فأبى منه ورثته أو بعضهم كُفن به لأنَّه من رأس المال. ولا يُكفن ميّت بزكاة ونحوها وإن أوصى أن يُشترى له بمائة وليس له غيرها، وعليه ديْن كُفن بقدر ما يكفيه والباقي للغرماء.
وقيل: من مات مع أرحامه فاشتروا له كفنا بغيبة وارثه فردّ فعلهم فالزائد عن قميص وعمامة وسراويل وهي أكثر الكفن إنّما هو عليهم له. وحسن القصد فيه إن غاب الوارث أو كان يتيما. ومن لم يوص فاشتُري له كفن وحنوط وعود وكافور من ماله فمشتريه متبرّع به. ومن سأل الناس قيمة كفن لميّت فأعطوه فضلا عنه ردّه إليهم إن قبلوه وإلاّ جعله في أكفان الموتى بإذنهم إن طلبه لمعين، وإلاّ فلا يستأذنهم في ذلك.
بعض الشافعية: إن أُكل ميّت أو أخرج [214] من كفنه أخذه الوارث إرثا له إجماعا.
ومن خلّف ثوبين ولم يوص بكفن ولا وارث له حاضر، ولا وليّ فكفنه أجنبي بثوبه جاز له. ومن أوصى بقضاء ديْنه لا بكفن فمن ماله ولا مدخل للوصيّ فيه إلاّ إن أمره أو أوصى إليه به. وإن كان الوارث يتيما والميّت ذا مال أخرج منه كفنه. ونابش القبور يردّ أثمان الأكفان إذا تاب إلى أربابها إن عرفهم، وإلاّ تصدّق بها، وقيل: إلى أكفان الموتى، وقيل: كلّ ما وجب في تجهيزه فمن ماله إلاّ السرير، لأنّ الحاملين له لهم حمله وإن على غيره؛ وليس منه الحنوط أيضا إن لم يوص به، وقيل: منه، وهو أشدّ من (1/484)
صفحة 475
الماء والنعش ولا ما يُرشّ على القبر إلاّ إن شاء الوارث وبلغ، ولا يضمن من اشتراه من ماله حيث لا يوجد إلاّ بثمن، وقد جاء الأثر بذلك. ويُجعل النعش على المرأة وإن لم يوجد إلاّ من مالها (250) لم يحسن، ولا يضمن من فعل، واللبن من ماله، وقيل: على من حضر دفنه ولهم أخذ قيمتها منه ولو غاب وارثه أو كان يتيما وإن لم يخرج أحد لدفنه فاستؤجر له قائم بتطهيره والصلاة عليه وبدفنه وسع التخلّف عنه إن أمنوه، وعلى من حضره أن يأتي فيه بسننه تامّة إن أمكن ولم يتضرّر.
فصل
من وجد ميّتا بفلاة وعليه ثوبان أو ثلاثة فله أن يكفنه فيها إن كان فيها قميص، وإلاّ كفنه فيهما، وحُفظ الثالث على الوارث؛ وإن ذهب وتركه بلا كفن (251) ولا صلاة كفر إن علم أنَّه لا يقوم به غيره، فإن رجع إليه ليفعل له ذلك ويدفنه فلم يجده تاب واستغفر، وإن وجده مدفونا فلا عليه. وإن وجد عنده (252) فضلا عن كفنه ولا علم وارثه ولا بلده حفظه حتّى يعلمه، وإلاّ تصدّق به. وإن تركه أو دفنه معه ضمنه، وكذا من غسل ميّتا ودفنه بخاتمه، وإن تركه بعد غسله ودفنه غيره ولم يعرف حاله، فإن لم يخف عليه منه فلا يضمنه، وإن خاف ضمنه، وإن غسله بثياب وجدها عليه واحتال فيها حتّى فرغ منه وكفنه بها على حاله لم يضمنها. فإن أوتي له بثياب فقيل له: كفّنه بها فتركها، وكفنه بالتي عليه وسعه أيضا، وإن قيل له: إنَّه أوصى أن يكفن بها فتركها، وقال: لا أكفنه إلاّ بما عليه أصاب أيضا. وجاز ــ قيل ــ قطع خرقة من ثيابه لستر عورته إن لم تكن عنده.
ابن محبوب: يُكره الحرير فيه وإن للنساء. موسى: لابأس به لهنّ وللصبيان.
وتؤزر المرأة من تحت الدرع وبعده اللفافة، وقيل: تكفن بخمسة خرقة تضمّ الفخذين، ثمّ إزار، ثمّ درع، ثمّ خمار، ثمّ لفّافة، وقيل: خمار وجلباب وقميص وإزار ولفّافة، وقيل: عصابة؛ وكذا الصبية. وإن وجد لصبيّ إزار ولفّافة شدّ بهما معا. (1/485)
صفحة 476
وتجزي سقطا خرقة.
وقيل: تؤزر المرأة كالرجل من فوق الثديين وتكفن بثلاثة إزار ودرع ولفّافة؛ وجعل الخمار كتركه. وإن لم يكن لها كفن أُخذ به زوجها عند قومنا، والأصحّ عندنا أنَّه على وارثها. وكفَن الصبيّة كلباسها ما لم تبلغ، ونُدب فيه الأبيض. وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم كُفن في ثلاثة أثواب سحولية لا قميص فيها ولا عمامة أدرج فيها إدراجا، وعمر أيضا في ثلاثة.
عائشة: لا يُكفن من قدر في أقلّ منها. وفي تحسين الأكفان والتغالي فيها خلاف بين الصحابة.
ولا يدخل ــ قيل ــ رأس امرأة في جيبها إذا كفنت.
ابن بركة: تُكفن في خمسة ولابأس بمعصفر إن لم يرد به زينة.
فصل
يكفن الرجل في قميص، فإزار فلفّافة، ويؤزر فوق [215] الثديين، ويُخرج من تحت ظهره حتّى يُردّ إلى صدره، فيُغرز كما يتّزر الحيّ؛ يبدأ بشقّه الأيسر ثمّ يُردّ على الأيمن، ولا يشدّه كالحيّ على الأيسر، ويغرزه عند الثديين أو حيث بلغ. والمرأة ــ قيل ــ من أسفلهما. وإن كفن بخمسة فقميص وإزار ولفّافتان وعمامة، وإن كُفن بثوبين جُعلا معا في طوله ثمّ يُلفّ فيهما. وحسُن كون الأكثر من الكفن ممّا يلي الرأس، والأقلّ ممّا يلي الرجلين لما روي أنّ حمزة لمّا نقص كفنه غُطّي رأسه بثوب ورجلاه بالآخر.
ولا يرى الربيع للرجل عمامة، ولا للمرأة خمارا. ومن كفن بثلاثة (252) أُلبس القميص ثمّ أُزر عليه ثمّ لفّ بلفّافة.
ويعطي الإمام من الصدقة كفنا لفقير. ويُكفن غريب لا وليّ له ولا وصيّ بثيابه الأوسط؛ وإن ترك دراهم اشتُريَ له منها. (1/486)
صفحة 477
أبو سعيد: جاز لمن يكفن ميّتا أن يشقّ له من الثوب حزائم يحزم بها على كفنه، وقيل: لا، ويربط عليه بخيوط، ونُدب غسلها ولو طهرت، وكونها من قطن أو كتّان. وإن كفن بسراويل مكان الإزار فُتق وأُدخل الرجْلان فيه، ولا يُشدّ بتكّة، ويكفن بشجر عند عدم، ويمدّ يديه مبلغ طولهما من يكفنه واضعا يمناه فوق يسراه لا على بطنه، ولا يُنشر عليهما الكمان ويمدّهما كما هما. ابن المسبح: ينشر وتمدّا بطولهما إلى فخذيه، ثمّ يدرج في ثالث يمدّ على طوله، وتُجعل طرّتاه على رأسه، وأخرتان على رجْليه ويُلفّ فيه، ثمّ يُشقّ منه ما يعقد به عليه على الشمال، ويفتح إذا دخل قبره، ويُرخى الربط من وجهه ولا يُكشف ــ قيل ــ عنه.
وجاز في الأكفان ما جازت به الصلاة. وروي أنَّه يُبعث فيها. ونُدب أن يكون ممّا يصلّي فيها (254) اقتداء به صلّى الله عليه وسلّم على ما قيل، وبأبي بكر. واستحبّ عليٌّ كونها من صوف.
أبو علي: إن ماتت امرأة ولها عند رجل ثياب فلا يسلّم لكفنها منها شيئا إن كان لها وارث بالغ حاضر إلاّ بإذنه، وإلاّ وكان عليها ما يكفي كفنها فلا يسلّم من أمانته شيئا، وإن لم يكن كفنها منها بأقلّ ما قيل إنَّه يكفي ولا يسرف، ويكون برأيه ومن حضر معه.
فصل
يُحنّط الميّت بقطن فذريرة ويُدخل من ذلك في منخريه وفيه وعلى عينيه وأذنيه، ودبره وبين شفتيه وإبطيه وراحتيه، وبين أصابعه؛ ويُبدأ بفيه فمنخريه فعينيه فأذنيه فإبطيه فدبره قبل كفْن (255) أو بعده، وتلي الذريرة جسده، ويذر منها على القميص أو من الكافور ــ وهو الحنوط ــ شيئا إن قدر عليه، وعلى رأسه ولحيته، ثمّ يلبس كفنه ثمّ يؤخذ قطن وذريرة فيُصنع بهما كذلك، وقيل: لا يُجعل إلاّ على المناسم (1/487)
صفحة 478
والعينين والدبر، ثمَّ تُؤخذ قطنة واسعة فتُملأ ثمّ توضع على وجهه. وكره قوم جعل المسك في الحنوط، وأجازه آخرون، والكافور أحسن إن وُجد.
ونُدب الطيب لحيّ وميّت، ويُتبع به مواضع سجوده، ولا يُمسّ بزعفران، ولا يُجعل فوق ثيابه طيب. وليس ترك الحنوط نقصانا في طهارته واستعماله سنّة حسنة. ومن أُعطي ما يطيّب به ميّتا فتركه أو فضل منه فليردّه له إن عيَّن الميّت، وإلاّ طيّب به آخر ولا يردّه لمعطيه كالكفن فيما مرّ.
ماتت وقد خرج نصفه ويصيح ثمَّ (249) مات قال ابن بركة: يُدفن كما هو بها بلا صلاة عليه. (1/488)
صفحة 479
الباب الرابع والخمسون
في حمل الميّت وتشييعه والنعش والسرير والكلام والضحك خلف الجنازة
فلمن حملها ــ قيل ــ مرّة عشرة آلاف حسنة، والضعف بالضعف، وفي ذلك إخبار في كثرة الأجر. ونُدب المشي خلفها، ولا يتقدّمها إلاّ حاملها، ولا تشيّع بنار إلاّ لضرورة، ولا بركوب أدبا.
ابن روح: يجمّر بريح العود من تحته ثلاث مرّات ويدار به حول النعش، ولا يُترك إن وُجد وإلاّ فغيره، ولابأس بتركه، ثمّ يُحمل ويُمشى به برفق [216] ووقار. وفي جواز حمله من بلد إلى آخر إن لم يتغيّر قولان. وروي: «إذا رأيتم جنازة فقوموا لها حتّى تخلفكم»، ولا يضرّ الجلوس عند مرورها واتّباعها أفضل، ولا يُسرع بها عنفا.
ولا تتبعها النساء. وكان ــ قيل ــ صلّى الله عليه وسلّم إذا رأى امرأة تبتعها أمر بردّها. الربيع: رأيناهنّ يتبعنها والفقهاء يرونهنّ ولم ينهوهنّ إلاّ عند مطر أو ريح، ويخرجن على عهد جابر وغيره، ولم يقل لهنّ أحد أرجعن، والأحسن تركهنّ إلاّ لحاجة.
ويتأخّر عنها راكب، ولابأس أن يتقدّمها ماش. ويُكره الكلام خلفها حتّى يصلّى عليه، وقيل: حتّى يدخل قبره، وقيل: حتّى يُدفن، وقيل: حتّى يُرشّ عليه الماء إلاّ لحاجة. وجاز التكلّم بالفقه والفتيا وردّ السلام والجواب. ابن بركة: اتّفق أصحابنا على ترك الكلام خلفها إلاّ بما كان طاعة كقراءة أو تسبيح أو أمر أو نهي وسؤال وجواب في أمر الدين. ابن محبوب: جاز لمن تبعها أن ينصرف بعد إذن الوليّ، ولا (1/489)
صفحة 480
يُقعد حيث يُدفن ويرشّ الماء إلاّ به؛ وحسن تعجيل دفنه لما روي: «لا تحبس جيفة مسلم بين ظهراني أهله».
ومن وجد زحاما عند حملها ووجد من يكفيه فله أن لا يدنو منها، وأن يحملها من حيث يليه، ولا وضوء على حاملها ولا على مُنْزِلِه في قبره. ولا يجوز للكلّ تركها، وتعطيل القيام بها ولو وجد نياح وصوت منكر، ولا يترك حقّ لباطل. الحسن: ياهذا إن كان كلّما سمعت منكرا تركت لأجْله معروفا أسرع ذلك في دينك، وكان قد سمع نوحا خلفها فهمّ أن ينصرف.
ابن عبّاس: الراكب خلفها كالقاعد عند أهله، وقيل: لا أجر له، ومن شيّعها فالتقاه عبد فأخذها منه فسلّمها إليه فلا يضمنه ما لم يطلب هو إليه الحلّ منه. ومن عطش عند جنازة فليس له أن يشرب ممّا جُعل لقبر إلاّ بإذن ربّ الماء، ولا من قِرَبٍ تتّخذ للقبر. ومن شرب منها فليرشّ على القبر قدر ما شرب أو على آخر إن اكتفى الأوّل.
ومن حمل صبيا سلّم ثيابه لمن أتى به وهو المتعارف.
فصل
إن وقف سرير على قرية أو مقبرة فلا يحمل لأخرى. ومن لزمه ضمان منه فليصرفه (256) في صلاحه، وإن تلف أو خفي عليه ففي إصلاح مثله أو ينفق.
هاشم: ما رأينا أديبا يحتبي عند جنازة، (257) ولا حقيقيا ضاحكا خلفها. (258)
ونُدب جعل النعش على النساء سترا لهنّ عن العيون، وقيل: لا يتّخذ على صبيّة ما دامت تُربّى. أبو عبد الله: إذا ستر عورتها اتّخذ عليها ويحمل من يستحيي على سرير. (1/490)
صفحة 481
الباب الخامس والخمسون
في الجنائز إذا اتّفقت أيّها أولى بالتقديم وغير ذلك
فإذا اتّفقت من الرجال قُدّم الأقرأ والأفضل نحو القبلة، وكذا في القبر، ويُقدّم الرجل ثمّ الصبيّ الأكبر ثمّ الأصغر ثمّ العبد ثمّ المرأة ثمّ الأمة إن اجتمعوا في صلاة أو قبر، وقيل: يُقدّم البالغ الحرّ، فالصبيّ الحرّ، فالعبد البالغ، فالعبد الصبي، فالحرّة البالغة، فالصغيرة، فالأمة البالغة، فالصغيرة، والمتولّى أولى، وإن استووا في الفضل فالأكبر سنّا، وقيل: نحو الإمام.
ولم ير منير تقديم أحد على أحد إن اجتمعت.
ومن قام لصلاة على ميّت ثمّ أوتي بآخر قبل أن يتمّها على الأوّل فإن كبّر عليه واحدة أو اثنين أو ثلاثا ونوى الصلاة عليهما وقت إتيان الثاني فليكبّر أربعا بعد ذلك، وإن كبّر على الأوّل أربعا تمّت عليه واستقبلها على الثاني أربعا.
ومن سبقه الإمام بتكبيرة وجّه وكبّر إذا كبّروا ثانية ثمّ يقرأ الفاتحة، وإذا كبّر ثالثة كبّر معهم وترك القراءة ودخل [217] معهم في الدعاء، وإن لم يعلم بكم سبقوه وجّه وكبّر مبتدئا، فإذا فرغوا دعا له إن تولاَّه. وليس عليه بدل ما فاتوه به، وقيل: يبدل.
وصلاة الميّت أربعة حدود: التوجيه والتكبيرة الأولى حدّ والقراءة، والثانية حدّ والقراءة والثالثة حدّ والدعاء، والرابعة حدّ. (1/491)
صفحة 482
الباب السادس والخمسون
فيمن يخرج للجنازة فينتقض وضوءه أو ينجس ثوبه
ابن محبوب: يتصعّد ويصلّي به إن خاف الفوت بالذهاب لغسله ولا يؤمّ غيره ولو وليا فيأمر من يؤمّ، ولا يصلّ الجنب على جنازة. وجاز حضوره ودفنه والتعزية فيه، وإذا ذكر الإمام إنَّه لم يتوضّأ فلا يعيدون إلاّ إن كان جنبا، وإن أجنب أعادوا ما لم يوضع في لحده.
أبو الحواري: إن دُعي لصلاتها حاضر غير متوضّئ جاز أن يصلّي عليها بتصعّد والقوم متوضّئون إن لم يحسنها سواه. أبو سعيد: إن كانوا في قرية ولم يخف تغيّر فيه بذهابه إلى الماء فالصلاة به أفضل وإن كانوا بمحلّ لا ماء فيه، أو خيف عليه أو على الحاضرين ضرّ بذهابه إليه كفى التيمّم.
ومن انتقض ــ قيل ــ وضوؤه خلف إمام فيها تيمّم وصلّى ما أدرك معه. وإن انتقضت صلاة الإمام وإن بقهقهة تأخّر وتقدّم غيره وأتمّ؛ وإن أتمّها الأوّل بعد النقض أو كان غير متوضّئ أعادوا ما لم يُدفن، وقيل: لا.
وإن صلّى غير طاهر ثمّ ذكر بعد الدفن فلا يعيد، وأثم إن تعمّد ولم يُخبرهم أن يعيدوا. (1/492)
صفحة 483
الباب السابع والخمسون
في الصلاة على الموتى
فمن أرادها قام حذاء صدر الرجل ورأس المرأة أمامه ودنى منه بقدر ما لو سجد لم يصله، وقيل: حذاء وسطه وصدرها، فإذا قام نوى، وقال: أصلّي على هذا الميّت السنّة التي أمرنا بها أربع تكبيرات (259) إلى الكعبة طاعة لله ولرسوله سبحانك اللهمّ إلى: ولا إله غيرك. وإن قال سبحان الله والحمد لله ولا إلاه إلاّ الله وتعالى الله جاز، ثمّ يكبّر تكبيرة الإحرام ثمّ يستعيذ ثمّ يقرأ الفاتحة ثمّ يكبّر ثمّ يقرأها ثمّ يكبّر ثمّ يحمد الله ويصلّي على النبيء، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويدعو للميّت ويستغفر له أيضا إن كان متولّى ثمّ يكبّر ثمّ يسلّم خفيفة يُسمع بها من كان يمينه وشماله وقربه، وقيل: يجهر بها كالفريضة.
وحكم الأطفال حكم الآباء، وقيل: كانوا يكبِّرون خمسا وستّا وأربعا، فلمّا ولّي عمر ــ رضي الله عنه (260) جمع أصحابه وقال لهم: «إن اجتمعتم اجتمع من بعدكم، وإن اختلفتم اختلفوا فاجتمعوا على أربع» وكانوا يقولون بعد الثالثة أدعية معلومة لا نطيل بها.
والإمام ومن خلفه سواء في التكبير والقراءة والدعاء، ولا يُكبّر قبله بل يتبعه في جميع الصلاة إلاّ في الدعاء فإنّ لكلّ أن يدعوا بما فتح الله له، وإن كبّر ثلاثا وانفلت كبّر من خلفه الرابعة. وقد جهر بها ابن عليّ خلف رجل لينتبه غيره فيكبّرها، وإن نسيها كبرّها بعد التسليم إن لم يتكلّم وأعاد الصلاة إن تكلّم لا إن زاد تكبيرة بسهو.
ومن صلّى واحدة على جنائز وفيهم متولّى وغيره ذكر المتولّى ووقف (261) في غيره. (1/493)
صفحة 484
وقيل: من سرد التكبيرات ولم يقرأ ولم يسلّم خالف السنّة ومضت صلاته. وإن زاد الإمام خامسة أمسك عنها من خلفه. قال موسى: [218] لا بدل عليه، وقال الأزهر: إن علم مقامه أبدلوا معه وإلاّ حتّى انصرفوا لم يلزم الكلّ بدل.
ولا تجوز إلاّ بقراءة الفاتحة، ولا يخرج منها إلاّ بالتسليم، ولا تنتقض عن إمام بضحكه فيها ولا وضوؤه. وفسدت بخروج ريح أو نجس، وقد أمر جابر بمبادرة فيها بأربع بلا قراءة خوفا من مغيب قرن من الشمس، ويبدل من كبّر اثنتين نسيانا إذا ذكر ما لم يقبر والأقارب أولى بها على ميّت ولو أوصى بها إلى أجنبي لما روي من الأمر باستئذان الولي ولو امرأة إن عدم، وقيل: إن يقدِّم الحاضرون من يثقون به كالفريضة. فإن حضر إمام الجماعة تقدّم بلا إذن ولا تقديم، وقصرت جماعة صلّى منهم على ميّت حضروه واحد وأجزى عنهم.
وإن حضرت صلاة جنازة وفريضة أو عيدٌ في جماعة قدّم الفرض أو العيد إن لم يخف فساده وإلاّ اشتغلوا به حتّى يُدفن.
فصل
إن مات الأعظم وتيسّر للقوم تقديم آخر مكانه قدّموه وصلّى بهم عليه، وإلاّ فقاضي المصر إن حضر وإلاّ فالذي يلي الحكم بمحضر الإمام في بلده إن وجد وإلاّ فعالم المصر في الدين، ولا يصلّى عليه في مقبرة إلاّ إن لم يوجد غيرها.
ومن عجز أن يخرج إليه صلّى عليه في بيته أو في مسجد أو حيث أمكنه، ونواها له إن كان متولَّى.
أبو سعيد: تجوز عليه في كلّ وقت إلاّ عند طلوع القرن حتّى يتمّ وغروبه (262) كذلك، وعند التوسّط في شدّة الحرّ؛ وكذا يُكره دفنه فيها.
ولا يقطعها قاطع الفرض بمروره أمام المصلّي. (1/494)
صفحة 485
وأجاز أبو عبد الله لامرأة أن تصلّي على رجل (263) عند فقد الرجال احتسابا لا لزوما، وتؤجر عليها.
وإن كشفت عنه الثوب ريح سوّاه المصلّي عليه وبنى.
ومن سمع الإمام يكبّر عليه كبّر ومشى إليه. وإن كانوا ثلاثة وخافوا الفوت إن صفّوا خلْفَه صفّوا مكانهم بمسمع منه.
وكُرهت بنعال من جلد حمار لم يُدبغ.
وإن صلاّها قادرون جلوسا أعادوها. وإن قام الإمام وقعد من خلفَه أو بعضهم صحّت على الكلّ. وإن صُلّيت بركوع وسجود جهلا بها أُعيدت عليه ولو مدفونا. وتجزي عن إمام صلّى بلا طهارة صلاة من خلفَه بها وعن باقيهم صلاة طاهر منه أو منهم.
وإن حضرت ومكتوبة خُيِّروا ــ قيل ــ إن لم يخافوا فواتا أو فساده، فيقّدم ما خيف فيه منهما وبدأوا بالجنازة إن وسع الوقت. وإن وافقت الجمعة في الحرّ وخافوا فساده صلّوا عليه وأخّروها أو تركوها إن كان يقوم بها غيرهم، وإلاّ تركوه أن يقوم به وصلّوها.
وإن حمل بتقديم الرِّجْلَيْن وتأخير الرأس سهوا فصلّوا عليه كذلك أعادوها ما لم يُدفن؛ وإن دُفن فلابأس. وإن مات رجل في دار قوم فخافوا عليه أن يُحرق أو يُعذّب إن خرجوا به صلّوا عليه ودفنوه فيها. وإن مات في محلّ الخوف وهرب الناس على دوابّهم وعجزوا عن النزول وخافوا تغيّره، فإن قدروا على الصعيد يمّموه، وإلاّ صلّوا عليه وألقوه والله أولى به.
وهل هي فرض على الكفاية أو سنّة مؤكّدة؟ قولان. وجازت ــ قيل ــ في مقبرة ولو استقبلها المصلّي، [219] ومنعها علي وكرهها ابن عبّاس وابن عمر وهي في المسجد كالعدم. أبو سعيد: كره أصحابنا فيها المكتوبة، ولا تفسد عند بعضهم إن لم تكن على قبر. (1/495)
صفحة 486
وقيل: من صلّى الجنازة ولم يحمد الله ولم يصلّ على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ولم يدعُ فكبّر الرابعة على إثر الثالثة أساء ولا يعيد، وقيل: لا تتمّ إلاّ على الوجه المأمور به، واختار خميس جوازها نسيانا أو جهلا، وتُكره بنعل، وقيل: لابأس به.
ولا تُصلّى ركوبا إلاّ لضرورة أو عذر. (264)
ولا تُرفع الأيدي عندنا في صلاة ولا حيث ورد النهي عن الصلاة فيه. (1/496)
صفحة 487
الباب الثامن والخمسون
فيمن أولى بالصلاة على الميّت ومن يصلّي عليه
تقدّم في غسله من هو أولى به كالصلاة عليه، وقيل: الأب أولى بها ثمّ الاِبن ثمّ الشقيق ثمّ الأخ للأب ثمّ الأقرب فالأقرب. وأولى بالمرأة أبوها وإن علا كالرجل، ثمّ زوجها فابنها، ثمّ كذلك.
وإن كره أولياؤه أن يصلّي عليه من أوصى به فلهم منعه عنها، (265) وقيل: لا.
وسيّد العبد أولى به من أبيه ولو حرّا. وجاز لمن وُلِّي صلاة الميّت ــ قال الفضل ــ أن يقدّم وليا أو غيره إن أحسن. ومن أمر بها وقد حضر الولي وعنده أنَّه يرضى بذلك، قال أبو إبراهيم: لابأس به وفي الاِرتياب لا يُصلّى عليه إلاّ بإذن الوليّ، ولا يصلّي عليه من أباه ولو دُعي إليها إلاّ به.
ابن غسّان: من قال في صحّة أو مرض مات فيه لا يلي فلان شيئا من أمري بعد موتي ولا يعزي فيَّ وليّي فكان هو أولى به فلابأس إن فعل، لأنّ أبواب البرّ لا يجوز النهي عنها، وكذا إن كان غيره أولى به منه ثمّ أمَره الوليّ أن يفعل فلابأس إن فعل.
ومن مات مع نساء فيهنّ محْرَمته وأجنبي فإنّه يصلّي عليه ويصلّين خلفه. ولا تجوز خلف فاسق وإن لم يحضرها إلاّ النساء دفننه، وفي صلاتهنّ عليه قولان. وعلى الجواز فالمصلّية بهنّ تكون وسطهنّ في الصفّ.
وإن حضر عبد جنازة بنته الحرّة فله أن يتقدّم أو يقدّم في الصلاة عليها. ولا ينبغي لغير الإمام أن يتقدّم إليها بلا إذن وإن من الحاضرين، والنساء في الأولوية بها كالرجال إلاّ الزوجة فإنّها فيها كغيرها ما كانت قرابة سواها، لأنّ الزوج إنّما قربت منزلته فيها على الزوجة بعد أبيها لأنَّه جُعل قوّاما عليها في أمورها في الحياة بالكتاب والسنّة، وليست هي عليه كذلك، فغيرها أحقّ بالصلاة عليه منها، وقال عمر: ليس للنساء في الجنازة نصيب. (1/497)
صفحة 488
فصل
يُستأذن والد ذمّي في الصلاة على ولده المسلم لا قريب ذمّي غيره. أبو سعيد: صلاة الجماعة أفضل من الجنازة إن وُجد من يقوم بها، ولا يصلّى على مانعٍ حقّا، وقاطع، وآبق، وبالغ أقلف إلاّ في أيام العذر، وناشزة وقاتل نفسه إن لم يتب، وباغ مات على بغيه، وإن قتل بوجه سواه صلّي عليه.
وإن اختلطت قتلانا بقتل المشركين قُصد بالصلاة أهل الإسلام ولو واحدا، ولا يُفرد إن لم يميَّز. ولا يُغسل كلّ من ذُكر أيضا ولهم اللّف والدفن فقط.
ومن أقرّ بقتل وتاب وأقاد فقتل أو مات جُعل له حقوقه، والمنْكِر إن قامت عليه بيّنة به يُغسل ويُدفن ولا يُصلّى عليه.
أبو سعيد: يُصلّى على كلّ موحّد إلاّ من قُتل باغيا أو محدودا بلا [220] توبة أو متعمّدا قتلَ مؤمنٍ وقُتِل به بلا إقرار ولا توبة، فهم ونحوهم لا يُصلّى عليهم. وإن لم يمكن لكلّ من القتلى قبر وحده جاز أن يقبروا معا في واحد حيث يسعهم كالطويّ ولو رجالا ونساء أو عراة إن لم يمكن إلاّ ذلك، فإن أمكن جعْل ما يردّ التراب عنهم فُعل، وإلاّ طُرح عليهم كما أمكن إن وُجد وإلاّ ووجد حصى فيه حجارة وخيف أن تعقرهم جاز لهم ولزمهم ضمان ما عقروا.
فصل
إن بانت حياة المولود بصراخ أو غيره صلّي عليه؛ وفي سقط تمّت خلقته قولان.
ويُصلّى على قتيل بقصاص إن دان به ولم يمتنع، وعلى مسبي صغير إن مات في ملك مسلم كما مرّ، وإن مات في جملة الغنيمة ففيها عليه قولان. ومن أسلم بمرضه وعجز عن ختان حتّى مات حسنت عليه. (1/498)
صفحة 489
والجنين إن مات قبل أن يتمّ خروجه يصلّى عليه، وقيل: إن استهلّ وورث، ويرث ــ وقيل ــ إن كان تامّا. ابن عثمان: ولو لم يستهلّ إذا خرج حيّا.
أبو عبد الله: إن أسلم صبي وكان يصلّي إلى أن راهق فمات فلا يصلّى عليه إن لم يبلغ.
ومن اشترى غلاما من أرض الحرب فمات قبل إدراكه في سفره اختار خميس أنَّه تبع له فيها حيث ملكه وإن بهبة، وكذا إن مات بعد بلوغ بيد مقرّ.
وإن كان أحد والدي طفل مسلما فهو أحقّ به إن مات وبإرثه دون غيره. وإن قال مشرك عند موته أنا مسلم صُلّي عليه. وإن مات مسلم حيث لا مسلم فيه ودفنه الكفّار صلّى عليه وليّه أو من حضره من المسلمين إذا علموا أنَّه لم يصلَّ عليه. وإن غاب عنهم أمر من تولاّه صلّوا عليه وعلى عضو منه إن وُجد بعد غسل وكفن؛ وكذا النساء في ذلك عندنا. ويُغسل الرأس ويكفن ويصلّى عليه ويُدفن إن وُجد ولو وحده. ولا يصلّى على بدن دون رأس إن وُجد، وقيل: يصلّى عليه إن وُجد تامّا.
وإن وُجد ميّت ولم يدر أمسلم أم كافر فلا يصلّى عليه حتّى يُعلم مسلما.
جابر: صلّوا على من قال لا إلاه إلاّ الله، محمّد رسول الله ولو معتوها أو صبيا أو رقيقا. أبو الحواري: إن خرج بعض ولد يهودية من مسلم حيّا ومات بعد موتها فلابأس إن يُصلّى عليه. وإن وُجد ميّتا بدار الإسلام أو بعضه مع رأسه جُعلت له حقوقه. ومن رئي يقاتل عدوّا في البحر ثمّ وُجد بالساحل ذاهبا منه بعض أعضائه صلّي عليه إن عُرف وكان برأسه، لا إن وُجد دونه كما مرّ. وإن وقع نصف ما يليه في البحر ونصف ما يلي الرجلين في المركب حسنت عليه لا لزوما؛ واحتجّ مُجيزها على بعض الجسد بما روي أنّ طائرا ألقى يدا بمكّة من وقعة الجمل فعُرفت بالخاتم فغسلها أهل مكّة وصلّوا عليها، فقيل: يد طلحة بن عبيد الله، وقيل: يد عبد الرحمان ابن عتاب بن أسيد. وقيل: إن لم يصلّ على ميّت حتّى أُكل ثمّ أصيبت أعضاؤه جُمعت وصلّي عليها. (1/499)
صفحة 490
أبو الحسن: إن وُجد بأرض الإسلام ولم يُدر فالحكم على الأغلب، وإن استووا نظر في علامات الإسلام من أثر السجود وقلم الأظفار وقصّ الشارب وغير ذلك، فإن بانت عمل بها وإلاّ حُفر له ودُفن كالجيفة.
ويصلّى على قاتل نفسه خطئا، وعلى زنجي ختن وعلى ولد زنى من مقرّ وعلى متلاعنين. ولمّا بلغ ــ قيل ــ موسى موت الربيع بالبصرة صلّى عليه بإزكي اقتداء بالنبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ كما مرّ. وقيل: لا يصلّى على ميّت مرّتين لسقوط الفرض بالأولى ولا نفل عليه.
ويصلّى على كلّ بارّ وفاجر من أهل القبلة سوى من ذُكر. وروى ابن عمر أنَّه صلّى الله عليه وسلّم صلّى على زانية ماتت في نفاسها.
ويصلّى على باغ أُسر وتاب بعد ما قُدر عليه. وعلى أسارى مسلمين بأيدي محاربين إن أصيبوا معهم خطأ فيهم.
فصل
من وجد بأرضه قتيلا قطعته السباع وتفرّقت فيها (266) عظامه [221] جاز له إخراجها منها لينتفع بأرضه، ويدفنها بجنبها أو في مباح لدفن، وضمن ما تعمّد كسره منها عند لقطها وإن بأمر به.
أبو سعيد: إن دُفن ميّت قبل أن يصلّى عليه لعذر صلّي عليه مدفونا، وإن كان لغيره لزمت التوبة والصلاة عليه كذلك وإن بعد انصراف من المقبرة حيث كانوا كالنجاشي وإن لم يحسنوها تعلّموها وصلّوا عليه ولو بعد شهر. وقد صلّت عائشة على أختها بعده، وقيل: شهر لغائب في سفر، وثلاثة أيام لحاضر جهلا كان الترك أو نسيانا؛ واختير أن لا تُحدّ المدّة. وخُيِّر من لم يحضرها في إيقاعها أو عدمه. وجاز أن يصلّى عليه مرارا ولو بجماعات، وكُره خوفا من اقتداء. (1/500)
صفحة 491
هاشم: يكفر الناس بثلاث إن اجتمعوا على تركهنّ: صلاة جماعة، وصلاة ميّت، والجهاد، ويجزي فيهنّ فعل البعض. (1/501)
صفحة 492
الباب التاسع والخمسون
في القبر ووضع الميّت فيه وما يُقال فيه عنده
ونُدب ــ قيل ــ لكلّ موسر أن يُفرش له ثوب فيه، وروي: «خير القبور دوارسها»، ولا يشرف عليها بناء ولا غيره. وقيل: إن وُجد منبوشا فلا يُعاد إلاّ في لحد، وإن منعهم نبشه قبروه كما أمكن لهم. ومن عجز عن حمله وسحبه لم يضمن حادثا فيه إن لم يقدر على قبره إلاّ بذلك، وإن أمكن الحفر تحته بلا سحب فعلوه.
ولابأس بقعود على قبر عند إنزاله فيه لإعانة وإن لغير وليّ وله الفضل. ويُقبر سقط مع أمّه قدّامها نحو القبلة، ويُلفّ وحده ثمّ يُجمع معها في واحد، وقيل: كلٌّ بكفنه.
وجاز دفن ميّت ليلا.
ويوضع على الأيمن مستقبلا، ويقول واضعه: «بسم الله (267) وعلى ملّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»، ويُزاد إن كان متولّى: «اللهمّ أفسح له في قبره، ونوّره له، وألحقه بنبيئك، وثبّته بالقول الثابت، {مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} الآية (سورة طه: 55)». وبعض يقول: «بسم الله والحمد لله وعلى ملّة رسول الله».
أبو سعيد: إن لم يحضر امرأة وليّها فالحاضرون لها كأوليائها، ويتشاورون فيمن ينزلها، وكُره إنزالها بلا مشورة.
هاشم: يُكشف الثوب عن عينه اليمنى عند وضعه فيه. أبو سعيد: عن شقّ وجهه الأيمن كلّه؛ وآخرون: يُرفع ولا يبرز خدّه، ويُترك بحاله، وقيل: تُقطع عنه الحزائم، ولا يُخرَج وجهه عند ابن محبوب. وإن دُفن ونسوا بعض ما أُمروا به أو جهلوه أو سقط عليه تراب أو حصى لم يضرّ. (1/502)
صفحة 493
فصل
يكره أن يُزاد على قبر غير ترابه. وتطيين القبور والألواح محدَث، فإن طيِّن عليها خوفا أن تُدرس أو تُخرّب أو وُضعت عليها الألواح لتُعرف جاز. وكُره وضع الآجر عليها والخزف وكلّ ما مسّته النار، وصبّ الحصى عليها من غير حفر. وسُنّ صبّ الماء عليها إن وُجد وإلاّ فلابأس، وإن وُجد ولو قدر صاع رشّ عليه. وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم أمر بقربة ماء فرشّت على ابنه إبراهيم. ويروى: «أعمقوا قبوركم لئلاّ تريح عليكم»، وأنّ عمر أوصى أن يعمّق قبره قامة وبسطة. وقيل: لا يجاوز ثلاثة أذرع.
ويُكره المشي عليها، ولابأس باضطرار.
وباب القبر من ناحية الرجلين، ومنه يُنزل فيه هو، ومُنزله لإصلاحه، ولا يأثم من خرج من عند رأسه إذا طين عليه، ويتصوّر في لحد لا في شقّ.
ولا يجوز كسر الآنية عليه ولو أمر به الميّت لإضاعة بلا نفع. ويُكره رفعه إلاّ قدر ما يُعرف أنَّه قبر فيتّقى. الشافعي: يُرفع ويسطّح. أبو حنيفة: يسنّم. علي: سنّمت قبر رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ووضعت عليه ثلاثة أحجار.
فصل
كره قوم ستر الثوب على القبر للرجل دون المرأة، وأجازه قوم لهما وآخرون هو فيها أو لحد، وعندنا ثبوته ولو لصبيّ أدبا لا لزوما.
وفي إدخاله فيه ــ قيل ــ يسلّ سلاّ من ناحية الرجلين إلى أن ينتهي إلى محلّ الرأس، وقيل: يُنزل معترضا من ناحية القبلة كما [222] نفعله اليوم، وقيل: يُدخل من ناحية رأسه؛ وعندنا من ناحية الرجلين لما روي: «لكلّ شيء باب، وباب القبر (1/503)
صفحة 494
من ناحية الرجلين»، فاستُحسن إدخاله منها، وإعانة مشيّعه بما أمكنه من أمره ولو بثلاث حثوات من تراب أو حصى.
وإن كان في قبر عظام ميّت عُزلت ناحية وقُبر فيه، (268) ولابأس بذلك إن وسع؛ وعندي أنّ ذلك إذا لم يوجد غيره لأنّ الأوّل قد ملك محلّه.
أبو علي: لزم مارًّا بميّت دفنه إن قدر عليه وإلاّ فلا.
ونُهي عن قعود على القبور لما روي: «لأن يقعد أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه وجسده خير له من أن يطأ قبرا أو يقعد عليه». وعن التعرّي إليه وأن يكون آخر زاد ميّت نارا تتبعه إلى قبره وفُسّرت بالمجامر؛ وعن الضريح وأن يُقبر مسلم بين قبور المشركين كعكسه، وأن تُتّخذ المساجد مقابر. وكُره النظر فيه إذا سُتر بثوب بلا نقض كما مرّ. وإن لم يكن عند رأسه تراب جاز أن يوسّد بحجر. وإذا جُعلت عليه الصفا ثمّ وقع هدم أو غيره فلا يخرج بعد، وإذا دُفن فانهدمت شقيقة من شقائقه لم يلزمهم نبشه إلاّ إن ابتدأوا ردّ التراب عليه.
وقيل: إنّ المغيرة بن شعبة لمّا وضع رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ في القبر ألقى خاتمه فيه حيلة ثمّ قال نسيته فاستأذنهم فأخذه منه فكان آخر الناس عهد به صلّى الله عليه وسلّم.
وكُره لواضعه فيه أن يخرج منه قبل أن يواريه في لحده، وإن جعلوا وجهه ناحية الجوف، فإن ذكروا في موضعهم ردّوه إلى القبلة، وإن تفرّقوا فلا عليهم، وهلكوا إن تعمّدوا خلاف السنّة. ومن وجد محفورا لم يجز له أن يقبر فيه ميّتا إلاّ إن صحّ تركه لمن شاء.
فصل
جاز لرجل إدخال أجنبية منه بقبرها (269) يلي رأسها ورحمها عجزها إن حضر، ولوليّها أن يأمر ثقة به وزوجها وسطها وأبوها رأسها وابنها رجليها إن اجتمعوا، ويُمدّ الثوب على القبر حتّى يطيَّن عليها ولو ليلا. (1/504)
صفحة 495
وكُره المشي بنعال بين القبور وفي المساجد، وأن يُجصّص قبر أو يُتَّخذ إلى جنبه مسجد يُصلّى فيه، ولا يُنتفع بحجره ولا شجره. (270) وإن جُعل لقبر آنية ماء لم يجز الشرب فيها، وكذا لا يُنتفع بحديد جُعل لحفر القبور لغيره. وقيل: كان عمر إذا مرّ بها قال: «ما أقرب غيبتكم وأوحش دياركم، نسيتم الأحبّة والجيران والإخوان، استبدل بكم الجيران جيرانا والإخوان إخوانا، أمّا الدور فقد سُكنت، وأمّا العيال فقد نَسيت، والأموال (271) فقد قُسمت والأزواج فقد تزوّجت فيا ليت شعري عندكم»، ثمّ قال لإصحابه: «أما إنّهم لو أذن لهم في الكلام لقالوا: ما قدّمنا وجدنا، وما أنفقنا ربحنا، وما خلّفنا خسرنا، يا أهل المقابر كيف وجدتم من مرارة الموت، وثقل الذنوب»، ثمّ بكى.
وروت أمّ سلمة: «أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بالعويل ولا بالتزكية ولا بتأخير الوصية، وعجّلوا قضاء دينه، (272) وإذا حفرتم قبرا فأعمقوه ووسّعوه وأبعدوه عن جيران السوء» الحديث. (1/505)
صفحة 496
الباب الستُّون
في القبور وزيارتها ومنكر ونكير
محبوب: سألتِ الربيعَ أمّي عن زيارتها فقال: «إن كنتِ تزورينها لتتأسّي بالأموات وتذكرين حال الموت والحيّ بعده وفظاعته وأهوال المطلع فلابأس عليكِ، وإن كنتِ إنّما تذهبين لتبكين وتندبين فلا ينبغي لكِ ذلك».
وقيل: من مات له قريب فعظمت عليه مصيبته فلا عليه أن يأتي قبره ويدعو له ويتضرّع لنفسه ولكلّ مؤمن ومؤمنة، ويصلّي على (273) النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ، ولا يتكلّم بالإثم ولا يرفع صوته بالبكاء، وإنّما المكروه في زيارتها أن يقول عندها الهجر. أبو الحسن: لا ينبغي لمن يتعمّدها إلاّ مع جنازة أو كان ممرّه قريبا من قبر فيغشاه ويسلّم عليه ويدعو ويقرأ ما تيسّر ويستغفر لمن ذكر ولصاحبه إن كان متولّى، وهذا ممّا يزيد في الموعظة وتذكّر الموت والتجافي [223] والرغبة، وقيل: لابأس بها إذا لم يكن من الزائر منكر.
ونُدب للمارّ عليها أن يسلّم على أهلها ممّن ذكر، ويقول: «وعليكم السلام يا أهل القبور من المؤمنين والمؤمنات، بارك الله لنا ولكم في الموت وفيما بعده، أنتم لنا سلف، وإنّا بكم لاحقون، اللهمّ ربّ الأجسام البالية والعظام النخِرة الخارجة من الدنيا وهي بك مؤمنة، اللهمّ أدخل عليها روحا منك وسلاما منّا». فقد روي أنّ لقائل ذلك من الأجر عدد ما خلق الله من لّدن آدم إلى أن تقوم الساعة.
وأيضا: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها، ولا تقولوا هجرا».
ومن أخرج من قبر جاهلي حجرا أو ترابًا (274) أو إناء لم يجز له نبشه، وقيل: يجوز إن صحّ جاهليا أن يأخذ كلّ ما أخرجه منه، واختير التوبة من نبش القبور، وإذا عدمت علامات الموتى في قبور جاهلية جاز تركها بلا دفن. وإن أشكل قبر فحكمه في أيام الإسلام إسلامي، فيجب دفنه وكاللقطة ما أخرج منه. (1/506)
صفحة 497
فصل
وردت أخبار بصحّة عذاب القبر وإن جُهلت كيفيته، وقيل: يُعذّب المنافق فيه، وقيل: في البرزخ، وقيل: هو في القبر أفزاع وأهوال كما يرى النائم، واحتجّ كلّ لقوله بما لا نطيل به.
ويقال: إذا احتضر المؤمن شهدته الملائكة فيسلّمون عليه ويمشون مع جنازته ويصلّون عليه.
ويروى: من وُضع في قبره وكان يتلو القرآن دخل معه فيه، فيؤتى عن يمينه فيجادل عنه ثمّ من قبَل رأسه كذلك ثمّ عن يساره كذلك ثمّ من قِبَل رجليه كذلك، فلا يزال يجادل عنه إلى أن يصرف الله عنه العذاب.
وقيل: موجبه البول والغيبة والنميمة، وقوله تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ} الآية (سورة آل عمران: 169)؛ فإذا كان المذكورون فيه بهذه المثابة فكيف لا يجوز أن يكون أعداء الله الذين قتلوهم ونحوهم أحياء يُعذّبون؟! وقد أخبر بذلك رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم حين وقف على قتلى المشركين يوم بدر بعد ما قُذفوا في القليب فناداهم: «يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان» حتى عد جماعة منهم «ألم تجدوا حربي كان حقّا؟» فقال له أصحابه: كيف تناديهم وهم أموات؟ فقال: «لستم بأسمع منهم ولكن ريح عليهم الكلام أن يتكلّموا» أي منع.
فصل
روى جابر وغيره: إذا وُضع الميّت في قبره وسُوّي عليه أنَّه يسمع القوم حين ينصرفون عنه، وأنَّه يأتيه ملكان أسودان، أزرقان يقال لهما منكر ونكير، يخطّان الأرض بأنيابهم، بيد كلّ منهما مزربة من حديد جهنّم، فيضربان القبر فيتصعّد، (1/507)
صفحة 498
فيرفعانه، فيمسك كلّ منهما بعضه فيردّ الله تعالى فيه الروح، فيهزّانه هزّا شديدا، ويقولان له: «من إلهك وما دينك ومن نبيئك؟» فإن كان مؤمنا فيقول: «ربّي الله وديني الإسلام ونبيئي محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ»، فيقولان له: «صدقت هكذا كنت في الدنيا»، ثمّ يفتحان له بابا إلى النار، فإذا نظر إليها ورأى ما فيها قالا له: «لو كنت كذَّبت بها لدخلتها»، ثمّ يفتحان له بابا إلى الجنّة حتّى إذا عرفها وما فيها قالا له: «مصيرك إليها»، فيقول: «دعوني أبشّر أهلي»، فيقولان له: «نم سعيدا نومة العروس»، فما شيء أحبّ إليه من قيام الساعة. وإذا كان كافرا فيقول: «لا أدري»، فيقولان له: «لا دريت هكذا كنت في الدنيا، وعليه عشت ومتْتَ وتُبعث»، ثمّ يضربانه بالمزربة لو أصابت جبلا لانقضّ، فيصيح صيحة يسمعها كلّ شيء إلاّ الثقلان، فيلعنه كلّ من سمعه، وذلك قوله تعالى: {وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ} (سورة البقرة: 159) ثمّ يفتحان له البابين الخ ...
ومن أراد طول الكلام على هذا فعليه بالمطوّلات. (1/508)
صفحة 499
الباب الحادي والستّون
في البكاء على الموتى وذكر الموت والتعزية
أبو الحسن: لا يجوز الصراخ على ميّت ليشهر موته لما روي: «صوتان ملعونان وملعون من استمعهما: صوت مزمار عند نعمة، وصوت صرخة عند مصيبة، وحرام قليله وكثيره». وكان بعض الأئمّة يعزِّر النساء عليه.
وجاز ــ قيل ــ ثلاثة أصوات ليعلم موته، ولا يُناح عليه ولا يلطم ولا يندب ولا يبكى عليه بالمراثي، [224] ولا يصاح على جنازته حين تبرز ولا إذا مرّت ولا حين يقبر، فمن فعل ذلك أتى منكرا. وعلى الناس أن ينكروا ذلك بالقول إن رجوا قبوله وإلاّ فبقلوبهم؛ وقد روي عنه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ: «آخر ما أتاني به جبريل ــ عليه السلام ــ: عش ما شئت فإنّك ميّت، وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعمل ما شئت فإنّك ملاقيه».
وقيل: إذا احتضر ابن آدم تصوّر له ملك الموت على قدر عمله الصالح أو الطالح. وعن ابن عبّاس: يأتيه على صورة كبش أملح لا يمرّ بشيء ولا يجد ريحه شيء ولا يطأ على شيء إلاّ مات، وقد جُعلت له الدنيا كراحة اليد، فهو يقبض الأرواح من المشارق والمغارب ومعه أعوان من ملائكة الرحمة وملائكة الغضب، فإذا قبض نفسا مؤمنة دفعها إلى ملائكة الرحمة وبالعكس، فيضربون وجهه ودبره، فذلك قوله تعالى: {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} (سورة محمَّد: 27).
وقيل: «إذا مات انقطع عمله إلاّ من ثلاث، صدقة جارية وعلم يُنتفع به وولد صالح يدعو له».
حاتم الأصمّ: «لا يعرف قدر أربعة إلاّ أربعة، لا يعرف قدر الشباب إلاّ من شاب، ولا العافية إلاّ أهل البلاء، ولا الصحّة إلاّ المرضى، ولا الحياة إلاّ من مات». (1/509)
صفحة 500
وقيل: نظر صلّى الله عليه وسلّم إلى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار، فقال له: «أرفق بصاحبي فإنّه مؤمن، فقال له: طب نفسا وقرّ عينا، فإنّي لكلّ مؤمن رفيق» ... الحديث.
فصل
روي: «لقّنوا موتاكم لا إلاه إلاّ الله، وأغمضوا عينيه عند خروج روحه، وضمّوا فمه برفق».
ابن المسيب: ما مات إلاّ أجنب. وقد وُجد ــ قيل ــ مكتوب على حجر بدمشق: يا ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجَلِك مع طول ما ترجوه من أمَلِك، وإنّما يلقاك قدمك إذا زلّت قدمك وودّعك الحبيب وأسلمك القريب، فلا أنت إلى أهلك عائد ولا في عملك زائد، اعمل ليوم القيامة قبل الحسرة والندامة.
وقيل: ذكر الموت حياة القلب، وترك التفكّر وتذكّر الموت يقسي القلب.
فصل
نُدب لجار الميّت وأقاريبه أن يطعموا أهل مصيبته لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم لمّا أتاه نعي عمّه جعفر قال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما، فقد أتى ما أشغلهم».
وجاز البكاء من غير نوح ولا قول محرّم. وأن يستقبل به عند احتضاره وعند طهره وتكفينه إن أمكن.
البراء بن عازب: خرجنا مع رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ في جنازة فانتهينا إلى القبر قبل أن يُلحد، وجلس وجلسنا حوله وكأنّ على رؤوسنا الطير، وبيده عود ينكث به الأرض، ورفع رأسه وقال: «استعيذوا بالله من عذابه مرّتين أو ثلاثا ثمّ (1/510)
صفحة 501
قال: إنّ المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة بيض الوجوه كأنَّها الشمس ومعهم كفن وحنوط من الجنّة حتّى يجلسوا منه (275) مدّ النظر، ثمّ يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول أيّها النفس الطيّبة أخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما يسيل القطر (276) من السقاء حتّى يأخذها ولا يدعها في يده طرفة عين (277) حتّى يأخذوها ويجعلوها في ذلك الكفن وتلك الحنوط ويصعدون بها، فيخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت بالأرض، ولا يمرّون على ملإ من الملائكة [225] إلاّ قالوا: ما هذه الروح الطيّبة؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسماء كان يسمّى بها حتّى ينتهوا بها إلى سماء الدنيا، فيستفتحون له فيُفتح له، فيشيّعه من كلّ سماء مقرّبوها إلى التي تليها حتّى ينتهي بها إلى السابعة فيقول الربّ سبحانه: أكتبوا عبدي هذا في علّيين، وأعيدوه إلى الأرض فإنّي منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أُخرجهم تارة أخرى، فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيُجلسانِه ويقولان له ما تقدّم من السؤال والجواب إلى أن قال: ويأتيه رجل حسن الوجه والثياب، طيّب الريح فيقول: أبشر بما يسرُّك، هذا يومك الذي توعد، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: ربّ أقم الساعة ثلاثا حتّى أرجع إلى أهلي ومالي». وأمّا الكافر فبعكس ذلك ولا نطيل به {لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَآءِ} الآية (سورة الأعراف: 40).
فصل
قيل: ما من شيء إلاّ وهو يبكي على المؤمن إذا مات حتّى دابّته وطريقه ومدخله ومخرجه، والسماء والأرض. ويروى: «ما مات غريب غاب عنه بواكيه إلاّ بكَتْه السماء والأرض، ولا يبكيان على كافر، ثمّ قرأ: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ} (سورة الدخان: 29)». وقال: علي: بكاء السماء حمرة أطرافها. (1/511)
صفحة 502
أبو هريرة: مرّت على رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ جنازة وخلْفها نساء يبكين فانتهرهنّ عمر، فقال له: «إنّ النفس مصابة، والعين دامعة، والعهد قريب».
وقيل: لمّا دُفنت رقيَّة بكت عليها فاطمة، فقال أبوهما: «ما كان باليد واللسان فمن الشيطان، وما كان من القلب فمن الرحمة». وقيل: بكى على ولده إبراهيم، وقيل: دخل عليه جابر بن عبد الله وولده يجود بنفسه فوضعه من حِجره فقال له: تبكي وأنت تنهانا عن البكاء!، فقال: «إنّما أبكي رحمة له، وإنّما نهيت عن خدش الخدود، وشقّ الجيوب، ورنّة الشيطان».
وقيل: اجتمع ابن عبّاس وابن عمر في جنازة رافع فسمعا صوت باكية، فقال ابن عمر: «إنّ صاحبكم شيخ كبير لا طاقة له بعذاب الله، وإنّ الميّت ليؤذى بهذا القول من الحيّ»، فقال ابن عبّاس: «رحمك الله يا أبا عبد الرحمان أما إنّك وأباك لتقولان ذلك والله يقول: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} إلى {وَأنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى} (سورة النجم: 43) والله أجلّ وأعدل من أن يؤاخذ هذا الميّت بقول هذا الحيّ».
وقيل: البكاء على الميّت على وجوه، وقوع غلبة البكاء على الباكي، واختناق عَبرة لا يطيق دفعه، وغمّ وحزن وضيق يلحقه فيكون فرجه (279) في بكائه وبه يستريح قلبه وبدنه، فهذا ونحوه لا حرج فيه ولا إثم. ومنه ما يدعو إلى الخضوع إلى الله والتذكّر للذنوب رغبة في المسارعة إلى الخيرات وإيثارا للصالحات فهذا من أفضل القربات، وبه ينال الرضوان والمغفرة من المولى.
ويُعزّى المسلم في ميّته مطلقا ولو مضى زمان، لا أهل فتنة وبغي وقطع فيمن مات منهم، ويعزّى عليهم قريبهم إن كان ليس من أهل فعلهم ولو غير مسلم. (1/512)
صفحة 503
وتعزية المتولَّى الدعاء له بالصبر وحسن العزاء والخلف والثواب في الآخرة، وغيره بالخلف في الدنيا وغير ذلك. ويجيب المُعزّى بما يليق من الجواب، والله الموفّق للصواب.
تمَّ الجزء الثالث.
vvv (1/513)
صفحة 504
هوامش الجزء الثالث
(1) - ب: به.
(2) - ب: أو خلٍّ أو لبن.
(3) - ب: - وإن فيها.
(4) - ب: تحمله.
(5) - ب: الماء إذا كان.
(6) - ب: منها.
(7) - ب: فقطرت.
(8) - ب: طارئ.
(9) - أ (هامش): وعبارة الأصل: ولا تتطهَّر هي به.
(10) - ب: بئر.
(11) - أ (هامش): وعبارة الأصل: إن كانت مستبحرة. [وهو الصواب].
(12) - ب: - وقع في بئر تنزح.
(13) - ب: ظاهر.
(14) - ب: وقعت.
(15) - ب: وأخرج.
(16) - ب: + دلوًا.
(17) - ب: فأرة.
(18) - ب: + دلوٌ [كذا].
(19) - ب: فيها.
(20) - ب: ولم.
(21) - ب: لونها.
(22) - ب: ويسقى.
(23) - ب: بوضاء [كذا]. (1/515)
صفحة 505
(24) - ب: فتصعَّد.
(25) - ب: كالميتة والدم.
(26) - ب: جامد. وهو خطأ.
(27) - ب: فأفادنا.
(28) - ب: وإن.
(29) - ب: - غسله.
(30) - ب: في محل. وهو خطأ.
(31) - ب: - وأكل
(32) - ب: بالشمس والريح.
(33) - ب: ويغلِّبه.
(34) - ب: فيه.
(35) - ب: رفعه.
(36) - ب: الماء. وهو خطأ.
(37) - ب: الزرع.
(38) - ب: إلا.
(39) - ب: الشهادة به.
(40) - ب: - قيل.
(41) - ب: - في.
(42) - ب: عند.
(43) - ب: ما ظهر من ذكره لا ما بطن.
(44) - ب: وقيل: لا تنقض حتَّى تصير القطنة إلى محلِّ الطهارة.
(45) - ب: + مستحيلا. أ: مستحيلا، مشطوب عليها.
(46) - ب: أعاد الصلاة.
(47) - ب: يظهر.
(48) - ب: أ (هامش): لعلَّه البدن كما في الأصل.
(49) - ب: فوضع.
(50) - ب: - ومسح. (1/516)
صفحة 506
(51) - ب: فاه أو منخريه.
(52) - ب: ومن.
(53) - ب: - إن فقده، فإذا وجده لزمه غسله، وقيل: قد طهر به
(54) - ب: بزاقٌ وهو خطأ.
(55) - ب: فسد وهو خطأ.
(56) - ب: لقح.
(57) - ب: - إن رئي فيه.
(58) - ب: - كان.
(59) - ب: - قيل.
(60) - ب: + قيل.
(61) - ب: + من.
(62) - ب: إذا صار.
(63) - ب: - أيضًا.
(64) - ب: خالفت.
(65) - ب: - به.
(66) - ب: - وفيه.
(67) - ب: + في.
(68) - ب: + دلوًا.
(69) - ب: ولا بدنًا.
(70) - ب: - وغسل.
(71) - ب: - ترك.
(72) - ب: + لحمه.
(73) - ب: أذنابها.
(74) - ب: ولو بلا حبس.
(75) - ب: أنتجت.
(76) - ب: - لا. وهو خطأ. (1/517)
صفحة 507
(77) - ب: توكَّل.
(78) - ب: وخرج.
(79) - أ (هامش): قوله: والأكثر أنَّ بولها يفسد إلخ ... عبارة الأصل: وأكثر قولهم: أنَّه لا بأس بسؤره، وكذلك قرضه للثوب.
(80) - ب: إنَّهما. وهو خطأ.
(81) - ب: مشركي.
(82) - ب: مرتد.
(83) - ب: نجسا. وهو خطأ لأنَّه اسم كان.
(84) - ب: - لأنَّه.
(85) - ب: لأن.
(86) - ب: + فيه.
(87) - أ (هامش): وعبارة الأصل: وتصبُّ عليه الماء ويعصره غيرها.
(88) - أ (هامش): قوله: وكلُّ إناء إلخ ... عبارة الأصل: وكلُّ إناء يشرب ... [انمحاء قدر عشر كلمات] أجزاه الغسل إن شاء الله، والعرك، والخبش والعصر، كلُّ ذلك ينفي النجاسة ويطهِّرها، كان جملة أو على انفراد.
(89) - ب: - فصل.
(90) - ب: رطوبته.
(91) - ب: فيه الماء. وهو خطأ.
(92) - ب: + أو يومًا. وهو مشطوب في أ.
(93) - ب: - أيضًا.
(94) - ب: - غسل النجس إنَّه غسله قبِل قوله، لا قول من لا يتَّقيه، كمشرك. ومن بثوبه ...
(95) - ب: يقشر. وهو تصحيف.
(96) - ب: + فقد ورد منه.
(97) - ب: - عبادة.
(98) - ب: بقوب. وهو تحريف.
(99) - ب: تيبَّس. وهو تحريف. (1/518)
صفحة 508
(100) - ب: - أجزاه.
(101) - ب: - محلا.
(102) - ب: بيده بدنه.
(103) - ب: فيجز به. وهو تصحيف.
(104) - ب: في الماء ولا غضُّهما.
(105) - ب: مني. وهو خطأ.
(106) - ب: لها
(107) - ب: في محل.
(108) - ب: - لا. وهو خطأ.
(109) - أ (هامش): وعبارة الأصل: إذا كان معه قدر ما يغسل به وجهه وبدنه وفرجه أجزاه.
(110) - أ (هامش): عبارة الأصل: فرجه.
(111) - ب: إذا.
(112) - ب: فإن.
(113) - ب: فإنَّه.
(114) - ب: والإثم. وهو الأظهر. وفي أ (هامش): عبارة الأصل: وعليهما الإثم إن تعمَّدا ذلك.
(115) - أ (هامش): قوله: لا يلزمه بذلك غسلا، عبارة أصل: وبعضٌ لا يرى على الموطأة في الدبر غسلا.
(116) - ب: إخلاله. وهو تصحيف.
(117) - ب: يعلمها.
(118) - ب: + واحد.
(119) - ب: والأنثى.
(120) - ب: بالإجماع.
(121) - ب: فلذلك
(122) - ب: صلَّته.
(123) - ب: اغتسلت. (1/519)
صفحة 509
(124) - ب: - دم.
(125) - ب: مقدار.
(126) - ب: - بدل رمضان و ...
(127) - ب: - تلك. انتقص بدل انتقض، وهو تصحيف.
(128) - ب: صومًا ولا صلاة.
(129) - ب: تركتهما. وهو الأظهر.
(130) - ب: - لا. وهو خطأ.
(131) - ب: + الكفَّارة.
(132) - ب: - فلا عليها ما لم تطهر.
(133) - ب: لا تعيده؛ وإن جمعت ...
(134) - ب: + الله.
(135) - ب: وكذلك.
(136) - ب: معها قيل.
(137) - ب: - وقيل: لا، وإن ضربها ورأت دمًا وإن قلَّ فلها تركها.
(138) - ب: مستحاضة.
(139) - ب: + الناس.
(140) - ب: دام بها الدم.
(141) - ب: احتشت. وهو أظهر.
(142) - ب: - في.
(143) - أ (هامش): قوله: فيمن ألقت مضغة ... إلخ وقيل: ... [كلمتان غير واضحتان] أثر وتعدُّ بإسقاط النطفة أربعة أيَّام، وبالعلقة تسعة أيَّام، وبالمضغة أربعة عشر، وبالعظام إن لم تكس لحمًا أحد [كذا] وعشرين وتام ... [لعلَّه: الخلقة] أربعين ... [كلمة غير واضحة] إذا دام بها الدم.
(144) - ب: وقيل: حتَّى تكون مخلَّقة
(145) - ب: - في أوَّل رمضان.
(146) - ب: + من رمضان.
(147) - ب: فيه (1/520)
صفحة 510
(148) - ب: صامت.
(149) - ب: - بشرط
(150) - ب: فمد.
(151) - ب: وتغسل.
(152) - ب: - كالحائض.
(153) - ب: ما رأت فيه من الدم الحيض.
(154) - ب: وتستحفظ. أ (هامش): وعبارة الأصل: وتستحيط للصلاة.
(155) - ب: - كذا.
(156) - ب: أو مضى. وفي الهامش: لعلَّه وما ومضى.
(157) - ب: شهر. وهو خطأ.
(158) - ب: العشرين. وهو خطأ.
(159) - ب: تكون.
(160) - ب: - أيضًا.
(161) - ب: الأولى.
(162) - ب: يومًا.
(163) - ب: فأدام. وهو تحريف.
(164) - ب: مدَّ بها.
(165) - ب: - وتصلِّي.
(166) - ب: عشر. وهو خطأ.
(167) - ب: - كانت.
(168) - ب: تدعى. وهو خطأ.
(169) - ب: - ثمَّ كذلك.
(170) - ب: - من الدم.
(171) - ب: - وقبل الدم.
(172) - ب: رأته.
(173) - ب: ويعدُّها.
(174) - ب: البول. وهو خطأ. (1/521)
صفحة 511
(175) - ب: - الرجوع ولا تعيدها إن رجع؛ وإن تمَّ لها الطهر أعادت، وقيل: لها انتظار. وقع للناسخ في هذه الفقرة انتقال نظر لوجود كلمة انتظار مرَّتين.
(176) - ب: - من الكتاب.
(177) - ب: محلٌّ. وهو خطأ.
(178) - ب: فلغيره.
(179) - ب: التراب.
(180) - ب: به. وهو خطأ.
(181) - ب: غيره فيه.
(182) - ب: أحدٌ. وهو خطأ!.
(183) - ب: إليه.
(184) - أ (هامش): عبارة الأصل: إليه.
(185) - ب: أبو عبد الله عبد الله. وهو خطأ.
(186) - ب: + عليها.
(187) - ب: - الماء.
(188) - ب: قدرًا. ولا معنى له.
(189) - ب: اغتسل.
(190) - ب: الساهي.
(191) - ب: منازعة.
(192) - ب: - إليه.
(193) - ب: وإن كان.
(194) - ب: فيها. أي في الآية، وهو أصوب.
(195) - ب: العنقفة، فمقد الأذنين.
(196) - ب: وكذلك.
(197) - ب: ولو.
(198) - ب: العنقفة.
(199) - أ (هامش): أو، صحَّ من الأصل.
(200) - ب: نهارٌ. وهو خطأ. (1/522)
صفحة 512
(201) - ب: بأنف وفم. وترتيب النسخة الأمِّ أولى.
(202) - ب: فيه.
(203) - ب: مرَّة واحدة ويردِّد ...
(204) - ب: وقيل.
(205) - ب: لعلَّه القدم.
(206) - ب: بلا عرك.
(207) - ب: لعلَّه: ينقِّي.
(208) - ب: في ثوبه أو في رأسه.
(209) - ب: - قاعدًا.
(210) - ب: ناعسًا.
(211) - ب: عقِبَه.
(212) - ب: بمسِّ الذكر.
(213) - ب: غيره.
(214) - ب: فرج.
(215) - ب: + عليه.
(216) - أ (هامش): وعبارة الأصل: ولو أنَّ رجلاً كان متوضِئًا ثمَّ أمسك ذكر حمار أو بغل أو فرس ... هداه إلى موضع الجماع من الدوابِّ ... إلخ. صحَّ من الأصل.
(217) - ب: نحوه. وهو خطأ.
(218) - ب: ذلك ليس بشيء.
(219) - ب: يصبغهما.
(220) - ب: الحبشة.
(221) - ب: معرضة.
(222) - ب: تعمَّد.
(223) - ب: ابن السمح.
(224) - ب: لجوف.
(225) - أ (هامش): وعبارة الأصل: ومن نقر أنفه ... إلخ.
(226) - ب: بما خرج. (1/523)
صفحة 513
(227) - ب: حلف. وهو تحريف.
(228) - ب: + وضوؤه.
(229) - ب: + كان.
(230) - ب: - فيه.
(231) - ب: عند.
(232) - ب: - إن أمكن.
(233) - ب: بحجر أو تراب.
(234) - ب: - وقيل يتوضَّأ ويتيمَّم.
(235) - كذا في النسختين.
(236) - ب: يحشاه.
(237) - ب: غسله.
(238) - ب: عنه.
(239) - ب: ولم يخف.
(240) - ب: تركوه.
(241) - ب: كفر.
(242) - ب: - لم. وهو خطأ.
(243) - ب: ميِّت. وهو خطأ.
(244) - أ: بغسل. ولا معنى له.
(245) - أ (هامش): عبارة الأصل: فرجها.
(246) - ب: - حبلى.
(247) - ب: - وغسله.
(248) - كذا في النسختين، ولعلَّه: بدأوه.
(249) - ب: + قد.
(250) - ب: - مالها.
(251) - ب: دفن.
(252) - ب: عنه.
(253) - ب: في ثلاثة. (1/524)
صفحة 514
(254) - ب: فيه.
(255) - ب: كفنه.
(256) - ب: صرفه.
(257) - ب: الجنازة.
(258) - ب: - خلفها.
(259) - ب: تكبيرة. وهو خطأ.
(260) - ب: - عنه.
(261) - ب: توقَّف.
(262) - ب: أو غروبه.
(263) - ب: الرجل.
(264) - ب: - أو عذر.
(265) - ب: منها.
(266) - ب: فيه.
(267) - ب: + والحمد لله.
(268) - ب: فيها.
(269) - ب: في قبرها.
(270) - ب: بشجره ولا بحجره.
(271) - ب: وأمَّا الأموال.
(272) - ب: ديونهم.
(273) - ب: - على.
(274) - ب: - أو ترابًا.
(275) - ب: إليه.
(276) - ب: تسيل القطرة.
(277) - ب: - عين.
(278) - ب: فرحه. (1/525)
صفحة 515
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/526)
صفحة 516
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/527)
صفحة 517
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/528)
صفحة 518
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/529)
صفحة 519
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/530)
صفحة 520
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/531)
صفحة 521
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (1/532)
صفحة 522
/ (1/533)
صفحة 523
حقوق الطبع محفوظة (1/534)
صفحة 524
/ (2/2)
صفحة 525
الجزء الرابع منه
في الصلاة وما يتعلّق بها وأحكامها وشروطها وغير ذلك (2/3)
صفحة 526
/ (2/4)
صفحة 527
الباب الأوّل
في الصّلاة ومعرفة ابتداء فروضها وأحكامها
وقد فُرضت على كلّ بالغ عاقل (1) غير حائض أو نفساء.
ومعناها لغة: الدعاء.
وشرعا: أركان مخصوصة بأقوال معلومة، وهي التكبير والقيام والقراءة والركوع والسجود، [226] وهي خمس مأخوذة من قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (سورة الإسراء: 78) وهو زوالها، ويشمل الظهر والعصر {إلى غَسَقِ الليلِ} الشامل للمغرب والعشاء، {وقرآن الفجر} ظاهر، وقوله: {فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ} الآية كذلك (سورة الروم: 17).
وقيل: أوّل من صلّى الخمسة أبونا آدم -عليه السلام- حين أُهبط إلى الأرض ورأى حرارة الشمس والريح والتراب فاسودّ، فصلّى حين رأى الفجر بعد الظلمة فابيضّ رأسه ووجهه، ثمّ الظهر فابيضّ إلى صدره، ثمّ العصر فابيضّ إلى وسطه، ثمّ المغرب فابيضّ إلى الركبة، ثمّ العتمة فابيضّ كلّه، فأمر الله هذه الأمّة بها لتبيّض وجوههم غدا، وذلك قوله تعالى: {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ} الآية (سورة آل عمران: 106)، وليبيّض كتابهم الأسود من السيّئات بالحسنات، وذلك هو قوله تعالى: {فَأَوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ} (سورة الفرقان: 70).
وقيل: إن موسى لمّا ذهب ليأتي بالنار وقت العتمة وهو في أربع هموم، همّ المطر، وضلالة الطريق، وميلاد أهله، وغنمه إذ فرّقها الليل، فلمّا كفاه الله ذلك وسلّم له جميع ما همّ من أجله صلّى له أربع ركعات شكرا له.
وقيل: أوّل من صلّى الظهر إبراهيم -عليه السلام- لمّا عُفي له عن ذبح ولده، وكان مع الزوال، وصلّى أربعا شكرا له. (2/5)
صفحة 528
وقيل: أوّل من صلّى المغرب داوود -عليه السلام- حين تيب عليه عند الغروب، فصلّى ثلاثا فعجز عن أكثر منها لما به من الجَهد شكرا له، فأُقرّت كذلك. وقيل: أوّل من صلاّه آدم، وقيل: عيسى لمّا أخبر أنّ قومه يدعون ثالث ثلاثة فصلاّه ثلاثا نفيا لها وإثباتا للوحدانية لله تعالى، فأمر الله رسوله محمّدا -صلّى الله عليه وسلّم- بأدائه ثلاثا.
وقيل: هي ساعة تاب الله فيها على آدم، وكان بين أكله وتوبته ثلاث مائة سنة من سنّي الدنيا، وثلاثة أيام من أيام الآخرة، فصلّى ركعة للخطيئة، وركعة للتوبة، وأخرى للحظوة فافتُرض ذلك على هذه الأمّة، فما صلاّها محتسب وسأل الله شيئا إلاّ أعطاه له.
وروي: ما من صلاة أحبّ إليّ من المغرب لأنّ بها الختم والاِفتتاح، فمن صلاّها وركعتين بعدها بلا كلام بينهما كُتبت له في علّيين؛ ومن صلَّى بعدها أربعا بُني له قصران في الجنّة مكلّلان بالدرّ والياقوت لا يعلمهما إلاّ الله سبحانه، ومن صلّى بعدها ستّا بلا كلام غُفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر.
وروت عائشة: أفضل الصلوات المغرب، لم تُحطّ عن مسافر ولا مقيم، فتح بها وختم؛ ومن قال في دبرها قبل أن ينحرف: بسم الله الرحمان الرحيم، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ثلاثا دفع الله عنه تسعا وتسعين نوعا من البلاء، منها الجنون والبرص والجذام.
وقيل: أوّل من صلّى الفجر آدم حين أُخرج وأظلم عليه الليل ولم ير ظلمة قبل، واشتدّ خوفه فلمّا انفجر الصبح وأضاء النهار صلّى ركعتين شكرا لله لرجوع الضوء إليه، فأمر الله -عزّ وعلا- نبيئه بذلك ليُذهب عنه ظلمة المعصية كما أذهب عن آدم ظلمة الليل، وينوّره بالطاعة كما نوّر آدم بضوء النهار.
وقيل: كان الملائكة لا يعرفون الليل من النهار إلى أن أمر الله جبريل بخسف القمر فاستبان منه، فعند ذلك ركعت أربعا عند طلوع الفجر شكرا لله. (2/6)
صفحة 529
وقيل: إنّ الشمس تطلع بين قرني الشيطان فيسجد لهما كلّ كافر، فأُمر محمّدا وأمّته به قبلهم، فمن صلاّه أربعين يوما في جماعة برئ من النفاق ومن النار.
ويروى أنّ الله سبحانه قال لموسى: إنّي جعلت رحمتي في الدارين لمن أدّى فرائضي وصبر على بلائي، وحمدني وشكرني، وجنّتي لمن [227] استغفرني، فقال: إلاهي ما جزائي ما جزاء من أدّى فرائضك؟ قال: لكلّ منها درجة من الدرجات العلى؛ وما جزاء من قام بين يديك يصلّي؟ قال: أُباهي به ملائكتي راكعا وساجدا.
وروي: «أنّ هذه الصلوات مواريث آبائي وإخواني من الأنبياء -عليهم السلام-»، فعند الفجر تاب (2) على آدم، فصلّى ركعتين فجُعلت لي ولأمّتي كفّارات وحسنات ودرجات، وعند الزوال تاب على داوود فبشّره جبريل -عليه السلام- فصلّى أربعا، فجُعلت لي ولها كذلك، وعلى سليمان حين صار ظلّ كلّ شيء مثله فبُشّر بالتوبة، فصلّى أربعا شكرا لله، فجُعلت لي ولهم كذلك؛ وعند اشتباك النجوم والإظلام أخرج يونس من بطن الحوت كفرخ لا ريش له ولا جناح، فصلّى لله أربعا فجُعلت لي ولأمّتي كذلك، ثمّ قال: «أرأيتم لو أنّ نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات هل يبق عليه من درن؟ فقالوا: لا، فقال: هذه الصلوات تغسلكم من الذنوب غسلا»
فصل
اختُلف في الوسطى، فالأكثر أنّها العصر لتوسّطها بين صلاتي الليل والنهار، وقيل: الظهر لأنّها وسط النهار، وقيل: الفجر لأنّها بين صلاتي الليل وصلاتي النهار، وقيل المغرب لأنّها بين إقبال وإدبار، ولا نقص فيها بسفر، ولأنّها وسطى في الطول والقصر، وقيل: العشاء لأنّها توسّطت صلاتي طرفي الليل؛ والأنسب بأنفاس الشريعة عدم تبيّنها ليُحرص على الخمس حتّى تُوافَق، كما خُفيت ليلة القدر وساعة الجمعة؛ وأكثر ما أشارت إليه الأدلّة أنّها العصر. (2/7)
صفحة 530
قال خميس: ولا يعدم قول بأنّها الوتر. وأوّل ما يحاسَب به العبد بعد التوحيد الصلاة، واختُلف في الوتر، فقيل: فرض، وقيل: سنّة وعليه الأكثر، ولا يُترك ولو في سفر.
فصل
اختُلف في ابتداء الصلاة، فقيل: فُرضت ركعتين فزيد في الحضر، وقيل: عكسه. والمغرب والصبح سواء فيهما؛ وهي عماد الدين، فالمصلّي في مقام عظيم بين يدي ربّ كريم. وأوّل الأوقات -قيل- أفضلها، ونُدب كون الركعة الأولى أطول من الثانية، وإتباع الفرائض بسنن ونوافل، ولا يُقعد عنها إلاّ في ذكر ودعاء. وتعجيل ركعتي المغرب قبله لترفعا معها، وكُرهت بعد عصر وصبح، ونُدب فيه الدعاء.
وروي: ((من حافظ على الخمس كنّ له نورا وبرهانا وفلاحا غدا، ومن ضيّعها لم يكن له ذلك وجاء غدا مع فرعون وقارون وأُبَيْ بن خلف، وألا أدلّكم على ما يمحي الخطايا ويرفع الدرجات هو إسباغ الوضوء في المكاره، وكثرة الخطى إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم (3) الرباط)). والأحاديث في المحافظة والتضييع كثيرة.
وعن بعض: ما صلّيتُ قطّ إلاّ استغفرتُ من تقصيري فيها.
الربيع: إذا قام العبد إليها قال: اللهمّ إنِّي (4) أستغفرك ممَّا ضيّعت ممّا تأمرني به، وممّا تركت ممّا نهيتني عنه. وروي: اجعلوا لبيوتكم حظّا منها ابتغاء البركة.
والفرض في الجماعة. ولا تُقبل صلاة عجلان لا يتمّ ركوعها وسجودها أو ترك حدّا منها. (2/8)
صفحة 531
فصل
من حضره وقت صلاة لزمه أن يعلم وجوبها وكيفية امتثالها، ولا يُعذر بترك ولا بجهل، فإنّ مفتاحها الطهور، وإحرامها التكبير، وإحلالها التسليم، فيقوم إليها بالطهارة مع الإمكان ولو في اللباس والبقعة، وبالاِستقبال بالنية، والتوجّه إلى الكعبة، والقيام والركوع والسجود.
وإنّما وجبت لأنّ الخلق أربعة، قائم كجبل، وحائط وشجر، وراكع كذوات الأربع، وشبيه بساجد كهوام [228]، وبقاعد كنبات، وحجر ونحو ذلك، وكلٌّ يسبّح لله تعالى بحمده؛ فجُمع للمؤمن ثواب كلّ منها في ركعة.
وقيل: لتنوّع الملائكة في ذلك فجُمعت له فيها.
وقيل لبعض: متى تقرب القلوب (6) من الله عزَّ وعلا؟ قال: إذا قامت لذكره بلا سهو عنه، فإنّ الناس فيها أربعة صنوف، صنف فقه عن الله تعالى وعن رسوله معناها وأدركوه، وصنف يؤدّيها باجتهاد بلا علم وضيّع كثير ممّا يلزمه، وقد منعه الحياء من طلب علمه والبحث عنه وما هو بمحمود، وصنف يؤدّيها جزافا ولا تصحّ له، وصنف لا يؤدّيها ولا يبالي بها وربّما صلاّها خوفا من الناس فهذا كافر. وقال كثير: من تركها استتيب وإلاّ قُتل. (2/9)
صفحة 532
الباب الثاني
في ذكر السنن وما لا تقوم الصلاة إلاّ به
فمن سننها الآذان والإقامة والتوجيه والتكبير غير الإحرام والتسبيح والركوع والسجود والتشهّد والقعود فيه والتسليم، فتارك شيء منها أساء، قيل: بلا إعادة، وقيل: به احتياطا، ولا يعيد ناسيه.
ونُدب إتيانها بخشوع وتذلّل وخضوع، فقيل: معناه أن يرمي نظره بين قدميه، وقيل: أن لا يعرف من عن يمينه ولا من عن شماله، وقيل: هو خشوعان، خشوع جسد لا قلبٍ نفاقٌ، وخشوعهما إيمانٌ.
وأقرب ما يكون العبد من ربّه إذا سجد، فمن أهمل النية فيها ولم يقصد أداء ما فُرض عليه، فقيل: عليه البدل والكفّارة والإثم، وقيل: بسقوطها دونهما، وقيل: يأثم فقط، وقيل: لا شيء عليه؛ وأجمعوا أنّه ليس له منها إلاّ ما عقل.
ابن عيسى: من غفل عن بعضها لا تفسد عليه حتّى يغفل عن جميعها، وقيل: عن أكثرها، وقيل: عن ركعة.
ابن سليمان: من عقلها فأجره أعظم، وإن غفل عنها كلّها نقصت بلا فساد.
والنية فيها -قيل- عند إرادتها والدخول فيها، وقيل: عند الإحرام، وقيل: قبل الإقامة، ثمّ قيل: هي باللسان، وقيل: بالقلب وهو أفضل، وقيل: بهما أكمل، واختار ابن سليمان تجديدها عند الإحرام بأن يصكّ على ضروسه وينوي بقلبه بلا تحريك لسانه ويتحرّى القبلة حتّى كأنّه يراها، ويجعل بين قدميه قدر مسقط نعل عرضا، ولا بأس بزيادة أو نقص، ويرسل يديه ويرمي بنظره نحو سجوده، وقيل: منه إلى قدميه وهو المختار، وقيل: لا يجوز به محلّ سجوده ولا يتعمّد به محلاّ (7) آخر، وفي ركوعه ما بين قدميه وسجوده، وفيه إلى أنفه، وفي قعوده إلى ركبتيه، فإذا قام لزمه أن يعلم نفسه وأين هو وفيما هو، وعند من هو، وأنّ وقوفه بين يدي ربّه كأنّه يراه (2/10)
صفحة 533
وإلاّ فهو يراه، ويجعل (8) الموت خلفه والجنّة يمينه والنار شماله والحساب بين يديه وكأنّها آخر صلاة، ويكون كعبد مسيء واقف بين يدي سيّده، وكأسير مرّ بضرب عنقه أو فقير بين يدي غني ومن عبده خوفا، فحاله حال خدمة عبيد، ورغبةً حال تجّار وشكرا ومحبّة حال أحرار، وقيل: من عبده.
وجهل أربعة لم تنفعه عبادته وإن طالت: معرفة الله، وفرائضه، وحدوده، ونفسه وعدوّه.
وأطيب -قيل- ما يُعطى العبد في الدنيا معرفة الله، وليس له من عمره إلاّ ما أطاعه فيه، والعارف به هو المطيع له في أمره ونهيه، وبنفسه هو الخائف من عمله أن لا يُقبل منه، ومن ذنبه أن لا يُغفر. لقمان لابنه: إن أحببت الجنّة فمولاك أحبّ الطاعة، وإن كرهت النار فهو كره المعصية، فأحبب ما يحبّ واكره ما يكره.
واختُلف في أيّ قعدة فُرضت، فقيل: التي بين سجدتين، [229] وقيل: التي للتحيّات، وقيل: الهوية للسجود. والقراءة المفروضة هي الفاتحة، وقيل: هي مع السورة، والمختار أنّها بحسب ما تكون فيه وما لا تكون.
فصل
مؤكّدات السنن هي ركعتا الفجر والمغرب، وصلاة الجنازة والعيدين، وقيل: منها الوتر وقد مرّ، وركعتان خلف المقام وركعتان بعد طواف الزيارة. وسنن النفل ركعتان بعد الظهر وأربع قبل العصر، وقيام الليل، وركوع الشروق والخسوف والكسوف. وصلاة الاِستسقاء تصلّى بإمام ركعتين بالفاتحة وسورة وبخطبة وتضرّع بعد فراغ، وخصّ صلّى الله عليه وسلّم بقيام الليل والسواك؛ ومنها ركعتا الطواف والإحرام إن لم تحضر مكتوبة، وتحيّة المسجد.
والجماعة -قيل- سنّة، وقيل: فريضة. (2/11)
صفحة 534
وركعتا الاِستكفاء عند خوف من عدوّ أو دخول في حرب إن أمكنتا، وركعتا معصية أو مصيبة بتضرّع وشكر لنعمة.
ونُدب أن يُقرأ في المغرب من الناس إلى والليل، وفي العشاء منها إلى والحاقّة، وفي الفجر منها إلى أوّل المفصل وهو من الحجرات إلى ما تحت، ولا بأس بغير ذلك.
وللقارئ فيها قائما بكلّ حرف مائة حسنة، وقاعدا خمسون، وفي غيرها عشر، فعليه أن يخاف ويرجو وهو مسؤول عن عمره فيما أفناه. وقيل: ليس بعالم من لم يحزنه ماضي عمره، ولقد كانوا عليه أشحّ منهم على النقدين. (2/12)
صفحة 535
الباب الثالث
في صلاة التطوّع وما يستحبّ فيها
قال مولانا -عزّ وعلا: {يَآأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} (سورة الحج: 77) وهو النفل. وقال أيضا: {وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ} (سورة المائدة: 35) وهي (9) اللوازم، وقيل: الفضائل؛ ولا تُقبل نافلة مع تضييع فريضة.
وقد سُئل صلّى الله عليه وسلّم عمّا يهدّم الذنوب؟ فقال: «النوافل بعد الفرائض»
وأفضل صلاة النهار ما بين ظهر وعصر، فقد رُوي: «أربع قبل الظهر يعدِلن صلاة السحر»، ولا يُجهر فيها نهارا ولو في نفل، وجاز فيه ليلا وهو في البيت أفضل.
وقال عمر: من فاته وِرده ليلا صلاّه قبل الظهر فإنّها تعدِل صلاة الليل.
وروي: «من صلّى قبله وبعده أربعا حرم على النار»، وأنّه كان يصلّي أربعا قبله وركعتين بعده وبعد المغرب وبعد العشاء وقبل الصبح، فتلك اثنتي عشرة يصلّيها صلّى الله عليه وسلّم كلّ يوم وليلة من غير الفرض وقيام الليل.
فصل
ندب لمن أراد النفل بعد الفرض أن ينحرف عن محلّه، ولابأس لمصلّ نفلا أن يدعوا قائما أو راكعا أو ساجدا أو قاعدا، وأن يصلّيه قاعدا محتبيا أو نائما أو ماشيا، ويحرِم مستقبلا ويصلّي حيث توجّه، فإذا أراد أن يركع أو يسجد رجع -قيل- مستقبلا، وقيل: كما أمكنه، وكذا متنفّل راكبا يُحرِم مستقبلا ثمّ يصلّي حيث توجّه ويومي بركوع وسجود. (2/13)
صفحة 536
وكان هاشم يتنفّل محتبيا بلا استناد لشيء. وأجاز بعض فيه الفاتحة وحدها نهارا والأكثر على ما تيسّر معها مطلقا، وجاز -قيل- بتسبيح فكيف لا يجوز بالفاتحة وحدها. ويجزي توجيه واحد لكلّ ما صلّى من نفل ما لم يستدبر أو يتكلّم، وكذا الاستعاذة.
أبو عبد الله: يستعيذ في كلّ شفع، ومن صلّى العشاء بقوم في رمضان وقام بهم للقيام بلا توجيه فالأوّل يجزيه.
ابن محبوب: من تنفّل ولم يتكلّم ولم يدبر ولم يتحوّل أجزاه الأوّل، وقيل: لا يعيده بالتحوّل، وقيل: يصلّي به ما شاء إذا اعتقده كذلك، وإلاّ [230] فيوجّه لكلّ شفع، وقيل: إنّما يصلّي به ركعتين فقط.
والليل والنهار في النفل سواء، وجاز الجهر فيه، وأن تقسم آية لركعتين إن انقسمت.
أبو المؤثر: من عليه بدل فلا يتنفّل حتّى يقضيه، ولا يأثم إن تنفّل ولا يبدله من صلاّه بلا طاهر.
فصل
يُنهى عن التطوّع في ثمانية أوقات: بعد الصبح إلى الطلوع وبعد طلوعه إلاّ ركعتي الفجر، وبعد العصر، وبين الآذان والإقامة للمغرب، وعند فوت الجماعة؛ فيُبتدأ بالمكتوبة وبعد الوتر حتّى يستيقظ ووقته ما بين العتمة إلى الفجر، وعند الخطبة والإقامة حتّى يفرغ الإمام، وبعد صلاة عيد الأضحى إلى الزوال لمصلّ مع الإمام إلاّ إن حدث كسوف أو استسقاء، وقيل: لابأس بالتطوّع بعد ذلك.
ابن عبّاس: ركعتان مقتصدتان في تفكّر خيرٌ من قيام ليلة والقلب ساه. وأوكد السنّة الراتبة مع الفرض الوتر ثمّ ركعتا الفجر؛ ومن الراتبة الضحى، وأقلّها ركعتان وأكملها ثمانية. وأفضل غير المؤكّدة قيام الليل. (2/14)
صفحة 537
وهل كثرة الركوع والسجود أفضل أم طول القيام؟ قولان، وكُره قيام الليل كلّه، والتسليم من ركعتين سنّة، وجاز جمع ركعات بتسليمة وتطوّع بركعة ولا تحيّة بعد الإقامة. (2/15)
صفحة 538
الباب الرابع
في الآذان وما جاء (10) فيه
وهو سنّة على الكفاية، وقيل: فرض عليها، وروي: ((لو تعلم أمّتي فضل الآذان لتجالدوا عليه بالسيوف))، وإنّ الأرض لا تأكل النبيئين ولا الشهداء ولا المؤذّنين ولا أئمّة العدل، ويُبعث المؤذّنون لهم رقاب تعلو الناس، ويشهد لهم كلّ من سمعهم، والأحاديث الدالّة على فضله قريبة من التواتر ولا يحتمل مختصرنا ذكرها.
وهو مثنى مثنى.
ولا يجوز للمؤذّن أن يتكلّم عنده فإن تكلّم أعاده.
ابن علي وابن محبوب: ثلاثة من الجفاء: ترك اتّباعه، ومسح الجبهة في الصلاة، وتركه بعدها، ويقلب وجهه لا قدميه، وله أن يؤذّن على دابّته في السفر.
وجاز من عبد بإذن ربّه ومن مكاتب إجماعا وهو عندنا حرّ وإن لم يؤدّ مكاتبه، لا من امرأة ولا تقيم، ولا من غلام حتّى يبلغ، ومن مسافر لمقيم، ولا يلزم فذّا. ومن تركه لم تفسد صلاته ولو جماعة، ولا يعيده مؤذّن إن نسي بعضه.
هاشم: لابأس على جماعة إن صلّت بلا آذان لأنّه إعلام فقط، وجاز من أصمّ وأعمى إن كان معه ثقة يعلمه.
وأجاز الفضل لمن سمعه ولا يعلم الوقت أن يصلّي به إلاّ إن عرف أنّه يؤذّن قبله.
ولا يجوز كإقامة بالفارسية ونحوها، وإنّما تعبّد بهما بالعربية؛ وإن تركه قوم للفجر في سفر عمدا لزمهم -قيل- النقض، والمختار عدمه.
الربيع: آذان الغداة على قدر ما ينتبه النائم الجنب فيغتسل ويصلّي مع الإمام.
ونُدب بطهارة وإن لثوب وقعدة بينه وبين الإقامة، وهي روضة من الجنّة، وقيل: تفتح أبواب السماء عندها فتُرجى الإجابة باتّباع أقوالها، وفيه عظيم الفضل. (2/16)
صفحة 539
وجاز للمؤذّن في بيته للفجر لأنّه ليس من السنن، ولكن يؤمر به للفرق بينه وبين غيره من الصلوات لأنّها إنّما يؤذّن لها في وقتها بخلافه.
وقيل: لا يجوز للجمعة قبله حيث تلزم.
ويستقبل عنده ويصفح -قيل وجهه يمينا إذا قال: حيّ على الصلاة، وشمالا إذا قال: حيّ على الفلاح، [231] ويتمّه إلى القبلة، ويبالغ برفع صوته، وبعض يأمره بجعل إصبعه في أذنه.
وإذا تحرّى الوقت في غيم جاز له أن يؤذّن، وإن صحّت صلاتهم قبله أعادوها.
ونُدب للإمام أن لا يقطع برأيه دون مشاورة من حضر بالمسجد، وإن تفرّد فيه تحرّى وأذّن وصلّى.
وكُره لمؤذّن أخذ أجر عليه.
ولابأس أن يقيم ماشيا إلى المحراب.
وقيل: لا يصلّي إمامان بمسجد بآذان واحد.
ولا يجوز في رمضان إلاّ بعد طلوع الفجر عند بعض.
ومن أذّن -قيل- لصلاة أو حثّ عليها بلا علم بالوقت فإن خالف سنّة البلد فعليه التوبة لا ضمانها.
ولا يمشي مؤذّن لمسجد عند آذانه إسماعا به (12)، ولا يحوّل قدميه. وإن تنازعت عليه جماعة اقترعوا.
فصل
ندب كون المؤذّن حرّا، بالغا، عاقلا، ثقة، عالما بالأوقات.
وقيل: إنّ الملك في قريش، والقضاء في الأنصار، والآذان في الحبشة.
وأن يؤذّن قائما في عال وأتباعه إلاّ في حيّ وحيّ فيحوقل عندهما. (2/17)
صفحة 540
وجاز مؤذّنان أو أكثر بمسجد، وأن يؤذّن واحد بعد واحد أو معا، ويُكره الخروج منه بعد الآذان.
وأحكامه وفرائضه كثيرة تركتها لضيق المقام. (2/18)
صفحة 541
الباب الخامس
في فرائض الصلاة
فقيل: لا تتمّ إلاّ بسبع: النية والطهارة والسترة والمحلّ والعلم بالوقت والاستقبال والقيام، وقيل: خمسة: تكبيرة الإحرام والقراءة والركوع والسجود والتشهّد.
وقيل: ستّة وعشرون خصلة تعلم بالتتبّع وهي ما تقدّم والسترة، وأن يخطّ كمحراب والبسملة والسورة أو قدرها في محلّها والاعتدال من الركوع إلى رجوع كلّ عضو لمفصله والسجود، والفرق بين السجدتين والتمكّن فيه إلى رجوع ذلك في كلّ ركعة، والقيام منه إلى الثانية والقعود في الأوّليتين والتشهّد الأوّل عند الأكثر، والقيام من القعود إلى الثالثة، والتكبير عند الانحناء، وعند الاِنخرار والقعود للتشهّد الأخير، وقراءة الأول إلى والطيّبات، والأخير إلى ورسوله، قيل: والتسليم. ويؤخذ ما لم يُذكر ممّا ذُكر.
فصل
سننها أربعة وعشرون: الآذان والتوجيه والاستعاذة بعد التكبير وقراءة الفاتحة والتشهّد الأخير، والتكبير -قيل- فرض كالتوجيه، وكذا التسبيح وسمع الله لمن حمده وتفسد بتركه في أكثرها، وربَّنا ولك الحمد، وقيل: الاعتدال والتحيّات الأولى والتورّك في القعود عند الأكثر، ووضع الركبتين قبل الأيدي في الخرور، ولابأس بتقديم وتجاف بين فخذيه وبطنه وإرسال اليدين عند القيام، وحمد الله والصلاة على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- في التشهّد الأخير، والدعاء بعد الفراغ والسجود (2/19)
صفحة 542
بجبهة وأنف والنظر في محلّه، والتسبيح ثلاثا كالتعظيم، والفصل بسكتة بين التكبير والقراءة وبين الفاتحة والسورة وبينها وبين الركوع، فهذا ما فيها من الأركان والسنن.
وفسدت بترك ركن منها ولو نسيانا لا بترك سنّة عند الأكثر، وكذا إن ترك الفاتحة أو التسبيح لإحدى الأخيرتين من ظهر أو عصر أو عشاء وأخيرة مغرب أو تكبيرة غير الإحرام.
وكفى المأموم قول الإمام سمع الله لمن حمده عنه، وكذا إن ترك ربّنا ولك الحمد أو الاعتدال أو الاستواء أو التشهّد الأوّل، وقيل: بطُلت ولو نسيانا، وكذا إن تعمّد ترك تسبيح أو الصلاة على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- في التشهّد.
ويُكره الإحرام قبل التوجيه عندنا، ورفع اليدين عنده ووضعهما على السرّة والإشارة بالإصبع والتورّك على اليسرى، ولابأس -قيل- على من فعل ذلك، وغيرنا يراه سنّة. (2/20)
صفحة 543
الباب السادس
في الاستقبال
وقد حُوّلت [232] القبلة في رجب بعد الزوال قبل بدر بشهرين، وقيل: نزلت آيتها وقد صلّى بأصحابه -صلّى الله عليه وسلّم- ركعتين من الظهر في مسجد بني سلمة، فتحوّل فيها واستقبل الميزاب، وحوّل الرجال مكان النساء وبالعكس فسمّي مسجد القبلتين.
ابن عبّاس: البيت كلّه قبلة وقبلته الباب، والبيت قبلة أهل المسجد وهو قبلة أهل (12) الحرم، وهو قبلة أهل الأرض.
وقيل: لمّا حوّلت إلى الكعبة قالت اليهود: يا محمّد لم تؤمر بذلك وإنّما هو من عندك، ولو ثبت لكنت الذي ننتظره، فأنزل الله {وإِنَّ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ} الآية (سورة البقرة: 144)، وأنّها قبلة الخليل -عليه السلام-.
وقيل: لكلّ ملّة قبلة، وقبلة أهل الإسلام البيت الحرام.
وفي تسميّتها قبلة تأويلات.
وأجمعوا على أنّه صلّى بأصحابه عند الكعبة خلف المقام وجعله بينه وبينها، وصفّوا خلفه فدلّهم أنّ حال أهل الآفاق كحال أهل مكّة يصلّي أهل كلّ بلد تلقاء الكعبة، كما يصلّي كلٌّ من أهل مكّة إلى ناحية تليه منها، وكذا أهل كلّ بلد يتوجّهون إليها بالقصد نحوها واختلفوا، فقيل: عليهم الإرادة، والتوجّه دونها لا يجزي، وقيل: تجزي النيّة مرّة كلّ مصلّ ما لم يتحوّل عن مكانه، وقيل: تجزيه مرّة ما حيي إن دان باستقبالها واعتقدها قبلته.
وقد أوجب الله على كلّ من خوطب بالصلاة التوجّه إلى الكعبة إن قدر، ويصلّي إليها من يشاهدها، ومن غاب عنها استدلّ عليها بالقمرين والنجوم، وهو بالرياح ضعيف ولا خلاف في وجوب ذلك، فمن خُفيت عليه الدلائل سقط عنه (2/21)
صفحة 544
فرض التوجّه ولزمه التحرّي إليها، فإذا صلّى بعض صلاته ثمّ انكشفت له توجّه إليها وبنى، لأنّ التوجّه إنّما لزمه عند علمه بالجهة، ولا يعيدها إن علمها بعد تمامها ولو في الوقت. وإن حوّل وجهه عنها في صلاته وأوجد سبيلا إلى الدلالة عليها مختارا لذلك فسدت عليه إجماعا.
واختُلف في خبر الواحد في القبلة، فقيل: حجّة، وقيل: لك لا عليك، واختار أبو الحسن قبول خبر العدل في كلّ ما يجوز فيه الخبر؛ ولا يكون إعلام غير الثقة بها لمن لا يعلمها حجّة عليه ولزمه التحرّي لها ولا يقلّد فيها ولا في الأوقات غيره، وقيل: قد قلّدوا فيها أصحاب السفن والحمّالة في البرّ.
فصل
اختلف فيما يقصده المصلّي، فقيل: لا يجزيه أن يقصد بنيته إلاّ إلى الكعبة وإن لم يوفّقها، وقيل: يجزيه قصد الحرم، ويجزي أهله قصد استقبال المسجد لأنّ الحرم كلّه الكعبة، ونية استقبالها ثابتة للمصلّي، فإن ذكر عند قيامه أو دخوله أو في شيء منها جدّد النيّة ومضى وإن نسي حتّى فرغ منها وكان متوجّها تمّت صلاته لأنّه معذور، فإن وجد من خفيت عليه من بدله عليها فتركه جهلا أن يسأله وتحرّى وصلّى أعاد وإلاّ فقيل: عليه الكفّارة. ومن صلّى بمسجد إلى قبلته ولم يعلم صحّتها تمّت صلاته حتّى يعلم انحرافها.
أبوسعيد: قيل: إنَّ ما بين باب سهيل وباب تبات النعش قبلة أهل المشرق، وما بين مطلعها إلى مطلعه قبلة أهل المغرب، وما بين مطلعها إلى مغربها قبلة لأهل سفالة، وما بين مطلع سهيل إلى مغربه قبلة لأهل علاية، وقال بعض قومنا: قبلة أهل المغرب ما بين مطلع برج الحوت وبرج السنبلة، وقيل: مطلع برج الثومان قبلة أهل المغرب من طنجة إلى تونس، وقيل: استقبال مطلع الشمس في الاعتدال، وقيل: في الشتاء. واختار أنّ مطلع الاعتدال قبلة أهل المغرب الأقصى كتلمسان وفاس ومرّاكش (2/22)
صفحة 545
وسوس الأقصى ودرعة وتوات وسِجِلْماسة وأعمال الكلّ، وأهل المشرق يستقبلون مغارب ما ذُكر.
وقبلة المدينة في وسط الجنوب (13) وشمال الشام إلى سهيل. وقبلة الطائف والمزدلفة ومنى وعرفات مغرب النسر الواقع، وتعلّم الأرباع باستقبال [233] مطلع الاعتدال فهو عين المشرق، ومغربه المغرب. وسمت القطب الجنوبي من الأفق هو عين الجنوب ومقابله الشمال.
ابن البنّاء المرّاكشي: جهة القبلة في كلّ بلد تسعون درجة نصفها عن يمين السمت ونصفها عن يساره، وكلّ من سال عن نقطة السمت بأزيد أخطأ قبلة السلف.
فصل
استقبال القبلة شرط في صحّة الصلاة إلاّ في خوف أو عجز، أو في نفل بسفر.
وروي: ((صلاة في المسجد الحرام بمائة (14) في مسجد هذا، وصلاة فيه بألف في غيره، ولا صلاة لمصلّ فوق الكعبة)).
ومن صلّى إلى سترة دنى منها لئلا تقطع صلاته، وحسن أن يكون بينهما قدر ثلاثة أذرع، فإن لم تكن سترة نصّب بين يديه عصى أو حجرا أو نحوهما إن وجد وإلاّ فخطأ.
وقبلة أهل الإسلام الكعبة والبيت المعمور قبلة الكروبيين يطوفه (15) كلّ يوم سبعون ألفا مذ خلق الله السماوات والأرض إلى فنائهما، ولا تعود إليهم النوبة. والعرش قبلة الملائكة، قال -عزّ وعلا: {وَتَرَى الْمَلاَئِكَةَ حَافِّينَ} (سورة الزمر: 75) فهذه المواضع لا تُنسخ ولا تتحوّل إلى يوم القيامة. (2/23)
صفحة 546
الباب السابع
في محلِّ الصلاة ممَّا تجوز فيه (16)
وقد شُرط في صحّتها (17) طهارة البقعة لما روي أنّها لا تجوز في سبعة: مقبرة ومجزرة ومزبلة وحمّام ومعطن إبل وقارعة الطريق وفوق الكعبة، ومن صلّى ثمّ رأى ببدنه أو ثوبه أو محلّه نجسا يمكن حدوثه بعدها فلا يعيدها، وتحرم -قيل- في مغصوبة، وتُكره بمحلّ الخسف. ومن وقع عليه نجس يابس فنفضه لم تفسد عليه، وجازت في بيَع وكنائس إن لم يكن فيهما مفسد.
ولا يصلّى في مربض الغنم والبقر والخيل ونحوها إلاّ بعد زوال العين.
وقيل: تجوز في كلّ محلّ إلاّ ما صحّ نجسه أو غلب عليه الريب. ومن صلّى على حصير فيه حزق غراب أو عذرة تحت بطنه إذا سجد فلا نقض حتّى يكون تحت قدميه أو محلّ سجوده. وجازت -قيل- على دعن وهو نوع من الحصُر ولو تُبصر الأرض من خلالها أو تتحرّك إن أمكنت عليها.
أبو المؤثر: لابأس على من سجد على بعر فأر، وجازت -قيل- على دعن أو حصير ارتفع عن الأرض لا إن كان يرتفع ويتّضع عند السجود قدر عرض إصبعين فأكثر، وقيل: إن كان يتمكّن فيه منها جازت ولو ارتفع أو اتّضع، وإن نجس وبسط عليه طاهر ولو ثوبا جازت عليه عند الأكثر.
وإن كان خلاء -قيل- في محلّ فطيِّن عليه بطين أو نحوه ثمّ جعل فوقه مصلّى
لم تجز فيه عند مفسدها بكنيف حتّى تكون عليه سترتان بينهما فرجة أو يعلو قدر خمسة عشر ذراعا لأنّه قيل: إن كان تحت مصلّ أو فوقه أو أمامه فلا تجزيه إلاّ سترتان أو فسحة قدر ما ذُكر، وإن كان أعلى منه أو أسفل أمامه بثلاثة أشبار لم تفسد عليه؛ وإن كسح وأخرج ما فيه وبقي محلّه ودُفن حتّى ارتفع وجعل فوقه مصلّى (2/24)
صفحة 547
وزال عنه (18) الكنيف أو غسل محلّه جيّدا جازت فيه، وكذا إن دُفن بما يواريه جازت فيه أيضا.
وإن لم يجد طاهرة يصلّي فيها إلاّ معطنا أو مربضا تحرّى أقلّها نجسا وصلّى إذ لا اختيار مع اضطرار، وإن استوت فروث الغنم أهون، ثمّ دروس البقر، ثمّ معاطن الإبل والخيل والبغال والحمير سواء وهي أشدّ.
وقيل: إذا صحّ النجس في بقعة منها وكان رطبا يلتصق بالمصلّي أخّر صلاته حتّى يجد ما تجوز فيه ولو فات الوقت، والمختار أنّه يصلّي قائما؛ وفي جوازها في مغصوبة لغاصبها إن وجد غيرها في الوقت قولان، وصحّت من غيره فيها إن دخلها بمباح له ولو أحدث فيها موجب ضمان لا إثم، فإن أحدث بها مؤثما انتقض به وضوؤه وفسدت، وقيل: إن كان النجس بجانب من سمة أو عن جانب المصلّي أو خلفه ثبتت صلاته عليها، وإن كان أمامه وبينهما سترة صحّت أيضا.
أبو زيّاد وابنه: لا يصلّى على منظف فيه نجس باطن. أبو عبد الله: يصلّى عليه.
وقيل: من صلّى في مرتفع فصرع عنه حتّى وقع على لحييه ثمّ قام إلى المصلّى بنى وصحّت.
[234] فصل
كُرهت على سبخة ترسخ فيها الأقدام والجبهة، ولابأس -قيل- إن لم ترسخ فيها الجبهة ولو كانت لا تثبت، وإن بسط عليها حصيرا أو نحوه جازت لا على الكعبة ولا فيها ولا في الحجر. وأجاز بعض قومنا فيها إن كان قدّامه شيء منها، ولا على صوف أو وبر كشعر وجِلْد إلاّ لضرورة حرّ أو برد، وجازت على قطن أو كتّان ولو حُشي صوفا، ولا على معدن ولو شبّا، وعلى كلّ نابت وطحلب إن يبس وتمكّن بالأرض، وعلى رطب منها إن كان لا يذهب (19) القدم، وعلى حبّ وتمر وعلى (2/25)
صفحة 548
سطح مرابط الدوابّ والمنحرة أشدّ من المجزرة وأهون من الكنيف، والمزبلة أهون من المجزرة، فمن وجد الأهون وصلّى في الأشدّ أعاد.
وفي موضع يمدّ فيه البحر ويجرز حتّى يصير أرضا قولان، والمختار الجواز ولا وجه للمنع إن أمن الماء. وجازت بالساحل إن نشف وجرز، والطين الرطب الذي لا تجوز فيه هو ما يلزق بالمصلّي وإن احتمل القيام فيه والسجود والقعود جازت فيه.
وإن سجدت امرأة على شعرها ولم يزايلها تمّت لها إن استترت به، وكذا الرجل إن انسدل شعره على محلّ سجوده لا إن كان من غيره أو بان منه بجزء.
ومن حضرته ولا وجد محلاّ إلاّ مزرعة غيره أدّاها فيها وضمن التلف بقيمة العدول إن عرف ربّها وإلاّ أنفقها، وكُرهت بطريق، وقيل: ينقضها، وجازت فيه لمضطرّ أو اتّصلت الصفوف حتّى أخذت فيه؛ وأجازها فيه ابن المسبح إن لم يكن في واد أو ممرّ حيث أريد لا إن صلّى بطريق بيّن أو في سكّة بقرية. وجازت في بيوت أهل الذمّة والمجوس فيما يرى الشمس والريح ولا نجس فيه.
أبو سعيد: من لم يجد طاهرا يصلّي عليه أومأ قائما، وقيل: للسجود بعد الركوع حتّى لا يبقى له إلاّ ما يمنعه من النجس إن أمكنه، وقيل: يسجد حيث ما كان بحاله لفقده الطهارة، وقيل: يؤخّرها كما مرّ وهو الأضعف، ولابأس بها في مجصصة، وقيل: كُرهت لإحراقه وخلط الرماد به. وجاز القيام على الصوف ونحوه والسجود على الأرض.
أبو سعيد: من سجد على غير نابت ولو حريرا بنسيان فسد عليه ولو بسجدة، وقيل: لا إلاّ بسجدتين، وقيل: لا إلاّ بالكلّ أو الأكثر. ومن سجد على ما لا تتمكّن عليه جبهته فله أن يرفع رأسه ويزيله عن محلّه.
ومن سجد على حصاة أو حصاتين فله أن يحوّل جبهته ناحية وإن صغرت الحصاة وأخذت أقلّ سجوده من جبهته، فإن كان بلا عذر وأمكنه غيره اختير إعادته وصحّت إن كان به وهو أن لا يجد سواه، وإن أخذت نصف سجوده منها أو أكثر تمّت له وإن بلا عذر، واختير له إعادته بأقلّ من النصف بلا عذر، وإن ارتفع مسجده (2/26)
صفحة 549
شبرا أو أقلّ جاز أن يسجد عليه، ولم يحدّه أبو المؤثر، وحدّه خميس بشبر إلى ذراع، وكذا على خافق بلا حدّ، ونُدب له أن يحسن في صلاته.
أبو سعيد: جازت على كلّ طاهر من بقاع و (20) نابت لا على غيره إلاّ بعذر ولو حرّا أو بردا، وإن يبس نجس بقعة جاز أن يسجد على ما بسط عليها (21) من غير النابت، ولا تجوز بناجس ولا عليه إلاّ بعذر.
وكره بعض القيام على ما لا يُسجد عليه استحبابا لا منعا، وعلى الصفا،
وقيل: تجوز إن لزق بالأرض، وثبّت منير الصفا أنقى من غيره.
ومن فرش حصيرا على عذرة يابسة فلا نقض عليه، ولا يتعمّده إلاّ بضرورة، وفسدت برطبة تتلطّخ بالحصير، وقيل: جازت على يابسة بعمد وباختيار، وقيل: لا مطلقا إلاّ لمن لم يجد غير المحلّ.
ولا يُسجد على عمامته كامرأة على خمارها إلاّ بضرورة، ويجزي وصول بعض جبهتهما الأرض إلاّ إن كانا من غير النبات. أبو الحواري: من سقطت عمامته فله أن يرجعها عن وجهه ويردّها بحالها وصحّت صلاته.
فصل
جازت على سرير ما لم يتحرّك؛ ومن سجد على دعن فكان [235] سجوده بين زورتيْن أو على زورة لم يضرّ، وقيل: لا يجزي على زورة وأجزى على زورتيْن.
وجاز على شجر وحشيش وحبّ ودقيق وورق وخوص وليف وهشيم العشب إن اجتمع، وعلى ملح وأرض ميتة الشجر (22)، وعلى صاروج وحجر وطفال إن تمكّنت الجبهة على ذلك لا إن كان ينخفض وتغوص فيه، لأنّه إن انخفض اضطرب السجود.
وجاز على ثوب مخلوط من قطن وصوف، وكذا سمة عُملت من خوص وشعر أو سيور إن غلب الخوص واستولى على أكثر الجبهة فيه. (2/27)
صفحة 550
ابن بركة: من وقع سجوده على طرف من ثوبه عزله عنه وسجد على الأرض، ولابأس بسجود على خيط من صوف أو شعر إن لم يأخذ أكثر من نصف الجبهة فيه.
جاز القيام على بساط فيه تصاوير ذوات الأرواح لا سجود عليه، ولا على رماد لأنّه في حكم النار لا الأرض.
وكُره القصد بسجوده إلى حجر بعينه بلا نقض إن فعل.
ومن سجد -قيل- على شوك أو نحوه فإن أمكنه سحب رأسه بلا رفعه فهو أحسن، وإلاّ رفعه ليتمّ سجوده، وإن ارتفع جبينه عن محلّ سجوده بعده لعذر لم تفسد، وإن كان عابثا أو لغير سجوده فسدت. (2/28)
صفحة 551
الباب الثامن
في ستر العورة وفيما تجوز به الصلاة من اللباس
فمن انكشف بعض عورته فيها وقدر على ستره وتركه فسد عليه، وقد مرّ ما في الرجل وما في المرأة والأمة من العورة، ويجب سترها (23) بما لا تظهر منه البشرة.
ونُدب للرجل أن يصلّي بقميص ورداء أو سراويل معه أو إزار لما روي: ((إذا صلّى أحدكم فليلبس ثوبيه، فإن عدمهما اتّزر)) ولا يشتمل اشتمال اليهود، فإن صلّى بواحد فالقميص أولى، فإن اتّسع فتحه بحيث تُرى منه عورته لزمه ردّه ولو بشوك، وإن لم يردّه وطرح على عنقه ثوبا جاز، وإن ضاق فتحه صلّى فيه محلول الإزار لما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم صلّى محلوله؛ والرداء أولى من الإزار وهو أولى من السراويل، وإن ضاق الإزار اتّزر به، وإن وسع اِلتحف به وخالف بين طرفيه على عاتقيه، وإن اتّزر بضيق أو صلّى بسراويل نُدب له أن يطرح على عاتقه ولو حبلا لما روي: ((لا يصلّي أحدكم بثوب ليس على عاتقه منه شيء)).
وكُره اشتمال الصمّاء وهو أن يلتحف بثوب ويخرج صدره، والاحتباء بثوب ليس على فرجه منه شيء، والسدل وهو أن يلقي طرفي الرداء من الجانبين، ولا بأس به على قميص؛ ويُكره التلثّم لمصلّ، وللمرأة التنقّب فيها، وكُرهت بثوب ذي تصاوير.
فصل
لا تجوز بثوب يلبسه ذمّي، لأنّه في حكمه احتياطا، ولا بثوب مجوسي إن طوي ولم يقمّط حتّى يُغسل.
محبوب: إذا علم غسل الثياب وغسلها جاز أن يصلّي فيها. (2/29)
صفحة 552
أبو سعيد: يؤمر المصلّي أن يزر جيب قميصه إن لم يضق، فإن ترك ففيه شدّة، وفي صلاته خلاف، وهذا إذا لم يشدّ عليه من موضع إزاره.
ومن صلّى بثوب نجس نسيانا، فقيل: يعيد مطلقا، وقيل: إن علم في الوقت، وقيل: لا يبعد أن لا يعيد لظاهر: ((عُفي عن أمّتي الخطأ والنسيان)).
ولا يصلّي بذي تصاوير من ذوات الأرواح ولو شجرا بصبغ فيه أو نسج عمدا، ولا تفسد بنسيان أو جهل، وجازت إن غيّرت وإن كان في مقدم بيت أو مسجد أعاد من صلّى فيه، وقيل: لابأس إن ارتفعت ثلاثة أشبار، ولا في بيت فيه صورة صليب وهو كالكلب فيما دون خمسة عشر ذراعا وهو أشدّ من ذوات الأرواح.
أبو علي: لابأس أن يؤمّ مُرْتَدٍ بسراويل، ومنعه هاشم، وأجازه أبو عبد الله إن كان معه رداء التحف عليه لا إن ارتدى برداء على سراويل، ولا [236] إن التحف برداء لا إزار تحته ولا سراويل، ولا يؤمّ بقميص وحده حتّى يكون أحدهما تحته وإلاّ فسدت عليهم دونه.
وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم صلّى بأصحابه في جبّة صوف بدون أحدهما، فإن كانت مضعوفة طاقتين لا شيء بينهما صارت كقميصين؛ وهل يؤمّ بها كذلك أو لا؟ فيه تردّد، وقيل: إذا ربط في معقد الإزار على القميص كان كالإزار، ولابأس بها بثوب حائض أو جنُب ولو عرق فيه إذا لم يكن به أذى.
وجازت إمامة بقميص وحده بمثله أو دونه في لباس، وقيل: ولو بأكثر منه. ومن لم يجد إلاّ حريرا صلّى به قائما وإن بجماعة كذلك، وإن وصلوا إلى (24) ثيابهم أو وجدوا ثيابا تجوز بها في الوقت أعادوها لا إن فات.
والثوب السوجي إن عمله غير ثقة أو صبي لا يتّقي النجس تجوز به، وقيل: لا، ولا بسراويل تكّته من حرير إن كان عرضها إصبعين فأكثر.
ومن وسعه أن يلبس ثوب مسلم فله أن يصلّي به. ومن نجس ثوبه وطهرت عمامته ولا تستر لازما ستره ولا أمكن غسله، فإنّه قيل: يصلّي بها ولو لم تستر إلاّ الفرجين، وقيل: يتصعّد للثوب ويصلّي بهما ويكون من فوقها لأنّه إذا ستر العورة (2/30)
صفحة 553
بطاهر لزمه أن يصلّي به وحده ويدع النجس ولو بقي صدره ومنكباه، وإن ستر الفرجين فقط صلّى قائما.
وقيل: من سقط رداؤه راكعا فله أن يتناوله كذلك ويرتدي به (25)، وإن حملته ريح إلى محلّ لا يناله فيه إلاّ بمشي اشتمل وتركه، وإن كان يناله إذا قام بدونه تناوله وارتدى به وعاد يركع. فإن رفع الإمام رأسه تبعه ولا يرجع إلى الركوع، وإن انكشف عن صدره راكعا فله أن يمسكه بإحدى يديه. وجازت بجلود مذكاة وإن مع وجود ثوب.
فصل
من لم يجد طاهرا فليطلبه وإن من امرأة ولو تستحي منه. ومن عنده نجسان أو أكثر صلّى في الأقلّ نجسا وفي الأهون إن اختُلف لا بهما ولو يمّمهما للزيادة في النجس. وفي مسّ جنب بدن مصلّ أو ثوبه هل تفسد عليه بهما أو لا أو ببدن لا ثوب؟ خلاف.
أبو سعيد: من استعار ثوبا فصلّى به ثمّ ردّه إلى ربّه فقال له: لا يصلّى به، فإن أعاره ليصلّي به لم يلزمه تصديقه وإلاّ ولا شرطها عليه به لزمه، وإن قال نجس بعد ذلك أبدل ما صلّى به.
ومن حضرته بفلاة وليس معه إلاّ ما فيه منيّ تربه إن رطب وصلّى وكبسه إن يبس مع التترّب.
أبو عبد الله عن غيره: لابأس بها في ثوب نجّسه مجوسي وإن قبْل غسله، واختير بعده.
ومن صلّى بطاهرين وعمامة نجسة فسدت عليه إن لم يكن لعذر من برد أو غيره، فإن يمّم لها وصلّى أجزا وإلاّ فالخلف. (2/31)
صفحة 554
ومن أقامها في غير طاهر ثمّ ذكر عند إحرامه فإن كبّر مضى فيها وإلاّ أعاد الإقامة.
ومن لم يمكنه ستر ركبتيه وسرّته، فقيل: يصلّي قاعدا واختير قائما ما لم يبدو الفرجان أو أحدهما.
ومن بثوبه خرق قبالة فخذه ويُرى منه، فإن كان الخرق أقلّ من ظفر فقد تمّت، وقيل: فسدت به وبالأكثر، وقيل: حتّى يخرج ربع الفخذ منه، وقيل: أكثره، وقيل: كلّه؛ واختار خميس فسادها بأكثره بلا عذر، وقيل: لابأس بخرق إلاّ إن أظهر [237] البنية كلّها، وإن كان مقابل الدبر أو خرج منه رأس الذكر فسدت به إن لم يكن فوقه ساتر كرداء، وفسدت على الإمام، لأنّه كمصلّ بواحد. ومن صلّى مشتملا ومرتديا من برد جازت له، وكُرهت بدونه.
عزّان: من اشتمل بثوب والتحف عليه بآخر تمّت له ما لم يرد به خيلاء، ولا يؤمّ بذلك. ولرجل أن يصلّي في بيته بواحد ولو عند غيره، ويُكره أن يؤمّ مشتملا إلاّ ما مرّ، ولا يدخل عليه من لبس أكثر إن أمّ بواحد.
أبو الحواري: لابأس على مصلّ مشتملا مغطّيا يسراه، وقيل: إن صلّى مشتمل بمرتدين تمّت لهم معا، وقيل: فسدت، وقيل: تتمّ لمثله، وفسد على أكثر منه. ولا يؤمّ بالغا بلا إزار.
أبو عبد الله: لا يؤمّ بقميص ورداء بلا إزار أو سراويل تحت قميص ولو قميصين أو أكثر، وأجاز غيره ذلك بدونه. أخبر الوضّاح أنّ المعلا يؤمّ بقميصين، وله أن يؤمّ بجبّة وحدها لما مرّ، وفيه دلالة على جواز الإمامة بقميص وحده. (2/32)
صفحة 555
فصل
تجوز لرجل في خزّ خالص لا خزّ وحرير وأبراسيم إلاّ في حرب أو ضرورة، ولا يصلّي في غيرها بما فيه علم حرير أكثر من عرض إصبعين، ولابأس بأقلّ، ولا يُنظر في الطول ولو في جميع الثوب.
وقد مرّ أنّ من ربط خرقة من (26) حرير على جرح أو نحوه لا نقض عليه حتّى يفضل عنه أكثر من عرضهما، ولا يصلّى بما لحامه منه ولو سدانته من قطن أو كتّان أو خزّ، ولا بجبّة بطنت بحرير، ولا بقلنسوّة حُشيت به، وقيل: لابأس بما لحامه منه، ولا بمصبوغ بزعفران (27) أو عصفور أو غيرهما، وقيل: لو أنّ رجل تكسّف بساتر ولم يشتمل ولم تبد منه عورته لكان مخطئا، ولا نقض عليه، وكذا المرأة ولو باشرت أيديهما جسدهما، وقيل: لزمهما به النقض، والمرأة أشدّ منه إلاّ إن ارتدى به كما ترتدي بجلباب وتُبرز يديها عن فخذيها، وقيل: وإن لم يفعلا وباشرهما أو جسدهما ما سوى الفرجين لا تفسد.
ابن محبوب: لابأس على مصلّ اشتمل بثوب أن يردّ طرّته على رأسه، وقيل: لا يفعله إلاّ لحرّ أو برد، ومن تسرّى بثوب لخدمة أو برد أو في سفر ويصلّي كذلك إذا حضرته جاز له إن (28) غطّى صدره ومنكبيه، وإن لم يحلّ تسرّيه، وإن التحف عليه بثوب وصلَّى (29) جازت له، وإن ارتخى لحافه على ما عليه فله أن يرفعه إليه ولو لم يظهر بعض بدنه، وهذا كقميص إن التحف عليه ثمّ وقع ثوبه فله ردّه بحاله، وإن التحف بثوب على آخر لبرد واسترخى الأعلى في صلاته فله رفعه أو تركه، ومن كان عليه فيها قميص ورداء فيسقط تركه، ومضى فيها إن لم يخف ذهابه وإلاّ ذهب إليه إن تباعد عنه واستأنفها، وإن كان عليه إزار ورداء فسقط أخذه وردّه ومضى فيها، وإن اشتمل على إزاره ولم يأخذ رداءه فلا عليه. (2/33)
صفحة 556
فصل
نُهي عن تذييل الإزار لا القميص إلاّ إن كان خيلاء، وما عدا الكعبين من إزار الرجل، وما عداهما ممّا على من (30) النساء في النار، وجاز إرخاؤه على القدمين خوفا من برد أو ناموس، ومن جعل يده تحت ثوبه على فخذه فيها أساء إن لم يكن فوق ساتر؛ ويؤمر أن يضع على منكبه طرّة من ثوبه ويلويها على الآخر، ويضع الأخرى على صدره أو تحت بطنه أو عليه، فإن انكشف صدره من الثوب فلم يردّه حتّى جاوز حدّا فسدت صلاته لا إن ردّه قبل أن يجاوزه إذا تمّ الحدّ وهو لابس ولو بتسبيحة، وكان صلّى الله عليه وسلّم يصلّي في شعار نسائه ولحافهنّ، ويُكره له أن يصلّي بإزار أجنبية بلا نقض.
ومن شكّ في نجس بدنه وتعذّر الماء فاتّزر بنجس وبطاهر فوقه لم تتمّ صلاته إلاّ إن كان إذا [238] لبس الطاهر نجس أكثر ممّا لبسه أو مثله، فليس النجس وقاية له وجعله لباس صلاته اختير تمامها.
ومن طال ثوبه وفيما على الأرض منه نجس وما عليه منه طاهر، قال أبو سعيد: لا يجزيه إن أمكنه غيره، وقيل: له أن يصلّي به إن بان عنه محلّ النجس منه والأوّل أصحّ.
ومن حضرته بمحلّ لا يجد فيه ثوبا فدخل فيها ثمّ وجده استأنفها به إن (31) يخف فوتا وإلاّ بنى وأتمّ به إن كان يتمّها في الوقت، وإلاّ أبدلها به.
ومن عنده طاهر يستر عورته فقط ونجس يستر الكلّ صلّى بالطاهر، وقيل: يتصعّد للنجس ويستر ما بقي به وإن كانا عند رجلين، كلّ منهما تفرَّد (32) بواحد، فليصلّيا معا بالطاهر واحدا بعد واحد ولا نقض إن صلى أحدهما بالآخر، لأنّ كلاّ منهما معذور، ولكلّ منهما ما يرجّح إمامته.
وفي جوازها بمغصوب كأرض قولان عندنا كما مرّ. (2/34)
صفحة 557
ويصلّى بثياب الموحّدين إلاّ من عُرف أنّه لا يحاذر النجس، وقيل: إنّما تجوز بثوب الوليّ، وقيل: مطلقا إلاّ ما صحّ نجسه.
ومن اختلفت نجاسة أثوابه بدم ومنيّ وبول وعذرة فليصلّ بما فيه الدم إن لم يسفح، وإلاّ فبما فيه المنيّ ثمّ بما فيه البول ثمّ بما فيه العذرة ثمّ بما فيه المسفوح؛ وإن اجتمعت في واحد (33) صلّى به إن لم يجد غيره بالتصعّد له.
أبو المؤثر: ثوب الحرير أحبّ إليّ من النجس إلاّ إن كان بدم أقلّ من درهم أو ببول رضيع فهو أولى، وقيل: يقدّم ما فيه غير مسفوح مطلقا، وقيل: إن كان أقلّ من درهم ثمّ ثوب كتابيّ إن لم يعلم نجسه، وقيل: هو أولى منه.
وماء ولغ فيه كلب أشدّ ممّا ولغ فيه غيره.
أبو المؤثر: بول الغنم أهون من بول الإبل، ثمّ بول غيرها، ثمّ قيء آكل الطعام من آدميّ وهو والقلس من صبي وغيره سواء إن خرج من جوفه ولو ماء، وخبث السباع سواء، ثمّ من دجاج ونعامة.
أبو المؤثر: حزق النعام الأهلي أهون من خبث السباع وهو أهون من الدجاج، ولا أرى بخبث الوحشي بأسا، وقيل: الدجاج أهون من السباع، ويصلّى -قيل- بطرحه إن صين وجلد الخنزير عنده إن دُبغ كمدبوغ ميتة، وجلد سبُع مذكّى إن دُبغ قبل مدبوغها (34) وهو خير من الكلب، وقد مرّ كلّ ذلك.
وجلد سبُع مذكّى وإن لم يُدبغ قبل الثياب النجسة، ومدبوغها قبل جلده غير مدبوغ، وميّت القمّل والضفدع والخارج منهما وبول الفأر والوزغ، وسؤر الحيّة والخارج منها أهون من غير المسفوح وإن قلّ ومن بول الرضيع، وأهون الكلّ بعر الفأر ثمّ الضفدع ثمّ بعر الوزغ، وتوقّف فيه أبو المؤثر، وعند غيره طاهر كبعر الفأر والضفدع عنده، وحزق الحمام مطلقا أهون من كلّ ما ذكر.
والنجس بهدب الثوب ولو طال كوسطه وطرفه وما يصل منه الأرض، ولا ينال جسده أهون الكلّ إلاّ مدبوغ سبع مذكّى. ولا يؤمّ من ثوبه ذلك إلاّ من دونه أو مثله. (2/35)
صفحة 558
الباب التاسع
فيمن [239] تبدو عورته في الصلاة
فيعيد ولا تتمّ ممّن انكشفت منه بالأرض انكشافها بالسماء، فإن انكشف ثوبه عن ركبتيه أو عن إحداهما عند سجوده ووقعت بالأرض فله أن يسوّيه تحتها بيده ولا نقض عليه، وهل تفسد إن ترك أم لا إن جهل؟ قولان؛ فمن جعلها عورة أفسدها بالعمد، وقيل: تغطية الوجه فيها أشدّ من إظهار السرّة، والركبة أشدّ منها عند الأكثر.
ومن بدا من فخذه أو نحوه قدر درهم في جميع صلاته فسدت -قيل- لا إن بأقلّ منه، وإن كان يبدو من الخرق حينا وحينا لا يبدو فلا نقض عليه ما لم يقض على ذلك حدّا.
وإن صغرت الخرق بحيث إذا جُمعت صارت كالدرهم فلا بأس، وتقدّمَ أنّ من رأى بثوبه قذرا ولا يدري متى ناله، يعيد يوما وليلة، والمختار آخر صلاة به، فإن رأى فيه دما أقلّ من ظفر فنسي غسله فصلّى به أعادها، وقال هاشم: لا. فإن صلّى ورآه ولو يابسا وأمكن حدوثه بعد التحيّات لم يضرّ، وإن لم يمكن ذلك أعادها، وإن لم يعرف من أيّ الدماء هو، وكان كالظفر إذا اجتمع أبدل أيضا، وتوقّف ابن علي في أقلّ منه، ولم يجعل الجسد كالثوب، واختير سواء.
ومن نسي دما بأحدهما حتّى صلّى ثمّ ذكره بعد الوقت فتوانا ولم يبدل فيه لم يلزمه غير البدن، والتعجيل خير. وإن أخّره عن وقت تجوز فيه بلا عذر أثِم، وقيل: لا (35) وقد قصّر.
أبو سعيد: من توضّأ بنجس أو كان بثوبه نجس وصلّى أعاد متى علم أو ذكر ولو بعد الوقت، وقيل: لا إن فات. ومن صلّى قبله بلا عذر في غيم أو سفر أو جهلا أو نسيانا لم تجزه إن بان أنّه صلّى قبله، ويعيد ولو بعده إن بان له بعده، ومن لزمه (2/36)
صفحة 559
البدل ولم يعلمه لأيّ صلاة أبدل يوما وليلة احتياطا. وقيل: إن أبدل الفجر والمغرب وأربع ركعات ينوي بها الثلاثة الأخرى أجزاه، والمختار الأوّل.
فصل
لا يعيد المجنون ما فاته، وعند الأكثر.
وهل يبدل الصبي ما ترك من صلاة وصوم بعد أن عقل وأطاق أو لا؟ ما لم يبلغ وعليه الأكثر خلاف.
ويبدلهما السكران اتّفاقا وتلزمه الكفّارة عند الأكثر، وقيل: لا، وقيل: إن شرب وقت الصلاة أو عند إقباله حتّى سكر وفات لزمته، لا إن شرب قبله؛ والصوم مثلها إن أكل أو شرب أو جامع ولو سكرانا، ولزمه بدل ما سكر فيه وإن بلا أكل وغيره لأنّه لا ينعقد مع سكره، ولا صلاة معه.
وإن أصبح المجنون صائما اختير له أن يبدل، والأصحّ في المرتدّ عدمه، لأنّ الردّة ناقضة للجملة ولأنّه لو حجّ قبلها (36) لم يلزمه بدله.
ومن لزمه بدل صلاتين فأبدل الأخيرة أوّلا لم ينفعه بدله.
ومن ترك بدلا لزمه حتّى احتضر فله أن يبدل ولو بتكبير، ولا عليه إن مات قبله سوى التوبة، وقيل: يوصي به.
أبو عبد الله: من علم أنّ عليه بدلا فصلّى الحاضرة فإن سأل وقتها أمر بالفائتة قبلها، وإن سأل بعده أعاد البدل لا ما صلّى ذاكرا له.
ومن عليه بدل صلوات ذاكرا له وتركه حتّى صلّى أخر (37) أبدل الأوّلات ثمّ الأواخر، وقيل: لا يعيدها (38) إذا صلاّها إذ لم يُخاطب بها في ذلك الوقت، فإن أخّره لم تلزمه فيه إلاّ التوبة وقد أتى بالصلاة وقتها.
أبو علي: لو أخّر الفائتة زمانا فلا عليه ولو طال. ومن حضرته صلاة وعليه بدل أخرى أبدل الفائتة ولو تفوته الحاضرة، فإن لم يذكر حتّى صلاّها، فليصلّ الفائتة (2/37)
صفحة 560
ثمّ يعيدها، وقيل: لا، وقيل: ولو ذكر وقت الصلاة فله أن يصلّي الحاضرة ثمّ الفائتة إن فات وقتها، لأنّها كالديْن عليه، وقيل: إن ذكر قبل الدخول في الحاضرة فإنّه يصلّي الفائتة أوّلا، وإن ذكر بعده أتمّها ثمّ الفائتة، وقيل: إن ذكر قبله صلّى الفائتة إن لم يخف فوت الحاضرة، وهو الأوسط، فإذا [240] خافه بدأ بها، وكذا يصلّي الفائتة ما لم يدخل فيها، ويتمّها إن دخل فيها.
فصل
من لزمه بدل متتابعات بدأها على الترتيب، وإلاّ لم يجزه. ومن نسي صلاة حتّى فات وقتها صلاّها حين ذكرها، ولا يُعذر إن أخّر مع الإمكان، وتلزمه الكفّارة، وقيل: متى شاء كالمنتقضة لفوت الوقت، وكذا إن صلّى مريض بثوب جنب أو قاعدا وكان من يجد من يصلّي بتكبير أو خائف على دابّته أو ماشيا، أو صلاة حرب أو مسايفة خمس تكبيرات، ثمّ ذكر بعد صحّته أو أمنه أبدل قائما تماما إلاّ ما صلّى بسفر، فإنّه يبدله قصرا ولو في الحضر.
ومن نسي سفرية فذكرها في حضر أبدلها تماما، وقيل: قصرا، وله أن يصلّيها في مقام إلاّ إن ضعف.
ومن فسدت عليه حضرية أبدلها حضرية كعكسه، وقيل: من نام عن صلاة أو نسيها أو تعمّد نقضها وفات الوقت ثمّ ذكر أو انتبه أو تاب، فقيل: عليه البدل وإن بتوان، لا الكفّارة، وهلك إن مات قبله، وعندي (39) تلزمه في العمد.
ولمبدل منسية أن يصلّيها وإن (40) جماعة، ولا يؤمّ بها غيره.
وفي لزوم وصية بالبدل خلاف. (2/38)
صفحة 561
ومن ذكر فائتة أو منتقضة وقد قام لغيرها بدأ بها إن وسع الوقت ما لم يدخل فيها، وقيل: ما لم يتمّها، وقيل: ولو أتمّها يعيدها بعد الفائتة، وقد مرّ ذلك، وإن فات وقتها ثمّ ذكر الفائتة فإنّه يصلّيها (41).
ومن قام لوضوء عند الأسفار متمهّلا فتوضّأ وبدأ بركعتي الفجر فأشرقت الشمس وقد قصّر لزمته الكفّارة، واختار خميس كغيرنا أن لا تلزمه، وعليه التوبة. (2/39)
صفحة 562
الباب العاشر
فيما تجوز به الصلاة من الحليِّ
وتُكره وإن لنساء بحليّ حديد أو صفر أو رصاص ونحوها بلا فساد، وقيل: به إذا علم بالكراهية وتعمّد خلافهم، وجازت بملويّ عليه ذهب لهنّ أو فضّة ولو للرجال، وفسدت على رجل تختّم بذهب لا إن حمله؛ وإن خلط في خاتم فالحكم للأغلب، واختير إن كان فيه من الذهب قدر الظفر أو الدرهم تفسد عليه إن صلّى به. ونُهي عن التختّم بحديد أو صفر، وللرجل -قيل- أن يصلّي ولو في أذنيه قرط من ذهب وفي يديه دملوج منه، وكذا في عنقه ورجله أو في ثوبه حاملا له، ولا يفسد ذلك عليه، وإنّما يفسد الخاتم لأنّه من حليّه لا ما ذكر إذ لا يتحلّى بحليّ المرأة إلاّ في سفر إن كان عنده وحضرته الصلاة وخاف ضياعه فله أن يعلّقه فيما ذُكر إن لم يشغله عنها لأنّه إنّما نوى الحفظ له لا الزينة به.
ابن محبوب: من صلّى وبيده سوار من ذهب يخاف ذهابه فإن وضعه موضعه أعاد صلاته لا إن كان في إزاره أو ممسكا له. ومن حمل ذهبا في حجره كرصاص أو حديد أو صفر فله أن يصلّي به لا إن تحلّى به أو تزيّن، وهو الأصحّ، ومن صلّى بذلك بعد علمه بالكراهة أعاد.
أبو عبد الله: كُره للرجال والنساء أن يصلّوا بحلي من كصفر أو حديد بلا فساد، ولا ينبغي أن يلبس ويصلّى به، ولا خلاف في فسادها بالذهب إن كان يمسّ بدن الرجل، ولا في جوازه للنساء، وتأمّل هذا الاِتّفاق مع ما تقدّم. (2/40)
صفحة 563
ومن صلّى بحليهنّ بلا ضرورة اختير إعادته وأثم، وقيل: لا يعيد وإن أثم. وإن تحلّت مدية بذهب ولبسها متحلّيا بها لم تجز صلاته، وصحّت إن نوى حفظا له لا تحلّيا به إن لم يمكنه إلاّ ذلك، وكذا السيف.
ومن تختّم بذهب وصلّى به لزمته التوبة والإعادة وإن لوضوئه إذ لبس محرّما عليه. وكُره جعل ذهب وفضّة على مصحف، ولبس الصبيان والدواب (42) الخلاخل. (2/41)
صفحة 564
الباب الحادي عشر
في الأذان والإقامة
ولا يُردّ -قيل- دعاء بينهما. وجب الأذان في المساجد للجماعات إجماعا للمفروضات إلاّ من لا يعتدّ بخلافه كالرافضة والشيعة.
أبو سعيد: لم يقل أحد منّا إنّه فرض، وإنّما هو واجب وجوب السنن للإعلام بالاجتماع [241] لأداء الفرض؛ ولو أنّ مؤذّنا نام عن صلاة حتّى فات وقتها ولزمته فالأحسن له (43) أن يؤذّن جهرا ولو بعد الفوت. والأذان في الجمع بسفر واحد مع إقامتين.
وفي أذان العبد والصبي وإقامتهما خلاف تقدّم. والعبد أجوز منه، وكذا الأعمى.
وفي الكلام فيهما بغيرهما شدّة ورخصة، واختير إعادتها به لا الأذان، ولابأس به قعودا لعذر، وحسن أن يؤذّن غيره إلاّ إن كان أذانه قاعدا أبلغ منه قائما، وكذا الإقامة.
وإن تركته جماعة بسفر قصّروا بلا إعادة إلاّ في صلاة الصبح فإنّ بعضا ألزم إعادتها، وبعض لا يراها وهو المختار، وإن تركوه حين يسمعونه في قرية أو حيث كان للجماعة لصبح أو غيره اختير عدم الإعادة له وإن في حضر، والأكثر على إعادة الإقامة إن تركت عمدا وإن لفذّ.
وجازت من غير المؤذّن ولا يقعد لها إلاّ لعذر.
وفي وجوبها على النساء قولان، ولا يلزمهنّ الأذان كالجماعة. ونُدب وإن في المنزل لفذّ وإن كان حيث يسمعه والإقامة فله أن يترك الجماعة لعذر، والأكثر على اللزوم، وإن كان فيما لا يسمعهما أو أحدهما فالأكثر على الإعادة إن تعمّد ترك الإقامة. (2/42)
صفحة 565
وفي أخذ الأجرة على الأذان -قيل- لا يجوز على طاعة، وقيل: لا بأس به على الوسيلة وقد مرّ، وحرمت على ما لزم القيام به، وعلى أخذها عليه أو على المعصية التوبة والردّ، وإن كان في بيت المال فضل، فأجر الإمام على المسلمين مصالح قيام الإسلام إعانة على ضعفهم فلابأس به ولو على أذان أو غيره، لأنّ فضله بعد إقامة الدولة مصروف في مصالح توجب إقامة الحقّ وإماتة الباطل.
فصل
اختلف في الأذان بتحرّي في غيم، فقيل: جائز لأنّه ليس بأشدّ من الصلاة، وقيل: لا لأنّه يدلّ على الوقت مع عدم العلم به، واتّفقوا على أن لا أذان ولا إقامة في نفل، وعلى أنّ من أدرك الجماعة أو بعضها لا يلزمانه، والجمهور على أنّ المؤذّنين حجّة في الأوقات، فيجوز تقليدهم فيها، وقيل: بمنعه لأنّ الفرض لا يؤدَّى إلاّ بيقين، ويعيد من أذّن قبلها، ونُدب أوّلها.
أبو سعيد: يستحبّ بينه وبين الإقامة ركعتان أو قعدة أو ثلاث تسبيحات إلاّ المغرب فلا قعود فيه ولا انتظار، وعندي أنّ ذلك للفذّ، وأمّا الجماعة فهو كغيره في الانتظار.
وإن كان المؤذّن غير ثقة أقام الإمام ولا يسع تركها عمدا في سفر، وفي الحضر خلاف، وقيل: فيه بالإعادة حيث لا تسع، وتُعاد إن نُسيت، وقيل: لا. وكُره الكلام بعدها بغير الذكر؛ وتُعاد -قيل- به إن لم يكن في شأن الصلاة، وقيل: لا مطلقا، وعليه الأكثر، وقيل: ما استقبل، وقيل: لا نقض عليه إن أدبر، وكُره إلاّ لعذر.
محبوب: من تكلّم في الإقامة أعادها، ويُنهى عن ردّ السلام بعد الشروع فيها، ولا تنتقض به، وهي كالتوجيه في الخلاف، وفي بعض الأمور أوكد. ومن تركها مدّة جهلا بها فلا يعيدها، ويستقبل بها ما يأتي.
وإن أقامها جنب وصلّى القوم به تمّت صلاتهم. (2/43)
صفحة 566
أبو معاوية: من تعمّد تركها أعاد صلاته، وقيل: لا، وكذا إن نسيها. ومن دخل المسجد والصفوف لم تنتقض أجزته إقامتهم، وقيل: ما لم يخرجوا منه، واختير له أن يقيم ما لم يدخل على الإمام وهي مثنى مثنى كالأذان.
ونُدب الجزم فيها، وهل هو الوقوف على السكون وعليه الأكثر؟ أو هو ترك المدّ والتطويل؟ قولان.
وقيل: أوّل من أفردها معاوية حين كبّر، ولا نقض على من نسي بعضها. وإن ذكره قبل أن يصلّي أعادها وحدها.
وتجزي -قيل- مصلّيا بها إن استمعها من مؤذّن من منزله، ويؤمر بالقيام عندها، ولا يضرّ القعود، فإذا قال: قد قامت الصلاة قاموا وصفّوا إن حضر الإمام، وإلاّ فحتّى يقوم.
ومن فسدت صلاته وأراد إعادتها مكانه اختير له أن يقيم ويقطع صلاته من بالمسجد حين تُقام لما روي: «إذا أُقيمت الصلاة فلا صلاة إلاّ المكتوبة».
وقيل: إقامتها تكبيرة الإحرام. (2/44)
صفحة 567
الباب الثاني عشر
في التوجيه والإقامة أيضًا
فالأكثر أنّه سنّة، وقيل: فريضة، ويعيد من تعمّد تركه، وقيل: لا.
موسى: لا يعيد من نسيهما إلاّ إن كان في فلاة، ولا يسجد للسهو.
عزّان: لا _أرى عليه بدلا فيهما ولا في غيرهما ولو تعمّد تركهما [242]، والمختار الإعادة في العمد دون النسيان.
ومن ذكر توجيه إبراهيم وترك توجيه محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- وعلى الجميع لم يجزه، وعكسه يجزيه، والجمع بينهما أفضل.
عزّان: من خاف أن تسبقه الجماعة إذا أتمّه فقال: سبحانك اللهمّ الخ، ثمّ أحرم وركع معهم أجزاه. ومن انصرف من نفل إلى فرض وقد وجّه أوّلا أجزاه أيضا إن لم يتكلّم، وكذا إن صلّى الفرض وقام للوتر.
ابن محبوب: يوجّه له مطلقا لاستقلاله، وقال: من وجّه للفرض جالسا بلا علّة ثمّ قام فأحرم وصلّى تمّت صلاته؛ والمعمول به أنّه قبل الإحرام لا بعده، ولا نقض بترك كلمتين منه. ومن شكّ فيه بعده فلا يرجع إليه كما مرّ. وجاز لامرأة أن تقول (44) حنيفا أو حنيفة، وبعض أنكر امرأة حنيفة.
ابن علي: يقول (45) فيه حنيفا مسلما، وأهل عمان يقدّمون توجيه محمّد على توجيه إبراهيم، وأهل المغرب كأهل نفوسة يعكسون.
وإن أقام المؤذّن على ظهر مسجد أو رأس منارة جاز لمن يصلّي بإقامته.
ومن شكّ في صلاته فنقضها، فقيل: يعيد الإقامة، وقيل: لا، وقيل: إن نقضها بعد الدخول فيها أعادها والتوجيه أيضا، وقيل: هو لا هي لأنّه موقف واحد، وقيل: الإحرام فقط لأنّه أقام ووجّه وفعلهما إن فرغ منها. (2/45)
صفحة 568
أبو علي: ما أقيمت إلاّ قالت الملائكة: يابني آدم قوموا إلى ناركم فأطفئوها بصلاتكم، فيقوم المأموم عند «حيَّ على الصلاة»، وقيل: عند «قد قامت الصلاة»، وجازت وإن سرّا.
وقيل: من أتى من مشرق المسجد فدخله وجَّه ماشيا مستقبلا إن خاف السبق، وإن أتاه من غير صرف وجهه نحو القبلة ووجه، فإن سبق على المقام قام في غيره ولا عليه إن وجّه إليها.
ومن أمسك عنه بعدها ساعة لم تفسد صلاته، ويؤمر بترك ذلك. وإن قعد من عرف الساعات ساعة أو تطاول ساكتا واقفا اختير إعادته لهما إن لم يصلّ على ذلك. ومن أحرم قبل التوجيه جاهلا أبدل، وقيل: لا لأنّ بعضا يُنزله منزلة الناسي في خطابه فيها. ومن أقامها -قيل- لظهر قبل الزوال وأحرم بعده جازت صلاته. (2/46)
صفحة 569
الباب الثالث عشر
في تكبيرة الإحرام والاستعاذة
وتسمّى أيضا تكبيرة الافتتاح (46)، فأوّل من قال: الله أكبر إبراهيم -عليه السلام- حين أراد ذبح ولده، فأُمر به نبيّنا محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- في إحرامه في الصلاة ليُعطى فضيلة ذلك، وهي فرض.
أبو سعيد: لا يجوز الإحرام إلاّ بالتكبير لمن يحسنه ويقدر عليه، وإلاّ لم يكلّف ما لا يطيق، فأقرب ما يقوله: «لا إلاه إلاّ الله»، أو «الله أجلّ»، أو «الله أعظم»؛ وبالعربية لقادر عليها، وإلاّ لم يُكلّفه أيضا إلاّ القرآن فلا يقرأ إلاّ بها.
ويعيد من نسي التكبيرة، وقيل: لا. ومن كبّرها مريدا بها الإحرام وركع بها اختار خميس تمام صلاته إلاّ على ما قيل: من ترك تكبيرة من صلاته ولو نسيانا فسدت عليه، وإن أرادهما بها معا لم يثبت له واحد منهما، وإن أراد بها الركوع فسدت عندنا أيضا لأنّه لا يكون إلاّ بعد الإحرام، فمن تركه بها ولو ناسيا فسدت عليه.
ومن صلّى بصلاة الإمام وكبّرها قبله فسدت عليه أيضا إن لم يهملها ويكبّر أخرى بعده.
ابن محبوب: من أحرم بـ:"الله أجلّ" أو "أعظم" بدل "أكبر" خيف عليه النقض لمخالفته السنّة، وقيل لا، ولا يعاوده (47).
ومن لم يسمعها أذنيه فلا عليه إن كبّر، وإسماعهما أفضل كذا عن هشام. وقد مرّ أنّ من شكّ فيها بعد أن جاوزها إلى حدّ ثالث لا يرجع إليها، وقيل: يرجع ولو كان في التحيّات الأخيرة إذ لا يخرج من الصلاة إلاّ بيقين من أدائها وابتداء من أوّلها. وقيل: إن شكّ فيها بعد أن دخل في الاستعاذة فقد تمّت له.
ابن محبوب: إن رجع فقد قرب موضعه، وإن مضى تمّت صلاته. (2/47)
صفحة 570
عزّان: من أقام ووجّه وأحرم واستعاذ وقرأ ثمّ شكّ في التوجيه فرجع فأتمّه فأحرم ولم ينو إهمال الأوّل وإنّما نوى إتمام الآخر تمّت له أيضا.
أبو المؤثر: لو كبّر مصلّ للإحرام أكثر من واحدة لكانت الأخيرة تكبيرته، ولا نقض لصلاته، وقيل: إن [243] رجع في تكبيرة الإحرام في التثبّت لها أو الشكّ فيها فتكبيرته الأولى، وإن كبّر أكثر منها على إهمال الأولى فالأخيرة تكبيرته.
الوضوح (48): من صلّى بقوم ونسي الإجهار بالإحرام، فإن كبّروا مِن خلفه أرجو أن لا نقض عليه، قال خميس: وليُنظر في هذا لأنّه لا يدري أكبّروا قبله أم (49) بعده. وإن شكّ أكبّر أم لا وقد كبّر من خلفه، فكبّر ثانية دونهم فأتمّوا صلاتهم، فإن نوى الثانية وأهمل الأولى تمّت صلاته دونهم.
فصل
ندب مدّ تكبيرة الإحرام وتكبير العيدين والجنائز ليسمع من خلف الإمام، وكُره لهم أن يكبّروا حتّى يقطع التكبير لأنّهم تابعون له، فإذا وصل الراء ابتدؤوا.
أبوعبد الله: من كبّر الإحرام قاعدا مع الإمام فلا يجزيه حتّى يعيده قائما، ومن سبقه به سهوا أو نسيانا ثمّ ذكر (50) بعد أن كبّر الإمام ولم يُعد حتّى أتمّ معه فإنّه يعيد، وإن كبّر وقرأ قبله أعاد التوجيه والإحرام، وقيل: الإحرام فقط ما لم يدخل في الركوع، وإن ذكر بعده أعادها بالإقامة والتوجيه، وإن ذكر قارئا رجع إلى الإحرام فقط. والمُسمع للتكبير مجهرا به تتمّ صلاته، وكذا في العيدين لكنّه غير معمول به عندنا.
أبو الحسن: من أحرم بـ"الله أجلّ" و"أعظم" أو "الكبير"، فقيل: تفسد به.
ومن جهل التكبير أو القراءة فيصلّي بدون ذلك، فقيل: عليه البدل والكفّارة، وقيل: لا واحد منهما، وقيل: عليه البدل فقط. (2/48)
صفحة 571
والاستعاذة -قيل- فرض، وقيل: سنّة فمن تعمّد تركها، فقيل: تتمّ صلاته، وقيل: لا وهو المختار، وعكس ذلك في النسيان.
وإن ذكرها ناس قبل خروجه من صلاته، فقيل: لا يلزمه قولها بعد أن جاوزها، وقيل: يقولها حيث ذكرها، وقيل: إلاّ إن كان راكعا أو ساجدا، واختير أن تقال عند بقاء بعض القراءة، ولابأس إن لم يقلها ناس لها.
والمفسد للصلاة بنسيان يقول إذا ذكرها في قراءة يرجع إليها ثمّ يقرأ، فإن نسي حتّى ركع فسدت عليه، وقيل: لا تفسد بنسيانها، فإن ذكرها قبل التمام استعاذ حيث كان ولو في التاحيّات (51)، ولا تفسد إن لم يفعل، والأكثر على أنّها بعد الإحرام، ولا ضير قبله، ويسرّ بها، ولا تفسد إن أسمع أذنيه، والمختار أنّها في أوّل ركعة، وقيل: في كلّ، وبعض لا يراها خلف الإمام.
وقيل: من جهر بها بعد الإحرام لا لدفع شكّ يعتريه فسدت صلاته، وقيل: من نسيها والتكبيرَ و"سمع الله لمن حمده" ثمّ ذكرهنّ في غير محلّهنّ أعادهنّ بالترتيب، وإن لم يستعذ الإمام نسيانا ثمّ ذكر في قراءة السورة استعاذ سرّا حيث ذكر. (2/49)
صفحة 572
الباب الرابع عشر
في التسمية والقراءة
فإذا استعاذ المصلّي بدأ بها، وهي آية من أوّل كلّ سورة ذكرت فيها أوّلا، ويجهر مع السورة، ويسرّ بها مع عدمها.
أبو عبد الله: لا نقض على ناسيها؛ و (52) من نسيها في الفاتحة وذكرها قبل أن يصير إلى الحدّ الثالث رجع إليها ثمّ يقرأ، وقيل: إن نسيها عند افتتاح السورة فسدت صلاته، وإن تعمّد تركها عندها بعد الفاتحة فلا إعادة عليه.
ومن قرأ آية الكرسيّ فيها فلا يقرأها فيها، فإن تعمّدها فيها خيف عليه النقض، وإن نسي أو ظنّها جائزة فيها، قال خميس: لا أتقدّم على فسادها ولا يتعمّد فعلها، وقد قرأها صلّى الله عليه وسلّم والخليفتان بعده حتّى ماتوا.
ابن بركة: لا يقرأ المأموم مع الإمام سوى (53) الفاتحة، ولا نقض على من نسي بعضها إلاّ إن كان أكثرها، وفسدت إن تعمّد ولو بأقلّ.
أبو نوح: من لم تسمع أذناه قراءته في الفرض فليس بمصيب، ويجزي الأصمّ تحريك لسانه بها، ولا تُقرأ في [244] النهار سورة، ولا في الأخيرة من المغرب والأخيرتين من العشاء.
ومن تركها أو قدرها في محلّها أعاد ولو ناسيا.
ومن عجز عن القراءة بالعربية، فقيل: يسبّح مكانها ويجتهد في تعلّمها، وقيل: قراءته وإن بالفارسية أولى من التسبيح، وله -قيل- أن يردّد آية أو آيتين، ويجزيه عن القراءة وأن يقرأ السورة ولو أكثر من مرّة في ركعة.
ولا يجوز تكرير الفاتحة ولا التحيّات في محلّها، ومن فعله ظنّا جوازه فسدت صلاته، وقيل: لا والناسي أهون وأقرب إلى الجواز. وجاز الترديد على التثبُّت، وقد (2/50)
صفحة 573
فُرّق بين تكرير (54) الفاتحة والتاحيّات وبين القراءة لأنّهما لا يجزي محلّهما غيرهما، ولا زيادة أو نقض فيهما بخلافهما فإنّه يجزي بعضها عن بعض.
أبو المؤثر: من أحرم خلف الإمام فيما يُجهر فيه فنوى أن يُسمع القراءة فاستمع من السورة ما تيسّر ثمّ بدا له فعاد إلى الفاتحة فقرأها، قال: أكره هذا ولا أفسد به الصلاة ولو سبقه الإمام بركعة أو أكثر، ولا يؤمر أن يجهر إلاّ بقدر ما يسمع من خلفه، ولا نقض إن زاد إلاّ ما قيل في الفجر أنّه يجوز فيه أكثر من غيره.
ولا يقرأ المأموم غير الفاتحة، ونُدب له أن يفرغ منها قبل الإمام ليستمع له، فإن فرغ منها ودخل في السورة فأمسك هو عن الفاتحة واستمع لم يضره، فإن قرأ نهارا بعضها ثمّ ركع فليركع معه.
ابن محبوب: لا نقض على من لم يقرأها خلفه، ولا يرى ذلك غيره ويوجد عنه، قال خميس: إنّ من تركها في الأوّليتين من الظهر والعصر أو في محلّ يُجهر فيه الإمام عمدا فسدت صلاته وأنّه يركع معه ولو لم يفرغ من الفاتحة. وقال غيره: لابأس عليه ولو لم يقرأها.
ومن أخذ بما قيل: من أدرك الركوع فقد أدرك ولو لم يقرأ، وفي التاحيّات الأخيرة فلا يستدرك القراءة.
وقيل: من لم يدرك آية تامّة في الجهر أبدل القراءة بعد تسليم الإمام، وإن لم يفعل أبدل صلاته، ومن لا يعرف الآيات وسمع منه بعض القراءة فلا (55) عليه حتّى يعلم أنّ ما أدرك أقلّ من آية. أبو زيّاد: لا نقض على من لم يدركها ولم يُعد القراءة، ولا على من سبّح بعد الفاتحة. (2/51)
صفحة 574
فصل
اختلف فيمن قرأ نهارا مع الفاتحة سورة، فقيل: لا يعيد ويسجد للوهم، وقيل: لا وهم في القراءة نسيانا، وقيل: ثابت في الأخيرتين لا في الأوّليتين، وقيل: يعيد إن ذكر في الوقت لا إن علم بعده.
وقيل: إن قرأ في أكثر الصلاة أعاد في الوقت، وقيل: في أكثر من ركعة، وقيل: جاءت السنّة بعدم القراءة فيها، ولا يجوز خلافها ولو بنسيان، ويعيد إن قرأ في أكثر من ركعة، وندب في الوتر تامّة وهي سورة الإخلاص، وكذا بعد الفراغ من القراءة في الأخيرة من الفجر.
وفي فساد الصلاة على من تعمّد السورة خلف الإمام قولان، وقيل: كلّ ما ثبتت فيه القراءة مع الفاتحة فتركت انتقضت، لا إن قرأ معها ولو آية والبسملة آية، وقيل: لا. وجاز أكثر من سورة إن وسع الوقت، والسورة في ركعتين.
ابن علي: يقرأ في الغداة من أوّل المفصّل، وفي العتمة منها إلى والليل، وفي المغرب من والضحى إلى آخر المفصّل، ولا حدّ في ذلك وقد مرّ.
ولا يعيد قارئ قبل الإمام. ومن ذكر أنّه سبقه وقف حتّى يجاوزه وبنى.
ومن نسي السورة بمحلّها فركع فأتمّ الركوع فذكرها رجع إليها وقرأها ثمّ يركع ولا يُعتدّ بالأوّل، وقيل: يعتدّ به ولا يضيّع، وقيل: تفسد صلاته إذا تعدّى من حدّ إلى حدّ، فإن نسي القراءة حتّى دخل في السجود أعاد صلاته ومالم يدخل فيه يقوم ويقرأ ويركع ويسجد، وقيل: ما لم يجاوز ركعة تامّة فله أن يرجع إلى ما نسي ويبني، وقيل: إن نسي الحدّ الأوّل حتّى دخل في الثاني أعادها، وهو أن يدع القراءة ويركع أو الركوع ويسجد، وقيل: حتّى يتعدّى إلى الثالث، وقيل: حتّى [245] يزيد ركعة. (2/52)
صفحة 575
أبو المؤثر: روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم قرأ في الأولى سورة مريم، وفي الثانية {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ}، فلمّا انصرف قال: سمعت صبيا يصيح فظننت أنّ أمّه تصلّي خلفي فرحمتهما.
ولابأس بغلط في القرآن، ويبدل إن تكلّم بغيره.
أبو سعيد: يُكره لمصلّ أن يقرأ ويتنفّس بلا وقوف، ولا نقض به عليه.
وإن لم يجهر الإمام في محلّه فسُئل فقال: قرأت السورة في نفسي لضعفي عن الجهر انتقضت عليهم. قال أبو الحواري: تعمّد أو نسي.
وللمأموم أن يبادر الإمام في الفاتحة ولو كانا في كلمة، ولابأس إن سبقه؛ فمن دخل إليه فوجّه وأحرم والإمام راكع فركع معه قبل أن يرفع رأسه أجزته قراءته، وقيل: لا ويعيدها، وقيل: تجزيه فيما لا يجهر به لا فيما يجهر فيه إلاّ إن أدرك آية أو قدرها فأكثر.
ومن غلط في الفاتحة فأخلّ بآية منها ومضى تمّت صلاته إن لم يتعمّد تركها، وقيل: لا يقرأ في الغداة سورة فيها أقلّ من عشر آيات، وقيل: قرأ فيها عمر في سفر بِـ {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}. وقيل: من قرأ في البدل {مُدْهَامَّتَانِ} (سورة الرحمن: 64) أجزاه. ومن خرّ راكعا ولم يتمّ القراءة فأتمّها راكعا وقيل: فسدت على من تعمّد ذلك لا على من قرأ {وَإِنَّا عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ} (سورة الانفطار: 10).
فصل
أجاز هاشم عن موسى التطوّع بالفاتحة وحدها، وقيل: لا تجزي.
ومن لحن فسلّم من لحنين في الحمد فلا بأس (56) إن قرأ العالِمِين بكسر اللام وأَنْعَمْتُ بضمّ التاء؛ وكذا قيل إن كسر الكاف في {إِيَّاكَ} والنون في {نَعْبُدُ}. ومن بدّل آية رحمة بآية عذاب أو عكس فسدت صلاته إن تعمّد.
ابن بركة: لا يبدل القرآن فيها بغيره إلاّ إن كان لا يحسن. (2/53)
صفحة 576
ومن غلط فقرأ طعام الكافر بدل الأثيم لم تفسد عليه عند أبي الحسن، فإن تعمّد خالف (57)؛ وغيّر القرآن وإن زلّ لسانه فقرأ بدل غفور رحيم شكور حليم مثلا ممّا كان في القرآن لم يضرّه إن لم يتعمّد.
ابن بركة: جاز للأعجم أن يقرأ في نفسه.
ومن ترك القراءة اشتغالا بغيرها ساعة فسدت صلاته لا إن تعايا فيها.
وإن قال: أشهد أن لا إلاه إلاّ الله فيعرض له عارض فإن تعمّد القطع انتقض وضوؤه وإيمانه وأشرك في الحكم، وإن أخطأ أو نسي استغفر، ولا نقض عليه، ويعجّل بإتيان الشهادة تامّة. ولا على من قرأ {يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالُمهلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كالعهن} (سورة المعارج: 8).
ومن كان في الفاتحة في محلّ السرّ وركع الإمام، قال ابن محبوب: يقطع قراءته ولا يزيد شيئا بعدُ، وقيل: له أن يتمّها ما رجى أن يدركه في الركوع. وإن دخل عليه في السورة، فقيل: يستمع ولا يقرأ، وفسدت إن قرأ، وكذا لا يستمع عند الفاتحة حتّى يفرغ منها، وفسدت إن استمع عندها، وقيل: لا، وقيل: تفسد على من ترك القراءة مع الاِستماع بعد دخوله فيها قبل تمام الفاتحة، ولا تفسد في القراءة بعد دخوله في الاِستماع.
أبو سعيد: من ركع قبل أن يقرأ السورة أعاد صلاته، وقيل: لا حتّى يسجد الأوّل، وقيل: الثاني، وقيل: حتّى يُتمّ الركعة، وقيل: حتّى يتمّ الصلاة إن كان ناسيا، وإلاّ فكما مرّ، وقيل: ولو أتمّها ناسيا قبل السورة ولكنّه يقرأها ويمضي في صلاته.
ومن يتشبّك حلقه ولا يفصح بقراءته كعادته، فقيل: إن بيّنها فلا عليه إن تنحنح لصلاحها. (2/54)
صفحة 577
فصل
من سمَّع من يليه أو مَن خلفه قراءته أو استعاذته لا لعذر فسدت صلاته، وقيل: لا وأساء، وذلك في النهار؛ ويؤمر في الليل أن يُسمع أذنيه وإلاّ أساء.
عزّان: من تعمّد الجهر نهارا انتقضت صلاته لا على [246] من نسي، وفسدت على من خلف إمامٍ لا يجهر في محلّه لا عليه، وتمّت لهما إن جهر ولو بآية أو قدر ما يسمع هو أو أحد منهم فقط أو يسمعونه دونه.
أبو سعيد: من جهر بما يُسرّ لشكّ يعتريه فلا عليه، ولا يعيد القراءة سرّا بل يمضي في صلاته. وإن تعمّد عكسه فسدت على الكلّ، وقيل: على مَن خلفه فقط، وقيل: صحّت للكلّ، وإن نسي فأسرّ في الجهر ثمّ ذكر، فقيل: يبني من حيث وصل، وقيل: يستأنف القراءة. ومن تعمّد العكس في التاحيّات ونحوها ففي النقض عليه قولان، وخالف السنّة.
وحدّ الجهر أن يُسمع أذنيه، وقيل: مَن خلفه إن كان إماما، وإن جهر ناسيا في محلّ السرّ فقولان أيضا، وقيل: لا يجزي سرّ عن جهر كعكسه، وقيل: يجزي كلّ عن صاحبه مع النسيان. وقيل: إن نسي فأسرّ ثمّ ذكر قبل السجود استأنف، وفسدت إن سجد. وقيل: إن جهر في سرّ في كلّ صلاة انتقضت، وفي الركعة لابأس. (2/55)
صفحة 578
الباب الخامس عشر
في ذكر بعض فضائل البسملة وتفسير بعض معاني الفاتحة
فقيل: لمّا نزلت البسملة هرب الغيم إلى المشرق، وسكنت الرياح، وهاج البحر، وأصغت البهائم، ورُجمت الشياطين، وأقسم الربّ سبحانه بعزّته أنّه لا يذكرها أحد على شيء إلاّ بورك فيه، ولا على عليل إلاّ عوفي، وأنّها تسعة عشر حرفا بها تُدفع الزبانية، ولا يُردّ دعاء ذُكرت في أوّله.
ومن جرّدها تعظيما لله -عزّ وعلا- غفر له، ومن رفع قرطاسا كُتبت فيه خوفا أن يُداس كتب من الصدّيقين.
وقد مرّ ــ قيل ــ عيسى عليه السلام على قبر يُعذّب ثمّ رجع فوجده في خير فتعجّب، فقالت له الملائكة: إنّه تَرك صبيا فحين تعلّمها رفع الله عن والده العذاب.
وقيل: من قرأها اثنى عشر ألف مرّة، ويصلّي آخر كلّ ألف ركعتين، ثمّ يصلّي على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- ويسأل حاجته إلاّ قُضيت له.
وإنّها عنوان كتاب ربّه إلى عبيده؛ فمن العنوان يُعلم رضى السيّد أو غضبه، ولم يعنونه بنحو بسم الله الشديد العقاب.
ويروى: خير من يمشي على الأرض المعلّمون كلّما خلق الدين جدّدوه.
وإنّ للباء سبعة من أسماء الله تعالى، وللسين خمسة، وللميم اثنى عشر، كلّ يفيد معنى جليلا.
والفاتحة تُسمّى الشافية والكافية والوافية، وأمّ الكتاب، وأمّ القرآن، وسورة الحمد، والسبع المثاني وغير ذلك، وهي سبع آيات مختصرة من سبعة كتب، وقد كنت عزمت على ذكر بعض معانيها وما قيل فيها ثمّ بدا لي أنّه لا يحتمله مختصرنا (58) إذ غرضنا فيه غير ذلك. (2/56)
صفحة 579
الباب السادس عشر
في الركوع والسجود وما يُقال فيهما
فالركوع فرض وحدّ، فمن تركه فسدت صلاته، وإن ذكره ناسيه وقد جاوزه إلى السجود رجع إليه وبنى ولا عليه، وحدّه من انحنائه إلى سقوط جبهته في الأرض ساجدا، وقيل: إلى استقلاله قائما. والتسبيح فيه وفي السجود سنّة، ومن تركه كلّه فسدت صلاته ولو ناسيا، وكذا إن ترك أكثره، وتمّت إن ترك الأقلّ ناسيا، وفسدت إن تعمّدت (59) ترك واحد، وإن نسي فقولان، والمختار منهما التمام، ولا يعيده بعد أن جاوزه.
والسنّة تسبيح واحد، والمأمور به ثلاثة. ومن قال في ركوعه: سبحان ربّي الأعلى، وفي سجوده (60): سبحان ربّي العظيم فلا نقض عليه إن نسي، وإلاّ خيف عليه، ولا يرجع إليه إن ذكره بعد رفع رأسه منه، وإن ذكره فيه جاز له الرجوع والمضيّ عليه.
ويؤمر الراكع أن يسوّي ظهره حتّى يعتدل من رأسه إلى عجُزه إن أمكنه، وإلاّ فلا عليه؛ وأن يركع حتّى يطمئنّ ثمّ يرفع حتّى يعتدل، وما نقص عن هذا كان نقصانا فيها؛ وأن يضع يديه على ركبتيه، ويفرّق بين أصابعه عند الأكثر، [247] وقيل: يضمّها ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويمدّ ظهره معتدلا، ولا يشخص برأسه إلى السماء، ولا يصوّب به إلى الأرض، ويسبّح ثلاثا. ولا ضير -قيل- إن زاد أو نقص.
ويخشع ويتذلّل، ولا يكبّر حتّى يطأطئ، ويقطعه قبل استواء ظهره، فإذا أراد الرفع منه قطع التسبيح قبل استقلاله، وقال: سمع الله لمن حمده قبل اعتداله ولكن عند أخذه في الرفع ثمّ يخرّ ساجدا، ولا يكبّر حتّى يأخذ في الخرور، فإذا صار بين القيام (2/57)
صفحة 580
والسجود كبّر ولا يسجد قبل قطع التكبير، ولا يبتدئه منتصبا، ويطيل تكبير القيام على تكبير القعود قليلا، ولا يقرأ حين يقوم إلاّ بعد سكتة ما.
فصل
أبو المؤثر: إذا قرأ الإمام ثمّ سهى فسجد فذكر أو سبّح له من خلفه فقام إلى حدّ الركوع، ووضع كفّيه على ركبتيه قبل أن يستوي قائما فلا عليه، ويسجد للوهم؛ والأحسن له أن يقوم ثمّ يركع بالتكبير ويرفع بدونه ثمّ يخرّ به.
وإن قرأ السجدة فسجد ثمّ رفع منه وأراد أن لا يزيد القراءة فإنّه يقوم باعتدال، ثمّ يركع بالتكبير، وإن أتمّ السورة ثمّ وهم فسجد ولم يركع فذكر أو ذُكّر فاستوى قائما كُره له الزيادة في القراءة بلا نقض، وإن قرأ نصفها فوهم فركع ثمّ ذكر أنّه لم يتمّها فقام من ركوعه فأتمّها ثمّ ركع وأتمّ الصلاة، فقيل: فسدت ولو قرأ آية أو قدر ما تتمّ به.
ولا يضرّ التكبير بدل سَمِعَ الله لمن حمده، وفسدت بعكسه، وقيل: لا.
ومن تيقّن أنّه قال ربّنا ولك الحمد فأعاده فسدت عليه، واختار خميس صحّتها. ولابأس على المأموم إن ترك سمع الله لمن حمده. ابن المسبح: أنَّه (61) لا يلزمه؛ قال خميس: لا نقول ذلك ولا نأمره به، وقال غيره: لا يلزمه إن تولّى الإمام، ولا نقض على ناسيه، ومن ذكره قاله، وفسدت على الكلّ إن تعمّد الإمام تركه، وتمّت إن نسي.
ومن كبّر بعد استوائه راكعا تمّت له وأساء، وكذا إن قاله خارّا للسجود أو بدأ القراءة قبل أن يستوي قائما، فإن قاله بعد أن سجد بلا عذر وبلا نسيان فكمن لم يقله، وإن قاله قبل الدخول فيه تمّت له، وأساء أيضا.
وإن نسيه أو التكبير فنُبّه فلم ينتبه كبّروا ومضوا، ولا فساد، وإن ذكرهما قالهما سرّا لأنّ موضع الجهر بهما قد انقضى، ولابأس إن جهر بهما غلطا، وإن قالهما حين (2/58)
صفحة 581
ذكرهما فلا يقولهما مَن خلفه، وإن قالوهما في محلّهما حين نسيهما وظنّوا أنّهما واجبان عليهم إذا قالهما فلا نقض عليهم.
ومن نسيهما حتّى قضى صلاته سجد للوهم، وقيل: لا سجود عليه ويقولهما حينئذ.
ومن جاءته جشوة حين أراد أن يركع أو يسجد فخاف إن تجشّى فيهما أن يصعد شيء من جوفه إلى فيه، وإن تجشّى قائما أو قاعدا فلا يصعد، وقد دخل في أحدهما فليس له أن يرجع إلى القيام أو القعود لأجله ثمّ يرجع إلى ما هو فيه إلاّ إن نزل به عذر، وإن فعله ظنّا أنّه يجوز له خاف خميس فسادها (62)، قال: بل يمضي عليها، وتمّت إن سلم منه وإلاّ أعادها. (2/59)
صفحة 582
الباب السابع عشر
في السجود
وهو فرض وحدّ أيضا، فمن تركه -كما مرّ- ولو ناسيا أعاد صلاته، ولا يرجع إليه بعد أن جاوزه كالركوع بشكّ.
وكلّ من السجدتين حدّ، وقيل: مجموعهما. ابن بركة: الأولى فريضة. ومن ذكر في التاحيّات الأخيرة أنّه لم يسجد إلاّ واحدة سجد ثانية وابتدأ التاحيّات وسجدها إن سلّم ما لم يتكلّم أو يتحوّل أو يدبر.
أبو قحطان: من لم يمكنه أن يسجد على حصى فله أن يسوّيه مرّة.
أبو الحسن: لا يُتعمّد جعل كلّ سجدة وحدها؛ ومن قدّم يديه فيه قبل ركبتيه فقد أبلغ في التواضع، وقيل: يعكس. ومن عجز عنه على جبهته ونحوها لعذر أومأ، ولا يسجد على أنفه إذ لا يكفي فيه، وقيل: يسجد.
أبو الحسن: من كان على أنفه قرح سجد على جبينه غير الجبهة من يمين أو شمال ما لم يجاوز حداء الحاجب إن أمكنه وإلاّ أومأ أيضا، وإن أمكنه على مقدّم رأسه سجد عليه وإلاّ أومأ؛ فإن أومأ قادر [248] أن يسجد على أنفه أو جبينه أعاد، ولا كفّارة عليه إلاّ إن أومى قادر على مقدّم رأسه.
ومن بكفّيه قرح أو جرح ولا يقدر أن يجعلهما في الأرض ألقى يديه عليها كما أمكنه ولو مرفقيه وإلاّ أومأ. وإن كان ذلك في ركبتيه فإن قدر أن يسجد بلا أذى عليه أو يرفعهما عن الأرض فعل وإلاّ أومأ.
ومن تركه على بعض أعضائه، فقيل: لو سجد على إحدى يديه أو ركبتيه أو قدميه أجزاه لا إن تعمّد ترك الكلّ بلا عذر. ورُخِّص في ترك غير الجبهة لما روي: «أُمرت أن أسجد على سبعة آراب، ولا أكفّ ثوبا، ولا شعرا» ولكن إن سجد على أكثرها وأكثر أعضائه واعتدل فيه أجزاه. (2/60)
صفحة 583
ومن ركع ولم يكبّر حتّى سجد أو رفع منه ولم يكبّر حتّى قعد لم يضرّه ولو إماما.
وأقلّ التسبيح ثلاث وأكثره تسع وأوسطه سبع؛ وفي إعادة تاركه ولو عمدا قولان، ويعيدها -قيل- إن تعمّده لا إن نسيه إن لم يكن في أكثرها، وقال سمع الله لمن حمده من نسيه في كلّ محلّ ذكره فيه إلاّ في الحدود، وقيل: في محلّه إن بقيت له ركعة، وقيل: لا يلزمه إن جاوزه، وقيل: إن قاله فسدت عليه، وقيل: يقوله إذا قضى التاحيّات.
هاشم: من رفع للتشهّد فكبّر ثمّ قال حين جلس: الحمد لله ربّ العالمين، ثمّ تشهّد لم يضرّه؛ وكان -قيل- محبوب يفعله.
ويؤمر أن ينيل طرف أنفه الأرض وإلاّ كُره له بلا نقض.
ويُكره للرجل أن يلصق بطنه بفخذيه إذا سجد، ولابأس إن جعل مرفقيه عليهما وعلى ركبتيه عنده، وقيل: يُنهى عن ذلك؛ ولا يرفع قدميه عن الأرض بعد أن يسجد أو قبل أن يضع جبينه عليها لا (63) لعذر، فإن فعله في أكثر سجوده أساء، وفي النقض به قولان.
وكان -قيل- صلّى الله عليه وسلّم إذا سجد جافى بمرفقيه وكفّيه حتّى لو مرّت هرّة تحت ذراعيه لنفذت.
فصل
من قام من ركوعه قال: ربّنا ولك الحمد إن كان فذّا وخرّ على صدر قدميه واضعا يديه على فخذيه، ويطلقهما منهما إذا قربت جبهته من الأرض وأمكنهما عليها، ويقدّم ركبتيه إليها قبل يديه، ويقطع التكبير إذا قربت جبهته منها، ولا ضير إن قدّم يديه قبل ركبتيه. وفي مدّ التكبير وجزمه قولان، ونُدب قطعه مع السجود، وقيل: قبل نيل الجبهة الأرض ويضعها. هاشم: قبل قطعه وتكبير القيام عند رفع يديه منها (2/61)
صفحة 584
وجعلهما إذا سجد حداء أذنيه، ويبسط أصابعهما ويضمّها؛ والأحسن أن تكون راجبة الإبهام بين الجبهة والركبتين، وأن يعتدل بسجوده، ولا يرفع عجزه حتّى يفحش، ولا يلصق صدره بالأرض، ولا يفترش كالسبع، ويمكّن جبهته وطرف أنفه بالأرض برفق ويكون أكثر اعتماده على كفّيه، ويحرّك الياء من ربّيَ في تسبيحه.
وأوّل من قال: سبحان ربّيَ الأعلى ميكائيل -عليه السلام-، وقيل: ملَك له سبعون ألف جناح، وكان فوق السابعة فنظر يوما إلى العرش فاستأذن الله في الطيران إليه، فقال له: لا تطيق، فقال: ربّ آذن لي، فأعطاه بكلّ جناح ألف جناح، فأذن له فطار بها سبعين ألف سنة، فنظر إلى العرش فرآه كأوّل مرّة فزاد، فكان بحاله فقال ذلك.
فصل
إذا سبّح رفع بالتكبير، فإذا قعد جعل ظاهر قدمه الأيسر ممّا يلي الأرض، وتورّك على فخذها، وظاهر يمناه على باطن يسراه، وتمكّن حتّى يرجع كلّ عضو إلى مفصله، ثمّ يسجد الثانية كذلك ويتذلّل، لأنّ السجود أبلغ فيه. ونُدب لمن يرفع من سجوده أن ينظر إلى مكان سجد فيه، فإذا سجد قدّم أصابع يديه حتّى يحاذي بين أذنيه، ويقعد قدر تسبيحة، ثمّ يخرّ لثانية ويضع عند قعوده كفّيه على ركبتيه، ويفتح أصابعهما.
وجاز لمن وجد بمحلّ سجوده وعوثة أن ينحرف عنه يمينا أو شمالا؛ وقد مرّ أنّه إذا أخذت الجبهة [249] منه لم يضرّ، وفسدت (64) إن لم تأخذ، وقيل: لابأس ولو لم تأخذ، وله أن يقدّم سجود ويؤخّره حتّى قالوا: لو كان موضع قدميه أو عكسه لجاز.
ابن محبوب: ندب أن يكون نظره في قيامه إلى محلّ سجوده وهو الخشوع كما مرّ مع وجل القلب، وسكون البدن. (2/62)
صفحة 585
أبو المؤثر: إنّه في العينين واليدين وهو ترك الاِلتفات إلى الجهات، وغمضهما قليلا، ويقلّبهما في ذلك المحلّ. وفي اليدين أن لا يعبث بثيابه ولا ببدنه ويرسلهما.
ابن عثمان: لا يجاوز بنظره خلف سبعة عشر ذراعا أمامه، وفيه قيل غير هذا.
ويمدّ التكبير -قيل- حال الخفض والرفع، وقيل: حال القيام، ويجزم حال السجود إن كان إماما، وقيل: مطلقا.
ومن سجد على حصاة تأخذ أقلّ من جبهته، فإن كان لا يجد غير ذلك فهو عذر وتمّت صلاته، وإن كان يجده اختير له إعادتها. ومن رفع قدميه عنده تمّت له إن نسي أو جهل، وإن تعمّد خلاف السنّة اختير له أيضًا (65).
أبو سعيد: إن سجد عليها فوق حصير فأخذت أكثر سجوده فلم يأخذ جبينه من الحصير تمّت له إن سجد على ما له أن يسجد عليه، وإن كان عرضها ممّا يلي الحصير فأخذت أكثره أيضًا (65) تمّت أيضا إن لم يكن عابثا.
وإن كانت لا تستوي على الحصير إلاّ إذا سجد عليها أو ترجرج حين يضع جبهته ويسوّيها بها حتّى يلصق بلا عبث، فلا نقض عليه لأنّ الحصى لا يستوي إلاّ باستواء الجبهة عليه.
ومن سجد على حصاة أو أكثر فله أن يجرّ جبهته ناحية، وإن حوّلها برفع أو طأطأ جاز، وقد مرّ ذلك.
ومن نسي سجدة فذكرها في آخر صلاته سجدها حيث كان، وإن نسي الأخيرة إلى التاحيّات سجدها ثمّ يقرأها، وإن نسي الأولى أعاد صلاته، وقيل: لا، ويرجع إليها كالآخرة، وإن ذكرها في الدعاء سجدها ثمّ يعيد التاحيّات، وقيل: لا يعيدها. (2/63)
صفحة 586
فصل
أبو سعيد: من صلّى على حصير مرتفع عن الأرض في محلّ الجبهة أو اليدين أو الرجلين، فإن كان يثبت إذا وضع ذلك عليه على ما هو عليه مفرشا جاز بلا خلاف، وقيل: إن كانت الجبهة ترتفع عنها عرض إصبعين لم تجز عليه، وكذا لو كانت تثبت عليها أو على مفرش إذا سجد عليه، وقيل: إذا أخذت جبهته ما فرش عليه عند السجود بلا معالجة لم يضرّ، وإن كان لا يلصق بالأرض أو بمفرش عليه إلاّ بها عنده لم تجز، وإن كان يلصق بها إذا سجد أو إذا رفع ارتفع أُمر أن يتحوّل إلى غيره إن أمكنه بانحراف عنه بتقدّم أو تأخّر أو يمينا أو شمالا، وقيل: لا ينحرف نحوهما. وإن سجد على ذلك، فقيل: إن كان الحصير يلصق بلا معالجة منه تمّت صلاته، وقيل: إن كان يرتفع قدر إصبعين فأكثر فسدت إن وجد غيره.
ابن محبوب: من ركع مع إمام فمنعه الزحام، فقيل: يسجد ولو على ظهر رجل، وقيل: ينتظر رفع القوم ثمّ يسجد، وليس له أن يقدّم ثوبا لبسه ليسجد عليه ولو من النبات لأنّ ذلك منه عمل لا للصلاة.
وأجاز بعضهم رفع العمامة باليد كلّما أراد السجود، وقيل: يؤخّرها إذا سجد حتّى ترتفع إن شاء، وله رفعها بيده؛ وإن تمكّن أكثر جبهته على ما يسجد عليه فقد سجد ولو حال على الأقلّ منها ما لا يجوز أن يسجد عليه لأنّ الحكم على الأكثر، وقيل: يضع ظاهر أصابع قدميه ممّا يلي الأرض. ابن محبوب وابن المسبح: يستقبل بها الأرض ولا يجعل ظاهرها ممّا يليها، وكُره له أن يرغب في ظهور كثرة أثر السجود عليه ليُرى لأنّه من النفاق. (2/64)
صفحة 587
الباب الثامن عشر
في التاحيّات والتسليم
وهي فريضة، وقيل: سنّة، وقيل: واجبة. ومن تعمّد تركها فسدت صلاته، وقيل: مطلقا. ولا تجوز إلاّ بها، إلاّ أنّهم اختلفوا عند الضرورة فقيل: تثبت بقول التاحيّات لا أكثر وتتمّ بها، وقيل: لا حتّى يأتي بالطيّبات، وقيل: حتّى يصل إلى: أشهد أن لا إلاه إلاّ الله، فإن أحدث عنده تمّت له في ضرورة أو نسيان أو جهل، وكُره إن تعمّد، وقيل: يجوز له مطلقا، [250] وقيل: لو قعد لقراءتها قدر ما يقول التاحيّات فأحدث تمّت له وإن لم يقل شيئا إن لم يحدث باختياره.
وإن سهى في الأولى ودعا ثمّ علمها الأولى فعاد وقال وأشهد أنّ محمّدا عبده ورسوله، فقيل: تفسد إن تعمّد تكرير شيء منها وترديده لا لسبب، وتمّت إن كان لعذر وبنى عليها، وإن قعد للأخيرة، وقال: التاحيّات ثمّ أحدث أو وصل إلى الطيّبات ففي تمامها قولان، فإذا بلغ إلى ورسوله فأحدث تمّت (66) اتّفاقا؛ وقد وجب القعود لها، ولا تتمّ له إن تركه، وقيل: يُزاد في الأخيرة: أشهد أنّ الجنّة حقّ إلى وأنّ الله يبعث من في القبور.
ومن قال: أشهد أن لا إلاه إلاّ الله وحده لا شريك له ونسي أن يقول: وأنّ محمّدا عبده ورسوله، فقيل: هو نقصان ولا تتمّ إلاّ بتمامها.
ومن سلّم قبل إمامه وقد قرأ الأولى أعاد صلاته، ولو ناسيا أو لعذر. وقيل: إن نسي بنى ما لم يتكلّم أو يدبر وتمّت إن فعل ذلك في الأخيرة، ولا يسلّم قبله إلاّ من عذر.
وإن نسيه حتّى انصرف ثمّ ذكر في غير مصلاّه لم يلزمه الرجوع ليسلّم ولا الفساد. ولمن خلفه أن يسلّموا وينصرفوا، ولا يضرّهم انصرافه قبله. (2/65)
صفحة 588
وإن سهى وسلّم فله أن يتمّ ما لم يدبر أو يوجّه لنافلة أو يحرم لها، فإذا انتهى إلى رسوله فليصلّ عليه، وإلاّ فقيل: يعيد، وقيل: لا، وعليه الأكثر، وقد قصّر لما روي: ((أبخل البخلاء من ذكرني أو ذُكرت عنده فلم يصلّ علي (67))).
ونُهي عن الإقعاء وفي النقض به قولان.
ومن قعد للتاحيّات ثمّ غفل أو نام ثمّ انتبه ولم يدْرِ أقرأها أم لا فإنّه يقرأها ويسلّم، وإن لم يتيقّن أنّه قرأها وسلّم خيف عليه النقض.
ولا يجوز عندنا ترك التشهّد في القعود إلاّ من عذر ولو نسيانا. ومن تركه بدونه أعاد ومسح وجهه بيمناه إذا سلّم.
ومن تكلّم بكلمة من التاحيّات أو التكبير كُره له بلا نقض، وقيل: إن تعمّده بلا عذر أعاد.
ومن بلغ في الأولى إلى ورسوله، فنسي ودعا لدنيوي استأنف الصلاة عند بعض وأتمّها.
أبو الحواري: وزيادة التاحيّات أو الفاتحة أو سمع الله لمن حمده والاِستعاذة والتكبير عمدا يفسدها، وفي النسيان خلاف كالجهل.
وينوي بالتسليم الخروج منها، وهو -قيل- على الحفظة، وقيل: عليهم وعلى المؤمنين. ومن اعتقده لجميع عمره أجزاه، وإن أحضره في كلّ تسليم فهو أحسن.
فصل
ابن بركة: من خرج من صلاته بلا تسليم أعادها لقوله صلّى الله عليه وسلّم: ((تحريمها التكبير وتحليلها التسليم (68)))، وقيل: لا إذ يصحّ الخروج منها به وبدونه لا كالدخول لأنّه مُتّفق عليه بخلافه وهو سنّة، وقيل: مندوب؛ وهل هو بالتعريف وهو مذهب البصريين منّا أو بالتنكير وهو عند أهل عمان. (2/66)
صفحة 589
وقيل: إذا أطال الإمام التشهّد جاز للمأموم أن يسلّم قبله إن احتاج إليه، كذا يوجد عن الربيع. وقيل: ليس لمن أبطأ في التاحيّات وخاف أن يركع الإمام أن يقطعها ويتمّها بعد إذ ليست كالفاتحة.
وإن قام قبل أن يتمّها ففي النقض خلاف. ومن بلغ الطيّبات ثمّ قام أبدل.
ومن كان في الدعاء ثمّ شكّ رجع مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل: يرجع ما لم يسلّم، وقيل: ما لم ينحرف أو يأخذ في غير أمرها.
وقيل: لا يدعوا لدنيوي حتّى يسلّم، وقيل: لا بأس مطلقا. ومن شكّ في قراءة أوّلها وتيقّن أنّه قرأ من موضع منها إلى آخرها، فقيل: عليه قراءة ما شكّ فيه إلى ما تيقّن منه، وقيل: تامّة. (2/67)
صفحة 590
الباب التاسع عشر
في سجدتي الوهم، وما يقوله العاطس، وفي سجدة القرآن
فمن سهى في صلاته وفرغ منها [251] وسلّم لزمه أن يسجد بدل وهمه، وهو أن يقوم بدل القعود أو يعكس أو يجهر حيث يسرّ كعكسه، أو يقرأ الفاتحة حيث لزمت معها السورة كعكسه، أو التاحيّات في غير موضعها، أو سلّم كذلك، أو وجّه بعد الإحرام، أو تشهّد قبل أن يفرغ، أو ركع أو سجد في غير موضعه، أو شكّ أنّه في القعود الأوّل أو الأخير.
ومن سهى وقعد حيث يقوم ولم يتمكّن قاعدا كعكسه فذكر ورجع فلا سهو عليه. ويلزم من سهى خلف الإمام، وقيل: لا. أبو سعيد: لا سهو عليه بسهو الإمام ولا يلزم إلاّ من وهم؛ وهما بعد التسليم قبل انصراف أو إدبار، وقيل: ما دام في مجلسه ولو أدبر أو تكلّم، وهما مرغمتان للشيطان، ويسبّح فيهما كالصلاة ويكبّر ويقعد بينهما.
وفي وجوب التسليم منهما قولان، وقيل: كتسليمها، وقيل: يسلّم على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-، وهما سنّة. ولا ينصرف مَن خلف الإمام حتّى يسجدهما إن وهم؛ ولا ضير إن انصرفوا. وجاز خلف كلّ صلاة.
وفي التشهّد لهما خلاف ثالثه لهما التسليم بدونه. وفيمن سهى مرارا، فقيل: واحد يكفي، وقيل: لكلّ سجدتان، والأكثر على أنّهما بعده، وقيل: قبله. وإن نسيهما سجدهما على إثر أخرى ولو نافلة، وقيل: لا يلزمانه بعد انصرافه ولو إلى صلاة، وقيل: يسجدهما لنافلة ولو خلف فريضة لا عكسه.
ومن تعمَّد تركهما (69) خسّ حاله. (2/68)
صفحة 591
ومن يصلّي فريضة ونسي ودخل في نافلة فسدت عليه لأنّ الفرض لا يصحّ فيه النفل. وقيل: عمل النسيان لا يفسد عمل الفرض ما لم يتطاول فيه.
ومن سهى أن يسجد لسهو فليس عليه فيهما إلاّ سجدتان. ومن نسي التسليم في نفل فقام أو سهى فيه قبله تمّت صلاته، وإن رجع فقعد وسلّم جاز، وهذا إن قعد للركعتين وتشهّد وإلاّ سجدهما. وإن أتمّ التي سهى فيها رجع إلى محلّ سهوه. ومن جمع فسهى في الأولى فلا يسجد حتّى يسلّم من الثانية. وقيل: إن صلّى في وقتها سجد بعد التسليم منها قبل الثانية. وإن جمع وقتها فلا يسجد لوهم الأولى حتّى يفرغ منها.
ومن صلّى بصلاة الإمام وسهى عن قراءة السورة ولم يُسمع منها شيئا، ولم يفهمه، فقيل: يعيد، وقال ابن علي: لا، ولكنّه يسجد للوهم، ولزم ولو على نفل أو استسقاء أو خوف.
ومن سهى فقام لأخرى فذكر قبل الإحرام لها أو التكلّم بغير الذكر أو الدعاء أو الإدبار فليحفظه، فإذا فرغ منها سجدهما، فإن نسيهما سجدهما متى ذكرهما بإثر صلاة أو طهارة.
فصل
من سهى في التوجيه أو الدعاء أو الذكر الذي ليس هو من الصلاة فقاله في موضع منها فسدت به، وقيل: لا، ويسجد للسهو وما خرج عنها من قول أو فعل فمفسد لها ولو خطأ أو نسيانا أو سهوا.
ومن كبّر بدل سمع الله لمن حمده أو عكس، أو سبّح في محلّ ذلك، أو كبّر محلّ التسبيح، فإن تعمّد خيف عليه الفساد، وإلاّ فالخلف في لزوم السهو له، وقيل: لا سهو على قارئ شيء بعد الفاتحة فيما لا سورة فيه، واختير ثبوته عليه. (2/69)
صفحة 592
وقد روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم زاد في صلاته بأصحابه ركعة فقالوا له: هل حدث لك فيها شيء؟ قال: وما ذلك؟ قالوا: إنّك صلّيت بنا خمسا، فسجد سجدتين ثمّ قال: «إنّما أنا بشر؛ من سهى فيها فليصنع هكذا».
وقيل: من ركع قبل أن يقرأ أو سجد قبل أن يركع ثمّ علم فرجع فإذا جاوز إلى حدّ ثالث وقد نسي الأوّل (70) فسدت صلاته. وقيل: من زاد ركعة ناسيا رجع إلى حيث كان وبنى، وقيل: له أن يرجع إلى ما ترك ما لم تتمّ ويبني على صحيح منها، ولا نقض، ويلزمه [252] من يراه عليه ابتداؤها.
وقيل: من قرأ الفاتحة في قعوده ولم يتمّ التشهّد ترك القراءة ورجع إليه، وإن قرأه في قيامه بعدها رجع إلى السورة إن كان في محلّها وإلاّ كبّر وسجد بعد فراغه.
وقيل: من أحرم لفريضة ثمّ سهى فقرأ سورة ظانّا أنّه في نافلة حتّى صلّى بعضا، قال أبو عبد الله: إن مضى في سهوه حتّى قضى التاحيّات خفت عليه النقض ولو لم يسلّم، وإن ذكر أنّه في فريضة تمّت له. ابن المسبح: لا نقض عليه بذلك (71) لدخوله فيها على أنّها فريضة. قال خميس: وأنا أخافه عليه إن مضى فيها على أنّه في نافلة إلاّ إن ذكر في القراءة ورجع إلى الفريضة.
فصل
إن تعايا الإمام في السورة وتردّد واستعاذ، ففي إعادته قولان. أبو عبد الله: لا تلزم مَن خلفه. ومن عرض له شيء في صلاته يقول: سبحان الله لا غيره، وإن جهر بما هو فيه منها بما يعرض له خُيّر بين التسبيح والجهر، وقيل: لا تنتقض بالباقيات الصالحات إن قالها فيها، والأكثر على الأوّل.
ومن عطس فيها حمد الله في نفسه، وكُره الجهر به بلا نقض، وخيف عليه إن جهر بغيره. وإن تكلّم بما يصلّى به بعد العطس ثمّ حمد الله انتقضت عليه إلاّ إن حمد على إثره، وقيل: يتكلّم به بلسانه خفية. (2/70)
صفحة 593
فصل
من قرأ آية السجدة في الصلاة فلم يسجدها انتقضت -قيل- إن تعمّد، وقيل: لا وأساء. وسئل عزّان عمّن قرأها ولم يسجدها متعمّدا فقال: لا يبلغ إلى كفره ولو كانت سنّة إذ ليست من الواجبات إلاّ إن دان بتركها ويردّ السنّة.
وتجب أيضا على من قصد استماعها، وقيل: من سمعها مطلقا حتّى قيل: إنّ من كان بمجلس الذكر وقرئت فيه يلزمه أن يسجدها، وقيل: يسجد لقراءة من يجوز أن يؤمّه، وقيل: بكلّ من سمعها منه، وقيل: إنّما تُسجد بطهر تامّ، وقيل: وإن بتيمّم سوى الجنب والحائض، وقيل: تُسجد على كلّ حال، لأنّها ذِكر لا صلاة؛ وكذا قيل: لا تُسجد إلاّ للقبلة، وقيل: حيث توجّه.
ومن سمعها وهو في الصلاة اللازمة ولو سنّة فلا يسجدها حتّى يفرغ منها، وإن وافق سماعه لها عند سجوده للصلاة، فقيل: إن كان للفريضة أجزاه لهما إن اعتقده، وإن كان للنافلة اختير أن يجزيه مطلقا، وإن سجدها بعد التسليم كان أحسن، وإن لزمه الوهم سجد له قبله (72).
ومن سمعها مرارا، فقيل: لكلّ سجدة، وقيل: تجزيه واحدة إن اعتقدها لما مضى، واختلف فيها بعد الفجر والعصر، فاختار خميس جوازها وقد مرّ ما في ذلك.
ومن وقف على السجدة في آخر قراءته في ركعة خرّ ساجدا لها ثمّ يقوم حتّى يعتدل، ثمّ يركع، وقيل: لا يلزمه أن يقرأ بعد القيام منها، وقيل: يلزمه ولو آية ثمّ يركع.
ومن يقرأ ويرجو أنّه لا يمكنه السجود فله أن يجاوز السجدة، ولا يجهر بها.
ومن تعمّد تركه في الصلاة ففي انتقاضها قولان؛ وإن تركه الإمام وسبّحوا له فلم ينتبه أخّروه حتّى يسلّم، وإن أعلمه أحد فيها فله أن يسجد ولو بعد الكلام. (2/71)
صفحة 594
ومن سجدها ضاحكا أعاد وضوءه وسجوده، ولا تقطع بمرور قاطع في الفرض إلاّ إن سجدها في صلاة ولو نافلة، ولا سجود على قارئ بعضها حتّى يتمّها.
ويجهر -قيل- بالتكبير لها بقدر ما تُسمَع منه قراءته، ولا يسجد مستمعه حتّى يسجد، ولا يرفع حتّى يرفع به.
فصل
إن قرأ السجدة مصلّ فلم يسجد لها فسدت صلاته، وقيل: لا، ويسجد للوهم إن نسي، وإن قرأها الإمام فسمعها منه بعض مَن خلفه لزم الكلّ سجودها تبعا له، فإن لم يفعلوا أعادوا صلاتهم، وقيل: لا.
وإن صغى مصلّ لقراءتها من غير الإمام ولو خلفه خيف عليه النقض إن اشتغل بها عن صلاته.
ومن حمل شيئا فقرئت عليه وأنصت ولم يمكنه وضعه سجدها بعده، وقيل: يجزيه أن يومي حيث توجَّه ولا سجود على من تهجّاها أو كتبها إلاّ إن جهر بها. ويسجدها -قيل- من يكرّرها تعلّما مرّة أوّل ما يتلوها ثمّ لا عليه.
ابن محبوب: من قرأ [253] سورتها في صلاة فأراد أن يسجدها فركع ناسيا وسجد، ثمّ قام فقرأ من حيث بلغ منها وأتمّها لم تفسد عليه إذ لم يزد فيها ركعة.
ابن المسبح: إن اجتزى بذلك الركوع والسجود أجزاه عن ركعة منها، وإن أهمل ذلك وزاد ثالثة انتقضت عليه. ومن تعمّد ترك قراءتها فيها لحال سجودها فلا نقض عليه، وإن سجدها حائض أو جنب بعد طهر وتطهّر كان أحسن.
عزّان: من صلّى برجال ونساء فقرأها فسجد هو والرجال فظنّ النساء أنّه ركع فركعن، ثمّ رفع وقام فمضين حتّى تمّت صلاتهنّ أعدنها، قال: وإن لم يسجدن معه حتّى سمعن السجدة رجوت أن لا نقض عليهنّ. (2/72)
صفحة 595
وإن قرأتها امرأة وأنصت لها رجل، فقيل: لا يسجد لقراءتها كصبيّ وأمة، ولكن يقرأها هو ثمّ يسجد. والعبد البالغ فيها كالحرّ البالغ، وإن قرأها مراهق محافظ على الصلوات سجد من سمعها منه.
ومن صلّى ركعتي الفجر ثمّ قرأها الإمام فليس له أن يسجد، ويسجد لغيرهما من النفل، وإن قرأها في خطبة فله أن ينزل ويسجد لأنّه يسجدها في الصلاة، فالخطبة أولى.
ومن تعدّد عليه قراءتها في مجلسين سجد لكلّ، وكذا إن تعدّد المحلّ بتعدّدها؛ وإن كان يتحوّل من محلّ لآخر وهو يقرأ لم يلزمه إلاّ الأوّل، وإن ترك ذلك وذهب لضيعته ثمّ قرأها فعليه أن يسجد. وإن قرأها مرارا وسجد أوّلا ثمّ كلّم أحدا وكلّمه، ثمّ رجع يقرأ فلا سجود عليه ما لم يتركها ويتكلّم، فيلزمه إذا رجع للقراءة وكذا سامعها.
فصل
اختلف في عدد سجدات القرآن؛ فابن عبّاس وابن عمر إحدى عشر سجدة: الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحجّ والفرقان والنمل وألم السجدة وص وحم تنزيل الرحمان الرحيم، وإليه ذهب أصحابنا، وقيل: خمس عشرة بزيادة والنجم، وإذا السماء انشقّت، واقرأ بسم، وأخرى أيضا في آخر الحجّ، وقيل: يسجد في فصِّلت عند تعبدون، وقيل: لا يسئمون.
وندب لمن تجدّت عنده نعمة أو صُرفت عنه نقمة أن يسجد شكرا لله سبحانه اقتداء بالنبيء -صلّى الله عليه وسلّم- وبمن ذكر أوّلا من إخوته صلّى الله (73) على جميعهم وسلّم، ويقول عند الرفع منه: سجد وجهي للذي خلقه وشقّ سمعه وبصره، الحمد لله الذي لم يجعل سجودنا إلاّ له، اللهمّ أعظم بها أجري، وضع بها وِزري، وتقبّلها منّي كما تقبّلت من عبدك داود -عليه السلام- سجدته. (2/73)
صفحة 596
الباب العشرون
في الشكّ والنسيان في الصلاة
ابن علي: من زاد فيها ركعة بعد أن قرأ التاحيّات الأخيرة لظنّه أنّ صلاته لم تتمّ فلا عليه إذ قد تمّت، وأفسدها بها أبو عبد الله وقال: من قعد من السجدة الأخيرة ثمّ شكّ فلم يدر تلك الركعة أرابعة؟ أم ثالثة؟ فليقرأ التاحيّات ثمّ يقوم فيأتي بركعة فيقعد ويقرأها أيضا، فإن تمّت عند قراءته الأولى لم تضرّه الركعة بعد التمام وإلاّ وقد تمّت بها لم تضره التاحيّات الأولى المحتاط بها، وقيل: يعيد صلاته فيما شكّ فيه من ذلك، وقيل: إنّما يتأتّى هذا في المغرب والوتر. وقيل: من زاد حدّا تامّا فسدت عليه. ومن توهّم بعدما قام أنّه سجد واحدة فإن ذكر قبل ابتداء القراءة سجد أخرى، وليسجد للوهم بعد الفراغ، وقيل: لا يرجع حتّى يتيقّن.
ومن لم يدر كم صلّى، فأبو نوح يهملها ويعيدها، وأبو عبيدة يمضي على أحسن ظنّها ثمّ يجدّد ولا يعتدّ بالأولى. أبو المؤثر: برأي أبي نوح، نأخذ، وقيل: يمضي كذلك (74) حتّى يتمّ ركعتين يسلّم عنهما، وقيل: حتّى يتمّ صلاته ولا بدل عليه، وإن التبس عليه أعاد. ابن محبوب: إن شكّ فيها أعادها ثلاثا إن اعتراه في الكلّ، وفي الرابعة يمضي على أحسن ظنّه. ابن علي: البدل من الشكّ إنّما هو مرّة وبعدها من الشيطان.
ومن لم يثبت خلف إمام إلاّ على تكبير الإحرام فلا نقض عليه، وشغل قلبه.
ابن محبوب: جاز لمن ابتُلي بالشكّ أن يجهر بجميع صلاته ليسمعها من يحفظها عليه ويعلمه أنّه أتمّها لاحتياجه إلى ذلك، [264] وجاز له إن كان ثقة ولو مملوكة.
وإن شكّ الإمام في السجدة الأخيرة أنّها الأولى فكره أن يُحمل الناس على الشكّ فله أن يقوم برفق بلا أن يُسمع مَن خلفه، ويسجد أخرى وحده ثمّ يرجع إلى السجود بهم ويقوم بالتكبير احتياطا به. (2/74)
صفحة 597
ابن المسبح: إن شكّ في سجدة زاد أخرى، فإن علم من خلفه أنّه سجد سجدتين فلا يزد أخرى وإلاّ سجد، وتمّت على الجميع.
ولا ينبغي له أن يفعل شيئا سرّا في صلاته فيكون قد خان مَن خلفه.
وكلّ من سجد ثمّ شكّ فليسجد حتّى يتيقّن أنّه سجد مرّتين. وقيل: إذا شكّ في ذلك أعاد صلاته.
ومن سهى عن القراءة حتّى سجد، ثمّ ذكر، فقيل: يبتدئها، وقيل: لا حتّى يصير في ثالث بل يرجع إلى ما ترك، ولا نقض عليه، وقيل: ما لم يتمّ ركعة، وقيل: ما لم يتمّ صلاته وقد مرّ ذلك.
أبو عبد الله: من قام ناسيا قبل أن يسلّم الإمام ليقضي ما فاته به، فإن سلّم قبل أن يأخذ هو في القراءة مضى فيها ولا عليه، وإن سلّم بعده خيف عليه نقضها. ابن المسبح: لا نقض عليه ولا يرجع يقعد حتّى يسلّم، وإن سلّم الإمام وكان هو قائما سلّم قائما، وقيل: إن ذكر بعد أن قام للبدل أنّ الإمام لم يسلّم فليرجع للقعود حتّى ينصرف، فإذا أتمّ سجد للوهم، ولعلّه قيل: أن لا تفسد إذا دخل فيه ولم يسلّم الإمام إن كان دخل بعد دخوله في الدعاء، لأنّه لو أتمّها وانصرف قبل أن يسلّم الإمام لم تنقض عليه، وإن كان لا يؤمر به.
ومن قام لصلاة ولم يذكر منها إلاّ حدّا كان فيه ساعته فلا فساد عليه ولا وهم إن أتى بحدودها وعقلها، لأنّه إن انتبه فيها وعنده في حينه كأنّه في الأولى أو الثانية أو الثالثة، أو السجدة الأولى أو الثانية، أو القعود كذلك فهو على ذلك، فإن شكّ بعد ذلك فلا عليه.
فصل
من حفظ على صلاته ثمّ شكّ في قراءة أو ركوع أو سجود أو كم ركعة صلّى مضى على أوثق ما عنده، فهو شكّ معارضة لا يلتفت إليه. وإن اشتغل فيها بأمر (2/75)
صفحة 598
الدنيا فلم يدر ما صلّى فهذا شكّ التباس ناقض، وقيل: يمضي من عناه على حسن ظنّه حتّى يتمّها ثمّ يعيدها، وقيل: يقطع كما مرّ.
وإن صلّى رجلان جماعة فشكّ أحدهما فالمأموم يجتزي بقول الإمام أنّها تامّة، وفي العكس خلاف.
أبو سعيد: إنّ الإمام يجتزي بفعل صاحبه ولا يحتاج إلى قوله، وهو تبع له فيما شكّ فيه ما لم يتيقّن بزيادة أو نقص إن أمن عليها؛ وإن كان ثقة فعلى المأموم حفظ صلاته، وقيل: لا يجتزي بفعل من خلفه إلاّ إن كانوا جماعة لا يدخلها شكّ وغفلة وعليه سؤال ما دونهم فإن أخبره ثقة منهم بتمامها جاز له تصديقه، وفي غير الثقة خلاف.
ابن أحمد: إن كان يصلّي بصلاته قبل قوله مطلقا وإلاّ فلا، إلاّ إن كان ثقة، وقيل: إن كانوا سبعة، وقيل: خمسة وفيهم ثقة فلا يلزمه سؤالهم.
أبو الحواري: من نسي قراءة إمامه في موضعه فلا يبدل فليس عليه حفظها، وإنّما عليه أن يسمع (75) فإذا استمع بعضها تمّت صلاته.
ومن خرج من حدّ ثمّ شكّ وقد صار في آخر ثمّ رجع إليه احتياطا، فقيل: تفسد عليه، وقيل: لا (76) إن تعمدّه لتمامها وظنّه الجواز. وإن شكّ في حدّ قرأ أكثره وكان في آخره فاستأنفه ويعلم أنّه قرأه، فقيل: له ذلك ما لم يتيقّن، فمن قرأ حدّا أو فصلا أو كلمة مرّتين أو أكثر اختير له (77) إعادته إن تعمّد لا إن نسي أو جهل، وقيل: إن قرأ بعض ذلك ثمّ شكّ فيه قبل أن يقرأ [255] أكثره رجع إلى أحكامه، وإن شكّ في ركعة قبل أخذه في التاحيّات ومضى على ظنّه ولم يعد من أوّلها أجزاه ذلك، وقيل: لا، والمختار الأوّل إن أقبل عليها ثمّ شكّ.
وإن قرأ الإمام السورة والمأموم يستمع ثمّ شكّ في الفاتحة أو الإحرام فإن أنصت لقراءته مضى على صلاته حتّى يعلم أنّه لم يقرأها أو لم يحرم، وإن قعد معه ثمّ شكّ في التاحيّات قبل أن يسلّم لزمه إعادتها. (2/76)
صفحة 599
أبوسعيد: من يشكّ حتّى لا يحفظ كلّ كلمة خرج منها أو حدَّ أو فصل واطمأنّ أنّه لا يقدم شيئا من ذلك على شيء ففيه اختلاف، فالحدّ أوسع والأكثر على التمام حتّى يتيقّن؛ والفصل أوسع من الكلمة، ورجى خميس أن يسع ذلك صاحب الشكّ، فلو فرغ من حدّ واعتقد أنّه عرفه ثمّ شكّ بعد أن صار في الثاني وعرف أنّه اعتقد ومضى ولم يعد لجاز له، وكذا لو ذكر في السورة فلم يدر أقرأ الفاتحة أم لا، فالمختار أن لا يرجع إليها، وقيل: يرجع ما لم يخرج من القراءة.
أبو الحواري: من أحسّ بولا خرج منه فله أن يصلّي بإزاره ما لم يعلم أنّه مسّه، فإن أحسّه قاعدا أو ساجدا وشكّ أنّه لصق بسوءته، فحين قام وجد خروجه فله أن يصلّي به أيضا حتّى يعلم ذلك.
فصل
من سهى خلف إمام حتّى لا يعرف ما قرأ أعاد، وقال ابن علي: لا، ويسجد للسهو، وكذا عن غيره.
ومن شكّ في زيادة أو نقص واستيقن على عدد منها أنّه أحكمه أخذ بيقينه، وأتمّ الباقي كمصلّ من المغرب ركعتين يقينا ثمّ شكّ في الجلسة أهي الأولى أم الثانية قام وأكمل الركعة، وإن صلّى ثلاثا لم يضرّه ما زاد بعد التمام، وإن صلّى ركعتين فقد أتمّ.
وقد روي: من شكّ في نقص أتى بالباقي حتّى يشكّ في زيادة. ومن يصلّي ويشكّ صلّى -قيل- حتّى يتيقّن أنّه أتمّ، وقيل: إذا نقق ثلاثا فلا يبدل بعد، وقيل: يصلّي حتّى يخاف فوت الوقت، وقيل: ولو فات وينوي أنّ التامّة هي صلاته.
ومن شكّ بعد الوقت أنّه لم يصلِّ، قال الفضل: لا يبدل، وإن شكّ في القراءة راكعا أو في الركوع خارا للسجود، فقيل: الهوية بينها وبين الركوع هي من القراءة، ويرجع إليها ما لم يصل ركبتيه هابطا إلى الركوع، وقيل: هي منه فلا يرجع إليها، (2/77)
صفحة 600
وكذا إن شكّ فيه خارّا للسجود، فإن ارتفع منه يريد القيام وهو في التجافي ثمّ شكّ في السجود فليرجع إليه، فإن خرج من التجافي إلى القيام فالخلاف السابق. وإن شكّ بعد التاحيّات فلم يدر كم صلّى فعند أبي عبدالله: يعيدها إن لم يتمّها، وعند ابن محبوب: ما لم يتحوّل ولو سلّم، عزَّان (78): لا يعيد إن شكّ بعد أن سلّم. أبو المؤثر: لا يعيدها بعدها مطلقا، وقيل: إن أتمّ إلى الرسول كما مرّ.
ومن ينقضها بالشكّ بعد إحرامه رجع إلى الإقامة والتوجيه، وقيل: لا حتّى يجاوز إلى الركوع، وقيل: يرجع إليه لا إليها، وقيل: إلى الإحرام، وقد مرّ كلّ ذلك، وإن فرغ ولزمته الإعادة أقام ووجّه -قيل- بلا خلاف. ومن قعد للتاحيّات وشكّ أنّه لم يكبّر فله أن يكبّر ما لم يدخل فيها.
فصل
الشيخ عثمان: لا تؤخّر منسية عن وقت الذكر إلاّ إن ذكرت في فريضة خيف فوتها إن قطعت، وإن لم يخف أُدّيت، ثمّ الحاضرة؛ ومن تركها بعد الذكر ولم يشغل عنها لزمته الكفّارة.
أبو سعيد: من قرأ التاحيّات نسيانا في القيام أو غيرها في محلّها ثمّ ذكر رجع إلى ما عليه، وسجد للوهم. وإن قرأ الإمام ذلك أو نسي حتّى سلّم، فإن ذكر قبل أن ينصرف نحو المشرق ويكلّم رجع وسجد، وإن لم يذكر حتّى انفضَّت أو تكلّم ولم يقرأها اختار خميس إعادته، قال: فليراجع.
[256] ومن نسي سجدة وقرأ التاحيّات ثمّ ذكر قال عزّان يرجع إليها ثمّ يقرأها ويوهم إذا فرغ، وإن ذكرها قائما ولزمه أن يسجدها ويقرأها فسدت عليه إذ صار في ثالث.
ومن أحرم ثمّ ذكر الإقامة مضى في صلاته، وإن ذكرها قبله أعادها. ومن وهم وتورّك محلّ القيام ثمّ ذكر فقام بتكبير آخر فلا نقض عليه ويوهم بعد. (2/78)
صفحة 601
أبو عبد الله: من نسي {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} بعد فراغه من السورة في الأخيرة من الفجر فرفع من الركوع فقرأها ثمّ ركع فسدت عند العلاء، وتمّت عند أبي علي ويوهم.
أبو سعيد: من ذكر فائتة أو منتقضة وقام للأخرى بدأ بالأولى إن وسع الوقت، ثمّ الحاضرة ما لم يدخل فيها، وقيل: ما لم يتمّها وقد مرّ، وقيل: لو أتمّها وإن ذكرها بعد وقت الحاضرة صلّى الفائتة، وإن ذكرها بعد أن دخل فيها أتمّها على المختار ولو وسع الوقت.
ومن نسي العتمة إلى الفجر بدأ بها ثمّ بالوتر ثمّ بالسنّة ثمّ بالفرض، وكذا إن ذكر بعد الإشراق.
ولا يكفر جاهل صلاة إلاّ بعد وقتها كما مرّ.
ومن قال لم تفرض عليه انتظر به إلى انقضائه، ثمّ يُستتاب، فإن تاب وإلاّ قُتل.
ومن نام عنها أو نسيها حتّى انقضى صنع معروفا، وقيل: يلزمه في النوم لا في النسيان، وقيل: لا إلاّ الصلاة فيهما، وقيل: يلزمه في العتمة والفجر، وقيل: فيها فقط، وقيل: إن نام عن العتمة حتّى فات وقتها لزمته مغلّظة.
فصل
ابن بركة: جاز لمصلّ أن ينصرف إن كان عنده أنّه أتمّ، وإن لم يتيقّن لما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم وقد سلّم عن ركعتين فقال له ذو اليدين: أقصّرت الصلاة أم نسيت؟ فقال له: «كلّ ذلك لم يكن»، فقال: «صدق ذو اليدين»، فقالوا: نعم، فقيل: بنى عليهما وأتمّها، وقيل: أبدلها وفيه دليل على ما قلنا، ولو كان لا ينصرف إلاّ عن يقين لما انصرف عنهما؛ ولو انصرف عنه لما صدّقهم، قال: وقد عظمت فائدة هذا الخبر.
وجاز الخروج من الفرض وإن غير صلاة لمن عنده ظاهرا أنّه أتمّه. (2/79)
صفحة 602
ومن قام للظهر واعتقده وصلّى ركعة فخطر له أنّها العصر فاعتقده فلمّا صلّى ثالثة ذكر أنّها الظهر فإنّه يتمّها عليها، وقيل: يعيدها.
ومن تيقّن بركعتين منه ثمّ لم يدر أهو في ثالثة أو في رابعة، فقيل: يعيد، وقيل: يتمّ الركعة، ثمّ التاحيّات إلى الرسول، ثمّ يأتي بركعة أخرى والتاحيّات أيضا ويسلّم.
ومن جاء -قيل- إلى مصلّين وفاتوه بشيء فلمّا سلّم الإمام قام مستدركا ما (79) فاته به، فقد صحّت له، وقيل: يعيدها حتّى يتيقّن إذ لا ينفع العمل على الشكّ.
ومن ذكر في صلاته أنّ ثوبه نجس أو أنّه جنب أو غير متوضّئ، فمضى عليها ثمّ تيقّن أنّه غسله أو متطهّر فسدت عليه، وقيل: تتمّ في الثوب، وقيل: في غير الجنابة، وقيل: يعيدها إن علم بذلك في الوقت، وإلاّ فعليه الكفّارة إن فات؛ وقيل: إن صلّى جنبا أو بلا وضوء وقد مرّ ذلك. (2/80)
صفحة 603
الباب الحادي والعشرون
فيما يجوز به قطع الصلاة إن عرض فيها
وقد جاز لمصلّ بمطر إن خاف به ضرّا أو نفور دابّته بسفر أو ليصرفها عن إفساد، أو لصبيّ خاف هلاكه، وكان ابن علي يصلّي بقوم فسمع صائحا على صبي وقع في بئر عند [257] المسجد فقطعها، وانتقل إليه هو ومن معه، وأخرجوه وأعادوها.
ومن ابتلي بمثل ذلك وخاف الفوت فله أن ينجّيه ويدع الصلاة ولو يفوت الوقت.
ولا يقطعها لحاجة والديه أو أحدهما إن أمره بقضائها، وكذا الزوجة لأمر الزوج، والعبد لربّه، ومالم يحرم ورجى إدراكها في وقتها بعد قضاء الحاجة فله أن يطيع ما لم يخف الفوت.
ومن عناه أمر أو نهي ممّا يفوت وقد أحرم فله قطعها إن لم يخفه، وقدّر في حينه على الأمر أو النهي، وأتمّها إن خافه ورجع إليه، وكذا إن كان لا يفوت ولو في أوّله. ومن انتظر الجماعة ثمّ أيس من إتيان الإمام ثمّ قام لها فجاء والجماعة وأقاموا، فإن رجى أن يتمّها قبل أن يحرم الإمام فلا يلزمه قطعها، واختار بعض أن يقطعها ويصلّي معه إن وسع الوقت، ويجعل ما صلّى نفلا ويسلّم عن شفع ولا يهملها بعد أن دخل فيها، وإن دخل في ثالثة ولم ينتظر الجماعة حوّلها نفلا وأتمّه.
أبو سعيد: من رأى رجلا يقتل أحدا خُيّر بين قطعها وتركه إن لم يعلمه تعدية لإمكان قتله بحقّ، وإن علمه ظالما وقدر على نصرة المظلوم قطعها لها، وصلّى كما أمكنه، وإن مضى فيها قادر على إنقاذ حريق أو غريق أو مهدوم بعد رؤيته ضمن الديّة في ماله، وندب له أن يمضي إليه ويصلّي كما أمكنه ولو في معالجته إياه. (2/81)
صفحة 604
ومن رأى دابّة انخنقت وتتلف به فلم ينقذها، فقيل: يضمنها، وقيل: لا؛ وجاز قطعها لما ذكر.
ولقتل حيّة أو عقرب إن غشيته، أو نائما أو صبيا أو نحوهما، أو لصرف دابّة أرادت أن تأكل ولو غذاءه، أو لصرف ذئب عن غنمه أو نحو ذلك إذ لا تتمّ له مع اشتغال قلبه. (2/82)
صفحة 605
الباب الثاني والعشرون
فيما يقطع الصلاة من مارّ أو نجس أو غيرهما
ويقطعها مرور كلّ سبُع وقرد وخنزير وحائض وجنب ومشرك، وقيل: السباع لا تقطعها.
هاشم: ليست الصلاة حبلا ممدودا (80) وإنّما تعرج إلى السماء فيصلها برّ القلب، ويقطعها فجوره، وكذا قال الربيع وابن محبوب.
وقيل: لو غسل الجنب أو الحائض إلاّ جارحة منه لأفسدها بمروره حين لا سترة، وأقلّها عود قدر ثلاثة أشبار ارتفاعا، وقيل: ذراع، وقيل: ولو قدر شعرة في الدقّة، وقيل: لا أقلّ من قدر سواك أو أسلة، وقيل: يجزي خطٌّ كما مرّ عند عدم السترة، وقيل: الحجر وإن صغر خير منه.
ومن صلّى وبين يديه ثوب جنب صرف وجهه عنه، ولا تفسد عليه. ولا على مصلّ خلف نائم إلاّ إن علمه جنبا، وندب له أن يجعل دونه سترة ولو خطاًّ.
ومن وقع عليه نجس فمرّ بين يدي مصلّ، فقيل: يفسدها عليه إن عدمت، وقيل: لا ما لم يمسّه.
وإن مسّه كلب ولو في ثوبه أفسد عليه، وفي كلب الصيد خلاف، والأكثر على أنّه كغيره.
ولا يفسد الوضوء إلاّ إن كان هو والممسوس رطبين، وقيل: يفسدها مرور الحائض والأقلف البالغ ولو مسلما أو معذورا لا الجنب.
ويدع مصلّ عن نفسه ما استطاع بلا علاج.
أبو عبد الله: إن جاءت حائض تمرّ بين يديه أو مشرك، فإن قام تقدّم إليه قليلا ليعلم أنّه يريد دفعه، وإن جلس أومأ إليه برأسه، وكُره أن يشير إليه بيده بلا علاج وتتمّ. (2/83)
صفحة 606
وإن مسّ المارّ لينصرف عنه بلا علاج شاغل لم تفسد عليه. ابن المسبح: له أن يمدّ إليه يده ليدفعه بها ولو قاعدا.
أبو عبد الله: إن أشار إلى كلب بيده أو بثوبه كأنّه يرميه بشيء تمّت له، وفسدت إن رماه به، وبِضم إن كان أمامه لا بنعم إلاّ إن مرّ بينه وبين سجوده عند بعض وقد مرّ.
وقيل: إن مرّ الحائض أو الجنب بين يديه ولم يظهر من بدنه شيئا ولو وجها فلا يفسد لأنّ ثوبه كالسترة، وتفسد بنار موقدة [258] لا بجمر أو مصباح، ولا بسجود على ذي روح طارٍ إن نال أكثر جبهته الأرض، والأكثر على أنّ مرور ذي دم من الحيوان دون سجوده قاطع، لا ما لا يمتنع منه كذباب وبعوض ونحوهما، وفي الخنفساء ونحوهما خلاف.
وإن أقبلت عليه دابّة من أمامه، ففي النقض بها قولان.
وكره استقبال موقدة -قيل- وقبر وإن لغير آدمي، ونائم وجماعة تتحدّث إن لم تكن سترة بلا فساد، وتفسد باستقبال ميتة لا إن كانت يمينا أو شمالا، وإن حملتها (81) دابّة كسنّور ومرّت بين يديه فقولان أيضا إن لم ترفع عنه قدر ثلاثة أشبار، وهو كالسترة.
وإن مرّ أمامه حامل كلب مسلوخ لم يضرّه إن ذُبح لأنّ النجس هو جلده.
وإن تعلّق بمصلّية ولدها أو قعد في حجرها أو حيث تسجد عزلته عن مسجدها، ومضت فيها وتمّت لها لأنّ الصغير لا يقطعها، ولو مرّ دون سجودها. وإن وطئ صبي بالغة فمرّ بين يدي مصلّ ولم يغسل بلا سترة لم يضرّه.
أبو سعيد: الرجل المدبر لا يقطعها، وكره إقباله بلا نقض.
وإن طرحت الريح على مصلّ ثوبا نجسا أفسدها عليه إن مسّه كلّه، لا الطاهر منه إن عزل الثوب عن نفسه، ويدفع عنها بما قدر عليه وإن بيده أو رجله.
أبو سعيد: لا يفسد لحم سبع ولو كلبا أمام مصلّ إن وقع فيه عند من كرهه، وفي لحم القرد والخنزير قطعا وأعضاء خلاف، قيل: يقطع إلى خمسة عشر ذراعا (2/84)
صفحة 607
كالكلب، وقيل: كالنجس إلى ثلاثة، وقيل: ما لم يمسّه، وقيل: قليل النجس ككثيره في قطعه دون خمسة عشر ولو يابسا، وقيل: يقطع إن كان رطبا، وقيل: العذرة الرطبة دون غيرها، وقيل: تقطع فيما دون ثلاثة، والموقدة فيما دون سبعة عشر كالقبر.
ولا تقطع عليه أجنبية إن قعدت أمامه عند الأكثر ما لم يمسّ منها محرّما أو يراه. وإن صلّيا معا واحدة فالأكثر أنّها تقطعها (82) عليه، وقيل: لا ما لم كذلك، وقيل: تفسد عليه فيما دون ستّة.
ويأثم من مرّ بين يدي مصلّ بلا عذر، ولا تفسد عليه مارّة بين يديه عند الموصلي إلاّ إن كانت جنبا أو حائضا أو نفساء.
عزّان: إن كان بين يديه نجس يحاذي صدره أو ركبته أو بينه وبين مسجده لا عن يمين أو شمال نقض عليه وإن لم يمسّه أو ثوبه، وينقض مسّه ولو كان ناحية.
ومن صلّى بثوبه بيض دجاج أفسدها عليه بعض حتّى يغسلها، وأتمّها. أبو الحواري: وإن صلّى وبأمامه عذرة أو بول أو ميتة أو ثوب نجس فسدت عليه إن علم به.
فصل
تقدّم أنّ الكنيف قاطع في أقلّ من خمسة عشر إلاّ إن كان بينه وبين المصلّي سترتان غير جداره بينهما فرجة، وطولهما ثلاثة أشبار، وإن كان بينه وبين الكنيف (83) بيت سمكه خمسة عشر فهو المعتبر، وقيل: المسافة، واختير الرفع.
وإن جمعت عذرة بمحلّ فككنيف، وقيل: حتّى يتخّذ كنيفا ويسمّى به، وهي كما مرّ قاطعة إلى ثلاثة إن رطبت، وقيل: مطلقا، وقيل: لا تفسد إن لم تمسّه ولم تكن بمحلّ الصلاة ومجمع مياه الكنيف مثله، وقيل: كالعذرة وإن ارتفع قدر ثلاثة أشبار أو أكثر، وكان في القبلة قطع دون خمسة عشر، وقيل: لا إن لم يكن أعلا منه أو أسفل. (2/85)
صفحة 608
ومياه المطاهر ليست مثله، وتقطع إلى ثلاثة أذرع.
والماء الذي فيه بول وعذرة -قيل- كالكنيف، وإن كان في ظهر بيت والمصلّي داخله فإن كان أمامه ولو بقليل قطع لا إن كان خلفه أو كان على ظهر البيت والكنيف داخله؛ فإن حاداه تحته أو فوقه أو كان أمامه بعضه أعلا منه أو أسفل قطع إن لم تكن سترتان، وإن كان قدّامه أعلا منه أو أسفل قدر ما يزيد على قامته لم يقطع عليه.
والماء الجاري سترة على المختار، [259] وقيل: لا، وقيل: يقطع، والمختار عدم القطع والطريق لا يدفعه. (2/86)
صفحة 609
الباب الثالث والعشرون
في العمل والعبث والاِستماع
ولا يتحرّك مصلّ إلاّ إن انحلّ إزاره فيشدّه أو يسقط رداؤه فيرفعه. ومن سمع صوتا فتوقّف ليتبيّنه، فقيل: لا نقض عليه إن كان لخوف أو رجاء أو نحوهما، وقيل: يلزمه إن أصغى لغير صلاته أكثر من قدر ما يسبّح ثلاثا، وكذا إن أحدّ النظر إلى شيء ليعرفه. أبو سعيد: إن أحدّه حتّى عرفه أو ألقى إليه سمعه حتى فهمه أو استنشق ريحه حتّى عرفه ونحو ذلك، ولم يشغله عنها، فقيل: تنتقض، وقيل: لا، والمختار أنّه إن تعمّده ولو لم يشغله أشبه العمل والعبث.
وإن خطر بباله حساب فتتابعه حتّى عرفه اختير إعادته إن تعمّده ولو لم يشغله، وإلاّ فالخلف، وكذا في عمل يده.
ومن فكّر في أمر وفي وقوعه وكيف هو والمخرج منه، أو كيف التخلّص منه إن كان أخرويا ولم يشغله أشبه النظر والسمع والشمّ إن لم يتعمّد لذلك في الاِختلاف، وإلاّ اختير إعادته.
ابن جعفر: كنت أصلّي خلف ابن علي الفجر فصاحت صائحة فأمسك عن القراءة ما قدر الله حتّى توهّمنا أنّه فهم ذلك، ثمّ مضى فأتمّ. وقيل: يعيد من فعل مثل ذلك، والنفل أرخص.
ومن تجشّى ففتح فاه ليخرج منه ريح فلا عليه.
ومن قنع رأسه أو كشف عنه القناع من حرّ أو برد فلا عليه.
وإن رفع يده فوق رأسه عبثا أعادها لا إن أساغ ما بفيه ناسيا.
أبو الحواري: من حمل متاعا على دابّة وخاف إن حطّه عنها يعجز عن ردّه عليها أو يقع إن تركه فله أن يصلِّيها إن ضاق الوقت وإن (84) بإماء أو ماشيا؛ (2/87)
صفحة 610
وفسدت -قيل- على من تقدّم أو تأخّر قدر خطوة بعد إحرام لا لعذر، وقيل: لا وله ذلك إلى خمس أو يمينا أو شمالا.
ابن أحمد: من طعنته سلاة أو أشغلته عنها فله أن يخرجها ويبني، وأعاد إن لم تشغله. وإن وضع زمام جمله أو لجام فرسه تحت رجله ليمسكه بها فلا عليه. أبو المؤثر: ولو أمسكه بيده خوفا من هروبه.
أبو سعيد: اختلف في العبث فيها، فقيل: يفسدها مطلقا، وقيل: إن تعمّد أو جهل، وقيل: إن تعمّد فقط.
ومن رأى بثوبه قمّلة فليتركها فيه ويمضي فيها، وإن ألقاها بيده قصدا إلى الفلاية خيف فسادها، وإن ظنّ ذلك من مصالح صلاته ففي فسادها قولان.
وروى أبو سعيد أنّ مصلّيا مسح مسجده أكثر من مرّة، فأمره النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- بإعادتها ورخّص في واحدة كما مرّ، وقال: «لتركها أحبّ إليّ من مائة ناقة سود الحداق».
أبو عبد الله: من حرّك خاتمه بإبهام يد كان فيها فلا عليه، وإن حرّكه بإصبع من أخرى ولو إبهاما فسدت عليه، واختار خميس عدمه إن لم يشغله التحريك عنها، وإن تعمّم أو حلّ عمامته فسدت عليه، إلاَّ (85) إن استرخت فيشدّها بواحدة كما مرّ.
وإن أخرج ثوبه من رأسه أو رفعه إليه أو ارتدى أو التحف أو سوّى ثيابه متمسّكا بها فلا عليه إن كان ذلك من جهة اللباس، ولا يعتاده فيها.
فصل
يُكره لمصلّ أن ينقر أنفه وإن لم يُخرج منه شيئا، أو يُدخل يده بفيه أو منخريْه أو أذنيه، وقيل: تنتقض بذلك. خميس: ونحن ممّن لا يراه. أبو عبد الله: إن أخرج شعرة من منخره فسدت عليه، وقال غيره: لا ولو أخرج غيرها إن كان (2/88)
صفحة 611
لعذر، وقيل: لا بأس أن يُخرج ذرّة أو غيرها من أذنه أو عينه أو غيرهما من بدنه إن أشغله أو خاف ضرّه، وله أن يخرج منه ما يؤذيه ولا يقتله، ولزمه النقض إن قتله.
أبو عبد الله: إن مسحه بيده ومات به فلا نقض عليه، وثبت إن أخذه بها وطرحه لأنّه عمل. وإن صرف عن نفسه بعوضا أو نحوه فقتله فلا عليه.
وإن سال دمعه وخاف دخوله بفيه فله أن يمثّه؛ وكذا من انتخت عينه فله أن يحكّها، وأن يزيل نعله عن مسجده وركبتيه.
أبو عبد الله: يخلع نعليه من رجليه ويتمّ.
ومن أساغ طعاما أو نخامة بفيه بعد أن ظهرت على لسانه وأمكنه لفظها، فقيل: يعيدها. أبو عبد الله: إساغة مثل حبّة أو ما يجري في بزاق لا ينقض، ولا ما خرج من ضروسه من طعام إن ابتلعه، ولا ما أساغه منه ناسيا، ولا إن نقرها بلسانه إلاّ إن خاف أن يقع [260] بفيه ويسيغه فيحرّكه من غير أن يشغله حتّى يصير على شفته فلا نقض به. وكذا ما يعارضه بفيه، يجيله حتّى يصير عليها لا نقض به ولو أخرجه -قيل بيده-، وقيل: يجيله عليها ولا يخرجه، ونقض إن أخرجه.
أبو عبد الله: إن مسحه من على فيه لم ينقض، وإن أخرجه بيده ثمّ طرحه نقض، وإن أجاله بفيه حيث لا يشغله فلا بأس.
ابن محبوب: من تزايد في تثاؤبه نقض وإن لم يسمعه مَن خلفه، أو لم يزايد فيه وسمعه (86). خميس: لا نقض به عندنا ولو سمع لأنّه مغلوب، وله أن يضع أصابعه على فيه إن تثاوب؛ وبعض كرهه، وبعض نهى عنه. وقال بعض: يجعل قفا يسراه على فيه، وقيل: ليس له ذلك، ويسدّ بين فكّيه، وله -قيل- أن يدخل إصبعه بأنفه أو أذنه فيحكّها لما أشغله عنها، وكُره إن لم يكن لمصالحها. وإن وقع عليه ذباب وأشغله عنها فلا نقض به، وإن وقع على منخريه ليطرده اختير النقض به. (2/89)
صفحة 612
فصل
أبو سعيد: من صلّى مكشوف الرأس لم يجز له أن يغطّيه، ولا يكشفه إن تقنّع، ولا يتلحّف مصلّيا. أبو الحواري: إن اضطرّ إليه جاز له من حرّ أو برد، وإن انكشف قناعه فردّه لم يضرّه، وكره إلاّ لضرورة.
وإن عقد الآيات والتكبيرات بيده نقض في الفرض لا في العيدين والنفل وإن كُره له؛ ولابأس بعقده في نفسه.
ومن راوح بين قدميه لا لمعنى فقد عبث، وهو مفسد مطلقا، وقيل: إن تعمّد لا إن نسي ما لم يقم مقام عمل.
وجاز -قيل- لمصلّية أن تُرضع ولدها إن لم يكن به قذر وتحمله إن شغلها بصياحه عنها.
ومن نعس خلف إمام فلمحاذيه من الصفّ أن يحرّكه. ومن أومأ برأسه يريد به لا أو نعم لم تفسد به، ولا بحكّ رِجْلٍ بأخرى إن أكلته أو بيده أو بتحريكها بأدنى حركة يزيل بها ما يؤذيه إن خاف أن يدميه، وله طرده إن وقع ثانية أو أكثر.
أبو سعيد: كرهت المراوحة بين قدميه إلاّ لعلّة. وإن راوح بينهما بلا رفعهما من الأرض فلا بدل عليه. وله أن يتعمّد -قيل- على إحداهما أكثر من الأخرى اتّكاء ولا يرفعها، وإلاّ فالخلف في النقض إن أتمّ على ذلك حدّا.
وإن جعل إحدى يديه على ركبتيه في ركوعه دون الأخرى كُره له بلا فساد. أبو عبد الله: تفسد بتشييد الأصابع.
ومن وجد سلّة في أنفه فمسحه بثوبه، فإن خاف دخول ماء بفيه (87) فلا عليه، وإلاّ فلا يفعل، فإن فعل فخلف في النقض، واختير عدمه إن لم يشغله. وإن مسح بثوبه وجهه من تراب أو عرق أو نفض كفّيه كُره له، وأفسدها بنفضهما.
أبو عبد الله: وقيل: إن قلب الحصى أو تمطّى أو نقع أصابعه، أو تزايد في تثاؤبه، أو غطّى فاه فسدت عليه، وقيل: يُكره له أن يغطّيه أو يعقص شعره، أو يقعي (2/90)
صفحة 613
أو يتربّع، أو يضع يده على خاصرته أو يجاوز بنظره (88) مسجده، أو يكفّ شعره أو ثوبه، أو يعبث به أو بجسده أو يتلثّم، أو يمسح جبهته، أو يسوّي الحصى لسجوده فمن فعل ذلك أخطأ بلا فساد به، ولا بغمض عينيه، وقيل: تفسد به وإن قلّ، وقيل: حتّى يجاوز به حدّا، وقيل: ركعة، وقيل: الصلاة، وقيل: لا ولو غمض فيها كلّها.
ومن نظر إلى السماء أمامه رجى خميس أن لا نقض عليه.
وإن رفع إليه رأسه حتّى نظره انتقضت عليه مطلقا، وقيل: لا مطلقا. وقيل: إن تعمّد لا إن نسي، ولا إن عضّ بأسنانه على شفتيه من خارجهما وإن تعمّد، وكذا إن بلّهما بلسانه إذا جفّتا، وصلح لها.
ومن أضرّه غبار أو دخّان حتّى أشغله عنها أعادها، ولا يصلّي مكروبا منهما.
وإن تثاوب أمسك عن قراءته حتّى يذهب، وإن تحرّك لسانه بها عنده فلا نقض إن بيّنها. ومن اعتلّ ظهره فربّما ضربه بيده فلا عليه إن أصاب به راحة ولم يشغله.
فصل
اتّفقوا على جواز العمل القليل فيها لمصالحها، ويُكره لغيرها وإن قلّ.
أبوسعيد: النفخ فيها مفسد كالشرب بلا خلاف مع العمد وبه في السهو والنسيان، والأكثر على النقض.
ولمصلّ أن يشير إلى مارّ بين يديه كما مرّ بيده [261] يرفعها رفعا لا يردّها ردّا، فإن كان المارّ ناقضا فدفعه بلا شدّة علاج لتتمّ صلاته جاز له ولو بخمس خطوات (89).
ابن علي: إن ضرب يده عليه ناسيا وقد رآه يريد أن يركع أو خاف أن يصرع فذكر صلاته وترك ذلك أعاد.
وقد أُمر أن لا يكفّ شعرا ولا ثوبا عند السجود لئلاّ يقعا في تراب؛ وكفّ الشعر أشدّ منه، وفي فسادها بذلك قولان. (2/91)
صفحة 614
وكُره الالتفات عند الأكثر بلا نقض إن لم يدبر أو يكون عملا لا لها.
وقد مرّ الخلف في العبث، والمدير يعيد اتّفاقا ولو خطأ.
وإن كان بين يديه كتاب فبان له منه شيء ولم يشغله فلا عليه. أبو عبد الله: إن نظر حروفه فسدت عليه.
ومن تعمّد نظر النقش في مسجد أو حسابا فحسبه أعاد وإن لم يتعمّده، وقيل: إنّما تنتقض بنظر لكتاب إن عرفه وقرأه.
أبو سعيد: أربع من الشيطان فيها التثاؤب والنعاس والكسل والتمطّي.
أبو الحواري: إن استؤذن على مصلّية ضربت بيدها على فخذها والرجل يرفع صلاته بتسبيح ولو مرارا، ولا عليها إن سبّحت أيضا.
ومن استرخى إزاره حتّى نظر عورته أعاد، وإن انحلّ قليلا وتماسك تركه. أبو المؤثر: لا يرفعه حتّى يخاف سقوطه.
ومن ابتلّ رداؤه فرفعه عن التراب أو إزاره فأرخى عليه رداءه ليتّقي عنه كُره له بلا نقض.
وإن رأى شبه عقرب فحرّكها لينظر فلا عليه.
وإن خاف أن يدميه ذباب فمسحه بيده ليطرده فلا عليه ولو قتله، ولا يضربه ضربا.
ومن خرج من ضروسه ما (90) كحبّة تين أو دخن أو أكثر ففي النقض بها إن تعمّد ابتلاعها بعد كسر قولان.
ومن سال من منخره مُخاط (91) فدخل فاه فسرطه أفسد صلاته وصومه، وإن غلب عليه فخلف أيضا.
ومن لم يلو بعض عمامته على حلقه ثمّ ذكر فنشر طرفا منها فلوّاه على رقبته يظنّ جوازه تمّت صلاته، وإن أراد به السنّة أعاد عند الأكثر، وقيل: إن علم لزومه وفعله لمصالحها استحسن إعادتها بلا فساد. (2/92)
صفحة 615
وإن حكّ ذكره أو دبره (92) من فوق ثوبه إن أكله، أو أكله ظهره فردّ يده إلى خلفه فحكّه، ولو إلى أقصى ما تناله لم يضرّه.
وإن انكشف ثوبه عن صدره فردّه قبل أن يجاوز حدّا تمّت له.
وفي وضع رِجل على أخرى فيها عمدا قولان.
وإن شكّ أنّه لم يسجد فمسّ جبينه فإذا فيه تراب فلا عليه.
ومن وقع ثوبه من على عنقه فأخذه من الأرض فردّه عليه فلا عليه، أبو سعيد: من آلمه بول فوضع يده على ذكره من فوق ثوبه (93) مستعينا به على صلاح (94) صلاته بلا معالجة، جاز له على ما يشبهه في غيره ولو أمسكه إمساكا.
ومن حرّك يده لعمل ما لا يجوز له فيها ثمّ ذكر امتناعه أمسك عنه. أبو سعيد: ليس ذلك بعمل ما لم يحصل، وهو كالعبث. (2/93)
صفحة 616
الباب الرابع والعشرون
في الكلام والإشارة والضحك والبكاء والتنحنح
فعندنا كلّ كلام بغير ما يقال فيها مفسد مع العمد ولو لمعناها، غير أنّ الإمام إذا سهى بما يخالف فيه جاز لمن خلفه أن يسبّح له على كلّ حال، وقيل: يجهر له بما يقال فيها ليدلّه.
وفي التكلّم بالذكر ببعض الباقيات الصالحات أو بكلّها لقصده قولان كما مرّ إن لم تكن لتنبيهه (95)، وقيل: هو لغير أسبابها مفسد وإن نسيانا أو أرادها به فأخطأ لغيرها من الكلام الخارج عنها.
وإن سهى وقال في حدّ منها ما لا يقال فيه من أمرها لم يضرّها، وفسدت إن تعمّده. وقيل: إن تكلّم بذكر أو قراءة سهوا ممّا لا يقال فيها فقولان، وفسدت عليه -قيل- إن قرأ أو ذكر يريد جوابا.
وإن عنّ له مؤلم فتكلّم بالذكر ساهيا أو مغلوبا فقد مرّ ما فيه، وإن قصد به شكاية وتوجّعا فكالجواب.
وإن ذكر النار فاستجار منها فسدت عليه إن حرّك به لسانه.
ومن وجد بحلقه ما كنخامة وهو بمحلّ السرّ فتنحنح عمدا، ولا يشغله إن تركه فلا عليه، وكذا الإمام إن وجده عند الجهر فتنحنح لبيان قراءته لا نقض عليه، ولو قدر عليها بدون تنحنح غير أنّه يحسنها به أكثر.
أبو سعيد: لا يجيز بعض خلف من يضجر فيها صلاة، وإن بلا عمد.
وإن تنحنح لا لمعنى وحطّ رأسه لا له فعبث، والتنشّج أشدّ فأخافه عملا.
وإن أراد بتنحنحه كلاما أو إسماعا فسدت عليه ولو سهوا، وإن تعايا [262] فتنحنح فالنقض به أولى. (2/94)
صفحة 617
وإن طال السجود أو القعود فظنّ مَن خلفه أنّه نعس أو سهى فتنحنح لينبّهه أو سبّح له فخلاف، واختار خميس أن يسعه إن كان لصلاحها.
وإن ضجر المصلّي وقال: "اخ" أو "اواخ" لا لمعنى، فالضجر عبث وهما ككلام، وهو ناقض.
وفسدت إن تنشّج لدنيوي لا إن كان لأخروي أو لا لمعنى.
وإن طلع من جوفه شيء إلى حلقه وخاف أن يصل فاه فله أن يتنحنح ويبلع ريقه إن رجى أن لا يطلع إن فعل، وقيل: ناقض إذا صار حيث يقدر على إخراجه به.
فصل
أبو سعيد: التأوّه كالبكاء ونحوه، وكذا التنشّج من غلبته لا بأس به، والأنين مثلهما، وقيل: البكاء إذا لم يقدر على إمساكه تتمّ معه ولو لدنيوي.
أبو عبد الله: إنّه كالتنشّج له ناقض إن سمعه مَن خلفه لا إن كان من خوف الله، وعلى ميّت ناقض، وقيل: لا إلاّ إن كان حزنا عليه.
أبو سعيد: الضحك مفسد، وكذا التبسّم لأنّه منه. أبوعبد الله: لا نقض بهما دون القهقهة، ومن عرض له وأمسك عنه وعن الصلاة حتّى ذهب عنه ثمّ مضى فيها فلا عليه ما لم يعد فيه.
ومن قال فيها: الحمد لله أو أستغفرُ الله أو صدق الله أو نحو ذلك فسدت عليه، ولو ناسيا، وقد مرّ ما في ذلك.
ومن نعس فانتبه وتكلّم بغير القرآن أو بما يقال فيها لا في مواضعها سجد، وإن كان على وجه الرؤيا فلا عليه حتّى يتيقّن أنّه تكلّم بذلك، وإن لم يعلم أنّه نعس فاليقظة أولى به. (2/95)
صفحة 618
الباب الخامس والعشرون
فيمن يعنيه مخاط أو بزاق أو نحوهما
فمن عناه مُخاط فيها فحفر له في الحصى أعاد إن دفنه وإلاّ فتركه حتّى فرغ ودفنه فلا، ولا يفعله بمسجد (96).
أبو المؤثر: يحفر تحت قدمه اليسرى بها ولو مرّة بعد مرّة، ويتمخّط حتّى يسترها ولا عليه، وإن حفر بيده أعاد، وإن اجتمع بفيه بلغم وخاف أن يشغله عنها وبزق به على هيئته فلا عليه إن لم يمل وقد أُمر بذلك.
ابن جعفر: من جاءته نخاعة (97) أو بزاق أو مخاط فرمى به في نعله أو بالأرض، أو تحت حصير إن أمكنه رفعه فلا عليه.
ابن محبوب: إن تقدّم مسجده أو تأخّر عنده عن موضع قدميه أعاد، وقيل: لا إلاّ إن زاد على خمس خطوات، وكُره له أن يجعل إحدى نعليه على الأخرى إذا بزق فيها إلاّ إن كانت فوقها فرفعها ثمّ بزق فردّهما بحالهما فلا بأس.
أبو عبد الله: يضعهما ولا يفرّقهما، فإن فرّقهما أعاد، وإن حفر بيسراه قائما أو بيده اليسرى جالسا فلا بأس ولو دفن، وكذا إن بزق في ثوبه.
أبو عبد الله: لا يبزق فيه إلاّ إن كان في الكعبة لما روي: «لا تبزق فيه (98) إلاّ فيها»، ويمثّ خارجا من منخريه من مخاط، ولا يتعمّد لقلع ما لم يخرج.
أبو عبد الله: يقذف ما يسيح منه ولا بأس بإعراض وجهه إن بزق على يساره (99).
أبو معاوية: من صارت نخاعة (97 مكرَّر) على لسانه فسرطها أعاد؛ وقال غيره: إن كانت من صدره وإلاّ فلا ولو من الحلق، وإن نخعها حتّى صارت على لسانه فتعمّد سرطها، فإن كانت من رأسه أو من حلقه تمّت له وإلاّ فسدت عليه إن تعمّد لا إن أخطأ. (2/96)
صفحة 619
وكُره له أن يبزق يمينه ولو في غير الصلاة كقدّامه بلا فساد فيها، لأنّ الملائكة يمينه، والشيطان يساره.
وإن أجالها بلسانه على فيه وأخذها بثوبه أو بيده (100) [263] فكالعبث كما مرّ.
ومن تجشّى ووجد ريحا فلا عليه إن كان إذا تركه عناه مرّة أخرى. أبو عبد الله: إذا (101) اجتلب الجشى نقض لا إن أتاه بغير اجتلاب. أبو سعيد: إن كثر عليه البزاق فليسلخه من فيه سلخا لا تفلا، وحسن له أن يسرطه ولا يدعه يجتمع، وإن تركه يسيل من شفتيه ولا يمثه بثوبه فلا عليه.
ابن محبوب: إن بزق قائلا يمينا أو بين يديه فلا عليه، وكره له أن يقعد لنخاعة يقذفها في نعله بل بكبّ عليها ويأخذها ويقذفها فيها ويردّها بحالها، ولا نقض إن قعد.
ومن (102) نعس حتّى أدبر فله أن يبني.
ومن ظنّ أنّه أتمّ فأدبر ناسيا فسدت عليه، وإن نعس خلف الإمام فسبقه بركعة ثمّ انتبه فليهمل ما صلّى، ويدخل معه من هناك.
وإن غاب عقله حتّى قرأ أو ركع فسدت عليه، لأنّه فاته الاِستماع.
وإن دخل في التاحيّات فنام حتّى سلّم أتمّها بعده، وفسدت إن لم يدخل فيها.
أبو علي: إن قعد لها فنعس حتّى قام وأتمّ، ثمّ انتبه بنى على ما صلّى وتمّت له، وقيل: إن نام في الأوّليتين فانتبه بعد تسليمه أعادها.
أبو عبيدة: لا يعيد ويتمّ الباقي. وإن غشيه النوم وعجز أن يفتح عينيه كأنّهما يبستا فإن عالجهما حتّى فتحتا أو بقيتا كذلك حتّى أتمّها تمّت له إن لم يشغله ذلك. وإن نعس حتّى وقع على جنبه، فقيل: يبني، وقيل: يبتدئ، وفسدت إن غلبه على سدّ عينيه، وقيل: لا. وجاز إيقاظ نائم للصلاة. (2/97)
صفحة 620
الباب السادس والعشرون
في الداخل في الصلاة بلا طهارة أو تعمّد تركها، أو منع غيره منها، وفي البدل والكفّارة
فمن دخل فيها ناويا أداءها بلا وضوء أو بثوب نجس ثمّ بان له أنّه غسله، أو لبس طاهرا لغيره أو أنّه توضّأ فسدت -قيل- لسوء نيته، وقيل: تمّت مطلقا، وقيل: في الثوب، وقيل: فيه، وفي الوضوء لا في الجنابة، وقيل: ولو أدّاها ناسيا ثمّ علم في الوقت فإنّه يعيدها فيه، وإلاّ لزمته الكفّارة إن فات، ولا يسعه جهله. ولا تلزم مصلّيا بنجس ببدنه أو بثوبه ولو علم به، وإن صلّى جنبا أو بلا وضوء ففي لزومها قولان.
وإن تعمّد تركها لزمته، والبدل والتوبة، ويبدل أيضا من تركها بسكر حتّى فات.
وإن ترك صلوات، فقيل: لكلّ كفّارة، وقيل: عليه واحدة. ولا عذر لمن تشاغل عنها ذاكرا لها حتّى فات.
ولا تُترك لذهاب مال ولا لعمل دنيوي، بل تؤدّى بما أمكن.
ومن قعد يتحدّث ويظنّ الوقت واسعا وقد علم بدخوله، ثمّ وجده ضيّقا فإن فاتته كفَّر مغلّظة، وقيل: يصوم عشرة، وقيل: يجزيه الندم والتوبة.
ومن فسدت عليه صلوات أبدل الفرائض وتاب، ويؤمر ببدل سنّة الفجر والمغرب.
ومن تعمّد ترك السنن أساء ولا كفّارة عليه؛ وفي لزومها بترك الوتر قولان، والأكثر على عدمه، وقيل: يصوم يومين أو ثلاثة، أو يطعم كذلك.
ولا تُترك الفريضة وإن بحال حرب أو غرق، وتؤدّى بما أمكن وإن بتكبير أو نية.
ومن شغل عنها لا بدنيوي أو ناسيا أو بعجز فليس عليه إلاّ البدل.
ومن جهل فعلها على ما أمكنه لزمه أيضا، وفي الكفّارة خلاف. (2/98)
صفحة 621
ومن قام لصبح عند الإسفار فتمهّل في الوضوء حتى طلعت الشمس فالأكثر على لزوم التوبة لا الكفّارة وقد مرّ.
ومن نام عن العتمة على أن يقوم بوقتها فانتبه وقد أصبح وصلاّها والوتر لزمته واحدة لهما. ومن منع عبده عن حاضرة حتّى فات وقتها (103) لزمته -وقيل- التوبة، ويبدلها العبد، وإن ضربه حتّى أغماه وفاتته لزمته أيضا، وكذا إن حبسه ولم يطلقه عند الأوقات، ويؤدّيها العبد بقدر الإمكان.
ومن أخذه ظالم في الوقت ومنعه منها حتّى يؤدّي له دينارا أو أكثر فله أن يؤدّيه له ليحرز دينه إن قدر عليه، أو على أن لا يضرّه ضرّا يُهلك به هو أو عياله، أو واحد [264] منهم. وإن لم يكن له ذلك أو كان ويؤدّيه دفعه إلى ذلك جاهده بما قدر.
وإن خاف أن يغلبه ويقتله صلّى ولو بإيماء أو نية.
ومن مُنع ولم يصلّ بممكن له جهلا، ففي العذر والكفّارة قولان، وإن قيل لمسافر: لك أن تجمع فترك الصلاة حتّى رجع لبلده أبدل وكفّر.
وإن تعتّمت مسافرة ولم تقرأ فيها إلاّ الفاتحة أبدلتها ولا تُكفّر.
ابن عثمان: إنّما تلزم من تعمّد ترك صلاة ديانة.
أبو الحواري: يلزم تاركها خطأ أو نسيانا بدلها، وعمدا الكفّارة أيضا؛ وتجزي واحدة، وقيل: البدل فقط، وقيل: التوبة عنه وعنها، لأنّ حقوق الله تأتي عليها التوبة.
وإن ترك متتابعات لزمته واحدة. وإن صلّى ثمّ ترك ثمّ صلّى أبدل وكفّر ثانية. وإن ترك بسبب واحدة أجزته واحدة، فإن أضاعها لسبب آخر لزمته ثانية، وقيل: لا كفّارة عليه إلاّ إن تعمّد تركها لغير عاهة، ولا لجهل ولا لتشاغل. وقيل: إلا إن تعمّد مقرّا بفرضها، وقيل: لا تلزمه إن تركها على كلّ حال، وإنّما يلزمه البدل، وقيل: لا يلزمه إذا تاب ممّا ضيّع ورجى الغفران مع التوبة.
وقيل: الكفّارة عقوبة ولا تكون إلاّ على ذنب، ولا يقع إلاّ عن قصد وعمد.
واختلف فيمن ضرب أحدا فأغماه حتّى ذهبت عنه صلوات، فقيل: عليه الأرش والكفّارة، وقيل: الأرش فقط، وقيل: إن ضربه وقت الصلاة لزمته لا إن في غيره. (2/99)
صفحة 622
ومن ترك تكبيرة الإحرام أو القراءة جهلا أو عمدا لزمه البدل، وقيل: والكفّارة أيضا، وقيل: لا ولا.
وقيل: من جهل حدّا منها كمن جهلها. وقيل: حتّى يجهل ركعة. وقيل: من جهل ما ينقض الوضوء ويصلّي بلا إعادته فقد لزماه.
ومن سافر ولم يجد ماء وجهل التيمّم فلم يصلّ حتّى وجده، ففي الكفّارة عليه قولان.
ومن يداخله الرياء والإعجاب فيها تاب وتمّت له، وإن نوى أن يصلّيها لهما لا لأداء الفرض، ولا أحرم عليه تاب وأبدل، وكفّر إن لم يبدل في الوقت بنيته.
ابن محرز: من توضّأ ثمّ أحدث ثمّ توضّأ من حدثه ونسي، وتعمّدها بلا وضوء فإن ذكر الثاني فيها تمّت له وإلاّ فقد مرّ الخلف. (2/100)
صفحة 623
الباب السابع والعشرون
في التواني عن الصلاة والتارك لها والناسي ونحو ذلك
ومن أجنب ليلا فنام إلى الاِحمرار ولم يجد ماء ولا ثوبا فغسل، ثمّ قعد حتّى يبس، ثمّ صلّى في ثوب به جنابة بعد الوقت، اختير له أن يبدلها بطاهر لأنّه غسله وقعد حتّى فات، ونُدب له إن فات أن يغسله ويصلّي فيه إن لم يجد طاهرا أو وجد مضطرًّا إلى ذلك.
ومن نسي صلاة حتّى فات وقتها وحضر وقت غيرها، فقيل: مخيّر، وقيل: يصلّي الفائتة إن لم تكن بينهما صلاة فإن كانت جاز بأيّهما بدأ، وقيل: لا فرق.
ومن نسي حضرية ثمّ ذكرها في سفر وفات وقتها صلاّها حضرية، وإن لم يفت فقولان.
وإن نسي سفرية فذكرها في الحضر وفات وقتها في سفر صلاّها سفرية، وإن نسيها فيه، ثمَّ دخل الحضر فيه، ثمّ ذكرها بعده فيه أو في سفر قضاها سفرية.
ابن بركة: إن ذكر سفرية في حضر صلاّها قصرا عندنا، وقيل: تماما لقوله تعالى: {وأقمِ الصلاةَ لذكريَ} (سورة طه: 14)، ولما روي فذلك وقتها إلاّ إن دخل في سفر وقت صلاة، فتركها حتّى دخل الحضر فيه فإنّه يصلّيها تماما.
ومن خرج من وطنه وقت حاضرة فتركها إلى حدّ السفر والوقت باق فالخلاف.
ومن فسدت عليه فيه أبدلها قصرا ولو في حضر، والفرق أنّ الناسي يلزمه الفرض في الوقت. (2/101)
صفحة 624
ومن فسدت عليه يلزمه وقتا صلّى فيه؛ فحين علم بالفساد لزمه البدل، وهو ليس إلاّ كالمبدل منه، وزال عنه الفرض بالفعل وهذا فرض ثان لزمه في الوقت من جهة العمد. (2/102)
صفحة 625
الباب الثامن والعشرون
في صلاة الراكب والماشي والخائف
فالراكب والماشي يصلّيان بإيماء، ولا حدّ عليهما في وضع اليدين، ويصلّيان حيث توجّها، ولا يقطع عليهما مرور [265] (104) مارّ إلاّ إن وقف فيها.
والراكب إن ارتفع عمّا يقطع قدر ثلاثة أشبار فلا يقطع عليه ولو قام إلاّ الكنيف على الخلف.
والقائم والقاعد والنائم يقطع عليهم لتعيّن الجهة عليهم بخلافهما، لأنّهما يستقبلان بعد الإحرام حيث توجّها.
ومن عجز أن ينزل عن دابّته لصلاة أو وضوء تصعّد بغبار الأداة إن كان فيها، وإلاّ ضرب ثيابه.
وإن صلّى على دابّته فزاغت على الطريق فله ردّها إليه، وأن يحرّكها إذا وقفت.
أبو سعيد: من ركبت مع صبي فلم تجد من ينزله ولم يسهل لها النزول، ولا وجدت ماء عُذرت وتصعّدت وصلّت بإيماء. وإن جهلت وصلّت بلا تيمّم لزمها البدل، وقيل: الكفّارة أيضا.
وإن خاف فوت دابّته أو الضرّ بنزوله أو فوت أصحابه أو له عذر صلّى راكبا قاعدا ولو في محمل يمكنه القيام فيه.
أبو عبد الله: إن خاف النزول لها حتّى فات وقتها أساء، وندب له أن يصلّيها راكبا ولا تلزمه كفّارة إن تركها، وتلزمه إن كان ماشيا ولو خاف، وقيل: إن خاف الراكب من عدوّ إن نزل ولم يكن باغيا فله أن يصلّي عليها، فإن كان طالبا أو باغيا صلاّها تامّة، وإن كان منهزما مطلوبا صلاّها مسايفة خمس تكبيرات لكلّ، وقيل: ستّا حيث توجّه. (2/103)
صفحة 626
ابن المسبح: لم يسمح الجمع بالتكبير عند الضراب، وإنّما هو لخائف على دمه إن طلب ولم يبغ.
فصل
إن عنى قوما عدوٌّ وتقاتلوا وحضرتهم الصلاة أحرموا مع الإمام معا فتواجهه طائفة، وأخرى تصلّي مع الإمام ركعة ثمّ تواجهه، وتأتي الأولى فتصلّي معه أخرى، فإذا سلّم سلّموا جميعا.
ومن صلّى على حال خوف أو قتال أو مرض أو راكبا، أو غير ذلك بما أمكنه ثمّ زال عنه في الوقت فلا إعادة عليه، وإن دخل فيها بأفضل الحالين فاضطرّ إلى أرخص منه لمرض أو غيره بنى على أفضل حال، وإن دخل فيها على حال الرخص ثمّ زال عنه وقدر على أفضل ابتدأها به، وقيل: يبني في الحالين، واختاره خميس إن خاف الفوت، وإلاّ ابتدأها، وإن انهزم عدوُّ الطالب عنه وأمن رجوعه عليه صلاّها صلاة أمن، وإن في سفر وما كان في مكرارة، مرّة يفرّ ومرّة يكرّ يصلّيها صلاة خوف.
وصلاة الحرب ركعتان لكلّ صلاة إلاّ الوتر، وتقرأ الطائفتان التاحيّات إن أمكن لهما فالإمام له ركعتان وأربع سجدات، وللقوم ركعة وسجدتان، واختُلف في جوازها بعد النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-، فقيل: تجوز، وقيل: لا، والكلام فيها كثير ويغني ما ذُكر.
خميس: لا تجب لمن حضر القتال الجمع بتكبير لرجاء انجلائها قبل فوت الوقت. وقيل: من صلّى صلاة حرب فلا يبرح من موضعه ممّن كان في نحر العدوّ إلاّ إن تاه، وإن التفت لغير أمر القتال خيف عليه النقض؛ وتُصلّى بأذان وإقامة. وجاز أن يؤمّهم غير الإمام ويكون هو خلفه، ولا تلزمهم سنّة الفجر والمغرب، فإن صلّى بعضهم (2/104)
صفحة 627
جماعة وبعضهم فرادى جاز، وكذا تماما وقصرا، وهي رخصة، ولا يهلك من صلاّها كما أمكنه، وإن بتيمّم إن تعذّر الوضوء أو بنيته.
عزّان: لا تصلح صلاة الحرب إلاّ لعسكر له إمام وجماعة لا لواحد. (2/105)
صفحة 628
الباب التاسع والعشرون
في صلاة من في السفينة
فمن ركب البحر لسفر يتعدّى فيه فرسخين قصّر حين يركب، وإن لم يجاوزهما. ومن قدر أن يصلّي فيها قائما أتى بها بسجود على نبات، وإلاّ فقاعدا بإيماء إلاّ إن وجد خشبة منها فليسجد عليها ولو قاعدا، وقيل: على موثوق بمسامير لا على متحرّك برقع ووقع.
وإن وضع حصير على غير نابت سجد عليه؛ واختار ابن المسبح القعود والإيماء.
وإن اشتدّ الموج وخاف فله أن يمسك حبلا أو خشبة أو شيئا منها، ولهم أن يصلّوا جماعة، وإن بلا صفوف لا بتقدّم أمام الإمام، وليكونوا خلفه وحذاءه يمينا وشمالا، ولو أسفل منه أو أعلى إن كانوا يرونه أو بعض من يصلّي بصلاته، فإن أمكنه القيام والسجود أو لبعضهم معه صلّى الباقي كما أمكن لهم.
ولا يجوز لمن خلفه أن يصلّي قائما خلف قاعد، ولا أن يسجد وراء مؤمٍ. وجاز أن يصلّي إمام بعد إمام ولو في وقت، وليست كمسجد. ومن يصلّي على شيء ويسجد عليه فرفع عنه أومأ لباقيها، وكذا إن أومأ أوّلها ثمّ صار بين يديه ما يمكن أن يسجد عليه في الباقي.
أبو عبد الله: إن صلّى على غير نابت لا يمكنه السجود عليه وأمكن لمن خلفه لم يجز لهم أن يصلّوا بصلاته، ويصلّي كلّ وحده أو يصلّي بهم غيره إن أمكنهم السجود عليه، ويحرِمون إلى القبلة ثمّ لا عليهم إن تحوّلت عنها بعدُ.
ابن بركة: قال كثير منّا من صلّى فيها سائرة قعد ولو قدر على القيام، وقاسوها بالدابّة، ثمّ قال فريق من هؤلاء منهم ابن علي يومئ ولا يسجد لأنّه قاعد ولو في برّ أو مسجد، وفريق يسجد إن كان فيه وتمكّن من الأرض. (2/106)
صفحة 629
ولا يسجد على ظهر محمل، ولا ببطن سفينة، ومنهم ابن محبوب؛ وقال قوم: يصلّي قاعدا إذا سارت، وقائما إذا وقفت وقدر منهم ابن قحطان وآخرون قاعدا، ويسجد على أيّ حال كانت على ما مرّ من لوح أو نابت موثوق لا على متاع، وقوم على كلّ ما يتمكّن عليه، وقيل: قائما إن قدر.
ويسجد على متمكّن عليه من ألواحها.
الربيع والبصريون: قائما إن قدر فيما وجد، ولا يزول فرض القيام إلاّ بالعجز عنه. ويسجد على كلّ نابت ولو متاعا.
موسى: هو كمصلّ على وحل أو ماء يقوم ويركع، ويومئ للسجود.
وإن أصابهم الخبّ وعجزوا أن يتوضؤوا تيمّموا، وإن بغبرة المتاع إن وجدوا، وإلاّ نووا الوضوء، فإن أمكنهم بعد في الوقت أعادوها به، وإن فات فقولان.
ابن محرز: من ذكر فيها فاسدة عليه في البرّ صلاّها قائما، وهل تجب فيها الجماعة أم لا؟ قولان، والمختار منهما الوجوب مع الإمكان.
وإن أحرموا للقبلة ثمّ تحوّلت فلا يدخل إليهم أحد بعد إلاّ إن رجعت إليها.
وإن صلّت جماعة في صدر المركب وأخرى في مؤخّره واحدة في وقت، وكلّ يسمع قراءة الأخرى وتكبيرهم كره ذلك لهم، وقيل: جائز. ولفذّ أن يصلّي وحده ولو حذاءها. وللنساء أن يصلّين جماعة بصلاة الإمام حيث يسمعنه.
فصل
من عجز أن يحمل نفسه في المركب ليقوم لوضوء وصلاة تيمّم، وصلّى كيف قدر، وإن لم يحفظ كبّر خمسا.
ومن أحرم إلى القبلة وتحوّلت أتمّ حيث توجّه، ولا يتحوّل إليها ولو أمكنه، ولا يتوقّف إلى أن ترجع إليها، فإن وقف لذلك خيف عليه النقض. (2/107)
صفحة 630
وإن انكسرت فلباق على خشبة أو أداة أو غيرهما أن يصلّي عليه ولو بالتكبير. وإن كان فيها حبّ أو تمر أو نحوهما ألقى عليه حصيرا أو نحوه وسجد عليه.
ابن بركة: من غلبه قيء فيها توضّأ وصلّى إن عقلهما وإلاّ كبّر، ولا بدل عليه. ولا يصلّي ومشرك قدّامه، وله أن ينتظر تحوّله إلى آخر الوقت إن رجاه، فإن تحوّل منه صلّى وإلاّ ولم يقدر على موضع آخر صلّى كما أمكنه، ولا نقض عليه إن لم ينتظره إلاّ إن تحوّل في الوقت، لا إن زال ناحية.
وإن سجد على لوح مرتفع قدر ذراعين وسجوده أخفض من ركوعه لم يضرّ.
أبو عبد الله: إن سجد الإمام على غير نابت ومن خلفه على جائز لهم أو على ممكن أكثر منه لم يجز لهم أن يصلّوا به، بل يصلّي كلّ وحده. ولا يصلّي -قيل- في النوارج إن غنموها إلاّ إن طرحوا عليها نابتا طاهرا.
أبو المؤثر: لابأس أن تصلّي النساء فيها وسط صفّ الرجال أو قدّامهم لا قدّام الإمام، وأن يصلّي الرجال خلف الشراع وهو أرفع منهم أو أخفض، ولو كانوا في الجمّة وهو في القنبار أو بالعكس إن لم يتقدّمه أحد، ويصلّي الأعلى بصلاة الأسفل لا [267] عكسه إن كان بينهما رفع ثلاثة أشبار، وهي كالبرّ فيه.
ومن كانوا في البلاليج فلهم أن يصلّوا بصلاته إن كان بينهم وبين أهلها باب أو كوّة قدر ما يخرج منها رأس إنسان ولم يتقدّموه. ولأهل كلّ بليج أن يصلّوا وحدهم جماعة. أبو المؤثر: أيضا إن كان بابه بينهم وبين أهلها أقلّ من ثلاثة أشبار فلأهله أن يصلّوا بصلاته إن لم يكونوا أسفل منه، لا إن ارتفع الباب عنهم ثلاثة أشبار.
وإن كان بين بليجين كوّة فلأهلهما أن يصلّوا جماعة أهل كلٍّ وحدهم، ولا يصلّون بصلاة إمام فوق السفينة.
وتصلّي امرأة وإن بين رجلين بصلاته ما لم يمسّوا جسدها، وإن من ثوبها، ولا بأس بمسّه دون جسدها، فإن مسّوه من تحته فسدت عليها، وعليهما إن تعمّدا، وإلاّ فلا. وكره أبو المؤثر أن يتماسّا وإن خطأ، وقال غيره: لابأس بمسّ ما دون الفرج خطأ في نقض الوضوء، وكذا في مواضع العذر فيها. (2/108)
صفحة 631
الباب الثلاثون
في صلاة المريض وذوي العِلل
فإن شقّ عليه أن يصلّي قائما قعد وأومأ للركوع، وسجد إن قدر وإلاّ أومأ لهما، وإن عجز أن يقعد أومأ نائما، فإذا صار لا يحفظها ولا يتمّها كبّر لكلّ ولو وترا خمسا، وله أن يجمع ويستقبل إن أمكنه.
وإن كان لا يحفظها إلاّ بمن يتبعه قرأ له، وإن لم يحفظ التكبير فلا عليه أن يكبّر عنه، فإن أراد الجمع جرّ الأخيرة إلى الأولى.
ومن يصلّي قائما ثمّ ضعف فله أن يتمّ ولو نائما، وإن قوي في العكس ابتدأها، وكذا إن صلّى إحداهما نائما أو بتكبير ثمّ استراح تمّت له بذلك، وأخّر الثانية إلى وقتها إن قدّمها، وصلاّها بما قدر.
ويستحبّ لعاجز عن التكبير أن يكبّر له غيره ولو امرأة، ويتبعه بلسانه إن قدر وإلاّ فبقلبه. ولا يكبّر له إن كان لا يفهم.
هاشم: يومئ مريض على محمل إن كان فيه وثقل ولو قدر على النزول بمشقّة، لأنّ الدين يسر. وإن كان على فراش وشقّ عليه أن يستقبل صلّى حيث كان وجهه.
ويتيمّم المبطون ويصلّي إن أمسك حتّى يتمّ، وإلاّ كبّر خمسا، وقيل: يصلّي ولو مسترسلا قاعدا على حفرة، وقد مرّ لا في مسجد؛ ولا (105) مصلّى كمستحاضة. ومن به سلس بول أو دم لا يرقا وهو المختار، وإن كان الأوّل أنظر.
وإن كان المريض على فراش نجس وشقّ عليه التحوّل عنه صلّى عليه، والجائز له القعود فيها هو من يشقّ عليه القيام ويعجز أن يأتي بها تامّة فيه.
وقيل: حدّ المشقّة العاذرة له هو أن يؤلمه تحمّل القيام ويشغله، أو يخاف ضرّا بتحمّله. (2/109)
صفحة 632
ابن محبوب: يتصعّد من لا يقدر أن يتوضّأ بنفسه. عزّان: لا يتيمّم حتّى لا يجد من يوصله الماء، وقيل: من لم يعقل بمرض، وثقل لسانه عن التكبير فليقدّر الصلاة في نفسه إن أمكنه.
وليس على مصلّ به توجيه، ويكبّر خمسا، وتكبيرة الإحرام سادسة، وقيل: لا يلزمه الإحرام، وعليه الأكثر والعمل.
ولابأس أن يكبّر الحائض والجنب لمريض ولو وُجد طاهر.
وإن عجز عن قعود واستناد بنفسه صلّى نائما، ولا يسنده غيره، وقيل: له أن يستعين به إن وجده.
ومن جمع بتكبير أوّل وقت الأولى ثمّ استراح فلا يعيدها ولو بقي، ويعيد الأخيرة إذا دخل وقتها بتمامها إن قدر، وكان في وطنه.
وجمع المسافر تامّ، ولا يعيد إذا زال عنه الوجع لأنّ له أن يجمع ولو أوّل الوقت، ويبتدئها قائما ولو يخاف الفوت، ويتمّها ولو بعده. ولا توجيه ولا تسليم مع التكبير. هاشم: يوجّه له بسبحانك اللهمّ وبحمدك.
ومن ثقل عليه جرحه إذا تورّك ويخاف أن يسقط دواؤه إذا ركع فإن لم يمنعه من القيام إلاّ سقوطه، اختير له أن يقوم. وإن شقّ عليه التورّك جلس أهون الجلوس ولا عليه. أبو سعيد: يومئ برأسه قاعدا، ولا يحرّك يديه ويكون إيماؤه لسجوده أخفض منه لركوعه، [268] ويجعل يديه على فخذيه له، وعلى ركبتيه لسجوده، وينكّب لركوعه منحنيا ظهره قليلا، ويضعهما على فخذيه، ويطأطئ برأسه وبدنه لسجوده حتّى لا يبقى منه إلاّ وضع رأسه ويكون يداه على ركبتيه. ولا يترك -قيل- إلاّ ما عجز عنه. (2/110)
صفحة 633
فصل
قيل: من يومئ قائما للركوع، يضع يديه على فخذيه، وفي السجود على ركبتيه، وقيل: إن أومأ قاعدا يضعهما على فخذيه لهما، ويخفض رأسه في السجود أكثر، ويقعد مكان القيام كما أمكنه.
وقعود التاحيّات في الواجب فيه القعود، وإن لم يمكنه حتّى على ركبتيه أو يقعد على إليتيْه، ويرفعهما وإلاّ فالتربيع أهون من مدّ رجليه أو إحداهما، وإلاّ قعد كما أمكنه.
وإن عجز عن قيام وقعود صلّى نائما على الأيمن مستقبلا إن أمكنه، وإلاّ فعلى الأيسر، وإلاّ فمستلقيا ورجلاه ناحية القبلة، وقيل: مخيّر في ذلك، ولا عليه وهو كالصحيح في القطع عليهما.
ومن عجز عن التورّك شمالا تورّك يمينا، وإن عجز عنه فيهما جثى، فإن عجز تربّع، وإلاّ نصّب ركبتيه قاعدا على إليتيه، وإلاّ مدّ رِجليه بممكن له، وإلاّ قعد، وإلاّ أقعى على قدميه، وإلاّ صلّى كما أمكنه. وقيل: إن عجز عن الركوع زال عنه فرض القيام، وقيل: يقوم ويومئ له، ويقعد ويومئ للسجود، ويقرأ التاحيّات قاعدا، وهو -قيل- حسن.
ومن يصلّي قاعدا فأفتاه مفت أن يرفع حصاة إلى جبهته فيسجد عليها فلا بدل عليه، ولا كفّارة إن فعل ولو غير ثقة.
أبو سعيد: يومئ قاعد ولو أمكنه السجود، إلاّ إن صلّى في مسجد أو مصلّى على ما جاز عليه إن لم يرفعه لنفسه؛ ويسجد كالقائم على نابت لثبوت ذلك في العذر، ومنه أن لا يمكنه تحويله أو التحوّل عنه لثبوت السجود عليه، كثبوت القيام والقعود، وقيل: إن عجز أن يركع أومأ له وإن بعينيه، وإن قدر أن يضع بعض مساجده في الأرض ككفّيه أو ركبتيه أو قدميه أو جبهته فعله، وإلاّ فلا عليه. (2/111)
صفحة 634
ورُخّص لمعالج عينيه أن يصلّي مستلقيا للخوف على البصر، وجاء الأثر بزوال الفرائض عند الضرورة فيما دون ذهابه بعاهة كجدري، والبصر أشدّ عدما من غيره، ولابأس بذلك عندها إن رجى فيه عافية، أو خاف زيادة علّة بتركه.
فصل
أبو إبراهيم: جاز لمن صلّى ركعتين قائما أن يتمّها جالسا إن اعتلّ، وإن صلاّهما وجلس لما به فصلّى ركعة ثمّ استراح أعادها قائما إن لم يقم، وكذا إن قعد له ثمّ استراح يبتدئها بقيام، وإن ابتدأها نائما فكذلك، وقس على ذلك.
وقيل: يكبّر العاجز للظهر والعصر والعتمة إحدى وعشرين تكبيرة، وللمغرب والوتر ستّ عشرة، وللفجر إحدى عشرة لأنّ لكلّ ركعة خمسا سوى الإحرام.
أبو سعيد: لا فرق عندي في إجازة الجمع عند خوف الضرّ أو حدوث المرض في القيام بالصلاتين كلّ بوقتها من كلّ ما كان من مرض، إلاّ أنّه قيل: إن جمع المقيم لما يجوز به الجمع وقت الأولى لزمه إعادة الأخيرة إذا حضرت، ولا يجزيه هنا، وتمّت الأولى إذ (106) صلاّها في وقتها وقد مرّ، وقيل: لا يعيدها لأنّه صلاّها بعذر السنّة، وقيل: يجمع ذو العلّة وسط الوقت، وقيل: آخره، وقيل: متى شاء.
وجاز لمن قام بمريض أن يمسكه حتّى يفرغ من صلاته، وله أن يصلّي ولو على بردعة إن اضطرّ.
وإن نجس ثوبه وعجز عن نزعه صلّى به كما مرّ.
وإن طرح عليه طاهرا صلّى به أيضا.
وإن صلّى على جنبه فنعس حتّى غاب عقله أعادها، وفي الوضوء قولان. وإن كان كلّما استمرّ في صلاته نعس صلّى على ما قوي، فإن خاف فوتها كبّر، ولا يكبّر قبل. (2/112)
صفحة 635
وإن تكفّس المريض بثوب خزّ أو قزّ فلا يصلّي به إن لبسه، ولا إن لبس [269] غيره وتكفّس به، إلاّ إن اضطرّ. وإن صلّى بتكبير فزاد على خمس، أو نقص وعقل أبدل ولو خطأ إذا صحّ أو عقل، وقيل: لا يبدل إذا زاد لتمامها عند الخمس، ولا يضرّ ما بعدها. (2/113)
صفحة 636
الباب الحادي والثلاثون
في صلاة الأصمِّ والراعف والقادح عينيه والمجنون والمغمى عليه
أبو الحواري: من يبصر الإمام ولا يسمع فإذا صلّى في الجماعة أحرم إذا رآهم ركعوا وركع معهم، فإذا سلّم الإمام قام بعد وقوفه على "ورسوله"، وقرأ الفاتحة، وإن كانت فيها سورة قرأها معها، وقعد وأتمّ التاحيّات وسلّم، وإن صلّى -قال عزّان- بجماعة وسهى فسبّحوا له فلم يسمع مضوا وتركوه، وإن نبّهوه برمي غير مضرّ أو حرّكوه جاز لصلاحها، وقيل: يتهجّس من بقربه، فإن غلب على ظنّه أنّهم أحرموا أحرم، وقيل: يوافق رجلا يحرّكه إذا أحرم الإمام.
وإن لم يعرف الأعجم ما يقول وما يقال له من الصلاة فلا يضرب عليه، ويعلّم الطهارة بالإيماء، ويُزجر كصبي ودابّة حتّى ينتهي عن الأنجاس، وإن كان يعرف إذا قيل له: قل سبحان الله في الحدود أجزاه إذا لم يفهم القرآن، وعجز أن يتكلّم به، وأمره إلى الله إن لم يفهم، ولا كفّارة عليه في صلاة ولا في غيرها إذا لم يفهم التعليم والإيماء. وإن كان في صفّ ولا يعلم حدودها لم يضرّها كالصبي.
فصل
من رعف وقت صلاة حشى أنفه، فإن لم يمسك قعد وأومأ، ويجعل بين يديه رمادا أو ترابا كما مرّ.
وإن كان يقطر بولا حشى ذكره وجعله في كيس به تراب، فإذا فرغ نظر، فإن رأى بللا ألقى التراب وبدّله كلّ صلاة. (2/114)
صفحة 637
وإن ظنّ الراعف أنّه لا يرقى دمه فاحتشى أوّل الوقت وانقطع آخره تمّت صلاته، وإن انتظر إليه بلا مخاطرة لها ولم ينقطع وتوضّأ وصلّى كما أمكنه جاز له، وقيل: يجمع ويُسكر الدمّ بما قدر ولو في غير أنفه.
ومن قاء -قيل- فيها أو رعف توضّأ وبنى إن لم يتكلّم ولم يدبر. الوضّاح: إن انفجر فوه فيها فإن بمدَّة فلابأس، وإن بدم انتقضتا. ولا يصلّي مرعوف بمسجد أو مصلّى، وله الجمع والإفراد.
أبو الحواري: من به سائل أو قاطر فليغسله إن حضرت، ويسكره بشيء إن قدر، وإلاّ توضّأ وصلّى في غير مسجد، ويومئ إن لم يمكنه السجود، ويقوم إن أمكنه فإن غلبه الدمّ وسال على الثياب مضى فيها وصحّت.
ومن قاء أو رعف وانصرف لوضوء وبنى فخرجت منه ريح قبله ابتدأها بعده، وإن تكلّم بجائز فيها بنى، وإلاّ ابتدأ. وإن قال عند وضوئه: بسم الله خيف عليه فساد ماضيها. وإن لم يجد ماء إلاّ في بعيد فله أن يذهب إليه ويبني.
ومن جرح ولم يرق دمه وعجز عن سدّه وخاف الفوت صلّى كذلك.
أبو سعيد: إن لم يقدر عليه توضّأ بعد استبراء أمره آخر الوقت، وتيمّم للسيلان ولا يخاطر بها ويصلّي، وقيل: لا يتيمّم. وإن سال على بدنه إن قام لا إن قعد صلّى قاعدا، ويجعل بين يديه ما مرّ يسيل فيه، ويتّقي به وإن عن ثيابه، ويومئ إن لم يمكنه السجود، وقيل: هو كمستحاضة في السيلان، ويجمع بتوسّط بينهما.
وقيل: الراعف يبتدئها ولا يعتدّ بماضيها ولو لم يتكلّم ولم يحدث، وقيل: يبني ما لم كذلك وعليه الأكثر.
وإن عصم جرحه وقام لها، فلمّا أحرم اندفع الدم انتظر ما لم يخف الفوت، فإن خافه توضّأ وصلّى، وقيل: إن لم يرق دم الراعف صلّى جالسا على رمل أو نحوه ويحفر كما مرّ، ويصلّي بالطهارة إلاّ موضع الحدث إن تعذّر سدّه، وقيل: يتيمّم لباقيه.
ولا يعيد مصلّ بدم لا يمكنه غسله. ويصلّي قائما_[270] من يخرج من فيه دم، ويبزقه ناحية ويتّقي ثيابه. (2/115)
صفحة 638
ابن جعفر: يبتدئها من انتقضت عليه بغير قيء أو رعاف، وبهما يتوضّأ ويبني ولو في مكانه إن أمكنه، ولا يضرّه المشي لوضوء واستقاء ماء له، ولا حمله لنعليه وثيابه؛ وللقوم إن كان إماما أن ينتظروه حتّى يتوضّأ ويتمّ بهم. وقيل: لا -لمجيء الأثر- بالاِستخلاف.
أبو عبد الله: من صلّى معه ركعة ثمّ انصرف لقيءٍ أو رعاف فتوضّأ ثمّ رجع فأدرك الأخيرة معهم اختير له أن يبتدئها، وقيل: يعيد ما مضى ويدخل في الباقي، ويبدل ما فاته حين فارقهم. ومن بكفّه قرحة أو بركبتيه لا يقدر على وضعها في الأرض سجد إن أمكنه بلا ألم، وإلاّ أومأ.
فصل
من أُغمي عليه قبل الوقت حتّى فات فلا يبدل، وإن أُغمي عليه بعد دخوله أبدل كالنائم مطلقا إذا أفاق.
وقيل: من جُنّ ثمّ أفاق بعد يوم أو شهر أو أكثر لا يبدل، إلاّ إن جُنّ وقت صلاة يمكنه فيه أداؤها، فيبدلها وحدها لرفع القلم عنه، وإن أُغمي عليه في الوقت، فقيل: يبدل، وقيل: لا، والمختار أنّه إن عقل دخوله ومضى منه قدر ما تؤدّى فيه بطهارة أبدلها، ودونه لا يبدلها.
وإن أُغمي عليه يوما أو أكثر من رمضان لزمه قضاؤه.
ومن زال عقله بدواء فلا يأثم به وقضى، واختير أنّه إن عرفه مزيلا له فتداوى به قبل الوقت بقريب فإنّه يقضي، لا إن تداوى به في غير الوقت ولم يكن محرّما وتُعورف نفعه لعلّته.
ومن شرب مزيلا له محرّما لزمه الكفر والقضاء والبدل والكفّارة والحدّ والتوبة.
وإن شرب سمّا أو أكله فأزال عقله عصى، ولزمه القضاء والتوبة لا الحدّ، وكذا من يقامر أو يلعب أو يحمل ما يزيله. (2/116)
صفحة 639
ومن فتح له طبيب عينيه من الماء، وقال له: نم على قفاك، ولا تتحرّك أياما ولا تغسلهما به، فقيل: إنّه جاء الأثر بما مرّ عند الضرورة فيما دون ذهاب البصر، وهو أعظم من غيره كما مرّ، ولابأس بذلك عندها إذا خيف في تركه تزايد العلّة (107)، ورُجيت في تداويه عافية. وقيل: من رمدت عيناه فعجز عن السجود صلّى قائما بركوع وأومأ جالسا للسجود.
أبو سعيد: من وجعتاه ووضع فيهما عذرة إنسان فإن غسلهما نظيفًا وصلّى تمّت له، وقد فتح أبو معاوية العرق وصلّى ولم يحلّ العقد والدم بحاله. وجاء الأثر -قيل- بإجازة بذلك. (2/117)
صفحة 640
الباب الثاني والثلاثون
في صلاة المرأة وما تصلِّي به وصلاة الخنثى
وجاز لامرأة أن تصلّي بدرع إن سُبغ إلى الكعبين، وخمار وسترت ركبتيها إذا سجدت وما خلفها إلى الساق، ولا نقض عليها إن مسّ عقبها فرجها.
ولها أن تطيل ذيلها، وإن مسّ يدها بدنها (108) أفسدتها لأنّها (109) أُمرت بوضعها على الثوب.
ولابأس أن تعقد شعرها (110) قفاها، ونحبّ أن تظفره، ولا تصلّي إلاّ بفرقه، ولا تجعل قصّة ولو بكرا. أبو إبراهيم: إن ظفرته بلا فرق تمّت صلاتها، ولابأس أن ترسله بدونه أيضا.
وإن سافرت راكبة مع قوم وقد توضّأت وخافت فوتهم إن نزلت لتصلّي فلها أن تومئ راكبة، وإن خافته ولم تطلبهم أن ينزلوها أبدلت -قيل- إن صلّت بإيماء.
وإن كانت في خدر فاستحيت من الرجال إذا برزت فصلّت بلا وضوء فكذلك، ولا كفّارة عليها؛ وكُره لها التلثّم فيها والسجود على جلبابها، ولا نقض إن فعلت. وثبت على الرجل إن غطّى فاه.
ومن تعمّد ترك الفرق وقلم الأظفار وأخذ الشارب وحلق العانة فسدت صلاته.
وتضع يديها للسجود قبل ركبتيها، وتضمّ رجليها في القعود. أبو عبد الله: تضعهما في حجرها، ولا تتجافى في سجودها، وتلصق بطنها بفخذيها، ولا ترفع عجزها، ولا تجلس كالرجل، وتسدل رجليها من [271] جانب ويفتح بينهما الرجل في القعود. وإن تورّكت فارتفعت (111) رجلها العليا على السفلى عن الأرض فلا نقض عليها، ولا تتعمّده.
وروي: لا تُقبل صلاة امرأة حتّى تواري فيها أذنيها ونحرها، ولا صلاة بالغة حتّى تختمر؛ وأقلّ ما تصلّي فيه درع وخمار وجلباب، وقيل: هو إزار وقميص، (2/118)
صفحة 641
وقيل: إزار واسع تردّه على رأسها كالجلباب، وقيل: إزار وخمار، وقيل: تستر جميع بدنها إلاّ الوجه والكفّ والقدمين وإن بثوب.
أبو المؤثر: إن صلّت حيث يراها أجنبي فلتستر قدميها، وقيل: لها أن تصلّي في بيتها ولو في قميص وكشف رأسها، وهو أقلّ ما تصلّي به، وإن لم تجد إلاّ إزارها دخلت فيه وصلّت، ولا تمسّ فخذيه بيديها، ولا نقض إن مسّتهما، ولا تصلّي وساقها بارز، ولها أن تصفّق بيدها على فخذيها ولو عشر مرّات إن أرادت معنى فيها، وأن تضرب أصابع يمناها على باطن يسراها، ولم يجز ذلك للرجل، ولابأس عليها إن سبّحت.
فصل
إن صلّت -قيل- في براح وخرج شعرها أو بعضه أبدلت، والليل أهون، وإن لم يرها من تستتر منه تمّت لها. وليس الرأس بأشدّ من اللية والفخذ، وقد جاء الخلاف في ذلك، فقيل: تفسد بظهور قدر ظفر فأكثر، وقيل: بقدر الربع، وقيل: بأكثر منه، وقيل: بالكلّ.
وتمّت -قيل- إن صلّت في غير ستر ولو كشف رأسها، وقيل: فسدت إلاّ إن كشفته لعذر، ورُخّص لها أن تبرز يديها إلى محلّ السوار، ورِجليها (112) إلى الخلخال، وقيل: إلى ما دون لحمة الساق، ومحلّ الدملوج، وأن تصلّي في درع ضيّق سابغ بلا خمار وبلا جلباب، والسابغ هو الساتر للكعبين: وقيل: ولو برزا إذا كانت في مستتر، وقيل: ما لم يبد باطن ركبتها إذا ركعت أو سجدت لا فساد عليها بذلك.
وجاز لأمة ولو دبرت أو أمّ ولد أن تصلّي مكشوفة الرأس.
أبو سعيد: إن صلّت حرّة كذلك في ستر وأبصرها أجنبي فيه انتقضت، واختار خميس تمامها إذا أتاها فيه ضرورة، قال: وكذا إن صلّت كذلك في غير ستر لعذر، فإذا (2/119)
صفحة 642
عذرت بما لا يمكن غيره في مثل هذا زالت أحكام وجوب النقض، قال: ولا أعلم من يقول: تتمّ إذا صلّت في ستر كذلك بلا عذر ونظرها أجنبي بدونه أيضا.
وعلى متعبّد بالصلاة أن يؤدّيها كما أمكنه ولو عريانا، إلاّ أنّها تستر عوراتها بما قدرت.
وإن صلّت مكشوفة في غير ستر لعذر فلا تعيد إن وجدته في الوقت، كعريان إن وجد ثوبا.
ومن لم يسترها قادرا أعادها إجماعا؛ والوجه والكفّ ليسا منها (113) إجماعا أيضا، إذ لا تُعرف إلاّ بالوجه عند الاحتياج إليها كما مرّ. وفي ستر قدميها فيها قولان.
ولا يقدح فعل الواصلة ومن لُعن معها في صلاتهنّ، ولا يجوز لها أن تغطّي وجهها (114) إلاّ عينيها إلاّ من عذر، واستتارها فيها ليس بعذر لها، إلاّ إن خافت عقوبة إذا أبرزتها أو ما تسعها فيه التقيّة، ولا جمالها إن خافت أن تفتن ناظرها فيها (115)، وإن أبرزته إلاّ فمها ومسجدها بلا عذر وصلّت، فإن كان ما عليه غير نابت لم تجز إلاّ من عذر، وإن كان من نبات فبعض رخّص فيه. وقيل: السجود عليه جائز كائنا ما كان.
وقد خوطب المصلّي بإظهار وجهه فيها كما خوطب بستر عورته.
وتبدل بالغة صلّت مكشوفة الرأس، وقيل: لا، وقيل: ما صلّت نهارا، وقيل: ما صلّت في غير مستتر إن أبصرت، وإلاّ فلا، وقيل: تؤمر فيها بستر بين فخذيها لئلاّ يتماسّا بلا نقض به. الوضاح (116): تؤمر بالإقامة إلى الشهادتين ثمّ تُمسك، وقيل: تامّة، والأكثر على عدمه. والخنثى لا يكون مؤذّنا ولا إماما، ويصلّي وحده في جماعة بين الرجال والنساء، ويصلّي بالإقامة، ولا تجب عليه الجمعة. (2/120)
صفحة 643
الباب الثالث والثلاثون
في صلاة العريان
فعند بعض: يصلّي قائما، وعندنا قاعدا بإيماء لأنّ السترة أوكد من القيام، لأنّه إذا ركع وسجد أبْدى [272] من عورته ما لا يبديه الإماء.
ومن لم يجد إلاّ ثوبا نجسا صلّى به قائما لا عريانا قاعدا، ويستتر (117) العريان بما قدر عليه من شجر أو غيره أو حفرة كما مرّ. وللعراة أن يصلّوا جماعة قعودا، أو يتوسّطهم إمامهم، فإن وجد ساتر عورته تقدّمهم، وصلّوا بإيماء وإن ليلا؛ ولا يُسقط لزوم الجماعة إلاّ عدمها حتّى قيل بلزومها الركبان، والأكثر كما مرّ على سقوطه، ويتقدّمهم أيضا إن سترهم الظلام ليلا.
ومن لم يجد ساترا من سرّته لركبته فهو عريان، وقيل: من وجد ما يستر فرجيه فليس بعار، وإن وجد فيها ثوبا لبسه وأعادها كمتصعّد وجد ماء فيها، وكذا كلّ من أُمر بها على وصف فلم يفعل لعذر أو عجز ثمّ قدر ارتفع ذلك عنه، وعاد إلى ما أُمر بفعله ما لم يكن قضاه مع العذر.
ومن أُمر بها ابتداء على وصف ولم يؤمر بغيره بعجز أو عذر ثمّ انتقل إلى حال أخرى فلزمه زيادة الفرض لم يلزم الخروج ممّا أُمر به حتّى يتمّه، وهو كما ترى مخالف للأوّل نحو أمة عُتقت فيها يلزمها ستر رأسها، والبناء على ما صلّت إذ لم تؤمر في ابتدائها بستره، فلمّا عُتقت لزمها زيادة فرض ستره كمقعد إذا حدثت له صحّة بنى عليها قائما، إلاّ إن صحّ قبل فحدث له عجز فأُمر بالقعود ثمّ قدر على القيام المأمور به قبل، فهذا تفسد عليه، ويبتدئها. ويبني من علم القراءة فيها لا قبل، وهو زيادة فرض فيها أيضا، كأهل مسجد قباء لمّا أُخبروا بتحوّل القبلة فيها تحوّلوا إليها، وبنوا فكان التحوّل بالخبر الواصل إليهم فيها زيادة فرض. (2/121)
صفحة 644
الباب الرابع والثلاثون
في صلاة الجماعة وفضلها
روي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال: «أتاني جبريل -عليه السلام- بعد الظهر وقال لي: يا محمّد إنّ الله سبحانه وتعالى يقرئك السلام، وأهدى لك هديتين لم يهدهما لنبيء قبلك، وهما الوتر ثلاثا والخمس جماعة، فقلت: ما لأمّتي فيها؟ فقال: إن كان اثنين كُتب لكلّ منهما بكلّ ركعة مائة صلاة، وإن كانوا ثلاثة كُتب لكلٍّ بكلّ مائة وخمسون، وإن كانوا أربعة كُتب لكلٍّ بكلّ ستّ مائة وخمسون، وإن كانوا خمسة كُتب لكلٍّ بكلّ ألف ومائتان وخمسون، وإن كانوا ستّة كُتب لكلٍّ بكلّ ألفان وأربع مائة، وإن كانوا سبعة كُتب لكلٍّ بكلّ عشرة آلاف ومائتان، وإن كانوا ثمانية كُتب لكلٍّ بكلّ عشرون ألفا ومائتان، وإن كانوا تسعة كُتب لكلٍّ بكلّ أظنّ خمسون ألفا، -فليراجَع-، وإن كانوا عشرة كُتب لكلٍّ بكلّ مائة ألف».
ويروى: ((رهبانية أمّتي الجلوس في المساجد))، وهي بيوت الله، وزوّارها زوّاره. وقد سُئل ابن عبّاس عمّن يصوم النهار ويقوم الليل ولا يشهد جمعة ولا جماعة؟ فقال: هو في النار، وسُئل شهرا وهو يقول: هو في النار، وذلك إن تركهما بلا عذر ولم يتب.
أبو الحسن: تاركها بدونه خسيس، وقيل: يستتاب، وإلاّ برئ منه. والأخبار في فضلها والحثّ عليها ممّا يطول به الكتاب، وغرضنا الاختصار. (2/122)
صفحة 645
فصل
ابن عبّاس: الجماعة فريضة، واختلف أصحابنا في قيام البعض بها عن بعض، فقيل: يجزي قيام بعض أهل المصر عن غيرهم، وقيل: لا، وقيل: تلزم اثنين غير مسافرين.
وفي جماعة قرب مسجد يحضرون إليه أوقات الصلوات فيصل إليه الاِثنان، والأكثر فيصلّون فرادى، وفيهم قارئ القرآن، فإن قدروا على عمارته بالجماعة لم يسعهم تضييعها، ولو قام بها غيرهم. وقيل: إن كان بقرية قائم بها سواهم فهو أهون عذرا.
أبوسعيد: اختلف أصحابنا في لزومها على العموم إذا قام بها البعض فإذا ثبت عنه صلّى عليه وسلّم لم يجز أن يوجد قائم بها بعده، وأصحابه أكثر [273] منه ولا أولى، فإذا لم يعذر من تخلّف عنها مع قيامه بها وأصحابه لم يجز غير ذلك، لأنّه لا أقوَم منه.
والمرض عذر في التخلّف.
وكُره لمن أكل ثوما أو بصلا أن يحضرها، وأن يغشى المساجد. ويستحبّ لمحتقن أن يبتدئه قبل الصلاة.
وجاز التخلّف عنها بمطر.
وإذا حضر العَشاء والعِشاء، فقيل: يبتدئ بالعِشاء، وقيل: بالعَشاء إن تاقت نفسه إليه.
والجماعة سنّة، وتفضل صلاة الفذّ بخمسة وعشرين صلاة، وللإمام ما لجميع من صلّى خلفه إن أحسنها ورضوا به، وإن أفسدها كان مثل ذلك عليه وزرا، لأنّ الأئمّة ضمناء. (2/123)
صفحة 646
الباب الخامس والثلاثون
فيمن يصلح للإمامة
فأولى القوم بها أقرأهم وأعلمهم، فإن استووا فأورعهم وأصلحهم، فإن استووا فأكبرهم، فإن استووا، فقيل: أصبحهم وجها. وروي: «اختاروا لإمامتكم أفضلكم»؛ فقد أجيزت إمامة صبي في نفل وسنّة، كقيام رمضان إن أحسن وأُمن على الطهارة، لا في فرض اتّفاق منّا، وأجاز بعض قومنا إمامته إذا عقلها ولم يوجد محسن للقراءة في الجماعة سواه لقول عمر: ((الصلاة على من عقل، والصوم على من أطاق)).
قال خميس: ولثبوت معنى الجماعة أن لا يتعطّل، فإذا عدم قيامها إلاّ بصبي موصوف بما ذُكر جاز إن لم يكن في الحاضرين من يحسن ذلك بقدر ما يقيم به الصلاة، ولا يمكنه تعلّمه، ولا تُبعد إمامته على هذا، وجوازها أفضل من تركها.
وجوّز قوم إمامة الأعمى، ومنعها آخرون ولكلّ دليل، وإذا حضر هو والبصير قدّم إن استويا والأعمى إن كان أفضل. وفي العبد قولان.
وأجازوا إمامة المسافر وإن بالجمعة إن كان إمام مصر ودخل محلّها، وإمام رعية، ولزمتهم لأنّ الأمراء إذا دخلوا الأمصار وهم أئمّة في جمعة وجماعات ولا يُتقدّمون ولو في سفر.
وإن أُمر مسافرا يصلّي بالناس جمعة جاز ولزمه بأمره ذلك، وقولهم: لا يؤمّ الأعرابي مشكل إن تأهّل لها فيخرج معناه على أنّه لا يؤمّ المهاجر فيكون قبل نسخ الهجرة، أو أنّه لا يحسنها، ويؤمّ مثله ودونه، والقروي مثله، ومن لا يقرأ بمثله.
فإن أُمّ بمن يقرأ وبمن لا يقرأ أبدل من يقرأ.
ولابأس -قيل- بإمامة من لا أب له إذ لا وَهْن يدخله بوالديه في دينه وصلاته، وإن كان غيره أولى ويؤمّ الخنثى مثله والإناث لا الرجال، ولا تؤمّه الأنثى (2/124)
صفحة 647
ولا رجل ولو في نفل، ولا تكون خلف رجل يؤمّ بها، وتقرأ إن لم يحسن القراءة لأنّه خلاف السنّة، فالسنّة أن يقرأ الإمام لا من خلفه، وإن فعلت أعادت وتمّت له.
واختُلف في الإمام إذا لم ينو أن يصلّي بكلّ من يأتي خلفه، فقيل: لا تجوز صلاة من لم يدخل معه لأنّه لا يؤمّه إلاّ بالنية، وإن أمّه بإظهاره للإمامة حُكم له أنّه اتّخذه إماما لأنّ إظهاره جائزًا من الصلاة أنّه إمام، فإذا عُرفت إمامته حسن أن يؤمّ كلّ داخل عليه، وإن من غير أهل بقعته حتّى يعلم من خلفه أنّ نيته غير ذلك؛ فإذا لم يُعرف إماما فيها لم تثبت إمامته بمن خلفه حتّى يعتقدها به أو يعلم منه مصحّح لها، ودخول هذا معه فيها. وعندنا أنّ كلّ من صلّى الفرض وصحّ له فلا يؤمّ غيره فيه بعده.
فصل
روي أنّ الإمام ضامن، وهو عام في كلّ إمام ولولا أنّه مؤدّ فيما يؤدّي ولو عن غيره لما ضمن، ألا ترى أنّ من أدركه في ركوع فقد أجاز ركعته وإن لزمه قضاء ما فاته به، وقال: كثير منّا ومخالفونا إنّ ركعته جائزة ولا يلزمه إعادتها.
قال خميس: وهذا يبيّن أنّه فيما يؤدّي عن نفسه مؤدّ عن غيره، وكذا قارئ صلّى خلف أمّيٍّ لا تجوز صلاته لأنّ ما يؤدّيه لا يصلح كونه أداء عن القارئ، وما تؤدّيه امرأة لا يكون أداء عن الرجل فتفسد عن القارئ لا عن الأمّيِّ.
وفسدت عن رجال صلّت بهم وبنساء امرأة، وكذا أمّي بأمّي، ومصلّ بركوع وسجود خلف مؤمّ ومتوضّئ خلف متيمّم لجنابة، وقس على ذلك صاحب ضرورة مع غيره، فإذا زالت قبل تمامها أعادها.
وقيام إمام العراة قدّامهم، والمرأة أمام النساء أو إلى جنب الرجل أو هو عن يسار الإمام ونحو ذلك خلاف السنّة فتفسد عن هؤلاء.
ولا يؤمّ أحدا في بيته ولا في سلطانه إلاّ بإذنه. (2/125)
صفحة 648
ولا يجلس على فراشه أو مخدّته إلاّ به، فعلى المؤمن أن يفعل ما أُمر به. [274] وأجمعوا على (118) أنّ الإمام إذا أحسن الصلاة وما يلزم فيها جازت إمامته ولو مع أعلم منه وأكبر. وإمامة منبوذ وابن ملاعنة وفي الخصيِّ قولان. وتُكره إمامة مقيّد ومجبوب إلاّ بنحوهما.
أبو عبد الله: لا بأس بإمامة المجبوب إن صلح ولا يصلح خلف المولى إن قال إنّه عربي، ولا خلف منتسب لغير عشيرته.
وجازت إمامة الأعشى نهارا لا ليلا بمن يبصر فيه عند أبي عبد الله، وأجازها ابن علي خلف الأعمى.
وفي مقطوع الرِّجل إن كان يصلّي قائما قولان. وكُرهت من مقطوع اليد لنقصان طهارته، وجاز من مقطوع إحدى أذنيه، وذهوب إحدى عينيه، ومجدوع.
ومن صلّى خلف قانت فيها بلا علم بها فقنت فلا يعيدها بعد علمه به، وإن علم به حال الصلاة فلا يصلّي خلفه غيرها، واختلف فيها خلف من يحرم قبل أن يوجّه فنقضه المانع على من خلفه، وإن لم يعلم به وهو أشدّ من القنوت. وكُره لولد أن يؤمّ أباه إلاّ إن كان أفضل منه.
ومن يصلّي بقوم ويأمرونه ولا يستأذنهم جاز له، ولهم أن ينكروا عليه، ونُدب له أن يستأذنهم.
البسياني: جازت إمامة نسّاج، والجائز غير المأمور به، والأفضل أفضل.
وناقص إصبع أو قُطعت منه أو يده لابأس أن يؤمّ أتمّ منه إلاّ إن أدّاه ذلك إلى ترك بعض حدودها من قيام أو قعود أو غيرهما (119) من النواقض لها فلا يؤمّ إلاّ مثله أو دونه.
ومن اعتلّت إصبعه بما يعجز عن غسلها أو يخاف منه ازديادها (120) وبها نجس ويمتنع من وضوءها، ولا يأتي على محلّه منها، فقيل: لا تيمّم عليه، وقيل: يتوضّأ لباقيه ويتيمّم، وإن كان النجس كدم يجب غسله ثمّ يبس، فقيل: يتيمّم له مع غسل باقي (2/126)
صفحة 649
العضو، وقيل: لا يلزمه، ولزمه الوضوء كما أمكنه ما لم يأت ذلك على محلّه كلّه من العضو؛ ففي إمامة الموصوف بالمتطهّرين الجواز والمنع.
والجنب إذا صلّى بقوم ثمّ علم، فقيل: تتمّ لهم، وإن علم فيها خرج وبنوا كما بيَّنوا (121) في الدم وغيره إلاّ من كان في قفا الإمام فمشدّد فيه، ويفسد من جهة المواجهة لا الإمامة، وقيل: لا يقطع الجنب الصلاة، ولا يضرّ من بنواحيه، ولا سائر الصفوف.
ولا يؤمّ القاعد قائما في فرض، وجاز في نفل إن كان أقرأ، ويتوسّط الصفّ ويتقدّم بهم غيره، فإذا فرغ القارئ ركع بهم المتقدّم وسجد وكانا إمامين لهم، واختار خميس تمامها ولو لم يتقدّم بهم لعدم وجوبها.
وفي جوازها خَلف من يزيد آمين خلاف، واختار أيضا أن لا يعيد إن احتاج إليها خلفه لإحياء سنّة الجماعة، وكان الزائد له متعبّد به ولم يوجد غيره. وجازت إمامة متصعّد لثبوت طهارته بمتطهّر.
أبو عبد لله: إن صلّى بمغتسل، وفي فسادها عليه قولان؛ وكذا في متصعّد من جنابة بمتيمّم من غيرها.
أبو سعيد: يصلّي قائم بقاعد مطلقا لا عكسه مطلقا، وقيل: يجوز مطلقا، وقيل: في نفل، ويصلّي بمثله وبنائم.
أبو الحواري: في أعمى ومكسور لا يعتمد على قدميه أو من جرح في وركه أو ركبته، ولا يقدر أن يتورّك عليها؛ أنّ الأعمى اختُلف فيه، ومن بجبهته جرح لا يقدر أن يسجد عليها، فغيره أولى منه، والركبتان والفخذان أهون إلاّ أنّ [275] غيرهما أولى. أبو المؤثر: إن أمّ واحد منهم بالأصحّاء لم يضرّ. (2/127)
صفحة 650
فصل
أبو سعيد: صاحب المنزل وإمام الحيّ أولى إلاّ إن حضر الإمام الأعظم، فهو أولى إلاّ إن قدّم غيره، وكذا إن حضر إمام في الدين وعلَم من الأعلام فيه يتقدّم أو يقدّم، وكذا القاضي ونحوهما من الأشراف فيه لما روي: ((لا تزال أمّتي في سفال ما أمّهم دونهم))، وفي رواية: ((ما صلّى الرجل))، وفي رواية: ((ما صلّى الرجل بقوم وخلفه من هو أفضل منه))، وذلك إن أمكنهم أن يقدّموا أفضلهم، لأنّ من خالف السنّة في أمر يلزمه فلا يزال في سفال حتّى يتوب.
قال: ويخرج معنى اختلاف أصحابنا خلْف من هو دون ولي مطيع كامل في الظاهر، فقيل: إنّما تجوز خلف وليٍّ كذلك لمكان الأمانة، وقيل: تجوز خلف أهل الدعوة ما لم يُتّهموا فيها، وقيل: خلف أهل القبلة ما لم يزيدوا فيها أو ينقصوا لإحياء السنّة؛ وقيل: الصلاة فرادى أفضل إلاّ مع ولي.
ذكر خميس: أجاز المسلمون الصلاة خلف من يفرد الإقامة أو يسرّ بالبسملة أو يرفع يديه للتكبير، أو يسلّم مرّتين، ولم يروا لذلك زيادة ولا نقصا، وليس من أفعالهم كما مرّ؛ ولم يفسدوها على مصلّ خلفه.
وفي النقض بترك البسملة قولان، فمن صلّى خلف تاركها عالما بها أعاد وإلاّ تمّت له، وفسدت على محرم قبل التوجيه، وفيها على من خلفه قولان.
فصل
ابن علي: لا يصلّى خلف من عُلم سارقا بلا نقض، ولا خلف ولاّة سلطان مخالف.
ومن صلّى خلف رجل لا يُعلم منه إلاّ الخير وكرهه أهل المسجد والصلاة خلفه، وأبى أن يقلع عنها فيه. قال (123) عزّان: لابأس عليه إلاّ إن عُلم منه سوء. (2/128)
صفحة 651
ومن يواقع النهي ويتقدّم فاستتِبه، فإن تاب وإلاّ فلا تُصلّى خلفه.
وجازت -قيل- خلف أشلّ يد أو رِجل.
ومن صلّى بقوم ولا يحسن معرفة حدودها تمّت صلاته، إلاّ إن لم يعرف ما لا تتمّ إلاّ به، فلا يُصلّي خلفه من علمه كذلك.
أبو المؤثر: لا يلزم من صلّى خلف رجل أن يمتحنه في صلاته، فإن سأله عن التاحيّات فلم يتقنها فزاد فيها أو نقص أو خلط اختير نقضها.
ومن صلّى فوق سطح المسجد اختار بعض أن لا يصلّى معه، وقيل: من كرهه صالحان ممّن يحضر الجماعة فيه فالأحسن له أن لا يصلّي بهم، وإن كان بيد إمام مال على غير وجهه أو يخالط شيئا كذلك، ويجوز في حدود الأرض، ويضيّق الطرق لم تجز خلفه.
ابن خالد: إن كان المريض بحال يسعه أن يصلّي قاعدا فيُتكلّف أن يؤمّ قائما جازت صلاته.
ومن يصلّي العصر بجماعة ثمّ ذكر فيها أنّه لم يصلّ الظهر، فقيل: يقطعها وإلاّ فسدت على الكلّ، وقيل: إن دخل فيها أتمّها.
ومن أمّ بمن قد صلّى وحده وكان إماما في مسجده تمّت له اتّفاقا، وإلاّ فالخلف.
وقيل: إذا حضر قوم وقد فرغ الإمام في المسجد كُره لهم أن يصلّوا فيه جماعة أخرى إلاّ إن كان مسجد سوق أو ممرّ.
ومن صلّى وحده ثمّ وجد جماعة تصلّي نُدب له أن يصلّي معهم، ويجعلها نافلة.
وللإمام إن يخفّف في القراءة والأذكار، ولمن خلفه أن يتبعها، ويأتيها بالسكينة والوقار ماشيا غير ساع، ويصلّي ما أدرك، ويقضي ما فاته. وإن أُقيمت بمسجد قطعت على من فيها؛ وإقامتها -قيل- تكبيرة الإحرام وقد مرّ الخلاف فيها. (2/129)
صفحة 652
الباب السادس والثلاثون
في تعاقب الجماعات في مسجد أو غيره، وفي النية لصلاتها
أبو سعيد: إذا صلّى الإمام بمن تثبت به الجماعة في المسجد لم يجز أن تُصلّى فيه أخرى بعده عندنا؛ وفي النقض إن صُلّت خلاف، والمختار منه تمامها.
وإن كانت فيه بقعة لا تجوز الصلاة فيها بصلاة الإمام في مقدّمه أو جانبه ولو اتّصلت فيه الصفوف، فقيل: لا تجوز فيها بعد الصلاة في المحلّ.
[276] وجاز أن يصلّى بجماعات متعاقبة في مسجد لا إمام له ولا عُمّار تستقيم بهم جماعة فهو وإن كان مسجدا فكسائر البقاع.
وإن صُلّت في مؤخّر مسجد جماعة فجاء قوم فصلّوا فيه أيضا جماعة (123) جاز لهم إن جاوزوا الباب الأوّل، وإن صُلّت في براح مع أخرى فيه واحدة جاز إن كان بينهما خمسة عشر ذراعا ولو اتّصلت الصفوف، والمختار ستّة عشر فأكثر ولو تخالفا بالنواحي.
أبو عبد الله: إن صلّت جماعة في ظلام والإمام مستقبل لمن خلفه حتّى أتمّوا ولم يعلموا تمّت لهم، وإن علم فيها تحوّل.
وكُره أن يصلّي فيه والإمام يؤمّ القوم فيه غير التي تُصلّى، وإن كان لمصلّيها عذر وكانت لا تجوز بصلاة الإمام على معنى لا يقدر عليه تمّت له، وأن يصلّي فيه ولو نافلة، والإمام يصلّي فرضا ولو حيث لا تجوز له بصلاته.
وإن صلّى إمام مسجد فيه بامرأة أو بأكثر أو بصبيان لم يجز أن تُصلّى فيه جماعة بعده (124) حيث تجوز بصلاته، لأنّها واجبة على من عقلها ولو صبيا، فإن وقعت بمن تجوز به فهي جماعة، وذلك إن كان لعذر، وإن صلّى بهم على هذا بدونه (2/130)
صفحة 653
لم تقع موقعها، وللعُمّار أن يصلّوا إذا حضروا ولو في واحدة، وكذا إن صلّى بعبد بلا إذن أو بمسافر جاز له.
وإن دخله قوم وأرادوا أن يصلّوا فيه جماعة ولم يعلموا أصلّت فيه جماعة قبلهم أم لا؟ اختير لهم أن يصلّوا فيه فرادى للشبهة، وفسدت عند الأكثر على جماعة صلّت فيه بعد إمامه فيه بأخرى تلك الصلاة، وحين الصلاة أشدُّ فسادا، وفسدت عليها أيضا إن سبقوه.
وإن عُرف بمسجد في كلّ وقت وله آخر يصلّي فيه يوم عرفة وليلة النحر، قال بشير: كلّ من كان في شيء فهو له، فإن صلّى إمام ومعه آخرون تلك الصلاة كانت صلاة من عُرف به تلك الليلة هي الصلاة، وعلى الآخرين النقض عند بعض.
أبو سعيد: إن صلّت جماعة يؤمّ بعضهم ببعض في محلّ وبعضهم خلف بعض جاز إن كان بمسجد لا إمام له، وإن كان بين إمامين أقلّ من خمسة عشر ذراعا لم تجز صلاتهم إن تقدّمت إحداهما على الأخرى، وقيل: عليهم التباعد إن تحاذيا، وقيل: لا يلزمهم مطلقا
وإن صلَّت جماعة بمسجد ففسدت على إمامهم فأتمّوها فرادى فلا يصلّيها فيه غيرهم جماعة، لأنّه لمّا أحرَم ثبتت له الجماعة.
وإن صلّى معروف بمسجد بجماعة فيه ثمّ صلّت أخرى فيه بآخر، فإن صلّى بها فيما تجوز فيه بالأوّل المعروف فيه لم تجز لها مطلقا، وإن صلّى بها حيث لا تجوز بالأوّل بعده جازت لها لا في حينه إلاّ من عذر.
وإن صلّت جماعة بمسجد إمام ولا واحد فيه من عُمّاره فلا بأس إن صلّوا قبله، وقد مرّ ما يخالفه، وله أن يصلّي بعدهم جماعة، وإن تقدّم بهم غيره برأي واحد منهم وصلّى بهم وبمن حضره قبل الإمام فله أن يصلّي بعدهم جماعة، ولا يضرّه من صلّى قبله ولو من العمّار.
وقيل: إن صلّى برأي من ذكر وقعت الجماعة، ولا يصلّي بها الإمام بعدهم. (2/131)
صفحة 654
أبو سعيد: إن صلّى الإمام وحده فريضة في مسجده فلا تُصلّى فيه جماعة بعده، وقيل: جائز لها.
فصل
إن فسدت صلاة من عن يمين الإمام مضى هو فيها جاهرا في محلّ الجهر له، فإن أتى آخر قال: إنّي داخل معكما ثمّ يوجّه ويجرّ الذي عن يمينه إليه قبل الإحرام، وإن جرّه بعده فسدت، وقيل: لا، فإن فسدت على أحدهما رجع الآخر يمينه، ولا يقرأ حين يرجع حتّى يقف، وإن أحسّ بآخر يريد الدخول معهما فتأخّر إليه أو قام وراءهما فتأخّر إليه بلا جرّه لم تفسد عليه.
وإن صلّى إمام بجماعة في غير مسجد جاز لثان أن يصلّي بأخرى خلفه أو ناحيته بلا حدّ في [277] المسافة، وقيل: تفسد بدون ما تقدّم، ولا نقض إن لم يفعل.
أبو الحواري: إن صلّى إمام مسجد عتمة بمن معه في رمضان والقيام وأوترت جماعة أخرى في الموضع فسدت عليها، وإن لم يوتر الأوّل بمن معه جاز للأخيرة أن توتر.
عزّان: إن صلّى رجل في مصلّى فأتى قوم وهو فيها فأقاموا الصلاة ويؤمّهم أحدهم، وكان المصلّي فيه قبل إتيانهم بحداء الإمام أو القوم قطعها وصلّى معهم، وإن أتمّها وحده، فإن صلّى أكثرها حين دخلوا فيها فلا نقض عليه، وإلاّ اختير له أن يعيد.
أبو المؤثر: إن لم يكونوا في مسجد حسُن أن يقطعها ويدخل معهم، ولا نقض على الكلّ إن أتمّها وحده، وقيل: ولو في مسجد، وليس المصلّون فيه جماعة كالراتب على وجه كونه إماما، وإن دخل فيها فهو أفضل. (2/132)
صفحة 655
فصل
ينوي الإمام ويقول: أصلّي الفريضة المفترضة عليَّ، وهي كذا وكذا ركعة إلى الكعبة المفروضة طاعة لله ولرسوله إماما لمن يصلّي بصلاتي ولمن يأتي، وينوي مَن خلفه ويقول: أؤدّي فريضة كذا بصلاة الإمام إن كان وليا، وإلاّ قال: بصلاة الجماعة.
والمسافر ينوي الجمعة أو غيرها، ويقول في الجنازة: أصلّي عليها السنّة التي أمر بها إماما لمن يصلّي بصلاتي أربع تكبيرات، ويقول مَن خلفه ذلك اتّباعا له. وفي العيد: أصلّي سنّة عيد الفطر أو الأضحى ركعتين، وكذا وكذا تكبيرة؛ وفي قيام رمضان: أصلّي سنّته.
فصل
من صلّى الظهر ونوى أن يصلّي مع الإمام إن جاء الفريضة، وهذه نافلة وإلاّ فهي الفريضة أعادها إذ لا تؤدّى بشرط.
ومن صلّى بخمسة ونوى بثلاثة دون الباقين وعرّفهما بذلك جازت صلاتهما معه إن عُرف إماما بمسجد، ولا يلزمهما قبول قوله بعد الصلاة.
ومن دخل مع المسافر في العصر وهو ينوي الظهر فحين سلّم قام الداخل فأتمّ الأوّليتين تمّت صلاته، وقيل: يعيدها.
أبو سعيد: إن نسي الإمام أن ينوي أنّه إمام لمن يصلّي معه تمّت إن سبقت إمامته، وقصد إلى ذلك حين قام ولم يُعلم منه تحويل نيته.
أبوعبد الله: إن نوى أنّه إمام لمن يأتي أجهر بالتكبير نهارا، وبه وبالقراءة ليلا، وإن لم يجهر فلا عليه، وإن لم ينو ذلك تمّت له، وفسدت على الداخل. (2/133)
صفحة 656
وإن جاء ثالث إلى مصلّييْن أحدهما يؤمّ بالآخر تأخّر إليه المأموم، وإن تقدّم الإمام فسدت صلاته. ومن دخل على فذّ لم ينو ذلك فسدت على الداخل دونه، ولو صلّى به بلا نية حين دخل عليه. (2/134)
صفحة 657
الباب السابع والثلاثون
في صلاة الرجال مع النساء مع إمام أو غيره
فإن صلّت أجنبية بحداء رجل فسدت عليها إن لم تتأخّر عنه لا عليه.
ابن المسبح: يُكره لها أن تصلّي معه بلا فساد، فإذا صلّت مع زوجها تأخّرت عنه قدر ما يحاذي سجودها منكبه، فيسبقها برأسه. أبو عبد الله: إن جاوز منكبه خيف عليه الفساد، ونفاه عنهما ابن المسبح.
وإن صلّت قدام رجل كلّ وحده قُطعت عليه عند الأكثر مطلقا، وقيل: فيما دون ستّة أذرع.
ومن صلّى وزوجته تصلّي حداءه ولا يؤمّها جازت لها ولو قصدته. وقال زيّاد: لابأس إن كان كلٌّ يؤمّ نفسه. وقيل: من يصلّي وحداءه مصلّية بصلاته أو وحدها فسدت عليه، إلاّ إن كان بينهما ستّة أو قدرها.
ونُدب لمصلّ بمحرمته أن يحاذي سجودها ركبته وإلاّ فلا يجاوز منكبه. ومن صلّى مع أجنبية في صفّ خلف إمام وحدهما وبينهما دون ذلك، فقيل: فسدت عليه، وقيل: عليها، وقيل: عليهما، وقيل: صحّت لهما.
وقيل: إن صلّت قدّامه أو ناحيته كلٌّ وحده تمّت لهما، وكذا إن قعدت قدّامه وليست حائضا لا تفسد عليه.
ومن ساوته محرمته فيها في قيام أو ركوع أو غيرهما تمّت لهما، وتؤمر أن تكون خلفه.
وتعيد مصلّية مع رجال في صفّ ومحاذيها منهم ومن خلفها. وإن صلّت نساء في صرح مسجد أو فيه محاذيات لصفّهم وبينهم سترة ولو حصيرا تمّت للكلّ إذ لا صفّ عليهنّ ما لم يكن بينهما ستّة، وقيل: الصفّ فيما بينهنّ، وفي أقلّ تفسد على رجال بينهنّ وعلى تالية للصفّ، وقيل: عليهم دونهنَّ (125)، وقيل: تمّت على الكلّ كما مرّ، (2/135)
صفحة 658
وقيل: يجوز ذلك لمصلّ بصلاة الإمام، والسترة تجيء وتذهب، وقيل: لا يجوز؛ وتفسد على من مرّت عليه في الصفّ لأنّها لا تؤَمُّ في فرض.
ومن كان خلف امرأة في جماعة وصفّ النساء متقدّم قطع على الرجال بقدر ما لو كان صفّهم هناك انقطع أو يحلن بين الصفّ الآخر والإمام أو كانت صفوفهم خلفه [278] قطع صفّهنّ عليهم، لأنّ الصفوف يؤمّ بعضها بعضا والإمام الكلّ.
ولا يقطع جنب وحائض على من حاداه، وأفسدت عليه إن مسّته ولو غير حائض، إلاّ إن مسّت ثيابه كما مرّ.
فصل
إن كانت بين الرجال والنساء فرجة قدر مقام الرجل لم يقطعهنّ وقطع الأقلّ على تاليهنّ وإن توسّطن الرجال أفسدن على تاليهنّ لا على تالي صفّهم، وإن كان صفّهنّ خلف صفوفهم وخلف صفّهنّ صفوفهم قطعن على من خلفهنّ لا على من خلفه.
وعروض الشهوة فيها مفسد، وإن تباعدا.
وإن وقف الخنثى في صفّهم أفسد على تاليه كامرأة، وكذا في صفّهنّ.
ومن توسّطه أفسد على تاليهنّ وعليه وعلى من خلفه منهنّ.
ويقف الرجل (126) يمين الإمام إن كان وحده، والمرأة فأكثر خلف الرجل.
وجاز -قيل- أن يؤمّ رجل نساء وعبيدا وصبيانا في (127) كلّ موضع، وقيل: لا، إلاّ في مسجد يؤمّ فيه. (2/136)
صفحة 659
الباب الثامن والثلاثون
في الصفوف
ونُدب أن يكون بين الإمام والأوّل قدر مربط شاة إلى ثور، وغاية البعد خمسة عشر ذراعا، وفوقها مفسد عليهم، وكذا ما بين صفّين؛ وجازت خلف مسجد في رحبته لزحام.
وإن أخذ الصبي قفا الإمام ولا يحافظ على الصلاة وصفّت جماعة بنواحيه فالمختار أنّه إن أمِن عليها وعلى حفظ الطهارة تمّت صلاتهم، وإلاّ فلا، قال: وإن لم يعيدوا وهو من أهل القبلة أرجو أن لابأس، وإن لم يعقلهما أعادوا.
ومن لم يتفطّن في ظلمة أنّه محاذ للإمام حتّى أتمّت فقد فسدت عليه، وقيل: لا ما لم يتقدّمه؛ ومن ظنّ فيها أنّه لاصق بالصفّ فلمّا فرغ علم أنّ بينهما قدر مقام رجل قال أبو سعيد: تمّت له إن ظنّ أنّه في الصفّ، وكذا إن تحرّى أنّه عن قفا الإمام إلاّ أنّه لا يعرف أنّه صلّى خلفه وذهب عنه أرجو أن تتمّ.
أبو الحواري: إن صلّى رجلان جماعة أحدهما على مرتفع عن صاحبه، فإن ارتفع بثلاثة أشبار فسدت عليه، لا على من خلفه؛ وجازت لمرتفع خلف أسفل لا عكسه، وقيل: الإمام يعلو ويعلى، وقيل: لا يعلى، وقيل: لا ولا، وقيل: يعلى ولا يعلو.
والجنب في الصفّ قاطع إن كان عن قفاه الإمام، وقيل: لا؛ وكذا إن مسّ ثوب مصلّ أو بدنه. وإن أدبر الإمام من خلفه (128) وهم يرون استقبالا كعكسه السابق فلا فساد.
عزّان: من له متاع في أقصى مسجد فخاف أن يتلف فهل يصلّي وحده فيه بصلاة الإمام للضرورة أو لا؟ قولان. (2/137)
صفحة 660
ابن أحمد: من صلّى عن (129) قفاه بلا وضوء، فإن أخذ قفوته ولم ينل الصفّ منه شيئا فالأكثر الفساد به عليهم، وقيل: لا لسدّه الفرجة كما مرّ، وتمّت إن نالوا منه ولو قليلا، ولا يزحف تالي الإمام لسدّها عن ذاهب من الصفّ لتمام صلاته بحاله. ولتاليها من طرفه أن يزحف لسدّها، ويجرّ إليه تاليه، وهكذا حتّى يسدّوها، وإن أشار إليه بلا جرٍّ فحسن. ومن لم يصلح ذلك لصلاته وجهل أو نسي فجرّ من كان خلفها حتّى لصق به، قال خميس: لم يبعد من الخلاف وأرجوا إن قصد إصلاحها أن لا يضيّق عليهم، وقد أُمروا بالتسوية لأنّها من تمام الصلاة.
وإن كان بين السواري صفوف فإن قامت سارية مقام رجل فأكثر في صفّ مقدّم قطعت على من قطعت عليه في أيّ ناحية كان من الإمام لا على من خلفه أو متّصلا به، وإن كانت أقلّ من رجل لم تُقطع، وقيل: تقطع مطلقا إن منعت بين رجلين، وإن كانت السواري بين الصفوف المتأخّرة وتمّ الأوّل أو ينالها منه شيء ممّن قطعت عليه فلا فساد إذا نال بعضها من الصفوف الثابتة صلاتهم خلف الأوّل.
ولا يجوز لأحد أن يتأمّ بالإمام وهو [279] قدّامه ولو ضرورة، ومن صلّى خلفه لأجلها وحده أو ناحية منه بزحام أو غيره، فالخلاف في النقض، والمختار الجواز له ما لم يتقدّمه.
والتمام لغالط بظلام أو نحوه إن وقعت بلا عمْد ولا تجاهل.
وجاز لرجل أن يصلّي في بيته بصلاة الإمام إن فتح بينه وبين المسجد باب، ولا قطع بينهما طريق؛ وكذا إن صلّى به في ظهر بيت وهو أسفل جاز إن كان مِن خلفه ولا قطع طريق أو غيره بينهما، وقيل: لا.
ابن المسبح: يجوز في نفل، وقيل: في الفرض لشهرة ذلك في الأمصار.
والطريق قاطع إن كان بين صفوف أو يمينا أو شِمالا. ولا يُصلّى خلف طريق أو نهر بالإمام؛ وإن اتّصلت حتّى أخذت في طريق، ففي الجواز قولان، إلاّ إن كان في أودية وممرّ حيث أريد. ولا يُصلّى في سكّة أو طريق خاصّ. (2/138)
صفحة 661
فصل
أبو المؤثر: إن اصطفّ رجلان ورأى أحدهما أنّ صاحبه لا يحسن فله أن يتقدّم إلى يمين الإمام ويدعه.
وقيل: من صلّى فوق مسجد وإمامه أسفل أو في الصفّ وحده أجزاه إن كان لعذر بحرّ أو برد أو خوف أو نحوه. وحدّ العلوّ تقدّم مرارا. وكُره الأقلّ بلا فساد به.
أبو سعيد: إن صلّى إمام داخل مسجد وآخر في حجرة والأوّل قدّامه، فقيل: إن فتح بين الداخل والحجرة باب أكثر من ثلاثة أشبار جاز، وقيل: حتّى يكون مدخلا لرجل بلا معالجة، وقيل: ولو فرجة أقلّ منها ككوّة يبصر منها الإمام ومَن خلفه. (2/139)
صفحة 662
الباب التاسع والثلاثون
فيما يقطع صلاة الجماعة أو الواحد خلف الإمام وهو سترة لمن خلفه
فإن ذهب بينه وبين سجوده ناقض فسد ولو على من خلفه، وقيل: وحده، ويتمّ بهم غيره. والذاهب بينه وبين الأوّل ناقض عليه لا على الإمام، وكذا فيما بين الصفوف، وإن مضى خلفه بين يدي الأوّل، فقيل: إن مضى على أوّله ثمّ رجع قبل أن يتعدّى قفا الإمام فلا نقض عليهم، لأنّه سترة لهم، وإن جاوزه فسدت على من تقدّمهم من ذلك الصفّ لأنّه جاز بينهم وبينها.
ابن محبوب: إن مرّ بين أيديهم، وقيل: إن ذهب قدّام الإمام لم ينقض على صفّ أصلا، وخلفه ناقض على الأوّل، وإن انقطع صفّ من جانب خلفه اثنان فأكثر فلا نقض، وفي الأوّل أشدّ، وأرجو أن لا فساد.
وإن سدّوا فرجة خارجٍ من صفّ فحسن والواحد إن انقطع طرفا منه فاسد، وإن انقطع من الأوّل اثنان فأكثر ففي النقض قولان، والواحد ناقض إن لم يزحف حتّى يتّصل، وإن نسي أن يزحف أو جهل لزومه فلا فساد.
وإن تعمّد تركه بعلم فسدت عليه، وهذا في الأوّل، وأمّا غيره فإن تمّ الأوّل فلا نقض في غيره ولو انقطع منه واحد.
أبو عبد الله: إن مرّ بين يدي إمام قاطع ولا سترة له قطع عليه وعلى الأوّل، ويتمّ بالباقي واحد منهم؛ قال خميس: فعلى القياس أن لا تفسد على من بقفاه الإمام لأنّه سترة له.
وإن خرج من الصفّ وبقي طرفاه ولم ينالا من الإمام شيئا خيف عليهم النقض، ونفاه الفضل، وقيل: إن مرّ بين يديه ناقض وقدّامه خطّ أو سترة دون الثلاثة، وبينه (2/140)
صفحة 663
وبين المصلّين أقلّ من خمسة عشر فسدت عليه وعلى من خلفه إلاّ السباع فالوقف فيها.
فإن قطعت (130) بين أهل الصفّ أسطوانة أو غيرها، فإن أخذت قفا الإمام ولم يكن تاليها من الطرفين لا تتماسّ ثيابهما إذا ركعا أو سجدا فسدت عليهما لا عليه، ولا فساد إن كان بينهما أحد، ولا إن تمّ الصفّ.
وإن كان بين سجود المأموم والإمام نجس، فقيل: تامّة ما لم يمسّه، وقيل: لا، وقيل: إن كان رطبا وإلاّ فلا ما لم يمسّه أو يكن موضع صلاته مثل إن كانت تحت صدره أو ركبته أو نحوهما، ويمسّه ثيابه (131) إذا سجد.
ومن أحرم خلف الإمام واستمرّ في القراءة، ثمّ رجع يردّد التوجيه فلا فساد على تاليه.
ومن صلّى قفاه بلا وضوء فأخذه كلّه ولم ينل الصفّ من الإمام شيئا، فالأكثر على النقض، وقيل: لا إذا سدّ الفرجة كما مرّ. وإن نالوا منه تمّت عند الأكثر.
ومن توسّط صفّا وبثوبه نجس وصلّى بلا علم به، فقيل: ينقض على من خلفه، وقيل: لا إلاّ المني، [280] وإن مسّ من حاداه، فإن عُرف موضعه من الثوب أفسد عليه، وإلاّ فبالثوب كلّه، وقيل: لا حتّى يعلم أنّه مسّه موضعه. ولا نقض بمعتوه في صفّ. (2/141)
صفحة 664
الباب الأربعون
في الدخول في الجماعة
ومن دخل فيها والإمام يقرأ السورة أنصت لها ولو أدرك آية، وإن أدرك أقلَّها لزمه أن يقوم بعد أن يسلّم ويقرأ الفاتحة.
ابن محبوب: من دخل وقرأ وركعوا قبل أن يتمّ القراءة، ورفعوا عنه وفرغ وركع وحده فلا عليه إن أدرك سجود الإمام، ودخل عليه قائما، ولا إن دخل عليهم (132) -قيل- في الركوع ولو خرّ، أو إن لم يدرك شيئا من قراءة.
قال ابن أحمد: فلا يقرأ وفسدت إن قرأ، وعليه اتّباع الإمام في حدّ أدركه فيه بعد الإحرام.
ومن دخل في فريضة بمسجد ثمّ أُقيمت فإن رجى أن يتمّ ركعتين أتمّهما وكانتا نفلا، ودخل معه، وإن جاوز الشفع أو ابتدأ قطعها ودخل.
ابن المسبح: إن خاف أن لا يتمّه جمعهما وترًا، وسلّم ودخل. وقيل: من أدرك آخر ركعة معه فقد أدرك، وله أن يقول ما يقوله من تشهّد ودعاء، وقيل: إذا وصل إلى (133) "ورسوله" سبّح وجاز، ولا تفسد بتردّد التاحيّات وجاز، والتسبيح أولى.
ابن محبوب: من صلّى خلف إمام ظهرا أو عصرا ولم يقرأ فيهما ولكن يركع ويسجد ويكبّر، فإنّه لا يعيد.
واختُلف فيمن أدرك معه الركوع، فقيل: إذا أحرم وركع معه فلا يعيد القراءة مطلقا، وقيل: تجزيه في النهار، وقيل: لا مطلقا إلاّ إن أحرم قبل ركوعه، وقيل: حتّى يسمع آية، وقيل: قدر ثلاث، وقيل: لا في النهار حتّى يقرأ نصف الفاتحة، وقيل: أكثرها وإلاّ أعاد القراءة؛ فعندنا يجعل ما فاته به أوّل صلاته.
أبو عبد الله: لا يدخل معهم إلاّ إن أدركه قبل أن يقعد من السجود للأخيرة بعد إحرامه، والمختار أنّه إذا أدركها لنفسه قبل أن يسلّم فقد أدرك ويمسك إذا قرأها (2/142)
صفحة 665
عن الدعاء حتّى يسلّم، ثمّ يقضي هو (134) ما فاته به، وقيل: يدعو مثله، والكلّ كما قيل حسن، وقيل: يسبّح حتّى يسلّم.
ابن المسبح: يردّد الشهادة إلى الرسول، فإذا قضى ما فاته دعا.
ومن دخل مسجدا وقد أُقيمت وخاف أن يسبق فليوجّه وإلاّ فلا نقض، وقيل: إن خاف أن لا يدرك الركوع إذا وجّه سبّح وأحرم، وإن فعلهما والإمام راكع فركع قبل أن يرفع أجزاه عن إعادة القراءة، وإن أخذ في الركوع وهو في الرفع منه، وأدركه في السجود الأوّل أو قبله فقد أدركه، فإذا ثبت له الركوع معه، ولم يركع ولا أدركه في القراءة وتشاغل بها إلى أن ركع الإمام فلا يدخل فيه، ويمضي معه في السجود لأنّه لا يعمل حدّا قد خرج منه، وإنّما يدخل فيما هو فيه حين أحرم.
وإن دخل في ركوع خرج منه عمدا أو جهلا، وأدركه في الأوّل وأتمّها، فإذا خرج منه قبل أن يدخل هو فيه ثمّ دخل خالفه، ولا يعذر بجهله، وفسدت عليه.
وإن خرَّ للركوع وقد أتمّها الإمام أو قبل أن يتمّ، فقيل: يجزيه قبلا، وقيل: لا، إذا لم يعمل معه شيئا في الركوع؛ فاتّفق أنّ هذا راكع، وذاك قائم منه، وإنّما يدرك من حدودها ما دخل معه وهو فيه. وإن أحرم وقد سبقه بسجدة أو صلّ صلاته ولو أدرك إحداهما سجدها وقضى الباقي إلى ما أدرك، [281] وأتمّ التاحيّات. وإن سجد الإمام أو ركع قبل أن يقوم هو من سجوده فخلاف فيها.
فصل
من قام لاستدراك ما سبق به ناسيا قبل أن يسلّم الإمام، فإن دخل في القراءة أعاد.
ومن دخل مسجدا وخاف أن يركع قبل أن يصل هو إلى الصفّ، فله -قيل- أن يحرم ويركع ويسجد في محلّه، فإذا قام زحف إليه قارئا، وقيل: لا يجوز له، بل يمشي للصفّ فيصلّي ما أدرك ويقضي ما فاته. (2/143)
صفحة 666
ومن أسلم فأدرك بعض صلاة الإمام أبدل ما فاته به لإسلامه في الوقت، فعليه أن يصلّيها ولو فات، وقيل: إن لم يتوان في الطهارة حتّى فات فلا بدل عليه.
أبو سعيد: من أدركه قاعدا للأخيرة فأحرم وقعد معه أجزاه إحرامه، وقيل: لا يكون مدركا حتّى لا يفوته من قعوده شيء.
وقيل: إن أدرك التشهّد وفرغ قبل أن يسلّم الإمام فقد أدرك، وإلاّ فليس مدركا للحدّ.
ومن دخل معه في الأخيرة من المغرب فلمّا قعد للتاحيّات وقرأها شكّ أنّه لم يقعد إلاّ مرّة فقام ليأتي بركعة (135)، وجهل الداخل معه أن يسبّح له ولحقه فيها حتّى أتمّها، وقرأ معه التاحيّات ثانية، فلمّا سلّم قام هو فأتمّ الركعتين، فإن تيقّن بالزيادة لم تتمّ صلاته، وإن أدركه في الأولى فأحرم وقرأ الفاتحة جهلا، وقعد فقرأها معه وسلّم، وقام هو وقضى ما فاته به، فقيل: تفسد إن أحرم والإمام قاعد (136)، وقيل: لا إذ لم يأت بحدّ مُجمَعٍ عليه.
أبو سعيد: لا يكون مدركا بأقلّ من ركعة تامّة في جمع ولا جمعة ولا جماعة. ومن دخل معه في حدّ، وأتمّ وبنى واعتدّ بها أدرك من حدّ فأكثر فقد أدركها معه؛ وآخر الحدود عندهم القعود الأخير، فإن كان جمعة أبدل ما فات قصرا بصلاة الإمام، وإن كان مسافرا والإمام مقيما ثبت عليه التمام.
وقيل: من دخل وهو في حدّ ثمّ خرج منه إلى ثان قبل أن يدخل هو فيما أدركه فيه، فإنّه يؤمر أن يدخل معه في الثاني فتصحّ صلاته.
ومن كان -قيل- في التاحيّات الأولى فقام الإمام منها فليتمّها ثمّ يلحقه، وإن ركع قبل قيامه فقام فأدركه في الركوع، فقيل: إن أدركه حال خروجه من حدّ خلَفه حال دخوله هو فيه فسدت (137) عليه، وقيل: لا ما لم يكن بينهما حدّ، وقيل: ولو سبقه بحدٍّ خالٍ أو حدّين وأحدهما في شيء منهما، فإذا أدرك أوّل حدّ ولم يفته تمّت له. (2/144)
صفحة 667
ومن سلّم معه ناسيا لما فاته، فقيل: يبتدئ، وقيل: يبني ما لم يتحوّل أو يقوم إلى غيرها، وقيل: ما لم يصلّ منها ركعة، وقيل: ولو صلاّها ما لم يدبر أو يتكلّم؛ وإن قام قبل أن يسلّم فإن سلّم قبل دخوله هو في القراءة فلا عليه، وإن سلّم بعد خيف عليه النقض، ونفاه عنه ابن المسبح كما مرّ.
وإن ذكر بعد قيامه أنّ الإمام لم يسلّم قعد حتّى يسلّم ويسجد للوهم. وقال خميس: لعلّه قيل لا فساد عليه إذا دخل قبل أن يسلّم إن قضى التاحيّات وكان في الدعاء لأنّه لو أتمّ وانصرف قبله لم يضرّه، وإن كان لا يؤمر به.
أبو الحواري: من سمع بعض قراءته تمّت صلاته، وليس عليه حفظها.
أبو سعيد: إن دخل المسافر في صلاة المسافرين في المغرب ففاتته ركعة وأدرك الباقي، وقام الإمام للعتمة وأحرم قبل أن يقضيها هو فلا يفسد عليه ذلك لدخوله في صلاة عليه تمامها، ويلحقه إن شاء الجمع معهم. وكذا من دخل في القيام وفاته الشفع الأوّل وقام الإمام للآخِر قضاه ولحقه، ولا يضرّه ذلك.
فصل
من دخل على من بيمين الإمام فأحرم، ثمّ جرّه فتبعه فلا عليهما، والأحسن أن يجرّه ثمّ يحرم، وإن أحسّ به فتأخّر إليه أو قام خلفهما فتأخّر إليه فلا فساد كما مرّ، إلاّ إن زلّ عن الإمام، وذلك أنّه لو مشى لم يمش الإمام فيلزمه البدل.
وإن كان تأخّره عن قفاه وعن حياله ما أنّه لو مشى لسدع الإمام، فلا بدل عليه.
وإن صلّى برجل فجاءهما آخر تأخّر إليه الرجل، ولا يتقدّم الإمام، فإن تقدّم، فقيل: لا نقض عليه، ولا إن صلّى بأحد عن يساره جهلا أو نسيانا، وإن تعمّد ففي فسادها عليه لا على الإمام قولان، وإن صلّى يمينه فجاء ثالث يساره أو خلفه أخطأوا (2/145)
صفحة 668
ولا فساد، وقيل: [282] به خلفه. وإن وقف يمين الأوّل، فقيل: تفسد، وقيل لا وعليه الأكثر إلى ثلاثة، وقيل: إلى أربعة.
وإن اصطفّ قوم خلفه ولم يتأخّر إليهم من كان يمينه، ولم يجرّوه فلا فساد إن جهل التأخّر، وإن تعمّد وقد علم أنّه خلاف السنّة فسدت عليه.
وعلى مصلّ يمينه وبينهما مقام رجل واختير تمامها إن سجد حداء منكبه، وبه قال ابن المسبح. ومن تقدّم إلى خالٍ قدّامه فلا عليه، بل يثبت مكانه إلاّ إن بقي منفردا فيه، فإنّه يتقدّم.
أبو عبد الله: من سجد خلف إمام في ضيق جاز له ولو حاذى ركبته، وقيل: حتّى يسبق بمنكبه ورأسه، والأوّل أحبّ، والآخر أوسع، وأتمّها ابن المسبح إذا سبقه بشيء، وقيل: ولو حداء رأسه.
أبو الحواري: إن صلّى رجلان خلفه، وفسد وضوء أحدهما فليدن الآخر منه، وإن كان أحدهما يمين الآخر وتأخّر عنه تالي الإمام، فإن نال منه مسجده تمّت له، وإن تأخّر عنه وقدّامه شيء من الإمام لم يضرّه إلاّ إن انفسح عنه بقدر خمسة عشر، وإن انفسح عنه ناحية قدر رجل فسدت عليه. ومن دخل على مصلّين، فقام وحده ثمّ دخل عليه آخر فسدت عليهما، لأنّ الأخير دخل على من لا صلاة له، وأتمّها لهما سليمان لإصلاحه صلاة الأوّل ولو فات بعضها.
فصل
هل يستعيذ الداخل مع (138) الإمام راكعا، أو يحرم ويركع ويؤخّر الاستعاذة إلى القراءة؟ قولان. ومن فاته الأوّلتان من ظهر أو نحوه، فحين أخذ في تمامهما نوى ابتداء الثانية أعاد.
ومن أدرك الركوع نهارا أعاد القراءة في الأوّلتين، وأجزاه التسبيح في الأخيرتين، وإن بدأ الفاتحة في الأولى والثانية، ثمّ ركع الإمام فليبادره، وإن سبقه وقد (2/146)
صفحة 669
قرأ بعضها وركع معه بدأ بها بعد. ومن دخل في ركوع فأحرم وقرأ وركع، فإن كانت الركعة ممّا لا سورة فيها فلا يعيد القراءة، ويبدل ما قرأ وهم ركوع إن كانت فيها، وفسدت عليه إن لم يبدل.
ومن أدركه في التاحيّات فأحرم وقرأ الفاتحة جهلا، وقعد فقرأها فسدت -قيل- عليه، وقال خميس: أرجو أن تتمّ عند بعض إذا ظنّ الجواز.
أبو سعيد: إذا أحرم وقد ركع الإمام فليس له أن يقرأ ولو رجى إدراكه فيه، فإن قرأ وأدركه، فقيل: تمّت، وقيل: لا، ولا يُعذر؛ وإن تعمّد أبدل اتّفاقا.
وإن أحرم والإمام قارئ فلم يدخل حتّى ركع وقرأ ولحقه، ففي التمام أيضا قولان. عزّان: أساء إذ لم يركع معهم حين أحرم، ولا نقض عليه؛ وقد أتى -قيل- موسى وهاشم المسجد ولم يدرك الركوع فلمّا سلّم الإمام قاما، فركع موسى وقال: سمع الله لمن حمده، ثمّ حمد الله قائما ثمّ انصرف، قال هاشم: فبلغ ذلك بشيرا فقال: لا ينصرف إلاّ عن قعود، فرجع موسى إلى قوله، وأتمّها أبو زيّاد، قال: ولا يؤمر بالقعود ثمّ يسلّم، ومن دخل فيها حين يقرأ السورة فقرأ البسملة ثمّ ركع الإمام، ولم يدر هو أقرأ آية مذ أحرم أم لا؟ اختير له أن يعيد القراءة، وإن قرأ معها آية، ثمّ ركع الإمام تمّت له؛ ونُدب له أن ينصت ولا يقرأ -كما مرّ- إذا جاوز الإمام الفاتحة. وقيل: من أدرك معه الركوع بعد أن أحرم لا للقراءة نهارا فلا يعيدها، واختار خميس بدلها.
عزّان: من صلّى خلف إمام العشاء فتعمّد قراءة السورة معه فبئس ما صنع، ولا نقض عليه؛ وكذا إن لم يقرأ ولو الفاتحة. (2/147)
صفحة 670
الباب الحادي والأربعون
في اتِّباع الإمام وما يلزم المأموم
نُدب له أن لا يقطع التكبير حتّى يقطعه، وإن فاتته الفاتحة معه ثمّ نسي إعادتها فإن كان في صلاة لا يحرز فيها بالقراءة فلا فساد عليه، وإن كان في الأوّلتين من الهاجرة أو العصر أعاد، لأنّه لا يحرزها فيهما لا إن كان في الأخيرتين منهما؛ ويعيد فيما يجهر فيه بها.
أبو المؤثر: لا يعيد إن كان خلف الإمام ولا يجهر إلاّ إن فاتته السورة، فيلزمه أن يعيد القراءة وإلاّ أبدل.
ابن محبوب: لا يعيد إن قرأ الإمام آية فأكثر. ابن بركة: من _أحرم قبل إمامه ظنّا أنّه قد كبّر أعاده بعده، لأنّه مقتد به، وكذا إن سلّم قبله أو ركع أو سجد، فليرجع إلى حاله حتّى [283] يفعله إمامه ثمّ يتبعه، ولا ينتظر لحوقه.
ومن تعمّد سبقه في شيء فسدت عليه لخروجه عن معناه، فمن أتى صلاة على غير ما أُمر به بلا عذر فإنّه غير مؤدّ لها.
ومن سبقه بنسيان رجع إلى حدّ خرج منه به وأتبعه، وقيل: من قرأ قبله مضى على قراءته، ولا يعيدها إلاّ الركعة الأولى فلا يقرأ فيها قبله، وكُره بلا فساد أن يبتدئها قبله. وإن سبقه بشيء فقام ليبدله قبل أن يسلّم أعاد.
أبو سعيد: إن تعمّد سبقه في حدّ فسدت عليه ولا تنفعه رجعته لإحداثه مفسدا لها، وتنفعه في غير العمد إلى حدّ هو فيه إن أدركه فيه، وإلاّ وساواه، وأتمّ حدّه لم يضره، وإن رجع إليه فوافقه خارجا منه كان على حالة هو فيها بلا رجوع حتّى يصير في التالي، ثمّ يلحقه.
ومن أحرم قبله أعاده بعده بلا تسليم عليه ما لم يجاوز إلى الركوع ناسيا، فإذا جاوزه ابتدأها بتوجيه وإحرام، ولحقه حيث أدركه ما لم يجاوز حدّا فيلزمه إعادة (2/148)
صفحة 671
التكبير بلا تسليم ولا توجيه. قال خميس: ولا يبعد القول بهما كما يُحكى عن الشافعي.
ومن تعمّد رفع رأسه قبله فسدت عليه، وقيل: لا (140)، حتّى يرفعه مرّتين وإن بلا توال.
ومن اشتغل قلبه فيها حتّى أتمّها الإمام ولم يدر هو ما صلّى، ولا ما قرأ إلاّ أنّه يتبعه كُره فعله بلا فساد حتّى يعلم أنّه تعمّد ترك شيء منها. ومن دخل فيها وقد سبقه بركعة أو أكثر فكرّ به خبث عند قراءة الإمام التاحيّات الأخيرة فلا يقوم لبدل ما فاته، ولو قضاها هو حتّى يسلّم الإمام؛ وفسدت إن تعمّده.
والجاهل فيه أهون من المتعمّد.
قال خميس: لا يتبيّن لي له عذر في مخالفة حقّ مجمع عليه؛ وعندنا لا تجوز خلف إمام إلاّ بصلاته في محلّ تجوز به إن كان إمام مسجد.
وإن قام للبدل في حدّ ما لو أحدث الإمام تمّت صلاته فدخل في العمل قبل أن يسلّم، فقيل: إن كان في قيامه وقد صار في حدّ ذلك فهو أرخص ما قيل فيه؛ قال: إن صحّ. فإن ركع قبل أن يسلّم تمّت صلاته على هذا القول، وإذا ثبت فسواء ركع أم لا.
وقيل: من صلّى خلفه ولم يثبت إلاّ على الإحرام فلا نقض عليه، وألزمه له ابن المسبح.
ومن شكّ في صلاته وهو تابع له (140) فلا نقض عليه، وقد أُمر باتّباعه فتتمّ له، وناقصة على من يسايره، والخلف في فسادها؛ ولزم متعمّد سبقه اتّفاقا.
ابن أحمد: من أشغله تعقّل قراءة الإمام وتكبيره عن قراءة نفسه وتكبيره وهو يقرأ أو يكبّر، كُره له ذلك ولو حال سجوده ليعقل ذلك، ولا يؤمن عليه النقض.
ومن تشاغل بوساوس أو غيره حتّى سبقه فلا نقض عليه إن لم يكن بينهما حدّ. (2/149)
صفحة 672
ومن تشاغل في التاحيّات حتّى قام الإمام وقرأ، ثمّ قام هو فأدرك الركوع معه فهل فسدت لأنّ القراءة حدّ أم لا لأنَّها ليست إياه؟ هنا قولان؛ وإن رفع منه قبل قيامه هو فسدت عليه.
ومن أحرم معه وتابعه في ركعة أو أكثر، ثمّ سبقه بحدّ لا أحدهما فيه ثمّ لحقه، ففي التمام قولان. وإن لم يدركه فيها وكمل بينهما حدّ، وكان كلّما خرج من حدّ دخل الإمام في آخر فلم يتداركا إلى التاحيّات قبل أن يسلّم، فإن أدرك معه حدّا من آخر الصلاة فقد لحقه -قيل-، وإلاّ فلا؛ والقعود لها إلى الرسول حدّ لأنّه لو أحدث بعدُ تمّت صلاته.
قال خميس: وإن أدركه وقد صار بحدّ ذلك فلا يكون مدركا معه ولو أحرم معه، وإن سبقه بعد الإحرام معه بحدّين أو أكثر حتّى أدركه في الأخير بحيث ما لو أحدث فيه لفسدت كان مدركا لها عند بعض إن أدرك معه تامّا، لا إن فاته ولو قليله إلاّ على الخلف [284] في إدراك الحدّ.
أبو عبد الله: من دخل معه من أوّلها ثمّ سبقه حتّى صار بينهما حدّ أو أكثر إلى أن أدركه آخذا في التاحيّات، وقد قرأ إلى الرسول، وقام وهو يقرأها وسلّم معه أو قرأها وقام بتشهّد، أو قرأها فسلّم معه، ففي فسادها قولان؛ فعلى القول بعدمه أنّه إن أدركه قبل أن يفرغ منها إلى الرسول أنّ ذلك حدّ، ولعلّه -قيل- إن أدرك معه القعود إلى أن يقرأ هو إلى عبده قبل أن يسلّم فقد أدركه معه، واختير الأوّل.
فصل
من لم يدخل مع إمام من أوّل، وأدركه في سجود، فإن دخل معه في حدّ ثمّ سبقه بتامّ فهو سبق مفسد لا ما سبقه به من أوّل قبل دخوله معه فيه إن أدركه ولو في قعود، وقيل: إن أدرك قعوده من أوّله، وقيل: إن قرأ التاحيّات قبل أن يصل إلى الرسول، واختار خميس أنّه إن دخل في القعود معه قبل أن يقرأ إليه فقد أدركه في (2/150)
صفحة 673
الحدّ، وإن جاءه وهو فيها فلم يدخل معه في حدّ هو فيه، وابتدأ صلاة نفسه فكان في حدّ، وهو في ثان حتّى أدركه ولو في التاحيّات فسدت إذا صلّى حدّا تامّا، ولو نوى في إحرامه صلاة نفسه ومضى مع الإمام اتّفاقا.
ومن أخذ في القراءة قبله ناسيا فيها يجهر به، ثمّ ذكر فأمسك حتّى أخذ فيها بنى على ما قرأ.
وإن تعمّده ظنّا أنّه يسعه، فقيل: تتمّ له لأنّه لم يسبقه بحدّ، وإن دخل معه بظهر وهو بعصر لم تصحّ له، وقيل: صحّت، ولكلّ ما نوى.
وكذا إن نام الإمام عن ظهر إلى العصر، وأُقيم له وصلّى بهم الظهر ولم يعلم بحضور العصر فسدت عليهم لا عليه، وقيل: تمّت للكلّ، والنية -قيل- له لا لمن خلفه، وإنّما يعتقد أن يصلّي بصلاته. ومن صلّى معه الفرض وهو يؤثر لزمه البدل لا الكفّارة إن ظنّ جواز ذلك له (141). (2/151)
صفحة 674
الباب الثاني والأربعون
في تنبيه الإمام إذا سها أو تعايا
ونُدب أن يُنبَّه بسبحان الله. أبو سعيد: إن قام بدل قعوده (142) أو عكس نبّهه من خلفه (143) فيما بين قيام وقعود حتّى يقوم كما مرّ، وإن أتمّ على السهو بينهما ظانّا الجواز له الانتظار الإمام، ولم يتعدّ إلى القيام فلا نقض عليه إن لم يتعمّد، وإن مضى ولم ينتبه بطلت إمامته وأتمّ من خلفه.
وإن كان أصمّ فنُبّه ولم يسمع، فرماه بحصاة فانتبه فسدت على الرامي لأنّه عمل، وقيل: لا لأنّه من مصالحها (144)؛ وكذا إن تنحنح له. وقيل: يُجهر له بما هو فيه حتّى ينتبه، وإن أراد أن يسبّح له فغلط ببسم الله، أو سبحانك الله فقولان أيضا.
ولا بأس أن يسبّح له أكثر من واحد، ولا إن لم يسمع فقطع أحدهم صلاته فدنى منه، وأعلمه ثمّ يبتدئها.
أبوسعيد: إن اتَّبعه من خلفه عالما بغلطه، فقيل: تتمّ له إذا تبعه احتياطا، وقيل: لا، وعليه أن يسبّح له، فإن لم يفعل فسدت صلاته.
وإن قام بعد الأخيرة فسبّح له فلم يقعد فليسلّموا، ويقولوا قضيت.
وإن نسي سجدة أو قراءة فسلّم وأتمّ من خلفه ما نسي تمّت صلاتهم، وإن لم يتمُّوا فسدت؛ واختار خميس أنّه إن نسي السجدة الأخيرة والتاحيّات وانصرف وأتمّوا تمّت لهم، وإن ترك ذلك وسطها قبل الحدّ الآخر استحسن إذا سبّحوا له، ومضى على الغلط أن يتمّوا ما ترك وباقيها، وخرج منهم لعلمهم بفسادها، وإن أتمّوا ما ترك ولحقوه وأتمّوا معه فلا يؤمن عليهم لعلمهم بفسادها عليهم أيضا.
وإن أتبعوه ولم يتمّوا ما نسي فذلك أشدّ، وأرجو أن تفسد على الكلّ.
قال زيّاد: صلّينا الجمعة بصُحار خلف يمان فلمّا بقي من الركعتين سجدة قعد ولم يسجدها فأبطأ، وكبّر رجل وسجد وتبعه الناس ورفعوا، ثمّ كبّر هو وسجد ولم (2/152)
صفحة 675
أعلم أنّ الذي كبّر وأتبع غير الإمام فلم أسجد حين سجد، ورأيت أنّ صلاتي تامّة، فلمّا انصرفنا سألت سعيدا [285] منهم، وقال: أنا ممّن سجد ثلاثا، قلت: فما تصنع؟ قال: لا أدري، فكتبت إلى سليمان فأجابني أنّ من سجدوا ثلاثا أصابوا، وعلى الباقين الإعادة، فكرهت أن أنقض حتّى لقيته فأخبرته أنّي لم أعلم أنّ الذي كبّر وسجدت لسجوده غير الإمام، فلم ير عليّ إعادة. وقيل: على من يتامّ (145) به في ذلك المسجد الإعادة، ولا يجوز ترك سجدة، ولا أن يصلّي وحده بلا صلاته.
فصل
هل يُفتح له إذا تعايا مطلقا أو حتّى يسكت؟ قولان، وذلك إذا ارتجّ عليه حرف أو وقف فيه وأعياه طلبه، وهو من التعاون على الصلاة، ولا من خلفه شريكه فيها، وذلك فيما لا تتمّ إلاّ به، وفيما يجتزى فيها بدونه خلاف، واختار خميس إجازته ما لم يركع، واكتفى بما قرأه، وكان سكوته كطلب الزيادة.
وما طلب ولم يُصب ما أعياه ففيه خلاف، واختار أيضا أن لا يفتح عليه حتّى يسكت إعياء لئلاّ يشاركه في القراءة.
أبو المؤثر: صلّى ابن عمر المغرب بقوم فيهم مولاه نافع، فقرأ الفاتحة وردّد البسملة وخزن عليه القرآن، فقرأ نافع {إِذَا زُلْزِلَتِ الأَرْضُ} فقرأها ابن عمر، واستمرّ فلم يعب عليه بعد الفراغ، وقيل: لا بأس أن يفتح عليه في القراءة وإن لم يتعاي.
أبو سعيد: إذا سكت وظهر منه أنّه قد عيِيَ جاز أن يفتح عليه، وأمّا ما طلب وتردّد فلا. وإن فتحوا له متردّدا طالبا، فقيل: فسدت عليه، وقيل: لا إن كان الفاتح له جاهلا غير متعمّد لمخالفتهم، وإن سكت بعد الفاتحة فوق ما أمر به تأكّد الفتح له ما لم يقرأ ما تجوز به الصلاة فيما فيه السورة.
وإن افتتح القراءة -قال عزّان- ثمّ اختلط عليه فترك بعض السورة وركع فلا عليه إن قرأ منها قدر آية فأكثر. (2/153)
صفحة 676
الباب الثالث والأربعون
في صلاة المقيم بالمسافر وعكسه
أبو سعيد: ثبت أنّ إمامته بالمقيم صلاة نفسه، وهو القصر كعكسه وهي التمام. ولا تجزي إذ لا تجزي صلاة المسافر عن صلاة المقيم وعكسه جائز تماما؛ وتبعا له فإن أمّ مسافر بمقيم تامّة فسدت، والخلف في صلاة المسافر، فقيل: لا تضرّه الزيادة، وقيل: تضرّه؛ وأمّا صلاته بصلاة المسافر أربعا فلا تتمّ لأنّ الزيادة إن كانت نفلا فالفرض لا يقوم به، وإن كانت باطلاً فالحقّ لا يقوم به.
وإن اعتقد التمام بصلاة المقيم أبدل، وعليه أن يقول: أصلّي بصلاة الإمام. ومن جمع وصلّى الأولى وحده وأراد العصر مع الجماعة فقعد في التاحيّات منتظرا، فإذا وصل الرسول فله أن يسلّم، وأن ينتظر بعده.
وإن صلّى المسافر الأولى ثمّ رأى مسافرين يصلّونها والعصر جماعة فلا يصلّه معهم، وأجازه أبو سعيد إن كان في وقته.
وقيل: إن صلّى بقوم ركعة ثمّ أحدث فأخذ بيد مقيم فصلّى بهم أخرى، فإنّه يقدّم رَجلا يسلّم بهم، ويتأخّر هو ويتمّ، وكذا من معهم من المقيمين يتمّون فرادى.
وإن أتى إلى قوم يتمّون وهو يقصّر وأدرك معهم ركعة، فلمّا قضوا زاد إليها أخرى ثمّ سلّم، لم يجز له ذلك، وعليه أن يتمّ صلاة الإمام لدخوله فيها، ويبدل ما فاته به إذ لا تتمّ صلاته إلاّ بصلاته.
وإن صلّى بها ثمّ ذكر أنّه صلّى بثوب نجس أو بلا طهر أعادها قصرا إن ذكر في الوقت، وإلاّ فقولان.
أبو سعيد: إن دخل في صلاة المقيم فأدرك معه حدّا فأكثر لزمه التمام، وإن فسدت صلاة الإمام بما لا يفسد على من خلفه صلّى المسافر صلاة نفسه في الوقت إذ لم تنعقد له صلاة الإمام. ابن أحمد: إن كان الفساد من قبله أبدلها فيه قصرا وبعده (2/154)
صفحة 677
تماما، وإن كان من قبل الإمام أبدلها قصرا مطلقا؛ وكذا إن صلّى الجمعة ثمّ علم فسادها. وإن كان في الوقت أبدلها أربعا، وإن كان بعده فقولان.
فصل
يقول المسافر إذا دخل على المقيم: أصلّي بصلاة الإمام، ولا يذكر قصرا ولا تماما، فإن [286] دخل في الأولى صلاّها به كأنّه مقيم، وإن دخل في الثانية ولم يصلّ الأولى قدّمها ركعتين إن كانت ظهرا أو ثلاثا إن كانت مغربا، فإذا قرأ إلى الرسول سلّم وسكت، ولا يتحوّل حتّى يقيم وجماعته، فيقوم معهم للثانية تماما يجمعها إلى التي صلاّها أوّلا قصرا، وإن شاء صلّى كلاّ في وقتها معه كأنّه مقيم على ما مرّ من النية.
وقيل: إن صلّى بمسافر ثمّ ذكر أنّه بلا وضوء أو بثوبه نجس مضى على صلاة المقيم، وإن أخّر الأولى إلى الأخيرة فصلاّها في (146) جماعة في غيم بتحرّي الوقت، ثمّ بان أنّهم صلّوا قبله تمّت صلاته، ويصلّي المقيمون في الوقت.
وإن صلّى بهم العتمة مسافرا نوى القصر وهم يتمّون، فلمّا قرأ التاحيّات قام فزاد ركعة أو أقلّ ولم يسبّحوا له، فلمّا ذكر سلّم، وأتّموا تاركين له وغلطه تمّت صلاتهم، وإن أتمّوا به عليه خيف فسادها.
ولا بأس على مسافر أن يصلّي خلف من لا يعرفه موافقا إذا لم ير منه خلافا في الصلاة، ولو يرفع يديه ولا يبسمل.
وقيل: لا يكون إماما للمقيمين إلاّ فيما تولّى فيه الصلاة، أو كان أولى بالإمامة ولو في غيره، فإذا سلّم قاموا فأتمّوا فرادى، وقيل: إن صلّى مع مقيمين فانتقض وضوء الإمام فقدّمه وقد أحرم معهم، فله أن يتمّها بهم تماما لدخولها فيه كما مرّ.
وقيل: إن أدرك المقيم ركعة ذات سورة من صلاة المسافر، فإذا سلّم قام المقيم فأتى بثانية يقرأ فيها، ثمّ يقعد قدر ما ينال مجلسه الأرض، ولا يمكث، ثمّ يقوم (2/155)
صفحة 678
للأخيرتين، وقيل: إذا سلّم قام المقيم بدون ذلك كأنّه مع مقيم، وهو أن يصلّي ركعتين بقراءتهما، ثمّ يقرأ التاحيّات ثمّ يقوم لركعة أو أكثر حتّى يبلغ حيث أدركه، فيكون ما أدركه معه آخر صلاته هو وما أبدله أوّلها.
فصل
من ائتمّ بمسافر بلا علم ثمّ علم عند تسليمه من ركعتين، فإن اعتقد أداءها بصلاة الإمام لا قصرا ولا تماما تمّت تمامًا، وإن اعتقده فسدت.
وإن صلّى المسافر بصلاة المقيم، قال ابن سعيد: إن اعتقد التمام فسدت. أبو عبد الله: إن صلّى هو خلف مسافر فيحدث فيقدّمه فإنّه يتمّ القصر، ثمّ يجرّ كما مرّ من يسلّم بالقوم، ثمّ يتمّ هو، فإن لم يقرب منه وراءه مقصّرا أتمّ وتركهم.
وقال غيره: إنّ الجرّ عمل، ولكن إذا أتمّ القصر تأخّر وتقدّم منهم من يسلّم بهم، وأتمّ هو وحده لا للباقين معه مقيمين.
أبو زيّاد: لا يؤمّ مسافر بمقيم إن لم يكن إماما أو واليا، فمن صلّى خلف مسافر لا كذلك أعاد، وذلك إذا صلّى قصرا، وأمّا إن صلّى به تماما أعادا معا. وإن صلّى به قصرا فأتمّ المقيم تمّت -قال خميس- إجماعا.
هاشم: إن دخل مقيم على مقصّرين فإن أدرك أوّلها، فإذا مضوا من التشهّد إلى الدعاء كفّ بعد أن يتشهّد، فإذا سلّم الإمام نهض هو وأتمّ، وإن سبقوها وأدرك آخرها، فإذا تشهّد كفّ حتّى يسلّم، فيقوم فيأتي بما فاتوه به، ثمّ يصلّي آخر صلاته، ولا يبتدئ به قبل أوّلها، وقيل: يبدأ به ويكون آخر صلاتهم آخر صلاته إذا لم يدركها معهم كلّها، فأوّلها أوّل لأنّه ابتدأ بها، وعليها بنى.
أبو الحواري: من يصلّي مع قومنا بلا وضوء فيكون الصفّ بقية (147) منهم ويخافهم إن خرج، كُره له ذلك ولكن يتيمّم في المسجد ويصلّي ويجعلها بدل فائتة. (2/156)
صفحة 679
الباب الرابع والأربعون
في الصلاة خلف الجبابرة ومن لا وَلاية له
فقيل: جائزة خلف كلّ بارّ وفاجر من أهل القبلة، وقيل: إنّما يصلّى خلف أهل البرّ فقط، وقيل: خلف الجبابرة إذا ملكوا. أبو المؤثر: أجاز [287] المسلمون الصلاة خلف من لا يتولّون إذا أتمّوها في أوقاتها، ولا علموا منهم نقصانا في طهورها (148).
وأوجبوا الجمعة خلف الجبابرة في الأمصار السبعة فقط.
ابن علي: إن اطّلع على إمام أنَّ بيده حراما بعض من يصلّي خلفه فلينصحه، فإن تركه صلّى خلفه، وإلاّ فلا، وقيل: لهم أن يصلّوا خلف قومهم إن كانوا في حكمهم، ولك أن تصلّي خلف من ظننته مخالفا أو شبيها بالفسّاق لا من علمته كذلك.
وتُردّ شهادة ظالم، ولا يُتولّى، ولا يُصلّى خلفه، ولم ير أبو المؤثر على مصلّ خلف معروف بالسرقة إعادة.
ابن محبوب: لا يُهجر المسجد من أجل إمام اطُّلع منه على حدث. ومن كرهها (149) خلف رجل فوافقه يصلّي فيه فإن علمه عاصيا لله فصلاته وحده أفضل، ورخّص فيها خلف قومنا، وهم يقومون فرادى، ويحرمون قبل التوجيه، ويقرأون السورة نهارا، ولا يُظهرون البسملة، والمختار كراهة ذلك.
وقيل: لا تجوز إلاّ خلف ولي مطيع، لأنّها فريضة وأمانة، ولا تولّى لغير أمين، وقيل: تجوز خلف موافق إن لم يُتّهم، وقيل: ولو خلف مخالف كذلك ولا اتُّهم فيها بزيادة أو نقص مؤثِّر فيها، وقيل: ما لم يُتّهم فيها ولو فاسقا، وقيل: إن لم يوجد موافق.
الوضّاح: تجوز خلف من تُقبل شهادته، ولا تُترك خلف معيب بدنيوي إلاّ إن كان مسجده لا يُخرّب بتاركها فيه، فيسعه أن يطلب جماعة في غيره، ولا يدعها إلاّ من عذر. (2/157)
صفحة 680
الباب الخامس والأربعون
في عمارة المساجد للجماعة وحكم الصفوف فيها وانتظار الإمام
محبوب: كره أصحابنا الصلاة داخل المحراب، وليقف الإمام خارجه ويسجد فيه.
أبوسعيد: لا يجوز تعطيل مسجد لا إمام له ورعا لا لأهل قرية ولا لأهل محلّة هو فيها، وقد خوطب بعمارته البارّ والفاجرّ منهم؛ وعليهم أن يقوموا بما أُلزموه من الفرائض حتّى يحضره من يعمره ممّن هو أفضل منهم، إلاّ إن لم يقبل فلا يعطّله بل يقوم به من قدر على القيام بعمارته إلى أن يجد أفضلهم، ثمّ لا يتقدّموا عليه إلاّ إن زالت إمامته عنهم بجائز تركه من حدث وإن في بدنه.
وإن صلّى القيام قوم في مؤخّر مسجد فجاء مصلّ فرضًا مقدّمه تمّت على الكلّ.
أبو سعيد: من كان بقرب مسجد إمامه غير ولي له وكره أن يصلّي خلفه، فله أن يطلب جماعة عند أفضل منه ما لم يخف خرابه منها لتخلّفه عنه، فإن خاف ذلك فعمارته أولى إن لم يُتّهم إمامه في أمرها ولم يخن فيها، كالقيام لها (150) بلا طهر أو ترك حدّ ممّا لا تجوز إلاّ به ممّا يسّر به، فإن تظاهرت تهمته بذلك أو ظهرت خيانته به لم تتمّ به الصلاة.
ومن صلّى في محراب مسجد في مقام الإمام، ولو من غير عُمّاره وحده ولو امرأة تمّت صلاته، وقد أُبيحت فيه كلّه.
وكُره أن يهجر منه شيء إلاّ لمعنى يريده فاعل ذلك من تقدّم أو مكابرة أو استتقاف (151) بإمام أو لمعنى لا يجوز. (2/158)
صفحة 681
فصل
إذا وجبت الجمعة مع الإمام جاز لأئمّة المساجد والمؤذّنين فيها أن يتركوها، ويقيموها معه حيث تلزم دون فرسخين.
أبو سعيد: يسع أقرأ أهل محلّة وأعلمهم بحدود الصلاة، وفيها أو في الثانية مسجد لا تصلّى فيه جماعة أن يترك التقدمة فيه ويحضرها في غيره إن كان لا يتعدّى ذلك المسجد إلى غيره، ولم يكن من جيرانه.
وإن لم يحسن جيرانه التقدّم عُذر ما لم يتعدّ إليه. وإن طلب الفضل كان أفضل إن لم يخرب مسجد محلّته بتعدّيه إلى غيره، فإن كان في أسفلها مسجد وفي أعلاها آخر، وله إمام دون الأسفل لزمه عمارته إن قدر، ويتقدّم فيه.
وإن خرج [288] من جواره وفيها جماعة تصلّي لم تلزمه عمارته إلاّ إن طلب الفضل.
وإن كان منزله بين المسجدين وتساويا إليه، وكان يصلّي في الأعلى خل إمام لم تزل عنه عمارة ما خرّب منهما إلاّ إن عمّر، وإلاّ لزمه عمارة الخرب؛ والأقرب إليه جاره وعليه عمارته، وفي الآخر وسيلة إن عمّر
وإن قامت جماعة في مجاوره فهو مخيّر في الآخر، وإن طلب الفضل فالآخر أفضل. وإن كان يصلّي في أبعد من مجاوره متقدّما فيه مذ كان لهذا إمام، ثمّ تركه فلا يسعه أن يصلّي في الأبعد، ويؤمّ في أقرب منه، وعليه القيام بمجاوره.
وإن تعطّلت جماعة الآخر بترك التقديم فيه لزمه القيام بمجاوره حتّى يوجد له إمام يعمّره وتقوم به. ولزم جيران المسجد القيام بعُمّاره لا عامّة البلد وقوام القرية إلاّ الجامع، فإنّ عمارته تلزم الجميع. (2/159)
صفحة 682
فصل
يجرّ من انتهى إلى الصفّ رجلا من قدّامه كما مرّ إن اتّفق له، وإلاّ فقيل: يصلّي خلف الصفّ على قفا الإمام وتتمّ له كيف ما صلّى، وقيل: يلزق به في قيامه، فإن أدرك الركوع والسجود زحف بقدرهما في أوّل القيام، ثمّ يتمّ هناك، وقيل: يزحف به حتّى يلزق به إذا عدمه كما مرّ، وإن لم يجرّ إليه أحدا وقد أمكنه وصلّى وحده فقولان؛ وإن كان ناحية عن قفا الإمام فسدت إن أمكنته (152) منه، وقيل: هما سواء. وكذا الخلف في الركوع خلف الصفّ وحده.
ابن بركة: من صلّى خلف الصفّ وحده لم تجز، وقيل: إن كان قفا الإمام جازت.
ومن رأى فرجة قدّامه فله أن يزحف لسدّها، وقيل: لا، وقيل: لا أفضل من سدّها فيها أو في جهاد.
ومن يحسُن -قيل- أن يصفّ وحده يمين الإمام وقف فيه، وإلاّ فقفاه، وقيل: وجب أن يكون يمينه، وقيل: لا يضره أن يؤمّ مصلّيا من تلك الصلاة.
وكره خميس أن يجهر بها مع متنفّل إلاّ إن كان معه غيره. وقيل: إن صلّى به حيث كان إماما جاز فيه لا في غيره، وقيل: جاز فيه لا في غيره، وقيل: مطلقا. وقد مرّت مسائل من الفصل فلتراجع.
فصل
إن ارتفع على من خلفه ذراعا فسدت إن لم يكن معه في مقامه صفّ، ولا بأس بأقلّ، وكره ابن المسبح ذلك بلا فساد، وقيل: إنّما يفسدها ثلاثة أشبار. (2/160)
صفحة 683
وإن صلّى في مقدّم المسجد فأتى مصلّ وحده في مؤخّره فأشدّ فسادا، وقيل: إن كان الإمام يتنفّل، وقيل: يُكره له بلا فساد. وإن قضى التاحيّات مصلّ بصلاته قبله وسلّم جاز له.
ومن جاء والإمام فيها أقام ووجّه، فإذا سلّم أحرم هو.
أبو سعيد: إن صلّى حداءه مسافر الظهر قدّام الأوّل منفسحا عن الإمام قدر رجل أو أكثر وحاداه بالسجود، فإذا صلاّه ودخل معه في العصر قال: إن كان يصلّي بحيث تجوز بصلاته لم تتمّ له عندنا، وإن تقدّمه بقدر ما لا تجوز له بصلاته تمّت له إجماعا. والمسافر في هذا كغيره.
فصل
صلاة الليل بالمسجد أفضل من المنزل، وحيث قويت النية كان أفضل؛ والفرائض والجماعة فيه أفضل أيضا. وكُره هجرانها واتّخاذه عادة، فإذا أُقيمت على متنفّل قطعها كما مرّ ودخل معه الإمام بالمسجد، وإن أُقيمت على مؤدّ فرضا فالأفضل قطعه وابتداؤه جماعة كما مرّ. وإن نوى دخولا معها بلا قطع ففي الصحّة قولان.
وجاز لمن خلفه أن ينوي مفارقته ويصلّي -قيل- لنفسه إن كان له عذر لما روي أنّ معاذا أطال القراءة فيها فانفرد عنه أعرابي فأتمّ وحده، وذُكر ذلك لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فأنكر على معاذ إطالتها لا على الأعرابي مفارقته.
وينتظر الإمام الجماعة قدر ما يقوم الرجل من منزله أو موضعه [289] ويتوضّأ ويصل المسجد إن أذّن أوّل الوقت، أو بوقت لا يتعدّى فيه الإمام أوّل الصلاة إلاّ من عذر؛ ويأثم إن لم ينتظر بدونه لتعطيله (153). (2/161)
صفحة 684
وإن انتظر بعضا دون بعض وقامت بالحاضرين الجماعة ولم يرد مسابقة أحد من العمّار فهو أهون، وكرهه له خميس، ويأثم إن أرادها. وقيل: عليه أن ينتظر إلى ثلث الوقت، وتكون صلاته في حدّه، وعليهم انتظاره إلى ثلثيه.
وقيل: إن احتبس عنهم جاز لهم أن يقدّموا مصلّيا بهم، ولا يخاطروا به فوق ذلك لقيام الحاضر مقام الغائب.
ولا يتعمّد الحاضرون في المسجد أن يسابقوه في الصلاة؛ والذين يلزمه انتظارهم هم المحافظون على الخمس فيه إلاّ من عذر. وإن حافظوا على الفجر والعشاء لا على غيرهما بدونه فليسوا من العُمّار. وإن ثبت لهم فهم منهم، فإن عُرفوا بالمحافظة لبعض الخمس فليس عليه انتظارهم في غيره. فإن خفي عذرهم اعتبروا فيما يحافظون عليه، فإن كانوا لا يتركون إلاّ به فهم عُمّار. (2/162)
صفحة 685
الباب السادس والأربعون
في الإمام إذا صلَّى بقوم جُنبًا أو مشركًا أو بلا وضوء
ابن بركة: أجمعوا على أنّ من صلّى بصلاته جاهلا بحاله، ثمّ بان (154) شِركه أعاد ولو فات الوقت، وكذا إن أخبرهم أنّه صلّى بلا طهور. الوضّاح: لا يعيدون إن فات، ولا إن لم يصدّقوه.
وإن أحدث بمفسد له أو كان قبلها ولم يعلم به ثمّ علم فيها خرج، وبنوا بآخر أو فرادى، والأكثر منّا على هذا، وقيل: تفسد به صلاتهم لارتباطها به، والمختار الأوّل.
ولا نقض عند سليمان على مصلّ خلفه إلاّ إن كان جنبا أو بثوبه جنابة وقد مرّ.
وإن أبصر دما وراء الإمام فسدت صلاته إن كان مفسد إلاّ إن احتمل غيره كحمرة، فإن علمه دما وسلّم ولم يخبره به كُره له بلا إثم.
وإن أبصر بثوبه خرقا أو خرج منه بعض بدنه، فإن أبرز عورته فكالدم، وقد مرّ الخرق والمفسد.
وإن تعمّدها بلا طهر وإن لثوبه فسدت (155) على الكلّ وعليه إن لم يعلم حتّى صلّى دونهم إلاّ إن كان جنبا فيعلمهم أن يعيدوا، وإن غابوا كتب إليهم وأظهره ليبلغهم.
ابن جعفر: إن صلّى بهم جنبا أو بلا طهور فسدت على الكلّ وأتمّها ابن محبوب، وألزمه سليمان البدل وحده إلاّ إن كان جنبا كما مرّ قريبا، لأنّه مفسد على من مرّ قدّامه، وقيل: لا تفسد إلاّ على مصلّ قفاه ولو جنبا. (2/163)
صفحة 686
الباب السابع والأربعون
في صلاة المسافر وجواز القصر فيه
وقد روي أنّ الركعتين فيه ليستا قصرا وإنّما هو ركعة عند القتال، لقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ} الآية (سورة النساء: 101). والمراد -قيل- به التخفيف.
وجاز لمتعدّ فرسخين أن يجمع الأوّلتين بوقت والعشاءين والوتر في وقت. ونُدب له إذا حضره وقت الأولى نازلا فلا يرتحل حتّى يصلّيها، ويجرّ الأخيرة إليها، فإن حضره سائرا أو رجى أن ينزل وقت الأخيرة أخّر الأولى إليه.
ولزم من يريد الجمع أن ينويه بعد دخول وقت الأولى.
وحدّ السفر فرسخان بعد عمران البلد، ويقصّر ولو عاصيا فيه، وهو عندنا فرض واجب. والجمع جائز.
وإذا سلّم من العتمة أوتر بواحدة أو ثلاث. وجاز -قيل- جهل الجمع فيه لا القصر.
ومن نوى أن يجمع الأوّلتين فلم ينوه عند إحرامه فهو على نواه الأوّل، وإن حوّله بعد أن صلّى بعضا لم يجز له الجمع ولا ينفعه ردّه إليه بعد. أبو المؤثر: إن أقامها ونوى أن يتمّ ونسي القصر ثمّ ذكره عند الجلسة الأولى فنواه لم تتمّ له.
أبو عبدالله: من يقصّر في بلد ثمّ نوى المقام فيه ثمّ حوّله إلى الخروج منه قبل أن يصلّي تماما فقد لزمه حتّى يخرج منه، ولا يرجع إلى القصر [290] ولا ينهدم التمام بالراجع إليه أنّه لا يقيم فيه، ويلزمه حتّى يخرج.
وكان -قيل- مسافر يقصّر، فقال له منتحل علما: إنّ القصر رخصة والتمام أفضل فرجع يتمّ في سفر، ثمّ سأل فألزم البدل. (2/164)
صفحة 687
ومن أسلم -قيل- ثمّ خرج إلى الحجّ ويتمّ جاهلا بالقصر لم يلزمه البدل، والصواب لزومه، وأنّه لا يسعه جهله به. واختار أبو المؤثر أنّه إن علم ذلك في الوقت أعاد الحاضرة لا إن علمه بعده، وليقصّر في المستأنف. وإن لم يُعد حتّى فات عالما بالفساد أعاد، وكفّر مغلّظة إلاّ إن أعادها وقت التي تليها وجمعها (156) لم تلزمه كمسافر صلّى الظهر أربعا متعمّدا لترك السنّة والمأمور به، ثمّ ندم وتاب وقت العصر، فأعاده ركعتين وجمعه إلى العصر عنده لم تلزمه أيضا؛ ولزمته إن لم يعده إلى الليل اختيارا لا ديانة ولا تأويلا، ولا نقض بهما عليه، وقيل: يجزيه أن يصلّي العصر وإعادة الظهر، وقيل: لا يعيده على كلّ حال.
أبو الحواري: من جمع ثمّ شكّ في الأولى أنّها فاسدة ولو بعد تمامها أعادها، وأضاف إليها الأخيرة. وإن شكّ بعد أن أتمّ التعصر، فقيل: تمّ له ويعيد الظهر، وقيل: يعيده أيضا وهو المختار، وذلك إن كان وقت التي جمع فيها إلاّ إن غربت الشمس، ثمّ اختار إعادته الظهر وحده شكّ أو نسي.
وإن جمع وقت الأولى ثمّ ذكر من حينه أنّ الظهر فاسد أعادهما معا، وإن ذكر وقت العصر فقيل يتمُّ له وقيل يعيدهما معًا، وإن ذكر بعده أعادهما (157)، وقيل: الظهر فقط. وإن جمع وقت العصر أعاد الأولى، وقيل: كليهما. أبو عبد الله: من جمع سفرية بثوب فيه جنابة وذكره بحضر أعادها قصرا، وفي عكسه تماما. (2/165)
صفحة 688
الباب الثامن والأربعون
في اتِّخاذ الوطن وحدِّ العمران والفراسخ
فلا يجوز -قيل- لمسافر أن يتّخذ إلاّ وطنا واحدا يتمّ فيه، وقيل: وطنين وعليه الأكثر منّا، وقيل: ثلاثة، وقيل: أربعة، وقيل: ما شاء.
أبو عبد الله: إن اتّخذ باد موضعا وطنا له قصّر إذا جاوز فرسخين حيث لا يسمع صوتا.
وقيل: من كان مولده وماله في قرية ثمّ سكن أخرى وتزوّج بها فإن نوى أن يقيم فيها قصّر، وإلاّ أتمّ كذا وُجد، والمناسب عكسه.
وإن نواه بها ما حييَتْ زوجته فإذا ماتت رجع لبلده قصّر، وليس بمقيم.
جابر: إن خرج قوم بتجارة فيقيمون الخمس والعشر (158) من السنين ونووا متى تخلّصوا خرجوا لزمهم أن يقصّروا.
ومن له أرض وزرع ونخل على رأس فرسخين فأكثر، وله فيها قرية تسكنها امرأته ومنزل لنفسه فمسافر لا تمام عليه إلاّ إن اتّخذها وطنا، ويتمّ إذا بلغ مصره، ويقصّر بينهما، وإن لم يتّخذها قصّر ما أقام وإن طال.
ومن جهل فقصّر في حدّ التمام أو عكس أعاد ولا كفّارة عليه، وقيل: تلزمه مطلقا، وقيل: إذا قصّر في محلّ التمام لا في عكسه وإن لزمه البدل فيه.
والشاكّ في الفرسخين التمام أولى به حتّى يتيقّن على ما يلزمه فيه القصر (159)، فإن لم يتبيّن له أنّه قصّر في محلّ التمام ولا أنَّه (160) في محلّ القصر، فإن أبدل تماما فهو أولى به، وحسُن له أن يكفّر احتياطا.
ومن قصّر جهلا في التمام أبدل، وفي الكفّارة قولان، ولا يهلك بعكسه لما قيل: إنّ القصر رخصة والبدل لازم والخلف في الكفّارة.
أبو المؤثر: لا بدل عليه إذا أتمّ جهلا بالقصر. (2/166)
صفحة 689
ومن حان عليه الوقت في حدّ السفر [291] ثمّ دخل قريته فيه (161) فقصّر ظنّا لزومه أعادها تماما، وفي الهلاك والكفّارة خلاف. وإن فات في السفر، فقيل: يتمّ، وقيل: يقصّر.
أبو سعيد: من قصّر في العمران جهلا فعليه التوبة والكفّارة، ولا يُعذر به إلاّ إن كان له سبب سواه.
ومن أتمّ جهلا في محلّ القصر أبدل فقط.
ومن صلّى الظهر خلف متمّ فله أن يصلّي العصر بعد أن يسلّم إن نوى جرّه إليه، وإن تحوّل من مقامه فصلاّه جاز له، وإن صلاّه في وقته فهو الأولى.
ومن دان بالتمام في سفر فسدت عليه وعلى من خلفه عند أبي عبد الله.
أبو الحسن: من جمع دون الفرسخين ظنّا أنّه جاوزهما ثمّ بان له أنّه لم يتعدّهما أبدل وكفّر واحدة.
فصل
من خرج -قيل- من منزله لسفر قصّر، وقيل: لا حتّى يخرج من عمران بلده، إذ لا يسمّى مسافرا إلا بعده.
ومن كان بيته على حاجز الوادي فتخطّاه فوق الفرسخين قصّر وجمع ولو يسمع كلام من في بيته لأنّ الوادي قاطع بين العمران. وإن امتدّ العمران أتمّ ولو طال، وهو المتّصل بالنخل والمزارع والبيوت، ولم يقطع بين ذلك جبل ولا واد، ولا سرحة ولا عرين، ولا خراب.
وقيل: عمران الباطنة مجرى الأودية القاطعة بين القرى إلا إن عُمّر بما ذكر من نخل وشجر أو زراعة فذلك لا يقطع العمران.
وقال الفضل: إن كان بوسط قرية واد قاطع وهي على الحاجزين، فسافر من أحدهما رجل فقطعه فدخل الآخر فلا يقصّر لأنّها قرية واحدة. (2/167)
صفحة 690
أبو عبد الله: من كان بلده الباطنة وسافر فتعدّى منازل الحيّ الجامع لهم فإنّه يقصّر.
فأمّا البيوت الشاذّة في الركايا فلا يُقتدى بها، ولا ينظر في الزراعة، وإنّما الحدّ هو المنازل.
وإن اتّصل النخل مع انقطاع التسمية مثل الباطنة، فقيل: ما لم ينقطع النخل ولو كثر، وقيل: إذا خرج من اسم بلده قصّر ولو في العمران، ولا يلتفت إلى اتّصاله، لأنّه إذا سار فرسخين في غير بلده صار مسافرا، وقيل: حتّى يسيرهما بعد خروجه من التسمية ثمّ ممّا تعدّاهما فيه. وقيل: انقطاع البلدان بالتسمية مع قاطعها من الوديان، وكذا إن انقطعت بخراب بين القرى، فإذا عُرف انقطاع قرية بها بعد الفرسخين فإنّه يقصّر.
وقيل: إن صغرت قرية واتّسع عمرانها فلا يقصّر حتّى يجاوز ذلك.
أبو عبد الله: إنّما العمران المتّصل بين القرى، في التمام هو اتّصال النخل بالنخل، والمنازل بالمنازل لا اتّصال الزراعة.
وإن نزل -قيل- مسافر تحت جدار بيت متّصل بالعمران وعلّق فيه حوائجه ممّا يلي الخراب فإنّه يقصّر، وإن صعد نخلة فيه وانحدر منها من ناحية صعوده ممّا يليه فإنّه يقصّر -قيل- عند من لا يرى التمام بالمحاذاة.
فصل
من يطلب -قيل- صيدا من البحر ولا يدري أين يجده أتمّ حتّى يجاوز الفرسخين.
ومن سافر على أنّه إن وجد أصحابا سار وإلاّ رجع حتّى جاوز العمران فلا يقصّر حتّى يجاوزهما. أبو الحسن: يتمّ عند حدّهما حتّى يجاوزهما، وقيل: إن كان (2/168)
صفحة 691
بين بلدين (162) واد هبوطه أكثر من فرسخ وصعوده كذلك، وهما في استوائهما أقلّ من ذلك، فإنّه يقصّر في ذلك.
أبو الحسن: إن اطمأنّ أنّه جاوزهما قصّر [284] والتمام عند الشبهة أولى، وقيل: يقصّر ويتمّ عندها. وقيل: إن اشتهر أنّ أهل قرية يقصّرون في موضع كذا كفى ولو غير ثقات.
ومن قصّر في بلد على جهل به ثمّ أخبره غير ثقة أنّ الموضع فرسخان أجزاه؛ وإن أتمّ بمحلّ على غير معرفة أنّه موضع تمام أو قصر ثمّ أخبره من ذكر أنّه محلّ القصر أعاد، وإن أخبره ثقة أنّه فرسخان أو أقلّ قلّده، فإن أتمّ للاشتباه ثمّ أخبره أنّه فرسخان أعاد وبالعكس. وإن قصّر بلا علم أعاد تماما.
ومن خرج من عمران بلده يريد مجاوزتهما، فقيل: يتمّ حتّى يجاوزهما، وقيل: يقصّر حين خرج منه.
ومن كان على رأسهما، فقيل: يقصّر، وقيل: يتمّ، فهذه -قيل- مسألة ضيّقة.
ومن رجع عن رأسهما قصّر حتّى يدخل العمران.
أبو معاوية: إن رعا بقّار بقره على رأس فرسخ وله به حظيرة وبقره يرعى منها فرسخا أو فرسخين ويأوي كلّ ليلة إليها، فإنّ الراعي يتمّ حيث أقام الراعي، ويقصّر بين ذلك وبين أهله إن كان أكثر منهما.
ومن خرج في حاجة ولم ينو سفرا ولا مجاوزتهما فمضى حتّى جاوزهما ثمّ رجع فحضرته في أقلّ منهما، فقيل: يقصّر، وإن نوى مجاوزتهما قصّر عند خروجه من العمران وإلاّ فحتّى يجاوزهما؛ والخروج منه هو أن يخرج من بعضه إلى الخراب، ولا يردّه طريقه إلى شيء منه ولا يتوجّه إليه.
ومن قدم إلى بلده فدنى إلى نخله من جانب العمران فأخرج منه خوصا أو نحوه أو علّق بجذعه متاعا، واختير له أن يتمّ ولو لم يحاذه أو يجاوزه إلى داخل البلد. وقيل: إن حاذى نخلة اتّصلت بالعمران أو مسّها ولم يجاوزها فإنّه يقصّر، والأوّل أصحّ. وإن انقطعت منه قصّر عندها. (2/169)
صفحة 692
فصل
من له مزرعة في قريب من بلد أقلّ من فرسخين فاحتال ليكون مسافرا فخرج عمدا حتّى خلفهما، ثمّ رجع إليها فلا يقصّر، وخيف عليه الكفّارة إن فعل ذلك؛ وكذا في الصوم إن خرج حتّى جاوزهما ثمَّ رجع إلى المزرع فأفطر فيه حيلة.
وفي امرأة احتالت بدواء في حجّها حتّى زال عنها الحيض في أيامه أنّه يفسد عليها.
ومن أراد سفرا في البحر يجاوزهما فيه، فإنّه يقصّر إذا ركب.
واختُلف فيمن دخل فلج بلده يتمسّح منه وفي جانب ساقيته نخل، وبرز من حيث دخل منها، فقيل: يقصّر إذا حاذى النخل ولم يخلفه، وقيل: يتمّ. (2/170)
صفحة 693
الباب التاسع والأربعون
في مسافر خرج ثمَّ نوى الرجوع قبل أن يجاوزهما
فمن خرج إلى بلد يقصّر فيه فقصّر الأولى وقضى حاجته دونهما، فإن نوى السفر قصّر ما كان هناك، وإن نوى الرجوع أتمّ كذلك، فإن عزم عليه أتمّ لنواه حتّى يخرج فيقصّر. أبوعبد الله: حتّى يتعدّاهما، وقيل: إن حوّل نواه إلى الرجوع وقد خرج من العمران وكان في بلد أتمّ حتّى يخرج من العمران، وإن حوّله في الخراب أتمّ حتّى يرتحل، فإذا سار وتعدّاه في طلب دابّة أو ماء وهو في المنزل ونوى الرجوع إليه أتمّ ما لم يتعدّهما، وإن رحل فحين ما سار قصّر.
وإن تقدّم لأصحابه منه لزمه القصر ولو رجع بعد أن سار لبلده قبل أن يجاوزهما، وقد صلّى بعد اعتقاد الرجوع إليه، فإذا بلغ عمرانه، فقيل: يعيد ما قصّر لانتقاض السفر عنه، وقيل: صلّى على السنّة وتمّت؛ فإن أراد ذلك السفر أيضا قصّر من حين خروجه من العمران وقد انتقض عنه بدخوله العمران، وإن لم يدخل بلده في رجوعه حتّى حوّل نواه إلى السفر تمّت له وهو عليه، فإن حضرت قبل ما اعتقد فيه الرجوع إلى بلده فإنّه يتمّ حتّى يتعدّاه للزومه التمام فيه.
ومن سافر وقد حضرته فلم يصلّ حتّى كان في حدّ القصر فإنّه يتمّ، وقيل: يقصّر، وقيل: مخيّر. وقيل: إن ارتحل سائرا في بلده فحانت عليه في حينه فلم يصلّ حتّى صار بمحلّ القصر في وقتها قصّر، وإن ارتحل بعد حضورها أتمّ، وقيل: مخيّر ولو حضر في السفر فلم يصلّ [293] حتّى دخل القرية وقد بقي بعض الوقت، فإنّه يتمّ.
ومن سافر وأخّر الأولى إلى الأخيرة ثمّ بدا له الرجوع وقتها ولم يتعدّهما، فإن نواه بعده على الأولى قصرا فإن جمع وقتها ودخل فيه بلده، فقيل: يجوز له ذلك، وقيل: إن دخله فيه لزمه أن يصلّي الأخيرة، وإن دخله ولم ينزل حتّى فات فلا يعيد. والنزول أن ينزل ويطمئنّ. (2/171)
صفحة 694
عزّان: من سافر إلى قرية ونوى المقام بها ثمّ حوّله إلى الخروج فإنّه يتمّ، وإن خرج لأمر فتعدّاهما ثمّ رجع فإنّه يقصّر إلى أن يرجع إلى المقام فيتمّ.
أبو سعيد: من خرج من العمران ليجاوزهما فقصّر هناك، ثمّ حوّل نواه عنه، فقيل: تامّة لأنّه صلاّها على السنّة، وقيل: يعيدها، وإن حوّله قبل أن يجاوزهما أتمّ اتّفاقا.
وإن عاد إلى نية السفر وسار سيره فإنّه -قيل- يقصّر.
أبو عبد الله: من خرج إلى بلد يقصّر فيه فقصّر الأولى ودخل قرية دون الفرسخين، ولقي مراده وأقام بها يوما أو يومين، ونوى الرجوع أتمّ هناك حين نواه ولم يجاوزهما من بلده.
أبو الحسن: من خرج وسار إلى قدر نصف الفرسخ ولقي فيه بعض أصحابه فأقام معهم ثلاثا قصّر إن نوى أن يجاوزهما، وكذا إن رجع وقعد عند أصحابه قبل أن يدخل عمرانه.
ومن سافر ونوى أن يتعدّاهما فأخّر الأولى وبدا له الرجوع قبل الصلاة والمجاوزة وفات وقتها، فإنّه يقصّرها، وقيل: يتمّها إن نواه في الوقت.
ومن سافر وقصّر ونوى الرجوع إلى محلّ التمام رجع متمّما في المكان إن لم يتعدّهما، فإن نوى السفر أيضا أتمّ على حاله حتّى يسير منه ثمّ يقصّر.
فصل
جاز لمسافر أراد أن يدخل بلده أن يجمع وقت الأولى وقد فعله ابن علي، وذلك إذا صلّى بوضوء وإلاّ أعادهما، وقيل: الأخيرة. وإن أراد الجمع وبلده وأخّر الأولى حتّى دخله وفات وقتها في حدّ السفر، فابن المسبح يتمّها، وقيل: يقصّر الأولى ويجمع إليها الأخيرة بالتمام.
أبو إبراهيم: لزمه البدل والكفّارة، وقيل: بسقوطها إن ظنّ الجواز له. (2/172)
صفحة 695
أبو سعيد: من حضره في العمران فلم يصلّ إلى حدّ القصر، فقيل: يقصّر إن وسعه التأخير، وقيل: مخيّر، وقيل: إن أخّرها حتّى دخل وقت الثانية كفّر أيضا.
ومن أراده وحضرته العتمة فلم يصلّها إلى حدّ السفر، فقيل: يتمّها، وقيل: يقصّر وهو الأنظر.
ابن جعفر: من دخل عليه الوقت في بلده ثمّ سار ففات في العمران أساء، وخيفت عليه ويبدلها تماما.
ابن المسبح: لا تلزمه الكفّارة ويتوب، ويصنع معروفا، وقال غيره: وهذا إن ترك الأولى في الحضر في وقتها ثمّ خرج فيه إلى القصر ولم يصلّ حتّى فات، ولزمته إن فات فيه، وقيل: إن دخل وقت الأولى في بلده فصار في القصر فيه أيضا، فإنّه يتمّ الأولى ويقصّر الأخيرة ويجمعهما، وقيل: لا. (2/173)
صفحة 696
الباب الخمسون
فيمن جمع فتفسد عليه صلاته أو يشكُّ فيها وفي جوازه
فإن جمع وفسدت عليه الثانية أعادها وحدها إن كان في مقامه وقد جرّها إلى وقت الأولى، وقيل: يؤخّرها إلى وقتها؛ وعليه فمن دخل في الصلاة على نية الجمع ثمّ بدا له فنوى أن يفرد جاز له، وإن أخّر الأولى إليها ففسدت وقد صلّى الأخيرة معها أعادهما معا.
ومن صلّى الأولى ونوى جمعهما في سفر ثمّ فسد وضوؤه تمّت إن صلاّها لوقتها، ويؤخّر الأخيرة.
وإن أخّر الأولى (163) إليها ابتدأهما بعد وضوئه، وإن دخل في الثانية وفسدت [294] فإن جمع وقت الأولى تمّت وأخّر الثانية، وقيل: يحكمهما. فإن كان في وقتها، فقيل: يبتدئهما، وقيل: يحكم الثانية، وقيل: إن صلاّهما في واحد أبدل الأخيرة وإلاّ أبدلهما معا، لأنّهما واحدة.
فصل
لزم المسافر أن يقصّر في حدّ ما مرّ، وفي الإفطار مخيّر عندنا، وإن سافر في معصية ولو فرارا من حقّ وقدر على أدائه، فقيل: له القصر والإفطار وعليه الوزر، وقيل: عليه التمام والصوم، والأوّل أصحّ. (2/174)
صفحة 697
وإن صلّى أربعا ناسيا أو جاهلا ففي الإعادة كما مرّ قولان، وإن مرّ ببلده ولم ينو المقام به ويعتقد أنّه وطنه، فإن حضره الوقت قبل خروجه من عمرانه أتمّ ولو مختارا (164)، أو لم يحطّ رجله فيه.
ومن خرج إلى قرية ونوى أن يقيم بها إلى موت فلان أو عزله قصّر لأنّه غير مقيم، وإنّما المقيم من اتّخذ بلدا دار إقامة.
ومن خرج من بلده ورجع إليه ولم ينو أن يقيم به فإنّه يقصّر، وكذا إن ساح ولم يتّخذ مستقرّا بمحلّ.
ومن له زوجتان في قريتين بينهما سير يوم قصّر في السفر وأتمّ عند كلّ منهما. (2/175)
صفحة 698
الباب الحادي والخمسون
في صلاة البداة ونحوهم
فالبادي يتمّ حيث نصّب عموده إن لم يكن لمقيل أو مبيت، فإن كان له وطن ويتحوّل فيه من موضع لآخر فإنّه يتمّ فيه سار أو ضرب بيته، فإذا سار منه فرسخين قصّر ولو ضربه، وقيل: يتمّ إذا ضربه ويقصّر إذا سار ولو في وطنه، وهو الأكثر.
وإن نزل في قيظ قرية ولم ينو مقاما بها قصّر، وقيل: إن اتّخذها وطنا للقيظ أتمّ فيه (165)، وإن تربّع عنه وخرج قصّر.
وإن أقام بموضع وسافر عنه ويرجع قصّر إن وصل محلّه.
وإن عرف له وطن أتمّ فيه. ويقصّر إن خرج عنه حتّى يرجع إليه إن لم يقصد المقام بموضع إلاّ حيث كان الكلأ والغيث؛ فهذا هو الذي يتمّ حيث ضرب عموده، فإذا ضربه وكان بينه وبين محلّ الجمعة أقلّ من فرسخين لزمته، وإن ضربه لغيث أتمَّ (166) إن لم يكن لمبيت أو مقيل، وقيل: يتمّ حيث ضربه مطلقا.
وقيل: إن حضر قرية في قيظ ولم ينو المقام بها قصّر، وإن رعى راع من منزله أبعد من فرسخين قصّر. الربيع: غنمه وطنه. موسى: إن عُرف له وطن ينتقل فيه ولا يعدوه فحيث تحوّل منه مسير يوم أو يومين أتمّ فيه سائرا أو مقيما، فإن خرج من وطنه قصّر حتّى يرجع إليه. بشير: وقيل: حيثما نصّب عموده أتمّ، وإذا سار قصّر.
والسائح ونحوه كالبادي إذا سار قصّر، وإن (167) نزل لطلب عيش أتمّ. وقيل: من قطع عن نفسه الأوطان قصّر حيث توجّه ما لم يتّخذ وطنا، وقيل: إذا قعد لطلبه بلا حدّ ولا غاية إلاّ ما طاب له وصلح لعيشه يتمّ حيث قعد له، وإذا سار عنه قصّر. (2/176)
صفحة 699
أبو سعيد: من قطع الأوطان في طلب العيش (168) -قيل- يقصّر أبدا ما لم يوطّن فيتمّ حيث وطّن، ويقصّر في غيره، وقيل: إن نزل محلاّ لطلبه بلا غاية أتمّ، وإن قعد لمدّة قصّر.
أبو الحواري: من ساح ولم يتّخذ مسكنا قصّر. ومن واجر نفسه عشر سنين ونوى أن يخرج إذا انقضت فإنّه يقصّر، وإن نوى القعود ما وجد فيه (169) رفقا أتمّ ما لم يخرج منه. ومن له ممّن ذُكر وطن لم يعتقد تركه فلا يتمّ ولو قام.
أبو الحسن: السائح الذي لا وطن له ولا مال [295] ولا ولد، ولا هو مسافر ولا مقيم يقصّر ويتمّ معا. غيره: إن لم ينو الرجوع لبلده فهو سائح يتمّ، وإن نواه قصّر.
ومن أقام ببلد ثمّ تلف ماله وخرج متردّدا في القرى لطلب عيش قصّر حتّى يتّخذ مقاما. (2/177)
صفحة 700
الباب الثاني والخمسون
في صلاة الإمام والوالي والشاري
ابن محبوب: إن خرج الإمام إلى رباط أو غيره مسافرا قصّر إذا جاوز الفرسخين من موضع حتّى يرجع إليه.
فإن أخرج حاكما إلى مصر ليحكم فيه بينهم ومعه أصحاب فإنّهم يتمّون فيه ما حكموا، فإذا سافر عنه وجاوزهما قصّروا ولو جرى حكمه في المسير إليه.
وكذا إن ولّى على القرى ولاّة ومع كلٍّ أصحاب.
وإن خرج الإمام في أمر إلى بعض ولاّته وتعدّاهما إليه قصّر هو ومن معه.
وإن خرج إليه بعضهم وقعد عنده أياما أتمّ بتمامه، وإن خرج إلى مثله قصّر إن تعدّاهما حتّى يرجع.
ومن عُقدت له إمامة بمحلِّها ونوى أن يقيم به أتمّ ولو لم يكن بلده، وقيل: يلزم واصله من شار ووال ومدافع أن يتمّ به إن كان لا يخرج إلاّ بأمره للزوم طاعته والإنفاق عليه، وقيل: إذا لم يعزم على المقام معه قصّر والأوّل أكثر.
ومن وجهه في رباط أو غيره قصّر إذا سافر. ويتمّ كلّ من أخذه الولي بتمامه أيضا.
ومن يتمّ في قرية ثمّ عُزل أتمّ ما لم يخرج منها، وإن خرج ثمّ رجع قبل أن يجاوز فرسخين أتمّ.
ومن ألزم نفسه الشراء وخرج معه بعض الولاّة بأهله أتمّ بتمام الوالي، وزوجة الشاري بتمامه هو؛ والبالغون من أولاده في حكم أنفسهم كأولاد الوالي إلاّ إن كانوا معهما في موضعهما فمثلهما.
وإن رجع الشاري إلى وطنه لحاجة ولم يقطع نواه عنه أتمّ فيه، وإن لم يكن الشاري في حوائج الإمام وأذن له أن يخرج إلى ضيعته ببلده فلا يتمّ إذا دخل إليه، وإن (2/178)
صفحة 701
أذن له أن يرجع إلى تجارته أو غيرها ثمّ دخل إليه ثمّ أراد الخروج لم يلزمه أن يشاوره، وإنّما يلزم من تخلّف عنده أو من استعمله أو ولاّه، وهو الذي يتمّ عنده أيضا.
وإن أرسل الوالي شاريا إلى الإمام بكتاب أو غيره لا ليقيم معه فإذا قضيت حاجته خرج من عنده، فإنّه يقصّر عنده.
وقيل: إنّ الولاّة والشراة المتصرّفين في الأعمال إذا وصلوا إليه في أمر ويرجعون يتمّون عنده حتّى يخرجوا.
وقيل: كلّ من استعمل له في أمر فإنّه يتمّ معه، ولا يخرج إلاّ بإذنه.
وإن استخلف وال خليفة أتمّ حتّى يخرج ويتعدّاهما على نية السفر.
أبو عبد الله: إن نوى صاحب وال أنّه لم يأذن له أن يخرج عنه خرج بلا إذنه، فإن لزمته طاعته ونواه إلى وقت معيّن قصّر.
ومن ولاّه الإمام على الشرق كلّه أو الجوف أتمّ في التي أقام فيها، وقصّر في غيرها من ولايته.
والشراة في القرى التي لا يخرجون منها إلاّ بإذنه يتمّون فيها؛ وعنده إذا خرجوا إليه ويقصّر هو إذا خرج إليهم. وإن سار إليهم وال وبينهما أكثر من فرسخين قصّر في مسيره إليه، وأتمّ عنده به.
فصل
يقصّر -قيل- أصحاب السجن، وقيل: يتمّون لأنّهم لا يدرون متى يخرجون. وقيل: من طال سجنه وثقل أمره فالتمام أولى به. والمحبوسون على الدين يتمّون في التمام، وبالعكس.
أبو سعيد: من حبسه سلطان في منزل رجل فإنّه يصلّي في أقلّ ضرّا من مواضعه، فإن لم يمكنه إلاّ بضرّ صلّى كذلك (170) وضمنه له.
وإن سافر الرهائن المتعلّقون فلهم الجمع، وعليهم القصر، وإن أقاموا أتمّوا، وإن لم يعرفوا أمقيمون أم مسافرون أتمّوا وقصّروا احتياطا. (2/179)
صفحة 702
الباب الثالث والخمسون
في الجمع في السفر والمرض والمطر والكلام بين الصلاتين وجواز ذلك
ابن محبوب: الجمع أفضل من القصر (171) إن قصد إحياء السنّة، وقيل: القصر (171 مكرَّر) لأنّه فرض، وقيل: الجمع في المسير.
وقيل: من جمع فقدّم الظهر ثمّ أبطأ القوم في إقامة العصر، فإن لم يتشاغلوا عنه طويلا فلا بأس عليه أن ينتظرهم.
أبو سعيد: إن صلّى الهاجرة وقت العصر فله أن يصلّيه (172) متى أمكنه ولو شغل عنه، وقد صلاّها ابن محبوب [296] بمسجد من نزوى وقته، ثمّ خرج يطلب جماعة حتّى صلاّه جماعة بمسجد آخر؛ وكذا المغرب والعتمة.
وقيل: ليس على من جمع بقوم أن يعلمهم أنّ هذه للهاجرة وهذه للعصر إن علموا. أبو سعيد: هذا إن كان بوقت الأخيرة، ونحبّ له إن كان في الأولى أن يعلمهم، لأنّ لهم الجمع والقصر لئلاّ يدخلوا على نيته وهو يريد بهم الجمع، لأنّ من نوى القصر فليس له أن يجمع، فإن أحرم من خلفه أو بعضهم على الجمع جمع معه، وتمّت له، وإن أحرم على اتّباعه بصلاته إن جمع معه على القصر، ولا يجمع.
وقيل: وتّر من جمع واحدة، وقيل: مخيّر، ووتّر من قصّر ثلاث؛ ولا بأس عليه إن لم يصلّه على إثر جمعه ولو نُدب، وله أن يتنفّل ولو بعده أو في سفر مع جمع أو قصر.
ومن أخّر الظهر حتّى خاف فوت العصر إن بدأ به وإن بتوان، فقيل: يبدأ به ولو فات العصر، وقيل: به إن خافه. (2/180)
صفحة 703
أبو سعيد: أجاز بعض لمسافر إذا جمع وسلّم من الأولى أن يدعو بما فتح له، وبعض منعه، واختير له إن دعا أن يخفّف، وكُره له التطويل وهو قدر ركعتين، وقيل: إنّ ذلك فعل.
ومن أحرم على قصر ثمّ حوّل نواه إلى التمام قبل أن يصل إلى الرسول أتمّ.
ومن جمع العشاءين بتأخير إلى نصف الليل فلا عليه.
ومن أتمّ التاحيّات في الأولى [و] تعمّد (177) التسليم وأتى بالأخيرة صحّت صلاته عند الأكثر.
ومن حضره الظهر أو المغرب في بلده ولم يصل حدّ السفر وانقضى وقت الأولى وجمعها بالأخيرة فعلى القول بتقصيرها، فلا بأس إن أخّر لأجله ولا يؤمر به، وعلى القول بتمامها ليس له ذلك، وعليه فالخلاف في الكفّارة، وقيل: الجمع أفضل، وقيل: الإفراد، وقيل: الوتر في حضر بثلاث مندوب، وفي سفر بواحدة؛ ومن صلاّه أكثر خُيّر في تسليم ووصل، ويوجّه له إفرادا أو جمعا، ويقوم لنفل بتكبير ما لم يتكلّم أو يتحوّل أو يدبر.
ومن أهمل النية في التأخير في الجمع إلى فوت الأولى لزمته الكفّارة، وقيل: لا وهو المختار.
وقد سمع -قيل- رجل أنّ للمسافر أن يجمع، فجعل في سفره يجمع صلاته كلّها ولم يصلّ إلى أن وصل بيته وجمعها كلّها فألزموه الكفّارة ولم يعذروه بجهله، وقيل: لا تلزمه إذ لم يتعمّد تركها وهو الأنظر عندي.
وقيل: من صلّى الأولى بوقتها وقد نوى الجمع وبدا له أن يؤخّر الأخيرة إلى وقتها فلا عليه، واختير له أن يمضي على نواه قبل أن يدخل في الأولى، وكذا إن صلَّى ونسي الجمع ثمَّ ذكره بعد انصرافه، فإن صلاَّها لوقتها فله أن يؤخِّر الأخيرة، وإن ذكر في موضعه أو قريبا منه فصلاّها على الجمع جاز له، وإن صلاّها بعد وقتها ونسي حتّى تباعد اختير له أن يفردهما. (2/181)
صفحة 704
فصل
أبو سعيد: لا يجمع مقيم إلاّ لعذر ولغيم. ابن بركة: كلّ من به ما يمنعه أن يأتي بكلّ صلاة في وقتها فمخيّر في الجمع مريضا كان أو مبطونا أو مسافرا أو يوم غيم أو مطر، أو نحو ذلك ممّا لا يمكنه معه أن يأتي بكلّ في وقتها فله أن يجمع،
وقيل: من جمع الأوّلتين وصلّى بينهما سنّة الهاجرة جهلا أو عمدا، وفات الوقت أبدل ولا كفّارة عليه. ابن بركة: يوجد في الأثر جوازه.
موسى: لا بأس على من جمع أن يتكلّم بينهما قدر ركعتين وإن كره له، وإن فعله لم يضرّه.
ومن جمع فنفرت دابّته أو كلّمه أحد أو دُعي لطعام فالتفت إلى ذلك بعد أن صلّى الظهر أو المغرب (178)، فإن تعجّل إلى الثانية من حينه جمعها (179)، وإن طال أخّر الأخيرة إلى وقتها، وهو رأي هاشم.
عزّان: من جمع فصلّى الظهر ثمّ تنحّى لأمر كُره له بلا نقض إلاّ إن ذهب بعيدا فصلّى العصر أساء وتمّت له أيضا.
وإن صلّى خلف من يتمّ فله أن يقصّر إذا سلّم الإمام من الظهر إن نوى جرّ العصر إليه، فإن تنحّى إلى آخر المسجد فصلاّه جاز له، والأحسن في مكانه. وقيل: لا يفرّق بين صلاتي الجمع بكلام ولا خطوة ولا صلاة، وإن قرأ في الأوَّلة إلى {وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} (سورة التوبة: 33) وسلّم جاز.
أبو الحسن: من فعله [297] مرارا ناسيا فلا يعيد؛ وفي لزوم البدل بالعمد قولان. ابن جعفر: لا يقطع بينهما بشيء ولو صلّى بينهما ركعتين أو أكثر جهلا، أو أكل أو شرب أو قعد قدر ساعة فلا نقض عليه.
أبو سعيد: إن تكلّم ولو كثيرا ثمّ صلّى الأخيرة فإن كان في شأن الصلاة أو ما يخاف تلفه، أو أمر أو نهي فلا بأس ما لم يتطاول حتّى يشغل عنها إلى حال الترك لها، (2/182)
صفحة 705
فإن صلّى بعد هذا كلّه تمّت له ما لم ينو الترك، وإن صلّى الأولى في مسجد والأخيرة في حجرته فلا بأس إن كان لأمر ما، وإلاّ كُره له ولا يعيد.
والناسي والجاهل أعذر من المتعمّد، ولا نقض عليه ما لم يتطاول قدر ما يشغله عنها.
ابن محبوب: لا أرى له أن يتكلّم بينهما.
وقيل: من جمع فصلّى الظهر ثمّ رأى في قبلته حَزقا لا يعلمه لغراب ولا لغيره فتحوّل وصلّى العصر، فقيل: يعيدهما إلاّ إن صلّى الظهر في وقته فيعيد العصر وحده، وقيل: لا. وقيل: من نوى أن يؤخّر الأولى في وقتها إلى الأخيرة ثمّ حوّل نواه أن يجرّها إلى الأولى في الوقت جاز له. (2/183)
صفحة 706
الباب الرابع والخمسون
في صلاة الزوجة
فإنّها تبع للزوج فيها إلاّ إن اشترطت سكنى في موضع فتتمّ فيه، ويقصّر هو معها إلاّ إن تركت شرطها وتنوي المقام.
ابن المسبح: تصلّي بصلاته (180) في حضر أو سفر إلاّ في محلّ سكناها فتتمّ فيه زائرة أو حاضرة.
وإن تزوّج مقيم مسافرة، فقيل: تتمّ به إذا رضيته، وقيل: حتّى يوفّيها عاجلها أو تجيزه على نفسها، فإن أكرهها قبله فلا سبيل له عليها، وقيل: إن شرطت سكنى في غير بلده قصّرت في وطنه إلاّ إن وطّنته، وليس عليها أن تشاوره في ذلك، ولا لها أن توطّن غيره، وتتمّ فيه إلاّ إن شرطته فتتمّ فيه به أو شرطت السكنى في بلدين فلها أن توطّنهما لا أكثر منهما، فإن شرطته في بلد معيَّن وقد وطّن هو غيره فلها أن توطّنه أيضا إن كانت معه فيه، فتتمّ تبعا له. وإن كان له وطنان فليس له أن توطّنهما معا إلاّ إن تركت شرطها، فتتمّ به تبعا له؛ وليس لها أن تتبعه فيما لا يجوز لها من القصر والتمام، وذلك أن لو رأى التمام حيث أقام ثلاثا، ولا القصر إلاّ على سفر ثلاثا، أو لا يراه إلاّ في حجّ أو غزو فليس لها ولا عليها، ولزمها القصر في موجبه عليه، وكذا لو اتّخذ أكثر من وطنين فلا تتبعه إلاّ في الأوّل والثاني، وتقصّر في غيرهما إلاّ إن علمت أنّه تحوّل عن أحدهما، وكذا إن علمت أنّه اتّخذ وطنا ثمّ رأته يتمّ في غيره عالما بأمر الصلاة ذاكرا له، فلها أن تتمّ فيه.
وإن كان جاهلا أو يرى رأي المخالفين فليس لها أن تتمّ حتّى يعلمها أنّه وطنه فتتمّ فيه، ولا يلزمها في غيره إلاّ إن ترك أحدهما.
والعبد كالمرأة في التبع. (2/184)
صفحة 707
وزوجة المرتدّ غير تابعة له لبينونتها منه إذ لا يملك رجعتها، وإن رجع كان أولى بها بالأوّل إن لم تتزوّج بعد العدّة، فإن ارتدّ وله وطن واستمرّ في ردّته الوطن أتمّ فيه إذا رجع، وتتمّ معه ولو لم تعلم أنّه على نواه لأنّه عليه حتّى يعلم غيره إن لم توطّن حين ملكت نفسها، فإن وطّنت أتمّت حتّى تخرج عمّا وطّنت.
أبو سعيد: إن رضيت مسافرة بمقيم زوجا أو أجازته أو وافاها ما مرَّ -وعليه الأكثر- أتمّت، وإن فارقها بعد التمام أو الدخول أتمّت فيما هي فيه حتّى تجاوز منه الفرسخين، وتصلّي صلاته ما اعتدّت إن ملك رجعتها.
أبو عبد الله: من تزوّج امرأة من غير بلده وشرطت عليه عند العقد أن يسكنها في بلدها، ثمّ تبعته إلى بلده برأيها ولم تهدم الشرط قصّرت فيه، وأتمّت في بلدها إن رجعت إليه.
وإن وطّنتهما أتمّت فيهما، وإن أتمّت في بلده ولم تهدم شرطها ولم توطّنه، فقيل: تعيد قصرا.
ولا نية لامرأة مع الزوج إلاّ إن شرطت سكنى، فإن خرجت معه إلى بلد فنوَت أن تقيم به بلا رأيه، فقيل: عليها بدل ما صلّت والكفّارة، وقيل: البدل فقط، وعليه الأكثر.
وإن أقبلا من سفر حتّى صارا قرب بلدهما [298] قعدت هناك تقصّر ودخل البلد، ثمّ رجع إليها يتمّ أتمّت معه.
وإن أقبل من سفره إلى قرب بلده فمُنع من دخوله فذهبت إليه منه أتمّت، وقصّر هو ولا يتبعها.
أبو مروان: من تزوّج على شرط سكناها في بلدها فعليه أن يتمّ، وإن خرجت لبلده أتمّت، وإن رجعا إليه أتمّا معا، وإن شرطته مع أهلها وهم بداة لا يُعرف لهم وطن، فقيل: هذا شرط منتقض، وتتمّ ما دامت معهم، فإذا خرجت تبعته، وقيل: ثابت ولو مجهولا، فإنّ الشروطة المجهولة ثابتة على هذا في النكاح. (2/185)
صفحة 708
وقيل: من له زوجة وعبيد وصغار وخرج لبلد ونوى أن يقيم به فخرجوا إليه بإذنه تبعوه وإلاّ قصّروا حتّى يرجعوا، وإن أمرهم أن يقيموا في بلدهم فالزوجة والأطفال يقصّرون فيه حتّى يرجعوا، وفيه تأمّل.
فصل
من سافر هو وزوجته ونوى أن يقيم في بلد ولم تعلم فيتمّ وتقصّر هي فلا تعيد ما لم يعلِمها أو ترجع لوطنه، ولزمها أن تتبعه في الصلاة ولا تعصيه، وإن ردّ أمر صلاتها إليها كان لها نواها.
وقيل: من يقصّر في بلد وهي معه فيه، ثمّ حوّل نواه إلى الإقامة وأتمّ فيه ولم تعلم، وقصّرت ثمّ إن أعلمها وصدّقته أبدلت قدر ما أتمّ، وإن قصّر أو جمع ففعلت كذلك فلا بأس عليها.
ومن وطّن غير بلده وتتمّ معه فيه ثمّ رجع عن نواه فيه إلى بلده، ثمّ رجع إلى ذلك البلد مقصّرا، فقيل: تتمّ هي فيه حتّى تخرج، وقيل: تتحوّل إلى القصر إذ تحوّل إليه فيه، وعليه فهي كالعبد يتبع مشتريه من حينه، وإن تزوّجها وهي تتمّ في بلد ويقصّر هو فيه فهي غير الأولى وتتمّ على ما كانت عليه حتّى تخرج منه، فإذا رجعت إليه كانت مثله حينئذ في القصر، وتتبعه المطلّقة رجعيا ولو أخرجها من بيته ما اعتدَّت (181)؛ والبائنة والمحرّمة والملاعنة في حكم أنفسهنَّ (182) في العدّة.
وفي مختلعة عن إساءة قولان، والمولى عنها والمظاهر منها مثله في الأجل.
والمتوفّى عنها زوجها في بلد يقصّر فيه تقصّر، فإن نوت أن تقيم ما أعدّت (181 مكرَّر) أتمّت من حينها لأنّها ملكت نفسها.
وإن وطئها في حيض ولم يعلما به تبعته إذ لا فساد عليهما، وإن علما به لم تتبعه لفسادها عليه عند المشارقة كما علمت، وإن علمت به دونه ومكّنته تبعته إذ عليها أن (2/186)
صفحة 709
تفتدي، ولا يلزمه القبول، فإذا لم يقبل فديتها وسعها المقام وهو ووطئها إن لم يصدّقها، ووسعها منه أيضا ما وسعه منها، فلذلك كانت تبعا له.
فصل
إذا بلغ الطفل ملك نفسه، وإن كان أبوه مشركا وأسلم قبل بلوغه فإن سكن معه في بلد أتمّ فيه، وإن بلغ فيه وأبوه فيه مسافرا ومشرك نوى المقام، وأتمّ حتّى يخرج عن الشبهة، وإن لم ينوه فلا وجه للقصر إلاّ ثبوت السفر بعد بلوغه إلاّ إن اعتقد أن لا يوطّن لم يبعد جواز القصر له إذا لم يثبت عليه بعده حكم مقام ولا سفر.
وكذا صبي لا أب له، ويدور بين القرى فبلغ في بعضها فعليه أن ينوي المقام به ويتمّ حتّى لا يرتاب، وإن جهل وقصّر ظنّا أنّه مسافر ويعتقد وطنا غير ما بلغ فيه بعد بلوغه، ولم يثبت عليه بعده سبب التمام في البلد فهذا -قيل- مسافر وإن لم يعتقد غير ما بلغ فيه، ولا ثبت عليه ذلك بعده أيضا باعتقاد أنّ له وطنا اختير أن لا يلزمه البدل، لأنّه صلّى صلاة تشبه موضع القصر [299] إن لم يكن موضع تمام باعتقاد الوطن والمقام.
وإن مات والد الصبي صلّى على ما عليه أبوه حتّى يبلغ.
والصبية -قيل- كأمّها، وقيل: إذا تبعت زوجها وجاز بها أو أرخى عليها سترا صلّت مثله.
سعيد: إذا بلغ في سفره قصّر حيث بلغ وهو كغيره فيها، وإن دخل بزوجته البالغة حال صباه فإن ألزمت نفسها اتّباعه فهي مثله كعكسها، وقيل: الصبية تبع لوالدها ما لم تبلغ وترضى بزوجها، ولا يُعتبر اتّباعها له.
خميس: أرجو أنّ البالغة مع الصبي بحسب هذا. (2/187)
صفحة 710
فصل
والعبد تبع لربّه من حين ملكه، فيتمّ في موضع القصر وبالعكس، فإذا دخل في التمام وصلّى ركعتين فملكه مقصّر، فقيل: يتمّها، وقيل: يقصّر، وأجزتاه لانحلال حكم التمام عنه، واختير أنّه إن لم يقع البيع والرضى حتّى دخل في الثانية فإنّه يتمّ؛ واختار خميس أيضا أنّه إن دخل فيها على نية التمام ووقعت الصفقة بعد إحرامه فإنّه يتمّها، وإن أتمّ واشتراه مقصّر وقتها فإنّه يقصّرها لبطلان حكم الأولى في الوقت، وإن لم يعلم فسادها حتّى فات وقد أتمّها اختير بدلها تماما.
وإن كان في قصر ووقعت الصفقة لمتمّ ولم يكملها بنى وأتمّها، وكذا إذا عُتق ونوى أن يقيم وقد دخل على القصر يبني عليها ويتمّها، وإن أتمّ عليه ثمّ عُتق لم يلزمه بدل.
ومتى عُتق عبد في بلد فله نيته، وقيل: هو كالصبي في الخلف، والتمام في الشبهة أولى، ويتمّ بلا شكّ إن نوى مقاما وإلاّ فقد مرّ الخلف.
وإن عُتقت ذات زوج خُيّرت في فسخ العقد وإتمامه فتتبع مختارها.
ومن زوّج أمته في بلده وبه زوجها فأسلمها له ليلا ونهارا لا إلى مدّة فكالحرّة في التبع له، وإن لم يجعل له عليها سبيلا فكسيّدها، وإن تركها عند الزوج مدّة فكّر بها فيها أيضا.
وإن أبِق العبد أتمّ دون الفرسخين، وقصّر إذا جاوزهما؛ وإمامته -قيل- تجوز مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل: تجوز إن أذن له ربّه في الحضور، ومنعها أبو المؤثر إلاّ إن أذن له فيها. وفي جواز حضوره الجماعة بدونه قولان كوجوب العيدين عليه، ولا تلزمه الجمعة إجماعا.
ومن استأجر عبدا لا إلى معيّنة تبع فيها من استأجره.
ومن أخرج غلامه إلى غير بلده قصّر إن قصّر فيه هو إذ هو تابع له في أوطانه. (2/188)
صفحة 711
وإن كان بين اثنين في قرية أحدهما يقصّر فيها والآخر يتمّ أتمّ العبد، وإن قسَّما (183) خدمته ولو بالسنين تبع المتمّ ولو كان بين مائة يقصّرون إلاّ واحدا، وإن أخرجه ربّه إلى قرية يتّجر فيها أو أذن له أن يوطّن ويتمّ، فقيل: يتبعه في التمام والقصر، وقيل: يتمّ فيما وطّنه بإذنه.
ومن أمر رجلا أن يشتري له عبدا تبع مشتريه، والمكاتب كالمعتق فيما مرّ. وأمّ الولد كالأمة ما لم تعتق به، وإن عُتقت وقد صلّت بعض صلاتها (184)، فقيل: تبتدئ إن كشف رأسها فيها، وقيل: تخمره وتبني.
فصل
العبد تابع لمن له الخيار في مدّته إن بيع به، فإن قصّر البائع وأتمّ المشتري أتمّ احتياطا لأنّه لو تلف فمن ماله، وقيل: يتبع البائع ولو كان الخيار للمشتري إذ لم يثبت البيع بعد. والمدبر تابع لمدبره.
وعبد المرتدّ إن فرّ منه إلى المسلمين فكالحرّ فيها كعبد الذمّي إذ لا تبع لهما فيها. وإن كان للذمّي وطن أتمّ عبده فيه إذ لا يخرج منه إلاّ بإذنه أو يحكم ببيعه. (2/189)
صفحة 712
الباب الخامس والخمسون
في صلاة الجمعة وأين تجب وعلى من تجب
وقد روي: «أنّها واجبة أبدا، فمن تركها جحدا لها أو استخفافا بها، وعليه أمير بارّ أو فاجر فلا جمع الله له شمله، ولا بارك له في أمره ألا ولا صلاة له ولا زكاة ولا حجّ له ولا صيام ولا برّ له ولا جهاد، فمن تاب تاب الله عليه».
وخير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة فيه وفيه وفيه، وانظر المطوّلات.
ولا تجب على صبي ومجنون وعبد ومريض ومسافر عند الأكثر [300]، ولا على امرأة وخائف وإن على ماله، ولا على أعمى إن لم يجد قائدا، ولا على من في طريقه مطر ووحْل يبل ثيابه، ولا على من له مريض يخاف فوته، ولا على من له قريب أو صهر يخاف موته أو نحوهما، ولا على مقيم بمحلّ لا تجب فيه، ولا على بعيد المنزل، وقد مرّ حدّ البعد، ويأتي قريبا أيضا.
فمن لزمته لم يجز له أن يصلّي الظهر قبل فواتها. ويُكره البيع بعد الزوال؛ فإذا ظهر الإمام وأذّن المؤذّن حرم. ولا تكون إلاّ في بلد أو قرية. ولا تنعقد إلاّ بأربعين رجلا، ولا تصحّ إلاّ وقت الظهر وبالخطبة قبل الصلاة.
فصل
من فرائض الجمعة الوقت والخطبة والنداء، وهو الأذان عند انتصاب الإمام على المنبر لها.
وتأكّد فرضها على من جمع خمسا: البلوغ والعقل والحريّة والذكورية والإقامة، فلا عذر لمن تركها وقد جمعها. (2/190)
صفحة 713
وإن حضرها من لا تلزمه سقط عنه فرض الظهر، ولا يكمل عدد من تلزمهم إلاّ بذي عذر لا بمن لا تلزمه.
وروي: ((من تركها ثلاثا تهاونا بها طبع الله على قلبه)).
وتجب -قيل- في كلّ قرية اِجتمع فيها أربعون من أهل الكمال، لا يظعنون عنها شتاء ولا صيفا إلاّ لحاجة، وقيل: حتّى يكون معهم فيها وال عليهم، وقيل: إنّما تجب في مصر جامع أو مع إمام عادل وعليه أصحابنا.
وقيل: على (184) من بلغه نداء رجل صيت وقت سكون الأصوات والرياح فذّ، والقرب بقدر هذا يلزمه حضورها، وقيل: من آواه المبيت، وقيل: على من كان في فرسخين فما دون، وقيل: في أربعة أميال، وقيل: في ثلاثة.
ولا يسافر من لزمته بعد الزوال حتّى يصلّيها، وجاز قبله؛ وكُره إلاّ في حجّ أو غزو أو طلب علم أو نحو ذلك.
وكان علي يقرأ في الركعة الأولى بسورة الجمعة، وفي الثانية بـ {إذا جاءك المنافقون}. وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم يقرأ في الجمعة والعيدين بـ {سبّح اسم ربّك الأعلى}، و {هل أتاك حديث الغاشية}، وإن اجتمعا في يوم قرأ بهما.
وقيل: إن قام الإمام العادل في بلد ونوى التمام به كانت معه الجمعة إن كان مصرا لأنّ فيه إقامة الحدود.
وقيل: لا مصر إلاّ أمصار العرب في معنى الجمعة، وهي السبعة التي مصّرها عمر -رضي الله عنه- وهي مكّة والمدينة ومسجد الجند من اليمن والشام والكوفة والبصرة والبحرين وعمان، وفي كونهما مصرا أو مصرين قولان، والصحيح الأوّل فهي بصحار منهما، وقيل: تلزم فيها وإن مع جائر إذا أقامها على وجهها.
ولا جمعة في مصر لا سلطان فيه، وقيل: ثابتة ولو بمن قام بها من الرعية، وقيل: لا تقوم إلاّ بعادل في ممصر، وهو المُجمع عليه، واختلف في غيره. (2/191)
صفحة 714
وقيل: لا تجوز إلاّ بعادل أو شبهه من ظهور أهل العدل على موضع تعلو يدهم فيه، ويصلّيها بهم واحد من مساندهم، ويكون كالإمام. وقيل: لا تكون إلاّ به ولو ظهر العدل وإلاّ في ممصر.
وتلزم في عمان مع الإمام وفي صُحار، وتُصلّى في سائر القرى أربعا.
ابن بركة: لا تجوز إلاّ في مصر أو موضع الإمام، وإن تركها أهل الأمصار عوقِبوا وسقطت عدالتهم، ولا بأس بتركها على أهل القرى.
ابن جعفر: هي حقّ مع الأئمّة، وحيث تُقام الحدود، وفي عمان إن أخذ الإمامة عن مشورة العلماء وأعلام الدعوة ولم يحدث ما يزيلها عنه. ومُعطّلها معطّل للفرض، ولا بأس -قيل- في تركها إن كانت في أيدي الجبابرة.
ابن المسبح: تجب بصُحار ولو مع جائر.
أبو عبيدة: لا جمعة في أرض الأعاجم.
ضمّام: كلّ أرض أُقيمت فيها الحدود تُصلّى فيها، وثبتت بصُحار ما قام الإسلام بها ولو مات الإمام وهي في الجوف معه، فإن مات أو سافر صلّوا أربعا بعده.
فصل
سُنّت [301] في المسجد الجامع إلاّ من عذر. إن عُرض للإمام فله -قيل- أن يصلّيها في جامع أو في داره لئلاّ تُعطّل، وقد أجازوها بصلاته في متّصل بالمسجد، وإن لم يكن منه ولا من رحابه إلاّ إن حال بين اتّصال الصفوف حائط أو ساتر أو طريق إن لم تتّصل به، فيُصلّى خلفه، وينظر بعضهم لبعض.
جابر وأبو عبيدة: كلّ مصر أُقيمت فيه الحدود مع العادل ففيه الجمعة؛ والأكثر على جوازها خلف جائر إن لم يُدخل فيها ناقضا لها.
وكان جابر يصلّي خلف الحَجّاج، ومنبر البحرين وعمان واحد بصُحار. (2/192)
صفحة 715
خميس: لا نرى قول مخالفينا بوجوبها مع الأربعين، ولا نأمر به ولا نعمل، ولا نخلع عن الإسلام به قائله.
وإن مرض جاز له أن يأمر من يصلّيها بالناس، وإن صلاّها بهم بلا إذنه ففي فسادها عليهم قولان.
وإن مات ولم يقدّموا غيره وحضرت صلّوها أربعا، ولا يقوم الحاكم مقامه. وإن عجز عن أمر غيره لمرضه فكذلك.
وممّا يجيز التخلّف عنها خوف العدوّ وشدّة الحرّ والبرد، والجنازة إن تعيّنت، والاِشتغال بطلب القوت؛ ونُدب بعدها ركعتان، وقد أكّدتا وهما سنّتان، وقيل: يؤمر بهما، وكُره تركهما وفوقهما فضل. (2/193)
صفحة 716
الباب السادس والخمسون
في صلاة الجمعة وما يشتمل عليها
وقد سُنّ لها الغسل والدهن والطيب والإنصات والاِبتكار، والمشي بالأقدام والدنوّ من الإمام.
فإذا زالت الشمس صعد المنبر وأذّن الثالث، فإذا فرغ شرع في الخطبة، وقد رُخّص في أذانين لها قبل الزوال.
ابن بركة: أقلّ ما تصحّ به في العدد من يقع عليه اسمه من الرجال لقوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ} الآية (سورة الجمعة: 9).
وتنعقد بأربعة: مؤذّن وإمام ورجلين أقلّ الجمع، وإن حضرها (186) رجلان -رجى خميس- أن تجزي لإقامتهما مقام الجماعة الكثيرة، فإذا لم يبق معه إلاّ النساء سقطت لأنّها لا تنعقد إلاّ بالمخاطبين بها.
وهي ركعتان يُجهر فيهما بالقراءة كما مرّ. ومن السنّة اتّصال الخطبة فيها بالأذان والإقامة بها والصلاة بالإقامة.
ابن بركة: من أدرك الإمام في التشهّد فقد أدرك الجمعة، ويقضي ركعتين، وإن أدرك ركعة أضاف إليها أخرى، وقيل عن علي: إنّ من أدرك معه التشهّد يقضي أربعا وخالفه الصحابة فيها، ويؤذِّن -قيل- الأول إلى أشهد أنّ محمّدا رسول الله ويقطع ثمّ يبتدئ الثاني من حيّ على الصلاة إلخ، ثمّ يبتدئ في (187) الثالث من أوّله إلى آخره، ولا بأس بالأوّلين قبل الزوال كما مرّ لتنبيه الناس.
أبو المؤثر: إذا أخذ في الثالث اختير أن لا يصلّي أحد بل يقعد، فإذا بلغ لا إلاه إلاّ الله بدأ الإمام الخطبة، ولا يتكلّم أحد، وآخر ما يقول: {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ} إلى {تَذَّكَّرُونَ}، ثمّ ينزل ولا يسلّم؛ والفضل: أن يخطب هو فإن (2/194)
صفحة 717
ضعف ولا يحسنها فلا بأس أن يأمر غيره، وإن أذَّن قبل الزوال وخطب الإمام بعده أجزاه. ولا تجزي الخطبة بعد الصلاة لمخالفة السنّة.
ابن مسعود: اقصروا الخطبة وأطيلوا الصلاة.
ولا يخطب أعرج لا يقدر أن يقوم، فإن فُقد غيره فلا خطبة إلاّ بقائم، فإن لم يجدوا من يخطب بهم صلّوا أربعا فرادى ولا يُعذرون.
ويقوم الخطيب ويحمد الله تعالى، ويصلّي على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، ويدعو الله بما فتح له؛ ولا يلغي فيها (189) ولا يرفث، وفي روايات: ولا يتكلّم فيها بشعر، فمن فعل أعادها. وقيل: يجوز الوعظ ببيت منه، وتركه أحسن؛ ولا يتكلّم إلاّ بذكر الله وتوحيده، وذكر النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-، والوصية بتقوى الله تعالى، والموعظة والقراءة، وإن تكلّم بما لا ينبغي فسدت صلاته وحده، فإن كان هو الإمام فسدت على الكلّ، ويرجع يخطب.
أبو المؤثر: من لا يسمع [302] الخطيب لا بأس عليه أن يقرأ في نفسه، ويحرّك به لسانه أو يذكر الله أو يسبّحه، ولا يسمعه جليسه، ولا نقض إن سمعه. ولا يفعل شيئا حيث يسمع. ولا بأس للسامع أن يحتبي، وأجاز له ابن محبوب أن يسلّم على الناس. والخطيب يخطب ويردّ عليه، وقيل: يسلّم على باب المسجد لا غيره، وكرهه هاشم، وجاز أن يسلّم، وقيل: لا يردّ عليه حتّى يفرغ، ولا بأس بعقد النكاح عندها، ولا يجوز له أن يقول لأحد: اسكت، وله أن يشير إليه بالإمساك.
واختُلف فيه هل له أن يسأل الخير ويستجير من الشرّ إذا سمع الذكر من الخطيب؟ فقيل: لا بل يسكت حتّى يفرغ ويقوم المؤذّن ثمّ يدعو، وقيل: له أن يذكر الله معه ويحمده، ويصلّي على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-.
وقيل: للداخل أن يركع ركعتين ولو عندها، وقيل: لا بل يجلس، وإن تبسّم عندها خرج من المسجد ثمّ يدخل، ولا نقض عليه.
إن أومأ إلى أحد أو صافحه وله أن ينظر إلى السقف وإلى ورائه. (2/195)
صفحة 718
ابن محبوب: لا بأس له أن يقول: افسح يافلان أو استخر أو قدّموا الصفّ (190) وقد أُقيمت، لأنّه في أمرها.
ولا جمعة لمن تكلّم في غيره، وقيل: لا يُضاعف أجره، وقيل: فاسدة ويبدلها، ولا يُفسدها عبثه بثيابه، ولا وضوء من تكلّم وإن روى فيها رواية قال: فلا نعرف فيه شيئا إلاّ ما قيل إن سعيدا يروي فيها قول أبي بكر -رضي الله عنه-: ((وُلّيتكم ولست بخير منكم)).
أبو عبد الله: من قال: تقدّم أو تأخّر فلا عليه، وإن قاله ثمّ صلّى ولم يخرج ثمّ يدخل أعادها، وفي وضوئه قولان. والضحك كالكلام؛ والقنوت في الجمعة ورفع الإمام يديه فيها بدعة. أبو المؤثر: يُكره للداعي، ورُخّص يوم عرفة. وقد رأى عمارة بشيرا يرفعهما على المنبر.
فصل
إذا خطب الإمام فأحدث، فأمر غيره أن يصلّي بالقوم جاز إن أدرك الخطبة، وفي جواز تحيّة المسجد عندها -كما مرّ- قولان ما لم يُحرم الإمام، وقيل: الصلاة عندها مكروهة، وله أن يخرج ويركع خارجا ثمّ يدخل.
ابن المسبح: استماعه أفضل من خروجه للركوع، وإن خطب وعاقهم عن الصلاة شاغل أعادوها ولو مؤخّرة. وقيل: أوّل من أحدث القعود فيها عثمان حين كبّر، وقيل: معاوية. وقيل: له أن يقول إذا قام: السلام عليكم ورحمة الله.
أبو أيوب: لا يتكلّم إذا مضى للخطبة؛ وقيل (191): {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} الخ، تقوم مقامها في الجمعة والأعياد.
وقيل: كلّ خطبة فمفتاحها التحميد إلاّ خطبة العيدين فإنّها تفتتح بالتكبير. (2/196)
صفحة 719
وقيل: أقلّ ما تصحّ به الجمعة والعيد وينعقد به النكاح: الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلاّ على الظالمين، اللهمّ صلّ وسلّم على سيّدنا محمّد خاتم النبيئين وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.
ونُدب له أن يتوكّأ على عصى أو قوس أو سيف (192) تأسّيا به صلّى الله عليه وسلّم.
ويُخطب للجمعة والأعياد قائما؛ وفي الجنازة وعرفة وموضع التذكير مُخيّر، أو خطبة النحر أوْجَزُ، ولا بأس بإطالتها يوم الفطر بلا إملال وقلق.
وخطبة الأعياد سنّة، وقيل: فريضة.
وإن خطب غير الثقة أجزأ، والأحسن أن لا يلي الأمور إلاّ من يوثق به.
ومن فقه الرجل -قيل- طول صلاته وقصر خطبته.
وجاز -قيل- أن يخطب غير الإمام للجمعة؛ ولا يصلّي معهم ولا يخطب الأعياد إلاّ من يحضر الصلاة، وأفضلها من الطلوع إلى ربع النهار وتجزي إلى نصفه لا بعده، وإن وقعت في الربع الأوّل وأطال في الخطبة إلى الزوال فلا بأس، وكُره ذلك للخطيب والإيجاز فيها [303] أفضل.
وكُره لمذّكر في كلّ مجلس أن يطيل إلاّ إن كان يعلِّمهم الدين؛ وكان جابر يقول: الليل له حديث وكذا النهار، فحديث الليل الدعاء والرغبة والموعظة والتخويف، وحديث النهار الفقه في الدين، وذكرُ ما وقعت فيه الأمّة من الاختلاف والضلالة والفتنة، وبيان الحقّ وشرح الإسلام.
ويستقبل كلّ من شهد الخطبة، ولا يستدبر إلاّ الإمام ويستقبل الناس، وعليهم الإنصات ولو لا يسمعون.
وجازت خطبة العيد وإن من عبد إن أُذن له وإلاّ أعادوا، ولا يخطب إلاّ واحد، ولا نقض بأكثر.
وإن أحدث في خطبة العيد أتمّها ولو محدثا، ويرسل يديه ولا يشِرْ بهما في دعائه فيها، ولا يرفعهما، ويقدّم يمناه في صعود المنبر، وله أن يمسك بعود منه عندها، وإذا (2/197)
صفحة 720
قرأ سجدة سجد على المنبر، ولا يتركها ولا ينزل إليها إن أمكنه، وإلاّ اختير له أن ينزل، وكُره تركها بلا فساد.
والخطبة شرط في الجمعة لا بدل من الركعتين وإلاّ لكان على من لم يدركها أربع، ولو كانت صلاة ما جاز لخطيب أو غيره الإدبار فيها ولا الالتفات، وقال بذلك بعض قومنا وابن المسبح منّا.
فصل
لا جمعة لإمام إن سافر عن وطنه ولا عليه، فإن كان مكّة فليس له ولا عليه بمنى إذا رجع إليها من عرفات لأنّه مسافر بها، وإن دخلها لزيارة البيت ورجع لمنى فمقيم بها، وكذا أهلها عند رجوعهم من عرفات إلى منى مسافرون، فإن دخلوها ورجعوا منها إلى منى فهم مقيمون.
ولزمت العدل إذا دخل ممصرا وإن لم يقم فيه لاجتماع الإمام والمصر فيه، وهو أولى بالإمامة، ولا تبطل بسفره، وقيل: لا وهو كغيره في السفر.
ويقول من لزمته: أصلّي الجمعة ركعتين بصلاة الإمام لا صلاة الظهر.
ومن أدركه ولم يحسن الدخول حتّى سلّم صلّى أربعا، وله أن يأمر مسافرا أن يصلّيها بالناس، وقد فعله أبو علي. وقال أبو سعيد: لا جمعة عليه، فإذا صلاّها بأمر الإمام جازت وتمّت، وكذا العبد بإذن، وفيه خلاف.
وليس في الممصر إلاّ جمعة واحدة في المسجد الأكبر إلاّ إن بعُد عن مقام الإمام، فقيل: تكون معه في مقامه وفي الأكبر أيضا.
ومن تخلّف عنها لعذر فصلّوا الظهر فإن قبْل الإمام أعادوا وإلاّ تمّت.
وقيل: لا يجوز جماعة يوم الجمعة حيث تلزم، وقيل: كُرهت بلا فساد، ومن صلاّه أربعا حيث تلزم ثمّ حضرها فصلاّها فصلاته هي الأولى والجمعة نافلة له، وقيل: الأولى فاسدة ولزمته الجمعة، ويبدلها من فسدت عليه أربعا ولو في الوقت، وإذا (2/198)
صفحة 721
افتتحها الإمام ثمّ نفر الناس عنه بعد دخوله فيها أتمّها ركعتين، وقيل: إن لم يبق معه من تتمّ بهم صلاّها أربعا، وكذا إن نفروا عنه قبل الإحرام.
فصل
اختلف أصحابنا في متكلّم عند الخطبة، فبعض أفسد صلاته كما مرّ؛ ويؤمر أن يخرج من باب ويدخل من آخر لما روي: ((من لغى فلا جمعة له))، وبعض أتمّها إذا تكلّم بالذكر كما مرّ إذ ليس بلاغ، وصهْ لغو كاسْكُتْ، وقيل: لا يبطل الفرض ولكن ينقص الأجر.
وقيل: من عناه في ثوبه أو بدنه ما خيف منه أن يفسد عليه فسأل حاضر الجمعة لم يضرهما ذلك، إذ هو من أمر الصلاة، ولا يفتيه هناك إلاّ بإيماء إن كان من غيرها، وإن أجابه بكلام خرجا ثمّ دخلا، وإن قرأ كتابا ابتدأه بغير الذكر فسد عليه إن أجهر لا إن أسرّ في نفسه.
وروي -قيل-: إنّ حقّ الجمعة الصمت، وترك النطق وإن بالذكر والتوحيد والتصلية إلاّ في النفس، وجاز -قيل- ردّ السلام كما مرّ، وتشميت العاطس، واختير تركه إلاّ بالإيماء.
وجاز التروّح من حَرّ بمراوح، وتُكره المبايعة عند الزوال وإن لم يناد، وقيل: البيع فيه منتقض، وجاز لمن لا تلزمه، وقيل: النهي فيه للأدب، وبعض شدّد فيه ولم يجزه. وفي فساد جمعة من شرب عند الخطبة خلاف إن لم يضطرّ، ونُهي عن احتباء بثوب أو نحوه عندها، وجاز بيد وقد مرّ. (2/199)
صفحة 722
[304] الباب السابع والخمسون
في صلاة العيدين
وقد أمر صلّى الله عليه وسلّم بها، وحرّض عليها حتّى أمر بخروج النساء إليها، ولو لا الإجماع على سنّيتها لكان التأكيد عليها موجبا لفرضيتها
وهي واجبة في الأمصار والقرى والجماعة، ولو اجتمع قوم منهم على تركها لأثموا به، ويجزي قيام بعضهم كما مرّ. ولا يُتولّى من دان به، وهو أقلّ ما يصنع به.
ومن لم يذهب إليها وصلّى ركعتين أو أربعا فحسن.
ولا يصلّي من حجّ عيد الأضحى وإن لم يحجّ مكّي صلاّه في المسجد.
ومن لم يخرج إليها مع الإمام صلّى بعده ركعتين بلا تكبير، وجاز به؛ ولا يتخلّف عنها إلاّ من عذر، ولابدّ من خطبة بعدها، ولابأس بالتنفّل قبلها وبعدها، وقيل: قبلها لا بعدها، وقيل: لا ولا، وعندنا يصلّي قبلها ولا يُمنع بعدها.
وإن اجتمع عيد وجمعة حيث تجب أُدّيت صلاته على من لزمته وعلى غيره بالسنّة، وصلاتها ثابتة على من لزمه حضور أداء الفرض، ولا ينحطّ أحدهما بالآخر إلاّ بعذر، أجاز تخلّفا وإن لم يتّفق حضوره إلاّ بتركها كانت أولى لفرضيتها.
فصل
من سننه الغسل والسواك والطيب واللباس الحسن، ويُكره الكلام فيه إلاّ بالذكر أو أمر الصلاة.
ومن عجز عن وصول الجماعة أو الجمعة أو العيد إلاّ بمعين له أو أجير، ولا تضرّه أجرته ولا عياله لم يُعذَر إن تخلّف، وإن عجز إلاّ بمعين إن طلبه فقولان. (2/200)
صفحة 723
وإن كان في بلد عادل أو واليه أو إمام جماعة العادل فالصلاة معه أولى من الفذّ. وإن ظهر عليه الجائر وتولاّها من لم يُجمع على جوازها خلفه فالخيار، وقد سُنّ الخروج إليها إلى الجبابين، وأمر به أهل الأمصار إلاّ بمكّة وهي فيها أفضل من المساجد إلاّ من عذرٍ كمطر أو ريح أو خوف ففيها، وإن شغل عنها إلى الزوال فلا تُصلّى بعده كما لا جمعة بعد انقضاء وقت الظهر، وإن صحّ خبره بعد الزوال أُخّر لغد، وقيل: يبرز إليه متى جاء (193) خبره ولو بالعشيّ، والمختار الأوّل، وقيل: ما لم يصلّوا العصر؛ ونُدب قبل تأخير الفطر وتعجيل الأضحى، والأكل فيه بعدها وفي الفطر قبلها، فإن كان بليلته غيم ثمّ صحّ نهارا، فإن بنصفه الأوّل أفطروا أو صلّوا وأفطروا بالأخير، وأخّروا الصلاة إلى الغد، وقيل: يصلّونها ما لم يصلّوا العصر، وقيل: ولو صلّوه، وقيل: يخرجون ولو في الليل، وقيل: لا بعد الزوال وتُؤخّر لغد، وقيل: ما لم تغب الشمس، وقيل: إذا صحّ بعد الزوال وفات وقته لم تلزمه صلاته كالجمعة إذا فات وقتها، وكذا عند النحر.
ولا يجب فيها أذان ولا إقامة كالاستسقاء ونحوه.
وكلّ صلاة لا يؤذّن لها ولا يُقام يُنادى لها للجماعة.
وإن لم يُصب أهل بلد أن يصلّوها في قريتهم بعذر لم يلزمهم أن يخرجوا لها إلى أخرى، فإن قدروا في موضعهم صلّوها فيه وإلاّ وقام بها غيرهم من القرى أجزا عنهم.
فصل
تؤمر -قيل- النساء بالخروج إليها ولو أبكارا، وهل لزوما أو ندبا؟ قولان.
ولا خروج على حائض ونفساء، ولا على عارفة من زوجها كراهته أو حرمه عليها، وتستأذنه فيه، والبكر أباها، لا أمّها ولا أخاها ولا وليها إن لم يكن لها أب؛ وكُره له وللزوج المنع، وإن لم يؤذن لهما وخرجتا لم تأثما. (2/201)
صفحة 724
وإن تركته امرأة حياء لا ديانة حتّى ماتت فلا تُترك ولايتها، ولا يلزمها الذهاب إلى عرفات، ولا بأس إن خرجت.
وينوي مصلّيها أداء سنّة الفطر أو الأضحى امتثالا للأمر طاعة لله ولرسوله، ركعتين، وكذا وكذا تكبيرة.
ونُدب كون الإمام واحدا إلاّ لمانع، فيصلّي كلّ قوم ناحية لا إمام بعد إمام في محلّ. وجاز -قيل- في غير المسجد.
وإن أحدث قدّم متمّا بهم، وإن قرأ السجدة فيها سجد، وإن أقاموا لها جهلا أو نسيانا أو أذنوا تمّت لهم.
ومن صلاّها بقوم فلا يعدها بآخرين، وإن لم يحضره إلاّ نساء أو عبيد أو صبيان [305] صلاّها بهم وخطب، وتُصلّى جماعة بثلاثة رجال، وقيل: بخمسة، وقيل: بسبعة، وقيل: بعشرة، وقيل: ولو صلاّها اثنان أو رجل وامرأة ما أخطئا.
وإن حضرت وليس مع النساء رجل يصلّي بهنّ لم يتأكّد عليهنّ لزومها، وإن صلّين جاز وحسُن، وكذا الجنائز والقيام، ويتوسّطهنّ إمامهنّ كما مرّ، ويخطب لهنّ، وكذا العبيد حيث لا حُرّ معهم لا يدَعوها إذا قدروا.
وقيل: حضور العيد على المسافر أوكد من الجماعة (194)؛ وإن سافر ثلاثة وفيهم من يحسنها صلاّها بهم.
فصل
من أدرك من العيد ركعة كبّر إذا سلّم الإمام التكبير الفائت له سرّا ثمّ يقرأ الفاتحة والسورة، ويتمّ ما بقي له وإن لم يحسنه وقام وصلّى ركعة فلا عليه.
الوضّاح: لا بدل عليه فيما فاته كالجنازة. ومن لم يسمعه ولم يدر كم يكبّر الإمام كبّر الأكثر، وقيل: ما شاء سبعا أو تسعا أو إحدى عشرة أو ثلاث عشرة ولا عليه إن لم يسمع تكبيره، فإن سمعه كبّر مثله. (2/202)
صفحة 725
وقيل: من كان طرفا أو آخر صفٍّ أو أصمّ ولا يسمعه وجّه ووقف حتّى يرى الناس قد ركعوا، ثمّ يحرم ويركع معهم كما مرّ، فإذا سجدوا (195) للركعة الثانية قرأ الفاتحة ووقف قدر ما يقرأ السورة، ثمّ يكبّر خمسا، فإذا رآهم ركعوا ركع معهم، فإذا استوى منه كبّر ثلاثا، فإذا سلّم ورآهم قاموا قام وبدل ما فاته؛ يبدأ بالتكبير ثمّ يقرأ الفاتحة والسورة، ثمّ يقعد.
أبو علي: من لم يسمع تكبيرة خلف الإمام فلم يكبّرها وكبّر ما سمع، أو نسي فلم يكبّرها، فقيل: لا نقض عليه، وقيل: يكبّر الأصمّ ثلاث عشرة، ومن صلّى خلفه فلم يكبّر تمّت صلاته، ويعيدها من فسدت عليه كصلاة الإمام ولو بعد أيام، وإن لم يحسنها رُخّص له أن يعيدها بلا تكبير.
ومن ذهب عليه بعضه أعادها كما صلّى الإمام إن عرفها وإلاّ كبّر له رجل وتبعه، وقيل: يبدل كما عرف من سنّة بلده إن عرفها وإلاّ صلّى بوجه منها إن عرفه، وإلاّ صلّى كالنفل.
ومن سبقه ببعض التكبير فلم يقم بعد تسليمه ليقضي ما سبقه (196) به أعادها، وقيل: لا مطلقا، وقيل: إن جهل أو نسي حتّى يترك ثلاثا.
وجاز في تكبيرها أربعة أوجه من سبع إلى ثلاث عشرة كما مرّ، فمن كبّرها كبّر بعد الإحرام خمسا ثمّ قرأ وركع، فإذا قام للثانية قرأ، ثمّ يكبّر خمسا أيضا ثمّ يركع بتكبير أقصر، فإذا رفع منه بـ"سمعَ الله لمن حمده" كبّر ثلاثا، ثمّ يخرّ ساجدا.
ابن المسبح: إن شاء كبّر بعد الإحرام ستّا وبعد القراءة في الثانية سبعا، وإن كبّر في الأولى ثمانيا وفي الثانية خمسا جاز، وإن كبّر إحدى عشرة كبّر في الأولى ستّا وفي الثانية خمسا، وإن كبّر تسعا كبّر في الأولى أربعا وفي الثانية خمسا، وإن شاء كبّر في الأولى ستّا وفي الثانية ثلاثا وهو الأصحّ، وإن كبّر سبعا كبّر في الأولى أربعا وفي الثانية ثلاثا، وزاد أبو مالك خامسا وهو سبع عشرة يكبّر في الأولى سبعا وفي الأخرى سبعا أيضا وثلاثا بعد الرفع في الثانية. (2/203)
صفحة 726
فصل
أكثر ما يُقرأ في الأولى {سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى}، وفي الأخيرة {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}، ويخرج إليها وإن بركوب لنحو سلطان إن كان أعزّ له من طريق ويرجع من أخرى اقتداء به صلّى الله عليه وسلّم.
ومن خاف على نفسه أو منزله إن خرج جاز له التخلّف كما مرّ.
ونُدب كون اللباس فيه أبيض فاخرا تعظيما وشكرا لا فخرا ورياء، والتكبير إلى وصول المصلّى، وهو جائز كلّ وقت، وفيه الفضل وهو المقول أيام التشريق وليس بلازم في الكلّ، وهو فيها من الظهر يوم النحر إلى العصر من الثالث إدبار الصلوات وهو الأكثر، وقيل: من الفجر من أوّل أيام التشريق إلى عصر آخرها، وقيل: من فجر يوم عرفة ويقطع ظهر يوم النحر، ولا يجب -قيل- على مصلّ وحده، وقيل: يجب وكذا الخلف في النساء إن لم يكنَّ في جماعة، وفي المسافر وأدبار النوافل، ويكبره من سبقه الإمام بعد استدراكه؛ وكبّر ناسيه [306] متى ذكره وإلاّ فلا عليه. وقيل: إن ذكر قبل خروجه من المسجد، وقيل: قبل قيامه من مجلسه وقبل أن يتكلّم ويسجد للوهم قبله أو بعده. (2/204)
صفحة 727
الباب الثامن والخمسون
في قيام رمضان
وقد سُنّ بعد العشاء، ويُصلّى جماعة وهو الأفضل. وجاز لمن خلف الإمام أن يتمّ معه أو وحده، ولمن صلّى بهم العتمة وأوتر بهم على إثرها أن ينصرف، ويقيم القوم من بعده.
ابن علي: من صلّى بهم الفرض ثمّ قام إليه بلا توجيه كفاه الأوّل.
أبو عبد الله: يوجّه إذا ابتدأ النافلة، ثمّ كلّما صلّى ركعتين وسلّم قام وأحرم بدونه واستعاذ إماما أو فذّا.
وقيل: نُدب فيه قراءة عشر آيات في كلّ ركعة وأقلّها خمس، وقد قرأ بعض ثلاثين، والربيع خمسين.
وإن سهى فيه فقعد على ركعة ولم ينتبه قام من خلفه وأتمّ أخرى، وكان بعض يصلّيه في رجب أيضا.
ويقال: من أمّ بالناس في رمضان فليأخذهم باليسير، فإن أحسن القراءة رتّل وختم واحدة وفوقه ختمة ونصف، وإن أسرع فختمتين.
وكُره له أن يقوم وهم جلوس فيه، وإن جفّ حلقه فأسلاه بجرعة ماء وجّه دون من خلفه.
ومن شقّ عليه القيام قام معه حتّى يقرأ الفاتحة ثمّ يجلس، فإذا أراد أن الركوع (197) قام وركع معه.
ولابأس على من خلفه إن حال بينهما حائط أو دار أو نحوهما إذا سمعه.
أبو سعيد: لكلّ ترويحة توجيه واستعاذة، وجاز فيها شرب واستراحة. وصلاة النساء في بيوتهنّ أفضل من الجماعة في المسجد. (2/205)
صفحة 728
ويبدله -قيل- من تركه، وقيل: لا، ولا تُترك ولايته وإن خسس (198) حاله؛ ويتركه الروافض والشيعة مخالفة لعمر -رضي الله عنه-.
ويبدل ولو نهارا عند من يرى بدله. وجاز قبل الوتر وبعده. ولا يلزم مسافرا، ولا يوتر جماعة إلاّ عند القيام وإن في سفر. ومن أوتر جماعة في حضر في غير رمضان اختير له بدله، وإلاّ خالف ولا تُترك ولايته.
وإن أوتر النساء جماعة فيه بواحدة مع القيام، فبعض اختار أن يبدلنه بدونها، ولا تترك إن تركنه بعد الإفتاء به. وقيل: إذا صلاّه الإمام وقام للوتر وجاء من لم يصلّه معه فله أن يوتر معه ثمّ يقيم وحده إن شاء وقد تعتّم. ونُدب أن تكون التراويح وترا؛ وقد عُرفت أوّلا خمسا وهي الآن ثلاث، وجازت سبعا أو تسعا.
ولمسافر ترَكَه والصيامَ أن يبدلهما إذا رجع، وهو في الجماعة أفضل، وقد ترك الفضلَ تاركُه حاضرا.
ولا يجوز لأحد أن يوتر في مسجد خلف قوم يقيمون.
قال الفضل: من أتاه والناس فيه أو في الفجر فله أن يتعتّم أو يوتر خلفهم ولا عليه أن يصلّي غير صلاتهم، وله أن يتنفّل خلفهم وهم يوترون.
وقيل: آخر الليل أفضل من أوّله. أبو عبد الله: إن تكلّم بعد السلام فيه لزمه أن يوجّه لا من خلفه إن تكلّموا.
أبو سعيد: من تطوّع ليالي العشر جماعة أوتروا فرادى بعد. ومن فاته الإمام فيه بالركعة الأولى قضاها إذا سلّم ولحقه، ولا يؤخّرها حتّى يسلّم من الشفع الآخِر. ومن يسلّم فيه ويلتفت إلى الصبح فإن أدبر بجميع وجهه ابتدأ التوجيه، وإلاّ فلا إن كان يحرّفه. ويستحبّ -قيل- لمن يقيم وحده أن يجهر. ومن قام آخر الليل صلّى ركعتين وأجزتاه فيه ودخل في قوله تعالى: {وَالذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ} الآية (سورة الفرقان: 64). (2/206)
صفحة 729
الباب التاسع والخمسون
في صلاة الخسوف والكسوف والآيات
وقد سنّت جماعة في خسوف القمر بإطالة القيام والقراءة جهرا، وندب فيه الرغبة في الدعاء وسنّ أيضا، وفي الكسوف فرادى، وقيل: بالعكس.
أبو زيّاد: قيل له: أصيب القمر، فقال: يعافيه الله ولم يقم من نومه.
جابر: كسفت الشمس فقعد ودعا حتّى انجلت، وكانوا لا يجتمعون [307] عند الكسوف بل فرادى، وقيل: صلّى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بأصحابه عنده ركعتين بلا أذان وبلا إقامة (199)، وفي الخطبة خلاف.
وقيل: قرأ ابن عبّاس في الأولى من الخسوف سورة البقرة وفي الثانية آل عمران.
وإن كسفت وقتا لا يُصلّى فيه، فقيل: يدعون، وقيل: يصلّون ما لم يطلع حاجب منها وبعد العصر ما لم تتهيّأ للغروب، وقيل: كلّ وقت إلاّ في الثلاثة، وفيها عند الزلزلة وانقضاض الكواكب وشدّة الرعد والبرق والريح والظلمة والضباب خلاف، فقيل: يصلّى عندها، وقيل: يُدعى. (2/207)
صفحة 730
الباب الستُّون
في صلاة الاستسقاء
وهي سنّة أيضا؛ وقد رُوي أنّه صلّى الله عليه وسلّم خرج بالناس إلى المصلّى فدعا قائما، ثمّ توجّه إلى القبلة وحوّل رداءه فسُقوا، وأنّه خرج إليها متخشّعا وصلاّها ركعتين كالعيدين، وجهر فيهما؛ فمن أراده برز بمن معه إلى الجبان في الضحى وقلب رداءه وصلاّهما أو أربعا وحمد الله بما فتح له، واستغفر وسأل الله من فضله، وأن يسقيه ويدعو باجتهاد، ولم يزد عمر فيه (200) على استغفار لقوله تعالى: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ} الآية (سورة هود: 52)، فقيل له: إنّك لم تستسق، فقال: استسقيت بمحاديج السماء، وهي نجوم تزعم العرب أنّها تمطر، فجعل الاستغفار محاديج.
ويُروى: «ما مُطر قوم إلاّ برحمة، وما قُحطوا إلاّ بسخط»، فينبغي للإمام ومن معه إذا أرادوا أن يخرجوا إليه أن يتخلّصوا من المظالم، ويفزعوا إلى التوبة والاستغفار، وأن يصوموا ثلاثة قبله، ويخرجوا في الرابع صائمين لما روي أنّ دعوة الصائم لا تُردّ، وأن يتصدّقوا من الحلال ويستسقي بالصلحاء والشيوخ والصبيان والضعفاء والمساكين، وفي إخراج البهائم إليه خلاف. وكُره خروج الكفّار له، وأن يُخطب بعد الصلاة، ويدعوا بما فتح له. (2/208)
صفحة 731
الباب الحادي والستُّون
في صلاة الوتر وسنَّة الفجر
روى أبو سعيد: إنّ ركعتي الفجر خير من الدنيا وما فيها، وأنّه قرأ في الأولى الفاتحة والكافرون، وفي الثانية الفاتحة وسورة الإخلاص ثلاثا؛ ووقتهما إذا طلع، وقيل: النصف الأخير من الليل إلى الفجر وأجزتاه ما لم ينم قبل طلوعه، فإن نام أعادهما لا إن نام بعد ولو لم يصلّ الصبح، وقيل: يعيدهما إن اضطجع ولو بعده أو جامَع، لا إن أحدث بغير نوم أو جماع.
ولا نفل بينهما وبين الفرض، وجوّزه أبو الحواري قبل طلوعه ما لم ينم أو يوتر بعدهما.
ومن تنفّل في الأخير من الليل ونواه عن ركعتي الفجر أجزاه، وقيل: لا إلاّ بعده، والمختار أن يتنفّل قبله وتُركعا بعده ويُتبعا بالفرض.
ومن خاف فوته في الجماعة أخّرهما إلى الطلوع، وقيل: إن رجى إدراك ركعة معها ركعهما أوّلا ثمّ دخل معهم، وإن أُقيمت ولم يركعهما الإمام فله أن يركعهما وينتظروه وأن يؤخّرهما إلى الطلوع ويصلّي بهم الفرض.
وكُره الكلام بينهما بغير أمر الصلاة. ولا تُركعان والإمام فيه إلاّ في طرف مسجد واسع لما روي: «إذا أُقيمت فلا صلاة إلاّ المكتوبة»، وفي رواية: «إلاّ ركعتي الفجر». وقيل: من فاتتاه في وقتهما أبدلهما ولو بعد العصر، ولا بأس بعد الفجر من يومهما، فمن نسيهما أو نام عنهما بدأ بهما ثمّ بالفرض، وقيل: مخيّر وقد مرّ، والمختار الترتيب إن أمن الفوت.
ابن علي: من معه قوم يصلّون القيام حتّى تحضر صلاة الفجر ثمّ يصلّون الغداة فلا يركعون غير ما صلّوا جماعة، وقيل: من ركع شيئا في الليل وطلع الأبيض فاشتغاله (2/209)
صفحة 732
بالفرض أولى. ومن تكلّم بينهما بدنيوي لا ينقض الوضوء قصر ولا نقض عليه ولا إعادة.
فصل
الوتر -قيل- ثلاث بإحرام واحد وتسليم، وقيل: واحدة والثلاث أفضل، وقيل: بتسليمين، وقيل: بتخيير، وقيل: ركعة بعد ركعتين. ابن محبوب: المسافر مخيّر بين الواحدة والثلاث؛ ويؤثر أبو عبيدة في سفره بواحدة. الربيع: من [308] جمع بين العشاءين وقت المغرب أوتر بواحدة وأجازه هاشم بها مطلقا، قال: ولا تُترك -قيل- ولاية تاركه، وفي الكفّارة بتركه قولان.
أبو عبد الله: من تركه والختان ولم يدن بهما استتيب، فإن فعل وإلاّ قُتل. ولا يُصلّى جماعة إلاّ في رمضان مع القيام، وإن صلاّه قوم بها في غيره فلا بدل عليهم إن لم يريدوا خلاف السنّة وتخطئة المسلمين، وفي قاصد خلافهم فيه الوقف عن ولايته. وقيل: من صلّى النفل ليلة الجمعة أو الفطر أو ليالي العشر ورجب، والوتر جماعة ظنّا جواز ذلك لا يلزمه بدله إلاّ إن قصدوا خلاف السنّة.
خميس: لا أعلم أحدا منّا أجازه في سفر بها غير أنّ حاجبا وابن نافع، فعلاه بطريق مكّة. ومن نواه ثلاثا فلا يحوّله لواحدة، وجاز عكسه وذلك قبل الإحرام، ووقته ما بين العتمة والفجر كما مرّ في الحضر، وجاز جمعه في السفر مع العشاءين ولو وقت المغرب، ولا يُترك إلى طلوعه إلاّ بنوم أو نسيان.
وهل يلزم من تعمّده البدل والكفّارة أو البدل فقط؟ قولان. وكذا إن تركه جهلا، ويأثم اتّفاقا.
وقيل: هو فرض على النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- وسنّة على أمّته. وروى ابن محبوب أنّ جابرا أوتر بركعة قرأ فيها الفاتحة و {مُدْهَامَّتَانِ} (سورة الرحمن: 64) ثمّ أحيى ليلته في بيته إلى الصبح. (2/210)
صفحة 733
وروي أن أبا بكر يوتر أوّل الليل وعمر آخره فبلغ ذلك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: «أبو بكر أخذ بالحزم وعمر أخذ بالعزم». وفي رواية: «أبو بكر جلَد كيّس، وعمر قوي معان»، وضرب لهما مثلا.
الربيع: من قدر على قيام الليل فالأفضل له أن يوتر آخره. ومن خاف أن لا يقوم أوتر أوّله. (2/211)
صفحة 734
الباب الثاني والستُّون
في سنَّة الضحى والنوافل والذكر
ووقتها مذ ترتفع الشمس قدر رمح إلى نصف النهار، وأفضلها إذا رمضت الفصال، وأقلّها ركعتان، ولا غاية لأكثرها. وكان ابن عبّاس يصلّيهما يوما ويدعهما عشرا، وأبو عبيدة يصلّيهما ويدعهما زمانا.
وأفضلها -قيل- إذا صارت الشمس من المشرق بقدر ما تكون من المغرب وقت العصر، وقيل: أفضل أوقات الصلاة حين يشتدّ نشاط العبد وإقباله إليها.
وفي فضلها أحاديث تُطلب في محلّها.
وقيل: أفضل عبادات البدن الصلاة وتطوّعها أفضل التطوّع لما روي: «استقيموا واعملوا، فإنّ خير أعمالكم الصلاة»، ولا يواظب عليها وعلى الوضوء إلاّ مؤمن، وقيل: أفضلها يعدّ المفروضة قيام الليل وآخره أفضل.
وروي: ((ما تقرّب لي عبدي بشيء أحبّ إليّ ممّا افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها؛ إن سألني أعطيته، وإن استعاذني أعذته)).
وأفضل تطوّع النهار ما كان في البيت، وقيل: إنّ الصالحين يَجُزون الليل ثلاثا، فالأوّل لأداء الفرائض والذكر وما يحتاجون إليه، والأوسط للنوم، والأخير للذكر والعبادة.
ولا بدل -قيل- على متنفّل بثوب به نجس ولم يعلم به ثمّ علم.
وإن حجّ نافلة وفسدت عليه أعادها.
وقيل: ما كره عالم الجهر بالتكبير والقراءة في النفل ليلا إن أمن فتنة، فإن خافها فالسرّ أفضل. وقيل: تُضاعف أعمال العلانية على أعمال السرّ سبعين ضعفا إن أُريد (2/212)
صفحة 735
بها تذكرة الغافلين، وإحياء (201) طاعة ربّ العالمين، فإنّ محيي السنّة كمميت [309] البدعة؛ فالنوافل بعد الفرائض تهدم الذنوب. ولا تُقبل نافلة بتضييع فريضة، ولا يتطوّع بكثير لا يقطع بينه بتسليم. ومن دخل في صوم نفل أو صلاة ثمّ أفطر أو قطعها كُره له ذلك، وفي البدل قولان.
والنفل بعد أذان العصر، وقبل الفرض كرهه بعض وأمر به بعض، وأوجبه بعض لا ولا، وبعض قال: يفعله العباد ويدَعه العلماء، وبعض أجازه (202) بعد الغروب، وقبل المغرب وبعض كرهه.
وفي التطوّع بالفاتحة وحدها خلاف، بعض أجازه بها وبالتسبيح بلا قراءة، وبعض منعه إلاّ بسورة معها أو ما تيسّر.
وكان -قيل- موسى يقرأ في النفل بالفاتحة وحدها. ولا بدل على من فسد عليه، ولا يُجهر به بجنْب مصلّ فرضا.
أبو سعيد: من قام لفرض فسهى فأحرم على نافلة وصلّى ركعتين ثمّ ذكر أنّه في فريضة فاتمّها على نيتها، فقيل: إذا صلّى حدّا على النافلة فسدت صلاته، وقيل: إذا صلّى الأكثر، وقيل: إن ذكر في آخر حدّ قبل أن يتمّه فردّ نواه للفريضة تمّت له، وكذا إن أحرم بصلاة (203) ومضى فيها ظانّا أنّه في العصر، ثمّ ذكر في آخرها الظهر فعاد إليه فالخلاف السابق.
وإن وجّه بفرض وأحرم بنفل ثمّ ذكر فرجع إلى الفرض فسدت عليه، وإن لم يدر بماذا أحرم أعادها إن وسع الوقت، وإن فات فقد صلّى إلاّ إن تيقّن أنّه أتى بها على غير وجهها.
وإن نوى بوضوئه أداء فرض ثمّ شكّ بعد ما صلّى أجزته نيته عنده، ولو نوى قبله أجزاه أيضا ما لم يرجع عنه إذا قام إليها وقد حضر الوقت.
ونُدب التنقل للمنفّل بعد الفرض عن محلّه. أبو المؤثر: من عليه بدل فلا يتنفّل حتّى يقضي ما عليه.
4 تمَّ الجزء الرابع 4 (2/213)
صفحة 736
هوامش الجزء الرابع
(1) - ب: - عاقل.
(2) - ب: + الله.
(3) - ب: فذلك.
(4) - ب: إنِّي.
(5) - ب: ما.
(6) - ب: الملائكة.
(7) - ب: + دون، وفي أ مشطوب عليها.
(8) - ب: - يجعل.
(9) - ب: هو.
(10) - ب: جاز.
(11) - ب: به، مشطوب عليها.
(12) - أ (هامش): وهو قبلة أهل مكَّة وهي قبلة أهل الحرم، صح.
(13) - ب: الجني.
(14) - أ (هامش): ألفا صح.
(15) - ب: يطوف.
(16) - ب: به.
(17) - ب: صحته.
(18) - أ (هامش): اسم.
(19) - أ (هامش) وب: + فيه.
(20) - ب: أو.
(21) - أ (هامش): وإن.
(22) - ب: - الشجر.
(23) - ب: ستره.
(24) - ب: - إلى. (2/214)
صفحة 737
(25) - ب: - به.
(26) - ب: - من.
(27) - ب: من زعفران.
(28) - ب: إذا.
(29) - ب: - وصلَّى.
(30) - ب: - من، وهو الأصوب.
(31) - أ (هامش) وب: لم.
(32) - ب: وإن كانا عند رجلين تفرَّد كلٌّ منهما بواحد.
(33) - ب: بواحد.
(34) - ب: مدبوغه.
(35) - ب: + إن فات.
(36) - ب: قبله.
(37) - أ (هامش): صلوات أخر.
(38) - ب: لا يعيد الحاضرة إذا .... ، وفي أ الحاضرة (مشطوب عليها).
(39) - ب: - أنَّه.
(40) - ب: ولو في ...
(41) - أ (هامش): أوَّلا.
(42) - ب: الدواب والصبيان.
(43) - ب: - له.
(44) - ب: - أن تقول.
(45) - ب: يقال.
(46) - ب: الاستفتاح.
(47) - ب: وقيل: ولا يعاوده.
(48) - ب: الوضوح.
(49) - ب: أو.
(50) - ب: ذكره.
(51) - ب: التحيات. (2/215)
صفحة 738
(52) - أ (هامش): قيل.
(53) - ب: إلاَّ.
(54) - ب: ترديد.
(55) - أ (هامش) وب: + نقض.
(56) - ب: - فلا بأس.
(57) - ب: + السنَّة.
(58) - ب: + هذا.
(59) - ب: تعمَّدت.
(60) - ب: سجود.
(61) - ب: - أنَّه.
(62) - ب: فساده.
(63) - ب: إلاَّ
(64) - ب: فسد.
(65) - ب: - أيضًا.
(66) - ب: + له.
(67) - ب: ولم يصلِّ عليه، وهو خطأ.
(68) - ب: تحليلها التسليم وتحريمها التكبير.
(69) - ب: تركهما عمدا.
(70) - ب: + فقد.
(71) - ب: - بذلك.
(72) - ب: قبلها.
(73) - ب: -[لفظ الجلالة] الله.
(74) - ب: على ذلك
(75) - ب: يستمع.
(76) - ب: - لا.
(77) - ب: + له.
(78) - ب: - عزَّان. (2/216)
صفحة 739
(79) - ب: لما. (80) - ب: ممدود، وهو خطأ.
(81) - ب: حملته.
(82) - ب: أنَّه يقطعها عليه.
(83) - المصلِّي.
(84) - ب: وإن.
(85) - ب: لا.
(86) - ب: وسعه.
(87) - ب: في فيه.
(88) - ب: نظره.
(89) - ب: صلوات، وهو خطأ.
(90) - ب: - ما.
(91) - ب: مخاض، وهو خطأ.
(92) - ب: دبر.
(93) - ب: - عليه فلا عليه، أبو سعيد: من آلمه بول فوضع يده على ذكره من فوق ثوبه.
(94) - ب: إصلاح.
(95) - ب: لتنبيه الإمام.
(96) - ب: - بمسجد.
(97) - ب: نخامة، ويجوز الوجهان.
(98) - ب: فيها.
(99) - ب: يسراه.
(100) - ب: بيده أو بثوبه.
(101) - ب: إن.
(102) - ب: إن.
(103) - ب: - وقتها.
(104) - الصفحتان: 265 و 266 من النسخة الأمّ (أ) مفقودتان.
(105) - ب: - لا. (2/217)
صفحة 740
(106) - ب: إذا.
(107) - ب: إذا خيف تزايد العلَّة في تركه.
(108) - ب: بدونها.
(109) - ب: لأنَّه.
(110) - ب: شعر.
(111) - ب: - فارتفعت.
(112) - ب: رجلها.
(113) - ب: أنَّه.
(114) - ب: - فيها.
(115) - ب: - فيها.
(116) - ب: الوضوح، وهو خطأ.
(117) - ب: يستر.
(118) - ب: - على.
(119) - ب: غيرها.
(120) - أ (هامش): ولعلَّه ازديادها يعني العلَّة كما بالأصل.
(121) - كذا في النسختين ولعلَّه: بنوا.
(122) - ب: - قال.
(123) - ب: - جماعة.
(124) - ب: بعده جماعة.
(125) - ب: دونهم.
(126) - ب: الرجال، وهو خطأ.
(127) - ب: - في.
(128) - ب: - من خلفه.
(129) - ب: على.
(130) - ب: قطع.
(131) - ب: ثوبه.
(132) - ب: - عليهم. (2/218)
صفحة 741
(133) - ب: إلى.
(134) - ب: - هو.
(135) - ب: بالركعة.
(136) - ب: - قاعد.
(137) - ب: فسد.
(138) - ب: على.
(139) - ب: - لا.
(140) - ب: - له.
(141) - ب: - له.
(142) - ب: قعود.
(143) - ب: غيره.
(144) - ب: لمصالحها.
(145) - أ (هامش): عبارة الأصل يأتم.
(146) - ب: - في.
(147) - أ (هامش): وعبارة الأصل فيكون في الصفِّ تقية منهم.
(148) - ب: طهوره.
(149) - ب: كرهه.
(150) - ب: - لها.
(151) - أ (هامش): وعبارة الأصل أو استخفاف بالإمام.
(152) - أ (هامش): وعبارة الأصل إن أمكنه وأن يكون عن قفا الإمام ..
(153) - ب: تعطيله.
(154) - ب: + له.
(155) - ب: فسد.
(156) - ب: - وجمعها.
(157) - ب: - وإن ذكر وقت العصر فقيل يتمُّ له وقيل يعيدهما معًا، وإن ذكر بعده أعادهما، [وقد حدث للناسخ انتقال النظر إلى الأسفل].
(158) - ب: الخمس والعشرين. (2/219)
صفحة 742
(159) - القصر فيه.
(160) - ب: - أنَّه.
(161) - ب: - فيه.
(162) - ب: ببلدين.
(163) - ب: الأخيرة، وهو خطأ.
(164) - أ (هامش): وعبارة الأصل ولو مجتازا وهو الظاهر.
(165) - ب: - فيه.
(166) - ب: أثم، وهو خطأ.
(167) - ب: إذا.
(168) - ب: عيش.
(169) - ب: - فيه.
(170) - ب: - كذلك.
(171) - أ (هامش): الإفراد.
(172) - ب: يصلِّي
(177) - ب: الواو أضفناها من النسخة ب.
(178) - ب: المغرب أو الظهر.
(179) - ب: جمعهما.
(180) - ب: - بصلاته.
(181) - ب: أعدَّت، وهو خطأ.
(182) - ب: أنفسهم.
(183) - ب: اقتسما.
(184) - ب: صلاته.
(185) - ب: - على.
(186) - ب: حضر.
(187) - ب: - في.
(189) - ب: - فيها.
(190) - أ (هامش): لعلَّه أو قوِّموا الصفَّ. (2/220)
صفحة 743
(191) - ب: - وقيل.
(192) - ب: أو سيف أو قوس.
(193) - ب: صحَّ.
(194) - أ (هامش): ولعلَّه في الجمعة كما في الأصل.
(195) - أ (هامش): وقاموا صحَّ من الأصل.
(196) - ب: فاته.
(197) - ب: أراد أن يركع.
(198) - ب: خسَّ ..
(199) - ب: - وبلا إقامة.
(200) - ب: فيها.
(201) - ب: + سنن.
(202) - ب: أجاز.
(203) - أ (هامش): الظهر صحَّ من الأصل. (2/221)
صفحة 744
/ (2/222)
صفحة 745
الجزء الخامس منه
في الزكاة (2/223)
صفحة 746
/ (2/224)
صفحة 747
الباب الأول
في وجوبها وقسمها على أهلها
فقيل: كلّ مال لم تخرج زكاته فهو كنز، والصدقة فكاك من النار، فقيل: تُقسم على ثمانية مأخوذة من قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ... } الآية (سورة التوبة: 60)؛ إن وُجد من ذُكر فيها وإلاّ فلمن وُجد منهم ولو واحدا. والإمام إن وُجد أولى بقبضها.
واختُلف في الفقير، فقيل: هو أسوء حالا من المسكين، وقيل: بالعكس. وقيل: الفقير من له بلغة من العيش، والمسكين من لا شيء له، وقيل: الفقير هو المحتاج المتعفّف، والمسكين هو المحتاج السائل، وقيل: الفقير هو الزمن المحتاج، والمسكين الصحيح المحتاج، وقيل: الفقير المهاجر، والمسكين غير المهاجر، وقيل: الفقير من المسلمين والمسكين من أهل الذمّة، وقيل: الفقير من لا شيء له والمسكين من له شيء لا يكفيه وسكن إلى ما عنده، وقيل: بالضدّ فيهما، وقيل: ليس المسكين من تردّه الأكلة والأكلتان، والتمرة والتمرتان، ولكن من لا يسأل الناس شيئا، ولا يفطن أحد لمكانه، وهو المتعفّف الذي لا يسأل، وقيل: الفقير من لا يسأل، فإن أُعطي شيئا أخذ منه ما يكتفي به، والمسكين من يسأل إذا احتاج، فإذا أصاب ما يكتفي به أمسك، وقيل: نصف سهم الفقراء والمساكين لكلّ ذي عاهة منهم، ولا حيلة له ولا تُصرف، والنصف الآخر للقادرين على السؤال، وقيل: الفقير من لا مال له ولا حرفة، وإن غير زمن أو ضعيفا، وكذا المسكين، وقيل: هو الخاشع المتمسكن، وقيل: هو من يتحمّل ويقبل ما تيسّر له. وقيل: المساكين ناس من أهل الكتاب فقراء جعل الله لهم سهما في الصدقة، ونقل اليوم سهمهم إلى فقراء المسلمين. وقيل: الفقراء هم المساكين وبالعكس، وقيل: المسكين هو الناشئ على الفقر، والفقير من له مال ثمّ زال عنه.
والعاملون: هم الجُباة للصدقة بالأمانة والعفاف. والمؤلّفة ــ قيل ــ هم اثنى عشر رجلا من قادة العرب في الإسلام، وقيل: سهمهم اليوم مطروح بقوّة الإسلام، (2/225)
صفحة 748
وقيل: باق. فمن نزل منزلتهم فيه اجتهد الإمام والمسلمون نظرهم فيه لمصالح الدولة، وقيل: هم صنفان: مسلمون ومشركون، فالمسلمون قوم ضعفت نيتهم في الإسلام، فيُعطوْن لتتقوّى وتشتدّ، والمشركون منهم من يقصد أذى المسلمين فيُعطى ليكفّ عنهم. ومنهم من يميل إلى الإسلام فيُعطى ليسلم؛ والكلّ محتاج إلى النظر فيقصد بإعطائهم إعزاز الدين وإظهار الإسلام.
{ ... وفي الرقاب}: وهم المكاتبون الذين لا مال لهم يؤدّونه [310] لمواليهم فيما كاتبوهم به.
والغارمون ضربان: ضرب يُغرم لإصلاح ذات البين، كحامل لدية قتيل فيُعطى ولو غنيا لما جاء: «لا تحلّ الصدقة لغني إلاّ لخمسة: غاز وعامل وغارم ومشتر، وجار مسكين» يعطيه منها ولو غنيا، ومتحمّل مالا ليكفّ به فتنة، فإنّه يُعطى مع غنائه، وضرب يُغرم لمصلحة نفسه فيُعطى بقدر ما يقضي به ديْنه، وإن أبرأه ربّه قبل أن يعطيه إياه رجعت إلى أهلها. وقيل: الغارم من عليه ديْن لا يجد وفاءه، ولا يقبل قوله أنَّه غارم إلاّ ببيانه، وقيل: هو من لزمه غرم عن غيره، وقيل: الملزوم مطلقا.
وسهم سبيل الله: هو المصروف في نفقة الغزاة القائمين بالدين، وقيل: الساعي على العيال داخل فيه كطالب علم خرج لأجله حتّى يرجع.
{ ... وابنِ السبيل}: هو المسافر المحتاج، والحاجّ المنقطع، والضيف الفقير في سفره ولو غنيا في وطنه.
فصل
أبو المؤثر: من جمع الخبز والتمر من غلّة ماله من تمرة إلى تمرة أو من تجاراته ورأس ماله قائم فلا أراه فقيرا، ولا يُعطى زكاة ولا كفّارة، وقال غيره: لابدّ له من إدام وكسوة وما يحتاجه مثله، ومالم يكن كذلك فهو فقير. (2/226)
صفحة 749
ويروى: «لا تحلّ الصدقة لنبيء، ولا لآله ولا لغني ولا لذي مرّة سوي»، وهو ذو صنعة قادر عليها وتغنيه كماله فيما تعورف من أحواله ولو لم يكن بيده إلاّ قوت يومه، وينظر لكلّ ما يكون به غنيّا ولو لم يكن مثله غنيا لاختلاف أحوال الناس في قدر ما يكفيهم.
عزّان: من عنده مائتا درهم ولا ينفقها لا يأخذ الزكاة، وقيل: خمسون أو قيمتها، وقيل: إن كانت بعد مؤونته وعياله لسنَة ولا يضرّ بهم ولا يتحمّل ديْنا فيها كان ذلك له من حرفة أو تجارة أو غلّة، وقيل: حتّى يفضل عن ذلك مائتان لما يحدث له، وقيل: يأخذ ما يستظهر به لسنَة ولو لعياله، وقيل: حتّى يستغني ويخرج من الفقر بالكليّة. وقيل: أقلّ ما لا يُعطى معه أن تكون له كفاية أو قوت يجري عليه من مال أو حركة، وقيل: له أن يأخذ حتّى يملك ألف درهم، وقيل: حتّى يفضل خمسة عشر، وقيل: لا يأخذها من يملك خمسين إن لم يكن ذا عيال ولا ديْن، وقيل: حتّى يفضل ثلاثين، والمختار أنّ ذلك يختلف باختلاف الأحوال، فيرجع إلى الكفاية.
محبوب: أرسلني الربيع أن أكتبَ له من كان بالبصرة موافقا، فكانوا ثمان مائة بين رجال ونساء، وبعضهنّ أزواج المخالفين ومعهنّ منهم يتامى، فأمرني أن أدفع إلى أمّهاتهم رحمة لهنّ.
ابن محبوب: لا يجوز لمن أخذها أن يحجّ بها أو يشتري مالا إلاّ إن كان ذا غناء أو عناء، فذو الغناء الفقيه الذي به الغناء في أمر الدين، وذو العناء الجابي لها، وهذا في أيام الإمام، وقيل: مطلقا.
ولا تخرج زكاة قرية إلى فقراء أخرى إلاّ إن عدم فيها فقير موافق، وإن فُقد الإمام، فقيل: تجعل في قائم مقامه منهم، وقيل: في فقرائهم المتفقّهين، وقيل: لهم ولغيرهم قليل منها، وقيل: للأوّلين الثلثان ولغيرهم الثلث، وقيل: تُدفع لمتقوّ بها على الطاعة لا لعكسه.
ومن نزل به ضيف فله أن يطعمه من زكاته إذا أعلمه، ولكن (1) ينبغي له أن لا يجعلها تقية لماله. (2/227)
صفحة 750
وذات حليّ لا تعطى ــ قيل ــ إلاّ ما تحتاجه بعد ثمنه تمام سنتها إلاّ إن أرادت قضاء ما عليها ولو كفّارة.
ولمن أخذ منها ما يكفيه وعياله من تمرة لتمرة أن يشتري منه قرطاسا يكتب فيه علما أو مصحفا، وإن أخذ أكثر ممّا يكفيه أو ليشتري به ذلك لم يجز له، وله أن يأخذها ليفتدي بها من خراج لأنَّه يفدي ولو قوت عياله.
ولا يعطيها سيّد لعبده.
وقيل: من لزمه حجّ ثمّ افتقر فله أن يأخذها ليقضيه بها كما مرّ، لأنَّه كالغارم، وقيل: لا، وكذا إن لزمته وفرّط حتّى افتقر.
فصل
قد مرّ أنّ للمسافر أن يأخذها ولو غنيا في وطنه ليدفع حاجته، إن لم يسافر في معصية ولو وجد من يقرضه أو يداينه إذ له حقّ فيها لأنَّه ابن السبيل، وكذا الغارم المدائن لعياله بلا سرف، أو احترق بيته أو ماله، أو أصيب بسيل [311] أو جائحة، أو تحمّل ديْنا لإصلاح ذات البين أو نحو ذلك.
ومنع الأكثر إعطاؤها في ديْن على ميّت، وأجازه بعض.
أبو سعيد: الغارم كلّ من لحقه غرم وثبت عليه حقّ إن لم يكن ديّة قتل أو فسادا في الأرض ونحوه ممّا لا يسع فعله، وأجازه بعض إن كانت (2) خطأ. وللعاقلة أيضا فيما يلزمها منها لدخولهم في الغارمين، وقيل: ما دام للغارم مال يؤدّي منه ما لزمه فلا يوفّر له ماله، بل حتّى ينفد كلّه، وإن كان له عروض تُرك له منها قدر ما يغنيه في وقته. وقيل: للغارم حقّ فيها ولو (3) غنيا، والأوسط أنَّه إن كان له ما لو باع منه، وقضى ما عليه لبقي بيده ما يكفيه وعياله سنته لم يجز له أخذها للغرامة، وكذا التاجر والصانع. (2/228)
صفحة 751
قال طالب الحقّ ــ رضي الله عنه ــ لبعض عمّاله: إذا جمعت الصدقات فاقسم نصفها على من ذُكر من الأصناف على قدر احتياجهم، وارفع الآخر للجند والعاملين عليها.
أبو المؤثر: يُعطى ــ قيل ــ للفقراء الثلث، ويُرفع للإمام الثلثان يتقوّى بهما ويعطي من عنده لغيرهم لا لغني إلاّ إن طلب، فإنّ للطالب حقّ إذ لا يدري ما عناه، وبقدر الحاجة والنظر من أهله. وإن قال لأحد: أنت في سعة من الفيء كل ما شئت لسنة جاز له ذلك إذا عرفه، وإن قال لِوالٍ: (4) فرّق عشر ما جمعت، فقصده فقير من غير بلد جُمع منه فله أن يعطيه. وليس لوال أن يشتري منه عبيدا ولا أموالا ولو أذن له الإمام؛ وله أن يفرّق ثلث ما قبض على فقراء البلد.
ابن محبوب: إن احتاج إلى أخذ الكلّ فالأمر إليه في أيام الحرب والخوف على الدولة، لأنَّه يوجد في السيَر أنّ للمسلمين أن يستعينوا بجميع الصداقات والصوافي ما احتاجوا إليها وما استعانوا به وأنفقوه في إقامة الدين وإعزازه وقت خوفهم عليه، ولا يلزمهم أن يغرموا للفقراء من ذلك شيئا بعد سكون الأمر وانقطاع الحرب، ولكن يعطيهم في مستقبل على قدر نظره وإقامة العسكر، والدبّ عن البيضة أحقُّ (5) وأولى من إعطاء الفقراء إذا خاف ظهور العدوّ.
الإمام المُهنّا: الصدقة لمن حضر قسمها، لا شيء منها لمن غاب لأنَّها ليست كالإرث. ولا يجوز منع الفقراء منها عند الحاجة إليها واستغناء الإمام عنها.
فصل
إذا لم يفرض الإمام للعاملين سهما معلوما أعطاهم بنظره ومشورة النظّار على قدر فضلهم وفقرهم وعنائهم وعيالهم، وليس كالأجرة. (2/229)
صفحة 752
وينفذ في الجهاد سهم السبيل. وسهم مساكين أهل الكتاب، والمؤلّفة قد تُرك؛ وتُعطى السهام الباقية على قدر الحاجة كما مرّ، فما فضُل إلى تمرة أخرى يقسم أثلاثا: سهم للفقراء وسهمان يُشترى منهما السلاح والخيل والأمتعة، وما يتقوّى به الجهاد.
ولا تحلّ صدقة (6) البحر والساحل على غير الحماية والكفاية، ولقابضيها أن يأكلوا منها إن أذن لهم، وقيل: مطلقا ما لم تقسم، إلاّ إن حجّر عليهم. والوالي إن كان من أهل البلد لا يأكل ممّا قبض منه إلاّ بإذن الإمام على المختار، وإن كان من غير أهله وفرغ من قبضها ولم يبق له عمل فيها فليس له أن يدخل يده فيها بعد، وإلاّ اختير له الغرم.
ومن لزمه ضمان زكاة أو بيت المال وزال الإمام، ولم يخلف غيره تخلّص به إلى الفقراء إن أمكنه وإلاّ أوصى به على وجهه، وله أن يجعله لنفسه إن كان فقيرا، وكذا لأصحابه، وإن أكلوه وهم أغنياء بلا موجب خيف أن لا يسعهم.
وقيل: إنّ عمر بن عبد العزيز أغنى جميع الفقراء في أيامه حتّى صار وُلاّته يسألون عنهم فلا يجدون من يدفعون إليه الزكاة، ثمّ أمرهم أن يجعلوا على طريق الحجّ وُكلاء يعينون [312] بالزاد مارّا بهم من الحجّاج، وبما يحتاجون إليه من مركب وغيره؛ وإذا أتاه فقير من غير بلده قال له: أرجع إلى بلدك فإنّي لك فيه أذكر لك منّي في بلدي، لأنَّه وكّل أمناء من جميع البلدان يسألون عن الفقراء في أماكنهم، ويعينون بهم فيها بلا كلفة المسير إليه. وقيل: إذا اجتمع الشعراء على بابه يسألونه من بيت المال منعهم، وقال: لم أجد لكم موضعا في الكتاب ولا في السنّة ولا في الإجماع، وقد أذن لجرير منهم بالدخول فأنشد بين يديه شعره المستحسن، فقال له: لا أرى لك هاهنا حقّا، فقال له: أنا ابن السبيل منقطع فأعطاه شيئا من صلب ماله، ثمّ خرج إلى أصحابه، فقالوا له: ما وراءك؟ فقال لهم: ورائي ما يسوءكم فإنّي أراه رجلا يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء.
ولعمر معهم في ذلك حكايات تُطلب من "المستطرف"، وفيه وأنشد لهم عند ذلك جرير وقال: (2/230)
صفحة 753
رأيت رقي الجنّ لا يستفزّه ... وقد كان شيطاني من الجنّ راقيا
فصل
أجمعوا على جواز الصدقة للأصناف، واختلفوا فيمن فرّقها في بعضهم، فعندنا إذا فرّقها ربّ المال بحيث جعلها على قصد الصواب أجزاه إذا لم يكن إمام ولا واليه، فإذا وُجد أدّاها إليه. وله عند قسمها أن يحبس لغائب ما شاء بنظره، (7) ولا يضمنه إن تلف وضمنه ربّ المال إن فعل وإن لم يضيّع إذا وجد بعضا وحبسها لغيرهم. (2/231)
صفحة 754
الباب الثاني
في صفة من يُعطى له الزكاة
فمن لم تكن له غلّة أو نحوها ممّا تغنيه فله أن يأخذها ولو له أصول وعقّار وعبيد وحيوان مغلة إن لم تغنه عنها وأن تُعطى له، وإنّما تُدفع عند أصحابنا من أهل خراسان كالمغاربة للفقراء بشرط الولاية، وأجازها أهل عمان لهم مطلقا إن كانوا موافقين، ولكن الأفضل أولى بها. ومن يستعين بها على الطاعة ولو لعياله وجميع من يلزمه عوله أولى بها ممّن يستعين بها على غيرها.
ولا تُدفع لمخالف إلاّ إذا فُقد الموافق، وقيل: يجوز إن كان بين أظهرنا، واحتاج إليها ولا يتقوّى بها على المعصية. أبو سعيد: من عنده زكاة أو كفّارة أو غيرهما فيعطي من ذلك سائلا يرد عليه فإنّه يجزيه ولو لم يعرفه من أهلها، وكذا إن أعطى من حضر من الفقراء عند الدوس والكيل ولو لم يخبرهم أنَّه منها. ولا يشتري منها مستغن بماله مصحفا. وجاز لفقير كما مرّ أن يستعين بها على ما شاء من دينه ودنياه من غير تقوٍّ على معصية.
ولا تُعطى لغني يستعين بها على حجّ. ومن أعطاها لمسافر احتاج إليها ولو استغنى عنها في بلده أخبره أنَّها زكاة، وقيل: جائز بلا إخبار؛ واحتجّ من أجازها لفقراء أهل الذمّة بقوله تعالى: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ ... } الآية (سورة الإنسان: 8)، لأنّ الأسير إذ ذاك لا يكون إلاّ مشركا، ولا ثبوت للإطعام إلاّ في الفضل أو اللازم، فإن كان فضلا فقد ساوى بين الأسير ومن عطف عليه، وكذا إن كان فرضا، غير أنّ الأحسن لدافعها أن يجعلها في أهل ولايته أو في موافقيه مطلقا ولو ينتهكون ما دانوا بتحريمه، (8) ثمّ في أهل الإقرار ولو دانوا بمخالفته، ثمّ في أهل ذمّته ولو جحدوها، ثمّ في فقراء محاربيه عند فقد من ذُكر ولا يتركها بحال. (2/232)
صفحة 755
وإن لزمت فقيرا في حرثِه لم يجز له أخذها لفقره بل يلزمه أن يدفعها لأهلها، ويأخذ من الغير ما لزمه، وإن أُعطيَها غني ولم يتخلّص منها حتّى افتقر فأراد أن يقاصص ممّا عليه منها لأخذه لها من غير استحقاق، فقيل: جائز، وقيل: لا. وأجاز أهل عمان للفقير أن يُطعم غيره ممّا أخذ منها، ومنعَه أهل خراسان، ويصرفها عندهم في مؤونته.
ولا تُعطى لزوجة غني إلاّ إن عناها غير النفقة كغرم وإن لزوجها.
[313] وجاز لمن حلّت له أن يشتري بها ثيابا فاخرة يدّخرها للعيد ونحوه وإن غالية، وأن يُطعم منها على وجه الإكرام، والصلة إخوانه وأرحامه ولو استغنوا، وحليا لزوجته بقدر ما يزيل عنها الاِحتقار بلا سرف، وأن تُدفع له ولو لم يعلمها زكاة إن علمه الدافع فقيرا.
وجاز دفعها لعامّة الفقراء إن ظهرت الدعوة وإلاّ فلا، إلاّ للموافقين، ولمن اشترى أصلا بديْن لقضائه لأنَّه غارم كما مرّ مطلقا، واختير إن قصد بشرائه استغناء عن المسألة لا تكاثر المال.
أبوسعيد: جاز لمن تكفيه غلّته أو تجارته كلّ ما يستحقّه وعياله، وأراد التعلّم _أن يأخذها لشراء القرطاس ونحوه ممّا يعينه على جميع الفنون المعينة على الديْن. ومن أخذها لسنة فأنفدها فيما يسعه ففرغ ما بيده ولم تتمّ فله أن يأخذها أيضا لأنَّها ماله، ويصرفه حيث شاء بلا سرف، وقيل: ليس له أن يجعلها إلاّ فيما جاز جعلها فيه، فإذا نقص عن سنته جاز له أن يأخذها لتمامها بقدر النقص إن احتاج إليه، وكان صرفه بلا سرف وهو الإنفاق في باطل ولو مثقال ذرّة، وإن أخذها لأكثر من سنة ونوى أن يعين بها قائما بالعدل إن وجده جاز له. وإن رأى خصاصة بمستحقّ فله أن ينيله منها ويواسيه بما قدر، وأن يوصي بأنَّه زكاة ولا يدعه إرثا لوارثه إن أخذها على ذلك وإلاّ فكماله. (2/233)
صفحة 756
فصل
من كان بأرض الشرك وحضر وقت زكاته ولا وجد مسلما دفعها لفقير مشرك كما مرّ.
واختُلف في تاجر يضارب برأس مال ولا يكفيه ربحه لمؤونته وعياله، فقيل له: أن يأخذها بقدر الكفاية، وقيل: ما كفاه ربحه ورأس ماله سنته.
ومن عندها حلي لو باعته لكفاها سنتها فلا تُعطى منها ولا من الفطرة إلاّ إن لزمها ديْن تريد قضاءه منها أو الإيصاء به. ومن عنده نقد أو غير مسكّك لغير تجارة ولا ديْن عليه فكالغلّة. وكذا العُروض الموضوعة لغيره ولا لقضائه ولا لكسوة أيضا.
وكلّ عُروض أو حيوان أو متاع أُريد به تجرا أو غلّة فكالأصول، فإذا لم يستغن به ربّه سنته كان فقيرا. وكذا السفن والعبيد ورحى الماء. والعُروض المتّخذة للغلّة أو الكراء هي كالأصول أيضًا، (9) وما اتُّخذ من ذلك لتجر ولو أصلاً فكالنقدين في الاختلاف.
أبو سعيد: من اشترى أصلا أو بنى مسجدا وبيتا يسكنه ونوى أن يأخذها إذا صار ذلك ديْنا عليه ليقضيه بها كُره نواه. وجاز لمن علمه منه أن يعطيه منها إن فعل ذلك بلا نية.
ومن تكفّل بحوائج الفقير ويعطيه زكاته، فإن قصد فقره لا وقاية ماله ولا واجبا عليه وسعه ذلك.
واختُلف فيمن أخذها ليدفعها فيما عليه منها أو من غيرها جاز له إن تأهّل لها، وقيل: لا إذ لا يأخذها إلاّ على وجه النفقة، وإن على عياله، والباقي بعدها أمانة بيده يدفعه إن أغنى عنه لمستحقّه. ومن استرفد أحدا في كذا وكذا فدفعها إليه وأعلمه أنَّها زكاة جاز له إن استحقّها، وإن أعطاه إياه على وجه الرفد ولم يُعلمه بها كُره له، وإن قال له: أعطني من مالك أو واسيني منه أو كذا وكذا منه فأعطاه منها وقد استحقّها جاز له ولو لم يعلمه لا إن ارتابه إن لم يسألها، (10) وإن فعله عالما بفقره فلا عليه. (2/234)
صفحة 757
فصل
من له دون النصاب فأعطي ما إن جمعه معه وجبت فيه، فإن كان ثمارا أو أصلا ذا ثمار لم تلزمه إن أدركت، وإلاّ لزمته. ومن أعطى أحدا من نخله ما لو جمعه لوجبت فيه لم تلزمه إلاّ إن قصد المكافأة أو ما يرجو منه، وإن دفع إليه تمرا هدية له فقيل: إذا لم يقصد ذلك ولا دفعا عن ماله بل قصد وجه الله فلا زكاة فيه ولو غنيا، وقيل: إن كان فقيرا، وقيل: لزمته حتّى يقصد بهديته [314] زكاة.
ولا تلزمه فيما يطعم الفقراء من رطب وتمر ولا على المعطى إن كان من وجه الصدقة، ولكن يتمّ بها. فمن أصاب من حرثه ثلاث مائة صاع فأطعم الفقراء بعضها لزمته في الباقي فقط. ومن أعطى سلطانا أو عونه نخلة فتركها حتّى صرمها أدّى عنها إن أعطاها له بغية أو مكافأة أو جُنّة عن ماله لا ما أعطاه لله لفقره، ويتمّ هو به النصاب. ومن أعطاها غنيا لزمته فيها إن قصد ما ذُكر لا إن قصد الله.
ولا غرم على معط لفقير من غير قريته. ومن افتقر جيرانه ولم يعرف ديانتهم وعرف منهم الإسلام ظاهرا فلا بأس عليه إن أعطاهم، ولم يظهر منهم الخلاف. وله أن يمتحن من لا يعرفه حتّى يعرفه.
وإن استغنت ذات أولاد محتاجين جاز أن يُدفع لها لأجلهم إن أمنت على ذلك.
ومن دفعها لظاهر فقره ثمّ صحّ أنَّه غني يومئذ لزم الآخِذ الردّ. وقيل: على الدافع له ضمانها لأهلها ويُرجع على الآخذ بها، ولا يقصد بها قضاء حوائجه من الفقير، وإن قصده وفقره وفضله وكثرة عياله فلا عليه، ويعرِّفه أنَّه من زكاته.
ومن أعطاها لزوجة فقير ولم يُخبرها أنَّها له فقضت بها ديْنها، فإن تأهّلت لها وأتمّها لها معطيها فلا عليه.
وجاز لموافق قبولها من مخالف إن أعلمه أنَّه لا يتولاّه ولا يدين بديانته أو علمه هو. ومن لزمته ولم يعرف أهلها فأعطاها فقيرا موحّدا أجزته. ومن كسى منها محتاجا (2/235)
صفحة 758
ثوبا أو طلبها منه ضعيف يعرفه فقيرا فأعطاه منها جاز له. ومن كان بأرض الجوَرَة ولا مسلم معه فبعث بها إلى العدل جاز له وللعدل قبولها ودفعها لأهلها. ومن خصّ بها فقيرا من جيرانه وأرحامه فهو أولى بها إن كان مسلما. ومن كثرت زكاته ورأى حاجة أحد من غيرهما فأعطاهم منها (11) فقد أحسن.
ومن أخذها لفقره وبنى منها منزلا ليسكنه فلا عليه، وإن كان له وسكنه هو وعياله وكفاهما وأحبّ بناء آخر لأضيافه أو ليصلّي فيه أو يذكر، فإن قصد به الخلوة للطاعة فله أن يأخذها له إن نقص عن مؤونته وعياله ما بيده إن بناه به. ومن طلب منه شيء فأخذها ليعطيه جاز له إن استحقّها الطالب، واختير أن يعلمه أنَّه منها.
وتوفّي ــ قيل ــ أبو الحواري وبيده دراهم ممّا يعطاها، فأوصى بها أن تُفرّق.
ولا تُدفع لعبد إلاّ إن وكّله سيّده الفقير في قبضها عند من يرى الوكالة في قبضها.
أبو الحسن: من صحّ عقله وجسمه ولا مال له إلاّ ما لا يقوم به، وله والِدان موسِران وزال عنهما التعبّد بنفقته فهو فقير إن لم يكن له عمل يقوِّته سنته، ومن تلزمه نفقته.
فصل
إن انقطع ابن سبيل مخالف فله أن يُعطى الزكاة.
وكلّ صدقة توجّهت لأحد ولم يقبضها هو ولا وكيله فليست له ولو قبلها، وعلى من لزمته أن يتصدّق بها وإن على غيرها. ولا يجوز بيعها لفقير بأمره قبل قبضها. وإن باعها من لزمته بلا إذن الفقير فله بيعها وإعطاء ثمنها.
ومن أوصى بجعل زكاته في أهل الولاية أُعطيت لولي أو يتيم أبوه أو أمّه ولي، وإن أوصى بها للمسلمين ولم يرد أهل الولاية جازت لأهل الصلاة، وقيل: لأهل (2/236)
صفحة 759
الولاية. وكُره لمن لزمته أن يؤدّيها لمن تلزمه نفقته وكان في حجره ولو بالغا إلاّ إن كان بنتا متزوّجة على حيالها أو ذكرا بائنا عنه، وتأهّل لها وقصد حاجته لا قربه.
ومن علامات تقصير العبد في دينه تأخير صدقته وحجّه وبالعكس.
موسى: قد يُعطى منها ذو مال يبتلى بالضيافة. ومن أعطى يتيما زكاته وكان له من يعوله، فإن كان يمسك ما يعطى ويحفظه حفظ بالغ جاز له، وإن كان يضيّعه أعطاها من يعوله.
ابن بركة: من يمسك زكاته ليطعم بها أضيافه ولا يريد [315] (12) بها توفير ماله ولا مكافأة بها، فإذا نزل به مستحقّها وأطعمه منها وعرفه أنَّه منها قبل أن يطعمه فلا بأس عليه. ومن سلّمها لمستحقّها لم يلزمه أن يعلمه بها إن عرفه في حينه أنَّه من أهلها وإلاّ لزمه. وقيل: من ظهر فقره فليس على صاحب الزكاة ما خفي من أمره، وإنّما يعطيه على الظاهر.
ومن أعطى عامله زكاته لفقره جاز له، وإن لزمت عامليْن فقيريْن فأعطى كلّ منهما صاحبه زكاته جاز له إذ لا يحرمه ما وجب عليه ممّا جاز له، فيُعطى ما يكفيه لسنته ويؤدّي ما عليه.
وإن اجتمع فقير ليس بورع ولا عفيف وقادر على قوت لا يشغله طلبه عن الطاعة ومصالحه مع من لا يظهر الخلاف وخيف عليه الضرّ، فسدَّ من خيف عليه أولى، وجعل ما فضل عنه في المتقوّين به على الطاعة؛ فالتفرّغ لمصالحهم صلاح للدين، وإذا حُرموا منها لم يتأتّ منهم القيام به من عمارة المساجد والقيام بالشهادات، والفصل بين الدعوات وأمر الموتى والتعلّم والتعليم وغير ذلك لاشتغالهم بمكاسبهم وإصلاح شأنَّهم بالإعطاء لهم أولى وأوجبت من غيرهم فلهم الحقّ، فإنّ من الواجب أن يُعانوا على ما قاموا به من أمر الدين، كما يجب ذلك للإمام؛ فعند فقده فالمسلمون خلفاؤه في القيام بمصالح الإسلام.
واختُلف في صغار الغنيّ إذا لم يتكفّل بهم، فقيل: يُعطون منها، وقيل: لا لأنَّه يحكم عليه بنفقتهم. (2/237)
صفحة 760
فصل
تقدّم أنّ من له من المال ما يكفيه وعياله سنة فهو غني لا يأخذ الزكاة، ودونه فقير تحلّ له، وإن كان عنده ذلك وقضاه فيما عليه، ومن لم يكن له أصل وعنده عين ووجد يسرة فهو غني. ومن غاب عنه ماله فاحتاج فهو فقير، وكذا إن جحده غريما ولا بيان له عليه، أو حيل بينه وبين ماله.
وإن سكن الفقير بلدين فله أن يُعطى منهما.
ومن أصابه من حرثه أو عمله ما يكفيه سنته فليس بفقير.
ويُقبل قول مدّع فقرا أو أنَّه ابن السبيل لا قول غارم إلاّ ببيان.
فإن أخذها غني فليردّها لربّها لأنَّه لا يبرأ بتسليمها له، وإن فقده دفعها لأهلها ويعلمه إن وجده يوما. أبو سعيد: إن ظنّه فقيرا فكان غنيا برئ وعليه الردّ إلى من ذُكر، وضمن إن تعمّده غنيا حتّى يستردّها منه؛ وإن أمره بدفعها لأهلها جاز له وأخذها منه إن قامت بيده، وقُدّر بحاكم أو غيره.
وكُره لمن لزمته أن يحرم جاره المحتاج منها ولو فاسقا. وإن قبضها غني وقامت بيده إلى أن افتقر فله أن يأكلها في حينه. (2/238)
صفحة 761
الباب الثالث
فيما تجب فيه الزكاة وفيمن لزمته وفيمن لا يؤدّيها
فقد وجبت في مال كلّ حرّ مسلم ولو صبيا أو مجنونا لما روي: «أُمرت أن آخذها من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم، فهي حقّ عليهم لهم»؛ فالصبي والمجنون وإن لم يُخاطبا توجّه الخطاب إلى أموالهما لقوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً ... } الآية (سورة التوبة: 103) فتجب عليهما بقائم عليهما كما تجب لهما إن احتاجا.
ويخرجها الإمام أو واليَه من مال من لزمته وإن كره وغاب؛ قال خميس: لا قائل منّا بغير هذا.
ومنكر وجوبها كافر، والممتنع من أدائها بخلافها مقرّا به يؤدّب وتؤخذ منه؛ وقوتل عليها إن دان بمنعها لقول الصدّيق ــ رضي الله عنه ــ: «والله لأقاتل من فرّق بين الصلاة والزكاة، ولو منعوا منّي عقالا ممّا كانوا يؤدّونه لرسوله الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ لقاتلتهم عليه ولو بنفسي».
ويروى: «ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا خمس أواق، ولا خمس أوساق صدقة».
أبو المؤثر: لو نقص من ثلاث مائة صاع واحد لم تجب فيها حتّى تتمّ؛ وفي التيعة وهي أربعون شاة واحدة، والتيمة لربّها، وهل هي الزائد عليها أو التي يحبسها في منزله؟ تأويلان.
وفي السيوب لربِّها وهو الركاز الخمس كما مرّ وسيأتي.
ولا خلاط ولا وراط بمعنى لا يفرّق بين مجتمع كعكسه فرارا من الصدقة، والفارّ منها يؤدّي، وذلك كشريكين بينهما مائة وعشرون شاة، لأحدهما ثمانون ولآخر أربعون في الشياع، فإذا أخذ المصدّق منها شاتين ردّ ربّ الثامنين على صاحبه ثلث شاة، فتلزمه شاة وثلث وصاحبه ثلثان، وإن أخذ منها واحدة ردّ ربّ الثمانين (2/239)
صفحة 762
على صاحبه ثلثيها، فيكون عليه ثلثاها، وعلى صاحبه ثلثها، فهذا معنى الاِختلاط. وفي رواية: «ما كان من خليطين تردادا فيه بالسويّة».
والشناق ما زاد على الفريضة الأولى ولم يبلغ تاليها كالزائد على خمس من الإبل ولم يبلغ عشرا وكذا البقر، والزائد عليها ولم يبلغ خمسة عشر، والزائد على أربعين ولم يبلغ مائة وإحدى وعشرين فلا يؤخذ من ذلك شيء.
والأوقاض مثله، وقيل: هي في البقر، والشناق في الإبل وهما ما بين الفريضتين.
وفي الرقة ربع العشر، ولا تجب فيها حتّى تبلغ مائتي درهم، ومن الذهب عشرين مثقالا.
والوقية أربعون أربعون درهما، والدرهم قراطان، والقيراط ثلاثون حبّة من شعير أوسط، والمثقال وزنه ثلاثة قراريط من فضّة، ونقص من المسكّك وهو الدينار بالنار ستّ حبّات، فيكون وزنه أربعة وثمانون حبّة، ولا ينافر هذا ما قيل: المثقال أربعة وعشرون قراطا والقراط أربع حبّات من بُرّ، فهذا أقراط الذهب.
والوسق ستّون صاعا، والصاع أربعة أمداد، والمدّ رطل وثلث، والرطل اثنى عشر أوقية، والأوقية أستار وثلثا أستار، والأستار أربعة مثاقيل ونصف، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم.
وفيما سقت السماء والعيون العشُر. وفيما سقت الدلاء نصفه، وسيأتي بيان ذلك.
ويُحمل الذهب على الفضّة كعكسه؛ وفي حمل الزبيب عل التمر، والشعير على البُرّ، خلاف، والأكثر على عدمه. وهل تجب فيما زاد على ثلاثين وغيرها من الكسور أو لا؟ حتّى تتمّ؛ فيما سقته الأنهار والعيون والسماء، وفيما سقته الدلاء عشرون قولان كما سيأتي.
وفرائض الزكاة استكمال النصاب واستقرار الملك ودوران الحول. (2/240)
صفحة 763
فصل
من علم من شريكه أو غيره أنَّه لا يخرج زكاته لتغافله أنكر عليه ونصحه إن دان بها، فمن طولبت إليه وماطل إلى أن مات ولم يوص، فإن مات مطلق اللسان فأهون أمره الوقوف فيه، وإن دان بها وتوانى حتّى مات ممسك اللسان أو فجأة أُخذت من ماله، وهو على ما كان عليه من ولاية أو براءة أو وقوف. ومن أمر وكيله أن لا يخرجها منه، فإن علمه فلا يقبل وكالته، ويُقال: قبّح الله مالا لا تُخرج منه زكاة، وقبّح أهله.
وقيل: من له مال تجب فيه ولم يؤدّيها حتّى افتقر فله الأخذ والأداء كما مرّ. وقيل: من أسرف على نفسه وأتلف زكاته وضيّع الحقوق ثمّ تاب لم يلزمه ضمان ذلك، ويُرجى له العفو إن عجز، وإن قدر لزمه الأداء.
ومن أقرّ بالجملة وأنكر الزكاة ثمّ تاب فإنّه يؤدّي [317] ما مضى لأنَّه مقرّ. ومن ضيّعها حتّى هلك وأوصى بها كانت من الثلث، وهو على ولايته. ومن أقرّ بها وأبى من أدائها قُتل إن قاتل، وإلاّ حُبس حتّى يؤدّيها. ومن علم من أحد عدم أدائها لم يجز له ــ قيل ــ أن يشتري من تمره الذي لم يخرجها منه، وقيل: يجوز شراء تسعة أعشاره، وقيل: يجوز ذلك.
وإن كان لامرأة دراهيم تجب فيها فصيّرتها ليتيمين لها بعد وجوبها فيها، فإنّها ــ قيل ــ ضامنة لها في مالها، فإن ماتت أو أفلست وهي قائمة عندهما اختير أن تؤخذ منها، لأنَّها قد وجبت فيها، وليس لها أن تضيّعها، وإن صيّرتها لهما بحقّ رجعا عليها بما أُخذ منها. (2/241)
صفحة 764
الباب الرابع
في أداء الزكاة قبل وقتها ووجوبها
فقيل: لا يجوز، وقيل: يجزي إن كان قبل وقت الوجوب بشهر أو شهرين إذا رأى بأحد احتياجه إليها، وقيل: إن كان بيده ما تجب فيه وأدّى عنه في سنته، وإن أدّاها قبل دخولها لم يجزه اتّفاقا. وقيل: إن أدّاها إلى الإمام أجزاه وإن قبل الحول، لا إن أدّاها إلى الفقراء لأنّ الإمام أولى بها من غيره إذا حال الحول.
أبو الحسن: من أعطى فقيرا حبّا قبل الحصاد فإن كان كحبّه الذي حصده جاز له، وإن دفعه قبل إدراك زرعه ثمّ حسبه من زكاته بعد الحصاد لم يصلح ذلك، والإدراك صلاح أكثره. أبو سعيد: إن أعطاه تمرا قبل إدراك التمرة ويحسبه منها عنده، فقيل: لا يجوز أن يعطي عنها قبله، وقيل: يجوز بما ذكر عند الحاجة. وإن مرّ ــ قيل ــ فقير بقوم أدركت زروعهم ولم تُحصد فلهم أن يعطوه ويحسبوا منها لا دراهم عن جبّ. (13)
وقيل: من قدّم زكاة ورقه قبل وقتها لم تسقط عنه، وقيل: يجزيه إن قدّم بما ذكر. أبو سعيد: من تجب عليه في يوم من شهر فدخل أوّله وعنده محتاج إليها فله أن يقدّمه منها قبل يومه، وقيل: لا يجزيه، وحجّة المجيز أنّ المعطى له إن دام على احتياجه إلى أن دخل وقت المعطي فهو من المحتاجين إليها، وقد وضعها في محلّها، وإن استغنى لزم المعطي إعادتها، ثمّ استغنى بغيرها فهو غني، وإن كان بها فلا ردّ ولا إعادة. فإذا دخل وقته والفقير بحاله نوى أنّ ما دفع إليه هو زكاته وليس عليه مقاضاة؛ وإن أقرضه ذلك على أنَّه إذا دخل قاضاه به أجزاه إذا قاضاه عنده، وذلك بأن يردّ عليه الدراهم، ثمّ يقاضيه بها. وقيل: التقاضي بالنية لا بالقبض. وإن مات واستغنى قبل دخول الوقت لم يجزه؛ وإن حلّ ولم يعلم حاله سأل عنه لأنَّه لا يبرأ حتّى يعلمه بحاله، وقيل: لا يلزمه السؤال. (2/242)
صفحة 765
ومن عنده ألف درهم ويضيف إليها كلّ سنة أو شهر ما تيسّر له، ولا يزكّيها سنين حتّى صارت ألفي درهم، ثمّ أراد أن يزكّيها ولم يعرف ما تزداد كلّ سنة، فإنّه ــ قيل ــ يزكّي الألف السنين الماضية، والألفين لسنة، ويحتاط للفائدة لكلّ سنة حتّى يتيقّن أنَّه أدّى ما لزمه.
فصل
من أمسك زكاة صامت له حتّى استفاد ما تجب فيه، فلا تلزمه فيما اكتسب لإمساكه زكاة ذلك؛ وليس كالورق والتجارة. ومن دفع إلى فقير دراهم زكاة سنته، ثمّ ذكر أنَّه أعطى أكثر ممّا يلزمه وأراد أن يجعل الفضل عمّا يلزمه قابلا لم يجزه، وإن أدّى تلك الدراهم عمّا لزمه بلا تحديد أجزاه عمّا مضى.
ومن بيده ــ قيل ــ مائتا درهم حال الحول عليها ولم يزكّها إلى أن حال ثان وبيده أربع مائة زكّاها لسنتين عشرين (14) إن استفادها قبله، وإلاّ لزمه فيها خمسة عشر، فإن كان بيده مائتان وحال عليها ولم يزكّها، ثمّ استفاد أربع مائة وأنفقها ثمّ حال عليه الثاني، وبيده أربع مائة ففيها خمسة وعشرون، وإن لم ينفق منها حتَّى حال وبيده ستّ مائة ففيها ثلاثون.
فصل
من أخرج زكاته وميّزها في حرزه فأتى عليها فقراء فأخذوها بلا إذنه دلالة، فإن أتمّها لهم بعد العلم، فقيل: برئ منها، وقيل: لا حتّى [318] يدفعها لأهلها بالنية، وإن أخذوها تلصّصا ضمنوها، وأدّاها هو أيضا.
ومن رأى بفقير حاجة وبتقدّمه صلاحا قبل إدراك تمرته ولم يرجو غناءه قبله، فقيل: يجوز له مذ تزرع الزراعة أو تحمل النخلة، وقيل: قبل الإدراك بشهرين، وقيل: (2/243)
صفحة 766
إن كان قربه بقليل بلا حدّ. ومن قدّم فقيرا على رفعها من ماله إذا حان وقتها على القول به، ويرجو أن تلزمه فيه فاحتاج فله أن يرجع عليه بما دفع إليه إن شرط عليه، وإلاّ ونوى ذلك في نفسه لم يلزمه غرم له إلاّ إن فعل ذلك بنفسه، وإن لم يعطه حتّى وجبت عليه بعد الوقت أو من شيء آخر، فلا قائل بدفع ذلك من زكاته بلا تقاض وتراض منهما، وإن قيل به فهو شاذّ. (2/244)
صفحة 767
الباب الخامس
في الزكاة إذا أُخذت من ربّ المال بلا دفع منه وفي النية فيه
أبو المؤثر: إذا خرص السلطان على أحد تمرته عينا فباع منها فأدّى إليه ذلك، فإن بقي بيده من تمرته شيء زكّاه من بعد الخرص؛ واحتجّ بما قيل إنّ من له حبّ أو تمر فأخذ جائر زكاته لزمه أن يزكّي باقيا بيده من بعد أخذه، قال نبهان: عليه زكاة الكلّ، ولا يعذر بما أخذ إن خرصه عليه عينا وباعه كما مرّ. وإن صرمها الجائر وباعها لم تلزمه زكاة ما أخذ عليه، وبأنَّ من له حبّ أو تمر وكاله وعرف مبلغه فحمله ريح أو سيل أو سلطان أو لصّ، فإنّه يزكّي ما تلف لا إن لم يكله ولم يعرفه. ومن غُصب منه نخل تجب في تمرته ولم يعلم ما صُرم منه، ثمّ رُدّ إليه بعضها لزمه أن يزكّيه إن علم أنّ النصاب يتمّ في جملتها لا ما مُنع منه.
ومن حصد زرعه وجمعه وكال بعضه فأخذ الجائر الزرع كلَّه (15) لزمه زكاة ما كال فقط. وإن وثب على ثمرة رجل فأخذها وباعها لم تلزمه زكاتها، وإن باعها هو أو نائبه وأعطى الجائر عينا لزمته، وكذا إن كالها. أبو سعيد: من كال زراعته فمرّ يلتمس لها حاملا فاجتاحت فقد لزمته إذا كالها، وقيل: إن لم يقصّر في إخراجها حتّى تلفت لم تلزمه لأنَّها أمانة بيده، وكذا إن حملها إلى بيته فتلفت على الخلاف. ومن كال الجبّار حبّه بحضرته فتلفت زكاته لم تلزمه إن كاله بلا أمره، وإن كاله بأمره لزمته ولو مجبورا. ومن ميّزها عن ماله ثمّ أخذها الجائر عنه كرهًا وسلّمها للفقراء، ثمّ رضي بفعل الجائر برئ منها على القول بأنَّها شريكة له.
وإن كان الآخذ لها فقيرا والواجبة عليه كارها لأخذه، فقيل: لا يبرأ حتّى يكون هو الدافع إليه، وقيل: يبرأ كما إن رضي بأخذه لها. (2/245)
صفحة 768
ولا يجوز للرعية دفعها للجبّار، وإن أخذها بنفسه بعد الكيل لم يغن عنهم، ولا زكاة عليهم فيما أخذ ولزمتهم فيما بقي.
ومن كان بأرض الحرب وبعث بها إلى الإمام فتلفت ولم تصله، فقيل: يضمنها، وقيل: لا.
وإن ميّزها في محلّ فأخذها الفقراء، فقيل: تجزيه إذا رضي، وقيل: لا مطلقا؛ ولا إن أخذوها غصبا وقد مرّ.
وإن أخذها الجائر وفرّقها عليهم على وجهها أجزى عنه، وقيل: لا. ومن نوى إخراجها ثمّ يخرجها متفرّقة بلا نية فقولان أيضا. ومن دفعها لفقير يفرّقها على أمثاله أجزته إن كان ثقة.
ابن سعيد: من كتب لأحد بشيء من ماله ثمّ نواه منها أو من الكفّارات أو من غيرهما ثمّ دفعه إليه نفعه نواه؛ وهل جاز أن يعطي من الزكاة السائل مطلقا أو إن (16) طلبها؟ قولان.
ومن عرف زكاته من عين وكان يعطي منها على وجه الصدقة لا الزكاة، ولا عمّا يلزمه منها حتّى أخرج قدرها ثمّ اعتقده عنه بعد الإعطاء، فإن ميّزها واعتقد ذلك عنده أو عند التمييز أجزاه وإلاّ فلا. ومن أعطى فقيرا ممّا وجبت فيه بعينه أربعين درهما لا على قصدها فقد أدّى منها إن جعلها فيه (17) ولم يقصد بها وجها غيرها.
ابن روح: من عنده مائتان وأقلّ من أربعين نوى بإخراج خمسة منها على المائتين وتسعة وثلاثين؛ وإن كان [319] عنده مائة شاة نوى بإخراج شاة أنَّها عنها لا عن أربعين فقط، وقس على ذلك الثمار والنقود والأنعام، وإن نسي اعتقاد ذلك أجزاه ما أدّى عمّا يلزمه ما لم يعتقدها خلاف أداء ما عليه. (2/246)
صفحة 769
الباب السادس
في جواز الاِنتفاع بالزكاة بعد قبضها وفيما يلزم الدافع والمدفوع له
أبو الحواري: من أعطى فقيرا زكاته فاشترى منها طعاما فلا يسعه أن يأكل منه، وقيل: إذا تغيّر عينها جاز له، وقيل: مطلقا إن أكلها على إكرام له إذ ملكها من دُفعت إليه، وبرئ منها الدافع إلاّ إن شرط ذلك. وكذا إن أعطاه تمرا من زكاته وكنزه معه وتركه، وغلط فيه ربّ التمر فأخذه، فإنّه يعطيه بدله ولا عليه؛ ولا إن اشتراه منه، والتنزّه عن ذلك أولى، ولا يقال إنّه فعل ما لا يجوز له.
وفي جواز الشراء قبل القبض قولان، والمختار المنع إلاّ إن كان القابض لها إماما أو عامله، وجاز بعده من كلّ.
وإن اجتمع عند امرأة زكاة فدفعت لزوجها بعض حليّها بقدر ما يلزمها، ولم يستغن به ثمّ ردّه عليها فلها أن تقبله منه إن لم يتشارطا ذلك. وجاز لرجل شراء صدقته إذا ميّزها وصارت إلى الفقير وأخذها في عنائه وقيامه مع المسلمين إن دفعها لوال ثمّ أعطاها إياه، وكُره له أخذها لذلك قبل أن يبيّنها وتصير لمن يقبضها.
وإن أعطاها وارثه ومات وقد قامت أخذها بالإرث.
وإن خلط ذو زكاة شيئا من ماله بها ثمّ أعطاه الفقير منها بعد أن قبضها، وتراضيا على ذلك وأكلاه فالخلف.
ومن له ــ قيل ــ دون النصاب فأُعطي ما لو جُمع معه لوجبت فيه، فإن كان ثمارا لم تلزمه فيها، وإن كان أصلا قبل إدراكها لزمته لا إن كانت بعده كما مرّ. ولا على ذي نخل لا تجب في تمرته فلقط ما تتمّ به. ومن أعطى فقيرا وغيره من نخله ما لو جمعه إلى ما بقي بيده للزمته فيه، فإن أعطاه لا لمكافأة ولا لما يرجوه منه، أو أعطاه لذلك وأكله رطبا أو بسرا لم تلزمه. وإن أعطى له نخلة لوجه الله فلا عليه ولو غنيا، (2/247)
صفحة 770
وقيل: لزمته إن كان لغني لا إن كان لفقير، وقيل: لزمته مطلقا إلاّ إن نواها لوقوعه موقع النفل إن لم يرد به الواجب. ولا زكاة ــ قيل ــ فيما أطعم به الفقير من رطب وتمر، ولا عليهم أيضا إن كان على وجه الصدقة ولا فيما تصدّق، ولزمت في الباقي إن تمّت فيه، وقيل: لا إلاّ في مصروم تمرا، وقيل: إلاّ فيما جمعه السطح، والأوّل أحوط ولزمته فيما أعطى جبارا أو عونه فتركه حتّى صرمه تمرًا (18) لأنَّه تقية عن ماله. ومن أعطى أحدا تمرة نخله فتركها حتّى أتمرت وصرم منها النصاب فلا عليه إذا أعطاها قبل أن تجب فيها.
أبو علي: من يعطيه كلّ من أهل قريته نخلة صدقة فإن كان غنيا لزمتهم، وإن كان فقيرا فلا عليهم ولا عليه. أبو المؤثر: لا تلزم معطي نخلة صدقة إلاّ إن قصد مكافأة بها، ولا إن كان لله، ولا يجبر بها الزكاة، وقيل: تلزمه فيما أعطى ولو لله إلاّ إن أراده عن لازم. (2/248)
صفحة 771
الباب السابع
في قبض الزكاة من غير ربّها وفيما يكون من البحر
أبو علي: إذا ثبت الإيصاء لوصي وتصرّف في مال اليتيم كان للوالي أن يقبض منه زكاته إن وجبت فيه للإمام اتّفاقا وعلم بوجوبها فيه، ولا يقبل قوله إن دعاه فيه إلاّ إن كان ثقة، وللوالي أخذها من أموال لا يجيز المسلمون الدخول فيها.
أبو إبراهيم: لا زكاة في ورق المفقود، ليس له أن يأخذها من ورق غائب إلاّ إن دفعها إليه وكيله فله أن يقبلها منه، ولا يجبره على دفعها إليه، ولا يأخذ منه كالحاضر، ولا كما يأخذ من الثمار لأنَّه لا يدري ما عند الغائب.
ابن سعيد: إنّ الأموال التي تصل من بلاد الإسلام إلى عمان لا زكاة فيها حتّى يحول عليها الحول، (19) وتؤخذ في الحين من [320] الواصلة من بلاد الشرك للمشركين إلى عمان إذا باعوا. وفي أموال أهل القبلة إذا وصلت إليه من بلاد الشرك ــ قيل ــ لا تُزكّى حتّى يحول عليها حول فيه، وقيل: تُزكّى إذا باعوا واشتروا، وبدلوا نوعا بنوع. ولا زكاة في مسكّك إلى الحول وغيره كالمتاع، فإذا باعوا بتمر حمل على تمر المتاع، وأخذت ــ قيل ــ منه.
ومن خرج من عمان بمال لتجارة أو غيرها فأقام به سنين بأرض أخرى ثمّ قدم به إليه، ولم يؤدّ عنه أُخذت منه في تلك السنين. ابن محبوب: من قدم إلى عمان بمال من أرض الشرك فباعه وأُخذت زكاته، ثمّ رجع إليها أيضا وعاد به إليه في أربعة أشهر فكلّما بلغ به إليها ثمّ عاد إلى الإسلام أُخذت منه ولا زكاة عليه فيه عند سليمان في السنة إلاّ مرّة ولو بلغ إليها فيها (20) مرارا ثمّ توقّف. ابن محبوب: ومن قدم عمان بتجارة من أرض إلى الإسلام، فإن كان عمانيا فكأموال أهله تجب فيها كلّ سنة، وإن كان غريبًا (21) فاتّجر فيه فلا تؤخذ منه إلى الحول إن أقام به. (2/249)
صفحة 772
وإن قدم مسلم إلى عمان من بلاد (22) الشرك وقد أقام فيها سنين بماله وباعه واتّجر به فطُلبت منه فقال: إنّ لزكاته وقتًا (23) معيّنا كلّ سنة وقد أدّاها فيه تُرك حتّى يحول عليه حول (24)، غريبا كان أو عمانيا، ويُقبل قوله أنَّه (25) أدّاها في بلد ليس في حكم سلطان عمان. وإن قدم منها إليه بتجارة فباعها فيه، فقال عند ما طُلبت إليه: إنّما ملكت هذه الأموال منذ شهر أو نحوه فلا عليه إلى الحول من وقت ملكه.
وقدومه من الشرك أو من البحر لا يوجب عليه إلاّ ما أوجبه الإسلام والبرّ.
وإن أتى كلّ من رجلين بمائة درهم وخلطاهما وخرج بهما إلى أرض الشرك ثمّ قدما بمتاع بثلاث مائة، ودار عليها الحول فلا زكاة فيها حتّى يكون لكلّ منهما مائتان فأكثر. ومن قدم منها بكثير فقال عندما طُلبت إليه: إنّه يهودي أو مسلم والمال له، فلا تؤخذ منه؛ ولو قال: إنّه لمسلم فلا تؤخذ أيضا حتّى يُعلم حاله وحجّته.
ولو أنّ عمانيا قدِم برقيق كثير ومتاع من تجره فاحتجّ عند طلبها منه بأنّ خمسين عبدا منهم يحبسهم لخدمته والثياب لكسوته والطعام وغيره لانتفاعه فذلك له ولا يُزكّى عليه، فإن أعطاها وانقضى وقتها ثمّ باع ذلك فلا تلزمه أيضا حتّى يحول عليه الحول مذ صار ثمنا.
ومن قدم من البحر من بلاد الشرك بنحو مائة ألف، فباع من عمان بمتاعه بألف فاحتجّ عند طلبها منه (26) أنَّه قضاه في ديْن عليه، وأنّ الباقي من متاعه يحمله إلى غير عمان فلا تؤخذ منه أيضا. ومن أتته سفينة بعسل وأرز ونحوهما فباع ذلك بعظيم فطُلبت إليه فاحتجّ بأنَّه من غلاّته فحتّى يحول على الثمن حول؛ وكذا إن لم يبعه سنين. وإن قدم عماني من الصين بعنبر وعود ولؤلؤ وكافور ونحو ذلك، وهو يسوى مائة ألف فقال عند طلبها: إنّ اللؤلؤ والعنبر لقطهما من البحر، والعود والكافور والبقم أخرجها من الشجر فلا زكاة فيها ولو تركها سنين، وإن قدم بها غريب فباعها فاحتجّ بذلك فلا يزكّيها أيضا حتّى يحول على ثمنها حول. (2/250)
صفحة 773
فصل
إن قدم حربي بمال ثمّ أسلم فلا يؤخذ إلى الحول من إسلامه، وتؤخذ من كلّ ما قدم به الحربي من طعام أو عبيد ومتاع. وظرف السفينة بالتقويم، وإن قدم بماله إلى غير عمان فأُخذت منه فيه، ثمّ قدم به إليه فينظر، فإن كان إذا قدم مال مسلم إلى أرض الحرب أُخذ منه كلّ ملك مرّ عليه أُخذ منه كذلك، وإن كانوا لا يأخذون منه إلاّ مرّة يتولّى أخذه قائم معروف أُخذ منه أيضا كذلك. وكذا إن غُصب له مال فصار [321] بعمان، فإن كانوا كلّما رأوا مالا لمسلم أخذوا منه أُخذ منهم كذلك كما أخذوا، والمعتبر أخذ ملوكهم لا سرّاقهم وعوامهم. أبو مروان: لا يؤخذ منهم من أقلّ من عشرين درهما واحد. قال خميس: ولعلّه المعروف من أخذهم وكان ما كان أقلّ منها تعدية من فاعله. والموجود في الآثار أنَّهم لو أخذوا من درهمين واحدا لأخذنا منهم كذلك. وإن زال ملكهم وقدّم مالهم عند زواله فالمختار أن يؤخذ منه كما يأخذه مذ ملك.
وإن قدم مال حربي إلى عمان ولا إمام فيه فإن كانوا يأخذون منّا ولو لم يكن لهم ملِك تولّى الأخذ منهم ثقة وقدوة في مصر قدموا إليه وجعله في الفقراء وعزّ الدولة. وكذا في الجزية عند عدم الإمام.
وسبيل من بأرض المرتدّين وأهل الذمّة سواء إذا رجعوا إليهم ووصل مالهم فكمال الحربيين. وإن مضت سفينة حربي بمال خاطفة على (27) قرية تريد أخرى، وكلتاهما لنا نظر فيهم أيضا، فإن كانوا يأخذون من كلّ مال أدركوه لنا وإن لم ينزل عندهم أخذ من تلك السفينة كذلك. وإن كانوا لا يعارضون إلاّ من نزل به عندهم فُعل بهم كذلك. وإن أُخذ من مال حربي ثمّ خرج إلى أرضه ثمّ رجع به ولو مرارا في سنة، فكلّما قدم به منها أُخذ منه كأخذهم، وإن بقي به في عمان سنين بعدما أُخذ منه عند قدومه فلا يؤخذ منه غيره. (2/251)
صفحة 774
فصل
من قدم من بلاد الشرك بمال فباعه بعمان أُخذت زكاة ما باع إن بلغت فيه، وليس لوال من أهله أن يأخذها من أهل البحر إلاّ ما عُرف بساحل صُحار، وقد أخذها ممّن مضى عليه وال في ولايته من السواحل قبل أن يصل صُحار في عصر الإمام المهنّا، فلم يقبل ذلك صاحب الساحل من ربّ المال، وأخذ منه زكاته حتّى رجع هو على من أخذها منه، وردّ المهنّا ذلك إلى صاحب الساحل.
وإن قدم من لا يُعرف كلامهم لم يلزم الجابي أن يسألهم هل حال على مالِهم الحول أم لا، لأنّ الحجّة قد قامت، فإن أعطوها قُبلت منهم، وإن احتجّوا بموجب الترك تُركوا.
وإن قدم من بلاد الشرك مسلم مرارا في سنته فقيل: إن كان غريبا فلا تؤخذ منه حتّى يحول عليه في حماهم. وإن كان من أهل البلد ويسافر فتؤخذ منه إذا حضر ماله ولو غاب هو ما لم يكن زكّاه في طريقه حيث لا يجبونه؛ وهل تؤخذ منه كلّما قدم بتجره دون ما سافر به وتركه أم لا؟ قال: فالله أعلم.
ابن أحمد: لا أرى أنّ ظرف السفينة يقوم على مسلم، ولا تؤخذ منه زكاة وإنّما ذلك على المشركين لا على ما يفعله ملوكهم. أبو مروان: من بعث مالا ليُعمل له به مركب في بلد ما، ثمّ يجهّزه من ذلك المال فما كان منه متاعا أو دراهم وجعله في وجه من سبيل الله فلا تؤخذ منه، لأنّ ما جعل لله فلا صدقة فيه.
ومن وجّه ــ قيل ــ مالا إلى البصرة ليُشتري له به شيئا فترك حتّى دخل وقته فلا تؤخذ منه إلاّ إن طابت نفسه، لأنَّه صار حيث لا يحمونه وهم لا يأخذون صدقة ما لم يحموه. ولا بأس أن يقال له: أتخرج زكاته (28) هنا أم بالبصرة؟ فإن قال بها تُرك، وإن قال: بعمان أُخذت منه باختياره. وقيل: من قدم من الهند إلى عمان فطُلبت منه فقال: إنّه ذمّي تُرك حتّى يصحّ أنَّه ليسه، فتؤخذ منه. (2/252)
صفحة 775
فصل
إن قدم المشركون إلينا، فقيل: يُأخذ منه العُشر، وقيل: مثل ما يأخذون منّا إذا قدمنا بلادهم كما مرّ. وتؤخذ من أهل العهد منهم الجزية. وإن قدم مركب إلى عمان من بلاد الإسلام وما فيه لمسلم، فإن كان ربّه في بلده كالبصرة وبغداد تُرك إلى الحول فيه، وإن كان عمانيا فسافر إلى وراء البحر ثمّ قدم بأموال، فقيل: إن كان ماله [322] وأهله بعمان ويسافر به أُخذت منه لوقته المعتاد له، فإن جاء هذا المال لوقته أُخذت منه مع الذي بيده. وإن مضى وقته وماله في السفر أُخذت زكاة الغائب إذا قدم وإن لم (29) يجيء وقته تُرك إليه.
ولا تختلف زكاة البَرّ والبحر إلاّ فيما يأتي؛ فإن كان لعماني ألفان فأخرج منها ألفا لشراء شيء فحال حوله فزكّى الحاضر ثمّ قدم ماله بعد الحول بقيمة ستّة آلاف، فإن لم يخرج عن الألف فكلّ فائدة وقعت بيده ففيها زكاة، فيلزمه أن يُخرجها عن الستّة الآلاف، وإن أخرجها عن الألفين قبل أن يستفيد في وقته ثمّ قدم بعد الحول بأضعاف ما وجّه به فلا تلزمه في ذلك إن أخرجها (30) عن الأوّل إلى الحول. وإن حال فأخرج عن الألفين دون المستفاد قبل أن يقدم فيُعتبر، فإن أدّى عن الفائدة أجزا عنه وإلاّ لزمه أن يزكّيها أيضا.
وزكاة البَرّ كالبحر إلاّ ما قالوا في مسلم وهو ما وعد بإتيانه إذا خرج من غير عمان إلى بلاد الشرك فاشترى متاعا فأتى به إلى عمان فباعه فيه ولم يعرف وقته في بلاده أنَّه تؤخذ منه من (31) حينه، وإن لم يبعه حتّى حال عليه الحول في حماه ففيه الزكاة. وإن قدم به عينا لم يجبر عليها حتّى يحول عليها في الحمى. وإن قدم بعين واشترى بها متاعا فحتّى يحول الذي يزكّي فيه قبل (32) أو الحول فيه أيضا.
وإن سافر عماني إلى بلاد الشرك في السنة مرارا ويبيع بعمان لم تلزمه إلاّ زكاة الحول كما مرّ؛ وهذا القول ــ قيل ــ أحوط، وقيل: فيه غير ذلك. أبو علي: من قدم من البحر بذهب وفضّة ومتاع فباعه، وأقران الذهب والفضّة حال عليهما حول (2/253)
صفحة 776
ولم يزكّهما فيه، فإن خرج من عمان ورجع إليه أُخذت منه، وإن خرج من غيره إلى أرض الشرك وكان فيها لم يُجبر عليها إلى الحول في عمان. وقيل: إن قدم لمقيم به متاع فحسبه فيه صاحب الساحل في شهر معلوم ثمّ مات وظهرت له عين وديون على ناس بعادلة منذ سنتين، وظهر ما بيده، فقيل: تجب فيما عليهم إن لم يؤدّ عنه، وإن قدم لمن تلزمه متاع وخمسة دنانير أدّى عن أربعة (33) منها عُشر دينار لا عن الخامس حتّى تبلغ أربعة أخرى، ولا على المتاع حتّى يصير عينا، ففي كلّ أربعة عشر دينار، وفي كلّ أربعين درهما واحد، وهذا إن أدّى قبل ولم يؤخذ عمّا غاب، ثمّ لحق فعلى ما غاب زكاته إذا حضر.
قال ابن تميم: من قدم من الهند يريد البصرة فباع متاعا بمائة وله على التجّار مائتان أو أقلّ أو أكثر وله في السفينة متاع كثير وقد شرط عليهم أن يأخذ حقّه في البصرة أُخذت منه زكاة ما باع به المتاع لا على ما على التجّار، وقيل: لا يلزمه شيء حتّى يبيع بمائة ولو كانت له دراهم ومتاع غير ذلك، وإنّما تجب فيما باع. ويُحلّف من اتُّهم بها ما كتم حقّا في ماله. (2/254)
صفحة 777
الباب الثامن
في قبض الإمام وولاّته الصدقة
وقد قالوا: لا نأخذ جزية ولا صافية (34) إلاّ بالحكّام، ولا نبعث جباتنا إلى أرض لم نحمها وتجري فيها أحكامنا، ونمنعها من الظلم، ولا نأخذ عُشر من لا نمنع من سائر ولو في البحر، فإذا حموا الثمار أخذوا عُشُرها، وإن ملكوا المصر وحموا أهله أخذوا منهم زكاة النقود والماشية.
ولو كانت عمان بأيدي الجوَرة ثمّ ظفر بهم المسلمون بناحية لم يكن لهم أن يجبوها حتّى يحموا عمان كلّها، وتجري فيها أحكامهم لأنَّها مصر واحد.
وجاز ــ قيل ــ له أن يرسل جابيه لزكاة الحليّ والأنعام قبل أن يحول لمملكته حول إن بلغت الحجّة من يطلبه بها وعُرف أنَّه لا تلزمه إلاّ بعده. وإن دفعها باختياره جاز منه القبض.
ويقول طالب الحقّ لعمّاله: «خذوا ما سنّ في [323] الثمار والنقود، وكِلوا الناس فيها إلى أماناتهم ولا تستحلفوهم عليها».
وقيل: للإمام أو الوالي أن يدعوهم لطلبها وينظر قولهم فيها، ويقبض الوالي أو الجابي الثمار من محلّها. وعلى أرباب النقود أن يأتوا بزكاتها إليه. فإن أخذ الإمام صدقة قوم أو مصر ولم يمنعهم من الجور فقد جار عليهم، وإنّما تؤخذ بحقّها وتوضع بمحلّها.
أبو سعيد: إن كان على المصر عادل كان قبض الزكاة إليه وإلى عمّاله وهم بها أولى بشرط العدل والأمانة، فمن دفعها مع ذلك بنفسه إلى ذي سهم فيها لا إليهم، فقيل: تجزيه، وقيل: لا مطلقا. وقيل: إن سألوه وردّهم، ولا يجوز له حيث لا عادل أن يدفعها لغير ثقة يفرّقها بل يقسّمها بنفسه، وإلاّ ضمنها كما مرّ. (2/255)
صفحة 778
وإن استولى خارجيٌّ على بعض المسلمين ولم يؤمن عليهم لم يجز دفعها إليه على الإجبار، وعلى من أخذها منه به (35) ضمانها. وإن ظهر بمصر إمام فليس له على الرعية فيما مضى من الصدقة قبله سلطان، ولا أن يحطّ عليهم واجبا عليهم. وإن أجبرهم الجائر على أخذها منهم بلا تسليم إليه فلا ضمان عليهم، وإن أمكنهم إنفاذها وتركوه حتّى غصبهم فيها، فقيل: لا يلزمهم ضمانها إن لم يدخلوا أيديهم في المال بعد وجوبها فيه.
وليس للأمير أن يجعل يده في أمانة شريكه، وقيل: يلزمهم إن أمكنهم إخراجها وتركوه، وقيل: إن أجبرهم عليه ودفعوها إليه بعينها أو المال وهي فيه سقط عنهم.
فصل
ابن جعفر: إن استولى المسلمون على مصر فلهم زكاة ثماره ولو ظهروا مع حصادها والماشية والورق إلى الحول، فمن دفعها إليهم قبله أخذوها منه، وإن خرجت خارجة من أهل العدل بالبصرة أو الكوفة فمنعوها منهم بعدما جرى حكمهم فيها وفي حدودها أجبروهم عليها. وقيل: كلّ بلد ملكوه وحموه فلهم أخْذُ صدقته وإقامة الحدود والجمعة فيهم. ولا يضمنها وال إن تلفت له قبل أن تصل الإمام أو مأموره، ولا ربّها إلاّ إن ضيّع أو قصّر لأنَّه أمين فيها.
وإن علم من أخذ أمانته فعليه مطالبته بها إن قدر على استخراجها منه، ولا يحكم لنفسه ولو كان آخذها (36) واليا آخر لا إن كان أحدهما برأي الإمام. وكره خميس أن يطالبه بها إن أخذها من له سبب مع المسلمين بثقته وأمانته ولو غير وال إلاّ بعد مطالعة الإمام فيه، فإن أجازه لفاعله وإلاّ طالبه حينئذ.
ابن محبوب: نفقة الجباة من الصدقة ما جبوها قبل قسمها أثلاثا. وإن مرّ بهم ابن السبيل يجبونها وأعطوه شيئا حسبوه من ثلثي الإمام؛ ولا يُعطى من ثلث الفقراء أكثر ممّا يستحقّه فقير من غير أهل بلدها. وإن قال قوم من أهل قرية لمن يقسمه: أعط (2/256)
صفحة 779
منه هذا الرجل كذا وكذا فإنّه من غير أهلها لم يسعه أن يعطيه أكثر ممّا يستحقّه فقير من أهلها.
أبو سعيد: إن استحقّها الإمام وأتى إلى من بيده حبّ تجب فيه فقال إنّه لفلان ولا أزكّيه إلاّ بحضرته وهو كعامل أو وكيل، فليس في قبضها تأخير إذا وجبت ولا انتظار غائب فيلزمه أن يقاسم المسلمين فيه، ولأنّ القابض لا يقبضها لنفسه، وكان ذلك كالحكم. وإن أبى من مقاسمته فله أن يكيله ويأخذ زكاته منه ولو أبى، وإن كاله وقسمه لم يلزمه ضمان باقي الحبّ ولا حفظه أمانة. وتؤخذ ــ قيل ــ من يد الغاصب ولو كان القابض ضامنا لذلك لتعلّق الضمان بمقاسمة المغتصب، واللازم باطل لأنَّه قيل: لا ضمان فيه. وإن احتجّ من بيده الحبّ أنّ له فيه شريكا غائبا أو يتيما فالزكاة تؤخذ من رأس المال ولو لم يحضر أرباب الأموال ولا وكلاؤهم، لأنَّها منه ولأنّ قبضها بإذن الإمام كالحكم منه فيه، وهي لله لا له ولا لواليه ولا لمعين.
وعلى الرعية أن ينقادوا لأمره وأن يعينوه إن أقامه المسلمون، وعليهم أداء الزكاة إليه.
فصل
اختُلف في البراءة من الزكاة إذا دُفعت لعامل إمام فسدت إمامته، فقال ابن محبوب: من دفعها لوال موافق فرآه يعمل فيها ما لا يحلّ لم (37) يسعه دفعها إليه ثانية إلاّ إن استتابه فتاب، وإلاّ لم يسعه. فإن غصبها منهم لم تكن زكاة وعليهم أداؤها إلى أئمّة العدل أو إلى [324] الأصناف أو لبعضهم.
أبو سعيد: إذا ولَّى واليا على البلد وبعث آخر أيضا بعهده إليه فعلى الرعية السمع والطاعة له، وعلى الأوّل في البلد أن ينفّذ ما عهد إليه الإمام للثاني من العهد حتّى يعلم الأوّل منه خيانة أو مكفّرا، فإذا علم ذلك منه لم يكن له أن يدفع إليه أمانته بل يسلّمها إلى ثقة سواه ممّن لا يعلم في الوالي القادم بعهد الإمام ما علمه هو فيه، (2/257)
صفحة 780
فيسلّمها الثقة إليه على ما أمر به الإمام حتّى يعلم أيضا خيانته. وما كان بيد الأوّل من أهل الحبس على الأحداث والحقوق فهم على حالهم فيه، ويأمر الثاني بالقيام بهم حتّى يعلم خيانته ويعرفه المتّهم وأصحاب الحقوق، فإن حبسهم على ذلك لم يكن على الأوّل فيه شيء إن عرّفه أمرهم، وإن أطلقهم لم يكن على الأوّل شيء أيضا وإنّما هو بعد اعتزاله شاهد، وإذا وجبت على من قبضها أمر الإمام من يقبضها منه.
وقد ولّى ــ قيل ــ عمر ــ رضي الله عنه ــ على الشام رجلا يُقال له عميْر، فقيل له: ولاّه ليرفع إليه الأموال منها على البغال والجمال ففرّقه كلّه هناك فسأل عنها فقال: أخذناها من أغنيائهم وفرّقناها على فقرائهم، فلم يعنّفه إذ جعلها في محلّها؛ وله معه حكايات عجيبة في الزهد والأمانة ــ رحمهما الله ــ.
ومن تولّى بلدا وعنده ناس من أهله يأخذون العُشر ويدورون عليه، (38) فإن عمل بالحقّ ودفع الظلم هو وأعوانه تبرّأ من زكاته من دفعها إليهم إن كانوا فقراء أو مجاهدين، وإن كانوا يقهرون ويغصبون ويأخذون العُشر وإن برضى أهله فلا يبرأ من أدّى إليهم زكاته. وقيل: يجوز أن يستأجر منها من يحمي البلاد، واختير إن كان الحامي من فقرائنا.
وللوالي أن يقبض زكاة أهل ولايته ولو كانوا في غير ولايته، ولا يقبضها إن عُزل. ومن دفعها إليه وكان ثقة وصيّرها لأهلها أجزاه، ويقبض ما بأيدي ولاّته ولو عُزل. وإن أحدث الإمام بما يوجب عزله فلا يُعطاها ولا يبرأ من أدّاها إليه ولو تقية إلاّ إن دان له بالإمامة. وإن صحّ عنده عزله ورجع عن حدثه فلا يعطيه في مستقبل، ولا يغرم ما أعطاه بديانة بإمامته.
فصل
إن حضر قوم لقسم الوالي الصدقة وعليهم أمارة الفقر أعطاهم منها بنظره ولا يحبس أحد عليها ولو شهد عليه أنَّه لقط مثاقيل من ذهب جاهلي، أو أقرّ بعد حبسه (2/258)
صفحة 781
حتّى شهد عليه عدلان بها فحينئذ يحبس، فإن حبس بغيرهما فأقرّ فلا يُعتبر أيضا إلاّ إن أتى بها بعينها، وما لم يقبضه الفقراء قبل ظهور الإمام كان له قبضه.
ومن بيده مال بُداة يقوم به ويأمر فيه وينهى ويقبض تمرته جاز أخذها منه إن أمن على ذلك، وأنَّه لا يفعله إلاّ برأيهم. وإن اتُّهم أنَّه لم يأمر به اختير أن تؤخذ منه إن علم أنَّها (39) من المال. وإن دفعها بنفسه جاز قبضها منه ما لم يقرّ أنَّها من غيره أو يعلم ذلك.
وإذا لم تُثبت للوصي وصاية بالحكم وهو يتصرّف في مال اليتيم، فإن وجبت للإمام اتّفاقا جاز قبضها منه إن علم وجوبها فيه، وإن ادّعاه فيه لم يقبل إلاّ إن كان ثقة.
وليس ــ قيل ــ على مال المفقود والغائب زكاة كما مرّ إذ لا يُعرف حاله إلاّ إن دفعها وكيله له فيجوز أخذها منه، ولا يُجبر عليها، ولا يأخذها هو من المال كما يأخذها من الحاضر أو من الثمار إذ لا يدرى ما عنده.
فصل
قيل: نصف الصدقة للفقراء ونصفها للإمام، والأكثر على ما مرّ؛ وعلى النصف عمل ولاّة طالب الحقّ، وليس له أن يعطي الأغنياء منها إلاّ إن طلبها منه طالب منهم إذ لا يدرى ما عناه كما مرّ.
وإن قال لأحد: أنت في سعة من الفيء أو الصدقة كل ما شئت لسنة جاز إذا عرف، وكذا إن قال له الوالي: فرّقْ عُشر [325] ما عندك منها على الفقراء فقصده فقير من غير بلد قبضها منه فله أن يعطيه كواحد من البلد كما مرّ.
وإن كان للوالي ولاّة من غير بلد قبضها منه فقراء فله أن يدفع إليهم (40) منها.
وإن اشترى بها عبيدا أو متاعا بلا رأي الإمام فأتمّ له ذلك لم يجز لهما إذ ليس له أن يجيز له مال الله إلاّ فيما جاز له. (2/259)
صفحة 782
أبو سعيد: لا يعطى منها غني ولو غازيا إلاّ إن قبضها الإمام ويجعلها حيث شاء من عزّ الدولة ولو في غني مجاهد ــ كما مرَّ ــ (41) فإن رجع دفع إليهم باقيها فيدفع للفقراء.
وقيل: من ثبت له معنى السبيل من الخارجين فيه ولا شبهة كان ذلك لربّها وللإمام، وكان كلّه سواء؛ وهذا القول ــ قيل ــ أشبه إلاّ أنَّه لا يسلّمها إلاّ إلى الثقات فيجعلونها في سبيل الله وينفقونها على أنفسهم فيه.
منير بن النيّر: إن استعمل أقوام أنفسهم بلا إذن الأئمّة في طلب الدنيا وجمعها، وأخذ الصدقات بلا حقّها وقسمها في غير أهلها والله سبحانه يقول: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ ... } الآية (سورة التوبة: 60) وقد سقط ما للمؤلّفة ومساكين أهل الكتاب، واستقام قسمها ستّة الفقراء والعاملين عليها والسبيل وأبناء السبيل والغارمين والرقاب، فمن شهدها فيما بين التمرتين من ابن السبيل والغارم والمكاتب أُعطي منها بقدره، فإن فضل من سهام الثلاثة شيء إلى إدراك تمرة أخرى ردّ وقسم ثلاثا، للفقراء سهم وفي السبيل سهمان، وقد ترك ذلك وجمع في ثلاثة غير ما فرض الله.
وذهبت صدقة البحر فحرمها الفقراء وابن السبيل والغارمون والرقاب؛ ولا تحلّ صدقته كالساحل بلا حماية كما مرّ.
فصل
إن قبض الوالي زكاة فزال الإمام أو لم يكن ولا بيت المال فرّقها على الفقراء، وإن احتضر قبله أوصى بها وإلاّ وكان هو وأصحابه فقراء وأخذوها رجى خميس أن يسعهم إن نووا ذلك لفقرهم، وإن أكلوها أغنياء بلا سبب خيف عليهم ضمانها لأهلها.
واختُلف في استخلاف أرباب الأموال عليها، فقيل (42): لا أيْمان عليهم فيها لائتمانهم على أموالهم، وقيل: يُحلّفون إن اتّهموا بكتمها، وقيل: إن قال ربّ الماشية (2/260)
صفحة 783
لساع ليس عليّ إلاّ شاة، فقال له: بلغني أنّ عليك شاتين فاستحلفه فأبى فحبسه حتّى يحلف فافتدى من ذلك وهو يتظلّم، فإن كتم استُحلف، وإن أبى قيل له نحبسك حتّى تحلف أو تقرّ لأنَّك متّهم عندنا، فإن نُكّل وطال تهديده وإيعاده به أُخذ منه ما أقرّ به إن أقرّ أو يقف الساعي (43) على مشيته، ويأخذ منها ما وجب فيها. وإن جعله أمينا في زكاته ولم يحلفه فهو أسلم له وأبعد من الريب، ولا يأثم في أمرها، وقيل: لا يمين فيها على متّهَم، ولا يبعث في طلبها غير ثقة؛ ويحلف عند ابن أحمد ما ستر من حقّ الله شيئا؛ ولا حبس عند أبي عبد الله على متَّهَم بكتمانها، ولا يحلف ما عنده زكاة؛ وقيل: يُحبس حتّى يحلف إن نكّل.
ومن بيده مال فطُلبت إليه فقال إنّه لذمّي فلا يُصدّق إلاّ ببيان إن لم يكن ثقة.
فصل
إن أذن الإمام لربّ الزكاة أن يفرّقها على من شاء من أهلها جاز له ولو لم يعرف كمّيّتها إن كان أمينا. ابن أحمد: إن كان في حال البراءة لم يجز لربّها دفعها إليه ولا إلى وُلاّته. وإن وقف فيه فالوقف إذ لم يجيزوه في الأئمّة، وإنّما يكونون كما مرّ في ولاية أو براءة.
أبو سعيد: إذا ملك مصرا وقد حال على أهله أحوال لا يزكّون فيها فله أن يجبرهم على قبض ما بأيديهم بالحماية المستوجبة للجباية منهم لما قيل: إذا أُدركت زكاة الثمار قبل أن تخرج ولو كانت في الدوس فله أن يجبرهم عليها، وقيل: حتّى يحميهم فيها مذ غُرست إلى أن تُدرك.
وفي الماشية والورق سنة ثمّ يجبرهم عليها لا على ما لم يحمه إلاّ إن دُفعت إليه باختيار كما مرّ. (2/261)
صفحة 784
ومن أحدث [326] حدثا في غير سلطان الإمام وقبل أن يملك البلاد فلا يعاقبه عليه، ولكن يأخذ منه الحقّ الواجب في الأحداث، ولا يُعاقِب إلاّ من أحدث في سلطانه.
وإن كان للإمام عسكر في بلد وردّ أمر وُلاّته إلى رجل، ثمّ وصل إليه عسكر باغ فأحرقوا فيه وقتلوا عامله وصاددوا أناسا فيه، ولا منع للعسكر وانصرف البغاة ففي قبض زكاة البلد على هذا خلاف. ومن لزمته في أيام العدل ولم يعلم الإمام بها ولا واليه فليس له أن يسترها عنه إذا احتاج إليها بما لا خلاف فيه، وهو إذا حماه سنة ودونها لا يستحقّ أخذها.
واختُلف فيما يحمي من المصر، فقيل: إنّه يقبض زكاته إذا حمى بعضه، وقيل: حتّى يحميه كلّه، وقيل: إذا حمى القطر منه لا القرية والقريتين، وقيل: ما حماه وإن قلّ.
فصل
إذا علم الإمام أو واليه بوجوب زكاة في مال، فقيل: يقبضها منه ولو غاب ربّه أو فقد إن كان يُجبر عليها وإلاّ فلا إلاّ برأي ربّه أو وكيله على ذلك. وكذا إن لم يعلم بوجوبها فيه لم يكن له ولا لوالي قبضها أن يأخذها إلاّ من يده أو نائبه أو مقرّ بشيء أنَّه منها.
والمرأة إن كانت في البيت ولها عمّال فهي كالغائب والمفقود، وتؤخذ وإن من حرام إذا وجبت فيه لوجوبها في مال أهل القبلة ولو مغتصبا أو ربًا أو ليتيم إن كان الإمام يجبر عليها، وإن لم يعلم بوجوبها في ماله وله وصي لم تعلم خيانته وقال هذه زكاة ماله جاز أخذها منه. وإن لم يكن له وصي ولم يعلم وجوبها فيه وأقرّ رجل أنّ هذه زكاة ماله وجبت فيه لم يُقبل قوله إن لم يكن ثقة، وكذا إن أقرّ هو بها ولم يفسّر من أين هي.
ومن لزمته فعليه أن يُعلم بها الإمام (44) أو واليه وإن بكتابه، لا أن يحملها إليه ولا أن يخرجها. وإن لم يعلمه وأوصى بها أن تنفّذ عنه جاز له. وقد اختلف في جابيها (2/262)
صفحة 785
إذا تأخّر عنها بعد وجوبها حتّى هلك المال أو بعضه، فقيل: يأخذ المصدّق ممّا وجد، (45) وقيل: إذا أمكن ربّه دفعها إليه أو غيره من أهلها ولم يفعل حتّى تلف فإنَّه (46) ضامن لها، واختار خميس أن لا يلزمه إذا دان بها، واعتقد دفعها فلم يتلفه ولم يضيّعه، وقيل: إذا وجد العدل فلا يدفعها إلاّ إليه، فإن تلف في انتظاره المصدّق لم يضمنها لأنَّه معذور، وإلاّ وكان وله أداؤها بنفسه وقدر عليه وتلفت بعد إمكانه ضمنها.
وقيل: إذا خرج لقبض الماشية بوقتها فوجد مجتمعا تجب فيه أخذها منه بالسؤال عنه متى وجبت فيه، وقيل: له أخذها منه ولو لم يحل الحول، وقيل: لا حتّى يحول عليه مذ بلغت فيه؛ ولا يطيب له إلاّ بإقرار ربّ المال أو الصحّة بغيره. وقيل: إذا أراد أهل البلد حيث لا إمام أن يجمعوها ويؤاجروا فقراء أن يمنعوه من الظلم ويطعموهم منها جاز لهم ذلك. أبو المؤثر: لا بأس به ولو غنيا إذا قاتلوا عنهم ومنعوهم من الجور عليهم لقوله تعالى: { ... وَفِي سَبِيلِ اللهِ} (سورة التوبة: 60).
ابن الحسن: إذا كان المتولّي على حماية البلاد يعمل فيها بالحقّ ويدفع عنها هو وأصحابه ويظهرون الرشاد جاز دفعها إليهم إن كانوا فقراء أو قاموا بالجهاد.
وإن أحدث من صحّت إمامته بموجب بطلانها، فإن شهر عند ربّ المال لم يجز له دفعها بأمره لفقير إلاّ إن علمه وبان له فقره. وإن شهر عنده لا عند ربّ المال فله [327] أن يقبضها منه، وإن لم يعلم بحاجته إليها (47) لزمه غرمها لأهلها.
وإن فسد أصل إمامته عند الكلّ لم يجز ذلك بينهما إلاّ بإعلام بموجب براءة الذمّة من الضمان وسقوط الفرض. وإن علم ربّ المال أنَّه يأخذها لفقره لا بأمر ذلك الإمام، وقال له: إن كنت تدفعها لي على الفقر وإلاّ فلا آخذها منك، وهو لولا أنَّه أمره بدفعها له ما دفعها إليه كان لا يؤدّيها، أو يدفعها إلى غيره. (48)
وإن أطلق إمام لفقير على واليه فدفع إليه من بيت رجل حبّا أو غيره جاز له، وقيل: لا. (2/263)
صفحة 786
الباب التاسع
في زكاة التجارة
فما كان لها من أصل أو عبيد أو حيوان أو سلعة أو نحو ذلك فوجبت فيه، ولم يبعه ربّه أخرجها منه بسعر يومه، وإن كان فيه ربح قوم يوم وجبت فيه، وإن كانت فيه وضيعة أخرجها من رأس ماله، وإن باعه بها قبل حلول زكاته لم تلزمه إلاّ ممّا بيده.
أبو الحواري: من له دراهم يزكّيها ثمّ أنفق منها في زراعة وحصدها، فإن زرعها لتجارة ففيها زكاتها وإلاّ ولم تجب في الزراعة لم تلزمه فيها. وإن أنفقها فيها بعد حلولها لزمت فيها دون الزراعة. وإن أنفقها قبله في غير الزراعة لتجر لم تلزم فيها. (49) وإن اشترى بها (50) أصلا يريد به تجرا فأثمر لزمته في الثمرة. وإن اشترى بها حراما أو ربًا له أيضا وربح فيه زكّى رأس المال، وليس فيه زكاة ولا له هو فيه شيء.
أبو سعيد: إن اشترى أصلا لتجر دخل في جملته وما كان منه من ثمرة لا زكاة فيها فكالأصول، وتبع لها فيها، وما وجبت فيه من ثمارها ففيه ــ قيل ــ زكاة التجارة تبع للأصل، وقيل: زكاة الثمار. ولا يُنقل إلى معنى التجر، ويُحمل على ما بيده من الثمار على هذا، وقيل: يزكّي زكاتها ثمّ يدخل عليه (51) زكاة التجر عند وقته، ويكون كالعروض فيها، وإن بقي حتّى يُنقل إلى التجارة أو يُباع بعين ففيه زكاتها ولو لم ترد به.
ومن اشترى عبدا لخدمة وبيده صنعة اشتراه لها كان قصده للغلّة، ولا يُحمل على التجارة إلاّ ما استغلّ منه.
وإن مات وتركه فأراد به وارثه الغلّة مثله لم تلزمه فيه، وقيل: كلّ ما لا زكاة فيه فاشتُريَ للتجارة ففيه زكاتها، فكلّ ما في أصله زكاة فأدخل فيها، فقيل: لا (2/264)
صفحة 787
يتحوّل إلى زكاتها، وقيل: هي فيه، وقيل: إن وجبت فيها كان تبعا لها وإلاّ كان فيه زكاته.
وإن أُريد بعروض تجارة دخلت فيها وتُزكّى كلّ سنة ما دامت الزكاة فيها أو في ماله الحامل تجره عليه.
وإن اشترى عروضا بأقلّ من النصاب وحال عليه الحول وهو يسواه أو أكثر، فقيل: لا يُزكّى حتّى يحول عليه مذ صار كذلك وأُريد به التجارة، وقيل: لا يُراعى تحوّل القيمة ما لم يكن ما تجب فيه ويحول عليه، (52) وكذا ما أصله النصاب، ثمّ انحطّ في السنة وقام بعينه ثمّ حالت وقيمته النصاب ففيه الزكاة على القول بأنَّها تكون بأصل من الثمن، لا على القول بأنَّها في القيمة إذا انحطّت حتّى صار إلى حال لا يجب فيه في السنة إن لم يكن عنده نقدا وتجر تجب فيه.
فصل
من بعث بمال يُشترى له به بُدْن تنحر بمكّة أو بمنى أو تفرّق وجاء وقته قبل أن تنفّذ فيه وجبت فيها، وإن أُخرجت منها اختار خميس أن يردّ ربّها بدل تمام ما أنفذ منها له وإلاّ فلا عليه إلاّ في واجب.
وكلّ مال ببلد حال عليه الحول فيه فإنّه يُزكّى فيه ولو لم يكن ربّه منه.
ولا زكاة في آنية تُشترى آلة لتجر ولم تنو لربح، ولزمت إن نواه بها إذا حضرت.
ومن اشترى متاعا [328] له ثمّ حوّل نواه أن ينتفع به، فإن حوّله قبل الحول فلا زكاة فيه لتجر، فإن ردّه إليه أيضا وحال الحول من يوم الشراء، فقيل: كلّ ما استحال عن حاله ثمّ حوّل إلى التجارة فلا يتحوّل بالنوى بل هو على حالته حتّى يتحوّل في شيء آخر مرادا به التجارة أو يُباع بعين، فإذا حوّل ما اشتراه من ماشية لها إلى السائمة بالنوى تحوّل به إن كان قبل أن تجب فيه بالتجارة، وكذا ما حوّل من (2/265)
صفحة 788
ثياب لكسوة، وآنية لانتفاع، وعبيد لخدمة أو غلّة، فإن كان قبل أن تجب فيه بالتحوّل في تجارة فما ثبت من هذا لغيرها بل لمنافع بتحويل أو شراء على ذلك أو بوجه ما فحوّله بالنوى إليها لم يتحوّل به، وكان على أصله بما ثبت له، وقالوا: لا يتحوّل إليها حتّى ينقله ببيع أو بدل ويريدها به.
ومن تجب عليه في شهر معلوم فجاء وقتها وليس عنده من النقود ما تجب فيه وعنده حبّ أو تمر أو غيرهما يريد به التجارة، فإنّه إذا جاء قوَّمَ ما عنده من ذلك وأدّاها منه إن بلغت في قيمته، ويحمل ما بقي عنده من العين على القيمة ويُخرجها من الكلّ.
ومن له ديْن لم يحل أجله فلا زكاة فيه، ويُزكّى عند حلوله إن قدر على قبضه وإلاّ فحتّى يقبض. وإن كان سلما وجاء وقت زكاته، فإن شاء أخرجها من رأس ماله، وإن شاء من السلم إذا قبضه، والأوفر لها أولى.
ومن له مال تجب فيه وعليه محيط به، فإن قضاه منه لم يبق عنده ما تجب فيه، فإن نوى أن يقضيه في سنته لم تلزمه، وإلاّ لزمته في جميع ماله. وقيل: من له تجر تلزمه فيه لزمه أن يحمل كلّ ما عنده من نقد وحليّ وما استفاده من غلّة أو غيرها عند حضور وقته ولو لم تكن تجارته ذهبا أو فضّة، فإنّه يحمل ما بيده منهما ومن عين، ويخرجها من جملتها.
ويقوِّم كلّ ما بيد التاجر لتجر على سعر البلد.
ويترك له من الطعام ما يقول إنّه يكفيه وعياله إلى الثمرة، وإن لم يكن عنده إلاّ النقود والعروض لم يُترك له من ذلك للنفقة إلاّ ما يقول إنّه لكسوته من الثياب أو من العبيد لخدمته، أو الدوابّ لضيعته أو متاع لبيته، فكلّ ما قال من ذلك يحبسه عن التجارة قبل وقت زكاته أو بعده ما لم يخرجها، فلا تلزمه فيه، ويزكّي ما بقي، ولا بأس عليه إن أدخل شيئا ممّا حبسه في تجارته حتّى يأتي وقته قابلا. (2/266)
صفحة 789
فصل
من عنده ــ قيل ــ سائمة تجري فيها الصدقة فنوى بها قبل الحول تجارة، وله تجارة تجب فيها لزمت فيها ما لم يحوّلها بضاعة أخرى أو عينا، فما لم يحوّلها فهي سائمة ويزكّيها كلّ سنة، وإن كانت عنده ماشية لتجر فحوّلها قبل الحول سائمة فحال حول تجارته فلا تلزمه فيها حتّى يحول عليها مذ نواها سائمة، وهو مخالف للأوّل.
ومن عنده ماشية حال عليها حول وعليه ديْن فطلب أن يحسب له فيها، وتُؤخذ من باقيها فلا يُطرح عنه إلاّ من التجارة ولا يُطرح من السائمة.
وإن اشترى عُروضا لا ينوي (53) بها تجارة ثمّ نواها بها فلا تلزمه فيها حتّى يبيعها ويحول على ثمنها حول. وقيل: إذا نواها لها ولزمت فيها أو له مال يزكّيه ووجبت فيه والأوّل أولى، وقيل: ما نواه لتجر ممّا بيده لزمته فيه وإن لم يحوله، وقيل: إنّ ذلك فيما استفاد لا فيما أصاب، وقيل: إن نوى بماشية تجرا وحال عليها حول، ففيها زكاة الماشية لأنَّها سائمة وإن لم يرد بها النتاج، وقيل: تقوم في الحول وتؤدّى عنها. وقيل: إن وجبت فيها زكاة التجارة زُكّيت بها وإلاّ فزكاة الماشية، وقيل: يؤخذ منها الأوفر لها.
وقيل: إن نوى سائمته لتجر فلا تُزكّى إلى الحول مذ حوّلها إليه ما لم يقصد الفرار منها فالفارُّ يؤدِّي، وقيل: لا تتحوّل إلى زكاة التجر؛ وتُزكّى ماشية ما لم يحوّلها إلى أخرى أو عروضا [329] أو عينا، وإلاّ فلا تُنقل إلى تجر، وهي على زكاة الماشية إن وجبت فيها، وإلاّ فلا تلزم فيها لتجر. وإن كانت له فحوّلها سائمة تحوّلت، وتُزكّى عند الحول بها.
ومن له غنم حال عليها ثمّ أبدلها بأخرى أو بغيرها زكّاها على عددها بعد الحول، وإن أبدلها إبلا أو بقرا قبله أو باعها بعين فلا تُزكّى الماشية حتّى يحول عليها مذ ملكها، وكذا إن أبدل بعضها. (2/267)
صفحة 790
وإن أبدل شيئا منها من ذلك الجنس وبقي منها بيده ما حال عليه ووجبت فيه لزمته فيه ولو قام البدل مقامها كانت الثياب؛ والعين لو بادل بها (54) قائمة مقامها وزُكّيت عند الحول مذ ملكها كالماشية، وكذا التجارة ممّا بيده من التمرة.
ولو ملك أقلّ من النصاب واشترى به عُروضا لها فباعها بما تجب فيه زكّاها من يوم ملكها لا من يوم ملك العين. وإن اشتراها بعشرين دينارا أُسقطت منها الزكاة. وقيل: تجب إذا حال على العين حول، ووجبت فيها من الورق أوقية ممّا قصد به تجرا أو اشتُرِي (55) به ما تجب فيه من ورق، ويحول عليه من يوم الشراء أو هو قيمته ما تجب فيه، وبيده ما تجبر به الفائدة لزمته في حول إن وجبت فيه ولو قام البدل مقامها كانت النقود والعين والثياب لو بادل بها قائمة مقامها، وليُراجع هذا المحلّ ويُصحّح.
ومن عنده غلّة زكّاها أو خدم أو دوابّ أو ثياب فأراد إدخالها في تجارته لم تلزم فيها حتّى يبدلها بنوع أو يبيعها بنقد.
وقيل: التاجر مُخيّر إن شاء أخرج من كلّ جنس من بضاعته ربع عُشره، وإن شاء قوّمها وأخرج ربع عُشر قيمتها عينا يوم الإخراج.
وما لا يوزن ولا يكال ولا يُعدّ من العروض فإنّه يقوَّم بالنقد في اليوم، وقيل: يُزكِّي ما اشترى به من القيمة. (2/268)
صفحة 791
الباب العاشر
في زكاة الثمار
ويروى أنَّه فرض فيما سقته السماء والعيون، وفي البعل العُشر ونصفه فيما سقته السواقي؛ وفيما يُسقى بزجر ونهر على ما أدركت ثماره عند الأكثر وبالحصص عند أبي المؤثر، وقيل: على ما أسِّس وهو في الزرع غرسه.
وإن زُرع على فلج زرع فاحتاج إلى سقي بزجر ففيه ــ قيل ــ نصف العُشر، وكذا قيل في نخل كان بأرض تُزرع بزجر (56) ويشرب النخل من سقي الزراعة، فإن أتمر على غيره بأن لم تُزرع الأرض ففيه العُشر كاملا؛ وإن كان لا يتمر إلاّ بالسقي ففيه نصفه؛ وإن كان يتمر بدونه فإذا سقي يكون تمره أحسن وأكثر فلا يُنظر إليه، وفيه العُشر، وقيل: النخل في هذا كالزراعة يُزكّى على ما أدرك، وقيل: يحسب كم شرب في السنة، فيُزكّى على حسابه؛ فحصّة ما لم يشرب فيها العُشر ونصفه فيما شرب بالزجر، وإن لم يُسق سنة فالعُشر فيه، وقيل: نصفه لأنَّه لا يسقى على نهر.
أبو المؤثر: إن أدرك على زجر وهو أكثر شربه ففيه العُشر، وقيل: بقدر ما سقي عليه ومالم يُزجر ثمّ يحسب بالأجزاء ويُزكّى. ابن علي: إن سُقي النخل وقد عُرف بألوانه وأُدرك فلا يبرئه من التامّ لسنته، ولا للتمرة المقبلة أيضا لأنَّه صار في حدّ الإدراك. وسقي القيظ للحول لا يُعذره من التامّ.
ومن زرع بأرض النخل صيفا وسقاه إلى أن حصده فلا يُبطل سقي الصيف العُشر من النخل إلاّ إن عُلم أنَّه أتمر منه. ابن جعفر: كلّ نخل لا يُسقى بنهر ولا بزجر (57) ففيه العُشر. وإن زُرعت أرض وسُقيت بزجر حتّى أدركت ففيها نصفه؛ وما يُسقى من الثمار به وبالأنَّهار أو سقاه الغيث فعلى ما أُسّس، وقيل: على ما أدرك، وقيل: بالمقاسمة، ويُنظر كم شربت كما مرّ. وما سُقي بغيث أو أنَّهار فيُنظر (2/269)
صفحة 792
أهو نصف أو ثلث أو ربع أو نحو ذلك، ففي الجزء الذي شربت بهما أو بأحدهما العُشر، وفي الذي بالزجر نصفه، واختير هذا والكلّ حسن.
وإن فسل عليه نخل ثمّ رُفع بعدما أتمر فما حُمل به وهو يُزجر ففيه النصف، وما حُمل بعد ما رُفع عنه الزجر ففيه [330] التامّ.
ومن له زرع وباعه علفا قبل أن يدرك بدراهم فلا تجب فيه، وإن باعه بعده أُخرجت من الحبّ إن بلغت فيه، وقيل: لا يُحمل ما يسقى بالدلاء على ما سُقي بالسيح إلاّ إن بلغت في كلّ صنف وحده.
أبو سعيد: إنّ الزكاة في ستّة، وهي التمر، والزبيب، والبُرّ، والشعير، والذرة، والسُّلت، وهي الشعير الأقشر، وقيل: في سائر الحبوب التي يُقتات منها ممّا هو سنبل أو قرون، وقيل: فيما هو سنبل كأرز وحِنطة وذرة ودَخن ونحوها، وفيما هو قرون كالحلبة والعدس والباقلا واللوبيا (58)؛ والأكثر أن لا زكاة إلاّ في الستّة الأولى. وقيل: هي في القطن أيضا.
وقيل: إنّ معاذ بن جبل كان يأخذ الثياب بصدقة الحِنطة والشعير، ويقول: إنّ أصناف الذرة من بيضاء وحمراء وصفراء لاحقة بهما في الزكاة، وكذا الدَّخْن والأرز ونحوهما لاجتماعها كلّها في الشبه.
فصل
من أصاب ــ قيل ــ من ذرته مائتي مكّوك وباع منها علفا بذلك أيضا قبل إدراكها فلا يحمل ثمن العلف على الحبّ.
ومن زرع أرض أحد بلا إذنه فأعطاه ما شاء فلا يجب على ربّها إلاّ زكاة ما أخذ من زراعتها، وإن قدر على أخذها كلّها أدّى ما وجب فيها، وقيل: يلزم ربّ المال أن لا يؤدّي عن كلّ جنس من حبّ وتمر إلاّ منه إلاّ إن تفضّل بالأفضل. (2/270)
صفحة 793
زيّاد: من جذّ تمر نخله وبه حشف فميّزه منه ثمّ كاله ولم تبلغ فيه ولو خلطه فيه لبلغت لم تلزمه صدقة. ومن أعطى فقيرا نخلة نواها منها فأكلها رطبا وبسرا، فإن كان يؤدّي زكاته كذلك أجزاه لا إن كان لا يؤدّيها إلاّ تمرا. أبو سعيد: من أعطاه نخلا كذلك وحسبه من زكاة تمره فلا يجزيه حتّى يصير تمرًا يابسا، (59) وقيل: يجزيه بعد إدراك نخله، وإن تركه الفقير حتّى صار تمرا يابسا أجزته اتّفاقا.
وقيل: لا يؤكل من تمر إذا أينع ويبس إلاّ بكيل لأنّ فيه الزكاة، وقيل: يجوز بدونه، وقيل: ما كيل منه وجبت فيه لا فيما أُكل بلا كيل، وقيل: يؤكل من المسطاح من رطب وخلّ ولا زكاة فيه، وقيل: تلزم فيه وفيما باعه من رطب بثمن أو غيره.
ومن اشترى سمكا أو غيره لعياله برطب ففيه قولان، إذا بيس في مسطاح أو غيره؛ والبسر المطبوخ إن أُخرجت عنه من تمر نخله فلا بأس به، واختير أن تكون بالقيمة.
أبو سعيد: من أطعم ولو غنيا رطبا أو باعه له ولم يدر أكَلَه رطبا أم حتّى صارا تمرا فعلى القول بأنّ لا زكاة على الرطب لا تلزمه فيه حتّى يعلم أنَّه صار تمرا عند المعطى له أو المشتري، فالخلاف في وجوبها فيه، فقيل: تجب في كلّ ما هو من التمر، وقيل: لا إلاّ ما جمعه المسطاح.
ولا زكاة فيما أُكل قبله أو أُعطي إلاّ إن بيع بعين فتلزم فيها (60) كما مرّ، ولا فيما اشتُريَ به إدام أو غيره لعيال إلاّ إن جمعه المسطاح، ولا في لقاط إلاّ إن جارت الريح وجمعه أيضا. وقيل: إذا نضج التمر لزمت (61) في كلّ شيء منه.
وفي الجرة والحشف قولان. ومن أخرجه من التمر أعطاها من خالص من الحشف، (62) وإن أعطى من تمر غير مُنقّى حسب ما أخرج منه من التمر وأعطى منه، وقيل: تلزم في أردى الحشف إن كان بعد ما حلّى ويتمّ به، وكذا الجرة. ولا تلزم في المُرّ ولا يتمّ به.
أبو سعيد: من نفى حشفا من تمره قبل أن يزكّيه، فقيل: يؤدّيها من تمره المنقّى، وإن أدّاها قبل انتقائه فلا يخرجها ممّا كثر فيه الحشف ولا من فاسد. وإن يبس التمر (2/271)
صفحة 794
في النخل أحصي كيل ما أكل منه لها، وما أطعم الأجراء عند الصرام إن كيل، وقيل: مطلقا. وإن سلّم زيد لمحمّد زكاةَ لعمر وقبضاها على طمأنينة برضاه ثمّ تلفت قبل أن تصل إليه، فإنّ لزيد ومحمّد ما فعلاه، [331] وقد يريا وأجزأ عن ربّ المال، ولو قال هذا التمر من الزكاة لعمر كانت له بإقراره ولو لم يقبضه عمر، وقيل: لا يبرأ منها إلاّ إن قبضها، ولو قال هذا منها لعمر أو أحمله لزيد منها أو أكثر هذا له أو أقبضه له أو هذا منها له أفعل له كذا، ويريد به قضاء له، ولا نية له إلاّ بما قال، فذلك لزيد في الحكم بجميع قوله هذا إلاّ قوله: أقبض له هذا منها، فالمختار أن لا يكون له حتّى يتمّه أو يأمره زيد به. وربّ المال إن سلّم زكاته بهذا فلا يجزيه إلاّ بقبض أو إتمام.
فصل
إذا بلغ التمر ثلاث مائة صاع، ففي كلّ عشرة صاع لا فيما دونها حتّى تبلغ عشرة، وذلك فيما فيه التامّ؛ وفي موجب النصف نصفه، وقيل: في هذا لا تؤخذ حتّى تصير عشرين فيلزم فيها صاع، وقيل: تُجبر بما يُعطى الفقراء عند الحصاد من قضيم الذرة والبُرّ والرطب، فإن أُعطي على وجه الصدقة فقد وجبت فيه ما لم ترد به، وقيل: لا، وكذا فيما يُعطى في أجرة الحصاد إلى الدوس، ولا تلزمه فيما أعطاه (63) لجيرانه وأقاربه الفقراء إن قصد به الله، وتلزمه ــ قيل ــ فيما أعطاه (63) لسلطان أو لأعوانه دفعا، وإن عن ماله.
وما أعطاه العمّال أو أخذوه بلا إذنه على قصد الأجرة لهم فإن اعتاد بينهم ذلك بلا شرط ولا يجري مجرى الأجرة لزمته في حصّته، وإن كانت تخرج مخرج السهم لم تلزمه فيما أعطاهم أو أخذوه. وقيل: تجب في الأجرة من التمرة، وقيل: لا.
وعلى ربّ الزرع زكاة أجرة الشائب؛ (64) وفي أجرة الرقاب والدواس (65) والحامل للقضيم من الضواحي إلى الخنور، والجزّاز وحامل الحبّ منه إلى البيت لخوف (2/272)
صفحة 795
أو مطر أو غيرهما قبل كيله خلاف. وإن كيل وأمكن إخراج زكاته فأجرة حامله من ماله بعد إخراجها منه.
ومن استأجر ثورًا أو جملا يزجر عليه بأجرة من الحبّ لكلّ يوم كذا وكذا، وعمل له في البئر عمّال ووجبت في الزراعة فقد لزمت الزكاة فيها قبل أن تُقضى الأجرة. (2/273)
صفحة 796
الباب الحادي عشر
في زكاة الشركاء والعمَّال
أبو الحواري: إن كان لثلاثة إخوة مال فقسموه وعرف كلٌّ حصّته، فإن بذر (66) كلّ من عنده وبان ماله ثمّ خلطوا الثمرة لم تلزمهم فيها، وإن كان البذر (66) والسقي والعمل واحدا حُمل ما لكلٍّ على آخر فيزكّى المجموع لما مرّ من (67) أنَّه لا يفرّق بين مجتمع وعكسه، وقيل: لا تلزمهم فيه حتّى تبلغ في سهم كلٍّ منهم.
وإن وزن (68) شريكان مائتي درهم فلم يقسمها إلى الحول لم تلزمهما فيهما.
ومن طلب من أحد عملا في ماله على مشاركة له بلا مشارطة بينهما حتّى حصد الثمرة فأعطاه منها، فإن قصد الأجرة فزكاة ما أعطاه عليه، وإن أعطاه جزءا منها كنصف أو ثلث أو نحوهما لزمت العامل بقدر حصّته، وإن أدخله على أنّ له سدس تمرة نخله أو ثلاث معيّنات لزمته في حصّته منها، وعلى ربّ المال زكاة النخلات لأنَّه قاطعه على تمرتها، وإن أعطاه التمرة عطيّة له لم تلزم ربّ النخل زكاتها. وقيل: من أعطا عاملا له بثمرة أرض معيّنة أو نخل فزكاتها على العامل إن أصاب ربّ المال ما تجب فيه، لأنَّه مجهول، وليس بأجرة معلومة، وقيل: هي عليه لأنَّه كالأجرة المعلومة.
وكلّ مقاطعة أو معاملة أو شرط لا يجوز شرعا فهي فيه على ربّ المال من ثمرته لأنّ أصلها له.
أبو سعيد: إنّ الشركة بالعمل غيرها في الأصل في الزكاة لأنَّها إذا لزمته فيه لزمت العامل في شركته ولو لم تجب في شركتهما، وقيل: حتّى تجب فيها خاصّة، ولا كذلك سائر الشركات في الأصول، ولا في المزارعة ولا في غير ذلك. ومن أصاب من زراعته مائتين وخمسين صاعا ومن أجرة جمله (69) خمسين فإن كانت بحبّ مسمّى من الزراعة جبرت بها زكاتها وأُخرجت من الكلّ. (2/274)
صفحة 797
أب ومروان: إن اشترك ثلاثة بعمل أيديهم [332] فأصابوا النصاب لم تلزمهم فيه إذ ليست شركتهم في أرض لواحد، ولا في مشاعة وإنّما هم عمّال بأيديهم، وإن اشتركوا على أن يعمل كلٌّ في موضع وما أصابوه فهو بينهم، أو تعانوا على عمل كذلك فهي شركة مشاعة، وتلزمهم فيها، وإن كان لكلٍّ عمل واشتركوا على أنّ كلاًّ يعمل عمله وهم شركاء فيه فلا يثبت ذلك ولا زكاة فيه.
وقال الأزهر: من أقعد رجلين أرضا فزرع كلّ منهما قطعة منها لنفسه فلا تلزمهما إلاّ إن أتمّ كلٌّ النصاب أو أحدهما، وتلزم ربّها فيما يقع له لحمل بعض ماله على بعض إن بلغت فيه، وقيل: لا إلاّ إن أصاب من جميع المال ما تجب فيه أو أحد المزارعين فتلزمه في حصّته؛ وقيل: إذا لزمته في شيء أوجبت في كلّ ما أصاب من ماله، وإن لم تجب فيه كما إذا أصاب أحدهما من زراعته ما تجب فيه دون صاحبه فقد وجبت على هذا في تلك الزراعة، وما أصاب من مشاركة الآخر ولو كان إذا حمله على حصّته من هذه لا تجب فيه، فقيل: تلزمه فيما أصاب ويحمله على ماله الذي وجبت فيه. وقيل: العامل تابع لربّ المال إذا لزمته بقدر حصّته، وقيل: إن شورك العامل لم تلزمه حتّى تجب فيما يعمله، ولا تلزمه في أجرته إن استؤجر، والأوّل أكثر وعليه العمل.
فصل
إن زرع رجلان أرضا وعمل كلٌّ فيها وأصاب مائتين وخمسين، فقيل: تلزمهما، وقيل: لا.
ومن عمل نخلا لناس ولم تجب على أحد منهم واجتمع له هو من عمله النصاب لزمته إن عمل بمشاركة لا إن عمل بأجرة.
وإن كانت قعادة الأرض بنصيب من الزراعة لزمته إن وجبت فيها (70) لا إن بأجرة، وإنّما تلزم المقتعد الزارع. وإن شرط ربّها عليه أنَّه يقعدها بثلث أو ربع أو (2/275)
صفحة 798
نحوهما على أن لا غرم عليه ولا زكاة جاز في الغرم والمؤونة لا في الزكاة، وعلى كلٍّ من أهل الزراعة أن يخرجها منها بقدره.
ومن له أرض فأقعد كلّ قطعة منها رجلا فوجبت في جميعها لا على كلٍّ في زراعته لزمت ربّها في حصّته وإن لم تبلغ فيها، لأنَّه جامع للمال ومشاركهم، والزراعة فيما يلزمه هو واحدة، وقيل: لا، حتّى يصيب من متفرِّقها ما تجب فيه.
ابن محبوب: إن أخذ ثلاثة إخوة بئرا بالثمن من قوم وأخرى من غيرهم وزرعوهما فجاءت إحداهما بثلاث مائة صاع والأخرى بثمانين فزراعتهم واحدة، وتؤخذ منهما بالحمل.
أبو سعيد: كلٌّ من الثور والبذر (71) والعامل شريك إن عرف سهم كلّ من الزراعة وبلغت النصاب. ومن شارك ناسا على ثور له فعمل لهم مزارع فأصاب كلٌّ ما لم تجب فيه فلا تلزمه حتّى يصيبوا أو أحدهم النصاب، أو هو من ثوره.
ومن له قطع أرض ولكلٍّ منها عامل، فإذا بلغت زراعتها النصاب لزمت ربّها وعمّاله، وقيل: لا تلزم العامل حتّى تبلغه زراعته، والأوّل أكثر. ومن له زراعة تجب فيها وله عامل في أرض وللعامل شركة فيها أو في زراعة ببذر (71) أو مؤونة ولم تبلغ في الأرض لزمت العامل في حصّته من العمل لا من الشركة إلاّ إن كان له عمل أو حصّة في زراعة أخرى فجمعهما فبلغت فيه فتلزمه في المجموع.
ومن أصاب من عمله في زراعة غيره مالا تجب فيه، وكذا من قطعة له هو وعامل له إياها فقيل: تلزمه، وقيل: لا حتّى يخلص له منهما ما تجب فيه أو تبلغه أرضه فتلزمه في حصّته منها، ويحمل عمله على زراعته، وقيل: لا حتّى تلزمه فيما بيده وحده.
أبو الحواري: من اقتعد أرضا بنصف فجاء منها النصاب فالزكاة من جملة الحبّ، وإن أخذ كلٌّ نصيبه وزكّاه جاز، ويقول لشريكه: زكاتك معك، وإن شاء أخرجها من الجميع ثمّ يقسم. ومن ترك حصّته لشريكه وقد وجبت في المال فأراد أن يسلّم زكاته إلى من أعطاه حصّته، فإن تركها له قبل الإدراك جاز ولاسيما إن كان (2/276)
صفحة 799
الترك له إقرارا منه لا إن كان [333] بعده. وقيل: إذا وجبت في نخل أو زراعة بين شركاء وجبت على الكلّ لما مرّ أنَّه لا يُفرّق ولا يُجمع، وإن لم يبلغ المشتَرَك النصاب لم تلزم واحدا إلاّ إن كان له مال آخر، فإذا حمل حصّته وحصّة العمّال التي لهم من حصّته فبلغ الكلّ النصاب لزمته وأياهم في ذلك ولو لم تجب على شركائه وحصّة عمّالهم.
وإن بلغت في نخل بين قوم فقسموا تمرتها عليها فأكل بعض نصيبه رطبا وبسرا وبعض صرم نصيبه تمرا ويابسا لزمته فيه وحده، وقيل: معا.
وإن تفاضل الشركاء في أرض ولا تبلغ في حصّة كلّ، وبلغت بالحمل لزمتهم إن اشتركوا جميعا. ابن جعفر: إن اشترك قوم أصلا بلغت تمرته النصاب لزمت فيه، وعلى كلٍّ قدر حصّته، وإن قسموه بعد إدراكها فهي في الجميع لا إن قسموه قبله إلاّ إن بلغت في حصّة أحد بعينه. وإن كان لأحدهم مال حمله عليه والعامل تبع لهم فيتبع من لزمته، وإن بلغت من عمله وماله أخرجها من الكلّ. أبو الحواري: من له زراعة لا تبلغ فيها ويقعد من أرضه ويطني من مائه بحبّ يتمّ به النصاب إن حمل عليها، فإن أطنى وأقعد بكيل فلا يحمل ذلك عليها، وإن كان يجزي من الزرع حُمل.
وإن كانت بين ذمّيّ ومسلم زراعة وبلغت فيها فقيل: هي على المسلم في حصّته، وعامله تبع له، وقيل: لا حتّى تبلغ فيها. موسى: من شاركه ذمّي أو صافية أو مسجد أو نحو ذلك لم تلزمه في حصّته حتّى تتمّ فيها ولو بلغتها الأرض، وإن لزمت الشريك وهو لا يدين بها ولا يؤدّيها فعليه أن يُخرج من حصّته ما يلزمه.
وإن كانت لذمّيّ أرض العُشر لزمه فيها والموحّد، وإن كانت له التي لا عُشر فيها فقيل: هي في حصّة الموحّد، وقيل: لا حتّى تبلغ فيها أو يحملها على غيرها، وقيل: لا تلزمه فيها لأنَّها أرض الجزية لا الزكاة. (2/277)
صفحة 800
الباب الثاني عشر
في زكاة مال الغائب واليتيم
فإذا لم يَعرف وكيلهُ أو وصيهُ زكاة ماله حتّى بلغ وأخبره بها رجي أن يبرأ من ضمانها، وكُره له أن يترك أداءها عنه بلا عذر، فقوله: إنّ زكاة ماله باقية فيه حجّة على اليتيم كما أنَّه حجّة له فيه. وكذا إن وجبت فيه وعلم أنَّه كان ملْكا له في السنين الماضية، وأنَّها (72) لم تؤدّ منه حسُن أن تلزمه فيه حتّى يصحّ أنَّه أدّاها منه.
وإن مات قبل البلوغ فأخبر وصيهُ أو وكيلهُ ورثته بها فهو حجّة عليهم أيضا، وإن مات بعده وبعد إمكان أدائه لها ولم يوص لم يكن وصيّه أو وكيله حجّة عليه.
ومن احتسب له فعليه إخراجها عنه، وقيل: له لا عليه، وقيل: لا له ولا عليه، وكذا في زكاة الفطر.
أبو سعيد: لا يؤخّر إخراج زكاة الصبي إذا وجبت في ماله وكان موحّدا إلاّ أنَّه إن لم يل ذلك والده أو وصيه فخلاف في إنفاذه بالجواز وعدمه، واختير أنَّه إذا وجبت في مال فكلّ من وليّه يزكّيه إن كان بيده وقدر على إنفاذ الحقّ منه، وقيل: على الوصيّ أن ينفّذ زكاة النقود، وقيل: مخيّر فيه وفي إخباره إذا بلغ بحسابها وهو حجّة عليه إن كان أمينا في حليّه أيكسر ويعلم ما فيه أو يقوَّم وهو الأحسن عندي قولان.
وإن جمعت لثلاثة يتامى خمس مائة درهم عند وكيلهم ومضى لها حول وكانت بينهما أثلاثا وليس لهم غيرها فلا تلزمهم فيها حتّى يبلغ لكلّ منهم النصاب إلاّ إن كانت بينهم ميراثا وجرت فيها الزكاة من قبل فتلزمهم فيها ما لم يقسموها أو وكيلهم بينهم قبل أن يبلغوا. جابر: من كان في حجره يتيم له مال أخرج زكاته. وكلّ مال لا يُزكّى فهو خبيث. (2/278)
صفحة 801
موسى: يؤخذ وصيّه بزكاة ما بيده من ماله، وإن كان له حلي لا تُعرف كميّته أو مال غائب لا يعرفه، وكُره أن يتعرّض له إلى بلوغه أعلمه إذا بلغ ولا عليه، وإن أخبره أنَّه لم يزكّه فيما مضى وقد وجبت فيه لزمه إخراجها.
ومن أتى واليا بزكاة وقال له إنّها من مال يتيم عندي، وقد شهر المال أخذها منه ولا يقبل قوله إنّ هذا المال لفلان اليتيم وقد خلا له كذا وكذا ولم تؤدّ منه، ولكن يؤخذ المال بإقراره له، فإذا حال عليه الحول مذ أقرّ [334] به أُخذت منه إذا بلغت فيه، وعليه تصديق وصيّه أنَّه لم تؤدّ إن كان أمينا.
فصل
أبو الحسن: من بيده ألف درهم ليتيم أو غائب ويزكّيها حتّى بلغ أو قدم فأدرك منها مائتين فطلب ماله فلا غرم على وصيّ اليتيم أو وكيله، وأمّا الغائب فإن أمر وكيله بأدائها جاز له وإلاّ فلا حتّى يقدم لأنَّه لا يدري حاله، وإن كان عنده أنَّه أقرّ أنّ ذلك المال له ثمّ غاب فيدعه بحاله حتّى يقدم، ولا ينبغي له أن يضمن مالا يؤدّي زكاته، فإن حاكمه فيه فأقرّ أنَّه لم يأمره (73) بأدائها وأنَّه يزكّي هو ماله أو زكّاه فليغرم في الحكم لا إن أمره. وإن كانت تلك الدراهم بيده فأقرّ بها عند وال فكان يأخذ منها حتّى عادت إلى مائتين فلا غرم كما مرّ على وكيل اليتيم، وأمّا في الغائب فليس لوكيله أن يتقدّم إلى الوالي على أخذها من ماله حتّى يقدم إذ لا تُزكّى نقوده حتّى يقدم إذ لعلّه حدث عليه ما يزيلها عنه، وتؤخذ من ثماره ومواشيه إن كانت بيده.
ومن بيده دراهم فأقرّ لوال أنّ فيها زكاة عشر سنين مثلا، فإن أقرّ أنَّها له أخذها منه كذلك، وإن أقرّ أنَّها ليتيم وكان وكيلا له ــ وإن من الجماعة ــ فإن دفعها له أخذها منه وإلاّ فلا يتولّى قبضها لعشر سنين بإقرار الوصيّ أو الوكيل. وإن أقرّ أنَّها لغائب تُرك حتّى يقدم إلاّ إن أمره بإخراجها فيجوز له، وللوالي قبضها منه. (2/279)
صفحة 802
ولا يلزم أمينا إخراجها من أمانته.
أبو سعيد: إن وجبت في زراعة غائب أو مفقود وعلم الجابي بها أخذها منها حال إجبار الإمام عليها كما مرّ، وليس له قبضها إن كان لا يُجبر عليها إلاّ بإذن ربّها أو وكيله على ذلك. وكذا إن لم يعلم وجوبها فيه لم يكن له ولا لغيره قبضها منه إلاّ بالإذن أو الإجازة له، أو يقرّ أنّ ما بيده زكاة.
فأحكام مال المرأة في البيت فيها كالغائب والمفقود.
وإن قدم أو بلغ اليتيم فسلّم إليه رجل ألفا فأخبره أنَّها لم تُزكّ ولم يعرف كم وجبت فيها ولا كم من سنة احتاط في إخراجها كما مرّ.
وقيل: من كان ببلد وله وكيل بعمان بيده له دراهم تجب فيها جاز للمزكّي طلبها منه فيها، ولو غاب وأخذها منه إلاّ إن قال له: إنّ على الغائب ديْنا وإلاّ فليس عليه أن يسأله، لأنّ الوكيل بمقامه، فإذا لم يحتجّ أُخذت منه.
وللشريك والعامل للغائب واليتيم أن يزكّيا ثمارهما عنهما (74) احتسابا.
ويقيم الحاكم ليتيم لا وصي له ولا وكيل وكيلا يزكّي ماله، وكذا الأعجم والمعتوه والكبير الزائل العقل.
وقيل: من بيده مال لغير حاضر يتصرّف فيه جاز أن تؤخذ من يده زكاته إن أمن أنَّه لا يتصرّف فيه إلاّ بالإذن، وإلاّ أو اتُّهم اختير لمن علم ذلك منه أن لا يأخذها منه.
ومن غاب شريكه في مال وأَخبر أنَّه زكّاه، فإن أمن عند الغائب على إخراجها عن حصّته فله تصديقه، وقيل: لا يجزيه حتّى يكون ثقة.
وإن كان بين يتيم وبالغ غير ثقة مال فأثمر، فإن أخرجها منه جاز له ولمن علمه أخذها منه، وقيل: لا. (2/280)
صفحة 803
الباب الثالث عشر
في زكاة مال الأولاد وحمله على مال الوالدين، وفي مال العبد
أبو عبد الله: من له بنون ولهم حليّ ودراهم، فإن وجبت فيها وكانوا في حجره حملوه عليه ولو أصابوها من غيره أو بلغوا أو بعضهم. وإن لم يكن من بلغ في حجره حمل عليه ما استفادوه منه دون ما كان من غيره. ومن نحل صغاره حليّا ونواه لهم فإن احتاج إليه أخذه ويحمله على ما بيده، وإن زكّاه منه جاز له.
ومن عليه لولده دراهم فليحسبها مع زكاته لأنَّها كمالِهِ إلاّ إن أبرأ منها نفسه قبل أن تحلّ. وإن كان بعد ما لزمته فيها عُدّت عليه مع زكاته.
ويُحمل على الرجل أولاده إن كانوا في حجره، ويُحمل بعضهم على بعض أيضا إن كان الحليّ [335] (75) من عنده، وإذا بلغت على كلٍّ منهم أُخذت منه، ويتولّى الأب أداءها من مالهم.
وإن ارتدّ والد الصبيّ وله مال ففيه الزكاة، فإن أسلم أحد والديه تبعه ولزمت في ماله. ومن له معتوه بالغ بان منه قبل أن يعته فلا يُحمل ماله على مال أبيه فيها، ولا تُقبل من صبي إلاّ بإذن أبيه.
وإن كان لجارية حلي من أحد أبويها حُمل على مال من كان من قبله منهما؛ وكذا الغلام، ولا يُحمل على مال أمّها ما اكتسبته من قبل غيرها، فإن أخرجتها هي من مالها وإلاّ أخرجها عنها أبوها منه أو من مالها.
ومن منح ولده أرضا فزرعها فلا تُحمل زراعته على ربّ الأرض، فإن بلغت فيها على الولد أخرجها إن لم يكن في حجر أبيه، وحُمل على زراعته إن كان فيه.
ومن كان لأولاده في حجره حلي ولا مال له تجب فيه ولا ما يضيفه إليهم وأخّر زكاتهم عن وقتها قال أبو علي: لا يكون كماله إلاّ إن كان من عنده. (2/281)
صفحة 804
أبو عبد الله: من له ولد ولولده ولد، وللكلّ مال حُمل ما للولد على مال الوالد إن كان في حجره، ومال ولده عليه أيضا حتّى يحمل الكلّ على الأكبر، فإن مات الأوسط لم يُحمل مال ولده على مال الجدّ.
ومن له ولدان ورثا مالا وقسماه ثمّ رجع أحدهما إليه في معيشته، وماله ممتاز عن ماله فالصبيّ ماله محمول مطلقا، والبالغ إن كان في حجره.
فصل
أبو سعيد: مال العبد لسيّده ومحمول على ماله، ومتعبّد بزكاته وله أن يأذن له أن يزكّيه إن اِئتمنه، وإن أعتقه وبيده كثير لا يزكّيه سنين وملكه له حُسب عليه من حين ملكه إلى الحول فيزكّيه، وما مضى على سيّده؛ وإن أعتقه وبيده مال فإن كان ظاهرا ولم يستثنه عند عتقه فهو للعبد، وإن كان مستترا فلسيّده ولو لم يطلبه. وقيل: كلاهما له إن لم يشترطه العبد، وقيل: عكسه. وإن كان المال بيده ولا يزكّيه سنين فعليه زكاة الكلّ عند من يراه له حتّى يشترطه السيّد عليه، وعند من يراه له فعليه ذلك، فإن لم يعلم أنّ بيد عبده مالا لزمه أن يخبر به سيّده حال العبودية أو العتق، لأنّ الزكاة شريكة وأمانة عند من كان المال بيده، فإذا علم العبد وجوبها فيه ولم تؤدّ حتّى صار له بها لزمته فيه لعلمه بأنَّها فيه. (2/282)
صفحة 805
الباب الرابع عشر
في زكاة المتفاوضين
وهما اللذان خلطا أموالهما، وحدّ المفاوضة ــ قيل ــ إذا باع أحدهما مال صاحبه لم يغيّر عليه، والأحسن أن يُقال: هو أن يبيح كلٌّ لصاحبه ماله، ثمّ هل من شرطها الاِشتراك في الأصول أيضا أو في الفائدة فقط؟ قولان، وفيها في "النيل" كلام حسن. وقيل: هي بين الزوجين بأن يخلطا تمرتهما (76) ولا يتحاسبان عليها، ولا يسأل أحدهما صاحبه عن شيء، فحينئذ يصحّ الحمل إلاّ في الورق، فإنّه لا مفاوضة فيه، ولو كان لأحدهما خمسة وتسعون ومائة ثمّ خلطها في مال الآخر ما لزمته فيها.
أبو الحواري: إن قسم إخوة مالهم وعرف كلٌّ منابه، وأخذوا عاملا فيه لهم، فإذا داسوا تفاوضوا في طعامهم ومؤونتهم، فإن كان لكلٍّ منهم ما يلزمه من الماء والبذر فليسوا بمتفاوضين، ولا تلزمهم ولو جمعهم الطعام حتّى يكون كلّ من الماء والبذر واحدا فحينئذ يصحّ الحمل، وتلزمهم إن بلغت النصاب.
وإن وُلّي الزوجُ أمر مال زوجته بلا إذنها يتصرّف فيه فهو مفاوضة، ويصحّ الحمل وإلاّ فعلى كلٍّ ما لزمه.
وعامل المتفاوضين تبع لهما، وقيل: لا إلاّ إن أصاب في حصّته ما تجب فيه، وبه قال عزّان.
وإن زرع أخوان أرضا مقسومة بينهما ولهما عمل في أخرى فإذا جمع مالهما منه ومن الزراعة بلغت فيه، فإن كانت مخلوطة وتفاوضا جمع العمل إليها وأُخذت من الكلّ، وإن عرف كلٌّ منابه منها ثمّ يجمعانها ويأكلان فلا حمل حتّى يكون في مناب كلّ ملكه فيه.
وإن كان لامرأة جمل ولزوجها أربعة لزمتهما إن تفاوضا. (2/283)
صفحة 806
ولا مفاوضة ــ قيل ــ إلاّ في الثمار، وإن افترقا أو مات أحدهما قبل الحصاد بطلت، وإن وقع ذلك بعده أو بعد الإدراك وجب الحمل. أبو الحواري: إن تفاوضا ولكنّه لا ينفذ كلّ منهما في مال صاحبه إلاّ بإذنه وكانا على حلّ بينهما، فإن تميّزت تمرة كلٍّ بطل الحمل وإلاّ صحّ. أبو سعيد: إنّها بينهما كالإباحة، والإدلال فيما بينهما لأنَّها ليست من طريق الفعل من ربّ المال، وإنّما هي الترك والسخاوة والحلّ من آخر.
وكلّ ما وقعت فيه طمأنينة من إزالة أصل أو إباحة ثمرة فهو مفاوضة، وتكون بالكلام بمعنى الحلّ والإباحة، وبالترك والتسليم بما تطهر به القلوب وتسكن إليه النفوس. فلو قايض أحدا بمال زوجته وقد حضرت ولم تنكر عليه جاز لهما ما فعلا، فإذا ثبت من أحدهما لصاحبه جاز فعله في ماله بحكمها، ويكون المال لمن أخذ منه البدل من الزوجين في المحيا والممات حتّى يصحّ غيره؛ فإن قايض عالما بمفاوضتهما ثمّ أنكرتها انتقض القياض في الحكم، وجاز له حلالا عند الله لعلمه بأنَّها فاوضته.
فصل
من تزوّج لابنه ومنزلهما وطعامهما واحد ولكلٍّ مال معروف ولم يبلغا النصاب أو أحدهما لزمت بالغه.
ابن روح: إن تفاوض الزوجان ولهما معا منافع أموالهما، وقام بمؤونته أحدهما أو كلاهما على المفاوضة وجبت في المالين إذا جُمعت ثمرتهما وبلغت فيها. وعند وائل وموسى أنّ على الرجل أن يزكّي ما سدّ عليه باب بيته من بنيه وزوجته إن فوّضته، ولا تلزمه في حليّها عند بشير.
وإن تكفّلت ــ قيل ــ بيتامى أمّهم فدفعت أرضهم لعامل فخلط زرعها فبلغت في جملته لم يلزم اليتامى ضمّه حتّى تبلغ في نصيب كلٍّ، ويجب الحمل بالمفاوضة، وقيل: لا إلاّ بالمشاركة في أصل وثمرته. وقيل: إن اختلطت ويفعل الزوج فيها ما شاء (2/284)
صفحة 807
ولا رأي لها فيها فهي المفاوضة فيها، ولكلّ أصله إلاّ أنَّه قام على المال، ولا يجوز فعله في الأصول.
وإن تفاوضا في بعض المال وجب الحمل فيه فقط، وغيره إن وقع في نصيب كلٍّ ما إن جمعه إلى ما هو له ممّا فيه المفاوضة وجبت فيه زكاة وإلاّ فلا.
وقيل: إنّما الحمل بين المتفاوضين في الثمار والماشية فقط لا في النقود، وقيل: ولا في الماشية أيضا، وقيل: لا حمل بينهما في شيء لما روي: لا يُجمع ولا يُفرّق. (2/285)
صفحة 808
الباب الخامس عشر
في زكاة الوصايا وفي مال ميّت وجبت فيه
ابن محبوب: من أوصى لحجّ بمال فمكث عند الوصيّ عشر سنين لا يزكّيه لزمت فيه. وعلى كلّ موضوع زكاة، وعند غيره إن عُيّن وأوصى به في وجه من البِرّ لم تلزم فيه. أبو مروان: من أوصى بنخل للفقراء والأقربين ولزمت في ثمرتها إذا جُمعت فلا زكاة فيما للفقراء إن لم يعينهم. وما كان للأقربين فإن كان لأحدهم ما تلزمه فيه إذا جمعه إلى منابه من النخل أدّى عنه إن كان من أهلها.
ومن دفع ــ قيل ــ إلى رجل ألف درهم وأوصاه أن يدفعها إلى عشرة أنفس حين يموت فطالت عنده بعد موته لم يلزمه أن يزكّيها.
هاشم: إن حلفت امرأة بصدقة مالها فحنثت فقُوِّم بمائتين فطلبت إليها في حليّها، فلا يُرجع لها إن كانت لا تعطيهما ممّا عليها. قال خميس: وهذا يدلّ على أنّ الكفّارة ديْن في الذمّة لأنَّها من المال وإلاّ لما وجبت فيه زكاة.
وقيل: من أوصى بحجّة في ماله فباع وصيّه منه بأربع مائة فدفعها لمن يحجّ عنه بها فبقي حتّى حال الحول عليه أو أكثر [337] لم تلزمه فيها.
أبو الحسن: من أوصى بوصيّة في محدود من ماله فباعه الوصيّ أو الورثة وبقي بيده إلى الحول لزمت فيه إن كانت من وصايا البِرّ، وليس كموص بدراهم معيّنة لحجّ أو غيره إذ لا زكاة فيما يميّزه الموصي. وقيل: من أوصى بحجّة أو غيرها من البرّ لم تلزم فيها إن ميّزها قبل موته ولو كثرت وبقي منها بعد قضاء الحجّ، وما أوصى به في ماله فميّز بعده وبقي إلى الحول أُخرجت زكاته. وعلى الوارث أن يجبر النقص من الثلث، وإن أنفذ في الوصايا لم تلزم في حَجّة ولا في غيرها، فإن أخذها المصدّق ولا ثلث يردّ منه لزمه الردّ. وإن تلف المال بعد أن أخذها وبقي ما نقص من ثلث الوصايا ناقصا لم يلزم المصدّق ردّ لأنَّه أخذها حين وجبت له. وإن قبض الحَجّة من يحجّ بها وضمنه (2/286)
صفحة 809
الوارث أو غيره إياها لزمته بدوران الحول عنده لا الوارث أو الوصيّ. وإن أخذها على أنَّها عنده للوارث يحجّ بها لا على الضمان لها، فإذا حجّ أعطاه فزكاتها على الوارث لا (77) عليه. وإن أخذ الدراهم منه وقاطعه على الحَجّة لم تلزمه فيها إن تلفت، وإن بقيت بيده حتّى حلّ وقت زكاة المال فهي على الوارث في الثلث لأنّ المال بيده أمانة، فإذا حجّ استحقّه بالأجرة، وإن جاء وقتها وقد استحقّها لم تلزمه، ولا الوارث فيما مضى.
وفي الأثر: ومن أوصى بحجّ أو غيره وميّزه في حياته وجعله وصيّة لم تلزم فيه. وإن أوصى به في ماله وميّزه بعده لزمت فيه عند الحول أو وقت الوارث بالحمل، وعليه أن يتمّ النقص من الثلث، ولا زكاة إن نفد. الوضّاح: من أوصى في ماله بحَجّة فقال: هذه الدراهم بعينها حجّة لم تلزم فيها وإن كانت أكثر ممّا أوصى به، أو له ديْن لزمت في ذلك إلى أن يحجّ عنه.
وإن فرّط الوصيّ في إنفاذها حتّى نقصت في الزكاة وقد وجد من يخرج بها، فإن كان في الثلث فضل زيد منه فيها مثل ما نقص، وإن نفد غُرم الوصيّ.
ومن أوصى لأولاده بعشرة آلاف صداق أمّهم أو ديْن عليه فلا يزكّونها إلى تمام الحول من الإيصاء بها ثمّ هي على كلٍّ في منابه.
ومن أوصى بثمرة قطعة من ماله للفقراء وقد أدركت زكّاها من ماله، ولا زكاة فيها إن لم تُدرك. وقيل: إن كانت الحَجّة من الثلث واستفرغته الوصايا لم تلزم فيها. وإن قال كلٌّ من الورثة: أنا أحجّ بها أُعطيت أوثقهم، وإن بقيت بيد من أخذها سنين لزمته عليها.
فصل
ابن علي: من مات بعمان وله فيه مال ووارثه بالبصرة فلا تؤخذ منه حتّى يُسأل عنه أعليه ديْن أم لا؛ وتؤخذ بلا سؤال عند الأزهر. وقال أبو زيّاد: إن مات قبل (2/287)
صفحة 810
شهره تُركت حتّى يُسأل عنه وارثه، وإن مات بعد دخوله أُخذت منه. وعند ابن تميم: من مات وترك مالا قبل وقته فبقي حتّى حلّ وبيع من تركته شيء ثمّ جاء وقته حُمل ما بيع على ما ترك فتؤخذ منهما.
ومَن أدّى زكاته خمسة دراهم أُخذت من المال كلّه، وإن بيع له شيء من ماله حُمل ثمنه على الذي يزكّيه حتّى تنقطع منه؛ وقال خميس: ينظر في هذا. أبو علي: من مات قبل وقته فإن قسم المال تلزمه فيه حتّى يحول الحول على كلّ من ورثته، وتبلغ في منابه ويحمله على ما عنده إن كان له قبل، وإن لم يقسم حتّى جاء وقت الميّت أُخرجت منه. وإن كان ما تركه طعاما لتجر أخرج الوارث منه مؤونته لسنة، وللتاجر نفقته وعياله إلى ثمرة أخرى إن مات ربّ المال قبل الحول، فإن لم تجب في مال الميّت لم تلزم فيه ولو بقي سنين لم يقسم إلاّ إن وصل النصاب لكلّ وارث منه، أو كان يؤدّيها من الورق فيُحمل في وقته مذ لزمته عن كلّ.
وقيل: من مات قبل وقته وترك مالا تجري فيه فلا يزكّى عند من صار إليه حتّى يحول الحول عنده، وقيل: إن بقي مجتمعا حتّى جاء وقته فإنّه يزكّى واختاره بعض.
أبو عبد الله: من مات وله زرع لم يحصد وجبت فيه إن بلغ النصاب إلاّ إن قسم شجرا، وإن مات بعد حصده وقد وجبت فيه فليس لوارثه إلاّ تسعة أعشاره، وإن مات قبله أو قبل دوسه فأوصى بديْن عليه أن يقضى من زراعته فداسه وارثه فبلغ النصاب لزمت فيه.
وكلّ مال لا وارث له فلا زكاة فيه؛ قلت: ولعلّه من حيث أنَّه يرثه بيت المال.
ومن مات وترك مالا وولدا مملوكا فلا زكاة ــ قيل ــ فيه حتّى يعتق أو يشرى به [338] ويصير إليه، ولا يزكّيه على ما مضى إلاّ إن كان الميّت يؤدّي عنه ثمّ بقي بعده مجتمعا حتّى جاء وقته فتلزم فيه إن كان له وارث حرّ.
واختُلف فيمن مات بعد وجوبها في ماله فعندنا إذا صحّ أنَّها لم تؤدَّ (78) منه أخرجت على القول بأنَّها شريكه فيه ولو لم يوص بها، وعلى القول أنَّها مضمونة في الذمّة أنَّه إن أوصى بها فقيل: هي من رأس المال، وقيل: من الثلث. وكذا إن لم يوص (2/288)
صفحة 811
بها، وصحّت عليه، وقيل: هي مقدّمة على سائر الوصايا إلاّ ما كان مثلها من اللوازم، فإذا أوصى بوصايا ونقصت عن الثلث ابتُدئ باللوازم، وقيل: كلّها ثابتة منه سواء، (79) وعليه فتحاصص كما سيأتي. (2/289)
صفحة 812
الباب السادس عشر
فيمن ميّز زكاته أو بعضها ثمّ استفاد أو لم يجد من يأخذها منه
فقيل: من أخرج زكاة ماله فبقي عشرة دراهم ثمّ استفاد آخر، وأنفق جزءا من ماله قال أبو عبد الله: يحسبه وما استفاد، ثمّ يزكّيه إن بقي عنده شيء منها، وقيل: ولو زكّى ورقه وبقي عليه درهم منها ثمّ أخذ من غلّته أربعين أو تسعة وثلاثين فأنفقها لزمته فيها. أبو سعيد: هذا إن بقي عليه شيء منها لم يؤدّه. سليمان: إن (80) أدّاها ثمّ انقطعت عنه سنين وبقي بيده عشرة أو أقلّ ممّا كان يؤدّيها منه ثمّ استفاد مالا فعليه أداؤها في شهر يؤدّي فيه قبل.
وعند أبي زيّاد: إذا دار شهره وانقضى وليس عنده من عين ما تجب فيه زال وقته الأوّل، ومتى ملكه ودار عليه الحول زكّاه وكان الأخير وقته. وقيل: إن ذهب ما يؤدّي عنه قبل وقته فبقي عنده أقلّ من أربعين ثمّ استفاد مالا كان وقته وقت المفاد إلاّ إن بقيت أربعون لأنَّها الأصل، وقيل: ولو درهم، وقيل: شعيرة فوقته الأوّل.
ابن محرز: من حلّت زكاته في رمضان فحسب فإذا عليه عشرون، فأعطى عشرة حتّى جاء فحاسبه المصدّق وأخذ منه العشرة فأرجو أن لا يلزمه غيرها، ويزكّي السنة الثانية، وإن لم يحاسبه وأعطى بعضها فقط حسب زكاة السنين، وقيل: يزكّي ما لزمه في الأولى عن أصل ماله وعن ربحه إلى أن دارت الثانية لأنَّها ما بقي درهم منها لم يؤدّ تلحقه فيما استفاد ولو من غير ذلك المال، وإنّما الخلف إذا ميّزها ولم يدفعها، فقيل: لا ينفعه تمييزها ما لم تصل أهلها، وقيل: إذا ميّزها فهي زكاة ولا تلزمه في الفائدة، ويزكّيها إذا لم تميّز. (2/290)
صفحة 813
أبو عبد الله: من حضر وقته وهو في بلد ليس فيه أهلها حسب زكاة ما بيده وميّزها، فإذا وجدهم سلّمها إليهم فما استفاده بعد التمييز فإنّه لا تلزمه فيه، وإن تلفت قبل دفعها إليهم ضمنها ولو عزلها.
وقيل: من لزمته في ورق ولم يخرجها كلّها لزمته فيما استفاد بأيّ وجه كان، وإن أدّاها لم تلزمه فيه حتّى يحول وقته، وقيل: الحول. أبو سعيد: من له مال يزكّيه لزمته فيه إذا حال حوله، وفيما استفاد من مثله كذلك. وتجب في كلّ فائدة فيما تجب فيه إن لو كان غيرها قبل الحول أو بعده قبل أن يزكّي كلّ ذلك. أبو عبد الله: تحلّ عليه من شهر استفاد فيه المال إلى أن يدور. أبو سعيد: من له مال تجري فيه وانقضت منه في معتاده زكاته فيه ثمّ تلف مع ما بقي منها فيه ثمّ استفاد أقلّ من النصاب إن لم يحمل عليه الباقي منها فلا تلزمه في ذلك إذ حال معتاده لزكاته، لأنّ ذلك عليه لا له؛ وإن قامت بعينها وقد ميّزها من ماله ثمّ تلف ثمّ استفاد فائدة، فإن حمل عليها المميّزة من الأوّل وجبت فيهما، وإن لم يحملها لم تبلغ في الفائدة فهل تلزمه [339] زكاتها إذا حال ما يزكّي فيه ويكون كباق ممّا تجب فيه قبل؟ قال: فإن كانت من المال فهي منه ما لم ينفّذها لأنَّها في ذمّته، وقد لزمته فيه إن استفاد قبل انقضاء وقته، قيل له: فإن حال حوله فلم يؤدّها وقد ميّزها حتّى حال ثان فأنفذ زكاته لا المميّزة ثمّ تلف المال كلّه ثمّ استفاد قبل الحول ما تجب فيه إن حمل الأولى عليه، وإلاّ لم تجب في ماله، قال: لزمته لأنّ المميّزة ماله حتّى يؤدّيها، قيل له: فإن كانت عنده مائتان يزكّيهما (81) كلّ سنة في معيّن فحال ولم يزكِّ (82) حتّى مضت له أشهر بعد حوله واستفاد فيها فائدة، فقيل: عليه أن يحملها عليهما ويزكّي الكلّ ما لم تنفد المائتان، وقيل: عليه زكاة الحول الأوّل خمسة دراهم لا الثاني لنقصان الخمسة، وهي الزكاة إذا لم يستفد ما يجبرها به إلى الوقت، قيل له: فإن كان يستفيد في سنة ويذهبه في حاجة فحال الحول ولا شيء بيده إلاّ المائتان فهل عليه أن يُخرج زكاة الحولين إن كانت الفائدة فيما يجبر به الزكاة وبقيت بيده إلى الحول؟ قال: قيل ذلك، قيل له: فإن حال معتاده ولم يزكّ حتّى حال ثان فزكّى عنه لا عن الأوّل فهل تكون الأولى ديْنا عليه، (83) ولا تلزمه فيما استفاد (2/291)
صفحة 814
بعد أن زكّى الثاني لأجل زكاة الأوّل أو تلزمه، وتكون فيه الفائدة كحول واحد ما لم يزكّ؟ أختار أنَّه إذا زكّى لحول وجبت فيه انقطعت أحكام ما مضى من دخول زكاة الفائدة إلاّ ما لزمه من زكاة فائتة وفوائد ماضية. وكذا قيل فيمن لزمته في رمضان ولم يؤدّها حتّى حال الحول أنَّه تلزمه فيما استفاد في سنته من كلّ شيء، قيل له: فإن حال ثان فلم يزكّ فعند رمضان الثاني أخرج زكاة التي هو فيها، فهل تلزمه في الفائدة في السنتين أم تكون زكاة الماضية ديْنا عليه، ولا تجب في الفائدة في الثانية إلاّ أن أدّاها بعد إخراجها في الماضية، ولا تلزمه فيما استفاد زكاة سنته الأولى، اِختار أيضا أنَّ من لزمته فلم يؤدّها عمّا استفاد ولم يدفعه في ديْن على القول بذلك ففيه الزكاة، فإذا أخرج ما لزمه في الثانية ولو لم يؤدّ عن الأولى عن فائدتها انقطعت عنه أحكامها في المقبلة في الفوائد إلى حلول وقته، وتلك ديْن عليه. قيل له: فإن حلّ ولم يؤدّها ثمّ باع شيئا بديْن فهل يكون فائدة يؤدّي عنها؟ قال: إن باع متاعا جرت فيه أو طعام تجارة فهي في الأصل لأنَّه قد حلّت فيه بعينه وباعه بعد أن وجبت فيه. وما كان من أصل لا تجب فيه، فقيل: تلزم فيه ولو إلى أجل عند إخراج زكاته، وقيل: لا حتّى يقبضه أو يحلّ ويمكنه أخذه فتلزمه لما مضى، وقيل: لسنته، وقيل: لمقبلة كالفائدة.
ومن لزمته في حليّ وله دراهم استفادها لزمه إخراجها من الكلّ. (2/292)
صفحة 815
الباب السابع عشر
في زكاة الورق
وهي الفضّة ولو مضروبة، ولا تُسمّى المكسّرة ورقا، وتسمّى به الدراهم؛ فمن عنده مائتان وحال عليها حول أدّى عنها خمسة ثمّ لا شيء عليه إلى أربعين ومائتين فيعطي ستّة ثمّ لا شيء إلى أربعين أخرى، ثمّ في كلّ أربعين درهم. ولا تجب في غير الذهب والفضّة من الجواهر، ولا فيما دون النصاب؛ فيلزم في نصاب الذهب نصف مثقال، وفي نصاب الدراهم خمسة. ومن له مائتان وعشرون دينارا (84) يحلّي بها أولاده فإنّه يزكّي عن كلّ ما وجب فيه أو أفضل منه. وإن أخرج عنها دراهم بالصرف والقيمة جاز عند بعض. وإن استوى الكسور والصحاح في السعر فأخرج الكسور عنها فلا شيء عليه إن استوى النقد كلّه لا إن اختلف، إلاّ إن زاد في القيمة بقدر ما يكون قيمة لما يلزمه من زكاة.
ومن لزمته في ذهب وفضّة وعنده حليّ رديء فإنّه يزكّي منه أو من قيمته بالصرف.
ابن أحمد: من باع بضاعة له بمائتين إلى أجل فلمّا حلّ أخذ بها أخرى وباعها أيضا كذلك بثلاث مائة وحال الحول وليس عنده إلاّ الديْن، فإذا حال بعد أن ملك مائتين أو عوضها من تجارة فإنّه يزكّي.
ومن عنده من العينين أو التجارة ما تجب فيه فمضت سنون ولم يعرف أي شهر ملك ذلك ولا كم مضى له احتاط كما مرّ.
ومن عرف زكاته من العينين فكان يتصدّق منها عن لازم بلا زيادة لم يجزه إلاّ إن نواها عند الدفع كما مرّ، وإن ميّزها وأدّاها بعينها أجزاه حتّى [340] ينوي بها غيرها. (2/293)
صفحة 816
ومن عنده دراهم أخرج مزيّفها وبقي جائزها في بلده ووقته أدّى عن كلّ ما يجب فيه وعمّا دونه لا إلاّ دون عن الأفضل إلاّ بالصرف، وقيل: لا يجوز، ولا يُعطى من صنف وجبت فيه إلاّ بقدره أو أفضل منه، وكذا الذهب يخرج عنه منه أو أفضل منه لا دونه إلاّ به أيضا.
أبو عبد الله: من عنده خمس مائة يزكّيها فاشترى بها طعاما أو سلعة فباعها بألف إلى أجل خمس سنين يحلّ لكلّ سنة مائة أيؤدّي زكاة خمس مائة حتّى تنقضي خمس سنين ثمّ يُعطي من الربح كلّما أخذ مائة أم لا يعطي إلاّ ممّا حلّ له؟ قال: يقوِّم ما اشتراه إذا جاء وقت زكاته، ثمّ تؤخذ من قيمته، فإذا حال الحول قوَّم أيضا وأخذ منه كالماضي، وتُطرح عمّا تلف من المال، وتؤخذ من باقيه كلّ سنة حتّى يحلّ الأجل إن كان الديْن على مِلِّيٍّ.
ومن باع ما تجب فيه من ثمرته بدراهم وحال الذي يزكّي فيه ورقه حملها عليه وزكّى الكلّ. (2/294)
صفحة 817
الباب الثامن عشر
في زكاة الديْن والمقاصصة منه، وفيمن يزكّي عن غيره
فمن لزمته في وقت معيّن فأقرض فقيرا درهما فلمّا حلّ حسبه من زكاته وأبرأه منه لم يجزه عند بعض إن لم يكن على تسليم أو مقاصصة.
وإن اشترى فقير من رجل ثوبا ووعده آخر أن يعطيه من زكاته ما يقضي به ثمنه (85) فوكّل من يقضي له من صاحبها إذا حلّت فمات الفقير قبل حلولها لم يجز أخذها إذا حلّت بعده وقضاؤها عنه، ولكن إن وكّل فقيرا وأخذها لنفسه ثمّ قضاها عنه جاز.
وإن كان على فقير ديْن ولزمت رجلا فقال له الفقير أقض (86) عنّي فلانا كذا وكذا درهما ديْنا له عليّ من زكاتك، ففعل قبل أن يقبضها الفقير فعند من يرى جواز الوكالة في قبضها أنّ القابض لها من ديْنه يأمر الغريم أن يقوم مقام الوكيل، وقام أمره مقام الوكالة، وإن لم يأمر الفقير ربّ الديْن أن يقبض ممّن لزمته إلاّ أنَّه قال للغريم: إنّ فلانا أمرني أن أسلّم إليك كذا وكذا درهما من زكاتي قضاء لك في ديْنك عنه جاز على ما مرّ إذا قبض ربّ الديْن من ذي الزكاة عن غريمه، والأحسن أن يأمر الغريم صاحبها أن يأمر ربّ الديْن أن يقضي عنه منه كذا وكذا من ديْنه ليكون أقوى في الاِطمئنان، وأحكام الوكالة عند من يرى ذلك.
وإن قال ربّ الديْن للغريم: أقض ديْني وأعطيك إياه من الزكاة جاز لأنَّه مخيّر بعد القبض في ذلك بالإعطاء وعدمه.
أبو سعيد: لا يجيز الأكثر لصاحبها أن يقاصص فقيرا بماله عليه من زكاته، ولا يضعه له على إبراء منه، وقيل: يجوز ذلك، فإذا جاز فله وضع الكلّ أو البعض، وإن أعطاه ما عليه ثمّ أعطاه إياه من الزكاة أو أعطى ربّ الديْن الفقير من زكاته ثمّ قضاه ذلك ممّا عليه جاز ذلك في الحكم، وأمّا من طريق التنزّه في قصد صاحبها إلى إعطائها (2/295)
صفحة 818
الفقير ليعطيه ذلك فلا يحسن عند من لا يرى المقاصصة في الديْن منها، والدفع إليه ليقضيه الدافع له من ديْنه.
أبو الحواري: من عليه زكاة أو ديْن مرجعه للفقراء فباع لهم شيئا بدراهم وجعلها لهم ممّا عليه لم يتخلّص منه ولم يجزه، ولو جاز هذا لجازت الحيلة في الزكاة وفي الحقوق، ويكون على رجل منها عشرون درهما أو أكثر فيبيع على فقير ما يسوى درهما أو ضعفه بعشرين فيرى أخذ ذلك منه لأنَّه إذا لم يأخذه أخذه غيره إذ لم يجب لمعين. وإن وجب لمعين حقّ جاز له أن يقتضي به ما دونه إن كان بالغا عاقلا لا مجبورا ولا مُكرها، ولا مجحودا من حقّه، ولو سدس حبّة عن عشرة دراهم أو أكثر لأنَّه لو شاء أخذه بعينه لوجب له دون غيره، وإن كان ذلك لعامّة الفقراء، فإن أخذه هذا وإلاّ أخذه غيره كما مرّ. وكالزكاة الحقوق التي لهم
وكذا من له على فقير أو مفلس ديْن لا يجد وفاءه منه ولو حاكمه لما حكم له به عليه لم يجز له أن يرفعه من الزكاة، ولا يجزيه إن فعل. وفي الأثر: ومن لزمته وله ديْن على فقير فقال له: أعطني منها فأقضيك ما لك عليّ ففعلا، فإن دفعها له على وجه السؤال له لا على الشرط عليه ليقضيه فأرجو أن يجزيهما ويكون قصد الفقير بسؤاله قضاء ما عليه، والدافع أداء ما وجب عليه وإعانة الفقير به على خلاص ما ابتُلي به لأنَّه لا تحجّر [341] عليه المسألة لما يعينه على أداء ما عليه.
ولا على ربّ الزكاة إعطاء السائل وإعانة الغارم، وإن سأله فأعطاه وشرط أن يقضيه إياه من ديْنه وقبضه وردّه إليه على الشرط فلا بأس بذلك، ويتوبان إلى الله من النية والشرط الفاسدين لأنّ على كلّ منهما أداء ما عليه، ولا نحبّ إدخال الشرط في ذلك إلاّ أنَّهما إن فعلا فلا فساد. قال خميس (87): هو أهون من المقاصصة، وقد اختُلف فيها. وإن سلّم إليه بعض زكاته على أن يقضيه في ديْنه لم يكن لقابضه إلاّ أن يسلّمه فيه، ويشبه الشرط في البيوع، ويكون القابض أولى بما قبض ويبطل الشرط، وقيل: يثبت فإن قضاه في ديْنه وإلاّ ردّه إليه. (2/296)
صفحة 819
فصل
أبو الحسن: من اجتمعت عليه زكاة فذهب إلى محتاج إليها فقال له: أحبّ أن أعطيك منها فهل تحتاج حبّا أو تمرا أو غيرهما أبيعه لك، فأنعم له فباع له ما شاء فلمّا صار عليه الثمن قال له: لي عليك كذا وكذا درهما فينعم فيقول له: هي لك من زكاتي لم يجز له. أبو سعيد: وقيل: يجوز. وإن قال له لمّا صار الثمن عليه أعطيك من زكاتي وتقضيني فينعم، فأعطاه نقدا منها ثمّ قضاه ما اشترى به منه ذلك لم يجز على الشرط. وإن قال له: عليّ زكاة وأريد أن أعطيك منها، أتحبّ الدراهم أو تأخذ منِّي حبّا (88) أو غيره بالسعر؟ فاختار الحبّ لم يجز أيضا. أبو سعيد: وقيل: يجوز أيضا. وإن عرض عليه عروضا فاختارها على الدراهم فأعطاه العروض (89) لم يجزه على المعمول به.
وإن بايعه طعاما أو عروضا ونواه من زكاته ولم يطّلع هو على ذلك فلمّا صار عليه الحقّ قال له: لي عليك كذا وكذا درهما، فينعم له، فيقول له: هي لك من زكاتي لم يجزه على هذا الوصف أيضا، ولا يرفع الديون من الزكاة. أبو سعيد: وقيل: يجزيه.
وإن باع من عليه زكاة لفقير نخلة بعشرة دراهم وجعلها له منها رجى الأزهر أن يجزيه ذلك، وقيل: لا حتّى يدفعها له.
أبو سعيد: من عليه زكاة وعنده عبد نسّاج فنسج لفقير ثوبا ولم يأخذ منه مزّا ورافعه في نواه ممّا عليه منها من مزّ ثوبه ولم يعلمه، فقيل: لا يبرأ. وإن ترافعا فقيل: يبرأ، وقيل: لا. فمن قال يبرأ يقول له: قد قاصصتك بما عليك من مزّ الثوب وهو كذا وكذا بما عليّ من الزكاة، وإن قال له: قد رافعتك جاز على ما قيل في المقاصصة.
ومن أمر غير ثقة يقبض له زكاة من أحد فقبضها وباعها وسلّم إليه الثمن ففي الإبراء قولان. وإن كان ثقة فمَن لا يجيز الوكالة في قبضها يضمّن الوكيل ما تعدّى فيه، ويلزم ربّ المال أداؤها. (2/297)
صفحة 820
ومن أمر أخاه أن يطني له ماله من غير بلده ويأخذ زكاته فقال له: إنّه أخذها جاز له، وبرئ منها لأنَّه ائتمنه على بيع ماله وأخذه لنفسه، والمرء لا يغشّ نفسه ولو غير ثقة إلاّ إن استخانه فيحتاط. وإن قال له: أطنيت مالك بكذا وكذا، فقال له: خذ زكاته وسلّم إليّ الباقي ففعل جاز، وبرئ لأنَّه أخذ بنية الآمر.
ومن له على فقير ديْن فأعطاه دراهم من زكاته فهل له أن يطلب إليه حقّه منها بعد قبضها؟ فقيل: لا ينبغي له أن يعطيه الزكاة احتيالا في قبضه منه لأجْل إفلاسه، ولا أن يحرمه منها وهو محتاج لأجل ما في قلبه من المحنة لأخذ حقّه، ولكن يعطيه لفقره لا لأخذه حقّه، {واعْلمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في أنْفُسِكُم فَاحْذَرُوهُ} (سورة البقرة: 235) وقد تعبّد الله عباده بها وأوجبها عليهم، وهي عبادة ولا نحبّ أن تسقط عنهم بما لم يقصدوا فعله ولا أُمروا به، ولا الزكاة بإخراج أحد عن أحد إلاّ إن أمر به لأنّ العبادة لا تسقط إلاّ بنية ممّن تعبّد بها.
فصل
من وهبت له زوجته حُبّها قبل أن تزكّيه ثمّ زكّاه عنها ونوى أنَّه لها وقد فوّضته قبل في زكاتها أجزى ذلك عنها.
ومن خرج من بلده وله زراعة لم تُحصد فله أن يأمر أمينة بإخراجها عنه ولو غير ثقة. ومن له شريك وقال له: فرّقتُ زكاتنا جاز إن أمنهم.
أبو الحواري: إن اشترك قوم في زراعة فلهم أن يدفعوا زكاتهم إلى من يفرّقها عنهم ولو أحدهم إن كان ثقة أو أمنوه.
ومن أخرج عنه غيره زكاته بلا أمره وبلا إباحة له وهو مأمون على ما يقوله جاز، وبرئ إذا أتمّ له فعله، وإلاّ فلا يجزيه، ويضمنها هو ومخرجها، ويرجع بها على من دفعها إليه إن وجدها عنده.
ومن ميّز زكاته ففرّقته زوجته بلا أمره فأخبرته فأتمّ لها أجزاه إن دفعتها أهلها.
ومن سُجن وله مال يتولاّه قوم لا يثق بهم [342] على زكاته لم يجز له أن يولّي عليها غير ثقة. ومن أخرج زكاة غيره بلا إذنه إذا علم أنَّه لا يزكّي فإن كان زوجته ومالها بيده فله أن يخرجها منه إن فوّضته كما مرّ وإلاّ لزمتها هي، ولا يخرجها إلاّ بإذنها، فإن أخرجها بدونه وسعه عند الله، وأمّا في الحكم فعليه أن يُغرم إن حاكمته، وإن كان غيرها فليس له أن يزكّي أموال الناس بلا أمرهم إلاّ إن وُكّل أو أمن على ذلك وإلاّ غُرم، ويجزي من أتمّ له وبرئا.
ى مِلِّيٍّ.
ومن باع ما تجب فيه من ثمرته بدراهم وحال الذي يزكّي فيه ورقه حملها عليه وزكّى الكلّ. (2/298)
صفحة 821
الباب التاسع عشر
فيما للمدين من الرفع من ماله قبل الزكاة ونحو ذلك
أبوسعيد: من له مال تجب فيه وعليه ديْن قدره، فقيل: إن كان ما عليه يحلّ قبل حلول زكاته وكان من جنس ما بيده لم تلزمه فيه لاستهلاكه فيه، وقيل: إن كان كذلك وأراد قضاءه في سنته ما بينه وبين الحول لم تلزمه، وإن لم يرده فيها لزمته فيه، وقيل: مطلقا، ولزمه الديْن أيضا عند من يراها شريكة لربّ المال، فإذا ثبتت الشركة لم يستهلك ديْن الشريك مال شريكه، وإذا حلّ وقتها قبل الديْن فهي عليه لسنته، وهذا في النقدين، وأمّا العينان والعروض فتلزم فيها ولا يحطّ منه عن المدين ما يلزمه فيها منها. وقيل: العروض كالنقدين، وقيل: إذا زكّى التاجر تجارته من العروض بالأجزاء لم يُرفع عنه الديْن ولو حلّ عليه، ورُفع عنه إن زكّاها بالقيمة. وإذا ثبت ذلك في نحو العروض لحق الماشية والثمار ولا يتعرّى من الخلاف، والأكثر على أنَّه لا يُرفع عنه ديْنه إلاّ من النقود.
ابن عزرة: مَن عنده ورق وعليه ديْن حال ولا يريد قضاءه لزمه أن يزكّيه ولا شيء عليه عند غيره إلاّ بعد الديْن، وقيل: لزمته إن لم يردّه لسنته، فإن لم يزكِّ (90) فيها على نية أن يقضي منه ديْنه فتركه إلى الحول فعليه زكاة سنته (91) لزوالها عنه إذا أدّى فيها وفيما يستغرقه الديْن؛ وتلزم ــ قيل ــ في الباقي بعده إن كان أربعين أو قيمتها، وقيل: لا إن كان أقلّ من مائتين والكلّ صواب.
ومن فارق زوجته وصالحها على أربع مائة ولها حليّ تزكّيه فلمّا حلّ وقتها طلبت حقّها منه فاعتذر بالعسر، ولكن إذا رفعت عليه استوفته منه وكَرهت الرفع عليه فقيل: تلزمها فيهما، وقيل: لا إن لم تقدر على أخذه منه متى شاءت، وقيل: تلزمها إذا كانت إذا رفعت عليه وصلت إليه. (2/299)
صفحة 822
ابن محرز: من اشترى شيئا في شعبان وشرط (92) على بائعه أن يأخذ منه الثمن في رمضان وهو وقتها لزمته، ولا يُطرح عنه الديْن لأنَّه وجب وقتها، (93) ولو اشترى مالا فيه كرمضان لزمته في ماله قبل الوفاء منه، وقيل: إن طرح له المصدّق قدر الديْن الذي يحلّ عليه في شوال فلا يأثم فيه.
وقيل: من عنده ورق تجب فيه وعليه ديْن فقيل: لزمته فيما فضل عنده عن ديْنه، وقيل: إن أراد قضاءه في سنته فلا عليه إلاّ في الباقي بعده، وقيل: لزمه أن يخرجها من جميع ماله، ولا يرفع منه للديْن شيء إلاّ إن أراده فيها أيضا فيرفع له ما أراده. قال خميس: ولعلّ هذا هو الأكثر؛ وقيل: تخرج قبل الديْن لأنَّها جزء من المال للفقراء، ولا يدخل الغرماء على حقّهم وإنّما يدخلون في مال الغريم.
فصل
لا يطرح من زكاة الثمار ديْن وتؤخذ قبله منها. ومن عليه ــ قيل ــ ألف درهم وله مثلها (94) وأصل قيمتُه عشرة آلاف لم تلزمه.
أبو سعيد: من له ذهب وفضّة تلزمه فيهما فاشترى مالا يحلّ عليه ثمنه في شوال وأراد أن يزكّي ماله في رمضان فهل يُرفع له من ذلك بقدر ما عليه ويزكّي الباقي؟ قال: لا أعلم ذلك، وإنّما قيل يُرفع له ممّا حلّ عليه وقت زكاته، وما حال عليه الحول ولزمته قبل أن يلزمه أداؤه فواجبة عليه كالديْن وهما حقّان لازمان. قيل له: فإذا حلّ قبل حلولها أله أن يرفع بقدر ما حلّ عليه ولو لم يرد قضاءه في سنته؟ قال: قد قيل ذلك مجملا، وقيل: حتّى يريده؛ قيل له: ما حدّها أهو بعد شهر يزكّي فيه إلى حوله ومتى قضى فيما بين ذلك جاز له أم هو سنته التي يقضي فيها؟ اختار أنَّه إلى تحوّلها إن أراد في وقت زكاته قضاءه فيها ولم يمكنه، فإذا حال وقتها من قابل ولم [343] يؤدّ ديْنه لزمه أن يؤدّيها لما مضى لأنَّه لم يؤدّ في سنته، ويكون له أيضا في الثانية ما له في الأولى، وعليه ما عليه، وقيل: ليس له ذلك ولو أدّاه في سنته، ويؤدّيها بجملتها (2/300)
صفحة 823
كالديْن بها، ولا ينفعه وجوبه عن وجوبها لأنَّها حقّ لله وهو للعباد، وكلّ منهما مسؤول عنه وعليه أداؤه؛ قال: ولعلّه قيل إنّها أولى لأنَّها في جملة المال كالشريك، وهو أولى من الغريم ولو لم يف ماله بديْنه. وعند من يجيز له دفعه (95) إن استفاد فائدة في سنته وأتلفها وحال الحول ولم يقض الديْن لسوء فعله وإضاعة واجب عليه فقد لزمته في جملة ذلك.
ابن محبوب: من عليه عشرة آلاف وله مثلها عينا بيده أو تركها بعمان وخرج منه سنين وكان يريد قضاء ماله فيما عليه، فلمّا رجع إليه طلب منه المصدّق (96) زكاة ماضية فاحتجّ بإرادته قضاء ذلك لم تلزمه.
أبو سعيد: من عليه ليتيم مائتان وعنده مائتان فأراد أن يؤدّيه حقّه متى قدر على من يقبضه له، فإذا نوى قضاءه في السنة أو متى قدر على ذلك بلا غاية لم تلزمه فيها عند من يرفع له ديْنه، فإذا حالت ولم يقض لفقد قابضه لم تلزمه في الثانية أيضا، وفرق بين حقّ البالغ وحقّ اليتيم لأنّ البالغ يقبضه بنفسه أو بوكيله واليتيم الذي لا وصيّ له ولا وكيل ولا محتسب يقبض له معذور فيه، فافترقا بالعذر وعدمه. وكلّ ديْن تعلّق بالذمّة والمال فالملزوم به مرفوع له من زكاته إن كان يريد أداءه ممّا بيده في سنته على ما مرّ غير مرّة.
وقيل: من بيده مال وعليه محيط به إلاّ أربعين درهما فإنّه يخرج منها واحدا لا من أقلّ، وقيل: حتّى يبقى له مائتان كما مرّ.
فصل
إن كان عند مشتركيْن ألف وعلى أحدهما أربع مائة لم تلزمه، ولزمت شريكه في منابه، وقيل: تلزمه في المائة.
أبو الحسن: من هلك وأقرّ بحقوق وترك عينا يحيط بها ما أقرّ به فلم يقضه الوصيّ ولا الوارث فحال الحول، فإن كان له من الأصل ما يفضل عن قضائه إذا (2/301)
صفحة 824
أخرج الزكاة من العين لزمت فيها وإلاّ سقطت عنه، وكذا إن كان في ماله وفاء لديْنه إذا أُخرجت منها، وقال الوصي أو الوارث إنّه يقضيه في سنته، وإن حال حول آخر ولم يقضه أيضا وقال ذلك لم يُصدّق واتُّهم وتؤخذ منها، وكذا مال الحيّ. وإن جعل الوارث المال له والديْن عليه أخرجها منه ولو أحاط بمال الهالك من عين وأصل. ومن اشترى مالا قبل وقت زكاته فما أوفاه في ثمنه من رأس ماله لم تلزمه فيه، وما تأخّر من ثمنه يُطرح عنه في الديْن؛ وكذا إن اشترى أصلا أو خادما للاِنتفاع لا للتجارة يُطرح له ثمنه من زكاته ويقوم عليه ما اشتراه لها يوم تحلّ الزكاة، وما اشتراه بعد حلولها لا يرفع له منها ما يقضي به ثمنه، لأنّ ما أتلفه بعده أتلفه بزكاته الواجبة فيه، فلو أتلفه قبله لم تلزم فيه، فإن أخذ ديْنا قبلها أتلف ماله، فقيل: يُحاسب على ذلك ولو أراد قضاءه في سنته وليس بمال له لو أخذه الحكم فيه أو مات وكان للغرماء، وقيل: تؤخذ منه إلاّ إن أراده فيها، فلو أنفق ماله وإن على عياله بعد حلولها وقبل أدائها لزمته فيه إذ لا يزيلها بعد وجوبها لا أداؤها.
ومن عنده حليّ تجب فيه وعليه قدر قيمته، فقيل: يرفع منه للديْن كالدراهم، وقيل: لا.
أبو عبد الله: من عليه لولده دراهم فعليه أن يحسبها في زكاته إلاّ إن أبرأ منها نفسه قبل حلولها، وإن أبرأها منها بعد وجوبها عليه حُسبت عليه مع زكاته، وبرئ الولد (97) منها. (2/302)
صفحة 825
الباب العشرون
في دفع الزكاة للوالديْن والأقارب والجائز من ذلك
ابن بركة: القرابة أحقّ بصدقة المرء إن تأهّلوا لها إلاّ من تلزمه نفقتهم في الحكم فهم به أغنياء.
أبو سعيد: اختُلف في الوالديْن، فقيل: يجوز لولدهما أن يعطيهما زكاته إن افتقرا؛ وقيل: للوالدة لا للوالد لأنَّه يجوز له تملّك مال ولده عليه؛ وقيل: إن كانت لا تُراد للتزويج.
ولا يجوز لأحد أن يعطي زكاته لمن يعوله، وقيل: له أن يعطيها لوالديْه ما لم يصيرا بحدّ من يحكم عليه بنفقتهما، وقيل: ما لم يحكم عليه بها. وقيل: ليس له أن يعطيها لمن يلزمه عوله بالحكم، وإن لم يحكم عليه به أو لم يطالب به لدفعه بذلك عن ماله.
وله أن يعطيها بنيه البالغين إذا أحازهم عن نفسه ولو كانوا في حجره يعولهم إذ لم يلزمه عولهم، ولا يُحكم عليه به إلاّ إن صاروا بحدّ الزمانة فيختلف في دفع زكاته لهم، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز ما لم يُحكم عليه بعولهم.
وعول عبيده وصغاره [344] وزوجاته واجب عليه في الحكم، وليس له أن يعطيها عبيده اتّفاقا. وجاز له ــ قيل ــ أن يعطيها زوجته لما لا يلزمه من حقّ لها، وقيل: لا لأنَّها من جملة من يعوله.
ولا يلزمه عول بناته البلغ، وقيل: يلزمه ما لم يتزوّجن، وقيل: ما نقص من مؤونتهنّ بعد مكسبهنّ، وإن طُلبن للتزويج من أكفائهنّ فأبين خُيّرن بينه وبين أن لا نفقة لهنّ عليه، فإذا صرن بحال لا يلزمه عولهنّ جاز له أن يعطيهنّ زكاته لا لصغاره لأنَّه تلزمه مؤونتهم من كلّ ما احتاجوه، فإن كان لهم مال خُيّر بينه وبين ماله في نفقته. (2/303)
صفحة 826
ومن لزمته ومعه أمّه وأخته في بيته ينفق عليهما، فقيل له أن يعطي أخته منها وتجعلها في كسوتها وديْنها، ولا ينتفع هو بما يعطيها منها، وقد مرّ ما سمعت في أمّه ولا يعطيها إن لزمه عولها وإلاّ جاز له، ويلزمه إن كانت لا مال لها أو كانت مزمنة أو عجوز.
وقيل: إذا جعل أولاده البلغ من عياله وفي منزله فليس له أن يدفعها إليهم وجاز له إن أبانهم عنهم ولهم.
أبو المؤثر: إن كان لامرأة يتامى فقراء ولزمتها ألها أن تعطيهم منها أم لا؟ قال أبو الحواري: ليس لها إن لزمها عولهم، وقيل: يجوز لها بقدر الوقت الذي لا يلزمها فيه، وتُطعمهم فيه منها، وقيل: لا لأنَّها تعولهم إلاّ إن حكم على غيرها بعولهم، وقيل: يجوز لها ما لم يحكم عليها به.
وقد أجازوا لغير الأب أن يعطي من لزمه عوله منها.
وإن كان على ولد ديْن أو حقّ لامرأته أو نفقة أو كسوة وأراد السفر وسع ــ قيل ــ والديْه أن يعطياه ما يلزمه من ذلك لها من زكاتهما إذ لا يلزمهما ذلك له.
وجاز للأمّ أن تعطيها ولدها البالغ إذ لا يلزمها عوله.
ومن مات وترك صغارا لا مال لهم وأبا لم يجز له أن يعطيهم زكاته لأنَّه وارثهم ويلزمه عولهم وإن كان لهم مال لا يغنيهم، ولو بيع قام بعولهم سنة جاز له أن يعطيها إياهم فيها، ثمّ كذلك ما دام لهم مال، وكذا في الجدّة إن كانت ترث بني بنيها فهي كالجدّ فيهم، وإن حييت أمّهم فلجدّتهم أن تعطيها زكاتهم (98) لأنَّها لا ترثهم، وأمّا الجدّ فيرثهم مع وجود أمّهم إن مات أبوهم، وله أن يعطيهم في أيام لا يلزمه عولهم فيها كما مرّ.
ومن له أخت أو أخ أعمى (99) أعطاه منها وفضّله على غيره إن احتاج. أبو علي: إن كان لرجل أخ وللأخ دراهم يزكّيها فلا أحبّ له أن يعطيه زكاته إن لزمتهما. (2/304)
صفحة 827
أبو المؤثر: من لزمته وليس له من ماله ولا من تجارته ما يكفيه وعياله فله أن يُعطاها كما مرّ، ويحسب ما أخذ إلى ما بيده ويزكّيهما عند الحول.
ومن له أقارب في غير قريته فله أن يعطيهم زكاته.
وللزوج ــ قيل ــ أن يأخذ من مال زوجته، ولها أن تعطيه زكاتها إن افتقر، وله أن ينفق عليها منها، ويكسوها بعد أن صارت إليه.
وإن سافر غنيّ وعنده من يعول كبنت بالغة مسافرة أيضا فعند من يرى عليه عولها لا يعطيها زكاته، والقرابة الفقراء أولى بها لما روي: «أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح».
وخيرها ما قصد بها (100) الله وابتغاء مرضاته؛ ويختار لها الصالحون المحتاجون المتقوّون بها على الطاعة، وسدّ الخلّة من الأقارب والجيران ثمّ الأقرب فالأقرب وقد تقدّمت بعض مسائل الباب ولا نعيدها. (2/305)
صفحة 828
الباب الحادي والعشرون
في زكاة المال الغائب والذاهب والمنسي والدافع لها إلى من يسلّمها إلى أهلها
فمن له نقد يزكّيه كلّ سنة ثمّ ذهب بعضه فلم يقدر عليه إلى سنتين أو أكثر ثمّ وجده، فقيل: عليه ما مضى، وقيل: سنة فقط ثمّ يزكّيه مع ما بيده في مستقبل، وقيل: هو كالمستفاد ولا تلزمه فيه حتّى يحول وقتها.
ومن عنده مائتان وخلت له سِنون لا يزكّيها ولم يستفد غيرها ولم يتلف بعضها فهل لزمته (101) تامّة كلّ سنة ما لم يميّزها فتنتقص عمّا تلزم فيه أو سنة واحدة لأنَّها إذا أخرجت منها انتقص النصاب؟ قولان.
ومن أخذ بتجارته في بلاد الإمام فقال: إنّ لي رأس مال في البحر مائة ألف، فقيل: يؤخذ بزكاة ذلك كلّه، وقيل: بما في يديْه منه فقط إذ لا يُدرى ما صار بالغائب.
ومن أعطى ــ قيل ــ رجلا عروضا يبيعها ويشتري له (102) بثمنها خادما فجاء وقت زكاته والرجل خلف البحر ولم يدر اشترى له الخادم قبله أو بعده فأخّر زكاة ذلك وزكّى الباقي ثمّ قدم وقد اشتراه له، وسأله عن وقت اشتراه فيه فعرفه به، فإن كان قبله ونواه للخدمة لم تلزمه في قيمته، وإن نواه لتجر أو اشتراه بعد وقته لزمته فيها.
ومن له ديْن على رجل فأفلس سنين ثمّ أيسر وقبضه ربّه فقيل: لزمته في كلّ ما مضى منها، وقيل: إنّه كالفائدة يزكّيها مع ماله، وقيل: لسنته. وكذا فيمن له مائتان فنسي أن يزكّيها ثلاث سنين وليس له سواها، وقيل: يزكّيها لسنة، وقيل: لثلاثة (103) كما مرّ. (2/306)
صفحة 829
ومن عنده متاع لتجارة (104) فمضت له سِنون لا يزكّيه فقد [345] لزمته فيها إن استوى سعره فيها وإلاّ زكّاه كلّ سنة بقيمة سعره فيها (105).
ابن بركة: اختُلف في زكاة ما خفي مكانه ولم يُعلم أين هو، ثمّ وجده بعد سنين وكانت تجري فيه، وفيما يُبعث للتجارة فيغيب سنين، وفيما كان على مفلس أو فقير أو جاحد له وحلف عليه، وفيما لا يُرجى رجوعه ثمّ رجع إلى ربّه، فقيل: عليه زكاة سنة، وقيل: كلّ سنة ولو تستفرغه، وقيل: إلاّ زكاة وجبت فيه إلى أن ينقص عن النصاب فتسقط عنه واختار الأوّل.
ومن له غائب لا يدري حاله فلا تلزمه فيه حتّى تصحّ عنده سلامته في وقت تلزمه فيه فيزكّيه.
فصل
من عنده زكاة فبعث بعضها إلى رجل مع آخر فقال له سلّمها إلى فلان ثمّ قال له سلّمتها إليه (106) جاز له، ولا يلزمه أن يسأله أوصلت إليك أم لا؟ وقيل: إن بعثها مع ثقة برئ منها ولو لم يسأله أو لم يقل له الثقة أوصلتها وإلاّ فلا حتّى يعلم بوصولها.
ومن يفرّق زكاته فبعث منها إلى فقير مع من لا يتّهمه فيها فلا بأس عليه، وقد تُعورف ذلك إلاّ إن قال: لم تصله. وإن بعثها مع ثقة فلا يلتفت إلى إنكار الفقير، وإن بعثها مع غيره وأنكر هو لزم الباعث غرمها.
ابن بركة: اختُلف فيمن بعثها إلى عاميّ ثقة عنده يؤدّيها إلى أهلها عنه فضاعت قبل أن تصلهم، فقيل: لا يغرمها إن قبضها الثقة منه كدافعها إلى الساعي، والقابض لها بأمر الإمام إن ضاعت ولم تصله اتّفاقا كما مرّ. وقيل: إن دفعها إلى ثقة عنده فإنّه يضمنها قال وهو الأقرب لأنَّه دفعها إلى ثقته (107) فهو وكيل له في قضاء ما عليه، فلا يزول عنه إلاّ إن أدّاه بنفسه أو وكيله عنه. (108) (2/307)
صفحة 830
والإمام وكيل الفقراء في قبض حقوقهم، فإذا تلفت من يده أو رسوله زال الضمان عن ربّ المال لأنّ قبض الوكيل وموكله سواء. وإن دفعها إلى جبّار أو فاسق يوصلها لفقراء برئ إن علم أنَّها وصلتهم وإلاّ فهي عليه. وإن أخذها منه الجبّار بلا إذنه فدفعها إليهم بحضرته لم يبرأ كما مرّ.
ومن أمره قوم أن يفرّق عنهم زكاتهم ففرّقها على أغنياء أو عبيد فهل يضمنها لهم أو للفقراء؟ اختير أنَّه إن سلّمها ولم يعلمهم أغنياء أو عبيد فلا بأس عليه لأنَّه أمين، وإن علمهم وظنّه جائزًا خيف عليه الضمان.
ومن وكّل رجلا في ماله فتركها حتّى تلفت بيد وكيله فلا يلزمه ضمان لها، ولا لربّ المال، وإنّما هي عليه. وإن أمره بإخراجها ولا يأمنه عليها وبدفعها إلى معيّن ولا يعرفه المأمور فقير أم لا جاز له ما لم يعلمه غنيا. (2/308)
صفحة 831
الباب الثاني والعشرون
في قبض الصبيّ الزكاة والكفّارة وقبض غيره له
فأجاز قوم دفعها إليه على طريق الاِطمئنان أنَّه يؤمن عليها وتصل نفعه، ومنعه آخرون. والصبي الذي أبوه حيّ فقير جاز أن تُسلّم إليه وإلى أبيه عند مثبت الوكالة في قبضها، وقبض الأب لابنه ولو غير ثقة لا عند مانعها إلاّ إن كان ثقة، والأكثر على أنَّه إذا أخذ حوزته من الأكل جاز أن يُعطى الكفّارة.
أبو جابر: ويُعطى الرجل لصغاره إن كانوا معه، وكانت لهم عليه فريضة مع أمّهم أو غيرها، وإلاّ أُعطي لهم من يموّنهم إن كانوا فقراء لا لكباره إلاّ إن ضعفوا في حجره وزمنوا ولا قائم بأمرهم غيره فيُعطى لهم، وهو أولى من غيره بذلك. (2/309)
صفحة 832
الباب الثالث والعشرون
في زكاة المدرك من الثمار
فمن جرم عليه في ماله سلطان جرما فلا زكاة عليه فيما ذهب به منه، وإن فدى ثمرته بدراهم أو قوّم على السلطان جرمه بها لم تلزمه أيضا في ذلك، ولا إن أعطاه دراهم بثمرة ولزمته في باق بعد جرمه.
أبو المؤثر: إن خرص على رجل تمره بدراهم فباعها الرجل أو أدّى إليه ما جرم عليه منها فإن بقي بيده بعض تَمره بعد الخرص لزمته فيه، وعند نبهان يخرجها عن جميعه ولا يُعذر فيما أخذ (109) الجائر، وعند ابنه: لا تلزمه إن تولّى الجائر صرمها وبيعها.
ومن غصب منه نخلا تجب في تمرتها لزمته فيما قدر عليه منها لا فيما مُنع منه. وإن وثب عليها فباعها أو أخذها سقطت عنه، وإن باعها هو وأخذ الجائر ثمنها لزمته ولو باعها وكيله أو كان قد كالها وعرف ما فيها لا إن باعها غيره بلا رأيه فأخذه البائع بأمر الجائر. ومن أخذ تمرته وأجبره على كيلها فقيل: لزمته لأنَّه كالها وسلّمها إليه عند من يراها مضمونة فيلزمه التخلّص منها، وعند من يراها شريكة فقد سلّم حصّة شركائه إليه [346] فيضمنها ولو مجبورا إذ لا تقية في الفعل، ولا تلزمه إن كالها الجائر بلا إذنه اتّفاقا، وإن كالها هو أو مأموره بكيلها لزمته ولو مجبورا، وإن ميّزها فأخذها الجائر فدفعها للفقراء وهو كاره ثمّ رضي برئ منها عند من يرى الشركة.
وإن أخذها فقير بلا رضاه فقيل: لا يبرأ حتّى يسلّمها إلى غيره، وقيل: يبرأ.
ولا زكاة ــ قيل ــ على الرعية فيما أخذه من أموالهم، وعليهم أن يُزكّوا الباقي. ابن الحسن: إن أخذ حبّ الرعية وتمرهم قبل أن يكيلوه فلا غرم عليهم ويزكّون باقيا بأيديهم، وإن غصبه بعدما كالوه لزمتهم إن وجبت في زراعتهم. (2/310)
صفحة 833
الباب الرابع والعشرون
في إخراج الزكاة من غير جنسها وإنفاذها بأمر الفقراء
فمن عنده زكاة حبّ أو تمر فيرى فقيرا عريانا فيأخذ له ثوبا بثمنه على سعر البلد، فإن اشتراه من غيره أو أعطى النسّاج كراءه جاز له، وإن أعطى الثوب من عنده أو عمله بيده وحسبه من زكاته ففي جوازه قولان؛ وقد فعله معاذ، وقيل: لا يجوز كلّ ذلك بل يدفعها للفقير ويفعل فيها ما شاء.
ابن محمدّ: من لزمته في شعير فأتاه فقير فقال له: تأخذ منّي بدل مالك من الشعير ذرة أو لزمته في بُرّ فقال لمن يعطيه: تأخذ منّي بدله شعيرا جاز إن كان برأيهما وعُدِّل السعر، وقيل: لا.
وجاز ــ قيل ــ أن يُرافع الفقير من لزمته بما عليه من ديْن، وأن يعترض بربّها بدراهم عروضا على ما اتّفقا عليه. وإن وكّل من يقبض له زكاة من عند أحد جاز لهما مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل: يجوز إن قبضها من يد الوكيل، وقيل: إذا أنفذها فيما أمره به، وقيل: لا يجوز أن يرافع بما عليه منها، ولا أن يأخذ بدراهم عروضا كعكسه من ربّ الزكاة، وأجازه بعضهم كمعاذ فقيه الأمّة على عهد الرسول ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ.
أبو سعيد: من لزمته في حبوب رديء ووسط وجيّد فقيل له أن يعطي من أحدهما بقيمته عن الجيّد، وقيل: لا يجوز إلاّ أن يُخرج من الجيّد عن الرديء كيلا بكيل، وعن الوسط والأفضل عن الأدْوَن. ولا تجوز القيمة على هذا، وكذا قيل فيمن عنده شيء من زكاته وأراد أن يأخذه ويعطي بدله أفضل منه، فإن ميّزه لينفّذه فلم يؤدّه خُيّر في ذلك، وفي إنفاذه قيل له: فإن كانت من عنده وأبدل الأدْوَن وهو أكثر منها قال: إن ماثلها أو كان أفضل منها جاز، وإلاّ فقيل: يُخرج كالعروض. (2/311)
صفحة 834
ويختلف في أدائها من غير ما يلزم منها بالقيمة من النقد فأجازه قوم ومنعه آخرون إلاّ إن كان القابض إماما أو واليَه لأنَّها لهم، ولهم أن يأخذوها أو غيرها بها، وليس الفقير مثلهم عندهم. وقيل: إن كان العطاء من جنسها إلاّ أنَّه دونها لم يُكن كالعروض في القيمة.
فصل
من أعطى رجلا رطبا أو بسرا وحسبه ممّا عليه فكالعروض، ولا يجزيه ــ قيل ــ حتّى يصير يابسا. وجاز ــ قيل ــ أن يخرص على رجل نخلة ويحسبها عليه من زكاته إذا أدركت.
ومن لزمته في نقد فرأى الإطعام أفضل منه فاشترى طعاما ففرّقه جاز له؛ وكَره خميس بيع زكاة الطعام بدراهم إلاّ إن كان بمحلّ لا يجد فيه فقيرا فله أن يُحملها دراهم.
ابن بركة: أجمعوا على جواز إخراج البدل عن واجب منها، واختلفوا في دفع القيمة عنه. أبو سعيد: من لزمته في بُرّ فأدّى عنه أدْوَن منه لو يجزه، ولزمه أن يُخرجها ممّا وجبت فيه أو أفضل منه، وقيل: له ذلك وعليه أن يتمّ النقص من القيمة إذ صار كالعروض عند من يجيز أخذها بها.
ومن لزمته في تجر وبيده دراهم فأعطى عنها حبّا بالسعر لم يجزه، وإنّما رُخّص له أن يشتري بها حبّا يفرّقه كما مرّ، وأمّا أن يحبسها لنفسه ويعطي عنها حبّا قال: فلا نعلم ذلك إلاّ إن كانت تجارته حبّا فإنّه يعطي من كلّ أربعين صاعا واحدا.
ولزم الغرم من وجبت عليه في تمر فباعه وفرّق ثمنه إذ لا تُباع حتّى تُقبض إلاّ زكاة الورق فقد جاز شراء الطعام به فيفرّق كما مرّ. (2/312)
صفحة 835
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
المؤلف: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
ضبط النص: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 7
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2000/104
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الطهارات، الولاية والبراءة، فقه الإباضية، ترجمة عبد العزيز الثميني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=516&id_ty=1
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 صفر 1447ه/ 12 - شهر 08 - 2025م. وإن ورثت امرأة حليّا ولم تعرف وزنه وأُخبرت أنّ فيه كذا وكذا فلها أن تزكّيه. قال الأزهر: بالاِحتياط ولا يلزمها كسره. وإن دفعت إلى فقير ثوبا عن زكاتها أخبرته أنَّه بكذا وكذا درهما فيُخيَّر في أخذه به وفي أخذ الدراهم.
وله أن يعطي عن زكاة [347] النقد حبّا إن كان أوفر كما مرّ ولو من عنده، وقيل: لا ولو من عند غيره وكان أوفر. وجاز ــ قيل ــ من عند غيره.
وكذا في الحيوان إن لزمته فيها فله أن يعطي نقدا أو عروضا عن قيمة ما لزمه منها فريضة كانت أو شنقة فالفريضة ما يؤخذ من نَعَم من جنس ما وجب فيه، والشنقة ما يؤخذ من غنم عن إبل أو بقر، ومن لزمه ذلك وأراد أن يعطي من غيره عن قيمته أجزاه بالنظر ممّن صحّ نظره بالأوفر من سعر البلد إن اختلفت أسعاره، وجاز بأوسط منها. ونظر الواحد يكفي إن كان من أهله ووافق العدل ولو امرأة.
ومن أمره فقير أن يعطي عنه من زكاته ما يطالب به من خراج قبل أن يقبضها ففي الجواز له قولان، وكذا من يفرّق دراهم الوصية للفقراء.
ومن عزل زكاته لأرحامه في غير بلده وبعثها إليهم وعرّفهم بها أو أرسلوا إليه أن يشتري لهم بها شيئا أو يدفعها عنهم فيما عليهم فالخلاف؛ ورجى خميس أن يجزيه على القول بإجازة الوكالة والأمر في هذا ونحوه وقد مرّ كثير من مسائل هذه الأبواب. (2/313)
صفحة 836
الباب الخامس والعشرون
في زكاة الفائدة
أبو سعيد: من عنده دراهم يزكّيها فأخرجها ولم يدفعها ثمّ استفاد أخرى من غلّة، فالمختار أنَّه إن كان يتولّى قبضها منه في وقته عادل وكان ينتظر المصدّق إذ لا يلزمه دفعها لغيرهم كان ذلك عذرا له في لزومها عن الفائدة إذ لم يؤخّرها باختياره. وإن كان ينفّذها بنفسه ووجد أهلها ولم يدفعها إليهم لم يُعذر عند وجوبها.
ومن له ذلك ودراهم عند رجل مضاربة فكان يزكّي ما بيده وينسى المضاربة حتّى مضى لها سِنون ثمّ ذكرها فقد لزمته عنها، ولا يحطّها عنه نسيانه من الفائدة ويزكّيها وما تولّد عنها، وإن لم يحضر جميع ما استفاده إلى أن ذكر المضاربة، فإذا لزمته زكاة لم يعلمها بالحكم لزمه في المضاربة المنسية أن يحصيها في جملة زكاته حتّى لا يصل أربعين درهما عند النقص أو الزيادة على مائتين فلا زكاة فيما دونها إلاّ إن فضل بيده من التكاسير التي زكّاها في سنته ما يُجبر بها أربعين (110) فتلزم فيه مع الفضل. وكلّ سنة لم تلزمه فيها لم يلزمه في الفائدة من عامه شيء حتّى تحول.
ومن لزمته في نقد وله أجراء يؤاجرهم بعروض لم تلزمه فيها، ولا هي بفائدة له لأنَّها ديْن عليه.
ومن حال عليه ثان واستفاد قبله ثمان مائة ثمّ حال عليه فإنّه يُخرج خمسين عن الكلّ، خمسة عن المائتين وعشرين عن الفائدة، وكذا عن الثاني لأنَّه لمّا حال الأوّل على المائتين لزمت فيها خمسة، فلمّا حصلت الفائدة قبل أن يزكّي لحقت المائتين فكأنَّها بيده من أوّل إذ لم يؤدّ عن الأصل فكانت بمنزلته.
ومن استفاد ما تجب فيه في آخر شهر معروف له فكانت بيده إلى أن دخل أوّله من قابل ثمّ أنفقها قبل أن يحول عليه يومه لم تلزمه إذا أخذ لها يوما من الشهر، وإن وقّته كلّه فدخل فهو وقته. (2/314)
صفحة 837
ومن عنده نقد تجب فيه في رمضان ثمّ أنفقه أو بعضه حتّى انتقص عن (111) النصاب ثمّ استفاد قبل أن يحول رمضان ما يتمّ به النصاب فما لم يحل عليه حول بعدما تجب في ملكه لم تلزمه ولو ملك في بعضه ما تجب فيه.
ومن لزمته في تمر فأطنى من ماله من سنته شيئا ولم يزكّه وأذهب نقده مع زكاته ثمّ كان يستفيد لم تلزمه في الفائدة إذا لم يزكّي قبل زكاة التمرة، ولا يوجب تركها قبلها الزكاة في الفائدة مع الأوّلة الواجبة عليه، وإن كانت له فائدة في كلّ سنة وينفقها باحتياجه ولا يفضل بيده ما يعطي واجبا عليه حتّى مضت له سِنون فقيل: إنّ فائدة كلّ سنة محمولة على مالها ما لم يزكّ إن لزمته كلّ سنة ولم يزكّ، فإذا حالت زال عنه حكمها (112) وصارت ديْنا عليه، [348] فإذا حالت ولا مال له يزكّيه لم تلزمه في الفائدة، وزال عنه حكم الزكاة ولو لزمته فيما مضى.
ومن له مال يزكّيه في معلوم فميّز زكاته واستفاد فائدة لزمته ما لم تصل أهلها كما مرّ، وقيل: إن ميّزها وقصد إخراجها لم تلزمه فيها، وقيل: إنّما هذا في أيام العدل إذ لا خيار لربّ المال فيها، ولا ينفعه تمييزها في غير أيامه. وإن فرّقها وبقي منها يسير فباع شيئا فإن ميّز الباقي كان القول فيه ما مرّ في أيام العدل وغيره، وإلاّ زكّى الفائدة عند بعض. وإن ميّزها أو لم يميّز وفرّق منها (113) أو لم يفرّق ثمّ باع شيئا إلى أجل أو غيره وطلبه مشتريه أن ينتظره بثمنه إلى غير معيّن فقيل: هو فائدة ويزكّيه، وقيل: لا إلى أجله، فإذا حلّ وقبضه زكّاه لما مضى، وقيل: لا تلزمه ولو طالت مدّته حتّى يقبضه ويجيء وقت زكاته؛ وإن كان حالا وقدر على أخذه فتركه زكّاه، ومالم يذكر آجلا ولا عاجلا فهو عاجل فيها.
أبو سعيد: إن لزمته في ورق ثمّ اقترض قرضا أو باع شيئا إلى أجل قبل أن يزكّيه لزمته في القرض لأنّ الفائدة هي كلّ مال حدث له بوجه ما وعليه زكاته وقضاؤه، وقيل: لا تلزمه إذا أراده في سنته، وقيل: مطلقا لأنّ القرض لم يحصل بيده إلاّ وعليه حقّ مثله يلزمه أداؤه فاستهلك وما باعه إلى أجل؛ فإن كان ممّا تلزمه فيه (2/315)
صفحة 838
كالعروض نحو التجارة لزمته فيه لإتلافه بعد وجوبها، (114) وإلاّ كعروض وأطعمة من ثمار أو من غير تجارة لم تلزمه حتّى يصير نقدا أو ينتقل إلى ما قصد به تجر.
ومن له مال في غير بلده ولم يعلم ما يحصل له منه وقت زكاة ما بيده وعلم أنَّها تجب في الغائب أيضا زكّاه معه إن ملكه قبل وجوبها وأدائها، وصحّ ذلك عنده وزكّى الفائدة إلى أن يؤدّي على علم أو احتياط يأتي على كلّ ما لزمه في المال لأنّ الاِحتياط أقلّ ممّا يلزمه في الغائب لزمته في كلّ ما استفاد إذا علمه. وإن كان يأتي على ما لزمه في الغائب أو الزائد عليه برئ منها من المال والفائدة، ويمكن أن يُعذر في أداء زكاة المال لأنَّه إنّما تركه لعذر ونظر فيه خميس.
وإن كان له وكيل في البلد الذي فيه ماله فعرّفه وقته وأمره أن يزكّيه فيه. وكذا ما يجب في التمار كلّ سنة، فإن كان أمينا على ذلك برئ منها في الاِطمئنان حتّى يصحّ عنده أنَّه لم يؤدّها، وأمّا في الحكم فهي واجبة عليه حتّى يصحّ أداؤها. قال خميس: وعندي لا يضمن المأمور بذلك دون ربّ المال، فيخرج على أنّ عليه السؤال عن ذلك كلّ سنة لزمته فيها إلاّ إن اطمأنّ أنَّه يقوم بذلك.
فصل
إذا لم يخرج التاجر جملة زكاته في وقتها حتّى ربح ممّا زكّى فإذا لم يدفعها كان كلّما استفاد شيئا حمله على ماله وربحه فهو فائدة، وتلزم فيه إلاّ ما قيل إنّه إذا ميّزها لم تلزمه في الفائدة، ولا زكاة فيها عند ابن عبد الله بن محمّد حتّى يحول عليها حول، وبه قال أنس، واختاره ابن بركة لما روي: «لا زكاة في مال حتّى يحول عليه» (115)؛ والفائدة مال خوطب فيه صاحبه بوجوبها كخطابه في النصاب. وقال أصحابنا: تجب فيها مع الأصل عند حلول الزكاة فيه، (116) ولا يعتبرون في الفائدة وقتا غير وقت النصاب. (2/316)
صفحة 839
ومن زكّى ماله وبقي من زكاته عشرة دراهم ثمّ استفاد مالا وأنفق منه جزءا حسبه وفائدته عند أبي عبد الله، ثمّ يزكّي. وإن أخرجها وبقي عليه بعضها ثمّ أخذ من غلّته أربعين (117) أو إلاّ واحدا فأنفقها (118) لزمته فيها. أبو سعيد: هذا إن بقي ولم يؤدِّه.
ومن يؤدّيها عن نقد ثمّ انقطعت منه سنين وبقي بيده بعضه ثمّ استفاد مالا صار بيده لزمه أداؤها في وقت يوجب فيه قبل. وإن انقضى وليس عنده النصاب زال وقته ولم تلزمه، (119) فإذا اجتمع عنده وحال عليه حول فوقته رأس الحول من يوم ملَكه. وقيل: لو ذهب ما كان يؤدّي منه قبل ما كان يؤدّي (120) فيه حتّى بقي أقلّ من أربعين ثمّ استفاد كان وقته وقت فائدته، وقيل: ولو درهم، وقيل: ولو شعيرة أو أقلّ كما مرّ يكون (121) وقته الأوّل.
ابن محرز: من لزمه عشرون فأعطى المصدّق منها عشرة بعد أن حاسبه في وقته وبقيت أخرى حتّى دار وقته فيرجو أن لا تلزمه إلاّ الباقية فيه ثمّ يزكّي الكلّ عنده أيضا إن حاسبه وإلاّ وأعطى بعضا وبقي [349] بعض حسب زكاة السنتين، وقيل: يزكّي ما لزمه في الأولى عن أصل ماله وعن ربحه إلى أن تحُول الثانية لأنَّه إذا لم يؤدّها كلّها لحقته في الفائدة على الباقي ولو استفاده من غير المال.
ومن كان حيث لا فقير فيه ولا عادل وحضر وقته عزلها حتّى يجده، فإذا استفاد بعد عزلها لم تلزمه في المفاد، وضمنها كما مرّ إن تلفت قبل الوصول ولا تلزمه فيه قبل أن تتلف.
أبو سعيد: من نقصت زكاته في معتاده لها ثمّ ذهب ماله مع الباقية فيه ثمّ استفاد أقلّ من النصاب إلاّ إن حملت عليه لم تلزمه عند معتاده، لأنّ ذلك عليه لا له، قيل له: فإن قامت المميّزة حتّى تلف المال ثمّ أتته فائدة فإن حملت عليها لزمت فيهما وإلاّ لم يتمّ النصاب فهل تلزمه فيها إذا حال معتاده وتكون كباق ممّا تجب فيه قبل؟. قال: إن كانت من المال كانت منه ما لم يدفعها لأنَّها مضمونة عليه، وهذا مال له، (122) وتجب فيه إذا استفاد قبل انقضاء وقته كما مرّ. (2/317)
صفحة 840
الباب السادس والعشرون
في زكاة التمرة والعسل واللقاط
فمن له ثمار مختلفة فقيل: تؤخذ من أوسطها، وقيل: من كلٍّ بقدره؛ وقد مرّ أنّ من أعطى فقيرا نخلا رطبا وبسرا عن لازم من تمره فكالعروض، ولا يجزيه ــ قيل ــ حتّى يتيبّس، ولا يؤكل منه إذا يبس على النخل إلاّ بكيل، وقيل: لا تلزم فيما يؤكل قبله، وقيل: يؤكل من المسطاح الرطب، ولا زكاة فيه، وقيل: تجب، وقيل: متى كيل وجبت.
ومن كنز تمره قبل أن يزكّيه وسال منه العسل فأراد أن يزكّيه، فإذا لم يتغيّر ووصل إلى معرفة إخراجها حتّى لا يشكّ أنَّه أدّى ما لزمه جاز، وإنّما تلزم فيه لا في العسل، وإن أخرجت منه بوزن فحسن، وإن تغيّر عند وجوبها فيه لم يجز.
ومن زكّى تمره ونضّده مع تمره فخرج منه عسل فكان يخرجها من تمره بقدر العسل ويعطيه على نيتها أو على غير نية أنَّه من عسل تمر الزكاة حتّى أخرج قدر ما خرج منه، قال أبو سعيد: لا أراها فيه وأرجو أن لا ينتقص قيمة التمر عن حاله، فإنّ التمرة تجزيه عن الزكاة. وإن جعل ما يعطيه من العسل عن عسل تمرها أجزاه، وإن أعطى ذلك بعد العطاء أنَّه عمّا يلزمه منها لم يجزه عنها عطاء من العسل جملة منه ممّا يخرج من الزكاة أو من تمره خاصّة بقدر ما يخرج من تمرها، ويسلّمه للفقراء على نية أنَّه من عسلها أو على غير نيته، والتمر إلى الآخرين وأخذ هو الباقي الخارج من تمرها، فإن كان لا ينقصه خروج العسل منه فأخرج عنه بقدر ما يأتي منه من تمرها أجزاه إذ يجوز أن يُعطى عنها مثلها أو أفضل منها. ولا زكاة عندنا في عسل النخل.
ومن لقط من نخل أحد تمرا برأيه فوجبت فيه، فإن كان أجرة على حفظه فزكاته على ربّه، وإن صدّقها بلا نية أنَّه عنها لم تلزمه إن افتقر، وقيل: تلزم ربّ النخل لا إن نواه عنها. (2/318)
صفحة 841
ومن حضَّر نخلا له فيه حصّة ويلتقط منه تمرا ويسطّحه لزمته إن بلغت فيه، ويحمل على سائر ماله، ويزكّي الكلّ ولا تلزمه فيما لقطه من مال غيره. أبو سعيد: هو عندنا كما قال في حصّته، وفيما لقط أنَّه لا زكاة فيه. وإن لقط فقير قدر النصاب فإن كان على وجه يحلّ له فلا عليه سواء اكتسبه من قبل ما يسخر مع الناس ويخرّف لهم ويصرم فيعطونه أو يتصدّق عليه به (123) ويلقطه. (2/319)
صفحة 842
الباب السابع والعشرون
في زكاة طناء النخل وما يلزم فيه
وقد اختلف فيما يأكله المطني من رطب وبسر، فقيل: تجب فيه، وقيل: لا ولا فيما أكله ربّه وعياله من ذلك، فعلى ما عمل به أئمّة عمان احتياطا لتوفيرها أن تؤخذ من طناء من تجب فيما له من كلّ عشرة دراهم واحد، ولا تلزم فيما أطنى من لا تلزم في ماله ولا المطني إن كان لا يبلغ ماله النصاب تمرا يابسا، ولا يُعدّ عليه ما أكله بعياله رطبا وبسرا، وإنّما يحمل ما أطنى على ما بقي عنده إلى أن صار إن وجبت فيه، فإن بلغ ما أطنى وما أدرك النصاب لزمته في الطناء وإلاّ فلا؛ قال: وربّما كان لأحد نخل قليل وغالبه رطب فإذا نظر تمره لم يبلغ وإن طنى بدراهم وبلغت ما لو اشترى به تمرا تمّ النصاب فلم تلزم فيه ولا في طنائه لأنّ أصل وجوبها في كيل بلغه، ولا يُعتبر ثمنه ولو كثر، لأنّ ما لم تجب فيه لم تلزم في ثمنه إلاّ إن حمل على آخر. وكذا العنب إن أُطني وأكل عنبا لا زكاة فيه، وقيل: لزمت فيه كالتمر، واختير استواءهما. ولا تلزم فيما أكله ربّه عنبا، وما باعه أو أطناه فباعه المطنيّ عنبا لزمت فيه إذا بلغت في الجميع. وقيل: إنّ ما أتلفه ربّ المال من تمره رطبا وبسرا وتمرا ولم يعلم أتجب فيه أم لا نظر إلى ما باعه به من ثمن، فإن كان الذي أطنا به أو باع/341/ إذا اشتري به تمر متوسّط بلغت فيه أُخذت منه وإلاّ فلا، وكذا لو أطنى نخلا فأكل رطبا أو بسرا أو بيع فلم يعلم ما يبلغ الكلّ كان كالأوّل.
فصل
من قبل من رجل حائطا سنة بألف درهم أو ألفين على أن له جميع غلّته، فإنّهم يأخذون من الطناء على قولهم بنظر النخل وحمله، فإن كان فيه ما تجب فيه وله ما إذا (2/320)
صفحة 843
حمله عليه لزمت فيه لزم المطني تركه بحاله حتّى يصير تمرا أو ينظر قيمته في الطناء بالعدول على قدره في المعتاد فيأخذونها منه، قال: إذ لا وجه له غير هذين. وجاز طناء النخل إذا عرفت بألوانها، وقيل: حتّى يغلب عليها الفضخ، وقيل: حتّى يصير بحدّ ما لو انكسر منه عذوق لم يفسد. أبو عبد الله: إذا ظهر الفضخ في قطعة جاز طناؤها إن ظهر في عامّتها، وسأله محمّد عنها، هل للمطني النقض إن طلبه أم لا؟ فقال له: نقض ما لم يجز طناؤه وعليه طناء ما جاز ولم يُفسّر، وقال غيره: إن كانت في حائط نخلة أو أكثر لم تُعرف بألوانها، والغالب في التمرة الصفرة والحمرة جاز طناؤها، ولا نقض إن طُلب. وقيل: من عليه ديْن لأحد فأطناه بألف ما يسوى خمس مائة ألزم نفسه ذلك، وخُيِّر المصدّق بين التمر والدراهم، وهذا إن حلّ الديْن وكان على مليّ. وإن عجز المطني عن أخذ حقّه لزمه أن يزكّي ما بيده من تمر أو قيمته. وإن كان الطناء قبل حلول حقّه وقدر على أخذه أو عجز فالزكاة ــ قيل ــ في رأس المالـ، والسلعة أيهما أوفر، والمصدّق بالخيار، وقيل: في التمر أو قيمته. ومن له مال تجب فيه فأطنى منه فهي فيما أطنى، وإن لم يكن له إلاّ هو لم تلزم فيه حتّى يبلغ النصاب، والمصدّق كما مرّ بالخيار، وإنّما يحمل على ما أطنى من بقية ماله بعدما أكل وأذهب من بسر ورطب. وإن كان الباقي عنده يعدّ التمر والمطنى ثلاث مائة صاع ففيه الصدقة إن بلغها، وإن لزمته في غيره وأطنى بدراهم ما يجد فيه مائة صاع لزمته أيضا وخُيّر المصدّق، وكذا إن أطنى بمائة درهم قد عشره أصوع وليس له ما يتمّ به النصاب لم تلزم في ذلك ولو أطنى بأكثر فإنّما يرجع في هذا إلى أصل التمرة ووجوب الصدقة فيها. والعنب كالنخل إذا أُصيب منه النصاب ففيه من كلّ عشرة صاع إلاّ إن سُقي بالزجر فنصفه. وإن أطناه ربّه فأصاب منه المطني ذلك فالمصدّق بالخيار، والأكثر على أن لا تلزمه فيما أكله المطني رطبا أو بسرا أو باعه كذلك كربّ المال. وقيل: تجب فيه إن بقي بيد ربّ المال من التمر ما تجب فيه أو بلغ النصاب في المطنى، وبه قال هاشم الحضرمي وعمل به أئمّة عمان، والمختار الأوّل. ومن أطنى نخله كلّه وغاب عنه ما أُصيب منه أو أكله المطني رطبا وبسرا فعند من يوجب في ذلك ينظر إلى ما (2/321)
صفحة 844
أطنى به وإلى سوق التمر، فإن كان يصحّ بثمنه قدر النصاب من التمر أُخذت من الثمن وإلاّ لم تلزم فيه. وكذا إن أطنى نخلا فأكل كذلك أو بيع فلم يعلم ما بلغ الكلّ فكالأوّل. وقيل: إن تقبّل الرجل حائط نخل سنة بثمن معلوم وأطنى شجرا ممّا لا زكاة فيه ونخلا مشاعة لناس ولم يعرف ثمن كلٍّ على حدة وفيهم من تلزمه فالوجه ــ قيل ــ فيه أن يترك النخل حتّى يُدرك ويُصرم ويبيّن ما وُجد منه أو يقوم بتوسّط حتّى تُعرف قيمة النخل من الشجر وما أكل وأخذ من أصحاب النخل، فتؤخذ الصدقة ممّن بلغت فيه قال: وهذا وجه من الصواب.
فصل
من كان في نخله حصّة لعامل وأطنى نخله وأكل العامل حصّته رطبا لم تلزمه فيها، وإن حبسها حتّى يبست حُملت على تمر صاحبه، فإن بلغت فيهما إخراج العامل قدره من تمره وإلاّ فلا إلاّ إن كان له نخل آخر يجبر به. وكذا الشركاء إن أطنى أحدهم وأمسك غيره فكالعامل. وقيل: من له شريك في نخل وغاب وحاسبه المصدّق على ما سقاه بمقاسمة فله أن يأخذ من حصّة الغائب. ومن أطنى نخله بدراهم فقبضها فاجتاحت التمرة بعد إدراكها لزمت فيها، وإن بقي منها بعد الجائحة النصاب لزمت في الدراهم لا إن بقي أقلّ منه، وليس لصاحبه ما يتمّ به لذهاب الأصل. أبو علي: من أطنى نخله بألف ثمّ طلبه/342/ مطنية أن يحطّ عنه فحطّ عنه مائتين فإن لم يحطّ محاباة فلا يأخذ المصدّق ممّا حُطّ عنه إلاّ إن شاء أن يأخذ من التمر فذلك له. ومن أطنى بثلاث مائة ثمّ استطنى هو لقيظه ولعياله منها بمائة فلا تؤخذ من المائة لأنَّها نفقتهم. أبو علي: لا نقوى على إبطال زكاة ما أطنى به من ماله ولم يأكل منه، وقد مرّ أنّ من أطنى نخله فأكل رطبا فقيل: تجب فيه، وقيل: لا. وإن صار ثمنا حُمل على ماله وأُخرجت منه أو من التمر إن عرف كيله أو وزنه وإلاّ احتاط. وإن لم يعرف أأكل كذلك أم صار تمرا فأمّا في الحكم فهي واجبة حتّى يعلم أنَّه أكل كذلك، وفيه (2/322)
صفحة 845
الخلاف السابق، وأمّا على القول بأن لا زكاة إلاّ في التمر فلا يحكم عليه بها حتّى يعلم أنَّه صار تمرا والأوسط أنَّه إن كان النخل ممّا يؤكل بسرا لا رطبا، ولا يُعرف أنَّه يجمع تمرا ولا يحتمله لم تلزمه حتّى يعلم ذلك. وإن كان ممّا يجمع تمرا ولا يؤكل كذلك لزمته حتّى يعلم أنَّه أكل كذلك.
فصل
من أمر أحدا أن يبيع تمر نخله قبل أن تصير تمرا وقد أدركت فباعها وأمره أن يسلّم الثمن إلى زيد ففعل فلا ضمان عليه لأنَّه حين باعها لم تجب فيها، فإذا نسيت بيد مشتريها ولزمت فيها فهي على ربّ النخل، وإن باعها وقت الصرام والوجوب فالخلاف في لزوم الضمان عليه إلاّ إن أنفذها ربّ المال على ما يسعه وعلم البائع ذلك، وهذا على القول بأنَّها شريكة. وإذا علم أنّ الشريك أنصف شريكه الآمر له بالبيع لم يلزمه ضمانها، وإلاّ وسلّم الثمن خيف أن يلزمه حتّى يعلم أنّ ربّ المال قد زكّى على القول بأنَّها في الذمّة فلا يضمنها حينئذ. وقيل: من باع مدركة وضمن مشتريها زكاتها فقيل: يجزيه، وقيل: لا إلاّ إن كان ثقة، وقيل: حتّى يعلم أنَّه أدّاها. أبو سعيد: من أطنى من ماله بمائتين وأصاب منه النصاب أيضا لزمته فيها، وإن لم تجب في التمر لم تلزمه في الدراهم حتّى يحول عليه الحول، فإن أصاب المطني منه ثلاث مائة صاع وعشرة أصوع لزمته في الدراهم، وهذا إن لم يكن له إلاّ ما أطنى، وإن كان له غيره ووجبت فيه لزمته فيها في كلّ ما أصاب المطني من التمر، وينحطّ عنه منها قيمة ما أكله رطبا وبسرا، فإن أصاب منه ما ذُكر أو أقلّ من عشرة لزمته في قيمتها من جملة التمر من الطنا، وينحطّ عنه ما لم تلحقه من التمر من تلك الجملة وهو قيمة الأصوع التي لم تجب فيها إلاّ إن كان في التمر الذي أصابه هو تكاسير فحملها على الفضلة من الطنا فتلزمه في الجملة إذا جُبرت التكاسير على ما بيد المطني من التمر عشرة أصواع. وإن أطنى من نخله بنقد فأصاب المطني أقلّ من النصاب لم تلزم ربّ (2/323)
صفحة 846
النخل في النقد ولو أكثر من النصاب إلى الحول كما مرّ، وإن أطنى بمائة وأصاب المطني النصاب أخرج من المائة العُشر أو نصفه.
فصل
من أطنى من نخله أو اشترى بثمنه سلعة قبل أن يزكّي تمره فربح وأراد أن يزكّي ذلك الثمن وقد زاد في التجارة لم تلزمه في الزائد إلى الحول، وكذا ما لزمته فيه من الثمار فلا تلزمه إلاّ في ثمنها إذا لم ينقلها إلى عين أو عروض أو طعام يريد به تجرا. ومن باع نخله بتمرها مدركة لزمته زكاتها وقيل: مشتريها، وكُره له أن يبيع ثمرة أرضه ويشترط عليه زكاتها إذ لا يؤدّيها إلاّ من يثق به. وقيل: إن كان ذلك من جهة الثقة عليها فذلك، وإن كان من جهة الشرط فذلك إلى البيع، فإن وقع ثبت، فإن كان المشتري ثقة عنده أجزاه وإلاّ لزمه أداؤها. ومن أطنى تمرة نخله بثلاث مائة فلم يزكّها حتّى حال الحول وهي بيده فقيل: يطرح عنه ما لزمه منها ويزكّي الباقي، وقيل: لا، بل الجميع وذلك إذا لزمت في الدراهم. وإن أطناه بثمانين ووجبت في الطناء ولم يُخرجها إلى الحول فإن كانت في الدراهم فكما مرّ غير مرّة، وإن كان في التمرة فهذه دراهم فحالها على هذه الصفة أن تلزمه زكاتها وزكاة الطناء. ومن لزمته في ماله فأطنى منه ما غلب عليه أكله رطبا وبسرا ولم يعلم أأكل ذلك أم جمع تمرا؟ فالخلاف السابق. وإن ترك بعضه حتّى صار تمرا بيد المطني لزمت فيه أو في ثمنه، والخيار للمصدّق. وإن كان يفرّق بنفسه نظر الأوفر لها، فإن رآه الثمن رجع على المطني بقدر الزكاة وهو ضامن لما أتلف لها ببيع، ولزمه أداء مثلها. وقيل: إنّما يثبت من البيع/343/ قدر حصّته ولا يثبت في الزكاة، وقيل: هو فاسد لأنَّه باع ماله ومال غيره بصفقة، فإن أعطى من الثمن وكان أوفر لم يجزه على القول بالنظر، وأجزاه على القول بالتخيير، ولا يُراعى فيه الأوفر. ومن أطنى نخله إلى أجل فطلبه المصدّق فيها فقيل: ينتظر إليه، وقيل: يأخذها منه نقدا. ومن أطناها بسلعة خُيِّر بين إخراجها من (2/324)
صفحة 847
قيمتها أو من التمر. ومن أطناه بأرخص من طناء قريته لحاجته أو لخوف أو لغيرهما لزمه أن يزكّيه تمرا بقدر عُشر ما أطنى أو نصفه، فإن لم يقبل عليه احتاط. ومن أطنى تمره فلمّا يبس ذهبت به الريح لم تلزمه فيه. وإن يبس على النخل أحصى كيل ما أكل يابسا، فإن كال ما يُطعم للصارم لزمت فيه، وقيل: مطلقا. ومن اشترى علفا لدوابّه فتركه حتّى أدرك ووجبت فيه زكّاه بائعه إلاّ إن شرطها عليه، وقيل: لزمته بلا شرط لأنَّه استحقّه قبل إدراكه، وقيل: البائع لانتقاض البيع إن نقضه أحدهما.
فصل
من خرّف من نخله رطبا وبسرا وباعه واستوفى ثمنه وصار تمرا عند مشتريه لزمته فيه والبائعَ عند أبي المؤثر، فإن عرف كيله أخرجها تمرا وإلاّ فعينا. ومن لزمته في ماله فباع منه في السوق رطبا وبسرا ولم يدر أتركه مشتريه حتّى صار تمرا أم لا؟ حُمل على الأغلب من أكله كذلك ومِن تركِهِ إلى التمر، فإن كان تَرْكَهُ زكّا ما حصل بيده من الثمن، وإن صار بيد مشتريه تمرا وقد باعه بأرخص لزمه أن يُخرج التمر بقدره أو يزيد عليه إلى عدل السعر. وما أخذه الجائر من السوق فإنّه يحمله ويزكّي الكلّ لأنَّه المتعرّض لأخذه، ولا تُطرح عنه أجرة حامله إليه. ومن أطنى نخلا أو باع مدركا وشرطها على مشتريه ثبت البيع ولزمته لأنَّه أوجبها على نفسه، وقيل: البائع كما مرّ. وأصل زكاة التمرة في المطناة أنَّها منها إذا وجبت فيها، فإن وثق ربّها بالمطني وعلم مبلغها لزمه أن يخرجها تمرا وإلاّ رجع إلى الثمن، وأخرج عُشره أو نصفه. وإن وعد ربّه المطني أن ينتظره إلى بيع التمرة على أنّ ما زاد على رأس المال في الطناء كان بينهما ولم يذكراه عند عقده فالتمرة للمطني ولا يفسده ذلك، وإن شرطه عنده لا قبله لزمت ربّ النخل والتمرة له، وللمطني عناؤه لأنّ هذا الشرط مفسد للبيع، وهذا من المضاربة، ولا تكون إلاّ بالنقدين، وفسدت إن كانت بعروض فيكون للعامل عناؤه والربح لربّ المال، وهذا إن كان الشرط عند الطناء، وإن كان قبله لم يقدح فيه (2/325)
صفحة 848
وللمطني تمره، وعلى ربّ المال زكاته، ويُقبل قوله في ثبوت الطناء وعلى ربّ المال بيان فساده، وإن طلبها منه المصدّق وقال إنّه أطناه خُيِّر كما مرّ، فإن أخذها من المطني رجع على ربّ المال بها، فإن تلف الثمن من يده قبل أن يعرف مبلغه لم تبطل زكاته إن كان للتمر عوض وهي في الدراهم. وإن أكله المطني رطبا وجبت الزكاة لأنَّه ليس كربّ المال، وقيل: سواء والمختار الأوّل.
فصل
إن اشترى ذمّيا تمرا [من] مسلم فإن صرمه قبل الوقت لم تلزم المسلم زكاته ولزمته إن صرمه تمرا لا إن شرطها على الذمّيّ، وليس لربّ النخل أن يطنيه إلاّ على شرط أدائها عند جذاذه. ومن أطنى نخله بنقد وعنده أخرى تجب فيها أخرج العُشر أو نصفه من قيمة الطناء ثمّ ربعه من النقد عند زكاته إن بقي بيده إلى وقته. (2/326)
صفحة 849
الباب الثامن والعشرون
فيما يؤخذ من أهل الذمّة ونصارى العرب
أبو سعيد: أمّا أهل الذمّة من اليهود والنصارى والصابئين والمجوس ممّن له دين يتعلّق به أو كتاب يتمسّك به فالحكم ثابت عليهم في رؤوسهم وهو الجزية، فإن كانوا في أمصار الإسلام أُخذت منهم لكلّ شهر على ما رسموه من أحكامها، وأمّا المحاربون منهم فقيل: يؤخذ من أموالهم العُشر إذا قدموا بها علينا، وقيل: كما يأخذها علينا ملوكهم في بلاده كما مرّ وهو الأكثر. قال خميس: لا نعلم منّا قائلا بما يؤخذ من اليهود إن كانوا بأرض الإسلام وقدموا منها بمال، واختار أن يكونوا كالذين بأمصارنا، وأن يؤخذ منهم/344/ نصف العشر إن كانوا في دار الحرب متمسّكين بالكتابية ولم يحاربونا، ولا يُلحقون بأهل الحرب، فإذا لم تكن لهم ذمّة مع أهل القبلة أُخذ منهم العُشر عند بعض ونصفه عند بعض فيما قدموا به. فإن تُركوا على أحكام الكتابية زال عنهم شبه الحرب وصاروا إلى الجزية، فإن قعدوا في بلاد الإسلام ما تجب به عليهم كانت عليهم، فإذا قعد ذمّيّ شهرا في رعاية المسلمين أُخذت منه، وقيل: ثلاثة فتؤخذ لها، واختار خميس أيضا في حربي قائم بأمان يدير تجارة بيده في جماعتهم أن يأخذوا منه ما يأخذه ملكهم؛ قلت ولعلّه لا يؤخذ منه أقلّ من العُشر أو نصفه إذا كان ملِكه لا يأخذ منّا إلاّ إن كان يأخذ أقلّ منه، وقد مرّ ما في ذلك. وإذا ثبت عليه شبه العُشر أشبه ما يوافقون عليه المسلمين من أموالهم وليس في محرّم كخنزير أو خمر حقّ، قال: ولعلّ بعضا أوجب فيه العُشر من قيمته عندهم إذ حلّ ذلك عندهم ويملكونه، ويُضاعف على نصارى العرب ما يؤخذ منّا من كلّ ما تجب فيه، ورجى أن لا يلزمهم حتّى يبلغ من أموالهم ما تجب فيه من أموالنا ثمّ يضاعف عليهم، وكذا قيل: في يهود العرب ونصارى بني تغلب كنصارى العرب، وكذا الصابئون منهم. (2/327)
صفحة 850
فصل
ابن بركة: ليس في زراعة أهل الذمّة ولا في ثمارهم صدقة، وإنّما يؤخذ منهم ما وافقوا عليه من العهد بيننا وبينهم، وإن عمل موحّد مع ذمّيّ وجبت في حصّته إذا بلغت فيها أو في ماله، وكذا ما انتقل منّا أو من أهل الذمّة إلى نصارى العرب ففيه الخمس كالذي انتقل إليهم أيضا أو إلى أهل الذمّة ولم تجر فيه الزكاة، وثبت أيضا في أموال نصارى العرب إن انتقلت إلى امرأة أو ذمّيّ أو مصل لتأصيله فيها حيث ما انتقلت ولو زرعها مصل. وإن اشترى ذمّي ماله شفعه الموحّدون بالإسلام كما سيأتي، وقيل: لا إلاّ إن كان لهم سبب. وإن جاز المصدّق على ذمّيّ يدوس زرعه أو يجذّ نخله فإنّ ماله الأصلي لا يؤخذ منه شيء ولزمته الزكاة فيما ملكه من الموحّدين على سبيلهم. ويؤخذ من مشرك العرب الضعف، وإنّما يؤخذ ــ عند عزّان ــ من نصارى العرب. وإن اشترى ذمّيّ أصلا تجري فيه الزكاة ففي وجوبه فيه قولان. وإن قال يهودي: إنّه خيْبري ويصلّي على رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ رُفعت عنه الجزية حتّى يصحّ أنَّه غيره. وإن زرع ذمّيّ أرض العُشر بملك أو بغيره لم يلزمه فيها، وقيل: إن ملكها تحوّلت إلى الخراج ولزمه فيها الخمس، وقيل: العُشر على حاله. أبو سعيد: كلّ مال تجب فيه الزكاة على موحِّد ولم يثبت على ذمّيّ بما لا يصحّ فيه ملك للمسلمين فلا ينتقل عن حكم الإسلام، وثبتت فيه كانت الزراعة للذمّي بملك أو غيره بمشاركة أو منحة أو أجرة، قال: وأحكام هذا الفصل من الأموال حكم أموالنا في ثبوت الزكاة، ولا أعلم في ذلك اختلافا. وجاز بيع مال الموحِّد لذمّي لا تلزمه الصدقة ويشترطها عليه، وهي ثابتة في أموال الموحِّدين عند أبي عبد الله وإن بلا شرط. ولا جزية على نصارى العرب وعامل النصارى إن كان مسلما ففي حصّته العُشر، وفي حصّة النصراني الخمس، وتؤخذ الصدقة من مال رجل منهم وامرأة وصبي مثلنا إلاّ في الضِّعف عليهم لا نفتّهم عن اسم الجزية وعليهم في كلّ ما ملكوه الضِّعف. وما اشتراه الذمّي ولو نعما من أرض الإسلام ولو تداوله ذمّي بعد ذمّي ففيه الزكاة (2/328)
صفحة 851
على أهل الذمّة إن كان أصله من أموال المسلمين، ولا يخرجون منها بماشية إلى أرض الشرك إن كانت تجري فيها الصدقة. وما اشتراه المسلمون ممّا جرى فيه الخمس من نصارى العرب لزمهم فيه العُشر، وقيل: الخمس لتأصيله فيه والمختار الأوّل، وعليه الأكثر وله أن يشتري تمرتهم ودوابّهم وأمتعتهم وماشيتهم؛ ولا تلزم الصدقة في تمرتهم إن اشتراها، وقيل: تلزمه إن ملكها قبل أن تُدرك. (2/329)
صفحة 852
الباب التاسع والعشرون
في الجزية وصفتها ومن تلزمه
قال الله ــ عزّ وجلّ ــ: {قَاتِلُوا الذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ} إلى {صَاغِرُونَ} (سورة التوبة: 29). قال ابن عبّاس:
يعطونها بأيديهم/345/ وقيل: عن يد أي نقد لا نسيئة، وقيل: عن إقرار بمَنِّ المسلمين عليهم بقبولها منهم وهم صاغرون، أذلاّء، مقهورون. وقيل: يقوم معطيها ويقعد آخذها منه. ابن عبّاس: تؤخذ منه وتوجى عنقه، وقيل: يصفع في قفاه. وقيل: يُجرّ إلى الإعطاء بعنف، وقيل: الصغار جريان حكم الإسلام عليهم، وقد اتّفقت الأمّة على جوازها أخذها من اليهود والنصارى إن لم يكونوا عربا، واختلفوا في العربي منهم وفي غير أهل الكتاب من كفّار العجم فذهب بعض إلى أنَّها من الأديان لا على الأنساب، فتؤخذ من كتابي ولو عربي لا من وثني، واحتجّوا بأنَّه صلّى الله عليه وسلّم أخذها من أُكَيْدَر وقومه وهم من غسّان، ومن أهل ذمّة اليمن وعامّتهم عرب، وآخرون إلى أنَّها تؤخذ من جميع الكفّار سوى المرتدّ، وقيل: من أهل الكتاب عموما ومن مشركي العجم، وقيل: لا تؤخذ من عربي ولو كتابيا، وتؤخذ من عجمي ولو وثنيا. وقد اتّفقت الصحابة على أخذها من المجوس وقال علي: كان لهم كتاب يدرسونه فأصبحوا يوما وقد رُفع.
فصل
أقلّ الجزية دينار ويُقبل من فقير، وعلى الموسر أربعة، وعلى المتوسّط ديناران. وقيل: إذا ظفر الإمام بأرض الإسلام وفيها ذمّة عقدها جبّار قبله فليس له نقضها وثبت لهم، وعليهم ما عقده الجبّار، وكذا إن أخذها منهم لأعوام في استيلائه عليهم (2/330)
صفحة 853
لما روي: «المسلمون يد على من سواهم، يسعى بذمّتهم أدناهم»، فهذا الخبر ــ قيل ــ يوجب إسقاطها عنهم بعد أخذها منهم. ولا تجب على النساء والصبيان والعبيد إجماعا، ولا على زمن وشيخ هرم، واختار أخذها ممّن عدى المجمع عليه. ولا جزية على يهودي أو نصراني إن أعتقه موحِّد، وفيه ــ قيل ــ نظر. وقال موسى: إنّ على الفقير درهمين وعلى الغني أربعة في كلّ شهر، ولا شيء على مسكين لا غلّة له ولا عبيد ولا تجارة ويأكل بالمدين. وعلى الخيْبري أن يتزيّا بزيّ أهل الذمّة لا بزيّ أهل الإسلام، ولا جزية عليه، ولا على راهب حبس نفسه في صومعة، وتلزم القوام على الكنائس والبِيَع وبيوت النار. وقيل: يؤخذ من فقير درهم فيه، وممن ظهر يسره درهمان، ومن دهقان متكثّر أربعة لا أكثر ولا أقلّ، وإنّما تؤخذ منهم إذا أهلّ الهلال الماضي. وإذا ملك ذمّي أربعين ألف درهم أو قيمتها أصلا فهو دهقان، وقيل: أقلّ منها. وإن كان لذمّي مال وعيال بعمان وغاب إلى بلاد الشرك ثمّ قدم أُخذت منه لكلّ ما مضى إن لم يعطي فيه، ولا تؤخذ منه إن أعطى فيه إذا رجع إلاّ في مستقبل ولا إن غاب إلى أرض الإسلام إلاّ أنّ أقرّ أنَّه لم يعطها في غيبته. وإن نشأ في بلاد الشرك ولم تؤخذ منه قطّ فلا تؤخذ منه حتّى يقيم في دار التوحيد ثلاثة أشهر. ابن عثمان: لا تؤخذ من ذمّي إذا رجع إلى أرض الإسلام حتّى يقيمها فيها فتؤخذ منه لها ولما يأتي إن أقام فيها، وبه قال ابن محبوب. وقيل: إذا حمي فيها شهرا أُخذت منه له إن كان لا يأكل بديْن ولا يلحقه في معيشته ويدفعها وإن بوكيله. وإذا راهق البلوغ صبي وكان كمن إذا أقرّ به ثبت عليه إقراره به وبما يقرّ به من الحقوق والضمانات، وتجري عليه الأحكام، فقيل: تؤخذ منه في حاله، وقيل: لا حتّى يقرّ بالبلوغ ما لم يكن إقراره محالا في النظر أو يصير بحدّ ما يبلغ فيه مثله أو أصغر منه، وقيل: حتّى يصحّ بلوغه أو يقرّ به ولا يرتاب فيه فالجزية على الرؤوس لا على الأموال، وقد ثبتت في أهل الكتاب بالكتاب، وفي المجوس بالسنّة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب». وجاز للمسلمين أن يصالحوا المشركين الحربيين من غير أهل الكتاب على أكثر من الخمس، وقيل: إلاّ أن يفيئوا إلى أمر الله أو يُقتلوا إلاّ إن رأوه أصلح (2/331)
صفحة 854
للإسلام وأهله فلهم صلحهم ولو على جملة أموالهم. وفي جواز أخذ العروض في الجزية الخلاف في أخذها في الزكاة عن النقود. ولا تؤخذ من ثمن/346/ المحرّم، ولا يُحرّم إن أُخذ منه اتّفاقا، ويُحبس ممتنع من أدائها حتّى يؤدّيها أو يحارب فيُقتل، وإن قدروا على ماله خُيِّر في أخذها منه وفي حبسها حتّى يؤدّيها عن يد صاغرا. وإن ظهر للإمام أو واليَه أن يضرّ به لم يبعد جوازه. (2/332)
صفحة 855
الباب الثلاثون
في الذمّيّ إذا زرع أرضا تجري فيه الصدقة من قبل وفي أحكامها على بني تغلب
أبو سعيد: كلّ ما ثبت فيه على مقرّ ولم يثبت في أيدي أهل الذمّة بما لا يصحّ فيه تملّك للمسلمين فلا ينتقل عن أحكام الإسلام فيه. وقيل: إن عمر ــ رضي الله عنه ــ أراد أن يأخذ الجزية من نصارى بني تغلب فأنفوا وأرادوا أن يلحقوا بالروم فقال له النعمان بن زراعة: يا أمير المؤمنين إنّهم قوم يأنفون منها فلا تُعِن عدوّك عليك بهم، فصالحهم عمر على الضعف إذ لا ضرر في إسقاط اسم الجزية عليهم، وقد تقدّمت أحكام هذا الباب. (2/333)
صفحة 856
الباب الحادي والثلاثون
في ذكر الرِّكاز والمعادن وما يجب فيها
فالركاز المال المدفون كالكنز في اللغة. ابن بركة: من وجد ركازا فهو أحقّ به ولا تعريف عليه فيه إذ هو دفين الجاهلية. وإن وجده ظاهرا فكاللقطة. أبو عبد الله: من وجد بأرض رجل كنزا جاهليا فهو لواجده ولو ظاهرا، وفيه الخمس إن كان عينا ولربّها عند غيره مطلقا. وقيل: إن وجده في حصن، وإن وجده في مباحةٍ لا محصونة فلواجده.
أبوسعيد: إذا ثبت أنَّه جاهلي فهو له لأنَّه غنيمة وليس من ذوات الأرض، ولا مِمَّا تخرجه حتّى يكون لربّ المال.
ومن استأجر رجلا ليحفر له في أرضه على كنز فهو له وللأجير عناؤه، وإن استأجره لأمر آخر لا لطلبه فهو لواجده الحافر.
وإن وجده عبد في عسكر المسلمين رضخ له منه، وإن وجده على انفراده فهو اكتساب منه وكسبه لربّه وفيه الخمس، وله أن يعطيه من باقيه ما شاء. وإن وجدته امرأة وصبي في غير حرب أو محلّ غنيمة فهو لمن وجده. وإن وُجد بدار الحرب فغنيمة. ومن وجده في بيت يقع عليه السكنى [356] فهو مال لربّه لإدخاله في جملة أحكام الشرك. والمشرك وماله غنيمة. وإن وجده بصحراء أو في غير ما يقع عليه التملّك اُختير أن يكون له. وليس أهل الحرب كالمسلمين فيما يوجد بأماكنهم.
أبو سعيد: اختُلف في خمس الكنوز إذا ثبت فيها معنى الغنيمة (143) للعسكر، فقيل: للفقراء، وقيل: يُقسم كالغنيمة والمختار الأوّل لأنَّه أُخذ على غير محاربة ولا إيجاف خيل ولا ركاب، ولما روي: «إنّ في الركاز الخمس»، وهذا قولنا وقول أهل الحجاز، وعند أهل العراق أنّ الركاز هو المعادن، والمختار الأوّل لأنَّه مأخوذ من أركز الرمح إذا ثبّت أصله. (2/334)
صفحة 857
ومن وجد كنزا وإن قلّ أخرج خمسه للإمام إن وُجد وإلاّ للفقراء، ولا شيء في أقلّ من خمسة دوانق؛ ولم يرد خبر بالتحديد.
وفي المعادن الزكاة، وتلزم فيما يُخرج منها إذا بلغ النصاب في الحين، وقيل: حتّى يحول عليها الحول ولو ترابا يُعالج بنار، وقيل: فيما يُخرج عينا أنَّه يزكّى في الحين ثمّ بعد الحول، وما يُعالج بالنار فكالمكتسب، ولا يُزكّى إلاّ بعد الحول ويُحمل على المال.
ابن محبوب: فيما يُخرج من معدن من عيْن الخمس في الحين، ولا زكاة في صُفر ولا في مستخرج من أنواع العروض.
وعلامة الكنز الجاهلي أن يكون في أوعية الجاهلية أو عليه علامتهم، وتُعرف كنوز المسلمين أيضا بذلك.
وإن وجد ذمّي ركازا في أرض الإسلام وحيث يجري حكمه ففيه الخمس.
وقيل: فيما يخرج من المعادن من الجواهر حصّة المولود والميّت بعد خروجه، وإن لم يُستعمل بالنار وحسب المال وقسِّم وعُرف ما لكلٍّ وأخذه فلا يدرك المولود من تلك السنة شيئا منه بعد، وله منابه في مستقبل؛ وكذا كبير يصحّ سهمه بعد القسم فيدخل في مستأنف ولا يبصر أنَّه يدرك بعد ما قسم. (2/335)
صفحة 858
الباب الثاني والثلاثون
في اللؤلؤ والجوهر والعنبر وما يُحمل بعضه على بعض من الثمار والمواشي
أبو سعيد: لا زكاة في غير العينين من الجواهر إلاّ ما دخل في تجر، ولا فيما وُجد من لؤلؤ وجوهر وعنبر عن غوص عليه إلاّ إن كان منه فتعدّ قيمته أو باعه بنقد فيُحمل على ماله. ولا قائل منّا بثبوتها في عسل النحل ولا في الزيتون حبّا ولا عصيرا، ولا في الموز ولا في الرمّان ونحوهما، ولا في الزعفران، ولا في الورد ولا في القطن ولا في نحو ذلك، وإنّما تجب في الستّة المذكورة قبل، وعند غيرنا خلاف فيما ذُكر.
ولا يُضمّ صنف من نَعَم إلى غيره، ويُضمّ جاموس إلى بقر، ونجاب على إبل، وضأن على معز.
ولا تجب في خيل وبغال وحمير إن لم يُرَد بها تجر، وتقوم إن كانت له.
فصل
من زرع ذرة بعضها أقدم من بعض ولها أسماء مختلفة فيحصد بعضها قبل بعض ويأكلها ثمّ تُدرك الأخرى، فإن لم تجب فيما حصد أوّلا لم تلزمه فيه حتّى يدرك بعضها بعضا، وما أكله أو باعه أو تلف عليه لم تلزمه فيه، ويجمع ما بيده إلى حصاد الأخرى، وقيل: يحمل ما أدرك حصاده قبل أن يقسّم الأوّل، فإن قسّم قبل إدراك الآخر فلا حمل، وقيل: إنّما يُحمل ما أدرك قبل حصد الأوّل ويكون كالثمرة الواحدة. أبو الحواري: ما دون ثلاثة أشهر يُحمل الأوّل فيه على الآخر، وقيل: إذا (2/336)
صفحة 859
حضر الأخير قبل حصد (144) الأوّل حُمل بعضه على بعضه، (145) وقالوا: إنّ النضار ثمرة ثانية، ولا تُحمل على الأولى التي نضرت من أصولها ولو أدركتها لم تُقسم.
أبو الحسن: من زرع ذرة بطيئة وسريعة فأصاب من السريعة كذا وكذا، وحصد البطيئة وقد بقي بيده من السريعة أقلّ من [357] ذلك فعند ابن محبوب: إن كان بينهما ثلاثة أشهر فلا حمل، واختاره خميس لصحّة رفعه عن أشياخ كبار.
أبو زيّاد: يُحمل الزبيب على التمر ومنَعه غيره وهو المختار، والبُرّ على الشعير عند ابن محبوب، ومنَعه وائل واختاره بعض.
ومن له حروث متفرّقة في قرى ولا تبلغ في شيء منها وهي نوع واحد فإذا جُمعت بلغ النصاب في الكلّ لزمته فيها، وتُفرّق زكاة كلّ قرية فيها، وإن أخرج الكلّ في واحدة أجزاه.
ابن محبوب: كنت ممّن يرى حمل النضار على الذرة ثمّ رجعت إلى منْعِه. (2/337)
صفحة 860
الباب الثالث والثلاثون
في الثمار إذا أخرجت منها الزكاة ثمّ حال عليها الحول وفي خرصها
أو من (146) لزمت في زراعته وتمرته وأخرجها منها عند الحصاد فلا تلزمه فيها إذا حال إلاّ أن يبيع ذلك بالدراهم فيزكّيها مع ثمنه عند وقته.
أبو الحواري: لا زكاة في الحبوب غير زكاتها عند حصادها، وإن كانت من سلْف أو ديْن أو شراء لتجر زكّاه كلّ سنة.
محبوب: من أطنى ماله أو داس زراعته فزكّى ذلك ثمّ باعه بالنقد وحلّت زكاته فليس عليه فيما أخرج صدقته شيء إلى الحول، والأكثر على أنّ هذا يُحمل على الورق إذا جاء وقته وهو الأصحّ لأنَّه من الفائدة الواجبة هي فيها.
أبو سعيد: إذا ثبت الخرص باجتهاد النظر من الإمام لتوفير الزكاة فلا تلزم أهل الأموال فيما اجتاح منها اتّفاقا، وهم مؤتمَنون فيما أصابوا منها، وفي جواز تحليف المتّهم فيها قولان كما مرّ.
واختُلف في زرع يباع في أكمامه وتمر بعد بدو صلاحه، فقيل: زكاته على البائع إلاّ إن اشترطها، وقيل: البيع فاسد، وقيل: المصدّق بالخيار في أخذها من ربّ المال ممّا باع به أو من المشتري، ويرجع بها على البائع وقد مرّ ذلك.
وقيل: الخرص بدعة ولا نعلم أحدا قال به ولا عمل، ولا يصحّ عندنا بثبوته في الحكم، وكلّ ما لم يثبت فيه فلا يُلتفت إلى جواز القول به إلاّ إن رآه الإمام أوفر، وإلاّ لم يكن له عليهم معنى. (2/338)
صفحة 861
واختُلف في صحّة المروي عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه عامل أهل خيْبر على شطر من ثمارهم وبعث ابن رواحة خارصا، وكان القول به مستفيضا، فإذا صحّ أمكن اختصاصهم به إذ لم يسلموا فتكون لهم حرمة الإسلام ولم يؤتَمَنوا فيُصدّقوا فيوجب نظر الرسول ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وأصحابه فيهم خرص ثمارهم عليهم ما قامت لئلاّ يخونوها، وهذا لا يُنكر صوابه. ولكلِّ وقت حكم إذا أوجبه النظر. (147) (2/339)
صفحة 862
الباب الرابع والثلاثون
فيمن زرع أرضا بأجرة
وفيمن له قطع متفرقّة فأقعدها أناسا فوجبت الزكاة في مجموعها لا في زراعة كلّ منهم فهي على ربّ القطع في منابه، وإن لم تجب فيه لأنَّه جامع للمال كلّه وشريك لكلّ منهم، والحكم فيما يلزم بسبب ما شاركهم به شريك لجميعهم، فاتّحدت الزراعة، وهذا إن زرعوا بجزء منها، ولا تلزمه في أجرة الأرض إن وأجرهم بكيل معيّن، وقيل: لا تلزمه حتّى يصيب من مفترقها ما تلزمه فيه إن أعطاها بجزء كثلث أو نحوه، أو تجب في حصّة أحدهم لوجوبها في الزراعة عند حصادها، وهي عنده متفرّقة إلاّ ما جمعه الأصل ولم يبن على الزكاة إلاّ بالزراعة جميعا في وجوبها.
وإن اكترى رجل أراضي الناس ولم تجب في واحدة فإذا جُمعت زراعتها وجبت فيها لزمته فيها لا أهلها في أجرتها، ويُعطى العامل ــ قيل ــ حصّته بزكاتها ويؤمر بدفعها واختاره أبو الحواري، وقيل: تُخرج أوّلا ثمّ يُعطاها. وقال بشير: من شارك رجلا فأصاب ما تجب في جملته فإنّه لا يسلّمها إلى الرجل، فإن سلّمها غرمها لأهلها. أبو الحواري: إنّما عليه زكاة حصّته.
وقيل: إن اشترك ثلاثة ما تجب فيه (148) جاز للمسلم أن يأخذ حصّته ويدفع لشريكيْه حصصهما بزكاتهما ولو غير أمينيْن وهما أولى بذلك. (2/340)
صفحة 863
الباب الخامس والثلاثون
في زكاة الرُّموم والصوافي والوقوف
والرمّ في عرف المغاربة ما يسمّونه بالمشاع.
ابن محبوب: من زرع رمّا من غير أهله بلا رأيهم لزمته زكاته، وقيل: ولو لم يبلغ النصاب إن بلغه أهله فيه لأنّ الزرع لهم، [358] وإن زرعه برأيهم أو كان منهم لم تلزمه في زراعته إن بلغت فيها. أبو علي: لا تُؤخذ من زارع لرمِّ قوم بلا رأيهم.
ابن محبوب: إن زرع قوم على أطوى بزجر وهي رمّ بينهم (149) يعطونها بالسدس لم تلزم في الأطوى، فإذا جمعوا أسداسهم وبلغت أكثر من النصاب لزمتهم لاشتراكهم فيها، وإن أُعطوها بثلاث مائة صاع فهي أجرة، ولا تلزم أهلها فيها، ولا ذلك كالمشاركة، ولا في دراهم من رمّ لقوم حتّى يقع لكلٍّ نصابها ويحول عليه الحول مذ صارت إليه.
أبو سعيد: لا تلزم في موقوف على الفقراء أو المساكين أو على شيء من الفضائل لأنَّه ليس ممّن خوطب بها وإن كان لمعروفين ممّن يزول حكم وقفهم إلى ملك معروف، وإن لم ينتقل إلى وراثة (150) إلاّ أنَّه يقع على الأملاك المعروفة فعلى أصحابه المتعبّدين بالزكاة إذا ثبتت في مشاع على القول به وجوبها. وكذا إن اقتسموه فوجب لكلّ في منابه ما تجب فيه فلا خلاف في لزومها أيضا.
ولا تلزم في نخل المسجد والسبيل، ولا في الوقوف ولا في الصوافي. أبو سعيد: لا تلزم في الصوافي إن كانت تُزرع لبيت المال أو كانت للمسلمين مشاركة بسهم معلوم في زراعتها. وإن زرعها متعبّد بالزكاة لنفسه بأجرة أو قعادة أو دفع من إمام أو قائم مقامه لزمته فيها لاستحقاقه الزراعة. وإن كان لجملتهم فيها سهم كسدس أو نحوه لم تلزم شريكهم فيها، وقيل: لزمتهم على كلّ حال إن وجبت في جملة ما بأيديهم إن كان عاملا فيها وإلاّ وكان داخلا بمشاركة لم يكن تبعا لهم حتّى تجب في (2/341)
صفحة 864
زراعته هو، وقيل: في ماله وعلى كلٍّ بانفراده من عامل أو غيره، ولو اتّحدت الزراعة لم يُحمل بعضهم على بعض، وقيل: إن كان يصيب جميعهم ما تجب فيه لزمتهم وتحاملوا.
ابن بركة: إذا بلغت في أرض خراجية كانت في الكلّ ولا يُسقط الخراج شيئًا منها لأنَّه كالأجرة للأرض.
ومن طلب من الإمام صافية وزرعها لنفسه وبلغت ما تجب فيه لزمته، وقيل: لا، ولا إن زرعها له لمصالح الإسلام اتّفاقا ولا أعمال الصوافي. وقيل: إذا عمل أحدهم ما تجب فيه لزمته، وقيل: إذا بلغته الصافية أُخذت من العامل كسائر الزراعات وإن قلّ ما أصاب، وقيل: الصوافي كلّها كمال واحد، ولزمت أعمالها في حصصهم إذا أُصيب من جميعها النصاب، وقيل: إذا أصابوا من صافية منها ما تجب في حصّتهم تحاملوا وكانوا شركاء، وكذا غير العمّال من الشركاء، وقيل: إنّما يُحملون في زراعتها إن شاعت واشتركت لوجوبها في حصّتهم، ويُطرح عنهم قدر حصّة الصافية منها ثمّ تؤخذ منهم إن بلغت في حصّتهم. وقيل: لا تلزم في صافية على عامل فيها ولا على غيره، وقيل: تلزم كلّ الشركاء إلاّ حصّة الإمام.
فصل
لا زكاة في أجرة رحى الماء والدابّة حتّى يفضل عند ربّها النصاب أو قيمته، ويحول عليه الحول أو يحمل على رأس المال فيلزم فيه ربع العُشر، ولا في أموال المساجد والمدارس ونحوها إلاّ على العامل إذا اجتمع في منابه النصاب.
ومن زرع أرض مدرسة أو نحوها بجزء أو قعادة لزمته في منابه ومناب عامله لا أهلها في منابهم من زراعة أو قعادة. ومن اقتعد مال مسجد وأدرك نخله لم تلزمه فيه ولا في مال مدرسة ولو أخذه المعلّم إذ هو أجير، ولا زكاة في الأجرة. (2/342)
صفحة 865
الباب السادس والثلاثون
في زكاة كراء العبيد وغلّة المنازل والصدقات
أبو سعيد: الإجارات الثابتة كالديون. واختُلف في ثبوت الكراء إن أجّل إلى أجل معلوم فقيل: حتّى ينقضي ثمّ تستحقّ الأجرة فإن قدر مستحقّها على أخذها فكالديْن المؤدَّى، وإلاّ فكالموئس (151) منه.
ومن كاتب عبده على مال فكالبيع، وإن اشترى نفسه منه عُتق، فإن اُجّلت المكاتبة فإلى أجلها، وإلاّ فهي حالة. ومن قدر على أخذ حقّه عند حلوله وجبت فيه.
ابن محبوب: من له ديّة على قوم ويدعونه إلى قبضها فأبى [359] إلى أن خلا لها سِنون ثمّ بدا له فيها فإن أخذها لم تلزمه فيها. وإن فُرضت له دراهم فأخذها لزمته من يوم حلّت لما مضى إلى أن قبضها، ويطرح عنه كلّ سنة ما لزمه لسنته الأولى. أبو سعيد: إنّما لزمته (152) دراهم منذ حلّت وحُكم له بها وإلاّ فالديّة إبل لا زكاة فيها إلاّ إن حُكم بها دراهم.
أبو عبد الله: تحاسب المرأة على نصف عاجلها ما لم يدخل بها الزوج، فإذا دخل بها زكّته كلّه، وقيل: تحاسب إن كان حالا عند وقتها إن كان لها، وقيل: لا، ولا تلزمها فيه حتّى تقبضه فتزكّيه لما مضى.
ومن باع ــ قيل ــ تمرا إلى ستّ سنين ثمّ حلّت فقال الشيخ ومسبح: لا تلزمها (153) في الآجل حتّى يحلّ ثمّ يحول عليه الحول، وقيل: تلزم فيه ويؤدّيها عنه كلّ حول إلى حلوله، وقيل: لما مضى إذا حلّ، وكذا في الصداق لا تزكّيه حتّى تقبضه، وقيل: تلزمها فيه إن قدرت على أخذه، وقيل: زكاة النصف مطلقا ما لم يدخل بها فتزكّي الكلّ (154) إن قدرت على أخذه. (2/343)
صفحة 866
أبو علي: من هلك بعمان وله زوجة في غيره ولها عليه دراهم وأقرّ بها وخلا له سِنون وعلم أنَّها لا ديْن عليها، أو أقرّت به أو غابت حيث لا يحتجّ عليها فلا يجب التعرّض لمالها حتّى تقرّ أنَّها لم تزكّ، أو يصحّ ذلك عليها فتؤخذ منها حينئذ لما مضى. (2/344)
صفحة 867
الباب السابع والثلاثون
في زكاة الديْن والسلْف والمضاربة والصداق
فالديْن الحال إن كان على مِلِّيًّ، وفيٍّ وقدِر ربّه على أخذه لزمته وإن لم يقبضه.
أبو سعيد: تلزم في سائر الديون إن كانت على موسر، وقيل: إن كان وفيّا وإلاّ فالموسر إذا رفع عليه ربّ الحقّ أدركه إن حاكمه وإلاّ لم يقدر على أخذه، فقيل: تلزم فيه ربّه، وقيل: لا لأنَّه لا يقدر عليه إلاّ بوضع عنه، والمختار أنَّه إن كان لا يلحقه ضرّ في رفعانه في أخذه تلزمه فيه، وفي المويس منه ما مرّ فعلى القول بأنَّها شريك تلزمه فيه لكلّ ماض، فمتى وجده وجده بها وإن لم يتعبّد بأدائها لفقده عنه فمتى قدر عليه أخرج منه حصَّة (155) الزكاة كما لو كان له مال شورك فيه، وغاب عنه وعلى القول بأنَّها في الذمّة أنَّه متى عجز عن أدائها زالت عنه المخاطبة بها لما مضى، فإذا وجده كان كالمفاد وقد انقضى التعبّد بها فيه إلاّ إن كان له غيره فيحمله عليه.
واختُلف في الآجل غير السلف فقيل: لا يُزكّى حتّى يُقبض، وقيل: يُزكّى من رأس المال الذي باعه به، وقيل: إذا حلّ وجبت فيه لما مضى، وقيل: لا حتّى يقدر على أخذه، ويؤدّي ــ قيل ــ عن السلف من رأس المال ما لم يحلّ ويقبض، وقيل: حتّى يقبض فيؤدّي منه، وقيل: إذا حلّ وجبت فيه لما مضى.
فصل
إن بانت امرأة من زوجها فاصطلحا على أربع مائة درهم لها عليه من قبل صداقها فطلبته منه فاعتذر بالعسر إلاّ أنَّها إذا رفعت عليه استوفته وتركته إلى ميسرة ولها حلي تزكّيه، فقيل: لزمتها فيه معه، وقيل: لا لأنَّها ما لم تقدر على أخذه (2/345)
صفحة 868
فمعذورة، والزوج إن لم يسلّمه إليها إلاّ بالرفعان فليس بمنصف لها ولا هي قادرة على أخذه منه.
هاشم ومسبح: من بيده مضاربة لرجل دراهم فاشترى بها أربعين شاة لربح فبقيت بيده إلى الحول فإنّها تقوم وتؤدّى من الدراهم إن بلغت قيمتها النصاب وإلاّ فلا شيء فيها، وعند أبي عبد الله: تؤدّى عنها شاة، وإن كانت أقلّ من أربعين قوِّمت وحمل ثمنها عليها، فإن بلغ الكلّ زُكِّي وإلاّ فلا.
أبو المؤثر: من له ديْن على قوم ولم يؤدّوه له ولا طلبه هو منهم، فإن قدر على أخذه إذا طلبه لزمته فيه وإلاّ أو أفلسوا لم تلزمه.
ومن ذهب له مال ثمّ رجع إليه أو كان حيث لا يعلمه فلم يؤدّ عمّا بيده لذهاب ذلك ثمّ علمه زكّاه لما مضى، وكذا ما أشبهه وهو المختار وعليه الأكثر، وقيل: لا يزكّيه إلاّ لسنة كما مرّ.
ومن حضر وقته وله حبّ في غير بلده يباع له فإن كان من تجر لزمته فيه متى وصل إليه إن خاف عليه إذ لا تلزمه فيه إذا صار في خطر من قبله.
ومن له حقّ على رجل فأنكره فيه وقال له إن حلفت عليه دفعته إليك [360] فإنّه يزكّي عنه إن أبى لأنَّه أمكنه منه بيمين، وقيل: لا حتّى يقبضه، وإن لم يخرج هذا من مواطن الأمن عليه إلاّ بعد حلول الزكاة فإنّه يزكّيه، وإن كان من ثمار أصوله أو أجرته (156) لم تلزمه فيها إن باعها بعد أن زكّاها، وإن بيعت هذه الأشياء قبل حلول الزكاة وصار ثمنها نقدا لزمته متى وصلت من محلّ الخطر. وكذا إن بيعت بعده ولو بقي عليه درهم منها لزمته ولو كان من ثمرته.
أبو عبد الله: من عنده خمس مائة يزكّيها واشترى بها متاعا وباعه بألف إلى عشر تحلّ له كلّ سنة مائة منه، فإذا جاء وقته وحلّت له مائة زكّاها ثمَّ كذلك حتّى يستوفي الخمس مائة فإذا حال الحول وأخذ مائة من الربح وقد أتلف الخمس مائة لم تلزمه في المائة إلى الحول على مائة بيده، وإن كان لا يزكِّي الخمس مائة (157) قبل، لم تلزمه في المائة التي يأخذها حتّى يحول على مائتين منها حول بعد قبضها أو حلولها له (2/346)
صفحة 869
وقد مرّ ذلك، وقيل: يقوم عليه المتاع بما اشتراه إذا جاء وقته ثمّ يزكّي قيمته، فإذا حال أيضا قُوِّم عليه أيضا ثمّ يُطرح منه ما أخذ في الماضي.
وإن تلف بعض المال طُرحت عنه زكاته، وإن كانت بيده حُملت عليه ثمّ أُخذت ممّا بقي هكذا كلّ سنة حتّى يحلّ الحقّ.
فصل
كلّ من ليس له إلاّ آجل أو صداق أو أرش أو دية فلا يزكّيه حتّى يحلّ ثمّ يحول عليه حول. وإن كان لامرأة آجل على مفقود فإذا اعتدّت منه وحُكم بموته وقسِّم ماله (158) فإذا حال عليها حول من ذلك الوقت وجبت فيه.
أبو سعيد: من يزكّي ماله فيضارب رجلا بمال فيجيء وقته فإن علم سلامته بيده لزمه أن يزكّي عنه على ما هو عليه في يومه من زيادة أو نقص، ولا تلزم الرجل في ربحه إن وجبت فيه إلى الحول، ويحمل ربّ المال ربحه على رأس ماله إذا جاء وقته.
أبو علي: إن كانت امرأة تزكّي مالها في معلوم فتزوّجت بعاجل وآجل وقدرت على أخذ العاجل فهل تحمله على ما بيدها؟ قال: قد علمت أنَّها لا تحاسب على عاجله قبل أن تقبضه.
وقال في رجل جرح آخر وثبت عليه ببيان أو إقرار فرض الأرش فلم يطلبه مستحقّه حتّى حال الحول فإذا فرض دراهم لزمت فيها وإلاّ فلا زكاة في العروض حتّى تُباع بها على ما (159) مرّ غير مرّة، ولا إن أفلس الجارح حتّى يقبضه ربّه.
ومن يتّجر في قرية فأسلف رجلاً (160) من أخرى ببر إلى أجل ووكّل فيها رجلا فتقاضاه ثمّ باع الحبّ في وقت زكاته فإنّها تُعطى عن الحبّ في التي أسلف فيها إلاّ إن حال عليه الحول في أخرى فيزكّيه فيها.
ومن يطلب رجلا بألف درهم فقال له الرجل: أطْنِ مِن تمري بحقّك فأخذ منه بألف وطلبه المصدّق بزكاة الألف فقال له: إنّ التمر يسوى خمس مائة، وإنّما (2/347)
صفحة 870
اعترضت منه لأنّي أطلبه وخذ صدقتك تمرا، فإنّه مخيّر بين أخذه وأخذ الثمن، وذلك إذا قدر على أخذ ماله.
فصل
من تزوّج امرأة على أربع مائة حالَّة فلم يدفعها إليها حتّى حال الحول فإن كان موسرا زكّت مائتين وانتظرت بالباقي حتّى يدخل بها فتؤدّي على ما مضى، وقيل: لا وقد مرّ ذلك؛ وإن سلّم إليها الكلّ وبقي بيدها إلى الحول من حين تزوّجها إن كان مِليا أو منذ سلّمها إليها، وكان مفلسا لزمتها في الكلّ. وإن طلّقها من قبل أن يدخل بها ردّت عليه مائتين، وحطّ عنها منها ما أدّت عنها لأنَّها كانت لها يومئذ، ولم يستحقّها هو إلاّ بعد أن طلّقها، وقيل: تؤدّي عن النصف، فإذا دخل بها أدّت عن الكلّ لما مضى؛ وإن طلّقها قبله كانت في المائتين عليها.
ومن له مال يزكّيه وله ديْن آجل فقيل: لا تؤخذ منه حتّى يحلّ، وقيل: تلزمه عمّا بيده وعن ديْنه، وقيل: من رأس ماله، ومن رأس مال ديْنه. وقيل: إذا جاء وقت ورقه قبل حلول ديْنه زكّى ورقه فيه وديْنه عند حلوله. [361] ولا زكاة في سلم إلاّ من رأس المال حتّى يقبض ولو حلّ، وقيل: إذا حلّ وأمكن قبضه لزمت فيه والمختار الأوّل.
فصل
أبو سعيد: من دفع إلى رجل ألفا وقال له: اِتّجر فيها ولك كلّ الربح ولا يلزمك ضمان، فقيل: لزمه وبطل الشرط، فإذا لزمه طُرح عنه الديْن الحال عليه ثمّ يزكّي الباقي، وقيل: لزمته (161) ويؤدّي كيف شاء، وقيل: إن شاء أن يؤدّي شيئا في سنته أُلقي عنه وإلاّ أدّاها من جملة ماله. (2/348)
صفحة 871
وإن كان لتاجر سلف في ثمار وحلّ أجله قبل زكاته ولم يقبضه حتّى حلّت فإن قدر على أخذه زكّى عن رأس ماله ما لم يقبضه.
أبو سعيد: لا يسقط المدين ما لزمه في الثمار من الزكاة لأنَّها فيها من رأس المال والديْن في الذمّة، وقيل: إن كان من جنسها فحلّ عليه قبل وجوبها استهلكت، وإن كان منه لم يحطّ عنه زكاتها. وقيل: إن كان لنفقته وعياله أو لقضاء واجب عليه رُفع له منها لا إن كان لغير ذلك ولو كانت من جنس ما عليه، وفيما بقي بعده الزكاة إذا وجبت في جملة التمرة، وكان الباقي من غير التكاسير. وقيل: إذا وجب رفعها من الثمرة (162) لم تكن في الباقي منها إلاّ إن وجبت فيه، والأكثر على أنّ زكاتها تؤدَّى قبل الديون كما مرّ.
ولا تُطرح الديون من الثمار والمواشي إن كانت سائمة ووجبت فيها، وعلى ربّها ديْن فلا يُطرح له منه قدرها قبل الزكاة. وكذا من أصاب من زراعته ما تجب فيها وطلب أن يطرح عنه لديْنه لم يجده ولزمته قبله إلاّ إن كان بيده ماشية التجارة، فيُطرح له منها ويزكّي الباقي إن وجبت فيه.
جابر عن ابن عبّاس: من يستقرض فينفق على أهله وعلى ثمرته أدّى القرض، ثمّ يزكّي الباقي، وكذا قال ابن عمر: يقضي ما استقرضه على الثمرة منها ثمّ يزكّي باقيها إن وجبت فيه.
أبو الحواري: من يؤدّيها في المحرَّم وأخّرها إلى ربيع الأوّل فإذا حال عليه الحول رجع إلى المحرّم ثمّ إلى ربيع الأوّل أيضا فهذا وقته المحرّم. (2/349)
صفحة 872
الباب الثامن والثلاثون
في حمل الزكاة من بلد إلى بلد وفيمن أُمر بتفريقها ويأخذ منها لنفسه أو لمن يعوله
فقد أجاز بعض حملها منه إليه، ومنَعَه بعض وهو المختار إلاّ إن استغنى عنها فقراء بلدها قال خميس: لا أعلم منعا في الحكم إلاّ من تولّد الضمان على مرسلها إذا تلفت قبل الوصول، ولا أن يخصّ (163) النظر في موضع أو زمان؛ إنّ بعض الأفاضل ممّن يستحقّها يخصّ بها لفضله كما مرّ، واستحقاقه لها دون غيره وهو في غير بلدها فتُحمل إليه لذلك، وجاز إذا وصلته.
أبو الحواري: من لزمته في ورق فأداؤها في قريته أولى من غيرها إن وجد فيها فقيرا وإلاّ فله أن يبعث بها حيث شاء. وإن دخل وقته وكان في سفر وأدّاها في غير بلده جاز له.
أبو عبد الله: إذا حمل تاجر سلعته من بلد إلى بلد زكّاها في الذي خرج إليه، وإن كان يأتيه الناس إلى بلده فيبيع لهم فيه (164) زكّى فيه، وقيل فيمن يؤدّيها إلى موافق وليس من قريته ولا من سكّانها أنَّه لا يخرج زكاة قريته إلى أخرى إلا إن لم يجد فيها مسلما، ولا غرم عليه إن فعل بجهل، وإن دفعها فيها إلى أحد من غير أهلها جاز. وقيل: إذا حملها إلى غير قريته وفرّقها على الفقراء أجزاه، وإن تلفت في الطريق وقد ميّزها فقيل: يضمنها إذا وجد في قريته أهلها وإلاّ الخلاف السابق.
ومن دفعها لرجل ليفرّقها عليهم جاز له أن يسلّم منها لمن يعوله إن استحقّها. ومن حُملت إليه دراهم ليفرّقها ففرّق بعضها وأخذ لنفسه منها ما لا يستغني به وعليه من الديْن مثل ما أخذ فالأكثر الجواز له إن لم يعيّن له الدافع ناسا، ومنَعَه بعض وكرهه آخرون. وإن أمره أن يأخذ منها معلوما جاز له إن استحقّها. وإن كان الدافع إليه وصيا أو وكيلا فكالأوّل. (2/350)
صفحة 873
وإن لزمت [362] في مال يتيم له أحدهما ولا مال له ولا لزوجته أو كان ولا يكفيهما فله أن يأخذ لها منها، وله قدر ما لا يستغنيان به. قال خميس: وعطيّته لها أحبّ وأبرأ للقلب إن استحقّتها.
أبو سعيد: من يجعل الناس عنده زكاتهم وكان فقيرا جاز له أن يأخذها لنفسه ولو لم يجعلوا له ذلك إن أمروه أن ينفذها إلى أهلها ما لم يحدّوا له حدّا، وإن حجّروا عليه في الأخذ منها لم يجز له ولو محتاجا إن كانت من أموالهم، وله أن يدفع منها إلى من يلزمه عوله.
ومن سلّم لرجل دراهم موصًى بها للفقراء وأمره أن يفرّقها عليهم وحجّر عليه أن يأخذ منها، فإن عُلمت الوصيّة جاز له وإلاّ فلا.
ومن ميّز زكاته وسلّمها إلى بعض ورثته وقال له: إنّها زكاتي ثمّ مات فأجاز له باقيهم ما قال الهالك له لم يلزمهم تصديقه، (165) وإن سلّمها إليهم على قدر حصصهم فعلى القول بأنَّها شريك يضمنها حتّى يؤدّيها على وجهها، وعلى القول بأنَّها في الذمّة فلا يلزمه ولا الورثة ضمانها، وعليه أن يُخرج منها بقدر حصّته. (2/351)
صفحة 874
الباب التاسع والثلاثون
فيمن أمكنه إخراج زكاته فتركه حتّى تلفت
وقد اختُلف في مال حال عليه الحول وأمكن ربّه دفع زكاته فترك فضاع فقيل: يضمنها ديْنا عليه، وفرَّق بعض بين الماشية وغيرها فقال: لا يضمن الماشية إن لم يتلفها هو، وقال بعض: إن أمكنه وقدر عليه فلا معنى للفرق بين ذلك، ولا يلزمه الضمان إن انتظر المصدّق كما مرّ.
ومن حصد زرعه فأحرقه رجل وغرم له قيمته نقدا فقيل: لا تلزمه فيه، وإن غرم له حبّا تجب فيه أو حمله على ما تلزم فيه لزمته فيه، فإن لم تُدرَك الزراعة وعوّض له حبّا لم تلزمه فيه.
ومن أحرق له قبيض سنبل فاتَّهم به رجلا فحبسه فغرم له حبّا مكانه لم تلزمه فيه على هذا الوجه، وقيل: تلزم فيه حبّا كان أو دراهم.
ومن سلّم زكاته لرجل يدفعها لأهلها فتلفت قبل أن تصلهم فقيل: إن أقامه الإمام والجماعة أمينا عليها فتلفت منه بلا تضييعه فلا يلزم ربّها ضمانها، وإن كان أمينا له وأرسله (166) بها إلى معيّن لزم الرسول ولو ثقة.
أبو الحسن: من بعث بزكاتها إلى فقير مع ثقة أو إلى (167) إمام أو واليه فتلفت قبل أن تصله ضمنها، وإن أعطاها ثقة وقال له: (168) سلّمها لأهلها وأمنه عليها فتلفت بيده أجزت عنه ولو في عصر الإمام، ولا يلزمه غرمها، ولا إن سلّمها إلى رسول الإمام أو الوالي فضاعت من يده.
ومن كان بأرض الإسلام فميّزها وقدر على دفعها فعند من يجيزها للفقراء الموحِّدين يضمنها إن ادّخرها لغائب يرجوه أو لأحد في غير قريته فتلفت ولم يأت بعذر، وعند من لا يجيزها إلاّ للولي ولم يجده فادّخرها له لا يضمنها. ومن كان في (2/352)
صفحة 875
بلده وميّزها وانتظر بها أحقّ بها فإن كان يجد من يبرأ بدفعها إليه فأخّرها فتلفت، ففي وجوب الضمان عليه قولان.
ومن ميّز زكاة غنمه فنتجت، فإن كان له عذر بانتظار أهلها فلا ضمان عليه إن تلفت، وقيل: هي ماله ولزمته أخرى، واختار خميس أنّ النتاج داخل في ماله (169) إن لزمه الضمان. وعند من يرى تمييزها يقع موقعها أنَّه إن أنفذ الأمّهات وبقي النتاج ثمّ استفاد ما تجب فيه قال: لم يبن لي أن تلزمه حتّى يحول حوله، ويلحقه ذلك عندي على القول الآخر. (2/353)
صفحة 876
الباب الأربعون
في المال إذا وجبت فيه الزكاة
فقيل: من له مال يزكّيه في معلوم ثمّ استهلكه في سنته فبقي منه درهم ثمّ استفاد مالا قبل وقته بيوم أو بأيام لزمته فيه، وإن استفاده بعده فوقته من حين الاستفادة ولا حدّ في الباقي، (170) وقيل: إذا بقي شيء من الأوّل حُمل على مفاده في سنته، وكذا في المواشي والبيان، وأقلّ الباقي فيها واحدة.
وإن لم يبق شيء انتقض وقته ولا تلزمه في [363] المفاد حتّى يحول الحول فيكون وقته يوم ملكه.
ومن انقطعت عنه سنين وبقي بيده من ماله عشرة دراهم أو أقلّ ثمّ استفاد مالا فعليه أن يزكّي في الذي يزكّي فيه قبْلُ عند سليمان؛ وقال أبو زيّاد: إذا حال شهره وانقضى وليس عنده إلاّ عشرة فإذا اجتمع عليها تسعون ومائة فلا يزكّيها حتّى يحول عليه الحول من يوم اجتمعت. وقيل: إذا مضى وقته وليس بيده ما تجب فيه انقطع، وقيل: إذا دخل شهره وبيده ما تجب فيه لزمه أن يزكّيه ولو لم يبق بيده من الأوّل شيء إن عُرف له شهر أو يوم يزكّي فيه، فإذا استفاد ما تلزمه فيه قبل دخوله ولو بساعة لزمته إذا دخل على القول به، ولم يعجب خميسا أن تلزمه حتّى يحول عليه مذ ملك (171) النصابَ إن انقطعت من الأوّل. وإن استفاده في أوّل دخول ما ذكر لحِقَه الخلاف، وإن استفاد آخِر يومه الذي يزكّي فيه فكالقول في آخِر شهره.
وإن زكّى ورقه في معتاده ثمّ تلف فيه أو بعده في سنته ثمّ استفاد النصاب ثمّ تلف فلم يزل كذلك حتّى حال شهره، وليس بيده شيء ثمّ استفاده (172) أيضا آخر شهره أو يومه، فإن ذهب ماله كلّه انقطع وقته قال خميس: وأحسب أنَّه ــ قيل ــ إذا استفاد قبل وقته النصاب فهو وقته ما لم ينقض، وعليه فيما لم ينقض معتاده فهو وقته سواء أوّله أو آخره. (2/354)
صفحة 877
ومن له سلف وجاء وقت زكاته حمل رأس ماله على ما بيده وزكّى الكلّ. وقيل: السلف إلى أجله كما مرّ. ومن حال حوله وليس بيده ما تجب فيه، وله سلف إلى أجل لو حمله لوجبت فيه، فقيل: يزكّي ما بيده والسلف إذا قبضه، وقيل: ينتظر قبضه، فإذا اجتمع بيده ما تجب فيه زكّى الكلّ.
ابن علي: من ذهب ورقه ثمّ أصاب غيره لم تلزمه فيه إلاّ إن بقي من الأوّل أربعون فأكثر؛ وعند ابن محبوب: إن بقي ولو قليل ثمّ استفاد قبل انقضاء وقته من سنته لزمته، وقيل: إن ذهب كلّه أو بقي منه شيء ثمّ استفاد ما تتمّ به قبله لم تلزمه حتّى يحول الحول على ما تمّت به عنده.
ومن بيده (173) خمس بقرات أو أكثر وحال عليهنّ الحول وأخرجها منهنّ ثمّ تلفن إلاّ واحدة فاستفاد أربعا قبل أن يحول لزمته فيهنّ، وإن مضى ولم يستفد ثمّ ملك أربعا لم تلزمه حتّى يحول من يوم استفادها لانقطاع وقته الأوّل، وإن تلفت كلّها ثمّ استفاد خمسا في سنته قبل معتاده فلا تلزمه فيه، وكذا الإبل والغنم. (2/355)
صفحة 878
الباب الحادي والأربعون
في زكاة العينيْن وحملهما والحليِّ
أبو سعيد: لزم في عشرين مثقالا ذهبا نصف مثقال، وفي مائتيْ درهم من فضّة خمسة. ولا عبرة بنقصان قيمة العشرين على المائتيْن أو زيادتها وإن كان أقلَّ من عشرين يسوى مائتين لم تلزم إلاَّ إن حمل عليه شيء من فضَّة، وكذا أقلُّ من المائتين إن كان يسوى عشرين أو أكثر لم تلزمه إلاّ إن كان عنده ذهب يحمل عليه. ومن بيده عشرة مثاقيل تسوى مائة أو إلاّ درهما وعنده مائة لزمته بالحمل.
ومن عنده مزيّفة زكّى منها. وكره خميس إعطاء صرف ذلك عن النقية إلاّ إن صارف المصدّق بها إذا صارت إليه، وأن يعطي عن كلّ نوع إلاّ مثله، ولا يُعطى ذهب (174) عن فضّة كعكسه، ويعطي عن كلّ نوع منه إلاّ إن صار للمصدّق وصارفه عليه أو تحاملا بالصرف لتمام الزكاة، ويعطيها ممّا حسب عليه من الصرف.
ولا زكاة في زائد عن نصاب الذهب حتّى تتمّ أربعة مثاقيل فيلزم فيها عُشر مثقال، وذلك في الذهب المكسّر والحليّ والدينار، وكذا في الدراهم والمكسّرة والحليّ من كلّ مائتيْن خمسة كما مرّ؛ ولا تلزم في زائد عن المائتيْن حتّى تتمّ أربعون فيلزم فيها كما مرّ درهم وهو ثلثا مثقال. ولا تلزم في مائتيْن إن نقص وزنها ولو تمّ عددها.
أبو سعيد: تجب في العينيْن بحصول الملك في وقت ملكهما أو أحدهما إلى أن يحول الحول وهو قول ابن عبّاس. وقيل: لا يلزم أداؤها عنهما حتّى يحول من يوم ملكهما وهو قول ابن عمر، وبه أخذ الناس. واستحبّ الفقهاء لها شهرا معلوما [364] ولا يُجاوَز.
وصاحب الورق مصدَّق فيه ولا يلزمه وزنه بين يدي المصدّق، ولا كسر حليّه (175) وله تحليفه إن اتّهمه، ولا بأس عليه إن تركه، ويخيَّر في أخذها من حليّ ومن ذهب وفضّة على قدر كلٍّ، وفي أخذ الثمن كما يباع إلاّ إن شاء ربّ المال أن (2/356)
صفحة 879
يعطي عن الذهب ذهبا وعن الفضّة فضّة لا ثمنا فذلك له. وإن غاب المصدّق فحسب ربّ الحلي زكاة ما عنده على ما تباع العيْن وأعطى الوالي الثمن فلا بأس عليه.
ويحمل الذهب على الفضّة لأنَّها النقد والثمن، وقيل: الأقلّ على الأكثر بالقيمة، وقيل: يعتبر الأوفر للزكاة لا بالعدد.
ومن عنده منهما ما إذا حملها عليه بالصرف بلغ عشرين لزمته، والمعتبر في الأداء الأوفر إن وجبت في كلّ بانفراده أدّى من كلّ ما وجب فيه، وله أن يعطيها عنهما من واحد.
فصل
اعتبار الأوفر عند القائل به هو أن يكون عند أحد ثمانون درهمًا (176) وعشرة دنانير قيمة كلّ خمسة عشر درهما، فيحمل الفضّة على الذهب. وإن كان الحليّ ذهبا وفضّة وكان أحدهما أقلّ تحاملا بالقيمة وأُخرجت. ومن له عشرة مثاقيل ومائة درهم فإن حسب كلّ مثقال بعشرة فالثمن مائة درهم فوجبت خمسة. (177) وإن كان المثقال يسوى خمسة أو أقلّ حُسب المائة ذهبا فيكون فيها عشرة مثاقيل وعنده عشرة فوجبت في الذهب فاتّضح معنى الأوفر لها، وهذا رأي أبي عبيْدة وأبي حنيفة.
وقيل: يحسب المصدّق الذهب والفضّة وصرف أيّهما شاء إلى الآخر، فإذا بلغ ما يجب فيه وعلمها رجع بالأخذ من كلّ لأجل الزيادة والنقصان في الصرف إلاّ إن اتّفق مع ربّ المال أن يأخذ الكلّ ذهبا أو فضّة على سعره جاز له.
وتجب في مغشوشة ومزيَّفة حتّى تذهب إلى حدّ الصُّفْر أو غيره فلا تلزم فيه. ومن لم يعرف وزن حليّه فأخبره من يثق به ولو عبدا اجتزى به إن أمكنه تصديقه. وإن لم يجد مُخبرا احتاط بالأكثر واكتفى عن وزنه.
أبو سعيد: من ملك عشرة ومائة وحال الحول واتّحدت قيمتهما لزمته، وخُيِّر في الأداء من كلّ صنف ما وجب فيه أو من أحدهما عن الكلّ. فمن له ثلاثة (2/357)
صفحة 880
وعشرون مثقالا ومائة درهم ففي الثلاثة زكاة أيضا، والنقدان كالعينيْن فيها. وإن كان عنده عشرون دينارا تجب فيها (178) ودراهم أو فضّة أقلّ من أربعين فهل عليه أن يحملها على الدنانير ويُخرجها من الكلّ، فقيل: لا يحمل مثل هذا لوجوبها فيه بعينه، وقيل: يحمل على القول بالأوفر، فإن كانت المثاقيل إذا حُملت على الدراهم كانت زكاتها أوفر منها فقيل: تُحمل واختار خميس عدمه إن وجبت في أحدهما حتّى يجب في الآخر ما تجب فيه، وهو أربعة أو أربعون.
واختُلف في وجوبها في الحليّ فروي عن عمر وابنه وابن عبّاس وابن مسعود وجابر وجماعة وجوبها فيه، وأسقطها بعضهم وبالأوّل أخذ أصحابنا. فإذا بلغت قيمته مائتيْ درهم لزمت فيه. (2/358)
صفحة 881
الباب الثاني والأربعون
في زكاة المواشي والعوامل وغيرها
والأكثر منّا على أنّها تجب في الإبل والبقر العوامل وغيرها، وقيل: إذا عمل عليها وبلغ في معمولها ما تجب فيه من الحرث انحطّت عنها لوجوبها فيه، والمختار الأوّل لوجوبها في كلّ منها، ومن الحرث على انفراده.
ويروى: ((ليس في الجارة صدقة))، وفي رواية في: «القتوبة» وهي الجمال المتَّخذة للحمل عليها. وفي خبر في الكسعة وهي التي تُساق بالضرب في الأعمال.
ابن بركة: اختلف أصحابنا في العوامل من البقر وما اقتُني في البيوت من غنم فقيل: إذا تمّ النصاب في كلّ صنف منها وجبت فيه لقوله صلّى الله عليه وسلّم: 4 في كلّ أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة» (179)، ولم يوجبها بعضهم في العوامل لقوله: ((في سائمة الغنم [365] الزكاة، وفي خمس من الإبل السائمة شاة». وقال: ((ليس في القتوبة ولا في الجارة صدقة))، وهي التي يُشدّ عليها القتب والتي تُجرّ بأزمّتها، قال: فذكره للسائمة عندي يسقط الزكاة عن غيرها لأنّ أحد الخبرين فيه زيادة بيان، ولا نحبّ إسقاطها من الأخبار لأنّ فيها معنى ليس هو في الآخر، وهكذا في سائرها.
ومن أوجبها في العوامل فلا بدّ له من ترْك أحد الخبرين.
وقيل: تجب في الماشية تعلّقا بظاهر الخبر وهو في خمس من الإبل أو البقر شاة، وفي أربعين واحدة مطلقا فيحتمل أن يُراد به ما وقع عليه الاسم أو ما احتمل من التأويل والتخصيص، قال: والنظر يوجبها فيما أجمع عليه من وجوبها في السائمة لأنّ العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما.
ولا تجب فيما اقتُنيَ واستُعمِل لما روي من عدم وجوبها في الكُسَّعة وهي العوامل من الإبل والبقر والحمير، وسُمّيت بذلك لأنّها تُكَسَّع أي تُضرب، وأصله (2/359)
صفحة 882
ضرْب الضرع باليد بعد نضحه بالماء البارد ليصعد اللبن؛ وإنّما الصدقة في السوائم وهي التي تُرعى وتُسمّى الإبل التي تسقي الحرث السواقي، والبقر النواضح.
وقيل: إن في إبل وإن لضعيف يكاري عليها وهي خمس أو أكثر زكاة إذا حال عليها حول في ملكه.
ومن له إبل ما تجب فيه وحال ولم يأته المصدّق إلى شهر أو أكثر بعد وقته فاستفاد خمسا أخرى لزمته في الأولى فقط، وكذا في البقر والغنم لأنّ الماشية في هذا ليست كالعينين لأنّ على الناس أن يأتوا بزكاتها إلى المصدّق لخفائهما، وعليه أن يأتيهم لأخذها من ماشيتهم لظهورها. وإن تلفت بانتظاره لم تلزم كما مرّ.
وإن كان البقر خمسا وجاء وقد ماتت منها واحدة أو أكثر بعد الحول أخذها من الباقي فقط خمس شاة عن كلّ واحدة.
فصل
في كلّ خمس من إبل أو بقر شاة إلى خمس وعشرين بقرة ففيها جذعة سنّ كبنت مخاض من إبل، وفي ستّة وثلاثين ثنيّة كبنت لبون، وفي ستّ وأربعين رباعة كحقّة، وفي إحدى وستّين سدس كجذعة إبل، وفي ستّة وسبعين ثنيّتان من البقر ثمّ تجري فيها كما في الإبل كما سيأتي؛ وتُعدّ صغار البقر إذا أكلت الشجر وشربت الماء.
عزّان: من له خمس بقرات بيده وسادسة مع غيره وله أربع فحال عليهنّ الحول مجتمعة فإنّ الذي بيده أربع وبيده خامسة للآخر تلزمه عندنا -إن اتّحد المحلب والمربط- أربعة أخماس شاة.
وعلى الذي له ستّ شاة وقيل: وسدسها لأنّه لأجل بقرته وجبت تلك الشاة على صاحب الأربع. (2/360)
صفحة 883
وإن كان لكلّ منهما أربع وبينهما واحدة بيد أحدهما مع أربعة وحال عليهنّ الحول فعلى الذي بيده الخمس تسعة أعشار الشاة، وعلى شريكه عُشرها، وإن لم تكن المشتركة بيد أحدهما لم تجب عليهم.
ومن له أربع وأخرى بينه وبين رجل لا يملك سوى ماله فيها فكذلك إلاّ إن كانت بيد صاحب الأربع فتلزمه شاة.
وعلى الرجل قدر حصّته منها إلاّ إن كانت قنية من عنده بيده كأنّه أقناه إياها بالنصف أو غيره، وهي بيد المقني وبيد هذا أربعة خالصة له فتلزمه شاة إلاّ قدر ما لشريكه في البقرة فلا يلزمه شيء عند عزّان، وبعض يحمل الشركة في الماشية وإن لم يكن حكْم اجتماع، وبعض لا يحملها على الخالص إلاّ فيه على القول بأنّه به يجب حمل المواشي أو يكون بين شريكين أو شركاء منها مشتركا ما تجب فيه بمشتركهم الذي يجمعهم والقنية شركة إذا ثبتت في الحكم بما يجب من حكم القنية، واختار خميس أنّه ما لم يستحقّها المقتني بالأجل الذي يستحقّها به من مال المقني فمحمولة عليه في الزكاة، فإذا وجبت الحصّة للمقتني كانت حينئذ شركة، وكان [366] القول فيها كالقول في الشركة.
فصل
من له خمْس بقرات أو أكثر ولرجل عنده ثلاث فعلى الذي بيده البقر شاة لتمامها في بقره، ولا شيء على الرجل. وقيل: عليهما معا شاة على الذي على ذي الخمْس خمسة أثمانها، وعلى ذي الثلاث ثلاثة أثمانها.
وإن كان لكلّ منهما أقلّ من خمْس تحاصصا فيها عند من يوجب الصدقة باجتماع المرعى والمأوى، وإن كان لأحدهما سبْع ولآخر ثلاث فعليهما شاتان على ربّ السبع شاة وخمساها، وعلى ربّ الثلاث ثلاثة أخماسها. (2/361)
صفحة 884
وقيل: إذا وجد الساعي خمْسا مجتمعة بيد رجل أخذ منه شاة إلاّ إن احتجّ أنّه استفاد الخامسة مذ شهر أو شهرين فلا تلزمه صدقة فيهنّ؛ وأجاز له سليمان أن يعترض راعي الغنم فيأخذ زكاة ما بيده، وقيل: إن اجتمعت وحال عليها الحول في ملك من بيده، واختار خميس أن لا يأخذ إلاّ بعد بحث وسؤال ومعرفة.
وينبغي لمصدّق الماشية أن يُخرج في شهر معلوم ووقته من يوم جرت أحكام المسلمين في البلد ولا يقدر أن يحكم الأخذ في وقت، وله الخروج في ذلك الشهر حتّى يأتي على كلّ من تصدّق.
وإن مرّ على من لا تلزمه لم يلزمه الرجوع إليه ثانية حتّى يحول الحول.
ومن مرّ عليه وعنده أربعون عناقا لزمته شاة عند أبي عليّ، وقيل: عناق.
ومتى حال حول على ماشية مذ تمّت فيها فهو وقتها، وإذا قبضها المصدّق باعها وإن لربّها، وإن حبسها نظر قيمتها وأخرج ثلثها.
أبو عبد الله: إن قبض الوالي فريضة وباعها وقال له المشتري: قد فرّقت ثلث الثمن على الفقراء فإن كان غير من أعطاها أو كان غير ثقة فلا يُقبل قوله ويؤخذ منه، وإن حالهم فيه على ربّ الماشية وقبلوه فأرجو أن يسلم إلاّ إن رجعوا عليه وقالوا إنّه لم يعطهم فيرجع عليه الوالي بالأخذ منه والأداء إليهم.
فصل
أبو سعيد: اتّفقوا أنّه لا زكاة في العبيد ولا في ذات الحافر، واختلف أصحابنا في مشتركيْن في (180) أربعين شاة وحال الحول عليها فقال: الأكثر أنّها تلزمهما فيها وفي الخليطين إن عرف كلاّ حصّته، وفي الشريكيْن الخليطين إن لم يعرفها كلّ منهما من غيرها وتؤخذ من الجملة ويتراددان الفضل، ولا تلزم واحدا منهما عند الموصلي حتّى يملك أربعين وحده كانت الشركة خلطة أو مشاعة وهو قول الشيخ أبي مالك. (2/362)
صفحة 885
وعلى الأوّل العمل لما روي: ((في كلّ أربعين شاة صدقة))، ولحديث ما كان من خليطين يتراددان الفضل بينهما، واختُلف في تفسيره، فقيل: إن اتّحد الراعي والفحل والمراح فهما خليطان، وقيل: إذا سرحا وراحا وسقيا معا واختلطت فحولهما.
أبو سعيد: لا يثبت الاختلاط في الصدقة إلاّ بجمع المأوى والمرعى والحلب على ما مرّ، وقيل: المعتبر جمع المأوى والحلب وإن اختلف المرعى والأكثر على أنّه إن لم يجمعه الحلب فليس بمجتمع، ولا يكون بأقلّ من المأوى والمرعى ولا بأحدهما، وقيل: لا يكون إلاّ بالشياع.
وإذا ثبت لزوم الترادد من الخليطين عن واجب الصدقة ثبت صحّة القول بوجوبها بحكم الاختلاط في تلك المعاني، ولو وجب الترادد بين الشريكين بالشياع كانت الزكاة من رأس المال حيث ما أُخذت ولا ترادد بينهما ولا ضمان لأحدهما على صاحبه.
وقيل: إنّه لو كان لأحدهما أربع بقرات أو أنيق وبينهما واحدة ففي وجوبها عليهما قولان. وإذا ثبت الاختلاف في هذا لم يبعد في المشاع كلّه.
وإن كانت الخلطة ممّن لا حجّة عليه ولا له كصبي ومعتوه ونحوهما فلا يُقضى عليهم بصدقتها بالاجتماع إلاّ من كان يتيما في حجر المخالط له من أمّ أو محتسب أو نحوهما، وكان الاجتماع صلاحا له، [367] وإن لم يكن على هذا لم يكن فيه حكم اجتماع، ومثله الأعجم والمعتوه.
ولا تقع الخلطة بذمّي إذ لا زكاة عليه، وإنّما تثبت على حرّ بالغ عاقل موحِّد سالم من آفة.
ومن له أربعون وبآخر تسعة وثلاثون ولربّ الأربعين معه شاة فتلزمه شاة باجتماع الملك له بيده، وعلى ربّ التسعة والثلاثين شاة أيضا لأجل المضمومة إليه من صاحبه فكانت عنده أربعون بالاجتماع لا بالملك فلزمته الأربع عُشرها، وعلى ربّ الأربعين شاة وربع عُشرها. (2/363)
صفحة 886
وإن اشترك اثنان زراعة على خمس بقرات لأحدهما ثلاث وللآخر بقرتان فكانت سنة في مرعى ومأوى لشركتهما فيها فليسا بخليطين في وجوب الزكاة.
وإن كان الخليطان يؤدّيانها معا في كلّ سنة ثمَّ حال الحول وافترقا قبل أن يصلهما المصدّق، فإن عرف مال كلٍّ منهما لم تلزمهما بالاختلاط لزواله قبل إتيانه.
فصل
قد مرّ أنّه لا يفرق بين مجتمع كعكسه ومعناه أن يكون لمجتمعين خليطين ثمانون ويعلم المصدّق أنّه إن أخذ منهما على الخلطة أخذ شاة، وإن فرّق أخذ شاتين فلا يفرّق.
وعند الموصلي أنّ المجتمع هو المشاع فيكون عنده معنى لا يجمع بين مفترق أن يكون لكلّ من المفترقين أربعون فتلزم كلاًّ شاة، فإذا جاء المصدّق خلطاها لتلزمهما واحدة. وقيل: في كلّ مجتمعة سنة ولو كانت بين أربعين، لكلّ منهم شاة صدقة ولزمتهم بالحصص.
فلا يجوز تفريق المجتمع بعد أن وجبت فيه فرارا منها، ولا يُجمع فيها ما افترق في السنة حتّى يجمع تامّة، وإنّما يكون مجتمعا إذا جمعه أهله ولو نساء في حلْب ومربض سنة، ويُعتبر فيما لا يحلب المربض إن كان منها ما لا يُسافر عليها أياما أو تُترك لسبب وترجع إليه فهي مجتمعة لا يفرقها ذلك.
أبو علي: من له تسعة وثلاثون وعنده شاة لرجل له أربعون بها ففيها شاتان ويُطرح عن الأوّل قدر التي ليست له وأتمّ بها فهذا احتياط وأخذ بالوجهين اجتماع الخلطة واجتماع الملك.
وإن كانت لرجل أربعون وعنده لآخر عشرون لزمت ربّ الأربعين واحدة. وإن اختلف ربّ الغنم مع المصدّق فيما يأخذ قُسمت نصفين فيختار ربّها نصفا والمصدّق شاة من آخر ثمّ ربّ المال أخرى، وهكذا حتّى يستوفي إن كثرت. (2/364)
صفحة 887
وقيل: يختار منه ربّه أوّلا أيضا ثمّ المصدّق، وقيل: لا تُقسم وإنّما يصاح فيها وتفترق ثمّ يختلف أيضا فيمن يختار أوّلا.
وقيل: تُقسم أثلاثا ولم يبيّنه، ولعلّه يأخذ المصدّق من الأوسط.
فصل
أجمعوا على أنّه لا تجب في أقلّ من أربعين فيها إن تمّت شاة إلى إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتين وواحدة ففيها ثلاث إلى ثلاث مائة وواحدة ففيها أربعون إلى أربعة مائة وهي زكاتها، فإذا زادت عليها لم تلزم في الزيادة إلى أن تبلغ مائة، فإذا زادت على أربع مائة استوت صدقتها في كلّ مائة واحدة بلا زيادة ولا نقص، وقيل: فيما زاد على مائتين بواحدة ثلاث ثمّ لا شيء إلى أربع مائة ثمّ في كلّ مائة واحدة، وقيل: إذا بلغت ثلاث مائة ففي كلّ مائة واحدة.
أبو صفرة: من له غنم يزكّيها فوهب له رجل غنما زكّاها قبل أن يهبها له بشهر فعليه أن يزكّيها مع غنمه أيضا إن وجبت زكاتها إلى شهر أو فوقه، ولو أنّ الواهب لم يحل وقته لم يلزمه أن يزكّيها ولا الموهوب له إلاّ إن زكّاها مع غنمه.
ومن ذهب بعض ماشيته ثمّ استفاد ما تتمّ به قبل أن يمضي وقته لزمته.
ومن انقطعت عنه فيها سنة ثمّ استفاد ما تتمّ به لم تلزمه ولو بقي من الأولى شيء حتّى يحول الحول مذ استفاد.
وإن اجتمع ضأن ومعز أخذ من كلّ ما لزمت فيه، وقيل: من الأكثر. وإن استويا أُخذ من كلٍّ بقدره؛ واختار أبو سعيد إن استويا وتفاضلت القيمة أن تُفرّق الغنم نصفين فيُختار ربّها نصفا ومن الآخر شاة ثمّ المصدّق منه أخرى.
ومن عنده من المعز عشرون ومن الضأن عشرون جاعدة فلزمته شاة قسّمها [368] أيضا نصفين (181)، واختار نصفا وشاة من الآخر، ثمّ المصدّق منه أخرى فيكون له نصف هذه ونصف هذه، فإن اتّفقتا قيمة وإلاّ باعهما وقسّما ثمنهما. (2/365)
صفحة 888
وإن كانت الغنم ثلاثين والجعد عشرا فله ثلاثة أرباع شاة وربع جاعدة.
وإن كانت أربعين والجعد عشرين فله ثلثا شاة وثلث جاعدة.
ومن ملك أربعين فزكّاها في حينه فقيل: يجزيه، وقيل: لا.
واختُلف في صدقة الفصلان والحملان فقيل: يؤخذ من كلٍّ بقدره، وقيل: إنّ ربّ السخال يؤدّي عنها من جذع وثني لا من الصغار، وقيل: لا شيء فيها، وقيل: يأخذ المصدّق مسنّة ويردّ على ربّ المال فضل قيمتها وصغيرة في غنمه. واختار أبو سعيد الإخراج منها. وجاز من أفضلها وهو الأفضل، ومن الأوسط وهو الأنظر، وبالإجزاء على المقدار.
واختُلف فيما يعدلها فقيل: كلّ منتوج فصاعدا ولو من ليلة المصدّق، وقيل: ما خلط اللبن والشجر، وقيل: ما قطع الوادي في إثر أمّه، وقيل: ما استغنى عنها.
وقيل: من له خمس وعشرون ناقة لا يزكّيها سنتيْن فقيل: عليه ابنا مخاض، وقيل: بنت مخاض للأولى وللثانية أربع شياه، واختاره أبو الحواري.
وفي أولاد البقر إذا حالت السنة الصدقة، وفيما أنتجت قبل محلّها بشهرين أيضا.
وقيل: كلّ ما ورد من الغنم فيُحسب في حين ما أنتج. وقيل: من له تسع بقرات ونتجت له بقرة في يوم حولِه أو شهره لزمته شاتان، وقيل: حتّى يتمّ له شهر، وقيل: شهران، وقيل: حتى (182) يقطع الوادي راعيا وإن لم يُرسل للرعي وكان بحدّ ما يقطعه عُدّ في أمّهاته أُخذت (183) من الكلّ. وقيل: إذا قطعته للنجعة ويعدّ عند أبي مروان ما قطعه، وعليه فمن له مائة وعشرون ونتجت منها شاة ليلة المصدّق أو قبله بليال أُخذ منه واحدة فقط حتّى تقطعه المنتوجة، وفيها عند أبي عليّ شاتان ولو لم تقطعه. (2/366)
صفحة 889
فصل
منع أبو المؤثر المصدّق أن يأخذ المرضعة إذ لا يُأخذ معها سخلها ولا أن يأخذها عنه لما روي: ((لا تجعلها ولْهاء))، ولا الكراز وهو كبش يحمل زاد الراعي، ولا الفحل ولا التيمة وهي العلوفة لذبح أو حلب، ولا يلزمه أن يأخذ جذعة ولا هرِمة ولا معيبة؛ ونُهي عن أخذ كرائم الأموال، ولا تيس غنم إلاّ إن أذن له ربّها وكان كالفريضة أو أفضل.
وإن أخذ المعيبة بلا علم بعيبها ثمّ بان له بعد أيام لم يجد ربّها إن أخذها سالمة ردّها (184)، وجاز له إن أخذها معيبة، ولا أن يأخذ ذكرا ولا خصيا إلاّ إن شاء ربّه.
ومن له ما تجب فيها فباعها عند قرب وقته واشترى بثمنها أخرى أو بادلها بها فقيل: لا زكاة فيها إلاّ بعد الحول لانتقال الأولى عنه قبل وقته وهذه مال جديد، وقيل: لزمته فيها لأنّها بدلها.
أبو سعيد: إن لم يجد ما وجب له فقيل: يأخذ ربّ المال بسنّه ولزمه أن يحضره له وليس للمصدّق أن يأخذ غيره ولو تراضيا عليه، وقيل: له أن يأخذ ما دونه ونقصه، ولربّ المال أن يدفع له ما فوقه ويردّ له الفضل، وقيل: لا يجدان ذلك باتّفاقهما وقيل: جائز له لا للمصدّق لأنّه مأذون له في بيع ماله للمصدّق ولم يؤذن له هو في بيع الصدقة قبل قبضها لأنّه يبيع مضوضا على غيره.
ولا فرق في ارتفاع السنّ بدرجة أو أكثر ولا في انحطاطه عن ذلك، والمختار -قيل- أن تكون الزيادات المحدودة على مخصوص ما تقع به القيمة في الوقت لا العموم في كلّ ذلك.
ومن لزمته -قيل- في إبل وليس عنده سنّها فإذا لم يجد الأرفع أعطى ثنيّة إلى بازل عامها، وإن طلب المصدّق فضل فريضته ردّه عليه ثمنا، ولا يأخذ برأيه إن لم يجد بنت مخاض ابن لبون أو هو به عنها إن وُجدت. (2/367)
صفحة 890
وقيل: يأخذ بنت لبون ويردّ الفضل عليها، وكذا بنت مخاض عن بنت لبون إن لم يجد ويأخذه، وقيل: يردّه ولا يأخذه ويكون قد باع الصدقة قبل أن يقبضها، وقيل: لا ولا، فيكون باع واشترى قبله، وقيل: لا يأخذ من المعز دون الثنيّة فصاعدا كما لا يجوز في الضحية وهدْي المتعة؛ وكذا من الضأن، وقيل: يجوز الجذع السمين منه إلاّ إن كانت الغنم كلّها جذاعا أو دونها فالأكثر على أنّه لا يجب إلاّ منها، وقيل: تجب فيها الثنيّة.
فصل
أجمعوا على وجوب الصدقة في الأنعام إن كانت سائمة وعلى أنّ في كلّ خمْس من الإبل أو البقر كما مرّ شاة إلى خمسة وعشرين فتجب في الإبل بنت مخاض إن وُجدت وإلاّ فابن لبون إلى خمس وثلاثون فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين. فإن زادت واحدة ففيها حقّة طروقة فحل إلى ستّين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمسة وسبعين، فإن زادت ففيها بنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت ففيها حقّتان إلى عشرين ومائة ولا شيء في زيادتها حتّى تبلغ ثلاثين ومائة ففيها حقّة وبنتا لبون ثمّ لا شيء أيضا حتّى تبلغ خمسين ومائة ففيها ثلاث حقائق، ثمّ كلّ ما زادت عشرا نزلت هكذا في كلّ أربعين بنت لبون وفي كلّ خمسين حقّة.
ومن لزمته الصدقة في ماشيته فليس له أن يذبحها ويفرّقها بل يدفعها لأهلها حيّة فيفعلون فيها ما شاءوا، وإن ذبحها وسلّمها إليهم لحما ولم تنقص قيمتها لحما عنها قائمة جاز في قول.
وسُئل هاشم ومسبح عن ربّ إبل وجبت فيها فريضة هل عليه أن يسلّمها للمصدّق بقيد أو حبل تُقاد به؟ قالا: لا. (2/368)
صفحة 891
والصدقة فيها وفي النجائب والبقر والجواميس والغنم من لزمته في خمس من الإبل فباع منها واحدة قبل وقته وبقيت فيها إلى أن جاء فلا يؤخذ منه شيء إلاّ إن تركها فيها مشتريها حولا كاملا. (2/369)
صفحة 892
الباب الثالث والأربعون
فيما لا زكاة فيه من الثمار وفي التواني عن حصادها بعد إدراكها
فلا تلزم في الرياحين ولا في البقول، ولا في قصب السكر، ولا في جميع الخضروات، ويُزكّى ثمنها. وقيل: تجب فيما يؤكل من الحبوب ويُدّخر كعدس وحمّص، والصحيح وجوبها في الستّة المذكورة قبل.
أبو زياد: من أينع نخله فلم يصرمه حتّى تلف أو كان في مسطاح فتلف قبل كيله فلا يضمنها إن أراد حصاده وشُغل عنه، وإن قدر عليه وعلى كيْله ولم يُمنع من أداء زكاته لزمته، وليس له أن يمنع حقّ الله، وله أن يفعل في ماله ما شاء على القول بأنّها مضمونة، وعلى القول بأنّها شريك يضمنها ما لم يكل.
وتجب في الزرع إذا نضج وأردك، فإذا تركه بعده بتضييع فأُكل ضمن، وإن أراد أن يقسّمه في الأرض وقد أدرك ويحصد حقّه ويدع قدر الزكاة فيها فلا يجده، وعليه أن يحصده ويؤدّها لأهلها. وإن حصده وقسّمه سنبلا وسلّمه إليهم بحكم أو احتياط لم يلزمه أكثر من ذلك.
وإدراك البُرّ والشعير والذرّة هو إدراك الأكثر فيها، وكذا كلّ ما يُصرم في وقت واحد من الثمار، وما يأتي شيئا بعد شيء فلا يقع عليه اسم الإدراك كالقطن والباذنجان والقِثّاء والأترنج ونحوها إلاّ إن كان يُترك حتّى يُدرك معا في وقت.
ابن بركة: إن هلكت الثمار قبل الكيل لم تلزم فيها. وإن كيلت بغيبة من يأخذها لم تلزم أربابها، والأكثر منّا على وجوبها عليهم إذا كيلت وإن لم يفرّطوا في تأخيرها، وأختار أن لا تلزمهم لأنّهم أمناء لشركائهم الفقراء، ولا ضمان عليهم إلاّ بالتعدّي فيها بمنع أو تأخير. (2/370)
صفحة 893
الباب الرابع والأربعون
فيمن أخرج زكاته فضاعت قبل أن تصل أهلها
أبو سعيد: من لزمته فعليه ضمانها وإخراجها وإلاّ فتلفت هي أو ماله لم تلزمه، فإن بقي ما تجب فيه لزمته وإلاّ ففي اللزوم قولان؛ وعلى اللزوم في الباقي، فإن كان ممّا تجب فيه احتمل معنيين: القول بأنّها لا تجب في الكسور ولا تكون إلاّ في أربعين درهما أو عشرة أصوَع، والقول بأنّها شريك في المال، فإذا لم يحدث فيه حدثا بعد وجوبها فيه فلا يكون لشريك دون آخر حتّى يتلفه على اعتقاد أدائها ولا ضمان عليه في ذلك، وإن أحدث فيه موجب تلف فتلف ضمنها، وإن أمكنه أداؤها فتركه فضاع المال ضمنها ديْنا عليه كما مرّ، وقيل: لا تجب [370] (185) في الماشية ولو حال الحول حتّى يجيء المصدّق على ما مرّ، واختار خميس أنّها إن كانت تُدفع إلى الفقراء وأمكنوا لربّ المال فالخلاف من ماشية كانت أو من ثمار، وقد مرّ غالب مسائل الباب. (2/371)
صفحة 894
الباب الخامس والأربعون
في السؤال والرِّفد والصدقة والحمد والشكر
ابن بركة: قد رُوي: لا تحلّ المسألة إلاّ لثلاثةٍ: رجل تحمّل بحمالة بين قوم، ورجل اجتاح ماله فيسأل حتّى يصيب سدادا من العيش أو قواما منه، ورجل أصابته فاقة لا يقدر معها على القيام بنفسه وبعياله، وأيضا لا تحلّ إلاّ من فقر مُدقع، أو غرم مُقطع، أو دم مُوجع ومعناهما واحد.
والصدقة لله أو لوجهه ليس لها شرط مانع إذا تصدّق بها على من تحلّ له ثبتت إذا قبلها وإلاّ وردّها رجعت إلى المتصدّق بها أو إلى وارثه إن مات، وقيل: يُتصدّق بها على غيره من أهلها، وقيل: تُوقف حتّى يقبلها ويقبضها أو يموت فتكون لوارثه، ولا تُرجع للمتصدّق بها في الحكم بجهالة ولا غيرها.
وقيل: إن عمر -رضي الله عنه- جعل فرسا في سبيل الله، فحمل عليه رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- رجلا فوجده عمر يبيعه فقال لرسول الله: إنّ الذي حملته عليه وجدته يبيعه أفأشتريه؟ قال له: لا، ولا تعد في صدقتك.
أبو سعيد: عندي أنّ المتصدّق بشيء لله أو لوجه الله أو في سبيل الله معناه واحد، ولا يكون أشدّ من صدقته بلازم كالزكاة، ولا يجوز له الاِنتفاع بما تصدّق به إلاّ إن رُدّ إليه بإرث أو شراء، وقيل: لا يردّه إليه الشراء ولا الهبة ولا الإقرار، ولا ينتفع به إذا رُجع إليه بها.
وقيل: يجوز أن يرجع إليه بعطية أو إباحة أو إقرار أو هبة أو شراء كإرث.
ومن قال -ولو في مرضه- تصدّقت أو جعلت أو أعطيت أو وهبت نخلي هذه أو مالي هذا في سبيل الله أو للفقراء أو لأرحامه ومات ولم يرجع فيه فليس لوارثه فيه رجوع لأنّه جعله في بِرّ (186)، قال: وإنّما لا يجوز إذا جعله في باب منه بعينه، فقيرا كان أو غنيا ولو في صحّة إذا لم يُحرز. (2/372)
صفحة 895
ومنع أبو عبد الله الصدقة في المرض إلاّ إن أقرّ بحقّ لغيره وجعله صدقة فهي للمتصدّق بها عليه، وإن أراد بها وصية موت فهو أملك بها. روى أبو الحسن أن موسى ابن أبي جابر كان مريضا وحوله ناس إذ جاءته امرأة تريد أن تسأله فمنعها مانع منهم فقال لهم: دعوها فإنّ هذه أمانة حُمّلناها وعلينا أن نؤدّيها، وهي أنّها غضبت على خادمها فتصدّقت بها على والدتها فقال لها موسى: لا صدقة في غضب وهي خادمك.
ومن جعل ماله صدقة للفقراء وللمساكين أو لوجه الله بلا يمين يحلف بها فقال: لا شيء عليه لأنّه ليس بيمين ولا صدقة لأحد قبضت، ويؤمر بإنفاذ ما سمّى من التقرّب إلى الله.
ومن تصدّق بعُشر ماله فقد أحسن، وإن أراد به اليمين فيما حنث فيه فعليه فيه عُشر ماله، وقيل: قيمته لأنّه أتلف ماله بجعله صدقة فيلزمه عُشره، وقيل: عليه أن يتصدّق به كلّه لجعله صدقة لله، ولا يأكل منه إلاّ إن كان على غضب أو غيض فلا صدقة فيه.
فصل
من تصدّق على أحد بنخلة (187) لله تعالى وشرط عليه أن يأكلها سنة جاز له.
ومن تصدّق على والده أو ولده بشيء فله أن يأكل منه ويرثه فإنّها صدقة لا تحرم على أهلها، وإنّما ذلك لغيرهما، وقيل: إنّها وجهان صدقة يراد بها الله سبحانه خالصة لوجهه (188) فهذه الأولى أن لا يأكل منها من تصدّق بها، وصدقة يريد بها صلة رحمه أو غيره وبرّه لا بأس أن يأكل منها.
ابن محبوب: من قال ماله صدقة للفقراء في غير يمين فليعشّره.
الأشعث بن [371] قيس: من تصدّق بماله لوجه الله يريد أن تثبت عطيته فلا بأس عليه في أكله، وإنّما يُكره لمن أراد بها وجه الله. (2/373)
صفحة 896
ومن تصدّق بمال على رجل وكره أن يقبله فإن قصد به وجه الله فليس له أن يرجع فيه عند أبي عبد الله، ويدعْه بحاله ويحفظ ثمرته، فإن قبلها (189) بعد ذلك دفعها إليه، وإن مات قبل أن يقبل كانا لوارثه؛ وعندي أنّه إذا لم يكن له فلعلّه يدفعه (190) للفقراء، وعند أبي الحواري: إذا لم يقبلها دفعها إليهم وإن قال: مالي صدقة على فلان لوجه الله، فكره أن يقبلها (191) رجع المال إلى صاحبه، وهذا كمن تصدّق به على من لا تجوز له الصدقة.
وقيل: في قضية موسى مع المرأة أنّها أرادت أن تضرب خادمها فحالت أمّها دونها فغضبت فتصدّقت بها عليها ثمّ ندمت فأرادت أمّها أن تردّها لها فقال موسى: إنّ الصدقة لا تكون إلاّ من غني لفقير، أو من ولد على والد كعكسه، أو على رحم، أو قريب ابتغاء رضى الله، فأمّا من فقير على غني أو ولد على والده أو عكسه في غضب فليست بصدقة، وهي راجعة للمتصدِّق بها.
ولها -قيل- أن تشتريها من أمّها وأن تقبلها منها بهبة.
أبو سعيد: من أبرز إلى ضعيف حبّا أو تمرا أو غيرهما في وعاء ونواه له دون وعائه فله أن يأخذه إذ لم ينوه، وعلى الضعيف ردّه إليه ولو لم يطالبه به إذ (192) لم يقل له إنّه له، وذلك مُتعارف.
فصل
أبوسعيد: الأكثر على أنّه لا يجوز الرجوع في الصدقة كما مرّ إن أُريد بها الله إلاّ إن رُدّت بإرث لثبوت حكمه للمتصدّق بها كما أثبت عليه حكمها، وقيل: لا يُنتفع بها إلاّ بشراء، وقيل: وبكلّ موجب تملّكا لثبوت الأحكام في معانيها ومواضعها، وقد وقعت الصدقة في موضعها وثبت كلّ من العطيّة والبيع والإرث في موضعه، ولا ينقض شيء من الأحكام غيره. (2/374)
صفحة 897
وقال جابر: لا يتصدّق الرجل على ولده أو والده أو زوجته أو أحد هو وارثه، ولكن يعطيه عطية، فإن ردّت (193) إليه جعل آخرها حيث جعل أوّلها، ولا يرث الصدقة ولا يقبلها ولا يشتريها، وهذا إن قصد بها الله.
وقال أيضا: من أعتق سريته لله فلا يتزوّجها ولا ينتفع منها، وجاز ذلك لمعتقها لدنيا، وربّما قصد إكرامها فيقول لها (194): قد أعتقتك لأتزوّجك وأكرمك.
ومن أهدى هدية أو أخرج صدقة فمات قبل إنفاذها فهي لوارثه، وإن جعل ذلك وصية في المساكين في مرضه جاز من الثلث وإن لم يقبض.
أبو سعيد: إن أراد بالوصية معنى الصدقة على معنى ما يخرج من الصدقات وصية أشبه عندي ما قال، وإن أراد بها صدقة العطية فالخلاف في ثبوتها بمعنى الوصية بعد موته، وإذا ثبتت رجعت إلى الوارث؛ وكذا المهدي إذا لم يفصل ما أهدى من يده ولا وقع عليه اسم المهدي، وإنّما أخرجه ليهديه.
وسُئل جابر عن امرأة أوصت بمائة درهم تتصدّق بها عنها وكتبتها ثمّ ماتت ولم يوجد غير كتابها الأوّل فقال: كم تركت؟ فقالوا: ألفا، فقال: أتمّوا صدقتها.
ومن أوصى أن يُتصدّق عنه بماله بعد موته جاز ثلثه.
ولا تجوز صدقة المريض ولو لله، وقُبضت ولو لفقير غير وارث ولا رحم.
أبو الحسن: يجوز للمرء شراء صدقته بعد قبضها والأكل منها وإرثها، وقد اتّفقوا على أنّ من رَدّ له الإرث صدقته جاز له أخذها به.
ويروى أنّ رجلا تصدّق بجارية له على أمّه فماتت فأتى النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- فأخبره بالواقع فقال له: «قد وقع أجرك على الله، وردّ إليك جاريتك»، وقد رُوي مثلها فيمن تصدّق على أمّه بأرض له حذو النعل بالنعل.
ابن بركة: قال أصحابنا: من تصدّق على فقير بصدقة فلا يشتريها منه ولا يأكلها وتأوّلوا ما روي من قوله لعمر: ((لا تعد في صدقتك))، وفي رواية: ((فإنّ الراجع في هبته كالكلب الراجع في فيه))، فإن اعتمدوا على ذلك الخبر فهو غلط في [372] التأويل لأنّ عمر أخرج الفرس لله فمنعه كما مرّ. (2/375)
صفحة 898
فصل
من وجد فقيرا أضرّ به الجوع والعرى ولا زكاة عليه في الوقت لزمه أن يواسيه من ماله ويدفع عنه الضرّ وإلاّ أثم. ومن لا ثوب له يواريه وتجوز به الصلاة فعلى المسلمين ستره بثوب يصلّي به أيضا وإلاّ أثموا.
وروي: ((ليس بمؤمن من بات شبعانا وجاره طاو))، وهذا عند القدرة عليه. ويروى أنّ ناسا من الصحابة أمسوا بجهد فقال بعضهم: إنَّ آل فلان أمسوا بجهد فابعثوا إليهم هذا الطعام ففعلوا فلمّا أتاهم قالوا: بلغنا أنّ آل فلان أجهد منّا فابعثوا به إليهم حتّى رجع إلى الذين خرج منهم وهذا غاية الكرم والعفّة.
وينبغي لمن أُعطي شيئا أن يقبله ولا يردّه لما روي أنّه: ((لو أُهدي إليّ كراع لقبلته، ولو دُعيت إليه لأجبت))، فنُدب التأسّي به صلّى الله عليه وسلّم.
وقيل: من استرفد لقضاء ديْنه فأرفد وبقي بيده شيء ردّه إلى من أرفده إن عرفه، وإلاّ قضا به ديْن غيره أو فرّقه على الفقراء، ولا يجوز له أكله لأنّه أعطيَه لقضاء ديْنه، ولكن إن قال لمرفده حين أعطاه الرفد: هذا لي فأنعم له كان له، وكذا المكاتب إن طلبه لمكاتبة (195) ففضل بيده شيء عنها أعطاه مكاتبا آخر يدفعه في مكاتبته أيضا إن لم يعرف ربّه، وقيل: إذا رأيتم النِّعم قد توالت فبادروا بالشكر قبل حلول الزوال.
وقال عمر: قيّدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتابة.
وقيل: نزل بسليمان (196) ضيف فأخرج له طعاما فقال الضيف: لو كان ملِحا، فرهن سليمان سرباله بملح وأتاه به، فلمّا أكل قال: الحمد لله فقال سليمان: كذبت لو كنت تحمد الله وتشكره ما رهن سربالي.
وقيل: هلاك الرجل في ثلاث: حبّ المال والنساء والدينار والدرهم، وحبّ الرئاسة. ((ومن أصبح -قيل- ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس منهم)).
وروي: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يسكت)). (2/376)
صفحة 899
الباب السادس والأربعون
في رخص من المسلمين في أمور الزكاة وغيرها
من آثارهم -رحمهم الله-: فمن ترك أداءها سنين وقد علم وجوبها عليه أجزته التوبة عن بدل ما ترك وكذا الصلاة والصيام وجميع الحقوق، يتوب ويصلح ما استقبله وليس عليه بدل ما مضى، ويوجد هذا عن أبي عبيدة وموسى بن علي وابن جيفر، ويؤخذ بذلك عند الحاجة إليه لا تعمّدا واتّكالا عليه.
ومن أسرف -قيل- على نفسه وأتلف زكاته وضيّع حقوق الله لم يلزمه ضمان ذلك إذا تاب، قال خميس: ونرجو له العفو إذا ندم وأناب ولو قدر على أداء ذلك، ونحبّه (197) له إن قدر وإلاّ فالعاجز معذور.
ويوجد أنّ من أبرأه الإمام أو الوالي أو الفقير من زكاته لم يبرأ منها، ولا تجوز له البراءة فيها ولا الحوالة، ولا يلزم الناس تسليمها إلى الإمام أو الوالي إلاّ بعد الحماية لهم كما مرّ والمنع ممّن يجور عليهم، وله قبضها إن تبرّعوا بها وبثّها في أهلها، ولا يرسل إليها إلاّ بعد ما ذُكر كما مرّ. ولا يضمنها -قيل- إن قبضها بدونه.
وإن قال: فقير أرسلت إليه لرسول بها: سلّمها إلى فلان أو ضعْها من يدك فهو -قيل- قبضها.
ومن قال لمن له عليه حقّ: أعطيك زكاتي وتردّها عليّ فأنعم له فأعطاه فردّها عليه جاز عند بعض، قال خميس: هذا وعد فإن شاء أتمّه وإن شاء رجع عنه، والممنوع كما مرّ أعطيكها على شرط الردّ عليّ من حقّي عليك، وللجماعة كما مرّ حيث لا إمام قبضها وتفريقها، فإن بلغ لكلّ فقير ما يكفيه وفضل بعضها أوصلوا به أهل دينهم من أقرب القرى إليهم.
ومن بيده شيء من بيت المال وزال الإمام العدل وملك الجائر فإن احتاج إلى ما بيده جاز له إمساكه والانتفاع [373] به، وإن استغنى عنه فرّقه. (2/377)
صفحة 900
ورَوى أبو المؤثر: لا يزال أهل الأرض مرحومين ما أداموا الأمانة واقروا الضيف وعملوا بالحقّ؛ والضيافة على أهل البدو أوجب من أهل الحضر.
ومن ضرب برأس مال لم يكفه ربحه لمؤونته وعياله فله أن يأخذ الزكاة، وقيل: لا إن كان ربحه ورأس ماله يكفيه سنة لمن يلزمه عوله، وقد مرّ ذلك. (2/378)
صفحة 901
الباب السابع والأربعون
في الصوافي وأحكامها
ابن بركة: اختلف أصحابنا في التي بأيدي المسلمين في عمان فقيل: إنّها أموال كانت للمجوس فلمّا ظهر الإسلام خُيِّروا بين أن يسلموا أو يدعوها ويخرجوا، وقيل: أموال قوم جار عليهم السلطان فتركوها وخرجوا، وهذا قول بأنّها حرام، والأصحّ عندنا أنّها أموال لأهل الكتاب، فقيل: كانوا نصارى فبعث إليهم أبو بكر عامله أن يسلموا أو يأذنوا بحرب من الله ورسوله أو يُعطوا الجزية عن يد، أو يخلّوا عن أموالهم ويجعلوها فيئا للمسلمين فعجزوا عن المحاربة وخافوا القتل عن آخرهم فأبوا من الإسلام، واعتصموا بالكفر (198) وأنِفوا من الجزية على الصغار فافتدوا بأموالهم واختاروا تركها بدلا ممّا دُعوا إليه من الحقّ، وهذا يؤيّد القول بأنّها كانت للمجوس، والذي أخذ به أئمّة أهل عمان أنّها أموال وُجدت بأيدي العادل والجائر، كلّما ذهب سلطان أخذها الذي بعده، فأخذوها وجعلوها فيئا (199).
ويُروى عن موسى: ما جاء من الصوافي فهو لذوي السيوف، كأنّه يقول لحماة البلاد.
وقال محبوب: إن كانت جاهلية هرب عنها أهلها فهي للمسلمين، ويلي قسمها الإمام بنظره في الفقير والغني وابن السبيل وغير ذلك من أبواب المعروف. قال ابن جعفر: وبرأي محبوب نأخذ.
وما كان من صوافي الملوك التي أخذوها ظلما فلا ينبغي الدخول فيها ولا في قبضها، وتُردّ لمن أُخذت منهم؛ وإن جُهلت ولا يُدرى من أين أُخذت ولا ما سببها تُركت بيد من هي بيده.
واختار أبو المؤثر رأي محبوب أيضا، وقال: إنّ الصوافي من الفيء وهي ما لم يجف عليه خيل ولا ركاب. (2/379)
صفحة 902
وممّا أخذه المسلمون صلحا وما غلبوا عليه المشركين من الأصول فهي في الفيء، وهو الصوافي، وقسمها كما قال الله سبحانه: {ومَا أَفَآءَ اللهُ} إلى {وَالذِينَ جَاءُوا مِنْ بَّعْدِهِمْ} (سورة الحشر: 6 - 10) وذلك أنّه صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين من بعده كانوا يدعون المشركين إلى الإسلام فيمتنعون ويحاربون فيظهرون عليهم ويخلون عن ديارهم، فتبقى صوافي لهم كما أخبر الله تعالى؛ وكذا فعل عمر بما غنم من فارس والأهواز وخيبر وغيرها (200)، وجعلها لما استحقّها أصلا لمستحقّها، ولمن يأتي من بعدهم وتأوّل الآية.
ويلي قسمها الإمام بنظره وبمشورة العلماء، فإن فُقد العدل فلمن كان بيده شيء منها أن يأخذ منه حصّته، وإن احتاج إليه أخذ كلّ ما احتاج منه، وفرّق الباقي.
وكذا من وجد صافية ضائعة فله أن يزرعها ويفعل فيها كذلك، أو يشتري منها شيئا في أيام الجبابرة، ولا بأس عليه أن يشتري منها ما احتاج إليه.
وجاز -قيل- للإمام أن يأخذ الصوافي ويقبضها بالشهرة إن لم تكن بيد مدّعيها ملكا. فمن ادّعى تملّك أرض بيده فلا يقبلها فيها إلاّ بشاهديْ عدل أنّها صافية. وإن كانت في بلد لا سلطان فيه يقبضها اختير أن يتولّى حفظها الصلحاء من أهله أو يقيموا لها حافظا ومصلحا وجامعا لغلّتها، وتُصرف في حماية البلد والمحتاجين إليها بالمعروف.
ومن كانت بيده -قيل- في أيام العدل فلا يسلّمها للجورة إن جاءوا بعده، فإن أخذوها منه بلا رأيه رُجيَ له أن يبرأ منها، وكُره له أن يضيّعها قبل أن يغلب عليها لأنّها أمانة بيده، وهي إن عدم الإمام للأغنياء والفقراء من أهل العدل، وقيل: من أهل الإقرار ما لم يكونوا متغصّبين لها ولا متغلّبين عليها بالأثَرَة لهم دون غيرهم، ولا حقّ لأهل الذمّة فيها ولا ينتفعون منها بشيء من تراب أو غيره إلاّ بأمر الإمام، وجاز -قيل- ذلك إن لم يضرّها؛ ولا يؤخذ منها شيء إلاّ بأمره إن وجد وإلاّ فلا بأس لكلّ (2/380)
صفحة 903
من احتاج إليها أن يأكل منها [374] ولو غنيا، أو يأخذ منها ترابا ما لم يضرّ بها، وقيل: ما لم يضعفها، وقيل: لا يجوز أخذه منها إلاّ إن كان صلاحا لها، وحسُن ذلك بأمر الإمام أو من أقامه عليها. (2/381)
صفحة 904
الباب الثامن والأربعون
في زراعة الصوافي
فمن زرعها وأعطى الجائر ما يدفعه به جاز له، ويعتقده دفعا عن نفسه، وتكون الصافية له هو إن احتاج إليها، ولا ينوي زراعتها ليعطيه منها، فإن طلبه أعطاه دفاعا وإن عن ماله.
وأجاز أبو الحسن لمن احتاج إلى أخذ من شجر لا يثمر أو غيلة لا تضرّ أن يأخذ منها لا من شجر الرمّان والتين ونحوهما.
وإن كانت الزراعة فيها غصبا جاز لكلّ ضعيف أن يأخذ منهما بقدر ما لا يضرّ العمل، ويستحلّ العامل من قيمة حصّته من ثمرتها، وقيل: في ضمان حصّته خلاف.
ابن الحواري: إنّ الصوافي للمسلمين، وجاز لنا عند بشير الأخذ منها، والإمام إن وُجد فهو وليّها، وإن كان الجائر جاز وإن لم نحتجّ.
وقال الأزهر بن علي: رأيت أبي يأكل من بعل الصافية قبل ظهور العدل فلمّا ظهر اشتُريَ له منها فأكل، وقد رأينا بعض المسلمين يحبّ الأخذ منها لا من الصدقة.
هاشم: إن كانت بيد الجبّار واحتجت إليها فكُلْ منها فإنّها مال المسلمين. ويروى مثله عن بشير.
وإن زرعها غني بلا رأيهم أو بلا رأي الإمام في أيامه فله بذره ومؤونته. ولا تؤخذ من فقير إن زرعها بذلك ولو فعل ما لا يجوز له. وقيل: إذا قام الإمام والصافية بيد فقير فله أن يدعها له أو يأخذها منه، وإن زرعها قبله فله زرعه، ولا شيء للإمام منه إن كان جائرا.
أبو عبد الله: إن سرق فقير منها غُرمه للإمام إن كان قال: ولا أرى له الغرم إلاّ إن سرق ما يخرجه من الفقر إلى الغناء ولا يدع له إلاّ قدر ما لا يستغني به، وإن فقد غُرم ما يستغني به وفرّق الباقي لا ما دونه، وإن سرق ذلك وقد قام الإمام أو (2/382)
صفحة 905
كان في غير أيام العدل ثمّ تاب فإن تاب حين لا عادل فيه فلا يُغرم إلاّ ما ذُكر للفقراء، وكذا إن تاب في عصره وقد أخذ ذلك في أيام التقية دُفع الزائد إليه.
ومن أخذ من زراعة الجند فيها وترك لهم قدر البذر واستحلّ العمّال جاز له عند من يرى للغاصب بذره، ولا يتركه عند من لا يراه.
أبو سعيد: إن كان سبيل العمّال سبيل الرعية ولا يخرج على معنى الغصب والإعانة على الظلم فكما قيل، وإن كانوا كالسلطان في الحكم بالغصب فلا عناء لهم، وقيل: لا بذر ولا عناء للغاصب، وقيل: إن كانوا موحِّدين وكالرعية وهم من غيرنا فلا حقّ لهم فيها، ولمسلم أن يأخذ منها لأنّهم كالغاصب، ولا يلزمه ضمان ما أخذوا لا استحلالهم فيه. (2/383)
صفحة 906
الباب التاسع والأربعون
في الإحداث في الصوافي والبناء فيها
ومن كان بجانب الصافية مسقاه فحوّله رجل إلى وسطها فإنّه يحكم عليه بإزالته، وإن بان أنّه أصلح لها تُرك.
وإن كان قرب منزل قوم جدار صافية فإذا طرح خرب المنزل فهل لمن يلي أمرها أن يطرحه ويسمد به؟ أجيب بأنّه يطرح وتسمد به ولا ينظر إلى ما يدخل على المنزل من انكشافه، فإن لم يُعرف الجدار لمن هو وكان بين الصافية ومالهم تُرك بحاله، فإن سقط كان بينهما وما عليه من الأرض.
ومن بنى عليها بناء وصلح لها فإن كان في أيام الإمام خيَّره في أخذ عنائه أو إخراج بنائه إن طلب ذلك، وإن تركه لها (201) تُرك بحاله لصلاحها، وهذا إن بناه لمنافعه، وإن بناه لها وأقرّ به كان لها، ولا يُزال إن صلح لها.
ومن بنا بها كنفا لينتفع بها أُزيلت إن خيف احتجاج بانيها، ويؤمر بتركها لها ويُعطى عناءه إن صلحت لها ولم يخف ثبوت حجّة فيها إن كان أمرها إلى الإمام، فإن طلب قلع ما بناه وصلح لها ترْكُه خُيِّر فيما مرّ، وهذا إن بناه بسبب لا بغصب، وإن اختار كراء بنائه اختير أن يستغلّه حتّى يستوفي كراءه وأن لا يأخذ من غير غلّتها من مال المسلمين إلاّ إن رأى ذلك الإمام أو الجماعة.
وجاز حفر بئر فيها بنظرهم، وقطع نخلها وشجرها [375] إن صلح لها، وإن كان لما يقطع منها قيمة أُنفذت في صلاحها، وإن استغنت صُرفت في الفقراء وعزّ الدولة على ما قيل في غلّتها. (2/384)
صفحة 907
الباب الخمسون
في بيع الصوافي
فقيل: لا يجوز إلاّ إن عرضت للمسلمين حرب فخاف الإمام ذهاب الدولة واستيلاء أهل الظلم عليهم، ونَظَر أنّ فيه (202) قوّة لهم واستبقاء للرعية فله أن يبيع منها بقدر ما يصلحهم ويقوّي دولتهم في وقتهم، ويستعين به على من حاربهم، ويشاور فيه العلماء النظّار في مصالح الإسلام وأهله.
وقيل: إن باع برأيه جاز، وإن باع منها غير العدل ثمّ قام العدل فله أن يأخذ ما باعه من يد مشتريها بلا ثمن، ولا تؤخذ منه الغلّة.
وكان أبو سعيد يتعجّب من قول القائل بإجازة بيع الصوافي لقوله تعالى: {وَالذِينَ جَاءُوا مِنْ بَّعْدِهِمْ} الآية (سورة الحشر: 10)، فإنّ معناه التوفيق لها عليهم أبدا، وقال: إذا صحّ أنّها صافية وأنّ بعض الأئمّة باعها ممّن لم تثبت إمامته بالعدل فهي على أصلها ولا ينقلها عنه بيعه إلاّ إن كان عدلا، أو تواتر أنّ بعض أئمّة العدل باعها إلاّ أنّ صحّة أنها صافية أثبت، وأكثر من ذلك التواتر ولم يكن ذلك بناقل حكمها عن أصلها (203) الثابتة هي عليه أنّها صافية حتّى يتكافأ صحّة بيعها من العدل وصحّة أنّها صافية.
أبو سعيد: إن وافق رجلان منهم رجلا أن يغرس صافيتهم بالنصف من النخل والأرض ولا يد لهم قائمة بإمام عدل فقيل: لا تجوز المفاسلة في أموالهم لما فيها من إزالة الأصل، وقيل: تجوز للصلاح، قال: ولا إزالة إلاّ فيما خيف فيه بطلان الدولة، فإحياؤها وإحياء الحقّ بزوال بعض مالهم أحبّ من إزالة الحقّ وإماتته؛ قلت: فإن أزالوه لغير ذلك من مصالحهم وما احتاجوا إليه من إقامة الحقّ ونحوه ثبت إذا أزاله أهل الحقّ في مصالحه. (2/385)
صفحة 908
ومن اشترى -قيل- بيتا معمورا في الصافية من قديم الزمان فسقط وأراد أن يجدّده كما كان أو يغيِّره عنه قال: فالله أعلم أنّه إن كان في حكم الصافية ومسلِّما لها وحجّته ثابتة فيها فالأسلم له أن لا يفعل ما يثبت له حجّة فيها، وإن جدّده على اجتهاد منه وإشهاد أنّه له كما كان ولم يخف ثبوت يد ولا تحقّق حجّة لبانيه يخرجه من أحكامها فلا أخطّئه ولا أقول إنّ فعْله حرام، وإذا ثبت له هذا البيت بادّعائه وسكنه ولا حجّة تصحّ بمنعه من ذلك بأنّه صافية فكلٌّ أولى بما في يده ولأنّ الشهرة عند اليد، والادعاء حجّة ولذلك منعوا البناء في الصافية خوفا من إثبات اليد واتّخاذ الأصل. ومتى وقع الريب فالأحسن لأهل الورع أن يدَعوا ذلك ولا يركبوا الشبهات عند نزولها.
فصل
من دخل في صافية بما جاز له من عمالة وزراعة أو مشاركة أو غيرها وأتى عليها المحلّ وقصر ماؤها عن سقيها وأراد أن يزجرها ويطني ماءها من الفلج جاز -قيل- له إن كان الزجر أصلح لها، وقيل: إنّ الأموال والأطوى والمسمّاة بالرباع للعلماء والمتعلّمين، وتجوز لهم ولو أغنياء، ولعامل الصافية -قيل- إذا قصد بعمله صلاحا (204) لا إعانة ظالم إن كانت بيده ولم يخف إثبات يد له فيها ولا تحقيق حجّة له أن يعمل فيها، ولكن لا يتولّى دفع ما يصحّ منها للغاصب خوف الضمان، ولا يجوز لأحد أن يقلع من صرْمها ويفسله في ماله، فإن فعل فأتمر الفسل فيه فحكم تمره حكم تمرها، وشدّدوا فيها أكثر من صرم مال المسجد واليتيم، ولا أن يأخذ منه القلب للقلاد إن كان يضرّ بالصرم.
فصل (2/386)
صفحة 909
في قضيّة أموال تُنسب إلى أولاد نبهان وذكرِ سببها وما جرى فيها على وجه اختصرته لتنفع لدى الحاجة إلى مثلها
قال خميس: وهذا منقول من خطّ الشيخ أحمد بن صالح بعدما ذكر نُقولا أخرى عن شيوخ عدّة، فاخترت هذا ونصّه: ((ليعلم الواقف على كتابي هذا من المسلمين أنّه قد سألني الإمام المعظّم، المكرّم إمام المسلمين محمّد بن إسماعيل عن أموال بني نبهان وحوز المسلمين لها، وممّن [376] تقدّمه من الأيمّة مثل الإمام عمر بن الخطّاب بن محمّد وغيره، وكيف سبب حوزهم لها، وهل عندك حفْظ ممّن تقدّم من المسلمين والأئمّة الماضين أنّهم بماذا أحلّوها لهم، وبأيّ وجه دخلوا فيها؟
فأجبت بما حفظته ونظرته (205) في ورقة فيها خطوط المسلمين، وفي تلك الأيام علماء أخيار وفقهاء أحبار: إنّهم نظروا في بني نبهان أنّهم أخذوا أموال المسلمين وسفكوا دماءهم، وصار جميع ما اقترفوه من الأموال والدماء في أموالهم ونظروها فإذا هي لا تكفي جميع ما أصابوه من ذلك، ولم يعرفوا لكلّ ذي حقّ حقّه ليعطوه إياه، ولا أنّ لها أهلا وقد قالوا: إنّ كلّ ما لم يُعرف له أهل فهو راجع للفقراء والإمام أولى بكلّ ما مرجعه إليهم من صدقات ووصايا وغيرها ويجعله في عزّ الدولة، وبهذه الحجّة أجازوها وأحلّوها للإمام عمر المذكور، فجعلت تنتقل من إمام إلى آخر إلى يومنا هذا ولم يعب أحدا ذلك، وكان في ذلك الأوان جملة من العلماء الأتقياء، البلغاء، الفصحاء، قال: فهذا (206) حفظي عنهم، والحقّ أحقّ أن يُتَّبع، وما ذا بعد الحقّ إلاّ الضلال)) انتهى.
وبخطّ غيره ما ملخّصه: وقع الحكم والقضاء للمسلمين المظلومين بأموال أولاد (207) نبهان لسبع وثمانين وثمان مائة سنة هجرية نبوية محمّدية على مهاجرها أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأقام الشيخ القاضي (208) المجاهد سيف الإسلام وقطب عمان أبو عبد الله محمّد بن سليمان وكيلا لمن ظُلم من أهل عمان الذين ظلمهم السادات الملوك من آل نبهان من لدن السلطان المظفّر بن سليمان بن المظفّر بن نبهان إلى آخر من ظَلم من نسله وولد ولده إلى أن قال: وكذا أقام للملوك (2/387)
صفحة 910
وكيلا فقد صحّ عندنا ذلك فقضى أحمد بن صالح بجميع مال آل نبهان من أموال وأرضين ونخل وبيوت وأسلحة وآنية وغلل وتمر وسكّر وجميع أموالهم كائنا ما كان من ماء وبيوت ودور وأطوى وأثاث وأمتعة قضاء واجبا للمظلومين من أهل عمان ولو غائبا أو صغيرا أو أنثى فصارت تلك الأموال بالقضاء الصحيح لهم، وقد جُهلت معرفتهم فصار كلّ مجهول ربّه جائزا للإمام قبْضه وصرْفه في إعزاز الدولة والقيام بها، وكلّ من أثبت حقّه فهو له من أموالهم، ويُحاسب بالتجزئة بما يصحّ له بقسطه إن أدرك ذلك، وإلاّ فهو نصيب غير معلوم.
وكلّ مجهول فهو للفقراء وللإمام أن يقبض الأموال المغيبة وما لا ربّ له، ويجعله فيما ذُكر، فقد صحّ هذا الحكم والقضاء فيها {فَمَنْ بَدَّلَهُ} الآية، انتهى؛ لا بدّل الله اعتقادنا ولا غيَّره،
2 تمّ الجزء الخامس. . . (2/388)
صفحة 911
هوامش الجزء الخامس
(1) - ب: وقيل: ...
(2) - ب: إن كان.
(3) - ب: + كان.
(4) - ب: - لوالٍ.
(5) - ب: - أحقُّ.
(6) - ب: صدقات.
(7) - ب: + ولا يضمن.
(8) - ب: بتحريمها.
(9) - ب: - أيضًا.
(10) - ب: يسأله.
(11) - ب: - فأعطاهم منها.
(12) - الصفحتان 315 و 316 من النسخة الأم مفقودتان.
(13) - ب: عن حبٍّ. وهو الأظهر.
(14) - ب: - عشرين.
(15) - ب: - كلَّه.
(16) - ب: أو إلاَّ من طلبها.
(17) - ب: فيهم.
(18) - ب: - تمرًا.
(19) - ب: الحول عليها.
(20) - ب: فيه.
(21) - ب: عربيًّا.
(22) - ب: أرض.
(23) - ب: وقتٌ. وهو خطأ.
(24) - ب: حتَّى يحول الحول. (2/389)
صفحة 912
(25) - ب: إن أدَّاها.
(26) - ب: - منه.
(27) - ب: - على.
(28) - ب: زكاتك.
(29) - ب: - لم.
(30) - ب: أخرج.
(31) - ب: في حينه.
(32) - ب: - قبل.
(33) - ب: عنه منها.
(34) - ب: صفيَّة.
(35) - ب: - به.
(36) - ب: آخذه.
(37) - ب: ما لا يحلُّ له فلا يسع.
(38) - ب: - عليه.
(39) - ب: أنَّه.
(40) - ب: لهم.
(41) - ب: - كما مرَّ.
(42) - ب: فقال.
(43) - ب: - الساعي.
(44) - ب: الإمام بها.
(45) - ب: واجد. وهو خطأ.
(46) - ب: فهو.
(47) - ب: إليه.
(48) - ب: غيرها.
(49) - ب: في غير الزراعة لم تلزمه فيها.
(50) - ب: به.
(51) - ب: عليها. (2/390)
صفحة 913
(52) - ب: + الحول.
(53) - ب: تنوي.
(54) - لعلَّه بهما.
(55) - ب: اشترَى.
(56) - ب: - بزجر.
(57) - ب: ولا زجر.
(58) - ب: اللبيا.
(59) - ب: حتَّى يصيرَا يابسًا.
(60) - ب: فيه.
(61) - ب: وجبت.
(62) - ب: من خالص الحشف. وهو خطأ واضح.
(63) - ب: أعطى.
(64) - ب: الشائف.
(65) - ب: الداوس.
(66) - في النسخة الأمِّ أ ورد: بدر، والبدر بالدال المهملة وهو خطأ.
(67) - ب: - من.
(68) - أ (هامش): وعبارة الأصل: ورث.
(69) -أ (هامش): وعبارة الأصل: ثوره.
(70) - ب: - إن وجبت فيها.
(71) - في النسخة الأمِّ أ ورد: البدر، وببدر، بالدال المهملة وهو خطأ.
(72) - ب: أنَّه.
(73) - ب: لم يأمر.
(74) - ب: عنها.
(75) - الصفحتان 335 و 336 من النسخة الأم مفقودتان.
(76) - في الأصل: تمرثهما.
(77) - ب: + على.
(78) - ب: تؤدَّى. وهو خطأ. (2/391)
صفحة 914
(79) - ب: - سواء.
(80) - ب: - إن.
(81) - ب: يزكيها.
(82) - ب: يزكِّي. وهو خطأ.
(83) - ب: - عليه.
(84) - أ (هامش): وعبارة الأصل: مائتان درهمًا وعشرون دينارًا.
(85) - ب: ثمن الثوب.
(86) - ب: اِقضي. وهو خطأ.
(87) - ب: خمس. وهو خطأ.
(88) - ب: حبًّا منِّي.
(89) - ب: فأعطاه العروض.
(90) - ب: يزكِّي. وهو خطأ.
(91) - ب: زكاته لزوالها.
(92) - ب: واشترط.
(93) - ب: وقته.
(94) - ب: مثله.
(95) - أ (هامش): وعبارة الأصل: رفعه.
(96) - ب: - المصدّق.
(97) - أ (هامش): ولعلَّه الوالد كما بالأصل، وليراجع.
(98) - ب: أن تعطيهم زكاتها. وهو أصوب. وفي أ (هامش): وعبارة الأصل: أن تعطيهم زكاتها.
(99) - أ (هامش): وعبارة الأصل: أخ أو أخت فقراء.
(100) - ب: به.
(101) - ب: تلزمه.
(102) - ب: - له.
(103) - ب: لثلاث.
(104) - ب: لتجر. (2/392)
صفحة 915
(105) - ب: - فيها.
(106) - فقال: سلِّمها إلى فلان، ثمَّ قال له: سلَّمتها له ...
(107) - ب: ثقة.
(108) - ب: - عنه.
(109) - ب: أخذه.
(110) - ب: + درهمًا.
(111) - ب: من.
(112) - ب: حكمها عنه.
(113) - ب: - منها.
(114) - ب: - بعد وجوبها.
(115) - ب: عليها حول.
(116) - ب: - فيه.
(117) - ب: + درهمًا.
(118) - ب: فأنفقه.
(119) - ب: - ولم تلزمه.
(120) - ب: يؤدِّ. وهو خطأ.
(121) - ب: بكون.
(122) - ب: ماله.
(123) - ب: عليهم به.
(124) - ب: - تمرًا.
(125) - ب: به.
(126) - ب: من بقية ماله. أ (هامش): ما بقي. صح.
(127) - ب: قد عشره.
(128) - ب: تلزمه.
(129) - ب: يوجب.
(130) - ب: إخراج.
(131) - ب: + منها. (2/393)
صفحة 916
(132) - ب: أو اشترى.
(133) - ب: يفرِّق.
(134) - ب: لها.
(135) - ب: وباعه.
(136) - ب: - عليه.
(137) - ب: ذمِّيًّا تمرًا!.
(138) - ب: يكونوا.
(139) - ب: بالمدين.
(140) - ب: - لا.
(141) - ب: خُيِّر.
(142) - ب: زراعة.
(143) - ب: القيمة.
(144) - ب: حصاد.
(145) - ب: بعض.
(146) - ب: ومن. وهو أصوب.
(147) - ب: - ولكلِّ وقت حكم إذا أوجبه النظر.
(148) - ب: فيها.
(149) - ب: بينهما.
(150) - ب: وارثه.
(151) - كذا في النسختين، ولعله الميئوس منه.
(152) - ب: + في.
(153) - ب: تلزمه.
(154) - ب: فتزكِّيه كلَّه.
(155) - ب: حقَّ.
(156) - ب: أو أحرثه. ولا معنى له.
(157) - ب: - لم تلزمه في المائة إلى الحول على مائة بيده، وإن كان لا يزكِّي الخمس مائة. وقد وقع (2/394)
صفحة 917
للناسخ هنا انتقال للنظر، لتكرار عبارة: لم تلزمه في المائة.
(158) - ب: - ماله.
(159) - ب: كما مرَّ.
(160) - ب: - رجلاً.
(161) - ب: لزمه.
(162) - ب: التمرة.
(163) - أ (هامش): وعبارة الأصل: إلاَّ أن يخصَّ.
(164) - ب: فيها.
(165) - أ (هامش): وعبارة الأصل: ... ميَّز زكاته وسلَّمها إلى بعض ورثته، وقال لهم: هذه زكاة مالي ثمَّ
مات فأخبر المدفوع له ... لما قال الهالك ... لا يجب على الورثة تصديقه.
(166) - ب: أو أرسله
(167) - ب: أولى إمام.
(168) - ب: - له.
(169) - ب: فيما له.
(170) - ب: للباقي.
(171) - ب: ملكه.
(172) - ب: استفاد.
(173) - ب: عنده.
(174) - ب: - ذهب.
(175) - ب: الحليِّ.
(176) - ب: درهمٌ. وهو خطأ.
(177) - ب: - فوجبت خمسة.
(178) - ب: - تجب فيها.
(179) - ب - شاة.
(180) - ب: - في. (2/395)
صفحة 918
(181) - ب: نصفين أيضا.
(182) - ب: - حتَّى.
(183) - ب: وأخذ.
(184) - أ (هامش): هذه ساقطة بالأصل، أعني لفظة ردِّها.
(185) - ب: + عليه.
(186) - أ (هامش): وعبارة والأصل لا يجوز ذلك ... في شيء غير أبواب البرِّ، أو لرجل بعينه الخ)
(187) - ب: بنخله.
(188) - ب: - لوجهه.
(189) - ب: قبله.
(190) - ب: يدفعه.
(191) - ب: - دفعها إليهم وإن قال: مالي صدقة على فلان لوجه الله، فكره أن يقبلها.
(192) - ب: إذا.
(193) - ب: ردَّ.
(194) - ب: له، وهو خطأ.
(195) - ب: لمكتابته.
(196) - أ (هامش): وعبارة الأصل سلمان.
(197) - ب: بحبُّ
(198) ب: - واعتصموا بالكفر.
(199) - ب: + للمسلمين ..
(200) - ب: - وغيرها
(201) - ب: - لها.
(202) - ب: فيها. (203) - ب: أصله. (2/396)
صفحة 919
(204) - ب: الصلاح.
(205) - ب: نظرت.
(206) - ب: فهذي.
(207) - ب: بني.
(208) - ب: - القاضي. (2/397)
صفحة 920
/ (2/398)
صفحة 921
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/399)
صفحة 922
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/400)
صفحة 923
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/401)
صفحة 924
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/402)
صفحة 925
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/403)
صفحة 926
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (2/404)
صفحة 927
حقوق الطبع محفوظة (2/405)
صفحة 928
/ (2/406)
صفحة 929
الجزء السادس
في الصوم وما يتعلّق به وفي النذور والاعتكاف وفي اليمين والعتق والذبائح والصيود وما يتعلّق بكلّ منها (3/3)
صفحة 930
/ (3/4)
صفحة 931
الباب الأوَّل
في الصوم ووجوب فرضه وفرض رمضان
قال الله سبحانه: {يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ} الآية (سورة البقرة: 183)، فقد خاطب عامّة المؤمنين من ذكر وأنثى وحرّ وعبد ففرض الصوم على كلّ من أطاقه منهم، من بالغ وغيره ولكنّ البالغ يتوجّه إليه الوعيد بتركه ولا كذلك غيره.
وأصله في اللغة الإمساك مطلقا.
وفي الشرع إمساك مخصوص عن أكل وشرب وجماع وما يدعو إلى ذلك.
وكان صوم الأوائل وصدر الإسلام يوم عاشوراء وثلاثة من كلّ شهر حتّى نزل الأمر بصوم رمضان قبل بدر بشهر وأيام، وقيل فرض رمضان (1) على النصارى، فاشتدّ عليهم صومه في الحرّ لدورانه فاجتمع علماؤهم ورؤساؤهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل بين الشتاء والصيف، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة كفّارة لما صنعوا، وصاموا أربعين (2) ثمّ مرض ملكهم فنذر أن يزيد فيه إن عوفي أسبوعا فزاده، فصاموا سبعة وأربعين، ثمّ مات وتولّى آخر فقال: أتمّوه (3) خمسين فذلك [377] قوله تعالى: {كَمَا كُتِبَ عَلَى الذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} فلم يصوموه كما وجب عليهم، وصامته هذه الأمّة كما فُرض عليها.
واختُلف في تأويل قوله تعالى: {وَعَلَى الذِينَ يُطِيقُونَهُ} الآية، فقيل: كان ذلك في أوّل ما فرض صومه أمرهم به صلّى الله عليه وسلّم فشقّ عليهم لأنّهم لم يعتادوه فخيّرهم بينه وبين الإطعام، فكان من شاء صام ومن شاء أطعم وأفطر، ثمّ نسخ بقوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة: 185) فوجبت العزيمة عليه.
وقيل: خاصّ بالشيخ والعجوز اللذان يطيقانه بالمشقّة عليهما فرخّص لهما (4) في ذلك، ثمّ نُسخ بما ذُكر، وثبتت الرخصة للذين لا يطيقونه؛ وقيل: هذا في المريض أنّه مخيَّر بين الصوم والإفطار ولو يستطيعه إذا وقع عليه اسم المرض ثمّ نُسخ. (3/5)
صفحة 932
والفدية الجزاء والبدل، {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} (سورة البقرة: 184) فزاد على الطعام واحد وأطعم اثنين فأكثر، وقيل: صام مع الفدية {وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} من الإفطار والفدية.
ورمضان -قيل- اسم من أسمائه تعالى وهو بعيد، وقيل: سُمِّي بذلك لأنّه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقيل: لأنّه يغسل الأبدان من الآثام، ويطهّر القلوب من الأوهام؛ أُنزل فيه القرآن جملة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر إلى بيت العزّة من سماء الدنيا ثمّ نزل به جبريل -عليه السلام- نجوما في نحو عشرين سنة بحسب الوقائع.
ونزلت صحف إبراهيم -عليه السلام- في ثلاث ليال مضين من رمضان، والتوراة في ستّة مضت منه، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه، والزبور في ثمان عشرة، والقرآن في الرابع والعشرين لستّ بقين منه.
وقد خطب الناس -صلّى الله عليه وسلّم- في آخر يوم من شعبان فقال: ((أيّها الناس قد أظلّكم شهر عظيم، شهر مبارك، شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر، جعل الله صوم نهاره فريضة، وقيام ليله وسيلة، من تقرّب فيه بخصلة من الخير فهو كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى تسعين في غيره)) الخ.
وفضله لا يُحصى كما عُلم في المطوّلات. وقيل: في قوله: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} أي فمن شهده بالغا عاقلا مقيما صحيحا، وقيل: فليصم ما شهد منه حاضرا، وإن سافر فله الإفطار إن شاء.
وقيل: خرج رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عام الفتح صائما في رمضان حتّى صار بالحديد أفطر ثمّ ذكر العذر، فقال: {وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا} فقيل: كلّ ما يسمّى مرضا يقع به العذر، وقيل: كلّ مرض في الأغلب من أمر صاحبه أنّه تزداد بصومه علّته، وعندنا هو المانع من الأكل والشرب المضعف من الجوع والعطش من الليل إلى الليل أو اعتاد زيادة المرض بالصوم. (3/6)
صفحة 933
ثمّ قال: {أَوْ عَلَى سَفَرٍ} الآية، فقيل: الإفطار فيه أفضل، وقيل: مباح بالرخصة، والفرض الصوم، فمن صامه فقد أدّى الواجب عليه، ومن أفطر فبرخصة الله أخذ، ولزمه القضاء وعليه عامّة الفقهاء.
ثمَّ قال: {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ} حين رخّص للمريض والمسافر في الإفطار {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} تأكيد وبيان للرخصة {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ} ثلاثين أو تسعة وعشرين كما سيأتي. ومن أفطر شيئا منه قضاه في غيره.
فصل
الصوم ركن من أركان الإسلام، وجُنّة من النار لأنّه قال صلّى الله عليه وسلّم: ((بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إلاه إلاّ الله وأنّ محمّدا رسول الله وأنّ ما جاء به حقّ من عند [377] الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، والحجّ لمن استطاع إليه سبيلا)).
وقوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةُ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ} (سورة البقرة: 187) وذلك أنّه كان في صدر الإسلام أنّ الرجل إذا أفطر عند (5) المغرب حلّ له الأكل والشرب والجماع حتّى يصلّي العشاء أو يرقد قبلها، فإذا صلاّها أو رقد ولم يفطر حرم عليه ذلك إلى القابلة.
ثمّ إنّ عمر -رضي الله عنه- واقع أهله بعدما صلّى العشاء، فلمّا اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- فقال له: إنّي أعتذر إلى الله وإليك من نفسي الخاطئة، إنّي رجعت إلى أهلي بعد ما صلّيت فوجدت (6) رائحة طيّبة فسوّلت لي نفسي فجامعتها فهل تجد لي من رخصة؟ فقال له: «ما كنتَ جديرا بهذا ياعمر»، فقام رجال فاعترفوا بمثل ما صنع عمر فنزلت فيهم
والرفث كناية عن الجماع، والله تعالى يكنّي بأحسن الكنايات كالمباشرة والملامسة والإفضاء والدخول. قال الزجّاج: الرفث كلمة جامعة لكلّ ما تريده (3/7)
صفحة 934
الرجال من النساء {فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ} حلالا في ليالي الصوم {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ} الدالّ على طلوع الفجر {مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} الممتدّ من آخر الليل، وقيل: الأبيض هو الفجر الثاني والأسود هو الأوّل، شُبِّها بخيطين أسود وأبيض.
وقيل: نزلت في أنصاريّ ظلّ نهاره يعمل في أرض له صائما، فلمّا أمسى رجع إلى أهله وقال لهم: قدّموا لي طعاما، فأرادت أن تطعمه سخينا، فاضطجع ونام فلمّا فرغت من عمل الطعام وجدته نائما، فأيقظته فكره أن يعصي الله بالأكل، فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتّى غُشي عليه، فلمّا أفاق أتى رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- فلمّا رآه قال له: يا أبا قيس ما لك أمسيت طلحا فأعاد عليه القصّة، فاغتمّ لذلك رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، فأنزل الله سبحانه {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ} الآية.
وقيل: الفجر فجران، أحدهما يستطيل في السماء كذنب السرحان ولا ينتشر، فذلك لا تحلّ به الصلاة ولا يُحرَّم به الأكل والشرب، ويُسمّى الكاذب، والثاني وهو المعترض المستطير، ينتشر في الأفق وهو الصادق الذي تحلّ به الصلاة ويحرم به ما ذُكر {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ}.
فقال صلّى الله عليه وسلّم: ((إذا أقبل الليل من هاهنا -يعني المشرق-، وأدبر النهار من هاهنا -يعني المغرب-، وغابت الشمس أفطر الصائم أكل أو لم يأكل)) للنهي عن الوِصال في الصوم. (3/8)
صفحة 935
الباب الثاني
في ذكر ليلة القدر وفضائل صوم التطوُّع ومكروهه
وسُمّيت -قيل- بذلك لأنّها يقدِّر الله فيها الأمور والأحكام في عباده وبلاده من السنة إلى السنة، كما قال الله تعالى فيها: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (سورة الدخان: 4) وقيل: الآية في ليلة النصف من شعبان.
وقيل: معنى ليلة القدر سوْق المقادير إلى المواقيت قدّرها الله سبحانه قبل أن تُخلق السماوات والأرض، وقيل: لعظم قدرها وشرفها، وقيل: لأنّ العمل الصالح يكون فيها ذا قدر لكونه مقبولا.
واختلفوا فيها، فقيل: إنّها كانت على عهد رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ثمّ رُفعت، والأكثر على أنّها باقية إلى يوم القيامة.
ويُروى أنّ أبا بكر -رضي الله عنه- قال: قد كذب من زعم أنّها رُفعت.
وقال ابن مسعود: من يقم الليل يصبها، فبلغ ذلك ابن عمر فقال: رحم الله أبا عبد الرحمان أمَا أنّه علم [379] أنّها في رمضان، ولكن أراد أن لا يتّكل الناس عليها، فقيل: هي في أوّل ليلة منه، وقيل: ليلة سبع عشرة، والأكثر على أنّها في العشر الأواخر منه، وقيل: في الوتر منه، وقيل: في النصف الأخير منه في ليلية الجمعة من الإفراد.
ومن علاماتها -قيل- أن تكون سمحة، ثلجة، لا باردة ولا حارّة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها.
وقد أخفاها في رمضان على الأمّة ليجتهدوا لياليه طمعا في إدراكها كما أخفى ساعة الإجابة في الجمعة، والوسطى في الخمس، والأعظم في أسمائه، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وسخطه في المعاصي لينتهوا عنها، وقيام الساعة في الأيام ليحذروا منها. (3/9)
صفحة 936
وليلة القدر خير من ألف شهر، وذلك أنّه ذكر لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- إسرائيليٌّ حمل السلاح ألف شهر، فعجب لذلك وتمنّاه لأمّته، فقال: «يا ربّ جعلت أمّتي أقصر الأمم أعمارا وأقلّها أعمال»، فأعطاه الله ليلة القدر خير من ألف شهر التي حمل الإسرائيليّ فيها السلاح في سبيل الله له ولأمّته، فمعناه: عمل صالح فيها خير من عمل في ألف شهر ليست هي فيها؛ ومن قامها إيمانا واحتسابا غُفر له ما تقدّم من ذنبه.
ومن شهد المغرب والعشاء فيها فقد أخذ بحظّه منها.
ونُدب لمن وفّاها أن يرغب إلى الله سبحانه في غفران ما سلف من ذنوبه، وفي العصمة فيما بقي من عمره.
ولمن رآها أن لا يخبر بها، فإنّه أعظم لثوابه.
ويُروى عن ابن عبّاس أنّه قال: إنّ الله سبحانه ذكرها في السورة ثلاثا، كلّ مرّة فيها تسعة أحرف، فتسعة في ثلاثة بسبعة وعشرين فاستدلّ بهذا على أنّها ليلة سبعة وعشرين، وقيل: تنتقل في الشهر، وقيل: في العام.
وحكاية خميس الإجماع على أنّها في رمضان مردودة كما في كتب القوم.
فصل
قال رجل لرسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: ما ذا أصوم؟ فقال له ابن مسعود: صمْ في كلّ شهر غير رمضان ثلاثا، فإنّها تُذهب وساوس الشيطان، وغلّ الصدور، فقال له الرجل: لست إياك أسأل، إنّما أسأل النبيء -صلّى الله عليه وسلّم-، فقال له: «صدق ابن مسعود»، فقال له الرجل: إنّ بي طاقة عليها، فقال له: صمْ الاثنين والخميس، فقال: إنّ بي طاقة على ذلك، فقال له: «صمْ صيام أخيك داوود -عليه السلام- صمْ يوما وأفطر يوما»، فقال: إنّ بي طاقة على ذلك، فقال له: «ما ترك داوود للصائمين مصاما». (3/10)
صفحة 937
وسُئل أبو سعيد عمّن أراد أن يتطوّع بالصوم ما أفضل له من الأيام؟ قال: إذا نشط وصلحت النية وانشرح الصدر رُجي له الثواب، وزانت عنه المكائد، ولحقته الحسنة، ومتى أراد أفطر.
وقيل: كان صلّى الله عليه وسلّم يصوم من كلّ شهر يوم ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر. وقد أمر -قيل- بصوم ستّة من السنة، ونهى عن صوم ستّة منها.
فالمأمور بها: يوم عاشوراء وهو عاشر المحرّم، ويوم عرفة وهو تاسع ذي الحجّة، وبعض نهى عن صومه. وقال: إنّ الدعاء والذكر فيه أفضل لأنّه يوم الفريضة ورفع الصوت بالدعاء، ونُدب الإفطار فيه للقوّة على ذلك لمن يضعف عنه بالصوم، ومن لا يضعفه عنه ورجا القوّة على ذلك وعلى الصوم فهو زيادة له في العمل، وقيل: إنّما رُغِّب فيه من لم يكن بالحجّ، وقيل: إنّ صومه صوم سنتين ماضية ومستقبلة، وعاشوراء يكفِّر ماضية وهو صوم آدم والأنبياء من بعده -صلّى الله عليهم أجمعين وسلّم-. وقيل: هو تاسع المحرّم ومن صامهما معا كان أفضل له.
ومن المأمور بها يوم النصف من شعبان والسابع والعشرين من رجب والثاني والثالث من شوال، وقيل: من صام رمضان وأتبعه بستّة من شوال فكأنّما صام سنة لأنّ الحسنة بعشر أمثالها.
والمنهي عنها: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وثلاثة بعده وهي أيام التشريق، ويوم الشكّ. وقيل: نهى عن صوم يوم الجمعة تطوّعا إلاّ أن [380] يتقدّمه بيوم أو يتأخّره به. وقيل: صوم أيام البيض يُذهب الغلّ والحسد، فصوم الأوّل بألف يوم والثاني بثلاثة آلاف، والثالث بعشرة آلاف، وقيل: من صامها كمن صام الدهر.
وقيل: من صام يوم صادقا أُعطي أجر عشرين صدّيقا، ومن صام ثلاثة صادقا غُفر له ما تقدّم.
وفي خبر لو دخلت الجنّة لوجدت أكثر أهلها الصائمين البيض.
ونهى -قيل- عن صوم الدهر وهو إسراده حتّى يوم الفطر والأضحى وأيام التشريق، وسُئل عنه صلّى الله عليه وسلّم فقال: «لا صام ولا أفطر». (3/11)
صفحة 938
ونُدب صوم الاثنين والخميس، وعن أيّ صوم أفضل بعد رمضان؟ فقال: شهر الله الأصمّ وهو رجب، وهو عظيم تُضاعف فيه الحسنات، وصومه كصوم سنة وهو بظاهره مشكل بالنسبة إلى رمضان، وستّة بعده إلاّ أن يُقال: إنّما ذلك ترغيب.
ومن صام منه سبعة غُلقت عنه أبواب جهنّم السبعة. ومن صام منه ثمانية فُتحت له الثمانية من الجنّة يدخل من أيّها شاء.
ومن صامه سنة أو سنتين أو ثلاثا فله الفضل العظيم، ولا قائل بوجوب صومه كلّ سنة غير أنّ في صومه زيادة ذلك والثواب الكريم.
وقيل: أفضل الصوم في الأشهر الحُرُم، وهي رجب والمحرّم وذو القعدة، واختُلف في شوال وذي الحجّة، فقيل: هما منها، وقيل: شوال فقط. ويُروى: «ما من أيام أحبّ إلى الله فيها الصوم منه في عشر من ذي الحجّة»، وسمّاها عشرا تغليبا، وأنّه إذ كان يوم القيامة خرج الصائمون يعرفون بريح أفواههم أطيب من المسك، فيُقال لهم: كلوا فقد جعتم وشبع الناس، واشربوا فقد عطشتم وروى الناس، واستريحوا فقد تعبتم واستراح الناس، فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس وقوف للحساب.
فصل
من صام تطوّعا بنيته ولم يتكلّم بها ثمّ أفطر فلا بدل عليه، وإن تكلّم بها أبدل. موسى: يبدل مطلقا.
أبو سعيد: من أصبح صائما فلا يفطر -قيل- إلاّ من عذر أو لما يرجو أنّه أفضل من صومه، فإن فعل لزمه بدله لدخوله فيه، وقيل: لا، وكُره له أن يتّخذ الصوم عبثا.
وإن دخل في صوم يوم أتمّه إلاّ إن نزل به عذر أو رأى ما يرجو به ذلك.
ومن اعتقد صوم أيام معلومة تطوّعا ثمّ أكل يوما منها بلا عذر لزمه بدله، وقيل: لا لرواية أم هانئ أنّها صائمة فسقاها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- (3/12)
صفحة 939
فضلة شرابه فكرهت أن تردّ سؤره فشربته، فأخبرته أنّها صائمة، فقال: «إن كان قضاء من رمضان فأبدليه، وإن كان تطوّعا فلا بدل عليكِ»، والأوّل يضعفه ويوجبه.
ومن قال: إنّي صائم وليس بصائم فقيل: لزمه الصيام، وقيل: لا، ويستغفر من كذبه. وإن قال: عليّ صيام فقيل: يلزمه صوم ثلاثة.
ويُكره التطوّع لمن عليه القضاء من رمضان إلاّ اليوم واليومين، واستقباله يصوم التطوّع إلاّ من اعتاد إدامة الصوم.
ومن تطوّع وهو جنُب ولم يعلم حتّى غابت الشمس فقيل: يعيده.
أبو المؤثر: إن لم يتوانَ في العمل حين ذكر فلا يعيده ولو في رمضان.
واختَلف أصحابنا في صوم أيام التشريق، فأجازه بعض ومنعه الأكثر؛ قال خميس: أمّا أنا فأقول: إنّ من صام كفّارة أو نذرا أو بدلا وقطع عليه العيد أن يصومها، ولا يفطر إلاّ يوم النحر، ولا نحبّ أن تُصام لنفل، وفطرهنّ أفضل.
والمعلومات -قيل- هي العشر الأوائل من ذي الحجّة، والمعدودات أيام التشريق، وقيل: كلاهما أيام العشر وأيام التشريق، وقيل: المعلومات سبع من أوّل الشهر والمعدودات من العشر على أيام التشريق.
أبو المؤثر: من صامها في كفّارة أجزاه في غير المتعة.
أبو عبيدة: صيام الأيام كلّها حسن إلاّ الفطر والأضحى وأيام التشريق بمنى، وخُيِّر من لم يكن بها بين صومها وإفطارها.
ومن عليه صيام سنة صام أيام التشريق وإن بمنى، ونُدب الأكل فيها، وكُره الصوم إلاّ لكفّارة أو نذر أو بدل، وصوم الدهر لمتزوّج، ويؤمر أن يجعل للزوجة من نفسه حظّا. ويُروى: ((صمْ وأَفطرْ، وقمْ ونمْ، فإنّ لجسدك عليك حقّا، ولعينيك عليك حقّا، ولزوجتك عليك حقّا)). (3/13)
صفحة 940
الباب الثالث
في النيَّة للصوم والعلم برمضان ورؤية الهلال والشهادة على ذلك
ولا يجوز -قيل- صوم وإن لنفل إلاّ بالنية، والقصد إلى أدائه من الليل لقوله تعالى: {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّين} (سورة الأعراف: 29)، ولما روي: «لا صوم لمن لم يبت الصيام من الليل».
قال خميس: وهذا بإجماع في الواجبات، وفي النفل خلاف فأجاز بعض ابتداءه في النصف الأوّل من النهار واحتجّوا برواية عندهم، والأصحّ إثباتها كما مرّ من الليل في كلّ صوم.
وهي عقد بالقلب وعزيمة على الجوارح، وهو من طلوع [381] الفجر إلى غروب الشمس، ومن نواه من الليل ثمّ نام حتّى أصبح تمّ له، لا إن أهملها منه، إلاّ إن نواه أوّل ليلة للشهر كلّه فقيل: يثبت له بتلك النية على القول بأنّه فريضة واحدة، وقيل: يجب تحديدها كلّ ليلة على القول بأنّ كلّ يوم منه فرض وحده.
ومن نوى بصومه في رمضان تطوّعا لزمه البدل حتّى ينوي به أداء الفرض.
وقيل: من نوى أن يصبح فيه مفطرا فلم يأكل إلى الليل فهو كمفطر فتلزمه الكفّارة، وعند أبي عبد الله بدل يومه والتوبة دونها لأنّه لو نوى أن يكفِّر فلم يكفِّر لم يلزمه إلاّ الاٍستغفار، واختاره أبو قحطان.
يقول معتقدا: أُصبح غدا إن شاء الله صائما فريضة رمضان من طلوع الفجر إلى الليل، طاعة لله ولرسوله.
ومن أصبح صائما فيه ثمّ نوى الإفطار ثمَّ رجع عنه وأتمّ فقد تمّ صومه، ولا تضرّه نية الإفطار حتّى يفعل. (3/14)
صفحة 941
وقيل: من صامه كلّه بلا نية منه لصومه أجزاه بلا بدل. ابن بركة: من أهملها في الفرائض بطل فعله ولزمه قضاء رمضان والكفّارة، وإنّما يلزمه عند أبي الحسن الإعادة فقط.
ووقتها من أوّل الليل إلى آخره، ففي أيّ وقت منه نواه صحّ له؛ ولا يلزم عند ابن محبوب من أصبح ناويا فطرا فيه ولم يكن منه ناقض لصومه شيء.
وقيل: كان صلّى الله عليه وسلّم يحثّ على السحور كلّ ليلة لتأكيد اعتقاد الصوم.
وقيل: إنّ نية المؤمن واعتقاده في الجملة أنّ جميع أعماله من أداء فرض أو إحياء سنّة أو تقرّب إلى الله بوسيلة طاعة لله ولرسوله مُجْزٍ له ما لم يحوّل نواه إلى غيره.
وإن ذكره أو شيئا منه عند عمله نُدب له تجديد نيته فيه، وإن نسي أن يعقدها فهو مؤدّ لما عليه إن كان عليها في جميع أعماله.
وإن نوى مسافر فيه ليلا أنّه إن قدر على الصيام أتمّ وإلاّ أفطر، ثمّ أصبح صائما على نواه وأتمّه تمّ له ما لم يعقبه إفطار في شهره، وهل يجوز عقدها بالقلب دون اللسان أو لابدّ منهما؟ قولان، وتجزي للشهر كلّه من أوّله واحدة ولو سهى فيه بعدها.
فصل
من تعبّد بصوم رمضان لزمه أن يتوصّل إلى معرفة دخوله بإحدى ثلاث: مشاهدة الهلال أو تمام عدّة شعبان، أو خبر من يزيل الشكّ لأنّه إذا لم يعلم دخوله لم يجزه صومه عليه.
ويروى: ((لا تصوموا حتّى تروا الهلال، ولا تفطروا حتّى تروه، فإن غُمّ عليكم فأكملوا العدّة ثلاثين)). وفي رواية: ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمّ عليكم فاقدروا له))، ومؤدّاهما واحد. (3/15)
صفحة 942
ابن جعفر: ربّما رأينا متواليين ثلاثين في كلّ منهما، وتسعة وعشرين فيهما، فمن رأى هلال رمضان لزمه صومه وإن لم يره غيره، فإذا صام ثلاثين أو رأى هلال شوال لتسعة وعشرين من رمضان (7) أفطر خفية كراهة أن يقتدي به غيره أو يُتّهم، إلاّ إن صحّ به أو بغيره وإلاّ أخطأ إن أظهره، وخيف عليه ضمان من أكل به.
وقيل: إذا قال السلطان: قدّ صحّ عندي هلال الصوم أو الإفطار أو الحجّ صُدّق ولو جائرا إن اعتاد صدقه في ذلك. وإن وصل كتاب الإمام إلى واليه على يد ثقة برؤية الهلال جاز الأخذ به لأنّ كتابه حكم.
وقيل: إذا نادى في البلد مناديه أنّ الليلة من رمضان أو اليوم يوم الفطر وصحّ عنده قُبل منه إلاّ إن عُرف بالكذب في ذلك، ويستحلّ التقديم والتأخير في الشهر.
ومن رأى هلال شوال لزمه أن يفطر، وحُرِّم عليه صوم يوم الفطر.
وإن حضر أعمى مع من لا يثق به فله أن يقبل شهادتهم إن أخبروه بالرؤية وبالأوقات لأنّه تعالى ائتمنهم على ذلك، ولا يجوز لمن رأى هلال شوال أن يفطر قبل وقت الإفطار، فإن أفطر قبله لزمه -قيل- بدل يومه إن ظنّ جوازه، وقيل: ما مضى، وقيل: تلزمه الكفّارة أيضا.
ومن أسلم في دار الحرب قبل رمضان ثمّ مرّ به فلم يصمه ولم يعلم أنّه فرض عليه ثمّ دخل دار الإسلام فعلم به لزمه قضاؤه.
ومن مرّ عليه ولم يعلمه لزمه أيضا إجماعا. ومن كان حيث لا يعرفه فتحرّى شهرا فصامه فإن بان له أنّه قبله لم يجزه عنه، وإن وافقه أو شهر بعده أجزاه.
أبو سعيد: إذا لم يواف رمضان فتحرّى شهرا على أنّه هو أجزاه ولو شعبان ما لم يعلم أنّه صادف غيره، فإن بان له أنّه شعبان لزمه بدله، وإن قصد رمضان فوافق ما بعده فقيل: يبدله، وقيل: لا لأنّه قد أوقع البدل بالصوم الذي أوقعه بعده فخرج كالقضاء لما عليه، وإن وافق رمضان الثاني وقد نواه للأوّل بتحرّيه له فقيل: يكون عنه كما نواه، وقيل: ينعقد للحاضر لأنّ عليه صومه، [382] والأوّل صار ديْنا عليه متى قضاه أجزاه، وهو متعبّد بصومه في الوقت. (3/16)
صفحة 943
فصل
إن صام أهل مصر رمضان لغير رؤيته ولم يصمه معهم رجل منهم حتّى رآه من القابلة فصام تسعة وعشرين وصاموا ثلاثين فقيل: لا شيء عليه وقد أصاب، وإن غيم هلال رمضان وشوال فليكملوا شعبان ورمضان ثلاثين في كلّ منهما ثمّ ليفطروا، وإن انتشر الخبر انتشارا لا يكون مثله غلطا أوجب الصوم. وإن وقع غيْم أو غبار جازت شهادة عدل واحد إن قال رأى الهلال.
وقيل: إنّ أعرابيا جاء إلى النبيء -صلّى الله عليه وسلّم- فقال: أبصرته الليلة، فقال: «أتشهد أن لا إلاه إلاّ الله وأنّ محمّدا عبده ورسوله»؟ فأنعم (8)، فقال: «قمْ يا بلال فأذّن في الناس فليصوموا غدا»، فأجاز فيه خبره وحده. وقيل: لابدّ من عدليْن في الصوم كالإفطار، وإذا صاموا بواحد لم يجز الفطر به حتّى يكون عدلان. وخالف السنّة من لم يصم بواحد وما عليه الناس.
وإن رآه أهل بلد لا غيرهم من البلدان فلكلّ هلاله؛ وعند خميس أنّه إذا ثبت الحكم للهلال فيما يجب به الحكم الخاصّ وانقضى الشهر فلا رجوع، وإن لم ينقض حتّى صحّ الهلال انتقل إلى معنى الصحّة إن لم يقع معنى الحكم؛ وانقضاء العمل وبيانه أنّه إذا صحّ هلال رمضان في مصر أو بلد أو حيّ لا عند غيرهم حتّى انقضى، ثمّ صحَّ بعد أن (9) أصبحوا مفطرين ولو بعد يوم الفطر أنّه سبق يوم لم تلزمهم إعادة اليوم، وإن صحّ عندهم قبل انقضائه ولو بساعة أنّ الهلال قد صحّ عند مسلم أنّه كان قبل هلالهم بيوم لزمتهم إعادته، وقيل: إنّما تلزم إذا صحّ أنّهم أكلوا يوما من رمضان ولو بعد تمامه.
وإذا جازت الشهادة في لزوم الصوم به جازت من امرأتين عن رجل، فإذا صيم بشهادة رجل وامرأتين ولم يصحّ شوال بعد ثلاثين باليوم الذي شهدوا به كُذِّبوا. (3/17)
صفحة 944
ولا يجب عند أبي عبد الله الصوم (10) بامرأة إن قالت رأته ولو عدلة، ولا بأهل الذمّة ولو عدولا في دينهم.
وإن شكّ قوم في أوّل يوم من رمضان حتّى جاء آخر النهار فلم يأت من يشهد أنّه رآه ثمّ نادى منادي الإمام بالإفطار فأفطر قوم وأمسك آخرون، ثمّ قال قوم: سمعنا قوما يذكرون أنّهم رأوه، وأنّ يومنا من رمضان، فإن كان الذين رأوه بالقرب من الإمام فسكتوا حتّى أفطر هو والناس، ثمّ شهدوا آخر النهار فلا يقبل قولهم، واستحقّوا الأدب، وإن كانوا بالبعد منه ثمّ أقبلوا إليه بجهد منهم حتّى وصلوا جازت شهادتهم.
وقيل: يلزم الصوم سامعا بخبر الثقة برؤية الهلال للزوم قبول رفيعته، ولا يعتقد ذلك اليوم (11) أنّه من رمضان لأنّ العلم لا يقع بالواحد إلاّ في بعض الأحكام.
وقيل: إذا شهد ثقة برؤية شوال لم يجز الإفطار به ولزم البدل من أفطر به للشهر كلّه والكفّارة أيضا ولو وافق يوم الفطر، وهذا إن علم قولهم أنّ الواحد لا يقبل في هذا وإلاّ ورجى أن يسعه الأخذ بقوله فيه، فإن وافق في إفطاره فلا عليه، وإن وافق أنّه من رمضان لزماه أيضا.
أبو عبد الله: إنّ ناسا بنزوى رأوا شوالا بين الظهر والعصر فأفطر بعضهم وظنّوا جوازه لهم، فألزمهم بعضهم بدل شهرهم وابن عليّ يؤمّهم. قال أبو عبد الله: ثمّ رأيت في آثارهم مثل قول ابن عليّ.
ومن رأى شوال وحده فأفطر وأخبر بذلك، فصدّقه بعض فأفطر به لزمه البدل والكفّارة وأثم هو.
وإن رآه متولّى وشهد به وحده وأصبح مفطرا فلا يصدّق واستتاب، فإن تاب وإلاّ عوقب وسقطت ولايته، ويسعه ذلك عند الله.
ومن حبس فيه وقيل له: أهلّ الهلال وأفطر الناس وسمع الطبول لم يجز له أن يفطر حتّى يشهد عنده عدلان بالرؤية أو يصحّ ذلك عنده من المخبرين، ويشهر مع ارتفاع الشكّ. (3/18)
صفحة 945
وإن كثرت الأخبار بالرؤية ولو من غير الثقات وغلب على الظنّ صدقهم لم يجز الصوم. ومن تعمّد فطرا يوم ثلاثين لزمته الكفّارة. وإن رآه آخر النهار لزمه بدل يومه، وقيل: شهره. ومن رأى شوالا آخر رمضان نصف النهار، فإن أبصره بعد الزوال فهو من المقبلة [383] وحرم الإفطار، فإن رآه قبله فمن الماضية وحلّ، وقيل: إن أبصره أمام الشمس فهو هلال الماضية، وإن خلفها نحو المشرق فهلال الآتية.
أبو الحسن: من قال لزوجته أنّه رأى شوال ليلة ثلاثين فصدّقته ووطئها يومه لزمه أن تبدل ما مضى ولو ثقة، وأن يستغفر هو. وأجاز أبو المؤثر شهادة العدلة والعبد والأمة على هلال رمضان إن كانوا عدولا. وإن شهد عدل وعدلتان عليه صام الناس بهم، ولا يجوز الإفطار إلاّ بعدلين. وقيل: على من رأى شوال أن يخبر به إذ لعلّ غيره رآه فيشهد به أيضا فتتّفق شهادتهما للمسلمين لجواز خروجهم من العبادة بهما، ولو جاز كتمانه لجاز لكلّ من رأى الهلال أن لا يخبر به، والله تعالى يقول: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ} (سورة البقرة: 283)، وقد يُجاب من طرف المانع بأنّ الآية في حقوق العباد.
أبو سعيد: من رأى هلال رمضان وحده وصام وأفطر سرّا كما مرّ، ولا يلزمه كتمان الصوم.
وإن اعتكف -قيل- قوم فيه فقيل لهم: أهلّ الهلال وأفطر الناس وصلّوا العيد، فالحكم ما مرّ في أهل الحبس. وقيل: إن أفطروا بشهادة رجلين ثمّ صحّ أنّهما شهدا زورا فهو حكم قد ثبت، ولا يصحّ نقضه ولو رجعا وقالا شهدا به زورا أو شُهد عليهما به لأنّ ما حكم به المسلمون وعملوا به فهو ماض في الحكم، وعليهما أن يتوبا ويكتمان إذ لا تُقبل رجعتهما عن ذلك.
أبو المؤثر: لو أنّ شاهدين شهدا على هلال شهر ما قبل أن ينقضي الذي شهدا به قبلت شهادتهما إن كانا عدلين، وإن شهدا على هلاله في يوم سمّياه وقد انقضى الشهر لم تُقبل ولو كانا عدلين، فإن ظفر الإمام بمن شهد زورا على رمضان أو شوال أدّبه بقدر ما يراه ردعا ونكالا وعِظة لغيرهما، والتلاعب بأمر الدين حرام. (3/19)
صفحة 946
الباب الرابع
في صوم يوم الشكّ وما جاء فيه
وقد نُهي عن صومه ويسمّى يوم الداء داء. واختلف أصحابنا في صومه فقيل: هو أحوط، وقيل: بالتخيير فيه وفي الإفطار، وقيل: فطره أفضل، واتّفقوا على استحباب الإمساك انتظارا لخبر الهلال إلى وقت رجوع الرعاة، وقيل: حتّى ترمد الفصال ورأوه سنّة.
واختير أنّه إن كانت السماء صافية من الغيم والغبار ولم يُر، وقدم الناس من الصحاري ولا مخبر به فالفطر أولى، وإن حجبت فالصوم أحوط، والفطر جائز للرواية السابقة.
ومن أكل يوم الشكّ أوّل النهار أساء، فإن صحّ الهلال أمسك بقيته وأبدله، وإن أمسك إلى ارتفاعه ثمّ أكل ثمّ صحّ أمسك أيضا. أبو مالك: لا يجزي صومه ولو جاء الخبر بدخول رمضان صدر النهار وآخره إن اعتقده لا على يقين وهو قول ابن محبوب.
وروي عن ابن مسعود: لأن أفطر يوما من رمضان ثمّ أقضيه أحبّ إليّ من أن أزيد فيه يوما ليس منه. وعن عمر: لو صمت سنة لأفطرت يوم الشكّ. عمّار بن ياسر: من صامه عصى أبا القاسم. وعن عائشة: لَصومه أحبّ إليّ من إفطاره.
ومن كان صائما كفّارة فلا بأس عليه في صومه. هاشم: إنّه مكروه.
ومن أراد أن يبتدئها أو النذر أو البدل كُره له ويصومه إن صام من قبل، ولا يفطر إلاّ يوم العيد ويصبح بعده صائما إن بقي عليه بعض صومه، فإن أفطر يوم الشكّ انهدم ما قبله إن بقي عليه منه؛ وكذا من عليه صوم فأخذ فيه قبل يوم النحر فإنّه يفطر فيه ثمّ يصبح صائما من غده وإلاّ فسد ماضيه. (3/20)
صفحة 947
أبو سعيد: في صوم يوم الشكّ عندنا (12) كراهة وترخيص ما لم يقصد به التزامه وهو ممّا لا يسعه إن كان لا لمعنى.
ومن اعتاد صوم يوم أو أيام فوفقه فلا بأس به. ومن قصد صومه على أنّه إن كان من رمضان فقد صامه وإلاّ فلا على التحرّي كما مرّ لم يجزه. وقيل: إن صحّ قبل الزوال أنّه منه أجزاه، وقيل: قبل الليل، واختار [384] خميس أن لا يجزيه التحرّي فيما يدرك بالحكم، وإن كان حيث ينفعه وغاب عنه صحّة الحكم قضاه على التحرّي ونفعه، وصحّ أنّه صامه.
وجاز له ولو بعد انقضاء اليوم أو الشهر إن وافق، وقد ثبت له التحرّي للشهر أو لبعضه كما مرّ.
وقيل: من صامه وصحّ أنّه من شعبان وقد نوى أنّه إن كان من رمضان فقد صامه، وإلاّ كان نفلا فلا بدل عليه.
وإن صحّ الخبر بعد انقضائه ولم يصم اليوم على الشكّ فلا بدل عليه أيضا إذا صحّ عند أهل البلد بعد انقضاء رمضان أنّه سبقهم يوم، وإن أهل قرية أخرى رأوه وصاموا قبلهم بيوم، وإن صحّ سبقه بيوم منه فيه قبل انقضائه أبدلوه، وإن رأوا هلاله وصاموا إلى تسعة وعشرين منه فرأوا هلال شوال وقد صاموا ثمانية وعشرين تمّ صومهم وأبدلوا ما أكلوا منه.
ومن تعمّد إفطارا يوم ثلاثين منه ولم ير الهلال ولا سمع بخبره ثمّ صحّ أنّه من شوال لزمه البدل والكفّارة كما مرّ، وقيل: البدل فقط، وقيل: الكفّارة، وقيل: لا واحد منهما، ويتوب من نواه. وقيل: من أصبح منتظرا للخبر يوم الشكّ ثمّ شهد بالرؤية شهود فأكل قبل أن يعرف عدالتهم أو قال الوالي للناس: اصبروا فإنّي قد أرسلت في تعديلهم، فأكل قبله وقد سمع التقدمة أبدل يومه فقط. (3/21)
صفحة 948
الباب الخامس
في الفطور والسحور ومعرفة الأوقات
ويجب الفطر كما مرّ بمغيب الشمس ودخول الليل، ولا يؤخَّر إلاّ من عذر للنهي عن الوصال، ولقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} (سورة البقرة: 187) فأباحه بدخوله وقد وسع وقت السحور.
ولا يُقال لمن لم يأكل فيه متسحِّرا كما يُقال لمن لم يأكل مفطرا لما مرّ من أنّه بعد دخول الليل وإدبار النهار مفطر أكل أو لم يأكل.
ويُحرم السحور بحصول النهار، وهو ضدّ الفطور.
ورُوي: «أفطر الحاجم والمحتجم»، فسمّاهما مفطرين ولم يأكلا ولم يشربا، وإنّما أفطرا لغيبتهما مسلما.
والسَّحور بالفتح هو الطعام، وبالضمّ الفعل، وقد أمر صلّى الله عليه وسلّم به وقال: ((إنّ فيه البركة))، وكان يؤخّره إلى السحَر الأخير، ويعجّل الإفطار ويقول: ((لا تزال أمّتي بخير ما عجّلوا الفطور وأخّروا السحور))، واستعينوا به على صيام النهار وعلى قيام الليل بنوم القائلة.
وقيل: من تسحّر وقال وأكل قبل أن يشرب فقد ضبط الصوم.
ومن أخلاق الأنبياء -عليهم السلام- ثلاثة: تأخير السحور وتعجيل الفطور وإطالة السجود.
ومن تسحّر -قيل- وبقي بين أضراسه شيء من الطعام فلم يتخلّل حتّى أصبح وقد أمكنه ثمّ دخل حلقه، فإن كان لا يخاف أن يخرج منه شيء فلا بأس عليه في صومه، وإن كان بحيث لا يأمن منه وقد علم به بعد الصبح وتركه حتّى أساغه ناسيا أو مغلوبا ففي نقضه خلاف. (3/22)
صفحة 949
ونُدب الإفطار على الخَلوف، وقيل: رائحته أطيب عند الله من المسك، وعلى ما لم تمسّه النار، وأن يكون على إثر الصوم.
ومن مضمض فاه قبل أن يفطر فشرْبُه خير له من أن يصبّه فيذهب خَلوفه، والأكل قبل الغدوّ للصلاة يوم الفطر وبالعكس في الأضحى كما مرّ؛ ويؤمر به قبل الصلاة في رمضان أيضا وإن بشربة ماء.
وقد كان صلّى الله عليه وسلّم يفطر على الأسوديْن الماء والتمر؛ وعنه أيضا: ((إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإن لم يجده فعلى ماء)). وكان الربيع يقول: اللهمّ لك صمت وعلى رزقك أفطرت.
وللصائم -قيل- أن يأكل ويشرب حتّى لا يشكّ أنّه أصبح، ويترك الجماع قدر ما يغتسل. وعن ابن عبّاس روايتان: كُلْ حتّى تشكّ وكُلْ حتّى لا تشكّ؛ والأحسن لمن لا يعرف الصبح أن لا يأكل ولا يشرب إذا توهّم الإصباح حتّى يعلم بقاء الليل، وقيل: يجوز له حتّى يعلم طلوع الفجر لقوله تعالى: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ} الآية [385]، فمن شكّ فهو على الإباحة لأنّه على يقين من الليل، وهذا إن عرف الأوقات وإلاّ فليس له أن يخاطر بصومه لقوله: ((دعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك)) إذ لا حدّ ولا حاجز بين الليل والفجر.
ومن تسحّر ولم ينظر وظنّ أنّه في الليل فإذا هو قد أكل بعد الفجر أعاد يومه، وقيل: لا، ولا قائل بالإثم هنا فضلا عن الكفّارة.
ومن بفيه لقمة يمضغها ثمّ تبيّن له الفجر لزمه لفظها ومضمضة فيه ورميها أيضا.
وكذا من يجامع وتبيّن له فلا يتحرّك إلاّ بالإخراج، فإن أنزل به لم تلزمه كفّارة، وإن تحرّك بالإدخال وتوانى عن الإخراج لزمه الإثم والقضاء والكفّارة ولو لم ينزل.
وإن نامت عمياء فيه فانتبهت وظنّت بقاء الليل فشربت فخرجت من بيتها فوجدت حرّ الشمس أعادت -قيل- يومها.
وضعَّف أصحابنا ما روي عن أبي بكر أنّه قال لغلامه وهو يتسحّر: أوثق على الباب لا يفاجئنا الصبح. وما روي عن ابن عبّاس أنّه قال لغلاميه: أسقياني، فقال (3/23)
صفحة 950
أحدهما: أصبحت والآخر لم يصبح، فقال لهما: أسقياني فإنّي أشرب حتّى تصطلحا، وقالوا: لا يمكن منهما -رضي الله عنهما- الشرَه وقلّة الصبر مع ورعهما وعلمهما باقتداء الناس بهما؛ قلت: أمّا في حكاية أبي بكر فمسلَّم، وأمّا في حكاية ابن عبّاس فيحتمل أن يكون ذلك منه تعليما (13).
ومن أكل على أنّه في الليل وقد غابت الشمس عنده ثمّ ظهرت فقيل: يبدل ما مضى، وقيل: يومه.
ومن أذّن في غيم ويرى أنّه في الليل وأفطر أذّن ثانية عند تحقّقه، وأبدل من أكل به يومه (14) ويُعلِمَ من أمكنه أن يعْلِمَهُ ممّن أكل به.
فصل
حدّ الليل من الغروب إلى طلوع الفجر، واليوم من طلوعه إلى الغروب. ومن أراد أن يعرف سقوط الشمس نظر حيال مغربها إذا صارت على المغيب في البراح قدر ذراع في رأي العين، وابتدأ السواد من المشرق أسفل السماء كالسحاب الأسود معترضا أسفل الأفق، ثمّ يعلو قليلا حتّى إذا بلغت حدّه صار ارتفاع السواد قدر رمح في عرضه، فإذا غاب نصف قرصها ظهرت في المشرق حمرة فوق السواد كالعصابة، فإذا غابت كلّها غشيها (15) فخالطها وغيّرها، فإذا اضمحلّت وغلبها حلّ الإفطار والصلاة، وربّما كان في السماء ريح أو غبار أو غيرهما فيتكدّر الأفق، فيظهر السواد لا الحمرة، فإذا وُجد مانع منها نظر إليه ولا عبرة بشدّة الضوء وكثرة الحمرة بالمغرب عند السحاب إلاّ أن تبدو عامّة النجوم، وقيل: بين غيوب الأحمر والأبيض ما بين غيوب الشمس إلى غيوب الأحمر، وقيل: من غيوبها إلى غيوب الشفق قدر ما بين طلوع الفجر إلى طلوعها، وفيه نوع اختلاف بحسب طول النهار وقصر الليل وعكسه، ومطلعهما من مطلعها من مطلع الثريّا إلى مطلع سهيل من ناحية المغرب. (3/24)
صفحة 951
وقيل: إذا غاب الشفق كان نفَس الإنسان من المنخر الأيمن أقوى من الأيسر، ومن طلوع الفجر إلى مغيب الشفق بالعكس، وقد تفطّن لذلك أهل المعرفة.
والفجر كما مرّ فجران، فجر يطلع إذا بقي من الليل قدر ساعة فيتطاول إلى ربع السماء كذنب السرحان كذا رُوي، ويكون أسفل بياضه سوادا ثمّ ينحطّ إلى المشرق ويبقى أصله قدر رمح في رأي العين طويلا، ثمّ يبدو شبه الخطوط والغبار في السواد الأسفل حتّى يغلبه البياض ثمّ يختلط به الفوقاني ويعترض يمنة ويسرة، فهو الفجر المانع المبيح.
ومن أراد معرفة ذلك وقف مقابلة طلوع الشمس، فإذا علم موضعه وقف الليلة الثانية وعرف الموضع فليطلب الفجر عن يسرته بقدر ثلاثة أذرع أو أربع في رأي العين فيظهر له الفجر، وهذا إذا لم يكن قمر إذ لا يكاد يُعرف عنده.
وتقف لمعرفة الزوال إذا كنت بمحلّ لا تعرف فيه المشرق من المغرب ولا الوقت الذي أنت فيه في مستوٍ فتعرف موضع قدميك ومنتهى [386] ظلّ رأسك ثمّ تتنحّى عنه ثمّ تعود إليه فما انتقص فهو في النصف الأوّل، وإن وقف عنه وزاد قليلا زالت الشمس وحضر وقت الظهر إلى أن يصير ظلّ كلّ شيء مثله بعد الزوال فهو آخر وقته، ويدخل وقت العصر.
وكانت العرب تسمّي الفجر الأوّل الكاذب ولونه كرأس الأشمط من الرجال، والثاني هو المستطير المنتشر كما مرّ. (3/25)
صفحة 952
الباب السادس
في الصائم إذا أكل نهارًا عمدًا أو ناسيًا
أبو المؤثر: اختُلف فيمن تعمّد أكلا فيه، فقيل: يصوم الدهر ما حيي وصحّ، وقيل: سنة، وقيل: ثلاثة أشهر، شهر للبدل وشهران للكفّارة وهو المفتَى به، وقيل: يبدل ما مضى وشهران لها، وقيل: يصوم لكلّ يوم أكله ثلاثة أشهر، وقيل: للذي أكله شهرا ويبدل ما مضى ولزمته الكفّارة؛ والجماع أشدّ من الأكل.
وروي: «من أفطر يوما منه بلا رخصة من الله لم يجزه صوم الدهر».
ابن الوضّاح: من أكل رمضان كلّه صام ثلاثين شهرا والكفّارة.
وإن أكلت امرأة فيه (16) أوّل النهار عمدا ثمّ حاضت لزمتها والقضاء.
ابن محبوب: من تعمّد إساغة درهم أو نحوه أو ذباب لم يبرأ منها. ومن تعمّد فيه أكلا وشربا ووطئا أبدل الشهر وكفّر بعتق أو صوم أو طعام، وقيل: يرتّبها كذلك.
ومن تعمّد إساغة شيء ولو غير مغذّ فسد صومه ولزمه ذلك.
ومن احتجم وأكل متعمّدا قضى وكفّر. وعن هاشم: من تعمّد فطرا فيه قضى شهره وتاب من فعله ولم يلزمه الكفّارة، قيل: ولعلّه ممّن لا يوجب القياس.
ولا يُعذر -قيل- من نسي فأكل ثمّ تعمّده ولزمه ما مرّ، وكذا من أفطر لما عناه كاضطرار بجوع أو عطش بقدر ما ينجيه، ثمّ تعمّد فطر يومه.
ومن أسلم فيه أو بلغ أو أفاق لم يجز له أن يأكل بقيّة يومه، ولا تلزمه إن أكله.
ومن تعمّد أكلا بعد صحّة رمضان أبدل، وفيها قولان.
ومن أجنب فيه نهارا فأكل ظانّا جوازه له كالحائض أبدل -قيل- يومه، ولا يفسد بإفطار على حرام ولزم به الإثم والغرم.
أبو سعيد: لا بأس له في بلع ريقه ولو كثر، وإن مرّ بباق في أسنانه من طعام فأساغه معه بلا عمد فلا عليه، وإن أساغه معه بعلم به لم يجز له. (3/26)
صفحة 953
ومن أُكره على فطر فيه لزمه بدل يومه، ومُكرهه الكفّارة.
وقضى وكفّر واطئ فيه نهارا، فإن أفطر يوما آخر أو تعدّد له الفطر لزمته واحدة ما لم يكفّر، وإن أفطر سنة أخرى قبل أن يكفّر عن الأولى كفّر عنها أيضا لأنّ كلاًّ منهما فرض بحالها كما مرّ، فالفطر فيهما كالفعل في الجنسين، فإن وطئ فيه ثانية غير التي وطئها فيه أوّلا فكلاهما وطء كما أنّه شهر؛ فإن قيل: فاليوم الآخر غير الأوّل وكلّ منهما فرض، قيل له: هذا كلّه كالحدود التي هي عقوبات مختلفة ولو كانت ردعا كما مرّ.
ومن أفسده وعجز عن الرقبة والصوم أطعم إن قدر عليه وإلاّ فربّه أعلم بحاله.
ومن أكل فيه أو شرب أو وطئ ناسيا أبدل يومه عند أبي عبيدة لا عند جابر، وألزم ابن محبوب المجامع بدل ما مضى.
ولا نقض على من كذب فيه ناسيا.
ومن رأى ظلمة في بيت فظنّها ليلا فأفطر فإذا هي سحابٌ أبدل يومه.
وحاصله أنّ رمضان عندنا على عمد وتضييع وشبهة، فعلى من تعمّد إفطارا فيه القضاء والكفر والكفّارة، وعلى من ضيّع بدل ما مضى، وعلى من اشتبه عليه يومه وذلك ظاهر. (3/27)
صفحة 954
الباب السابع
في الصائم إذا أجنب
أبو سعيد: من أصبح جنُبا ولم يعلم بجنابته ثمّ علم بها نهارا فاغتسل من حينه أبدل يومه عند أبي زيّاد، وقيل: لا ما لم يمض أكثر اليوم، وقيل: ما لم يمض كلّه، وقيل: ولو مضى كلّه وهو مشكل ولعلّه إذا لم يعلم بها، والمفتى به أنّه حين يعلم بها يلزمه الغسل، وإن ضيّعه قدر ما يغتسل فيه وقد أمكنه فسد عليه ما مضى من صومه، وإن علم بها وجهل تعجيل الغسل وظنّ أنّ تأخيره يسعه إلى الصلاة لم ينفعه جهله وهو غير الأوّل.
ابن المفضّل: من نظر فرج زوجته نهارا فأمنى أبدل يومه وشهره إن مسّه، وعند أبي المؤثر: إن لم يرد بمسّه قضاء شهوته فسبقته (17)، وإن أرادها به أو بنظره لزمه ما لزم المجامع.
وعند ابن عليّ: إذا لم يزل يمسّها لا على شهوة حتّى غلبته وأنزل فعليه بدل يومه وصوم شهر.
أبو سعيد: من أصاب أهله أو احتلم فنام وأدركه الصبح قبل أن يغتسل، فإن نوى أن يقوم لأجله عند السحر [387] فغلبه النوم فلا بأس عليه إن اغتسل من حينه، وإن كان منه ذلك قريبا من الصبح فنام أو توانى حتّى أصبح فسد عليه ما مضى.
أبو عبد الله: من أجنب فيه نهارا فاغتسل وأكل ظنّا (18) أنّه يجوز له كالحائض أبدل ما مضى.
أبو سعيد (19): وإن وُطئت امرأة ليلا وكرهت أن تغتسل حتّى أصبحت ولم تصلّ حتّى فات الوقت لزمتها كفّارة الصلاة وقضاء شهرها بدل يومها (20) وبدل ما مضى، وقيل: بدله والصلاة إن جهلت ولم تتعمّد تركها. (3/28)
صفحة 955
ومن زنى فيه ذاكرا لصومه مقيما أبدل ما مضى وكفّر مغلّظة، قلت: وعليه أخرى للزنى، فإنّ الأولى لهتك حرمة الشهر.
ومن أجنب ليلا فاستيقظ ثمّ نام فنسي أنّه في رمضان حتّى أصبح، فإن نام عارفا به أبدل ما مضى ويومه فقط إن نسي، وقيل: لا شيء على ناسٍ.
ومن تعمّد وطء زوجته نهارا ثمّ سافر في يومه وحاضت فيه لزمهما بدل شهرهما والكفّارة.
أبو الحواري: من أجنب نهارا فيه فأتى مستترا ليغتسل فيه فوجد فيه غيره فوقف ينتظر فراغه فلا عليه.
ومن اغتسل بنجس عالما به فكالتارك للغسل، وعليه ما على الجنب إن توانى؛ وإن لم يعلم بأنّه نجس ثمَّ (21) بادر الغسل حين علم فلا عليه، وقيل: يبدل يومه.
ومن أبصر بثوبه جنابة أو نحوها نهارا فيه ولم يعلم متى أصابته فإن اغتسل من حينه تمّ صومه وإلاّ أبدل ما مضى، وقيل: لا شيء عليه حتّى يتيقّنها جنابة.
ومن نظر -قيل- زوجته أو مسّها خطفة فأمنى بلا إرادة منه فلا عليه إن اغتسل من حينه، وقيل: يبدل يومه. أبو المؤثر: إن توسّمها فأمنى أبدل يومه، وإن مسّها أبدل ما مضى، وعند ابن المفضّل: يلزم له صيام شهرين إن مسّها.
موسى: من توسّم مارّة به وعليها ثيابها فأمنى أبدل يومه إن لم يرده. وإن نظر أو مسّ أجنبية خطفة فأمنى أبدل يومه، وقيل: ما مضى.
أبو سعيد: من تعمّد نظر ما مُنع منه من بدنها ثمّ رجع عنه فزادت عليه الشهوة فأنزل أبدل يومه، وإن لم يرجع عنه ولم يزل ينظر إليها حتّى أنزل أبدل ما مضى، وإن قصد الإنزال كان كالواطئ والنظر والمسّ هنا سواء.
وإن نظر خطفة بلا تعمّد لحرام فغلبته الشهوة فأنزل فلا عليه، وقيل: يبدل يومه إن لم يرد إنزالا فأنزل، وقيل: لا شيء عليه.
وقيل: من نظر فرجا فلم يزل ينظره ويتشهّى حتّى أمنى أبدل ما مضى. (3/29)
صفحة 956
وإن عالج امرأته فأمنى أبدل شهرا عند ابن المفضّل، وعند هاشم ما مضى، وقيل: يعتق رقبة ويصوم شهرا إن مسّها بمعالجة.
ومن مرّت بقربه امرأة فاشتهاها أبدل -قيل- ما مضى إن أمنى، وقيل: يومه، وقيل: لا شيء عليه إن لم يتعمّد ذلك.
فصل
ابن محرز: من أجنب ليلا فنام ثمّ انتبه ثمّ نام يظنّ أنّ أصحابه يوقظونه إذا قاموا للسحور ولم ينتبه حتّى أصبح أبدل يومه.
وإن انتبه مسافر لا ماء عنده وقد أجنب ولم يتيمّم حتّى أصبح فعند عبد المقتدر يبدل ما مضى في سفره، وقيل: من صومه، وعند الخراساني يومه، وقيل: لا شيء عليه وقد تمّ صومه.
ومن كان يبدل فأجنب فتمادى بها أبدل يومه فقط.
ومن أجنب ولا ماء له فتصعّد للصلاة غافلا عن الصوم فقد تمّ له عند ابن محبوب، وأجزاه لهما إن كان قبل الفجر، وإلاّ أبدل يومه إلاّ إن أجنب نهارا أو ليلا ولم يعلم بها إليه، ولم يتوان عن غسل أو تيمّم فقد تمّ صومه.
ومن أجنب ليلا وتوانى عنه وهو في خطر من الوقت، فإن غسل الفرجين والرأس (22) وما مسّ جسده من منيّ ثمّ أدركه فلا شيء عليه عند أبي المؤثر، وإن أدركه قبل ذلك أبدل ما مضى، وإن توانى ويرى أنّه في سعة من الليل وينوي الغسل قبل الفجر ولم يتعمّد تركه أبدل ما مضى، وإن تعمّده حتّى قرب فاستنجى وغسل رأسه فأدركه الصبح فلا عليه.
ومن أجنب ليلا فاغتسل (23) وصلّى فلمّا أصبح وجد محلاّ منه لم ينله الماء غسله وأعاد الصلاة لا الصوم عند أبي المؤثر. (3/30)
صفحة 957
ومن رأى صباحا منيّا بثوبه فظنّ أن لا يلزمه غسل إذ لم يجامع فتركه فقيل: يبدل ما مضى، وقيل: يومه.
ابن خالد: سمعنا في امرأة تجامع ليلا فتغتسل فتبقى في رحمها نطفة إلى النهار إنّ غسلها وصومها تامّان، وتغسل المحلّ وقد مرّ ذلك.
ومن أجنب ليلا ولا ماء عنده [388] فإن جهل أن يتصعّد قبل الصبح أبدل ما مضى عند أبي عليّ، وقيل: لا لجهله به لقولهم: يسعه جهله، وقيل: لا يسعه وقد مرّ ذلك.
ومن تيمّم لإحراز صومه ثمّ وجد الماء لم يجزه تيمّمه وفسد ماضيه إن لم يغتسل، وإن لم يجده إلى المقبلة فلا يعيد التيمّم.
عزّان: من احتلم نهارا فانتبه فربط بقرة أو أطلقها أو كلّم إنسانا أو وقف معه أبدل يومه، وقيل: ماضيه.
ومن أجنب ليلا فمضى للغسل بلا توان حين علم فأصبح عليه قبله فلا عليه، وقيل: يبدل يومه. أبو سعد: من أجنب ليلا فخاف أن يصبح عليه إن غسل قبل أن يأكل، وإن أكل أصبح قبل الغسل، فإن كان لا يقدر على الصوم إلاّ بالأكل أو خاف ضرّا بجوع أو عطش أو كان يجهده إن لم يتسحّر قدّم الأكل وتصعّد لإحراز الصوم، فإن أصبح عليه قبل الغسل فلا عليه وتمّ صومه لقدره، ودين الله يسر.
ومن رأى بثوبه جنابة آخر النهار فلا شيء -قيل- عليه إن لم يعلم بها، وقيل: يبدل يومه، وقيل: إذا أصبح جنبا ومرّ عليه قليل من النهار لزمه البدل، وعندي إن كان فوق ما يغتسل فيه مع الإمكان كما مرّ.
ومن نظر أو مسّ فرج أجنبية لشهوة فأمنى لزمه البدل والكفّارة. (3/31)
صفحة 958
فصل
من أجنب ليلا ووجد فلجا باردا خاف منه ضرّا فذهب يلتمس سخينا وخاف الفجر تصعّد أوّلا لصومه فيتمّ له ولو طلع عليه قبل الغسل.
وإن لم يحرزه به جهلا أبدل -قيل- ما مضى، وقيل: يومه، وقيل: لا شيء عليه.
ابن محبوب: من يحدث أهله بلا عبث فيمذي فلا عليه، قلت ولو قبّلها إذا (24) لم ينزل، وقيل: يبدل يومه.
وقد أجنب ابن هاشم بفلاة فذهب يلتمس ماء من الآبار فلم يزل إلى الفجر فألزمه بعض ماضيه من شهره (25) وآخرون من سفره كما مرّ، وأبو علي يومه.
ومن أجنب ليلا فنام حتّى أصبح أبدل -قيل- ما مضى ولو نوى أن يقوم، وقيل: إن وسع الليل يبدل يومه، وإن كان آخره فنام أبدل ما مضى.
وإن خاف الجنب أن ترطب ثيابه من غيث فقعد ينتظر فتوره حتّى أصبح قبله، فإن نوى أن يغسل قبل الفجر، وإن لم يفتر الغيث فلم يزل حتّى طلع أبدل يومه فقط. وإن خاف طلوعه ولم يقعد إلاّ للغيث ولم يخف ضرّا منه إلاّ بلله أبدل ماضيه. وإن وقف خوفا منه على نفسه لم يلزمه بدل.
ومن أجنب نهارا فتوانى حياء أو لتسخين ماء أو نحو ذلك فقيل: إن لم يقف إلاّ قدر ذلك فلا عليه، وإن وقف أكثر منه أبدل ما مضى، وقيل: لا يُعذر بحال ولا بتسخين إلاّ إن خاف برودته.
أبو الحسن: إن أجنب نهارا أو غسل من حينه فلا عليه، وإن نام أو قعد أو توانى في غير أمر الغسل فسد صومه. وإن جاوز موردا إلى مورد أستر منه أو أسخن فلا عليه ولا يتوانى في غير أمره إلاّ إن سلّم عليه أحد فيردّ له ذاهبا لا واقفا.
وإن وقف يراجع الحديث معه فسد صومه، وإن وقف منتظرا فراغ محلّ أو تسخين ماء أو نحو ذلك وكلّم أحدا في انتظاره لا وقوفا لحديثه فلا عليه كما مرّ. (3/32)
صفحة 959
وإن عجز عن وصول الماء لفزع يعتريه ولا يتجاسر على الخروج إليه أو خاف من عدوّ أو سبع فلا يحمل نفسه على خطر أو مخوف، فإن وجد معينا له زال عنه العذر، فإن قعد بعد الإمكان حتّى أصبح فسد صومه، وينبغي له أن يتوكّل على الله ويخرج لأداء ما فُرض عليه لا لزوما.
وإن أجنب نهارا فقال لمن حضره اعتزلوا عنّي لأتطهَّر فلا عليه في كلامه لأنّه من (26) أمر غسله. وإن بدأ بغسل ثوبه قبل بدنه فأصبح عليه فسد صومه، وقيل: يومه، وقيل: لا يمنع من ردّ السلام أو طلَبِ الماء أو نحو ذلك.
من أصبح جنبا وإن تعمّد اشتغالا في غير أمر الغسل لم تلزمه كفّارة. وإن أجنب الصحيح وعنده بارد وأمكنه تسخينه فلم يغتسل ولم يتصعّد وتمسّح وصلّى أبدل الصلاة والصوم.
ولا يبع من أجنب نهارا ولا يشتر، ولا يبتدئ بالسلام، ولا يعرج [389] لغير أمر الغسل، ولا يتوان بشغل سواه.
ومن لم يعلم أنّه مجنب وكلّم الناس فذهب ليبول فوجدها بذكره فغسل من حينه صحّ صومه.
فصل
من تعمّد وطئا نهارا وتشهّى الإنزال ثمّ ندم فسبقه لزمه القضاء والكفّارة، وإن قصده لا الإنزال ثمّ رجع عنه فسبقه لزمه بدل اليوم لا الكفّارة.
ومن عبث بذكره بلا تشهّ وبلا إرادة الإنزال فسبقه أبدل يومه، وإن عبث وتشهّى بلا إرادته فسبقه أبدل ما مضى، وإن أراده لزماه.
وقيل: من أصبح جنبا وعلم أنّه إذا لم يغسل فهو مفطر لزمته لا إن ظنّ جواز تركه.
ومن وطئ ناسيا قضى يومه، ومن تعمّده قضى الشهر وكفّر. (3/33)
صفحة 960
وإن وطئ ليلا فتعمّد الترك إلى الصبح أبدل ما مضى، وفي الكفّارة خلاف.
ومن وجد بذكره شبه المذي ولم يعلمه باحتلام أو غيره فهو مذي حتّى يعلمه منيا؛ ولا يضرّه الكلام بالنهار حتّى يتيقّنه.
وعند حاجب أنّ من وطئ زوجته فيه نهارا فُرّق بينهما أبدا إن تعمّدا.
ومن شرب فيه خمرا ليلا وزنى فلا فساد عليه بهما إن اغتسل قبل الفجر.
ومن مسّ فرجها بذكره ولم يمض فيه قدر التقاء الختانين ولم يُنزل فلا بأس عليه، وكُره له أن يعود لمثل هذا.
ومن كلّمها فأمنى أبدل يومه عند الربيع لا عند وائل.
وكُره له الوطء ليالي الصوم إلاّ إن أمكنه الغسل قبل الفجر، وإن وطئها فيما لا يمكنه فأصبح عليه قبله فسد صومه. وإن طاوعته نهارا لزم كلاًّ بدل وكفّارة.
وإن قدم من سفر فيه مفطرا فطاوعته ثمّ حاضت فيه لم تسقط عنها لتعمّدها، وكُره التقبيل فيه للشابّ، ولا بأس بها (27) لمن عرف من نفسه السلامة.
وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان يقبّل فيه ويقول: «إنّي أملككم لإربي».
فإن قيل: أباح الله الأكل والشرب والوطء إلى آخر الليل فيجب أن يكون وقت الغسل بعده؟ قيل له: إنّه من تمام الوطء لقوله: ((من أصبح جنبا أصبح مفطرا))، فخصّ ذلك الوقت.
ومن أجنب صبحا ثمّ خرج منه مني أو شبه مذي بعد غسل قبل أن يبول أو يطلع الفجر فيجب الغسل من المنيّ لا من المذي كما مرّ، ولا يلزمه بدل يومه إن لم يعده ثانية. وإن غسل وأبدل فهو أحوط.
وإن أجنب قرب الصبح وقد كربه بول أو غائط فله أن يتنفّس إن لم يقدر على إمساكه أو خاف الضرّ منه عليه، فإن أصبح وهو كذلك قبل أن يغسل فلا عليه إن لم يتوان بعد فراغه عند من يعذره بذلك، وكذا إن أجنب في وسع من الليل فنام على أن يقوم قبل الصبح فقام قريبا منه وهو كذلك فمعذور بذلك، وكذا إن نام وقد أصبح (3/34)
صفحة 961
وعلم بها في حينه فله أن يقعد لبول أو غائط بقدر ما يحكم طهارته، ولا يتشاغل باستبراء حتّى يتطاول عنه.
وإن أجنب نهارا وأمكنه الغسل قبل إراقة البول كان أحزم له في صومه. وإن خرجت منه بعد الغسل أعاده، وإن أراقه واستبرأ قبله ولم يتوان ثمّ غسل لم يفسد صومه، وإن أخذ فيه فجاءه البول وعجز عن إمساكه فلا يتركه إلاّ من عذر حتّى يتمّه، فإن فعل ولم يتوان بغير أموره وسعه ذلك.
فصل
أبو سعيد: من قام ليلا لغسل بدأ بفرجيه ورأسه، وإن بدأ بهما ثمّ برجليه ثمّ يديه وطلع الفجر ثمّ غسل رأسه، فإن علم أنّ عليه غسل فرجيه ورأسه أوّلا لإحراز صومه فتشاغل بذلك عنه عامدا مخاطرا بصومه حتّى أصبح خيف عليه فساده، وإن لم يخاطر خيف فساد يومه لأنّ عليه غسل محلّ النجس، ثمّ رأسه ووجهه، فإذا غسل ذلك أحرز صومه، والجاهل لذلك والعامد سواء.
ومن عبث بذكره نهارا عامدا فهو كمفطر عمدا، وإن فعله مرارا في يوم لزمته واحدة.
أبو عبد الله: إن وُطئت امرأة ولم تعلم ولم تغسل أبدلت يومها، وإن علمت وجهلت لزوم الغسل لم يسعها جهله ولزمها بدل ما مضى والكفّارة.
ومن تعمّد نظرا إلى فرج محرم ففي النقض به عليه قولان كما مرّ.
ويُكره للرجل إدخال إصبعه في فرج امرأته ولو في غير رمضان، وللشابّ الصائم أن يمسّه، وإن توسّمها من فوق ثيابها لشهوة فسد [390] صومه عند ابن محبوب، وقيل: لا يلزمه إلاّ التوبة إلاّ إن أنزل فيبدل يومه كما مرّ، وقيل: إنّها وغيرها في ذلك سواء، ويلزمه -قيل- في غيرها بدل ما مضى.
ومن وطئ صبيا ولم ينزل وكلّم الناس قبل الغسل فسد صومه. (3/35)
صفحة 962
وإن قبّل زوجته فأمذى أو أوذى فقد وسخه، وكُره له؛ ولا فساد بخروجه بلا علاج، وقيل: يبدل به يومه. ومن عالجها ولم يرد نكاحا فلمّا خاف الإنزال تنحّى عنها فأنزل قضى شهره عند الوضّاح، ولا فساد عليه إن نظر بدن ذات محرم منه ويبدل يومه إن نظر فرجها، وقيل: لا. وإن نظره من أجنبية أو بدونها اختير له بدل يومه، وقيل: لا. ولا ينتقض الصوم بالنظر كالوضوء.
وإن عبثت بذكر زوجها نائما نهارا لزمه الغسل فقط إن لم يعقل، وكان كمحتلم.
ومن أجنب نهارا فتوضّأ وغسل رأسه وفرجه دون باقيه تمّ صومه لا صلاته إلاّ بالتامّ. وكُره له أن يتعرّض لزوجته إن صامت ولو نذرا في قضاء شهوة منها، فإن فعل ولم ينزل منها شيء ولم يمض الحشفة في فرجها فلا فساد عليها، وأثما معا.
فصل
يفسد على من يقضي رمضان إن جامع فيه عامدا ما مضى من بدله، وعليه أن يستقبل ما لزمه منه، وإن كان البدل عن شهرين أو أكثر فسد عليه بدل ما هو صائم له من الشهور لا بدل ما صام لغير ذلك الشهر إن مضى صومه.
وإن أُكرهت الصائمة على وطء (28) أو كانت نائمة فقيل: لزمها بدل يومها، وقيل: لا، وفي الكفّارة على مكرهها قولان، ولزمتها إن طاوعته وفسد صومها، ولا يبرأ منها إن سافر في يومه أو مرض.
أبو صفرة: من تعظّ ذكره حتّى أمنى بلا مسّه وبلا إرادته أبدل يومه، ولا يلزمه عند أبي عبد الله.
أبو سعيد: من تعمّد نظرا إلى ممنوع من بدن امرأة ثمّ رجع عنه قبل أن ينزل فزاد عليه حتّى أنزل أبدل يومه، وإن لم يزل ينظر ولا يريده حتّى أنزل فسد ماضيه؛ والفرج قال- وغيره في ذلك سواء. (3/36)
صفحة 963
وإن أعان على نفسه وأراده فكالواطئ، والمسّ والنظر فيه سواء.
ومن يعنيه التبع بعد الجنابة حسن له أن يغتسل قبل الصبح ويحرز صومه ولا ينتظر انقطاعه، فإن جهل وانتظره ولم ينقطع حتّى أصبح فقيل: يبدل ما مضى، وقيل: يومه، وقيل: لا شيء عليه لأنّه في نواه غير مفرّط عند أبي المؤثر.
ومن بات في جبل فأجنب والماء في أسفله فإن تحمّل التعب في المسير إليه، وخطر الحيّات وصل إليه ليلا فله أن يتصعّد لأنّ ذلك عذر له.
أبو سعيد: من ضيّع الغسل حتّى مضى له بعض النهار متعمّدا فعند ابن محبوب: إنّ المرأة إذا طهرت فلم تغسل حتّى أصبحت ولم تصلّ لزمتها كفّارتان، واحدة للصلاة وأخرى للصوم. والجنابة أشدّ من الحيض، والأكثر على أنّ عليه البدل لا الكفّارة.
ومن أصبح فرأى بثوبه منيا وقد رأى بمنامه وطء وإنزالا احتاط بغسل، وإن رآه لا إنزالا ولمس فلم يجد فلا غسل عليه، وإن لم ير واحدا منهما ووجد بللا فقيل: يغتسل، وقيل: لا، وقيل: إن شمّه فوجد له عرف جنابة اغتسل، وإلاّ فلا حتّى يعلمه منيا.
فصل
سُئل ابن المسبح عمّن أتى فاحشة مرارا في رمضان فقال (29): لو صام الدهر ما أدرك فضله، ولزمه أن يصوم عن كلّ يوم أتاها فيه شهرا، ورفعه عن جماعة إلى محبوب، وأن يعتق أو يصوم متتابعين أو يطعم ستّين ويتوب إلى الله.
وإن أتاها فيه أيضا سنة أخرى أو أكثر لزمته لكلّ شهر كفّارة.
وإن مضى الجنب إلى فلج ليغسل فيه ليلا فأدركه الصبح وفي بيته بئر لو غسل منها لفرغ قبله فهو غير متوان لمضيّه إلى الغسل. (3/37)
صفحة 964
أبو سعيد: من وطئ ناسيا أبدل يومه، وقيل: لا، وإن تعمّده بعده يظنّ جوازه وأنّه معذور بعد، لزمه الإثم والكفّارة وبدل ما مضى، ولا يُعذر بظنّه، وقيل: لا تلزمه والأوّل أصحّ.
ومن وطئ زوجته فطلبته أن يتبعها إلى الماء فأبى ولم تجد آنسا حتّى أصبحت لزمها بدل الماضي إن بلغت.
ويُعذر خائف من سبع أو حيّة ونحوهما ويؤخّر الغسل إلى أمنه، ويتصعّد لإحراز صومه لا خائف من جنون، وقيل: يُعذر إن خاف ضرّهم.
ومن نام نهارا فأجنب ونبّهه غيره فكلّمه ثمّ علم أنّه [391] جنب فلم يَعُد للكلام وغسل من حينه فلا عليه، وإن توانى بغير أمر الغسل فسد عليه.
ومن علم بجنابته فنام وأهمل نيته حتّى أصبح أبدل ماضيه، وقيل: يومه إذ لم يتعمّد تركه والإهمال أن لا ينوي أن يغتسل، وإن ذكر النية ولم ينو شيئا ونام حتّى أصبح فهو مهمل أيضا إذا علم بها ذاكرا لصومه، وإن نسيه أو لم يعلم بها أبدل يومه. (3/38)
صفحة 965
الباب الثامن
في صوم النساء
ابن خالد: إن جومعت امرأة ليلا واغتسلت وبقي برحمها مني إلى الصبح لم يفسد -كما مرّ- صومها، ولا تجدّد غسلا إلاّ للموضع.
وإن تشهّت بلا عبث وحضرتها الشهوة فلم تزل تتشهّى حتّى أنزلت قصدا فقيل: إنّها أهون من الرجل وتبدل يومها، وقيل: ما مضى، وقيل: تلزمها الكفّارة أيضا.
وإن وُطئت ليلا وتوانت حتّى أصبحت استغفرت، وقيل: كالرجل فتبدل.
وإن صامت بدلا أو كفّارة ثمّ حاضت بنت على الأوّل إذا طهرت من حينها ولا هدم به.
وإن وُطئت بلا علم لزمها من حين علمت، وأبدلت يومها، وإن علمت وظنّت أنّها لا يلزمها غسل لم يسعها جهله، وأبدلت ما مضى وكفّرت.
وإن قال لها زوجها: لا بأس عليك أن تغتسلي صباحا عُذرت عند أبي علي وأبدلت يومها، وعند أبي إبراهيم تحتاط ببدل ما مضى، وقيل: لا تُعذر بترك الغسل، وتلزمها كفّارة.
وإن رأت ذكر رجل أو دابّة فأنزلت دافقا فإن بتشهّي أبدلت ما مضى، وإن غلبها الدافق بلا متابعة التشهّي أبدلت يومها.
وإن مكّنت زوجها المجنون نفسها لزمها القضاء والكفّارة دونه وبالعكس.
ابن أحمد: إن وُطئت ليلا وخشيت أن تخرج إلى الماء وجهلت التيمّم للإحراز فقد مرّ الخلاف في جهلها. (3/39)
صفحة 966
وإن أحسّت برطوبة بفرجها فظنّتها حيضا فأكلت ولم تصلّ ثمّ لم تجد شيئا أبدلتهما وإن تقدّم حيضها نحو صفرة فأفطرت ظنّا أنّها يسعها بها الفطر ولم تصلّ أبدلتهما أيضا، وقيل: ما مضى، واختاره خميس.
وإن صامت كفّارة يمين بإذن زوجها ثمّ وطئها نهارا قهرا فإن مانعته وغلبها أبدلت يومها، وقيل: لا وماضيها إن استكانت له، وإن لم يأذنها لم يجز لها أن تمانعه، وفي بدل يومها إن مانعته قولان، وإلاّ فماضيها.
وإن صامت بلا أمره فسد -قيل- صومها ولو قهرها.
وإن وطئ مُبدلة لرمضان فسد ما صامت إن طاوعته وإلاّ فيومها.
وإن لزمتها كفّارات وكره أن تصوم لها وهي ترضع فلا تصم إلاّ بإذنه، ولتصبر حتّى تجد من الله سبيلا.
وإن أرادت أن تأخذ منه آجلها لتكفّر به لم يحكم عليه به إن أبى، وقيل: لها أن تكفّرها بالصوم وإن بلا إذنه، وليس له أن يمنعها ممّا يلزمها ولا أن يفطرها. وقيل: إن صامت كفّارة فدخل عليها رمضان وقد بقي لها خمسة أيام (30) فصامت منه أياما ثمّ حاضت خمسة فلمّا أفطرت صامت من الغد ما عليها من رمضان، ثمّ وصلت به الخمسة الباقية عليها من الكفّارة، فسد عليها صوم الشهرين لأنّ عليها أن تصبح صائمة باقيها، وتؤخّر بدل رمضان وبذلك قال أبو زيّاد.
ولا يجوز له أن يضرّها بإجبار على وطئ إن صامت لازما ولو نذرا، فإن فعل أبدلت يومها، وقيل: لا، ولزمه -قيل- ما لزمها، فعلى القول بأن لا شيء عليها (31) تلزمه التوبة، وإن أطعم مسكينا كان أفضل.
وإن أجبرها نهارا برمضان أبدلت يومها ولزمته كفّارة إن صام وأخرى لها، وإن طاوعته لزم كلاًّ منهما بدل وكفّارة.
أبو الحواري: إن جامعها راقدة وقد صامت أياما منه فانتبهت فدافعته بجهدها فغلبها أبدلت -قيل- يومها. وإن مانعته ثمّ أمكنته وقد قدرت على منعه فسد صومها ولزمته التوبة. (3/40)
صفحة 967
فصل
جاز لامرأة أن تغزل الكتّان أو غيره بالريق ولا تبزق، وأن تصوم تطوّعا بلا إذن زوجها عند بعض، ولا تمانعه إن أرادها، وإن كره صومها وسعه، ولا بأس عليه وتقضي رمضان بلا رأيه لا تطوّعا. وقد رُوي: ((لا تصم وبعلها شاهد غير رمضان إلاّ بإذنه)).
ويُكره لها أن تستنقع في الماء صائمة لأجل فرجها، فإن شاءت اغتسلت وصبّته على جسده، وتؤمر بتعجيل قضاء رمضان. وجاز لها تأخيره.
ونُدب لها أن تأكل بقية يومها إذا حاضت، وتمسكه إذا غسلت ولا بأس عليها إن أكلته، وكذا يؤمر القادم من سفر أن يمسك بقية يومه.
وإن حاضت امرأة فيه فتركت الصلاة والصوم [392] ثمّ طهرت أقلّ من عشرة، ثمّ راجعها الدم فظنّته حيضا فتركتهما أيضا أبدلتهما، ولا كفّارة عليها.
وإن أكلت فيه مستحاضة تظنّه جائزا لها فعليها -قيل- شهرا، وقيل: ما مضى، وقيل: ما أكلت.
وإن ولدت أوّل يوم منه وطهرت على عشرة فلم تغسل حتّى خلا لها أربعون فلمّا صامت حاضت، فقيل: متى طهرت اغتسلت وصلّت وصامت، فإن لم تفعل لزمها البدل، لأنّ أقلّ النفاس عشرة لا الكفّارة إن جهلت، وقيل: غير هذا.
وإن صامت كفّارة وانقطع حيضها أربعة أشهر ثمّ رأت الدم يومين فأكلت فيهما وتركت الصلاة، ثمّ انقطع وانتظرت يوما بعدهما جهلا منها لرجعة الدم وظنّا جواز ذلك اختير لها أن تعيد.
وإن رأت دما بعد طهرها تاسعا أو عاشرا فيه فأكلت تظنّه جائزا لها أبدلت يومها عند من يعذرها بالجهل. (3/41)
صفحة 968
والحامل والمرضع إذا صارتا بحدٍّ تخافان فيه على ولدهما إن صامتا فلهما أن يفطرا ويقضيا إذا أمنتا عليه، لأنّ الخوف عليه أعذر، وهما أيضا أعذر من المريض، والرخصة لهما أولى لأنّ له تحمّل المشقّة على نفسه ولا كذلك هما.
وإن جاء المرضع رمضان الثاني قبل أن تفطمه وخافت عليه أيضا فلها أن تأكله أيضا وتقضيهما. وقيل: إن صامت الثاني أطعمت عن كلّ يوم من الأوّل مسكينا ثمّ تقضيه. وكذا الحامل إذا أمنت على ولدها. وقيل: ليس لهما أن تصوما إن خافتا وإن على أنفسهما وعصتا إن صامتا على خوف، وكذا الشيخ الهرم.
وعن ابن عبّاس وابن عمر أنّ الحامل والمرضع تفطران إذا خافتا، ولا تقضيان، ونحن نأخذ بالقول بالقضاء؛ وحدّ عذر المرضع أن تخاف ذهاب لبنها أو نقصه إذا صامت وهلاك ولدها، ولا تجد له غذاء، والحامل أن تخاف طرحه. (3/42)
صفحة 969
الباب التاسع
في صوم المشركين إذا أسلموا والصبيان والعبيد
ومن أسلم في يوم من رمضان أو بلغ فليس له أن يأكل بقيّته، فإن أكله ففي وجوب الكفّارة عليه وبدل ما مضى قولان، واختار ابن علي وجماعة لزوم بدله.
وإن اشتهى مراهق صومه ولا يطيقه حسن أن يطعم عنه حتّى يبلغ.
وإن صام صبي فيه باختياره أو بأمر أبيه نُدب له أن يتمّه، ولا يؤمر بالفطر بعد الأخذ فيه، ولا يبدل إن أفطر برأيه. وإن أمره به أحد والديه أطعم عنه، وقيل: لا.
وندب له أن يصوم إذا أطاقه ولا يُمنع منه من أراده ولكن يقال له: لعلّك لا تطيقه ونحو ذلك من المعارض.
أبو سعيد: لا يلزم من لم يطقه إطعام عنه وإن لكبر، وقيل: وقد نُسخ بقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا} الآية (سورة البقرة: 184)، فليس إلاّ العدّة وذلك في الكبير، وفي وجوبه على الصغير قولان، والمختار سقوطه عنه.
وإن بلغ وصام منه أياما ثمّ أكرهه أحد على الإفطار لزمه بدل ما أكل والكفّارة، ولزمت أيضا مفطره.
وإن صام الصبيّ بعضه ثمّ عجز فعلى من أمره به أن يطعم عنه. وإن بلغت فيه جارية فأدركت منه عشرا نُدب لها أن تبدل ما فاتها منه. ولا يلزم -قيل- صبيا بدل اليوم الذي بلغ فيه وإن قال بوجوبه كثير منّا لأنّ الصوم لا يصحّ إلاّ بعقد من الليل، وقد فاته. وكذا من أسلم نهارا فيه، وبدله على الصبي إن بلغ فيه أوكد عند بعض لأنّه مُخاطب بصومه على الأصحّ.
والعبد فيه كالحرّ، والنقض النقض (32)، وللسيّد أن يجبر مماليكه عليه إن أطاقوه. (3/43)
صفحة 970
ومن سافر هو وعبده فيه فلا يجبره عليه ولا على إفطار إذ هو أعرف بحاله منه ومخيَّر فيهما، وإن أجبره على الإفطار فأمَره بالبدل حين رجعا فشكى ضعفا وعجزا عن خدمته لزمه الصوم دونها لأنّ البدل وجب عليه بإجباره مع قدرته عليه في سفره.
ومن اشترى خادما فأطعمه مرارا فيه فإن بلغ [393] خيف عليه أن تلزمه الكفّارة إن أطعمه بإجبار منه وإلاّ فالوقف.
ومن منع عبده من صوم التطوّع فلا يصومه إلاّ بإذنه لأنّه يضعفه عن خدمته.
ومن خرج إلى بلاد الزنج فاشترى منها بلغا وصبيانا، والبلغ لم يختتنوا فإن كان مسافرا فهم تبع له، فإن أطعمهم فيه لم يلزمه شيء، وإن كان يتمّ هناك لم يجز له إطعامهم إلاّ إن جاز لهم بعذر كمرض، فإن أفطرهم بدون العذر لزمته الكفّارة ولزمهم البدل بلا إذنه، وعليه أن يعمل لعبده ما يستعمله به إلاّ إن صار بحال لا يقدر عليه من عطش أو جوع فيعذر.
ومن أسلم في دار الحرب قبل رمضان ثمّ مرّ عليه فيها فلم يصمه ولم يعلم أنّه لزمه، ثمّ علمه بدار الإسلام لزمه قضاؤه كما مرّ. (3/44)
صفحة 971
الباب العاشر
في صوم المريض والعاجز عنه
أبو سعيد: من لا يطيقه بمرض وسعه الإفطار، وقيل: من لا يطيق الأكل لما يقوى به عليه. وقيل: من لا يشتهي الطعام واختار أنّه يجوز للمرء أن يصرف المشاق عن نفسه لمرض كصرفها عنه لسفر.
وإن كان يأكل الخبز ولا يصبر على الجوع ولا يخاف الموت إلاّ أنّ الصوم يزيده ضعفا ومرضا إلى مرضه، فإن كان لا يأكل ما يقوى به عليه جاز له أن يفطر، وإن كان يأكل ما يرجو معه أن يقوى به عليه لزمه أن يصبح صائما، فإن عناه ضعف خاف منه على نفسه أفطر بما يحيى به، ويبدل يومه ثمّ إن أمكنه بالليل أن يأكل ما يقوى به أصبح صائما أيضا، ويكون هذا دأبه حتّى يفرج عنه وإلاّ أصبح مفطرا، ثمّ إن وجد قوّة اختير له أن يمسك، فإن وجد ضعفا أفطر أيضا، وكان على إفطاره إن لم يجد قوّة.
وقال هاشم: إذا لم يجع وذهبت منه شهوة الطعام فله أن يفطر، وإن أصبح عاقلا ولم يأكل ولم يشرب ولم يتغيّر عقله في نهاره تمّ صومه.
والإفطار في المرض رخصة، وجاز له حتّى يطيق الصوم. وإن أكل كثيرا ولم يصبر عن الأكل لزمه الصوم. وعن أبي عبيدة أنّه اشتكى فلم يطق صوم رمضان، ولم يزل وجيعا ضعيفا حتّى أدركه الثاني فقوي عليه فصامه وأطعم عن الأوّل رجلا عشاءه وسحوره، فلمّا فرغ منه صامه؛ قال محبوب: ونرجو أنّ الإطعام عنه وسيلة لا لزوم إذ لم يصحّ قدر ما يمكنه الصوم.
ومن أجهده فشرب ثمّ زاد فشرب لزمه بدل ما مضى عند بعض، وقيل: الكفّارة. ومن عطش فيه وخاف ضرّا فشرب قدر ما ينجيه، فإن زاد عليه أبدل ما مضى. (3/45)
صفحة 972
ومن خاف زيادة وجع بعينيه أو شدّة الحمّى لم يجز له الفطر.
ومن أكل فيه خوفا من زيادة علّة وإلحاق ضرّ ثمّ تعمّد الأكل فيه ثانية أبدل ما مضى ولا تلزمه الكفّارة.
ومن اشتدّت علّته بالصوم وخاف ضرّا جاز له الفطر بقدر ما ينجيه، وإن نواه من الليل وأكل وشرب حتّى يقوى.
ومن وجد راحة فصام يوما أو يومين ثمّ ضعف فأفطر كذلك تمّ له ما صام، وأبدل ما أكل. ومن مرض رمضان ولم يصم منه شيئا ثمّ مات في مرضه لم يلزمه إيصاء بقضائه.
ابن خالد: إن لم يطق صوما جاز له الفطر ولا يلزمه أن يطعم، فإن عوفي أبدل وإلاّ فحتّى يُعافى، فإن صام أياما ثمّ أفطر أياما (33) ثمّ صام أياما اعتدّ بما صام، وأبدل ما أفطر.
أبو الحسن: من عناه أمر فأفطر لأجله وخاف منه فأكل أو شرب بقدر ما ينجيه ثمّ اعتمد على أكل يومه بلا خوف لم يُعذر، وفي الكفّارة عليه قولان.
وروي أنّ امرأة أجهدها الصوم على عهده صلّى الله عليه وسلّم فأُمرت بالفطر فأبت فماتت، فأمر ابنها أن لا يدفنها أو قال: إنّها قتلت نفسها.
فصل
إن أُغمي على صائم بعد الصبح ولم يأكل ولم يشرب تمّ صومه، وإن أُغمي عليه من الليل ثمّ أفاق نهارا أعاد يومه، وإن لم يفق إلاّ بعد أيام اختار له بعض أن يبدل، ولم يوجبه عليه بعض وقد مرّ، واختار أبو سعيد أن يبدل يومه من أُغمي عليه ليلا [394] حتّى أصبح لأنّ الصوم ينعقد منه، وقيل: لا يبدله لأنّه أُغمي عليه دائنا (34) به وعُذر بالإغماء. (3/46)
صفحة 973
ومن يجنّ برمضان حينا ويفيق حينا أبدل ما أفطر فيه فقط، ويصلّي إذا عقلها في الوقت وإلاّ أبدلها وكفّر، وإن دخل وقتها مفيقا فلم يصلّي حتّى جنّ أبدلها إذا أفاق.
أبو سعيد: إن أصبح عاقلا معتقدا للصوم ثمّ جنّ تمّ له صوم يومه، وما أصبح فيه من الأيام غير عاقل اختير له بدله، ولا أنظر في صحّته فيما بين ذلك ولا في جنونه، وإنّما أراعي به الوقت الذي يعقد فيه الصوم، وأختار في الصلاة إذا حضر وقتها فمرض بقدر ما لو قام إليها في أوّله لتوضّأ وصلّى فضيّع حتّى جنّ لزمه بدلها وكذا إن أفاق في وقت الصلاة فأدرك منه قدر ذلك لزمه أن يصلّيها وإلاّ أبدلها.
ومن جنّ في رمضان لزمه عند ابن محبوب بدله، وكلّ يوم طلع فجره عليه عاقلا فيه تمّ له صومه، وإن طلع وقد جنّ فإنّه يبدله، وكان في نفس ابن الحواري من هذا القول شيء لأنّه لا بدل عن من جنّ في رمضان كلّه عنده، والمختار بدله وبه جاءت (35) الآثار.
وكذا إن أُغمي على صائم نهارا فلم يفق إلى الليل فإنّه لا يبدله، وإن أُغمي عليه ليلا فلم يفق إلى الليل أو أفاق في النهار لزمه بدل يومه.
أبو الحسن: من نوى الصوم ليلا ثمّ أُغمي عليه قبل الفجر إلى الغروب تمّ صومه. وقيل: إن طلع عليه الفجر عاقلا تمّ له، واختار أنّه إذا دخل الليل واعتقده ثمّ زال عقله بنوم أو إغماء أو جنون حتّى أصبح ولم يحدث في نواه مبطلا لصومه فاعتقاده كاف وصومه تامّ.
ومن جنّ قبل رمضان فلم يفق إلاّ بعده فلا يلزمه لرفع القلم عنه، وإن جنّ في بعضه أبدل ما جنّ فيه وتمّ له ما صام منه بعد إفاقته.
وفرّق بعض بين المجنون والمغمى عليه، فجعله كمن لم يشهد الشهر، والمغميّ عليه كالمريض والنائم، فألزموه البدل دون المجنون. وفي الضياء: ومن زال عقله فيه كلّه لزمه بدله، ومن أفاق -قيل- في بعضه لزمه قضاؤه كلّه لأنّ الجنون لا ينافي صحّة الصوم، كالكفر المنافي لصحّته لأنّه إذا نواه ليلا فجنّ نهارا لم يبطل ذلك (3/47)
صفحة 974
صومه، وإن جنّ قبله فأفاق بعده لم يلزمه كما مرّ إذ لم يخاطب به، ويُعذر عن أداء الفرض وقت زوال عقله إلاّ إن أتى على زواله حال يحكم له فيه بأنّه لا يرجع عنه، فإن كان كذلك فالباقي عليه من رمضان، وهو بحاله لا يلزمه فيه بدل إذ لا يكاد أن يرجع عنها بعد الحال التي يحكم له بها؛ وقيل: حتّى يذهب عقله سنة فيسقط عنه الفرض لأنّه معتوه ثمّ إن تحوّل إلى العقل جاز أن يُمضى له الحكم الأوّل ويسقط عنه لزوم البدل.
فصل
أجمعوا على جواز الإفطار للكبير والعجوز إذا لم يطيقا، واختلفوا في الإطعام عنهما، فمن أوجبه رأى أن يطعم كلّ منهما عن كلّ يوم مسكينا عَشاء وسحورا كما مرّ، وقيل: مدّا إن أيسرا، وإلاّ صام عنهما قريبهما إن أفطرا، وإن أطاقا بعدُ أبدلاَ، وقيل: إذا لم يطيقا استأجرا من يصوم عنهما ما أفطراه إن أيسرا، وقيل: لا إطعام عليهما ولا أجرة ولا بدل إلاّ إن أطاقاه.
وإن تمادى عجزهما سقط عنهما ولا يفطران إلاّ بعد أن يعلم عجزهما عنه.
وجاز أن يطعم عن [395] المرأة رجل وبالعكس ما مرّ، وأن يعطي حبّا قدر ما يكفي مسكينا في اليمين.
والفدية -قيل- نصف صاع، وقيل: مدّ، وقيل: طعام مسكين.
وقيل: إنّ عجوزا كبرت على عهد جابر ولها ابنان فقالا لها: إنّك كبرت وعجزت عن الصوم فسألاه أن يصوما عنها، فأمرهما به فرغب كلّ منهما فيه ثمّ أتياه في القابلة فقال لهما: أوَهي حيّة بعدُ؟ فأنعما، فقال: أطعما عنها.
وقيل: من كبر ولم يطقه وله أولاد فإن كان له مال أطعموا عنه وإلاّ لم يلزمهم صوم لأنّه معذور. (3/48)
صفحة 975
هاشم: يطعم عنه إن كان له مال وإلاّ صام عنه أكبرهم، فإن أبى فتاليه إلى آخرهم، ولا يُجبرون عليه إن أبوا وأساءوا.
أبو سعيد: ليس إفطاره على التخيير وإنّما هو على العجز لأنّه يصوم حتّى لا يطيق، فيفطر بقدر ما ينجيه، وتلك حال في كلّ يوم أطاقه فيه كما مرّ ولو كان رمضان كلّه على ذلك، لأنّه عمل بدن لا تجوز فيه فدية.
وليس لمن خاف منه أن يصوم، وعصى إن صام عليه، وقيل: لا شيء على من لم يطقه لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ إِلاَّ وُسْعَهَا} (سورة البقرة: 286). فمن طال مرضه سنة بعد سنة ويمرّ عليه رمضان ولا يصومه حتّى مات لم يؤاخذ به، وليس على أحد أن يصوم عنه أو يطعم، فإن عوفي أبدل، وكذا كبير لا يطيقه لا يُصام عنه ولا يطعم، فإن قدر أبدل وإلاّ عُذر.
وإن عجز عن الصلاة ولو على التكبير عنها لم يلزم أحدا أن يصلّي عنه. ومن عجز عن شيء عذره الله منه.
الربيع: يصوم الرجل عن والديْه وعن أخيه إذا لم يطيقوا، ولا يُشار لهم بالإطعام ولو في صوم النذر والاِعتكاف، وكذا سائر الأولياء. (3/49)
صفحة 976
الباب الحادي عشر
في صوم المسافر وما يُندب له
وقد مرّ أنّه مخيَّر على المختار. ومن تعدّى فرسخيْن من بلده وله أن يسافر في كلّ مباح ويفطر إذا صار بحدّ السفر، ويعتقد الفطر من الليل.
ومن سافر في معصية لزمته الكفّارة إن أفطر مع بدل ما أكل، وقيل: الماضي، وقيل: لا شيء عليه وهو كغيره فيما له وما عليه، ويتوب إلى الله سبحانه.
وليس لمن أصبح في بلده أن يفطر ولو نواه من الليل وعليه أن يتمّ يومه.
ومن عناه ما يخاف منه عطشا أو جوعا فله أن ينجّي نفسه ثمّ يمسك ويبدل يومه ولو مقيما أو صحيحا.
وإن نوى من الليل أن يفطر ثمّ لم يفطر إلى الليل أبدل يومه ولو دخل بلده فيه، ولا يفسد عليه ما صام في السفر قبل، وقيل: يفسد.
وإن خرج من بلده ليلا ونوى منه أن يفطر فإذا خرج من عمرانه قبل أن يصبح فله أن يفطر إن كان يجاوز الفرسخين، وقيل: إن أفطر هو أو المريض بلا مخوف جاز لهما، ولزمهما بدل ما مضى.
وقيل: يبدل المسافر ما صام في سفره، وقيل: لا ولو أفطر في وقت من يوم هو صائم فيه لأنّ له ذلك لرخصة السفر، ويبدل يومه وجاز الأخذ به، واختير أن يكون للمريض أيضا، وقيل: غير ذلك.
أبو المنذر: من نوى ليلا أن يسافر ويصبح مفطرا فلم يخرج حتّى أصبح ثمّ سافر وأفطر في يومه أبدل ما مضى.
ومن صام في سفر ثمّ أفطر فيه فسد ما صام فيه، وكذا كلّ صوم فيه أعقبه إفطار فيه إلاّ إن رجع إلى محلّ تمامه ثمّ سافر وأفطر فلا يفسد ما صام في الأوّل بالإفطار في الثاني. (3/50)
صفحة 977
ومن شهده في أهله فصام منه أيامًا ثمّ سافر ثمّ رجع فلبث في بلده مدّة ثمّ سافر أيضا إلى أن مات ولم يقض ما عليه، فإن صيم عنه أجزا ولو لم يوص به.
ومن سافر أو نوى أن يصبح مفطرا فأفطر يومه ثمّ صام من الغد إلى أن وصل بلده تمّ له ما صامه في سفره لاتّصاله بالحضر، وإنّما قالوا: كلّ صوم فيه أعقبه إفطار (36) فيه فهو منهدم. والحائض والمريض والمسافر إذا أخذوا في البدل واعترض لهم أحد هذه المعاني، وطهرت وقوي ورجع وبنوا على ما صاموا تمّ لهم.
أبو سعيد: من تعرّض للإفطار نهارا صائما رمضان بلا عذر لزمه -قيل- بدل ما مضى والكفّارة، وقيل: ما أفطر وأساء.
فصل
أبو سعيد: من صام في سفره [396] وأفطر لمرض ثمّ صحّ فيه فتمادى على إفطاره تمّ له صومه، وليس فطره بعد صحّته مفسدا لشهره لأنّ هذا عذر قطع حكمه بين الفطر والصوم وقام مقام دخول الحضر، والصوم فيه بعد السفر.
وكذا الحائض إن صامت في سفر أياما ثمّ حاضت ثمّ طهرت ثمّ دامت في فطرها فهي كالمريض، فإذا أراد هو أو المسافر فطرا نواه من الليل وأصبح مفطرا،
وقيل: إذا لم يطق المريض الصوم جاز له أن يفطر ولو لم ينوه من الليل، وقيل: إن لم ينوه منه أفطر بقدر ما ينجيه، وإن نواه المسافر منه ولم يفطر إلى الليل ودخل بلده أبدل يومه، وفي فساد ما صامه في سفره قولان.
وإن أجنب في رمضان ليلا فانتبه ولم يتصعّد لإحراز صومه حتّى أصبح ولا ماء عنده فقيل: يبدل ما مضى منه في سفره، وقيل: من شهره، وقيل: يومه، وقيل: لا شيء عليه وتمّ له، وقد مرّ.
أبو الحسن: إن دخل بلده أوّل النهار بنية الفطر ولم يأكل قبل أن يدخل عمرانه (37) فإن أكل فيه أعاد ما مضى، وإن أكل نهارا قبله في حدّ السفر جاز له أن (3/51)
صفحة 978
يأكل يومه في بلده كما مرّ عن أبي الحواري، وقال أيضا: ولو لم يأكل فيه أوّل يومه وقد أكل في بلده وقد أصبح ناويا فطرا وهو في حدّ السفر فإنّه يلزمه بدل يومه فقط.
ومن سكن بلدا يقصّر فيه فصام من رمضان أياما ثمّ خرج إلى سفر فأفطر فيه فإنّه ينهدم عنه صومها لأنّه لم يوطِّنه فهو في حكم المسافر.
أبو سعيد: اختُلف في القول بأنّ كلّ صوم في سفر أعقبه إفطار فيه فمنهدم، فقيل: ولو بدأ به في سفر، وقيل: إن كان بين فطرين فيه أو مبتدءا فيه، وأمّا إن وصل فيه بالحضر أو أعقبه إفطار فيه فلا ينهدم لاتّصاله بصوم الحضر في أوّله أو في آخره، وقيل: ينتقض كلّ صوم بين فطرين في السفر كما مرّ لا المبتدئ فيه من أوّل الشهر لأنّه لم يكن بينهما فيه لإباحة الفطر قبله وإن لمقيم؛ والأكثر منّا على أنّ كلّ صوم في سفر أعقبه إفطار فيه فهو فاسد، قال: ونحبّ اتّباع آثارهم.
وقيل: لو كان يصوم يوما ويفطر يوما لتمّ له ما صام وأبدل ما أفطر، وقال أيضا: وإن اعترضه إفطار في النهار بلا عذر أبدل ما مضى ولا كفّارة عليه، وقيل: ما أفطر وأساء.
ومن اشتدّ عليه بحرّ فخرج إلى قرية يريد فطرا حتّى يسهل عليه فيبدله فله -قيل- ذلك، ولا يأثم به.
وإن نوى ليلا إن قدر صام وإلاّ أفطر فصام فقد تمّ له كما مرّ، وكره له أن يمازج اعتقاده باستثناء.
ومن صام أياما في منزله ثمّ سافر فأفطر أياما ثمّ صام أياما ثمّ سافر فأفطر أياما، ثمّ كذلك حتّى أتمّ الشهر تمّ له ما صام في منزله وما ختم به الشهر وفسد ما صام في سفره ثمّ أفطر فيه. (3/52)
صفحة 979
فصل
من نوى سفرا وإفطارا من الليل ولم يخرج من عمرانه حتّى أصبح أبدل ماضيه، وحسُن له أن لا ينويه حتّى يجاوزه قبل الفجر، ولا يجزي نواه ليلا في حضر وإنّما ينفعه عند حدّ السفر فيه، ولا يفطر يومه إن سافر بعد الفجر، فإن أفطر بعد خروجه أبدل ما مضى ولا كفّارة عليه لشبهة السفر.
وإن خرج آخر النهار على نية الفطر وأتمّ يومه فهذا أشدّ والبدل عليه أوجب، وفي الكفّارة خلاف.
ومن خرج من عمرانه قبل الصبح ونوى ثمّ أصبح دون الفرسخين لم يلزمه إلاَّ ما أفطر، وإن رجع قبلهما فأفطر أبدل ما مضى وكفّر، وإن أصبح صائما لم يلزمه إلاّ الذي أفطر فيه ورجع قبلهما.
وإن نوى الخروج والإفطار ليلا فأصبح في بلده فأفطر فيه خيفت عليه الكفّارة وبدل الماضي، ويبدل -قيل- يومه إن لم يأكل، وقيل: ما مضى من صومه.
ومن سافر نهارا فصام أياما ثمّ أفطر لم يفسد عليه الذي سافر فيه لأنّه خرج وقد لزمه صومه، وفسد ما صام فيه بعد اليوم إذا أعقبه بالإفطار.
وقيل: من أصبح عليه فيه ثمّ بدا له أن يتمّ صومه فسد عليه ما صامه فيه.
ومن أصبح على صوم ثمّ نوى أن يفطر ولم يفطر ففي بدل يومه قولان.
ومن قدم ووجد زوجته [397] قد طهرت فقيل: يؤمر بالإمساك عنها ولا كفّارة عليهما إن وطئها، وإن قدمت مفطرةً فجامعها مقيما لزمه القضاء والكفّارة دونها، وعصت إن طاوعته.
ولا يجوز الإفطار قبل مجاوزة الفرسخين لأنّه في حكم الإقامة.
ومن له وطنان وبينهما أكثر منهما فخرج من أحدهما إلى الآخر فأفطر فلا يفسد ما صامه في أحدهما ويبدل ما أكل بينهما. (3/53)
صفحة 980
ومن سافر بعد صلاة الغداة ثمّ أفطر جهلا بلا عذر فإنّه يبدل ما مضى، وإن علم أنّه لا يحلّ له إفطار يومه لزمه ذلك -قيل- والكفّارة أيضا، وقيل: صوم شهر.
ومن خرج على نية السفر ثمّ لقي حاجته دون الفرسخين فظلّ يتردّد هناك ويفطر ثمّ رجع فعليه بدل الصلاة إن قصّر والصوم والكفّارة لهما.
ومن أصبح صائما ثمّ سافر في يومه ثمّ أفطر فيه فعند هاشم وابن علي يبدل ما مضى، فقيل لهاشم: فإذا صار في حدّ السفر وظنّ أنّ له أن يأكل إذا صار فيه ولم يعلم أنّ عليه إتمامه إذا أصبح في بلده؟ قال: فلذلك يُعذر بجهله، فلو عرف رأيهم ثمّ أفطر لزمه أن يكفّر عند بعض، فإذا ظنّ جوازه له فقيل: يبدل يومه، وقيل: ما مضى.
أبو سعيد: من عناه ما يزعجه من بلده فهرب منه في رمضان فإن نوى من الليل أنّه إن جاوزهما يفطر فإنّه يفطر وإلاّ فهو على صومه وخرج من العمران قبل الصبح فله نواه، فإن عزم على مجاوزتهما فله أن يفطر، وإن أصبح فيه لزمه صوم اليوم ولا ينفعه نواه، وشرطه في الليل لأنّ هذا صوم حضر، فإن أفطر جهلا ورجاه وسع لزمه البدل والكفّارة ولا يُعذر -قيل- به، وقيل: يبدل ما مضى، وقيل: لا تلزمه.
ومن أصبح صائما ثمّ سافر ثمّ رجع في يومه وأتمّه كان صوم سفر ولو دخل بلده وصام أوّل يومه في سفره ثمّ رجع فيه إلى حدّه فهو صوم سفر ولو صام فيه أياما، ثمّ دخل بلده ليلا وخرج منه فيه إلى حدّ السفر فهو على حكمه حتّى يصبح، فإذا أصبح صائما في بلده وأراد أن ينوي من الثانية فطرا في السفر تمّ له صومه الأوّل لأنّ دخوله في الحضر قد قطع حكمه ولو دخله نهارا وخرج منه نهارا وقد صام في السفر قبل دخوله لم يكن له أن يفطر لفساد ما مضى في سفره لأنّه كلّه صوم سفر.
واختُلف فيه إذا أصبح على نية الفطر من الليل ودخل بلده قبل أن يأكل في حدّ السفر وأكل فيه فقيل: يبدل ما مضى، وقيل: ما أفطر.
وإن أصبح على فطر في حضر ثمّ لم يأكل فقيل: يتمّ صومه ويتوب، وقيل: يبدل ما مضى، وقيل: الشهر والكفّارة. (3/54)
صفحة 981
ومن أفطر في السفر ثمّ أمسك يومه حتّى وصل أهله إلى الليل فقيل: يفسد ما صام فيه، وقيل: لا إن كان ذلك اليوم آخره في الحضر. وإن كان كلّه في السفر فسد ما فيه، وقيل: فيه باختلاف.
ولا يسافر -قيل- من أدركه رمضان مقيما فيه وإلاّ فلا يفطر لقوله تعالى: {فَمِنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (سورة البقرة: 185)، وقيل: له أن يسافر ويفطر إن شاء وهو الأصحّ، وقيل: لا يسافر إلاّ في بِرّ لا في طلب رزق ونحوه.
ومن سافر ليلا وجاوز العمران فيه ونوى الفطر ومجاوزة الفرسخين، فإن أفطر ونوى الرجوع قبل مجاوزتهما كُره له أن يأكل بعد نية الرجوع وتحوّل إلى الصوم إذا حوّلها إلى الرجوع، فإن أكل ذلك اليوم في بلده أو قبل دخوله بعد تحويلها إلى الرجوع فليس له أكثر من يومه. (3/55)
صفحة 982
الباب الثاني عشر
في نقض الصوم بما يدخل الجوف وما يخرج منه
أبو سعيد: اختُلف في حقنة الدبر نهارا فقيل: ناقضة ويلزم فاعلها بدل يومه، وقيل: ما مضى.
ومن احتقن بدواء أو دهن في دبر أو قُبُل نهارا ففي النقض به خلاف.
والمرأة كالرجل في الدبر وقُبلها إن كانت فيه الحقنة في محلّ البول فكقُبل الرجل، وإن كانت (38) في محلّ الوطء فأرجو أنّها تجوز.
وقيل: على محتقن في الدبر البدل والكفّارة ولا شيء في القُبل مطلقا؛ وإن بلغت في الدبر إلى ما لا يدرك إخراجها إلاّ بخروج الغائط وصار في الجوف نقض الصوم.
ويُكره الاستنقاع في الماء وهو أن [398] يتغرّق فيه للتبريد والتقوّي على الصوم، ولا يُفسده.
ومن دخل نهارا يغتسل فيه فبال فيه وخرجت منه ريح فلا فساد عليه، وله أن يدلك فاه عند الوضوء برفق ويستنشق به، وإن سبقه الماء في حلقه متوضّئا فلا بدل عليه إن توضّأ لفرض في وقته. وإن توضّأ له قبله أو لنفل أبدل يومه مطلقا، وقيل: إن كان ذكرا لصومه.
وإن صُبّ في حلق نائم ماء نهارا حتّى وصل جوفه ثمّ علم بعد أن استيقظ فلا عليه، ويُكره له أن يلبس رطبا، وينزّه صومه من دنسه.
ابن محمّد: إن أدخلت امرأة ماء في حلقها فغرغرت به تجرّبه أيجوز فيه أم لا؟ فدخل إلى بطنها لزمها البدل بلا كفّارة ولا وجه لتخصيص المرأة بذلك.
ومن أدخله فاه ذاكرا لصومه وسرطه ناسيا له اُختير تمام صومه، وإن أدخله ناسيا له فسرطه مغلوبا ذاكرا له، فإن قدر على لفظه حين ذكر فتركه حتّى غلبه فكالنسيان وإلاّ فكذلك أيضا. (3/56)
صفحة 983
وإن بقي بين أضراسه طعام فلم يتخلّل حتّى أصبح وقد أمكنه (39) ثمّ خرج منه شيء نهارا حتّى جاوز في حلقه على الغلبة فإن كان في التعارف أنّه في محلّ لا يؤمن خروجه وقد علم به بعد الصبح فتركه حتّى أساغهُ ناسيا أو مغلوبا ففيه اختلاف وقد مرّ.
ولا شيء في ابتلاع الريق، ولا نقض بمنحدر (40) من الرأس.
ومن جاز في حلقه غلبة ما كحصاة أو دانق فلا بأس عليه.
ومن تعمّد بلع ذباب فسد صومه ولزمته الكفّارة.
ومن أُكره على إدخال شيء بفيه فلا عليه ولا إن سبقه الماء في حلقه وهو يتوضّأ لفرض، قيل: ولو قبل وقته.
ومن انغمس في ماء فدخل في أذنيه أو أنفه أو حلقه فسد صومه إن لم يكن لعذر لا يمكنه تركه.
ومن غمس فيه رأسه في غسل (41) فسبقه في حلقه فلا بدل عليه إن توقّى دخوله بجهده، ولكن يُكره له الانغماس إن أمكنه الغسل بدونه (42) لأنّ الصبّ والنضح يجزيه له.
ومن توضّأ لفرض فسبقه فلا نقض عليه إلاّ إن زاد في المضمضة على المعتاد في الوضوء للفرض فيلزمه البدل. وإن كان ذلك وهو بعد في معالجة ثبوت أدائه فذلك على ما قيل في أدائه.
ومن دخل نهرا يتبرّد فيه فشكّ أنّه دخل حلقه ماء فلا عليه إن لم يتيقّن به، وإن تيقّن أبدل يومه.
أبو سعيد: إن مضمض للازم فدخل حلقه بلا إرادته فلا عليه، وإن كان لغيره وهو ذاكر أبدل يومه، وإن كان ناسيا فقيل: يبدله، وقيل: لا، والاِستنشاق أقرب إلى الرخص إلاّ أنّه لا يبعد أن يتساوى في ذلك إن كان من فعله لما روي: ((إذا استنشقت فبالغ إلاّ أن تكون صائما))، فقد فرّق بين (43) الصوم والإفطار فيه. (3/57)
صفحة 984
وقيل: لا بأس عليه أن يدخل الماء ليصطاد منه؛ ولا فيما دخل حلقه بلا تعمّد. ولا يغمس رأسه فيه ولا إن قطّره في أذنيه، وكذا الدواء إن احتاج إليه وقد كُره، وقيل: لا يقطّر فيه، وإن قطّر فيه أبدل يومه، واختير أن لا يبدله؛ وكذا السعوط، والأكثر على منعه، وقيل: جائز ولا بأس به، وقيل: مكروه، وإن فعل بدل يومه. أبو سعيد: يبدل المستعّط ولو لم يدخل حلقه، وقيل: لا ولو دخل، وقيل: إن دخل نقض وإلاّ فلا وهو الأوسط، والقائل بالنقض يرى أنّ السعوط رضاع، وكُره له محبوب أن يقطر في أذنه دهنا، ولا بأس به عند سليمان، وقيل: ليس له أن يتسعّط ولا أن يقطر في أذنه ولا في أنفه ولا في حلقه لأدائه إلى مجرى الطعام ولأنّ الصوم إمساك وإن عن قليل، والقطر في الأذن أهون من السعوط في الأنف، وأوجب به أبو عبد الله القضاء والكفّارة إن دخل الحلق، وقيل: لا قضاء عليه، وألزمه أبو سعيد بدل يومه، وقيل: لا ما لم يجد طعمه في حلقه، وقيل: ولو وجده، وإن وجده [399] بفيه بزق به ولا عليه ما لم يدخل حلقه من فيه.
فصل
كره بعض منّا الاكتحال للصائم والأكثر على إجازته لما روي أنّه كان صلّى الله عليه وسلّم يكتحل بالإثمد. وأجازه له أبو المؤثر وإن بدواء يؤكل، وإن وجد طعما بزق به.
أبو سعيد: رخّصوا في الكحل له لأنّ العين ليست مجرى الطعام، وإن وجد بفيه شيئا بزقه، وكُره بالصبر، ولا يفسد بوجود كحل في نخاعه، ولا بأس -قيل- بالحضض والصبر، وإن وجد طعمه بحلقه بزقه.
وله -قيل- أن يكتحل وإن لم يحتجْ إليه، فإن أحسّ بشيء مجّه إن قدر عليه ورماه؛ ولا تنقضه الحجامة عندنا لما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم اِحتجم وهو صائم، وتأوّلوا قوله: ((أفطر الحاجم والمحتجم)) بما مرّ من اغتيابهما مسلما، فحكم عليهما (3/58)
صفحة 985
بالإفطار للغيبة لا للحجامة، وقد رُخِّص فيها للصائم، وقيل: تجوز له إذا لم يخف ضعفا، وليس في الرواية ذكره.
وجاز له السواك، وقيل: يُكره مطلقا، وقيل: في آخر النهار، والمختار الجواز لما روي: ((خير خلال الصائم السواك))، وله أن يستاك في أوّله بيابس أو رُطب، وإن استاك به في آخره لم يفسد صومه على المختار ولا يتعمّد إساغة البزاق المجتمع بفيه من السواك. وإن وجد بفيه دما بزقه حتّى زال وابيضّ البزاق إن لم يحضره الماء، وله أن يبلع ريقه ولو صائما حتّى يصله ويغسله.
أبو سعيد: إن تسوّكت امرأة قبل الفجر بالدارم وغسلت فاها حتّى يذهب الذات ويبقى الزوك بفيها فلا عليها في سرط ريقها بعد غسل فمها، وهو مختار أبي المؤثر، فإن وجدت طعما بحلقها بزقته.
أبو عبيدة: الصغير يمضمض فاه ويقذف الماء ويسيغ ما بقي قبل أن يبزق، ولا بأس عليه، ونُدب له إن ذكر صومه أن يبزق قبل أن يسيغ، وإن استاك فدمى فوه لم يفسد صومه.
ومن رعف فوجد طعمه في حلقه فلا بأس به عند ابن الوليد، ونسبه إلى أبي المؤثر. ويبدل يومه من أدمى فاه عمدا عند غير أبي عبد الله، ولا بأس -قيل- على مخرج بفيه دما وإن بلا علّة ويبزقه كلّه.
ومن استاك فدمى فوه فإن علم أنّه يدمي كُره له؛ ولا يُفسد السواك الصوم ولو وجدت به صفرة أو كدرة، ويبدل يومه إن وجد سائلا وصام فرضا لا إن صام نفلا، وإن بدله فيه كان أحوط.
ومن تخلّل فدمى فوه فلا عليه إن لم يكن سائلا، وإن كان سائلا أبدل يوما.
ونُدب السواك وإن لصائم عند كلّ صلاة لما مرّ. ولا يُدخل إصبعه بفيه بعد العصر للمضمضة عند بشير، ويبدل من تعمّد إدماء فيه عند بعض ولا بأس به عند أبي عبد الله، وعند أبي سعيد: إن لم يتعمّده فغلبه الدم ودخل حلقه أو تعمّده ولم يدخل فلا عليه فيهما، وإن تعمّده ودخل أعاد ما مضى، قال: ولا بأس عليه في بلع ريقه ولو (3/59)
صفحة 986
كثر، وما بين أسنانه إن كان في معنى الريق المارّ عليه من الطعام فهو كذلك ما لم ينحلّ منه في الريق شيء من الذات أو لغير معنى الريق فيغلب عليه معنى الطعام أو الشراب فحينئذ لا تجوز إساغته بعد العلم به وإن قلّ، واختلفوا فيما بين الأسنان ولا يمكن إخراجه وطرحه فالأكثر على أنّ من أساغ شيئا منه عامدا ذاكرا لصومه فقد لزمه البدل والكفّارة ولو قلّ.
فصل
جاز للصائم أن يذوق ما أراد أن يعرف حلوه من مالحه بلا إساغة، وأن يكيل الحبّ والدقيق ويسفي التراب، ولا يفسد صومه ولو نخع الغبار من حلقه، وإن أمكنه ليّ ثوب على فيه ومنخريه فعل وهو المختار.
ومن بلع ريقه وما ينحدر من رأسه فلا عليه وما خرج من صدره ما لم يصر على لسانه ويقدر على رميه فلا بأس بإساغته، وإن تعمّد إساغة ما قدر على رميه أبدل يومه وينقض الصلاة إن فعله فيها، وقيل: ما مضى، وقيل: الشهر كلّه، ولزمته الكفّارة لأنّه كالأكل والقليل كالكثير فيه مع العمد.
ولا بأس بذوق (44) الطبّاخ بلسانه، وكذا المضغ لصبي [400] أو لغيره إن بزق حتّى ذهب من فيه، ولا على من أكل ليلا ونام ولم يمضمض فاه إلى الصبح ونحو ذلك، ويؤمر أن لا يتعرّض لشيء من ذلك في صومه.
أبو علي: من طرح بفيه حصاة فجازت غلبة فلا عليه، وقيل: يحتاط بيوم.
ابن محبوب: تلزم الكفّارة متعمّدا بلع درهم أو دينار أو نحوهما أو ذباب.
ومن سالت دموعه أو مخاضه حتّى دخلت فاه فإن تعمّد أبدل ما مضى، ويومه إن نسي، وقيل: لا. (3/60)
صفحة 987
وإن تعمّد إدخاله أو طرحه فكمتعمّد أكلا فيه. ومن طلع شيء من جوفه إلى حلقه فوجد طعمه فيه فلا عليه عند الوضّاح إلاّ إن طلع على لسانه فردّه جهلا ولم يبزق به وظنّا أنّه لا بأس به فيلزمه بدل يومه.
ومن خرجت من حلقه نخاعة فيها دم فإن لم يردّها إذ انقطعت على لسانه فلا عليه. وقيل: النخاعة من الصدر والرأس يفسدان الصوم إذا ردّهما القادر على لفظهما.
ومن دخل حلقه دخّان حتّى وجد طعمه فيه فلا نقض عليه به.
ومن اشتمّ أراكا أو غيره فبلغ إلى خياشمه ووجد حرارته فلا (45) عليه ما لم يتسعّط به (46) ويدخل إلى رأسه أو حلقه.
ومن دخلت بحلقه غبرة سماد أو غيره فإن قدر على إخراج ذلك فلا يسرطه إلاّ من عذر، وإن صارت لها ذات في حلقه وأمكنه إخراجها بعلاج اختير له أن يعالجها حتّى يخرجها.
أبو سعيد: يُكره له مضغ ما له طعم، وإن مضغه ولم يدخل حلقه لم يفسد صومه. وكلّ ما دخل فمه بلا إرادة فولج حلقه بلا قصد فلا عليه، والأكثر على أنّه لا شيء على من درعه قيء ولو رجع عليه شيء منه إن لم يجلبه، ورجى أنّه إن رجع عليه ففي النقض به خلاف، وإن تقايا أبدل يومه، وقيل: لا، ولا قائل بلزوم الكفّارة إلاّ إن تعمّد ردّ شيء من فيه فإنّه -قيل- تلزمه.
وإن غلبه فرجع عليه وقد تقايا فإنّه يبدل يومه. وإن غلبه فتقيّأ ثمّ رجع شيء منه غلبة فإنّه يبدل يومه، وقيل: لا. وإن تعمّد فغلبه بالرجوع أبدله، وفي بدله إن لم يردّ شيئا منه قولان. وإن تعمّد ولم يردّه إلاّ أنّه يبلع ريقه قبل أن يغسل فاه، فإن زال عين المفسد للفم بالبزاق مرارا فلا نقض به.
وإن تعمّد وردّه فكالآكل عمدا. ومن قاء حيث لا ماء فيه وبزق حتّى صفى الريق فلا عليه إن بلعه ولو وجده، وقيل: يبدل يومه. (3/61)
صفحة 988
ومن تعمّد هتك حرمة صوم في رمضان لزمه القضاء والكفّارة، واختُلف فيه، فقيل: شهرا، وقيل: ما مضى منه. وإن لم يقصد هتكا له أبدل يوما.
ومن قاء بلغما فتعمّد ردّ شيء منه بعد تمكّنه من رميه فسد صومه وصلاته، ولا بأس عليه فيهما إن لم يتعمّده.
ومن مضمض وقذف الماء وأساغ باقيه فلا عليه.
وإن استقيأ بعمد فلمّا صار إلى الحلق ردّه قبل أن يظهر إلى فمه فلا بدل عليه عند بعض. (3/62)
صفحة 989
الباب الثالث عشر
في نقض الصوم بالمعاصي
اختُلف في الكذب عن عمد، فقيل: ينقضه، وقيل: لا، وأجمعوا أنّه ينقض الوضوء لا الغسل. وفي الرواية ما يدلّ على أنّه ينقض الوضوء والصوم؛ وكذا غيبة المؤمن.
ومن حدّث بحديث فنسي التعبير عنه وغيّره فلا نقول إنّه كذب إلاّ إن تعمّد قلبه عن معناه. وفي إملاء الكذب وكتابته والأمر به اختلاف في نقض الصوم به.
أبو الحسن: من قال لمن لا يعرفه إلاّ بخير أو لدابّة أو لمن لا يستحقّ الويل: لك الويل أو تعسا لك أو غضب الله عليك أو لابنه أو عبده: يا كلب أو ياحمار، فإن كان متولّى استغفر ربّه وأعاد وضوءه ولا يبدل (47) الصوم إن استغفر.
ومن قبّح وجه رجل أو لعنه وله ولاية فسد وضوؤه، وفي صومه خلاف؛ وكذا في الصبي إن كان أبوه متولّى، واختير في الدابّة نقض وضوئه لا صومه مع الاِستغفار، وينتقض أيضا بِـ "ياجيفة" إلاّ إن نوى شيئا.
وإن قال: يا كلب أو يا حمار ولا نية له أفسد أبو عبد الله صومه، ويبدل يومه إن قبّح دابّة أو صبيا، وتفسده كلُّ (48) معصية فعلها لما قيل: إذا صمت فليصم جميع جوارحك عن الخطايا، وفي خبر: من لم يمسك عنها (49) فليس بالله حاجة أن يدع طعامه وشرابه، وقد وجب اجتنابها على كلّ صائم ومفطر إلاّ أنّها مع الصوم أعظم إثما، وأسرع عقوبة، وأقبح ذمّا. (3/63)
صفحة 990
ومن استمع سرّ قوم أو نظر جوف منزلهم أو قرأ كتاب إنسان بلا إذنه فسد -قيل- وضوءه لا صومه.
وإن نظر وجه امرأة أو [401] جارية لم تبلغ أو بدن محرَمَته لا لشهوة فلا فساد عليه، وبالشهوة خلاف، واختير أنّه لا يلزمه بدل.
وغير الفرج من عورات النساء إن تعمّد بشهوة يلزم به بدل يومه، وإن تعمّده لا لها فخلاف. ووجب بنظر الفروج اتّفاقا كاللماس لجميع البدن. (3/64)
صفحة 991
الباب الرابع عشر
في بدل الصوم ولزومه
ومن أفطر في سفره أو مرضه فمات فيه أو بعد رمضان به لم يلزمه، وإن رجع أو عوفي لزمه. وقيل: يلزم المريض ولو مات في مرضه، ويوصي به، وقيل: لا حتّى يصحّ قدر ما أفطر بعد الشهر أو شيء من ذلك. وإن أفطر فيه وانقضى وصحّ ثمّ أخذ ببدله فصام أياما ثمّ عناه سفر أو مرض بنى على ما صام من حين ما صحّ أو قدِم. وإن أفطر بلا مخوف جاز لهما ويبدلان، وقيل: غير هذا. وقيل: يبدل المسافر ما صام في سفره إن أفطر بلا مخوف، وقيل: لا يلزمه بدل ما مضى وإنّما يلزمه بدل يومه وما أفطر فيه من الأيام، وجاز الأخذ بهذا، والمريض مثله.
وإن أفطر أياما في مرضه ثمّ صحّ بعد رمضان إلى أن مات ولم يقض جاز أن يُصام عنه. هاشم: إن كان لا يشتهي الطعام فله أن يفطر ويعيد إذا صحّ، وقيل: يعيد وإن لم يفطر، واختير أنّه إذا أصبح عاقلا ناويا صوما من الليل وأمسك تمّ صومه ولو تغيّر عقله نهارا.
أبو سعيد: إذا أكل ما يقوى به عليه لزمه البدل في الحكم وإلاّ صار ديْنا عليه، فإن قضاه حيّا وإلاّ أوصى به، وإن ضعف حتّى مات لم يلزمه بدل ولا إيصاء به في الحكم إلاّ إن احتاط.
ابن روح: من مرض فأفطر ومات في مرضه لزمه الإيصاء بصومه. ابن أحمد: من أفطر في سفره ومات فيه لا يلزمه قضاء ما أكل فيه ولو حال عليه رمضان مثل من خرج إلى مكّة أو غيرها وأقام فيها سنين ما لم ينو المقام.
أبو سعيد: من لم يبدل حتّى مات فإنّه يُصام عنه ولا يجزي عنه إطعام، ويطعم عن لازم بكفّارة إن أوصى به كذلك. وإن كان من نذر بصوم فإن أوصى به صوما أنفذ عنه من ماله بأجرة. وإن أوصى به إطعاما أنفذ عنه به أيضا لأنّه رخّص له فيه في (3/65)
صفحة 992
حياته أيضا، ولا مرخّص في إطعام عن بدل رمضان ولو عن كلّ يوم ألف مسكين، ولا يجزيه ولو أوصى به، وقيل: لكلّ وارث أن يصوم عن موروثه إن لم يطق لكبر ولو حيّا.
ومن عليه صوم رمضان فلورثته أن يطعموا عنه أو يصوموا بالتتابع، فإن انتقض عن الأخير انتقض عن الكلّ، لأنّهم كالواحد الصائم لنفسه، وإن كرهوا أن يصوموا فلا يحكم عليهم به، ويطعم عنه إن أوصى بذلك في ماله، وقيل: يستأجر له صائم عنه منه وليس في هذا إطعام، وقيل: إن لم يتّفق الورثة على الصوم أطعموا عنه منه إن أوصى بذلك، وقيل: من مات فيه فعليهم أن يصوموا عنه ولو لم يوص به، وقيل: إنّه من حقوق الله وليس عليهم منه شيء إلاّ إن أوصى به، فإن اتّفقوا أن يصوموا وإلاّ استأجروا صائما عنه، ولا يطعم لأنّ الواجب فيه الصوم لا الإطعام لأنّه ليس بكفّارة.
ابن بركة: من مات وعليه صوم ولم يصمه بعد وقدر (50) على بدله فعلى ورثته البالغين صومه، فإن قام به واحد منهم سقط عن باقيهم، وإن اختلفوا فعلى كلّ أن يؤدّي قدر إرثه، وإن كان فيهم يتيم صام عنه وليّه، ويروى: «من مات وعليه صوم ولم يقضه فليطعم عنه لكلّ يوم مسكينا»، ويطعم عن كلّ كبير في حياته لهذا الحديث وبعد وفاته، وقيل: بالصوم، قال: وهذا أشبه بالسنّة.
وجاز الصوم عن ميّت. هاشم: يصوم عنه بنوه فإن صام عنه أكبرهم (51) وإلاّ تحاصصوا، فإذا قضى الأوّل ما عليه أصبح الثاني صائما ولا يفرَّق، وإن فسد على واحد لم يفسد على غيره، وقيل: يفسد لأنّه واحد، وقيل: إن تبرّع به غير أوليائه جاز.
ومن قال في وصيته إنّ عليه كذا يوما من رمضان فلا شيء على الوصيّ ولا على الورثة حتّى يقول: أنفذوه عنّي من مالي.
ومن مات فيه فلم يوص ببقية الصوم عُذر ولا عليه، وقيل: من لزمه وإن من نذر أو كفّارة فليوص به إذا احتضر ويذكر أنّه من كذا، ولا يلزم الورثة صوم عنه إن (3/66)
صفحة 993
لم يرثوا منه قدر أجرة الصوم إلاّ إن تبرّعوا به عنه، والذكر أولى بالابتداء من الأنثى فيه.
وإن كان عليه شهر لم يجز لهم أن يصوموا أياما منه ولكن يصوم أحدهم ثمّ يصبح [402] الآخر، ويفطر هو حتّى يتمّوا، وإن كان عليه أكثر منه كما إن كان عليه ثلاثة وله ثلاث بنين فلهم أن يصوموا معا في شهر يعتقد كلّ منهم شهرا عنه، وإن أوصى بمتتابعين كفّارة فلا يُصاما إلاّ كذلك لأنّها كالبدل.
أبو صفرة: من عليه رمضانان وأدركه آخر صام الحاضر ثمّ آخر ثمّ وصله بآخر إن قوي وإلاّ فله أن يفرّق بينهما لأنّ كلّ منهما مستقيل بنفسه، ويطعم لكلّ ثلاثين وقيل: ستّين.
ومن لزمه قضاء بعض رمضان وكان قيظا فأخّره إلى الشتاء ليسهل عنه فهو مقصّر ولا ضير عليه وقد مرّ نحوه.
أبو سعيد: من عليه بدل أيام معروفة منه وأحبّ أن يحتاط بغيرهنّ وأن يقطع بين الواجب وغيره بفطر (52)، فإن كان الاِحتياط ممّا لا يُعذر فيه فلا يصمه إلاّ تابعا للواجب، وإن كان نفلا خُيِّر بين فصل ووصل.
واختُلف فيمن عليه أيام منه يصمها حتّى حال رمضان آخر ولم يمكنه أن يطعم فقيل: يكون عليه ديْنا متى قدر أطعم ولا يلزمه إلاّ واحد ولو حال عليه أحوال، وقيل: إن لم يمكنه لما لزمه فله أن يصوم عن كلّ مسكين يوما، واختار أبو سعيد أن يلزمه إطعام لتفريطه في البدل حتّى حال الثاني لإباحة الفطر له، ولا وقت عليه في صومه، ونُدب التعجيل وإلاّ فلا عليه، ويُقبل ما قالوه. (3/67)
صفحة 994
فصل
إن حدث سفر لمن يقضي رمضان فأفطر فيه فقيل: يعتمد بما صام قبله، فإذا رجع أتمّ الباقي، وقيل: يُكره له أن يتطوّع وعليه بدل ولا شيء عليه إن تطوّع لأنّه لا حدّ عليه في البدل.
ويروى أنّ عائشة كانت تبدل أيام رمضان في شعبان.
ومن لزمه فصام تسعة وعشرين فظنّ أنّه أتمّ ثلاثين فأفطر ثمّ عدّ ما صام فإذا هو تسعة وعشرون فإنّه يبدل يوما لتمامه لإفطاره غلطا، وكذا قيل في امرأة تبدل ما عليه منه إن غلطت فلا يفسد ما صامت منه، وفسد إن تعمّدت.
وإن لزم مريضا أو حائضا ونواه فلم يبدل حتّى مات فلا يهلك لوسعه عليه عند عزّان. وقال ابن محبوب: إن توانى مع الإمكان فمات فقد هلك، وكان سليمان يشدّد على مفطر بمرض إذا صحّ فلم يبدل في أوّل شوال حتّى قال: الطعام والشراب عليه حرام، فردّه الموصلي عن ذلك.
أبو سعيد: من أفطر رمضان وكان ثلاثين فابتدأ قضاءه مع الهلال قبض عنها، فقيل: يجزيه، وقيل: لا حتّى يضيف إليه يوما من الثاني، وفي العكس يتمّ اتّفاقا، وإن انتقص عليه من الذي يبدله وهو الناقص في العكس لزمه أن يصومه مضافا إلى الشهر، ولا يقطع بينهما حتّى يتمّ ثلاثين.
ومن عليه بدل من رمضان وبدل من كفّارة ابتدأ ببدلها وإلاّ انتقض ما صام منها.
ومن أفطر سنين لا يدري عددها اِحتاط كما مرّ.
وإن أصبحت مبدلة مفطرة تظنّ أنّها أتمّت ثمّ ذكرت فإن صامت من حين ما ذكرت فلا ينتقض بدلها، وإن صامت كفّارة أو بدل رمضان ثمّ حاضت فإنّها تبني إذا طهرت، ولا رخصة لها في التأخير. (3/68)
صفحة 995
ولا يفسد رمضان عند هاشم لفساد بدله، ولا تلزم كفّارة بإفساده ولا بإفساد الكفّارة، ووجب البدل عن بدل. ومن عليه بدل من رمضان فله صوم النذر والعمرة، ولا نأخذ بقول من أجازه متفرّقا.
وإن سافر المبدل أو اعتلّ فإنّه يفطر ويوصل إذا رجع أو قوي.
ويُصام عندنا قضاء رمضان متتابعا وهو قول علي وجماعة، وأجازه بعض متفرّقا ولو في حضر.
ومن بدأه بالأيام صام ثلاثين ولو صام الناس دونها، وإن قُطع بحيض أو مرض أو سفر وجب البناء على أثر الطهر أو الصحّة أو القدوم وإلاّ فسد كما مرّ.
ومن حلف -قيل- بالطلاق لا يصوم رمضان فأفطر في سفره ثمّ أبدله فإنّه لا يحنث ولا يبدل غير شهر ولا تُطلّق امرأته؛ ولا قائل بجواز صوم أحد عن حيٍّ كفّارة. (3/69)
صفحة 996
الباب الخامس عشر
في زكاة الفطر ومن تجب عليه أوَّله
أبو سعيد: قد سُنّت لزكاة الأبدان على الأغنياء للفقراء ليستغنوا بها في ذلك اليوم لفضله، وهي شبيهة بزكاة [403] الأموال، وقد صحّ الأمر بإخراجها صبيحة يوم الفطر قبل البروز إلى المصلّى.
ويروى: لو أنّ أهل الأموال أخرجوا كلّ ما يلزمهم منها وبثّوها في الفقراء على ما أُمر به وأخذوها واقتصدوا فيها في معاشهم بلا إسراف لم يبق فقير إلاّ استغنى، ولكن لم يبرأ الأغنياء في إخراجها ولم ينصفوا في أدائها، ولم يقتصد الفقراء في إنفاقها وقصّر الكلّ في إصابة وجه العدل فيها إلاّ قليلا من الصالحين
فلو أنّ غنيا حاسب نفسه في جميع ما يلزمه من حقوق الله وعباده ولم يخن ولم يقصّر لأدام الله عليه نعمه، ولم ينزعها منه ومتّعه بكفايته إلى مماته.
ولو أنّ فقيرا قنع بما أتاه الله من فضله واقتصد فيه بقدر كفايته لفتح الله له رزقه وأتاه من حيث لا يحتسب. وقيل: إنّها فريضة لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى} (سورة الأعلى: 14) ولأنّ من تركها بعد وجوبها عليه (53) لا يُعذر، وقيل: أمر بها رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قبل نزول فرض الزكاة، وقيل: سنّة لا يسع جهلها لمن قامت عليه الحجّة فيها ولا ترك العمل بها.
وقيل: هي كالزكاة منفس فيها (54) إلى الموت. فمن مات بلا إيصاء بها هلك كمن دان بتركها إلاّ إن تاب.
فمن لزمته أدّاها ممّا فيه أكثر غذاء أهل بلده على ما جاز في إطعام المساكين، ويعطي صاعا عن كلّ من يلزمه عوْله من غالب ما يعيش به في سنته، ولا يلزمه أداؤها ممّا يختصّ به في بعض أوقاته، وقيل: يؤدّيها ممّا يعيش به في رمضان من سنته، (3/70)
صفحة 997
وقيل: مخيَّر في أدائها من أيّ نوع شاء ممّا يعيش به فيها أو في شهره، وقيل: من أوسط منها أو بالإجزاء من كلّ. وإن أدّاها من أفضل كان أفضل.
وقيل: لا تجوز لمن تلزمه وإنّما هي للفقير على الغنيّ. ومن يخرجها توسّلا لا لزوما وهو يستحقّها في يومه أو شهره فلا يحرم منها لما يتوسّل في أدائها.
ومن عنده في يومه ما يكفيه لسنته ويفضل عنده قدر ما يخرجه عنها فقد لزمته اتّفاقا إن لم يكن مَدينا وسلم من التباعات، ولم يخاطر على نفسه ولا على عياله على ما تُعورف عنده أنّ ذلك غنى له، وتلزمه لسنته.
وإن وقع له مخوف على ماله لم يجز له أن يمنعها ولا ينظر إلى حادث بماله قبل نزوله، فإن كان في يومه بحدّ الغناء لزمه أداؤها وبالعكس. وإن كان في أوّل يومه غنيا وفي آخره فقيرا جاز له أخذها ويبرأ من دفعها إليه.
وإن أعطيها غني بلا علم من معطيها فبقيت بيده حتّى افتقر فقيل: إذا صدرت منه بحال يبرأ منها وأخذها (55) هو على نية أنّه يسلّم فيها أو على جهل جاز له أن ينتفع بها، وقيل: غير ذلك.
وإن أخذها على أنّها لا تجوز له (56) ولا يعلم ما في نفس المعطي فبقيت بيده إلى أن افتقر جازت -قيل- له لتحوّله عمّا لا يسعه إلى ما يسعه، وقد قامت بعينها.
وإن علم أنّه لا يسعه أخذها لغناه، وأنّ المعطي عالم بأحكام الفقر والغنى لم يجز له أكلها، ولا يبرأ منها الدافع ولو افتقر الآخذ لها بعدُ لأنّ الدافع قد أتلف ماله ولا يبرأ بأدائها لغير مستحقّها، وإن لم يعلم الفرق بين أحكام ما ذكر وبقيت بيد من أخذها إلى أن افتقر. فقيل: لا يجوز له أن يدفعها لغير الفقراء. وإن عرفه بحال من لا تجوز له ثمّ افتقر فأتمّ له جاز لهما، وإن لم يعلم (57) ببقائها بيده وقال له: هي باقية بيدي حتّى افتقرت وصدّقه واطمأنّ وسعه ذلك، وكذا المعطى له إن صدّق، وإن كذب وقد أتلفها أو تلفت منه لزمه أن يتخلّص منها للمعطي أو يستحلّه بعد إعلامه أنّه كان غنيا يوم أخذها، وإن سلّمها إليه كان أحسن، وإن احتمل عنده أنّ الدافع (3/71)
صفحة 998
بريء لم يسع أن يدفع ما أخذ منه إلى فقير من غير أن يخبره بذلك لأنّه متعبّد بالسؤال عمّا أوجبه الله عليه إذا جهله.
وإن لم يعلم أنّ الدافع [404] عالم بغناه فدفع ما أخذ منه إلى فقير فقيل: إن كان الأغلب أنّه دفعها إليه لفقره وقبضها على ذلك وكان غنيا فهي مضمونة عليه للدافع، وقيل: جائز له أن يعطيها إلى فقير إن أخذها على ذلك الوجه لبراءة الدافع منها. وإن تخلّص منها إليه كان أحسن ولا يلزمه أن يعلمه على هذا الوجه أنّه من الزكاة، وإن فعل ذلك فهو أحسن.
وأوجب أبو المؤثر إخراجها على من لا يتحمّلها بديْن أو يضرّها بعياله بها، وقد يُعطاها ويخرجها كما مرّ في الزكاة.
فصل
من أدركته زكاة الفطر وليس عنده ما يؤدّيها وله زراعة لم تُدرك ومال وحيوان فلا يلزمه أن يبيع من ماله لها ولا من حيوانه، ولا يتديَّن إلى زراعته.
ومن يأكل التمر في سنته والخبز في رمضان ندب له أن يخرجها ممّا يأكل هو وعياله فيه إلاّ أنّه إن كان يأكل فيه البُرّ ثمّ نفد جاز له أن يؤدّيها من ذرة أو شعير أو نحوهما. وإن كان يخلطهما في قوته فله أن يخرجها من الحبّ والتمر.
ومن له مسكن وغلام أو أكثر يخدمه وعليه ديْن فقال محبوب والربيع: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ} الآية (سورة التوبة: 60)، وليست عليهم.
أبو الحسن: من يأكل البُرّ فيه ويعطي عنها التمر والذرة نُدب له أن يعطيها ممّا يأكل فيه، فإن أعطى الكلّ من الأفضل كان أفضل وإلاّ فبالإجزاء؛ وإن أعطاها من التمر وكان حيث لا يجزيه وحده لم يلزمه غرم ويجزي إلاّ إن كان بحال يكون التمر فيه أحبّ إلى الفقير فهو كافيه، وإن أعطاها منه (58) يأكل البُرّ فقد رغب عن الأفضل، ولا يلزمه غرم. (3/72)
صفحة 999
وإن أعطاها من البُرّ عن الأنواع فهو من الفضل، وإن أعطى من كلّ نوع جزءا على حسب ما يأكل أجزا عنه إلاّ أنّه ندب له أن يؤدّيها من مأكوله في رمضان، وأن يتّبع فيها الآثار.
ومن اجتمع عنده (59) حبّ كثير ممّا يأخذه منها فليس له أن يأخذ أكثر ممّا يكفيه لسنته، فإن أخذه ندب له أن يردّه، فإذا جاز له أخذها فليس عليه أن يخرجها ولو اجتمع عنده ما يكفيه وعياله لسنته ولكن لا يزداد على ذلك شيئا، وعلى الوالد أن يخرجها عن ولده الصغير إن لزمته وعن عبيده وعبيد صغاره.
وإن كان للولد مال فقيل: يؤدّيها عنه منه وقيل (60) من ماله هو وأيّها أخرجها منه أجزاه.
وتلزم يتيما في ماله عنه وعن عبيده إن وسعها ماله، ويخرجها عنه وصيه أو من يلي أمره، ولا تلزم جدّا (61) إلاّ إن كان لولد ابنه مال فيؤدّيها عنه منه، وإلاّ وكان هو وارثه ولزمه عوْله فقيل: تلزمه عنه، وقيل: لا والأكثر على أنّها لا تلزمه عنه.
ويوجد في محتسبة في إخوتها أنّها تؤدّيها عنهم وتؤدّي زكاة أموالهم منها. وقيل: ليس على محتسب أن يُخرج زكاة الفطر من ماله.
ومن له صغير في غير بلده لزمته عنه لأنّ مؤونته عليه.
ومن مرّ عليه يوم الفطر وعنده عبيد التجارة ولا يريد مساكهم فلا يلزمه -قال هاشم ومسبح- أداؤها عنهم. أبو الوليد: نجد في الكتب أنّه يلزمه، وقيل: إن وجبت في قيمتهم الزكاة وإن بالحمل فلا فطرة فيهم وإلاّ وجبت، وقال: لا تلزم بائعا غلامه في رمضان، وإنّما تلزم مشتريه ولزمته إن باعه ليلة الفطر ولا ميّتا فيه، وتؤدّى عنه إن مات فيها ولا عن الآبق ولا عن بالغ من أولاد الرجل إلاّ إن كان في حجره وعياله.
وإن كان بين بلغ ويتامى عبد أدّى عنه كلّ منهم بقدره فيه، وإن افتقر أحدهم ولا تلزمه لم تلزمهم في منابه. وعلى السيّد أن يخرجها عن عبيده الحاضرين، وفي الآبق والمغصوب قولان. ومن اشترى عبدا لخدمة لا لتجارة لزمته عنه، وإن اشتراه لتجر (3/73)
صفحة 1000
وكان كالسلعة ففي وجوبها عنه خلاف وقد مرّ الأصحّ في ذلك؛ ولا تلزمه عن مكاتب.
وفي العبد الذمّي قولان، ولا تلزم عنه في عكسه، ويؤخذ ببيعه إن طلبه منه ويبيع المسلمات وإن لم يُطلبن.
وليس من العدل أن يجعل لمشرك على مسلم سبيلا فيما حرّم عليه منه كالفروج.
والموصى به إذا قبله الموصى له به لزمته عنه لأنّه ملكه وإلاّ فعلى الورثة. وفي المبيع بالخيار خلاف، قيل: تلزم عنه من له الخيار فيه، وقيل: إن كان للمشتري لزمت البائع إذ لم ينتقل عنه، وقيل: لا تلزم واحدا منهما لأنّ البائع لا يملكه لثبوت الخيار فيه للمشتري ولا صار ملكا له لثبوته فيه للبائع، ولكن من ملك البيع واختار لزمته، وإن ردّه لزمت البائع، واختار هذا خميس.
والمدبّر والمؤاجر والمعار والمعتق إلى أجل وعبد العبد [405] لزمت عنهم مولاهم، وإن اشتراه فاسدا حيث لا يجوز إتمامه وقبضه لزمته إلاّ إن حكم بردّه على البائع فتلزمه، وإن ردّه بعيب بعد يوم الفطر أو وجوبها عليه فقد لزمته.
وإن تزوّجت امرأة على معيّن لزمتها عنه وإن لم تقبضه أو لم يدخل بها، وإن طلّقها قبله فكان لها بعضه فمالم تقبضه وكان مضمونا عليها لم تلزمها في جملته، ولا يبعد أن يلزمها نصفها وإن لم تقبضه، واختار خميس أنّه لم يعيّن فلا تلزمها عنه ما لم تقبضه، واختُلف في أيّ وقت تجب فيه على من ولد له مولود أو ملك رقيقا، فقيل: إذا حدث ذلك في بعض من آخر رمضان ولو بعد الغيوب ليلة شوال فقد لزمت عنه، وإن حدث بعد دخول الليل لم تلزم فيه، وقيل: إذا حدث بعد الهلال لم تجب عنه.
ومن أعتق عبده أو باعه ليلة الفطر أدّى عنه، وكذا من ولد له فيها لا إن اشتراه فيها، وكذا يؤدّي عمّن مات فيها كما مرّ، وقيل: تجب على من أدرك طلوع الفجر يوم الفطر إلى أن يصلّي العيد، وقيل: تؤدّى عن كلّ من حدث فيه قبل غروبه. ولا يلزم الرجل إخراجها عن عبيد زوجتها. (3/74)
صفحة 1001
فصل
أبو الحواري: من أدركه الفطر في سفره وليس عنده ما يخرج الفطرة أخرجها إذا رجع إلى بلده، وإن أُخرجت عنه فيه أجزاه ولو لم يأمر بها، وإن أخرجها عنه أحد من ماله على أن يأخذها منه إذا قدم أجزا عنه إن صدّقه وأعطى له.
أبو الحسن: إن لم يمكنه الحبّ في سفره وأيسره النقد نُدب له أن يشتري طعاما به يأكل مثله في رمضان فيدفعه. ومن سافر ولم يوص أهله أن يفرّقوا عنه قربانه فرّقه حيث أفطر إلاّ إن خاف أن ينقص ما بيده عنه (62) في سفره فله أن يمسك إلى إيساره إن كان له في بلده.
وإن أعسر في سفره حتّى قدم بلده ولم يخبروه أنّهم أدّوا عنه أو لم يصدّقهم أدّاها عن نفسه. وإن خاف موتا فيه أوصى بها، وإن لم يجد من يشهده وكتبها واجتهد رجونا له العذر.
ومن كان في بلده وكثر ماله وفقد الطعام لم يلزمه أن يتديّن إلاّ إن كانت عنده دراهم فقد نُقل عن ضمّام أنّه قال يخرجها منها بالقيمة ولا يخرجها -قيل- (63) دراهم بل يشتري بها طعاما لمجيء السنّة به فيها.
ومن كان فقيرا في سفره غنيا في بلده ولا فضل عن زاده لم يلزمه تحمّلها ديْنا إلاّ إن كان معه ما إن باعه لم يضرّ به، فإن رجع إلى بلده فأدّاها فهو أحسن وإلاّ لم تلزمه لأنّه معدم في وقتها، وقيل: تلزمه إذا رجع إليه.
ومن أصبح غداة الفطر غنيا ثمّ اجتاح ماله يومه قبل أن يخرجها لزمته، وكذلك في عكسه، وقيل: لا فيه إن استغنى بعد الفجر وعليه الأكثر.
وإن افتقر قبله أو مات أحد ممّن تلزمه عنه لم تلزمه أو عنه. وفي الضياء: من أيسر بعد رجوعه من صلاة العيد فلا عليه ولزمته إن أيسر قبله.
ومن أسلم بعد طلوع فجر الفطر لم تلزمه، ولزمته إن أسلم ليلته. (3/75)
صفحة 1002
ومن ارتدّ يومه ثمّ أسلم بعده لم تلزمه لأنّها قربة ولا قربة له، وفي وجوبها على الزوج عن زوجته خلاف، فقيل: لزمته وإن استغنت، وقيل: لا ولو افتقرت، واختار خميس وجوبها عليه إن كانت فقيرة، وابن بركة عدمه عنها مطلقا، وأبو الحسن الوجوب مطلقا.
ولا يلزم غنية أداؤها عن صغارها إن افتقروا ولو مات أبوهم. وإن كان لامرأة عبيد ولا مال لها إلاّ الصداق الآجل على زوجها فلا يلزمه إعطاؤها منه لتخرجها عنهم، ولها أن تأخذ من العاجل إن كان لها وتؤدّيها منه عنهم وعمّن يلزمها عوْله.
فصل
نُدب إخراجها عند طلوع الفجر إلى الخروج للصلاة، وقيل: من طلوع ليلة الفَطر. ولا يؤمر بتأخيرها بعد ذلك إلاّ من عُذر، ويجزي أداؤها ولو بعده لأنّها كالديْن، ومتى قضاه أجزا.
ومن رأى بفقير حاجة وقدّمها له أجزته وأجاز ابن محبوب إخراجها في رمضان أو بعده بشهر لا إن أخرجها قبله به. ومن تركها حتّى انقضى يوم الفطر استخفافا وقصدا للمخالفة خيف عليه الإثم، فإن تاب وأدّاها بعد أجزاه ولا عليه، فإن طلبه فقير أن يعزل له منها إلى ما بعد يوم الفطر فلا يؤمر بذلك.
ومن أخرجها إليه أوّل رمضان أو وسطه أو آخره ولم يمت ولم يستغن إلى يوم الفطر أجزاه [406]-قيل- إذا دخل وهو بحدّ من تجوز له، وإن مات مؤدّيها قبله فعلى من أخذها ضمانها إن علمها فطرة ويسلّمها لوارثه، وإن جهل وسلّمها لفقير لم يبرأ حتّى يسلّمها للوارث.
ومن طلبها منه فقير فعزلها له إلى الفطر ثمّ علم أنّه لم يتأهّل لها جاز له أن يدفعها إلى غيره، وإن عزلها له وتلفت قبل أن يؤدّيها له لزمه بدلها، وإن قال له: سلّمها إلى فلان يقبضها لي فقيل: يبرأ إذا سلّمها إليه. (3/76)
صفحة 1003
وإن أخذها مدين فله دفعها في ديْنه كالزكاة، وقيل: ليست مثلها لأنّها قد خُصّت بالفقراء يوم الفطر كما جاءت به السنّة.
ولا يُعطاها -قيل- من يصيب من عمل يده ما يكفيه، وإن لم يكن له مال ولا زكاة المال، ويُعطى لعياله إلاّ إن كان ممّن يجمع الصدقة كما مرّ.
وإن حضر فقراء أهل الإسلام وأهل الشرك وأهل الخلاف فإنّ الفطرة والكفّارات، وفدية الحجّ وجزاء (64) الصيد وشجر الحرم فإنّ ذلك يعرض على ذوي الإسلام، فإن أخذوه وإلاّ دُفع لغيرهم كما مرّ، وكذا ما يفضل عنهم بعد أخذ ما يكفيهم.
ولا تُعطى لحربي ولا لذي عهد.
وإن كان في الفقراء سعة أُعطي لكلّ منهم مدّ، [وإن أعطي مدّيْن قاما مقام الحبّ والتمر] (65)، وإن فرّقت عليهم بأقلّ من ذلك أو بأكثر جاز.
ويخرجها من لزمته من غالب ما يأكل وإن من لبَن. ومن خلط بُرّا وذرة وأخرجها منهما جاز له، ولا يدفع قربانه إلى من يفرّقه عنه إلاّ إن كان ثقة ولا يجزي عنه غيره حتّى يعلم أنّها وصلت كما مرّ.
ويُعطاها عابر سبيل إن احتاجها في سفره. ولزمت بدويا وحضريا. فإن كان غالب طعامهم اللّبَن أخرجوا عن كلٍّ منهم صاعا منه ولا يحمل عليهم أقط ولا حبّ ولا تمر.
ولا يجزي إخراج القيمة من نقد أو غيره (66)، فإذا وقعت الضرورة زال حكم التكليف، وقد جاء الترخيص عنهم في القيمة.
واختُلف في وضعها فقيل: هي كالزّكاة يقبضها الإمام أو الوالي ويضعها حيث يضعها، وقيل: ليست مثلها كما مرّ.
وقد سأل عنها سائل عليه ثوبان فاخران أبا عبيدة فقال له: بعهما واشتر دونهما وأدِّها. ولا يلزم فيها بيع أصل وحيوان كما مرّ. وفي الحليّ والكسوة فقد أوجبها أبو عبيدة فيها، وتُباع لها. (3/77)
صفحة 1004
وكان ضمّام -قيل- يكره إعطاء النقد عنها وأعجب الأعور ما قاله ثمّ بدا له أنّها خير من الطعام، ومنعه محبوب ولو أعطى مكان الصاع دينارا. وقيل: إنّ للمجاهد حقّا فيها إن احتاج إليها، ودفعُها إليه أفضل.
وقيل: من أدّاها رطبا أعطى منه صاعا ونصفا، ومن البسر صاعين، ومن التمر صاعا أو وزنه قبل أن يُكنز، وإن أدّاها من المكنوز زاد عليه قدر ما زاد فيه من الماء. وفي جواز الدقيق قولان. واختُلف في اللّبَن فقيل: هو الأقط، وقيل: نفس اللبَن بلا خلط الماء فيه، وبلا نزع الزبد منه، وقيل: من الرائب، وقيل: من المخض، واختار خميس أنّه من أغلب غذائهم. (3/78)
صفحة 1005
الباب السادس عشر
في النذور (67) وألفاظها وما يجب منها وفيها وما لا يجب
وقد وجب الوفاء بالنذر على من نذر في طاعة وعدمه في معصية إذ لا يتقرّب إلى الله بما يسخطه، لأنّ النذر قربة. وكفّارة نذر المعصية أن لا يُوفّى بها، وقيل: تجب فيها واختير الأوّل.
ومن نذر أن يطيع الله فليطعه. ومن نذر أن يعصيه ترك ولم يذكرها صلّى الله عليه وسلّم.
ومن نذر أن يطيع بشيء قبل أن يسلم ثمّ أسلم قبل أن يفي به لزمه بعده لما روي أنّ عمر قال: نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد فأخبرت رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- بذلك فقال لي: «أوف به»، وقيل عنه: ((لا نذر على مؤمن فيما لا يملك ولا فيما لا يستطيع ولا في المعصية))، واختُلف في ذلك فقيل: لا يقع في (68) شيء من ذلك بظاهر الخبر، وقيل: معناه لا وفاء عليه فيه، ولا نذر له في المعصية ولا عليه.
وقال أبو علي: من نذر على فعل ثمّ بدا له [407] تركه بعد عقده فلا ينحلّ عنه إذا حلّه ولزمه الوفاء به.
أبو المؤثر: من نذر أن يصلّي ليلة فلم يقدر فإنَّه يصلّي ما قدر ثمّ ما قدر ويعدّ ذلك حتّى يكون ليلة تامّة، وقد برّ في نذره ولا تلزمه كفّارة.
وإن حلف أن يصلّي ليلة فعجز وحنث لزمته ولا يصلّي مرّة بعد مرّة كالنذر.
أبو علي: من نذر أن يصلّي يوما إلى الليل فإنّه يترك ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس، وما بين العصر والغروب ولا تلزمه بترك فيهما، واختُلف في بدله. (3/79)
صفحة 1006
وقيل: قد اشتكت امرأة فقالت: لئن شفاني الله لأصلِّيَنَّ في بيت المقدس، فشُفيت ثمّ تجهّزت للخروج فأتت ميمونة تسلّم عليها فأخبرتها بنذرها فقالت لها: اجلسي وكلي جَهازك وصلّي في مسجد الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- فإنّي سمعته يقول: ((صلاة فيه أفضل (69) من ألف في غيره إلاّ المسجد الحرام)) وقد مرّ ذلك.
وأنّ جهانة بنت أبي عبيدة نذرت أن تصلّي في عدّة مساجد البصرة فشكت إليه (70) الضعف والناس والبعد فأمرها أن تبرز إلى الجبّان فتعمل مصلّى تجعل أمامها حجرا أو عودا ثمّ تصلّي فيه ما نذرت به.
أبو المؤثر: سمعنا أنّ امرأة [نذرت] أن تصلّي في مائة مسجد فقيل: إنّها تصلّي في واحد مائة صلاة ويجزيها ذلك وهي مائتا (71) ركعة، وقيل: تحطّ في موضع مائة مصلّى وتصلّي في كلٍّ، وقيل: إن نذرتها في مساجد معيّنة فلم تصلّ فيها فإنّها تطعم مسكينا أو مسكينين كفّارة نذرها، وتصلّي حيث شاءت. وقيل: إن نذرت أن تصلّي في مصلّى بني فلان فتوانت حتّى جعل كنيفا صلّت في غيره وكفّرت نذرها.
وإن قالت: اللهمّ عاف أخي فأصوم الجمعة فكره زوجها أن تصومه فقيل: لا تصومه إلاّ بإذنه. وإن صامته بدونه تمّ، وقيل: لها أن تصوم النذور والكفّارات بدونه كما مرّ.
أبو عبد الله: إن نذرت أن تصوم في غير بيته فلم يأذن لها أن تخرج صامت في بيتها. وإن قالت: اللهمّ افعل لي كذا وكذا ففعل لها فلم يأذن لها، فإنّها تصوم ما نذرت في بيتها ولزمها باللهمّ عشرة أيام، وبيارَبِّ ثلاثة. وإن نذرت أن تفعل في غير قريتها أطعمت قدر كرائها ذاهبة وراجعة، وقيل: ذاهبة فقط. وإن عجزت لفقرها صامت يوما عن كلّ نصف صاع. (3/80)
صفحة 1007
فصل
إن نذرت أن تصوم ثلاثة أيام مع لياليها ولا تتكلّم فيها صامت ثلاثة أيام ومثلها عن لياليها وأطعمت ستّة مساكين مكان صمتها، وقيل: تصوم ثلاثة أيام وتكفِّر نذرها ولا شيء عليها في صيام الليالي، وقيل: لا تكفِّر.
وإن نذرت أن تصوم العيد لم يحلّ لها ولتصم غيره.
وأجاز أبو عبد الله للزوج أن يمنع زوجته عن صوم النذر وتطعم عنه، فإن لم تجد فعليه مثل مالها عليه من اللباس (72) ولابدّ من الإِطعام والصوم، فإن صامت بلا إذنه انتقض ولا كفّارة عليها.
وإن نذرت أن تصوم كلّ جمعة لم يكن لها أن تفطرها إلاّ من عذر، فإن أفطرت له أبدلت ما أفطرت، وإن أفطرت لا من عذر أبدلت وكفّرت نذرها ولا تعِد لفطره. وإن نذرت أن لا تغزل في كلّ جمعة فلها أن تغزل فيه وتكفّر واحدة.
وإن قالت: اللهمّ عافِ فلانا وأصوم يوم الجمعة ولا نية لها أبدا ولا في يوم معيَّن منها رُدّت إليها عند محبوب، وقيل: تصوم كلّ جمعة إلاّ إن نوت يوما واحدا، وقيل: لا يلزمها إلاّ يوم مرّة إلاّ إن نوت كلّ جمعة. وإن قالت: كلّ يوم الجمعة لزمتها ما حييت.
وإن نذرت أن تصوم ما حييت فقيل: تكفِّر النذر إن أفطرت العيد ثمّ تصوم، وقيل: عليها بدله، وقيل: إذا أرادت أن تفطر بعض الأيام أطعمت عن كلٍّ مسكينا.
وإن قالت: أرني اللهمّ ولد فلان وعليّ صوم شهرين من غير نذر ثبت النذر عليها ولا يبرئها منه قولها من غير نذر، وإن ماتت قبله أوصت به.
وإن قالت: إذا جاء كتاب والدي أصوم اليوم الذي يأتي [408] فيه ما عشت، فجاءها يوم السبت أو العيد صامت كلّ سبت، فإن مرضت فيه أبدلته إن تركته كالعيد. (3/81)
صفحة 1008
أبو سعيد: إن نذرت أن تقعد في بيت أمّها خمسة أيام لم يجز أن تقعدها غير متوالية. وإن نذرت أن تصومها فيه فحاضت في خامس فلها أن تقعد فيه ما حاضت أو تخرج منه، فإذا طهرت أتمّت بقية صومها فيه كما نذرت، وليس لها أن تبيت في بيتها في الأيام التي تصومها.
وإن نذرت أن تصوم أياما محدودة فحاضت بعد أن صامت بعضها فقيل: لا كفّارة عليها ولا وفاء لأنّ صومها في الحيض معصية، وقيل: تلزمها.
وإن نذرت أن تصوم العيد صامت غيره كما مرّ، وقيل: لا صوم عليها ولا كفّارة، وقيل: لزمتها كذلك.
ومن ضعف عن صوم نذره أطعم مسكينا عن كلّ يوم ولا تلزمه إن عجز في الوقت.
ومن قال: اللهمّ أرِحني من زوجتي فلانة وأصوم لك متتابعين كعكسه فوقع الطلاق أو الموت (73) لزمه ذلك.
وإن فقدت ولدها فقالت: اللهمّ ردّه عليَّ وأصوم لك شوالا فردّه عليها وقد لزمتها أيام من رمضان فبدأت بها وصامت بقية شوال وأتمّته بأيام من ذي القعدة حنثت وكفّرت نذرها عشرة مساكين أو صوم عشرة (74).
وقد سأل عقبة بن عامر رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- عن أخته نذرت أن تحجّ ماشية حاسرة الرأس، فأمره أن تمشي ما استطاعت وتغطّيه وتكفّر نذرها.
أبو علي: إن قالت اللهمّ عاف فلانا، وأنا أخرج إلى صُحار ماشية أصوم فيها يوما فعوفي لزمها المشي، فإن عجزت ركبت مع غيرها. وإن نذرت أن تحجّ ماشية ناشرة شعرها لزمها المشي وتغطّيه وتطعم مسكينا أو ضِعفه.
وروي أنّه صلّى الله عليه وسلّم رأى امرأة تمشي حافية فاستتر منها وقال: ما لها؟ فقيل: إنّها نذرت أن تحجّ كذلك فأمرها أن تختمر وتنتعل وتركب. وقد نذرت -قيل- امرأة بالمشي إلى الكعبة فلبغت بعض الطريق فأعيت فركبت فسألت ابن عبّاس، فقال لها: أتستطيعين أن تحجّي من قابل وتركبي إلى ما ركبت منه وتمشين منه؟ (3/82)
صفحة 1009
فقالت: لا، فقال: استغفري الله وتوبي إليه. وإن نذرت أن تطوف عشرة أسابيع فطافت ثلاثة وماتت استؤجر لها من يُتمّ لها الأسبوع الأوّل، وأمّا ما بعده فحتّى توصي به. ومن نذر أن يحجّ فمات جاز أن يُحجّ عنه. أبو سعيد: من نذر بشيء في الحجّ لزمه الوفاء به إن قدر ويلزم -قيل- ورثته إن مات ما علموه أنّه لزمه من حقّ من ماله، وإن لم يوص به، وقيل: إن كان للعباد لزمه مطلقا، وإن كان لله فحتّى يوصي به، وإن احتمل فيما للعباد أنّه أنفذه ولم يوص به فقيل: لا يلزمهم حتّى يعلموا أنّه لم يؤدّه. ومن نذر بما يعجز عنه ولو طاعة لم يلزمه الوفاء به ولا الكفّارة، وقيل: تلزمه ولا ينعقد عليه النذر به. أبو علي: إن قالت: إذا صحّ ابنها فعلت له كذا وكذا فهو نذر وتصوم يوما أو يومين أو تطعم كذلك، وإن قالت تعطيه مالا فلم تعطيه حتّى مات حنثت، وإن أتمّته لورثته كان لهم ولها إرثها منه. وإن نذرت أن تصوغ لابنها قرطين فلم تفعل حتّى بلغ اختير أن تكفِّر نذرها بإطعام أو صيام وتتمّ له ما نذرت به، ولا يجب عليها أن لم تعطيه. وإن قالت: إن عافى الله ولدها فمالها له، كان له ولا رجعة لها فيه، وإن نذرت أنّه إن صحّ أطعمت امرأتين من جيرانها فصحّ ولم تفعل حتّى ماتت إحداهما أطعمت فقيرة مع الباقية ولا تحنث.
فصل
من نذر أن يصوم في بلد مسمّى فعيق عنه لعذر صام في بلده، وتصدّق بقدر كرائه.
ابن علي: من نذر أن يصوم يوما كالخميس أو الجمعة إن فعل الله له كذا وكذا، لزمه صوم اليوم أبدا وأبدله إن وافق العيد ولا يحنث، وإن أصبح في اليوم جنبا ولم يعلم ثمّ علم أتمّ صومه [409] وأبدله وكفّر نذره إن تعمّده وأبدل؛ وكذا إن أفطر فيه أو جامع، ويصوم ذلك في مستقبله أبدا، وإن عاد إلى فطره أبدله ولا كفّارة عليه بعدُ. (3/83)
صفحة 1010
ابن موسى: من نذر نذرا فله أن يكفّره إن لم يفعله، وإن فعله كان أفضل إن كان طاعة. وإن قال: ياربّ اِفعل لي كذا وكذا وأنا أصوم لك يوما في مسجد كذا، فكان ما طلب لزمه أن يصومه فيه، وإن انهدم صامه في بقعته.
ومن ألزم نفسه صوم الاِثنين أبدا لم يجز له أن يدعه، فإن مرض أو عجز عنه أطعم عنه مسكينا وأفطر، وقيل: يبدل ما أفطر إذا صحّ.
ومن قال: يا ربّ ردّ عليَّ ما ذهب لي وأصوم شهرين فردّه عليه وعجز عنه أطعم عشرة أو صام ثلاثة، وقيل: واحدا عن كلّ يوم إن لم يتوان عن الصوم، وقيل: لزمته الكفّارة لا الصوم، ولزمه إذا قدر لا الإِطعام ولا الكفّارة، وقيل: إذا قدر صام ولا كفّارة عليه ولا إطعام، وقيل: يطعم واحدا عن كلِّ إذا لم يطقه، فإذا أطاق صام، وقيل: يطعم ولا يصوم ولو أطاقه بعد لقيام الإِطعام مقامه إلاّ في الظهار والقتل إلاّ إن لم يطق الصوم فيجزي عنه الإِطعام، وإن أطاقه فتوانى حتّى كان لا يطيقه لزمته الكفّارة، وفيما سوى ذلك خلاف.
ومن ألزم نفسه صوم متتابعين محدودين، لزمه صومهما ولا يفطر فيهما، إلاّ إن ضعف فله أن يطعم عن كلّ يوم ضعف فيه مسكينا قبل أن يفطر، ويكون على هذا كلّما قدر صام، وكلّما ضعف أطعم حتّى يفرج عنه كما مرّ. وإن ندب أن يصومهما لا محدودين وتوانى فإن صام وضعف أفطر وأطعم ويكفِّر نذره لأنّه متتابع، فإذا قطعه لم يوفّ به، وإن صام من حين ما لزمه فضعف لم تلزمه كفّارة فيه، ولا إطعام لما مرّ من أنّه لا نذر فيما لا يطيقه، وله أن يدع الصوم إذا عجز عنه، وإن أطاقه بنى حتّى يتمّ ما ألزمه على نفسه، ولا تلزمه.
وكذا من ألزم نفسه صوم أيام محدودة فضعف وإن عن بعضها فقيل: لا بدل عليها فيما لا يطيق ويطعم إن وجد، ولا تلزمه أيضا.
وإن التزم صوم ثلاثين شهرا فليس له أن يقطع بينهما بفطر إلاّ إن ضعف فيطعم، فإذا أطاق صام وفسد صومه إن أفطر (75) قادرا ولو أطعم وعليه أن يستقبله، ولا تصام إلاّ متتابعة. (3/84)
صفحة 1011
ومن نذر أن يصوم كلّ جمعة لم يلزمه بدل جمع رمضان لأنّه صامها، وقيل: يلزمه ولا تجزيه، وإن قال تطوّعا فقيل: يجزيه لأنّ أفضل الطاعات صوم رمضان إلاّ إن نوى شيئا فعليه ما نوى، وقيل: لا يجزيه ذلك ولزمه (76) البدل، وكذا إن وافق العيد.
ومن نذر إن فعل الله له كذا وكذا صام الدهر ففعل له ولم يصم حنث ولزمه الصوم في المستقبل والتوبة ممّا ضيّع ويوصي بأجرة من يصوم عنه ما ضيّع أيام الإِمكان، ورُجي له العفو بعد التوبة إن لم يوص به وبعد الوفاء لما يستقبل. ومن نوى في نذره صوم شهر معيّن بدأه من الهلال إلى الهلال، وإن لم يعيّنه وبدأ بالأيام أتمّ ثلاثين كما مرّ.
ومن نذر أن يقعد أياما معيّنة في موضع قعدها فيه متتابعة كالصوم.
أبو الحواري: ومن نذر أن يصوم معيّنا وانقضى ولم يصمه أبدل شهرا مكانه وكفّر نذره، وإن لم يعيّنه ولم يقل من هذه السنة صام غير رمضان إذ لا يجزيه إن صامه لنذره. وروى ابن عبّاس ما يخالفه وهو من نذر أن يحجّ، فحجّ الفريضة أجزاه عنها وعن نذره.
فصل
من نذر أن يصوم أكثر الأيام صام عشرة، وإن نذر الأيام صام سبعة وقد برّ، وقيل: عشرة. وإن قال: إن عوفيت صمت عشرة طائعا لله تعالى أو تصدّقت بعشرة دراهم إن شاء الله بلا نذر منّي ولا يمين عليَّ، فلا شيء عليه؛ وإن أراده بذلك هدمه الاِستثناء، وقيل: لا يهدمه.
ومن نذر أن يصوم سنة صام ثلاث مائة وستّين يوما بلا رمضان والعيدين بتتابع بدل ذلك، وإن قال: هذه السنة صام ما بقي منها ولا يلزمه بدل ما ذكر. ومن لزمه صوم سنة فصام وانتقض عليه بعضها، لزمه أن يصِلَ صوم بدله بصومها. (3/85)
صفحة 1012
ومن نذر شهرا محدّدا فصامه فبقي له يومان فسافر فأفطر لزمته الكفّارة عند أبي زيّاد وبدل شهر. وإن نذر أن يصوم يوم الجمعة في المسجد الجامع فنام [410] حتّى أصبح اليوم فغدا إليه فقيل: يجزيه ويقعد فيه بقدر ما فاته، وقيل: لا إلاّ إن طلع عليه الفجر فيه لأنّ الصوم من أوّل اليوم إلى آخره. وإن غدا إليه وأصبح قبله كفّر نذره بصوم يوم مكانه؛ وإن عجز أن يذهب إليه صام في موضعه وأعطى قدر الذهاب إليه إن كان له قيمة، وقيل: إن لم يأت بما نذر فليكفّر (77) نذره، وإن مُنع عن (78) المسجد صام في غيره، وإن احتضر قبل أن يوفّي بنذره أقرّ به، وإن سهى عنه حتّى فاتته الجمعة، فإن نوى محدودة وفاتته صام يوما وكفّر نذره.
ومن نذر بصوم سنة وأرسل فالأكثر منّا يصوم اثنيْ عشر شهرا متتابعة. وعن أبي المؤثر: إن عناه مثل هذا فصام متفرّقا حتّى أتمّ العدد؛ والمختار في النذر التتابع.
ومن قال: عليه أعظم النذور ليفعل كذا وكذا قال خميس: فهذا شيء لا نهاية له ولا نعلم ما أعظمها، وكذا إن قال: أَكْمَلُها أو أتمُّها وأوفاها. عزّان: من نذر أن يصوم غدا ولا يعلم أنّه الفطر فوافق أفطر وأبدله، وقيل: لا بدل عليه ولا كفّارة في القولين.
وإن حلف ليصومنّه فوافق العيد أفطر وأبدل. وإن قال: كلّ خميس فوافقه أيضا فكذلك ويصوم كلّ خميس في مستقبل، وقيل: اليمين مخالفة للنذر، ويحنث بفطره العيد ولا يلزمه صوم كلّ مستقبل. وقيل: إن نذر أن يصوم غدا وكلّ خميس فوافقه أبدل وكفّر، واستأنف كلّ خميس، وقيل: لا كفّارة عليه، وقيل: لا يلزمانه ويستأنف، فإن وافق أيضا لزمه البدل لا الكفّارة. وكذا إن أفطره لمرض أو سفر، وقيل: يكفِّر.
وإن حلف أن يصوم كلّ خميس فوافقه لزمه البدل وكفّارة الحنث ويستأنف الصوم، فإن وافق آخر أو نسي فأكله أبدله ولا حنث عليه. وقيل: إن حلف أو نذر أن يصومه فكلّما أفطره لزمته. وإن نذر أن يصوم سنة أبدل رمضان والعيدين. وإن قال: هذه السنة أبدلهما لا رمضان، وقيل: ليس عليه في الأوّل بدل رمضان أيضا، وقيل: لا يبدل كلّ ذلك. (3/86)
صفحة 1013
فصل
روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم مرّ بقائم في الشمس فسأل عن شأنه فأخبر أنّه نذر أن لا يستظلّ ولا يتكلّم فقال: «ليستظلّ وليتكلّم وليكفِّر يمينه»؛ وقال الفقهاء: ويطعم ولو مسكينا.
ومن نذر أن يحجّ حافيا ركب إن أيسر وأحجّ غيره وإلاّ ركب وأراق دما بمكّة إن استطاع. وإن لم يسمّ الحجّ من أين فمن حيث يحرم الناس.
وقيل: نظر عمر رجلا يمشي جثوًّا على يديه ورجليه حول البيت فقال له: ما لك؟ قال: نذرت أن أطوف أسبوعا كذلك، فقال له: قم فطف أسبوعين عن يديك ورجليك.
وعن بعض: لا أعلم في النذر إلاّ الوفاء به، ومن عجز كفّر عنه وأوصى أن يستأجر عنه من ماله. أبو سعيد: من نذر أن يحجّ حافيا فعجز لم يلزمه ما لا يستطيع، ويحجّ ناعلا أو راكبا ويكفّر نذره، وقيل: لا. ومن نذر بحجّ ولم ينوه من معلوم لزمه أن يحرم به من ميقاته إلاّ إن سمّى ما دونها.
وليس النذر بأشدّ من الفرض. ومن لزمه حجّ عن نذر وآخر عن فرض بدأ بالفرض، وإن بدأ بالنذر انعقد له وأجزاه. وإن حجّ الفرض قبل النذر وقد لزمه أجزاه عنهما كمن نذر أن يصوم شهرا فصام رمضان فقيل: يجزيه لهما كما مرّ، وقيل: لا يجزيه للنذر، وإن راده لم يجزه للفرض في الحجّ ويجزيه للنذر، وإن أرادهما معا بمرّة فعند من يرى أن الفرض يجزيه لهما فقد تخلّص منهما، واختار خميس أنّه إن أشركهما لم يجزه لواحد منهما، ولا يبطل حجّه.
هاشم ومسبح: من قال: اللهمّ عاف أخي وبعيري هذا صدقة فعوفي ثمّ مات البعير، فإن أبقاه ليستغلّه ولم يرد إنفاذه بعدما عوفي فعليه مثله للمساكين، وإن كان يحدث نفسه بإنفاذه ولم يستغلّه حتّى هلك ولم يقصّر فيه فلا عليه، وقيل: إن أمكنه ولم ينفّذه لزمه مثله. (3/87)
صفحة 1014
وإن قال: وعليَّ عتق رقبة من ولد إسماعيل لزمه ما قال، فإن لم يجد قال مسبح: فمن ولد إسحاق.
ومن نذر أن يصحّ يعط فلانا كذا وكذا فصحّ ومات فلانا فإنّه [411] يعطيه وارثه، ويكفّر نذره إن أمكنه الإِعطاء قبل موته فتوانى، وإن قال: إن فعل الله له كذا وكذا أعطى رجلا ماله كلَّه (79) أو تصدّق به أو أعطاه غنيا أو ذمّيا لزمه الوفاء به لا إن أراد بذلك رياء لأنّه معصية ويكفّر نذره. وإن أراد به حيفا على وارثه فكالرياء، وكذا إن أراده على بعض أولاده يلزمه أن يسوّي ويكفّر نذره.
وإن نذر إن رُدّ إلى بلده فإنّه يفرّق مائتيْ درهم فعجز ولم يتوان فقيل: لا شيء عليه، وقيل: لزمته الكفّارة.
وإن كان له أصل أو غيره لزمه أن يبيع منه ويوفّي نذره، وذلك إذا سمّى به الفقراء أو المساكين أو أحدا من أهل الصدقة. وإن كان يضرّه ذلك إذا فعله أو عياله في وقته لم يلزمه ذلك (80)، ويكفّر نذره لأنّه من العجز.
وإن لزمه تسليمه للفقراء لم يجز له أن يعطي منه لصغاره ولو فقراء، وإن أسلمه إلى ثلاثة فأكثر ولم يستغنوا به أجزاه.
ومن نذر إن سلِّمت له دراهم فإنّه يفرّق منها عشرة فسُلِّمت ففرّق خمسة ثمّ تلفت، فإن لم يقصّر بعد أن لزمته فلا عليه، وإن قصّر لزمته الكفّارة وإنفاذ التمام.
ومن له صغير فنذر إن عوفي أعطاه قطعة من ماله فعوفي وأعطاه وهو صغير لا يحرز وأكله الأب حتّى مات قال أبو عثمان: هي للولد لأنّها نذر، وقال مسعدة: لا يثبت له حتّى يحرز، قيل لهاشم: فإن أوصى بها عند الموت؟ قال: هو سواء إذا كان في الصحّة جاز وإن لم يحرز، وقال غيره: جائز وإن لم يحرز لأنّه وفاء بنذره ولا إحراز عليه فيه ولا رجعة له فيه إن رجع ولا انتزاع.
ابن بركة: من نذر بصدقة جميع ماله لم يلزمه شيء لأنّه نذر بمعصية لقوله تعالى: {وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البَسْطِ} الآية (سورة الإسراء: 29). (3/88)
صفحة 1015
ومن نذر أن يفرّق هذا التمر فترك حتّى أذهبه ثمّ أراد أن يتوب، فإن لم يقل للفقراء ولا نواه لزمه أن يكفّر النذر، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام، وإن نذر أن يفرّقها عليهم أطعمهم مثله، وقيل: يكفّر نذره.
وإن قال: اللهمّ افعل لي كذا وكذا ومتى وصلتُ إلى (81) بلدي وأمْني فرّقت عليهم دراهم، فوصل ولم يفرّقها من يومه فلا شيء عليه في تقصيره ولزمه أن يفرّقها متى أمكنه إن أمكنه وإلاّ لم يلزمه شيء، وإن أمكنه فيه فأخّره إلى الغد فقد أمر بتعجيله إلاّ إن نوى أنّه متى وصل فرّق في الوقت فتلزمه الكفّارة والتفريق إن توانى، وإن قال: ويعطي فلانا غير فقير فمات فإنّه يكفّر نذره.
ومن له مال أو غائب ونذر إن سلم أعطى فلانا كذا وكذا فسلم ومات الفقير اختير له أن يتمّه لوارثه الفقير أو لغيره، وقيل: له مطلقا لا لغيره؛ وقيل: إن قصد بذلك فقره أمضاه للفقراء، وإن قصد عينه أتمّه لوارثه وكفّر نذره حيث لم يعطه. وقيل: إن وجب النذر بعد موته لم يلزمه أن يكفّر لعدم تقصيره بعد وجوبه.
أبو الحواري: من قال: إن سيق إليَّ كذا وكذا فعليَّ لفلان كذا وكذا، فسيق إليه ذلك ثمّ استحلّ فلانا في ذلك فأحلّه فيه فلا يجزيه حتّى يقضيه منه، وقيل: يجزيه مطلقا.
فصل
من نذر أن يعتق رقبة فلم يجد صام متتابعين؛ وفي وجوب كفّارة نذره قولان. وإن قال: إن فعلت كذا وكذا فعليَّ عتقها فقال أبو يحي: يكفّر يمينا، وعزّان: يصوم متتابعين إن لم يجد.
ومن قال: اللهمّ وحنث فقيل: كفّارة إطعام عشرة أو صوم عشرة، وقيل: يلزمه صومها إن قدر وإلاّ أطعمها، وقيل: مخيَّر في إطعامها وصوم ثلاثة، وقيل: عليه يمين مرسلة، وكذا في يا ربّ يلزمه صيام عشرة. (3/89)
صفحة 1016
وإن جمع بين اللهمّ وياربّ في نذر صامها فقط ولا تخيير له، وقيل: كفّارتهما واحدة ولو أفردهما.
وإن قال: اللهمّ لك عليَّ أن لا أعوذ أفعل كذا وكذا لزمته مغلّظة عند عبد المقتدر إن حنث. وإن قال: عليه لله نذر إن فعل كذا وكذا أو بدون لله ثمّ حنث فقيل: عليه صوم يوم أو يومين، وقيل: ثلاثة، وقيل: يومين أو ثلاثة، وقيل: إن قال لله فثلاثة وإلاّ فيوم أو يومين.
وفي يا ربّ [412] اِفعل لي كذا وأنا أفعل كذا خلاف، فقيل: لا شيء عليه حتّى يقول وعليَّ كذا.
وإن نذر بألف نذر في لفظ ومكان ومعنى واحد فكفّارة واحدة لنذره، وإن كان في معان لزمه بكلّ معنى واحدة. هاشم: من قال: عليه ألف نذر أطعم ألف مسكين.
وإن قال: والله فعليَّ نذر ثمّ حنث كفّر يمينا وصام ثلاثة لنذره، وفي عليَّ في الله أو بالله لأفعلنّ قيل: أمّا في الله إن أراد به نذرا فهو نذر وكفّارة يمين، وأمّا بالله فإطعام عشرة مساكين أو عتق رقبة، فمن لم يجد صام ثلاثة.
وفي إن فعل الله لي كذا وكذا لأفعلنّ كذا وكذا قيل: إنّه نذر، وقيل: ليسه وهو كاليمين. أبو مروان: إنّ من قال: اللهمّ اشفني وأنا أعتكف في مسجد كذا وأصوم فعوفي ولم يفعل حتّى مات أطعم عنه عشرة.
وإن قال: اللهمّ إن وقعت بيدي مائة درهم إلى عشرة أيام أصوم شهرا فسرقها في الوقت لزمه أن يطعم عشرة أو يصوم عشرة إلاّ إن قال حلالا فلا عليه. ولا يلزم صبيا نذره. وإن قال: إن ولدت امرأته غلاما فعل كذا وكذا فأسقطته قبل أن يعرف فلا عليه، وإن تبيّن خلقه فلم يعرف أجارية أم غلام هو أشكل الأمر، والاحتياط بالوفاء أولى إلاّ إن قال: إن ولدته حيّا لم يلزمه بالسقط شيء. (3/90)
صفحة 1017
الباب السابع عشر
فيمن جعل نفسه أو غيره نحيرة أو حلف أو نذر بالهدي أو القعود لزيارة والصلة والخروج
فقيل: جاء رجل إلى ابن عبّاس فقال له (82): نذرت أن أنحر نفسي، فقال له: اذهب فانحرها، فلمّا انصرف قال لجلسائه: ردّوه عليَّ، فردّوه، فقال له: أكنت تنحر نفسك؟ فأنعم، فقال له: اذهب فانحر بدنة، فانصرف، فقال ابن عبّاس لمن معه: ردّوه عليَّ، فطلبوه فلم يجدوه، فرجعوا إليه فقالوا: لم نجده، فقال: لو وجدناه لأمرناه أن يفتدي بذبح عظيم، يعني كبشا. وفي رواية أمره أن ينحر كلّ سنة عشرا من الاِبل بمنى، وقد مرّ أنّه لا نذر في معصية. وإن نذر أن ينحر نفسه بغير هدي أو يعور عينه أو يقطع بعض أعضائه لم يلزمه الوفاء بذلك ولا الكفّارة لما ذكرناه.
وإن نذر: إن فعل الله له كذا وكذا فتح العرق من يده أو احتجم فهذا دواء لا معصية، فإن شاء فعل، وإن شاء كفّر وترك.
ومن جعل ابنه هديا أهدى بدنة، وإن جعله هديا نحيرة نحر بدنة وأعتق رقبة.
ومن حلف وهو بمكّة أنّ عليه بدنة ينحرها في عمان لزمه ما شرط إن شرط وإلاّ نُحرت بمكّة أو بمنى.
أبو عبد الله: من قال: ابنه عليه نحيرة لا يفعل كذا وكذا ثمّ فعل أهدى بدنة وأعتق رقبة، والبدنة من جذعة فما فوق ناقة أو بقرة. ومن قال أبوه عليه نحيرة أو غيره ولو أجنبيا فقيل: لزمه فيه ما لزم في الولد، وقيل: إنّما يلزم ذلك فيه فقط.
وإن جعلت على نفسها امرأة نذرا إن كلّمت أختها نحيرة عند المقام، ثمّ كلّمتها صامت ولو يوما وأهدت شاة، وقيل: ثلاثة، وقيل (83): بدنة، وأعتقت رقبة، وقيل: كبشا. (3/91)
صفحة 1018
ومن غضب على غلامه فقال: إن عتقته (84) فهو هدي فقيل: إن أعتقه فهو كفّارة له، وإن قال: فهو عليَّ هدي، فأعتقه عتقَ وأهدى بدنة.
ومن أهدى ماله كلّه أهدى سبعه أو ثمنه أو عشره فينحر به بدنا يوم النحر، فيمسك ماله.
وإن قالت: إنّي أهديت كلّ ما أكلت في بيت جارتي (85) أو استوهبته منها أهدت قيمة ذلك.
ومن قال: إن دخلت منزل فلان فعليَّ هدي، وعليّ إن لبست ثوبا، وعليّ إن كلّمت فلانا، ثم حنث في كلّ ذلك في مجلس واحد لزمه كلّ ذلك لاختلاف الأيْمان، وقيل: لو كان في معنى واحد وحلف بالهدي بعدد الشيء لزمه بعدد ما حلف ولو بلفظ واحد لأنّ الهدي والحجّ فعل لا كفّارة أيْمان، والفعل ثابت.
وفي: عليّ أن أهدي [413] داري أو نخلي أو كذا وكذا من مالي لزمه أن يهدي ثمنه. أبو المؤثر: إلاّ إن كان أكثر. وفي: عليَّ أن أهدي من ثلث مالي عشر ثمنه.
ابن علي: من حلف أن يشرب هذا البحر أو يحمل هذا الجبل أو نحوهما أهدى بدنة، وقيل: لا يلزمه هدي حتّى يسمّيه.
وفي: فلان عليّ هدي عتْق أو بدنة، وفي هذه الدار أو هذا الحائط عليّ هدي أو ما عرفت (86) قيمته أنّه يقوم وتشتري به بدن تُنحر بمكّة أو بمنى. وفي: هذا النحر هدي أو حلَف بما لا يطيقه ممّا لا قيمة له فإنّه يهديه بدنة.
هاشم: إن قال فقير لا يقدر على شيء: عليّ هدي إن فعلت كذا (87) ثمّ حنث أهدى ما قدر عليه ولو درهما. وفي: عليّ بدنة لزوم نحرها حيث سمّى، وإن لم يسمّ فحيث شاء. وفي: عليّ هدي لزومه إلى الكعبة.
ومن قال بدنه صدقة عتق عند أبي زيّاد، وقيل: أساء ولا عليه. وإن قال: أنا أهديك إلى مكّة فليس بشيء حتّى يقول: أنت عليّ هدي. هاشم كان بشير: يقول ذلك، وكلّ ذلك عند موسى سواء. (3/92)
صفحة 1019
ومن قال: قريته عليه هدي إلى البيت وله فيها دار فقيل: إن أهدى ما لا يطيق أن يهديه لزمته بدنة.
ومن جعل ماله أو بعضه هديا عليه أهدى (88) عشره، وعند أبي سعيد: أنّ من أهدى قرية لا يملكها في نذر فلا شيء عليه إلاّ الكفّارة، وقيل: لا تلزمه.
وأقلّ الهدي شاة، وأكثره بدنة، وإن وقع في ملكه وكان أكثر من ثلث ماله رجع إلى عشره، وأهداه إن كان ثلثه أو أقلّ، وكان على وجه اليمين.
وإن أهدى قرية كذا وله فيها مال اختير أن يقع عليه، فإن كان ماله فيها قدر ثلث ماله أو أقلّ أهداه، وإن كان أكثر اختير عشره.
عبد المقتدر: لا شيء على من قال: أنا أهدي كذا وكذا، وإن قال: عليّ هدي أو نخلي هدي أو كذا من مالي، لزمه أن يهدي مثل ما حلف عليه إلاّ إن كان أكثر من ثلث ماله فليهد عُشر ثمنه يُشترى به بدن تُنحر عنه بمكّة، فإن لم يبلغ بدنة فشاة إن بلغها وإلاّ جعل في طيب الكعبة أو خلط مع أحد أو فرّق.
أبو المعلاّ: من ألزم نفسه هديا أو نذرا لا يطيقه أعتق أو أهدى بدنة. ابن المسبح: من ألزمها ما يقدر عليه لزمه هدي إلاّ ما جاء عن جابر: أنّ من جعل ولده نحيرة أعتق وأهدى بدنة.
وإن قال عليه مائة بدنة فحنث وقيمة ماله مثل ذلك لزمه عُشره، وإن كانت نصف ماله لزمه عُشرها، وإن كانت ثلثه أو هي أقلّ منه لزمه إخراج الكلّ، وقيل: إن كانت أكثر من ثلثه لزمه عُشرها لا عُشر المال، واختير الأوّل إلاّ إن كانت المائة بدنة بعينها من ماله وحلف بها (89) فيختار الآخر.
أبو علي: من قال: إن أكلت من منزل فلان شيئا فأنا أحمله بأضراسي إلى بيت الله، ثمّ أكل فلا عليه حتّى يقول فعليّ أن أحمله فتلزمه بدنة، وقيل: يهدي ثمنه إن حنث. (3/93)
صفحة 1020
أبوعبد الله: من قال: عليّ هدي إلى البيت أهدى ولو شاة، فإن لم يقدر قُوِّمت واشتُري بثمنها حبّ، فيحسب فيصوم لكلّ نصف صاع من بُرّ يوما، والشاة من الوسط.
ومن جعل نفسه أو بدَنَه هديا فقيل: يعتق ويهدي بدنة، وقيل: لا يلزمه عتق، وقيل: كبشا. وقيل: من جعل نفسه بدنة ولا مال له صام خمسين يوما، فإن أيسر بعدُ لزمته. أبو المنذر: تقوم وينظر كم يصحّ بثمنها بُرّا فيصوم لكلّ مدّين يوما، وإن لم يفعل حتّى أيسر لزمته.
فصل
من نذر أن يقيل في بيت فلان فلم يجده فيه ودار فيه ساعة ثمّ وقف ولم يقِل فيه كفّر نذره إن أراد بالمقيل مناما، وإذا وقف فيه أو استقرّ فهو مقيل إن أراد به دخولا فيه، فمن استقرّ بمحلّ فقد قال فيه، وإن نوى به شيئا فله ما نوى.
أبو عبد الله: إن نذرت امرأة أن تكون مع بني فلان ثلاثة أيام فأتتهم آخر الليل فأصبحتم معهم فلا تعدّ ذلك اليوم حتّى تكون معهم ثلاثة بلياليها، وقيل: تعدّه لأنّها أتتهم قبل [414] الصبح، فإن خرجت من ديارهم لأمر استأنفت الأيام، وإن خرجت لحاجة الإنسان أو للصلاة لم يضرها.
ومن نذر أن يزور فلانا فمات فلان حنث مطلقا، وقيل: إن قدر وتوانى، وقيل: يكفّر مطلقا وإنّما يُعذر في الوفاء لعدمه. وإن نذر أن يزوره يوم كذا ووقت كذا فمضى ولم يزره فيه حنث. وإن نذر أن يحمله على دابّة سمّاها فماتت قبلُ كفّر نذره، وقال خميس: إن لم يحمله بعدَ الإِمكان.
ومن نذر أن يخرج هو وفلان فأبى أو غاب فلا يحنث ما حيي فلان إذ لم يوقّت، ولعلّه يمكنه بعدُ. ابن محبوب: إذا خرج هو فقد برّ، ولا يلزمه خروجه معه، قلت: ولعلّه لا يملكه، قال: إلاّ إن قال: وأنا أخرج بفلان فيلزمه كراؤه ونفقته ذاهبا، (3/94)
صفحة 1021
ولا يبرأ إن خرج وحده، وقيل: لا تلزمه كفّارة فيما لا يملك، وقيل: لا يلزمه الوفاء في كلّ ذلك، ولزمته ولزمه فيما يطيق ويملك إن لم يكن عصيانا، ولزمته إن لم يفِ.
وكذا إن قال، ويخرج على معيّنة فخرج ماشيا أو على غيرها أو نحو ذلك ممّا يفوت فعله أو وقته.
أبو بكر: إن نذرت أن تقعد أياما مع قوم فلها أن تخرج إلى الصلاة والعيادة لا أن تقعد بعضها ثمّ تخرج ثمّ تتمّها، بل تقعدها متوالية.
ومن نذر أن يزور أحدا فعل كما نوى إن كان طاعة، وإن لم ينو شيئا وصله إلى بيته وقعد معه يوما.
والمرأة إن زارت رجلا ودخلت بيته وقعدت فيه فقد زارته، ويجزيها أن تتمكّن بقعودها فيه، وإن كانت ممّن لا تبرز له أعلمته أنّها قد زارته بعد أن تدخل بيته، ومن (90) نذر أن يصل رجلا أو حلف به ولا نية له (91) في ذلك فإذا وصله في بيته أو مجلسه أو مسجده فقد برّ لا إن لقيه في الطريق يريد أن يصله في وقته فحدّثه حتّى يصله في ذلك. وإن كان ممّن لا ينبغي وصوله إليه كفّر نذره ولا يصله، وإن كان رحما أو جارا أو أخا في الله فليصله.
فصل
من قال: إن عافى الله ولدي خرجت إلى بلد كذا وفعلت كذا وكذا لزمه الوفاء به إن كان طاعة، وأمّا الخروج إلى البلد فإن شاء خرج إليه وإن شاء تصدّق بقدر كرائه ومؤنته إليه، وعمل ما نذر في بلده وجاز له ذلك إن عجز عن الخروج بعذر.
وقيل: إن شقّ عليه جاز له ولو قدِر. (3/95)
صفحة 1022
وقيل: كلّ من نذر أن يخرج إلى قرية ليصلّي فيها أو يصوم أو يصِل رحما أو نحو ذلك ثمّ حنث ولم يخرج فعليه كفّارته وكراؤه ومؤنته ذاهبا إليه على المختار، وقيل: إن كانت الكفّارة أكثر من ذلك أدّاها لا غيرها، وإن كان هو أكثر منها أدّاه دونها.
ابن محبوب: من نذر أن يعتكف بمسجد صُحار فعجز اعتكف بمسجد بلده وتصدّق بكرائه ذاهبا، فإن يجد نظر في السعر فيه ثمّ يصوم لكلّ مدّين بُرّا أو ثلاثة ذرة أو شعيرا يوما.
ومن نذر إن صحّ فلان ذهب هو وأياه إلى فلان أو إلى المسجد أو موضع الذكر، أو يركب دابّة فماتت أو خُرِّب أو أبى فلان لزمه الوفاء به إن كان طاعة وقدِر، وإن فاته كفّر نذره ويفعل في بلده كما مرّ من الفعل والتفريق، وإن لم يكن طاعة لزمته كفّارة نذره فقط إن لم يفعل (92).
فمن قالت: اللهمّ عافني وأخرج من بيتي (93) شهرا إلى قرية كذا ونسيتها فعوفيت، فإن أرادت أن لا تخرج صامت عشرة أو أطعمتها إن وجدت وإلاّ صامت ثلاثة.
ومن نذر أو حلف أن يصِل إلى بلد ولم يجد وقتا ولا أجلا فلا يحنث حتّى يعجز أن يصله.
ومن نذر أن يدخل غير بلده فأخذه جائر كرها ومضى به إليه، فإن قصد بدخوله معه نذره أجزاه وإلاّ فلا.
ومن نذر إن عوفي أو رُدّ إلى بلده خرج إلى بلد كذا يرابط فيه ثمّ عجز ولم يمكنه، قال أبو مروان: يفي بما نذر، أو ينفق على من يرابط عنه فيه ويموّنه ذاهبا وجائيا، ويصوم عشرة أو يطعمها، وإن لم يسمّ كم يرابط من يوم فما رابط فيه فهو رباط، فإن افتقر فالله أولى بعذره، ويصوم كفّارة نذره بمنزله، والرباط ديْن عليه متى وجد خرج إليه هو أو نائبه.
واختُلف في النذر إن [415] كان لا طاعة ولا معصية كقعود بمنزل أو وقوف بمحلّ فقيل: يلزم الوفاء به، وقيل: يتخيّر بينه وبين التكفير. (3/96)
صفحة 1023
ومن نذر بطاعة على صحّة عليل فبريء ويعقله نقصان أو بقلبه ضعف لم يكن قبل العلّة فلا يزول عنه النذر بذلك إلاّ إن نوى ما نوى؛ وقيل: في النية في الأيْمان خلاف، فقيل: له ذلك وعليه، وقيل: له ولا عليه، وقيل: عليه ولا له.
عزّان من نذرت (94) إن عوفي ولدها نشرت عليه جوازا أو سكّرا تصدّقت به أو بثمنه إن عوفي، ولا بأس -قال جابر- بالنشر، وتصبّه عليه صبّا ويُنشر على المنذور عليه ما نذر به على المعتاد إن اُعتيد، فإن قصد به الهدية كان للمنذور عليه، وإلاّ فعلى العادة.
وعن الأزهر: إن قالت: اللهمّ عاف أمّي وأنا لا أغزل شهرا، فأفاقت من علّتها وسكن وجعها، وعجزت أن تقوم بنفسها وتجمع الصلاتين، فأخذت الأمّ مغزلا فغزلت شيئا فلا حنث عليها لأنّها لم تعاف حتّى تقوم بنفسها، ثمّ إن غزلت خيفت عليها الكفّارة.
ومن نذر -قيل- إن مشى ابنه أطعم اللعابين لزمه أن يطعم الفقراء أو يفرّق عليهم قيمته.
وقيل: من نذر إن فعل الله له كذا وكذا وأعطاه فلان كذا وكذا ففعل الله ذلك وأبى فلان أن يعطيه ففي الكفّارة عليه قولان. ومن قال: يا ربّ أمّنّي وأنا أفعل كذا وكذا فهو عند موسى نذر لازم، ولا يلزم عند بشير حتّى يقول: وعليّ أفعل.
فصل
من نذر إن صحّ ولده أعطاه عبده فصحّ وأعطاه إياه وللعبد زوجة فقال ابن علي: يوقف طلاقها إلى بلوغه لأنّه له لا لوالده إلاّ إن أعطاه على شرط فله أن يرجع فيه ويطلّق. (3/97)
صفحة 1024
والمملوك لا يلزمه النذر، وفي الكفّارة عليه فيه (95) خلاف وهو كمن نذر فيما لا يملك. ومن نفرت دابّته فنذر إن أخذها فعل كذا وكذا فأمكنته فلم يأخذها وأخرجها من ملكه فلا بأس عليه عند أبي عبد الله إذا لم يأخذها.
ومن نذرت إن رجع أخوها رعت الغنم شهرا، فإنّها تترك وتصوم شهرا أو تطعم ثلاثين خير لها، وقيل: تكفّر نذرها، ولا عليها (96).
وقيل: إن نذرت أن لا تطلب إلى قوم حاجة ففعلت ناسية فإنّها لا تحنث، وإن أمرت من يطلبها لها فلا تحنث -قيل- أيضا.
ويصحّ النذر من كلّ بالغ حرّ، عاقل، مسلم اتّفاقا؛ وفي الكافر والمملوك خلاف، وإنّما يصحّ بالقول وهو أن يقول: لله عليَّ كذا وكذا أو عليَّ كذا وكذا، ولا يلزم منه إلاّ ما كان قربة لله، وفي كفّارته خلاف، والأكثر على أنّها لا تلزم في المعصية ولا الوفاء بها.
ومن علّقه على حصول خير أو دفع شرّ فوقع لزمه الوفاء به.
ومن نذر في غضب خُيِّر بين الوفاء به إن كان طاعة وبين تكفيره.
ولزم في هدي النذر ما يجزي في الأضاحي، ومن نذره إلى الحرم لزمه حمله إليه، وإن نذره لأفضل بلد فليحمله إلى مكّة. وإن سمّى البلد فله ما سمّى.
ومن نذر بصلاة ولم يسمّ كم من ركعة لزمته ركعتان كما مرّ، وإن نذر بها في المسجد الحرام لزمته فيه، وإن نذر بها في الأقصى فصلاّها في الحرام أو في مسجد المدينة فقيل: تجزيه، وقيل: لا لما روي أنّ رجلا قال: يا رسول الله إنّي نذرت إن فتح الله عليك مكّة أن أصلّي في بيت المقدس ركعتين، فقال له: صلّها هنا ثمّ أعاد عليه فقال له: شأنك. ومن نذر بالمشي إلى بيت الله فقد لزمه، فإن ركب مع قدرته عليه لزمه دم، وإن نذر أن يركب إليه فليركب. (3/98)
صفحة 1025
الباب الثامن عشر
في الاعتكاف وأحكامه
وهو حبس المرء نفسه في مسجد في طاعة ولا يخرج منه ولا يدخل سقف غيره ما اعتكف، وإنّما يكون بصوم، وجاز في المسجدين إجماعا، وفي غيرهما خلاف؛ فقيل: يجوز في كلّ مسجد، وقيل: إلاّ في الذي تصلّى فيه الخمس جماعة، وقيل: إلاّ في الجامع إلاّ إن نوى معروفا.
أبو سعيد: يجوز في الذي تُقام فيه الجماعة بالأذان ولا يبطل بغيره لعموم قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ [416] فِي الْمَسَاجِدِ} (سورة البقرة: 187) ونحبّ أن يكون في الذي تُصلّى فيه الجمعة لأنّه مخاطب بها في المخصوص بها، وله أن يخرج إليه من معتكفه إليها فيما تلزم فيه، ولا يكون خروجه إليها تركا لاعتكافه بل هو فيه وداخل في جملته، ويكون خروجه بعد الزوال، ويصلّي ركعتيْ الجمعة، وله أن يشيّع الجنازة ويعود المريض، ولا يجلس ولا يدخل مُسقّفا، ولا يستأنس لحديث، ويرجع لأهله لحاجة الإنسان ويأمر بحاجته، ولا يجلس ولا يتبايع ولا يعمل دنيوي، ويكون همّه الأخروي لما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم يفعله في اعتكافه؛ وقيل: إنّما يخرج للجنازة بلا صلاة عليها، وله أن يتكلّم في غير المسجد بالذكر ويسلّم على مارّ عليه، ويردّ السلام، ولا يتكلّم وإن عاد مريضا في بيت لا غماء عليه قعد فيه إن شاء، ويغسل رأسه ويدهن ويكتحل، وينصت لمن يخبره بما لا إثم فيه.
ونُدب أن يشتغل بالذكر وله أن ينسخ ويصلّي ويقرأ ويدرس. وإن كذب كذبة استغفر. وإن خرج ليتوضّأ وكلّمه أحد فله أن يكلّمه ولا يقف، وإن وقف يكلّمه خارجا من المسجد وقف فيه إذا قضى قدر وقوفه معه.
وله أن يخرج لجنازة يلي أمرها ويصلّي عليها، وله أن يقف إن شاء حتّى يُدفن، ولا يقعد لتعزية، ولا يقف لها، فإن فعل قعد بقدر ذلك بعد فراغه. (3/99)
صفحة 1026
ويفطر في المسجد ويتسحّر فيه. وله أن يقعد في بيته لما كوضوء، وتعمّم وتقمّص وتسربل وحلق وأخذ شارب وقصّه، وقلم ظفر.
ويجلس في المسجد حيث يصلّي فيه بصلاة الإِمام، وأن يصعد على ظهره إن أذاه الحرّ داخله. ولا بأس بقتل قمّل خارجه إن أذاه، وأن يتعلّم أو يعلّم ويكتب، ولا ينسخ بكراء إلاّ إن احتاج إليه.
ونُدب له إذا قضى أن يصلّي المغرب فيه، وله أن يخرج إذا غابت الشمس. وإن كان هو الإِمام فيه فأراد أصحابه أن يصلّي بهم في الصرحة وهي متقدّمة باب المسجد نُدب له أن يأمر غيره ليصلّي بهم. وللمرأة أن تغزل في اعتكافها إن احتاجت، وإن استغنت فالتفرّغ لها للعبادة أولى، وفسد إن غزلت لتكاثر ومباهاة.
فصل
من نوى أن يعتكف في مسجد في نذره فتوانى حتّى انهدم وبني قصده آخر فله أن يعتكف فيه أو في غيره، ويكفّر إذ لم يفعل في المنوي. وإن هدم ثمّ وسع اعتكف حيث كان أوّلا، وإن جلس جانبه حيث تجوز الصلاة فيه فلا بأس به ولو لم يكن من الأوّل.
وإن نذر أن يعتكف ولم ينو محدودا اعتكف يوما ويدخل قبل الفجر ويخرج بعد الغروب، وإن نذره شهرا دخل قبله من أوّل ليلته، ونُدب له إذا تمّ أن يخرج بعد صلاة المغرب كما مرّ، وكذا إن عيّن أياما.
وإن نذر أن يعتكف ذا الحجّة فلا يلزم يوم النحر اعتكاف ولا بدل صومه، وكذا إن نذره يوما وهو يعلم أنّه عيد فإنّه يعتكف يوما مكانه، ولا تلزمه كفّارة.
والاعتكاف كالنذر فيما مرّ؛ وقيل: من نذره يوم يقدّم فلانا فقدّم نهارا أو يوم عيد فلا اعتكاف عليه. (3/100)
صفحة 1027
وإن التزمه شهرا ونوى النهار دون الليل لزمه اعتكافهما كمن حلف لا يكلّم فلانا شهرا، وقال: نويت النهار فليس له هاهنا نية؛ ولو التزم اعتكاف عشرة ونواه دون الليل كان له ذلك، وإنّما يكون بصوم وتتابع.
ومن نذره شهرا فاعتكف رمضان أجزاه صومه لهما، وإن صام كفّارة لم يجزه أن يعتكف ويكون لهما، ولا صوم التطوّع للاعتكاف، ولا ينوي به نافلة، وإنّما ينوي به الاعتكاف.
ومن حلف أن يعتكف فيما لا يقدر أن يصله تصدّق بقدر كرائه ومؤنته ذاهبا، وفي الكفّارة خلاف، ولا بأس أن يصاحف من رحّب به، ولا يقف وينام، ويكفيه أن يقول [417] لمن مرّ عليه: السلام عليكم، وفي الردّ مثل ما قال لقوله تعالى: {أَوْ رُدُّوهَا} (سورة النساء: 86)، ولا يقول: كيف أصبحت ونحوه، ولا فساد إن قالها.
ووقع إن تكلّم بمعصية أو عملها، وقيل: لا إلاّ بالوطء. وإن اشتغل بخوض في كلام لا يجوز أو في غير طاعة فإذا فرغ قعد كما مرّ في معتكفه قدر تشاغله بذلك، فإذا مرّ عليه العيد في اعتكافه فله أن يخرج ويجامع في يومه وبنى عليه إذا انقضى.
وكذا المرأة إن حاضت تخرج، فإذا طهرت رجعت وبنت كمريض إذا قوي رجع وبنى وذلك من العذر.
ولمن أراد أن يعتكف نفلا أن ينوي المبيت في منزله والقعود نهارا في المسجد، وكذا إن نوى في نذره أن يعتكف نهارا أو يأوي ليلا إلى منزله إن لم ينذره شهرا، فإنّه كما مرّ لا يتمّ إلاّ بلياليه وهو من أفضل ما يتقرّب به، فإذا جامع فسد وليستأنفه ولزمه عتق أو صوم متتابعين لقوله تعالى: {وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ} الآية (سورة البقرة: 187)، وإن اعتكفت معه وطاوعته لزمها ما لزمه، وإن أكرهها لزمته كفّارتها أيضا، وإن اعتكفت دونه فسد عليها إن طاوعته ولزمها بدله والكفّارة، وقيل: لا تلزمه إن أكرهها إلاّ إن اعتكفت برأيه.
ومن نذر أن يعتكف سنة أبدل العيدين، ولزم المسجد يومهما، وفي بدل رمضان خلاف. (3/101)
صفحة 1028
وإن نذر أن يصوم الدهر بطل النذر، وفي وجوب الكفّارة قولان أيضا.
ومن التزم اعتكاف شهر أو ثلثه أو ثلث عشره قال: أبو سعيد: عليه أن يدخل المسجد قبل الليل حتّى يتمّ، ولا يخرج إلاّ لما مرّ.
وإن خرج لغير جائز له فسد اعتكافه إن قصد بخروجه غير طاعة، ولزمه بدل ما خرج فيه ورجى خميس أن لا يفسد عليه إن خرج لمباح ويقعد بقدره بعده.
والوطء بالعمد يفسده إجماعا، وكذا كلّ ما قصد به قضاء الشهوة والإِنزال، فمن فعل ذلك فعليه ما على المجامع نهارا في رمضان، وإن قبّل أو لمس بدنها بيده أو بفرجه فليس كالجماع، ولا يُمنع من تطييب.
وله -قيل- أن يشتري طعامه إذا لم يجد من يكفيه إياه، وقيل: لا يتبايع إلاّ بدرهم لما لا غنى له ولعياله عنه.
وإن خرج لما له أن يخرج له ولم يقصد مبايعة فعرض له فاشتغل به عن اعتكافه قعد بقدره كما مرّ.
ولا يؤمر بمبايعة بمسجد ولا يعمل فيه دنيويا إلاّ إن خيف ضرّ من تركه.
وقيل: العمل فيه لفقير بما يقوّت به عياله أفضل من التسبيح، وكُره لغنيّ.
وله أن يؤذِّن في المنارة إن كانت في المسجد أو بقربه.
وإن سكر في اعتكافه فسد عند من يرى أنّ كلّ معصية تفسده لا عند من يرى أنّه لا يفسد إلاّ بالوطء.
أبو سعيد: من لزمه في وقت معيّن فحنث فيه لزمه الإِيصاء به، ويقضي عنه لأنّه كالصوم والحجّ إن فرّط في نذر لزمه وحنث فيه لزمته كفّارته والإِيصاء بالإِطعام عنه، والأفضل أن يوصي بالاعتكاف. ومن نذر أن يعتكف ليلا لا نهارا لم يلزمه. (3/102)
صفحة 1029
فصل
اختُلف في الاِعتكاف بلا صوم، فلم يجزه الأكثر منّا إلاّ به، واللغة تجيزه بدونه، إذ هو فيها الإقامة على الشيء وبه تعلّق من أجازه بدونه، وبما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم اعتكف في رمضان ولم يكن صائما للاعتكاف، ولا دليل فيه عندي لاحتمال أن يكون صومه لرمضان يكفي عنهما كما مرّ في النذر، فيكون دليلا على ذلك لأنّه مشرع.
وكفّارة المعتكف إن وطئ ككفّارة الواطئ في رمضان، وعند ابن محبوب كالمظاهر على الترتيب، ويبدل الأيام بالصوم؛ وفي وجوبها في التطوّع قولان.
ومن جامع زوجته ليلا برمضان (97) وقد اعتكفا لزمهما بدله وبدل اعتكافهما، وكفّارته وكفّارة رمضان، ويتوبان. وإن وطئها فيه نهارا فسواء في فساده ولزومها.
ابن محبوب: إن غشيها فيه ليلا لزمته كفّارة الاِعتكاف لا بدل الصوم، ويفرّق بينهما عند الدهان، وقيل: وطئ منازل زوجته معتكفا [418] فسأل موسى فأفسدها عليه.
وكان بشير حاجّا فلمّا قدم لقيه منازل فسأله فلم يفسدها عليه، وألزمه الكفّارة، فلمّا اجتمعا رجع موسى إلى قول بشير.
ومن نذر أن يعتكف في بيته (98) لزمه أن يحتصر فيه، وإن نذره في منزل فلان أو في موضع ما، فبعض أبطله وبعض ألزمه يمينا؛ وزعم مثوبة أنّ المعتكف إذا خرج من المسجد لا يكلّم أحدا، فإن كلّم فسد اعتكافه، ولا يخرج للجمعة حتّى يؤذّن لها، فإذا صلّى خرج قبل أن يركع ركعتي السنّة.
وقيل: إنَّ معتكفا كلّمه رجل فقال: إنّي نذرت للرحمان صوما، فقال أبو عثمان: هو كلام، وقال زيّاد: أمّا في المسجد فيكلّم من يكلّمه.
وإن ذبح المعتكف لزمه أن يعتكف قدر اشتغاله بالذبح يوما آخر، ويصوم اليوم. (3/103)
صفحة 1030
وأجاز بعض (99) قومنا الخروج لأداء الشهادة إن دُعي لإقامتها، ولا يبدأ -قيل- بالسلام كما مرّ.
ولا يأكل إلاّ في المسجد، ولا يغسل إلاّ لواجب، ولا يتخطّى من مورد إلى مورد إلاّ من عذر، فإن تجاوز إلى غير الأقرب إليه فسد عليه.
وإن خاف شدّة الأذى من نتن الخلاء وتغيّر منه أو القيء منه فله أن يتخطّى إلى محلّ أرفق منه. وليس لمعتكف أن يتلذّذ بجماع ولا قُبلة ولا ملامسة، وله ترجيل رأسه.
ونُدب الاِعتكاف في رمضان لموافقة ليلة القدر.
ولا تعتكف المرأة إلاّ بإذن زوجها ولو نذرا، ويعتكف هو ولو كرهت إذا خلّف لها ما تحتاجه.
وإن حلفت أن تعتكف كلّ جمعة فحاضت لزمتها الكفّارة لا الاِعتكاف، وإن لزمها فله أن يأذن لها أن تخرج إلى معتكفها، وله أن يكره ذلك؛ ولا نحبّ لها أن تعتكف تطوّعا وقعودها في بيتها أفضل لها، وإن أذن لها أو لعبده أن ينذر باعتكاف لزمهما، ولا يمنعهما منه.
وإن نذرته شهرا غير مسمّى فقطعت أيام حيضها ولم تصلها بعد طهرها لزمها اعتكاف تامّ لا كفّارة.
وإن نذرت أن تعتكف أيام حيضها فلا عليها. وإن لزمها نذر اعتكاف واستأذنته فيه خُيِّر في الإجازة والمنع لها، واختير أن يأذن لها إن كان لازما.
وإن نذرت أن تصوم أو تعتكف بأرض فكره صامت في منزلها وأطعمت عن كلّ يوم مسكينا. وإن نذرته في أربع زوايا المسجد اعتكفت يوما في كلٍّ، وإن نذرته شهرا في الجامع فعارضها خوف، ولا تقدر أن تظهر للناس اعتكفت في مسجد تأمن فيه.
وإن اعتكفت مطلّقة برأي زوجها أو لواجب عليها أتمّته ثمّ رجعت إلى بيته، وغيرها تتمّه إن لزمها إلاّ إن حاضت فتخرج من موضعها، فإذا طهرت بنت بلا توان (3/104)
صفحة 1031
فيفسد عليها (100). وإن حاضت قبل المغيب فسد يومها، وتدخل قبل الفجر إذا طهرت.
وتخرج المستحاضة لتغسل لكلّ صلاتين إذ لها أن تخرج للطهارة وإن لما يفسد المسجد وإن لغير صلاة.
أبو سعيد: إن لزم زوجة من نذر أو يمين فمنعها الزوج فلها -قيل- أن تقضي الواجب، وقيل: لا إلاّ بإذنه لأنّها التزمته ولم يفرض عليها، وإن أذن لها كُره له منعها بعد أن دخلت فيه، ولا يُمنع إن منعها لأنّه متى شاء منعها لما روي أنّه صلّى الله عليه وسلّم منع عائشة وحفصة وزينب من اعتكافهنّ بعد أن دخلن فيه بإذنه.
والعبد والأمة كالزوجة، وقيل: إن أذن لها أن تعتكف يوما فدخلت فيه فلا يمنعها يومها، وهما أهون منها في هذا لأنّه قيل: لا يلزمهما إذ لا يملكان.
وإن جنّ أو سكر أو أُغمي عليه ليلا ولم يفق حتّى طلع الفجر اختير له أن يبدل اعتكافه إذ لا يجوز إلاّ بصوم بنية من الليل، وإن حدث به ذلك صبحا لا ناقضا لصومه توقّف فيه خميس؛ وقد يقال أنّه تقدّم ما يفيد صحّته.
ولا بأس -قيل- عليه أن يتسوّك في وضوئه لصلاة الفجر ولا يخرج لأجله وحده، وإن كان لا ينقطع عنه البول إلاّ بعد ساعة استبرأ خارج المسجد، وإن تسوّك في استبرائه فلا عليه.
وإن لم يجد من يهيئ له طعامه فله أن يشتريه أو يعالجه. وإن رأى صبيا أشرف ... على السقوط في بئر فله أن يذهب إليه ولو خارج المسجد، وكذا إن سمع مستغيثا بالمسلمين فله أن ينقذه ممّا به ويرجع، [419] فإذا قضى قعد قدره متّصلا به ولو ليلا بدل نهار وبعكسه. (3/105)
صفحة 1032
الباب التاسع عشر
في النذر بالصدقة والهدي
فمن نذر إن رُزق دينارا تصدّق بجزئه فله أن يتصدّق بقيمته إلاّ إن نوى منه نفسه، فله أن يعطيها دراهم أو حبّا ويكفّر نذره.
ومن نذر أن يفرّق كذا وكذا تمرا فلم يفعل حتّى أذهبه، فإن لم يقل على الفقراء ولا نواهم كفّر نذره، وإن قاله ونواهم أطعمهم مثله، وقيل: يكفّره.
ومن نذر على مريض له لئن عوفي ليشترينّ شاة بعشرة دراهم يذبحها له فصحّ فوهبت له شاة تسوى ذلك فلا يجزيه حتّى يشتريها كذلك.
ومن نذر أن يعطي فقيرا شيئا فأعطاه واحدا أجزاه.
ومن قال: اللهمّ إن اصطلح فلان وفلان فلفلان من مالي كذا وكذا، فاصطلحا فهو نذر، فإن أعطاه فحسن وإلاّ استغفر وكفّره.
ومن قال: إن قمت من علّتي فإنّي أُطعم عشرين من الفقراء، فإن لم يعيّنهم أجزاه ما أطعم منهم. وقيل: من (101) نذر أن يعطي فقيرا من حبّ وصفه فأعطاه من زكاته من جنس الحبّ، فقيل: يجزيه ذلك، وقيل: لا. وإن نوى أن يعطيه من غيرها فأعطاه منها فعند من لا يوجب النذر والأيْمان بالنيات يجزيه.
ومن نذر إن عوفي أهدى فلانا هدية، فأهداها له فلم يقبلها منه فقد برّ.
وإن قال: إن رُزقت كذا فلفلان عليَّ كذا، فرزقه ومات فلان سلّمه لوارثه كما مرّ.
وكان -قيل- لامرأة عبد وقع في شدّة فقالت: يا ربّ أو يا مولايَ إن سلِم فأنا أعطيه لابني فلان إن حيي إلى بلوغه، فباعه أبوه قبله لزمها لابنها (102) قيمته وكفّرت نذرها. وإن قالت مريضة: إن عوفيتُ سكنت مكّة فعوفيت فسكنتها مدّة فقد برّت، ولها أن تخرج منها إلاّ إن التزمت سكونها أبدا. (3/106)
صفحة 1033
فصل
من قال: إن سلم زرعي من كذا فعليَّ نذر كذا وكذا، فعطب بعضه لم يلزمه الوفاء به لأنّه لم يسلم.
وإن اختصم رجلان في شيء فقال أحدهما: إن صحّ ما تقول فعليَّ نذر كذا وكذا لله نأكله أنا وأنت وفلان والتزم الآخر مثل ذلك، وطابت به أنفسهما لزم الوفاء به إن كان طاعة.
ومن قال: إن سلمت من كذا فعليَّ لله كذا أو للمسجد الفلاني أو ثلث مالي له أو للفقراء، لزمه ذلك. وقد أثبتوا الأيْمان بالصدقة فكيف بالنذر.
ومن نذر أن يشتري طعاما يأكله هو وفلان وفلان وفلان فمات بعضهم وكره بعض فإنّه يطعم عن الميّت فقيرا من ورثته، ويكفّر النذر عمّن أبى.
وإن قالت امرأة: إن عافى الله ولديْها فلهما أمتها فلانة نذرا لله سبحانه، فبرئا ولم تعطها إياهما، ولها غيرهما ولم يرضوا لها ذلك فالأمة لهما بالنذر وما ولدته بعد وجوبه.
وكذا من نذر لولده بنخلة فلم يحرزها فأكلها هو إلى أن مات فهي للولد، ولا يلزمه الإِحراز في النذر كما مرّ وإنّما هو في العطيّة، وكذا إن قالت: إن عوفيَتْ بنتها فلها المال الفلاني نذرا لله ثبت لها إن عوفيَت، ولا يضرّها أكل أمّها له.
ومن نذر أن يطعم في عشرين مسجدا ولزمه النذر فيكفيه عشرون خطًّا يخطّها، ويطعم فيها كالصلاة إلاّ إن عيّنها أو نوى معروفة.
ومن نذر بقربة يستقي للمسجد الفلاني، فقال عمّاره لا نحتاجه، فإنّ عندنا كثيرة فلا يجزيه ثمنها إن طلبوه.
ومن نذر لقبر فلان بدراهم ولم ينو إطعاما ولا غيره تصدّق بها على الفقراء، (3/107)
صفحة 1034
وكذا إن أوصى بذلك. ومن نذر بمال لقبر فليس بطاعة ولا معصية، ويكفّر نذره. وإن نوى أن يأخذوها من فوقه فهو كما نوى. ومن التزم نذرا لله صدقة عليهم ثمّ حنث لزمه ذلك.
فصل
يهدم الاِستثناء النذر ولو تقدّمه، وقد جاء في الشرع أنّه لا يهدم النكاح والطلاق والظهار والعتق. أبو علي: ينفع في كلّ يمين إلاّ فيما ذُكر. وفي بعض الآثار لا ينفع في النذور، واختار خميس أن ينفع إذا اتّصل باليمين. وقيل: إن اقتسم قوم مالا فالتزموا [420] نذرا على من ينقض فعلهم، فإن كان لله أو للفقراء أو للمسجد فهو ثابت، وكذا في كلّ طاعة لا إن كان للمنقوض منه على الناقض.
ومن نذر أن يعمل طاعة ثمّ أن لا يعملها ثبت الأوّل، ولزمه القيام به وبطل الآخر، وبالعكس في المعصية.
ومن نذر لأحد بثوب فمات وفي ورثته يتامى كان لجميعهم عليه. وإن نذرت أن تصوم شهرا لحجّ فنوته من الليل فحاضت عند الصبح، فإذا طهرت صامت بقيّته وتبدل من المحرم ما أكلته متّصلا.
ومن وقّت لنذره فتركه عند وقته مع الإِمكان فلا يُعذر عن الكفّارة، وإن تركه لعذر عنَّ له فلا تلزمه كمن لم يوقّت.
ومن نذر أن يصلّي مائة ركعة أو يطعم مائة مسكين فعليه أن يصلّيها في واحد إن قدر وإلاّ فليصلّ ما قدر عليه ثمّ يصلّي ما قدر عليه، هكذا حتّى يتمّها كما مرّ.
وكذا إن نذر أن يصلّي ليلة ثمّ عجز يفعل كذلك إلى الفجر فيبرّ؛ وله في الإِطعام كذلك أن يفرّق ويحفظهم لئلاّ يردف على أحد مرّتين.
ومن نذر بذبح وطحن كذا وكذا من حبّ، ويخبز ويطعم في كذا فأجرة الذابح من المذبوح، والطاحن والخابز من المطبوخ والمخبوز، ويُعطى الإهاب منها. (3/108)
صفحة 1035
ومن نذر بمعيّنة تؤكل في كذا فلا يبدل بها غيرها ما قام عينها وقدر عليها، وإن لم تعيّن جاز البدل.
ومن نذر برأس غنم وكذا وكذا حبّا يؤكلان في كذا فأجرة ما ذُكر والحطب والملح والأبزار ممّا ذُكر، ويجزي في الرأس صغير ولو جديا.
ومن غرس نخلة ونذر إن حييت أطعمها ناسا حاضرين عنده فلزمه النذر، وأبى بعضهم أن يأكل فإنّه يطعم من حضر منهم، والغائب حتّى يجده ولا يلزمه فيمن أبى شيء.
ومن لم يذكر الله في نذره ولا يلزمه منه شيء.
ومن نذر بشيء لقبر شيخ أو غيره فقيل: باطل، وقيل: يعطيه فقيرا. ولا يجوز أن يؤكل بعض ما نذر به أن يؤكل عند القبر، ويردّ بعضه ويكون القرب منه بقدر ما يسمّى أنّه عنده من غير أن يؤكل على رأس القبر.
ويقتفي بالنذر ما عقده به من أكل أو تفرقة أو غيرهما.
قال خميس: لم أعرف في الإهاب في قديم الأثر شيئا إلاّ أنّه قيل: عند المتأخّرين أنّه للناذر، فإن أحبّ أن يجعل قيمته في أبزار وملح ويؤكل مع اللحم جاز.
ومن عليه نذران لواحد فله جمعهما في وقت ويؤكلان فيه مرّة، والنذر الواحد لا يُفرَّق بل يجعَل في وقت ويؤكل في المنذور فيه. ومن نذر أن يصلّي في مساجد العبّاد أو يطعم فيها فلا يجزيه أن يفعل ذلك في أقلّ من ثلاث إلاّ إن نواه.
واعتكاف الفرض هو ما كان من نذر لازم أو وصية، والتطوّع ما كان من غير ذلك، ولا قائل أنّه يعتكف عن حيٍّ. (3/109)
صفحة 1036
الباب العشرون
في الأيمان وضروبها
قال الله -عزّ وجلّ-: {لاَ يُؤَاخِذُكُمْ اللهُ بِاللَّغْوِ ِفي أَيْمَانِكُمْ} (سورة البقرة: 225) فقيل: هو الساقط من الكلام في اللغة، واختُلف فيه في اليمين، فقيل: هو ما يسبق به اللسان ليوصل به الكلام بلا عقد ولا وصل: كلاّ والله، وبلى والله فلا إثم فيه ولا كفّارة.
وقيل: هو أن يحلف المرء على شيء يرى أنّه صادق فيه، ثمّ يظهر له خلافه فهو خطأ منه بلا عمد فلا ولا فيه أيضا.
وقيل: هو اليمين حال الغضب والضجر بلا عزم ولا عقد (103) ومنه ما روي: ((لا يمين في غضب)). وقيل: هو اليمين في معصية لا يؤاخذ بالحنث فيها بل يحنث ويكفّرها، وقيل: لا تلزمه في ذلك لما روي: «من نذر فيما لا يملك فلا نذر له؛ ومن [421] حلف على معصية فلا يمين له».
وعن عائشة: أيْمان اللغو ما كان في هزل ومزاح وخصومة، وحديث لا يعقد عليه القلب. وقيل: هو أن يحلف ناسيا فلا يؤاخذ به.
والأيْمان على وجوه، منها أن يحلف على طاعة كوالله لأصلّينّ أو لأصومنّ أو لأتصدّقنّ، فإن كان فرضا فالواجب عليه أن لا يحنث، وتلزمه الكفّارة إن حنث لأنّه فرض مؤكّد باليمين، وإن كان تطوّعا فقيل: تلزم بالحنث فيه، وقيل: عليه الوفاء بما قال به، ولا يجزيه غيره.
ومنها أن يحلف على معصية وقد مرّ حكمه.
ومن حلف على مباح فإمّا ماض أو مستقبل كوالله لأفعلنّ كذا وكذا، أو لا أفعله فهذا ونحوه تلزم فيه إذا حنث إجماعا، وكوالله لقد كان كذا وكذا أو لم يكن (3/110)
صفحة 1037
كذا وهو لم يكن أو كان وهو عالم بذلك فهذا هو اليمين الغامسة في الإثم لتعمّده الكذب فتلزم (104) به أيضا.
والمحلوف به على ضروب الأوّل الظاهر كوالله وتالله وبالله فهذه لا يعتبر فيه النية، والثاني أن يحلف بصفة كوعظمة الله وقدرته وعزّته فكالأوّل الصريح، والثالث أن يحلف بكنايات اليمين كأيْم الله وحقّ الله وأقسم بالله ولعمر الله ونحوها فهذا تعتبر فيه، فإن نوى به يمينا فهو يمين، وإن قال: لم أردها به قُبل قوله، والرابع أن يحلف بغير الله كوالكعبة واللوح والقلم وحقّ محمّد، وأبي وحياتي، ورأسي ورأس وفلان ونحوها فهذا ليس بيمين ولا كفّارة فيه بحنث، وكُره الحلف به لقربه من المعصية لما روي: «من كان حالفا فلا يحلف إلاّ بالله، ولا تحلفوا بآبائكم»، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عمر حيث سمعه يقول وأبي، قال عمر: فما حلفت به بعد ذاكرا.
وأسماء اليمين الحلف والقسم والألية وهي (105) مرسل ومغلّظ، قال مولانا -عزّ وعلا-: {وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَدْتُمْ الأَيْمَانَ} (سورة المائدة: 89) قُرئ بالتشديد بمعنى أكّدتم وبالتخفيف وهو أفصح لأنّ الكفّارة تجب بحنث واحد، وعاقدتم -قيل- لأنّ المفاعلة تجوز من الواحد كعفاك الله، ومعناه النية والإرادة والتعمّد فكفّارته إذا حنثتم إطعام عشرة غداء وعشاء، وقيل: مدّ، وقيل: مدّيْن من بُرّ أو ثلاثة ممّا مرّ لكلّ مسكين، والأفضل أن يُعطى من أفضل ما يقتات به هو وعياله لقوله تعالى: {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ} (سورة المائدة: 89).
واختلف في الكسوة فقيل: يجزي ثوب يقع عليه الاِسم وهو إزار أو رداء أو قميص أو سراويل أو كساء أو عمامة، وقيل: ثوب تجوز به الصلاة، وقيل: ما قيمته خمسة دراهم، وفي الرقبة فقيل: لا تجزي إلاّ مؤمنة لقتل وظهار ويمين وجماع في نهار برمضان ونذر ووصيّة، وقيل: تجزي مطْلَقة في كلّ ذلك إلاّ في القتل لقوله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ} (سورة النساء: 92) قيّدها هاهنا وأطلقها في غيره، وتجوز ولو صغيرة أو أنثى، وينفق على الصغير حتّى يبلغ فإن كان به داء لا يمنعه من العمل كالأعرج ومقطوع الخنصر ونحوهما جاز في الكفّارات، والأعمى والأشلّ والمقعد (3/111)
صفحة 1038
والمجنون والأخرس ونحوهم لا تجزي فيها، ولا يجزي في الكسوة ما لبس حتّى ذهب أكثر منفعته، وقد خُيِّر بين الأشياء.
واختُلف في صفة من لم يجد فقيل: من لم يملك نصاب النقدين فله أن يصوم، وإن وجده لم يجز له. وقيل: من له كفاية لمعاشه ويفضل له قدر ما يكفّر به فليس له أن يصوم وإلاّ جاز له، وقيل: إن كان له ولعياله ما يقوتهم يومه وليلته ويفضل عنه ذلك لا يجوز له الصوم. وقيل: إن ملك ما يمكنه أن يطعم، وإن لم يفضل له منه شيء والصوم ثلاثة أيام متتابعة، وقيل: التفريق جائز والتتابع أفضل. (3/112)
صفحة 1039
الباب الحادي والعشرون
في كفَّارات الأيْمان وصنوفها وفي اللعن والقبح ونحو ذلك
فعند عزّان وأبي الحواري أنّ من لعن نفسه أو قال: إنّه يهودي أو نصراني أو مجوسي أو يصلّي لغير القبلة أو غضب الله عليه لزمه إطعام عشرة أو صيام ثلاثة، وليس [422] بأشدّ من القسم به، وقيل: التغليظ. وقال عزّان: من قال قبّح الله وجهه أو لعنه أو أخزاه أو هو من الظالمين إن فعل كذا، ثمّ حنث فإن أراد به يمينا لزمه إطعام ما ذكر إن وجد وإلاّ صام ثلاثة.
وإن قال: إنّه مشرك إن فعل كذا فلا عليه إلاّ إن قال بالله أو نواه، وقيل: لزمته الكفّارة حتّى ينوي غير الشرك بالله.
ابن علي: من قال: ألبسه الله سرابيل القطران، أو سقاه الحميم أو نحو ذلك لزمته مغلّظة إن حنث. ومن قال عليه اللعنة وأرادها من الله لزمته، وكذا في الغضب والسخط والمقت.
وقيل: كلّ من حلف بمكفرة توجب النار فهو كافر، فإذا كفّر لزمته مغلّظة ليخرج بها مع التوبة من الكفر إلى الأِيمان لثبوتها في القتل تغليظا. وأجمعوا أنّه لا يجزي الصوم في المرسلة من وجد إطعاما أو عتقا أو كسوة ولو شهرا أو أكثر، فمن لم يجد ذلك فصيام ثلاثة أيام؛ والأصحّ في الكفّارات ما ثبت بالكتاب والسنّة والإجماع.
ومن لعن نفسه ولم يرد به يمينا فليتُب ولا تلزمه الكفّارة. وقيل: من حلف بالله الذي لا إلاه إلاّ هو أنّه لا يفعل كذا، وإن فعل فهو بريء من دين محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- ثمّ فعله، فإنّه يلزمه بالله ... إلخ - إطعام عشرة إن وجد وإلاّ فصيام ثلاثة، وبأنّه بريء ... إلخ - صيام متتابعين أو إطعام ستّين، وبـ: أنا أعبد الشمس أو مرتدّ أو قرمطيّ أو رافضي أو مُرجئ أو نحوهما أو ذمّي مغلّظة، وبأنّه يصلّي إلى المشرق مغلّظة (3/113)
صفحة 1040
أيضا إن نوى التحوّل عن القبلة لا إن نوى أنّه يسافر حتّى يكون غربي الكعبة ويصلّي إليها إلى المشرق.
ولزمته أيضا بأنّه زان أو قاتل أو ظالم أو نحوها أو كافر أو ملعون أو مقبوح أو من الظالمين أو الآثمين أو الفاسقين أو من أهل النار أو نحو ذلك، وبأنّه مدحور أو من المبدّلين لدين الإسلام، وبلا بارك الله فيه إن فعل كذا عند أبي المؤثر، وبأنّه نغل، وقيل: لا تلزم به وهو كلام قبيح، وبقبّح الله وجهه صيام عمره إن حنث، وهي كفّارة القبحة، وعند ابن راشد هي يمين مرسل، ولا يلزمه ما حلف عليه إن حنث وعليه الأكثر.
وقيل: إن نوى به اليمين لزمته الكفّارة وإلاّ فلا، وكذا في اللعنة وإنّما تلزم بعقد الأيْمان.
واختُلف في كفّارة اللعن والقبح إذا أُريد بهما يمينا، فقيل: صوم متتابعين أو إطعام ستّين أو العتق على التخيير، وقيل: إطعام عشرة أو صومها، وقيل: مرسل وهو إطعام عشرة أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد صام ثلاثة، واختاره أبو سعيد لقوله تعالى: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} (سورة المائدة: 89) وليس بأشدّ من اليمين بالله إلاّ الأيْمان بالحجّ أو العتق والصدقة والظهار والطلاق ونحو ذلك إلاّ أنّه قيل: لا يجوز في اللعن والقبح وما يوجب النار إلاّ عتق مؤمنة سالمة قادرة على الاِكتساب، وقيل: يجوز ولو مشركة.
واختُلف في المؤمنة فقيل: ما ثبت لها الولاية، وقيل: هي المقرّة، قال خميس: وأكثروا الخلاف في كفّارة المرسلة والتغليظ ولعلّ من قال صوم عشرة أو إطعامها أخذه من الظهار لاستواء الصوم والإِطعام فيه.
من قال: قبّح الله وجهه ألف قبحة وهي صوم متتابعين ثمّ حنث فعن أبي سعيد قيل: يصوم عشرة أو يطعمها، فإن نوى بقوله والقبحة صومهما أنّه لزمته مغلّظة، وإن قصد تسميتهما احتاط إن كفّر بهما. وإن كفّر مرسلا أجزاه، وإن لم ينو شيئا فهو على الخلاف. (3/114)
صفحة 1041
ومن حلف بالله على ما عليه عالما أنّه كاذب فقطع الحقَّ بيمينه أو بعهد الله كاذبا (106) أو قال إنّه مشرك بالله أو من ملل الشرك أو بموجب النار أو نحو ذلك لزمته مغلّظة.
ابن محبوب: من قال عليه ألف لعنة ولم يقل من الله ولا نواه فلا عليه كما مرّ، وإن نواها منه لزمته واحدة إلاّ إن نوى أكثر فعليه ما نوى.
ومن رأي أهل عمان في اللعنة التغليظ، وكذا في لا عافى الله [423] عنه إن فعل كذا، ولا زوّجه الله من الحور أولا أراه الله وجه محمّد -صلّى الله عليه وسلّم- وقيل: في ذلك مرسلة، وفي لا أراه الله الملائكة والنبيئين -قيل- لا شيء عليه لأنّه إن شاء الله أراه ذلك وإن شاء رحمه بدونه، وقيل: مغلّظة لأنّه أخبر أنّ أهل الجنّة يرافقون الأنبياء، وتدخل عليهم الملائكة.
وبِلعَنَهُ الله أو أخزاه أو غضب عليه استغفار إن لم يرد به يمينا، وبكافر بالإسلام أو بالقرآن أو بالصلاة أو بنحوها من الفرائض مغلّظة، وقيل: مرسلة.
وبإن فعل كذا فهو يعمل بطاعة الله كعمل من خلق ودرى وبرى من اليوم إلى يوم القيامة قولان أيضا، وبإن فعل فهو عبد لفلان أو للشيطان ثمَّ فعل (107) استغفار، وبأدخله الله مدخل فرعون أو مثله مغلّظة، ولا شيء عليه في أهل القبلة ولو شهد كفره أو نفاقه ولم يصحّ موته عليه، ولزمته بأنّه ظالم لا بضالّ إلاّ إن عني به الكفر.
وبعليه ألف لعنة أو عهد أو قبحة أو حجّة إن فعل لزوم الحجّة إن حنث لا في الباقي حتّى يقول لعنه الله أو عهد الله أو قبّحه عند ابن محبوب، أو ينويه.
وبأنا أعبد ما يعبد اليهود والنصارى إن فعلت كذا مغلّظة إن فعل عند هاشم. وبهذا الطعام عليَّ حرام كحرمة أمّي مغلّظة أيضا كلا حَفِظَه الله ولا رحمه الله ولا أكرمه ونحو ذلك، لا بقَطَعَ الله رقبته أو يده، ولا بالنفي من والديْه إن فعل ثمّ حنث.
وإن قال لذمّي: إن فعلت فأنت خير منّي ثمّ فعل لزمته، وقيل: لا شيء عليه إن قاله لمعيّن لإمكان إسلامه. وبعَلِيْه يمين مغلّظ إن فعل مغلّظة، واختار أبو المؤثر صوم ثلاثة. (3/115)
صفحة 1042
وبهو بريء من الله كعكسه إن فعل مغلّظة عند أبي الحسن، ولا يشرك بذلك؛ وكذا بعليه عهد الله، وبكلّ ما صلّى إلى القبلة فهو بخلاف ذلك إن نوى خروجا من الإسلام، وقيل: مرسلة وإلاّ فلا شيء عليه.
فصل
قال الفضل وعزّان: الكفّارات المكفّرة بتركها هي كفّارة اليمين والصيد والقتل والاِعتكاف ونحوها.
ومن قال: إنّه زان أو يشرب الخمر أو يأكل الميتة إن فعل اختير له أن يكفّر يمينا إلاّ إن نوى أكلها اضطرارا فلا بأس عليه، وقيل: لا يمين عليه في كلّ ذلك ولا حنث إلاّ إن قال يحلّ له في غير اضطرار.
وكذا إن قال يأكل خنزيرا أو يقتل فلانا ولا إن قال: أفطر رمضان إلاّ إن نوى حلّه بلا موجب ولا بما اتّخذ يعقوب على بنيه عند سليمان وأبي المؤثر.
ومن حلف وحنث ولم يدر كم حلف ولا ما حلف كفّر ثلاثة أيْمان عند ابن منير، وقيل: يصوم متتابعين، وقيل: يحتاط حتّى لا يشكّ، وقيل: إنّما يحتاط في المرسلة ويجزيه مغلّظة عن كلّ ما حلف، وقيل: هو مغلّظ حتّى يعلمها مرسلة، وقيل: عكسه.
ومن حلف أحدا على حقّ ظالما له بثلاثين حجّة أو غير ذلك فتاب وسلّم إليه حقّه بعد اليمين لزمته التوبة لا الكفّارة. ولزمت مغلّظة بأنّه بريء من الصلاة والصوم يمينا عند منير. وبالحلف بالله كذبا مع علم عند ابن روح.
ومن قال: لعن الله من قال ذلك ثمّ بدا له أنّه قاله فقيل: لا حنث عليه، وقيل: إن عنى نفسه باللعنة حنث وقيل: إن كان هو المتكلّم بذلك أو قاله عالما أنّه قاله.
وإن قال: لعن الله من يقوله ثمّ قاله بلا حنث عليه، وقيل: يحنث إن عنى نفسه.
ومن ساق حمارا فغمّه فقال والله إنّك ملعون لزمته -قيل- كفّارة إذ لا تقع عليه. (3/116)
صفحة 1043
ومن وقع بينه وبين قوم كلام فقال على من يدخل عليكم لعنة الله ولم يعن أحدا فلا بأس عليه عند ابن علي إن دخل وكذا إن قال على من يساكنكم أو يجاوركم ونحو ذلك.
ومن قبّح لحيته أو شعرة منها غير منفصلة لزمته الكفّارة. وإن قبّح وجهه أو قال: عليه القبحة قدر ألف سنة ثمّ استغفر مكانه، فإن لم يحلف ويحنث فقد استغفر ولا عليه. وإن حلف به على فعل ثمّ حنث لزمته ولا يهدمها استغفاره.
وإن قال: عليه لعنة الله إن لم يطلّق [424] لزمه صوم شهرين إن لم يطلّق، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: إطعام عشرة إن وجد وإلاّ فثلاثة.
ومن قال: هو يهودي أو نصراني أو صلاتي صلاتهم أو ديني دينهم أو صلاتي هبة لهم منّي أو صدقة عليهم لزمته مغلّظة.
فصل
من حنث ولم يجد عتقا ولا إطعاما ولا كسوة فابتدأ الصوم ثمّ استغنى لزمه أن يعتق أو يطعم أو يكسو، ولا يجزيه الصوم.
وإن حدث له الغنى بعد إتمامه أجزاه، وإن نواه فقير من الليل (108) معتقدا صوم عشرة عن مرسل في ظنّه ثمّ بدا له أنّ كفّارته ثلاثة أيام أجزته الثلاثة لها. وقيل: لكلّ حالف عن الظهار (109) أن يكفّره ولو بعد حنثه.
أبو عبد الله: تُكفّر الأيْمان بعد الحنث إلاّ الظهار فإنّه يكفّر قبله.
ومن سئل عن شيء فحلف أنّه لا يعرف أين هو فإن عرف به حين حلف لزمته -قيل- مغلّظة، وقيل: غير ذلك.
ومن أوصى بمرسلة أطعم عنه عشرة.
ومن حلف ما فعل كذا وكذا وقد فعله ونسي أنّه تلزمه، فإن تعمّد اليمين ذاكرا للفعل لزمته -قيل- أيضا ولو كانت اليمين مرسلة. (3/117)
صفحة 1044
ابن روح: من حلف بالله كاذبا متعمّدا غلّظ يمينه ولو لم يحلّفه به أحد ولم يقطع به مالا لاستيجابه النار، قال الله تعالى: {وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (سورة المجادلة: 14).
وقيل: من كذب في يمينه إن لم يحلف على كذب في حكم ولا قطع به مالا لزمته مرسلة عند عزّان. ومن حلف بعتق أو قال عليه كذا (110) في المساكين إن فعل كذا، فحنث وهو معسر فقيل: عليه ما التزمه، وقيل: كفّارة اليمين.
ومن طلبت إليه عارية فحلف أن ليس ما طلب في البيت ثمّ وجده فيه؛ فقد حنّث ابن موسى من عليه نذر أو يمين أو إيلاء أو عهد أو لعنة أو غير ذلك من موجبات الكفّارة، فله أن يكفّر ثمّ يحنث إن نواها ليمينه، وأن يحنث ثمّ يكفّر إلاّ الظهار فإنّه لا يباشر حتّى يكفّر، وقيل: ليس له أن يكفّر قبل الحِنث.
أبو الحسن: من قال: والله لا فعلت كذا وهي عليه صوم شهرين ثمّ حنث فإنّ عليه ما ألزم نفسه.
ومن قال لأحد: الله يعلم أنّي أحبّ لقاءك ومواصلتك أو أحبّك أو نحو ذلك وهو كاذب لزمته مغلّظة.
وإن قال: والله ما عليّ لفلان ديْن وهو كاذب وعنى به قطع حقّه وقد علم أنّه عليه لزمته مغلّظة أيضا.
فصل
من عليه كفّارة يمين وله مال يقدر به على التكفير فتوانى حتّى زال اختير له أن يصوم فإن أيسر بعد أطعم أيضا، وقيل: يكون ديْنا عليه حتّى يقدر، وقيل: إن توانى حتّى جاز له (111) الصوم فليس عليه أكثر منه وأساء في تقصيره لأنّه حقّ لله. (3/118)
صفحة 1045
وإن لزمت من له أن يصوم فترك حتّى صار ممّن له أن يطعم لزمه الإِطعام اتّفاقا. ومن لزمه -قيل- إطعام عشرة فترك حتّى افتقر كان ديْنا عليه فمتى وجد ولو بمسألة أطعم، وإن كان لا يقدر أن يسأل صام ثلاثة، فإن وجد بعد أطعم.
وليس لمن عليه صوم أن يستأجر من يصوم عنه ما حيي.
وقال عزَّان: من قال لأحد احنث وعليَّ كفَّارتك، ثمَّ حنث، فقال له: لم أعلم أنَّه مغلَّظ، فالله أعلم. وقيل: لا هلاك بترك الكفَّارة إلاَّ بكفَّارة القتل، والصيد، واليمين المرسل؛ وقيل: لا يهلك من دان بأدائها إن مات قبله، ويرجى له فيه.
وقيل: كلّ ما كان له، فإنَّه يرجى له فيه إن مات ناويا أداءه تائبا إلى الله وقد مرَّ. (3/119)
صفحة 1046
الباب الثاني والعشرون
في العتق والإطعام والكسوة ومن يلزمه ذلك
ومن له ما يكفيه من غلّته من سنة لسنة لزمه العتق في الظهار عند أبي الحسن وغيره وإلاّ أجزاه الصوم؛ وإن كفته ولم يفضل [425] له ما يعتق به إلاّ بالديْن أو بالاِنتقاص عن المؤونة أو ببيع الأصل لم يلزمه العتق.
وإن كان تاجرا أو صانعا أو أجيرا لم يلزمه أيضا حتّى يكفي مؤونته، ويفضل له ما يعتق به. ولا يلزم الصانع أن يبيع مصانعه ولا التاجر أن يعتق من رأس ماله إلاّ إن كان يبغي منه ما يكفيه وعياله، ولا أهل السفن أن يبيعوها، ويلزمهم في غلّتها. وكذا من يلزمه الإطعام عند أبي الحواري أنَّه إن كان عنده ما يكفيه كذلك ويفضل عنده خمسة عشر درهما، وبه قال ابن محبوب وليس بمطّرد كما لا يخفى، إذ قد تكون خمسة عشر لا تكفيه لإطعامه، ومن لم يكن له ذلك لم يلزمه عتق ولا إطعام ولا كسوة، ويجزيه الصوم.
ومن لزمته أيْمان تجاوز خمسة عشر وترجع كفّاراتها إلى أصل ماله أو إلى تحمّلها بديْن، فإن كفّر بعضها وصار لا يلزمه إطعام فإنّه يرجع إلى الصوم، فإن بقي عليه شيء ورجع إلى حدّ الإطعام أطعم، هكذا يكون إن كثرت أيْمانه وتقلّبت أحواله حتّى يقضي ما عليه.
ومن يصيب من غلّته ما يكفيه وعليه ديْن فإن كان حالا ويزول عنه الغنى إذا قضاه في حينه فإنّه يصوم، وإن كان ممّن يلزمه الإطعام خُيِّر في بيع أصله أو غيره، وكذا الزكاة إن صارت عليه ديْنا وأراد قضاءها حيّا، وهل تُقضى عليه من الكلّ أو من الثلث إن أوصى بها؟ قولان كما مرّ. ومن له ــ قيل ــ كثير فإذا باع منه في العتق بقي له ما يكفيه فإنّه يعتق. (3/120)
صفحة 1047
وسُئل بعض عن امرأة لها حلي وكسوة كثيرة وآنية غالية يُكتفى بدونها فهل لها أن تأخذ الزكاة أو عليها أن تبيع حليها وتستبدل بالثياب ما دونها، وتأكل الفضل وتجتزي بأدون من مسكنها وتأكل فضله أيضا؟ فأجاب بأنّ الحليّ تبيعه وتأكله إن كانت لا تحتاجه أو تكتفي بدنه، وبان منزلها إن وسعها، ويجزيها دونه تبيعه أيضا، وتأكل فضله إلاّ إن اتُّخذ للغلّة، فإذا باعته نقصت عن كفايتها في سنتها فلا يلزمها بيعه. ولها أن تأخذ من الزكاة ما يكفيها عن نقصانها من سنتها. وكذا في الثياب والآنية كما مرّ. وإن كانت حريرا باعتها واشترت ما لمثلها وأكلت الفضل إلاّ إن اُعتيد في بلدها لبس الحرير ولو لفقير، فتدع ما تحتاج إليه وتبيع الفضل.
وإن كان لامرأة زوج يقوم بمؤونتها ولها من الأصول ما لا يقوم لها بذلك لزمها أن تبيع منه لكفّارتها ولا يجزيها الصوم إن كانت لأصولها غلّة تبقى بيدها واستغنت بنفقة زوجها عن بيع أصولها وعن غلّتها لأنَّها غنية.
فصل
من لزمه بعض الكفّارات فله أن يعطي لأولاد غيره منها على يد أبيهم أو أمّهم إن أمنه، وكذا الوصي، فإن أعطى منها غنيا أو عبدا جاهلا به ثمّ علم كان في ثلث مال الهالك، ولا غرم على الوصي. وإن علم به وأعطاه جاهلا بالمنع له غرم ذلك من ماله.
وإن أعطى مشركا فلا يضمنه ولو علم به إن كان فقيرا، ويجزي عنه. ولا تُباع الكتب ــ قيل ــ ولو من الشِّعر النافع، ولا المصاحف في ديْن ولا في كفّارة اليمين، ولا في الفطرة. ويُباع القرطاس الغير المكتوب إذ هو من العروض.
وجاز إن يُعطى مسكين من واحدة مدين من بُرّ وآخر ثلاثة من شعير أو نحوه، وأن يعطى واحد مدّا من بُرّ ومدّا ونصفا من ذلك. (3/121)
صفحة 1048
ابن جعفر: من يجد من ماله ما يكفيه كما مرّ إلى الحول فإنّه يطعم ولا يصوم، وقيل: لا حتّى يفضل عنده عشرة دراهم، وقيل: خمسة عشر، وقيل: مئتان، وقيل: عشرون أوقية أو قيمة ذلك من الطعام، فهذا لا يصوم ولا يأخذ الزكاة ولا الكفّارة وقد مرّ؛ ولمن هو دون ذلك (112) أن يصوم ويأخذهما.
أبو عبد الله: كفّارة اليمين إطعام عشرة من أو سط ما تطعمون، وهو ــ قيل ــ الأفضل، وقيل: ما بين الجيّد والدون، والمختار أنَّه من أوسط طعام العامّة في البلد، فالبُرّ أفضل والذرة فيها تُخرج. ومن أخلطهما وأطعمهما أجزاه، وإن أطعم كلاًّ في زمانه جاز، ويطعمهم كما مرّ أكلتين متفرّقتين حتّى يشبعوا ويسألهم، فإذا قالوا: شبعنا اكتفى.
وإن أعطاهم حبّا كال لكلّ منهم مدّين أو ثلاثة، ويجزيه عند ابن محبوب مدّيْن [426] من الذرة أو الشعير الجيّد كالبُرّ، ولا إدام عليه. وإن أطعمهم خبزا وجب أن يكون مأدوما بما يتأدّم به عامّة البلد ولو خلاّ؛ وتجزي عند هاشم ومسبِّح في الكسوة عمامة (113) وخمار لا القلنسوّة عند موسى.
ويجزي الصوم فقيرا وشيخا زمنا لا مال له، وأرملة كذلك وذا عيال يعمل لهم بكذا.
أبو الحواري: من عليه كفّارة الظهار وله مال وعليه محيط به أجزاه الصوم.
وإن لم يكن لبالغ مال ولزمته كفّارة اليمين وله أب غني لو سأله لأعطاه ما يكفّر به ويمنعه الحياء منه أجزاه أيضا إذ لا يلزمه أن يسأله.
_أبو الحسن: من ليس عنده دراهم وعنده عبيد وغنم وحلي (114) أجزاه أيضا، ولا يبيع ــ قيل ــ الأصل.
أبو المؤثر: من عليه ثلاثة أيْمان مرسلة وفي بيته عشرة فقراء وسلّمها إليهم أجزاه. وتُفرّق الأيْمان حيث شاء من يفرّقها في بلد الموصي أو غيره، قال: وكنت قاعدا مع ابن محبوب في نزوى فدفع إليه ابن فهم دراهم وأمره أن يأخذ بها شعيرا ويفرّقه، وكتب عنه جوابا: إنّ كفّارة الأيْمان تُفرّق حبّا، ويعطى من الفطيم فصاعدا، (3/122)
صفحة 1049
فإن أطعم فلا يطعم إلاّ من يأخذ حوزته. وتُدفع عند أبي المؤثر لبالغ من الأولاد حصّته من الحبّ، وللصبي إلى من يعوله كاليتيم.
ومن فرّق أيْمانا فله أن يعطي الواحد مرّة من كلٍّ ما لم يصر بذلك غنيا. ومن أخذها بنفسه كان أحسن.
ويجزي الإرسال مع موثق به. ومن دفع حبّا إلى من يفرّقه وكان فقيرا فله أن يأخذ منه كغيره. وجاز لخمسة فقراء أن يأخذوا ممّن عليه عشرة أيْمان، من كلّ يمين نصفها، ولمن لزمته أن يعطي تمرا وبُرّا وشعيرا من كلٍّ مسكينا وأكثر حتّى تتمّ عشرة. وكذا إن أطعم بعضا وأعطى بعضا جاز له، وقيل: يُطعم الكلّ أو يفرّقه، واختير الأوّل.
وقيل: لا يجوز التمر عن الحبّ إلاّ في موضع يكون فيه غداؤهم التمر، وقيل: يجوز إن قام مقام الحبّ، ويُخرج منه لكلّ قيمة مدّين من الحبّ، وقيل: لا يجوز إلاّ إن فقد الحبّ، وقيل: لا يجوز دفع الطعام حبّا وتمرا، وإنّما يطعم إطعاما. وأجاز ابن محبوب لمن عليه أيْمان أن يخرج إلى القرى ويطلب أرخص، وأن يفرّق في محلّ يجده فيه، وأن يعطي فقيرا كلّ يوم حتّى يستوفي قدر ما يجب لكلّ مسكين.
أبو عبد الله: إذا بقيت الذرة الحمراء وصحّت مقشّرة فبعض يخرج ثلاثة أرباع لكلّ، وقيل: صاعا إن كانت من الباطنة. وأجاز ابن مداد إخراج الكفّارات من الدخن، ويكون لكلّ منهم صاع منه. وحبّ العلس (115) الصافي عندهم كالبُرّ، فإن كان في قرونه فلكلٍّ صاع من الجيّد الذي ينصف، ويُخرج من صاع القرون نصف صاع صاف. وقال صاحب "الكفاية": العلس المشهور كالبُرّ إن كان ضعفاه لمثل الشطر، ولينظر فيه ما هو. (3/123)
صفحة 1050
فصل
يجزي عن تمر إطعام خبز مأدوم. فمن دعا مسكينا ليطعمه فأكل لقمة إلى ثلاث لم يجزه. وإن أطعم أرزا أو دَخنا أو تمرا أو سوَيْقا وحده فالوقف.
أبو عبد الله: من أطعم دَخنا أجزاه إن أعطى منه بقيمة مدّيْن وإن من شعير، فإن كان ثمن صاع منه أرخص من صاع من الدخن أجزاه إن يعطي مدّين من الدخن لكلٍّ.
ومن أعطى فقيرا من كفّاراته ثمّ دخل عليه فقدّم له طعاما فلا يأكله إن علم أنَّه منها وإلاّ جاز له، ولا يلزمه السؤال والتفتيش.
ومن لم يجد في قريته ستّين أطعم ما فيها وأتمّ بالقريبة إليها.
أبو المؤثر: إن قال رجل لمن يفرّق ذلك: أعطني لابني ولزوجتي أو لجيراني أو لأحد سواهم فله أن يكيل له لكلّ من يعوله مفرّقا أو مجتمعا، وكذا المرأة إن كانت تعول أولادها ويميّز ما لجيرانه وحده، وإلاّ وأخبره من يصدقه أنَّه (116) وصلهم أجزاه. ومن له إخوة صغار يعولهم جاز أن يدفع إليه لهم، وإن كان يعولهم بفريضة حسب ذلك منها، ومنع الأزهر كغيره أن يطعم الرجل من كفّاراته من يلزمه عوْله. وجاز لامرأة إن لزم عوْل صغارها غيرها.
وإن فرغ الفقراء وبقي الحبّ فإن تعدّدت الأيْمان وأراد أن يعطي أهل كلّ بيت من كلّ أحصاهم وسلّم إلى الواحد منهم مدّين من بُرّ عن كلّ حتّى يستتمّ، وإن لم يفعل وكان الحبّ محدودا أعطى منه من حضر، ودفع الباقي إلى فقراء أقرب [427] القرى إليه. وجاز أن يدفع إلى رسول الفقير إن أمنه.
ومن لزمه إطعام ستّين فأعطى بعضهم ثمّ أمسك حتّى نسيه فإن شاء أن يفرّق في بلده استأنف ستّين، وعدّ فيهم من عرف أنَّه أعطاه أوّلا، ولا يكرّر عليهم، وإن شاء فرّق الباقي في قرية أخرى بقدر ما تيقّن أنَّه بقي. (3/124)
صفحة 1051
وسأل الوضّاح هاشما عمّن يكفّر فيطعم اليوم بعضا وغدا بعضا، فمنع ذلك إن وجد العدد، وإنّما يجوز ذلك فيمن لزمه الصوم فعجز فإنّ له أن يطعم ولو واحدا حتّى يتمّ ولو وجد غيره أو كان موسرا، وبعض كره ذلك، وشدّد فيه ولم يُجزه بعض إلاّ من عدم أو فقر.
ويقبض للصبيّ والدُه، ويبرأ الدافع له ولو غير ثقة أو صرفه في منافعه هو، وكذا أمّه ووكيله ووصيه ومن يعوله. وإن أتلفه من قبضه فيما لا يسعه ضمنه له لا لصاحبها، وإن سلّمه إلى الصبي وكان ممّن يحرزه (117) ولا يتلفه جاز ولو اشترى به فاكهة أو كان من غير أهل ذلك وأكل ما اشتراه أجزا عن صاحبها عند من يجيز ذلك، وقيل: يسلّم إلى الصبي، فإذا قبضه حفظه له القائم به. ورجى خميس أنَّه عرف أنَّه يجوز دفع ماله له إذا بلغ ستّ عشرة سنة أو خمس عشرة، وإن لم يقرّ بالبلوغ إن كان فيه قيل سنّ البالغ أو المراهق. وجاز ــ قيل ــ حلّه إن صار بهذه المنزلة.
ومن أوصى ــ قيل ــ بكفّارة الصلاة تفرّق عنه أو اليمين فلا تفرّق في غير بلده الذي مات فيه وأجزى عنه إن فرّق في غيره.
ومن أوصى أن يفرّق عنه شيء وقد لزمه عوْل فقير في حياته ولم يرثه فله أن يأخذ منه. ومن يفرّق كفّارات ونوى أن يدفع منها عن نفسه (118) أو عن ميّت ولم يميّز كلاّ وحدها، وإنّما أراد بعطيته لكلّ من أخذ شيئا أنَّه منها فقيل: يبرأ ولو لم يميّز لكلّ منها عدّة من الفقراء.
فصل
من عليه كفّارات فلا يلزمه أن يسأل الناس ليعينوه عليها، وقد أُمر بالتعجيل بها. ومن لم يجد في الظهار عتقا وقدر أن يصوم، فإن عجز عنه ولم يمكنه أن يطعم وخاف فوت زوجته بالعجز جاز له أن يسأل ويطعم لأنَّه غير مخيَّر، ولا انتظار له حتّى يكفّر وله السؤال في هذه خاصّة لئلاّ تفوته زوجته. (3/125)
صفحة 1052
وإن لزمته يمين فيما خاف فوْته فلا بأس عليه أن يسأل، وكذا إن عجز عن اكتساب قوته أو لزمه غرم في غير فساد ولا تبذير أو أخذ ماله بظلم، ويذهب كلّه إن لم يفده وقوته منه أو كان مطالَبا بديْن ضيِّق عليه فيه، ونحو ذلك جاز له أن يسأل.
وأن يُعطى اليتامى إن طلبوه ولو فطيما، وقيل: لا حتّى يبلغ، وقيل: يُعطى لمن يكفله إن أمن، وقيل: لا يقبض له غيره وقد مرّ ذلك، وكذا في الزكاة لهم إلاّ أنَّها تُعطى وإن لغير فطيم وتُجعل في مصالحه.
وإن قالت امرأة أنّ لها ولدا وطلبت من كفّارة، فإن اطمأنّ من يدفعها بتصديقها فله أن يدفع إليها، وكذا الرجل إن أمن أنّ له أولادا.
قيل لأبي سعيد فيمن سلّم لأحد زكاة أو حبّا وقال له: فرّقه عنّي، هل له أن يعتبر من يبرأ بالدفع إليه ويكون بمنزلته إذا لزمه ذلك أم لا؟ قال: هكذا عندي، قيل له: فهل جاز أن يقبض منها لنفسه ولا يخبره إن احتاج إليها؟ (119) قال: أجازه بعض كما مرّ، وبعض أجازه له إن غاب ربّها لا إن حضر إلاّ بإذنه. وأجاز أبو المؤثر دفعها للأسود إن طلبها حتّى يصحّ أنَّه مملوك.
ابن علي: فقراء المسلمين أحقّ بها وإن جازت لذمّي. ولذي كفّارة أن يأخذ يتيما ينفق عليه عشرة أيام.
ومن لزمته ونسي أكفّرها أم لا؟ فلا يبرأ حتّى يتيقّن أنَّه كفّرها.
ابن محبوب: من عليه يمينان فكفّر إحداهما وأوصى بالأخرى ثمّ شكّ في التي كفّر فقيل: يوقع نواه على إحداهما إن استوتا وإلاّ احتاط.
ولا يُطعم ــ قيل ــ كتابيٌّ من كفّارة ولا من فطرة ولا من جزاء ولا من واجب في حجّ ولا من ضحية فيه. (3/126)
صفحة 1053
الباب الثالث والعشرون
في كفّارة الصلاة والصوم والأيْمان
وهي في الصوم صيام متتابعين أو إطعام ستّين أو العتق، فمن صام بالهلال صامهما ستّين [428] أو غير يوم أو يومين. وإن صام بغيره صام ستّين، وإن عجز عنه أطعم كما مرّ.
وإن أطعم أحدا أكلة ثمّ أطعمه وإن بعد أيام ثانية جاز إن عرفه. (120)
واختُلف في الصائم لها إن بدا له السفر فقيل: له أن يفطر لأنَّها ليست بأشدّ من رمضان، وقيل: لا إذ ليس لها وقت؛ وكذا إن مرض إلاّ أنَّه أعذر. وكفّارة الصلاة لم تلزم من الكتاب ولا من السنّة ولا من الإجماع، وإنّما قال بها أصحابنا، ورجا خميس أنّ حجّتهم فيها قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ليس بين العبد والكفر إلاّ تركه الصلاة»، فكانت له كالأدب للنفس والعقوبة لها والزجر عن تركها، وما قالوه حسن.
أبو سعيد: من تعمّد تركها أو أكلا في رمضان أو كان يحلف ويحنث ثمّ تاب لزمه بدل ما ترك، وما أكل والكفّارة. وقيل: لكلّ صلاة كفّارة، وقيل: تجزي واحدة لكلّ ما ضيّع وهي ككفّارة رمضان. ومن ترك ثمّ صلّى ثمّ ترك لزمه بدل ما ترك وثانية. وقيل: إن شغل عنها بواحد كسكر أو بناء أو صنعة دخل فيها لزمه فيما ضيّع بذلك السبب واحدة، فإن ضيّع شيئا بغيره أو بمثله بعد خروجه منه لزمته أخرى أيضا، وقيل: لا إلاّ إن تعمّد الترك بلا مرض ولا سبب يُعذر به، وقيل: لا تلزمه بالترك على كلّ حال. قال خميس: ولا نعلم أحدا منّا عمل به إلاّ لمن تركها في وقت ذهاب عقله أو نومه أو لغفلته حتّى فات الوقت أو لعذر من الله. (3/127)
صفحة 1054
فصل
بعض الكفّارات ألزم من بعض، وتلزم من حرّم حلالا كزوجة وسريّة وغيرهما، ومن قتل صيد الحرم أو مؤمنة، ولا يزيلها عنه إلاّ أداؤها على وجهها لأنّ ما فرض بأحد الأصول وجب القيام بأدائه عليه (121) إلاّ إن نزل به عذر يزيل عنه حكمه بوجه؛ فالمعذور سالم.
ولا يحكم على من نسي بشيء، ويلزمه أن يجتهد ويتصدّق بشيء إذا لم يعرف ما حلف به أنَّه عليه أو لا ما هو، ولزم الاحتياط لزوال حدّ الفرض وهو الإتيان بالأكثر وبالأشدّ. وقيل: إذا لم يعرف ذلك احتاط في الأزمان التي لا يعذر فيها، وأقلّه واحدة وأكثره لا غاية له إلاّ الاطمئنان. وقيل: لكلٍّ من الأيْمان والصلوات كفّارة. وقيل: إن كفّر واحدة لما عليه من الصلوات وصوم بمتتابعين دخلت كفّارة الأيْمان فيهما إذا نواهما لذلك، وقيل: لا يجزيه عنها لأنّ الفرض فيهما الإطعام قبل الصوم إلاّ لمعدم فيجوز له فيها ولا يجاوز الشهرين في اجتماعها، ويدخل فيهما ما دون ذلك كما مرّ، فإذا صامهما على ذلك أجزاه عن كلّ كفّارة، وقيل: التوبة تجزيه.
ابن محرز: من حنث ولم يعلم كم حلف فإن لم يحفظ فمن يحفظ له فقيل له إنّ ابن منير يقول يكفّر ثلاثا فقال: من شاء أن يأخذ بما قال جاز له، وقال غيره: يجزيه عن ذلك متتابعان كما مرّ، وقيل: يكفّر بمغلّظة وبمرسلة احتياطا، وقيل: بمغلّظة حتّى يعلم أنَّه مرسلة، وقيل: بعكسه.
وإن تعاقد الزوجان على أن لا يتزوّج كلٌّ بعد موت صاحبه وأغلظا أيْمانا فمات فأرادت التزوّج أطعمت إن وجدت وإلاّ صامت ثلاثة، ولا يمنعها ذلك من النكاح. وإن حلفت بصدقة مالها أخرجت ذلك منه.
أبو عبد الله: من حلف أيْمانا مغلّظة ويترك الصلاة حتّى يفوت وقتها، ولا يصوم رمضان في جهله لزمته واحدة على كلّ ذلك. وقيل: من لزمته كفّارات فنوى (3/128)
صفحة 1055
أن يصوم شهرا عن عشرة أيام (122) أجزاه إن نواه على جميعها. وإن أفرد كلاّ بنية كان أفضل.
وقيل: إن صام المظاهر تسعة وخمسين ثمّ أفطر ظنّا أنَّه أتمّ ثمّ ذكر وأردفها (123) بيوم في الأجل أجزاه، وإن صامه بعده بانت منه، وإن وطئها قبل أن يصومه فسدت عليه.
أبو عبد الله: من أطعم أحدا من يمينه فليعلنه (124) أنَّه منها.
ويجزي إطعام الدَّخْن [429] إن كان بقيمة البُرّ أو الشعير كما مرّ ولو كان أغلى من الشعير. (125)
أبو عبيدة: من حلف بأيْمان جاهلا بالإسلام تاب ولا كفّارة عليه، ويتمّ صومها ولو قطعه مرض أو سفر كما مرّ لأنَّه كالليل والعيد. ومن صام منها شهرا ثمّ مرض فله أن يؤخّر إلى صحّته ويتم (126) أو يطعم ثلاثين، وقيل: ستّين.
ومن صام أربعة عن يمينين ولم يميّز فقيل: يجزيه، وقيل: لا حتّى يفصل بالنية.
وإن صام شهرين ثمّ علم أن ليس عليه إلاَّ واحدة أجزاه عنها إن نوى بصومه لليمين.
ومن خاف أنَّه لزمته كفّارات نواه قضاء عنها إن كانت عليه وإلاّ فهو قربة، وكذا الصلاة.
وعند محبوب يُعطى من غير البُرّ صاع لكلٍّ، والأصحّ ما مرّ من أنَّه ثلاثة أرباعه من الذرة أو الشعير. ومن البُرّ ما هو بمنزلته نصفه، ومن غير ذلك ممّا يُقتات يُعطى لكلّ صاع إن كان قدر ثمن نصفه من البُرّ.
أبو عبد الله: كان الربيع يقول: إنّ الشعير كالبُرّ ويُعطى الوسط من الحبوب.
ومن لم يجد في قريته ستّين فله أن يردد على من وجد فيها، ولا يبعث بالباقي إلى القريبة إليها، وقيل: يجوز كما مرّ بل يجب.
ويجزي المقرّ بالجملة في العتق، وقيل: حتّى يُنسب عليه الإسلام ويقرّ به. وقيل: تجزي القلنسوّة في الكسوة. (3/129)
صفحة 1056
الباب الرابع والعشرون
في ألفاظ الأيْمان
أبو سعيد: إنّها عندنا تجري على معنيين: المعاني والتسمية، وعند قومنا على أربعة: المعنى والتسمية والنية والتعارف. وقيل: إنّ جابرا دعا رجلا إلى طعام فأبى فقال له: أقسمت لتأتينّ فذهب فأكل فقال له جابر: كدت أن تحنثني، وقد ذُكر نحوه عن بشير.
ومن رأى في نومه أنَّه يحلف فانتبه فعقدها يمينا ولم يلفظ بها لم يكن ذلك يمينا.
ولعمر الله، وأيْم الله، ومعاذ الله، وأقسمت بالله، ولله عليّ، وأشهد بالله، والله عليّ شاهد، كلّ هذا ــ قيل ــ يمين.
ومن حلف بالقرآن أو سورة منه فهو ــ قيل ــ يمين لأنّ البسملة ثابتة في كلّ سورة، وقيل: لا، وقيل: عليه أيْمان بعدد القرآن، والإسلام والكعبة والصلاة ونحوها ممّا أوقع القسم فيه على غير اسم الله، وما لم ينوه بالله بذلك فليس بيمين، وكذا وحقّ رسول الله إذا لم يرد به القسم بالله أيضا، وقيل: إذا ذكر الله فيه فهو يمين. وإن قال: عليّ يمين لا أفعل كذا وكذا ولم يحلف بشيء لزمته، وقيل: لا حتّى يريدها به. وإن قال: حلفت لا أفعل كذا ولم يحلف فهي كذبة، وإن قال: يعلم الله أنَّه كان كذا وقد علم أنَّه لم يكن فقد لزمته مغلّظة، وقيل: مرسلة وقد مرّ. وإن قال: علم الله أنَّه فعل كذا كاذبا فمغلّظة؛ وأنشدتك بالله ليس بيمين. وإن قال: عليه بكلّ حرف في المصحف صلاة أو حجّة أو مغلّظة لزمه ما حنث فيه عند أبي علي. وإن قال: عليّ في الله لأفعلنّ كذا وكذا، أو بالله ثمّ حنث قال محبوب: إن أراد به نذرا فكفّارته مرسلة، وإن قال: عليّ لله أن أفعل كذا فقيل: مغلّظة، وقيل: مرسلة.
قال خميس: وفي الله عندي مثله، وعليّ بالله مرسلة كميثاق الله، وقيل: كعهد الله، وعليّ ما اتّخذ يعقوب على بنيه مغلّظة كما مرّ، ولا شيء عليه عند أبي زيّاد (3/130)
صفحة 1057
وأبي المؤثر لأنَّه لا يدري ما اتّخذ على بنيه. ولا والله لا أفعل كذا مرسلة. وقيل: لا حنث في ذلك كما مرّ. وحلفت وأقسمت ليس بيمين حتّى يقول: بالله.
وروي: «لا تحلفوا بسورة من القرآن، فمن حلف بها لزمه بكلّ آية منها يمين».
الربيع: أرفع الأيْمان والله وتالله وبالله وأيْم الله، وقيل في: "عليّ يمين" لا كفّارة لها. ومن حلف بالله الذي لا إلاه إلاّ هو ملء ما بين السماء والأرض لزمته مرسلة. ولزمت أيضا عند بشير من قال: لا إلاه إلاّ الله، أو سبحان الله ما فعلت كذا وقد فعله؛ وليس ــ قيل ــ أعوذ بالله، ومعاذ الله بيمين.
أبو الحواري: من أراد أن يقول: وحياتي حالفا على شيء فقال: وحياة ربّي فقد لزمته كَوَحَقِّ ربّي، قال خميس: ولعلّ غيره يعذره فيها لأنَّه لا غلّة على مؤمن في طلاق ولا في عتق ولا في يمين، وقد رُفع عنه كلّ خطإ من القول. ومن قال لأحد: أقسمت عليك بالله لتفعلنّ، (127) أو بحقّ [430] الله عليك ففي وجوبها عليه قولان. وإن قال: أقسمت لتفعلنّ يريد نفسه أو آليت ونوى به يمينا، أو يقسم بالله أو نوى بالله ليفعلنّ فمرسلة.
ولزمت من قال: لله عليّ إن حنث مغلّظة عند ابن روح، مرسلة عند أبي سعيد. وسُئل ابن أحمد عن قائلة لولدها: عليّ رحمة الله أو رحمة ربّي أنّي لا أكلت أو إن أكلت من عندك شيئا، فقال: لم أحفظ فيها شيئا، ولا أراه عليها لأنَّها دعت لنفسها بما ينبغي لها. أبو الحواري: إن حلفت يمينا بالغة من أيْمان لا كفّارة لها لزمتها مغلّظة إن حنثت.
أبو جابر: من قال: اللهمّ لا آكل طعام أحد ولا أفعل كذا لزمته كفّارة إن عنى به القسم، وحنث لا إن عنى به الدعاء. وقيل: كلّ ما يقوله أحد عليّ كذا وكذا فعليه فيه ما التزمه.
أبو عبد الله: تلزم الكفّارة في والله، وبالله، وقيل: بالله ليس بيمين حتّى يريدها به. وفي وتالله وأيْم الله وربّي وربّك، والذي خلقني أو خلقك، وفي والحقّ إن (3/131)
صفحة 1058
عنى به الله لا إن أراد به العدل. وإن قال: أنا عبد الله أو حقّ رسولك والكعبة وحرمتك وحرمة الإسلام والإمام ففي كلّ ذلك استغفار لا كفّارة. وحقّ الله يمين، وقيل: يمينان، وقيل: مغلّظ، وقيل: مرسل. وحلفت عليك ليس بيمين حتّى يريدها به، وسألتك بالله أو بالرحم الذي بيني وبينك، أو بحقّ الإسلام ليس بيمين. وإن أُريد بـ"عليّ يمين" اليمينُ لزمت. وإن قال: أنا حالف ولم يحلف فكذب لا يمين. وإن قال: عليّ حرام { ... مَا حَرَّمَ إِسْرَآئِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ ... } الآية (سورة آل عمران: 93) لزمته مرسلة إن عنى به يمينا أو حنث.
ابن محبوب: من قال: عليه ما تعجز عنه الجبال إن فعل كذا ثمّ فعل فإن نوى به يمينا فمغلّظة وإلاّ فلا شيء عليه. وإن قال: عليه شديدة وأنا حالف بثلاثين حجّة ولم يحلف ولم يعتقد يمينا أن يفعل كذا أو لا يفعله فكذب لا كفّارة تلزمه، وكذا إن أخبر أنَّه حلف أنّ عليه ثلاثين حجّة أو عليه يمين أنَّه فعل كذا ولم يفعله لم تلزمه. ومن قال: الحمد لله وأراد به يمينا لزمته.
فصل
من حلف ليرفعنّ على خصمه فمتى ما رفع عليه فقد برّ إلاّ إن أتى عليه ما لا يمكنه فيه كموت أحدهما أو غيره ممّا لا يمكن الرفعان إليه فإنّه يحنث. وإن حلف ليستقصينّ عليه في الطلب، فإن رفع عليه وطلب إليه مطالبه واجتهد فقد استقصى فله ما نوى إن نوى. وإن حلف ليعرفنّه نفسه فله ما نوى أيضا إن نوى وإلاّ فإن عرّفه بلسانه أنَّه فلان بن فلان فقد عرّفه نفسه. وإن حلف ليسوءه أو ليوفّيه أو ليعاقبه، فإذا عاقبه فقد برّ، وفي الباقي ما نوى لنحولنّ بينه وبين كذا، فإذا فعل فقد برّ.
ابن محبوب: من حلف على شيء لا يأكله أو بيت لا يدخله إلى الصيف أو إلى الشتاء أو إلى إدراك كذا أو إلى (128) انقضاء ذلك، وقد يتقدّم بعض النخل ويتأخّر بعض فقوله إلى إدراكه إدراكه مع العامّة، ولا يحنث قبله، وإن قال: إلى آخر القيظ (3/132)
صفحة 1059
فهو إلى أن يفنى الرطب من مواخير القيظ. وإن قال: إلى أوّله فإلى إدراك أوّله، وكذا إن قال إلى آخر القيظ فإلى آخر شيء من الرطب، وإن قال: إلى انقضائه فإلى انقضاء قيظ العامّة، وإن قال: إلى الصيف فإلى إدراكه مع العامّة في الحزان (129) والدوس. وإن قال إلى أوّل الذرة فإلى إدراك مقدمها، وإن قال: إلى آخرها فإلى آخر بعضها، وإن قال: إلى الربيع فإلى حلّ النخل، (130) ولو بقي مواخيره إذ لا يُعتدّ بها، وإن قال إلى الشتاء فإلى دخول البيوت من البرد. وليس النظر في هذا إلى حساب أهل النجوم والأوقات، ولا عبرة بحسّ البرد في غير أوانه ولا يحنث به.
ومن حلف ليصلّينّ صلاة لا يزيد فيها ولا ينقص قال أبو عبد الله: إذا حفظها ولم يزد ولم ينقص فقد برّ.
أبو علي: من قال: لله عليّ صوم رجب فصامه إلاّ يوما استأنف شهرا وكفّر يمينه. ورجا خميس أنَّه إن عيّنه من سنة (131) معروفة فهو كما قال، وإلاّ فإنّه يصوم شهر رجب (132) متتابعا من سنة ما، ولا كفّارة [431] عليه.
وإن قال: إن فعلت كذا فصومي فاسد فعنى به معروفا منه أو أرسل، فإن كان ذلك مفسدا للصوم فقد صدق ولا عليه وإلاّ كان يمينا إن أرادها، وإن عنى أنَّه أثم إثما مفسدا له كان يمينا. وإن أرسل اللفظ ولم يخرج فيه موجبا لها لم تلزمه.
ابن أحمد: من حلف لا يصل فلانا فأهدى إليه ولو سلاما ردّ إلى نواه إن نوى وإلاّ خيف عليه الحنث.
ومن نذر أن يحجّ وعليه فريضة أو يصوم في بلد معيّن فصام فيه رمضان أو بدلا أو كفّارة أو يدخل بيتا لم يدخله، أو بيت بني فلان أو يصلّي في كذا فصلّى فيه فريضة فإنّه إن فعل شيئا من هذا أجزاه عن الحالين ما لم ينو شيئا فله وعليه.
ومن حلف أن يصوم شوالا أو ذا الحجّة فصامه إلاّ العيد لم يحنث ويبدل يوما، ولا ينفعه إن صامه. وإن حلف أن يصومه حنث، ولا صوم فيه. وإن حلف أنَّه صام السنة وأفطره فلا يحنث إن أبدله. (3/133)
صفحة 1060
وإن قال: عليه صوم الدهر إن ولي للمسلمين ولاية ثمّ تولاّها لزمه صومه ما حيي، وإن أراد فطرا أطعم كما مرّ، وقيل: لا يجده إلاّ إن عجز عن الصوم، ولا يفطر إن سافر إلاّ إن عجز، فإن أفطر من عذر أطعم كما مرّ في النذر، ولا يُطعم عن العيد، واختار خميس أن لا يحنث من حلف على الولاية ولا يتولّى إلاّ إن كان إمام العامّة وخاف ذهاب دعوة الإسلام والدولة إن ترك فإنّه يتولّى الإمامة ويحنث.
ابن محبوب: من قال: عليه عهد الله في غير قسم فلا عليه؛ وقيل: لزمت قائلا بيتُ أخيه عليه حرام وكلامه ولبس ثوبه حرام واحدة إن حنث واتّحد المحلّ، وقيل: عليه بكلٍّ كفّارة ولو اتّحد.
وقيل: من حلف بأيْمان متّفقة اللفظ ولو كثرت في معنى في مجلس لزمه بكلّ لفظ كفّارة، وقيل: واحدة، وإن تعدّد المقام أو المجلس فلكلّ كفّارة، وقيل: عليه واحدة ولو اختلفت الألفاظ واتّفقت المعاني. وقيل: في كلّ لفظ كفّارة ولو اتّحد معناها إلاّ إن اتّحد المجلس.
ومن حلف بالله ولعن نفسه وقبّح وجهه فهذه معان مختلفة، وقيل: إنّما يختلف منها مخالفان لليمين، وهما متّفقان في المعنى وهو اللعن والقبح وكذا ونحوهما، ونحو يهودي ونصراني ومشرك.
فصل
من حلف أنّ ماله صدقة فحنث تصدّق بعشره كما مرّ، وإن حلف عشر مرّات بذلك تصدّق به إلى عشر مرّات عشرا بعد عشر. أبو الحواري: إن سمّى للفقراء فعليه عشره على المختار وإلاّ فلا شيء عليه (133) وكذا حُكي عن ابن محبوب وابن علي.
وإن حلف عشرا في معنى لزمه عشر واحد، وقيل: عشر مرّات ولو ذهب ماله كلّه، وقيل: عشر بعد عشر. وإن اختلف المعنى لزمه عشر لكلّ، وإن اتّحد واختلفت (134) السبل ففيه خلاف، وإن لم يسمّ بأحد ولا نوى فقيل: يفرّق عشر (3/134)
صفحة 1061
ماله لهم، والصدقة عرف أهلها في {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ} الآية (سورة التوبة: 60)، وقيل: عليه العشر إذا عرف أنّ الصدقة للفقر، وقيل: كفّارة يمين لأنَّه أراد القسم، وقيل: لا شيء عليه حتّى يسمّي أو ينوي. وقيل: إن علم أنَّها لمن ذكر ثمّ حلف بها فهي لهم وإن لم يسمّ أو لم ينو، وقيل: حتّى يفعل وإلاّ فلا شيء عليه.
ابن علي: من قال عليه ألف لعنة لزمته واحدة، وإن قال عليه خمسة عهود لله لزمته مغلّظة لكلٍّ، وقيل: واحدة تجزيه في العهود ولو كثرت. أبو الحواري: من قال عليه عشرون عهدا بالله لزمته عشرون مرسلة، وإن قال لله لزمته عشرون مغلّظة.
أبو المؤثر: لله كعهد الله سواء، وميثاقه كعهده أيضا، وكذا عهد رسول الله وميثاقه.
وقال (135) سليمان: من قال: أنا أعطي الله عهدا إن فعلت كذا أو أن أفعل لزمته مغلّظة. وقيل: كفّارة العهد بالتغليظ عتق أو إطعام أو صوم.
ومن قال عليه عهد الله ليفعلنّ كذا ثمّ حلف بالله الذي لا إلاه إلاّ هو ليفعلنّه ثمّ عليه حرام ليفعلنّه كفّر واحدة إن حنث.
أبو مروان: من قال هو يهودي [432] ونصراني ومجوسي لزمته لكلّ ملّة كفّارة إذا حنث.
وعند محبوب: أنّ الكفّارات إذا اتّفقت في الحنث فهي واحدة، وقال غيره: ولو كانت بلفظ واحد إلاّ أنَّه في مقاعد فلكلٍّ كفّارة، وقيل: لكلّ لفظ ولو في واحد. وإن قال: إن فعلت فلا قبل الله منّي صلاة ولا صوما ثمّ رجع فضيّع ما قال لزمه صوم متتابعين عند ابن علي، وعند أزهر ثلاثة أيام أو إطعام عشرة، ولا حنث ــ قيل ــ عليه إن فعل ناسيا.
وقيل: من حلف أن يصوم الدهر فقد حنث إذ لا يحلّ صوم العيد، وكذا إن حلف أن يصوم أوّل ليلة من السنة فوافقته أو ذا الحجّة كلّه. ومن قال عليه صوم شهرين بلا متتابعين جاز ــ قيل ــ تفريقهما لا تفريق الأيام في الشهر عند الأكثر. ومن صام شهرا وأفطر ما أفطر ثمّ صام آخر فقد رجى خميس أن يجوز. (3/135)
صفحة 1062
فصل
أبو الحواري: من قبّح وجهه ثمّ قال، وإلاّ فعليه صوم شهرين لا يشرب لبن قوم، ثمّ قبّحه وإلاّ فعليه ذلك لا يأكل طعامهم ثمّ قبّحه وإلاّ فعليه ذلك لا يدخل منزلهم لزمه في كلّ ذلك ما التزمه إن حنث فيه، فإن شرب لبنهم صام شهرين وثلاثة أيام للقبحة، وكذا في الطعام والمنزل ولو اتّحد المجلس.
أبو عبد الله: من حلف لا يصلّي خلف فلان ثمّ نسي فصلّى، فحين فرغ ذكر أنَّه صلّى جنبا حنث، ولو صلّى خلفه ركعة أو دونها إلاّ إن قال صلاة أو نواها فلا يحنث حتّى يتمّها.
وإن صلّى نافلة في رمضان حنث بركعتين إلاّ إن نوى مفروضة. وإن حلف لا يؤذِّن فأذّن بعض الآذان ففي حنثه قولان؛ وقد مرّ إن حلفت عليك ليس بيمين حتّى يريدها به.
وعليّ يمين ــ قيل ــ يمين إلاّ إن نوى غيرها؛ ولا شيء في سألتك بالله؛ وفي بالله وبحقّه عليك خلاف.
ولا يمين في لا إلاه إلاّ الله إن لم أفعل كذا حتّى يريدها به، ولا في حقّ الكرسيّ، وفي حقّ كرسيّ الله قولان.
ومن حلف بالله كاذبا عالما لزمته مغلّظة عند ابن روح، وقيل: إن لم يحلّفه الحاكم ولم يقطع به حقّا فمرسلة، وقال هاشم: لا نعلم في لعمر الله يمينا، وفي أقسمت عليك قولان؛ وعزّة الله وعظمته وأعوذ بالله يمين؛ وفي إن فعلت كذا فعليّ عتق يمين عند أبي يحي.
ومن التزم صوما في شيء لزمه عند أبي الحسن ولو لم يذكر اسم الله. ومن قيل له الله شاهد عليك وملائكته أنّك تفعل فأنعم ولم يفعل (136) لزمته مغلّظة. (3/136)
صفحة 1063
الباب الخامس والعشرون
في يمين الصبيِّ والعبد والمشرك
فمن حلف قبل بلوغه أيْمانا وحنث ثمّ ذكرها بعده فلا تلزمه كفّارة. وإن حنث بعده فقولان فيها. وكذا من حلّف مملوكا أو مشركا وحنث بعد عتق أو إسلام فيه قولان، وقيل: إن حنث العبد في عبوديته لزمه الحنث ولا يكفّر إلاّ بإذن مولاه، فإن صام به أو أطعم أجزاه كما مرّ، ويؤمر أن لا يمنعه من التكفير بالصوم، ويجزيه إن لم يعجز عن خدمته لأنَّهما واجبان عليه.
والمختار في المشرك إذا حنث بعد إسلامه أن يلزمه الحنث إذ هو به ألزم من الصبي لأنَّه مخاطَب به دونه.
وإن حلف بالصدقة والعتق وحنث بعد إسلامه فإن كان يحرم ما حلف عليه لزمه الحنث وإلاّ فلا.
وجاز للعبد عند محبوب أن يكفّر إذا حنث إن أذن له مولاه وإلاّ فلا، وقيل: يلزمه الصوم وإن بلا إذنه كما مرّ، وإن لم يكفّر حتّى عتق، فإن أيسر في حينه أطعم وإلاّ أعاد الصوم إن صام قبلُ بلا إذنه. (3/137)
صفحة 1064
[433] الباب السادس والعشرون
في الأيْمان بالغيب
فقيل: إنّها (137) حنث حتّى قيل: إنّ من حلف بالطلاق أنّ الحجّاج بن يوسف الثقفي عامل عبد الملك ابن مروان في النار فإنّه يحنث إلاّ إن قال عندي.
وقيل: إلاّ إن قال: إن مات على ما كان عليه إذ لا يشهد على من لم ينصّ عليه أنَّه من أهلها لأنَّها من الغيب.
ومن أخذ رمّانة فحلف أنّ فيها كذا وكذا حبّة ثمّ فلقها فوجدها كذلك فإنّه ــ قيل ــ حانث، وإن حلف أن ليس فيها ذلك فوُجدت كذلك لم يحنث.
أبو المؤثر: من عهد رجلا في البيت ثمّ خرج فلقيه آخر سأله عنه فحلف أنَّه فيه فقد حنث.
ومن حلف بالطلاق أن لا ينزل اليوم غيث أو لا يقدم فلان أو نحوهما عزما وقع من حينه.
وإن كانت يمينه أنَّها كذا وكذا، ولم يكن من استثناء طلّقت إن لم يكن ذلك لا إن كان.
وقيل: إن رأى رجلان طيرا فحلف كلّ منهما بالطلاق أنَّه كذا وكذا ثمّ طار فلم يُعرف حنثا إن حلفا على الغيب ولو أصابا.
وإن استيقن أحدهما أنَّه (138) كما حلف وقال إنّه تيقّن لم يحنث.
ومن حلف أنّ جبل كذا وكذا بحاله حنث، وإن حلف إن كان بحاله فليس من يمين الغيب، وقيل: لا يحنث مطلقا لأنّ الجبال لا تزول إلى يوم القيامة، وقيل: يحنث لأنّ الله يفعل ما يشاء.
أبو الحواري: من حلف على الأشياء الثابتة كالجبال والبحور أنَّها بحالها (139) ولا يرى ما حلف عليه منها فهو حانث. (3/138)
صفحة 1065
ابن علي: من حلف لا يقدم فلان غدا أو لا يموت أو لا يخرج أو لا تلد فلانة أو لا تحمل أو لا تقوم القيامة أو نحو ذلك حنث من حينه لأنَّه غيب (140). وإن قال: إن قدم فلان غدا أو خرج أو ولدت أو قامت القيامة أو نحو ذلك لزمه يمين أو نذر، أو قال: إنّ الحلال عليه حرام أو عكسه أو عليه لعنة الله أو غضبه فليس بغيب، ولا يحنث حتّى يقع ذلك.
ابن جعفر: من حلف بالطلاق إن لم يصبّ الغيث موضع كذا وكذا أمس فصحّ أنَّه أصابه فيه فإن لم يعزم على الغيب أنَّه أصابه، قال: فنرجو أن (141) لا يحنث لأنَّه قال: إن لم يصبه وأن لا تطلّق، وقيل: يحنث. وقيل: إن كان كما قال وله نواه إن لم يعزم أنَّه أصابه. وإن عنى أنَّه إن أصابه خرج على ما تقع عليه الصحّة في ذلك.
وقال: من حلف أنّ في هذه الرمّانة مائة حبّة فهو غيب، ويحنث به، وإن عنى أنَّه إن لم يكن فيها ذلك، فإن وجد فيها لم يحنث إذا نظرت، وقوله يحنث في قوله إن لم يكن فيها كذا يخرج على العزم، وقيل: لا يحنث إن كان فيها ذلك، وقيل: له فيه نيته، فإن كان منه ذلك عزما حنث وإلاّ فلا إن كان فيها وإلاّ حنث.
ولا يحنث إن كان فيها أكثر إذ لا يضرّه الزيادة. وإن كان في حبّة منها نواتان فلا تعتبر في تمام المائة، وإن كان في الحبّ رطب ويابس عُدَّا فيه، وإن كان فيه مُدرك وغيره فإنّه يعدّ فيه كلّ ما صار حبّا، وإن تلفت الرمّانة قبل أن يعلم ما فيها فلا يُحكم عليه بالحنث.
ومن حلف أنّ في البحر في حينه سمكا بلا علم به فيه فهو موجب لحنثه، وإن أراد على المعتاد فنرجو أن لا يحنث إن قصده لأنَّه المعروف من البحر والسمك، وإن حلف ليحيينّ الموتى لم يحنث من حينه لأنّ الله يفعل ما يشاء.
وإن حلف أنّ الشمس تشرق غدا من المشرق حنث ولو أشرقت منه.
وإن حلف على ما يعلمه من صدق نفسه لم يحنث. (3/139)
صفحة 1066
الباب السابع والعشرون
في جواز اليمين والنية فيها
وقد حلف أبو عبيدة على أربعة دوانق له على رجل جحده إيّاها، قال تعالى: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللهَ عُرْضَةً لأِيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا} (سورة البقرة: 224) فقيل: إنّ ذلك فيمن حلف عن فعل ما له [434] فيه ثواب عند الله، فإنّ له أن يحنث ويكفّر يمينه ويتقرّب إليه بفعله، ولا يعتلّ بها عن فعل ما نُدب له لما روي: «من حلف على شيء فرأى أفضل منه فليكفّر يمينه وليأتي الأفضل»، ومن ثمّ قيل: يحنث، وقيل: لا حتّى يفعل.
فمن حلف بالله ثمّ حنث فليحفظها حتّى يكفّرها. ولا بأس على من حلف به صادقا.
ابن جعفر: من حلف ليفطرنّ رمضان أو يوما منه أو هذا اليوم، أو ليطأنّ أهله فيه، أو ليقتلنّ فلانا أو نحو ذلك لم يحنث إن فعل وإلاّ حنث، ويؤمر أن يكفّر ولا يفعل ولا ينوي فعله فيأثم إلاّ إن سافر فيه فيجوز له الفطر أو يقتل من يحلّ قتله.
ابن بركة: من حلّف أحدا على حقّ ظالما له ثمّ تاب وسلّمه إليه لم تلزمه كفّارة.
فصل
اختُلف في النية في الأيْمان فقيل: للحالف ما نوى، وقيل: ليس له ولا عليه، وإنّما يثبت له وعليه ما وقع عليه الكلام فيها، وقيل: عليه ما نوى ولا له، وهذا ما لم يحكم عليه لغيره، فإذا وقع عليه لزوجة في طلاق أو عبد في عتاق حكم عليه بما ظهر (3/140)
صفحة 1067
من اليمين، ولا يقبل دعواه فيما أسرّ من النية ولو كان الحاكم ممّن يراها له ما جاز أن يحمل خصمه له على الحكم بذلك لأنَّه مقرّ باليمين مدّع للنية.
ومن استحلفه جائر ظلما وخاف ضربا أو سجنا فحلف له على ما استحلفه، واستثنى في نفسه فإنّه ينفعه.
وإن استحلفه الحاكم لخصمه على حقّه لم ينفعه لأنّ اليمين للمحلِّف.
ومن حلف لأحد: ليرضيه ولم تلزمه اليمين له ولم يبطل بها حقّا أنفعه استثناؤه.
أبو عبد الله: إن نقبَ السارق بيت رجل فأدخل رأسه فيه فضربه فقتله جاز له، وإن طلب منه وليه يمينا حلف ما قتله، ويقول سرّا ظالما له يحرّك به لسانه.
أبو جابر: من حلف ما فعل كذا وكذا العام ثمّ سكت ثمّ قال ولا نواه، ثمّ نظر فإذا هو نواه، فإن قطع فيما بين ذلك بسكوت أو كلام فقد انقطع، ولا يلحقه إلاّ إن علم أنَّه التحق هذا بتلك اليمين.
وإن شكّ أنَّه سكت واستيقن القول لا السكوت فيما بين ذلك خيف أن يلزمه حتّى يعلم أنَّه قطع فيه.
وسُئل ابن علي عمّن حلّفه رجل اتّهمه بالدخول عليه، فقال: إنّ اليمين على ما حلف، وقد حنث وليس له أن يصرفها بنواه، ولزمه الحنث إن حلف حانثا. (3/141)
صفحة 1068
الباب الثامن والعشرون
في اليمين على فعل شيء فيفوت قبله، وفي الكلام قبل تمام اليمين
ابن علي: من حلف بطلاق أو غيره إن لم يضرب فلانا أو يقيّده أو يكلّمه فمات قبل أن يفعل حنث ولا ينفعه بعد موته.
وإن حلف إن لم يغسله أو يحمله فمات قبلُ فغسله وحمله فقد برّ، ولا يحنث إلاّ إن نوى ذلك في حياته.
وقد يكون من الفعل بعد الموت ما يبرّ به كالحياة، ويحنث فيه كما يبرّ، ويبرّ بمثل ما يحنث من اختلاف في ذلك واتّفاقه، فلو حلف لا يضربه فضربه ميّتا اختير حنثه كما إن حلف أن يضربه فضربه ميّتا.
وما جاز فعله في الحياة وبعد الموت ففعله بعده فقد برّ، كمن حلف إن لم يأكل من لحم معيّنة فماتت فأكل منه، أو إن لم يغسل فلانا أو يحمله ففعل بعد موته ونحو ذلك لم يحنث.
وإن حلف لا يدخل قرية كذا أو دار فلان ونحوهما فخرّبت فدخل محلّها حنث، وقيل: لا.
وإن حلف أن يضرب غلامه أو يعطي زيدا شيئا فلم يفعل حتّى مات حنث، وكذا إن حلف لا يأكل لحم معيّنة فأكله بعد موتها فقيل: يحنث، وقيل: لا حتّى يأكله كلّه.
وإن حلف ليعطينّ فلانا كذا وكذا أو يوفّيه حقّه فمات ففعل ذلك لوارثه فهل يحنث كما مرّ في زيد أم لا؟ قولان. (3/142)
صفحة 1069
ومن حلف أن يضرب هذا الطير أو الجمل حتّى يقتله فضربه ثمّ ذبحه قبل القتل أو الضرب فإن ذبحه بعده وقبل الموت به فقد حنث، وجاز أكله. وإن ذبحه ثمّ ضربه قبل أن يموت حتّى مات فلا يحنث ولا يحلّ أكله.
فصل
من قال عليه لعنة الله أو غضبه أو ألف يمين أو الحجّ، أو امرأته طالق أو عليه [435] كظهر أمّه ثمّ سكت، ولم يقل إنّ فعل كذا وكذا ثمّ فعل ما أراده، فإن حلف بالشيء إرادة ثمّ بدا له فأمسك قبل تمام اليمين فلا يلزمه إلاّ في الطلاق.
ومن قال لأحد: اذهب إلى فلان فقل له إنّ فلانا يقول: والله لأدخلنّ منزل فلان، ثمّ قال له: لا تذهب، فهذا رجوع هادم لليمين ما لم يقل لمن أرسل إليه.
هاشم ومسبح: من طلب امرأة ليتزوّجها فقالت إن تزوّجت العام فمالها صدقة ثمّ سكتت فقيل لها: فبعده، فقالت: ولا بعده فقد انقطع اليمين حين سكتت (142) إلاّ إن عقدت تمامها على ما ألحقت وهو قولها ولا بعده.
ومن حلف يريد ما فعل كذا، أو أن يفعله ثمّ أمسك فلا بأس عليه إلاّ في الطلاق والعتق والظهار، فإن حلف بواحد منها ثمّ لم يتمّ ما أراد، لزمه ذلك إلاّ إن حدّث به أبكم لا يقدر أن يتكلّم فيما يستأنف فلا يلزمه.
ابن أحمد: إن قالت نساء لامرأة: إنّ فلانا يريد أن يتزوّج بكِ، فقالت: عليّ لله (143) ألف حجّة لا تزوّجته، فقلن لها: ولا غيره، ثمّ قلن لها: كيف حلفت؟ فقالت: قلت عليّ ذلك لا تزوّجته ولا غيره، فلا تحنث عند أبي علي إلاّ في فلان لا في غيره لأنَّها عقدت عليه وحده وقصدت إليه ثمّ سكتت، وقلن لها: ولا غيره، فتبعت ولم تعقده ثمّ قلن: كيف حلفت (144)؟ فقالت: كذا وكذا فكأنَّها تخبرهنّ خبرا، وكذا قال فيها أبو بكر. (3/143)
صفحة 1070
الباب التاسع والعشرون
في الأيْمان إذا اتّفقت في اللفظ والمعنى (145) واختلفت وفي عطف اليمين
ابن جعفر: كلّ من حلف بيمين على شيء في مقعد فهي واحدة ولو كثرت، وإن حلف بها على شيء ثمّ بها على آخر في مكانه أو بأيْمان مختلفة على شيء، ثمّ حنث فعليه لكلّ كفّارة، وإن حلف بمتفرّقة بلفظ واحد في معنى ثمّ حنث، فلكلّ كفّارة ولو اتّحد المكان إن تعدّد ولو في واحد بواحد، وقيل: حتّى تختلف الأيْمان فيكون لكلّ كفّارة.
وإن اختلفت الأماكن والساعات فإن اتّفقت الأيْمان بواحد في معنى لزمته واحدة ولو كثرت. وإن اختلفت المعاني لزمت في كلّ كما مرّ ولو اتّفقت الألفاظ.
ابن محبوب: لا شيء على من قال عليه ألف لعنة إلاّ إن قال: من الله كما مرّ، فتلزمه واحدة إن لم ينو أكثر.
وإن قال عليه ألف عهد لله أو من الله ثمّ حنث فعليه صوم ألفيْ شهر أو إطعام قدرها، وقيل: لزمته مرسلة فقط. وإن قال: ألف عهد الله لا لله ولا نوى ذلك فلا شيء عليه. وإن قال: ألف لعنة أو عهد أو قبحة أو حجّة وحنث فيلزمه في الحجّ ما قال ولا شيء عليه في الباقي عند ابن محبوب حتّى يقول من الله أو ينويه.
ابن جعفر: من حلف ليجعلنّ الراية في رقبة (146) جاريته يوما ثمّ ليجعلنّها فيها ثلاثة ثمّ خمسة، ثمّ حنث بموتها قبل أن يضعها فيها أو بغيبتها لزمته لكلّ كفّارة، وإن كانت كلّها بالله أو مغلّظة لاختلاف أوقاتها حيث ذكر في يمين يوما، وفي أخرى ثلاثة، وفي أخرى خمسة وقد رفع مثله عن أبي مروان، وقيل: إن جعلها فيها خمسة (3/144)
صفحة 1071
فقد برّ في أيْمانه، لأنّ اليوم والثلاثة داخلان فيها، ولو جعلها فيها يوما برّ في واحدة فقط، وإن جعلها فيها ثلاثة حنث في واحدة. وإن تركها أصلا حنث في الكلّ.
أبو الحواري: من حلف بمختلفة على شيء لزمته فيها واحدة، وإن فعله ثمّ حلف ما فعل لزمته بكلّ كفّارة.
ابن محبوب: من قال عليه ألف لعنة في معنى ثمّ حنث فيه لزمته واحدة. وإن قال: ألف حجّة أو يمين أو عهد لزمه ألف، وقال غيره: إن قال: من الله رُدّ إلى واحدة كما مرّ، وإن قال: ألف حَجّة أو هدي أو بدنة أو ممّا يفعل لزمه الكلّ؛ وفيما يرجع إلى معنى واحد واحدة.
ومن حلف لا يلبس ثوبه ثمّ لبث أياما فقيل له: كفّر والبس، فحلف أيضا لا يلبسه ثمّ بدا له أن يلبسه لزمته عند موسى إن لبسه كفّارتان، وعند سليمان واحدة، واختاره أبو سعيد.
ومن قال: عهد الله لا يفعل كذا وكذا ثمّ فعله، فإن نوى به يمينا لزمته كفّارتها وإلاّ فلا.
ابن محبوب: من لعن نفسه ألفا لا يلبس من غزل امرأته فحنث صام متتابعين أو أطعم ستّين للكلّ.
فصل
[436] من حلف لا يكلّم فلانا ولا فلانا، ولا يدخل دار فلان ثمّ دخلها وكلّمهما حنث ولزمته ثلاثة، وإن فعل واحدة لزمته واحدة، وكذا إن حلف لا يكلّم فلانا أو فلانا أو لا يدخلها فهي مثلها، وكذا في لا يكلّم فلانا ولا فلانا، فإن كلّم الأوّل قبل الثاني حنث لا إن عكس، وكذا في لا أكلّم فلانا وأدخل دار فلان، فإذا دخلها وكلّمه لم يحنث، وإن عكس حنث. (3/145)
صفحة 1072
وإن حلف إن كلّم فلانا أو فلانا كان كلاّ يكلّم فلانا ولا فلانا. وإن قال إن كلّم فلانا وفلانا ودخل دار فلان فلا يحنث حتّى يفعل الكلّ. وكذا في الطلاق.
وعلى من قال عند ابن محبوب: والله لا ألبس هذا الرداء ولا هذا الإزار ثمّ لبسه والإزار بعده أو جمعهما كفّارتان لقوله: لا هذا ولا هذا. وإن قال: لا ألبس هذا وهذا لزمته واحدة.
ومن حلف ما جحد فلانا دراهم ولا دنانير حنث إن جحد أحدهما لا إن قال: دراهم ودنانير حتّى يجحدهما معا. وإن حلف ــ قيل ــ ما كتم فلانا درهما ولا دينارا فحتّى يجحدهما أيضا.
وكذا في لا يكلّم فلانا وفلانا، وإن قال ذلك بـ:" أو" فكلّما كلّم واحدا منهم حنث.
أبو سعيد: من قال لزوجته: أنت طالق إن كلّمتِ زيدا أو عمرا أو خالدا، طلّقت إن كلَّمَت واحدا منهم وثلاثا إن كلّمتهم جميعا.
وإن قال قوم لامرأة: عليك المشي إلى بيت الله عشرا، ومالك صدقة، وبكلّ راية (147) يمين وعتق ما تملكين لئن أخرجناك من فلان لا تتزوّجين، فقالت: نعم لا أتزوّج، فقال موسى: إن حاولت في قولها نعم شيئا ولم ترد به جوابهم، فأرجو أن لا شيء عليها ولو أرادت (148) به الإبل والبقر لأنَّه ليس بحقّ عليها. وإن أرادت به جوابهم حنثت. (3/146)
صفحة 1073
الباب الثلاثون
في اليمين بقبض الحقوق وتركها وردّها وبالظلم والخيانة
ابن جعفر: من حلف لا يأخذ حقّا له على رجل فقضاه الرجل رجلا بماله على الحالف فلا يحنث ولو أبرأ الذي عليه الحقّ إذا لم يأمره بالدفع إليه ولم يتممه له.
وقال فيمن حلف لا يأخذ حقّه من رجل، والرجل لا يعطيه إياه فالحيلة فيه أن يجيء المطلوب به فيضعه ولا يعطيه الطالب، فإن قبضه ولم يأخذه منه برءا معا على الإرسال، وإن نويا شيئا فعلى ما نويا.
ومن يطلب رجلا بدراهم فحلف لا يأخذها إلاّ جملة فلم يقدروا وأراد أن يحيله بها على رجل فالحوالة ليست بوفاء، ولا يبرأ بها لأنَّها ديْن. وإن عرض له من ماله كان ذلك وفاء له. ومن له على آخر دراهم فحلف لا يصالحه عليها ولا يعطيه إيَّاها فأعطاها رجلا ثمّ صالح الرجل أو أعطاه إيَّاها فقيل: يحنث، وقيل: لا.
فإن حلف لا يجري له في أرضه ساقية ولا يجعل له فيها ممرّا فأعطاه إياه حنث في المعنى لا في التسمية. وإن أعطاها غيره فأعطاه المعطى له ممرّا فيها بعد ما أحرز العطية لم يحنث الأوّل.
ومن قال لزوجته: عليّ يمين حجّة إن لم تردّي ولدك على أبيه أو تتركِ لي حقّك، فقالت: تركته لك بجلوسه معي فلا تحنث به معها ولها حقّها إذا جلس معها.
ابن محبوب: من له حقّ على رجل فحلف لا يأخذه به ثمّ أعطاه إياه فأخذه، فلا يحنث إلاّ إن نوى أن لا يأخذه منه، وقيل: لا يحنث بالعطية، وإنّما يحنث بالأخذ إذا سمّى به أو نواه.
وإن حلف لا يأخذه منه فأعطاه حقّه وغيره فإنّه يحنث إذا نوى أن لا يأخذه منه. وقال أبو زيّاد: مثله في امرأة حلّفها زوجها أن لا تطلب إليه حقّا، فإن رفع لها (3/147)
صفحة 1074
أحد إلى المسلمين جاز أن يطلبه لها منه، وإن لم توكّله إذا أرادت أخذه منه. وإن قالت: لا أريده لم يجز لمن يطلبه لها ولا لمن يرفع لها به، ولا تحنث لأنَّها لم تأمر ولم توكّل.
ومن أخذ من عند رجل شيئا فحلف إن لم يردّه له ليرفعنّ عليه، فردّه له غيره، وقال نويت أن يردّه هو أو غيره، فإن نوى ذلك حين أراد أن يحلف نفعه نواه وإلاّ حنث.
أبو المؤثر: لا يحنث إن أمر الآخذ آخر فردّه له بأمره، وذلك إن حلف إن لم يردّه آخذه فردّه غيره، وإن حلف إن لم [437] يردّه بعينه فردّ غيره شرواه أو مثله فكما قال الأوّل.
وإن نوى أن يصل إلى حقّه من ذلك، فإذا ردّ عليه بعينه أو ما يلزم ردّه ممّا يصل به إلى حقّه ممّا عليه حلف فقد برّ، وإن لم ينو فحتّى يردّه بعينه.
ومن حلف أن يعطي رجلا حقّه بالغداة ثمّ أمره أن يدفعه إلى زوجته، فإذا دفعه فيها فقد برّ لأنّ أمره كفعله.
ومن قبّح رجلا أو شتمه على وجه لا يحلّ له ثمّ حلف ما ظلمه فقد حنث، ولو نتف منه شعرة أو أخذ منه حبّة سرقة أو بخسا في الميزان أو نحو ذلك حنث إن حلف ما ظلمه أيضا، وإن وقع عليه اسم الظلم ثمّ حلف ما جهل عليه أو اعتدى فقد حنث.
ومن عليه ديْن لرجل فطلبه فيه فأبى ثمّ حلف ما ظلمه حنث إن أيسر.
وإن حلف لا يخون زوجته في مالها فأعطته دراهم يردّها على رجل قد أخذتها من عنده، فقال لها: إن نفق منّي وإلاّ رددته فنفق بالنصف فاشتراه له سلعة فهل خانها بذلك إن لم ترض به؟ قال: إن كان المال لها وقد استحقّته وفعل فيه بلا رأيها ما لا يحلّ له فيه فقد خانها إلاّ إن أتمّ له في حياته لها في مالها، وإن كان للذي قضاها ففعله ذلك خيانة في مال غيرها. (3/148)
صفحة 1075
وإن كان ما ردّته لا يردّ في النقود إجماعا إلاّ أنَّه ينفق بسعر مخالف لسعر عامّة النقد في البلد أيكون من مالها أو من مال المردود عليه إذا لم ينفق بسعر النقد الذي عليه عامّة الناس؟ قال: إن خرج من النقود في الإجماع فاقتضته جهلا له فهو من ماله، وإن كان ممّا يجوز فيها إلاّ أنَّه يختلف فهو من مالها لأنَّه اقتضته برضاها، وقد ثبت في الأصل. (3/149)
صفحة 1076
الباب الحادي والثلاثون
في اليمين بالقيد والضرب والقتل
ومن حلف ليقيدنّ فلانا ولا نية له فقيّده بحبل أو حديد فقد برّ ولا يحنث إن قيّده بما يكون قيدا، وإن حلف ليضربنّه بالسيف فضربه به في غمده فقد برّ، وكذا السكين لا إن أدخله في خشبة ثمّ ضربه به.
ابن جعفر: من قتلت أخته فتركت صغارا فحلف بالله وثلاثين حجّة: إن أقرّ قاتلها وأعطاه الحقّ ليقطعنّ يده ثمّ طلبه فيه وأحبّ الصلح والخلاص من يمينه فقيل: عليه الدية أو يُعطوه نصفها ثمّ يقتلونه، وعليه فأرجو أنَّه إن أشهد على نفسه بالدية لورثتها وتاب وأعطى ما يلزمه ولم يعارضه بإقراره وأعطاه الحقّ كما حلف لم يحنث. وإن تعذّر الأخذ فقد اكتفى بما تخلّص.
ومن حلف ليقتلنّ نفسا، فقتل ذرة أو دابّة أو نحوهما فقد برّ إن أرسل لا إن نوى إنسانا.
وإن حلف ليضربنّ غلامه فلا يحنث حتّى يموت أحدهما إن أرسل، وإن قال: حتّى يبول أو يغشى عليه فلا يبرّ إلاّ بذلك.
ومن حلف على عبد ليشكوه إلى سيّده حتّى يضربه ففعل ولم يضربه فقد برّ، وحتّى ليست بغاية هنا وإنّما هي تعليل.
أبو مروان: من حلف أن يحبس غلامه ويقيّده يومين ففعل يوما وفي الثاني كسر القيد وخرج فقد برّ لأنَّه فعل، وقيل: لا إذ (149) لم يتمّهما محبوسا مقيّدا.
ابن سعيد: من حلف لا يضرب فلانا فجذبه أو ركضه فقد حنث إن ألمه ذلك، وإن دفره بالدفر عند ابن بركة على وجهين، فما لا يؤلم ولا يؤذي لا يسمّى ضربا إذا لم يقصد به إيلاما، وما قصد به الإيلام والإيذاء فهو ضرب. وإن ركضه برجله أو وطئ عليه بها، وكُره ذلك كان ضربا. وإن جذبه لإيلام أو شفاء غيض فكالضرب. (3/150)
صفحة 1077
ومن قال لأحد: لئن دخلت عليّ بيتي لا يكون لك عندي إلاّ السيف [438] أو لأضربنّك به فدخل فضربه بصفحه، فإن نواه به أجزاه عنه لا إن نواه بحدّه.
ومن قال: والله هذا ضارب زيدا ولم يضربه لم يحنث لأنَّه في المعنى سيضربه، وإن أضافه حنث لا إن ضربه في الماضي ولا إن قصد الحال أيضا.
ومن حلف أن يضرب امرأته مائة ضربة فضربها بمائة شمراخ قد برّ عند ابن محبوب في تفسير: {وخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا} الآية (سروة ص: 44).
وإن حلف لعبده ليأمرنّ من يضربه حتّى يتركه زمنا حنث إن لم يفعل حتّى مات أحدهما، فإن عيّن من يضربه فمات حنث أيضا. والزمانة مرض لا يقدر معه على التصرّف والمجيء والذهاب. وقيل: إنّ أيوب ــ عليه السلام ــ حلف ليضربنّ زوجته مائة ضربة فأمره الله أن يأخذ بيده ضغثا ويضربها به واحدة، وهو القبضة الواحدة، قيل: مائة عود من الأسل، وقيل: من الإذخر، وقيل: سنبلة. وقال عطاء وغيره: هي للناس عامّة، ومجاهد خاصّة: لأيوب. (3/151)
صفحة 1078
الباب الثاني والثلاثون
في اليمين بالأعمال والإجارات والكسب
ابن علي: من حلف بطلاق أو غيره لا يعمل نخل فلان أو لا يصعدها أو لا يأكل من تمرها أو لا يسقيها أو نحو ذلك، ثمّ فعل حنث، فإن زال النخل إلى غير الأوّل فعمل لم يحنث، وإن عمل في نخل بين فلان وغيره لم يحنث أيضا ولو قبل انتقالها.
وإن قال: لا يسكن داره أو دوره أو لا يشتريها أو لا يبيت فيها أو دابّته أو عبده أو ثوبه أو نحو ذلك فكذلك، فإن عيّن حنث إن فعل وإن بعد إزالته أو كان له في ذلك شريك أو قلّ الفعل، وإن بدخول رأس أو رِجل، أو أكل أو صعود ما. ومن حلف لا يعمل ضيعة فلا يأمر أحدا به.
أبو المؤثر: إن حلف لا يقطع هذه النخلة مرسلا فأمر من يقطعها حنث إلاّ إن نوى بيده. وإن حلف لا يطلعها فأمر فلا يحنث. وإن حلف لا يزجر مع فلان فسقى له، فإن أراد العمل معه حنث لا إن أرسل حتّى يزجر معه زجرا معروفا.
ابن جعفر: من حلف لا يعمل (150) كذا وكذا ثمّ أمر من عمله له حنث لا إن أمره أن يعمله لنفسه، ولا من حلف لا يدخل معلوما فأمر من دخله.
وفي الأثر: من حلف عن شيء فأمر من يفعله فقيل: لا يحنث إلاّ إن نوى لا يفعل ولا يأمر، وقيل: كلّما حلف عليه لا يفعله من قول أو فعل حنث إن أمر من يفعله، وقيل: في الأفعال دون الأقوال، وقيل: يحنث إن كان فيه له جلب أو دفع له أو عنه، لا إن كان لاَ وَلاَ.
وإن حلفت امرأة لا يرعى غلامها غنم بنتها شهرين، وأرسلته هي لرعي غنمها ثمّ أرسلت بنتها غنمها للرعي فاختلطا فيه، فإن رعى غنم البنت يردّها من موضع إلى موضع من المراعي حنثت. (3/152)
صفحة 1079
وإن كان لا يهتمّ بها وإنّما يأوي لغنم الأمّ ويرعاها لم تحنث، ولا تصدّقه إن قال: رعيت غنم البنت ولا إن حلفت بعتقه.
أبو سعيد: من حلف لا يعمل لفلان كذا وكذا إن لم يعنه في كذا فلا يحنث حتّى يعمل له قبله. وإن حلف لا يستخدم حنث إن قال له: أفعل كذا وكذا ولو لم يفعل.
أبو جابر: من حلف لا يعمل كلّ يوم جمعة أو يوم الجمعة ونوى كلّ يوم فكلّ ما عمل يوم الجمعة حنث. وإن أرسل القول أنَّه لا يعمل كلّ يوم الجمعة ولم ينو كلّ جمعة ولا قال كلّ يوم جمعة وعمل يوم الجمعة لم تلزمه إلاّ واحدة مرّة، ولا شيء عليه بعد حنثه الأوّل.
أبو الحسن: من عمل لرجل أرضا فحلف أن لا يعمل هذا العمل فأخذ بعض ما كان يعمله يوم حلف وعمل باقيه، [439] فإن حلف على معيّن ثمّ عمل فيه حنث.
وإن حلفت لا تطاحنها امرأة حبًّا لها فأدارت الرحا، وفيه بعضه فلا بأس عليها إن نوت أن لا تطاحنها، وإن نوت لا تطحن معها ولو قليلا حنثت إذا حرّكتها عليه، وقيل: حتّى تطحنه كلّه، أو تطاحنها إياه إن عيّن أو تنوي أن لا تطاحنها منه.
ومن عمل ــ قيل ــ مع رجل أرضا أو نخلا فوضع غلامه مكانه فحلف الآخر أن لا يعمل معه فأخرجه فرجع يعمل ثمّ استعان في العمل أعوانا فعمل الغلام معهم في عمله فلا يحنث إلاّ إن حلف لا يمس عملا له، وإن حلف لا يعمل هذه القطعة فعملها غيره فلا يحنث إن حصدها لا إن داسها إلاّ إن نوى عمل التراب فله أن يعمل غيره.
ومن كسب المرء ما ملكه، وقيل: ما صار إليه بمعالجة ومكاسب يتصرّف فيها فمن حلف لا يأكل كسب فلان ولا جمعه (151) فلا يأكله ولو زال إلى غيره لأنَّه محدود، وقيل: هو كماله إن زال عنه لا يحنث إن أكل منه بعد انتقاله، وإن حلف كذلك فورث منه مالا فمن كسبه إلاّ إن نوى كسب يده، وكذا الهبة له. (3/153)
صفحة 1080
الباب الثالث والثلاثون
في اليمين بالمجيء والذهاب والدخول والخروج وغير ذلك
ومن حلف ليسافرنّ أو لغيبنّ فتعدّى الفرسخين فقد سافر وغاب. وإن حلف ليخرجنّ إلى نزوى فقصد إليها فقد خرج، وقيل: حتّى يخرج من العمران.
وإن قال: ليذهبنّ إلى فلان فخطى ولو خطوة ذاهبا فقد ذهب.
ومن حلف لا يدخل الفلانية أو إن لم يأتها أو يطأها أو نحو ذلك برّ إن فعل.
وإن صار بحالة لا يمكنه ذلك معها لزمه الإيصاء بكفّارة إن لم يفعل حتّى احتضر، وقيل: لا يحنث بعد موته إذ لم يتعبّد بعده بحقوق الله.
وإن عيّن وقتا فلم يفعل فيه حنث.
وإن قال: إن لم يخرج إلى أرض أو قرية كذا أو يذهب أو يعدو أو يروح أو يمضي أو يتوجّه إليها ففعل ثمّ عرض له أمر فرجع أو أراد فقد برّ، ولا يحنث لأنَّه قد فعل، وكذا إن حلف إن لم يأت فلانٌ أرضَ أو قرية كذا أو يدخلها أو يطأها أو نحو ذلك، فهو كقوله إن لم يفعل هو ذلك، وكذا إن حلف إن لم يخرج فلان إليها أو يذهب أو نحو ذلك فكقوله إن لم يفعل هو أيضا.
وكذا إن قال إن خرجت زوجته إلى أمّها أو أبيها أو إلى بني فلان أو داره أو مضت أو ذهبت أو غدت أو راحت أو توجّهت أو نحو ذلك، فهي طالق حنث إن فعلت. وإن قال: إن لحقته أو فلانا حنث أيضا إن لحقته أو فلانا. وإن قال: إن لحقتني إلى كذا فأنت طالق فلحقته لتفهم ما يقول طلّقت، وقيل: لا، فإن لحقته إليه ثمّ رجعت، ولم تبلغه وقد أرادت الوصول إليه فقيل: تطلّق، وقيل: لا حتّى تصله. (3/154)
صفحة 1081
ومن حلف لا يكلّم فلانا إلى الفطر أو لا يفطر في هذه القرية فلا يكلّمه حتّى يتمّ رمضان، ولا يحنث إن كلّمه ليلة الفطر، وليخرج من القرية آخر يوم منه حتّى ينقضي يوم الفطر إلاّ إن نوى شيئا.
ومن قال لعبده: إن دخلت الدار فأنت حرّ، فإن أراد أن يدخلها فلا يحنث باعه أو وهبه ثمّ يدخلها ثمّ يستردّه بشراء، ولا يضرّ إن دخلها بعد.
وإن حلفت امرأة لا تدخل دار فلان إلاّ ليلا حنثت إن دخلت قبل المغيب أو بعد الفجر، وإن حلفت لا تضحّي مع زوجها فلتغب عنه يوم الأضحى كلّه.
ومن أسكن منزله رجلا ثمّ حلف ليخرجنّه منه فأخرجه فله أن يردّه بعد إلاّ إن نوى أبدا.
وإن حلف أن لا (152) يخرج إلى النهر أو السوق أو لا يأتي فلانا فخرج إلى جنازة والطريق تمرّ على ذلك فلا يحنث إن لم يقصد إليه.
وإن قال: إن أتى ذلك أو دخله [440] فمضى إليه وأتاه فدخله حنث.
وإن حلف إن لم يأت الكعبة أو فلانا فإن أتاها ونظر إليها، وإن لم يدخل إليها أو أتى فلانا وإن لم يمسّه فقد برّ.
وإن حلف لا يخرج من بلد إلى قرية فخرج إلى مسقاة ولو فيها بيت فلا يحنث إن كان غير قرية.
أبو سعيد: اختُلف فيمن حلف أو نذر أن يخرج إلى غير قريته فقيل: إذا خرج قاصدا متوجّها فقد برّ، وقيل: حتّى يخرج من العمران، وقيل: حتّى يصل، قال: والكلّ حسن، واختار هو في النذر حتّى يصل؛ وفي اليمين إذا خرج متوجّها.
وإن حلف ليخرجنّ إلى بلد آخر فإن نوى أن يصل إليه فلا يبرّ حتّى يصله، وقيل: إذا خرج فقد برّ، ولا تضرّه النية.
ومن حلف لا تغرب عليه الشمس في منزله فخرج قبله وأقام خارجا حتّى تغرب فقد برّ، وإن غربت عليه في البيت حنث. (3/155)
صفحة 1082
وإن حلف لا يكلّم فلانا إلى الفَطر فله أن يكلّم ليلته بعد الغروب، وقيل: حتّى يطلع الفجر يومه، وقيل: حتّى ينصرف الإمام من صلاة العيد ولو بقي عليه بعض رمضان إلاّ إن نوى شيئا فله نواه.
ومن حلف لا يفعل كذا وكذا إلى الأضحى فهو إلى الرجوع من صلاة العيد. وإن قالت عليها عهد الله لتغدونّ بجاريتها إلى السوق ففعلت، أو مَن أمرته بذلك فإن نوته بنفسها حنثت إن أمرت وإلاّ فقد برّت إن غدا بها.
ومن حلف لا يدخل بيتا فسقط فيه حنث من جهة المعنى إلاّ التسمية.
وإن حلف لا يدخل هذه الدار ومنها يدخل البستان لم يحنث إن دخله لأنَّه غيرها، وحنث إن لم يكن بينهما جدار إذا دخلها، وإن كان بينهما فوقع وبقي بعضها وهو فرجة بينهما لا ناحية قال: فأرجو أن لا يحنث حتّى ينهدم كلّه.
وإن حلف لا يدخل هذا البيت وهو ممّا يتحوّل حنث ولو حوّل إن دخله إلاّ إن نوى البقعة.
ومن حلف ليخرجنّ من صُحار ونوى أن يصل إلى توام، قال أبو عبد الله: لا يضرّه نواه إن خرج إليها ورجع إلى صُحار، ولا يحنث، وإن حلف إن لم يخرج من نزوى ونوى أن يصل إلى إزكي لزمه عند سليمان أن يصلها، وعند هاشم وغيره يخرج من نزوى ولا يرجع إلى إزكي، ولا يضرّه نواه في هذا.
ابن بركة: من حلف أن يخرج إلى صُحار فخرج إلى بعض الطريق فمنعه مرض أو غيره فلا يحنث، وإن رجع بلا عذر حنث. وإن حلف أن يدخل نزوى ونوى أن يسلّم على الإمام فقيل: يحنث بنواه إن لم يسلّم عليه، وقيل: لا. (3/156)
صفحة 1083
الباب الرابع والثلاثون
في اليمين بالتزويج والوطء والزنا والمعاشرة والمبيت والسكنى
فمن حلف لامرأة إن تزوّجها أن لا يتزوّج عليها فتزوّجها، ثمّ طلّقها واحدة فاعتدّت، ثمّ جدّد نكاحها ثمّ تزوّج عليها حنث، لا عند أبي المؤثر إن اعتدّت ثمّ تزوّج غيرها ثمّ رجع إليها.
وإن حلفت لا تتزوّج ذا امرأة فطلّق رجل امرأته واحدة ثمّ تزوّج بها ثمّ راجع امرأته لم تحنث. ومن حلف أن يتزوّج فتزوّج امرأة فقد برّ وإن لم يدخل بها. وإن تزوّج يتيمة فليس بتزوّج حتّى تبلغ وترضاه. وإن تزوّج صغيرة من أبيها فقولان، وبرّ بكتابية، وفي الأمة قولان أيضا. وقيل: إن لم يجد طولا إلى الحرّة إن وجده وهو الأوسط ولا إن تزوّج محدودة بزنى إذ لا تحلّ له.
ابن جعفر: إن حلفت بثلاثين حجّة إن لم تتزوّج فلانا أو لم تزوّج له فتركت حتّى صارت لا يمكنها تزويجه بها أو تزويجها له حنثت (153)، ولزمتها واحدة لأنَّها لو تزوّجت به لبرّت، وكذا إن تزوّجت له.
وإن قالت إن لم تزوّج له أو تتزوّج به فمات (154) لزمتها كفّارتان إذ لم [441] تزوّج له ولا تزوّجت به، ولزمتها واحدة إن تزوّجت له ولم تتزوّج به.
ومن حلف لا يطلّق زوجته ولا يبرئها فأُجبر على ذلك فقيل: لا يلزمه طلاق ولا حنث، وإن وكَّل وطلّقها الوكيل حنث، وإن جعل طلاقها بيد رجل فطلّقها بلا أمره لم يحنث، وكذا إن جعله بيدها ولم يأمرها لا يحنث إذ يمكن أن يجعله في يد غيره ولا يفعل.
وإن حلف لا يتزوّج النساء ولا يشتري العبيد فلا يفعل ولو قليلا منهما إن عرّفَ، وإن نكَّر وقال: نساء وعبيدا جاز واحد أو اثنين لا فوق. (3/157)
صفحة 1084
أبو علي: إن حلفت لا تتزوّج فتزوّجت أخاها من الرضاع ثمّ علما لم تحنث لفساده، وعند غيره تحنث لوقوع الاسم عليه في الأيْمان لا في الأحكام. وكذا الرجل بأخته، فإنّه لا يبرّ عند الأكثر.
وإن قبّحت وجهها إن تزوّجت فلانا فزوّجها منه وليها ولم تغيّر عليه، فإذا رضيت به حنثت ولزمتها مغلّظة، وقيل: مرسلة.
وإن حلف أن يتزوّج معيّنة فتزوّجها من غير أبيها وهو حاضر فلا يبرّ لفساده قبل الاحتجاج على الأب إن لم يتمّه قبل الدخول بها.
وإن حلفت (155) لا تتزوّج به إلاّ أن يشاء الله أو يأذن أو يقضي، ثمّ تزوّجت به فلا تحنث.
أبو زكرياء: من حلف لا يتزوّج فلانة فأمر من يتزوّجها به له فلا يحنث إذ لا يتمّ إلاّ برضاه، وقيل: ثبت عليه بنفس العقد فيحنث.
ومن حلف لا يتزوّج ولا نية له، فتزوّج أخته أو ذات زوج بلا علم به أو بلا شهود فلا يحنث إلاّ بالصحيح.
ومن حلف ليتزوجنّ على امرأته، وعزم على أنَّه لا يتزوّج فقد حنث، وما نوى أن يتزوّج عليها لا يحنث حتّى تموت أو تحرم عليه، فإن مات قبل موتها أو حرمتها لم يحنث إذ لا يقع على ميّت إلاّ إن حلف بعتق، وقيل يحنث ولزمه أن يوصي بالكفّارة.
فصل
من حلف لا يزني فتزوّج محرَمته بلا علم ثمّ صحّ فلا يحنث، وكذا إن تزوّج امرأة من غير وليها وقد حضر، وإن عبث بذكره حتّى أمنى فلا يحنث عند الأزهر إذ لا يصدق عليه اسم الزنا الموجب للحدّ.
أبو الحسن: من حلف لا يزني ثمّ غالب امرأة حتّى أنزل ولم تطاوعه فلا يحنث حتّى يزني الزنا المعروف إن نوى ذلك. (3/158)
صفحة 1085
وإن أرسل ولم يقيّده به خيف عليه الحنث لأنّ لكلّ جارحة زنى.
ومن حلف أن يطأ زوجته على وتد فوطئها على جبل فقد برّ لقوله: {والْجِبَالَ أَوْتَادًا} (سورة النبأ: 7) إلاّ إن نوى شيئا، وإن قال على بساط فوطئها على الأرض فقيل: يحنث لأنّ البسط معروفة عند العامّة ويمكن الوطء عليها لا على الأوتاد، وهو غيوب الحشفة في الفرج كما مرّ في حكم الشرع، وفي حكم التعارف الجماع فيه حتّى ينزل فيه، والمختار أنَّه إن أرسل قوله يطأها فقد برّ بالتقاء الختانين، وإن نوى به الإنزال فلا يبرّ بدونه لأنّ الأيْمان تجري على المعاني وعلى التسمية.
فصل
من حلف لا يدخلها هذا البيت أو دار فلان أو لا يخرج منه فأدخل رأسه أو أخرجه أو إحدى يديه أو رجليه حنث، وقيل: لا حتّى يدخل رأسه ويديه أو رجليه أو يدا ورجلا، وقيل: حتّى يدخل أكثره، وقيل: يبرّ ولو أدخل إصبعا منه أو أخرجها. وإن كانت في البيت شجرة أغصانها خارجة منه فصعد عليها فهو خارج إن كان على الخارجة، وداخل إن كان على الداخلة.
وقيل: إن كان في الدار فحتّى يخرج كلّه أو يدخل. وقيل: إن كان في هوى البيت لا في عمارته فليس [442] بداخل فيه كما قيل إنّ ظهر البيت ليس منه إلاّ إن كان سكن عليه ستر، وإن لم يخرج الغصن من حدّ عمارة البيت فهو منه.
ومن حلف لا يدخل بيتا لفلان لم يحنث إن مشى على ظهره. أبو علي: من حلف لا يدخل إلى فلان فاطّلع عليه من الجدار لم يحنث حتّى يدخل رأسه. أبو عبد الله: من حلف لا يدخل بيت فلان حنث إن دخل غرفة فوقه إلاّ إن قصده لا الغرفة. أبو الحواري: إن حلف لا يدخل هذا البيت فترك حتّى خرّب، ثمّ دخل موضعه حنث إن عناه، وإن عنى البيت فزال كلّه لم يحنث بدخول محلّه. ومن حلف لا يدخل معيّنة لفلان ثمّ أزالها من ملكه حنث، وقيل: لا. (3/159)
صفحة 1086
وكذا إن حلف لا يأكل من مال زوجته معيّنا فأشهدت له به وانتقل إليه منها بوجه. وإن حلف لا يدخل مأتم فلان فهي ثلاثة أيام ثمّ يدخل وله ما نوى إن نوى. ابن جعفر: إن حلفتْ لا تدخل بيت أمّها فوهبت لها منزلها فإن حلفت على معيّن حنثت إن دخلته لا إن أرسلت لأنَّه زال عنها، وقيل: لا تحنث ولو عيّنت لانتقاله، وإن لم يكن لأمّها منزل وتسكن منازل الناس حنثت إن عيّنت، وإلاّ فقيل: لا إذ لا منزل لها، وقيل: تحنث لأنّ ما سكنت فهو منزلها في التسمية إذ قد تأتي الإضافة لأدنى ملابسة. وإن كان في بيتها قبّة أو خيمة أو عريش فحوّل فإن أرادت المحلّ الأوّل فذاك وإلاّ فحيث حلّ منزلها حنثت إن دخلته.
ومن حلف إن لم يدخل هذا البيت وقد كان دخله لم يحنث إن دخله بعد اليمين. وإن حلف لا يدخل بيت فلان وهو فيه لم يحنث إن خرج آخر الكلام، وإن بقي فيه بعد فراغه من اليمين حنث، وكذا إن حلف لا يلبس ثوبا وقد لبسه أو لا يركب دابّة وهو عليها ونحو ذلك. وإن حلف على بيت فلان وله بيت من طين فدخل قبّة أوخيمة أو عريشا له حنث إن أرسل لا إن نوى المطيَّن، ولا يدخل كلّ ذلك إن حلف لا يدخل بيتا.
ابن جعفر: من حلف لا يدخل دار فلان فدخل تحت سقف بابها فلا يحنث ما كان في موضع لا يستأذن فيه على أهلها. وكذا من حلف لا يدخل البحر فلا يحنث حتّى يدخل ماءه إن لم ينو شيئا، وإن ركب سفينة فقد دخله.
فصل
إن حلفت امرأة لا تسكن دار أبيها أو ابنها ثمّ تحوّلت عنه فكانت تزوره وتقعد معه أياما (156) وتبيت فلا تحنث إن نوت أن لا تتّخذه منزلا، وإن أرسلت فإن أكلت فيها أو نامت فعند ابن محبوب أنّ الأكل والجماع سكنى. (3/160)
صفحة 1087
ومن حلف لا يسكن هذه الدار فانهدمت ولم يبق فيها سكنى ثمّ بناها أو فيها خيمة (157) ثمّ سكنها فلا يحنث إذ لم يحلف عليها، وإن زال سقفها لا جُدرها وأعاده عليها ثمّ سكنها حنث.
وإن حلف لا يسكن دار فلان فسكن بعضها فانهدمت إلاّ موضعا منها فسكنه فإنّه يحنث؛ والسكن هو الأكل والنوم والجماع.
وأمّا اليمين على المقام فمن أتمّ الصلاة في موضع ونواه مقاما فقد أقام.
وأمّا الجلوس فإن توضّأ قاعدا فقد جلس.
ومن حلف لا يساكن فلانا فزاره ولبث معه شهرا أو غيره أو استضافه كذلك ويأكل معه وينام في منزله فلا يحنث، والزائر غير الساكن، وكذا الضيف ولا يحنث حتّى ينوي بذلك مساكنته.
أبو علي: من حلف لا يسكن منزلا فمرض فيه مريض فأتاه أوّل الليل ونام حتّى أصبح فلا يحنث ولو بات. وقال غيره: إن أكل ونام وجامع فقد سكن، وكذا إن حلف لا يسكن قرية فدخلها لأمر ولم يسكنها لا يحنث ولو بات فيها.
وقال: وإن حلفت لا تساكن فلانا فكان في سفينة فليس ذلك بمساكنة عند أبي الحسن لأنّ ذلك سفر إلاّ إن كانا زوجين وجامعها فيها.
ومن حلف لا يساكن ولده إلى سنة وله بيوت متفرّقة والولد في أحدها ويأكل وينام وحده أو مع غير والده فإن لم ينو بيتا معروفا فذلك له إن اعتقده عند يمينه، وإن أرسل وكان الولد في بيت من دار أبيه ولها باب واحد وهم شركاء في سكن بيوتها بلا تمييز فهذا عندنا سكن واحد، [443] فإن أكل معه فيها أو نام حنث، وهذا كمن له بيت وفيه خنروصفة وغرفة وقبّة ومنزل صغير وكبير وسكن الكلّ هو وعياله لا يستأذن كلّ على آخر في ذلك في موجب الإذن إلاّ على الباب الكبير، فهذا سكن واحد.
وإن انقطع الابن في منزل بائن لا يجوز الدخول عليه من بابه للداخلين من الأكبر إلاّ بالإذن فهذا منزل بان (158) عن سكن أبيه ولا يحنث فافهم الفرق. (3/161)
صفحة 1088
وإن كان في المنزل بستان ويسكنه الابن وهو محاط عليه مع المنزل وحصن عليهما ويدخل عليه من بابه، وأبوه وعياله وعيال الابن شرع في البستان لا يستترون فيه فيما بينهم فهذا كالبيت وكلّهم ساكنون فيه، ويحنث إن ساكنه فيه (159) إلاّ إن نوى شيئا.
وإن حلفت لا تساكن زوجها شهرا قال الأزهر ينبغي لها أن تساكنه، وتكفّر متى أمكنها، وما يلزمها من أمره أشدّ ممّا يلزمها في الحنث إلاّ إن أذن لها أن لا تساكنه لأجله فيسعها ذلك، ولا تحنث ولا تأثم وإلاّ ولا عذر لها لزمتها التوبة لا الحنث إن لم تساكنه.
ابن جعفر: من قال لا يجمعه وفلانا ظِلٌّ، فجمعهما ظلّ السماء أو السحاب فلا يحنث بظلّ السماء، وخيف عليه بظلّ السحاب.
أبو الحواري: إن غضبت على زوجها وحلفت لا تكون معه فخرجت إلى أهلها ثمّ رجعت إليه وإلى منزلها حنثت.
ابن سعيد: من حلف لا يسكن معيّنا وهو فيه حنث إن لم يخرج عند فراغه، وعند غيره إن حلف لا يقعد فيه، وأمّا السكن فحتّى ينام فيه أو يعتقده مسكنه الخ ما مرّ.
ومن حلف لا يظلّه ظلّ بيت فاستظلّ بظهره فلا يحنث حتّى يستظلّ في داخله.
الشافعي: من حلف لا يسكن دارا فانتقل وترك بها ماله وعياله لم يحنث، وعند أبي حنيفة يحنث، وإنّما ذكرتها عنهما لعدم ذكر لها عند أصحابنا في هذا الكتاب.
فصل
أبو سعيد: من حلف أن ينعس اليوم مرسلا بلا نية حنث إن لم ينعس من حينه إلى تمامه. وإن حلف لا ينام فنعس قاعدا أو قائما (160) حنث في المعنى لا في التسمية.
وإن حلف لا ينام على البساط والفراش فنام على الأرض فقولان إن أرسل. (3/162)
صفحة 1089
وإن حلف لا يقعد عليها لم يحنث إن قعد عليه، وحنث إن قعد على لباسه بالأرض.
وإن حلف لا يمشي عليها حنث إن مشى على خفّيه أو نعليه لا إن مشى على بساط.
وإن حلف لا يبيت في منزل زيد وكان فيه ليلة ولم ينم حنث. وإن حلف لا يقيل فيه فدخله قبل الزوال إلى الهاجرة ولم ينعس لم يحنث.
وإن حلفت لا تجامع زوجها فإن نوت (161) فلها نواها وإلاّ حنثت، فإنّ المساكنة والوطء من المجامعة. وإن حلفت لا تعاشره فالمساكنة من المعاشرة أيضا (162).
ومن حلف لا يصاحب فلانا حنث ولو صحبه في حضر.
والصحبة أن يتعاقد عليها، فإن اتّفقا في الطريق ومشيا معا بلا عقدها لم يكن ذلك صحبة، وإن ردّ جواب كلامه أو سأله في أمر فلا عليه، ولا نحبّ أن يبدأه بكلام، وإن بدأه به وهو خاطف أو واقفه أو قاعده وكلّمه اُختير أن لا يحنث. (3/163)
صفحة 1090
الباب الخامس والثلاثون
في اليمين بالعطية والتجارة والشركة والركوب
فمن حلف لامرأته لا تعطي خادما له شيئا فله ما نوى إن لم يحلف بطلاق أو عتق، فإن أعطاه هو أو أمر من يعطيه جاز له.
ومن أعطى أحدا شيئا فأراد أن يردّه عليه فحلف لا يأخذه فباعه وردّ عليه ثمنه لم يحنث.
ومن حلف أن يهب فلانا شيئا ففعل ولم يقبله فقد برّ؛ قال ابن مسلم: لا في الحكم إذ لا تصحّ الهبة إلاّ بالقبض.
ومن عنده -قيل- ثياب فأعطى رجلا ثوبا ولم يدفعه له ثمّ حلف بالطلاق لا يعطي من هذه الثياب أحدا، فالوجه فيه أن يخاصمه إلى الحاكم حتّى يكون هو الذي يدفع إليه العطية أو يعزله عنه لأنّ الحاكم إذا دفعها إليه فلا يحنث الحالف، وإن دفعها هو بلا حكمه حنث.
وإن حلفت -قيل- على زوجها ليعطينّها شيئا من ماله فأعطاه إيَّاها ثمّ رجع فيه جاز له، ولا تحنث إلاّ إن نوت أن يعطيها ما يثبت لها.
وفي الأمر بالعطية هل يقوم مقامها [444] إن لم ينوها بيده أو لا؟ قولان.
ابن محبوب: من حلف لا يأكل من تجارة امرأته فأعطاها من عنده دراهم فاتّجرت له بها، فأكل منه وقد نوى مالها فلا يحنث إن لم تأخذ منه ربحا، فإن أكل ممّا لها فيه حصّة حنث، فإن حلف لا يشاركها في تجارة ولا زراعة أو غير ذلك ممّا يتشارك فيه حنث إن فعل.
وإن حدثت لهما ميراث أو صدقة أو عطية فلا يحنث بالميراث إذ لا تسبّب منه فيها، ولا يقدر على ردّها لأنّها من الله، والعطية إذا قبلها مشتركة فإنّه يحنث، وكذا الصدقة. (3/164)
صفحة 1091
ولا يحنث بما لم تكن فيه مشاركتها بفعله، وقيل: يحنث بها على كلّ حال.
أبو جابر: من حلف لا يبيع ولا يشتري فأمر بذلك أو كتب أو أرسل حنث.
أبو علي: من حلف لا يبيع من مال رجل شيئا فاشترى منه أو لا يشتري منه فباع حنث في المعنى لا التسمية.
أبو الحسن: من أراد أن يبيع شيئا من ماله وأن يشتريه رحمه فحلف بثلاثين حجّة لا يشتري منه شيئا فأتاه رجل فقال له: كم يسوى ما أراد بيعه لك وحلفت عنه فقال: كذا وكذا فذهب إليه فاشتراه منه بذلك وقال للحالف: أقرضني من مالك كذا وكذا درهمًا (163) فأقرضه وسلّمها للبائع ودفع المبيع في يد الحالف أو يد ولده ثمّ رجع مشتريه يطلب الحلّ من ذلك القرض وأحلّه منه مقرضه، فإن لم يأمره بشرائه ولا باشر شراء ما حلف عنه فلا يحنث.
ومن حلف لا يبيع دابّته بمائة درهم فباعها بأقلّ حنث. وإن حلف أن يبيع عبده فباعه على رجل ولم يقبله حنث فقيل: يحنث مطلقا، وقيل: لا لأنّ البيع لا يثبت إلاّ بالقول وهو باعه بالخيار، فإن نوى أن لا (164) يبيعه قطعا فلم يقطع لم يحنث وإلاّ فباعه بالخيار حنث لأنّ الخيار بيع.
ابن بركة: اختُلف في حالف على بيع معيّن فاستبدله حنث عند ابن محبوب، لا عند غيره، والمختار الأوّل لأنّ المبادلة بيع على التوسّع لقوله تعالى: {اشْتَرَوا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى} (سورة البقرة: 175)، قال خميس: إلاّ أنّ ابن محبوب لم يمض في هذا على ما أصله، وأجاز الشفعة في المبيع لا في المبادل به، ويسمّى إبدال أرض بأرض قياضا، وهو عنده بيع حال ولا أعرف وجه ما ذهب إليه.
ومن اشترى شاة على مشورة وقطع ثمنها فكرهتها زوجته فحلف بطلاقها ثلاثا لا يملكها، ثمّ ردّها قال: لم نر في هذا طلاقا لضعف البيع والشرط فيه.
ومن حلف ما باع ولا وهب شيئا يسمّى به فأقرّ به لأحد حنث عند أبي سعيد لأنّ الإقرار عنده هبة إلاّ إن كان ما أقرّ به للمقرّ له في الأصل. وإن حلف لا يبيع ولا يهب لأحد بعينه فله ذلك لغيره. (3/165)
صفحة 1092
وإن حلف لا يشتري سمنا فاشترى زبدا حنث على المعنى.
وإن حلف على اللبن فاشترى المخيض حنث عليه وعلى التسمية.
وإن حلف لا يبيع غلامه (165) ولا يزوّج أمته فباعه فاسدا، وزّوجها كذلك حنث في البيع لا في النكاح لأنّه إذا فسد بجهل أو غبن ورضي به المشتري جاز، ويسمّى بيعا، والنكاح إذا فسد لا يجوز إتمامه.
وإن حلف لا يركب جملا أو فرسا فركب ناقة أو برذونا لم يحنث، وإن حلف على الجمال أو الخيل فلا يركب ذلك.
أبو عبد الله: من حلف لا يأكل من مال امرأته حتّى يقسمه فلا يبرُّ حتّى يقسم كلّ ما كان لها إلاّ إن عنى قسم معيّن. (3/166)
صفحة 1093
الباب السادس والثلاثون
في الأيْمان بالأفعال والإجبار عليها وما يصدق فيه قول الواحد
فمن حلف لا يفعل ممكنا له فعله مرّة بعد مرّة وقد فعله فلا يحنث حتّى يفعله بعد، وإن كان لا يفعل إلاّ مرّة وقد فعله حنث، [445] وذلك كمن حلف لا (166) يذبح هذه الشاة أو يصلّي هذه الصلاة وقد ذبحها أو صلاّها قبل فقد حنث لأنّ ذلك لا يفعل إلاّ مرّة.
وإن قال إن لم يدخل هذا البيت أو نحو ذلك وقد دخله فلا يحنث إن كان بعد اليمين.
وإن حلف لا يشارك فلانا ولا يعتق رقبة ولا يفارق غريمه، فمات موروثهما فاشتركا ماله وورث من لا يحلّ له نكاحه بالنسب، فعتق عليه لأن ملكه وفرّ منه غريمه، فلا يحنث بذلك لأنّه ليس من فعله، وقيل: يخاف حنثه إذا رضي بمشاركته ولم يزلها في حينه إن أمكنه.
ومن له حصّة في جمل فقال امرأته طالق لا يعود يشارك فلانا أو لا يشاركه فيه، ثمّ أزال حصّته في حينه فلا يحنث حتّى يعود في مشاركته. وإن قال لا يشاركه وقد شاركه في الأصل فلا يحنث إن أزال حصّته إلى غيره ولم يرض بمشاركته.
أبو عبد الله: من حلف بطلاق زوجته إن وكّلت عليه فلانا وقد سبقت وكالتها له عليه فلا يحنث حتّى توكّله بعد اليمين، وإن نازعه بالأولى بعده فالله أعلم.
وإن حلف ليعزلنّها عن بنته ولم يوقّت وكان مسافرا حتّى مضت له سِنون ولم يعزلها حنث إذا وصل ولم يعزلها بطعامها في منزل.
ابن جعفر: من حلف على شيء لا يفعله وقد غضب ولم يدر كيف حلف أو نسي فأخبره ثقة أنّه سمعه استثنى أن لا يفعل إلى وقت كذا وقد انقضى فقد رجى (3/167)
صفحة 1094
خميس أن يسعه الأخذ بقوله، ولا يحنث إن فعله بعد الوقت قياسا على ما قاله ابن محبوب فيمن شكّ في صلاته وقد حفظت عليه مملوكة يثق بها وقالت له: قد تمّت فله أن يأخذ بقولها، وقال: لو أنّ ثقة أخبر رجلا أنّه قضى عنه غائبا حقّا فطلبه (167) به، وأنّ الرجل قد أبرأ هذا ممّا عليه له ووسع له منه فإنّه يقبل ويبرأ من الحقّ إلاّ إن أتى وأنكره وطلبه فهو له، وقال أيضا لو أنّ من عليه كفّارة من ظهار وأعطى ثقة طعام المساكين وأخبره الثقة أنّه دفعه إليهم فإنّه يجزيه ذلك عنه.
وقد أجازوا في رفع الولاية قبول قول الثقة قال: فلذلك رأينا أنَّ كلّ ما أخبر به من أمر أمانة الله أنّه صار إلى وجه الله جاز أن يأخذ بقوله.
وقد جرت العادة والعرف بإرسال الواحد في الحوائج وقضاء الديون والمبايعة، فيقول: اشتريت هذا من فلان وهذا من فلان إلى غير ذلك، وإن طلبت الصحّة في الحكم لم يجز إلاّ بها، ولولا ذلك لضاق على الناس كثير من أمر دينهم ودنياهم، ولم يجز لأحد أن يرسل غيره في شراء من السوق ولا غيره حتّى يحضر بنفسه، وجاز كلّ ذلك ما لم يقع الإنكار والمخاصمة.
أبو الحواري: من حلف ونسي كيف حلف فأخبره ثقة به فلا يصدِّقه حتّى يكون معه ثقة آخر والتنزّه عن الشبهة خير.
فصل
من قال عليه عهد الله وميثاقه لا يذكر فلانا إلاّ بخير ثمّ ذكره بسوء لزمته مغلّظة، وإن كان في محلّ التقية وفي ذكره بالخير فساد على المسلمين، وبالسوء صلاح لهم توخّى ما فيه صلاحهم ولا يكون به كاذبا ولا حانثا ويثاب بقوله إذا أراده به.
ومن لقي -قيل- جبّارا قد أخذ متاعا من أحد ظلما فأراد خلاصه منه فحلف عليه أنّه له حتّى خلّصه منه لربّه لم يكن به كاذبا ولا حانثا. أبو عبد الله: من (3/168)
صفحة 1095
[446] حلف بثلاثين حجّة لا يعود إلى شيء من المكاره إلاّ إن قضي عليه أو يغلبه الشيطان ثمّ فعله فقد أساء، ولا يكفّر لاستثنائه ولم يفعله إلاّ بسبق القضاء عليه.
وقال: من حلف لا يكلّم رحمه أو جاره أو أخاه أو ولده ما وسعه ذلك، فلا يعلم في السعة فيه حدّ، وإن كلّمه وحنث فيما يمكنه فيه الحنث فهو أحبّ، وقال سألنا هاشما عن حالف لأحد أنّه يأتيه غدا أو يوم كذا وكذا إلاّ إن حبسه القضاء فعرض له طعام فحبسه؛ فقال: ذلك من القضاء والقدر.
ولا تحنث حالفة أنّها لا تتزوّج إلاّ أن يقضي الله أو يأذن أو يغلبها أمره إن تزوّجت، ولا من حلف لا يدخل بيتا فسقط فيه من نخلة، ولا من حلف لا يدخل السجن فأُكره عليه ظلما، وحنث إن أُكره بحقّ.
وحدّ الإكراه أن يحمل إليه أو يسحب ولا يمشي إليه برجليه، وفي موضع إن دخله جبرا حنث، وقيل: لا. فإن حلف على زوجته لا تدخل دار فلان فأُجبرت على الدخول فقولان، والأكثر على الحنث. وإن حلف لا يدخلها هو فالأكثر على عدمه إن أجبر، وقيل: يحنث.
أبو سعيد: كلّ ما حلف عليه ويسعه أن لا يفعله فأجبر عليه ففيه خلاف، وما لا يسعه تركه فأجبر عليه بعد أن حلف لا يفعله يحنث فيه بلا خلاف.
أبو عبد الله: إن أمر الإمام أو واليه بحبس رجل فحلف لا يدخل السجن فأدخله قهرا فإنّه لا يحنث، وقيل: إن حبس بحقّ فإنّه يحنث وإلاّ فلا إن قهر.
ومن حلف بطلاق زوجته إن لم تجيء معه إلى البيت فكرهت فسحبها حتّى أدخلها، فإن سحبها ماشية على كره لم تطلّق، وإن سحبها سحبا وأدخلها طلِّقت.
ومن قال إن وطئ هذا البيت أثر لي فامرأته طالق، فحمله رجل حتّى أدخله فيه لزم -قيل- الحامل للمحمول ما لزمه لامرأته. (3/169)
صفحة 1096
الباب السابع والثلاثون
في حكم الحاكم على الحالف والرفعان إليه في الأيْمان ونحو ذلك
ابن محبوب: من حلف عنده أو عند الوالي أو وحده إن كان كذا وكذا فداره صدقة أو دراهمه التي على فلان للمسلمين، أو في السبيل، ثمّ صحّ بِعَدْلَين أنّه كاذب أو بإقراره فلا يجبره الحاكم على دفع ما حلفه (168) به إلى من وجّه صدقته إليه، ولزم الحالف أن يوجّه ذلك إلى من لزمه له إن كان قدر ثلث ماله أو دونه، وإن كان أكثر منه ردّ إلى عشره فإن أدّاه فقد برئ منه، وإلاّ لزمته تباعته، ولا يجبر على أدائه.
ومن قال إن فعلت كذا وكذا فمالي أو بعضه صدقة على فلان، ثمّ حنث وطلبه فيه قال هاشم: فلا يُحكم له به عليه لأنّه أعلم بيمينه.
ومن حلف أو حلّفه الحاكم بصدقة ماله ثمّ نازعه بعض من يقوم بذلك وبيَّن عليه الحنث فلا يؤخذ بدفعه لأهله، وذلك إليه أداء أو تركا، وهو عليه إلاّ الطلاق والعتاق فإنّه يؤخذ بهما.
أبو عبد الله: لا يُجبر الحاكم على إخراج الكفّارات في الأيْمان ولا في النذور ولا في الصدقات، وإنّما يَحكم على الناس في طلاق أو عتق أو ظهار إن طلبت الزوجة ذلك.
أبو المؤثر: من حلف بالله لا يفعل كذا إلاّ إن حكم عليه فلا يحكم عليه إلاّ من نصّب لذلك إن نصّب في البلد وإلاّ فالجماعة من خمسة فصاعدا ولا يحنث إن حكموا عليه.
وإن حلف أن يرفع على رجل فإن نوى فله نواه وإلاّ فلا يبرّ إلاّ بمن يترافع إليه في البلد ولو جائرا أو إلى قاضيه. (3/170)
صفحة 1097
وإن كان عندهم رجل يترافعون إليه برّ إذا رفع إليه أو إلى صالح إن تأهّل للرفعان إليه وهو أن يقول لمن يرفع إليه: أنصفني من هذا بالحقّ، فإن قال ذلك فقد برّ، وإن دعاه بالمدرة فأبى أن يوافيه فلا يبرّ حتّى يحضر إلى من يرفع عليه معه. وإن حلف أن يرفع عليه إلى الحاكم فحتّى يفعل إلى القاضي أو الإمام. ومن حلف ليرفعنّ [447] على فلان إليه أو إلى الوالي فكتب إليه أو أرسل فقد برّ. (3/171)
صفحة 1098
الباب الثامن والثلاثون
في الاِستثناء في اليمين
فمن قال إن شاء الله متّصلا بيمينه قبلا أو بعدا لم يحنث، لأنّه يهدم كما مرّ ما سوى الطلاق والعتاق والنكاح والظهار، وينفع إن قصد به الهدم عند الأكثر.
ومن حلف لا يطأ زوجته وقال إن شاء الله فتركها أربعة أشهر فقيل: ينفعه ولا حنث عليه ولا إيلاء وليس كالطلاق.
وإن حلف على ما فات فعله ثمّ استثنى لم ينفعه لعدم اتّصاله، فإن قطع بينهما بسكتة أو كلمة لم ينفعه.
أبو علي: ينفع إن اتّصل وإن لم ينو به الهدم، وإن تقدّم اليمين لم ينفع إلاّ إن نواه به.
ومن قال: والله لأفعلنّ كذا ثمّ سكت ساعة ثمّ استثنى، فإن كان طاعة فليفعل وإلاّ فلا وله ثنياه ما لم يتكلّم بينهما، وقيل: إذا سكت سكتة فلا استثناء له بعد، وقيل: له ما لم يسكت أو يتكلّم بشيء، ولا يضرّه سكوته بتنفّس.
ومن حلف وقال إن شاء الله ونوى به تكفير يمينه لم تلزمه كفّارة، وإنّما تلزم بعقدها، وكفّر إن لم ينوه به، وإن جعل عليه العهد فقال: إن شاء الله لم يضرُّه إن اتَّصل به (169)، ولا ينفع إن قصد به غير الهدم ولو اتّصل، وقيل: حتّى يريده به، وقيل: الاستثناء قبل أن يحلف إنّما ينفع إذا حلف ونواه.
ومن جهر باليمين وأسرّ به ونواه فليس بشيء عند أبي الحسن، ونفعه عند أبي المؤثر إن أفصح به وأسمع أذنيه.
وقيل: إن لم يحلف على حقّ يلزمه فيه اليمين بالحكم جاز استثناؤه ولو في نفسه، ونفعه نواه به إن اتّصل بها. (3/172)
صفحة 1099
ومن أخبر -قيل- رجلا خبرا وحلَّفه بالله وبثلاثين حجّة وقال إن شاء الله ثمّ حنث نفعه عند أبي الحسن، وإن لم يستثن لزمته الكفّارة وما حلف عليه.
ابن جعفر: من قال والله لا يفعل كذا ثمّ قاله ثانية وثالثة واستثنى في الثالثة، فإن أراده لكلّ نفعه له، وإلاّ فلِمَا نواه منها، وقيل: لا ينفعه واختير الأوّل إن اتّصل بالأيْمان وأُريد لها وقيل: لا ينفعه حتّى يعتقده لها كلّها (170) قبل أن يبتدئ النطق بغيرها.
فمن قال عليه عهد الله ونذر، ثمّ قال إن شاء الله لم ينفعه. ومن أراد -قيل- أن يستثني عند فراغه من اليمين فنسي فله أن يستثني متى ما ذكر ولو بعد سنة، ويروى هذا عن ابن عبّاس، واحتجّ بقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ} (سورة الكهف: 24) وهو غير معمول به. وقال الشافعي: إن كان بين اليمين والاِستثناء سكتة العي في الكلام والنفس أو انقطاع الصوت فهو موصول، وإنّما القطع أن يحلف ثمّ يأخذ في كلام ليس من اليمين.
وجاز -قيل- في النفس مطلقا، وقيل: لا مطلقا؛ وقيل: إن حلف بنفسه أجزاه ونفعه لا إن حلّفه غيره، وقيل: ينفعه ولو كذلك، إلاّ إن حلف على القول لا على الفعل، ولا ينفعه في الصدقة عند محبوب، ولم يُسمع من غيره، وينفع فيها عند ابنه وغيره. ويوجد أنّه لا ينفع في النذور واختير نفعه فيهما وفي الهدي.
ومن سمع -قيل- صوت مناديه فقال: والله إنّه يناديني إن شاء الله، ولم يكن يناديه أو قال: إنّه صوت فلان إن شاء الله وليس بصوته أجزاه استثناؤه. وإن قال: والله لا أفعل كذا إن شاء الله أو أفعله إن شاء الله نفعه.
ومن أراد أن يفارق زوجته فاتّفقا (171) أن تحلف له لا تتزوّج غيره ويحلف لها كذلك، فلمّا حلفت كره أن يحلف هو، فإن تزوّجت حنثت ولا تبرّ بغدره لها، وقد أثم فيما لزمها من التكفير، إلاّ إن قالت إثر يمينها على أن يحلف هو لها أو نوته، فإذا لم يحلف لها جاز اِستثناؤها بلسانها لها أو نواها ولا عليها؛ وكذا فيمن يحلِّف غيره على أن يحلف له بمثله، وكره بعدما استحلفه. (3/173)
صفحة 1100
ومن استحلفه جائر بظلم، وخاف سجنا أو ضربا، فحلف له واستثنى في نفسه جاز له عند أبي علي ونفعه، وإن استُحلف على واجب عليه لم ينفعه لأنّ اليمين للمحلِّف لا للحالف. ومن حلف لأحد ليرضيه بيمين ولم تلزمه ولم يذهب له بها واستثنى في نفسه فهذه أشدّ من الأولى، ورُخّص في ذلك (17) وقد مرّ. (3/174)
صفحة 1101
الباب التاسع [448] والثلاثون
فيمن حلف على ما يعجز عنه أو على فعل شيء ففعل بعضه أو ما فعل وقد فعل
فمن حلف ليصعدنّ إلى السماء أو نحوه حنث عند ابن علي من حينه لا عند غيره لما مرّ. أبو جابر: وكذا من نذر على ما لا يمكن فإنّه يحنث ويكفّر.
وقال: من حلف بالله وبالحجّ وأن يحجّ مع السماء أو الجبال (173)، أو ما يمكنه لزمه ما التزمه، وفي ويحجّ معه كذا أو يحجّ كذا لا شيء عليه فيه.
ومن حلف على ما يعجز عنه لزمه هدي بدنة عند ابن علي وأبي جعفر، وقيل: إذا سمى به هديا وأراده.
ومن حلف لا يعرف مال فلان، وقد عرف بعضه، فلا يحنث حتّى يعرفه كلّه. وكذا إن حلف لا مملوك له وله حصّة في عبد.
أبو علي: من حلف لا يحلب شاة فحلب بعضها، ثمّ ذكر فأمسك، فلا يحنث كذلك؛ وكذا (174) إن حلف لا يأكل محدودا، فأكل بعضه وذهب بعضه ولو قلّ؛ أو لا يحفظ القرآن وقد حفظ بعضه؛ أو لا يشتري عبدا فاشترى جزءًا منه فلا يحنث حتّى يتمّ ذلك.
وإن حلف لا يشتري ثوبا، فاشترى منه جزءا يُلبس حنث، ولو أقلّ منه، ولا يحنث -قيل- إن كان لا يلبس مثله إلاّ إن حلف على معيّن. (3/175)
صفحة 1102
ومن حلف لا يشرب لبن هذه الغنم ولا يأكله، فشرب وأكل من بعضه فلا يحنث حتّى يستوعبها، وإن قال لبن شيء منها حنث، وقيل: لا حتّى يشرب شيئا من لبنها كلّها. وإن حلف لا يشرب من لبن شيء منها حنث بذلك.
ومن حلف بالطلاق لا يُخبر بخبر، فأخبر ببعضه فلا يقع حتّى يتمّه.
وإن حلف لا يرى تلك الدراهم، فرأى بعضها لم يحنث إلاّ إن عنى لا يراها ولا شيئا منها، وهذا ممّا يتجزّأ.
وما لا يتجزّأ كالكعبة إذا حلف لا يراها فرأى بعضها فقد رآها كما مرّ. (3/176)
صفحة 1103
الباب الأربعون
في تحريم الحلال وعكسه وذكر العاقل والجاهل
فمن حرّم حلالا له إن فعل كذا وكذا حنث من حينه، إلاّ إن قال: هذا الطعام أو بيته هذا عليه حرام، إن أكله أو دخله فلا يحنث حتّى يفعل، وإن قال: هو عليه حرام حنث من حينه.
وإن قال: الحرام حلال له كعكسه، فسواء في إطعام عشرة أو كسوتهم أو العتق، فإن عجز صام ثلاثة؛ وقيل: في تحليل الحرام صوم متتابعين، والأوّل أكثر.
ابن أحمد: من حرّم حلالا على يمين عقدها، لزمته مرسلة إن حنث. وإن قال: الحلال عليه حرام فكذب ولزمته التوبة منه لا الكفّارة.
وإن قال: هذا الطعام عليه حرام اليوم، لزمته مرسلة من حينه. وإن قال: حرام إن أكلته اليوم فلم يأكله فيه فقد برّ.
وقيل: كلّ من حرّم على نفسه حلالا لزمته مرسلة، إلاّ إن نوى بذلك طلاقا فيلزمه.
ومن قالت لولدها: تمرك عليَّ حرام لزمتها أيضا إن أكلت منه.
وإن حرّم ملكه أو بعضه حنث ولو لم يأكل منه. وإن قال: {ما حرّم إسرائيل على نفسه من قبل} (سورة آل عمران: 93) عليه حرام وأراد به اليمين فيما يحنث فيه، لزمته أيضا.
ومن قال: امرأته عليه حرام كحرمة الطلاق لزمته عند سليمان كفّارة وتطليقة.
ابن محبوب: من قال لأحد: ما أكلت من مالك، فهو عليَّ حرام، وقد أكل منه بإذنه فإنَّه (175) لا يحنث، وقد أكل حراما إن أكل منه بدونه، ولزمه ردّ ما أكل لا الكفّارة. (3/177)
صفحة 1104
ومن قال: الحلال عليه حرام أو عكس لزمته أيضا إن حنث، وقيل: لا تدخل الزوجة في تحريم الحلال حتّى ينويها في يمينه فتلزمه، وإن لم يباشرها لأجله حتّى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء كما سيأتي. وإن قال: كلّ حلال عليه حرام فقيل: تدخل فيه، وقيل: لا حتّى ينويها.
وإن قال: هذا الطعام عليه حرام كحرمة الظهار إن أكل منه لزمته مغلّظة، وإن قال: كحرمة الطلاق لزمته أيضا. أبو سعيد: من جعل حلالا [449] عليه حراما قطعا ولم يقل: إن فعل أو لم يفعل، حنث من حينه ولزمته مرسلة؛ وإن حرّم شيئا من حلاله عليه إن فعل أو لم يفعل لم تلزمه حتّى يحنث.
ابن أحمد: من قال هذا الطعام عليه كلحم الخنزير لزمته كمن حرّم حلالا. ومن قال لولده: حرّمت مالك على نفسي، فتحريمه لماله كتحريم ماله هو، عند من يرى أنّ مال ولده له، وعند من لا يراه له يكون تحريمه له كتحريمه لمال غيره. ابن محمّد: من قال: حرّم الله أن أفعل كذا، ثمّ فعله، أجزاه الاستغفار.
ومن قال: زوجته عليه حرام، لزمه العتق إن كان غنيا أو إطعام عشرة، أو كسوتهم، وإلاّ فصيام ثلاثة.
وقيل: إنّ التحريم في يمين التحريم خاصّ، وإنّما كفّارتها إطعام عشرة إن وُجد وإلاّ فصوم ثلاثة، وقيل: عامّ فيه وفي اليمين بالله.
أبو جعفر: من حرّم ماله كلّه عليه إن فعل كذا كفّر وإن لم يحنث، وقيل: لا حتّى يفعل، إلاّ إن حرّمه لا ليمين فتلزمه، والمال وبعضه سواء في التحريم.
ومن حرّم حراما يريد به يمينا كانت يمينا بإرادته لا إن لم يردها لأنّه صادق. ابن هاشم: من قال: حَبّي عليَّ حرام فإنّه يكفّر، وحنث إن بذره. وإن قال: والله لا آكله فبذره فهو أهون.
ومن قال: دخول هذا الباب عليَّ حرام إلى خمسة أيام فلا عليه إن وقّت؛ وكذا إن قال: إن مسّ زوجته أو أمته إليها فهي عليه حرام فتركها فيها فلا بأس عليه إن مسّها بعدها ولزمته الكفّارة إن لم يوقّت. (3/178)
صفحة 1105
أبو الحسن: من قال: صلاته عليه حرام إن فعل كذا وكذا، ثمّ فعله لزمته كفّارة التحريم، لأنّ الصلاة حلال له، وكذا الصوم.
أبو علي: إن قالت لزوجها: أنت عليّ حرام، وأنا عليك حرام ففي الأوّل مرسلة، وفي الثاني الوقف فيما يلزمه فيه، ورجى خميس أنّها إن قصدت تحريم الحلال تلزمها كفّارته.
ومن قال: عليه الحرام إن شرب ماء هذا القدح، ثمّ أريق منه لزمته عند سليمان، وقيل: لا حتّى يشربه كلّه؛ وحفظ زيّاد أنّ تحريم المرأة ليس كتحريم غيرها، ولزمه العتق أو الكسوة أو الإطعام إن وجده وإلاّ صام.
ومن قال: أحبط الله عليه كلّ صلاة صلاّها، وصوم صامه، إن فعل كذا فلا عليه، إلاّ إن نوى إحباط عمله فتلزمه الكفّارة؛ وإن قال: لا يقبل الله له ذلك أجزته مرسلة.
ومن له -قيل- أربعة غلمان فرأى واحد منهم فقال: خِدْمتك عليّ حرام، ولم يعرفه بعينه أجزته واحدة، وإن حرّم خدمتهم معا أو انفرادا في معنى واحد، حنث فيه لزمته واحدة أيضا.
فصل
من حلف أنّه عاقل أو غير عاقل، فإذا بلغ وسلم فهو عاقل، فإن عصى وأقام على عصيانه، فعاقل لا يعقل وله نيته. والجاهل هو المقيم عليه. والعالم هو المطيع لله، ولا يعصيه جاهلا ولا عالما. والسفلة من عصاه وأقام عليه. ومن له ولاية في الدين عندهم فليس بسفلة. والشريف هو المطيع، وعند الناس ذو الجاه والقدر. والوضيع العاصي، ويردّ نكاحه شرعا لوضاعه من تزويج العريبات. والذليل من أذلّه الحقّ وألجأه إلى الذلّ، والعزيز من أعزّه واعتزّ به وتأهّل له. (3/179)
صفحة 1106
الباب الحادي والأربعون
فيمن حلف على غيره أو حلَّفه من يخاف منه
فمن قال لأحد: بالله أفعل فلم يفعل فليس بيمين، وإن قال بالله ليفعلنّ فيمين.
أبو عبد الله: من حلف على أحد يفعل كذا وكذا ثمّ فعل، فإن قال له لا تفعل ثمّ فعل حنث إن قال بالله عليك؛ وفي سألتك به وبحقّه عليك قولان.
ومن حلف بالله على أحد ليأخذنّ منه شيئا عرضه عليه وإلاّ فإنّه لا يكلّمه سنة، فكره أن يأخذ فلم يكلّمه حتّى قبل منه أو أخذ فإنّه لا يحنث.
ومن قرّب [450] إلى قوم طعاما فحلف رجل (176) منهم أن لا نأكله فلا يحنث إن أكله واحد منهم، وإن قصد بيمينه أن لا يأكلوه جميعا لم يحنثوا إلاّ إن أكلوه معا كلّه، وذلك إذا أرسل، وإن قصد بها أن لا يأكل منه واحد منهم حنث بأكل أحدهم.
أبو الحواري: من حلف على جماعة أن لا يذوقوا هذا الطعام فلا يحنث حتّى يذوقوه معا، وإن حلف عليهم أن لا يبلغوه شيئا كنار أو ثوب أو غيرهما فبلغه إياه أحدهم حنث.
وإن قال لأحد: بالله أو بحقّه عليك كلْ هذا الرغيف فأبى فلا كفّارة -قيل- على أحدهما، وإنّما يحنث من قال: والله إنّك تأكل هذا أو تفعل كذا فلم يفعل، فإن قال: والله الذي لا إلاه إلاّ هو إنّك تفعل فلم يفعل فليس بيمين في الظاهر، وإن أرادها به كانت يمينا عند من يراه تلزم بالنية.
ومن قال لأحد: إنّك فعلت في كذا وكذا فأنكر فقال له: إن كنت فاعلا فعليك لعنة الله، فأنعم وقد فعل فيه ذلك حنث ولزمته مغلّظة.
ومن قالت لزوجها: والله لا تزوِّج عليَّ فلانة؟ مستفهمة له فأنعم وقد تزوّج بها فيمين منها لا يتزوّجها، وإن قصد بنعم جواب كلامها يريدها به لزمته. (3/180)
صفحة 1107
محبوب: من أخذه لصوص وحلّفوه أن لا يخبر بهم وقد عرفهم وكتب أسماءهم على الأرض، فالكتاب كلام، ولكن لا يمين على مهدَّد بضرب أو قتل، وقيل: ليس بكلام، وقيل: كلام إن قرئ.
ومن في بدنه -قيل- خراج (177) فعصره أحد وأوجعه وقال له: لا أتركك حتّى تطلّق امرأتك، فطلّقها ولا يقدر أن يمتنع منه فلا تُطلَّق عليه عند الأكثر لأنّه مقهور، وقيل: تطلَّق.
ابن أحمد: من أشهر السلاح على زوجته وأجبرها حتّى حلفت أن لا تكلّم زيدا، ولا مضرّة عليها من زيد في مال أو غيره لم تلزمها يمين إن خافت من سلاحه، وليس لها أن تعصيه إن كَره ذلك.
ومن أكرهه سلطان على يمين فيما تلزمه فيه فقيل: إنّها تلزمه؛ قال خميس: وأخاف أن تكون هذه كذلك إن خشي الزوج أن يلحقه من كلامها ضرّ. (3/181)
صفحة 1108
الباب الثاني والأربعون
في أيْمان السلاطين
فمن اتّهمه سلطان أنّ عنده مالا لرجل أو عِلما به، فحلفه ما عنده ذلك فلا يحنث إن عرفه بالظلم على الأموال، وحنث إن حلف بلا تحليفه إلاّ إن نوى أنّه لا يعلم في ساعته أين هو، وقيل: ليس له أن يحلف إلاّ إن كلّفه اليمين، فإن كلّفه وخاف حلف ولا يحنث.
واختلف فيها إن طلبها خارصه ــ وقد أراد أن يخرص على أحد ماله ــ فيحلف له أنّه ليس له إذا طلب منه اليمين ليسلم ماله فقيل: لا يحنث ولا يمين للظلمة إلاّ إن بدأ بها قبل أن يطلبوها منه، وقيل: يحنث والمختار الأوّل.
ابن الحسن: من أبصر جائرا يحلّف الناس ليخبروه بما لا يجوز لهم فأقبل على صالح فأبى ودافعه بالقول فلم يعذره واغتاظ فخاف منه فحلّفه بالطلاق أو بصدقة ماله فلا يمين على مجبور كما مرّ ولا حنث.
أبو عبد الله: من استحلفه جائر ليدلّه على رجل أو ماله فحلف بالله ماله علم به، وقد علم مكانه فليحلف له ويكفّر، ولا يدخل على مسلم ولا كافر ولا على ماله ضرّ، ولو قال له: طلّق امرأتك أو اعتق عبدك وإلاّ قتلتك وأشهر عليه السلاح [451] فله أن يفعل ولا تطلَّق ولا يعتق، ولا تجوز التقية في الفعل كما مرّ، ولو قال له: ازْن بهذه المرأة ورضيت، أو اشرب في رمضان أو هذا الخمر وإلاّ قتلتك وأشهر عليه السلاح فلا يفعل ولو يقتله.
ومن حلّفه عمّا فعل فحلف بالطلاق ما فعله وقد فعله ثمّ صحّ بعدلين أنّه فعله فإنّها (178) تطلّق إلاّ إن خاف ضربا أو قتلا فأعطى له ذلك، وقد رأى أنّه أصاب بذلك من أبى، وإن أقرّ أنّه حلف بعد أن فعل فقد حنث وطلّقت، وإن قال فعل بعد (3/182)
صفحة 1109
أن حلف قبل قوله ولا تطلّق إلاّ إن شهد عدلان أنّه أقرّ عندهما أو علِما أنّه فعل قبل أن يحلف
وإن كان الجائر ليس من عادته الأخذ والضرب والقتل، ولا يدري بما يعاقبه فحلف وحنث فليكفّر.
وإن أكرهه على وطء امرأة بقتل لزمه عقرها إن فعل لا الحدّ كما مرّ، وكذا إن أكرهه على إتلاف مال لزمه ما جنى بيده إذ لا تسقط حقوق العباد، ويُعذر في حقوق الله مع الخوف والتوبة تأتي عليها.
ومن مرّ -قيل- على عشّار ومعه مماليك له فقال إنّهم أحرار فلا بأس عليه، ويُعتقون عند أبي عبد الله إلاّ إن بدأه بنوع من العقوبة أو يراه عاقب غيره على ذلك.
وإن أراد أن يحلِّف رجلا فقال لا أحلف، فإذا أمره به فقد أكرهه إذا خاف منه ولو على ماله، وأمْره إكراه. ويروى: «لا حنث على مغتصب».
ومن عجز أن يفرّ منه فاضطرّ بيمين بطلاق أو عتق فلا يقعان؛ وقد سأل -قيل- جميلٌ جابرا عن ذلك، فقال: ليسا بأشدّ من الكفر الذي جاءت فيه رخصة التقية، فمن حلف بهما فله أن يمسك زوجته وعبده.
فصل
ابن جعفر: نظرنا فيما يبتلى به من أمر الجبابرة وما يظلمون به الناس ممّا لم يجعل لهم عليهم، ثمّ لا يرضون إلاّ بإجبارهم وإن على الدلالة، فإن اعتلّوا لهم بعدم المعرفة أو بالعجز حلّفوهم بالطلاق والعتق وغيرهما من المغلّظات، فمنّ الله عليهم بالمخرج وهو قوله تعالى: {إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ} الآية (سورة النحل: 106)، ولا شيء أعظم من الكفر، وقد أنزل فيه العذر عند الخوف بشرط ثبوت الأيْمان في القلب وإعطاء (3/183)
صفحة 1110
اللسان، ولم يجعل على من ابتُلي بذلك عقوبة ولا كفّارة ولا مذمَّة رحمة منه تعالى لهم.
وليس لمسلم أن يعصي الله بركوب محرّم ولا بتضييع واجب تقية إلاّ أن يحال بينه وبين الفرض كالصلاة، فإنّه يؤدّيها كما أمكنه ولو بالتكبير.
وقيل: لولا ثلاثة لهلكت الأمّة: الحكم والتوبة والتقية، قيل: والرخصة.
وتتصرّف أيْمان الجبابرة على وجوه؛ فمن حلّفه الجبّار على حقّ له أو لغيره أو أنّه يصلّي، أو يصوم رمضان، أو يؤدّي ما عليه للناس، أو لا يشرب خمرا، أو لا يأكل خنزيرا، فحلف بمثل ذلك فحنث فليكفّر يمينه إذ لم يظلمه إن حلّفه يمين (179) المسلمين لا بما لا يجوز كالطلاق والعتاق.
وإن قال لرجل: بلغني أنّك تقول كذا وكذا أو تفعله ممّا له قوله أو فعله وهو يغضب الجبّار، فإن أقرّ به ضربه، وإن أنكره حلّفه بالغلاظ ما قال ولا فعل، وقد قال أو فعل فحلف تقية منه (180) فلا يحنث إذ لا يلزمه أن يقرّ فيعاقبه.
وكذا لو أنّ رجلا شتم جائرا أو قذفه فاستحلفه ما فعل وهو إن لم يحلف يعاقبه بأكثر ممّا يلزمه على فعله فلا يحنث إن حلف (181)، وإن كان يعاقبه بقدر فعله أو بما يتحمّله حنث إن حلف، وكذا إن حلّفه أن لا يفعل كذا، أو لا يقول كذا وهو طاعة وجائز له قوله أو فعله، وعليه في تركه ضرّ وإن في ماله، فحلف تقية ثمّ فعله فلا يحنث.
وإن حلّفه ما علم أين فلان ولا عرف له مالا أو أنّه لم يأخذه [452] له وخاف أن يظلمه إن أعلمه به فحلف ما علم بذلك أو ما عرف له مالا، أو يقتل له فلانا أو يأخذ له ماله، فلا يلزم حنث إن ألجأه الأمر منه بين ظلم الناس أو العقوبة له أو اليمين وحرّم عليه أن يدلّه على مسلم أو ماله، بل يحلف ولا يحنث.
والعذر كما مرّ هو القتل أو الضرب الشديد أو الخلود في السجن، وقيل: حتّى يشار عليه بالسيف أو بالسياط، وهذا غاية التضييق، فإنّه إذا أشار عليه بذلك، فمن (3/184)
صفحة 1111
يمسكه عنه وليس بعد القول إلاّ الفعل والتقية إنّما تكون من خوف العذاب قبل وقوعه.
أبو المؤثر: إن عرف أنّه يقتل أو يعاقب، فمن أمره أن يطلّق أو يكفّر وقد عاينه يعاقب من عصاه وربّما سلم منه سالم، فإن أعطاه بلسانه ما أمره به فلا يحنث ولا يأثم.
فصل
من لا يجد امتناعا من جبّار وأعوانه جازت له التقية ولو افترقوا، ومن أوعده ولو بضرب سوط أو سوطين ويتألّم به ولكنّه يتحمّله فهل يحنث إن حلف له أو لا؟ قولان.
وإن قال له أعوانه: طلّق امرأتك، فأبى فضربوه سوطا واحدا ولم يتوعّدوه فطلّقها لم يحنث لأنّه لا يدري متى يتركونه، فإن ضربوه سوطا فتركوه فلم يطلّق، وأخذوا آخر وقالوا له كذلك، وقد رأى هذا فطلّق فقد حنث إن احتمل ذلك، ولا حدّ لضرب غير متحمَّل لاختلاف الأحوال إلاّ ما قالوا إن وعدوه عشرة أسواط، وقد رجا أن يتحمّلها، فلمّا ضُرب سوطين لم يتحمّلهما فطلّق لم يلزمه الطلاق، وإن ضربوه عشرة ثمّ طلّق لزمه إلاّ إن رأى إعادة الضرب أو توعّدوه بالزيادة. وإن قالوا له: طلّق ولم يتوّعدوه لم يلزمه أيضا إن طلّق لأنّهم ضربوه، ولا يعرف لضربهم حدّا.
وإن أمروه أن يحلف أو يطلّق أو يكفر بلسانه ولم يرهم قتلوا من أبى ولا عذّبوه ولا أخلدوه في السجن ولا توعّدوه بذلك إلاّ أنّه خافهم لما يرى من جورهم فحلف لهم أو طلّق أو أعتق لزمه ذلك، إلاّ إن علمهم يقتلون إن غضبوا ويعذّبون، وإن لم يعطهم ما سألوا غضبوا ولا يجد امتناعا منهم لم يلزمه ذلك حينئذ؛ وأمّا بيع ماله أو عطيته بطلبهم فلا يجوز عليه إن كره، فإن ظهر المسلمون (182) فأراد الواهبون للجبابرة أو البائعون لهم بطلبهم أو أعوانهم أن يأخذوا أموالهم من أيديهم جاز لهم. (3/185)
صفحة 1112
وقد بلغنا أنّ الإمام الجلندى ردّ بيْع من حمل لهم الدواة، وقال: إن طلبوا أيْمان أرباب الأموال ما باعوها لهم أو وهبوها باختيارهم لزمتهم، فإن حلفوا أخذوها وإن من أعوانهم لا إن نكّلوا، ولا يكلّفون البيان أنّهم باعوا أو وهبوا جبرا.
وإن ردّوا الأيْمان إليهم أو إلى أعوانهم ما أجبروهم على ذلك لم تلزمهم، وإن قبضوها فلا غلّة لهم إن باعوا أو وهبوا بلا إيعاد، وهي لهم عليهم إن فعلوا به، ولهم عليهم أيضا ما استهلكوا منها، ويُطرح من ذلك ما أنفقوا في صلاح الأموال وما فسلوه أو بنوه فيها خُيِّر فيه أرباب الأموال بين إلزامهم بإخراجها وبين دفع قيمتها لهم يوم يأخذونها منهم، ويحسب عليهم ما استغلّوا وسكنوا، فإن كان أكثر من قيمة الشجر أو البناء لزمهم ردّ الفضل، وإن كان أقلّ منها طُرح عن أهلها ما استغلّوا وسكنوا ودفعوا الفضل إليهم.
وإن أمروهم بقلع ما زادوه فيها أخذوا منهم قيمة الغلّة والسكن، وللجبابرة عليهم ما دفعوا من ثمن المبيع، ولم يأخذ الجلندى بالغلّة المغتصب ولا أهل الأموال بالثمن؛ قال خميس: ولعلّهم لم يطلبوا ولو طلبوا لأوصلهم إليه، وما ذكر هو قول أبي المؤثر، وقال غيره ذلك إن لم يكن الطين والغسل (183) من المغتصبة.
فصل
أبو الحسن: من بنا دارا في أرض غيره بطينه وجذوعه ثمّ قدر على إخراجه فلا حقّ للغاصب عليه، ولربّها عند غيره الخيار في أخذ ذلك وأعطاه قيمته له وفي أمره بإخراجه.
وقالوا: من أخذه [453] الجائر باليمين فجأة على بيعة أو غيرها فلا يحنث، وإن علم أنّه يحلف على ذلك وهو في محلّ لا يعلم به الجائر أو حيث يقدر فيه أن يمتنع منه فذهب إليه باختياره فحلّفه، فإنّه يحنث. (3/186)
صفحة 1113
وإن كان في مملكته وأرسل إليه وهو لا يقدر على ذلك، أو ذهب إليه في حاجة، وإن لغيره أو بدونها إلاّ أنّه لا يعلم أنّه يريد ظلمه، فلمّا رآه أخذه وحلّفه فلا يحنث كالمأخوذ فجأة.
ومن حلف عن فعل وأخبر الجائر بيمينه فأجبره عليه لم يحنث، وإن لم يخبره بها وأجبره حنث. وإن أجبره على يمين أنّه لا يقتل فلانا ولا يشرب خمرا ولا يزني ثمّ أجبره على ذلك أثم، وليس بحانث.
وإن حلّفه بالطلاق لا يشرب اليوم ماء أو لا يدخل منزله أو نحوهما من مباح له، ثمّ أجبره على ذلك فيه فلا يحنث به أيضا لإباحته له.
أبو المؤثر: من حلف بطلاق أو عتق إن دخل دار فلان أو أكل هذا الطعام، ثمّ أجبره على ذلك ففعل ولم يخبره بيمينه حنث لا إن أخبره بها، وقال: كلّ ما أمره به أن يفعله ممّا لا يأثم به ولم يلزمه فعله فحلف بالطلاق أو العتق لا يفعله، ثمّ أجبره حتّى فعله وقد حلّفه بعد أن أمره، فإنّه يحنث وما أمره به من معصية ممّا لو فعله مختارا لعصى، فإن أجبره عليه ففعله لم يأثم لأجل التقية، فإن حلف بما ذكر لا يفعله يريد المنع من المعصية فأجبره حتّى فعله فلا يحنث.
فإن قال له: بايعني فحلف بالطلاق لا يبايعه فأجبره، فإن قال له: بايعني على طاعة الله، خيف عليه الحنث إذ لا يأثم به، ولو كرهت مبايعته للجائر على كلّ حال.
وإن قال له: بايعني على المعصية أو أن لا تخرج عليَّ أو أن لا تعن عليّ ونحو ذلك، فلا يحنث إن حلف أن لا يبايعه على ذلك.
وإن حلف بغير ما يحلّفه به الجائر، حنث كما لو استحلفه بالطلاق فحلف بالعتق، وكذا إن زاد كما لو استحلفه به أيضا فحلف به وبالعتق، فإنّه يحنث فيهما لا في الطلاق. (3/187)
صفحة 1114
فصل
من حلّفه جبّار أن لا يفعل محرّما عليه ثمّ أجبره آخر على فعله ففعله، فإن أخبر الأخير بيمينه التي حلّفها (184) عليه الأوّل فأكرهه عليه فلا يحنث، ويأثم فيما يأثم في فعله على الإكراه ولا يحنث، وإن لم يخبره بها حنث، وكذا إن فعل ما أكرهه أن يحلف عن فعله ثمّ فعله، فإن حلّفه عمّا لا يجوز له حنث إن فعله لا إن كان عن جائز له، وإن حلّفه لا يعصي الله وقال له: إن لم تفعل قتلتك، ثمّ حلف ثمّ عصى حنث.
وإن دفع إلى أحد خبزة وقال له: كُلْها في بيتك فحلّفه بالطلاق على ذلك وإلاّ قتلتك فحلف ولم يأكلها حنث، وقيل: لا لأنّه لا يلزمه أكلها ولا يمين على مقهور.
وإن طلبه أن يعطيه درهما أو علفا لدابّته فقال: ما عندي ذلك فحلفه بهما فحلف وهو عنده، أو حلف هذه الأيْمان إن لم يذهب إلى قريب إلى وقت معيّن وتركه حتّى انقضى ولم يكن ما طلب إليه ولا الذهاب يعجزه، ولا يأثم إن فعله اختير الوقف عن هذه المسألة. وقيل: لا يحنث بها (185) لأنّ ظلم الجبّار ظلم وإن قلّ، وللرجل أن يقاتله وغيره على ماله، فإن قتل دونه فهو شهيد، وقاتله عليه ظالم له كافر، وله أن يجاهد عليه، ومن أجل هذا لا يحنث.
وإن قال له: احلف بالطلاق لتعطيني كذا وكذا من مالك وإلاّ قتلتك، فحلف له به عليه، ثمّ لم يعطه ذلك لم يحنث، ولو قدر أن يعطيه إذ لا يجد بدّا من اليمين أكثر ممّا مضى عن أبي المؤثر وابن جعفر.
ومن حلّفه جبّار بالطلاق إن لم تواف يوم كذا أرض كذا، فانطلق ثمّ رجع فلا تطلّق امرأته إن كان مجبورا عند ابن محبوب وأبي المؤثر.
وقال ابن جعفر: [454] من حلف به عن شرب النبيذ فحلّفه الجبّار إن لم يشربه، فأخبره بيمينه فلم ينصت إليه، وخاف فشربه لم يحنث عند أبي المؤثر، وحنث عند أبي عبد الله لأنّ التقية لا تجوز في الفعل. (3/188)
صفحة 1115
وإن قال له: بلغني أنّ فلانا في منزلك فأظهرني عليه، وقد علم أنّه إن ظفر به قتله، فحلف بالطلاق ما هو فيه فلا تطلّق زوجته، ولا كفّارة تلزمه، وتُطلّق عند أبي المؤثر إلاّ إن قال له: احلف به لا تعلم أين هو ولا هو في بيتك وإلاّ قتلتك أو ضربتك، وإن حلّفه بذلك كذلك وحلف به ما هو في بيته وهو فيه، أو قال له: احلف ما هو فيه، فحلف ما يعلم أين هو وقد علم فقد حنث في كلّ ذلك إذ لم يحلف كما أمره، وإنّما لا يحنث إذا حلف كما أمره.
وإن قال له: طلّق امرأتك وإلاّ قتلتك أو ولدك أو غلامك أو فلانا، أو أخذت من ماله كذا وكذا أو من مالك لزمه الطلاق إن طلّق لأنّ الوعيد وقع على غيره، وليس له أن يتّقي عنه بالطلاق ولا أن يكفّر إلاّ في ولده الصغير، وفي هذا الكلام تأمّل، فإنّ قوله وإلاّ قتلتك وقع فيه الوعيد عليه وليس له تقية في أخذ ماله، ولا في قتل غلامه، وقيل: تسعه في المال والنفس. فإذا خاف وإن عن ماله وسعته.
فصل
لا يحنث عند ابن محبوب من استحلفه جائر بالطلاق ما فعل كذا وكذا، وقد فعله إن خاف ظلمه. وعند أبي المؤثر: إن خاف عقوبته إذا أقرّ بفعله لا يحنث، وإن كان لا يعاقبه عليه فليخبره ولا يحلف، فإن حلف حنث، وقيل: تسعه التقية في النفس والمال والدين لا العرض.
وقيل: كلّ منزلة تسعى فيها بالكفر باللسان فله أن يمسك فيها زوجته أو عبده إذا أعطاه بالطلاق أو العتاق فيها.
وقيل لجابر: إنّا نمرّ على العشّارين فنخاف أن يذهبوا ببعض أموالنا ألنا أن نحلف لهم بالطلاق؟ قال للسائل: اَبق عليك امرأتك ولا تعطهم إياه فتحرم عليك، وقال غيره: لا بأس عليه إن خاف ذلك أن يحلف بالله ثمّ يكفِّر لا بالطلاق فيجوز عليه. (3/189)
صفحة 1116
وقيل: في رجل أخذوه بالبيعة فجمعوا الناس في حائط أو مسجد وأمروا قارئا عليهم كتابا فيه أيْمانهم، فجعلوا ينعمون وهو يقول: لا، لا، ولا يفطن له أحد أنّه لا شيء عليه، وإن أومأ برأسه يريهم الرضى لم تلزمه اليمين ما لم يفصح بلسانه.
ابن جعفر: من أخذه عبيده ليقتلوه أو يلقوه في البحر أو يفعلوا به مهلكا له إن لم يعتقهم، فلا يلزمه عتقهم إن أعتقهم، وكذا إن أوثقوه على ذلك.
وإن حلّفه الحاكم لعبده حلف أنّه عبده ما أعتقه، واختاره أبو المؤثر.
ومن كان مع زوجته على سطح أو جبل فأدلته بحبل لينحدر برأيه، فلمّا صار في بعضه (186) قالت له: طلّقني وإلاّ أرسلت بك الحبل، فطلّقها فلا تُطلّق عند ابن جعفر، فإن طلّقها ثلاثا بقيت عنده بواحدة عند أبي عبد الله. أبو زيّاد: يطلّقها واحدة، فإن قبلت وإلاّ زادها واحدة. وأجاز أبو المؤثر التقية لمستكرَه لا يقدر أن يمتنع من مكرهه. (3/190)
صفحة 1117
الباب الثالث والأربعون
في اليمين بالصدقة
وقد مرّ عن ابن علي أنّ من حلف بها ثلاثا يخرج العشر ثمّ العشر ثمّ العشر.
أبو سعيد: من تصدّق بماله في يمين حنث فيها لزمه العشر، فإن تصدّق بأقلّ من ثلثه لزمه ذلك، وإن تصدّق بأكثر رُدّ إلى الثلث، وقيل: إلى عشر ماله، وقيل: عشر ما تصدّق به.
وإن حلفت بها ذات زوج لها عليه عاجل وآجل فقيل: تعشِّر العاجل إن حنثت، ثمّ الآجل إذا قبضته أيضا؛ وقال موسى: إن (187) قدرت على أخذ صداقها عشّرته وإلاّ فلا شيء [455] عليها فيه.
ابن جعفر: إن لم يسمّ بها لأحد فقيل: قد عرف أهلها، وقيل: يكفِّر يمينه، وقيل: لا شيء عليه حتّى يقول للفقراء فيعشّره لهم، وهو المختار.
ولا شيء على من قال صدقة على الشياطين، وقيل: يعشّره للفقراء، وإن قال على الجنّ أو الأغنياء أو من لا يحصى كثرة فلا شيء عليه في الأغنياء، ويعشّره لمن ذكر في غيره، ويقوّمه العدول يوم حنث، ثمّ يعشّره كما مرّ، وقيل: يرفع له ديْنه، وقيل: لا، وقيل: العاجل فقط، واختير الأوّل إن قال يقضيه من حينه، ويرفع له أيضا ما لبسه من الثياب، ويعشّر ماله مؤجّلا إذا قبضه؛ ولا يلزمه عشر الغلّة التي وجدت قبل الحنث.
وإن لم يعرف ماله يوم حنث قوِّم يوم يعشّره.
ومن حلف بها معدما وحنث موسرا عشّره يوم حنث ولا شيء عليه في العكس. وكذا من جعله للسبيل أو فيه، فإنّه يعشّره للفقراء. (3/191)
صفحة 1118
ومن حنث ولم يخرجه حتّى احتضر فأشهد بماله لزوجته بصداقها عليه وماله أقلّ منه وأوصى بقيمة عشره فأبت، فإنّه يبدأ بالديْن، فإن فضل شيء أُعطي للفقراء وإلاّ فلا.
وإن حلف بصدقة ماله للعبيد أو لليتامى أو للمساكين أو نحوهم، فهو للعبيد ولفقراء اليتامى وللفقراء مطلقا، وإن قال لأهل الشرك أو للرجال أو للنساء فهي لمن سمّى به منهم. وإن قال: لبني آدم فهي للفقراء، وإن قال للأطفال كانت (188) لفقرائهم، واختير أنّها لمن ذكر، وقيل بالوقف في العبيد، ويقوّم ماله عند أبي عبد الله ولو غلّته إلاّ ما أنفق منها قبلُ، لا ما قبْلَ الحنث، وقيل: لا تقوّم عليه وإنّما يقوّم عليه الأصل يوم الحنث بما فيه، والمدرَك منها يومئذ ممّا لا يتبع الأصل في البيع يقوَّم أيضا، ويؤمر بقضاء ديْنه في حينه إن كان ماله قدره، فإن قضاه وإلاّ فإنّه يعشّره.
ومن حلف بعتق عبيده أو بصدقة ماله على نفسه، فله كما مرّ أن يزيل ذلك إلى غيره، ثمّ إذا حنث استرجعه، وإن رجع إلى الفعل وذلك في ملكه لم يحنث بعد وهما له ويُنسب لجابر.
ومن حلف بصدقة ماله على معيّنين ثمّ غابوا أو ماتوا يوم حنث أو بعضهم كانت لهم إن تأهّلوا لها، ويُعطى منها وارِث من مات حصّته، وتُحبس لمن غاب حصّته، وقيل: إنّما تلزمه كفّارة اليمين إذا حلف بذلك لمعيّنين، وقيل: لا شيء عليه، وقيل: يكون للفقراء ويعشّر كلّ شيء ويقوّمه عدلان قيمة وسط، وقيل: بالرخص؛ وجاز واحد وبنفسه إن عدل.
وإن حبس ماله وأعطى قيمته جاز له ولا يُجبر على إخراجه إن حنث، فإذا أراده أقام الحاكم وكيلا للفقراء يقبض لهم، وقيل: يعشّره يوم حلف، وقيل: يخرج الأوفر.
وإن حلف بصدقة ما لا يطعم منه فلانا شيئا محدودا فلا يحنث حتّى يطعمه ذلك. (3/192)
صفحة 1119
وإزالة المال أن يبيعه بيعا صحيحا أو يهبه أو يقرّ به ثمّ يحنث، وقيل: إذا باعه ثمّ حنث لزمه أن يعشّر الثمن، إلاّ إن حلف بمعيّن منه فلا يحنث إن زال قبل الحنث.
وإن حلف بصدقته عشّر الثمن إن حنث، ولا إحراز في البيع ولا قبض، وإن وهبه لغيره هبة صحيحة أحرزها المعطى له قبل الحنث، وليست كالبيع إن صحّت في الحكم والإقرار مثله، وقيل: كالهبة.
وإن حلف بذلك لا يأكل منه شيئا فإن أكل منه ولو قليلا أو بغير اختياره حنث.
ابن سعيد: إن حلفت بذلك امرأة على المساكين عشّرت صداقها الذي على زوجها، ولزم وارثها إن ماتت أن يعشّره، ويُجبر عليه إن أبى، وقيل: لا إلاّ إن أوصت به.
وإن وهبته لزوجها لزمها عشره أيضا من مالها.
ومن حلف بها وحنث وله مال فلم يعشّره حتّى تلف كان ديْنا عليه. وإن حلف بها مرارا أخرج عشره ثمّ من باقيه وهكذا [456] حتّى يأتي على أيْمانه، وذلك كمن حلف ثلاثا وحنث فيها، وله مائة درهم أو قيمتها فإنّه يخرج في الأولى عشرة وفي الثانية تسعة وفي الثالثة ثمانية.
وإن حنث في يمين وله كثير ثمّ حنث في أخرى وله أقلّ أو أكثر من ذلك، فإنّه يعشّره يوم حنث في الأولى ثمّ الباقي من الأوّل مع عشر مفاده بعد الحنث الأولى وقبل حنث الأخيرة.
ومن لزمه حنث أيْمان بها ولم يوص بها وعلم بها وارثه أو شهد بها عنده عدلان لزمه إخراجه من ماله. وإن حلف بها في شيء ثمّ بها أيضا، ثمّ كذلك حتّى حلف مرارا ثمّ حنث لزمه عشر واحد كما مرّ. (3/193)
صفحة 1120
فصل
من طلبته زوجته في فضّة له نسيها وعلمتها فقال: كلّ فضّة له مستورة فهي للفقراء، فإن أراد الصدقة فيما حنث فيه وكانت الفضّة قدر ثلث ماله أو أقلّ فقيل: إنّها كلّها صدقة، وإن كانت أكثر فقيل: إنّما تقع على عشرها، وإن لم يردها بذلك ولا يمينا وأرسل اعتذارا من طلب الزوجة إيَّاها لم يلزمه شيء. وإن كانت للفقراء كما قال فهي لهم.
ومن حلف بها -قيل- على المساكين ثمّ بها على أبناء السبيل ثمّ بها على الشراة، والكلّ في معنى إن فعل كذا ثمّ فعل، فإنّه يعشّر ماله لكلّ يمين عشره كاملا كما مرّ لحنثه في وقت، فإن حلف بها على الفقراء إن فعل كذا ثمّ بها عليهم إن فعله ثمّ فعله لزمته واحدة، فإن قال إن فعل كذا فماله صدقة على الفقراء، ثمّ قال إن فعله فصدقة على المساكين فعلى القول باتّحادهما معنى تلزمه واحدة، وعلى القول بتغايرهما تلزمه كفّارتان.
وإن حلف بها إن كلّم زيدا أو عمرا أو خالدا حتّى عدّ عشرة ثمّ كلّمهم معا بواحدة لزمه أن يعشّره (189) التامّ حتّى يذهب كلّه، وإن كلّمهم واحدا بعد واحد فإنّه يعشّره عشرا بعد عشر، وإن جمع بعضهم لزمه ما جمع.
فصل
من جعل ماله صدقة للفقراء أو لله أو لوجه الله أو للجنّ أو للشياطين إن فعل كذا ثمّ حنث لزمه عشره لهم.
وإن قال للشراة فلشراة بلده إن كانوا فيه وإلاّ فلشراة أقرب إليه. وإن لم يجد شراة كان ديْنا عليه حتّى يجدهم، فإن قلّ المال أجزاه قليلا منهم، وإن كثر أعطاه على قدره. (3/194)
صفحة 1121
وإن قال للفقراء فلفقراء أقاربه أولى بها، وإن حضره غيرهم أنَالَهم منها، وإن لم يكن في قرابته أو قريته فقراء ففي أقرب إليها، ويعشّر كلّ ما ملك إلاّ ثيابه، وإن كان له غائب لا يدري كيف هو ولا كم هو، عشّره إذا وصل إليه إلاّ ما استفاد بعد الحنث.
وإن لم يبق له بعد ديْنه إلاّ درهم أو أقلّ فإنّه يعشّره ويعطيه واحدا وأجزاه ذلك.
ومن أخرج عشره أصلا لهم أجزاه، ويوكّل الحاكم لهم من يبيعه ويفرّق ثمنه عليهم، وإن لم يخرجه أوصى به.
ومن قال: ماله صدقة على فلان لله أو هبة أو أعطيْته إياه فهو عطية. والصدقة ما أُريد به وجه الله لمسكين أو فقير.
هاشم: من قال: إن فعلت كذا فمالي صدقة على فلان أو بعضه، ثمّ حنث فطلبه فيه فلا يحكم له عليه به لأنّه أعلم بيمينه، وعليه أن يفعل هو ذلك، وقيل: لا تثبت الصدقة لمعيّن لتحوّله من فقر لغنى، وقيل: تجوز له، وقيل: تكون له أو للفقراء، ولا شيء على من جعله صدقة لهم أو لوجه الله بلا (190) يمين، وإن تصدّق بعشره كان أحسن له، وإن أراد به يمينا فيما حنث فيه لزمه عشره فيه، وقيل: دفعه كلّه لجعله لله صدقة إلاّ إن قاله في غضب أو غيض.
وإن قال: ما أعطيت فلانا من مالي [457] فصدقة للمساكين، أو قال: كلّما، فقيل: سواء، فيُعطى لهم إن كان ثلثا فأقلّ، ويردّ الأكثر إلى العشر كما مرّ، وقيل: تجوز العطية ويُتصدّق بقيمته، وقيل: يكون من ماله بعينه، وقيل: هذا في إن أعطيت (191)، وأمّا ما أوكل فليس بيمين.
هاشم: إن حنثت حالفة بصدقة مالها فقوّم بمائتي درهم وطلبت إليها زكاة حليّها، فإن كانت تعطيهما ممّا عليها يرفع لها وإلاّ فلا. ابن روح: من حلف بها للفقراء مرّة أو أكثر وسمّى في ذلك أو مرّة فقراء مكّة بعث بقيمة عشره مع أمين، فإذا أخبره أنّه فرّقه عنه فقد برئ. (3/195)
صفحة 1122
ومن قال عليه لله مائة حجّة وألف عهد، ولفقراء مكّة وأهلها عشرة آلاف صدقة أو لم يذكرها لزمه ذلك إن حنث، وقيل: عليه لفقرائها عشرة ألاف باختيار واعتقاد بلا غيض ولا غضب ولا إجبار، قال: فلا نبطل ذلك عنه. ومن التزم طاعة ألزمناه الوفاء بها إن قدر (192).
ابن محبوب: من جعل على نفسه مائة ألف حجّة أو أنّه كلّما عطش رجع وشرب من عمان أو منزله فلا تترك ولايته إن حنث وتلزمه في كلّما الخ نحر بدنة، وفي فقراء مكّة أو لأهلها إن لم يقل صدقة أنّه كالإقرار، فإن صدّق لزمه عند الله، وفي الحكم إن كذب لمن يجب له الاحتساب عليه في ذلك.
وإن قال: أقررت به جعلته صدقة عليّ لم يكن للحاكم أن يحكم عليه فيه، ويؤمر أن يتصدّق بها إن لم يكن على غضب.
أبو الحسن: من عليه ديْن لرجل فمطله إيَّاهُ فقال ربّه: إنّه صدقة من مالي على فقراء مكّة (193) إقرارا منّي أو وصية في حياتي وبعد موتي، فإن جعله على غضب فله حقّه ولا شيء لهم منه، وعلى غريمه أداء ديْنه إليه، وإن جعله على رضى منه فهو عليه ويسلّمه الغريم إليه ليتخلّص منه إليهم.
وإن قال عند وفاته قتيل: ثلث ديتي لفقراء مكّة وصية منّي لهم جاز إن قُتل خطئا، فإن أوصى لأقرب إليه وإلاّ دخل معهم في ثلثي ما أوصى به لهم، وإن قُتل عمدا فأمر دمه إلى وليه، فإن عفى على قاتله برأ وإن أخذها كان فيها ما أوصى به؛ وسُئل هاشم عمّن أُشير عليه أن يشتري مالا فقال: إن اشتريته فهو صدقة على الفقراء ثمّ اشتراه، فقال: لا يلزمه فيه شيء.
ابن محبوب: من حلف بالصدقة ولم يسمّها لأحد عشّر ماله لهم إن حنث.
أبو عبد الله: من قال إن فعل كذا فيده صدقة في المساكين، اِستغفر إن حنث ولا عليه. وإن قال فماله صدقة للكعبة لزمه ذلك إن حنث، ويُخرج لها منه ما بين الخمس إلى العشر (194) والباقي له، ويُشترى بمالها هدي يُنحر بمنى أو طيب كما مرّ، والهدي أفضل. (3/196)
صفحة 1123
وإن قال: صدقة على جميع خلق الله فعشره لفقراء بلده إن حنث.
أبو المؤثر: من قال لأحد: ما أو كلَّ ما أخذت من مالي بلا إذني، أو إن أخذت منه شيئا فصدقة على الخدم ثمّ أخذ منه بلا إذنه شيئا بعد شيء لم يلزمه شيء فيما أوكل ما لأنّه ليس بيمين، ويحنث في أنّ أوّل ما أخذ منه لا فيما بعده، وينظر إلى ما أخذ منه أوّلا، فإن كان ثلثا فأقلّ فصدقة كما حلف، وإن كان أكثر رُدّ إلى العشر كما علمت فيعشِّر ما أخذ، ولا يلزمه أن يتصدّق من صلب (195) ماله لأجله ولكن يأخذ ممّا أخذ منه ويتصدّق به ويطلبه إليه، فإن أبى أن يدفعه إليه لم يلزمه شيء. وإن احتضر أوصى به، وإن لم يجد أحدا من فقراء الخدم تصدّق به على غيرهم.
فصل
من له على رجل دراهم فقال له: إنّها صدقة على المساكين فله أن يرجع فيها ما لم ينفذها، وإن أمضاها كان أفضل.
وإن قال: إن فعلت كذا فصدقة عليهم، ثمّ فعل حنث فيها، فإن كانت ثلثا فأقلّ تصدّق بها إذا قبضها منه، وإن أبى فحتّى يقبضها (196)، فإن احتضر أوصى، وإن كان أكثر فالعشر، وقيل: كاليمين بها، وتنفذ الدراهم على اليمين بالصدقة بحسب الثلث، والأقلّ والأكثر [458] على القاعدة ولو لم يقل: إن فعلت كذا، أو قال: هي صدقة مبتدئا بلا يمين بها، وقيل: كلّها للمساكين ولو كانت جملة ماله، ولزمه إنفاذها لأنّه لا قبض عليهم ولا إحراز، وتثبت لهم ولا رجوع فيها. وقيل: له أن ينفذها لهم صدقة، وله أن يمسكه.
ومن له -قيل- نخلتان فقال: هما صدقة إن فعلت كذا، فثلثهما صدقة إن حنث.
ومن يقول عليه عهد الله لا في قسم فلا شيء عليه عند ابن محبوب، وقد صدق لأنّ عليه عهد الله. (3/197)
صفحة 1124
وإن قال ماله صدقة على من ذكر لا في قسم أيضا، فإنّه يعشّره.
ومن قال: إنّي حلفت بمائة درهم فيمن ذكر أن لا أفعل كذا ولم يحلف فلا شيء عليه إلاّ إن قال: عليّ يمين بها فيهم فتلزمه.
ومن قال لغريمه: إنّ قضيتك حقّك إلى كذا وإلاّ فكلّ شيء لي صدقة لوجه الله، ثمّ حنث، فعبيده يُعتقون وماله يعشّر لهم.
ومن قالت شعرها لهم صدقة فلا شيء عليها إن حنثت.
وإن قال ماله صدقة ولا أفعل كذا فلا شيء عليه إن فعل.
وإن حلف بصدقته على فلان لله ثمّ حنث، فإن بدا له أن يمسكهُ صام ثلاثة.
ابن محبوب: من طلب امرأته شيئا من مالها فمنعته فحلف بصدقة ماله إن أعطته الشيء ليعطينّه من فضل أوّل تمرة تجنيه فأعطته، فجاءت التمرة فلم يعطها واشترى بالفضلة أصلا أو عروضا، فإذا تحوّلت الدراهم متاعا وأصلا حنث، وليس له أن يبيع ما اشتراه ويدفع ثمنه، وإن بقي له من دراهم الغلّة ما لا يبلغ حقّها فقالت: أنا آخذه وأهب لك الباقي لم ينفعه ذلك عن الحنث ولزمه أن يعشّر ماله.
ومن قال نصف ماله صدقة فيمن ذكر ثمّ حنث، فقيل: إن تصدّق بدون الجملة جاز من دون الثلث. وقيل: إن تصدّق بما فوقه يرجع إلى العشر.
ومن حلف بصدقة ماله فلا يطعم منها من يلزمه عوْله إن حنث. ومن قال ماله صافية إن فعل كذا فلا عليه إن حنث. ومن تصدّق به على غني رجع إليه إذ لا تجوز له، وقيل: يمضي عشره لأهله، وإن كانت على فقير معيّن أعطى من المال قدر ما يستغني به عن الزكاة، ويردّ الباقي من العشر على ربّه.
وإن قال: إن بعت كذا وكذا فهو صدقة عليهم فباعه ثبت بيعه، ويعشِّر ماله لهم إن كان أكثر من الثلث، وإن كان قدره أو أقلّ دفع إليهم.
ومن حلفت بصدقة مالها إن تزوّجت فلانا ثمّ تزوّجته على صداق، فإنّه يدخل في قيمته، وقيل: لا، وقيل: إن تزوّجها بدونه ودخل بها فاستوجبته عليه بعد الحنث فلا يعشّر. (3/198)
صفحة 1125
ومن حلف بصدقة نصف ماله على أهلها لزمه نصف عشره إذا حنث.
وإن قالت امرأة لزوجها: كلّ مال أملكه صدقة إن دخلتَ بيت فلان، ثمّ دخله وحنثت فقيل: تعشّر ما ملكت، وقيل: تكفِّر مرسلة إذ لم تسمّ صدقة معروفة، وقيل: لا شيء عليها إلاّ إن سمّت بها على كذا أو نوته.
فصل
من حلف بالمشي إلى البيت الحرام وقد بعد منه ثمّ حنث في قرب منه فقيل: يمشي من حيث حلف، وقيل: من حيث حنث، فإن قال ماله صدقة على أهل عمان ثمّ حنث فإن قدر أن يتصدّق به على فقرائه وإلاّ فلا عليه إلاّ ما يقدر عليه.
ويعتق من قال بدنه صدقة عند أبي زيّاد، وأساء عند غيره ولا عليه. وعن أبو (197) الحواري أنّه مشى مع رجل إلى سليمان فقال: فسألناه عمّن جعل ماله صدقة ولم يسمّ؟ فأخبرنا أنّ وائلا وهاشما قالا: إنّها قد عرف أهلها.
وأخبرنا ابن محبوب أن موسى وبشيرا قالا: يكفّر يمينا، قال له: فبِمَ تأمرنا؟ فسكت، ثمّ قال: هما شيخا أهل عمان خُذا بقولهما، وهو رأي موسى [459] بن علي وأبي الحواري.
وعن ابن علي قال: رجع جدّي عن ذلك يريد به موسى بن أبي جابر المذكور. ومن قال عبده حرّ وماله صدقة وزوجته طالق ولم يرد واحدا فلا يلزمه عند الله شيء، وإن صحّ عليه في الحكم أخذ ما يلزمه فيه، ويستغفر من كذبه إلاّ إن طلّقت قبل فلم يصدّقه أنّه كاذب.
ومن حلف بالصدقة وحنث واحتضر قبل إخراجها فقيل: كوصاياه من الثلث، وقيل: من المال قبلها كما مرّ.
ومن تصدّق بنخلة على فقير لوجه الله وشرط عليه تمرتها سنة جاز له (198). (3/199)
صفحة 1126
ومن تصدّق بماله على فلان لوجه الله فلم يقبله فقد برّ وماله، وهو كمتصدّق به على من لا تجوز له الصدقة.
ومن قالت ثوبها صدقة على أمّها جاز لها إن لم يحكم عليها بعوْلها.
ومن تصدّق به ولم يعط قيمته حتّى نقص لزمه فضل ما بين القيمتين مع دفعه أو قيمته يوم حنثه.
ومن جعل ماله لوجه الله فليعن به في سبيل الله والفقراء وفي الرقاب.
ومن اشترى من أحد طعاما وقال: إن اكتفيت عنه رددته عليك ثمّ سئل ألك طعام عند فلان؟ فقال: كلّ طعام لي عنده فهو صدقة للفقراء، فنسي شرطه فلا عليه إلاّ إن ردّه قبل.
وسُئل بعض عمّن حلف بصدقة ماله عليهم إن حنث فقال: يعشّره إن كثر ويخمّسه إن قلّ ويسبّعه إن توسّط، وعند بعض قومنا يعطي ثلثه، وعند بعضهم ثمنه. وحجّة من قال بالثلث ما تقدّم من الرواية، ومن قال بالخمس أنّ الله رضي به في الغنائم، ومن قال بالعشر أنّه كالزكاة؛ والكثير ألف درهم أو قيمتها، والقليل خمس مائة فأقلّ وما بينهما متوسّط.
ومن قال يكفّر يمينا يحتجّ بقوله: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ} (سورة المائدة: 89)، ومن جملتها اليمين بالصدقة، وإن كانت غير يمين ولا حنث فيها فعل في ماله ما يشاء. (3/200)
صفحة 1127
الباب الرابع والأربعون
في الأيْمان بالحجّ والصلاة والصوم
فإن حلف فقير بالحجّ ولا يقدر عليه لم يلزمه لقوله تعالى: {لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا} الآية (سورة البقرة: 286)، ويصوم شهرين إن قدر، وقيل: لا يلزمه فيه صوم، وإنّما يلزمه الحجّ إن قدر.
ومن حلف به وحنث لزمه من حيث حلف، وقيل: من حيث حنث كما مرّ، وقيل: من مصره، وقيل: من الميقات.
وإن لم تكن له فيه نية ومشى من قريب أو بعيد فقد مشى.
ومن قالت: والله وثلاثين حجّة لا أكَلَتْ لزوجها طعاما لزمتها مرسلة إن أكلت، ولا شيء في وثلاثين حَجّة حتّى تجعلها على نفسها فتلزمها إن حنثت.
قال خميس: ولعلّ بعضا يلزمها ذلك مطلقا إن حنثت.
أبو عبد الله: من قال لزوجته عليه لعنة الله وأشرك به، وإلاّ فعليه الحجّ إلى البيت ثلاثين إن نظرت وجهي إلى سنة، ثمّ نظرته مع قوم لزمته في اللعن والشرك مغلّظة، وفي الثاني الحجّ من قابل، فإن عجز عنه صام عن كلّ حجّة شهرين، وإن عجز عن الصوم أطعم عن كلّ يوم مسكينا.
وإن قال: والله الذي لا إلاه إلاّ هو عليه سبعون حجّة لزمه في والله إن حنث إطعام عشرة أو صيام ثلاثة، وفي الحجّات عند الأزهر صوم شهرين؛ واختار خميس أن يصوم لكلّ شهرين إن عجز، ثمّ إن أيسر فليحجّ ولا يجزيه ما صام قبل على ما مرّ غير مرّة؛ وليس عليه عند البسيوني في الحجّ صوم.
ومن قال: يا ربّ إن برأ فلان فأنا أحجّ ثلاثين لزمته إذا برأ. وإن قال: إن فعل كذا فهو محرم بالحجّ ثمّ حنث، فإن قاله في أشهره لزمه وإلاّ فيَمين. (3/201)
صفحة 1128
وإن قال فعليه الحجّ وحنث لزمه في أيّ وقت حلف به، وإن قال عليه الحجّ إلى البيت ثلاثين مرّة لزمه الحجّ، وإن نوى ثلاثين مرّة يجيء ويذهب في سنته فله نيته وإلاّ مشى من بلده.
ومن حلف به ولم يقل إلى البيت لزمه الحجّ إن حنث لأنّه معروف [460] إلاّ إن نوى لغيره. أبو سعيد: من قال لله عليه نصف حجّة أو نصف صوم يوم لزمه تامّ إذ لا يتجزّأ ذلك.
ومن قال: إن نجّاني الله من هذا العدوّ فعليّ لله أن أحجّ، فإن نوى الفريضة فذاك وإلاّ فعليه سواها.
ومن كان بجزيرة في البحر وحلف بالمشي إلى البيت فليحجّ راكبا ويحجّ معه آخر، وتجزيه عن الفريضة.
ابن روح: من حلف بالحجّ وقدر عليه فإنّا نحبّ له أن يحجّ من غير أن نوجب على الناس ما لم يفرضه الله عليهم، ولكن من ألزم نفسه طاعة نحبّ له أن يفي بها ولا يقصّر إن قدر.
ابن هاشم: من قال أنا محرم في أشهر الحجّ فمحرم حتّى يحجّ، وإن قاله في غيرها فعليه يمين، وقيل: إن حنث فيها كان محرما وإلاّ فيمين، وقيل: إن حنث فيه لزمته حجّة ولا يكون محرما وإلاّ فيمين، وإن حلف به من لا يلزمه فلا كفّارة عليه عند عزّان إذا حنث، وإنّما هو على من يلزمه.
ومن قال لزوجته: إن دخلت دار فلان إلى ثلاثة أشهر فأنا ملبّ بحجّة، فدخلتْ قبلها، فإن استطاعه من عامه فليحجّ إن كان في أشهره وإلاّ فقد مرّ الخلف فيه.
ومن قال عليه الحجّ إلى بيت الله إن فعل كذا ثمّ فعله ونواه المشي إلى المسجد لزمه إلى البيت الحرام لأنّ الحجّ لا يكون إلاّ إليه، وله ما نوى عند أبي عبد الله، ويقوّيه عندي أنّ الحجّ لغة القصد، وإن أرسل فهو إلى البيت.
ومن حلف بالمشي وبلده قرب مكّة فمشى إليها ثمّ أراد الرجوع إليه ولا يحجّ اختير له أن لا يدخل الميقات إلاّ محرما كما سيأتي. (3/202)
صفحة 1129
وإن عجز عنه وقد حمل معه غيره راكبين اختير للمحمول أن يحرم لنفسه. وإن دخلا معتمريْن في أشهره ثمّ أراد أن يرجع إلى بلده لم يلزمه المقام إلاّ إن شرطه عليه الحامل.
أبو المؤثر: إن حلف بالمشي لا بالحجّ فإن شاء حجّ وإن شاء رجع بلا رأي حامله، ولا تلزمه مؤنة رجوعه، وليتمّ حجّه برجل يحمله. ومن حلف به وحنث ولا يطيقه ولا مال له، قال أبو عبد الله: يصبر على المشي بجهد من بلد إلى بلد، ويؤاجر نفسه بنفقته حتّى يحجّ، فإن عجز وصدقت نيته فالله أعذر؛ وعند أبي المؤثر يصوم كما مرّ ثمّ يحجّ إذا قدر.
فصل
إن حلفت ذات زوج أن لا تبرئه من صداقها (199) بثلاثين حجّة، فحبسها وأكرهها فأعطته ابنها ولم ترد بالإعطاء إبراء زوجها منه فلا تحنث به، وإن أعطته ليبرئ لها نفسها حنثت.
أبو سليمان: اختلف في حالف بحجج لا يقدر عليها فقيل: عليه الحجّ لا غيره، وقيل: يصوم شهرين لكلّ، وقيل: للجميع، وقيل: ثلاثة أيام، وقيل: تجزيه التوبة إذ لم يكلّف ما لا يطيقه. وقال خميس: وهذه المسألة مستورة عن الجهّال.
ومن حلف بعمان لا يكلّم فلانا فكلّمه بالبصرة حنث من حيث حنث؛ وفي سائر الأيْمان من حيث حلف. وإن قال: أنا أحجّ له إن كلّمته فقيل: يلزمه، وقيل: لا ولو حنث حتّى يقول عليَّ.
أبو علي: بلغني أنّ حالفة بالمشي أتت ابن عبّاس سائلة عنه فقال لها: أحملي مملوكتك راكبة، فإذا عجزت عنه (200) فلتمشي عنك واركبي، وإذا استرحتِ فامش ما قدرت، فإذا بلغت مكّة فاعتقيها، ففعلت ذلك. (3/203)
صفحة 1130
ومن حلف به فليركب إلى الميقات ثمّ يمشي، وعند الربيع يمشي من حيث حلف، وقيل: يؤدّي حالف بحُجُج إن حنث في كلّ سنة حجّة، وله -قيل- أن يخرجها كلّها في واحدة ابن بركة: من حلف بها لزمه ما ألزم لنفسه، وله أن يخرج غيره.
وإن قال فيها إن فعل كذا خرج إلى بيت الله فحنث لم يجز له إخراجه عنه لقضاء [461] ما لزمه فيها، والفرق أنّه إن حلف بالحجّ فكأنّه ألزم نفسه أوصافه وأفعاله، فإذا قام به وإن بغيره سقط عنه كالديْن.
وإن علّق يمينه بفعل نفسه فلا يجزيه إلاّ قيامه هو به. فإن قال: إن كان كذا فهو محرِم بحجّة فكان لزمه الإحرام إن كان في أشهره كما مرّ وإلاّ فمرسلة.
وإن لم يحجّ في سنته ثمّ حجّ فما لم يقضه فهو محرم ولزمه ما لزم المحرمين. ومن حلف -قيل- بثلاثين وحنث فإن خرج بحجّة وأقام بمكّة حتّى قضى الكلّ أجزاه، وإن خرج بواحدة وبتسعة وعشرين معه في سنته جاز كما مرّ. وإن هلك قبل أن يقضي الكلّ وأوصى به اِستؤجر عنه من بلده خارج بها.
فصل
من حلف إن لم يصلّ اليوم كلّه فصلّى في الأوقات التي تجوز فيها وأمسك في غيرها حنث، وإن صلاّه كلّه لزمه الاِستغفار.
وإن حلف لقد صلّى الهاجرة أو تزوّج أو قضى غريمه دراهمه وقد فسد النكاح والصلاة وزافت الدراهم حنث إلاّ إن علم بذلك عند يمينه، وقيل: غير ذلك.
وإن حلف لا يصلّي خلف فلان حنث إذا أحرم معه ولو انتقضه، وقيل: حتّى يتمّها إن كانت فريضة وقد مرّ ذلك.
وإن حلف أن يصلّي وراءه الهاجرة اليوم فأدرك معه الأخيرتين أو الصلاة من أوّلها فلمّا صلّى الإمام الأوّلتين فسدت على أحدهما، فعند ابن محبوب: إذا أحرم (3/204)
صفحة 1131
خلفه فقد دخل فيها على الوجهين، فيبر أو يحنث، وكذا إن فسدت على أحدهما، وقد صلّى مع القوم بعضها فقد برّ، ولا يضرّها نقضها.
ومن قال صومه عليه حسرة إن فعل كذا لزمته مغلّظة إن فعله.
ومن قال إن فعل كذا فعليه صوم سنة أو شهرين ثمّ حنث فقيل: عليه ذلك، وقيل: صومهما، وقيل: مرسلة، وقيل: لا شيء عليه لاستحالة أن يلزم نفسه ما لم يلزمه، واختير الثاني.
وإن عابت امرأة أخرى على كلمة قالتها فقالت عليها صوم سنة ما قالتها وقد قالتها لزمها -قيل- صومها، ولعلّ بعضا لا يراه عليها.
ومن قال: إن فعل فعليه صومهما فحنث فعجز عنه أجزاه العتق أو إطعام ستّين، وقيل: عليه أن يصوم متى قدر، وقيل: مرسلة.
أبو سعيد: إن قال ذلك ولم يقل لله، ثمّ فعل فقيل: لزمه صومهما، وله أن يفرّقهما، وقيل: لا وقد مرّ ذلك.
وإن قال: عليّ صومٌ، فأقلّه يوم، وإن قال أن يصوم أياما فأقلّها ثلاثة وأكثرها عشرة، وإن قال: الأيام، فقيل: يصوم سبعا، وإن قال: هذه الأيام فله ما نوى إن نوى وإلاّ صام أسبوعا.
وإن قال: أقصى الأيام فله نواه وإلاّ فلا حفظ فيه، وإن صام من الثلاثة إلى العشرة أجزاه. وإن قال: أجلّها أو أفضلها فيوم الجمعة، وإن قال: خمس جمع مرسلا اختير متواليات (201).
وإن حلف أنّ صومه فاسد ما فعل كذا وقد فعله فإن صام (202) فلا نقض عليه. وإن قاله صائما فسد يومه.
ومن قال عليه صوم شهرين وأرسل، فالأكثر أن لا تفرّق أيام الشهر، فإذا أتمّه جاز له أن يفطر ثمّ يصوم الآخر والأحسن تتابعهما.
وإن قال: لله عليه صوم رجب فصامه إلاّ يوما صام شهرا مكانه وكفّر يمينه، وإن لم يعيّنه صام شهرا ليومه ولا يكفّر. (3/205)
صفحة 1132
ومن حلف لا يصلّي اليوم فصلّى بلا وضوء ثمّ ذكر فقد حنث إلاّ إن نوى صحيحة فلا يحنث إن صلّى عالما بذلك، ومن توضّأ فمسح على الخفّ ودخل في الصلاة فحلف رجل بالطلاق ما صلّى لزمه إن دان بالمسح عليه، وحنث عند أبي مالك إلاّ إن قال: ما صلّى على وضوء. (3/206)
صفحة 1133
الباب الخامس والأربعون
في اليمين بالمساجد والبيت المقدس والمشي والحدود في الأيْمان
فمن قال: عليّ المشي إلى بيت الله المقدس أو قبر النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ لزمه ــ قيل ــ ذلك إن حنث، وقيل: لا، وقيل: مرسلة فيهما. وقال أبو علي: من حلف بالمشي أو إلى قبر النبيء فلا نبرئه إن حنث ممّا حلف عليه، وقال غيره: إنّه كذلك ما لم يسمّ بشيء وينويه عند من يرى أنّ النية تلزم في ذلك. ومن حلف لا يفعل كذا وإلاّ فعليه المشي، فإن نوى إلى البيت لزمه إليه وإلاّ لزمته (203) كفّارة ولا شيء عليه في المشي حتّى ينويه في طاعة.
وإن حلف فقير لا يتزوّج وإلاّ فعليه المشي [462] إلى البيت راجلا، فغلبته الشهوة فتزوّج ولا يطيقه ولا مال له فليصبر عليه بجهد كما مرّ، ويُعذر إن لم يطقه. وإن قال عليه المشي إلى المقدِس أو إلى القبر أو إلى الجهاد لم يلزمه شيء إن حنث حتّى يحلف بالله كما مرّ.
ابن جعفر: من حلف لا يأكل ما في هذا الظرف فهو من المحدود لأنَّه قد عيّن. وكذا إن قال: ما في هذا البيت أو الدار فلا يأكل ممّا في ذلك. وإن قال: ما لفلان عند فلان من حبّ فمحدود أيضا. وإن قال: مال فلان وتمرته فليسه. وإن قال: من هذه القرية فقد حدّه. وإن حلف لا يأكل محدودا فقيل: لا يحنث حتّى يأكله كلَّه إلاّ إن نوى لا يأكل شيئا منه، وقيل: إن أكل ولو قليلا حنث إلاّ إن نوى لا يأكله كلّه. وإن حلف ما يأكل ما في هذه القرية من حبّ فليس بمحدودة، وهل بدل الشيء هو الشيء أو غيره؟ خلاف مرّ؛ قال: ولعلّ الأكثر أنّ من حلف على محدود فله بدله لأنَّه غيره. ومن حلف على مال فلان فزال إلى غيره لم يحنث إن أكل منه ما لم يحدّ، وقيل: لا ولو حدّ لأنَّه ليس له الآن. (3/207)
صفحة 1134
وإن حلف على غير محدود من ماله مرسلا فأهدى إليه من ماله شيئا وأكله فلا يحنث لأنَّه زال من ماله إذ قبضه. وكذا إن قرّب إليه طعاما ليأكله فكلّ ما أكله فقد قبضه بأكله وصار إليه ولا يحنث، وقيل: يحنث فيه. ومن حلف على محدود فله بدله أو بيعه وشراء غيره بثمنه وأكله، وقيل: يحنث به ولو حدّ. وإن حلف لا يذوق حنث إذا ذاق بلسانه وإن جلّ، ولا يأكل محدودا فأكل بعضه فلا يحنث حتّى يستوعبه، وإن قال: منه، حنث وإن بقليل، لا إن أبدله بغيره؛ وإن باعه أو أعطاه وصار لغيره حنث إن أكل منه.
فإن حلف لا يأكل من تمر هذه النخلة وهو عليها ثمّ أحدر فإنّه من المحدود ولو أرسل فيما يستقبل ممّا تحمله. وإن حلف لا يأكل من مال فلان وعنى به معلومة فأكل منها حنث ولو زالت إلى غيره لا إن أكل من بدلها.
وإن حلف لا يأكل من مال فلان مرسلا فأكل منه أو من بدله حنث لأنّ بدله ماله. وإن زال منه فأكل لم يحنث لأنَّه لم يملكه، وليس هنا بمحدود. وإن حلف لا يأكل من ماله من هذا البستان أو الجراب، فإن وقف وحدّ كتمر الجراب فهو مثله. وإن أرسل في مال فلان من البستان وقعت على ما يملك من ذلك وهي كالجراب فيما إذا لم يأكل من ماله من البستان أكل من غيره ولا يحنث، ويشبه مرسل اليمين لإرسالها فيه أو من هذه القرية أو من عمان أو من الدنيا فالكلّ بمعنى، وإنّما تقع على ما يملكه، فإذا زال منه شيء من قبل أن يحنث أو بعده فلا يحنث إن أكل ممّا زال من ملكه، وهو هنا كالذي حلف لا يأكل من مال فلان.
وقد سأل ــ قيل ــ موسى حالفٌ على زوج من نعال لا يلبسه أن يبيعه ويشتري بثمنه شيئا فلم يرخّص له ونهاه عن ذلك. وأخبر محمّد أنَّه سأل موسى عن ذلك فأفتى له (204) أنَّه لا بأس بثمنه وببديله، ولا يدري السابق من رأييه؛ وعند ابن المسبح يشتري بثمنه ما شاء. (3/208)
صفحة 1135
أبو عبد الله: من حلف لا يأكل من مال زوجته فعلفت شاة من تمرها فله أن يأكل لحمها ولبنها. وإن حلف لا يشتري ملحا فاشترى خبزا أو سمكا مملّحا فلا يحنث.
ابن جعفر: من حلف بفراق امرأته أو غيره لا يأكل من مال فلان أو عمله ثمّ اشترى من رجل شيئا فأكله ثمّ قضاه هو وفلان فقيل: يحنث، وقيل: لا وإن تعمّد قضاء ثمنه، وقد اشتراه قبل أن يأكله فالوقف فيه، وعند غيره إن اشتراه لنفسه ثمّ قضى من الثمن فالاِختلاف فيه واحد وهو أشدّ في المستقبل لأنَّه الآن يأكل ماله، ولمّا أخذه فاشتراه ثمّ أكله حنث، قال: ولا خلاف إن اشتراه به، والمال للآخر ويحنث. ومن حلف لا يأكل ممّا يحمل على حمار زوجته من حبّ أو تمر فأكل من السمك حنث عند ابن علي، وقيل: لا إلاّ إن حلف على ما يحمل مطلقا.
أبو سعيد: من حلف لا يأكل من محدود لفلان فزال إلى غيره فأكل منه ففيه قولان، واختير أنَّه إن نوى أن لا يأكل منه إذ هو ماله فلا يحنث لانتقاله عنه، وإن قصد نفس المال لا من حيث أنَّه مال فلان حنث لقيام [463] عينه. وإن حلف عن تمر نخل أبيه فاشترى به لحما فأكله فإن نوى التمر فلا عليه وإلاّ ففيه خلاف.
فصل
ممّا أجاب به ابنُ علي ابنَ محبوب أنّ من حلف لا يأكل ممّا هو لفلان أو ممّا كان له فتصدّق به عليه أو باعه له أو لغيره يحنث إن أكل ممّا هو له لا إن أكل ممّا كان له فزال عنه. وإن حلف لا يأكل من كسب فلان فأزاله إلى غيره فإن قصد ما دام له جاز له أكله لانتقاله عنه وإلاّ فلا مطلقا، وقيل: لا مطلقا لأنَّه قد حدّه ولو زال عنه، وكذا إن قال: من جمْع فلان، وقيل: إنّه كمالِه إذا زال عنه فهو مال جمعه وكسبه ثمّ كسبه غيره وجمَعه، فلا يحنث إن أكله في ملك غيره. وإن حلف لا يأكله جملة حنث إن أكل (205) منه ولو زال، وعلى القول بأنَّه محدود فلا يحنث حتّى يأكله كلّه. (3/209)
صفحة 1136
وإن حلف عن طعام أمّه فأكل ممّا لها فيه حصّة حنث، وقيل: لا إن أكل قدر حصّة غيرها بإذنه مطلقا، وقيل: إن أكل بعد القسمة. وإن حلف عن دارها وعن صعود نخلة لها فيها حظّ لم يحنث إذ ليس ذلك كالطعام لأنَّه يتجزّأ؛ والدار إن كانت تنقسم فهي مثله، والعبد والنخلة ونحوهما لا خلاف فيه وإنّما الخلاف في المنقسم.
ومن حلف عن كسب فلان فورث إرثا فأكل منه، فإن نوى به عمله لم يدخل الإرث فيه وإلاّ خيف حنثه به، وقيل: كلّ ما ملك فهو كسبه، وقيل: خاصّ بما كان من علاجه.
ومن حلفت لا تأكل شيئا من عند زوجها فأرسل إليها شيئا فأكلته حنثت، وإن أعطاه غيرها ثمّ أكلته من عنده ففيه ــ قيل ــ خلاف إذا علمت أو صحّ عندها.
ومن حلف لا يدخل معيّنة لفلان ثمّ باعها فدخلها أو لا يأكل معلوما لزوجته فأدخلته ملكه فأكله ففيه خلاف.
وإن حلف عن تمرة هذه النخلة وليست فيها، وعن لبن معيّنة وكان فيها فقيل: ذلك محدود، وقيل: لا. وإن حلف عن لحمها أو هذا اللحم فأكل بدله أو ثمنه أو شرب مرقه فخلاف أيضا.
ومن حلف لا يبيع غلامه في عمان فباعه في مكلا صُحار حنث، أو ليخرجنّ منه اليوم لم يحنث إن خرج إلى ذلك.
وإن حلف عن لحم معيّنة حنث بشحمها لأنَّه منه، وقيل: له أن يأكل الخالص، وإن حلف عنها فلا يأكل ذلك ولا سمنها ولا لبنها إن حلف عن سمنها.
وإن حلف عن مال زوجته فاستقى من ركيتها لم يحنث، وإن استقت هي أو عبدها حنث.
وإن حلف عن حلب لبن معينة لم يحنث بحلب بعضه. (3/210)
صفحة 1137
الباب السادس والأربعون
في اليمين إلى وقت الثمار وفي المأكولات
فمن حلف لا يفعل إلى الربيع فتربّع النخل فبقي منه نوع قليل ثمّ فعل لم يحنث. وإن غضبت عليه زوجته وحلفت ولعنت نفسها لا تشتي معه في قريته لزمتها مغلّظة، وليس لها أن تعصيه في المقام معه إلاّ إن وسّع لها، فإن عرفت وقت الشتاء فهو ما نوته (206) وإلاّ فحدّه ابتداء البرد كما مرّ. ومن حلف لا يتغدّى مع فلان اليوم فله ذلك بعده.
وفي كون الرمّان من الفاكهة خلاف.
ومن حلف لا يقصم الحبّ فأكل طحينا لم يحنث. وإن حلف على الشعير فأكل بُرّا كان فيه شعيرا كعكسه حنث لا إن حلف لا يشتريه فاشترى بُرّا كان فيه كعكسه إن غلب. وإن حلف عن معيّن فبذره وأكل من زرعه حنث، وقيل: لا إذا استهلكته الأرض. وإن حلف عن شراء حديد فاشتراه بابا كان فيه لم يحنث لأنّ القصد إلى الباب، وكذا إن حلف عن شراء الخشب فاشترى دارا كان فيه، أو عن نوى فاشترى تمرا به نوى ونحوهما. وإن حلف عن أكل الشعير فأكل خبزا من بر (207) كان فيه حنث لأنّ هذا غير الأوّل إلاّ إن اختلط من الزراعة، وقيل: لا لأنَّه غيره في التسمية.
وإن حلف عن أكل خبز فلانة فهو ما مدّ حتّى استدار خبزا، وإن عجنته ومدّته وطرحه في التنّور أو غيرِه غيرُها لم يحنث بأكله، وإن طرحته فيه هي كانت خابزة له لأنّ الطارح له على النار والمادّ له وإن بغير اليدين هما الخابزان له، وقيل: إنّ الخابز هو الطارح للخبز في ذلك.
وإن حلف عن أكل خبز امرأة في رجب فخبزت في جمادى الأخرى فلا يأكله فيه عند أبي عبد الله، وله أن يأكله في شعبان ولا يأكل فيه ما خبزت في رجب. وإن حلف على خبز امرأته فصفّحته وقد خبزته ولو [464] طرحه غيرها ويحنث إن أكل (3/211)
صفحة 1138
منه ولو عجينا، وكذا قال عزّان ولو خبزته في القِدر، ولا يحنث عند ابن روح إن أراد بيمينه خبز يدها ولو عجنته وأوقدت النار ما لم تُدِر الخبز بأصابعها أو راحتها أو تجعله على الصّلى أو الجمر أو الحصى المحمى أو الرمل ونحو ذلك. ولا حنث إن كان من خبز تملكه ولو خبزه غيرها بيده.
وإن حلف على خبز الذرة فخلط به البُرّ وخُبز لم يحنث في التسمية، وفي المعنى في حنثه خلافا ولو خلط بغيره كشعير وأرز ونحوهما ممّا يُخبز؛ وما لا يُخبز من الحبّ يكون الاِسم لها إن غلبت.
وإن حلف لا يأكل طريّ السمك فزال عنه اسمه ووقع عليه اسم المالح فله أكله، وأقلّ ما ينقله إليه يوم وليلة؛ وله أن يأكل صيد الوديان.
وإن حلف لا يشتري صوفا فاشترى كبشا به لم يحنث. وإن حلف لا يدخل بيته صوف فدخله كبش به حنث، وقيل: لا ما لم يسقط منه فيه. وإن حلف عن لحم فأكل مخّا خارجا من الرأس حنث في المعنى لا في التسمية. وإن حلف عن شحم فأكل مخّا خالصا لم يحنث فيهما. وإن حلف عن اللحم فأكل الخالص والشحم فخلاف في حنثه فيهما. وإن حلف عن الشحم فأكل اللحم النقي منه لم يحنث ولو كان لا ينقى منه إلاّ أنّ اللحم هو الغالب في التسمية حنث في المعنى لا فيها، وقيل: لا يأكل اللحم.
وإن (208) حلف عن اللبن أكل السمن لأنَّه ليس بلبن لا عكسه إذ لا يخلو من السمن. وإن حلف عن لبن معيّنة فلا يأكل جبنها إلاّ إن نوى نفس الشرب، وقيل: لا يحنث إن أكله. وإن حلف عن لحم معيّنة حنث إن أكل شحمها لمجيئه من اللحم لا عكسه إذ لا يجيء اللحم من الشحم. وقيل: من حلف عن اللحم فله أكل الشحم. وإن حلف عن سمن معيّنة فله لبنها حليبا. وفي مرق اللحم إن حلف عنه قولان ــ كما مرّـ.
ابن جعفر: من حلف عن الزبد أو السمن، فإن نوى معيّنا فلا يحنث بأكل غيره، وحنث في الزبد إن أرسل لأنَّه سمن، وقيل: فيهما. وقيل: من حلف عن سمن لم يحنث باللبن في التسمية في أيّ حال كان اللبن. ومن حلف عن سمن وزبد فله مخيض اللبن. (3/212)
صفحة 1139
ومن حلف عن شراء السمك وأكله حنث عند أبي الحسن بالقاشع والكسيف لأنَّهما منه إن أرسل، وحنث بهما عند غيره في المعنى لا التسمية.
وقال العلاء: اختُلف فيمن حلف لا يأكل لحما ونوى البقر وأكل غيره فعنده يكفّر يمينه. وحفظ مسبح أن كل (209) من حلف بغير استخلاف فله نواه، وعند قاسم والحواري إن نوى البقر وأكل غيره فلا عليه. وإن حلف عن اللحم كلّه وأدخل السمك في نواه حنث به.
أبو المؤثر: كلّ من حلف ونوى فله وعليه ما نوى إن اعتقده عند الحلف لا قبله ولا بعده، وعندهما لا ينفعه ولا يضرّه. وقال: من حلف لا يأكل هذا اللبن أو منه فأكل من زبده حنث. وإن حلف عنه ولم يعيّن فله الزبد الخالص منه وإلاّ قطّ، ومنعه أبو الحواري وقال: لأنَّه لا يخلو منه، وأجاز له السمن إذا أُذيب بنار وخلص من اللبن. ومن حلف عن اللحم فلا يأكل طريّ السمك عند أبي عبد الله، وعنه أيضا: أنَّه ليس من اللحم إلاّ إن نواه. ومن حلف عن السمن فله أكل اللبأ. وإن حلف عن اللبن فله أكل الأنفجة التي من السطر، ولا يحنث في التسمية، وخيف حنثه في المعنى. وإن حلف عن لبن معيّنة فأكل سطرها لم يحنث اتّفاقا. وإن حلف عن لبن جعد فأكل لبن ضأن أو طماطم حنث في المعنى لا في التسمية لأنَّها أصناف يجمعها الضأن. ومن حلف عن سمك زيد وفيه ملح فأكل منه في طعام لم يحنث. وإن حلف عن لحم الأنعام فأكل لحم الظِّباء والوعول فلا يحنث. وإن حلف عن الغنم (210) حنث بلحم ما ذكر. وإن حلف عن لحم وسمن فلا يحنث بمخّ العظام.
أبو عبد الله: من حلف عن لبن (211) معيّنة فرضعه [465] جدي ثمّ ذبحه فلا يحنث فأكل لحمه ولا يأكل ما بقي من اللبن في الأنفجة ولا إياها حتّى تغسل.
أبو سعيد: من حلف على الشواء فلا يحنث بالباذنجان والسمك إن أكله مشويا لأنّ المعروف هو اللحم المشوي، وإن نوى شيئا فله نواه. وإن حلف عن لحم الطير حنث بالدجاج والنَّعم إن أرسل. وإن حلف عن
لحم شاة ولا نية له فلا يحنث بتيس. وإن نوى الغنم فيها ولم يقصد أنثى من ذكر حنث بتيس لأنَّه منها. وإن حلف عن (3/213)
صفحة 1140
لحمها فكالشاة لأنّ اسم الغنم جامع كمعناها، وكذا الضأن والجعد اسم للذكر والأنثى كالإبل والبقر. وإن حلف عن جمل فلا يحنث بناقة، وكذا في كبش ونعجة.
فصل
من حلف لا يدخل بيته لحم فأكله خارجا منه ثمّ دخله وبأضراسه شيء منه لم يضره، وإن خللها وطرح شيء منه فيه حنث لا إن بلعه. وإن حلف لا يشرب لبنا إلاّ من شاته فشرب من شاة له فيها حظّ حنث.
أبو الحواري: من حلف لا يأكل اللبن فشربه حنث؛ وفي أكل زبده قولان. ومن حلف عن اللبن فأدخل له منه في دواء فشربه بعد (212) امتزاجه به لم يحنث إن غلبه الدواء وحنث بالعكس، وكذا إن وقع في ماء أو غيره. ومن حلف عن السويق فشربه حنث. وإن حلف عن فلفل أو نحوه فأدخل في قِدر حنث إن أكله، وقيل: في المعنى فقط.
وتمرة نخلة معيّنة أو أرض معيّنة ولبن معيّنة في كونه من المحدود قولان إن كان فيها ذلك حين حلف. وقيل: لا يحنث من حلف عن محدود حتّى يأكله كلّه، وجاز أكل ثمنه وبديله، وقيل: ثمنه لا بدله. وإن حلف عن لحم شاة فلا يشرب مرقه، وقيل: لا يحنث به إن عنى نفس اللحم إلاّ إن بقي فيه بعضه، وحنث إن أرسل لأنَّه ذاب فيه اللحم. وإن حلف عن مرق وطبخ لحما أو غيره وقد رطب به ثمّ أُخرج منه فأكل اللحم وإن بعد يبسه حنث لأنّ المرق قد كان فيه، وقيل: لا حتّى يأكله بائنا عن اللحم، وقيل: إنّه لا يسمّى مرقا وقد مرّ بعض ما ذُكر هنا. (3/214)
صفحة 1141
الباب السابع والأربعون
في اليمين بالرطب والتمر ونحوهما
فمن حلف عن أكل التمر حنث بالحشف، وقيل: لا ولا بمسيل في التسمية، وخيف حنثه في المعنى. وإن حلف عن الدبس لم يحنث بالتمر، وحنث بعكسه لأنَّه من التمر لا عكسه. وإن حلف عن النبيذ فعمل خلاّ حتّى صار في حدّه فشرب منه حنث عند ابن إبراهيم (213) لأنَّه عنده ما دام الخلّ فيه فهو نبيذ لا عند من يرى الأيْمان بالنيات.
ومن حلف عن تمرة معيّنة لزوجته فباعها أو قايض بها بإذنها فأكل من بدلها أو ما اشترى منها لم يحنث. وإن حلف لا يبيع هذا الجراب إلاّ بسبعة دراهم حنث إن باعه بأقلّ أو أكثر. وإن حلف عن التمر فله الخلّ والدبس إن لم يعيِّن التمر، وقيل: لا يحنث حتَّى يأكله كلَّه؛ وإن حلف عن رطب أكل البسر (214)، وفي العكس قولان. وإن حلف عن رطب معيّنة أكل بسرها لا عكسه. وإن حلف عن تمرها فأكل تمرة فسلة في رأسها فهي منها، وقيل: هي غيرها، وإن قال ممّا أتمرت لم يحنث بتمرة الفسلة، وقيل: يحنث، وكذا إن قال ممّا عليها، وإن نشأت من تحتها فهي غيرها قال أبو الحواري: بلا خلاف.
وإن حلف عن التمر لم يحنث بخلّه ولا بمريسِه. وإن حلف عن عسل لم يحنث بنبيذ عمل منه، وقيل: يحنث. وإن حلف عن التمر فله شرب خلّه وعسله ونبيذه، وإن حلف عنه فأكل الخلّ أو عنّ أكله فشرب النبيذ لم يحنث فيهما.
ابن موسى: من حلف عن البسر الأخضر فلا يحنث بأكل الفضخ ولا بعكسه. وإن حلف عن البسر فلا يحنث بالرطب ولا بالمبسل إن أراد غيره. وإن حلف عنه لم يحنث بالأخضر والفضخ. وإن حلف عن هذا الجراب وعن ثمنه فلا يأكل بدله ولا ما اشتُري به إلاّ إن نوى شيئا. (3/215)
صفحة 1142
أبو عبد الله: من حلف عن تمرة معيّنة ولم يقل التي فيها حنث إن أكل منها إلاّ إن حلف على قائمة بعينها، وقيل: لا حتّى يأكلها كلّها لأنَّها محدودة، وكذا لبن معيّنة وخبز معيّنة وغزلها إن عنى بيدها، وقيل: كلّ ذلك ليس بمحدود حتّى يحدّ قائما بعينه. ومن حلف بالطلاق إن لم يأكل هذا الجراب لم يلزمه أكل الحشف والعجم وإنّما عليه ما اعتيد أكله، وإن خرج منه عسل بعد اليمين ولم يأكل التمر معه لم يبرّ، ولا شيء عليه فيما خرج منه قبلها. وإن حلف عن تمر معيّن [466] ففي خلّه وعسله ونبيذه وغيرها ممّا لا يسمّى تمرا قولان، وكذا إن أرسل.
وإن حلف لا يطلع معيّنة وطلع نخلة أو شجرة أو جدارا بجنبها حتّى حاذى (215) رأسها فترقّى إليه ونزل من حيث طلع، فإن أرسل فقد طلع، قال خميس: ولا يبعد هذا من الخلاف. وإن حلف عن بسرة معيّنة فتركها حتّى صارت رطبا فأكلها ففي حنثه قولان. وإن حلف عن رطب معيّنة فله بسرها، فإن أقرنت قطع ما كان رطبا وأكل الباقي. وإن قال: هذه البسرة فلا يأكلها ولو أرطبت، وكذا إن حلف على رطبة معيّنة فلا يأكلها ولو صارت تمرة.
وإن حلف عن فاكهة وأكل الرطب والرمان عند بعض لأنّ الله سبحانه أخرجها منها، وكذا الأترنج والبطّيخ والجوز ونحو ذلك ليس منها أيضا، وقيل: الرمّان، وليس في عطفه في الآية ما يخرجه منها. وإن حلف عن الإدام أكل البيض والجبن ونحوهما لأنَّه ما يتأدّم به.
وسُئل ابن جعفر عمّن حلف لا يأكل من أوّل الجراب ولا من آخره وهو معيّن ولا يتميّزا منه؟ فقال: إنّه ونحوه ممّا لا يتميّزا منه ولا وسطه، ولعلّه عنده حانث وما يتميّز ذلك منه فهو كمن على ثلاث نخلات لا يأكل من تمر أوّلهن ولا آخرهنّ فله أن يأكل من الوسطة وكذا نحوهنّ. ومن حلف لا يطعم ثوره النوى فأطعمه تمرا بنواه حنث في المعنى لا في التسمية. (3/216)
صفحة 1143
الباب الثامن والأربعون
في اليمين بالأكل والشرب والذوق والشراء
فمن حلف عن أكل الطعام فشرب ماء أو خلاّ أو نبيذا أو خمرا حنث بشرب اللبن والدبس لا بتلك. وإن حلف عن أكل عيش حنث بشرب بعض ما ذكر لأنّ كلّ ما يعاش به فهو عيش. وإن حلف عن طعام فلان فتأدّم منه بزيت أو خلّ أو سمن أو نحوه فقيل: يحنث بغير الخلّ لأنَّه ليس من الطعام. وإن حلف عن شرب النبيذ فعمل خلاّ ثمّ شرب منه لم يحنث، ولا إن شرب نبيذا من عصير التمر. وإن حلف لا يأكل طعاما مع فلان فأكل معه من الإدام والأدهان حنث.
ومن حلف لا يطعم شاته حشيشا فأطعمها أوراق سدر لم يحنث عند موسى. وإن حلف لا يشرب شرابا ولا نية له حنث إن شرب غير الماء. وإن حلف عن شرب لبن أو غيره فوجر إياه مغلوبا لم يحنث. وإن حلف عن صيد البرّ والبحر فأكل صيد الأنهار والأودية لم يحنث. وإن حلف عن طعام فلان فأكل مغرة أو طينا من عنده لم يحنث؛ وفي الملح قولان؛ وكذا إن حلف عن عيشه. وإن حلف عن شرب السكر فشرب ماء يجري عليه اسمه حنث. وإن حلف على الخبيص ولا نية له فأكل ما يجري عليه اسمه حنث أيضا. وإن حلف عن الحلوى فإن نوى شيئا فذاك وإلاّ حنث بكلّ حلو. وإن حلف عن البقل ولا نية له رجا خميس أن لا يحنث بالبقل المعروف. وإن حلف عن الشجر وأرسل خيف حنثه بكلّ شجر. وإن حلف عن بقول الأرض حنثت بكلّ ما أنبتت وبكلّ ما يسمّى بقلا.
وإن حلف عن قدير اللحم وشويِّه (216) فكلّ ما عمل في قِدر فهو قدير، وما شوي وإن على جمر أو حجر فهو الشوى.
وإن حلف عن وطء النساء حنث بالسبية. وإن حلف عن ركوب حنث وإن بركوب إنسان أو سفينة. وإن حلف عن الضحك حنث بتكشّر الأسنان. (3/217)
صفحة 1144
وإن حلف عن لبن فخلط به ماء حنث بشربه إلاّ إن أهلكه الماء. وإن حلف عن شرب من نهر أو بئر أو ماء معيّن فعجن منه خبزا أو غيره فإن نوى نفس الشرب وإلاّ حنث، وقيل: لا، فإن صنع منه قدور فشربه حنث، وإن أكله فخلاف. وإن حلف عن الشراب ونوى معيّنا فشرب غيره فإن حلف بالطلاق أو العتاق ولم تصدّقه الزوجة أو العبد حنث في الحكم إلاّ إن صحّ ما نوى، وإن لم يحلف بهما كان له نواه. وإن أرسل فيه حنث بكلّ شراب. وإن حلف عن أكل طعام أو عيش أو إدام أو رزق أو شيء، فأمّا في العيش والشيء [467] والرزق فيحنث بكلّ ما أكله أو شربه، وأمّا في الطعام والإدام فحتّى يأكل المعروف. ومن حلف عن الماء فشرب نبيذا كان فيه حنث. وإن حلف عن نبيذ فشرب سكرا أو ما لا يسمّى به لم يحنث. وإن حلف عن شرب مع فلان فشرب معه من واحد في مجلس حنث. وإن حلف عن شراب فذاقه ولم يدخل جوفه فقولان. وإن حلف عنه فمصّ رمّانا حتّى أساغه وألقى نواه لم يحنث، وإن استخرج ماءه في فيه حتّى تبيّن له ثمّ شربه فقولان أيضا، وإن عصره في إناء فشربه حنث.
فصل
من حلف لا يذوق فذاق أو أكل حنث لا عكسه. وإن حلف أن يأكل ويذوق فلم يفعل لزمه يمينان، فإن أكل برّ فيهما. وإن حلف عن شراب فذاقه حنث إن دخل جوفه وإلاّ فلا. وإن حلف لا يأكل فذاق حنث، وقيل: لا حتّى يدخل حلقه. وإن حلف عن طعام فنسي حتّى لاك شيئا منه ومضغه ثمّ ذكر فألقاه فلا يحنث حتّى يسيغه. وإن حلف عن الشبع والريّ فإن أكل أو شرب ثمّ ترك وهو يحتاج لم يحنث.
الخراساني: من حلف لا يذوق الشيء فذاقه ولم يسغه مضمض فاه وبزق، ولا يحنث حتّى يسيغه. (3/218)
صفحة 1145
أبو الحواري: من قرّب إلى رجل طعاما فحلف عليه أن يأكل منه حتّى يشبع فأكل ثمّ قال شبعت جاز له تصديقه ولو أكل قليلا لعلمه بنفسه.
وإن حلف عن طعام معيّن فخلط فيه غيره ففيه خلاف. وإن حلف عن أكل طعام بمنزل فلان فأكل فيه حبّا أو شرب فيه سخونا أو لبنا أو سويقا أو نبيذا أو استفّ دقيقا حنث في الكلّ إلاّ في النبيذ؛ واختار خميس أن الدقيق والحبّ من الطعام، وكذا اللبن والعسل والسمك.
أبو عبد الله: إن حلف لا يشرب النبيذ وأرسل فلا يشرب نبيذ التمر ولا العسل ولا الزبيب ولا الأرز وغيرها ممّا ينبذ به وإن عمله في وعاء أديم إلى أن صار في حدّ النبيذ فبدا له أن يجعله خلاّ فشربه بعد أن صار خلاّ، وتأدّم به في طعامه حنث، وكذا إن شرب خلاّ قد جُعل فيه ملح وصار خلاّ فإنّه يحنث. وإن حلف عن أكل الدراهم فأكل ما اشتُري منها حنث. وإن أبدل بما اشترى منها شيئا فأكله لم يحنث.
وإن حلف عن أكل من حبّ فلان أو من ماله فخلط حبّه بحبّه فطحن وخبز وقسم الخبز بالوزن فأكل من حصّته فقيل: إذا ميّزت به لا يحنث لأنَّه أكل ماله، وقيل: يحنث لخلطه فيه، قال: ولعلّ الأوّل يذهب إلى التسمية والأخير يذهب إلى المعنى.
ابن جعفر: من حرّم على امرأة ماله فطحن له حبّ في رحى ثمّ طحنت فيها وبقي فيها من حبّه أو نُجز له في قِدر طعام ثمّ نجزت فيها، فإن علمت أنَّه بقي فيها شيء من ماله واختلط فيه طعامها لزمها ضمانه وإلاّ فلا عليها.
أبو سعيد: من حلف عن حبّ فلان وهو شريكه في حبّ فقسم وأكل ممّا وقع له فلا يحنث إن حلف على غير محدود، وكذا إن حلف عن حبّ فلان فخلطا حبّا وطحناه وقسماه خبزا أو طحينا فأكل ممّا صحّ له على القولين، واختير أن لا يحنث إن اعتمد أكل ماله وأخذ حصّته. وإن حلف عن إدام وأرسل حنث بالزيت والخلّ لا الجبن والبيض والسمن إلاّ إن قصد شيئا بعينه، وكذا اللبن والسمك، قال: ولعلّ اللحم منه. وإن حلف لا يطعم فلانا فأعطاه خلاّ أو سقاه ماء لم يحنث كما مرّ. (3/219)
صفحة 1146
فصل
من حلف عن خبز تنّور معيّن فخبز فيه على جمر في قاعه لم يحنث في التسمية، وخيف في المعنى. وكذا إن حلف عن شواه فوضع في قِدر فغطّي عليها ووضعت فيه خيف حنثه (217) لأنَّه شوي فيه وليس كالخبز.
وإن حلف عن تمر معيّن فعصر منه مدبدا أو عمل به طعاما ففيه قولان. وإن شرب من المدبد قبل أن يعمل به طعام دخله الخلاف، وكذا إن حلف عن زبد معيّن فعمل سمنا ثمّ عمل به شيء من الحلاوات جرى فيه أيضا. وإن حلف عن عسل فعمل به حلوى ولا نية له [468] فكالسمن في الخلاف؛ وكذا كلّ ما حلف عنه فاستحاله إلى غير معناه. فإن حلف عن العسل فأكل عسل النحل فإن كان فيما يؤكل فيه حنث وإلاّ فقولان. وإن حلف عن شراء اللحم وهو فيما غلب فيه لحم الغنم فاشترى من الإبل أو البقر حنث لأنَّهما من الأنعام. وإن اشترى من طريّ السمك فقولان، واختير أن لا يحنث به؛ وحنث بصيد البرّ. وما اختلف في أكل لحمه من الصيود جرى فيه الخلاف إن اشترى منه.
أبو سعيد: من حلف من (218) الرؤوس فأكل رؤوس السمك أو البصل فلا يحنث إلاّ برؤوس الأنعام. وإن حلف لا يأكل رأسا حنث بكلّ ما يسمّى به من شجر أو طير أو سمك أو غيره. وإن حلف عمّا يؤكل ويشرب أن لا يشرب فأكله أو لا يؤكل فشربه فقولان. وإن حلف عن الحلاوة فأكل تينا أو عنبا فإن نوى شيئا فله نواه وإلاّ فكلّ ما أكل منها أو استحال إليها فإنّه يحنث به لا بمثل هذا لأنّ الحلوى غير الحلاوة؛ والموز النضيج والزام والمبوت ونحوها بمنزلة ما حلى من الشجر. ومن حلف عن الحلاوة حنث بكلّ ما يسمّى بها، وإن كان غيره أحلى منه، وهي تختلف كالمرارة. (3/220)
صفحة 1147
وحنث بأكل حبّة مَن حلف عن أكل حبّ أو الحبّ، وإن حلف عنه فأكل زبيبا أو تورا أو رمّانا فقولان. وإن حلف عن الحرير فلبس ثوبا مرقّعا به حنث، وإن لبس منه قَدر عرض أصبعين فقد لبس لا بأقلّ إلاّ إن حدّ معيّنا فيحنث به وإن قلّ. وإن حلف عمّا مسّته النار حنث بكلّ مطبوخ، وكذا ما مسّته الشمس. ومن حلف عن مسّ معيّن لم يحنث بمسّ جانب منه إن حدّ؛ ولا إن حلف عن الماء فشرب ماء الورد لأنَّه مضاف. وإن قال ماء فشرب المضاف مثله حنث بكلّ ما يسمّى به لا بما لا يسمّى به في الأدوية وغيرها على المختار. وإن حلف عن الطعام فأكل لبنا أو عسلا حنث بهما إن كان من النخل، وفي عسل النحل خلاف تقدّم؛ قيل: هو كالأدوية والشهوات، وقيل: كالطعام ويعصم من الجوع. وإن حلف لا يأكل في هذا البيت طعاما فأكل فيه لبنا لم يحنث لأنَّه ليس منه. وإن حلف لا يأكل فيه شيئا فمضغ فيه لبانا وأساغ ريقه وهو في فيه خيف حنثه.
وإن حلفت ذات زوج عن طعام من بيته فأكلت خبزا عُجن بملح من ماله لم تحنث، وكذا الفلفل والكمّون والزيت والسمن، وإن أكلت باذنجانا أو عدسا أو قثّاء أو بطّيخا أو بصلا أو بقلا أو حمّصا أو لبنا حنثت لا إن حلفت لا تأخذ من ماله نفقة ثمّ أخذت بادنجانا أو غيره من البقول لأنّ النفقة معروفة. وإن حلفت لا تأكل له طعاما فأكلت ما ذُكر لم تحنث أيضا إذ لا يسمّى ذلك طعاما. وإن حلفت لا تأكل له خرافا فحدّ لها نخلة فلها أن تأكل الجداد لأنَّه غير الخراف. (3/221)
صفحة 1148
الباب التاسع والأربعون
في الأيْمان باللباس والأفعال
فمن حلف عن ثوب الكتّان فلبسه منه ومن قطن ملحّم أو عن ثياب فلان فلبس منها واحدًا (219) لم يحنث. وإن حلف عن ثوبه (220) فقطعه نصفين فلبس أحدهما حنث إن كان من لباسه، وإن وصل بالقطعة غيرها حتّى صار يُلبس لم يحنث. ولا إن حلف لا يلبس نعلين فقام عليهما، ولا إن حلف لا يلبس معيّنا فحمله، ولا إن حلفت امرأة لا تغزل لزوجها أو غيره ولا تكسوه فاشترى غزلها أو ثوبا منه وإن من عندها أو بادل به قال ابن جعفر: حتّى تغزل له أو تكسوه. ومن حلف عن قميص معيّن أو سراويل فارتدى بهما على عاتقه حنث.
أبو عبد الله: إن وضعه إياه لينقله من محلّ لمحلّ لم يحنث. وإن نوى بوضعه إياه اللبس والتسربل فلباس. وإن حلف عن ثوب من غزل فلانة فلبسه منه ومن غيرها [469] لم يحنث حتّى يلبس خالصا من غزلها. وإن حلف عن خبز من طحينها فأكله منه ومن غيرها لم يحنث. وإن حلف عن غزلها وطحينها فلبس ثوبا فيه بعضه وأكل خبزا فيه بعض طحينها حنث ولو قلّ. وإن حلفت لا تلبس من ثمن معيّن فباعت هي أو غيرها نصف المعيّن ولبست من ثمنه لم تحنث حتّى تلبس من كلّه، وإن باعه غيرها بلا إذنها فلبست من ثمنه حنثت إن أتمّت إلاّ إن كان المعيّن لبائعه. وكاللباس الأكل من الثمن. ومن حلف لا يلبس غزل أمّه فغزلت لإخوته ثيابا حنث إن لبس منها إلاّ إن حلف عن محدود فله أن يلبس غيره من غزلها. وإن غزلت لأمّه امرأته وغزلت هي لها وأخذ ما غزلته امرأته لها فلا عليه. وإن حلف عن معيّن وعن ثوب من غزلها وعنى أن لا يشتري منه قطنا ويغزل له ثوبٌ منه فباعت امرأته الثوب واشترت بثمنه قطنا وغزلته ثوبا لها قال: إن كان الأوّل لها وصار القطن لها حتّى صار الأخير لها فله نواه، (3/222)
صفحة 1149
ولا يحنث إن لبسه لأنَّه لم يغزل له على نيته. وإن حلف على ثوب منه فطرح عليه ثوب من غزلها نائما أو مريضا فقد لبس.
ابن أحمد: من حلف لا يلبس غزلها فخيط منه ثوبا ولبسه فالوقف فيه، واختار خميس حنثه. وقال سليمان: من حلف عن (221) معيّن فليبعه ويشتري به غيره، وزعم ابن القاسم أنَّ حاجبًا قال: إن نوى أنَّه لا يلبسه ويشتري (222) بثمنه غيره فلا بأس. وإن حلف عن غزلها فإن قصد معيّنا جاز له استبداله وإلاّ فلا، ولا يحنث عند أبي سعيد ببديله ولو حلف عن محدود إن قال لا يلبس غزلها. وحنث مطلقا إن قال منه، وإن حلف عن ثوب من غزل قرابته فلبسه من غزلهم أو فيه بعضه أو طرح عليه نائما فإن لبس منه كاملا أو فيه منه قدر ما يكون منه ثوب حنث. وإن طرح عليه برأيه أو دثر به فقولان. وإن تأزّر به أو ارتدى أو التحف أو تكفّس حنث اتّفاقا وإن مع غيره لا إن افترشه ولا إن حلف عن كمّة فوضعها على يده، ولا إن حلف عن نعلين فقام عليهما ولم يدخل رجليه في الشراك أو زال منهما شيئا ولبسهما.
فصل
إن حلفت ذات زوج لا تذكر اسمه وهو محمّد فلا تحنث إن صلّت على سيّدنا محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ إلاّ إن حلفت لا تذكر اسم محمّد. ومن حلف لا يخرج معيّنة من زرع معيّن ثمّ رآها فيه فقال الدابّة فيه فسمع غلام فأخرجها منه حنث عند محبوب وأبي عثمان. وإن حلف لا يكلّم فلانا فأرسل إليه رسولا يقول له كذا وكذا فأبلغه الكلام حنث، وهذا ــ قيل ــ أشدّ من قراءة الكتاب (223) عليه إن كتبه إليه فقرأه أو قرأ عليه. وإن كتبه إليه بتعريف شيء من الكلام وأرسله إليه ثمّ رجع إلى الرسول فقال له: لا تدفعه إليه أو لا تقل له ما وصّيتك به ثمّ فعل حنث ــ كما مرّـ.
وإن حلف لا يشتري من السوق ثوبا فأمر مشتريا له ثمّ رجع إليه وقال له لا تشتر (224) ثمّ اشتراه له لم يحنث. وإن حلف لا يكلّم فلانا فمرّ بقوم وسلّم عليهم (3/223)
صفحة 1150
وهو فيهم أو خطبهم ويقول: اعملوا أو اعلموا أو صلّى بهم ودخل في الصلاة معهم فلمّا قضى قال: سلام عليكم فلا يحنث حتّى يقصده بالسلام أو الخطاب ــ كما مرّـ.
ومن حلف بالطلاق لا يكلّم فلانا فمضى على جماعة هو فيهم فسلّم عليهم فقيل: يحنث، وقيل: لا، وقيل: يحنث إلاّ إن نوى بالتسليم على غيره ويعزله، وقيل: لا حتّى يريده معهم وهو مختار أبي سعيد. وإن لقيه فسلّم عليه حنث. وإن حلف لا يناطقه فهو الكلام.
ابن جعفر: من حلف لا يكلّم فلانا فرأى إنسانا فقال: من هذا؟ فقال له: أنا، فقد كلّمه، فإن سأله عن حاله حنث لا إن سأله غيره عنه. وكذا إن قال له فلان: مَن هذا؟ فقال له: أنا فقد كلّمه. وإن سلّم على قوم هو فيهم ولم يعلم به لم يحنث إن عقد بذلك ولو علمه فيهم.
ابن بركة: من حلف لا يكلّم إنسانا فشبّهه بغيره فناداه: يا فلان باسم المشبّه به فإذا هو المحلوف عنه، فلا يحنث إلاّ إن قال: يارجل ظنّا أنَّه فلان، فإذا هو المحلوف عنه، قال: فأخاف أن يحنث [470] إن كلّمه يظنّه غيره ولو قال له: من أنت. ومن حلف لا يسأل عن فلان فوجده نائما فقال له: من النائم ولم يعرفه (225) فقد حنث. واختار أبو المؤثر فيمن حلف لا يكلّم فلانا وكتب إليه أن لا يحنث، وقيل: يحنث، وقال: لأنَّه لو كتب كتابا بإقرار منه لرجل بألف درهم ولم يلفظ بلسانه وشهد العدول أنَّهم رأوه كتبه فلم يحكم عليه بإقراره بما في الكتاب حتّى يلفظ به لأنّ الكتابة صنعة. وكذا لو كتب بإقراره أنَّه زنى أو سرق أو الشهود شهادتهم ولم يتكلّموا ولم يقرأ عليهم الكتاب فيقولوا: نعم هذه شهادتنا وبه نشهد، فلا يحكم بها حتّى يتكلّموا.
أبو الحواري: إن قالت ذات زوج: إن كلّم فلانة فعليها ثلاثون حجّة إن أُخبرتُ بذلك، فكلّمها وأخبرها، فإن نوت إن أخبرها غيره فلا تحنث حتّى يخبرها الغير، وإن أرسلت حنثت بإخبار الزوج لها؛ وقال: إن حلف بطلاقها أن لا تكلّم فلانة فمرّت فلانة على نسوة ليلا فقالت: كيف أمسيتنّ؟ فقلن: مرحبا، وقالت الزوجة: (3/224)
صفحة 1151
مرحبا، فلمّا مضت فلانة قالت الزوجة: من تلك؟ فقلن لها: فلانة، فإن قالت: كيف أمسيتنّ والزوجة معهنّ، فردّت عليها حنث وطُلّقت ولو لم تعلم بها أو كان نهارا. ومن حلف لا يكلّم فلانا ما قدر فكلّمه ناسيا فقيل: لا يحنث ولو كلّمه ذاكرا لاستثنائه فإن كلّمه غير قادر على الإمساك فلعلّه قيل يحنث.
ابن جعفر: من حلف ليكلمنّ فلانا أو لا يكلّمه فكلّمه كلمة غير تامّة، فالكلام هو ما لا يُعرف بالعجلة ولو منقطعا، فإن حلف لا يكلّمه فعارضه بكلام فقال: في ثمّ أمسك فهو كلام يحنث به وإن حلف لا يتكلّم لم يحنث إن قرأ. أبو حنيفة: يحنث إن قرأ في غير الصلاة.
أبو الحسن: من حلف لا يكلّم فلانا فناداه حنث إن كان حيث يسمعه ولو أصمّ لا إن كان حيث لا يسمعه ولو كان يسمع. أبو الحواري: لا يحنث إن لم يسمع، وقيل: إنّ كلّمه بقدر ما يسمعه غيره حنث. وإن أمر في خطبته بالتقوى وهو في القوم لم يحنث إن لم يعلمه فيهم. وإن حلف لا يكلّمه هذا اليوم والشهر والعام وقد كلّمه أوّله قبل أن يحلف حنث، وعند أبي الحواري: لا يحنث حتّى يكلّمه بعده.
فصل
من حلف على شيء لا يفعله فإن وقّت لم يكن له فعله إلى وقته، وجاز له بعده وإلاّ فمتى فعله حنث. وقيل: كلّ من حلف على شيء إن لم يفعله لا يحنث إن فعله ما قام ولا وقت عليه إلاّ أنّ وقّته، فينقضي قبل أن يفعله فيحنث (226) إلاّ ما كان عن طلاق أو ظهار أو موجب إيلاء فلا يطأ حتّى يفعل وإلاّ فسدت عليه ولو سريّته. وإن مضت الأربعة ولم يفعل بانت منه به (227). وإن عجز عن فعله حنث كمن حلف أن يلبس هذا الثوب أو يذبح هذه الشاة أو يضرب هذا الغلام أو يتزوّج هذه المرأة فاحترق أو ذبحت أو مات أو ماتت أو تزوّجت غيره حنث لذهاب المحلّ وانقطاع رجوعه، وكلّ ما حلف عليه لا يفعله فلا يحنث حتّى يفعله، فإن ذهب وعدم فعله فقد (3/225)
صفحة 1152
برّ من الحنث. فإن حلف بطلاق أو ظهار أو موجب إيلاء فله أن يطأ حتّى يفعل فيحنث. وإن حلف بذلك إن لم يفعل فلا يطأ حتّى يفعل وإلاّ وقع الفساد بموجبه لا مطلقا، وقد مرّ غالب ذلك. وإن كان لفعله أجل قبل الأربعة فانقضى قبل أن يفعل وقع ذلك، والحنث في موجبه سواء حلف إن لم يفعل هو أو فلان فلم يفعل حتّى أعدم الفعل أو انقضى الأجل قبل الأربعة أو الأربعة، وكذا إن حلف لا يفعل هو أو فلان فإنّه يحنث إن فعل.
أبو علي: من حلف ليدخلنّ أرض فلانة أو قريتها، أو إن لم يأتها أو يطأها أو نحوهما، فإن فعل كما حلف فقد برّ، وإن صار بحال لا يمكنه فيها ذلك من موت أو ذهاب أو غيرهما حنث. وقال غيره: إن عنى موت الحالف حنث إذا لم يفعل حتّى مات، ويوصي بكفّارة، وقيل: لا تلزمه بعد موته وهو الأصحّ.
وإن كان ليمينه وقت ولم يفعل حتّى مضى حنث. وإن حلف بطلاق أو ظهار فلا يطأ حتّى يدخل أو يأتيها أو يطأها كما حلف. وإن وطئها قبل أن يفعل ذلك فسدت عليه، وإن [471] وقّت وكان الوقت قبل الأربعة فمضى ولم يفعل حنث، وإن كان بعدها ولم يفعل حتّى مضت بانت منه.
وسُئل أبو علي عن الحنث كيف هو؟ فقال: هو أن يحلف لا يفعل كذا هو أو فلان ففعله أحدهما أو ليفعلنّ كذا فمات قبل أن يفعله أو ليفعلنّه فلان كذلك حنث في ذلك. وقال غيره: أمّا موت فلان فهو كذلك، وأمّا موته فهو فقيل: يحنث، وقيل: لا وهو الأكثر ــ كما مرّـ.
أبو سعيد: إن نعاه الموت في حال يمكنه فيه فعله ولم تزايد به العلّة إلى أن توصله إلى حال لا يقدر فيها عليه وهو بحال المتعبّد فلا يحنث. وإن تزايدت به إلى أن صار إلى حال يعجز فيها عن فعله ثمّ مات فقد حنث في تلك الحال. ومن حلف لا يشيف معروفا فأشافته زوجته أو عامله أو غيرهما لم يحنث لأنّ الأجرة على من استأجره إلاّ إن أجاز له فعله. ومن حلف لا يبيع معيّنة ولا يذبحها ففعل ذلك غيره بلا أمره ممّن له (3/226)
صفحة 1153
أن يذبحها فله أكلها وثمنها. ومن حلف لا يعمل نخلة فلان أو لا يسقيها فأزالها إلى غيره ثمّ فعل الحالف أو سقى نخلة بينه وبين غيره لم يحنث في ذلك. ومن حلف لا ينتفع من بئر معيّنة فعمل من مائها خلاّ أو انتفع به وإن برشّ على الطين حنث وإن أمر غيره به أو بعمل تنّور منه وانتفع (228) هو به لم يحنث. (3/227)
صفحة 1154
الباب الخمسون
في اليمين بالأيام والأوقات والدهور
أبو سعيد: من حلف على شيء لا يأكله هذه الأيام فإنّه يتركه في عشرة (229) ثمّ يأكله، وإن قال: في هذه الأيام مرسلا وكان في يوم الأحد فلا يأكل إلى يوم الأحد، وإن أشار إلى معلومة نواها فهي ما نوى. وإن قال: أياما فقيل: يتركه ثلاثا، وقيل: إلى عشرة، ــ وقد مرّ كلّ ذلك ــ.
ومن قال لغريمه: والله لآتينّك غدا بالزمان أو بكرة أو ضحى أو ارتفاع النهار أو عند الشروق أو قبله، فالزمان عند الناس التعجيل، فإذا جاء أوّل النهار فلا يحنث، وبكرة أوّله أيضا، والضحى من ارتفاع الشمس إلى ما قبل الظهيرة، والشروق عند طلوعها وقيل: قبله، وأوّل أمس هو اليوم الذي يلي أمس. ومن حلف لا يفعل كذا ظهيرة فهي عند انتصاف النهار، وأوّله أوّله إليها وأوسطه عندها وآخره من الزوال، والمساء هو الليل، والعشيّ من الزوال؛ وقد مرّ آخر الشهر والسنة.
أبو المؤثر: الدهر سنة، والحين ستّة أشهر إلى تسعة، وقيل: سنة. والزمان يوم وليلة، وقيل: سنة، وقيل: أربع. والدهر على ما نواه.
ابن جعفر: من دُعي إلى طعام فحلف لا يجيء إليه الساعة أو نواها ولم يلفظ بها أو جيء به إليه بلا عكس فإن نواها ولم يلفظ بها فأرجو أن لا يحنث بعدها ولا إن أوتي به إليه. ومن حلف في أمر لا يفعله دهرا ولا زمانا فقيل: لا وقت لهما.
أبو سعيد: إن حلفت امرأة على بنتها تصيح أنَّها إن لم تسكت الساعة فلا تساكنها شهرين، فإنّها إن سكنت في مجلسها سكوتا تعرف به أنَّها سكتت كفاها ولا تحنث؛ وإن سكتت لتنفس ثمّ تعود إلى الصياح فليس سكوتا تبرّ به. ومن حلف لا يفعل كذا أبدا فقيل: كلّ ما فعل حنث، وقيل: لا إلاّ مرّة. ومن قال: كلّ حبّ لي قديم أو عتيق فصدقة، فإن خلا له سنة أو أكثر وجبت فيه ولا يحنث في أقلّ منها. (3/228)
صفحة 1155
الباب الحادي والخمسون
في نسيان الأيْمان والنوم والغلط
فمن حلف على ما يرى أنَّه صادق فيه فبان له كذبه وقد نسي ذلك لزمته الكفّارة وقيل: لا. وإن حلف فيما أراده فزلّ لسانه بخلافه كأن يقول: والله لا آكل لك طعاما إلاّ عام الأوّل، ويريد عام قابل لزمته لأنَّه حلف وأضمر المعنى في اللفظ، وكذا إن حلف ما كلّم فلانا وأراد آخر فأضمر وغلط بالاِسم وقد كلّمه وعنى الآخر ولم يكلّمه كما حلف فله نواه ولا يحنث.
ومن حلف عن شيء ناسيا له أنَّه لم يفعله قبل اليمين فقيل: لزمته مرسلة، وقيل: لا. وإن قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا ثمّ نسي وفعل ففي الطلاق خلاف. وإن قال: إن فعلته أنت ففعلته ناسية طلّقت، [472] وليس فعلها كفعله لأنَّه يملك من نفسه ما لا يملكه من غيره. ومن حلف لا يفعل كذا ثمّ فعله ناسيا فقيل: هو من اللغو المرفوع عنه والنسيان المعفوّ عنه، وقيل: يحنث ولا يأثم.
أبو عبد الله: من حلف في نومه لا يفعل كذا ثمّ انتبه ففعله فلا يلزمه حنث في الرؤيا. وإن حلف بلسانه يقظان ثمّ حنث لزمته الكفّارة. ومن حلف ما يعلم أنَّه فعل كذا ثمّ علمه فلا يحنث. وإن حلف ما علمت أنّي فعلته ثمّ علم أنَّه فعله حنث. ومن حلف لا يتداوى فاحتقن في باب فوافق الإصابة فتداوت علّته حنث، وإن لم يقصد إلى تداو ولم يوافق فلا عليه. (3/229)
صفحة 1156
الباب الثاني والخمسون
في الذبح وصفته وما يجوز منه وذكر اسم الله عليه
وينبغي أن يتولاّه من يحسنه بشفرة حادّة ورفق ورحمة، واستقبال واضطجاع بهما على الجانب الأيسر لما روي «إنّ الله رفيق يحبّ الرفق»، فمن ذبح فليحدّ شفرته. ومن قتل فليحسن قتلته، ويحدّها (230) على الذبيحة ذاكرا اسم الله، ويشحط شحطا، ولا يحزّ حزّا، وعند شحطه يجرّ يده إليه، وإن لم يستقبل بها عنده بلا عمد فلا يفسدها (231)، وإن تعمّد أساء بلا فساد عند ابن محبوب، وبأيّ اسم ذكر الله أجزاه. قال خميس: وأكثر ما عليه الناس عندنا لا إلاه إلاّ الله والله أكبر، وعندنا في المغرب بسم الله والله أكبر، وندب الاِقتداء في هذا وغيره، فإذا حرّك لسانه بالذكر أجزاه، وإن لم يجهر به لا إن أسرّه في نفسه وبأيّ لغة ذكره أجزاه ولو يحسن العربية ولا تؤكل إن نسي الذكر لقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} (سورة الأنعام: 121).
وإن قال سمّى بالفارسية أو نحوها أُكلت ذبيحته إن كان ثقة وإلاّ فلا.
وإن ذبح وقطع الأوداج ولم يذكر الله أو ذبحها ثمّ شقّ ذنبها يرى أنَّها ماتت ولم تمت أعاد ذبحها من أسفل وذكر، فإن تحرّكت بعد الأخير أُكلت، وقيل: يجزيه أن يجري المدية في المذبح الأوّل فيذبح ما أدرك، ويذكر وتؤكل إن تحرّكت بعده وإلاّ فلا فيهما، والأخير أحسن عندي.
وقد كتب ــ قيل ــ عمر بن عبد العزيز إلى الآفاق أن يحجّروا على اللحامين أن لا ينحروا الشاة إلاّ إلى منحرها، ولا يضرب كراعها بالسكين، ولا تبخع ولا يكسر عنقها ولا ينفخ في لحمها. والبخع قطع الرأس عمدا، وإن سبقته الشفرة فقطع بلا قصده أُكلت. (3/230)
صفحة 1157
وقيل: إن نسي الذكر عليها ثمّ ذكر وقد أخذ في جدب الشطحة فذكر الله عنده، فإن بلغ بها الذبح حدّ ما لا يعيش مثلها في الاِعتبار لم ينفعه الذكر بعد إلاّ إن ذبحها من أسفل وذكر وتحرّكتْ أو من الأوّل ــ كما مرّـ. وإن كانت في الشحطتين الأوّليتين تجيء على مثل ذلك الذبح ثمّ ذكر في الجذبة الثالثة ولم يحرّك لسانه فلا تؤكل لأنَّها كالمريضة.
ابن بركة: إن قطع بعض العروق واللحم في الذبح الأخير وذكر الله وتحرّكت أُكلت لا إن لم تتحرّك. ومن أعطى رجلا شاة يذبحها له وزعم أنَّه نسي التسمية فلا يقبل قوله إلاّ إن كان ثقة، ولا ينفع الذكر عليها إلاّ من ذابحها. وإن تعاهد هو والآخر على أنّ أحدهما يذبحها والآخر يذكر الله عليها جاز.
وكلّ الرقبة من الرأس إلى مستفرغها من أسفل مذبح. وجاز الذبح منها كلّها. ومن ذبح في غير المنحر لم تصحّ له ذكاة لمخالفته (232) السنّة فيها من اللبة والمنحر.
وكُره ذبح الشاة [473] قائمة بلا فساد به، ولا يجوز من القفا. وإن قصد المذبح وجعل السكين على الحلق وجذبها على أنَّها في المذبح فاحترفت بها فوقعت في القفا أُكلت، واختير إعادة الذبح من أسفل. وإن قطع الأوداج واللحم وأدخل السكّين من تحت الحلقوم وقطع ذلك فإذا سمّى وأحسن الذبح وقطع بعض الأوداج جاز أكلها لا إن نحم (233).
أبو الحواري: لا تؤكل إن أدخل المدية ثمّ رفعها حتّى قطع، وتؤكل إن بخعها بلا عمد. وإن أدخلها تحت الحلقوم ثمّ رفعها وقطع الأوداج فإن أعادها فأجراها على الحلق أُكلت إن تحرّكت.
والذبح الذي يكون ذكاة شرعية هو ما كان في المذبح، وقطع الأوداج والحلق والحلقوم، ولا تحيى به الذبيحة عادة في النظر ولو اختلفت معانيه؛ والمأمور به أن يكون باليمين ولا تحرم بالشمال إن ذكر الله. وقيل: إنّ ابن عمر أمر رجلا أن يذبح له شاة فبخعها فقال: بخعها بخعه الله، جرّوها برجلها فحرّمها؛ وتؤكل عند الربيع إن لم يتعمّد كما مرّ، وعند هاشم مطلقا، وحرم رأسها. (3/231)
صفحة 1158
ومن ذبح شاتين فسمّى على الأولى دون الثانية عمدا أُكلت الأولى دونها، وإن أضجعها وسمّى وألقى السكّين وأخذ الأخرى أُكلت. وإن سمّى وأمرّ السكّين وقطع اللحم وخرج الدم ثمّ كلّم أحدا وأدام الكلام حتّى فرغ من ذبحها أُكلت إن أحسن الذبح، وإن شكّ في التسمية بعد الذبح فله أكلها حتّى يعلم أنَّه تركها إن دان بها عليه، لا إن شكّ حال الذبح. وإن قال عنده: الله الله أو أشهد أنّ محمّدا رسول الله جاز وإن لم يكبّر. وإن أضجعها وذكر عليها ثمّ قامت ثمّ أضجعها وذبحها ولم يعد الذكر أُكلت إن لم يتشاغل عنها بغير أمر الذبح.
أبو سعيد: إن قصد بالتسمية إليه ولم يخرج من حاله إلى غيره فهو على الأولى، وتجزيه (234) ولو سمّى ثمّ كلّمه أحد فأشغله أو حدّد السكّين ولم يكبّر ثمّ ذبح على تلك التسمية فلا بأس، وإن جدّدها فهو أحسن.
ومن وجد ظالما يذبح شاته أو نحوها ولم يذكر الله فأخذ منه السكّين فأجراها على المذبح وذكر الله وهي حيّة أو ذبحها أسفل من محلّه (235) جاز ذلك، ونُدب الذكر عليها عند وضع السكّين على الحلق ولا بأس قبله.
فصل
إن كان للشاة رأسان فذبحت من أحدهما وظنّ أنَّها تموت به فقد رجا خميس أن لا يجزي. ومن ذبح ولم يقطع الوريدين مع الكربة فسدت، وقيل: تؤكل إن قطع أحدهما معها. واحتجّ من منع نحر البقر بقوله تعالى: {إنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (سورة البقرة: 67). وإن اشترك في موت الذبيحة التذكية وغيرها لم تصحّ ذكاتها. ونهي عن شريطة الشيطان وهي ما لم يقطع أوداجها. (3/232)
صفحة 1159
ومن ذبح صيدا موثقا بحبل حفظا من تلفه فهو مذكى.
وكُره ذبح بهيمة وأخرى تنظرها، وتحديد الشفرة عندها.
والحلقوم هو موضع النفس، والمريء هو الحلق مجرى الطعام والشراب من إنسان أو بهيمة، والودجان عرقان ممتدّان في صفحتي الحلق، وقيل: إنّهما يسيلان ويحيى من سيلان منه، فإذا قطع الحلق والمريء دون الودجين عُذِّبت. (3/233)
صفحة 1160
الباب الثالث والخمسون
فيمن تجوز ذبيحته ومن لا تجوز
وجازت ــ قيل ــ وإن من امرأة إن أحسنت ولو أمة أو لم تختتن فيما اعتيد فيه ختنها، ومن صبي إن أحسنها وولد على الملّة، وقيل: لا حتّى يبلغ، ومن حائض وجنُب إن ذكرا، ومن أصمّ إن أفصح الكلام. وكُرهت من أبكم لا يفصحه، ولا تفسد من عريان واللابس أحسن منه، ولا تجوز من أخرس إلاّ إن كان [474] ينطق بالتسمية. وتؤكل عند عزّان من صبي مقرّ وإن لم يُختن، وقيل: حتّى يَعرف الصلاة، وقيل: حتّى يُختن، وقيل: يأكلها الصبيان دون البالغين، وأجازها أبو الحواري من صبي أقلف ولو كتابيا، ومن كتابية وإن لم (236) تختتن لا من نصارى العرب، ولا تؤكل ممّن لا يقرأ الإنجيل ولا من بالغ أقلف مطلقا.
وإن اجتمع رجلان على ذبيحة أمسكاها معا وأجريا المدية عليها وسمّيا جاز. وكذا إن رميا صيدا بسهم وذكرا عليه فأصاباه.
وجازت من عبد مختتن إن كان يصلّي لا من مجنون وسكران. وسُئل أبو الحسن عن ذمّي ذبح شاة وقال: عرض لي فيها ما يحرمّها عليّ، هل لمسلم أن يشتريها؟ فقال: إن حرمت عليهم من (237) قبل التذكية فهي حرام وتُدفن؛ وإن حرمت بما في دينهم عليهم فقد حلّت لنا.
ولا تجوز من مجوسي ولو تحوّل إلى يهودية أو نصرانية.
وأجازها عزّان من كتابي وإن لم يُختن، وغيره من نصراني أقلف إذ لا يدين بالاِختتان لا من يهودي لأنَّه يدين به. وإن تحوّل أحدهما إلى الآخر جازت منه. وإن ذكر النصراني عليها ثلاث آلهة منهم الله أُكلت.
ولا تؤكل ذبيحة المشركين لأصنامهم، ولا كلّ ما ذُبح لغير الله ولو ذُكر الله عليه. وما ذبحه مسلم للمشركين قصدا منه لآلهتهم أو بدونه وذكر الله عليه جاز أكله. (3/234)
صفحة 1161
وما ذبحه أهل الكتاب ووجدوا فيه محرّما عليهم فهو حلال عند منير كما مرّ عن أبي الحسن، وقيل: لا يؤكل لأنَّه من غير طعامهم. وما ذبح النصارى من الإبل جاز لنا أكله لا ما ذبحه اليهود منها. وإن وجد في أيدي أهل الكتاب أعضاء اللحوم جازت لنا ما لم نعلم تحريمها إن أعطوا الجزية، أو أنَّها ميّتة أو لحم خنزير، أو إبل ذبحها يهودي؛ وحلّت لنا الشحوم المحرّمة عليهم من غنم وبقر. ومن قرأ الإنجيل من نصارى العرب جازت ذبيحته ومناكحته وطعامه. وإن (238) كان ولي امرأة منهم يقرأه جاز نكاحها منه لا من لا يقرأه ولو قرأ غيره. ولا يؤكل الجبن إلاّ من موحّد وكتابي، وما وهبه أهل الكتاب لنا أو تصدّقوا به علينا من شحوم ذبائحهم جاز وإن لغني منّا، والتنزّه عنه أفضل إن أهداه فقيرهم لغنيّنا. والصابئونَ ــ قيل ــ هم فرقة من النصارى فيجوز ذلك منهم، وقيل: ليسوا منهم ولكنّهم تارة يصبون إلى دينهم وتارة إلى اليهودية، ويقرأون الزبور، وعليه فهُم أهل الكتاب.
فصل
من أكل ميّتة تصدّق بدكي (239) قدرها عند زيَّاد بن المنذر. وقد أُصيبت ــ قيل ــ لجارية ترعى غنما شاة فماتت وذبحتها وجاءت بها إلى أهلها فقالت لهم إنّها دكّتها (240) ثمّ سألت ما يلزمها، فألزموها التوبة وغسل ما مسّها لا الغرم، وكذا كلّ من أكل منها يلزمه غسل ما مسّها وإعادة صلاته، ولا شيء عليهم إن كذّبوها، وحقّ لها أن تكذَّب. ومن علم قول المسلمين فيها فأكل منها عارفا بها وأراد أن يتوب فإنّه يغتسل ويغسل ما مسّه، ويبدل صلاته، ويكفّر واحدة على المختار، وقيل: لكلّ صلاة. (3/235)
صفحة 1162
الباب الرابع والخمسون
في ذبيحة السارق والغاصب والدالّ
ولا تؤكل ذبيحة السارق عند أبي المؤثر ولو مصلّيا.
وقد رمى جندي دجاجة لقوم فذبحها وأدركوها في يده فكره لهم الأزهر أكلها إلاّ إن علموا أنَّه ذكر الله عليها. وقال: من وجد شاته مذبوحة في محلّ فلا أحبّ له أن يأكلها إلاّ إن أدرك ذكاتها (241) وتحرّكت بعدها. وحرّم محبوب ذبيحة السارق، وعند منير لا بأس بأكلها.
ومن اغتصب شاة مقتسرا لها فذبحها جاز أكلها إن كان ممّن يجوز ذبحه، ولربّها أفضل القيمتين حيّة ومذبوحة. وإن ادّعى السارق الذِّكر على ذبيحته قال خميس: لم يعجبنا [475] تصديقه لأنَّه ليس بمحلّه، وإن سمع ذكره عليها جاز أكلها لا إن أدركها ربّها فسمّى عليها، وإن أدركها وأجرى عليها السكّين على المذبح وقطع منها شيئا وذكر الله وتحرّكت بعد، فإن استفرغ السارق ذبحها قدر ما لا يحيى به مثلها عادة وذكر عليها لم ينفع الثاني من المحلّ، وإن كانت لا تموت به عادة وذكر ربّها عليها واستفرغ الذبح نفعه وكان تذكية. وقيل: لا تؤكل ذبيحته إلاّ إن سمعه ربّها يذكر عليها عند ذبحها أو أخبره به ثقة.
وإن ذبحها على غصب وقهر من جائر أو غيره جاز أكلها، وإن لم يقل إنّه ذكر عليها إن وجدها ربّها أو رُدّت إليه. وإن ذبحها دلالة أو مساومة لشراء جاز أيضا. وإن اصطاد ــ قيل ــ مملوكٌ (242) طيرا وذبحه بلا إذن ربّه لم يؤكل.
وإن ذبح وكيل اليتيم طيرا له أو وصيّه أو محتسب له جاز، وإن ذبحه له أحدهم فجرى عليه ما يحرّمه أو طار من يده لم يضمنه، قال تعالى: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (سورة التوبة: 91). (3/236)
صفحة 1163
وإن أخذ ظالم دابّة أحد من زراعة فذبحها وتركها لربّها ولم يعلم أنَّه ذكر عليها عند الذبح أم لا، فلا تحلّ له عند أبي الحسن حتّى يعلمه، قال: وإن أكلها على ذلك أو باعها أو بعضها فلا نحبّ له أخذ ثمنها وليردّه إن أخذه، ولا يكفيه الحلّ فيما حرّم عليه. وإن أخبره ثقة أنَّه ذكر عليها أجزاه قوله، وله أن يأكلها أو ثمنها. وقيل: إن كان الذابح لها ممّن يجوز ذبحه أُكلت إلاّ إن علم أنَّه لم يذكر عليها. (3/237)
صفحة 1164
الباب الخامس والخمسون
فيما جاز به الذبح من حديد وغيره
الربيع: لم يروا الذبح إلاّ بحديد له حدّ وبالمرو وبالفضّة. ابن مسعدة: اِذبح بما شئت ما خلا الظفر والعود والناب. نبهان: ما أنهر الدم وفرى الجلد ممّا له شفرة جاز الذبح به، وبكلّ ما فرى كالمدية والموسى والخنجر ممّا له شفر يشحط ولا يُطعن بها والمقراض. وروي: «ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا، ليس السنّ والظفر».
أبو زيّاد: يُذبح بحديد وبقصب وبحجرة (243) صالحة له، وقيل: لا بأس بذبح الطير بالليظة (244)، والغنم بالمروة، وجاز بالسيف. وقيل: يُترك منه قدر شبر من طرفه ويُذبح بباقيه. واختُلف في الظفر فقيل: يجوز به، وقيل: لا، ولا بالعظم ولا بالسنّ ولا بالقرن ولا بالزجاج ولا بالنارجيل ولا بالخزف ولا بكلّ جسد منطرق سوى الحديد، ولا بالخشب ولا بكلّ ما لا حدّ له ولو حديدا، وجاز بقصب الذرة والسكّر والروغ لا بالقثّاء، وأجازه عزّان إن كان له حدّ يفري، وبالمخلب إن كان له حدّ يذبح، ويمكن به وبالمرو ــ كما مرّ ــ وهو الحجر القادح للنار، وبالمعز وهو الصلب الخشن، وبالليط وهو قشر القصب إن كان لذلك حدّ يفري.
قال: ولا نعلم في النحر حدّا في إغماض المديّة أو الشفرة في المنحر إلاّ ما قالوا إنّه للإبل كالذبح لسائر الأنعام، فإذا بلغ الذبح مبلغ النحر قدر ما لا تجيء به المنحورة عادة كان نحرا وصحّ، ولا يكون إلاّ بما له حدّ قاطع كالسكّين والشفرة لا بمثل الحربة ممّا لا يقطع. وإن نحرها بما لا حدّ له فماتت قال: فلا أحبّ أكلها ولا أتقدّم على تحريمها إن نحرها بما يجوز به الذبح إن لو ذُبحت به، وما لا يجوز به الذبح لا يجوز به النحر. (3/238)
صفحة 1165
فصل
من ذبح بمدية بعد ذبح بها بلا غسلها منه فقد ترك مأمورًا (245) به، ولا تحرم ذبيحته. ومن ذبح بسكّين ذبح مجوسي ولم تُغسل فقيل: لا تؤكل إن مسّ الدم بيده، وقيل: تؤكل إن كان الذابح بعده يجوز ذبحه وذكر الله ولو بمدية المجوسي [476] النجسة، وبه قال أبو الحواري.
ومن أخذ طائفة من الطير فجعل يذبح ويذكر الله ولا يمسح السكّين حتّى ذبحها كلّها فلا عليه، وقيل: يؤكل الأوّل لا الثاني لابتدائه بنجس؛ والتدكية (246) طهارة ولا تكون بنجاسة، والمأخوذ به أنَّها لا تحرم بذلك.
ابن مسلمة: من سرق مدية فذبح بها شاة فإنّها لا تؤكل، وأصحابنا لا يحرّمونها بذلك.
أبو سعيد: لا بأس بذبح بنجِسة، وبعض شدّد فيه وقاسوه ببئر تُنزح بنجسة بغيرها فقيل: يجزي وتطهرا معا، وقيل: لا وقد نجستها الدلو، واختار أن تغسل المدية من الدم أو غيره وتطهر وإن بتراب، ولا تحرم ذبيحته إن لم يفعل ولو ذبح بها مرارا بلا غسل إن ذبح بها ما يحلّ من نَعَم أو صيد أو غيرهما.
ومن ذبح ولم يجد ماء فله أكل ما سوى المذبح وما مسّه النجس.
ولا تؤكل ذبيحة بمسمومة لأنّ السمّ قاتل ومعين على موتها، قال خميس: وإن لم يكن معينا عليه فلا أعلم موجبا لمنع الذبح بها، قلت: ولعلّه لا يؤمن على آكلها غالبا. (3/239)
صفحة 1166
الباب السادس والخمسون
في الذبيحة إذا لم تتحرّك بعد الذبح ونحو ذلك
وقال زيّاد: من أضجع صحيحة وذبحها ولم تتحرّك أُكلت لا إن أضجعها مريضة.
ومن رمى ــ قيل ــ طيرا فأصابه وهو على جبل فوقع إلى الأرض ولم ينله شيء فإنّه يؤكل، وليس كمتردّ بلا رمي.
وكُره إمساك الذبيحة بعد ذبحها بل يدعها الذابح تتحرّك حتّى تموت (247) إلاّ إن رجى سلامتَها (248) في ذلك أكثر من تركها.
وإن كان الإمساك يعين على موتها عادة فهو ممّا يفسدها وإلاّ فلا.
ومن رمى شاة أو بقرة أو ظبيا أو طيرا أو وحشا بحجرة فسمّى عليها فأصابته وقتلته، فأمّا الشاة ونحوها فلا تؤكل، وأمّا الطير فإنّه يؤكل إن قطعت فيه كالحديد وإلاّ فلا إلاّ ما أدرك ذكاته من ذلك.
ومن شقّ ذنب الذبيحة ثمّ تحرّكت حرمت كالميتة إن ذبحها وظنّها ماتت، فضرب عرقوبها فتحرّكت تركها حتّى يعلم موتها، وله أكلها إلاّ إن أثّرت الضربة فيها.
وإن ذبحها على ظهر البيت فوقعت منه تتحرّك، فإن أمكنه أن يمرّ السكّين على بعض الأوداج ويسمّي عليها أكلها وإلاّ فلا.
وقيل: إن ارتفع قدر ستّة أذرع فترفّست فوقه ثمّ سقطت ولحقها ماتت، فإن ماتت قبل سقوطها أو معه أُكلت ولا يقع عليها اسمه حتّى تصير إلى مستقرّ.
أبو عبد الله: من ذبح شاة فصرعت من شرف فأدركها ترتكض فإن لم يستفرغ مذبحها أعاده وسمّى وقطع باقي العروق والأوداج، وقيل: يجري المدية عليه (3/240)
صفحة 1167
ويذكر فتؤكّل، وإن ردّها عليه ولم يبق منها ما يقطع فيه إلاّ اللحم وسمّى ففي أكلها قولان.
أبو سعيد: إن ذُبحت فوق بيت أو نحوه فوقعت فقيل: إن كان التردّي من قبلها أُكلت وإلاّ فلا، وقيل: سواء وهي متردّية.
ومن فرغ من ذبح شاة فتنحّى عنها فأتاها من قطع من مذبحها عِرقا قبل موتها، فإن أعان ذلك على قتلها ولم يكن على وجه الذبح فلا تؤكل ولو ذكر الله عليها.
ومن ذبح دجاجة أو طيرا فتركه فطار ثمّ وقع فمات أكله إن لم يغب عنه، وقيل: إن وقع ناشرا.
وقال خميس: أظنّ في الأثر أنَّه يؤكل ما لم يغب عنه أو يعن على قتله غيره.
أبو الحسن: من أجرى السكّين على حلق الشاة [477] فانقلبت فجُرّت على قفاها بلا إرادة منه وذكر أُكلت، وقيل: لا. وكذا إن سبقته السكّين على أحد الجانبين فلا بأس بها إن لم يتعمّد.
والذبح الجائز هو الذي لا يحيى عليه وماتت به، قيل: ولو لم يقطع شيئا من الأوداج، وإن لم يعرف الذابح ما تحيى عليه من غيره فقال له عارف به إنّ هذا الذبح لا تحيى عليه جاز له أن يأخذ بقوله ولو لم يكن ثقة.
وإن أراد الذكر فغلط فقال: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ} (سورة الرحمن: 7) أو غيره ممّا لم يكن فيه ذكر الله فلا تؤكل.
وإن قال: سبحان ربّي الأعلى أو العظيم، فإن قصد به الذكر عليها أكلها وحده، وقيل: إن سمّى اِسما من أسمائه فهو تسمية، وجاز له الأكل كذلك.
وإن ذبحها أعجمي وذكر الله عليها بلُغَتِهِ ولم يُفهم منه فإن كان ثقة وقال إنّه ذكره أُكلت، وكذا غيره بأيّ لغة كانت.
وعن أبي المؤثر: إنّ اسم الله تعالى بالهندية اشمشال، فإن ذكره ذابح على ذبيحته أُكلت.
ولا يجوز ــ قيل ــ ذبح الأعمى ولا الأعجم ولو ذكر الله عليها غيره. (3/241)
صفحة 1168
وكُره ذبح الشاة قائمة كما مرّ ولا تفسد به.
ولا يجوز أكل طير البحر بلا ذكاة، وإن ذُبح فوقع في الماء قبل الموت فسدت لأنَّه يُعِين عليه، وإن ذُبحت ذبحا لا تحيى عليه فمرّت تمشي فأعاد أخذها وذبحها في الأوّل فماتت في يده أُكلت، وإن كانت لا تموت به عادة ونسي الذكر عليها فتركها ساعة، ثمّ أعاد ذبحها في الأوّل وذكر فماتت وهو يذبحها خيف فسادها إن لم تتحرّك بعد الأخير، وإن كان لا يخاف عليها من مثل الأوّل موتها فذبح الثاني وذكر فأرجو أن تؤكل.
وإن ذبحها ذبحا لا يقتل مثلها وذكر عليها ثمّ عاقه أمر فتركها (249) ثمّ أعاده ولم تتحرّك بعد فلا تؤكل إن خاف منه موتها وأعانته على قتلها.
ومن ذبح شاة فمرط منها شعرا أو شقّ ذنبها قبل موتها فلا نحبّ له أن يأكلها.
وقيل: كلّ معين على قتلها ولو كان مثله لا يقتلها ثمّ لم تذكّ بعد أن أدرك ذكاتها، فقد حرمت إن كان ذلك من غيرها، وما وقع بها من اضطرابها وتحرّكها فلا يفسدها، إلاّ إن بان أنَّه قتلها فتكون كمتردّية، وقيل: لا تفسد باضطرابها ولو انخرق به (250) بطنها لأنَّها أُصيبت من قبلها، ولا يحب ــ هاشم ــ أكلها إن جرحت نفسها. وإن أمسكها بيده بعد ذبحها حتّى ماتت فلا تؤكل، قال بشير: إن لم تتحرّك بعد أن أطلقها.
فصل
من ذبح ذبيحتين فارتفست إحداهما على الأخرى فاعتقرتا، فإن اعتقرت المرتفسة أُكلت إلاّ إن اعتقرت المرتفَس عليها إلاّ إن أدرك ذكاتها.
وإن وقع على الذبيحة شيء من غيرها ولو خطأ فسدت إن أثّر فيها ولم تُدرك.
أبو عبد الله: من ذبح طيرا فطار فتبعه فوجده ميّتا أكله ما لم يحل الليل بينهما. (3/242)
صفحة 1169
أبو سعيد: من ذبح ولو طيرا فمات قبل أن يطلقه من يده فله أكله إن تحرّك بعد تمام الذبح، واختار خميس أن يؤكل إن كان صحيحا ولو لم يتحرّك، وإن كان مريضا فحتّى يتحرّك بعد الذبح.
وإن غابت عن الذابح ذبيحته قبل أن تموت فله ــ قيل ــ أكلها (251) في الحكم حتّى يعلم أنَّه حدث فيها بعده معين على قتلها، وقيل: لا، وقيل: تؤكل إلاّ إن واراها عنه الليل.
وإن ذبحها ليلا ذبحا يموت به مثلها ثمّ غابت عنه فوجد بها أثر يموت به مثلها إن لو كانت حيّة فلا تؤكل، وكذا في النهار لوقوع الشبهة وإن كان مثلها لا يموت به لو لم تذبح ففيه شبهة أيضا، وكالطير إن طار بعد ذبحه ووُجد ميّتا في الخلف في أكله سائر الأنعام فقيل: لا يؤكل إن غاب لأنَّه لا يدرى ما حدث فيه، وقيل: يؤكل إلاّ إن حال دونه الليل (252).
وإن وجد فيه ما لا يعين على قتله وغاب أمره فشبهة، وتركه أولى.
وإن علم أنَّه كان قبل الموت لم يجز أكله. وإن كان بعده أكل.
ومن ذبح إلى القبلة ثمّ شغل عن ذبيحته وانصرف عنها، ثمّ رجع إليها وقد ماتت قال: فلا نحرّمها إلاّ إن تركها وحدها وخاف أنَّه أعين على قتلها.
ومن رمى صيدا ثمّ اشتغل بغيره ثمّ أتبعه حتّى جنّه الليل فلم يدر أقتله هو أو غيره؟ فلا يأكله، ويأكله إن كان [478] نهارا وإن لم يتوار عنه ولم يطلبه حتّى رآه وقع ميّتا فلا بأس بأكله.
ومن أرسل كلبه على صيد فتواريا عنه ثمّ وجده قتله وهو معه جاز له أكله إن لم يأكل منه لا إن أكل، ولا إن رماه بسهم فتوارى عنه ثمّ وجده ميّتا وبه جرحه.
وقد أجاز موسى ذبح ديك أكل رأسه سنّور من عنقه إن أُدرك حيّا، وكذا قال أبو الحواري فيه، وفي سائر الطير ولم يسمع ذلك في الأنعام، وقيل: جائز فيها إذا ذُبحت من أسفل وتحرّكت إذ جاز ذبحها من الرقبة كلّها كما مرّ. (3/243)
صفحة 1170
ومن ذبح سخلا فوقع في جار فأخرجه منه يتحرّك، فأجرى المدية على حلقه فله أكله؛ قال أبو الحواري: إذا بقي شيء من المذبح.
وإن شقّ الذئب بطن شاة أو أصابها في غيره فأدركت ذكاتها جاز أكلها إن تحرّكت بعدها لا إن تحرّكت منها بضعة، لأنّ المعتبر تحرّك الجارحة كيَدٍ أو رجل أو ذنب أو أذن أو عين.
وإن بان رأسها بضربة فكميتة، وإن ذكّي الجسد من أسفل وتحرّكت جاز أكلها. وإن كانت في مؤخّرها وعجزها فبان منها شيء فهو ميتة، ويذكّى الباقي ويؤكل إن تحرّك.
وإن بان الرأس ناحية والرجلان ناحية كان ذلك كلّه ميتة.
ويذكّى ما بقي مواليا للمذبح، ويؤكل إن تحرّك.
ولا بأس ــ قيل ــ بإخراج الصوف والشعر والوبر من الميّتة، وفي جلدها خلاف واختار خميس قول من أجاز الاِنتفاع به وبالعظم والضرس. (3/244)
صفحة 1171
الباب السابع والخمسون
في ذكر الجلاَّلة والمتردّية والنطيحة والغيلم والجنين
فمن أبصر دجاجة تأكل نجسا أو أراد ذبحها حبسها يوما وليلة، وتذبح بلا حبس إن لم تُبصر تأكله وقت إرادة ذبحها.
ويُحبس التيس الشارب لبوله ثلاثا ثمّ يُذبح، وإن شربه وذبحه من حينه طهر من أكل لحمه ما مسّه، ويغسله ويتوب ولا عليه.
والصقر والبازي والحدأة فالوقف فيها.
ولا تؤكل الجلالة من الإبل والبقر حتّى تُحبس أربعين ثمّ تُذبح، وهي التي لا تخلط مع العذرة شيئا، وإن كانت تعلف ثمّ تأكلها أو تشرب البول فالإبل والبقر تحبس سبعا والغنم ثلاثا.
ومن ذبح دجاجة حين أكلت نجسا بلا حبس فقيل: لا يحلّ أكلها، وقيل: يطرح ما في بطنها ويأكل سائرها، وقيل: لا بأس بأكلها. وقيل: تُحبس الدجاجة ثلاثة أيام بلياليها.
وإن أكلت الشاة ميتة أو شربت ماء وقعت فيه أو دما فلا بأس بلبنها عند ابن محبوب لخروجه من بين فرث ودم، ولا يؤكل لحمها إلاّ بعد ثلاثة، والإبل والبقر بعد سبعة والدجاجة بعد يوم وليلة، ويرمى عند زياد بطنها، ويؤكل سائرها.
ولا يفسد عند أبي علي لحم مثل هذه إن ذُبحت حين أكلت إلاّ التي طعامها العذرة ولا تخلطها بالشجر، وقيل: يطعم الجلالة من أراد ذبحها العجين والماء الحارّ يوما وليلة فإنّه يزيل ما في بطنها، وقيل: تُحبس ثلاثا، وقيل: الدجاجة ليست بجلالة إن رعت في البساتين.
ابن جعفر: يوجد في كتب المغاربة أنّ الغنم التي يكره اليهود أكلها لا بأس بشرائها، إذ لم يحرّم الله علينا في كتابه ولا في سنّة نبيئه ما حرّموه على أنفسهم، ولا (3/245)
صفحة 1172
بإعطائهم شيئا من الذبائح يذبحونها ثمّ تؤكل معهم، ولا بمشاركتهم وضمانتهم والسكن في دورهم وبيوتهم بكراء أو غيره، وقد أحلّ الله ذلك لنا منهم إلاّ ما قيل في مشاركتهم في الأموال من الخلاف، ولا يحلّ ما يدخلون فيه (253) الحرام. ومن أحرق لحم خنزير ثمّ سحقه وشربه فالرماد غير اللحم، وكُره شربه، ولا نقول يهلك شاربه لأنَّه لم يشرب منصوصا بحرمته.
فصل
قال الله سبحانه وتعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ} (سورة المادة: 3) وهي: ماله نفس سائلة حلال أكله مات حتف أنفه إلاّ السمك والجراد فقد خصّتهما السنّة، والخنزير كلّه حرام، وخصّ منه اللحى لأنَّه أكثر أجزائه نفعا.
والمنخنقة: وهي التي تختنق فتموت.
والموقودة: وهي المضروبة بخشبة أو غيرها حتّى تموت والمرمية بحجر أو غيره.
والمتردّية: وهي التي تقع من عال أو في بئر فتموت.
والنطيحة: وهي التي نطحها غيرها فماتت بالنطح.
وجاز أكل ما أُدرك ذكاته من ذلك.
والغيلم [479] إذا ذُبح وقطعت أوداجه وحلقومه بحدّ ما لا يعيش بعده فإنّه يؤكل ولا ينظر إلى تحرّك لحمه بعد ذبحه لأنّ البقر يتحرّك لحمه بعد تقطيعه، ويُترك إن تحرّكت منه جارحة كأقصى ما يتحرّك من (254) الأنعام إذ ذُبحت، ثمّ يؤكل ولو تحرّكت منه جارحة بعد.
وإن كان في البرّ ولا يقدر على أخذه إلاّ بقطع يد أو رجل منه، فكالصيد إذا قُطع منه بعض أعضائه وبان قبل أن يُذبح، فإنّه يؤكل كلّه إلاّ العضو البائن إذا أُدركت ذكاته.
وإذا صار في يد مصطاده صحيحا فليس له أن يقطع منه جارحة. (3/246)
صفحة 1173
ولا يجوز أكل الغيلم بلا تذكية لأنَّه يعيش في البرّ ودمه ــ قيل ــ مفسد لأنَّه برّي، وقيل: لا لأنَّه بحري، وعندي أنَّه يُعتبر فيه الأغلب، وقيل: يجوز بدونها كالسمك.
وإن وجد السمك على الساحل ميّتا جاز أكله ولو أُكل بعضه. ويُكره ــ قيل ــ من أجل المضرّة. ولا يجوز أكل طير البحر بلا تذكية، وقيل: إن كان يغدو بالسمك ويعيش بالماء جاز بدونها.
فصل
لا يؤكل جنين الذبيحة حتّى يتحرّك ــ قيل ــ بعد ذبحها، وقيل: هو بضعة منها، ويؤكل وإن لم يتحرّك وذكاته ذكاتها، وقيل: لا إلاّ إن أُخرج حيّا ويُذكّى ويتحرّك بعدُ. ومن ذبح أمّه فشقّ بطنها قبل موتها وأخرجه منه حيّا وذكّاه أكل دونها، وإن شقّه وأخرجه حيّا وذكّاه وأتمّ ذكاة أمّه وتحرّكت بعد الأخيرة أُكلا معا، وإن لم يدركها بعد إخراجه ولا الأمّ بعد أن شقّ بطنها فلا يؤكلا معا، وإن أُدركت ذكاة أحدهما بعد إخراجه أكل، وإن ذكّى الأمّ وتركها حتّى يموتا معا فإنّهما يؤكلان معا عند الأكثر إن نبت (255) الجنين، وقيل، مطلقا، وإذا تمّ خلقه ولعلّ من تمامه إنباته، وقيل: يُعتبر به إن كان بحدّ ما يُنفخ فيه الروح أُكل، والأصحّ أنَّه يؤكل إذا تحرّك بعد التذكية لا مكان نفخ الروح فيه ثمّ يموت قبلها.
وإن أنتجت ثمّ ذُبحت من حينها فإن لم يُعلم أنَّها لطمت نجسا فلا بأس بلحمها، وإن خرج بعض نتاجها وذبحت ثمّ خرج باقيه بعد موتها فإنّه يؤكل، وما دام لم يخرج كلّه فحكمه حكمها. وقيل: إنّ البهيمة في قوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ} (سورة المائدة: 1) هي جنينها. (3/247)
صفحة 1174
الباب الثامن والخمسون
في الصيود وضروبها وما يحلّ منها وما لا يحلّ
قال الله سبحانه: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} الآية (سورة المائدة: 96)، {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} (سورة المائدة: 3)، وقال: {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ} الآيات (سورة المائدة: 94) وغيرها، فصيد البحر حلال ولو للمُحْرِم كالحيتان وأجناسها؛ والضفادع وأجناسها حرام، وقيل: كلّ ما له مثل من دوابّ البرّ من محلّل فهو حلال وما له شبه بالمحرّم فحرام، والبحر وغيره من المياه سواء في هذا، وطعامه ما خرج منه ميّتا من السمك، وقيل: هو الملح الخارج منه ذلك متاعا لكم ومنفعة.
{وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} (سورة المائدة: 96)، فلا يحلّ للمُحْرِم صيده ولو صيد له بأمره، وإن صاده لنفسه محلّ جاز للمحرم أكله كعكسه، وقيل: لا لقوله تعالى: {لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} الآية، {وَمنْ قتلهُ منكمْ متعمّدا} (سورة المائدة: 95)
لقتله مع نسيان لإحرامه لزمته كفّارته كما سيأتي، ولا حكم عليه إن قتله ذاكرا له، وأمره إلى الله لأنَّه فعل أعظم موجبها، وقيل: هو التعمّد لقتله مع الذكر لتحريمه فيحكم عليه في العمد والخطإ.
ابن عبّاس: يُسأل من قتله هل قتلت قبله شيئا منه (256)؟ فإن أنعم فيقال له: اذهب فينتقم الله منك ولا يحكم عليه، وإن قال: لا حكم عليه فإن عاد إلى قتله محرِما بعد ما حكم عليه استحقّ العقوبة الوجيعة إن تعمّد.
ويحكم بالجزاء صالحان فقيهان، فينظران أشبه به من النعم فيحكمان عليه به فيذبحه بمكّة ويتصدّق به. وقال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ} وهي الذبائح التي ذُكر عليها اسم الله {وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ} (سورة المائدة: 4) وهي الكلاب المعلّمة للصيد، ولا يؤكل ما صاده غيرها إلاّ إن أدرك (3/248)
صفحة 1175
ذكاته. وقيل: كلّ ما علّمتم للصيد من كلب وسبع ونمر وطير أو فهد أو عُقاب [480] أو صقر أو باز أو باسق أو شاهين أو نحوها ممّا يقتله بالتعليم فهو من الجوارح، وحكمه حكم الكلب المعلَّم.
والجوارح الكواسب، يقال فلان جارحة أهله أي كاسبهم.
مكلّبين أي معلّمين، وإغراء السبع إرساله على الصيد، وذكر الكلاب لأنَّها أكثر وأعمّ والمراد جميع جوارح الصيد.
{تعلّمونهنّ} آدابه {ممّا علّمكم الله} من ضروب العلم الذي علّمكم من علم التكليف لأنَّه الهامّ منه، ومكتَسَب بالعقل، وقيل: ممّا بيّنه لكم من صفات التعليم وهو أن يسترسل الكلب أو نحوه بإرسال ربّه ويزدجر بزجره ويكفّ عن الأكل توفيرا لصاحبه وخوفا منه، ويعتاد هذا.
{واذكروا اسمَ اللهِ} على الصيد عند إرسال السهم، والجارحة عليه.
والمعلّم هو الذي إذا أرسله ربّه استرسل وإذا أشلاه استشلى، وإذا عضّ أمسك ولا يأكل، وإذا دعاه أجابه، وإذا أراده لم يفرّ منه، ولا يحتم ولا يفضع ولا يأكل، فإذا فعل ذلك مرارا فهو معلّم، فإن قتله ولم يأكل منه حلّ أكله، وإن أكل منه فالأكثر على أنَّه لا يحلّ لخروجه من شرط التعليم والإمساك، لما روي أنَّه قال صلّى الله عليه وسلّم لعدي بن حاتم لمّا سأله عن الصيد، فقال: «إذا أرسلت كلبك فاذكر الله عليه، فإذا أدركته حيّا فاذبحه، وإن قتله ولم يأكل منه فكله فإن قد أمسك عليك، وإن أكل منه فلا تأكل بقيّته لأنَّه قد أمسك لنفسه، وإن خالطه كلاب في قتله ولم يأكلن منه فلا تأكل منه، فإنّك لا تدري من قتله منها. وإن رميت سهمك فاذكر وكله إن أدركته إلاّ إن وجدته مات في ماء فإنّك لا تدري أقتله الماء أم سهمك، وإن وجدته بعد ليلة أو أكثر ولم تر فيه غير أثره جاز أكله»؛ وقيل: جاءه رجل فقال له: (257) أرضنا ذات صيد فأرسل سهمي وكلبي المعلّم أو غيره وأذكر عليه، فقال له: «ما حبس عليك سهمك أو المعلّم ذاكرا عليه فكله لا ما حبسه عليك غيره إن لم تدرك ذكاته». (3/249)
صفحة 1176
ثمّ كرّر الله سبحانه ذكر الطيّبات فقال: {الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطيَِّّبَاتُ} تأكيدا، {وَطَعَامُ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ} (سورة المائدة: 5) يعني ذبائحهم، فمن دخل في دينهم من غيرهم فإن كان قبل مبعثه صلّى الله عليه وسلّم فهو مثلهم، وإن كان بعده لم تحل ذبيحته.
وإن ذكر أحدهم عليها غير الله كقول النصارى باسم المسيح لم تحل أيضا لعموم قوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اِسْمُ اللهِ عَلَيْهِ} (سورة الأنعام: 121)، وقيل: تؤكل ولا يسأل عمّا يقولون عند الذبح لعموم قوله: {حِلٌّ لَكُمْ} (سورة المائدة:5) وذبائحنا حلال (258) لهم أيضا، وإن اشتروها منّا حلّ لنا ثمنها كاللحم لهم، وقيل: معناه يجوز لكم أن تطعموهم من أموالكم.
وإن حال دون الصيد ظلام أو وجد عنده مع كلبك أو سهمك آخر فلا تأكله كما مرّ.
ومن أرسله ولم يسمّ فليزجره فإن انزجر وذكر ثمّ أرسله أكله وإلاّ فلا، وإن سرحه فلمّا دنى من الصيد ذكر الله وأخذه فقتله حلّ أكله إن سمّى قبل أخذه، وإن ذهب إليه بلا إرساله ثمّ ذكر حلّ أيضا كذلك.
وإن أرسله مسلم وسمّى عليه مجوسي فانزجر لتسميته فأخذه (259) فلا يأكله، وحلّ له في عكسه.
ومن رماه بسهم وذكر عليه فارتدّ قبل أن يصل إليه ففيه قولان؛ وكذا الكلب، ولا يأكل ما قتله كلب المجوسي ولا صقره.
وإن رماه مرتدّ ثمّ أسلم قبل أن يصل حُرِّم أكله لأنّ الفعل من الفاعل يكون حكمه حين وقع لا قبله ولا بعده، وليس الكتابي كالمسلم في الصيد.
وجاز صيد السمك منه لمسلم وكذا مجوسي ولو قطع بعضه، ويغسل باقيه ويؤكل. وإن ضربه مجوسي في الماء أو قتله حلّ لنا أكله. (3/250)
صفحة 1177
فصل
لا يؤكل ما أخذ بمعراض أو شباك، وما رُمي ببندق أو خشب أو حجر إن لم تدرك ذكاته، وإنّما يؤكل ما رمي بسهم إذا ذكر عليه وأناله ووجد قتيلا به ولم يتوار بليل أو غيره، وإن أصاب غير ما ذكر عليه حرم، وإن ذكر عليه ثمّ أرسله أكل ما قتل ولو كثر وكذا الكلب.
وإن كان لحجرة أسنان تجرح فجرحت صيدا وذكر عليه جرحا يقتله عادة جاز أكله في الطير خاصّة، وقيل: وغيره.
وإن نسي الذكر عند الإرسال فلا يأكل ما قتله إن لم يدرك ذكاته، وقيل: إن ذكر على الصيد قبل أن يصل إليه السهم أو الكلب فإنّه يؤكل، ويجزي الذكر على الصيد نفسه.
ومن رمى صيدا ثمّ تردّى من عال فلا يأكله، ولا إن رماه مجوسي [481] بسهم فقتله به أو مسّه برطوبة ثمّ قتل به مسلم صيدا آخر عند ابن محبوب لنجاسة السهم.
أبو علي: من رمى طائرا على شجرة وذكر فوقع فمات كُره له أكله، وقيل: يؤكل إن وجد به دما لأنَّه علامة موته بسهمه أو حجره.
ومن رمى به كثيرا ولم يقصد معيّنا منه فقتل بعضه أكله، وقيل: إن سمّى على السهم أكل ما أصاب ولو غير ما قصد، وكذا في الكلب وصيده، فإن وجده غير ممسك له فلا يأكله ولو لم يأكل منه.
ابن خالد: لا يُرمى إلاّ بما له حدّ من حديد، ولا يؤكل المرميّ بمجتمع ولو حديدا ولا الوحش إن رمي بحجر ولم تدرك ذكاته، وإن رماه بسهم وخرج منه دم وذكر عليه ومات قبل أن يصله أكله، وإن رماه به وذكر عليه ثمّ بآخر بلا ذكر عليه فلا يأكل ما أصابا حتّى يعلم أنَّه أصاب الأوّل. (3/251)
صفحة 1178
أبو الحواري: إن ذكر على السهم فهو كما قال، وإن ذكر على الصيد أكله ولو قتله الأخير.
ومن استعار كلبا من مجوسي أو اشتراه منه فلا يأكل ما صاده إلاّ بعد أن يعلّمه.
ومن رمى صيدا (260) فأوثقه وأوهاه ثمّ رماه غيره فقتله فهو للأوّل، وعلى الآخر الضمان بتعدّيه على صاحبه. ومن وجد بصيده حبلا فلا يأخذه، وجاز له إن وجد فيه أثره. وإن وقعت سمكة في سفينة فهي لمن أخذها.
وإن وقع السمك في شبك فجرّه ربّه فانخرق وخلْفُه شبك لآخر فحصل فيه فهو للأوّل.
ومن وجد جريحا وعلم أنّ جرحه من صيّاد وقد حبسه لم يجز له أخذه (261)، وإن لم يعلمه منه جاز له، وإن كان جرحه لا يحبسه وقد ذهب ربّه جاز له أيضا لما روي: ((من أثار صيدا فاصطاده غيره فهو لمصطاده)).
ومن رماه فتوارى عنه ثمّ وجده مات فله أكله إن لم يشغل عن طلبه بغيره، ولا يؤكل ما رمي بمسموم.
ومن وجد حيّا ولا سكّين عنده فكان يلتمس ما يذبحه به فمات بجرحه قبل أن يجده فله أكله إن كان في طلبه ويذكر إذا أطلق السهم إن أمكنه، وإلاّ فعند وضعه في كبد القوس ويجزيه لا إن سمّى وهو في كنانته.
ومن رماه بنبل ليس بذي جناحين حلّ له أكله والحكم للحديد لا للعصاة.
ومن رماه وسمّى وأدرك سبعا أكل منه بعد موته أكله إن علم ذلك وإلاّ فلا.
ولا يؤكل قتيل آكل الجيف ولا يصاد بالأسود.
ومن عجز عن نزع الصيد من رِجل باز فإن خاف كسر رجليه أو موت الصيد ذبحه من حوصلته.
ومن رماه في الحلّ فمات في الحرم فلا يأكله، وإن انغرز السهم فيه من محلّ وضع الوتر فلا يأكله إن لم تصبه حديدته. (3/252)
صفحة 1179
ومن أرسل جارحته فمضت إلى غير جهته ثمّ رجعت إليه فقتلته أكله، وإن رجعت إلى ربّها بعد أن رأت الصيد أو لم تره ثمّ عادت إليه بلا إرسال فقتلته فلا يأكله. ويروى: ((لا تطرقوا الطير في وكناتها فإنّ الليل أمان)).
أبو الحواري: كره أخذ الطير على الموارد قبل أن تصدر. ومن أثار صيدا أو طرده حتّى عيي لم يجز لغيره أن يصطاده، وجاز إن كان يقدر على نجاة نفسه ولو كان المثير خلفه، وإن ذبحه فطار وجرى حتّى توارى عنه فلا يأكله إن لم يره كيف مات، ولا إن وقع في الماء.
فصل
يحكم ــ قيل ــ على الصيادين أن يبيعوا لأهل القرية إن احتاجوا، فإن قالوا: لا يبيع بحبّ أو تمر أو غيرهما فالبيع إنّما يكون بالنقد، ويحكم عليهم أن يبيعوا بثمن أوسط.
ومن سرق شبكة فاصطاد بها فالصيد له وعليه ضمانها. قال خميس: ولعلّ فيه قولا آخر.
وإن خرج صيد من شباك وضعف حتّى لا ينجو بنفسه فهو لأهلها، وإن قدر فهو لمن اصطاده.
وصيد السمك حلال ولو ميّتا إلاّ أنَّه مكروه إذا ورم من ضرر.
وإن وجدت قطعة لحم في سمكة لم يجز أكلها.
فإن انفجر نهر في أرض قوم فدخله سمك فلا يصاد إلاّ بإذنهم إلاّ إن كان جاريا، وفي صيده من مجوسي خلاف.
ومن وجد بصيد جرحا يحبسه لم يجز له أخذه إن علمه من آدمي وإلاّ جاز له كما مرّ. (3/253)
صفحة 1180
ومن وجد بظباء حبالا تشبه حباله لم يجز له أخذها، ولا يجوز صيد صبي لا تجوز [482] ذكاته.
عزّان: اختُلف في الكلب إن كان يشرب من دم قتيله، فقيل: لا يؤكل إن ولغ فيه، وقيل: يؤكل إن لم يأكل من اللحم، وقيل: إن (262) أكل منه قبل موته أفسده إلاّ إن أكله بعده. (3/254)
صفحة 1181
الباب التاسع والخمسون
فيما يحلّ من الدوابّ والطير وما لا يحلّ وفيما يضرب من الصيد أو يطعن ومعرفة الوحش
ولا بأس ــ قيل ــ بأكل لحوم الخيل والبغال والحمير وشرب ألبانها وسؤرها، وبأكل الأرنب والثعلب، وقيل: مكروه واليربوع والضبّ؛ وكان ــ قيل ــ مسلم يأكله.
هاشم ومسبح: لا ندري لأيّ شيء تحرم لحوم الحمر الأهلية والبغال والخيل والثعالب والسباع، والله سبحانه يقول لنبيئه: {قُلْ لاَ أَجِدُ فَيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا علَى طاعمٍ يَّطعَمُهُ} الآية (سورة الأنعام: 145)، فبيّن سبحانه تحريم ما استثناه وخصّه من جملة ما أباحه.
وكُره لحم السباع والخيل والبغال، وقد بلغنا في الحمير أنَّه صلّى الله عليه وسلّم رأى قدورا منصوبة يوم فتح قريظة فسأل عمّا فيها؟ فقالوا: لحوم الحمير، فقيل: إنّه أمر بها فكفيت، فلا ندري أَكُرِه أكلها أم خاف الفساد عليها، قال خميس: والذي عندنا أنّ الحرام هو ما حرّم الله في كتابه أو رسوله في سنّته أو اجتمعت الأمّة على تحريمه، والشبيه بالمحرّم حرام وإن لم ينصّ عليه بعينه.
أبو الحسن: لا بأس ببعر الضبّ وأكل لحمه ولحم القنفذ، ولا بسؤر السِّنّور وأكل لحمه.
والكلب نجس والذئب والأسد مكروهان عند بشير، وتوقّف فيهما أبو المؤثر، ولم يجئ فيهما ما جاء في الكلب، ويروى أنّ الضبع صيد كما مرّ، وقيل: كان على مائدة ابن عبّاس لحم الضبع. (3/255)
صفحة 1182
ونُهي عن أكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير، وحرّم أكل القرود والغول والحيّات والضفدع، وقيل: كُره لحمها لأنَّها من ذوات السموم.
أبو الحواري: يُكره لحم كلّ ناشرة، وليس بحرام.
ولا يصلح ــ قيل ــ أكل الجراد إلاّ بعد نضجه بالنار، ولولاها ما أكله كثير. ومن يتحرّج عن إلقائه فيها يغمره بالماء في وعاء مع الملح إلى أن يموت ثمّ يطبخه.
وكُره لحم الغراب؛ والصراخ كالجراد في الطهارة والأكل، وقيل: الجراد أكثر جنود الله في الأرض، وكَرِه بعض لحم سنّور وفأر ورخمة ولم يحرّموه، وبعض حرّم الأجدل والصقر.
وجاز أكل الدجاج إن صين.
وإن ماتت دجاجة وأخرجت منها بيضة وجعلت تحت أخرى حتّى خرج منها فرخ فلا بأس به.
وإن رضع جدي خنزيرة أكل إن لم يكن أكثر رضاعه منها فيكون كالجلالة، فيحبس ثلاثة، وإن رضعت عناق لبن امرأة أكلت.
وجاز أكل الجدي إن ماتت أمّه ورضع كلبة.
وجاز أكل ما أرضعته المرأة وإن لها؛ والحمر الوحشية ــ قيل هي البيض التي لا خطوط فيها من سواد وغيره، وهي كالبقر الوحشية.
فصل
أبو سعيد: يروى: ليس في البرّ دابّة إلاّ وفي البحر مثلها، ومن ثمّ اختلف قومنا في خنزير البحر وقرده وكلبه، وما يشبه من صيده صيد البرّ فقال بعضهم سواء منهما، وقال بعضهم: لا تحرم دوابّه، وليس كالبرّ في هذا واختاره أبو سعيد لوجهين: أحدهما أنّ دماء دوابّ الماء طاهرة، وميتتها حلال، والثاني أنّ قوله تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} (سورة المائدة:96) عامّ حتّى يصحّ تخصيصه. (3/256)
صفحة 1183
ويؤكل السمك ولو طرح في النار حيّا كالجراد، وكرهه بعض رحمة له لا تحريما، وبعض يستقذر ما يلقيه البحر ميّتا ولا يحرّمه، ويذكى الحمس لأنَّه من دوابّ البرّ.
ومن ملك طيورا يصطاد بها بتربية أو شراء أو هبة، [483] فلا يحلّ لأحد أن يملكه عليه ولو ذهب عنه إلى بعد، وإن استوطن معه بلا تربية ولا بوجهه ممّا ذُكر ثمّ نفر عنه وعن محالّه واصطاده غيره فله أن يتملّكه عليه، وكذا ما يُتملّك ويُتّخذ في البيوت من الحمام والدجاج وغيرهما من الطيور لا يحلّ اصطياده إلاّ بإذن أربابها، ولا بأس بقتل ما يؤخذ من الوحوش بالسيوف والرماح، مع الذكر عليه إن لم يقدر على ذبحه (263).
وإن قُطع نصفين فقيل: يؤكل كلّه، وقيل: إن كان ما يلي العجُز أكثر، وإن كان ما يلي الرأس أكثر أكل دون ما يلي العجُز.
ومن طعن وحشا ثمّ سمّى عليه قبل أن يموت أُكل إن مضى السِّنان فيه بعد الذكر وإلاّ كره أكله.
وإن وقع صيد في شبك الصائد فجعل يطعنه حتّى يموت فيها فلا يأكله.
وإن طعنه حتّى أوهاه وذبحه أكله إن تحرّك بعد الذبح، وإن لم يكن فيها فلحقه وطعنه فمات من طعنه أكله ما لم يذهبه.
وإن ضرب صيدا فقطع منه يدا أو رجلا أكل دون العضو ولو تعلّق بجلدة، وإن كسر بضربه رِجل حمار وطمع أن لا تقع أكلها لا إن خاف أن تقع، وقيل: يأكلها ما لم تبن منه. وكُره السرف في طعنه.
ومن لقي وحشا فضربه بالسيف (264) فقتله أكله إن ذكر عليه، وإن أدرك ذكاته ذكّاه.
ومن ضرب به شاة أو بقرة أو بمدية فأبان رأسها قبل أن يذبحها أكلها دونه إن سمّى عليها، وإن بان هو وعجُزها وبقي وسطها مع محلّ الذبح متحرّكا ذُبح، وأُكل إن (3/257)
صفحة 1184
تحرّك بعد الذبح لا ما بان منها ولو أكثرها وهذا في غير الصيد، وأمّا الصيد إن أبانته الضربة نصفين فإنّهما يؤكلان كما مرّ، وإن كان العجُز أكثر أُكل المقدّم دونه.
أبو الحواري: ليس بعمان حمر وحشية، ولا يجوز اصطياد حمير منها لأنّ لها أهلاً كالإبل والغنم حتّى يعلم أن ليس لها أهل.
وللبقر الوحشي علامة يُعرف بها وهي انتصاب قرونه وأنَّه أبيض كما مرّ.
فصل
من وجد ظبيا في حبل لا يعرف ربّه فالوقف فيه، وإن كان الحبل في خشبة لم يجز له وهو لربّه لأنَّه في وثاقه.
وإن وقع صيد في شبك ثمّ انفلت أو قطعه قبل أن يقبضه الصيّاد فهو لمن صاده بعدُ، وما دام فيه فهو لربّه.
أبو الحسن: من وجد طيرا مقصوصا فهو كالمربوب وكان لقطة، وما احتمل أن يكون مربوبا أو غيره جاز اصطياده وإن من قرية حتّى يُعلم مربوبا، فإذا أُخذ وصار صيدا لم يجز أن يكون مربوبا حتّى يصحّ بعَدْلين، ولا يكون الدجاج فيها صيدا حتّى يصحّ أنَّه ليس بمربوب، وهو في البريّة عند أبي الحواري صيد إن احتمله، وعند غيره أنّ الأغلب في الدجاج كونه مربوبا حتّى يُعلم غيره، ولا بأس بصيد الطير من البيدر والبيوت، ويأخذه ولو في موارده ومبيته وإن كُره فيه وقبل أن يرِد.
والحُمُر والبقر الوحشية يجوز صيدها حتّى يُعلم أنّ لها ربّا، ولا يطيب في الحكم ولا في الجائز حتّى يصحّ الجنس المتوحّش بعد الإملاك. (3/258)
صفحة 1185
الباب الستّون
في الخمر وتحريمها
قال الله سبحانه: {يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ} الآية (سورة البقرة: 219) قدّمها هنا ولم يحرّمها ثمّ أنزل {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى} الآية (سورة النساء: 43)، ثمّ {يَاأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ} الآية (سورة المائدة: 90)، فجاء فيها تحريمها فمن شرب منها ولو قليلا فقد شرب محرّما ويُحدّ وإن لم يسكر، وفي النبيذ إن سكر.
والميسر هو ما يصيبه الرجل من صاحبه من الفضل عند القمار، وقيل: سبب تحريمها أنّ عمر ومعاذ ونفرا من الأنصار أتوا رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وقالوا له: أفتنا فيهما فإنّها مُذهبة للعقل، مسلبة للمال، فأنزل {يَسْأَلُونَكَ} الآية، فتركها قوم مخافة إثمها، وشربها قوم لمنافعها أياما إلى أن صنع عبد الرحمان بن عفّان طعاما فدعا له ناسا من الصحابة وأتاهم بها فشربوا وسكروا وحضرت صلاة المغرب فقدّموا مصلّيا بهم فقرأ: ((قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ... أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ))، فحذف لا فأنزل آية {لاَ تَقْرَبُوا} فحرّم المسكر في أوقات الصلاة، فقال عمر: ما أرى الخمر إلاّ ستحرّم، فلمّا نزلت هذه الآية تركها قوم أيضا وقالوا: لا خير فيما يحول عن الصلاة، وشربها قوم [484] في غير الأوقات ويجلسون في بيوتهم، فشربها رجل منهم فجعل ينوح على قتلى بدر ويقول:
تحيى بالسلامة أمّ بكر ... وهل بعد رهطك من سلام
ذريني أصطبح بكرا فإنّي ... رأيت الموت نقّب عن هشام
وودّ بنوا المغيرة لو فدوه ... بألف من رجال أو سوام
كأنّي بالطويّ طويّ بدر ... من الشيرى تكلّل بالسنام
كأنّي بالطويّ طويّ بدر ... من الفتيان والحلل الكرام (3/259)
صفحة 1186
فسمعه رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فجاءه يجرّ رداءه فرفع ما بيده ليضربه فلمّا عاينه الرجل قال: أعوذ بالله من غضبه، ومن غضب رسوله، والله لا أطعمها.
وقيل: لمّا أنزل الله تحريمها في سورة المائدة فقال عمر: انتهينا يا ربّنا. وقيل: سبب نزول تحريمها غير هذا أنظره في الكشّاف وغيره، قال أنس: حرّمت وليس للعرب يومئذ عيش أعجب منها وجعل كلّ يخرج ما عنده ويصبّه في الطرق، ومنهم من كسّر أوانيها، ومنهم من غسلها بالماء والطين حتّى قيل: إنّ سكك المدينة بعد طويل إذا أمطرت استبان فيها لونها وريحها.
وروى ابن عمر: ((كلّ مسكر حرام، وكلّ مسكر خمر))، وقيل: إنّها كلّ شراب مسكر عصيرا أو نقيعا مطبوخا أو نيّئا. وقيل: خطب عمر فقال: إنّها نزل تحريمها وهي من خمسة: العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير.
والخمر ما خامر العقل، وقد روي مثل ذلك وزيد فيه الذرة والزبيب؛ وأيضا: أنّ الله لا يجمع الخمر والإيمان في جوف امرئ أبدا، وأنّ من شربها بعد تحريمها فليس له أن يزوّج إذا خطب، ولا أن يُصدّق إذا حدّث، ولا يشفع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة، فمن ائتمنه عليها فخانها (265) فحقيق أن لا يخلّفها الله عليه. ولله ذرّ القائل:
تركت النبيذ لأهل النبيذ ... وصرت حليفا لمن عابه
شراب يكسّر عِرض الفتى ... ويفتح للشرّ أبوابه
فصل
يُكره سقي الخمر للدوابّ والصبيان؛ وعن بعض: لو شربت دابّتي ثمّ ذكّيتها من حينها ما أكلت لحمها. وقيل: كتب عمر إلى عمّار بن ياسر بالشامّ: ((أمّا بعدُ، فإنّه أتتنا عير من الشامّ تحمل شرابا قد طبخ حتّى ذهب ثلثاه الخبيثان اللذان هما ريح الشيطان ونفثه، وبقي الطيب، فأمر مَن قِبلك أن يتّخذوه)). (3/260)
صفحة 1187
وقيل: بعث عمر بن الحصين الخزاعي إلى الكوفة أن يطبخ عصير العنب حتّى يذهب ثلثاه ويبقى الثلث يعلّمهم ذلك، وقيل: حتّى يبقى من العشرة ثلاثة.
وإذا أُلقي على الأرض لا يعلق بها ولا تنشفه، وقيل: إذا نبذ في سقاء غدوّة شرب ليلا، وإن نبذ عشيّة شرب بكرة.
وقيل: أمر عمر بذلك ولا يجعل فيه درديا والفضيخ حرام.
وقيل: إنّ أنس يأمر بالبسرة المنصفة فيقطعها إذا أراد نبيذا ولا بأس ببسر للخلّ ونبيذه لا يصلح، وقيل: حرام وهو خمر.
ومن وُصف له ماء البسر الأخضر لدواء ينتفع به فلا عليه عند أبي علي، وقيل: إنّه من الخمر، ولا يجوز ولو مدركا. ونبيذ الحبّ حرام، ولا بأس ــ قيل ــ أن يُجعل حبّ الدادي في النبيذ للدواء لا لغيره.
ابن المسبح: لا يجوز وضعه في النبيذ ليصلب ويستعجل وهو رأي ابن محبوب، وهو كحبّ الشعير إلاّ أنَّه أطول منه وأدقّ، وهو مرّ قابض وحارّ يابس، وأجوده الجبلي الأحمر، وهو يحفظ نبيذ التمر من الحموضة، ويليّن الصلابات ويعقّل الطبع. ولا بأس ــ قيل ــ بعصير الكرم، وفي نسخة التمر ما لم يفض في الأرض.
أبو الحواري: لا يجوز نبيذ الكرم ولا البسر إلاّ إن طُبخ حتّى يرجع إلى الثلث، ولا نبيذ الزبيب والتمر معا، واختير كلٌّ وحده، ولا بشراب النارجيل.
وقيل: إنّ الكوز الذي يُجلب فيه لا يردّه عليه إلاّ إن غسله، وإن جلب من النارجيل في سقاء أو غيره حتّى حمض فلا بأس به في السقاء لا في غيره، وكذا عصير الرمّان، وقيل: يُشرب العصير ما لم يُغلَّ، وغليانه رميه بالزبد، فإذا غلا كان خمرا.
وقيل: لا يُترك أهل الذمّة يدخلون خمرا في أمصار العرب، ولا ينبغي أن تكون [485] الأشربة من اللبن والعسل والتمر ونحوها إلاّ في سقاء بوكاء.
أبو الحسن: إن طبخ التمر والبسر ثمّ أُخرج من التمر بعد الطبخ والنضج وأطلق فيه وهو فاسد الشراب والانتفاع به للخلّ وغيره جائزا (266). (3/261)
صفحة 1188
ابن المعلّى: ما يُجلب من نبيذ النارجيل يوما لا يُجلب فيه من الغد، ويُجلب في إناء غير الأوّل. وقيل: لا بأس بما أُدرك من نبيذ الزبيب ما لم يتغيّر في السقاء، فإذا تغيّر لم يجز عند جابر.
وجاز شرب النارجيل إذا لم يخمر، ويُشرب من حينه ولا يُردّ إلى كوز يُجلب فيه لأنَّه غير مسكر. وقيل: إنّ الكوز يُجعل من رأس العسقة عشيّا، ويُشرب بالغداة من حينه، ويُجعل بها ويُشرب بالعشيّ، قال: وهذه الأشياء تدلّ على تحريم شراب كلّ مسكر.
فصل
أبو الحسن: من عمل نبيذا في سقاء حتّى أُدرك ثمّ حوّله في جرّة نبيذ أو خلّ جاز له، وإن حوّله وقد حدثت فيه شدّة وشُرب قبل غليانه في الجرّة حلوا جاز، وإن تحرّك فيها بغليان حرم على الأحاديث المروية عندنا في تحريم نبيذ الجرّ.
ابن بركة: يروى أنَّه صلّى الله عليه وسلّم يشرب نبيذا عُمل نهارا في الليل وبالعكس، ويصبّ الفضل أو يسقيه غيره.
ومن دخل إلى قوم يشربون حلالا ويديرونه بينهم قال الأزهر: فلا تبلغ إدارته إلى تحريمه بها على الكلّ وإن كُرهت لأنَّها ليست من فعلهم. ومنع الفضل إدارة النبيذ بينهم ولكن يضعون القدح في الأرض فمن شاء شرب ومن شاء ترك، أو يصبّ كلٌّ لنفسه.
أبو الحسن: اختلفت الأمّة في شرب النبيذ، فأجاز الأكثر منّا شربه في الأديم من المشاعل والأسقية ما لم يسكر، وبعض تركه تنزّها لا تحريما، وبعض حرّم ما أسكر شربه، وهذا عندي محلّ اتّفاق، وبعض أجازه ولم يذكر مسكرا ولا غيره وقال إنّه حرام على من سكر، وأنّ المسكر (267) حرام على السكران لا على من لم يسكر. (3/262)
صفحة 1189
واتّفقوا على أنّ من شرب من نبيذ لا يسكر في أوعية من أديم لم يحرم عليه لأنَّه لا يسكر، وعلى تحريم الخمر وإن قلّتْ، ولم يجيزوا شرب النبيذ في غير الأديم وإن لم يسكر، وعلى تحريم نبيذ الجرّ وإن لم يسكر، وقيل: إنّ جابرا يشربه في السقاء ما لم يسكر، وأنّ عمر أتى به من سقاء أو دواة فصبّ عليه ماء فشربه، وقال: إذا صُلب عليكم فاصنعوا به هكذا ومجّوه بالماء حتّى تسكن حدّته.
وقد دخل ــ قيل ــ جابر على رجل منهم فقدّم له نبيذا فقال له: باعده عنّا، فقال: ما أنكرت منه فقد كنت تشربه عندي؟ فقال: أراه شديد السواد، ولا أرى الذباب يعيف عليه، فقال له: أمّا شدّته فإنّي كنت أعصره ولا أطبخه ثمّ إنّي طبخته فصار في السقاء أسود، وأمّا الذباب فإنّي حين أرخيت الستر فوقع الذباب عليه فقال له جابر: هات الآن، فأعطاه وقال: ما زاده الطبخ إلاّ خيرا فشرب منه.
وكان الربيع لا يرى بشربه من الأسقية بأسا ما لم يسكر، ومحبوب لا يرى به في الأدم بأسا ما لم يسكر إن أوكي عليه. وكان بعض شيوخ عمان يشربونه في الأسقية، ومنهم من تركه بلا عيب على من شربه.
والفضيخ وهو نبيذ البسر حرام إذا غلى في كلّ إناء إلاّ إن عُمل غدوّة فشُرب عشيّة، وبعكسه قبل أن يغلى، ولا بأس به إن طُبخ ورجع إلى الثلث أو من العشرة إلى الثلاثة، وذلك هو الطلا.
وقيل: إنّ عمر أوتي برجل شرب نبيذا لا يعلمه من جرّ أو سقاء فأمر بثوبه أن يُطرح في الثياب، ثمّ أمره بأخذه منه فلم يعرفه ولا الدينار من الدرهم ولا البياض من السواد، فأمر به وجُلد وأقام الحدّ على من شرب خمرا وإن لم يسكر.
أبو سعيد: إن استنقع الزبيب في الماء واتّخذ نبيذا [486] في أوان جاز اتّخاذه فيها فلا بأس به إن كان على وجه جائز. وجلب النارجيل وعصير الرمّان إذا حمض في سقاء أو غيره يجوز شربه كالنبيذ ما لم يسكر، وقيل: لا يجوز إذا غلا. (3/263)
صفحة 1190
فصل
روي: «لا تنبذوا في الجرار الخضر ولا في النقير ولا في الدباء ولا في المزفّت وما أسكر وإن قلّ فحرام، وأيضا نهيتكم عن الأشربة أن تشربوا إلاّ في الأديم، فاشربوا في كلّ وعاء ولا تشربوا مسكرا، وأيضا إذا اغتلّت عليكم النبيذ فاقطعوا متونها بالماء؛ وفي رواية: إذا اشتدّ عليكم شرابكم فاقتلوه بالماء، وأيضا اِجتنبوا أن تشربوا في الدباء والحنتم والمزفّت، واشربوا في السقاء، فإن رجعت غلمته فمدّوه بالماء.
وسُئل ابن عبّاس عن الجرّ الأبيض والأحمر والأخضر فقال: أوّل من سأله صلّى الله عليه وسلّم وفد عبد القيس، فقال: «لا تشربوا في الدباء والحنتم والمزفّت والنقير، واشربوا في الأسقية فإن اشتدّ فيها فصبّوا عليه الماء»، قال لهم: «ذلك في الثانية والثالثة، ثمّ في الرابعة أريقوه»، ثمّ قال: «إنّ الله حرّم الخمر والميسر».
البسياني: إنّ المحلّل شربه من النبيذ بلا خلاف هو أن يُجعل التمر في القِدْر ويُطبخ، فإذا نضج عصر وأُلقي في المشاعل وهي التي لها أربع قوائم، والأسقية من جلود الغنم والظباء، وأن تكون طاقا غير مضعوف، ويشدّ عليه حيث يبلغ أو على رأس الوعاء ويضعه غدوّة ويشربه عشاء وبالعكس، ولا يُجعل فيه دارمى ولا يكون عليه دور ولا اجتماع، ويُشرب منه ما لا يغيّر العقل، فهذا هو الحلال اتّفاقا، وما بقي منه بعد الوقت أراقه أو سقاه غيره.
ومن أجاز شربه على غير هذا الوصف يقول: يُطبخ ويُجعل في الأديم من المشاعل والأسقية، ويشدّ عليه كما ذُكر، فإذا سكن شرب منه ما لا يسكر بلا دوره ولا اجتماع على لهو، وحُرِّم على من سكر به لا على غيره.
وقيل: إنّ ذلك الوفد لمّا نهاهم عن الشراب تغيّرت ألوانهم ورجعوا إليه بعد الحول متغيّرين فأمرهم بشربه من الأديم على ما (268) وصفنا. (3/264)
صفحة 1191
وقيل: لا يجوز إلاّ لذي علّة لأنَّه إنّما رُخِّص لهم لأجلها. وأمّا الطلاء المعمول من العنب فقيل: يعصر ويجعل في قِدر ويُطبخ حتّى يبقى منه ما مرّ ولا تنشفه الأرض، فذلك هو الجائز منه.
فصل
وعن عمر لأن تختلف الأسنّة في بطني أحبّ إليّ من أن أشرب نبيذ الجرّ. وقيل: كلّ وعاء يجوز فيه الشراب فلم يوك فنبيذه حرام، ومنعه الربيع في المشعل إن كان من جلود الإبل والبقر أو مضعوفا من الغنم، ولا بأس بمرقّع.
والنقير أوعية تُعمل من جذوع النخل؛ والحنتم الجرّة الخضراء، وكذا السود ونحوها.
والمزفّت كلّ وعاء عُمل من خشب أو نحوه وزُفِّت بالقار.
والدباء اليقطين وهو القرع، والوطب السقاء والمشاعل.
ابن بركة: أجمع العمانيون على إجازة شرب النبيذ المتَّخذ في الأديم لما روي من الإجازة للوفد، وعلى تحريم سائر الأشربة في الأواني المنهيّ عنها.
أبو علي: من عرض على غيره نبيذا وهو ليس بلغة وزعم أنَّه من قربة فلا نحبّ له أن يشربه منه إن اتّهم، وجاز بلا سؤال إن كان ثقة، ويسأل غيره كالمتّهم.
نبهان: لا يشرب إلاّ من ثقة، ولا بأس عند الأزهر إن كان من دن أو مشعل موكّى وشرب منه وعلم ذلك، ولا يشربه من غاب عنه أمره إلاّ من الثقة.
ولا بأس ــ قيل ــ بالدبان من كلّ أحد إن قال إنّه من مشعل.
سُئل الفضل عمّن أوتي بنبيذ ولا يعرف من أتاه به ولا يثق به، هل له أن يشربه؟ قال: أمّا في الورع فلا أحبّه له، وأمّا في الجائز فهو جائز ولا يلزمه سؤاله، ويشرب من ثقة بدونه. (3/265)
صفحة 1192
أبو سعيد: من شرب من عند أحد [487] نبيذا أو سقاه له ولا يعرف الخمر فإذا هو قد شربها لم يجز له ذلك، ولا يسعه جهلها إن قام عينها.
أبو عبد الله: إن أتاني بنبيذ من لا يستحلّه في الجرّ فإنّي أشربه منه بلا سؤال، لا من غير الثقة ولو قال إنّه من سقاء ويدين بتحريمه في الجرّ.
ولا يجوز بيع النبيذ، وعند خميس باستقباحه من فاعله، وكذا قيل في لحوم النُّسُك وشحومها يجوز _أكلها لا بيعها.
وجاء الأثر بتحريم لبن النساء في الأسواق محلوبا لاشتراك الأطفال فيه وفي النسب به لأنَّهم يتغرقون ولا يعرفون.
وجاز لمرضعة بيع لبنها على من تغذّي به ولدها، فمن خلّف أيتاما أو عليه ديْن وأوصى إلى عدل وترك نبيذا كثيرا فيما جاز شربه منه فعلى الوصيّ أو الحاكم أن يترح الملح (269) فيه، فإذا صار خلاّ باعه وقضى به الديْن أو أنفق به الأيتام إن لم يكن عليه. وقيل: إذا عمل في سقاء حتّى أدرك ثمّ صبّ في جرّة النبيذ أو الخلّ فلا بأس به ما لم يردده في الجرّة.
ابن محبوب: إذا تُرك فيها يوما وليلة بعد أن بلغ في السقاء حدّه فلا يُشرب، وقيل: لا يُترك كذلك، وقيل: لا يفسد بذلك بعد السقاء إلاّ إن صلب وخرج من النبيذ، وإن غلى فيها حتّى أدرك ثمّ حوِّل إلى السقاء شُرب، وكذا كلّ ما عمل لخلّ في جرّة جاز شربه إن صار نبيذا، وقيل: إن أسّس عمله فيها لم يجز شربه إذا صار في حدّه، وما عُمل فيها للنبيذ حتّى أدرك لا يجوز أن يعمل خلاّ إلاّ إن عمل فيها ثمّ حوّل من حينه قبل أن يغلى ويحمض.
وأمّا الطلاء والخلّ المحلّل أصله فجائزان حيث ما جُعلا من الآنية لأنَّها لا تغيّر الحلال، وعند الأزهر إذا طُبخ النبيذ في مشعل ثمّ صفي في دستيجة ومضى لها شهر، فإن ازداد فيها لم يجز شربه ولو لعلّة. (3/266)
صفحة 1193
ابن بركة: اتّفق أصحابنا وكثير من غيرهم على إجازة شرب الطلاء إذا غلا حتّى يبقى منه ما مرّ، وكان عمر وعليّ ومعاذ وأبو عبيدة بن الجرّاح وأبو موسى يجيزونه على ذلك.
فصل
إذا عُمل النبيذ في أديم مملوء، فإذا وقف عن غليانه فحوّل إلى جرّ أو زجاج شُرب ما لم يغل فيه أيضا، وقيل: إنّما يُشرب ما دام في المشعل ولم يُحوّل.
ومن طبخ ــ قيل ــ عصيرا أو تمرا أو بسرا أو زبيبا يريده خلاّ فلا يعرض له ما دام في حدّ النبيذ، ولا بأس به إن تحوّل إلى الخلّ.
ابن إبراهيم: من عمل نبيذا في جرّ ولم يعرض له حتّى صار خلاّ حلّ له، ولم يجزه غيره لأنّ أصل عمله في وعاء لا يجوز عمله فيه.
ومن طبخ مبسلا وأخذ الماء وطرح عليه تمرا واتّخذه لخلّ كره له، ولم ير ابن محرز به بأسا (270)؛ قال خميس: ولعلّه خصّه بما لم يفضخ البسر ويخرج من الماء وضخّ، وإن كان في البسر قارين قُطع ولا يُخلط معه وذلك سواء في خلّ ونبيذ، وإن انفضخت فيه بسرة أو أكثر فلا يتّخذه لأحدهما ويعمله لغيرهما.
وقيل: كان جابر ماشيا فلقط بسرة وقال: الحمد لله الذي أحلّ أكلك وحرّم شربك. أبو سعيد: اختُلف في طبيخ البسر فقيل: يجوز اتّخاذ الخلّ منه، وقيل: لا، وكذا في المبسل إن بقي بعد طبخ البسر وأُريد جعل الخلّ منه.
أبو الحواري: من طرح رطبا في جرّة وفيه بسر يريد به خلاّ فقيل: يجوز ذلك ولو بسرا خالصا.
أبو الحسن: من عمل نبيذا في حلال ثمّ تركه فيه حتّى صار خلاّ وزال غليانه وزيادته جاز له. (3/267)
صفحة 1194
وقال الأزهر: إن طبخت امرأة خلاّ في جرّة وطرح فيه ولدها داديا ليشربه فلا يفسد ذلك عليها لأنَّه خلّ. وجاز خلّ البسر وحده.
وإن طُرح تمر على ماء بسر فقد رخّص فيه بعض، وحرّمه بعض، وكرهه بعض.
ومن طبخ خلاّ فشربه بحدّ النبيذ حتّى سكر لم يجز له شربه إلى أن يسكر، وقيل: يجوز أقلّ منه إن جُعل لخلّ.
أبو سعيد: من طبخ نبيذا في جرّة ثمّ أراده خلاّ فإن لم يغل فيها ثمّ حوِّل بنواه إلى خلّ جاز، وإن غلى فيها قبل أن ينوي خلاّ لم يجز ولا يرجع خلاّ، وقيل: يجوز إذا صار فيها إلى حدّه ونُوي له؛ وعند مسبح إذا أُطلق من إناء وهو حلو جاز شربه إن أسّس لخلّ ما لم يسكر، وإن طُبخ لنبيذ ثمّ حمض [488] وأُريد به الخلّ جاز إن كان في أديم جاز فيه الشرب ولم يفسد، وقيل: لا مطلقا.
وقد روي النهي عن نبيذ البسر والزبيب معا، وذهب بعض منّا إلى أنّ الخلّ لا يُطرح فيه البسر لهذا الخبر، ولا يجوز ــ قيل ــ اتّخاذه منه ولا ممّا خالطه وأجازه كثير إن خالطه تمر، والمختار الأوّل لمجيء الأثر به والنهي عن جمعهما كما مرّ، واختُلف فيه فقيل: نهيُ أدبٍ لأجل السرف لأنّ أحدهما يكفي، وقيل: نُهي تحريم بقاء على الأصل فيه.
وجاز الخلّ من البسر الحلو ومن العنب والرطب والتمر والحبوب؛ وجاز شراؤه إن عُرف من ثقة وغيره إن باعه مقرّ حتّى يعلم أنَّه وضع فيه ما يحرّمه.
ومن درن خلّه بخمر العجين أو حبّ الدادي فقد كرهه بعض، وكذا إن خمر العجين بخلّ فيه ددنه لا نحرمه بل ينتفع به أهله، ورخّص في ذلك بعض، قال: ونقول لا يرجع إلى ذلك، ونحبّ القول الأوّل، وجاز بعض الدرن الذي فيه الدادي إن أريد به دواء وأُخذ من عند ثقة.
ومن طبخ تمرا يريد به شرابا محرّما كشراب الجرّ ونوي قبل أن يغلي فلمّا غلى وسكن وذهب بعضه وحمض باقيه وانتقل إلى الخلّ فقيل: لا يجوز وإن بلا حيلة، وقيل: إن حوّل إليه عن حال السكر جاز، وقيل: تجزي النية في تحويله إلى الخلّ (3/268)
صفحة 1195
بإصلاح أو بغيره وإنّما حجّر عن السكر. وحكم الإناء حكم ما جُعل فيه من طهارة أو نجاسة.
فصل
قيل: إنّ وكاء المشعل والقربة إذا جُعل فيهما النبيذ وتنسّم أو فتحه أحد لينظره قبل أن يقف، فلا يضرّه إن كان الوكاء والوقت هو الغالب عليه من أحكامه، وفتحه لمصالحه أو لبعض معانيه لا يزيل حكم وكائه إن كان في أغلب أوقاته موكّأ عليه، ولابدّ من فتحه وقت الحاجة.
أبو سعيد: إن عُصر خمر على أنَّه نبيذ في إناء فغلى فيه حتّى صار خلاّ فقيل: لا يطهر أبدا، وقيل: إن احتيل في تحويله إليه جاز وطهر، وقيل: إذا صار إليه بعد أن غلا فقد حلّ ولو لم يحوّل بالنية والحيلة لتحوّله عن حاله.
ومن لا يعرف نبيذ الخمر من خلّها وقال له مأمون إنّه خلّها وكان في الأصل نبيذا، لم يجز له لقيام العين لأنَّها تُعرف بها وبالذوق ولا يسعه ذلك، وجاز إن وافق الخلّ.
ومن مزج طلاء بماء فمضى عليه ليله حلوا فلا يشربه إن غلا.
أبو سعيد: إن عصر رجلان عنبا في جرّة فنواه أحدهما خمرا والآخر خلاّ، فلمّا صار بحدّها أراد ناويه خلاّ شربه لم يحرم عليه ولا يضرّه نوى صاحبه وأثم به، ولا يبعد أن تحرم عليه حصّته، واختار خميس أن لا تحرم عليه إذ لا يمكن أن يكون بعض الشيء حلالا وبعضه حراما في وقت واحد.
وإن بان بها وحوّلها إلى الخمر حرمت. وإن لم يرجع عن نيته بعد أن بانت له ولم يرد شيئا بعد جاز له شربه. وإن عصر ورجع عن نواه الخبيث قبل تغيّر العصير فقيل: له ذلك ولا يضرّه، وإن لم يرجع عنه بعد أن بانت فزاد وهو على نواه حرم عليه وعلى غيره إن علمه. (3/269)
صفحة 1196
وإن عصره على خمر فأدرك عليه وصار خلاّ فقيل: إذا غلا وتغيّر فقد فسد ولا يتحوّل إلى صلاح وحلّ، وقيل: إن عولج وصار خلاّ جاز وحلّ، وإذا ثبت حلّه جاز لكلّ؛ وكذا إن انتقل بلا علاج إلى ما يحلّ أو به بلا فرق إذا أريد به ذلك.
تمَّ السادس.
a[a (3/270)
صفحة 1197
هوامش الجزء السادس
(1) - ب: - قبل بدر بشهر وأيام، وقيل فرض رمضان.
(2) - ب: + يومًا.
(3) - ب: أتمُّوا.
(4) - ب: - لهما.
(5) - ب: وقت.
(6) - ب: فوجد.
(7) - ب: - من رمضان.
(8) - ب: + له.
(9) - ب: - صحَّ بعد أن.
(10) - ب: ولا يجب الصوم عند أبي عبد الله.
(11) - ب: - اليوم.
(12) - ب: عند
(13) - ب: تعليما منه.
(14) - ب: - يومه.
(15) - ب: غشيتها.
(16) - ب: في.
(17) - أ (هامش): وعبارة الأصل فعليه بدل ما مضى من صومه مع يومه ذلك.
(18) - ب: ظانًّا.
(19) - ب: - أبو سعيد.
(20) - ب: يومه، وهو خطأ.
(21) - ب: - ثمَّ.
(22) - ب: - والرأس. (3/271)
صفحة 1198
(23) - ب: + ليلا.
(24) - ب: إذ.
(25) - ب: وشهره.
(26) - ب: في.
(27) - ب: به.
(28) - ب: وطئها.
(29) - ب: فقيل.
(30) - ب: + منها.
(31) - ب: عليه.
(32) - أ (هامش): وعبارة الأصل والعبيد مخاطبون بالصوم بمنزلة الأحرار وينقض صومهم ما ينقض صوم الأحرار.
(33) - ب: - أياما.
(34) - ب: دينًا.
(35) - ب: جاء.
(36) - ب: الاِفطار.
(37) - ب: عمران بلده.
(38) - ب: فإن كان.
(39) - ب: - وقد أمكنه.
(40) - ب: بمتحذّر.
(41) - ب: - في غسل.
(42) - ب: بدنه.
(43) - ب: - بين.
(44) - ب: ذق.
(45) - ب: + شيء. (3/272)
صفحة 1199
(46) - ب: - به.
(47) - ب: يفسد.
(48) - ب: - كلُّ.
(49) - ب: يمسكها.
(50) - ب: وقد قدر.
(51) - ب: أكبرهم عنه.
(52) - ب: يفطر.
(53) - ب: - عليه.
(54) - ب: - فيها.
(55) - ب: وأخذ.
(56) - ب: - له.
(57) - ب: يعلما.
(58) - ب: + وكان.
(59) - ب: عند.
(60) - ب: - منه وقيل.
(61) - ب: جدٌّ.
(62) - ب: عنه ما بيده.
(63) - ب: - قيل.
(64) - ب: - جزاء.
(65) - العبارة بين معقوفتين شطب عليها في الأصل.
(66) - ب: غيرها.
(67) - ب: النذر.
(68) - ب: - في.
(69) - ب: خير. (3/273)
صفحة 1200
(70) - ب: - إليه.
(71) - ب: مائة.
(72) - ب: ما لها من اللباس عليه.
(73) - ب: - أو الموت.
(74) - ب: - أو صوم عشرة.
(75) - ب: أطعم.
(76) - ب: عليه.
(77) - ب: كفَّر.
(78) - ب: من.
(79) - ب: - كلّه.
(80) - ب: - ذلك.
(81) - ب: - إلى.
(82) - ب: - له.
(83) - ب: - وقيل.
(84) - ب: أعتقته.
(85) - ب: جاريتي.
(86) - ب: عرف.
(87) - ب: + وكذا.
(88) - ب: أعطى.
(89) - ب: عليها.
(90) - ب: إن.
(91) - ب: - له.
(92) - ب: - إن لم يفعل.
(93) - ب: بيت. (3/274)
صفحة 1201
(94) - ب: نذر.
(95) - ب: - فيه.
(96) - ب: - ولا عليها.
(97) - ب: برمضان ليلاً.
(98) - ب: منزله.
(99) - ب: - بعض.
(100) - ب: - عليها.
(101) - ب: إن.
(102) - ب: لابنه.
(103) - ب: بلا عقد ولا عزم.
(104) - ب: فتلزمه.
(105) - ب: هو.
(106) - ب: فقطع الحقَّ بيمينه أو بعهد الله كاذبا.
(107) - ب: - ثمَّ فعل.
(108) - ب: - من الليل.
(109) - أ (هامش): وعبارة الأصل وقيل لكلّ حالف بيمين غير الظهار ... إلخ.
(110) - ب: + وكذا.
(111) - ب: - له.
(112) - ب: - ذلك.
(113) - ب: عماة. وهو خطأ.
(114) - ب: - حليٌّ.
(115) - أ (هامش): والعلس ... [كلمة غير واضحة] ضرب من الحنطة ... [كلمتان غير واضحتان] في قشر، وهو طعام أهل صنعاء.
(116) - ب: - أنَّه. (3/275)
صفحة 1202
(117) - ب: يحرز.
(118) - ب: نفسها.
(119) - ب: إن احتاج إليها ولا يخبره.
(120) - ب: عرف.
(121) - ب: وجب عليه القيام بأدائه.
(122) - أ (هامش): لعلَّه: أيمان.
(123) - ب: أردفه.
(124) - ب: من كفَّارته فليعلمه.
(125) - ب: - من الشعير.
(126) - ب: - ويتمَّ.
(127) - ب: لنفعلنَّ.
(128) - ب: - إلى.
(129) - أ (هامش): وعبارة الأصل: الجزاز.
(130) - أ (هامش): وعبارة الأصل: جذ النخل.
(131) - ب: من ستَّة.
(132) - ب: يصوم رجبًا.
(133) - ب: - عليه.
(134) - ب: واختلف.
(135) - ب: - وقال.
(136) - ب: يفعله.
(137) - ب: إنه.
(138) - ب: - أنه.
(139) - ب: - أنها بحالها.
(140) - ب: - لأنه غيب.
(141) - ب: أنه. (3/276)
صفحة 1203
(142) - ب: - حين سكتت
(143) - ب: لله علي.
(144) - ب: فعلت.
(145) - ب: - والمعنى.
(146) - ب: راقبة.
(147) - ب: آية.
(148) - ب: أراد.
(149) - ب: إذا.
(150) - ب: لا يفعل.
(151) - ب: جمع فلان.
(152) - ب: - لا.
(153) - ب: حنث.
(154) - ب: فماتت.
(155) - ب: + أن.
(156) - ب: - أياما ..
(157) - ب: خيمة أو فيها
(158) - ب: بات.
(159) - ب: - فيه.
(160) - ب: - أو قائما.
(161) - ب: - فإن نوت.
(162) - ب: - أيضا.
(163) - ب: - درهمًا.
(164) - ب: - لا ..
(165) - ب: - غلامه.
(166) - ب: إن لم.
(167) - أ (هامش): وعبارة الأصل يطلبه.
(168) - ب: - ما حلفه. (3/277)
صفحة 1204
(169) - ب: - وإن جعل عليه العهد فقال: إن شاء الله لم يضرُّه إن اتَّصل به
(170) - ب: كلَّه.
(171) - ب:+على.
(172) - ب: له.
(173) - ب: الجبال.
(174) - ب: - كذا.
(175) - ب:- إنَّه.
(176) - ب: رجلا.
(177) - أ (هامش): وعبارة الأصل جراح.
(178) - ب: فإنَّه.
(179) - ب: بيمين.
(180) - ب: - منه.
(181) - ب: فعل، وكذا في أ مشطوب عليها واستبدل بحلف ..
(182) - ب: + عليه.
(183) - أ (هامش) وعبارة الأصل والفسل، وكذا في ب: الفسل.
(184) - ب: حلّفه.
(185) - ب: - بها.
(186) - ب: ببعضه.
(187) - ب: إذا.
(188) - ب: فهي.
(189) - ب: يعشّر.
(190) - ب: من غير.
(191) - ب: أعطيته.
(192) - ب: - إن قدر.
(193) - ب: فقراء أهل مكَّة.
(194) - ب: ما بين العشر إلى الخمس.
(195) - ب: بصلب ... (3/278)
صفحة 1205
(196) - ب: يقبضه.
(197) - ب: - أبو.
(198) - ب: - جاز له.
(199) - ب: صداقه.
(200) - ب: - عنه.
(201) - ب: متوالية.
(202) - ب: - فإن صام.
(203) - ب: فعليه.
(204) - ب: - له.
(205) - ب: أكله منه.
(206) - ب: نوت.
(207) - ب: ير. وهو تصحيف.
(208) - ب: ومن.
(209) - ب: إنْ أكلَ.
(210) - ب: + لحم.
(211) - ب: لحم.
(212) - ب: في امتزاجه.
(213) - ب: أبي إبراهيم.
(214) - ب: - إن لم يعيِّن التمر، وقيل: لا يحنث حتَّى يأكله كلَّه؛ وإن حلف عن رطب أكل البسر.
(215) - في النسختين: حاذى بالدال المهملة وهو خطأ.
(216) - ب: مشويِّه.
(217) - ب: عليه الحنث.
(218) - ب: عن الرؤوس.
(219) - ب: واحدًا منها.
(220) - ب: عن ثوب.
(221) - ب: على. (3/279)
صفحة 1206
(222) - ب: - وزعم ابن القاسم أنَّ حاجبًا قال: إن نوى أنَّه لا يلبسه ويشتري.
(223) - ب: - الكتاب.
(224) - ب: لا نشترِ.
(225) - ب: ولم يعرف.
(226) - ب: - فيحنث.
(227) - ب: بانت منه بالإيلاء.
(228) - ب: أو انتفع.
(229) - ب: + أيَّام.
(230) - ب: يحطُّها.
(231) - ب: وإن لم يستقبل بها عنده فلا يفسده.
(232) - ب: لمخالفة.
(233) - كذا في النسختين.
(234) - ب: ولا تجزيه.
(235) - ب: محلِّها.
(236) - ب: ولو لم.
(237) - ب: من قبل.
(238) - ب: ومن.
(239) - ب: بذكيٍّ. بالذال المعجمة. وهو الصواب.
(240) - ب: وذكَّتها. وهو الصواب.
(241) - ب: ذكاتها. وهو الصواب.
(242) - ب: + قيل.
(243) - ب: بحجر.
(244) - أ (هامش): تعليق منمحٍ. وفي ب: الليطة. بالطاء المهملة.
(245) - ب: مأمورٌ. وهو خطأ.
(246) - ب: التذكية. وهو الصواب.
(247) - ب: - تتحرّك حتّى تموت
(248) - ب: سلامته .. (3/280)
صفحة 1207
(249) - ب: - فتركها.
(250) - ب: - به.
(251) - ب: أكله.
(252) - ب: الليل دونه.
(253) - ب: + من.
(254) - ب: - من.
(255) - ب: أنبت.
(256) - ب: شيئا قبله منه.
(257) - ب: + إنَّ.
(258) - ب: حلّ.
(259) - ب: فأخذت.
(260) - ب: - صيدًا.
(261) - ب: أخذ.
(262) - ب: - إن.
(263) - ب: ذبحها.
(264) - ب: - بالسيف.
(265) - ب: - فخانها.
(266) - ب: - جائزا.
(267) - ب: السكر.
(268) - ب: كما.
(269) - ب: الملح.
(270) - ب: بأسا به. (3/281)
صفحة 1208
/ (3/282)
صفحة 1209
الجزء السابع
في الحجّ ومعانيه (3/283)
صفحة 1210
/ (3/284)
صفحة 1211
الباب الأوّل منه
في البيت ومكّة شرّفها الله وفي وجوب الحجّ والعذر فيه
قال الله سبحانه: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ ... } الآية (سورة آل عمران: 96)، فإنّ اليهود قالوا: إنّ بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة لأنَّه مهاجر الأنبياء ــ عليهم السلام ــ، وسمّيت أرضه المقدّسة. وقال المسلمون: الكعبة أفضل، فأُنْزِلت ثمّ قال {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ ... } الآية (سورة آل عمران: 97)، وليس ذلك في المقدس.
واختُلف في قوله: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ ... } (سورة آل عمران: 96) فقيل: يظهر على وجه الماء عند خلق السماوات والأرض قبلها بألفي عام خلقها زبدة بيضاء، فدحيت الأرض من تحتها. وقيل: بني في الأرض، وقيل: لمَّا خلق الله العرش وضع تحته البيت المعمور وأمر الملائكة أن يطوفوا به فطافوا، ثمّ أمر الساكنين منهم في الأرض أن يبنوا فيها بيتا نحوه وقدره، وأمر من فيها أن يطوفوا به كأهل السماء بالمعمور، وقيل: هو أوّل بيت بناه آدم فيه قاله ابن عبّاس.
وعن [489] الضحّاك: أوّل بيت وضع فيه البركة، واختير من الفردوس الأعلى. وقيل: وضع للناس الحجّ لله تعالى إليه. وقيل: جُعل قبلة لهم. وقيل: أوّل مسجد وُضع لهم يعبدون الله فيه.
وبكّة هي مكّة كلازب ولازم. وقيل: بكّة المسجد والبيت، ومكّة الحرم كلّه. وقيل: سُمّيت بكّة لأنَّها تبكي أعناق الجبابرة، أي تدقّها. ومكّة لقلّة مائها.
ابن عبّاس: ما أعلم على وجه الأرض اليوم بلدة ترفع فيها الحسنات بكلّ مائة ألف ما ترفع بمكّة، ويُكتب لمصلّ بها ركعة مائة ألف ركعة، والمتصدّق بها درهما مائة ألف درهم، وكذا كلّ حسنة، وفضلها لا يُحصى وغرضنا الاِختصار.
وهي قبلة المؤمنين، وآيات بيّنات؛ هي مقام إبراهيم والحجر الأسود والحَطيم وزمزم والمشاعر كلّها. ومن دخله كان آمنا لأنَّه حرم الله بدعاء إبراهيم ــ عليه (3/285)
صفحة 1212
السلام ــ حيث يقول: {رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} (سورة البقرة: 126) وكان من دخله من الجاهلية ونجا إليه أمِن الغارة والقتل، ولم يزده الإسلام إلاّ شرفا وأمنا، وقيل: غير ذلك من الوجوه.
وأوّل من بنى البيت المشرَّف الملائكة ثمّ آدم ثمّ بنوه ثمّ الخليل ــ عليه السلام ــ ثمّ العمالقة ثمّ جرهم ثمّ قريش ثمّ ابن الزبير ثمّ الحجّاج بن يوسف، فهؤلاء عشرة من أوّله إلى اليوم على ما حكاه بعضهم.
ويجوز دخول مكّة ولو ليلا، وفي النهار أفضل.
فصل
قال الله سبحانه: {وَللهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} (سورة آل عمران: 97) أي يجب عل مستطيعهم.
وشروطه البلوغ والعقل والحرّيّة والإسلام والإمكان ووجود الزاد والراحلة والأمان والدليل والرفيق.
واستطاعة الحجّ وجهان: صحّة الجسم والقدرة على المشي، ووجود المال والراحلة. ومن قدر على بلوغه ماشيا سُمّي مستطيعا وواجدا للسبيل إليه. واختُلف في الاِستطاعة فقيل: من وجد مالا وراحلة لزمه الحجّ من فضل المال، ولا يبيع له الأصل، وقيل: يبيع منه إن بقي من ماله ما تكفي غلّته عياله إلى أن يحجّ، وقيل: إن بقي منه ما يأكلون إلى أن يحجّ، وقيل: هي مال واحتيال، وقيل: صحّة البدن، والمختار عندنا أنَّها صحّة البدن والزاد والراحلة وأمان الطريق والرفقة وقوت من يلزمه عوْله إلى أن يرجع.
ابن عبّاس: يلزم من ملك مائة درهم أن يحجّ وأن لا ينكح الأمة، وليس بمطّرد لاختلاف الأحوال والأزمان، وعند ابن محبوب: من له مال وأرض نخل وكان ذا عيال لا يضرّهم إن باع من ماله فإنّه يبيع منه ويحجّ، وإن كان إذا باع وحجّ ورجع يتحمّل (3/286)
صفحة 1213
ديْنا لم يلزمه، وقيل: إن كان له ما يفضل لهم لزمه. وقيل: من قدر عليه بمال واحتيال فقد لزمه، وقيل: من له ما يغنيه وعياله ومن يلزمه عوْله إلى الحول ويفضل له ما يحجّ به ولا يلزمه بيع ماله كلّه، ولا يبيع متاع بيته، وإنّما يبيع منه ما لا يضرّ به نفسه ولا إياهم، ولا ينقص عليه المعاش في الباقي.
ولا يجب في عبيد الخدمة، ويلزم في عبيد التجارة إن بلغوا الزاد والراحلة. ومن لزمه لسعة ماله فلم يحجّ وهو يأمله حتّى ذهب لزمه ديْنا عليه ويوصي به. وإن كثر مال ذي علّة ولم يقدر بنفسه لم يلزمه. ولزم ذا صنعة جَمَع منها ما يبلغه، وقيل: وإن لم يجمع منها ذلك، وينتقل بها من بلد إلى أخرى حتّى يصله، والأكثر على الأوّل. وعند الشافعي: لا يلزم أهل عمان لأنَّه لا يكون إلاّ مع الأمان، ولا عدوّ أعدى من البحر، وليس كما قال لأنّ طريقها يكون من البرّ أيضا، وليس له معرفة بعمان لأنَّه نشأ بالعراق ثمّ انتقل إلى مصر فمات بها.
ولا يجوز إهمال النية فيه ولو لفقير.
قال خميس: ولا يلزم عليلا ذا مال كما مرّ، قال: ولكن يوصي به إذا احتضر لأنَّه مخاطَب به، وعندي لا يلزمه الإيصاء به ولا أنَّه مخاطَب به إذ من شرطه صحّة البدن وقد عدمت، ولزم مكّيا إن قدر عليه ببدنه ولو عجز عن زاد وراحلة، وكذا غيره لأنَّهما مشروطان [490] لمن احتاج إليهما.
والنساء كالرجال في فرضه.
واختُلف فيمن له مال ما لو سلم لقدر أن يحجّ منه، ولكن يطالبه سلطان ويغرمه ولا يجد امتناعا منه ولا يأمنه وإن على عياله فقيل: يُعذر بذلك ويفتدي بماله من ظلمه ولو عليهم، وقيل: يلزمه والباطل لا يزيل الحقّ، وإن شاء افتدى بما في يده، والحجّ ديْن عليه، وإن شاء حجّ وتوكّل على الله وأدّى ما عليه.
البسياني: من ملك في أشهر الحجّ ما يلزمه به لم يسقط عنه بعد وجوبه بظلم من ظلمه، والخراج ظلم. ومن تلف ماله قبل دخولها لم يلزمه. (3/287)
صفحة 1214
فصل
أبو عبد الله: إذا وجب على الشاري فليحجّ وإن بلا إذن الإمام. ومن قدر على غزو وعليه حجّ اختير له أن يبدأ به ثمّ بالغزو.
وإن لزم ذا بنات أو غيرهنّ ممّن يلي تزويجهنّ وكّل بهنّ من يثق به وحجّ. ومن له مال وعيال وأولاد ويجد قائما بهم ولزمه حجّ ويخاف عليهم فلا يتركه لذلك إذ لا يدع فرضا خوفا من ضياع مال، فالضرر فيه أولى منه في الدين. ومن لزمه وخاف إذا خرج إليه أن يضرّ الجائر أهله فله أن يؤخّره حتّى يأمن عليهم، كما له تأخيره إن خاف على نفسه إلاّ إن وجد نائبا عنه ويأمن معه عليهم منه، فإن تلف ماله لإقامته عليهم أوصى به.
ومن دخله مال في أشهره لزمه كما مرّ، وإن دخله قبلها واحتاج النكاح تزوّج. وإن لزمه وخاف العنّة اختير له أن يتزوّج بأقلّ الصداق ويحجّ، وإن دخله مال قبلها فزال لم يلزمه حتّى تدخل وعنده ما يلزمه به. ومن دخله فيها فلزمه فيه ولم يجد سبيلا إليه حتّى تلف المال فقد لزمه، وقيل: لا يتزوّج إن دخله فيها إلاّ إن خاف العنت. (1)
ومن اتّفق له حجّ وتزوّج بدأ بالفرض والتزوّج سنّة إلاّ إن خافها فيتزوّج بأربعة دراهم، وقيل: يبدأ بأيّهما شاء، وقيل: بالتزويج، فإن بقي له ما يحجّ به حجّ به وإلاّ أوصى به.
الربيع: من دخله في غيرها فله أن يأكل منه ويكتسي وينفق ويتزوّج، فإذا دخلت وعنده ما يبلغه لزمه أن يحجّ، وعند ابن محبوب تُزال ولايته إن دخله فيها وتركه حتّى مات إلاّ إن أوصى به.
ومن خرج إليه حين لزمه فتلف ماله في طريقه فقد لزمه، ولا يتّسع فيه من دخله فيها ولا يبدأ ــ قيل ــ بشيء قبله. (3/288)
صفحة 1215
ابن محبوب: من لزمه فمرّ عليه وقته ولم يحجّ حتّى تلف ماله ولم يوص به فقد هلك، وكذا الزكاة وبدل رمضان كما مرَّ. وقيل: من لزمه فتهاون به حتّى تلف ماله صام وصنع معروفا.
ابن روح: إن احتضر ذو مال يحتمل ثلثه أن تنفّذ منه مكّيَّةٌ لا كاملة من وطنه لزمه الإيصاء بذلك.
وقيل: يلزم قادرا على المشي أن يحجّ. ومن لا يقدر عليه فحتّى يجد زادًا (2) وراحلة ويفضل بيده ما مرّ. ومن لزمه وبلغ الكبر أبواه وخاف عليهما، فإن أمكنه أن يتّخذ لهما خادما أو أجيرا فعل وخرج إليه وإلاّ فلا يدعهما.
موسى: الحجّ هضم الذنوب فمن صحّ وكثر ماله وأمن لزمه إلاّ إن غفر له.
أبو الحواري: من له مال وعليه عيال لا يفضل من غلّته عنهم، فإن باع بعضه نقص وضاعوا بعده وعليه صداق فقيل: يُعذر بذلك لنقصه عن وفاء ما ذُكر، وإن كان إن باع منه بقي له ما يكفي ذلك ويستغني به لم يُعذر.
ابن صالح: إن كان لامرأة على زوجها مائة نخلة فقد لزمها، وترفع عليه حتّى تأخذ منها وتحجّ. ومن له مال لو باعه لوصل ثمنه عشرة آلاف درهم وثمرته لا تموّنه وعياله وما يطالب به من خراج ولو باع منه ما يبلغه إلى البيت وخرج إليه لا ضرّ به وبهم، ولا يدري أتجزيهم غلّة الباقي أم تنقص عنهم فقيل: لا يلزمه إلاّ إن فضل منها ما يكفيهم كما مرّ غير مرّة، ولا يُعتبر الخراج لأنَّه لم يلزمه، وأختار أنَّه إن كان لا يأمن إلاّ بأدائه كان عذرا له. وعند خميس أعذر من المؤونة لأنَّه ــ قيل ــ لا يجب إلاّ باجتماع الشروط المذكورة قبل؛ قال: والمرء أحوج في منزله إلى الأمان منه إليه في الطريق، فإن كان لا يأمن عليهم بعده إلاّ بأداء الخراج إليه كان عذرا ولم [491] يلزمه إلاّ بعد أدائه وأمنه، وإن على ماله إذ به قوام عيشه. (3/289)
صفحة 1216
فصل
أجمعوا أنَّه لا يلزم إلاّ مرّة في العمر، واختلفوا في قادر على إنفاذه (3) من ماله لا بنفسه لمرض أو كبر فقيل: إنّما يلزمه بنفسه إن استطاعه وإلاَّ وصَّى به، (4) لأنَّه من أعمال البدن، وقيل: إن عجز عنه أقام نائبا عنه بماله، فإن مات قبل أن يستطيع فقد تمّ حجّه ولزمه أيضا إن استطاع بعده، وقيل: قد تمّ له ولو قدر بعده.
وقد روي: «من له سعة ولم يحبسه مرض ولا سلطان فمات ولم يحجّ فليمت يهوديا أو نصرانيا أو جاهليا».
الربيع: من لزمه ومات بلا إيصاء به مات كافرا. ومن لزمه ونواه الإيصاء به فمات ولم يفعل ذلك لم يبرأ منه إن فاجأه الموت قبل الفعل، وقد أعجم لسانه أو وقع في حريق أو غرق ونحوهما ولم يمكنه الإيصاء، وكذا النسيان، وإن لم يكن ذلك وأراد وارثه إخراجه عنه لم ينفعه، ورجى خميس أن ينفعه إن كان لعذر والله أولى به.
ومن لزمه وأمكنه فلم يحجّ حتّى احتضر وندم وتاب وأوصى به فلا عليه، وإنّما يهلك إذا لم يدِن به ولا أوصى به عند احتضاره، وقيل: أمره إلى الله، وبه قال ابن محبوب، وقيل: لا ينفعه الإيصاء به، وهو ــ قيل ــ موسّع، وقيل: مضيّق عند وجوبه وإمكانه والأوّل هو المختار عندنا.
ومن عرض عليه من يحمله إليه ويقوم بأمره فقيل: يلزمه، والصحيح جوازه عن حيّ إن عجز عنه وعن ميّت للأحاديث الواردة في ذلك، ويُقضى عنه الحجّ والعمرة والعتق والصوم والصدقة؛ وحسنات الحرام مضاعفة أكثر من غيره كما مرّ، وكذا سيّئاته.
أبو عبد الله: إذا أراد الله بعبد شرّا حمله إلى مكّة فيعصيه فيها. وعن عمر: «الوفد كثير والحاجّ قليل». وعلامة قبوله أن يكون صاحبه بعده خيرا منه قبله.
والحجّ من عمان تعدل حجّتين، وكذا غيره بحسب القرب والبعد. (3/290)
صفحة 1217
فصل
يتخلّص من أراده من كلّ تباعة وإن من نذر أو تكفير، ويصل أرحامه ويرضيهم، وجيرانه، ويوسِّع زاده ليتّسع خلقه، ولا يماكس في كراء ولكن يساوم، فإن غلا عنه تركه. ومن لزمه وطلب بما عليه من ديْن قضاه وحجّ.
وندب له أن يصاحب عفيفا حافظا لحقّ الصحبة، وعليه إن يتواضع ويخلص نيته لله، وأن يصرف همّته إلى ما عنده ويجتنب كلّ قبيح شرعا، وأن يكثر الزاد رجاء للثواب لأنّ الدرهم فيه بسبع مائة فأكثر، وأن يكثر الدعاء والذكر، ولا يدعه عند كلّ شرف ولا عند الركوب، ولا يكثر ذكر الدنيا. وكان صلّى الله عليه وسلّم إذا ركب راحلته كبّر ثلاثا وتلا قوله تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ} الآية (سورة الزخرف: 12)، وقال: «اللهمّ إنّي أسألك في سفري هذا البِرّ والتقوى والعمل بما ترضى، اللهمّ هوّن علينا السفر واطو لنا الأرض، اللهمّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهمّ اصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا»، وقال: «دعاء المظلوم على ظالمه، والوالد على ولده العاقّ له والمسافر ــ أو قال: الحاجّ ــ مستجاب حتّى يرجع إلى أهله».
وندب الخروج للسفر أوّل النهار يوم الخميس إن أمكنه. ويروى أنّ من نزل منزلا وقال: «أعوذ بكلمات الله» الخ ... لم يضره شيء حتّى يرتحل منه.
وأيضا: «إذا سافرتم في خصب فأعطوا الإبل حقّها منه، وأسرعوا السير في الجدب، وإن أردتم التعرّس فنكّبوا عن الطريق».
وروي: «البحر نار في نار»، يريد أنَّه نار في إسراع الهلاك للنفس والمال.
وقال: «لا يركب البحر إلاّ حاجّ أو معتمر أو غاز».
وقال: «الغريق فيه له أجر شهيدين». وهذا لمن أراد الله سعادته. (3/291)
صفحة 1218
الباب الثاني
في فرائض الحجّ وسننه ورؤية الهلال وحدود مكّة والمواقيت
وقد أجمعوا ــ قيل ــ على أنّ الإحرام والوقوف بعرفة إذا فات وقت أحدهما بطل الجميع ولم يمكن إصلاحه، والزيارة يوم النحر بعد الذبح. والطوافّ فرض متّفق عليه، فمن فاته واحد من ذلك فلا حجّ له، وكذا إن أفسده.
والعمرة ــ قيل ــ فريضة، وقيل: من شروطه.
والسنّة في الطوافّ التسبيح، والوقوف عند ركن الحجر والميزاب، وما يُقال في ذلك من الدعاء وهو مندوب لا واجب، وكذا ما يُقال [492] عند الصفا والمروة، ورمي الجِمار، والإفاضة بعد الغروب سنّة، ومن أفاض قبله من عرفات لم يتمّ حجّه لأنّ الوقوف بها إلى الليل فرض، والدعاء فيه والذكر سنّة. وفي كونه فرضا أو سنّة عند المشعر الحرام قولان، والإفاضة منه قبل الطلوع، والذبح والحلق بمحلّهما سنّة.
ومن فاته الوقوف بعرفات إلى الغروب فاته الحجّ ولزمه من قابل والدم. وليس لأحد أن يجهل ذلك ولا يتركه.
وقد فُرض على المحْرَم أن لا يرفث ولا يفسق ولا يجادل، وسنّ الرمل وهو فوق المشي ودون العدْو.
ومن دخل في عمل من الحجّ لم يلزمه الخروج منه. قال تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (سورة البقرة: 196) وهذا خطاب لا يرد إلاّ على من دخل في المشي ولا دلالة فيه على أنّ العمرة فرض، وقد تعارضت الأخبار فيها فلا تُفرض بلا دليل.
والإفاضة قبل الطلوع من جمع سنّة خالف بها النبيء (5) المشركين. وكذا من عرفات بعد الغروب. والتلبية للإحرام، ورمي الجمار والحلق والذبح والمتعة سنّة كما (3/292)
صفحة 1219
مرّ، والزيارة فرض والتكبير والتسبيح سنّة، وكذا الركعتان، وفي السعي بين الصفا والمروة قولان، والتكبير بينهما سنّة كالوداع.
أبو سعيد: فرائض الحجّ الإحرام من الميقات بالتلبية والنية في أشهره، والوقوف بعرفة بعد الزوال إلى الغروب، وطواف الزيارة يوم النحر، (6) ورمي جمرة العقبة، وقيل: السعي فيها فرض بعد الطواف، وقيل: سنّة، واتّفقوا على وجوبه فيها.
فصل
أبو المؤثر: من رأى هلال ذي الحجّة وحده لزمه أن يحجّ ويقف بعرفات يومها، ويقضي مناسكه وحده، ولا حجّ له إن لم يفعل ذلك. وإن خاف استتر. وإن شهد قوم برؤيته ثمّ حجّ الناس ووقف الإمام ثمّ قالوا: اِشتبه علينا أتَمُّوا وقوفهم إلى الغروب وأفاضوا إلى المزدلفة، فإذا صلّوا الفجر وذكروا الله عند المشعر الحرام دفعوا إلى منى للرمي عند الطلوع ثمّ يرجعون إلى عرفات (7) ويقفون وهم على إحرامهم، ويفيضون كذلك إلى جمع فيبيتون فيه، ويصلّون الفجر ويذكرون الله، ثمّ يدفعون كذلك للرمي عند الطلوع ثمّ يذبحون ويحلقون رؤوسهم ويقصّون شواربهم، ويأخذون مِن عفا لحاهم، ويقلّمون أظفارهم وهو معنى قوله تعالى (8) {ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ} الآية (سورة الحج: 29)، فإذا زالت الشمس رموا الجمار ثمّ يرجعون إلى منى فيرمون الجمار ثلاثة أيام غير الذي ذبحوا فيه وقد تمّ حجّهم وأخذوا بالأحوط.
وكذا قال أبو الحسن: فإنّ من رأى الهلال وحده إن لم يفعل ذلك وخرج مع الناس ووقف معهم لم يجزه ذلك ويعيده قابلا. وإن شهد إتنان برؤيته زورا فحجّ الناس بهما ثمّ أرادا أن يتوبا لم يلزمهما إظهار ذلك إذ ليس عليهم أن يقبلوا قولهما إن انقضى الوقت وإلاّ أظهراه وأعلماهم بكذبهما.
ابن محبوب: إن اختلف فيه قوم فرآه بعض فجعلوا عرفة يوم النحر فذبحوا فيه، وبعض بخلافه فلكلّ هلالهم. (3/293)
صفحة 1220
ولمن رآه ــ قيل ــ وحده أن يتّهم نفسه ويحجّ مع الناس، وذلك له أولى. ومن سمع منادي السلطان بيوم الفطر أو النحر لزمه قبوله إن شاع كما مرّ.
فصل
أبو سعيد: معنى قوله تعالى: {أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (سورة البقرة: 197) أنَّه شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجّة، وقيل: إلى ثلاثة عشر منه لأنّ أيام التشريق من تمام المناسك ولا يبعد كونه كلّه منها لأنّ ظاهر الكتاب يوجبه، وأقلّ الجمع ثلاثة وهذا في اللغة وأمّا في الشرع فإنّهم أجمعوا على أن ليس بعد أيام التشريق عمل حجّ إلاّ من عيق عن طواف الزيارة إلى انقضائها، وأمّا رمي الجمار وسائر المناسك فذلك في أيام التشريق.
فصل
قد وقّت صلّى الله عليه وسلّم لأهل المدينة الحليْفة، ولأهل الشامّ الجحفة، ولأهل نجد قرنا، ولأهل اليمن [493] يلملم، ولأهل العراق ذات عرق، وقال: من وقّت له وقت فهو له وكمن مرّ به من غيره حاجّا أو معتمرا لأنَّه لا يجاوز الميقات إلاّ محرِما.
ومن قصد جدّة أقام فيها ما شاء ثمّ يحرم منها إن بدا له أن يحجّ أو يعتمر. وإن أحرم من الميقات ثمّ أقام بجدّة أياما فلا بأس عليه.
وكره التجر للحاجّ حتّى يقضي نسكه.
ومن كان أهله دون الميقات فأراد أن يحجّ أو يعتمر أحرم من أهله.
فمن جاء لحاجة ثمّ أراد ذلك أهلّ بلا رجوع إلى أهله. (3/294)
صفحة 1221
ومن أراد أن يحرم بحجّة فأحرم بعمرة أو عكس أو إحداهما فقرنهما فهو على ما نوى، ولا يضره ما أخطأ به.
وتجزي عند حاجب التلبية مع النية عن التسمية، ولا بأس عليه أن يحرم في ثيابه الدنسة إن كان يصلّي بها. ومن أحرم ولم يلبّ حتّى جاوز ميقاته رجع ولبّى منها.
ويروى: «إذا أحرم الرجل أجابه الأفق الذي يليه ثمّ الذي يليه حتّى ينتهي إلى الأفق»، ولعلّه على حذف الصفة وهي الأعلى.
والحائض والجنب إذا لم يجدا ماء تيمّما وأحرما.
ومن أقام بمكّة محرِما أياما ولم يركع ولم يسع (9) أخطأ ولا عليه.
ومن أتى على غير ميقاته كمدني على الجحفة فأحرم منها جاز له. ومن حاد عن طرق المواقيت فأحرم من حذائها صحّ له، وجائز من أيّ موضع شاء منها من أوّله ممّا يلي بلده أو من آخره ممّا يلي الحرم. وما وقّته الرسول ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ من قرية للإحرام ثمّ نقلت إلى موضع آخر فالإحرام لا ينتقل عن الأوّل بانتقالها لأنّ المواقيت هي البقاع لا الأبنية. وقد رأى ــ قيل ــ ابن جبير رجلا قصد ذاتِ عرق ليحرم منها فأخذ بيده حتّى خرج به (10) من البيوت وقطع به الوادي حتّى وافى به المقام فقال له: هذه ذات عرق الأولى.
ومن أراد أن يعتمر وهو في الحلّ دون الميقات ممّا يلي الحرم أحرم من حيث هو. وإن أحرم من قبل أن يأتي الحدّ الذي وقّته الرسول فلا عليه.
ابن محبوب: لو أنّ قوما وصلوا ذات عرق فأتاهم بدوي حاف فقال لهم: هذه لم يسعهم أن يجاوزوها إلاّ محرمين وكان حجّة عليهم. وقيل: إنّ ابن عمر أهلّ من مكّة بالحجّ ثلاث مرّات، فقال له غلامه: يا أبا عبد الرحمان هذا الهلال، فنظر إليه فنزع قميصه وأهلّ، ثمّ أهلّ مرّة من جوف الكعبة قاعدا ثمّ أخرى يوم التروية من البطحاء حين راح إلى منى.
ولا يهلّ مكّي عند ابن عبّاس حتّى يريد الخروج إلى منى. وكان بعض إذا أراد أن يحرم وهو في الحرم استلم الركن ثمّ خرج. وقيل: إنّ ابن الربيع أقام بمكّة سبع (3/295)
صفحة 1222
سنين فكان يهلّ إذا رأى هلال ذي الحجّة، ويطوف ويسعى قبل أن يخرج إلى منى، وقد دخل الحسن مكّة متمتّعا فقال لابن عبّاس: من أين أهلّ؟ فقال له: من حيث شئت.
وقد وقّت الرسول لأهله التنعيم، وعند إبراهيم يخرج أهلها من العمرة ويهلّون بالحجّ من بيوتهم. ابن المسيّب: وقّت المواقيت لأهل الآفاق ثمّ قال: «هنّ لهم ولمن بعدهم ولمن أتى عليها يريد حجّا أو عمرة».
وقد أحرم ــ قيل ــ عمر من بيت المقدس، وقال علي: من تمام حجّ أحدكم أن يحرم من حيث يبدأ، لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (سورة البقرة: 196) قال: أن تحرم من دويرتك، وكذا قال ابن جبير؛ وقد أحرم الأسود ــ قيل ــ من الكوفة، وابن عبّاس من الشام، وكانوا ــ قيل ــ يستحبّون لمن يحجّ أوّلا من يحرم من بيته.
ولا يجاوز ــ قيل ــ مكّي ميقات أهل مصر حتّى يحرم منها.
أبو سعيد: إنّ التي لا يجاوزها من أراد حجّا أو عمرة إلاّ مُحرِما هي التي قدّمناها لكلّ ناحية لهم ولمن أتى عليها؛ قال: وفي معاني الاِتّفاق من أحرم قبلها ولو بعيدا لزمه إحرامه وإن دخلت عليه الكراهة باختلاف، فمن وجه خلاف ما عليه الناس ولما يلحقه من الضرورات، ولا يأمن فسادًا عليه لطوله.
وليس لعبد ولا عليه أن يلزم نفسه ضرورة لما لا فائدة له فيه ولا زيادة له في الفضل، ولو ثبت في ذلك لسبق إليه النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وأهل الفضل من أصحابه.
وقال: [394] من جاوز موقّتا له يريد حجّا أو عمرة لم يجز له ولزمه دم ويرجع إليها ويحرِم كما مرّ، وقيل: لا يلزمه إن رجع قبل أن يدخل الحرم، وقيل: ولو دخله ما لم يدخل بيوت مكّة، وقيل: ما لم يطف، واختار أنَّه إن لم يرجع إليها وحجّ واعتمر بلا رجوع إلى إحرام منها لزمه دم وتمّ حجّه، ولا يلزمه أكثر منه في تركه الإحرام من الميقات. (3/296)
صفحة 1223
ومن كان أهله دونها فليحرم من أهله، وليس له أن يجاوز ميقاته، ولا يلزمه أن يرجع إلى ميقات غيره لأنَّها إنّما وقّتت لمن جاء منها أو فوقها لا من دونها، وإذا ثبت ذلك بالاِتّفاق ثبت أنّ ما دونها حدّ مثلها. ولا يجاوز ذو حدّ حدّه إلاّ محرِما.
ومن أتى على ميقات ولا يريد موجب إحرام عليه فليس بمخاطب به في حينه، فإذا جاوزها ثمّ أراد حجّا أو عمرة فميقاته حيث أراده، ويهلّ من مكانه لا من مكّة لأنّ ميقاته وراء ذلك، وإنّما زال حكمها عنه لزوال حكم الإحرام عنه، وقيل: عليه أن يرجع إليها فيحرِم منها لأنّ عليه حكمها والقول بأنّ ميقاته حيث أراد ما ذكر هو الأصحّ.
أبو عبد الله: إنّ ذات عرق وقّتها عمر. (11)
فمن مرّ بميقات فلا يجاوزها وإن من بحر إلاّ محرِما وإلاّ رجع إليها إن قدر وإلاّ لزمه دم. أبو صفرة: كنّا نحرم من جدّة في الصيف فشقّ علينا ذلك في الشتاء فصرنا نحرم من ذات عرق، وقيل: إنّ وائلا لمَّا وصلها قال له رجل: لو خرجنا إلى الميل فأحرمنا منه فلمَّا مشينا لذلك، قال: ما أردتم أن تصنعوا فرجعوا فأحرم من ذات عرق.
فصل
لا يتمّ الحجّ إلاّ بالنية والإحرام والوقوف. ومن أدرك من يومه ساعة فقد أدركه. وطوافّ الزيارة ــ قيل ــ والسعي والعمرة عند الأكثر سنّة، وقيل: فريضة. ومن أحرم بها لزمه إتمامها عند الجميع ولا تتمّ إلاّ بالإحرام والنية والسعي، وتجوز في كلّ وقت غير وقت يحرم فيه بحجّ، والأكثر على أنَّه يجوز له أن يعتمر في السنة مرارا إن كان من الميقات، وقيل: لا إلاّ مرّة، وتجزي واحدة في العمر كالحجّ كما مرّ، وقيل: إنّهما ينفيان الفقر والذنوب، وليس للمبرور ثواب إلاّ الجنّة. (3/297)
صفحة 1224
وسننه الإحرام، والغسل له والوضوء، ويكون بإثر فريضة أو نافلة في إزار أو رداء طاهرين جديدين أو غسيلين لم يلبسا منذ غسلا، وأن يدهن بما لا طيب فيه قبل الغسل، والتلبية إذا علا شرفا أو هبط واديا، ورفْعُ الصوت بها حتّى تُرى جمرة العقبة، والسعي بعد الطواف، وأن لا يطوف إلاّ طاهرا بطاهر، وأن لا يتطيّب ما أحرم، وأن يستقيم حاسرا كذلك، ولا يلبس مخيطا كذلك، ولا يأخذ من شعره وأظفاره ولا يحدث في بدنه غيرهما، ولا يفعل ذلك في غيره، وأن يبيت بمنى ليلة عرفة ولا يعدو إليها إلاّ بعد الطلوع، وبالمزدلفة ليلة النحر إلى الطلوع، وأن يرمي الجمرة إن تمتّع أو قرن، وأن يحلق أو يقصر بعد الذبح والحلق أفضل، وأن يرمي الجمار كلّها يوم الحادي عشر بعد الزوال والثاني عشر، وإن وقف إلى الليل فلا ينفر حتّى يرميها كلّها يوم الثالث عشر بعده، وأن يبيت بمنى ليالي التشريق، ويطوف يوم النحر بعد الذبح طوافّ الزيارة، ويصلّي ركعتين بعد كلّ طواف قبل السعي، ويذكر الله ويدعو عند الطواف، والسعي والرمي والوقوف وبالمزدلفة كما مرّ، ولا يقطع التلبية حتّى يرمي الجمرة كما مرَّ.
ويجب الذكر عند المشعر الحرام، وترك المِراء والمعاصي والجماع ودواعيه. ومن السنن طواف الوداع والهرولة في السعي، وتقبيل الحجر إن أمكنه وإلاّ استلمه وإن لم يصله في الطواف.
والعمرة كالحجّ في السنن إلاّ أنّ المتمتّع إذا سعى حلق أو قصر ثمّ أحلّ ويقطع التلبية عند دخوله في الطواف. (3/298)
صفحة 1225
الباب الثالث
في الإحرام بالحجّ والعمرة والتلبية والنية
وقد سُنّت للإحرام كما مرّ، فمن لم يلبّ بالحجّ لم يدخل فيه ولم يحرم لأنَّه يفتتح بالتلبية كالتكبير [495] للصلاة، وإنّما يلبّي بحجّ أو بعمرة أو بهما إن قرن. ومعنى التلبية وتكريرها الإدامة على الطاعة والإقامة عليها، أي طاعة بعد طاعة كما في حنانيك وسعديك.
ابن عبّاس: كان تلبيته صلّى الله عليه وسلّم في الحجّ: «لبّيك اللهمّ لبّيك، لا شريك لك لبّيك، إنّ الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك لبّيك»، ويقول في آخرها: «بحَجّة ــ أو بعمرة ــ تمامها وبلاغها عليك ياالله» إن أفرد، وإن قرن قال: «بحجّة وعمرة تمامهما وبلاغهما عليك ياالله». وإن حجّ عن غيره قال: «بحَجّة عن فلان بن فلان ... » الخ، وهذه التلبية هي المُجمع عليها، ويقدّم نيته قبل قوله إنّه يريد هذا أو هذا. وإن قال بلسانه: اللهمّ إنّي أريدها فيسّرها لي وتقبّلها منّي فحسن وإلاّ فالتلبية تجزيه.
وندب له إذا أحرم أن يكون وجهه إلى منى، فإن قال عند إحرامه: اللهمّ إنّي أريد الحجّ فيسّره لي وتقبّله منّي وأعنّي على نُسُكي فحسن.
وندب له كما مرّ أن يلبّي على كلّ شرف وعلى كلّ هبوط، وعند قيام الراحلة والاِستيقاظ من النوم لأنَّها شعار الحاجّ، وكذا إن لاقى ناسا ليعلموا أنَّه حاجّ فيدعون له ويشتغل بذكره عن غيره.
ومن لبّى بالحجّ كان على إحرامه حتّى يحلق بمنى. ومن لبّى به من المسجد ثمّ طاف أخطأ ولا عليه.
ومن أحرم جنُبا أجزاه لأنَّه يلزمه على كلّ حال، وندب له أن يغتسل، وكذا الحائض والنفساء لما روي أنَّه أمر بذلك. وعن عائشة أنَّها قالت: طيّبت رسول (3/299)
صفحة 1226
الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ بيدي بدريرة في حجّة الوداع للحلّ والإحرام. ولا يطيّب ثوبه والأفضل أن يحرم إذا انبعثت راحلته إن كان راكبا، وعند الأخذ في السير إن كان راجلا لما روي: «إذا خرجتم متوجّهين إلى منى فأهلّوا»، وينوي الإحرام ويلبّي، وجاز تعليقه بإحرام غيره ويقول: «إهلالي كإهلال فلان»، والأفضل أن يعيّن نواه لحجّ أو لعمرة أو لهما، وإن نواه بقلبه ونطق بغيره جاز.
وحرم عليه الطيب، ولا يلبس مبخَّرًا به ولا مصبوغا به وأكله أيضا، والاِكتحال به والتسعّط والاِحتقان به، وذلك كالكافور والمسك والعنبر والصندل والياسمين والورد والزعفران، وليس من الطيب العصفر والحنّاء لما روي أنّ أزواجه كنّ يختضبن بالحنّاء وهنّ محرِمات.
والتزوّج والتزويج وإن بوكالة لما روي من أنَّه لا ينكِح ولا يُنكَح، والوطء بفرج أو فيه، وعلى من فعل ذلك كفّارة وعلى من قَبِل دم؛ والاِصطياد من بَرّ وعلى من أتلف صيده جزاؤه لقوله تعالى: {لاَ تَقْتُلوا الصَّيْدَ ... } الآية (سورة المائدة: 95)، والخطأ كالعمد فيه، وأن ينفره لما روي في ذكر مكّة: «لا ينفَّر صيدها»، فمن نفّره وتلف ضمنه، وأن يعين على قتله وإن بدلالة، وأن يأكل ما صاد أو صيد، وأن يشتريه أو يستوهبه، وما ليس بمأكول ولا بمتولّد منه فحلاله كحرامه.
وروي «خمس يقتلن (12) في الحلّ والحرم الحيّة والعقرب والفأرة والحداءة والكلب العقور (13)»، وزيد: الغراب؛ وحرّم بيض ما حرّم صيده وعلى كسره الجزاء.
وإن احتاج إلى لباس لحرّ أو برد أو إلى طبيب لمرض أو إلى حلق لأذى أو إلى ذبح صيد لجوعه جاز له، ويكفّر لقوله تعالى: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّنْ رَّأْسِهِ} (سورة البقرة: 196). وإن لبس أو تطيّب أو دهن رأسه ناسيا أو جاهلا بالتحريم لم تلزمه فدية لما روي أنّ رجلا أتى النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ بالجعرانة وعليه جبّة وقد صفّر لحيته ورأسه فقال له: أحرمتُ بعمرة وأنا كما ترى، (3/300)
صفحة 1227
فقال له: «أغسل عنك الصفرة وانزع الجبّة واصنع في عمرتك ما تصنع في حجّك»، ولم يأمره بالفدية لجهله بالتحريم. وقيل: إنّ الجماع كالطيب في الحكم.
وإن قلّم ظفرا أو حلق شعرا أو قتل صيدا [496] ناسيا أو جاهلا لزمته. وإن حلق المُحِلّ رأس مُحرِم بإذنه لزمته هو، وإن أكرهه على الحلق أو حلقه نائما لزمت الحالق، ويطالبه المحلوق (14) بإخراجها.
وله أن يدخل الحمّام لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم يغتسل محرما. وأن يغسل شعره بماء وسِدر، وأن يحتجم ما لم يقطع شعرا لما روي أنَّه احتجم وهو مُحرم، وأن يستظلّ نازلا.
وعليه أن يتنزّه عن الخصومة والشتم وقبيح الكلام لقوله تعالى: {فَلاَ رَفَثَ ... } الآية (سورة البقرة: 197). ابن عبّاس: الفسوق المنابزة بالألقاب وأن يقول: يا ظالم يا فاسق. والجدال أن يماري صاحبه حتّى يبغضه لما روي: «من حجّ لله ولم يرفث ولم يفسق رجع كهيئة ولدته أمّه».
فصل
قد مرّ أنّ التلبية مع النية تجزي عن التسمية إن كانت في أشهر الحجّ، والتلبية إهلال بحجّ أو بعمرة أو بهما كما مرّ، وهي فرض فإن سمّاهما بلسانه أيضا كان أوكد. ومن لا يعرف أن يلبّي وقال: أحرمت بحجّة وسمّاها على نفسه في أيامه ثبت عليه وله، وقيل: يلزمه الدم بترك التلبية إلى الإحلال. وإن سكت ونوى الحجّ وقضاه على ذلك غير ملبّ ولا قائل شيئا لم يتمّ حجّه، ولا تجزيه نيّته إن قدر على الكلام كما لا تصحّ الصلاة بلا إحرام إن قدر عليه. وإن لم يلبّ عند إحرامه ولبّى (15) عند السعي للزيارة فلا دم ــ قيل ــ عليه إن لبّى قبل إحلاله وإلاّ لزمه.
وإن دخل مكّة يريد الحجّ بلا إحرام وخاف الرجوع فاته، وإن أحرم به ووقف أجزاه ويذبح لتركه الرجوع إلى الميقات. ولزم عند الربيع من دخل مكّة بلا إحرام (3/301)
صفحة 1228
سوى الحطّابين والبقَّالين، (16) وعليهم أن يطوفوا قبل أن يخرجوا منها. ومن عجز عن الرجوع أحرم من مكانه ويذبح ولو شاة، وفي لزومه إن رجع إلى الميقات وأحرم منها قولان. وإن خاف الفوت أحرم حيث ذكر ويذبح.
ومن جاء ــ قيل ــ من خلف عرفات من الحلّ وخاف فوت الموقف أحرم من حيث جاء، فإذا أدركه فقد أدرك. ومن دخل مكّة متمتّعا مريدا حجّا فلمَّا أحلّ أراد أن يزور قبر النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ اختير أن لا يفعل حتّى يقضي حجّه، وله أن يخرج إلى ما دون الميقات. وكذا الحاجّ عن غيره.
ومن سكن دونها أحرم من حيث شاء لأنَّها لأهلها ولمن أتى عليها. ومن أتى من خلفها يريد أدنى الحرم لا دخول مكّة فالوقف في دخوله بإحرام أو بدونه. ومن كان دونها ودخل مكّة بلا إحرام فلا يتجاوز منزله إلاّ مُحرِما، والأكثر على أنَّه يُحرِم من مسجد الجنّ.
وإن أجنب المُحرِم ونسي الغسل حتّى قضى نُسُكه فليهد بدنة وليعده قابلا.
ومن أراد الإحرام بحجّ فأحرم بعمرة أو عكس أو وطئ رجع إلى الميقات وأحرم منها إن قدر وإلاّ فمن مكانه ويذبح. أبو مالك: نأمره أن لا يحرم منها إلاّ بعمرة، وقد أمر به صلّى الله عليه وسلّم وفعل به أصحابه، وقال: من دخل مُحرما بها في الأشهر لزمه الهدي لا إن دخل محرما بحجّة ولو في غيرها، ويكون على إحرامه حتّى يرمي ما مرّ.
ومن أحرم من بعيد ثمّ احتاج إلى حلق وإن لعانته فلا يفعل ولزمه الدم إن حلق شيئا وكان مُحرما حتّى يطوف ويسعى. ومن علّم غيره الإحرام لم يجزه عن نفسه.
وإن قتل المُحرم مسلما لم يبطل إحرامه.
ومن دخل فيه وبه طيب فقد تمّ ويذبح.
ويجزي عند بشير خارجا إلى جدّة لتجر أن يحدث نية الحجّ عند وصولها. وإن خرج من بلده ونوى أن يحدثها من جدّة لم يجزه إن حجّ على ذلك. (3/302)
صفحة 1229
وليس لمُحرِم كما مرّ أن يتزوّج أو يراجع، وقيل: له ذلك لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم تزوّج مُحرِما.
فصل
ندب لمريد الإحرام أو الذهاب إلى [497] البيت ليحلّ أو الوقوف بعرفات أو المشعر الحرام أو الرمي أن يغتسل، ويجزي عنه الوضوء ولا يؤمر به.
وإن أهلّ الجنب قبل الميقات لزمه الإهلال. ولا بأس بإحرام بلا غسل لمن طهر والغسل أفضل. وإن أجنب المحرم وأبطأ عن الغسل فلا عليه ما لم يحضر وقت الصلاة.
أبو سعيد: أمر أصحابنا بالاِغتسال للإحرام ولا أعلم لزومه لأنّ الحائض والنفساء يتمّ فعلهما في جميع المناسك إلاّ في الطواف لأنَّه كالصلاة والإحرام من جملتها.
ومن أحرم بحجّة ثمّ حوّلها عمرة أو لم يدر بماذا أحرم أو أراده بحجّ فأحرم بخلافه أو بما أحرم به أصحابه أو نوى أن يلبّي بعمرة فلبّى بهما معا فله نواه.
ومن دخل مكّة في غير الأشهر بعمرة ثمّ رجع إلى المدينة ثمّ رجع فيها أيضا محرما بها لزمه هدي المتعة. ومن أحرم ولم يسمّ عمرة ولا حجّة فهو محرم بها إلاّ إن نوى عمرة. وإن لم يدر بماذا أحرم اختير له أن يطوف ويسعى إذا دخل ولا يحلّ إلى يوم التروية ويقضي حجّه إلاّ إن سبقت له نية فله نواه. وإن أحرم كإحرام أصحابه كان مثلهم.
ومن ساق هديا وقصد البيت وقلّده فإن نوى حجّة فعليه الإحرام، وإن نوى عمرة لزمته، فإن لم ينو إحداهما خُيِّر فيهما. وإن أحرم على إحرامهم في نواه فاختلفوا فيه فإن كان في الأشهر فهو مهلّ بالحجّ وإلاّ فهو معتمر. وإن نوى كما نوى المسلمون فهو متمتّع. (3/303)
صفحة 1230
ومن أراد أن يلبّي بعمرة فنسي فلبّى بحجّة فلا عليه، وإن نسي أن يقول بعمرة فهو على ما خرج عليه من نواه، فإن خرج على أن يصنع كأصحابه فاعتمروا فهو مثلهم. ومن لبّى ولم ينو إحداهما وجهل ذلك ولم يسمّ شيئا قال محبوب: إن لم يعلم كيف يحرم المسلمون فمعتمر إن كان في غير الأشهر، وإن كان فيها فمحرم بالحجّ، وللمحرم به في غيرها أن يردّ نواه إلى العمرة لما روي: «لا يحرم به إلاّ في أشهره». أبو سعيد: لا ينعقد الإحرام له إلاّ فيها عندنا لقوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ} (سورة البقرة: 197) فلا يكون إلاّ فيهنّ، فمن أحرم به قبلها انعقد عليه بعمرة ولا يبطل، وعليه إتمامها لأنَّه التزم الإحرام في غير موضعه ولا ينحلّ عنه وهو بها ثابت ولو في غير الأشهر.
ومن أهلّ بحجّتين بطل إحرامه إن لم ينو واحدة لأنَّها الواجبة والثانية تطوّع أو نذر، ولا يجوز قضاؤهما مرّة، وكذا إن أهلّ بعمرتين نثبت له واحدة عند بعض وبطلتا عند الأكثر.
ومن لزمته حجّة الفرض وحجّة النذر (17) فأهلّ لهما واحدا لم تصحّ لهما الفريضة لفساد قصده إجماعا لما روي: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد».
ومن لزمته فريضة فحجّ ناويا نافلة فقيل: لا تجزي عنها لأنّ الفرض لا يقوم بالنفل، وقيل: تجزي لإتيانه بمعاني الفرض، فقد حصل له العمل والنية للحجّ وقد وقع في محلّه.
فصل
من أحرم بحجّ وقدم مكّة وحوّله عمرة فإن أحرم به في أشهره ثبت له إلى تمامه ولا يحوّل، وإن كان في غيرها صحّ التحويل إليها وبطل الحجّ إذ لا ينعقد إلاّ فيها كما علمت. وأجاز بعض قومنا جعله عمرة وإن فيها، وأجمع المسلمون على أنّ لمن أهلّ بها فيها أن يدخل الحجّ عليها ما لم يبتدئ الطواف، ولولا الإجماع لما جاز لأنّ (3/304)
صفحة 1231
الإحرام لها دونه، ولا يجوز العكس إذ لا دليل عليه من أحد الأصول والإحرام قد وقع له. وروي أنَّه أمر من دخل بحجّ (18) أن ينقله إلى عمرة واختُلف في وقته فقال الأكثر أنَّه في غير الأشهر وقيل: مطلقا إذ لم يرد الخبر بتخصيص الوقت فيحمل على عمومه، وعلى مدّعي التخصيص دليله. وقيل: من دخله مهلاّ به فيها فله أن يحوّلها عمرة فيحلّ ثمّ يحرم به من حينه [498] وبذلك أمر أصحابه (19) كما مرّ، ومن السنّة أن لا يهلّ به إلاّ في أشهره.
ومن دخلها ــ قيل ــ في أيامه محرما به فله أن يحوّله (20) عمرة بعد الطواف والسعي للأمر المذكور، وقيل: يقف على إحرامه وله أن يطوف ويسعى ولا يحلّ حتّى يرمي ما مرّ ولو دخل مكّة قارنا أو في غير الأشهر، وإن دخلها فيها قارنا فتمتّع لزمه دم لا إن دخلها في غيرها. ومن أغمي عليه قاصدا للبيت فقيل: يهلّ عنه أصحابه، وقيل: لا يجزيه.
ومن وقف بعرفات ثمّ وقع به عدوٌّ أو أُحصر فيها أو أغمي عليه حتّى انقضت أيام المناسك فقد تمّ حجّه ولا يخرج من مكّة حتّى يزور البيت، وإن لم يقف بها لزمه أن يحجّ قابلا. وقيل: إن قصد البيت فأُغمي عليه فأهلّ عنه أصحابه بحجّ وقضوا به المناسك كلّها أجزاه عن فريضته، وبه قال الربيع. ومن نام بمنى أو أغمي عليه إلى الطلوع فلا عليه لأنَّه مغلوب، وقيل: يذبح. ومن وقف بعرفات سكرانا فلا إعادة عليه.
ولا حجّ لمعتوه ومجنون إن وقفا كذلك وله حجّه إن أفاق.
فصل
يمسك المحرم بعمرة عن التلبية إذا دخل المسجد ونظر البيت، وإن لبّى إلى أن وصله لم يضره، وكره له أن يلبّي بعد أن قبّل الحجر ولا عليه، ولا إن أحرم ببعض (3/305)
صفحة 1232
التلبية وليُعِدها تامّة حيث كان إذا ذكر وهو أفضل. ابن عبّاس: إذا لبّى الحاجّ فقد أحرم.
ومن أراد أن يحرم من الميقات فصلّى ركعتين ثمّ تكلّم أو مشى أو أكل أو شرب ثمّ أحرم منها تمّ إحرامه.
أبو الحواري: من باع أو اشترى بعد إحرامه يوم التروية وهو يريد منى أعاده، وعليه دم. جابر: كان بعض يحرم راكبا وبعض آكلا. ومن أحرم بعمرة ولم يلبّ بعدها خالف السنّة والصحابة لإكثارهم التلبية والذكر فيها حتّى يروا البيت، وفي الحجّ حتّى يرموا الجمرة. وإن نحر بدنة لما ضيّع منها سلم، وقيل: هي جواب من الله لخليله ــ عليه السلام ــ. وقيل: إن أحرم ولبّى أوّل مرّة أساء ولا عليه، وقيل: يذبح. وقيل: إن تركها أدبار الصلوات لزمه الدم.
ومن أحرم بعمرة ولم يلبّ حتّى أحلّ من حجّه لزمه له وآخر لها. ولمريد الحجّ أن يرجع عند ابن إبراهيم (21) ما لم يحرم.
وإن حاضت مريدة أن تعتمر بعد أن بلغت بيوت مكّة وهي من غير أهلها فإنّها تمضي حتّى تخرج ثمّ تحرم، فإذا طهرت وغسلت طافت وسعت وقصّرت. وإن حاضت بها قبل أن تخلف بيوتها لم يلزمها أن تحرم، وقيل: لا شيء عليها ما لم تحرم إلاّ إن شاءت.
أبو سعيد: لا ينعقد الإحرام عندنا إلاّ بالتلبية ونية، ولا يقع عندهم بتكبير أو تسبيح أو تهليل فلا يثبت بدون التلبية عند معرفتها وإمكانها. ومن جهل فقصد إلى عقده ببعض الذكر وجعله إحراما وحجّ به واعتمر قال: رجوت أن يسعه، وأعجبه قول من قال بذلك كما قيل به في إحرام الصلاة عند العدم. والمأمور به في التلبية هو ما مرّ من تلبية الرسول ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ والزيادة عليها فضل، ولا دليل يمنعها إلاّ إن أريد خلاف السنّة. والتلبية زينة الحاجّ قاله ابن عبّاس. (3/306)
صفحة 1233
فصل
سُنّ رفع الصوت بالتلبية وأمر به. قال ابن عمر: أفضل الحجّ العجّ والثجّ، فالثجّ (22) إراقة الدماء يوم النحر، والعجّ هو الرفع المذكور. أبو سعيد: لا أعلم منّا من كرهه في موضع إلاّ من كان في جماعة فأقيمت (23) الصلاة لها أعجبني أن لا يرفع صوته بها فيشغلهم عن حفظ صلاتهم.
وتؤمر المرأة بالخفض فيها كغيرها، وإن رفعت صوتها بها لم أعلم أنّ عليها شيئا. ولا نعلمها للطواف للأمر بقطعها عند رؤية البيت، وقيل: عند دخول مكّة، وقيل: ما لم يبدأ في الطواف وهو الأرخص وقد مرّ ذلك.
ويؤمر القارن أن لا يطوف ملبّيا ولكن إذا طاف ولبّى كان طوافه إخراجا [499] له من معنى التلبية حتّى يجدّدها ولو كان محرما. وعن ابن عبّاس: ما طاف بهذا البيت طائف إلاّ أحلّ ومعناه انهدام التلبية عنه حتّى يجدّدها ولو محرما. وتلبية المحلّ لا تبعد من الجواز لأنَّها من أحسن الدعاء، ولا إحرام إلاّ بها من غير عكس.
ومن لم يلبّ حين بدأ بالحجّ حتّى قضاه فقيل: أساء ولا عليه والواحدة مع الإحرام تجزيه، وقيل: عليه دم إن تركها في حجّه كلّه أو عمرته سوى الأوّل. وقيل (24) إن لم يلبّ في إحرامه حتّى مضى وقت الصلوات كلّها لزمه دم. وإن مضى وقت واحدة إلى وقت أخرى ولم يلبّ كره له، وقيل: يذبح. ومن أهلّ من الميقات ولم يدر بماذا أهلّ رجع إليها كما مرّ، وإن لم يمكنه خوفا من الفوت أو غيره حجّ وذبح، وإن أمكنه أن يخرج من الحرم ويهلّ بالحجّ فعل وإلاّ فمن موضعه وذبح ولزمه الدم ولو أحرم خارج الحرم دون الميقات، وقيل: عليه المتعة احتياطا إن أحرم في الأشهر. (3/307)
صفحة 1234
الباب الرابع
فيمن أحرم بحجٍّ وفاتَه وذكر الطِّيب والحليّ للمحرم
ومن فسد حجّه أو عمرته أمر بإتمامه من عامه وصنع كغيره ويذبح وقضاه قابلا أو بعده، وله أن يجامع ويصطاد في إتمام باقيه بعد فساده لأنَّه غير محرم، ولا هو في حجّ ولا تتعيّن عليه سنة للإعادة. ومن أحرم به أو بعمرة ثمّ شغل حتّى فاته الحجّ قضى عمرته يطوف ويسعى ولا هدي لذلك، ويجزيه الأسبوع في الطواف والسعي، ولزمه الحجّ بعد لأنَّه قدم مكّة وقد قضى الناس حجّهم، ولا يحلّ حتّى يطوف لإحرامه طوافين لحجّه وعمرته.
ومن فسدت عليه النافلة لزمه بدلها اتّفاقا.
وليس لمن دخل في عمل حجّ أن يخرج منه.
ومن فاته الوقوف فعل ما أدرك من باقي المناسك ويحلّ ويطوف ويسعى، وعليه الحجّ والدم لفواته. واختار أبو سعيد أن لا يلزمه قضاؤه إن كان نفلا، قال: لأنّ ذلك عذر وأن لا تبعد صحّة القول بأنَّه يحلّ بعمرة إن فاته الحجّ إذ لا يستطيع أن يدركه بعد فوته، ولا يلزمه عمل ما لا ينفعه، ولا يحطّ عنه أداء فرض ولم يقصّر في شيء؛ فإن طاف وسعى وأحلّ عن شبه ما يحلّ عن العمرة أشبه عنده معنى ما يحسن في ذلك.
وإن أقام محرما به بعد دخول أشهره لم يكن له إحلال دون تمامه، واختير أنَّه ما لم يجدّد إحراما به بعد دخوله فهو مُخيَّر في الإحلال بعمرة، وفي الإقامة على إحرامه ويجزيه عن فرضه، وإن جدّده بعد دخولها لم يكن مخيّرا بل يقضي حجّه.
وإذا فات القارن حجّه قضى ما أدرك من المناسك وذبح لفواته وعن عمرته ويحجّ قابلا وتنْحلّ عنه العمرة، وقد يُفهم من قولهم: إنّ عليه طوافين أحدهما لها والآخر للزيارة، وقيل: يجزيه واحد، ولا يلزمه القران في قضاء عمرته لأنَّها لم تفت. (3/308)
صفحة 1235
ابن جعفر: من أحرم بحجّ وفاته عرفة صنع كالناس بمنى وأحلّ ورجع لبلده، وتجنّب النساء والصيد حتّى يحجّ قابلا ويذبح عند أهل الحرمين لا عند أهل الكوفة.
وإن أحرم بعمرة ولم يدرك الحجّ فحلّ فله أن يجامع ولا عليه، ولزمه الحجّ والعمرة.
ولا حجّ ــ قيل ــ لمن فاته الوقوف وليصنع كالناس ويجعلها عمرة وأعادها إن كانت واجبة، وإن كانت نافلة كانت عمرة.
أبو نوح: من ألزم نفسه فريضة أو نافلة ففاته جعلها عمرة وحجّ قابلا. ومن أهلّ به ففاته أهلّ بها وحجّ قابلا وقد مرّ مرارا.
فصل
أبو سعيد: يؤمر من أراد الإحرام أن يدهن بما لا طيب فيه قبل أن يغتسل ولا بما يبقى منه أثره ولا يمسّه بعده، فإن تعمّد فعله لزمه الجزاء عند الأكثر، وإن غسله حتّى زال وبقي ريحه فقيل: لزمه أيضا، وقيل: لا إن قال لا يقدر على إزالته ممّا يبقى زائدا فيه ولم يمسّه بعد إحرامه، ولا يثبت عليه بعده ما لا يدرك إزالته.
وإن تعمّد مسّ طيب لزمه ــ قيل ــ دم وإلاّ فالوقف، ولزمه إن ناوله إن أصابه منه وإلاّ فلا. وإن حمل جرابا فيه مسك أو زعفران أو أخذ بيده ثوبا به (25) طيب [500] ففي الأثر أنّ من معه تجارة طيب فلا يمسّه، وليقل لمن يشتريه: أنظر وقلّب، ورجا خميس أن لابأس عليه إن حمل الجراب والثوب، وكره المصبوغ بورس أو زعفران للمرأة، ولزم الرجل به دم، وقيل: ينزعه ولا عليه.
وليست الأدهان الفارسية بطيب عند عطاء لأنَّها من الريحان وهي ليست منه.
وإن أُريق عليه طيب أو أصاب يده فليغسله. ومن شمّ الحجر الأسود وفيه طيب لم يعلم به فلا عليه ولا إن وجد ريحه ولم يستنشقه، ويذبح إن تعمّد استنشاقه. وإن أصاب طعامه أو شرابه أكله ولا يدعه لأجله، ولا يقصد جعله فيه. (3/309)
صفحة 1236
أبو الحسن: إن حمل طيبا في ثيابه حفظا له من غصب أو سرقة رجا خميس أن لا شيء عليه للضرورة. وكره ابن عبّاس للرجل أن يمسّ الطيب قبل أن يحرم بيوم وندب له أن يتّقيه قبله بيومين كما مرّ، ولا يطيّب ثيابه قبله ولا عنده ولا بعده، ولا يلبس كما مرّ مبخرا، وقد نهى عنه عمر ومعاوية حتّى يغسله، وقال: «لأن أشمّ ريح بعير مهنّى أحبّ إليّ من أن أشمّ طيبا من مُحرم»، وقد أمر بغسله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «لأن أجد منه ريح الحنّا أحبّ إليّ من أن أجد منه ريح الطيب، فإنّ الأشعث أفضل».
ولا يمسك رأسه ولا لحيته ولا يدهنهما، وأجاز له بعض قومنا أن يتطيّب لإحرامه واحتجّ برواية عائشة قالت: طيّبته صلّى الله عليه وسلّم بيدي هذه قبل إحرامه.
والطيب ضربان: ضرب للنساء وهو ما يغلب لونه ريحه كزعفران وخَلوف، وضرب لا يغلب عليه اللون كمسك وغالية. ومن أحرم وبه طيب تمّ إحرامه ولزمه دم، وله أن يكتحل بما لا طيب فيه ولا زينة كصبر وحضض وأنزروت، ولا بكحل فيه طيب، فإن فعل تصدّق بشيء ولو امرأة إلاّ إن كان لضرّ فيلزمه دم، ولا يفعلان عند الربيع لأنَّه زينة إلاّ إن رمدا فيداويان (26) بأنزروت ولا بإثمد لأنَّه زينة، وقيل: لابأس به لرمد إن لم يكن به طيب.
وكره له النظر في المرآة، وقيل: لابأس به إن لم ينو. (3/310)
صفحة 1237
الباب الخامس
فيما يجوز من اللباس والحليّ للمُحرم
فقيل: إنّ إحرام الرجل في رأسه والمرأة في وجهها، وتلبس ما شاءت سوى الحرير والمصبوغ والمتطيَّب والحلي وإن قلّ، وهي كالرجل في الإحرام إلاّ أنَّها تلبس الخفّ. وكره لها أن تعقد شعرها ولا تعقد في عنقها ولو خيطا. ولها ستر وجهها بمروحة أو بما يحول بينها وبين الرجال إذا رأتهم بلا أن يمسّ الحائل وجهها. وترخي ثوبها من رأسها أمامه وترفعه بيدها حتّى لا يصيبه، ولا تكشف رأسها.
ولا تلبس ــ قيل ــ لزا ولا إبريسما ولا برقا ولا مصبوغا وإن بشوران إلاّ ما غسل وزال ريحه. وقيل: عليها نزع السروال والخاتم والدم، وقيل: لا والأكثر منّا على الأوّل. وإن كان عليها حليّ لا يخرج إلاّ بكسر فلتكسره ولا تحرم حتّى تخرج ما عليها منه، وتلبس القطن والكتّان والصوف والسراويل والخفّين والقفّازين ولو كانا من الحليّ، ولا تخضب بالحنّا وذبحت إن فعلت، وقيل: إن تبرق يوما أو ليلة ذبحت، وقيل: يوما وليلة إن تعمّدت.
وإن قلّمت ظفرا بيدها أطعمت مسكينا وبمكّة أفضل، ويجزي في غيرها.
وإن حبسها مرض عن البيت وقد أحرمت بما كره لها لباسه أو تداوت بطيب فعلت كالرجل. وعند محبوب يلزمها إن وضعت على رأسها خرقة حرير وتختّمت بحديد شاتان، ولا شيء عليها عند بعض.
ولا يلبس المُحرم ولو امرأة ما يُنزع إذا مات، ولا تعقد على رأسها خمارا بل تغرزه، وكذا إن جرح يلوي على جرحه خرقة ويغرز طرفها تحت الليّ وتلزم بالعقد فدية، ولا جلبابا ولا الرجل طرفي إزاره أو ردائه خلفه، وتلبس ما مرّ، والدرع والمقنعة ويلزمها إن غطّت وجهها ما يلزم الرجل إن غطّى رأسه. (3/311)
صفحة 1238
فصل
إذا أرادت الحائض أو النفساء أن تحرم فإنّها تغتسل وتستتفر بما يمسك الدم عن ثيابها ثمّ تلبس ما تحرم فيه، [501] فإذا دخلت مكّة وقضت حجّها فلا تطف إلاّ طاهرة لأنَّها لا تدخل المسجد ولأنّ الطواف كالصلاة.
وتمسك المستحاضة الدم وتطوف، وإن أدركها حيض (27) وقد قضت الطواف وبقي السعي أتمّته وإن غير طاهرة، فإن لم تركع ركعتي الطواف حتّى حاضت أو نفست وقد أقامت بمكّة انتظرت حتّى تطهر ثمّ تغتسل وتركع وتسعى. وإن أعجلها أصحابها في النفير سعت وأحلّت وركعت حيث شاءت وذبحت إن كان ذلك لعمرة، وإن كان لحجّ ركعت في الحرم. ولزوجها أن يطأها قبل أن تركع وتذبح وتركع ولو في الحلّ إن لم يطأها.
وإن أحرمت بعمرة ولم يمكنها الطواف عند دخولها مكّة لحيض أو نفاس فلمّا جاء يوم التروية أحرمت بالحجّ وقضته، وأجزاها طواف واحد وسعي لحجّها وعمرتها إذا طهرت (28) والإحرام لهما سواء.
والنفساء كالحائض فيه تقف وتقضي المناسك إلاّ الطواف. والمستحاضة كالطاهر لا عذر لها من الوداع.
والمتمتّعة إن حاضت أقامت على إحرامها إلى أن تحرم بالحجّ، ولا بأس عليها إن اغتسلت وفعلت كلّ شيء إلاّ الطواف، فإن وقفت بباب المسجد وذكرت الله ورغبت إليه فحسن، وتحرِم به إن شاءت. وتغتسل وتفعل ما يفعله الحاجّ حتّى تحلّ إلاّ طواف الزيارة، فإذا طهرت طافت واحدا لحجّها وعمرتها ولا ترجع إلى بلادها حتّى تطوف وتسعى. والْحُبلى إذا رأت دما صنعت كالمستحاضة.
وإن حاضت محرمة بعد أن طافت بعض طوافها قعدت حتّى تطهر وتغتسل وتبني على طوافها، ولا تخرج حتّى تتمّ ما بقي. فإن قرنت ثمّ حاضت قبل أن تركع وقد (3/312)
صفحة 1239
طافت سعت ورجعت إلى بلادها، فإذا طهرت ركعت. وبعض يستحبّ لها أن تركع في الحرم وإلاّ ركعت حيث شاءت وذبحت كما مرّ.
فصل
لا يغطّي المحرم رأسه ولا وجهه إلاّ إن كان بمظلّ فوقه لا يمسّه، فإن غطّاه ناسيا كشفه ولبّى. ولا يربط على جسده (29) ولا على رأسه، ولا يحمل عليه إلاّ نفقته يشدّها عليه أو في حقوه دون رأسه. وإن أذاه واحتاج إلى حلقه حلقه وذبح شاة أو أطعم أو صام. وإن احتاج إلى عمامة أو قميص لبرد أو مرض أو أراد تغطية رأسه فإنّه يكفّر.
وقد أراد عمر أن يغتسل ثمّ أمسك ثمّ اغتسل وقال: «لا أرى (30) الماء يزيد إلاّ شعثا». وكره له أن يغطس فيه ليموت القمّل، ولا بأس له بظلّ وقبلة. وإن تداوى بما فيه طيب افتدى، ولا يدلك رأسه إن غسله ويشربه الماء، ولا بحكّ جسده ما لم يدمه أو يقطع شعرا أو يقتل قمّلا، ويحكّه بباطن أصابعه أو راحته. وإن مسّ رأسه أو لحيته فسقط منه شعر ميّت لا يحسّه فلا عليه. ولزم الفداء بقطع الشعر أو الدم.
وله أن يخبز ويطبخ ويتّقي أن تلهب شعره النار فيلزمه ويحطب ويشدّ محمله ويقوم في ضيعته، ويغطّي أنفه من نتن إن هاج عليه (31) أو مرّ به ولحيته.
ورخّص بعض في أكثر من هذا من الوجه. ونكره أن يغطّي شيئا منه والوقف في الأذنين. وإن غطّى رأسه ناسيا نزَعه ولبّى ولا يلزمه الذبح إلاّ إن غطَّاه (32) يوما تامّا أو ليلة. وكره له أن ينقّب فاه. وله أن يدخل البيت والخيمة والقبّة إذا لم ينل رأسه وأراد به الكن. ولا بأس بمظلّة إن لم تنله، وذبح إن نالته؛ ولا يمشطه إن غسله ويعصبه إن آلمه.
والذقن من الرأس عند بعض، ولا يغطّى بلا ضرورة إجماعا. (3/313)
صفحة 1240
وله أن يلقي القردان عن بعيره ويطرد عنه الذباب والبعوض ولا عليه إن مات بذلك.
ويُكره الاِغتسال من ماء يصبّ من ميزاب الكعبة في غير طاهر، ولا بأس به من ماء زمزم.
ومن عقص رأسه فقصّر حين أحلّ من عمرته وقشّره وغسله لزمه الهدي. [502] وله أن يدخل الحمّام إذا فرغ من نُسُكه، وأن يغسل رأسه بخطمي. ومن غسل وسقط منه شعرة أو شعرتان أطعم مسكينا، وفي الثلاثة دم، ولا شيء في ميّت منه. ولزمه بكلّ ما عقد على بدنه سوى هيمانه رخّصوا له فيه لا بما لواه ليّا، ولا إن غطّى به رأسه.
والحمل عليه ــ قيل ــ كتغطيته يوجب الفداء إلاّ إن كان لضرورة لحمل زادِهِ ليومه أو لغده مسافة يخاف فيها فلا فداء مع ضرورة في ذلك، واختار أبو سعيد لزوم الدم إن كان على غير هذا ورجى ما لم يخمر أكثر رأسه أن لا يحكم عليه بتخميره في الجزاء؛ وإن نام فغطّى رأسه أو وجهه أحد يوما لزمه دم ونفاه الربيع عنه لأنَّه ليس من عمله ولا من أمره واختاره أبو الحسن، وكذا إن قطع منه شعرا في نومه بلا علم منه به، وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم رأى كعب بن عجرة يوقد نارا بقدر له وهو أمّ رأسه فتناثر على وجهه فقال له: «أحلق وافتد»، وقد رخّص الله (33) في الفدية بقوله: {فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا ... } الآية (سورة البقرة: 196)، فجعلها لمن حلق من الأذى، وهي صيام ثلاثة إلى ستّة أو إطعام ستّة إلى عشرة أو ذبح ثنية فما فوق على التخيير فيها، والذبح بمنى أو بمكّة يوم النحر ولا يأكل هو منها؛ وقيل: لا شيء عليه إن حلق محلاّ ولزمته فدية في عكسه إن حلقه بأمره وإلاّ فعلى الحالق كما مرّ؛ وقيل: عليه ويرجع بها على الحالق.
ومن حلق ناسيا ونسي الذبح يوم النحر فليذبح من غده ثمّ يحلق وإن لم يكن به شعر. وإن نام فحسّ برد فجرّ ثوبه على منكبيه وكفس رأسه ولم يدر ثمّ انتبه مكفسا له أخرج الكفاس ولبّى ولا عليه، وهو كمغطّيه ناسيا وإن تعمّده ذبح شاة، وإن غطّاه (3/314)
صفحة 1241
خطأ إلى الليل لزمته، وإن ذكر قبله نزع ولبّى ولا عليه وكذا المرأة في وجهها، ولا بأس باستظلاله نازلا أو سائرا ما لم تنله المظلّة ــ كما مرّ ــ ولو قربت أو كانت من ثوب وهي كالسقف.
فصل
من رفّه نفسه رجاء لقوّتها على الطاعة فهو كمكلّفها الخشونة لرجاء الثواب، وليس للعبد أن يحملها على مخوف منه بل يؤمر به بإدخال نفع عليها إلاّ أنّ القلوب مختلفة، منها ما يصلح على الخشونة في ذات الله، ومنها ما يصلح على التنعّم واللين، والمرء يسوق مطيّته وهي نفسه على ما يرجو فيه سلامتها، ولا يحملها على التلف في غير ذات الله.
والمرأة عند الضرورة كالرجل.
ومن أحرم ــ قيل ــ بقميص أو سراويل نزعه وذبح. ومن لبس منطقة (34) ناسيا نزعها ولبّى.
وإن عناه حرب ولبس ما لا يجوز له أن يلبسه وعصب رأسه لزمه فداء واحد، وإن لبسه في أوقات لزمه بكلّ لبس دم. وإن أحرم في خفّين نزعهما من (35) حينه، وإن أدخل رجله في خفّ خيف عليه الدم إذا جاوز الكعبين.
وكُره الشوران وليس كالورس والزعفران.
وإن لبس ثوبا ذبح شاة، وقيل: لا وينزعه ويلبس الإزار والرداء ويسدل بهما ويضاعف عليهما من الثياب ما شاء، ويغسل ثيابه وبدنه ويتسوّك ويلبس نعلا لا يصل كعبا. وإن لم يكن عنده إلاّ ثوب أجزاه. ويقطع الظفر إن انكسر، وإن أصابه شقاق ودهنه بما لا طيب فيه فلا عليه، ويداوي جرحه به ويغمز قرحته حتّى تخرج مدّتها (36). (3/315)
صفحة 1242
ويلبس ما غُسل من زعفران ونحوه إن زال عرفه، والطيلسان ويضع خاتمه في يده إن أراد ذلك، وبعض كرهه وألزمه الدم، ولا يقلّد سيفا إلاّ إن خاف. ومن لبس قميصا أو سراويل أو خفّا أو عقد على بدنه خيطا لزمه لكلّ منها دم؛ قلتُ: ولعلّه بالواو لا بأوْ فيظهر المعنى.
وإن لم يجد عند إحرامه إلاّ قميصا أو نحوه [503] أحرم فيه ولا يشقّ ثوبه فيتّزر ببعضه ويرتدي بآخر. ويدع من الثياب القميص والعمامة والبرنوس والسراويل وما مسّه طيب على ما مرّ. ولا يلبس الخفّين إلاّ إن لم يجد النعلين فيقطعهما أسفل الكعبين. ويلبس ثوبين ولو خلقين إن ستراه ولم يجد غيرهما، ولا يجوز في البركان على وزن الزعفران وهو نوع يُلبس، ولا في الطيلسان وهو من الحرير وهو مخالف لما مرّ ولعلّه الأصحّ. وإن أخذ اللصوص ثيابه لبس ما أمكنه وإن بعارية، وإن سلب قبل الإحرام وقف في الميقات وطلب ثوبين يحرم فيهما ولا يجاوزها إلاّ محرما.
أبو المؤثر: من أهلّ بعمرة ثمّ دخل مكّة بثوبين أهلّ بهما لها فله أن يهلّ بهما للحجّ عند وقته إن لم يتّسخا وغسلهما إن اتّسخا وأهلّ فيهما وإن عناه عدوّ فله أن يلبس آلة حربه ويفتدي كما مرّ، فإن لبس ما ليس له لزمه دم واحد إلاّ إن لبس ثمّ أحلّ ثمّ لبس فعليه لكلّ لبسة دم. وإن لبس عمامة فانحلّت ثمّ شدّها لزمه واحد ما لم يضعها ثمّ يلبسها، وله أن يطرح القبا وهو ما يلبس على ظهره. ولا يدخل يده في كمّه فإن أدخلها ذبح. وإن لبس فيه مصبوغا ينقص صبغه بمطر إن أصابه ذبح أيضا.
أبوسعيد: من لبس موجب كفّارة على جهل فلا يعذر ويقع كالعمد إن تعمّد الفعل جهلا لما يلزمه فيه، وقيل: للجاهل ما للناسي من العذر. وإن غطّى رأسه ناسيا لبّى وكشفه ولا عليه إلاّ إن فعله يوما وليلة، وقيل: أحدهما وكذا عنده في اللباس. وإن تعمّد التطيّب افتدى اتّفاقا وفي النسيان خلاف. ومن أحرم في قميص أو جبّة فإن أمكنه نزعها من الرجلين بلا خرق لها كان أوجب وإلاّ فمن رأسه ولا يكون كتغطيته حال النزع. ويُمنع كما مرّ من معصفر لأنَّه زينة إلاّ إن غسل وزال لونه وخرج من زيها (37). وليس من الطيب إلاّ إن كان مجسّدا. (3/316)
صفحة 1243
ورخّصت عائشة في ملوّن بقليل من عصفر، وقيل: لا بأس بلبسه، وقيل: يُكره.
ومن وضع ثيابه على ممسك فليذبح، وقيل: لا ولو علق بها ريحه، ويذبح ــ قيل ــ إن أحرم فيها، وقيل: أحرم وائل في طيلسان.
ولا شيء على من أحرم في نجس ولو قصّر ولا يطوف به ويعيد إن فعل.
أبو سعيد: يحرم من لم يجد إزارا في سراويل ضرورة ويذبح إلاّ إن احتال فيه وجعل الرجلين في موضع. (3/317)
صفحة 1244
الباب السادس
في مسّ النساء ونظرهنّ والجماع ونحو ذلك
ولا بأس على مُحرِم إن أدخل إصبعه في دبره عند استنجائه. وإن تعمّد نظرا إلى فرج زوجته أو سريّته ففي الدم عليه قولان، لا إن أخطأ، ولا إن أنزل متشهّيا بلا نظر إلاّ إن تكلّف الإنزال فيكون كالمجامع، وقيل: عليه بدنة ورجوع إلى الميقات مجدّدا إحراما إن أمكنه، وإلاّ قضى مناسكه وحجّ قابلا.
ويذبح إن مسّ فرجها وإن لم ينزل، وثبت إحرامه، وقيل: أساء ولا عليه. وإن مسّه بذكره فأمذى ولم ينزل ذبح عند عزّان، وقيل: بقرة، وقيل: أساء ولا عليه. وفسد حجّه إن تعمّد إنزالا ويذبح ويعيده. وكذا إن تعمّد النظر حتّى أمنى، وذبح إن قبّلها، وقيل: لا.
وإن خرجا إلى الجمرة فمسّها (38) فسد حجّه إن أعان على الإنزال، ويتمّ مناسكه ويعيده قابلا، وكذا يفسد حجّها إن طاوعته وأنزلت. ابن خالد: إن نظر فرجها أو مسّه بيده فأمنى فسد حجّه إن نظر أو مسّ بشهوة وإلاّ تمّ ولو غلبته النطفة بالسبق.
وإن حبسها حيض قبل أن تزور يوم منى وقد قضت مناسكها فأجرى ذكَره على فرجها وهو بمنى ولم يخالطها أعادت حجّها قابلا، وقيل: لا شيء عليها، وقيل: تذبح (39) ولا يقربها حتّى تزور إن حاضت قبله. وإن وطئها حجّت قابلا وتذبح عند ابن جيفر، وبطل عند ابن سليمان.
وقيل: إن لم تطهر حتّى انقضت أيام منى رجعت إلى مكّة وأقامت بها، وليس لها أن تخرج منها حتّى تطهر وتطوف وتركع وتسعى ولم يلزموها شيئا.
ومن أصاب النساء ولم يطف الفرض ذبح عند الربيع وحجّ قابلا. وإن غشيهنّ بعد الطواف وقبل السعي من عمرة وزيارة نحر بدنة [504] ولا يدع السعي. ومن (3/318)
صفحة 1245
أراد أن يحرم فنسي وجامع فإن قدر أن يرجع إلى الحدّ فيحرم منه فعل وإلاّ وخاف الفوت أحرم من حيث ذكر وذبح. ومن أفرد فأصابها ذبح ورجع إليه وأعاد إحرامه منه والحجّ قابلا، ويتمّ عند الأكثر إن أهدى بدنة في الإفراد والتمتّع، فإن أعاد وطءا أعاد مثل ذلك، وقيل: غير ذلك. وإن جامعها بعد الرمي فعلى كلّ بدنة وإعادة حجّ.
وفسد إحرام واطئ في فرج قبل الوقوف ويذبح إجماعا. وعن عمر أنّ عليهما جزورا بينهما (40) إن طاوعته ويمضيان على إحرامهما ونسكهما ويعيدانه قابلا، وقيل: على كلّ منهما ذلك ولا يجاوزان محلّهما إلاّ محرمين ويفترقان في المسير. وإن أكرهها وغشيها نائمة لزمه ما ذُكر دونها وتقضي مناسكها.
وإن أصابها متمتّعا رجع إلى الحدود وذبح، ويكرّر (41) الذبح بتكرير الوطء. وإن كان مفردا رجع وأحرم منه وحجّ قابلا وذبح.
وإن نظر عورة (42) غير زوجته أو سريّته فأنزل ذبح وحجّ قابلا، وإن لم ينزل ذبح إن فسد وضوؤه.
ومن تمتّع فأراد الحجّ في غير أشهره فجامع في غيرها ثمّ استأنف العمرة فأدركته الأشهر قبل أن يقضيها قضاها وذبح. ومن رمى ــ قيل ــ الوسطى أو التي دونها وحسبها للعقبة وذبح وحلق وطاف وسعى ثمّ غشي أهله ثمّ علم أنَّه أخطأ ذبح بدنة وحجّ قابلا. وإن أتاها بعد الطواف وقبل السعي فسد حجّه عند محبوب ولزمته بدونة، ورجى أبو سعيد عدم فساده. وإن طاف وسعى وجامع ولم يركع ركع وسعى وذبح، وعند أبي حنيفة يركع ولا عليه.
والفسوق والجدال المذكوران لا يبطلان الحجّ إجماعا وذلك ممّا يقع من المخاصمات حتّى يخرج عن الحقّ. والفسوق فعل كلّ محرّم، وقد أنشد ابن عبّاس شعرا فيه ذكر النساء فقيل له أترفث؟ فقال: إنّما الرفث ما تكلِّم به بين أيديهنّ. (3/319)
صفحة 1246
فصل
لمتمتّع ما لم يُحِل بالحلق أو التقصير ولو طاف وسعى وأبيح له الحلال فهو محرم، وما أتى ممّا منع منه المحرم فعليه في حاله ما على المحرم في الصيد واللباس وغيرها من الممنوعات؛ وذهب بعض قومنا إلى أنّ الإحلال هو إذن للمحرم وليس بواجب عليه كالتسليم للصلاة، ولو لم يؤذن في الإحلال لزمه في الحلق والتقصير الجزاء لمنع المُحْرِم منهما ولكنّه إذن من الله بذلك، وقد خرج من الإحرام إلى الإحلال، فإذا أحلّ حلّ له الحلال ولا يباح له الإحلال إلاّ وهو حلال.
وإن وطئ المتمتّع بعد الطواف وقبل السعي فإن كان ناسيا سعى وذبح وقيل بدنة، وإن تعمّد فسدت عمرته وذبح، وقيل: لا تفسد مطلقا ولزماه، وقيل: تفسد مطلقا ولزمه الذبح. وإن قصّر رأسه ثمّ وطئها قبل أن تقصر هي ذبح بدنة وتمّ حجّه. وإن عبث مفرد (43) بذكره فكالواطئ إن أمنى فيما مرّ إن كان في أشهره وإلاّ رجع إلى الحدّ وجدّد الإحرام وأهدى وتمّ حجّه، وقيل: يعيده قابلا مطلقا.
ومن أحرم من مكّة مفردا أو قارنا حرّم عليه ما حرّم على غيره من أكل الصيد والرفث والفسوق والعصيان والجدال والعبث بالمنهي عنه، والتلذّذ بالنظر أو التقبيل أو بمسّ ما تحت ثوبها، فإن قبّلها أو مسّها ذبح. ولا يقرب صيدا ولا لحمه ولا يشير عليه ولا يعين على أخذه ولا يدلّ عليه. وقيل: إن قبّلها واطمأنّا لم يفسد حجّه وأساء.
ومن سرق عليه ثوبَا إحرامه فله أن يبدل غيرهما.
ويكره له النوم معها في فراش.
ومن قضى المناسك ونسي طواف الزيارة وجامع محلّة ولم تعلم ذلك ذبح وحجّ قابلا، وعليها ذلك أيضا إن كانت محرمة. وإن وجد كلّ منهما بدنة ذبحها وإلاّ فشاة. وإن أحرما قابلا فليفترقا حتّى يقضيا نُسُكَهما، وله وطؤها فيما بين ذلك.
ابن محبوب: إن مسّ فرجها أو نظره أساء ولا [505] عليه إن لم ينزل. (3/320)
صفحة 1247
أبو سعيد: من أفسد عمرته في الأشهر بوطء أو نحوه فسد ــ قيل ــ حجّه في عامه لأنَّها فيها من أسبابه، وقيل: تفسد هي دونه ويمضي فيها حتّى يتمّها، وإن أمكنه (44) الرجوع أو التجديد لها من الميقات فعل وأدامها، وأحرم بالحجّ إذا جاء وقته وأتمّهما، وإن لم يمكنه ذلك وأحرم به قضاه وأبدلها وهي ديْن عليه. وإن أفسدها في غير الأشهر لم يفسد حجّه ويعيدها وحده.
فصل (45)
أبو المؤثر: من جامع قبل الوقوف ورجع إلى الميقات وأعاد منها الإحرام ومضى على حجّه ذبح بدنة وتمّ له. وإن لم يرجع وأحرم دونها وقف وقضى حجّه وذبح شاة وفيه تأمّل.
وإن أحرم دونها أهدى بدنة وتمّ له أيضا. وإن لم يجدّد الإحرام قضى المناسك وذبح وحجّ قابلا كما مرّ. وإن رمى العقبة ثمّ ذبح وحلق حلّ له غير النساء والصيد حتّى يزور ويركع ويسعى فيحلّ له غير صيد الحرم وشجره إذ لا يحلاّن البتّة.
وإن اصطاد قبل أن يزور لزمه الجزاء. وإن وطئ قبله قضاه وذبح بدنة وحجّ قابلا، وكذا هي إن طاوعته كما مرّ. وإذا حجّا قابلا وبلغا محلّ الوطء افترقا كما مرّ عقوبة حتّى يزورا، وقيل: لا بأس أن يرحل لها الراحلة ويحطّ عنها إن نزلت بها أو يبعث لها طعاما وتبعث له، ولا يجتمعان في بيت أو نحوه ولا يكلّم كلٌّ (46) صاحبَه ولا يجالسه إلاّ إن حسّ لها عن شيء من مسمعها فيجيبها وكذا في سريته والله أعلم بما يلزمها.
ويوصي بالحجّ قابلا أو بعده من لزمه إذا احتضر.
وإن وطئ ناسيا قبل قضاء حجّه قال: أعجبني أن يكون كالصائم إن وطئ نهارا ناسيا على الخلف في لزوم الدم مع صحّة حجّه، والمختار أن يلزمه وإن حسن ذبحه. قال: ولا نعلم فسادا بمسّ فرج غير امرأته أو سريته ولو تعمّده إن لم ينزل. (3/321)
صفحة 1248
أبو سعيد: من أولج حشفته ولو في بهيمة أو دبر أو عبث بشيء قصد الإنزال فهو واطئ رافث فاسد الحجّ وإن لم ينزل، ولم يصحّ له اسم مجامع بمغيبها فهو بمعناه إن أنزل، والدبر أشدّ وإن من غير الزوجة؛ والبهيمة قد ثبت في إتيانها حكم الزنا لما روي: «اقتلوها وناكحها»، فكان إتيانها أشدّ من الزنى بالإنسان وهو أن يُقتل بالسيف، وقيل: يُهدف به من رأس جبل ثمّ يُرمى بالحجر حتّى يموت، وقيل: يُرجم ولو كان بكرا.
ولا تقع حجّتان أو عمرتان بإحرام واحد كما (47) مرّ ويقع به قران حجّة وعمرة، فمن أحرم بعمرتين في الأشهر قال: لم يبعد أن يلزمه معنى القران ويكون محرما بهما، ولا يتحوّل الإحرام إلاّ إلى ما يثبت. (3/322)
صفحة 1249
الباب السابع
فيما يلزم مفسدا حجّه
أبو سعيد: الأكثر منّا على أنّ من جامع في حجّ أو عمرة فعليه بدنة، وقيل: يجزيه هدي وأقلّه شاة كما مرّ، والمرأة كالرجل ولا يجزيهما واحد إن تساعدا لأنّ على كلٍّ عقوبة، قال: ولا يتعرّى من قول بلزوم واحد لاتّحاد الفعل منهما ولأنّ المحرمين إن قتلا صيدا فقيل: عليهما جزاء، وقيل: جزاءان. وقيل: إن جاءا معا مستفتين بحكمين أُلزما واحدا، وإن جاءا مفترقين أُلزم كلّ منهما جزاء. واستحسن ما جاء عن أهل الرأي من أنَّه إن كان الفساد قبل عرفة لزمهما هديان، وإن كان بعدها وقبل الزيارة لزمهما واحد، قال: وهذا لا يخرج إلاّ على وجه الرأي فأمّا في الأصل فيوجب معنى الاِتّفاق أنَّهما ممنوعان من ذلك، وإنّما أُلزما جزاء لتعدّيهما المنع. فعلى من تعدّى عقوبة واحدة.
قال: وهدي المجامع عند أكثرنا ناقة إن وجد وإلاّ فبقرة وإلاّ فشاة كما مرّ، وإذا ثبت هذا لمعنى الوجود فمن لم يجد ذلك فهو معدم ولو كان عنده قيمة بدنة، ويقع الهدي على الكلّ والشاة ممّا استيسر منه.
وعلى من جامع مرارا في حجّة كفّارة بكلّ وطء، وقيل: واحدة كما مرّ، وإن كفّر ثمّ وطئ لزمته أخرى (48) اتّفاقا، وكذا إن جامع في مكان امرأتين أو أكثر أو واحدة في مكانين. وعلى المكره ما عليه وما عليها. وعلى القارن إن جامع قبل تمام حجّه كفّارتان، وقيل: واحدة، وقيل: بدنة له وشاة لعمرته، وقيل: يجزيه شاتان ويبدلهما قابلا.
وإن وطئ المحلّ محرمة نائمة أو مكرهة فعليه ما عليه ينفقه في قضاء حجّها والتوبة وقد مرّ الكلّ. (3/323)
صفحة 1250
ومن أفسد [506] حجّه خرج إليه قابلا من حيث يلزم الإحرام من أيّ جهة كان لا من حيث أهلّ قبل، ولا من حيث أفسده إلاّ إن كان ما أهلّ فيه لما أفسده أبعد ممّا دخل فيه من الميقات وممّا يحرم منه للبدل فقيل: يلزمه من حيث أهلّ ليله (49) بإصلاح ما أفسده، وقيل: لا يضرّه ذلك لإتيانه بالحجّ على السنّة.
ومن قبّل زوجته كرامة ورأفة فلا عليه، وإن نظر إليها حبّا لها وكرامة لا لإنزال وإعانة عليه خرج من معنى الجماع، وأشبه فيه معنى الكفّارة بالهدي قال: وتجزيه عندي شاة ما لم يصحّ منه قصد الشهوة. وإن نظر إليها نظرة ثمّ صرف عنها وأثارتها النظرة فغالبته حتّى أمنى اختار أن تلزمه شاة وأن لا يفسد حجّه. وإن نظرها جائزا لا لشهوة فحضرته منه فزادت عليه بلا قصد للتشهّي والنظر حتّى أنزل فقيل: لا شيء عليه، وقيل: عليه شاة. وقيل: إن أتاها بعد رمي الجمرة وقبل الإفاضة فقيل: يحجّ قابلا، وقيل: يعتمر من التنعيم ويهدي بدنة وقد تمّ حجّه، وإن قبّلها بعده وقبْلها فقولان في الشاة وقد مرّ غالب الباب. (3/324)
صفحة 1251
الباب الثامن
في المُحرِم إذا خرج منه دم أو شَعر أو ظفر أو عقد على نفسه عقدا
أبو سعيد: إذا أراد أن ينزل من محلّ فتعلّق به لينزل (50) فجرحت يده كان خطأ، وفي الدم عليه قولان ولزمه بالعمد؛ فإن أصاب بشرا فأدماه خطأ لزمه الأرش ولا دم عليهما. وإن حطب أو كسّر شيئا أو وطئ شوكا أو خشبة أو سدعه شيء فأدماه وإن في مواضع بلا قصد فإن كان خطأ وفي وقت لزمه دم واحد، وقيل: لا جزاء عليه فيه.
وإن قتل رجلا ولو في الحِلّ فعليه مع الرقبة بدنة سمينة.
وله ــ قال أبو المؤثر ــ أن يتخلّل ويتّقي إدماء فيه، ولا عليه إن أدماه إلاّ إن زاد على المعتاد فيذبح، وأن يحكّ بدنه إن أكله بما مرّ، ولا يخمشه بأظفاره وإن خمشه بها خمشة أطعم مسكينا، وبخمشيْن مسكينين ولو ناسيا. وإن حكّ فانقلع منه بعض الشعر فلا عليه. وفي نتف شعرة فأكثر ما مرّ، وأن يعمل صنعة يخاف على نفسه منها حرجا إن احتاج إليها. وإن طعنته مدية أو إبرة إن خاط بها فأدمى فلا عليه، وأن يداوي جرحه ويقلع ضرسه إن أذته، ويقلع لغيره ويداويه، وأن يضرب راحلته ضربا غير مبرح.
وإن ازدحم المحرمان فصرعا أو أحدهما فلا بأس إن أدمى، وإن احتكّ بجدار أو غيره فانسلخت منه جلدة أو انقلعت شعرة أطعم مسكينا إن تعمّد. وإن تعمّد فأدمى لزمه دم. وإن أصابته شوكة أو نحوها فأنقشها فأدمى فلا عليه. وإن عصر رجله حتّى أدمى كفّر لا إن أدمى قبل عصر. ومن به قرح أو حبّ فشقّه أو نقشه حتّى خرج ما فيه فلا عليه. (3/325)
صفحة 1252
وله أن يتمخّط إن رعف حتّى يخرج الدم من أنفه، ولا يتعمّد إخراجه، فإن تعمّده كفّر. وإن تمخّط لمخاط فخرج دم بلا تعمّد لإخراجه فلا عليه. وإن نقر أنفه فاحمرّ إصبعه ولا يدري من أين هو فالوقف. وإن جرح لسانه عند الأكل أو أدمى فوه أو انكسر ضرسه أو عقر إصبعه بفيه فلا عليه، ولا إن قشّر قرحة فيداويها ولو أدمت. وإن قشّرها عابثا بها كفّر إن أدمت. وإن ضرب دابّة حتّى أدماها لزمه لربّها أرشها، وإن لم يضرّها فلا أعلم أنَّه يلزمه غير التوبة.
ويذبح إن شجّ عبده واختير له أن يعتقه. وإن شجّ حرّا لزمه القصاص والبدنة، وإن شجّ المحلُّ محرما في حرم لزمه القصاص فقط. ومن جرح نفسه أو غيره فأدمى ذبح. ومن لاعب صبيا فنتف من لحيته ثلاث شعرات أو جرحه ذبح أيضا ويفتدي إن قصد لعلّة، وأقلّه صوم ثلاثة. ولزمه بقلع ضرسه شاة، ويقطع ظفره إن انكسر من حدّ الكسر، ويميط الأذى عن نفسه، ولا يمشط لحيته ولا رأسه ولا يدهنهما إلاّ إن كان به جرح أو شقوق يتداوى بدهن فبما لا طيب فيه.
وله أن يقاتل اللصوص إن لقوه في الطريق ويسعه الترك. وإن رآهم يسلبون غيره [507] ولم يتعرّضوا له جاز له أن يقاتلهم، وكذا إن أخذ حجّة من الغير جاز له إن خلف وفاء. وله أن يحجم ويحتجم بلا قطع الشعر من محلّ المحاجم، ولزمه الجزاء إن قطعه. ولزمه بخروج الدم وحده بفعله أو بأمره عند محبوب دم لا عند غيره. ويدهن شقوق رجله بما يأكل وبالزيت والشحم والخلّ والسمن عند أبي عبيدة، وكره ذلك بعض. وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم دهن بزيت غير مطيّب، وشدّد ابن عمر في الأدهان قبل الإحرام؛ ولا يدهن بما فيه طيب قبله عند الربيع حتّى يغسله بخطمي وينقّيه من ريحه، وأجاز للمحرِم الدهن بما لا طيب فيه إن احتاج إليه والتسعّط به.
وإن تعمّد إدخال يده في نار فلهبت منه شعرا لزمه ما مرّ. (3/326)
صفحة 1253
فصل
أبو المؤثر: إذا دخل المحرِم مكّة اغتسل إن أمكنه وإلاَّ توضّأ. ويتّقي نتف الشعر بالعرك، فإن انتتف منه بلا عمد لم يضره. وإن اغتسل لا لمعنى فانتتفت منه شعرة أطعم مسكينا. وإن توضّأ فخلّل لحيته فانقطعت منها شعرة أو بغسل من جنابة فلا عليه.
ولا يفلي مُحرِمٌ محلاّ وإن فلى المحلّ محرِما بلا أمره فلا عليه، وإن فلاه بأمره فعليه مثل فعل نفسه.
وقيل: في الشعرة صاع، وفي ضعفها ضعفه، وبأكثر شاة.
ومن وقد نارا لطعام فحملتها ريح إليه فأحرقت منه شعرا ففي العذر بذلك ولزوم الدم قولان، وإن فعله مرارا في أوقات ولم يكفّر ففيه شدّة ورخصة؛ وحسُن أن يتقرّب بدم، قال: ولا أحبّ التشديد على من تسعه الرخصة.
ومن نتف شعرة فأدمت لزمه الدم، وإن نتفها ثمّ تصدّق ثمّ نتف أيضا فليتصدّق أيضا. ومن دام بفعل فليتصدّق على ما مرّ، والخطأ كالعمد في الجزاء. وإن أخذ شاة ليذبحها فتناثر منها شعر في يده ولو كثر صام يومين أو ثلاثة. وإن اصطلى بنار فأحرقت شعره فكنَتْفِه. وإن قصّ أظفار محِلّ تصدّق بشيء. وإن قصّ لنفسه أو قصّ له فليذبح، وإن قصّه غيره بلا أمره ولم يعلم به فلا عليه عند الربيع. وذبح إن عقص شَعره، ولا يلزم المرأة بعقصه شيء. ومن نتف من لحيته ثلاثا ثمّ في الغد واحدة ذبح للثلاثة وأطعم للواحدة لنتفه في يومين، ولو نتف في واحد أربعا أو أكثر لزمه واحد.
فصل
قال مولانا ــ عزّ وعلا ــ: {وَلاَ تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (سورة البقرة: 196) الذي يحلّ ذبحه فيه وأكله والانتفاع به، فمن أفرد فمحلّه يوم النحر، ومن تمتّع فيوم يبلغ هديه الحرم. (3/327)
صفحة 1254
وقيل: خرج ناس متمتّعين فنزلوا دون الحرم فلُدغ أحدهم فأقاموا له فشقّ ذلك عليه ولم يدروا كيف يصنعون، فمرّ بهم ابن مسعود فسألوه عنه فقال: «يبعث بالهدي إلى مكّة واجعلوا بينكم وبينه علامة، فإذا ذبح فليحلّ ولزمه قضاء عمرته».
{فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَّرِيضًا} (سورة البقرة: 196) حال إحرامه {أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ} يحتاج إلى تداو أو به قمّل أو غيره واضطرّ إلى حلقه فإنّه يحلقه ويفتدي بما مرّ، فالصوم حيث شاء، والذبح والإطعام يُحَبَّان ــ قيل ــ بمكّة، وقيل: حيث شاء.
قال أبو سعيد: أمّا في معنى الأذى فقيل: إنّه القمّل وأمّا المرض فإن كان يحتاج إلى تداو وينفعه أخذ الشعر فداخل في موجب الفدية، وله أن يفعل ما يزيل عنه الأذى، فإن لبس وحلق وتطيّب لزمه بكلّ كفّارة وجزاء، ورجا أنَّه إن فعل ذلك بمرض أو أذى يلزمه لكلّ فدية.
وإن لبس قميصا وعمامة وسراويل في وقت لزمته واحدة ولو دامت عليه، فإن نزعها ثمّ لبسها فقيل: لزمته ثانية، وإن نزعها لما لابدّ منه وقد لبسها لعذر فكاللباس الواحد ما دام في حاله، وإن لبسها لغيره فخلعها ثمّ لبسها لزمته ــ قيل ــ ثانية.
وإن فعل مباحا له في بدنه لم يضرّه، وقال ابن عبّاس لرجل طال شعره [508] أسفل من منكبيه: غطّ منه ما تحت الأذنين. وإن مشى تحت محمل فأصابه فقطع شَعرا من رأسه أو أدماه فلا عليه. وإن وقع من بعيره فانجرح (51) فجزّ له رجل شَعرا من علا جرحه فداواه فلا عليه ويفتدي هو بدم.
وإن أصابه صداع فعصب رأسه لزمته صدقة، وإن بلغ بالعصابة نصفه فدم. ولا يقصّ ظفرا إلاّ إن انكسر وأذاه، وإن قصّ أظفاره بلا عذر فعليه ما مرّ في الشعر، وإن قصّها كلّها في مكان قبل أن يكفّر لزمته واحدة، وإن انقلع منه بلا قصّ نزعه ولا عليه.
ابن سعيد: إن أراق بولا راكبا ولم يجد ما يستجمر به في حينه وخاف تنجّس ثيابه فربط على ذكره خرقة (52)، فإن عقدها أو (53) عليها خيطا ذبح، وإن لواها ليّا أو الخيط عليها بلا عقد فلا عليه. أبو المؤثر: إن عقد على يده أو رجله حبلا أو خيطا (3/328)
صفحة 1255
أو خرقة بلا علّة لزمه دم لا إن لوّى ذلك ليّا وغرزا بلا عقد، ورخّصوا له في عقد الهيمان عليه كما مرّ. وإن لوّى المنطقة أو غيرها وأدخل السير في حديدتها ولم يعقد ذلك قال أبو سعيد: فلا نعلم فيه جزاء عليه. والعقدة في الحكم كضعفها إن كانت في معنى واحد. وإن عقد بثوب عقدات مفترقة لمعنى لم يبعد أن تكون بمعنى الواحدة ولا أن تكون بمعنى المفترقة، ولكلّ على انفراده (54) جزاء. وإن كانت لمعان مختلفة ولو في مقام فلكلّ جزاء؛ ولا يبعد أن يكون فيه واحد إن كان في واحد، قال: وأخبرنا الثقة أنّ الوضّاح بن عقبة كان هيمانه في حقويه وهو محرِم، وقيل: يشدّه في وسطه ولا يضيّع دراهمه. (3/329)
صفحة 1256
الباب التاسع
في قتل (55) المحرِم الدوابّ وغيرَها وما يجوز له وما يحرم
الربيع: لو اجتمع نفر على قتل سبُع لأجزتهم كفّارة واحدة. ولا بأس بقتل حيّة ولا بنبذ ذرّة أو أقراد. ابن عمر: «انبذه عنك فإنّ حياته وموته بإذن الله».
ومن قتل وزغة تصدّق بقبضة طعام، ولزمه بقتل ذرّة أو قمّلة أو نملة ونحوها تمرة، وما يعطى فيهنّ خير منهنّ، وكذا البعوض ونحوه ولا حكم في ذلك. وقال عمر: تمرة خير من جرادة، وكان ــ قيل ــ يقرد بعيره مُحرِما ولا شيء على فاعله، ومن قتله تصدّق بلقمة، وقيل: لا شيء على من قتل قرادا أو حلمة أو نحوهما، وقيل: فيها والذبابة قبضة طعام.
قتادة: إن لصق بك ما ليس منك فانبذه عنك لا ما هو منك، فإن فعلت فقبضة منه أيضًا (56)؛ وقال في قمّلة تمرة أو حبّة بُرّ وهي خير منها. وفي ضفدع قبضة تمر أو حبّ أو دقيق.
وكره قتل القمّل ولا شيء فيه ولا في الذرَّة، وقيل: يتصدّق بمعروف، وقد فعل ــ قيل ــ ذلك أبو صفرة فأمره محبوب أن يشتري بدرهم تمرا يتصدّق به وقد قتل ذرّا كثيرا.
ويُقتل كلّ مؤذ ولا جزاء فيه.
وإن وقع في طعامه شيء من الدوابّ أخرجه لئلاّ يفسده، ولا يقتل قمّلة إن آذته ولا يرمي بها بل يضعها في ثوبه ولا يجعله في الشمس ليموت قمّله، ولا يغسله بسخين ليموت أيضا ولا يصبه على رأسه أيضا ليموت منه. وله طرد الذباب عن بعيره والبعوض ويرمي عنه القراد. (3/330)
صفحة 1257
ولا بأس بذبح الدجاج وأكل بيضه، وكُره له أن يذبح ديكا أو دجاجة حتّى يعلمه أهليا، وفيها إن كانت وحشية شاة، ولا يأكل بيضها حتّى يعلمها أهلية. وإن قتل سلمة وعسالة ونحوهما لزمه صاع كالحرباء. ولا بأس بقتل اللغ ولا فداء فيه كالوزغ؛ وفي العصفور والضفدع صاع، ولا شيء فيما لا يعيش إلاّ في البحر. وإن أصاب مكلّبا غرم ثمنه لأهله ولا عليه. ومن فقأ بيضة في الحرم فعليه دم، وفي الجراد قبضة طعام، وبفرخ الطير جدي؛ ولا في قتل ذئب إن عرض له وإلاّ اختير له أن يتصدّق بتمرة، ولا في كلّ سبع خاف منه وكره له طرده ليقتله. وله أن يرمي العقاب ونحوه إن قصد راحلته أو طعامه ولا يتعمّد قتله، فإن قتله على ذلك فلا عليه.
ومن قتل حيّة غير أفعى وأسود افتدى عند محبوب. وإن ابتدأ سبعا بالقتل فعليه قيمة ما يحكم به عليه إلاّ إن جاوزت الدم لم يلزمه غيره لا إن ابتدأه السبع فقتله، وقد مرّ ما يُباح قتله. ويُرمي [509] الغراب ولا يقتله، والكلب العقور والحدأة والسباع العادية وكلّها سواء. ولا شيء في الكلب والذئب ولو ابتدأهما.
وليس على القارن إن ابتدأ سبعا إلاّ جزاء واحد، ويطرد الحمام عن رحله برفق، ويقتل كلّ مؤذ ولا جزاء فيه.
فصل
من لزمه الحدّ فدخل البيت فإنّه يخرج منه ولو تعلّق بالكعبة فيقام عليه خارج المسجد. أبو عبد الله: من جنا جناية كقتل أو سرق أو شرب أو زنى وهو في الحرم أو فعله في غيره ثمّ التجأ إليه فإنّه يقام عليه فيه حدّ ما أتى إلاّ القتل فإنّه يخرج منه ثمّ يقتل. ومن قتل ثمّ فرّ فدخله فإنّه لا يطعم ولا يؤمر حتّى يخرج فيقتل، ويُقتل في الحرم إن قتل فيه. وإن سرق المُحرِم أمره الإمام أن يطوف ويسعى ويحلّ ثمّ يُحدّ. (3/331)
صفحة 1258
الباب العاشر
في الدلالة في الحجّ
فمن أراد أن يخرج إليه قضى كلّ تباعة كما مرّ واستحلّ أرحامه وجيرانه.
فإذا وقف عليه صلّى في منزله ركعتين وقال: «اللهمّ إنّك فرضت الحجّ وأمرت به فاجعلني ممّن استجاب إليك، ومن وفدك الذي رضيت وارتضيت وكتبت وسمّيت» ..
فإذا أراد أن يركب سلّم على أهله وودّعهم وأظهر لهم الشفقة.
فإذا ركب كبّر ثلاثا وقال: «اللهمّ أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد، اللهمّ أصحبنا في سفرنا واخلفنا في أهلنا بحسن صنعك، اللهمّ أنت معي في سفري وفي أهلي وفي خلقك أين ما كانوا فاحفظني في ذلك». وقال: «الحمد لله الذي هدانا للإسلام وعلّمنا القرآن ومنّ علينا (57) بنبيئنا محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ أفضل الصلاة وأزكى السلام».
فإذا سارت راحلته قال: «الحمد لله الذي حملنا في البرّ والبحر ورزقنا من الطيّبات إلى تفضيلا، {سبحان الذي سخّر لنا هذا} إلى {لمنقلبون} (سورة الزخرف: 13 - 14)، والحمد لله ربّ العالمين».
فإذا صعدت كبِّر وإذا هبطت سبِّح وقيل: حمِّد، وإذا نزل منزلا قال: «الحمد لله الذي بلّغنا سالمين، اللهمّ {ربِّ أنزلني} الآية (سورة المؤمنون: 29)، اللهمّ ارزقنا بركة منزلنا هذا واصرف عنّا شرّه وبأسه ووباءه، فإذا أقدمتنا من منزل إلى منزل فأبدلنا ما هو خير منه». وإن تيسّر له أن يودّع المنزل بركعتين فعل.
فإذا انتهى إلى المواقيت وأراد أن يُحرم فليدهن بما لا طيب فيه ثمّ يغتسل بسدر أو خطمي إن أمكنه وإلاّ أجزاه الوضوء ثمّ يلبس ثوبي إحرامه ثمّ يصلّي ركعتين إن لم يكن وقت المكتوبة. (3/332)
صفحة 1259
فإذا سلّم وأراد الإحرام بعمرة اعتقده بها ولبّى كما مرّ ثلاثا في مقامه ثمّ يركب ملبّيا، فإذا استوى قال ــ كما مرّ ــ من التحميد والتكبير والثناء على الله، وتلى {سُبْحَانَ الذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} الخ (سورة الزخرف: 13 - 14)، وهو مع ذلك يلبّي ولا يقطعها بالأسحار ولا عند طلوع الفجر، ويلبّي وهو على وضوء، ويجتنب كلّ ممنوع.
فإذا قدِم مكّة شرّفها الله وقف على باب المسجد ونظر الكعبة أمسك عن التلبية بعد أن ينظر موضعا ينزل فيه.
فإذا نزلْته وأردت البيت فاغتسل إن أمكنك وإلاّ أجزاك الوضوء.
فإذا أتيته ونظرت الكعبة فكبّر ثلاثا وقل (58): «اللهمّ زد بيتك هذا شرفا وتعظيما ومهابة وتكريما، وزِد مَن كرّمه وعظّمه وشرّفه ممّن حجّه واعتمره تكريما وإيمانا وبِرّا من عبادك من الصالحين».
فإذا وقفت بالباب وأردت الدخول فقل: «اللهمّ أنت السلام ومنك السلام واحشرنا مع نبيئك محمّد عليه الصلاة والسلام».
فإذا قصدت البيت ذاهبا إليه فكبّر ثلاثا وأنت تمشي وقل: «اللهمّ إنّ البلد بلدك والبيت بيتك جئتك أطلب رضاك وإتمام طاعتك متّبعا لأمرك راضيا بقدرك، أسألك مسألة البائس الفقير، وأدعوك دعاء الخائف المستجير المضطرّ إليك، المستسلم لأمرك، الخائف من عقوبتك، المشفق من عذابك، وأن تستقبلني بعظيم عفوك، وأن تجود عليَّ بمعفرتك (59)، وأن تعينني على أداء [510] فرائضك»، ثمّ تحمد الله وتهلّله وتسبِّحه وتكبّره (60) وتصلّي على محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات.
فإذا أتيت الحجر فقل: «اللهمّ كثُرت ذنوبي وضعف عملي فاغفر لي وتقبّل توبتي وتجاوز عنّي»؛ فإذا أردت أن تستلمه فقل: «اللهمّ إليك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي، فاجعل جائزتي فِكاك رقبتي من النار، وأسعدني في دنياي وآخرتي»؛ ثمّ تقف حيال الحجر وتحمد الله وتثني عليه، وتكثر من الحوقلة والتصلية على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ. (3/333)
صفحة 1260
فإذا أردت الطواف فلُذ بركن الحجر يسارك قليلا بقدر ما لا تقابل الباب ثمّ تأخذ في الطواف يمينك من الركن وتكبّر عنده ثلاثا وتقول: «اللهمّ إنّي أسألك إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك وإقرارا بربوبيتك واتّباعا لسنّة نبيئك محمّد صلّى الله عليه وسلّم»؛ وتأتي بالباقيات الصالحات وأنت تطوف وتصلّي عليه أيضا.
فإذا أتيت الباب فكبّر ثلاثا وقل: «اللهمّ اغفر لنا ذنوبنا وقِنا شحّ أنفسنا، واجعلنا من المفلحين»؛ وتمشي وأنت تذكر الباقيات الصالحات والصلاة على النبيء.
فإذا أتيت الميزاب فكبّر ثلاثا وقل: «اللهمّ إنّي أسألك الراحة عند الموت والعفو عند الحساب والنجاة من العذاب»؛ وتمشي وأنت تذكرها أيضا.
فإذا أتيت الركن اليماني فكبّر أيضا وقل: «اللهمّ {رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً} الآية» (سورة البقرة: 201)؛ واستلمه إن قدرت وإلاّ فكبّر حياله وامسحه ولا تؤذي أحدا، ثمّ تمشي وأنت تذكرها والتصلية أيضا.
فإذا وصلت ركن الحجر فاستلمه أيضا إن قدرت وإلاّ فكبّر حياله ولا تؤذي أحدا ثمّ تكبّر عنده ثلاثا ثمّ تقول أيضا: «اللهمّ إنّي أسألك إيمانا بك ... » الخ ما مرّ، تفعل ذلك سبع تطويفات، وقيل: تكبّر ثلاثا وتقول: «اللهمّ إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وضيق الصدر، وعذاب القبر، وموقف الذلّ في الدنيا والآخرة»؛ تقول ذلك وأنت ترفُل في طوافك ثلاثة أشواط وتمشي أربعة.
فإذا أتممت سبعة أشواط من الحجر إلى الحجر خرجت من الطواف ثمّ تأتي زمزما وتشرب منه وتصبّ منه على رأسك وتقول: «اللهمّ إنّي أسألك إيمانا تامّا، ويقينا ثابتا، ودينا قيّما، وعملا صالحا، وعلما نافعا، ورزقا حسنا واسعا، وشفاء من كلّ داء»؛ ثمّ تصلّي ركعتين خلف المقام أو حيث أمكنك في المسجد.
فإذا ركعتهما أتيت ركن الحجر وتقوم حياله وتذكر الباقيات الصالحات والتصلية وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، وتسأله حوائجك الدنيوية والأخروية وتقول: «اللهمّ إنّ هذا مقام العائذ بك من النار فحرّم لحمي عليها»، وادع بما بدالك ولا تطل. (3/334)
صفحة 1261
ثمّ امض إلى الصفا من بابه وهو بين الأسطوانتين المذهّبتين وقل: «اللهمّ افتح علينا أبواب رحمتك»، فإذا أتيته فاصعد عليه بقدر ما تقابل الكعبة ولا تعلونّ عليه، وقيل: خمس درجات. فإذا صعدت فكبّر سبعا، ونُدب لك أن تقول آخر السابعة على إثرها: «ولا إله إلاّ الله والله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا إله إلاّ الله والله أكبر على ما هدانا وأولانا، والحمد لله على ما أعطانا، ولا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حيّ دائم لا يموت بيده الخير كلّه وهو على كلّ شيء قدير، لا إله إلاّ الله ولا نعبد إلاّ إياه، لا إله إلاّ الله إلهًا واحدا ونحن له مسلمون، لا إله إلاّ الله إلها واحدا ونحن له عابدون، لا إله إلاّ الله إلها (61) واحدا ونحن له مخلصون، لا إله إلاّ الله إلها (61) واحدا فردا صمدا أبديا، لم يتّخذ ربّنا صاحبة ولا ولدا، لا إله إلاّ الله وهو أهل للتهليل والتكبير والتحميد والتمجيد (62) والثناء الحسن المجيد، لا إله إلاّ الله ولا نعبد إلاّ إياه، لا إله إلاّ الله مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلاّ الله وحده (63) صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده»؛ ثمّ تصلّي على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ثمّ تستغفر كما مرّ ثمّ تقول: «اللهمّ استعملنا بسنّة نبيئنا محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وأعذنا من الفتن ما ظهر منها وما بطن» ثلاثا
ثمّ تنحدر [511] من الصفا ذاهبا إلى المروة قائلا: «اللهمّ اجعل هذا الممشى كفّارة لكلّ مشي كرِهته منّي».
فإذا أتيت العلَم الأخضر هرولت بين العلمين قائلا: «اللهمّ اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنّك أنت الأعزّ الأكرم وأنت الربّ وأنت الحكم، اللهمّ نجّنا من النار سراعًا (64) سالمين، ولا تخزنا يوم الدين».
فإذا أتيت العَلَم الموالي للمروة أمسكت عن الهرولة ومشيت إليها، فإذا أتيتها فاصعد عليها بقدر ما تقابل الكعبة أيضا، ثمّ ادع بمثل ما دعوت به على الصفا ثلاثا في كلّ شوط فيهما. (3/335)
صفحة 1262
فإذا أتممت السبعة مبتدئا من الصفا مختتما بالمروة فانحدر منها، واحلِق رأسك، فإذا فعلت ذلك فقد أحللت من عمرتك وحلّ لك الحلال إلاّ الصيد.
فصل
إذا أحللت فاقعد بمكّة، فإذا كان يوم التروية وهو الثامن وأردت الإحرام فادهن رأسك ثمّ اغتسل إن أمكنك وإلاّ أجزاك الوضوء أيضا، ثمّ البس ثوبيْ إحرامك ثمّ تأتي البيت فتطوف به سبعا وتصلّي ركعتين لطوافك.
فإذا أردت أن تحرم من المسجد ركعتهما ثمّ تلبّي بحجّة بعد التسليم منهما ثلاثا ثمّ تقوم ذاهبا إلى منى قائلا: «اللهمّ إنّ هذه منى فامنن عليّ فيها وفي غيرها بما مننت به على أوليائك وأهل طاعتك»؛ وصلّ فيها الخمس.
وقيل: إن أحرم من بيته بمكّة يوم التروية لا من تحت الميزاب ولا من حرم الكعبة ولا من مسجد الجنّ جاهلا أو عامدا فلا عليه إلاّ أنَّه ندب من تحت الميزاب أو من ذلك المسجد.
ثمّ أمض إلى عرفات فإذا بلغت محسرا فقف حتّى تطلع الشمس ولا تجاوز منى قبل الطلوع، فإذا طلعت فامض إليها ملبّيا.
فإذا أتيتها فانزل بها وقل: «اللهمّ إنّ هذه عرفات فاجمع لي فيها جوامع الخير كلّه، واصرف عنّي جوامع الشرّ كلّه، وعرّفني فيها ما عرّفت أوليائك وأهل طاعتك»؛ وتقعد فيها إلى الزوال.
فإذا زالت الشمس فاغتسل إن أمكنك وإلاّ أجزاك الوضوء وتصفّ خلف الإمام أو عن يمينه.
فإذا صلّيت فقف وادع بما فتح لك مثل دعائك على الصفا والمروة واجتهد فيه. وفي بعض الروايات يسبّح مائة ويهلّل مائة ويكبّر مائة ويحوقل مائة، ويقرأ آية الكرسيّ مائة وقل هو الله أحد مائة، ويكثر من الدعاء ومن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، له (3/336)
صفحة 1263
الملك وله الحمد إلى قدير، ويصلّي على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ويستغفر كما مرّ ويسأل الله حوائجه حتّى تغرب الشمس.
فإذا غربت أفَضْتَ منها قائلا: «اللهمّ إليك أفضت وأياك قصدت وفيما عندك أردت ومن عذابك أشفقت فاغفر لي ذنوبي وتقبّل توبتي إنّك أنت التوّاب الرحيم».
وسر مع الناس حتّى تأتي جمعا وهو المشعر الحرام ويسمّى المزدلفة فتنزل فيها فتقول: «اللهمّ إنّ هذا جمع فاجمع لي فيها ... » إلى آخر الدعاء، وتبيت فيها وتهيّئ منها سبعين حصاة كالخدف، ونُدب غسلها.
فإذا طلع الفجر فصلّ بالغلس ثمّ قف عند الجمع وادع (65) بما دعوت به على الصفا والمروة واحمد الله تعالى وأثن عليه (66) وصلّ على النبيء واستغفر كما مرّ ثمّ امض منه قبل الطلوع إلى منى ملبّيا.
فإذا وصلت إلى العقبة فاقطع التلبية ثمّ تأتيها من بطن الوادي وتقول: «اللهمّ اهدني للهدى ووفّقني للتقوى وعافني في الآخرة والأولى»، وإن [512] شئت قلت: «اللهمّ اهدني بالهدى من عندك وانشر عليّ من رحمتك وأنزل عليّ من بركاتك»؛ ثمّ ترميها بسبع حصيات وتكبّر مع كلّ ثلاثا وتقول على إثرها: «ولا إله إلاّ الله والله أكبر»، وفي آخر حصاة تقول: «ولله الحمد».
فإذا رميت فقل: «اللهمّ إنّ هذه حصياتي وأنت أحصى لهنّ منّي فتقّبلهنّ منّي واجعلهنّ في الآخرة دخرا لي وأثبني عليهنّ غفرانك ورضوانك». ثمّ تنصرف عنها من حيث جئت من بطن الوادي، ولا تقذف عندها إذا رميت ولا ترم غيرها يومئذ.
ثمّ تأتي منزلك فتذبح ذبيحتك وتقول: «اللهمّ إنّ هذا نسكي فتقّبله منّي وامسحه بسم الله والله أكبر اللهمّ تقبّله منّي وأثبني عليه» ما مرّ وأطعم منها ما شئت وكُل.
فإذا ذبحتها فاحلق رأسك وخذ من شاربك لا من لحيتك وقلّم أظفارك واحلق عانتك، وإن شئت صلّيت ركعتين ثمّ تصلّي العيد بمنى وقد حلّ لك الحلال كلّه إلاّ (3/337)
صفحة 1264
النساء والصيد حتّى تزور ثمّ تمضي في يومك للزيارة، وإن أخّرت إلى الليل فلا عليك والإعجال أفضل.
فإذا أردت أن تطوف فاغتسل إن أمكنك وإلاّ فتوضّأ.
فإذا أتيت البيت فقف على باب بني شيبة وقل: «اللهمّ إنّك أعنتني على نسكي فتقّبله منّي وسلّمه لي».
فإذا أردت الطواف فقل كما مرّ ثمّ تدخل فيه قائلا كما وصفنا ثمّ قف حيال الكعبة وادع كذلك ولذ بالركن على يسارك قليلا بقدر ما لا تقابل الباب ليكمل الطواف، ثمّ تأخذ فيه عن يمينك من الركن مقابلا للباب قائلا كما مرّ عند الباب والميزاب والركن اليماني إلى أن تصل ركن الحجر ومسبّحا بينهما.
فإذا أتممت السبعة خرجت وصلّيت ركعتين خلف المقام وتأتي زمزما وتفعل كما مرّ وتدعو ثمّ تخرج إلى الصفا وتصعد عليه كذلك وتكبّر وتدعو حتّى تأتي المروة وتفعل كذلك.
فإذا أتممت السبعة حلّ لك الحلال كلّه من النساء وغيرها إلاّ صيد الحرم وشجره، واخرج إلى منى ولا تبِت بمكّة ليالي منى وتأتيها وتقعد فيها ليالي التشريق ثلاثة أيام بعد النحر وترمي الجمار، فإذا أردته فاغتسل إن أمكنك وإلاّ فتوضّأ إذا زالت الشمس، وتبتدئ بالجمرة الأولى الموالية للمشرق وترميها بسبع وتكبّر مع كلّ.
فإذا فرغت فتقدّمها واستقبل البيت وقل: اللهمّ اجعله حجّا مبرورا وسعيا مشكورا وذنبا مغفورا، وارزقنا نضرة وسرورا ثمّ تقدّمها قليلا إلى القبلة واستقبل الكعبة وادع بما مرّ على الصفا والمروة واسأل حاجتك تفعل ذلك (67) ثلاثا ثمّ امض إلى الوسط فاجعلها على يمينك وارمها بسبع وكبّر مع كلّ.
فإذا فرغت فتقدّمها على يسارك عند المسيل فادع مثل الأولى ثمّ تجاوزها قليلا وقف كالأولى أو أطول وادع بما فتح لك وبما مرّ عليهما، ثمّ امض إلى العقبة فقل فيها كما مرّ وارمها بسبع كذلك، وفي آخر التكبير من رمي الثلاث تقول: «ولله الحمد». (3/338)
صفحة 1265
فإذا رميت العقبة قلت: «اللهمّ اجعله حجّا مبرورا ... » الخ ما مرَّ (68)، ثمّ انصرف من حيث جئت، ولا تقف، تفعل ذلك أيام التشريق وتكبّر تكبيره على إثر الصلوات.
فإذا فرغت في الثالث فانصرف إلى مكّة، وإن تعجّلت في يومين فلا إثم عليك، فترمي فيهما وتدفن عند العقبة ما بقي عنك من الحصى.
فإذا صلّيت فامض إلى مكّة ولا تقعد إلى الليل، فإن قعدت لزمك أن تقعد إلى الثالث، فإذا وصلتها فأقم فيها ما شئت وطف ما شئت. وإن أردت دخول الكعبة جاز مرّة لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم دخلها مرّة.
فإذا أردت أن تنصرف إلى بلادك فتعاهد البيت بسبعة أشواط، ثمّ تصلّي ركعتين، ثمّ تأتي زمزما وتشرب منه، وافعل كما مرّ عند الزيارة، ثمّ قف بين الباب والحجر فاعتمد بيمناك على أسكفة الباب حيث تبلغ ويسراك قابضة على أستار الكعبة، ثمّ الزق بطنك بجدارها وادع بما فتح لك، ولا تقف حياله وقل: «اللهمّ لك حججنا وبك آمنّا ولك أسلمنا وعليك توكّلنا وبك وثقنا وأياك دعونا [513] فتقبّل نسكنا واغفر ذنوبنا واستعملنا في طاعتك، اللهمّ إنّا نستودعك ديننا وإيماننا وسرائرنا وخواتم أعمالنا وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم، اللهمّ أقلبنا منقلب المدركين رجاءهم، المحطوطين خطاياهم، المطهّرين قلوبهم، منقلب من لا يعصي لك بعدها أمرا ولا يحمل لك وِزرا، ومنقلب من أعمرت بذكرك لسانه وزكّيت بزكاتك نفسه، ودمَعت من مخافتك عيناه، اللهمّ إنّي عبدك ابن عبدك بن أمتك، حملتني على دابّتك، وسيّرتني في بلادك، حتّى أقدمتني حرمك وأمنك، فقد رجوت بحسن ظنّي فيك أن تكون غفرت لي، فإن غفرت لي فازدد الآن عنّي رضًى، وقرّبني إليك زلفى، وإن لم تغفر لي فامنن الآن عليّ قبل أن أتباعد عن بيتك، فهذا أوان انصرافي غير راغب عنك ولا عن بيتك، ولا مستبدلا بك ولا ببيتك، اللهمّ لا تجعل هذا آخر العهد ببيتك الحرام، فاغفر وارحمني إنّك أنت أرحم الراحمين، ولا تنزع رحمتك عنّي، فإذا أقدمتني إلى أهلي فاكفني مؤونتي، ومؤونة خلقك، فإنّك أنت أولى (3/339)
صفحة 1266
بخلقك منّي، اللهمّ إنّي أعوذ بك من وعثاء السفر، وخيبة المنقلب في الأهل والمال والولد، فإنّا تائبون آيبون عابدون لربّنا حامدون وإليه راغبون {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ}» (سورة الزخرف: 14).
واخرج إذا ودّعت، ولا تبع ولا تشتر بعد الوداع وتمرّ وأنت محزون على فراق البيت، فإذا ودّعته فقل: «اللهمّ أقلبني منقلب المدركين لرجائهم، المقبولين دعاؤهم، المبرورين حجّهم، المغفورين ذنوبهم، المرشدين في أمورهم، منقلب من لا يعصي لك بعدها أمرا ... » الخ ما مرّ.
وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم كان إذا أقبل من حجّ أو عمرة أو غزو يكبّر على كلّ شرف ثلاثا ثمّ يقول: «لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له إلى قدير، آيبون، تائبون، عابدون، ساجدون لربّنا، حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، سبحانه له ما في السماوات والأرض وما فيهنّ وإليه يرجع الأمر كلّه وهو على كلّ شيء قدير». (3/340)
صفحة 1267
الباب الحادي عشر
في وداع البيت والإقامة بمكّة أو غيرها
أبو سعيد: اختلف فيمن ودّعه بعد الزيارة فنعس وهو نائم بعد خروجه من دور مكّة فقيل: لا شيء عليه، وقيل: حتّى يتعدّى بيوتها خارج الدرب. وإن نعس جالسا حتّى غلبه النوم فلا عليه ما لم ينم مضطجعا، وإن اضطجع ولم ينعس فلا عليه.
وإن طاف لوداعه ثمّ نودي للصلاة نُدب له أن يصلّي ثمّ يودّع، وإن ودّع ثمّ انتظرها أعاد الطواف لوداعه؛ وقيل: طاف له وائل ثمّ نودي للعصر فانتظره حتّى صلاّه فقال له أبو المهاجر: أعِد طوافك له، فقال له وائل: صلاتي لا تحدث عليّ وداعا فلم أدر بأيّ ذلك أخذ وائل.
ومن ودّع ثمّ باع واشترى ونام فلا عليه. وإن نام دون ذلك واشترى أو باع لزمه أن يرجع لوداعه، فإن لم يفعل وخرج لزمه دم، وقيل: إن ودّع ثمّ أمر من يشتري له شيئا فلا عليه إن أمضى متوجّها.
والطواف للوداع واجب لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من خرج من مكّة فليكن آخر عهده طواف البيت»؛ إلاّ أنَّه رخّص للحائض إذا عجّلت أن لا تودّع. الربيع: لا بأس على حائض ومريض عاجز عن الوداع في تركه إن زارا وإن لم يزورا من منى فلا ينفران حتّى يطوفا وعلى الكرّاء أن يقيم لهما ويحكم عليه به حتّى يزورا. وعلى من ترك الوداع دم.
أبو سعيد: يوجد عنه صلّى الله عليه وسلّم الترخيص في عدم وجوبه عليها ومالم يخرج من الحرم إن رجع فودّع فقد أدركه، ورجا أنَّه إن جاوز حدوده خارجا بلا وداع فهو تارك له ولزمه الدم، وقيل: _أساء ولا عليه واختار أنَّه إن تعمّد تركه وخرج من حدود مكّة عازما عليه أن يلزمه الجزاء، وإن نسيه حتّى جاوز الحرم فقد تركه ولزمه معنى الترك، والقول بلزومه أصحّ لما روي: «لا يخرج من مكّة إلاّ بوداع، ولا (3/341)
صفحة 1268
تُدخل إلاّ بإحرام» إلاّ لمن رخّص له في ذلك كما مرّ، فمن كثر تردّده إليها كجمّال وحطّاب فقد مرّ حكمه وسيأتي أيضًا قريبا (69).
فصل
قد سنّ [514] الوداع وأجمعوا على فعله وأنَّه من اللوازم، فمن باع أو اشترى أو توانى بعده بلا عذر ولم يخرج من حدود مكّة ليلة أو أكثر ثمّ خرج فإن باع واشترى أو نام فقيل: يعيده ولا يجزيه الأوّل إن نام أو نعس قال: ولا أعلم أنّ التواني مفسد له ما لم يتطاول. فإن خرج ولم يعده جاهلا بما يلزمه فيه أو متعمّدا فقيل: إن تركه أو أفسده ولم يعده وخرج لزمه الدم ويجزيه ثني معز لا جذعه، وجاز من ضأن إن كان سمينا ولا وعل ولا ظبي عن معز ولا ضأن في هدي، ولا يضرّ التفات بعد وداع. وقيل: إنّ عمر بن عبد العزيز كتب كتابا بعد الوداع فأعاده، ورخّص جابر وعطاء للمودّع أن يشتري الطعام والعلف ويقضي ما عليه نافرا على طريقه، وبه قال ابن ميسرة، ولا بأس بالأخذ به.
ومن ودّع في غير وقت الصلاة فلا يخرج من المسجد حتّى يصلّي ويذبح إن خرج. وإن احتاج إلى ماء يشربه أو يتوضّأ به فلم يجده إلاّ بشراء فليشتر ولا يتمهّل وليقض ما عليه من ديْن وهو مارّ ويوصي بعض أصحابه بحوائجه.
ومن خرج منها غير مودّع فأوصى من يودّع عنه لم يجزه ويذبح إن لم يرجع ولم يرخّص لأحد في تركه.
وعلى من دخل الحرم من وراء الميقات أن يُحرِم، وعلى من خرج منه أن يودّع إلاّ الحطّابين فقد رخّص لهم في الدخول بلا إحرام لا في الخروج بلا وداع. ومن أراد أن يخرج إلى منى ولا يجاوزها فلا وداع عليه إلاّ إن شاء، وإنّما يلزم من يخرج الحرم.
ومن ودّع ثمّ ذهب إلى بيته فنام فيه فسد وداعه وذبح إن لم يعده، وإن جلس فيه لشغل إلى العشيّ وكان وداعه بالغداة أعاده أيضًا (70)، وإن أخلفه الجمّال في (3/342)
صفحة 1269
الوعد وقعد في طلب الكراء أعاده أيضا. وإن كان يهيّئ راحلته ولم يجلس إلى العشيّ أجزاه الأوّل. ومن كان منزله بمنى فأراد أن يحرم بالحجّ فله أن يخرج منه إذا أراد مكّة، وإن دخلها لزمه الوداع يطوف له ثمّ يحرم بالحجّ ويخرج لعرفات. وإن كان منزله فيها أجزاه أن يحرم منه، فإذا دخل مكّة لزمه الوداع ويفعل كمن كانت مساكنهم فيها، وليس على أهل منى أن يحرموا بالحجّ منها وعليهم أن يودّعوا ثمّ يحرموا إلاّ من كان في الحرم يلزمه الوداع.
أبو صفرة: من ركب في محمله من باب الصفا ثمّ نام فيه وهو خارج ونعس فلا عليه؛ ويحبس للحائض جمالها لأنّ تركه لها يضرّها ولا يبعد أن يثبت معناه عليه ولو لم يشترط لأنَّه معروف في النساء وهو لهنّ عذر لأنَّه من قِبَل الله لا من فعلها.
ومن ودّع ثمّ نام بالأبطح فإن تعدّى الردم فهو أهون وما دونه أشدّ لا بيع هناك ولا شراء. أبو سعيد: إذا ثبت الكراء على جمّال الحائض في حملها حبس لها وليس له أن ينفر ويدعها ولو لم تشترط (71) عليه ذلك لأنَّه معروف فيهنّ، وفي تركها الزيارة فساد حجّها والضرّ عليها، ولا ينفر عنها ويدعها لأنَّه ضرّ عليها ولو دخل عليه بخروج أهل بلده عنه وتركهم له. وإن خاف على نفسه وأراد أن ينفر فلا كراء له عليها ولا يكاري غيرها، وإن شاء قعد لها وله كراؤه إن كان كلّه صفقة. (3/343)
صفحة 1270
الباب الثاني عشر
في زيارة قبر النبيء - صلّى الله عليه وسلّم -
أبو الحسن: إذا أتيت المدينة وقابلت البنيان استعذت وقرأت {مَا كَانَ لأِهْلِ الْمَدِينَةِ ... } الآية (سورة التوبة: 120)، فإذا دخلت سككها تلوت {لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ ... } الآية (سورة التوبة: 128)، وتتوضّأ وتقصد المسجد.
فإذا وقفت ببابه أجهرت بتلاوتها أيضا قاصدا نحو القبر متوجّها تلقاءه، ولا تشتغل بغير ذلك ولو بالتسليم على أحد، فإذا أتيت تلقاء وجهه وأنت مقبل إليه فاستلم الركن وقبّله ثمَّ تأخَّر قليلا، وتشير بيمناك وتقول: «السلام عليك يا رسول، السلام عليك يا نبيء الله، السلام عليك يا وليَّ الله ويا صفيّ الله، ويا أمين الله، ويا صفوة الله، ويا خبرة الله، ويا محمّد ابن عبد الله، ويا أبا القاسم، السلام عليك ورحمة الله وبركاته، أنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأنّك رسول الله، وأنّك قد بلّغت الرسالة، وأدّيت الأمانة، ونصحت الأمّة، وجاهدت وعبدت حتّى أتاك اليقين، صلّى الله عليك حيّا وميّتا، وجزاك الله عنّا أفضل ما أجزا نبيئا عن أمّته، وذَكَرك بخير أفضل ما يذكر به المذكورين»؛ ثمّ تتقدّم فتجعل وجهك [415] مع الحائط تلقاء وجهه فتقول: «يا رسول الله أنا فلان بن فلان من أرض كذا وكذا من بلد كذا جئتك زائرا مسلما مستشفعا بك إلى الله ــ عزّ وعلا ــ أن يحطّ عنّي أوزاري، ويغفر ذنوبي، ويستر عيوبي، ويعصمني فيما بقي من عمري، وأن لا يكلني إلى نفسي ولا إلى أحد من خلقه طرفة عين، وكن شفيعي، صلّى الله عليك وسلَّم»؛ ثمَّ تتأخَّر قليلاً عن يمينك نحو المشرق وتقول: «السلام عليك يارسول الله، السلام عليك ورحمة الله تعالى (72) وبركاته وعلى وزيريك وناصريْك وصاحبيك ومؤنسيك وضجيعيك»؛ ثمّ تأخّر قليلا وقل: «السلام عليك يا خليفة رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر الصدّيق ويا عبد الله بن عثمان ويا عتيق ابن أبي قحافة، وشيخ الاِفتخار، (3/344)
صفحة 1271
ومعدن الوقار، والصاحب في الغار، السلام عليك أيّها الشيخ ورحمة الله وبركاته»؛ ثمّ تأخّر قليلا وقل: «السلام عليك يا أمير المؤمنين، السلام عليك يا أبا حفص ويا عمر بن الخطّاب، السلام عليك أيّها الفاروق ورحمة الله وبركاته، السلام عليك يا شيخ الإسلام، جزاكما الله عنّا وعن نبيئكما وعن الإسلام خيرا».
وإن قال عند قدومه إلى المدينة: «اللهمّ إنّك أنت السلام ومنك السلام إلى واحشرنا مع نبيئك محمّد عليه السلام» فحسن، وتغتسل إن قدرت وإلاّ أجزاك الوضوء، وتأتي المسجد وتدخله وتذكر الله وتقصد القبر أوّلا وتذكر ما قلنا أو وجها آخر من الصلاة والسلام، وغرضنا الاِختصار وتجتهد في ذلك ثمّ تختار ما شئت من الدعاء وتقول: «اللهمّ أقضي لي كلّ حاجة سألتكها أو لا، علمتها أو لا، وأن تتولّى نجاح قضائها»؛ ثمّ تتقدّم وتقصد إلى مقامه صلّى الله عليه وسلّم فتصلّي ما قدر لك وهو خلف الأسطوانة التي هي أكثر خلقا (73) واجعلها بين يديك وقم قدّام الموالية لها من خلفها، وليكن أسفلها بين كتفيك ومنكبك اليسرى خارجا منها ممّا يلي القبر.
فإذا صلّيت فقم إلى المنبر وألزق منكبك الأيمن به واستقبل القبلة وخذ الرمّانة الداخلة بيمينك واثن على ربّك واجتهد واسأل ما تريد.
فإن وافقت في المدينة الأربعاء والخميس والجمعة فصلّ كلّ يوم عند الأسطوانة وأكثر من الصلاة في المسجد.
فإذا أردت أن تخرج منها فاغتسل إن أمكنك ثمّ ائتِ القبر فسلّم على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ وعلى صاحبيْه ــ رضي الله عنهما ــ واصنع كما صنعت حين دخلت. وقد روي: «من زارني ميّتا فهو كمن زارني حيّا»، وفي رواية: «من زار قبري وجبت له شفاعتي»، وفي أخرى: «من مات في أحد الحرمين بُعث من الآمنين»، وهاهنا أخبار في معنى ذلك وهو عندنا لمن مات على الوفاء كما علمت.
وروي: «الصلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة (74) في غيره» إلاّ ما فضّل الله البيت الحرام فإنّ الصلاة فيه تعدل مائة في مسجد الرسول؛ وأيضا: «من حجّ ولم يزرني فقد جفاني»، وكره بعض لمن لم يحجّ أن يزور قبره قبل أن يحجّ. قال أبو عبد (3/345)
صفحة 1272
الله: ولو فعله ما رأيت عليه بأسا. وروي: «منبري هذا على (75) ترعة من ترعة الجنّة، وما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنّة»، والترعة الباب، وقيل: الدرجة والأوّل أنسب وأراد أنّ الصلاة والذكر فيه يؤدّي إلى الجنّة كأنَّه قطعة منها إذ هو سبب يتوصّل به إليها.
عن جابر بن عبد الله: خرج علينا رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فقال: ارتعوا في رياض الجنّة، فقلنا: أين هي يا رسول الله؟ فقال: مجالس الذكر.
وليس لزيارة قبره مناسك إلاّ السلام عليه وعلى صاحبيْه.
ابن مليكة: من أحبّ أن يقوم وجاءه النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ يجعل القنديل الذي في القبلة عند [516] رأس القبر على رأسه ويقول: {إِنَّ اللهَ وَمَلآَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} الآية (سورة الأحزاب: 56)، ويكرّر صلّى الله عليك يا محمّد سبعين مرّة، فإذا فعله ناداه الملك: صلّى الله عليك يا فلان. وعن كعب الأحبار: ما من فجر يطلع إلاّ نزل سبعون ألف ملك حتّى يحفّوا (76) بالقبر ويضربون بأجنحتهم ويصلّون على محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ حتّى إذا أمسوا عرجوا وهبط غيرهم مثلهم وصنعوا ذلك حتّى إذا انشقّت الأرض خرج في سبعين ألف ملك يوقّرونه.
ابن سحيم: رأيته في النوم فقلت له: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك ويسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟ فقال: نعم وأردّ عليهم. وروت عنه (77) عائشة: «ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلاّ استأنس به وردّ عليه حتّى يقوم».
وقال أعرابي عند قبره: بأبي أنت وأمّي قد كان فيما حفظناه عنك وقبلناه منك ما حكيت لنا عن ربّك وهو {ولَوْ أنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ} إلى {رَحِيمًا} (سورة النساء: 64) وقد أتيناك مقرّين بذنوبنا، ظالمين لأنفسنا فاستغفر لنا الله، اللهمّ اغفر لنا بفضلك وكرمك. (3/346)
صفحة 1273
الباب الثالث عشر
في العمرة والإحرام والمتعة
قال الله سبحانه: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ للهِ} (سورة البقرة: 196) قيل: وفيه دليل على وجوبها إذا أمر بإتمامها بإتمام الحجّ فقيل: هي فريضة، وقيل: سنّة، وقيل: ليست بواجبة. ومعنى إتمامها أنَّه بعد الدخول فيها لا قبله. وممّن قال بوجوبها عمر وابنه وابن عبّاس، واختلفوا فيها في السنة مرارا فقال من ذُكر وعائشة وعليّ وأنس: يعتمر فيها ما أمكنه، وقال عطاء: يعتمر إن شاء في كلّ شهر مرّتين، وقال مالك: إذا ذهبت أيام التشريق فاعتمر حيث ما شئت، ولا يعتمر عند الحسن فيها إلاّ مرّة وكرهها فيها ابن سرين مرّتين. أبو سعيد: إنّها فيها عندنا مرّة وحجّة واحدة، قال: ولا أعلم عندهم غير هذا ولا أجد مانعا منها ولا إطلاقها في كلّ وقت من السنة ولم يُحدّ لها وقت إلاّ أنَّها لا تدخل على حجّ ما دامت أيامه، فإن انقضت فلا أعلم مانعا منها لأنَّها فضل ولا حدّ لها في معروف.
ويقطع المعتمر التلبية إذا ابتدأ الطواف، وقيل: إذا دخل الحرَم، وقيل: إذا رأى عروش مكّة، وقيل: حتّى يستلم الحجر، والأكثر منّا: إذا رأى البيت كما مرّ، قال: ولا نعلم وجوب قطعها إلاّ عند ابتداء الطواف لأنَّها (78) بمعنى الإحرام والطواف بمعنى الإحلال، واختار أن يلبّي حتّى يدخل فيه لثبوتها في الإحرام وزوالها في الإحلال.
ومن أحرم بها خارجا من الحرَم لزمه الإحرام. وإن خرج المحرم بها من مكّة من الحرَم لبّى بها خارجه ولا عليه، وإن لم يخرج حتّى يطوف ثمّ يرجع إلى البيت فيطوف ويسعى ويحِلّ فقيل: يذبح لتركه الميقات وتمّت عمرته. وقيل: إن لم يخرج وطاف وسعى لم يجزه ذلك حتَّى يخرج من الحرم ثمَّ يطوف ويسعى ويقصّر أو يحلق ولا عليه، ولا إن أهلّ بها من مكّة، وقيل: لزمته ويخرج إلى الميقات، وإن لم يفعل وطاف وسعى (3/347)
صفحة 1274
أجزاه ويذبح لتركها. أبو سعيد: لا تكون عندنا إلاّ من أحد المواقيت على من لزمه أن يخرج من ميقاته يريد العمرة، واختار أن لا يلزم ذلك من كان دونها وهو الخروج إليها، ويثبت له معنى الإحرام باتّفاقهم على أنّ كلّ من يريد الخروج من مكّة إلى خارج الحرم فإنّه يطوف. وعلى كلّ من يريد دخولها من خارج أن يحرم، فإذا ثبت هذا فإن أحرم من أحدها فهو أفضل. وإن أحرم من الحلّ دونها لم يلزمه منها إن لم ينعقد عليه بها وكانت لإدخاله فيها الحرم، واختار انعقاده إن أحرم منه وعليه أن يخرج لعمرته لكمالها بالحلّ والحرم، فإن لم يخرج وطاف وسعى وأحلّ اختار أيضا أن يذبح لتركه جمعهما في [517] عمرته.
فصل
قد مرّ أنّ من أهلّ بعمرتين فلا تقع إلاّ واحدة منهما واختاره أبو سعيد وغيره، لأنّ الشيئين إذا اتّفقا في وقت فلا يثبت إلاّ أحدهما.
فإن ذكر المعتمر أنَّه طاف جنبا أو سعى اغتسل وأعادهما (79) واعتمر أخرى وذبح، وقيل: يعيد الطواف ويهدي، فإن طاف وسعى أحلّ ورجع إلى أهله فوطئ أفسد عمرته وذبح لإحلاله وذبح أيضا لوطئه ويعيدها. وإن لم يجامع رجع وطاف وسعى وذبح لإحلاله إن أحلّ. ورجى أبو سعيد أن تجزيه بدنة واحدة للوطء والإحلال.
ومن أهلّ بها وقد قدم مكّة في ذي القعدة وأراد لمّا فرغ من الطواف والسعي أن يرجع إلى أهله ثمّ يحجّ فله ذلك.
ومن طاف لها جنبا في رمضان وأحلّ فلمّا دخل شوال علم أعاد طوافه فيه وذبح وهو متمتّع. (3/348)
صفحة 1275
وإن اعتمر هو وزوجته في رمضان فطاف ثلاثة أشواط فدخل شوال ولم يتمّ طوافهما لزمهما أن يتمّاه وهما متمتّعان ويهديان ولو واقعها بعد ما طافا ثلاثة أعاد عمرته والطواف وهو متمتّع إذ لم تتمّ في رمضان.
ومن تمتّع فقدم مكّة يوم عرفة أجزاه طواف واحد وسعي لعمرته وحجّته ومضى إن خاف الفوت وأحرم بحجّه ولا يطف لها إلاّ معه، وإن لم يطُف لها حتّى يخرج إلى عرفات أجزاه عن طوافه عنهما ولا دم عليه.
ومن طاف تطوّعا بعد الزيارة أخطأ ولا عليه. ومن زاد على الزيارة قبل أن يسعى (80) أخطأ وكذا كلّ من رجع وطاف وأحرم بحجّ.
ومن طاف وسعى وأحلّ في نجس أعاد كما مرّ، وإن لم يحلّ أعاد أيضا ولا عليه.
ابن بركة: من دخل متمتّعا فطاف وسعى ثمّ وطئ قبل أن يحلّ فسدت عمرته ويرجع إلى الميقات ويذبح عند أبي المؤثر بدنة كما مرّ. وإن تمتّع فأقام على إحرامه ولم يطف حتّى أهلّ بالحجّ يوم التروية وخرج إلى عرفات (81) أساء وليس عليه إلاّ دم المتعة ويجزيه طواف الزيارة لهما.
ومن دخل بها أحلّ منها إلى أن يحرم بحجّ فإن شاء أفرد وإن شاء قرن، ونُدب الإفراد لفضل الثواب فيه كما مرّ. وروي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم أمر من دخل بحجّ أن يحوّله إلى العمرة، واختُلف في الوقت الذي أمرهم فيه به فعند الأكثر أنَّه كان في غير أشهره، وقيل: لم يرد الخبر بتوقيت معيّن، وإذا ورد بوجوب عمل في غير وقت محصور وجب إجراؤه على عمومه وعلى مدّع تخصيصه الدليل. وقيل: من دخل مكّة مفردا في الأشهر فله أن يحوّله عمرة، ويحلّ ثمّ يحرم بها من حينه، وكذا إن دخلها في غيرها وإن دخلها بعمرة فيه فلبث فيها مدّة ثمّ رأى الناس يحرمون من مسجد عائشة في الأشهر وظنّ أنَّه من رأينا فليس ذلك عمرة ولا تلزمه المتعة. وإن أخبروه أنَّه كره له أن يعتمر ثمّ أراد أن يدفعها فلا يجده وقد لزمه الإحرام فليطف ويسعى ويركع (3/349)
صفحة 1276
ويحلّ، فإن جامع وحلق وأتى في عمرته ما كره لمحرم أن يفعله لزمه الجزاء وفسدت عليه ــ قيل ــ زوجته إن جامع ويعيد من حيث أحرم.
فصل
من أفرد ثمّ فاته الحجّ أهلّ بعمرة وحجّ قابلا، وإن أحرم بها فلم يدركه فأقام إلى قابل وأحلّ فله أن يجامع ــ كما مرّ ــ ولزمه الحجّ والعمرة إن لم يحجّ.
ونُدب لمعتمر أن يقيم بمكّة ثلاثا وله أن يرجع قبل.
ولمن دخل ــ قيل ــ مكّة أن لا يخرج منها حتّى يقرأ القرآن بها، وقيل: إنّ بعضا أتاها وطاف أسبوعا وقرأ سورة والطور ثمّ المثاني ثمّ طاف أسبوعا ثمّ قرأ الناس ثمّ طاف ثمّ المثاني ثمّ طاف فقرأ ما بقي وهذا مندوب لا واجب، وقيل: قد بلغ عمر أنّ رجلا قد جعل على منزله بابا فأرسل إليه فقال له: أتحدث بابا عن حجّاج بيت الله؟ فقال: لا إنّما جعلته ليحرز لهم متاعهم وهو معنى قوله تعالى: {إِنَّ الذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ... } الآية 0 (سورة الحج: 25) في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه والواجب عليهم فيه، وقيل: هما سواء في النزول فيه فليس أحد أحقّ بالمنزل من الآخر؛ وحرّم بهذه الآية كراء دور مكّة. وقيل: كان إذا قدمها الحجّاج لم يكن أحد من أهلها بأحقّ بمنزله منهم، فمن وجد سعة به نزل فكثروا عليهم من كلّ ناحية فاصطنع رجل بابا فنهاه عمر عنه، وقيل: إنّ العاكف والبادي سواء في مكّة [518] دون البيوت، والأوّل أكثر.
فصل
اُختلف كما مرّ في قطع التلبية فقيل: إذا رمى العقبة، وقيل: في القران إذا دخل الحرم، وقيل: عند أوّل حصاة فيها يوم النحر. وقيل: لم يزل صلّى الله عليه وسلّم يلبّي (3/350)
صفحة 1277
حتّى يرميها، وقيل: عند صلاة الصبح يوم عرفة، وقيل: عند الإفاضة منها، وقيل: عند طلوع فجر يوم النحر، وقيل: يقطعها المتمتّع إذا دخل الحرَم، وقيل: مكّة والأكثر إذا نظر البيت، وقيل: إذا مسح الحجر وينسب لابن عبّاس.
ابن المسيّب: حججنا مع عثمان فلمّا كنّا بذي الحليْفة خطب بنا ثمّ قال: «أيّها الناس إنّ الله جعل هذه الأشهر أشهر الحجّ لا العمرة ولا يعتمرنّ أحد فيها»، فقال له علي: «اتّق الله لا تنه الناس عمّا صنعه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم»، فقال له عثمان: «دعنا منك»، فقال له علي: «والله لا أدعك منّي ولا الكتاب والسنّة».
عطاء: من اعتمر فيها وساق هديا فنحره وحلق ثمّ أحلّ ثمّ بدا له أن يحجّ من عامه أو في وجهه ذلك لزمه هدي آخر لأنَّها متعة. وقال: من دخل في العشر فليحجّ، وقيل: له أن يرجع ما لم يحرم بالحجّ ولم يقرن وقد حجّ الفرض قبلُ.
ابن جبير: من اعتمر فيها ثمّ أراد أن يرجع إلى أهله ولا يحجّ فلا خير فيه أو قال: إنّه رجل سوء.
عطاء: من قدم معتمرا وقد ساق هديا فله أن ينحره ويرجع أو يقعد حتّى يحجّ، وقال: قد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم اعتمر فيها ثمّ رجع ولم يحجّ. وروي أيضا: «إنّ المعتمر إذا ساقه فلا يحلّ حتّى ينحره» وبه قال النخعي.
ابن عمر: الصوم أحبّ إليّ من الشاة.
ابن عبّاس: {فما استيْسر من الْهَدْيِ} (سورة البقرة: 196) هو من الأنعام، وقيل: على قدر اليسر والعسر. ابن عمر: المتعة بدنة إن وُجدت وإلاّ فصيام ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجعتم. ونُدب لمن لم يحجّ قطّ أن يتمتّع. وقيل: اعتمر صلّى الله عليه وسلّم عمرتين واحدة في ذي القعدة والأخرى في شوال، وقيل: ثلاث مرّات في ذي القعدة؛ وفي رواية: كانت له عمرة في رمضان مكان حجّة، ولا بأس بها عند عائشة في أيّ وقت شاء ما خلا خمسة أيام: يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق ومثله عن عطاء. (3/351)
صفحة 1278
إبراهيم: تُكره أن تكون كهيئة اللعب ونُدبت واحدة في السنة. وقيل: اعتمر صلّى الله عليه وسلّم وطاف ثمّ صلّى ركعتين خلف المقام ثمّ سعى ثمّ حلق فأحلّ.
وإذا أراد أهل البصرة العمرة من مكّة لزمهم عند الحسن أن يخرجوا إلى ذات عرق، وعند ابن سرين إلى قرن، وعند عطاء إلى أيّها شاءوا وهذا لمن كان خارجا من المواقيت، وعند ابن عبّاس يخرج من ميقات أرضه.
عطاء: في قوله تعالى: {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ... } الآية (سورة البقرة: 196) هي عرنة وعرفة والرجع ومحيان وتحلتان، وعند مجاهل أهل الحرم، وقال عطاء: العمرة التي توجب المتعة هي إذا رأى شوال قبل أن يدخل الحرم، فإن أحرم بها قبل أن يراه فليس بمتمتّع.
قتادة: عمرته فيما أهلّ فيه. الزهري: لا بأس بها في كلّ شهر، وقيل: هي يوم يدخل مكّة وقيل: يوم يحلّ فيه، وقيل: يوم ابتدائه الطواف، وقيل: يوم يتمّه للعمرة يعني به في المتعة. (3/352)
صفحة 1279
الباب الرابع عشر
في المتعة وما يلزم من ذلك
قال تعالى: {ذَلِكَ لِمَنْ لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ ... } الآية (سورة البقرة: 196)، قيل: هي المتعة للناس لا لأهل مكّة، وقيل: لمن لم يكن أهله منها. عطاء: من كان دون الميقات فهو كأهل مكّة لا يتمتّع. الزهري: من كان أهله على يوم أو نحوه يتمتّع، وقيل: يوم وليلة، وقيل: قدر فرسخين من مكّة خلفها وهو قول أصحابنا، وقيل: من وقف متمتّعا فمات يوم عرفة لم يلزمه هدي ولزمه إن مات بمنى ما استيسر منه؛ ولزم عند عطاء من مات متمتّعا محرما.
عمر بن دينار: إن مات متمتّعا لزمه الهدي إن لم يدرك. مجاهد: من أحرم من أهل مكّة بحجّ فمرض فعجز أن يقف ولم يحجّ حتّى فاته طوافه لزمه دم. ابن المسيّب: كانت الصحابة إذا أهلّوا (82) بها في الأشهر ولم يحجّوا من عامهم لم يلزمهم هدي، ولزمه عند الحسن ولو [519] رجع، وعند طاوس ولو لم يحجّ لا عند عطاء، ولزمه عند ابن عمر إن أقام إلى أن يحجّ. وإن رجع إلى أهله ثمّ حجّ فليس بمتمتّع وبه قال مالك.
وإن رجع إلى المدينة كان متمتّعا عند ابن عبّاس وابن المسيّب إن كان أهله فوق ذلك. عطاء والشافعي: إن سافر سفرا يقصّر فيه لا تلزمه المتعة، وقيل: إن رجع إلى ميقات ثمّ حجّ، وإن كان دون ذلك لزمته، وقيل: إن رجع إلى بلده أو حياله من بعيد ثمّ حجّ، وقيل: من كان غير حاضري المسجد فخرج إلى ما يقصّر فيه (83) ثمّ أهلّ منه بعمرة كان متمتّعا، وقيل: لا حتّى يحرِم من ميقات أو من حيالها (84) من برّ أو بحر.
ومن حجّ عن غيره ثمّ اعتمر لنفسه خرج عند عطاء إلى بعض المواقيت فيحرم، فإن حجّ عن نفسه ثمّ أراد أن يعتمر خرج من الحرم ثمّ يحرم. (3/353)
صفحة 1280
أبو المؤثر: لا يعتمر أحد عن أحد في سفر واحد ولا يحجّ عن اثنين فيه، وقال: المتمتّع من كان بينه وبين مكّة فرسخان وليس منها ولا من حاضري المسجد. ومن قدم من بلده فأهلّ بها من ميقات فيها فهو متمتّع فله أن يجامع بعد أن يحلّ كما مرّ ويغطّي رأسه حتى يهلّ بالحجّ، فإذا رمى العقبة لزمه دم المتعة. وإن من مكّة أو من قربها دون فرسخين فإذا صار إلى الميقات فأهلّ بها فيها فليس بمتمتّع ولا تلزمه متعة ولا عمرة، فإذا قدم المكّي من سفره فبلغ ميقاتا فلا يجاوزها إلاّ محرما بها وليست متعة ولو كانت فيها. ومن قدم مكّة وأراد أن يوطّنها قبل أن يهلّ بعمرة فيها ثمّ أهلّ بها ودخلها فإنّه يحلّ حتّى يهلّ بالحجّ، وليس بمتمتّع فيلزمه الهدي وإنّما ذلك على من لم يوطّنها، وقيل: متمتّع لأنَّه ليس من حاضري المسجد قبل، وإنّما هو باد.
وإن أهلّ بها فيها ونوى سفرا ثمّ نوى حين دخلها أو قبل أن يوطّنها ثمّ أحلّ فهو متمتّع، فإذا أهلّ به ورمى ذبح لمتعته. وإن قدم مكّي من ناحية ما فمرّ بميقات فقرن في الأشهر فهو قارن، فإذا دخلها طاف وسعى ولا يقصّر ولا يحلق لأنَّه باق على إحرامه حتّى يرمي ما مرّ ولزمه الزيارة لا الهدي.
أبو المؤثر: من أهلّ بها في رمضان ثمّ دخلها في آخر يوم منه ولم يحلق حتّى دخل الليل واستهلّ شوال فإذا أصبح حلق وأهدى لأنَّه متمتّع.
وإن طاف هو جنبا أو بلا وضوء ثمّ حلق ثمّ استهلّ شوال ليلا ثمّ علم بذلك فإن كان ناسيا أعاد الطواف وما بعده ولزمه دم لا هدي متعة. وإن تعمّد فلم يعده حتّى أصبح لزمه إعادة ذلك والدم إن حلق قبل أن يطوف، والهدي إن تعمّد ترك الطواف وما بعد حتّى دخل شوال.
وإن دخلها عماني وقد أهلّ بها في شوال ثمّ أحلّ ورجع إلى عمان ثمّ خرج إليها في سنته فأهلّ بالحجّ لزمه أن يقضيه لا هدي في ما اعتمر ورجع إلى أهله لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ ... } الآية (سورة البقرة: 196)، وهذا لم يتمتّع بها إليه فلا هدي عليه. وإن رجع من عمرته فخرج إلى بعيد من مكّة كبعده من بلده (3/354)
صفحة 1281
فليس بمتمتّع. وإن خرج من عمرته إلى بلده أو قريب منه ثمّ رجع فحجّ لزمه هدي فإن لم يحجّ ولو كان إلى قريب من مكّة لم تلزمه متعة.
ومن أهلّ بها فيها فأفسدها بوطء ثمّ حجّ من عامه فليس بمتمتّع، ويذبح قبل إحلاله ويعيدها وإن دخلها فيها فطاف وسعى ولم يحلق فرجع إلى بلده كان على إحرامه إن حلق قبل أن يقف لم يلزمه هدي، ولزمه إن حلق وقد وقف الناس، وإن أصاب شيئا قبل أن يحلق فعليه ما على المحرم. وإن رجع إلى مكّة قبل وقت الحجّ أحرم به من ميقات ولو لم يحلق أو يقصّر فأحرم به مضى على حجّه وأهدى. وإن حلق قبل أن يدخلها أو بعده ثمّ رجع فأهلّ به قضى مناسكه وأهدى. ومن أهلّ بها فيها ثمّ أحلّ حلّ له غير صيد الحرم كما مرّ.
وإن قعد بها فباع واشترى أو خرج إلى غيرها حتّى يأتي وقته فيرجع إليها جاز له. ومن أحرم بها ودخلها يوم عرفة فله أن يحلّ إن وسع الوقت ويمتّع، وإن ضاق وحصل بعرفات كان على إحرامه. وإن نوى أن يدخلها بها (85) أو يرجع إلى بلده ففعله منه في الأشهر محرما به وكان عليه لزمه أن يمتّع. وإن نوى أن يهلّ بها فجهل فلبّى بها وبه فله نواه.
ومن دخل بها فيها ثمّ خرج إلى غيرها ثمّ حجّ سنته كان متمتّعا كما مرّ [520] ويهدي. وإن أقام بها ثمّ خرج لحاجة فجاوز الميقات ثمّ دخل محرما بها وقد سافر لزمه عند عزّان أن يتمتّع، فإن خرج إليها يريد العمرة وقد دخل بها في غير الأشهر لزمه أيضا. وإن دخل بها فيه ثمّ رجع إلى المدينة ثمّ رجع محرما بها فيها لزمه أيضا. ومن دخل محرما بها فيها أهدى لا إن أحرم به وإن في غيرها.
ومن كان دون الميقات في الحلّ ممّا يلي الحرم وأراد العمرة أحرم من حيث هو.
فصل
أبو المؤثر: إن لم يجد من تمتّع في الأشهر ما يهدي صام ثلاثة من يوم إحرامه متتابعة ولو كان آخرها يوم عرفة، ولا يجزيه التفريق وكذا السبعة إذا رجع. ولزم (3/355)
صفحة 1282
الموسر أن يذبح فإن لم يذبح حتّى حلق لزمه هديان فإن لم يكفّر حتّى أعسر استام شاتين وقوّم ثمنهما طعاما وصام لكلّ مدين يوما وجعل صوم قيمة شاة لمتعته متتابعا وصوم أخرى (86) كذلك لحلقه قبل ذبحه.
ومن أيسر ولم يذبح حتّى أفلس صام كذلك فمتى أيسر قضى ذلك، فإن رجع صام ثلاثة لمتعته ثمّ قضى الحجّ، وإن رجع إلى أهله فلم يصم سبعة حتّى احتضر لزمه الإيصاء بصومها ويجزيه صوم محتسب عنه إن أوصى به وقد لزم وارثه إن ترك مالا، ويحكم عليه إن لم يصم بأن يستأجر صائما عنه ولا يطعم (87) كما لا يطعم عن قضاء رمضان، ولا يلزمه أن يعتمر لنفسه إذا أخذ حجّة غيره، فإن فعل فيها لزمه أن يمتّع إن قدر. وإن افتقر في سفره اقترض وذبح، وقيل: لا يلزمه وإنّما تعبّد بوقته، فإن قدر ذبح وإلاّ صام ثلاثة في الحجّ وسبعة إذا رجع، ونُدب له أن يعجّل حين الرجوع ولا يضرّه التأخير، وإن أخذ في صومه حين سار من مكّة وأقام في بعض القرى أجزاه، وقيل: يصوم إذا استقرّ لا في السفر ولو لم يرجع إلى وطنه، وقيل: إنّما يصوم عند رجوعه إليه، وجاز له الوطء والطيب وغيرهما قبل صومها ولو قدر عليه إن زار وأتمّ حجّه.
ومن تمتّع فيها ولم يجد ما يذبح لم يلزمه أن يقترضه إن افتقر في سفره، وله أن يأخذ الزكاة ويذبح وكذا إن حجّ لغيره.
واختُلف في معنى قوله تعالى: {فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ} (سورة البقرة: 196) فقيل: أُحصر حتّى فاته ثمّ قدم مكّة فخرج من إحرامه بعد عمرته واستمتع بإحلاله إلى المقبلة ثمّ بحجّ ويهدي فيكون متمتّعا بذلك الإحلال إلى إحرامه من القابل، وقيل: معناه: إذا أمنتم وقد أحللتم منه بعد الإحصار ولم تقضوا عمرة خرجتم بها من إحرام بحجّ ولكن أحللتم حين أُحصرتم بهدي وأخّرتموها إلى قابل وقد اعتمرتم فيها ثمّ أحللتم فاستمتعتم به إلى حجّكم فعليكم ما استيسر منه (88)، وقيل: هو أن يقدم من بلد ما معتمرا فيها فإذا قضاها أقام بمكّة محلاّ إلى وقته فيحجّ من عامه فيتمتّع بإحلال (3/356)
صفحة 1283
إلى إحرام به، فالتمتّع إحلال بعمرة ثمّ يحرم بحجّ بعده بلا رجوع إلى الميقات ومعناه التلذّذ وأصله التزوّد والمتاع الزاد.
والتمتّع الموجب للهدي أن يجتمع فيه شروط أربعة: أن يُحرِم في الأشهر، ويحلّ من العمرة فيها، ويُحرِم بالحجّ من عامه من مكّة، وأن يكون من غير أهل الحرم، فإذا أخلّ منها شرط سقط عنه الدم وليس بمتمتّع. (3/357)
صفحة 1284
الباب الخامس عشر
في هدي المتعة
فقيل: يجب فيها الذبح على معنى من تمتّع بها إليه واستغنى في وطنه، وإن لم يكن عنده في سفره ما يكفيه ويحتال ويذبح، فإن لم يجد صام ثلاثة وسبعة ولابدّ أن يذبح إن لم يصم إليه الثلاثة ولو أعسر، فإن لم يجد بعث ثمن شاة تذبح عنه قابلا بمنى.
وإن افتقر بسفره كان غير واجد، وجاز له الصوم. وقيل: إن لم يصم ولم يجد ذبحا أهدى شاتين كما مرّ، وقيل: واحدة، وقيل: يطعم ثلاثة ويصوم سبعة؛ ولا يصوم الثلاثة عند الحسن إلاّ في العشر ما بينه وبين عرفة وهو آخرها. وإن صام قبل ذلك أجزاه، وإن لم يصمها قبل يوم النحر فليذبح لمتعته إذ لا صوم بعده لمتمتّع، ويصومها عند مجاهد وطاوس في شوال وذي القعدة أو العشر، ولا يصوم [521] السبعة عند عطاء إلاّ في أهله ولو طال سفره ومقامه، وجاز في الطريق عند الحسن. وإن أقام بمكّة صامها فيها.
ومن خرج متمتّعا فمرض نحر حيث جلس.
والمتمتّع من لا يلتذّ بالدنيا، والمُحرِم لا يلتذّ بالشهوات، ولا صوم على من دخلها مفردا حتّى حجّ ولا هدي.
فصل
إن عجز المتمتّع عن الذبح صام ثلاثة في العشر، وقيل: أيام التشريق لأنّ الدماء وجبت فيها والصوم بدله إن عدمه. وإن رجع إلى مكّة بعد أن نفر فله صوم السبعة وتأخيرها بلا تفريط إلاّ إن وجد دما فيلزمه. وإن عجز عنهما لزمه أحدهما حتّى يقدر عليه، فإن أقام بمكّة بلا نية المقام فله أن يصوم فيها. وإن قدر على الذبح ولم (3/358)
صفحة 1285
يذبح حتّى أفلس صام ثمّ يهدي شاتين إذا أيسر. وإن أعسر ولم يصم حتّى حلق يوم النحر صام لقيمتهما كما مرّ. وإن أيسر قبله أهداهما، وإن لم يجد ولم يصم باع من فضل ثيابه أو اقترض أو سأل وذبح، فإن لم يجد حتّى حلق بعث ثمنهما من بلده.
وإن صام أيام التشريق عن كفّارة أجزاه إن لم تكن ــ قيل ــ لمتعة إذ لا يجزيه فيها إلاّ الدم.
أبو المؤثر: إن لم يجد هديا صام ثلاثة، فإن أيسر يوم النحر ذبح لها وإلاّ حتّى مضى أو زار لم يلزمه هدي وصام السبعة. وقال غيره: إن وجده في الأوّلين من التشريق أهدى وإلاّ حتّى نفر الأوّل صام.
وقيل: رفع رجل صوته في الموسم يسأل عن مخطئ في نسكه لزمته بدنة فلم يجدها ولا شاة فلم يجبه أحد حتّى قال له الربيع: أمض إلى الجلاّبين فساوم شاة رخيصة وانظر كم ثمنها وإلى بائع البُرّ وانظر كم يكون له به منه ثمّ كم فيه من مسكين فصم يوما لكلّ، واستحسنه هاشم. وقال ابن بركة: إن لزمه دم في حجّ ولم يجد غنما فليقوّمه ثمّ ينظر كم ثمنه ثمّ كم يكون له بُرّا فيصوم بكلّ مدين يوما، فإن قدر على شراء البُرّ اشتراه بثمن الشاة فيتصدّق به وإلاّ صام كذلك. (3/359)
صفحة 1286
الباب السادس عشر
في الطواف وصفته
وقد روي: من طاف أسبوعا ثمّ ركع ما مرّ فله أجر كثير وإن طافه في حرّ يستلم الأركان في كلّ، ويقلّ الالتفات كتب له لكلّ خطوة سبعون حسنة، ومُحيت عنه سبعون سيّئة، ورُفعت له سبعون درجة. فإذا فرغ من أسبوعه أعتق الله عنه عشر رقاب قيمة كلٍّ عشرة آلاف، فإذا ركع أُعطي سبعين شفاعة في أهل بيته، فإن لم يبلغوا ذلك شفع في إخوانه المؤمنين إن تقُبِّل منه.
ومن طاف تطوّعا بعد الزيارة أو زادا في طوافه قبل أن يسعى أو رجع يطوف بعد أن طاف وأحرم بالحجّ أخطأ ولا عليه.
ونهى عمر الرجل أن يطوف مع النساء، ورأى واحدا يطوف معهنّ فعلاه بالدرّة فقال له: إن أحسنت فقد ظلمتني وإن أسأت فما علمتني؟ فقال له: أوَما شهدت عرفة؟ قال: لا، قال فاستعذر، قال: لا، قال: فاعف، فقال: لا، فانطلق عمر كئيبا فبات كئيبا، فلمّا أصبح أتى المسجد وقد عرفت الكآبة في وجهه، فلمّا رآه الرجل قال له: يا أمير المؤمنين كأنّك شقّ عليك ما كان منك بالأمس؟ قال: أجل، قال: عفوت عنك.
ومن كبّر ــ قيل ــ حيال الركن في طوافه ثمّ تركه حتّى فرغ منه فلا عليه وإن لم يكبّر فيه حين دخل فيه استأنف. ومن طاف خلف زمزم أو في ظُلّة المسجد بلا زحام لم يجزه، وقيل: يلزمه دم إن مرّ في الحجر. ومن طاف بواحد متّزرا به لم يجز له. وإن أحلّ وجامع فسد عليه. وإن اشتمل به جاز وتمّ طوافه. وإن طاف اثنان معا فحفظ أحدهما طوافه دون صاحبه فلا ينتفع بطواف صاحبه وعليه أن يعيده إلاّ إن وكّله به. (3/360)
صفحة 1287
ومن لم ينوه فرضا ولا تطوّعا لم يجزه لما روي: «إنّما الأعمال بالنيّات»، والطواف عمل.
ودخل ــ قيل ــ جابر المسجد والناس وقوف والبيت مهدوم فقال: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ ... } الآية (سورة النمل: 91)، فلمّا رأوه يطوف طافوا.
ابن عبّاس: اجتنبوا البيت فإنّ من طاف به فقد حلّ فعاب عليه الحسن بن علي ذلك، وقال: لأَن تحلّوا ثمّ تحرموا ثمّ تحلّوا ثمّ تحرموا خير من أن تجتنبوا البيت.
أبو سعيد: إن دخل المعتمر مكّة لزمه أن يطوف ويسعى لدخوله ويُحلّ ثمّ لا يطوف بعد على المختار حتّى يطوف طواف الصدر للخروج إلى عرفة وطواف الزيارة للحجّ، ولا يلزمه إن تطوَّع طوافان ولا يسقط عنه طواف العمرة بلا عذر إلاّ أن يطوف للحجّ، فإن فعل ذبح لتركه طوافها وإدخاله الحجّ عليها.
فصل
من دخل الحرام مضى للحجر واستلمه إن أمكنه بلا توان، وإن وجد عليه الزحام وقف حياله من مطلع سهيل [522] ممّا يتوارى عنه باب البيت لأنّ من ركنه ابتداء الطواف وإليه ختمه بلا خلاف. وإن لم يصله جميع بدنه فله أن يستلمه بيديه إن حاداه به وإلاّ فلا يعتدّ به لأنّ الطواف على جميعه لا على يديه فقط وكذا إن انتهى ولم يحاذه ببدنه وله أربعة أركان: ركن الحجر والعراقي خلف الباب والشاميُّ خلف الميزاب واليمانيِّ.
فقد ندب لمن يطوف إذا وقف عند الأوّل أن يمسحه إن قدر بلا إيذاء وإلاّ قام حياله مكبّرا ومهلّلا ماشيا ومصلّيا على النبيء مبتدئا بالطواف واقعا حيث لا يرى الباب ثمّ يأخذ يمينه بعد أن يكبّر ثلاثا ويدعو، وكذا إن بلغ الباب والعراقي والميزاب والشامي واليماني إلى أن يصل إلى أوّل ثمّ كذلك حتّى يتمّ السبعة. (3/361)
صفحة 1288
وكره الضحك فيه واللغو ولا سيّما في الفريضة وكذا السعي، فمن فعل استغفر وصنع معروفا، وله أن يستريح إذا عيي ويشرب إذا عطش، وقيل لا يشرب إلاّ إن خاف الهلاك.
ولا يجوز فيه الكلام ورخّص في ردّ السلام ولو طاف لنفل وإن تكلّم بغير الذكر تمّ طوافه وسعيه؛ وإن سقط منه شيء عند الحجر وقد توسطه فلا عليه إن رجع إليه وأخذه.
وقيل شرب فيه صلّى الله عليه وسلّم لبنا وعمر ماء.
فإن فسد وضوؤه فيه (89) توضأ وابتدأه وإن بنى بعد أن تعمّد إفساده فإن لم يحلّ رجع يطوف ولا عليه. ومن طاف شوطين أو ثلاثة فأعجله الوضوء ثمّ عاد بنى إن بلغ اليماني أو ركن الحجر وقيل يهمله ما لم يبلغ فيه اليماني ويبتدئه من ركن الحجر ولا يخرج منه إلاّ لما يعذر فيه كقيء ورعاف وخبث أو نحوه لا لكعيادة أو جنازة ولو في نافلة حتّى يتمّه.
وإن خرج منه بلا عذر استأنفه وله أن يحفظه بأصابعه أو بحصيات.
ولا ينقضه ما ينقض الصلاة مطلقا ولو شُبِّه بها (90).
أبو سعيد: إن انتقض وضوؤه فيه توضّأ وبنى.
ومن قصد به عن لازمه في حجته أو عمرته أو لمعناهما ولو لم يعلم أنَّه فرض أجزاه إذ ليس كلّ أحد فقيها إذا عمل ما يلزمه مع قصد أدائه.
وكره رفع الصوت بالقرآن عنده واختير فيه الذكر.
ومن زار وبثوبه نجس لا يعلم به إلى بلده لزمه دم. وإن جامع حجّ قابلا. ومن دخل فيه فأقيمت الصلاة فقطعه ودخل فيها بنى إذا فرغ إن كان لنفل وابتدأه إن كان لفرض. ومن لم يطف حتّى رجع لبلده لزمه دم. ومن طاف الصدر آخر أيّام الحجّ في النفر الأوّل وقد طاف يوم النحر لحجّه بلا وضوء أعاده قابلا وذبح لإحلاله وطاف الصدر لأنّ طواف الحجّ لا يجزيه وبطل حجّه. (3/362)
صفحة 1289
وإن طاف جنبا أو حائضا يوم النحر ثمّ رجعا لأهلهما ولم يطوفا الصدر فإن أقاما بمصرهما وأحلاَّ (91) قبل أن يرجعا ويطوفا حجّا قابلا وذبحا لإحلالهما بدنة لكلّ وشاة لترك الوداع. وإن طاف يوم النحر أقلّ من أسبوع ثمّ خرج ولم يودّع لزمه أن يرجع من بلده ويطوف ما بقي ويودّع إن لم يحل وإن أحلّ حجّ قابلا وذبح ما ذكر. ومن طاف وسعى وأحلّ بثوب لا يصلي به ذبح وأعاد وإن لم يحلّ أعاد ولا يذبح. ومن قطع طوافه لسماعه إحرام الإمام ولم يدخل معه حتّى أتمّ بجماعته ثمّ بنى على ما طاف أجزاه وقصّر في تركه الدخول معهم ولا يسعه إلاّ بعذر.
ومن فسد وضوؤه فيه فذهب يجدّده فتكلم بالذكر أو أمر الوضوء لم يضرّه وشدّد في الكلام فيه بلا إفساده به ولو تطاول تشاغله فيه إن كان في أمر الوضوء لا إن قعد لقراءة كتاب أو قرآن.
فصل
روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قرن طوافين وركع لكلّ أسبوع وقيل لا قران فيه ولا فساد به واختاره بعض بعد العصر وبعد الصبح ولا يهجر البيت. ومن قرن وركع بعدهما أربعا فليس بقران عندنا وصحّ عند غيرهم.
ابن عمر: للقارن سعي وللمتمتّع سعيان وقيل كالقارن وقيل له سعيان سعي لتمتّعه قبل الحج وآخر بعد الزيارة وقيل على من دخل مكّة طواف وسعي ويجزيه عن الذي بعدها وقيل لا. طاوس: يجزيه واحد لحجّ وعمرة. ابن جبير: واحد بعده (92)، ويجزي قارنا عند عطاء طواف لما روي أنَّه قال لعائشة: «يكفيك واحد لهما بعد المغرب».
محبوب: إنّه يطوف ويسعى ولا يحلّ فإذا أراد أن يخرج إلى عرفات طاف وسعى وقضى نسكه وتمّ حجّه وزار من منى وقيل يطوف ولا يسعى وقيل هو على إحرامه ولا يلزمه الطواف. أبو سعيد: يكون عليه ويطوف ويسعى ولا يلزمه إلاّ دم واحد (3/363)
صفحة 1290
وطواف الزيارة ويطوف لعمرته قبل الوقوف. وإن أصابه [523] أذى فعليه فديتان وإن أصاب صيدا فجزاءان وقيل فدية وجزاء. وعن عمر أفردوا الحج في أشهره والعمرة في غيرها ثمّ قيل الإفراد فيها أفضل لأنَّه إذا حجّ من أبعد كان أفضل وقيل التمتّع أفضل لقوله تعالى: {وَأتِمُّوا ... } الآية (سورة البقرة: 196). ولما روي: «تمتّع بحلالك ما استطعت فإنّك لا تدري ما يحدث لك». وقيل القران لأنَّه عملان ويجزي قارنا حلق واحد عن حلال حجّ وعمرة، فمن خاف فوت الموقف فترك الطواف وأتى عرفات ثمّ وقف بجمع ثمّ رمى الجمرة وذبح وحلق وزار أجزاه، ولا يذبح إلاّ لمتعته وكذا إن خافه فيلزمه طواف وسعي كالمرأة إن دخلت مكّة حائضا فلم تطف حتّى خرجت إلى منى أجزاها إذا رجعت من عرفة ورمت أن تطوف واحدا لحجّها وعمرتها.
وإذا أراد المحرم أن يخرج إلى منى وعرفة طاف المسمّى طواف الصدر.
أبو سعيد: يأمر أصحابنا بالتمتّع إن رجا أن تكون له متعة وإلاّ وخاف ضيق الخروج من العمرة أمروه بالإفراد ولا أعلم منهم أمرا بالقران واختار لمن لم يعتمر أن يدخل به ويكون قد اعتمر وحجّ. وكذا لمن لم يخف فساد إحرامه ولا التعب في تحمّله وإن أفرد جاز ولزمته العمرة عند بعض ولا يجزي حجّ عن حجّ وعمرة ولا هي عنه ويجزي القران عنهما. ومن دخل قارنا طاف وسعى ولا يحلّ ثمّ يحرم من آخر سعيه وهو على المروة ولا يحلق حتّى يحلّ وإن دخل بها أحلّ كما مرّ. وإن أفرد طاف وسعى واحدا يوم الزيارة فإن طاف أوّل يوم وأحلّ ذبح إن قصّر وإلاّ طاف وأحلّ وكلّما لبّى أحرم. وإن بقي بينه وبين يوم التروية أيام فلا يطف؛ وإن قدم بوسع طاف ولا يهجر البيت ويجدّد الإحرام ويهدي. (3/364)
صفحة 1291
فصل
من طاف ثمانية أشواط ركع ثمّ ستة ثمّ يركع وهذا في النفل وأمّا الزيارة وهو الفرض فإنّه يعيده ولا يخرج منه ولو نفلا حتّى يتمّه. وإن طاف لفرض ستّة ويراها سبعة فلمّا أحلّ ذكر أتمّ السابع وركع وذبح وقيل يعيده ويذبح لخطئه إن أحلّ.
ومن نسي شوطا حتّى ركع أتمّه وركع؛ وإن طاف لفرض أعاد حتّى يتيقّن بالسبعة ثمّ يركع وانصراف الشاكّ على الزيادة أفضل منه على شكّ في نقص.
ومن ودّع ثمّ شكّ أطاف سبعة أم ستّة فزاد واحدا حتّى تيقّن بالسبعة وشكّ في الثمانية وخاف أن يفوته أصحابه فركع وانصرف أجزاه إن خرج من مكّة وجاوز الميقات في الوداع واختير له أن يعيد إن لم يخرج. ومن طاف ستّة ناسيا ثمّ ركع وسعى ثمّ ذكر من الغد أتمّ ثمّ يركع ثمّ يعيد السعي وقيل يطوف ثمانية ثمّ يركع ثمّ يجدّد وقيل يتمّ أربعة عشر ثمّ يركع ثمّ يجدّد وقيل يتمّ ذلك ثمّ يركع ثمّ ثمانية ثمّ يركع ثمّ يجدّد. وإن طاف ثمانية ناسيا ركع ثمّ ستّة ثمّ يركع ثمّ يجدّد سبعة ثمّ يركع فإن ترك حتّى نفر ذبح وإن طافها لنفل ركع ثمّ ستّة ثمّ يركع وأجزاه فإن ترك الستّة والركوع وقد قصّر من الأوّل لزمه أن يرجع وإلاّ حتّى نفر ذبح. وإن طافها لفرض ناسيا ثمّ ذكر فركع وسعى وحلق أعاده وذبح لحلقه. وقيل من شكّ في طواف الفرض وهو فيه أخذ بالأقل وبنى عليه حتّى يتمّ أربعة عشر ثمّ يركع ثمّ سبعة. ومن خرج منه على يقين فلا يرجع إلى الشكّ.
الربيع: من تيقّن بشيء منه لم يلزمه باقيه فإن شكّ أنَّه طاف ثلاثة أو غيرها أثم على ما تيقّن ثمّ يركع ثمّ يجدّد. وإن طاف ستّة ثمّ ركع ثمّ زاد عليها وطاف ثمانية وركع استأنف. ومن نفر قبل أن يطوف تامّا لم يحجّ ولزمه قابلا. ومن زاد فيه ركع ثمّ جدّد سبعا وركع أيضا ولا عليه إن زاد في السعي وختم بالمروة. ومن طاف الفرض بعد العصر وركع قصّر وجامع قبل أن يسعى قبل الغروب أعاد الركعتين بعد وذبح لوطئه ثمّ لتقصيره قبل السعي فيهما وقيل: يجزيه واحد، وإن لم يجامع أعادهما (3/365)
صفحة 1292
بعده أيضا وذبح؛ وإن قصّر قبل أن يطوف وجامع رجع إلى الميقات وأهلّ بعمرته ويقضي التي جامع فيها إن كانت في غير الأشهر.
فصل
من طاف وسعى لعمرته وأحلّ ثمّ [524] أحرم بالحجّ وطاف له ثمّ ذكر أنّ أحدهما فاسد فقد أحلّ على غير طواف إن كان عمرة وليس بإحلال ويذبح له فلمّا أحرم به كان متمتّعا وإن كان في الأشهر فلمّا حجّ وزار أجزاه عن الأوّل ولزمه في وقته أن يطوف ويسعى ويجرّ الموسى على رأسه ويحلّ ويذبح ثمّ يحتاط بذبح آخر وكذا إن نقص أحدهما ولم يعلمه.
وحدّث الربيع أنّ معاوية استلم الأركان فقال له ابن عبّاس: إنّها لا تستلم، فقال له: اِمض عنّا يا ابن عبّاس ليس شيء من البيت مهجورا فأخبر به أبو عبيدة فأعجبه وكان يضع يديه وذراعيه وظهره عليه ويقول: إذا كان الزحام وأردت أن تستلم الحجر فأته من قبل الباب، فقد أجمعوا على أنّ من تركه والرمل مع القدرة لم يفسد طوافه وقيل يذبح لترك الرمل. وقد قال صلّى الله عليه وسلّم لعمر: «إنّك قوي لا تزاحم النّاس على الركنين فتؤذي الضعيف ــ وهما ركن الحجر واليماني ــ ولكن إن خلوت فاستلم وإلاّ فكبّر وامض».
وكان ابن عمر يقبّله ولا يدع استلامهما رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. ومن لم يصلهما إلاّ بإيذاء أشار بيده وكبّر ومضى. ويروى: «لا تقوم الساعة حتّى يرفع الركن والمقام». وقيل: إنّ أبا عبيدة إذا مرّ بالحجر كبّر وفتح كفيه وهما مسدولتان وقصّر مشيه أو عرض إليه بوجهه، ولمّا حجّ عمر في خلافته مسحه وقبّله ثمّ قال: «إني أعلم إنّك حجر لا تضرّ ولا تنفع ولكن رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقبّلك»، فقال له علي: يا أمير المؤمنين بلى إنّه يضرّ وينفع، فقال له عمر، اِئت به وإلاّ أدّبتك، فقال: يشهد غدا لمن حضره. (3/366)
صفحة 1293
ولا بأس على من أخّر الزيارة يوم النحر لعلّة ويحجّ قابلا من نسيه ويذبح بدنة.
وإن نسي الوداع قضاه إن ذكره بمكّة وإلاّ بعث بقيمة شاة من منزله.
وإن طاف القارن والمفرد بلا وضوء يوم النحر وترك الصدر حتّى رجع إلى أهله فإن وطئ وأحلّ ذبح وحجّ قابلا لإحلاله قبل الطواف فإذا تركه بعد رجوعه من عرفات حتّى أحلّ حجّ قابلا إذ لم يطف الواجب. ومن قدِم مكّة أيام منى أمر أن لا يطوف ولا عليه إن طاف. (3/367)
صفحة 1294
الباب السابع عشر
في ركعتي الطواف والصلاة في الكعبة وفي زمزم
فقد فرضتا ولا يتمّ إلاّ بهما ويذبح من تركهما ويعيد الطواف والسعي. محبوب: يذبح إن اعتمر وحجّ قابلا إن أفرد ولا يعيده ولا يذبح وقيل يعيده والركوع والسعي ويذبح وقيل بدنة إن وطئ وتمّ حجّه وقيل فسد ويعيده قابلا. وإن ركعهما بعد العصر وقصّر أعاد الطواف عند أبي عبيدة ورجى أنّ من ركعهما بمنى بعده وبعد سعيه ثمّ خرج إلى بلده فقد تمّ حجّه ولا يعيد السعي ولا الركوع وأقلّ ما يلزمه بدنة، وقيل يلزمه أن يرجع ويركع في المسجد ويعيد السعي إذ لا بدّ أن يركع في الحرم فإن وطئ قبله فسد حجّه. أبو سعيد: لا يجب عندنا دخول البيت ولا يؤمر به وقد دخله صلّى الله عليه وسلّم مرّة على ما مرّ وخرج منه وعليه شبه كآبة فدخل في بعض أزواجه في حالته فسألته فقال: فعلت شيئا أخشى على أمتي التعب فيه، قالت وما هو؟ قال: دخلت الكعبة. ولم يجمع على أنَّه صلّى فيها وليس لمن لم يطف أن يدخلها قبل أن يتمّ طوافه. وكره لمحرم وجاز لمحلّ مرّة ولا عليه إن زاد وندب مرّة اقتداء به ولا ينصرف من دخلها حتّى يطوف ويركع وقيل تصلّى فيها تطوّعا لتطوّعه بركعتين وضعّف بعض منّا خبر صلاته صلّى الله عليه وسلّم وقال: إنّه دعا وخرج، وقيل: إذا ظفر المسلمون بمكّة فإنّهم يكسون البيت من الصوافي. ولا بأس لمحرم إذا دخل زمزم ليصبّ من مائها على رأسه أن يطرح رداءه إن شاء وعلى نفسه بدون طرحه وندب للحاج أن يكثر من شربه حتّى يروي لما روي أنَّه شفاء له. (3/368)
صفحة 1295
الباب الثامن عشر
في السعي وصفته
وقد سنّ، وقيل فرض وقد مرّ أنَّه يبتدئ من الصفا فإذا انحدر منه وبلغ المسيل سعى فيه وقال ما مرّ فإذا بلغ الأخضر مشى رويدا فإذا بلغ المروة قال ما مرّ أيضا حتّى يتمّ السبعة فيها ثمّ يحلّ [525].
ومن تمتّع وختم السعي بالصفا فإن انصرف منه عليه لزمه أن يتمّ باقيه ويذبح شاة إن أحلّ، لا إن ذكر قبل أن يحلّ ولا يأكل منها كما مرّ.
والتقصير أخذ الشعر من أصله بمقصّ وإن ذكر عند الصفا أنَّه سعى ثمانية رجع إلى المروة فينصرف عنها ويقصّر، ولا بأس فيما زاد وإن بدأ بها وختم بالصفا وقصّر ذبح وأعاد سعيه، وأعاده إن لم يقصّر، ولا يذبح ويعيد واحدا بابتداء منه وختم بها.
ومن زار ورجع إلى منى قبل أن يسعى لزمه أن يرجع إليه ثمّ إلى منى ولا عليه، وإن زار ونسي الركوع حتّى سعى صلاّهما ولا عليه، وإن ذكره فيه قطعه وركع، وأتمّ الباقي فإن لم يذكر إلى منى ركعهما بها، وقيل: لا شيء عليه ويتم سعيه بلا وضوء إن انتقض فيه، وكذا الرمي.
ومن زاد فيه على سبعة ثمّ ذكر على الصفا رجع إلى المروة وختم بها فإن جاوز الأخضر ورمل، بلغ الصفا ثمّ رجع إليها، وإن لم يرمل انصرف من حيث رجع. ومن عجز أن يصعد عليهما أقام في أصلهما ويستريح من عيي، وإن ذهب إلى منزله رجع وبنى.
ومن سعى وغطّى رأسه قبل أن يحلق صنع معروفا. ومن لم يسع وراح لبلده فوطئ تمّ حجّه ويذبح بدنة، وقيل: ولو شاة؛ وإن لم يركع ووطئ ذبح وركع. (3/369)
صفحة 1296
فإذا سعى من الصفا إلى المروة فذلك سعي، وإذا رجع منها إليه (93) فسعيان حتّى يتمّ كذلك ولا يذهب قبل تمامه إلاّ لما لا بدّ له منه ويبني إذا رجع، والملتزم ــ قيل ــ بين الباب والحجر.
ومن بدأ سعيه ثمّ تركه وذهب ابتدأه وبنى إن ذهب لحاجة، إن لم يقطع نيته وكره الخروج منه لا لمهمّ (94) والتناجي فيه والجلوس وإن لشراب، وندب رفع الصوت عليهما وكان ــ قيل ــ جابر يرفعه كالجابي، وإن منعه من الصعود كثرة النّاس أجزاه أن يقف حيث حبسوه قربهما.
وكذا من حمل مريضا ولا تضرّ الزيادة فيه إن ختم بالمروة.
ومن تركه ناسيا في حجّه وعمرته لزمه دمان لهما. الربيع: من تعمّد تركه حتّى نفر حجّ قابلا.
وإن سعى جنبا أو بلا وضوء أجزاه كالحائض ويؤمر بإعادته إن كان بمكّة ولا يبتدئه الربيع إلاّ به ولا يجزيه قبل الطواف ويعيده إن كان بها.
وإن ذهب لبلده بعث إليها بدم؛ ويكره القيام قربهما بلا مانع ولا بأس إن بلغ أصلهما إذ لا يجد الراكب صعودهما، ويجزيه أن ينتهي إليه، ويكره بركوب بلا عذر وبلا إعادة وبلا دم وأساء بترك الفضل.
ومن سعى وعنده امرأة ينظرها ويمشي على مشيها كعكسه أو تمسّكت به فلا بأس، إن لم تشغله عن الهرولة بين العلمين فليسع كلّ وحده. وعلى من ترك الرمل دم وإعادة إن قصّر، وإلاّ فلا دم.
ومن تركه في شوط أو ضعفه أعاده به، وإن قصّر قبل أن يعيد وقد ترك منه الأكثر ذبح. وإن ترك ثلاثة أو أقلّ أطعم بكلّ مسكينا. وإن نسيه حتّى جاوز محلّه رجع إليه ورمل إن كان بأكثر من ثلاث خطوات ولا عليه في الأقلّ، وأساء ــ قيل ــ إن لم يرمل أصلا ولا عليه؛ ولا إن رمل فيه كلّه والرمل في المجيء والذهاب ولا على من نسيه. (3/370)
صفحة 1297
ومن لم يسع في بطن الوادي ومشى مشيا أجزاه إن سهى وأساء. أبو أيوب: ليس على من تعمّد ترك السعي إلاّ الدم.
ومن سعى وطاف وقصّر أعاد الكلّ على السنّة وذبح، وله أن يسعى راكبا إن عجز عنه ماشيا وأن يشرب إن عطش وإن بشراء فيه.
ومن تعمّد تركه حجّ قابلا لأنَّه من المناسك ويعيده من تعمّده بركوب بلا عذر إن كان بمكّة، وإن تباعد بحيث لا يمكنه الرجوع أهدى بدنة وهو مخالف لما مرّ.
ولا بأس باشتمال في طواف وسعي وإن لفريضة، ويذبح من قدّم نسكا قبل نسك إن لم يعد؛ وإن نسي الركوع حتّى سعى ركع إذا ذكر. واختار أبو المؤثر أن يعيده وإلاّ رجع لبلده ذبح لما ذكر ولا ينفعه السعي قبل الطواف بل هو على إحرامه مالم [526] يطف وكذا في الزيارة.
فصل
قيل: إن سبب السعي أنّ إسماعيل ــ عليه السلام ــ لمّا صار هناك مع أمّه هاجر، قامت تطلب الماء بين ناحية الصفا والمروة وتتردّد بينهما إلى أن نبع له زمزم.
ولا رمل في طواف ولا يلزم بفعله شيء والمختار تركه، وقد قال رجل لابن عبّاس أنّ النّاس يرملون حول البيت ويزعمون أنَّه واجب وأنّ النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فعله فقال له: صدقوا وكذبوا، فقيل له: وكيف ذلك؟ فقال: صدقوا أنَّه رمل في عمرة اعتمرها والمشركون يومئذ بمكّة، وقد بلغهم أنَّه وأصحابه أصابهم جهد وجوع شديد وتحدّثوا بذلك، وقعدوا عند باب الندوة فقال لأصحابه (95): «أروهم إن بكم قوّة وأنّ ما بلغهم عنكم كذب» فلمّا أتى المسلمون الحجر الأسود قال لهم: «أحسروا عن مناكبكم وغطّوا بطونكم وارملوا حتّى تستروا منهم باليماني حتّى إذا رأيتموهم فارملوا» فصنعوا ذلك فقد صدقوا، وكان ذلك وليس على النّاس اليوم (3/371)
صفحة 1298
رمل مذ ظهر الإسلام فقد كذبوا إذا زعموا أنَّه واجب، ثمّ قال أنَّه صلّى الله عليه وسلّم طاف على ناقته ويستلم الحجر ويقبّله.
ابن جعفر: نزل آدم عليه السّلام على الصفا وحواء على المروة فسمّي باسم آدم المصطفى (96) وسمّيت المروة باسم المرأة وقيل فيهما غير ذلك، وروي: «تبايعوا بين الحجّ والعمرة فإنّهما يزيدان في العمر والرزق لمن فعل وينفيان الذنوب كما تنفي الكير خبث الحديد».
وكان سبب نزول أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، أنّ المسلمين يكرهون السعي بينهما لأنَّه من مشاعر قريش فتركوه في الإسلام فأنزل الله ذلك.
ابن عبّاس: كان في الصفا صنم بصورة رجل يقال له أساف وفي المروة آخر بصورة امرأة تدعى نائلة فأنّثوها لتأنيث نائلة وذكروا الصفا لتذكير أساف، وقد سنّ السعي بينهما وقد أحسن من فعله ولا شيء على من تركه، وقيل تطوّع به صلّى الله عليه وسلّم فسنّ؛ وقيل أنّ من تطوّع فيه أو في غيره فزاد على الواجب كان خيرا له. (3/372)
صفحة 1299
الباب التاسع عشر
في طواف الزيارة والحلق والتقصير
ابن جعفر: من طاف تطوّعا بعد الزيارة أخطأ ولا عليه ولمن طافها أن يشتري الطعام قبل أن يسعى وبعده ولا أحبّ له أن يطوف نافلة بعدُ إن طافها؛ وإن أقام بمكّة بعده ذبح كما مرّ.
وبطل حجّ من ترك الزيارة إن أحلّ، وإن أخّرها إلى مضي التشريق أساء ولا عليه. أبو سعيد: من تركها حتّى وصل بلده فعليه بدنة وقيل دم إن لم يرجع إليه قبل الحول وأن يرجع متى شاء ما لم يجامع فإذا حال الحول لزمه ذلك وإعادة الحجّ. ومن حلق أو قصّر قبل أن تموت ذبيحته لم يجز له إذا لم يبلغ الهدي محلّه ولزمه وتمّت ذبيحته ويجرّ الموسى على رأسها بعد أن تموت فمن لم يجرّه فما لم يحلّ بعد إباحة الإحلال لم تنفعه إباحته؛ وقيل: إنَّه بحاله ما لم يحلّ ممّا أحدث من موجب الجزاء فهو محرم ولزمه الجزاء وقيل لا يجب الإحلال إلاّ بعد الخروج من الإحرام وإنّما الحلق إباحة للإحلال ــ كما مرّ ــ وأختار أنَّه إذا زار حلّ له الحلق وقد منع منه قبل وكذا قيل إن حلق قبل أن يذبح لزمه دم فإذا ذبح أجرى الموسى ــ كما مرّ ــ وقد أحلّ وإن لم يجرّه كان قيل على إحرامه وقيل لا يلزمه إلاّ الدم الأوّل.
وندب لمن أحلّ أن يقصِّر له مُحِلٌّ ولا عليه إن قصّر لنفسه.
ومن قدم من عرفات إلى منى ولم يجد ما يذبح فرمى الجمرة وحلق وزار ثمّ جامع فالذبح دين عليه متى قدر عليه بعث بثمنه إلى مكّة أو إلى منى إن تمتّع. وإن حلق قبل الرمي ذبح ــ كما مرّ ــ لخطئه ولوطئه، ولا يزر من لزمته [527] شاة لمتعته بل ينتظر إلى الثاني أو الثالث فإن قدر ذبح وإلاّ زار وأهدى.
ويقصّر المحرم من شعره قدر أصبع إلى أربعة على قدر الشعر والمرأة في العمرة عرض أصبعين أو ثلاثة، وفي الحجّ عرض أربعة، وقيل تجمع شعرها فتأخذ أطرافه، (3/373)
صفحة 1300
وقيل تقصّر فيه أكثر من العمرة بلا حدّ، وقيل: إنَّه دون الحلق وهو أفضل؛ ويأخذ من عرض لحيته أكثر من طولها، فمن بدأ بأخذ شاربه ولحيته وقلّم أظفاره ونتف إبطيه قبل أن يحلق أو يقصّر فليذبح. وإن حلق وقصّر وقلّم فحسن، ولا عليه إن لم يفعل. وروي: «رحم الله المحلّقين ثلاثا ــ ثمّ قال ــ والمقصّرين». قال تعالى: {مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} (سورة الفتح: 27)
وقيل (97): كان صلّى الله عليه وسلّم: إذا حلق استقبل وأعطى الحالق شق رأسه الأيمن ثمّ الأيسر ثمّ أمر بقسم شعره تبّركا به.
ومن قصّ ولم يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره فلا عليه إن حلق أو قصّر وإن أخذ من ذلك دون رأسه وجامع خالف السنّة، واختار أبو المؤثر أن يذبح.
ومن حلق لعمرته وليس برأسه شعر يحلقه لحجّه أجر (98) الموسى عليه؛ ولم يجب تقصير اللحية ويجزي الحلق وإن بنورة ولزم ملبّدا رأسه.
وأجمعوا على أنّ من كان بأذنيه شعر كثير فلا يحلّ به إن أخذ منهما، وأنَّه إن حلق رأسه وتركهما يسمى حالقا.
ومن تمتّع فطاف وسعى ثمّ وطئ قبل أن يحلّ فسدت عمرته عند ابن بركة ويرجع إلى الميقات ويذبح، وعند أبي المؤثر بدنة. وإن حلق قبل أن يذبح فعقره الحجّام عقرًا (99) إلى أكثر من ثلاثة في رأسه ذبح. وإن حلق أو قصّر لمثله قبل أن يحلا ذبحا معا.
أبو سعيد: من لبد رأسه أو ظفره أو عقصه فليحلق كما مرّ.
ويجرّ الأصلع الموسى على رأسه ويقصّر شعره كلّه، وقيل الأكثر وقيل البعض ولو من ثلاث فأكثر.
وندب الحلق يوم النحر بعد رمي العقبة والذبح، فإذا رماها ذبح وحلق. والرمي فيه من الشروق إلى الغروب، ولا يذبح قبله ولو أخرّ إلى العشي، وجاز إلى الغدوّ إلى ثالث التشريق، ويجزيه التقصير، وقيل يكره أن يقصّر لمثله، وقيل لا بأس لقضاء حجّهما. (3/374)
صفحة 1301
أبو الحسن: أقلّ ما يجزي في رأسه أكثره، فإن قصّر أقلّ منه فأكثر ما يلزم من لم يقصّر الذبح بمنى. وقيل إن أخذ ثلاث شعرات ــ كما مرّ ــ فقد أحلّ، كما أنَّه إن أخذها في إحرامه لزمه دم، فالثلاث كالكلّ في لزومه وفي الإحلال.
وإن وطئ قبل الزيارة قضاها وذبح بدنة وحجّ قابلا، وعلى زوجته ذلك إن كانت محرمة. وإن رمى ثمّ زار فإن ذبح وحلق بمكّة قبل أن يطوف أجزاه. وإن قدّم الطواف على ذلك ذبح لأنَّه خالف السنّة.
ومعنى {ثمَّ لْيقْضُوا تَفَثَهم} (سورة الحج: 29) الحلق وقصّ الشارب وقلم الأظفار، وذو الجمّة يقصّرها حتّى تصير مضمومة، وحلقها أحسن؛ وقيل طويل الشعر يقصّر منه حتّى لا يجاوز شحمة أذنه، لأنّ له أن يوفّر إليها، وأقل ما يقصّر بعدها ثلاثة أصابع، والمرأة تقصّر منه إن جاوزها أصبعا أو أصبعين إن جاوزها أكثر، وثلاثة إن طال، ولا يلزمها أن تقصّر إن لم يبلغ شحمة أذنها والحلق أفضل منه ــ كما مرّ ــ وإن (100) لغير ضرورة إلاّ من دخل مكّة متمتّعا فلزمه الحج يقصّر كما مرّ لتمتّعه ويحلق له؛ وكذا روي.
وندب في التقصير أن يبتدأ بالشق الأيمن وله أن يأخذ من لحيته ما جاوز قبضتين وليس على المرأة حلق ويجزيها التقصير. (3/375)
صفحة 1302
الباب العشرون
في الذبح وما يباح للحاج بعده
وقد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم حجّ ثلاثا: حجتان قبل الهجرة وحجّة بعدها فساق ثلاثا وستّين بدنة وجاء علي بتمامها مائة من اليمن وفيها جمل أبي سفيان وبأنفه برّة من فضّة فنحر بيده ثلاثا وستّين بحربة ثمّ أعطى عليا بقيتها فنحرها بها، وفي خبر: نَحرَها صلّى الله عليه وسلّم وأمر أن يؤخذ من كلّ منها بضعة وأن تطبخ فطبخت وشرب من مرقها وضربت له قبّة من شعر، وقال النّاس في الأراك والغيران فقال: «قد وقفت هاهنا وعرفة كلّها موقف». وفي خبر: «نحرت هاهنا ومنى كلّها منحر». ثمّ وقف بجمع فقال: «المزدلفة كلّها موقف».
أبو سعيد: هدي المتعة أو الحجّ أو ضحيّة [528] وجبت فيه أو في معناه لا يذبح إلاّ بعد رمي العقبة بعد الشروق وذلك بمنى وما كان من جزاء أو تطوّع من غير ما ذكر أو نحوه فلا أعلم فيه حدّا في ليل أو نهار ولا في هذه الأشياء عندنا ترخيصا قبل الوقت، وأختار جواز الذبح بعد رميها ولو ليلا إن كان لمعنى.
ومن ساق هديا ونواه لمتعته فلا يذبحه إلاّ يوم النحر وإن ذبحه قبله أعاده. وإن ساقه لا على نية ثمّ تمتّع اختار كونه نفلا، وله نحره إذا طاف وسعى ويذبح لمتعته (101)؛ وقيل إن ساقه معه فقد فرضه هديا لها؛ وإن قلّده فقدم في شوال وذي القعدة كان محرما إلى يوم النحر ثمّ يرجع؛ وقيل ينحره ما لم يقدم في العشر وقيل قد روي: «أحلّوا إلاّ من عليه هدي فمحلّه محلّ هديه». وقد ساقه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ في حجّه وعمرته وقال: «من كان معه هدي فمحلّه محلّه». وإن ساقه معتمر لا يريد المكث إلى الحجّ فلا يحبسه إذا فرغ من عمرته فينحره وينصرف لأهله.
ابن عمر: ما أنفق النّاس أعظم أجرا من مسفوح في هذا اليوم. والمساق إلى مكّة ينحر بها ما لم تدخل العشر فإذا دخلت وقف حتّى ينحر بمنى. قال تعالى: {وَالهَدْيَ (3/376)
صفحة 1303
مَعْكُوفًا ... } الآية (سورة الفتح: 25). ومحلّه أرض الحرم إلاّ إن عطب فينحر بمكّة فيجزي فإنّه إذا بلغها وفرّق فيها أجزى. والطعام لا يكون إلاّ بها كهدي المتعة بمنى؛ وما كان منه كفّارة أو جزاء أو قربة أو صدقة فهو للفقراء، فما مات منه أو ضلّ قبل أن يصل أبدل، فإن عطب في الطريق فنحره ربّه قبله فله أن يأكل منه ويطعم لأنّ عليه بدله. وإن نحره في الحرم قبل بلوغ البيت أجزاه وفرّقه، والحرم كلّه مكّة؛ وإن قدم قبل العشر نحره بها قبل النحر؛ وما كان منه تقربّا فهو تطوّع، وما ضلّ منه أو عطب قبله فلينحره وليغمس نعله في دمه ويضرب بها صفحة يمناه ليعلم أنَّه هدي، ولا يأكل منه ولا أهل رفقته ولا يأمر بأكله فيأكله من يأتيه بعدهم، وليس عليه بدله ــ كما مرّ ــ وكذا ما ضلّ، فإن أكله أبدله، ولعلّه: وكذا إن أمر بأكله. ولا يجوز ذبح هدي المتعة قبل فجر النحر ويتصدّق بجلاله وخطامه ويقلّده من ساقه عند إحرامه ثمّ يمسك عند الإحلال بمكّة حتّى ينحر بمنى، ولا يحلّ دون يوم النحر، لأنّ إحلاله حيث ينحر هديه، إلاّ من تمتّع ولا يريد حجّا فإنّه إذا قضى عمرته نحره بمكّة وأحلّ ثمّ إن شاء رجع لأهله أو أقام.
ومن أراده وتمتّع فلا يحلّ بعد طوافه وسعيه لأنَّه متّى قلّد هديا فقد أحرم ولو أنَّه جاء مكّة يسوقه معه مقلّدا له لزمه الإحرام حين قلّده. وإن كان بين اثنين وذبحه أحدهما يوم النحر أجزاهما، وكذا إن كانوا فيه أكثر؛ فإن كان ذات لبن كبقرة أو ناقة نضح ضرعها بالماء البارد حتّى ينقص لبنها ويذهب.
ويقول إذا نحر: «باسم الله والله أكبر اللّهم تقبّل من فلان بن فلان»؛ وتعقل الإبل عند الذبح (102) دون البقر والغنم.
وندب له أن يذبح هديه بيده ويجزيه غيره. وإذا حلق أو قصّر ثمّ أصاب صيدا في غير الحرم فلا جزاء عليه وبقي عليه الرمي إذ حلّ له كلّ شيء إلاّ النساء كما مرّ.
الربيع: لا يحلّ الصيد لأحد ما أحرم وقال: «لا يحلان له حتّى يزور».
أبوسعيد: وإذا دخل القارن مكّة وطاف وسعى وأحلّ جهلا فليس ممنوعا منه مرّة بعد مرّة ونتف شعرا كثيرا ذبح للحلق ولكلّ لبسة. (3/377)
صفحة 1304
الباب الحادي والعشرون
في تقليد الهدي وإشعاره ومحلّه
وقال تعالى: {وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ} (سورة الحج: 36) أي من مناسكه؛ وسمّيت بدنا لأنَّها تقلّد وتشعر وتساق إلى مكّة فهي البدن؛ وتجزي فيه شاة، والبقرة أفضل. وإشعاره جعْل العلامة فيه ليعرف به (103) أنَّه لله، فكلّ ما علم فقد أشعر.
{فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ} (سورة الحج: 36) أي قياما على ثلاثة قد صفّت برجليها وإحدى يديها وهي اليسرى فتنحر كذلك، وقيل: تعقل يسراها وتنحر قائمة، وقيل: باركة لئلاّ تؤذي بدمها. والذبح والنحر جائزان في الإبل والبقر والنحر في الإبل أكثر.
والأمر في {فَكُلُوا مِنْهَا} (سورة الحج: 36) للإباحة والترخيص.
{وَأَطْعِمُوا القَانِعَ} (سورة الحج: 36) وهو من يقنع بما يعطى ولا يسأل، وقيل المتعفّف الجالس في بيته، وقيل المسكين [529] السائل، وقيل الراجي والطامع، وقيل القانع أهل مكّة، والمعترّ الذي يسألك، وقيل المار بك يتعرّضك ولا يسأل، وقيل الذي يعترّ بيديه من فقير وغني. والبائس الباسط يده. وقرئ المعتري أي غيرَه طالبا معروفه
{لَن يَّنَالَ اللهَ لحُُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا} (سورة الحج: 37) لأنّ الجاهلية كانوا إذا نحروا البدن لطّخوا حيطان الكعبة بدمائها.
واختلف في قدر ما يطعم من بدنة، فعندنا يجزي ما أطعم منها إذ لم يجد.
ومن أراد إشعار بدنة أدمى شيئا منها حتّى يسيل على جنبها الأيمن فإن جللها بجلال (104) أو قلّدها بزمام جاز، ويتصدّق بذلك وبجلدها. وجاز الإشعار على الأيسر لتعرف بدنة. ومن بعث بهدي ولم يرد أن يحجّ ولا أن يعتمر فقلّده لم يلزمه أن يحرم؛ فإن عطب مع من بعث معه نحره وصبغ خفّه بدمه وضرب به صفحته كما مرّ. (3/378)
صفحة 1305
ومن احتاج الركوب على هديه أو الحمل عليه أو شرب لبنه جاز له كلّ مالا يضرّ به ممّا يخف. قال تعالى: {لَكُم فِيهَا مَنَافِعُ} (سورة الحج: 33) قيل: في ظهورها وفي ألبانها وقيل: إنّ ذلك قبل أن تقلّد وتسمّى هديا فلا يركبها إلاّ مضطرا وبمعروف ويشرب فضل ولدها ولا يجهدها بحلب.
واختلف في الإبل التي لا أسنّة لها والبقر التي بأسنمتها هل تقلّد أم تشعر؟
ومن ساق هديا ولم يقلّده ولم يشعره فله أن يرجع فيه أو يبدله ما لم يقل: إنَّه هدي؛ وله أن يحمل عليه وينتفع بلبنه ما لم يقلّده أو يشعره. أبو سعيد: من ساقه لحجّ وعمرة أحرم ــ كما مرّ ــ وقيل يلبي ويهلّ. وإن ساقه لنفل لم يلزمه أن يحرم.
وقيل الهدي ثلاثة: تطوّع، وتمتّع، وجزاء. والأفضل في الكلّ أن يوقف به في عرفة وينحر بمنى.
وإن عطب هدي التطوّع في الحرم قبل النحر فنحره وتصدّق به فإن أطعم منه غنيا فعليه قيمة ما أكل؛ وإن نحره قبله بلا عطب أجزاه ويحسن له أن لا يفعل حتّى يقف به في عرفة ثمّ ينحره فيه بمنى. ومن ساقه ثمّ تلف بعدما سمّاه واشترى بدله وقلّده ثمّ وجد الأوّل فنحره وباع الأخير أجزاه عند الربيع وقال: إن عكس أجزاه أيضا إن استويا في القيمة، وإن كان الأوّل أكثر تصدّق بالفضل، لا إن كان الأخير أكثر.
الربيع: إن عطب هدي المتعة أو الجزاء في الطريق باعه وأكل ثمنه وأبدله وهو قول عائشة أيضا. وإن وصل الواجب إلى الحرم فانكسر لم يجزه ولو تصدّق به لنقصانه وهذا في غير المتعة، ولا يجزي هديها إلاّ يوم النحر ــ كما مرّ ــ وبه قال أبو الحسن. ويجزي التطوّع إذا بلغ الحرم. وكلّ ما أهدي إلى مكّة فإنّه ينحر بها ما لم تدخل العشر فيوقف ــ كما مرّ ــ إلى النحر. وقد نحر هديه ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ في الحرم حين صدّه المشركون في الحديبية وقال: «مكّة كلّها الحرم».
ويتصدّق بقيمة ما شربه من لبنه أو انتفع به بلا ضرورة وتحمل أولاده عليه حتّى ينحر بمكّة. ومن ساقه يريد البيت فقلّده أو أشعره لزمه أن يحرم عند الربيع ولا شيء عليه عند ابن بركة ولا يلزمه إن قلّد غنما لأنَّها لا تقلّد. (3/379)
صفحة 1306
فصل
يلزم محرما بعمرة في الأشهر هدي إن أحلّ منها ــ كما مرّ ــ؛ ولا متعة على مكّي، والمتمتّع الواجب عليه الهدي أن يحرم فيها وأن يكون إحرامه بالحجّ في عامه وأن يكون قبل الرجوع إلى بلده أو مثله في البعد، وأن تكون العمرة قبل الحجّ، وأن لا يكون مكّيا ولا من ذي طوي؛ فإذا عدم شرط منها سقط الدم.
الربيع: من نحر هديه في ثاني النحر أو ثالثه أجزاه؛ وإن نحر جزاء الصيد أو الكفّارة يوم عرفة أجزاه أيضا.
والسنّة في الإبل ــ كما مرّ ــ النحر وفي البقر والغنم الذبح وإن نحر ما يذبح أو عكس فقولان.
ومن أذن لعبده أن يحجّ ولزمه الدم قوّم الصيد عليه طعاما فيصوم لكلّ مدّين يوما. فإن جامع قضى مناسكه وحجّ إذا عتق وأهدى. وإن فاته الحج أحلّ بعد السعي ورجع [530] إلى بلده وحجّ إذا عتق وكان ابن عبّاس يقول: النحر بمكّة. ولكنّها نزّهت عن الدماء ومنى من مكّة.
ولا يذبح المشرك نسك مسلم ولا أقلف. (3/380)
صفحة 1307
الباب الثاني والعشرون
فيمن قال لما لا يملكه هو عليّ هدي إلى البيت
فإنّه يهدي بدنة وقيمته إن قاله لما لا يملكه إلاّ إن بلغت أكثر من ثلث ماله فيعشّره ــ كما مرّ ــ ويهديه؛ وإن كان كالثلث أو أقلّ أهدى قيمته؛ وإن قال امرأته هدي فالوقف فيما يلزمه وإن قال: هي عليه هدي أهدى بدنة وأعتق وقد مرّ.
أبو عبد الله: إنّما عليه بدنة وكذا إن قال هي عليّ نحيرة؛ وإن قال فلان هدي أو هو عليّ هدي أو أهدي فلانا إلى البيت أو هذا الثوب عليَّ هديٌ (105) أو هو هدي أو هذه الدراهم هدي إليه أو في أستاره فليس بشيء، إلاّ إن قال عليّ أو أنا أهديه فيلزمه أن يهديه أو قيمته إن كانت له قيمة. وإن قال لحر أو حرّة هو عليّ هدي أو أنا أهديك أهدى بدنة وأعتق؛ وإن قال: ذلك لعبد لا يملكه لزمته بدنة لا عتق. وإن قال لغلامه: هو هديه أو عليه هدي أهداه أو قيمته.
محبوب: ما يبلغ ثمنه قيمة شاة فأكثر فإنّه يهدي ودونها يطيّب به الكعبة ــ كما مرّ ــ وجاز أن يتصدّق به؛ وعند غيره: من قال غلامه هدي أهداه لخدمة البيت أو يشتري بثمنه بدنا وهو الأشبه. ومن قال: عليه الهدي والمشي حافيا أهدى ولو شاة وهي الأدنى فيه ولا عليه إن مشى حافيا وينتعل إن لم يقدر أو يلبس خفيه ويذبح ما لم يحرم. وإن قال غلامه هدي إن فعل كذا وهو حر فحنث لزمه العتق ومثل قيمته هديا. وإن قال أولاده أو ابنه نحيرة عتق عن كلّ رقبة ونحر عنه بدنة كما مرّ. وإن جعل نفسه هديا لزمته بدنة لا إن جعلها صدقة ويتوب، ولا إن قال جسده صدقة. ومن قال غلامه هدي أهدى ثمنه عند من شدّد وعند غيره بدنة.
الوضّاح: من قال هذه الدار عليه هدي إن لم يفعل كذا ثمّ حنث بعث ثمنها إلى مكّة ينحر عنه بدنا؛ وإن قال عليّ أن أهدي ناقتي هذه إلى البيت لم يجز له غيرها ولا شيء عليه إن ماتت؛ وإن قال لناقة له في زمان الحج هي هديه فله أن يصيب منها من (3/381)
صفحة 1308
ولد ولبن كما يصيب من غيرها ولا يبيعها حتّى إذا جاء الأجل فهي كهدي يشتريه ليس له ولدها (106) إذا ولدت ولا لبنها. ومن غضب على غلامه فقال إن أعتقه فعليه هدي فإن أعتقه فهو كفّارة له. ومن أصاب أحدا بشيء فقال إن عفوت عنه فعليّ هدي فإن تصدّق به فهو كفّارة له؛ وإن عفى وأهدى فهو أفضل؛ وكذا إن أعتق وأهدى ثمنه.
وإن نذر أنّ كلّ عبد له فهو هدي إن عفى عنه فإن فعل فهو كفّارة له؛ وإن عفى وأهدى شيئا من ماله فهو أفضل له أيضا. ومن قال عليه بدنة فله أن يأكل منها، ولا بأس فيه بمشقوقة أذنها. ومحلّ البدن مكّة ــ كما مرّـ، فمن سمّى لهديه مكانا فهو محلّه. ومن حلف به ولم يسمّ فهو إلى البيت.
ويفرق الهدي على من حضره من الفقراء ولا يخصّ به أهل الدعوة ولا أهل مكّة؛ وإن قبله أهل الدعوة فهم أولى به.
وإن كان بين شركاء فمات أحدهم فرضي ورثته أن يذبحوه عنه أو عنهم أجزاهم. (3/382)
صفحة 1309
الباب الثالث والعشرون
في ليالي منى والإقامة بها والمبيت بجمع
وقد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم أفاض من آخر يومه ليالي أيَّام (107) التشريق إلاّ من نفر مع الأوّل فإنّه يسقط عنه خروجه عن منى المقام بها النفر الكبير إلاّ أهل السقاية من أهل بيته فقد أذن لهم أن يبيتوا بمكّة ليالي منى وكذا للرعاة.
واختلف فيمن بات عنها ليلة منها فقيل عليه درهم وقيل يطعم شيئا بلا تحديد ودرهمان بليلتين وبثلاث دم، وقيل يطعم مسكينا إن بات حتّى أصبح وإن بات لياليها ذبح. وقيل من زار وبات بمكّة ساق هديا من حل لقول ابن عبّاس من ترك بعض نسكه ذبح وقيل لا شيء على من بات بها (108) أيّام منى إن رمى وقد أساء ولقوله أيضا: «إذا رميت فبت حيث شئت».
والحسن لا يبالي إذا زار أن يبيت بمكّة إذا رمى. أبو سعيد: يؤمر أن يبيت بمنى ليالي [531] التشريق ورخص للخائف والراعي. وعندنا يذبح من بات بمكّة بعد أن زار أو نام بها ــ كما مرّ ــ؛ وإن نام بها بعد أن خرج منها تلك اللّيلة بعد أن زار فقد شدّد في المبيت دون منى، وفي الجزاء عليه قولان وأمّا لياليها غير ليلة الزيارة فقيل لكلٍّ دمٌ، وقيل: لا، ولا يؤمر بذلك. وفي الضياء: من كان بمكّة أيّام التشريق ورجع لمنى ليرمي ويبيت بمكّة فلا عليه؛ فإن بات بها ليالي منى فقيل عليه لكلّ دم، وأختار أن يصنع لكلّ معروفًا كدرهم أو نحوه؛ وعند عزّان يذبح من بات بها بعد الزيارة أو قبلها (109) ولا يشرب قيل في الطريق إلاّ إن أجهده العطش وله المبايعة بمنى إذا رجع إليها؛ وإن أصبح بمكّة لما لا بدَّ له منه جاز له، ويذبح إن كان لا لذلك.
وإن نام في محمل أو على جمل يسير فلا عليه، وقيل إذا غلب الزائر عينه فنام قاعدا فلا بأس عليه (110) عند ابن محبوب. ومن وضع جنبه في محمل أو في الأرض فنعس فليذبح وقيل إن نعس منتظرا لأصحابه بمكّة ليزور أو في محمل غير متعمّد للنوم (3/383)
صفحة 1310
فلا عليه. وإن سار في الطريق ثمّ انقطع عنه أصحابه أو بعضهم فنام ينتظرهم فلا عليه إن تعدّى عمران مكّة، وقيل يصنع معروفا، وقيل يتوب.
ومن نسي أو جهل ونعس بها ليالي منى خيف أن لا يعذر بجهله ولا عليه في النسيان ولا في اضطجاع بلا نعاس ولو تعمّد. ومن نام بها ليالي منى كلّ ليلة ثلثا أو نصفا أو ربعا ونعس ولا ينام الليلة كلّها فليس بائتا فإن بات أكثر فقيل بائت. وإن نعس نهارًا (111) ففي الزيارة كاللّيل لا في غيرها، والنوم بعدها بمكّة مكروه، وفي كونه حراما الوقف؛ وكذا بعد الوداع، والنوم قبلها أو بعدها سواء، وإنّما جاء الأثر بالدم بعدها، وكذا قيل قبلها. ومن كان بمكّة وأراد أن يقوم فلمّا انتبه ليلا قام ومضى فأصبح قبل أن يصل منى لزمه دم.
فصل
من الإفاضة من جمع قبل الطلوع خلافًا (112) للمشركين في قولهم: «أشرق تبير كيما نغير». ومن وقف فيه إليه ذبح عند أبي المؤثر وقيل لا وأساء لمخالفته السنّة. ومن عرفات بعد الغروب. ومن لم يلحق الوقوف بجمّع ولم يصلّ الصبح مع الإمام تمّ حجّه. ومن قدم إلى منى ليلة جمّع لزمه المضي إليه والوقوف فيه والدم إن أصبح بمنى؛ ولا بأس على خائف أن يصبح فيه ويقف ولو بعد الطلوع حتّى يدبر عنه النّاس. ومن بات فيه إلى نصف اللّيل أجزاه وقد روي: «جمّع كلّها موقف إلاّ بطن محسر». ويجب المبيت في هذه المواضع.
ومن قدر على إحياء ليلته فيها لشرفها وقضاء الحوائج فيها وإجابة الدعاء فعل. ومن أدرك النّاس بجمّع عند الفجر وفاته الوقوف بعرفات فاته الحجّ؛ وعلى من لم يقف بجمّع دم وأساء. ومن وقف فيه بعد الفجر وأفاض قبل الإمام كره له ولا عليه.
أبو المؤثر: من أفاض منه قبل أن يصلّيه ذبح. وإن (113) رجع إليه وصلاّه فيه قبل انقضاء الوقت فلا عليه. ومن أفاض من عرفات وحطّ رحله بجمّع ثمّ خرج منه (3/384)
صفحة 1311
فلا عليه، والأكثر على أنّ من أفاض منها فجاوزه إلى بطن محسر قبل الفجر لزمه دم وتمّ حجّه. ويدفع من جمّع عند جابر حين ينظر النّاس والدواب مواضع أرجلهم.
أبو عثمان: من مرّ به ولم يحطّ فيه رحله ذبح؛ وإن حطّه به فمضى فلا عليه. ومن أجنب فيه ليلة النحر أجزاه أن يغتسل الجنابة عن غسل الإفاضة؛ وإن نام بعد غسله منها أعاده إن جفّ، وندب الغسل بجمّع. ومن صلّى الغداة عنده ثمَّ مضى فلا عليه وإن وقف عنده بعدها بلا ذكر ذبح. (3/385)
صفحة 1312
الباب الرابع والعشرون
في الشهادة على الهلال قبل الوقوف بعرفة
أبو المؤثر: من رأى هلال ذي الحجّة دون غيره لزمه أن يحجّ ويقف بها ويقضي مناسكه وحده، ولا حجّ له إن لم يفعل، وقد مرّ غير ذلك، ويستتر إن خاف. وإن شهد قوم برؤيته ثمّ حجّ النّاس ووقفوا مع الإمام فقال الشهود عند الوقوف: شبّه لنا فعلوا كما مرَّ (114) من قضاء المناسك والرجوع إلى عرفات محرمين وإعادة كلّ ما ذكر.
وندب عند الوقوف الإتيان بالباقيات الصّالحات لما روي: «أفضل ما قلته أنا والنبيئون من قبلي: لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له ... [532]ــ إلى ــ قدير» فيقال هذا عنده أيضا. ومن وقف بها وذكر الله ثمّ أفاض قبل الغروب تمّ حجّه ولو لم يرجع ويذبح (115)؛ فإن رجع ووقف فلم يدرك الوقوف قبله فهو كمن لم يرجع ويذبح أيضا، فإن رجع ووقف وأدركه وذكر قبل المغيب أدرك، ولا عليه وإن لم يدرك منه شيئا قبله ذبح وتمّ حجّه وقيل إن أفاض منها قبله بلا عذر فلا حجّ له عند ابن عبّاس.
ويروى: «أيّها النّاس ليس البرّ في سنابك الخيل ولا تحت أخفاف الإبل ولكنّه في السكينة والوقار». ويكره أن تبعث الراحلة في الإفاضة من عرفات، ولا بأس على من احتبس بها إلى الأمن من الزحام. وقال: من مرّ بعرفات فصلّى بها العصر أو قبل أن يأتيها ثمّ ذكر الله فيها ومرّ ولم يقف أساء في صنعه، ويرجع إليها ويقف بها ويذكر إلى المغيب؛ وإن لم يرجع حتّى غابت الشمس تمّ حجّه وذبح؛ وإن غابت قبل أن يقف فيها ثمّ وقف فاته. وإن دخل أوّل عرفات وغاب قرن منها فاته أيضا، ويؤمر بإتيان ما بعده ويحجّ قابلا. وإن دخله قبل أن يغيب أمر بالذكر وبالمسير إلى الجماعة؛ وإن غابت قبل أن يصلهم تمّ حجّه، لأنَّها كلُّها موقف ــ كما مرّ ــ إلاّ عرنة (3/386)
صفحة 1313
والأراك؛ وإن خاف فوت الموقف فلا عليه إن أتعب دابته أو راحلته وإن بالركض ما قدر إن طمع الإدراك قبل اللّيل لأنّ له ذلك، وكذا له السعي بعد المشي. وإن وقف بها جنبا أجزاه والأحسن أن يغتسل ويتوضَّأ ثمّ يقف.
أبو المؤثر: من أهلّ بحجّة ثمّ فاته الوقوف عشية عرفة لم ينفعه ليلا ويعيدها قابلا ولو نافلة، ويوصي بها إن خاف موتا؛ وإن فاته الوقوف ومعه هدي نحره وطاف وسعى وحلق ورجع لبلده محلاّ وحجّ قابلا، لأنَّه ألزمه نفسه. ومن تعمّد الإفاضة قبل الغروب بلا عذر فسد حجّه وقيل تمّ، ويذبح إن وقف بعد الزوال، والمختار أن لا يفيض قبله إلاّ به. وأقلّ الوقوف ثلاث تسبيحات فمن وقفه ثمّ عناه أمر يعذر فيه فأفاض قبله رخّص له فيه وتمّ حجّه وذبح، والجاهل كالمتعمّد في ذلك ولا يأثم الناسي وفسد حجّه وقيل تمّ ويذبح. وأجمعوا على أنّ الإفاضة منها بعد الغروب سنّة ولا حجّ لمن لم يقف.
وقد فرض الوقوف عشية عرفة وأكّد بالسنّة والإجماع.
فصل
من نام بعرفة حتّى أفاض النّاس ثمّ انتبه بعد الغروب غسل وتوضَّأ وصلّى المغرب ثمّ يقف مكانه يدعو ويتضرع ويلبِّي ويسأل حوائجه ويستغفر ممّا ضيّع من أمور الموقف إلى العتمة، ثمّ يلحق إلى المشعر الحرام ويذبح شاة سمينة، لأنّ النائم كاليقظان وقد عذر، وقيل يحجّ قابلا لنومه إلى اللّيل ويذبح له.
وإن مات بعد الوقوف وقبل قضاء المناسك قضاها عنها وليّه لا إن مات قبله إذ لا يجزيه عنه فعله.
ومن عجز أن يطوف بمرض كان محرما حتّى يطوف فإن مات طاف عنه وليّه أو رفيقه ويرمي عنه. ومن أغمي عليه قبل أن يقف فإن صحى أدرك بعضه أجزاه؛ وإن أغمي عليه في الموقف أجزا عنه أيضا إن عقل عند إحرامه؛ وإن وقف سكرانا فلم (3/387)
صفحة 1314
يصح إلى الغروب أعاده قابلا، وقيل: قد تمّ حجّه للزوم طلاقه وعتقه وثبوت الحدود عليه.
ولا يوقف إلاّ بنيّة أداء الفرض. فمن وقف بلا قصد التقرّب به فلا يثاب عليه.
ومن نام بمكّة ليلة عرفة (116) حتّى أصبح ثمّ غدا يومها فمرّ بمنى ووقف مع النّاس أساء ولا عليه.
فصل
صلاة المغرب والعشاء بجمع أفضل، إلاّ من خاف أن لا يصله حتّى يذهب نصف اللّيل فإنّه ينزل ويصلّي.
وقد سنّ الخروج إلى منى يوم التروية، وقد خرج إليها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه حين وجّهوا صدور الرواحل إليها مهلاّ بالحجّ، وأمر من لم يسق هديا أن يصوم فصلّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثمّ غدى إلى عرفات فنزل بها حتّى زالت الشمس، ثمّ خطب فجمع الظهر والعصر في مصلاه، ثمّ ركب فوقف بها فأرى النّاس مناسكهم ليقتدى به فيصلّى بمنى خمس صلوات.
فعند غداة عرفة غدا بعد الصلاة إليها من منى ولا يجاوز حدودها (117) حتّى ترى الشمس على رؤوس الجبال [533] فإذا وصل عرفات وزالت جمع الأولتين في وقت ثمّ يقف فيكثر من الذكر والاِستغفار والصلاة على النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ والدعاء إلى الغروب.
وقيل أفضل المواقف يمين الإمام ثمّ يساره ثمّ خلفه.
ومن وافى عرفات قبل الغروب فقد وافى الحجّ، وسنّ النوم بمنى ليلة عرفة ثمّ الغدو منها عند الشروق فمن غدى قبله أو أشرقت عليه فيها فلا عليه، إلاّ أنَّه كره الخروج منها قبله؛ فإن خرج منها إلى عرفة نزل فيها حيث شاء ملبّيا ويرتفع عن مسجد إبراهيم وعن عرنة فإن بطنها يلوي بعرفة من غربها إلى حنين، ومن تبير في (3/388)
صفحة 1315
ربيس بعرفة بين هذام والأراك نحو عرفة منها، وعرفة أوسع من ذلك ولا تجاوز؛ فمن وقف في غيرها إلى الغروب فلا حجّ له ولو كان قد دخلها، كذا قيل عن جابر، وخالفنا ناس.
وليكثر الواقف من الذكر والسؤال والتضرّع، ولو نائما والقائم أفضل. وكان قيل عمر لا يضرب ناقته إذا أفاض، وكان أكثر ما يقول: «حاجتي حاجتي»، حتّى إذا نزلت يدها من محسر استحثّها حتّى يرمي الجمرة. ومن وقف وكبّر ثلاثا ثمّ غابت الشمس أدرك الوقوف وأجزاه، وقيل وجبلها اسمه دبلك، وجبل المزدلفة فرح.
ولزم من أصبح بمكّة يوم عرفة دم إلاّ إن دخلها تلك الغداة. ومن غدا من عرفات إلى منى نزل حيث شاء منها.
فصل
من وقف وغاب قرن من الشمس وسبّح ثلاثا قبل مغيب الكلّ والاِصفرار باق على رؤوس الجبال تمّ وقوفه ما لم ينقض حكم النّهار؛ وإن ذهب وطلع اللّيل فاته الوقوف، ولا يفوت بما يفوت به العصر. ووقت الوقوف أوسع من وقته.
أبو المؤثر: لا يصلّي المغرب بعرفات ويجمعه مع العشاء بجمع كما قد سنّ، وإن شغل وخاف أن لا يصله قبل ذهاب ثلث اللّيل صلّى المغرب إذا هبط من بطن عرنة وأخّر العشاء إلى الجمع؛ وإن خاف انتصاف اللّيل قبل أن يصله جمع إذا هبط منه أو حيث شاء من الطريق؛ وإن جمع بعرفات ثمّ أفاض كره له (118) بلا إعادة، وقد أمَّر ــ قيل ــ رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ عتاب بن أسيد على النّاس في الحجّ وهو مكّي فقصّر بهم وإنّما أتمّ بعرفات، ومكّة عثمان ثمّ معاوية ثمّ بنو مروان حتّى قامت خلافة بني العبّاس فردّوها قصرا كما سنّ أوّلا، وكان صلّى الله عليه وسلّم ينزل بطحاء مكّة سبع عشرة ليلة فإذا سلّم من صلاته أمر مناديا: «ياأهل مكّة أتمّوا فإنّا قوم سَفْر». وكذا فعل الخليفتان بعد. (3/389)
صفحة 1316
فصل
قيل سمّيت عرفةُ عرفةً لقول جبريل عليه السّلام لإبراهيم عليه السّلام: أعرفت؟ فقال: نعم. وذلك أنَّه طلب الجبل الذي أمر أن يقف عليه فضلّ عنه، فلمّا وجده قال: قد عرفته.
والمزدلفة جمعًا لاجتماع (119) آدم وحواء بها.
ومنى منى لما يمنى فيها من الدماء والشعور، وقيل لأنّ الله تعالى منّ بها على إسماعيل عليه السّلام بالفداء، وقيل لأنَّه يعطي فيها النّاس مناهم.
والجمرةُ جمرةً لارتفاعها وكلّ مرتفع جمرة.
وزمزمُ زمزمًا لزمزمة الماء وهو صوته، وقيل لمَّا نبع قال: زمزم، وقيل إنّ أبا الدرداء قال يارسول الله: إنّ أمر منى لعجب، هي ضيّقة فإذا نزلها النّاس اتّسعت، فقال: «إنّما مثلها مثل الرحم تتّسع عند الولد».
وقيل إذا أسلم المشرك وبلغ الصبيّ وأعتق العبد عشيّة عرفة وقد بقي من النّهار قدر ما يحرمون ويسبّحون ثلاثا قبل الغروب تمّ حجّهم. (3/390)
صفحة 1317
الباب الخامس والعشرون
في الإحلال والرمي وصفتهما
وقد روي: «إذا رميتم فقد أحللتم ممّا أحرمتم منه إلاّ النساء ــ قيل: ــ والصيد».
الربيع: أوّل حصاة ترميها تحلّ بها وحلّ لك الحلال كلّه إلاّ ذينيك واحذر أن تصيب أحدا برميك.
وندب كونه باستقبال فإذا رمى الجمرة جعلها خلفه واستقبل ودعا بما فتح له ويرمي العقبة ــ كما مرّ ــ من بطن الوادي وهي على اليمين؛ وإن أتاها من غيره فلا عليه؛ فإذا رماها رجع من حيث جاء؛ وإن لم يمكنه ومرّ طريقا في العقبة فلا عليه؛ ويفعل هذا يوم النحر ولا تحديد في غيره، ولا يرميها إلاّ ممّا [434] مرّ.
ويأتيها أيّام التشريق للرمي من حيث شاء إن رماها من محلّه ويرجع من حيث شاء. والعقبة آخر ما يرمى فيها. ومن رماها من فوقها يوم النحر أعاده من بطن الوادي؛ فإن ذبح وحلق قبل أن يعيده أعاده وذبح؛ وإن كان في غير النحر أعاد ما كان بمنى؛ وإن لم يذكر حتّى دخل مكّة ذبح.
ومن أتاها من العقبة فانحدر من المسيل ورماها منه ثمّ صعد وأخذ طريق العقبة فلا عليه. ومن ترك التكبير عند الرمي يوم النحر أعاد رميه به (120)؛ فإن ذبح وحلق قبله ذبح؛ وإن لم يذكر إلاّ بعد النحر ندب له أن يذبح شاة. ومن نسي تكبيرة أو ضعفها أعاد رمي حصاة أو حصاتين به من حينه، وإلاّ صنع معروفا لتركه، ولا شيء في زيادة الرمي. ومن تعمّد ترك حصاة من العقبة يوم النحر حتّى ذبح لزمه دم، ورمي فإن نسيها أيضا رماها وأطعم مسكينا، وقيل: يذبح؛ وإن نسي رمي العقبة كلّه حتّى أصبح رماها وذبح (121)؛ وإن تعمّد ترك حصاة منها فيه أساء وذبح؛ وإن تركه في الثاني حتّى أصبح فقيل: يذبح لكلّ جمرة تركها وقيل: يطعم مسكينا لكلّ ويرميها (3/391)
صفحة 1318
لغد. وإن رمى بخمس رمية ذبح إن فاته الوقت وإلاّ أعاد الرمي على السنّة ولا عليه، وكذا قبل غروب ثالث النحر. ومن رمى الوسطى يوم النحر وظنّها العقبة فذبح وحلق ثمّ علم غدا أنَّه أخطأ لزمه دم، وقيل: دمان، وأعاد الرمي؛ وإن رماها أو التي دونها وحسبها العقبة وقضى ما بعدها، ثمّ وطئ ثمّ علم أنَّه أخطأ ذبح بدنة وحجّ قابلا.
ومن رماها وغطّى رأسه أو نتف شعرا أو قلّم أظفاره قبل أن يذبح فإن كان متمتّعا لزمه الجزاء ويكشفه ويلبّي وإلاّ فلا عليه، وترمى إن نُسيت يومه إلى غروبه ما لم يذبح وقد رماها ــ قيل ــ ابن مسعود من المسيل وقال: والله إنّ هذا مقام أنزلت عليه فيه سورة البقرة.
ويجزي الرمي وإن بلا غسل الحصى، وجاز فيه انتظار خفّة الزحام ويكون قبل المغيب.
وإن عجز المتمتّع في الأشهر عن الضحيّة صام ثلاثا ــ كما مرّ ــ آخرها يوم النحر؛ وإن صام قبلها أجزاه بعد قضاء عمرته؛ وإن لم يصمها قبله أهدى لمتعته إذ لا صوم بعده لمتمتّع. ومن رمى بكبار خالف السنّة وتجزيه، فإنّ الحصى كالخذف (122) والجوز والبندق؛ ومن أخذها من المسيل من محلّ ترمى به العقبة أجزته أيضا؛ وإن أخذها من غير الحرم فهو كمن لم يرم إن لم يعد حتّى نفر. ومن لم يأخذ الحصى فجاء إلى العقبة وأخذه ممّا ترمى به فرجع إلى المرمى فرماها منه به فكمن لم يرم أيضا.
ولا يجوز بلؤلؤ ولا بدرّ ولا بعظم ولا بسوى حصى الحرم.
ومن نقص عليه العدد وأخذ ممّا كان عند الجمرة أجزاه واختير أن يكون من غير ما رميت به إذ هو كالمستعمل، وكلّ ما وقع عليه اسم الحجر جاز أن يرمى به ولو مكسّرا والصغير من أصله أفضل.
فصل
لا بأس على من رمى راكبا والماشي أفضل، ولا على من رمى بأكثر من سبع، وقيل: يفسد رميه إن تعمّد واستحسن ويعيده من رماه دفعة؛ وإن أعاده في مقامه عدّ (3/392)
صفحة 1319
تلك الرمية واحدة وزاد ستّا؛ وإن لم يعد حتّى انصرف أعاد سبعا، ولا إعادة عليه في التكبير إن نسيه وتباعد.
وترمي الخنثى من مرمى النساء.
ومن وقعت رميته على شيء قبل الجمرة ثمّ طارت فوقعت عليها أجزته، لا إن وقفت دونها.
وقيل: إنّ أصل الرمي أنّ جبريل عليه السّلام لمّا ردّ إبراهيم عليه السّلام إلى منى يعلّمه المناسك تصدّى له اللّعين في موضع الجمار، فأمره جبريل أن يرميه بسبع (123) مع كلّ تكبير، وقيل: هو تفاؤل برمي الذنوب وإلغاء المعاصي.
وقيل: إن قصد الجمرة بالرمي فتعدّاها أجزاه إن لم يقصد التجاوز؛ وإن وقف عندها وطرح الحصى عليها طرحا أجزاه، لا إن دنى منها ووضعه عليها بيده.
وجاز رمي العقبة يوم النحر راكبا لا فيما بعده إلاّ بعذر.
وندب لمن رماها فيه أن يصلّي ركعتين بمسجد [535] الخيف إن أمكنه، وإلاّ ففي رحله ثمّ يقضي تفثه ولا يكبّر فيهما تكبير العيد.
وإن رمى العقبة ثمّ الوسطى ثمّ الأولى أخطأ ولا عليه والإعادة أوثق؛ وإن خلت الأيّام الثلاثة ولم يرم فيها لزمه لكلّ جمرة في كلّ يوم شاة وكلّ ما أخطأ فيه بالتقديم والتأخير ثمّ أعاده أجزاه ما لم يقصّر أو يحلق فليزمه دم؛ وما تقبل من الحصى رفع ولولاه ــ قال ابن عبّاس: ــ لكان كثير.
والرمي والذبح والنفر لا يكون إلاّ بالنّهار إلاّ لخائف أو راع وإن فات (124) وقته أبدله ولو ليلا. وإن رمى عن مريض وليّه ثمّ قدر فإن أعاده بيومه وإلاّ أجزاه الأوّل. ويرمي عن صبيّ لا يستطيعه أبوه إذا حجّ معه.
ابن عمر: لا يصلى على جمرة ولا على المروتيْن، ولا تنقل حجارتهما. ومن لم يدر أين وقعت حصاته أعادها بيقين، والخطأ في الحجّ والعمرة سواء في الكفارة. وقيل: من لم يرم الثلاث في الثلاثة (125) حتّى نفر بعث بتسع شياه يذبحن عنه؛ وإن (3/393)
صفحة 1320
نفر في يومين فبستّ؛ وإن رمى العقبة يوم النحر ثمّ ذبح وحلق وأراد أن ينفر بعث أيضا بستّ وقيل: بسبع.
فصل
من رمى العقبة يوم النفر الأوّل خائفا وشكّ في الزوال وقد رأى النّاس يرمون فتوهمهم أبصر منه به؛ فإن كان عنده أنَّه وقت الرمي فانصرف ثمّ شكّ فلا عليه؛ وإن رمى على شكّ فيه وقلّدهم مع ظهور الأدلة فإنّه لم يؤدّ ما عليه.
أبو الحواري: من أخذ (126) إحدى وعشرين حصاة فرمى الجمار وبقيت بيده حصاة لم يدر من أيّهن رمى بها الأولى ويعيد على الباقيتين سبعا سبعًا (127). وقال أهل مكّة: يجزيه أن يرمي بحصاة في كلّ، وكذا إن بقيت بيده حصاتان أو ثلاث؛ وإن بقي أربع أعاد الرمي بسبع لكلّ وكذا في أكثر من أربع. وجاء ــ قيل: ــ رجل إلى محبوب بمنى يوم النفر الأوّل وقد غابت الشمس يريد أن يرمي الجمار وينفر فقال له: لا يجوز إذا غابت ولكن أقم إلى غد، فقال: له إنّ الجمّال لا ينظرني، فقال: له اذبح شاة لكلّ جمرة. (3/394)
صفحة 1321
الباب السادس والعشرون
في النفر وفي الصلاة بعرفة
وقد أجمعوا أنّ النفر الأوّل يوم ثالث النحر بناء على أنّ المعدودات هي ثلاثة بعده؛ وإن نفر في الأوّلين فلا يأثم. ولا ينفر حتّى يطوف ويودّع؛ وقيل: من نفر في الأوّل قبل الزوال لزمه ثلاثة دماء، وقيل: دمان، وقيل: واحد، فمن نفر في الثاني نفر بعده. ولا ينفر بعد المغيب فإن فعل ذبح ثلاثة.
أبو المؤثر: لا يصلى خلف مكّي بعرفات أو منى إن أتم إذ لا صلاة لمصلّ خلفه على ذلك لأنَّه مسافر إليها إلاّ إن رفع من منى إلى مكّة، فإذا زار ورجع منها إليها فأقام فيها للرمي فإنّه يتمّ، لأنَّه قيل: بينهما أربعة أميال وهو فرسخ وثلث. وعرفة من حدود مكّة أحد عشر ميلا، ومن منى خمسة، فعلى هذا فإنّ (128) أهلها إذا خرجوا من منى يريدون عرفة يقصّرون من خروجهم من عمران مكّة وهم في منى ليلة عرفة.
فصل
يصعد الإمام يوم عرفة المنبر ويؤذّن المؤذن بالظهر؛ فإذا فرغ قام الإمام يخطب ويعظ ويأمر وينهى ثمّ ينزل فيقيم المؤذّن فيصلّي الإمام الظهر، فإذا سلّم أقام المؤذّن للعصر ثمّ يصليه الإمام فهو أذان وإقامتان؛ ومن أدركه معه وقد صلّى الظهر والعصر أجزته الأولى وللإمام أن يتطوّع بينهما [536] والجمع يومئذ أفضل؛ وإن أدرك معه العصر ولم يصلّ الظهر لم يجز بل يصلّيه ثمّ العصر؛ وتعجيله أفضل لأجل الوقوف؛ فإن أدرك معه بعض الظهر فقام يقضي فلم يفرغ حتّى صلّى الإمام العصر؛ فإذا أحرم له وقد بقي على ذلك بعض الظهر فسدت صلاته ويقضيه والعصرَ بعد فراغ الإمام منه ويجمع فإنّه أفضل. (3/395)
صفحة 1322
ببوعيدة: يصلّي كلّ من بعرفة مسافرا من مكّة وغيرها ركعتين، ويجمع بأذان وإقامتين؛ وإن أحدث الإمام أمر من يصلي بهم الصلاتين، واختير أن يستأنف ولا يبني إلاّ فيما مرّ، ويخطب الإمام قائما ولا يجهر إلاّ بالقراءة، وكره له أن يخطب فيها قبل الزوال؛ فإن فعل جهلا فصلّى في الوقت أساء؛ وإن صلّى في غيم أو سحاب ثمّ بان له أنَّه صلّى الظهر قبل الزوال والعصر بعده أعادهما. ومن صلّى معه العصر يظنّه الظهر فليصلّهما إذ لا يصلّيه بعد العصر. ولا يجوز لأحد أن يؤمّ بهم إلاّ بإذنه إن شغل؛ وإن فرغ من خطبته ثمّ أحدث فأمر من يؤمّ بهم جاز له ولو لم يحضرها قياسا على الجمعة. (3/396)
صفحة 1323
الباب السابع والعشرون
في المحصور وفوت الحجّ ومن يموت قبله
قال: الله سبحانه: {فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ... } الآية (سورة البقرة: 196). قيل: ذلك في محرم يعرض له مرض أو خوف ولا يقدر أن يمضي؛ فإن تمتّع ذهب حيث شاء على إحرامه ويرسل الهدي إلى مكّة ويعاهده من أرسله معه أن ينحره في وقته؛ فإذا انقضى قصّر وحلق وأحلّ من كلّ ما سوى النساء والصيد حتّى يقضي عمرة مكانها؛ وإن أفرد أو قرن ثمّ أحصر ذهب حيث شاء محرما؛ فإن أفرد بعث هديا واحدا؛ وإن قرن فقيل: يبعث هديين ويأمر رسوله أن ينحر عنه يومه؛ فإذا انقضى الوقت أحلّ ــ كما مرّ ــ ولزمه الحجّ أو هما إن قرن.
والإحصار: المنع، والمراد حبس المحرم عن المفروض عليه في إحرامه والعجز عن الوصول إلى البيت، وإن بضلال راحلته أو ذهاب زاده أو لدغ أو نحوه، ويقيم في مقامه محرما ويبعث هديه أو ثمنه، فإذا نحر أحلّ ــ كما مرّـ. وإن أحصر وقد قلّد هديا نحر آخر معه، لأنّ الأوّل وجب لله، والثاني للإحصار. وإن بعث بهديه فهلك ولم يعلم وحلق عند موعده فقد أحلّ ويبعث بآخر؛ وإن لم يجد من يبعثه معه صام، لأنَّه كالعادم؛ وإن كان غنيّا أهدى ما شاء بعد.
وينبغي لمن أحصر أن يؤخر الحلق بعد الأجل، حتّى لا يشكّ أنَّه ذبح عنه، ويصوم المتمتّع الثلاثة في العشرة والسبعة إذا رجع ــ كما مرّـ.
وقيل: تجب البدنة على من فاته الحجّ (129) وتجزي شاة عن محصور.
أبو سعيد: من أحصر بعمرة ومنع عن البيت وأيس من وصوله فإن شاء انتظر حتّى يرسل ثمّ يخرج إلى البيت، وإن شاء بعثها بوعد ــ كما مرّـ. وإن رجع من محلّ أحصر فيه لم يمنع من ذلك، إلاّ أنَّه يرجع محرما إلى الوقت، ولا يحلّ إن أفرد ولا ينحر عنه إلاّ يوم النحر، ويقيم محرما إليه ثمّ يحلّ، وقيل: يحلّ له كلّ شيء إلاّ ما يحرم على (3/397)
صفحة 1324
أهل منى ــ ممّا مرّ ــ حتّى يطوف، وقيل: ليس عليه ذلك، وأنَّه أحلّ لأنَّه منع من الطواف. أبو سعيد: يبعث بهديه فينحر عنه ويحلّ في موضعه إن منع من البيت.
فصل
من استؤجر إلى حجّ عن ميّت ثمّ أحصر لزمه إتمامه إن لم يشترط عليه في سنته، ولزمه ما لزم المحصر والإتمام والقيام بما استؤجر عليه؛ وإن شرط عليه في معيّنة فأحصر فيها فقيل: له أجر ما بلغ إليه من الطريق، وليس له حجّه ولا عليه، وعلى الموصي إتمامه من حيث بلغ.
واختلف فيمن أحصر إذا أحلّ أو رجع، فقيل: يحجّ قابلا، وقيل: إن شاء جاء بعمرة أو بحجّة، وقيل: لا قضاء [537] عليه إلاّ إن لم يحجّ الفريضة فتلزمه لأنَّه قد عذر فلا يلزمه إلاّ الفرض إن قدر عليه. ومن وقف بعرفة ثمّ أحصر عنه بجمع وعن الزيارة لزمه دمان لتركهما، وآخر لتأخير الحلق، ولكلّ جمرة دم، ولا بأس بتأخير الزيارة إذا قضاها ولم يحدث، والمختار تعجيلها؛ وقضيت عنه إن مات. وقيل: من أحصر بعد إحرام أحلّ ونحر هديا إن ساقه ويحلق حيث منع ولا يلزمه قضاء عند بعض، لما روي ــ كما مرّ ــ أنَّه أحلّ هو وأصحابه بالحديبية فنحروا وحلقوا وأحلُّوا قبل أن يطوفوا، ولم يذكر أنَّه أمر أحدًا بإعادة الحجّ. فإن أحصر بمرض فإن ساقه بعث به بمواعدة ــ كما مرّ ــ فيحلّ عند الوقت ثمّ يحجّ حيث شاء، وإلاّ فلا يحلّ حتّى يفوت الوقت وكذا في الأوّل أيضا. ولا يحلّ المريض عند بعض حتّى يصحّ ويحجّ.
فصل
من لزمه الحجّ فمات بالطريق أوصى بإتمامه؛ فإن خرج إليه حين دخله مال بلا تفريط رجا خميس أن لا يلزمه الإيصاء؛ فإن أوصى بإتمامه كان أفضل، وقيل: لا يلزمه (3/398)
صفحة 1325
مطلقا؛ وإن دخل في حدوده فإنّه يتمّ عنه وإن لم يوص به ولزمه إتمامه لدخوله فيه. وإن مات المحرم أتمَّ عنه باقي المناسك وتقضى حجّته حيث مات؛ وإن وقف بعض الوقوف فقد أدرك ويقضى عنه الباقي ولو في النافلة. ويحجّ قيل: على من مات بالطريق، وقيل: لا حتّى يوصي به؛ وإن مات بعد الوقوف فقضي عنه الباقي فإن رمى عنه وعن نفسه وليُّه (130) أو رفيقه كلّ جمرة جاز له، واختير أنَّه إذا زار رجع إلى منى ثمّ يخرج عنه منها فيزدار عنه؛ وإن فعل ذلك عنه بلا رجوع أجزاه وإن لم يفعله عنه من ذكر اختير لوارثه أن يستأجر له قاضيه عنه، وإن لم يفعل ولم يوص هو به أجزاه عند خميس. (3/399)
صفحة 1326
الباب الثامن والعشرون
في حجّ المريض والمغمى عليه والمرتد
ويوصي من عجز عن حجّ بمرض ويحجّ ــ قيل: ــ إذا عوفي وقدر وإن مات استؤجر له، إلاّ إن مرض مرضا أعتيد أنَّه لا يقوم منه فله أن يستأجر له في حياته. وإن مرض المعتمر وعجز عن قضاء عمرته أحرم بالحج وحمل، فإذا قضى طاف واحدًا لهما ويفعل بمنى كالحاج؛ وإن عجز عن الرمي أمر به، ووليّه أولى به؛ فإن لم يجد رجلا فامرأة؛ وإن عوفي قبل الخروج من منى يوم رمى عنه غيره فيه اختير له أن يعيد بنفسه وأجزاه الماضي ويحمل بالمحفة، ويطاف به ويسعى، فإن عجز فعله عنه وليّه؛ فإذا صحّ طاف لحجّه وعمرته وسعى.
وإن وقف بعرفة وأصاب راحة وخاف فوت الحجّ سنته أمر من يقضي عنه الباقي إن عجز؛ فإن تحمّل المشقّة وطاف وركع ولو مضطجعا أجزاه، وكبّر خمسا إن عجز؛ وإن حمل على دابة في السعي وأراد حثّها حرّكها بما أمكنه ويرمى عنه محمولا إن عجز أن يرمي؛ وإن جهل أصحابه ذلك فلم يرموا (131) ذبح تسعا لكلّ يوم ثلاثة وللعقبة دم أيضا. ومن عجز وإن عن الركوب بزمانة فقيل: يحجّ عنه ثمّ يعيد إن استطاع، وقيل: إن عجز حتّى يحجّ عنه أجزاه، وقيل: لا، ما حيي إلاّ ما مرّ من إتمام الباقي.
وقد مرّ أنّ من أغمي عليه قاصدا للبيت يجزيه إهلال أصحابه عنه، وقيل: لا، وأنّ من وقف وأغمي عليه حتّى ذهبت أيّام المناسك تمّ حجّه ولا يخرج به من مكّة حتّى يزور، وأنّ الربيع يقول: من أغمي عليه فأهلّ عنه أصحابه ثمّ وقفوا به المناسك كلّها أجزاه؛ وأنّ من وقف سكرانا لا يعيد؛ وأنَّه لا حجّ لمعتوه ولا لمجنون إن وقفا (132) بحالهما وإن أفاق ووقف تمّ حجّه. ومن أحرم ثمّ ارتد ثمّ رجع فهو على (3/400)
صفحة 1327
إحرامه، وإن ارتد من قد حجّ ثمّ رجع أجزته الأولى. ومن ارتد قبل الغروب لم ينفعه وقوفه، وإن ارتد بعده فقولان، واختير أنَّه لا يتم إن لم يزر. (3/401)
صفحة 1328
الباب [538] التاسع والعشرون
في حجّ المرأة والصبيّ والعبد
ولا يجوز ــ كما مرّ ــ لامرأة أن تخرج إلاّ مع وليّ إلاّ إن لم تحجّ قطّ ولم تجده يخرج بها أجازوا لها أن تحجّ الفرض مع ثقات معهم نساء. وإن كانت ذات مال ولم تجد وليّا لم يلزمها أن تحجّ إن لم تقدر إلاّ به، وتؤمر بطلبه إن كانت تجده ويلزمها أن توصي به. وإن كان لها زوج وألف درهم أو قيمتها ولا شيء له ولا محرم لها يحميها ويحملها فلا حجّ عليها، وكذا إن كان لها محرم لا مال، فإن اجتمعا لزمها.
وإن لم تحجّ حتّى ذهب مالها ولها أولاد بُلَّغ ذوو مال أمروا أن يحجّوا بها بلا إجبار، وليس لها أن تحجّ من مالهم إن كانوا صغارًا؛ وإن ذهب وبقي لها منزل تسكنه أو خادم تخدمها باعتها وحجّت ولزوجها أن يمنعها من الخروج إليه ولو فرضا، وقيل: عن النفل فقط، والمختار أن لا يمنعها من الفرض، إذ لا تلزمها طاعته في معصية الله.
وتقصّر المرأة عند الوضّاح طول الراجبة، وقيل: قدر إصبعين إلى ثلاث، وقيل: إلى ثلث شعرها، وندب لها أن تدفنه ولا بأس أن تلقيه ولا يرى، ولا في لبس الحلي عند الإحرام عند أبي المهاجر ويلزمها به وائل وغيره دما.
ولا تختضب، ولا الرجل رأسه، ولزم بذلك دم. وفسد حجّها إن جومعت وإن بإكراه ولزمها به دم. وإن قضت مناسكها ونسيت أن تزور فوطئها محلّ ولا تعلم ذلك، ثمّ ذكرته في بلدها فإن أكرهها عالما بذلك لزمته (133) نفقتها للحجّ لا (134) إن طاوعته.
ولا يلزم النساء رمل بين العلمين ويُسرعن المشي حيث يرمل الرجال وإن تبرقعت يومًا (135) وليلة لزمها دم، وقيل: أو أحدهما. ويكره لها شمُّ الريحان، وقيل: ليس من الطيب ــ كما مرّـ. وإن قضت مناسكها ولم تقصر، فإن ذكرت بمنى ذبحت شاة وقصّرت؛ وإن ذكرت بعدها قصّرت وذبحت بدنة إن تيسّرت لها، وإلاّ فشاة. (3/402)
صفحة 1329
وإن قلّمت ظفرها بيدها أطعمت مسكينا وبمكّة أفضل ويجزي في غيرها، ولزوجها إن افتقر ــ ولم تفوّضه في مالها ــ أن يأكل من دمها بلا عكس. وإن طافت بثوب به منيّ غلطا ذبحت شاة عند حاجب ومسلم وتعيد طوافها بطاهر عند محبوب.
وندب لهنّ الطواف ليلا وقد أمرن بذلك.
فصل
أمر الحائض والنفساء أن يغسلن إذا وصلن الميقات وأردن أن يحرمن، ويجزيهن طواف واحد لحجّهن وعمرتهن إذا طهرن، وقد سنّ ذلك، وقيل: عليهن طوافان ولا يدخلن المسجد؛ وإن وقفن بالباب فحسن. وتفعل كلّ ما يفعله الحاج إلاّ الطواف، وإن أحلّت قبل أن تطهر فلا تخرج حتّى تطوف لهما، وإن حجّت وزارت وقضت مناسكها فحاضت فلا تخرج (136) حتّى تودّع. ولا تدع طواف الصدر ولا الوداع؛ وإن رجعت بلا وداع بعثت بدم.
وإن زارت ثمّ حاضت قبل أن تركع رجعت إلى منى وفعلت كالنّاس وركعت إذا طهرت.
والحبلى إذا رأت دما فكالمستحاضة؛ وعندنا أنّ الحائض والنفساء لا ينفرن حتّى يطفن الصدر والزيارة؛ وإن خفن التخلّف ذبحن شاة وخرجن. وقيل: إن بقي عليهن الوداع وقفن بالباب وودّعن البيت ودعون بما أمكنهنّ ونفرن مع أصحابهن ولا عليهن.
وتقطع طوافها إن حاضت فيه وتبتدئه إذا طهرت وتبني عند بعض. وإن زارت فحاضت قبل أن تركع فانصرفت فجاوزت الحرم فطهرت فلها أن ترجع وتركع [539] فيه إن قدرت، وإلاّ فحيث شاءت وذبحت، وقيل: المتقدّمة تبني إن بلغت اليماني أو ركن الحجر إن شاءت وإلاّ استأنفت. (3/403)
صفحة 1330
ولا تنقض المحرمة ذوائبها إذا طهرت من حيضها لغسلها وتدلكها برفق. والقارنة والمتمتّعة إن حاضت فلم تطهر أقامت على إحرامها حتّى تهلّ بالحجّ. وإن ودّعت فحاضت قبل أن تركع ثمَّ نفرت ركعت إذا طهرت، ولا عليها؛ وإن تمتَّعت فطافت فحاضت (137) قبله أيضا سعت عند عطاء وخرجت إلى مصرها، فإذا طهرت ركعت، وندب لها عند الربيع أن تركع في الحرم إن قدرت، وإلاّ فحيث طهرت وتذبح.
والحائض لا تهلّ حتّى تبلغ الميقات، وإن أهلّت قبلها لزمها الإهلال.
وإن أجرى ذكره على فرج زوجته أفسد حجّها وإن لم يولج.
وإن ولدت قبل أن تزور ونُعِت لها دواء إن استعملته لم تر دما فزارت ونفرت فراجعها الدم في غير وقتها أو أمّهاتها لزمها أن ترجع فتزور.
وإن حاضت متمتّعة قبل أن تطوف فإن أدركتها عرفة قبل أن تنفر ودّعت البيت من خارج ونفرت، وقيل: إن خرجت قبل أن تطهر وتودّع ذبحت شاة.
وإن دخلت قارنة فطافت طوافين وسعيين لهما وهي حائض أعادتهما بعد أن ترجع من عرفات، ولو لم تطفهما حين قدمت لأجزاها واحد لهما ــ كما مرَّ ــ بعد يوم النحر، ويجزيها السعي حائضا بعد الطواف طاهرا. وإن دخلت البيت بحيض لزمها دم وقيل: لا وتستغفر. وإن طهر الحائض قبل وقتها اغتسلت وصلّت وطافت ونفرت ويكفّ عنها زوجها حتّى تنقضي أيّام حيضها.
فصل
من عليه لزوجته صداق فقالت له: حجّ بي وأتركه لك أو هو بدل خروجك بي إلى مكّة أو بعنائك، فإذا حجّ بها ثبت عليها ما شرطت له عليها.
وإن كان الصبيّ والصبيّة يدخلان مكّة فيحرمان ويعقلان ويفعلان ما يفعله البالغ أجزى عنهما عند الربيع لفرضهما. وإن أحدثا موجب كفّارة لزم من أمرهما (3/404)
صفحة 1331
بالإحرام أداؤها، فإذا قضى الصبيّ حجّه أجزاه إن (138) عقله وإن أعاده بعد بلوغه فحسن. وإن كان لا يحسن قضاء مناسكه قضى عنه وليّه، وقيل: إن حجّ في طفوليته أو العبد في رِقِّيته لم يجزه إذ لم يخاطبا في حالهما ولا يسقط عنهما فرضه عند القدرة عليه، ويجزي عنهما ذلك عند محبوب وغيره. وإن أعتق وقد جاوز الميقات أحرم مكانه إذ لزمه الفرض فيه وكذا الصبيّ إذا بلغ؛ وإن أحرما منها لم يجزهما إذ لم يلزمهما إذ ذاك. وإن حجّ بإذن سيّده ثمّ أعتق ففي الإجزاء له قولان، والأكثر على جواز الحجّ للصبيّ إذا عقل، كما أنّ له الصلاة والصوم إذا قدر.
ولا يجوز قيل: حجّ العبد عن غيره ولو أذن له مولاه. وكذا الصبيّ ولو رضي أبوه. ومن أعان صبيّا على حجّ دخل فيه كان مأجورا للحديث المشهور حين قالت له صلّى الله عليه وسلّم امرأة في صبيّ حملته إليه في الطريق: ألهذا حجّ؟ فقال: «نعم، ولك أجر».
ويؤمر العبد إن حجّ بإذن سيّده أن يحجّ إذ أعتق وقدر، وعلى ربّه إن حجّ بإذنه ما لزمه فيه، فإن أصاب صيدا فإنّه يقوم فيكون على العبد الصيام؛ وإن جامع أتمّ مناسكه، ويعيد إذا عتق. وإن أصاب موجب دم لزمه في ماله إذا عتق أيضا إن حلق لأذى أو تداوى بما فيه طيب أو نحو ذلك فليصم، فإن أطعم عنه ربّه لم يجزه. وإن أحصر بعث عنه بهدي فيحلّ به وعليه إذا عتق حجّ وعمرة. وقيل: إن أمره أن يحرم فكلّ ما لزمه فيه فهو عليه لا على العبد.
ومن خرج بغلام له وأعتقه بعرفة محرما أجزاه عن فرضه وحجّ أيضا إذا قدر. وإن أعتق محرما قبل عرفة [540] تمّ حجّه ولزمه دم إن أحرم من مكّة وقد دخلها مع مولاه بلا إحرام إلاّ إن رجع إلى الميقات فيحرم منها؛ وكذا صبيّ بلغ بعدها وقبل دخول الحرم لزمه أن يرجع وإلاّ ذبح. ولا يجوز ــ قيل ــ حجّ عبد عن حرّ إن وجد حرّا ــ كما مرَّ ــ وإلاّ جاز بإذن ربّه، وعند أبي المؤثر لا يحجّ وإن عن مولاه؛ والمرأة فيه أولى منه. ولا إعادة على حرّ إن حجّ عنه بإذن ولو مع وجود حرّ. وقال: الأزهر: من علّم عبيده أبواب المناسك ويأخذ لهم الحجّ من النّاس ويحجّ معهم كره له ذلك. (3/405)
صفحة 1332
الباب الثلاثون
في الحجّ عن الغير
وقد روي أنَّه ليدخل الجنّة بالحجّة ثلاثة: الحاج، ومن حجّ عنه، والوصيّ إن كانوا من أهلها. وأجازه بعض عمّن لا يتولاّه ولا يدع له وبعض منعه.
هاشم: خانه إن لم يدع له. وأجازه الشافعي عن حيّ ومنعه أبو حنيفة وإن في نفل، وأجاز الوصيّة بعد الموت ولو في فرض.
ومن عقد حجّا عن رجل لم يجز له صرفه إلى غيره. وإن أخذ نزوي حجّة عن نخلي فله أن يخرج بها من نزوى لأنَّها أبعد. ومن خرج بها عن ميّت ولم يشرط عليه شيء وهو معدم فأذهب دراهمها وضعف عن شراء الذبيحة وصام ما يصام وحلق ولم يذبح تمّت حجّته وذبح شاة عن صاحبها بمنى وأخرى لمتعته.
ومن نذر من أهل الجوف (139) أن يخرج إلى صحار أو البصرة (140) وقد لزمته الفريضة فمضى منها إلى الحجّ لزمه قدر مؤونته وكرائه من داره إلى الموضع في سبيله، وقد تمّ للزومه من داره. وقد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال: له ومن هو؟ فقال: أخ لي فقال: له: أحججت أنت؟ فقال له: لا، فقال له: حجّ عن نفسك ثمّ عن شبرمة. وقيل: إنّ إحرامه لغيره يصحّ لنفسه ويبطل لغيره.
وتحجّ امرأة عن امرأة لا عن رجل ويحجّ هو عنهما، ويلبّي عن فلان وفي الدعاء في المواقيت: «اللهم تقبّل من فلان إن كان متولى» وسائر معتمدات الحجّ والدعاء للحاج.
عزّان: من أخذ حجّة من قوم وشرط عليهم أن يعطيها غيره إن شاء يحجّ بها عن صاحبها جاز له إن قبلوا شرطه، وله أن يعطيها إذا بلغ الميقات ويحرم هو لنفسه وتجزيه التي حجّها (141) لنفسه، وقيل: يعطي الذي أعطاه الباقي من الحجّة عمّا أذهب هو إلى الموضع. (3/406)
صفحة 1333
ومن أحجّ رجلا من ماله أجزاه ولو أصاب بعد مالا.
ابن محبوب: إن كان له عمل صالح تولّيته إذا مات ولم يحجّ غيرها. ومن لزمه أن يحجّ له رجلا من ماله بحيث لزمه فقد قالوا تجزيه لأنّ الحجّة للمحجوج لا لمن أحجّه.
ولا تحجّ امرأة عن رجال إلاّ إن حجّت امرأتان عن رجل، وجازت واحدة عنه في المشي إذا حلف به، وكذا في غيره من الكفّارات، وحجّ الرجل عنها أفضل.
ومن حجّ عن ميّت أوصى به فهو والعمرة كلاهما عنه، إلاّ إن شرط على من أعطاه له أن تكون العمرة له، وإنّما يحجّ عنه حجّا. قال: ولا أحبّ أن يعطى الجمّال أن يحجّ لأنَّه لا بدّ أن يصحبه.
ومن حجّ عن رجل وأحرم عن نفسه بعمرة فلمّا بلغ مكّة وأحلّ قيل له: ليس لك ذلك إلاّ إن اشترطته فإنّه يرجع من الميقات فيحرم منها على الرجل، وليس فعله ذلك بشيء.
واختير له أن لا يحجّ عمّن لا يتولاّه، وقيل: يجوز أن تعطى حجّة متولى من لا يعدِّل ولا يجرِّح لا جاهلا ظهر جهله ومعاصيه. وله أن يحجّ عمّن لا يعرف له إلاّ خيرا، فإذا دعا له قال: «اللهم إن كان فلان لك وليّا علمت منه خيرا فارحمه». وهذا عندي يتأتى على مذهب أهل الشريطة لا عند المغاربة.
ومن أعطى رجلا تعرف منه المعاصي حجّة فحجّ بها تمّت عن الموصي بها، وجاز قوله أنَّه أدّاها إن علم أنَّه أحرم من الميقات. ويقبل قول من لا يعلم منه خير ولا شرّ مع يمينه أنَّه قد حجّ. وقد أجازوا لفقير لا يلزمه حجّ أن يحجّ عن غيره؛ وإن كان قد لزمه ولم يحجّ لم يجز له عن غيره (142)، وإن نسي اسمه [541] عند إحرامه فلا عليه ويدعو له في المشاهد والله أولى بالعذر؛ وإن تعمّد ترك ذكره فيها أساء إليه وترك قول الفقهاء وظلم نفسه لقولهم: من حجّ عن أخيه فليذكر اسمه عند إحرامه وليدعو له في المشاهد. (3/407)
صفحة 1334
وحفظ ابن محبوب عن ابن علي أنّ المستأجر بحجّة أو بسير إلى بلد بأجر ثمّ يرجع فيقول: قد حججت أو بلغت الموضع هو أمين مصدّق لا يمين عليه. قال ابن محبوب: إلاّ إن اشترط عليه أن يشهد إذا أحرم ووقف فليزمه ما ضمن به.
ومن حجّ عن رجل بأمر القاضي أو الوصيّ أو الوليّ، فلمّا انطلق تبيّن أنّ على الرجل دينا يحيط بماله واحتجّ على الحاج قبل أن يحرم فإنّه يرجع ويؤخذ منه ما فضل بيده من المال؛ وإن فرض على نفسه الحجّ ومضى وقد احتجّ عليه لزمته نفقته من يوم احتجّ عليه فيه والحجّ له. وإن حجّ بأمر من ذكر ثمّ وجد الدَّين فلا ضمان على الآمر، وليس على الغرماء إلاّ ما فضل.
ومن أخذ حجّتين فحجّ عن واحد وأقام إلى الحول لأجل الآخر لم يجز له ذلك ولزمه أن يخرج بها من بلد من له الحجّة. ومن أخذها من رجل ثمّ تموّل قبل أن يحجّ له لزمه ردُّها (143)، وإن تموّل بعدما خرج من بلده أتمّ حجّة الرجل ثمّ يرجع إلى بلده فيجدّد لنفسه، وقيل: عليه أن يحجّ عن نفسه قبل.
ومن أوصى بحجّة وعيّن لها دراهم فأعطاها الوصيّ رجلا على أنّ له ما فضل منها وعليهما نقص جاز ذلك بينهما، وكذا إن لم يعيّنها فأعطاه الوصيّ ما اتّفقا عليه على أنّ ما فضل فهو للحاج وما نقص فهو عليه جاز أيضا على ما تعاقدا عليه. وإن مات فعلى ورثته أن يخرجوا من ماله ما يؤدّونها من ثلثه، ولا يلزمهم ما جاوزه. وإن رجع الحاج وقال: أنَّه أصيب وذهب ما معه فهو أمين ويستحلف. وإن صرف دراهم واشترى بها متاعا وأخذه عليه اللّصوص مع ما معه فلا يضمنها. وندب لمن يأخذ تامّة أن لا يمشي ولا يركب إبله ولا يضيّق على نفسه في زاد ولا في غيره. ورخّص محبوب لمن أخذ حجّة في فضلها واختار أبو أيوب أن يعلم الورثة بالفضل فإن تركوه له أكله وإلاّ ردّه عليهم وكره أن يشترط عليهم أنّ له فضلها.
أبو الحواري: يستحبّ لمن أخذ حجّة بأجر أن يأخذ منها ولو قليلا وإن لم يأخذ منها شيئا حتّى قضى الحجّ أخذ ما فرضوا له. (3/408)
صفحة 1335
فصل
مرّ جواز حجّ عن ميّت ولا يحجّ عن حيّ إلاّ إن مرض بحيث لا يرجى برؤه أو كان مقعدا أو أعمى أو شيخا هرما لخبر القائلة لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم: إنّ أبي شيخ كبير وقد لزمه الحجّ أفحجّ عنه؟ قال: نعم، وفيه أيضا جواز حجّ امرأة عن رجل. ولقوله لمن سأله أن يحجّ عن أبيه لعجزه: «حجّ عن أبيك».
ومن منعه منه خوف الطريق فقيل: لا شيء عليه. وقيل: يبعث بحجّة بلا إيجاب عليه وهو قول الربيع، وبه أفتى الإمام عبد الوهاب. وإن منعه عدم الزاد لم يلزمه شيء عند من يرى أنّ الاِستطاعة هي الزاد والراحلة، ولزمه عند من يراها صحّة البدن وقد عرفت ما مرّ. والأكثر منّا على منع أخذ الرجل وصيّة الحجّ قبل أن يحجّ عن نفسه، للحديث المتقدّم، وأجازه بعضهم إمّا لعدم صحّته عندهم، أو لحمله على الندب أو لغير ذلك.
ومن أخذ أجرة حجّ عن ميّت فمات قبل أن يقضيه فقيل: له منها قدر ما بلغ، وقيل: له الأجر إذا خرج من بلد الميّت وإلاّ فلا شيء له، وقيل: لا شيء له حتّى يتمّ المناسك كلّها والأوّل أعدل، والعمل في [542] بلادنا على الأخير، لأنَّها تؤخذ عندهم بالضمان. ومن أخذها قيل: بأجرة إلى مكّة فلا يستحقّها إلاّ بإتمامها؛ وإن أخذها بضمان لزمته بذمّته وماله ويوصي بها إذا احتضر؛ وإن أخذها محتسبا جاز له ويردّ الفضل.
فصل
من خرج بحجّة لغيره فليس له أن يعمل في القرى لغيره بأجر وله أن يعمل لنفسه؛ وإن خرج بها ــ قيل ــ في رجب لم يجز له أن يتّجر بمكّة، ولا أن يخرج من وراء الميقات، ولا يلزمه في حجّه الحنث أن يقوم بأفعال الحجّ إذا بلغها إلاّ إن شارطه (3/409)
صفحة 1336
المستأجر له على إيجابه عليه وإلاّ وكان عقد الأجرة على المشي فقط زال عنه لزوم ذلك به إن لم يلزم نفسه في يمينه فرضا سوى المشي؛ فإن أدّى سقط عنه ما لزمه إلاّ أنَّهم قالوا: يتولّى ذلك بنفسه ويقوم بمناسكه، فكأنَّه تعلّق عليه وجوب ذلك بسبب فعله. ويعمل الأجير في طريقه ما يعمله من حجّ لنفسه. وفي الأثر من خرج ماشيا لغيره عن حجّة الحنث إذا لزمه سقط عنه ما ضمنه له من المشي إذا بلغ الميقات، ويلزمه أن يحرم منها لأنَّه وإن لم يسبق عليه وجوب الحجّ وجب عليه هنالك لاستطاعته ببلوغه إليها. ولا يلزم المستأجر للأجير زاده راجعا إلاّ إن شارطه (144) عليه إذا حلف بالمشي ذاهبا لا راجعا، ولزمته مؤونته فيهما.
واتّفقوا على جواز إخراج الحجّة عن ميّت وهو أن يضمن الخارج بها أداءها أو يكون أمينا فيها أو يستأجر لها من يحجّ بها.
أبو سعيد: كره بعض الأجرة على الحجّ وأجازها بعض.
ومن لزمه فلم يحجّ حتّى افتقر فله ــ قيل ــ أن يأخذ حجّة غيره قبل أن يحجّ لنفسه، وقيل: لا بل يحجّ لنفسه أوّلا.
ومن حجّ لغيره فشرط عليه أن يذبح عن صاحبها، ثمّ دخل محرما بعمرة في غير الأشهر لم تلزمه إلاّ المشروطة عليه، وإن دخل فيها لزمته ذبيحتان. والوارث إن حجّ عن موروثه بغير أمر الوصيّ ولا وارث له معه جاز إنفاذه للحجّة وقيامه بها، وكذا الوصيّة. وإن تعدّد الوارث وبلغوا وفعل ذلك واحد منهم بإذنهم أو بدونه فأتمّوا له فعله وأجازوه جاز أيضا، فإتمامهم له يجزي الهالك؛ ولو خرج بها أحد سواهم لأجزى عنه أيضا وقد تطوّع بها عنه. ومن مات وقد لزمته حجّة الإسلام فقيل: لا يجزي أن يحجّ عنه بعد موته ولو أوصى بها أو كانت نذرا أو أيمانا لقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} (سورة النجم: 39). وقيل: إن لزمه حقّ لله فأوصى به وجب إنفاذه وهو المختار ــ كما مرَّ ــ.
ابن أحمد: من أخذ حجّة غيره بأجر فمرض بعدما أحرم فله أن يستأجر من يتمّها عنه لا إن مرض قبله إلاّ إن أذن له أصحابها بذلك. وكذا إن شغل عن الذهاب (3/410)
صفحة 1337
بها إلى الحجّ فله أن يعطيها من يتمّها من الموضع والصرورة وهو من لم يحجّ قبل له أن يحجّ ــ قيل ــ لغيره ــ كما مرَّ ــ إذ لم يخاطب به في سنة دون أخرى، وقيل: إن لم يلزمه، وهو قول الربيع وأبي زيد الخوارزمي ويجزي ذلك من حجّ عنه ويكره لمسلم أن يحجّ عن مخالف، ورخّص له بعض إن لم يجد حجّة مسلم وهو رأي فقهائنا من أهل خراسان.
فصل
من أراد أن يأخذ حجّة مضمونة يقول قد أخذتها على أن أحجّ بها إلى البيت وأقف بها مواقيت الحجّ بكذا وكذا دينارا مضمونة إن نقصت فعليّ، وإن زادت فلي، ويقول إن آخذْها أمانةً أخذتها على أنّي فيها أمين إن زادت فلكم، وإن نقصت فعليكم.
أبو الحسن: [543] من أخذ حجّة غيره فليس له أن يستأجر لها غيره (145) يحجّ بها عنه، ولا هو كمن يعمل بيده من الصنّاع إلاّ إن أذن له الوارث أو الوصيّ أو أتمّ له فعله؛ وإن لم يتمّ له لزمه أن يحجّ بها هو، وأن يعطي لأجيره أجرته وله ثواب ذلك. وإن أخذها على أن يستأجر لها فاستأجر بأقلّ ممّا أخذ، فإن أعان الأجير بشيء كزاد أو كراء أو غيرهما ممّا يدخله معه وقد أخذها على أنَّه هو الأجير فله الفضل؛ وإن لم يعنه به فهو في سبيل الحجّ لا له ولا لأجيره ولا للوارث، كذا قيل عن أبي الحواري. وقال في ضرورة أخذ حجّة ثمّ وجد بطريقه (146) مالا: فليس له أن يعطيها غيره إلاّ بإذن من تقدّم، وعليه ردُّ ما أخذ ــ كما مرَّ ــ، إلاّ إن شرط إعطاءها حين أخذها فيحسب ما يستحقّه إلى الموضع، وقيل: إن أتمّ الأجير الأوّل والوارث والوصيّ للثاني ذلك أجزاه.
ومن خرج بحجّة غيره فأحرم بعمرة فطاف وسعى، ثمّ دخل العدوّ مكّة قبل أن يحرم بالحجّة لزمه إتمامها؛ فإن اتّفق هو وأصحابها على أن يحجّ بها من حيث وصل (3/411)
صفحة 1338
جاز له؛ فإن شاء خرج بنفسه، وإن شاء استأجر من حيث وصل من يقضيها؛ فإن قالوا له: لا نتمّ لك ذلك بل تخرج بها أنت أو تردّ علينا ما أخذت منّا، جاز لهم وله ما شرط عليهم إن شرطه. ومن أخذها بضمان وترك بعضها عند الوارث ثمّ مات في الطريق، فإن شاء ورثته أتمّوها من حيث مات ويخرجوا بها منه، ولهم ما بقي عند الوارث أو الوصي؛ وإن شاءوا ردّوا ما أخذ موروثهم من ماله؛ فإن ردّوا أخرجت الحجّة من بلد الميّت، إلاّ إن اتّفق وارثه مع ورثة الأجير على أن يخرج بها وارث صاحبها من حيث مات الأجير. ومن أخذها ولم يُشتَرط عليه أداؤها في سنته، فلمّا كان ببعض الطريق حوّل نواه أن يحجّ عن نفسه، وأخذ أخرى ثمّ نوى الحجّ قابلا لربّها من حيث نواه لنفسه، فهو كمن قعد في الموضع حتّى حجّ سنة ثانية، وإن شرط عليه في سنته ردّ ما أخذ لأنَّه خالف الأمر. وقيل: إذا حجّ بغيرها لزمه أن يرجع إلى الذي خرج منه بالأولى، لأنَّه أضاع ذلك الحجّ حين نوى غيره وليس له أن يرجع إلى المحلّ الذي نوى منه الحجّة فيخرج منه بالأولى.
ابن روح: من خرج بحجّة غيره فحجّ لنفسه ثمّ أقام إلى الحول بالتي خرج بها، خان أمانته وتمّ حجّه لنفسه إن تاب وتأهَّل لمنع الأجرة لمخالفته، ولا تؤخذ إلاّ عن تراض عن عمل.
وقيل لمحبوب: من حجّ لغيره فدخل بعمرة في رمضان لربّ الحجّة فقال: هو حسن، قيل له: إنّ مخالفينا يفسدونها ويردّ ما أخذ لدخوله بعمرة، قال: ليس كما يقولون.
وقيل: إن كان صاحبها غنيّا لم يجز للأجير الصوم وعليه الذبح في هدي المتعة إذا تمتّع بها إلى الحجّ.
أبو عبد الله: من خرج حاجّا عن غيره ثمّ لمّا بلغ الميقات أحرم لنفسه بعمرة، فلمّا جاء الحجّ حجّ عن الرجل كان له وعليه أن يرجع فيؤدّي ما شرط عليه من الحجّة قابلا. وإن اعتمر وحجّ عن نفسه لا عن الميّت في كليهما لزمه أن يحجّ عن الخارج عنه، إلاّ إن شرط عليه في سنته فأراه قد خانهم ولهم أن يرجعوا عليه بما دفعوا إليه. (3/412)
صفحة 1339
أبو الحواري: إن شرط الوصيّ على الأجير بالحجّة أن تكون عنده حتّى يحرم ويقف فلم يفعل وغاب عنه فلا شيء له، إلاّ إن أتى بعادلة على الإحرام وغيره من المناسك في المشاهد؛ فإن حكم له بذلك فقد برئ إن سلّم إليه؛ وإن قال: إنَّه أدّى الحجّة عن فلان بن فلان قبل قوله ولا بيان عليه إلاّ إن شرط عليه أن يشهد على ذلك، وقيل: يقبل (147) مع يمينه، وقيل: عليه أن يبيّن.
أبو سعيد: يحرم بالنيّة عن صاحبها إن نسي اسمه، ويجزيه عند الله لا في الحكم حتّى يبيّن؛ فإن عرفه وتركه وأحرم على النيّة أجزاه عن [544] فرض إن كان عليه شيء، على القول بأنَّه لو ترك بعض حقّه أجزاه. ومن خرج بحجّة لغيره، ثمّ قعد بمكّة حتّى حجّ لنفسه أجزاه، لأنَّه خوطب بالحجّ من حيث وجب عليه بلا اعتبار لبلده، وقيل: لا يجزيه الاِحتيال فيه وكان حجّه نفلا. ومن أخذ مضمونة ولزمه موجب جزاءٍ صيدٌ أو شجرٌ أو تقديمُ نسك على نسك (148) فهو عليه؛ وإن أخذها أمانة فهو في ثلث الميّت إن لم يتعمّد ذلك؛ وإن تعمّده كان عليه، إلاّ إن فعله ظنّا منه أنَّه يجوز له فهو في ثلثه أيضا.
فصل
من خرج بحجّة بأجرة ثمّ رجع من الطريق لزمه ردّها كلّها ولا عناء له؛ وإن رجع بها قابلا فحجّ ولا مدّة لها تفوت فيها أدّى ما استؤجر له؛ وإن تطوّع بها ردّ ما فضل بعد قضائها لأهلها إلاّ إن تركوه له برضاهم؛ وإن أخذ مضمونة ورجع من الطريق لزمه أن يخرج لقضائها؛ وإن مرض الخارج بها قبله، فإن شرط عليه من سنته أعطاها من يحجّ بها عنه (149)، وإلاّ فله أن يحبسها حتّى يصحّ ثمّ يحجّ بها.
ومن أخذ حجّة قوم على أن يحجّ بها في سنته وأخذ منها شيئا، ثمّ أخذ أخرى من بلد آخر فحجّ بها فقد تمّت، ويردّ دراهم الأولى وبطل حجُّه إن حجّ لهما معا، ويردّ دراهمهما، والحجّة له؛ وإن وقّتوا له أكثر من سنة وحجّ بالأخيرة فله أن يحجّ (3/413)
صفحة 1340
بالأولى في أخرى من بلد صاحبها؛ وإن حجّ بالأخيرة من مكّة سقطت ولزمه قدر المؤونة والكراء من بلد الموصي إلى مكّة ينفقه في سبيل الحجّ؛ وإن خرج بها من غيرها نظر في قدرهما من بلده أيضا إلى الموضع.
ابن مفرج: من عقد حجّتين أو ثلاثا فرائض وخرج بهنّ وأقام بمكّة أو المدينة فقد لزم الخروج بالحجّة ــ كما عرفت ــ من بلد الموصي بها، لأنَّها منه وجبت عليه، إلاّ إن لم يصحّ للأجير أن يخرج بها منه فيجوز للوصيّ والورثة أن يتّفقوا معه أن يخرج من أقرب إلى مكّة من بلد الموصي؛ وإن أخذها جاهل بفرائض الحجّ وسننه وحجّ ولم يعلم أنَّه قصّر في ذلك أم لا، ثمّ قال في نفسه بعد سنين: حججت لفلان وأنا جاهل بذلك ولم أدر أتيت بالحجّة على وجهها وما يجب فيها أم قصّرت؟ وغاب عنّي معرفة ذلك، ولم يدر أتى بكلّ الواجب فيها أم قصّر وقال: إنَّه حجّ كالنّاس وفعل فعلهم فلا شيء عليه حتّى يتيقّن أنَّه ضيّع فريضة منه، وفروضه ــ كما مرَّ ــ: الإحرام والوقوف والزيارة، والباقي سنن ولا يلزمه الخروج بها على الشكّ إذا لم يتيقّن ترك لازم.
فصل
من أراد أن يكتب الإشهاد بحجّة غيره فإنّه يكتب بعد إثبات اسم الشهود أنّ فلانا بن فلان قد أحرم بالحجّ لفلان بن فلان ووقف وزار وأتمّ عنه المناسك؛ وإن دفعت حجّة إلى أمين لم يحتج إلى إشهاد لأنَّه مصدّق؛ وإذا شُرط عليه أمر فعليه أن يشهد به.
وقيل: لا بأس لمن حجّ عن غيره أن يتّجر بمكّة، ولا أن يخرج من وراء الميقات وقيل: لا يجوز له ــ كما مرَّ ــ حتّى يتمّ ما عليه. واختير أن لا تدفع إلاّ إلى ثقة لأنَّها (150) أمانة، والوصيّ أمين فيها؛ وأن تجعل لخارج بها مدّة يؤدّيها فيها بدراهم معلومة، وليس له أن يخرج بها من غير بلد الموصي، وإلاّ ردّ ما بينهما من المسافة منها، (3/414)
صفحة 1341
وينفّذ في سبيل الحجّ ــ كما مرَّ ــ؛ وإن خرج بها من أبعد من بلد الموصي أمر أن يمرّ عليه ثمّ يخرج بها منه، وله أن يعمل عند خروجه وفي طريقه ما يفعله من حجّ لنفسه.
فصل
من أخذ حجّة فيها شرط زيارة قبر النبيء ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ فإنّه يحجّ أوّلا ثمّ يزوره مخافة الحدث؛ وإن زاره قبله جاز له وسقط عنه، إلاّ إن أوصى أن يحجّ ثمّ يزور، فليس له أن يتعدّى ما شرط عليه عند العقد، وقد مرّ أنَّه إن شرط عليه أن يذبح عن صاحبها ثمّ أحرم بعمرة في غير الأشهر لزمه أن يذبح عنه واحدة، وإلاّ فلا يلزمه [545] هدي؛ وإن أحرم بها فيها وقد شرط عليه لزمته ذبيحتان ــ كما مرَّ ــ عن نسكه وعن صاحبه؛ وإن لم يشترط عليه ذبح واحدة عن نسكه، وله أن يأكل منها إلى ثلثها؛ وإن لم يجد ما يذبح فليس له أن يصوم ويدعه ــ كما مرَّ ــ، وذلك إذا تمتّع بالعمرة إلى الحجّ؛ وإن لم يذبح عنه وجّه بدنة ــ كما مرَّ ــ.
ومن أخذ حجّة رجل من قوم وأخرى لغيره وقال: لهم أخذتها وأكتري بها أحدًا وهو فلان بما شئت والفضل لي وأنا أضمنها حتّى تؤدّى فأنعموا له، فقيل: يجوز ومنعه أبو الحواري حتّى يخرج إلى الحجّ بجملة الدراهم.
وإن جاوز الأجير الميقات للإحرام لزمه أن يرجع فيحرم منها؛ فإن أحرم بعد ما جاوزها لم يستّحق الأجرة.
ومن استأجر رجلا ليحجّ له عن أبيه فأحرم للولد فسد إحرامه ولا يجزي عن واحد منهم.
ويكره لمن يحجّ بأجرة أن يتّجر حتّى يقضي الحجّ، ولا يفسد إن فعل، ولا بأس بعمله وإن لغيره. (3/415)
صفحة 1342
الباب الحادي والثلاثون
في الوصيّة بالحجّ وإنفاذها والشروط في ذلك
فالأكثر ــ كما مرَّ (151) ــ على إجازته عن ميّت وله ثوابه إن أوصى أن يستأجر عنه من ماله بعد موته، وقيل: له ثواب الدراهم وثواب الحجّة لمن حجّ بها، وقيل: تجزي عن الموصي بها وله ثوابها إن تقبّل عمله، وللأجير مثله إن أدّاها على وجهها وقام بكلّ لازم فيها، وكذا من أنفذها للرواية المتقدّمة من دخول الثلاثة الجنّة بالواحدة، وروي أيضا: «من جهزّ حاجّا أو غازيا كان له مثل أجره بلا نقص من أجر الآخر». وقيل: إن الحجّ من عمل الأبدان وهي لا تنتقل كالصلاة والصوم والحجّ (152) ونحوها، لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم أخبر أنّ المعين على عمل المعروف له من الأجر مثل صاحبه بلا نقص كذلك.
وقيل: من أوصى لولده أن يبيع بعض ماله ويخرج ثمنه حجّة عنه فمات الموصى إليه قبل إنفاذها ولم يوص إلى أحد بشيء، فلا يجوز أن يقسم ماله إلاّ بعد إنفاذها كما أوصى به. وكذا إن أوصى ببيع غلامه الفلاني ويحجّ عنه بثمنه فتلف المال وبقي الغلام، فإن صار في ملك الورثة وقبضوه ثمّ تلف من أيديهم فلا سبيل لهم عليه ولا على ثمنه، وإن لم يقبضوه حتّى تلف ثمّ وجدوه أو ثمنه فلهم أن يرتجعوا في ذلك بالثلثين، ويبقى الثلث للحجّة. وإن قال: قد جعلت نخلي هذه حجّتي فالنخل كلّه في حجّه. وإن قال: قد جعلتها في هذا النخل أو الدراهم أخرج الوصيّ منها حجّة وسطة من بلد الموصي. وإن أوصى بحجّة وفيها زيارة وهي أربع مائة، ولم يبيّن كم للزيارة وحجّ بها رجل ولم تمكنه الزيارة، فإذا لم يزر فلا يسلّم له شيء من الدراهم، وإن كان له عذر نظر إلى أن يزور قابلا، وقيل: إن كانت الحجّة عمانية وشرط فيها زيارة القبر فأجرتها الربع والحجّة ثلاثة أرباع، وقيل: هي أقلّ، وقيل: أكثر، وقد حكم بعض القضاة فيها بالربع. (3/416)
صفحة 1343
ومن سلّم دراهم إلى رجل أوصى بها في حجّة وأمره أن يسلّمها إلى وصيّ في إنفاذها ولم يقبل الوصاية، فإن جعل الميّت الدراهم وصيّة منه في حجّة يحجّ بها عنه، فله أن ينفذها هو ولا يردّها الورثة.
ومن قال: عليّ حجّة يحجّ بها عنّي فلان فأنعم، ومات الموصي، فلا يلزم الرجل ذلك، وإنّما هو وعد منه فهو بالخيار، ولا يخرج الوصيّ بالحجّة، فإن كان وارثا وإن مع غيره فقال: له أخرِجْ عنّي حجّة من مالي، ولا وصيّ له فله أن يخرج بها؛ وإن أوصى إلى رجل في بلد الزنج أن يخرج عنه حجّة من عمان، فإن حملها من بلاد الزنج إليه فضاعت فلا ضمان على الوصيّ ولا على الأمين؛ وإن لم يجعل له أن ينفذها مع واحد ولم يمكن الوصيّ الخروج إلى عمان فله أن يستعين بأحد على إنفاذها؛ وإن ضاعت من يد المعين له فلا يضمنها [546] إن كان ثقة. وإن أخذ من الوصيّة شيئا ثمّ ردّ مثله فأنفذ الحجّة فتلفت لزمه الضمان وليس ردّه ذلك بردّ.
وإن قال: دراهمي هذه في حجّتي فأنفذوها عنّي فمات وأنفقها أولاده ودفعوا فيها طعاما أو دراهم أخرى أو غير ذلك، فإذا أتلفوا ذلك لزمتهم الحجّة من أموالهم بقدر ذلك، فإذا أنفذوا ذلك إلى من يحجّ عنه وأعطوه بعد استحقاقه فالواجب عليهم أن لا يفعلوا ذلك.
وإن أوصت امرأة ــ قيل ــ بأربع مائة درهم في حجّتها ثمّ اعتلّت فأخذت منها وجعلت عوض ذلك في حليّها ثبت إقرارها عليها في مالها؛ فإذا أراد ورثتها أن يدفعوا فيها دراهم ويأخذوا حصّتهم من الحلي جاز لهم، وإن أبوا فمالها (153) في دينها.
وإن ادَّعى الأجير العجز عن قضاء الحجّة وردّ الدراهم جاز للوصيّ قبضها وإبراؤه منها ولا عليه. وإن مات في الطريق فلوارثه أن يأخذ الأجرة ويتمّ الحجّة من حيث مات، وقيل: هو مخيّر في الترك والإتمام، فإن ترك فليس له ولا عليه، وإن كان في ورثة الأجير يتيم فوصيّه أو وليّه هو الناظر له في ذلك. (3/417)
صفحة 1344
فصل
يقول الزائر لقبره صلّى الله عليه وسلّم عن غيره: «جئت زائرا عن فلان بن فلان»، ولا شيء عليه إن لم يقل.
ومن أوصى ولم يستخلف ندب لورثته أن يأمروا من يحجّ عنه.
أبو سعيد: إن كانت الحجّة أمانة بيد الأجير فلم يأت بالواجب فيها كلّه لزمه ردّ ما أتلف منها؛ وإن أخذها بأجرة ولم يوقّت عليه في معيّنة لزمه أداؤها مضمونة ــ كما مرَّ ــ بلا توقيت؛ وإن عيّنت عليه السنة وأبطل حجّه فيها بطل عنه وعن الميّت؛ وإن ترك موجب كفّارة لا يفسد به حجّ فقد تمّ ولزمته في ذمّته.
واختلف في مستأجريْنِ رجلا أحدهما ليعتمر عن ميّته والآخر ليحجّ عن ميّته فجمع الإحرام عنهما ونوى لكلٍّ ما لَه، فقيل: يجوز لأنَّه جاء بالعملين معا، ولأنّ الحجّة والعمرة إذا قرنتا فقد أدّيتا، وقيل: لا ولا يجزي، وعليه ردّ ما أخذ؛ ومن لزمتاه فعليه أن يوصي بهما ويجتهد في أدائهما؛ وإن مات ولم يوص بهما ولم يحجّ هلك.
ومن ضيّع قيل: حجّا بلا عذر فقد هلك. ويقول أوصيت بكذا وكذا للحجّ وإن قال: به أو به عليّ جاز، وكذا العمرة، وقيل: هما من الكلّ، وقيل: من الثلث ــ وقد مرّ ــ.
وتدفع وصيّة الميّت بحجّ أو بعمرة أو بهما لبالغ عاقل مسلم اتّفاقا، وفي الذكورية والحريّة خلاف تقدّم.
ومن أوصى بعمرة اعتمروا عنه ولا حجّ عليهم وكذا في عكسه. وإن أوصى بكذا وكذا لاحتياط الحجّ حجّوا عنه به؛ وإن قال: لطريق مكّة، حجّوا عنه به أيضا، وقيل: يصلح به الوعر من طريقها. وإن أوصى بالحجّ استأجروا من يحجّ عنه بما وجدوا؛ وإن عيّن ووجدوا بالأقل استأجروا بالباقي (154) القابلة، وكذا في الثالثة وغيرها؛ فإن لم يجدوا بما أوصى به استأجروا من دون الميقات إن وجدوا، وإلاّ شاركوا به غيرهم إن وجدوه، وإلاّ أعانوا به مريدا لذلك. وإن قال: حجّوا عنّي، أو (3/418)
صفحة 1345
عليّ، جاز ذلك ولا شيء عليهم إن قال: حجّوا. وإن أوصى بنقد دفعوه بعينه، ويباع غيره إن أوصى به ويدفع إلى الوصيّ قيمته يسلّمها (155) في الأجرة، وقيل: يدفع ذلك بعينه للأجير ولو أصلا. وتدفع الحجّة من بيت الموصي، وقيل: من قبره، وقيل: من مصلاّه، وإن فعلوا غير ذلك فلا عليهم إن كان من دون الميقات.
ولا تشارك حجّة رجل بحجّة امرأة أو خنثى أو عبد، وقيل: يجوز اشتراك ما دون سبعة في حجّة.
وندب للرجل أن يحجّ حجّتين ويوصي بثالثة.
ومن له مال فلم يحجّ حتّى مات ولم يوص وقد تركه بلا عذر فلا شيء على وارثه؛ وإن أوصى أن يحجّ عنه فأبى أن يبعث بها من بلده لم يجز له. وإن أوصى أن لا تعطى حجّته إلاّ ثقة قد حجّ عن نفسه فلا يجاوز بها ما قال. وإن أوصى بحجج كثيرة اختير ــ كما مرَّ ــ أن تخرج عنه كلّ سنة حجّة إن لم يخف الوصيّ الفوت؛ وإن خافه فعسى أن يجوز له إعطاؤها في سنة عند أبي علي والأزهر بن علي. وإن أوصى بثلث ماله يحجّ به عنه وهو خمسون درهما قال أبو أيوب: يحجّ بها عنه من مكّة؛ وإن أعين بها مريدا حجّا جاز. ومن أوصى أن يحجّ عنه من مكّة وهو ملي اختير أن يحجّ عنه [547] من بلده وإلاّ أحرم عنه من الميقات. وإن أوصى بألف درهم يحجّ بها عنه فوجد له حاجّان بها اختير أن تعطى في حجّتين؛ وإن أوصى بها في حجّ فإن كان بلده لا تقيم منه الحجّة إلاّ بها سلّمت لواحد؛ وإن كان فيها فضل عنها أعطي لغيره في أخرى من حيث يبلغ الفضل، وقيل: تعطى كلّها في واحدة كما أوصى.
ومن أعطى رجلا دراهم معروفة لحجّة وقبلها فزادت نفقته عليها أو نقصت فأدّاها فنقصت عن كفايته، فعن ابن محبوب أنَّه شرط لا يثبت ويخرج عنه حجّة تامّة؛ وإن أوصى بها ليحجّ عنه بها وفضلت عن حجّته أعين بها في الحجّ، ولا ينتقص المعان من حجّته بفضل المدفوعة إليه.
وإن أوصى بها صبيّ عند موته جاز. (3/419)
صفحة 1346
ومن أوصى بها في معيّن من ماله فتلف فلا ترجع في باقيه؛ وإن أوصى بدين عليه في معيّن رجع الدين في باقيه بلا خلاف، لأنَّه أولى بالمال من الوارث.
فصل
إن أفسد الأجير حجّة بوطء أو غيره فلا أجرة له وما لزمه من هدي أو جزاء فهو في ماله. ومن أوصى إلى ولده أن يبيع بعض ماله وعرّفه إيّاه ويخرج ثمنه حجّة فمات قبل إنفاذها بلا إيصاء بها لأحد فلا يقسم ماله ــ كما مرَّ ــ حتّى تنفذ كما أوصى به الأب، ولا يحجّ الوصيّ بحجّة اُستخلف على إنفاذها إلاّ إن أمره الموصي بذلك؛ وجاز للوارث إن قال له: أخرج عنّي حجّة من مالي بكذا وكذا ولا وصيّ له فله أن يخرج بها وليس كالوصيّ، وقيل: يجوز له أيضا ويخرج بها من بلد مات فيه أو من حيث أوصى. وإن خرج من (156) غيره أعطى قدر كرائه من حيث مات أو أوصى إليه؛ وإن كان من بلده نظر قدر ذلك ومؤونته إلى ما خرج منه ويجعل في دم إن بلغه وإلاّ فرّق بمكّة ويتمّ الحجّ، وكذا إن لزمه من بلد فحجّ من أقرب أنفذ قدر ذلك في سبيله في دم أو فقير أو يعطى من نقصت عليه حجّته إن لم يكن أجيرا.
وإن استأجر الوصيّ حاجّا عن ميّت بلا أمر القاضي ثمّ ظهر عليه دين يحيط بماله فاحتجّ على الحاج قبل أن يحرم، فإنّه يرجع ويؤخذ بما فضل بيده من النفقة؛ فإن فرضه على نفسه ومضى فيه وقد احتجّ عليه لزمه منها من يوم احتجّ عليه من ذلك المكان والحجّ له. وإن حجّ بأمر القاضي أو الوصيّ ثمّ بان الدين فلا ضمان عليه ولا على القاضي ولا على الوصيّ، وليس للغرماء ــ كما مرَّ ــ إلاّ الفضل. وإن استأجر الوصيّ من يحجّ عن الميّت ثمّ عجز وردّ عليه الدراهم قبضها وأعطاها غيره.
ومن أوصى قيل على ولده بحجّة فلم ينفذها، وأوصى هو بها على ولده في نخل معيّن وكان النخل فيما سلف يكفي الحجّة فتوانى ولد الولد في إخراجها وهي تخرج من ثلث الأوّل، فإن كان الوصيّ الأوّل فيها متلفا لمال والده ولم ينفّذها كان الثلث (3/420)
صفحة 1347
الواجبة هي فيه دينا عليه فيخرجها (157) الوصيّ الثاني من مال الأوّل؛ وإن لم يكن إلاّ النخل أنفذ ثمنه فيها حيث بلغ؛ فإن كان لهم مال كان الباقي منها في ثلثه.
فصل
أبو المؤثر: من أوصى بحجّة ولم يفرضها نظر له المسلمون إن تولوه واحدا منهم بما عزّ أو هان إلى أن يستفرغ ثلث ماله؛ وإلاّ فما اتّفق عليه الورثة والحاج فهو ذلك وليس عليهم أكثر من الثلث وكانت الحجّة من جملة وصاياه فيه.
الشافعي: من لزمه فلم يحجّ حتّى مات لزم قضاؤه عنه مطلقا، وعند أبي حنيفة: إن أوصى به.
ومن عيّن دراهم في حجّة ثمّ افتقر واحتاج إليها وسعه أكلها ويجعلها في ماله ما لم يقل هذه لله صدقة يحجّ بها. وإن أخرج الورثة حجّته فمات الأجير (158) بها في الطريق أعادوها من بلد أوصى بها فيه موروثهم، إلاّ إن جعلوا للأجير أن يوصي بإنفاذها إن احتضر، فيجوز له إن دخل في بعض [548] أعمال الحجّ وقد أوصى بإتمامه أو أخذها بضمان فيلزمه ذلك ولو لم يدخل في العمل ــ كما مرَّ ــ؛ فإن لم يوص بها وقد قبض الثمن وحضر موتَه واحدٌ من ورثته فأتمّها جاز له، وكذا إن استأجر من يتمّها. ولوارث الأجير إن مات في طريقه أجر ما سار بها مع الإتمام، وقيل هو مخيّر ــ كما مرَّ ــ؛ وإن كان يتيما نظر له وصيّه أصلح له، فإن رأى الإتمام بالأجرة أوفر له فعل، وإن رأى الترك أوفر ردّ المال. وإن احتسب وارث الأوّل لليتيم فرأى إخراجها من حيث مات الأجير كان الفضل ليتيمه، وقيل ليس لوارث أحدهما خيار ويكون لوارث الأجير ما يستحقّه من المسافة على وارث الموصي وتخرج حجَّته من حيث بلغ الأجير إن كانت الأجرة بالحجّ؛ وإن كانت على أن يحجّ فلا أجرة له إلاّ بتمامه؛ وإن قوطع على أن يحجّ بها ولم يتمّ فلا يستحقّها أيضا. ومن مات في الطريق وأوصى أن يحجّ عنه من حيث وجد أجيرا فلم يجد الوصيّ إلاّ جمّالا أو من لا يثق به (3/421)
صفحة 1348
في الموضع فمن حيث وجد، ويسأل ويجتهد في طلب أجير والله أولى بقبول العذر بعد الاِجتهاد في طلب أداء ما ائتمن عليه.
فصل
يقول الأجير بالحجّة للوصيّ: إنّك دفعت إليّ كذا وكذا درهما وقبضته منك على أن أحجّ به إلى البيت الحرام بجميع المناسك من فرض وسنّة ــ مِمَّا مرَّ ــ عن فلان ابن فلان فيما فرض عليه، وعليّ أن أقوم في إنفاذها حتّى أقضيها لأنّك وليّ الأمر فيها وضمّنتني إيّاها في حياتي وبعد وفاتي، ولا يبرئني من خصومك فيها إلاّ أداؤها عنه بما ذكر، ويكتب ذلك وقد كفل عن فلان بن فلان بهذه الدراهم فلان بن فلان إلى سنة كذا. وبعبارة أخرى: قد أشهدنا فلان بن فلان على نفسه أنَّه قبض من فلان بن فلان وصيّ فلان بن فلان كذا وكذا درهما على أن يخرج بها من بلد كذا حاجّا عن فلان بن فلان أو فلانة بنت فلان حجّة الإسلام إلى البيت الحرم، ويشهد المَشاهد، وينسك المناسك، ناويا بذلك عنه، ويقوم بالفرائض والسنن، ويزور عنه قبر سيّدنا محمّد ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ويسلّم له عليه وعلى ضجيعيه وصاحبيه (159) أبي بكر وعمر ــ رضي الله عنهما ــ فإذا أتمّ الحجّة والزيارة عنه استحقّ كذا وكذا. وبأخرى: قد أشهدنا فلان بن فلان وصيّ فلان الميّت أو وارثه أنّ فلانا (160) أوصى أن يحجّ عنه من ماله حجّة الإسلام إلى البيت وفرضها كذا وكذا، وأني قد أعطيتها فلانا هذا ليحجّ بها عن فلان الهالك في سنة كذا.
ومن شرط عليه فيها أن يحرم من الميقات ويتمتّع بالعمرة إلى الحجّ ويذبح، فإذا اعتمر عنه بالحجّ وقف في المواقف وشهد عنه المناسك وكلّ لازم فيه فهو من الشروط عليه، وعلى ذلك أعطيته الحجّة، وعلى أنَّه إنّما يقبض هذه الدراهم وهي كذا وكذا ويوثق بها من ماله فإذا أدّاها على ما شرط عليه فله ما ذكر، وإلاّ كان ما وثقه من ماله بما قبض منها حتّى يؤدّيها عن صاحبها، وأشهدنا فلان الآخذ لها أنَّه أخذها من فلان (3/422)
صفحة 1349
على ما أعطاه ليحجّ بها عن فلان في سنة كذا، وقد قبل كلّ ما شرط عليه فيها وعلى ذلك أخذها، وقد قبض منه كذا وكذا من دراهم الحجّة، وقد رهن في يده من ماله كذا وكذا رهنا مقبوضا ــ ويصفه ــ وقد جعل فلانا هذا وكيله فيه، فإن سلمه الله وأدّاها على الشرط فله باقي الدراهم وهو كذا وكذا، وإن غاب أمره ولم يعرف عند رجوع الحجّ من تلك السنّة ففلان وكيله في رهنه يبيعه بما رأى من الثمن ويستوفي ما صار إلى فلان منه ويكون في حجّة الميّت. وعلى هذا الشرط أعطى فلان وهما معا عارفان بها وبما شرط بينهما وذلك في شهر كذا من سنة كذا. (3/423)
صفحة 1350
الباب الثاني والثلاثون
في حكم الحكمين في الصيد والشجر
قال الله تبارك وتعالى: {يَآ أيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأنتُمْ حُرُمٌ} (سورة المائدة: 95) فما كان من شجر وصيد جاء فيه النصّ فإنّه يحكم به ذوا عدل منكم، ولا يجوز فيه إلاّ حكم العدلين، ولا يجزي واحد؛ [549] وما فيه سنّة من غير الشجر والصيد كقلم الأظفار وحلق الشعر وتغطية الرأس فمن أصاب شيئا من ذلك في الحرم أو محرما حكم عليه عدلان فقيهان هديا بالغ الكعبة يعني مكّة، أو كفّارة طعام مساكين من أرضها ــ على ما مرّ ــ؛ وإذا بلغ الهدي مكّة وفرّق فيها أجزى إلاّ هدي المتعة فمحلّه منى.
ومن جرح نظره العدلان وقد تعبّدنا بحكمهما فإن حكما بما يخالف الشرع ردّ حكمهما، وإنّما يكونان منّا إن وجدا، وإلاّ فحتّى يجدهما؛ وإن قالا: إنَّهما حفظا أنّ الجزاء في هذا كذا وكذا، فهو خبر لا حكم، وإنّما الحكم أن يقولا: حكمنا عليك بكذا وكذا، ألزمناك كذا، وإن قاله أحدهما لم يجز حتّى يقولاه معا فإن قال: حكمنا عليك بكذا، وقال الآخر: نعم كذا وكذا، ونحوه ممّا يدلّ على أنَّه يقول بما قاله صاحبه، لم يجز حتّى يحكما عليه معا، فإن حكما في صيد نظر في ثمنه فيشترى به من النعم ما مرّ. ومن لم يجد ما يشتري (161) به هديا ولا ما يبلغ ثمنه تصدّق به، وإلاّ صام ــ على ما مرّ ــ؛ فإن بلغ ثمنه بدنة فذاك، وإلاّ فجزورا، وإلاّ فبقرة، وإلاّ فشاة.
ومن حكما عليه في قتل الصيد بمدّين برّا لكلّ مسكين، فأعطى كلّ واحد صاعا من تمر أو من شعير أو قيمته أو دعاهم فغدّاهم عند الشروق وعشّاهم بعد العصر أجزاه.
وذكر ــ كما مرَّ ــ أنّ مناديا ينادي في الطواف: يا معشر الفقهاء! ما تقولون فيمن لزمه دم ولا يمكنه بمكّة، فأجابه الربيع بما مرّ. (3/424)
صفحة 1351
ومن حكما عليه بصيد ولم يبلغ طعام خمسة مساكين أطعم كلاّ مدّين، والخامس مدّا. وإن حكم عليه بصوم لا يتمّ خمسة أيّام صار أربعة وتصدّق بمدّ. ومن أطعم بعضا ثمّ عجز أجزاه أن يصوم قدر ما بقي.
أبو سعيد: من حكما عليه بجزاء صيد فلم يجد هديا نظر قيمته ثمنا، ثمّ قيمته طعاما، فإن لم يجده صام ــ كما مرَّ ــ، وكذا في الشجر. وظاهر الكتاب يوجب التخيير، ومعناه أن يحكم به عدلان هديا ثمّ قيمته ــ كما ذكر ــ، ثمّ إن شاء أهدى وإن شاء أطعم أو صام. وقال ابن عبّاس في قوله تعالى: {أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} (سورة المائدة: 95) أنَّه جزاؤه من النعم دراهم ثمّ تقوّم طعاما ثمّ يصوم يوما عن كلّ مدَّين؛ وقيل: الصوم ثلاثة إلى عشرة، وقيل: أكثره أحد وعشرون يوما.
ابن عبّاس: من قتل ظبيا ذبح كبشا أو شاة، فإن لم يجد أطعم ستّة وإلاّ صام ثلاثة. وإن قتل إبلا أو نحوه ذبح بقرة، فإن لم يجد أطعم عشرين وإلاّ صام عشرين، وإن قتل نعامة أو حمار وحش ذبح بدنة إبل، وإلاّ أطعم ثلاثين وإلاّ صام ثلاثين.
أبو سعيد: يحكم في صيد بمثله من نعم وينظر قيمة المثل ثمنا ثمّ طعاما ثمّ يكون على غير معنى التخيير وعلى معناه ــ فقد مرّ بيانه ــ وكلا القولين عنده أشبه، واستحسن القول بأنّ المثل من الصيد إن كان هديا كهدي الفدية (162) كان الصوم فيه والإطعام، على معنى ثبوت ذلك فيها، قال: ولا أعلم في الصيد أن تجوز فيه الفتيا، ولا أنّ الجاني يحكم على نفسه ولو عرف الحكم فيه من الكتاب والسنّة والإجماع، وإنّما يحكم عليه عدلان متولّيان عند المسلمين، وفيما بينهما أيضا، ولو سألا عمّا يلزمهما في الحكم ممّا على الجاني وكانا غير فقيهين به وأفتاهما به لا على الحكم جاز ولا يكون ذلك إلاّ به.
ولا يجوز حكم النساء معهما، ولا هما من غيرنا، وكلّ ما لم يأت فيه معروف إلاّ باجتهاد الرأي فيثبت فيه معنى من فقيه واحد جاز فيه الحكم من عدلين ولو غير فقيهين ممّن يجوز له الرأي. وإن حكم في الصيد رجل وامرأتان جاز عند بعض في الاِضطرار، لا حكم امرأتين ولا مملوكين. (3/425)
صفحة 1352
وإن قتل محرم صيدا في الحرم وعنده حكمان فحكما فيه بغير علم لم يكن حكمهما فيه حجّة عليه ولا له، وإنّما يحكم فيه عدلان سواهما، وله [550] أن يعرِّف لهما ما يجب فيه عليه إن كان عالما به على الإفتاء ــ كما مرَّ ــ ولم يردّ الأمر إلى العدلين في الحكم، لأنَّهما لو أوجبا ما لم يجب لردّ حكمهما إجماعا.
ومن أكلت دابته من عشب الحرم وهو يقودها أو يسوقها لزمه فيه الجزاء يقوّمه عدلان ويهدي قيمته إلى مكّة.
وأمّا سائر الفتيا في الحجّ من الفروع فإنّه إن لم يجد فيه مفتيا منّا فاستفتى فيه أحدا من قومنا فعليه أن يجتهد فيه رأيه ويأخذ بما يراه صوابا وعدلاً (163)؛ فإن لم يكن فيه نص من الثلاثة ولا أثر نظر العدلان إلى شبه ذلك من الأشياء المأثور فيه فيقوّمانه على قدر ذلك لا على ما يسوى في الأسواق.
وكلّ ما كان من صيد وطير ففيه حكومة، فما حكما به فهو جزاء ولا حدّ فيه إلاّ اجتهادهما؛ وقد بلغنا عن حاجب ومسلم أنَّهما حكما في حمامة بصاع من طعام وفي بيضتها نصف صاع. أبو الحواري: من كسر بيضة من بيض حمام الحرم أو فرخا من أفراخه، أو صاب موجب جزاء وقد علم الأثر فيه لم يجز له أن يعطيه حتّى يحكما عليه فإن حكما عليه بخلافه علَّمهما أنَّه يلزم فيه كذا وكذا وحكما به. وقيل: في الحمار والنعامة جزور، وفي البقرة بقرة كالوعل، وفي الظبي شاة، وفي الأرنب جذعة غنم، وفي اليربوع جفرة وهي السخلة الفطيمة، وفي الحمامة ما مرّ، وقيل: شاة، وقيل: درهمان، وفي ولد حمار الوحش وولد النعامة وولد بعير مثله، وفي ولد الوعل ولد بقرة، وفي فرخ الحمام ما مرّ، وقيل: ولد شاة، وفي الضبّ جدي، وقيل: صاع من طعام.
ابن عباس: إن كان في بيضة النعامة فرخ فدرهم، وإلاّ فنصفه، وفي كلّ ذي كرش شاة، وما (164) أطعم عن قمّلة فهو خير منها، وقيل: ثمرة أو حبّة برّ ــ كما مرَّ ــ، وفي الذبابة والحلمة قبضة طعام، وفي الرخمة والنسر والصقر حكومة (165). وحفظ عزّان في الرخمة دانقين، والنسر أكبر منها، والصقر خير منه وحكومته أكثر. (3/426)
صفحة 1353
واختلف في قتل الصيد خطأ، والأكثر منّا على وجوب الجزاء فيه كالعمد لا الإثم فيهما، وقيل: لا جزاء فيه لقوله تعالى: {وَمَن قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُّتَعَمِّدًا} (سورة المائدة: 95). ومن دلّ عليه أو أشار إليه لزمه الجزاء عندنا؛ وإن قتله جماعة ففيه جزاء واحد.
وروي أنّ في الضبع كبشا وأنَّه من الصيد. وقد حكم صلّى الله عليه وسلّم في الضبّ بجدي، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع والورل وكلّ ما يهدر من الطير شاة، وفي أولادهما ولدها، وكذا في الحبارى والكركي والبازخ والإوزّ البرِّي، وفي الجرادة قبضة طعام. وروي أنّ الجراد من صيد البحر ولا شيء على قاتله، وقيل: في الجرادة تمرة، وقيل: لقمة، وفي الذرَّة قبضة، وفي القراد لقمة.
ومن دخل الحرم بصيد فليطلقه؛ وإن دخله بلحمه دفنه؛ وإن أطعمه غيره لزم من أكله الجزاء. ولا يؤكل ما ذبحه المحرم من صيد. ومن اضطر ووجد صيدا أو ميتة أكلها لا الصيد، وقيل: هو أولى منها.
ومن جرحه نظره الحكمان وقوّماه. ومن قتل بازيا معلَّما لزمته كفّارة غير معلّم. وكره للصيّاد أن يدخل به الحرم، لأنَّه إن دخله صار من صيده، وإن أخذه المحلّ فأحرم فذبحه لزمه الجزاء.
وقيل: إن قتل المحرم صيدا في حلّ خطأ فلا شيء عليه ولزمه الجزاء إن تعمّد، وإن قتله في الحرم لزمه مطلقا، ولا يأكل المحلّ ما قتله المحرم منه. ولا شيء قيل: في قتل الغراب والحداءة. ويروى أنَّه يقتل كلّ مؤذ في الحلّ والحرم ــ كما مرَّ ــ.
ومن نتف ريش حمامة من حمام الحرم فلم تستطع أن تطير فعليه علفها حتّى ينبت وتنهض؛ فإن ماتت قبل ذلك فعليه بها شاة. وكلّ طير نزل فامتنع في السّماء فإنّه لا يؤكل فإن أكل هو أو بيضه حكم فيه.
وإن اصطاد القارن فأمره إلى العدلين يحكمان عليه ويغلّظان.
ويذبح من قتل طيرا في الحرم؛ وإن كسر بيضة حمامة وبها فرخ حيّ فمات [551] فعليه جفرة أو عناق فطمت، ولا شيء عليه إن مات فيها؛ وإن لم تتفرّخ فنصف درهم، ولا على من أطلق صيدا في الحرم بعد أن صاده ولو فيه، وعليه الجزاء (3/427)
صفحة 1354
إن باعه وفسخ البيع إن قام الصيد بعينه ويرسله، ولو باعه محلّ لمحلّ وإن أرسله فقتل بعض حمام الحرم أو غير الحمام لزمه الجزاء عند الربيع إن رآه كذلك؛ وإن حُكم على (166) محرم بجزاء صيد فأطعم وهو يجد هديا أو صام وهو يجد الإطعام أجزاه، ولا يأكل من جزائه ولا من كفّاراته ولا من نذره.
وإن أصاب المحلّ بيض النعم أو غيره فأعطاه محرما فشواه له فأكله المحلّ فعليه الجزاء لإتلافه نسله بالنّار، وهو كصيد صاده المحلّ وذبحه المحرم فيلزمه؛ وإن شواه فلزمه لم يكره أكله وإن لمحرم وليس هذا كصيد بذبح؛ وإن قتله في الحرم لزمته كفَّارته ولو خطأ لا إن قتله في غيره ولزمته إن تعمّد؛ وإن حلق وقصّر ثمّ أصاب صيدا في غيره فلا عليه، لأنَّه حلّ له كلّ شيء سوى النساء. ولا يحلّ الصيد لمحرم وإن قتله المحلّ فيه خطأ لزمه الجزاء وأسقطه عنه بعض مخاليفنا وأثبته بالعمد، وحجّته أنَّه لا عقاب على الخطأ وقد وهم لأنَّه من خطاب الوضع؛ وإن أشار المحلّ لمحرم بصيد في الحلّ فقتله فلا عليه لأنَّه محلّ ولا يؤكل لأنَّه قتله محرم.
فصل
لا يرمي المحرم الغراب إلاّ إن أراد أن يحزق في وعاء أو يجرح ظهر راحلته، ولا شيء على من قتله على ذلك وفيه الفداء إن رماه لا لعلّة.
وجاز ــ قيل ــ أكل الجراد بمكّة لغير قاتله، وعلى من قتله الجزاء. ولمحرم أن يخرج دواب الدقيق منه ومن البعير القراد. ومن أطعم المحرمين لحم صيد ولم يشعروا ثمّ بان لهم بعد أكلهم لزمه الجزاء والإثم دونهم. ومن حلب ظبية الحرم فمات ولدها نظر قيمة لبنها فيفتدي بها. وإن دخل على المحرمين طائر في بيت فخرج أحدهما فأغلق عليه الباب فجاء الآخر من خارج ودخل وأغلقه عليه أيضًا (167) ولا يعلم به فيه (168) فمات فالجزاء على الأوّل. (3/428)
صفحة 1355
ومن مات وبيده صيد وترك ولدين محلاّ ومحرما فليس لهما أخذه؛ فإن كان في أيديهما فعلى المحرم إرساله ويضمن لأخيه نصف قيمته كالشريكين إن أعتق أحدهما مشتركا بينهما أو دبره. ومن كسر صيدا فليجبره ويطعمه ويحسن إليه فإن مات حكم عليه. ومن أكل سنوره طيرا بمكّة لزمه جزاؤه. وقيل: في الضفدع قبضة تمر أو حبّ أو دقيق؛ وفي الثعلب شاة.
وقد حكم قيل: حاجب ورجل منّا في زوج حمام وبيضتين أغلق عليهما الباب فمات الحمام، بصاعين لكلّ حمامة صاع وفي البيضتين نصفه. ومن كسّر بيضة دجاجة فيها فرخ حيّ فمات فعليه جفرة أو عناق فطمت؛ وإن لم تتفرّخ فنصف درهم.
وإن اشترى المحرم صيدا حيّا فلا يأكله هو ولا غيره ولزمه الفداء؛ فإن ذبحه غير المحرم أكله غير المحرم، وعلى مشتريه من المحرمين حين ذبح جزاؤه؛ وإن اشتراه المحلُّ (169) فذبحه في الحرم حكم عليه فيه. ومن أخرج منه طيرا إلى الحلّ لزمه ردّه إليه إن قدر وإلاّ ردّ إليه مثله. وإن صاده ــ قيل ــ من الحلّ وملكه ثمّ دخل به الحرم فلا عليه، وقيل: قد حرم لدخوله به.
وفي بيض النعام عند أبي عبيدة صوم يوم.
أبو سعيد: إن كان فيه حيّ فمات ففيه ولد ناقة، ولو حوارًا وإلاّ فشاة؛ وفي اليربوع ما مرّ، وهو من الصيد لا من السباع؛ [552] وفي الثعلب جدي أو مثله من ضأن، وكذا في الضبّ، وإن قيل: فيه بشيء من طعام موافق في القيمة فحسن. وفي حمام الحرم شاة، وفي حمام الحلّ ــ قيل ــ شاة أيضا، وقيل: درهم؛ وفي بيض حمام مكّة درهم، وفي بيض حمام الحلّ إن كسره المحرم نصفه، وقيل: دانقان، وقيل: نصف درهم، ولو في الحرم أيضا. وإن تفرّخ فكسره فمات ففيه ما مرّ إن كان من الحرم؛ وكذا في الفرخ، وقيل: قيمة البيضة درهم أو نصفه.
أبو بكر: في الحجل والقطا والحبارى والكروان والكركي وابن الماء ودجاجة الحبس واليعقوب والقمري والريشي شاة في كلّ. وقال أبو سعيد في هذا مثل ما قال في الحمام، وقال: لا أعلم في الطير فوقه أكثر من شاة إلاّ النعامة. (3/429)
صفحة 1356
وإن أرسل المحلّ كلبه في الحلّ فأدرك صيدا في الحرم وهو أراد أن يصيد في الحلّ قال: فأرجوا أن لا شيء عليه. وإن كان الصيد في الحرم وأرسل كلبه من الحلّ لم يجز له. ومن رماه في الحلّ فدخل سهمه في الحرم فأصابه لزمه جزاؤه لأنّ من قتله فيه فقد لزمه ولو خطأ أو من محلٍّ (170). ومن قتله في الحلّ لم يلزمه ولو محرما إن كان خطأ ــ كما مرَّ ــ.
وقد اختلف في طير على شجرة بعض أغصانها في الحلّ وبعضها في الحرم، فعندنا إن كان الصيد في الحلّ فهو صيد ولا ينظر إلى افتراق الشجرة. ومن رمى صيدا بعضه في الحلّ وبعضه في الحرم ففيه الجزاء، وإن كانت قوائمه في الحلّ ورأسه في الحرم فالأشبه أنّ فيه الجزاء أيضا.
وعندنا أنّ حرم المدينة كحرم مكّة في الحرمة وفي كلّ ذلك.
وقيل: من أخذ صيدا من الحلّ فأدخله الحرم ثمّ ذبحه فلا بأس به لمحلّ وكرهه ابن عبّاس، ونظر في ذلك أبو زياد ثمّ أمر ابن الوضّاح فاشتراه له وذبحه وأكله وكلّ ما كان أصله صيدا فهو ــ قيل ــ صيد، ولو أنسه النّاس ومالم يكن صيدا فليس بصيد. ومن أدخل معه سنورا في الحرم فأكل من طيره فعليه جزاؤه، وكذا من اتّخذ من أهل مكّة سنورا فأكل طيرا فيه فإنّه يلزمه.
وإن اصطاد المحرم صيدا فذبحه الآخر فقيل: على كلّ جزاؤه، وقيل: عليهما واحد، وكذا إن كانوا أكثر، وقيل: إن جاؤوا معا حكم عليهما بواحد، وإن جاؤوا مفترقين فعلى كلّ جزاء.
وقيل: إنّ المحرم لا يروّح ثوبه بالشمس ليقتل قمّلة، ولا يغسله بسخن ــ كما مرَّ ــ ولا يصبّه على رأسه ليقتله أيضا.
أبو المؤثر: لا بأس على محرم في ذبح الدجاج وأكل بيضه واختير أن لا يفعل حتّى يعلمه أهليا؛ وإن ذبح دجاجة مصطادة ذبح شاة. (3/430)
صفحة 1357
الباب الثالث والثلاثون
في شجر الحرم والجزاء فيه
وقد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم يوم فتح مكّة أنّ هذا البلد حرّمه الله يوم خلق السّموات والأرض فهو حرام بحرمة الله إيّاه إلى يوم القيامة لا يحلّ لأحد من قبلي ولا من بعدي وإنّما أحلّت لي ساعة من نهار لا يختلى خلاؤها، ولا يعضد شجرها، ولا يخضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تحلّ لقطتها (171) إلاّ لمنشدها. وقيل: قال له العبّاس: يا رسول الله (172)، إلاّ الإذخر لسقاف منازلنا ولموتانا نضعه في قبورهم، فقال له: «إلاّ الإذخر». وقال: «إنّ إبراهيم حرمة مكّة وأنا حرمة المدينة، وهي ما بين عير إلى ثور فمن أحدث فيهما حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والنّاس أجمعين».
واختلف أصحابنا فيمن قتل صيدا أو عضد شجرا في حرم المدينة هل يلزمه الجزاء؟ فذهب بعض إلى لزومه وآخرون (173) إلى عدمه، والصحيح الأوّل. ومن قطع كبيرة من الحرم لزمته [553] بدنة؛ وإن قطع صغيرة فشاة، فحكموا في مسواك وفي كسر عود بدرهم، وأقلّ الحكم في الشجر مسكين، وأكثره بقرة.
ابن محبوب: يُطعَم في عود صغير مسكين. ابن عبّاس: في الدوحة وهي الكبيرة بقرة، وفي الجزلة وهي الوسطى شاة، وفي القضيب درهم. واختلف فيما أكلته الدابّة من شجر الحرم فقيل: بلزوم الدم فيه، وقيل: بعدمه. وقيل: من أهدى دابّته إلى شجرة لزمه الجزاء، وإن أرسلها ترعى وأكلته فلا عليه، وقيل: في الشطاء والمسواك إطعام مسكين، وقيل: لا بأس به ما لم يكن للتجارة.
أبو سعيد: معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يخلى خلاؤه». أي لا يقطع شجره، وهو جميع الأشجار التي هي خارجة بمعنى الخلاء، ولا يجوز منها مسواك ولا (3/431)
صفحة 1358
غيره، واحتشاش الرعي داخل في النهي. واختلف فيمن أرسل دابته لترعى فالأكثر على (174) أن لا جزاء عليه، إلاّ إن قصد أن تأكل الممنوع.
ولا بأس قيل: بما أخرجه المحرم من اليابس الميّت من الحرم، ولا بما سقط من الورق والثمر. وقد رخّص بعض فيما نبت ممّا يؤكل فيه وهو ما يأتي معناه قريبا. وله نزع ما زرع من زرع. ومن حكم عليه في شجرة قطعها فلا ينتفع بها وإن ببيع.
وقد حكم ــ قيل ــ على من قطع ورقة من شجرة نبتت فيها ورقتان وعلى من قطع مسواكا بدرهم. ومن حكم عليه به فليشر به طعاما يفرّقه. وروي أنّ رجلا حاش عودا فحكم عليه بدرهم، وإن كان أصل الشجرة في الحرم وأغصانها في الحلّ لزم بقطع أغصانها الجزاء. ومن رمى طيرا عليها وهو في الحلّ جاز له أكله ــ كما مرَّ ــ؛ وإن كان أصلها فيه وأغصانها في الحرم فلا بأس بقطعها. ومن قتل شيئا عليها وهي فيه لزمه الجزاء. ومن أرسل دابته أو جمله فأكل فلا عليه؛ وإن أوقفه على شجره أو أهداه إليه لزمه، وقيل: إن أرسله فكأنَّه أهداه. ومن رعى شجره ولو محلاًّ صنع معروفًا بلا حدٍّ فيه، وقيل: من نزع منه ما يؤكل من العشّ وهو النبات الذي لا يسقيه (175) إلاّ المطر. ومن الضغابيس وهو صغار البقل وبه يشبّه الرجل الضعيف. ومن الحماض الغليظ الورق الحامض الطعم ونحو ذلك فلا شيء عليه وهو الموعود بإتيانه ولا ينزعه لتجر. وبعض أجاز السنا وأخذ ورق السنبل ولا يقطع من أصله.
ومن قطع من شجر الحرم عصى أو مسواكا أطعم مسكينا، ولا تقطع نابتا على حوض ماء شبه الشجر، وأجازه بعض ولا نابتا على غير مائك. وقال غزوان الدمائي: كنت بمحضر من موسى فأخرج شجرة صغيرة فيها ورقتان فقشها فحكم عليه عمر بن المفضّل والأسود بدرهم واشترينا به تمرا برأيهما ففرقناه على الفقراء.
وقيل: إنّ ابن هاشم حاش عودا من شجر الحرم فدعا محبوب بن أخيه ورجلا فحكما عليه بدرهم.
ابن محبوب: من أرسل بعيره فأكل من شجره ولا يدري قدر ما أكل لزمه أن يحتاط بقدره ويقوّمه عليه عدلان لأنَّه أرسله. وجاز أخذ النبق من سدره (176) بلا (3/432)
صفحة 1359
نفض، وإن نفضه فوقع منه ورق لزمه فيه الحكم. ولا بأس بأكل الثمار من شجره، وجاز جزّ بقله، وقيل: لا يجزُّه من لم يزرعه، ولزمه إن جزّه ولا بساقط منها. وإن نبتت نخلة فيه فحملت جاز جداد تمرها إذا أدركت وخوصها إذا يبس، وكره قطعه رطبا وسحله، فمن فعل ذلك لزمه الحكم عند بعض. ومن وقع في بيته ما يقتات به من حبّ أو من نوى تمر يسقط في متوضّاه فيقشعه افتدى بما [554] يحكم عليه به، واختُلف فيه إن لم يزرعه، فقيل: إذا أخرج سنبلة فقشعها أطعم مسكينا. ومن نبت على متوضّاه حشيش كالسلّ فحبس الماء فليس لصاحب المجرى قشعه بل يحوّل مجراه عن الموضع، وإن قشعه حكم عليه؛ ولا بأس بأكل شجره إن زُرع فيه ولا يقطع اليابس منه ولا يُحمل شيء من ترابه. ومن زرع فيه ما يؤكل فله أن يقشعه لا إن نبت في متوضّاه أو مطهره بلا زرع وإلاّ لزمه الجزاء. ولا يجوز رعي حشيش الحرم ولا قطع شجره الرطب. (3/433)
صفحة 1360
الباب الرابع والثلاثون
في الضحايا وصفتها ووقتها
ابن بركة: لم تجب عندنا على أهل الأمصار ــ كما مرَّ ــ، ولكنّها مندوبة، وهي عند المغاربة سنّة مؤكّدة لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «أُمرت بالنحر وهو لكم سنّة»، وقد ضحّى وواظب على الضحايا. ويروى أنَّه قال: «ثلاث هنّ عليّ فريضة ولكم تطوّع: الوتر والأضحية والسواك»، وقيل: له: ما لنا منها؟ فقال: «لكلّ شعرة حسنة».
ابن عمر: ما أنفق الناس أعظم أجرا من مسفوح في هذا اليوم، وأفضل الأعمال العجّ والثجّ وقد مرّ ذلك، وأفضلها أغلاها كالرقاب. ومن اشترى ضحيّة وسمّى بها فاعترضت قبل النسك فذبحها أجزته ــ قيل ــ إن كانت تطوّعا، وقيل: يلزمه بدلها، وإن لم يذبحها (177) حتّى ماتت فلا يبدلها إن كانت تطوّعا، وقيل: إن تركها حتّى فرغ الإمام من الصلاة يوم النحر ولم يأكل منها أجزته لا إن أكل منها قبل ذلك.
وجاز إطعام ذمّيّ منها، وجزّ صوفها وشعرها ووبرها وشرب لبنها والاِنتفاع بإهابها ــ كما مرَّ ــ.
والغنم أفضل ثمّ البقر ثمّ الإبل، إذ لا تجوز إلاّ من النَّعم، والضأن أفضل من المعز لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم ضحّى بكبشين أملحين موجيين، وقد سمّى الله سبحانه الكبش الذِّبح العظيم في قوله: {وفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} (الصافَّات:107) فإنَّه ــ قيل ــ كبش أقرن. وقيل: الإبل أفضل ثمّ البقر ثمّ الغنم، وقيل: قد روي: «الأضحية الكبش الأقرن والبيضاء أفضل من الصفراء والسوداء»، وقيل: أفضل (3/434)
صفحة 1361
من سوداوين، واحتجّ القائل بأفضلية الإبل بما روي في الذهاب إلى الجمعة من أنّ من راح في الأولى فكأنَّما قرّب بدنة وفي الثانية بقرة وفي الثالثة كبشا.
وأجاز صلّى الله عليه وسلّم اشتراك جماعة في بدنة بلا مجاوزة سبعة ولا يجزي ــ قيل ــ ابن مخاض عن واحد ودونه لا يجزي، وبنت مخاض وابن لبون وبنته وحقَّة تجزي (178) عن واحد، والجدعة عن خمسة والثنية فما فوقها عن سبعة، ويجزي جذع ضأن وثني معز وهو ما جاوز سنة، وثني الإبل ابن ستّ سنين، وجذع ضأن ابن ستّة أشهر.
والذبح بعد الصلاة إلى الزوال من الرابع. وأوجب بعض أن تقسّم أثلاثا والمختار أنَّه استحباب لا واجب، وقد روي: «ولّوا أضحيتكم أهل قبلتكم لا أهل ذمّتكم».
وكُره بيع إهابها، ويباع جلد المتعة وينفق ثمنه كشحمها إن بيع. ومن لم يطعم أحدا من ضحيّته ــ قيل ــ تجزيه، وقيل: لا، ويطعم من لم يعرف أفقير أم غني. وإن اشترى المتمتّع ضحيّة وسرقت بعدما سمّى بها وقبل أن يذبحها أبدلها ــ كما مرَّ ــ، وكذا إن كان عليه دم فسرق. وإن ذبحها فسرقت بعد أن ماتت أجزته لا إن قبله ولم يقطع أوداجها، فإن قطعها وعلم أنَّها لا تحيى مثلها أجزته أيضا. وإن وجدها بيد سارقها جاز له [555] أكلها.
وقد نحر صلّى الله عليه وسلّم سبعين بدنة عن سبعة سبعة، والجذع من البقر عن ثلاثة والثني منه عن خمسة، والربع فما فوقه عن سبعة، ولا يجوز جمل مهزول عن شاة وكذا البقر ولا في كلّ ضحيّة، وتجوز حوليّة عن واحد وتجزي البدنة عن سبعة وخمسة وثلاثة لا عن اثنين وأربعة.
والشاة إن كسرت ثمّ جُبرت فبلغت مرعاها جازت، وإن كسر قرنها فبقي منه ما يلويه الإصبع والحبل جازت أيضا، وكذا إن بقي من ضروسها ما تأكل به. وجازت إن خُلقت جداء لا ضرع لها وكذا إن يبس ضرعها لعلّة، وكان يخرج منه لبن ولو قلّ كبقرة قطع ذنبها وبقي ثلثه تذبّ به، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم أن يضحّى بالشرماء من المعز وهي المشقوقة الأذن على اثنين، وبالخرقاء وهي المثقوبة (3/435)
صفحة 1362
الأذن ثقبا كبيرا مستديرا، وبالمقابلة وهي المقطوع بعض أذنها ويُترك متعلّقا، وبالمدابرة وهي ما فعل بها (179) مثل ذلك من وراء أذنها، وبالجدعاء وهي المقطوعة الأذن وقيل: الأنف، وبالعضباء وهي المقطوعة الأذن أيضا، ولا بالعوراء البيّن عورها، ولا بالعرجاء، وجاز ما كسر قرنها أو قطع أذنها إن بقي ثلثه، ولا بالعجفاء وهي الهزيلة. وجاز ــ قيل ــ أن يضحّي ببقر الوحش لا بالظبي. (3/436)
صفحة 1363
الباب الخامس والثلاثون
في مستجابات الأدعية عشيّة عرفة
منها: اللهمّ إنّ هذه عشيّة من عشيّات رحمتك، وساعة من ساعات مغفرتك، تسمع فيها التضرّع والبكاء، وتجيب فيها الدعوة والنداء، وهؤلاء وفود الحجّاج قد جاءوا من كلّ مسلك ومنهاج وقطعوا الأودية والفجاج، وركبوا الأقطار في اللجج والأمواج، ابتغاء رضوانك ورجاء غفرانك، يطلبون منك الصفح عنهم، ويرجون منك القبول منهم، يا سميع الدعاء، يا جزيل العطاء، يا منيل النوال، يا عظيم الجلال، يا عزيز السلطان، يا عميم المنّ والإحسان، يا من لا تنقص جودَه كثرةُ (180) عطائه، ولا يضيق بالمستجير به (181) رحب فنائه، ولا يطرد عن بابه طلاّب رجائه، ولا يشقى بدعائه أهل دعائه، وأنت ربّنا غايتنا التي إليها المنتهى، ونهاية حاجتنا التي ليس لنا عنك بها غنى، فاجعل آمالنا إليك صاعدة، وحاجاتنا بالنجح من عندك راجعة، وحلاوة ذكرك بقلوبنا واقعة؛ ياكريم إنّ عبادك بك لائذون، ولرحمتك منتظرون، لا غنى لنا عن رفدك، ولا عوض لنا عن قصدك، فإذا منعت فإلى من غيرك نفزع (182)، وممّن سواك نطمع وإلى من نذهب وإلى من نرجع، من ذا الذي يفتح بابه، ولا (183) يرفع حجابه، ويجزل ثوابه؛ وأنت اللهمّ ذلك يا جواد، وأنت ذاك يا ربّ العباد إلهنا، لا يزيد في ملكك انتقامك منّا، ولا ينقص سلطانك (184) عفوك عنّا، وها نحن هؤلاء عبادك بين يديك، ومن خشيتنا (185) منك قد هربنا إليك، ودلّتنا عواطف الرجاء منك عليك، قد ركبت الذنوب رقابنا فأذلّتها، وجثمت على الصدور فأثقلتها، وخالطت الآمال فأطالتها، ونحن خائفون أن تذهب الأعمار، وينزل بنا سوء الأقدار، ونحن في أبعد أمل وأطول، وأغرّ ما كنّا (186) عليه وأغفل، إذ المنيّة بنا واقعة، وأيامنا لابدّ قاطعة، وهذا يوم النوال، في الوقت الذي كنّا نمدّ إليه الآمال؛ وقد وقفنا بين يديك، ومددنا أيدينا الخاطئة إليك، نسألك أن تعفو عنّا وتصفح، وتجود لنا وتسمح، (3/437)
صفحة 1364
وتأذن لأبواب الإجابة أن تفتح، فاغفر لنا ربّنا الذنب العظيم، وتجاوز عنَّا بعفوك يا كريم، اللهمّ إنّا عليك نعتمد ونتوكّل، [556] وبكرمك نثق ونعوِّل، وبفضلك نرجو ونأمل، وباسمك ندعو ونسأل، وفي سبب إنعامك نكرع، وفي الملمّات إليك نرجع، وباب رحمتك نستفتح ونقرع، فافعل بنا يا ربّنا ما أنت أهله، ولا تفعل بنا ما نحن أهله، أمّا نحن فأهل العثرة بعد العثرة، وأنت أهل التقوى وأهل المغفرة، وأنت أفضل مرجوٍّ، وأقرب مدعوٍّ، وأكرم مقصود إليه، وأبرّ منزول عليه، وأرحم مسؤول ما لديه، يا من لا يبرمه كثرة السؤال، ولا ينقص ما عنده كثرة النوال، اِرحم ضعفنا وقلّة حيلتنا، واغفر لنا خطايانا، واجبر مصائبنا واسدد فاقتنا، وما أسلفنا من سيِّء الجرائم، والموبقات والمآثم، اللهمّ فاشفع بمغفرتك، ما مننت به علينا من معرفتك، وأتمم بكرمك ما أسبغت علينا من نِعمك، وكما بدأتنا به من الكرامة فاختم لنا بالسعادة، واجعل لنا من كلّ خير تقسمه في هذه العشيّة بين عبادك الواردين عليك، والوافدين إليك، من كرامة العاجل، سعادة الآجل، نصيبا وافرا، وحظّا وافيا، وامنن علينا بإحسانك، وأتمم ذلك برضوانك، يا عظيم أنت العظيم، الذي لا يتعاظمه عظيم من الذنب أن يغفره، واللطيف الذي يشكر القليل من عباده، هبْ لي ما كان بيني وبينك، وارض خلقك ممّا كان بيني وبينهم، إذ لم أعهد منك إلاّ تفضيلا، ولم أعتد منك إلاّ تكريما، وإنّي أخاف عذابك، وأرجو رحمتك، فأسألك أن توسِعني رحمتك، وترضى (187) عنّي خليقتك، اللهمّ إنّ هذا مقام العبد الذليل المسرف على نفسه، النادم على ما ضيّع، المتأسّف على ما فرّط قائما بين يديك، يتضرّع إليك ويطلب ما لديك، وأنت الغنيّ الكريم، البَرّ الرحيم، اللهمّ ارزقني لذّة مناجاتك، ونفحة معافاتك، وكنف أمانك، وكيف لا أرجوك وأنت المحسن المنعم، المتفضّل الكريم، المنعم على عباده من غير استحقاق، تلهمهم الشكر على إنعامك، بعدما تعرّفهم أنَّه من عندك، فمن أطاعك فيما أوليته من توفيقك إياه ومعونتك له، وأنت المبتدئ بنعمة الإسلام التي هي غاية الإكرام، وبعونك وحولك وقوّتك، وبفضلك ورحمتك سقتنا إلى أفضل البقاع وأعظمها حرمة، وأرفعها درجة، وأقربها وسيلة، وأشرفها فضيلة، أنت الذي (3/438)
صفحة 1365
جعلت لنا إلى بيتك الحرام سبيلا، وكنت لنا إلى زيارته دليلا، وقد اجتمع أصحاب الحوائج في هذه العشيّة المباركة الفاضلة ليرفعوها إليك يرجون قضاءها، ولي حوائج لا أحصيها فما ذكرتُ منها وما نسيت فأنت أحصى لجميع ذلك، فاقضها لي عن آخرها، إلاّ ما علمت أنَّه لا يعود عليّ بالصلاح في ديني ودنياي، وإنّ من أهمّ حوائجي يا ربّ أن تملأ قلبي إيمانا ويقينا، ونورا وحكمة وخشوعا، وإنابة وخشية وإخباتا وخضوعا، وحياء منك وحبّا لك، وشوقا إليك ورغبة فيما لديك، وأن تقسم لي من خشيتك ما تحول به بيني وبين معاصيك، ومن محبّتك ما يبعثني على طاعتك، وينشّطني إلى عبادتك، وارزقني الرحمة لخلقك والرأفة بهم، والنصيحة لهم، وبارك لي في لقائك وقضائك، واغسلني اللهمّ من الذنوب، وطهّرني من العيوب، وزدني ممّا علمت أنَّه خير لي في عاجلتي وآجلتي، وأعنّي على طلب مرضاتك واغفر لي الماضي من ذنوبي، واعصمني فيما بقي من عمري، وحوّلني ممّا تكره إلى ما تحبّ [557] وترضى، واجعل ذلك لكلّ مؤمن ومؤمنة من عيالي وأولادي، وإخواني وجيراني، اللهمّ صلِّ على سيّدنا محمّد عبدك ورسولك، الذي اصطفيته من خلقك وأكرمته بنبوءتك، وائتمنته على وحيك، أفضل ما صلّيت على نبيء من أنبيائك، ورسول من رسلك، وملَك من ملائكتك، وأعطه اللهمّ الدرجة والوسيلة في الجنّة، وابعثه اللهمّ المقام المحمود الذي وعدته، واغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين والمؤمنات يوم يقوم الحساب، اللهمّ ارزقني صلاح القلب، وسلامة الصدر وسخاء النفس، والرحمة للمساكين، والنصيحة للمؤمنين، والشفقة على الدين، والمحبّة لربّ العالمين، اللهمّ اجعلني من البكّائين على ذنوبهم، النوّاحين على أنفسهم، القرّارين بذنوبهم، المشتاقين إلى ربّهم، الأوابين بقلوبهم، الحامدين لله على كلّ حال، اللهمّ ارزقنا تمام النعمة ودوام العافية والشكر على ذلك، وهب لي يقين مَن أخلص لك عمله وفراغا للعبادة ونشاطا فيها، وصبرا عليها، اللهمّ إنّي ضعيف إن لم تقوّني، ذليل إن لم تعزّني، فقير إن لم تغنني، جاهل إن لم تعلّمني، عاجز إن لم تبلّغني، مخطئ إن لم تسدّدني، هالك إن لم تداركني، غريق إن لم تنقذني، مخذول إن لم تنصرني، محروم إن لم ترزقني، ضالّ إن لم (3/439)
صفحة 1366
تهدني، فاسد إن لم تصلحني، خائف إن لم تؤمّنّي، معذّب إن لم ترحمني، اللهمّ فارحمني وقوّني على طاعتك، وخذ بناصيتي إلى ما فيه رضاك، اللهمّ كما سترت عليّ ما أعلم فاغفر لي ما تعلم، وكما وسِعت رحمتك كلّ شيء فليسعني عفوك، وكما ابتدأتني منك بالإحسان، فأتمم عليّ نعمتك بالغفران، وكما عرّفتني وحدانيتك، فثبّتني على طاعتك، واعصمني ممّا لم أكن أعتصم منه إلاّ بعصمتك، وأغنني عن خلقك، فإنّهم لا يسعون حوائجي دونك، اللهمّ اجعلني مجدّا في طلبي إياك، محقّا في دعواي محبّتك، اللهمّ اجعل عملي عمل المخلصين، وعبادتي عبادة المتّقين، وخشوعي خشوع المخبتين، وشكري شكر المطيعين، وطاعتي طاعة الموقنين، ويقيني يقين العارفين، اللهمّ ارزقني حُسْن الخلق، وسعة الرزق، ولزوم الصدق، والقول بالحقّ، والعفو عن الخلق، والسلامة قبل الموت، والشهادة عند الموت، والسعادة بعد الموت، اللهمّ لا تصرفنا من (188) هذا المقام إلاّ عن ذنب مغفور، وسعي مشكور، وعمل مبرور، وتجارة لن تبور؛ اللهمّ نوّر قلوبنا بنور محبّتك، ودلّنا على أقرب الطرق إليك، اللهمّ لا تصرفنا خائبين من رحمتك، ولا محرومين من إجابتك، الهي إن كنت لا ترحم إلاّ المطيعين، فمن يتفضّل سواك بالعفو عن العاصين، إلهي لقد ضيّعتُ كثيرا ممّا أمرتني به، واعتديتُ على كثير ممّا نهيتني عنه، فسبحانك ما أقوى حجّتك عليّ، وأكرم عفوك عنّي، فاغفر لي يا خير الغافرين، اللهمّ إنّي أتوسّل إليك بحرمة الإسلام، ونبيئنا محمّد ــ عليه أفضل الصلاة والسلام ــ فاغفر اللهمّ لي جميع ذنوبي، واصرفني من موقفي هذا مقضي الحوائج، وهب لي ما سألت، وحقّق رجائي فيما رجوت، إلهي دعوتك كما علّمتني، فلا تحرمني ياربّي من الإجابة التي عرّفتني، إلهي ارحمني، واستجب لي، فإنّي مقرّ بذنبي، خاشع (189) لك بذلّي، مستكن إليك [558] بجرمي، تائب إليك من سوء عملي، مستغفر لك من خسيس اكتسابي، مبتهل إليك في العفو عنّي، طالب إليك في نجاح حوائجي، راجٍ منك في موقفي هذا وفي جميع أحوالي أن تجود عليّ بعفوك ومغفرتك، فإنّك ملجأ كلّ حيّ ووليّ كلّ مؤمن، اللهمّ بتوفيقك كان خروجنا، وبعونك كان مسيرنا، ولدعائك أجبنا، وأياك أملنا، وما عنك طلبنا، ولإحسانك تعرّضنا، ولرحمتك (3/440)
صفحة 1367
رجونا، ومن عذابك أشفقنا، ولبيتك الحرام حججنا، يا من يملك حوائج السائلين، ويعلم ضمائر العباد أجمعين، يا من ليس معه إله يدعى، ولا خالق يخشى، ولا وزير يؤتى، ولا حاجب يرشى، ويا من يزداد على كثرة السؤال تكرّما وجودا، وعلى كثرة الحوائج تفضّلا وإحسانا، اللهمّ إنّك جعلت لكلّ ضيف قِرى، ونحن أضيافك فاجعل قِرانا منك الجنّة، اللهمّ إن لكلّ وفد جائزة، ولكلّ زائر كرامة، ولكلّ سائل عطيّة، ولكلّ راج ثوابا، ولكلّ متوسّل إليك عفوا، وقد وفدنا إلى بيتك الحرام، ووقفنا في هذه المشاعر العظام، وشهدنا هذه المشاهد الكرام، رجاء لما عندك فلا تخيّب رجاءنا، يا من إذا أسأنا حلم وأمهل، وإذا أحسنّا تفضّل وقبل، وإذا عصينا ستر، وإذا أذنبنا غفر، إلهي إذا دعوناك أجبت، وإذا نادينا سمعت، وإذا أقبلنا إليك قربت، وإذا ولّينا عنك دعوت، إلهنا أنت ربّنا ومالكنا، ونحن عبيدك بين يديك، فامنن علينا تفضّلا منك بالعتق من عذاب النار، ربّنا ظلمنا أنفسنا فاعف عنّا، واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين، ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم دائما متتابعا إلى يوم الدين.
تمّ الجزء السابع من هذا المختصر.
وقد تَرَكتُ أدعية جليلة في هذا المقام لا لضنّه بالكلام. (3/441)
صفحة 1368
هوامش الجزء السابع
(1) - ب: العنَّة ولعلَّه الصواب لأنَّه سيشير إلى هذه الكلمة بضمير التأنيث فيما سيأتي.
(2) - ب: زادٌ. وهو خطأ.
(3) - ب: إنفاده. بالدال المهملة، وهو خطأ.
(4) - ب: - إن استطاعه وإلاَّ وصَّى به.
(5) - ب: + صلَّى الله عليه وسلَّم.
(6) - ب: - يوم النحر.
(7) - ب: - إلى عرفات.
(8) - ب: - تعالى.
(9) - أ: يسعى وهو خطأ.
(10) - ب: - به.
(11) - ب: ذات عروقتها وقَّتها عمر. ولا معنى له.
(12) - ب: تقتلن.
(13) - ب: العاقور.
(14) - ب: - المحلوق.
(15) - ب: ولبَّ. وهو خطأ.
(16) - ب: - والبقَّالين.
(17) - ب: - النذر.
(18) - ب: بحجَّة.
(19) - ب: أصحابنا.
(20) - ب: يحوِّلها.
(21) - ب: - ابن.
(22) - ب: التجُّ؛ فالتجُّ. بتاء مثنَّاة.
(23) - ب: - فأقيمت.
(24) - ب: وإن قيل:.
(25) - ب: فيه.
(26) - ب: فيدايان. ولا معنى له.
(27) - ب: دم. (3/442)
صفحة 1369
(28) - ب: إذا طهر.
(29) - ب: جسدٍ.
(30) - ب: لا أرَ. وهو خطأ.
(31) - ب: - عليه.
(32) - ب: عطاه. وهو خطأ.
(33) - ب: + تعالى.
(34) - ب: منطقه.
(35) - ب: في.
(36) - ب: مدَّته.
(37) - ب: ززيها.
(38) - ب: مسَّه.
(39) - ب: يذبح.
(40) - ب: - بينهما.
(41) - ب: ويتكرَّر.
(42) - ب: فرج.
(43) - ب: مفرٌّ. وهو خطأ.
(44) - ب: فإن أمكنها.
(45) - ب: - فصل.
(46) - ب: كلاًّ صاحبُه.
(47) - ب: - كما.
(48) - ب: آخر.
(49) - ب: ليليه.
(50) - ب: ينزل.
(51) - ب: فجرح.
(52) - ب: - خرقة.
(53) - ب: + لوى. وهو أصوب.
(54) - ب: انفراد.
(55) - ب: الباب التاسع في قتل، منمحي.
(56) - ب: - أيضًا.
(57) - ب: علينا، منمحي.
(58) - ب: وقال:. (3/443)
صفحة 1370
(59) - ب: - وأن تستقبلني بعظيم عفوك، وأن تجود عليَّ بمعفرتك.
(60) - ب: وتكبِّره وتسبِّحه.
(61) - ب: إلهٌ.
(62) - ب: أهل للتكبير والتحميد والتمجيد والتهليل.
(63) - ب: - وحده.
(64) - ب: - سراعًا.
(65) - ب: وادعو. وهو خطأ.
(66) - ب: عليها.
(67) - ب: هذا.
(68) - ب: - ما مرَّ.
(69) - ب: قريبًا أيضًا.
(70) - ب: - أيضًا.
(71) - ب: يشترط.
(72) - ب: - تعالى.
(73) - ب: حِلَقًا.
(74) - ب: تعدل ألفًا في.
(75) - ب: - على.
(76) - ب: يحفُّون.
(77) - ب: - عنه.
(78) - ب: لأنَّه.
(79) - ب: وأعاد.
(80) - ب: يغسل.
(81) - ب: عرفة.
(82) - ب: أهلَّ.
(83) - ب: - فيه.
(84) - ب: حياله.
(85) - ب: - بها.
(86) - ب: آخر.
(87) - ب: + عنه.
(88) - ب: من الهدي.
(89) - ب: فيه وضوؤه. (3/444)
صفحة 1371
(90) - ب: + بها. وهو أصوب.
(91) - ب: - وأحلاَّ.
(92) - ب: - بعده.
(93) - ب: إليها.
(94) - ب: إلاَّ لمهمٍّ.
(95) - ب: لأصحابهم.
(96) - ب: فسمِّي الصفا باسم آدم المصطفى.
(97) - ب: قال:.
(98) - ب: كذا في النسختين، والصواب: أجرى.
(99) - ب: عقرٌ. وهو خطأ.
(100) - ب: ولو.
(101) - ب: - لمتعته.
(102) - ب: وتعقل عند الذبح الإبل.
(103) - ب: بها.
(104) - ب: بحلال.
(105) - ب: - عليَّ هديٌ.
(106) - ب: ولدٌ.
(107) - ب: - أيَّام.
(108) - ب: منها.
(109) - ب: - أو قبلها.
(110) - ب: - عليه.
(111) - ب: نهارٌ. وهو خطأ.
(112) - ب: خلافٌ. وهو خطأ.
(113) - ب: ومن.
(114) - ب: - مرَّ.
(115) - ب: - ويذبح.
(116) - ب: عرفات.
(117) - ب: حددها. وهو تحريف.
(118) - ب: - له.
(119) - ب: جمع الاجتماع.
(120) - ب: - به. (3/445)
صفحة 1372
(121) - ب: - وذبح.
(122) - ب: الحدف. وهو تصحيف. وخَذَفَ: رمى بالحصاة.
(123) - ب: سبع حُصيَّات.
(124) - ب: فاته.
(125) - ب: في الثلاث.
(126) - ب: أحذى.
(127) - ب: - سبعًا.
(128) - ب: إنَّ.
(129) - ب: وقيل: تجب على من فاته الحجَّ بدنة.
(130) - ب: فإن رمى عنه وليُّه وعن نفسه.
(131) - ب: - فلم يرموا.
(132) - ب: إن وقف. وهو خطأ.
(133) - ب: لزمه.
(134) - ب: إلاَّ إن طاوعته.
(135) - ب: يومٌ. وهو خطأ!!.
(136) - ب: تكرار: حتّى تطوف لهما، وإن حجّت وزارت وقضت مناسكها فحاضت فلا تخرج.
(137) - ب: - قبل أن تركع ثمَّ نفرت ركعت إذا طهرت، ولا عليها؛ وإن تمتَّعت فطافت فحاضت. وقد وقع للناسخ هنا انتقال للنظر، لتكرار عبارة: إن حاضت، ولوجود الأولى مباشرة تحت الثانية في النسخة الأم.
(138) - ب: إذا.
(139) - ب: الحوف. بحاء مهملة.
(140) - ب: البصر.
(141) - ب: حجَّ.
(142) - ب: عن سواه.
(143) - ب: أن يردَّها.
(144) - ب: اشترطه.
(145) - ب: غيره لها.
(146) - ب: في طريقه.
(147) - ب: + قوله.
(148) - يمكن أن نقرأ العبارة كالتالي: لزمه موجبُ جزاءٍ: صيدًا وشجرًا وتقديمَ نسك.
(149) - ب: عنه بها. (3/446)
صفحة 1373
(150) - ب: لأنَّه.
(151) - ب: - كما مرَّ
(152) - كذا في النسختين.
(153) - ب: لعلَّه: بمالها.
(154) - ب: + في.
(155) - ب: يسلِّمه.
(156) - ب: عن.
(157) - ب: فيخرجه.
(158) - ب: - الأجير.
(159) - ب: - وصاحبيه.
(160) - ب: + قد.
(161) - ب: يشترِ. وهو خطأ.
(162) - ب: المتعة.
(163) - ب: عدلاً وصوابًا.
(164) - ب: وأمَّا. ولا معنى له.
(165) - ب: حكمة.
(166) - ب: - على.
(167) - ب: أيضًا عليه.
(168) - ب: - فيه.
(169) - ب: - المحلُّ.
(170) - ب: - أو من محلٍّ.
(171) - ب: لقطته.
(172) - ب: - يا رسول الله.
(173) - ب: وبعضٌ.
(174) - ب: - على.
(175) - ب: الفقرة التالية متآكلة: فكأنَّه أهداه. ومن رعى شجره ولو محلاًّ صنع معروفًا بلا حدٍّ فيه، وقيل: من نزع منه ما يؤكل من العشّ وهو النبات الذي لا يسقيه.
(176) - ب: سدرٍ.
(177) - ب: يذبح.
(178) - ب: الفقرة التالة متآكلة: يجزي ــ قيل ــ ابن مخاض عن واحد ودونه لا يجزي، وبنت مخاض وابن لبون وبنته وحقَّة تجزي. (3/447)
صفحة 1374
(179) - ب: وهي المفعول بها.
(180) - ب: لا تنقص جود كثر عطائه. ولا معنى له.
(181) - ب: - به.
(182) - ب: - لا غنى لنا عن رفدك، ولا عوض لنا عن قصدك، فإذا منعت فإلى من غيرك نفزع.
(183) - أ: لا. لعلَّها مشطوبة.
(184) - ب: سلطنا. ولا معنى له.
(185) - ب: ومن خشينا.
(186) - ب: كن. وهو خطأ.
(187) - ب: وترضي.
(188) - ب: عن.
(189) - ب: خاشعًا. وهو خطأ لأنَّه معطوف على اسم أنَّ. (3/448)
صفحة 1375
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه وسلّم دائمًا دائمًا (1)
الجزء الثامن من مختصر المنهاج
في القسمة وما يتعلّق بها. (3/449)
صفحة 1376
/ (3/450)
صفحة 1377
الباب الأوّل منه
في صفة القسمة وطرح السّهم على الآخر وحمل الأموال بعضها على بعض، وبيع بعض الشركاء حصّته قبلها
والقسمة هي: تمييز بعض الأنصباء من بعض. فإن اشترك قوم مالا وفيهم يتيم، أو غائب لم يجز لهم أن يقتسموا إلاّ إن حضر وكيله، والعدول؛ فينظرون كيف تعتدل السهام أو القيمة بينهم، لا بالمخايرة ولا مع حضور بعض، أو وكيله. وإن كانوا كلّهم بلَّغًا (2) عقلاء حاضرين جازت بينهم المخايرة.
أبو عبد الله: إن أراد مشتركون أرضا قسموها، وكتبوا السّهام في ورقة، وأعطوها من يطرحها، وقال لهم حاضر معهم: أبدأ من هاهنا، وبعض الشركاء من هاهنا، ولم يدر أنَّه رأى سهمه في يد الطارح أم لا؟ أو كتابة اسمه (3) أم لا؟ أو اشتبه عليه أم لا؟ فلا حرج ما لم يتيقّن أنَّه رآه فطرحه الطارح على ذلك. فهناك يكون عليه أن يخبر شركاءه بما كان منه؛ ولا نقول: إنَّه يحرم عليه سهمه إن لم يخبرهم.
وقال: إن كانت بين قوم أموال، وأرضون على أفلاج، وآبار فإن كانت الآبار يقع لكلّ منهم في منابه منها ما ينتفع به، قسمّت كلّ بئر على حدة. وإلاّ فلا يحمل عليه الضرر، وتحمل كلّ منها على أخرى، ويقسم مال كلّ فلج على حدة، وجاز حمل بعضه على بعض. وما في مجراه (4) وعوثة وصعوبة في الشرب فإنّه يقسم وحده، ولا تحمل أرض على نخل ويقسم كلّ وحده، وكذا الماء، ولا يحمل على غيره. وإن أزال بعض منابه من كلّ قطعة إلى آخر فإن قسمت كلّ وحدها أضرّ بشركائه. وكذا (3/451)
صفحة 1378
الماء، وجاز إن لم يضر واحدًا منهم. ولا يلتفت إلى إزالته إن أضرّه بل يقتسمون بالعدل بينهم.
فإذا تميّز مناب المُزيل منابَه من أسهمهم دفعه إلى من شاء، فلا ضرر ولا إضرار في الإسلام. وإن كان على أحدهم دين (5) ولا ينفق ماله إلاّ إن قسم له سهمه قوسم.
وإن اشترى واحد منهم مناب آخر، وطلب إليهم أن يلقوا له سهمه مع ذلك السهم فله ذلك، إن كان من فلج واحد.
وإن قسم الشركاء مالهم بلا حضور من بعض المسلمين معهم، فلمّا فرغوا حضروا معهم، وأقرّوا بمعرفة أنصبائهم، وما تقاسموا فيه وأتمّوه على أنفسهم بمحضر المسلمين ورضي كلّ بمنابه فلا نقض بعد ذلك، إن ادّعاه أحدهم بعد إقراره بمعرفة ذلك.
واختلف في أخوين ورثا مالا من أبيهما، ومن أمّهما، واشتريا أموالا بينهما، وأرادا أن يقتسما جميع ذلك قسمة واحدة. فأبو عبد الله: لا يجوِّز حمل الشراء على الميراث، لأنَّه إن وقع الدرك على أحدهما في شيء ممّا اشترياه، فلا يرجع على صاحبه في الميراث (6)، وبالعكس، ولكن يقسم كلّ وحده، فإن استُحقّ على أحدهما شيء من ذلك رجع به على أخيه. أبو الحسن: إن كان المال كلّه لهما، واستويا في الكلّ، جاز قسمه قسمة واحدة.
وقيل لا يحمل مال قرية على مال أخرى، كما لا يحمل مال فلج على مال آخر ــ كما مرَّـ، إلاّ إن انقطع شيء من الأموال على فلج لا يقسم وفي قسمه ضرر جاز الحمل في قول؛ وإن اتّفقوا على حمل فلج على آخر، أو على بئر، أو عكسه، أو بئر على بئر، ولا يتيم فيهم، ولا غائب، ولا مجنون، ولا أعجم، جاز لهم.
واختلف فيما في قسمه ضرر؛ فقيل: إنَّه يباع ويقسم ثمنه؛ وقيل: يستغلّ كذلك مشاعا ولا يجوز بيع الأصول إلاّ باتّفاق.
وإن كان أحدهم يتيم وقسم المال بينهم فباع للبالغ منابه، فلمّا بلغ نقض القسم فإن باع ما وقع له به وكان منتقضا فقيل: تثبت له حصّته من ذلك المال إن أراد (3/452)
صفحة 1379
ذلك، وإلاّ فله على البالغ ردّ الثمن. وإن وقع القسم على خياره عند بلوغه في إتمام أو نقص، فتلف بعض المال من يد أحد الشركاء بسيل، أو غصب، فأتمّ بعد بلوغه وطلب بعضهم انتقاضه بعد ذلك الإتمام، فلا يجد ذلك إن رضوا بذلك. وإن طلبه قبل بلوغه فقيل: لا يجده أيضا لأنَّه قد رضي به قبل، وإنّما النقض [31] لليتيم. وقيل: يوقف على رضاه. فمن عليه النقض كان له فيه، فإن بلغ، وأتمّ القسم، ثبت على البالغين.
وقيل: إن كان في الشركاء يتيم، ونظر القاسمون، أو القائمون له، أنّ عليه في منابه ضرر انتقض القسم، وإن لم يكن عليه في النظر ضرر، وقف، فإن بلغ وأتمَّه تمّ، وإلاّ انتقض، ولا نقض لشركائه البالغين على قول، لأنَّهم رضوا به.
ابن علي: إن اقتسم إخوة مالهم وهم به عارفون، وكانوا بمنزلهم، ثمّ قال بعضهم: لم أره قريبا، ولا أرضى القسم، فلا يلزمه حتّى يعلم أنَّه نظره يومه، أو قبله بأيّام وإن كان بالخيار ممّن يجوز منهم فمن اختار سهما ورضي به لم يجز له أن يرجع بعد، ولا لمن خايره. وإنّما النقض في السهام إذا طرحت وبان فيها الغبن ما لم يعمِّر كلّ منابه ويستغلّه.
أبو عبد الله: من له حصّة في مال فأعطاها آخر، وقسم ثمّ رجع في عطيّته مدّعيا أنَّه لم يعرف ما أعطى، وطلب نقض القسم فله الرجعة، لا النقض إن لم يحرز المعطى له السهم بعد القسم. وقيل: إن باع أحدهم حصّة من نخل عواضد، أو أرض، أو ماء في خبائر لا مقسومة وبقيت له حصّة في شيء من ذلك، أو باع حصّته من جميع ذلك لناس لكلّ منهم شيء منه، فإنّه يعدل العدول هذا الماء من الخبائر بالقيمة ثمّ يسقطونها على سهام الشركاء. فإن وقع سهم البائع بالتأليف في الموضع الذي باعه تمّ بيعه وإلاّ فسد لأنَّه ضرر على شركائه، ويرجعون يقسمونه ويجمع لكلّ حصّته في موضع، وكذا النخل، والأرض، والمنازل. وإذا أراد بعضهم أن يؤلّف منابه إلى مناب صاحبه ليكون منابهما واحدا، وأبى الآخرون ذلك، فقيل: لهما ذلك إن لم يضرّا بذلك غيرهما، وقيل لا. ويأخذ كلّ (7) منابه وحده، فإذا بان فعل فيه ما شاء من تأليف أو غيره. (3/453)
صفحة 1380
وإن قسم مشتركون مالا مثامرة سنين معلومة ثمّ مات أحدهم، فلا يثبت ذلك على يتيم، ونحوه وجاز نقضه لمن أراده.
وقيل: في مشتر لحصص من مشترك، أنَّه إن اشترى حصصا من جملة المال من فلج تجرى فيه قسمة واحدة، فإنّه يجمع له حصصه في موضع إذ لا ضرر على شركائه في التأليف، والتفريق يضرّه، لأنّ هذه الشركة كلّما اجتمعت كانت (8) أفضل للقسم، وأحظى للشركاء، ويكون على أقلّ السهام؛ ثمّ يجعل لذي سهام واحد، ولكلّ من الشركاء سهم، ثمّ ينظر العدول في السّهام على أقصى ما قدروا عليه من التّعديل، ثمّ يشرطون عند طرحها أنّ الابتداء على موضع كذا وكذا، ثمّ كذلك فإن وقع الأوّل لذي سهم أخذه، وإن وقع لذي سهام أخذها متوالية، ثمّ كذلك حتّى يستوفي كلّ منهم (9) منابه، وإن كان المال لواحد إلاّ سهما منه، فكذلك، ولا ضرر على شركاء في تزاحم الأسهم لواحد بإتلافها له، وذلك ينفعه؛ ولو باع حصّته من موضع من مال الفلج الذي يقسم مرّة، فهناك يدخل عليهم الضرّ بتفريق السّهام، ولكن يقسم المال كما قلنا على أقلّها ولا يلتفت إلى إزالته حصّته ــ كما مرّـ.
وإن باعها من قطعة على فلج ولا عليه إلاّ ذلك الموضع من مال الهالك جاز له، ويقسم للمشتري منابه ولا ضرّ في ذلك. وإن بقي من المال شيء على الفلج وطلب أن تقسم له حصّته من ذلك الموضع دون مال الهالك من ذلك الفلج، فإنّه يقسم ما بقي ثانية. وقيل ينظر فيه العدول، فإن لم يروا عليهم ضرا في التفريق جاز، وإلاّ فلا يحمل على أحد؛ وقيل: يقسم مال هذا الفلج واحدة، فإن وقع للبائع حصّته من جملة المال في هذه القطعة ثبت البيع، وأخذها منها، وإلاّ بطل وردّ على المشتري الثمن؛ لأنَّه لم يقع له منها شيء إلاّ أنّ شرط عليه الشروى (10) فيكون له؛ وإن وقع للبائع من الموضع أقلّ ممّا باع، ثبت للمشتري ما وقع له ولحقه بالباقي من الثمن، وإن وقع له أكثر منه فله ما اشترى، والفضل للبائع. (3/454)
صفحة 1381
ويقسم المتاع والآنية وتباع الدواب ويقسم ثمنها ويأخذ الشريك منها (11) بالقيمة، والعبد يستخدم بالأيّام على قدر الحصص إن كانوا (12) في قرية واحدة، ولا يتجابرون على بيعه عند ابن علي.
وإن تفاضلت السيوف أو غيرها فقال كلّ منهم: أنا آخذ منابي من كلّ منها، لم يجده، وتقوم ويتراددون فضل القيمة فيها. وإن اختلفوا بيعت بمزايدة. وما يكال أو يوزن قسم بكيل، أو وزن، إن لم يقع فيه تفاضل وغبن (13)، بلا خلاف. وإن كانوا بلَّغا عقلاء حُضَّرًا، ورضوا بقاسم بينهم، وإن غير ثقة ففعل ورضي كلّ بمنابه، ثمّ ادّعى أحدهم الغبن، واحتّج أنَّه لم يعدل السهام العدول ثبت القسم، ولا حجّة له، إلاّ إن كانت فيه جهالة، وموجب نقض. (3/455)
صفحة 1382
الباب الثاني
في القسم والدخول فيه من حكّام أو غيرهم
[32] ومن طلب قسم مال بينه وبين غائب، أقام الحاكم له وكيلا يأخذ له سهمه، وأمر بالقسم بعد أن يصحّ أنَّه بينهم على كذا وكذا سهما، ويشهد على مال الغائب شهودا.
وإن حضر الورثة إلى الحاكم وتقارروا على مال أنَّه لهم، وطلبوا منه الأمر بقسمه، فليس له أن يأمر به ولو علمه لهم، إلاّ إن شهد به عدلان، وأنَّه يقسم على كذا وكذا بينهم، فيأمر بقسمه حينئذ، وجاز للقسّام أن يقسموا الأموال بين النّاس إن علموها لهم، واطمأنّوا بها لا على معنى الحكم منهم لهم بذلك.
وقيل: على الحاكم أن يحكم بين الشركاء بقسم أموالهم إذا طلبوه إليه، ولا يلزمه أن يتولاّه بينهم، ولا يجبر قاسما بينهم، وعليهم طلبه، وله أخذ الكراء عليه، إلاّ إن كان الإمام أو القاضي قد (14) نصب من عدوله من يتولّى المقاسمة بين النّاس، والنظر فيما شجر بينهم، ويموّنهم من بيت المال إن رأى (15) ذلك صلاحا.
وجاز في القسم الثقات وإن لم يكونوا أولياء في الدين، وكذا في الشهادات على الأموال ولو من قومنا. أو كان في الشركاء أيتام، أو غياب.
وإن احتجّ واحد من الورثة في المال، أو ادّعى فيه وقف المال، ودعي الطالب ببيان ما يدّعيه، فإن صحّ له بمحضرهم أو وكلائهم، أنصفه، وإلاّ قسمه على العدل، ويباع ما خلّف الهالك من عبيد، وحيوان إلاّ إن كان ممّن أمواله ذلك؛ كالأعراب والذين أموالهم المواشي فلا تباع، أو كانت المواشي حضرت عليها زراعة فإنّها (16) تسقى إلى حصادها، ولا تقتل.
وإن ادّعى مدّع في عبد أو دابة كان في يد من كان بيده ومؤنته عليه، فإن صحّ لمدّعيه غرم ما أنفق عليه لمن كان بيده (17) من يوم وقف ولا يحال بينه وبين استعماله. (3/456)
صفحة 1383
وإن امتنع بعض الشركاء من القسمة، ارتفعوا إلى الحاكم فيجبره أن يقاسمهم، فإن أبى، حبس حتّى يذعن للحقِّ (18)، وإن لم يكن قوّام بالحقّ ينصفون الخصوم لم يكن للشركاء أن يقسموا الأرض مثلاً (19) ويزرعوا حصصهم ويتركوا مناب الممتنع، ولكن يزرعونها كلّها ولو كره، ويأخذون ما عزموا من الثمرة، ثمّ يأخذ كلّ حصّته منها بعد المؤنة.
أبو الحواري: إن دعاك قوم وأوقفوك على أرض، ونخل فقالوا: إنَّها لنا واقسمْها بيننا وأنت لا تعرفهم، وفيهم نساء. وقالوا: قد وكّلن وكلاء، وقال الوكلاء: نحن وكلاؤهن، قال: فإن كنت عارفا بالقوم، جاز لك قسم المال بينهم ولو لم تعرفه إن كانوا يدّعونه، ولا يجوز ذلك للحاكم حتّى يصحّ عنده أنَّه لهم ــ كما مرّـ، لأنّ قسمه ثابت كحكمه. وقد تعجّب بعض الفقهاء وقال: كيف يدعى النّاس بالبيّنات على أموالهم إن أرادوا بيع شيء أو قسمه أو قضاء صداق منه وربّما تكون لهم أموال لا يجدون عليها بيانا، قال وكأنَّه يذهب إلى جواز ذلك فيه ومنه حتّى يصحّ أنَّه لغيرهم.
فصل
المشترك على أقسام، منه ما يقسم جبرا وصلحا كالأرضين، والسدور والبساتين ونحوها، ومنه ما لا يصحّ فيه القسم كاللّؤلؤ والجوهر، ومنه ما يقسم صلحا لا جبرا كالبناء المنفرد والسفينة. فإذا كان عبدا ودار بين شركاء وكلّ يريد استخدامه أو سكنها أولاً، فقيل يجبرون على الاِقتراع، وقيل إن لم يتّفقوا على أمر جبرهم الحاكم على بيعه.
وجاز لأهل الذمّة أن يقسموا بين المسلمين إن كانوا بلغا راضين عقلاء، وإلاّ فلا يلي ذلك إلاّ الثقات ــ كما مرّـ. (3/457)
صفحة 1384
وأقلّ من يليه رجل ثقة بصير بالعدل فيه مأمون عليه، وقيل الواحد لا يكون حجّة، ولا بدّ من اثنين فأكثر، وهذا مجمع عليه. والأوّل متّسع فيه.
وإن كان في الورثة يتامى وقدر الثقات على القسم وأبصروا عدله ولا يخافون تولّد فتنة عليهم في دين، أو نفس، أو مال؛ ممّا تجب لهم به التقيّة، فلا يسعهم ترك ما قدروا عليه من إقامة العدل فيه؛ فإن تركوه لزمتهم التوبة لا الضمان؛ وعلى الشركاء أن يقوموا بأماناتهم وما بأيديهم من حقّ الأيتام على ما يوجبه الحقّ في ذلك حتّى يجدوا من يقسم لهم ذلك.
وقيل إن وصل إلى حاكم طالب لقسم ما خلّفه هالك على ورثته فهو مخيّر في تركهم وفي أمرهم بإحضار بيان صحّة موته وتركه [33] لمن ذكر من الورثة وما تجري عليه سهامهم إن لم يحكم الفرائض، فإذا صحّ عنده ذلك أوصلهم إلى قسمه، وعليهم صحّة كلّ شيء في موضعه؛ واختلف فيه إذا علم جميع ذلك، فقيل لا يحكم في شيء بعلمه، وقيل ما علمه بعد أن كان حاكما فله أن يحكم فيه به، لا فيما علمه قبله إلاّ بإقرار أو بيان في حين الحكم بأن تشهد البيّنة بمعاينة الشخص أنّ هذا المال أو الأرض، أو الدار، أو المتاع، أو نحو ذلك من متروك فلان بن فلان أومن ملكه، لا نعلم أنَّه أخرجه منه إلى أن مات. (3/458)
صفحة 1385
الباب الثالث
في القسم إن كان فيه غلط أو نسيان أو غبن، أو خفاء بعض السهام؛ وفي الشركاء إذا قسموا ولم يحضروا عدولا
وقيل في إخوة ذكور بلّغ قسموا مالهم ولم يدخلوا أحدا بينهم وتساهموا وأخذ كلّ منهم (20) منابه وزرع من زرع منهم سهمه وقطع منه شجرًا (21) وخلّى لذلك سنة أو أكثر، ثمّ نقض الزارع القسم واحتجّ بأنّ مقاسمتهم بلا حضور أحد معهم مجهولة، وتمسّك الباقون بسهامهم، فلا ينصت إليه، لأنَّه إذا عرف كلّ منابه وقبضه ورضي به فليس لأحدهم أن ينقضه بعد، إلاّ إن اتّفقوا على ذلك، أو يتبيّن عليه غبن قدر العشر؛ فإنّ قدروا على استخراجه (22) من غابنه له والقسم بحاله (23) جاز لهم، وإلاّ فسد القسم، إلاّ أن علمه المغبون ثمّ رضي به أو عمر عليه بعد معرفته به أو أحدث فيه (24) حدثا كبيع أو هبة أو صداق، أو رهن فلا نقض له حينئذ، وثبت عليه الغبن؛ وقيل: إن كان قدر العشر إلى الخمس ردّ الغابن من منابه على المغبون حتّى تستوي السّهام؛ وقيل: لا ينتقض القسم به وإنّما يزاد المغبون؛ وإن كان بمخايرة فمن اختار سهما فقبضه فهو ثابت له وعليه ولو به غبن وإنّما ينتقض إذا (25) كان بالقرعة وصحّ فيه ما لم يعمِّر كلّ منابه ــ كما مرَّـ ولا مدّة لذلك، إلاّ إن كان ذلك من زيادة في سهام من إصلاح من أصحابها (26). وإن استحقّ شيء منها من أحدهم فالقسم بحاله، ويردّ عليه سائرهم قدر ما استحقّ عليه ولا نقض.
ابن أحمد: إن قسم قوم ما اشتركوه بمخايرة أو قرعة ثمّ بان غبن فيه على أحدهم فقال بعضهم: إن شئتم أتممناه وإن شئتم نقضناه، ثمّ مرض أحدهم وحضروا (3/459)
صفحة 1386
عنده وقالوا جميعا: إنّا قد نقضناه برضى منهم، ومات المريض فإنّه منتقض اتّفاقهم على نقضه.
وقيل: في وارثيْن مالا أرادا قسمه وقوّما (27) قطعة بخمسين درهما ثمّ نقضه أحدهما، وقال: قد غبنت، والآخر (28): أني لا أقيلك، أنَّه إن قبض الثمن وعرفه من قيمتها فلا يجد الرجوع في ذلك؛ وإن قسما بالقرعة فإنّ العدول يقفون على السهام فإن رأوه غبنا قدر العشر ردّ الغابن ــ كما مرَّـ. وإن قسما بمخايرة فلا رجوع بعد القبض.
أبو علي: إن كان في مال قطعة من حرام ثمّ قسمه الورثة فوقعت لبعضهم في منابه لم يضر ذلك من أخذ الحلال، وجاز له وآخذ الحرام يسلّمه إلى أهله ولا يرجع على شركائه ولعلّ ذلك لعلمهم به. (3/460)
صفحة 1387
الباب الرابع
في قسم الثمرة (29) قبل إدراكها
أبو سعيد: إن أراد المشتركون تمرة نخل قسمها قبله عذوقا لم يجز بلا خلاف، إلاّ إن اشترطوا قطعها من حينهم ولا تترك عليها، ولا يجوز إتمامه بعده للنهي عنه من جهة الربا لا من جهة الجهالة، وهو كبيعها قبله وما لم يجز بيعه لا يجوز (30) قسمه.
وجاز بيع الذرة إذا أدركت قبل جزرها إلاّ البر لأنَّه لا يرى من خارج ففيه جهل وجازت فيه المتاممة.
وإن أدرك التمر جاز قسمه كبيعه. وإن قسم النخل وعليه تمر غير مدرك فوقع في مناب أحدهم، فقيل: هو له دون شركائه، وعليه الأكثر، وقيل للكلّ لأنَّهم قسموا بعد استحقاقهم له بالشريكة.
سعيد: لا يجوز قياض عذوق نخلة من بلد بآخر من آخر وقسم العذوق على النخل ضعيف لأنَّه بالتقدير لا بالكيل أو الوزن، وربّما صحّ لأحدهم خمسة مداخير ولمثله ثلاثة، وجازت فيه المتاممة (31) إذ لا ربا فيه بعد الإدراك.
أبو سعيد: إذا قسمت أرضٌ وفيها زراعة لم تدرك فقيل: القسم ثابت والثمرة مشتركة، وقيل لكلّ ما وقع له في منابه منها إلاّ إنّ شرط بينهم شيء، وقيل منتقض لأجل الزراعة لأنَّها مشتركة، وكذا كلّ ذي ساق إن عدم اشتراطه في القسم، لأنّ حكمه على الشركة حتّى يقع عنده، وقيل [34] إن اتّفقوا على قسم العذوق ورضوا به وقد بلغوا وحضروا ثبت؛ وإن كان فيهم يتيم له وصيّ فله أن يأخذ له بقدر حصّته بالمثامرة من طريق النظر إن رآه أصلح له. (3/461)
صفحة 1388
الباب الخامس
في قسم النخل، والشجر، وشرط (32) رفع الفسيل
أبو عبد الله: إن كانت بين شركاء سدرة أو غيرها من الشجر، فطلب أحدهم قسمها وكره الباقون فلا تقسم، ولكن تقطع ثمّ تقسم مقطوعة ثمرتها إن كانت مثمرة وكذا النخلة. وإن اتّفقوا على بيعها بيعت وقسم ثمنها.
وقيل: إن اقتسموا أرضا بها سدرة أو غيرها من الشجر وهي صغيرة يومئذ فوقعت الأرض لواحد والشجرة لآخر، فعظمت واتّسعت أغصانها، قال أبو علي: ليس لها إلاّ قدرها يوم القسم ويقطع عن الأرض ما زاد بعده إن علم ذلك.
وقيل: إن قسم نخل ولم يشترط له أرض وأخذ كلّ منابه ولا طرق، ولا مسقى وأجيلها واحد أو منقطع، فقيل: يأخذ كلّ بقدر ماله الذي لو وقف عليه الحاكم لحكم له به، أو لو قاسمه شريكه ووقع له لم يضق عليه، وقيل: ليس له ذلك إلاّ بمقاسمة، ويثبت للنخل القياس من الأرض، ولو لم يشترط عند القسم.
والطرق والمساقي إن لم تشترط عنده، ولم تقع منهم متاممة على شيء وكان في ذلك ضرّ، فقيل: ينتقض القسم، وقيل: يتمّ وتكون المساقي حيث أدركت، والطرق حيث كانت واختاره خميس ما لم يقع ضرّ على أحد.
أبو الحواري: إن قسم إخوة مالهم فوقع لأحدهم في أرضه أصل كرمة ومجتناها عليهم، ويأكلونها معا إلى أن مات وخلّف يتامى، فإن شرطوا عند القسم قطعها (33) قطعت، وإلاّ فهي للورثة جميعا وعليهم إخراجها من أرض اليتامى، وليس لهم أكل منها ما دامت في أرضهم، لأنَّها في الحكم لأصحاب الأرض، ولا لهم أن يدعوها في أرض اليتامى، إلاّ إن كان في النظر إن تركها في أصلها وعلى مجتناها وقسمها الأوّل صلاح لليتامى فيجوز تركها على ذلك. (3/462)
صفحة 1389
ابن بركة: إن اشتركا (34) رجلان أرضا بها نخل وشجر فاقتسماها فوقع لكلّ منهما شجر في أرض آخر، فإن تراضيا على ذلك جاز لهما؛ وإن أرادا احتكاما عليه حكم على من عنده الشجر لشريكه بقيمته أو بقلعه؛ وإن تقاسما على أن يكون لكلّ شجرة عند شريكه فهو فاسد.
وأمّا النخل العاضدية فإنّها تقسم الأرض بينها بالقياس ولو بين نخلتين أكثر من ستّة عشر ذراعا، ولاحدّ في ذلك. ولكلّ نخلتين ما بينهما من الأرض، إلاّ إن شرط عند القسم لكلّ ما شرطه لها فهو ثابت لها.
وأمّا الضوادي فإن كان بين نخلتين منها أكثر من ذلك رجعت (35) كلّ نخلة إلى ثلاثة أذرع، وإن تفرّق بأرض نخل فقسمت وحدها والنخل وحده وشرطوا بينهم وقائع فطلب طالب منهم سقيها وإخراج صلاح لها فلا يحده (36) إن لم يستثنه عند القسم ولهم أن ينقضوه.
وإن قسم قوم أرضا على أن لا يفسل كلّ على صاحبه فإن جعلوا بينهم حدًّا فهم على ما جعلوه، وإن لم يقع بينهم شرط فمن أراد أن يفسل في منابه من الأرض فليفسح عن أرض جاره ستّة عشر.
وإن اشترطوا عند القسم خشي (37) شيء من النخل وأراد أحدهم النقض به، فإن كانوا بالغين عند اشتراطه راضين به وكان صلاحا لهم فقد ثبت ويخشى ما شرط خشيه لإصلاح مجمع عليه. وإن لم تكن النخل مشروطة معروفة وأرادوا النقض فإن جهل ذلك ولم يتامموه على معروف بينهم خيف نقض القسم إن كان فيه ضرّ. وإن شرطوا (38) خشي معروف من الرأس فهم شركاء فيه. قال خميس: ولا يعجبني خشيه إلاّ برأيهم معا، لأنَّه لهم، وما خرج منه فهو شركة بينهم عندي. وإن شرطوا (38) أنّ كلاّ يخشى نخلة لم يكن عليهم أن يعطي بعضهم بعضا من الخوص ونحوه إلاّ إن شرط من رأس المال؛ وإن اتّفقوا أن يتركوا ما شرطوه للخشي للتمرة جاز إن بلغوا وعقلوا، وإن خشوا ما شرطوا وكان المخشي ممّا يلي بعضهم بعضا، فإن شرطوه وقائع فالأرض مشتركة (39) في الأصل تدخل على سبيل القياس؛ وإن شرطوها له وعليه قطعها قال: (3/463)
صفحة 1390
فلا بيِّن لي إلاّ أنَّها لهم بأرضها وقياسها المراد به الحريم، والله أعلم على ما يثبت منه [35] بين النخل في شركتهم؛ وكذا إن كان النخل وقائع، والبصل إن كان بين شركاء فطلب بعض بيعه جدبا وبعضهم عدمه ويترك (40) رؤوسا، فقيل: يرجع إلى المعتاد في الموضع، وإن اختلف كان على الأغلب إن عرف، وإلاّ فعلى الأوسط المعروف.
وكذا قيل: في فحالة النخل إن كانت بين شركاء فطلب بعضهم قسمه غيظا قبل إدراكه وبعضهم تركه إليه. فعن عزّان: أنَّه إن كان الفحل من فحالة تخرج غيظا فلهم إخراجه غيظا، وإن كان من فحالة النبات فإنّه يترك حتّى يصلح له. وكذا ما كان كالباذنجان، والقثّاء، والموز ونحوها إن طلب بعضهم قسمه قبل أن يصير في حدّ الإدراك فلا يجده إن أبوا منه ولا يلزم من امتنع منه قبله إن تلف ضمانه. (3/464)
صفحة 1391
الباب السادس
في قسمة الماء
فمن خلّف ماء في خبورتين (41) وفي ورثته يتيم واختلفوا في قسمه فطلب بعضهم أن يقسم بالتأليف وبعضهم أخذ نصيبه من كلّ خبورة فقيل: إنّما القسم بالتأليف لئلا يتضرّر أحد. فإن كان إذا قسم به تباعدت النوب وحصل الضرّ على الشركاء لم يجبروا عليه، وإنّما يراعى معنى الصلاح في ذلك.
وقيل: في فلج غير مقسوم وفيه أرض تسقى بالنزف وأخرى بالسيح وأصحاب النزف ينزفون والماء مار وأصحاب السيح يسقون إلى أن يقلّ ماء الفلج. وإذا نزف انقطع عن سقي السيح، واختلفوا في ذلك فقيل: إن كان هذا يتوارثه الآخر عن الأوّل فهو على ما أدرك، فإن كان إذا نقص الماء أو زاد فليس لأصحاب السيح إلاّ فضل أهل النزف فهو كذلك. وقيل: هذا لا يثبت لرجوع المضرّة على أهل السيح وإنّما يرجع هذا الماء إلى نظر العدول في قسمه إذا قلّ الماء أو كثر ولا تعتبر فيه العادة، ولو سبق أنّ أهل النزف ينزفون وغبت أرض أهل السيح لأنّ هذا من الضرر قياسا على الفلج إن كان يسقي أرضا كلّها سيحا الأوّل فالأوّل، ولا يسقي الآخر حتّى يروي الأوّل؛ فقالوا في ذلك: إن كان الفلج يسقي أرضه على عشرة أيّام فمضت ولم يسق إلاّ الأوّل لقلّة الماء (42) أو الأوّل والثاني وبقي الآخرون بلا سقي، فزرع المتقدّمون أراضيهم وغبّت أراضي المتأخّرين، فقيل: هو على ما أدرك لا يزال عنه وهو قول أبي المؤثر. وقال نبهان: يسوّى بين الكلّ على قدر سقيهم عند توسّط الماء وينقص كلّ من زراعته حتّى يعمّهم النقصان.
وقيل: إن كان الفلج غير مقسوم فلا يجد أحد بدع أرض ويسقيها منه إلاّ برأي أربابه. وقيل: في جماعة لهم فلج يدور على يوم وليلة على أرض معلومة ولم يجر في الماء قسم قديم ثمّ اختلفوا بعد ذلك فيه وخافوا الفتنة بينهم فيه على تلك الأرض المعروفة (3/465)
صفحة 1392
لكلّ منهم سقي أرضه من ذلك الفلج، وقد طلب أهله وصلحاؤهم قسمه خوفا من ذلك فخالفهم بعضهم وقد وقع الضرّ على الضعيف وغيره في ذلك. وعرف أهل البلد قديما وحديثا أنَّه يدور على الأرض لا تقديم لأحد منهم على آخر، فقيل: لا يحكم بقسمه إلاّ إن اتّفق أهله جميعا عليه ولا يتيم فيهم ولا غائب، وإلاّ فهو على ما عرف من حاله.
ومن أراد الفتنة أخذ على يده صاغرا راغما ولا يتحوّل الحقّ الثابت بين أهله والأشياء على أصولها المعروفة بها حتّى يصحّ بطلانها بوجه فيرجع حينئذ إلى ما عرف أنَّه حقّ بما لا شبهة فيه.
ابن احمد: من له نصف ماء والنصف بين ثلاثة ثمّ اشترى الأوّل أثر ماء من أحدهم والماء يدور ليلا ونهارا ويتقلّب فإذا دار الذي اشترى منه نصيبا أوّلا اتّصل النصيب بمائه وإذا دار آخرا أو وسطا انقطع عن مائه وطلب اتّصاله بمائه دائما، واحتجّ أحد الشركاء أنّ هذا الأثر في ماء البائع فحيث وقع كان الأثر فيه؛ فقيل: إنَّه يرجع إلى عادة مساقات أهل الفلج فإن اعتاد لهم أنّ كلّ أحد يضم ماءه إلى مائه فهو كذلك، وإن اعتاد أنّ مياههم معقودة ولا يجر أحد ماءه إلى مائه فكذلك، وانظر في هذا.
وقيل: في قوم بينهم فلج أصل أو رم ويعرف كلّ منهم منابه من الماء من دور معروف ثمّ كسر الفلج أو غاب النّاس عنه والتبس عليهم ما يفعلون به، وفيهم الأيتام والغياب والمساجد ومن لا يريد القسم وأراده بعضهم، وأنَّ كلاًّ منهم يأخذ منابه على ما كان ولا صحّة في ذلك إلاّ من قول العمّال ومن لا ثقة له، أو من قول ثقات، فقيل: إن قال فيه الثقات وعرّفوا النّاس مواضع مياههم قبل قولهم وأخذ كلٌّ ماءه؛ وإن لم [36] يتبيّن أصلا وهو راغد اجتمع ثقاتهم وكبار أهل الفلج ويقيمون للغياب وكلاء ويقسمونه ويردّونه على ما كان أوّلا. ولا يجوز لأحد أن يأخذ ماءه إلاّ إن عرف موضعه، كان الماء أصلا أو رما. (3/466)
صفحة 1393
وقيل: إنّ من له ماء في شركة يتيم أو غائب وعدم من يقاسمه، فقيل: إنّ له أن يسقي من الماء بقدر مائه ويدع الباقي. وعن أبي الحواري: فيمن له شركة في مال، أو ماء، أو عبد مع يتيم، أو غائب أنّ له أن يقسمه بنفسه ويأخذ حصّته إن كان يبصر القسم ويعدل فيه. (3/467)
صفحة 1394
الباب السابع
في قسم الآبار
أبو علي. قيل: إنَّها تقسم على قسم الأفلاج كلّ بئر على حدة فمن أراد أن يقايض بحصّته بعد قسمها أحدا من شركائه أو غيره جاز له. وقيل: لا تقسم كلّ بئر وحدها ولكن يحمل بعضها على بعض، وتقسم إن كان لا يحصل لكلّ منهم ما ينقطع له فيه عامل أو لا ينتفع بحصّته أو تبيّن في ذلك ضرر. وقيل: تقسم كلّ على حدة فإن كان لا يصحّ لواحد منهم ما ينقطع له فيه عمّال أجبروا على أن يكون عاملهم واحدا، ويكون على كلّ قدر منابه من الدلاء والحبال والمناجير والأخشاب وما يحتاجون إليه، ويتوّصل كلّ إلى حصّته من معتاده أنَّه يصل إليها وله طريق منها إلى أرضه، فإن كان له إليها طريق من واد أو من ظاهر أو من غيرهما مضى عليها إليها. وقيل: إنّ الشريك إن كان لا ينتفع بما يقع له فإنّهم يجبرون على البيع وقسم الثمن. وقيل: يترك المشترك بحاله وينتفع كلّ بقدر منابه.
وعن أبي سعيد: أنّ من له أرض فيها بئر ومعه فيهما غُيَّاب أو أيتام أو بالغون وأبوا من القسم ولم يصل إلى حصّته منهما بالحكم لعدمه فله أن يزرع قدرها من الأرض ويزجر من البئر؛ وقيل: لا يجد ذلك في الأرض ويجده من البئر، لأنّ الأرض لا تنقسم إلاّ بالنظر؛ وينقسم ماء البئر بالساعات والأيّام.
وإن كانت بين شركاء وجبّها ومصبّها في مال أحدهم، وكذا الطرق والسواقي، فأراد من له مناب في البئر أن يخرجه إلى أرض غير أرضه التي تشرب منها أو ينتفع منها أو يقعد منها شيئا لمن لا شرب له من البئر قبل فمنعه بعض شركائه، فإن عرفت حصّته أنَّها ثلث، أو نصف، أو نحوهما من الأجزاء فله أن يتصرّف في ماله كيف يشاء من بيع، أو إقعاد، أو إخراج إلى غير أرضه إلاّ إن منعه من في أرضه البئر أو الجبّ أو الطرق أو السواقي فله منعه لتولُّد الضرّ عليه. (3/468)
صفحة 1395
وكذا إن كان على بئر منجور أنَّ كلّ منجور لناس وهي ومصبّها وجبّها في أرض أحد فأراد أحد من أصحاب المنجورين أن يزجر أرضا غير أرضه أو يمنح أو يقعد أو يبيع لمن يخرج ماء البئر لغير أرض تزجر منها فلا منع إلاّ لمن له البئر أو الجبّ أو المصبّ أو نحو ذلك ممّا مرّ أو جميعه أو بعضه في أرضه أو لخوف من أهل البئر نقصان مائها من زيادة الزجر فلهم منعه من ذلك.
ابن أحمد: إن كانت بين قوم أرض على الزجر وهي مقسومة والبئر بينهم وهي في سهم أحدهم وقد انهدمت واتّسعت في ماله وطلب من شركائه أن يجيروها ويغرم كلّ من لزمه فأبوا ولحقه الضرّ فإن اتّسعت في أرضه بعد القسم وأخذت منها شيئا فعليهم إصلاحها على قدر الحصص. وإن قسموها وهي متّسعة فهي بحالها إلاّ إن تبيّن لهم الضرّ معا ولا يقدرون على الزجر منها إلاّ بإصلاحها اختير إجبارهم عليه. وإن أراد ربّ الأرض أن يتعاونوا على حفر بئر أخرى فيها ويعطّلوا الأولى فلا إجبار عليهم إلاّ إن اتّفقوا على ذلك.
ابن محبوب: إنّ البئر إذا لم يقع لكلّ من الشركاء منها ما ينقطع له فيها عمّال فلا تقسم، وتقسم أرض كانت على غير الزجر. أبو سعيد: إن كان يقع لكلّ في منابه منها ما ينتفع به مثل فسل نخلة أو شجرة أو غير ذلك لا إن كان دون ذلك ممّا جرى به العرف إن مثله لا ينقسم فلا يجبرون على قسمه. وقيل: إن كانت الأرض ممّا يزجر ولا يقع لأحد من منابه ما يعمل فيه عامل أجبروا على كون عاملهم واحدا ولو أراد بعضهم أن يعمل لنفسه لا لشريكه لم يجد إلاّ كون عاملهم واحدا.
أبو الحواري: إن كان في الأطوى المشتركة أيتام جاز أن تقسم بالقيمة وحمل بعضها على بعض ويلي ذلك الثقات العارفون. (3/469)
صفحة 1396
الباب الثامن
في قسم المنازل
أبو سعيد: من ترك ذكورا وإناثا ومنازل عامرة وخرابا فتراضوا أن يأخذ كلّ عامرا وخرابا فقسموا على ذلك وعمّروا وسكنوا ثمّ إنّ بعضهم طلب الفسخ لضرّ لحقه أو لاختلاف بينهم وأبى عليه شركاؤه. فإن كانوا بلغا عقلاء عارفين بما تراضوا عليه لزمهم ذلك ولا نقض له إلاّ بموجب للحقّ إن غاب ذكره.
[35] وقيل: إنّ البيوت المعمورة تقسم بالقيمة والخراب بالدراع. وإن قسموا دارا وفيها مورد ولم يشترطوا أنَّه لمن وقع في حصّته والكلّ يحتاج إليه فسد القسم إن طلبه أحدهم ويخرجون للمورد طريقا من جملة الأرض كلّ بقدره من حصّته ويستر كلّ على نفسه ممّا والاه منه ولا يلزمهم أن يجعلوا بابا على باب الدّار التي تجمعهم إلاّ إن اتّفقوا عليه.
وإن كان بين رجلين منزلان فقال أحدهما: آخذ حصّتي من كلّ منهما والآخر ألف لك وتالف لي فأبى منه فإن كان يصحّ لأقلِّهما من كلّ بيت سكن ينتفع به بلا ضرر عليه فيه فلا يجبران على التأليف، وإلاّ أجبرا عليه أو البيع. وكذا إن كانوا أكثر فإنّه ينظر إلى أقلّهم سهما كذلك فإن لم يصح له ذلك أجبروا على البيع ممّن طلبه منهم.
وقيل: إن كانت المنازل في قرية واحدة قسمت بالحمل ــ كما مرَّـ؛ كمال يسقى من فلج واحد. وقيل: تقوَّم بالدّراهم ويطرح عليها الأسهم وكلّ من وقعت قرعته على موضع أخذه وتراددوا في فضل القيمة.
وصفة السكن المنتفع به إذا صحّ للأقلّ من المنزل سبعة أجداع عمارا وقدر سبعة خرابا، فذلك سكن يصلح للضّعيف وينتفع به القانع. وقيل: إنّ حدّ ما لا ينقسم (3/470)
صفحة 1397
ويحكم (43) ببيعه هو ما لا يختفي فيه السرّ لأحد من الشريكين عن صاحبه من الضيق فما كان هكذا يحكم ببيعه أو سكنه بمدّة وبتركه ويستغلّ إن كانت له غلّة لا بقسمه.
أبو سعيد: من له حصّة في منزل فسكنه فعليه الكراء بشركائه على ما قدر ما لكلّ منه. وقيل: إن كان واسعا وسكن منه ما لو قسم لكان له قدره منه واعتقد في سكنه أنَّه سكن في منابه لم يلزمه كراء لهم ولا أن يترك المنزل إلى شريكه ليسكنه إذا لم يحل بينه وبين شركائه، ولا بان من سكنه فيه (44) ضرّ؛ وجاز لشريك اليتيم فيه أن يسكن معه فيه بلا كراء إن كان يسكن قدر منابه لا أكثر منه. وإن كان لبالغ حصّة فيه قليلة لا يقع له بها سكن حسب البيت بقعادة على قدر ماله في المنزل بالحصص.
وإن خرب منزل وبقي أرضا لا عمارة فإنّه يقسم كالأرض ويحمل عليها. وإن بقيت فيه عمارة وإن قلّت فإنّه يحمل على المنازل في القسم. وإن قال بعضهم: ندعه خرابا ونقسّمه أرضا؛ وبعضهم: نعمّره ونسكنه أو نقعده. فطالب العمارة أولى عندنا إن لم يتّفقوا على أمر.
وإن كان منزل بين أربعة فاشترى أحدهم مناب اثنين منه فطلب أن تكون أسهمه متألفة وذوا السّهم أن يقسم على أربعة فإنّه يقسّم عليها ويعدلها العدول وتطرح قرعة ذي السهم وقرعة ذي الثلاثة فيأخذها متوالية، وذوا السّهم ما وقعت عليه (45) قرعته.
وإن كانت في منزل شجرة ولم يشترط عند قسمه (46) قطعها ولا تركها فهي بينهم على أصل شركتهم، ولمن وقعت في منابه قطع ما زاد من أغصانها وما أضرّه من خشبها.
وإن كان بين ثلاثة منزل ومجرى مائه وميزابه واحد فقسموه فوقعا لأحدهم فأراد هدم حصّته فإن كان يتولّد الضرّ عليهم بهدمها (47) أعادوا القسم وشرطوا عنده ثانية صالحا بهم وإلاّ فلا يحال بينهم وبين هدمه (48). (3/471)
صفحة 1398
الباب التاسع
في قسمة العروض والحيوان
فإذا لم يكن في الشركاء يتيم فإنّه يقوَّم كلّ متاع وإناء ويقسَّم بالقيمة إن اتّفقوا على ذلك، وإلاّ فلا يحكم عليهم به. وقيل: إذا لم يصطلحوا على شيء باعوه في البلد فيأخذه من أراده وإن من غيرهم وكلّ منهم حصّته.
أبو المؤثر: إن اختلفوا في قسم ذلك أو كان فيهم غائب أو يتيم بيع وقسم ثمنه، والعبد يستخدم ــ كما مرَّـ. وفي الإجبار على بيعه قولان إن طلبه أحدهم. وتباع الدواب إن طلب بيعها ولو كانوا في قرية معا.
وتباع السفن ــ قيل ــ ويقسم ثمنها، وقيل: تؤاجر وتقسم غلّتها.
ويجبرون على بيع ما كان كالقصعة، وقيل: يباع كلّ مالا يقسم بكيل أو وزن من المتاع؛ وإن كان يعدل بالقيمة في نظر العدول قسم بها كما حكي عن ابن علي: أنَّه قسم بها كتبا بين قوم، وقيل: كان فيهم يتامى.
أبو سعيد: في مشتركين دابة قوّمها أحدهما قيمة وقوّمها الآخر بأكثر، واختلفا، قال: اختُلف في ذلك، فقيل: يأخذها الزائد بالزيادة، وقيل: إذا بيعت فيمن يزيد فلا يأخذهما أحدهما؛ وإن زاد فيمن يزيد وعلم الزائدون عليها أنَّه شريك فيها و_أنَّه يريد الشراء فله أخذها؛ وإن لم يعلموا ذلك لم يجز له، لأنَّه يزيد على ماله.
ولا يجوز القسم في العبيد، والدواب، والآنية، والأمتعة، والأسلحة إلاّ حاضرة كالبيع. (3/472)
صفحة 1399
الباب العاشر
في قسم المال
فإن كان على ميِّت حقوق ووصايا لم يجز قسم ماله [38] بعد صحّة ما عليه حتّى يؤدي منه لأنَّه أولى من الوارث وإن وقف منه بقدر ما عليه فقد أجاز بعض قسم الباقي إن لم يصح ما يمنعه في الحكم.
أبو علي: من عليه ضمانات لا يعرف أهلها فإنّه يفرّقها ويوصي بها إن جاؤوا. وإن رغب الورثة في قسم المال فعليهم أن يوقفوا قدر ما عليه؛ فإن أوصى به وفي (49) ماله لزمهم ذلك أيضا. وإن جعل وصيّته في معين فليس لهم أن يقسموه إلاّ إن فدوه بالثمن؛ وإن قالوا للوصي: تقسم المال ومتى أردت إخراج الوصية أعطيناك، لم يجدوه، ولا لهم أن يستغلّوه ما لم تنفّد، إلاّ إن قال الموصي: هذا المال في هذه الوصيّة أوهي فيه فلهم أن يثمروه ويأكلوه وغلّته. وإن قال: جعلت هذا المال لهذه الوصيّة أو الحجّة أو غيرها فليس لهم أن يثمروه، فإنّه وما أثمر للوصيّة؛ وإن قال: إنَّه لهذه الوصيّة أو هي فيه فلهم أن يثمروه ما لم يبعه الوصيّ أو يخرج الوصيّة؛ وإن كانت في معين فلم تخرج فليس لها غيره، وللورثة من المدّة في فداء مالهم إذا أراد الوصيّ بيعه ثلاثة أيام كالشفيع.
ابن قريش: من نهب أموالا وقتل رجالا وخلّف مالاً لا يفي (50) بما جنى ولم يوص به أحدًا من ورثته فليس لهم أن يتملّكوا شيئا منه إلاّ بعد بلوغ أهل الحقوق إليها، ولكن يدفعونه إليهم؛ وإن ترك أحد من الغرماء ماله للوارث (51) فقد أجازه له موسى بن أحمد؛ وإن تركه للهالك رجع إلى الغرماء؛ وإن كان المال ينقص عن الحقوق فالغرماء أسوة فيه؛ وإن غاب بعضهم بيع من المال بقدر حصّة من حضر ويوقف الباقي حتّى يقدروا على أدائه؛ ومن صار إليه بعض ثمار المال بعلم أو جهل ببيع أو هبة ضمنه ولا يحلّ له تملّكه؛ ومن لزمته تباعة من هذا المال فقيل: تسلم في (3/473)
صفحة 1400
الدين، وقيل: لا يدفعها فيه إلاّ إن كان وصيا أو وارثا؛ ولا ضمان على من أخذ من زكاته.
وإن حضر الهالكَ في مرضه (52) رجل ظالم أنّ عليه تلك الحقوق ولم يذكره بالخروج منها لمعرفته أنَّه عالم بها فلا يأثم بتركه تذكيره، وكذا إن كان لا يعلم أنّ الورثة عالمون بها لا يلزمهم أن يعرّفهم بها لأنَّه ليس عليهم حجّة ولكن إن طلب أهلها إليه ذلك لزمه أن يشهد لهم بها إن احتاجوا إليه ويعلمهم بما علم. وإن علم الورثة بما جنى موروثوهم ولم يوص (53) به وجهلوا لزومه في ماله فعليه أن يعلمهم؛ وإن كانوا يتامى وبلغا أو غيابا وحضرا فأعلم بعضهم فقط، فإن أراد الخلاص من علم ذلك ترك ميراثه بيد (54) شركائه، ولا يتعرّض لشيء منها إن خاف أن يضيق عليه الخروج منه؛ وإن تركه وطالبه من لم يعلم منهم بالحقوق بالقسمة لتصحَّ لهم حصصهم، فإن لم يصح الدين مع جميعهم ولم تقم عليهم الحجّة فإنّ الحاكم يجبره على مقاسمتهم، فإذا صار إليه منابه أنفده في دين الهالك حيث ما بلغ على جميع الغرماء إن استغرق الدين ماله. (3/474)
صفحة 1401
الباب الحادي عشر
في قسم المال إذا كان في موضع لا يعرف لمن هو ولا أين هو منه
فمن له أرض ولرجل فيها حفرة نخلة أو نحو ذلك ولم يعرف محلّها منها، فهل له أن يخرج من أرضه ما للرّجل فيها حيث شاء منها ويحتاط لنفسه ويجد ذلك ويتركه وقد تخلّص منه؟ فقيل: لا يكون ذلك خروجا وتخلّصا إلاّ إن تراضيا على شيء أو يخرج إليه من أرضه كلّها لأنَّه لا يعرف البقعة التي ليست له منها ولا هي جزء معروف منها فيخرجه ولا هي موضع معيّن. وأمّا موضع النخلة إن أراد أن يخرجه ولم يعرف حدّه ولا مبلغ درعه (55) فإنّه يخرج ثلاثة أدرع (55) غير موضعها. وإن طلب إليه أن يخرج موضع الحفرة أو الأرض فأخرج له ذلك، وقال: هذا هو، قُبِل قوله مع يمينه، إلاّ إن أتى ربّ ذلك ببيان أنّ ماله في غير ذلك الموضع. وإن قال صاحب الأرض: أنَّه لا يعرفه في أيّ موضع، وكان في أصحاب ذلك غائب أو يتيم، فلا يقرب أرضه حتّى يُخرج القوم مالهم فيها حيث شاؤوا ولا يعذر (56) بجهالته أو يتركوها جميعا إلى قدومه أو بلوغه ويتّفقوا على معروف، أو يخرج هو ذلك ويقول: هذا موضعه، مع يمينه ــ كما مرّـ.
أبو زكرياء: من قال لولده: إنّ في موضع من ماله قلة نخلة لفلان ولم يحدّ له الموضع فمات ولم يعرفه ولده ولا لمن تلك القلّة، فإنّه يخرج من حيث شاء من أرضه من ذلك الموضع قلّة وثلاثة أذرع ما دار بها ولا يلزمه أكثر من ذلك.
وقيل: في نخلة بين رجل وامرأة ثمّ خرجت من عمان، وكره الرجل أن يتعرّض لتمرة النخلة فباع لرجل حصّته منها وأعلمه أنّ لفلانة فيها حصّة، فإن كان غير ثقة فلا نحب للبائع ذلك، لإدخاله الضرّ عليها إذا باع لغير مؤتمن. (3/475)
صفحة 1402
وقيل: يجوز للشريك أن يأخذ قدر حصّته من تمرة النخلة ويترك الباقي عليها وينسب إلى أبي المؤثر.
[39] وحكي أنّ رجلا جاء إلى ابن علي فسأله أن يعطيه حصّته من سدرة فقال له: إنّ لنا فيها شركاء وأبى من إعطائه ولعلّه اتّهمه بخيانة وكره أن يدخل الضرّ عليهم. (3/476)
صفحة 1403
الباب الثاني عشر
في قسم ما عمر
فمن له سهم في أرض ففسل فيها صرما بلا إذن شركائه فهو مخيّر إن شاء قلعه وغرم نقص الأرض، وإن شاء أعطى له شركاؤه قيمة صرمه يوم أراد ذلك لزوما عليهم وإن كرهوا، وقيل: لا يلزم شريكا لشريكه الفاسل قيمة ما وقع في سهمه من الفسيل، لأنَّه لم يأمره بذلك وهو كالمتبرّع به.
وقيل: في شريكين في عمران وخراب فقسم المعمور وما يليه من الخراب فوقع لكلّ سهمه من ذلك، فعمر أحدهما حصّته ثمّ فسخ القسم بموجب فسخه، فقيل: يردّ على شريكه قيمة حصّته من الأرض غير معمورة ويكون العمران لهذا العامر، وقيل: يقترعان، فإن وقعت للعامر قرعته في عمارته فقد أخذ ماله، وإن وقعت فيها قرعة الآخر فعليه أن يردّ للعامر فضل ما بين القيمتين لا قيمة عمارته ولا عناءه، وكذا في البناء.
وقيل إذا قسم الشركاء أرضا عامرة والخراب متّصل بها أخذ كلّ منهم منه ما يلي أرضه. (3/477)
صفحة 1404
الباب الثالث عشر
في قسمة لم يشترط عندها طريق ولا مسقى
فإذا قسم الشركاء أرضا أو جنانا ولم يشترطوا لها ذلك، فقيل: إنَّها تسقى من حيث تشرب قبل، ويسقي كلّ حصّته بلا إضرار على أحد منهم، وقيل: إن كانوا يصلون إلى أرضهم من واد أو ظاهر أو طريق فذاك، وإلاّ فلكلّ طريق إلى حصّته لكلّ ما يحتاج إليه وجواز لما به، فإن حصل لكلّ ذلك وإلاّ فسد القسم ويعاد بعدل حتّى يحصل لكلّ ذلك بلا ضرر، وقيل: إذا لم يصح عنده شرط في السواقي والطرق والمورد ثبت ذلك من حيث كان قبل على ما كان عليه؛ فإن بان على واحد منهم ضرٌّ (57) أعيد القسم وكذا البيع، إلاّ إن كان للمقسوم طريق من الجائز بلا مضرّة على أحد من الشركاء. (3/478)
صفحة 1405
الباب الرابع عشر
في قسمة كان في أهلها يتيم أو غائب
فإذا كان ذلك في ورثة، فإنّ وصيّ اليتيم ووكيل الغائب يقومان مقامهما فيها وفي قبض منابهما، وللورثة مقاسمتهما ودفع حصصهما إليهما؛ وإن لم يكن للغائب من قبله وكيل ولا لليتيم من أبيه وصيّ أقام الحاكم لهما وكلاء ممّن يثق بهم، فإن عدم فالجماعة أو العشيرة؛ فإن عدم الكلّ وكان الشريك الحاضر يبصر القسمة ويعدل فيها على ما يوجبه الحاكم العدل أقام بنفسه مقام الحاكم والجماعة؛ وهذا أرخص ما قيل في المسألة. وإن لم يكن كذلك ووجد من الثقات من هو كذلك فنرجو أن يضيّق عليه عند عدم الحاكم.
وإن اتّفق حضور الشركاء في القسمة، أو بعضهم مع الجماعة المتولين فيها حضروا، وإن لم يتّفق الحضور وإن لبعضهم ثبت القسم لمن يتولاّه من الأمناء إذا سألوهم ذلك، وأمروهم به وأقاموه على موجب العدل وأهله، وأقلّ ما قيل بجواز القسم به والدخول للقاسم إذا كان فيهم ثقة يبصره.
وإن قسم البالغون وميّزوا سهام الأيتام ثمّ أرادوا النقص قبل بلوغ الأيتام ولم يحضر في قسمهم وصيّهم، ولا وكيلهم، من قبل الحاكم أو الجماعة أو نحوها، فإنّ أهل العدل ينظرون فيه، فإن رأوا ضرّا على الأيتام أجبِر البالغون بإعادته (58) إن كرهوا، وسوعدوا عليه إن أرادوه، كما هو المفروض. وإن رأوا لهم صلاحا في الأوّل فلا يتركوا البالغين إلى نقضه حتّى يبلغوا، فإذا بلغوا وأرادوا نقضه انتقض، وإن أتموه تمّ.
وإن لم يقف العدول على ذلك القسم ولا عرفوه ولا رأوا ضرّا على الأيتام، ولا رفع ذلك إليهم، لم يلزمهم البحث عليهم ولا الكشف عمّا غاب عنهم، إلاّ إن تبيّن عندهم الضرّ عليهم؛ وإن التمسوا ذلك احتسابا للأيتام ورجاء للقيام بالعدل، جاز لهم ذلك، ولهم جزيل الثواب فيه. والقُوّام بالعدل في ذلك مخيّرون، فإن شاؤوا سألوا عنه (3/479)
صفحة 1406
بنيّة القيام به رجاء ما عند الله، وإن شاؤوا تركوا البحث حتّى يصحّ عندهم الضرر على الأيتام.
وقيل: كلّ أهل طرف من الأرض مؤتمنون على دينهم وهم [40] على أربعة أصناف: مدّع، ومدّعى عليه، وشهود، وحكّام.
فعلى الحكّام أن يقوموا بالعدل في جميع ما عرفوه منه، وعلى الشهود أن يرفعوا ما انتهى إليهم علمه ويؤدّوه بالعدل على وجهه. وعلى المدّعي والمدّعى عليه الإذعان بالسّمع والطاعة لحاكم المسلمين.
وإن عدم شريك اليتيم، والغائبُ الحاكمَ، والجماعةَ والثقةَ، وقيامَ الحجّة، فقيل: إنَّه يصير كالمنتصر لنفسه عند عدم النّاصر له من الحكّام، وله ــ قيل ــ أن يكون حاكما لنفسه على خصيمه بمنزلة ما يحكم له به الحاكم في جميع ما للحاكم أن يحكم له به إن لو حضر خصيمه وشريكه في كلّ وجه؛ وقيل: ليس له ذلك.
واختلف فيما يمكن قسمه بكيل أو وزن، فقيل: إنّ له أن يأخذ حصّته بذلك ويدع حصّة شريكه بحالها ولا ضمان عليه فيما ترك، ولا فيما قبض، وقيل: يأخذ قدر حصّته وحصّة شريكه أمانة في يده، فإذا قدر على الخلاص منها إليه تخلّص، وإلاّ أوصى بها على وجه الأمانة، ولا ضمان عليه فيها؛ وقيل: لا يجوز له هذا، وما أخذه من مشترك فهو ضامن لحصّة شريكه منه حتّى يؤدّيه إليه.
فصل
لا يسع الثقات المبصرين ــ عدل القسم القادرين عليه، ولا يتّقون فيه تقيّة، ولا يخافون تولّد فتنة عليهم كما مرّ ــ تركُ ما قدروا عليه من العدل؛ فإن تركوه لزمتهم التوبة لا الضمان. وعلى الشركاء أن يحفظوا أماناتهم حتّى يقدروا على من يقيم لهم ذلك. (3/480)
صفحة 1407
وإن كان في مشترك يتيم أو غائب اختير أن لا يتعرّض أحد لشيء منه حتّى يصحّ عنده انّه قسمه عدول يبصرون القسم ــ على ما مرَّـ. وقيل: إن كان لوصيّ اليتيم حصّة في مشترك وهو فيه أيضا وأراد أهله قسمه أقام الوصيّ لنفسه وكيلا وتولّى هو على اليتيم، لأنَّه لا يجوز له أن يقاسم نفسه؛ وقيل: يقيم له وكيلا ويقاسم هو لنفسه، وقيل: لا تصحّ القسمة في هذا وهما مشتركان في سهميهما.
واختلف في الوكيل الذي يقيمه الحاكم أو الجماعة، فقيل: هو العدل الولي، وقيل: الثقة وإن لم يكن وليا.
وليس لوكيل أو وصي أن يقاسم مال يتيم أو غائب إلاّ بحضرة العدول المبصرين للقسم.
واختلف في قسم مال الأيتام بالخيار، فقيل: لا يثبت في الحكم ويكون المال بحاله ويصلح من الغلّة ويقسم ما بقي منها، وقيل: يجوز إن كان أصلح لهم في النظر وهم مخيّرون عند البلوغ؛ فإن رضي اليتيم بما صار إليه فهو له، وإلاّ كان له [نقضه] (59).
وقيل: لا يجوز القسم ولا يثبت إلاّ بطرح القرعة وهذا أحوط في الحكم.
وجاز للبالغ أن يغيّر بالغبن إذا صحّ، وقيل: لا يجده إلاّ إذا رضي بسهمه واستغلّه.
واختلف في الغبن وقيل: العشر، وقيل: الخمس، وقيل: ما لا يتغابن النّاس في مثله وقيل: في قسم المال إذا كانت فيه شركة ليتيم فقسم بنو عمّه ولا وصي له ولا وكيل، فلّما بلغ رضي بمنابه وباع منه ثمّ طلب نقض القسم فلا يجده، لأنَّه ثبت عليه إذا بلغ وقبض وباع ولم يغيّر ولم يحتج، وإن كان البيع على بعض وجوه له فيها الحجّة فلم يقبض ولم يرض فله حجّته في نقض القسم.
واختلف في وصيّه أو وكيله فقيل: يكون حجّة في قسم ما شورك فيه إن كان ثقة مطلقا، وقيل: لا يكون حجّة فيه ولا يجوز قسمه إلاّ إن حضره العدول ولو (60) كان ثقة، وإن كان فاسقا فالأكثر أنَّه لا يكون حجّة فيه ولو حضروا، وقيل: إنّ (3/481)
صفحة 1408
القسم يجوز بمحضر الوصيّ ولو كان فاسقا إن حضره العدول لأنَّهم الحجّة، ولا تقوم بالفاسق.
وقيل: إنّ الأعجم، والمجنون، كاليتيم والغائب في هذا، إلاّ أنّ الأعجم قيل: إن كان يفهم الإشارة وتفهم عنه يثبت عليه مثل القسم والبيع والشراء إذا عرفه وعرف منه. (3/482)
صفحة 1409
الباب الخامس عشر
في الشركاء إن كان فيهم صبيّ أو حمل
والمعروف أنّ الصبي والغائب والمعتوه والأعجم لا يجوز قسم أموالهم ولا يثبت إلاّ بنظر العدول وحضور وكلائهم، وقيل: إذا وقع على غير هذا ورضي البالغون بأسهمهم فلا نقض لهم بعد، حتّى يبلغ الصبي فيتم القسم أو ينقضه، لأنَّهم أثبتوه على أنفسهم ولم تقع فيه حجّة تثبت عليه فيوقف إلى بلوغه ــ كما مرّـ؛ وقيل: يقف العدول على القسم فإن رأوه أصلح لما ثبَّتوه عليه لأنَّه لو قسم مرارا لم يكن له أكثر من سهمه؛ وإن رأوا أنَّه يقع له أفضل منه أعادوه؛ وقيل: هو منتقض، وجاز لكلّ نقضه ما لم يبلغ الصبي فيتمّه؛ فإن بلغ وأتمّه وقد رضيه البالغون فلا يجد نقضه أحدهم.
وإن كان للصبي أب فله أن يقاسم [41] له شركاءه بالعدول وليس له ولا لوكيله ولا لوكيل الغائب أن يقاسمهم بغيرهم ولا بالخيار. وإن صالح الوالد في مال صغيره ثبت عليه صلحه لا على البالغ إن لم يرض بقسم أبيه أو صلحه.
وإن كان في الورثة حمل اِنتظروا بقسم المال وضْعَه فإن وضع لأقلّ من ستّة أشهر من يوم مات أبوهم دخل معهم في الميراث؛ وإن وضع لستّة أو أكثر من ذلك اليوم (61) ففي دخوله فيها معهم خلاف، وقيل: يلحق إلى تسعة أشهر، وقيل إلى سنتين منذ مات الزوج أو طلّق.
وإن كانت أمّه في حجر الزوج اختير أن لا يرث إذا وضعته لستّة أشهر أو أكثر لأنَّه إذا كان معها زوج أمكن أن تكون حملته منه بعد الأوّل كذا قيل، وفيه تأمّل؛ وكذا في ورثة الحمل. (3/483)
صفحة 1410
وإن توفي رجل وترك زوجة وبنتا وعصبة فادّعت الزوجة أنَّها حامل، فلا يوقف المال بدعواها إلاّ إن صدّقها الورثة، أو صحّ الحمل بالثقات من النساء، أن فيها علاماته فيوقف حينئذ. وكذا في وجوب النفقة على المطلّق. ويلحق الحمل بأبيه إلى سنتين؛ وإن جاءت به لأكثر منهما فالأكثر منّا على عدم لحوقه به. قال خميس: ولعلّ قومنا اختلفوا فيه وزعم بعضهم أنَّه يلحق إلى أربع ولعلّهم شاهدوا أنَّه يقيم تارة كذلك (63). (3/484)
صفحة 1411
الباب السادس عشر
في قسم الرجل ماله بين ورثته (63) في حياته
وقد اختلف (64) فيه فقيل لا يثبت إذا نقضوه أو بعضهم بعد موته ولو قسمه في صحّته، وقيل: يجوز ويثبت إذا عدل فيه بينهم على ما فرض الله.
وإن بان فيه غبن على واحد منهم فإن كان في صحّته وقد بلغوا وأحرز كلّ منابه في حياته فلا ينقض بالغبن عند مثبت القسم فيها. وإن كان في مرضه فلهم نقضه به. وإن أعطى بعضهم في صحّته عطيّة وأحرزها (65) ثمّ أعطى باقيهم في مرضه ما يماثلها، فالأوّل مخيّر إن شاء خلط ما أعطي إلى ما أعطوا وقسموه بالعدل، وإن شاء تمسّك بما أعطي وأتمّ لهم ما أعطوه. وإنّما يجوز ذلك على الأولاد وأخواتهم لا على غيرهم من الورثة ما أعطي الأولاد دونهم.
وإن كان أولاده صغارا لم يثبت قسمه عليهم لأنَّه كالعطيّة وهي لا تثبت للصّغير من والده إلاّ إن استخلف له من يحرز عليه وكذا في القسم، وقيل: إنَّه ثابت في صحّته على صغاره وكباره إذا سوّى بينهم ولا نقض له بعد موته، وهذا إن بان كلٌّ (66) بمنابه في حياته.
وإن كان المال في يده إلى أن مات فقسمه ليس بشيء إلاّ إن أتمّوه بعده.
وإن قسم بينهم وأحرز كلّ منابه ومات بعضهم وورثته رجع ما ورثه منه ميراثا له، ولا حجّة لسائر أولاده فيه. وإن حاف في قسمه بينهم اختير عدم ثبوته ولو في صحّته إلاّ إن قبلوه بعد موته وأتمّوه. (3/485)
صفحة 1412
الباب السابع عشر
الوكالة في القسم
فليس لوكيل القاضي، أو الجماعة أن يخاير فيه ولا يثبت، قيل: قسمه على غائب أو يتيم إلاَّ باقتراع (67)، وإن كان من قبل ربّ المال وجعل له أن يخاير أو يقترع أو يصالح جاز له ما فعل من ذلك. فإن جعل له أن يخاير فلا يصالح كعكسه لأنَّه لا يثبت من فعله على الموكل إلاّ ما جعل له من الأمر.
ومن وكّل في قسم فلا يقاسم إلاّ بقرعة. ومن وكّل وكيلا في قسم ما شورك فيه في بلد آخر فينبغي له أن يحدّ له ما وكّله فيه ويشهد أنَّه وكّله على ذلك.
وإن أمر مريض من يقاسم ماله جازت مقاسمته إن كان عدلا.
وقيل: فيمن بينه وبين رجل أرض فاحتضر أحدهما فطلب إليه شريكه إقامة وكيل يقاسمه ولم يجد من يتوكّل له في بنيه فوكّل أحدا في مقاسمتها وحدها 0، فإن مضت القسمة في حياة الموكل جازت، وإلاّ انفسخت الوكالة إلاّ إن قال جعلته وكيلي (68) في حياتي وبعد موتي، أو وكيلي فيها ووصيّي بعدي في مقاسمة شريكي في الأرض، فحينئذ تثبت الوكالة في الحياة وبعدها على صغاره لا على الكبار.
ومن مات وخلّف ورثة فيهم يتامى فينبغي له أن يوكّل لكلّ وكيلا وجاز واحد (69) لهم، وليس للوكيل أن يوكّل غيره فيما وكّل فيه إلاَّ بإذن موكِّله فيه (70).
ولا تجوز الشهادة على رجل أو امرأة في قسم ولا في غيره إلاّ بعد معرفة من شهد عليه يقينا. فإذا علمت أنّ في المال حصّة للغائب فلا تدخل [42] فيه حتّى تصحّ عندك وكالة وكيله ولا تجري عليه السهام ولا يقبل قول الشركاء على الوكالة لبعضهم بعضا حتّى يشهد بها غيرهم. (3/486)
صفحة 1413
الباب الثامن عشر
في امتناع بعض الشركاء من القسمة
وعلى الحاكم أن يحكم عليهم بقسم أموالهم إذا طلبوه إليه وليس عليه أن يتولاّه هو بينهم، وجاز له حبس ممتنع منه بعد أن طلب إليه حتّى يفعله، فإن لم يكن قائم بالحق يحبسه على ذلك فلشريكه أن يزرع ما بينهما من الأرض، ثمّ يقسم الزرع ويسلّم إلى شريكه منابه منه بعد إخراج المؤونة؛ وإن كان بينهما عبد استعمله بقدر منابه وسكن المنزل بقدره؛ وإن شاركه في حبّ قد حصد دعاه إلى أخذ منابه منه، وإن أبى وأمكنه الوصول إلى من ينصفه منه ولا يخاف فوتا على ماله احتجّ عليه عنده؛ وإن لم يمكنه ذلك احتجّ عليه عند الثقات؛ فإن لم يمكّنه أحد منه اِحتجّ عليه فيما بينهما فإن أنصفه، وإلاّ حدّ له حدّا وأجلاً يمكنه الحضور إلى موضعه؛ فإن حضر إليه وإلاّ قسم لنفسه وأخذ منابه، ولا تباعة عليه في الباقي ولو كان في فلاة.
أبو الحواري: من شاركه غائب في مال، فإن كان يعرف موضعه احتجّ عليه فيه حتّى يحضر قسمه أو غلّته أو يوكّل، وإلاّ فقيل له أن يأخذ منابه من تمرته ويدع مناب الغائب على النخل إن كان تمرا كما مرّ. وإن كان زرعا رفعه وكان عنده أمانة، فإذا قدم يوما سلّمه إليه؛ وإن تلف بلا تضييع لم يضمنه. أبو المؤثر: يأخذ هذا الشريك منابه ويدع مناب الغائب في الخبور ولا يجوز قسم الأصل إلاّ بوكيل وإن من حاكم أو جماعة فإن لم يقدر على إقامة الوكيل فعل ــ كما مرّـ.
ومن مات ولم يخلّف وارثا وترك مالا له فيه شريك واحتاج إلى منابه منه ورغب في قسمه أو غلّته وقد أدركت ولم (71) يجد إلى قسمه سبيلا، فإن كان في البلد حاكم أو جماعة أقام لوارثه وكيلا يقاسمه فيها، ويكون منابه بيد الوكيل حتّى يصحّ له وارث فيدفعه إليه أو يتحوّل إلى حكم الفقراء. (3/487)
صفحة 1414
ولا يلزم قسم الأصل ولو قدر عليه بذلك ما لم يصحّ الحكم فيه باستحقاق الوارث أو الفقراء. وإن قسمه برأي الحاكم أو الجماعة بنظر العدول وحضور الوكيل ثبت ولا نقض في ذلك لأحد إذا ثبت الحكم، إلاّ إن صحّ في القسم موجبه، فإذا عدم ذلك فقد مرّ ما فيه من الخلاف.
وإن كان هذا المال نخلا وأطنى حصّته على ثقة يأمنه على حصص شركائه ولا يخونه ويقوم فيها بالعدل جاز ذلك له، وللمطنى له وعليه ما على ربّ المال من الخلاف.
ونحب للشريك أن لا يضيّع حصص شركائه ويقبضها أمانة بيده ويقوم عليها بالعدل ولا يضمنها إن لم يفرّط فيها.
وقيل: فيمن بينه وبين غائب ورق عظلم أو ثمرة ليمون أو تفاح، أو خوخ أو نحو ذلك، أنّ ذلك الورق لا يقسم بكيل وأنَّه يحتسب للغائب ببيع الورق جملة أو مناب الغائب ويقاسم المشتري، وكذا في الثمرة المذكورة؛ وقيل: يقسمها ويأخذ منابه، وقيل: يبيع الكلّ ويقسم الثمن ويحفظ مناب الغائب.
أبو سعيد: من عدم المقاسمة من شريكه بما مرّ فقيل: يأخذ منابه من الثمرة ويدع الباقي وقيل: يحصدها ويأخذ منابه ويسلّم إلى شريكه منابه، فإن حضر فله أن يحتجّ عليه برجل، وإن غاب لم يجز أن يحتجّ عليه له إلاّ رجلان، وقيل: يجزي واحد في الحجّة للحاكم خاصّة. (3/488)
صفحة 1415
الباب التاسع عشر
في قسم ما عمّره (72) أحد الشركاء
فمن له سهم بأرض ففسل فيها صرما فهو مخيّر في قلعه وردّ النقص، وفي ضمانهم له قيمة نخله يوم أراد ذلك بلا أرض، ويلزمهم إن كرهوا، وقد مرّ ذلك؛ وقيل: لا يلزمهم ذلك له لأنَّه كالمتبرّع، وقيل: يقترع، فإن وقع له في عمارته فقد أخذها، وإن وقع له في الخراب خيِّر في إخراج عمارته وفي (73) أخذ قيمتها من شريكه.
وقيل: في مشتركين خرابا ومعمورا فقسماه وما يليه من الخراب، فوقع لكلّ منابه منهما فعمّر أحدهما منابه ثمّ انتقض القسم، فقيل: يردّ على شريكه قيمة منابه غير معمور وتكون العمارة له؛ وقيل: يقترعان، فإن وقع للعامر منابه فيما عمّر فقد أخذه، وإن وقع للآخر كان عليه أن يردّ للعامر فضل ما بين القيمتين لا أن يردّ عليه قيمة ما عمّر ولا عناءه وقد تقدّم كلّ ذلك. (3/489)
صفحة 1416
الباب العشرون
في الورثة إذا ادّعوا أنّ المال لم يقسم
فمن مات وترك أولادا وبيد كلٍّ شيء من المال فادّعى أحدهم أنَّه لم يقسم، فقيل: له ذلك ما دام واحد [43] منهم حيّا ما لم يصح القسم فإذا انقرضوا وجاء نسل أحدهم فادّعى ذلك لم يلتفت إليه وثبت لكلٍّ ما بيده، إلاّ إن قامت بيّنة أنَّه مشاع بينهم إلى اليوم؛ فإن قال: بعضهم قسمنا المال أصلا، وبعضهم: مأكلا فإن أقرّوا بالقسم كان أصلا ولكلّ ما بيده، إلاّ إن أتى ببيان أنَّهم قسموه مأكلا، فإنّه ينفعه إن اتّصل إقراره بالقسم والمأكل ولم يفصل بينهما بسكوت.
وإن قسم شريكان أرضا وحاز كلّ منابه وثمرته (74) ثمّ ادّعى أحدهما على الآخر أنّ في حصّته شيئا لم يقسم، فقيل: إذا تقاررا على القسم كان ذلك مدّعيا وعليه البيان وذاك أولى بما بيده؛ وإن لم يصح القسم بينهما فعلى مدّعيه البيان. وقيل: إن بقي من أولاد الميّت الأوّل واحد وطلب قسم ماله وأحضر البيان أنَّهم لا يعلمون أنَّه جرى فيه قسم إلى الآن فإنّه يقسم؛ وقيل: إنّ المال يقسم ولا ينظر إلى ما حاز كلّ منه إلاّ أن تقوم البيّنة أن كلاًّ قد رضي بما أخذ وحاز منه وإن مات أولاده كلّهم لم يكن لأولادهم حجّة فيما بأيديهم، وكان كلّ منهم (75) أولى بما أدرك في يد أبيه، إلاَّ ما لم يكن في يد أحد منهم فأولاد أولاد الأوَّل فيه سواء على ميراث آبائهم (76). (3/490)
صفحة 1417
الباب الحادي والعشرون
في قسم المال إذا جعل أحد الشركاء فيه حصّته لوجه من البر
فمن له حصّة في نخلة فجعل شريكه حصّته للسبيل فإن (77) أراد إضرارا بشريكه لم يثبت ذلك على ما قيل، وثبت إن أراد الأجر إذا لم يعرف ما يتعقّب بعد على شريكه. وإن أراد شريكه المقاسمة أخذ له بها حتّى يبيّن له منابه لإدخاله الضرر عليه، فيلزمه صرف عنه.
وإن مات أقام الحاكم له وكيلا يقاسمه حتّى يبيّن له منابه، وله أن يمنع النخلة كلّها لأجل حصّته إذا ثبت معنى السبيل، فإن أخذها كلّها بما يجب له من التوسّع في ذلك لم يضق عليه فيه لأنّ حصّته متعلّقة في كلّ بسرة منها؛ وإن أدخل عليه الضرّ في التمرة أخذ له بمقاسمتها؛ وكذا إن أضرّه في الأصل أخذ له بمقاسمته؛ فإن أخذا التمرة كلّها لما منع من حصّته كان له أن يأخذها ولو غنيا، ولا يلزمه أن يعطي غيره منها إذا توسّع وقبض ذلك على أنَّه له، فقد صار ملكا له.
وإن اشترك اثنان نخلة أو غيرها فقال: أحدهما التمرة التي لي فيها للفقراء أو نحوهم، فإن كان حيّا لزمه أن يقاسم شريكه ويقبض ما تقرّب به ويدفعه فيما جعله فيه؛ وإن مات تولَّى الحاكم ذلك وقام مقامه؛ فإن عدم الحاكم قام الشريك مقامه ــ كما مرّ ــ وأخذ منابه ودفع مناب شريكه في الوجه المذكور.
ولا يقسم المشاع من أموال المساجد والمدارس وغيرهما من أبواب البر إلاّ من جعل لها ذلك. ولا يجوز القسم فيه بعد موته. (3/491)
صفحة 1418
وقيل: في شريكين في مال جعل أحدهما منابه منه لفقراء قرية بعيدة أنَّه يثبت على المزيل لملكه إليهم ما فعله، ويكون الآخر شريكا لهم، ويرفع شريكه الأوّل إلى الحاكم فيحكم عليه بالمقاسمة وقبض ما للفقراء، وحفظ غللهم وإن غير ثقة، لأنّ ولاية ذلك المال كانت عليه فهو عليها حتّى يسلّمه إلى مستحقّه ممّن يصحّ له القبض والحفظ منه؛ ولا يكون إخراجه للمال من ملكه بمزيل لولايته عنه؛ فإن كان غير ثقة أدخل الحاكم عنده حافظا عليه من الثقات على ما عليه من الولاية، كوكلاء الأيتام وأوصياء الموتى إن كانوا غير ثقات. (3/492)
صفحة 1419
الباب الثاني والعشرون
في القسّام وشهادتهم وجواز الكراء والطعام لهم
إن لم يكن الإمام أو القاضي نصب من عدوله من يتولَّى القسم بين الناس والنظر فيما شجر بينهم، وكفاهم مؤنتهم من بيت المال ــ على ما مرّ ــ إذا (78) رأى ذلك صلاحا لهم. ومن أجاز الأجرة للقسّام رآها ولو على الصغير والأنثى وقليل السهم من الشركاء والكلّ سواء فيها، لأنَّه ربّما كان حساب القليل أشدّ، وإنّما هي على العدد لا على السّهام.
ولا ينصّب الإمام أو القاضي إلاّ من العدول ولا يجوز ذمّي، ولا عبد، ولا مكاتب، ولا محدود في قذف.
واختلف في شهادة القسّام فقيل: لا تجوز على فعلهم ولو نصِّبوا لذلك، وقيل: تجوز إذا نُصِّبوا لذلك وأمروا به وعليه، فالقاسم كالحاكم، فإنَّهم أجازوا شهادة الحاكم على حكمه مع شاهد آخر إن كان عدلا ولو معزولا، بل هو عندي في المغرب جائز عليه وحده.
خميس: وكذا القسّام [44] أنَّهم أمناء وشهود ليسوا بمدّعين. وإذا أقام الحاكم قاسمين فقسما مالا بين قوم وقالا: قد أخذ كلّ حقّه ولا غلط فيه، وأقام أحدهم بيّنة أنّ فيه غلطا، فبعض أجازها فيما ورد فيه القسم، وبه قال أبو المؤثر. وقال أبو الحواري: لا تقبل شهادة الشهود على الغلط، وتقبل شهادة القاسمين.
وإن اصطلح الشركاء على رجل يقسم بينهم فينبغي للإمام أن يجيز ذلك إن لم يكن فيهم يتيم أو غائب. وإن اقتسموا بلا حضور عدل معهم وأشهدوا الله بينهم ورضي كلّ منهم بمنابه ثمّ جحد أحدهم القسم، ففي الحكم لا يجوز إلاّ بالبيّنة، وجاز فيما بينهم وبين الله وثبت. (3/493)
صفحة 1420
وإن قسم الثقات بين شركاء وفيهم أيتام أو غياب جاز إذا حضر وكلاؤهم ولو لم يكونوا أمناء في الدين ــ كما مرّـ. كما يجوّزون في الشهادة على الأموال، والحقوق.
وإذا دعي قوم إلى قسم بين شركاء فصنع لهم بعضهم طعاما أو هم كلّهم فلهم أن يأكلوه ما لم يكن رشوة من بعضهم راجيا للحيف منهم، وجاز إن كان إكراما منهم لهم، لأنّ القسم من شأنه أن يتطاول ويشغل القسّام عن رجوعهم إلى مواضعهم. (3/494)
صفحة 1421
الباب الثالث والعشرون
في القرعة
وهي جائزة فيما أشكل واختلف فيه أهل الحقوق، وقد حكم بها وثبتت، ولها (79) أصل في الكتاب والسنّة وهو قوله عزّ وعلا في قصّة يونس عليه السّلام: {فسَاهَمَ فكان من المُدحَضين} (سورة الصافَّات: 141) وقوله: {إذ يُلقُون أقلامَهم ... } الآية (سورة آل عمران: 44).
وقوله عليه السّلام: «لو يعلم النّاس ما في الأذان والصفّ الأوّل من الفضل لتساهموا عليهما».
وكان إذا أراد سفرا اقترع بين نسائه أيّتهن وقع سهمها أخذها معه.
وقال لرجلين فيما اختلفا فيه: «استهما».
وقيل: لمَّا قتل عمّه حمزة ــ رضي الله عنه ــ يوم أحد جاءت أخته صفية بثوبين ليكفن فيهما، فوجدوا إلى جنبه قتيلا من الأنصار لا كفن له فقيل لها: في ذلك؟ فقالت: ثوب لحمزة وثوب للأنصاري، فوجدوا أحدهما أوسع من الآخر فأمر صلّى الله عليه وسلّم أن يقرع بينهما، ففعلوا وكفنوا كلاّ فيما وقع له.
وقيل: إنّ ثلاثة من أهل اليمن وقعوا على أمَة في طهر واحد فأتت بولد فاختصموا فيه إلى علي فقال: أنتم شركاء متشاكسون بينكم، وانا مقرع بينكم، فمن وقع السهم له فله الولد وعليه لكلّ من صاحبيه ثلث الدّية، فعجب من ذلك رسول الله ــ صلّى الله عليه وسلّم ــ ولم يصح أنَّه أنكره.
وصفة القرعة أن تكتب أسماء المقترعين في رقاع مستويّة ثمّ توضع في وعاء مستوفية فيه ثمّ تعطى من لم يحضر الرقاع فيطرحها على السهام، فمن وقعت رقعته على سهم منها فهو له. وإن كتبوا فيها أسماء الأسهم المقسومة وأعطى كلّ من الشركاء رقعة فما وجده مكتوبا فيها فهو له وذلك وجه أيضا. (3/495)
صفحة 1422
هوامش الجزء الثامن
(1) - ب: وسلَّم تسليمًا.
(2) - ب: بلَّغٌ. وهو خطأ.
(3) - ب: اسمها.
(4) - ب: مجزاه.
(5) - ب: - دين.
(6) - ب: - في الميراث.
(7) - ب: + منهما.
(8) - ب: كان.
(9) - ب: - منهم.
(10) - كذا في النسختين ولعلَّه الشراء. وفي ب: الشروى عليه.
(11) - ب: منه.
(12) - ب: إن كان.
(13) - ب: أو غبن.
(14) - ب: - قد.
(15) - ب: + أنَّ.
(16) - ب: فإنَّه.
(17) - ب: - بيده.
(18) - ب: - للحقِّ.
(19) - ب: - مثلاً.
(20) - ب: - منهم.
(21) - ب: شجرٌ. وهو خطأ.
(22) - ب: إخراجه.
(23) - ب: على حاله.
(24) - ب: به.
(25) - ب: إن كان.
(26) - ب: من أصحابه. (3/496)
صفحة 1423
(27) - ب: وقوَّموا.
(28) - ب: والأخير.
(29) - ب: قسمة التمرة.
(30) - ب: لم يجز.
(31) - ب: المتامة. وهو خطأ.
(32) - ب: وشروط.
(33) - ب: - قطعها.
(34) - ب: اشترك. وهو أصوب.
(35) - ب: رجع.
(36) - ب: فلا يجده. وهو الصواب.
(37) - أ (هامش): يقال خشت النخل تخشو إذا حشفت. وفي المنجد: خشي النبات إذا يبس.
(38) - ب: اشترطوا.
(39) - ب: - مشتركة.
(40) - ب: يتركه.
(41) - ب: خابورين.
(42) - ب: مائه.
(43) - أ: بحكم. وهو خطأ.
(44) - ب: - فيه.
(45) - ب: على قرعته.
(46) - ب: القسم.
(47) - ب: بهدمه.
(48) - ب: هدمه.
(49) - ب: أوصى به في ماله.
(50) - ب: ما لاَ يفي.
(51) - ب: للورثة.
(52) - ب: مرضها.
(53) - ب: ولم يوصي. وهو خطأ.
(54) - ب: في يد.
(55) - كذا بالدال المهملة في النسختين.
(56) - ب: ولا يعذ. وهو خطأ.
(57) - ب: ضرر. (3/497)
صفحة 1424
(58) - ب: على إعادته.
(59) - ما بين معقوفتين إضافة من هامش أ بخطٍّ مختلف. وليست في ب.
(60) - ب: وإن كان.
(61) - ب: - من ذلك اليوم.
(62) - ب: ذلك تارة.
(63) - ب: ورثه.
(64) - ب: اختلفوا.
(65) - ب: وأحرز.
(66) - ب: + منهم.
(67) - ب: باقتارع. ولا معنى له.
(68) - ب: وكيلاً.
(69) - ب: وجاز، أو واحد ...
(70) - ب: - إلاَّ بإذن موكِّله فيه.
(71) - ب: إن لم يجد.
(72) - ب: ما عمَّر.
(73) - ب: - في.
(74) - ب: تمرثه. وهو خطأ.
(75) - ب: - منهم.
(76) - ب: - إلاَّ ما لم يكن في يد أحد منهم فأولاد أولاد الأوَّل فيه سواء على ميراث آبائهم.
(77) - ب: - إن.
(78) - ب: إن رأى.
(79) - ب: وله. (3/498)
صفحة 1425
الجزء التاسع
في
الشُّفْعة وأحكامها (3/499)
صفحة 1426
الباب الأول منها
في أصل وجوبها وما تثبت فيه وما لا تثبت
وقيل أنّ الشُّفْعَة كانت في الجاهلية فلمّا ظهر الإسلام أثبتها وأوجبها وأكّدتها السنّة وصحّحها الإجماع؛ فالسنّة قوله صلّى الله عليه وسلّم: «الشفيع أولى بالشُّفْعَة». وقوله: «الجار أحقّ بصقبه أي بشفعته» وقوله: «إذا نصبت الحدود وصرفت المضار فلا شفعة» وقوله: «من أزال شفعة مسلم زلّت قدمه في النّار».
والإجماع هو: اتّفاق المسلمين على العمل بها. ولم ينكرها أحدهم ولا ضلّل عاملا بها، فصحّ أنّها جارية وجائزة على ما قالوا به.
وتجب بصحّة عقد البيع، وتثبت بالطلب والإشهاد على انتزاعها من المشتري، وتملك بإحضار الثمن وقبضه له، وتسليمه المبيع إلى الشفيع، أو بحكم الحاكم عليهما بذلك.
وتجب للشريك في نفس المبيع وحقوقه: من الشرب والطرق والسواقي وجري الماء في الميازيب، والجدار إذا كان بين بيتين عليه لهما شيء من العمارة، وقياس النخل ونحو ذلك. وقيل: وبالمضرّة وفي بعض ذلك اختلاف لاختلاف تفريق معاني المضار. وسيأتي شرح كلّ.
وقيل أنّ الشُّفْعَة تجب في الأصول والعروض التي لا تنقسم بكيل أو وزن، وفي الحيوان والسفن المشتركة والخشب، والصوغ الغير المكسر، والشجرة، والرحى والمصحف، وفي المشترك من ثمار وأسلحة، وأوان ونحوها.
واختلف في المكيل والموزون فقيل: تثبت فيه لأنّه لا يصحّ قسمه إلاّ بحضور الشريك أو وكيله، وقيل: [44] لا شفعة فيه.
وقيل إن كان يحتاج إلى كسر وفي كسره للوزن والقسم مضرّة تثبت فيه وإلاّ كالحبوب (1) ونحوها فلا. (3/500)
صفحة 1427
واختلف في مبيع بالندا بين متزايدين فقيل: لا شفعة فيه كان البيع من ربّ المال أو وكيله أو أمر الوصيّ، أو الحاكم لا لحاضر ولا لغائب، ولا مريض، ولا صحيح، ولا يتيم ولو كان المبيع مشاعا. وقيل: تثبت في جميع ذلك.
ولا شفعة في الصوافي ولا لها وقيل: هي فيها لا لها ومثلها أموال المساجد، والموقوفات على أبواب البرّ كلّها إلاّ ما وقف على قوم سنين معيّنة، ثمّ يرجع إلى الوارث فإنّ الشُّفْعَة فيه لطالبها ممّن يصير إليه إذا انتهى إلى سنينه.
وقيل: لا شفعة في الشروى وهو: أن يشتري شيء من أحد ويشترط البائع على نفسه للمشتري إن استحقّ منه المبيع شرواه، فيستحقّه من عنده إن استحقّ، ويحكم له به على البائع فيسلّم إليه مثل ما استحقّ منه.
ولا في الإقالة وهي (2): أن يبيع الرجل مالا لأحد ثمّ يقيله فيه البائع فيسلّمه إليه، ويردّ له ما أخذ منه من الثمن قبل أن يأخذ الشفيع شفعته، فإن أخذها قبل الإقالة ثبتت له وبطلت الإقالة.
ولا فيما يعتق عليه السيّد عبده أو أمته أو يخالع عليه زوجته.
ولا في الهبة ولا الصدقة، ولا الوصيّة، ولا الإقرار وذلك إن كان عن غير عوض متقدّم أو متأخر. فإذا كان لعوض فقيل فيه الشُّفْعَة وقيل لا وهو إذا كان أصلا بأصل بلا تقويم ثمن (3). (3/501)
صفحة 1428
الباب الثاني
في الدعاوي في الأحكام والأيمان في الشُّفعة
فإذا طلبها الشفيع عند الحاكم فإنّه يسأل المدّعى عليه، فإن اعترف له بما يشفعه به من الملك نظر بينهما وأوصل كلاّ إلى ما يجب له، وإن أنكر دعا الحاكم الشفيع بالبيّنة أنَّ له ملكا يستوجب به الشُّفْعَة منه، فإن وجدها نظر بينهما وإلاّ وطلب اليمين المنكر حلّفه له. فإن نكل عنه فللشفيع حجّته وبطلت إن حلف. وإن ثبتت حجّته بوجه سأل الحاكم المشتري عن الشراء، فإن اعترف به أو بيّن عليه أو نكل عن اليمين أنّه ما اشترى ما للشفيع شفعته قضى عليه له بها، وله أن يخاصم البائع إن كان المبيع بيده.
ولا يسمع الحاكم البيّنة إلاّ بحضرة المشتري؛ فإذا صحّ البيع وثبتت الشُّفْعَة واختلفا في الثمن فقال: المشتري بكذا وكذا وقال الشفيع بأقلّ منه لزم كلاّ بيان دعواه. فإن أقاما به قبلت بيّنة المشتري وقال للشفيع إن شئت فخذ بذلك وإن شئت فاترك وإن أقامها هو بأقلّ ولم تصح للمشتري بيّنة بما قال، أخذ الشفيع شفعته بما بيّن من الثمن.
أبو المؤثر: لا تجوز المدالسة في الشُّفْعَة، وقيل إذا أدار بما يسعه منها جاز له.
واليمين في الشُّفْعَة أن يحلف المشتري لطالبها بالله أنّه اشترى مالا يعلم للمدّعي فيه حقّا من قبلها إلى الآن، وذلك بعد أن يحدّ موضعها وإن أقرّ إذ قامت عليه بيّنة أنّه اشترى ما شفعته لفلان فقال: إنّه قياض أو عطيّة فإنّه يحلف قطعا مثل تلك اليمين لا يعلمه لأنّه قد صحّ أنّه شفعة لفلان، وبقيت صحّة أنّه اشترى بدراهم.
وإن ردّ اليمين إليه حلف: لقد اشترى هذا الذي يحده وهو شفعة له ثمّ هو له بها وينظر في اليمين، وإن احتجّ المشتري أنّه اشتراه منذ سنة أو أكثر وهو بيده بعلم من طالب الشُّفْعَة، فلم يطلب إلى اليوم حلف الطالب ما علم بالشراء أو البيع إلى اليوم (3/502)
صفحة 1429
الذي طلبها فيه، والقول قوله مع يمينه أنّه طلبها حين علم، وعلى المشتري البيّنة أنّه علم بالبيع وتوانى عن طلبها، وإن لقيه الشفيع وسأله عنها فقال: لم أشتر مالك شفعته (4)، فعليه اليمين أنَّه ما اشتراه، وإن ردّها إليه حلف له لقد اشترى شفعته.
وإن قال الشفيع: إنّه يحلف لقد أخبره من يثق به ببيعها، لزم المشتري أن يحلف على علمه.
وقيل في رجل أزال إلى آخر مالا فاستوجبه الشفيع بقولهما ذلك وطلب منه شفعته فقال المزيل: أشهدت له بحقّ وقد ردّه عليّ أنّه إن وقع أخذها قبل الردّ، فليس ردّه بشيء وله شفعته، وإن أنكر إزالته إلى أحد وادّعى الشفيع أنّه قد أزاله ولا بيّنة له، فطلب يمين المزيل أنّه ما أزاله؛ خميس: فما أرى عليه يمينا على هذه الصفة.
وإن ادّعى أنّه باعه، وأنَّه انتزعه (5) من المزال إليه بالشُّفْعَة وهو يستحقّها، فيصف صفته هذه، فإن أنكر حلف ما قبله له حقّ ممّا يدّعي عليه من الشُّفْعَة أنّه أزالها، وتكون اليمين بينه وبين من بيده ما انتزعه بها، وإن ردّ اليمين إليه حلف أنّه انتزعه من فلان بعد أن يقف عليه هو وخصمه والحاكم أو رسوله، ويسمّي [446] الثمن فإن حلف منع منه من يدّعي المال.
وإن طلب المشتري يمين الشفيع أنّه طلبها له لا لغيره أو بعكسه، حلف أنّه يأخذها كذلك، ولا يجوز له أن يوليّها غيره قبل أداء الثمن، فإن ادّعى المشتري أنّه أعطيها أو تصدّق عليه بها، أو أقرّ له بها بلا عوض، أو قُويض بها، وطلبها منه الشفيع فعليه له اليمين.
واختلف فيه إن اشتغل بطلب الثمن إلى أن مضت ثلاثة أيّام ولم يحضره فقيل: تفوته وقيل: لا.
ومن اشترى قيل أرضا واشترى غيره أخرى تشفعها فقال: إني اشتريت قبلك واختلفا فقال أحدهما: أحلف بالعلم، والآخر بالقطع فاليمين في هذا بالعلم.
وإن أقام أحدهما بيّنة أنّ شراءه كان قبل الآخر أخذ الأرض. (3/503)
صفحة 1430
وقيل إن أشهدت امرأة أنّ جميع مالها لرجل بحقّ وطلب الشفيع شفعته بتلك الشهادة، وإن الرجل لمّا علم بذلك ردّ المال على المرأة، واحتجّ الشفيع أنّه قد استوجبه بها، وعادت تقول أنّها لم تشهد به لأحد، وشكّ الشاهدان في معرفة وجهها لما أشهدتهما به للرجل، فطلب الشفيع يمينها أنّها ماهي التي شهدا عليها؛ فقيل إن طلب شفعته في حين مطلبها بعد أن قامت عليه الحجّة بعلم الشاهدين، وصحّت الشهادة وحكم له بشفعته فأخذها، ثمّ رجعا أو أحدهما أو شكّا في شهادتهما فقد مضى الحكم في الشُّفْعَة ولا رجوع لهما إذا وقع، فإن رجعا غرما المال وإن رجع أحدهما غرم نصفه على قول، وإن لم تصح شهادتهما أو شكّا قبل وقوع الحكم أو رجعا قبل أن يأخذ الشفيع شفعته، أو يحكم له بها، انتقضت القضية ولا شفعة له ولا يمين له عليها كما مرّ.
وإن أنكر من شهد له بالمال بحقّه فأراد الشفيع يمينه كانت له إن صحّ عنده انتقال الملك إليه، ويحلفه ما أشهدت له فلانة بنت فلان بهذا المال، ولا إزالته إليه ولا ردّه عليها بعد أن أشهدت له به، وهو شفعته وبعد أخذها ولا قبله له حقّ من قبل شفعته فيه، ولا ينفع من شهد له بالمال ردّه إلى المرأة بعد مطلب الشفيع، وليس على المرأة مطلب له، وكلّ ما يدّعيه المشتري على الشفيع ممّا يبطل به شفعته فاليمين للشفيع إن شاء حلف، وإن شاء ردّها على المشتري، فيحلف على ما يراه الحاكم العدل جائزا من دعواه من لفظه، ويكون فيه انقطاع الحكم.
والشُّفْعَة وأمرها دقيق ويجب إمعان النظر فيه، ولا تجوز فيها (6) الحيل ولا المدالسة، ولا المداهنة. (3/504)
صفحة 1431
الباب الثالث
في ثمن الشُّفْعة
أبو الحواري: إن قال مشتريها اشتريتها بألف، والبائع بعتها بمائة، قُبل قول المشتري مع يمينه، وللشفيع على البائع يمين ما قبض من المشتري إلا مائة.
فإذا حلف له على ذلك، فإن طلب البائع بقية الألف إليه كان له، لأنّه قد أقرّ له به، ويحكم عليه بتسليمه إليه؛ وإن قال: أنا بعت له بمائة ولا أطالبه بما أقرّ به، لم يكن على البائع يمين للشفيع، فإن لم يحلف على المائة ولا أنّه ما قبض منه ألفا، وأقرّ أنّه باعها له بمائة، أمر البائع أن يسلّم تسعمائة إلى الشفيع (7).
وإن قال المشتري: اشتريتها بألف، والبائع: بمائة إلاّ أنّه لم يقبض شيئا من ثمنها، أمر أن يسلّم المائة إلى البائع، ولا يأخذ من الشفيع إلاّ مثل ما دفع إلى البائع، والمطالبة تكون بينه وبين المشتري، فما وجب له عليه أخذه من الشفيع، وما لم يجب للبائع عليه لم يجب له على الشفيع، وإن قال: اشتريتها بألف، وأقام البائع بيّنة أنها بألفين، فلا رجوع له على الشفيع بالزيادة، على ما أقرّ به من الثمن.
وقيل: على الشفيع أن يدفع للمشتري مثلما اشترى به من الأنواع، إن عرف وزنه أو كيله، وإلاّ أو كان كسيف أو نحوه فإنّه يدفع له القيمة برأي العدول، ويحلف المشتري بالله ما يعلم أنّ ما اشترى به أقلّ منها،
وإن اشترى بدنانير أو بدراهم ثمّ أعطى حبّا، فليس على الشفيع إلاّ النقد وإن أخذ شفعته فقال المشتري: اشتريت بدنانير فاحضرها لي (8) وصحّ قوله عنده، فعليه أن يحضره إيّاها، فإن أحضرها في ثلاثة أيّام فذاك وإلاّ بطلت شفعته.
وإن قال له: لماّ أخذها أحضرني الثمن فجاءه بنقد البلد فقال له: إني اشتريت بدنانير لم تفته، وعليه أن يسلّم له دراهم قيمة الدنانير في الثلاثة. (3/505)
صفحة 1432
ومن اشترى شفعة أحد تسوى مائة بألف (9)، وقضى بها ثوبا أو دابّة تسوى مائة، فعلى الشفيع أن يعطي [47] ما وقع عليه البيع، إلاّ أن بيّن أنّه احتال عليه وعلى الشُّفعة، ونحب أن يعطي ما أعطى المشتري أو قيمة المال. (3/506)
صفحة 1433
الباب الرابع
في إنكار المشتري الشراء
فإنّ البائع إذا أقرّ بالبيع كان للشفيع أن يأخذ شفعته ممّن أقرّ البائع أنّه بائعه، وإن أقرّ المشتري بالشراء سلّم إليه الشفيع الثمن، قيل: وإن أنكر أخَذَ شفعته وسلّم الثمن إلى البائع، وقيل: يكون مضمونا للمشتري.
وإن تبرّأ من الشراء إلى غيره فاليمين على ذلك الغير، فإن لم يكن معيّنا فقيل: إنّ للشفيع أن يقطع عن نفسه الضرّ حتّى يرى من يعارضه، فله ذلك بلا حكم من حاكم وهذا إن لم تكن بيّنة.
وإن اشترى رجل نخلة تقايس نخلة آخرَ، فطلب الشفيع شفعته فقال المشتري: اشتريتها وقيعة فهو مصدّق، ولا شفعة إلاّ إن بيّن أنّه اشتراها بأرضها. وإن تبرأ البائع منها إلى المشتري جازت شفعتها معها.
أبو الحسن: من بلغه بيع شفعته فوصل إلى المشتري ليأخذها منه على ما يجب له، فقال له (10): اشتريتها لفلان فلم يذهب إليه وتوانى قدر ما تفوته به، فقيل: إن كان فلان حيث تناله الحجّة، اِحتجّ عليه فيما أقرّ له به المشتري؛ وإن كان صبيّا أو حيث لا تناله، أخذ شفعته من المشتري بما اشترى به، ولا يلتفت ــ قيل ــ (11) إلى إقراره لغيره إن كان لا تدركه الحجّة، وكذا لا يلتفت إلى قوله إن شهدت البيّنة عند الشراء أنّه اشترى ولم يذكر غيره، وإذا صحّ الشراء حكم للشفيع فيه بشفعته، وإن قال: إنّها لغيره وتبرأ منها فإن أراد الشفيع أن يأخذها ويحوزها بلا رأي الحكم حتّى يعلم من يبرز له لمطالبته كان له ذلك. (3/507)
صفحة 1434
الباب الخامس (12)
في أجل الشُّفعة والثمن والمدالسة فيها
فمن أخذها ــ قيل ــ بحقّ فله في إحضاره ثلاثة أيّام، وقيل: يومان، وقيل: قدر ما يصل بيته ويعد الدراهم.
وأكثر ما عرف في أجله ثلاثة أيّام إلاّ إن وقع البيع على تأجيل معيّن فقيل: إذا علم ببيع شفعته وأخذها وقد بقي من الأجل ثلاثة أيّام فصاعدا، فليس له أجل غير ذلك، وإن بقي منه أقلّ منها فله الأجل إلى تمامها.
وقيل: له الأجل إلى ثلاثة بعد أجل المشتري وتعدّ بلياليها وساعاتها جميعا حتّى تتمّ، فإن دفع الثمن فيها وإلاّ فاتته شفعته، وإن أعطاه الثمن فلم يقبله منه، احتجّ عليه بالجماعة أو بالحكم في قبوله حقّه، وإن سلّم إليه بعض الثمن وسلّم إليه الشُّفْعَة لم يضره تأخير بقيته على الثلاثة، إذ (13) سلّمها إليه، وعليه أن يوفّيه البقيّة؛ وإن أخذ منه بعضه ولم يسلّم إليه الشُّفْعَة فلم يتمّه إلى ثلاثة أيّام فاتته، وقيل: إن لم يسلّم الثمن إليها بطلت أيضا على الوجوه.
سليمان: من طلب شفعته إلى مشتريها فدفعه عنها، فإن صار أمرها إلى الحاكم فحكم له بها، أو دعاه المشتري إلى أخذها فمدّته ثلاثة أيّام، فإن لم يحضر الثمن فيها فاتته، وإذا عرض عليه أخذه فأبى منه قامت عليه الحجّة، ولو لم ينظر إلى الدراهم، ويقبل قول الشفيع في الثلاثة مع يمينه أنّه عرضها عليه، ولم يقبلها فإن مضت فعليه البيان أنّه عرضها عليه فيها وأبى من أخذها.
وإن قال له: اشتريت هذا بثمن لا أعرف كمّيته فلم يطلب منه الحكم ولا رفع عليه إلى الجماعة حتّى مضت الثلاثة فاتته أيضا. (3/508)
صفحة 1435
فصل
أختلف في مشتر شقصا إلى أجل فقال مالك: إن كان الشفيع مليا آخر بالثمن إلى الأجل، وإن كان معدما فجاء بملي فله ذلك. وقال الليثي: إن وثق به فله أخذها وقال الثوري: لا يأخذها إلاّ بالثقة. وقال الشافعي: إن تطّوع ببعض الثمن أخذها وإلاّ فليدفع حتّى يجده ثمّ يأخذ.
قال أبو سعيد: كلُّما قالوه من ذلك خارج عن الصّواب، وأصحّه ما قاله الشافعي.
قال خميس: إنّه إذا ردّ بالشُّفْعَة فلا سبيل له إلى أخذ الشراء إلى الأجل، إلاّ إن شاء المشتري تسليمه (14)، فإن سلّمه إليه فعليه الثمن إلى الأجل، وإلاَّ فإذا حلّ أخذ شفعته لأنّه يستحقّ بردّها واجبة البيع لا التسليم إلى الأجل، فإذا جاء واستحقّ قبضها كان له في الثمن ثلاثة أيّام، وقيل: إذا توارى المشتري عنه لمّا جاءه به حتّى مضت، فإن أشهد على إحضار الثمن وتواريه وامتناعه عن قبضه شهودا فله حجّته؛ وإن ادّعى ذلك فلا شهود وقد خلت المدّة لم يبق منه دعواه في الحكم. وإن تعمّد إبطال حقّ الشفيع لم ينفعه ذلك (15) وله شفعته إن احتال على إبطالها فيه. (3/509)
صفحة 1436
الباب السادس
في إزالة الشفيع الضرَّ ومن يشتري شُفعة [48] غيره بلا رأيه
أبو علي: من اشترى من رجل أرضا على أن ليس له على صاحب الشُّفْعَة ساقية ولا طريق ثمّ طلبها الشفيع قال: لا شفعة له إن كان قد أبرأه قبل البيع وإن أبرأه بعده لزمت ولا ينفعه إبراؤه بعده.
ابن محبوب: لا يزول حقّ الشفيع من الطريق والسّاقية ولو ترك ذلك قبل الشراء، وقيل إن وقع البيع على أن ليس للمشتري عليه ساقية ولا طريق فلا شفعة له، وإن أزيل ذلك بعد البيع وقبل طلبه إيّاها ثبتت له، ولا تنفع الإزالة من بعد وكذا في الميزاب وغيره.
وقيل: ليس لأحد أن يشتري ما لأحد فيه شفعة إلاّ بإذنه وأوكد ذلك في أصل مشترك وثماره، ولصاحبه الشُّفْعَة فيها من الشريك والعامل، ولا شفعة للعامل في التمرة إن لم يكن شريكا في الأصل.
ومن اشترى شفعة أحد برضاه فلا بأس به (16) وإن كره فأمّا في الحكم فلا يحكم له بها إلاّ إن طلبها على موجب الشرع فيها. وأمّا في الكراهة فبعض كره ذلك وبعض أجازه وقد أحلّ الله البيع ما لم تكن المدالسة في الشُّفْعَة. (3/510)
صفحة 1437
الباب السابع
فيما تبطل به الشُّفْعة وما لا تبطل به
ومن علم ــ قيل ــ ببيع شفعته وقد حضر وقت فريضة، فله أن يصلّيها إن خاف فوته باشتغاله بطلبها قبلها، ولا يتنفّل قبل طلبها، ولا ينتظر صلاة جماعة إلاّ إن كان إمام مسجد وخاف بطلانها بتركه ولا تقوم صلاتها إلاّ به.
وإن علم وهو محدث من خبث أو أحدث قبل العلم فلا يستنجي إن كان لغير صلاة، إلاّ إن خاف أن يتنجّس منه لأنّه في غير وقت الصلاة، وسبيلها وإن كانت عليه ثياب نجسة فلا يذهب إلى البيت لأخذ غيرها، إلاّ إن حضرت فريضة وخاف فوتها.
وإن بلغ اليتيم في النهار وقد علم ببيع شفعته في حينه فلا له أن يغتسل قبل أن يطلبها، إلاّ إن حضرت أيضا فله أن يغتسل ويصلّي، ولا يجوز له أن يتشاغل بأكل أو شرب أو غيرهما، إلاّ إن خاف على نفسه فله أن يتناول قدر ما ينجّيها به، وإن حضر ماء وخاف فوته فله سدّ مائه فيما بينه وبين الله لئلاّ يضيع.
خميس: وأمّا في الحكم فلا أعرف شيئا وعندي لا يعذر بذلك فيه، ولا له أن يقضي حاجة أحد ولو أباه أو أمّه ممّن يلزمه القيام بأمره. إلاّ إن خاف عليهم ضرّا، وإن رأى منكرا أو كان في النظر أنّه يقدر على تغييره، فله ذلك وإن يحبس من امتنع، وإن كان لا يقدر على ذلك فطلب شفعته أولى له.
وإن نزل به ضيف ولم يكن عنده من يخلفه فيهم أو خاف عليهم الضرّ فذلك عذر، وكذا إن عاهد أحدا يقعد له في مكان فهو عذر له عند الله لا في الحكم، وتفوته به، وإن لقي المشتري فأنكره الشراء فله في ذلك الحجّة ويدركها بعد الثلاثة، وكذا إن أخذها على وجهها ومنعه منها يدركها متى أمكن منها ولو إلى سنين. (3/511)
صفحة 1438
وإن قال: اشتريت بألف وهو بأقل فالشفيع حجّته لأنّه كذب عليه وإن أعلمه بذلك غير المشتري فترك طلبها لذلك فاتته.
ومن اشترى أرضا وبنى فيها مسجدا فلا يدركها الشفيع بعد ذلك.
ومن بيعت شفعته وعلم ولم يطلب واحتّج بالتقيّة، فعليه أن يشهد سرّا بنزعها وأنّه لم يمنعه من أخذها، إلاّ الخوف على نفسه أو ماله من المشتري.
وإن لم يشهد هكذا خيف عليه فوتها وإن علم بالبيع وقال: إنّي ظننت أن ليس لي شفعة فلمّا سأل قيل له: إنّها لك فلا حجّة له بهذا وقد فاتته، وقيل: إنّه يعذر بذلك وله حجّته فيها.
وإن قال: كنت أرجوا أنّ الثمن عاجل فإذا هو آجل فاتته أيضا، إلاّ إن قال له اشتريت بالعاجل وكذب، وقد اشترى بالآجل، فإنّه يدركها متى علم ويأخذها بما اشترى.
ومن أخذ شفعته ثمّ باع ما به يشفع قبل الحكم ثبتت شفعته عند الأكثر. وإن لقي المشتري وسلّم الشفعة أو توانى عن أخذها أو تكلّم قبله فاتته، وإن ماتا أو أحدهما بطلت، وإن طلبها الشفيع قبل موت المشتري أو البائع فله أو لوارثه طلبها في ذلك، وإن مات الشفيع أو المشتري قبل طلبها فقد قالوا: إنّها لا تورث ولا تباع ولا توهب، والأكثر أنّها لا تبطل بموت البائع، وإن قال له المشتري: إنّ شفعتك عندي لا تفوتك فمتى أردتها دفعتها إليك، فإذا مضت ثلاثة أيّام فاتته في الحكم حتّى يقول له المشتري: قد (17) سلّمتها إليك أو تركتها لك، أو تبرأت إليك منها، ويقبل الشفيع، وأمّا عند الله فنحب له أن يوفّي بعهده، والمؤمن أخو المؤمن لا يغرّه ولا يخونه ولا يضرّه.
وإن علم ببيع شفعته ونسي أن يطلبها من حينه أو خرج إلى [49] المشتري ولقيه، ونسي أن ينزعها منه حتّى افترقا فلا يعذر بالنسيان عند الأكثر.
خميس: ولعلّ بعضا يعذره به. (3/512)
صفحة 1439
وأمّا ردّ السلام فلا نعلم في جوازه خلافا، وأمّا ابتداء الشفيع به ففيه خلاف، وقيل: من بيعت شفعته فأخذ بعضها دون بعض بطلت وفاتته، فمن علم ببيعها ليلا فلا تفوته إن لم يطلبها حتّى أصبح.
والمرأة إذا علمت به نهارا فلا تفوتها حتّى يدخل اللّيل، لأنّهم قالوا: إنّها تطلبها فيه ولو من امرأة، والرجل بالنّهار وإن من امرأة.
ومن علم به وهو في ضيعة يخاف فوتها ولم يجد من يخلفه عليها، فإنّه يشهد شاهدين على أخذها، فإن لم يجدهما فإنّه يدرك شفعته كذا قال الشيخ.
وإن سأل عن كمّية الثمن قبل أخذها بطلت، ولكن يقول له أخذت شفعتي كم الثمن وأخذتها ورددتها ونزعتها كلّ ذلك جائز.
ومن علم ببيعها في نافلة فلينصرف منها لطلبها ولا يتمّها؛ وكذا الجنازة والعيدين إذا قام بها غيره؛ وكذا دفن الميّت إذا قام به غيره، وإن علم به وهو في عمل مثل خراف أو رضم أو غيرهما، فله أن يحرز ما كان من حبل أو مسحاة أو غيرهما من الآلات، إن خاف ضياعه، إلاّ إن وجد من يخلفه عليه، فلا يتوان حينئذ عن طلبها.
وإن كان الشفيع حافظا لأمانة لغيره يجعل أو غيره عذر إن خاف ضياعها، حتّى يأمن عليها، وإن وجد من يشهده فهو أولى، فإن أمكنه الإشهاد وجهل أن يشهد أو تعمّد تركه خيف عليه فواتها، ولا يتشاغل بالإشهاد إن أمكنه الطلب والخروج إلى المشتري، واختلف في ابتداء السلام عليه كما مرّ كما مرّ؛ فقيل: إنّه ممّا يبطلها، وقيل: لا ولا يبطلها ردّه اتفاقا، إلاّ إن زاد عليه أو أحسن فيه بشيء من الكلام، فإنّه قيل يبطلها مثل أن يقول المشتري: سلام عليك فيقول الشفيع: عليكم السّلام ورحمة الله وقيل: لا وإن زاد وبركاته بطلت. وإن قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته (18) فردّ عليه الشفيع مثله لم تبطل به.
وإن قال: بعد هذا التسليم للشفيع كيف حالك؟ فقال له (19): أنا في خير، أوفي ستر الله بطلت شفعته، لأنّه غير التحيّة، وما كان مثل هذا فهو في حكمه. (3/513)
صفحة 1440
الباب الثامن
في لفظ ردّ الشفعة ونزعها والوكالة فيها والغائب عنها
فعلى من علم ببيع شُفعته أن يصل المشتري إلى بيته إن كانا في بلد واحد أو في قرب منه، فإذا قدر عليه بقرب المسافة والمواجهة وقف عليه وأخذها منه (20)، وإن كان عنه حيث لا يصله وهو يسمع صوته أسمعه بكلام يفهمه ويقول: أخذت شفعتي منك يافلان، كم الثمن؟ وجاز: رددت بالشفعة ونزعت بها منك يافلان. وإن قال: أنا مطالبها منك أو أريدها أو أحبّها منك فهو ضعيف، وإثباته أولى.
واختلف في الوكالة فيها فقيل:: لا تجوز إلاّ من مخدرة أو مريض عاجز عن الطلب، أو خائف لا يقدر على الظهور أو نحوهم. وقيل:: إنّ رسول الشفيع أو وكيله أو مأموره يقوم مقامه في أخذها، ولو غير ثقة أو خادمه أو ولده، أو خادم غيره بإذن سيّده إن لم يتوانوا أو يشتغلوا عنها بموجب بطلانها ممّا مرّ. وقيل:: لا يجوز فيها غيره ممّن ذكر إلاّ إن كان له عذر عن طلبها (21) ممّا مرّ.
وإن كانا في بلد واحد فليس على الشفيع خروج إليه في أسفاره، ولكن إذا رجع طلبها منهما، وإن كان كلّ منهما ينزل في بلد ومقامه في غير دار الآخر، فعليه أن يشهد على نزعها منه ويخرج إليه إن قربت داره يعني بلده، مثل صاحب نزوى يخرج إلى بهلا، وإلى السر ومنح وإزكي ونخل وسمائل ونحوها من بلاد عمان، وانظر مسافة ما بينهما عندهم.
خميس: ولا تحمل عليه المشقّة إلى البلدان البعيدة، وهذا إن قدر على زاد ومشي أو راحلة مع أمان أو رفقة يأمن معهم ولو على ماله، وليس عليه مدّة في طلب شفعة ولكن متى علم طلبها ولو إلى سنين. (3/514)
صفحة 1441
وقد صحّ ثبوتها من السنّة والإجماع وبطلانها بموجبه ممّا مرّ بعد العلم من قول العلماء وعملهم بلا خلاف فيه ولا إنكار ممّن يعتدّ به. خميس: ولا أقول من إجماع لا يجوز خلافه في محلّ الحكم، وثبوت المدّة في إحضار الثمن على الشفيع فيها من الرأي قال: ولا نعلم فيه إجماعا وقد مرّ الخلاف فيها. (3/515)
صفحة 1442
الباب التاسع
في شفعة اليتيم والغائب والمجنون والأعجم والمريض
أبو عبد الله: إن كان لليتيم وصيّ أو وكيل فعلم ببيع شفعته فلم يطلبها له فاتته، وإن لم يكن له أحدهما أدركها إذا بلغ في المشترك لا بالحقوق وكذا المسافر.
وإن [50] كان والد الصبي حيّا وبيعت شفعته وغاب أبوه، فليس له شفعة إلاّ في المشاع، وله أن يأخذها منه إذا رجع؛ وإن كان لأبيه وكيل جائز الأمر ولم يأخذها له، فاتت الأب شفعة ولده.
وقيل: إنّ اليتيم مخيّر إن أخذ له وصيّه أو وكيله شفعته من المقسوم أو اشتراه له في أخذه وفي تركه، وأخذه من الوكيل قيمة ما أعطى من ماله والغلّة لمن أخذ المال، وعليه ما لزمه من الغرم وما أخذه الوكيل له من الشُّفْعة المشاعة أو اشتراه له بماله، فهو يلزمه ولا خيار له فيه، والحاج إن لم يقدم إلى عاشر المُحرَّم فاتته شفعته ويدركها إن قدم قبله.
وقيل: إن كان له عذر في التخلّف فلا تفوته، وله أن يشفع متى رجع، وكذا الغازي إلى أن يرجع أصحابه، وكذا غيرهم من المسافرين المريدين للرجوع إلى البلد الذي فيه الشُّفْعة، لهم الشُّفْعة إلى رجوع مثلهم.
وكذا الوالي لا تفوته إلى أن يرجع وإن كان واليا ومرابطا إلى غير مدّة، فحتّى يأذن له الإمام بالرجوع ويكاتبه فيه، ويدركها هؤلاء في المشاع والمقسوم.
وقيل: لا شفعة لغائب مطلقا ولو قدم من يومه وعليه العمل في المغرب، وإن أخذها يتيم أو غائب بعدما استغلّ منها المشتري غللا كثيرة لم يلزمه ردّها، ويحسب ما استغلّ ممّا غرم على المال إن عمر فيه عمارة كبناء أو غرس. فإن كان الغرم أكثر فله أن يرجع على الشفيع بفضل ما غرم ولا ردّ عليه للشفيع في العكس. (3/516)
صفحة 1443
والمريض ــ قيل ــ لا يأخذها حتّى يصحّ ولا تفوته، وقيل: إن خاف خروج المشتري إلى حج أو سفر وكلّ من يأخذها له، وقيل: له أن يوكّل مطلقا وعلى أسير لا يقدر على طلبها أن يشهد على أخذها، وقيل: إذا عرضت شفعة يتيم على وكيله فلم يشترها له فاتت اليتيم، وكذا إن علم وكيله أو وصيّه ببيعها فلم يطلبها لا يدركها (22)، وليس لمن تكفّل به أن يأخذها له وإنّما ذلك لهما. (3/517)
صفحة 1444
الباب العاشر
في شفعة أهل الذمَّة
فإذا كان بين ذمّي ومسلم فباع المسلم حصّته لمسلم، فطلب الذمّي شفعتها (23)، فقيل: له ذلك؛ وقيل: لا.
وإن اشترى مالا لم تكن لمسلم فيه شفعة، فله أخذه بشفعة الإسلام، وقيل: لا، إلاّ إن كانت له فيه، لأنّ الناس في الحقّ سواء.
وللذمّي ــ قيل ــ أن يأخذ شفعته بالاِشتراك والحقوق وإن من مسلم، وقيل: ليس له أن يأخذها منه إلاّ من مشترك، وقيل: لا شفعة له منه لا في مشاع ولا مقسوم (24)، والأوسط أنّها له منه في مشاع ولا تؤخذ منه في مشترك إن كان شريكا في البيع، وهي بين أهل الذمّة كما هي بين المسلمين، وليس لهم أن يأخذوا ما اشترى بعضهم من بعض بشفعة الإسلام، وإنّما لهم ذلك فيما اشتروه من أهل الصّلاة.
وإن باع مسلم لوالده الذمّي مالا فللشفيع أن يأخذ شفعته منه، وليس هو كبائع لو الده المسلم، وكذا في الزوجة إن كانت ذمّية، وإن أسلم الوالد أو الزوجة قبل أخذ الشفيع شفعته، فلا شفعة له منهما بعد إسلامهما، وإن باعت الذمّية لزوجها المسلم فلا تؤخذ منه الشُّفعة، وكذا لا تؤخذ فيما باع الذمّي لوالده الذمّي؛ وحجّة من يراها بالإسلام ما روي أنّ: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». (3/518)
صفحة 1445
الباب الحادي عشر
في شفعة المرأة ومنها والزوج والولد
أبو الحواري: عليها أن تطلبها ليلا إن كانت مخدّرة، ولا يلزمها نهارا، ولزمها أن تشهد فيه على أخذها حين تعلم بالبيع، وإن لم تردّها من حين ما علمت أو توكّل في طلبها، فلا شفعة لها إلاّ إن قالت لم تجد من توكّل، وكانت ممّن لا تبرز نهارا، فهي كالذي ليس عليه أن يطلبها ليلا.
وقيل: لها أن توكّل في ردّ شفعتها ولو كانت تبرز للمشتري، وأن تكون وكيلة، وإن لرجل في نزعها من امرأة، وإن ذهب رجل إلى امرأة وكلّمها في نزع الشُّفعة، لم يكن ذلك حجّة له عليها إن امتنعت، وفي حكم الاطمئنان إذا لم يشكّ أنّها هي فأرجو أن يسعه ذلك.
وإن باعت امرأة شيئا فأراد زوجها أخذه، كان أولى من الشفيع وله أن ينتزع شفعة زوجته، ولا يكلّفها أن تطلبها وإن لم يتفاوضا؛ وقيل: لا حتّى يكون مفاوضا؛ قال: وهذا عندي ممّا يؤكّد الشُّفعة للزوج، إن لو كانت لها ولم يزل حكمها.
وإن باعت لرجل مالا ثمّ تزوّجها فللشفيع شفعته فيما اشترى منها قبل.
أبو المؤثر: إن باع ولد لوالده شيئا فلا يشفع منه وتدرك في عكسه. وإن باع الأب لابنه رخصا (25) قوّمه العدول، ثمّ يأخذه الشفيع بالقيمة وفضل الثمن للابن، وقيل: للأب.
وإن باع الأب مال صغيره وهو شفعة له، فقيل: له أن يأخذه بها بعد واجبة البيع، وقيل: إنّ بيعه له تسليم منه للمشتري، وتركا لها، ولا شفعة له بعد ذلك كان أبا أو وكيلا أو وصيّا، أو [51] حاكما.
ولا شفعة فيما باع أحد الزوجين للآخر، ولا فيما باع الابن لأبيه، ولا السيّد لعبده، وما باعت الأم لولدها كعكسه فإنّه يشفع، وكذا إن قضي لامرأة أو لوارثها (3/519)
صفحة 1446
في صداقها مال بدراهم بعد موت زوجهاـ فإنّه يشفع وإن كان صداقها نخلا قضي لها فيه بعد موتها فلا شفعة فيه؛ وإن كان البيع من الابن لأبيه ولأجنبي، فالشفعة في حصّة الأجنبي. وفرق بعض بين هؤلاء وأوجبها للوكيل والوصيّ. قال خميس: ولا نعلم في الحاكم شيئا ويطلب علمه. (3/520)
صفحة 1447
الباب الثاني عشر
في الشركاء ومن أولى منهم بالشُّفْعة
فإذا كانت لناس وهم فيها سواء فهي أولى لمن سبقها منهم، وإن طلبوها معا فهي بينهم على الرؤوس، ولو طلبها واحد بعد واحد ما لم يحكم. وقيل: تقسم على عدد السهام والأوّل أكثر.
وإن أبطل أحد الشفعاء شفعته لم يضرّ ذلك غيره.
وإن كان منهم شافع بشركة في الأصل مشاعة، ومنهم شافع بطريق، ومنهم شافع بساقية، ومنهم شافع بالقياس، فأيّهم سبق إليها فهو أولى بها (26) من غيره، إلاّ إن شفع بالمشاركة في الأصل، فإنّه أولى من هؤلاء كلّهم ولو سُبق إليها، وأمّا الباقون فالسابق منهم أولى بها، وإن سرعوا إليها معا فهي بينهم على الرؤوس لا على السهام عند الأكثر.
وكذا الشريك في المنزل فهو أولى فيه ممّن يشفع بجمع الجذوع والميزاب والطريق، وإن كان لمنزل ميزابان أو أكثر كلّ ميزاب على منزل (27) أحد الجيران، أوقطعة لها ساقيتان أو طريقان أو أكثر على ناس شتى فكلّهم شفعاء في القطعة والمنزل فأيّهم سبق كان أولى بها.
الوضاح عن مسبح: إنّ الشُّفعة إذا لم يأخذها الأوّل، فلا أرى لمن هو أعلى منه (28) شيئا، أهل إزكي: إن كان أخذها الأوّل فذاك وإلاّ فالثاني وإلاّ فالثالث. وقيل: إنّ الثاني لا تبطل شفعته ولو علم بالبيع، حتّى يعلم أنّ الأوّل ترك وكذا الثالث مع الثاني وكذا ما بعدهما. (3/521)
صفحة 1448
الباب الثالث عشر
في الشُّفعة في القضاء والوصية والإقرار والصدقات
فمن قضى رجلا مالا بحقّ فإنّ الشُّفْعة تدرك فيه، إلاّ إن قضاه به وقال: ليس هو وفاء من حقّه أو هو أكثر من هذا، فحينئذ لا شفعة فيه على هذا الحدّ، حيي القاضي أو مات، ويشفع بقيمة ما قضاه بها؛ وكذا كلّ ما تدرك فيه القيمة، وإن كان الحقّ غير معروف ولا مسمّى فعليه قيمة ما قضاه، وأخذ شفعته بقيمة العدول؛ وكذا إذا قضى ولده.
ومن أوصى لأحد بنخلة شفعت وقيل: لا شفعة في الوصيّة.
ومن قضى من ماله شيئا في مرضه بحقّ وهو ممّا يخيّر فيه الوارث بين ترك المال المقضي له وبين تسليمه وردّ الثمن له، فالوارث فيه أولى من الشفيع إلاّ إن قال: المقرّ أو المقضي ليسه وفاء من حقّه، فلا خيار للوارث على هذا اللّفظ. ولا حقّ للشفيع.
وإن قضى وارث لأحد مالا بحقّ له على الميّت، فإنّه يشفع والوصيّة إن كانت بحقّ مسمّى، فللشفيع أن يأخذ الموصى به من مال أو منزل أو غيرهما ممّا تثبت فيه الشُّفْعة بالحقّ المسمّى، وإن كان غير (29) مسمّى قوّم الموصي به قيمة عدل وأخذه الشفيع بها. (3/522)
صفحة 1449
الباب الرابع عشر
في شفعة القياض
فقيل: لا شفعة فيه ما كان أصلا بأصل. ابن هاشم: إذا كان مالا بمال ودراهم زيادة، فللمقايض من المال بقدر قياضه به، والباقي للشفيع بالدراهم.
أبو الحواري: من قايض أصلا بحيوان وللأصل شفيع فإنّه لا يدرك شفعته، ولو حضر الحيوان يوم القياض، ويدركها إن كان البيع بما يكال أو يوزن، وبذلك قال أبو المؤثر.
وقيل: إنّه يدركها إلاّ في قياض أصل بأصل كأرض ونخل وماء وغير ذلك، وما كان من الثمن كالعروض والمتاع والحيوان من غير الأصول يدركها فيه بقيمته كما يقوّمه العدول.
قال: وهذا هو الأكثر والمعمول به؛ وقيل: إن وجد الشفيع مثل ما سلّم المشتري من الحيوان والعروض فعليه أن يسلّم مثله، وإن لم يجده كان عليه وله أن يسلّم قيمته بالعدول.
وقيل: يقوّم المال إذا لم تعرف قيمة العروض والحيوان، وإن طلب يمين المشتري أنّه ما اشترى المبيع بدنانير أو دراهم أو بكيل أو بموزون وما كان إلاّ قياضا، فله ذلك عليه، وإن ردّ اليمين على الشفيع لم يلزمه.
وإن كان قياضا ثمّ اشتراه في وقته أو بعده فهو قياض، ولا شفعة فيه إلاّ إن شرط (30) بينهما أن يقايضه هذا بهذا على أن يشتري منه هذا، فله شفعته على هذا، وله اليمين إن ادّعى هذا، لا عليه إن كره وقال: لا علم له بذلك إلاّ التهمة؛ وقد مرّ منع أبي المؤثر المدالسة [52] في الشُّفْعة وجواز غيره لها لمن دارا فيما يسعه منها وليس كلّ المدالسة تجوز. (3/523)
صفحة 1450
وعن هاشم بن الجهم أنّه قايض بمال بصرمة من عنده واشترط إخراجها من أرضه.
قال خميس: واحسب وزيادة من الدراهم وإنّما أراد بذلك احتيالا على الشفيع، وقايض بالصرمة وزاد دراهم.
وقيل: إن كان القياض أصلا بأصل وزيادة دراهم كان للشفيع من المال بقدر قيمة الدراهم. وقيل: إن كان كذلك لا يدرك شفعته.
وقيل: من عرض عليه رجل أرضا يشتريها فلا يجوز أن يقايضه بنخلة ثمّ يشتريها منه لأجل الشُّفْعة، إن كان القياض والبيع قد اتّحد فيهما المجلس أو اليوم، وكذا إن كان الشرط عند القياض إنّما يقايضه بهذه النخلة ثمّ يبيعها فهذا قياض فاسد.
وكذا إن كان القياض بثمن معروف قبله ففيه الشُّفْعة لأهلها، وإن لم يكن شرط ولا ثمن معروف جاز القياض والبيع.
ومن قايض إنسانا بنخلة من ماله ثمّ اشترى ما بقي من المال الذي فيه النخلة، فلا شفعة لشفيع عليه إن كانت النخلة تشفع الباقي أو تقايسه. (3/524)
صفحة 1451
الباب الخامس عشر
في شفعة المنازل
فإن كان الجدار بين رجلين شركة بين بيتين فبيع أحدهما كان للشريك في الجدار أن يشفع بحصّته فيه، الجدار والبيت معا به.
وكذا البساتين التي في البيوت التي تدخلها الحرم، فإنّها تشفع البساتين كالبيوت، وأمّا غير ذلك من الأموال والبساتين التي ليست كالمساكن، فإن كان الجدار الذي بينهما مشاعا فإنّما يشفع الجدار وحده إن أراد، والجدار الذي بين البيتين إن كان (31) لا يعرف لمن هو منهما، فإنّه شركة بينهما فيشفع به البيت.
وإن كانت مجاري ميازيب المنزل على مال أو أرض فلا يشفعان المنزل، لأنّ الماء لهما يخرج مخرج المنافع لا المضار.
وكذا قالوا إنّ الأسفل من الأموال والأرضين لا يشفع الأعلى لعدم المضرّة، وإنّما يشفع الأسفل الأعلى من المنازل خاصة لأنّ المضرّة في ذلك على الأسفل، ولا يشفع الأعلى الأسفل بانتفائها عليه، ومن ثمّ افترق حكم الأموال والمنازل.
وقيل: إذا ثبتت على الأموال والبساتين والأرضين من مجاري المنزل في نظر العدول كانت فيه الشُّفْعة.
وإن كان في بيت ميازيب وكلّ منها يجري على بيت رجل، فكلّ من أهل البيوت يشفع البيت الجاري عليه ميزابه، ولا حجّة له في جار على غير منزله.
وإن كان البيت الذي استحقّه بالشفعة بينه وبين المنزل الذي لم يستحقّه جدار عليه جذوعهما معا، فله شفعة المنزل بشفعة الآخر.
وكذا إن كان الذي أخذه بشفعة الأوّل بينه وبين منزل ثالث جدار عليه جذوعهما، فله أخذه أيضا بشفعة الثاني، وعلى هذا القياس والبيان ولو كان مائة بيت لأنّه أخذ شفعته بشفعته، وقيل: غير هذا. (3/525)
صفحة 1452
أبو علي: إنّه لو كان بين منزلين جدار ثمّ بيع أحدهما فللآخر، أن يشفعه ولو لم يكن عليه جذوع ولا غماء وهو حسن؛ وقيل: إنّه يشفع الجدار لا البيت إلاّ أن يقع الجدار، أو عليه مضرّة لسائر البيت أو لبعضه، فإنّه يشفع ذلك بالمضرّة.
أبو علي: إن كان الجدار خالصا لأحد المنزلين فلا شفعة فيه، والذي تشفع به المنازل هو الميازب والمشاعب والجذوع والشركة، وهي أقوى سببا في الأصل فتوجب الشُّفْعة.
وأمّا الأبواب إذا كانت على طريق جائز فلا شفعة بسببها ولو تقابلت، وإن جمع الباب بيتين أو ثلاثة شفع بعضها بعضا، ولا شفعة بالدعن إلاّ إن كان عليها غماء، والغماء مستوعب ببيت الجار ففي ذلك شفعة أيضا.
وإن كان ميزاب بيت على منزل وشعابه إلى منزل آخر، وطريقه من آخر، وجذوعه على جدار بينه وبين منزل آخر، فهؤلاء كلّهم شفعاء فمن اشترى منهم فلا يشفعه الآخر، وما بيع لغيرهم فمن سبق منهم إليه (32) وشفعته، كان له دون الآخرين إلاّ الشريك في الأصل فإنّه أولى من الكلّ إن بقي مشاعا على أصل شركته، وإن طلبوه معا فهو بينهم على الرؤوس.
وقيل: في طريق شركة بها أربعة أبواب إنّها جائزة؛ وقيل: لا حتّى تكون فيها خمسة، فإن بيع الأسفل منهنّ شفعه الثاني ممّا يليه من أعلاه، فإن لم يأخذه أخذه الثالث، ثمّ لا شفعة على القول بالأربعة، وعلى القول بالخمسة يأخذه الرابع إن لم يأخذه الثالث، ثمّ لا شفعة لأنّ بالخمسة تصير الطريق في حكم الجوائز.
وإن بيع الثاني [53] فالثالث أولى به فإن لم يأخذه أخذ الرابع على قول، وإن بيع الثالث أخذه الرابع على قول، وإن بيع الرابع فلا شفعة للخامس. خميس: ولا نعلم في ذلك خلافا عندنا.
وكذا في السواقي مثل الطرق، والخلاف في ذلك واحد كانت الأبواب والأجائل في جانب من (33) الطريق والساقية أو جانبين، إلاّ أنّه قيل: في الأبواب إن تقابل بابان، فالمقابل باب المبيع أولى به لأنّه أكثر ضرًّا. (3/526)
صفحة 1453
الباب السادس عشر
في شفعة النخل والبساتين
فإذا أحيط على بستان بجدار فبيع منه شيء، فإن اشتراه من له في البستان شيء فهو أولى بشفعته، كان المشتري أوّل البستان أو آخره، أو عليه طريق أو ساقية أو لا، فكلّ من له فيه شيء فهو شفيع إلاّ ما كان منه مشاعا غير مقسوم، فالشريك به أولى بالشفعة ممّن يشفع بالحقوق والمضار.
ولو (34) كان في البستان ساقية غير جائزة وعليها نخل عاضدية فبيع من النخل شيء، فليس للذي عليه الساقية فضل على سائر أهل البستان في الشُّفْعة بالقياس، ولا بالطريق ولا بالمسقى، واستحقاق بالبستان أولى من سائر المضار، والمسقى والطريق أولى ــ في قول (35) ــ من المقاسه؛ وقيل: هي أولى منهما، وقيل: الكلّ سواء والحدود والسواقي والطرق قاطعة للقياس لا لحقّ الشُّفْعة من المجرى والطريق.
ابن علي: كلّ بستان يدخل من باب فالشفعة فيه لطالبها من أهله، إن أحيط عليه كما مرّ، ولو لم يكن على الطالب لها طريق ولا ساقية.
وإن كانت قلّة نخل في أرض رجل وما تستحقّه منها، فلها شفعتها وإن كانت النخلة (36) وقيعة لرجل في أرض آخر، فإن بيعت الوقيعة شفعتها الأرض ولا تشفعها الوقيعة إن بيعت.
وقيل: من اشترى نخلة وطرحتها الريح فأخذها الشفيع جاز له، ولا يطرح عنه النقص من القيمة، وهو مخيّر في أخذها بما اشتريت به منها وفي تركها، وإنّما يطرح عنه ذلك إن قطعها مشتريها، ولا يطرح عنه فيما جاء من غير فعله.
وإن تقاربت قيل: نخلتان وقيعتان في أرض رجل، فبيعت إحداهما فصاحبُ الأرض أولى بها من ربّ النخلة. و (3/527)
صفحة 1454
إن باع رجل نخلة في قطعة نخل له من أسفلها فلا شفعة لطالبها فيها، وإنّما شفيعها البائع.
والرسيس التي لا يعمل لها طريق ولا ساقية لها لا شفعة فيها إلاّ بالمقاسمة، وهي إن كانت بين النخلتين من هذا النخل ستّة عشر ذراعا تشافعتا، لا إن كان بينهما أكثر، ولكلّ من الثلاثة بالرسيس ثلاثة أذرع، ويترك الباقي بحاله إن لم يأت عليه أحدهما أو غيرهما ببيان، إلاّ إن كان المال (37) كلّه لواحد فإنّ الأرض لربّه (38).
وكذا أرض لا تسقى ولا لبعضها على بعض الطريق لا شفعة فيها؛ وقيل: إنّ ما بين المالين هو لهما وبينهما، وإن كان لها سواق تشرب منها إذا جاء الغيث ويمرّ على بعضها بعض، ففيها الشُّفْعة فإذا كان موضع يسقى منه أقلّ من خمسة أموال كانت فيها قياسا على غيره من الأفلاج.
وإن كانت السواقي تحمل من الوادي الكبير فلا شفعة فيها، إن كانت تسقي أكثر من خمسة أموال، وثبتت إن سقت أقلّ منها، وقيل: أربعة.
ومن فاسل ــ قيل ــ رجلا على أرض ثمّ باعها من قبل أن يفسل فيها شيئا فله الشُّفْعة، ولو لم يفسل لأنّه شريك، وقيل: لا حتّى يتمّ ما شرط عليه ويحلّ له القسم.
وإن كانت بين ثلاثة نخلة لأحدهم جدعها وللآخر أرضها وللثالث الثمرة، فباع صاحبها أو صاحب الجدع فربّ الأرض أولى بالشفعة، وهي تكون في النخل المجتمع في مكان وله ماء واحد، وقسم النخل والأرض لا الماء، وإن قسم الماء لا الأرض ثبتت الشُّفْعة أيضا.
قال: وأمّا أهل مكّة فيزعمون أنّها لا تكون إلاّ في الذي لم يقسم.
وإن كانت نخلة رجل في خلال نخلِ آخرَ فباعه ربّه، فطلب ربّ النخلة أخذه بالشفعة، فقيل: إن كانت النخلة ليست من مشاع في النخل وأرضها محدودة، فإن كان عليها ممر ساقية وإن لشيء من النخل، أو طريق له كانت الشُّفْعة بالمارة في أرض النخلة، وإن كانت أرضها غير مقطوعة بجواميد، وهي في أرض مشاعة للنخل فكلّ (3/528)
صفحة 1455
نخلة منه نالها قياس تلك النخلة في الأرض فهي شفعتها (39) بالقياس، إن لم تكن ساقية ولا طريق؛ وإن كانت لا تقايس شيئا من هذا النخل لم تشفع بالقياس.
وقيل: إن كان النخل على ساقية جائزة شفع بعضه بعضا به، وقيل: لا يشفع به.
واختلف مسبح والأزهر بن علي في نخلتين تتقايسان، فقال: تتشافعان ما لم تقطع الحدود بينهما. ومسبح: إنّ الشُّفْعة لا تقع بالقياس.
خميس: ونحن نأخذ فيهما بالشفعة ما لم تقطع الحدود بينهما، والقياس أولى بالشفعة من المضرّة، وقيل: إنّها أولى بها منه.
أبو سعيد: إن كان على ساقية [54] جائزة نخل فبيعت السفلى فأمّا بالقياس فقيل: لا تشفعها إلاّ واحدة من أعلاها ثمّ لا شفعة، وأمّا بالساقية فقيل: لا شفعة فيها إن كانت على جائزة تسقي أسفل منها أربعة أموال، وإن كان أسفل منها ثلاثة، فإن كان أعلى منها نخلة تقايسها شفعتها بالقياس، ولا يشفعها أحد الأموال إن بيعت وتقايسها أسفل منها، وإن بيع الأسفل من الثلاثة كان لها الشُّفْعة بالمضرّة، وإن بيع الثاني كانت للثالث ثمّ لها، وإن بيع الثالث كانت لها أيضا ثمّ لا شفعة في قول.
ومن اشترى نخلا متقايسا وقد باع البائع ثلاثا أخرى تقايس الأولى، فله أن يشفع الكل إن تقايست، وإن كان له نخل عاضد يقايس عاضد نخل البائع، وللبائع عواضد أخرى تقايسها فقيل: هي شفعتها كلّها وإنّما لا تكون له إذا باع ربّ النخل نخلة لا تقايس نخل الطالب للشفعة.
وإن كان على جائزة ثلاث نخلات كلّ منها لرجل، فبيعت العليا وطلب ربّ السفلى شفعتها، فلا يجدها لأنّ الوسطى قطعت القياس بينهما، لما قيل: إنّ العاضدية التي على جائزة تشفعها أربع من أعلاها، وواحد من أسفلها إن قايستها، وقيل: تشفعها نخلتان بالقياس علياها وسفلاها. (3/529)
صفحة 1456
وإن كانت على غير جائزة شفعتها من أعلاها ثلاث، ثمّ لا شفعة بمضرّة وقد صارت جائزة إن كان أعلاها، من الثلاثة شيء فإنّ الرابعة المبيعة السفلى تكون خامسة وجائزة ولا شفعة فيها، فإذا شفعها ثلاث من أعلاها فللأوّل، ثمّ الثاني ثمّ الثالث، ثمّ انقطعت بالساقية وتشفعها السفلى بالقياس إن كان بينهما، وقيل: تشفعها علياها وسفلاها كما مرّ به فقط كانت على جائزة أو غير جائزة، وقيل: من أعلا أربع ومن أسفل، واحدة وهذا في النخل العاضدي. (3/530)
صفحة 1457
الباب السابع (40) عشر
في شفعة الماء
وأولى بها فيه الاشتراك ثمّ الذي يسدّه منه، لأنّ المضرّة عليه ثمّ الشريك في الخبورة، وللذي ماؤه في اللّيل شفع ما فيه، وللذي ماؤه في النّهار شفع ما فيه، ثمّ الذي له ماء فيه يشفع ما في اللّيل، وكذا من له ماء يشفع ما في النّهار، وهذا إن كان يسدّ بعضهم من بعض، فأولى بالشفعة مَن ماؤه يلي الماء المبيع، ثمّ تاليه ثمّ تاليه ثمّ تاليه.
وقيل: لا شفعة إلاّ لمن يسدّ منه البائع أو الشفيع، وقيل: إنّ هذا في المربوط الذي لا يتحوّل الشركاء فيه من أمكنتهم، وأمّا إن كان الشركاء في الخبورة يتساقونها بالأدوار اللّيل والنّهار، ولا يعرف الأوّل منهم ولا الآخر، فكلّ من أخذ الشُّفْعة منهم قبل صاحبه فهو أولى بها، وكلّهم فيها سواء لإشاعتها بينهم وليس هو بماء مربوط.
ومن مات ــ قيل ــ وورثه اثنان فهلك أحدهما وترك أولادا فقسموا حصّتهم من الماء ثمّ واحد منهم، والماء يتسادونه بالدور فالإخوة والعمّ (41) سواء فيه، وإن كان مشاعا بين الإخوة فهم أولى به، وكذا إن كان مربوطا يتسادونه فيه دون عمّهم فهم أولى به منه، لأنّ ماءهم في سهام مختلطة تقسم من مجعول القسمة.
أبو المؤثر: أولى بالشفعة المؤاجل المعادل ثمّ المؤاجل منه البائع، وأمّا المؤاجل من البائع فلا شفعة فيه، وقيل: لا شفعة في الماء إلاّ في الآجال المؤجلة، فعلى هذا إنّما تكون للمشتري الذي يردّ منه الماء لأنّ المضرّة تكون عليه، فإن كان هذا الماء في شيء من الأفلاج غير الآجال من المياه المربوطة على اليوم هذا يسدّ من هذا على الدوام فأيّهما باع كان لصاحبه الشُّفْعة. (3/531)
صفحة 1458
الباب الثامن عشر
في الشفعة بالمساقي والأجائل
فالقطع إن كان بعضها أسفل من بعض وبيعت السفلى فالشفعة للأولى ثمّ الثانية ثمّ الثالثة ثمّ تنقطع، ولا شفعة للرابعة لأنّها خامسة الأجائل، فالشفعة إلى المبيعة وإنّما ينظر إليها ثمّ إلى ثلاثة أجائل ثمّ تنقطع؛ وإنّما تكون الأجائل من أعل، وقيل: إلى أربعة بعد المبيع (42) والأوّل أكثر.
والساقية إن كانت على رجلين وكلاهما شفيع فأيّهما سبق كان له الشراء ولا يشفعه الآخر؛ وإن كان المشتري غيرهما فأيّهما طلبها (43) قبل صاحبه فهي له، وإن طلباها معا كانت بينهما، وإن كانوا شركاء قسمت بينهم سواء ولو كان أحدهم (44) أكثر مالا ومضرّة من الآخر، لكان له مثل الأقل، فإن كانت الساقية على واحد والطريق على آخر فكلاهما شفيع والقول فيهما ما مرّ.
والذي عليه المسقى يشفع مال [55] الذي له المسقى إن كانت الساقية غير جائزة؛ وكذا في الطريق. وقيل: إنّ الطرق والقناطر الكائنة على السواقي لا تقطع الشُّفْعة، وقيل: إن توالت أجائل الصافية حسبت كلّها أجالة واحدة، فإذا فرق بين كلّ أجالتين من الصافية أجالة عادت متفرّقة، وقيل: كلّها واحدة ولو فرّق بينهما.
وكذا إن كان في مال رجل أجائل فهو كالصافية واختلف ابن علي وابن محبوب في الأجال والأبواب، فقال ابن علي: إنّ الشُّفْعة في خمس أجائل: أجالة البائع، وأجالة الشفيع، وثلاث بينهما.
وقال محمّد: أجالة كلّ منهما واثنتان بينهما وكذا الأبواب.
أبو علي: إن كان لخمسة رجال خمس نخلات في أجيل واحد وله أجالة واحدة والأرض شركة بينهم، وكل واحد يعرف نخلته ثمّ اشترى رجلا آخر مالا يسقي من تلك السّاقية، فطلب إليه الشفيع شفعته فاحتجّ أنّ الساقية فيها خمس أجائل لحال (3/532)
صفحة 1459
الشركاء الخمسة في أرض النخلات، فقال أبو علي: إنّها خمس أجائل على هذه الصفة، ولا شفعة للشفيع وقيل: إذا لم يفتح لكلّ نخلة أجالة فهي أجالة واحدة، وإن كان النخل مشتركا وتقسم تمرتها (45) فهي أجالة واحدة، وقيل: لو كان أصل واحد فيه خمس نخلات كلّ نخلة لرجل، فهي خمسة أموال، وتصير جائزة كما مرّ.
وكذا الأرض إن كانت بين خمسة فإنّها تعدّ خمسة أجائل. وكذا العواضد التي لا حياض لها فهي بمنزلة الأموال على السواقي، وإن قسم المال وبان لكلّ حقّه حسبت أجائل، ولو سقى المال بأجالة واحدة، وإلاّ وكان مشاعا، فقيل: إن كان ينقسم فهو أجائل، وقيل: هي واحدة ما لم يقسم، وهذا كلّه فيما يلزم من الشُّفْعة وما فيه أحكام الأجائل.
أبو الحواري: إنّه يحسب أجائل إن كان ينقسم ولو مشاعا على قدر الأسهم، وقيل: يعد إجالة واحدة ما شيع، فإذا قسم عدّ على عدد الأسهم.
وإن كان على الطريق أربعة أبواب وفيها طريق لمسجد حسبت جائزا، وقيل: إن كانت في الساقية خمسة أجائل، فلا شفعة فيها إن بيع أحد الأموال من أعلا (46)، ومن أسفل بيع الأوّل والرابع، وقيل: إن بيع الخامس من أسفل الأموال شفعه مَن أعلا منهم، ثمّ الثاني ثمّ الثالث ثمّ الرابع، ثمّ لا شفعة بعد، وإنّما يحسب من الأعلى لا من الأسفل، ولا ينظر في حساب ما سفل من المال، لأنّه إنّما ينظر صاحب هذا القول إلى المال المبيع.
فإن كان ماؤه يجري على أربع أجائل سواه من أعلا فلا شفعة فيه، وثبتت فيما دون ذلك.
ابن بركة: من باع قطعة أرض وفي الأرض ساقية، قائدا أو غير قائد في وسطها، أو جانبا منها، وعلى ساقية نخلة لرجل فإن كانت عاضدية عليها، فلا شفعة لها في الأرض إن كانت الساقية، جائزة وإلاّ فإنّها تشفعها وهذا إن كانت الساقية تسقي الأرض، وكذا إن كان يسقى شيئا منها على النخلة شفعة ما كان مسقاه عليها إن كانت غير جائزة. (3/533)
صفحة 1460
الباب التاسع عشر
في شفعة الأرض والآبار
فقد قيل: لا شفعة في الأرض بالحدود ولا بالظل ولا بمنع الريح، إن كان مسقى كلّ أرض وطريقها من غير ما تشرب منه الأخرى أو يتطرّق إليها، أو كانت ساقية جائزة.
وإن كانت على جدار أرض رجل نخلة ولا طريق لها ولا مسقى على الأرض، فلا تشفعها النخلة إلاّ إن كان لها فيها مسلك لسقيها أو طريق إليها.
وإن كانت بين شركاء بئر اقتسموا أرضها، وعلى كلّ لصاحبه طريق، وهم شركاء في فمها فباع أحدهم نصيبه من الأرض والماء لغيرهم، فطلب أحدهم شفعته فإنّما هي له في فم البئر يأخذه بمنابه من القيمة، ولا شفعة في الأرض ولا رجعة للمشتري، إن طلب نقض البيع، ويشفع الفم والماء، وقيل: إذا تلاصقت أرضهما ولا يعرف حدود أرضه من حدود جاره فبينهما الشُّفْعة، وإن قطعت بينهما الحدود والجواميد فلا شفعة بينهما إلاّ بشركة، أو طريق أو ساقية. (3/534)
صفحة 1461
الباب العشرون
في الشفعة إذا بيعت مع غيرها في صفقة واحدة وفي ضروب منها
فمن باع قيل: مالا يشربه من الماء ولرجل شفعة الماء فطلب أخذه بها وكره المشتري ذلك، فقيل: أنّ سعيد بن المبشر قال في أيّام الإمام غسّان: إنّ الشفيع إمّا أن يأخذ المال والماء، وإمّا أن يدعهما ولا يترك النخل صوادي لا ماء له.
وقيل: إنّه قضى بين خصماء بذلك ولم يرى غير ذلك، وقيل: إنّ له أخذ الماء بالشفعة كالمال بالقيمة، والأوّل أكثر، وإن بيع كلّ وحده فلا خيار فيه للشفيع، ويأخذ شفعته ممّا وجبت فيه ولا حجّة له فما لا شفعة له فيه.
وإن بيع لرجل قطعتان في صفقة، (47) إحداهما شفعة لرجل لا أخرى فأخذها من المشتري، فإنّه يقف العدول عليهما [56] ويقوّمونهما بما بيعتا به، وينظرون إلى المشفوعة ما تكون نصفا أو غيره، ويأخذها الشفيع بمالها من الثمن، وإن قال له المشتري: خذها بكذا وكذا من الثمن أو اتركها، وهو أكثر ممّا رآه العدول، فإنّه لا يجده.
وإن بيع منزلان أو أحدهما وهو أو بعضه شفعة لا الباقي فكذلك.
وكذا إن بيع مال ومنزل بصفقة أو مال، وعبد أو شيء من الحيوان أو غير ذلك، وقيل: إن تفرقت قطع وشفعتها الواحد بسبب واحد فعليه أن يأخذ الكلّ أو يدعه، وإن كان كلّ منها يشفع بسبب لا تشفع به أخرى فله أن يأخذ ما شاء من القطع بماله من شركة أو طريق أو ساقية أو غيرها، وإن كان المال قطعة فبيع منها كلّ ناحيّة بعقدة غير الأخرى فله أن يأخذ أيّ عقد شاء أو أكثر، فإن كانت القطعة طويلة تشفع نخلتين أو واحدة من أوّلها ثمّ بيعت شيئا فشيئا، فعلى ما مرّ وإن بيعت كلّها (3/535)
صفحة 1462
بقيمة واحدة، وقال الشفيع: إنّه لا يقدر أن يأخذها كلّها فله أن يأخذها كلّها أو يدعها.
وإن رهن رجل قيل: قطعة من ماله بيد رجل ثمّ بيعت قطعة أسفل منها، فالرّاهن أولى بالشفعة بها من الراهن إن طلبها. (3/536)
صفحة 1463
الباب الحادي والعشرون
في ضروب من الشفعة
أبو عبد الله: من اشترى شفعة لرجل فأشهد صاحبها أنّه أخذها فمكث يوما أو يومين أو ثلاثة، ثمّ رجع إلى المشتري فقال: إنّي لمّا وقفت عليها لم أردّها، فإنّي لم أعرفها قبل فقال؛ له المشتري: لا أقبلها منك بعد وقد أخذتها منّي لزمت الشفيع، ولو لم يعرف ما أخذ من شفعته وإنّما الوقوف للمشتري.
ومن أراد أن يشتري من رجل نخلة فقال شفيعها: لا أدع شفعتي لأحد، فاشتراها مريدها بعشرين وهي تسوى خمسة لكي لا تؤخذ منه بالشفعة، فإن أراد البائع والمشتري بذلك الإضرار بالشفيع أثما به، وإلاّ فلا وله الخيار في الأخذ أو الترك.
وإن أعطى رجل لرجل شيئا من مال وينفق له بأكثر، ويكثر في عطيّة الثمن حتّى يضرّ الشفيع، فيأخذ شفعته بالغلاء، فذلك حرام لا يجوز وليست تلك بعطية، إن كان إنّما أعطاه على ذلك. ولا يجوز للبائع ولا للمعطي وما أخذه المعطى له على ذلك من أجر فهو حرام وعليه ردّه.
قال خميس: ولا توبة لهما عندي حتّى يردّ ما أخذ إلاّ إن لم يقدر عليه وبان عذره فلا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، وكذا لا يجوز ذلك للبائع وهو آثم فيه، وعليه أن يخبر الشفيع به.
ومن احتال عليه ودلسه حتّى زاد عليه في الثمن فإن أحلّه من ذلك وأبرأه منه، فقد وسعه وإلاّ لزمه أن يردّ له ما زاد عليه من الثمن، ويرجع إلى ثمن المثل.
ومن باع ما هو شفعة لرجل فطلبها الرجل فقال له: إنّي قد استثنيت على المشترك أنّي متى جئته بالثمن ردّ لي مالي به، فاعترف بذلك له، فإن علم بذلك منهما أو من أحدهما قبل أن يطلب شفعته ثبت قول البائع، وإلاّ فليس قوله بشيء بعد (3/537)
صفحة 1464
طلبها وله شفعته، وجاز إخفاء الشراء خوفا منها، ومتى علم الشفيع به (48) أخذها، وليس على المشتري إعلامه به.
وقيل: إنّ أبا عبيدة كان يضعِّف أمرها، ويقول: لا يحبس مال اليتيم حتّى يكبر، أو غائبٍ حتّى يقدم (49). وابتلي بها رجل منهم فأتاه يسأله فقال له: اذهب إلى المشايخ فاسأل هل لجابر في ذلك أثر، فجاء إلى منزل اليحمدي فسأله فقال: إنّ جابرا يراها (50) ويوجبها فأمره أن يأخذها بقوله.
وقيل: من باع مالا لرجل وهو شفعة لآخر فإن أتى الشفيع إلى الشهود أن يخبروه (51) بالبيع، لم يجز (52) لهم كتمانه لأنّها حقّه.
ومن أشهد شهودا أنّه قضى فلانا شيئا من ماله ولم يقل بحقّ له علي ولا غير ذلك، فإن كان في الصحّة ثبت وشفع بقيمتهن وإن كان في المرض فهو إلى الضعف أقرب، وإن أشهد أنّ ماله من موضع كذا وكذا لفلان بن فلان بحقّ له عليه إذا نزل به الموت أو إن متّ؛ فإن أشهد به في المرض وقام وأراد أخذه فهو له، وللمشهد له به قيمته، وإن مات فهو له بعينه وللوارث أن يردّ قيمته ويأخذه إن أراد، إلاّ إن قال وليسه بوفاء له فيتم له كما مرّ.
وإن لم يأخذه الوارث وطلبه الشفيع كان له إلاّ إن قال ليسه له بوفاء وقد مرّ.
ومن اشترى أرضا من رجل (53) ثمّ ولاّها غيره فأخذها الشفيع، وطلب أن يكتب له ملكا اشتراه من الرجل فكره، قال: يأمره الوالي أن يكتب.
ومن اشترى مالا فأخذ منه بالشفعة وسلّمها إلى صاحبها، فعليه أن يشهد له أنّه قد سلّمه إليه بها (54) [57] وذلك بعد أن صحّ أنّه شفعته وأنّه قبض منه ثمنه الذي اشتراه به، وأنّه تبرّأ إليه منه، وأنّه لا حقّ له فيه. (3/538)
صفحة 1465
الباب الثاني والعشرون
فيمن خبره حجَّة في الشفعة
أبو الحواري: من اشترى قطعة نخل وأرض وأشهد على البيع غير عدول وأخبر الشفيع أحد الشهود، قال: فالذي جاء به الأثر أنّه إذا أخبره البائع أو المشتري أو الشاهد قامت عليه الحجّة ولو غير عدول، وإن أخبره غير الشهود فحتّى يكونوا عدولا؛ وإن قال له رجل: بلغني أو سمعت أنّ شفعتك بيعت فليس ذلك بعلم.
أبو العلا وابن سليمان: أنّه إذا بلغه بيع شفعته ولو من غير المشتري ولم يطلبها فقد أبطلها، وإن أرسل إليه المشتري رسولا فأعلمه ولم يقل شيئا، ثمّ طلبها من غد فأتته لأنّه أخّرها إلى الغد. وإن اِختلف المشتري والشفيع في طلبها قبل قوله أنّه حين علم ببيعها طلبها مع يمينه، إلاّ إن صحّت بيّنة للمشتري أنّه فرّط بعد العلم في الطلب، وإذا شهر البيع شهرة لا شكّ فيها فالخبر بها حجّة عليه أيضا إذا فرّط بعده.
أبو علي: إن خرج رجل إلى قرية فقال لرجل: إنّي قد اشتريت شفعتك فلم يصدّقه وعسى أن يكون حقّا فلا يثبت ذلك عليه في دفع الثمن، لأنّه يكون مدّعيا في قبضه، ولعلّ البائع لا يقرّ بالبيع أو لا يصحّ، ولكن يكون عليه حجّة في طلب الشُّفْعة، ولا يلزمه دفع الثمن إلاّ إن صحّ البيع، فإن طلب إليه المشتري أن يكون في يد أمين بعد أخذها فأبى، كان ذلك حجّة عليه وفاتته شفعته، وللمشتري إن لم يصدّقه الشفيع وجعل الثمن بيد ثقة حتّى يصحّ الخبر، وإذا شهر البيع عند النّاس والشفيع يسمع ذلك شاهرا عندهم فلم يطلب شفعته بطلت. (3/539)
صفحة 1466
الباب الثالث والعشرون
فيمن طلب شفعته ومُنع منها غلبة
أبو سعيد: إنّه إذا استوجب أخذها في قول العلماء فمنع منه (55) غلبة، فله شفعته وغلّتها، وإن باعها المشتري بطل بيعه ولا يجوز للثاني الشراء منه إن علم بذلك، وإن لم يمنعه غلبة وإنّما دعاه إلى رأي المسلمين فتوانى في طلبها حتّى فات وقتها الذي يستحقّها فيه فهي للمشتري.
وإن طلبها من الثاني إذا منعه الأوّل وقد احتجّ عليه فإن توانى عن طلبها فلا حقّ له على واحد منهما، ومن استحقّها من أحدهما دفع إليه الثمن الذي بيعت به.
وإن كان لمّا طلبها من الأوّل واستحقّها منه منعه ظلما، استحقّها (56) بالطلب الأوّل وفسد البيع للثاني، وعلى الأوّل ردّ الثمن إليه، وعلى الشفيع ردّه إلى الأوّل المانع له منها، ويقاصص بما استغلّ منها إن أخذها غصبا، وإن غصبها (57) الأوّل ولم يعلم الثاني أنّه اغتصبها، أدركها الشفيع منه لأنّها له في الأصل بالأخذ الأوّل، وإن أراد أخذها بالبيع الثاني إذا لم يصحّ له الأخذ الأوّل منه كان له إن طلبها في وقتها. (3/540)
صفحة 1467
الباب الرابع والعشرون
في الشفعة إذا لم يصحّ البيع
ابن أحمد: إنّها لا تؤخذ به إن فسد ولم تجز متاممته، كبائع مال غيره بلا حجّة وهو ينكر بيعه، أو كون البائع صبيّا أو مجنونا أو أخرس أو محجور عليه، أو عبدا بلا إذن أو وكالة له، ممّا البيع فيه فاسد من أصله.
وفي بيع اليتيم خلاف فمن أوجب ثبوته ببلوغه أو إتمامه أوجب على الشفيع طلب شفعته عند علمه بالبيع فإذا بلغ وأتمّه أخذها بالطلب الأوّل وسلّم الثمن للمشتري (58)، وإن غيّر البيع عند بلوغه بطل هو والشفعة معا، ومن لا يرى له بيعا رأى أن (59) لا شفعة فيه.
وإن اشترى مالا بعبد فأخذه الشفيع ثمّ استحقّ العبد فسد البيع والشفعة.
ومن ادّعى قيل: على رجل أنّه بائعه قطعة من ماله، وأنكر الرجل البيع، فطلب الشفيع أخذها به لم يجده ولو اعترف به لجاز له، وإن أقرّ البائع قيل: بالبيع والمشتري به أيضا أخذ الشفيع شفعته وسلّم الثمن إليه لا إلى البائع، وإن انكر المشتري وقد أقرّ البائع بإزالته المبيع بالثمن، وقد أخذه الشفيع، ثبت ذلك على البائع لاعترافه به. (3/541)
صفحة 1468
الباب الخامس والعشرون
في الشفعة إذا بيعت لواحد بعد واحد
فمن اشترى قيل: شفعة رجل بمائة ثمّ باعها بمائتين قبل علم الشفيع، وقيل: إنّ له أخذها بأي العقدتين أراد، فإن أخذ بالأوّل رجع المشتري الأخير على الأوّل بما اشترى به، وإن أخذها بالأخير سلّمه إلى من هي بيده، وقيل: إنّه يأخذها بما اشتراها به من هي بيده، وإن علم بالبيع الأوّل فلم يطلبها فله أن يطلبها في تاليه متى علم.
وإن ولّى المشتري المبيع غيره فله أخذها من المولى له، ولا يضرّه ترك الطلب من المشتري. وإن كان للمولى له أو للمشتري الأخير شفعتها بعد الأوّل، فهي له إلاّ إن استويا فيه، فهي للأخير لا للأوّل.
وإن باع الشفيع ما يستحقّ به الشُّفْعة قبل أن يعلم [58] ببيعها فلا شفعة له، لأنّه قد زالت عنه المضرّة، وقيل: هي له لوجوبها له من قبل، ولا شفعة للمشتري فيما بيع قبل أن يشتري ما يشفعه به (60)، لأنّ البيع الأوّل وقع قبل بيعه فعلى هذا لا شفعة للأوّل ولا للثاني.
ومن بيعت قيل: شفعته فلم يطلبها لعدم علمه ببيعها إلى أن بيعت شفعة ما تشفعها، فاشتراها المشتري للأولى أيضا ثمّ علم صاحبها فطلبها وما شفعته، فله أن يأخذهما معا لأنّها له يوم طلبها، وإنّما أخذ الأخيرة بها، وقيل: ليس له إلاّ الأولى إلاّ إن كان يشفع الأخيرة بغير الأولى، والهبة في هذا كالبيع ولعلّها إن كانت للثواب. (3/542)
صفحة 1469
الباب السادس والعشرون
في الشفعة إذا تلف منها شيءٌ
فمن اشترى دارا فباع أبوابها بنصف ثمنها ثمّ استحقّها الشفيع، فإنّه يطرح عنه ثمن الأبواب، لأنّه اشتراها بها، وإن كانت موجودة ردّت بعينها على الشفيع، وإن باعها بثمن الدار كلّه فالدّار للشفيع وليس عليه شيء لأنّ المشتري قد استوفى ثمنها.
وإن أتلفها أو غيّرها من المبيع سرقٌ أو حرق أو غيرهما بلا إتلاف من المشتري، فالشفيع بالخيار في تركها وأخذها بما عليه من الثمن، وكذا ما هو مثل هذا، فإن اشترى نخلا فوقع بعض النخل فطلب شفعته، فإن قطعها المشتري طرح عن الشفيع بقدر ما قطع منها بقيمته، وأخذ الباقي مع مواضع المقطوعة بنظر العدول كما مرّ.
وإن وقعت بآفة لا منه خيّر الشفيع في أخذ القائمة مع المواضع والجذوع بالثمن كلّه، وفي الترك وإن أتلف المشتري شيئا من الجذوع والخوص وغيرهما طرح عن الشفيع بقدره، وكذا إن كان على النخل يوم البيع ثمر مدرك شرطه المشتري على البائع طرح عنه بقدره أيضا من الثمن. (3/543)
صفحة 1470
الباب السابع والعشرون
في الشفعة إذا عمِّرت واستُغلَّت
فمن اشترى شفعة غائب ثمّ فسل فيها نخلا وجدر عليها جدارا، وقام النخل ثمّ قدم الرجل فأخذ شفعته، فقيل: إن استحقّها عليه بعدّ ذلك، خيِّر المشتري في إخراج عمارته وفي أخذ قيمتها لأنّه عامل بسبب، وقيل: له القيمة لا الخيار، ولا للشفيع أيضا ولكن إن شاء أن يأخذها بالثمن وما غرم المشتري من العمارة، وإن شاء ترك وذلك له إن جهل.
والزرع، قيل: إنَّه (61) لمن زرعه وعليه كراء الأرض للشفيع بحساب الأشهر من يوم زرع إلى حصاده، وإن استغلّ المشتري من المبيع غلّة ثمّ استحقّ منه بالشفعة، فلا ردّ عليه فيها إلاّ إن كانت مدركة يوم البيع وشرطها على البائع عنده كما مرّ، فإنّها تردّ على الشفيع أو يحاسب بها المشتري (62) من القيمة، وقيل: يعدّ ما غرم فيما استغلّ فإن كان ما غرم أكثر منه ردّ عليه الشفيع الفضلَ، وفي العكس لا ردّ له على المشتري في ذلك.
ومن اشترى أرضا وأخرج منها ترابا، فقيل: تقوَّم يوم يأخذها الشفيع، فإن كان التراب ينقص قيمتها عمّا اشتراها به لزمه قدر ما نقص منها، وإن كان لا ينقصها فليس له بشيء لأنّه كالغلّة، وكذا إن جمع فيها ترابٌ كالسماد الذي لو لم يشترطه المشتري لكان للبائع، فإن اشترطه فهو للشفيع في جملة المبيع، وكذا ما يماثل هذا وقيل: إن كان للتراب قيمة فإنّه يعدّ منها كالنخلة فيما مرّ، وإن باعه المشتري حسب من ثمنه. (3/544)
صفحة 1471
الباب الثامن والعشرون
في شفعة العطية والانحطاط في الثمن
فمن أعطى رجلا مالا على أن يعوّضه شيء بلا اشتراط بينهما أو به، فإذا أخذه على ذلك أخذه الشفيع بما أعطى، وقيل: إنّه ضعيف حتّى يعطيه ويقبل منه ثمّ على الشفيع مثل ذلك، وإن أعطاه بلا أساس بينهما ولا أراد (63) هو ذلك فإنّ في المكافأة الشُّفْعة.
ومن تصدّق على رجل بمال وأثابه فطلبه الشفيع فقال المعطى له: لم يشترط علي إثابة، وقد أثبته فله شفعته بثمن المال لا قدر الإثابة.
ومن أعطى قيل: رجلا من قطعته أو داره شيئا مشاعا أو مقسوما ليبيع له الباقي ويكون شفيعا لم يجز ذلك إلاّ إن أعطاه قبل أن يعرضها على البيع وقبض، وكان له ثمّ يعرض عليه البيع فهناك يكون شفيعا، وإن أعطاه بعد أن عرضها عليه كان له ما أعطاه. وللشفيع شفعته لا للدّاخل فيها بالعطيّة، وقيل: إذا أعطاه في مجلس وتفرّقا ثمّ باع له، وقد أحرز المعطى له جاز ذلك في الحكم وكان شفيعا.
وإن كانت العطيّة لغلام واشترى باقي المال وصيّه أو وكيله في المجلس المشهد فيه بالعطيّة له فهي له والشفعة للشفيع.
وإن أعطت امرأة رجلا مالا ثمّ تزوّجها بيوم أو أيّام ولم يحرز عليه فعليه الإحراز، ولا ينفعه القبول، وكذا لو باعت له مالا ثمّ تزوّجها كان للشفيع شفعته.
فصل
من اشترى ــ قيل ــ مالا من عند رجل بمائة ثمّ ترك منها عشرة أو أكثر، أو باع له ما قيمته مائة [59] بسبعين إحسانا منه إليه ومحاباة، فأخذه الشفيع، فالموجود في (3/545)
صفحة 1472
هذا أنّه إن ترك له شيئا من الثمر فإنّه ينحطّ ــ قيل ــ عن الشفيع، وقيل: إنّ ما وهبه البائع للمشتري فهو له، ويأخذ الشفيع بأصل الشيء إلاّ إن سمّى حطّا من الثمن فللشفيع، مثل ذلك وإن وهب له الثمن كلّه، فعلى الشفيع أن يردّ عليه الثمن كاملا.
وقيل: إن كان محرّما من البائع أو ظهر عند البيع ذكر الإحسان إليه فبالقيمة يأخذ الشفيع، وإن لم يكن شيء من ذلك فما عليه إلاّ ما عقد عليه البيع، وقيل: إنّ الحطَّ والضعة والإحسان والبراءة بمنزلة واحدة وفي ذلك خلاف.
خميس: ونحبّ أن يكون للشفيع ما للمشتري إن كان ممّا يتغابن فيه مثله، وإن كان في النظر أنّه محاباة له أو هبة وصدقة عليه ولا يتغابن في مثله فإنّه له خاصة والشفيع يأخذ بالقيمة.
وعن موسى أنّه قال: فيمن اشترى قطعة من رجل بقليل إحسانا منه إليه، فأراد الشفيع شفعتها به ليس له ذلك بل يعطي الثمن كلّه.
قال هشام: وكذا غير القطعة ممّا فيه الشُّفْعة وقيل: إنّما عليه الثمن الذي بيعت به شفعته.
تمّ الجزء التاسع منه (3/546)
صفحة 1473
هوامش الجزء التاسع
(1) - ب: فالحبوب.
(2) - ب: وهو ..
(3) - ب: - ثمن.
(4) - ب: ما لك فيه شفعة.
(5) - ب: وادّعى انتزاعه.
(6) - ب: فيه.
(7) - ب: للشفيع.
(8) - ب: فأحضرها له.
(9) - ب: مائة ألف.
(10) - ب: - له.
(11) - ب: - قيل:.
(12) - أ: الباب الخامس عشر، وهو خطأ. وفي أ (هامش): لفظة عشر ... سهو منه رحمه الله.
(13) - ب: تأخيره بقيته على ثلاثة أيام، إذا ...
(14) - ب: + إليه.
(15) - ب: - ذلك.
(16) - ب: - به.
(17) - ب: - قد.
(18) - أ: وقع خلط وتكرار لجملة: فقال الشفيع وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته لم تبطل به.
(19) - ب: - له.
(20) - ب: - منه.
(21) - ب: - عن طلبها.
(22) - ب: يدركه.
(23) - ب: شفعته.
(24) - ب: في مقسوم.
(25) - ب: رخيصًا.
(26) - ب: به. (3/547)
صفحة 1474
(27) - ب: - منزل.
(28) - ب: منهم.
(29) - ب: من غير.
(30) - ب: كان شرطا.
(31) - ب: - إن كان.
(32) - ب: إليه منهم.
(33) - ب: - من.
(34) - ب: وإن.
(35) - ب: - في قول.
(36) - ب: نخلة.
(37) - ب: الملال.
(38) - ب: لربِّها.
(39) - ب: شفعة.
(40) - ب: ب: الباب الرابع عشر، وهو خطأ.
(41) - ب: فالعمّ والإخوة.
(42) - ب: المبيع.
(43) - ب: طلب.
(44) - ب: بعضهم.
(45) - ب: تمرته.
(46) - ب: أعلاها.
(47) - ب: + واحدة.
(48) - ب: بها.
(49) - ب: يكبر، وهو خطأ.
(50) - ب: - يرا.
(51) - ب: ليخبروه.
(52) - ب: فلا يجوز.
(53) - ب: - من رجل.
(54) - ب: - بها.
(55) - ب: منها.
(56) - ب: استحقَّه.
(57) - ب: غصبه.
(58) - ب: للمشتري الثمن. (3/548)
صفحة 1475
(59) - ب: أنَّه.
(60) - ب: - به.
(61) - ب: - إنَّه.
(62) - ب: - المشتري.
(63) - ب: وأراد. (3/549)
صفحة 1476
/ (3/550)
صفحة 1477
الجزء العاشر
في الإجارات والعمّال
والاِشتراك في الأَموال
وأهل الصناعات
ونحو ذلك. (3/551)
صفحة 1478
/ (3/552)
صفحة 1479
الباب الأوّل
في العمل والعمّال وبيان أحكامهما
أبو المؤثر: من استعمل عمّالا على أرضه بجزء مسمّى، كنصف أو ثلث يزرعونها له به، فلا بأس به؛ وكذا إن دفع أرضه إلى صاحب ثور يزجرها بالجزء المعيّن، جاز على ما اتّفقا عليه. ابن محبوب: الثور شريك. خميس: وأنا أقول إن استأجره بأجرة معيّنة، فله الأجرة وليسه بشريك.
أبو سعيد: من سقى أرضا ونبتت وخلاَ لها مدّة، ثمّ قال لآخر: اعمل كذا وكذا فيها، ولك فيها كذا وكذا، فإنّه يثبت عند مثبت المشاركة في الزراعة، بسهم معيّن منها.
ولم يثبت أبو سعيد بيع العامل عناءه لغير ربّ الزراعة، لأنَّه عليه عند من لا يثبتها فيها (1)، فإن اتّفق هو وربّ المال على أن يعطيه بعنائه حبا جاز، لا إن بحب إلى أجل، إلاّ إن تمّم، ولا يدخل فيه معنى الربا الممنوع إتمامه.
وإن بدا لربّ الأرض ترك المزارعة بعدما رضم العمّال وحضروا لم يجز له ذلك إن ثبتت الشركة، وقيل ولو لم يدخلوا في العمل إن علمت المقاطعة، وقيل: حتّى يدخلوا فيه بشيء وإن قلّ، وقيل: حتّى يحضروا فما لم يحضروا فلا تثبت المشاركة في الحكم ويكون للعامل عناؤه، وإن خرج والنقص إن كان في عادة أهل البلد أنَّه حضرة فكذلك، وإن كان في عادتهم وليس من الحضرة فكذلك.
وإن قال ربّ الأرض: للعامل أحضر على الزرع فكره، فقيل: إنّما عليه من الحضار بقدر نصيبه من الزراعة، من ثلث أو ربع أو نحوهما وعلى صاحب الزرع الباقي.
وإن عنى البلد خوف وخرج أهله، فعلى العامل أن يقوم بعمله حتّى يؤدّيه إلى أهله، إلاّ إن أتت حالة يخاف فيها الهلاك والضرب أو السلب، فإن عرف ذلك عند (3/553)
صفحة 1480
النّاس فتبرّأ العامل إلى ربّ المال من العمل، لم يلزمه أكثر من ذلك؛ لأنّ العامل ليس بضامن إلاّ بما قبض، فإن أبى من التبري لزمه القيام بالعمل، ولا يعذر ولو خاف على نفسه. وإن طلب عناءه لم يجده إلاّ برأي صاحب المال، وليس قوله أنَّه كأهل لبلد بحجّة، ولا يعذر في ذلك.
وإن قلّ الماء فسقى بعض النخل دون بعض، فعلى صاحب النخل أن يحضر الماء إلى العامل، وإن لم يحضره إيّاه وكان قد سقى النخل جميعا فله عناؤه في جميعه، وإن لم يسقه وسقى بعضه فله العمل بما سقى، وماله فيه عمل لزمه أن يقوم بصلاحه إلى أن يحصد.
وإن شرط ربّ المال على العامل أن يحضر على الزرع في وجوه الدواب فلم يحضر حتّى أكلت الزرع، فقد قصّر العامل ولا يلزمه غرم، ولا عمل له في الزراعة وله عناؤه فيما بقي منها.
ومن استعمل عاملا على زرعه وحضر العامل عليه وأخرجه بعد حصاده وطلبه في الحضار، فإن أخرج العامل الحضار من الأرض معينا لربّها فلا شيء له فيه، وإن جاء به من المباحات أو من أرض أذن له بذلك فله إخراجه إن شاء، والاِنتفاع به ما لم يشرط من العامل أو المعمول له.
وقيل: على العامل أن يسمد وأمّا شحب الفلج فيرجع إلى عادة البلد، فإن كانت على العامل أن يشحب الفلج (2) فكذلك، وكذا إن كانت على ربّ المال، وإن وقع بينهما شرط فعلى ما تشارطا.
وإن فضل عند العامل ماء يفسد الزرع إن تركه فيه، فإن اعتاد أنّ العمّال يصرفون الفضلة عن الزرع، صنع كعادة البلد ولا يلزمه ضمان لربّ المال. وكذا إذا حمل الماء في الساقية ففاضت ولم يعلم، وأفسد زرع غيره فإن حمل فيها أكثر ممّا يتساقى به أهل البلد، فلا يبرأ من الضمان وإن حمل فيها [60] المعتاد وأحكم سدّ الأجائل لم يضمن، وينبغي للعامل أن يشاور ربّ المال أين (3) يسقي بمائه، وإن جعله أن يسقي حيث يريد فلا بأس إذا اجتهد بالصلاح. (3/554)
صفحة 1481
أبو سعيد: إنّ السماد وشحب الفلج على ربّ المال، وعلى العامل الحلال بقدر حصّته، ويتجابر الشركاء أن يكون عاملهم واحدا ما لم يقسموا، ولا ضمان على العامل فيما ضيّع ممّا يلزمه من الأعمال في المشاركات، إلاّ إن ضيّعه بلا عذر، فإن ضيّع ممّا يلزمه القيام به بدونه ضمن، وقيل: إن لم يقم بلازم له من العمل في المعاملات فلا عمل له، وإن شرط عليه ربّ المال شيئا ممّا يثبت عليه القيام به وعليه إن ضيّع شيئا من ذلك فلا عمل له، جاز عليهما إذا قبلا وذلك في شروط الجهالات.
وإن مرض العامل أو خاف ولم يمكنه القيام بضيعته لزمه أن يستأجر قائما مقامه، فإن لم يفعل استأجر عليه ربّ المال بعد أن يقطع حجّته.
ومن أدخل في ماله عاملا وهو أرض ونخل، فعمل مدّة ثمّ باع ربّه ماله، فإن أعلم المشتري أنّ للعامل في المال حصّة بعمله فذلك له، وإلاّ وصحّ له عمل بعادلة فكذلك أيضا، وإن لم تصح بيّنة ولا شرط من ربّ المال على المشتري تبع البائع لأنَّه المتلف لعمله.
وإن كان بين يتيم وبالغ مال فاستعمل البالغ في المال عاملا جاز له الدخول فيه من قبل الشريك ولو غير ثقة، وله أخذ أجرته لأنّ هذا فيه سبب للبالغ، ولا يجوز عليه الضرر.
وإن أمر ربّ المال رجلا أن يأخذ له عاملا لماله، فأخذه له ورآه يعمل فيه ولم ينكر عليه ولم يغيّره لزمه العمل، ولو كان المأمور غير ثقة أو غاب ربّ المال.
ولو أنّ رجلا عمل في مال رجل بلا أمره ولم يغيّر عليه ولم ينكر، فإنّ له الأجرة في الحكم إن كان يعمل بها لأنَّه لم ينكر عليه، وترك الإنكار حجّة وإظهاره حجّة، ولا يلزمه له عند الله شيء إن لم يستعمله؛ وقيل لا يلزم ربّ المال عمل من أدخله غيره إلاّ إن رضي به، وإن كان لمن أدخله العامل سبب في المال مثل زوج أدخله في مال زوجته أو أخ في مال أخيه، أو أخته أو ولد في مال أبيه، أو أمّه أو من هو سبب فيه، وكان ذلك ممّا يجوز من نحو هذا، وعمل العامل على ذلك فله عمله، فإن أتمّ ذلك ربّ المال فذاك وإلاّ كان على المستعمل. (3/555)
صفحة 1482
وإن كان المال لأجنبي ولا سبب فيه للمستعمل بوكالة أو غيرها، فلا عمل للعامل فيه على ربّ المال ولا على المستعمل، إن علم العامل أنّ المال لغيره وقيل ما نبت في الأرض ممّا سقاه العمّال ولم يقع عليه اسم المشاركة من الزراعة، فإنّه إن سقوه بإذن ربّ المال فلهم عملهم فيما أدرك منه كاملا، وما حصدوه ولم يثمر فإنّما لهم فيه العناء.
وأمّا الشجر المغروس في خلل المال كرمّان وعنب وتين ونحوها. وقد سقى العامل المال جملة ولم يقع شرط بينه وبين المال، فقيل: إذا أتمر بسقيه فله عمله فيه، وإن لم يدرك كلّه وأراد ربّ المال إخراجه، فما كان فيه من الثمار مدركا فله فيه حصّته، وما لم يدرك فله فيه عناؤه، وما لم يثمر فله فيه العناء أيضا، كان الشجر قديما أو حديثا وهذا إن أدخله في عمل ماله جملة، وإن أدخله في عمل النخل أو الزراعة وفي خلل ذلك أشجار مغروسة، وقد سقاها برأيه فليس على ربّ المال في ذلك شيء، لأنَّه إنّما سقى الماء بحصّة من النخل أو الزراعة أو منهما؛ وقيل إن لم يكن بينهما شرط فإنّه يكون للعامل مثل المعتاد في ذلك، وإن بانت منه خيانة أو تضييع فلربّ المال إخراجه ويعطيه عناءه فيما عمل، وإن لم يصح منه ذلك فليس له إخراجه إلى أن ينقضي عمله.
وقيل: آلات خدمة المال على العامل كالمساحي وغيرها، لأنّ ربّ المال سلّم له ماله يعمل له بحصّته، وكذا تذكار النخل وجداده، وحصاد الزرع هو عليه أيضا وأمّا دوسه فعلى المعتاد في البلد من كونه عليه أو على ربّ المال، ونقل الحبّ من الخبور والتمر من تحت النخل وكسره في المسطاح إنّما هو عليهما معا، لأنَّهما شركاء في ذلك إلاّ إن سبقت عادة فهما عليها إن لم تخالف الشرع.
ومن أخذ عاملا في زراعته فأفسدها، فله إخراجه من عمله ويحسب له عناءه، فإن اختلفا وقال له العامل: أحضر مكاني عاملا فإن كان يقوم مقامه في الأمانة والتحزّم جاز له، وإن تبرى من العمل ففيه خلاف، فعند من يجيز المشاركة ويثبتها لا يجد الخروج إلى أن يتمّ عمله، فإن خرج وتبرأ منه بلا عذر فلا شيء له، وعند من لا (3/556)
صفحة 1483
يجيزها بالعمل ويراه من المجهولات يتمّ بالمتاممة، وينقض بالمناقضة، يرى له عناءه إذا تبرّأ منه كعناء مثله في البلد.
وينبغي لمن ابتلي بأمور النّاس أن ينظر المصلحة لهم إذا ورد عليهم أمر من أمورهم، ولا يحمل على أحد منهم مضرّة لأنَّه ربّما يجيء حال يدخل [61] على العامل فيه الضرر، وفي حال يدخل على ربّ المال. (3/557)
صفحة 1484
الباب الثاني
فيما يكون للعامل وعليه
فإذا عمل قيل بلا شرط ومات، فإنّه يكون له كعادة البلد في العمل، وله الوسط إن اختلفت، ولا ينظر إلى ما كان لعمّال ربّ المال، إن لم يكونوا كأوسط عادة البلد إن كان له عمّال غير هذا العامل.
أبو سعيد: أختلف عندي في الأعمال المجهولة إذا دخل فيها العمّال، فقيل: إنّ للعامل وعليه كعادة البلد من العمل والحصّة، وقيل: ما لم يحضر فلهما الرجعة، وقيل: إن أدخل ربّ المال عاملا يعمل له ماله ولم يوقفه على جملته وحدوده ولم يعرفه الماء أنَّه في كمّ خبورة فعمل في شيء منه، وقال: لا أعمل إلاّ هذا فذلك له وله عمله فيما عمل إن لم يوقفه على جميع ماله، وكذا من استأجر دابّة، أو عبدا فالقول فيه واحد.
ومن استعمل فقيرًا واحتاج إلى النفقة وطلب إلى صاحب العمل أن يداينه أو يقرضه إلى إدراك عمله، فإن أيسر ربّ الزرع ووجد ما يطلب منه لزمه أن يبيع له بالحكم إلى إدراك ثمرته أو يشتري له من عند غيره، ويضمن له عليه، فإن أبى من ذلك وأراد الإضرار به ليخرج من عمله فهو ظالم.
ابن قريش: لا يلزم صاحب العمل أن يموّن العامل على عمله، إلاّ إن شرط عليه عند الشركة ويحتال لنفسه، وإن اختلف هو والمعمول له في نجاد الأرض وإخراج ما فيها من شجر أو حشيش أو جذور أو خشب، رجع في ذلك إلى المعتاد، فإن عرف على العمّال لزمهم، وإن عرف على أهل الأرض لزمهم.
ورضم الأرض وفضاض الطفالة والقراز على العمّال، والسماد وشحب السّواقي على أهل الأرض، وقيل: يرجع في ذلك إلى العادة في الموضع، وعلى العمّال تحويل الزرع، وقيل: يرجع فيه إلى العادة والحظار والخلال والعفر والمبيت في اللّيل لحرس الزرع عن الدّواب واللّصوص على العامل بقدر حصّته، وقيل: على العادة. (3/558)
صفحة 1485
وعلى العامل حدر الماء ليسقي به وإن كان ذلك في أيّام الغيم، ولا يبلغ إلى معرفة أوقات الماء إلاّ بالتراضي جاز ذلك للعامل ولو لم يحضر أرباب الماء.
وجاز لعامل اليتيم أن يقرض من مائه ويطني له أو يتساقى له إن كان ذلك أصلح للماء والنخل، برأي وصيّه أو وكيله، وأمّا برأيه هو بدونهما فالوقف فيه.
ومن وجد عامل غيره في ضيعته كره له أن يشغله عنها بحديث أو غيره، إن كان يلحقه ضرر به، ولا يلزمه ضمان إن شغله، إلاّ إن اتّقى العامل منه تقيّة.
وقيل إذا أمر من يساعده أن يرعى بزراعته بلا رأي من ربّ الأرض، لزمه الضمان وإن أنكر وادّعى الراعي أنّه رعى بأمره لزمه البيان، فإن أقامه غرم العامل، وإلاّ ولا أقرّ العامل بالأمر غرم الراعي.
وإن علم أنّ الزراعة للعامل وشركائه ضمنا معا حصّتهم وإلاَّ، ثمّ صحّ عنده أنّ المال لغيره بعد أن رعاه، لزمه الضمان.
وإن كان العامل أو الأجير يسوق حمارا أو غيره وعليه سماد أو غيره، فيقع في الأرض بلا فعل منه وإنّما هو بحركة الحامل عند مسيره لم يلزمه ضمان. وليجتهد في حفظ مال أخيه، وكذا إن سدّ ماء فاندفعت الأجالة بعد سدّها لا يضمنه.
وكذا من يحصد مع النّاس بالكراء فينتثر منه السنبل بلا تعمّد منه، فإن كان يعمل برأيهم ولم يمكنه إلاّ ذلك وكان هو المتعارف من عمل مثله في مثل ذلك، اختير أن لا يضمن، ولا بأس أن يعمل مع من لا يزكّي.
وقيل: من دخل في عمل نخل لرجل ومات وترك يتامى، وكان معه عامل آخر يعملان النخل، فقام هذا بالعمل إلى أن حصد التمر، فالوجه في ذلك أنّ لهما سهما، والقائم بذلك متبرّع في الحكم، ويكون لورثة الهالك حصّته على معنى المشاركة في العمل.
وإن قام به القائم به على نيّة أن يأخذ عناءه من مال الهالك، وجهل معنى الحجّة على ورثته، فهل يسعه عند الله ذلك إن قدر عليه، ولم يرفع أمره إلى الحاكم من دخوله فيما قام به، قال: فإن كان لم يقدر على ذلك وهو بلوغها في الحكم إذا رفع (3/559)
صفحة 1486
ذلك، فأرجو أن يكون له عند الله لا في الحكم، إذ لا يجب له فيه في مالهم بدعواه، ولا يقرب إليه إلاّ بحجّة لأنّ ظاهر أمره متطوّع إذا لم تقم له حجّة، والمال حاصل للورثة. وإن كان الوارث يتيما فعليه أن يرفع ذلك إلى الحاكم أو إلى الجماعة، فإن لم يبلغ إلى الحجّة فقد مضى ما يسعه.
وقيل من أدخل رجلا في عمل نخل أو زراعة وفيه ثمرة غير مدركة، فشرط على العامل أن يدخله فيما استقبل منها، ويعمل له هذه ويسقيها له، ولا له فيها شيء وإنّما له حصّته في مستقبلة لا في هذه، فالشرط ثابت عليهما في الحكم.
ويروى عن بعض أنَّه لم يحب أن يذهب عناؤه من ذلك إن طلبه، وقيل: إن أدركت الثمرة وشرطها عليه فله شرطه فيه، وإن لم تدرك اختير أن يكون له قدر عنائه فيها بلا حكم عليه به.
فصل
من أعطى رجلا نخلا يعمله له بالسدس فسقاه سنة ولم تحمل، فله عناؤه وإن حمل بعضه (4) فقط فقيل إن شاء أخذ عناءه من النخل كلّه [62] وقيل ليس له أن يأخذه ممّا لم يحمل، ويأخذ شرطه من الحامل، وإنّما له الخيار في أخذه من هذا أو من ذاك، إلاّ إن كان الحامل منه قدّر عناءه من الكلّ.
أبو الحواري: إن غرس العامل النخل وقلع الأقباب بلا رأي صاحبه، فيجوز له ذلك إذا ترك عليها مثل ما يترك على مثله، ولو كان النخل ليتيم فليس له ممّا يقلع من الأقباب (5) إلاّ عمله والباقي لربّ النخل، لأنّ المضرّة عليهما معا، ولا يجوز له أن ينهى العامل عن ذلك إذا طلبه، لأنّ المضرّة تكون له، وكذا لا يجوز له (4) إذا طلبه ربّ النخل.
والقلع يكون على عادة أهل (7) البلد إن كان على العامل فعليه، وإن كان على ربّ النخل فعليه. (3/560)
صفحة 1487
وإن قال رجل لمن يغرس له نخله ويلقحه لك من تمرته سهم، أو ما يتّفقان عليه، فهذا لا يثبت وليس كالمساقاة وله عليه قدر عنائه، وعليه سقي النخل إلى أن تستغني تمرتها عنه، وما دامت تزداد بالسقي فهو لازم له إلى ذلك الوقت، وقيل: إلى أن تعرف النخل بألوانها، وقيل: إلى الشجار، وقيل: غير ذلك؛ وعليه القيام بصلاح التمرة وتشجيرها وجدادها.
ومن دفع إلى رجل أرضا يعملها له ويزرعها وفيها (8) النخل، ولم يجر فيه منهما قول وشرب من زراعة الأرض، فليس للعامل شيء في الحكم إن كان يشرب من سقيها.
وقيل: فيمن عمل لقوم فمات وقد زرع لهم موزا وبرا، وسقى لهم نخلا وفيه كرْم يشرب من ماء يسقى به النخل، وفيه أيضا أشجار كرمان وغيره، وكان صاحب النخل يعطيه من الكرم والشجر شيئا على سبيل ما يعمل أنَّه إن كان العمل على النخل وفيه بسهم منه، فإنّما العمل فيما اشترك فيه العامل، والباقي ليس عليه سقيه ولا له فيه حصّة، فإن سقاه تطوّعا فذلك إليه وإن أمره ربّ المال بسقيه، وهو ممّا لا يسقى مثله إلاّ بالأجرة، فسقاه أو عمل فيه لربّه عملا بأمره ممّا لا يعمل مثله إلاّ بها أو بسهم، فله في ذلك على ربّ المال عمل مثله، أو أجرة مثله من العمّال في مثل ذلك العمل في ذلك النّوع.
أبو سعيد: إن أخذ رجل عاملا يعمل له نخلا أو زرعا بسهم معيّن، فلمّا صرمه أو حصده وأخذ عمله منه ثمّ عاد يسقي النخل ويعمل في السنة الثانية بلا مقاطعة بينهما؛ فإن استعمله في ماله ولم يعيّن له ثمرة ولا سنة، فله أن يأخذ في العمل ما لم يخرجه ربُّ (9) المال؛ وإن عيّن له أمرا فليس له أن يدخل بعدما عيّن له إلاّ بأمره، وإن دخل بعد السنة المحدودة أو الثمرة، وعمل بلا رأيه فقيل: لا عناء له ولا عمل، وإن دخل في عمل المال لغير تمرة معيّنة ولا سنة محدودة، فدخل في العمل بعد انقضاء التمرة في تمرة أخرى، ولم يخرجه ربّه ولم يتقدّم عليه حتّى حضر الزراعة أو غرس النخل، فله عمله على ما تقدّم من المشاركة من ربع أو نحوه. (3/561)
صفحة 1488
وإن أخرجه قبل ذلك كان له عناؤه، وإن دخل على شرط معروف فله عادة البلد في معاملاتهم، وإن اشترط عليه ربّ المال أعمالا لا عمل له فيها بجزء يأخذه من ماله ثبت عليه ذلك؛ وكذا إن شرط عليه أن يعمل له موضعا بجزء من تمرة موضع فيها معروف ثبت عليه ذلك.
أبو الحواري: إن شرط عليه ربّ المال أن يعمل له النخل ولا له فيه عمل (10)، أو الزرع كذلك فذلك باطل إن لم يتمّه العامل، وله عمله على العادة.
وقيل: إذا صحّ عليه الشرط بعدلين فإنّ لربّ المال عليه شرط؛ وكذا إن شرط عليه إتمام ثمرة غير مدركة على أن ليس له فيها شيء، وإنّما له حصّته منها في مستقبله، ثبت في الحكم عليه، ونحبّ في الاستحسان أن لا يبطل عمله ولا يذهب عناؤه.
وإن أدركت الثمرة وشرط عليه أن يحصدها له فله شرطه. وقال أبو الحواري: إنّ هذا الشرط باطل وللعامل عناؤه، ولو شرط عليه أن يعمل له النخل أو الزرع ولا عمل له فيه، لكان باطلا إن لم يتمّه العامل كما مرّ.
وقيل: من استعمل عاملا في بستان ولم يشترط شيئا بعينه، وفيه أصل كرمة وهي حاشية في المنزل، فإن استعمله فيه على الإطلاق فله عمله في جميع ما وقع عليه اسم العمل ممّا يدخل فيه إلاّ إن أعتيد في البلدان ليس له في الأشجار شيء.
وإن غاب العامل حيث تناله الحجّة وخاف شريكه المضرّة في القيام بالعمل احتجّ عليه إلى الحاكم، أو إلى الجماعة إن لم يكن، حتّى يقوموا عليه في ذلك بما يلزمه من العمل، فإن عدما أشهد شاهدين على غيبته عن القيام بعمله، واستأجر عليه أجيرا من أجرة أهل البلد وعدل السعر، وكان ذلك في مال العامل إذا صحّ عليه، ولاحقّ له في ذلك لأنَّه استعمله على تمام العمل، وقيل: إن ترك ما يلزمه القيام به منه، فله أجرته فيما مضى ولاحقّ له في الزراعة؛ وقيل: لا عمل له ولا أجرة لأنَّه لم يوّف بما عومل عليه. (3/562)
صفحة 1489
وإن أدخل ربّ المال عاملا في نخله، وكان بعضه جوازي عن السقي، ولم يحدّه له ربّه فلا تثبت فيه المشاركة حتّى يذكر إن أراد ربّه (11) عزله، وقيل: له حصّته في عشي النخل وحطب القطن وعشي الذرة [63] والتبن من البرّ إلاّ إن شرطه عليه ربّ المال أو أعتيد في البلد أن لا حقّ للعامل في ذلك.
ومن شرط على عامله أنَّه متى أراد نزع ماله منه نزعه ولاحقّ له فيه، لم يجز شرطه إن عمل العامل شيئا من العمل وجاز قبله. (3/563)
صفحة 1490
الباب الثالث
في بيع العامل وقرضه وعاريته والجائز من ذلك
فإذا جعل قيل ربّ المال عريفا مقدما في ماله يقرض الماء ويقترض، ويساقي ويشتري السماد، ويعمل كلّ صالح للمال ويقرّ بالثمن على ربّه، جاز له ذلك عليه وقبل قول العريف فيما جعله له، إلاّ إن رجع فيه وما دام مجيزا له فقوله جائز عليه، وإن أخذ ماله منه وادّعى عليه أنَّه استقرض له ماء وعليه كذا وكذا من ثمن سماد له، أو لغيره فإن أمره بذلك فله أن يقضي من ماله كما أمره، فإن أخرجه وقد بقي عليه شيء فواسع له عند الله أن يأخذه من ماله بعد الحجّة عليه، ويقضي عنه (12) كلّما اقترض له واشترى عليه؛ وإن سقى له من مائه هو لم يثبت له لأنَّه أمره أن يقترض له، لا أن يقرضه إلاّ إن جعله له فلم يأخذ من ماله حتّى رجع فيما جعل له فله الأخذ من ماله عند الله لا في الحكم.
ومن طلب إلى العمّال شيئا من النبات فأعطوه، وقالوا: إنَّه من ذكر فحل فلان، لم يجز الأخذ منهم إلاّ إن كان المعطي ثقة.
وجاز لفقير وسائل أخذ اليسير من البيدار عند الحصاد، مثل كف الرطب والضبط من القضيم ونحو ذلك؛ وقيل: يجوز ذلك من يد ثقة لأنَّه شريك، وقيل: يجوز ولو من مال اليتيم، وقيل: لا يجوز شيء من ذلك إلاّ بعد القسم.
وجاز اقتراض الماء من العامل الثقة إن أذن له ر بّ المال به، وأجازوا لمن أراد أن يجعل في نخله بيدارا وفي زرعه عريفا، إن شرط (13) له قرض حب أو دراهم، لأنّ هذا قرض على أجرة لا قرض جرّ منفعة.
ومن يدخل عاملا في ماله وهو نخل وأرض، فعمل ثمّ باعه، فقال المشتري: إنَّه لم يعلمني أنّ في المال عملا لأحد، فإذا صحّ العمل للعامل بعدلين أو بإقرار المشتري، فله عمله فيه حيث انتقل وإن لم يصحّ فعمله على البائع لأنَّه المتلف له. (3/564)
صفحة 1491
وقيل فيمن له قطعة أعطاها عاملا فعمل فيها مدّة، ثمّ باعها إنّ للعامل عمله فيها.
وقيل: فيمن يعمل لقوم مع اطمئنان أنَّهم مبيحون له أن يطني، ويحاول أنَّه يجوز أن يطني من عنده، ويقترض على الاطمئنان لا على القضاء؛ وكذا إن جاءك بصرمة وقال لك إنَّه طلبها لك من مال المعمول له، جاز قبولها منه إن اطمأن القلب إليه، ولم يرتب في أمره، وإن شك فترك الشبهات أولى.
ابن علي: من يعمل لرجل ماله فاقترض عليه ماء بلا رأيه، فلمّا أراد أن يقضيه أنكر عليه وقال له: لم آمرك أن تقرض علي الماء، وإنّما أمرتك أن تسقي لي بمائي وإن قلَّ فلا شيء على ربّ المال، إلاّ إن علم أنّ ذلك الماء أصلح به ماله، فإنّه يلزمه دون العامل.
ومن وجد عند العمّال الخارز والجار والمساحي ونحوها، جاز له أن يستعير ذلك منهم ما لم يعلمه لغيرهم، لأنّ كلّ أحد أولى بما في يده؛ وإن علم أنَّه لغيرهم لم يجز له انتفاع به من أيديهم، إلاّ إن علم من ربّه إباحة منه لمن هو بيده أن يعير لغيره. (3/565)
صفحة 1492
الباب الرابع
في دفع النخل والشجر والأرض بشيء من معيّن، وفي الخرص
وقد نهى عن بيع السنين وعن بيع جائز في الجاهلية، وأجيز السلم في معروف من جنس وضرب معلومين إلى أجل وكيل كذلك، وحضور النقد مع العقد كما يعلم في بابه بعد.
ومن أعطى رجلا نخلا يعمله له بجزء معيّن من تمرته، جاز له، وليس كالأرض إن أعطاها له وماءه بجزء معيّن، وليس هذا مثل ذلك؛ ولكن الخلاف في هذا فقيل: لا يجوز لآنّه مجهول لا يوقف له على مقدار ما يقع للعامل، وقيل: جائز كالنخل قياسا عليه. وفي الأثر: من عمل التين والزيتون وعلى نصف أو ثلث لم يصلح إلاّ على أجر معلوم لأنّ الثمرة إن أصيبت بآفة خرج العامل بلا شيء، إلاّ إن طابت وأمن عليها الفساد، فمن عمل فيها على ذلك جاز له.
وقيل: من تضمن من رجل بستانا فيه أرض ونخل كلّ سنة بكذا درهما، وله هو ثمرة الأرض والنخل، ويزرع ويعمّر لم يجز ويسمّى هذا عندنا القبالة؛ وهو أمر لا يثبت وفاسد من وجوه، وهي: أنّ العوض الصائر إليه المتضمّن غير معلوم، وأنَّه باع له ثمرة أرض ونخل معدومة وقد نهي عن بيع السنين وعن بيع ما ليس معك وعن بيع المعاوضة وهذا منه، وعن بيع الخضرة والمخاطرة، وعن بيع الغرر وهذا منهما، ولا يعلم ما يصير إليه من ذلك، وعن بيع الثمرة قبل أن تزهو وهذا النخل لا تمرة فيه، فهذا محرّم عندهم فإن أعطاه النخل ليسقيه له بجزء من ثمرتها كسدس أو ربع أو غيرهما ثبت عندهم؛ وهي المساقاة التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بخيبر فعاملهم على سقي النخل بجزء من التمرة، ومن الوجوه أن يقبل العامل النخل قبل حصاده بكذا و (3/566)
صفحة 1493
كذا مكيلة من التمر، يسلّمه ويأخذ هو التمرة يتصرّف فيها فهذا [64] أيضا لا يجوز للنهي عن المزابنة وهو: بيع التمر على النخل بمكيل منه.
وروى أبو سعيد الخلاف في أجرة الأرض البيضاء فقيل يجوز ذلك بالنقد والعروض، وقيل: لا على حال إلاّ بمشاركة، وقيل: يجوز بالنقود لا بالعروض.
قيل: فمن أخذ من رجل مالا فيه نخل وأرض مقاطعة كلّ سنة بنقد معلوم، فهل يكون سواء في الخلاف، قال: لا لمعنى النخل لأنَّها أشدّ في النهي، قيل له: هل تثبت الأرض بقدر قيمتها من المقاطعة ويبطل قدر ما يخص النخل من الأجرة؛ قال: قد مرّ الخلاف في ذلك، فعلى القول بأنّ الصفقات تنتقض بدخول الفاسد فيها فهو يشبه الفاسد فيه، وعلى القول بأنَّه يفسد الفاسد بذلك ويصحّ غيره فإنّه تثبت الأرض بالقيمة من الأجرة وتبطل تمرة النخل، إذ لا يجوز بيعها قبل الإدراك لأنَّه من الغرر، وهذا إن كان يتحرّى بالقيمة ويوقف عليها في نظر العدول؛ وإن لم يستدلّ عليه فسد الجميع.
وقيل في رجل ناصف في زراعته قبل حصادها وهي مدركة على أنّ للمناصف عشرة أقفزة وللداخل ما بقي ربع أو نصف أو غيرهما، أنّ الزكاة على الأوّل والأجرة باطلة وللآخر أجر مثله، إلاّ إن اتّفقا على ما بقي من الزراعة أنَّه بعنائه، فذلك إليهما وإن لم تدرك التمرة فهو باطل أيضا، لأنَّه بيع التمرة بحب مسمّى قبل إدراكها وأجرة مجهولة فكلّ ذلك لا يجوز، وللآخر أجر مثله على كلّ حال، وإن جعل له عشرة أجربة أجرة لغير مدركة، فقيل: إنَّه جائز إذا ضمن له بالعشرة لأجل عنائه في تلك الزراعة، وقيل: إنَّه لا يجوز وله أجر مثله والعمل للأوّل والزكاة على من له العمل على كلّ حال، وإذا ثبتت المناصفة بوجه والثمرة قد أدركت فالزكاة على الأوّل إلاّ أن يؤدّي ذلك الآخر عن الزراعة فذلك إليه.
وكذا إذا اكترى رجل أرضا بكذا وكذا مكيلا فالزكاة على الزارع ولربّ الأرض أجرته تامة، وإن زرع أرضا بجزء من الزراعة كسدس وربع فالزكاة على الكلّ. (3/567)
صفحة 1494
الباب الخامس
في عمل الموز والعظلم والقطن وغير ذلك
أبو الحسن البسياني: إن أخرج ربّ المال العامل للزرع والأشجار، أو خرج هو؛ فبعض منع المعاملة في ذلك وجعل عناء ما عمل لا غيره، وبعض قال بالجهالة في ذلك.
وإن رجع هو أو ربّ المال فللعامل عناؤه وإن تتامموا على ذلك تمّ وقيل: إن عمل معروفا بجزء معروف فلا رجوع لأحدهما حتّى تنقضي المدّة، وقيل: له عناؤه ما لم يخضر، فإذا أخضر ثبتت له الحصّة، ولا يخرج حتّى يتمّ العمل، وقيل في القثاء والعظلم والبقل، والبصل حتّى يأكله العامل سنة، ثمّ لربّ المال إخراجه وفي الموز حتّى يأكل الباكورة والرّمان والإترنج ونحوهما حتّى يأخذ منه قدر عنائه، وقيل: إنّما له في هذا عناؤه أو يتركه حتّى يأكل قدره وقد كثر خلاف في هذا.
وقيل: في عامل الموز إذا أكله سنة أو سنتين أو الأمّهات والبنات، ثمّ أخرجه ربّ المال وقد طرح منه شيء إلاّ أنَّه لم ينضج ولا يصلح للنضج، والموجود في آثارهم أنَّه إن أكل الأمّهات والبنات ثمّ أخرجه لم يكن له شيء إن كان فاسلا له، وأمّا ما عليه العادة فإنّهم يجعلون للعامل الطارح والذي قد قصر ليطرح والخلاف في هذا كثير؛ وكذا في الكرم والرّمان والإترنج إن غرسه على سبيل العمل، فإن استغلّ منه بقدر عنائه وأراد ربّ المال إخراجه كان له ذلك، وله منابه من الشجر مقطوعا، يعطيه قيمته؛ وإن لم يصب منه قدر عنائه خيّر ربّ المال في إخراجه وإعطائه عناءه، وقيمة منابه من الشجر مقطوعا، وفي تركه في يده حتّى يصيب منه بقدر عنائه وعامل القثاء لا يخرج منه حتّى يأكله سنة غير الجزة الأولى.
وعامل القطن لا يخرج منه أيضا حتّى يأكل الموز وله منابه من الخشب قائما، وعليه أن يقلعه من أرض ربّ المال إلاّ إن اتّفقا على قلعه، فيكون له منابه منه مقلوعا. (3/568)
صفحة 1495
وإن رغب ربّ المال أن يترك حصّته في أرضه، فعلى العامل أن يقلع منابه واختار خميس أن يكون لربّ المال إذا أراد أن يبقي خشب القطن في أرضه، أن يعطي العامل قيمته خوفا من الضرّ عليه، وقيل: له من القطن القوز والقصم وهو عتيق القطن، وقيل: حدّ إدراكه إذا يبس الشجر لم يفسد بسره.
وعامل العظلم له ــ قيل ــ ثمرته سنة بعد الجزّة الأولى، وقيل: إن (14) استغلّ بقدر عنائه، فإذا دارت السنة بعد الجزّة الأولى من القثاء والعظلم، وقد صارت فيه جزّة قبل الإدراك، فإن دخل في هذه الثمرة بعد السنة برأي ربّ المال كان له عمله حتّى تنقضي الجزّة، وإن سقاه بلا رأيه ولم ينكر عليه وهو عالم به اختير أن يكون له [65] عناؤه ولربّ المال ما نظر في أرضه.
وأمّا جذور القت والعظلم فيرجع فيها إلى العادة، فإن كان للعامل حصّته فهو كذلك، والخيار لربّ الأرض إن شاء أمره بقلع منابه وإن شاء أعطاه قيمة ذلك.
وأمّا النظار فهو لربّ الأرض وعامل السكر إن أخرجه ربّ المال، فقيل: له العناء وقيل كالموز؛ ولا يعذر العامل بعجزه عن القيام بعمله الواجب عليه، ويأخذه الحاكم بذلك إذا رفع عليه ربّ المال إلى انقضاء الثمرة. (3/569)
صفحة 1496
الباب السادس
في الشركة في الزراعة
قال هاشم: من بذر لرجل أرضه على أنّ له نصف الثمرة، فإنّ نفسي تقيه من هذه المبادرة، وقيل ذلك جائز وإن جهل لأنّ شروط الزراعة كلّها مجهولة.
وإن اشترك رجلان فيها فأحضر كلّ ما عليه من البذر وبذر جانبا من الأرض من غير أن يخلطاه فنبت حبّ أحدهما فقط فالشركة ثابتة والنابت بينهما.
أبو سعيد: في متشاركين في أرض بسهم في سنة في ثمرة معيّن، كلّ ذلك على أنّ كلاّ منهما عليه نصف البذر وهو معروف، فالمشاركة على هذا ثابتة إذا وقع العمل عليه ولم يتناقضا فيه حتّى حضرت الزراعة، وعليه الأكثر قال: ولا نقض لأحدهما عندي ولا يتعرّى من الخلاف.
ابن أحمد: إن اشترك رجلان أرضا تزجر وهي لأحدهما على أنّ له البذر، وعلى المشارك البقر للزجر، ثمّ زرعاها وحصداها، ثمّ أتى من أصول الزراعة نضار فاختلفا فيه، فإنّه بينهما على أصل المشاركة؛ وكذا قيل في متشاركين في زراعة طوي شركة صحيحة، فأتى أحدهما بما يلزمه من البذر وبذره وسقاه دون الآخر، فصار يزجر إلى أن أدرك الزرع، فقيل: إنَّه إن لم يحتجّ على شريكه ويقطع حجّته وزرع، كان بينهما في الحكم وللباذر عناؤه ومؤنته، وما بقي فهو بينهما على أصل المشاركة، وإن احتجّ عليه فلا شيء له.
وقيل في مشتركين في زراعة ذرة في بئر على أنّ لكلّ منهما ثورا، وكانا يزجران على ذلك إلى أن اشترى أحدهما بقرا، وقام يعمل البرّ فطلب أن يزجر آخر اللّيل إلى نصف النّهار، وخاف هذا أن يزرع بقره، فإنّه يحكم له وعليه بزجر أهل الموضع الذي هما فيه في مثل زراعتهما من برّ أو ذرة أو غير ذلك، ولا يحمل عليهما الضرّ في الشركة. (3/570)
صفحة 1497
وإن كانت على معروف من البقر فليس على الشريك غير القيام بطعام ما وقعت عليه المشاركة، وإن كانت على غير معروف منه فعلى كلّ أن يقوم بما عليه، فإن ضعفت دابته فعليه إحضار غيرها، وإن تشارط الشريكان أنّ كلّ ما يطلبه الجائر على الزراعة فهو عليهما، ثابت وإن طلبه إلى أحدهما فهما على شرطهما.
وقيل: إن اشتركت جماعة زراعة أرض على بقر أو ترف، فلمّا زرعوا سقوها بماء واحد منهم فالمشاركة تامّة على ما اشتركوا عليه، فإن سقوها بمائه بلا أمره فله طناؤه، وإن سقوها به بأمره بلا طناء ولا قرض ولا سبب ما لم يكن له طناؤه والمشاركة ثابتة.
وإن غاب أحدهم ولم يقم مقامه أحد ولم يرجع حتّى حصدوا، ولم يعمل معهم إلاّ قليلا ولم يتّجروا عليه أو تجروا بلا أمره، فإذا ثبتت المشاركة كان له منابه من التمرة، فإن غاب لعذر وكان حيث يحتجّ عليه في إقامة عمله، فلم يحتجّوا عليه واستأجروا لم تثبت عليه الأجرة في الحكم، وإن كان حيث لا يقدرون على الاحتجاج عليه ولا يجدون الحكم والإنصاف منه ثبتت عليه بالعدل إلاّ إن استأجروا عليه بحاكم أو جماعة عند عدم الحجّة أو بعدها ثبت ذلك عليه من حكم أحدهما، والحصّة له بحالها إلاّ إن أزالها حكم ثبت به زوالها ووجه حقّ وكذا في الشريك العامل بجزء من الثمرة.
ابن قريش: إن اشترط أحد الشريكين في زرع على صاحبه أن لا شيء له في العلف فهو شرط باطل؛ وكذا إن دفع له دراهم على أن لا شيء له فيه.
وقيل: في مشارك رجلا على الزجر (15) فبذر عليه، ثمّ بدا لربّ الأرض أن يزرعها على السيح، فإن شاركه على معروفة بسهم على ثمرة معلومين ثبت ذلك بينهما إن دخلا في العمل، ولا رجوع لأحدهما إلاّ باتّفاق منهما عليه؛ وقال ابن علي: قد ثبتت الشركة بينهما وإن لم يدخلا فيه، وإن سقاه بالفلج يظنّ أنّ ذلك جائز له، وكانت له في ذلك حجّة لم يكن كالمغتصب، وكان له عناؤه ونفقته وللشريك منابه وعليه نصيبه من الغرم والعناء، وإن كان يأخذ أحد الشريكين في مال من (3/571)
صفحة 1498
المشترك بينهما وأوصل شريكه إلى قدر منابه من غير المشترك وما بينهما قائم بعد فغير جائز له ذلك، وجاز إخراج الزكاة من جنس ما وجبت فيه من غير العين ولو قائمة. (3/572)
صفحة 1499
الباب السابع
في زراعة المشتركة
فقيل إن زرع الشركاء (16) أرضهم ولهم شريك ولم يحتجّوا عليه، فإن كان حاضرا ولم يغيّر عليهم ولم يحتجّوا عليه فيأذن لهم ودخلوا في ذلك على الجهالة أو على حسن الظنّ والدلالة، فإن أتمّ ذلك وغرم ما أنفقوا وعملوا وأعانهم على ذلك، فله منابه ولهم سهامهم، وإن لم يتمّه كان لهم ما سمدوا وأنفقوا وعناؤهم وعناء عمّالهم الدّاخلين معهم برأي العدول، وما بقي كان للأرض وله منابه من ذلك وقيل: هو له على [66] سيبل مشاركة أهل البلد من قعادة الأرض ولهم الزراعة؛ وكذا سبيل الغائب وقيل إنَّه ما لم يحتجّ على شركائه، أن لا يزرعوا منابه وزرعوا على أنَّهم شركاء، فلهم المؤنة والعناء ولعمّالهم والباقي بينهم على قدر شركتهم في الأرض، وقيل: إن لم يحتجّوا عليه فأبى أن ينصفهم فلا مؤنة لهم ولا عناء وما مضى من الأقوال أصحّ لأجل الشركة في الأرض.
ولشريك الغائب أن يزرع الأرض كلّها، فإذا حصدها قسم له منابه وجعله عنده أمانة كما مرّ، وقيل يزرع قدر منابه منها ويكون له الزرع خالصا واختير الأوّل.
ومن قال لغيره خذ هذا المال بخراجه فأخذه وزرع فيه، فإنَّه لا يثبت ذلك والمال للأوّل. وإن طلب أحد الشركاء بيدارا فلم يجده فأمر أحدهم ولده أو عبده أن يزرعه بالحصّة فقيل ذلك ثابت عليهم.
وقيل: فيمن له شركة في أرض رجل فأراد أن يقعد منابه منها غير شريكه أو كان غائبا إنَّه لا يؤمر بذلك، وإن عدم حجّة شريكه فالذي يحكم له به عليه أن يقاسمه الأصل، إن كان ينقسم أو يتزارعان الأرض وتكون الثمرة لهما، وعلى كلّ منابه من المؤنة، فإذا عدم الحاكم فأكثر ما يحكم به لنفسه ما يحكم له به الحاكم، وليس البيع كالقعادة لأنَّه إزالة الأصل، وهذا إنّما يريد أخذ الثمرة، وإن كان الذي (3/573)
صفحة 1500
يقعده نصيبه مأمونا في الاطمئنان أنَّه لا يدخل منه الضرّ على شريكه لم يبعد من الجواز، لأنَّه محكوم له في الثمرة أن يأخذ منابه منها بقدر ماله فيها إن لو حضر شريكه، فإذا زرع المقتعد فالقول في حصّة (17) الشريك كما مرّ من الخلاف فيه إذا زرع، وكذا إن كان في الأرض يتيم فله زراعة الكلّ، ويعدّ له منابه منها كعادة أهل الأرض من الموضع، وقيل: له منابه من الزرع بعد إخراج المؤنة والعمل؛ وإن أصيبت الزراعة بآفة ولم يزرع الشريك بحكم من عدل فليس له أن يستوفي ما غرم وعنى من مال اليتيم، غير تلك الزراعة لإنفاقه ماله بلا حجّة؛ وكذا في الشريك غير اليتيم.
وإن أنفق من مال اليتيم قدر ما يلزمه ثمّ تلفت الزراعة لم يلزمه ضمان، إن كان ذلك بحكم من حاكم، وإن كان بلا حكم ورجى في ذلك صلاحا له ففي وجوب الضمان عليه خلاف.
فصل
إن غصب الجائر مناب أحد الشريكين في مال وهرب وبقي الآخر فأخذه الجائر بعمل المال على أنّ له نصفه وله هو نصفه، فالحاضر إن قدر على عمارة المال وعمله فليس بممنوع من ذلك، لأجل غصب الجائر مناب شريكه ودخوله في المال، إذا قصد به (18) موجبا لا ضيق عليه فيه، ولا يكون كالمغتصب إن لم يقصد معونة الجائر على غصبه، وإنّما قصد إلى ما يسعه في الحكم ويجب له من عمارة المال إذ ذاك واجب على شريكه أن يزارعه، فإذا عدم شريكه ولم يقدر عليه وامتنع منه بوجه لا حجّة فيه على شريكه الحاضر، لم تزل بذلك حجّة الحاضر ولو كان انتصارا لنفسه، والحكم لها إنّما يجب له في حكم الحاكم له به إن لو قدر على ذلك.
وإن غصب الجائر المال كلّه وهرب بعض الشركاء وبقي الآخر، فأجاز الحاضر للعمّال العمل في حصّته هل يكون ذلك سببا لهم بإذن الشريك أم لا؟ قال: فعندي أنّ ذلك إذا لم يكن حيلة على الغياب وإنّما قصد إلى بلوغ حقّه من المال ولحياة حصّته (3/574)
صفحة 1501
منه وثبات حجّته ولعلّه يدرك شيئا من ثمرته، فيكون له اعتقاده لا إعانة الغاصب ولكلّ امرئ وعليه ما نوى، وما حصل من المغصوب المشترك فهو بين الشركاء على قدر أنصبائهم وما أتلفه الجائر فهو عليهم أيضا كذلك. (3/575)
صفحة 1502
الباب الثامن
في المشاركة على الزجر ومجيء الغيث
وقيل في متشاركين في زراعة على أنّ على كلّ منهما زجر شهر، فزجره أحدهما ثمّ جاء الثاني فأمطر المطر حتّى انقضى، فإنّ الغيث بينهما إلاّ أن قالا على كلّ زجر شهر معيّن مسمّى فبدأ أحدهما يزجر في شهره فأصاب الغيث فقيل إنَّه له، وقيل لا.
أبو سعيد: من استأجر أجيرا يسقي له زرعا إلى أن يستغني فسقاه شربة وسقاه الغيث إلى أن استغنى، فهذه أجرة مجهولة وللأجير قدر عنائه.
وكذا من اكترى ثورا أو عبدا لسقي أرض بحصّة من الزرع، ثمّ جاء الغيث فسقاها حتّى أتمرت، فإنّ له الحصّة ولو لم يزجر في الأرض شيئا.
أبو الحواري: إن استأجره يسقي له هذا الزرع كلّ شهر أو يوم بكذا وكذا فالغيث لربّ الثور والأجرة تامة، وإن استأجره يزجر عليه كلّ يوم أو شهر بكذا وكذا ولم يقل هذا الزرع فأصاب الغيث فإنّما له أجرة ما زجر.
وكذا من استأجر أجيرا يسقي له ترابا ليصير طينا فسقاه الغيث حتّى استطين فذلك للأجير وله كراءه.
وقيل في مشتركين على ثورين لهما يزجر كلّ منهما على ثوره نصف الزجر، فزجر أحدهما شهرين ثمّ أصاب الغيث، فلم يزجر الثاني شيئا إنّه ينظر إلى مثل إجارة ذلك الثور للشهرين، ثمّ يردّ الذي لم يزجر على الزاجر إجارة النصف من ذلك على ما يراه العدول العارفون بذلك.
والعمّال إذا عملوا بجزء من الزراعة فدخلوا في العمل وإن بقليل فأصاب الغيث فلهم حصّتهم منها على القول [67] بإثبات المشاركة بالعمل. (3/576)
صفحة 1503
وقيل من استأجر ثورا بخمسين مكوكا حبا إلى الصيف فزجر شهرا ثمّ سقي الغيث إلى أن حصد الزرع، فإن كانت الأجرة إليه من غير أشهر معلومة ولا لأرض معلومة فليس للثور إلاّ عناؤه.
وإن كانت لسقي محدودة إلى وقت معلوم فسقي الغيث في الوقت، فهو لربّ الثور وإن أخذه منه على أن يزجر عليه مدّة فعليه زجر المدّة متى طلب منه ذلك.
ابن روح: إنّ الأجرة إن كانت في محدود من الأوقات لزجر زراعة معيّنة بمعيّن من الأجرة حبّا أو غيره ثبتت، فلو كانت على أن يزجر هذه الزراعة إلى محصد فإن عرف وقت حصادها عندهما أنَّه تزجر كذا وكذا شهرا فهي أيضا ثابتة، وإن جهل ذلك عندهما وعند أهل المعرفة بالزراعات في الموضع، كان للأجير قيمة عنائه بالعدول، وإن عرف ذلك عندهم ثبت ولو جهلاه. (3/577)
صفحة 1504
الباب التاسع
في أجرة العمّال، والبقر، وآلات الزجر
فمن اكترى قيل منجورا أو دابة، أو غلاما فتلف لم يضمنه ما لم يصحّ أنَّه حمل عليه فوق طاقته في عمله، وإن ادّعى أنَّه سرق ضمن ما لم يصحّ مدّعاه.
وقيل: إن اكترى أهل بئر منجورا يزجرون عليه فزجروا عليه أيّاما، ثمّ صرع المنجور فكسر وتركوه وأخذوا غيره ولم يعلموا صاحبه حتّى جاء الصيف وجاء صاحبه فطلبه وكراءه، فقالوا: كسر ولم يزجر عليه إلاّ يومين أو ثلاثا لزمهم بيان أنَّه انكسر في الزجر وإلاّ أعطوه كراء منجوره.
وقيل: لا غرم على من يؤدّي الكراء وإنّما هو على من يأخذه. وإن قال أحد الشريكين في الزراعة لصاحبه: أزجرُ على ثورك اليوم وتزجر أنت على ثوري ثلاثة أيّام، فقيل: إنَّه لا يجوز، وقيل يجوز لأنَّه ليس من البيوع وإنّما هو من الأعمال، فإن اتّفقا على معروف لا تدخله جهالة لم يبطل.
ومن (19) استأجر بقرة يزجر عليها ثمره ثمّ رزمت، فإن لم يكن للأجرة حدّ معروف من أشهر أو أيّام فهي ضعيفة، فإن زجرت البقرة ثمّ رزمت فأجرتها أجرة مثلها بالعدول، فإن كانت بحصّة من ثمرة معروفة فإنّه يخرج مخرج المشاركة، لا الأجرة فبعض يثبت ذلك وبعض يبطله، فعلى الأوّل فإنّ على ربّ البقرة القيام بزجر الثمرة إلى حصادها وله حصّته. وعلى الثاني فإنّ له أجرة مثلها بالعدول.
وقيل من استأجر من رجل بقرة أشهرا معروفة بحبّ معلوم ليزجر عليها ولم يوقفه على الأرض التي يزجرها ولا عرّفه إيّاها أو عرّفه بها لا كم الزجر، فزجر عليها مدّة ثمّ جاء ربّها فنظر فإذ هو يزجر عليها زراعة تعجز عن زجرها، فإن كانت الأجرة أيّاما معلومة بمعلوم ثبتت؛ وللمستأجر أن يزجر عليها زجرا يحمله مثلها من البقر في عرف الموضع في الزجر، وقيل لا تثبت الأجرة حتّى يعرّفه الزجرَ (20) الذي (3/578)
صفحة 1505
يزجر عليه، وقرب ذلك وبعده وقرب البئر وبعده، وفي اللّيل والنّهار أو في أحدهما فقط، ونحو ذلك لسقي برّ أو ذرة أو غيرهما.
فإذا زجرت البقرة على هذا ثمّ رزمت كان لربّها قدر ما زجرت من الزمان بما تستحقّ من الأجرة بالعدول.
وقيل من آجر رجلا بقرة وشرط عليه أن يزجر معها بتلك الأجرة، فإذا زجرت ثمّ رزمت وضعفت حسب له ما زجرت من الشهور إلى إدراك الزراعة، ولا يلزمه غيره، فقيل: إنّ هذا ثابت وله بقدر ما زجرت من الأجرة المعلومة في الأيّام المعلومة إن جاء الأمر من قبل الله من مرض أو أمر لا يقدر على القيام به معه ولم يقصّر في طعم ولا قيام.
وقيل من استأجر عبدا بمائة مكوك للذرة وللصيف، فعمل النصف من الزمان ثمّ فرّ ومولاه في بلد آخر، ورفع المستأجر إلى الوالي، فإن قرب موضع المولى حيث لا يضرّ الاحتجاج عليه بالزرع احتجّ عليه قبل الأجرة، وإن بَعُد أمر الوالي بالإجارة عليه واحتجّ على المولى وأعلمه ذلك، فإن وافى بعامل كان له عمله وعليه ما استؤجر عليه، وإن لم يواف به كانت عليه الإجارة، وإن أشهد الرجل على ذهاب العبد واستأجر برأيه وقد قرب المولى لم يجز إن كان قريبا والوالي أولى بذلك.
ومن استأجر أجيرا في طوي له فلمّا كبر الزرع احتاج إلى الماء، فقال ربّ الطوي: ازجر في اللّيل. والأجير: لا أزجر فيه وإنّما أزجر نهارا؛ ولا شرط بينهم عند العمل فليس له أن يحمل عليه عمل اللّيل إن كره، إلاّ إن كان يريحه في النّهار، فإن عمل ليلا بقدر راحته نهارا لم ير فيه بأسا.
أبو سعيد: على العمّال عادة البلد من أهل الزجر من زجر ليلا أو نهارا وسئل عن زراعة بين شريكين غاب أحدهما، هل للقائم منهما بالزراعة على وجه الحكم أخذها كلّها ولو استهلكها في أجرة حصّة الغائب؟ فقال: إنَّه كذلك عندي لأنَّه محكوم به عليه بالحكم [68] أو بما يشبه الجائز عند عدم الحكم، وإن فضل على الغائب شيء من الأجرة بعد فراغ حصّته، كان عليه في ماله وكذا له في الجائز ماله في (3/579)
صفحة 1506
الحكم على ما مضى في معناه، وكلّه سواء إن كان إذا حضر أخذ ذلك والعامل عند من لا يثبت العمل بالمشاركة يجعله كالأجير، وكان له ذلك وعلى قول من يثبته بها هو مثل الشريك عندي، فإن فضل للغائب شيء من حصّته بعد الأجرة التي لزمته فهل يكون بيد القائم بذلك أمانة، فإن ضاعت بلا تضييع منه لم يلزمه ضمان، نعم إنّه قيل ذلك إذا كانت المقاسمة بالعدل، وقيل: إنَّه ضامن لما أخذ من حصّة شريكه في جملة ماله.
ومن قاطع على زرعه من العمّال مثل سنة أو أقلّ وأكثر، ثمّ بدا لبعضهم أن يترك العمل ولباقيهم أن يقوموا به كلّه، فأمّا النفقة إن كان لهم شرطها فليس لهم إلاّ نفقتهم الأولى، وأمّا حصّتهم من الزرع إن قاموا مقام الجميع في العمل فلهم حصّتهم وحصّة من ترك العمل من الثمرة إن لم يقصروا على شيء من الشرط. (3/580)
صفحة 1507
الباب العاشر
في قعادة الأرض والماء وجواز ذلك
وفي الأثر يكره أن يؤخذ للأرض والماء أجر وفي ذلك تشديد من الفقهاء، وقد رخصّ في ذلك بعضهم وأجاز قعادة الأرض، وعملوا بذلك وكذا طناء الماء، واختير أن يكون على وجه المشاركة، وأجاز بعض كراء الأرض والماء بالحب والدراهم نقدا أو نسيئة، وقيل: لا يجوز ذلك كلّه.
وقيل: يجوز في الماء لا في الأرض، وقيل: يجوز فيها بالحب لا بالنقود، وقيل: لا يجوز كراؤها بكلّ ذلك ولا بالمشاركة من زراعتها ولا تجوز زراعتها إلاّ لربّها أو يمنحها من يزرعها.
وقيل: إن أعان زارعها ببذر أو عمل أو ما يثبت له به حكم المعونة، جازت مشاركته؛ والصوافي كغيرها في ذلك، وكان محمّد بن أبي حذيفة واليا على صوافي نزوى فأمره سعيد بن محرز وابن محبوب أن يعطي العاملين لها شيئا من البذر أو المؤونة.
وفي كتاب الأشراف: واختلف في استئجار الأرض بالطعام، فكان ابن جبير وعكرمة والشافعي لا يرون بأسا بعد أن يكون معلوما يجوز فيه السلم وكرهه مالك.
قال أبو سعيد: يخرج القول عند أصحابنا في ذلك، فبعض أجازه، وبعض كرهه، وبعض أبطله، وصحّة ذلك أولى، لأنَّه إن ثبت ذلك بالدنانير والدراهم فلا فرق في ذلك بينهما، إن علم الطعام (21) إلى مدّة معيّنة إمّا بسهم منها أو بحبّ ممّا تخرجه ففي ذلك اختلاف أيضا، وتدخله العلل من الجهالات وإبطال ذلك أشبه في النظر.
واختلفوا أيضا في الرجل يستأجر الأرض أجرة صحيحة فتنقضي المدّة والزرع قائم، فمالك لا يرى قلعه ولكن يترك حتّى يتم ويكون لربّ الأرض كراء مثلها، وفيه (3/581)
صفحة 1508
قول ثان وهو أنّ عليه أن ينقله عنها (22) إلاّ إن شاء ربّ المال تركه قرب ذلك أو بعد أن جاز الكراء في الأصل.
أبو سعيد: كلّ ذلك جائز والأوّل أصحّ لأنَّه زرع بسبب، وقال الشافعي: من اكترى الأرض عشر سنين بمائة درهم أو دينار، لم يجز حتّى يسمّي لكلّ سنة معلوما منها. أبو سعيد: هو كما قال والأوّل جائز وإن اكترى رجل أرضا من رجل سنة، على أنَّه إن زرعها حنطة فكراؤها عشرة دنانير، وإن زرعها شعيرا فثمانية فالكراء فاسد.
الشافعي: له كراء المثل إذا أدرك الزرع قبل فسخ الإجارة. أبو سعيد: ما قاله حسن. وقيل إنّ الزراعة لربّ الأرض وللزارع عناؤه ونفقته.
ومن اكترى بئره لرجل سنة يسقي بها زرعا فقيل: إنّ الكراء جائز وله أن يسقيه منها وهو قول مالك ويحتمل، القول أنَّه مجهول لا يوقف على حدّ فيه، فالقول قول المكتري.
أبو سعيد: كراء البئر عندنا يخرج فيه قول أنَّه جائز، والآخر لا يجوز من طريق شراء الماء وبيعه، فإن أكراه طرقه وطرق البقر من ماله جاز ذلك على القول بإجازة كراء الأرض ومنه.
وإن اكترى رجل مرعى أرض من رجل سنة معيّنة ليرعى فيها المكتري دوابه، فلا بأس به عند مالك إن طالت مراعيها وبلغ أن يرعى، ولا يجيزه الشافعي لأنَّه مجهول لا يوقف على حدّه.
أبو سعيد: قول الشافعي أصحّ، ويجوز قول مالك من طريق أجرة الأرض لأنَّها موقوفة ينتفع بها من المكتري، وقيل: إنّ ذلك لا يجوز من طريق أجرة الكلأ لأنَّه داخل في النهي عن بيع الكلأ هذا كلامه. (3/582)
صفحة 1509
فصل
من اقتعد أرضا قعادة صحيحة ودخل في عملها وزرع ثمّ غاب عنها وترك الزراعة حتّى ذهبت، فإنّ أجرتها تلزمه كاملة، وإن كان ذلك بمشاركة فضيّعها لزمه ما ضيّع في وقت ما ضيّع من الخضرة من قيمة ذلك من حصّة ربِّ (23) الأرض؛ وكذا إن عرضت للزرع آفة فإن أخذها بالأجرة على الزراعة فإذا زرعها وجبت عليه (24)، وإن منع منها بآفة لم يلزمه شيء ولا إن كان بمشاركة إن جاءت (25) من قبل الله.
وكذا من أطنى ماء طناء صحيحا ثمّ خاف وخرج فعطّل الزراعة، أو ائتجر بقرة أجرة صحيحة، ثمّ عنّ له أمر فعطّلها أو ذهبت بآفة.
فأمّا طنا الماء فهو [69] ثابت إن كان إلى وقت معلوم، وما كان من آفة فعلى المطني، وكذا لا تبطل عنه قيمة الماء إن عرض له خوف.
وأمّا أجرة البقرة فإن استأجرها سنة معيّنة أو شهرا ليزجر عليها ولم يشترط عليها موضعا معروفا فالأجرة ثابتة عليه، إلاّ إن أتى بعذر لا يقدر على الزجر عليها في بقعة ما ولا في قرية ما، وإن شرط أن يزجر عليها موضعا معروفا فنزل به عذر يعرف له في ذلك، فعليه من الأجرة بقدر ما استعمله من الزمان.
وإن فسدت الزراعة بداء أو آفة فسادا لا يقع عليها اسم زراعة، فله من الأجرة إلى الوقت بالحصّة منها، وذلك إذا شرط عليه أن يزجر على هذه البقرة هذه الثمرة، وإن شرطه عليها هذه الأرض سنة أو شهرا أو أيّاما معلومة فليزجر عليها تمام ذلك، ولو في البيضاء ولا يعذر إلاّ بآفة تمنعه من الزجر على البقرة فله الحصّة من الأجرة إلى وقت الآفة.
ابن أحمد: إنّ المقتعد إذا هاش الأرض ودخل في عملها ثبتت القعادة، إن علمت وصحّت على قول، وإن جهلت ورجع أحدهما انتقضت وكان للمقتعد ما سلّم من أجرة القعادة، ويرجع أيضا على من اقتعده بكلّ ما غرم في الأرض وعنى فيها وأصلح وأنفق. (3/583)
صفحة 1510
ومن اقتعد أرضه لرجل ثمّ باعها لغيره فالزرع لزارعه حتّى يحصده (26)، وللمشتري من الأجرة فيها من يوم اشترى إلى يوم يحصد بقدر مدّة الزرع من مزرعه إلى حصاده من نصف أو ثلث أو غيرهما، وقيل: إنّ البيع فاسد لأنّ المشتري لم يكن له قبض الأرض من يد الزارع، وإن اشتراها المقتعد الزارع فعلى ما بيّنا من أنّ القعادة يكون منها له بقدر ما بقي من مدّة الزرع (27) إلى أوان حصاده.
ومن اكترى أرضا ليزرعها فله أن يكريها لغيره فإن رضمها أو سمدها فله أن يزداد في أجرتها ما ازداد، وإن لم يصلحها ولم يعمل فيها شيئا فلا زيادة له.
ومن اكترى أرضا على أن يبني فيها ويرفع عنه ما أنفق من الكراء فهو جائز، ومصدق فيها مع يمينه، ولا بيّنة عليه إلاّ إن خرج في النظر أمر فاحش لا يمكن أنَّه غرم مثله.
ومن أقعد أرضه لمن يزرعها فلمّا زرعها قطنا، قال له: ظننت أن تزرعها غيره فسدت القعادة إذ (28) لم يسمّ ما يزرع فيها، وللمقتعد الخيار على ربّ الأرض في أخذ مؤنته والزرع لربِّها وفي قلعه ولا مؤنة له عليه (29)، وإن اقتعدها ليزرعها ذرة فزرعها ذخنا، فقيل: إنَّها فاسدة، وقيل لربّها مثل قعادة أرضه ذخنا إلاّ إن اقتعدها أشهرا معلومة على أن يزرع ما أراد.
ومن اقتعد معلومة كلّ سنة بمعلوم فزرعها المقتعد سنة أو أكثر ثمّ بدا له فتركها، لم يلزمه شيء في مستقبل، وعليه أجرة ما استعمل، وإن اقتعدها لسنة وزرع فيها موزا أو عظلما أو باذنجانا فحالت السنة قبل أن يحمل الموز، فإن رغب الزارع أن يقلع ما زرعه كان له، وإلاّ فلا شيء له بعد انقضائها.
وقيل: إنّ القعادة والمضاربة والمعادن كلّها مجهولة، فإذا رجع أحد المقاطعين قبل الدخول في العمل جاز له الرجوع، وإذا دخل فيه جاز عليه ما وقع عليه الشرط وإن جهل.
وفي الأثر في رجل استأجر أرضا يزرعها فزرعها فأكل الجراد زرعه، إنّ في ثبوت الأجرة (30) وجوازها اختلاف فالقائل بجوازها يثبت عليه الأجرة تامة. (3/584)
صفحة 1511
ومن اقتعد طويا ليزرعها فلمّا زرعها قصر به الماء عن سقيها فزف منها بعضا من غيرها، وبقي بعض حتّى تلف الزرع، فإن استأجر الأرض فعند من يلزمه أجرتها إن استأجر الركيّة والأرض، ثمّ نقص الماء، قال: فعرفنا أنّ حجر الركي على صاحبها إلاّ على المستأجر، ولفظ المؤاجرة أن يقول قد أجرتك تلك الأرض بكذا درهما أو مكوكا أو جريا إلى مدّة كذا أو يزرعها ما يريد من الزرع إلى مدّة كذا، فإذا قبل المستأجر تمّ ذلك وكذا الصوافي وغيرها. (3/585)
صفحة 1512
الباب الحادي عشر
في قعادة أرض اليتيم والغائب (31) ومالا ربّ له
فإن كان لرجلين أرض فيها حصّة ليتيم، واحتاجا إلى زراعتها، فإنّهما يرفعان أمرهما إلى الحاكم، فيقيم له وكيلا، ويحكم بقسمها، ويوصل كلاّ منهما إلى حقّه، فإن عدموا الحجّة في ذلك، زرعت الأرض مشتركة، وكانت المؤنة في رأس المال على قدر الشركة، وكان لكلّ منابه من الثمرة بعدما يلزمه من المؤنة، فإن وجدا قائما على اليتيم فذاك وإلاّ فلهما أن يقوما بذلك على ما يوجبه العدل ويكون ماله بأيديهما أمانة إلاّ أن يصرفوه في مصالحه أو ماله بموجب العدل أيضا؛ وإن كانت القعادة أوفر لليتيم في النظر من وجه ما فأقعد حصّته من الأرض ثقة أو احتسب له محتسب أو أحد الشريكين قصدا إلى مصالحه بلا غش ولا خداع، أو أقعد أحدهما الآخر بعدل السعر جاز ذلك، وإن لم يفعلا وأخذا ذلك لهما على سعر البلد وزرعاها على اعتقاد القعادة وكان ذلك أصلح لليتيم فأرجو أنَّه (32) يسعهما عند عدم قائم بذلك لهما.
وقيل: من توقّع على أرض يتيم فزرعها بلا أمر وكيله أو وصيّه أو وليّه أو الحاكم أو الإمام، كره له ذلك إلاّ إن [70] استأذن في ذلك أحدا ممّن ذكر أو محتسبا، فإن لم يجده وعجز اليتيم عن زراعة أرضه وهي أصلح له فإن زرعها أشهد أنَّه زرعها على أنّ لليتيم فيها شركة كذا وكذا، ثمّ تكون حصّته دينا عليه حتّى ينفقها عليه أو يسلّمها إلى من يعوله بفريضة أو يبلغ فيؤدّيها له؛ وإن استأذن قائما بأمر اليتيم فأذن له وكان ذلك أصلح له وقد عجز عن زراعتها فقد جاز له؛ وإن زرعها بلا أمر أحد فكلّها له ولا عرق لمتعدّ عليه فيها.
ومن استأجر أرضا فيها حصّة ليتيم مشاعة معلومة وزرعها كلّها وحسب له حصّته كما استأجر ولا وكيل له، فقيل: أنّ ذلك جائز إن كان وسطا من سعر البلد، فله أن يحتسب له ويدخل في ذلك لنفسه كما يحتسب له مع غيره، وقيل: لا يجوز له (3/586)
صفحة 1513
ذلك لنفسه كما له أن يفعله لغيره احتسابا، لأنّ فعله له لغيره غير فعله لنفسه، فإن أخذ يقول من أجاز ذلك وزرع وكانت له والدة تعوله بفريضة على ما استحقّه لأيّام معلومة جاز ذلك إن فرضت بالحكم، وإن كان من فعله هو فقيل: لا يجوز ذلك حتّى تكون مأمونة عليه أنَّها تجعله في مصالحه إن أمرت به على وجه الحقّ، وإن جاز للمقتعد الدخول في زراعة أرض اليتيم جاز للعامل مثل ما يجوز له إذا علم كعلمه وكان ثقة مأمونا على ما يدخل فيه ممّا لم يعلمه.
فصل
من اقتعد أرضا لغائب من عند امرأته أو أمّه، أو أخته، أو عامله أو من تسبّب منه فهذه قعادة ثابتة للمقعد وللمستقعد إن صلح ذلك له، فإن قدم وأتمّها ثبت ذلك على ما دخلا فيه، وإن أنكر ولم يتمّه وطلب وجه القول فيه فالقول فيه عندنا: أنّ القعادة على المقعدة للمقتعد لأنَّه أدخله بسبب ثابت له، ونقول: إنّ المقعد له السبب بذلك على ربّ الأرض لما ذكرنا، واختير أن يأخذ المقعد من زرع الأرض قدر بذر المقتعد ومؤنته وعنائه ويدفعه له، فإن كان قدر ما يستحقّه على المقعد فذلك حقّه، ولا تباعة عليه للمستقعد، فإن عجز عن ذلك كان عليه تمامه من ماله كأنَّه أقعده هذا المال، على أنّ له من ثمرته خمسة أسداسه ولربّه السدس، فلمّا غيّر ربّ المال وأخذ المستقعد ما استحقّه (33) استحقّ بذلك أربعة أسداس ثمرة المال، فإنّما بقي له سدس المال على المقعد، وإن بلغ ما استحقّه المقعد من بذر المستقعد ومؤنته وعنائه خمسة أسداس ثمرة المال فلا تباعة على المقعد للمستقعد، وقد استوفى حقّه؛ وإن كان ما استحقّه بالسبب خمسة أسداس الثمرة ونصف، فقيل: لربّ المال أن يتمّ القعادة لئلاّ يدخل عليه شيء من النقصان أو يغيّر ذلك فيدخل عليه بنصف السدس للمرأة، ولا لها أن تأخذ إلاّ في الحكم لنقضه عليها ما فعلت، فإن نقض عليها كان لها ذلك لأنَّها ضامنته له، وهذا على القول بنقض ذلك فكلّه منتقض، ويرجع ربّ المال إلى الباقي (3/587)
صفحة 1514
بعد بدر الزارع وعنائه ومؤونته فيأخذه بسبب أرضه إلاّ إن كان ضررها في الزراعة المزروعة أكثر من الباقي له من بقيّة الثمرة، فإنّ له أفضل الحظين لأنَّه لا ضرر عليه في أرضه فيأخذ الباقي ويلحق الزارع بقدر ما تنقص أرضه من مقدر ما استحقّ من الزراعة، وإن اقتعد الأرض من عند من لا سبب له في المال بوكالة ونحوها ولا يدخله كزوجة أو رحم أو غيرهما ممّن تقدّم، فإنّه لا عناء له ولا شيء له من مؤونته ولا تنعقد هذه القعادة على من أقعده ولا تباعة إلاّ التوبة، وتكون الزراعة لربّ وهذا كالمغتصب، واختير أن يكون له في هذه الموضع بدره وقيل: لا بذر للمغتصب وهو حقيق بما قيل، إلاّ أنَّه اختير ذلك في مثل السلاطين القاهرة ونحوهم ممّن عادته الظلم.
ومن دخل في الأشياء بالجهالة فغير معذور بها ويكون له بذره.
أبو الحواري: من غلط بأرض رجل حتّى زرعها ثمّ بلغ الزرع وظنّ الزارع أنَّها له، ثمّ بان له أنَّها ليتامى أو غيرهم فلأصحابها الخيار في إعطاء الزارع عناءه ومؤونته وأخذ الزراعة لهم، وفي تسليمها إليه بما فيها، ولهم كراء الأرض فيها سدس أو غيره. (3/588)
صفحة 1515
الباب الثاني عشر
المنحة والجدور والقعادة
أبو عبد الله: إن تشارك رجلان في زراعة ذرة فحصداها ثمّ نظرت فالنظار بينهما إن اشتركا، والعامل بيده لا شيء له فيه، وإنّما له حصّته من الجدور، لأنّ العامل استحقّ العمل بعمله وعنائه، فلمّا انقضت الثمرة نظر النظار من غير سقيه؛ وأمّا الشريك بغير العمل فيستحقّ بأصل المشاركة إن لم يقطع حجّته من ربّ المال بتسمية ثمرة معيّنة أو يطلب منه إخراج جدوره من أرضه، ولا حكم ولا قطع حجّة بتلك الجدور له وما جاء منها، ولو لم يكن منه في ذلك عمل لأنَّه لا يلزمه فيه عمل، ولأنّ هذا النظار هو من أسباب أصل الزرع الأوّل وقد تشاركا عليه، ولو حدّا عند المشاركة ثمرة وكانت على أن يزرع هذه الأرض ذرة أو غيرها لما كان للشريك في النظار حقّ وله قيمة جدوره، قال خميس: فافهم الفرق بينهما.
وإن أخرج العامل ربّ الأرض وطلب حصّته من نظار الثمرة المعمولة له فلا شيء له فيه، ولكن له حصّته في الجدور، فإن نظرت فله قيمتها وليس له قلعها إذا نظرت.
أبو الحسن: إن أقعد رجل رجلا أرضا أو منحه إيّاها فلمّا زرعها أصيبت بآفة حاطمة للزرع، ثمّ [71] نبت الحبّ فيها قابلا وصار زرعا، فإنّه لربّها لأنّ الزارع لم يلقه فيها، ولا منع الزارع الأوّل من أخذ حبّه من أرضه، ولا أتلفه عليه؛ وإن نظر ذرة فالنظار لربّها أيضا، ولصاحب الجدور قيمتها، وإن أثمرت العيدان بلا سقي فالله أعلم، ولعلّ هناك من يوجب ذلك لربّ الزرع.
ومن منح أرضه رجلا لزرع ذرة أو برّا أو نحوهما ممّا يحصد، ثمّ نقض عليه فلا رجعة له عليه إلى انقضاء تلك الزراعة. وإن زرع بقلا أو قثاء أو موزا أو رمّانا أو نحو ذلك ثمّ أراد الرجعة في أرضه نظر، فإن أكل بقدر ما غرم فيها وعنى سلّم إليه أرضه، (3/589)
صفحة 1516
ثمّ هو مخيّر في قلع شجره وردّ التراب في مكانه إن أخذ منها ترابا، وفي ترك شجره فيها وتقويمه ويحكم على ربّها بدفع قيمته، وإن لم يأكل منها قدر ما أنفق وغرم فعلى ربّها ردّ قيمة ذلك له ويمسك أرضه، وإن طلب الممنوح له إخراج شجره لا تركه فذلك له ولا غرامة ولا عناء له.
أبو الحواري: من منح أرضه رجلا ولم يقل له: ازرعها سنة أو أقلّ أو أكثر أو ثمرة كذا ولم يشترط الرجل إلى وقت، فإن قال لربّها: امنحنيها حتّى أزرعها ولم يسمّ شيئا من الثمار، فقال له ربّها: قد منحتك إيّاها ولم يسمّ له ذلك ولا وقتا فله أن يزرعها ما حيي المانح حتّى ينزعها منه. وكذا إن قال له: منحتك هذه الأرض بلا تسمية شيء.
ومن قال لرجل: ازرع في أرضي أو مالي ما أردت ولم يذكر له سهما ولا منحة ولا قعادة ولا هبة، فإذا زرع في ذلك فهو على ما سأله من منحة أو غيرها، ما لم تقم عليه حجّة برجعه من المعطي؛ وإن كان على قعادة أو مشاركة فعلى ذلك، فإن لم يعرف على أيّ وجه كان فهو زارع بسبب في الحكم الظاهر وله عناؤه ومؤونته، والباقي لربّ المال، وقيل: له ما يستحقّه في المشاركة في عرف البلد.
ومن منح رجلا قطعة أرض ثمّ مات المانح بعدما زرعها فطلبها وارثها (34)، وقال له الممنوح له منحني وزرعت في حياته، فله ثمرة ما زرع في حياته إلى حصادها إن دخل في عمل الزراعة، مثل ما يكون حجّة في إحراز العطيّة كرضم الأرض أو طرح الحبّ فيها أو اتّخاذ الشجر أو إخراج الجدور منها أو نحو ذلك.
أبو الحواري: من أعطى رجلا أرضا يزرعها لنفسه فزرعها قطنا أو بقلا أو قثاء، أو غير ذلك من الشجر مثل: الفجل والباذنجان، فإن أعطاها إيّاه منحة فله القثاء إلى أن يصيّف، والقطن إلى حول السنة، وكذا الباذنجان، وله في الفجل وقت ينتهي إليه، وإن سقى القطن من بعد الفضيحة في حياته فله تمام ذلك إلى أن يصيّف القصم والقتُّ إلى حول (35) السنة من (36) بعد الجزّة الأولى، وكذا البقل وقالوا فيه له وقت بينهم إليه فيدعه إن انتهى إليه، وله الموز إلى أن يأكل الأمّهات والبنات. (3/590)
صفحة 1517
وأمّا الرّمان فإن أصاب منه مثل ما غرم فيه، لم يكن له قلعه، وإن غرم فيه شيئا فله عناؤه، وله تمام الثمرة التي تكون عناؤه وغرمه فيها، وإن مات الممنوح له فلوارثه ماله.
فصل
إن منح السلطان لرجل صافية لم تجز منحته وجاز أن يستكفي شرّ السلطان بقول أو شيء من المال لئلاّ يعارض الفقير في الصافية.
ومن أعطى أرضه رجلا ليزرعها عظلما، ثمّ مات وخلّف يتامى، فللمعطى له أن يستغلّها سنة بعد الجزّة الأولى.
وقيل: من منح أخاه أرضا أو دارا أو شرط أن يدفعها إليه عامرة كره به ذلك، ولا بأس إن دفعها إليه عامرة بلا شرط عليه.
أبو سعيد: من أعطى رجلا أرضا يزرعها منحة ولم يسمّ له زراعة معيّنة، فبذر ثمّ رجع عليه قبل السقي، قال: فعندي إنّ طرح البذر بمنزلة القبض والإحراز، وأمّا إن سوّاها ورضمها (37) وأزكاها ولم يطرحه فلربّها الرجوع ولمصلحها عناؤه، وهذا إن زرعها ممّا عليه الأغلب ممّا يزرع وينقضي إذا لم يعيّن ثمرة، قال: والأغلب عندي من الزراعة البرّ والذرة والقطن والشعير، وإن لم يرجع عليه حتّى بذر فله عندي أن يزرعها ما شاء من ذلك، وقيل: إنّ للعامل القصم، وقيل: ليس له إلاّ الغور والفضيحة فليس للممنوح له إلاّ ذلك.
فإن أعطى رجل لرجل أرضا منحة يزرعها ثمرة معيّنة، وأعطاها غيره يزرعها لنفسه، لم يجز لهما ذلك إلاّ برأي ربّ المال، لأنَّه أعطاه لنفسه، فإن علم الثاني أنّ ربّ المال يعطيه وظنّ أنّ ذلك يسعه إذ قد أعطاها الثالث فزرعها (38)، فهذا كالداخل بسبب، وللزارع عناؤه وغرمه، والزراعة لربّ الأرض على ما قيل، وعليه الزكاة إن كانوا جماعة فزرعوها برأي المعطى له، وكان لهم السبب، وأراد أحدهم أن يتخلّص (3/591)
صفحة 1518
من حصّته (39) دون باقيهم فهل يجزيه ذلك؟ قيل (40): إن لم يعن على قبض الثمرة ودفعها إلى شركائه أجزاه ذلك وحده، وإن أعان على ذلك فعليه أن يتخلّص من الكلّ الواجب عليه ضمانه لأجل القبض، فإن تعاونوا على حصدها ودرسها وكيلها فهو في معنى القبض عند بعض.
فمن خاف من جائر فقال لرجل: ازرع في أرضي ما أردت، فزرعها وأثمرت ومات ربّها، فما يجب على الزارع لوارث الهالك ولم يشترط سهما، ولا أنّ له في الزراعة حقّا حتّى مات، قيل: فإن زرع فيها ما يخرج عنده على معنى ما سأله وأعطاه من هبة أو منحة فهو على (41) الجائز ما لم تقم عليه حجّة في الحكم تزيل الاطمئنان من رجعة المعطي بحجّة له فيها معنى، وإن كان على القعادة أو المشاركة فهو على ذلك، وإن لم يعرف على أيّ وجه كان ذلك، اختير أنّه إن زرع بسبب في معاني الحكم أو من ربّ المال لا يعرف الزارع معناه، فله ــ قيل ــ عناؤه ومؤونته والباقي من الزراعة لربّ المال، وقيل: لربّه ما يستحقّه المال [72] بالمشاركة في المتعارف وبين أهل البلد.
ومن اكترى أرضا من رجل ليزرعها فترة لزمته الأجرة لأنَّه عطّلها عن ربّها وإن أعطيها ليزرعها بلا تعيين مدّة ولا ثمرة فله أن يزرعها ما حيي المانح حتّى ينزعها منه. (3/592)
صفحة 1519
الباب الثالث عشر
في مجهولات الإجارة (42) ومكروهاتها
أبو المؤثر: يكره بيع عشرة وكراؤها: كراء (43) الفحل، والمكيال، والميزان، إلاّ إن كان صاحبهما يعمل هو بهما فيأخذه لأجل عنائه، وبيع الماء ممّن له نهر أو بئر فيستقي منه الناس لشرابهم ودوابهم فهذا لا يجوز بيعه، وإن استقى هو وباع لهم جاز، وبيع قبس النّار ولا بأس ببيع السخام والحطب لا الذي فيه النّار، وبيع الكلإ والعذرة الخالصة ولا بأس إن اختلطت بتراب أو سماد، وكراء النائحة والفاجرة، والمعلّم المشترط على تعليم القرآن كما مرّ، ولا بأس عليه إن قعد يعلّم فيما أهدوه إليه بلا اشتراط، ولا ثوبة للثلاثة إن اشترطوا حتّى يردّوا مثل ما أخذوا، ويكره بيع المصحف وكراء كتابته ومقابلته، ولا بأس بشرائه، وقيل: إن قصد البائع إلى بيع القرطاس والدفتين فلا بأس به ولا بنسخه بالكراء (44) لأنَّه من الصنائع، وكذا المقابلة وكراء المقتسمين للأرض ومن يحسب وقيل لا بأس بذلك.
وفي الأثر: لا يجوز أخذ الأجر على الفتوى في الفرائض، وجاز أخذه على الحساب لأنَّه عمل، وقيل لا.
ولا كراء بيوت مكّة، وقيل: جائز إذا قصد كراء الجدر المبنية والأبواب المجعولة كما مرّ لا البقعة؛ ولا بأس بكراء الهيب والمشحاة والمسحفة والحترزة والحصين ونحو ذلك، ولا بكراء السلاح لمن يتحصّن به من عدو وباغ أو ينصر به المظلوم. وفي كراء الحلي خلاف. وتجوز أجرة الثياب. ولا يجوز للرجل أن يؤاجر نفسه ليقعد مكان غيره في الحبس، ولا أجرة له إن فعل لأنَّه معصية، وإن مات الأجير فيه فلا ديّة له لأنَّه واقع بنفسه الظلم.
ولابأس بأجرة الحجام لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم احتجم وأعطاها له، ولا يجوز أخذها على مغصوب ولا مغشوش ولا لهو ولا باطل ولا على غير جائز شرعا، فمن (3/593)
صفحة 1520
أخذها على ذلك بشرط فليردّها، وكرهوا أخذ الجعل على الرقى لراق بكتاب الله وأسمائه، ولا بأس إن اشترط أجر عنائه، ولا يجوز شرط الصحّة والعافية عند الرقى والطب (45) لأنَّه من الغرر والخديعة، لأنَّه غيب لا يدرى وكذا من يخرج السرقة.
ولا أخذ الأجرة على الأذان والصلاة، وأجرة المصحف لمن يقرأ فيه قيل مكروهة وقيل جائز على الورق والدّفتين.
ومن دخل في عمل سلطان وأخذ عليه أجرا فلا ضمان عليه إن كان مستحلا وأراد التوبة، ولزمه إن كان محرّما وقد مرّ غالب ذلك.
ومن استأجر ــ قيل ــ رجلا يحفظ طعاما أو متاعا بأجرة فلا عليه إن نام أوقات النوم الذي لابدّ منه.
ومن عمل مع أحد أيّاما على أن يعمل معه مثل ما عمل معه فيها، وإلاّ فله عليه في كلّ يوم درهم كرائه، وادّعى الآخر أنَّه عمل معه بدونه، فإن كان العامل ممّن يعمل بالكراء والأجرة فأقرّ المستعمل أنَّه استعمله على هذه الصفة، فإن تراضيا على شيء فذاك، وإلاّ فله أجرة مثله، لأنّ الشرط في هذا باطل ولو أقرّ به لأنّ فيه مثنونية.
ومن عمل صوغا لغيره إلى أجل جاز له لأنَّه عمل بيده.
ومن استأجر قيل أجيرا ستّة أشهر بستّين درهما وإن لم يوفّها، فله في كلّ شهر عمل فيه درهم فله أجر مثله.
محبوب: من استأجر أجيرا بما يشبعه من الطعام، ثمّ لم يوفّ له به فليس له أن يأخذ من طعامه قدر ما يشبعه إلاّ بإذنه، ولا تجوز الأجرة قيل إلاّ بالنقود، وهذا له أجر مثله.
وإن قال رجل لآخر: اعمل لي في تزويج فلانة أو شراء مال فلان ولك علي كذا وكذا جاز لهما وهذا من الكراء والإجارات (46)، فإن استعمله فله أن يسلّم الأجرة.
ومن حبس له غلام فقال لرجل: خلّصه لي وعليّ لك كذا وكذا درهما، فقيل: يلزم له العناء، وقيل: لا كراء له، وقيل: (47) إن حبس على غير حقّ فلا كراء لقادر (3/594)
صفحة 1521
على خلاصه، ولا تجوز الأجرة على الطاعات، ولا إتمام الفاسدة الوارد النهي عنها، ولا أكل فيها، ولا التراضي بها كمهر البغي وحلوان الكاهن.
والدليل على ثبوت الأجرة وجوازها قوله تعالى: {فإن أرضعن لكم} الآية (سورة الطلاق: 6).
ولا تصحّ الأجرة إلاّ بمعلوم وإن جهل الأجر فأجر المثل اتّفاقا.
والإجارات على وجوه: منها ما ينعقد على عمل معلوم ووقت مجهول كالأجرة على البناء ونحوه؛ وما يقع على وقت معلوم والمنافع مجهولة كاستجارة الحيوان من حرّ وعبد ودابة؛ وما يقع على عمل معلوم ووقت معلوم كالدابة والسفينة تحمل معلوما إلى معلوم بمعلوم؛ وهذه الإجارات جائزة اتّفاقا. وما عداها ونحوها ممّا عليه الاتّفاق وعمل النّاس ففيه النظر، والواجب على العامل أن يأتي بالعمل أوّل وقت الإمكان وليس لربّ العمل منعه عند القدرة عليه. (3/595)
صفحة 1522
الباب الرابع عشر
في الأجير ومقاطعته وتسليم الأجرة إليه
أبو المؤثر: رفع إليّ في الحديث لا يستعمل الأجير حتّى يقطع له أجرة ويعطاها قبل أن يجفّ عرقه، وقيل لا يعطاها حتّى يفرغ من عمله، وإن قوضي على أن يعمل كلّ يوم بكذا وكذا فكلّما استتمّ يوما أعطي أجره.
وكذا إن قوضي على كلّ شهر فكلّما عمله أعطي أجره حتّى يستكمل ما وقّت له والعمل الذي قوطع عليه.
ومن استؤجر على عمل بحبّ فلا يعطى إلاّ ما وقعت عليه الأجرة، وجاز أخذ الدراهم عن الحبّ وإن استؤجر بها فله أن يأخذ ما شاء.
ومن أكرى رجلا على أن يعمل له معلوما بمعلوم فلا يستعمل فيه [73] غيره إن شرط أن يعمل بنفسه، فإن عمل معه غيره فلا أجرة له، وعلى الأجير أن يعمل كعمل غيره بلا خيانة، وله أن يرفع الضحى بإذن مستأجره ولا يجوز له أن يستأجر أجيرا ويحسب الأجرة على نفسه سلفا، وإن عمل مع مستأجره ومات أحدهما قبل أن يعيّنا الأجرة، فعلى المعمول له أو وارثه تسليم أجرة المثل إلى الأجير أو وارثه بنظر العدول في العمل عند العمّال.
ومن استأجر عبدا لشهر أو سنة أو أقلّ أو أكثر فلا يؤجره بأكثر ممّا استأجره إلاّ إن أعانه بشيء كآلة أو غيرها، وكذا الدابة والمنزل والدّكان والسفينة ونحو ذلك.
وقيل: إنَّ له أن يؤاجر ذلك وله الفضل من الأجرة ولا فضل له إن لم يعنه.
ومن انكسرت قيل سفينته في البحر فذهب ماله، فقال ربّ المال: من استخرج شيئا فهو له، فاستخرج رجل شيئا منه ثمّ رجع يطلبه منه فالمال له وللرّجل عناء مثله. فإن قال: من استخرج منه شيئا (48) فله نصفه أو ثلثه أو نحوهما، فعليه ما ألزم على (49) نفسه؛ وإن دُفع قيل إلى صانع عمل ليعمله، واتّفقا أنّ أجرته كذا وكذا (3/596)
صفحة 1523
درهما، فتقدّم بالدراهم حبّا من عند المعمول له، فلم يتقن الصانع عمله، وأراد أن يدفع الحبّ بعينه أو مثله، والمعمول له أن يدفع إليه الدراهم كما قاطعه عن ثمن الحبّ، فقيل إن قبض الصانع منه حبّا بثمن متّفق عليه فليس له إلاّ الثمن المتّفق عليه، وقيل: إن أعطى الحب على ثمن معلوم على أنَّه من كراء عمله لزمه ردّ الحب لأنَّه أخذه عن غير ما يستحقّه فلزمه ردّه بعينه، وإن أعطاه بما قاطعه من الدراهم حبّا (50) ولم يشترط عليه أنَّه من الكراء، فإنّما عليه أن يعطيه ثمن الحبّ وهو ما قاطعه (51)، وقيل: إن أتى بما فيه الكراء غير المكتري وطلبه، وقال: هذا حمل فلان أمرني أن آخذ له كراءه فلا يعطي غير الذي اكتراه إلاّ بالصحّة ولو عرف أنَّه حمله.
ومن استعمل رجلا في مجهول واتّفقا على دراهم، ولم يعطه في حينه حتّى افترقا، وأراد أن يعطيه بها عروضا بعنائه جاز له ذلك.
محبوب: لا يحرم على الأجير أخذ أجرته قبل أن يعمل، ومن قال لرجل: اطلع هذه النخلة وجدّها لي فقال لا أفعل إلاّ بالنصف، فقال: أطلع؛ فلمّا جدّها، قال له: لك أجر المثل، فقيل إن كان يجد غيره ويستغني عنه فأعطاه وهو قادر على غيره ويمكنه ذلك، فللأجير ما قوطع عليه، وإن كان في حينه لا يجد غيره فليس له إلاّ أجر مثله، فإن قال: اطلع هذا البيت ولك مائة كذا فطلعه فإن احتاج إلى ذلك واضطر إليه كان له ما وافقه عليه، وإلاّ بل على سبيل اللّهو لم يلزمه له غير عنائه.
وإن قال له: إن خرجت من رأسي قملة فلك دينار، فإن كان على المجاهرة أن ليس فيه قملة فهذا منها. ومن هرب له عبد وقال من أتاني به فله مائة درهم فأتاه به رجل من قريب، فله ذلك إلاّ إن عرف به قبل أنَّه في البلد، أو في قرب منه، فليس له إلاّ عناء مثله؛ وإن وقع خوف فقاطع رجل على حمله بكراء كثير فإنّما يلزمه ذلك، إلاّ إن كان إن قعد خاف على نفسه هلاكا، فعليه قدر كراء البلد الذي حمله إليه، وما كان مثل هذا وداخلا في معناه فهو مثله. (3/597)
صفحة 1524
الباب الخامس عشر
فيما فيه الأجرة ومالا أجرة فيه
ومن أخذ منجورا أو خشبا لغيره واستعمله، فأمّا المنجور فعليه كراء مثله في استعماله وأمّا الخشب فيختلف معانيه، فمنه مالا يستعمل بكراء فيكون فيه الضمان على المتعدّي فيه إن تلف، ونقصان القيمة إن سلم وردّه، وما يستعمل به فيلزم فيه أجر المثل مع الضمان إن تلف بتعدّيه؛ وكذا آلات الحديد وغيره (52)، وجاز إعطاء جارحة لصيد بسهم من الصيد.
خميس ولا نعرف في الصقر والكلب شيئا. ومن أعطى - قيل - رجلا شيئا يعمله له فجحده إيّاه فاستحلفه فحلف: ما عنده (53) له شيء، ثمّ ردّه إليه معمولا فإن له أجرته على ما تشاركا.
ابن المسبح: إن تقدّم عليه أن لا يعلمه له لما جحده إيّاه ويردّه له بحاله، فلا أجر له لأنَّه لا عرق لظالم، وإن تقاطعا على ثابت بينهما فليس في جحده ما يزيله ولا ما يبطل عمله، ولا يزيل عنه ذلك تقدّمه عليه إن ثبت الشرط ولكن يتوب إلى الله ويعمل ما اتّفقا عليه، وإن لم تثبت المقاطعة وتقدّم عليه بما مرَّ (54) فعمله لم يكن له على المعمول له شيء، لأنَّه عمله برأيه بعد التقدمة عليه وبلا ثبوت ما ذكر.
وفي الضياء أنّ أبا حنيفة كتب إلى أبي يوسف يمتحنه في مسألة، فإن أجاب فيها برأيه أخطأ، وإن أجاب بحفظه أصاب، وهي: ما تقول في قصّار دفع إليه رجل ثوب ليقصّره له بالأجرة، ثمّ أجمع القصّار على غصبه، ثمّ عمله، ثمّ بدا له ردّه إلى ربّه، ويتوب من نواه، هل يلزم ربّ الثوب الأجر أم لا؟ فقالوا له: ما تقول أنت فيها؟ فقال: إن عمله بعدما نوى غصبه قبل أن يتوب وينوي ردّه، فلا أجرة له وإن عمله غير مصرّ على غصبه فله العمل والكراء. (3/598)
صفحة 1525
ابن خالد: من أعطى نسّاجا ثوبا يعمله له فمضت مدّة فقال له: ثوبك قد عملته لك، أعطني الأجرة وخذه، ثمّ ادّعى تلفه قال: فإن صحّ ما يدّعيه من التلف فلا أجرة له ولا ضمان عليه، وإن لم يصحّ إلاّ بقوله فعليه الغرم، ولا أجرة له إلاّ بصحّة أنَّه عمله، وإن أتى به لمّا عمله إلى ربّه وقال له: هذا ثوبك خذه [74] واعطني الكراء فقال له (55): اتركه عندك فذهب به النسّاج فتلف، لم يلزمه ضمانه وله أجرته إلاّ إن تلف بتضييع منه.
ابن قريش: من استخدم أجيرا في مغصوبة عالما أنَّه غصبها، ففي جواز الأجرة له خلاف. (3/599)
صفحة 1526
الباب السادس عشر
في أجرة البائع ولزوم الضمان فيه
فمن استأجر أجيرا يبيع متاعا فعجز عن بيعه، فإن اجتهد ولم يشتَر منه فله أجرته، وإن توانى فله قدر عنائه، وإن استأجره يتقاضى له دينا من رجل فعجز فليس له إلاّ قدر ما تعنى في التقاضي.
والمنادي إن أعطاه أحد ثوبا يبيعه فادّعى ذهابه بجائحة، لزمه بيان صحّة مدّعاه وإلاّ لزمه ضمانه وغرمه، فإن باعه وقال: تلف الثمن بها قبل قوله؛ وإن قال له: بعه بعشرة دراهم والزائد لك كره ذلك، وشرط الدلاّل على ربّ المال أنّ له من كلّ ألف كذا وكذا، وجاز شرط أجرة يوم بكذا (56)؛ وإن باع له أو اشترى وكافأه بشيء جاز.
أبو سعيد: إن وكّل رجل رجلا في بيع ماله واستأجره ليبيعه بألف درهم من موضع كذا، وهما عالمان بالمال معا، فهو ثابت فإن رجع ربّ المال قبل أن يبيعه الوكيل أو الأجير فلا أجرة له إلاّ إن شاء ربّ المال. (3/600)
صفحة 1527
الباب السابع عشر
في الأجرة على تقاضي الديون (57)
أبو المؤثر: من له ديون على الناس فقال لرجل: تقاضها ولك سدس ما خرج منها أو أقلّ أو أكثر فذلك جائز، وإن قال له تقاضها لي بكذا وكذا درهما جاز أيضا. وكذا يعطى من تقاضى للمساجد والأيتام وقد فعل الأشياخ كلّ ذلك.
وروي أنّ رجلا من الهند أوصى بمال لعز الدولة، فاستأجر الإمام عبد الملك بن حميد من يأتيه به بنصفه، فزعم من زعم منهم أنّ له العناء، فجمع الإمام الفقهاء وشاورهم في ذلك فرأوا له ما أعطاه وهو النصف.
وفي الأثر من له دين فأمر رجلا يتقاضاه وقال له: إن حصل الدين وخرج على يديك فلك فيه النصف، فطلب الرجل الغرماء حتّى يحصل كلّه ويسلّمه إلى ربّه، قال إن أتمّ له ربّ الدين جاز له، وحسن أن يصدق لسانه وإن نقض عليه فله أجر ما تعنى في طلبهم، واستيفاء الدين منهم، وإن قال تقاض لي ديني ولك من كلّ ألف كذا وكذا فهذا يكره إلاّ بأجر معيّن. وإن استأجرت امرأة رجلا يستخرج لها حقّها بحصّة منه، فلهما ذلك إن كانت أعطته على أصل تقدّم بينهما.
أبو عبد الله: من بعث رجلا يتقاضى له دراهم من بلد بأجر أو بدونه فتقاضى له ألف درهم ثمّ ضاعت، قال: لا أراه يلزمه شيء، فإن اتّهمه فله اليمين بالله أنَّه ما خانه فيها ولا تعمّد إتلافها.
وإن وكّلت امرأة قيل رجلا في منازعة حقّ لها على زوجها بكراء معيّن، فلمّا قرب إعطاؤه الحقّ وتسليمه إليها أرادت فسخ الوكالة من الوكيل، فإن استأجرته أن ينازع لها بمعيّن فنازع فأجرته ثابتة، ولا رجعة لها بعد استحقاقها بالمنازعة، وإن لم تعيّن له الأجرة فله أجر مثله في مثل ذلك. وقيل في رجل يتقاضى للنّاس بجعل فلمّا رجع بالحقّ أخذ من أمره بالتقاضي بالحكم أنّ له جعله. (3/601)
صفحة 1528
الباب الثامن عشر
في ضمان العمّال والحمّال ومن لا ضمان عليه
مسبح: من له في بلد دراهم فبعث رجلا يأتيه بها بأجر، فلمّا وصل الرجل البلد صادفها قد ضاعت، أو بعث بها إليه (58) قبل قدومه، فإنّه يعطيه أجره كاملا ويطرح عنه قدر حملها في الطريق.
وقال هاشم: إنّ له أجر مثله من الرسل إن لم يأت بها، وإن حملها وأقبل بها إلى ربّها فضاعت في الطريق، فإن حملها بأجر فهو لها ضامن إلاّ إن ضاعت بأمر غالب لا يقدر على دفعه كلصّ سالب، أو سيل غالب أو نحوهما ممّا يعذر فيه، فإن ذهبت بذلك فله أجر ذهابه ورجوعه إلى موضع التلف.
ومن اكترى رجلا على حمل متاع (59) فحمله فانكسر في الطريق، فله قدر ما حمل وليس هو كالعامل بيده، وإن ضيّع غرم وأخذ كراء ما حمل، وقيل: إنَّه مأخوذ بالمنكسر إن حمله بكراء حتّى يصحّ له ما يعذر به عن ضمانه كمصادمة الدواب عند تزاحمها في الطريق أو البروك أو النهوض أو نحو ذلك من العذر.
أبو معاوية: من استأجر رجلا ليحمل خشبا وكانت على الساحل، فمدّ البحر فحملها حتّى طرحها في باب صاحبها، فلا كراء للأجير؛ وإن طرح الخشب في البحر وجعل يجرّه حتّى أوصله منزل صاحبه فقال له: إنّما ائتجرتك على أن تحمله وأنت طرحته فيه وجررته، فله الكراء تامّا إلاّ إن كان الماء يضرّ بالخشب فيلزمه غرم ما نقص به، وكذا في الأنهار والسيول.
أبو الحواري: يقال لربّ الخشب إن شئت فردّه إلى الموضع حتّى يحمله الأجير، وإن شئت فأعطه كراءه تامّا ولمن جرّه الأجرة.
ومن ذهبت له دابة فقال: من أتاني بها فله كذا فأتاه بها رجل وطلب ما جعل له، فقيل: له ذلك إلاّ إن أتى بها من قريب، فله قدر عنائه كما مرّ، واختير الأوّل (3/602)
صفحة 1529
[75] وقيل: إن قال إن أتيتني بدابتي فلك كذا وكذا، أومن أتاني بها فله ذلك فهذا أجر وقع على الإيتاء ولا جهالة فيهم، وإن استأجره في طلب دابته أو على أن يخرج يأتيه بها فهذا مجهول، وله أجر مثله إلاّ إن كان إلى معروف؛ واختلف في اتّفاق الحامل المحمول له (60) على معروف لم يرياه كجراب تمر أو جري حبّ أو متاع معروف، إن تقاطعا على كراء معيّن إلى معروف، فقيل: لا يثبت حتّى يرى الحامل الحمل، وقيل: إنَّه يثبت. أبو الحواري: يثبت إذا عيّن له كيلا أو وزنا.
ومن حمل متاعا لغيره فوصل به ناقصا لزمه يمين ما خانه، وإن حمل له طعاما بالنصف منه إلى بلد آخر، فوضع المحمول له دنانير فيه بلا علم من الحامل، فلمّا علم طالبه في نصفها ومنعه منه، فإن كان الشرط على أن يحمل ما ليس بحاضر فهذا مجهول، وله كراؤه على ما يقول العدول في الحب والصرّة التي هي فيه، وإن كان على حمل حبّ حاضر معروف فله نصفه كما شرط، وكراء الصرّة على ما يرى العدول له من كراها.
هاشم: في حامل الحاج من البحرين أو غيره إلى عمان أنَّه إن بلغ الحامل إلى توام أو غيره فقال: هذا عمان وكان منزله في غيره، فعليه أن يحمله إلى بلده ولو في أقصى عمان، وإن حمله إلى الجوف لزمه أن يؤدّيه إلى أهله ولو بأقصى الجوف، وإن حمله إلى القرى فأراد أن يطرحه حيث دخل لزمه أن يبلغه إلى منزله حين كان منها، وقيل: يحمله إلى أوّل قرية من عمان أو من الجوف.
فصل
من حمل حمالا طعاما إلى بلد وقال له: ادفعه إلى فلان وخذ منه الكراء، فلمّا قدم به عليه فأبى أن يقبضه منه ويدفع إليه كراءه أو وجده غائبا، اختير أن يستودعه الوالي أو الجماعة أحدا، ولا يلزم الأحد الضمان. (3/603)
صفحة 1530
الأزهر بن علي: عليه ردّه إلى صاحبه ويأخذ كراءه مرّتين، وهذه المسألة كثر الابتلاء بها في بلادنا.
ومن قاطع - قيل - رجلا على أن يحمله في سفينة من عمان إلى عدن، فانكسرت في الطريق فرجع فأصلحها لزمه حمله وإيصاله إلى عدن، إلاّ إن اكتراه لسفينة معيّنة فلا يحكم عليه بحمله في غيرها، ولزمه أن يردّه قدر الباقي من الطريق إلى عدن.
ومن استأجر رجلا يأتيه بمال من موضع فضاع - فقيل - يضمنه ويأخذ كراءه إلى محل التلف كما مرّ، وقيل: لا ولا إن ضاع بما لا يقدر على دفعه.
ومن أخرج - قيل - رجلا بمعروف على أن يصل له إلى البصرة أو غيرها، فلمّا كان ببعض الطريق عاقه أمر عن الذهاب إليها رجع أو مات، فإن نزل به عذر من الله من طريق حاسم أو خوف أو نحوهما فله أجر ما تعنّى على قدر الطريق، فإن كانت الأجرة على الذهاب والرجوع حسبت على حسب ذلك، وإن كانت على الذهاب فكذلك، وإن كان ذلك ممّا يقع فيه الاختيار من نفسه وأراد الرجوع، فلا كراء له إلاّ إن كان لا يعرفان بعد الموضع أو قربه، أو جاهلين بذلك أو أحدهما، ففي ذلك النقض ويكون له فيه أجر مثله لا على سبيل الأجرة فيه. (3/604)
صفحة 1531
الباب التاسع عشر
في أجرة النسّاج وأحكامه
فمن أعطى - قيل - حيّاكا غزلا يعمله له ثوبا فخرج رديئا، فإنّ عدول الصنعة ينظرونه وقيمة ما أفسده ويدفعها لربّه معه، وقيل: هو مخيّر في أخذ ثوبه وقيمة نقصه بالعدول، وفي ردّ الثوب على الحيّاك واسترداد مثل غزله منه والكراء المأخوذ منه عليه، فإن طلب النسّاج أجلا قدر ما يبيع فيه الثوب ويردّ ما يلزمه أجّل له أجلا غير بعيد من خمسة أيّام إلى عشرة، فإذا انقضى لم يكن له عذر من شراء ما لزمه غرمه ولا يبرح من السجن حتّى يأتي بما يلزمه، وإنّما يكون له الأجل لحال ما يطلب عند الحاكم.
ومن طرح - قيل - إلى نسّاج غزلا ليعمل له شقّتين في سداة واحدة، فعمل شقّة، فلمّا انتهى إلى آخرها أراد ترك الأخرى، فأبى ربّها أن يقبل منه عمل واحدة فقط، فإن كانت المقاطعة واحدة والكراء واحد ودخل في العمل على ذلك، فلا يجد إلاّ التمام، وقيل: إن كان في ذلك جهالة أو غبن فاحش، فله أجر مثله في ذلك وعليه العمل، وقيل: إن جهل ما عمله فله أجر مثله في نظر العدول، ولا يلزمه عمل الباقي ولا أن يقطع الأولى إن كان يضرّ بالأخيرة، وقيل: عليه عملها بلا كراء الأوّل إن كان في قطعها فساد على ربّ الغزل إذا عمل منه أو دخل في عمله ولو مجهولا، وإن اختلفا فقال العامل: عملته بمائة درهم والمعمول له عملتَه بعشرة، فقال أبو مروان: إنّ القول قوله وعلى العامل البيّنة على مدّعاه، وكذا جميع أهل الصناعات فإن قال ربّ الثوب لمّا عمل: إنّي أمرتك أن تصنع طوله وعرضه كذا وكذا، وقد جاء أقلّ من ذلك فعليه كصاحب العمل البيّنة على مدّعاه من الشرط والقول قول العامل، واختلف في قوله للمعمول له: أمرتني أن أعمله خماسيا مثلا، وقال له: الشرط بيننا سداسيا، فقيل: إنّ القول في هذا قول الصانع، وقيل المصنوع له، وقيل: إن أقرّ أنَّه سلّمه إليه سداة فالقول قول الصانع، وإن سلّمه إليه غزلا فالقول قول ربّ الثوب. (3/605)
صفحة 1532
[76] أبو سعيد: من يعمل للنّاس الثياب بالكراء فسلّم إليه رجل كبّة غزل يعملها له شقّة بمعيّن، فرفعها عند جيرانه على معتاده حيث يرفع غزله وغزل النّاس، فوقع الجائر عليهم فنهبهم ونهب غزله والكبّة، فهل يلزمه غرمها وغزل النّاس؟ قال: فإذا جعل ذلك حيث يأمن عليه وظهر أخذ الجائر له أو غيره من القاهرين، لم يلزمه ضمان في الحكم لأنَّه - قيل - إذا ظهرت أسباب السرق أو النهب وادّعى الصانع أنّ ذلك قد أخذ فيما ادّعى عليه أنَّه أخذ، كان القول قوله مع يمينه ولو لم يصح أخذ الشيء بعينه، فإذا صحّ أخذه بعينه كان أولى أن لا يلزمه ضمان، وأمّا إن حمل الغزل إلى الجائر الذي يعرفه بأخذ أموال النّاس، قال فعندي أنَّه ضامن لما تلف بسبب حمله إليه وإن بقهر.
ومن وقع - قيل - بينه وبين نسّاج مساومة على عمل ثوب، فيقول له: إن شئت أن تعمله بدرهمين فاعمله، والنسّاج أعمله بثلاثة، فلم يجبه ربّ الثوب إلى ذلك ثمّ أنَّه عمله على هذه الصفة، فقيل: إنّ له كراء مثله إن عمله عليها، فإن تناقضا فيه قبل العمل انتقض.
ومن رفع إليه غزلا يعمله ثوبا له فجعله في ثوبين وزاد فيه غزلا من عنده ثمّ طلب إلى صاحب الثوب أن يزيده في الكراء، لأنّ عمل غزله ثوبين وغزلا مثل غزله الذي زاده فيهما من عنده، فأبى من ذلك ربّ الغزل فقيل يلزم النسّاج له غزل كغزله ويردّ له مثلما أخذ من الكراء، وإن شاء ربّ الغزل أعطاه ثمن ما زاد وكراء مثله فيما عمل، وله الخيار في ذلك ولا يقبل قوله إنَّه زاد إلاّ بالصحّة؛ وكذا إن أمره بثوبين فعمل له ثلاثة أو أكثر فإن وجد الغزل زائدا على ما تقاررا عليه وهو ب (61) يد النسّاج، فالقول قوله في الزيادة مع يمينه ولربّ الغزل الخيار على ما مرّ، وكذا إن دفعه إليه ليعمل له ثوبا يشارطه بدرع معروف فعمله أطول منه، وقال: إنَّه زاد فيه غزلا من عنده، فالقول فيه واحد من الزيادة والنقصان، إن كان مما (62) لا يزيد ولا ينقص مثل ذلك في عادة أهل الصناعات في ذلك. (3/606)
صفحة 1533
وإن سلّم رجل إلى نسّاج غزلا يعمله له ثوبا فماطله، فقال: إنّي لا أحب عملك أعطني غزلي ثمّ أتاه به معمولا، فإنّ له عناءه، وإن قال له النسّاج: غدا أبسطه ثمّ يقول له إنَّه سرق ويصحّ السرق، فإن ثبتت بينهما مقاطعة في الأصل ثمّ طلب ربّ الثوب ثوبه، ثمّ حبس عليه ثمّ صحّ السرق، لم يلزمه له شيء لثبوتها بينهما، وإن لم تكن بينهما هي ولا شرط معروف، وطلب غزله وحبسه عليه بعد الطلب لزمه غرمه.
فصل
أبو الحواري: إن أخذ النسّاج من رجل غزلا على أن يعمل له ثوبا وشرط عليه العمل الجيّد، فلمّا أدخله الخشب وجده لا يعتمد له للعمل لرثاثته أو ضعف فتله، فعليه أن يحتجّ على ربّ الغزل ويعلمه بضعفه، فإن أمره أن يعمله بعد الحجّة وخرج الثوب ضعيفا عذر النسّاج، وإن لم يحتجّ عليه وخرج على غير شرطه، لم يعذر وخيّر ربّ الغزل في أخذه منه مثل غزله وفي أخذ الثوب ونقصه عن شرطه، وكذا الصياغ والصبّاغ وغيرهما.
وقيل: إن كانت المقاطعة في النسج على ثابت أجبر النسّاج أن يعمل له إلاّ إن قال العدول: إنّ الغزل لا ينعمل له فلا يلزمه حينئذ عمله.
وإن أعطت امرأة - قيل - رجلا غزلا ليطرحه لها إلى نسّاج فطرحه (63) إلى ساكن في القرية من غير أهلها فمرّ به فقيل: إن سمّت له نسّاجا معيّنا فخالف أمرها ضمن الغزل وإلاّ فلا، وإن أعلمها أنَّه طرحه إلى نسّاج تعرفه فسكتت ولم تنكر عليه، فلمّا فرّ طالبته بغزلها فلا يبريه من الضمان سكوتها؛ وكذا المرأة إن كانت قد دفعت له المز، وقيل: إن صحّت المقاطعة بين النسّاج وربّ الثوب على درع وسقط ووزن وطول وعرض بأجر معروف، كلّ ذلك لم يلزمه أداء شيء من الأجرة حتّى يجيء النسّاج بالثوب معمولا على وفاق المقاطعة، فإن أتى به تامّا موافقا فحينئذ يعطى أجرته تامّة، فإن أعطاه منها شيئا قبل فراغه من عمله فهو مضمون عليه إلى تمامه، فإذا (3/607)
صفحة 1534
تمّ تقاصصا وتباريا وتراددا للفضل إن بقي لأحدهما على الآخر، وإن اختلفا فقال ربّ الثوب: طرحته إليك أن تعمله سباعيا والنسّاج على أن أعمله سداسيا، فقيل: القول قول النسّاج، وقيل: قول ربّ الثوب وقد مرّ ذلك، وقيل: المدّعي منهما من يدّعي الفضل لنفسه على صاحبه، لأنّ المدّعي هو من يدّعي ما يجرّبه إلى نفسه زيادة، ومن أخذ بقول من أقوالهم على قصد الحقّ فهو سالم.
ومن دفع - قيل - إلى حيّاك غزلا وقال له: انسج لي منه عشرة أدرع ثوبا ولك من الأجر كذا، وإن زاد عليها أعطيك على حسابها، فقيل: إنّه جائز، وقيل: له في الزائد أجر مثله، وإن كان مع النسّاج شريك وقال: إنَّه استأجر الخشب فهو مصدّق إلى قدر قيمة مثل ذلك الخشب في البلاد.
ابن قريش: إن قال النسّاج أو الصابغ أنَّه زاد في العمل غزلا أو ذهبا أو فضّة أو نحو ذلك، لم يقبل قوله إلاّ بعد [77] الصحّة فيكون له مثله إن كان يضبط وإلاّ فقيمته وقيل أنّ أبا الوليد وعبد المقتدر كانا لا يجيزان القضّية للنسّاج ولو شرطها لنفسه.
أبو سعيد: إن طرح رجل إلى نسّاج غزلا فنسجه له وادّعى نقصان الغزل فقال له: استقرض علي فادّعى أنَّه فعل فإنّه مدّع لا يصدّق في ذلك ولا يمين له إلاّ إن ردّها إليه صاحب الثوب.
وإن مدّ نسّاج خشبه في غير محصون عليه فطرح إليه أحد غزلا يعمله له وقد رأى موضعه غير محصون عليه فقاطعه على الكراء وأخذ في عمل الثوب، فسرقه سارق من الخشب من الموضع وهو نائم بقربه، وشهر ذلك وصحّ، فإن علم ربّ الثوب أنّ النسّاج يعمله في ذلك الموضع غير المحصون عليه، وعلى ذلك طرحه إليه وقاطعه على عمله وصحّ سرقه بعدلين، فلا غرم عليه، وكذا (64) إن صحّت الشهرة بالسرق، فالقول قول النسّاج مع يمينه على ما في الأثر أنَّه إذا صحّ حدث شاهر قبل قوله معها، إن لم تكن بيّنة، وأمّا جملة الحكم فإذا لم تصحّ النسّاج بيّنة على السرق فهو غارم فيه، واختير القول الأوّل أنَّه إن وقع سبب من هدم جدار أو فتح باب أو صحّة (3/608)
صفحة 1535
قطع الثوب أو ما يستدلّ به على الحدث، أنَّه سرق قبل قول الصانع مع يمينه وغرم إن لم يحلف، وكذا إن عجز عن البيّنة وإن لم يعلم النسّاج ربّ الثوب أنَّه يعمله في غير المحصون وإنّما طرح إليه ليعمل في حصن فبسطه هو في غيره حتّى ضاع فإنّه يغرمه لأنَّه عرّضه للتلف ولم يعلم ربّه بذلك. (3/609)
صفحة 1536
الباب العشرون
في أجرة الصائغ والصبّاغ والخياط والغزّال
فمن دفع - قيل - إلى صائغ أحدا وأربعين درهما فضّة بيضاء يصوغها له خلخالين فصاغهما له وقبضهما، ثمّ بعد مدّة رجع بهما إليه، فقال: هذه الفضّة سوداء وطلب أن يردّ عليه عدد الدّراهم والكراء، فإن أنكر الصائغ الفضّة وقال هذه هي التي أعطيتني، فعلى ربّ الخلخالين البيّنة، فإن عجز عنها وطلب يمين الصائغ فليحلف له أنَّها فضته التي سلّمها إليه وما خانه فيه، فإن أجاب أن يردّ عليه (65) فضة بدلا عن الخلخالين فيقضي عمّا ادّعى صاحبهما، فإن أنفقا على ذلك عن تراض من أنفسهما جاز، وأمّا في الحكم فلا، فإن أقرّ بالخيانة أو بيّنت عليه فعليه أن يردّ عليه رأس ماله والصوغ للصائغ، فإن طلب كراء ما لبس منه ونقصانه فله النقصان لا الكراء إلاّ إن تراضيا.
وإن اشترى صبّاغ نيلا جيّدا ورديئا وخلطهما وصبغ للنّاس، فلا بأس (66) لأنَّه إنّما عليه تجويد الصبغ، ولو كان النيل رديئا، ولا نحب له أن يصبغ بالنيل لهم إن تنجس بالأجرة، لأنّ الله إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، ومن عمل بالأجرة إلى أجل جاز ولو عمل ذهبا أو فضّة بوزن منها أو منه إلى أجل (67)، لأنَّه عمل ولا يدخله الربا.
ومن صبغ ثوبا لغيره فلم يرض به وطلب زيادة الصبغ حتّى يعتق فأبى الصبّاغ، فإنّهما يرجعان إلى عدول الصبغ، فإن قالوا: إنَّه لا يستحقّ زيادة أخذ بقولهم، وكذا إن قالوا يحتاج إليها، وينبغي للصبّاغ أن يتّخذ مثالا من خرق مصبوغة وتكون المقاطعة عليه، ولا يجوز للصائغ أن يلحم الصوغ برصاص أو نحوه إن كان من ذهب أو فضّة، إلاّ إن عمله لنفسه أو لعياله ولا يريده للبيع. (3/610)
صفحة 1537
والصائغ بالأجرة إذا قطع لكلّ جنس من الصوغ أجرا معلوما ولو قليل الوزن وربّما تعنّى في أجر بعض أكثر من بعض، فإن كان العامل والمعمول له غير جاهلين لشيء من ذلك، فما تقاطعا عليه فهو لازم لمعرفتهما بذلك.
ومن أتى إلى صائغ بصوغ يلحمه له فانكسر عند لحامه، فهو ضامن له لأنَّه أمره أن يلحمه له لا أن يكسره، وإن اشترط على ربّه أنّي ألحّمه وأدخله النار فإن سلم فذاك وإلاّ فلا ضمان عليّ إن انكسر، فله شرطه إن لم يجاوز به المعتاد عند الصاغة، وإن كان ينقص إذا أدخله النّار فلا يضمنه إن نقص، فإن أذن له ربّه بذلك فنقص لم يضمنه أيضا، إلاّ إن كان النقصان ممّا لا ينقصه مثله في عادتهم.
وإن تقاطع رجل مع صائغ على وزن وأجر وقياس لصوغ معلوم كلّها، ثبت ذلك ولا لهما ولا لأحدهما نقضه، وإن أراه مقايس الطول لا العرض والجسم فعمله على أن يعمل النّاس مثله، ثبت بينهما أيضا إلاّ إن خرج عن عملهم في مثله، وقال عدول الصنعة: إنَّه فاسد أو يعمل الدملوج برة والبرة دملوجا، أو السوار داجا والداج مقلودا، فهذا خارج عن المستعمل ولزمه به الضمان.
وقيل إذا صاغ الصائغ خاتما أو غيره وحشّاه بالقار لم يجز له بيعه، لأنَّه غش وقد نهي عنه، ومن غش صوغا وباعه ولم يعرف المشتري تصدّق بثمنه، وإن عرف تخلّص منه إليه؛ فإذا صاغ صوغا وسقط منه شيء عند حكّه له، فإن [78] كان له وزن أو قيمة ضمنه لربّه، وإن كان لا يستوي إلاّ بذلك ولا قيمة له لم يضمنه.
فصل
إن دفع رجل لصبّاغ للناس بالأجرة ثوبا أو غزلا أو غيرهما ليسوّده له بها (68)، فأخذه ورحضه وغسله وسوّده، فلمّا أراد أن يدفعه إليه وجد فيه انخراقا ولم يعلم متى كان فيه، فقيل: إنَّه إن قلبه قبل ولم ير فيه شيئا فالخرق حادث حتّى يصحّ أنَّه فيه قبل رحضه، أو قال ربّه: إنَّه فيه متقدّم. (3/611)
صفحة 1538
وكذا إن كان بغير أجرة، لأنّ الخطأ في الأموال والأنفس مضمون، وكذا الغزل يرحضه الرحض المعروف المعتاد (69) فيقطع منه شيء، وكذا إذا عصره المعتاد أو عند العسف، فينقطع منه شيء، وعند التزويج أيضا، فإذا انقطع شيء عند ذلك ممّا لم يجاوز المعتاد فلا يلزمه ضمانه، وقيل: يضمنه في ذلك وكذا إن دفع إليه ثيابا صية أو غير صية أيجوز له أن يغسلها أو يرحضها ويعصرها إن كان ذلك أصلح لها، وإن حدث فيها شنع أو قرض، فأمّا غسل الثوب ورحضه فلا يجوز إلاّ بإذن ربّه، وأمّا ما كان من تقطّع الغزل الذي لا يقدر أن يصنعه إلاّ بذلك فقد مضى الجواب فيه.
ومن دفع إلى صبّاغ أو خيّاط ثوبا ليصبغه أو يخيطه فيتكفّس به في طريقه ومضيه إلى البيت أو يعتم به، لم يجز له ذلك، وفي بيان الشرع: ما تقول فيمن أرسل إلى صبّاغ ثوبا ليصبغه فصبغه له، فصبغه (70) ثمّ أنفده مع غير الرّسول، فأرسل إليه بالأجرة ولم يطالبه بالثوب أيكون سالما؟
قال: فالذي عرفت أنَّه إن سكنت نفسه إلى أنّه صار إلى ربّه فقد برئ ما لم يطالبه به، وإن صبغ الصبّاغ الثوب بغير ما أمره به صاحبه لزمه الضمان، فإذا طلب أخذ ثوبه والصباغ الكراء فإنّه يقوم أبيض ومصبوغا، ثمّ للصبّاغ على ربّه ما زاد الصبغ فيه، وقيل: إنّ صبغه (71) بغير أمر ربّه فهو ضامن له، ويقوم كذلك فإن زادت قيمته مصبوغا خيّر ربّه في أخذ ثوبه ودفع ما زاد بصبغه، وفي أخذ قيمته أبيض وإن نقصت على كونه أبيض خيّر أيضا في تركه للصبّاغ وأخذ قيمته منه، وفي أخذه وما نقص منه ودفع قيمة صبغه له، لأنَّه في الثوب، وقيل: لا شيء للصبغ لأنَّه أثر لاعين والعين ما يقدر على إخراجه. (3/612)
صفحة 1539
الباب الحادي والعشرون
في أجرة الطحين والخبز وغسل الثياب
فمن أعطى امرأة مكيل حبّ تطحنه له وتخبزه وتأخذ ثلثه، فأخذت ثلث الحبّ لها وطحنت الباقي وخبزته له (72)، لم يجز لها ذلك لأنَّها لا تستحقّ الثلث إلاّ بكمال العمل؛ وكذا من قعد على رحى من الماء يطحن للنّاس فينبغي له أن يطحن الأوّل فالأوّل؛ وكذا النسّاج وإن لم يفعلوا ولم يعدوا أحدا ويخلفوه الوعد، فلا عليهم وإن وعدوا أوفوا به.
وقيل: من دفع إلى غسّال ثوبا ليغسله فخرقه، فإن كان جديدا فإنّه يغرمه أو شراؤه، وإن كان خلقا لزمه أن يرفوه، إلاّ إن هلك الثوب في ذلك الخرق، فعليه قيمته أو شراؤه.
أبو الحسن: من يعمل بالأجر كالنسّاج والخيّاط والحدّاد والصبّاغ والصائغ وغيرهم، إن سلموا لهذا متاع هذا وعكسه غلطا لزمهم الضمان، وإن رجعوا إلى من سلّموا إليه وقالوا إنّا أخطأنا وسلّمنا إليك ما ليس لك فردّه لنا وخذ مالك، وقال للصانع: إنّك أقررت لي بما سلّمت لي ولا أقبل قولك هذا (73) بعد إقرارك على نفسك ولا بيّنة للدافع، فالقول قول القابض مع يمينه: ما يعلم إن قبله له حقّا من قبل ما يدّعيه عليه (74) بخلاف إقراره.
وإن سلّم العامل إلى أحد شيئا، وقال له: هذا متاعك والمعمول له ليسه وإنّما لي غيره قبل قول العامل مع يمينه أنَّه ما خانه فيه. (3/613)
صفحة 1540
الباب الثاني والعشرون
في كراء المنازل والأواني والثياب
ابن محبوب: من استأجر من أحد دارا ولم يعلمه كم معه من العيال والدواب، فلمّا علم به ربّ الدار وقال له: لم تعلمني كم عدد العيال والدواب فأكري لك داري على معرفة ذلك، وهو إن معك عيالا وخدما ودوابّ كثيرا كلّ ذلك أخرج منها، فإن لم يعلمه بذلك وفي سكنهم تتولّد المضرّة على الدار، فله أن يخرجه وإن كانت لا تتولّد به عليها لم يكن له إخراجه، لأنَّه لا بدّ أن يكون له ولد وزوجة وخادم ودابة، ولا يكون في هذا ضرر، ولأنّ المؤاجرة إذا وقعت لعمل معلوم أو سكن موصوف يلزم وفاؤها، فإن زاد الساكن أو المستعمل الأجير أو العبد بعد المدّة التي حدّاها لزمه من الكراء في الحكم على ما تقدّم من الأشهر، وقيل: للزيادة كراء المثل.
وإن قال المكري: أكريتها إلى ثلاثة أشهر، والمكتري: إلى ستّة، قبل قول المكري لأنَّه أقرّ له بها وادّعى المكتري الزيادة على ما أقرّ له به، وإن قال المكري: اكتريتها سنة بعشرة دنانير، والمكتري: أكريتها منك بها ثلاثة أشهر، فهذا إقرار منهما وقد لزم المكري تسليم الدار [79] للمكتري سنة ولزمه هو تسليم العشرة له، ويقال له: إن لم تكتر منه إلاّ ثلاثة أشهر لم يجز لك أن تسكنها إلاّ ثلاثة (75) إلاّ برضى منه لما فوقها، لعلمك بأنَّه أقرّ لك بباطل؛ وإن قال المكري: اكتريتك إيّاها سنة بالعشرة، والمكتري: ثلاثة بثلاثة، كلّف كلّ منهما بيان دعواه، فإن لم يحضره كلّ منهما تحالفا على ذلك ولزم المكتري تسليم الثلاثة على ما أقرّ به منها لثلاثة.
ومن أسكن رجلا في داره فطلب إليه كراء السكن فقال له: إنّك أسكنتني ولم تقل لي بكراء، فإن عرف ربّ الدار أنَّه يؤاجرها لزم السّاكن البيان أنَّه أسكنه بلا كراء، وإلاّ حلّفه وأعطاه كراء المثل وإن لم يعرف بأجر ولا بغيره فأيّهما ادعى لنفسه (3/614)
صفحة 1541
شيئا كلّف بيانه ولا ضمان إلاّ بسبب يصحّ، فإن قال الساكن: سكنت بدانق قبل قوله مع يمينه وعلى ربّ الدار البيّنة أنَّه بأكثر إن ادّعاه والأيمان بينهما.
ومن اكترى أرضا إلى وقت معلوم على أن يبني فيها ويرفع عنه ما أنفق فيها (76) من الكراء الذي عليه، جاز له وهو مصدّق فيما أنفق مع يمينه ولا بيّنة عليه، وقيل: إن اختلفا في ذلك قوّم العدول قيمة متوسطة إن كان دعوى المنفق ممّا يخرج من حدّ العدول إلى حدّ الشطط، وكذا إن أذن له أن يبني غرفا أو غيرها يلزمه الكراء الأوّل.
واختلف فيمن اكترى غرفة يسكنها؛ فقيل: يجوز الدخول عليه فيها بإذنه، وقيل: لا. وكذا إن أذن له أن يحفر بئرا فحفرها وأنفق عليها دراهم ثمّ أراد الخروج فطلب إلى ربّ المنزل غرم ما حفرها به، وقال له: ادفنها إن شئت ولا حاجة لي بها، وأراد هو ما أنفق قال: إنَّه يدفنها إن لم يخرجه وإن أخرجه أعطاه قدر عنائه، وإن كانت له بيّنة على نفقته كان له ذلك وإلاّ فرأي العدول فيه بقدره أيضا (77)، وإن مات ربّ المنزل ولم يطلب المكتري في شيء ثمّ طلب اليتامى، فلهم ماله وعليهم ما عليه.
وسئل أبو سعيد عمن استأجر من أحد دارا بخمسين درهما فأكراها هو بمائة فقال: إن أدخل فيها شيئا من المنافع كبناء أو باب أو سبب ما، أو أصلح فيها شيئا فله الزيادة كما مرَّ، وإلاّ فلا؛ وقيل: له الزيادة مطلقا لأنَّه قد ثبتت له بالأجرة، فله الزائد وعليه النقض، وقيل: ليس له الزيادة مطلقا، ومن آجر قيل لرجل خرسا وحوّله إلى منزله فدخل إليه رجل فيه فأراد أن يكسر خشبة فوقعت في الخرس فكسرته، أو رمى بحجرة فكسرته، فإذا صحّ أنَّه لم يتعمّد في إذنه للرجل في كسر الخرس، أو دخل المنزل بلا إذنه، فالضمان على الكاسر لا على المستأجر، ولو دخل بإذنه وإن لم يصحّ ذلك وادّعى المستأجر أنّ الكسر من غيره لا من فعله، ففي لزوم الضمان له قولان، إلاّ إن كسر من فعله وهو مصدّق في ذلك، لأنّ من يعطي الأجر بخلاف من يأخذه، وهذا هو الأكثر وإن ادّعى المؤتجر أنَّه دعا المؤجر إلى قبض خرسه، وأنكر ذلك صاحبه فليس ذلك ببران، ولا قبض في الحكم على ما مرّ من الخلاف. (3/615)
صفحة 1542
وإن أنقضت مدّة الأجرة واختلف المؤجر والمؤتجر في قبضها وأيّها لها إلى المؤجر، فقيل: إذا آجره وأذن له في حملها أن يستعملها في الموضع، فإذا انقضى أجل الأجرة لزم ربّ الخروس أن يقبض خروسه، ولو كانا في بلدين حيث أذن للحامل أن يحملها، وإن حملها برأيه ولم يحدّ له إلى أين يحملها، فعلى المؤتجر أن يردّ الخروس إلى ربّها حيث وقعت الأجرة عليها إن حملها بلا رأيه أو على جهل بموضعها المحمولة إليه.
وكذا إن اكترى منه حمارا أو جملا فلمّا صار إلى البلد أراد ربّه أن يقبضه حيث واجره، فذلك ما جرت به العادة، فإن عرف في الموضع أنّ المؤتجر إلى المواضع المعروفة إذا رجع إلى البلد بالدابة (78)، يلزمه إيصالها إلى المؤجر، لزمه ذلك، فإن كان ذلك على المؤجر كان عليه ذلك، وإن اشتبه ذلك (79) قال: لم يبن لي إلاّ أنَّه على المؤتجر أن يؤدّي الدابّة إلى ربّها إذا انقضى أجل الأجرة.
ومن اكترى من رجل ثوبا يلبسه ثمّ ادّعى ذهابه فهل يلزمه ثمنه؟ قال: فأنا واقف عن ضمان المكتري للثوب وإنّما نحفظ، وبه أقول. إنّما يضمن من يأخذ الكراء لا من يعطيه إذا لم يشترط عليه الضمان وإلاّ لزمه.
ومن استأجر دارا أو سفينة فأنفق فيها أو عمل، فلا بأس أن يؤجر بعضها بمثل ما استأجرها به، وإن لم ينفق فيها أو يعمل كره له فضل الأجرة، وقيل: لا بأس عليه به بما استنفع به كما مرّ. (3/616)
صفحة 1543
الباب الثالث والعشرون
في أجرة الدواب
ومن اكترى من رجل جملا إلى قرية وخرج عليه، فلمّا رجع قال إنّه لم يوصلني إليها ورزم دونها، فلا يقبل قوله إلاّ بعدلين إن لم يخرج ربّه معه، وإن خرج معه لزمه البيان أنَّه أدّاه على جمله إلى ما اكتراه إليه.
أبو عبد الله: من حمّل حمّالا متاعا فجاء به منكسراـ فقال: انكسر عند بروك الجمل أو نهوضه أو عند مراغه بيّن مدّعاه وإلاّ غرم؛ وكذا كلّ من حمل شيئا بكراء فتلفـ وعلى المكري إحضار دابّته إلى المكتري بما يحتاج إليه من آلات وحبال وعدول وغير ذلك ممّا تعورف أنَّه لا تصلح إلاّ بهـ وإن قال الحامل: حملت بلا كراء والمحمول له حملت لي به وهو ممّن عرف أنّه (80) يحمل للنّاس به قبل قوله مع يمينه ولا ضمان عليه فيما حمل.
ومن حبس دابّة رجل أو عبده وهما ممّا له الغلّة فلا كراء عليه لمولاه حتّى يستعمله، وأمّا بالحبس من غير استعمال فلا كراء عليه فيه عند الأكثر وقيل يلزمه به.
أبو المؤثر: من اكترى رجلا يحمله ومتاعه من بلد إلى بلد فطرحه في بعض الطريق وأبى [80] أن يحمله أو متاعه، فإن طرحه بلا ضعف من دابّته فلا كراء له حتّى يوصله المشروط عليه، فإن لم يفعل وطرحه بدونه وبلا عذر بطل عناؤه، وإن ضعفت دابّته وقد قاضاه عليها بعينها أعطاه كراء ما حمله على قدره من الطريق، وإن قاضاه على أن يحمله إلى كذا أو كذا بلا اشتراط دابّة معيّنة، فحمله ثمّ ضعفت دابّته لزمه أن يحضره بدلها يحمله عليها، وإلاّ وقد طرحه احتجّ عليه فإن كان حيث تمكنه الحجّة عليه، فليقل: إنّي أكتري عليك فإن اكترى بأكثر من كراء ما طرحه أو مثله فلا أرى عليه لما طرحه شيئا؛ وإن اكترى بأقلّ منه دفع إلى الذي طرحه الفضل إن طرحه (3/617)
صفحة 1544
لعذر إلاّ إن اكترى بأقلّ من حصّته عمّا بقي من الطريق عن الأوّل، فليس للأوّل إلاّ قدر ما حمل من الطريق ولا كراء له فيما فضل عن ذلك.
ومن اكترى من رجل دابّة إلى بلد بكراء معروفين، فلمّا كان في الطريق وقع عليهم اللّصوص فأخذوا الحمول أو بعضها، ثمّ طلب ربّ المتاع إلى الحمّال الذي حمله أن يحطّ عنه قدر ما نقص من الطريق، فقيل: له ذلك لأنَّه عذر جاء من قبل غيره، وإن وقعوا بهم في نصفه ورجعوا إلى البلد فطلب المكتري إلى الحمّال أن يردّ عليه نصف كرائه، فإن لم يكن لهم سبيل إلاّ الرجوع كان على الحمّال نصفه، وإن كان لهم سبيل غيره ولا يمنعون من ذلك، أمر أن يخرج به إلى ما اكتراه إليه، فإن أبى فعليه ردّ الكراء جميعا، وإن أبى المكتري فلا يردّ عليه الحمّال شيئا إلاّ إن أتى حال لا يستطيعون الجواز إلى البلد فعلى الحمّال ردّ نصف الكراء.
ومن اكترى دابّة كذا وكذا يوما على أنّ على المؤتجر علفها فهو مجهول، وتنتقض الأجرة إلاّ إن تتامما على شيء وإن ائتجر أمة أو عبدا على أنّ النفقة على المؤتجر، فالنفقة معروفة والأجرة ثابتة وليس بمجهول.
ومن له حمار فيه حصّة ليتيم فعلى من استأجره منه أن يتخلّص له من حصّته من الأجرة إذا علم ذلك.
ومن استأجر ثورا يزجر عليه من بئر معيّنة، فلا له أن يزجر عليه من سواها. و
من استأجر شاة أو بقرة ليحلبها مدّة معلومة، فالأجرة فاسدة بالجهل إذ لا يدرى أنّ اللّبن يجيء فيها أو ينقطع، وقد جاء الأثر بجواز أجرة المرضعة ولاحظ للنظر مع وجوده.
ومن اكترى دابّة من أوّل النّهار إلى آخره ومضى بها ثمّ جاء بها في اللّيل وادّعى أنَّها هربت من عنده وأنَّه لم يخدم عليها وأنَّه ما وجدها إلاّ في حينه، فنفى ذلك ربّها، فالقول قوله وعلى المكتري أجرتها كاملة لأنَّها في يده ولا يصدّق في دعواه، فإن جاء ببيّنة أو صدّقه ربّها لم يلزمه كراء. (3/618)
صفحة 1545
ومن استأجر عبدا شهرا فقبضه ثمّ جاء به بعد انقضائه وادّعى أنَّه مريض من حين قبضه إلى اليوم وعليه أثر المرض قبل قوله ولا أجرة عليه، وإن لم يكن به أثره وكذّبه سيّده قبل قوله وعلى المستأجر الأجرة إن لم يأت ببيان عليه.
ومن استأجر دابّة ولم يربطها ولم يوثقها فنفرت ضمنها، وإن أوثقها كما يوثق مثلها فقطعت الحبال ونفرت بلا تضييع منه فلا ضمان عليه، ولزمه أن يعلم ربّها بذهابها. وكذا في العبد إذا أبق منه.
واختلف في سماد الدّابة المؤتجرة فقال ابن محرز: هو لمستأجرها، وابن محبوب: لربّها.
أبو سعيد: من أودع رجلا دابّة ليسافر عليها وله من كرائها النصف أو الثلث أو نحوهما فخرج بها ثمّ رجع وادّعى أنَّها غابت، فقيل: هو كالعامل بالأجر يلزمه الضمان إلاّ إن صحّ له ما يبرئه من أسبابه، وقيل: لا يضمنها لأنَّها بيده كالأمانة لأنَّه لا يأخذ عليها بنفسها أجرا وإنّما هو معط، ثمّ قيل: له؛ والقول بأنّ عليه الضمان يوجب قيمتها في حين دعواه أو يؤجّل في ذلك أجلا، فإن أتى بها إلى الأجل وإلاّ لزمه الضمان، فقال: عندي أنَّه إن ادّعى غيبتها وأنَّها حيّة يعدّ الأجل بقدر ما يوصلها، فإن أتى بها إليه وإلاّ حكم عليه بضمانها، إلاّ إن طلب أجلا ثانيا ويدّعي حياتها، فعندي أنَّه يؤجّل في ذلك ما أمكن له عذر وصدّق وعلى القول بنفي الضمان عنه لا يلزمه إيصالها إلى ربّها، ويحتال ربّها في وصولها إليه وعليه التسليم متى قدر عليه.
أبو الحواري: إن اكترى الرجل الجمال أو الحمار أو السفينة، ووقف المكري أو المكتري على المتاع في الجوالق أو القفاع أو نحوها من الأوعية جاز ذلك، وإن لم يزناه أو يكيلاه إن كان الاتّفاق على متاع يريانه لا على كيل أو وزن.
ومن اتّفق على أن يحمل له كذا وكذا جريبا حبّا أو تمرا أو معروفا بكيل أو وزن، لم يجز إلاّ به ويثبت وإن لم يرياه إن كان حبّا معروفا، وقيل: منتقض ما لم يتّفقا (3/619)
صفحة 1546
عليه، وقيل لا يثبت لأنّ الحبوب تختلف في الخفّة والثقل، وأمّا الكيل والوزن فقالوا: إنَّهما على المكتري.
ومن حمل متاعا لرجل ولم يضمن سلامته؛ ثمّ كسر شيء منه فعلى الحمّال ضمانه حتّى يقيم شاهدين عدلين أنَّه أصابه ما لم يملكه بوجه يكون له العذر من عثار أو زحام أو برك يكون به من غير سبب منه بضرر أو غيره، وأمّا إن برك جمله أو زاحمه بعير أو زاحمه هو من غير أن يحمله هو عليه لم يضمنه في ذلك؛ وأمّا العثار فإن كان الجمل أو الحمار أو غيرهما معروفا به ولم يعلم الحامل المحمول له به فهو عيب وفي ضمانه قولان إلاّ إن سأله عن ذلك فيكتمه.
ومن حمل رجلا إلى قرية معروفة ولا شرط بينهما غير هذا فقيل عليه إبلاغه إلى أوّل [81] موضع يأمن عليه من تلك القرية، وعلى متاعه، وقيل: إن كان المحمول من أهلها فعليه إبلاغه إلى منزله وإلاّ فإلى موقف القرية إن كان لها، وإلاّ فإلى المسجد الجامع، وإن كان من أهلها وأوصله إلى منزله فليس عليه إدخال المتاع إلى البيت إلاّ إن كان موضع لا يأمن فيه على متاعه أو ثبتت في ذلك عادة جارية بينهم في الموضع فعلى عادة القرية في ذلك. (3/620)
صفحة 1547
الباب الرابع والعشرون
في أجرة العبيد
ابن بركة: وإن استأجر رجل عبدا إلى شهر معلوم وانقضت الأجرة، لم يجز له أن يستعمله بعد إلاّ بعقد ثان وأجرة مستقبلة، فإن استعمله ضمنه إن تلف وأجرة مثله إلى وقت تلفه ولا يبعث به إن سلم إلى ربّه إلاّ إن أذن له، فإن أرسله بلا إذنه فهلك قبل أن يصله ضمنه لأنَّه هلك في تعدية عليه، وإن هلك بعد انقضاء الأجل في يده في حال حفظه له فهو في سبيل الأمانة عنده ولا يضمنه.
ومن واجر رجلا عبده أو حماره، أو ثوره، أو داره شهرا أو سنة بكذا وكذا درهما؛ فهل لمن ائتجره أن يستعمله ما شاء ثمّ يتركه ويعطيه بقدر ما عمل منه إذا كره ذلك السيّد؛ وإن أراد أن يأخذ عبده فكره من ائتجره؛ فإن اكتراه شهرا أو سنة على عمل وأجل معروفين فليس له أن ينقصه شيئا من كرائه ويلزمه كما ألزمه على نفسه ولا له ولا السيّد نقض الشرط إلاّ عن تراض منهما، فإن كره المكري أن يستعمله لزمه جملة كراء السنة أو الشهر وإن اكترى لكلّ شهر أو سنة كذا وكذا درهما، فأراد ربّ العبد أن يأخذه من قبل التمام، فله ذلك ويأخذ من الكراء بقدر ما عمل من ذلك؛ وكذا إن أراد المكتري أن يترك العبد فذلك له.
وقيل بالاختلاف في الإجارات، فقيل: إذا اكتراه لكلّ شهر بكذا وكذا، ودخل في العمل على الكراء والشرط ثبت عليهما حتّى يستوفي الشهر بتمام الكراء، وكذا كلّ سنة أو يوم وقيل بالنقض في هذا لهما ما لم يتم الأجير المدّة، فإذا أتمّها فله أجرته على ما تشارطا وإلاّ فإن نقض أحدهما قبل تمام الشرط كان له وثبت من الأجرة بقدر ما عمل على قدر أجرة الأيّام من الشهر، والأشهر من السنة، والساعات من اليوم، واختير قول من يرى نقض ذلك وكذا إن واجره ذلك في عمل معروف ولم يجد اليوم ولا الشهر ولا السنة بوقت معلوم محدود فلكلّ منهما النقض ما لم يدخل في (3/621)
صفحة 1548
العمل، وإن دخل فيه على هذه الإجارة ثمّ أراده أحدهما كان له ما لم يتمّ ما وقعت عليه الأجرة ويثبت منها بقدر حساب ذلك؛ وقيل لا يجده أحدهما حتّى يتم العمل وهو المختار.
وإن اكتراه يوما أو شهرا أو سنة على التعيين ولم يسمّ له ما يستعمله به، فقيل: إنّ جهالة العمل جهالة في الأجرة وتنتقض ما لم يسمّه له، وقيل: إن عيّن الوقت والأجرة ثبت ذلك له، وله أن يستعمله بما يستعمل به مثله ممّا يطيقه، واختير قول من يرى النقض ما لم يدخل في العمل كما مرّ، فإذا دخل فيه على ذلك ثبتت الأجرة عليه ولا له نقض ذلك إلى أن يحوّله إلى عمل غير ما دخل فيه برضاه، فإن حوّله إليه ففيه أيضا خلاف وله ما عمل من الوقت بقدر ما يستحقّ من حسابه وما فيه للأجير نقض، فالمستأجر فيه مثله؛ وإن استأجره يوما أو شهرا أو سنة كذلك في عمل معيّن ثبت ذلك عليهما، خميس: بلا خلاف نعلمه ولو لم يدخل في العمل، وإن عرف العمل وتدخله الجهالة كبداعة أرض لا يدري ما يخرج عليه من سهولة أو وعر، وكذا حفر الأطوى والأنهار ونحو ذلك، فإذا عرف ما ظهر من ذلك ثبت عليه ما لم يخرج غير ما رأى.
ومن استأجر - قيل - رجلا يطلب له خادما هرب منه من القرى ثمّ أرسل آخر بأجرة فجاءه بالخادم وقد وجده ورجع الأوّل، فعليه له العناء بقدر ما تعنّى في طلبه من القرى، ولا يبطل لأنَّه شرط عليه قرى معيّنة يصل إليها، وإن قال له: لك كذا وكذا إن جئتني به ولم يذكر عناءه إليها لم يكن له شيء.
أبو عبد الله: من استأجر عبدا للغوص بخمسين درهما، فغاص عنده مدّة ثمّ كسرت السفينة وتفرّق أهلها، فأفلت العبد وواجر نفسه من قوم آخرين بأجر معلوم فأصاب العبد عند من استأجره لؤلؤة تسوى مالا عظيما، ورجع الذي ائتجره أوّلا يطلب الحجّة في ذلك فطلبها السيّد لنفسه، فهي له دون الأوّل ودون الآخرين.
ومن استأجر - قيل - رجلا يطلب له عبده على أنّه إن أتاه به فله كذا وكذا فلم يجده، فلا له شيء إلاّ إن أتاه به وإن أتى به حتّى قرب البلد فأفلت منه أيضا، فلا (3/622)
صفحة 1549
شيء له أيضا ولا ضمان عليه، ولم يكن كمن استأجر رجلا يأتيه بمتاع من موضع فضاع منه، فإنّه يلزمه ضمانه إلاّ إن أتى بعذر من اللّصوص أو غصب أو سيل عليه بيّنة، وإن لم يأت بذلك ضمنه وله من (81) الجعل إلى محل ضاع فيه بقدره قال: وهذا في الحمّال خاصة.
ومن قال لأجير: إن أتيتني بكذا [82] وكذا فعليّ لك كذا وكذا من الأجرة، فلا أجرة له حتّى يأتيه به إلى حيث شرط عليه، وإن قال له: اذهب إيتني به أو أحمل لي ذلك، فإن أتيتني به فلك كذا وكذا فهذا له أجره إن أتاه به وإلاّ وله عذر بيّن فله أجر مثله؛ وقيل: له أجر ذهابه ورجوعه.
وكذا إن استأجره يطلب له عبده بكذا وكذا فهو مجهول وينقض إلاّ أن يشترط موضعا معلوما بأجر معلوم فإذا جهل فله أجر مثله إلاّ إن اتّفقا على شيء، وإن قال له: إيتني بعبدي فلك كذا وكذا فهذا عمل فيه شرط ويتمّ العمل بتمامه فيستحقّ الأجرة، فإن لم يأت به لعذر أو لغيره فله عناء ما تعنّى.
وإن قال له: إيتني به من معيّن فأتاه به من دونه فإنّه يطرح عنه ما يستحقّ ما يأتي به العبد وله قدر ما بقي من عمله وعنائه لمكان الاستعمال والشرط.
أبو الحواري: من قال لرجل: اخرج إلى قرية كذا فأتني بعبدي بها فإن جئتني به فلك عشرة دراهم وإلاّ فلا شيء لك، فذهب فلم يجده فيها فلا شيء له إلاّ إن كذب وهو يعلم أنَّه ليس في القرية، فعليه أن يوفّيه أجرته.
وقيل من جعل لرجل أجرا على أن يأتيه بعبده، فإنّما يستحقّه على إتيانه به ومن جاء به وإن (82) من قريب، فله الأجر ولا جهالة في هذا وقد مرّ. (3/623)
صفحة 1550
الباب الخامس والعشرون
في إجارة البناء وعمل اللّبِن
فإن أخذ قوم رجلا يبني لهم مسجدا وشارطوه على معلوم من الأجر على إحكامه ولم يسمّوا له عملا غيره، ثمّ جاء قوم من ضعفاء جماعة المسجد وقالوا: لا نرضى بهذا الشرط ونحن يصحّ لنا أرخص من هذه المقاطعة، وقال الأوّلون: قد شارطنا ولا تخالفون وعلينا أن نخرج فنسترفد، فما ساقه الله لنا انحط عنكم والباقي علينا وعليكم فأتمّوا له الشرط، فخرجوا فاسترفدوا نصف الجعل أو دونه أو أكثر منه واستغبن الطيّان فقال الأوّلون: نزيدك ما استرفدناه وما شارطناك عليه فهو لك علينا وعلى أهل القرية، وقال الآخرون: لا نرضى لكم بذلك فإنّا شارطنا عليه الأحكام بهذا الجعل وقد واعدتمونا إن كان ما ساقه الله من الرفد فعنا يرفع، ولا يتمّ ما تصنعونه، وقال الأوّلون: هذه الدراهم إنّما هي من عند النّاس نعطيه إيّاها لأنّا قد رأيناه مغبونا أو نزيد عليه عملا ممّا لا يحتاج إليه المسجد من تزيين وغيره ممّا يجتزى بدونه، وقد شرط عليه الأحكام فلا نرى ما وضع القوم من الزيادة للطيّان إن استغبن، وإن أرادوا أن يزوّقوا ويزخرفوا على الفقراء، فالأمر هو الأوّل وما استرفدوه فهو للكلّ وعليهم الباقي بعد الرفدة، وما زاد الأوّلون فهو عليهم (83) خاصّة؛ وكذا إن قاطعه أحد أن يبني له بيتا أو يعينه في موضع كذا بكذا وكذا درهما، ولم يحد له البيت صغرا أو كبرا، فإنّه ثابت إن أتى من ذلك بما لا يخرج من التسمية في اسم البيوت (84) في نظر العدول.
وإن قاطعه على أن يبني له بيتا في معروف اختير أن لا يثبت حتّى يقاطعه على طول وعرض ورفع معروفين، (85) على وجه لا جهالة فيه أو يتتاما ويتراضيا بعد الوقوف على العمل والأجرة. (3/624)
صفحة 1551
ومن قضى أجيرا أن يبني له دورا أو حائطا على بستان وحدّ له الطول بسطة والعرض دراعا، فبنى منه شيئا ثمّ هدمه الغيث، فقيل: إنَّه يذهب على الأجير حتّى يأتي بتمام ما قاطعه عليه، وإن قاطعه على بناء فرجة معلومة في رفع ثلاثة أدرع ولم يحدّ الدراع ثمّ هدمه الغيث أو غيره فهي مقاطعة مجهولة، وللأجير أجر مثله فيما عمل ولو دراعا أو أقلّ.
وقيل: إن استأجره على بناء ستة أشبار على نخل له فبنى له ثلاثة ثمّ هدمها الغيث، قال: فإنّما عليه أن يزيد ثلاثة.
وإن استأجره أن يعمل له ألف لبنة فعمل خمسمائة فكسرها الغيث فعليه أن يوفّيه الألف لأنّ ما انشق من اللبن عليه بدله والجدار إنّما يردّ منه ما انشق، إلاّ إن أسلم إليه ما عمله وقبضه منه، وإن انشق البناء من قبل أن يدركه ويقبضه ويعمله المكتري فعليه ردّ الشقوق، فإن انشق اللبن فعليه بدله ما لم يقبضه فإن قبضه برأي العامل وقبضه هو أن يعدّه له ولا يحتجّ بعيب فيه ولو كان اللّبن رطبا. (3/625)
صفحة 1552
الباب السادس والعشرون
في المقاطعة على حفر البئر
عن أبو الحواري: من حفر لرجل بئرا وتشارطا على القامة بعشرة دراهم، أو على كلّ دراع بخمسة ثمّ دخل الحفّار البئر ونظرها وحفر فيها شيئا ثمّ أراد أحدهما الرجوع على صاحبه فإذا أخذ في العمل لم يجده أحدهما، إلاّ إن خرج باطنها مغايرا لظاهرها كالصفا والجبال، فإذا خرج هذا كان للحفّار الرجوع على ربّ البئر وإن لم يأخذ في العمل كان الرجوع لهما.
وإن استأجره أن يحفر له بئرا إلى الماء وشرط الذرع ثمّ بدا لأحدهما الترك، فأمّا الماء فهو مجهول والدرع ثابت بمعرفة أنواع الأرض من شديد وهيّن. ابن المسبح: لا يثبت عليه إلاّ إن شارط عليه الحشا والصفا والمدر وإن أرسل القول فإنّما عليه أن يحفر ما كان من مدر.
ومن استأجر أجراء في حفر ركية أو هدم حائط بمعلوم فوقع عليهم الحائط فمات بعضهم لم يلزم من استأجرهم شيئا ولكن على الحيّ منهم للميّت.
وكذا من استأجر قوما في هدم حائط فيصيب بعضهم [83] وغاب بعضهم لم يلزم الغائب ضمان. وإن استأجر رجلا يحفر له بئرا وقد مات فيها قبله رجل فمات الرجل، قال: عليه ديته إلاّ إن بيّن له ذلك. (3/626)
صفحة 1553
الباب السابع والعشرون
في إجارة الراقب والشائف ونحوهما
أبو الحواري: من أعطى رجلا زراعة له يشوفها وهي صغيرة بحبّ مسمّى فذهبت بداء أو آفة، فإن بقي منها شيء حتّى بلغ فله شوافته تامّة ولولم يبق منها إلاّ قدر شوافته، فإن ذهبت قبل إدراكها كان له قدر ما شاف وذلك إن ذهبت جملة قبله، فإن قاطعه عليها بحبّ مسمّى ثمّ بدا لصاحبها في مقامه أن يجزها علفا أو لا يسقيها ولم يتعنّ الشائف فيها بشيء وتمسّك بشوافته، فله ما قاطعه عليه وهو كالمكتري.
ابن علي: من له قطعة بين القطع فأخذ القوم شائفا لهم وأبى هو أن يشوف معهم، فإن كان زرعه بين زراعة القوم لزمته الشوافة معهم، وإن شاف بلا مقاطعة معيّنة رجع إلى عادة البلد كما يرى له العدول وعليه، وكيف يكون له ذلك وضمن إن ضيّع إلاّ إن أقيم لشوافة الطير فلا يلزمه فيه إلاّ جهده، فإن ضيّع ضمن ما أكله بتضييعه وإن أقيم لشوافة الطير والفساد ضمن إن ضيّع ما أكله الطير أو غيره، وما تلف من الزرع برميه، فإن رمى كرمي غيره وتبع فيه عادة البلد لم يضمنه إن لم يعتمّد إتلافه.
قال أبو سعيد في حفظ الثمار بشيء معروف من غلّتها: إنّه ثابت إن كان أشهرا أو أوقاتا معروفة وإن لم تدرك، وقيل: لا يثبت لأنَّه مجهول ولو أدركت، قال: فأحسب أنّ بعضا أثبته إن أدركت وإلاّ لم يجز لبطلان ذلك وضياع عناء الأجير، واختير أن يكون له العناء إن كان وقتا بشيء معروفين ولم يتناقضاه ويجوز ذلك بينهما، وفي الأثر: ومن أشاف رجلا زرعا له بمقاطعة صحيحة ثابتة ثمّ ذهبت الزراعة بداء فله بقدر ما شاف من الزمان لأنَّه جاء من قبل الله لا منه، ولا من المشيف وإن ترك الشوافة بلا عذر فلا شيء له حتّى يتمّ ما قوطع عليه، وقيل: له عناؤه لأنّ الجهل يدخل في هذه الإجارة لأنَّهما لا يحيطان بجميع ما يجب من المقاطعة. (3/627)
صفحة 1554
وإن عزله ربّ الزرع فقيل له قدر عنائه وقيل ما قوطع عليه.
وإن أخذ قوم شائفا لزراعتهم فضعف وكثر عليه الطير فقالوا له: ائتجره أجيرا على نفسك وشف لنا (86) زراعتنا كما قبلت لنا فقال ابن محبوب: ليس عليه إلاّ طاقته كما لو أخذ رجلا يحفر له طويا بدراهم معيّنة على أن يمهيها، فحفرها ثمّ لقيه جبل فلم يستطع لم يلزمه إلاّ طاقته.
وقيل: إن اكتروه ليشوف لهم هذه الزراعة، فليس عليه إلاّ جهده، وإن قاطعهم على شوافتها قال: كان عندي عليه هو أو غيره، إن لم يقدر عليها بنفسه، وإن مات قبل إدراكها كان له بالحصّة من الأجرة، وقيل: له أجر مثله.
ومن أشاف - قيل - رجلا قطعة له يعرّفانها بجري حبّ إلى الصيف ولم يشرط عليه اللّيل والنّهار ولا الشائف النّهار فقط، ثمّ أكلتها الدواب ليلا فعلى الشائف شوافة النّهار وعليه غرم ما ضاع بتضييعه فيه، وإن اشترطهما فعلى ما تشارطا ويلزمه غرم ما ضاع في وقت تشارطا عليه إن ضيّع فيه.
وإن طرح الحصى في غير أرض يشوفها لزمه إخراجه.
وإن كانت بين شريكين زراعة فقاطع أحدهما على شوافتها شائفا بشيء وإن من غيرها وعلم شريكه فلم ينكر عليه، وقال: عند الدوس أنا لم أشف، فإنّ عليه قسطه من أجرة الشائف وغيره من مون الزرع.
فصل
إن ادّعى الراقب الحافظ للسنبل المجموع في الخبور بالأجرة تلفه بغصب أو سرق أو حرق، فقيل: إنَّه كالأمين ويقبل قوله فيما يستخان فيه من غيره مع يمينه له، وكذا الوكيل على حفظ الأموال والتصرّف فيها بالأجرة والراعي وحافظ الأمتعة بها، وقيل: غير هذا وأمّا من يحرص القبضان فيوضع عنده سنبل ليتيم فجائز له أن يأخذ من حبّه الأجرة على عدل ما يستحقّ ومن غيره، لأنّ ذلك من مصالح ماله. وإن جاء الراقب (3/628)
صفحة 1555
ثقة أو غيره فقال: أرسلني فلان أن آخذ من شيه كذا وكذا، فإن تركه يأخذ وأعلم ربّه بما أخذ فلا عليه، ولا إن منعه إلاّ إن كان ثقة ولا يتّهمه في ذلك.
وقيل: إن قعد أحد لأحد في قتاء له شهرين ولا شرط بينهما، ثمّ اختصما بعدهما وانتقل الشائف من القتاء فقال له صاحبه (87): بتراء منه، فقال له: ليس لي فيه شيء إن كنت تعلم لي فيه شيئا فردّه علي، فأنا لا أعوذ إليه؛ فإن لم يكن بينهما وقت فعلى صاحب القتاء أن يردّ على الشائف بقدر عنائه بنظر العدول.
ومن أعطاه - قيل - أناس يرقب (88) لهم زراعتهم بحب مسمّى، وشرط عليهم: إني أرقب لكم على أنَّها إذا أدركت وجزرتموها كنت عليها في القبيض أرقبها حتّى تدرسوها وتعطوني ما طابت به أنفسكم والتزموا ذلك له.
ومنهم من لم يشترط له شيئا (89) فقيل إن رقب لهم على ذلك فهو شرط ثابت على من التزمه له خاصة، ولا رجوع له عليهم ولا لهم عليه، وليس له شيء على من لم يشترطه له إلاّ إن وضعوا سنبلهم عنده [84] حيث يجمع السنبل فيلزمهم ما يلزم غيرهم؛ وإن لم يشترطوا له فإن رقب (90) الزراعة قائمة فأيّهم رجع عن الشرط كان له إلاّ إن وضعوا سنبلهم أيضا عنده ورقبه فلا رجوع لأحدهم.
أبو الحواري: إن قعد رجل في قبيض يشوفه وقد أشافه رجل أو رجلان فيضع رجل سنبله وكلّ من أراد وضع سنبله عنده، ولا مقاطعة بين الشائف وهؤلاء فلم يعطه الرجل عند الدوس شيئا، وقال: إني وضعت سنبلي في القبيض ولم أقاطعك على شيء ولاحقّ لك علي، واحتجّ الشائف: إنّك إنّما وضعته هاهنا عندي وكنت أشوفه كغيره، فقيل: إن أبرزه الناس (91) للرقابة أو أخذ لذلك، فكلّ من وضع حيث تناله رقابته فقد لزمه الكراء له.
أبو سعيد: من استحفظ رجلا على عنب أو غيره على خمسه أو ربعه جاز، واختير أن يكون له أجر مثله إلاّ إن أدركت الثمرة وقدر الأجير على أخذها، وقيل: لا يجوز ذلك ولا يثبت إلاّ بأجرة معيّنة ولو أدركت التمرة لإمكان تلفها فيذهب عناؤه. (3/629)
صفحة 1556
الباب الثامن والعشرون
في الراعي وأحكامه
فإن رعى راع للنّاس أغنامهم فسرح إليه رجل شاة له (92) مدّة ثمّ فرّت وذهبت، فقيل: لا ضمان عليه إن لم يضيّع ولا يصدّق إن قال: قد أكلت إلاّ إن أتى بعلامة منها، وقيل: يلزمه يمين أنَّها ذهبت وما ضيّعها.
وإن ضاعت شاة من الغنم وادّعى أنّه لم تسرح معه ذلك اليوم، وربّها أنَّها سرحت معه فيه، فعلى ربّها البيان أنَّها سرحت فيه، وقيل: لا ضمان على الراعي إلاّ إن نام عن رعيّته أو تركها إلى غيره. أبو الحواري: إن كان من استرعاه عليها قويا مثله ويأمنه عليها كما يأمنه على غنمه لم يلزمه ضمان.
وإن رعى وكسر بعض الغنم أو الإبل لزمه الضمان لا إن زجرها بصوته وازدحمت فكسر بعضها بعضا، وقيل: إن أذن له في سوقها وضربها ولم يتعدّ الحدّ المأذون له فيه لم يضمن أيضا.
ومن استرعى راعيا دابّة شهرا بأجرة معروفين فرعاها مدّة منه فلا أجرة له حتّى يوفّيه، فإن باعها ربّها قبل تمامه أوفاهُ أجره؛ وكذا ربّ الغنم وإن ماتت أو استحقّت بعدلين لزمه أجر ما رعيت لأنّ ذلك ليس منه، وإن لم يكن لربّ الشاة عذر في حبسها أو باعها قبل تمام الشهر فعليه أجرته كلّه إن أوقفه حين استأجره على معيّنة؛ وإن ماتت أو أكلها سبع فعليه أن يأتيه بأخرى مكانها يرعاها له وإلاّ أعطاه أجره تامّا وقيل: له أجر ما رعى فقط.
وإن قال له: ارع لي كلّ شهر أو الشهر فهو شهر بعد شهر، وكذا إن قال: السنة أو كلّ سنة فهو سنة بعد سنة.
وفي كون الشهر والسنة يفيدان ذلك عندي بحث لاحتمال العهد الحضوري. (3/630)
صفحة 1557
وكذا إن واجر عبده أو حماره أو ثوره شهرا أو قال هذا الشهر أو هذه السنة في معلوم بمعلوم فليس لمن ائتجره أن يستعمله ما شاء ثمّ يتركه ويعطيه بقدر من عمل إن كره ذلك ربّه، ولا له نقض هذا الشرط إلاّ عن تراض منهما، فإن كره المستأجر أن يستعمله أو يخرج من الدريز فعليه أجرة الشهر أو السنة، وإن أراد المؤاجر أن يأخذ عبده أو نحوه أو يخرجه من دريزه قبلهما لم يجده إلاّ إن اتّفقا، فإن كره المستأجر أن يبرئه من بقيّة الشهر أو أبى المؤاجر إلاّ أن يأخذ عبده أو دابّته وقد عمل منه أو من السنة ما عمل فإنّه لا أجرة له.
وإن قال: لكلّ شهر أو سنة بكذا وكذا درهما، أو قال: الشهر أو السنة بذلك، وأراد المؤاجر أخذ عبده أو دابّته أو إخراجه من دريزه قبل تمام ذلك فله ذلك ويأخذ من الكراء بقدر ما عمل منه، وكلّ أجير لا يعمل بيده وكذا الراعي لم يلزمه إلاّ الاجتهاد ولا يضمن إلاّ إن ضيّع أو أزال الرعي إلى يد غيره فضيّع كما مرّ.
وإن مرضت عنده شاة ولا تستاق له من المرض، فإن قعد عليها ذهبت الغنم وتركها فأكلت ولم يقدر لها على حيلة لم يلزمه شيء ولا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، ولا ضمان - قيل - على الراعي إن لم يضيّع ولو التزمه على نفسه، وقيل: يضمن لأنَّه شرط لازم والضامن غارم. (3/631)
صفحة 1558
الباب التاسع والعشرون
في أجارة (93) السفينة وأحكامها
أبو عبد الله: من اكترى رجلا يحمله من البصرة إلى سرنديب هو ومتاعه في سفينة، فحمله فلمّا صاروا في حدّ عمان احتجّ المكتري أنَّه لم يسافر إليها قبل ولا يعرفها، وطلب أن ينجل له متاعه ولا يخرج معه، قال: فإن كان غير عارف بالبلاد التي اكتراه إليها فله أن يقيم، ولا يجبر على الخروج معه وينجل له متاعه لعمان، ويدفع إليه من الكراء بقدر ما حمله ومتاعه من الطريق بنظر العدول العارفين بذلك، وإن قال ربّ السفينة: إنّ متاعه في أسفلها ولا أقدر على تنجيله إلاّ إن أنجل ما فيه، واحتجّ الخارجون فيها أنَّه إذا أنجلها بعمان تأخّر الزمان بهم وتاهوا بها وقطع بهم، قال: فإذا رأى العدول أنّ هذا ضرر على أهل السفينة كان للطالب أن يقيم بعمان ويكون متاعه [85] فيها بحاله ويؤمر أن يوّكل وكيلا يقبضه بسرنديب إن سلم وإن عطب فيها ضمنه ربّها لربّه.
ومن واجر نفسه في قارب أشهرا معلومة بدراهم معيّنة وهو ممّن يعمل في البحر، فعمل شهرين ثمّ قال: لا أقدر أعمل فيه فإني أخاف تلف نفسي، وذهب إلى قارب آخر يعمل فيه، أو قال لربّ الأوّل: قاربك منشق وأخاف فيه الغرق، فإنّ الحاكم - قيل - يأمر عدلين عارفين بعيوب القوارب فإن قالا: إنَّه منشق ومثله يخاف منه على العاملين فيه التلف، أو إنّه رث لم يلزمه أن يعمل فيه ولا يحمله على الخوف ويعطيه قدر ما عمل عنده بالحصّة من الأشهر؛ وكان أبو عبد الله يفعل في مثل هذا بالصرار لمستأجرين في عمل السفن، وإن لم يكن القارب معيّنا وكان الأجير يعمل في البحر من قبل، ورأى القارب وعرف العمل فيه فالشرط لازم له ويؤخذ بكمال العمل. (3/632)
صفحة 1559
الباب الثلاثون
في قنية الدواب
أبو الحواري: من أعطى رجلا شاة يعلفها له بالثلث فلمّا قبضها قال: لي فيها النصف وكذا إن أعطاه بالربع فادّعى الثلث وهي في يده، فالقول قول ربّها مع يمينه إلاّ إن أتى المدّعي ببيان على مدّعاه.
ومن دفع إلى أحد شاة يعلفها بالثلث إلى أجل معيّن جاز وله ثلثها وثلث نتاجها إن أنتجت بعد أن استحقّها، وإن كان بلا أجل انتقض وللعالف عناؤه برأي العدول. وبعر الشاة لربّها في الحكم إلاّ إن تعورف إباحته ممّا تطيب به الأنفس.
ومن أخذ من رجل دابّة يعلفها له وخرج بها (94) من بلده، فإن أذن له به فعلى ربّها إن أرادها أن يمر إليها ليأخذها، وإن خرج بها لا بإذنه لزمه أن يردّها.
ومن أخذ بقرة يعلفها بربع أو ثلث فله أن يخرجها ترعى من غير أن يكون معها ولو في ليل إن أخرجها إلى موضع يأمن عليها فيه، ولا يضمنها إن تلفت إلاّ إن اشترط عليه ربّها شرطا وخالفه وتعدّى فهنالك يلزمه الضمان، ومن أعطى رجلا حمارا قنية بسهم معيّن، ثمّ إنّ المقتني باع نصيبه منه لآخر ثمّ إنّ ربّه أراد من مشتريه أن يخلّصه أو لمن له الأصل فكره المشتري، فإن الحمار يباع فيمن يزيد فيه فمن استوجبه من الشريكين أو من غيرهما كان له ويجبران على ذلك.
ومن اقتنى دابّة بثلث أو ربع أو بالنتاج فهو مجهول وله أجر مثله، وجاز إلى أجل معيّن وهو قول وائل.
وبعض لم يجزه ورآه مجهولا لأنَّه لا يدري ما يأخذه من النصيب أقليل أم كثير، وما يعلفها به لا يوقف على مقداره.
ومن اشترى نصف شاة بثلاثة دراهم على أنّه يعلفها إلى شهر معروف وتكون بينهما نصفين، فإن أتمّا ذلك جاز وإن تناقضا فيه انتقض. (3/633)
صفحة 1560
وقيل في مقتن بقرة أو غيرها بسهم معيّن منها فتمكث عنده شهرين ثمّ يطلب أن يقاسمه فإنّه يقاسمه. أبو عبد الله: إنّما له أجر مثله. أبو الحواري: إن قال المقتني (95): إنَّه وقت له سنة أو أقلّ أو أكثر، وأنكر المقتني، قُبل قوله مع يمينه وعلى المقني البيّنة أنَّه إلى سنة أو ما سمّاه، وإن قال المقتني: شهرا قبل قوله مع يمينه وعلى المقني البيّنة أنَّه إلى سنة لأنَّه هو المدّعي، وإن قال المقتني: آخذ ربع اللّحم لأنّ لي ربع الشاة أو البقرة، وقال المقني: خذ ربع الثمن فإن لم يتّفقا على ذبحها فلا له إلاّ ربعه ويتزايدان في قيمتها فمن أخذها ردّ على صاحبه منابه منها وإن أخذه غيرهما تقاسما الثمن على الحصص.
ومن أقنى - قيل - رجلا دابّة سنين بمعروف فمكث شهرا أو أقلّ ثمّ قال لربّها أريد أن أغيب أياما (96) فاكفنيها حتّى أرجع فقبضها وغاب ذلك أربعة أشهر، ثمّ جاء ليأخذها ونازعه بعد انقضاء السنين فقال الأزهر ومسلمة: يأخذ ربّها بحصّة الأربعة الأشهر من السنين وللمقتني الباقي من حصصها.
ومن أخذ دابّة يعلفها بسهم أو بالنتاج ولم يوقتّا لم يصلح حتّى جعلا وقتا ينتهي إليه، وإنّما له عناؤه، وإن تراضيا على ذلك وأتمّا شرطهما بعد الفرقة جاز، وإن تناقضا كان له عناؤه، وإن أجلت المقاطعة إلى معلوم وماتت الدابّة أو آخذها قبل تمامه، فإن مات هو فقيل: يكون علفها على القول بإثبات ذلك في باقي الأشهر في ماله ولوارثه ماله وعليه ما عليه، وإن كان في ورثته يتامى أقيم بها من ماله، وقيل: يكون له بقدر ما تعنّى إن علفها ربع الأيّام فله ربع الحصّة، وإن ثلثا فثلث وعلى هذا يكون.
ومن أعطى - قيل - لغيره دابّة يعلفها له سنة على أنَّه يركبها إلى بلد سمّاه فانقضت فأراد أن يركبها فماتت، فعلى ربّها إبلاغه إلى البلد أو قيمة علف الدابّة.
ابن أحمد: ومن اقتنى كبشا من أحد بالثلث فعلفه مدّة ثمّ ادّعى ضياعه فطلب ربّه يمينه فإنّه يحلف أنَّه أضاعه من يده وما خانه فيه ولا تعمّد إتلافه.
وكذا من علف دابّة رجل بربع أو نحوه (97) ثمّ بدا لربّها أخذها قبل أن يظهر فيها زيادة أو ازدادت نقصا عند عالفها، فإن سلّمها إليه يعلفها له به منها إلى أجل (3/634)
صفحة 1561
مسمّى، ثمّ بدا له نزعها فإن شاء تركها عند العالف إلى المؤجل بينهما، وإن شاء أخذها وأعطاه قيمة ربعها إن اتّفقا على ذلك، وهذا عند من يوجب ذلك الشرط ويثبته، وإن كان لا إلى _أجل فمتى أراد ربّها أخذها أعطى للعالف عناءه بنظر العدول.
ومن أعطى - قيل - رجلا بقرة يعلفها له بربعها [86] سنة وأنتجت قبلها فالنتاج لربّها لأنَّه جاء من قبل استحقاق العالف ربعها، وكذا في نتاج الشاة ولبنها وصوفها وشعرها، فإذا أوفى وجاء لبن بعدما وجبت له الحجّة فله منابه من ذلك؛ وإن جاء قبل استحقاقه منها فهو لربّها وقيل: يرجع في مثل هذا إلى المتعارف في مثله وما عليه النّاس.
أبو سعيد: أختلف في قنية الدواب بسهم، فقيل: إنَّها تثبت إن عيّن السهم والأجل، وقيل: لا ولو عينا، وقيل: تثبت إن عيّن السهم وإن لم يعيّن الشهر أو السنة ومن لا يثبت هذا يثبت العناء إذا بطل الشرط. (3/635)
صفحة 1562
الباب الحادي والثلاثون
فيما يلزم أهل الصناعات من الغرم والضمان
وقد مرّ أنّ النسّاج إذا سرق عنه ثوب من على خشبة وقد تمّ عمله وصحّ ذلك فلا غرم عليه ولا كراء له، ولزمه ردّه إن أخذه وهذا في عامل بيده كصبّاغ وصيّاغ وخيّاط، فمن ادّعى منهم سرق الشيء أو تلفه لم يصدّق إلاّ ببيّنة أو بعلامة كنقب البيت وهدم الجدار كما مرّ، أو بسبب كحرق أو غرق أو نحوهما من الجوائح فإذا عمل الصائغ صوغه ثمّ صاغ فله كراؤه فيما لزمه فيه الضمان وما لم يلزمه فيه لم يكن له فيما عمل فيه (98) كراء.
ومن اكترى ثوبا يلبسه ثمّ ادّعى ذهابه فقد تقدّم أنَّه يضمن من يأخذ الكراء لا من يعطيه وإن فيه خلافا. ومن عمل شيئا بجزء منه ثمّ ادّعى تلفه فهو كعامل بالأجرة، فإن صحّ التلف وإلاّ غرم، وقيل: إنَّه أمين فيه ويقبل قوله بتلفه مع يمينه لأنَّه شريك فيه وليس له أجرة معيّنة.
فصل
قيل: في البقر الضواري والحمير التي لا يقدر أهلها على أخذها فاستؤجر لها من يطردها أنَّه إن كسرت في حال جريها أو وقعت في ماء فغرقت فيه، فإن أصابها ذلك في حال طرده لها ضمنها، وإن طردها اثنان فعيي أحدهما بطردها وطردها الآخر فأصابها ذلك ضمناها معا لاشتراكهما في الفعل.
واختلف في دافع حمارا أو جملا إلى من يسافر عليه بربع كرائه أو نحوه، ثمّ يدّعي أنَّه مات أو غاب كما مرّ، فقيل: يضمنه، وقيل: لا وهو الأكثر لأنَّه أمين فيه (99). (3/636)
صفحة 1563
ابن محبوب: في عامل بيده عملا بأجر حتّى فرغ منه، ثمّ صحّ تلفه بما يعذره من الغرم أنَّه لا جعل له على ربّه حتّى يوصله إليه أو إلى قائم مقامه، وقال: لا أرى على الأجير ضمانا إلاّ إن ضيّع أو أفسد وقد مرّ.
ومن سلّم إلى أجيره آلة يعمل بها فتلفت لم يضمنها، ولا المستأجر إن كانت للأجير لأنّ الأجرة له لا الآلة، وإن استؤجر على شيء من الآلات فتلف ففيه خلاف، ومن تعمّد لإتلاف شيء أو تضييعه لزمه ضمانه؛ وقيل: لا فيما تأكله الرمّة إلاّ إن قصد تضييعه أو خيانة فيه.
ومن عمل لأحد شيئا وقال له: لا أدفعه إليك حتّى تدفع لي الكراء جاز له وإن ضاع (100) قبل أن يقبض كراءه ضمنه وذهب كراؤه من ثمنه ويغرم له باقيه إلاّ إن صحّ العذر فيه.
ومن حمل حملا بكراء فانكسر في الطريق فله قدر ما حمل وليسه كالعامل بيده، وإن ضيّع غرم وأخذ كراء ما حمل.
ومن استأجر دابّة أو استعارها فنفرت من يده في الطريق أو في العمل، قال: أمّا في الطريق أو الضيعة أو في القرى أو بينهما لم يلزمه شيء في ذلك، وإن تلفت في بيته أو غيره اختير أن يستحلّه من ذلك ولم نر عليه غرما فيه ولا تباعة.
والصبّاغ للغزل والثياب إذا سرق نيلا وصبغ به للنّاس فالضمان عليه لا عليهم، ولهم أن يسلّموا له كراء الصبغ ويحكم به له عليهم ما لم يقع عليه حكم من حاكم يزيل عنه ما استحقّه من الأجرة.
ومن باع لرجل شيئا بالعشر ثمّ قال: إنّه تلف فقال أبو الحواري: لا غرم عليه ولو لم يصحّ ذلك إلاّ من قوله ولم يجعله كعامل بيده بالأجر.
أبو علي: لزمه الغرم وجعله مثله إلاّ إن أتى بعذر بيّن، فإذا أعطاه حرابا يبيعه بعشرة دراهم ثبت ذلك وله العشر إذا باعه، وإلاّ لم يكن له شيء فمن أجل هذا قال: الأوّل لا غرم عليه إذا تلف لأنَّه شريك فيه، وإن أعطاه ما يبيعه له على أنّ له عشرها باعه به فمجهول لا يثبت، وله عناؤه وإن اختلف البائع وربّ السلعة، فقال له: (3/637)
صفحة 1564
أمرتك أن تبيعها بعشرين، والبائع: لم تحدّ لي حدّا، فالقول قوله وعلى ربّها البيان؛ وإن قال البائع: أمرتني أن أبيعها بعشرة، وربّها بعشرين قبل قوله (101) وعلى البائع اليمين.
وكذا إن استأجره في عمل فقال الأجير: لم تسمّ لي أجرا، والمستأجر: ائتجرتك بدرهم، فإنّ عليه البيّنة إن وجدها، وإلاّ فللأجير أجر مثله، وإن قال: أجرتني بثلاثة والمستأجر بواحد قبل قوله وعلى الأجير البيان.
أبو الحسن: إنّ من يبيع للنّاس بالجعل قاعدا فإنّما هو كناظر بعينه، ليس كأهل الصناعات ولا الحمّالين بالكراء لأنَّه يبيع فلا يلزمه ضمان.
فصل
إن دخل في القرى ذو صنعة كجذّاع أو قلاّع صرم ولا يعرف أرباب الأموال فيستعمله إنسان في فلق الجذوع أو قلع الصرم، ولا يعلم أنّ المال له أم لا ولا انّه ثقة أم لا، ولا يعرفه، فإن كان لا يرتاب في أمره واطمأن إلى تصديقه أنَّه له أو لمن أجاز له ذلك فيه جاز له، فإن عمل شيئا من ذلك على الاطمئنان، ثمّ جاء من يدّعي ذلك الشيء له دون الآمر عليه فعليه البيّنة، فإن صحّ أنّ ذلك [87] الذي عمله لغير الآمر فللأجير أجرته على من استأجره وأمره، فإن كان له سبب دخل فيه به اختير أن يكون له على المستحقّ للأجر ثمّ يرجع به عليه وأمّا الأجير فيلزمه ضمان ما ضيّع من النخل والصرم بأمر المستعمل له، ويرجع هو به عليه لأنَّه غرّه.
وإن اتّفق الحكم من الحاكم بما تجري به الأحكام بالبيّنات والأيمان، وحكم الطمأنينة في شيء كان حكمه فيه أولى منها، والأخذ به أحقّ إن ثبت على النّاس حكمه. (3/638)
صفحة 1565
الباب الثاني والثلاثون
فيمن استؤجر لشيء فاستأجر هو غيره
أبو الحواري: من أخذ حجّة من رجل على أن يحجّ بها ثمّ استأجر لها غيره بدون ما أخذ من عند الرجل، فإن أعان الذي أخذها من عنده بشيء من ماله أو من نفسه كان الربح له كما مرّ، وإلاّ كان للذي اكتراه كراءه والباقي ينفّذ في سبيل الحجّ على الموصي بها.
ومن استأجر دابّة ليحمل عليها طعاما إلى موضع فوضع لها (102) أكافا من عنده وواجرها لغيره إليه بأكثر فعطبت فهو ضامن، وإن سلمت فله فضل أجرتها إذا جعل لها ذلك، وإن لم يصلحها بشيء فالفضل لربّها.
وكذا طارح إلى نسّاج ثوبا يعمله له بأربعة فعمل السداة ودفعها إلى آخر يعملها بدرهمين، فإن عمل الأوّل فيها شيئا فالزيادة له وإلاّ فلربّ الثوب.
ومن أخذ من رجل شاتين ليحفر له بهما بئرا ثمّ أعطى غيره واحدة يحفرها بها، فهو على ما قلنا في أمر السداة.
ومن عمل - قيل - مع رجل أيّاما على أنَّه إن عمل معه مثل ما عمله معه وإلاّ فعليه له في كلّ يوم درهم أجرة، ويقول الآخر إنَّه عمل معه بلا كراء، فإن كان يعمل بالأجر وأقرّ المستعمل أنَّه استعمله على الصفة، فإن تراضيا على شيء وإلاّ فله أجر مثله.
ومن قال: إنَّه عمل مع رجل بأجرة والآخر عمل معي بدونها، وقال: إنَّه لا يعرف أنَّه يعمل ذلك العمل بها، وقال في هذا الوقت: إنَّه يعمل معه بها، وقال الآخر: ليس هذا ممّن يعمل هذا العمل بها، وإنّما أعانني بدونها فالمعروف أنَّه إن كان العامل ممّن عرف أنَّه يعمل بالأجرة ثمّ استعمل بشيء بلا مشارطة وعمل مع العمّال من أهل ذلك العمل أو وحده، فإنّ له أجر مثله في ذلك وإن كان ممّن لا يعمل مثله (3/639)
صفحة 1566
بأجر فلا أجر له فيه. وكذا إن كان ممّن لا يعرف أنَّه يعمل به فلا أجر له إلاّ إن صحّ أنَّه استؤجر لذلك ولو صحّ الاستعمال؛ وإذا لم يعرف أنَّه ممّن يعمل بالأجر أو ممّن لا يعرف به وأقرّ المستعمل أنَّه استعمله وتقاررا معا أنَّه لم يستأجره على ذلك، قال: فلا أعرف عليه فيه أجرا حتّى يصحّ أنَّه ممّن يعمل به إن كان قبل ذلك يعمل به ولا أبطل أجرته في ذلك حتّى يصحّ أنَّه ممّن يعمل بدونها، وإن ادّعى أنَّه ممّن يعمل بها كلّف عليه بيّنة فإن أحضرها جعل له أجر مثله في مثل ذلك العمل، وإلاّ قبل قول المستعمل مع يمينه أنَّه لم يعلم أنَّه يعمل مثله بأجر، فإن حلف به برئ في الحكم وإن ادّعى أنَّه ليس ممّن يعمل بالأجر كلّف بيانه إن لم يدّع العامل أجرا معلوما، فإن أحضر البيّنة أنَّه ممّن يعمل مثل هذا العمل بغير أجر فقد برئ، إلاّ إن طلب يمينه على ذلك وإن لم يجدها قال: فلا يظهر لي أكثر من يمينه بالله ما يعلم أنَّه ممّن يعمل بأجر فإن قال لا أعرف أنَّه ممّن يعمل به أو بغيره وأنا جاهل أمره في ذلك لزمه كراء مثله في ذلك عند أهله حتّى يصحّ أنَّه ممّن يعمل بلا أجر أو أنَّه شرط عليه أن يعمل له بدونه، قال: وهذا ما تبيّن لي في المسألة.
ومن عرف أنَّه يعمل بلا أجر ثمّ صحّ أنّ رجلا استعمله بعمل وأمره به فطلب الأجرة منه، فقال: لم أستعملك بأجر ولم تشترطه عليّ فإنّه لا يؤخذ له به حتّى يصحّ أنَّه استأجره إن كان ممّن يعرف أنّه يعمل بلا أجر، وإن كان ممن عرف أنَّه يعمل به (103) كلّفا معا البيّنة على ما يدّعيان فافهم الفصل في الأمور.
وقيل في رجل يعرف أنَّه يعمل مع النّاس بالكراء، فاستعان رجل جماعة لحمل قورة صرم أو غيرها أو تحويل ذرّة واستعانه، ولم يعط أحدا ممّن استعانه كراء وهذا ممّن يعمل به مع النّاس، فإنّه إن عرف أنَّه يعمل به في مثل هذا العمل وفي مثل تلك المعونة والجماعة وعلى ذلك السبيل، فإنّه له أجرته في ذلك وإن لم يطلبها إن استعمله بذلك بلا مشارطة عليه (104) أنَّه لا أجر له وإن عرف بالتعارف أنَّه لا أجرة في مثل ذلك العمل فلا أجرة له إلاّ إن اشترطها. (3/640)
صفحة 1567
ابن احمد: من استخدم أهل الصنعة كحدّاد، ونجار، وحجّام ونحوهم ويعطيهم من الثمرة بالمقاطعة، ثمّ مرض الصانع وقد استخدمه خدمة مجهولة فسأله في مرضه كم عناؤه، فقال: كذا وكذا، فبقي في قلبه حرج أنَّه عرف أنَّه أقلّ ممّا يستحقّ، فاختير أن يوفّيه قدر الأجرة المعتادة له إن قال له أقلّ من ذلك، وإن احتمل عنده ما قال لم يضق عليه الأمر، وانظر ما وافق الحقّ من ذلك.
تمّ الجزء العاشر (3/641)
صفحة 1568
هوامش الجزء العاشر
(1) - ب: فيه.
(2) - ب: - الفلج.
(3) - ب: أن.
(4) - ب: بعض.
(5) - ب: - من الأقباب.
(6) - ب: - له.
(7) - ب: - أهل.
(8) - ب: فيه.
(9) - ب: - ربُّ.
(10) - ب: ولا عمل له فيه.
(11) - ب: به.
(12) - ب: ويقتضي منه.
(13) - ب: أن يشرط.
(14) - ب: إذا.
(15) - ب: الزرع.
(16) - ب: المشتركون.
(17) - ب: حجَّة.
(18) - ب: - به.
(19) - ب: إن ..
(20) - ب: الزاجر.
(21) - ب: + في ذلك.
(22) - ب: - عنها. (3/642)
صفحة 1569
(23) - ب: - ربّ.
(24) - ب: عليها.
(25) - ب: جاء.
(26) - ب: يحصد.
(27) - ب: - وإن اشتراها المقتعد الزارع فعلى ما بيّنا من أنّ القعادة يكون منها له بقدر ما بقي من مدّة الزرع
(28) - ب: إذا.
(29) - ب: لا مؤنة عليه له.
(30) - ب: الأجر.
(31) - ب: - الغائب.
(32) - ب: أنهما.
(33) - ب: حقه.
(34) - ب: وارثها.
(35) - ب: دخول.
(36) - ب: - من.
(37) - ب: أرضمها.
(38) - ب: - فزرعها.
(39) - ب: سهمه.
(40) - ب: قال.
(41) - ب: - على.
(42) - ب: الإجارات.
(43) - ب: - كراء.
(44) - ب: - بالكراء.
(45) - ب: الطلب.
(46) - ب: الإجارة.
(47) - ب: + إنّه.
(48) - ب: شيئا منه. (3/643)
صفحة 1570
(49) - ب: - على.
(50) - ب: - حباّ.
(51) - ب: - وهو ما قاطعه.
(52) - ب: - وغيره.
(53) - ب: ما عندي.
(54) - ب: - بما مرّ.
(55) - ب: - له.
(56) - ب: + وكذا.
(57) - ب: الديوان.
(58) - ب: إليها.
(59) - ب: متاعه.
(60) - ب: المحمول له والحامل.
(61) - ب: في يد.
(62) - ب: - مما.
(63) - ب: فيطرحه.
(64) - ب: كذلك.
(65) - ب: إليه.
(66) - ب: + به.
(67) - ب: - إلى أجل.
(68) - ب: - بها.
(69) - ب: - المعتاد.
(70) - ب: - فصبغه.
(71) - ب: - بغير ما أمره به صاحبه لزمه ضمانه، فإذا طلب أخذ ثوبه والصباغ الكراء فإنّه يقوم أبيض ومصبوغا، ثمّ للصبّاغ على ربّه ما زاد الصبغ فيه، وقيل: إنّ صبغه بغير ...
(72) - ب: - له. (3/644)
صفحة 1571
(73) - ب: - هذا.
(74) - ب: - عليه.
(75) - ب: - أشهر.
(76) - ب: - فيها.
(77) - ب: - أيضا.
(78) - ب: بالدابة إلى البلد.
(79) - ب: - ذلك.
(80) - ب: - أنّه.
(81) - ب: - من.
(82) - ب: لو.
(83) - ب: فعليهم.
(84) - ب: - في اسم البيوت.
(85) - ب: + حتّى يقاطعه.
(86) - ب: - لنا.
(87) - ب: - صاحبه.
(88) - ب: يراقب.
(89) - ب: - له شيئا.
(90) - ب: راقب.
(91) - ب: - الناس.
(92) - ب: - له.
(93) - ب: أجرة.
(94) - ب: - بها.
(95) - ب: المكري.
(96) - ب: - أياما.
(97) - ب: نحوها.
(98) - ب: - لم يكن له فيما عمل فيه. (3/645)
صفحة 1572
(99) - ب: - فيه.
(100) - ب: تلف.
(101) - ب: - قبل قوله.
(102) - ب: - لها.
(103) - ب: وإن كان عرف أنه ممن يعمل به. (3/646)
صفحة 1573
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/647)
صفحة 1574
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/648)
صفحة 1575
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/649)
صفحة 1576
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/650)
صفحة 1577
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/651)
صفحة 1578
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/652)
صفحة 1579
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/653)
صفحة 1580
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/654)
صفحة 1581
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/655)
صفحة 1582
] ف. ه. ر. س الم. و. ض. و. ع. ا. ت [ (3/656)
صفحة 1583
حقوق الطّبع (3/657)
صفحة 1584
رقم الإيداع. (3/658)
صفحة 1585
/ (4/1)
صفحة 1586
/ (4/2)
صفحة 1587
الجزء الحادي عشر
في الأفلاج (4/3)
صفحة 1588
/ (4/4)
صفحة 1589
الباب الأوّل منه
في حريم البحر والنهر والبئر والمسجد [88]
وشركة البئر
قال عزّان: حريم البحر أربعون ذراعا من حدّ ما يصل مدده لمرافق النّاس ثمّ الطريق ثمّ البيوت بعد ذلك. وقيل: خمسمائة وما بعد ذلك ممّا لم يتقدّم فيه أثر عمارة فهو موات لمن أحياه، وذلك ــ قيل ــ يجوز (1) الانتفاع به ولا يجوز لأحد منعه ولو بنى فيه وعمّر، والحوزة الكائنة في البحر يحميها قوم ويدّعونها، فإن كانت الحوزة يحرز عنها الماء حينا ويمدّ فيها حينا جاز ذلك لمن حماها، وإن دام الماء فيها أبدا فليس في البحر حماء ولا ميراث.
وحريم النّهر مائة وقيل: ثلاث مائة وقيل: مائتان وقيل: خمسمائة، وقيل: يفسح النهر على النّهر خمسمائة، وقيل: ثلاثمائة وقيل: مائة، وقيل: ما يرى العدول من المضرّة، وقيل: حتّى تصحّ بشهادة عدلين، وقيل: قدر ما لا يضرّ النهر بالنّهر والبئر بالبئر، وقيل: يطرح القطران أو البصل في واحد فإن ظهرت رائحته في آخر علم أنّه يجدب ماءه، قال خميس: وإنّه ليعجبني وليس عندي فيه أثر.
وحريم البئر أربعون وتفسح بها عن آخر، وكذا يفسح النّهر عن النّهر بها على رأي.
وعن ابن علي: لا يمنع أحد عن الحدث حتّى يعلم أنّ حدثه ينقص النّهر أو البئر. أبو المؤثر: أنا آخذ بقوله في البئر خاصّة وأمّا في (2) النّهر فبما جاء في الأثر في الفسح وحريمه من أعلاه وأسفل، ويمين وشمال ولا يملك ظهر الحريم، وإلاّ بدئ عنه مصروفة. (4/5)
صفحة 1590
وسئل عزّان عن الأنهار كم يفسح بينها إن أريد إحداث حفر فلج؟ فقال: خمسمائة وقيل: ثلاث وكذا الآبار عن الأنهار، وقيل: حتّى تصحّ المضرّة فإذا كانت البئر إذا نزحت نقص (3) النّهر صرفت عنه، وكذا إن حفر نهر إلى جنب آخر فنقص منه صرف عنه.
ابن خالد: إنّ قوما تنازعوا إلى الأزهر بن علي في فلج وركايا قريبة منه، فاحتجّ أهله (4) أنَّها إذا زجرت نقص من فلجهم، فرأى الأزهر أنّ كلّ بئر بينها وبين الفلج ثلاث مائة ذراع أو أكثر كانت بحالها، ولا يرفع عنها الزجر، وإن كان بينهما أقلّ من ذلك صرف عنها الزجر، قال: وأمّا ابن علي فرأى على أهل الفلج البيّنة أنّه ينقص من زجر هذه الركايا.
أبو عبد الله: حضرت ابن علي وقد تنازع إليه قوم في مثل هذا فكلّف أهل الفلج البيّنة أنّ ماءه ينقص من زجر هذه البئر، قال: فقلت له لو أحضروك شهودا على ما كلّفتهم، أتقبل شهادتهم على الغيب؟ قال: فما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال أقول: يقف العدول على الفلج والبئر لا تزجر وينظرون منتهى الماء في جريه من ناحية البئر، ثمّ تزجر وهم ينظرون إلى ضرب ماء الفلج، فإن لم يروه نقص عمّا كان قبل أن تزجر البئر لم يصرف أهلها عن زجرها، وإن رأوه نقص عنه صرفوا عنه، قال فسكت ابن علي.
أبو الحسن: في فلجين في قرية أحدهما أعلى (5) فإذا شحبه أصحابه نقص ماء الأسفل، واختلفوا في ذلك فقال إن اتّحد مخرجهما ومجراهما لم يجز لأصحاب الأعلى أن يفعلوا، وكان الماء بالقسمة، وإن لم يتّحدا وكان بينهما أكثر من ثلاثمائة ذراع جاز لأصحاب كلّ شحبه، ولا يمنعهم أصحاب الأسفل حتّى يتيقّنوا أنّ الأعلى يجدب ماءه بعادلة، وإن كان بينهما أقلّ من ثلاثمائة فقيل: لا يجوز لهم فعل يضرّ بفلج جيرانهم من شحب فلج، ولا حفر بئر، وأجاز ذلك قوم؛ وأمّا المنازف والزواجر الكائنة على الأفلاج فما قدم منها فهو بحاله، ولا يزال عنها، وما أحدث على أهل الفلج فإنّه يرفع عنهم وقيل: لأهله منع أرباب المنازف من ذلك، إلاّ من صحّ له حقّ فيه أو ينزف أحد (4/6)
صفحة 1591
من مائه أو من ماء من أذن أن ينزف من مائه، ولا حجّة لهم إن قالوا: وجدنا أربابها ينزفون من هذا الفلج لإمكان كون الذين أدركوهم ينزفون بإذن أهل الماء وإباحة منهم، إلاّ إن صحّ لهم حقّ معروف في الماء.
وأمّا المنابط التي تطرح على الفلج فليس لأحد أن يحمل منها الماء إلاّ فيما يجوز الانتفاع به من الفلج، لأنّ حكمها حكمه.
وقيل: في فلج إسلامي يسيح في أرض وفيه عيون وسواعد تجري إليه وهو في إثارة القوم غير الذين في أيديهم الفلج، فتوقّع أهل الإثارة على ساعد من سواعد الفلج فحفروه، فقال مسعدة: إنَّه لو جرى سبعين ساعدا كان أولى بما جرى إليه، وكلّ أرض غشيها وساح عليها فأهل الماء أولى بها، إلاّ ما صعب من الأرض فلم يغشه الماء فهي لأهل الإثارة، فقيل: إذا كان واد يسيل وفي أسفله مال لقوم ويفضي منه إلى البحر وحيث لا ينتفع به وهو ماء كثير، فوقع قوم في أعلى (6) الوادي فقطعوا منه شعبة، وبقي للأسفلين ما يكتفون به، وأبى الأسفلون عليهم، فلا يمنعون من ذلك ما لم يضرّ حدثهم بأحد من الأسفلين، وإن كان فيه ضرر لم يجز هذا الحدث، قال: وصرفه عندي من العدل ولتترك الأشياء بحالها على ما [89] سبق له، ا وإن لم يتبيّن ضرر على الأسفلين فلا نحبّ أن يمنعوا من طلب الرزق الذي لا يضرّ بأحد، وهذا إن كان الماء من السيل أو من الزائد في أيّام الإخصاب الزائدة، والماء الكائن منه أصل ماء الأسفلين القائمة عليه أموالهم لا يجوز عليهم الحدث فيه.
فصل
روي عن النبيء صلّى الله عليه وسلّم، أنّ حريم البئر العادية خمسون ذراعا، والمحدثة خمسة وعشرون، والبدي كالمحدثة والقليب كالعادية، والبدي المحفور في الإسلام والقليب المحفور قبله.
وقيل: حريم البئر أربعون، وقيل: قدر ما لا يضرّ البئر بالبئر إذا زجرت. (4/7)
صفحة 1592
واختلف في حريم المساجد والفسح بينهما لمن أراد إحداث مسجد بقرية، فقيل: إذا كان بحيث إذا سمع الرجل الأذان أراق البول وتوضأ ثمّ ذهب إلى المسجد لم يدرك الصلاة مع الجماعة فهناك يجوز بناء مسجد آخر.
وقيل: إن كان لا يتراءى المسجدان في قرية في العمارة، أو لا يخرب الأوّل بعمارة الأخير بتحوّل النّاس إليه فلا بأس ببنائه.
وحريم المسجد ذراعان والجدار ذراع ونصف.
وحريم الساقية ذراعان وقيل: ذراع.
وقال عزّان: إذا حفر إنسان بئرا جنب الطريق فعليه أن يفسح بقدر ما لا تصل الرطوبة منها من ماء المستقين والمتوضئين إليه، وأجاز المسلمون الانتفاع بماء البئر، لما روي أنَّه لا يمنع نفع البئر، ويخرج معناه على أنّه إذا نزع المنتفع منها الماء بحبله ودلوه ولم يضرّ بذلك ربّها في أرضها وطرقها ومجاريها جاز الانتفاع بها، وإن كان بين قوم بئر مشتركة لزمتهم المغارمة في الحبال والمنجور وجميع آلات الزجر، وفي إخراج ذلك ضررا ومشقة، ويكون ذلك على الأنصباء واختير أن يكون عاملهم واحدا إذا لم يكن لأحدهم ما يقيم عاملا على انفراده، وإن وقع هدم على بئر بين شركاء فرغب بعض في حفرها وبعض يقول لا نحتاج إليها ولا نتغارم فيها، فقيل: إن كانت تزجر من قبل ففسدت لزمهم معا إصلاحها كلّ على (7) قدر حصّته، وإن خربت من قبل فرغب بعضهم في حفرها وكره الآخرون، فلحافرها الانتفاع بها؛ فإن رجع من كره وأراد أن يؤدّي ما عليه من الحفر وينتفع بنصيبه فله ذلك، وإن كانت بين اثنين فزرع أحدهما ولم يزرع الآخر فقلّ الماء على الزارع فأراد حفر البئر، فلا يلزم من لم يزرع إلاّ رفع الطين لا قطع الصفاء؛ وإن كانت بين قوم لأرضين معروفة فأراد أحدهم أن يسقي منها أرضا له أخرى، فقيل: إن اشتركوا في الأرضين فلا يجد أن يشتركوا وإن اقتسموا ماءها بأيّام فلمن أراد أن يجيز ماءه حيث شاء فله ذلك من أيّامه، وإن أباح بعضهم ماء البئر للنّاس وحرّمه آخرون، فإن عرفت الأسهم جاز الانتفاع من ماء المبيح لا من ماء المحرّم. (4/8)
صفحة 1593
الباب الثاني
في ماء الأنهار وما يفعل فيها إذا وقع الخلاف فيها وأحكام ذلك
أبو سعيد: أختلف في ماء السيل إذا حملته الساقية التي تجمع أهل الفلج، فقيل: هو لأصحاب الخبورة كلّهم، وقيل: لأهلها بمقدار مائهم والزائد عليه مباح، وإن كان يقلّ ويكثر فعلى الأغلب من أمور الفلج، وقيل: إذا دخل السيل الفلج فإنّما لصاحب الماء تلك الساعة مقدار ماء الأصل والزائد عليه، فلكلّ ممن له في الفلج (8) ماء أو لم يكن أن يسقي منه ويسقي هو منه أيضا، وإنّما لصاحب الفلج أصل الماء والزائد عنه للكلّ، وإن كسر الفلج ورفعوا الماء من الوادي في ساقية الفلج قسموه على قسمه، فليس لمن لا له في الفلج شيء أن يسدّ من ذلك شيئا.
وإن هرب أهل قرية وعمّالها منها، والتبس قسم مائها ولم يعرف أحد ماءه أنَّه في أيّ وقت، فقيل: إن تقدّمت لهذا الفلج عادة وعليها أدرك، فهو على ما أدرك، وإن لم تعرف له مادّة اجتمع أصحابه فيصطلحون على نسق الأوادي والخبائر يبتدؤون الأوّل فالأوّل حتّى يأتي على المعتاد، ويثبت ذلك على المسجد والغائب واليتيم، وهذا ليس بقسم وإنّما هو اصطلاح من جهة الفلج، وقيل: يطرح السهم على الخبائر وإن عرف كلّ موضع مائه فعيّنه أو صحّ عنده فهو أحسن.
وقيل: إذا كسر السلطان ماء الفلج فإنّ المكسور يكون من جملة ماء الفلج، وجاز لمن قدر على أخذ مقدار حقّه ممّا أخذه الجائر أن يأخذه، وإن اغتصب ماء أحد بعينه خاصة فله أن ينتصر من ماء من غصبه، ولا يحسب الكسور على أهل الفلج، وإن وقع فيه هدم من أعلى الفوارق فقال الذي وافق ماءه: لا أسقي بالماء الناقص، فقيل: يكون لأصحاب الفلج كلّهم فإذا أصلح الفلج أقيم على أدائه الأوّل. (4/9)
صفحة 1594
فصل
قيل: في ماء يؤجل وهو بين أيتام وبلّغ وماء الأيتام يطلق باللّيل وماء البلّغ يحبس عند طلوع الفجر، فجاء البالغ ليحبس ماءه فوجد [90] فيه باقيا من مال الأيتام، فقيل: إنَّه إذا حضر ماؤه وأطلق الأجل حتّى يمرّ الماء في الساقية ثمّ يؤجل هذا ماءه، وقيل: يعلم الماء الأوّل ويعرف حيث بلغ، والزائد للثاني كان الأوّل ليتيم أو حاضر أو غائب. (4/10)
صفحة 1595
الباب الثالث
في حفر الأفلاج
ويؤخذ أهلها بإصلاح أنهارهم التي لهم إن فسدت، فأمّا ما يقترح فلا يلزمهم إلاّ إن اتّفقوا على ذلك، والحفر على جميع أهل الأفلاج ولو فيهم غياب أو يتامى على قدر السهام، ويجبرون عليه ولا تترك القرية تهلك، كان الفلج أصلا أو سهاما إلاّ إن كان في الحفر ذهاب أصل أموال الأيتام والغيّاب في الأجرة.
أبو الحواري: ليس عليهم قطع الصفا وإنّما عليهم حفر الطين والهوام، ولا يجبرون على زيادة قرايح (9) أو بناء بجص أو آجر، لم يسبق فيه إن أراده حاضر أو بالغ إلاّ إن تراضوا عليه، فإن زاد زائد فقرح قرايح فزاد منها الفلج، قيل لأهله: إن شئتم ردّوا عليه منه ما ينوبكم من الغرم على قدر ما عليكم، ويكون لكم جميعا وإلاّ نظرنا ما زاد وجعلناه لمن قرحه من أهل الفلج، وقد حكم بذلك محمّد بن علي لبني الحواري على بني عبيد الله بن زياد وكذا عن أبي علي.
وقيل: في الجبهة ويأتي معناها إذا اتّفقوا على إصلاح فلج واستأجروا له من يحفره ثبت ذلك على كلّ من له فيه شيء، فمن كان من أهل الأفلاج خارجا من المصر ثبت عليه القضاء وأقام الحاكم له وكيلا إن لم يكن له، وباع من ماله بأمره في ذلك، ومن كان في المصر احتجّ عليه ولا ينفّذ عليه الحكم ما دام فيه، إلاّ إن احتجّ عليه أو على وكيله في ذلك، وإن كان لا يعرف أين هو أو في محل لا تبلغه الحجّة فيه ولو كان في المصر، فهو كالغائب منه في الأحكام في كلّ ما يلزمه، ولا يقدر على إقامتها على جبابرة العجم والعرب، وينفذ عليهم ما صحّ عليهم من الأحكام ولو كانوا في المصر، ويلزمهم بناء الجامع كما يلزمهم إصلاح الفلج، وقيل: يجوز لجبهة الفلج الإعطاء لحفره شيئا من أراضي أهله مأكلة سنين معيّنة، ويثبت على جميعهم وإن غصب الفلج لم يجز أن يحفر بأمر الجائر، وقيل: إذا دثر الفلج ويبس وصار في حدّ (4/11)
صفحة 1596
الذهاب فقام رجل له حصّة فيه فقهر أهله على حفره حتّى حفروه، وأخذ منهم بالإجبار والقهر حتّى انتفعوا بفلجهم، فإنّه لا يلزمه في ذلك شيء إن أخذ من كلّ ما يلزمه فقط على العدل، وقيل: إذا قاطع أربابه الحفّار على حفره فحفر بعضهم ثمّ وقع فيه هدم من سيل أو من سوافي الرياح أو من عدو ولم يفرغوا ممّا قوطعوا عليه، فقيل: لا يلزمهم إعادة ما حفروه وعلى أهله حفر ذلك وعلى الحفّار الكمال، ولا يثبت عليهم الشرط إن شرطوا عليهم أنّ ما انهدم فهو عليهم لأنَّه مجهول، وإن قاطعوهم على أنّ لهم نصف الفلج لم يثبت ذلك على الغائب واليتيم ونحوهما، إلاّ إن بلغ الكلّ وحضر وأتموه لهم.
حكى ابن محرز: عن أناس اجتمعوا على إخراج فلج دمّر فقاضوا عليه من يخرجه ويسيحهم إلى فلجهم وحدّدوا له حدّا في قلة الماء أو كثرته، على أنّ للحفّار مأكلة الفلج عشر سنين، وكتبوا ذلك بينهم، فلمّا حفروه وساح الماء طلب بعض أهله نقض المقاضاة واحتجّوا أنَّهم لم يحضروا لها والفلج مشاع، فقال: إذا تقدّم مساند أهل البلد فقاضوا عليه فإنّ قضاءهم جائز، ولو على غائب ويتيم ومنكر، إلاّ إن احتجّ المنكرون على الحفّار قبل أن يحفروا شيئا، وأمّا إن سكتوا ولزموا منازلهم حتّى حفروا لم يجدوا ذلك.
ابن محبوب: كلّ فلج سقي في الإسلام وأعطاه مساند أهله من يحفره لهم فقد جاز على جميع أهله، ولا يجوز على من لم يحضر قرح فلج قريح ولا جاهلي، وقيل: عمل به أبو علي برأيه إذ أمر بحفر فلج حيوب لأهل إزكي الجاهلي، وأنفق عليه من معدنهم وفيهم الأغياب والأيتام ولا سهم لمن مات، ومنفعته لمن جاء بعدهم فلم يعب عليه، وقيل: إذا ذهب فلج القرية أصلا فقيل: ليس على أهلها أن يقترحوا جديدا، وقيل: عليهم أن يقترحوه ويجبرون عليه، ولا تعطّل وإن لم يك للفلج موضع يخرج فيه خرج في أراضي النّاس، ولو كرهوا أو تقوم بالعدول لأربابها على أهله ولو كانت للغياب والأيتام، كما جاء في فلج الأخطم بقرية منح لمّا اجتاحه السيل وذهب به أصلا وذلك في سنة غرق فيها الإمام وارث بن كعب فبلغنا أنّ القاسم بن الأشعث وصل (4/12)
صفحة 1597
إلى الإمام غسّان وقال له: ذهب الأخطم وليس لنا سبيل [91] إلى إخراجه إلاّ في أرض بني زياد من أهل نزوى، فأمر الإمام ابن الأشعث أن يستتروا، وأرسل الإمام إلى سليمان بن عثمان فحضر فقال له الإمام: ما تقول في فلج لقوم كفلج نزوى يمضي في أرض أهل سمد وهي لبني أبي المعمر فاجتاحه السيل فلم يقدروا على إخراجه إلاّ في أموال النّاس، فهل لهم ذلك؟ فأنعم له سليمان بذلك بقيمة العدول، فلمّا عرف الإمام رأي سليمان في ذلك تمسّك به وأخذ به ولم يعلمه بما يريد منه، فلمّا انصرف من عنده أرسل إلى القاسم وقال له: اذهب اُدع خصماءك فدعاهم، فلمّا حضروا عنده طلب القاسم مجرى لفلجهم فقال الإمام: اذهبوا فأخرجوا لهم مجرى له بالثمن، فقال أهل نزوى: ليس علينا ذلك، فقال لهم الإمام: هذا رأي سليمان فانطلقوا إليه فأعلموه بقوله أنَّه رأيك، فقيل: إنَّه قال لهم غرّني غسّان وأراد الرجوع في فتواه فلم يقله غسّان وتمسّك عليه برأيه، وقيل: إنّ أهل نزوى أبوا أن يخرجوا لأهل منح مجرى لفلجهم بالثمن، فقال الإمام لأهل منح (10): اذهبوا فأخرجوا فلجكم فإن طلبوا الحقّ كان لهم برأي العدول أو كما قال؛ فانطلق أهل منح فأخرجوا فلجا في أرض أهل نزوى برأي الإمام لا برأي أهلها وهم كارهون له وهو قائم بعينه في أرضهم إلى يومنا هذا. قال خميس: ولعلّه لا يزال إلى يوم القيامة.
وممّا تذاكر فيه الأشياخ وعرض على ابن علي أنّ أهل قرية أرادوا حفر فلج لهم فاختلفوا، فقال بعضهم: نزيد في دور فلجنا خبورة فنطنيها فيكون في صلاحه، وبعضهم: نعطي ما ينوب علينا في الحفر بلا زيادة في دوره، قال: فما نرى أن يجبروا على أن يزيدوا في دوره وهم يدّعون أن يعطوا عليهم غير أنّه يحتجّ على من غاب فإن لم يعطى أطني ماؤه في حفره.
أبو الحواري: إن اتّفق الجباة أن يزيدوا في دور الفلج لحفره كان لهم، فمن أدّى ما عليه من الحفر فله نصيبه من الماء، وقيل: إن اختلف أهل الفلج فيمن يقوم بأمره فمنهم من يرغب فيه أهله أن يقوم به ويأبى عليهم، ومنهم من يرغب في الدخول فيه وهم يأبون منه، فقيل: يقيم له الحاكم وكيلا أجنبيا يقوم به ولو بأجرة وتكون على (4/13)
صفحة 1598
أهل الفلج، وقيل: إذا قدّموا رجلا وضمّوا إليه مياههم، فمن أراد أن يسقي جاء إليه ليعطيه وتراضوا بذلك، فقيل: يجوز لمن أعطاه منهم بقدر مائه ولو لم يعلم ماءه بعينه إن اتّفقوا على ذلك أن يسقيه، لا إن أعطاه أكثر منه، إلاّ إن قدّموه أن يفعل في مياههم ما شاء.
وإن كان فيهم يتيم أو غائب جاز لمن أعطاه منهم المقدّم قدر مائه أن يأخذ من يده إن كان بصيرا بأمر دينه وظهرت منه أمارات الورع، وإن كان غير ثقة وأعطاه من جملة ما بيده من المياه المختلطة ففيه خلاف، فقيل: إنّ الحلال إذا اختلط بالحرام ولم يميّز واحتمل فيه الوجهان، فقيل: إنَّه يلحقه الإشكال ولا يجوز الإقدام عليه، وقيل: يجوز تناوله حتّى يعرف حرامه بلا شك فيه، وقيل: إنَّه حرام حتّى يعرف أنّه حلال بما لا شكّ فيه.
ومن جاء إلى هذا المقدّم ممّن لا شيء له في الفلج فأعطاه ليسقي زرعه من جملة الماء، لم يجز له الأخذ من عنده حتّى يعلم أنّ أهل الماء جعلوا له أن يهب ويعطي من أراد وكانوا بلّغا عقلاء حضرا. (4/14)
صفحة 1599
الباب الرابع
في تصريج سواقي الأفلاج وفي الحريم
ابن محبوب: إن كان الفلج لا يتوصّل إلى الانتفاع به وصرف الضرّ عنه إلاّ بتصريجه، جاز لأهله تصريجه ويحكم به على الأيتام والغياب وعلى حاضر آب منه وكان لازما والقيام به واجبا وبه قال أبو سعيد وغيره.
وإن كان في وسط قرية واد فيه أفلاج مرفوعة منه ببلاد تسقي من غربي وشرقي وبعضها أسفل من بعض، وأراد أصحاب الأعلى أن يصرّجوه بالحجارة والصاروج في عرض الوادي، وكره ذلك أصحاب الأسفل، فقيل: إن كانت هذه الأنهار مرفوعة من الوادي من ماء واحد متّصل لم يجز لأصحاب الأعلى تصريجه إن كان فيه ضرّ على الأسفلين ويأخذون من الماء أكثر من عادتهم وينقص على الأسفلين منهم إذا صحّ الضرر، وجاز على غير هذا الوجه؛ وإن خرجت هذه الأفلاج من الوادي ودخلت في الأموال لم يمنع أحد من أهلها أن يحدث في ساقيته ما أراد، من كبس أو قطع أو تصريج إلى منتهى دخول الماء من الوادي، إذا لم تكن فيه مضرّة على أحد؛ وإن أراد أحد قرح فلج في هذا الوادي أعلى من هذه الأفلاج بأكثر من خمسمائة ذراع (10) أو بينها وبينه وبين الذي أعلى منه أو أسفل أكثر منها؛ فإن كان هذا المحدث يقطع عنهم الماء ويلحقهم به الضرّ لم يجز ذلك وإن كان الماء للأفلاج ظاهرا أو متّصلا لم يجز أيضا ولا بان منه ضرّ فلا نقول بمنع هذا المحدث.
واختلف في تصريج السواقي التي عليها عواضد النخل والأشجار، فقيل: إذا كره أرباب [92] العواضد وخافوا الضرّ على أموالهم ولم يتقدّم صاروج في الساقية فإنّه لا يحكم عليهم بذلك؛ وقيل: إن كان في تصريج السواقي صلاح أهل القرية وفي تركه ضرّ كثير على الأموال فلا يمنعون منه، وإن لم يتقدّم صاروج في الساقية. (4/15)
صفحة 1600
وكذا إن كانت تمر في منزل رجل أو ماله وأراد أن يصرّج موضعا منها لغسل أو لغيره (12) من منافعه ممّا لا يضرّ أهل الأموال لم يضق ذلك عليه. (13)
فصل
حريم الساقية الكائنة بين الأموال الجائزة ذراع وقيل: ذراعان. ولا يجوز لأحد أن يغرس فيه ولو شجرا، وله أن يفسل خلفه وأن يفتح لما فسل أجالة من الساقية إن كانت جائزة وكان أعلى منها أجالة أو أكثر.
وحريم الساقية من مفترق الأفلاج من أسفل هو من حيث يصل ضرب الماء كذا عن ابن قريش؛ وقيل: إنّ الجائز وغيرها إن كانت في أرض رجل جاز له أن يغرس على الوجين حيث لا يضرّ الماء ويترك للشحب قدر ما يجزيه وإنّما لأصحاب الماء جري مائهم لا غير.
وأما حريم الفلج في الموات حيث لا يملك فكلّ ما نشأ فيه من نخل أو شجر فهو لأهل الفلج، وقيل: للفقراء. وإن كان المجرى في مال أحد فنبتت فيه نخلة أو شجرة فهي له؛ وإن نبتت في جانبه فهي لأهل الأرض، وإمّا الأثقة فقال أبو سعيد: يجوز للنّاس أن يحدثوها في أموالهم على السواقي الجائزة إن لم تضرّ بالماء وكان النفع لمحدثها فيها بلا ضرّ على غيره؛ ولو ضاقت الساقية على ما كانت إن لم يبن فيه ضرّ على أصحابها؛ وكذا البناء والسقف عليها ما لم يضرّ بالماء المارِّ فيها. وفي القناطر خلاف، قيل: يجوز إحداثها بقدر ما تلتقي أيدي الشاحبين ولا ينال ضرب الماء منها شيء ولا يمنع من الشحب. (4/16)
صفحة 1601
الباب الخامس
في السواقي وتحويلها وصفة ذلك ومعرفة عرضها
وجاز تحويل السواقي والطرق مطلقا، وقيل: غير الجوائز لا الجوائز، وقيل: لا يجوز تحويلها مطلقا، والأكثر على أنَّه يجوز تحويل الساقية إلى ما دون أربعين ذراعا كذا عن أبي المؤثر؛ وكتب بمثل هذا نبهان. قال خميس: ومعنى ذلك عندهم أنّ الطريق والساقية إن كانت تجيء من نعشي حتّى تعود بين مال رجل إلى شرقي ثمّ تعود إلى سهيلي فإذا أراد الرجل أن يحوّلها قطع الطريق من حيث تلود في ماله إلى شرقي ثمّ أحدرها سهيليًّا في ماله، فإذا أتمّ عشرين ذراعا رجع يقودها مشرِّقا فيه حتّى يلقاها من حيث تلود من شرقي إلى سهيلي أسفل بعشرين ذراعا بحيث كانت من أعلى وهذا على المشاهدة فلينظر في ذلك.
وقيل: من عليه طريق أو ساقية فله أن يحوّلها حيث شاء من ماله بلا مضرّة على صاحب الطريق والمسقى، وقيل: إلى أربعين ذراعا وإن ثبتت الطريق في واد في موضع لم تتحوّل منه فهي بحالها في مكانها (14) وإن كانت تنتقل من مكان إلى آخر ولا تستقرّ جاز تحويلها.
ومن عليه في ماله أو منزله طريق أو مسلك قائم ففي تحويله خلاف، وإن لم يقم بعينه أخرج مسلكا من حيث شاء من ذلك بلا مضرّة على أهل الطريق. وقيل فيمن أراد أن يطرح ماءه من ساقية مرتفعة تمرّ في أخرى مارّة إلى مال له (15) يسقيه من هذه الساقية، فإن كان يطرح من ماله في ماله والساقية له خاصّة جاز له ذلك؛ وإن كان لغيره فيها حقّ لم يجز له. وكذا من له ماء على فلج وقربه فلج له فيه أيضا ماء وما بينهما له خاصّة فأراد أن يطرح ماءه من ذلك الفلج ويجريه في أرضه إلى أن يطرحه في الآخر في وقت حضور مائه فله ذلك. (4/17)
صفحة 1602
أبو سليمان: من له مسقى على رجل وأراد صاحب الساقية أن يجعل عليها مليلا ويجري فيه الماء من الزاجرة أو غيرها جاز له ذلك على قياس ما قيل في الطريق: إنَّه إذا لم تكن في المسقى مضرّة جاز الاِنتفاع بها.
وحدّ العرض في السواقي أنّ الأنهار بالنظر على ما يجزي لها من الأرض ما لم يضرّ بجري الماء على كبر النّهر وصغره.
واختلف فيمن يمرّ ماؤه في ساقية عليها نخل وشجر فأراد أن يمرَّ ماءَه (16) في أخرى فقال له ربّه: لا تذهب بمائك في غير التي عليه نخلي وشجري فقيل: إنّه يحتجّ عليه إمّا أن يمرّ ماءه في تلك، وإمّا أن يبطل حجّته منها حتّى يسوّيها مَن تمرّ في ماله بمائه، وإمّا أن يمضي ماءه فيها كما كان أوّلا؛ وقيل: لا تبطل حجّته منها.
ومن عليه الجري في أرضه فلا يجوز له هدمه وتسويته بأرضه، ومتى أراد أن يجري ماءه أجراه، ومتى أراد تركه تركه، وبه قال الأكثر. (4/18)
صفحة 1603
الباب السادس
في الدعوى والحكم في المسقى والعارية في ذلك
ومن له ــ قيل ــ قطعة عليه فيها ساقية لقوم ثمّ ادّعاها أصحاب المسقى أصلا وقال ربّ الأرض: إنَّها له، وإنّما هي عارية، فقيل: إنّ القول قول صاحب المسقى.
ومن طلب إلى قوم مسقى فأعطوه ولم يستثنوا عليه فزرع وأثمر وفسل النخل وأتمر ثمّ هدموا المسقى وقالوا: ليس لك علينا مسقى أصلا، أيثبت عليهم؟ أم لهم أن يرجعوا عليه؟ فقيل: [93] إذا أعطوه مسقى وزرع وفسل فقد ثبت ولا رجوع لهم فيه بعد أن يجري فيه ماءه والعطية ثابتة في المسقى وغيره إن أحرز المعطى له وأجرى ماءه على العطيّة إلاّ إن صحّ أنَّهم أعاروه، فإذا صحّت العارية كان لهم الرجوع، وإلاّ ثبت المسقى ولا رجوع لهم فيه؛ وإذا صحّت العارية لزراعة فلا رجوع فيها حتّى تحصد؛ وإن فسل عليه فسلا فقيل: إذا لم يجد مسقى غيره فلهم عليه قيمته بالعدول، ولا تعطّل النخل بعد أن فسلها وأخذت مفاسلها فلهم عليه القيمة إن كان عارية؛ وإن لم يشترطوه عليه عارية ثبت له عليهم بلا ثمن.
وقيل فيمن له ساقية تسقي له مالا وحده وعليها نخل بغيره فطلب له جاره أن يعيره مسقى منها لأرضه فكره ربّ النخل أن يمرّ عليه أكثر من سقي ماله هو، هل له ذلك على صاحب المال؟ قال: لا يقرب أن يعير ذلك غيره، وقد قالوا أيضا: إنّه لا يسقي مالا غير ماله هذا من هذه الساقية إلاّ بإذن ربّ النخل التي عليها، وقيل: لربّها أن يمرّ الماء على النخل أكثر من عادته إن كان لماله الأوّل ما لم تبن مضرّة على ربّ المال أو النخل.
وإن طلب رجل إلى رجل إعارة مسقى وأراد أن يمرّ بالماء في ساقية تمرّ في طريق فلا يسع المعير أن يعيره ولا أن يعينه على باطل؛ فإن أعاره على ذلك لزمه أن يجتهد في (4/19)
صفحة 1604
إزالة ذلك ما وجد السبيل إليه إن قدر عليه، ولا يدع الإنكار لثبوت الحدث، ولا غاية له إلاّ الوصول إلى إزالته، وأن يتوب ممّا دخل فيه وأعان فيه المستعير.
ومن استعار مسقى لثمرة أو خضرة فإن كانت ممّا يحصد كالبرّ والشعير فإلى أن تحصد؛ وإن كانت مثل الرمّان والأترنج فإلى سنة. وكذا القتُّ إلى سنة بعد الجزة الأولى؛ وأمّا الموز فحتّى يأكل الأمهات والأبكار. ومن اغتصب مسقى وخضر عليه صرف عنه إذا قدر عليه ولو هلكت (17) خضرته ويسقيها من حيث شاء. (4/20)
صفحة 1605
الباب السابع
في الاِنتفاع من السواقي والضمان والخلاص منها
وجاز أن يؤخذ الطين من وسط الساقية الجائزة والقائد والحملان إن لم يضرّها، قال خميس: لا يعجبني ذلك، إلاّ إن تعورف من سدّ الأجائل.
ومن أخذ قيل حصى من الطريق أو غيرها فطرحه في الفلج ثمّ أراد إخراجه فوضعه حيث يرى الشحب موضوعا فلا يجد ذلك، واختير له أن يحمله إلى حيث يجوز له طرح ماله فيه. وإن طرح حصى من وعب ثمّ أخرجه اختير له أن لا يجعله إلاّ فيه؛ وإن طرحه فيه لكن في غير موضعه الأوّل كره له؛ قال: وأرجو أنَّه يجوز له؛ فإذا لم يعرفه بعينه اختير له أن يتحرّاه؛ وإن أخرج أكثر ممّا طرحه وهو يعلم مقداره أو هو بعينه، قال: فلا يعجبني أن يخرج إلاّ قدر ما طرحه، ولا يطرحه في غير الموضع من الوعب إلاّ إن كان الوعب كلّه لواحد، ولا فرق في ذلك ولا في مضرّته ولا في نفعه. والساقية إن كانت تمرُّ في بيت رجل وتسقي الآخرين وهي مغمى عليها، فإن خرب السقف أو غاب شيء منه فعلى ربّ البيت إصلاح سقوفه، وعلى أرباب الساقية كنس ساقيتهم؛ وكذا إن أراد ربّ البيت أن يفتح منها موضعا ينتفع به ويغسل منه جاز له ما لم يضرّ أصحاب المجرى.
ومن كانت الساقية في منزله فأراد أن يجعل حجرا في المجرى ليمنع الدواب أو غيرها من الدخول إليه بلا مضرّة تلحق مجراها، فإن لم يضرّ به أصحاب الماء بحبسه جاز له؛ وإن كانت مذمومة فلا يجد أن يفتح فيها بابا ويجعلها مظهرة ولا له أن يذمّ ساقية مفتوحة إلاّ بإذن أصحاب الفلج؛ فإن فعل ذلك فكلّ حدث وقع في الساقية من حدثه فإنّه ضامن له ومأخوذ بردّ ما أحدث من فتح أو دم. (4/21)
صفحة 1606
ومن بأرضه ثغاب فلج فليس له أن يسمها (18) ويزرعها إلاّ إن كانت أصلا له، ولا يجوز له إلاّ بإذن أهل الفلج. وجاز قيل أن يبني على الساقية في أرضه بقدر مغسله أو نحوه من اليسير؛ وأجاز ابن سعيد البناء عليها إن كان وجينها للباني بلا شيء محدود. وإن غرس في بيته شجرا عليها بلا مضرّة عليها لم يضق عليه. (4/22)
صفحة 1607
الباب الثامن
في فتج الأجائل
فمن أراد أن يفتح في ملكه أجالة إلى ساقية جائزة تضرّ الأجالة بأهل الساقية وتسرق ماءهم وكان هو المحدث وطلب أحدهم أن يسدّها عنهم لزمه أن يسدّ الأجالة المضرّة بمائهم، وقد رفع ذلك إلى أبي عبد الله (19) بنزوى وحكم به؛ وإن كانت الأجالة قديمة وقد أحدثها غيره ثمّ صارت إليها لم يلزمه أن يسدّها، وقيل: [94] إنّما له أن يحدث أجالة في جائزة إن أخرجت الأجالة من الجدار أو الحضار، وكذا الساقية السارقة ليس له أن يفتحها في حصن ولا في غيره، والساقية هي التي يشق على أهل المجرى سدّها، وقيل: ليس على أهل الفلج أن يحدث عليهم ساقية على فلجهم إن لم تسبق وكان الحدث أعلى من أجائله كلّها فليس لمن يحدث ذلك على أهله إحداثه لأنَّه مضرّة عليهم.
أبو المؤثر: إن كانت الساقية في أرض رجل وهي له وعليه فيها أجالة لرجل ثمّ بيعت الأرض لأناس أو مات وتركها بين ورثته فقسّمت وأراد كلّ منهم أن يفتح إلى نصيبه أجالة، لم يجدوه، إلاّ إن كانت جائزة، ولكن تكون أجالتهم واحدة ويسقي بعضهم على بعض، ويكون القسم على ذلك، قال: وعندي أنَّه إن كانت لا مضرّة فيها على أهل الساقية في مائهم وإنّما تمرّ فيها، جاز ذلك والجائزة هي التي عليها خمس أجائل فأكثر كما مرّ.
وقيل: إن كانت قرب مال رجل ساقية ففتح فيها أجالتين لجري الماء منها إذا جازت في ماله ويرجع منه إليها فهل له ذلك؟ قال: عندي أنَّه إن كانت لا مضرّة فيها على أهلها في مائهم وإنّما يمرّ فيها، فعندي أنَّه يجوز له. قلت له: أرأيت إن فتح على الساقية وتركه أصحاب الماء ولم يسدّوا عليه مجراه في الموضع ورجع إليها؟ قال: فعندي أنَّه إن كانت الأجالة خارجة وأمكن سدّها لأهل الماء فتركوه فلا بأس عليه في (4/23)
صفحة 1608
ذلك. قلت له: أرأيت إن سدّه أحدهم فهل له فتحه ولم يرد أن يحدر فيه ماء له إحداره فيه؟ قال: لا أحبه له، إلاّ إن كان الماء يجوز له إحداره. قلت له: فإن تركه ولم يسدّه ولم يفتحه فجاء بالماء صبي أو عامل فتركه المحدور له فدخل الموضع فهل له ذلك؟ قال: عندي أنَّه إن لم يتركه قصدًا إلى ضرر وقد جاز له الفتح لم (20) يلزمه ضمان. قلت له: فهل لأصحاب الساقية الساقين منها سدّه لأجل مائهم؟ قال: إن أرادوا سدّه كسدّ مائهم من الأجائل جاز لهم عندي. قلت له: فإن طلبوا صرفه عنهم فهل يلزمه؟ قال: عندي أنَّه إن لم يكن فيه عليهم ضرر (21) كان جائزا ولم يحمل عليه صرف ذلك ويفعل في ماله ما يشاء بلا مضرّة.
وقيل في رجل أراد أن يبدع أرضا له ويسقيها من فلج جاز له ذلك إن أحدث ساقية على أهل الفلج في جائزة بعد افتراق السواقي، وأمّا قبله في الكبيرة فليس لأحد أن يحدث هناك على أهل الفلج ساقية لم يسبق لها حكم. وأمّا الأجائل في السواقي فتفتح بعد خمسة.
أبو المؤثر: لا يمنع بعد أربعة أن يفتح خامسة وبه قال أبو عبد الله. وقيل: ليس لأحد من أهل الفلج ولا من غيرهم أن يفتح أجالة في أعلاه من حيث أدرك الفلج فليس فيها أجالة، لأنَّه لو كان مباحا له لجاز له أن يفتح أجالة في أمِّ (22) الفلج ويخرجها إلى جانب وكان مضرّة على أهله لأنَّه ليس على أهله أن يحدث عليهم أجالة إلاّ من أسفل ما تفترق الأجائل ما لم تضرّ الأجالة المحدثة؛ ولا يجوز له أن يحدث على أهل الفلج ما يضرّهم ويضرّه.
أبو سعيد: إن افترقت ساقيتان من أعلى الفلج واحدة تسقي غربي القرية والأخرى شرقيها وليس من أعلاها من مفترقهما شيء من الأجائل فإنّ كلّ واحدة على انفرادها كالكبيرة في فتح الأجائل؛ وليس لأحد أن يفتح على إحداهما من أسفل من مفترقهما أجالة إن أراد أن يحدث من أعلى الأجائل التي عليها، كما لا يجوز أن يحدث على الكبيرة من أعلى الأجائل على معنى قوله. (4/24)
صفحة 1609
الباب التاسع
في سدّ الماء من الأجائل وحدره
أبو الحواري: وعادة البلد جائزة على ما جرت في حدر الماء من إجالة إلى إجالة وما لكلّ من الآثار في الحدر والرفع ما لم يطلب أحد نقض ذلك فإن طلبه نظر فيه وقت ما تقلّ الأفلاج أو تكثر وجعل للأجائل بقدر ما لا يكون مضرّة على الحادر ولا على المحدور منه في بلوغ الماء في حين ما يكون على الفلج من زيادة أو نقص. وأمّا الذي يسدّ الماء وفي المجرى سيبة فله أن يسدّ ماءه عليها.
ابن أحمد: إن اشترك ثلاثة في بادة اشترى الأوّل من أحدهم أثرا من ماء وأراد أن يجرّه إلى مائه وكره شركاؤه ذلك، قال: يرجع في ذلك إلى عادة البلد في مساقاة هذا الفلج، فإن كانوا يتقالبون ماءه ويسدّ بعضهم من بعض ولم يعقد أنّ له أن يجرّه إلى مائه وكانت عادة أهله أنّ كلّ ماء على أصله لا يتحوّل عنه، فهو على حاله. وكذا إن كانت ساقية رفيعة وأخرى خافقة، فإذا حدر الماء من الرفيعة إلى الخافقة رجع من أسفل إلى أعلى فإنّه يقتفى فيه العادة من سدٍّ أو ترك وجاز لمن يسدّ الأجائل أن يأخذ من طينها وممّا قرب من [95] الطين الذي يشحبه الماء في الساقية. وقيل: إن كانت جائزة جاز الأخذ من طينها لسدّ الأجالة ما لم يتولّد عليها الضرّ منه، وكذا أخذ الحجارة إن اطمأن أنَّها موضوعة لسدّ الماء من الأجائل. (4/25)
صفحة 1610
الباب العاشر
فيمن له مسقى في مال رجل لمال وأراد أن يسقي منه آخر
فمن له ساقية في مال رجل وهي غير جائزة لمال فأراد أن يزيد آخر يسقيها منها وكره ربّ المال أن يسقي منها غير الأوّل فأجاز ابن المبشّر والأزهر بن علي أن يسقي منها ما شاء ولا يمنعه؛ وقيل: لا يجوز له إن كانت غير جائزة، وهو رأي ابن علي. وكذا إن اشترى ربّ القطعة السفلى قطعة أو ورثها أو وهبت له وأراد أن يضمّها إلى الأوّلى ويسقيها فلا يجوز له، وقيل: يجوز؛ وإن كانت الساقية جائزة جاز له ذلك.
أبو سعيد: من له مسقى مال يمرّ على طريق جائز فأراد أن يسقي آخر له من ذلك المسقى فإنّه يمنع منه إذ لا يجوز أن يحدث الأحداث على الطريق من ساقية أو غيرها فوق ما أدركت عليه، لأنّ الزيادة هنا حدث وشدّد في ذلك.
واختلف فيمن يبيع قطعة من أعلى ماله وممرّ مائه فيها ولم يكن لشربه شرط من البائع ولا المشتري، فقيل: ليس له على المشتري مسقى وهو قول أبي الحواري؛ وقيل: للبائع أن يسقي من مسقاه قبل، إلاّ إن شرط عليه المشتري أن لا يمرّ بمائه في ماله؛ وقيل: إن كان في ساقية عشرة أجائل وأراد ربّ (23) السفلى أن يسقي أرضا له أسفل من أرضه ولم يعتد لها شرب من الساقية، فقيل: لا يسقي منها لأنَّه إن كان أسفل فكأنَّه حامل للضرر على من هو أعلى منه؛ وإن كان أعلى من أربع أجائل وهي أسفل منه فله أن يسقي من أجالته ما شاء بلا خلاف، وفي السفلى وثانيتها وثالثتها ورابعها (24) خلاف، فقيل: يجوز ذلك، وقيل: لا، وذلك إن كانت جائزة، وجاز أن يمرّ بماء الزجر في ساقية النّهر، إن لم يحدث في ذلك على غيره حدثا، إذ لا (4/26)
صفحة 1611
مضرّة في ماء الزجر، كان في الأموال أو في المنازل أو الطرق، إلاّ إن تبيّنت أكثر من مسقى الفلج؛ وإن كان مثله أو دونه جاز ــ قال ــ وهو حسن؛ وبعض لم يجزه لأنّ الزجر يدوم أكثر من النهر.
ومن له في ماله على رجل ساقية زجر، فأراد أن يسقي عليه منه، فله أن يحمل في ساقية الزاجرة من النّهر مقدار ما يحمل منها.
ومن له في فلج عال، فأراد أن يطرحه على أخفض منه، فله ذلك، إن كان يطرحه في ساقية لا فلج فيها، ويطرح في ماله أو في براح مباح (25) وإن طرحه في ساقية، وفيها ماء لغيره، وفي طرحه مضرّة على أهله أو عليها أو غيرهما، فلا يسعه ذلك، إلاّ بإذن من ربّ المال والماء والساقية. (4/27)
صفحة 1612
الباب الحادي عشر
في الشرب ومعناه
أبو الحواري: من اشترى من رجل نخلا، واشترط عليه شربه، فأقلعت أو قطعت، فإن قاطعه بماء معروف، كثلث أو ربع نهار أو ليل، ثبت ذلك للمشتري؛ وإن لم يقاطعه بذلك، وكان يسقي له البائع من مائه، فهو بيع مجهول؛ وإن تتماماه على شيء، وإن تناقضاه انتقض، وأخذ البائع أصول النخل، ورجع عليه المشتري بقدر ثمنه وثمن الشرب بما زاد في ثمن النخل والغلّة للمشتري، وذلك إن كان ثمنه بلا شرب مائه درهم مثلا، وبه مائتان ثمّ تناقضا، فإنّه يردّ على البائع أصول النخل، ويردّ هو عليه ثمن الشرب، وهذا إن كان البيع على ما وصفنا، ويحسب على المشتري طناء ما سقى من الماء؛ فإن كان قدّر الثمن فلا يردّ عليه شيئا، وإن كان أقلّ ردّ عليه الفضل، وإن كان أكثر منه، فإن كان طالب النقض هو البائع، لم يردّ عليه زائد الثمن، وإن كان هو المشتري، ردّ على البائع ما زاد على الثمن، كما يطني أهل البلد الماء؛ وإن كان الشرب لنخل انقلع، فلربّه أن يحرث موضعه ويسوقه إليه، أو إلى أرض له أخرى برأي العدول، وله أن يسقي ما شاء فيها أو في غيرها، إذا قطع له شربه برأيهم.
ومن تزوّج امرأة على صداق نخل، فوقع النخل أو بعضه قبل أن يقطع الشرب، فله أن يغرس مكانه وأن يزرعه ويسقيه قبله، وإذا قطع الشرب جاز لها أن تفسل موزا أو نحوه أو حرثا أو غيره.
وقيل: إذا تنازع البائع والمشتري في فضلة الشرب، قبل قول البائع مع يمينه، وعلى المشتري بيان دعواه، والفضلة للبائع وذو الشرب ليس صاروجا.
ومن باع لأحد نخلا وشربها، فقال للبائع: أعطنيه لأنَّه يستحقّه النخل، [96] لم يلزمه له إلاّ شربها الذي لها. (4/28)
صفحة 1613
ابن محبوب: إن كان لصافية شرب على قوم، فإنّهم يزرعونها ما شاءوا من البرّ، لأنّ الميساني يبطئ في الأرض.
ومن له ــ قيل ــ أرض فيها نخل، ولها شرب على رجل آخر، فوقع النخل، فإنّه ليس على من عليه شرب القطعة، أن يسقي أصوله، وهي موضع القلل بعد وقوع النخل، وإنّما لزمه شرب الباقي من الأرض غير أصول النخل.
أبو الحواري: من له شرب نخل على رجل، منه مؤتلف ومنه مفترق في القرية، فمات بعض النخل، فقام ربّه يخلط أجلة النخل، ويزرع ما خرب فيما بينه، فإن كان على الرجل شرب النخل بعينه، فلا عليه إلاّ شرب ما قام حيّا، لا ما سقط أو مات؛ وإن كان هذا الشرب عليه لسهم من النخل، كصداق بشربه ثبت عليه، ولا يكون إلاّ للنخل، فإن فسل مكانه كان عليه شربه، وشرب ما مات وسقط، وجاز لربّه قبل محلّه، فإن أراد زراعة الأرض لم يكن له عليه شربها، إلاّ إن كان لمّا سلّم إليه النخل سلّم إليه شربه ماء مقطوعا فله الماء المسلّم إليه فيسقي به ما شاء وإن غيّر النخل؛ وإن لزمه شرب هذه الأرض لزمه أن يسقي له ما يزرع فيها النّاس في البلد من الزراعات. (4/29)
صفحة 1614
الباب الثاني عشر
في كبس السواقي وبدعها وإخراجها في الطريق
أبو بكر: كبس السواقي والطرق بالتراب جائز إن صلح لها ولا يجوز طرح الحجارة فيها إلاّ بما لا ضرّ فيه عليها في النظر، وقد فعله بعضهم في أيّام المحل لمّا قلّ الماء وصعب عليه النهوض إلى بعض الأموال والأرضين، كبسوا السواقي بالتراب ليرتفع عليها بلا مضرّة على الأسفلين في ساقيتهم.
وحدّ الكبس أن تكون الساقية إذا ردّ عنها الماء لا يتعقّب فيها شيء منه وإذا ردّ فيها فلا تصعب هي عليه لاستوائها؛ وجاز تضييقها فيما عرض منها حدّا بلا ضرر على أحد.
ابن أحمد: جاز للرجل أن يوثق الساقية ويكنسها إن خرجت في ماله بلا مضرّة على غيره لا إن كانت في مال غيره، وعلى هذا يجوز له ذلك برأي أهل المال الثابتة فيه إن لم يتضرر بذلك، الذين يسقون منها أموالهم أو أحدهم.
ابن احمد: من له أرض تشرب من جائزة ثمّ عطلّت لسنين فارتفعت على الساقية فلا يجد كبسها إن كانت بحالها، إلاّ إن انقطعت وخفقت عمّا كانت عليه فله إصلاحها كما كانت.
ومن له - قيل - على رجل مسقى في ماله فأراد أن يصرف ماءه عنه إلى غيره جاز له، ولا يجد الذي عليه المسقى أن يغيّر ذلك ولزمه أن يدعه بحاله، ولا تزول حجّة المسقى إذا غيّره، وللذي ثبت له أن يرفع إليه متى أراد وليس حجّة ربّ المال عليه أن يبرئ منه بحجّة إلاّ إن فعل له ذلك (26) باختياره.
أبو الحواري: من أراد أن يفتح في الطريق الجائزة طريقا أو ساقية جاز له ويصنع قنطرة، فإن وقع فيها أحد ضمنه محدثها وبه قال عزّان. (4/30)
صفحة 1615
وقد اختلف في ثبوت الجائز من السواقي، فقيل: إن كان عليها خمسة أموال، وقيل: أربعة، وقيل: ثلاثة، وقيل: الخلاف في الأجائل على حبسه في الأموال، وقيل: هو في الأجائل مثله في الأبواب ومعرفة الطرق الجوائز من غيرها، وقيل: إنّما ذلك في الأجائل إلى الأموال والأموال على الساقية لا يدخل حسابها في ذلك.
وقيل: في ساقية تسقي مالا لرجل وعليها خمس عواضد كلّ نخلة لرجل أنَّها كالجوائز كما مرّ، وإن كانت الخمس في أصل واحد وكلّ لرجل فهم في حكم خمسة أموال.
أبو الحواري: كلّ أرض بين خمسة عدّت خمسة أجائل، إلاّ إن كانت لا يصلح قسمها كما إذا كانت لا يقع لكلّ منها ما ينتفع به كما مرّ، فإنّها - قيل - تعدّ أجالة واحدة وإن وقع لكلّ منها ما تقوم به نخلة أجبروا عليه وكانت خمسة أجائل، وقيل: كلّ جزء من أرض أو مال أو نخلة يحسب أجالة على انفراده، وقيل: لا يكون حكمه كذلك وإنّه مال واحد ما لم يقسم.
وقيل: إن كانت الساقية حملانا ثمّ رجعت جائزة فبعض يراها على الأصل وأحكام الحملان وبعض يراها جائز أو في حكم الجوائز وإن كانت جائز أو رجعت حملانا كانت جائزا بلا خلاف. (4/31)
صفحة 1616
الباب الثالث عشر
في الشحب وأين يكون (27) ومن يلزم
فإذا نادى مناد بشحب الفلج في قرية وعلم به أهله، فمن تخلّف عنه قامت عليه الحجّة بالنداء إن تعورف ذلك عندهم، لأنَّه ليس على الجباة والقائم بأمر النّاس أن يصل إليهم إلى منازلهم ويحتجّ عليهم في مثل ذلك، وفي الأثر أنّ شحب الفلج على كلّ بقدر ماله منه، إلاّ إن خصّ بعادة جارية على أنّ كلّ من له فيه ولو قليلا [97] فهو كذي الكثير فيه سواء، فهو على أصله المعتاد وإن قدم أهله رجلا في خدمته ونادى مناديه على ما بيننا فحضر بعض أربابه دون بعض فله أن يستأجر عليه بعدل السعر كما مرّ، إن جعل له ذلك والنداء حجّة على المتخلّف عمّا يلزمه المخوف من تخلّفه الضرر على سائر الشركاء؛ وللمقدم أن يستأجر عليه في إخراج ما يلزمه بأجرة مثل العمل في الوقت وهي على المعتاد في البلد في تسليمها من عامل أو ربّ المال، وله أيضا أن يأخذ من مال من استأجر عنه الأجرة ويسلّمها منه بقدر ما عليه؛ وأن ينتصر منه بالعدل إن امتنع من ذلك.
أبو سعيد: جاز - قيل - لجباه البلد من أهل الفلج إذا اجتمع منهم اثنان فأكثر مع حضرهم أن يؤاجر والحفرة إن خيف فساده ورأوه أصلح لهم، فيجوز على جميع أهله حتّى اليتيم والغائب، فإذا دخلوا فيما لا يختلف فيه من ثبوت فعلهم فليس لأحد منهم أن يمتنع من تسليم الأجرة ويأثم إن امتنع.
ولا يسع أخذها من قوم وترك آخرين لأنَّه (28) كالحكم، وعلى الحاكم التسوية بين الخصوم إلاّ إن لم يقدروا على أحد لعذر يعرض لهم فلا بأس عليهم في ذلك، وضمنوا إن حافوا؛ وجبهة الفلج قيل: هم الثقات، وقيل: هم الرؤساء النافذ أمرهم. (4/32)
صفحة 1617
والمجرى إن كان خافقا فلأهله شحبه وحفره على معتاده بلا مضرّة على غيرهم في ذلك، وإن نبت عليه شيء يمنع جري الماء فيه وأضرّ به جاز لمن يشحب الساقية أن يزيله ولا يلزمه أن يحتجّ على صاحبه، وإن احتجّ عليه فحسن.
واختير في الغائب واليتيم أن يحفظ لهما ذلك إن كانت له قيمة.
أبو الحواري: إن كان في الساقية فساد وطلب بعض أربابها إصلاحها دون بعض فإنّهم يجبرون عليه.
ومن احتجّ من أهل الأموال والأرضين أن لا ماء لأرضه وماله لم يعذر، إلاّ إن ترك حقّه من الساقية، فإن رجع طالبا كان عليه أن يسلّم ما ينوبه ويردّه إلى من سلّم وكذا في البئر.
ولمن يشحب الساقية أن يشحب ما يسع جري الماء فإن قطع زرعا أو شجرا من غير مجراه تخلّص منه إلى ربّه.
ومن له - قيل - نخل في فلج لزمه الحفر والشحب. أبو الحواري: ما ذكرتم من أمر الحفّار وما خفتم منه ثمّ أجرتم كلّ يوم للأجير كذا وكذا ولم تشترطوا عليهم تنظيف الطين خوفا من فراغ الدراهم، ولا يخرج الفلج، فإن صلح ذلك لأهل البلد جاز لكم ولا عليكم فيه إلاّ الاجتهاد بما قدرتم، ولا يلزمكم ضمان ما ضاع بلا تضييع منكم؛ وكذا إن أخذتم حفّارا أو دفعتم إليه الأجرة قبل أن يحفروا فهربوا أو غشوكم في شيء لم يلزمكم ضمان ذلك لأنّكم أمناء فيه، ولكم الأخذ من الصغير والكبير كلّ بقدر ما يلزمه من الحفر، فمن أبى أن يعطيه ولم تقدروا على صرف مائه بطنى أو ببيع شيء من ماله، لم يلزمكم ذلك وكان دينا عليه ولزمه التخلّص منه لأهل القرية، فإن قدروا عليه يوما أخذوه منه صاغرا.
فإن وجدتم من يقهره لكم ويأخذ منه ما لزمه جاز لكم أن تدعوه إليه إن كان يفعل فيه ذلك بالعدل من حبس أو غيره، ولا يجاوز فيه حكم المسلمين فإن لم تقدروا عليه وقد أخذتم ممّن قدرتم عليه جاز لكم، إن جعلتم ذلك في صلاح الفلج ولا عذر (4/33)
صفحة 1618
لمن قدرتم عليه عن أداء ما لزمه من ذلك، فمن أبى منه وقدرتم عليه بعد تمام الحفر وأخذتموه صرفتموه في صلاح الفلج متى فسد، ولا يردّ إلى أهل الفلج.
وإن كان الحفّار والأجراء غير ثقات فخانوا في العمل لم يلزم القائمين ضمان فيما خانوا فيه، وإنّما يلزم الأجراء؛ فإن جعلتم عليهم فيما يأخذ من النّاس ما عليهم ويسلّمه إلى الحفّار بكراء جاز له على أهل الفلج إن كان صلاح.
وإن جعل عليهم قيّم ليحثّهم ويأمرهم وينهاهم جاز إن رأى ذلك صلاحا أيضا، فإن جمعتم من أهل الفلج دراهم وحبّا وتمرا وغير ذلك بغصبه الجائر أو سرقه اللّص فلا ضمان عليكم فيه ولا تباعة.
وكذا إن شرطتم على الحفّار أنّ ابتداء العمل في وقت معيّن وانتهاؤه كذلك، وقبلوا ذلك ثمّ دخلوا فيه بعد الوقت وخرجوا منه قبله، فعلى الحفّار ذلك لا عليكم إن خالفوكم.
ومن قال من أهل الفلج: لا أعطي حتّى يخرج الطين كلّه ويعتدل الفلج لم يعذر بذلك.
وجاز أخذ الأجرة حتّى يخرج ويحي البلد وهو من الطاعة لله، ولا تلتفتوا لمن كره ذلك أو تعنّف، واعلموا أنّ كلّ من له مسقى في الفلج فاتّفق الجباة على حفره لزمه أن يؤدي ما عليه من حفره، وإن لم يطلب إليه ولا براءة له منه حتّى يتخلّص [98] منه في صلاحه واحتالوا على القوي والضعيف بما قدرتم عليه في تسليم حفره كلّ على قدر ما يلزمه، ولو مجنونا أو معتوها أو يتيما أو غائبا.
وشراء الفُقُر وأجرة السفة على كلّ من له في الفلج سقي، وجاز أن يزاد فيها للأقوى في الخدمة وينقص منها عن أقلّ منه عملا، وإدخال أجير وإخراج غيره إن صلح ذلك، وإن اختلف الحفّار وأهل الفلج في الأجرة فقال الحفّار: أخذناه منه بألف درهم، وقال أهله: أقلّ من ذلك قبل قولهم، وعلى الحفّار بيان دعواهم وعلى مقاطعيهم اليمين. (4/34)
صفحة 1619
وجاز الحفر بالأجر لكلّ يوم كذا، وإن رأيتم صلاحا في المقاطعة جازت لكم، ولا رجوع للأجير ولا لمقاطعه إذا وقعت ودخل في العمل، إلاّ إن اتّفق الأجراء وأهل الفلج على النقض فيجوز لهم.
فصل
ما جمع من شحب السواقي من الطين والتراب فهو لأهلها كلّهم إن كانوا في الموات؛ إن كان في ملك فهو لربّه ويطرح نصف الشحب إن كانت الساقية بين مالين على كلّ منهما، إن لم تكن فيه مضرّة ولا قيمة له، وإن كانت له قيمة أو لطرحه في المال مضرّة؛ فإن كان المال مزروعا على الساقية لم يكن له أن يضر به ويحتال فيه، وإن كان ما عليها وجينا خرابا وأدرك الشحب يطرح فيه أو لا ضرّ عليه في طرحه، فله أن يطرحه فيه أو حيث لا يضرّ قرب الساقية.
وإن أدرك الوجين كذلك في زراعته مضرّة على الشحاب، فليس لهم أن يزرعوه، فإن كانت الساقية في مال واحد، فهل للشاحب أن يطرح الشحب حيث شاء إن كان لا يضرّه؟ اختير أن يتّبع فيه العادة السابقة فيه، ولو كان المال كلّه لواحد، وهل له أن يستأجر من يشحب هذه الساقية ولو خاف أن لا يتّبع العادة فيه (29)؟ قال: ليس له أن يستأجر لشحب ما يلزمه من شحب الفلج، ولا يأمره بشيء بعينه إلاّ إن أمنه على ذلك، وقيل: إن اعتيد الطرح للشحب في مال من يطرحه فيه فهو على ما أدرك، وإلاّ وكانت في طرحه مضرّة على ربّ المال، لزم الشاحب أن يحتال فيه، وإن لم تكن فيه مضرّة طرحه حيث لا يضرّ به ربّ المال. (4/35)
صفحة 1620
الباب الرابع عشر
في قياس النخل وبيانه
فإن اختلف رجلان في أرض بين نخلتين، فإن صحّ أنَّهما من قطعة واحدة تقايستا إن أخذتا مفاسلهما، وإن لم يصحّ ذلك كان لكلّ أرضها وما عمر لها ربّها. وقيل: إنّ ما بينهما من الخراب فهو بينهما نصفان، وقيل: يوقف حتّى يصبحّ أمره، فإذا صارت الفسلة في حدّ ما تجوز في الصداق أخذت قياسها، إلاّ إن كانت في أصل نخلة تقايس، فلها القياس ولو صغرت أو لم تعش.
ابن المبشر: إن اختلف قوم في القياس بين نخلهم، وكان بين نخلتين ستّة عشر دراعا فأقلّ، فهو بينهما وإن كان أكثر فليس للنخلة إلاّ ثلاثة أدرع، والباقي لربّ الأرض كما مرّ.
وقضى موسى فيمن له في حائط رجل نخلة أو أكثر متفرّقات في خلال نخل الرجل أن ليس لكلّ نخلة منهنّ إلاّ حوضها، ثمّ ردّه عن ذلك علي بن عزرة وقال: لكلّ حصّتها من الأرض تقايس بينها وبين ما يليها، وأما العاضدية فلها من خلفها دراعان من الخراب بدراع وسط، وقيل: بدراع العمرى وهو دراع ونصف؛ وقيل: ثلاثة؛ وكذا في الوجين لا يكون لها ذلك في عمارة ولا في طريق؛ والعاضدية إن كانت على ساقية حازت الوجين كلّه ما لم يقطع القياس، وإن كانت النخلة في أعلى الوجين والأخرى في أسفله فالوجين ولو طال بينهما.
ومن له نخلة تقايس نخلة يتيم أو مسجد أو غائب أو معتوه ولا وكيل له حاضر، فله أن يقسم ما بينهما ويحتاط، ويأخذ أرضه، وإن كان تحت نخلة قرين فالقياس من أصل الكبيرة؛ وإن مات ربّ التي بها القرين بعد أن أثمر القرين، فإنّه يقاس منه لأنَّه صار نخلة. (4/36)
صفحة 1621
ابن قريش: إن كان في حفرة أربع نخلات واحدة منها للمسجد حكم في ذلك على قدر الشركة إذا وقع النخل. وللوقيعة ثلاثة أدرع من كلّ جهة كما مرّ، ولا يفسل فيها ربّ الأرض ولا يزرع ولا يحدث فيها حدثا ما إلاّ بإذن ربّها، إلاّ إن ثبتت النخلة وقيعة في الماضي والأرض تزرع.
خميس: فإنّ عندي لربّ الأرض ألاّ يتبع الأثر السابق إن لم يكن هو البائع لها، وإن وقعت الوقيعة فمحلّها لربّ الأرض [99] وصرمها إن نبت في الأرض لربّها، وإن نبت في جذعها فهو لربّ الوقيعة وعليه إخراجه ولو كبيرا.
وحدّ الجذع ما ظهر من الأرض وما نبت من عروقها، وكربها فيها فهو من أحكامها، وكان لربّها ما نبت خارجا من الأرض فلربّ النخلة.
وقيل: إن كان لرجل في أرض آخر نخل وقائع فأراد أن يسقيها ويجعل لها أجالة، فالوقائع يقتفى فيها ما تقدّم إن كانت تسقى وإلاّ وكانت الأرض تزرع فأبى ربّها أن يزرعها خيِّر أن يزرعها كمعتادها أو يدع ربّ النخل أن يسقيه، وإذا ثبت سقيه ترك له ثلاثة أدرع من كلّ ناحية لمصالحه ما قامت النخلة، وإن كان النخل في أرض لا تسقى لم يكن على ربّ الأرض والمال أن يحدث عليها سقيا لم يتقدّم، وعلى ربّها أن يوصل ربّ النخلة إلى نباتها وجدادها وصلاحها، ولربّ الوقيعة أن يشحبها في أرض كانت فيها إذا مالت، وفي البناء لها بالطين خلاف؛ وإن مات رأس الوقيعة بقي في جذعها صرم يقلّ فلربّها تركها واستغلال الصرم وحكم الشجرة الوقيعة حكم النخلة الوقيعة. (4/37)
صفحة 1622
الباب الخامس عشر
فيما يقطع القياس للنخل، والشجر، والعواضد
وقد اختلف فيه بين النخل والشجر، فقيل: عظيم الساق منه كالتين والسدر والقرط والإثب يقايس النخل، لأنَّه مثلها ويقطع القياس، وقيل: يقطعه ولا يقايسها، ويقايس الشجر أيضا كالنخلة، وقيل: لا يقايس ولا يقطع؛ والفائدة في القياس كما جاء في الأثر أنَّه إن كانت نخلة على ساقية جائز، وقد مرّ أنَّها إن كانت تسقي خمسة أموال لخمسة أملاك فهي جائز، وبين النخلة والساقية أقلّ من ثلاثة أدرع، فالنخلة عاضدية ولها القياس من أعلا وأسفل من وجين الساقية القائمة عليه، والمعنى أنّها تستحقّ الوجين كلّه ممن أعلا وأسفل، ولربّها أن يفسله منهما ما لم تقايسها نخلة أو شجرة أو يقطعها قاطع مثل جامود حاجز بين مالين، أو أجالة تقطع الوجين أو جدارا أو قنطرة عليها طريق، وفي بعضها خلاف في قطعه القياس.
وإن كان في الوجين الكائن فيه هذه النخلة نخلة لغير ربّ الأولى أو شجرة ذات ساق عظيم؛ فأمّا النخلة فلا خلاف فيها ويكون الوجين بين ربي النخلتين نصفين، ويقايس ويوضع الجامود في منتهى النصف، فمن أراد أن يفسل فسح عن الجامود ثلاثة أدرع إن أراد نخلة أو موزا أو رمّانا أو نحوها.
وإن أراد أن يفسل ماء قرط وسدر وأنباء ونحوها من عظيم الساق، فسح ستّة أدرع وفسل إن شاء، وإن كان الوجين أقلّ ممّا ذكرنا لم يجز لهما فيه فسل إلاّ إن تراضيا بينهما على شيء.
وأمّا الساقية الحملان وهي أصغر من الجائز، وهي التي تسقي أقلّ من أربعة أموال أو لأقلّ من أربعة أنفس، فقيل: إنّها كالجائز في حكم قياس النخل والشجر الذي عليها وعليه الأكثر، وقيل: هي في غير حكم الجائز. (4/38)
صفحة 1623
وإن كان في بستان نخل معضدة فيه متطارقة، فقيل: هي في حكم العواضد وتقايس فيما بينها، وقيل: في حكم غيرها، وكلّ نخلتين بينهما أقلّ من سبعة عشر دراعا فيحكم ما بينهما لهما نصفان، وإن كان بينهما من سبعة عشر فأكثر فهو لربّ البستان، ولكلّ نخلة ثلاثة أدرع من كلّ ناحية وقد مرّ الخلف في الشجر.
وقالوا: في العواضد التي تصلها الزراعة والعمارة إلى أصول التي على السواقي، فلها (30) في الأعلى والأسفل قياسها، ولا حكم لها في العمارة عند الأكثر، ولها دراعان في الوجين الخراب، وقيل: ثلاثة، وقيل: لها في العمارة أيضا دراعان.
وإن أراد ربّ الأرض أن يفسل فيها ممّا يلي العاضدية فسح عنها ستّة أدرع وفسل، والعاضد إن كان بين ساقية وطريق تصل إلى أصل النخل فلا قياس بينها، وليس لأربابها إلاّ ما قام عليه جذوعها فإن ماتت نخلة أو قطعت وأراد ربّها أن يفسل مكانها جاز له، وإن كان بين الساقية والطريق وجين وخراب، فللنخل القياس فيما بينهما.
والخلف في نخلة المسجد إن كانت في مال رجل، فقيل: لها القياس كغيرها، وقيل: لها ثلاثة أدرع، وإن كانت له فيه [100] نخلتان متتابعتان، فإن كان بينهما أقلّ من سبعة عشر، لم يجز لربّ المال أن يفسل بينهما على قول، وجاز له إن كان أكثر؛ وإن كانتا في وجين جائزة ولم يقطع بينهما شيء ممّا مرّ، لم يجز الفسل بينهما، ولهما الوجين الذي بينهما والقياس أيضا من أعلا وأسفل، وقيل: ليس لهما منهما إلاّ ثلاثة أدرع من كلّ منهما.
وقيل: إن كان بين ساقيتين وجين (31) وفي أعلاه أو أسفله أو وسطه نخلة، وبينها وبين الساقيتين أقلّ من ثلاثة أدرع، فلها القياس من جانبي الوجين ممّا يليهما لأنَّها عاضدية منهما.
وقيل: إن كان في أحد وجيني الساقية أجالة، وفي الآخر نخل تقايس، فإنّ الأجالة لا تقطع القياس إلاّ من الوجين الذي هي فيه، وفي الآخر القياس حتّى يلقاه ما يقطعه. (4/39)
صفحة 1624
وإن كانت في الوجين نخلة لرجل، وأجالة لآخر، فالوجين كلّه لها ولا شيء لربّ الأجالة بها فيه، لأنَّها تقطع القياس ولا قياس لها.
أبو سعيد: إن ثبتت صرمة على وجين ساقية وأعلا منها نخلة لرجل، فإن صارت الصرمة بحال تصلح للفسالة في نظر العدول، فلها القياس وما لم تصلح لها فلا تقايس.
وقيل: إن العاضدية تسقى من الفلج إن لم ينقصه سقيها، وللصافية القياس فيما يثبت فيه، وليس لقلل النخل من القياس - قيل - ما للنخل ولو كانت مكان نخل سابق ولا لها إلاّ ما يستحقّ أهلها من الأرض وهو ثلاثة أدرع لصلاحها.
فصل
إن اشترك رجلان في فحال نخل، واختلفا فقال أحدهما: نأكله جديا يعني جمارا، والآخر ندعه إلى أن ينضح نباتا، فقيل: إنَّه على الأغلب فيه وعادته فإن عرف بالغيض ولا يصلح للنبات أخرجت ثمرته غيضا، وإن عرف بالنبات ويصلح لتلقيح النخل فهو عليه، وإن لم تعرف له عادة فالنبات أولى من الغيض، ولا يصلح طناء فحال النخل إلاّ إن أخرج نباته من ساعته. (4/40)
صفحة 1625
الباب السادس عشر
في الفسل والإحداث قرب المنازل، والسواقي، والأموال وما يلزم في ذلك
أبو سعيد: من فسل في ماله فسلا فأشرف خوصه على مال جاره، فإن كان يضرّه وقد أحدثه هو فما تولّد من فعله من ضرّ لزمه صرفه عنه وإن لم يطلبه منه.
وأمّا العروق فلا قائل بصرفها إن دخلت في أرض الجار.
وإن أراد بدع أرضه جاز له صرفها أو قطعها منها إن نوى في بدعه لها حاجة ومصلحة له فيه لا لأجل الضرّ بجاره بقطعها.
وإن استخرج عروقا من أرضه باطنة فهي له والظاهر المتّصل من الشجرة إلى أرضه من العروق لربّ الشجرة.
واختلف فيمن أراد أن يفسل أو يزرع قرب الجائزة أو الحملان، فقيل: يترك الوجين ثمّ يفسل، وقيل: ذراعا عن جري الماء، وقيل: ما لم تدخل النخلة أو الشجرة أو الزرع الساقية، ويمنع جريه فله ذلك ولو عاشت بماء أرباب الساقية.
وإن مالت نخلة أو شجرة عليها ومنعت جري الماء أو أضرّت بالشاحب أو التابع للماء صرف الضرّ.
ومن له أرض قرب أرض رجل أو منزله وأراد أن يحفرها فإنّه يترك منها بقدر ما يرى العدول أنَّه لا يضرّ بحفره أرض جاره أو منزله (32)، وقيل: إن أراد أن يعمّق في أرضه دراعا ترك منها دراعا، وإن أراد دراعين ترك دراعين، وإن أراد أكثر منها ترك ثلاثة، ثمّ يحفر فيها ما شاء إلاّ إن نظر العدول أنّ الأرض تنهام، وإن ترك الثلاثة لا يمنع الضرّ عمّا ذكر فهناك لا يجوز أن يضرّ بجاره.
ومن بدع أرضه وألقى التراب قرب منزل جاره حتّى علاه وكان من طلع التراب نظر المنزل، ففي الحكم أنَّه إذا وضعه في أرضه فلا عليه، ولا يحكم عليه (4/41)
صفحة 1626
بصرفه، وفي معنى حقّ الجار لا نحبّ له أن يضرّه في شيء، ولا يجوز وضع هذا التراب في صافية أو مال مسجد أو يتيم، أو غائب، ولا في مال أحد بلا إذنه إلاّ إن كان في وضعه صلاح لهؤلاء ولا مضرّة عليهم فيه.
ومن جعل ميزابا لسطحه على ماله أو مال من أذن له، فعند المطر يتعدّى الماء من مال من ذكر إلى مال غيره، فلا حجّة على المحدث للميزاب.
وقيل: إن مالت شجرة يتيم على مال رجل أو منزله وضرّت به فإن كان له وصي أو وكيل احتجّ عليه في صرفها عنه، وإلاّ فله صرفها بنفسه على ما يجب له عند الحاكم بالحقّ، ويقوم هو مقامه في الجائز له عند عدمه، وإن وجده رفع أمره إليه، وإن قطع ماله قيمة من شجرة اليتيم أو نخلته لزمه حفظه له.
ومن غرس في ماله غرسا ومال على ساقية أو طريق، أو مال غيره، لزمه صرفه ولو [101] لم يطلب إليه وما لم يحدث بنفسه ولا بأمره، فحتّى يحتجّ عليه في صرفه.
وإن أراد سفرا بعيدا أو احتضر لزمه الإيصاء والإشهاد بصرف ما تولّد من حدثه من ضرّ.
وإن فسل في ماله وترك الفسح الشرعي لم يلزمه ذلك؛ وإن باعه أو وهبه أو كان بينه وبين شريك فزال إليه، فلا عليه فيما زاد بعد ذلك، وعلى من انتقل إليه القيام بما يلزمه فيه، لأنَّه يصير فيه كواحد من المسلمين؛ وإن غاب وعلم بتولّد الضرّ لزمه أن يأمر بصرفه إن قدر عليه، لا أن يسأل عن ذلك إلاّ إن صحّ عنده.
وإن مال فسله على صافية أو مال مسجد لزمه صرفه، ولو كان بأيدي الجبابرة خوف تولّد الضرّ، وكذا في أيّام العدل.
وإن مالت شجرة على مال رجل أو منزله أو أرضه، لم يحل له ثمار ما أشرف عليه من أغصانها، وله أن يعزل عنه ما دخل في أرضه أو داره (33) إن شاء، وإن شاء قطعه لأنّ له أرضه وسماؤها.
وكذا إن مالت على الطريق لا يحلّ لأحد ولو فقيرا أن يأخذ من ثمارها إلاّ بإذن ربّها. (4/42)
صفحة 1627
وقيل في شجرة أو نخلة على حدّ بين مالين لرجلين أنَّها إن كانت في وسطه فهي لهما معا إن كان الحدّ لهما، وإن كانت لأحدهما فمالت على أرض الآخر، فإن مال الخوص أو الأغصان فيؤخذ رمح أو نحوه، ثمّ يمضي على الحدّ ويرفع الرمح أو نحوه، فما سدع من الخوص والأغصان داخلا في أرض الآخر، قطع وإن مال رأس نخلة جعل حبل في حجر ثمّ ربط في قبّة النخلة، فإذا سقط الحجر في أرض الرجل قطعت النخلة.
وكذا إن مالت على الطريق وقد تكون مخوّفة على الأموال والمنازل والطرق والمساجد ولو لم تمسّها ولم تدخل فيها، فتلك لا تقطع إلاّ إن كانت تنصدّع الأرض من تحتها، فإن انصدعت وخيفت قطعت.
وكذا الجدر إن مالت وأخوفت يؤمر صاحبها بطرحها، فإن انفلقت من عرض فهي مخوّفة، وإن انشقت مصعدا من الأرض إلى السماء ولم تنفلق منها ولم تمل لم يؤخذ بها ولم تطرح.
وكذا المنازل إن أحدث فيها الكنف تصرف أدية رائحتها، ولا يوضع على الجدر سماد ولا تراب يضرّ من مسّه.
وكذا التنّور إن التزق بمنزل وخيف منه ضرّ من النّار على جدر أو شجر أو نخل.
ومن أراد أن يفسل نخلا قرب جدار فسح عنه ثلاثة أدرع، وقيل: دراعان، وقيل: دراع؛ ويفسح عنه للزراعة بقدر ما لا يضرّ الماء الجدار عند العدول.
وإن نبتت شجرة في مال رجل وأشرفت أغصانها على مال آخر ومات ربّها وثبتت في أيّامه وخلّفها لورثته، فإنّها لا تزال إلاّ إن صحّ أنّ حدوثها باطل، وقيل: إنَّه يصرف ولا يثبت ما دخل في هواء أرض الجار بموت ربّ الشجرة ولا النخلة، ولا ربّ المال والمنزل المشرفة عليه.
ومن حشى - قيل - كرمة في أرض غيره ولم يظهر منه نكير ولا تغيير إلى أن مات ربّ الكرمة ثبت لوارثه على ربّ الأرض ما ثبت، ويصرف ما زاد منها بعد موته؛ (4/43)
صفحة 1628
وإن ضاع عمّار هذه الكرمة فلربّها تجديده على ما كان، ولو كره ربّ الأرض ولا يزيد على ما كانت عليه قبل، وإن ماتت وأراد الوارث أن يغرس كرمة أخرى ويحشيها مكانها، لم يجده في أرض غيره، وإن اختلف ربّها وربّ الكرمة قبل قول من أصلها في أرضه أنَّها له، وعلى من حشيت في أرضه البيّنة.
وإن أشرفت شجرة على أموال أو طريق وهي مشتركة بين غائب وحاضر حكم الحاكم على الحاضر بإزالتها.
ومن اشترى من رجل منزلا أو مالا أو غيره وعليه مائلة مخوفة، وقد علم بذلك فأراد صرفها عنه لم يجده، ولا يلزم ربّ المائلة إزالتها إلاّ إن لم يعلم المشتري أنَّها مضرّة عليه.
أبو مالك: إن دخلت على قوم في مالهم نخلة ورأى العدول أنَّها مخوفة فعلى ربّها قطعها عن مالهم إن خيف وقوعها على شيء منه، فتضرّه وللحاكم أن يأمر بصرفها عنهم، ولا يجدر بها أن يوكيها في أرضهم إلاّ بإذنهم. (4/44)
صفحة 1629
الباب السابع عشر
في الطرق وحريمها ومعرفة ضروبها
فالطرق على سبعة ضروب: محجّة، وجائز، وقائد، ومقطوع، ومرفوع، وحملان، وتابع.
فالمحجّة: الطريق السلطاني الخارجة من البلد إلى الصحراء وهي الموات من الأرض، وحرائمها أربعون دراعا سوى المحجّة نفسها، وهي: المأثورة وإن كانت تتفرّق طرقا، فالقياس من آخرها من كلّ جانب أربعون (34)، وقيل عشرون. وهكذا صفة افتراق الطرق، فالقياس من الجوانب لا من أوسط الطريق.
والجائز هي: الكائنة لخمسة أموال أو بيوت (35)، وقيل: لأربعة، وقيل: لثلاثة، واختلف في درعها فقيل: ثمانية، وقيل: ستّة؛ ويروى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إذا اختلفتم جعلت سبعة أدرع»، وإن أدركت في موضع أكثر من ذلك فهي عليه لا تنقص [102] عنه بلا خلاف.
والقائد هي: التي تخرج من الخراب وتدخل في عمران البلد، ثمّ تخرج منه إلى الخراب ولا تموت في شيء من الأموال، فحكمها لمنافع النّاس ولا يجوز تغييرها عن حالها لأنَّها كالصوافي الثابتة فيئا للمسلمين لا تتحوّل.
والمقطوع هو: مالا ينفذ إلى جائز ولا إلى خراب من ظاهر أو واد أو شرجة، ويكون جائزا إن كان لخمسة ممّا مرّ؛ وحملانا: إن كان إلى ثلاثة فأقلّ.
والمرفوع هو: ما صحّ أنّ أهل المنازل أو الأموال أخرجوه لمنافعهم جميعا، ولو قلّت المنازل والأموال، وليس لأحد أن يحدث فيه فتح باب ولا غيره، ولو كان من أهل المنزل أو كانت المنازل أكثر من خمسة بيوت إلاّ بإذن أرباب الطريق، ولا غائب فيهم ولا يتيم، ودرعها على ما وضعوها من قليل أو كثير. (4/45)
صفحة 1630
والحملان هي: الكائنة لثلاثة أموال أو بيوت فأقلّ كما مرّ، فإن كانت للبيوت فدرعها أربعة، وإن كانت للأموال فثلاثة.
والتابع هي: الكائنة لتابع الماء ودرعها دراعان.
فهذه صنوف الطرق ومعرفة أسمائها ودرع حريمها. وبالجملة فالطريق إن خرجت من قرية فلها من كلّ جانب أربعون دراعا لحريمها، وقيل: لكلّ جانب عشرون غير نفس الطريق، ولا يجوز لأحد أن يحدث فيها ما يضرّ بها وبمن يمرّ فيها، وطريق القرية - قيل - ثمانية أدرع، وقيل: سبعة، وقيل: ستّة؛ وإن وجدت في موضع أكثر فهي بحالها، وطريق المنازل والمقابر والآبار أربعة أدرع، وطرق الأموال والمسجد والمطاهر ثلاثة، وقيل: طريق المسجد كتابع الماء دراعان والثلاثة أحسن. (4/46)
صفحة 1631
الباب الثامن عشر
في الأحكام في الطرق (36)
أبو الحواري: من له منزل في مال رجل وهو يدّعي طريقه فيه وربّه ينكره، فالبيّنة على مدّعي الطريق إن وجدها، وإلاّ فله يمين على ربّ المال إن طلبها منه على صفة دعواه.
وإن لم يدع عليه طريقا فيه وطلب منه أن يخرجه له إلى منزله حكم له به (37) عليه إليه برأي العدول، من أقرب موضع إليه.
وقيل: إن كان لرجل باب من داره إلى دار رجل آخر، فأراد أن يمرّ من داره من الباب، فأبى ربّها، فلا يحكم لربّ الباب (38) على ربّها بالطريق لأجل الباب، ولا حكم للباب فيه إلاّ إن صحت له بيّنة أنّ له طريقا على ربّ الدار، وإن جاء بشاهدين أنَّه يمرّ فيها من ذلك الباب فإنّه لا يستحقّ بهذه الشهادة شيئا، إلاّ إن شهدت أنّ له طريقا ثالثا ولو لم يحدوها.
وطرق المنازل كما مرّ أربعة أدرع، وإن أقرّ في بيته بحملان فلا يثبت له طريق أصل، وله ما أقرّ له به، إلاّ إن شهدت له عادلة بالأصل، وإن صحّ أنّ والده أومن اشترى منه المال كان يسلك عليه فيه إلى هذا المنزل ثبت عليه ذلك؛ ولو لم يكن يدّعيه ادّعاء، وما لم يمت السالك فلا تثبت حجّة الطريق؛ وكذا في المسقى؛ وإن مات السالك أو ادّعى المدّعي هذا مع فعله في السلوك، فهذا لا يغيّر ذلك عليه ولا ينكر عليه، فإنّ ذلك يثبت كانت دعواه أنَّه له أو وهبه له أو بائعه أو أقرّ له به أو غير ذلك من موجب الحقّ، وإن لم يغيّر عليه ثبت عليه.
وقيل: من اشترى أرضا أو منزلا أو مالا وله طريق معروف، فله أن يتطرّق لذلك حيث ثبت له على سبيل ما أدرك الطريق، ولو لم يشترط عند البيع طريقا، وقيل: لا يثبت له إلاّ بالشرط عنده؛ وكذا المسقى. (4/47)
صفحة 1632
فإن اختلفا في ذلك وكان الضرّ على المشتري في قطع الطريق أو على البائع في إثباتها فسد البيع إلاّ إن أتماه.
وإن كان لمنزل ثلاثة أو أقلّ طريق لم يجز لأحد أن يفتح بابا إلى الطريق إلاّ بإذن أرباب البيوت، واختلف في الطريق أو المسقى إن كان لمالين أو منزلين وافترقا وصار الشركاء من الخمسة فصاعدا، فقيل: إنّهما إن كانا ممّا يقسم بينهم، فإنّه يكون جائزا، وجاز فتح باب أو أجالة عليه؛ وقيل: لا يجوز ما شاع المنزلان أو المالان ولو حدثت فيهما الشركة من إرث أو شراء أو غيرهما، وإذا وقع القسم جاز وقيل لا يصير الطريق أو المسقى جائزا بحلول الشركة فيهما وهما على حكمهما الأوّل.
وإن كان على طريق أو مسقى خمسة أموال أو منازل فجمع ذلك رجل وصار الكلّ له، فإنّ حكمه جائز على الأصل ولا ينتقل إلى الحملان بعد كونه جائز بلا خلاف.
وإن اقتسم قوم بستانا بينهم وأفردوا لكلّ طريقا معيّنا عند القسم، فأراد بعضهم أن يفتح على طريق الآخر أجالة لم يجده إن لم يسبق، ولم يشترط عنده، وقيل فيمن مدخل بيته من باب وممرّه على بيت رجل فطلب منه (39) أن يخرج له أربعة أدرع لممرّه، فقال له: أجعل لك مثل الباب الذي يدخلان منه لبيتهما وعرضه ثلاثة أدرع: إنَّه إن ثبت له الطريق إلى منزله بعادلة أخرج له أربعة أدرع، ولوكان الباب أقلّ منها أو أكثر لأنَّه قد يكون مضيّقا، وقد يكون موسّعا.
وقيل: إذا [103] صحّ لرجل أنّه يسلك في أرض رجل إلى ماله أو منزله أو إلى المسجد أو السوق أو غير ذلك، إلى أن مات فطلب ورثته أن يسلكوا حيث يسلكوا حيث يسلك والدهم، فلهم ذلك، وإن صحّ لهم طريق معيّن ببيّنة فهو في مكانه وإن شهدت به بلا تحديده وتعيينه، فلربّ الأرض أو المال أن يخرج لهم مسلكا حيث شاء من ذلك ممّا لا مضرّة عليه ولا عليهم.
وقيل: من له نخلة أو شجرة في منزل رجل وتمرتها تحتاج إلى نبات وصلاح وحصاد، وربّها يطلب طريقا إليها، وربّ المنزل ينكره، فقيل: إن جرت لها عادة (4/48)
صفحة 1633
معروفة من قبل فحكمها عليها وإلاّ كلّف ربّها بالبيّنة على طريقه فإن لم يقمها فلا يمنع من الوصول إلى تمرتها ما لم يحكم عليه بإخراجها بوجه، فإن شاء أوصله إلى القيام بها وإن شاء قام له به.
وقيل: إنّ النخلة إذا كانت في بستان رجل وسط نخله فأنكر أن يكون عليه طريق أو مسقى، فإن عرفت النخلة أنَّها تشرب من معلوم من قبل فللآخر ما للأوّل في سقيها والإيصال إليها، وإن لم يعرف ذلك لها وادّعى ربّها المسقى فعليه البيان إن وجده وإلاّ فله اليمين على ربّ المال. وإن انتقلت إليه النخلة من عنده في وسطه سقاها الأخير وجاز إليها من حيث يفعل الأوّل ذلك لها، إلاّ إن ادّعى أنَّه شرط عليه أن لا مسقى لها عليه فإنّ الأيمان بينهما.
وإن انتقلت إليه النخلة بالقسم فأنكر له الشركاء المسقى أو الطريق، فإن شاؤوا أتمّوا له ذلك من حيث سبق لها وإلاّ نقضوا القسم.
وإن أقرّ صاحب المال أنّ لها مسقى لا طريقا ولا يصل ربّها إليها من جائز ولا من خراب ولا من واد أو شرجة ولا من موضع ما بحيلة، فإنّه عليه إليها في مسقاها كذا عن أبي علي.
خميس: والذي عندنا ورأيناه من الفقهاء أنّ من له أرض معمورة بين أرضين فضل طريقها فإذا صحّ حكم له به بأخذه بثمنه من تاليته ثمّ من تاليته إلى أن يخرج إلى أرضه من الطريق، فإن ادّعاه في معلومة ولم يكن له من الأصل، فلا يحكم له به على النّاس ويطلب طريقه ممّن منعه منه.
ومن له مسقى - قيل - (40) في أرض رجل فطلب إليه طريق لسماده وحمل ترابه على الحمير، فلا يحكم له بأكثر من التابع وهو دراعان كما عرفت، إلاّ إن صحّ له أكثر من طريق التابع، وليحمل سماده وتمره على رؤوس الأجراء والعبيد.
أبو علي: من أقرّ بساقية لرجل في ماله وأنكره الطريق عليها، فإنّه يحكم له إن لم تكن له حيلة إلى الوصول إلى ماله أن يمرّ في الساقية، وقيل: يكون له ذلك بالثمن. (4/49)
صفحة 1634
ومن باع - قيل - قطعة من ماله بين قطع ولم يشترط لها طريقا ولا مسقى، فالبيع تام وتشرب من مشربها (41) عند الأوّل، فإن كان يفجر لها من أرضه لا من معروف فلها أن تسقى من معتادها، فإن اعتاد سقيها من ثلاثة مواضع أو أكثر فهي للمشتري كذلك، ويسقيها من حيث شاء منها (42) ولا يقطع عليه البواقي؛ وأمّا الطريق فإن اعتيد لها طريق فهو لها، وإن لم يتقدّم لها فالوقف فيها.
وقيل: إنّ الطريق ثابتة على حالها، ومن له طريق تابع في مال غيره فلا يجد أن يمرّ فيها في غير وقت الماء، وقيل: في طريق التابع إن عرف الساقية على أحد الوجينين فالآخر تابع للأوّل، ولا حجّة لصاحب الوجين الذي عليه الطريق إن أدرك كذلك، ولا طريق على أصحاب الآخر إلاّ بحجّة توجبه عليهم، وإن لم يعرف للساقية طريق كان لأصحابها في الوجينين بالحصص، إن كانت في الساقية أجائل أو كان الماء إذا سدّ من الأجالة الماضية فيها يسبق السادّ إلى الأجالة الأخرى إذا مرّ في الطريق الجائز أو في مباح.
وإن سلمت الساقية من الأجائل، وكان ربّ الماء إذا سدّه من الساقية ومضى إليه من مباحة أو جائز لا يسبقه الماء إلى الأجالة السفلى، قال: فلا نعلم أنَّه يحكم على أصحاب الوجينين بشيء في هذا.
ومن أراد أن يبني على ماله جدارا ترك للتابع دراعين، وإن لم تعلم في أحد المالين بينهما الساقية طريق فعلى كلّ منهما أن يدع له ذلك احتياطا.
واختلف في الطريق إن كانت الأجائل كلّها في وجين من الساقية، فقيل: إنّ الطريق تكون في الوجين الذي فيه الأجائل، وقيل: في الوجينين معا إن لم تعرف في أيّهما معا.
وإن لم يكن للمسجد طريق فعلى من بقربه أن يخرج له طريقا من أرضه بالثمن من أقرب موضع إليه من مال المسجد إن كان له، وإلاّ فمن بيت المال. (4/50)
صفحة 1635
ومن أراد أن يبني على ماله وعليه فيه طريق لتابع الماء، فإن شاء أخرج له دراعين خلف الجدار، وإن شاء جعل له بابا للدخول وبابا للخروج وعرضه دراعان وطوله قدر مالا يسدع القائم الطويل، ولا يجوز أن يجعل له قفلا.
ومن له في مال غيره طريق تابع لماله فبنى فيه منزلا فلا له إلاّ طريق التابع.
وإن كان في منزل رجل أو ماله نهر وعليه البناء، فإن لم تكن في داخل البناء أجالة فلا يحكم له بطريق، وإن احتاج إلى الشحب فعلى ربّ المال أو المنزل إيصال أصحاب النّهر إليه. (4/51)
صفحة 1636
الباب التاسع عشر
في الإحداث في الطرق وصرف المضار عنها
وقد روي عنه صلّى الله عليه وسلّم: «ملعون من آذى المسلمين في طرقاتهم»، وأيضا: «من ضيّق طريقهم فلا جهاد له». الشيخ عثمان حفظت: «أنَّه يؤذي في الطريق ما يؤذي في العين»، وكذا المسجد، قال: ولا تجوز الإحداث [104] في طرقهم ولا في هوائها، لأنّ لكلّ حدّ من حدود البقاع التي يملكها بنو آدم أو المساجد أو الطرق من السابعة إلى سماء الدنيا ماله.
أبو علي: عن بعض الفقهاء من سقف على جائز لا يضرّ بالركبان على أرفع الدواب المركوبات قائما فوق الحمل عليها، فلا بأس عليه في ذلك، وللحاكم أن يأمر بصرف المضار عن الطرق، ويقيم لذلك قائما به ويحجّر على النّاس أن يضرّ بعضهم بعضا، ولمن يقيمه الحاكم أن يحبس من امتنع من صرف الأذى عن الطرق من محدثه بلا علم الحاكم، ويقبل قوله عنده في رفعه إليه وأنّه احتجّ عليه فلم يزله، ولا يحتاج الحاكم في ذلك أن يحتجّ على المحدث مرّة أخرى إن جعله لمثل ذلك من الأحكام إن كان ثقة يبصر عدل ما جعل له. ولا يجعل الحاكم لذلك ثقة مأمونا عليه.
وكلّ جدار أو نخلة أو شجرة مالت وإن ببعضها في أرض قوم فإنّ ذلك يصرف. وكذا من أحدث في هواء الطريق كما ما في جداره أو أشرع جناحا أو غماء على الطريق أو متعابا من منزله عليه، فإنّه يؤخذ بصرفه حتّى يأتي بشاهدين أنَّه قد سبق له فيه حجّة ثابتة، وأنَّه اقتفى ما يستحقه من ذلك، وإن مات المحدث لذلك فلا يصرف حتّى يشهد عدلان أنَّه باطل، وإلاّ فهو بحاله وإثمه على من وضعه (43) إن كان بغير حقّ. (4/52)
صفحة 1637
فصل
لا يجوز أن يحدث في الطريق ساقية ولا نفقاء (44) تحتها من مال إلى مال، وإن لم يكن في الوقت تولّد ضرّ على الطريق، ولكن خيف إثبات اليد، وقد جاء الخبر عنه صلّى الله عليه وسلّم باللّعن كما، مرّ وما لعن عليه فهو كبير.
وكلّ ما سبق من الأحداث في مثل ما يحدث في الطرق وغيرها ومات من أحدثه، فقد توقّف الأكثر من الحكّام عن صرفه.
ولا يجوز لأحد إحداث في الجوائز في أرضها ولا في سمائها، وكذا لا يحدث إلى جنبها كنيفا ولا تنّورا يخاف منه الضرّ بالنّار، وكلّ هذا مرفوع عن النّاس أيضا إذا طلبوا رفعه، وقد أحدث إليهم وما سبق من ذلك فإنّه يرفع عنه ما أحدث عليه من الضرّ، وللحاكم أن يأمر بإصلاح الطرق وإن لم يرفع إليه.
وإن جاز بين أموال من نخيل وزراعات طريق أخذ كلّ بإصلاح ما يحاذي ماله منها من تواليه، وعلى أهل كلّ جانب إصلاح نصفها ولو واسعة إلاّ إن كانت من غير القرى، فلقائم بإصلاحها ثوابه؛ وقيل: إصلاح التي بين القرى على المسلمين في بيت المال إن كان، وإلاّ فعلى أهل البلد لا على أهل الأموال خاصّة.
وكذا إصلاح القناطر على أهل البلد، وقيل: على أهل القرى عمارة طرقهم الجوائز ومساجدهم وأفلاجهم، وعلى أهل كلّ محلّة عمارة مسجدهم وأمّا عمارة الجامع فعلى جميع أهل القرية؛ هذا إن لم يكن له مال يعمّر به.
وقيل: من أحدث في جائز ما يقطعها فإنّها تخرج كما كانت ولو مات، وليس قطعها كالإحداث عليها؛ ومن أحدث عليها حدثا لا يضرّها به ويضرّ أحدا بخصوصه فعليه إزالته عنها وعن غيرها ولو أضرّ واحد فقط.
ومن استأجر - قيل - أجيرا يحمل له ترابا أو سمادا أو غيرهما فطرحه في الطريق، فإنّه يؤخذ بصرفه عنها أجيره، وإن أمره هو بطرحه فيها جاز أخذ كلّ منهما به. (4/53)
صفحة 1638
وإن وقع جدار غائب أو يتيم على الطريق احتجّ على وكيله إن كان له، وإلاّ ولا وصيّ أقام له الحاكم وكيلا يحتجّ له إن كان له عذر، وإلاّ أخرج من مال من هو له بأجرة أوسط، وأخرج الجدار من الطريق.
وإن كان له قيمة أخرج منها، وإن لم يكن لربّه مال ولا قيمة له فعلى الجماعة إصلاح طرقهم، فإن أخرج بحاكم جعل في أقرب إليه ولا ضمان فيه.
ومن احتسب فيه فعليه وضعه في مأمنه، وإن أحدث عبد في الطرق حدثا احتجّ على مولاه، فإن كان له ما يزيل عنه حجّة الحدث فذاك، وإلاّ أخذ بإزالته عنها، فإن فعل وإلاّ حبس حتّى يزيله.
وقيل: حدث العبد متعلّق برقبته، فإن غاب سيّده وخيف هربه استوثق منه بالحبس إلى أن يحضر ربّه فيحتجّ عليه؛ فأمّا أن يفديه من جنايته أو يأذن ببيعه فيها؛ وإن غاب حيث لا تناله الحجّة أقام الحاكم له وكيلا يدفع عنه ويسمع له حجّته، وأنفذ الحكم بما صحّ عليه واستثنى له حجّته إذا حضر.
وإن وجد الحاكم في الطريق حدثا ولم يعلم أحدث بعدما كان حاكما أو قبله، فالحدث حين يوجد فيها يؤمر بإزالته إن كانت الطريق لا تملك، حتّى يصحّ أنَّه حدث بحقّ.
فمن أحدث في الطرق حدثا (45) ثمّ رفع إلى الحاكم فصحّ عنده حدثه ثمّ مات قبل أن يحتجّ بما يثبت به حدثه أو احتجّ بأنّ ذلك له ولم يأت ببيّنة، وطلب التأجيل فيها ثمّ مات وطلب إلى وارثه أن يخرجه، فقال: إنّ محدثه مات هو وحجّته فإنّه في مقامه ويحتجّ عليه، فإن أتى ببيّنة وإلاّ أخرج الحدث إذا صحّ أنَّه في طريق المسلمين.
أبو سعيد: إن أحدث فيه الصبيان حدثا احتجّ فيه على آبائهم أو أوصيائهم ويخرج من أموالهم، وقيل: لا يلزمهم ذلك فيها بل هو على عواقلهم.
وإذا علم الحاكم حدثا في الطرق قبل أن يكون حاكما، فإن كان ممّا يمكن كونه حقّا فلا يتعرّض له بلا أن يرفع إليه فيحكم فيه بعلمه أو ببيّنة، وإلاّ وكان باطلا لا ريب فيه أنفذ فيه حكمه به. (4/54)
صفحة 1639
وليس الطرق كالأملاك إن شاء أهلها طلبوا وإن شاء تركوا، [105] وقيل: على الحاكم إزالة ما أحدث حين كان حاكما، وإن وجد في الطريق ترابٌ لا يدرى من طرحه فيها ولا لمن هو، فقيل: إنَّه يفرق في مصالح الطرق أو في موضع منها إن لم يضرّ.
وإن وجد فيها سماد، وقال رجل: إنَّه لنا لزمه إخراجه كلّه، حتّى يصحّ أنّ بعضه لغيره، وإن قال: هو لي ولفلان، أخذ به هو، لأنَّه مقرّ به ومدّع بالشركة فيه، حتّى يصحّ دعواه، فإذا صحّت الشركة بعده وبعد إخراجه، فله على شريكه منابه من الأجرة.
وينكر على من يطرح في الطرق السماد ويشدّد عليه، وإن احتجّ أنّ فيها مطر للسماد فلا حجّة له بذلك، لأنَّه ليس فيها مطرح له إلاّ بعادلة، أنّ هذا الموضع مطرح لسماد فلان وليس من الطريق.
وسئل محمّد بن إبراهيم مؤلف بيان الشرع، عن أهل بلد خافوا أن يدهمهم اللّصوص، فهل لهم أن يضيّقوا الطرق في وسط القرية تحصّنا عنهم؟ فقال: إذا ضيّقوها قدر مالا يضرّ بالمار فيها، جاز إذا لم يكن به حجّة لآت بعد، ويقول: هذا حدث سبق فلا يخرج من الطريق؛ فإن لم يخافوا ذلك وضيّقوها وقت محاربتهم، وانكشف العدوّ عنهم، فليخرجوا الحدث من الطريق، لئلاّ يكون حجّة ويثبت أبدا في طرق المسلمين؛ وإن أرادوا أن يضيّقوها أبدا، لم يجز لهم أن يحدثوا فيها ما لم يكن فيها؛ وكذا إن دهمهم العدو في بلدهم جاز أن يرموهم بالحجارة، ولو وقعت في الطرق أو الجدر أو المنازل، ويقاتلوه كما أمكنهم، قال الله تعالى: {وأعدّوا لهم ... } الآية (سورة الأنفال: 60)، إلاّ أنَّه إن حدث من رميهم كسر وإن في جدار، أو متاع، أو جرح أو قتل في ناسهم، فعليهم الغرم والأرش والديّة وذلك خطأ؛ فإذا أرادوا الرمي نادوا في النّاس أن يتنحّوا عنه، وقالوا لهم: من كان مجبورا أو أسيرا فلينج بنفسه، فمن أصيب بعد من غير المحاربين، فأرشه وديّته في بيت المال إن أمرهم الإمام بذلك، وإن لم يكن لهم وحاربوا دون بلدهم فذلك على عواقلهم؛ وأمّا الكسر في الجدر (4/55)
صفحة 1640
والأواني، فمن عرف شيئا من فعله فليتخلّص منه، وما لم يعرف محدثه فلا يلزم أحدا، إلاّ إن طلبه من أحدث عليه، فيلزم كلّ من حضر الحرب.
فصل
اختلف فيمن أخذ من الطريق شيئا يسيرا، وزاد مثله أو أكثر منه من الجانب الآخر، فقيل: يجوز له، وقيل: لا.
والطرق الكائنة في الأودية في القرى المستطيلة في الأودية طولا وعرضا، وهي غير ثابتة في معيّن، فمن أراد التطرّق فيها اعترض الوادي أو مشى فيه، وربّما يظهر في بعض المواضع مأثور، وفي بعضها لا يستقر الطريق؛ ولا المجيء والذهاب في معروف، فإنّ مثل ذلك (46) يكون طريقا، ولا يجوز إحداث مضرّ فيه بالماشي في تلك الأودية؛ ومالا يجوز حدوثه في الطرق لا يجوز فيها. أبو الحواري: إنّ وادي "كلبوه" بنزوى كلّه طريق؛ وكذا حكم الظهران الكائنة حول القرية ولا يعرف فيها طريق، إلاّ أنَّه كلّ من أراد الذهاب أو المجيء اعترض ناحية وسلك فيها؛ وربّما كثرت الطرق فتظهر في بعض المواضع وتخفي في بعض.
ولا يجوز طرح التراب في الطرق لينتفع به لعفر ولا لغيره.
وإن وقع لأحد جداره في الطريق جاز المرور فوقه، ولا يضمن ما علق منه به، وهو كالطريق في الإباحة، وإن أشار على أحد أن يعمل ما يلزم صرفه عنها فعليه التوبة وإعلام المشار عليه بذلك، وإن مات العامل بما أشار عليه المشير لم يجز له صرف ذلك إلاّ برأي ورثته، لأنَّه مات هو وحجّته حتّى يصحّ أنَّه باطل لاحتمال حقّه. (4/56)
صفحة 1641
الباب العشرون
في الاِنتفاع من الطرق والتخلّص من الضمان منها ونحو ذلك
أبو الحواري: من حمل منها ترابا يعفر به زرعا أو بقلا جاز له إن لم يضرّ به غيره؛ إنّ التراب منه ممنوع ولو قلّ لأنَّه لجميع النّاس، وعليهم إصلاح الطريق وينفذ ماله قيمة من تراب أو غيره ممّا كبس في صلاحها (47).
وقيل: يؤخذ منه ما كان أخذه صلاحا لها ولا تباعة فيه، وقيل: يؤخذ من ترابها ما يستبرئ به من الأخبثين، ولما يتخلّص به المعدم من الضمان اللازم من أرض النّاس ممّا لا مضرّة فيه على الطريق.
ومن أخذ منها موجب ضمان فخلاصه أن يضع فيها مثل ما أخذ منها ويصلحها كما كانت.
وحكم غير الجائز حكم الأملاك المربوبة، ولا يجوز تناول شيء منها إلاّ بإذن أربابها.
ومن زرع في طريق بسبب فله بدره وعناؤه والباقي يجعله في مصالحها، وإن زرع فيها عالما بها واعتمد ذلك فكلّ ما أصاب منها جعله في مصالحها إن كانت من الجوائز، وإن لم يمكنه إنفاذه فيها لإعدامه أو عدم احتياجها إلى الصلاح أو لخوف منه أو لسبب ما أوصى به لها حيث يصل من موضع يلزمه منه الضمان إلى مبلغه من الطريق، فإن اكتنفها أموال النّاس فلا يجعل إلاّ في مصالحها نفسها لأنَّه يلزمهم القيام بها.
وما كان من (48) الطرق التي في الظواهر فما انتفع به أحد من زراعة في المحجّة نفسها ولم تحتج (49) إلى إصلاح تخلّص منه للفقراء، وما لم يكن فيها نفسها وإنّما هو (4/57)
صفحة 1642
في حريم الطريق، وهي ظواهر موات مباحة ولا ضرر في الزراعة بها، ولا تثبت فيها حجّة الزارع، فلا يلزمه في ذلك ضمان وينتفع به إن شاء.
وكذا ما نبت من [106] النخل في حريم الطريق فهو مباح، وما في المحجّة يجعل في مصالح الطريق والفضل للفقراء؛ وإن كانت خافقا في موضع ومرتفعا في آخر فقطعه قاطع ليستوي ناويا صلاح الطرق فلا عليه وقد أحسن؛ وإن أراد انتفاعا بالتراب لحاجته، قال: فلا نأمره إلاّ أن يرمي المرتفع على الخافق ليستوي الطريق، أو يرمي ترابا مكان ما قطع، أو في الخافق إن كان أصلح للطريق.
فصل
من طرح في الطريق حجرا أو بنى فيه أو وضع فيه جدعا، أو أشرع جناحا فيما لا يملكه ضمِن ما أصاب، وهو على عاقلته ولا كفّارة عليه إن عطب له إنسانا.
ابن بركة: إنّما يلزمها قتل الخطإ باليد، فأمّا بالأمر منه أو بالدابّة أو بالخشبة إن طرحها أو أشرعها على الطريق فالديّة عليه في ماله خاصّة لا على العاقلة.
ومن نحّى ذلك من موضعه إلى آخر من الطريق فعطب فيه أحد فلا يلزمه - قيل - ضمان وكذا في الشوك.
ومن قعد - قيل - فيها فعثر به إنسان ضمنه فيما أصابه لا (50) إن قعد من إعياء، ويذهب حين يستريح على ما ذكرناه في الورد.
ومن وضع متاعه فيها فعثر به إنسان أو تلف به مال أو نفس فإنّه يضمنه، وإن طرح فيها خشبة أو حجرا ثمّ باعها فلم يخرجها المشتري حتّى أحدثت (51) موجب ضمان لزم البائع في ماله، فإن دخلت ضمان المشتري فأخرجها من موضعها إلى آخر من الطريق لزمه ضمان ما أحدثت وبرئ الأوّل منه.
ومن أشرع جناحا على الطريق الأعظم فباع الدار، ثمّ أصاب أحدا فالضمان على الأوّل بخلاف الحائط المخوف. (4/58)
صفحة 1643
وما سقط عند (52) البناء من عمل العملة فضمان ما أصاب عليهم.
ومن حفر بئرا في طريق ضمن ما وقع فيها، ومن جدّد قنطرة قديمة في الطريق كما كانت فلا يضمن ما تلف فيها، ولزمه إن زاد أو نقص.
ومن أوقف دابّة في الطريق ضمن ما أصابت؛ وكذا إن وقف هو لا لمعنى فأصاب إنسانا، وإن وقف في قضاء حاجة أو من إعياء ولم يقعد قعودا التمكّن ناويا أن يمرّ فلا عليه كان سادعا أو مسدوعا، وقيل: بالفرق يبنهما على ما في الورد وعلى ما سيأتي، وإن تسارع ماشيان ضمن كلّ منهما ما أصاب به صاحبه.
ومن مال جداره على الطريق فوقع على أحد لم يضمنه لأنَّه بناه في ملكه، وإن وهى وتقدّم عليه في صرفه ولم يفعل وكان مخوّفا ضمن ما أصاب بعد التقدمة عليه.
وكذا إن مالت نخلته أو شجرته على الطريق، وقال قومنا يلزمه الضمان وإن لم يتقدّم عليه، وقيل: لا ولو تقدّم عليه في إزالته، وأجمعوا أن لا قود في ذلك ولا قصاص.
ومن تقدّم عليه في مائل فلم ينقضه حتّى باعه برئ من ضمانه؛ وكذا المشتري حتّى يتقدّم عليه أيضا بعد الشراء؛ وقيل: يلزم البائع لأنَّه تقدّم عليه.
وإن وهى بعض الحائط الطويل دون بعض فوقع كلّه بعد التقدمة في الواهي، فقيل: يلزم ربّه ما أصاب الواهي منه، وقيل: ما أصاب جميعه لأنَّه واحد.
وإن رهنت دار فوهى منها شيء فتقدّم على المرتهن فيه لم يلزمه ما أصاب لأنَّه لا يملك نقضها، ولا الراهن لأنَّه لم يتقدّم عليه فيه.
ومن وضع على حائطه أو في ملكه شيئا فوقع فأصاب مالا أو نفسا فلا عليه فيه؛ والمسلم وغيره في الضمان في هذا سواء ولا يلزم مستعيرا ولا ساكنا بكراء ولو تقدّم عليهما، وإن تقدّم على وصي يتيم في نقض حائطه فلم يفعل فما أصاب فهو في مال اليتيم، وقيل: لا حجّة في التقدمة على وصيّه في ماله، وتوقّف ابن محبوب في ذلك. ووالد الصبيّ كالوصيّ في ذلك. (4/59)
صفحة 1644
وإن كان بين شركاء حائط، فتقدّم فيه على بعضهم، فقيل: يلزمه بقدر حصّته، وقيل: لا، لأنَّه لا يقدر على نقضه. (4/60)
صفحة 1645
الباب الحادي والعشرون
في الأبواب والميازيب والكنف وغيرها على الطرق وغيرها
أبو سعيد: من له منزل على جائز فأراد أن يفتح فيه بابا قبالة باب غيره بلا إذنه فلا يجده إلاّ به، وإن فتحه به ثمّ أراد الرجوع فيه جاز له إن بان له فيه (53) ضرّ به، وإن رأى العدول أنَّه لا ضرّ عليه به وبينهما جائز ثبت عليه ولا يجد الرجوع، وإن أحدثه بدلالة بينهما فهي كالإذن في القول.
ومن اشترى منزلا وبابه قبالة باب غيره فركّب عليه بابا كما أدركه، جاز له إن ثبت مفتوحا من قبل، فتركيبه منفعة لمقابله؛ وإن لم يثبت من قبل فلربّ الآخر حجّة في صرفه بموجب الحقّ، وإن أدرك مفتوحا لم تجب إزالته حتّى يصحّ أنَّه أحدث حدوثا يوجب إزالته، ولا يجوز توسيعه عمّا عليه قبل إن كان في النظر لا يجوز فتحه لاستقباله غيره.
وحدّ المضرّة في إحداث الأبواب أن ينظر من وقف بالمحدث من هو في البيت المقابل له بابه، ما دون السترة المحكوم في مثلها على النّاس بالبناء وذلك إلى العدول.
ولا بأس فيه إن كان عندهم لا يضرّ، ويعتبر الضرّ عند فتح الباب المتقدّم لا عند غلقه؛ لأنَّه أبيح [107] لأهله فتحه وسدّه، ولا يعرف في القرب والبعد حدّ في فتح الأبواب على الأبواب إلاّ بالعدول. وها هنا كلام ينظر في التكميل.
ولا بأس في فتح باب بستان أو مال يستغلّ إن لم يسكن، وإن سكن فكالمنازل المسكونة في الحكم، وقد توقّف كثير عن صرف ما أحدث الماضون في الطرق وغيرها.
وليس لأحد أن يحدث باب في أرض غيره ولا يشرف منه على من تحته. (4/61)
صفحة 1646
ومن له بستان تحت منزل قوم لم يجز لهم أن يفتحوا كوّة إليه ليدخل منها الرواح إن كان يسكن، وإلاّ فلا بأس بفتحها في جداره إن لم تضرّ به.
وإن كانت في جائز أربعة أبواب أو أكثر جاز لمن أراد أن يفتح فيه بابا في أرضه، إن لم يضرّ به أحدا فتحه، ولا تدرك فيه شفعة بالطريق إلاّ بشياع أو مضرّة وكذا في السواقي.
فصل
ومن أحدث منزلا على طريق وميزابا له عليه وطالبه محتسب بإزالته، أو كانت أرض المنزل خافقة فكبسها حتّى رجع مجرى (54) ماء الغيث أو البئر إلى الطريق فعليه إزالة ذلك كلّه؛ وإن ادّعى أنّ المنزل بني (55) قديما وكان ميزابه إليها ولم يعرف ذلك، لزمه بيان دعواه وإلاّ أزال ما أحدث، وإن أتى به على تجديد الميزاب ومعرفته لم يجز له أن يسوق إليه ماء سطح منزل آخر، وله أن يجدّده كما كان في مكانه الأوّل طولا وعرضا.
وإن بنى على سطح منزله غرفة، جعل ميزابها حيث كان الأوّل أو صرفه إلى غير الطريق.
وإن بنى منزله إلى جانب خراب، والنّاس يمرّون فيه على طريق ثابت فيه، ثمّ عمّر الخراب، وأخرجها إلى جنب منزله بعدما جعل ميزابه على التي أخرجها من أرضه، لزمه إزالة ذلك الحدث، ولا مخرج له من أمرين، إمّا إحداثه في الطريق أو على أرض غيره. وقيل: إنّ المجاري والميازيب تثبت في الخراب.
ولا يجوز فتح الأبواب إلى أرض غير ربّ المنزل أو من أذن له، وقيل: بالفرق بين الكمّام بالشوك والميزاب، فقالوا: إنّ من له جدار على الطريق وأدرك عليه كماما ولم يصحّ بطلان حدوثه ووقع الجدار فله تجديده لا الكمام؛ وجاز تجديد الميزاب على ما كان لأنّ ترك الكمام لا مضرّة فيه. (4/62)
صفحة 1647
والميزاب إذا عطل (56) تضرّر المنزل، وإن كان مسيل ماء في قناة فليس لربّها أن يجعله ميزابا إلاّ بإذن ربّ الدار الذي عليه المسيل، وكذا إن كان له ميزاب فأراد أن يجعله قناة فلا يجده، إلاّ إن أضرّ ذلك ربّ الدار؛ وكذا إن جعله أطول أو أعرض أو أراد أن يطأطئه أو يرفعه أو يزايله، فإن أراد ربّ الدار أن يبني حائطه ويسدّ المسيل لم يجده، وله أن يبني بناء مسيل من ورائه على ظهره، لا أن يبني في ساحتها ما يقطع عليه طريق مائه.
وإن ادّعى ربّ الدار المسيل والطريق بين ورثته فأقرّ بعضهم بالمسيل وجحده باقيهم، لم يكن لربّ الطريق أن يمرّ فيه، ولا لربّ المسيل أن يسيل فيه بإقرار بعضهم.
ومن له ميزاب في دار رجل فأراد أن يسيل فيه الماء فمنعه ربّها (57) فلا يسيله فيه (58) ربّها حتّى يقيم البيّنة أنّ له فيها مسيلا؛ فإن أقامها وشهدا أنّهما رأياه يسيل الماء فيه، فليست هذه شهادة ولا يستحقّ بها شيئا، حتّى يشهد أنّ له مسيل ماء من هذا الميزاب، فإن شهدا بماء المطر فهو له وإن شهدا أنّه مسيل ماء دائما له وللغسل والوضوء فهو كذلك؛ وإن شهدا أنّ له مسيلا ولم ينسباه لشيء من ذلك، فالقول فيه قول ربّ الدار الجاحد لذلك مع يمينه؛ فإن قال: لماء المطر أو للوضوء فهو له معها.
ومن (59) أذن - قيل - لرجل أن يجعل مجرى ميزابه على ماله فمات وطلب ورثته صرفه عن مالهم فلا يحكم عليه بصرف ما أحدث في حياة الآذن، وإن رثّ الميزاب أو ضاع فله إصلاحه، ولا يجوز له إذا ذهب الأوّل أن يجعل مكانه آخر إلاّ بإذن الورثة.
وفي الضياء: ومن اشترى جناحا أو ميزابا إلى الطريق حيث لا يضرّ مارّا فيه جاز له.
فصل (4/63)
صفحة 1648
لا يحكم بإزالة كنيف كان قرب الطريق عليه جدار رفعه قامة وسط، ولا باب له إلى الطريق، إلاّ أن تولدت منه رائحة مؤذية لزم ربّها إزالتها، وإن كان بابه إليه أخذ بسدّه إن قرب منه ما تؤذي رائحته، وقيل: إنَّه إن كان أقلّ من خمسة عشر ذراعا من الطريق. وإن كان بقرب المسجد وآذاه فإنّه يزال ولو كان قديما إلاّ إن سبق المسجد.
أبو سعيد: جاز للرجل أن يحدث كنيفا في ماله بجنب الطريق إن بنى عليه جدارا قدر البسطة ولا يمنع، ولا له أن يجعل في الجدار كوّة فيما دون البسطة، ولا أن يفتح بابا إلى الطريق لإخراج السماد من الكنيف، ويحكم عليه بسدّه أبدا.
فإن حدثت (60) من كنف رائحة أمر بدفنها لئلا تؤذي المارّ في الطريق، فإن أدرك للكنيف باب إليه ومات محدثه ترك بحاله، ولا يحكم عليه بإزالته إلاّ إن حدثت منه رائحة تؤذي فتزال أو يسدّ الباب.
وإن كان في منزل مصلّى وأراد جاره المقابل للمصلّى أن يحدث كنيفا قبالته لزمه أن يفسح خمسة عشر ذراعا عن مصلّى جاره أو يجعل جدارين بينهما، وبينهما فرجة، وإن سبق الكنيف المصلّى فعلى [108] من يريد إحداثه أن يفسح أو يجعل سترتين بينهما فرجة. (4/64)
صفحة 1649
الباب الثاني والعشرون
في الجدر وأحكامها وما في معناها
فإن كان بين منزلين جدار وغماء أحدهما عليه ولا غماء للآخر، فقيل: إن كان بينهما ولم يعرف لمن هو حكم به لهما، وقيل: يترك بحاله حتّى يصحّ لأحدهما بيّنة، وقيل: إنّ الغماء على الجدار يقوم مقام اليد إلاّ إن أقام ما لا غماء له بيّنة أنَّه أو بعضه له؛ وإن كان الجدار بينهما لم يجز لأحدهما أن ينتفع به لغماء ولا لغيره إلاّ بإذن شريكه؛ وإن اتّفقا أن يجعل عليه جذوعا أو غيرها ممّا ينفعها جاز لهما وإن خالف أحدهما وقال: لا نضع عليه شيئا جاز له.
وإن بنى أحدهما الجدار ولم يبن الآخر معه فيه شيئا وهو بين منزلهما، فلبانيه أن يجعل فيه ما شاء من جذوع و (61) غيرها، ولا يضع الآخر عليه شيئا حتّى يردّ على الباني نصف ما غرم فيه فلهما عند ذلك أن يضعا أو يتركا.
وإن قال الباني: لا أحتاج أن تغارمني ولا تضع أنت عليه شيئا، جاز له إن بناه في أرضه، وإن بناه في أرضهما معا فليأخذ نصف ما غرم إن طلبه صاحبه إلى أخذه منه ويكون الجدار بينهما.
وإن ورث رجل منزلا واشترى آخر منزلا وبينهما جدار، فقال: إنّه اشتراه بكلّ ما يستحقّ، وقال الوارث: إنَّه ورثه مع المنزل، فقيل: إنّ الشراء والإرث سيّان، وهو بينهما حتّى يصحّ لأحدهما، وإن لزق بجدار منزل أحدهما فالتزاقه ليس بحجّة على الآخر ولا يزيل حكمه.
وإن كان وجه القمط إلى أحد المنزلين فقيل: هو أولى بالجدار، وقيل: لا عمل على القمط وهو بينهما إلاّ إن صحّت فيه حجّة لأحدهما يدفع بها خصمه من الجدار. (4/65)
صفحة 1650
وإن كان لأحدهما شيء من الجذوع عليه، وللآخر أقلّ منه، فقيل: هو بينهما على عددها، وقيل: نصفان ولو كان لأحدهما عليه جذع أو جريدة وللآخر عشرة. وإن كان لأحدهما عليه جذوع مغمى عليها ولا شيء للآخر فيه، فالذي له الغماء عليه ذو اليد فيه، وعلى الآخر بيان ما يدّعي (62) فيه، وعلى الأوّل اليمين إن طلبها منه المدّعي.
ولا حكم للذعن إن كانت على الجدار، وحكم الأرض القائم عليها الجدار حكمه إلاّ إن صحّ فيها خلاف ذلك.
وإن كان بين رجلين منزل فقسماه وبنى أحدهما منابه واستفرغ جميع أرضه وصار حدّ الجدار حدُّ أرضه، وأراد شريكه أن يبني ويستفرغ أرضه ويلصق جداره بجدار شريكه جاز له.
أبو سعيد: إنّ الجدر قاطعة لما خلفها ولا حجّة لأصحابها فيه إلاّ بعادلة أو يد جارية. وإن كان بين منزلين جدار وهو لربّ أحدهما فأراد هدمه جاز له إن لم يكن فيه للآخر حظ.
فصل
من أعار لأحد جدارا يغمى عليه ففعل ثمّ انهدم الغماء فلا يجد أن يغمي عليه ثانية إلاّ بإذنه أو وارثه إن مات. وإن قال لأحد: أعطني هذا الجدار أغمي عليه فحكمه حكم العارية.
وإن كان بين مالين جدار فإن كان له عز ترك له بحاله، وإلاّ منع جاره عن مسّه الماء لئلاّ يضرّه؛ وكذا جدر المنازل، وقيل: إذا تلاصق الجدران فأراد ربّ أحدهما هدمه ومنعه الآخر لئلاّ يضرّ بجاره، جاز له هدم جداره إلاّ إن أدركا متلاصقين ولم يحدثا فحينئذ لا يجوز له إلاّ إن اتّفقا عليه لأنَّه ليس له أن يدخل الضرّ على جاره، وقد أدرك كذلك. (4/66)
صفحة 1651
ومن أراد أن يفسل نخلا فليفسح عن جدار غيره ثلاثة أدرع، ويترك للشجر حريمه كما مرّ. وللزراعة قدر مالا يضرّ مسّ الماء والثرى الجدار.
فصل
من دخل دار قوم بإذنهم واتّكأ بجدارها وعلق به ترابها فلا عليه؛ وكذا في الأسواق وغيرها إلاّ إن انثلم من الجدار شيء فيلزمه أن يستحلّهم منه أو يضمنه لهم، وقيل: لا بأس بما علق من غبار الجدار وما كان من نفسها فإنّه يضمن.
وقيل: إنّ أبا معاوية لا يمشي في طريق لا يعرف حدّها، وكان يضع أصبعه بالحائط ثمّ يرى ما لصق به من غبار، فيقول: هذا مال والمرء أحقّ بمنافع ماله وإن قلّ إلاّ بإذنه أو بدلالة؛ وقال غيره: لا بأس به كما مرّ لأنَّه لا قيمة له، ومالا قيمة له لا يضمن.
وقيل: دخل رجل من نزوى على الفضل ابن الحواري في منزله فلمّا قعد عبث بلقطة من الأرض، فقال له: لا تفعل هكذا فيما للنّاس، وأمّا من قبلي فلا عليك.
وكان ــ قيل ــ أهل المدينة لا يمنع أحدهم جاره أن يضع جذوعه على جداره، إمّا اقتفاء بالنّهي الوارد فيه، وإمّا لحسن الخلق منهم (63).
ونهي أيضا أن يمنع الرجل جاره أن يترفق بجداره، وهو [109]- قيل - من حسن الخلق.
ومن باع بستانا وعليه جدار فإنّه لا يدخل في البيع حتّى يذكر فيه. (4/67)
صفحة 1652
الباب الثالث والعشرون
في توزير الجدر وتكميمها والحضار
فمن سبخ جداره ممّا يلي الطريق، فهل له أن يوزره ولو كان الإزار في شيء منه على اعتقاد الدينونة لما يلزمه ويشهد على ذلك، أم لا يسعه؟
فقيل: ليس له أن يحدث فيه حدثا ما فإن أزره في حياته ثمّ مات، فقيل: لا يلزم وارثه أن يخرجه إذا علم أنَّه أزره ولا يعلم حجّته، إلاّ إن ثبت عليه الحكم به.
وإن غاب الإزار وذهب فهل له أن يجدّده كما وجده؟
اختير له ذلك إذا لم يعلم أنّ موروثه أحدثه، وإن علمه لا أنَّه له اختير منعه منه لأنّ فعله غير فعله هو، وله أن يوزره فيما دخل في هوائه ممّا رثّ وتآكل ولا يزيد فوقه إلى الطريق.
وإن أدركه كذلك ولم يعلم أنَّه أحدثه فهل له إذا سقط الجدار أن يجعل أساسه إلى منتهى الإزار ويبني عليه أم لا، إلاّ في موضع الجدار والداخل في هوائه ويدع الإزار بحاله؟
فقيل: ليس له أن يدخل بالجدار في الطريق على أساس الإزار وإنّما هو على أساس الجدار ثمّ يلحق به هواءه على ما أدركه، وإن أراد أن يجدّد الإزار في موضعه لثبوت حجّته كما وجده لم يضق عليه.
وإن رأى قائم بمصالح الطرق نقضة مبناة إلى جدار في طريق ولا يدري أقديمة أم محدثة فلا يلزمه أن يسأل عن ذلك إلاّ إن احتسب لله؛ وإن لم تعرف أنَّها محدثة ولا محدثها لأنَّه حي أو ميّت فهي ثابتة حتّى يصحّ أنَّها باطل، فإن مات محدثها ثمّ وقعت ثمّ أراد وارثه أن يبني مكانها على بناء الميّت، اختير أن لا يجوز له إن أخذت هي أو بعضها الطريق. (4/68)
صفحة 1653
ومن اشترى منزلا أو ورثه وفيه جدار موزر (64) ممّا يلي الطريق ثمّ وقع الإزار، جاز له - قيل - تجديده حتّى يعلم أنّه باطل ما لم يزد فيه. فإن أدرك في الجدار نقضة إلى جنبه ممّا يلي الطريق فله ردّها كما كانت، فما التزق بالجدار فهو حجّة له ولجداره على ما أدرك وتعورف، فإن تآكل الجدار من أسفله وبقي هواءه جاز له تجديده اطمئنانا لا حكما. (4/69)
صفحة 1654
الباب الرابع والعشرون
في المباناة وحكمها ومن يلزمه ذلك
فإنّ النّاس يتآخذون بالستور على منازلهم، كي لا ينظر المتجاورون عورات بعضهم بعضا، لأنّ الستر من الدين ومأمور به.
ويؤخذ العالي في منزل أن يستر عن السافل بقدر ما يستر القائم الطويل، وقيل: فوق السرير ولا يشرف على من تحته من المنازل وبساتينها ولو محدثة.
وقيل: الستر قامة وبسطة، وهي: أن يرفع القائم يده على رأسه، وقيل: هو قامة.
ومن لم يتّخذ علو داره سكنا فلا سترة عليه ولو نام ليلا فيه أو قعد نهارا لحوائجه ومصالح ظهر بيته أو جعل فيه حبّا أو تمرا، ولكن يعلم جيرانه ويستأذنهم إذا أراد الصعود إليه نهارا.
والسترة بالطين. وكذا فيما بينهم من المنازل والبساتين المسكونة وعلى كلّ نصف السترة.
ومن ترك سكنى منزله لم تلزمه مباناة، فإن أراد أن يسكن بعد أن بنى جاره سلّم إليه بقدر ما ينوبه من غرامة السترة.
والمعروف أنّ البيت إن كانت فيه غرفة وفيها ممراق يشرف على بيت جاره، فإن كان إذا قام الإنسان ممّا يلي الممراق ونظر إلى حائط جاره أو من قام فيه أو طلب ربّه ختم الممراق، لزم ربّه ختمه، كان المنزل أو البستان الناظر منه قريبا أو بعيدا؛ وإن كان لا ينظر إلاّ إن أدخل رأسه في الممراق فلا يصرف.
وإن كان إنّما ينظر السطح لا القائم في الحائط لم يلزمه ختمه (65). ويكره نوم على حائط لا سترة عليه، وأجازه بعض في اللّيل لأنَّه لباس ويكره من وجه النظر (4/70)
صفحة 1655
والشفقة أيضا، لما جاء في الأثر: من نام على سطح لا سترة عليه برئت منه الذمّة، وهو معنى ما روي: من بات على أجاح الخ.
وإن وقع جدار بين منزلين وعجز ربّ أحدهما أن يبني حصّته منه، فقيل: إن شاء مريد أن يبنيه بناه وحسب ما غرم وكان دينا له عليه متى أيسر أوفاه، وقيل: يخلي بيته من السكنى ويقعد الباني إلى أن يستوفي ما غرم عليه، وقيل: إنّ العاجز عليه يجعل حضارا مكان الجدار، وقيل: إنَّه لا يجوز إلاّ في الأماكن (66) التي سترتهم الحضران، وإن كان الجيران ممّن لا استئذان بينهم فلا مباناة عليهم.
وإن اقتسم قوم بستانا فوقع لبعضهم أطرافه التي فيها الجدار ولبعضهم وسطه، فعلى ذوي الأطراف تجديد ما وقع منه لا على ذوي الوسط.
ومن له في بيت جاره طريق يمرّ بها لم تلزمه مباناة فإن شاء ربّ البيت أن يستر على نفسه فعل، وقيل: تلزمهما معا لأنّ الطريق له خاصّة وليس كسائر الطرق.
وعلى اليتيم من البناء ما على البالغ.
وإن كان بين بستانين جدار محصّن لهما فانقضّ، فقال ابن علي: على جاره بناؤه وقال سليمان: لا مباناة بينهما إلاّ في البساتين التي تدخلها الحرم. وأمّا في النخل ونحوه فلا تجابر فيه عليها وبه قال عبد المقتدر.
أبو علي: إن بنى أهل [110] الذّمة دورهم وعلوها على دور أهل القبلة، فما عندنا في ذلك أثر وما نحب أن يحال بينهم وبين موافقهم في رفع البناء إذا ستروه وحصّنوه حتّى لا يخاف منهم خيانة بأبصارهم؛ غيره: ليس لهم أن يشرفوا على أهل الصلاة بالغرف، إلاّ إن سبقت ولا نحبّ لمسلم أن يبني منزلا بين منازلهم إلاّ أن يشتري خرابا متميّزا عنهم فيعمره ولهم أن يخرجوه إن أرادوا. (4/71)
صفحة 1656
فصل
هاشم: إن كانت بين قوم أرض فأراد بعضهم أن يحضر، وكره الآخرون، فإن كانت مشاعة لزمهم أن يحضروا معا، وإن عرف كلّ (67) قطعته فليحضر من أراد منهم على أرضه ولا يجبر غيره.
وأمّا الشوافة فمن أرضه في وسط الزراعة لزمته بقدر أرضه، إذ لا يمكن للشائف تركها. وإن كانت في ناحية فلا يجبر عليه. والحضار لا يثبت اليد ولا يزيل الموات عن حكمه. واختلف في الجدار فيه وهو والحضار في الأموال يد إن أحيط به على مال وأرض معمورة وهما في القفار والخراب ليس بيد.
ولا يجوز تكميم الجدار بالشوك إن كان على الطريق، ولو ارتفع لحدوث الضرّ منه عليه، ولا يكون مثل ما أناب من الشجر؛ وإن أدرك الكمام على الجدار ومات محدثه فقد ثبت حتّى يصحّ (68) باطله. وإن وقع الجدار لم يجز للوارث أن يجدّد كماما فوقه كما كان وحكم عليه بصرفه إن فعل.
وإن كانت بين رجلين دار (69) ولأحدهما العلو وللآخر السفل فانهدما فطلب صاحب العلو إلى ربّ السفل أن يبني ما كان له حتّى يبني هو علوّه، فذلك لازم له ويؤخذ به، فإن عجز عن ذلك وأراد ربّ العلو أن يبنيه وله غلّته حتّى يستوفي ما غرم عليه كما مرّ فذلك له؛ وإن سلّم إليه ربّ الأسفل ما غرم عليه سلّم إليه سفله. (4/72)
صفحة 1657
الباب الخامس والعشرون
في الرحى والتنّور والحدّاد والقصّار ونحوهم وحكم ذلك
ومن أحدث تنّورا بجنب الطريق وآذى النّاس بدخانه أو لهبه وبان منه الضرّ فإنّه يزيله ولو قديما، وإن لم يبن منه الضرّ على أحد فلا يمنع من الانتفاع بماله.
ومن له تنّور قرب عريش جاره أو جداره وفي الاعتبار أنّه مضرّ به، فإنّه يزال ولو سبق العريش أو الجدار ولم يطلب إليه جاره ذلك (70)، وإن طلبه فلم يزله وتولّد عليه منه ضرّ (71) فإنّه يضمنه، وقيل: ولو لم يطلبه إليه.
والطاحونة إن كانت بين شركاء وفيهم غائب، ويتيم، وامرأة واحتاجت إلى إصلاح، فقام به أحدهم واحتجّ على من قدر أن يحتجّ عليه فيه، فإن أجابوا إليه قام كلّ منهم بقدر منابه منها، وإن عجز أن يحتجّ عليهم أو أبوا أن يقوموا (72) أو أحدهم بما لزمه فللقائم بإصلاحها (73) أن يستعملها بقدر ما غرم عليها، فإن استوفاه استعمل منابه وترك سهام غيره؛ كالنهر إن كان راغدا في واد أو مكسر، فأراد ذو حصّة فيه أن يسقي بقدرها ثمّ يردّه إلى حيث وجده، وإن استعملها وحفظ سهام شركائه فله ذلك كما مرّ غير مرّة.
ومن اشترى ماء من فلج مستعمل للرحى ورفعه أعلا منها، فله أن يمرّ به من حيث شاء، ولا يمنع من ذلك، ولا له أن يجبر النّاس على إحدار مائهم إلى هذه الرحى، فإن أراد ربّ الرحى أن يحتال ماء لها احتاله ونظر لنفسه صالحا لها، والنّاس أملك لأموالهم.
ولا بأس بالطحن بالمجعولة آلات يطحن عليها وإن جهل أمرها فالاستئذان لربّها في الطحن عليها أولى. (4/73)
صفحة 1658
وفي رحى اليتيم - قيل - يجوز الطحن عليها كرحى البالغ إن تعورفت الإباحة في الموضع، وقيل: لا، إلاّ إن كان صلاحا لها.
ومن اتّخذ رحى في بيته فتأذّى منها جيرانه نظر العدول فيها، فإن بان لهم ضرّ منها عليهم فلهم صرف الأذى عنهم، ولا ضرر ولا إضرار في الإسلام.
واختلف فيما يوجد من الحبّ في الرحى بعد الطحن، فقيل: يجوز أخذه على ما تعورف في العادة من أنّه لا تمانع فيه، إلاّ إن وجد أكثر من المعتاد.
وقيل: إن عزله من يجيء يطحن (74)، فإذا فرغ تركه مكانه فهو أسلم له وكلاهما صواب.
وإن اشترك قوم رحى وطلب بعضهم بيعها وأبى غيرهم فلا يتجابرون عليه، وتقسم غلّتها بينهم ويكون منها ما تحتاج إليه من آلة وحديد وغيرهما.
والحدّاد (75) والصائغ والقصّار والنسّاج وغيرهم إذا رفع عليهم جيرانهم وشكوا من أذاهم، نظر العدول فيهم فإن رأوهم أذى عليهم صرف عنهم، ولا يحمل الضرّ على الجار. (4/74)
صفحة 1659
الباب السادس والعشرون
في الموات الكائن بين الأموال والمنازل
وقد اختلف في أرضين إحداهما أعلى من الأخرى وبينهما موات وأراد أربابهما عمارته، فقيل: إن كان متساندا فللعليا الثلثان وللسفلى الثلث، وقيل: عكسه، وقيل: بينهما نصفان، وقيل: للعليا ما استوى معها ومالا تقوم إلاّ به، وللسفلى كذلك والباقي بينهما وعليه الأكثر؛ وقيل: يترك ذلك موقوفا على حاله.
وإن نبتت نخلة أو شجرة في ذلك [111] الموات فحكمها للتي نبتت فيها، وإن اتّفقا على قسمته فذاك لا يعرض لهما، وقيل: يكلّف بالبيان من ادّعاه منهما أو كلاهما، فإن أتى به فله وإلاّ ترك بحاله.
وكذا إن كان هذا الخراب بين منزل رجل ومال آخر، فقيل: إنَّه لربّ الجدار، وقيل: لربّ الأرض، وقيل: بينهما، وقيل: يترك بحاله إذا لم يعرف لمن هو حتّى يتّفقا عليه أو يصحّ بعادلة لأحدهما؛ وإن كان الخراب يفضي إلى الأودية أو الجبال أو الظهران، فكلّ مال أولى بما يليه منه، إن لم تتقدّم فيه يد أو عمارة لأحد. (4/75)
صفحة 1660
الباب السابع والعشرون
في الفسالة
أبو الحواري: من أعطى رجلا أرضا يفسلها له بالثلث وقال له: كلّ ما زرعته فيها فلك نصفه، فلمّا فسلها مات الفسل فإن مات قبل الوقت المؤجّل إليه لم يكن للفاسل من الأرض شيء، وهي لربّها ولو تمسّك بها الفاسل، وإن مات بعده كانت له حصّته منها يعمل فيها ما شاء، ولا تثبت الفسالة إلاّ بواضح غير مجهول، وذلك أن يعطي الرجل رجلا أرضا معروفة على أن يفسلها نخلا معلوما إلى أجل معلوم من السنين أو قدر معلوم من النخل بجزء منه ومن الأرض معروف، فإذا صحّ الاتّفاق على هذه الشروط فهو معنى ثابت؛ وإن اختلفا بعد ولا بيّنة عندهما قُبل قول ربّ الأرض أنّ للفاسل ثلثا أو ربعا أو غيرهما مع يمينه، وقول الفاسل في الأجل أو قدر منتهى النخل مع يمينه.
وإن مات النخل أو خرب قبل أن يصير إلى الحد الذي تشارطا عليه، فإن شاء الفاسل فسلها ثانية حتّى يصير إليه، وله ما تعاقدا عليه، وإن شاء ترك ولا شيء له في الأرض.
وإن مات النخل أو خرب بعد الحد فله منابه منها وكذا في الرّمان والتين وغيرهما. وإن لم يكن بينهما في المفاسلة حدّ ولا وصف ولا أجل فقيل: إنَّه مجهول، وللفاسل عناؤه إذا نقضاه أو أحدهما، وقيل: ويرجعان إلى عادة البلد في الفسالة ولا يثبت له شرب إلاّ إن شرطه عند عقدها وإن تتامما على ما فيه جهالة تمّ.
وإن نبت شيء في أرض الفسالة فللفاسل منابه منه إن وقع فيما صحّ له بالقسم، وإن شرط على ربّ الأرض مأكلها إلى أن يحمل النخل فهو جهل لا يثبت إلاّ بالمتاممة، وإن جعل له مأكلها سنين معيّنة جاز له إليها. (4/76)
صفحة 1661
الباب الثامن والعشرون
فيمن يزرع ويفسل ويعمر في أرض غيره بسبب أو غيره
ابن بركة: إن زرع ولد أرض أبيه أو استغلّ مالا له زمانا إلى أن مات فادّعى ورثة الولد بعد موت أبيه أنَّها لموروثهم، فأنكر ذلك ورثة الجد، فليس زراعة الولد لها (76) واستغلاله للمال حجّة تثبت له ولا لورثته إلاّ إن كان يدّعي ذلك في حياة والده أنَّه له وأبوه حاضر لا يغيّر عليه ولا ينكر، فحينئذ يثبت له أو لهم بعده، لأنّ أصله لأبيه ولورثته إلاّ أنّ الزراعة الحاضرة والغلّة المدركة للولد أو لورثته.
ومن غاب - قيل - عن ماله فجاء قريب له فشارك رجلا على زراعة أرض الغائب، فلمّا قدم أنكر ذلك، فقيل: إن شاء أعطى الزارع بذره وعناءه وما أنفق عليه، وأخذ الزرع، وإن شاء ترك ذلك للزارع وأخذ كراء أرضه على العادة في مثلها وللعمّال عملهم.
ومن غرس في أرض زوجته فلا حقّ له فيها لأنّ الرجل يعينها بعمله وينفق عليها.
وأمّا الفاسل في مال أمّه بلا دعوى منه بحضورها ولم تغيّر عليه (77)، ولم تنكر فالمال لها والفسل تبع له حتّى يصحّ انتقاله عن أصله.
وإن غرس رجل وبنوه أرضا فحكمها له لأنّ الولد يعين والده بعمله إلاّ إن كانت بينهم فهي لهم معا.
ومن غرس في أرض أبيه بلا هبة أو إقرار له فهو وورثة أبيه فيها سواء.
ومن عمّر في منزل زوجته عمارة حال معاشرتهما ثمّ اختلفا، فطلب منها عمارته، فقيل: لا يجدها لأنَّه إذا عمل في مالها بلا مشارطة بشيء عليها فذلك ممّا (4/77)
صفحة 1662
أعتيد بين الزوجين أن يعمل لها، ويعمّر بلا حقّ لازم ولا أمر ثابت ولا تنقض أيّام الاختلاف أيّام الاتّفاق.
وقيل: إنَّهما إذا تفاوضا ففسل في مالها أو زرع في أرضها أو بنى في منزلها ثمّ تحاكما في حياته ولم يصحّ كلّ منهما على صاحبه شيئا، فالفسل والزرع والبناء لها، والزوج كمن فسل بسبب، فإن شاء أخذ منها قيمة فسله وبنائه وما تعنّى وإن شاء أخرج ذلك. وإن مات ولم يحاكمها في حياته، فلا شيء لوارثه، والمال للزوجة والأم قيل مثلها في الخلاف. خميس: ولعلّ معناهما يختلف في بعض ما قيل.
أبو الحواري: إن مرضت امرأة وأقرّت لأخيها بشيء معيّن من مالها وما فسل في مالها، وماتت بيّنته وتناكرا وحضرا إلى الحاكم، فأحضرت هي بيّنتها أنّ هذه المواضع لها إلاّ أنّ أخاها فسلها، فقال لها: احلفي بالله [112] وبثلاثين حجّة، وبأخرى عهدا فليس عليها إلاّ اليمين بالله أنّ المواضع لها، ولا تعلم له فيها حقّا ممّا يدّعي، فإن فسل الفسل برأيه بدونها، وأقرّت له بذلك كان الفسل له، وخيّرت هي في أخذه وإعطاء قيمته له، وفي قلعه من أرضها، وإن فسله برأيها وأقرّت بذلك وادّعته على شرط بينهما وأنكر هو ذلك وخيّر في قلع فسله وما علق به من التراب، ردّ مثله في مكانه وفي أخذ قيمته منها يوم الحكم، وإن ردّت اليمين إليه حلف أنّ هذه الأرض له بإقرار أخته له بها، ولا حقّ لها فيها بعد إقرارها له بها إلى اليوم.
وإن وقع رجل على منزل غائب فسكنه، وعلى ماله فزرعه وأكله سنين، ثمّ قدم فأراد أخذ ماله وسكن منزله، فحال الرجل بينه وبين ذلك، فقيل: من كان بيده شيء فهو أولى به، فإن أقام الغائب بيّنة أنّ المال له، فهو أولى به، وإن أقامها الذي كان (78) بيده أنَّه له فهو أولى به، فإن أقامها الغائب أنَّه له وأقامها ذو اليد عليه بالمأكل، كان مقيمها أنّ المال له أولى إلاّ إن شهدت بيّنة الأكل أنَّه يأكله بعلم الغائب ويدّعيه له، ولا يغيّر عليه، ولا ينكر، فيكون ذو اليد على هذه الصفة أولى. (4/78)
صفحة 1663
فصل
أبو الحواري: من فسل أرض حاضر ثمّ ادّعى الفسل وأحضر الشهود أنّهم رأوه يفسل، فله فسله ولربّها الخيار في إعطائه قيمته وفي أمره بقلعه.
ابن الأزهر: إنّ الفسل والبناء إذا فسل الرجل وبنى على آخرهما كالادّعاء عليه، وقائمان مقامه، وقيل: إنَّهما ليسا مثله إلاّ إن ماتا، وقيل: موت المحدث عليه لا تقوم به الحجّة على ورثته وكانت لهم ما حيي المحدث، وإن مات هو فلوارثه الحجّة على المحدث عليه أو ورثته.
وقيل: من صحّ له أنَّه يأكل مالا معيّنا أو يثمره أو يغرسه أو يعمّره، فذلك يد له واليد عبارة عن القعود عند المغاربة. وإذا صحّ أنَّه يعمله لم يكن يدا له.
ابن محبوب: من فسل في أرض رجل بإذنه فهو مخيّر في أخذ فسله وفي أخذ قيمته، وإن فسله بدونه خيّر ربّها في أخذه بقيمته، وفي أمره بقلعه وتسوية أرضه كما كانت.
وإن فسلها بجهل وبما يرى أنّها له، ثمّ بان أنَّها لغيره واستحقّت منه أخرج صرمه، ما أمكنه قلعه وسوّى أرضه، وإن لم يمكن له إخراجه كان له مكان كلّ صرمة صرمة، وما أنفق على ذلك وعناؤه.
ومن قلع صرمة بينه وبين يتيم وفسلها في أرضه، فلليتيم منابه فيها لقيام عينها.
ومن زرع أرض غيره بلا إذنه ولا منحة ولا قعادة ولا سبب، أو بنى فيها، أو فسل، فهو غاصب لا عناء له، والأرض بما فيها لربّها، وعليه - قيل - أن يردّ له بذره في الزراعة، وقد تقدّم أنّ الخيار لربّ الأرض في البناء والغرس في أخذ ما فسل فيها، وإعطاء مثل فسله، وفي أمره بإخراجه منها ولو صار نخلا ويردّ فيها ترابا كما كانت، وكذا البناء كما مرّ. (4/79)
صفحة 1664
وقيل: ليس له بذر ولا فسل ولا بناء ولا حقّ إلاّ ما كان من خشب مبني عليه أو مغمى وكلّ ذلك لربّ الأرض.
عزّان: إذا كانت بين رجلين أرض فغرس فيها أو عمل أحدهما فذلك بينهما، ولا يجد الفاسل إخراجه منها إن كره شريكه، وله قيمة الفسل يوم فسله، وقدر عنائه، لأنَّه شريك وبعبارة أخرى: إنَّه لا يذهب عناؤه وكان له فيما عمله والفسل بينهما. (4/80)
صفحة 1665
الباب التاسع والعشرون
في السماد والحطب
فإذا جرت السيول في أموال النّاس فطرحت فيها سمادا لم يجز حمله منها لأنَّه من مصالحها، وكلّ ما يصلحها من سماد أو ماء أو مدر أو دحى لم يجز أخذه منها (79)، ومالا يجانس الأرض كالجذوع والحطب وغيرهما ولا هو ممّا يصلحها فلا بأس بحمله منها إن لم يكن ملكا لربّها؛ وما ألقته الدواب، أو السباع، أو البشر فيها فلا يؤخذ منها ولا يحلّ لغير ربّها.
ومن جمع سمادا من واد، أو طريق جائز أو جبل أو ظهران، أو قفار، فلا يحلّ لغيره أخذه وهو ملك له. وكذا الحطب والجذوع والخشب وما لاثه السيل وفي هذا - قيل - خلاف؛ فقيل: إن كان مثله يرجع إليه ربّه ممّا يلقيه السيل من خشب ونحوه، فهو كاللّقطة التي لا يعرف ربّها يفرق ثمنه، وإن عرف ربّه دفع إليه، وإن كان ممّا لا يرجع إليه في العادة في الموضع جاز وإن لغني. وكذا في عرب النخل التي يحملها السيل وخوصها وليفها وجدعها.
أبو سعيد: من له أرض على واد وطرح فيها السيل سمادا أو حمالة، فإن أبيح في الأصل لم يمنع بوقوعه في ملكه إن لم يسبق هو إليه فيقبضه، لأنّ الأرض ليست يدا لغيرها ممّا وقع فيها من المباح، والمباح فيها مباح وإن لغيره، والمحجور محجور [113] وإن عليه، وسماد عسكر الجند الذي بنزوى ففي الأثر: أنّ من حدّ مسجد الهند فصاعدا إلى أن يخرج من العسكر يجوز لأهل سمد نزوى أن يسمدوا به لأنَّه لهم.
أبو سعيد: من وضع سمادا في أرض غيره واحتاج لأرضه، فقيل: إن وضعه هناك بإذنه إلى مدّة فلا حجّة له عليه في المدّة، وإن وضعه لا إليها أو إليها وانقضت، احتجّ عليه عند الحاكم في إخراجه من أرضه، فإن أخرجه وإلاّ استأجر عليه من يخرجه منها بأجرة، ويؤجّله بقدر ما يمكنه إخراجه، وإن لم يجد الحاكم احتجّ عليه عند (4/81)
صفحة 1666
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
المؤلف: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
ضبط النص: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 7
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2000/104
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الطهارات، الولاية والبراءة، فقه الإباضية، ترجمة عبد العزيز الثميني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=516&id_ty=1
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 صفر 1447ه/ 12 - شهر 08 - 2025م. الجماعة، فإن لم يجدها فبينه وبينه كما مرّ في نظيره إن أتقنته، فإن أخرجه في وقت بقدر ما أجّله الحاكم الأوّل، وإلاّ فلا يمنع ربّها من انتفاع بأرضه ويستأجر عليه ويشهد على الأجرة ويأخذها من مال ربّ السماد، وإن تفرّق في الأرض أخرج ما أمكنه إخراجه وما أكلته الأرض فلا يغرم ربّها، وله زراعتها ورضمها، ولا يمنع من ذلك ولا يجوز له تعمّد إتلاف مال غيره.
فصل
من زرب على غنمه مع جيرانه فبعرها وروثها في الحكم له، وفي التعارف - قيل - إن كان ربّها بالغا وبياتها أو قيلها في منزل رجل، ثمّ لم يطلب في الوقت ولا عارضها في أمرها بشيء، فلا تباعة على ربّ المنزل في ذلك.
وكذا إن دخلت بقرة أو حمارة في أرض رجل أو منزله.
ومن سكن منزل غيره بأجر أو بدونه فالسماد الذي يجمعه له وما كان من تراب المنزل وكناسته فلربّه، إلاّ إن ردّ الساكن فيه من التراب مثل ما جمع؛ وإن أسكنه ربّه على أنّ السماد له فهو مجهول والسماد للساكن، ولربّ المنزل كراؤه، وإن طابت نفس الساكن بالسماد ونفس ربّ المنزل بأجرته جاز، وقيل: يثبت شرط السكن بالسماد. ومن باع بيتا فيه سماد بلا مشارطة فيه فهو للبائع وإن غير مجموع؛ وأمّا التراب كالعجر فهو له أيضا، إن جمع وإلاّ فللمشتري.
وإن ربط في منزل بين رجلين أحدهما بقرة، والآخر ثلاث بقرات، واختلفا في السماد فقال ربّ الثلاثة: لي ثلاثة أرباع وقال شريكه لي نصفه لأنّ لي نصف المنزل، وقيل: لكلّ سماد بقره وما اختلط بالتراب وجمع من غير البقر فبينهما نصفان، والقول في السماد المجتمع قول الساكن مع يمينه، وفي غير المجتمع قول ربّ المنزل مع يمينه إن اختلفا فيه والله أعلم.
تمّ الجزء الحادي عشر. (4/82)
صفحة 1667
هوامش الجزء الحادي عشر
(1) - ب: يجوز قيل.
(2) - ب: - في.
(3) - ب: انتقص.
(4) - ب: أهلها.
(5) - ب: - أعلى.
(6) - ب: في أهل.
(7) - ب: على كلّ.
(8) - ب: فيه.
(9) - ب: القرابح.
(10) - ب: - لأهل منح.
(11) - ب: - ذراع.
(12) - ب: أو غيره.
(13) - ب: عليه ذلك.
(14) - ب: في موضعها بحالها.
(15) - ب: إلى ماله.
(16) - ب: ماؤه.
(17) - ب: هلك.
(18) - أ (هامش): لعلَّه يسوِّيها أو نحوه.
(19) - ب: أبي عبيد الله.
(20) - ب: له. وهو خطأ.
(21) - ب: ضرر عليهم.
(22) - ب: أمام.
(23) - ب: + الأرض.
(24) - ب: ورابعتها. وهو أصوب.
(25) - ب: - مباح. (4/83)
صفحة 1668
(26) - ب: ذلك له.
(27) - ب: + الشح.
(28) - ب: لأنَّها.
(29) - ب: - فيه.
(30) - ب: فلربّها.
(31) - ب: - وجين.
(32) - ب: - أو منزله.
(33) - ب: - أو داره.
(34) - ب: + دراعا.
(35) - ب: - أو بيوت.
(36) - ب: الطريق.
(37) - ب: به له
(38) - ب: المال.
(39) - ب: - منه.
(40) - ب: - قيل.
(41) - ب: مشربه.
(42) - ب: - منها.
(43) - ب: واضعه.
(44) - ب: نافقاء.
(45) - ب: - حدثا.
(46) - ب: هذا.
(47) - ب: صلاحه.
(48) - ب: بين.
(49) - ب: يحتج.
(50) - ب: إلاّ.
(51) - ب: أحدث.
(52) - ب: من. (4/84)
صفحة 1669
(53) - ب: فيه.
(54) - ب: جري
(55) - ب: - بني.
(56) - ب: تعطل.
(57) - ب: - ربّها.
(58) - ب: - فيه.
(59) - ب: لمن.
(60) - ب: حدث.
(61) - ب: أو.
(62) - ب: يدّعيه.
(63) - ب: خلقهم.
(64) - ب: موزور.
(65) - ب: صرفه.
(66) - ب: الإمكان.
(67) - ب: كلا.
(68) - ب: - يصحّ.
(69) - ب: مال.
(70) - ب: - ذلك.
(71) - ب: - ضرّ منه.
(72) - ب: يقوم.
(73) - ب: بإصلاحه.
(74) - ب: - يطحن 0.
(75) - ب: - الحدّاد.
(76) - ب: له.
(77) - ب: عليها.
(78) - ب: - كان.
(79) - ب: - منها. (4/85)
صفحة 1670
الجزء الثاني عشر
فيما يحلّ من الأموال ومالا يحلّ وذكر المغصوبات والمباحات والضمان والحل والخلاص والإباحة ومسائل في ركوب البحر ونحو ذلك (4/86)
صفحة 1671
الباب الأوّل
في تحليل الأموال وتحريمها وما جاء في ذلك
قال الله تعالى: {يآأيّها الذين ءامنوا لا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطلِ} الآية (سورة النساء: 29). إلى يسير معناها لا يقتل بعضكم بعضا {إن الله كان بكم رحيما} حيث كفّ بعضكم عن بعض وكان جابر إذا تلاها قال: «كبيرتان إلى النّار الدماء والأموال، فالربا وأكل أموال اليتامى ظلما والتجارة الفاسدة، وحلوان الكاهن وأجرة الزانية، والنائحة، ورشوة الحاكم، وشاهد الزور، وكلّ ما لم يأذن به الشرع من الباطل». وقال صلّى الله عليه وسلّم: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». وقال أيضا: «لا يحلّ مال امرئ مسلم إلاّ بطيبة نفسه أو بميراث من كتاب الله أو بيع عن تراض».
واختلف في الأموال، أهي في الأصل مباحة أو محظورة، فقيل: لا، ولا، لأنّ الحظر والإباحة لا يكونان إلاّ من مبيح وحاظر، واختلف القائلون بذلك، فقال بعضهم: لا يجوز تناول بشيء (1) منها حتّى يقوم دليل بإباحته؛ وبعضهم: يجوز لنا تناول اليسير منها لنقيم به أجسامنا، ونحيي به أرواحنا كالمضطر، لأنَّه ليس من صفة الحكيم أن يخلقنا محتاجين إلى الأكل والشرب ثمّ يمنعنا منهما.
وقال قوم: إنّ الأموال في الأصل مباحة لا محظورة، لأنَّه تعالى خلق الدنيا وما فيها لمنافع الخلق.
وقد روي: إنّ الأشياء مباحة إلاّ ما حرّم الله في كتابه، أو بيّنه الرسول في سنّته، أو أجمع المسلمون على تحريمه.
وقال أصحابنا وكثير من مخالفيهم: إنّ الأموال في الأصل محظورة، لأنَّها ملك لمالك، فليس لنا أن نتصرّف في ملك الغير إلاّ بإباحة منه وإذن فيه، وهو الأصحّ، لأنّ القائل: إنَّها مباحة وأنّ الراكب لمّا لا يعلم سالم، ولو ركب محرّما عليه بجهله أباح (4/87)
صفحة 1672
المحرّم بجهله، والله يقول: {ولا تقفُ ما ليس لكَ به علمٌ} (سورة الإسراء: 36) وقال: {ولا تتّبعُوا أهواءَ قومٍ قدْ ضلُّوا} (سورة المائدة: 77) وقال أيضا: {فاسألوا أهل الذكر ... } الآية (سورة الأنبياء: 7). فلو أباح الأشياء على الجهل لما أمرنا بالسؤال ولكان الجهل أنفع للعباد من العلم وروي أيضا: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك».
وقيل: إنّ أموال الدنيا حلّت ببيع وإرث وفيء (2) وهبة، قيل: وبإدلال وعرف، وما خصّته السنّة من تحليل الصدقات، وما كان على وجه السبيل والموات لمن أحياها، والوصايا والإجارات، وأحلّ الله التزويج وملك اليمين، والصيد كما مرَّ. (3) (4/88)
صفحة 1673
الباب الثاني
فيما جاء في العرف والدلالة
قال الله تعالى: {وما جَعَل عليكم في الدِّين من حَرَجٍ} (سورة الحج: 78). والنبيء صلّى الله عليه وسلّم: «بعثت بالحنيفية السمحة السهلة». وقال أيضا لوابصة: «استفت نفسك ياوابصة وإن أفتوك وإن أفتوك؛ (4) البرُّ ما اطمأنّ إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر [114] وتردّد في النفس».
والنّاس على تعارفهم في كلّ ما يبيحونه بينهم وتسخو به نفوسهم ويعرف ذلك بسكون القلب كما يعرف باليقين.
وأجمعوا على تمليك العبيد بالشراء من بائعهم من غير إقرارهم ولا صحّة عبوديتهم، مع أنَّهم أجمعوا على أنّ الأصل في بني آدم الحرية؛ وكذا ما يشترى من صغار العبيد، وأجازوا عليهم التمليك، وقد علمنا أنَّه لا يقين عندنا في ذلك ولكن جرى العرف بين النّاس بمثل هذا ولا يكون في شيء مع أهل موضع حتّى يكون منهم اجتماع على إباحته عندهم بأنَّه يسمّى سنّة البلد وهي لا تكون إلاّ مجمعا عليها؛ فإن اختلف فيها فليست سنّة؛ وإذا ثبتت عندهم في مال الغائب والمسجد واليتيم فهو على ما أدركت عليه السنّة؛ وإن جرى عندهم أنّ التعارف لا يكون إلاّ في مال الحاضر العاقل البالغ فكذلك.
ومن أراد من أهل الأملاك منع ما أجمع أهل البلد على إباحته فله ذلك، لأنَّها سنّة تراض، فإذا لم يرض خرج من الإجماع وصار محظورا. وقيل: لا يجري التعارف على مغصوب ويتيم وغائب، إلاّ أنّ الشيخ يقول في المباح إذا تعورف في البلد: جاز على اليتيم، لأنَّه ينتفع منه كغيره.
والمغصوب أشدّ من مال الغائب لأنَّه ممنوع ونفسه لا تسمح بشيء منه وإن قلّ. (4/89)
صفحة 1674
وقيل: يجوز التعارف في نخل المسجد مثل الحطب والنبات ومالا تمانع فيه فيما بينهم؛ وفي نخل الغائب واليتيم ممّا يجوز أخذه بالتعارف كمن يشتري الثمار في أيّام القيض في النخل فيأخذ معها غيرها كالعسق والشغراف، فإذا ترافعوا إلى الحاكم حكم بردّه ولا له إلاّ الثمرة والعسق وكذا لقط ما لا يرجع إليه ربّه ممّا يعرف جوازه بالقلب، ألا ترى أنَّهم لا يجيزون لقط قيراط من فضَّة، وأجازوا لقط ما قيمته فوقه من الثمار من النخل والشجر، لأنّ النفوس تسمح بها لا بالفضة ونحوها ولو قلّ.
وكذا لم يجيزوا كسر مشواك من مال أحد إلاّ بإذنه؛ وأجازوا لقط التمر والرطب والبسر وهو أكثر ثمنا وأعظم نفعا منه، وقد جرت العادة بذلك. والإباحة تعرف بالقلوب دون اللفظ والإطلاق به.
وأجازوا استعمال عبيد النّاس في الاستئذان على مواليهم وسؤالهم عن أحوالهم ومصافحتهم إذا سلّموا عليهم، لا استعمالهم في غير هذا وإن بقليل إلاّ بإذن، لأنّ مثل ذلك تطيب به نفوس مواليهم.
وأجازوا في الاستئذان في دخول البيوت بما يسمعون من الصوت إذا قيل لهم: ادخلوا ولو من صبي أو أنثى أو عبد؛ وكلّ ذلك بالتعارف.
وكذا يعطى السائل من الزكاة لسكون القلب أنَّه فقير بما يرى عليه من أثر الفقر في ظاهره ولو غنيا في باطنه.
وكذا الرجل يأتي المرأة في فراشه نائمة فيطؤها ولا يعلم أنَّها زوجته وتزف إليه ليلا فيطؤها ولم يرها قبل ولم يعرفها.
وكذا من يشتري من البزّاز متاعا فيضعه في خرقة أو قرطاس ويلوي عليه الخيوط فيقبضه ولا يردّه عليه ولم يقطع له ثمنا ولم يتقدّم فيه شرط ولا حلّ إلاّ ما جرت به العادة. وكذا ينشر الثوب للمشتري ليريه إيّاه فيضعه في الدكان ولم يقبضه صاحب الدكان. وكذا حبل الدابة إذا بيعت وكسوة العبد إذا بيع ولو لم يذكر ذلك عند البيع. وقد اعتيد أنّ البائع لا يطلبه.
وكذا يمر أحد بأحد فيدفع إليه كفا من تمر أو نحوه فيأكله وإن لم يأمره بأكله. (4/90)
صفحة 1675
وكذا الجلوس على دكاكين الدور والأسرّة التي على الطرق.
وكذا يسلّم المشتري دراهمه إلى التمّار والخبّاز وغيرهما فيأخذها ويزن له التمر أو غيره ويسلّمه إليه بلا عقد البيع فيجوز له أكله. وكذا مبايعة العجم والصبيان والمسترسل. وكذا يحك الناقد الذهب والفضّة بحجر ويبين منهما فيه شيء ليعرف جودته من غشّه، وكلّ ذلك جائز بالعرف والعادة ولا ضمان عليهم فيه.
وأجازوا أيضا لقط تناثر الجوز والدراهم ورووا أنّ النبيء صلّى الله عليه وسلّم فعل ذلك وجاذب أصحابه، وبعض كره ذلك إلاّ بإذن من طرحه.
وقالوا في الجذوع الواقعة في البلد لا بأس على من أخذ منها (5) أو حرقها أو حطبها إن لم تمنع، وإن كانت في ممنوع لم يجز شيء منها إلاّ بإذن. وقد قال بشير بن محمّد بن محبوب: كلّ مباح بين أهل قرية فلا بأس به، وكلّ ما لم يبح فكلّ أحد أولى بماله، ولا يحل إلاّ بإذنه؛ وهذا أصل دائر في كثير من الأموال. وفي الأثر: وإن حصد القطنَ أهلُه وأرغدوه وتغادر منه شيء في الحطب، وكذا قصب البرّ والذرة والشعير يتغادر فيه للفسل فيلتقطه الفقراء، وقد مرّ أهله عنه فقد جاز لهم لقطه لأنَّه من المتروك المباح. وكذا ما يتغادر في المسطاح والمقشاع إن كان لا يرجع إلى مثله. وكذا ما يبقى تحت النخل، وفي الخبوز (6) بعد الدوس والحصاد.
وقيل: وجد أبو المؤثر في طريق بهلا طعاما مطروحا فأكل منه حتّى شبع، وذلك في أيّام القرامطة فندم [115] وسأل ابن محبوب فقال له: من وجده مطروحا لا في وعاء فله أكله خبزا كان أو تمرا. (4/91)
صفحة 1676
الباب الثالث
في ذكر المغصوبات
فكلّ مغتصب حرام بالأصول الثلاثة:
فمن الكتاب قوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} (سورة البقرة: 188).
ومن السنّة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام ... ». ولا يحرم على الشخص ماله وملكه وإنّما ورد النهي عن أكل أموال الغير باطلا.
واجتمعت الأمّة أنّ دم الغير لا يباح لغيره إلاّ بوجهه، ولو حرّم على المرء دم نفسه دون دم غيره وأبيح له دون دمه هو لحرم عليه ماله وأبيح له مال غيره، كذا قال خميس، ولي فيه نظر، فإنّه لا تلازم بين المال والدم، فإنّ المال قد يباح بوجه ولا يباح به الدم وبالعكس، والله سبحانه يخاطب العباد بما يعقلون. واجتمعت الأمّة أيضا وأطبق العلماء على تحريم مال الغير ودمه باطلا.
فأمّا الدم فلا يجوز لأحد أن يبيح دمه لغيره، وجازت إباحة ماله له لأنّ له التصرّف فيه كيف شاء، ولا يحلّ له دمه إلاّ إن ابتلي به من قبل الخطإ أو البغي عليه فله أن يحلّه منه بعد الاِعتذار إليه وإظهار الندم على ما فعل.
ومن اغتصب أرضا إلى أرضه أو نخلا إلى نخله أو غيرهما ممّا يختلط بعضه ببعض فخلط المغصوب إلى ماله لم يحل له أن ينتفع به وإن بقليل أو بيع أو غيره، ولا الشراء منه لمن علم ذلك؛ وإن لم يخلطه بالذي له فماله حلال له وعليه التخلّص من المغصوب. (4/92)
صفحة 1677
واختلف فيمن غصب مالا ممّن يرثه ثمّ مات وورثه فقيل: لا يحلّ للغاصب أخذ ذلك على نية الغصب ويفرّقه على الفقراء وقيل: إنَّه عصى في فعله وعليه التوبة؛ ويحلّ عليه أخذ ما ورثه ولو مغتصبا له في الأصل.
ومن اغتصب من رجل شيئا ثمّ غصب هو من غاصبه أقلّ من ماله جاز له أن يستوفي حقّه أو دونه لقوله تعالى: {ولَمَنِ انتصر بعد ظلمه ... } الآية (سورة الشورى: 41). ومن غصب طعاما ثمّ أطعمه غيره فأكله ولم يعلم أنَّه مغصوب فضمانه على الغاصب دون الآكل؛ وإن علمه قبل أكله فلا نقول بإسقاطه عنهما معا.
ابن محبوب: من اغتصب امرأة بلبنها فمات ولدها بذلك فإن كان في موضع لا يوجد له غذاء من غيره ولم يدركه حتّى مات فعليه دية الولد؛ وإن كان فيما يوجد له غذاء من غيرها فيه فلا شيء عليه إلاّ العقوبة والأدب.
ومن نبت نخلة فجاء من أخذه منها فتغرفدت النخلة، فقيل: لا يلزمه إلاّ قيمة النبات وقيل: يلزمه نقصانها. ومن سرق نباتا من فحال غيره فلقح به ماله فعليه قيمة النبات يوم سرقه؛ وإن فسد نخل المسروق فحله لعدم النبات فعلى السارق ضمان فساد نخله.
ومن هدم بئرا ذات زراعة لغيره حتّى ضاعت أو نهرا كذلك فضمان ما تلف من فعله عليه.
وكذا من نقب جدار بيت فدخله سارق فأخذ منه شيئا أو فجّر حظار زرع فداخلته دابّة فأفسدته فضمان ما سبّبه عليه.
ومن اغتصب حبّا فزرعه في أرضه فالزرع له وعليه ضمان الحب. ومن اغتصب فسلة فغرسها بأرضه فإن شاء ربّ الفسلة قلعها وإن شاء أخذ قيمتها لأنّ الحب تستهلكه الأرض ولا يقدر ربّه أن يصل إلى عين ماله، والفسلة قائمة العين وقائم العين لا تكون الخصومة إلاّ في عينه وما تلف فهو مضمون البدل أو القيمة. ونقض الذرة وغيرها وقيل: القطن وغيره في حكم الفسل لا البذر، وكذا أبدان السكر ونحوه. (4/93)
صفحة 1678
ومن اغتصب أرضا وفسلها نخلا أو شجرا أو غيرهما أو زرعها فالزرع تابع للأرض؛ وفي أصول النخل والشجر خلاف: فقيل: تقوَّم عامرة وخربة ثمّ يخيّر ربّها في إعطاء قيمة الفسل وكان هو والأرض له وفي أخذ قيمته قيمة أرضه من ربّه وكان هو والأرض له. وقيل: يكونان بينهما بالحصص على قدرهما من القيمة.
أبو معاوية: الخيار لربّ الأرض، فإن شاء أمر الفاسل بقلع فسله وإن شاء أعطاه قيمته مقلوعا ملقى على وجه الأرض، وقيل: يوم فسله، وقيل: قيمته وغرامته ولا عناء له، وقيل: يعطي قيمة عمارته يوم استحقّت قائمة بلا أرض ويحسب له ما أفسد منها، وقيل: لا شيء له وهي بما فيها لربّها؛ وهذا أتلف ماله، والبناء كالغرس. وبالجملة: فمن غرس أو بنى بلا إذن ربّ الأرض فالخيار له وإن كان بإذنه فالخيار للفاسل والباني.
ومن اغتصب أرضا فبنى فيها مسجدا أو أخرج فيها نهرا أو حفر فيها بئرا فلا تجوز الصلاة فيه ولا الانتفاع منهما حتّى تصير الأرض في يد ربّها كما يستحقّها بحقّه، وقيل: يترك المسجد بحاله وعلى الغاصب قيمة الأرض لربّها، وقيل: لربّها إخراجه والانتفاع به. (4/94)
صفحة 1679
الباب الرابع
في التخلّص من تناول المغصوب
أبو سعيد: اُختلف فيمن يقطع زرع غيره قبل أن يثمر: فقيل: عليه قيمته يوم قطعه علفا، وقيل: يلزمه مثل ما يثمره مثله من الزرع ويعطيه حبّا أو قيمته كما يصحّ من مثله؛ ويروى أنّ عليا حكم بذلك، ويقوم مثل القت وما يرجع من الزرع بقدر ذلك. ابن علي: من قطع نخلة رجل فإنّه يفسل له نخلة مكانها ويعطيه أخرى يأكلها حتّى تدرك [116] تلك.
الموصلي: تقوَّم النخلة بلا شرب ولا أرض فيعطيه قيمتها.
مبشر: ينظر إلى فسالة الأرض ثمّ يعطي ربّ الأرض من مال القاطع مثل ما يأخذ الفاسل نخلا وله أرضه وماؤه.
أبو معاوية: ينظر قيمة النخلة وأرضها ثمّ تطرح عنه قيمتها وتثبت عليه قيمة النخلة كنخلة تسوى بأرضها عشرين درهما فإذا وقعت سويت خمسة فتطرح عنه الخمسة ويثبت عليه الباقي.
وقيل: إنّ ابن عثمان قطع نخلة من الصافية ففسل في أرض الصافية ثلاثا ولعلّه ــ قيل ــ على رأي من يقول ثلث للنخلة والآخر للماء وآخر للأرض.
ومن قطعت له نخلة فأراد أن يقطع بها نخلة للقاطع فقيل: لا يجده وله الضمان وقيل له ذلك على حكم العقوبة للفاعل. وكذا من غصب دابّة أحد فذبحها فكالنخلة في الخلاف. ومن قطع غدوقا من زرع غيره فقال مسبح: يردّ مثله وقال خالد: يعدّ للسنبل مثله ذرة كان أو ترابا. قال حسين: ذكرت المسألة بين يدي الإمام والشيخ أبي الوليد والأزهر ومسلمة وخالد المذكور وحيّان فلم يردّه أحدهم عليه غير الثمن.
ومن شرب من لبن مغصوبة فعليه قيمته لربّها إن عرفه وإلاّ تصدّق بها. (4/95)
صفحة 1680
واختلف فيمن رفع مغصوبا من مكانه ثمّ ردّه إليه فقيل: يضمنه بقبضه إيّاه وقيل: لا إن لم يدلّ عليه أحدا. ومن وقعت في حرثه دواب غيره فأفسدته أو أحد فله أن يأخذ الغرم كما حكم به إن علمه باليقين أو الصحة. ومن غصب أرضا أو بنى فيها بناء من طينها فهي وما فيها لربّها وإن كان الطين من غيرها فإن شاء ربّها أمر الباني بإخراج بنائه منها وإن شاء أعطاه قيمته يوم بناه. وكذا من غصب دارا أو جعل فيها خشبا له وغرم فيها غرامة فإن شاء ربّها أعطاه قيمة ذلك وإن شاء أمره بإخراجها.
ومن غصب أرضا ودفن فيها ميّتا في صافية ترك القبر بحاله وعليه لربّها قيمة موضعه وقيل: له أن يزرع أرضه وينتفع بها ولا يضرّه ذلك وإن دفع له المتلف لها قدر ما أتلفه منها حرم عليه الانتفاع بها ونبش الميّت. ومن دفن ميّتا في صافية فليتب ولا نرى له نبشه وعليه أن يجعل لها أرضا قدر ما أتلف منها.
ومن حفر بئرا في أرض غيره فهي لربّ الأرض ولا عناء له ولا عرق فإن أراد الغاصب أن يردّ الأرض كما كانت لم يجده ولا يلزم ربّها أن يعطي الحافر الغاصب ما زاد في قيمتها بالبئر. ولا تجوز الإباحة في المغصوبات ولا الدلالة ولا البيع إن كان المشتري لا يتوصّل إلى قبضها.
وقال حيّان: الإقرار في المغصوب جائز وعرض ذلك على ابن المختار فلم يقل شيئا؛ ولا تجوز الهبة فيه. وقيل: تساوى النّاس في أربع: الماء من الآبار لا يمنعه أحد ولا يبعه إن جاء من أراده لطعامه أو شرابه أو طهارته بدلوه. والعشب وهو النابت من غيث في غير ممنوعة. وحجر من جبال وأودية؛ والنّار الموقدة. وقد تقدّم ذلك. (4/96)
صفحة 1681
الباب الخامس
في غصب العروض وغيرها
وقد روي: من غصب مكيلا أو موزونا ممّا يبقى في الأيدي، فاستهلكه فعليه مثله من جنسه ووزنه وكيله وهو قول بعض منّا، وقال كثير منّا: إنّ ما أتلفه الغاصب من ذلك، فإن شاء ربّه أخذ مثله أو قيمته يوم أتلفه، وتعيّن المثل في الذهب والفضّة، قال خميس: لأنَّهما القيمة، ولعلّه أراد بهما النقدين لا مطلق العينين، وإلا فالقيمة إنّما هي بالنقدين.
وقد سنّ أنّ من اغتصب مالا يكال ولا يوزن كالثياب والأثاث والفرش وغيرها فأتلفها، فعليه قيمته يوم أخذه أو أتلفه، لأنّ عليه أفضل القيمتين.
واختلف فيمن غصب ثوبا أو فراشا، فأفسده أو أبلاه أو شقّه، فقيل: الخيار لربّه (7) فإن شاء أخذ قيمته وإن شاء أخذه وما أنقصه، وقيل: للغاصب إن شاء أخذه وأعطى قيمته، وإن شاء ردّه ونقصانه والأوّل أصحّ؛ ويقبل قول الغاصب في القيمة مع يمينه إذا أتلف أو نقص.
ومن غصب قطنا أو كتّانا أو ما يغزل بغزله، وحاك منه ثوبا، فالثوب لربّ المغصوب ولا عناء للغاصب؛ وإن أدركه ربّه غزلا أخذه، وإن أدركه في الحياكة، فالخيار لربّه إن شاء أخذه كما هو، وإن شاء أمره أن يتمّه ويعطيه أجرته، وإن شاء أخذ مثل غزله أو قيمته.
ومن سرق ما سرقه سارق، فإن عرف ربّه تخلّص منه إليه، وإلاّ دفعه إلى السارق، لأنَّه المخاطب بالتخلّص منه.
واختلف فيمن سرق دراهم أو عروضا، واشترى به شيئا، فقيل: البيع فاسد، وقيل: تام، ولربّ المغصوب أو المسروق الخيار.
ومن ترك ــ قيل ــ تحت دجاجته بيضة لغيره، وتفرّخت فالفرخ لربّها. (4/97)
صفحة 1682
وفيمن سقى زرعه بحرام، فقيل: إنّ الماء لا يحرمه، وقيل: يحرمه، واختير الأوّل، ويضمن الساقي قيمة الماء؛ وكذا في السماد، كانت (8) الزراعة حبّا أو علفا أو بقلا.
ومن غصب حطبا، فلا بأس على من قبس من لهبها لا من جمره.
وفي معاملة من بيده حرام وبيعه وشرائه، فقيل: حكم [117] ما بيده له، حتّى يعلم الحرام بعينه، وقيل: لا تجوز معاملته إلاّ إن علم أنَّه حلال، وقيل: حكمه على الأكثر حتّى يعرف غير ذلك.
ولا بأس بأكل موائد السلطان، حتّى يعلم حرامه بعينه، والتنزّه عن الشبهة أولى.
وإن اشترك قوم أصلا أو عروضا أو مكيلا أو موزونا، فغصب مناب أحدهم قبل القسم، فهو على جميعهم والباقي لهم معا. (4/98)
صفحة 1683
الباب السادس
في غصب العبيد وزيادتهم ونقصانهم
وقد اختلف فيمن غصب عبدا قيمته مائة درهم وربّاه وعلّمه حتّى بلغت ألفا، ثمّ نقصت بمرض أو كبر أو غيرهما حتّى رجعت إلى مائة، فقيل: لا شيء عليه إذا ردّه إلى ربّه ولم تنقص قيمته عن وقت أخذه فيه؛ وإن نقصت ضمن النقص؛ وقيل: إذا ردّه إليه بعينه فقد ردّ العين المغصوبة زادت أو نقصت، ولا يوجب عليه حبسه إيّاه حكما غير ردّ الغبن إن قامت وقد عصى به؛ وقيل: إذا غصبه يسوى مائة فزاد بتربية أو تعليم حتّى بلغت ألفا، ثمّ نقص بما مرّ إلى المائة، فعليه ردّه وتسع مائة أيضا لتعديته بحبسه عن ربّه، فيلزم به ضمان نقصه كعينه إن تلفت؛ وقيل: إذا تلفت زائدة أو ناقصة فإنّه يضمن قيمته يوم تلف؛ وقيل: يوم غصبه ويتوب (9) على كلّ حال.
ومن استعمل مغصوبا أو استغلّه عندما كان بيده لزمه ذلك، فإن غصب عبدا ذا مكسبة معلومة لزمه قدرها، ولا يعدله نفقته.
ومن اشترى عبدا من غاصبه بلا علم به ثمّ استحقّ عليه؛ فقيل: يحسب له نفقته، فإن كانت له مكسبة حوسب بها مشتريه، وقيل: لا، لأنَّه ضامن له والخراج بالضمان.
ومن غصب ما كدور أو دكان وكان ربّه يكريه، لزمه في الحكم ردّه وما يصير إلى ربّه من كرائه، وإن تلف لزمته قيمته وكراؤه معا.
وإن أسر عدو عبد رجل فاشتراه أحد بألف وخرج به إلى دار الإسلام، فلربّه أخذه بما اشتراه به إذا صحّ أنَّه له، إلاّ إن قال للمشتري: لا تشترني فأنا ألحق بمولاي، فإن اشتراه على هذا فهو لربّه بلا ثمنه؛ وإن أخذه باغ مقرّ فلربّه أخذه أيضًا بلا ثمن.
أبو علي: إن غصب ملك مشرك غلامَ مقرٍّ، فرفع المقرّ إلى ولاّتنا فيه فكتبوا إليه أن يبعث الغلام إلى ربّه ولم يلتفت إلى مكتوبهم فكتبوا إليه أيضا إنّك إن لم تبعثه إليه (4/99)
صفحة 1684
قوّمناه عليك قيمة عدل وأعطيناها ربّه من مالك، فأبى أن يبعثه فحبسه سنين وللغلام غلّة معروفة في كلّ شهر فقوّموه وغلّته وسلّموا إلى ربّه بعض الثمن، ثمّ بدا للغاصب أن يبعثه إليه أو هرب منه إليه، فإنّه أولى بغلامه، قال: ولا أعلم أنَّ (10) على المشرك شيئا من غلّته إلاّ إن قامت بيّنة أنَّه استغلّ منه كذا، فإنّه يأخذه من ماله قيمة خدمته من يوم غصبه.
و (11) من غصب صبيّا إلى أن شاخ فقيل: عليه أفضل قيمته يوم غصبه وبعدما كبر، وقيل: ردّه وما استغل منه.
ومن وجد آبقا لأحد فقبضه محتسبا فيه لربّه فهرب منه، فأبو عبد الله: إن أراد بذلك منفعة ربّه ولا يتّهم بغير ذلك فلا غرم عليه؛ ورأى أبو الوليد أنَّه يضمنه، لأنَّه فعل بلا إذن ربّه، وقيل: إن عرف بأخذ الأموال فلا يصدّق في دعواه ولزمه الضمان، وقيل: يلزمه إلاّ إن عرف بالأمانة ولا يتّهم بذلك.
ومن وجد مغصوبا عند غاصب فخلّصه منه وبعث به إلى ربّه فأتلفه المرسل به معه قبل أن يصل ربّه، فإن كان ثقة فلا ضمان على المرسل، وإلاّ لزمه.
وفي الأثر: ومن وجد مال أخيه فقبضه بلا وكالة منه إلاّ محتسبا لمسلم فتلف فلا يضمنه، كان ذلك في بلاد الشرك أو الإسلام.
وقيل: إنّ رجلا جاء من ناحية قيقا إلى موسى بعبد فقال: إنّ رجلا وصف لي غلاما له آبقا وطلب إلي أن آتيه به، فوجدت غلاما فأتيته به، فقال: ليس هذا غلامي كيف بالبراءة منه؟ فقال له موسى: ــ وبشير ومنازل قاعدان معه ــ خذ عدلين واذهب به معهما حتّى تأتي الذي وجدته فيه وأشهدهما على سلامته وخلّ سبيله، ثمّ أنت منه بريء. قال: قلت لهاشم: وكذا الدواب؟ قال: نعم، هي عندي مثله، وانظر ما إذا ردّه إلى موضعه وأبى العبد أن يفارقه خوفا من هلاك بعطش أو جوع فالظاهر عندي أنَّه يشهد أنَّه عنده أمانة لربّه ويحفظه له (12) ويعد عليه نفقته إلى أن يجده أو ييأس منه إذ ليس هو بضالة إبل. (4/100)
صفحة 1685
ومن غصب عبدا من رجل فقتله آخر فالخصومة بين ربّه ومن شاء منهما وكذا للغاصب أن يخاصم القاتل لأنَّه ضامنه بالغصب وقاتله ضامنه بقتله وكلّ منهما خصم. وإن صرع المغصوب على الغاصب أو سقط عليه من عال فقتله أو أحدث فيه حدثا فلا شيء على ربّه لأنّ الغاصب باغ عليه؛ وإن قتله العبد غيلة ففي الأثر لا شيء عليه، قال: ولا أعرف من أيّ وجه لم يلزمه ولا تبيّن لي براءة القاتل. وإن أبق من يد غاصبه فجاء مولاه وأخذ قيمته بقوله أو ببيّنة ثمّ بان العبد فهو للغاصب ولا سبيل للمغصوب عليه عند [118] أبي حنيفة، ويردّ له ما أخذ منه ويأخذ عبده عند الشافعي.
ومن غصب جارية فباعها لرجل فأعتقها فإنّها تعتق إن لم يعلم أنّ بائعها غاصب لها ويرجع عليه ربّها بقيمتها؛ وإذا صحّ عنده الغصب بعد عدم العلم به وقد أعتقها وطلبها (13) منه ربّها فلا شيء له عليه ويتبع بها الغاصب لأنّ المشتري أعتقها بملك جائز ثمّ استحقّت حرّة فلا تباعة عليه فيما لم يعلم، وإنّما يتبع ربّها الغاصب لها ولو وجدها لم تعتق لأخذها ورجع المشتري بالثمن على الغاصب البائع؛ فإن جاءت بولد من مشتريها ولم يعتقها فهو ولده ويعطي مستحقّها قيمته عبدا يوم ولد ويرجع بها على الغاصب.
ومن غصب جارية فوطئها فليردّها وعقرها؛ فإن ولدت منه أولادا فليردّها وأولادها لربّها. وكذا إن سرقها وإن باعها فوطئها مشتريها فولدت منه أخذها ربّها وقيمة أولادها عبيدا ــ كما مرّ ــ وعقرها أيضا منه ويرجع هو بذلك على غاصبها أو سارقها البائع لها والفرق بين أولاده وأولاد المشتري أنَّه جاهل بحكم الأمة ولم يتحقّق عنده تحريمها ولا يضنّها إلاّ حلالا وقد وطئها بملك اليمين والغاصب وطئها عالما بتحريمها عليه. (4/101)
صفحة 1686
الباب السابع
في غصب الحيوان والزيادة والنقصان فيه
فمن أخذ حمارة أحد فركبها بلا رأيه ثمّ أطلقها فضاعت لزمته قيمتها وكراؤها، وقيل: كراؤها ونقصها، لا قيمتها.
ومن عقر دابّة أحد وهي ممّا يؤكل فعليها أفضل قيمتها معقورة وسالمة؛ وإن لم يكن للحمها ثمن ضمنها سالمة.
ومن أخذ جمل أحد فركبه ثمّ نزل عنه فدفعه إلى غيره وتلف تحته فالضمان لربّه على الأوّل وعلى الأخير إن علم أنَّه لغير الأوّل ضمانه له، وإلاّ فلا ضمان عليه.
ومن علم بدابّة أنَّها مسروقة لم يجز له ركوبها ولا انتفاع بها.
ابن بركة: إن ذبح قوم شاة لغيرهم وأكل معهم رجل فلا أرى عليهم سوى الاِستغفار فقيل له: أوليس يلزمه ضمان ما أكل؟ فقال: لا لأنَّه أكل (14) ميّتة.
أبو سعيد: إنّ الآخذين لها ضامنون لها كلّها في الحكم والذابح لها مثلهم إذا علم الأصل فيها والممسك يضمن نصفها إن أمسكها له والمتلف ضامن لما أتلف منها والآكل لما أكل إذا علموا بذلك؛ وإن أراد أحد الغاصبين لها التوبة أعطى قيمتها كلّها وتبع هو أصحابه، وقيل: قدر حصّته فقط، وليس عليه أن يجبر غيره على التسليم؛ وإن أرادوها جميعا سلّم كلّ منهم (15) ما لزمه.
أبو الحسن: إن اجتمع ثلاثة فأخذ أحدهم شاة وأمسكها آخر وذبحها ثالثهما وأكلوا منها معًا (16) ثمّ أرادوا التوبة فإن أرادها الممسك لها ضمن نصفها وإن أرادها الذابح ضمنها كلّها وإن أرادها الممسك والآكل ردّ على الذابح نصف الثمن وإن تعاونوا على أخذها فعلى كلّ حصّته منها على عددهم لأنَّه ضامن لما قبض، وهذا عند من يرى أنّ الدابّة لا تتجزَّأ؛ وإن قبضها واحد ضمن الكلّ وكذا الذابح والممسك له ضامن للنصف، ومن تخلّص منهم لربّها من ثمنها فإنّه يتبع أصحابه بحصصهم. (4/102)
صفحة 1687
الباب الثامن
فيما جاء في السرق والخلاص منه
فإن سرقت جماعة شاة وأطعموا منها رجلا ثمّ أخبره أحدهم أنَّهم غصبوها فلا يقبله منه، وإن أخبروه به جميعا لزمه تصديقهم وعلى كلّ منهم قدر ما أكل منها.
والسرق كالغصب فيما مرّ من الخلاف. ومن وجد في ذرته رجلا معه عذوق ومخلب ورأى فيها قصبا مقطوعا قائما فتعلّق بالرجل وأخذ منه العذوق فليس له أخذه في الحكم، لأنَّه يمكن أن يكون من غير ذرته لأنّ اللّص يسرق من حيث وجد، وترك الشبهة أولى من اقتحامها، إلاّ إن رآه قَطَعت يدُه من ذرته فله أخذ ما رآه يقطعه؛ وإن نثر العذوق ومضى جاز لربّ الذرة أخذها وحفظها له إن عرفه، وإلاّ تصدّق بها إن كانت مسروقة؛ وإن أقرّ السارق وهو حرّ بالغ أنّ العذوق من ذرته فله أخذ ذلك في الحكم ما لم يَرْتب في إقراره. ولا إقرار لصبي وجناية العبد في رقبته.
ومن أخذ ما بيد صبيّ تخلّص منه إليه إلاّ إن علم أنَّه سرقه فيدفعه إلى ربّه إن علمه وإلاّ تصدّق به.
ومن وجد دابّة عند غيره مذبوحة يبيع لحمها ولا يدري كيف صار إليه اللحم ولا كيف كان ذبحها فله أكله إن أمكن أن يصير إليه بوجه حلال حتّى يعلم أنَّها ذبحت على غير جائز ذبحها. وإن سرقت جماعة شاة فذبحها أحدهم وأكلوها معا لزمتهم قيمتها جميعا إن سرقوها لذبحها وأكلها يوم تلفها.
وكذا إن سرقوا ثوب أحدهم وباعوه وكان الآخذ له واحدا وأتلفوه معا فقيل: يلزم كلاّ منهما ضمانه كلّه، وقيل: قدر حصّته؛ فإن أخذه زيد وسلّمه لعمرو فأتلفه ضمناه معا.
أبو عبد الله: من سرق دابّة وباعها فنتجت عند مشتريها بطونا ثمّ انتزعها منه ربّها بحقّ فإن أدرك الحقّ في المبيع [119] وقد أنفق عليه واستغلّ منه فإنّ نفقته تطرح (4/103)
صفحة 1688
له من الغلّة فإن كان فيها فضل على نفقته ردّه على ربّها وإلاّ وهي قصاص ما تعنّى على الدواب فليس لربّها إلاّ دوابّه، ويرجع بالغلّة على السارق؛ وكذا إن نقصت عمّا أنفق عليها المشتري فإنّه يرجع به عليه أيضا وما تلف من نتاجها بموت لا يضمنه المشتري إلاّ إن اشتراها عالما بسرقها فيلزمه ذلك؛ وإن لم يعلم فلا يلزمه إلاّ ما ذكر، وله على السارق ردّ الثمن أو الشروى إن شرطه؛ وإن اشتراها عالما بها فلا له عليه إلاّ ردّ الثمن. وكذا الغلّة لربّها إن اشترها عالما بسرقتها عنده.
ومن سرق دراهم فاشترى بها مالا أو دابّة وبلغ السلطان أمره فقطع يده فهل يؤخذ بما اشتراه به أم لا؟ فقد قالوا: لا غرم على السارق إذا قطع إلاّ إن قامت السرقة بعينها في يده اشترى المال قبل السرق أو بعده، وقيل: إن اشتراه قبله أهون، وإن لم يقطع غرم بلا خلاف وإنّما في هو في الغرم بعد القطع، والقول به على الموسر أحوط. وإن اشترى المال بالمسروقة بعينها وعليها وقعت الصفقة خيّر ربّ الدراهم فيها وفي المال. وإن اشترى المال على نفسه وأعطاها في ثمنه فالمال له وهي ضمان عليه.
ومن سرق ثوبا فصلّى به، فقيل: تامّة، ولا بدل عليه ولا كفّارة، وضمن الثوب ونقصانه، وقيل: لزمه البدل لا الكفّارة، وقيل: لا ولا، وعليه كراء الثوب.
وإن مات السارق قبل أن يقطع أو يسلّم السرقة إلى ربّها أخذت من ماله.
هاشم: إن سرق رجلان عشرة دراهم من رجل فذهب أحدهما فردّها على صاحبه فإنّه لا يبرأ حتّى يؤدّي حصّته إلى ربّها أو يحلّه.
ومن أقرّ عند رجل أنَّه سرق شيئا من مال فلان فعلى الرجل أن يخبره أنّ فلانا أقرّ عندي أنَّه سرق متاعك وإن خاف منه أن يظلم السارق أو يتعدّى عليه فلا عليه أن يخبره إلاّ إن أكل هو من السرقة فعليه غرم قدر ما أكل له. (4/104)
صفحة 1689
الباب التاسع
في الضمانات والتباعات والخلاص منها
فقيل: الفرق بينهما أنّ التباعة: ما لزم من غير قصد وتعمّد، والضمان: ما ضمن من الأموال على العمد، وفي هذا يجب الخروج ولا خروج في الأوّل، وليس على من عليه دين أو مظلمة إذا أعطى الحقّ لأهله أن يسألهم الحلّ. وكلّ ما يلزم فيه الغرم من مكيل أو موزون فعلى الآخذ أن يأتي بمثله؛ وإن كان عروضا كسيوف وثياب فعليه القيمة، والقول فيها قول الضامن مع يمينه. وكلّ من أخذ ما لغيره لا على الإباحة والإدلال فليتخلّص إليه منه وإن سلّم إليه قيمته برئ إن احتاط بمثل ما أخذ أو أكثر وإن لم يعلمه أنَّه من قيمة كذا وكذا.
أبو عبد الله: من عليه لرجل حقّ ثمّ لقيه فاتّسعه واحتاط ولم يسمّه له فإنّه واسع له إلاّ الفروج والجروح فحتّى يبيّن له أنَّه وطئ بنته أو أخته أو أنَّه جرحه ويتوب عنده ثمّ يستحلّه، وقيل: لا يلزمه أن يبيّن له من أيّ وجه إن أخبره أنَّه من جهة العقر أو الأرش أو الدية أو غير ذلك ... فإذا قال له: إنَّه من قبل صداق أو عقر أو أرش لم يلزمه أن يبيّن على نفسه من أيّ وجه كان ذلك، قلت: وخصوصا إن كان من قبل التعدّي فإنّ النفوس من ذلك تتحرّج.
وقيل: من أخذ ما لغيره وهو يتّهم النّاس به ثمّ لقيه فاستحلّه من قيمة ما أخذه عليه فأحلّه منها ولم يعرّفه إيّاه، فإن قام عينه ويدرك بوجه فلا يبرأ منه إلاّ بردّه فليحتلَّ فيه بما عزّ أو هان، إلاّ إن عرّفه إيّاه ثمّ يحلّه منه، ولا خلاف فيه؛ وإن ذهبت عينه فالأكثر أنَّه لا يبرأ حتّى يعرّفه إيّاه لئلاّ يتّهم به (17) غيره.
ومن عليه ضمان لقوم فأحلّوه منه فإنّه يبرأ ولو ظنّ أنَّهم استحيوا منه فالحلّ له جائز، وقيل: إنّ البراءة ضعيفة مع الحياء المفرط. ومن استحل رجلا ممّا له عليه فأحلّه (4/105)
صفحة 1690
منه وفارقه على ذلك ثمّ شكّ فلم يعرف كيف أحلّه أجزاه ذلك حتّى يعلم أنَّه لم يحلّه حلا يجزيه إذا علم أنَّه أحلّه في الحكم.
ومن استحلّ رجلا من كذا وكذا أو من قيمته فأحلّه على ذلك ثمّ لحقته تباعة له فإنّها لا تدخل في ذلك ولا يجزي في مستقبل لأنَّه يقع على ماض، وكذا لو قال: ممّا يلزمني لك من حقّ، إلاّ إن قال: فيما يستقبل.
وقيل: فيمن يداين النّاس ويعاملهم فقال: كلّ من لي عليه حقّ فهو في حلّ فعند الموت ضعيف لا جائز، وأمَّا (18) عند الصحّة فإن أشهد بذلك وقصد إليه على أنَّه قد أبرأ كلّ من له عليه حقّ ولم يرجع منه حتّى مات فهم بريئون، وإن لم يعلم به أو كميته. (4/106)
صفحة 1691
الباب العاشر
في ألفاظ الحلّ
وهو أن يقول المستحل للمحل: أنت يا فلان جعلتني في حلّ وسعة من كلّ ما لزمني لك عند الله من قليل أو كثير من دراهم أو قيمتها، فإذا قال: نعم أنت في حلّ من جميع ذلك وقال السائل: [120] قبلت منك ثبت له ذلك؛ وإن قال: نعم جاز ذلك وبرئ في الاِطمئنان وذلك في كلّ شيء إلاّ في عقر وأرش وما يطالبه ربّه ويدّعيه. وكذا الدين حتّى يعلمه وما كان باقيا بيده حتّى يعرفه، وكذا إن كان يتّقيه.
خميس: فهذا الذي أحبّه وتركت الخلاف؛ وإن كان من تستحلّه مريضا فقل بعد لفظ الحلّ: وقد أوصيت لي بهذا الحقّ من مالك، فإذا أنعم تمّ عليه ولا عليك أن تسأله عن وصياه. وإن كان المستحل وارثا فليقل: وهو لي من مالك إقرار منك إلي فإذا أنعم برئ؛ وإن قال: جعلتني في الحلّ من كلّ ما يحاسبني الله عليه من قبلك وقد أبرأتني منه، أو من كلّ ما يلزمني لك عند الله، أو قد جعلتني في الحلّ، فإذا جعله فيه في هذه الوجوه أو أبرأه من كلّ حقّ أو أحلّه أو أحلّ له من كلّ حقّ أجزاه على قول، وقيل: حتّى يعرّفه بقيمة محدودة.
ومن قال لغريمه: أبرأك الله، فلا يبرأ حتّى يقول: قد أبرأك، (19) وقيل: لا حتّى يفعل هو ذلك. ومن لزمه حقّ لأحد من وجوه وأراد أن يستحلّه فقال له: اِجعلني في الحلّ من كلّ ما لزمني لك عند الله ممّا أتلفته من مالك، أو تلف على يدي أو برأيي ممّا لا قيمة له إلى ما له قيمة وإن كان من الدراهم، فمن وزن حبّة خردل إلى ما دونها ممّا لا وزن له إلى قيمة كذا درهم إلى الألف؛ وإن كان من الدنانير وكسور الذهب فكذلك. وإن قال: أطلب منك أن تجعلني في الحلّ من كلّ ما يلزمني لك عند الله علمته أو جهلته من مالك أو من قبل ميراثك من فلان أو من حصّتك من ماله أو من (4/107)
صفحة 1692
حظك منه إلى قيمة كذا جاز. وإن قال: من الدراهم فمن قيراط إلى ما دونه أو حبّة فما دونها إلى كذا درهم أجزاه.
وقيل: فيمن لزمه مكيل فإن كان من غصب لم يجز أن يستحلّه إلى كيل أو وزن معلوم حتّى يذكر إلى قيمة ذهب أو فضّة وإلاّ أجزاه الاستبراء إلى قيمة كيل معروف.
ومن عليه حقّ أو تباعة لرجل فاستحلّه إلى قيمة وذكر بعض الصفة التي لزمه بها ولم يعرفه جميعها وكانت القيمة إليه، فقيل: يبرأ، وقيل: لا حتّى يعرّفه جميع ما لزمه ويصفه له.
فصل
اُختلف في المستحلّ إذا لم يقبل الحلّ من المحلّ، فقيل: له الرجوع على المستحلّ فيما أحلّه ولا يثبت في الحكم إلاّ بالقبول؛ وأمّا فيما بينه وبين الله فسيقبل ذلك، وقيل: ليس عليه قبول ما عليه مستهلكا له؛ وإن أحلّه من قائم في يده فقبل في نفسه فحتّى يقبله بلسانه ويعلمه أنَّه قائم بعينه ويحلّه منه على الهبة والعطيّة، وإلاّ فلا يجوز.
وقيل: إنّ الإجازة والحلّ والإقرار في الأموال والعطيّة والإباحة وغير ذلك إنّما يخرج على التعارف من طيبة النفوس من الحلال، وأمّا في الأحكام فعلى ما جرى اللّفظ فيه.
وإن استبرأ حي لميّت، وقيل: أبرأت فلانا من كذا دراهم أو حبّ فإذ أنعم صحّت البراءة للميّت، وفي قبولها له خلاف، واختير أن يعيدها كانت تطوّعا أو برأي الورثة.
ومن لزمه حقّ لصبيّ فأراد أن يستحلّ والده فإنّه يقول له أبرأتني من كلّ ما لزمني لولدك فلانا من دراهم وقيمتها إلى ألف من عروض وذهب وأنا منه في حلّ وسعة فإذا أنعم قال: قبلت. (4/108)
صفحة 1693
ومن لزمه ضمان لرجل من صنوف التمر كالبلعق والفرض وغيرهما فأبرأه من كذا وكذا ولم يقل فرضا ولا بلعقا فإنّه يبرأ لما قيل: إنّ التمر كلّه جنس، وأما الحب فحتّى يبرئه من كلّ جنس بعينه.
ومن قال لمن له عليه حقّ: أنت في الحلّ إلى ما أردت، فهو فيه إلى ما أراد إن اعتقد ذلك في وقته، وإلاّ فمتى ما اعتقده، ما لم يرجع عليه، جاز له في ماض ومستقبل. وكذا إن أحلّه إلى كذا درهم فيهما.
ولا تجوز هبة ولا إقرار ولا حلّ فيما بالذمم لأنّ ما فيها معدوم لا يصح فيه قبض، والبراءة تصح في الدين. وكذا هي في مجهول لمن عليه الدين والضمان، وأمّا لغيره فلا تجوز، وأجازها الحنفية في المجهول، لما روي عنه صلّى الله عليه وسلّم: لمّا بعث عليا إلى بني خزيمة حين قتل منهم خالد بن الوليد من قتل فأدّى كلاّ منهم حتّى بلغت الكلب وبقي بيده بعض المال فقال: أعطيكم ممّا لا تعلمون به ولا يعلمه الرسول فسّر بذلك صلّى الله عليه وسلّم وأجازه عن مجهول لا يعلمون به.
ومن قال لأحد أحبُّ أن تحلّني من كذا أو قيمته من مالك فقال: أنت في الحلّ وقصد به الحلّ أجزاه لا في الحكم فإن قال أحلتني ممّا علي لك إلى قيمة كذا فأنعم، كان حلا جائزا؛ وإن قال: جعلت لي أن أبرئ نفسي من كلّ ما يتعلّق عليَّ لك من أرش أو غيره إلى كذا وكذا، فأنعم جاز أيضا إن جعل له إلى حد معروف، وفعل المجعول له بعد استحقاق الجاعل فيشبه أن يتمّ عليه ذلك.
وإن قال لامرأة مريد تزوّجها على صداق أكثر ممّا قاطعها عليه: جعلتِ لي أن أبرئ نفسي من زيادة تلزمني لك ممّا أتزوّجك عليه [121] في الظاهر، فأنعمت؛ أوقال: جعلت لي أن أبرئ نفسي من كلّ ما يتعلّق عليَّ لك من قبل التزوج وغيره إلى كذا، فأنعمت؛ فإذا استحقّت الحقّ فأبرأ نفسه منه بأمرها قبل أن ترجع فيه أشبه أن يثبت عليها ما جعلته على نفسها ممّا استحقته ولم ترجع فيه حتّى أنفذ فيه ما جعلت له على وجه يثبت قبِل، سواء أبرَّأ نفسه قبل أن تعلم بالتزوّج أو بعده ورضيته، فإنّما (4/109)
صفحة 1694
تنفعه البراءة إذا ثبت الحقّ عليه؛ فإن قالت هي: أبرئ نفسك ورجعت بعد، جاز ما لم يعلم رجوعها قبل أن يبرئ نفسه.
وإن قالت امرأة لزوجها جعلتك في الحلّ من حقّي برئ من كلّ ما عليه لها من صداق وغيره ويقتضي أنّه ممّا تزوّجها عليه دون غيره وأنّه ممّا عليه من الدين والزوجية دون ما تزوّجها عليه، وأنّه من حقّ الزوجية من غير ضمان عليه، فيخرج من ذلك ما قصد إليه؛ وإن لم يكن لذلك موضع يقصد استحال في الحكم إلى أقل ما يجب من ذلك ويثبت في النظر، ولا يحكم بما سواه حتّى يصح بحكم أو تعارف.
ومن أحرق منزل قوم أو زرعهم أو ذبح لهم دابّة أو جرح أحدًا ثمّ استحلّهم إلى قيمة كذا فأحلّوه ولم يعلمهم بما كان منه فقال أبو المؤثر: إن عرف بالحدث أهله وتظلّموا من فعله لم يجز الحلّ حتّى يعرّفهم بالحدث وإلاّ جاز.
فصل
من قال لغريمه: إن أنا متّ فأنت في الحلّ ممّا لي عليك من الدراهم، وإن متّ أنت فأنت فيه أيضا، فهو ضعيف عند أبي المؤثر وثابت عند أبي إبراهيم. أبو الحسن: إن مات الذي عليه الحقّ كان حلا، وإن مات ربّه لم يكن حلا جائزا.
ومن عليه حقّ لرجل فأحلّه إن لم يعد إليه فقيل: لا يتم ولو لم يعد إليه، وقيل: يتمُّ ما لم يعد، فإذا عاد لم يتم بلا خلاف.
أبو المؤثر: من له على آخر حقّ من دين أو غيره فقال له: إن حدث فيّ حدث موت قبل أن آخذه منك، فهو وصيّة لك من مالي، ثمّ مات قبله فهو له، وبرئ منه إذا وسعه الثلث، وإن استداه بعد الوصيّة، فلم يعطه حتّى مات، فليس ذلك برجوع عنها (4/110)
صفحة 1695
وقد برئ، إلاّ إن قال: رجعت عنها؛ وإن قال: إن متّ قبل أن تدفعه إليَّ، فأنت مني في حل، فله الرجوع فيه، فإن لم يرجع حتّى مات الغريم، برئ منه، ولا رجوع فيه لصاحبه بعد موته.
واختلف في ضمان الربا، فقيل: يجوز فيه الحلّ وإلاّ برئ، وقيل: لا، إلاّ بالتوبة وردّ رأس المال، كما قال الله تعالى: {فإن تبتم ... } الآية (سورة البقرة: 279) (4/111)
صفحة 1696
الباب الحادي عشر
في الضمان للغائب وما لا يعرف له ربّ.
ومن عليه دين أو عنده أمانة لرجل أو وصيّة أو نحو ذلك فبعث به إلى ربّه مع من يثق به إلى بلد آخر، فإذا دفعه الرسول إليه كما أمره برئا منه معا وقد فعله المسلمون.
أخبر الوضّاح أنّ ابن علي أرسل دراهم عنده معه يدفعها عنه إلى رجل بالبصرة، فدفعها كما أمره فرجع فلم يسأله عن ذلك ولا أخبره هو بما فعل، وذلك لثقته بالرسول؛ وإن أخبره أنّه أدّى عنه ذلك كان أولى.
ومن عليه ضمان لامرأة وأبرته مستثرة فإن عرفها يقينا برئ عند الله لا في الحكم إلاّ بروية ومعروفة؛ وكذا إن أبرأته من وراء حجاب؛ وإن أرسل إليها من لا يثق به وأتاه عنها ببراءته فلا يبرأ.
وإن أعطى ذلك الحقّ رحما لها يدفعه إليها ووقف ببابها قدر ما يبلغها، فإذا برز وقال له: قد (20) دفعته إليها وقد غاب قدر ما يصل (21) ويرجع قُبل منه.
وأخبر أبو مالك أنّ على الفضل حقّا لامرأة وتعذّر عليه الوصول إليها ورغب في التخلّص منه وعنده ولد غير مرضي، فدفعه إليه وأمره أن يسلّمه إليها، وقعد هو على بابها فدخل الابن بقدر ما رجى أنّه وصلها ودفعه إليها، ورجع فأخبره أنّه فعل ما أمره به فصدّقه، وسكن قلبه أنّه أدّى الرسالة.
وكان على الحواري حقّ لوارث ميّت بصحار وأخبر أنّه لا يعرفه، فسأل عن الموضع فعرفه فوصل إليه وأرشده أهله على صاحبه بلا تفسير من اثنين أو ثلاثة، بأنّ هذا هو فلان، فصدّقهم ودفعه إليه ولم يطلب عدالة المخبرين؛ وكان ابن الريان يطلب الخلاص من حقّ عليه لامرأة ولم يجد سبيلا إليها ولا ثقة يصلها برسالته إلاّ أخا لها (4/112)
صفحة 1697
غير ثقة عنده، فدفعه إليه وأمره أن يدفعها إليها، وقال له: اتّق الله في الأمانة فإنّي أسألك عنها غدا وأطالبك بها، فإنّي لم أجد إليها سبيلا إلاّ بك.
أبو أيوب: من لزمه حقّ لناس لا يعرفهم من تجارة أربى فيها أو تجاهل في معاملته ثمّ تاب، فعليه أن يتصدّق بقدره.
وكذا من لزمه ضمان من نخلة أو مال أو أرض، أو بيت أو نحو ذلك، ولم يعرف ربّه أو وارثه، فإنّه يفرّقه إن كان ذا مثل في البلد وإلاّ فقيمته.
ومن عليه دين لمن لا يعرف وارثه سأل عنه إلى أن يظفر بحياته أو موته، فإن ظفر بموته كان الدين لوارثه، ثمّ يسأل عنه إلى أن يعرفه فيدفعه إليه، فإن لم يجد له وارثا سأل وكان في حال الطلب أو أوصى به؛ وقيل: إنّه يتصدّق به، لما روي: «كلّ مال لا يعرف له ربّ فأهله الفقراء».
ومن لزمه حقّ من قرية ولم يدر أيّ هي من القرى، فقيل: يفرقه في أيّ موضع شاء؛ وقيل: يوصي به على [122] الصفّة. وإن سلّمه إلى فقير أو ثلاثة أو أكثر جاز (22)، وإن لم يعرف كمّيته احتاط.
أبو سعيد: من لزمته تباعة في محل يعرفه لا ربّها كنخلة، أخرج منها طينا أو غيره، فإن عرف ربّها حين الحدث تخلّص منه إليه أو إلى وارثه، وإن عرف بقعتها لا ربّها سأل عنه، فإن لم يعرف لها ربّا فرّق التباعة أو قيمتها ودان بها متى عرفه، وإن أمكن أن يكون مالكها اليوم هو مالكها وقت الحدث فهي له حتّى يصحّ أنّها كانت لغيره، لأنّ اليد أولى بما فيها، وإلاّ فإن كان فقيرا سلّم إليه ذلك واعتقد أنّه إن كان له أو لموروثه فعمّا لزمه له، وإلاّ فلفقره، فإن سلّمها إليه على هذا ولو غنيا على أنّها له إذا لم يعلمها لغيره واعتقد إن كانت له فقد صارت إليه، وإلاّ احتاط بالخلاص منها أجزاه.
ومن وجد في ثوبه شيئا فقد ضمنه، لأنّ ثوبه قد احتمله، وإن تلف بلا تضييع منه لم يلزمه ضمانه. (4/113)
صفحة 1698
الباب الثاني عشر
في الضمان من الكتب والنسخ منها.
فمن عنده كتاب ينسخ منه فوقعت عليه مدّة فمحاها، فإن أفسد قرطاسه لزمته قيمة ما نقص منه، وإلاّ فلا شيء عليه، ولا بأس على من ينظر في كتب اليتيم وينسخ منها، فإن أحدث موجب نقص لزمه.
وكره أبو عثمان نسخ كتب من عند امرأة مكّنتها من كتب زوجها خيانة.
ومن أعار كتابا وقال لمستعيره: اقرأ منه ولا تنسخ فله أن يفعلهما، لأنّ العلم لا ينبغي لأحد منعه، وكذا القرآن ويضمن النقص والكسر.
ومن وجد كتابا عليه اسم بعض إخوانه فنظر فيه أو نسخ منه وردّه إلى من جاء به جاز على ما يعمله أهل العلم.
ومن نسخ كتب أهل الخلاف بجعل، فإن كان فيها كفر لم يجز له أن يوثره، وإن نسخها لنفسه ليعرضها على المسلمين جاز له.
وإن وجد في كتاب من ينسخه كلمة تحتاج إلى إصلاح بزيادة حرف أو نقصانه ورأى أنّه من الكاتب فلا يأثم إن فعل.
وسأل أبو صفرة ابن هاشم عن مستودع كتبا فيها دين المسلمين وسيرهم وله أولاد منافقون، أفيسعه أن يحبسها عنهم ولا يريهم إيّاها؟ قال: نعم ويعطيهم ثمنها، وكذا إن كانوا مخالفين.
ومن وجد كتابا في كتبه عليه اسم غيره، فإن احتمل عنده أنّه انتقل إليه بشراء أو هبة فهو له حتّى يصحّ غيرهما، وإلاّ فعليه الخلاص إلى من كتب عليه اسمه.
وجاز نسخ صك بدل صك، ونقل الشهادة فيه ويدّخر الأوّل في الجديد.
ومن عنده دفتر بياض فظنّه له وكتب فيه حتّى ملأه، ثمّ علمه لغيره ولم يجد أن يعطيه إيّاه بما فيه، فإنّه يعطيه قرطاسا مثله. (4/114)
صفحة 1699
فصل
إذا أنفذ رجل من البصرة أو خرسان أو الهند إلى عماني: أنّي قد وجّهت إليك كذا وكذا من المتاع فبعه على ما ترى واشتر لي بثمنه كذا وكذا ووجّهْ به إلي، جاز ذلك، وتجري أمورهم بينهم به إذا سكنت النفس إلى الكتاب، وأمّا في الحكم فحتّى يختم الكتاب ويكون حامله ثقة.
وقد أجازوا إنفاذ الأموال العظيمة بالرقعة الصغيرة ما لم يرُب وكذا الديون؛ وتزول الحقوق عن المرسل بخبر الرّسول ما لم ينكر ربّها، فإن كتب إليه ببيع شيء من ماله، فقيل: يجوز لما حكي أنّ بشيرا كتب إلى أخيه عبد الله بن محمّد بن محبوب وهو (23) بمكّة أن يبيع له ماله فجبن من ذلك، وقال: كيف أبيع مالا وأزيل أصلا بكتاب يصلني؟ فكتب إليه أخوه: يا أخي لا تجبن عن مثل هذا، فإنّ أمور النّاس لم تزل تجري به.
ومن كان أمّيا وجاء عنه كتاب ببيع بعض ماله ولم يرتب فيه والرسول ثقة، فقد أجيز ذلك.
واختلف في بيع الأصول (24) حتّى تصحّ الوكالة في القبض.
ومن عنده وديعة لرجل فجاء حامل كتابا بتسليمه، فهذا يعرف ممّا أعتيد بينهم.
ومن أتاه كتابا وعنده أنّه كتب إليه فلا يضيق عليه أخذه وقراءته، فإن وجده إلى غيره (25) دفعه إليه.
وإن كتب الإمام أو غيره كتابا إلى وليّه أو غيره في حاجة له، ثمّ استغنى عنه فمزّقه أو أخذه، فعن أبي عبد الله: لا بأس به إلاّ إن كانت للإمام، أو لمن (26) كتب إليه فيه حاجة (27)، فعليه أن يبلغه إليه، ولا يجوز لأحد أن يكتب على لسان غيره بلا إذنه، وذلك من أعظم الخيانة إلاّ إن اضطر مضطر إلى ذلك فيكتب على وجه الإدلال (4/115)
صفحة 1700
لما يرجو من اطمئنان قلبه، فإنّ المكتوب يفرح بذلك أو على أن يعتقد أن يعلمه وطمأنينة قلبه ووحشته حجّة عليه وله.
واختلف فيمن يكتب لغيره حساب دين على النّاس بلا إذنهم، فقيل: إن كان خطّه لا يثبت في الأحكام وإنّما يكتب على سبيل التذكرة فلا بأس به، وقيل: ترك ذلك أسلم.
ومن بعث قيل إلى رجل برقعة يسأله فيها عن مسائل، فإن بعث إليه بالجواب فلا يلزمه ردّها إليه، وإلاّ اختير ردّها إليه، ولعلّه يحتاج إلى مسائله إلاّ إن كتب إليه يسأله أو يسأل غيره فلا يلزمه، وإن لم يجبه أو لم يسأل له، واختير في مثل هذا أنّ المرسل إذا جعل فيها موضعا للجواب فإنّه يردّها له بعينها، ولعلّه يبعث بها إلى غيره، فإن أجاب فيها ردّها بعينها وإلاّ فله حبسها والتصرّف فيها، وإن لم يجعل فيها موضعا له اعتبر العادة في الموضع، فإن كانت أن (28) القراطيس لا تردّ ويضيق صدر المردود عليه خطه إن [123] ردّه إليه، وإلاّ طابت نفسه جاز حبسه، لأنّ جري العادة بين النّاس من وجوه الجواز. (4/116)
صفحة 1701
الباب الثالث عشر
في البلدان التي جاء الأثر بتحريمها.
فالبلدان المغصوبة كالبحرين والهجر ويسفم وحماج وسلوت لا يجوز الأكل منها إلاّ للمحتاج، ولا بأس بأكل ما أمكن أن يجلب إليها من غيرها وإن لغني، وجاز الشراء فيها من فقير، ومثل الرطب والأثمار التي لا يمكن وصولها إليها من غيرها التنزّه عنه أولى.
وقد قيل: إنّ كلّ أحد هو أولى بما بيده كما مرّ، حتّى يصحّ أنّه حرام، لأنّ الأثر قد جاء فيها مجملا، ويمكن أن تكون هذه العمارة قد أحياها من أحياها في موات، ومن أحياها مواتا فهو أولى بها، والدليل فيه قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أحيا مواتا فهو له» وحياؤه سقيه، وما احتمل كونه حلالا أو حراما فلهم فيه أقوال ثلاثة: التحليل حتّى يعلم أنّه حرام، وعكسه، وحكم الأغلب منه وقد مرّ ذلك.
ويوجد أنّ الباطنة من الغوائب التي لا تحلّ إلاّ لفقير وقد اتّخذها النّاس أملاكا وعمروها وتوارثوها وتبايعوا أموالها ولا أنكر ذلك مسلم ولا عابه والتنزّه عن الشبهات أولى.
ومن داين من يزرع الباطنة من الفقراء واستوفى من حبّها من فقير فلا عليه، وأرجو أنّ البلدان التي هي في حكم الباطنة أن تكون مثلها. (4/117)
صفحة 1702
الباب الرابع عشر
في جواز الأكل والشرب والتعارف فيه والضمان.
وإن جعل رجل في منزله طعاما لجماعة فدعا رجلا أو امرأة للأكل معهم، جاز له ولا ضمان عليه، لأنّ حكمه لربّ المنزل، وإن كان بين جماعة في طريق أو مسجد طعام فلا يأكل معهم أحد إلاّ بإذنهم جميعا، وقيل: إذا دخله الريب.
وإن سكنت نفسه أنّه لمن أمره منهم، جاز له الأكل منه من طريق الاطمئنان لا من الحكم.
ومن قرب طعاما لأحد وقال له: كل منه فله أن يأكله كلّه، كما لو قال له: اقطع لي من هذه الشقّة قميصا، فله أن يقطعها كلّها قميصا إذا لم يفضل.
وإن كان بين جماعة طعام فيأكل بعضهم أكثر من غيره، فإن كان ذلك ممّا تطيب به النفوس ومن الإدلال جاز، وأمّا في الحكم فلا يصحّ إلاّ بالحل.
ومن صنعه لقوم نزلوا به ونواه لهم فلهم ما فضل منه، وإن نواه ليأكلوا منه فالباقي له.
ومن قال لأحد: كل من هذا الرطب وفيه بسر وقارين، فله أن يأكل ممّا شاء منها. وكذا إن أمره أن يشتري له رطبا فاشتراه له وفيه ذلك، جاز عليه، وإن قال له: كل من رطب هذه النخلة لم يكن له أكل البسر والقارين.
ومن أكل عند رجل رطبا فإن كان على وجه الهبة فالعجم له، وإلاّ فهو للمطعم، وقد مرّ عن ابن محبوب في الطعام: إذا وجد في الطريق موضوعا على الأرض أنّه يجوز أكله لا إن كان في وعاء.
ومن خلط طعامه بطعام غيره فلا يأخذ ما بقي منه إلاّ بإذنه في حضر أو سفر، ولا بأس بأكل طعام المفاجات بإذن ربّه. (4/118)
صفحة 1703
ومن دفع إلى أحد رطبا أو غيره وتولّى عنه ولم يأمره بأكله جاز له إن لم يرتب فيه لأنّه من المتعارف.
ومن أكل ثمرا في مسجد أو صافية أو أرض قوم لم يجز له أن يرمي بالنوى في ذلك، وعليه إخراجه، وإن يبس وتغيّر استغفر الله ولا عليه في الأرض المباحة ما لم يضرّ به.
وطعام العرس إذا دعا إليه رسول صاحبه جاز الأكل منه إن أبيح.
ابن عبّاس: من أكل دعوة بلا دعاء أكل فسقا وحراما.
ومن أخرج لأحد طعاما وقال له: كل أو تعشّ فلا عليه بواقع في الأرض من يده إذ لا يمتنع منه.
ومن لقي رجلا وقال له: قم إلى البيت فقرّب إليه طعاما، وقال له: مدّ يدك، فله أن يأكل وإن لم يقل له كل.
بشير عن أبيه: إذا وضع الطعام للنّاس فلا بأس أن يأكلوا وإن بلا إذن، ولا يوضع التمر على محلّ الألم من الدواب ولا تطعم الخبز، والفقير أولى به، ولها الحشيش وبعض أجازه وفعله، وروى أبو عبد الله أنّ الربيع دخل على المليح بن حسّان ذات يوم وهو مريض، فقال الربيع: يا قربشة هات الطعام، فتهلّل وجه المليح حتّى قام فقعد كأن لم يكن به مرض، فجاءته به، فقال الربيع للقوم: كلوا فأكلوا والربيع صائم.
فصل
أبو الحواري: من استأذن رجلا في ماء من خرس أو أتاه ليشرب فغسل به دما لم يجز له كما مرّ، وعليه أن يستحلّه فيه.
ومن طلب لغيره ماء ليسقيه فانصبّ عند شربه أو غسل منه يده، فإن كان فيما كثر فيه الماء ولا يباع فيه ولا عليه. (4/119)
صفحة 1704
وإن قال: اعطني ماء فله أن يشرب منه ويتوضأ. وإن قال: اسقني فإنّه يشرب فقط، ولا بأس بما يخرج من فيه عند الشرب بلا تعمّد لإتلافه؛ ومن وضع ماء في إناء غيره فلربّه أن يريقه منه.
ومن طلب ماء فسلّم إليه في إناء فسقط من يده فانكسر، فإن لم يتعمّد لذلك ولا فرّط في حفظه فلا يضمنه.
وفي الماء المسيل في الأسواق خلاف، قيل: للفقراء، وقيل: لهم وعابر السبيل، وقيل: يقف [124] ولا يطلب، فإن أعطي شرب والمجعول للشراب المباح إذا اضطر الرجل إليه من جنابة أو نجاسة فله أن يغسل منه، ويتمسّح إن كان لا يضرّ بغيره، وإن كان يضرّ به فلا يتعدّى إلى الإضرار. (4/120)
صفحة 1705
الباب الخامس عشر
فيما يجوز الانتفاع به من الأموال
ولا بأس بالدخول في مال وأرض لم تحصّن لقضاء حاجة الإنسان، إن لم يكن فيه ضرّ على ربّ ذلك. ولا يجوز الدخول في محصون بجدر وأبواب وسكك، ولا قضاؤها فيه إلاّ بإذن ربّه (29)، ولا تقضى تحت مثمرة إذا كانت الثمرة في حدّ ينتفع بها، ولا فوق جذع وجدار الغير إلاّ إن كان الحدث يقع في الأرض.
وقد رخّص كثير في المشي في أراضي النّاس ما لم يتّخذ الماشي فيها طريقا أو يدّعيه ملكا ولم يضرّ أهلها، وكرهه بعض في الرضم وأجازه في غيره، وكرهه آخرون في الجميع، وقيل: هو مباح ما لم يقع ضرر، ومنع.
ومن قال لأحد أنت في حرج إن وطئت في أرضي، أو صلّيت فيها فقد أجازوا الوطء في الأرض الحران والصلاة فيها. خميس: وأرجوا إن فعل ذلك لم يضرّه حرج صاحبها.
وقيل: إنّ رجلا حرّم على جاره المشي في أرضه فسأل بعضا عن ذلك فقال له: قل له يجدرها، ولم يحرمه فيها، قال ورأيت الشيخ يمشي في ذلك. ويقول الفضل: أدركنا النّاس يمشون في أرض النّاس ويتقحموا (30) الجدر، وهذا إذا لم تكن مضرّة، ولا ثبوت حجّة بتطرقه ولا تباعة، فإذا وقع الضرّ في الجدار ردّ فيه قدره وأصلحه على قول.
ومن مرّ فيها يابسة فلا يلزمه أن ينفض نعليه أو رجليه إلاّ إن حرّم عليه أهلها المشي فيها فيجوز له على ما (31) مرّ وينفض ذلك من ترابها.
أبو سعيد: من يمشي في طريق إلى أن فرغ فأفضى إلى نخل أو زرع وفيه طريق أثَّر فيه المشي وهو طين فتعلّق برجليه، فقيل: يضمنه وإن قلّ، وقيل: لا، إلاّ ما كان له قيمة أو في إخراجه مضرّة. (4/121)
صفحة 1706
ومن دخل ذُرة فقصف منها ورقة فلا عليه لأنَّها لا تضرّها؛ وإن كسر عودا ضمن قيمته، وكذا الورقة إن أضرت بالعود ففيها الضمان. وكذا الأحداث التي لا تضرّ المحدث فيه لا تباعة فيها، وقيل: كان أبو معاوية لا يمشي في طريق لا يعرف حدّها إلاّ بقائد يتقدّم به أو ياومه (32) وكان يضع أصبعه بالحائط ثمّ يرى ما لصق بها على ما مرّ.
ومن مشى في أرض قوم فطار ترابها في غيرها فليتخلّص منه، وقد مرّ أنّ من مشى في أرض غيره فعلق به طين فليردَّ مثله فيها، وقيل: ينفض رجليه ما قدر.
وفي جواز طرح الغط في أموال النّاس قولان. وسئل بعض عن ساقية مهجورة هل يجوز طرح الغطة فيها وإخراجه؟ فرخّص فيه لا في طرحه.
ومن اتّكأ بجدار قوم فأنحت منه ترابا يسيرا فأرجوا أن لا بأس عليه. ومن يتّكئ بالجدر في الطرق، فقال أبو معاوية لا بأس (33) بما علق به من الظاهر حتّى يكون من نفس الجدار فيستحلُّ أهله منه كما مرَّ. (34)
فصل
لا يجوز لأحد أن يقدم على دخول الممنوع، فإنّ الحشيش من الزراعة المحصون عليها بالجدر أو الحظران إذا عرف الحصن أنّه عن دخول البشر لا يجوز الدخول إليه فيه، ولو أبيح؛ فإن وصل إليه بلا دخول في محصون جاز له أن يتعاطاه؛ وإن عرف أنّه عن الدواب في التعارف لا عن البشر لم يكن الحصن حاجزا عن المباح الكائن فيه. وإن منع الحشيش في الحصن والزرع لأجل المضرّة جاز منعه؛ وإن منع لا لها على الزرع فلا نحبّ منع الكلإ. ومن حشّ حشيشا وعلق به تراب فقد أوجب أبو المؤثر ردّه منه إلى التي حشّه منها (35)، وبه قال عزَّان وغيره. ولا بأس بالحشِّ من مغتصبة ما لم يحدث فيها موجب ضمان. (4/122)
صفحة 1707
أبو حنيفة: إنّ النابت في المملوكة ليس ملكا لربّها. ومن أخذ ترابا أو طفالة ليستبرئ به من مال غيره فليردّ فيه مثله ــ كما مرّ ــ وقيل لابأس به إن لم تكن له قيمة أو كان إخراجه صلاحا لها ولا قيمة له (36)؛ ولا بالاِستبراء بحجر من أرض الغير ولو علقت به منها غبرة. وجاز أخذ التراب له من الجائز إن كان لا يضرّه؛ وإن كان لا يعرف أنّ هذا يضرّ أم لا فلا نحبّ أن يجعله لنفسه.
ومن استعار رجلا أو استأجره لبناء أو عمل طين فينصرف وبيده أو رجليه أو بدنه طين، فإن كان ينتفع بمثله فهو لصاحبه، وإلاّ وكان ممّا يغسل فلا بأس به.
ومن ربط دابَّته في نخلة غيره أو شجرته ولا يضرّها به فلا بأس به، ولا بحبٍّ في تبن لمن أعطي تبنا به حَبٌّ إن كان مثل ما يكون فيه مباحا؛ وإن كثر فليردّه لربّه. ومن اختلط تبنه بتبن غيره فله أن يأخذ منه قدر تبنه. والحطب من النخل وجدور الذرة إن جازت عند أهل البلد لا بأس بها؛ ولا بالفسل (37) الساقط والصمغ من القرط واللقاط من البساتين وما عرف بالإباحة مثلها عند أهل البلد؛ ولا يحلُّ الاِلتقاط من الأمكنة المحصونة. (4/123)
صفحة 1708
الباب السادس عشر
فيما يجوز الاِنتفاع به من المنازل
وقد أجازوا للساكن في منزل بأجر أو منحة أو إباحة أو إدلال أن يعلّق دلوه وقربته في النصب التي في البيت لربّه ما لم يكن فيه ضرّ عليه، ولا يحدث فيه ما لم يكن. وأجازوا أيضا استعمال الأعمدة والأوتاد والكوى التي في الجدار؛ ولم يجيزوا للساكن أن يحدث في البيت مصلّى، ولا أن يصلح القديم إلاّ بإذن ربّه.
أبو الحسن: للساكن في منزل بما ذكر ما لربّه بلا ضرّ بيّن فيه، وأن يربط فيه دابَّته، ويستقي من البئر، ويخبز في التنّور، وقيل: لا يخبز فيه إلاّ بإذن ربّه، ويوقد النّار في الموقد، ويبول ويتغوّط في محلّهما، وينام ولا يعلو ظهر البيت إلاّ بإذن ربّه، ولا يحدث في جداره وتدا لم يكن قبل، فإن سبق فيه فله أن يعلّق فيه ويستعمله، وله أن يكسح ما حدث في المنزل وينضحه بلا إذن ربّه. ولا يجوز له أن يعرى ما على ظهره من الخروق قبل إتيان الغيث، فإذا جاء ووقع عليه الضرّ فله أن يعميه. وليس له أن يركّب بابا إلاّ بإذن ربّه، وله أن يركب الصلة ويحدثها عليه ويصلحها إذا غابت بلا رأيه، وأن يدقّ في موقعة الحجر، ويستعمل من حجر البيت ما لا يدخل عليه به ضرّ.
ولا يجوز لأحد أن يسكن في بيت الغير إلاّ بإذنه، وإلاّ فعليه الأجرة، ولو سكن قليلا، إلا إن خربه أهله ونزعوا أبوابه وتركوه فيجوز لمضطرٍّ سكنه ما لم يتّخذه أصلا، ولم يدعه له.
ولا بأس بقضاء الحاجة في البيوت المتروكة كما قال الله سبحانه: {ليس عليكم جُنَاحٌ أن تَدْخُلوا بيوتًا غير مسكونةٍ فيها متاعٌ لكم} (سورة النور: 29) أي (4/124)
صفحة 1709
حاجة، كذا قال خميس، والأظهر عندي في معنى الآية غير هذا وهو: أنّ المراد بالبيوت: غيرَ المتروكة، وأنّ المراد الدخول فيها بلا إذن.
ومن دخل منزل قوم فليس له أن يتمخّط أو يبزق فيه أو في جدره إلاّ بإذنهم، فإن أذنوا له، وإلاّ فعل فيما أمكنه من ثيابه أو نعله. (4/125)
صفحة 1710
الباب السابع عشر
في الخطإ في الأموال، والأنفس باليد والنار وغيرهما
فمن كان عند رجل في بيته فسدع كوزًا خطأ فكسره، فعليه أن يغرمه، إلاّ إن أذن له ربّه بالانتفاع به.
ومن دعرت منه دابّة فوقعت حتّى دكّت شيئا منها فلا يضمنها.
ومن سلّم لآخر زجاجة ليضع فيها دهنا على وجه الشراء فكسرت من يده فلا يضمنها أيضا إذا سقطت من يده. ومن طلب من أحد أن يسقيه ماء فدفع إليه إناء فيه ماء فسقط من يده فانكسر، فإنّه إن لم يتعمّد كسره، ولا فرّط في حفظه، فلا عليه، وهو أمين فيه.
ومن طهّر ميّتا فوجد فيه خاتما فلم ينزعه وقبر به فإنّه ضامن له؛ فإن تركه بعد الطهر عليه وتولَّى كفنه غيره ولم يعرف حاله، فإن كان في أمن ولم يخف من نبشه فلا عليه؛ وإلاّ خيف عليه الضمان.
ومن جلس إلى حدّاد ينظر فطارت شرارة ففقأت عينه لزمته. أبو المؤثر: إن جلس إليه بأمره لزمه ما أصابه به، وإلاّ فلا عليه، وهذا إن كان في منزله فدخل إليه بغير إذنه؛ وإن دخل بإذنه أو كان في مباح لزمه الضمان.
ومن ووطئ شباكا ممدودة في حريم البحر فخرق بعضها برجله خطأ فلا عليه.
ومن قال لأحد ارفع عليّ هذا الهور فرفعه عليه فانخرق فلا عليه، ولو من تحت يده.
أبو سعيد: إن جاء كلّ من رجلين بكراز إلى تاجر ليزن لهما دهنا فوزن لواحد في كراز الآخر فأخذه، فإن وزن ونواه أنّه للأخذ ضمنه التاجر، لأنّه استعمله بلا إذن ربّه؛ وإن كان نواه أنّه لربّه ووضعه فلا عليه لأنّه استعمله على أنّه له؛ وإن سلّمه (4/126)
صفحة 1711
إليه ضمنه؛ وإن لم يأذنا له بالوزن ضمن ما استعمل من الكرازين إن أخذ كلّ كراز صاحبه، ولو نوى أنّه يزن لربّه.
ومن استقى من بئر على طريق فانقطع الدلو فيها فانخرق فلا يضمنه إن لم يتعمّد قطعه أو خرقه، واختير له أن يخرجها منها إن قدر.
ومن ألقى نارا في الطريق فأصابت مالا أو نفسا لزمه الضمان؛ وإن وقعت منه جمرة ولم يعلم بها ضمن ما أصابته؛ فإن ألقى آت عليها حطبا فأصابت بلهبها وزيادتها [126] شيئا فضمانه على الملقي عليها الحطب؛ فإن وضع نارا في حقّه فأصابت أحدا بلهبها فلا عليه؛ وإن وضعها في غيره فأصابت شيئا لزمه؛ وإن حرق في حقّه قصبا أو غيره فأصابت مالا أو نفسا لزمه، لا (38) إن حملتها الريح، وبعبارة أخرى: وإن أحرق أجمة أو حشيشا في أرضه أو أوقد نارا في تنُّوره أو داره فخرج منها شيء إلى غيرهما لم يلزمه.
أبو الحسن: إذا علت النّار فأحرقت بلهبها مالا لزم صاحبها، إلاّ إن مالت بها ريح فأحرقته. ومن أحرق بيته ولم يعلم أنّ فيها أحدا فاحترق فيها رجل فلا عليه، وإن أحرق بيت غيره فاحترق فيه لزمته ديته؛ وإن علم أنّه فيه فتعمّد حرقه لزمه القود، ويحرق ــ قيل ــ بالنّار؛ وقال أبو معاوية: يقتل بالسيف.
أبو سعيد: من أضرم نارا في واد فتتابع الحرق حتّى أحرق نخلا، فإن وضعها في مباح له الحرق فيه من واد أو مال له وكان بدؤها مباحا له، ففي وجوب الضمان عليه قولان، واختار أنّه إن كان في أمن من الضرّ فلا يلزمه؛ وكذا إن حمم تنّورا في بيته مثل ما يحمم غيره ممّا يؤمن من ضرّه فتولّد فلا يلزمه؛ وإن وصف لقوم في صبي عليل أن يجعلوه بين حلقتين ويعلّقوا بهما نارا فعلّقوا كما أمروا ثمّ منعتهم النّار عن أخذ الصبي حتّى أكلته فإن كانوا لا يأمنون عليه منها لزمهم ضمانه؛ وإن كانوا يأمنون عليه أنّهم يقدرون على أخذه ويرجون ذلك قال: فأرجوا أن لا يلزمهم فيما قيل في مثله، ولعلّ بعضا يذهب إلى الضمان في مثله مطلقا إن كان الإحراق منهم. (4/127)
صفحة 1712
الباب الثامن عشر
في الضمان بالصرع والدفع والعين
ومن وقع على أحد من فوق بيته فمات فلا دية له؛ وإن مات الموقوع عليه فعلى عاقلة الواقع ديته.
ومن صرع من نخلة على أحد فقتله، فإن كان ربّا لها أو أجيرا له والموقوع عليه تحتها داخلا إليها بإذن ربّها لزم الواقع عليه ضمانه، لا إن دخل بلا إذنه، ولا يضمن الواقع إن مات هو. ومن استرقي نخلة فسقط منها على أحد فقتله فديته على عاقلة مسترقيه؛ فإن ماتا معا فلا شيء على السافل، وعلى عاقلة الساقط ديته؛ وإن مات المسترقي فلا شيء على الراقي به.
ومن وقع في بئر وجرّ آخر معه وجرّ الثاني ثالثا فالأوّل ضامن للثاني وهو للثالث ولا يضمن الأوّل أحدا، إلاّ إن حفرها أحد بتعدية في طريق أو حيث لا يجوز له، فيضمن الحافر كلّ ذلك.
ومن دفر (39) رجلا فصرع على آخر فقتله فالدافر ضامن، ولا يضمن المدفوع الأوّل الثاني لأنّه مغلوب.
ومن عثر بحجر وضعه غيره في الطريق فوقع على رجل فقتله فالدية على واضعه.
والصبي والمجنون إذا تردّيا من عال على أحد فمات فديته على عاقلتهما لأنّ عمدهما وخطأهما سواء عليها.
ومن سقط على ماش في الطريق ضمنه؛ وإن وقف الأسفل فيها فقيل: الضمان عليه، إلاّ إن وقف لإعياء أو عذر، وقيل: على الأعلى.
والماشيان أيّهما سدع صاحبه ضمنه؛ وإن تألّم السادع بالمسدوع ففيه النظر، وكذا إن تألّما. (4/128)
صفحة 1713
وإن صدمت (40) السفينة سفينة فعطبت ضمنتها الصادمة، ولا شيء لها إن عطبت هي؛ وإن تصادمتا ضمنت كلّ ما عطب من صاحبتها إن كان فيهما ركاب، وإلاّ فلا ضمان على كلّ إن سارتا معا. وكذا الفارسان والماشيان إذا تصادما تضامنا على العاقلة لأنَّه (41) خطأ؛ وإن كان أحدهما عبدا فالضمان في رقبته كما مرّ.
فصل
من عرف نفسه أنّه إذا نظر إلى شيء أصيب لزمه ما أتى على عينه. ابن عبّاس: في قوله تعالى: {وإن يَّكاد الذين كَفروا ... } (سورة القلم: 51) أي يصيبونك بالعين، وذلك أنّ بني أسد كانت فيهم العين، حتّى أنّ الشاة أو الناقة السمينة تمرُّ بأحدهم فينظر إليها ثمّ يقول: يا جارية خذي المكتل والدراهم فإيتنا باللّحم منها، فما تبرح حتّى تقع فتنحر.
وسمع رجل بقرة تحلب فأعجبه ضرب شخبها فقال: أيَّتهنَّ هذه؟ ! فخافوا عينه فقالوا: الفلانية، لأخرى ردّا عنها فهلكتا معا.
الأصمعي: كان معنا معيانان فمرّ أحدهما بحوض من حجر فقال: بالله ما رأيت كاليوم فتطاير فلقتين فطبّبه أهله بالحديد، فمرّ عليه الآخر فقال: وأبيك لعلّ ما أضررت أهلك، فتطاير أربع فلق. وقيل: إنّ رجلا سمع بولا من وراء جدار فقال إنّه لتر الشخب، فقيل له إنَّه ابنك، فقال: وانقطاع ظهراه، فقيل له: لا بأس عليه، فقال: إنّه لا يبول بعدها أبدا، فما بال حتّى مات.
وإنّما يلزم الضمان في هذا متعمّدا لإتلاف شيء منه، وإلاّ فلا عليه، وفي هذا المقام زيادات نقلتها في الوَرد. (4/129)
صفحة 1714
الباب التاسع عشر
في ضمان الراكبين في البحر وأموالهم والمتولِّد من مثل ذلك
وقد كره الفقهاء ركوبه إلاّ لحج أو غزو أو جهاد لا لطلب عيش، وقد صحب الهم والخوف [127] راكبه، وأمّا أهل الصبر واليقين فالبحر عندهم كالبرِّ سواء، إلاّ من ضعف يقينه، وإنّما خيف لما جرِّب، ولو شاء الله لأمشاهم على الماء وحملهم عليه كالأرض ــ كما (42) مرَّ ــ، ولكن ليريهم آياته ليزدادوا يقينا، وقد أمشى عيسى عليه السلام على الماء، ولو شاء لأمشاه على الهواء والأمر كلّه له سبحانه لا شريك له، لا مانع منه ولا دافع، كما أنّ ذا النون عليه السّلام لم تنكسر به ومن معه سفينتهم، ولا انخرقت ولكن أحاط بهم أمر الله حتّى طرحوه، ثمّ تسرّحت.
وأجازوا المريد ركوب سفينة لا يعرف ربّها أن يركب فيها بإذن من يتصرّف بها (43) ويقاطع المتبلّغين فيها على ما اطمأن إليه قلبه، وليستأذن من قاضاه أين يقعد فيمشي إليه إن أذن له حيث لا يؤذي أحدا؛ وإن لم يأذن له في معلوم قعد حيث أمكنه؛ وإن أباح له أن يقعد حيث شاء قعد حيث أراد بلا إيذاء أحد، إلاّ إن اضطر فلا بدّ من القعود، ولو تأذى به مثله؛ وإن أراد التحوّل إلى غير ما أقعده فيه ربّ المركب لاستظلال من الشمس أو قعود فيها من برد فهذا يشترط على من قاضاه فيقعد حيث أرادوا، ويتحوّل فيه كيف شاء لإباحته له؛ فإذا فعل ما لا ضرّ فيه جاز له. وإن استأذن بعض الركاب أن يقعد معه على فراشه بلا إيذاء أحد ولا قعود على قماش يخاف عليه فلا يفعل ذلك إلاّ لما لا بدّ له منه، ولا يضرّ بأحد في مسير أو قعود أو مجيء، ولا يخالفهم إن منعوه، لأنّهم أعلم بعورات محالهم ومركبهم. (4/130)
صفحة 1715
ولا بأس بمضيِّه إلى الخلاء والوضوء والقنطاس والناخذ والتنّور وما لابدّ له منه إن كان لا يؤذي أحدا، ولا حجّر عليه ربّ المركب، والسلامة أولى به من المخاطرة فيما يستغني عنه.
وكراء الركبان (44) من البرِّ إلى المركب وعكسه على العادة. وله أن ينزل في القارب إذا قال الربّان للنّاس: انزلوا، وتيقّن أنّ الأمر للكلّ؛ وإن (45) لم يبن له ذلك استشار صاحب القارب في النزول فيه، فإن أذن له نزل، وإلاّ فلا.
وله أن يتوضَّأ من الدلاء التي على السنادس بلا إذن، لأنّها مباحة في العرف للركاب، وكلّ مباح استعماله في المركب فلا يستأذن فيه؛ ولا يجوز استعمال ما لم يبح فيه إلاّ بإذن من تقدّم فيه، وحكم ما فيه من الأدوات والأمتعة إلى المنسوب إليه المركب، إلاّ ما أقرّ به لأحد.
ومن أراد التخلّص من تباعة لزمته تخلّص منها (46) إلى المقرّ له بها إن أمكنه، وإلاّ فإلى المقرّ. وحكم ماء القنطاس لربِّ المركب، وعليه سقي الراكبين، ولا بأس على من آثره بشيء ما لم يتعمّد إضرار غيره، وعليه أن يعدل فيه؛ ولو كان الماء شركة بين الراكبين لكان إذا انقحم أو مات، أو مرض، أو غاب أحدهم لم يكن لسائرهم ولا لربِّ المركب أن يشربوا منه لأنّ فيه شركة لغيرهم، وعليه أن يعدل بينهم كالوالد بين أولاده. وقيل: حكم الماء للركاب وللراكب أن يصانع ربّ ماء القنطاس حتّى يسقيه. ومن لزمته منهم تباعة من ماء أو زاد وكانت برأي صاحب المركب فالمختار على القولين أن يستحلّه وأن يتخلّص بقدرها للراكبين إن عرفهم، وإلاّ تصدّق به، والقائل أنّ حكم الماء لهم يقول: من أجهده العطش وخاف الموت لزمه أن يشاورهم جميعا، والقائل أنّه لرب المركب يجيز له أن يشرب بإذنه بقدر ما يجزيه، ويردّ الفضل ولا يضيّعه.
ولا يجوز لأحد أن يشتري شيئا من السفينة من غير ربّها إلاّ بإذنه، إلاّ إن باع له أحد لباسه أو معروف بيده أنّه له، وقد مرّ غالب ذلك. (4/131)
صفحة 1716
فصل
ابن بركة: في الناخذ إذا خاف على المركب التلف فطرح المتاع برأيه فقيل: له أن يفدي النفوس بالمال ويضمنه جميع الركاب، وقيل: يلزمه هو بخاصته لأخذه الكراء عليه؛ وإن طرحه الربّان برأيه فضمانه عليه لا عليهم. أبو الحسن: يلزم الكلّ إن خافوا تلف المال والنفوس. مسعدة: إنّ أهل السفينة إن اجتمعوا على طرح المتاع ضمنه عدد الآمرين به؛ وإن طرحه بعضهم وسكت باقيهم فعلى من طرح أو أمر به. أبو سعيد: إن خاف ربّ المركب غرقه فله أن يطرح أمتعة النّاس، وإن كرهوا ذلك بعد الاِحتجاج عليهم؛ وإن طرح متاع بعضهم ضمنه الكلّ بالحصص؛ فإن كان صرف الضرّ عنه فالضمان على قدره؛ وإن كان على النفوس فعلى الرؤوس؛ وإن كان عنهما فعليهما؛ وإن كان فيهم صغار والنفع للكلّ أشبه أن يلزم الكلّ من طريق الحكم لا الحجّة إذ لا حجّة على الصبيان.
وإن كان في الركّاب مضارب بالمال وأصاب الخب ترك الحجارة من متاعه بالحصّة فلا ضمان عليه لربّ المال، وليس كمن أخذه الجائر بدفعه إليه فإنّه لا يجده ولو خاف منه قتلا، والفرق أنّ الجائر يخافه على نفسه، وذاك عليه وعلى غيره، وأمر المال في البحر من قبل الله لا يطاق دفعه بخلاف الجائر وقد مرّ غالب ذلك.
فصل
ومن ساح من البحر في مركب قد كسر في موضع فيه يتيم (47) عنده قوت يوم وفي الموضع طعام سائح من مكاسير المركب لا يعرف لمن هو وقد أضرّ به الجوع فله أن يأكل منه، لأنّه صار في حدّ التلف عن أربابه، ولا يلزمه ضمانه [128] لأنّه من اللقطات الصائرة في حدّ التلف، ولا يرجع إليها، وقيل: هو لقطة مضمونة إن عرف (4/132)
صفحة 1717
ربّها تخلّص منه إليه، وإلاّ تصدّق بمثله، وذلك أولى من أكل مال يتيم عنده قوت يومه ويضرّ به أكله.
وللغريق أن يتعلّق بما أمكنه من مركب أو غيره حتّى ينجو ولا يلزمه ضمانه؛ فإن سلم وخرج به (48) معه إلى الساحل لزمه لمن عرفه له، وإلاّ فكاللقطة.
وإن كسر قوم في البحر ومضت بهم سفينة فأرادوا الركوب فيها فأبى أهلها فتعلّقوا بها حتّى أغرقوها لزمهم ضمان ما جنوا من ذلك، إلاّ إن كان فيها محتمل لهم فمنعوهم فلا يلزمهم؛ وإن لم يكن فيها لغير من فيها فلهم أن يجاهدوا كلّ من أراد التعلّق بهم إن خافوا تلف الكلّ.
ابن محرز: من غرق ماله فقال: من استخرج شيئا كان له، ثمّ رجع يطلبه بعد استخراجه فإنّه يعطي مستخرجه كراء مثله؛ وإن قال: من استخرج شيئا فله نصفه أو نحوه لزمه ما شرط على نفسه. (4/133)
صفحة 1718
الباب العشرون
فيما يجوز الاِنتفاع به للمحبوسين في غير مواضعهم
ولا شيء على الرهائن في نزولهم وسكناهم في الدور المغصوبة إذ هم مقهورون على ذلك، والضمان على من قهرهم فيها وما حدث بها من أفعالهم من ضرّ وإتلاف بناء أو خشب أو أجر أو تراب لزمهم ضمانه، لا إن انصب منهم ماء في المنزل، إلاّ إن أضرّ أهله المغصوب منهم فالضرّ مصروف ومضمون على فاعله؛ ولا لهم أن يفعلوا فيه مضرًّا على أهله. وإن كانت فيه (49) بئر فلهم أن يسقوا منها وإن لوضوئهم، ولا عليهم فيه؛ وإن لم يمكنهم حمله لوضوء إلى غيره فلهم أن يتوضّؤوا فيه لاضطرارهم إليه؛ ولا يلزمهم المنصب منهم، إلاّ إن حدثت من فعلهم مضرّة في المنزل؛ وإن جعل لهم الماء في جرة أو أكثر عند بالوعة في المنزل لذلك جاز لهم أن يتوضَّؤوا عند الاِضطرار. وإن احتاجوا إلى إخراج خبث وفي المنزل بالوعة مجعولة له فلهم إخراجه فيها عند الاِضطرار إليه والتوضؤ، إذ لا يمكنهم النزول إلى غيرها؛ وإن لم تكن فيه بالوعة واضطرُّوا إلى ذلك فعلوا ما أمكنهم والاِضطرار غير الاِختيار. وإن انصبّ من المجعول لهم شيء عند الوضوء أو الشراب أو الاِغتسال فلا ضمان فيه، إذ لا يمتنع منه؛ وإن أراقوه لا لذلك ضمنوه؛ وإن أتى به من لا يعرفونه ولا أنّه مكره على حمله أم لا فلا عليهم إن كان عندهم أنّ الماء إنّما جعل في الموضع لذلك في غالب ظنّهم وسكنت النفوس إلى أنّه جعله لهم حابسهم؛ ولا يجوز انتفاع به لغير ما جعل له في الموضع، إلاّ إن اعتيد أنّه مجعول للمحبوسين ينتفعون به لما أرادوا من وضوء وغيره. ومن علم أنّه جعل له ولأصحابه المحبوسين معه لا لغيرهم وله عليهم دلالة في ذلك فلا عليه؛ فإن لم تكن له عليهم تخلّص منه إليهم بحلّ أو تسليم؛ وإن لم يعرف من جعل له تصدّق بقيمته وأوصى به في ماله. (4/134)
صفحة 1719
وإذا حضرت الصلاة فله أن يتوضَّأ من الذي في منزل غيره ويصلي في أقلّ مضرّة من مواضعه ممّا يؤدّي فيه فرضه؛ وإن لم يمكنه إلاّ بها صلّى وضمن. وإن صلّى على بساط ولا مضرّة فيه فذلك استعمال له في الحكم، وأمّا في الاِطمئنان إذا لم يحوّله ولم يحدث فيه حدثا فلا عليه فيه، وقيل يحوّله ويصلي مكانه ويردّه فيه، وقد مرّ ذلك.
ومن علم أنّ الحاملين مكرهون على حمله فهو لهم ولا يجوز الوضوء له منه ولا الاِنتفاع به؛ ومن اضطر إلى ذلك فعليه الضمان لأربابه إن عرفهم، وإلاّ تصدّق بقيمته وأوصى لهم به إن عُرفوا يوما ما؛ وإن غلب على ظنّه أنّه جعل لمن يتوضَّأ منه أو يغسل النجس من محبوس في الموضع فلا عليه فيه، ولا له أن يستعمله لما لم يجعل له.
وإن أتى به غتم لا يعرف كلامهم وفي ظنّه أنّه لشرب المحبوسين ومنافعهم جاز له؛ وإن جاء بالقِرب قوم وجاء غيرهم ليأخذها فلا عليهم إذا أتوا بها ولم يضمنوهم إيّاها إن تعورف بينهم أنّ أرباب القرب يأخذونها أو يأمرون من يقبضها إذا فرغت فلا عليهم في ذلك إن غلب على ظنّهم في العادة أنّ ذلك يرجع إلى أربابه.
وإن جاء إلى محبوس قوم لا يعرفهم فزوّجوه امرأة لا يعرفها ثمّ أتوه بها وقالوا له: هذه امرأتك فلا عليه في وطئها لجري العادة ــ كما مرّ ــ بذلك إلاّ إن ارتاب في أمرهم فترك الريبة أولى.
ومن أجبر على سكن منزل فله أن يجعل فيه طعامه وأمتعته وآلاته وكتبه وآنيته ويأمر بالدخول إليه فيه، وضمانه على مجبره لا عليه. وأمّا الاِستبراء والتيمّم بترابه فالمغصوب لا يجوز منه شيء لأحد.
ومن أحضر إلى جائر وهو في منازل النّاس فدخلها فلا عليه ولا يجوز دخوله لا لمعنى ولا ضمان [129] على داخل كرها ولا على سائل له حاجة، ويتصرف (50) ولو كانت المنازل لغائب أو يتيم.
تمّ الجزء الثاني عشر. (4/135)
صفحة 1720
هوامش الجزء الثاني عشر
(1) - ب: شيء.
(2) - ب: فيء وإرث.
(3) - ب: - والصيد كما مرَّ.
(4) - ب: وإن أفتوك وأفتوك.
(6) - ب: أخذها.
(7) - ب: لربِّها.
(8) - ب: كان.
(9) - ب: + إلى الله.
(10) - ب: - أنَّ.
(11) - ب: + وقيل.
(12) - ب: - له.
(13) - ب: - وطلبها.
(14) - ب: - أكل.
(15) - ب: - منهم.
(16) - ب: - معًا.
(17) - ب: - به.
(18) - ب: - أمَّا.
(19) - ب: + الله.
(20) - ب: - قد.
(21) - ب: + إليها.
(22) - ب: + له.
(23) - ب: - وهو.
(24) - أ وب (هامش): ولعلّ الأمّ فقيل كذلك وقيل لا حتّى.
(25) - ب: لغيره.
(26) - ب: من.
(27) - ب: إليه حاجة فيه.
(28) - ب: - أنّ. (4/136)
صفحة 1721
(29) - ب: ربها.
(30) - ب: ويتقحَّمون. وهو الصواب.
(31) - ب: - ما.
(32) - أ: يمكن أن نقرأ يأومه. وفي ب: يارمه.
(33) - ب: + عليه.
(34) - ب: - كما مرَّ.
(35) - ب: حشَّها. - منها.
(36) - ب: - له.
(37) - ب: القسل أو الغسل.
(38) - ب: إلاَّ.
(39) - ب: ذفر. وهو خطأ فالدفر بالدال المهملة: الدفع في الصدر، وأمّ ا الذفر بالذال المعجمة: اشتداد الرائحة كانت منتنة أو طيِّبة ويغلب استعمالها على المنتنة.
(40) - ب: صادمت.
(41) - ب: لأنَّهما. وهو خطأ.
(42) - ب: لما مرَّ.
(43) - ب: فيها.
(44) - ب: الركَّاب.
(45) - ب: + كان.
(46) - ب: بها.
(47) - ب: شيء.
(48) - ب: - به.
(49) - ب: - فيه.
(50) - ب: ينصرف. (4/137)
صفحة 1722
الجزء الثالث عشر
في المساجد والرموم، والموات، والجبال، والأودية، ومال السبيل، والفقراء (4/138)
صفحة 1723
الباب الأوّل منه
في المساجد وفضلها وما يجب لها وما يجوز فيها
قال الله تبارك وتعالى: {إنّما يعمر مساجد الله ... } الآية (سورة التوبة: 18). وقال أيضا: {في بيوت أذن الله أن ترفع ... } الآية (سورة النور: 36). فعمارتها ليس ما يفعله النّاس من حسن البناء، وإصلاح الجدر، وتزيين الغماء، وإنّما هي أن تصان من الأنجاس ودخول أهل الشرك والحائض والجنب، إلاّ من عذر أو خوف كما مرّ. وأن لا ترفع فيها الأصوات، وأن لا بخصومة، وعن بيع وشراء وإقامة حد، وعن صناعة، وقبيح قول وفعل، وخوض فيما لا يعني، ودخول الصبيان، والمجانين، والأموات، والبهائم، والسباع، والبزاق، والنخاع، والمخاط، والبول، والغائط؛ وأن لا تنشد فيها الأشعار بألحان، ولا تسلّ فيها السيوف، وأن لا تتّخذ طريقا ولا سوقا، ولا تنشد فيها ضالّة، ولا يمرّ فيها بلحم. وأن لا تبنى بالتصاوير ولا بالقوارير، وأن لا ينفخ فيها بمزامير، ولا توقد فيها نار وإن لاصطلاء، إلاّ من عذر وضرورة ونحو ذلك.
وحاصله أن تصان من كلّ ذلك، وأن ترفع ويذكر فيها اسمه بالأذان والصلاة والذكر والقرآن، ومدارسة العلم. وتكنس ويخرج منها القِذى؛ وتكسى بالحُصر إن أمكن، وإلاّ حصّت بالحصى فإنّه سنّة، لما روي أنَّه قال صلّى الله عليه وسلّم: «أحصبوا مسجدنا من هذا الوادي». يعني العقيق.
والمساجد بيوت الله في أرضه بنيت بالأمانة، وشرّفت بالكرامة، وزِينتُها نظافتها، وتعظيمها ذكر الله فيها.
قال ابن منبه بلغ ابن عبّاس أنّ ناسا جلسوا في المسجد الحرام يختصمون حتّى ارتفعت (1) أصواتهم فانطلقنا إليهم فقال لهم: أخبركم بالكلام الذي قاله الفتى لأيُّوب عليه السّلام وهو في بلائه، فأنعموا، قال: قال له: أما كان في عظمة الله وذكر الموت ما يكلُّ لسانك، ويقطع قلبك، ويكسر حاجتك يا أيوب أنّ لله عبادًا (4/139)
صفحة 1724
أسكنتْهم خشيته بلا عيٍّ ولا بكم، وأنَّهم النبلاء النطقاء الفصحاء العلماء بالله وبآياته، ولكنّهم إذا ذكروه تقطّعت قلوبهم، وكلّت ألسنتهم، وطاشت عقولهم فرقا منه وهيبة له؛ فلمّا استيقنوا بذلك تفرّقوا إلى الله بالأعمال الزاكية والقلوب الخاشعة والعيون الدامعة لا يستكثرون معه الكثير، ولا يرضون له بالقليل، يعدّون أنفسهم مع الظالمين الخاطئين، وأنَّهم لا برا البراء (2)، ويعدّون أنفسهم المضيّعين المفرّطين وأنَّهم لأكياس أقوياء، ناحلون ذابلون، قد برأهم الخوف، وغيّر ألوانهم الخشوع، يراهم الجاهل فيقول: بالقوم مرض وما بهم من مرض، وخولطوا وما بهم من مخالطة. ففي هذا دليل على حرمة المساجد.
وبعضها أفضل من بعض لما روي: «لا تشدّ الرحال إلاّ لثلاث مساجد: الحرام، ومسجد النبيء صلّى الله عليه وسلّم، ومسجد ابليا (3) وهو بيت المقدس». وقال أيضا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف فيما سواه إلاّ المسجد الحرام».
وقد رغِّب في بناء المساجد لما روى عنه الصدّيق: «من بنى مسجدا لله ولو قدر مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنّة».
وندب لمن يبني مسجدًا لله أن يتخيّر له موضعا حلالا لا شبهة فيه، وكذا ترابه وما يحتاج إليه؛ ويكون في متوسط للنّاس لا يشقّهم الوصول إليه، قريبا من الماء، واسعا للصلاة والذكر، لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم رأى قوما من الأنصار قد أسّسوا بناء مسجد فقال لهم: «وسّعوه تملؤوه، وكلّ ما كثر أهله كان أفضل».
ولا يبنيه رياء وسمعة، ولا يزيّنه بخضرة وصفرة ونقوش، ولا يجعل عليه الشرف، لما روي عن ابن عبّاس: «أمرنا أن نبني المساجد جمّا، والمدائن شرفا». والجم: الذي لا شُرف له، ومنه الشاة (4) الجماء، والأجمُّ: من لا رمح له في الحرب.
وروي: «ما ساء عمل قوم قطّ إلاّ زخرفوا مساجدهم كما زخرفت اليهود والنصارى بيعهم وكنائسهم». وروي: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إليه أسواقها، ــ والذي حفظناه: «البقاع» بدل «البلاد» ــ والمساجد: سوق من أسواق الآخرة، وأهلها أضياف الله، وقِراهم فيها المغفرة، وتحفتهم الجنّة، فإذا (4/140)
صفحة 1725
دخلتم فيها فارتعوا»؛ قيل: يا رسول الله كيف نرتع؟ قال: «عليكم بذكر الله والرغبة إليه».
ويقدّم الداخل فيها يمناه، ويسراه في الخروج، وليقل: «بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى أولياء الله؛ السّلام علينا وعلى عباد الله الصّالحين؛ [130] اللّهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك». وإذا خرج قال: «اللّهم إني بأسمائك انصرفت، وبذنبي اعترفت، اللّهم إني أستغفرك من سوء ما اقترفت»؛ ويصلّي على النبيء صلّى الله عليه وسلّم.
وقيل: من حقّ المسجد على داخله قبل القعود ركعتان لما روي: «ما من مؤمن مرّ بمسجد من مساجد الله، فصلّى فيه ركعتين ولو تطوّعا، إلاّ أثابه ملء ما في الأرض من المساجد؛ وهي مجالس الكرام، وحصن حصين من الشيطان، والجلوس فيها رهبانية هذه الأمّة».
ويقال: أديموا الاختلاف إليها فإنّكم لن تقدّموا كلمة تدلّ على هدى أو تنهى عن ردى، أو آية محكمة، أو علما مستظرفا، أو أخا مستفادا، أو رحمة منتظرة، أو ترك ذنب إمّا حياء وإمّا خشية.
ونهى صلّى الله عليه وسلّم أن يصغّر لفظ مسجد ومصحف استحقارا وانتقاصا.
ومن شرف المساجد ترك المعاصي فيها. ولا يكون قصد القاعد فيها استماع معصية لما قيل: «لو كان في مسجد قرية مزمار أو بعض المنكرات لم يُحَبُّ لأهله أن يعطِّلوه لما يسمعون من المنكر ولا يطيقون دفعه».
وقد مرّ معنى: «لا صلاة لجار المسجد إلاّ فيه»، وهو تضعيف الثواب، للإجماع على سقوط الفرض عنه إذا صلّى في بيته؛ وجاره قيل: أربعون ذراعا، وقيل: من مسمع (5) الإقامة، وقيل: الأذان، وقيل: من حيث يسمعه ويتوضأ ويدركها مع الإمام. (4/141)
صفحة 1726
وندبت إماطة الأذى منه، ومن الطريق، لما روي: «إماطته من ذلك حسنة، ولقظ اللّفظ [لعله: لقط اللقط] مهور الحور العين».
ونهى أن ينشد الشعر في المسجد؛ ومن فعل ذلك فقولوا له: «قصّ الله فاك». وروي أنّ عمر مرّ بحسّان ينشد فيه فلحظ إليه أو نهاه، فقال له: كنت أنشد فيه عند من هو خير منك، فقال له: لتأتين بصحّة ذلك وإلاّ علوتك بالدِّرَّة، فاستشهد جماعة من الصحابة فشهدوا له به فأمسك عنه. وفي رواية أنَّه صلّى الله عليه وسلّم بنى لحسّان منبرا يقول فيه الشعر.
خميس: والذي يتوجّه عندنا في هذا أنّ من قاله فيه يمدح به من لا يستحقّ المدح كعكسه، أو يذكر النساء يشغل به قلوب الرجال أو بألحان كما مرّ فهذا لا يجوز؛ وما كان منه فيه الحكمة والعلم من أيّ فن كان، أو يمدح به النبيء صلّى الله عليه وسلّم أو الإسلام، أو فيه تشويق إلى الجنّة، أو تخويف من النّار، أو حثّ على الطاعة، أو أمر أو نهي، أو نحو ذلك ممّا فيه طاعة، ولم يزد فيه حروفا وألحانا عند إنشاده فلا بأس به. (4/142)
صفحة 1727
الباب الثاني
فيمن يلزمه عمارة المساجد
فإذا لم يكن للمسجد مال يعمر به فقيل: إنّ الجامع عمارته في بيت المال، وقيل: على أهل البلد عامة من الأحرار الذكور البلَّغ العقلاء الحاضرين دون مقابليهم وفي غيره خلاف، قيل: ليس كالجامع وإنّما هو على وجه الوسيلة. ولا يؤخذ به عمّاره لأنّ الجماعة قائمة في الجامع، وقيل: يؤخذون به كأهل البلد.
ولو أراد ــ قيل ــ رجل أن يحتسب في عمارة خراب أو بعضه لجاز له بلا مشاورة من تلزمه عمارته؛ فإن أبوا وقالوا: نحن نعمره، كان لهم ذلك، ولا له أن يتقدّم عليهم فيه إلاّ برأيهم؛ وإن لم يعارضوه فله أن يتطوّع بذلك. وتلزم عمارة المسجد من له فضل عن قضاء دين لازم وقوت، وإن لعياله بلا ضرّ يلحقه في ذلك.
والجامع هو: ما يجمع أهل البلد للجمعة، وتلزم عمارته من تلزمه صلاتها والقسامة، لا فقيرا لأنّ الكلفة على من استطاع.
وإن لم يعرف لمسجد طريق حكم له به بالثمن من أقرب إليه ــ كما مرّ ــ والثمن في بيت المال إن لم يكن له مال. وإن انهدم مسجد ولم يبن محل جداره فإنّهم يتحرّون أساسه. ومن بقرب منزله خرب ولا يقدر على عمارته وسعه ذلك، ولا يكلّف فوق طاقته. (4/143)
صفحة 1728
الباب الثالث
في هدم المساجد والإحداث فيها وعمارتها
أبو عبد الله: لا أرى نقضها وهي قائمة لتجدّد أفضل ممّا هي، لأنِّي لا آمن أن يحدث ما يحدث قبل تمامها. أبو الحواري: لا بأس بنقضها لتجدّد أحسن منها.
ابن بركة: لا يجوز أن يكتب في قبلة المسجد شيء من الآي أو من المواعظ، ولا يجعل فيه تصاوير؛ ولا بأس ــ قيل ــ بصورة ذاهبة الرأس.
وإن زالت قبلة مسجد عن القبلة جاز نقضه واستقباله.
ومن أراد بناء مسجد في قرية فيها غيره وخاف إن بناه خرب الأوّل فلا عليه ــ كما مرّ ــ إن لم يقصد إضرار أهل الأوّل. أبو عبد الله: إن خاف ذلك فلا يفعل. والمسجد الضرار قيل: هو ما إذا عمر خرب مقابله.
عزَّان: يفسح في المساجد بقدر ما إذا سمع الرجل الأذان أراق البول وتوضَّأ وذهب إلى المسجد فلا يدرك الصلاة فيه، فهنالك يجوز بناء آخر. فمن أراد بناءه دون هذا القدر فللسلطان منعه. وما نحبّ بناء مسجد قرب آخر إلاّ لمن لا يقدر أن يصل إليه، لأنّ المسلمين [131] قد رخّصوا البشير أن يبني مسجدا لأنَّه ضعف عن وصول الكبير؛ وقيل: يجوز ما لم يتراءا (6) المسجدان ــ كما مرّ ــ وهما في القرية، أو يخرب الأوّل بعمارة الأخير، وربّما وجدت مساجد متجاورات في القرى ولم يعلم من المسلمين إنكار في ذلك.
وإن كان لقوم مسجد في محلّة يصلّون فيه، ثمّ أنَّه بعد عن بعضهم فبنوا آخر قرب منازلهم وتركوا الصلاة في الأوّل جاز لهم إن لم يقصدوا خرابه.
وإن خرب مسجد ولا مال له يعمر به، فاستحسن عمّاره موضعا بقربه أجود منه وبنوه باتّفاقهم واجتماعهم فلا عليهم. وجاز أن يعمر مسجد من ترابه إن ضاع (4/144)
صفحة 1729
منه ميزاب أو غيره واحتاج إلى إصلاحه به. وإن كانت قرب الجامع صافية واحتاج أن يعمل منها له تراب أو طين جاز إن لم يضرّها؛ وإن ردّ ترابٌ مكان ذلك فحسن.
وغماء المسجد وصرحته من ماله، ولا نعلم (7) في المنارة شيئا؛ ولا يعمر بماله إلاّ ما تقدّم.
ومن وقَّف مالا على عمارة مسجد فلم يُحتج إليه واستحقّه غيره لم يجز أن يعمر به؛ ولا بأس بما أعار به أهل مسجد لعمارة غيره.
ومن بنى مسجدا في أرض لقوم ومات، جازت فيه الصّلاة على قول، وعلى من أخذه قيمة الموضع لأهله؛ والرمُّ لا هبة فيه؛ فإن ذهب المحدث فالأكثر أنّ المسجد لا يهدم، وجازت فيه الصلاة، والهبة لا تصحّ، وعليه الضمان؛ فإن وهب أهل الرم كلّهم ولا يتيم فيهم ولا غائب ولا طفل، وجعلوه لله ولا شيء لهم على الباني، والهبة فيه لا تثبت.
ومن اغتصب أرضا وبنى فيها مسجدا فلا يثاب ولا تجوز صلاته فيه، وفي صلاة غيره خلاف، ولربّ الأرض ــ قيل ــ هدمه والانتفاع بها، وقيل: يرجع على المتعدّي بقيمتها ولا يهدمه؛ وقيل: له شراؤها.
وإن كانت صرحة مسجد لا جدار عليها تمنع الدواب، وله دراهم تفضل عن عمارة ما هو عامر فلا بأس أن يعمّر بها ما خرب منه، إن كان أصلح لعمارته وصحّ أنَّه منه. وصرحة المسجد منه ــ كما مرّ ــ. فإن كان حوله خراب وفيه دلائل بقايا عمارة تدلّ على أنَّه كان صرحا، فإذا كان منه فعمارته من ماله إن رأى القائم به أنَّه أصلح له، وما لم يصحّ أنَّه منه وإنّما قصد به زيادة فيه فلا، إلاّ إن كان فيه فضل عن ذلك، وكان أصلح؛ فإن كان في الصرحة الخربة تراب نظر الأصلح للمسجد من تسويته فيه أو إخراجه (8) وجاز أن يجعل له من ماله على صرحه أبوابا تمنع الدواب والصبيان إن كان أصلح له؛ وإن كان صلاحا للعمّار فهو عليهم دون ماله؛ وإن كانت له قطعة فلا بأس بالانتفاع بترابها له إن لم تكن مضرّة على الأصل؛ وإن تبيّنت عليه فعلى الفاعل إصلاح ما أفسد إلى أن يزول الضرّ. (4/145)
صفحة 1730
وإن اتّصلت بالمسجد أرض وأحبّ أن يحوّله مكانها ويستغلّ مكانه عنها لم يجز في الحكم، وأمّا في النظر فإن كان أصلح للمسجد ولماله لم يضق ذلك. وإن خرب ذو مال قليل لا يقوم ببنيانه فلا يجوز في الحكم بيع القطعة عليه، وفي النظر إن لم تسمَّ وقفا عليه وخرب بحيث لا ترجى عمارته إلاّ ببيعها لم يضق على القائم به؛ وإن كانت لا تقوم بعمارته نظر في ذلك القائم بأمره وأمر المسلمين، فإن لم يكن على المسجد ضرر في عمارته ورجى أن تقوم القطعة بها فعل ذلك وإن رأى إجبار عمّاره على عمارة بقيّته فعله (9).
وإن وقِّف مال على بناء مسجد فزال وبقي مكانه ماء فلا يجوز أن يبنى به في قربه، ولا يكون الوقف إلاّ في موضعه. ومن قاطع طيّانة على بناء جدار مسجد ساقط على أنّهم يعملونه ويغمون عليه، فلمّا بلغوا حدّ ما يغمى عليه وقع من أساسه فلهم أجرتهم، وعليهم التمام بما بقي، وإلاّ لم يكن لهم شيء ولا يذهب أجرهم إذا قاموا بما لزمهم من العمل. ومن اعترض بعمل في مسجد بلا أجرة ثمّ طلبها فلا أجرة له حتّى يؤخذ بها. ومن عليه دراهم له جاز له أن يعمل فيه وإن بولده أو خادمه أو دابته ويحسب ممّا عليه له. (4/146)
صفحة 1731
الباب الرابع
في توسيع المساجد وتضييقها وما يجوز
أبو الحسن: لا يضيّق بالنقص، وجاز أن توسّع؛ وقيل: يجعل لها أصلح لها من ذلك؛ وأن ترفع الصرحة. واختلف في غماء المسجد إذا قصر، ورأى الجماعة رفعه أصلح، فقيل: يجوز، وقيل: لا إلاّ إن كان من مال من أراد الزيادة فيه. ومن زاد في مسجد من ماله لا من مال المسجد، فقيل: يجوز ويكون إصلاح الزيادة من مال محدثها أو مال قائم به لا من ماله.
ومن أوصى لمسجد بوصيّة أو أعطاه عطيّة بعد أن زيد فيه تشارك الأوّل والزيادة فيها لأنَّه صار حكمه واحدا، ولا يعمر بالمال القديم إلاّ القديم منه.
أبو عبد الله: لا يغيّر المسجد عن أساسه ولا عن موضعه، ولا يعمّر بعضه ويخرب بعضه؛ وإن قصر بابه جاز أن يرفع، ويضيّق إن كان واسعا كعكسه، واستحبّ بعض أن يترك بحاله إلاّ إن كان تركه يضرّ أحدا؛ وقيل: لا يزاد في بنائه ولا ينقص إلاّ إن كان صلاحا له، لا لترفيه العمّار؛ وقيل: إذا غمي عليه بجريد فأرادوا كسره ويبنى فيه [132] بنقض وراءه أصلح جاز، ويعطى كراؤه من ماله. (4/147)
صفحة 1732
الباب الخامس
فيما يجوز من الانتفاع بالمساجد وفي تطهيرها إن تنجَّست وغير ذلك
وقد مرّ أنّ أهل البلد إذا خافوا من العدوِّ والتجأوا إلى المسجد واضطروا إليه ونقلوا إليه الجندل وغيره ليحاربوه به، جاز لهم اضطرارا، لأنّ المساجد جعلت للعبادة، ومن فعل شيئا من ذلك اضطرارا أجزتهم التوبة، ما لم تثبت من فعلهم مضرّة فتلزمهم إزالتها إن وقعت.
ولا بأس ــ قيل ــ أن يوتَّد في جدر المسجد وتد لقربة ماء لعمّاره إن كان لا يضرّ المصلّين، ولا يتولّد منه ضرّ على المسجد، ولو لم يسبق، وتنصب فيه خشبة، ويعلّق الحبل في جذعه للمحجن، وأن تحفر في جداره كوّة للسراج.
ومن بنى مسجدا في داره له ولعياله ومن يصلّي معه، فله أن ينتفع بظهره ويبني فوقه ما شاء من غرف أو ستور وغيرهما، إن كان يدور عليه باب داره، ولا طريق له، ولا باب من مباح منه الدخول لكلّ من أراده إليه، وكان البناء من مال الباني، أو مال معينه على أنَّه له أو لعياله؛ وقيل: إذا سمّاه مسجدا، وأراد به الله فلا ينتفع به، لما لا يجوز الانتفاع به من المساجد. وكذا إن عمل في بستانه أو منزله مصلّى وأراد أن يحوّله، فإن كان ملكا له واتّخذه لنفسه، فله أن يخرّب غيره ويعمره.
وفي إخراج الريح على العمد في المسجد تشديد، لأنَّه يؤذي الحاضرين فيه. وكره الاحتباء فيه، وقيل: يجوز إن كان من وجع في ظهر المحتمي أو ضعفه، وقيل: مطلقا، بيد أو بثوب، وأجازوه يوم الجمعة والخطيب يخطب.
ولا يجوز إدخال الموتى في داخل المسجد ــ كما مرّ ــ ولا خارجه للصّلاة لما روي: «من صلّى على جنازة في المسجد فلا صلاة له». والخائف يجوز له أن يقعد فيه ما لم يؤذ المصلين ويشغلهم؛ وكذا الدوابُّ إن اضطروا إلى ذلك، فإن أفسدت فيه (4/148)
صفحة 1733
بنجاسة أو روث لزمهم إخراجه، وتطهير المسجد متى قدروا على ذلك؛ وإن أحدثت (10) الدوابُّ حدثا في مال أو نفس عند دخول أو خروج أو وقوف، فلا نقول بالضمان في ذلك؛ وكذا إن اضطرُّوا إلى إدخال مال فيه من خوف مطر أو عدو، فما لم يتولّد من ذلك ضرّ، ولو على عمّاره فلا بأس به.
ومن وضع حديدة فيه أو في مباح كسكِّين أو فأس أو غيرهما فعقرت إنسانا أو دابّة فلا ضمان عليه؛ وإن كان في غير ما يباح فيه الوضع لمثل ذلك فلا يبرأ واضعها من ضمان.
ولا يعلى ظهر المسجد إلاّ لإصلاحه أو احترازا من العدوِّ. وأمّا الأكل والنوم في داخله أو ظهره كغريب لمبيت ليلة أو أكثر فلا بأس بذلك، لا أن يتّخذه عادة أو مسكنا إلاّ من ضرورة؛ ولا على من كتب كتابا فيه أن يتربه بترابه، وقيل: غير هذا. ولا يؤخذ منه ولا من طفالته للاستبراء، ولا بأس بالصلاة على ما بسط في المساجد، وحكمه لها. وفي المذكَّاة على المحراب أو غيره الوقف.
وكره قوم العمل في المسجد، وأجاز آخرون الضيعة الخفيفة: كالخياطة والنسخ وغيرهما ممّا لا يؤذي أحدا إن كان العامل ينتظر الصلاة.
ونهى صلّى الله عليه وسلّم أن يرفع فيه مقام الإمام، وأن يتطرّقه أهل الكتاب، وأن تطيب امرأة لطريق أو مسجد؛ وقال: «لا تمنعوا إماء الله مساجده، وليخرجن إليها تفلات»، والتفلة من النساء: التي لا طيب فيها.
ونهى أن يمسح بظهر المسجد من بول أو غائط، وأن تقضى الحاجة بظهره؛ ومن قضاها فوقه فعليه لعنة الله. ولا يجوز جماع زوجة فيه، ولا إحداث جنابة؛ وإن اضطر جُنب إلى دخوله أو أجنب فيه تيمّم ودخل، وكذا الحائض والمشرك إذا دخلاه واضطرَّا إليه، فإن كان بالمشرك رطوبة خطَّ على محلّها وغسل. ومن أجنب فيه فقيل: إنَّه إذا انتبه سحب ثوبه الطاهر ومشى عليه وخرج. (4/149)
صفحة 1734
ومن رأى نجاسة في مسجد ندب له إخراجها إن قدر عليه، ولا يأثم إن لم يفعل؛ وكذا إن رأى أحدا يصلِّي بنجاسة أو عليها ندب له إعلامه، وإلاّ فلا يأثم، إلاّ الإمام في الصلاة فعلى المأموم ــ كما مرّ ــ إعلامه لأنّ صلاته إنّما تتمّ به.
وحصر المسجد إذا تنجست وضربتها الشمس والريح، وذهب العين والأثر طهرت. وفي ضرب أحدهما وحده خلاف؛ وإن قام للنجس عين فلا تطهر إلاّ بالماء إن وجد، وإلاّ فبالتراب. وإن انصبَّ في المسجد دهن أو نحوه ممّا يبقى له زهم وغُسل وبقي فإنّه يطهر إن كان أصله طاهرًا؛ وإلاّ فإنّه نجس ما بقي. فإذا آذت رائحة الكنيف أهل المسجد أزيل، إلاّ إن صحّ أنَّه سبقه.
ومن طرح منه حصى نجسا أبدل مكانه طاهرا، ومن حوّله من غليظ إلى رقيق من المسجد فلا بأس. ومن رأى فيه ما كَنعْلٍ أو ثوب [133] أو غيرهما ممّا يشغل المصلي فله عزله عنه، ولا ضمان عليه فيه. ولا تُحوّل (11) بُسُط مسجد إلى غيره. ومن وجد فيه ما كالنوى أو التمر أو الحطب ورماه فلا عليه، وقيل: إن تركه في غير الحرز ضمن، وقيل: إنّ بشيرا دخل المسجد يجرّ ردائه، فسدع قارورة فيه فكسرت وانصبّ ما فيها، فانصرف ولم يلزم نفسه ضمانا.
وقيل: إنّ بعضا يخرج الدعون من المساجد والثوب ولا يتركون أهل الذمّة يدخلون المساجد إلاّ من ضرورة.
أبو الحسن: لا يمنع من أراد الحكم من دخول المسجد من حائض وجنب وكافر إلاّ الحرام، وقد أنزل النبيء صلّى الله عليه وسلّم وفد ثقيف المسجد. وإن آذى معتكفا فيه حَرٌّ فله أن يصعد على ظهره. وجاز طرد السكران منه ولو في وقت الصلاة. ولا تقام فيه الحدود ــ كما مرَّ ــ إلاّ اللّعان فإنّه لا يكون إلاّ فيه بعد العصر.
وجاز استعمال بئره لغسل الثياب وسقي الدوابِّ وللطهارة، وكذا دلوها وآبار الطرق. ولا بأس على متروّح بمراويح في المسجد. ولا يجوز لأحد أن يحوّل شيئا من الحصر ونحوها من موضع منه إلى آخر لينام عليه أو يقعد، وجاز للصلاة. (4/150)
صفحة 1735
ومن دخل مسجدا فوجد فيه خروس ماء، ولم يجد معها أحدا، ولا عرفه لمن هو، فلا له أن يشرب منه حتّى يعلم أنَّه مجعول لكلّ من يشرب منه ولو غنيا، لأنَّه إن كان للسبيل فهو للفقراء، وقد جُهل أيضا. وحكم الحجارة الموضوعة في المسجد له، لأنَّها والمال في هذا سواء إن كان ينتفع بمثلها. (4/151)
صفحة 1736
الباب السادس
في أموال المساجد وضمانها وحفظها والخلاص منها
وللعمّار أن يتراضوا في نخل المسجد ويجعلونه، وإن بيد غيرهم إن أمِنوه عليه؛ فإن اتّفقوا، وإلاّ أجبرهم الحاكم على جعله بيد أمين يقوم به وينفِّذه في مصالحه.
ومن وقَّف نخلة أو أكثر أو غيرها للمسجد فهو أولى بقيامها وحفظها من غيره وإنفاذها في ذلك إلى رأي عمّاره أو لما وقَّفها هو له. ومن لزمه ضمان لمسجد فسلّمه إلى ثقة ممّن يقوم به ويلي أمره، ثمّ تلف من يده قبل أن يجعله في بعض مواقفه برئ المسلِّم.
ومن جعل عبدا لخدمة مسجد وخيف هربه، فابن محبوب لا يجوِّز بيعه وشراء غيره، لأنَّه لا يدري أن يكون عمره أقصر منه.
ومن عليه ضمان لمسجد واستأجر عاملا فيه بقدره ثمّ أبرأه من أجرته بقدر ما عمل فقد برئ ممّا عليه له. ومن بقربه نخل مسجد فله جمع تمره وبيعه وإصلاحه به، إن كان من عمّاره ويحافظ على الصلوات فيه. ولمن يصلّي في غيره إذا رأى ما يضيع أن يقوم به محتسبا فيه ولا يضيّعه.
وإن سرق من جذوع موضوعة لمسجد بعضها فحمل الباقي رجل إلى منزله حافظا له، ثمّ خاف وهرب فأُخذ من منزله فلا عليه فيه؛ وإن استغنى عن جذوعه جاز بيعها في مصالحه. ولا يجوز لأحد أن يقوّمها على نفسه، إلاّ إن كان يدخل مكانها خيرا منها. وإن رثّ ما كدعن أو حصر وخلق في مسجد جاز لمن أخذَه إذا جعل مكانه خيرا منه أخذُه، ويثاب على ذلك في الزائد، وكان أبو مالك يأخذ الحبل من الفاجوش ويبدله من عنده بأجود منه؛ وإن كان برأي العمَّار (12) فأحسن.
وجاز التعارف في مال المسجد من حطب وغيره ممّا تعورف بين النّاس في البلد على قول. ولا بأس بنبق سدره إن كان لا قيمة له، (13) وأكله أولى من ذهابه. (4/152)
صفحة 1737
واختلف في النّابت في المساجد، فقيل: لها، وقيل: للفقراء. وإن كانت بين الطريق والمسجد شجرة جاز لهم أكل ثمرتها؛ وإن كان لها قيمة فالنصف لهم، والنصف له يباع في صلاحه، ولا يجوز أكله لغني.
وإن وُقِّف نخل لمسجد ففي بيع الصرم منه خلاف: بعض قال: إنَّه من الأصول، وبعض أجازه وجعله كالثمرة، إن كان المال لا يحتاج إلى الفسل. (4/153)
صفحة 1738
الباب السابع
في الإقرار والوصايا والعطيّة والصدقة للمساجد ونحو ذلك
أبو سعيد: من أقرّ بنخلة لمسجد أو تصدّق بها عليه، أو أعطاه إيّاها، فقيل: لا إحراز على مسجد ونحوه، وتصحّ له العطيّة باللّفظ دون الإحراز، وقيل: يجب؛ فإن أحرز له قبل الرجوع فيها ثبتت له، وكذا الإقرار والصدقة، وقيل: عليه الإحراز في غيره لا فيه. ومن أحرز له احتسابا جاز له في كلّ ذلك، لأنَّه ليس لمعيَّن، ولو أحرز له صبي بإذن أبيه أو عبد بإذن سيّده جاز. وإن أنكر المعطي أو المقرّ لم يجز للمحتسب تحليفه. وكذا إن احتسب ليتيم أو غيره، لأنَّه لا يقطع الحجّة.
ولا يثبت إحراز ذميّ لمسجد على مسلم، ويثبت على مثله. ومن عمل من ماله كذا لبنائه فبنى منه وبقي شيء فليس له أخذه. ومن وقَّف له شيئا جاز في صحَّته وبعد موته؛ وإن قال: ما فضُل فهو للفقراء، كان لهم؛ وإن رجع ففي الرجوع له خلاف. ومن وقَّف نخلة للفطور في رمضان في مسجد أو غيره، فلم يوجد من يأكلها فلا تصرف تمرتها إلى غير موضعها، وينتظر لها إلى أن يوجد لها آكل فيه؛ [134] وفي عجم التمر المفطر به في المسجد خلاف، قيل: هو له، وقيل: لآخذه، واختير اعتبار العادة في الموضع.
ومن له حصّة في مشاع فجعلها للمسجد، فإن كان تركه مشاعا يضرّ بالشركاء فعليه مقاسمتهم، وإلاّ لم تلزمه.
ومن قال هذه النخلة للمسجد وتحتها صرم، فهي وما تستحقّه من أرض وصرم (14) وغيره له؛ وإن قال: نخلتي هذه فلا تثبت إلاّ النخلة نفسها. ومن أوصى بمعيّنة للمسجد ولم يسمّ أيّ مسجد وفي البلد مساجد فعن أبي الحسن أنَّها للجامع الكبير، وقيل: إنّ هذه شبهة إذا لم يسمّ لأيّها، وتبطل الوصيّة؛ وإن قال: للمساجد، (4/154)
صفحة 1739
فذلك ثابت؛ وإن أُنفذ في مساجد بلده وغيرها جاز. وكذا إن قال: لمسجدٍ، وأيُّ مسجد أنفذ فيه جاز.
ومن أوصى بدراهم تجعل في أمر المسجد، فلا يشترى منها حصيرا ولا مصلّى للإمام، إلاّ إن كان مرعا فيشتري به حصير فيه للجميع؛ ولا يخصّ الإمام بمنصب واحد. أبو المؤثر: جاز أن يُشترى بها دهن، ويسرج به فيه؛ وإن قال: يجعل في عمارته، وهذه لعمارته، لم يكن إلاَّ أن يجدَّد ما خرب منه ويعمر، ولا يعطى في أجرة عامل فيه، وإنَّما يجعل فيما يوثق به وحده؛ وإن قال: هذه الغلَّة لعمارة المسجد جاز له أن يشترى (15) له منها البوربا ودهن السراج وغيره. وإن قال: له أو لبنائه، كان للبناء؛ فإن قال: لصلاحه، فقيل: له ولبنائه، وقيل: لبنائه وصالحٍ له من عمارته. أبو معاوية: يجوز أن يشترى منها منديل وحصير ودهن؛ ولا يجوز إن قال: لعمارته. وقيل: لا يشترى بها دهن؛ ويسرج إن قال: لها، وإنّما يجدّد بها ما خرب. أبو عبد الله: ليس العمارة للمسجد وإنّما هي لأهله، وجاز شراء الدهن والحصير والقنديل بها.
أبو الحسن: من وقَّف مالا في عمارته فلم يهدم جاز أن ينفذ في صلاح أبوابه وحُصُره والسراج ونقل الحصى إليه، وذلك عمارته. ومن قال: هذا المال وقف على المسجد، لم يجز بيعه أصلاً في أمر المسجد، وتؤخذ منه الغلَّة، وتجعل فيه؛ وإن قال هذه الأرض أو النخلة للمسجد، أو قد جعلتُ هذا له، جاز أن يباع أصله في أمره إن احتاج إليه؛ وإن أوصى فقال: هي وقف عليه، لم يجز أن يباع.
ومن أوصى أن توقَّف نخلة من ماله على المسجد فأخرجها الوصيُّ منه (16) لم يجز للورثة أخذها وتوقيف غيرها. ومن أوصى له بوصيّة ثمّ زال ولا يرجى رجوعه فهي ثابتة أبدا، ألا ترى أنّ موضعه يبقى بحاله لا يحدث فيه شيء.
ومن عنده مال ببيع الخيار وقال: إنّي تارك هذا للمسجد، فله الرجوع إن أراده، لأنّ المال بيده والخيار لغيره. ومن أوصى بنخلة من ماله أو بستانه لمسجد وأراد الرجوع جاز له. ومن أوصى له بجرة أو قربة له لم يجز للعمّار انتفاع به، إلاّ فيما كان (4/155)
صفحة 1740
له على وجه جائز من ذلك للمسجد. وإن وجد ما ينتفعون به فيه من ذلك ولم يعلموا أصله كيف هو فحكمه للمسجد.
ومن أوصى له ــ قيل ــ بعشرة دراهم تجعل في صلاحه ولسراجه ولحصير محرابه فلصلاحه النصف، ولكلّ من السراج (17) والحصر ربع. وإن قال: في صلاحه وفي سراجه وفي حصر محرابه، كان أثلاثا.
ومن أراد أن يوقف شيئا من ماله للفقراء أو المسجد قال: قد أوصيت بكذا وكذا وقفًا على ذلك.
ومن جعل لمسجد حصيرا أو غيره متطوّعا به، فعثر به رجل أو ناله منه شيء لم يلزمه بدله ولا ضمانه.
ولا يجوز أن يعطى من مال المسجد كراء من يلقط اللقط ويصونه.
ومن قال: إن متّ فنخلتي هذه للمسجد، فقيل: هو إقرار ولا رجوع له في الحكم، وقيل: وصيّة، وله أن يرجع قبل الموت. وإن كان يَفضُل من غلّة وقْفِ المسجد شيءٌ فلا يثبت في الحكم بيعه خوف الدرك، وأجازوا ذلك في نظر الصلاح وعملوا به.
وفي بيان الشرع: من له مال في ثلاث مساق وأوصى للمسجد بنخلة، وفي المساقي مساجد، فقيل: لمسجد المسقات التي مات فيها، وقيل: للذي تطمئنُّ إليه القلوب أنَّه قصده، وقيل: إن كان في القرى جامع فله، وقيل: لمسجد المحلّة التي هو فيها، وقد مرّ ذلك.
وللغنيِّ أن يأكل ممّا وقَّف لفطور في رمضان. وإن أوصى بوصيّة وقال: للمسجد أو لعمارته أو لإصلاحه أو في عمارته، فقيل: يكون ذلك في بنائه وغمائه وإصلاحه وعمارته، لا في حصره ولا (18) سرجه ولا حصاه، وقيل: يجوز في كلّ ذلك. وإن أوصى لمنفعته أو منافعه جعل في عمارته والحصا والحصر والسراج. وإن أوصى لعمّاره فهو لمن يصلّي فيه الخمس، إلاّ من عذر، وليس المراد: العمّار البانين له. ولا يجوز أن يشترى من وقفه قرطاس ويترك رفعه فيه ولا مرفع ليقرأ عليه فيه ولا المراوح له. (4/156)
صفحة 1741
الباب الثامن
في أموال المساجد وما يجوز فيها
أبو علي: من احتسب في مال مسجد وتركه بعد الحسبة بلا عذر حتّى ضاع خيف عليه الضمان. وإن ترك عمّاره نخلة أو شيئا من ماله حتّى ضاع وهم قادرون على حفظه لزمهم أيضا؛ ولا نحبّ لأحد أن يترك مال المسجد يضيع وهو يقدر على حفظه إلاّ من عذر.
ومن ولي نخلا لمسجد فله أن يعطيه من يعمله بنصيب منه على وجه العدل [135] فيه؛ وإن تفضّل وقام به بنفسه وماله فهو أفضل له. وإن رأى دفع سهم منه بقيامه أصلح للمسجد وسعه ذلك.
ومن جعل له سقاءين من عنده لم يجز له حمل الماء فيه للمقابر.
ومن عليه ضمان للمسجد وسلّم قيمته إلى ثقة وردّه إليه بعد أن قبضه له فإنّه بيده كالأمانة.
ومن احتسب في غلّة نخل المسجد أو أرضه وباعها نسية وأنكرها المشتري ضمنها البائع، وله أن يحلِّفه على جحده، وإنّما يضمنه لبيعه نسيّة بلا إشهاد.
ومن عنده دراهم لمسجد فله أن يسلّمها إلى ثقة عنده وعند المسلمين إذا احتضر.
ومن كسر من جدار مسجد أو غمائه شيئا برأيه أو بإجبار الجائر لزمه في ماله.
وفي القياض بمال المسجد خلاف بعض أجازه على نظر الصلاح وبعض لم يجزه أصلا.
ومن عليه دين للنّاس وتباعة للمسجد ولا عنده وفاء للكلّ فماله أسوة بينهما لكلّ بقسطه. (4/157)
صفحة 1742
ومن أطنى نخلة لمسجد أو يتيم من وكيل أو محتسب فيكسر شيئا من خوصها فالخطأ في الأموال مضمون، وقيل: ما لا قيمة له ولا تحاسب بين النّاس على مثله لا ضمان فيه على الخطإ، وسقوطه عن المحتسب أقرب إذا قصد الصلاح للمسجد أو اليتيم. والأجير الذي يخلج نخل المسجد فيكسر بعض الغدوق (19) تلزمه قيمته يوم كسره. ومن طنى نخل مسجد فلا شيء له في خوصه، إلاّ إن شرطه عند الطنا.
ومن بجانبه نخلة مسجد وأراد أن يحيط بماله جدارا لم يجز له إدخالها فيه.
وإن وسعت صرحته لم يجز لعمّاره أن يفسلوا فيها شجرة أو نخلة.
ومن باع شيئا من ضياع المسجد ومات مشتريه قبل أن يوفيه ثمنه، فإن كان مليا وفيا لم يلزم البائع ضمانه، وإلاّ لزمه.
ومن عنده مال مسجد وقاطع على عمله عاملا له، وينفق عليه من ماله هو، ويأخذ من مال المسجد إذا تمّ، جاز له في الاِطمئنان في الأحكام. وإن سلّم إليه ذلك من مال المسجد وعرَّفه أنَّه منه، ثمّ عمل على ذلك وأراد أن يقاصصه به خِفتُ أن لا يجوز ذلك؛ ولا لأحد أن يطني من مال المسجد واليتيم ويسلّم الثمن إلاّ من ثقة مأمون؛ وإن سلّمه إليه وتلف من عنده فقد برئ كما مرّ. وإن أنفذه في عمارة المسجد أو مصالح اليتيم فهو أيضا خلاص.
ومن اشترى وقيعة للمسجد فقطع بعضها له وباع بعضها، فالبيع ــ قيل ــ ثابت.
ومن عنده تمر مسجد وخاف ضياعه من ذاته ولم يجد من يثق به يبيعه له نسيّة، ولا ينفق بالنقد فهل له أن يقرضه؟ فالله أعلم، كذا قال خميس، وعندي: أنَّه إن رآه صلاحا فمال المسجد يجعل له ما يصلح له كاليتيم.
ومن أطنى مال مسجد ثمّ طلب إليه المطنَى أن يحطّ عنه لم يجز له إن ثبت حقّه وقدر على أخذه بلا حطٍّ. ولا يجوز لمحتسب لمسجد في الحكم أن يطني نفسه نخلة من ماله وينفذ ثمنها في صلاحه، وجاز من طريق الاِطمئنان ما لم تعارضه حجّة من (4/158)
صفحة 1743
محتسب عليه إن كان بعدل السعر، والمسجد كاليتيم في ذلك، إذ لا حجّة من كلّ منهما.
ومن أطنى نخلة لمسجد بنسيّة فأطناها غيره بنقد، فلا يجوز للأخير أن يسلم قيمتها للأوّل إلاّ إن كان ثقة؛ وإن أنفذها في مصالحه جاز.
وإن وقعت نخلة مسجد أو جداره أو شيء من ماله في الطريق، فإخراجه من ماله كما قالوا في اليتيم والغائب.
ومن استرفد دراهم لبناء مسجد جعل ما فضل منها في بناء آخر؛ وكذا إن استرفدها لبناء حصن؛ وإن لم يجد حصنا آخر ولا مسجدا وقَّف الفضلَ إلى أن يحتاج الأوّل إلى إصلاح أو زيادة.
ومن أطنى أو باع شيئا من مال مسجد فله أن يأخذ بالدراهم المغشوشةِ الصافيةَ بالصرف لا عكسه به، إلاّ إن رآه القائم به في نظره أصلح فذلك له. (4/159)
صفحة 1744
الباب التاسع
في إصلاح مال المسجد وزراعته
ولا يجوز في الحكم لمن بيده أرض مسجد أن يشتري لها سمادا أو بذرا ويطني لها ماءً لزراعتها من غلّتها، وجاز في الاطمئنان إذا رآه القائم أصلح، ولا ضمان عليه إن فعل. ولا يجوز له في الحكم أيضا أن يبني عليها جدارا يحصّنها عن الدواب من غلّتها، وجاز في النظر إن رآه أصلح.
ومن ترك مال مسجد ضاق عليه أمره في النظر، وله أن يفسل في أرضه فسلا، ويعطي كراء الفاسل فيها من ماله إن استغنى عن ذلك المال في وقته وكان أصلح له، وأن يشتري له الصرم ويعطي الأرض من يزرعها ويستغلّها بسقي الصرم. وكلّ ما كان أصلح للمسجد وأوفر جائز أن يفعل له. وإن فضل صرم من ماله جاز بيعه. وإن وقف براح عليه، فلا يضيق على من يزرعه بقعادة بحبّ أو دراهم إذا اقتعده من قائم به ثقة. وإن دفع إلى من يفسله رمّانا أو موزا أو نحوهما بجزء وللمسجد من غلّته ما قوطع له، فإن دفعه إليه القوّام به من الثقات جاز عند من أجاز المزارعة بالنصيب، لا عند من يرى للعامل عناءه ولا يثبت له ممّا زرع شيء.
ومن ابتلي بمال مسجد فله أن يستعمل له غيره إن [136] لم يقدر بنفسه ولا يستعمل له خائنا. ولا يجوز قياض من صرمه بمثله وإبداله. ومن فسل على ذلك وماتت صرمة المسجد وعاشت صرمته هو، لزمته قيمة صرمة المسجد.
وإن كان بين رجل ومسجد ويتيم مال فقال أبو الحسن: لا يعطى البيدار من سهم المسجد واليتيم، وقيل: يجوز أن يكون البيدار من الرأس في مالهما. (4/160)
صفحة 1745
الباب العاشر
في الرموم وأحكامها وما جاء فيها
أبو سعيد: إذا شهرت قرية عند أهلها أنَّها رمٌّ في الأصل بحيث لا يدفع ذلك عندهم ولا ينكر، إلاّ أنَّهم أدركوا آباءهم يتوارثونها كلّ من مات منهم وبيده نخل أو أرض أو ماء منها خلّفه على بنيه وهم على بنيهم. قال: إنّ الرموم على ما أدركت عادتها عند أهلها، ما لم يعلم أنَّهم أجمعوا على نقضها، وما لم يعلم أنَّها عادة باطلة لاحقة. قال: وهذا أصل يحتوي كثيرا من معاني الرموم؛ وقيل: إنَّها قسم في الجاهلية، أثبتها (20) الإسلام على قسمها، وليس لمن جاء بعدُ أن ينقض ما مضى حكمه، ولو جاز ذلك لجاز لقائم بالإسلام اليوم أن يردّ فارسا على أهلها بعد أن أثبتها صافية أبدا؛ ولفعله أمير المؤمنين عمر ــ رضي الله عنه ــ ولكن ليس إلى نقض أحكام الإسلام سبيل، بل هي ثابتة أبدا على ما ثبت حكمها؛ ولو لم يعرف الدّاخل في أمرها كيف يجب له في الأصل، فلا عليه ولا له أن يبطل حكم ما هي عليه.
وكذا كل ما أُدرك من الأموال فهو على ما أدرك من صافية أو مال للفقراء أو للسبيل، وما أدرك يباع ويشترى ويورث فهو عليه؛ وما أدرك مباحا من الرموم وغيرها فهو مباح، وليس للنّاس ولا عليهم أن يقيسوا الرموم بعضها ببعض، وإنّما لهم وعليهم اتّباع ما أدركوا في كلّ بقعة بخصوصها، فإنّ لكلّ منها عادة من بيع أو طناء أو قعادة أو منحة أو عمل أو استعمال لا يتعدّى فيها عادتها إلى غيرها.
ومن بيده ماء من فلج (21) رمٍّ يؤدي عليه كلّ سنة دراهم معلومة فأدّى عليه رأس السنة فسقى به بما أدّى حتّى حالت، ثمّ طلب ربّ السهم أخذه منه ويردّه إلى غيره، فإن كان هذا كماله فله أن يصرفه حيث شاء زرع عليه زرعا أو لا نضج (22) أوّلا. وإن كانت فيه عادة تحول بينه وبين ذلك، ولا يعلمها باطلا وصحّ الإجماع (4/161)
صفحة 1746
عليها، فلا تغيّر مدركة إلاّ بصحّة باطلها، أو بإجماع أهلها على تركها، أو بتراض من الخصمين فيها.
ومن زرع في رمٍّ وهو من أهله بلا إذنهم، فإن كانت عادة أهله أنّ كلاًّ منهم يزرع فيه بقدر منابه بلا مقاسمة ولا مساهمة فذلك له؛ وإن كانت أنَّه لا يجوز عندهم فيه إلاّ كما يجوز في الأصول والمزارعة (23) فيها فالزارع فيه على هذا زارع بسبب فله بدره (24) وعناؤه وغرامته وعمالته، والباقي هو اللاّزم، وله منابه منه كمنابه منها، هذا إذا لم يتقدّم عليه أحد وإلاّ فهو ممنوع.
وحصّة الأرض أجرة مثلها في موضعها؛ والبناء كالزراعة في ذلك، وقد اختلف فيها، فقيل: إن كان الرمُّ يقسم لم يجز لأحد أن يزرع فيه إلاّ بعد القسم؛ فإن كان من أهله زرع قدر منابه ومناب من أذن له به، وإلاّ فبأذن من أذن له بمنابه؛ وقيل: لا يجوز أن يزرع في رمّ إلاّ برأي الجبهة من أهله ولو كان الزارع منهم، وقد مرّ أنَّهم ثقات البلد؛ وقيل: المالكون للأمر مطلقا، فإن كانوا ثقاتا فهم الجبهة بلا خلاف، وهي اثنان فأكثر، وقُبِل (25) إن كان من أهله، ولم يجر فيه قسم، فله أن يزرع فيه، وإن بلا إذنهم؛ وقيل: يقتفى في ذلك العادة المتقدّمة فيه، ولا ينبغي لأحد أن يدخل في شبهة حتّى يصحّ له الدخول.
ومن زرع فيها فلا نحبُّ لأحد أن يشتري منه ولا أن يعمل في زراعته، وقال موسى: إنّ كلّ من كان من أهل الرمِّ فزرع فيه ولم يدعه أصلا له ولم يمنعه أهله جاز له. وأمّا من فسل فيه من أهله نخلا، فقيل: له مؤونته من النخل وعناؤه حتّى يستوفي، فالباقي لجميع أهله وهو منهم ــ كما مرّـ؛ وإن كان من غيرهم فقيل: إن أحيى مواتا فهو له خاصة وليس كأهل الرمِّ. وإن فسل في حي اُختير أنَّه كالغاصب إن لم يكن له سبب ولا حجّة. وليس لأهل الرمِّ ولا لجباههم أن يزيلوا أصلا منه عن موضعه، وإنّما لهم أن يمنعوا ويقعدوا بلا إزالة أصل، والحكم في ذلك واحد. (4/162)
صفحة 1747
فصل
إن أُدرِك رمٌّ مقسوما ويثمر على قسمه وبيد كلّ من أهله شيء منه ثبتت في الحكم قسمته، وعلى من بيده شيء من ذلك أن يقاسم أهل الرمّ إن تقدّمت فيه العادة بذلك.
ومن برئ من أهل الرمّ من منابه منه جازت شهادته فيه.
ومن طلب أن يعطى من رمّ قوم ولم يكن يأخذ منه وأحضر عدلين فشهدا أنّ فلان ابن فلان بن فلان ممّن يجمعه وإيّاه أب واحد يلتقون إليه، فإذا جمعهم الجدّ أخذ من رمّهم ودخل فيه. ومن خرج من مصره من أهل الرمّ، ثمّ جاء بأولاد وقال: إنَّهم أولاده وأقرّوا بذلك ولم يصدّقه أهل الرمّ فلا يدخلون معهم فيه إلاّ بشهادة العادلة أنَّهم أولاده، وأمّا نسبهم [137] منه فثابت بإقراره بهم، ويدخلون مع ورثته في ماله.
وقيل: لا يجوز لجباة أهل الرمّ أن يمنحوا رجلا خبورة من ماء السهام يكسرونها له، ولا منحتهم في المزروعة ولا في الشجرة، وإنّما تجوز في البيضاء.
ومن أخذ شيئا على غير جائز تخلّص منه إلى أهل الرمّ على قدر سهامهم منه، فإن عجز عن ذلك جعله في إصلاح فلجه.
ومن اقتعد من جِبَاهِ أهله ولم يجد فيهم ثقة يسلّم إليه القعادة لزمه أن يسلّم إلى كلّ ذي حقّ حقّه بقسمة عادلة، ولا يسلّم إلى غير ثقة. والأمين على ذلك هو الذي لا يشكُّ في أمانته؛ فإن وصل إلى المقتعد من الجباه رجل من أهل الرمّ، وقال له: اعطني القعادة، فلا يبرأ بتسليمها إليه، إلاّ إن كان أمينا؛ وإن سلّمها إلى مجهول الحال برأ من منابه، وضمن سهام الباقين، ويرجع بها على من سلّم إليه حتّى يتخلّص إلى كلّ من حقّه.
واختلف في الشفعة في أجرة الرموم، فقيل: تجب لمن له الشفعة، وقيل: لا شفعة فيها؛ وإن وقعت الأجرة لهذه الأرض من هذا الرمّ على مجهول، لم تكن للشفيع شفعة (4/163)
صفحة 1748
إلاّ إن تتامموا على ذلك؛ وإن وقعت على الأرض والماء على وجه لا يثبت فسقاها المستأجر وزرعها فلم يجئ من الزراعة شيء فعلى الساقي بالماء أجرة ما سقى منه وما نقص من الأرض فعليه إذا كان ذلك على سبب الأجرة. وإن وقعت بعقد ثابت فلم يزرع المستأجر الأرض حتّى ذهب وقت الثمرة المحدودة فعليه، ولو لم يزرع.
وكذا (26) من أطنى ماء من واد معلوم على وجه ثابت لزمته الأجرة وإن لم يسق، إلاّ إن كان منه مخرج بوجه حقّ. وممّا عمل به ابن علي برأيه أنَّه أمر بحفر فلج حُبوب لأهل إزكي الجاهلي وأنفق عليه من سهام معادنهم وفيهم الأيتام والأغياب وميّت لا سهم له، وصارت منفعة ذلك لغيره والنفقة من سهم الميّت، وإنّما هو قريح لا يلزمهم، فلم يُعَب عليه وقد مرّ ذلك.
ومن لزمه حقّ من رمّ قوم وأراد أن يهدم عنه الجباه من أهله فيقول لهم: هدّمتم عني كلّ ما لزمني من رمّ بني فلان فينعم الجباه، فهل يكتفي بها؟ أم حتّى يبيّن من أيّ سبب لزمه من هذا الرمّ؟ أم حتّى يقول: من كلّ حقّ لزمني ويبيّنه؟ فقيل: لا يجوز أن يهدم الجباه على أحد حقّا لزمه من الرمّ لأهله من أيّ وجه كان؛ وقيل: لهم أن يهدموا عمّن لزمه حقّ منه بمنزلة مالهم منحته إن أدركت في ذلك عادة؛ وقيل: لهم أن يتمّوا للزارع ما زرع في رمّ القوم قبل أن يدرك، وأمّا بعده فلا يجوز لهم أن يمنحوه ثمرة مدركة من الرمّ، ولا خضرة ولا شجرا، وجاز أن يمنحوه البيضاء. وقيل: لا تجوز المنحة في الأرض إلاّ إن اعتيد في البلد أنَّ الجباه يمنحون الرموم؛ وإن أدركت أنَّها تقعد ولا تمنح فليس لأهلها أن يعترضوها بمنحة.
ويروى أنّ كلّ أهل رمّ على عادته. ومن لزمه حقّ لأهل الرمّ وأراد الخلاص منه فليجعل ذلك فيما يجمعونه يوم لزمه، والأكثر على أنَّه لا تجوز المنحة في المياه من الرموم إلاّ البئر فللجباه أن يأذنوا لمن أراد أن يزجر منها. وإن اجتمع جبهة الفلج وزادوا يوما في ماء (27) الفلج وأطنوه ليجعلوه في صلاحه، فقيل: يجوز، وقيل: لا.
ومن أطنى سهام أولاده من الرمّ وهم صغار، ثمّ مات، جاز عليهم فعله ولا إنكار لهم في ذلك وكذا إن رهن من (28) سهامهم رهنا مقبوضا جاز عليهم. (4/164)
صفحة 1749
ومن يطني من ماء فلج وهو يجري في واد في ظفر يكسره السيل فإن شرط على المطنى له عمل الظفر فإنّه يرجع إلى عادة البلد، فإن كان فيها أنّ عمله عليه فهو شرط يبطل الطنا؛ وإن كانت على المطني فهي عليه لا ينقضه الشرط وهو عادة البلد؛ وإن لم تعرف في ذلك فعلى المطني إصلاح ما به.
فصل
إن اعتيد في رمّ أنَّه يعطى منه أولاد النساء من أهله ولو كان أبوهم من غير أهله فلهم كأولاد الرجال؛ وإن أدرك أنَّه يعطى لأولادهم فقط فلا تبدَّل عادته عمّا أدركت؛ وكذا إن أدركت أنَّه يزرع وتقسم ثمرته، فلمن ولد قبل قسمها منابه منها ولو أدركت، لا إن ولد بعده؛ وإن أعتيد أنّ الأرض تقسم كلّ ثمرة فيها فلا شيء لمن ولد بعد قسمها حتّى تنقضي تلك القسمة والثمرة ويدخل معهم في الثانية، وله ما لأحدهم على المعتاد فيها؛ وكذا في المعدن إن كان رمّا، ولا يحمل من تراب الرموم إلى غيرها؛ ويحمل الحجر من أرض تزرع ومن أرض لا تزرع إن لم يكن نفعا لها كظفر وسدِّ ماء أو نحوهما.
وإن احتاجت ساقية الرمّ إلى شحب أو إصلاح بتراب أو تصريج كان ذلك من الرمّ الجامع لأهل الفلج.
وإن كانت (29) الأرض خططا تزرع فمصالح الفلج من الجامعة أهله؛ وإن يبس حتّى احتاج أن يستقرح له آخر، أو غابت ساقيته حتّى احتاج إلى استقراح أخرى له [138] بالثمن، فهل يباع من الرمّ في مصالحه أو لا؟ قولان.
والسنّة في الرموم أن تطرح منها سهام الأموات وتدخل فيه (30) سهام الأحياء؛ وما في الرمّ من شجر وخوص وغيرهما اتّبع فيه السنّة السابقة. (4/165)
صفحة 1750
الباب الحادي عشر
في الإحداث في الرموم والانتفاع منها
وقد سئل عن الرموم هل تتّخذ فيها مصلَّيات ومساجد، والسكن فيها لمريده بلا رأي أهله، واتّخاذ الموارد فيها فأجيب: (31) بأنّ المساجد وما يثبت على أهله فلا يتّخذ فيها، وأمّا مثل المصلَّيات والمسكن والمورد وما لا يضرّ أهل الرمِّ ولا حجّة فيه عليهم فلا بأس به.
وأمّا الحطب والشوع والنبق والبوت والمغر والحنّا والسكن بالغيب فقد جاء جواز ذلك في الأثار، إلاّ إن كان أهل الرمّ يحمونه ويدفعون عنه فلا يجوز التعرّض له حينئذ إلاّ برأيهم؛ وكذا الحجارة والتراب؛ وقد تنزّه عن هذا بعض أهل الورع، وأجازه بعضهم.
وإن حُفرت بئرٌ موردًا للنّاس في رمّ جاز إن لم يمنعها أهله. وإن بنيت في الرموم مساجد ثمّ خربت ومات البانون لها وحجّتهم، جاز تجديدها كما كانت؛ وكذا البئر. وسأل هاشمُ موسى عن فلج بني هميم يزرعونه متفرّقين، وهل بعضا لا يصل إليه منابه؟ فقال له: كلّ من كان من أهل الرمّ إذا زرع ولم يدعه أصلا أو يمنعه أهله إذا طلبوه إليه فله أكله، والأكل من عنده؛ وأمّا أفلاج الرموم التي من الأودية فلا بأس على من سقى منها؛ وقد حمل رجل ترابا من عفر نزوى فجاءه نزوي فحرّم عليه ذلك، فوصل إلى ابن محبوب فقال له: اذهب إلى اللوح الذي فيه سهام أهل القرية فأعطه سهمه؛ وإنّما قال ذلك غضبا على مانع الحامل من التراب. وجاز أن يحمل من موات الرموم من عفره وغيره.
واختلف في الأفلاج التي توجد في باطن أرض الرموم، فقيل: هي لأهلها على سبيلها، وقيل: لأهل الأرض التي تسيح عليها، وقيل: إن كانت جاهلية فلمن وجدها، (4/166)
صفحة 1751
وإن كانت إسلامية فهي له؛ ولا يتعرّض لمجار إن كانت لها؛ وقد جرت ــ قيل ــ هذه المسألة في أيّام القاضي نجاد فرأى أنَّها لمن ساحت في أرضه وعليه الأكثر.
ولا بأس بالرعي والاِحتطاب وقلع الشجر الذي لا ثمرة له ولا قيمة من الرموم والأثارات. (4/167)
صفحة 1752
الباب الثاني عشر
في الفلا والصحاري
وجائز الانتفاع به منها، وقد روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم لَعَنَ من قطع سدرة. أبو معاوية: ما قاله فهو حقّ، ومن لعنه فملعون، فإن كان قال ذلك فهو عندنا فيمن قطع سدر النّاس بلا رأيهم وتعدّى عليهم، وهذا موافق لكتاب الله؛ وقيل: إنَّه السدر الذي في الموات غير مربوب ينتفع به الضعفاء ويقتاتون به عند حاجتهم إليه، قال: وهذا عندي أقرب بمعنى نهيه صلّى الله عليه وسلّم عن قطع السدر، والقول بأنّ هذا النهي في سدرة مخصوصة غير مقبول عندنا، فإنّ اللفظ عامٌّ لا خاصٌّ؛ ويصحِّح ما ذهبنا إليه من أنّه الغير المربوب ما روي عن ابن محرز عن ابن هشام أنّ منير بن النيّر نزل إلى هاشم بن غيلان، وكان يقطع ويحمل منير السدر ويقول منير للقاطع: أكثِر، فقال له محمّد بن هاشم أو غيره: أوليس يكره قطع السدر؟ فقال: إنّما يكره ما خرج منه، وأما ملك النّاس فلا؛ فدلّ هذا على صحّة ما ذهبنا إليه. ولو كان النهي واقعا عن قطع مخصوصة أو عن جميع السدر لكان النخل وغيره من الشجر أشرف منه وقد أجازوا قطعه والانتفاع به إن كان ملكا فلأهله التصرّف فيه لمنافعهم، ويخرج معنى القول في الشوع والبوت ونحوه من الشجر المغلّة أو المظلّة التي ينتفع بها المارَّة في الطريق كالنهي عن السدر، وكذا النخل الناشئ المنتفع بتمره وخوصه؛ وأجازوا للضعيف الانتفاع بثمر هذه الأشجار وورق السدر للغسل ونحو هذا.
وجاز جزُّ العظلم من الخراب والجبال والأودية ونحوها ممّا لم يملك، وقيل: في الأعراب الكائنين حول القرية يقطعون الأشجار لأغنامهم، فإن كان ذلك يضرّها وفيها منافع القرية أنَّه جاز لهم منعهم منه.
أبو الحواري: إنّ ما لا يمنع ولا يحمى من الشجر، لا بأس بقطعه وبيعه؛ وإن سبقت للقوم دعوى في شجر ولهم فيه حماية لم يجز قطعه إلاّ بإذنهم؛ وإن كان لشجر (4/168)
صفحة 1753
في صحراء وأودية وجبال أهل ولا يحمونه ولا يمنعونه جاز قطعه وبيعه والانتفاع به، وما تطأطأ من أغصان السدر البري إلى الأرض وتناله الدواب والغنم والجمال جاز قطعه ما لم يضرّ بالسدر؛ وكذا غيره [139] من الشجر لأنَّه كغيره في الإباحة والقاق وفي نسخة العاف (32) النابت في أموال النّاس لا بأس بالانتفاع به ومنه إن كان ممّا لا يحمى. (4/169)
صفحة 1754
الباب الثالث عشر
في الأودية والنابت فيها وأحكام الموات.
فالأودية إمّا بين القرى وإمّا خارجها، فالخارجة ــ قيل ــ كالموات، وقيل: هي سبيل الله ما نبت فيها، فهو راجع إلى الفقراء، فإن غرس فيها أحد نخلا أو زرع زراعة، فقيل: لا يجوز لغيره أن يأخذ من ذلك شيئا إلاّ بإذنه، لأنَّها كالموات، وقيل: لا يمنع منها أحد ويأكل هو وغيره، ولو غنيا كالمباحات، وقيل: إنَّها للفقراء خاصّة. والتي بين القرى فكلّ ما فيها للفقراء، ليس لأحد أن يحدث فيها حدثا؛ وإن كان الغارس والزارع في الخارجة فقيرا، فهو أحقّ بغرسه وزرعه من غيره. وفي أودية القرى خلاف، فقيل: إنّه أحقّ به أيضا، وقيل: إنَّه وغيره من الفقراء فيه (33) سواء.
وقيل: إنّ السيول لا تتحوّل عن مجاريها التي تبلغ إليها، وكلّما اتّكى السيل على أرض، لم يكن لأهلها أن يحبسوه منها ويردّوه إلى غيرهم؛ ولو أرادوا ردّه عن أرضهم إلى التي يجري فيها قبل. وإنّما السيول مأمورة مسيّرة مقهورة من الله تعالى، فحيث انتحت فلا يحال بينها وبين طريقها وما اعتمدت عليه؛ وليس لأهل التي يجري فيها من قبل أن يحوّلوه عنها إلى غيرها أو يردّوه عن التي انتحى إليها أو جرى عليها؛ ولكن تترك بحالها من ضرّ أو نفع في أصل مجاريها، فإذا حفرت وأضرت أحدا، فله دفن ما حفرت، أو عكسه من أرضه؛ ولا يمنع منهما. وإن كانت إنّما انتحت بدفن أو حفر من أحد حتّى حوّلها، وكان في الأحياء، لزمه ردّ ما أحدثه، ومجرى السيل على ما عليه. قيل: وإن مات المحدث، لم نر ردّه وهو بحاله كما هو عليه اليوم، لأنّ المحدث أحدث في مثل هذا، ما لم يكن له من قبل، وحدثه مردود وإن لم يطلب إليه حتّى مات؛ لم يلزم وارثه ردّه ولو شهد عليه عدلان أنّ موروثه أحدثه، فهو بحاله لحال موته ولم تعلم حجّته. (4/170)
صفحة 1755
ومن أتى إلى شرجة مسيلة للبلد فحفر فيها طويا وفسل فيها وزرع لم يجز له وذلك للفقراء.
أبو عيسى الخرساني: لا يحطب من يابسة في الحرم إلاّ ما وقع في أصلها، ولا فداء كما مرّ على حاطب منها.
بشير: لا بأس على حامل من تراب الوادي ما لم يخرجه. ولا تزرع أرض أودية القرى، وجاز في الخارجة عنها إن كانت لا عمران لأحد فيها؛ وجاز لمن أحيى أرضا أن يزرعها أو يبيعها، وثمر نخل أودية القرى للفقراء، وتمر نخل الخارجة مباح وإن لغني، وكذا نخل الطريق للفقراء كما مر. وكذا ما نبت في واد جاز في أيد قوم يستغلونه ويدعونه فإنّه لهم أيضا؛ وإن انتفع به غني أعطى قيمته لهم، وقيل: جائز لغني أن ينتفع به إن كان الوادي أزليا، ولا يجري في أموال النّاس، ولعلّ المراد بالأزلي القديم. وإن كانت في جائز شجرة فثمرتها لهم أيضا. لأنّ إصلاح الطريق في بيت المال، وما خرج فيها من نفع فهو لهم، لأنّ ضررها عليهم في بيت المال. وشجرة المسجد تباع ثمرتها في إصلاحه، فإن لم يكن لها ثمن جاز انتفاع به لغني أيضا، لأنَّها كالمباح. ابن بركة: كلّ شجرة نبتت في مسجد أو واد أو مقبرة أو طريق، جائز فثمرتها للفقراء وإن أكل منها غني أعطاهم قيمة ما أكل. أبو الحسن: ثمر النابت في المساجد لها. ومن وجد نخلة في أرض لا تنسب لأحد فله أن يأكل منها ولو غنيا. أبو سعيد: من أحي أرضا في واد اشتملت عليه القرى جاز له إن كانت في قرارة الوادي. وإنّما تمنع المضرّة خوف أن يضرّ بأموال النّاس ممّا يحدث عليها ممّا سفل وعلا، وقيل: لا يجوز شيء من الوادي ويترك بحاله (34) الماء. فمن زرع فيها فله عناؤه وبذره والزرع للفقراء. وقيل: إنّ حُكم الوادي حٌكم الأموال المشتملة عليه، لكلّ مال ما يليه إلى نصف الوادي وممرُّ السيل كممرّ الأنهار في السواقي في ثبوت الحكم، وقيل: إلى ثلثه، وقيل: لا يحدث في مجاري السيول شيء؛ وكذا ما تغشاه، لا يبنى بالظفور ولا بالحجارة ولا بالصاروج ولا بآجٌر ولا جص ولا بطين ولا يكبس منها تراب، فيردّ الباني الماء على جاره، إلاّ إن كان مبنيا من قبل فله أن يبنيه كالأوّل. ابن القاسم: إنّ الوادي كالطريق الجائز لا (4/171)
صفحة 1756
يجوز لأحد أن يحدث فيه شيئا. الوضَّاح: إذا كان الوادي بين مالين فرضي صاحب أحدهما بدفنه وإدخاله في أرضه فلا عليه، وفيه عندي تأمّل.
أبو عبد الله: إنّ الأودية سبل الله لمائه إذا أنزله من سمائه، فقيل له: أنَّه قد أحدث فيها عدول، قال: لا نرضى ممّن (35) عدّلهم، وقال: إنَّها حرام، ومن أكل منها شيئا فليتصدّق به.
وجاز أكل ساقط من سدر الأودية وإن كان بجنب قرية بين واد وعمارتها، ما قطعه من جانب [140] واحد والآخر خراب، فلا بأس بعمرانه إن كان مواتا، وإن كانت على صفات أرض فحمل السيل ترابها فبقيت الصفات لا تراب فيها، فربّ الأرض أولى بعمارتها والانتفاع بها ويملكها. وقيل: لا يبنى ما يغشاه السيل بظفور وحجارة ــ كما مرّ ــ لردّ الماء عن الجار ولكن يترك بحاله. (4/172)
صفحة 1757
الباب الرابع عشر
في الموات والصحاري والجبال
وقد روي أنّ الأرض لله، فمن أحيى منها مواتا فهو له، وهو إمّا مواتا كان عامرا معروفا لأهله في الإسلام ثمّ ذهبت عمارته فصار مواتا، فذلك لا يملك إلاّ بإذنهم، أو مواتا لا يملك فيه ولا في الجاهلية فهي أرض لله ولرسوله. وقيل: الموات ما لا أثر فيه سابق، وذلك كمن يأتي إلى برية لا أثر فيها من عمارة فيبني فيها أو يحفر أو يزرع أو يخرج منها ملحا فذلك له، ولا يجوز لأحد أن يحمي أرضا ولا شجرا؛ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا حمى إلاّ لله وللرسل». وفي رواية أهل الظاهر: «ثمّ هي لكم»، ولم يدخل في العطيّة الكفّار.
ولا فرق بين الموات القريب من العمارة والبعيد، ولا قيل: بين أهل الذمّة وأهل الإسلام. أبو الحسن: ما نبت في الموات فمباح وإن لغني، وليس لمعيّن إلاّ من أحيى ميتة وعمرها فله دون غيره، وإحياؤها ــ كما مرّ ــ إصلاحها وسقيها بالماء.
ومن ادّعى الفيافي والقفار والميتة أنَّها له لم يقبل منه إلاّ بالصحّة.
ومن أحي ميتة بالمغصوب، فقيل: هي لربّه، وقيل: لمن أحياها به، وعلى الغاصب قيمة الماء، وعليه الأكثر؛ وقد روى ابن بركة: «من أحي ميتة فهي له ومن اصطاد صيدا فهو له». فالخبر أنّ بعمان كلّ صائد ومحيي ميتة ولم يخصّ مسلما من كافر.
الشافعي: إن اصطاد ذمّي صيدا فهو له أحقّ به، وإن أحي ميتة أخذت منه، ومن قطع شجرة ذات ساق أو متّخذة لاستظلال أو نزول في موات فليتب إلى الله، ولا غرم فيه، لأنّ ذلك لم يملكه أحد بعينه، وإنّما يمنع الضرّ.
وإن كان في جنّات عمّار لا يعرف لمن هو، فقيل: لا يمنع الكلّ منها حتّى يصحّ ربّها؛ وإن لم يكن فيها أثره، فقيل: أولى بها من سبق إليها، وقيل: إنَّها رمّ، وقيل: (4/173)
صفحة 1758
لأهل الأموال المشتملة عليها، وقيل: رمّ لأهل البلد، وقيل: لا يجوز لأحد أخذها والتعرّض لها وتترك بحالها.
وإن أحيط بجدار على موات، فقيل: يكون يدًا (36)، وقيل: لا إلاّ في موضعه القائم عليه ما قام، فإذا درس رجع موضعه مواتا أيضا. والحضار لا يكون يدا ولا يزيل الموات عن حكمه.
وإن كان بين العمّارين خراب، فقيل: لهما، وقيل: لأهل العمارة عمارتهم والموات لله؛ ولا بأس على من انتفع به ما لم يضرّ غيره، ولا تصحّ لأحد فيه دعوى إلاّ ببيّنة؛ وكذا في خراب بين قريتين، وقيل عن أبي عبد الله أنّ لأهل البلد أن يمنعوا ما ووطئ كراعهم، وقيل: بمنزلة الرمّ.
ابن موسى: أنَّ (37) من وجد في أرضه بئرا معماة فليس له أن يتعرّض لها، ولو كانت في مباحة كظاهر أو غيره فهي على حالها، لأنّ ذلك دليل على الإتارة. واختير أنّ من وجدها في ملكه فله أن ينتفع بها كالنهر.
ومن وجد حجارة مدبرة (38) بمكان ممّا يدل أنَّه ملك (39) فلا يجوز له التصرف (40) فيه. ومن بنى بناءً أو أثَّرا أثرا في موات أو جبل، فأمّا الموات فيثبت ملكا له ولوارثه، والجبل له سكنه ما قام، فإن انهدم البناء أو مات بانيه لم يكن لوارثه إلاّ البناء، ولا يملك أصل الجبل.
ومن جاء إلى ميتة وسحقها وهاسها وحفر فيها بئرا إلى أن قارب الماء وتركها، ثمّ جاء آخر فأمهى البئر وزجرها فسقى الأرض فهي لمن سقاها وللأوّل أجره وعناؤه وغرامته. واختلف في البئر فقيل: لمن أمهاها وللأوّل ما عنى وما غرم، وقيل: للأوّل والثاني كالمتطوّع عليه بخدمته إذا لم تقم عليه حجّة توجب مزيلا حكمها عن الأوّل.
ولا ملك لأحد في الجبال، وما نبت فيها فجائز أكله لغني وفقير ــ كما مرّ ــ ويخرج منه الأشجار والثمار والحجارة والملح وما احتيج إليه منها، إلاّ من عمر فيها شيئا وصار له فيه يد كبناء أو ساقية أو حفر عين ماء أو معدن اتّخذه لنفسه فذلك له، ولا يمنع منه. (4/174)
صفحة 1759
الباب الخامس عشر
في الأشجار والمساجد والطرق والقبور والحرم
ابن بركة: إذا كان للشجرة فيما ذكر ثمرة ينتفع بها فهي للفقراء؛ فإن أكل منها غني أعطاهم قيمة ما أكل.
أبو سعيد: حكم ما في المسجد منها ومن ثمرتها وساقها وما فيها أو منها فلمال المسجد، إلاّ إن خرج في المباح أنَّه لا قيمة له فالمباح للكلّ ولو من المربوبات كما مرّ. والمسجد أولى بالمحجور.
وقيل: إذا نبتت (41) شجرة في الطريق أو نخلة وأثمرت فإنّه يجعل في إصلاحه لأنّ الطرق تجوز لها الوصايا، ويؤخذ أهل البلد بإصلاحها، فمالها لا يباح ولو لفقير إلاّ إن كان لا قيمة له.
[141] وأمّا شجر المقابر فهي على معان، فما كان منها في موات أو مباحة فهو مباح وإن لغني، ما لم ينبتا (42) في قبر، وما أثمر من شجر يخرج مباحا على القبور فيجعل في إصلاحها؛ وكذا نابت بأرض فيها قبور أو موقوفة عليها، أو لها موصي بها لها، أو لمقبرة (43)، فمن حيث ما نبت هذا الشجر في هذه المقبرة على قبر أو غيره فحكمها لها، إلاّ إن خرجت مباحة.
وإن كانت القبور في مربوب يقبرون فيه بإذن أربابه وقد أجازوا أن يقبره فيه فما نبت في الباقي منه فهو لأربابه، وما نبت على القبور فهو لها في إصلاحها، إلاّ إن خرج مباحا.
ومن وجد طريقا داثرا فزرعها إلى أن حصدها وهو فقير، فأمّا الجائز فعلى وجوه: فإن كانت ممّا يملك فهي لأربابها، وإلاّ ولا ينقطع بحال، فما أثمر فيها من شجر كان في إصلاحها، والزراعة أيضا تكون فيه، والزارع إذا دخل في ذلك على ما يظن أنَّه يسعه فله بذره وعناؤه، لأنَّه يشبه السبب لمعنى الإباحة، والانتفاع بالطريق، (4/175)
صفحة 1760
وأرجو قولا أنَّه للفقراء، فالزرع على هذا للزارع إن كان فقيرا، وأمّا الإثم فما لم يقع من فعله أذى للمسلمين في طرقهم حين الإحداث فيها، إلى أن زال الحدث فلا يهلك بذلك إن تاب في الجملة، أو منه بعد علمه.
ونهي عن الوطء على القبور، ولا ينتفع بحجرها ولا مدرها ولا شجرها، ولا بأس بحطبها اليابس للفقراء. وعن قطع شجر الحرم فإذا أزيل وصار إلى حال الحطب جاز الانتفاع به ولو رطبا، وعلى قاطعه رطبا كفّارة. ومن أنحت شيئا من ورق الأغصان فعريت لم يجز له قطعها، لأنَّه يرجى نضارها. (4/176)
صفحة 1761
الباب السادس عشر
في مال الفقراء والسبيل والغائب والوقوف
أبو سعيد: لا يجوز بيع الموقوف أبدا، فإن لم يكن له ماء بيع من ثمرته في شربه، فإن لم يكن فيها ما يكفي سقيه أو لم يكن يثمر وخيف هلاكه عطشا، فلا يباع من أصله في شربه ولو هلك المال لأنّ الأصل موقوف.
وجاز أن يطنى من يد قائم به إن كان وكيلا من حاكم أو محتسبا ثقة، ويسلّم إليه الثمن، وللمطني على هذا منع الفقراء من غلّته بلا مجاهدة تحدث فيه، إلاّ بعد إقامة الحجّة عليه كما يجاهد على ماله. ومن صحّ عنده من الفقراء أنّ هذا قد أخذ بالطنا حرم عليه الأكل منها إلاّ برأيه إذا ثبت أنَّه أصلح للنخل (44) وأعود نفعا عليهم عند العدول؛ فإن أراد القائم أن يقايض (45) به ما هو أصلح منه لم يجز في الحكم، وجاز في النظر بمشاهدة الصلاح. فإن أراد أن يفسل الأرض فإن لم يشترط عند توقيفها أنَّها للزراعة خاصة، وفي النظر أنّ الفسالة لها أصلح جاز ذلك. وإن شرط أنَّها لها وفي النظر أنّ فسالتها أصلح لم يجز وليمتثل أمر الموصي، فإن لم تكن بيد قائم بها فالسابق إليها من الفقراء إذا زرعها، فله منع من أراد الضرّ به، إلاّ إن أعتيد أنَّها تزرع وتفرّق عليهم ثمرتها. وكذا إن أوصى بها الموصي لم يجده؛ وإن لم يكن لها سنّة فكالصافية من سبق إلى زراعتها فالثمرة له، وتلزمه الزكاة فيها إن بلغت النصاب. وإن زرعها للفقراء ثمّ انتفع بها لنفسه فحكمها حكم مالهم ولا زكاة فيها؛ وإن كانت تحت نخلّ الفقراء صرم قد كبر، وجذوع ولم تنفق لبيع ولا صلحت للفسالة وكان قطعه وإخراجه صلاحا لها جاز ذلك لفاعله.
وللغني من مال الفقراء ما يجوز من أموال النّاس من حكم الدلالة والعرف فيما بينهم في عادة البلد. (4/177)
صفحة 1762
وجاز ــ قيل ــ أن تفسل أرض السيل وأرض الفقراء ويقطع لها من صرمها، ولا بأس بما مات من الصرم إذا لم يضيّع.
ومن أوصى بنخل لفقراء محلّة فهي لمن كان فيها يوم يفرق تمرها (46) فقط من حادث أو غيره، إلاّ إن خرج منها أحد لحاجة ويرجع إليها ولم يقطع البحر فله منابه منها؛ ولا يعطى من قطع البحر إلاّ إن كان حاجا أو غازيا، ويعطى من يتمّ الصلاة فيها من الحادثين، ولا شيء للمقصّر. ومن قال: هذه الأرض للفقراء، جاز لواحد منهم أن يزرعها دون باقيهم ويمنع من جاء منهم من أكل زراعته، لأنَّه جعلها لجميعهم لا لمعلومين، وقيل: لا يجوز له أن يختصّ بها؛ وإن سمّى بها لمعلومين فجاء من زرعها موزا فالزرع له وعليه الكراء للباقين، ولو زرعها موزا ولم يجعلها لفقير أو غيره.
واختلف فيمن أوصى بثلث ماله للفقراء أو بدونه، فقيل: يكون بحاله ويوكّل فيه قائما به ويفرق ثماره عليهم، وقيل: تباع ويفرَّق ثمنها، وأمّا قسمه وإخراجه من مال الورثة فالأكثر أنَّه لا يجوز في الحكم.
فصل
قيل: إنّ السبيل هو سبيل كلّ خير، ومن قال عند موته: نخلي للسبيل، أو فيه، فهو مجهول حتّى يسمّي أي السبيل، وقيل: يثبت ويكون للفقراء؛ وإن قال: في سبيل الله فهو في الجهاد.
وابن السبيل هو كلّ مسافر جاوز فرسخين من عمران بلده، ولا يجوز لمن بيده [142] مال له أن يبيعه ويشتري به طعاما له، وإنّما يدفع إليه من غلّته تمرا إن كان فيه. (4/178)
صفحة 1763
وللمسافر إذا مرّ على نخلة السبيل أن يصلحها إن انقطعت من خوصها، ومن قال: ماله في السبيل إن فعل كذا فمجهول، لا يثبت وتلزمه الكفّارة. ولا يجوز حفر أطوى في أرضه.
ومن قال: نصف عبده للسبيل، نظر قيمته فأخرج نصفها للفقراء إلاّ إن قصد به عتقا فيعتق. ومن قال: نخلتي هذه صدقة، ولم يقل: للفقراء، فقيل: لا شيء بذلك، وقيل: يجوز إخراج قيمتها لهم. وكذا إن قال في عبده.
ولا يجوز شراء السلاح من مال السبيل ولا ينفذ في جهاد ولا حج ولا مسجد.
ومن اشترى نخلة من ثمرة نخل السبيل فأرادها له، فإن عقد البيع على نفسه ثمّ قضى ثمرة السبيل وأراد النخلة له فهي له، وعليه أن يردّ للفقراء ثمرة نخلة السبيل وتكون ثمرة المشتراة للسبيل. وإن أراد بها بدلا من ثمرة السبيل وعقد البيع عليها فهو منتقض، ولزمه أن يردّها للفقراء؛ وإن تلفت الثمرة ودفع الثمن من عنده لهم فالنخلة له إن أتم له البيع ربّها.
ومن قال إذا متّ فقطعتي بمكان كذا في سبيل الله، ثمّ احتاج إلى بيعها جاز له، ويأكل ثمنها، فإن مات فهي كما قال من الثلث على رأي مسبِّح، وعند هاشم وموسى من رأس المال.
فصل
يكون أمر الموقف للمساجد والمساكين وابن السبيل إلى الأوصياء، فمن أراد أن يجعل نخلة للسبيل أو للمسجد، قال: جعلت الفلانية التي بموضع كذا وكذا وقفا على المسجد الذي بمحلّة فلان أو بني فلان؛ وإن قال: هذه النخلة لمسجد بني فلان أو للجامع ثبت ذلك.
وإن جعل سلطان وقفا بيد خائن، فلقادر على استخراجه منه وجعله بموضعه من مسجد أو سبيل أو فقراء (47) أن يفعل. وإن كان لغائب أو يتيم أو غيرهما، فما نحبّ (4/179)
صفحة 1764
التعرّض به لأحد، لأنّ السلطان ولي من لا ولي له، إلاّ إن كان يطلعه (48) على خيانة من جعله بيده فله ذلك، لينزعه منه ويجعله في موضعه، أو بيد أمين إن لم يخف منه أن يجاوز في عقوبته.
ولا يجوز القياض بالأوقاف في الحكم، لأنَّه لا يؤمن من الدرك وانقلاب الأزمنة، وبعض أجاز ذلك نظرا للصلاح، ولا يجوز أن يستعمل عليها من عرف بالخيانة إلاّ إن قام عليه ثقة. (4/180)
صفحة 1765
الباب السابع عشر
في مال الغائب ومالا يعرف له ربّ
إن لم يعرف لدار مالك ولا وارث فالفقراء أولى بها ولا شيء على (49) ساكنها منهم، وعلى غني إن سكنها الأجرة لهم، لأنَّهم أولى بما لا ربّ له؛ وعلى من أخذ بعض خشبها دفعه فيها وفي عمارتها؛ وإن تلف ولم يقدر على مثله لزمته قيمته لمن هو أولى بها منهم.
ومن كانت في ماله بقعة لا يعرف لها ربّ، لم يجز له أن يفسلها ولا أن يأكل منها، ولا يجاز ذلك لأحد، وإنّما أجازوا الموات إن لم يكن له أثر عمارة.
ومن وجد قرية خربة ولا يعرفها لأحد فلا يتعرّض لها.
والغوائب من الأموال ضربان:
- ضرب عُرف لمعلومين فغابوا عنه ولا يعلم خبرهم فهو موقوف لهم، ليس لأحد أن يتعرّض له ولو فقيرًا؛ فإن كان بيد وكيل لهم أو عامل فهو بيده.
- وضرب لا يُدرى (50) لمن هو، فقيل: إنّه للفقراء أو للإمام يجعله في عزّ الدولة، وقيل: إنَّه حشري لا يتعرّض له، واستحسن بعض أن ينتفع به لعزّ الدولة أو لفقراء الإسلام، لأنَّه خير من ضياعه. وقد جاء كلّ ما لا يعرف له ربّ فهو لهم، وكلّ ما مرجعه إليهم فجائز للإمام أن ينفذه في عزّ الدولة، لأنّ نفعه يجمع الأغنياء والفقراء والصغير والكبير والحرّ والعبد والحاضر والغائب والبادي والمقيم والطارئ.
تمّ الجزء الثالث عشر. (4/181)
صفحة 1766
هوامش الجزء الثالث عشر
(1) - ب: علت.
(2) - كذا في النسختين.
(3) - كذا في النسختين.
(4) - أ: الشا. وهو خطأ. والشاة الجمَّاء: التي لا قرن لها.
(5) - ب: مسمعي.
(6) - كذا في النسختين بلغة أكلوني البراغيث.
(7) - ب: يُعلم. وهو خطأ.
(8) - ب: + منه.
(9) - ب: فعل.
(10) - ب: أحدث.
(11) - ب: يحوَّل.
(12) - ب: العلماء.
(13) - ب: - له.
(14) - ب: - وصرم.
(15) - ب: سقط عبارة: «بها دهن، ويسرج به فيه؛ وإن قال: يجعل في عمارته، وهذه لعمارته، لم يكن إلاَّ أن يجدَّد ما خرب منه ويعمر، ولا يعطى في أجرة عامل فيه، وإنَّما يجعل فيما يوثق به وحده؛ وإن قال: هذه الغلَّة لعمارة المسجد جاز له أن يشترى ... ». وقد وقع فيها للناسخ انتقال نظر لتكرار كلمة: يشترى.
(16) - ب: سقط عبارة: «بيعه أصلاً في أمر المسجد، وتؤخذ منه الغلَّة، وتجعل فيه؛ وإن قال هذه الأرض أو النخلة للمسجد، أو قد جعلتُ هذا له جاز أن يباع أصله في أمره إن احتاج إليه؛ وإن أوصى فقال: هي وقف عليه لم يجز أن يباع. ومن أوصى أن توقَّف نخلة من ماله على المسجد فأخرجها الوصيُّ منه لم يجز ... ». وقد وقع فيها للناسخ انتقال نظر لتكرار كلمة: لم يجز.
(17) - ب: سراجه. (4/182)
صفحة 1767
(18) - ب: + في.
(19) - ب: كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: العذوق.
(20) - ب: أثبته.
(21) - ب: - فلج.
(22) - ب: يصحُّ.
(23) - أ: مزراعة. وهو تحريف.
(24) - كذا في النسختين بالدال المهملة، ولعلَّه من المبادرة؟.
(25) - ب: وقيل.
(26) - ب: - كذا.
(27) - أ: مادي. ويبدو أنَّه خطأ.
(28) - ب: - من.
(29) - ب: كان.
(30) - ب: في.
(31) - كذا في النسختين، بالبناء للمجهول.
(32) - أ (هامش): وفي القاموس: الغاف: شجر له ثمر حلو جدًّا.
(33) - ب: - فيه.
(34) - ب: كلمة: لممرّ. مشطوب عليها.
(35) - ب: بمن
(36) - ب: يدٌ.
(37) - ب: - أنَّ.
(38) - ب: مديرة. وهو أصوب.
(39) - ب: ملكًا. وهو خطأ لأنَّه خبر أنَّ.
(40) - ب: التصر فيه.
(41) - ب: ثبتت.
(42) - ب: ينبت.
(43) - ب: لمقرَّة.
(44) - ب: للنخل أصلح. (4/183)
صفحة 1768
(45) - ب: - أن يقايض.
(46) - ب: ثمرتها.
(47) - ب: أو فقر.
(48) - ب: يطَّلع.
(49) - ب: - على.
(50) - ب: لا يَدرِه. (4/184)
صفحة 1769
الجزء الرابع عشر
في البيوع وأحكامها (4/185)
صفحة 1770
الباب الأوَّل منه
في البيوع وأوقاتها وألفاظها وما يجوز بيعه وما لا يجوز
وممّا أنعم الله به على عباده ــ بعد الإسلام ــ أن عرّفهم الحلال من الحرام، وأباح لهم المبايعة في أموالهم، والمواهبة فيها، والموارثة والمهاداة والغنائم من أهلها. قال تعالى: {وأحلّ الله البيع وحرّم الربا} (سورة البقرة: 275).
فالبيع يطلق شرعا على العقد، وعلى مقابل الشراء، وعرف بهذا المعنى بإخراج الشيء من الملك على بدل له قيمة يتعوّض عليه، وهو عين الملك.
والمبيع إمّا حاضر بحاضر؛ فإن كان ثمنا بثمن فصرفٌ، وإلاّ فبيع.
- أو حاضر بذمّة كثمن بمثمّن كسلم إن أجّل، وكبيع النقد أو الحلول إن عجّل.
- أو مثمنا بثمن مؤجل كبيع الدين، أو معجّل كالنقد وشمل الخيار والمرابحة.
وينعقد بالإيجاب والقبول، بقول البائع بعت والمشتري اشتريت؛ وجاز كلّ لفظ دلّ على معناهما، فإذا قال البائع: بعت كان المشتري مخيّرا، فإن افترقا قبل قبوله بطل البيع؛ فإذا قبِل وجب، ولزمهما.
ولا بدّ من معرفة المبيع معرفة نافية للجهل، ومن معرفة قدر الثمن وصفته وإن لم يكن تعريف النقد فيه فهو في الأغلب [143] من نقد البلد.
ويصحّ البيع من حرّيْن بالغين عاقلين مالكين أو وكيلَيْ تام التوكيل لا محجور عليهما أو على أحدهما، ولا مكره لقوله تعالى: {ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل ... } الآية (سورة البقرة: 188). ولما روي: «إنّما البيع عن تراض». (4/186)
صفحة 1771
ولا يجوز بيع نجس كالخمر والميتة والدم ولحم الخنزير والكلب والعذرة لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم حرّم بيع النجس.
أبو سعيد: قول البائع: «بعت» أصحّ من «أبعت؟». و «بعت لزيد» أصح من «عليه». وإن قال له المشتري: «كلّ مال لك قد بعتَه لي»، أو «بايعتني إيّاه» أو «أبعته علي؟» فإذا أنعم وقال: «بعت عليك» أو «لك» أو «بايعتك» فهذه ألفاظ يثبت بها البيع. وإن قال البائع: «اشتريت منّي هذه السلعة بكذا»، فأنعم المشتري له ثبت البيع؛ فإن قال البائع: «بعت لك هذا بكذا وكذا» فقال له: «نعم، رضيته أو أخذته أو قبلته بذلك» ثبت أيضا.
ومن عرض ــ قيل ــ دابَّة للبيع فأعطاه بها رجل عشرة دراهم، فقال البائع: خذها بخمسة عشرة، فقال: قد أخذت، فقال البائع: قد رجعت أو سكت ولم يقل له: خذها، فليس لأحدهما الرجوع؛ وإن قال: أخذتها بعشرة أو صارت لي بها، فقال البائع: وقد أوجبت عليك، فقال المشتري: لا أريد، فقد وجب البيع ولا نقض فيه بعد؛ وإن قال: أبايعك هذه الثمانية المكاكيك على حساب الجري بخمسة عشر درهما، فقيل: إنَّه بيع ثابت، وقيل: لا، حتّى يتمّاه.
ومن قال لأحد: خذ هذه السلعة بهذه الدراهم أو عكسه فأنعم له فليس هو ببيع، إلاّ إن قال: بعت هذه السلعة لي بهذه الدراهم، فإنّه يثبت على معنى التعارف؛ فإن قال أخذت هذه الدراهم بهذه السلعة، فقيل: إنَّه بيع على معنى الإقرار، لا في الحكم ولا في التسمية؛ فإن قال قد رضيت أو قبضت هذه الدراهم بهذه السلعة أو: أقبلتها بها؟ فأنعم له فلا يكون بيعا إلاّ إن قال: أقبلتها بيعا أو شراء بها أو قد ابتعتها أو اشتريتها بها. وإن بايعه إيّاها بخمسة دراهم من هذه الدراهم، أشبه فيه معنى الاختلاف؛ وكذا لو كان له عليه خمسة فوزن له عشرة، وقال: خمسة منها لك ممّا علي وخمسة منها بيع هذه السلعة، ففيه خلاف أيضا.
وإن قال المشتري للبائع: قد بعت لي هذا المال بكذا، فقال له: نعم إن أوفيتني الثمن، فهو بيع فيه مثنوية؛ فإن نقضاه أو أحدهما انتقض، وتمّ إن أتماه. (4/187)
صفحة 1772
ومن قال لرجل: بعت لك هذه الشاة بعشرة، فأنعم، فهو بيع ثابت؛ وكذا إن قال له: قد رضيتها بها، فأنعم، فهو جائز. وإن قال له قد أخذتها بها جاز أيضا إن كان لا يدخله فساد ولا جهل من وجه.
ومن عرض قيل على رجل منزلا له يبيعه له وقد عرفاه، فقال له: إن أعجبك بكذا أو كذا فخذه، فافترقا على ذلك، ولم يحدّ له عجبه بمعروف، ثمّ بعد ذلك أراد أخذه بذلك الثمن، اختير أنَّه إن لم يتواجبا ببيع مقطوع به بمعروف من الثمن ففيه معنى الاستثناء وهو يبطله؛ وإن قال: هذا الثوب عليك أو لك بكذا وكذا درهما؟ فأنعم له، فهذا ونحوه كالإقرار من المشتري بالشراء؛ فإن رضي البائع بذلك بعد القول بموجب عليه الرضى، ثبت البيع بينهما في الحكم؛ وإن لم يكن منه ذلك اختير أنَّه كان كالإقرار منه به لا من البائع.
ومن أراد أن يشتري من رجل مالا فقال الرجل: بعت على فلان أو له أو أوجبت عليه أو بايعته القطعة الفلانية من بلد كذا، فقال له: نعم أو قبلت أو رضيت، واتّفقا على ثمن معلوم بلا واجب بيع فدفعه إلى المشتري، فقال له عند دفعه إيّاه: قد صار المال مالي وقد استوفيت منّي ثمنه، فأنعم البائع، فالقول قول الأوّل لا يوجب في الحكم بيعا. وأمّا قوله: قد بعت لك، فإذا قال المشتري قبلت، وصار لي فقد ثبت. وقوله عند دفع: الثمن قد صار المال مالي وقد استوفيت ثمنه، وقول البائع نعم، يثبت عليهما ما أقرّا به وجاز فيما بينهما؛ وإن تناقضاه بعد فبينهما الحكم.
ومن ساوم رجلا على شيء فقال الرجل: بثلاثين يريد خمسين فغلط، فقال له المشتري: أخذته فلا يكون بثلاثين حتّى يقول هو لك بها. (4/188)
صفحة 1773
الباب الثاني
في منهيات البيوع
وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم. عن المجر وهو بيع ما في الأرحام والبطون. ولا يجوز بيع اللّبن في الضروع، ولا المنابذة، ولا الملامسة، للنهي عن ذلك، وهو أن يقول البائع للمشتري إذا نبذت إليك الثوب أو غيره أو مسسته بيدك ولم تنشره وجب البيع. وعن بيع حبل الحبلة: وهل هو ما تلد النّاقة أو الشاة الحاملة؟، أو بيع السلعة بثمن (1) إلى أن تلد، تأويلان. وعن بيعتين في بيعة: وهل المراد به أن يقول: بعتك هذه السلعة بألف نقدا، أو بألفين نسيئة، أو أبايعك هذا العبد بألف على أن تبايعني دارك بألفين، احتمالان عندهم. وعن حلوان الكاهن ومهر البغي.
ولا تجوز مبايعة من كان ماله حراما. وكرهت ممّن عنده حلال وحرام لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الحلال بيّن والحرام بيّن، وبينهما شبهات، فدع ما يريك إلى ما يريبك»؛ وعن بيع [144] المضامين: وهو ما تضمنته بطون الأنعام وأصلاب الفحول؛ وعن بيع الملاقيح: وهو ما في بطون الإبل؛ وعن بيع المزابنة: وهو بيع زبين تمر بزبينين إلى أجل، أو تمر النخل عليها بمكيل مؤجل من تمر؛ وعن الكالي بالكالي: وهو الدين بالدين نسيئة؛ وعن المخابرة: وهو أن تؤاجر أرضا بحبّ غير معروف. ويروى عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه أجاز في خيبر إعطاء الأرض والنخل بجزء منها كنصف الزرع أو التمر (2)؛ وعن بيع المعاومة: وهو أن يبيع أحد ثمرة (3) نخله أو أرضه سنين وأعواما؛ وعن المحاقلة: وهو بيع الزرع في سنبله ما حوق من الحقل، وقيل: هو اكتراء الأرض بالحبّ، وقيل: الزراعة على نصف أو ثلث أو نحوهما؛ وعن المدالسة في البيع: وهو كتمان البائع عيب السلعة على المشتري وكذا المخادعة فيه؛ وعن بيع الآبق؛ وعن بيع ما في الضروع إلاّ بكيل معروف؛ وعن بيع الغنيمة حتّى تقسم؛ وعن بيع الزكاة حتّى تقبض؛ وعن بيع تمرة (4) النخل حتّى تدرك إلاّ إن شرط قطعها في (4/189)
صفحة 1774
الحال؛ وعن كراء الفحل والمكيال والميزان إلاّ إن يؤتجر بهما ليكيل أو يزن بهما فلا بأس بأخذ العناء على العمل؛ وعن بيع الماء: وهو أن يكون لرجل نهر أو بئر فيأتي النّاس يستقون منه لشربهم ودوابهم؛ وأمّا استقاؤه هو بدلوه لهم فلا بأس به للعناء لا للماء؛ وعن بيع النّار وهو اقتباس القبس منها، وأمّا إن باع السخام أو الحطب الذي فيه فلا بأس؛ وعن بيع الكلإ: وهو العشب النابت بالغيث؛ وعن بيع العذرة إذا لم يخلط معها تراب، ولا بأس إن اختلطت بالسماد؛ وعن الغش في البيع وهو خلط جيّد في رديء لينفقه، وقال: «من غشّنا فليس منّا».
وقد روي أنَّه مرّ مع جبريل عليهما السّلام بطعام، فقال: ما أطيبه! فقال له جبريل: «أدخل يدك في جوفه» فأدخلها فوجده متغيّرا، فقال لربّ الطّعام: «أمّا أنت فقد جمعت خيانة في دينك، وغشّا للمسلمين». وعن تلقّي الأجلاب. وعن بيع حاضر لباد: وهو أن يتلقّى الجلوبة فيشتريها ويتحكّم على النّاس في بيعها، أو يتلقّاها فيأخذها من البادي يبيعها له. وقال: «دعوا النّاس يرزق بعضهم من بعض»، والفاعل لهذا ــ قيل ــ آثم، والبيع ثابت، وقيل: منتقض. وعن الذم عند الشراء والمدح عند البيع، فمن باع بثمن يزيد بالمدح، أو اشترى بثمن ينقص بالذم فهو ضامن لذلك. وعن بيع الغرر كبيع الجزر والبصل ونحوهما ممّا هو داخل في الأرض؛ وكذا ما في شبكة الصّياد وهو داخل في البحر، أو نصبها في الهواء وجاء إليها الكسر (5) فباعه قبل تمكّنه منه. وقالوا: من باع على أحد جلبة جزر أو بصل وقلعها وأتمّ له البيع جاز بلا خلاف؛ وإن قلع المشتري منه البعض فعن زياد بن الوضّاح أنَّه يلزمه ثمنه.
ومن بيع الغرر: بيع الصدف غير مفتوح ولو وجد فيه لؤلؤة. وعن ربح ما لم تضمن: وهو أن يشتري شيئا ثمّ يبيعه قبل أن يقبضه؛ وقيل: إنّما لا يجوز هذا فيما يكال أو يوزن، وغيرهما جائز بيعه قبل قبضه ما لم يرجع الأوّل من البائع أو المشتري.
ومن له حبّ على رجل من أجرة أو سلف أو قرض فلا يبيعه حتّى يقبضه ويكيله. وعن بيع ما ليس معك؛ أبو سعيد: هو أن يبيع الرجل لرجل شيئا يقطعان عليه البيع، وليس هو في ملك البائع؛ وإن كان في ملكه إلاّ أنَّهما لم يقفا عليه ولم (4/190)
صفحة 1775
يعرفاه، فهذا مجهول منتقض إن تتامماه بعد الوقف عليه تمّ؛ وإن قدّمه دراهم بطعام إلى حضوره، فإن سمّياه سلفا إلى أجل معلوم ثبت، وإن كان على التقدمة للبيع فهو مجهول؛ وتمّ إن أتمّاه؛ وإن نقضاه انتقض.
أبوعبد الله: إنّ بيع ما ليس معك هو أن يسأل المشتري البائع شراء ما لا يملك فيبايعه عليه بثمن معروف، ويؤكّد عليه في قطع الشراء، ثمّ يشتريه له من غيره بذلك السعر أو بدونه أو أكثر منه. وإن كان عنده مال الغير فباعه له بلا أمره فله الخيار في إتمام البيع بالثمن الواقع هو به وفي أخذ ماله، ولا يكون كبائع ما ليس عنده. وعن سلف وبيع ما ليس معك نسيئة. وقال جابر: لا تبع ما ليس معك نسيئة.
أبو سعيد: عندي أنَّه نهى عن سلف وبيع في صفقة واحدة وعن بيع ما ليس عندك بنسيئة ولا نقد، وسيأتي ما خرج من هذا الباب في موضعه إن شاء الله (6). (4/191)
صفحة 1776
الباب الثالث
في الربا وأحكامه
قال الله سبحانه: {وأحلّ الله البيعَ وحرَّم الربا} (سورة البقرة: 275). وقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون ... } الآية (سورة البقرة: 275). قيل: حين يقوم من قبره.
ولعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهده. واختلف في معناه فرجع كلّ إلى ما روي عنه أنَّه قال: «الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح سواء بسواء فمن زاد [145] أو استزاد فقد أربى». فقال قوم: قد ذكر ما حرّمه وهو في مكيل وموزون، فكلّ ما كان منهما وإن لم ينصّ عليه بعينه ففيه الربا، لأنَّه نهى عن ذلك فيما يدخله الكيل والوزن، وإن من غير طعام فهما عندهم علّته. وقوم: هي فيه فيما نصّ عليه لعينه منهما ممّا يؤكل. وقوم: هو فيما بيَّنه في (7) الأجناس الستّة الذي ذكرها وعلى هذا جرى الخلاف بين أسلافنا. وقوم: علّته ما أنبتت الأرض لأنَّها أعمّ، واحتجَّ نافي القياس واقتصر على ما ذكر بقوله تعالى: {وأحلّ الله البيع وحرّم الربا} (سورة البقرة: 275) فأحلّ البيع عموما وحرّم الربا خصوصا، فما خرج من جملة المناهي من البيوع فهو مباح.
والربا هو الزيادة والفضل في الجنس الواحد ممّا فيه الربا. وأحد الأصول التي جرى فيها الخلاف هو أنَّه تعالى لمّا حرّم بيع البُرّ بالبرّ على لسان نبيّه إلاّ مثلا بمثل وجب عند القائسين تحريم الأرز بالأرز إلاّ كذلك، لأنَّه عندهم في معناه. واختلفوا فيما صار به مقيسا عليه، فقيل لأنَّهما مأكولان، وقيل لأنَّهما مكيلان، وقيل مقتاتان مدّخران، وقيل: يزكيان، وكلّ واحد جعل علّة الربا ما اعتمد عليه من ذلك، فمن جعلها الاقتيات والادّخار احتجّ بأنَّه صلّى الله عليه وسلّم لمَّا ذكر أجناسا مقتاتة (4/192)
صفحة 1777
مدّخرة فذكر أعلاها وهو البرّ وأدناها وهو الملح، عُلم من ذكره أعلى القوت ورجوعه إلى أدونه بذكره الملح بعده مع تفاوت ما بينهما أنّ العلّة هي الاقتيات والادّخار؛ ومن جعلها المأكول احتجّ بأنَّه لمّا ذكر أجناسه وخصّها بالذكر وذكر الأعلى والأدنى وهما المذكوران منها علم أنَّها المأكول. ومن جعلها المكيل المأكول ذهب إلى ذلك أيضا؛ ومن جعلها وجوب الزكاة احتجّ أنّ البرّ والشعير أجناس يتعلّق بها وجوبها فوجب أن تكون هي العلّة، وكلّها متقاربة، وإن كان بعضها أخصّ من بعض، وكلّها أدلّة لمن قال بالقياس؛ وكذا من ذهب منّا إلى أنَّها ما أنبتت الأرض احتجّ بإثباته صلّى اللّه عليه وسلّم الربا فيه، وهو الأصناف الستّة، إذ كلّها من النبات.
وقد تكون العلّة هي الأرض، وقد روي عنه: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم». خميس: فهذا الخبر ــ إن صحّ ــ فله تأويل ولا يخلو إمّا أنَّه تقدّم الآية أو صاحبها أو تأخّر عنها، فإن صاحبها فهو بيان لها واستثناء لبعض ما خصّ من جملتها، وإن تأخر عنها فهو ناسخ له أو مبيّن لفرضها لتخصيص بعضها؛ وإن تقدّمها فإمّا أن ينسخ بها، وإمّا إن ترتَّب عليه فتجري على عمومها إلا فيما خصّه الخبر من جملتها، واختير أن تكون العلّة في الربا الكيل والوزن فيما يكال أو يوزن، لما روي: أنَّه ابتاع بعيرا ببعيرين، وأجاز بيع عبد بعبدين يدا بيد اتّفاقا.
وقيل: لا يقبل من عمل صاحب الربا شيء ما كان منه قراط في ماله عارفا به.
وزعموا أنّ فيما كتبه صلّى الله عليه وسلّم لأهل نجران أنّ من أكل الربا منهم فلا عهد له وفسّروا قوله تعالى: { ... لا تاكلوا الربا أضعافا مضاعفة} (سورة آل عمران: 130) بأن يبيع رجل إلى آخر بيعا إلى أجل فإذا حلّ قال للبائع لا أجد ما أعطيك ولكن أخّرني وأزيدك على ما لَك عليَّ فيؤخره ويزيده؛ أو يقرضه رجلا شيئا على أن يعطيه كلّ شهر شيئا زيادة على حقّه. أو يشتري دابّة بدابتين أو ثوبا بثوبين (8) نسيئة، فهذا ونحوه ممّا يهلك به من تعمّده ولو جاهلا، فكلّما أضعف النّاس من قرض شيء بشيء نسيئة من نوع فهو حرام، وما أضعفوا من سلف شيء بشيء يدا بيد فهو حلال. (4/193)
صفحة 1778
ولا يحلّ بيع الطّعام بالطعام نَظِرة، ولا الودك بالودك نظرة إلاّ مثلا بمثل لا زيادة فيه ولا نقصان. وكذلك السلف؛ وقيل: لا يجوز بيع ذاك بذاك نظرة ولو مثلا بمثل إذا كان يسمّى بيعا. وجاز القرض إذ لا يسمّى بيعا، والقرض عند بعض العرب يسمّى سلفا.
وقيل: يجوز اللحم بالسمن نظرة، وبشيء من الأدهان لا الشحم باللحم، لأنَّه منه. وقيل: لا يجوز بيع اللحم بشيء من الأوداك لأنَّه منها، ولا بأس في بيع الثوب بالثمر والحبّ أو بهما بالثوب نظرة.
أبو الحواري: من باع لحم شاة بحبّ إلى أجل فقد أجازوا بيع اللحم والسمك بالطعام نظرة، وهذا ليس من النبات.
واختلف في عامل لغيره عملا على أن يعمل [146] له أكثر ممّا عمل له نظرة، فقيل: جائز لأنَّه لا ربا في الإجارات، وقيل: لا يجوز بزيادة مشروطه فيه ولا بيع منٍّ غزلا من قطن بمنَّين منه صوفا نسيئة، وكذا ثوب من قطن بثوبين من الصوف؛ وقيل: يجوز، لاختلاف النوعين في المعنى ولو اتّفقا في الاسم، لأنّ الكلّ غزل، ولأنَّه ثوب، لا بيع منِّ لحم غنم بمنوين (9) بقرا نسيئة، ولا بيع لحم بحيوان نسيئة، ولا حيوان بصوف أو شعر بها أيضا، ولا بيع لحم ــ وفي نسخة ملح ــ بتمر كذلك، وقيل: جائز. وكذا عنب أو رطب بطعام نسيئة. ولا خلاف في منع الزبيب به كذلك.
ورخّص بعض في بيع ما يخاف فساده في ثلاثة أيّام كالموز والبطيخ والباذنجان ونحوها بالطعام نظرة؛ وأمّا القرع والإترنج ونحوهما ممّا لا يفسد فيها، فقيل: جائز به كذلك مطلقا، وقيل: لا مطلقا، وقيل: جائز إن خيف فساده.
وأجاز بعض بيع الموز الغض بالطعام كالإترنج نسيئة، وقيل: لا. وأجازوا بيع حبِّ الشوران (10) بفراخه بها، وفي حبّه بالطعام بها قولان. وجاز بيع عسل النحل به كذلك، لأنَّه دواء، وقيل: لا، لأنَّه طعام وغذاء، وقد مرّ ذلك. وكذا في بيع ثمرة السدر بحبٍّ مسمّى مؤجل. (4/194)
صفحة 1779
ولا بأس في بيع رطل زيتا مطبوخا برطلين غير مطبوخ يدا بيد، ولا في بيع الزيت بالزيتون يدا بيد، ولو فيه تفاضل لا نسيئة، لأنّ الزيت من الزيتون.
وجاز بيع قفيز تمرا بقفيزين بسرا وعكسه، وقفيز بقفيز منهما يدًا بيد ولا خير فيه نظِرة؛ وكذا في الرطب والعنب والزيتون؛ ولا بأس بقفيز خلا بقفيزين تمرا يدا بيد لا نسيئة، لأنّ الخل منه؛ وكذا التمر بالنبيذ ولا بأس به يدا بيد؛ وكذا لبن غنم بلبن بقر ولبنه بلبن الإبل. وسمن البقر بسمن الغنم لا بأس به يدًا بيد ولو متفاضلا لا نسيئة. وكذا عنب أبيض بأسود متفاضلا يدا بيد. وكذا في رطل من دهن وَرْدٍ بِضِعفه من دهن بنفسج لا بأس به يدا بيد. ولا في بيع قوصرة تمرا بقوصرتين منه أو جراب منه بضعفه منه، أو جراب بقوصرة يدًا بيد لا نسيئة.
وجاز بيع ورق البصل إن كان مجزوزا (11) بالطعام نظرة لا رؤوسه كالثوم. ولا بيع البيض به لأنَّه من الإدام، وقيل: يجوز لأنَّه من غير النبات. وكذا في بيع النوى بالثمر كعكسه نظرة، واختير الجواز. وأجاز بعض بيع النبق والتوت بالطعام لأنَّه من الجنَى. وكذا الفرصاد، وبعض كره كلّ ذلك.
أبو علي: في حبّ الرمان اليابس والرطب والجوز واللوز والفاكهة اليابسة نسيئة بالطعام أنَّه لابأس في ذلك، إلاّ في حبّ الرمان فإنّه لا يجوز، وقيل: في غيره خلاف؛ وأمّا هو بالطعام نسيئة فمنْعه محل اتّفاق.
وجاز قيل بيع الزيت بالخل نظرة، وبيع الشوران بالقطن والرمّان اليابس أو الرطب بالقطن، وحبّ الشوران وأفراخه بالقطن والبوت والتين والنبق بالقطن والصوف به أو بالشعر أو بالثياب. وكره بعض الشوران بالقطن نسيئة.
وجاز بيع الشحم بالسمن أو باللبن المخيض الخالي منه، وقليل: لا. وأجاز بعض بيع اللبن كيلا بوزن شحما.
واختلف في الزعفران بالورس وهو بالشوران أو أحدها بالفوة.
أبو عبد الله: من الربا بيع السمن باللبن (12) نظرة والخلِّ بالعسل وهو بالتمر والزبيب والسمن. وجاز زيت بخل وعسل، لا سمن بخل أو بلحم ولا بأس عند أبي (4/195)
صفحة 1780
عبد الله في ملح وحرض ونبق وبوت وشوع وفواكه بالطعام نظرة. ولا عند موسى في بيع ملح ببرّ أو تمر نظرة.
واختلف في بيع القرح والفلفل والجلجلان بالطعام نظرة. وأمّا الجوز والنارجيل به فلا يجوز نظرة. وأجاز أبو عبد الله بيع القرض به نسيئة وموسى بيع الحرض والشوع والبوت والجنا وكلّ ما يزرع ممّا لو ادّخر لفسد جاز بالنابت.
ولا يجوز بيع الطعام بالتمر والخلال إذا قلع، لأنّ أصله واحد، وقيل: لا يجوز لأنَّه إذا ترك فسد.
أبو الحواري: يجوز بيع الجبن واللبن بالطعام لأنَّه ليس من النبا، وأجاز إعطاءه منّ قطنا لمن يغزل للمعطي منًّا منه؛ وكذا بيع ثلاثة أمناء قطنًا بمنٍّ غزلاً إلى أجل، وكرهه قوم. ويجوز بيع (13) حطب بحبّ إلى أجل وبيع الخوخ بالطعام لفساده لا بيع السمس بحبّ وكلّ ذلك جائز يدًا بيد.
وفي ثبوت الربا بين الوالد وولده خلاف، قيل: لا ربى بينهم لأنّ الوالد يملك مال ولده عليه، وقيل: ثابت بينهما لأنّ الولد يملك ماله، ولا حكم لأبيه فيه إلاّ بنفقته وكسوته إن احتاج إليه، ولأنّ نصيبه منه إذا مات السدس مع الأولاد. ولا خلاف في نفيه بين السيّد وعبده، (14) لأنَّه وماله ملكا (15) لسيّده.
والمرابي إذا تاب وطلب الحلّ ممّن أربى عليه، قيل: يجوز له ذلك، وقيل: لا، وقيل: تجوز فيه المقاصصة لا الحلّ، وقيل: كلاهما، والأكثر على ما مرّ من أنّ التوبة منه ردّه مع [147] الاستغفار ولو جهل الراكب له. (4/196)
صفحة 1781
الباب الرابع
في بيع الخضرة والزرع وبيع العامل عناءه
فمن باع تمرة نخلة خضراء وشرط قطعها من حينه ثمّ بدا لمشتريها تركها حتّى تدرك ورضي البائع له بذلك جاز إن لم يريدا بذلك حيلة بينهما. وكذا من باع علفا من برّ أو شعير قبل أن يتسبّل على أن يجزه من يومه ثمّ بدا له أيضا أن يدعه حتّى يتسبل ويحصده أو جزَّه شيئا فشيئا حتّى بقي آخره فتسبَّل وأدرك وحصده وطابت نفس البائع فجائز ذلك. وكذا في البقول بلا شرط بينهما أنَّه يدعها في أرضه فيجزها أوّلا فأوّلا.
ولا يجوز بيع الزراعة بالحبّ قبل إدراكها، ورخَّص بعض أن يردّ على الزارع زريعته وما أنفقه وعناءه في الزراعة، وتؤخذ ولو لم تدرك على هذا إلاّ على وجه البيع وبعض كرهه.
ومن باع ــ قيل ــ على رجل ضاحية قتٍّ قد بلغ ووزن من المشتري الثمن ثمّ أصيب القتُّ بسيل أو جائر أو لص فذهب به، فإن أدرك جذاذه (16) فتركه مشتريه حتّى تلف فهو من ماله؛ وإن وقعت الصفقة بلا مشارطة بينهما أن يجزَّه عند البيع ثمّ أصيب فهو من مال البائع إن أدرك، وإلاّ انتقض البيع وتلف من ماله أيضا؛ وكذا العظلم ونحو ذلك.
ونهي عن بيع الثمار قبل إدراكها وهو من الربا أيضا فيما قيل، إن لم تكن للقطع من حينها فإنّ ذلك جائز اتّفاقا ــ كما مرّ ــ لأنَّه ربّما كان بيعها قبل إدراكها أصلح لربّها في بعض الأحيان؛ وإن بيعت قبله وقطعت من حينها بلا مشارطة جاز ذلك؛ وإن كانت نية البائع تركها والمشتري قطعها فقطعها من حينه جاز أيضا.
ومن باع ــ قيل ــ لأحد شجر عظلم بكذا وكذا درهما على أن يجزَّه فتركه أيّاما ثمّ طلب نقضه، فإن زاد ولم تسبق زيادته في مال البائع فقيل: إنَّه منتقض ما لم (4/197)
صفحة 1782
يجزَّه ويخرجه، وقيل: لا، حتّى يعلم أنَّه زاد؛ وإن كان ممّا لا يزيد وقد انتهى ثبت البيع، وعلى المشتري إخراجه من أرضه إن وقفا على القتِّ أو العظلم ونحوهما، وتقاررا على انتهائه، ثمّ ادّعى أحدهما أنَّه زاد وأراد النقض فلا يجده، إلاّ إن صحّ ولم ينته يوم البيع.
وإن باع أحد الشريكين في زرع نصيبه منه لصاحبه فالبيع قيل فاسد. وأمّا البيدار إذا أراد بيع حصّته من الزراعة فلا يجوز له ذلك إلاّ لصاحب المال. (4/198)
صفحة 1783
الباب الخامس
في الاِحتكار في البيع ومعناه
كما يؤخذ من كلامهم وبه عرَّفته في النيل: أنَّه شراء مقيم طعاما لتجر وقت رخصه في بلده بقصد ادّخارٍ (17) لغلائه فيه. وهل هو عامٌّ في كلّ ما يطعم، أو خاصٌّ بالحبوب الستّة أو بالبرّ والشعير؟ أقوال.
ويجبر على البيع لا بأرخص منه، ولا إن خرج من ملكه بوجه أوردّه لنفقته، أو تغيّر عن حاله، واستحسن أن لا يكون مشتر فضلا عن حاجة أهل البلد لتجر محتكرا، وإن ادّخره لغلائه.
وجاز شراء غلّة بأوانها وطعام بعد غنى عنه.
وقيل: المحتكر هو مشتر لطعام البلد ولا يجد أهله أحدًا (18) غيره يبيع لهم ويقول: لا أبيعكم إلاّ ما أريد. وأمّا من اشتراه وحبسه وقد وجدوا غيره يبيع لهم فليس بمحتكر.
ويكره ــ قيل ــ حبسه بمكّة لأنّ الأشياء تجلب إليها، فإذا حبس النوع المجلوب ولا يوجد عند غيره فهو المنهي عنه. وأمّا من يشتري الطعام من بلد إلى بلده وينتظر به غلاءه فلا عليه. وكذا الزارع إن حبس حبّه، والتاجر الذي يسلف فيحبسه إليه فليسوا محتكرين (19) ولا ينكر عليهم حبسه. وما كان إداما كسمك وسمن وحزم وملح فلربّه أن يبيعه كيف أراد.
ومن اشترى ــ قيل ــ طعاما وانتظر به الغلاء حتّى كثر زرعه، فلو تصدّق به لكان أيسر من أمره.
وعن جابر ومسلم من احتكر طعاما على النّاس وأبى أن يبيع إلاّ على حكمه وهو غال، فلا يجده، وينزع منه، فيقسم بينهم بقيمة معروفة. (4/199)
صفحة 1784
واختلف فيمن يجرف ــ وفي نسخة يحرق ــ السمك والملح ونحوهما من السوق من عند الجالسين، والأكثر على أنَّه جائز له، وقال بعض: يدع النّاس ثلاثة أيّام يشترون منه، ثمّ يجرف بعد ذلك؛ فإنّ التاجر ــ قيل ــ ينتظر الرحمة والمحتكرُ اللعنةَ، وقد لعنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
وقيل: إنّ الربيع استأذنه المعتمر أن يشتري طعاما لنفسه ولعياله وقد خاف غلاءه، فلم يرخّص له، وقال: ما أحبّ أن يكون النّاس في شدّة وأنت في وسع، ولكن تصيب ما يصيب إخوانك وتدعو بالفرج كما يدعون وقد مرّ هذا. (4/200)
صفحة 1785
الباب السادس
في بيع المرابحة
فمن اشترى شيئا نسيئة ثمّ أراد بيعه مرابحة فليخبر أنَّه اشتراه نسيئة؛ وقيل لأبي سعيد: فإن لم يخبره (20) بذلك مشتريه وباعه له مرابحة نقدا أو نسيئة؟ فقال: لا بأس إن باعه نسيئة، وأختار إن باعه بنقد أن يخيّر المشتري في إتمامه أو نقضه، لأنَّه مدالسة.
[148] ومن اشترى طعاما نقدا ثمّ أصابه مطر أو سوس فله أن يبيعه مرابحة، وعليه أن يبيّن أنَّه اشتراه حديثا سالما وعناءه كذلك المنقص له عن حاله؛ وإن اشتراه جديدا وعتق عنده فله أن يبيعه مرابحة، وأن يبيّن ذلك؛ وقيل: إن عيب بعد الشراء فلا بأس أن يبيعه مرابحة، لأنّ المشتري يأخذ ما يبصر.
وإن كان المبيع دابة أو خادما فمرضت أو ذهبت عينها فله بيعها مرابحة، ويخبر أنَّه أخذها صحيحة، فإن شاء المشتري أخذها وإن شاء تركها. وكذا في ثوب إن لبسه، وخادم إن استعملها حتّى نقص ذلك بذلك (21) فعليه أن يبيّن ذلك للمشتري إن باعه مرابحة؛ فإن لم ينقصه ذلك فلا عليه إن لم يخبره (22) ولو استعمله؛ وكذا نحو ذلك.
وإن كان المبيع جارية وقد ولدت ومات ولدها ولم ينقصها، فله بيعها مرابحة لا إن أراد حبسه أو إخراجه من ملكه حتّى يبين لأنَّه منها. وكذا الشاة في نتاجها؛ وأمّا شرب لبنها وبيع صوفها وشعرها فإن كان أنفق عليها مثل ما نال منها باعها مرابحة، وإلاّ فحتّى يخبر مشتريها، وقيل: إذا سأل عن ثمنها السلعة ثمّ تبايعا عليه مرابحة فهي هي، وإلاّ فهو مساومة حتّى يشترطا أو أحدهما أو المرابحة؛ وقيل: لا يكون مرابحة ولو سأل عنه حتّى يشترطاها أو أحدهما ويريداها؛ وأمّا ولد الجارية ونتاج الدابة وتمرة النخلة ونحو ذلك فهو من أصل الشيء وممّا يأتي منه فإن تلف ولم ينتفع به (4/201)
صفحة 1786
لا بإتلافه فله أن يبيع ذلك مرابحة، وإن بلا إعلام بذلك، إلاّ إن أنقص ما خرج منه أو حدث به حادث. وإن أكل التمرة أو أخرجها من ملكه أو اعتق الولد أو أخرجه من ملكه والأصل قديم بيده فلا يبيعه مرابحة حتّى يبيّن ذلك ولو لم ينقصه.
ومن اشترى قيل ثوبا بعشرين درهما وغسله بدرهم أجرة فلا بأس أن يقول للمشتري قام عليّ بأحد وعشرين. وإن اشترى من رجل عبدا بخمسمائة فترك له مائة ثمّ أراد أن يبيعه مرابحة بخمسمائة فلا يجوز أن يبيعه إلاّ بأربعمائة؛ وإن ترك له الثمن كلّه فله بيعه بها بخمسمائة، وما لم يتركه له كلّه فلا نرى له بيعه مرابحة إلاّ بما أخذه. (4/202)
صفحة 1787
الباب السابع
في بيع العدد والجزاف والكيل والوزن
وعن الربيع: إن ابتعت معدودا فلا تأخذ به جزافا ولا كيلا وإن ابتعت كيلا أو وزنا فلا تأخذ به عددا ولا جزافا؛ وقال أبو سعيد: إذا بايعه على العدد واتّفقا على قبضه بالكيل أو باعه واتّفقا على قبضه بالعدد فيما يمكن فيه ذلك جاز، ولا فساد فيه عندي إذا لم يكن من السلف أو الإجارات وكان من الحاضر؛ وإن اختلفا ثبت على ما تعاقدا عليه إن ثبت العقد.
واختلف في بائع مثل غدوق (23) الموز وقفيز الباذنجان والإترنج والرمان والنارنج والخوخ والليمون ونحوها إن كان ببيع الغدوق (23) وما في القفيز جملة ويعلم عدد ما فيهما، فقيل: عليه أن يُعلِم به المشتري، وقيل: لا، لأنَّه ينظره، واختير الأوّل؛ هذا إن باع جزافا، وإن باع بالعدد فلا يحتاج إلى تعريفه.
ومن باع موزونا كعسل، وسمن، والقطن، والنيل، والشوران ونحو ذلك ممّا يوزن فلا يلزم البائع ترجيح الميزان، إلاّ إن أعتيد بينهم في البيع.
ومن كال عشرة أجربة تمرا ثمّ كنزه في جرابين ولا يعرف كم في واحد منهما فلا يلزمه أن يخبر المشتري لأنَّه يعرف ذلك؛ وإن قال: كلت كذا وكذا جرابا وكنزتها فيه وفي غيره فله ذلك، وإن لم يقل لم يلزمه شيء أو إن باع الجرابين صفقة واحدة أخبر بما فيهما لا أنَّ في كلٍّ كذا.
وإن اختلف ــ قيل ــ رجلان في وزن جراب فقال رجل لقابضه: خذه بمائتي منٍّ، فإن نقص فعليّ، فأخذه برأيه فنقص، قال خميس: فإنّي أخاف أن يلزمه ضمان ما قال إن كان المشتري لا يعلم ذلك وقد غرّه.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل ألف جوزة بخمسة دراهم فعدّه فزاد عشرين جوزة فإن خرجت الزيادة من حال ما يكون طرحان المشتري من البائع فهي له، لا (4/203)
صفحة 1788
قيمتها إلاّ إن اتّفقا عليها، فيكونان شريكين في الجوز وعليهما قسمته، ولا يجوز للمشتري أن ينتفع بالألف ويدع العشرين بلا مقاسمة بينهما فيه؛ وإن باع له من جوز معيّنٍ ألفا وعدله فغلط ولم يبعه على أنَّه ألف ثبت البيع في الألف؛ وإن اختلطت الزيادة في العدد أو باعه على أنَّه ألف فسد البيع كلّه.
ومن كال حبّا في إناء فعرف كيله فأراد بيعه جزافا ولا يعرفه المشتري، فقيل: عليه أن يعرّفه ذلك ليعلم أيضا ولو لم يسأله وهو مخيّر بعد العلم في إتمامه أو نقضه؛ وكذا كلّ ما يكال أو يوزن؛ وإن علم المشتري كيله أو وزنه فاشتراه جزافا فالقول فيه إذا علمه البائع أيضا من الخيار كالقول في المشتري وتشابها في ذلك.
ومن كال طعاما أو وزنه وقال: إنَّه كذا وكذا ولا أدري أنَّه [149] زاد أو نقص وباعه جزافا على هذا فلا عليه. وكذا فيما يعدّ.
أبوعبد الله: من أخذ من رجل حبّا أو تمرا أو سمنا فجازفه فاستغبن أحدهما وطلب النقض، فإن تبايعا وقد نظر إلى أسفله وأعلاه لزمهما البيع وهو تام؛ وإن لم ينظر إلى جميعه فسد إذا طلب أحدهما نقضه (24)؛ وإن نظره أحدهما وعرفه فتمسّك عليه الآخر بالبيع ولم يطلب نقضه ثبت عليه، وقيل: يثبت ذلك إلاّ إن خرج متغيّرا فلهما الرجوع. (4/204)
صفحة 1789
الباب الثامن
في بيع الجملة
ومن نظر إلى طعام لا يعرف جملته فاشترى منه كلّ جريب بكذا، ثمّ بدا للبائع أن لا يبيع أو له أن لا يشتري، فقيل: إذا رجع أحدهما ثبت منه جريب واحد، أو منّ واحد على ما بينهما؛ وقيل: لا، لعدم معرفته بالكميّة؛ وإن قال: قد اشتريت منك جريبا من هذا الحبّ فذلك ثابت وله جريب، وقيل: لا، لأنَّه لا يعرف ذلك الجريب منه، وتدخل فيه الجهالة.
أبو علي: من اشترى من رجل شيئا من مكيل أو موزون بكيل مسمّى وقدّر إيّاه ثمّ بدا لأحدهما بعدما كال منه شيئا فإن حدَّا ما تبايعاه كم منًّا أو جريبا جاز، وإلاّ غير أنَّهما عرفا سعره ثمّ احتجّا بأنَّهما (25) لا يعرفان قدره ضعف.
أبو المؤثر: إن اكتال المشتري بعضه وقبضه ثمّ اختلفا في الباقي ثبت ما قبض دون الباقي. وفي ابن جعفر: إن (26) اشترى منه تمرا مصبوبا أو حبّا لا يعرف كيله كذا وكذا جريبا ثبت؛ وإن اشترى منه على حساب الجريب بكذا وكذا درهما، فلهما نقض ما كهذا.
ابن المسبح: إن باع رجل لرجل حبّا في صبّة على مكوكين بدرهم أو اشترى منه عشرة أجربة من صبّة على جريب بخمسة، ووقفا عليها ووزن الدراهم أو لم يزنها إلاّ أنَّهما تقاطعا على الثمن ثبت ذلك إذا رأيا الحبّ؛ وإن قال: اشتريت منك هذه الصبّة على مكوكين بدرهم فليس يثبت غيرهما.
نبهان: فإن اشتراها منه على مكوك به ثبت، إلاّ إن خالف باطنه ظاهره، وقيل: فسد، واختلف في ذلك أيضا ابن علي والأزهر، فقال موسى: ثبت عليهما ما اتّفقا عليه، وقال الأزهر لا يثبت على المشتري إلاّ ما كال له أو وزن من دراهمه إن لم يتخالف الأعلى والأسفل؛ وإن تخالفا ردّ عليه بقيّة دراهمه. وقيل: إن خرج أسفل (4/205)
صفحة 1790
الصبّة أشرّ من أعلاها فللمشتري نقضه لا للبائع، وبالعكس إن كان خيرا؛ وقيل: إنّ النقض فيهما لكلّ منهما. وكذا في كيس القطن وكبّة الغزل ونحوهما من التمر والثياب وجميع ما يباع. وكذا إن قال: أبايعك هذه الصبّة أو الأرض إلاّ عشرة أجربة أو أذرع، أو هذا البستان إلاّ ثلاث نخلات فهذا كلّه لا يثبت لاستثنائه معلوما من مجهول؛ وإن قال: إلاّ عشرها أو ربعها أو نحوهما ثبت، وكذا في الأرض والبستان.
ومن اشترى ــ قيل ــ صبرة طعام، وهو الطعام المجموع بلا كيل، جاز إجماعا؛ فإن قال لصاحبها: أخذتها (27) منك بكذا وكذا قفيزا، على أنّ الزائد لي والناقص عليّ، لم يجز، لأنَّه من المخاطرة. وجاز بيع زرع مجموع مثل القصبة، يجب إن كان مرئيًّا لهما ظاهرا يدا بيد.
البسياني: من اشترى من رجل عشرة أجربة حبّا بعشرين درهما فأتى به إلى ظرف فقال له: هذا فيه ذلك، فصدّقه وقبل ذلك فإنّه لا يثبت حتّى يكيله أو يقول أنَّه كاله له فيصدقه، ولا يثبت (28) على غير هذا، ولا يبرأ من الدراهم، لأنّ عليه أن يكيل له عشرة كما اشترى منه، ولا له أن يعطيه جزافا عن كيل معلوم. (4/206)
صفحة 1791
الباب التاسع
في بيع التعارف والمسالمة
أبو الحسن: من أراد أن يشتري من رجل أصلا أو غيره فتساويا فيه فطلبه بثمن والبائع تأخَّر، فلم يتَّفقا وانصرفا، ثمّ رضي بما طلبه به المشتري فسلّمه إليه وقبضه وسلّم هو إليه الثمن أو بعضه أو لم يسلّمه، ولم يتبايعا وقت التسليم ففي الحكم إذا لم يبايعه إيّاه وقت تسليمه الثمن، ولا قال له سلّم إليّ ثمن ذلك الأصل أو غيره، ولا تذاكرا فيه وإنّما وزنه وسلّمه إليه، ولم يعلم أنَّه ممّا سلّمه إليه، لا يثبت البيع، والأيمان بينهما؛ فإن سلّم المال في يد المشتري وقبض ثمنه على تمام ما كان في الأوّل ولم يقبضه إلاّ أنَّه سلّمه بيده على ما قد طلبه فقد ثبت البيع إن عرفا ما تبايعا عليه.
ومن أراد أن يشتري من أحد أصلا أو عروضا أو طعاما أو حيوانا ونظراه فساومه البائع بمائتين والمشتري بمائة، ولم يتّفقا، ثمّ رجع إليه وقال له: عزمت عليك أن آخذه كما طلبت، أو قال هو له: أبيعه لك بما طلبت، أو قال: الرأي إليك أو رأيك أو حيدا (29) أو قال: وجّهه إليّ، أو سلّمه إلى رسولي إذا وصل إليك، فكان بيعهما وشراؤهما على هذه الألفاظ ولم يقطعا في ذلك الوقت البيع الثابت، فأمّا عند الله إذا دفع إليه المبيع بما رضيه من الثمن واتّفقا عليه وصار بيده على وجه الشراء وأتلفه وصاحبه راض ساكت لا يغيّر ولا ينكر، فلا رجوع له، ولو قصّرا في لفظ البيع والشراء إن اعتقد البائع [150] أنَّه سلّمه على البيع بكذا من الثمن وقبله الآخر على أنَّه اشتراه بكذا منه، وقد علما أنّ قولهما ليس بموجب للبيع عليهما، ولكن اعتقد البائع على دفع المبيع والمشتري على تسليم الثمن، فإن قبض المبيع على ذلك اللفظ بجهله وعنده استحقّه على البائع ثمّ عرفا الحقّ في ذلك، فإن أتماه تمّ، وإن نقضاه انتقض؛ وإن رفع ذلك إلى الحاكم وأقرّ بلفظهما لم يكن بيعا؛ وأمّا غلّته فإن نقضه البائع فهي للمشتري كعكسه والربح لمن اتّجر به، لأنَّه ضامن له. (4/207)
صفحة 1792
ومن قال لرجل أريد أن آخذ منك حبّا إلى وقت كذا فادفع إلى رسولي فلان ما طلب إليك حتّى ألقاك ونتّفقا على السعر، فكان الرسول يأتيه ويأخذ منه شيئا بعد شيء حتّى قبض عشرة أجربة، ثمّ لقيه ربّ الحبّ فقال له: قد سلّمتها إليه، فأنعما له، فقال له: قد حسبتها عليك بمائة درهم إلى شهر كذا، فقال: قبلت، فإن اعتقد البائع حين كال الحبّ للرّسول أنَّه يحسبه عليه بذلك، وأنَّه إن لقيه يكلّمه به (30)، واعتقد المرسل أنّ كلّ ما قبضه رسوله فإنّه يؤدِّي قيمته، ثمّ لقيه وأتمّه تمّ، وإن نقضه المشتري واحتجّ أنَّه قبضه بلا عقد بيع ولا أساسه انتقض في الحكم إذا تقاررا على ذلك، ولم تقع عقدة بيع عند كيل الحبّ، وأمّا عند الله فتام. وإن كاله البائع للرسول لا على اعتقاد ثمنه في وقته، وإنّما يكون اعتقاده إذا لقيه، فالمختار في هذا أنّ عليه له (31) حبّا مثل حبّه ويترك عليه ما أراد من المدّة؛ وإن أراد أن يقضيه ثمنه اتّفقا عليه وأحضراه والميزان، فيقول له: عندك لي حبّ، فإن أردت أن تعطيني ثمنه قبلته منك، واتّفقا عليه، فإن وزنه له عند اتّفاقهما جاز ذلك. وإن كال الحبّ على غير أساس البيع فلمّا قبضه المرسِل من رسوله ولقيه البائع وحسبه عليه ثمنا على اتّفاقهما عليه بالنسيئة، فهذا بيع لا يجوز إلاّ على ما ذكرنا من إرادتهما ذلك واتّفاقهما عند حلول الأجل، وأمّا الصحيح فبِأنْ يحضرا ويتّفقا على الحبّ معا ويتبايعا فيه بنقد أو نسيئة، ويكتاله المشتري على ذلك ويقبضه، أو يتّفقا على سعره بذلك ثمّ يبعث رسوله فيقبض له بكيل على ما اتّفقا عليه قبل، فإن أرسله وأخذ له حبّا ولم يتّفقا على سعر، إلاّ أنَّه عقد نيّته إلى ثمرة كذا، فلمّا أدركت وأراد أن يقضيه حقّه اتّفقا في وقتها على سعر ما أخذه الرسول من الحبّ فجعلاه دراهم، وقضاه بها حبّا، فإذا دفع إليه حبّا على اعتقاد البيع إلى الثمرة (32)، ولم يعقداه بنقد ولا نسيئة، واتّفقا على الثمن عند قبضه على سعر الدراهم فلا يكون إلاّ بالنقد، ويقبض منه ما اتّفقا عليه؛ قال: وإن أعدمها واقتضى منه بها قبل قبضها حبا على سعر يومه فذلك قضاء فيه ما فيه، ولا أنقضه. وإن باعه بالدراهم إلى أجل فحلّ فأعدمها فاقتضى منه شيئا من السعر حبّا أو غيره من العروض بها، فقد أجازوا ذلك، والذي وصفنا من اتّفاقهما على الدراهم فشبيه بهذا، (4/208)
صفحة 1793
وبعض لا يجيز هذا البيع إلاّ إن اتّفقا على أن يعطيه بذلك الحبّ ما اتّفقا عليه من العروض غيره.
فصل
من لقيه ــ قيل ــ رجل وعنده (33) شاة يريد بيعها فقال له: بكم الشاة؟ فقال له: بعشرة دراهم، قال: أتزن؟ فوزنها له وقبض الشاة، ثمّ أراد أحدهما الرجوع في البيع فما لم تقع واجبته بالكلام جاز لكلّ منهما ما لم يثبت عليهما بإقرارهما أو ببيّنة بالرضى منهما به (34)؛ وإن ذبحها وأراد البائع الرجوع فيها، فما لم يثبت البيع بينهما فلهما الرجوع ولو بعد ذبحها، ما لم يثبت رضاهما في الحكم؛ وإن قبض البائع الدراهم وسلّم الشاة للمشتري ثبت البيع على الاطمئنان ما لم يأت أحدهما بموجب نقضه.
وسأل رجل أبا سعيد فقال: تساومت أنا ورجل على ثوب، فقال لي: خذه بعشرة دراهم، فقلت له: إن أعطيتنيه بثمانية أخذته، فقال لي: وجّه من يأخذه فإن صلح فخذه، فأخذته وأخذ منّي الثمن أو بعضه ثمّ طلب أن يأخذ منّي عشرة، وقال: إنّما قلت ونيّتي بها، فأجابه بأنَّه لا يثبت عندي حتّى يتتامما على أحد الثمنين أو غيرهما، فإن استقبض المشتري ما سلّم من الثمن والبائع الثوب ليبيعه ويسلّمه منه لزم البائع ردّ الثمن، ثمّ يأخذ ثوبه من حينه لا قبله ولا بعده؛ وإن تلف لزم المشتري قيمته والبائع ردّ ما أخذ من الثمن؛ وإن باعه المشتري واستردّه البائع وقال: كان يسوى عشرة، والمشتري: ثمانية، قُبِل قول المشتري مع يمينه.
ومن يبيع سمكا كلّ سمكة بدرهم نقدا أو إلى أجل، ثمّ استعطاه رجل سمكة فأعطاه إيّاها وظنّ أنَّه يأخذ منه كالنّاس حتّى يعطي، ثمّ طلب منه الثمن فقال له: إنّما قلت لك: أعطني لا بايعني!، فإن لم يفترقا على ثمن معلوم فليردّ عليه مثلها أو (4/209)
صفحة 1794
قيمتها؛ ولو قال: له أعطني، والقول قول الغارم في الثمن مع يمينه. وكذا إن أتى بسمكة فقال: هي مثل سمكتك، يقبل قوله معها أيضا.
أبو المؤثر: [151] من استبيع رجلا حبّا فقال له: قد بعت لفلان جريبا بكذا وكذا، فقال له: أنا آخذ كفلان، وقال البائع: إنَّه باع إلى الصيف، فأرسل إليه من يقبض الحبّ منه، فسلّمه إليه ثمّ اتّهمه المشتري أنَّه لم يبع لفلان كذلك ومات فلان لزمه بيان ما قال؛ فإن وجده، وإلاّ حلف المشتري أنَّه لا يعرف كيف باع له، فإذا حلف رجع البائع إلى رأس ماله وفسد البيع؛ وإن ردّ اليمين عليه كان ما حلف عليه؛ وإن قال الأوّل: اشتريت بكذا فلم يصدّقه الأخير كان على البائع أيضا البيّنة واليمين للأخير. وقيل: إذا وقع البيع على ما باع لفلان، أو على ما بيع، فهو فاسد، إلاّ إن قال: قد بعت (35) له بكذا وكذا، وصدّقه واشترى منه على ذلك وانقطع أمرهما عليه.
ومن اشترى مجهولا فهو فاسد، غير أنَّهم قالوا: إذا وقفا عليه وتتامما فيه بعد المعرفة جاز إن لم يكن فيه ربا.
ومن قال لرجل: اِدفع إلى فلان قفيز حبّ وعليّ الثمن، فإن اختلف فيه لم يلزمه إلاّ القفيز أو قيمته يوم الحكم؛ وإن سأله كيف يبيع الحبّ فأخبره بما يبيع به فقال له: اِدفع إلى فلان حبّا بدرهم لزمه مثل ما أخذ أو قيمته يوم أتلفه لا الدرهم في الحكم لأنَّه لم يبايعه؛ وقيل: لا بأس أن يقول رجل لرجل: اِبعث لي من طعامك بسعر ما تبيع، فيرسل إليه به ولم يسعّره، فكرهه بعض حتّى يقول له: هذا كذا وكذا بكذا وكذا، ثمّ يقبضه، قال: ولا أرى في الأوّل بأسا إذا لقيه بعد واتّفقا على الثمن؛ وإن لم يتراضيا على شيء وعده البائع كما باع، فكَرِه المشتري أختارُ أنَّه ضعيف، والبضاعة أو مثلها إن تلفت لربّها؛ وإن أعلمه بالسعر ورضي بذلك بعد القبض فلا رجوع لأحدهما، وقيل: إذا لم تقع واجبة البيع مع قبض السلعة، وإنّما كان على سعر ما يبيع أو البلد فهو فاسد؛ وإن تتامما عليه تمّ على سعر البلد أو غيره من القيمة، إلاّ أنّ له سلعته أو قيمتها أو مثلها إن تلفت؛ وإن تراضيا على الثمن بعدُ ثمّ افترقا على غير (4/210)
صفحة 1795
قبض لما تراضيا عليه فلكلٍّ منهما الرجوع، قال: وليس بشيء، لأنَّه بايعه ما لم يقبض وما هو ضامن له، فهذا لا يثبت وليس تجديد رضاهما بالبيع ما لم يقبض من المشتري ما اتّفقا عليه من الثمن بثابت عليهما ولا على أحدهما.
ومن باع لرجل شيئا ولم يقل له: صار إليك بكذا وكذا ولا هو رضيته به، ثمّ قبض ما اشترى والبائع الثمن وافترقا، ثمّ رجع أحدهما، فإن وقعت واجبة البيع وقبوله فلا رجوع له إلاّ بموجب فساده؛ وإن لم يقع إلاّ اتّفاقهما على الشراء وقبض البائع الثمن والمشتري المبيع وافترقا على ذلك، فقيل: إنَّه ثابت عليهما، وقيل: لكلّ منهما الرجوع ما لم تقع واجبة البيع بالكلام. (4/211)
صفحة 1796
الباب العاشر
في بيع النداء والمنادي
فمن أعطى مناديا ثوبا وقال له: إن وصل إلى عشرة دراهم فلك عليّ دانق ولا شيء لك بالأقل، فقد استعمله في مجهول وله عناؤه. وإن قال: بعه بعشرة ولك دانق، فإن بلغ أقلّ أو أكثر فلا شيء له عليه. وإن دفع إلى المنادي شيئا يبيعه له وشرط عليه إن بلغ ما أحب من الثمن أو ما رضي وإلاّ فليس لك شيء، فهو ثابت في الحكم عليه؛ وبعض لا يحبّ أن يذهب عناؤه إذا عنى. وإن قال له: بع هذا بعشرة فالزائد لك، فهو له، وله أيضا عناؤه لأنّ الزائد وجب له بالإقرار إن كان ممّن يبيع بالأجرة.
وقيل في المنادي يبيع الثوب وقد علم المشتري أنَّه لغيره أنَّه بالخيار إن شاء سلّم إليه ثمنه، وإن شاء سلّمه إلى المنادي.
أبو عبد الله: من نادى على مال رجل فيمن يزيد يوم الجمعة برأي الوالي ثمّ باع وأوجب البيع ثمّ رأى المسلمون إليه أنَّه بيع منتقض، فللمنادي جعله في مال الذي عليه الحقّ، ولا شيء على أصحاب الحقوق؛ وقيل: على الذي أمره بالنداء ولو انتقض البيع.
وإن نادى ــ قيل ــ صبيّ في السوق على غزل وباعه، منٌّ بدرهمين فحين الوزن قال له المشتري: اِطرح لي في الثمن كياسا ــ وهو عشرة دراهم ــ فطرح له ذلك، فإن عرف الصبيّ به للبائع جاز منه ما شرط قبل واجبة البيع الثابتة في الحكم، ولا يجوز منه ذلك بعدها، لأنَّه لا يجوز تركه لماله، فما ظنّك بمال غيره، إلاّ إن طابت به نفس ربّ الغزل ولو كان المنادي بالغا.
مسعدة: لا يباع مال الأحياء فيمن يزيد في السوق إلاّ بأمر من أفلس وأمر الوالي ببيعه، وإنّما تباع في سوق من يزيد أموال الموتى، ورخّص في الثوب والبضاعة، وكره بيع الأموال. (4/212)
صفحة 1797
سليمان: لا يباع أموال الأحياء فيمن يزيد إلاّ مال مفلس ومن أمر الوالي أو القاضي ببيعه فيمن أراد مثل ثوب أو بضاعة، فيدور به ويعرضه على النّاس ويقول: أعطيت كذا وكذا، وأمّا النداء فلا.
واختلف في ضمان المنادي بالأجر إذا لم يصح عذره، فبعض يضمنه وبعض يسقطه عنه، [152] لأنَّه في المعنى عامل بيده ولا هو بصانع، وقيل: إذا بلغ الثوب في نداء به عشرة ثمّ ردّه إلى ثمانية لزمته العشرة من أعطاها فيه؛ فإن لم يزد أحد وجب عليه دفع الثمن؛ فإن زاد لم يجب ولزم من زاد، فإذا وقف على شيء لزم من أعطاه لا غيره؛ ولا له أن يبيع بثمانية بعد أن بلغ عشرة، لأنَّه أمين على ذلك ومصلح، ولا يزيد ولا ينقص ولا يقيل (36) ولا يحطّ، ولو عرف أنَّه ينادي على الصحيح، ولا أن يسأل المحاباة في البيع، لأن العادة جرت أنَّه إنّما يعطى لبائع بالنداء فيمن يزيد، فلا له أن يبيع بمساومة ولا محاربات؛ وإن قال: إنّ هذا الذي أنادي عليه لي قُبِل منه إذا لم يعلم أنَّه لغيره حتّى يقرّ به له.
ومن سمع مناديا على ثوب بعشرة دراهم ثمّ سمعه ينادي بخمسة، فإن أعتيد أنّ الباعة يسمون الثوب كثيرا، ثمّ ينقص أو يزداد جاز، لا أن يعطي الرجل فيه كذا ثمّ يرجع فلا يأخذ، لأنَّه قد لزمه البيع في النداء، إلاّ إن أقاله البائع. وإن كان لا يعرف من يزيد عليه ثمّ سمعه ينادي عليه بزيادة ثمّ بنقصان فشراؤه على هذا جائز.
ولا يجوز ــ قيل ــ لربّ السلعة أن يرسم للمنادي ثمنها ولا يزايد عليها، فإن فعل فهو غشّ، وعليه الإثم وزائد الثمن، ويأثم المنادي أيضا إذا قصد الغشّ.
ومن أعطاه بضاعة يبيعها له ولم يجد له الثمن فبيعه تام، فإن حدّ له فباعها بأقلّ فسد ولا يلزمه.
أبو عبد الله: يردّ بالعيب ما يباع فيمن يزيد، إلاّ أني أرى أن لا يوجب المنادي البيع حتّى يسأل المشتري: أأنت عارف بهذا الشيء وبجميع حدوده وبعيوبه أم لا؟ فإذا أنعم أوجب عليه البيع، ثمّ لا يجد ردّه بعيبه، وقيل: لا يردّ به ولا يدرك شفعة (37). (4/213)
صفحة 1798
أبو سعيد: من قال لأحد: بع لي هذا الشيء، فما زاد من ثمنه عشرين درهما فهو أجرتك، فقيل: لا يجوز إلاّ إن أتماه بعد علمهما وإنّما له أجر مثله؛ وكذا إن قال له: بعه فإن أخرج كذا وكذا فلك كذا وكذا، فالزائد على ذلك لك؛ وإن قال: بعه فإن نفق فلك منه درهم وإلاّ فلا شيء لك، فهذا لا يجوز وله أجر مثله، وقيل: لا شيء له في الحكم ولا نحبّ في الفتيا أن يذهب عناؤه؛ فإن قال له: بعه بعشر ثمنه أو ثلثه أو نحوهما فمجهول أيضا وله أجر مثله، وقيل: جائز وثابت.
أبو سعيد: إن قال له إن بعته لي بعشرة دراهم فلك عليّ درهم أو فأجرك عليّ درهم، جاز ولا شيء له إن لم يبعه، وإن باع بما شرطه عليه ثبت له أجره وإلاّ فلا شيء له؛ وإن قال: بعه بثلثه أو نحوه أو ولك ذلك، فقيل: جائز وثابت، وقيل: لا، إلاّ بالمتاممة، لأنّ الشيء لعلّه يتلف ويذهب عناؤه.
وقيل: بيع المزايدة مكروه إلاّ في الميراث والغنيمة والعبيد، وما لا يعرف قسمه بيع فيمن يزيد.
فصل
ولا يكون منادي الحاكم على أموال الأيتام والأغياب إلاّ ثقة مأمونا لأنّ ذلك شعبة من أحكامه، ولا تجوز الشهادة للمنادي على دعواه أنَّه نادى على مال فلان، وأنَّه بلغ كذا وكذا إلاّ إن حضره الشاهدان في مواقف النداء والعطاء حتّى لا يغيب عنهما من أمره شيء إلاّ عرفاه وكم أعطي في هذه الجمع وعلى كم استقر ثمنه، فإذا صحّ هذا جاز للحاكم إمضاء البيع، ولو كان المنادي غير ثقة؛ وإن كان ثقة كان حجّة للحاكم فيما غاب عنه إذا أمره بذلك؛ وإن لم يأمره أو كان غير ثقة فلا يصحّ فعله إلاّ بالبيّنة.
وإذا لم يجز للحاكم بيع مال مَن ذُكر إلاّ بالنداء ولا يكون إلاّ من ثقة أو ببيّنة فكأنَّه باع بلا نداء، وهو بيع فاسد ويعيد فيه الحاكم النداء على ما جاء به الأثر. وإن (4/214)
صفحة 1799
لم يعط في المال (38) إلاّ في الجمعة الرابعة فله أن يوجب، لأنَّه ليس عليه أن يعطي وينادي على الأصول ثلاث جمع ويوجب في الرابعة وعلى العروض واحدة ويوجب، إلاّ إن أوجب النظر تأخير شيء منها عنها.
ومعنى النداء فيما يزيد إظهار البيع لكلّ مريد الشراء فإذا شهر بالنداء فهو غاية ما يجب ممّا يكون فيه البيع.
ومن رأى أصلا ليتيم ينادى عليه في السوق ولا يعلم له وصيّا فإذا علم أنّ الحاكم بالعدل أمر ببيعه جاز له شراؤه، ويسلّم الثمن إلى الحاكم إن كان لا يحكم إلاّ به، ولم تعلم منه خيانة ولا خلاف للمسلمين. (4/215)
صفحة 1800
الباب الحادي عشر
في ضروب من البيوع
فمن يبيع شيئا له فطلب إليه بثمانية دراهم ثمّ لقيه رجل فقال: تبيعه بعشرة فقال: لا، ونواه أنَّه يبيع بها، فقيل: يكره له ذلك إلاّ إن قدَّم نواه أنَّه إن لم يكن إلاّ ذلك فإنّه يبيع فلا عليه؛ وكذا إن قيل له: تبيع بكذا، فقال: لا، ثمّ بدا له أن يبيع فلا بأس عليه ويستغفر الله ولا يعود لقوله.
ومن أراد ــ قيل ــ شراء متاع فماكسَ البائع وطلب منه حطّ بعض الثمن ويعلم أنَّه يسوى ما قاله أو أكثر كره له ذلك. ومن كان يكذب في المبايعة فيربح كثيرا، فقيل: لا يحلّ ذلك لك، فندم وتاب [153] ولم يعلم أنّ الربح يلزمه ردُّه إلى أربابه أو يتعلّق به ومات على ذلك، قال أبو عبد الله: ينبغي له أن يردّ ما ربحه بالكذب إلى أربابه إن عرفهم، وإلاّ تصدق، وإلاّ خيف هلاكه.
وسئل هاشم عمّن لقي رجلا فقال له: ما تريد؟ فقال له: أريد أن أشتري من فلان كذا وكذا، فقال له: أنا أعطيك ذلك إن لم يعطك، فقال له: إن كان عندك فأنا أحبّ، فاشترى منه، فأجاب: بأنَّه لا يحبّ هذا البيع، لأنَّه يكره أن يفعل بهذا الرجل هكذا.
ومادام البائع يسوم سلعته أو ماله وكلّما أعطى ثمنا لا يرضى به ويساوم هذا وهذا، فلا بأس على مشتر من عنده إن تركه المساومون له.
ومن دخل سوقا ليشتري طعاما، وفي البلد جائر قد غصب أموالا وجعلها صوافي وتباع فيه وهو لا يعرف المغصوب من غيره، ولا هو عند تاجر معروف، وخاف عقوبته إن سأل عن ذلك، وإن اشترى بلا سؤال خاف أن يشتري مغصوبا، فأجاب: (4/216)
صفحة 1801
بأنَّه لا بأس عليه أن يشتري من ذلك السوق، ما لم يعلم أنَّه اشترى حراما، أو يخبره به ثقة.
وفي الأثر: من دخل السوق يشتري حبّا فرأى حبّا عند تاجر فشبّهه بحبّ قطعة يعرفها حراما، فسأله من أين الحبّ؟ فقال: من عند فلانة زوجة الذي بيده القطعة فله أن يشتري من ذلك الحبّ.
وندب لمؤمن أن يتنزّه عن مشكوك فيه ويدع ما يريبه.
واختلف فيمن بيده حلال وحرام وفي الأكل عنده والشراء منه، فقيل: حكمه حلال حتّى يعلم أنَّه حرام، وقيل: على الأغلب، حتّى يعلم خلافه وقد مرّ ذلك، وقيل: هو المصدّق فيما بيده، إن قال: إنَّه من الحلال ويشترى منه.
وسئل أبو سعيد عن المهرة إذا وصلوا إلى أدم بالأمتعة فيقولون: إنَّها من المراكب المكسورة أو أنَّهم غاصوا لأهل المركب بنصيبهم لهم إلى أدم أو التقطوها من الساحل، قال: يجوز الشراء من عندهم ما لم يقرّوا به لأحد، ثمّ يدعون هذه الدعوى.
وقيل: في القرية التي كان فيها التجار المصلّون واليهود والنصارى والمجوس، فيبيعون الرز والجرجر ونحو ذلك ويأتون النّاس في النخيل، فيشتري منهم الحصار فيشكون النّاس إلى الوالي، فلم ير أبو زيَّاد منهم منعهم، لأنّ في النخيل الصبيان وغيرهم، ولكن يتقدّم الوالي على أهل الفساد. وعلى التجار أن لا يبيعوا إلاّ على عاقل بالغ لا على الصبيان والعبيد ولا على معروف بالسرق.
أبو الحواري: ينهى أهل الذمّة أن يبيعوا رطبا في أسواقنا.
ولا يجوز البيع في الليل ــ قيل ــ إلاّ على ما يعرفه البائع والمشتري من الأصول كالنخلة والقطعة، وقيل: إن أجازه جاز.
وقيل: لا ينبغي بيع المصحف إلاّ إن خلّفه مدين فيباع في دَينه. (4/217)
صفحة 1802
ومن له ــ قيل ــ عشرون شاة يبيع سمادها كلّ شهر بدرهم فلا يصلح، وهو حرام.
وقيل: إن أردت أن تشتري سلعة أنت أبصر بها من ربّها، وتعلم أنَّها أكثر ثمنا ممّا طلبك فيه فانصحه لأنّ ذلك من المروءة.
ومن اقترض من رجل جريب برٍّ فقوّمه بعشرة دراهم، ثمّ رجع ربّه يطلبه، فالبيع جائز.
ويروى: «ويل لتجار أمتي من "لا والله، وبلى والله"، ولصنّاعهم من "غدًا وبعد غد"». (4/218)
صفحة 1803
الباب الثاني عشر
في البيع للغريب والمسترسل
وقيل: في حمار نزل على رجل في غير قريته بسمك أنَّه يكره للرجل أن يبيع له، ولو أمره به للنهي الوارد أنَّه «لا يبع حاضر لباد»، ثمّ هل هو نهي أدب أو تحريم أو كراهة وعليه الأكثر، خلاف. وكذا البادي يدخل بجلبة قرية فيأمر رجلا يبيعها له، فالشراء منه طيّب لا يحرم على المشتري، لأنّ النهي إنّما ورد على البائع أن لا يبيع سلعة باد.
وقيل فيمن له صديق فوجّه إليه سلعة يبيعها له: إنّ ذلك واسع لهما وعليه عمل النّاس، وليس من بيع حاضر لباد. وقيل: إنّ أعرابيا قدم المدينة بمتاع على عهده صلّى الله عليه وسلّم، فنزل على طلحة وقال له: لا علم لي بهذا السوق فبع لي، فقال له طلحة: نهي أن يبيع حاضر لباد، ولكن اذهب إليه وانظر من يساومك وشاورني حتّى أتركك أو أنهاك.
ومن يبيع ــ قيل ــ حبا أو تمرا أو غيرهما فيأتيه من يماكسه، فيبيع له بسعر، ثمّ يأتيه من [154] لا يماكسه فيبيع له بأقلّ، فإن عرف له أصل يبيع به للعامة ذلك فإنّه يبيع للمسترسل كما يبيع لها، ولا يلزمه أن يبيع له كبيع الخاصة ممّن ماكسه فأحسن إليه، ولا من غيره فزاد عليه في السعر بالمماكسة؛ فإن قال له: بع لي بأرخص ممّا تبيع، فباع له على السكوت، لم يجز له ذلك إن كان على المساومة؛ وإن بايعه على محدود جاز. ويبيع لصبي ومملوك كما يبيع للعامة. ولا بأس أن يبيع في يوم بيعين لأجل غلاء السعر أو رخصه لا لغير ذلك. فإن أراد أن يقلب السلعة وحضره صبيّ أو عبد في وقته فباع له بأغلى فلا عليه إن نوى ذلك لمن جاءه صبيا أو غيره. (4/219)
صفحة 1804
الباب الثالث عشر
في البيوع وأحوالها والجائز منها وغير الجائز
ولا بأس في قول البائع للمشتري: أبيع لك بكذا وكذا نقدا، أو بكذا وكذا نسيئة، فيشهد عليه في أحدهما، فقال أبو عبيدة: في هذا أدنى الأجلين وأغلا الثمنين؛ وأبو عبد الله: عكسه؛ وقيل: إنّ البيع فاسد، فإن أدرك المبيع بعينه ردّه، وإن تلف فله أبعد الأجلين أو أقلّ الثمنين، وقيل: قيمته، لأنَّه أتلفه، لا على بيع منقطع أو مثلها.
ومن اشترى طعاما ودفع بعض الثمن، فقال للبائع: أنظرني، فقيل: مكروه، وقيل: جائز أن ينفِّذ ما أمكنه وينظره البائع بالباقي إن اتّفقا على ذلك؛ وأمّا أن يدفع كلّ الثمن ويمسك البائع بعض السلعة إلى أجل فلا يجوز، إلاّ إن اتّفقا (39) على السلف.
ومن باع جريب حبٍّ بستّة دراهم إلى ثلاثة أشهر فلا يجوز أن يجعلا الأجل إلى شهرين بخمسة، وثبت البيع بثمنه وأجله الأوّليْن، إلاّ إن اتّفقا على ذلك.
ومن باع جرابا أو ثوبا نصفه بنقد ونصفه بنسيئة فلا بأس به عند أبي علي، وقيل: منتقض، واختير جوازه.
ومن اشترى من رجل متاعا بألف درهم إلى خمسة أشهر، ثمّ احتاج إلى متاع عند المشتري فاشترى منه بالنقد ولم يعطه الثمن، فليس للأخير أن يحبس على الأوّل ثمن ما باع له به، ولا له أن يتعجّل بالثمن الأوّل ويقبضه قبل مدّته. أبو الحواري: لا يجوز لرجل أن يبيع ثوبا أو شاة نصف الثمن نقد ونصفه نسيئة.
وإن باع نصف البضاعة بحبّ أو تمر ونصفها بدراهم جاز ذلك إن كان نقدا، وبعض كرهه، وبعض أفسده، لإدخالها شرطين في بيع واحد؛ وإن باعها (40) بعشرة دراهم نصفها نقد ونصفها نسيئة ففي الجواز قولان؛ وإن باعها بها وبجري (41) حبٍّ (42) إلى أجل، ففيه خلاف أيضًا (43). (4/220)
صفحة 1805
أبو عبد الله: من اشترى من رجل شاة بأربعين درهما مؤجَّلة، ثمّ باعها للبائع بالنقد، فهو جائز وقال بشير: إنَّه حرام. وقيل: إنّ جابرًا (44) احتاج إلى مال فاشترى من بزَّاز ثيابا إلى أجل فقبضها منه، ثمّ قال من حينه: من يشتريها منّي بالنقد، فقال البزَّاز: أنا، فباعها جابر له به. وإن لم يكن للثمن مدّة فحكمه نقدا، إلاّ إن كان أصل المبايعة إلى أجل ولم يسمياه، فالبيع فاسد، ويردّ المشتري على البائع مثل متاعه أو قيمته إن لم يكن له مثل، وقيل: إنَّهما على ما أسّسا عليه بيعهما من نقد أو نسيئة.
وأفسد أبو عبد الله البيع بدنانير أو بدراهم حتّى يعيّنا أحدهما، وقال غيره: لا بأس عليه أن يقتضي أحدهما.
ومن باع نصف نخلة نقدا ونصفها نسيئة، فلا يجوز في صفقة عند جابر؛ وإن باع نصفها أمس بنقد، ونصفها اليوم بتأخير جاز.
ومن باع متاعا بنسيئة ثمّ اشتراه بالنقد، فقيل: مكروه بدون ما باعه به، وله أن يشتريه بما باعه به بنقد أو نسيئة.
واختلف في بائع جرابا نصفه بعشرة دراهم نقدا ونصفه بها نسيئة فابن علي كرهه، وابن محبوب أفسده، لأنَّه لا يعلم ما باع بالنقد ولا ما باع بالنسيئة، وأتمّه أبو المؤثر.
ومن باع لرجل متاعا بألف إلى خمسة أشهر، فقال له رجل: خذ منّي ثمان مائة نقدا، أو أجِّل لي الألف، فلا يجوز هذا.
وكرهوا بيع السلعة إلى خروج المشتري إلى بلد كذا، أو إلى مكّة، أو إلى أن يصل إلى البيت أو السوق أو نحو هذا ... وأثبتوها إذا لم يطلب أحدهما نقضه، لأنَّه تدخله الجهالة، ولا يدري أيخرج أم لا؟ أو يصل أم لا؟ وإن قال: إلى أن أبيع السلعة فلا يثبت.
أبو عبد الله: جاز بيع متاع إلى أيَّام وهي ثلاثة، وكذا السلف؛ وإن باع إلى الأيّام انتقض لأنَّها الدهر، وقيل: سبعة، وفي "إلى الصيف أو (45) القيظ (46) " (4/221)
صفحة 1806
خلاف، قيل: ثابت إلاّ إن نقضاه، وقيل: لا حتّى يتمّاه، للجهل في الأجل؛ فإن مات أحدهما قبل أن يتتامما فعلى الخلاف السابق.
ومن باع متاعا في رمضان إلى آخَر وسمّاه المقبل، أو إلى الأضحى، أو الفطر المقبل جاز. وإن باع إلى الذرة أو الصيف أو القيظ (46) أو الربيع فمحلّه وقت ما يعرف أنَّه قد كان، وإن قال: إلى شهر كذا فهو إلى أوّله؛ وإن قال: إلى ربيع أو جمادى، فضعيف، لأنَّهما ربيعان وجماديان ولهما النقض.
ومن سمّى في آجال السلف أو البيوع إلى الحصاد أو الدوس أو إلى الأخذ أو العطاء أو إلى الرزق، فكلّ ذلك فاسد، لأنَّه لا يعرف وقته؛ وكذا إلى النيروز أو المهرجان أو إلى الشتاء فهو فاسد، لأنَّه لا يعرف إلاّ النيروز [155] والمهرجان فهو جائز لأنَّه معروف. وإن باع إلى قدوم الحاج أو صوم النصارى، فلا يعرف، لأنَّه يتقدّم ويتأخر؛ وإن عرف شيء من ذلك كما تعرف الأهلّة، جاز.
ومن سلف أو باع إلى ثلاثة أشهر أو أيّام ولم يعيّن أسماءها إلاّ إن قال: من يومنا هذا أو شهرنا فيجوز، وأصحّ الآجال الأهلة لقوله تعالى: { ... قل: هي مواقيت للنّاس} (سورة البقرة: 189) فالمعتمد في البيوع والسلف والديون والعدّة والإجارات وكلّ ما كان من الأيّام المحدودة على الأهلّة.
ومن اشترى من رجل متاعا إلى أجل واستوجب البيع ولم يقبضه منه حتّى حلّ الأجل، فقيل: ليس له أن يأخذه بالثمن حتّى يقبضه، فإذا قبضه نظره من يوم قبضه إلى ما أجلّه له وله إليه؛ وقال حاجب يأخذه بثمنه وإن لم يقبضه، لأنَّه لم يحبسه عليه، واختير هذا إن كان قبض ما عرف ببيع ثابت وتركه برأيه، وقيل: إذا قبضه ثمَّ (47) تركه به، فلا خلاف أنَّه يلزمه لوقوع القبض، وقيل: إنّ واجبة البيع كالقبض.
أبو عبد الله: من باع لرجل برًّا إلى أجل ولم يكله له حتّى حلّ، فإن حبسه البائع فسد البيع، وإن كان لأهل القرية بيع معروف بينهم وهو أنّ كلّ جري بعشرين درهم إلى أجل فإذا حلّ أخذ بها جربين بلا شرط بينهما عند البيع ولكن جرت عادتهم بذلك، فهو حلال في الأحكام إذا رجعوا إليها، وأمّا في النيات الخبيثة، فإن (4/222)
صفحة 1807
اعتقدا على أنَّه جري بجربين فهو من الربا؛ فإن قدرا أن يطهرّا قلوبهما منها فبيعها حلال؛ وإن حضر الأجل ولم تحضر عنده الدراهم واتّفقا على سعر الحبّ أو غيره من السلع واعترض منه في موقفهما وسعهما ذلك، والنيّات هنّ منجيات ومهلكات.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل طعاما بمائة إلى أجل وقال له: إذا حلّ فاشترِ لي بها كذا وكذا، ففعل كما أمره فضاع، فهذا لا ينبغي حتّى يقبض دراهمه ثمّ يعطيه يشتري له بها، وله أن يأخذها من دينه. (4/223)
صفحة 1808
الباب الرابع عشر
في المكيال والميزان واستعمالها
وهما كما قال أبو عبيدة: على المدين، وكذا هما أيضا على بائع الطعام، وكذا قالوا: من اكترى حمّالا يحمل له شيئا على حسب الوزن بكذا وكذا درهما، فعلى المكتري الميزان أو المكيال حتّى يزن أو يكيل ما يحمل له، وقيل: كراء الكيّال والوزّان على البائع وكذا الدّلال؛ وقيل: الكيل على البائع والوزن على المشتري، ويكره لمن يكيل لنفسه، ولو أمره البائع. وفي قوله تعالى: {فأوْفِ لنا الكيْل} (سورة يوسف: 88) دليل على أنّ الكيل على البائع وإن بأجرة.
وصفة الكيل الشرعي: أنَّه يغمز في الحبّ غمزة رفيقة ثمّ يجلب عليه ولا ينفضه نفضا، وبه قال هاشم عن بشير.
الربيع: سألت ابن سرين عن الكيل فقال: {ويل للمطفِّفين ... } (سورة المطفِّفين) حتّى ختمها ثمّ أعادها ثلاثا. وسألت قتادة فقال: إن كانت الأرض واحدة فأحب أن يكون الكيل واحدا وإن اختلف الأرضان والصاعان فلكلّ أرض كيلها وصاعها، ولا يجوز اتّخاذ مكيالين زائد وناقص للأخذ والإعطاء، وإن كان يوفّي الكيل وكذا الوزن.
وجاز البيع على شرط كيل موصوف، وإن لم يكن فيه جاز على كيل أهل البلد؛ وإن كان المشتري غريبا لا يعرف كيل (48) البلد وأخبره البائع بكيل أهله، ثمّ بايعه بلا غمز جاز ذلك، والأحسن اقتفاء (49) عادة (50) البلد فيه، إلاّ إن تشارطا على غير ذلك فلا بأس.
وعلى البائع أن يكيل للمشتري ويعلمه أنَّه ليس عليه كيل؛ وإن أعلمه ورغب أن يكيل لنفسه جاز، وأن يكيل له البائع أو غيره؛ وإن عرف للبلد مكيال ووقع البيع على كذا وكذا مكوكا فلا يكون إلاّ على مكيال البلد، إلاّ إن خرج على العدل (4/224)
صفحة 1809
فاحشا؛ وإن كان النّاس لا يتعاملون إلاّ بالمرسل بلا غمز جاز إن كانت عادة البلد كذلك إن لم يكن نقص فاحش في الكيل والمكيال عن صاع النبيء صلّى الله عليه وسلّم، ورضي البائع والمشتري بذلك بعد علمهما به.
والمكيال الصحيح أنَّه ــ على ما قيل ــ ثلاثة أمناء وثلث المنّ من حبِّ الماش وهو المنح الصافي المتوسطا [كذا] (51) في الجود، قال خميس: بمنّ نزوى.
والقفيز أربع مكاكيك، والمكوك ستّة كياليج، فالقفيز أربعة وعشرون كيلجة.
وعيار الأوزان أن يكون على المعروفة، ويعاير على ميزان من يوثق به وأوزانه، وقيل: على ميزان ثقتين.
أبو سعيد: عندي أنَّه لا يحمل على النّاس الحكم بعيار اثنين، لأنَّه يخرج مخرج التضييق عليهم، لأنّ الأصل إنّما يخرج على معنى النظر، ولا يكاد يتساوى على واحد، لأنَّه قد يكون الثقات المؤمنون على المكيال والميزان إذا نظر إلى التساوي في موازينهم ومكاييلهم فلا بدّ فيهما من الاِختلاف، ويردّ ما خالفها لا ما وافق شيئا منها.
ابن روح: إن أصل العمل في الموازين والمكاييل على حبّ الرز، وهو مختلف كبرا وصغرًا (52)، وكان مذهبه في ذلك أنَّه يخرج على النظر من الأوسط، وقال: إنّ الدرهم مائتان رزة ورزة وثلاثة أخماس رزة من [156] الأوسط.
ومن له ــ قيل ــ على رجل عشرة كرار طعاما، واشترى هو عشرين كرا بينه وبينه، ثمّ قال له نصيبي منها بالعشرة التي عليّ فذلك مكروه حتّى يكيله، لأنّ لكلّ بيعة كيل. وجاز في القرض لمن كان له على غيره وكاله المقترض وصدَّقه المقرض فله قبضه بلا كيل ثان؛ والوزن كالكيل في ذلك؛ وكذا في الصرف دراهم بدراهم، أو بدنانير (53)، يجوز فيه التصديق للمتصارفين إن قالا: قد وزننا.
ابن علي: من باع لرجل طعاما إلى مدّة، ثمّ علم أنّ المدّ الذي كاله به ناقص، قال الأحسن له أن يضع من الثمن بقدر ما نقص من الكيل. (4/225)
صفحة 1810
أبو الحواري: من عنده مكيال ويعلم أنَّه يزيد الثلث عن المكاييل، فلا يجوز له أن يشتري به حبّا حتّى يعلم البائع بزيادته، ولو أراه إيّاه، إذ لا تجزي رؤيته عن معرفة زيادته أو نقصه؛ وإن أتاه بقدح وقال له: أشتري منك مِلأه ثلاثا بدرهم فإن عرف مبلغ كيل القدح لم يجز؛ وإن لم يعرف كم ملأه كالبائع فقريب من الجزاف، ولا يعدم من الجواز.
ومن عليه ــ قيل ــ سلف أو حقّ وأمر غير ثقة بكيله لربّه، فقيل: لا يبرأ إلاّ إن كال له برضاه ومشورته، وقيل: يبرأ حتّى يعلم أنَّه أنقصه من حقّه.
أبو سعيد: إن اتّفق رجلان على بيع مكيل: مكوك بدرهم فلا بأس أن يكيل له بالسدس إن لم يكن فيه نقص عن المكوك، وإن طلب المشتري أن لا يكيل له إلاّ بالمكوك فله ذلك.
عثمان بن أبي عبد الله: المنّ عند أكثر النّاس أربعة وعشرون كياسا، والكياس عشرة دراهم وثلثا درهم، والدراهم والأمناء تختلف في الأمصار.
ولا يجوز لمن يشتري الأوزان أو يأخذها من غير ثقة أن يزن بها، إلاّ إن كانت من ثقة أو متّفق على صحّة أوزانه، وقيل: وزن سبعة مثاقيل عشرة دراهم وأربعة دوانق. والمثقال المعروف في الأمصار والمتّفق عليه أنَّه ستّة دوانق، والدانق أربعة قراريط، وقيراط الفضّة حبّتان برّا، والذهب ثلاثة، فدانقه اثنى عشر حبّة، والمثقال اثنان وسبعون حبّة، والدرهم على حساب الفضّة ثمانية وأربعون حبّة، والمنّ بحساب الذهب مائة مثقال أو (54) ستّة وتسعون مثقالا. خميس: وفي حسابنا اليوم مائة واثنان وتسعون، والمنّ من الفضّة مائتان وستّون درهما؛ وبعض يسمّي القيراط حبّة، والدرهم عند بعض اثنان وسبعون أرزة؛ ومثقال الذهب وزنه فضّةً درهمٌ ونصفٌ وحبّةٌ وثلثا حبّة. وقيل: الدرهم ستّة عشر، وهو نصف دانق وثلاثة رزَّات وخُمُس رزَّة؛ ووزن (4/226)
صفحة 1811
عشرة دراهم سبعة مثاقيل؛ وعشرة مثاقيل أربعة عشر درهما وربع درهم وحبّة ورزتين وستّة أسباع رزة؛ والدرهم نصف الدينار وخمسه؛ وكذا دانق فضّة من دانق الذهب هو نصفه وخمسه؛ وكذا قيراط الفضّة من قيراطه، كلّ واحد من فضّة هو نصف وزن الذهب وخمسه؛ والوُقيَّة وزن عشرة دراهم وأربعة دوانق، وعلى الصحّة فإنّه عشرة دراهم وأربعة دوانق وقيراط ورزَّة وسُبع رزَّة، وبأوزان الذهب وزن سبع مثاقيل ونصف. والمنّ بأوزان الدرهم وزن مائتي درهم وسبعة وخمسون درهما وثمن وثلاثة رزات وثلاثة أسباع رزة، وهو سبع الدرهم، قال: فهذا ما في بيان الشرع عن عثمان بن موسى. قلت: وهو مخالف لما مرّ لنا صدر الكتاب عن المغاربة. والرطل نصف المنّ والكرُّ ألف ومائتا مكوك.
فصل
أبوسعيد: من أمر رجلا أن يرفع ميزانه فرفعه فطرح فيه الآمر دراهم، فقام الآخر يزنها، فإنّه وازن بلا إذنه فإن تلفت فلا ضمان عليه.
ومن ادّعى على أحد كراء مكيال أو ميزان فلا يمين عليه إن طلبها منه المدّعي، لأنَّه لو أقرّ له بدعواه فلا يثبت له عليه شيء لما مرّ.
ولاحدّ في اختلاف المكاييل والموازين في جواز الأخذ به، إلاّ على التعارف والاِطمئنان، ما لم تقع زيادة أو نقص فاحش خارج عن ذلك؛ وكذا في مقاضاة الدراهم، فقيل: تلزم المباراة في الزيادة والنقصان، وقيل: لا، إلاّ إن خرج عن المتعارف فيها وكان فاحشا، فيلزم المقضي حينئذ طلب الحلّ في النقصان والمقتضي طلبه في الزيادة؛ وإن اختلف الطالب والمطلوب في قبض الحقّ فيكون عند من يحكم بينهما، وعلى المطلوب إحضاره وإحضار الميزان أيضا عند الحاكم عند أبي الحواري. (4/227)
صفحة 1812
ولا يجوز لأحد كما مرّ أن يزن بما لا يعلم صحته، إلاّ إن أعتيد استعماله وارتضي في الموضع والرجحان المستعمل في وزن القطن والتمر والسمن ونحو ذلك ... لا يجوز في الحكم، وجاز عند سكون النفس، ما لم يتفاحش.
[157] ومن اشترى مكيالا وأوزانا لا من ثقة، فلا يستعملها ــ كما مرّ ــ حتّى يعلم صحّتها، إلاّ إن تعورف بائعها عند الجميع أنَّه لا يبيع إلاّ ما صحّ في البلد.
ومن حسب لقوم وغلط فليعرِّف من حسب لهم أنَّه غلط ويجزيه ذلك، ولا عليه ضمان. (4/228)
صفحة 1813
الباب الخامس عشر
في الصرف
أبو المؤثر: عن عمر رضي الله عنه: من باع دنانير بدراهم أو ذهبا بفضّة فلا يكن بينهما قدر حلب شاة حتّى يسلّم إليه. وقال أيضا: إذا بعت دنانير بدراهم فلا يكن بينكما حائط حتّى توفّي وتستوفي.
أبو سفيان: من صرف من رجل دراهم بدنانير فوجد الدراهم رديئة، فلا بأس عند أصحابنا أن يبدّلها له، وإلاّ انتقض منه قدر الزائف منها، وقيل: فسد كلّه ويتراددان. ولا بأس على من عليه دراهم أن يقضي بها دنانير بالصرف أو عكسه إذا تراضيا بذلك.
أبو المؤثر: من باع لرجل دينارا بثلاثين درهما إلى أجل مسمّى، ثمّ قبضها ثمّ تابا وغاب كلٌّ عن صاحبه وقد نقصت قيمة الدينار أو زادت، فعلى كلٍّ ردّ ما بيده إلى الآخر إن قدروا، وإلاّ استوفى ممّا بيده قيمة ماله وردّ الفضل إلى قائم بأمره؛ وإن كان الفضل له على ما دفع إلى صاحبه فلا له أن يزداد من مال الغائب أكثر ممّا أخذ، ويستوفي ممّا بيده برأي عدلين يقوّمان ما بيده ويستوفي منه؛ فإن لم يجدهما اشترى لنفسه ممّا بيده مثل ماله واستوفى وردّ الفضل إلى قائم بأمره؛ وقيل: ليس له في الربا إلاّ مثل ماله لا غير من العروض. وإن كان ما أخذ مثل ما أعطى وغاب عنه صاحبه حيث لا يصله إلاّ بمشقّة فله أن يقاصص ماله بما عليه. وإن حضر أو أراد أحدهما التوبة وأبى الآخر أن يردّ ما بيده ويأخذ ما دفع، ولم يجد التائب البيّنة أو الحاكم ينصفه منه، فله أن يأخذ قدر حقّه ممّا بيده لنفسه، ويردّ الفضل له ويعلمه أنَّه قد استوفى حقّه من قبله.
ومن أراد ــ قيل ــ أن يبيع لرجل فضّة بدراهم ولم يحضر عنده، فدفع إليه الفضّة واقترض منه دراهم شيئا فشيئا حتّى صار عنده قدر قيمتها، ثمّ تبايعا عليها بما صار (4/229)
صفحة 1814
إليه من الدراهم، قال: فهذا واسع لهما والمبايعة ثابتة إذا عرف كلّ منهما وزن ما عنده. وإن قامت الفضّة ولم تستهلك اُختير إحضارها وتجديد المبايعة لها بالصائر إليه من الدراهم.
ومن باع لرجل مصوغا بدراهم إلى أجل فحلّ وقبضها، ثمّ عرفا فساد ذلك وتابا وردّ الذي عنده الحليُّ إلى صاحبه حليَّه وطلب دراهمه، وقد نقصت قيمته فليس لربّه إلاّ حليّه إن قام عينه، ولم يحلّه كسر ولا نقصان وزن وأخلاق استعمال؛ وإن نقصه شيء بسبب المشتري له ردّه ونقصه بسبب استعماله، إلاّ إن نقصت قيمته بالغلاء والرخص.
وجازت مبادلة الدراهم بعضها ببعض يدا بيد ولو بعضها أثقل من بعض أو أفضل.
ومن عليه درهم صحيح فله أن يعطي به مكسورا ودانقا بالصرف إذا أحضر أحد النوعين بالذي عليه.
ومن عنده دراهم فيها صفر منها ما يوجد ومنها ما لا يوجد، فجاء بها إلى رجل فصارفه بها عالما بأنّ فيها ذلك الرديء، فإذا علما به جاز؛ وإن تصارفا دراهم بدنانير كعكسه، أو ذهبا بفضّة في مقام واحد، وكان في أحدهما فاسد خارج من (55) معنى النقد، فقيل: الصرف فاسد لدخول الفاسد فيه وإن قلّ، وقيل: تامٌّ إن كان أقلّ من الربع، ويشتركان في الصرف؛ وقيل: إن كان أقلّ من النصف، ويشتركان فيه بقدر الفاسد؛ وقيل: تامٌّ ما لم يكن أكثر من النصف فيبطل ويجدّدان إن شاء؛ وقيل: إن كان أكثر منه تمَّ وشاركه بقدر الفاسد.
ومن له حصّة في دينار أو حليٍّ، أو في شيء من ذهب أو فضة، لم يجز له بيعها بالصرف إلاّ لشريكه أو يبيعا معا؛ وإن اشتراها به من ذلك لم يجز.
وبيع الذهب والفضّة بالطعام لا يجوز ولو نقدا، لأنَّهما أثمان الأشياء لا العكس؛ ويقول البائع بعت جري هذا الحبّ بدينار ولا يعكس. (4/230)
صفحة 1815
والصرف الصحيح: أن يدفع أحد لأحد الدينار ويزن له الآخر الدراهم يدا بيد، بعد معرفتهما بهما، ولا يجوز الخيار في الصرف ولو ساعة، ولا في السلف.
وبيع صوغ الذهب والدنانير جزافا بدراهم موزونة معلومة جائز، إن علما ما تبايعا عليه. ولا بأس أن يقضي من له دنانير عنها دراهم بقيمة يومه؛ وكذا قيل: في عكسه. ولا بأس في صرف الدراهم بالفلوس نظِرة عند من يراها من العروض، لا عند من يراها من النقود إلاّ يد بيد.
ومن باع ذهبا وشرط أنَّه زكيٌّ، فظهر خلافه فسد بيعه. وإن ادّعى أحدهما الشرط بخلاف اللون، فهو ثابت والشرط باطل، إلاّ إن صحّ، وعليه الأكثر؛ وقيل: لا يثبت.
ومن اشترى مثقالا ذهبا بعشرة دراهم، فأعطاه خمسة ودفع له طعاما بأخرى لم يجز في الصرف، إلاّ إن كان على جهة المبادلة وحضر الكلّ أو كان لكلّ صنف ثمن معلوم، وسيأتي بعض الكلام على الصرف (56) في باب النقود. (4/231)
صفحة 1816
الباب السادس عشر
في بيع الأصول
أبو الحواري: من باع مالا لرجل في غير بلده وحدَّه له بالصفة، فإن كان عارفا به جاز البيع، وإلاّ فله نقضه؛ وكذا [158] البائع إن عرف ما باع وإلاّ فله نقضه.
وجاز بيع الأصول، وإن بعروض وحيوان أو نسيئة.
ومن جاء إلى رجل وقال له: إنّ فلانا أمرني ببيع ماله الفلاني، فبعض أجازه وبعض أبطله.
ومن اشترى قطعة واغتلّها سنين ولم يؤد الثمن، وقد قدر على الوفاء فقال له البائع: اِعطني دراهمي! فقال له: إن شئت فأنظرني وإن شئت فخذ قطعتك، فأخذها وطلب غلّتها، فقيل: هي للمشتري وهو آثم في مطوله.
أبو سعيد: إنّ كلّ من بيده شيء وباعه ولا يعلم مشتريه أنّ لأحد فيه حجّة جاز له شراؤه، وهو أولى به في الحكم ولو مجوسيا.
وإن تنازع رجلان في شيء كان بيد أحدهما جاز شراؤه لمريده.
عزّان: من باع أصلا لرجل ولا يعلم أنَّه للبائع فلا يشتريه منه حتّى يكون بيده وقال بشير والفضل: له أن يشتريه منه، لأنَّه إذا باعه صار بيعه زائدًا فيه؛ وإن ادّعى الوكالة فيه جاز له إن كان ثقة، وقيل: لا، لأنَّه مدّع لها ولو ثقة إلاّ ببيان. ولا يجوز ادّعاء الوكالة في الأصول إلاّ بالصحّة؛ وكذا في قبض الثمن. وجاز شراء العروض منه ولو أقرّ به أنَّه لغيره ودفع الثمن إليه.
ومن في ماله حفرة اشتراها من رجل ثمّ أخبر أنَّها للفقراء، وقد اشتهر عند أكثر النّاس، فإذا لم يعلم أنَّها لهم كما شهر أنَّها للبائع أو تصحّ بيّنة عدل أو إقرار منه أنَّها لهم، فلا عليه في ذلك، وله شراؤها والاِنتفاع بها حتّى يصحّ غير ذلك في الحكم. (4/232)
صفحة 1817
فصل
القبض في الأصول، وإدخال عامل، وإخراج أوّل، والوكالة في جواز المال، والتصرّف فيه على سبيل ما يكون من المرتهن والمعطى من القبض والحوز، والحدث في المبيع بما لا يجوز لغير المالك من التصرّف، وبه قال أبو سعيد.
وقيل: واجبة البيع في الأصول تقوم مقام القبض؛ وإن فعل فيها مباحا له في التعارف لم يكن قبضا.
ومن وجد مناديا على أصل ليتيم فلا نحبّ له شراءَه منه، حتّى يعلم أنَّه بأمر الوصيّ أو الحاكم ينادي، فإذا علم به جاز له ودفع الثمن للوصيّ أو الحاكم ما لم تظهر منهما خيانة له، وإن أقرّ المتبايعان لقطعة مال بمعرفتها وحدودها وحقوقها ثبت عليهما البيع، ولو لم يحضرا عندها ويحداها، ولم يقولا عند إقرارهما بما ذكر بجميع حدودها؛ وإن تبايعا على القطعة وقالا: إن حدّها من شرقي ينتهي إلى كذا، ومن نعشي إلى كذا، ومن غربي إلى كذا، ومن سهلي إلى كذا، وكتبا بينهما ذلك، فإن نقض البيع أحدهما (57) على هذا انتقض، حتّى يقرّا بمعرفتها وحدودها وحقوقها؛ فإذا أقرّا بهذا فلا نقض له بالجهالة. وإن وقع البيع على ثلث القطعة أو ربعها أو نحوهما ثمّ وجد المشتري في ذلك كنزا، فقيل: إنَّه لا لأحدهما إلاّ إن كان جاهليا فهو لمن وجده منهما، أو من غيرهما ــ كما مرّ ــ وعليه خمسه. ومن باع مالا من أعلا ماله، والساقية تمرّ على المشتري للبائع فيما باع له، ولم يشترط مسقى الشرب فليس له عليه مسقى عند أبي الحواري، وقيل: له ذلك عليه من حيث كان يسقي. (4/233)
صفحة 1818
فصل
كره بعض شراء أرض المشركين وعقارهم لأنّ عليها الخراج ــ كما مرّ ــ ولا يكون على مسلم إن اشتراها، وأجازه بعض، وإنّما كره الأوّل ما كان أصله بأيديهم؛ ولا بأس في شراء ما اشتروه من المسلمين ولا كراهية. واختلف في شرائهم أراضي المسلمين، فقيل: لا يجوز لأجل الزكاة، وبعض أجازها وأوجبها فيها، وقد مرّ ذلك. (4/234)
صفحة 1819
الباب السابع عشر
في بيع الأرض
فمن باع لرجل أرضا وعرفا بقعتها على أنّ الرمح بكذا وكذا، لا كم قدر الرمح، ولا كم فيها من رمح، ثمّ أراد أحدهما نقضه لجهله بقياسها فإذا عرفها وحدودها والرمح الذي به شرط (58) البيع ولم يجهل إلاّ قياسها من قلّة أو كثرة، ففي إتمامه ونقضه خلاف والنقض أولى.
وإن باع له أرضا وكانت تشرب من بئر البائع فلا يثبت عليه شربها إن لم يشرطه عند البيع، ولا يحكم عليه لها به بالثمن.
ومن باع أرضا فيها نخلة أو أكثر أو شجر ذو ساق واستثناها لا شيئا من الأرض لها، وطلب أن يخرج لها صلاحا وساقية واحتجّ صاحب الأرض أنَّه باعها له بجميع ما استحقّت، ولم يشترط للنخل أو الشجر صلاحا فالبيع فاسد، ويردّ كلّ لصاحبه ما أخذ منه، إلاّ إن اتّفقا على شيء بذلك إليهما. فإن باع نخله أو شجره لآخر قبل أن يطلبه، وطلب أن يخرج لها صلاحا أو ساقية أو أجيلاً في أرض هذا فهو بيع مجهول، وينتقض البيع (59) الآخر، ويردّ النخل أو الشجر على ربّه. وإن طلب صلاحها بعد أن باعها لغيره لا قبله تمّ الأوّل، ولم يكن لها إن استثناها ولم يشترط لها ولها ساقية، وليس للمشتري الآخر على الأوّل صلاح، فإن شاء تمسّك بنخله وإن شاء ردّها على بائعها له.
ابن قريش: من اشترى أرضا عمارا وغيره من رجل ثمّ ماتا وتنازع أولادهما فيهما، فإن كتبا صكًّا فما سمّي فيه من الأرض وشهد به الشهود فيه فهو للمشتري، وإلاّ فما عمره (60) على البائع فهو له، وما لم يعمره عليه منها فلا له (61) فيه تبع وعلى وارثه البيّنة أنّ الأرض من بيع أبيه إن وجدها، [159] وإلاّ فعلى وارث البائع اليمين ما علم أنَّها من بيع أبيه، فإذا حلف فالخراب لربّها، وقيل: إنَّه ليس لواحد (4/235)
صفحة 1820
منهما، إلاّ إن كان البائع يحوطه ويدّعيه فهو له حتّى يصحّ أنَّه باعه، وقيل: إنّ ابن علي كان يقضي به لمن استحقّ الأرض، وتوقّف فيه غيره، وقال يترك بحاله.
ومن ادّعى خرابا أنَّه له ولا أثر لعمارة فيه ولا ادّعاه غيره، جاز ــ قيل ــ أن يشتري منه وما فيه.
فصل
ابن قريش: من آجر أرضه لرجل ثمّ باعها وهي بيد المستأجر فالبيع فاسد لتعذّر القبض على المشتري، وقيل: إذا علم بمدّة القعادة فلا فساد فيه؛ وإن علم بها لا بالمدّة فله نقضه؛ وإن كان هو المقتعد لها جاز البيع والإجارة، لأنَّه غير ممنوع من قبضها؛ وقيل: إن باع الأرض ربّها وهي بيد المقتعد وأتمّ هو والمشتري البيع، والزرع لزراعه حتّى يحصده، والأجرة بين البائع والمشتري على الأشهر من يوم زرع الزارع إلى يوم البيع للبائع، ومنه إلى الحصاد للمشتري إن لم يكن بينهما فيها شرط، وإن كان فالمسلمون على شروطهم إلاّ ما أحلّ أو حرّم.
أبو الحسن: من باع لرجل أرضا بها زراعة ولا شرطها أحدهما وادّعاها كلّ منهما لنفسه وطلبها وتقاررا بعدم اشتراطها فإن كانت مدركة فهي للبائع حتّى يشترطها المشتري، وإلا فهي له إلاّ إن شرطها البائع؛ وإن ادّعى أحدهما أنَّه شرطها عند البيع وأنكر الآخر، فإن أدركت فعلى المشتري البيّنة أنَّه شرطها على البائع، فإن وجدها وإلاّ حلف البائع؛ وإن لم تدرك فعلى العكس. أبو المؤثر: إن اشتراها والزرع أخضر والحبّ لم ينضج فهو له.
ومن باع ــ قيل ــ لرجل أرضا وكان يزرعها ويعملها ويؤدّي ثمنها إلى البائع، ثمّ قال له: لم تطلعني على حدودها، فأنعم له بذلك، وقال له: إنّك بها عارف، فإذا عرفها جاز البيع وإن لم يطلعه عليها؛ وكذا إن قال البائع: لم أعرف ما بعت وقد كان يزرعها ويستغلّها لم يقبل منه ذلك. (4/236)
صفحة 1821
ومن باع أرضا فيها قطن فعند القائل: إنَّه من الزراعة أنَّه إن أدرك أو أكثره فهو للبائع إلاّ إن شرطه المشتري، وإلاّ فهو له إلاّ إن شرطه البائع، وعند القائل إنَّه من الشجر ويقع عليه اسم الغرس، فإذا صار من ذوات الساق وحمل ساقه فهو للبائع، وإن لم يكن منها فهو للمشتري، والأكثر أنَّه من الزراعة، لأنَّه أكثر شبها بها من الشجر في الأغلب.
وقيل: إنّ المقش للبائع، والبسر للمشتري، وقيل: إن كان المقش أكثر منه فهو للبائع كلّه، وإن كان البسر أكثر فهو للمشتري والمقش للبائع.
ومن باع أرضًا فيها حرث لو ترك بلا سقي لبلغ؛ وكذا أكل صرم في نخل، فقاضاه رجل من آخر وقد بلغ ونضج فهو للبائع وكذا الشجر.
ومن اشترى أرضا وبها زراعة موز أو غيره، فإن شاء صبر على البائع إلى أن يحصد، وإن شاء استرجع ثمنه؛ وإن كان فيها بقل أو نحوه وبيعت فإنّه يتبعها ما لم يدرك؛ وكذا القتُّ ونحوه إن لم يكن شرط، وإن كان فهما عليه. (4/237)
صفحة 1822
الباب الثامن عشر
في بيع الأرض إن كان بها نخل أو شجر أو غيره وفي الجهالة في ذلك
أبو علي: من باع أرضا وبها شجر كالأسل وغيره ثمّ أحرقها المشتري وقد اتّفقا أنَّها من حدّ إلى حدّ، فلمّا ظهرت احتجّ البائع: إنّي بعتك شيئا مغطّى بذلك كالحلفاء ونحوه من الشجر (62) ولم أحط علما بها فلا حجّة له بهذا؛ وكذا إن باعها معمورة بزرع ومعها خراب به حجارة وقد باعها له من حدّ إلى حدّ من العمار والخراب فعمرها المشتري وأخرج من الخراب مثل العمار فلا حجّة له بذلك للنقض، لأنّ النّاس يعمّرون ويصلحون بعد الشراء.
وإن باع له مائة حفرة من الأرض وقد عرفاها وكم لكلّ حفرة من الذرع (63) وقبض الثمن ولم يقبض المشتري الأرض، فقيل: البيع فاسد لأنّ الذرع يختلف فكان جهلا؛ وإن اتّفقا على ذراع فلان فلا يثبت أيضا، لأنَّه يموت وإن تتامماه تمّ.
هاشم: من باع لرجل أرضا وأشهد عليها ثمّ أكلها البائع حتّى مات، ثمّ طلبها المشتري وأحضر بيّنة الشراء فإنّ كلّ مبيع لم يقبض وهو بيد بائعه يأكله (64) فليس بمبيع ولا ببيع.
ابن جعفر: من اشترى من رجل أرضا فوجدها مالحة أو سبخة ولا ماء لها فإنّه لا يردّ البيع بذلك إن عرفاها بحدودها.
العلاء: من باع لرجل أرضا ونخلا فأدرك ببعضها فقال له البائع: عليّ لك [160] ما أخذت منك، فقال له: لا، إمّا أن تتم بيعي كلَّه أو أردد لي دراهمي كلّها، فإن وقع البيع جملة خيّر المشتري إذ قد أدرك في بعضه إن شاء ردّ البيع وإن شاء قبل دراهمه ممّا أدرك فيه؛ وإن وقع متفرق بثمن معلوم وأدرك في بعضه ولم يفسد (4/238)
صفحة 1823
باقيه، فقيل: ليس له ذلك وإنّما له شروى ما أدرك فيه أو ثمنه، إلاّ إن أدرك في جملة المال أو بطريق أو ساقية تضرّ جملته فيكون له الخيار.
أبو زياد: من اشترى من رجل قطعا متفرقة فشفع منه بعضها فأراد ردّ الباقي على البائع فكره أن يأخذه فإنّه لا يجد ردّه، وقد لزمه بقيمته اتّفاقا؛ وإن استحقّ بغير الشفعة، فقيل: له أن يردّه، وقيل: لا، ويلحق البائع بقيمة ما استحقّ عليه إلاّ إن أدرك بساقية أو طريق في المال فإنّ ذلك عيب فيه.
ومن باع أرضا له ولا يعرف حدودها وعرفها المشتري فجهالة أحدهما بها موجبة للنقض، فقيل: هو للجاهل لا للعارف، وقيل: إذا ثبت له كان أيضا للعارف مثله.
ومن له أرض داخلة في أرض جاره والتبست عليهما حدودهما ولا يعرفانها ولا سقيها، فقيل: له أن يبيع كلّ أرض داخلة في أرض فلان إذا طابا بذلك نفسا ولا يثبت في الحكم على المختار حتّى يعرفا بذلك معا؛ وإن نسب له وقال: حدّها أرض فلان، ولا يعرِّفان الحدّ بمجهول أيضا. وإن باع له كلّ أرض له في هذه الأرض ولم يتناقضا اُختير أنَّهما إن جهلا ما تبايعاه أو شيئا من حدوده فبيعهما مجهول أيضا، وقد مرّ ما فيه.
وهبة المجهول إن تتامما عليها وسعتهما لا كالبيع، وللواهب أن يرجع إذا جهلها.
ومن باع قطعة من أرضه لرجل ولم يشترط لها مسقى وكانت أوّلا تشرب كلّها من موضع، لزمه أن يسلّم للمشتري مسقى لها كما كانت تشرب أوّلا؛ وإن اختلفا فقيل: يثبت البيع والمسقى كما كان، وقيل: ينتقض.
ومن باع لرجل بستانا في منزله وكان يدخل منه إلى منزله، فله أن يقطع تلك الطريق ويخرج له طريقا إلى جائز أو إلى موضع لا ضرر عليه فيه؛ وإن كانت عليه في ذلك مضرّة، فقيل: إنّ له على البائع أن يخرج له طريقا إلى ماله، وقيل: يقال له: إمّا أن تتمّ البيع وتخرج له طريقا، وإمّا أن تنقضه، وللمشتري: إمّا أن ترضى به على صرف الطريق عن البائع، وإمّا أن تنقض البيع، ويجبران على ذلك لوجود الضرّ. (4/239)
صفحة 1824
ومن له ــ قيل ــ قطعة أرض فباع لرجل نصفها من آخر مسقاها ولم يشترها بحقوقها ولا مجرى مائها، فإذا ثبت البيع ثبت الطريق والمسقى لها على ما كانت عليه عند البائع فليس عليه ضرر في ذلك إن أخرجهما من حيث شاء من ماله بلا ضرر على المشتري، وقيل: لا يثبت ذلك على البائع إن لم يشترطه عليه، فإن شاء نقض البيع أو أتمّه.
أبوعبد الله: من باع لرجل نخلة من ماله وسط نخله وكان النخل يشرب من ساقية قائمة في القطعة فأراد أن يقطع عن النخلة الساقية والطريق، وقال له: إنّما بعتها لك ولم تشترطهما لها عليّ، فإنّه لا يجده وإن لم يشترطهما وتشرب من مشربها أوّلا ويسلك إليها من المسقى.
ومن اشترى أرضا فوجد فيها معدنا لم يعلما به، فإن كان غير ظاهر وإنّما يعرفه عارف بالمعادن فالبيع تام؛ وإن كان ظاهرا محفورا فالبيع فاسد؛ وإن علم به المشتري لا البائع لم يحلّ له وفسد (65) أيضا؛ وإن كان كنزا جاهليا فلواجده ــ كما مرّ ــ وإن كان إسلاميا وكان في دار فهي لمشتريها، والكنز ــ كما مرّ ــ لقطة لا لواحد منهما إلاّ من ثبت له من باب صحيح.
ومن باع أرضا أو أوصى بها لأحد وفيها نخل أو شجر وقع البيع أو الإيصاء عليها وحدّها حتّى يقول بما فيها؛ وإن قال: قد بعت له أو أوصيت بهذه القطعة ثبتت له بما فيها من ذلك ولو لم يقل بما فيها، وكذا البستان يثبت بما فيه وذِكره أثبت. (4/240)
صفحة 1825
الباب التاسع عشر
في بيع النخل والصرم والشجر
وقد روي أنّ كلّ نخل بيع وقد أبِّر فتمرته للبائع إلاّ إن اشترطها المبتاع، وقيل: له ما لم تدرك، والآبار والتنبيت التلقيح (66).
ومن اشترى من رجل نخلا بلغت تمرته الصرام بتمر ودراهم، فإن اشترى أصله بها يدا بيد فلا بأس بذلك؛ وإن باع النخل وفي أصلها شجر كرمان وإترنج ونحوهما ولم يشترطه عند البيع مشتريها فهو للبائع.
ومن باع نخلة واشترط الصرم الذي فيها، فإن كان غير مدرك فالبيع فاسد.
ومن له قطعة نخل وفيها نحو مائة نخلة فانقلعت حتّى بقي فيها عشر نخلات، ثمّ احتاج إلى بيعها فباعها فأراد مشتريهن أن يعمّر الأرض، فقال له: إنّما بعت لك النخل [161] فالبيع ضعيف حتّى يبيع محدودا عنها. وقيل: بيع النخل جائز، ويقايس دون القلل، وقيل: تقايس القلل والنخل إذا صحّت.
ومن باع نخلة من نخل امرأته عالمة ولم تنكر، والمشتري يأكل تمرتها ويزرع أصلها ويفسلها بعلمها ولم تغيّر فلها نخلتها، وعليها يمين ما رضيت بالبيع ولا أمضته.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل نخلا محدودا فقبضه، ثمّ أقرّ البائع أنّ فيه شيئا من الصوافي ولم يبعه له وادّعى هو أنَّه اشترى منه الكلّ، فقيل: البائع أولى، وعلى المشتري البيّنة إن وجدها، وإلاّ فلا حجّة له ولا للبائع فيما أقرّ به للصافية، وحكمه لها كما أقرّ به.
ومن اشترى من رجل نخلا بثمن معلوم إلى أجل، فلمّا حلّ قال له: خذ تمره وأنظرني به فإنّه لا يجوز ولا يحلّ. (4/241)
صفحة 1826
أبو عبد الله: من اشترى نخلا فيه ثمرة مدركة فهي للبائع؛ فإن طلب منه المشتري قطعها من نخله فلا يجده دون المعتاد؛ وإن كان في النخل عند البيع صرم ولا شرط فيه بينهما فهو كالزرع والثمرة؛ فإن نضج فللبائع، وإن كان صغيرا لم يدرك القلع فللمشتري؛ وإن اختلفا فيه بعد نضجه (67) فقال هو: وقع البيع قبل أن يبلغ، وقال البائع: كان عنده بالغا، فهو على حال اختلافهما حتّى يصحّ أنَّه عند البيع غير مدرك.
ومن عليه دين لرجل فعرض له به قطعة من وسط نخله ولم يشترط عليه طريقا، لزمه بلا ثمن.
ومن أقرّ لأحد بنخلة أو شجرة، وزعم أنَّها وقيعة، فإنّها وأصلها للمقرّ له بها، إلاّ إن كانت عنده بيّنة أنَّها وقيعة، وإلاّ فله أصلها وما أخذت أغصانها لمسقط ثمرتها.
أبو سعيد: كلّ من باع نخلة أو وهبها أو رفدها أو أعطاها أو أقرّ بها أو قضاها بدين ولم يشترط أرضها فهما لمن استحقّها بذلك من ربّها، لأنَّها شاهدة بنفسها وقائمة بحجّتها بثبوت القياس لها على ما في الأثر، وما لم يقايسه نخل أو شجر فللنخلة من الأرض ثلاثة أذرع من كلّ جهة وقد مرّ ذلك.
ومن باع نخلة بكلّ ما تستحقّه ثمّ ادّعى الجهل أحدهما وأراد النقض كان له؛ وإن باع له هذه النخلة ولم يشترط بكلّ ما تستحقّ ثبت البيع، وللمشتري ذلك حتّى يشترط البائع أنَّها وقيعة.
ومن اشترى نخلة واشترط أنّ لها ثلاثة أذرع من كلّ جهة ثمّ ادّعى أحدهما أنَّه لا يعرف منتهى الذرع فقوله مقبول إلاّ إن شُرط ذراعٌ معروف من معيّن وقد مرّ ما فيه.
ومن باع نخلة يأكل حملها الفأر كلّ سنة ولم يخبر بذلك مشتريها وطلب ردّها به، فقيل: إنَّه ليس بعيب فيها، لأنَّه من الآفات لا من ذاتها؛ وإن وجدها تقرفد (68) فهو من عيوبها. (4/242)
صفحة 1827
ومن باع لرجل نخلا وأشهد عليه وكتب ولم ينقد الثمن والنخل في يد بائعها، ثمّ نقده بعد سنين وقال للبائع: اِعطني تمرة نخلي مذ بايعتني، فقال له: إنّك لم تقبضها منّي ولم تنقد لي الثمن إلاَّ في الحين، فقيل: إنّ النخل والتمر كليهما له، ولا يسع البائع أن يحبس عليه تمرتها.
ومن باع نخلة واشترطها وقيعة فما فيها من فسل صالح للإخراج والفسل فللبائع، وما لا يصلح لذلك فللمشتري، وعليه إخراجه من أرضه، إلاّ إن كان بعض الصرم قد حمل فإنّه يترك لصاحب الوقيعة.
أبو الحواري: من اشترى نخلة ثمّ فسد البيع فليس على من يأكل ثمرتها بالشراء ردّها، لأنَّه غير مغتصب لها وإنّما أكلها بسبب البيع.
ومن باع ــ قيل ــ نخلة وشرط تمرتها على المشتري حياته، فلمّا مات اِحتجّ الورثة أنّ النخل لميّتهم فهو شرط مجهول والبيع فاسد، وقيل: ثابت إن شرطا حلالا لا حراما.
ومن باع قلّة نخلة على ساقية لم تكن له إلاّ القلّة بعينها، ولو صحّ أنَّها كانت نخلة.
ومن باع لرجل نخلا ولم يذكر بما تستحقّ عند البيع، فقيل: إنّ له ذلك في نظر العدول من أهل العلم.
ومن اشترى ــ قيل ــ نخلة فله أرضها إن اشتراها بجميع حقوقها؛ وإن باعها له بلا أرض، فقيل: تكون وقيعة، وقيل: البيع فاسد، وقيل: صحيح جائز، ويقطع جذعها وأجلها من أرض البائع، وما ثبت من الصرم في جذعها فهو لربّ النخلة، وما بان عنه في الأرض فلربّها إن لم يشترها بأرضها؛ فإن اشتراها بها أو بجميع حقوقها فما كان منه وقت البيع صالحا للقلع فللبائع حتّى يشترطه المشتري، والصغير تابع للنخلة. (4/243)
صفحة 1828
ومن له نخل على ساقية غير جائز فباعه لرجل فأراد أن يأخذ الأرض التي بينهما فلا يجدها، وإنّما لكلّ نخلة ثلاثة أذرع إذا لم تكن على جائز؛ وإن كانت عليه ونخلة أخرى على الجانب الآخر فلا تقايسها، ولكلّ منهما نصف الساقية، وإن كانتا على غير جائز تقايستا.
ومن اشترى نخلة وفي قياسها صرم غير مدرك فهو داخل في قياسها وإن كان مدركا كان القياس بينها وبين الصرم البالغ. (4/244)
صفحة 1829
الباب العشرون
في بيع الصرم والشجر أيضا
فمن باع لرجل صرما وتركه تحت أمّهاتها إلى أن يحمل فالبيع فاسد، لأنَّه زاد بعد البيع، وأقصى مدّة تركه أربعون يوما على [162] ما جاء به الأثر، والشجر أقلّ.
ومن اشترى نخلة وفي قياسها صرم غير مدرك فالصرم ليس بحجّة وهو داخل في قياسها؛ فإن كان مدركا فالقياس من النخلة والبالغ.
ومن اشترى من رجل صرمه وشرط البائع قلعه والصرم تحت أمهاته أو لا أمّ له، فإن لم يقلعه من حين الشراء قبل أن تبين فيه زيادة، فإن بانت كان لكلّ منهما الرجوع؛ وإن ماتت صرمة أو قلعت قبل قبض المشتري لها فهي من مال البائع، إلاّ إن قال للمشتري: اقلعها، فإن توانى حتّى سرقت أو ماتت فهي من ماله إن كان يقدر على قلعها ولم يمنعه البائع، وقيل: لا نقض لأحدهما إلاّ إن زادت الصرمة، فإذا كانت في حدّه فمن مال البائع إن تلفت وإن لم يمنعه من قبضها؛ وإن كان البيع في حال التمام فمن مال المشتري إن أمره البائع بقبضها وأمكنه إخراجها، وهل هو كقلعها عليه وعلى البائع؟ قولان.
وجاز قياض فسلة بلعق بفسلة فرض إذا وقفا عليهما وعرفاهما، وكذا المعاطاة بهما، وأمّا القرض فلا لما فيه من التفاضل، وقد يجوز فسلتان في موضعهما بفسلة في موضعها، وكذا نخلتان بنخلة، لأنّ ذلك هو اليد في موضعه، لأنّ الأصول ممّا لا يقع عليها اليد باليد.
ومن باع فسلة فرض بفسلة بلعق ولم يقفا عليهما أو وقفا على إحداهما فهذا لا يثبت إلاّ بالمتاممة.
ومن باع ــ قيل ــ أرضا (69) فيها نخلة تحتها صرم مدرك وغيره، واشترط النخلة له وقيعة، ولم يذكر الصرم، فقيل: ما كان منه مدركا فللبائع حتّى يشترطه المشتري، (4/245)
صفحة 1830
وغير المدرك له حتّى يشترطه البائع. وإن كان تحت وقيعة في أرض رجل صرم فما كان منه فيها فلربّها ويخرج عن النخلة وما في جذعها فحكمه منها ولها، ولا يزال ويخرج عن الأرض بحدوثه وعلى قالعه، وقيل: الشجر والبصل أن يردّ ترابا في موضعه ــ كما مرّ ــ مثل ما أخذ منه ولو كان لا يصلح إخراجه إلاّ بالتراب.
أبو علي: من باع لرجل سدرة أو قوطة فعليه إيصاله إلى جناها ويجعل لثمرتها مسقطا في الأرض حتّى لا يضيع بعضه والمسقط للبائع.
أبو المؤثر: من اشترى شجرة فقطعها فظهر في داخلها عيب فهي لازمة له ولا نقض فيه، وقيل: منتقض، إلاّ إن أمكن حدوثه بعد البيع، فإذا انتقض لزم القاطع ما نقص من قيمتها (70) قائمة معيبة عنها معيبة مقطوعة؛ وإن قال البائع: إنّما باع الخشب، والمشتري: اشتريت الاستبقاء فبيع فاسد، ويردّ الثمن ويمسك خشبه إن قطعت؛ وإن تلف بيد المشتري ردّ القيمة على البائع؛ وإن استغلّ منها شيئا لم يلزمه إذ الغلّة للبائع لأنَّه ضامن لها.
ابن بركة: من اشترى شجرة ليقطعها فإنّما له الظاهر منها، وما كان في الأرض فلصاحبها.
ومن اشترى بيتا فيها شجرة على أنَّها تقطع عنه فالبيع والشرط ثابتان؛ وإن شرط أن يقورها ويخرجها بالقورة فالبيع منتقض، لأنَّها مجهولة بالصغر والكبر. (4/246)
صفحة 1831
الباب الحادي العشرون
في بيع الثمار قبل أن تدرك
أبو سعيد: من باع تمر نخل بسرا أخضر لا بشرط قطعه أو تركه، فهل يثبت إذا أتمّاه وقت المبايعة أو بعد أن صار تمرا أو فضيخا، فالأكثر لا يجيز بيعه قبل إدراكه إلاّ بشرط قطعه؛ فإن اشترطه ثبت بيعه على قطعه ويؤخذ المشتري به؛ فإن تركه في النخل حتّى زاد فسد، إلاّ إن أتماه بعد الزيادة؛ فإن أذن له البائع بعد أن ثبت له على قطعه أن يدعه على نخله ولو إلى غاية جاز له ما لم يرجع فيه عليه، فمتى رجع وطلب منه إخراجه وقطعه عنه لزمه ذلك في كلّ حال؛ فإن تدافعت الأحوال بتلك التمرة حتّى أدركت في مال البائع فإن أتمّ ذلك للمشتري وتركها فيه إلى أن يتمرها ففي الجواز قولان؛ فإن تتامما بعد إدراك التمرة ووجوب الزكاة فيها كانت على البائع، لأنَّها أدركت وهو يستحقّها، وإنّما يثبت بيعها منه بعد وجوب الزكاة وإدراكها، قال: فهذا أكثر ما عرفنا وأصحّ ما وجدنا.
وقال بعض قومنا: من باع التمرة قبل إدراكها ولم يشترط تركها إليه واشترطه فالبيع ثابت؛ فإن طالبه بإخراجها من ماله كان له؛ وإن تركه وتركها فيه ولم يكن بينهما أساس عند البيع أن يشتريها إلى وقت إدراكها أو تمرها وقته، فقيل: إنَّه إذا لم يشترط تركها في موضعها، فقيل إنَّه ضعيف منتقض ما لم يقع به اشتراط، وهو قول ابن جعفر. قال خميس: ومن ذهب إلى [163] هذا على هذه النيّة ولم يقصد التمرة بسبب الشراء فأرجوا أن لا يبلغ في ذلك إلى ربًى ولا إلى حرام؛ ومن لبس الحقّ بالباطل وأظهر الخداع في البيع والربى كان له نواه والله سائله عن قصده.
وأجازوا بيع الشعير في سنبله لا البّر، وأمّا الذرة فإن كان بين نصف حبّها أو أكثر جاز بيعها فيه؛ وإذا أراد بعض الكرمة فقط جاز طناؤها؛ وإن كان الكرم بعضه (4/247)
صفحة 1832
مدرك ولم يدرك من بعضه شيء فكالنخل إذا أدرك بعضه دون بعض، فيجوز طناء المدرك منه.
أبو عبد الله: إنّ من أطنى إترنجا (71) أو ذكرا أو شيئا ممّا يزيد فسد عليهما؛ فإن أمكن المشتري ردّه فعل، وإلاّ ردّ الزيادة والربح الذي جاء منه؛ فإن خسر فعلى البائع أن يردّ عليه بقدر ما خسر ويجزيهما الاِستغفار؛ وكذا في الجزر إذا باع له قطعة جزر ولا ينظر إلى عروقه، وقيل: إنّ الجزر يلزمه فيه قيمة ما أخذ منه بالبيع وله فيما لم يأخذه الرجوع.
وبيع الإترنج والرمّان ونحوهما ممّا يزيد، فاسد إن أطناه على أنّ له ما يخرج من الثمرة في الوقت إلاّ إن أخذ الظاهر بعينه على أن يقطعه، فإن أجاز له البائع تركه إلى وقت آخر جاز، وقيل: إنّ البائع مخيّر في الإتمام والنقض بعد الزيادة وكذا المشتري.
ومن أطنى ثمرة (72) إترنج أو تين أو عنب ونحوها فزادت بعد الشراء ولم يشترط قطعها من حينه فقد فسد.
وأجاز أبو سعيد لرجلين أن يقطعا ثمن النخلة ويدفع المطني الدراهم قرضا أو وديعة ولم يعقد البيع، فإذا أدركت اتّفقا على الطنا وترافعا، قال: لم بين لي في ذلك فساد.
وبيع السكّر والقت والعظلم إذا بلغ ووقف عن الزيادة ودخله المشتري وأبصره واعترف بمعرفته جائز وثابت عليه، وليس من الغرر كالجزر ونحوه؛ وإن ادّعى المشتري الجهالة ولم يعترف فسد بذلك قبل قوله أنَّه جاهل له مع يمينه. (4/248)
صفحة 1833
الباب الثاني والعشرون
في طناء النخل والعنب والقياض بالثمار وصرمها
وممّا نهي عنه بيع تمرة النخل قبل إدراكها (73) وتعرف بألوانها وظهور صلاحها وتغلب عليها الصفرة والحمرة.
ابن محبوب: بلغني أنّ ناسا يتبايعونها في النخل في أيّامنا وهي غير مزهية ولا غلب عليها ولا ظهر صلاحها، فأردت أن أعرّف من جهل الحلال في ذلك وأتقدّم عليهم وآمرهم أن لا يقدموا على ما نهاهم الله ورسوله عنه، فاتّقوا الله وأطيعوه ورسوله إن كنتم مؤمنين. وهذا حرام على البائع والمشتري حتّى تعرف التمرة بما ذكر؛ فمن اطّلع على أحد باعها أو اشتراها قبل وقت ذلك فلينقضه ويغيّره؛ وقد قيل: إذا ظهر الفضح في قطعة النخل جاز طناؤها إذا ظهر في عامتها، وإن لم يظهر في جماعتها؛ وللمطني نقض ما لا يجوز طناؤه منها.
ومن أطنى ثمرة تين أو عنب أو نحوهما فزادت بعد الشراء ولم يشترط قطعها من حينه فسد بيعه؛ قيل: له فما بال النخلة تطنى وقد أزهت ثمّ تزيد فتكون رطبا ثمّ تمرا؟ قال: النخلة قد جاء فيها الأثر.
ومن أراد أن يطني نخلة ويعلم أنَّها ملقّحة أو مقرفدة فهو عيب لخروجه من معنى الحمال، وكذا الفلح عيب فيها.
ومن أطنى نخلة وأبصرها من تحتها فلمّا طلعها ليخرفها وجد فيها بلحا أو خرسا، فإن علم أنَّ ذلك كان قبل الطناء جاز لكلّ منهما نقضه؛ وإن أحدث بعده تمّ؛ وإن وجد فيها وصمة، فإن كان لا يُعرف من تحت (74) فهو عيب؛ وإن أمكن معرفته منه فهو ثابت على المطني، ولا يقبل قوله إذا أنكر معرفة الوصمة. وقيل: إنَّ الخرس والفلح إن أمكن حدوثهما بعد الطناء قبل قول المطني مع يمينه أنَّه ما يعلم ذلك في ملكه قبله، وإلاّ فهو عيب. (4/249)
صفحة 1834
وأفضل أوقات طناء النخل إذا صار بحيث إذا انكسر العذق أرطب ولم يحشف.
محبوب: إذا اسودّ العنب جاز بيعه، والموز إذا اختفت أفلاجه التي فيه، والعنب الأبيض إذا أدرج فيه الماء وصار غير حامض، والنبق وما يجنى بطنا بعد بطن يجوز بيع الحاضر منه بساعته يأخذه، وكذا الأنباء والخوخ، وقيل: دراك (75) الليمون إذا ذهب منه الشلخاخ.
ومن قال لرجل إذا أدركت نخلتي هذه فقد أطنيتك إيّاها بكذا وكذا درهما وهي لم تدرك ولا أفضحت، فقيل: إنَّه بيع (76) وطناء تام، وأنَّه متى أدركت وقعا، وقيل: لا يقعان، لأنّ الشرط وقع قبل إدراك التمرة. وإن قال قد أطنيتك نخلتي يوم تدرك لم يجز، لأنَّه لا يدري في أيّ ساعة منه تدرك.
ومن أطنى نخلة فيها حجبة فقال: المطني [164] أطنيتها معها، وقال: المطني أطنيتك النخلة لا الحجبة، قبل قول المطني؛ وإن لم يذكراها عند الطناء فقيل: ينتقض إذا لم يتّفقا؛ وإن ادّعى الجهالة في داخل العذوق أنَّه لم يقف عليه عنده فإنّه إذا لم يخرج داخله متغيّرا عن ظاهره ثبت عليه؛ فإن لم يفتّش داخله إلاّ بعد أيّام بقدر ما يحدث فيه العيب ثمّ وجد فيه تغييرا ثبت الطناء ما لم يصحّ أنَّه كان قبله؛ فإن خرف بعض النخل فوجده فيه فرضي ولم يعلم أنّ فيه عيبا، فنظر فإذا هي معيبة كلّها من داخل العذوق، فإن كان الطناء جملة وثبت في بعضه ما يردّ به فله ردّه كلّه إن توحّد العيب؛ وإن اختلف في اللون وكان الشراء في صفقة مختلفة أو مفترقة، وأراد المشتري ردّ ذلك بالقيمة، فقيل: له ذلك بها، وقيل: مخيّر في ردّ الكلّ وفي إمساكه، ويحطّ عنه الأرش.
ومن أطنى نخلة فكسر منها الخوص عند حصادها خطأ ضمنه ولا يأثم.
ولا يجوز طناء مدركة بحبّ نظرة وجاز يدا بيد؛ فإن أطناه اليوم وقبض منه الحبّ غدا جاز، ولكن لا يتعرّض للنخل حتّى يدفعه إليه، ويقول: هذا بهذا، وقيل: لا يجوز، وإنّما يكون الطناء بالمأكول من الطعام يدا بيد، لأنّ القبض فيه هو التسليم وهو (4/250)
صفحة 1835
اليد باليد، فإذا وقع بلا تسليم عند البيع وقع على غير اليد باليد، ومتى وقع على باطل لم يسمَّ (77) بيعا.
أبو الحواري: إنّ خوص المطناة لربّها، إلاّ إن شرط المطني خوصا معينا، فإذا وقع عليه ثبت؛ وإن وقع على مجهول لا يعرفه ربّ النخل فالشرط باطل. ومن جزم على رجل نخلا له وقال: قد جزمت عليك نخلك هذه بعشر أجربة وسكت عنه، فلا له أن يأخذ منه إلاّ مثل ما جاء منها من التمر، وهذا لا يجوز للجازم ولا للمجزوم عليه وليس لربّ النخل إلاّ تمره أو مثله إن عدم؛ وإن لم يعرف كم أصيب منه أخذ منه ما يرى أنَّه حقّه ويتحاللان في ذلك؛ وإن ذهب النخل بآفة ولم يكن لربّه شيء كان له الجزم (78) والنخل المتمر.
وبيع الثمار قبل إدراكها من الربا المحرّم. ويروى: «من أجبى فقد أربى».
والأكثر أنَّه يجوز فيه المحاللة، ولا إبراء ولا مقاصصة إلاّ الترادد وقد مرّ ذلك وأجاز بعض فيه الحلّ والبراءة. (4/251)
صفحة 1836
الباب الثالث والعشرون
في بيع الماء وطنائه وقياضه والإقرار به
وجاز ــ قيل ــ شراء الماء للمشتري لا للبائع بيعه، قال خميس: وهذا مجمل وأمّا بيعه من الأنهار فجائز لمن يبيع ماءه من النهر من أثر ماء أو أقل أو أكثر إن كان معروفا بدور أو نحو ذلك ــ كما مرَّ ــ (79) بلا خلاف، إلاّ إن جهل وكان ابن بركة يقول: "قياض الماء وطناؤه مجهول".
ومن باع معروفة بشربها من فلج معروف يدور من يوم أو ليلة معروفة وهو كذا وكذا من سدسه أو ربعه، أو نحوهما (80) أو كذا وكذا أثرا فهو جائز، قال: وكان الفقهاء يكرهون بيع الماء والزرع، (71) واليوم يبيع أحدهم ماء ولا أرض معه.
ولا يجوز قياض الماء أثرٌ بأثرين مساقاة، وجاز أصل بأصل.
ومن له أثر في فلج لا يدري في أيّ خابورة هو فباعه فبيعه مجهول، ولا يثبت إلاّ إن أتمّوه بعد المعرفة.
وسئل أبو الحواري عن فلج اليمة هل يجوز بيعه وشراؤه؟ فقال: لا، لأنّ الماء تبع للمال، فإن باعه من بيده المال جاز، إلاّ أنَّه متى نقضوا الفلج انتقض ويعدّ على المشتري بقدر ما سقى على قدر طناء الماء؛ فإن كان عنده فضل فليس للبائع إلاَّ ماؤه؛ فإن لم يستوف المشتري قدر مائه ردّ عليه البائع حساب ذلك. قال: وبين أصحابنا خلاف في بيع ماء الأنهار وطنائها، فأجازه قوم وكرهه آخرون، والإجازة أولى، لأنَّها أملاك ولا دليل على منع بيعها بالصفقة الصحيحة؛ وإن دخل فيه اختلاف بالجهالة فهو كغيره من المجهولات، ولا دليل يوجب منعها بالتحريم وإنّما هو بالكراهة.
ولا يجوز بيع الأنهار الكبار كدجلة والفرات والنيل أصلا لأنَّها لا تملك. وأمّا من ساق منها ساقية في ملكه وطلب أحد أن يشتري ممّا ساقه فيها فلا حجّة تمنع من (4/252)
صفحة 1837
ذلك لاتّفاق أصحابنا على أنّ كلّ من ملك ماء في ظرف كسقاء أو بركة أو قربة أو غيرها فله منعه وبيعه من أيّ وجه اكتسبه، ولو من ماء الأمطار (82) أو البحر أو غيرهما من المباح.
أبو سعيد: من له نصف بادة ماء والآخر بين الشركاء ثلاثة، فاشترى من أحدهم أثرًا (83) وطلب أن يسدّه متّصلا إلى مائه أبدا فذلك إلى عادة مساقاة هذا الفلج، وقد عرفت أنَّه إن كان الماء يتقالبونه ويسدّ بعضهم من بعض، ولم يكن معقودا فله أن يجرّه إلى مائه وقد مرّ ذلك.
ومن باع يوما من فلج كذا وهو ذلك اليوم يابس ثبت إذا كان يوما من كذا وكذا يوما منه، لأنَّه لا مخرج له من الجهالة أبدا، وقد أجازوا بيع الأعمى وشراءه في الماء وأثبتوه عليه وله.
فصل
كرهوا طناء الماء والأرض ولا بأس بالأجرة وعن الأزهر: من أطنا بادة ماء من فلج بجري حبّ وأعطى الحب وقالوا له أسق بالماء فقال: [165] إذا احتجت إلى ذلك سقيت فلم يسق به حتّى عاد الطناء إلى جريين، فإن وقع ليوم معروف على أنَّه يسقي به متى أراد اختير أنّ ذلك عليه؛ وكذا هو له بالذي بينهم، وذلك إذا تتامما، وإلاّ وكان إنّما أطنى منه بادة باد (84) ولم يذكر سنة معروفة ولا شهرا ولا وقتا فذلك مجهول لحدوث الزيادة والنقصان والغلاء والرخص. وكذا من أطنى ماء من باد معروف بعقد لا يثبت به الطناء فسقى بالماء فلربّ الماء قيمته إن كان على وجه الأجرة، لأنّ المثل في الماء لا يقع ويختلف، واختير أنّ له قيمته يوم سقى به.
ومن أراد أن يطني من رجل ماء فقال له: قد أطنيتك كذا وكذا من الماء من فلج قرية ــ سمّاها له ــ من خبورة بني فلان، فقال له: قبلت، فأرجو أنَّه يثبت إن كان بعقد جائز. (4/253)
صفحة 1838
ومن أطنى من رجل كذا وكذا أثرا من ماء من بادة معروفة من فلج قرية مسمّاة على دور معلوم عندهما وحضر المستطني على الماء ثمّ حدث فيه زيادة أو نقصان ففي مثل هذا تدخل الجهالة إذا نقضا أو أحدهما الطناء؛ وإن حدث في الفلج هدم أو طين فالخيار في ذلك للمستطني إن شاء ردّ الماء على صاحبه، وعليه حساب ما سقى يردّه عليه؛ وإن قال: صاحبه إنّ هذا الهدم والطين كان قبل الطناء فالقول قول صاحب أهل الماء أنَّه كان قبله، وعلى المستطني البيّنة أنَّه حدث بعده. وإن كسر الفلج من أمّه لزم إصلاحه صاحب الأصل وكذا قطع الصفا، وعلى المستطني شحب الطين وإن يبس ماء الفلج وقد سقى مدّة وبقيت مدّة فعليه حساب ما مضى ويحطّ عنه الباقي من المدّة لأنّ القعادة أجرة وهذا من قبل الله لا من هذا ولا من هذا والجهالة حالة فيه.
وإن أراد أهل فلج أن يطنوا منه خبورة ومساحها أرض الفلج، فإن كانت رمّا واجتمع جباهه على ذلك وكان فيه الصلاح له جاز؛ وإن كانت ملكا وأصلا لم يجز ذلك إلاّ برأي أهلها جميعا.
ومن أطنى ــ قيل ــ ماء من فلج وهو يجري في واد على ظفر يكسره السيل، وشرط على المطنى عمله فإن اعتيد في البلد أنَّ عمله على المطنى فهذا شرط يبطل الطناء؛ وإن كان على المطني فهو عليه، ولا ينقضه الشرط وهو على العادة في ذلك إن اختلفا فيه؛ فإن لم تعرف فعلى المطني إصلاح مائه، لأنَّه في ذلك الوقت ماؤه.
ومن أطنى ماء طناء صحيحا، ثمّ خاف وخرج من البلد ولم يسق به فهو ثابت حتّى تنقضي المدّة، وخوفه لا يبطل عنه ذلك.
فصل
من باع لرجل نصف بئر له ولم يصحّ له الشراء ــ وفي نسخة أيصحّ ــ له ويكون قسمه أم لا؟ فإذا باع له نصف فم البئر وهو سهم من سهمين بحدود معلومة يعرفانها جاز البيع على هذا لا على غيره من المجهولات وإنّما يصحّ إذا كان معلوما؛ (4/254)
صفحة 1839
فإن اختلفا فقال له البائع: دلوك أكبر من دلوي، وبقرك أقوى من بقري، فهذا لا ينقض البيع بعد ثبوته؛ فإن اتّفقا فذاك وإلاّ زجر كلاّ منهما وقتا معلوما أو في جانب من البئر.
ومن باع بئرا ذكرها ووصفها عند العقد بجبّها ومصبّها وسواقيها وطرقها وعمقها وغزر مائها وقليلها وكثيرها، فإن لم يجدها على هذا فسد البيع للجهالة في البئر وما تستحقّه. وكذا إن باع أرضا فيها بئر ولم يذكرها فلا تدخل في البيع حتّى تذكر بعينها عند عقده. وكذا في الشجر إن بيعت (85) أرض أو دار وفيها ذات ساق ولم تذكر في البيع فلا تدخل.
ومن أقرّ ــ قيل ــ لرجل أو أوصى له بيوم من هذا البئر لم يكن له إلاّ يوم واحد ثمّ ليس له غير ذلك حتّى يسمّي يوما من كذا وكذا يوما من هذا الطوي ثمّ يثبت له على ما سمّاه؛ وإن اشترى منه يوما أو يومين لم يثبت ذلك ولا له شيء حتّى يسمّي من يوم من أيّام معروفة.
أبو سعيد: من باع طوية من موضع كذا وكذا فالطوي تشتمل على الأرض والبئر حتّى يشترطها البائع وحدها، وإن قال بئره من ذلك فهو كذلك عندي، لأنّ هذا يشتمل عليهما في متعارف اللغة؛ وإن تنازعا في قوله: بعت طويي أو بئري، فقال له: أردت بها أنَّها وحدها دون الأرض، وقال المشتري: إنّما اشتريت الأرض والبئر، فالقول في الحكم (86) قول البائع والبيّنة على المشتري، وقيل: على أغلب ما تجري به العادة من التسميّة في الموضع.
ومن باع طويّا ولها أرض أو شجر موقَّف لصلاحها فهو ثابت لها ولا يدخل الموقَّف في البيع ولو انتقلت من واحد إلى واحد. (4/255)
صفحة 1840
الباب الرابع والعشرون
في بيع المنازل
فمن باع دارا وفيها خشب وغيره، فما كان فيها فهو من المبيع إن بنى عليه، والمطروح للبائع حتّى يبيعه.
أبو سعيد: من باع بيتا وشرط السكنى فيه إلى موته، فقيل: الشرط باطل والبيع جائز، وقيل: فاسد أيضا [166] لا يجوز فيه شرط مجهول، لأنَّه لا يدري عمره، وقيل: إنّ الشرط ضعيف، فينقض البيع من شاء منهما.
ومن اشترى دارا فيها جرار أو خرس فلا يقع البيع على ذلك حتّى يشترطه المشتري، وكذا الحجارة الغير المبنيّة والظفور وهو (87) تجوز للانتفاع لا تدخل في المبيع أيضا حتّى يشترطها، وما لا يصلح للاستعمال فهو تابع للمبيع، وما وجد في داخل الأرض من صفر أو حديد أو غيرهما من غير دواتها (88) فخارج عنه، وأحكامه لمن كان له حتّى يشترطه في البيع بعد العلم؛ وإن اشتراها على أنّ ما خرج منها من ذلك فهو للبائع انتقض بيعها إن نقضاه أو أحدهما ولهما أن يتمّاه.
واختلف في البئر التي في الدار، فقيل: للبائع حتّى يشترطه المشتري، لأنَّها عمارة، وقيل: له، حتّى يشترطها البائع، لأنَّها من أدوات الدار، وممّا أريد به لها، وعليه الأكثر، لأنَّه لا يحسن إخراجها منها.
أبو سعيد: من باع لرجل دارا بما تستحقّ وفيها أبواب مركّبة وأقفال ولم يجر لها ذكر عند البيع فالأبواب المغلقة على الدار والبيوت والأقفال الثابتة التي لا يستطاع إخراجها إلاّ بهدم بناء وعمارة فذلك تابع للبيع، وما كان من ذلك يجيء ويذهب ويخرج بلا هدم فهو للبائع. والسماد إن جمع من سرجين أو تراب أو غيرهما فهو له أيضا، حتّى يشترطه المشتري، وكذا التراب الغير المجموع، وإن كان مثل الكنف والبعر فله أيضا. (4/256)
صفحة 1841
ومن اشترى منزلا فيه شجرة ولم يشترطها (89) ولم يستثنها البائع قال أبو سعيد: هي له أيضا، ولزمه إخراجها منه والبيع تام، وقيل: منتقض إن كانت ذات ساق، وقيل: هي له بحالها.
ومن اشترى منزلا واشترط الجواز إليه في أرض البائع إلى الطريق الجائز فهو مجهول؛ فإن اختلفا انتقض البيع.
أبو سعيد: من اشترى دارا فيها أقفال مقفولة وغيرها ولم يشترطها فهي للبائع.
ابن علي: من باع دارا ذات غرف لها أبواب مفتّحة على أرض الغير أو كوى بعارية ولم يعلم المشتري أنَّه عارية ثمّ علم وطلب فقال له البائع: نسيت أن أعلمك، أو لم أعلم بذلك، فخذها كذلك أو مالك، فقال أبو مروان: إن شاء أمسك المبيع على ما فيه وإن شاء ردّه؛ ابن إبراهيم: البيع تام بما فيه ولم ير ذلك يردّه. (4/257)
صفحة 1842
الباب الخامس والعشرون
في بيع القطن والنيل
ومن خلط نيلا أدون في أجود منه ولم يكن ذلك له فنرجو أن لا بأس على ربّه.
ومن ينقّي خيار ميضته ويبيع الباقي والمشتري يرى ما يشتري، فقيل: عليه أن يعلمه بذلك، وقيل: لا حتّى يسأله فيكتمه بعد السؤال.
ومن باع نيلا رطبا على أن يوزن إذا يبس وقطعا الثمن قبله جاز نقضه لمن شاءه منهما وإتمامه.
ومن باع نيلا فقوشا فكسر منه فقشا واحدا وتبايعا عليه جاز حتّى يتغيّر عنه، وقيل: ثابت في ذلك الفقش فقط.
ومن يخلط العظلم الحرثي والشتوي يريد بذلك إنفاق بعضه ببعض لم يجز له إن كان أحدهما أحسن من الآخر.
أبو سعيد: من اشترى من رجل نيلا وحمله إلى بلد ثمّ ادّعى أنَّه تغيّر وطلب ردّه فإن وقع على حاضر وعرفاه لم يقبل منه ذلك بعد غيوبته به إلاّ ببيّنة أو إقرار بائعه به؛ فإن بان تغييره وفساده أو أقرّ به فطلب المشتري أن يقبضه البائع من البلد الذي فيه النيل، فإن كان قد أذن للمشتري أن يحمله إلى موضع فله نيله حيث صحّ فساده وانتقض بيعه فيه؛ وإن حمله لا بأمره لزمه ضمانه حتّى يردّه إلى البائع. (4/258)
صفحة 1843
الباب السادس والعشرون
في بيع الخبز والجبن والسمن
ومن يبيع خبزا وفيه البارد فإن خلطه بالحارّ فقد غشّ ولا يجوز بيعه بالحارّ. وكذا إن خلط خبز الذرة في البرّ أو الشعير فيه فينظر في كلّ ذلك، فما أراد به إنفاق بعضه ببعض فهو غشّ، وما كان إذا أخبر به وعرف أنَّه يصلح بعضه ببعض فكتمانه ليس بعيب، وما لا يصلح به ويأنف المشتري بالإخبار به فكتمانه عيب.
ومن قدم خبّازا بدينار بمائة خبزة ثمّ يأخذها أوّلا فأوّلا، ففيه شيء، إذ هو لا بيع ولا سلف، ولا بأس إن أتمّاه والأحسن أن يزن الثمن والخبّاز الخبز جملة، ثمّ يقرضه له فيكون قرضا عنده له.
ومن باع لرجل عكّة سمن فوجد فيه رُبًّا فله ــ قال أبو سعيد ــ بدله سمنا، وقيل: هو عيب فينتقض البيع إن شاء؛ وإن أتماه على [167] شيء تمّ؛ وإن استهلكه ضَمِن الربّ، وطرح عنه بقدره من الثمن يقاصص به من قيمة الربّ.
وقيل: من باع سمنا أو نحوه وفيه نجس ولم يعلم به وخلطه المشتري على ما بيده، فالبائع ضامن لما فسد منه؛ وإن ادّعى المشتري ذلك ولم يصحّ بالبيّنة حلف البائع له ما علم ذلك فيه.
ومن اشترى ما يوزن كسمن أو غيره وفي عادتهم أنَّهم يطرحون في الوزن لكلّ من قياس لا يحسب له ثمن فلا بأس بذلك إن عرف به البائع والمشتري؛ ولا يثبت على من جهله حتّى يعرفه قبل البيع. ولا بشراء الجبن الرطب ولو غير مضمون لا اليابس حتّى يضمن.
ومن أمر من يثق به أن يشتري له مضمونا فإنّه يقبل قوله أنَّه اشتراه له مضمونا، وقيل: إن كان الرسول ثقة، وقال: إنَّه مضمون، قُبل قوله، ولو لم يقل له قبل، ولا يلزمه سؤاله بعد أن أمر ثقة بذلك ويسأل غيره، وضمانه أن يقول بائعه: إنَّه عمل (4/259)
صفحة 1844
المسلمين، أو من عملهم أو من أهل الكتابَيْن. وإن كان البائع له يهوديا أو نصرانيا فحتّى يقول أنَّه عمله هو، وإلاّ فلا؛ وقيل: يقبل قولهما إذا قالا: إنَّه من عمل المسلمين أو أهل الكتاب والمأمور بالسؤال عنه من الجبن هو المعروف ببلد أصبهان وهو الجبن الكبار الموجود منضّدا في الدكاكين يذهب لونه إلى الصفرة لا غيره.
وجاز شراء السمن غير مضمون.
ولا يجوز أكل رطوبات أهل الكتاب وقد تقدّم غالب الباب. (4/260)
صفحة 1845
الباب السابع والعشرون
في بيع الحبّ والتمر وخلطهما
فمن أراد أن يبيع تمر اللقاط مكنوزا فلا يلزمه إعلام به إلاّ إن نقص عن حال التمر المعروف. ومن باع حديثا وقديما لزمه الإعلام بكلّ منهما، وقيل: إن كان الأغلب هو الحادث فلا يلزمه، وقيل: لا يلزمه إذا لم يسأل عنه أحادث أم قديم؟ وكذا في الحبّ؛ ولا بأس بخلط الأرز والأدهنة لعدم الأوعية، ولا إرادة غش؛ وإن خلط بعض ذلك على بعض ليرى أوفر للثمن فلا يجوز له ذلك، ولو أخبر المشتري بخلطه.
ومن اشترى جرابا ونظر تمره جيّدا فحمله وأعطى الثمن فلمّا فتحه وجد فيه رديئا فلم يردّه من حينه حتّى أكل نحو ربعه طامعا أن يكون باقيه جيّدا، فكثر عليه رديئه فما أكل منه ثابت عليه ثمنه، وله ردّ الباقي؛ وقيل: إن أكل منه بعد أن رآه رديئا ولم يردّه من حينه فهو رضى منه بعينه، ولا له ردّه إلاّ إن وجد فيه عيبا آخر، وكذا في الثاني والثالث، فإذا أكل منه شيئا استحقّ ردّ الباقي بقدر قيمته من جملة الثمن بالأجزاء على قدر الباقي من جملة الجراب، ويقبل قول المشتري فيما يلزمه من الثمن مع يمينه، وقول البائع في الباقي من التمر أنَّه ليس من الجراب الذي باعه إذا لم يقرّ أنَّه منه مع يمينه ما يعلم أنّ هذا التمر منه.
أبو الحسن: من كنز جراب بلعق منه مغفر ومنه مصحن فليس من الغشّ ولكن يخبر المشتري لعلّه لا يريد المغفر، إلاّ إن كان إغفارا لا يضرّ التمر.
ومن اشترى من رجل تمرا فأكل منه ثمّ خرج فيه رديء يوجب ردّه ضمن ما أكل بقيمته وردّ الباقي، ويردّ على المشتري بقيمته جيّد وعليه يمين فيما أكل، وكراؤه إذا ردّه إلى حيث قبضه منه أو إلى الحاكم؛ فإذا حكم به للبائع حمله حيث أراد؛ فإذا (4/261)
صفحة 1846
لزم المشتري ردّه لزمه الكراء إلى أن يوصله إليه أو يقبضه من أقرب موضع إليه، ولو تعمّد البائع غرره بالرديء.
أبو سعيد: من اشترى من رجل مدّخران من تمر وهو قريب من الجراب بعشرة دراهم حالَّة إلى أجل معروف، ثمّ اختلفا في النقد، فقيل: إن شرط الحال فيه مجهول، فإن اتّفقا على شيء من ذلك ثبت البيع، وإن اختلفا انتقض ووزن المدّخران، قيل: ثمانون منى بمنى نزوى، وقيل: مائة.
وإن اتّفق رجلان على بيع الجري بعشرة دراهم فقال ربّ الحبّ للمشتري: اِذهب إليه وأبصره فإن أعجبك فخذ منه ما أردت فأبصره فرضيه واكتال منه على ما اتّفقا عليه من الثمن فلا يثبت ذلك عند أبي سعيد، لأنّ اتّفاقهما وقع على مجهول إلاّ إن أتمّاه، وبعض يراه ثابتا على التعارف والأساس الذي اتّفقا عليه، لأنّ البيوع على ما أسّست من حلال أو حرام، وعلى ما عقدت عليه في الأحكام.
ومن باع جراب تمر وشرط على مشتريه أنِّي أبيعك هذا ولا أدري أجيّد أم رديء، فخرج رديئا فله ردّه وأخذ دراهمه؛ فإن نقشه من ثلاثة أمكنة فجاء ما يخالفها فله ردّه [168] إن كان رديئا.
ومن باع حبّا على أنَّه بذر فلا عليه إن لم ينبت، إلاّ إن علم أنَّه لا ينبت فغرّ مشتريه فعليه ضمان ما زاد من ثمن الذي ينبت على الذي لا ينبت فيردّ الفضل، وقيل: إن شرط أنَّه ينبت، فالرأي أن يغرمه ما غرم وعناءه في البذر؛ وقيل: البيع فاسد ويردّ عليه قيمته.
ومن قضى رجلا تمرا بحقّ عليه له ولم يقطعا ثمنا في الوقت فإن اتّفقا، وإلاّ فعلى المقتضي أن يردّ على الذي قاضاه تمرا كتمره؛ فإن لم يجد إلاّ مكنوزا فإنّه يكيله وينقص من الكيل من العشرة ثلاثةً وهو خُمس ونصف خمس؛ وإن وجد غير مكنوز أعطاه كيلا بكيل.
ومن باع جرابا بربح إلى وقت معلوم والتزم للمشتري إن وجده رديئا أن يردّه فوجده جيّدا فرضيه فهذا يتمّ بالمتاممة إن أتمّاه. (4/262)
صفحة 1847
ومن خلط جيّدًا برديء (90) يريد إنفاقه به والغشّ، ففي الأثر أنَّه من النفاق؛ وإن لم يرد الغشّ فلا بأس؛ وإن أخبره بذلك فليس عليه بعد ذلك إلاّ التوبة من نيَّة الغشّ.
ولا بأس ببيع التمر على من يعلم أنَّه يعمله نبيذا، إلاّ إن علم أنَّه يعمله نبيذا محرّما.
ومن اشترى من رجل مكنوزا ولم يبصره، إلاّ أنَّه قال: قد رضيته بالنظر إلى الجراب فاتّفقا على الثمن واستوجبه فتلف بغصب أو سرق، فلمّا وقع قال: ما أبصرت إلاّ الجراب فأعجبني فاشتريت غائبا، وقال له البائع: إنّما تركت تمري لم أبعه على أنَّه لك والثمن عليك، فقال أبو الحواري: إن اشترى التمر ولم ينظره وإنّما نظر إلى الجراب من ظاهره فلهما الرجوع في الحكم، وبه قال ابن محبوب؛ وإن علم بأنّ له نقضه فلم ينقضه حتّى تلف التمر فنقضه لتلفه فإنّه آثم لحبسه تمر الرجل حتّى تلف.
ومن اشترى ــ قيل ــ مائة مَنٍّ تمرًا فخرج فيه قدر عشرة أمناء عجما أو حشفا فلا يلحق البائعَ في ذلك شيءٌ إن أمكن كون الحشف في التمر، وإن جعل فيه ذلك ليكثره فباعه فمن الغشّ، وعليه قيمته للمشتري؛ وإن اشترى منه خمسة أجربة تمرا كلّ جراب بعشرة دراهم فوزن له خمسين وقبضها منه، ثمّ جاء إلى النضد وعدله خمسة أجربة فعرفها ورضيها، فقيل: البيع منتقض، لأنّ التمر لا يرى داخل الظروف؛ وقيل: إن بايعه نوعا معروفا ووقف على الجراب ونظر طوله وعرضه فاشتراه منه، والأجربة على أنّ تمرها من صنف كذا وكذا فهو ثابت، ولا رجوع لأحدهما على الآخر، إلاّ إن خرج التمر أو بعضه مخالفا لما اتّفقا عليه.
ومن اشترى من رجل جرابا وأشرك فيه رجلين أو أكثر، فقسموه فوجدوه فاسدا فتمسّك بعضهم بمنابه وبعضهم أراد ردّ منابه، فقيل: له أن يردّه على مشاركه، ولمشاركه ردّه على البائع.
ومن أراد أن يبيع حبّا ثمّ خلط فيه أردى منه ليغشّه به ثمّ ندم قبل أن يبيع منه فله بيعه، وعليه الإعلام به قبل العقد؛ وقيل: لا يجوز له ذلك إلاّ إن تاب؛ وكذا من (4/263)
صفحة 1848
باع حبّا نجسا ثمّ ندم فأعلم به مشتريه فهو مخيّر في ردّه؛ وإن تلف الحب أخذ قيمة نقص الثمن إن شاء وفي إحلال البائع ولزمته التوبة من فعله ونيّته؛ وإن كان لا يجد كلّ من باع لهم فعليه الاجتهاد في طلبهم مع صدق التوبة واعتقاد أنَّه متى وجد أحدا منهم أو قدر عليه بمن يبلغه تخلّص إليه من ذلك، ولا يكلّف الله نفسا إلاّ وسعها، ولولا ذلك لما كان لعاص توبة؛ وقيل: إذا لم يدرك ذلك تصدّق بقدر ما نقص من الثمن.
ومن اشترى جراب تمر بلعق فوجد فيه تمر صرفان تمّ البيع ويبدل مكانه البلعق إلاّ إن كان كلّه صرفان؛ فإن وجده متغيّرا عن حال ما وقع عليه البيع فله أكله ما لم ينقضه البائع؛ وقيل: لا يجوز له؛ واختير أنَّه إن خرج أفضل من الجنس الذي اشتراه فلا يأكله حتّى يعلم البائع ويتمّه له.
فصل
لا يجوز خلط برّ بشعير لبيع ولا فاسد بجيّد.
ابن محبوب: من باع مدّخران من تمر أو أكثر ثمّ غلا التمر فرجع فيه فتمسّك المشتري بالبيع وقد اشتراه من النضد، فإن نظرا على الظرف لا نفس التمر فلكلّ منهما الرجوع؛ ولا خلط قديم بحادث، ولا أبيض بأسود، إلاّ إن بيّن ذلك للمشتري فيشتريه بعد معرفته به؛ ولا الذرة بالدخن، أو الحمراء بالبيضاء، أو في الشعير، أو هو في الدخن، أو السهوى في المجارد، ولا بأس بذلك لأكله لا لبيع.
ومن عنده جراب تمر مختلط من نخل، وكان يبيع منه وزنا بلا إعلام منه للمشتري فلا عليه إن كانوا ينظرونه فمن قبل منهم تمّ له؛ وإن باع الجراب جملة سالما فليعلم بما فيه.
ومن اشترى من رجل جربا (91) مكنوزة لم ينقشها له وعدَّها عليه ثمّ أنَّه قضاها رجلا أو باعها عليه بأكثر ممّا اشتراها أو بأقل، فلمّا حلّ أجل الدراهم قال (4/264)
صفحة 1849
للبائع: لم أنقش التمر ولم أبصره، فهو بيع مجهول لعدم ذلك؛ فإن شاء البائع أخذ الثمن [169] الذي باعه به المشتري ولو زائدا أو ناقصا على البيع الأوّل؛ وإن شاء أخذ مثل تمره.
ولا بأس ببيع جراب تمر بمثله ولو غائبين؛ وقيل: لا يجوز حتّى يسمّيه قياضا إن لم يحضر أحدهما، وقيل: حتّى يحضرا معا ويكونا يدا بيد وهو الأصحّ. (4/265)
صفحة 1850
الباب الثامن والعشرون
في بيع العبيد
فإذا قال عبد لسيّده: لا أريدك، وطلب منه بيعه ولم يطعه، فقيل: لا يلزمه بيعه إذا أنصفه في مؤونته، وإلاّ أجبر على إنصافه فيها لا على بيعه؛ وإن بان عليه جوره وتمادى عليه أجبر عليه؛ وإن قصّر في خدمته فله تأديبه بما يحتمل من الضرب؛ وقيل: ليس له ذلك، ويبيعه بما قسم له، لما روي: «بيعوا ولو بخيط من شعر، ولا تعذّبوا خلق الله».
ومن اشترى ــ قيل ــ عبدا أو أمة من رجل بحضرتهما وهما بالغان فلم يغيّرا ولم ينكرا العبودية عند الشراء، فلمّا قعدا مدّة عنده ووطئ الأمة ادّعيا الحرّية، فقيل: ليس له أن يجبرهما على التملّك في الحكم، إلاّ إن أقرّا عند البيع بالرقِّيَّة، واشتراهما عليها، ثمّ قالا: إنّما أقررنا بها تقيّة من البائع، فإن كان ممّن لا يتقّى وسع المشتري إجبارهما عليها؛ وإن كان ممّن يتّقى اُختير أن لا يكون إقرار التقيّة حجّة؛ وإن أقرّ بالرقِّية ثمّ ادّعيا دعوى، نُظر فيها.
ومن ادّعى رجلا أنَّه عبده وأقرَّ أنَّه مملوك له، ثمّ باعه، ثمّ صحّت بيّنة أنَّه حرّ فهو حرّ، ويرجع عليه بثمنه مشتريه، لأنَّه غرّه بقوله: إنَّه عبده؛ وإن لم يقرّ بشيء واشتراه منه ثمّ صحّ أنَّه حرّ فهو حرّ، ويلحق الذي باع له بالثمن، وقيل: إنَّه إن لم ينكره وهو في يده فقد غرّه ولزمه الضمان.
ومن اشترى ــ قيل ــ عبدا ثمّ أخبر أنَّه حرّ، فقيل: إن سأله حين البيع فقال: إنَّه مملوك فيكاتبه بما اشتراه به ولم يجز بيعه؛ وإن لم يسأله أو لم يحضر عند البيع فليعتقه، وقيل: لا يلزمه تصديقه، وإنّما هذا إذا صحّ ببيان أنَّه حرّ وقد أقرّ أنَّه مملوك لبائعه وقال له اشترني. (4/266)
صفحة 1851
ومن اشترى ــ قيل ــ عبدا من رجل ثمّ ادّعى أنّ البائع غصبه من فلان، أو أنَّه لفلان، فقال فلان: أنّ العبد له، والبائع ينكر ذلك وقد قبضه المشتري ووزن الثمن، أو لم يقبضه، فإذا تقاررا على البيع الصحيح فلا يقبل قوله على المشتري إلاّ بالبيّنة؛ وإن أقرّ أنَّه حرّ عتق العبد؛ وكذا إن أقرّ أنَّه لفلان أمر بتسليمه إليه إذا صدقه فلان على إقراره، ولا يرجع على البائع بشيء، إلاّ إن صحّت بيّنة على دعواه. وإن ظهر به عيب كان عند بائعه وهو يدّعي أنَّه باعه حرّا أو مغتصبا أو عبدا لفلان، وفلان يدّعي ذلك أو ينكره، فأمّا إذا قال المشتري: إنَّه حرّ، فإنّه يعتق ويرجع على البائع بالأرش؛ وإن لم يصدِّقه المقرّ له أنَّه له فالعبد للمشتري وله الأرش.
ومن اشترى أمة وكانت عنده شهرا ثمّ ادّعت الحرّية وبيَّنتها، فقيل: إن علمت بالحرّية يوم اشتراها ولم تنكر البيع فله أن يرجع عليها بما أنفق عليها؛ وإن لم تبيّنها ولم تقرّ هي بها عند البيع فلا له الرجوع عليها.
ومن اشترى عبدا من رجل وهو بيد آخر يدّعي أنَّه عبده سرق منه وأقرّ العبد بذلك فإنّه يحكم به للمدّعي، إلاّ إن كانت عند المشتري بيّنة أنَّه أقرّ أنَّه مملوك للبائع له، أو للذي هو بيده؛ ويوجد ــ قيل ــ عن جابر: أنَّه يجوز لأهل الحرب بيع أولادهم عند المجاعة. وإذا سئل عبد عن جنسه ومن سباه فقال: لا أدري وقد سبيت صغيرا، لم يجز شراؤه حتّى يُعلم أهله ومن أيّ وجه صار عبدا؛ فإذا قال سباني حربي جاز شراؤه؛ وإن كان من صلحهم أو من سلطان قهره فلا يشترى؛ وكذا الكبير إذا لم يعلم أصله فلا خير في شرائه.
ومن جلب عبدا فقال العبد: لا تشتروني فإنّي مسروق، فإنّه لا يقبل منه إلاّ البيّنة؛ وإن قال: إنّي حرّ مسروق، فإنّه لا يشترى منه.
ولا يجوز بيع الآبق من مولاه ولا من وكيله.
وجاز بيع المغصوب إذا باعه مولاه مغصوبا معروفا مكانه.
وإن أقرّ الصبيّ بالعبودية لفلان فلا يثبت في الحكم أنَّه عبده؛ ومن اشتراه منه على اطمئنان بإقراره فلا عليه إن لم ينكرها بعد بلوغه؛ فإن أنكرها بعده قُبل قوله (4/267)
صفحة 1852
وكان حرّا، حتّى تصحّ عليه العبودية ولا يضرّه إقراره بها في صغره؛ وإن أراد مشتريه تحليفه بالله أنَّه حرّ، وأنَّه لا يعلم أنّ لهذا عليه حقّا من العبودية كان له عليه ذلك. وإن أراد المدّعى عليه الملكية يمينا إلى مدّعيه حلف له أنَّه مملوكه إلى الآن.
ومن ادّعى خمسة أعبد فوجدهم ستّة، فقال لهم: من لم أشتره منكم فلينصرف، فقال كلّ واحد: أنا حرّ؛ فإن كان لا يعرف عبيده المشترين من غيرهم، فإن صحّت له بيّنة أنَّه اشتراهم من زيد وهو يدّعيهم عبيده، [170] ولا يغيّرون عليه ولا ينكرون إلى أن باعهم للرجل، ويقولون أنَّهم أحرار فهم عبيده، حتّى يصحّ بيان كونهم أحرارًا؛ وقيل: إنَّهم أحرار، وإن صحّ لهم البيان أنَّه اشتراهم من زيد، ويقولون عند زيد أنَّهم أحرار، قُبل قولهم؛ وإن كان لا يعرفهم من غيرهم لم يكن لهم ملك واحد منهم، إلاّ إن صحّ له عند الشراء أو بالإقرار من بائعهم أنَّهم هؤلاء بأعيانهم وقد عرفهم من غيرهم ولم يغيّروا عند البيع.
وإن قعد عبد في سوق الإسلام يبيع ويشتري جازت المبايعة معه، إلاّ الدَّين فلا تجوز مداينته، إلاّ بإذن مولاه فإن أذن له في التجارة جاز الكلّ معه. (4/268)
صفحة 1853
الباب التاسع والعشرون
في بيع الأمة وولدها إن كان معها أولاد وبين شركاء
الربيع: لا يفرّق بينها و (92) ولدها إن كان صغيرا مملوكا، ولا يباع هو وحده، وتمسك هي كعكسه، بل تمسك معه، حتّى يستغني عنها؛ وإن كان من السيّد فأراد بيعها جاز له، لأنَّه أولى بولده، ولا يضيّعه، وقيل: لا، حتّى يستغني، وذلك إذا بلغ سبعا أو ثمانيا.
وإن كان بين رجلين في قرية عبد، فطُلب أن يبيعاه أو يشتريه أحدهما وكرها بيعه فلا يجبران ــ كما مرّ ــ عليه، ويستخدمانه بالحصص، ويحسنان إليه، (93) ولا يكلّفانه ما لا يطيقه. وإن كان كلّ منهما في قرية وطلب منهما أن يبيعاه، فقيل: يؤمران به أو يستخلصه أحدهما، ولا يكلّف بالاِختلاف إليهما من قرية لأخرى، وإن كانت بينهما دابّة وهما في قرية فطلب أحدهما بيعها وأبى الآخر، فإنّ عليه ذلك، لأنَّها لا تشكو إذا ضيّعاها أو كلَّفاها ما لا تطيق والعبد يشكو ذلك إلى المسلمين حتّى ينصفوه منهما. وإن كانا في قريتين فذلك عندي فيها أوجب.
ومن باع لرجل عبدا مع بعض آلات يعمل بها بثمن معروف، فأراد فسخ البيع واحتجَّ بجهل الآلة التي باعها معه، ورضي مشتريه به وحده دونها، فالخيار إليه إن شاء أخذ وإن شاء ترك لا للبائع، وبه قال أبو عبد الله؛ وقيل: إن جهلا أو أحدهما المبيع أو شيئا منه جاز لكلّ نقضه.
وإن بيعت أمة ومعها صغير تربّيه فإنّه لا ملك عليه حتّى يبلغ ويقرّ بالعبودية؛ وإن أقرّ أنَّه ولدها، فقيل: تثبت عليه، وقيل: لا، حتّى يقرّ بها بعد بلوغه.
وإن كان بيد رجل عبد يخدمه ويدّعيه ولا ينكر ذلك وباعه ولم ينكر أيضا، ثمّ أنكر العبودية بعدُ، فقيل: إنَّه حرّ لا تثبت عليه بسكوته إلاّ إن بيّن البائع أنَّه عبده، وقيل: تثبت عليه حين لم ينكر عند البيع، وإليه ذهب ابن جعفر واختاره أبو سعيد. (4/269)
صفحة 1854
وإن كان بين بالغ ويتيم عبد فلا يجبر على بيع منابه منه، ولا على شراء مناب اليتيم، ولكن ينادى على منابه فيمن يزيد، ويباع بما يسوى من الثمن. وتباع دابّة كانت بينهما كلّها فيشتريها من شاء شريك أو غيره.
أبو الحسن: من له سريّة فولدت منه ثمّ احتاج إلى بيعها بلا دين عليه جاز له ويمسك ولده ــ كما مرّ ــ واختار خميس قول ابن محبوب أن لا يبيعها، إلاّ إن لم يجد بدّا منه من حاجة ماسّة أو دين لازم. ولا يجوز بيعها إن كانت حاملا منه حتّى تضع لئلا يسترقّ ولده.
ومنع بعض قومنا بيع أمّ الولد، وإذا مات سيّدها عتقت بملك ولدها لها أو لجزء منها.
وعن الربيع لا يباع الأخ من الرضاع. ومن ملك والديه من رضاع أو ولدهم فهم كالإخوة، وقيل: إنّ من يناسبه من الرضاع من المماليك له أن يستخدمهم ولا يبيعهم إلاّ في دين أو حاجة ماسّة، والأخ من الرضاع إن كان بين ورثة أحدهم إخوة منه، فلمّا قسموا وقع لغيره فهو مملوك له.
ولا يجوز بيع المدبر إلاّ لمن يعتقه أو لمن هو في بلد يسكنه على أنَّه مدبر.
ومن ملك من لا يحلّ له نكاحه لو كان أنثى لم يجز له بيعه ولا تملّكه ويعتق من حينه، ولو كان من ختونة، وقد عرفت الخلف في الرضاع. وفي ا لأثر: إن باعت امرأة غلامها وقد أرضعته فأكلت ثمنه، فإن قدرت أن تشتريه فتعتقه فإنّه كولدها. (4/270)
صفحة 1855
الباب الثلاثون
في الأمة إذا بيعت وظهر بها عيب أو كانت لغير بائعها
فمن اشترى أمة وتسرّاها فولدت معه أولادًا، ثمّ صحّ أنَّها لغير بائعها فأخذها، فقيل: إن تسراها بالشراء فهم أولاده أحرار ويفديهم بقيمتهم عبيدا يوم ولدوا، وقيل: يوم الحكم. وإن ولدت من غاصبها أو سارقها أخذها ربّها وعقرها وأولادها، وكانوا عبيده إذ لا فراش لمن ذكر فيها. وإن باعها لمن لا يعلمه غاصبا لها أو سارقا فولدت له، أخذها منه سيّدها وعقرها وقيمة أولادها عبيدا، وهم أولاد مشتريها أحرارًا إذ (94) لم يعلم بحالها ويرجع بالعقر، وقيمة أولاده على بائعها إذ غرّه، وبهذا قال أبو الحواري، وهو [171] الأظهر عندي، واختار خميس أن لا يرجع على البائع بالعقر، لأنَّه بما قضى منها من همّته؛ وإن تداولت من يد إلى يد فكلّ يرجع على البائع عليه حتّى ينتهي إلى السارق أو الغاصب.
ومن باع ــ قيل ــ جارية وشرط حملها أو أعتقها واستثناه، جاز إن نفخ فيه الروح.
أبو معاوية: من اشترى جارية من رجل ثمّ تزوّجها منه آخر، ثمّ أبصر بها عيبا فأراد أن يردّها به، فإنّه لا يجده؛ وإن طلّقها الزوج طلاقا يملك فيه رجعتها فللمشتري ردّها بالعيب لا إن كانت بكرا أو طلّقت طلاقًا لا يملك فيها (95) رجعتها؛ وإن وطئها المشتري فلا يردّها وله الأرش.
أبو الحواري: من باع لرجل جارية لها زوج ولم يعلم به الرجل حين اشتراها ووطئها وحبلت، ثمّ سأل الزوج عنها فقال له مولاها الأوّل: بعتها لفلان فجاء إليه يريدها، فحال فلان مولاها دونها فالزوج أولى بها، وقد حرمت على الذي وطئها بالشراء أبدا، وإن لم يعلم به. (4/271)
صفحة 1856
والعبد إن كانت له زوجة فليس بعيب يردّ به، لأنّ للمشتري أن يطلّق عليه إن شاء، والصداق في ثمنه على سيّده الأوّل. فإذا ولدت تلك فولدها للزوج، لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
وللمشتري إن لم يعلم بالزوج أن يفسخ بيعها؛ وإن تمسّك بها فله خدمتها لا وطؤها، ولا صدق (96) عليه، لأنَّه على الزوج.
ومن باع جاريته لمجنون فوطئها وولدت منه، ثبت له الولد، وتردّ هي لمولاها، ولا شيء له على المجنون من مهر ولا ثمن الولد، لأنَّه المضيّع لماله.
وقيل: تردّ الجارية بعيب إن ظهر بها بعد الوطء، ويردّ ما أنقصها الوطء إن كانت بكرًا (97) فنصف عشر ثمنها، وقيل: عشره؛ والثيّب لا ينقصها، وتردّ بالعيب، وقيل: لا ردّ به بعد الوطء، ويأخذ الأرش، واختير هذا.
والعبد الذكر إن وطئه المشتري، ثمّ عيب فله ردّه بالعيب، ولا يمنع منه، إذ ليس (98) كالأمة. وعيب الجارية إن كان باطنا حيث لا ينظره الرجال فينظره الثقات من النساء.
والسرقة في العبيد عيب، لا من بيوت مواليهم فلا يردّون بها، ولا قطع عليهم، إلاّ إن أتقب (99) العبد بيت مولاه أو فكّ حلي ولده، فإنّه يردّ بذلك؛ وإنّما لا يردّ إذا سرق من ماله ممّا هو مؤتمن فيه أو مثل طعام إن أكله أو حبّ أو تمر بيده.
وإن بيعت أمة لها ولد ولم يعلم بها مشتريها، فهو عيب عند أهل مكّة لا عند أهل العراق، إلاّ إن كان لا يستغني عنها.
والزنا والقلفة في البالغين عيب. وإن ولد عبد بزنى، فقيل: إنَّه عيب، وقيل: لا، إلاّ إن كان رشيدا.
ومن اشترى أمرد ولم تنبت له لحية فليس ذلك بعيب؛ ولا إن لم ينهد ثديا أمة، إلاّ إن كانت بحيث لا يخرج منهما لبن فيضيع ولدها؛ وإن كانت من البيض المشترين للتسري فلم ينهد ثدياها فهو عيب، إن كانت من ذوات الشعور وليتأمل معنى هذا القيد. (4/272)
صفحة 1857
والإباقة عيب ولو مرّة. والتجشد ــ وفي نسخة النخش ــ عيب.
ومن اشترى صبيّا اُعتيد هربه من سيّده، أو يبول في منامه، فإنّه يردّ به، وقيل: السرقة والبول فيه ليسا بعيب من صغير حتّى يبلغ.
والجنون والعشا إن عاود عيب. والتأنيث في العبيد عيب. وإن أتت أمة لا زوج لها بولد فليس بعيب تردّ به.
ومن اشترى أمة ووطئها ثمّ أطّلع على عيب كان بها فنازع البائع فقال له: أنا آخذ أمتي بعيبها، وإن شئت أنت فخذها به، فقال مسبِّح: على البائع الأرش، وقال هاشم: وجدنا ذلك في الكتب، والمختار عندنا المفتى به أنَّه إذا خيّره في قبوله وردّه فقد أنصفه ولا عليه.
والعنين ليس بعيب. والخصي والمجبوب عيب، لأنّه نقصان في الجارحة لا من الخلقة.
أبو سعيد: في عيوب العبيد والدوابِّ (100) ما خرج في الفقه لم يردّ إلى العامة، ويردّ إليها ما لم يخرج إليه، كما روي عن أبي عبيدة أنَّه قال: سلوا أصحاب الرقيق من النخّاسين فإن رأوا أنّ الرمد عيب فهو كذلك. وكذا (101) الدواب إن بيعت ولم تأكل النوى فإنّه عيب في محلّ يعاب به فجاز ذلك شرعا.
والوسم بالنّار وأثر الجرح في العبيد عيب. والدواب إن لم يكن ممّا يزيّنون به أولادهم، أو سمة في دابّة تعرف بها، أو من باع مريضا علم به مشتريه جاز له، وقيل: حتّى يبرئه من المرض وما جرّه.
والأكثر على أنّ الجارية إذا كانت لا تحيض أنَّه ليس بعيب، وقيل: هو عيب. والشيب عيب؛ وكذا الشرك.
ومن اشترى صبيّا لم يثغر ثمّ كبر فلم يثغر فهو معيب. (4/273)
صفحة 1858
الباب الحادي والثلاثون
فيما يجوز بيعه من العبيد وما لا يجوز
أبو سعيد: من بيده رجل يريد بيعه جاز شراؤه منه إن كان بالغا يعبّر عن نفسه، وإلاّ فلا حتّى يجد من يعبّر عنه في الحكم، (102) وأمّا في الاِطمئنان فأرجو أن يجوز إذا لم يرتب فيه، وله حجّته [172] إذا بلغ؛ ولو كان الصبيّ مسلما فإذا بلغ وأنكر العبودية رجع المشتري على بائعه بثمنه؛ وإن أنكرها في صباه لم يجز شراؤه إن كان ممّن يعبّر عن نفسه ويدفع عنها.
وقيل: لا يجوز بيع الآبق ولا الجمل الشارد ولا الحمار النافر ولا الضالة ولا ما شاكل ذلك لأنَّه من الغرر، ولا المتاممة فيه حتّى يصير بيد مالكه. وجاز كما مرّ بيع مغصوب أو مسروق ووكالة فيه إن عرف موضعه، إلاّ على غاصبه فلا يجوز له شراؤه حتّى يردّه إلى ربّه.
وما سباه المسلمون من أهل الشرك مطلقا جاز شراؤه منهم ولو كان هنديا أو روميا أو سنديا أو فارسيا أو قبطيا إذا كان السبا على وجه يجوز لهم إلاّ العرب فلا يجوز سباهم ولا استعبادهم. وعن بعضٍ (103) إجازة بيع العبد للذمّي إذا شرط البائع عليه أن لا يحول بينه وبين الصلاة، وأن يدعه ودينه، وأنكره هاشم وقال: لا نعرفه. ابن المسبح: ليس لمسلم أن يبيع مصلّيا لذمّي، لأنّ الكتاب والسنّة قد فرّقا بينهما لقوله تعالى: {ولن يَّجعل الله للكافرين ... } الآية (سورة النساء: 141). ولما روي: «الكافر والمؤمن لا تتراءى نارهما».
ابن محبوب: كلّ مسلمة بيد ذمّي فإنّها تباع في سوق الإسلام، (104) ويعطى ثمنها؛ والذكور إن طلبوا البيع حكم لهم به لمسلمين، وإن سكتوا تركوا.
موسى: إن كان العبد لا يبالي بالصلاة وتركها، فلا بأس أن يترك بيده (105). وذكر هاشم أنّ سعيدًا يخبر ابن أبي عفان وموسى حاضر أنَّ مصليةً ليهودي سمع بها (4/274)
صفحة 1859
سعيد فباعها فيمن يزيد فاشتراها مسلم، فخرج اليهودي إلى موسى فأعلمه، فأمر سعيدا فردّها إليه فقال: ابن أبي عفّان: إنّا لله! رأيتك يا أبا علي أن تأخذ برجليها من يمنعه منها وهي مملوكته وقال موسى: إنّ هؤلاء الزنج شبه الحمير؛ وقال هاشم: وكانت الأمة بيسرة، وفي نسخة بيسدة. ابن المسبح: قال ابن محبوب: ليسها شبه الحمير، وإنّما هي آدمية لها الثواب وعليها العقاب؛ ولم نعلم أنّ مسلما قال بقول موسى هذا.
فصل
أبو الحواري: من اشترى عبدا غائبا ببعيرين وثلاثة فأعطى البائع بعيرا وكان عنده على أن يسلّم إلى المشتري العبد ويأخذ ما بقي له، فمات البائع وتلف العبد، فإن كانت غيبته أوّلا إباقة، فالبيع فاسد ويأخذ ربّ البعير بعيره، وليس على وارث البائع غرم ذلك البعير؛ وإن كان العبد بيده إلاّ أنَّه غاب وقت الصفقة وقبض البائع هذا البعير فالوارث بالخيار في ردّ البعير وأخذ عبده، وفي تسليمه وأخذ باقي حقّه.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل وصيفا رآه ورضيه وانطلق به وأظهر للبائع أنَّه لم يرضه فاستوضعه من الثمن فوضع له عشرين درهما، كره له ذلك إن رضيه، إلاّ إن وجده متغيّرا عن حاله لمرض أو به عيبًا.
ابن أحمد: من اشترى أمة بمائة من رجل وبها حصّة لآخر وباعها بمائتين، فأعتقها الأخير وعلم الشريك وطلب حصّته وماله، فمن باع ماله ومال غيره صفقة واحدة فبعض أبطل الكلّ، إلاّ إن أتمّه الشريك، وبعض أثبت له بيع حصّته، وفي العتق إتلاف؛ وفي الأثر: أنّ الشريك ينتزع بالشفعة بعد العتق؛ قال خميس: ولا يعجبني ذلك بعده، والبائع ضامن له في حصّته، لأنَّه أتلفها عليه وهو مخيّر في الثمن الذي باعها به وفي قيمتها. (4/275)
صفحة 1860
ومن اشترى أمة عليها حليّ أو ثياب فاخرة لم يشترط ذلك عند البيع ثمّ رهن ذلك ثمّ استقاله البائع فيها فالحليّ ونحوه له إلاّ إن شرطه المشتري؛ وإذا رجعت إليه رجع عليه أيضا بما عليه؛ وكذا إن لم يقله فيه وطلب ما عليها (106) فإنَّه له إلاّ إن شرطه كما قلنا.
أبو عبد الله: ما كان على العبيد حين البيع من لباس أو عمامة أو خفّ أو حليّ يلبس مثله فلمشتريها ذلك حتّى يشترطه البائع، وما كان زيادة الحال إنفاذها به فلبائعها حتّى يشترطه أيضا.
ومن باع ــ قيل ــ لرجل جارية وأمره بقبضها فقال له: قد قبضتها وأبرتك منها، وقد قدر على أخذها، ثمّ إنَّه رهنها بيده حتّى يوفيه الثمن فقبضها البائع فتلفت من عنده، فقال أبو سعيد: عليه ثمنها، وليس رهن الحيوان بشيء، وإنّما هو كالأمانة، وقيل: إذا تلفت من البائع على هذه الصفة ذهب الرهن بما فيه ولا شيء له عليه، وقيل: يلزمه للمشتري قيمتها يوم تلفت؛ فإن كانت أكثر فليس عليه شيء.
ومن أمر رجلا أن يبيع جاريته فانطلق بها فأعتقها الآمر قبل أن يبيعها المأمور فباعها لرجل فوطئها فبان تاريخ العتق [173] قبل البيع فليس على المأمور البائع ولا على المشتري شيء، وعلى معتقها أن يعطيها مهر مثلها لإِعتاقه (107) إيّاها بعد أمره ببيعها.
وأجاز جابر بيع مشرك لمشرك، وقيل: لا يباع إلاّ لمصلّ.
وحرّم على مسلم بيع مسلم لمشرك.
وإن ارتدّ عبد استتيب وإلاّ بيع في الأعراب لا لأهل الشرك. وكذا ما جلبه المسلمون من أرض الحرب لا يباع ولو لأهل الذمّة. (4/276)
صفحة 1861
الباب الثاني والثلاثون
في بيع العبد وخدمته لمعتقه
ومن باع حرّا ثمّ تاب أعطى مشتريه ثمنه والعبد أجرة ما استخدمه؛ وكذا إن أعتقه مشتريه، فإن مات أعتق مثله وتصدّق بمثل أجرته. الربيع: إن باع رجل لرجل حرّا بمحضره ومسمعه وسأله المشتري: أعبد أنت؟ فأنعم، ثمّ قامت بيّنة أنَّه حرّ فعلى المقرّ بعبوديته ردّ ثمنه على مشتريه، ولا ردّ عليه إن سكت حين بيع أو سئل، ولا يضرّه سكوته ولو يسمع.
جابر من أراد شراء عبد فقال: إنَّه حرّ فلا يشتره، وقيل: لا تجوز الدعوى في العبيد ولا يجوز إلاّ إقرارهم أو البيّنة وليسوا كالأموال. وقيل: إن امرأة قضاها زوجها جارية بحقٍّ لها عليه وقد علمتها حرّة ثمّ ردتها عليه فباعها، فسألت عن ذلك أبا عبيدة فقال لها: أخذتِ ورددت فلا عليك؛ ثمّ سألت الربيع فاختار لها أن تشتريها فتعتقها، لاشتراكها في الأمر بردّها له وباعها، فانطلقت إليها فاشترتها وقالت: إنَّها حرّة لا أمر عليها لأحد.
أبو الحواري: من زعم أنّ أباه وهب له غلاما فأعتقه، فأنكره أبوه ولا بيّنة عنده (108) عليه، ثمّ هلك وورثه ابنه وقد كان باع الغلام في القرية التي هو فيها (109)، فقيل: ليس عليه هو شيء لأنَّه لم يظلمه وإنّما ظلمه أبوه، وقيل: يفديه بما ورث منه. أبو سعيد: لا شيء عليه، إلاّ إن دخل ملكه (110) إلاّ إن أقرّ أنّ أباه باعه حرّا فيعجبني فداؤه بذلك؛ وقال: من أعتق عبده واستعمله إلى أن مات العبد لزمه ضمان ما استعمله لوارثه إن كان له، وإلاّ فلجنسه، وإن غير عتقاء؛ وإن لم يصح له جنس تصدّق به. (4/277)
صفحة 1862
وقيل: من أعتق عبدا لله فلا يستعمله وإن بأجر، ولا ينتفع به لدنيوي وإن قلَّ؛ وقيل: إن كان في استعماله فيه مصلحة له كالأجر فلا بأس، وقيل: يجوز له منه ما يجوز من الأحرار.
ومن باع حرّا وأعتقه مشتريه ثمّ تاب فإنّه يردّ ثمنه لمشتريه؛ فإن أبى منه دفعه للمعتق فإن لم يجده أعتق مثله وعليه أن يجتهد في تخليصه من ربقة العبودية بما عزّ أو هان ولو في البحر حتّى يجده أو يموت هو في الطلب أو المبيع فيعتق مثله ويدفع إلى وارثه ما باعه به.
ومن باع حرّة ثمّ تاب وقد ولدت مع مشتريها أولادا لزمه أن يفديها وأولادها.
أبو علي: من أعتق غلاما ثمّ باعه فاستخدم إلى أن مات فعليه لوارثه ديته اثنى عشر ألف درهم إن كان له وارث، وإلاّ فلجنسه المعتقين؛ وقيل: يلزمه عتق مثله، وأجر استعماله بعد عتقه لوارثه أيضا؛ وإن مات من العمل لزمته الدية والعتق (111) والأجر له أيضا.
ومن أعتق جاريته ليرضي بذلك زوجته فله أن يتزوّجها؛ وكره له إن أعتقها لله.
واختلف فيمن أقرّ أنّ والده أعتق غلامه ثمّ باعه ثمّ مات أبوه قبل أن يخلّصه من الرق، فقيل: يلزمه من إرثه منه، وقيل: لا يحكم عليه به إذا لم يوص به أبوه، وشبّهوا ذلك بالحقوق اللازمة له، وولده يعلمها عليه، ولم يعلم أنَّه قضاها حتّى مات، فقيل ــ كما مرّ ــ هي في ماله حتّى يصحّ عنده أنّ أباه قضاها، وقيل: إن أمكنه خروجه منها في حياته لم يلزم ولده منها شيء إلاّ إن أوصى بها. (4/278)
صفحة 1863
الباب الثالث والثلاثون
في بيع الحيوان وما يجوز منه (112) وما لا يجوز
ويكره ــ قيل ــ بيع بعضه ببعض نسيئة إن كان من صنف. أبو عبد الله: لا بأس ببيع البعير بالشاة نسيئة. أبو سعيد: لم يجز بعض بيع الحيوان ببعضه نسيئة من أي الأنواع كان اختلف أو اشتبه؛ وأجازه بعض إن اختلف كبعير ببقرتين وبقرة بشاتين ونحو ذلك على ما اتّفقا عليه، لا لحم بلحم نسيئة، لأنَّه طعام، والخلف فيه بسمك بها، قيل: يجوز إذا شرط صيدا ووزنا أو كيلا معلوما، وقيل: لا، وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم عن بيع حيوان بحيوان بنسيئة؛ أبو عبد الله: نعم إن اتّحد النوع. وقد روي: أنّ عليا باع بعيرا ببعيرين فقال له المشتري: ادفع لي البعير حتّى أبعث لك بهما، فقال علي: لا تفارق يدي خطامه حتّى تأتي بهما، وبه قال ابن عمر.
ولا يجوز بيع لحم بقر بلحم غنم ونحوهما من الأنعام أو الطير نسيئة وزيادة، ولا بأس بذلك يدا بيد ولو وزنا بعشرة، وكذا في اللبن؛ ولا بأس في بيع بعير ببعير وعشرة دراهم أو ثوب ويكون البعير يدا بيد، والدراهم أو الثوب أو غيرهما نسيئة؛ وما شاكل ذلك في الصفة والجنس والحجّة [174] والدليل والعلّة فهو مثله في البيوع؛ وشدّد بعضهم في مثله ولم يجزه ويكره بيع لبن الشاة كلّ شهر بكذا وكذا (113) لأنَّه من الغرر ولا يجوز.
واختلف في بيع الدواب في مغيبها، فقيل: إن عرف المتبايعان ما تبايعا فيه (114)، ثمّ لم يجداه متغيّرا عمّا عرفاه فالبيع تام؛ وإن وجداه متغيّرا عنه جاز النقض لكلّ منهما. والأكثر على أنّ بيع الحيوان لا يثبت إلاّ بمحضره أو بالمتاممة بعد قبض مشتريه.
وجائز لبائع الشاة استثناء ما في بطنها إن نفخ فيه الروح، وإن استثنى ما فيه من شحم أو غيره، فقيل: جازا معا، وقيل: يجوز البيع دون الاستثناء، لأنَّه من المجهولات.
ولا يجوز شراء لحم شاة أو غيرها قبل الذبح، ولا ما في بطنها غير الشحم. (4/279)
صفحة 1864
ومن باع شاة وشرط للمشتري أنَّها تحلب كلّ يوم مكوك لبن فحلبت أقلّ أو أكثر، فقيل: البيع تام، وقيل: منتقض، لأنَّه يمكن أنَّها (115) كذلك عند البائع، وأمّا على هذه الصفة فلا يمكن (116) لأنَّه شرط وقع على غائب.
ومن باع لرجل دابّة وسلّم حبلها بيده ليقودها به فحكمه للبائع حتّى يشترطه.
ومن أراد أن يبيع على رجل دابّة فباع له الحبل الذي تقاد به وعقد ضميرهما عليها وإنّما عقد البيع عليه خوف أسباب النقض والمخاصمة في الدابّة وأبى البائع أن يسلّمها إلى المشتري في الحكم فالبيع واقع على الحبل وثابت ذلك على المشتري، ولا نحبّ له في الاِطمئنان، لأنّ أساس البيع والإرادة على الدابّة.
ومن اشترى دابة عليها سرج أو أكاف أو نحوهما من الآلات ولم يشترطه أحدهما فهو للبائع في الحكم، وللمشتري أخذه والانتفاع به ما لم يطلبه البائع، وأمّا على العادة والاطمئنان فعلى سبيل ما كان في الوقت عند العامة.
ابن قريش: يجوز بيع الرخم والنسور والثعالب (117) لا غيرها من السباع؛ وجاء الأثر بجواز شراء العروض والحيوان ممّن هو بيده، ولو يقرّبه لغيره، أو يعرف له إذا ادّعى أنَّه اشتراه أو ورثه أو وهب له أو أمر ببيعه ما لم يعارضه من هو له؛ فإن عارضه فيه وقال أنَّه لم يأمره به، أو لم يبعه له أو يهبه إيّاه، فقيل: إنَّه لا يجوز، وقُبل قول ربّ المال، وقيل: جائز حتّى يصحّ كذب المدّعي، لأنَّه في يده، ولأنَّه المتعارف في العروض والحيوان ونحوهما.
وروي أنّ من اشترى شاة مصراة خيّر في ردّها وصاعٍ من تمر لما حلب من لبنها، وفي إمساكها؛ وقيل: يردّ قيمته وما كان، ولا عليه إن ردّها قبل حلبها إذا صحّ أنَّها مصراة، وقيل: لو حلبها وصحّ عيبها فإنّه يردّها، ولا عليه فيما حلب لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «الخراج بالضمان». أو قال: «الغلّة بالضمان».
وجاز بيع الصوف والشعر والوبر على الدواب ليجزّ من حينه، لأنَّه مرئي؛ وإن بيع عليها فإن وقع على الوزن فجزّه على البائع؛ وإن بيع مجازفة فهو على المشتري. (4/280)
صفحة 1865
ومن باع لآخر مثله بيعا فاسدا فطلبها فوجده قد ذبحها فهو مخيّر في لحمها وإعطاء المشتري عناءه، وفي أخذ قيمتها بالعدول، وفي أخذ ما بلغ ثمن لحمها.
ومن باع لرجل بقرة وشرط عليه أن يجرّها للزجر فإن رضيها أخذها، وإلاّ ردّها، فلمّا صارت على الجبّ تلفت فلا شيء على آخذها، إلاّ إن شهد عدلان أنَّه حمّلها فوق طاقتها.
واختلف فيمن اشترى شاة أو غيره فوجد في بطنها صوغا أو درّة أو غيرهما من الجواهر التي ليست من جنسها، فقيل: إنَّه للبائع إن عرفه، وإلاّ فكاللقطة، وقيل: مثلها والبائع كغيره فيه.
واختلف في بيع الجزء من الدابة كنصف أو نحوه، فقيل: يجوز إن حضرت عند الصفقة، وقيل: لا، لأنَّ قبضه منها حيّة متعذر.
وإذا وعد قوم رجلا أن يشتروا منه لحم جمله أو شاته على وزن معلوم بدراهم، فلمّا ذبحها كرهوا أن يأخذوا منه، فقيل: فيه جهالة، لأنَّه لا ينظر إليه، وقيل: يلزمهم ثمنها إن ذبحها برأيهم.
ومن باع ــ قيل ــ شاة للمجوس يطرحونها في النار فلا بأس به.
ومن اشترى ــ قيل ــ حيوانا شراء صحيحا ثمّ استقال أحدهما صاحبه في مغيب المبيع فالإقالة لا تجوز في غيبة الحيوان، لأنَّها ــ قيل ــ بيع.
ومن أكرى دابّته (118) إلى وقت معلوم فلا يثبت بيعها لغير مكتريها إلى انقضاء الوقت؛ وإن أحضر له المكري مثلها أو خيرا منها فقال له (119) المكتري: لا أرضى إلاّ بها فذلك له.
ومن اشترى دابة بها داء لم يعلم به فأرادها حين علم به، فماتت قبله فله الأرش، وتلفت من ماله.
ومن باع نصف شاة ولم يقل: سهما من سهمين جاز، لأنّ الحيوان ليس كالأصول، فإنّها لا يثبت فيها بيع حتّى يقول: سهم من كذا سهمٍ، ولا على ثلث ونصف حتّى يميّز ذلك. وقيل [175] أيضا في الحيوان: إنّ ما زاد على النصف لا (4/281)
صفحة 1866
يجوز حتّى يميّز سهاما، وقيل: يتمّ عند المتاممة وينتقض عند المناقضة إن كان أقل من النصف ولم يميّز سهاما.
ومن اشترى دابة على أنَّه مخيّر فيها فإن رضيها أخذها وإلاّ ردّها وقد عيّنا لها ثمنا فوجد فيها ربحا فباعها، فإن كان أجمع على أن يأخذها قبل أن يبيعها فالربح له، وإلاّ فهو للأوَّل؛ وإن ماتت بيده قبل أن يردّها فهي في ماله؛ وإن لم يعيّنا لها ثمنا وماتت فهي من مال البائع.
ومن لقي رجلا ومعه شاة، فقال له: بكم هي؟ فقال: بعشرة، فوزن له الثمن وقبض الشاة، ثمّ أراد ردّها، فما لم يقع البيع بالكلام فلكلٍّ أن يرجع، ولو ذبحت كما مرّ.
ومن اشترى عجلا أو غيره وتركه تحت أمّه حتّى زادوا وأراد البائع النقض فلا يجده إن لم يكن له موجبا غير الزيادة.
ومن باع دابة على أنَّها إن كانت حاملا فبكذا وإلاّ فبكذا فلا بأس.
ومن باع لأحد جملا أو حمارا وشرط أنَّه يحمل بهارا فلم يحمل عنده بهارا فلا رجوع له على البائع إلاّ إن شرط أنَّه يحمل بهارا في المستقبل لإمكان أنَّه حمل بها بهارا فيما مضى. (4/282)
صفحة 1867
الباب الرابع والثلاثون
في عيوب الدواب
أبو سعيد: جاء الأثر عنه صلّى الله عليه وسلّم: أنَّه لا يحمل على الجلالة، ولا يحجّ عليها، ولا يشرب لبنها، ولا يجوز بيعها، ولا ينتفع بثمنها، ولا بشعرها إن عرف المتبايعان أنَّها جلالة؛ وإن حبست حتّى ذهب منها ذلك جاز منها ما جاز من غيرها، وقد مرّ ذلك.
ابن أحمد: من اشترى دابّة فوجدها معيبة ثمّ استعملها بعد العلم فله الأرش لا الردّ إن صحّ أنّ العيب كان عند البائع، أو ممّا لا يمكن حدوثه عند المشتري. واختلف في استعمال الدابّة لها بعد العلم بدائها كركوب حمار ليسقيه، أو فرس ليهرب بها، إن خاف عليها، وحمل العلف على جمل له ... أو نحو ذلك ممّا يعود النفع فيه إلى الدابّة، فبعض رآه استعمالا ولم يرخّص له في الردّ، وبعض أجازه ولم ير ذلك استعمالا؛ وإن ردّ قبل استعمال وقد عمل عليها وعلفها قبل علمه بالعيب، فقيل: يردّها ويقاصص بما علف وبما استعمل، وقيل: لا مقاصصة عليه، لأنَّها لو تلفت بيده كانت من ماله، والغلّة بالضمان، وكذا الركوب واللبن. (120)
أبو سعيد: ممّا تردّ به الدابة: الدعار والعثار، والركاض والعضاض، والقماض والرباض، وفي النفار قولان؛ والوسم من داءٍ عيبٌ، لا إن كان علامة أو زينة كما مرّ، ولا إن اِلْتأم وزال أثره من الظاهر والباطن؛ وإن بقي له أثر في الباطن فلا بدّ من تعريفه عند البيع، لأنَّه عيب، وربّما ضرّ بالجلد.
ومن اشترى دابة وأقرّ أنَّه عارف بعيوبها، فقيل: تلزمه بما فيها من العيوب، وقيل: حتّى يوقف على كلّ عيب ويذكر في موضعه؛ والوكال وهو أن تحبّ التأخر خلف الدواب، والفلج ــ بالجيم ــ وهو تباعد ما بين القدمين عيب، وقيل: لا، ولا إن أكلت الشاة المطاف الرطب؛ والبقرة إذا كانت لا تزجر فمعيبة؛ وقيل: لا في موضع (4/283)
صفحة 1868
يزجر فيه بعض البقر دون بعض حتّى يشترطه البائع على نفسه، ثمّ لا تزجر إلاّ إن صحّ أنَّها كانت تزجر عنده فليس عليه ذلك حجّة ــ أعني تركها الزجر عند مشتريها ــ وليست معيبة إذا لم تهمم، ولا الشاة إذا لم تأكل النوى؛ وإن أكلته وفلجته أشبه معنى العيب.
وتُردّ مرضعة لبنَها، والثور الذي لا يأكل النوى، والشاة التي لا تأكل الحشيش، فكلّ دابة لا تأكل ما هو من جنس علفها فمعيبة، وكذا الشموس وهي: المانعة ظهرها ولا تستقرّ للحمل عليها، والتي تخرط الحبل في يد قائدها أو ممسكها.
والنطاح عيب، كالدبر في ظهر الدابّة والعقال، والأسنان الزائدة أو الناقصة أو الواقعة والنابتة لا في محلّها ونحو ذلك. (4/284)
صفحة 1869
الباب الخامس والثلاثون
في المبيع إذا تلف قبل القبض أو بعده
فإذا تلف قبل أن يقبضه المشتري فمن مال البائع، وكذا إن حبسه حتّى يشهد عليه أو يوفّيه الثمن أو بقيته فنحو ذلك عليه، حتّى يتلف من يد مشتريه. وإن اشترى دابة ذلولا يقدر على قبضها فلم يقبضها من البائع حتّى عطبت فمن مال المشتري إن قال له: اِقبض دابَّتك، وقال له: دعها، وأبرأه منها فتلفت؛ وكذا كلّ ما اشتراه ممّا يقدر عليه كسيف وغيره من الأمتعة إذا نظر إليه وقدر على قبضه.
وإن اشترى ما لم يره، ثمّ تركه حتّى ضاع فلا يلزمه حتّى [176] يراه.
ومن اشترى عروضا أو حيوانا أو سلّم بعض الثمن ولم يقبضه من البائع وذلك من قبل أحدهما ثمّ تلف من يد البائع فلا يلزمه للمشتري ما سلّم إليه من الثمن، ولا هو للبائع ما بقي منه، لأنَّه كالرهن تلف بما فيه.
ومن ابتاع مكيلا أو موزونا فقال له البائع: خذ بيعك فإذا تيسّر ثمنه فأعطنيه، فقال له: لا آخذه حتّى أنقدك، فأشهد عليه أنَّه دعاه إلى قبضه، ثمّ هلك فمن مال البائع ما لم يقبضه، فإذا قبضه ثمّ ارتهنه البائع فمن ماله أيضا؛ وإن استودعه المشتري عنده فمن ماله إن كاله أو وزنه ثمّ استودعه إيّاه.
ومن اشترى جارية نظرها فماتت أو نالها ممّا ينقصها فما لم يقبضها فذلك من مال بائعها؛ وإن زادت أو ولدت فلمشتريها.
ومن باع شيئا إلى أجل فقال لمشتريه: إذا حلّ فاشتر لي من ثمنه كذا وكذا، فاشتراه له فضاع، قال: فهذا لا ينبغي حتّى يقبض البائع دراهمه ثمّ يردّها (121) له ويأمره بذلك وعليه فضياعه على المشتري والثمن لازم له، فليحرر. (4/285)
صفحة 1870
فصل
قد اشترى ــ قيل ــ موفّق بن غيلان من أعرابي شاة يمدحها له أنَّه يحلب منها مكوكا، فلم يجد ذلك فيها، فخاصمه إلى علي بن موسى فأمره بردّها فقال له علي بن عزرة: لعلّها كانت تحلب ذلك، قال: فقلت لأبي الوليد أنَّه اشتراها بمدحه إيّاها، فلا نرى على البائع البيّنة أنَّها تحلب مكوكا عنده، وقيل: إن اشتراها تحلب ذلك فيما يستقبل، فقيل: ينتقض البيع؛ وإن باعها أنَّها كانت تحلبه فلا بأس بذلك إن صدق ولا بيّنة عليه.
ومن اشترى شاة والتزم له البائع أنَّه إن لم يكن بها شحم فهي ردّ عليه فالبيع ردّ إن لم يوجد فيها شيء؛ فإن أكل اللحم أعطى ثمنه وطرح عنه قيمة الشحم وهي الزائد على ثمن اللحم، وقيل: البيع منتقض ولو وجد بها شحم (122)؛ فإن أكل اللحم ضمن ــ قيل ــ الثمن كلّه، وقيل: تلزمه القيمة.
ابن خالد عن مالك: من اشترى مكيلا أو موزونا أو معدودا كيلا أو وزنا أو عددا فهلك فمن مال البائع؛ وإن اشتراه جزافا فمن ماله؛ عزّان: إنّه من مال البائع حتّى يقبضه.
ومن اشترى معلوما على رضى فلان أو مشورته فأخذه ليريه إيّاه فمن ماله إن تلف لأنَّه مخيّر.
ومن اشترى غائبا يعرفه ثمَّ أصيب قبل قبضه، فإن أصيب بعد الشراء فمن ماله، وإن قبله فمن البائع. وفيما روي من أنّ الخراج بالضمان، قيل: هو في البيوع التي تردّ بالعيب، أو تكون فيها جهالة لا من جهة الربا، وإنّما هو من المنتقضة وتَسَع متاممتها، وهو المجتمع عليه.
واختلف في الربا ونحوه من الفاسدة، فقيل: إنَّه مضمون في يد المشتري، فإن تلف فمن ماله وله مستغلّه بالضمان، وقيل: هو ضامن له إن تلف وله من الغلّة بقدر ما عنى وغرم والباقي لربّه، وقيل: لا عناء له ولا ما غرم وعليه الضمان. وقيل: إنّ (4/286)
صفحة 1871
الربا بيده أمانة لا ضمان عليه فيه ولا غلّة له، لأنَّها (123) إنّما تكون به، وهذا أقرب إلى الإجماع، وله عناؤه، لأنَّه إنّما دخل فيه بجهل لا بغصب.
فصل
من باع طعاما بنقد وأبى مشتريه أن يدفع الثمن وبائعه أن يسلّم الطعام إليه حتّى تلف، فإذا تركه برأيه عند البائع فمن ماله، وعليه أن يدفع له الثمن؛ وكذا إن لم يطلب إليه تسليم الطعام حتّى تلف فمن ماله وعليه الثمن. وإن سلّم البائع السلعة إليه فليس له أن يرجع يأخذها منه وإنّما له طلبه بالثمن.
ومن اشترى دابة صعبة، فجاءها يأخذها فانكسرت أو تلفت فمن البائع حتّى يكون على قدرة من قبضها فتكون من ماله.
ومن اشترى عبدا فلم يقبضه فوجده قد تلف فهو من البائع.
ومن باع جارية وأنقد المشتري الثمن وجعلها على يد عدل حتّى تحيض فماتت، فمن البائع حتّى يسلّمها إليه؛ وكذا إن قال خفت أن تتبعها نفسي فإن تبعتها إلى عشرة أيّام أخذتها وجعلتها بيد أمين فماتت في خمسة فمن ماله.
ومن بعث معه رجل ألف درهم ليشتري له بها جارية فاشتراها له بخمسمائة فهو مخيّر في أخذها وتركها، لأنَّه خالف أمره؛ وما لم يخترها ويقبضها فتلفها على المشتري.
ومن اشترى غلاما أو دابة فجعل له الخيار إلى ثلاثة أيّام فمات ذلك فيها فمن ماله إن قطع مع البائع الثمن، وإلاّ فمن مال البائع.
ومن اشترى دابة بمعروف إلى أجل فماتت قبله لزمته قيمتها.
ومن اشترى ــ قيل ــ[177] من رجل دابة فقال له: بايعتني دابة سوء، قال له: فأنا أقبلها، قال: أفأقبضها؟ (124) قال: نعم، فتلفت قبل أن يقبضها البائع فمن مال المشتري حتّى يقبضها البائع منه. (4/287)
صفحة 1872
ومن قال لرجل اشتر غلام فلان بيني وبينك، فاشتراه منه ونقد الثمن فمات قبل أن يراه الآمر ويقبله فمن مال المشتري؛ وإن باعه المأمور فالربح بينهما والوضيعة عليه.
ومن باع لرجل درّة على أن يثقبها له فانكسرت عند الثقب فمن البائع.
وفي الأثر: ومن اتّفق مع رجل أن يشتريا سمادا بكيل معروف فقال لربّه: احمله إلى الضاحية حتّى أكيله منك، فحمله إليها فذهب به السيل، فإنّه على البائع؛ وكذا إن حمله المشتري برأي صاحبه على أنّ الكيل والبيع في الضاحية فذهب قبله فلا يضمنه المشتري.
ومن أخذا من تاجر ثلاثة أثواب على أنّ ثمن كلٍّ عشرة ويختار منها واحدا فتلفت من يده، فقيل: يضمن ثمن ثلث الثلاثة لا الباقي لأنَّه أمين. (4/288)
صفحة 1873
الباب السادس والثلاثون
في استحقاق المبيع بعد دفع المشتري الثمن ورجوعه
فمن اشترى من رجل عبدا بألف فقضاه به عروضا، ثمّ استحقّ العبد منه ثمّ تلف العروض عند البائع أو قام بعينه فإنّه يردّ عليه الألف. وكذا من تزوّج امرأة على ألف ويهدي طعاما ومتاعا ثمّ افترقا، فإن كان أصل المهر دراهم فليردّ عليه الدراهم إلاّ إن شرط قبل الفرقة أن يردّ عليه المتاع، وقيل: إذا جاز البيع والنكاح وثبت على دراهم فأعطى بها عروضا ثمّ استحقّ المبيع من يده فإنّما يرجع بالثمن على البائع، وقيل: بما دفع، وقيل: بما عقد على نفسه، واختير أنّ عليه ردّ ما قبض، لأنَّه إنّما استحق ما سلّم في هذا البيع. وكذا إن جاز النكاح ولم يبطل أصله أيضا، وإن بطل هو أو البيع فإنّما يرجع بما دفع من العروض أو مثله اتّفاقا.
ابن محبوب وهاشم: من اشترى من رجل دابة بمائة فأعطاه بها عشرة أجربة، ثمّ أدرك في الدابة أو اطّلع على عيب فيها فردّها وقد صار الجراب يسوى عشرين فلا له إلاّ دراهمه.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل صغيرا بمائة ثمّ استحقّ منه بعد أن صار رجلا يبلغ ألفا، فإن التزم البائع على نفسه الشروى لزمه ثمنه يوم انتزع أو مثله، وإلاّ رجع عليه بالثمن الذي اشتراه به، وكذا المال.
ابن محبوب: من باع لأحد حمارا بعشرين فأعرض منه سيفا بعشرة ثمّ ردّ الحمار بعيب به ولم يره فتراددا فجاء وقد صقل السيف وطلب ثمن الصقالة فلم ير (125) ذلك ابن محبوب، فقيل له: كيف لا يكون السيف لمن اعترضه؟ قال: لا، إلاّ هو بعينه أو قيمته إن لم يقدر عليه لفساد أصل المعاملة، ففسد الكلّ إلاّ إن اشتراه منه شراءً صحيحا بعشرة فهو له ويردّ على الآخر عشرة. وكذا من اشترى ثيابا فقصّرها ثمّ فسد البيع لا يكون له كراء؟ قال: نعم. (4/289)
صفحة 1874
الباب السابع والثلاثون
في الدرك في البيوع وغيرها
أبو علي: من باع مالا لرجل فأدرك منه بشيء ثبت باقيه بيده بقيمة العدول ولا ينتقض البيع إلاّ إن أدرك بطريق أو ساقية؛ وكذا بما تكون به المضرّة على المبيع كلّه فإنّه يفسد البيع. وكذا من اشترى من رجل ثيابا أو عبيدا أو نحوهما ممّا يكون لكلّ منها ثمن فأدرك في بعضه، فإنّه يرجع عليه بقيمة ما أدرك فيه وثبت الباقي، وقيل: ينتقض البيع كلّه. وإن توحّد النوع كعبد أو سيف فأدرك بجزء منه فله نقضه، لأنّ مثله لا ينقسم ولا يتجزّأ.
وإن اشترى أرضا وفسل فيها وعمّر ثمّ استحقّت منه بعدما استغل منها فإنّ مستحقّها يأخذها ولا شيء له من الغلّة، إلاّ إن كانت مدركة يوم البيع ومشروطة فيه للمشتري فتكون تلك له، ويرجع المشتري على البائع بالثمن وبقيمة عمرانه يوم استحقّت منه الأرض على مستحقّها.
وكذا إن اشترى أمة فولدت أولادا فمات بعضهم أو استغلّ منها ومنهم، ثمّ استحقّت منه فلا شيء عليه فيمن مات منهم، ولا من غلّتهم ولكن يأخذها وباقيهم مستحقّها ويرجع المشتري على البائع بما دفع، ولا شيء عليه من قبل الأولاد.
ابن أحمد: من اشترى أصلا أو حيوانا ثمّ استحقّ منه فلا يرجع على البائع حتّى يحضر بيِّنة عند الحاكم أنَّه استحقّ منه بها عنده؛ وإن اشترى (126) ولم يعرف فساد الأهل بغصب أو سرق، فقيل: إنَّه إذا أدرك فيما اشتراه وقد استغل منه فإنّه يردّ عين الشيء ولا عليه في الغلّة، لأنَّها [178] بالضمان، ولأنَّه استغلّ بسبب الشراء لا بغصب، وإنمّا يرجع المدرك على السارق والغاصب، والمشتري على البائع بالثمن، وثبتت الغلّة له كما مرّ، وقيل: إذا صحّ الغصب أخذ المستحق الغلّة منه أيضا، ويرجع بها على البائع أيضا، لأنَّه المتلف عليه ذلك، وقيل: لا يرجع عليه بها إلاّ إن قال له: (4/290)
صفحة 1875
أنَّه له أو أمر ببيعه وإلاّ فلا ضمان عليه فيها؛ وقيل: إنّ المدرك يدرك الأصل، وأمّا الغلّة فليست على واحد منهما، لأنّ البائع إنّما أتلف الأصل لا الغلّة فيلزمه ما أتلف، ولأنّ المشتري استغلّ بالشراء، ولأنَّها بالضمان، واختير أن يكون على من صحّ عليه الغصب ولو فيها.
وإن تبادل رجلان حمارا بحمار ثمّ استحقّ أحدهما وقام الآخر فإنّه يردّ عليه الذي بادل به؛ وإن تلف فعليه قيمة المستحقّ؛ وإن باع أحدهما ما بودل به فاستحقّ المبدل منه فإنّه يرجع بقيمة ما هو بدل منه.
بشير: كلّ من استحقّ منه مال قد أكله بسبب فإنّه لا يحكم عليه بالغلّة، وإنّما تلزم الغاصب، وقيل: تلزمه وغيره. (4/291)
صفحة 1876
الباب الثامن والثلاثون
في الإقالة في البيع والسلف وفي الغلّة قبلها
فإذا طلبها المشتري من البائع فأقاله فهلك المبيع عنده قبل أن يوصله إليه فمن ماله، إلاّ إن قال له البائع: قد أقلتك فيه، وقال له: قد أسلمته إليك، فمن مال البائع.
أبو الحواري: من باع لأحد دابة ثمّ اختلفا في الثمن فقال له البائع: أقالك الله ولم يحضر (127) الدابة ولا تمسك به مشتريها جازت الإقالة وإن غابت (128)؛ وقيل: ليس ذلك بإقالة؛ ولا إن قال له: الله أقالك، اتّفاقا؛ وإن قال: أقلتك، أو أقيلك، ثبتت بذلك.
ومن اشترى من رجل دابة فولدت عنده ثمّ أقاله فيها، فقيل: يردّها وأولادها، وقيل: ما وقع عليه البيع فقط، لأنَّها ــ قيل ــ فسخ الأوّل، وقيل: إنّها بيع ثان. وكذا من اشترى أرضا وفسلها وأقال البائع فيها، فقيل: هي كالدابّة في الخلف، وقيل: تفارقها.
واختلف في شرط القبول بالعوض على الإقالة فأجازه قوم دون آخرين، مثل من باع لرجل متاعا ثمّ ندم فقال لصاحبه أعطيك عشرة دراهم أو أقلّ أو أكثر وخذ متاعك، فقيل: مكروه، وقيل: جائز، لأنَّه لم يلزمه أن يردّه عليه بعد أن استحقّه إلاّ بما يريد، فإن شاء أقاله وأخذ ما شاء، وإن شاء ترك، واختير الأوّل. وإن طلبها البائع من المشتري فله أن يزداد عليها شيئا من البائع، وإن طلبها منه المشتري على أن يردّ عليه شيئا فالخلف السابق.
أبو الحواري: من قال لرجل أحبّ أن تقيلني في الدراهم التي سلفتني إيّاها، فقال: أقلتك وفسخت عنك السلف، ثمّ سكتا ولم يعطه شيئا فلمّا جاءت الثمرة قال: اِعطني حقّي، فقال له: أنت أقلتني، فقال: أقلتك ولم تعطني وأنا راجع عليك، فهذه إقالة تامة وقد انفسخ السلف ولا له إلاّ رأس ماله. وقال أيضا: من باع لرجل حبًّا أو (4/292)
صفحة 1877
تمرًا (129) أو علفا كتبن أو قصب ثمّ طلب الإقالة، فقال له المشتري: لا أقيلك إلاّ إن أبرأتني ممّا أذهبت منه، وكان نحو نصفه أو أكثر أو أقلّ، فقال له: أبرأتك منه، ثمّ رجع يطلبه منه فقد أبرأه، ولا شيء له عليه إن عرّفه ما أذهب منه، وإلاّ وطلبه البائع انتقضت الإقالة ورجع على المشتري بتمام الثمن، إلاّ إن قبل ما بقي ولا يرجع على المشتري بشيء فله ذلك إذا أقاله.
ومن اشترى ــ قيل ــ متاعا ثمّ ندم وردّه إلى صاحبه ولم يقبله باللفظ وصار المال والثمن عند البائع وقال: قبلت ما رددته والثمن لي لأنّي لم أقلك، فقيل: إن ثبت البيع فالإقالة لا تكون إلاّ بلفظ يوجبها، وليس قبض البائع المال إقالة منه في الحكم، ولا له فيه إلاّ الثمن حتّى يتّفقا على إقالة البيع، وهي ممّا ندب للمؤمن لما روي: «رحم الله تاجرا أقال أخاه المسلم، رحم الله تاجرا نصح له في بضاعته».
أحمد بن محمّد: من اشترى عبدا فاستخدمه، أو مالا فاستغلّه، ثمّ استقيل فيه؛ فإن طلبها هو لزمه أن يردّ الغلّة؛ وإن طلبها البائع ولم تكن له لموجب الخراج بالضمان.
ومن باع ــ قيل ــ لرجل سلعة إلى أجل ثمّ استقاله فأبى أن يقيله، فهل له أن يشتريها منه إلى أجل؟ قال: لم أحفظ فيه شيئا، ولكن أكره أن يبيعها بتأخير أيضا، وقيل: إن لم يتشارطا في ذلك جاز أن يبيعها له وإن بنسيئة ولا بأس به. (4/293)
صفحة 1878
الباب التاسع والثلاثون
في الغبن في البيوع
أبو المؤثر: كنتُ عند ابن محبوبٍ فسأله رجلٌ عن مشتر مالا من امرأة بخمس مائة وهو ويسوَى ألفا، حسب أنَّه أخبرها بما يسوى، وهي لا تعرف المال وقد غاب عنها ولم ترجع تطلب شيئا حتّى ماتت فقال ابن محبوب: البيع تام إذا لم ترجع إلى أن ماتت.
[179] محبوب: خرج أبو عبيدة ذات مرَّة إلى مكَّة ومعه سابق العطَّار، وكان من الأخيار، فبينما هم نزول يوما، إذ وقفت عليهم أعرابية بلبنٍ وسمنٍ وجديٍ فاشتراهم منها سابق بقارورة خلوق وقلادة، فأتى باللّبن إلى أبي عبيدة، فقال له: أخرج عنّا لبنك، فقال له: ولم؟ فقال: ويحك كم ثمن القلادة؟ فقال دانق أو نحوه، وقال كم ثمن القارورة؟ قال: كذلك، وقال: ويحك الغبن للعشرة اثنان أو خمسة وللدرهم درهم مثله فأمّا مثل هذا فلا، فأرسل سابق إلى الأعرابية فجاءته، فقال لها أبو عبيدة كم ثمن اللّبن عندكم؟ قالت: لا ثمن له، فكم ثمن السمن؟ قالت: درهمان وكذا قالت في الجدي فدفع إليها سابق أربعة دراهم فقال له: هلمّ لبنك الآن يا سابق. أبوسعيد: الغبن الفاحش لا يجوز على الصبيان، ولا على البالغين في البيوع، وحدّ الفاحش مالا يقع في مثله التغابن بين النّاس وكذا في القسمة إذا كانت في القرعة وإن كانت بالمخايرة فالخلاف أيضا. وقيل: إذا وقع البيع بين بالغين عاقلين عالمين بما تبايعا وكان في حلال ثبت إذا تراضيا وقيل: ينظر العدول في الغبن فإن قالوا لا يقع بين النّاس في مثل هذا انتقض البيع والقسم، وقيل: أنَّه في العروض من الثلث إلى الربع وفي الأصول من الخمس إلى العشر وذلك ما قيمته ألف فيباع بتسع مائة إلى خمس مائة وهذا خلافهم في الأصول وأمّا في العروض فما قيمة ثلاثة دراهم فيباع بدرهمين أو أربعة فيباع بثلاثة (4/294)
صفحة 1879
وكذا في الزيادة إذا زاد الثمن على القيمة على ما ذكر في النقصان، وقيل: لا ينتقض البيع بالغبن.
ابن محبوب: لو باع لرجل رسن حمار بألف درهم لجاز عليه وإذا مضى البيع سنة فلا يردّ به. ابن روح: من باع لرجل مالا بمائة درهم ثمّ عرض له بها سيفا أو خاتما أو بغلا وقد علما أنَّه يسوى درهما ثبت ذلك إذا كان في غير اضطرار لما روي: أنّ أبا الزجّاج اشترى من المنافق نخلة بألفي أصل من النخل فثبّت ذلك على هذا الرسول صلّى الله عليه وسلّم. ومن ادّعى الغبن لزمه البيان والمنكر له اليمين. (4/295)
صفحة 1880
الباب الأربعون
في بيع الغائب والمجهول
فإذا أقرّ المتبايعان بمعرفة الشيء جاز، قيل: بيعهما فيه ولو غاب عنده ولا لهما نقضه وإن أقرّ مشتريه بها وهو جاهل به فله على بائعه يمين ما علم أنَّه اشتراه منه جاهلا به؛ وكذا لبائعه عليه إلاّ الحيوان فإنَّ بيعه قيل: لا يثبت حتَّى يحضر ولو أقرَّ بمعرفته، وقيل: يثبت إن عرفاه إلاّ إن وجده المشتري ناقصا عمّا عرفه أو البائع زائد عنه وطلب نقضه فله وكلُّ ما لا تحيط المعرفة بجميعه كالأطعمة في الأوعية إذا وقفا على معرفة ما ظهر منها جاز بيعها إلاَّ إن خرج خلافه جودة أو رداءة جاز نقضه لمن أراده. وكذا بيع الجرب المكنوزة إذا لم يخرج خلاف ما ظهر منها فهو جائز كبيع الغزل المكبوب إن لم يخرج مخالفا لظاهره.
أبو الحواري: من باع لرجل تمرا أو حبا أو سمادا ولم يكله ولم يقبضه المشتري وإنّما رآه مجموعا كحبّ مصبوب أو تمر على دعن مسطاح ثمّ نقض أحدهما بيعه فإن باعه له جزافا وقد وقفا عليه معا ونظراه فقد تمّ ولا رجوع فيه لأحدهما إلاّ إن خالف باطنه ظاهره فلهما حينئذٍ نقضه أو إتمامه. وإن باعه له بكيل وقال أبيع لك هذا على كذا وكذا فلهما الرجوع فيما لم يكله لا فيما كاله كما مرّ والمختار الأوّل وقيل: منتقض لأنَّه لم يعرف كم ذلك بالكيل ويقول ظننت أنَّه جري فإذا هو أكثر أو أقلّ، وقيل: لا يثبت إلاَّ قدر ما نقد من الثمن، وقيل: لا ما لم يتَّفقا عليه بالكيل. والقول بأنّ النهي قد جاء عن بيع مكيل موزون حتّى يكال أو يوزن ليس بحجّة لصاحبه وإنّما جاء في المرابحة لمن اشترى ذلك ثمّ يبيعه من أحد يربح قبل كيله أو وزنه إذ ليس له ربح ما لم يضمن.
أبو الحسن: من باع لرجل شيئا من ماله عارفا به لا مشتريه، فرجع البائع عليه بأنَّه باع له ما لم يعرفه فقال له: أنت بعت ما تعرف وأنا اشتريت ما لم أعرف وقد (4/296)
صفحة 1881
رضيته فالمختار أنّ للعارف من النقض ما للجاهل [180] وهو قول الشيخ وابن محبوب. وقيل: إذا رآه الجاهل وقبضه ورضيه بعد علمه ثبت على العال، وقيل: ولو لم يعرفه إذا رضي به ولم ينقض البيع لا نقض للعالم به حتّى يراه الجاهل به ويعرفه فإن أتمّه حينئذٍ إلاَّ انتقض، وقيل: لهما معا نقضه ما لم يتمّاه بعد أن يعرفه الجاهل ويرضى كلّ منهما ذلك.
ومن باع لرجل مالا فاستعمله وعمّره ثمّ ادّعى جهلا بما باع وطلب النقض جاز له ولا شيء له في الغلّة وعليه لمشتريه قيمة ما عمّر فيه جاز، قيل: أن يشهد على بيع عبد غائب على الصفة. أبو سعيد: جاء الأثر أنّ من قدّم رجلا دراهم بمكيل أو موزون من الطعام ولم يسمياه سلفا وإنّما قصدا به الشراء إلاّ أنَّه لم يحضر الطعام فهو من البيوع الفاسدة ولهما أن يتماه بعد أن يبصراه ويقبض. (4/297)
صفحة 1882
الباب الحادي والأربعون
فيمن اشترى سمكة فوجد فيها لؤلؤة وكذا الصدفة
ابن بركة: إن وجد مثمنة أو مثقوبة فكاللقطة ــ كما مرَّ ـ وإن كانت مدحرجة ولا علامة ملك عليها فإنّها عند أصحابنا لمشتري السمكة، واختار هو أنَّها للبائع لأنّ البيع لم يقع عليها عنده أحدهما ولا هي من جنس المبيع فتنفعه قلت وللّه ذره ما أطول باعه في الأصول وأدقّ نظره في المعقول والمنقول قال: وإن اشترى صدفة فوجد فيها ذلك فهي وما فيها له عندهم وفي نفسي أيضا ما مرّ لوقوع البيع على الصدفة بثمن قليل، واللؤلؤة قد تسوى كثيرا ولم يعلما بها ولم تدخل فيه فإنّه بيع لا يتغابن بمثله ويخرج إلى إضاعة المال المنهيِّ عنها وإنَّما تبع الأمة ما في بطنها من الولد لأنَّه من جنسها ولو لم يعلما به وكذا في الدواب. الضمان للمشتري ولرب الدابة إذ لا يجوز للبائع الأمين أن يصدّقه في ثمنها بلا وزن وبلا نظر كما مرّ. (4/298)
صفحة 1883
الباب الثاني والأربعون
في البيع الذي فيه النقض ومات المتبايعان أو أحدهما
وقد اختلف في بيع كذلك ويتمّ إن أتماه ووقع الموت قبل إتمامه، فقيل: الموت ثبوت ولا حجّة للوارث في نقض ولا إتمام، وقيل: لا، وله لموروثه وهذا في البيوع الغير الفاسدة.
ومن باع ــ قيل ــ أمَةَ أخته أو أمّه أو غيرهما فغيّرت عليه ثمّ أخذت عليه شيئا من ثمنها بعد فقبضها شيئا منه إتمام لبيعها ولا رجوع لها فيها إن أخبرها أنَّه من ثمنها؛ فإن قالت: حسبته عليّ قرضا فلا ينصت إليها إلاّ إن أعطاها قرضا. (4/299)
صفحة 1884
الباب الثالث والأربعون
في ثمرة ما انتقض بيعه
فمن باع لرجل صرمة أو غيره فتركه تحت أمّهاتها إلى أن حمل فالبيع ــ قيل ــ فاسد، وقيل: صحيح، والثمرة للفقراء، وقيل: إن أتمّه البائع فهي للمشتري؛ وإن نقضه البائع فهي له.
هاشم ومسبِّح: من اشترى زرعا علفا فأدرك وبلغ فيه النصاب فزكاته على بائعه، إلاّ إن اشترط على مشتريه أنَّه إن بقي منه ما يكون حبّا فعليك زكاته.
أبو علي: إن أدركت الثمرة لزمت البائع وإلاّ فالمشتري.
الربيع: من اشترى شجرة ليتّخذ منها حطبا فشغل عن قطعها حتّى أثمرت؛ فإن شرط أن يدعها في أرض البائع فهو مكروه وثمرتها للفقراء لا لواحد منهما، وإلاّ ورضي بتركها فيها حتّى أثمرت فإنّها لمشتريها. أبو الحواري: إنّها للبائع والبيع منتقض. (4/300)
صفحة 1885
الباب الرابع والأربعون
في الغشّ في المتاع والعروض
أبو المؤثر: يكره خلط الحادث بالقديم فيباع كما مرّ. فمن حمل طعاما في الندا فزاد في الزيادة تحطّ عن مشتريه، وكذا المطر والغبار إن زاد منه في كيل أو وزن؛ وإن أخذه على ذلك ثمّ أراد الرجوع جاز له إن كان يختلف.
ومن غسل تمرا فجلبه إلى السوق ليحسن لونه فباعه بزائد فإنّه يسعه وليس بغشّ، لأنَّه تغيير الصورة وقلب اللّون على ما هو عليه؛ وإن أراد به الغش وغيّره عن حاله كان منه وعليه ضمان زائد الثمن فيه؛ وإن كان يثقل إذا غسل كان غشا أيضا وضمن الزائد؛ وإن غسله من نجس فحسن لونه فباعه جاز ما لم يرد به غشا ولا زيادة وزن؛ وقد يكون مثل هذا تزيينا لا غشا.
ومن باع حبّا فيه تراب أو حصى أو سوس فليس ذلك بغشّ إلاّ إن جعل هو فيه ذلك عمدا ليكثره به، وإن كان فيه ذلك ونظره المشتري فاشتراه على ظاهره فله أخذ الثمن منه، وجاز له فيه البيع على ذلك، وإنّما الغش أن يقصد جعل ذلك فيه ليكثره به. (4/301)
صفحة 1886
الباب الخامس والأربعون
في حمل المبيع وشرطه
فإن اتّفق رجلان على بيع سلعة بثمن معلوم على أن يوصلها بائعها لمشتريها إلى معلوم عرفاه، فقيل: منتقض لأجل الشرط، وقيل: إنَّه أجرة وبيعها على معروف ثابت، وقيل: ثابت والشرط باطل. ولو أنّ نزويا باع لرجل حبّا في نزوى وشرط عليه حمله إلى إزكي وقد [181] عرفاها فبعض يراه من الربا وبعض يراه منتقضا لأنَّه شرطان في بيع؛ وإن اتّفقا أنّ الثمن كذا والكراء كذا جاز.
ومن اشترى من رجل جرابا تمرا ثمّ تقايلا بعد أن نقض الجراب، فقيل: إنّ الإقالة بيع، وعلى البائع الأوّل أن يحمله؛ وإن فسد البيع بموجبه اختير أن يكون ردّه على حامله، وقيل: على البائع إن حمله برأيه، وإلاّ فعليه ردّه إلى البائع إلى حيث حمله منه فسد البيع وانتقض؛ وإن ردّه بعيب بان فيه، فإن أذن له البائع بحمله لزمه الخروج إليه وأخذه، وإن حمله برأيه هو فعليه ردّه كما مرّ.
وفرّقوا في البيع على من هو من أهل البلد وعلى الغرباء الحاملين للمبيع إلى غيره، فمن كان من أهله فلا يجوز له حمل ما اشتراه إلى غير البلد إلاّ برأي البائع؛ وإن حمله لا به ونقض البيع بموجبه لزمه ردّه إلى البائع؛ وإن حمله برأيه إلى معروف ونقض بذلك، فعلى البائع حمله منه، وقد مرّ. وإن كان المشتري من الغرباء فله أن يحمله إلى حيث شاء على المتعارف فإن وجب النقض فعلى البائع حمله من حيث كان، إلاّ إن شرط عليه ألاّ يخرج به من قريته فيلزمه ردّه إلى البائع كما مرّ.
هاشم: من باع لرجل دابة وهو من غير بلده وشرط عليه البائع: أنّك إن لم تأتني بحقّي إلى منزلي فإنّ عليك كرائي ونفقتي في إتياني إليك حتّى أستوفي حقّي منك، فهذا الشرط لا يثبت، وكذا قال مسبِّح. (4/302)
صفحة 1887
ومن باع لرجل جارية وشرط عليه أن يخرجها من عمان، فلم يخرجها، أو أخرجها ثمّ ردّها فهو منتقض.
ومن اشترى تمرا فأكل بعضه ثمّ خرج فيه موجب ردّه ضمن ما أكل منه بقيمته وردّ باقي الثمن (133)، أو يردّ عليه البائع بقيمته جيّدا، ولزمه اليمين فيما أكل إن كانت قيمته عنده أنَّه لا يكون أكثر من كذا، ويقبل قوله مع يمينه، وكراء ردّه عليه حتّى يصل البائع حيث قبضه فيه أو عند حاكم، كما مرّ؛ فإذا حكم به له فعليه كراؤه وحمله إلى حيث شاء؛ وإن لزم مشتريه ردّه لزمه كراؤه حتّى يصله أو يقبضه منه بقربه، ولو تعمّد غرره بالرديء.
أبو الحسن: من باع وعاء مغلقا عالما أنَّه قش فلمّا وصل به مشتريه بيته وجده قشا، فكراؤه على بائعه لأنَّه غرر والغرر لا يجوز. (4/303)
صفحة 1888
الباب السادس والأربعون
في الشرط في البيوع
فمن باع لرجل أرضا أو نخلا وشرط عليه أن يؤدّي معه الخراج كذا وكذا، فبعض أبطلهما وبعض الشرط فقط؛ وكذا في كلّ شرط باطل؛ وإن كان الشرط قبل البيع لا عنده فمن لا يرى ثبوت الشرط إلاّ إن كانت (134) عند العقد يبطلهما، وحجّة من يثبتهما ما روي: «المسلمون على شروطهم، إلاّ ما أحلّ حراما أو حرّم حلالا». وحجّة من يثبت البيع فقط ما روي أيضا: «كلّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل، ولو شرط مائة مرّة».
وشرط الخراج من الباطل إن كان ظلما؛ وإن شرط عليه عند العقد أن يؤدّي عليه كلّ سنة كذا، ولم يحدّد عدد السنين فهو شرط منتقض بالجهل لا بالباطل.
ومن عرض على رجل مبيعا فقال له: لا دراهم عندي، فقال له: آخذ منك عروضا، فإذا تشارطا على ذلك، فقيل: يتمّ إن أتمّاه على شيء، وقيل: منتقض لثبوت الشرط في البيع؛ وإن عرضا ذلك فيما بينهما لا بمشارطة فلا يقوم العرض مقام الشرط من أيّهما كان ذلك.
وروي: «إنّ المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا». فعند القائل: إنّ الاِفتراق بالقول أنّ كلّ شرط وقع بعد واجبة البيع فباطل وهي صحيحة، وهو المختار أنَّه بالكلام لا بالأبدان؛ وقيل: إن كان الشرط يصلح البيع ويثبته أصلحه؛ وإن كان يبطله أبطله.
ومن باع نخلا واشترط أكلها إلى موته فهو ضعيف، إلاّ إن أتمّاه؛ وإن أثبته المشتري في حياته حتّى مات ولم يطلب وارثه نقضه بعد اختير أنَّه إذا مات على ذلك فلا نقض لوارثهما.
ومن باع ثورا لرجل بمائة درهم على أنَّه إن لم يعطه إيّاها إلى خمسة أشهر فالثور له، وعلى المشتري له عشرة أجربة حبّا أجرة استعماله فيها، فقيل: الشرط تام (4/304)
صفحة 1889
إلى الأجل، فإن أعطاه إليه وإلاّ انفسخ البيع؛ وقيل: إنَّه يبطله، فمن أثبت الشرط أثبت الأجرة إن لم يوفه إلى الوقت على المشتري، ومن أبطله نقض البيع والأجرة، ويكون للبائع عليه كراء مثله؛ وإن باعه على أنَّه إن لم يعطه الدراهم أو لم تمكنه أعطاه بها طعاما أو عروضا فسد البيع؛ [182] وإن باع له مبيعا على أنَّه يعمل للبائع بثمن مبيعه عملا كنسج أو غيره فهو فاسد أيضا، وقيل: إن أتمّاه تمّ.
وفي الأثر: ومن باع لرجل بيعا وشرط عليه إن اشتريت أنت مال فلان فهو لي دونك، ثمّ اشتراه فهو شرط لا يجوز، لأنَّه لا يدري أيشتريه أم لا، والبيع الأوّل تام.
ابن بركة: ومن أراد أن يشتري من رجل دابة فقال له: إن كنت تأخذ منّي الحب أخذتها، فهو جائز، وبه قال أبو الحواري، إلاّ إن اتّفقا على سعر للحبّ فهو فاسد.
ومن باع لرجل جارية على أن لا يطأها فهو منتقض أيضا، إلاّ إن كان قد وطئها فإذا وطئها ثبت البيع وبطل الشرط، والمختار أنّ البيع ثابت والشرط باطل.
ومن باع لأحد شيئا على أن لا يبيعه لغيره ولا يعطي منه لأحد، فقيل: كذلك، وقيل: منتقض واختاره بعض.
ومن باع جري حبّ بمعروف وشرط على مشتريه أن يخبزه ويبيعه فما فضل من الثمن فبينهما، فهذا بيع أفسده الشرط؛ فإن أخبزه وباعه فعليه ردّ مثل الحبّ أو قيمته والتوبة.
ومن أطنى رجلا مالا بكذا وكذا درهما على أن يؤدّي عنه كلّ سنة ثلاث سنين مثلا أو أربعا خراجا كذا وكذا درهما، فقبل بذلك (135) ثمّ أبى أن يعطيه فإنّه لا يلزمه، لأنَّه شرط باطل لا يجوز.
ومن باع بيته على أن يسكنه حياته فإن كان الشرط عند العقد كان مجهولا فالبيع منتقض به لدخوله فيه، وقيل: هو باطل والبيع ثابت، واختير الأوّل، إلاّ إن أتمّاه. وكذا النخل إن باعه وشرط أكله حياته على ما مرّ؛ وإن شرط أكله (136) سنين معيّنة فعلى الخلاف، والأكثر أنَّهما يثبتان كلاهما. (4/305)
صفحة 1890
أبو سعيد: اختلف في مشتر من أحد سلعة على أن يعترض منه بالثمن، فقيل: له شرطه، وقيل: إن كان على سعر معيّن وبيع مسمّى في شرطه فهو فاسد ولو تتامماه؛ وإن شرط أن يعترض منه بالثمن ولم يقطعا سعرا للعروض، فقيل: فاسد أيضا، وقيل: له شرطه إن أتمّاه على شيء، وإلاّ انتقضا معا.
ومن باع مملوكا وشرط خدمته سنين أو شهرا أو أيّاما معلومة جاز معا. وكذا إن باع دابة على أن يحمل عليها معلوما إلى معلوم فهو ثابت عند الأكثر.
ومن باع لرجل شيئا بألف على أنَّه إن باعه فهو للبائع بذلك الثمن فهو فاسد؛ وإن قال له: أبيعك مالي هذا على أن لا تبايعه فلانا، فاشتراه منه على ذلك ثمّ باعه له، فإن كان البائع ترك له شيئا من الثمن على أن لا يبيعه لفلان فله بيعه له إن شاء، ويردّ على البائع ما ترك له، وإلاّ فلا يحرم عليه البيع لمن نهاه عنه أو غيره. (4/306)
صفحة 1891
الباب السابع والأربعون
في اختلاف البائع والمشتري في الثمن والأحكام في ذلك
أبو الحواري: من باع لرجل مالا ثمّ أشهد عليه: أنّي بعته له بمائة وقد استوفيتها منه، وهو لم يدفع إليه الثمن، فلمّا طلبه البائع قال له: لا شيء لك عليّ، فإن كانت عنده بيّنة أنّ البائع أشهدهم أنَّه استوفى منه الثمن، ثمّ طلب اليمين من المشتري فعليه أن يحلف له بالله أنَّه قد أوفاه ثمن ذلك وما عليه منه له شيء، فإن لم تكن عنده (137) بيّنة بذلك فالقول قول البائع وعليه أن يبيّن أنَّه أوفاه ثمنه.
ومن أقرّ أنَّه اشترى من فلان شيئا ولم يقل: بكذا من الثمن، ثمّ قال: لا شيء له عليّ، فإنّه كذلك حتّى يبيّن البائع أنَّه له عليه كذا وكذا من الثمن ويسمّيه، ثمّ إن قال: دفعته أوليس عليّ، فإنّه يلزمه إلاّ إن أحضر بيّنة الدفع.
أبوسعيد: من اشترى من رجل شيئا بعشرة ثمّ فسد البيع بموجبه أو نقضاه فقال له البائع: دفعت لي خمسة فخذها وردّ لي سلعتي، وقال له: بل دفعت لك عشرة، قُبل قول البائع مع يمينه وعليه هو أن يبيّن أنَّه دفع إليه عشرة.
ومن اشترى من رجل شيئا وأشهد: أنّي اشتريت منه كذا وكذا بكذا من الثمن، أو لم يسمّه، فلمّا طلبه البائع فيه قال له: لم أقبض ما اشتريت منك فادفعه لي وأعطيك الثمن، فالبيّنة على البائع أنَّه دفع إليه المبيع.
أبو سعيد: من اشترى من رجل مالا بألف وصحّ ذلك، فوزن له خمس مائة منها وسلّم إليه المال ثمّ احتضر البائع فأشهد أنَّه بقي له على المشتري خمسمائة، وقال هو: أنَّه قد أوفاه [183] إيّاها، فقيل: إنّ الورثة مدَّعون وعليهم البيان، ويقبل قول المشتري مع يمينه، وقيل: يقبل قولهم، لأنَّه صحّ عليه للبائع ألف لا أنَّه ما أوفاه منها إلاّ خمسمائة، فالأوّل ذهب إلى أنّ القول قول المشتري لأنَّه صار ذا يد في المال وحازه (4/307)
صفحة 1892
دون الورثة، ولأنّ البائع لا يسلّم ما باع إلاّ بعد قبض الثمن؛ كما قالوا في الرجل إذا دخل بزوجته أنَّه يقبل قوله أنَّه أوفاها العاجل؛ وكان مدّعيا في الآجل لأنَّه لم يحلّ وقته، والأكثر أنَّه مدّع أيضا في العاجل. وقيل: إن قال البائع بعتك بثلاثة دنانير والمشتري دراهم، والسلعة في يده، فإن كلاّ منهما يكلّف ببيان دعواه؛ فإن عجزا تحالفا وانفسخ (138) البيع، وقيل: يقبل قول المشتري مع يمينه ويثبت؛ فإن كانت المسألة بحالها (139) والسلعة بيد البائع فالقول فيها كالأوّل، ولا ينظر إلى السلعة في أيّ يد منهما كانت، وعلى الثاني يقبل قول البائع مع يمينه وينفسخ أيضا.
ابن بركة: من وكّل رجلا في بيع ماله فقال الموكِّل: أمرتك أن لا تقطع البيع حتّى تشاورني، ونفى الوكيل ذلك، فإنّه يقبل نفيه له.
بن علي: من باع بآجل فقال المطلوب: لم يحلّ الأجل، والطالب: قد حلّ، وقد أقرّ أنّ البيع إلى أجل، فالقول قوله.
ومن اشترى من رجل حبّا واكتاله وقبضه فقال البائع: مكوكان والمشتري: ثلاثا، فأبو الوليد: أنّ البيّنة على البائع إن قبض المشتري، فإن قال خمسة فليس إلاّ ما قال ولو شاء لأشهد. وإن احتجّ مشتر شيئا بموجب نقض البيع والبائع بمثبِته، فإن قبضه المشتري فاليمين له، وإلاّ فللبائع؛ وإن ادّعى أنّ البائع قد أقبضه الشيء وأنكر ذلك فاليمين له وعلى المشتري البيّنة.
ابن بركة: إن قال للبائع بعت ما لم أعرف، ولم يتقاررا على المعرفة، قُبل قوله مع يمينه؛ وإن قال له: بعت لك وأنت غير عارف، وقال له: بل عرفتَه، قُبل قوله مع يمينه أنَّه عارف به.
ومن نوزع فيما باعه فقال: أنَّه لغيره، وأنَّه رسول فيه وبان فيه غبن، فلا يقبل ذلك منه ويلزمه الخلاص منه في الحكم. (4/308)
صفحة 1893
فصل
أبو عبد الله: من ادّعى على رجل أنَّه باع له نخلة بخمسين وقال الرجل اشتراها بعشرة، فإن كانت في يده قبل قوله مع يمينه، وإن كانت بيد البائع فكذلك وانتقض البيع، إلاّ إن شاء المشتري أخذها بخمسين؛ وكذا (140) إن تقاررا على البيع واختلفا في الثمن ولا بيان لهما.
ويروى: «إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع ويتراددان»؛ وكذا في بعض الآثار: أنّ القول قوله أيضا. وإن تقاررا في البيع واختلفا في القيمة فالقول من بيده المبيع، وقيل: يكلّفان معا بالبيان؛ وإن لم يكن في يد أحدهما وقد تقاررا بالبيع فاليد يد البائع لأنّ أصل المال له حتّى يصحّ انتقاله إلى المشتري، وهذا في المنتقل وأمّا الأصول إذا صحّ البيع بإقرار البائع أو بالبيّنة فهي للمشتري، والقول قوله مع يمينه، وقيل: كالمنتقل سواء فيما ذكر فيه.
أبو المؤثر: من اشترى من رجل حبّا كما باع لفلان، ثمّ قال له: بعت له بكذا وكذا، واتّهمه أنَّه بأقل فعلى البائع بيان ما قال واليمين على المشتري ما يعرف كيف باع لفلان، ويرجع إلى رأس ما له؛ وإن ردّ اليمين على البائع حلف وكان له ما حلف عليه؛ وإن قال الأوّل بأقل أو بأكثر ولم يصدّقه الآخر فليبيّن البائع كما تقدّم؛ وقيل: إذا وقع البيع على ما باع (141) لفلان، أو على ما يبيع فلان، ولم يقل: بكذا وكذا انتقض.
ومن اشترى من رجل متاعا وأعطى الثمن، ثمّ إنّ البائع ردّ بعضه رديئا، ثمّ أنكر ذلك فعلى البائع البيّنة أنَّه ممّا أعطاه المشتري إن وجدها، وإلاّ حلف ما يعلم أنَّه ممّا أنقده إيّاه. (4/309)
صفحة 1894
الباب الثامن والأربعون
في بيع الجبابرة وأعوانهم ومن يتّقى
ولا بأس قيل: بمبايعة الأجناد والسلاطين القاهرين (142) والشراء منهم ما لم يعلم أنَّه حرام، ولا على من يشتري لهم شيئا ما لم يعلم أنّ ما دفعوه إليه حرام، ولكن لا يشترى لهم ما يتقوَّون به على المسلمين من سلاح وآلة حرب ونحوهما.
أبو المؤثر: لا يباع لهم ولا يشترى ولا كرامة لهم وما باعوه من أموال الرعيّة أو وهبوه فإنّه لا يثبت، فإذا ظهر المسلمون فلأرباب الأموال أو ورثتهم أخذها كما تقدّم.
وكان الجلندى يردّ ما غصبوه إلى أربابه ويرى عدم جواز بيع ما باعوه، وللنّاس أخذ أموالهم، وعليهم ردّ الثمن الذي اشترى به الجبّار أو عامله أو عونه؛ ومن له عليهم حقّ أخذه منهم.
هاشم بن غيلان: كتب ابن طالوت إلى علي بن عزرة (143) وجعفر بن زياد في الأموال الكائنة في أيدي بني الجلندى، وقال: أليس قد ردّ ابن يحي والجلندى ما في أيدي الجبابرة حتّى ردّوا بيع من حمل لهم الدواة، وأرسلوا إلى بشير فحضر فقرأوا كتاب ابن طالوت فأهوى بشير يده إلى خلال فرفعه ثمّ قال: ما لابن زائدة (144) ولا لابن راشد ولا لمن قوي به ولا لمن قوي بهما بعمان ولو قليل مذ ملكا وقويا وكلّ ذلك مردود إلى أهله. وأخبر هاشم أنَّه لمّا عزل الفيض ارتفع إلى العراق ورفع إلى يوسف بن عمر ما كان منه أهل عمان، وقد أخذ الأجرد من أسفل بهلا وفروضا من السرّ. وقال له (145) يوسف: ما الذي أتيت لأهل عمان؟ أنا لم آمرك بهذا! فاحتجّ الفيض أنَّه أخذها بالبيع، فأرسل يوسف إلى قاضي البصرة من بني سامة، (4/310)
صفحة 1895
وإلى قاضي الكوفة من بني تميم، فارتفعوا إلى واسط، ثمّ اختصم هو والفيض إليهما ويوسف يخاصم لأهل عمان، فقال: إنّي ائتمنته على بعض أمانتي وعملي، فأخذ أموالا وعقدًا لم آمره به. فقالا للفيض: ما تقول أنت؟ فقال: وجّهني إلى عمان فأخذت منهم ما كان تحت خاتمه، وعملت بأمره، فاحتاج القوم وغشيهم الدَّيْن فعرضوا أموالهم على البيع فاشتريت منهم. فقالا: إن عملت فيهم بالكتاب والسنّة فلم تظلمهم، واحتاجوا فباعوا بلا مطلب منك إليهم ولا من عمّالك فهو لك مريء؛ وإن خالفت ذلك فلهم أموالهم. فكتب يوسف إلى القصابي عامله على أهل عمان فدعاهم بالبيّنة على ظلمه وجوره، فأقاموها فنادى مناديه: أنّي قد رددت عليهم أموالهم برأي يوسف عامل بني مروان على العراق.
وقال هاشم: أخبرَني سمائلي ــ وكان ثقة ــ أنّ حاجبا بن الفضل أتى بشيرا فقال له: يا أبا الحكم كنت بعت النخلات التي على الوادي على الوالي من الجبابرة كلّ منها بستين درهما ولم يأكل منها شيئا حتّى قتل فما ترى؟ فقال له بشير أكنت تؤدي إليه جباته؟ (146) فأنعم، فقال (147): فأحسبه بها. ولمّا ردّ الجلندى على النّاس ما أخذ منهم، فلم يأخذ الغاصب بالغلّة، ولا أصحاب الأموال بما صار إليهم من الثمن.
الربيع: لا بأس بالشراء من ذي ضغطة (148) من السلطان إذا علمته محتاجا إلى بيعه؛ وكذا قال في المسجون إذا طلب ذلك.
أبو سعيد: في الضامن عن مأخوذ بالخراج عن رأيه إذا أربى عليه، ثمّ تقاضاه عند جابي السلطان فباع المضمون عليه بعض ماله على الضامن فأشهد عليه وأنقده الثمن وردّه عليه، فإن كان البيع على غير جبر ولا تقيّة فقد ثبت وليس على المضمون عليه للضامن إلاّ ما ادّعى عنه، وإن كان على ذلك لم يجز كلّ ذلك، ولا يلزمه ضمان (4/311)
صفحة 1896
ما ألزم نفسه؛ وإن خاف أن يشكى به السلطان خوف تقيّة حتّى يبيع ما له لم يجز البيع؛ وإن خاف ذلك حتّى يعطيه ماله عليه فباع له ماله ثبت البيع، ولا عليه إلاّ أصل الحقّ.
أبو الحسن: من أخذه الجند فغرموه، فإن كان يبيع ماله ويفدي نفسه والبيع برأيه لا بإجبار، فمن اشترى منه كما في سائر زمانه وهو غير ملازم، فقيل: يرجى له الثواب إذا لم يكسره عند الاضطرار؛ وإن كسره لحال ما هو فيه فلا يتمّ الشراء؛ وإن كسره وهو غير متبوع وهو مودوع على ما يتّفقان عليه فلا بأس بذلك. وكذا الشاهد إذا دعي ليشهد عليه حين مطالبة الجند إيّاه وضربهم له وحبسهم، فإن أجبر على البيع فلا يسعه أن يشهد على الظلم؛ وإن باع برأيه ليفتدي بماله ولم يكسره المشتري لاضطراره جاز للشاهد أن يشهد فيما يجوز للمشتري أن يشتري، وقيل: إن باع وهو في السجن فبيعه جائز بما اتّفقا عليه؛ وإن كان متبوعا بالدراهم فاشترى منه أحد بمثل ما يتغابن النّاس فيه جاز؛ وإن كان بكسر ممّا لا يتغابنون فيه عند غير اضطرار فالبيع فيه منتقض؛ وقيل: ثابت إن كان بعدل السعر؛ وإن كان متبوعا في بيع ماله فلا يجوز بيعه، وإن بأكثر من ثمنه إن كان ملازما في بيعه؛ وإن كان يضرب ويعذّب فكالملازم والمسجون لا يجوز بيعه ولا الشراء منه.
ومن كان من الأعوان ويأخذ الشيء بأقل ممّا يتبايعه النّاس فللبائع ــ قيل ــ أن يغالطه في الحساب أو الوزن أو الكيل إلى حدّ ما يبيع [185] للنّاس وينبغي له أن يشهد أنَّه خانه بقدر ما عليه له من الحقّ. (4/312)
صفحة 1897
فصل
اتّفق النّاس أنّ حكم البيوع الجواز، وإن من كافر أو فاجر فيما يجوز، وإن من غير الأسواق، وكانت عادة أكثرهم الغصوبات وبيع المحرّمات، فأجازوا ذلك اتّفاقا، حتّى يعلم الحرام من ذلك والظلم، وبيع السلطان وشراؤه حتّى يعلم ذلك. وقد أخذ ابن عبّاس عطايا معاوية، وجابر جائزةَ الحجاج وهما ظالمان عندهما ــ كما مرّ ــ فجاز عند المسلمين أخذ ذلك من الجبابرة من حيث لم يعلموا غصبه ولا حرامه، وقالوا: من له حقّ على جبّار لم يجز أخذه منه من جبايته المغصوبة، وله قبضه منه من غيرها؛ وأجازوا مبايعتهم بما في أيديهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم إذا لم يعلموا الغصب من ذلك، وقد قبل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هدية ملك النصّارى قبل إسلامه، وأهديت إليه مارية أم ولده إبراهيم وقبلها، وجاز ذلك بحكم اليد لمن أعطوه له بلا سؤال عن الأصل. (4/313)
صفحة 1898
الباب التاسع والأربعون
في بيع المغصوب
تقدّم أنَّه لا يجوز بيع المغصوب إذا كان بيد غاصبه، ولا للمشتري شراؤه منه إن علم به، لأنّ ربّه ممنوع منه ومقهور عليه، ولو كان بيده لم يسمح ببيعه؛ وإن باعه بيد غاصبه فلأجل أنَّه صار بحدّ التلف منه وينقص عليه من ثمنه، ومن ثمّ قالوا: لا يثبت؛ وإن اشتراه أحد وأمكن منه المغصوب منه عند وفاء الثمن ولم يخف من الغاصب وأوفاه الثمن جاز شراؤه على هذا؛ وكذا البيع والشراء في غير الأصول إن غصب.
ولا يصحّ ــ قيل ــ في مغصوب بيع ولا هبة ولا إقرار ولا وصيّة ولا قضاءٌ، ما دام بيد الغاصب.
ومن غصب شيئا وباعه على من علمه مغصوبا وتلف منه بعدما سلّم الثمن للبائع، فقيل: إنَّه أتلف ماله لشرائه على علم به، وقيل: له الرجوع بالثمن على من دفعه إليه، لأنَّه بيع لا يجوز، ولا للبائع أخذ ما دفع إليه المشتري، ولا له تضييع ماله بدفعه في ذلك؛ وإن كان لا يعلمه مغصوبا ثمّ علم لزمه أن يردّه ويرتجع ثمنه من الغاصب؛ وإن كان يعلم به لا البائع فعليه الردّ له ولا رجوع له على البائع.
أبو الحسن: بيع المغصوب لا يثبت، ولو باعه ربّه في دين أو نفقة أو كسوة، ولو تركه سنين فمتى ما نقضه انتقض، ولا التوكيل في بيعه، ولا يلزم المشتري إلاّ ردّ الغلّة التي كانت عند البيع. (4/314)
صفحة 1899
وإن أمسك الجائز على رجل ماله حتّى يحضر كفيلا للخراج فأطنى منه أو باع فكلاهما منتقض، إلاّ إن أتمّ ذلك بعد إطلاقه وأمنه.
وكرهوا القعود في السوق المغتصب، والشراء من القاعدين فيه، ولعلّ بعضا أجازه منهم.
ومن لزمته تباعة من مغتصب تخلّص منها إلى ربّه، ولا حقّ لغاصب فيه ولا حلّ ولا إبراء ولا بيع. (4/315)
صفحة 1900
الباب الخمسون
في مبايعة أهل الذمّة والشراء منهم
وقد أجازوا ما يشترى منهم من الفاكهة اليابسة كالأرز واللوبيا (149) والحبوب اليابسة وكذا الدهن ما لم يمسّوه، ويرى ذلك منهم لشراء الطعام الرَّطْب المعمول بأيديهم ولا أكله إلاّ ما أمكن غسله كلحم، وكذا الثياب التي يصبغونها ويبيعونها لا تجوز الصلاة فيها ولا الإحرام ولا التكفين؛ أبو المؤثر: إلاّ إن غسلت حتّى لا تعصر صبغا ويخرج الماء صافيا.
ومن عنده سمن وجعل فيه يهودي يده فنجسّه لزمه ضمانه للمسلم، واختلف في بيعه، فقيل: يجوز وينتفع به، وقيل: لا؛ ومن لا يجيز بيعه يحكم على المسلم بإراقته، ويأخذ قيمته من اليهودي تامّة، ومجيزه يوجب عليه نقصانها نجسا عنها طاهرًا (150). وجميع أهل العهد ولو مجوسا في ذلك سواء، ولا يلزم أهل الحرب حال محاربتهم ضمان.
أبو الحواري: لا يجوز أن يشتري من يهودي رطبا إن كان يمسّه.
وجاء الأثر في أهل الكتاب بحلّ أكل ذبائحهم وشرائها منهم إذا ذكروا الله عليها، وكذا الخبز وقد مرّ ذلك. (4/316)
صفحة 1901
الباب الحادي والخمسون
في مبايعة الأعجم، والأصم، والصبيّ، والمملوك ونحوهم
وقد جاز (151) الشراء والبيع من أعمى وأعجم في عروض إذا عرف منه بإيماء وإشارة، وكان يعقل ويأبى من الغبن ويعرف الربح منه بالإيماء، وإن لم يفهم كلامه. ويستحبّ في الأصول أن يكون ذلك برضى منه ومحضر وكيل له من حاكم أو وليّه إن لم يكن له وكيل.
والأبله لا يجوز بيعه [186] ولا شراؤه، ولابأس إن عَرف الغبن من الربح؛ وجازا (152) من أصمّ إن عرف الكتابة بها عند من يراها كلاما. وجاز قيل: اقتضاء الثمن من أعمى لما اشتراه له وكيله إن كان النقد غير مختلف، وإلاّ اختير أن لا يقبض منه الأوسط نقود البلد، ويقبض منه بالدراهم عروضا.
عبد الملك: لا بأس بالشراء من الصبيان البارزين بالبضائع على الأبواب إن أخرجوا لذلك، وعلم المشتري أنَّهم أخرجوا لذلك؛ وإن لم يعلمه وقد شهر أمرهم فلا بأس أيضا. واختلف في الصبي والمملوك إن باعا أو اشتريا وإن في غير السوق أو في الأصول، فقيل: لا يجوز منهما ذلك إلاّ بإذن الأب أو السيّد، وقيل: يجوز في الأسواق والحوانيت وفيما يتعارف أنَّهما يرسلان به، لا في غيرهما ممّا لا يتعارف البيع والشراء فيه، وقيل: جاز ذلك منهما حيث كان التاجر من القرية، ولو لم يعلم رأي الآباء والسادات، وقد اختلفت الأحوال في ذلك: فمن العبيد من يرسل، وإن بالدنانير الكثيرة ويملك أيضا، ومنهم من لا يملك فوق نفقته، ويحتاج البائع والمشتري في هذا إلى علم بموضع العبد من سيّده، وبحلال البيع وحرامه، والصبي في ذلك مثله؛ فمن اشترى منهما شيئا وفاته وطلب إليه الحقّ فالمملوك إن أخرج بالضريبة من إذن مولاه فإنّه يحكم له وعليه، وإلاّ فلا شيء عليه؛ وكذا لا شيء على الصبي إلاّ إن علم أنَّه (4/317)
صفحة 1902
أكل ما اشتراه أو لبسه حتّى أبلاه، أو اشترى به شيئا فللبائع قيمة ما باع له تؤخذ له من ماله بالعدول.
ومن أرسل ــ قيل ــ خادمه أو جاريته لشراء شيء له من السوق ثمّ لم يعجبه فأرسلها لتردّه فلا يجوز له ذلك، إلاّ إن ظهر فيه عيب لم تعلم به.
أبو الحسن: إن أتى صبيّ لتاجر في محلّ له أن يبيع فيه فقال له: بع لي هذا بهذا الحبّ أو التمر أو الدراهم، فسمّى بالنوعين لا بكم يعطيه من كلّ نوع، فللتاجر أن يعطيه النصف من كلٍّ، إلاّ إن قال له الصبي: بالثلث أو بالربع أو نحوهما من نوع، والباقي من آخر فله أن يعطيه على ما يقول؛ فإن قال له: بع لي حبّا وعنده حبوب بأثمان مختلفة، فإنّه يعطيه من أوسط ما عنده إن كان عنده، وإلاّ فمن أفضل. وإن جاءه الصبيّ بتمر فيه حشف فله أن ينقّيه ويضعه له في وعائه؛ وإن بلا رأيه، وكذا يجعل له ما اشتراه فيه وإن بدونه، وكذا العبد. وإن جاءه أحدهما بدراهم فيها ما لا يجوز، فله أن يأخذ منه الجائز ويردّ له خلافه؛ وإن غلط معهما بشيء أنقصهما من حقّهما، وإن بقي لهما عنده ممّا أتياه به فليردّه عليهما وما غلط به له فليس له أن يطلبهما به، إلاّ إن أرسلا فله أن يطلب فيه مرسلهما إن أقرّ أنَّه أرسلهما.
ولا يجوز للطائف أن يبيع لهما في طوافته، وإنّما يباع للصبي في الأسواق أو من تاجر شهر في محلّة عند أهل البلد.
وجاز بيع مراهق وشراؤه إن كان يحسنهما وعطيته إذا بلغ أترابه أو من دونه.
ومن أربى في بيعه على صبيّ أو عبد فإنّه يردّ رأس المال على الأب والسيّد.
ومن باع لعبد برأي سيّده ولصبي بأبيه فعلى الأب والسيّد ما أخذ؛ وإن باع لهما بلا إذن وتلف المبيع فليس على الوالد ردّ ما أخذ ولده، قال: وأمّا السيّد فأرجو عليه الردّ؛ وإن ادّعى التاجر أنّ الصبي أرسله أبوه، والعبد سيّده للشراء، فإن صحّت له بيّنة بذلك لزمهما ما اشترياه، وإلاّ وأراد تحليفهما كان له؛ وقيل: له عليهما اليمين بالعلم لا بالبتات. (4/318)
صفحة 1903
وإن جاء صبيّ بسلعة إلى تاجر وعنده قاعد فعرضها على التاجر فأبى أن يشتريها فلا يجوز للقاعد شراؤه منه، إلاّ إن اشتراها له التاجر.
ومن آجر عبده نفسه كلّ شهر بمعروف على أنَّه يعمل لنفسه ويسلّم الأجرة لمولاه جاز للعبد أن يبايع وإن بنسيئة وهو كالمضارب المأذون (153) له في التجارة.
ابن جعفر: إنّ النساء والصبيان والمماليك إن اعتيد في البلد أنَّهم يبعثونهم للبيع والشراء فلا بأس بمبايعتهم، ولا ينقصهم البائع عمّا يبيع للكبير، وللمماكس في الأشياء القليلة.
ولا يثبت في الحكم على صبيّ بيع ولا شراء ولو من مصالحه؛ وإن أكل أحد ممّا اشتراه صبيّ فالضمان له إن كان الشراء من بالغ لأنَّه قد سلّم ماله للصبيّ. (4/319)
صفحة 1904
[187] الباب الثاني والخمسون
في بيع المأمور والوكيل والشراء منهما
فإن باع المأمور مالا وشرط للمشتري الشروى فلا يلزمه إلاّ إن ادّعى الوكالة في ذلك. ومن أعطى رجلا دراهم يشتري له بها شيئا ويحمله بكراء فضاعت فلا ضمان عليه.
ومن أمر رجلا يشتري له شيئا فاشتراه له وبعث به إليه فلمّا وصله لم يرض به وردّه فتلف فمن مال الآمر لا المشتري والرسول وإن أمره أن يشتري له معلوما فاشترى له بعضه فإن رضي به ثبت عليه وإلاّ فلا، وذلك كأن يأمره أن يشتري له عبدين معيّنين بألف فاشترى له أحدهما بستّ مائة أو أقلّ أو أكثر والآخر بالباقي فهو لازم للأمر، وإن اشتراهما بأقل من الألف أو أكثر لم يلزمه، وكذا كلّ ما كان من البيوع مثله فما امتثل المأمور فيه أمر الآمر فثابت عليه وما خالف فيه فالخيار له في الإتمام والإبطال، وكذا في البيع والوكيل في بيع المال إذا كان يعرف حدوده وحقوقه جاز الشراء منه ويثبت على ربّه ولو لم يعرفه لأنّ علم وكيله به كاف.
بشير: من ادّعى الوكالة من رجل في بيع ماله جاز الشراء منه مطلقا وقيل: لا مطلقا وقيل: يجوز إن كان ثقة وذلك في الأصول.
ومن أمر رجلا أن يبيع جارية له بما شاء فباعها بما لا تغابن في مثله جاز بيعه.
محمّد بن هاشم: من أعطى رجلا دراهم ليشتري له بها شاة بنقد فاشتراها ثمّ ذهب ليجيء بالدراهم فوجدها قد ذهبت فما أرى عليه غرما إلاّ إن ضيّعها ولم يشترط عليه أن يشتري له بها، فإذا شرطه لزمه الضمان، لأنَّه إذا قال له ذلك كان عليه أن يشتري له بها صفقة فإن لم يفعله فقد خالف إذا ضاعت ولا يقع بها اسم البيع ويلزم المشتري ويفعل فيه ما شاء، وقيل: لا ضمان عليه ولو قال له يشتري له بها. (4/320)
صفحة 1905
والنقد عندنا ما أشتري وسمّي نقدا لا نسيئة إلى وقت، وفي الأثر إذا أمره أن يشتري له شيئا وأعطاه المال فاشترى ولم ينقد من حينه ولم يحضر الدراهم فهو ضامن لها إن ذهبت، وقيل: إذا أعطاه إيّاها وقال له: اشتر لي بها صفقة فهو ثابت؛
وإن اشترى له لا على الصفقة ونوى أن ينقدها فهو جائز عليه لأنَّه المتعارف.
ابن علي: من دفع إلى رجل دراهم ليشتري له بها شيئا ففعل ثمّ التفت إلى ما يعطيه فوجدها ذاهبة، فليس على صاحبها شيء إلاّ إن حكم عليه بأخذ ما اشترى له فهو لازم له ولو كره، ويعود يسلّم الثمن وإن كره الآمر أخذ المشترى له ورضيه المأمور ودفع من عنده الثمن فهو له ولا عليه فيما ذهب من عنده.
ومن دفع إلى رجل دراهم وأمره أن يطني له بها طناء وأن لا يخلط فيها شيئا لأحد وأن لا يطني له من مال فلان فأطنى له منه أو خلط ذلك فيها وعطب المال أو بعضه، فأمّا ما أطناه من فلان فهو لازم له لمخالفته أمره وفي الضمان بالخلط قولان.
ومن دفع لآخر سلعة ليبيعها له بمعلوم محدود فباعها بأكثر فقيل: جائز لدخول الأقلّ في الأكثر، وقيل: لا لأنَّه خالف أمره؛ وإن باعها بأقل لم يجز اتّفاقا وإن أمره أن يبيعها نقدا بعشرة فباعها بضعفها نسيئة فإنّه لا يثبت أيضا؛ وإن دفع العشرة إلى ربّ السلعة وكان الباقي للبائع وأتمّ ذلك جاز لأنَّه ضامن للسلعة لمخالفته أمر صاحبها.
ومن أمر ــ قيل ــ رجلا أن يبيع شيئا له ولم يحدّ له ثمنا فباعه بما بان جاز له، إلاّ إن كان فيه غبن فاحش وعرف أنَّه مضار؛ وإن أمره أن يبيع له مالا فباعه بعروض أو بنسيئة فقيل: لا يجوز إلاّ بالنقدين نقدا إلاّ إن أتمّه ربّ المال؛ أبو الحواري: إنّه جائز وتام إلاّ إن شرطه بنقد، وانظر ما قوله في العروض.
وإن أمره أن يبيع عبده فباع نصفه وأن يشتري له عبدا فاشترى له نصفه لم يجز عليه إذا لم يقبله، وإن قال له خذ لي بهذه الدراهم عبدا فقال له: أخذته لك ومات فإنّه يصدقه فإن كان الثمن عنده ولا يدفعه وطلب أن يدفعه وادّعى أنَّه قد مات فلا يصدق إلاّ بالصحة. (4/321)
صفحة 1906
أبو الحسن: إن قال لامرأة زوجها اذهبي إلى فلان واشتري منه كذا وكذا وعليّ الثمن، ثمّ توفي الزوج ولم تعلم هي أنَّه قضى الرجل ثمن ما اشترت منه أم لا، فإنّه يلزمها أن تدفعه إليه من عندها وتستوفيه من مال زوجها إن أمكنها، وإن قال لها إنَّه قضاه ثمنه وصدقته وسعها إن كان ممّن لا يتّهم، وإن اشترياه معا في صفقة ثمّ مات زوجها ولم تعلم أنَّه قضى ربُّ الشيء ثمن حصّته منه أم لا فليس عليها إلاّ حصتها.
[188] فصل
من أمر رجلا أن يشتري له ثوب قطن فاشتراه له وفيه أعلام حرير، فإن كانت ممّا يخرجه من كسوة الرجل فهو عيب، وإن علم المشتري بما في المبيع من عيب لزمه البيع لا البائع، وإلاّ ردّ على البائع ولا يلزم أحدهما.
أبو إبراهيم: من أمر رجلا أن يشتري له ثوبا فاشترى له كساء (154) أو شقة أو غيرهما من ثياب القطن والكتّان أو الصوف، فهو ثابت عليه إلاّ إن شرط عليه شيئا فخالفه.
أبوسعيد: اختلف في تسليم الثمن إلى بائع سلعة غيره، فقيل: بالتخيير فيه إلى البائع أو إلى ربّها، وقيل: لا يجوز إلى البائع ولا يبرأ المشتري بدفعه إليه، باع بأجر أو بدونه.
أبو عبد الله: إن قال ربّ السلعة للبائع أمرتك أن تبيعها بألف، وقال أمرتني بخمس مائة قُبل قول صاحبها، وقيل: قول البائع مع يمينه لأنَّه أمين له.
ومن قال لرجل اشتر غلام فلان بيني وبينك فاشتراه وأنقده الثمن فالربح بينهما والوضيعة على المشتري، فإن مات فهو (155) من ماله حتّى يرضى صاحبه، قال خميس: وفي ذلك نظر.
وقيل: إن ادّعى المأمور بالشراء تلف المشتري فلا يلزم الآمر إلاّ إن صحّ الشراء ببيّنه. (4/322)
صفحة 1907
وإن اشترى الوكيل ثمّ أنكر الوكالة وطلب الرجوع وتمسّك به البائع فلا يجد الرجوع إلاّ إن تمّ ما اشتراه له.
فصل
لا يجوز لبائع بالكراء أن يأخذ لنفسه من العروض كما يبيع لغيره، وفي المكيل والموزون قولان، وقريب منهما ما يباع بعدد والثمن مضمون عليه حتّى يدفعه إلى ربّ المال، وإن خلطه فيه فإنّه يضمن الكلّ بخلطه ما ضمن إلى ما ائتمن فيه، ولأنَّه أحدث فيه مشاركة واحتيج إلى قسمه، وقيل: لا إن كان النقد كلّه واحد لا أدري فيه ولا زائد ولا ناقص.
ومن وكلّ رجلا أن يشتري له عبدا فاشترى له أباه، فقيل: يعتق وضمن المشتري الثمن ولو لم يعلمه أباه وهو قول عزّان، وقيل: لا يلزمه الضمان إن لم يعلم؛ خميس وأرجو أنّ نظر بن بركة يوجب سقوطه عنه ولو علم، وإن ادّعى الوكيل تسليم الثمن إلى الموكل، فقيل: القول قوله، وإن قال سلّمه فيما أمره فعليه البيّنة بالآمر، فيكون القول قوله ولو أنكر من سلّمه إليه.
وإن باع الوكيل بخلاف ما أمره الموكّل ثمّ تلف الثمن من يده فطلب الموكّل الرجوع في ما له جاز له، ويرجع المشتري على الوكيل فيما دفع إليه، وإن باع المأمور لمفلس أو عبد لا يعلمه ضمن لأنَّه أتلف مال الرجل.
أبو سعيد: من أمر بشراء خبز فاشترى منقطعا اختار أن لا يكون له ذلك ولا يثبت على الآمر إلاّ إن أتمّه لأنَّه معيب.
ومن اشترى دابة فوجدها معيبة وبائعها مأمور ببيعها فإنّها تردّ عليه.
ومن أمر رجلا أن يشتري له شاة فاشترى له تيسا اختير ثبوته عليه، وقيل: لا ولا إن قال اشتر لي ضحيّة، قيل: اتّفاقا. (4/323)
صفحة 1908
وإن باع المأمور جارية أمره ببيعها، ووطئها مشتريها وقد أعتقها قبله وصحّ بالبيّنة فلا شيء على البائع والمشتري وقد مرّ ذلك.
وإن قال الوكيل بعد موت موكله: بعت الغلام بألف وقبضتها، وقال الورثة: بل بثلاثة آلاف والغلام واقف جاز بيعه، ولعلّ المكلّف بالبيّنة بما ادّعاه الورثة دون الوكيل وعليه اليمين إن عدمت وليحرّر.
ومن أمر صبيا أو مملوكا أن يشتري له كذا وكذا فإنّه يثبت عليه ولا رجوع له فيه.
ومن أمر رجلا أن يشتري له جملا فاشترى له ناقة أو بكرا صغيرا، فقد خالف ما حدّ له، فقيل: لا ضمان عليه لأنّ اسم الجمل يأتي عليهما كالكبير، وقيل: يضمن إن اشترى ناقة لا إن صغيرا.
والوكيل إذا أراد أن يرفع لمن وكّله فتكون دعواه له لا لنفسه وكذا الشراء.
وإن قال: قد بعت لي هذا الشيء لفلان ابن فلان بكذا وكذا وأنعم البائع وقبله هو له، ثبت ذلك، قال: وغير هذا من الألفاظ كثير. وكذا الوكالة في الإقالة إذا قال قد أقلتك هذا البيع ثبت ذلك. (4/324)
صفحة 1909
الباب الثالث والخمسون
في الشركة والتولية في البيع
ابن علي: من قال لرجل اشتر كذا وأنا شريكك فيه فاشتراه، ثمّ رجع الآمر وقال لم أعلم أنَّه يبلغ هذا، فإنّه لا يجده ولا يعذر بجهله ولزمه نصف ذلك إلاّ إن تقاطعا على شيء.
وقيل: إنّ أبا عبيدة الصغير شارك قوما فيما يشترونه فدمّوا حين اشتروا ودحوا حين باعوا فربحوا كثيرا، فقال: ما هذا؟ قالوا: عمل التجارة. فقال: ردّوا لي رأس مالي [189] ولم يأخذ من الربح.
وعنه صلّى الله عليه وسلّم: «يد اللّه على الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه رفع الله عنهما يده».
ومن اشترى سلعة ولا ثمن عنده لها ثمّ أتى إلى رجل فقال: أنقد عني ثمنها وهي بيننا، لم يجز له لأنَّه قرض جرّ منفعة.
ومن اشترى شيئا وأشرك غيره وجد الشركة ثمّ باع بربح، فقيل: لا شيء للجاحد لها منه. أبو عبد الله: له منابه منه وعليه منابه من الوضيعة، إلاّ إن قال له جعلت لك منابي من هذا البيع وبرئت منه إليك.
ومن اشترى طعاما وعرف كيله ثمّ أشرك فيه رجلا وقبض منه الثمن ولم يقسماه حتّى قسما ثمنه، فلا تثبت الشركة حتّى يقسماه بكيل أو وزن. أبو عبد الله: إذا رأياه وعرفاه ثبت فيه؛ وقيل: هي بيع وتجري مجراه في المعرفة والتسليم، فإن تلفت البضاعة قبل تسليم المشتري إلى الشريك حصّته فمن مال المشتري، وإن أشركه قبل الشراء فالشركة فاسدة إلاّ إن أمره أن يشتري ذلك بينهما فاشتراه، وقيل: إذا أشركه بعد علمه بالبضاعة ووقوفه عليها وقبل الشركة بما اشترى به ثمّ تلفت فمن مالهما معا. وإن أشركه فيها ولم يسمّ له ثمنا فله الربح ولا وضيعة عليه وهي على المشتري إن (4/325)
صفحة 1910
تلفت، فإن طلب إليه أن يشركه فأشركه بالثمن فمن مالهما ولهما وعليهما؛ ولا تجوز الشركة ولا التولية إلاّ بعد المعرفة.
ومن اشترى ــ قيل ــ سلعة فقال له حاضر عنده: أنا شريكك فيها (156) فأنعم، ثمّ قال له آخر كذلك فأنعم له، ثمّ آخر فأنعم أيضا، فإن قبض السلعة قبل أن يشركهم فللذي أنعم له أوّلا نصفها، وللثاني ربعها وللثالث ثمنها ويبقى له ثمن فيها. وإن أشركهم قبل قبضها فالشركة باطلة إلاّ إن عاقدوه على ذلك قبل الشراء، ثمّ اشترى على أنَّها بينهم فهي على عددهم.
وقيل: في رجلين لكلّ منهما ألف درهم فاشتريا بهما شيئا فجاء آخر بألف فقال لهما: أشركاني ونشتري بألفي مبيعا آخر، قال: فلا نرى له ذلك ولكن يشتري منهما إن شاء ثلث مشتراهما بثلثي الألف، ثمّ يشاركهم فيصير له مثل ما لأحدهم فيه ثمّ يأتيان هما بالدراهم التي أخذاها منه ويأتي هو بالباقية عنده فيشاركهما أيضا بالدراهم أثلاثا، فيشترون بها ما شاءوا فيصيرون في الكلّ سواء لأنَّه بقي من دراهمه ثلثها واشترى منها بثلثيها ثمّ شاركهم في ذلك أثلاثا، فإن اشترى منهما نصف ذلك بألف لم تكن مشاركة ذلك لأنَّه يصير له نصف المال فيكونان هما شريكين في ألف وله نصف المتاع ونصفه لهما ولا يكون شريكا في الدراهم.
وقالوا فيمن أراد أن يخرج إلى مصرٍ ما في تُجر، فقال له رجل: كلّ ما اتّجرت فيه من مالي هذا فقد جعلت لك عشره أو ثلثه، أنَّه لا يثبت ذلك الشرط لأنَّه لا منفعة فيه للقائل، فإن قال كلّما اتّجرت فيه من مالي فلك فيه ذلك فهو ثابت لأنَّه إقرار، فإن أراد به المشاركة فلا يثبت له، وإن قال كلّ مال لي فقد جعلت لك فيه ما ذكر أشبه العطيّة وثبت فيما ثبت فيها من المعطي وفي المال المعطى.
موسى: لا يشترى من أحد الشريكين في مكيل أو موزون قبل قسمه وجاز فيما كالدواب والمتاع شراء منابه أحدهما منه. (4/326)
صفحة 1911
الباب الرابع والخمسون
في المأمور بشراء إن باع من عنده
ابن هاشم: من أمر رجلا أن يشتري له عبدا فاشتراه من نفسه وبعثه إليه فمات، فأرى أن يأخذ منه دراهمه وكذا إن وصله وصار بيده ثمّ مات ثمّ علم أنَّه اشتراه من نفسه لزمه ردّها أيضا.
أبو علي. من عنده لرجل عشرة مكاكيك برّا فأخذها لنفسه ثمّ باع هو برّ نفسه لرجل إلى أجل وجعل عشرة الرجل ممّا باع إلى أجل وأعلم صاحبها بما فعل وخيّره في حبّه وفي القيمة إلى الأجل، قال: لا نرى له إلاّ الإبراء لأنَّه باع ماله ولا يجوز له، ولو أمضى له صنعه غيره إن رضي بذلك بدلا عن برّه وتتامما عليه حين قبضه جاز، وإن ثبت قبل القبض فلا لأنَّه دين بدين.
أبو الحواري: من أعطى رجلا دراهم يشتري له بها حبّا فسأل المعطى بمثله من عنده ولم يعلمه ذلك، فقد كره ذلك بعض وأجازه بعض إن كان مكيلا أو موزونا، والأوّل أكثر، وكذا المأمور ببيعه فأخذ من مال المأمور لنفسه كما يبيع لغيره بلا أمره، وقيل: لا يكون ذلك إلاّ به.
ابن المفضل: من وكّل وكيلا يبيع له متاعا أو يسلف له دراهم فأراد أن يأخذه لنفسه كما يبيع ويسلف للنّاس ويشهد على نفسه، فقيل: جاز له السلف وبيع المتاع إن كان مكيلا أو موزونا فله أن يأخذ كالنّاس. ومن أخرج [190] عبده لتجر فلا له أن يشتري للنّاس منه ولا من نفسه إلاّ إن أعلمهم.
وسأل رجل هاشما عن رجل لي عليه مائة درهم وهو سوقي، وأتاني قائل: اشتري لي متاعا فاشتريته من الذي عليه ذلك وحبست الدراهم لنفسي ولم أخبر القائل لي ذلك، فقال: إذا نصحت ولم تأخذ منه بالغلاء وأعلمت الذي اشتريت له أنّ لك على الرجل دراهم وقد حبستها لنفسك فرضي بذلك فلا بأس به. (4/327)
صفحة 1912
الباب الخامس والخمسون
في قبض المبيع والثمن وفي المشتري لغيره وفي المحاباة
ابن جعفر: كلّ من اشترى شيئا فعليه أن يقبض وينقد الثمن وعلى البائع أن يسلّم، وقيل: إنّ رجلا ابتاع من رجل طعاما وقال له: إذا أوفيتني أنقدتك الثمن، فجعل لا يقبضه فاختصما إلى شريح، فقال: أربطوه إلى سارية المسجد بإيماء منه بذلك حتّى يستوفي ويجبر على القبض والإنقاد، وقيل: لا يحكم بتسليم العروض حتّى يوفيّ المشتري الثمن، وقيل: لا يحكم عليه بإنقاده حتّى يقبض مشتراه، وقيل: يحكم بالتسليم والإنقاد معا لا قبل ولا بعد، وإن أنكر القبض من البائع فعليه البيّنة أنَّه قد دفع إليه ما باع له.
وقيل في رجل وصل إلى آخر فقال: بع لي عشرة أجربة حبّا لزيد بمائة درهم فبايعه وكال له، فإن اعترف زيد بذلك خيّر البائع في أخذ الثمن منه أو من المشتري، وإلاّ أخذ حقّه منه (157) وأخذ هو من زيد، وإن أمره أن يشتريه له حبّا فقال: إنَّه اشتراه له وتلف، فلا يلزمه الثمن إلاّ إن صحّ الشراء ببيّنة.
وإن اتّفق ذو السلعة مع رجل على أنَّه ينادي عليها والرجل يزايد عليها وفي نسخة يزاين، فإذا اشتراها طرح عنه من ثمنها كذا محاباة منه (158) لم يجز ذلك، وإن اشتراها غيره فما زاد منه لأجل الخداع فمردود على المشتري.
ومن أمر ــ قيل ــ رجلا أن يبيع له دابة فباعها لرجل بخمسة دراهم وقبض منه صرّة وقال له: إنّ فيها خمسة فصدّقه ولم يزن منه ولا أنقد له، فإنّه لا يجوز له تصديقه على مال غيره وجاز على نفسه، وضمن للآمر حقّه إن قبضه على التصديق، وكذا يضمن إن باعه نسيئة وغاب مشتريها أو بدراهم فيها زيوف، وله أن يخاصم فيها المشتري ويحلف ويستحلف لأنَّه ضامن. (4/328)
صفحة 1913
وكذا إن قبض منه الثمن بلا وزن ولا نظر وأرسلها إلى صاحب الدابة وردّ منها زيوف، وبعث بها إلى البائع وأنكر المشتري كونها من دراهمه وغابت معرفتها عن البائع، فقيل: إذا قبض منه الدراهم على تصديقه لزمه ذلك في الحكم إذا فارقه عليه قبل أن ينظرها إن أقرّ البائع بذلك أو بيّن عليه ويلزمه الضمان للمشتري ولربِّ الدابَّة، إذ لا يجوز للبائع الأمين أن يصدّقه في ثمنها بلا وزن وبلا نظر كما مرّ. (4/329)
صفحة 1914
الباب السادس والخمسون
في البيع والسلف على من عليه للبائع والمسلّف
فمن طلب ــ قيل ــ رجلا بدين فوكّل عليه فأخذ المطلوب من الوكيل وقضاه وقال: إنّما بايعتك لتقضيني (159) فلا بأس بذلك، لأنّ الحقّ لغير الوكيل؛ وإنّما يكره ذلك بين صاحبه وغريمه.
ومن يطلب إلى رجل دينا وعنده حبّ لرجل يباع، فباع له منه وتقاضاه لنفسه، فإن باع له بلا شرط أنَّه يشتري منه على أن يعطيه إيّاه فلا بأس به.
أبو عبد الله: من وكَّل (160) رجلا في بيع مال فاشتراه من لم تحضره الدراهم فقال له البائع: أنا أسلفك واقض الدراهم من ثمن المال، فاستسلف (161) منه وقضاه جاز له، لأنّ الحقّ لغيره، لا إن كان له.
ومن تسلّف من رجل مائة درهم بمائة مكوك بُرّا إلى أجل ثمّ احتاج فتسلّف من الأوّل مائة وخمسين درهما بمائة مكوك برّا إلى الأجل الكائن بينهما، فلم يروا بأسا بهذا.
ومن طلب إلى رجل دينا عليه له فلم يجد، فاقترض من رجل عشرة دراهم ليسلفه إيّاها ليتيم، ثمّ سلّفه وأشهد عليه بها له، ثمّ اقتضاها منه، قال الشيخ: أراه فاسدا، وقال ابن بركة: وإنّما رأيت الكراهة فيمن عليه لآخر دين فقال له: بع لي حبّا، ولم يقل له: لأقضيك إيّاه، فبايعه (162) حبّا بنسيئة ثمّ قضاه إيّاه، فقالوا: إنَّه جائز؛ وإن اشتراه منه ثانية وقضاه إيّاه، فقيل: يكره، وقيل: لا بأس ولو باعه له مرارا ما لم يكن شرط بينهما، وكرهه بعض، ولم يُجِز له بعض بيع هذا على هذه الصفة ولو نقدا، وأجازه بعض ولو نسيئة ما لم يقع شرط؛ وأمّا اشتراط أنَّه يقضيه إيّاه فذلك لا يجوز ولو بنقد، وقيل: لا بأس [191] به لا بنسيئة. (4/330)
صفحة 1915
ابن روح: من عليه لرجل حبّ فكاله له في وعاء ثمّ طلب إليه أن يبيع له خمسة أقفزة بربح إلى أجل، فكالها له على الذي كاله له من الدين، ثمّ عزل الرجل ناحية عن الحبّ وعرَّفه أنّ الخمسة هي بكذا وكذا إلى أجل، وكانت المقاطعة والصفقة في غيبة الحبّ عنهما، قال: أرجوا أنَّه جائز ما لم يحتجّ المشتري أنّ الحبّ نقص عن كيله أو أنَّه حدث فيه ما لم يعرفاه، ولا أرى للمشتري قبول قوله في ذلك بعد قبضه الحبّ ومغيبه به، وإنّما الحجّة له ما لم يغب به.
وقيل: فيمن عليه لرجل قرض جري حبّا ثمّ طلب إليه بيع جري إلى أجل بربح وهو يبلغ في الوقت خمسة وعشرين أو أقلّ أو أكثر، فقال له: أنت عندك لي جري قرضا فلا أبايعك حتّى توفّني إيّاه، فقال له: سلّم إليّ جريا واحسبه دراهم مع القرض إلى أجل، فقال له: لا يجوز ذلك وأنا أبايعك الجري بخمسين، ونويا للجريين معا ولم يكن بينهما شرط في ذلك، قال فعلى هذا إن أخذ منه الجري القرض والخمسين وكانت في الحين لا يتغابن في مثله في بيع الحبّ فهو جائز، لا إن كان يأخذها على الجريين؛ وقيل: يجوز إذا لم يشترطها لهما معا وله الخيار في حبّه في أخذه أو تركه وإحلاله منه.
أبو الحسن: من له على رجل حبّ مسمّى أو دراهم وقال له: اشتر منّي كذا وكذا حتّى أقضيك، ثمّ يتّفقان على الثمن ثمّ يرافعه بما عليه، فإن كان من غير السلف فإذا اشترى منه بدراهم ثمّ رفع له الدراهم ممّا عليه له جاز ذلك، وأحسن منه أن يقرض له تلك السلعة بدراهمه؛ وأمّا إن بايعه بحبّ وعليه له حبّ فلا بدّ من كيلتين؛ وكذا إن كان لرجل على آخر حبّ مسمّى فيأتيه بدراهم فيقول له: بع لي حبّا لأقضيك فإن كان لا من السلف فباع له الحبّ جاز، ولا بدّ من كيلين؛ وكذا إن باع له حبّا بنقد فأعجزه الثمن، وقال للبائع: اِحسبه عليّ ثمنا بنسيئة، فإنّه لا يجوز، ولكن إن أحضر شيئا من الحبّ وباعه بنحو ذلك إلى مدّة اتّفقا عليها فهو جائز. (4/331)
صفحة 1916
الإمام عبد الملك: من طلب رجلا بدراهم فقال له: أسلفني وأقضيك حقّك، فقال: لا دراهم عندي ولكن اقترض من فلان وأسلفك، ففعل وأعطاه حقّه وسلّفه فهو سلف به أساس يفسده.
ومن له على رجل جري برّ سلفا فعدمه فباع الطالب له جري برّ بالدراهم فاشتراه المطلوب وقبضه ثمّ أخذه الطالب بالقهر بما له عليه، فإذا ثبت البيع واستحقّ الحبّ ولزمه تسليمه، فلا يسعه الاِمتناع، وقد وصل الطالب إلى أخذ حقّه بالغلبة، ولا يلزمه ضمان إن لم يقدر على الإنصاف منه بالحكم.
وفي الأثر من عليه لرجل جري حبّا قيمة سمك باعه له حالاًّ (163) وعلى الرجل مثله سلفا فإنّه لا يقاصصه به، قال: بلا خلاف؛ وإن كان عليه لرجل جري حبّ من قبل بيع مؤجّل أو سلف وعلى الرجل له مثله سلفا فهل يجوز أن يقاصصه سلفا فيه؟ قولان. وكذا إن كان عليه له (164) ذلك من قبل أجرة، وعلى الرجل له ذلك سلفا ففي المقاصصة أيضا قولان. (4/332)
صفحة 1917
الباب السابع والخمسون
في قبض البائع بعض الثمن وتركه وما يجوز من ذلك
ابن محبوب: ومن دفع إلى رجل متاعا وأمره أن يبيعه له فباعه له ولم يقبض الثمن، فلمّا قدم إلى عُمان سأله عن متاعه فقال له: بعته كما أمرتني ولم تأمرني بالقبض، قال: فعليه أن يخرج بنفسه لقبض حقّه أو يوكّل من يقبضه له، وعلى البائع أن يجمعه مع المشتري؛ فإن أبى حبس حتّى يفعل ــ وإن بخروج ــ ولا يحكم عليه بالثمن؛ وإن قبضه وضاع من يده فلا يضمنه ولو لم يأمره صاحبه بقبضه.
ومن باع بضاعة على من لا يعرفه وتكفّل له عليه كفيل فله أن يسلّم الثمن إلى الكفيل أو إلى ربّها ويبرأ بذلك، إلاّ إن اشترى الكفيل ذلك لنفسه ثمّ باعه لمن تكفّل عليه.
أبو الحسن: إن كان بين رجلين مال أو دابَّة فباعه أحدهما وأتمّ البيع شريكه وسلّم المشتري الثمن للبائع وجحده عن شريكه وهو لم يأمر المشتري أن يسلّمه إلى البائع، فإنّ المشتري ضامن لمنابه؛ وإن لم يعلم أنّ [192] له فيه شريكا فلا شيء عليه؛ وإن علم أنّ للبائع عليه شركة بعد البيع وقبض الثمن وأتمّ من صحّت شركته البيع بعد فثمن حصّته على المشتري، ويتبع البائع فيما دفع من ثمن حصّة الشريك؛ خميس: وهذا يتّسع القول فيه.
أبو سعيد: من أعطى رجلا ثوبا يبيعه له لا بأجر فباعه له وقبض الثمن فضاع، لزمه الضمان إذا لم يخرجه حكم تعارف وقضاء في القبض. واختلف في تسليم الثمن إلى بائع سلعة غيره، فقيل: له الخيار في الدفع إلى ربّ المال أو إلى البائع؛ وإن دفعه إلى البائع ليسلمه إلى ربّ السلعة فتلف فمن مال المشتري، لأنَّه أمين له، والثمن عليه باق؛ وإن لم يعلم أنّ المال لغير البائع وقبض الثمن فلا شيء على المشتري، وقد مضى (4/333)
صفحة 1918
ما يلزم البائع إذا تلف ولم يأمره ربّ المال بقبضه؛ وإن أعطاه الثوب يبيعه بأجر مسمّى فباعه وقبض الثمن فتلف ولم يعلم المشتري أنّ المال لغيره، فقد مضى الخلف فيه على قول من لا يجيز قبض ثمن العروض من المشتري، وهذا إن وقعت الأجرة على بيع الثوب لا على حمل الدراهم، وإن كانت عليهما فإن صحّ تلف الدراهم فهو كعامل بالأجرة، ولا أعلم من يُلزمه الضمان إذا صحّ التلف، وإلاّ قال: فعندي أنَّه في قول أصحابنا أنّ على العامل بالأجرة ضمانا إن ادّعوا التلف ولم يصحّ.
أبو الحواري: من باع عبدا بحبّ فلمّا طلبه عند مشتريه قال: لا حبّ عندي ولكن خذ منّي دراهم على سعر البلد، فقد أجاز ذلك بعضٌ، لا إن بايعه (165) إلى أجل.
ومن باع لرجل سلعة بعشرة دراهم صحاح فلم تحضر له، فللبائع أن يأخذ بها إحدى عشر كسورا، وقال أيضا في مشتر من رجل جري حبّ بعشرة دراهم إلى الصيف، فلمّا حلّ الأجل الذي بينهما طلب حقّه منه، فقال له: لا دراهم عندي ولكن أقضيك بدراهمك برّا، فاتّفقا على ثلاثة مكاكيك بدرهم: إنَّه جائز، إلاّ أنَّه كره بعض (166) أن يأخذ منه ذلك الجري بعينه.
أبو سعيد: من عليه لرجل جري برّا لا من أجرة ولا من سلف ولا بيع إلى أجل ولا من ربا فله أن يأخذ به ذرة على ما اتّفقا عليه؛ وإن صار إليه من هذا الحبّ لا من تلك الوجوه، وكان على وجه الحرام كغصب أو بحاكم يعلم أنَّه مبطل في حكمه، فقيل: له في هذا أن يأخذ ما اتّفقا عليه، وقيل: لا إلاّ رأس ماله، لأنّ ذلك من وجه الحرام، فأحكامه أحكامه، وعليه التسليم والتوبة، والمختار الأوّل؛ وما كان كالرشوة وأجرة الزانية والنائحة وشاهد الزور، فلا يجوز فيه الحلّ ولا يأخذ به غيره. (4/334)
صفحة 1919
الباب الثامن والخمسون
في البيع اللاَّزم فيه الضمان
أبو محمّد: من دفع إلى رجل حبّا يبيعه له ويأتيه بالثمن فباعه على رجل وأنكره الثمن، فإن باعه إلى أجل لزمه الغرم لتعدّيه أمره؛ وإن باعه بنقد فقد جاء في الأثر أنّ الوصي إذا باع مال الهالك به على مِلِّيٍّ ولم يزن له ثمّ مات المشتري ومات الشهود أو غابوا، فلا يلزمه الغرم؛ ولزمه إن باع لا لملِّيٍّ، وليس بأشدّ من الهالك إلاّ إن باعه ولم يشهد عليه فلا آمن عليه الغرم؛ وكذا إن باعه لمعروف بقطع أموال النّاس.
واختلف في دافع لآخر حبّا أو متاعا ليبيعه له ولم يقل له: بنقد ولا (167) نسيئة فباعه بها، فقيل: لا ضمان عليه، لأنّ النّاس يبيعون وإن بها، وقيل: يلزمه، والمختار الأوّل، إلاّ إن حجّر عليه أن يبيع بها فخالف؛ وضمن أيضا إن باعه لمفلس أو عبد وإن لم يَعلَمهما، لإتلافه مال الرجل كما مرّ. وإن أمره أن يبيع بنسيئة فباع بها ولم يرض المشتري بشيء لم يلزمه غرم.
ومن أعطى ــ قيل ــ رجلا حبّا يبيعه فأتاه عون جبّار فطلبه بشرائه فبايعه على أن يزن له الثمن، فلمّا صار الحبّ عنده منعه الثمن وهدّده بالضرب، فقيل: إنّ البائع للنّاس ــ وإن بلا أجر ــ إذا لم يخرج ثمن ما باع به من أموالهم بعد أن أذنوا له ببيعها ولم يحجّروا عليه فلا يضمن، إلاّ إن باع لمفلس لما به أو لغيره مأذون له في البيع، أو لمعروف بالمطول أو بالظلم في المعاملة، فإن باع لأحدهم فقيل: يضمن لأنّ أعوان الجائر موسومون بالظلم في ظاهر الأحكام، حتّى يخصّ أحدهم معنى يزيله عنه. وإن وزن له الثمن ذلك العون على سبيل البيع فطلب أن يزيده فأبى فأخذ [193] الحبّ (4/335)
صفحة 1920
والدراهم معا غلبة منه عليه ولم يقع بيع باللّفظ، فأمّا في الحكم، فإذا سلّم إليه مال غيره بلا بيع يثبت فيه وإنّما أذن له به فهو مخالف لما أمره به ويضمن، وأمّا في الاطمئنان فإن كان على بيع التعارف فلا يضمن من طريقه إلاّ ما أحدث الظالم بظلمه في أخذ الأمانة من يده، ولا سلّمها ولا فرّط في حفظها فلا يلحقه ضمان على هذا الوجه. (4/336)
صفحة 1921
الباب التاسع والخمسون
في بائع ماله ومال غيره وفي بيع المشاع
وإن باعت امرأة على رجل منزلا لها ولأولادها صغار أو كبارا وقد مات أبوهم أو غاب، وقالت إنَّها تعدّت عليهم في بيعه، وادّعى مشتريه أنَّها شرطت على نفسها الشروى له، فقيل: بيعها لا يثبت لإدخال نصيبهم منه فيه، إلاّ إن صحّ بحقّ يوجبه الحكم، وأمّا منابها فقيل: يثبت عليها، وقيل: لا إن اتّحدت الصفقة لاشتمالها على جائز وغيره؛ وإذا لم يثبت هذا فلا حجّة للمشتري على الأولاد، ويمنع في الحكم عن منابهم؛ وإن ادّعت وكالةً من أبيهم ــ إن حيي ــ أو الوصاية إن مات وقبلت بالشروى فذلك ثابت عليها إن شرط عند البيع.
وإن كانت أرض أو نخل أو ماء في خبائر فباع أحد الشركاء منابه من بعض ذلك في الشياع وبقيت في بعضه أو باعه كلّه أناس لكلّ منهم شيئا منه فأرى أن يعدله العدول من الخبائر بالقيمة، ثمّ يقسمونها على سهام الشركاء، فإن وقع مناب البائع بالتأليف فيما باعه تمّ بيعه؛ وإن وقع في غيره فإنّه منتقض، لأنَّه ضرر على الشركاء ويعيدون قسمه ويجمع لكلّ منابه في موضع؛ وكذا في الأرض والنخل والمنازل. وأمّا الشركاء في الدواب والعبيد وما لا يتجزّأ فإنّه لا يثبت بيعه مشاعا، إلاّ على الشريك، وقيل: يباع ويقسم ثمنه إن لم يتّفقوا على قسمه بالقيمة، وقيل: يستخدم العبد بالأيّام كالدابة كما مرّ.
وقيل: يجوز للشريك بيع منابه مشاعا وإن لا للشريك وما لا يتجزّى كالأسلحة والأواني فلا يجوز لأحد أن يبيع منابه منه مشاعا لغيره ولا من مشترك لمن يتعدّى على شركائه ويظلمهم ويضمن الضرر إن فعل. وكذا في الهبة والإقرار والعطيّة لمن لا يؤمن ضرره عليهم. (4/337)
صفحة 1922
الباب الستِّون
في بائع ماله وفيه عامل
أبو عبد الله: من باع لرجل نخلا وهو بيد عامله ولم يشترط عليه أنَّه يعمله ولا أعلمَه به فلمّا صار بيده أبى أن يتركه في يد العامل، وقال هو: قد دخلت في عمله ويبقى بيدي حتّى يحصد تمره، فإن اشترى النخل وفيه تمر غير مدرك، فإن أبى أن يمضي العامل فيه أو نقض البيع فذلك له ما لم يشرطه البائع عليه؛ وإن تمسّك المشتري بالبيع فعمل العامل ثابت عليه، لأنَّه اشترى نخلا لم يدرك تمره واستحقّ ذلك بالبيع.
أبو علي: في عامل مالا لرجل ثمّ باعه ولم يشترط فأراد المشتري أخذه أنّ العامل أولى بعمله، ولا ينزع منه لدخوله فيه حتّى يأكل تمرته، وللمشتري نقض البيع إن شاء، إلاّ إن استثنى البائع عليه وعرفه العامل فلا حجّة له حينئذ، وللعامل عمله على كلّ حال.
ومن يعمل نخلا ثمّ باعه صاحبه واختلف العامل والمشتري عند تلقيحه فالعامل يتبع النخل بعمله، والمشتري يتبع البائع بما لحقه به العامل، فإن لم يعلم أنّ لها عاملا، وأراد نقض البيع كان له، وعلى العامل العمل حتّى تستغني التمرة عنه.
ومن باع مالا له عامل فعمله ثابت فيه على كلّ حال، وجاز نقض البيع.
ومن يعمل لآخر مالا فله في حكم التعارف أن يشتري من عنده مثل الباذنجان وغيره مطلقا؛ وإن لم يخرج في معنى التعارف لم يجز الشراء منه إلاّ إن كان ثقة، لا في القضاء إن كان ذلك في موضع الزرع من الضاحية نفسها، ولا بأس إن غاب ذلك. (4/338)
صفحة 1923
الباب الحادي والستّون
في بائع مال غيره بلا حجّة
أبو محمّد: من باع مالا لأحد بلا موجب ثبوت بيعه ومجيز له، ثمّ انتقل إليه بإرث أو غيره إن لو لم يبعه فرجع يطلب نقضه، وقال: إنِّي بعته بلا حجّة تجيز لي بيعه، ولا يلزمني إلاّ ردّ ما أخذت، فقيل: هو تام ولا رجوع له، وله الرجوع عند ابن عثمان. أبو سعيد: عندي أنَّه إذا باع المال قبل أن يملكه فالبيع باطل، إلاّ إن أتمّه ربُّ المال قبل موته؛ فإن رجع المشتري عن البيع قبل أن يتمّ ربّه فعندي أنَّه فيه خلاف؛ وإن لم يرجع حتّى أتمّ البيع فعندي أنَّه لا خلاف في ثبوته على المشتري؛ وإن مات [194] ربّ المال قبل إتمام البيع وانتقل إلى البائع من ربّه فلا خلاف في ذلك، لبطلان أصل البيع منه، وليس انتقاله إليه بعده على الباطل بموجب عليه بيعه باطلا، وهذا ــ كما قال ــ يشبه موضع الخلاف، فله الرجوع بأيّ وجه انتقل إليه بعد أن باعه بلا حقّ، إلاّ إن أتمّه بعد أن صار إليه.
وجاء الأثر في قوم غصبوا رجلا مالا وهم وُرَّاثه (168) فباعوه لرجل ثمّ مات وورثوه أنّ بيعهم لا يتمّ إلاّ إن أتمّوه بعد أن ورثوه؛ وما استغلّه المشتري قبل موت المغصوب منه فكالغاصب إن علم كعلمهم؛ وما استغلّه بعده فكزارع بسبب.
أبو المؤثر: من وقع على مال رجل فباعه لآخر لا مدّعيا فيه وكالة ولا أمرًا (169) فبلغ ذلك ربّه فأجاز البيع وأشهد على ذلك، ثمّ رجع المشتري وقال: إنّما بعت لي ما لا تملك، وقال ربّ المال: قد أتممت له البيع، فإن أتمّه قبل رجوعه فقد تمّ ولا رجوع له؛ وإن كان بعده انتقض؛ وإن رجع البائع وتمسّك المشتري ثمّ أتم صاحب المال، فالبيع تام ورجوع البائع ليس بشيء. (4/339)
صفحة 1924
ومن له حصّته في مال فباعه كلّه، فقيل: تثبت (170) حصّته، وقيل: لا، لاشتماله على جائز وغيره؛ وإن كانت فيه حصّة (171) ليتيم وبيعه أصلح له وكان ممّا يجوز له ثبت بيعه في حصّته أيضا على المشتري، وعليه الثمن وثبتت (172) بذلك حصّة البائع إن كان بينهما فقط.
أبو سعيد: من باع لرجل مالا أو بعضه وربّه حاضر ولم ينكر، فقيل: يثبت، وقيل: لا، فعند مثبته الثمن لربّ المال وليس للمشتري دفعه إلاّ إليه، ولعلّ بعضًا يخيِّره (173) فيه له وللبائع؛ فإن ادّعى أنّ المال له وباعه ولم يغيّر عليه غيره، فإن لم يكن بيد المدّعي فالخلاف في ثبوت البيع ودفع الثمن على ما مرّ؛ وإن لم يدَّع أنَّه له وعلم ربّه بالبيع ولم يغيّر بطل البيع.
وقالوا: لا يجوز بيع أحد الشركاء مال شريكه إن ادّعى أنَّه أمره به في الحكم إلاّ بالصحّة، وأمّا في الاطمئنان فإن صدَّقه ولم يشكّ في قوله ذلك، ولم يكن غائبا وكان بالغا عاقلا وأمكن صدق قوله لم يضق على متوسع في ذلك بشيء ممّا مرّ من البيع والعطيّة والمشاركة.
وإن كان في المال حصّة ليتيم وقال: إنَّه يعوّض له بدلا عمّا باع له، لم يجز في الحكم، وأمَّا في الاطمئنان فإن كان ثقة وتبيّن من أمره موجبا جواز بيع ماله ولم يرتب في تصديقه فيه (174) لم يضق عليه من طريق ذلك؛ وأمّا أن يبيع ماله لحاجته هو ويعطيه بدله أصلا أو ثمنا فلا يجوز، لأنّ ماله لا يباع ولا يناقل به إلاّ بصالح له؛ فإذا بلغ وعلم ببيعه ولم ينكره ولم يكن في حال تقيّة، ففي ثبوت بيعه على ذلك خلاف؛ وأمّا قول البائع أنَّه أتمّ له البيع بعد بلوغه فلا يجوز في الحكم، وأمّا في الجائز إن كان ثقة لا يرتاب في تصديقه جاز لمصدِّقه عليه.
أبو علي: إذا ادّعى أحد الشريكين في الأرض أنّ مناب شريكه منها قد انتقل إليه وأراد بيعه لم يجز في الحكم أيضا، وجاز في الاِطمئنان ــ على ما مرّ ــ؛ فإن أنكر شريكه في ذلك لم يقبل قوله عليه إلاّ ببيان. (4/340)
صفحة 1925
ومن اشترى من رجل أرضا فيما بينهما بلا إشهاد ولا إحضار أحد، ثمّ باعها البائع الآخر أيضا وأشهد على ذلك، فليس للمشتري الأوّل أكل ثمرتها سرّا إن كان الثاني لا يعلم بالبيع الأوّل، لأنَّه ليس بغاصب؛ وإن علم وتعمّد الشراء بعد الأوّل فللأوّل أن يأكلها لأنَّها ماله، وله أن يدّعيها علانية على من هي بيده.
ومن باع ما لغيره، وادّعى أنَّه أمره ببيعه فلربّه نقض البيع إن لم يصحّ أنَّه أمره به أو وكّله عليه قبل البيع. (4/341)
صفحة 1926
الباب الثاني والستّون
في بائع مال حاضر ولم يغيّر
أبو سعيد: اُختلف في تمامه ونقضه، فقيل: جائز، وقيل: لا؛ فعلى الإجازة يسلّم المشتري الثمن إلى ربّه؛ وإن باعه مدّعيا أنَّه له ولم ينكر عليه الحاضر قال جاز البيع ويسلمه، وقيل: على الخلاف السابق.
عزّان: من باع مال زوجته بلا صحّة وكالة ولا أمر منها وعلمت ببيعه ولم تغيّر، والمال بيد مشتريه سنتين، ثمّ غيّرت وطلبته، قال: ولعلّها مقهورة أو خائفة [195] منه فلها أن ترجع فيه ويلزمها يمين: ما أمرتُه ببيعه ولا رضيتُ به بعد العلم، كذا قال، والذي حفظناه: أنّ اليمين يلزم على الإقرار بالرضى لا عليه، غيره: إنّ ذلك يجوز على ربّ المال إذا علم ببيعه ولم يغيّر وبطلت حجّته، ولو كان البائع زوجا أو والدا؛ وإن ادّعى التقية لزمته بيّنة بالتغيير جهرا إن أمكنه، وإلاّ أشهد عليه سرّا أنَّه لم يمنعه منه جهرا إلاّ الخوف منه أو من المشتري أو منهما، وقيل: له الرجوع ما لم يمت هو أو أحدهما، وإن مات أحدهم وقد علم هو بالبيع ثبت عليه.
وإن علم يتيم ببيع ماله بعد بلوغه ولم يغيّر ثبت عليه في الحكم، وقيل: لا، إلاّ أن يدّعى عليه بعده فلا يغيّر، أو يموت المشتري بعد بلوغه وعِلْمِه بالبيع ولم يغيّر. (4/342)
صفحة 1927
أبوسعيد: من باع لآخر مالا ثمّ غيّر ربّه وأراد أخذه وامتنع مشتريه فعلى بائعه قيمته، ثمّ هل هي يوم باعه أو يوم طلبه؟ فإن كان مغتصبا لزمه أفضلهما. وقال أيضا: من باع مال أحد بلا أمر ولا وكالة، أو أعتق عبده، أو طلّق زوجته، أو فعل في ملكه مزيلا له منه، أو إثبات حكم ممّا يثبت من فاعل في ماله، أو يجوز له فعله فيه لو فعله، فلمّا بلغه فعله فرضي في نفسه وأجازه بقلبه جاز عليه ــ وإن لم يتكلّم به ــ ولا رجوع له بعد، ولا يسعه، ولا نعلم فيه خلافا، إلاّ أنَّه ثابت عليه عند الله، ولا يلزمه في الحكم إلاّ ما أظهره بلسانه وصحّ عليه من إقراره، وبهذا يستفاد ما حفظناه أيضا من كتب المغاربة كما مرّ قريبا. (4/343)
صفحة 1928
الباب الثالث والستّون
في البيع على مشورة فلان
فإذا تبايع رجلان سلعة على ذلك فلا يثبت ــ قيل ــ ولو رضي فإن تبايعا على رضاه ورضي ثبت وإلاّ فلا، وقيل: إنّ المشورة موقوفة إلى من علّقت إليه إمّا أن يقبل أو يردّ، وقيل: لا يلزم البيع فيها إلاّ باختيار منهما ويلزم برضى فلان، وقيل: كلّ بيع فيه مثنوية أو شرط فهو منتقض.
البسياني: من اشترى من رجل دابة على مشورة عشرة أيّام فنتجت قبلها ثمّ تنازعا فيها، فللمشتري النقض إن كانت في يده لأنّ الخيار له، وإن كانت في يد البائع ثمّ تناقضا في بيعها، فقيل: له من النقض ما للمشتري، وقيل: إنَّه لمن له الخيار والمشورة.
أبو سعيد: إن باع رجل لآخر نخلة على مشورة زيد فوقعت قبل أن يشير عليه، فمن مال المشتري لتعلّق ضمانها عليه بالبيع والمشورة كالخيار. (4/344)
صفحة 1929
الباب الرابع والستّون
في بيع الخيار وما فيه
فقيل: إنَّه غير ثابت لأنَّه وقع على تحليل التمرة لا على الأصل، وكأن هذه (175) حيلة عليه؛ واحتجّوا في تحريمه بأن قالوا: لمّا صحّ عندنا أنّ بيع الخيار المراد به الثمرة، قلنا بفساده وكان موافقا لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أجبى فقد أربى».
وقيل: إنَّه جائز وثابت واحتجّوا بقوله تعالى: {وأحلّ الله البيع} (سورة البقرة: 275) الآية. وبما روي: «المسلمون على شروطهم»، فالخيار في البيوع جائز إذا شرطه أحد المتبايعين إلى معلوم، فقيل: لا يجوز شرطه فيها إلى أكثر من ثلاثة أيّام وهو قول الشافعي والنعمان بن ثابت، وقال ابن أبي ليلى وابن صالح ومن وافقهما: إنَّه جائز إلى ما جعلاه بينهما إن كان معلوما، واحتجّ مجيز البيع إذا شرط فيه الخيار إلى معلوم ولو أكثر من الثلاثة بالرواية السابقة.
أبو سعيد: إنّه المختار عندنا إن علم الشرط، وقيل: إنَّه في الثوب ونحوه يوم أو ضعفه، وفي أكثر منه الجمعة والخمسة وفي مثل الدار الشهر، وفي الحيوان ثلاثة أيّام لاحتياجه إلى العلف، وأبطل ابن أبي ليلى والثوري والأوزاعي وأصحاب الرأي البيع إذا شرط فيه الخيار لا إلى معلوم، وأثبته ابن حنبل وإسحاق.
خميس: ووجد بخط أحمد بن صالح إذا شرط الخيار للمشتري في البيع فعلى الشفيع إذا علم طلب شفعته منه لا إن شرط للبائع أو لهما حتّى يصحّ البيع، وقيل: لو باع رجل بقرا أو غنما أو إبلا على أنَّهما أو أحدهما بالخيار ثلاثة أيّام، فحال الشهر الذي يؤدّي فيه البائع [196] زكاته في أيّام الخيار، فهي عليه لتعلّق حكم المبيع عليه.
وإن اختلف المتبايعان فيه فقيل: يقبل قول البائع مع يمينه إن أقرّ بالبيع والخيار معا، والأكثر منا على أنّ القول فيه قول المشتري مع يمينه، لأنّ البائع قد أقرّ له بالبيع (4/345)
صفحة 1930
وادّعى الخيار عليه، وإن اختلفا في انقضاء المدّة فادّعاه المشتري (177) ونفاه البائع قُبل قول المشتري، لأنّ المبيع قبل قول المشتري، لأنّ المبيع في يده والبائع مدّع عليه ثبوت الخيار فيه فعليه بيّنة بانقضاء مدّته.
وإن اتّفقا على بقائها واختلفا في الثمن ودفعه المشتري للبائع واختار ردّ البيع وردّ ما قبض من المشتري، فقال: دفعت لك ألفا؛ وقال هو: دفعتَ لي نصفه والقول في هذا قول البائع مع يمينه لأنَّه ضامن تسليم الثمن للمشتري وعليه البيّنة في الزيادة عند الأكثر.
واختلف في السلعة إذا تلفت في يده قبل الوقت، فعند أصحاب الرأي أنّ الخيار إذا كان للبائع أو لهما فتلفت في يده فمن ماله وانتقض البيع (178)، وإن تلفت عند المشتري لزمته قيمتها لأنّ الخيار للبائع، وإن كان للمشتري فعليه ثمنها وتلفت من ماله، وهذا قال أبو سعيد: حسن.
وقيل: إن تلفت بيد البائع انتقض البيع لأيّهما كان، وإن تلفت عند المشتري فعليه القيمة لأيّهما كان أيضا ونسب للشافعي. أبو سعيد: إنّه جائز عندنا وأكثر ما يصحّ عند أصحابنا أنّ الخيار إذا كان للمشتري وتلف المبيع من يده فعليه الثمن، وقيل: القيمة، وقيل: إن تلف بيده وكان الخيار للبائع فلا شيء عليه لأنَّه أمين فيه. وإن تلف بيده وكان الخيار له لزمه ما اشتراه به وهو قول أبي ليلى.
أبو سعيد: الكلّ جائز والمعتمد عندنا أنّ الخيار إذا كان للبائع أو لهما وتلف من يده بطل البيع، وإن كان لهما وتلف من يد المشتري فعليه قيمته، وإن كان للبائع وحده فتلف من يد المشتري لزمته أيضا، وقد يحسن كونه أمينا ولا عليه، وإن كان له وحده وتلف من البائع فالأكثر أنّ البيع منتقض وكان من ماله؛ وقيل: من مال المشتري بالثمن؛ وقيل: بالقيمة والفرق بينهما أنّ الثمن ما اتّفقا عليه والقيمة ما يقوّمه العدول. والمختار في هذا انتقاض البيع ويكون تلفه على البائع إذ هو بيده. (4/346)
صفحة 1931
ابن محمّد: إذا تلف في يد المشتري والخيار له فمن ماله، وإن كان للبائع فخلاف: فعند أبي الحواري أنّ التلف على البائع وللمشتري دراهمه لأنَّه لا خيار له ولا يملك حلّ ذلك العقد وهو للبائع دونه ولذا لزمه.
فصل
من اشترى أرضا على الخيار إلى مدّة وبنى فيها أو عرضها للبيع أو دابّة فركبها أو ثوبا فلبسه، فذلك رضى منه به ولزمه، وكذا إن انقضت المدّة ولم يردّه فقد لزمه، إلاّ إن صحّ أنَّه نقضه فيها. وكذا إن كان جارية فوطئها فقد لزمته، وقيل: إن وطئها ولم يرضها فعليه عقرها ويردّها إن صدّقه البائع، وإلاّ لم يلزمه واختير الأوّل.
ومن باع مثل كبش على الخيار إلى ثلاثة أيّام فجزّه أو نعجة فحلبها لزمته، ولا يجد الردّ وإن اتّفقا على الإقالة فلا ردّ عليه في الغلّة وهي له دون البائع، لأنَّها بالضمان والإقالة بيع ثان لأنَّه حين جزّ أو حلب فقد رضي بالمبيع وكان مالا له.
ومن اشترى جارية عل خيار ثلاثة أيّام فاستغلّها ثمّ أراد ردّها، فإن استعملها بلا إذن البائع لزمته والغلّة له، وإن وقع الشراء على أن ينظر قلَّة غلتها من كثرتها وأذن له بذلك ولم تعجبه فعليه ردّها وغلّتها، وإن وقع على أن ينظرها في شأن معيشتها وضيعتها وكان لذلك أجر وأذن له به أيضا، قال: فلا يعجبني لزوم الأجر وفوق ثلاثة أيّام في الحيوان ضرر؛ وقيل: له من غلّتها قدر ما أنفق عليها في المدّة ويردّ الفضل.
أبو سعيد: من اشترى شيئا على خيار الثلاثة ومات، فقيل: يثبت لوارثه في باقيها، وقيل: لا وقد انقطع ويثبت البيع ولا حجّة للبائع عليه كعكسه في ردّ البيع.
أبو عبد الله: من باع لرجل ثوبين على الخيار في الثلاثة في أخذ أيّهما شاء بعشرة، فإنّه جائز وإن هلك قبل أن يردّ أحدهما ضمن ثمن واحد فقط، لأنَّه أمين في الآخر، وإن هلك أحدهما [197] ردّ الباقي على البائع وعليه الثمن الذي تلف، وإن عيب أحدهما وإن بِلا سبب لزمه ثمنه كلّه ويردّ الباقي وكذا في أكثر منهما. (4/347)
صفحة 1932
ومن اشترى جارية على خيار الثلاثة ثمّ أراد ردّها فيها وقد حدث بها عيب عنده، فقيل: له ردّها وأرشه، وقيل: لا إلاّ إن برئت منها وإلاّ ثبت عليه البيع وإن وطئها فيها، فقيل: وطئها رضى بها، وقيل: لا كما مرّ ويفسد عليه وطؤها ولو ملكها، فمن أجاز له ردّها بعده أوجب عليه عقرها لربّها وغلّتها إن أشغلها في الأيّام، ويقطع منها ما أنفق عليها وإن ماتت قبل برئها من عيبها فهي من ماله لأنَّها (179) بيده بالبيع، وقيل: إن وطئها ثمّ ظهر بها فله ردّها ونقصها به إن كانت بكرا نصف عشرها ولا ينقص الثيّب ويردّها بالعيب وقد مرّ ذلك، وإن شاء أمسكها وأخذ الأرش، وقيل: له الأرش لا الردّ وهو الأصحّ والمختار، ولا تلزمه بملامسة فرجها ونظره.
ومن اشترى عبدا بالخيار فمات في الثلاثة فإن قطعا له ثمنا فمن ماله، وإلاّ فمن البائع كما مرّ.
ومن اشترى دارا كذلك ثمّ اشترى أخرى تشفعها الأولى قبل انقضاء الثلاثة فهو رضى منه بالبيع وثبت عليه، وقيل: لا يلزم البيع بعروضه للبيع حتّى يبيعه، وقيل: ولو باعه والثمن للأول إن كان في المدّة ما لم يرضه، وكذا إن انقضت ولم يردّه فقد لزمه إلاّ إن صحّ نقضه فيها، وإن مات أحدهما فيها، فقيل: لوارثه ماله، وقيل: الخيار لا يورث كالشفعة وقد مرّ.
ومن اشترى عبدا على الخيار فأراد ردّه في المدّة فأنكر البائع كونه عبده قبل قول المشتري وإن مات عنده والخيار له لزمه كما مرّ. وإن مات فيها عنده والخيار للبائع فقيل: لا يضمنه، وقيل: عليه قيمته يوم مات وإن مرض في الأيّام أو جنى فإن اختاره لزمه وإن اختاره ردّه فحتّى يبرأ أو يخلّصه من الجناية، وإن مات بذلك فمن ماله وإن كان الخيار للبائع وقد قبض الثمن فلا نقض إلاّ بإحضاره، وإن أذهبه للمشتري أن يستغل المال إلى أن يحضر البائع ما تبايعا به، وإن وضعه عند ثقة وأشهد على نقض الخيار وتلف الثمن من الأمين فمن ماله ما لم يقبضه المشتري أو وكيله، ولكن إذا أشهد (4/348)
صفحة 1933
البائع بقبض المبيع في المدّة ورفع الثمن قبل انقضائها وتلف من الأمين فله الرجوع في ماله، ويحضر الثمن إلى ثلاثة أيّام كالشفعة، وقيل: لا أجل عليه.
واختلف في بيع أصل المبيع بالخيار، فقيل: يجوز ويكون بيد المشتري إلى المدّة فإن فسخ مشتر الأصل منه الخيار فيها صار المال له، وإن انقضت قبل فسخه صار أصلا للمشتري بالخيار. (4/349)
صفحة 1934
الباب الخامس والستّون
في النقود وما جاء فيها
فمن باع رجلا أو سلفه بدراهم عدنية إلى أجل وأظهر السلطان قبله غيرها، وجعل قيمتها فوق الأولى، فإن شرط البيع بدراهم معلومة كان له ذلك الجنس، وإن باع بكذا وكذا درهم لا محدود ولا موصوف فله نقد البلد يوم نقضه، وفي القرض قيل: إنَّه له مثل دراهمه بصرفه دنانير، وقيل: له قيمتها به دنانير أو صرف ذلك من الدراهم الجائزة في وقته.
وفي البيع قيل: يثبت؛ وله نقد البلد يوم يحكم عليه بالتسليم. وإن شرط البائع دراهم وضحا فهي الوضح المعروفة عند أهل البلد من نقدهم، وقيل: الوضح هي الجيّدة لا الصحاح ولا له صحاح في شرطه هذا.
وإن شرطها لم يعط كسورا ولا يأخذ إلاّ سالمة من قطع وغيره صحيحة، وهو ضدّ الكسور، والنقاء ممدود اسم للصحيحة الخالصة التي لا غشّ فيها أخذا من النقاوة.
ومن باع لرجل قطعة بعشرة دنانير وعند القضاء قال له: لا آخذ إلاّ دنانير لا تزيد ولا تنقض، وقال له المشتري: أعطيك الجائز بين النّاس؛ فله مثل ما يتبايعون به في زمانهما إلاّ إن شرط عليه عند البيع فله ما شرطه.
ومن سرق من رجل ألف درهم ممّا يجوز بين النّاس يوم سرقها، ثمّ استهلكها ثمّ طرحت تلك الدراهم فصارت لا تسوى شيئا، فلربّها أفضل قيمتها [198] يوم سرقها أو أذهبها دنانير.
وإن بقيت المسروقة بعينها فردّها فلا عليه غير التوبة والقرض مخالف للسرقة لأنَّه صار دينا عليه فلا له أن يقضيه إيّاها بعينها، وقد طرحت ولو بقيت عنده وعليه أن يقضيه نقد البلد أو النّاس يوم طلبها إليه، ولا ينظر إلى غلائها ورخصها إلاّ أنّا نستحسن أنَّه إن كانت التي أقرضه إيّاها مكسورة تسوى ثلاثين بدينار، ورجع النقد (4/350)
صفحة 1935
صحاحا تسوى عشرين به، فهذا ليس غلاء في السعر ولا رخصا فيه، وإنّما جودة ورداءة، فإنّ للمقرض ثمن دراهمه التي أقرضه إيّاها دنانير يوم أقرضه مكسورة أو صحاحا.
قال خميس: ولو كانت تجوز لأمرناه أن يقضيه مثل ما أخذ منه، لكنّها يوم أقرضها جائزة وهي اليوم لا تنفع، ولم يجز أن يقضيه ما لا ينفع ومثل هذا لو أقرضه حبّا أو تمرا فإنّه يوفّيه مثل ما أقرضه ولا ينظر إلى ما مرّ.
أبو الحواري: إن أقرضه مزيّفة ثمّ بدّلت فلا له إلاّ المزيّفة كما أقرضه، وإن أقرضه نقاء ثمّ جازت المزيّفة فليس له إلاّ نقاء وليس القرض كالبيوع.
ولكن إن أقرضه حبّا فأراد أن يقضيه أردى منه فإنّما له حبّ مثل حبّه الذي أخذه منه أو قيمته إن لم يقدر على جنس حبّه، وإن أقرضه برّا وأعطاه ذرة برضاه جاز، وكذا إن أقرضه ذرة فأعطاه بها برّا برضاها جاز إن لم يتشارطا ذلك، وقيل: لا يجوز أن يأخذ إلاّ مثل ما أقرض لا أفضل منه ولا دون، وقيل: له أن يأخذ الأدون لا الأفضل، وقيل: له أن يأخذ به عروضا لا من الجنس إن لم يقدر عليه، وقيل: ولو قدر عليه.
عزّان: من أقرض رجلا دراهم مزيّفة وكانت يومه جائزة وكانت بها مبايعتهم، ثمّ لم تجز، فأراد المقترض أن يردّ عليه مزيفته فكره المقرض وطلب جائزة، قال: ليس له إلاّ مثل ما أقرضه.
وفي بيان الشرع: من باع لرجل سلعة والنقد في وقته واضحا فلم يعطه ثمنها حتّى رجع مزيّفا، فقيل: إن كان في ذلك ضرر عليهما، قيل للبائع: خذ نقد البلد اليوم أو سلعتك أو مثلها، وللمشتري: سلّمها إليه أو نقد يوم البيع.
ومن اشترى ــ قيل ــ من رجل سلعة بعشرة دراهم في عمان ثمّ خرجا إلى مصرٍ ما وفيه وزنها أقلّ من وزن عمان أو أكثر، فطالبه بها فيه وتحاكما، فلا له إلاّ نقد عمان لأنّ البيع وقع فيه؛ وإن وقع في عدن ثمّ طلبه بعمان حكم عليه بنقد عدن أو (4/351)
صفحة 1936
قيمته بالصرف من نقد عمان إن عدم نقد عدن، فإن شرط البائع نقدا معلوما فلا له ولا عليه إلاّ شرطه، وإن لم يشترط معلوما فله نقد البلد يوم الحكم.
أبو الحواري: إن كان لامرأة على زوجها صداق فلمّا مات طلبته وهو ألف درهم وطلبت نقاء، فقال الورثة: نعطي مزيّفة والنقد يوم تزوّجها نقاء ثمّ رجع مزيّفا أو عكسه، فلها نقد البلد يوم القضاء ما لم يشترط معروفا عند العقد.
أبو المؤثر: إن تزوّجها أيّام النقد نقاء ثمّ رجع مزيّفا فلها نقد يوم العقد، وإن تزوّجها أيّام المزيّف فلها نقاء نقد البلد وإن تزوّجها أيّام النقاء فلها (180) نقد يوم القضاء.
ومن عنده دراهم عالما أنَّها رديئة لم يجز له أن يشتري بها شيئا، وإن قال للبائع: إنَّها رديئة وأخذها على ذلك جاز له إلاّ إن كانت حديدا أو صفرا، فقال أبو المؤثر: لا يشتري بها شيئا ويطرحها.
ومن اشترى من رجل شيئا بدراهم فيها صفرا أو كلّها والبائع عالم بها جاز له ما لم يقصد أحدهما نيّة الحرام.
وقيل: إن اختلفت الدراهم فإن اتّفق المتبايعان على شيء فهما على اتّفاقهما، وإن اختلفا نقض البيع وغيره، ويرجع الحمّال وللعمّال إلى أجرة المثل إن عملوا بما يرى عدول الصنعة.
ومن رأى رجلا ينقد دراهم ويرى فيها مالا يجوز فلا يلزمه أن يعلمه بذلك إلاّ إن كان فيها صفرا أو حديدا أو رصاصا، وكذا إن رآه يخلطها فيها فلا عليه إعلامه به، وإن عرف بتدليس النقد فلا بأس على من بايعه دراهم فيها صفر بصحيحة وإن كانت عنده دراهم تشبه الصفر ولا يتيقّن أنَّه صفر، فقال لمن يوفّيه أخاف أن يكون فيها فرضيها مستحقّها جاز له [199] وإن ظنّ أنَّه فيها ولم يعلم به فلا عليه أن يخبره ولو يبصر النقد إن لم يقصد تدليسا بذلك.
وإن كانت الدراهم لا تجوز إلاّ إن خلط فيها غيرها في معنى التعارف والاتّفاق جاز خلطه فيها، لأنّ النّاس على اتّفاقهم، وإن كانت إذا خلط فيها صارت في (4/352)
صفحة 1937
التعارف يأخذها بعض ويردّها بعض، فإن قصد إلى إحضار الجائز لا إلى التدليس اختير جوازه.
ومن اشترى من تاجر شيئا فأنقده الدراهم وخلطها في دراهمه، فقال المشتري: إنَّها من الخراج. فإن لم يكن من أهله واحتمل كذبه أو توجه إلى غير معنى الحرام لم يفسد في الحكم إلاّ إن كان لا يحتمل غير الحرام فحينئذ لا يجوز له أن يبايعه بها فيه، وإذا لزمه ضمانها بحكم أو باطمئنان بقبضه لها ثم أراد الخلاص، فقيل: له أن يردّها على من دفعها إليه وترجى له البراءة به إن ردّها بعيبها، وقيل: لا ليبرأ به لإقراره بها أنَّها لغيره، وكان حكمها كالأموال التي لا يعرف لها ربّ.
وإن تصدّق بها فهو وجه من الخلاص، وقيل: إن احتمل قوله أنَّها من الخراج غير الحرام فلا عليه بها ولو كان من أهله، وما احتمل التحليل والتحريم فهو على الأصل فقد مرّ ذلك.
فصل
بشير: من أقرّ لرجل بعشرة دراهم وهي يومئذ زيوف فطلب الرجل نقاء فإنّما له نقد النّاس، وإن أوصى له بها أو تزوّج امرأة عليها ولم يبيّنها رجعوا إلى نقد النّاس.
ومن سلّم إلى رجل دراهم وأمره أن ينفقها ويردّ عليه ما ردّ عليه أبى أن يقبله لزمه إتمام ما أمره به، ويقبل ما ردّ عليه إلاّ إن اختلفا في غير ذلك.
ومن عليه لرجل جيّد فأعطاه مزيّفا فإنّه يبرأ إن كانت فيه فضّة.
بشير: كنت مع الفضل في سوق صحار فإذا المنادي يقول: إنّ والي غدانة يقول: لا تأخذوا المزيّفة، فقلت للفضل: هذه حجّة لها على النّاس، قال: نعم كما لو نادى خذوها لكان حجّة عليهم. (4/353)
صفحة 1938
وقيل: إنّ من عنده دراهم يجوز بعضها دون بعض إلاّ أنَّه يأخذه بعض ويردّه بعض، لم يجز له خلطها في الجائزة لأنَّه كخلط جيّد التمر أو الحبّ برديئه لينفق به لأنَّه من الغش.
وقيل: إن كانت في التعارف تجوز ويؤخذ منها كلّ بعينه جاز خلطها ولا يكون غشا ولا عيبا، وإن كانت لا تجوز إلاّ مخلوطة كما مرّ باتّفاق فإنّها من الجائز لا علّة فيها. وإن كانت تختلف في أخذها في حالها ذلك وقصد بها إنفاد الجائز لا الغش جاز كما مرّ.
وقيل: إنّ أهل حضرموت يتبايعون ويتزوّجون بدراهم وليست عندهم، فإن كانت توجد عندهم جاز البيع، وللبائع ما عتيد عندهم عوضها من طعام أو غيره إن لم يتشارطاه، وإن عدمت فالبيع بها لا يجوز.
وعلى مشتري سلعة قيمتها لربّها إن تلفت وإن قامت ردّها بعينها. وإن كان البيع بدرهم معلوم فعلى المشتري ذلك المعلوم وإن لا خالصا، وإن اختلفت نقود البلد ولم يبع بمعروف منها فعليه منها أكثر ما تجري به المعاملة بينهم في الموضع والعادة.
فصل
روى ابن مسعود عنه صلّى الله عليه وسلّم أنَّه نهى أن تكسر سكّة المسلمين الجائزة بينهم.
وأوّل من ضرب الدينار والدرهم قيل: آدم عليه السّلام، وقال: لا تصلح المعيشة إلاّ بهما. وقال ابن عبّاس: لمّا ضرب الدرهم أخذه إبليس لعنه الله فوضعه على عينه وقبّله، وقال: «أنت قرّة عيني وتمرة فؤادي بك أطغى وأكفر وأدخل النّار ورضيت من ابن آدم بحبّ الدينار ممّن يعبدني».
وقيل: كانت الدنانير رومية والدراهم حشروية، فلمّا جاء الإسلام كتب على القراطيس: بسم الله الرحمن الرحيم لا إلاه إلاّ الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدا عبده (4/354)
صفحة 1939
ورسوله؛ فلمّا وصلت إلى الروم وعليها هذا أقلق ذلك ملكهم وبعث إلى عبد الملك بن مروان بهدايا كثيرة وسأله أن يسقطه من رؤوس القراطيس، فأبى وردّ الهدايا وكتب إليه: إن لم تفعل نقشت على الدنانير شتم نبيئك فأحزن عبد الملك فشاور فيه قبيصة بن ذؤيب الأسدي فقال له: لا عليك نادي في النّاس واكتب في الآفاق لا يؤخذ دينار رومي وانقش أنت سكّة عليها: لا إلاه إلاّ الله وحده لا شريك له محمّد رسول الله قل هو الله أحد. فنقشها كذلك. فأوّل من ضرب الدنانير والدراهم العربية عبد الملك. (4/355)
صفحة 1940
الباب السادس والستّون
في القرض وما جاء فيه
وقد نهى عن قرض جرّ منفعة فقيل: إذا جرى ذلك في نفس القرض، وقيل: إذا قيل: هات الكيس لأزن لك منه لم يجز إن كان له دين على آخر، ويكره أن يقول له: اذهب إلى الجارية فخذ منها.
أبو سعيد: اختلف في مقترض ببلد شرط قضاءه من (181) آخر، واختار أنَّه إذا لم تقع فيه [200] منفعة للمقرض جاز، وإن وقعت لم يعجبه لثبوت النهي عن ذلك.
ابن عبّاس: من أقرض قرضا فلا يقبل من صاحبه كرامة ولا ركوب دابّة.
المغيرة: قلت لابن عمر: أقرض جيراني إلى العطاء فيجيء عطاؤهم أجود من دراهمي، فقال: لا بأس إذا لم تشترط.
وعن الزبير عن عطاء أقرضت ابن عمر ألفي درهم فوزنتها فإذا هي تزيد مائتان فقلت لعلّه أراد اختباري، فأتيته فقلت له: يا أبا عبد الرحمان إنّك بعثت إلي بزيادة مائتين على حقّي، فقال: هي لك وهو قول الربيع؛ وعندي أنَّه لما روي: «خيركم أحسنكم قضاء». أبوسعيد: المعنى في هذا أنَّه من جرّ المنفعة عند القضاء والقرض هو أن يقول: أقرضتك هذا أو سلّمته لك قرضا أو سلفتك أو أسلفتك فيأخذ مثل ما أقرضه، ولا يجوز قرض الدراهم وقضاؤها بالعدد لتفاضلها في الوزن.
وأختلف في مقرض جري ذرة إن أخذ خمسة مكاكيك برّا، فقيل: يجوز ما لم يتشارطا، وقيل: لا إلاّ بقدر قيمتها منه أومن غيره، وقيل: لا يأخذ إلاّ مثل حبّه أو قيمته دراهم يوم القضاء، وقيل: له مثل حبّه لا قيمته، ولا أن يقوّم دنانير أو دراهم ويأخذ بها مثل حبّه أو غيره، وأجاز بعض لمقرض رطبا أخذ يابس إن لم يتشارطاه. (4/356)
صفحة 1941
ومن أقرض جرابا مكنوزا بجراب إلى القيض كيله كذا وكذا مكوكا ولم يعرفا كم في الأوّل، لم يجز له لأنَّه كالبيع، وإنّما الجائز أن يقرضه جرابا ولا يسمّي بشيء، ثمّ يعطيه المقترض مثله لأنَّه إنّما يقع مثلا بمثل.
وإن كان الجراب مخلوطا من تمور وشرط عليه تمر جنس لم يجز ذلك، والقرض قيل: يزيد على الصدقة أضعافا، وجاز فيه أخذ النوع أو أفضل منه إن لم يقع شرط.
واختلف في مقرض إلى أجل، فقيل: ليس له أن يطلب المقترض قبله لأنَّه من خلف الوعد، وقيل: له أن يطالبه بلا إضرار بملازمة، وللمقترض أداؤه قبله لأنّ أجل القرض غير ثابت.
ومن أعطى دعنا وأخذ رورا جاز ولو كان أكثر عددا إذا تراضيا به، وأجاز بعض قرض جدع بجدع إذا لم يكن اشتراط فضل.
وعن هاشم ومسبح يجوز قرض طعام في الجوف فلمقرضه واشتراط قضائه من صحار.
ومن اقترض برّا ثمّ قال للمقترض لمّا طالبه فيه: لا أجده فخذ منّي الثمن فعرضه عليه بسعره فلم يقدر عليه حتّى رخص البرّ فقال للمقرض: خذ منّي برّك وطلب الدراهم، فقال أبو سعيد: له دراهمه وقال هاشم: له برّه وما صنعاه من القيمة ليس بشيء وإن كان في بلد واحد فعلى المقترض أن يوصل إلى المقرض حقّه.
أبو عبد الله: من أقرض رجلا مائة درهم ثمّ بعث بعددها إلى المقرض فزاد فيها درهما أو أكثر فلا عليهما إن أعلمهما بالزيادة فطابت بها نفسه كما مرّ؛ وكذا إن نقص منها ذلك فطابت نفس المقرض.
واختلف في قرض الحيوان فقال أبو عبد الله: إن كان يعرف استواؤه في المثل جاز، وقال غيره: لا يجوز، والخلف في قرض خدمته كالخلف في قرضه.
ومن سأل رجلا قرض شيء فأمر له به مع آخر فقبضه ثمّ ادّعى أنَّه خرج فاسدا فأراد ردّه، فله ردّه على المقرض وله حجّته على المقترض. (4/357)
صفحة 1942
ولا يجوز قرض فسلة بلقع بفسلة فرض لأنّ فيه جرّ المنفعة وكذا ونحوهما في بلادنا.
ومن عليه قرض برّ وللرجل عليه قرض ذرة فلهما عند الأكثر منا أن يتقاصصا ومنعه بعض.
أبو سعيد: من أقرض حبّا أو تمرا أو غيرهما فله أن يأخذ دراهم، لأنَّه مضمون عليه فيأخذ بالمضمونات ما شاء من العروض، وإن من جنسها ولا يثبت أجلا في القرض كما في الدين والسلف عند الأكثر.
ومن أقرض دنانير فلا يأخذ إلاّ هي وقيل: له أن يأخذ بها دراهم وبالعكس بالصرف بلا زيادة. (4/358)
صفحة 1943
الباب السابع والستّون
في المضاربة
وقد أجازها صلّى الله عليه وسلّم في التجارة واتّفق النّاس على إجازة شركة المضاربة، ولولا ذلك لم تجز لأنَّها أجرة غير معلومة، وأجمعوا على أن لا خسارة على المضارب ولا ضمان إن لم يتعدّ، وإن شرط عليه ربّ المال فسدت المضاربة، وكان عليه قرضا وله الربح بالضمان ولزمه المال إن تلف وإن سلم، فقيل: الربح بينهما على ما تشارطا عليه. واختير أنّ الشرط باطل والمضاربة صحيحة، لأنّ ربّ المال لم يقصد [201] القرض فيكون دينا له عليه.
ولا تنعقد إلاّ بلفظ، وهو أن يقول: دفعت لك هذا المال؛ أو المضارب: أخذته مضاربة أو مقارضة أو معاملة على كذا وكذا. وجاز كلّ ما يؤدي معنى ذلك، وأجمعوا على أنّ للعامل في الفاسدة أجر مثله والربح لربّ المال، وأن لا خسارة عليه إذا خسر صحّت المعاملة أو فسدت، ولا تصحّ حتّى يطلق له ربّ المال أن يعمل فيه ما بان له في بيع أو شراء، فإن باع أو اشترى وهو بيد مالكه لم تصحّ بلا خلاف.
وما يلزم المال من كراء أو مؤونة فمن رأس المال، وإن عمل بيده فيه كره له أن يأخذ أجر ذلك؛ ولا بأس عليه في كراء المنزل والدابّة إن كانا له وأخذه كما يكون لغيره، وقيل: إذا شرط فيها أجل معلوم فليس لأحدهما الرجوع على صاحبه، وإذا دخل العامل في شيء منها وهي لا إلى أجل، فرجع ربّ المال فلا يجده عليه إذا كره حتّى يشتري بالنقدين متاعا. وإن اختلفا كان النظر إلى العدول.
وقيل: صفة المضاربة أن يدفع له مالا يتجر به وله من الربح إن رزقاه ما اتّفقا عليه، فإذا دفعه على أنّ له نصفه أو ربح جزء معلوم من المال، فقيل: هي جائزة، وإن قال: ربح هذه المائة أو هذا النصف، فقيل: فاسدة وله أجر مثله. (4/359)
صفحة 1944
وإن شرطا الربح كلّه له فهو ضامن للمال، وكان عليه دينا؛ وإن شرطاه لربّه فهي بضاعة له ولا ضمان على العامل، فكلّ من له الربح كلّه فالضمان عليه لما روي: «الربح بالضمان». وإذا ثبت لربّ المال فللمضارب أجر مثله، وإن اتّفق على أنّ ما رزقاه من الربح فله منه مائة أو أقلّ أو أكثر وعينا معلوما فهي فاسدة أيضا، فإن ربح أو خسر فله أجر مثله ولا شيء له من الربح ولا عليه ضمان إن تلف المال لأنَّه أمين فيه؛ وإن شرط ربّ المال عليه لا ضمان انتقضت وكان الربح له وعليه الضمان.
وإن دفع له مالا مضاربة فضاع بعضه (182) وذهب ولم يخبر بذلك ربّ المال، وضرب بالباقي وربح فليس له ربح حتّى يكمل رأس المال، ثمّ إن فضل شيء فهو بينهما، وإن أخبره بما ذهب وضرب بالباقي عنده بعد أن قبضه فالوضيعة على ربّه وما ربح بعد فهو بينهما.
وقيل: إن أعلمه بما خسر أو تلف وبالباقي ثمّ ضارب به، فإنّما يحسب عليه إن لم ينهه عن العمل به، ولو لم يقبضه ربّ المال ويدفعه إليه ثانية، وقيل: العمل على الأوّل ما لم يقبضه ويردّه عليه.
ولا يلزم المضارب ضمان ما لم يتعدّ أمره ولا يلحقه ربّ المال بشيء بعد رأس ماله إلاّ إن أمره أن يأخذه عليه بنسيئة عليهما فعلى ما تشارطا عليه. وإن كان فيها ربح فقسماه ثمّ اتّجر بالباقي فخسر فعن أبي علي: إنّ الربح قد جاز إن أعلمه أنّي حسبته ووقع كذا وكذا، وقيل: إذا نقص رأس المال لحق المضارب فيه حتّى يستوفيه ما لم يعده إليه ثانية.
فصل
لا يقسم الشركاء ما في الذمم حتّى يحضر وكره لمسلم أن يعطي ماله منافقا يتّجر له به ولو أباه لئلا يدخل عليه الربا والحرام، وإن لم يعلم ما يدخل فيه المضارب من (4/360)
صفحة 1945
الحرام فلا عليه ولو غير ثقة، ولا يتّجر الذمي بمال مسلم إلاّ إن تولى المسلم ذلك أو كان يتّجر بين يديه ولا يغيب عنه أمره.
ولا تجوز المضاربة إلاّ بالنقدين ومن عنده ــ قيل ــ دراهم مضاربة فربح مائة ومن تلك الدراهم على غريم مائة فجحدها الغريم، فلا ربح له إلاّ فيما فضل عن رأس المال.
أبو الحسن: إذا باع متاعا وجمع المال وحاسب ربّه وقسم الربح ثمّ أمره أن يضرب به ثانية فخسر فلا يردّ الربح والخسران على ربّ المال.
وإن أذن للمضارب أن يأخذ منابه من الربح (183) فهو له ولا يردّه.
ومن أعطى قيل: رجلا ألف درهم يضارب بها فخرج إلى بعض البلدان فاشترى بالألف متاعا ثمّ اكترى على المتاع فحمله فعطب ولزمه الكراء، فليس على صاحب المال كراء إلاّ إن سلّم المال ليكون فيه.
ومن أخذ رأس مال من أناس ولم يتقدّموا عليه أن لا يخلط ماله في أموالهم ولا مالا لغيره، ثمّ أقرّ أنَّ لفلان في المال كذا وكذا ولي فيه كذا وكذا خلطته في رؤوس أموالكم واشتريت به هذا المال، فقوله في ذلك جائز. قال ولا أتقدّم على إبطاله ما كان المال في يده، وقيل: لا يجوز له أن يخلط ولو ماله في أموالهم إلاّ بإذنهم.
وإن خلط ذلك فيها بدونه ففي الضمان عليه خلاف. وإن قال له ربّ المال: أعطيك من الربح ما ترضاه أو خذ هذا الألف [202] مضاربة ولم يزد على ذلك ولم يجز للمضارب، وإن قال له: خذ هذه الدراهم واعمل بها على أنّ ما رزقت فيها من الربح فنصفه لي ولم يقل ما للعامل كانت فاسدة.
وإن اتّجر المضارب والشريك بعد موت شريكه، ولم يعلم به فتلف المال ضمن ما تلف من يده وعليه ردّ ما أكله بعد موته.
ومن قال لآخر: كلُّ ما اتّجرت فيه من مالي هذا فقد جعلت لك عشره فلا يثبت، وإن قال لك عشره أو ثلثه ثبت لأنَّه إقرار منه له به، ولا يثبت إن أراد المشاركة. وإن قال: كلّ مال لي جعلت لك فيه ذلك أشبه العطيّة. (4/361)
صفحة 1946
والمضاربة مشتقة من الضرب في الأرض. وقيل: من ضرب الآراء بعضها ببعض وقيل: من تضاربهما في الربح.
ومن مات وعنده مضاربة لأحد ولا وصيّة له وخلّف بضاعة، فالأكثر أنّ ما تركه محكوم له به حتّى يصحّ شيء منه بعينه أنَّه من المضاربة التي بيده.
وقيل: إذا صحّ لأحد أنَّه دفع إليه مضاربة فلربّها مثل ماله فيما ترك مثل وزنه أو كيله ولو لم يصحّ بعينه أنَّه منها والأوّل أصحّ. وإن أشهد أنّ ما بيده من مال يفرق به وينسب إليه فلفلان منه كذا وكذا إقرار منه به له في حياته وبعد موته فهو ثابت له. (4/362)
صفحة 1947
الباب الثامن والستّون
فيما تجوز به المضاربة ومالا تجوز
وقد مرّ أنَّها لا تجوز إلاّ بالنقدين لا بالعروض لأنَّها تغلو وترخص وهو المختار وقيل: تجوز بها بالقيمة. وأجاز بعض كسور الذهب والفضّة في المضاربة. ومن ضارب بعروض فلا ربح له ولا خسارة عليه وله عناؤه وإن عقد عليه ثمنا فقيل: له الربح وعليه الضمان ولربّ المال رأس ماله ولا ربح له، وإنّما تكون الصحيحة بالنقدين ولا يجوز جعل الديْن مضاربة؛ فمن قال لأحد: اقبض لي مالي على فلان وضارب به، فقبضه وعمل به جاز له وكان وكيلا له في قبضه مؤتمنا فيه.
أبو سعيد: هذا كالوديعة، فقيل: لا تجوز بها المضاربة حتّى يقبضها ربّها ويدفعها بسبيلها، وقيل: تجوز لأنَّها غير مضمونة.
ومن دفع لأحد متاعا يبيعه ويضرب بثمنه جاز له، وقيل: لا والربح لربّه وللمضارب أجر مثله لجهل الثمن.
ويجوز أن يتّجر بمال اليتيم والربح له والوضيعة على دافع ماله من وصيّ أو وكيل، أو وليّ أو محتسب له، وكذا المضارب إذا علم بذلك، وقيل: لا يضارب بماله ولا يجوز، وقيل: يجوز والربح له والوضيعة عليه. خميس: ولا أعلم صحّة هذا القول. (4/363)
صفحة 1948
وإن أتلف المضارب المال وضمنه وهو دراهم فله أن يردّ دنانير بالصرف كعكسه إذا ضارب ضمانا عليه بلا خلاف، وإنّما هو في العروض، فقيل: يجوز أخذها عن رأس المال وهو المختار، وقيل: لا.
ومن له على رجل قرض أو بيع فصارت عليه دراهم فقال: هي عندي مضاربة فعمل بها فذلك ربًا ما لم يقبضها، فإن قال: هي في كيسه في البيت فجعلها هذا مضاربة لم تجز، فلو جاء بها في كفّه وأراها إيّاه لم تجز أيضا حتّى يبرأ منها وكانت من مال قابضها ثمّ يدفعها إليه إذا هلكت، فإن جعلها (184) مضاربة قبل أن يقبضها ضمنها الآخر والربح للعامل بها الكائنة عليه. (4/364)
صفحة 1949
الباب التاسع والستّون
في الاِشتراك في المضاربة والشروط فيها
وإن اشترك رجلان وعند كلّ ألف درهم فقال أحدهما لصاحبه: أنا أبصر منك بالبيع فلا أرضى حتّى يكون الربح بيننا ولكن لي في كلّ شهر عشرة دراهم منه، فهما على شرطهما والباقي منه بينهما، وإن كان رأس مال أحدهما أكثر من الآخر فلحقهما دين فهو على قدر رؤوس المال إلاّ إن تشارطا أنّ الوضيعة والربح بينهما سواء، فهما على ذلك، وإلاّ فالربح بينهما والوضيعة على رأس المال، وقيل: ولو تشارطا.
وإن قال أحدهما لصاحبه لا تبع بنسيئة فباع بها بذلك على البائع، وإن افترقا وبينهما دين فتبع كلّ غريم وقبلا ذلك فخلص بعض الدين وهلك بعضه فلهما وعليهما.
قال هاشم ومسبح: من دفع إلى رجل دراهم مضاربة وشرط عليه أن لاحقّ لك في ربح نصفها وربح نصفها الآخر بيننا، لم يجز إلاّ إن قال: لك ربع الربح أو نحو ذلك.
وإن باع المضارب بيعا وحطّ من الثمن عن المشتري فما حطّه منه فمن جميع المال لأنَّه ناظر لربّه ولنفسه. وإن قال للمضارب: لا تأخذ بنسيئة فأخذ بها بزيادة الثمن ثمّ ربح فإن أخذ الدين على المال فالربح بينهما والوضيعة على المضارب، وإن أخذه لنفسه فالربح له والوضيعة عليه والضمان للمال، وقيل: له أن يداين على المال ما لم يحجّر عليه ربّه.
وقيل: نفقة المضارب وكسوته على نفسه، وأمّا ما [203] يعني المال من الكراء والأجرة فمن رأس المال. وإن شرط على ربّه نفقته فذلك له وكذا كسوته وغيرها. (4/365)
صفحة 1950
ومن أعطى رجلا مضاربة ولم يحدّ له شيئا فزرع له فذهبت الزراعة، فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: ليس له أن يفعل غير فعل المضارب من أهل موضعه، وإن تعدّى ذلك ضمن.
ومن أخذ مالا مضاربة فاشترى به مبيعا ثمّ باعه وقبض ثمنه ثمّ اشترى به متاعا وقبضه ولم ينقد ثمنه وسرق المتاع والدراهم معا، فقيل: ذهب رأس المال والوضيعة على مشتري المتاع.
وكذا إن اشترى بالمال متاعا وحمله بالكراء وعطب فهو على المكتري إن قال لربّ المال لم آمرك أن تدين عليّ.
وكذا إن دفع ثيابا إلى الصبّاغ بجعل فتلفت فلا تباعة على ربّ المال بعد رأس ماله حتّى يأمره بالدين.
وكذا إن قال له: لا تركب بمالي البحر فركبه بلا إذنه ضمن المال والخلف في الربح، فقال جابر لا ربح له، وقال بعض: له الربح كما عليه الضمان، وقال قوم: ينظر كيف يعطى المتّجرون إلى ذلك البلد فيعطى مثلهم، وقيل: إن أعطاه المال على أن لا يركب به البحر فخالفه ضمن؛ وإن أعطاه بلا شرط ثمّ أمره أن لا يركبه به فقيل: يلزمه ذلك ويضمن إن خالفه، وقيل: لا يثبت عليه ذلك الشرط إلاّ إن كان عند عقد المضاربة؛ واختلف فيه إذا لم يتقدّم عليه في ركوبه به فركبه به فتلف، فقيل: البحر خطر وضمن، وإن لم يتقدّم عليه إلاّ إن كان بإذنه، وقيل: لا ضمان عليه إذا مضى به إلى مأمن؛ وموضع الخطر في البرّ كالبحر؛ وقيل: إنَّه يداين ويقيل ويستقيل ويفدي المال بعضه ببعض ويصالح عليه ويتّجر فيه، ويلزم المال ذلك ولا يجري على ربّه أكثر من رأس ماله إلاّ إن أمره أن يفعل شيئا فهو عليه؛ وإن أمره ربّ المال بأمر يخاف فيه تلف المال فله أن يخالفه فيه، لأنَّه لا يجوز لأحد أن يرمي مال غيره في البحر، ولو أمره به؛ وإن خالفه فيما لا يجوز له (185) خلافه ضمن.
وقيل: إذا لم يكن في مضاربة ربح فوق رأس المال وهو دين على النّاس لزمه أن يعلم ربّ المال بهم لا اقتضاؤه؛ وإن كانوا في غير البلد فعليه الخروج معه حتّى يعرّفه (4/366)
صفحة 1951
بهم؛ وإن كان فيه ربحٌ ما فعلى المضارب أن يستأذنه في أخذ منابه منه. والمضاربة إذا لم تؤجّل إلى معلوم ودخل المضارب فيها فلربّ المال أن يرجع، إلاّ إن اشترى بالنقدين متاعًا (186) فلم يكن له منه خروج حتّى يبيعه؛ فإن اختلفا كان إلى نظر العدول في ذلك.
وسئل أبو سعيد عمّن عنده لرجل رأس مال مضاربة فطلب ارتجاعه منه فقال: اشتر منّي كي أعطيك رأس مالك، فاشترى منه ودفع الثمن إليه ثمّ دفع إليه رأس ماله فقال: قد كره بعض أن يشتري ماله بماله، وأجازه بعض، لأنّ له فيه نصيبا، وله بيعه؛ فإذا سلّم إليه الثمن جاز لهما؛ وإن باع لربّ المال وقاصصه بالثمن بما عنده من رأس ماله لم يجز ذلك في مقاصصته، وأمّا البيع فثابت، ويسلّم المشتري الثمن ويدفع إليه رأسماله؛ وليس له أن يشتري من ربّ المال شيئا بمال المضاربة، ولزمه ردّه إن فعل؛ فإن اختلط به فلم يعرفه فسدت وله قدر عنائه؛ وإن اشترى لنفسه من مالها كما يبيع لغيره جاز له عند القائل أنّ من يبيع مال غيره له أن يبيع لنفسه كغيره إن كان مكيلا أو موزونا، وقيل: لا، إلاّ بإذن ربّه وعلمه.
ومن أعطى رجلا رأس مال يخرج به لبرّ أو بحر وعليه نفقته وكسوته فالتقط ماله ثمن أو وهب له مال فكلّ ما استفاد في غيبته فهو لربّ المال.
وإن وجد المضارب مالا أو دارا تباع وهو أحقّ بشفعتها فليس له أن يشتريها من مال المضاربة إلاّ بإذن صاحب المال؛ فإن اشترى لا به ضمن، والربح بينهما إن كان، والوضيعة عليه وحده.
ومن دفع إلى رجل مالا مضاربة وشرط عليه أن لا يركب بحرا، وأن لا يبيع إلاّ يدا بيد، وأن لا يجاوز أرض كذا، ضمن إن خالفه، واختاره أبو سعيد؛ وليس له أن يقترض من مال المضاربة، ولا يقرض غيره منه إلاّ إن أجاز له ربّه؛ وإن أقرض منه بلا إذنه ضمن ذلك حتّى يسلّمه إليه ثمّ يردّه عليه على وجهها ثانية أيضا.
ومن دفع إلى رجل مالا مضاربة ثمّ طلب أحدهما إلى الآخر الشركة وخلط المضاربة دراهم بالأولى فالوجه في ذلك أن يشترط كلّ على صاحبه أنّ له ربح ما (4/367)
صفحة 1952
دفع، ثمّ يشتركان، فما ربحاه كان [204] بينهما على قدر ما دفع كلّ، وإنّما يأخذ كلٌّ منابه منه على أنّ ما ربح فهو له، ولا تكون شركتهما إلاّ بهذا.
فصل
يشهد المضارب أنّ ما بيده من مال يعرف به وينسب إليه فلفلان فيه كذا وكذا، أو جزء منه يقرّ به له (187) في حياته وبعد موته إن كان له أو لغيره فيه شركة؛ وإن كان لواحد أشهد أنَّه كلّه له، وقال: وهذا الذي أقررت به له هو ممّا بيدي ممّا ذكر ثابت له ذلك ممّا ينسب إليّ وإن بعد وفاتي ــ كما مرّ ــ إلاّ إن صحّ أنَّه قبضه ممّا عرف لي، فإذا فعل هذا فلا يلحقه ضمان إن تلف من يده بعد هذا الإشهاد، إلاّ إن أتلفه هو.
ومن أعطى رجلا مالا يضارب له فيه ففرقه في أنواع التجر، ثمّ احتاج إليه فقال: اِعطني رأس مالي وما كان من ربح فهو لك عطيّة، فإن زالت عين دراهمه وبقي الدين على النّاس فليس عليه ردّه بعينه؛ وإن قامت بعينها فلا بأس عليه في ردّها عليه، وبعد ما تقاضى وصار بيده رأس المال والربح فله أن يتصرّف فيه كيف شاء.
ومن أعطى رجلا مالا مضاربة فاشترى به عبدا، فإذا هو أخ لصاحب المال قال
أبو عبد الله: إن علم المضارب ذلك واشتراه فإنّه يعتق ويضمن له ثمنه، وإلاّ عتق ولا يلزمه ضمان؛ وإن دفع المال إلى آخر ضمن، والربح بين المضاربين ولربّ المال رأس ماله؛ وإن تلف ضمنه الأوّل وحده.
واختلف في نفقة المضارب من المال، فقيل: له نفقته بمعروف وإن لم يشترط، وقيل: لا، إلاّ إن شرط، وقيل: هي مجهولة ولو شرطها حتّى يشترط معروفا، وقيل: إن اعتيد في البلد أنّ له النفقة كانت له، وإلاّ فلا شيء له، والمعتبر فيها الوسط، ويردّ الباقي من كسوته عند افتراقهما ويضعها في المال، إلاّ إن طابت بها نفس ربّه. (4/368)
صفحة 1953
الباب السبعون
في السلف وما جاء فيه
وقد جاء في الأنواع الموجودة بين النّاس من طعام وحيوان وثياب وغيرها، وإنّما جاز مع أنَّه بيع ما ليس معك لأنَّه خصّته السنّة من ذلك وأجمعت عليه الأمّة، ولولا ذلك لكان محرّما من جملة المنهيات، والدليل عليه أنَّه صلّى الله عليه وسلّم لما قدم المدينة فوجد أهلها يسلمون في الثمار فأمرهم أن يسلموا في كيل أو وزن معلوم إلى أجل كذلك.
وروى ابن أبي أوفى أنّا كنا نستلف على عهد الرسول وأبي بكر وعمر في البرّ والشعير والزبيب والتمر.
ويثبت على من يثبت عليه البيع وينعقد بلفظ السلف والسلم، لأنّ الشرع ورد بهما وأمر بالإشهاد عليه وعلى الدين المؤجل، ويثبت دون السلم بالعقد فيما بينهما وبين الله، وإن تناكر (188) فلا يجوز فيه إلا شهادة عدلين.
ومن لم يشهد فلا يؤجر إن وقع الإنكار لتركه المأمور به.
ولفظ السلف أن يقول المسلّف للمتسلّف: سلّفتك هذه الدراهم كلّ منها بكذا وكذا من كذا وكذا ممّا مرّ إلى كذا وكذا بعد أن يزنها له، وتكون حاضرة بيد أحدهما عند العقد.
ومن قال لرجل: اذهب إلى فلان فخذ من عنده أو منه كذا وكذا وكلّ درهم أخذته منه فهو عليك بكذا وكذا إلى وقت كذا وكذا بعقدة السلف، فقيل: جائز. وإن قال له: اذهب وخذ منه ما شئت قبل أن يعرض عليه السلف ويتّفقا عليه فذلك مكروه لا نعتمده فيه.
وإذا وزن المسلّف الدراهم ثمّ دفعها إلى المتسلّف وشرط عليه شروط السلف فسكت وقبضها، ثمّ احتجّ بعد الأجل بأنَّه لم يقبله، فإن كانت بيد المسلف عند (4/369)
صفحة 1954
الاشتراط ثمّ قبضها المتسلّف ثبت عليه السلف، وإن شرط بعدما صارت بيده فعليه يمين ما قبضها منه على قبوله.
ومن سلّف رجلين دينارا بستّة أقفزة من كذا على أنَّه بينهما، اختار بشير أن يرجع إلى رأس ماله؛ وإن تسلّف ثلاثة أو أكثر سلفا بصفقة، فإن وكّل بعضهم بعضا أو أمره بقبض الدراهم جاز ذلك، وإن أشهد عليهم أنَّه يأخذ من شاء منهم بحقّه جاز أيضا، وكذا إن تضامنوا.
ومن سلّف رجلا يعرفه ليلا، فقيل: جائز؛ وقيل: سلف الليل فاسد إلاّ إن أحضر نارا يبصران بها الدراهم ويعرفانها، أو كانا عرفاها بالنّهار فيجوز حينئذ، وحاصله أنَّه يثبت بستّة شروط: وزن وكيل ونوع وأجل معلوم ونقد وشهود. (4/370)
صفحة 1955
الباب الحادي والسبعون
فيما يجوز فيه السلف وما لا يجوز
أبو سعيد: جاء الأثر بالسلف مفسّرا من السنّة أنَّه لا يكون إلاّ معلوما في معلوم إلى معلوم بمعلوم، بنقد دنانير أو دراهم إن كانت لا يعرف تفضيلها بلا وزن من عدد معروف، فبعض أجاز العدد فيها إذا وقع السلف على عدد شيء منها ولو لم يعرف وزنها معرفة بيّنة، لثبوت المعاملة فيها بالعدد؛ وبعض لا يثبت سلمها به على حال لأنّ التعارف فيها في البيوع إذا وقعت عليها الإجماع فيها على الوزن، إلاّ ما خصّ من المواضع المعروفة لا على العموم، فمن هنا ثبت أنَّها لا تكون إلاّ وزنا في البيوع والسلم والإقرار والوصيّة وما يثبت في ذلك من الأحكام. قال: فهذا ثبوت المعلوم فيهما.
وقد أجازوا السلف في العبيد والدواب والثياب وغيرها ممّا لا يعرف بكيل ولا وزن، وإنّما يعرف بالألوان والصفات، وما يعلم بصفة ثبت فيه السلم؛ وكذا ما يكال أو يوزن فالمتعارف فيه أنَّه لا يكون (189) فيه السلم إلاّ إلى أجل بشيء من النقدين أو العروض التي يجوز بها السلم على كيل أو وزن؛ وإن لم يفعلا ذلك وأسلم إليه جرابا معلوما عندهما بإحاطة بمعرفته عيانا ممّا يثبت فيه البيع سلما إلى أجل بمعروف إليه، ثبت ذلك، لأنَّه ليس من النقدين.
وقال بعض لا خير في سلف مكيل في موزون كعكسه؛ أبو عبد الله: وذلك فيما كان من الطعام، فأمّا إن كان طعاما بغيره فلا بأس به إذا اختلف النوعان أو اللونان (190).
وجّوز بعض إسلام زيت أو عسل أو سمن بزبيب وبرّ ونحوهما من الطعام. وإن اختلف النوعان ممّا لا يكال أو يوزن فلا بأس به اثنان بواحد نسيئة أو يدا بيد؛ وإن (4/371)
صفحة 1956
اتّحد النوع فلا بأس به واحدا باثنين يدا بيد، ولا خير في نسيئة. وكره الربيع الثياب بالثياب نسيئة، وحرّمه أبو عبد الله، وجاز يدا بيد.
وفي الجذوع إلى أجل بطول وغلظ ومكان معلوم، وفي عنب ورطب بوزن، وكذا في تين؛ ولا خير فيه في أوقار الحطب والحمائل إلاّ إن عرف طول الحزم وعرضها وغلظها كالقصب فلا بأس به. وجاز أيضا في ورد يابس بوزن أو كيل، وكذا في الرياحين والورس إن عرفت الصفة؛ وكذا كلّ فاكهة ممّا يكال أو يوزن.
ومن أسلم في شيء إلى أجل وذهب ما يوجد فيه فهو مخيّر في أخذ رأس ماله أو انتظاره إلى حين يوجد فيه؛ أبو عبدالله: له أخذه إن كان موجودا. ولا خير فيه ــ قيل ــ في بطيخ ورمّان وقثاء وخيار وبكُرِّ بلدٍ إترنج إذ لا يعرف قدره صغرًا وكبرًا، وكذا البيض والنارجيل لأنَّه لا يوزن (191)، وأجازه بعض في الجوز والبيض عددًا (192) لأنَّه يتساوى غالبا أكثر ممّا ذكر.
أبوعبد الله: لا يجوز غائب مستتر ومختلف، وكذا الفلوس كالبيض والجوز إلاّ إن كان على وزن، وجاز في قطن وكتّان وعود وزعفران ومسك وعنبر وصندل وزنا.
أبو سعيد: اختلف فيه في اللحم والسمك الطري، بعض أجازه إذا شرط خالصا من العظام بوزن بصنف من الأنعام والسمك، ومنعه بعض لاختلافه وجهالته وربّما عدم، ومنعه أبو عبد الله في السمك ولو مالحا كاللّحم إلاّ إن كان في لحم أو سمك (193) لا عظام فيه بوزن، وجاز في لحم ضأن أو معز أو بقر أو إبل معلوم لا عظام فيه. ولا خير فيه في غنم أو بقر أو إبل أو خيل أجناسا، وكذا في العبيد لأنّ ذلك حيوان، وقد جاء النهي عن السلم فيه لأنَّه غرر. الربيع: لا بأس به إن علم السنّ والأجل، قال أبو الحواري: وبقوله نأخذ. وجاز في حديد وصفر ورصاص وزْنا إلى أجل.
وشرط الخيار في الصرف والسلم ينقضه وإن إلى ساعة، ولا بأس في سلف ثوب في برّ أو شعير إلى أجل، وأجازه ابن محبوب في حيوان وثياب إلى أجل بدراهم أو (4/372)
صفحة 1957
بثياب أو بهما، ولا بأس به في ظروف بذراع وقدر معروف، وأجازه بعض في تبر وفضّة نقدا، ومنعه بعض. وفي اللؤلؤ والياقوت الوقف، لعدم الكيل والوزن والوجود كلّ وقت. ولا خير فيه في الرؤوس والكرعان لعدم الاِنضباط، وقيل: لا بأس به عددا، ومنعه أبوعبد الله. ولا خير فيه في الشحم إن كان مختلفا؛ فإن عرف له وقت فأسلفت فيه وزنا إلى أجل فلا بأس به.
وأجازه أبو عبد الله في لبن الغنم بكيل إذا سمّى مخضا أو مخيضا لا إن لم يسم، وكذا لبن البقر واللقاح. ومنعوه في لحوم الظباء والوحش لاختلافها.
وجاز في الأديم والخفوف والنعال والصحف شرط الطول والعرض والضرب، وفي الصوف والشعر والوبر كذا منًّا بكذا وكذا مكوكًا (193) حبّا أو درهمًا (194).
وأجاز الأزهر لمن أسلف في حقّ أن يأخذ جذعا بطيب نفس الدافع أو يعطيه قيمة زيادة ثمن الجذع عن الحقّ، وأن يأخذ بجذع حقّا ويبرئ المطلوب من الباقي عليه؛ ولا يجوز أن يأخذ الأقلَّ ويطالبه بالباقي.
وجاز في ثوبٍ شاة بسنّ. وأفسده أبو عبد الله في قديد الظباء، لأنَّه لا يبقى في الأيدي، ومنعه العلاء وعبد المقتدر في الطير في الجوّ والسمك في البحر. المسبح: سمعنا إجازته في السمك والطير مثله.
فصل
جاز السلم في كلّ موجود في الأيدي من الأمتعة والأطعمة والحيوان إذا عرف بصفة وجنس وسنّ ولون؛ وجاز في شقة حرير بذرع وصفة؛ وإن جاء المتسلّف بأقصر ممّا شرط عليه وقبله المسلف جاز كما مرّ؛ وإن جاء بأطول منه فأعطاه إيّاه أو وهبه له ــ أعني الفضل ــ جاز أيضا؛ وإن أعطاه به ثمنا جاز أيضا، وقيل: لا، لأنَّه اشتراك في البيع والهبة وقضاء السلف. (4/373)
صفحة 1958
أبو علي: من أسلف رجلا بثوب وسمّاه اثنى عشر بريحا فقبله، ثمّ أراد أن يعطيه ثوبا من ثمانية برايح وغزلا بالباقي، قال: يوفّيه شرطه إلاّ إن تراضيا فلا بأس، وقيل: لا يجوز، ولكن له أن يأخذ الذي من ثمانية عن حقّه إن شاء، وليس له أخذ الغزل بالفضل لأخذه غير ما أسلف فيه وعروضا بسلفه ولا يعرف بالباقي من رأس ماله فيأخذ لباقيه.
ومن أسلف بثياب قطن وسمّى عرضها وطولها ووزنها، فلمّا حضر الأجل اختلفا فقال المسلّف: ثياب هندية، والمتسلّف: عمانية، فقيل: يرجعان إلى ما جرى عليه اسم قطن بلدهما، فلو أنّ من أسلف بجراب من جرب نزوى وهو فيه خمسون قفيزا، وفي السرّ ثلاثون، فقالوا: إن أسلم في نزوى فالجراب خمسون، وإن أسلم في السرّ فثلاثون.
ولا بأس بسلف في طست بضربها وزنها إن عرف ذلك.
واختلف في السلف لا إلى أجل، فقيل: تجوز متاممته بالتراضي، وقيل: لا، وقد فسد. وجاز في قمقم وسراج ومقل ولور بصفة وضرب ووزن، ولا بأس في إسلاف الدراهم في أخلاط الجواهر من الذهب والفضّة والنحاس ونحوهما لتحوّل الفضّة عن جوهرها. وجاز في الأدهان ــ كما مرّ ــ وفي الخل بتعيين كونه من تمر أو عنب، ولا بأس به عندنا في العنب وزنا وفي الزبيب وزنا وكيلا، وكذا في النبق كيلا ولا في الفلوس.
ابن أحمد: أدركت النّاس يسلفون في النيل على جنس بقشّ معروف والغزل مثله. وقيل: من علمت أنَّه يشتري لك فلا تسلفه فإنّه يكره؛ وإن لم تدر من أين يوفّيك، فحين حلّ عليه السلف انطلق فاشترى لك جاز لك.
أبو سعيد: لا يجوز في الأصول إجماعا ولو معروفة. (4/374)
صفحة 1959
ومن أسلف شاة أو جرابا ينكر إلى الحول على سنّ من صنف، ففيه خلاف، وأختار جوازه إن عرف، وأجازه أيضا في الشحم إن عيّن الصنف (195) بوزن، قال: ولا بأس به إن لم يشترط شحم الحوايا أو الغواشي أو الكلأ، لأنَّه كلّه شحم.
وجاز في جبن من صنف من الغنم، ولا يثبتها في الرؤوس والأكارع لما مرّ، ولاختلافها، قال: وإن اتّفقا عليه لم يحرم، قال: واختلف في الجلود والأدم ــ كما مرّ ــ فقيل: يجوز وزنا لا عددا.
وفي أواني الزجاج إن عرفت بصفة خلاف، وليس بحرام إن وقع. (4/375)
صفحة 1960
الباب الثاني والسبعون
في الشروط في السلف
ومن لم يشترط قبضه في موضع معيّن، فقيل: فاسد، وقيل: صحيح والقبض حيث حكم به، وقيل: حيث عقد، وقيل: في بلد المتسلّف، وقيل: في بلد المسلف، وقيل: يتمّ ولو لم يشترط قبضه في معروف، وقيل: إن شرط تمّ وإلاّ فسد، وقيل: عكسه، والأقوال كلّها لأصحابنا، والأخير عندي أضعفها.
ابن حميد: من تسلّف من رجل مائة درهم وأشهد عليه ثمّ ردّها عليه في المجلس، فقد رأى بعض أنَّه مفسد للسلف، وقيل: إذا لم يكن في عقده شرط يفسده ولو خاضا قبل في كلام ممّا لو شرط فيه أفسده فلا يفسده.
ومن سلف بثمر وشرط عليه الظروف، فقيل: ثابت، وقيل: منتقض؛ وإن اختلفا في الخوص والعطف انتقض لدخول الجهالة فيه.
ابن المفضل: لا بأس على من سلّف رجلا من قرية أخرى وشرط عليه الكيل والحملان ووكله يكيل ويبعث به إليه قال أزهر: وعليه إذا هلك قبل أن يصل فقد برئ المتسلّف، وعن موسى مثله، وكرهه غيره، وقيل: شرط السلف قبضه في معلوم، ولا يجوز إلاّ حيث شرط؛ وكذا إن شرط بمكيال معروف لم يجز أن يكتال إلاّ به؛ أبو علي: إن لم يشترط قبضه في معروف أوفاه حقّه حيث أعطاه إن كانا في بلد.
أبو عبد الله: من سلف في طعام ولم يسمّ مكان قبضه فالسلف تام، وعليه أن يقبضه من بلد المتسلّف، فإن اختلفا في البلد وكانا عند حاكم أو فاه عنده؛ وإن كانا عند غيره كان في بلدهما حيث شاء المتسلّف من البلد إلاّ إن كان عليه من غير بلد المسلّف وشرط عليه حمله إلى بلده، فإن قبضه من بلد المتسلّف فعليه عند موسى حمله إلى بلد المسلّف؛ وإن هلك قبل وصوله فله قيمة الكراء على المتسلّف. أبو عبد (4/376)
صفحة 1961
الله (196): إذا قبضه من بلده ورضي به فلا كراء عليه ولا حملان، وقد برئ إذا قبضه في بلده.
ومن استعمل رجلا في ماله بسهم على أنَّه يسلفه أو يقرضه فله رأس ماله وفسد القرض والسلف.
أبو علي: من أسلف بحبّ واشترط أن يعطيه من قطعة كذا، فلمّا داس الحبّ تلف فلا بأس أن يقبض من سوى حبّها، ومنع غيره أن يقبض منها، [207] فإن فاتت تلك الثمرة فمن ثمرة أخرى، وقيل: إن فات الحبّ بآفة فله رأس ماله، واختير قول أبي علي. وقيل: إنّ حدّ ثمرة معروفة في القطعة ففاتته فله أن يأخذ ثمرة أخرى منها؛ وإن اجتاحت القطعة أخذ رأس ماله، وما بقيت فالسلف ثابت وله ذلك من ثمرتها؛ وقيل: إنَّه على هذا منتقض، لأنّ تمرتها لا تبقى في الأيدي. وإن دفع السلف على غير باق فيها انتقض ولو لم يتلف القطعة وله رأس ماله، وقيل: إذا أخذه من ثمرة غيرها واتّفقا على ذلك جاز؛ وكذا في اشترطه من ثمرة نخلة معيّنة. (4/377)
صفحة 1962
الباب الثالث والسبعون
في الأجل السلف والدعاوي فيه
أبو مروان: أقلّ المدّة فيه ثلاثة أيّام غير الذي عقد، فيه واختار الشيخ أبو مالك أن يكون نصف شهر.
ابن بركة: من أسلم إلى ثلاثة فلا يثبت حتّى يعيّن الأيّام أو الأشهر من سنة كذا أو من شهر كذا؛ وإن قال من شهرنا أو سنتنا هذه فتعيين وجائز؛ وإن سمّى إلى القيظ أو إلى الصيف أو إلى ثمرة كذا جاز، وفيه خلاف، بعض أبطله وبعض أتمّه إن أتمّاه ونقضه إن نقضاه. وشرط قضائه في معلوم من الشهر أو السنّة كشرطه من قطعة.
أبو صفرة: إن أسلم إلى الحصاد أو الدوس أو العطاء أو الرزق فسد، وكذا إلى الصيف أو القيظ أو الشتاء، وجاز إلى النيروز أو المهرجان إن عرف؛ وكذا قدوم الحاج وصوم النصارى ــ كما مرّ في البيع ــ؛ وإن لم يعرف ذلك كما تعرف (197) الأهلّة لم يجز فيهما.
ومن أسلف في الحبّ أو غيره ونسيا أن يؤجلا إلاّ بالبيّنة أنَّه إلى معروف ذكراه قبل العقد تمّ إن أتمّاه، وإلاّ انتقض وذلك عند القبض، وقيل: إنَّه لا إلى أجل هو من الربا، وقيل: من المنتقضات التي لا يجوز إتمامها. (4/378)
صفحة 1963
أبو عبد الله: من أسلف بِذُرة وتمرٍ وبرٍّ، وجعلا أجل الذرة إليها والبرّ إلى الصيف والتمر إلى القيظ، لا إلى شهر معلوم فبعض أجازه وبعض أبطله.
أبو الحواري: إنّ السلف إذا لم يؤجّل فهو فاسد، وللمسلّف رأس ماله، ولا يجوز إتمامه حتّى يردّ الدراهم إليه ويعقداه إلى أجل عند قبضها؛ وإن تقاررا بالسلف فأثبت المسلّف الأجل ونفاه المتسلّف كلّف كلٌّ بيان دعواه؛ فإن بيّنا معا قبلت بيّنة مثبته لإتمام السلف به، وقد تقاررا عليه؛ وإن بيّن أحدهما فقط قبلت بيّنته؛ وإن لم يبيّنا معا، فقيل: يقبل قول المسلّف مع يمينه، لأنَّه يتمّه، وقيل: قول المتسلّف مع يمينه وإن بيّن المسلف أنَّه إلى أجل تمّ السلف إليه. (4/379)
صفحة 1964
الباب الرابع والسبعون
في سلف الحبّ والتمر
فمن تسلّف بأحدهما ولم يعيّن النوع فسد الحبّ لتباين ضروبه، وأمّا التمر فقيل: إن اتّفقا على تمر جاز؛ وإن اختلفا انتقض. وإن سميا حبّ ذرة أو برٍّ أو شعير (198) جاز.
ومن أسلف في برّ فلا يأخذ ميسانيا ولو أعطاه المتسلّف، وانظر ما صفته؟ وقيل: إنَّه في التمر إذا لم يسمّ من نوع معروف فهو فاسد، وقيل: تام، ويأخذ الأوسط، لأنّ التمر صنف واحد ولو اختلف جودة ورداءة، وقيل: له ثلث من جيّد وثلث من أوسط وآخر من رديء إن اختلفا؛ وإن اتّفقا على شيء من ذلك جاز؛ وقيل: إن اختلفا فسد، وعليه الأكثر؛ ومن شرط طيبّا فله شرطه؛ وإن رضي أن يأخذ دونه جاز له.
أبو الحواري: لو قضى متسلّف مسلفا عذوقا من سلف تمر عن قفيز جاز إن كان قدر حقّه أو دونه، ولا يجوز له أن يأخذ أكثر منه، وذلك إذا اتّفقا بعد أن صار تمرا صحيحا لا فيه بسر ولا رطب، ولا له أن يزداد تمرة واحدة فوق حقّه.
ومن أسلف ببهار من تمر (199) فلا يأخذ كيلا عن وزن، لأنَّه ربّما زاد عليه.
وإن أسلم بفرض أو بلعق (200) فأعطيهما جاز له، لأنَّه تمر؛ وإن اختلفا خيف الفساد؛ ابن محبوب: إن اتّفقا على ذلك جاز؛ وإن اختلفا فسد؛ وقيل: تمّ، وله نصف من كلّ. وإن أسلف في برّ وشعير فسد حتّى يسمّي من كلّ كذا وكذا، وقيل: نصفان.
ومن أسلف بجراب تمرا فلا يأخذ عنه خمسة أجرية.
أبو علي: من أسلف بتمر قطعة فله أن يأخذ من غيرها إن اتّفقا عليه، وإلاّ فلا، إلاّ برضى الغريم، وله رأس ماله إن أراده؛ وإن حملت القطعة وأراد الغريم أن يعطيه (201) من غيرها فلا يجده. والحبّ إذا أصابه المطر أو الداء فلا يلزم المسلف (4/380)
صفحة 1965
أخذه إلاّ إن شاء، ويجزي عن زكاة الفطر لمن يأكله؛ وكذا في التمر، وقيل: يجزي ذلك عن كفّارة الأيمان والظهار لا إن كان لا ينتفع به؛ وإن كان في بعضه شديد مضرّة وفي بعضه أصلح منه فيخرج الوسط منه إن أمكن، وإلاّ فمن الدون بقيمة الوسط.
ومن له على رجل برّا أو ذرة أو غيرهما [208] سلفا فأتاه بحبّ كثير السباس، فإن كان دوس البلد كلّه كذلك، وعليه جرت عادتهم في الحبّ فعليه أن يأخذ ذلك؛ وإن خرج من دوس البلد إذا نظره العدول العارفون به لم يلزمه أخذه؛ وإن خاف ظلمه وأنكره حقّه أخذ الحبّ وأصلحه (202) وأعلمه بنقصانه وكذا الحبّ المطمور والمدوي فله أن يأخذ حقّه إن قال له لا يعطيه إلاّ ذلك ويأخذ ما بقي عليه خفية من ماله إن خاف ظلمه وأنكره حقّه.
ومن أسلف على جراب تمر بكيل معروف أو كذا وكذا جري فلم يحضره إلاّ تمر مكنوز وطلب أن يعطيه مفتوتا منه بكيل، فقيل: إنَّه ينقص خمسٌ ونصف؛ وإن أعطاه جرابا مكنوزا وقال: إنّ فيه كذا وكذا جريا، وصدّقه جاز أن يأخذه، وقيل: حتّى يكيله له.
ومن أسلف على ذرة وشرط أنَّه من صنف منها فلا يأخذ إلاّ الذي سمّاه أو أدون منه؛ وكذا جميع أنواع الحبوب.
أبو سعيد: من تسلّف من رجل بجراب من تمر فلمّا صرم ماله كال التمر وكنزه ونواه لمسلف، فقيل: يثبت بالنيّة ويكون الجراب له، وقيل: لا، حتّى يقبضه هو أو نائبه؛ وإن أسلف بجراب ولم يسمّ ثلاثيا ولا أقلّ ولا أكثر، فقيل: يثبت له مثل ما يسلفون إليه في البلد، وقيل: لا يثبت على كلّ حال؛ وإن اختلفوا في السلف فبعض يسمّيه ثلاثيا وبعض أكثر وبعض أقلّ فلا يثبت حتّى يتّفقا على شيء لا الوسط من ذلك. (4/381)
صفحة 1966
وقيل: إنّ موسى كان يطلب رجلا بعشرة أجربة تمرا في وقت لم يوجد فيه تمر يكال، فاشترى له جرابين من رجل وقال: فيهما عشرة فأمر موسى بكيلهما وقال له: أخذنا منك هذا وأبرأناك من الباقي.
أبو عبيدة الصغير: من تسلّف من رجل بتمر فأبطأ عليه وكال له وعزله فأتاه فقبضه منه بذلك الكيل جاز له.
وقيل: فيمن طلب رجلا من قرية بسلف عليه له فوجّهه إليه وقال له: كله أنت لنفسك: إنّه لا يفسد عليه إن فعل، والأحسن أن يكيله له؛ وإن كاله لنفسه جاز. ابن الحكم: إنّه عناه في رجل عليه له جراب تمر سلفا كيله خمسة أجربة فأراد أن يعطيه جرابا مكنوزا فرفع ذلك إلى الإمام غسّان فروى عن بعض عن الجلندى أنَّه في هذا الوجه يكتال من المكنوز ثلاثة أجرية وخمسة أقفزة مكان خمسة أجرية. (4/382)
صفحة 1967
الباب الخامس والسبعون
في دراهم السلف إذا ردّت أو بعضها وحكم ذلك
فمن أسلم إلى رجل دراهم فيجد فيها زيفا فإنّه يردّه ويبدله له ولا يبطل إن أبدله (203) قبل حلول الأجل. أبو سعيد: قيل (204) إن سمّى لكلّ درهم معروفًا فردّ عليه منه زائفا فإنّه ينتقض وحده، إلاّ إن اتّفق أن يردّه عليه قبل الأجل، وإلاّ انتقض السلف، وقيل: يردّه عليه، فإن أبدله قبل الأجل ثبت السلف فيه، وإلاّ بطل. وإن لم يسمّ لكلّ درهم شيئا ممّا فيه السلف من كيل أو وزن أو عدد دخل الخلف في جملته إذا كان مجملا، قال: وفي نفسي من ثبوته إذا ردّ عليه أو أبدله وفي جملته شيء فاسد (205) هو اتّحاد الصفقة، ولا يتميّز هذا من هذا، وقد قالوا فيه وفي البيع إنّ العقدة إذا اشتملت على جائز وفاسد فسدت كلّها. أبو الحواري: إن أبدله قبل الأجل جاز، وإلاّ انتقض بقدر الزيف إن عيّن لكلّ درهم معروفا، وإلاّ وكان السلف في عروض ولم يبدله حتّى حلّ الأجل انتقض كلّه؛ وكذا عن ابن محبوب.
وقيل: إن كان لرجل على آخر دراهم فأسلمها إليه في مكيل أو موزون فلا خير فيه، لأنَّه أسلم دينا في شيء إلى أجل، وجاءت فيه الكراهة عن ابن عبّاس؛ وإن كان له عليه مائة درهم فأسلمها هي ومائة أخرى في عشرة أكرار حنطة، فأمّا خمسة منها فجائز، لأنَّه تقدّمت فيها مائة والخمسة الأخرى باطلة، لأنَّه أسلم فيها دينا عليه. أبو عبد الله: إن جعل لكلّ مائة كيلا معلوما ولكلّ درهم كذلك، تمَّ سلف ما نقد وفسد الباقي؛ وإن لم يعيّن ذلك فسد كلّه؛ وعلى نحو هذا يخرج معنى قول ابن عبّاس. وكذا قيل: إذا أسلف عشرة دراهم في ثوبين وجعل لكلّ منهما رأس مال معروف من العشرة جاز ذلك. وكذا إن أسلف في أنواع في صفقة وسمّى الأنواع بكيل أو وزن أو ذرع أو صفة وتسمية أجل جاز، كأن يقول: عشرة منها ببرّ وعشرة (4/383)
صفحة 1968
بذرة وعشرة بتمر، ولو لم يميّزها إذا سمّى لكلّ عشرة من النوع؛ وقيل: لا يجوز حتّى يقول ثلثها بكذا وثلثها بكذا، أو نصفها أو عشرها أو نحو ذلك من الأجزاء؛ وقيل: حتّى يميّز ما لكلّ نوع بعينه بالوزن وغيره.
أبو علي: من أسلف [209] دراهم ولم يزنها بين يدي المتسلّف ثمّ أشهد: إني قد أسلفتك عشرة بكذا وكذا مدًّا، فأنعم، ثمّ طلب أحدهما النقض فهو ضعيف ولا أبطله، وإن صدّقه فلا بأس.
ولا يجوز سلف الدراهم عددا، وقيل: إن كانت صحاحا جاز، وبه قال أبو عبد الله، وتوقف هاشم.
ومن طلب إلى رجل سلفًا واتّفقا على السعر وقال له: إذا أتاك رسولي فادفع إليه الدراهم، فجاءه فدفعها إليه، ثمّ طلب المتسلّف النقض واحتجّ بنقصها وعدم وزنها قدّام رسوله، فإذا لم يزنها له انتقض.
ومن كتب إلى رجل أن يسلفه دراهم بسرا أو تمرا فأرسلها إليه وكتب إليه: إنّي قد أسلفتك كلّ درهم بمكوكين، فأجازه ابن علي، ولم يره نقضا، ولم يجزه غيره إلاّ إن تسلّف له الرسول أو أمره صاحبه أن يسلفه له، وإلاّ فلا يجوز؛ والجائز عندنا أن يقبضها الرسول على وجه السلف للمتسلّف، لأنَّه إنّما يكون عند قبضها بلا تأخير، وإنّما هو كالصرف في مقام واحد.
ومن عنده لغيره دراهم يسلفها فاحتاج إلى شيء منها فأخذه وكتبه على نفسه كما يسلف غيره جاز، واختير أن يُعلم بذلك صاحبها (206).
ومن عليه دين لرجل فطلبه إليه فقال له (207): تسلف عليّ ففعل من آخر ولم يعلمه حتّى بلغ الأجل ثمّ جمع بينه وبين صاحبه فأجازه موسى، وقيل: في مثل هذا أنّ المتسلّف يجمع بين آمره وبين المسلف، فإذا فعل وقبلا جاز.
وقيل: في طالب إلى رجل سلف دراهم فأتاه بها وهو مشتغل في ضيعته، فقال له: ضعها على ذلك الثوب، ففعل ثمّ رجع إلى الدراهم فلم يجدها، فإذا قال له: قد (4/384)
صفحة 1969
جئتك بها وهي كذا وكذا، فقال له: ضعها فقد لزمته، والسلم لا يلزمه، لأنَّه لم يقرضه عليه.
هاشم: زعم ابن المفضل أنّ من طلب إلى رجل سلفا فدعاه أن يسلفه مائة درهم بطعام، فقال المتسلّف: إنّ لفلان عليّ مائة فاقرض عليه السلف وادفعها إليه، فقال: قد أسلفتك مائة بكذا وكذا من الطعام إلى كذا وكذا، ثمّ يدفعها المسلف إلى الذي أمره بدفعها إليه، فذلك جائز؛ وكان أبو عثمان يجيزه وموسى ينقضه وللمسلف رأس ماله، وبقول موسى قال ابن محبوب.
ومن سلف رجلا بطعام إلى مدّة، وقال: إذا حضرت فكله وأشهد عليه وضعه عندك حتّى أبعث إليه وأنت بريء منه، ففعل كما أمره فهلك الطعام، فقال: قد برئ منه، لأنَّه صار أمينا بعد الكيل والشهادة على ذلك، وضمن إن لم يفعله.
وجاز السلف بذهب وفضّة وكسور وصوغ بوزن في معروف إلى معلوم فيما جاز فيه السلف. وقيل: من سلف مثقالا حاضرا بكذا وكذا من طعام إلى معلوم جاز، لا إن قال: هذا مثقال صرفه كذا وكذا من الدراهم، وكلّ منها بكذا منه؛ وإن دخل في سلف خيار ولو ساعة فسد كما مرّ.
ومن أسلف رجلا دراهم فوزن له عشرة، وقال له: قد أسلفتك منها خمسة في كذا وخمسة أخرى عليك قرض، أو لك زكاة، أو من رأس مالك الذي عليّ، فالسلف ــ قيل ــ ثابت؛ وكذا إن أراد أن يقضيه إيّاه وكان حبّا كثيرا وقال له: هذا الحبّ كذا وكذا منه من السلف الذي عليك، وكذا وكذا من الزكاة، ومثل ذلك من القرض أو غير ذلك جاز.
وفي الأثر أنّ الدراهم إنّما تكون عند عقده في يد المتسلّف.
ابن محبوب: من سلف رجلا دراهم ثمّ رجع إلى صاحبها فقال: ضع لي من كلّ درهم سدسا، فقال: نعم وضعت لك، فهو منتقض ولم يره أبو زياد منتقضا.
أبو عبد الله: من سلّف ثلاثة أنفس في صفقة واحدة فوكّل بعضهم بعضا أو أمره بقبض الدراهم جاز وتمّ، وقد مرّ؛ وكذا إن تضامنوا له فيه. (4/385)
صفحة 1970
ومن أسلف رجلا بصفقة وسمّى لكلّ درهم كذا، فإن أعطاه عند عقده بعض الدراهم ولم يدفع الباقي إلاّ بعد أيّام متفرّقة حتّى أوفاه ما عقد عليه قبل الأجل، فإنّه يتمّ من السلف بقدر ما أعطاه عند عقده إذا سمّى لكلّ كذا، ــ كما مرّ ــ فقط؛ وإن اتّحدت صفقته ثمّ فرّق له الدراهم قبل الأجل فسد إلاّ إن جدّد له عقدا عند دفع كلّ درهم إليه.
ومن سلف رجلا عشرة، فقال له: كلّ أربعة منها بجري حبّ، فقيل: تمّت الثمانية منها لا الدرهمان حتّى يسمّي لهما معروفا. (4/386)
صفحة 1971
الباب السادس والسبعون
فيما يثبت من السلف وما يجوز منه وما لا يجوز
أبو عبد الله: من طلب إلى رجل سلفا فقال له: ما عندي دراهم، فقال الطالب: إنّما عندي دراهم أقرضك إيّاها وأسلفنيها فأخذها منه قرضا، ثمّ أسلفه إيّاها فإنّي أخاف فساده لأنَّه قرض جرّ [210] نفعا (208). وقال: من تسلّف من رجل دراهم ثمّ أمر من يقبضها له فلمّا أراد قبضها أبى أن يدفعها إليه، إلاّ إن كان حقّه عليه فقبل له المأمور بذلك، ثبت على المتسلّف الأوّل لا الكفالة به، إلاّ إن حضر المكفول عليه به.
أبو زياد: من سلّف رجلا مائة درهم في حبّ، فلمّا حلّ الأجل جاءه بدرهم زيف، فقال له: إنَّه من درهمك، فإنّه ينتقض السلف إن صدّقه، وإلاّ فعليه البيّنة أنَّه من التي أسلفه إيّاها إن وجدها، وإلاّ فعلى المسلف اليمين ما علم أنَّه منها، فإذا صحّ عند المتسلّف فساد السلف لزمه أن يعلم به المسلف، فإن لم يصدّقه قال له: إنّ الذي يسعني أن أعطيك رأس مالك إلاّ إن لزمني في الحكم، فإن ترافع إلى الحاكم وأقرّ بما كان بينهما، فإن صدّقه أو حلّفه فذاك وإلاّ حكم عليه بأداء ذلك إليه، فإذا حكم عليه به فلا عليه في مطوله له (09) عند اللّه، وأمّا في الحكم فتجب عليه الطاعة بحكم حاكم المسلمين.
وإن قال: سلّفتني هذه الدراهم بكذا وكذا مجملا، وقال المسلّف: سلّفتك كلّ درهم بكذا وكذا معيّنا فبيانه ما مرّ غير مرّة. (4/387)
صفحة 1972
وإن اتّفق رجلان على سلف جري حبّ بكذا درهم ولم تكن عند المسلف دراهم إذ ذاك، ثمّ أتاه المتسلّف يطلبها منه، فدفع إليه دراهم وقال له: قد وزنتها لك هاهنا وصدّقه جاز.
ومن عليه لرجل درهم دينا فقضاه إيّاه وطلب إليه أن يسلفه آخر فوزن له درهمين معا فقيل: يجوز السلف، وقيل: لا لأنّ درهمه غير مميّز. (4/388)
صفحة 1973
الباب السابع والسبعون
فيمن عليه دين لأحد وأمره أن يتسلّف عليه أو يقترض
أبو الحسن: من عليه لرجل دين فأمره أن يذهب إلى فلان ويشتري له من عنده حبّا إلى أجل أو يتسلّف عليه من عنده ويستوفي ماله عليه، فإن تسلّف ربّ الدين من عند من أرسله إليه وعليه عقد السلف، فليرجع إليه يدفع إليه الدراهم حتّى يقبضها على عقده ثمّ يقضيه إيّاها من حقّه إن شاء، وإن عقد على من له الدين فإن رجع أعلمه بذلك فهو أولى، فإن اقتضاها كما أمره جاز ذلك.
وإن كان دينه حبّا وأمره أن يشتريه من فلان ويقضيه، فلا بدّ له أن يأمر من يكيل عليه بعد الشراء، إذ لابدّ من كيلته وكيلة القضاء بعدها.
وإن رجع المسلّف طالبا للمتسلّف منه وترك الرسول، فإن كان هو الذي عقد السلف على نفسه طلبه هو وكان الغريم دون المتسلّف، وإن قال للمسلّف: إنّما أتسلّف على فلان لا عليّ وإنّما أنا رسول، فسلّفه على ذلك أو أقرض على فلان فلا شيء على الرسول؛ وإن كانت العقدة عليه للمتسلّف ثمّ جمع بينه وبين المسلف فأقرّ المتسلّف بأنَّه عليه، وقد قال الرسول للمسلّف: إنَّه لا يضمن له هذا السلف؛ فليس عليه شيء إلاّ إن أنكر المرسل أو مات، لأنّ العقد على الرسول فيتبع مال المرسل؛ وإن عقده على نفسه ولم يقل للمسلّف إنَّه على فلان دوني ولا أضمنه لك، وإنّما قال أرسلني أتسلّف عليه فأسلّفه وسكتا على ذلك، فهو على الرسول ويتبع به المرسل.
وكذا فيمن قال لرجل: أرسلني إليك فلان أن تقرضه كذا وكذا درهما ثمّ هلك فلان أو غاب وطلبه الرجل، فإذا لم يقرّ المرسل حتّى مات أو غاب، فالرسول مأخوذ بما قبض إلاّ إن صحّ حقّ المقرض في مال المرسل دينا له من ماله، فلا سبيل له على الرسول، وإلاّ فعليه ردّ ما قبض منه ويتبع هو مال مرسله، إلاّ إن أقرّ قبل موته أو غيبته (4/389)
صفحة 1974
أنَّه أرسل فلانا وأنّ ما تسلفه عليه أو أقرضه فهو عليه، فعند ذلك لا سبيل على الرسول.
وإن قال لمن أسلفه أو أقرضه: أعلمت أنّ ذلك ليس عليّ لك بوجه سواء لقيت أنت فلانا فأقرّ لك به، أو لم تلقه أو مات قبل أن تلقاه أو غاب، فقال له المقرض أو المسلّف: نعم لا حقّ لي قبلك من قبل هذا، أو إنّما حقّي فيه قبل فلان إن أقرّ لي به، وإن أنكر قولك ولم يصحّ عليه فلا حقّ لي عليك من قبل ذلك، وأنت منه بريء عند اللّه.
وإن لم يصل إليّ منه شيء فليس على الرسول بعد هذا شيء، وذلك إن كان المرسل صادقا، وإن كان كاذبا فلا براءة بهذه الشروط.
أبو علي: من طلب رجلا بحقّ فقال له: أذنت لك أن تسلف عليّ وتستوفيه فقيل: ليس له ذلك، وقيل: له ذلك وجاز عليه إذا صحّ أنَّه داين عليه أو تسلّف.
ومن وكلّ رجلا أن يقبض له دراهم على آخر ويبعث بها إليه فطلبها إليه فقال له: أسلفني إيّاها إلى أجل وابعثه بالدراهم فأسلفه فهو مكروه.
ومن باع لرجل شيئا بدراهم فلمّا طلبها إليه أعدمها، فقال الطالب: تسلف لي بثوب وأقتضي ففعل، فهذا كذلك أيضا؛ [211] قال: وإنّما أرى السلف على من تسلفه. (4/390)
صفحة 1975
الباب الثامن والسبعون
فيمن عنده دراهم لغيره يسلفها له فاحتاج إلى شيء منها فأخذه وكتبه على نفسه
فإنّه قد مرّ أنَّه جائز واختير أن يعلم ربّه بذلك، وقيل: يوكّل من يسلفه كغيره ولا يجوز بدون ذلك، وقيل: لا، إلاّ بإذن ربّها وله الخيار في أخذ دراهمه أو السلف، ولا خيار لعاقده على نفسه لأنَّه ألزمه نفسه وذلك إذا سمّاه على نفسه على موجب الحقّ في السلف أو أمر غيره وعقده عليه.
ابن محبوب: إن أجازه صاحبه قبل أجله أو بعده جاز ويوكّل من يكله له أو يزن، ومن يسلف ويقول هذه الدراهم لف أراد بذلك خروج حقّه وهي له ثمّ هلك فقيل: يدفع المتسلّف ما عليه لفلان المقرّ له بذلك ويعلم وارث المقرّ به، ولعلّ له حجّة فيه.
ومن أمر من يتسلّف له ففعل من عند شريكه في الدراهم وليعلمه بذلك. وإن تسلّف له الرسول فتلفت الدراهم من عنده قبل أن تصل الآمر فهي من ماله والسلف عليه إلاّ إن ضيّعها الرسول فيضمن.
أبو الحواري: من أرسل رجلا يتسلّف له السلف على المرسل، وإن قال الرسول أرسلني فلان إليك أن تسلفني له كذا وكذا فليسمّه على الرسول وكذا في القرض.
ومن أمر رجلا أن يتسلّف له عشرة دراهم بتمر ففعل من عند رجل قبضها منه، فهل لمن عليه السلف أن يسلّمه إلى من يتسلّف له لا إلى من كان له ولا إلى وارثه، قال: إذا أمره أن يتسلّف له من معيّن فليس له أن يدفعه إلاّ إليه أو وارثه إن مات، وإن لم يعيّن له وصحّ أنَّه تسلّف له من معروف فالذي عنده عليه السلف مخيّر في دفعه إلى من سلّف له، أو إلى من له السلف أو وارثه، وإن أبرأه المتسلّف له من السلف فإنّ الآمر به يبرأ لأنّ الضمان له عليه هو وهو على المتسلّف لمن تسلّف منه. (4/391)
صفحة 1976
ومن دفع دراهم إلى غير ثقة يسلفها له، ثمّ أخبره أنَّه سلفها فلانا وفلانا فله، مطالبتهما وإن أنكر من زعم أنَّه سلفه لم يكن لربّها أن يتعدّى عليه في المطالبة، لأنّ قول غير الثقة ليس بحجّة عند الإنكار، ويطالب بحقّه من أخذه وادّعى انتقاله منه إلى غيره.
ومن أمر رجلا أن يتسلّف له عشرة دراهم بطعام فتسّلف له ولنفسه بعقدة واختلاط ففي ثبوته خلاف.
بشير: من سلّف رجلين دينارا بستّة أقفزة حبّا على أنَّه بينهما لم يجز واختار أن يرجع إلى رأس ماله. ومن سلّف رجلا وأقرّ أنّ الدراهم لزيد فلمّا حلّ الأجل سلّم المتسلّف السلف إلى زيد، ثمّ طلبه المسلّف وقال لم آمرك أن تدفعه إلى زيد. قال: إنَّه بريء بدفعه إليه ولا تباعة عليه للمسلف، إلاّ إن أنكر أنَّه أقرّ بأنَّه لزيد، فحينئذ يؤخذ بدفعه إلى المسلّف وهو ضامن له عند اللّه إذا علم أنَّه سلّمه إلى ربّ الدراهم. (4/392)
صفحة 1977
الباب التاسع والسبعون
في قضاء السلف وأخذ المسلف غير سلفه
ومن عليه لرجل عشرة أقفزة سلفا فأعطاه حبّا في وعاء وقال له: فيه ذلك فخذه بما عليّ لك وصدّقه على كيله، فقيل: يجوز، وقيل: لا؛ وقيل: إن صدق بكيله الأوّل بالبيّنة جاز لا إن كاله لغيره بل يكيله ثانية.
ومن أسلف ــ قيل ــ عمّاله بحبّ فلمّا داسوه قبض أنصباءهم عمّا عليه له منه، فذلك تام وبرئ الكلّ وإن كانوا حيث لا تنالهم الحجّة فإنّه يكيله ويخرجه من ملكه، ثمّ يأمر من يكله له وليس عليه خروج إليهم بعد، وقد استوفى سلفه وبرئ.
ومن أسلف رجلا برّا فلمّا حلّ الأجل لم يجد برّا فاتّفقا على أن يوفيّه ذرة بقيمته أو غيرها، فقيل: لا يجوز. وإن أعطى المتسلّف دراهم للمسلّف وقال له: قد وكلت لك فلانا فادفعها إليه يشتري لك ويعطيك جاز، لا إن قال له: اشتر أنت واستوف؛ وقيل: إن فعل ذلك واشترى لنفسه واكتال فقد مضى ما فيه، وقيل: يأمر من يكيل له ولا يشتري هو له من عنده ليوفّيه إيّاه إن وجد عند غيره، وقيل: له أن يشتري من عنده ويوفيه إيّاه ولو وجد عند غيره ويأخذه بكيل ويدفعه بآخر، وهذا إن لم يشتر من عنده على شرط إيفائه إيّاه واشتراه بالنقد ولا بالنسيئة على الشرط اتِّفاقًا (210)، وإن وكلّ له بعض عياله وأعلمه بذلك ثمّ اشترى منه بلا شرط ثمّ كال له عن السلف وأوفاه إيّاه فلا بأس.
وقيل فيمن عليه لرجل سلف فاشترى من آخر حبّا، فقال لصاحبه: اذهب إلى فلان فأكتله منه فإنّي اشتريت منه حبّا ولم يكله لي فلا بدّ من كيلتين كما مرّ.
وإن اكتال المسلّف الحبّ من البائع وذهب به وفات، فإن حيّان الأعرج كتب إلى أبي جابر: ما قد سبق وذهب فاتركوه فأصلحوا ما استكيل (211). (4/393)
صفحة 1978
وقيل: [212] لا بدّ من كيلتين، وقيل: إن كان البائع والمسلّف نويا عند الكيل أنَّه عن البيع والسلف جاز لهما، وإن كان إنّما قبضه للمتسلّف وعليه النيّة والأمر فلا بدّ من كيلتين.
أبو علي: لا بأس على من أسلف ببرّ وأخذ شعيرا برضاه. ومن له على رجل سلف فلا يضمن عليه لمن يسلفه أن يقضيه إيّاه ولا يعينه بمساومة السلف.
ومن عليه سلف فاشترى من المسلّف حبّا ولم يعلمه أنَّه يقضيه إيّاه فلمّا قبضه قال: استوف منّي حقّك، اختار هاشم أن يحمله من منزل البائع ثمّ يقضيه إيّاه وإن لم يحمله وقضاه إيّاه فالقضاء عنده جائز؛ وقيل: ولو أعلمه أنَّه يريد أن يقضيه إيّاه فإنّه جائز إذا لم يتشارطا وذلك في النقد لا في النسيئة، وقيل: يجوز ولو على شرط وذلك إذا كان بالنقد لا بالنسيئة.
ابن علي: من عليه لرجل ثلاثون مكوكا حبّا سلفا فأعطاه بها نخلة لم يجز له، وإن باعها له بثلاثين مرسلا لا بشرط حب السلف جاز، ويكيلان لبعضهما بعض.
وقال أيضا فيمن عليه لرجل سلف برّا إلى أجل فحلّ فباع نخلة له واقتضى الحبّ بالدراهم بسعر يومه: لآنه لا يجوز عندي ويأخذ منه ثمنها ويدفع إليه حبّه ولا نقض في السلف ولا بيع في النخلة، قال: وعندنا لا يعترض به ولا يأخذ إلاّ ما أسلف فيه، إلاّ إن اتّفقا على مبايعة في أصل أو عروض فلكّل على آخر حقّه.
أبو علي: من أسلف رجلا (212) بذرة وهي في الجبل فأتاه بجبلية فقال له: أنا آخذ من ذرة بلدي فله ذلك إلاّ إن أتاه بمشابهة ذرة بلده.
أبو الحواري: من عليه لرجل حبّ سلفا فوضع عنده حبّا كثيرا وقال له: اكتل من حبّي الذي في بيتك حقّك فكال (213) منه، جاز له واختير أن يكيله له غيره.
عزّان: من أسلف رجلا عشرة دراهم بجريين برّا فلمّا حلّ الأجل قضاه برّا فيه شعير، قال: لا ينبغي له إلاّ أن يعطيه خالطا منه فإن قضاه ولم يستطع إلاّ على ذلك، فإن كان البرّ لا ينقص في الكيل إذا ميّز عنه الشعير، فلا بأس، وإن كان ينقص لم يجز (4/394)
صفحة 1979
أبو إبراهيم من أسلف رجلا برّا بثيرا فلمّا حلّ الأجل قال: ليس عندي إلاّ سريع، فله أن يأخذ دون حقّه، وإن أسلفه بسريع فله أن يأخذ بثيرا، وإن أسلفه ببلعق وأعطاه دون حقّه بلعقا أو صرفانا أو قشا جاز.
وإن وهب متسلّف لمسلّف شيئا بلا مشارطة بينهما جازت الهبة، وبعض شدّد فيها.
ومن أسلف (214) بدراهم له فيها شريك جاز لهما، فإن مات الدافع فلا يسلّم المتسلّف إلى الآخر أو وارثه إلاّ منابه، لأنّ الحيّ ليس له فيها إلاّ منابه، فلا يدفع له مال غيره.
ومن له على رجل سلف فحلّ وعلى صاحبه دين من جنسه فأمر المتسلّف أن يقضيه ما يطلبه به بما عليه فذهب الذي له الدين فقبضه من دينه بأمر ربّ السلف، قال: فهذا ونحوه يجوز فيكون قبضا وقضاء لهما. (4/395)
صفحة 1980
الباب الثمانون
في سلف الصبيان والمسجونين والمجانين
ومن أسلف يتيما في حال من لا يدفع إليه ماله ولم يؤنس رشده، فلمّا أدرك ذكر السلف، فقيل: إن أتمّه بعد بلوغه جاز للمسلف أن يقتضيها منه، وإن كره عنده فليس له إلاّ رأس ماله.
ومن أسلف مقهورا ملازما بدين أو إخراج وهو مقيّد يجيء ويذهب أو في مقطرة أو مسجون، فقيل: أن يبيع المحبوس الملازم بالمطالبة منتقض إن شاء نقضه، والسلف مثله، وإن أتمّه بعد إطلاقه تمّ. وقيل: إن كان على ما يتسلّف النّاس في البلد فقد أثبته بعض. (4/396)
صفحة 1981
الباب الحادي والثمانون
في الحوالة والتولية في السلف وبيعه والمقاصصة فيه
أبو الحسن: اختلف في ذلك، فقيل: لا تجوز فيه الحوالة ولا التولية إلاّ بعد حلوله وهو المعتمد عليه، وقيل: تجوز فيه التولية ولو قبله، وقيل: لا تجوز قبل قبضه.
أبو الحواري: من تسلّف من رجل دراهم فقال له آخر: ولّنيها أو شيئا منها، فقال له: قد ولّيتك إيّاها لا قد سلّفتك، فإن أعلمه المتسلّف بكم تسلّفها من الطعام وعرّفه الأجل وأولاه إيّاها ثبت ذلك على المتولي.
قال (215): والتولية عندنا في السلف غير المبتدئ السلف وإن لم يعلمه بذلك فليس له إلاّ رأس ماله على المتولي.
ومن أسلف رجلا بطعام فلمّا حلّ أجله باعه له بدراهم مسمّاة، لم يجز بيعه قبل قبضه ولو لغيره.
وإن سلّفه خمسين درهما مجملة بمائة مكوك حنطة فلمّا حلّ الأجل سلّف إليه النصف وأبرأه من الباقي، فإن أبرأ كلّ منهما ممّا يعطيه وصالحه عليه جاز.
ومن عليه لرجل حبّا سلفا وله على الرجل حبّ أجرة وكلاهما معلوم من جنس واحد، لم تجز فيه المقاصصة إلاّ بقبض وكيل ثان إلاّ إن تصالحا على [213] ذلك، فالصلح على المعلوم جائز إذا قال كلّ لصاحبه: قد صالحتك على كذا وكذا من حقّي وأبرأتك من الباقي.
أبو علي: من طلب رجلا بسلف فكاله وباعه إيّاه في موضعه بنيّة وقد تشارطا ذلك فهو بيع لا أحبّه ولا أقدم على نقضه.
ومن عليه لرجل جري حبّ قيمة سمكة وعلى الرجل له مثله سلفا، لم يجز أن يتقاصصا فيهما، وإن كان على الأوّل الجري من قبل بيع مؤجل أو سلف وعلى الآخر (4/397)
صفحة 1982
مثله سلفا، ففي جواز المقاصصة بهما قولان. وكذا إن تحالفا أجرة وسلفا كما مرّ أجازها بعض دون بعض.
أبو الحواري: من عليه لرجل عشرة مكاكيك سلفا وطرح إليه سدّه بخمسة منها، فإن حلّ السلف جازت مقاصصتهما لأنّ الإجارات بالحبّ لا تجوز ولا يؤخذ بها إلاّ حبّ، وكذا السلف لا يؤخذ به إلاّ حبّ، إن كان به وجاز فيه القضاء والمقاصصة إذا حلّ لا إن لم يحلّ، ومنع بعض المقاصصة فيه بحبّ ولا بدراهم ولا بغيرهما ولا يجوز إلاّ قبضه إذا حلّ وتسليمه، وقيل: تجوز فيه إذا حلّ إلاّ السلف بالسلف لأنَّه من جنسه، والإجارات مثله عند بعض.
وقيل: فيمن له على رجل جراب تمرا وجري حبّ سلفا، فإذا حلّ ماكسه حتّى يتّفقا على كذا وكذا ثمن ذلك، ثمّ سلفه بتلك الدراهم بقدر حقّه إلى ثلاثة أيّام أو أكثر، فيكون لكلّ على صاحبه مثل ماله عليه، فإن لم يتشارطا ذلك جاز، ويكيل كلّ لصاحبه ما عليه، قال: وذلك إذا سلفه الدراهم وقبضها. (4/398)
صفحة 1983
الباب الثاني والثمانون
في السلف المنتقض وما يلزم فيه
فمن أسلف لرجل سلفا ثمّ علم انتقاضه، فإن كان بمعنى الربا فلا يسعه إلاّ أن يخبره به، وإن كان ممّا تجوز متاممته، فقيل: يلزمه أن يعلمه بنقضه فيتمّ أو ينقض. وقيل: له أخذه ما لم ينقضه، وقيل: إن لم يخبره وأعطاه وقد علم انتقاضه ثمّ نقضه، فقيل: له نقضه وإن نقضاه ثمّ اتّفقا على أن يعطيه ذلك الحبّ بما صار إليه من الدراهم ولا يذكران بيعا ولا سلفا جاز إن كان منتقضا.
وإن كان فيه ربا ففيه خلاف واختير إتمامه إن كان قد فعلا وإلاّ اختير أن يردّ رأس ماله كما سلّفه.
ابن موسى: من أسلف رجلا منتقضا وأوفاه عليه فلكلّ منهما ما كان له من قبل، وإن وسع بعض لبعض فيه بعد الإقرار به جاز، وقيل: هذا إن كان منتقضا أو فاسدا، وقيل: يجوز إن كان منتقضا لا إن كان فاسدا، وتروى إجازته ولو (216) فاسدا عن أبي المؤثر والأزهر بن محمّد بن جعفر.
ومن أسلم في جائز فيه السلف ثمّ استردد رأس ماله، فإن قبضه فليأخذ ما شاء به؛ ويوجد عن حيّان جواز أخذ العروض عن رأس المال إن لم يجد الدراهم.
ومن أسلف فاسدا وعلم بفساده وعلمه المتسلّف أيضا فوهب له قدر النوع الذي أسلفه من غير إتمام منهما للسلف وأبرأ المسلّف للمتسلّف من رأس ماله، جاز لهما إذا لم يتشارطا، وإذا حلّ السلف وأربى صاحبه فأصله ثابت وينتقض ما أربى فيه ويرجع إلى السلف.
ومن أسلف سلفا وظنّ انتقاضه وأخذ رأس ماله ثمّ علم صحّته، فقيل: إذا أخذه انتقض السلف، وقيل: إذا لم يأخذه على قصد منه إلى نقضه وإنّما ظنّ أنَّه لا يجوز له وأخذه على هذا ثمّ علم، فله سلفه على حاله وذلك فيما بينهما. (4/399)
صفحة 1984
وأمّا في الحكم فإذا أخذه عن ذلك فقد ثبت عليه، وقال هاشم فيمن أسلف رجلا ثمّ طلب حقّه فأفلس وطلب منه أخذ رأس ماله: فإن تفاصلا انتقض ولا له إلاّ رأس ماله؛ وإن قال له: إن رددته إلى عشرة أيّام أخذته وأبطلت السلف، وإلاّ فسلفي عليك؛ قال: هذا إذا لم يتفاصلا ولا ينتقض في مثل هذا بعد عقده حتّى يجتمعا على نقضه ويبرئه منه ويرجع إلى رأس ماله ثمّ ينتقض، وقيل: لا حتّى يقبضه عن السلف أو يقول للمتسلّف قد أقلتك فيه أو أبرأتك منه أو أفسخته عنك برضاهما.
ابن محبوب: من أسلف رجلا دراهم ثمّ رجع إليه فقال له: ضع عنّي من كلّ منها سدسا ففعل فقد انتقض واختير أن لا ينتقض إذا حطّ له من حقّه وأجازه أبو زياد في مثله وأثبته حتّى ينقضاه.
أبو علي: إن أسلف رجلان واحدا مائة درهم بمائتي مكوك برّا بينهما فأخذ أحدهم رأس ماله وهو خمسون وأبى الآخر، لم يجز حتّى يتّفقا على أخذهما معا.
وكذا إن كان لجماعة فنقضه أحدهم فلا ينتقض حتّى يجتمعوا على نقضه.
[214] أبو الحسن: من أسلف رجلا دراهم فلمّا حلّ عليه السلف عدم القضاء فطلب إليه أن يقبل منه رأس ماله فأجابه إليه واتّفقا على أن يأتيه به، ثمّ نقض أحدهما اتّفاقهما وطلب الرجوع إلى الأوّل، فإن كان اتّفاقهما على فسخه فلا رجوع لأحدهما إليه ولا للمسلّف إلاّ رأس ماله. وإن كان على ردّه عليه فأيّهما رجع كان له؛ وقيل: له أن يرجع على المتسلّف ما لم يدفعه إليه ويقبضه منه، واختار خميس هذا القول ما لم يفسخ المسلّف السلف. (4/400)
صفحة 1985
ومن له على رجل سلف ثمّ ذهبت الثمرة فطلب إليه أن يردّ عليه شيئا من رأس ماله ويبقى منه بعضه، فإنّه ما لم يقبض منه شيئا على شرط رأس ماله أو يقيله في سلفه أو يفسخه عنه أو يلفظ بما تنحلّ به عقدته، فالسلف بحاله ولزمه أن يردّ عليه ما قبضه منه أو يتتامما على ذلك.
وقيل: إن اتّفقا على ردّ رأس المال بلا فسخ للسلف، ثمّ أراد أحدهما إتمامه جاز له ما لم يقبضه أو يفسخه، فإذا قبضه فلا رجوع لأحدهما إليه ولو لم يفسخاه.
ومن أسلف رجلا دراهم بحبّ إلى أجل وضمنه آخر وأبرأ المتسلّف من السلف فذلك لا يجوز وهو ثابت عليه.
ومن أسلف دينارا بجراب ثمّ أخذ رأس ماله بصرفه دراهم جاز له، وكرهه بعض، وأجاز أبو عبد اللّه أخذ العروض عن رأس مال المسلف. (4/401)
صفحة 1986
الباب الثالث والثمانون
في الكفيل والرهن في السلف
فمن كفل لرجل عن غيره بسلف فأعطاه من عنده ما كفل له به من جنسه جاز له، وللكفيل أن يستوفي من المتسلّف ما اتّفقا عليه وإن لا من جنسه ما تسلّف إليه، لأنّ الكفيل كالمقرض، وله أن يأخذ ما اتّفق هو والمقترض عليه كما مرّ، وهو مثل القضاء يدا بيد.
وإن أخذ طعاما مثل الذي قضاه عن المكفول عنه فباعه وربح فيه جاز له. وإن قبض الطعام منه فباعه قبل أن يدفعه إلى المسلّف بثمن حال، ثمّ رخص فاشترى بنصفه مثله أو أفضل منه فقضاه للمسلّف، فالفضل في القياس للكفيل إن أخذ الطعام من المتسلّف على وجه الاقتضاء.
وإن أخذه على وجه الرسالة للمكفول له فلا نحبّ له أن يبيعه، ولكن يردّه بعينه إلى صاحبه. وكذا إن كانت الكفالة بدراهم فقبضها الكفيل على وجه الاقتضاء منه ولم يدفعها إلى المكفول له حتّى عمل فيها وربح فالربح للكفيل.
أبو عبد الله: هو ضامن ولا ربح له إلاّ إن دفع الحقّ إلى صاحبه من عنده فيكون له. أبو سعيد: عندي أنَّه إذا قبض الدراهم من المكفول عليه على أنَّها له من قبل ما كفل عليه، فإنّه ضامن للمكفول له والربح له فيما قبض منه، فإن قبضها على أنَّه رسول بها فالضمان عليه للمكفول عليه والربح له أيضا إن اشترى بها صفقة، فإن قبضها منه للمكفول له مغتصبا لها من المكفول عليه فالضمان والربح للمكفول له. قال: وسواء هذا عندي في الدراهم والحنطة والحيوان.
وإن قبض شيئا من ذلك لا على تمييز على إرسال ولم يسمّ به قبضا له ولا لصاحب الحقّ ولا على رسول به، قال: فعندي أنَّه قيل: إنَّه للذي عليه الحقّ، وقيل: (4/402)
صفحة 1987
أنَّه في الحكم للكفيل، وقيل: لذي الحقّ؛ واختار أن يكون للذي عليه الحقّ الفاصل من يده على هذا الوجه.
وقيل فيمن يسلف رجلا فيأخذ كفيلا فيأخذ هو من المكفول عنه رهنا، فهلك عنده، ثمّ أدّى المكفول عنه الطعام، فأبو سعيد أنَّه لا يرجع الكفيل بطعام مثله لأنَّه حين أخذ الرهن وهلك عنده فقد استوفى وهو قد قبله من المكفول عنه ثمّ أدّى هو إلى صاحبه، فيأخذ الكفيل حتّى يؤدّيه إليه؛ وإذا ثبت بيد الكفيل وكان مثل الحقّ أو أكثر منه ثمّ تلف فقد استوفى من المكفول عليه، وإن كان أقلّ كان له الباقي من حقّه. والمسلّف بالخيار في أخذه من الكفيل أو إبراء المكفول عليه أو أخذ المتسلّف بسلفه ويرجع هو على الكفيل به لأنَّه ضامن له لتلف الرهن بيده، وهو مثل السلف أو أكثر منه. وإن كان أقلّ فإنّه يضمن من السلف قدر الرهن وإن ردّه الكفيل إلى صاحبه ولم يؤدّه الذي عليه فقد برئا منه معا ولا يرجع على المكفول عنه بشيء منه، لأنَّه قد استوفى حين هلك الرهن بيد الطالب الذي لأجله ارتهنه وهو مثل (217) حقّه.
أبو سعيد: إن كان الرهن والسلف معا في عقدة بطل عندنا بالرهن ورجع المسلّف إلى رأس ماله، وإن تلف الرهن بيده فله رأس ماله لأنَّه أمين فيه وعند بعض أنَّه يكون رهنا بيده برأس المال، واختاره أبو سعيد لئلا يبطل حقّه إذا دخلا فيه بجهالة.
أبو الحواري: قد قالوا لا يجوز الرهن في السلف فإن ارتهن فيه فهلك بيد الطالب فقيل: إنَّه أمين فيه وله رأس ماله، والمختار الأوّل ولا بأس بالكفيل فيه إلى مدّة وجاز له أخذ الرهن بيده لا للمسلّف.
ومن أسلف رجلا ولم يثق به وضمن عنه رجل بذلك السلف [215] عند عقده جاز والحقّ له على الضامن؛ وإن شاء رجع على صاحبه فأيّهما شاء أخذه بحقّه.
أبو عبد الله: من كفل عن رجل بسلف وأمره أن يبيع من ماله ويقضي عنه جاز له وهو أمين فيه. (4/403)
صفحة 1988
أبو الحواري: من كفل على متسلّف بطعام إلى أجل فصالحه وأسلمه إليه قبل حلوله أو بعده ولم يقبضه صاحبه من الكفيل إلاّ بعده، فإن صالحه على شيء ــ وإن لا من النوع ــ فلا بأس على الكفيل أن يقترض منه بسعر يومه، وكره له أن يزداد فضلا له، وقيل: إذا أعطى الحقّ من عنده (218) فله أن يأخذ من المكفول عنه ما شاء من عروض أو دراهم أو غيرهما على اتّفاقهما، وقيل: أن يسلمه إلى صاحبه لا يجوز له أن يأخذ من المكفول عنه إلاّ السلف، لأنَّه إنّما يأخذه لصاحبه ولم يضمن له بشيء لأنَّه ما لم يدفع ما كفل به فلا يستحقّ على المكفول عنه إلاّ ما عليه إذ لا يستحقّه لنفسه إلاّ بعده.
فصل
من كفل عن آخر سلفا، فلمّا حلّ طلبه صاحبه إلى الكفيل، فإذا أوفاه من عنده فله أن يأخذ من المكفول عنه ما شاء ولو زيادة أو عروضا بسعر يومه.
ومن طلب رجلا بشاة فلم يجدها وكفل عنه بها آخر إلى أجل، فلمّا حلّ دفعها المطلوب بها إلى الكفيل فلم يدفعها إلى الطالب حتّى نتجت عنده، فقيل: إنّ النتاج للمطلوب ما لم تدفع للطالب، وقيل: إنَّه للكفيل لأنَّها له لا على المطلوب بها، وقيل: إنَّه للطالب، وقال عزّان: إن كان المطلوب بها حين دفعها إلى الكفيل قال له: هي التي كفلت بها عليّ فخذها، فأخذها فحبسها عنده إلى النتاج فهو له، لأنَّها لو تلفت من يده كان لها ضامنا لانتقالها عن المطلوب إليه؛ وإن قال له حين دفعها إليه: هذه لفلان الطالب لي بها، وقبضها الكفيل له وقد أمره بقبضها، وكان كالوكيل فالنتاج للطالب؛ وإن قال له هذه هي التي يطلبني بها فلان فادفعها إليه عنّي فهو للمطلوب بها، لأنّ الحقّ لم يزل عنه حتّى يدفعها الكفيل إلى الطالب. (4/404)
صفحة 1989
أبو سعيد: إنّ الرهن إنّما يفسد السلف إذا شرط عند عقده ــ كما مرّ ــ وإن كان قبله فهو باطل والسلف ثابت؛ وإن كان بعده وقبل حلوله (219) فكذلك؛ وإن كان بعد حلوله ثبتا معا.
أبو الحسن: إذا كان السلف لا على شرط الرهن ثمّ اتّفقا بعد على أن يكون بيد المسلّف به فما لم يقع معه فالسلف تام؛ وإن وقع بشرط الرهن فهو فاسد.
ابن علي: من أسلف رجلا سلفا فارتهن منه رهنا ولم يقبضه منه فالسلف منتقض والرهن باطل، وقال: من طلب إلى رجل سلفا وأتى برهن فالرهن لا يجوز، ولكن يدفعه إلى من يكفل له بحقّه عنه؛ فإن دفعه إليه وهلك بيده فإنّه يذهب من ذلك كما مرّ.
ومن طلب إلى رجل أن يسلفه دراهم فقال له: أرهن في يدي رهنا حتّى أتسلّف لك من عند غيري، ففعل فذهب فتسلّف له من غيره جاز ذلك.
أبو سعيد: إن وصل الرهن بعقدة السلف مشروطا فقد فسدا وإن كان بعد تمام عقدته (220) ثبت وانتقض الرهن إن كان قبل حلوله كما مرّ؛ قال: ولا أعلم في قول أصحابنا إثبات السلف إذا شرط الرهن عنده، إلاّ ما روي عن بعض: أنَّه حفظ عن ابن علي ما هو خير من دنانير فقيل له: وما هو؟ فقال: قال: (221) إن أجل المسلّف المتسلّف المرتهن في السلف أو ثبت أو حلّ فقد يروى عندنا إجازة ذلك السلف عند إتمام المسلّف ذلك، وليحرّر هذا الكلام. ابن جعفر: لا يجوز الرهن فيه حتّى يحلّ، وجاز للكفيل أخذه ولو أوّل عقده.
أبو عبد الله: من ارتهن بسلفه رهنا بعد شهرين ثمّ علم بفساده فردّ الرهن فالسلف تام، وإنّما ينتقض إذا سلفه وارتهن منه بسلفه في مقعده فقد فسدا، وقيل: لا، حتّى يكونا في عقدة واحدة أو يكون السلف على أساسه، وأمّا إن كان بعد عقدة السلف ثبت وبطل الرهن؛ وثبت إن كان بعد حلوله، وقد مرّ ذلك وإنّما أعدناه تبعا لهم. (4/405)
صفحة 1990
الباب الرابع والثمانون
في الرهن
وقد أمر الله به عباده لحفظ أموالهم ونهى عن إضاعتها وأن يتستوثقوا عليها إذا أرادوا بيعها نسيئة بكتابة وبيّنة ورهن، فقال: {يآ أيُّها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين} الآية. {وإن لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} (سورة البقرة: 282)؛ والرهن جائز ولو في الحضر بالكتاب والسنّة، وروي عن أبي رافع أنَّه قال: بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى يهودي أسلف له منه طعاما أو أشتريه له فأبى إلاّ بالرهن فرجعت إليه فأخبرته بقوله؛ فقال: لو باع لي أو أقرض لي لوافيته له إنّي واللّه لأمين في الأرض وأمين في السماء، فأمره أن يرفع له درعه فرهنها له، فأنزل اللّه عليه تسلية له عن الدنيا قوله تعالى: {ولا تمدّن عينيك} إلى {وأبقى} (سورة طه: 131).
وقد اختلف فيما رهنت فيه فقيل: في عشرين صاعا من شعير، وقيل: في ثلاثين من تمر؛ فمات [216] صلّى الله عليه وسلّم وهي عند اليهودي.
وفي هذا الحديث سنن إباحة معاملة أهل الكتاب والردّ على من لا يجيزها لما يدخلون في تجاراتهم من محرّم، وعلى من لا يجيز الرهن إلاّ في السفر، وإباحة مدح المرء نفسه عند من لا يعرف قدره إن احتاج إليه، والردّ على من لا يجيز له أن يدّخر أكثر من قوت يومه وليله، وجواز اليمين بالله إذا علم أ نَّه محقّ فيها.
وذكر أنَّه صلّى الله عليه وسلّم ادّخر ذلك الطعام يأكل منه هو وعياله حتّى مات وبقي بعضه.
وقد جاز الرهن بين من جازت مبايعتهما فيما مرّ، وفي كلّ وقت ومكان، وكره في مسجد وفي الدين الواجب المعلوم لا المجهول؛ وقيل: جائز فيه أيضا. (4/406)
صفحة 1991
فمن أراد أن يرهن لرجل شيئا في دين له عليه فرضيه واتّفقا عليه، فإنّهما يحضران الشهود ويكتبان أسماء آبائهم وقبائلهم وصفة المرهون وما رهن فيه ووقته وأجله الذي يباع فيه، وإن لم يكتبا ذلك جاز الرهن.
وألفاظه أن يقول الراهن للمرتهن: رهنت لك هذا فيما لك عليّ من كذا إلى أجل كذا تبيعه عنده أو بعده وتستوفي حقّك؛ والمرتهن: قبلت؛ وإن قال أخذته أو رضيته (222) جاز؛ وإن قال الراهن: جعلته لك رهنا فيما لك عليّ، جاز؛ وإن رفعه المرتهن بلا قبول لم يكن رهنا، فإن لم يقبله في مكانه ثمَّ قبله جاز؛ وقيل: لا يجوز قبوله بعد مكانه الأوّل.
وإن قال: رهنته لك، وقال له المرتهن: نعم أو بلى لم يجز، إلاّ إن قال له الراهن أو غيره أقبلته؟ فينعم.
وإن رهنه أيضا بكتابة فقبله أيضا بها لم يجز أيضا إلاّ إن منعا من الكلام، وقيل: يجوز. وإن قال له: رهنته لك أمس، وقال له: قبلت (223) منك أمس، لم يجز أيضا إلاّ إن كان إقرارا منهما بالأمس.
وجاز: رهنته لك إن شاء اللّه، لا إن قال: إلى مشيئة فلان، وكذا في قبلته فإن علق كلّ منهما المشيئة إلى نفسه فقولان، وإن علّقها إلى من لا تتوهّم منه مشيئة أو إلى من لا يصل إليه فقولان أيضا.
وكذا إن قال: رهنته لك إلى خيار ثلاثة أيّام أو قبله المرتهن إلى ذلك، فقيل: جائز والرهن باطل، وقيل: لا يجوز؛ وإن وكّل الراهن من يرهن ماله لمن له عليه دين فذكر الوكيل له ما مرّ من لفظ جائز بين الراهن والمرتهن، فكالراهن فيه وفي غير الجائز، وكذا وكيل المرتهن مع الراهن أو وكيلاهما.
وإن قال له الراهن: رهنته فيما لك علي (224) فقبل وكيله أو خاطب الوكيل فقبل المرتهن جاز فيهما؛ وكذا إن عقد الأب رهنا على طفله أو مجنونه أو خليفة عليه أو على يتيم أو غائب فقدم أو بلغ أو أفاق؛ فقبل قبل أن يقبل خليفته جاز، وإن قبل بعد ما زال من خلافته أو ردّه صاحب الدين فقبله غيره لم يجز. (4/407)
صفحة 1992
وإن قال المرتهن: دفعت الرهن بعدما عقد لوكيله الوكالة عليه، فإن دفعه قبل قبول وكيله جاز وإن قبله قبل دفعه لزمه.
وإن قال للراهن حين دفعه: قبلته؛ ثمّ قال له: أقبله أو لم أقبله؛ ثمّ قال: قبلته؛ فإنّمّا ينظر إلى قوله الأوّل في الإنكار والقبول.
وإن قال له المرتهن: ضعه أو ارفعه فلا شيء فيه، وإن رهنه لأحد العقيدين فقبله الآخر جاز إذا علم أنَّه رهن لعقيده، وإن دفع الأوّل قبل قبول الآخر قبل قوله. وكذا إن رهنه لما دونه في التجارة في دينه فقبله مولاه أو رهنه له في دين عبده فقبله هو، جاز إن كان المال له وإن كان لغيره نظر إلى قبول العبد.
وكذا المقارض وربّ المال إن عقد الرهن لأحدهما فقبله الآخر أو دفعه.
وكذا من وكّل من يقبض له دينه من غريمه فرهن له رهنا فقبله موكله، جاز لا إن قبله الوكيل.
وإن رهن لخليفة رهن فزال من خلافته قبل قبوله فحدثت أخرى مكانه فقبله لم يجز. وكذا من مات أوجنّ قبل قبول رهنه لا يجوز لوارثه قبوله ولا لخليفته، وإن رهن له في وقت لا يجوز فيه قبوله وقبله في وقت يجوز فيه أو رهن له في جائز وقبله في غيره لم يجز فيهما. (4/408)
صفحة 1993
الباب الخامس والثمانون
في قبض الرهن
ولا يجوز إلاّ به بالكتاب والسنّة والإجماع لقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} (سورة البقرة: 283) ولقوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا رهن إلاّ بقبض». ولإجماع الأمّة على أنَّه لا يجوز إلاّ به ثمّ اختلفوا في قبضه كما ستعرفه، وأجمعوا أنّ كلّ ما دخل يد أحد فقد قبضه وإن رهن له ما يحيط به العلم والروية [217] كعرمة طعام أو رزمة ثياب ونحوهما من الأواني أو غيرها جاز.
وإن رهن له حيوان فتركه الراهن يستغلّه المرتهن أو وكيله جاز. فإن رهن له واحدا منه فهو كبيعه فيهما.
وإن رهن له أرضا ومتّصلا بها من عيون وآبار وغيران ومواجل ودور وبيوت وشجر، جاز وقبضه لها أن يأخذ مفتاح ماله مفتاح ويخرج الراهن منه إن سكن فيه، والمعين إن أراه له وحدّه له بحدوده إن لم يحضر، وبصفته فمنعه منه المرتهن جاز وذاك قبضه.
وإن كان شجرة ولم تحضر جاز رهنها إن حدّها بحدودها وسمّاها باسمها ووصفها بصفتها لا إن وصفها بما لا تتبيّن به من غيرها.
وقيل: قبوله للرهن في ذلك هو قبضه له وإنّما له أن يأخذ رهنا في ماله ما عرف للراهن، وإن بإقعاد فيه لا غيره، وجاز علم وكيل المرتهن بالرهن عن علمه وكذا وكيل الراهن. وإن رهن له معيّنا ولم يكن بيد أحد ففيه قولان.
وكذا إن رهن له طيورا أهلية أو نحلا حال خروجه من مساكنه، أو رهن له بيتا وقد سكنه، أو ما عليه من ثياب أو سلاح أو ما ركبه من الدواب أو السفن ففي كلّ ذلك قولان. (4/409)
صفحة 1994
وإن أعار ما ذكر للمرتهن وكان بيده ثمّ رهنه له جاز، وكل ما قبضه هو أو خليفته أو وكيله أو من ولي أمره أو عبده أو طفله بأمره فهو جائز.
وإن رهن له ما بيده أمانة عنده جاز لا إن كان أمانة بيد الراهن. وإن رهن له مقبوضا وغيره بمرة (225) أو لمن يجوز قبضه ولمن لا يجوز لم يجز.
وإن رهن له ما بيده بتعدية جاز إن أبرأه ربّه من ضمانه. وإن رهن له ما في هذه المطمورة أو الخابية أو الغرفة أو نحو ذلك من الطعام أو ما في الأوعية جاز إن رآه المرتهن وعلمه وإلاّ فلا. (4/410)
صفحة 1995
الباب السادس والثمانون
فيما لا يجوز فيه الرهن
كقرض وعارية وكلّ ما أصله أمانة؛ وكذا لا يجوز في شفعة وما لم يقرض كمتعة وصداق وديّة، وما لم يقوم من فساد.
ومن استأجر أجيرا ولم يدخل في عمله أو تزوّج امرأة بلا شهود فرهن له أو لها شيئا وكذا كلّ دين لم يجب.
ولا يجوز رهن الحمل لأنَّه غرر واللبن في الضروع والأبق والشارد لذلك ولتعذّر قبضه. وإن رهن له ما بيده غيره بأمانة أو تعدية أو ماله من دين أو صوف على ظهر الغنم على أن يجزّ ما لم يجز إلاّ إن كان يجزّها في وقته.
وكذا إن رهن له نابتا على أن ينزعه في وقته، وقيل: إن كان ينزعه فيما دون ثلاثة أيّام، وقيل: يجوز ما لم يزد قبل، وقيل: ما لم يدرك؛ وإن تركه حتّى أدرك بطل الرهن.
ولا يجوز رهن محرّم ولا منجوس من الأشربة وما لم يدبغ من جلود الميتة أو يترب من صوفها وشعرها. ولا رهن غلّة حيوان أو خدمة عبيد وسكنى بيوت وغلّة شجر كذا وكذا سنة واستنفاع بكلّ منتفع به، وغلّة لم تدرك ونبات على أن ينزع حتّى يدرك.
وإن رهن له أم ولده جاز، وإن مات وترك غيرها (226) أو لم يتركه فباعها واستوفى ماله ولا تخرج حرّة. وقيل: إن ترك وفاءه من غيرها حرّرت، وقيل: إن كان (227) فيها فضل عن حقّه حرّرت واستسعت بماله.
ولا يجوز رهن مدبر، وقيل: يجوز ولكنّه لا يباع، وكذا المصحف وجاز رهن الكتب وتباع لا رهن الجاني ولا كلّ موقوف إن كان بيد أحد أو وقف إلى غيره، وكذا كلّ ما في يد أحد بأمانة أو تعدية أو بلقطة وفي آلات الملاهي قولان. (4/411)
صفحة 1996
وإن رهن له مشرفا على هلاك ورضيه جاز وإن تلف فمن ماله. وإن رهن له عبدا لزمه حد ولم يعلم به فلا يذهب منه إن أقيم عليه، وكذا إن رهن له مائلا كنخل أو شجر أو جدار.
فصل
لا يجوز رهن شيء في جنسه كدنانير في مثلها مطلقا، وقيل: يجوز إن اختلفت سكّتها وكذا دراهم في درهم، وجازت في دنانير كعكسها، وجاز أيضا مسكك في مسكك أو في غيره كعكسه، ولا برّا في برّ كشعير في شعير ونحوهما.
وقيل: يجوز كلّ ما تبيّن خلافه وإن من جنسه وكذا في الحيوان والأمتعة والأواني والشجر إن كان أصل ذلك من قبل وصيّة أو صداق.
وإن رهن له دقيقا في برّ أو النوى في تمر أو زيتا في [218] زيتون جاز. وإن رهن له ثيابا فيما عملت منه أو آنية كذلك جاز. (4/412)
صفحة 1997
الباب السابع والثمانون
فيما لم يقبضه المرتهن
فإنّه إذا لم يقبضه فهو بين الغرماء وإن قبضه وأكراه راهنه أو غيره فغلّته للراهن، وإن أخذها المرتهن حسبت من حقّه. خميس: ولا نرى في الخضرة والحيوان رهنا ولا قبضه ولا الزراعة بشيء إلاّ إن كان عند الغريم وفاء بحقّ الغرماء فالمرتهن أولى برهنه.
ومن رهن له شيء ثمّ حدث به ما يحيط بماله ويزيد عليه، وباع المرتهن رهنه وبقي له عليه شيء من حقّه فإنّه يشارك الغرماء فيه.
ومن اشترى جارية بمائتي درهم فأعطى البائع مائة وبقيت عليه أخرى فحبسها عليه إلى أن يأتيه بها فأتاه بها ووجدها ماتت فليس له التي دفع ولا للبائع الباقية، وقيل: إن حبسها فتلفت فعليه قيمتها وله الباقية إلاّ إن اتّفقا أن يدعها رهنا فيها، وقد مرّ أنّ من اشترى شيئا (228) فقال له بائعه لا أدفعه لك حتّى تأتيني بالثمن، فذهب ليأتيه به فهلك المبيع فلا شيء لبائعه؛ وإن تركه مشتريه بلا حبس منه غرم الثمن له.
وإن اشترى دابة وأبرأ البائع منها قبل أن يقبضها وتركها في دوابه فأصيبت، فمن مال مشتريها إذا وقف عليها وقدر على قبضها. قال: وما جعل من المال عند المبايعة في حقّ فهو ثابت فيما جعل فيه الحقّ حتّى يقضيه ربّه.
ومن باع لرجل غلاما على أنَّه لا بيع فيه ولا هبة وحقّه فيه أو على أنَّه إن لم يعطه فلا بيع بينهما، ثمّ أفلس الرجل فليس للغرماء فيه شيء حتّى يستوفي البائع حقّه. وإن لم يبلغه ثمنه حاصصهم بالباقي له وإن مات العبد لم يذهب حقّه. ومن باع شيئا إلى أجل ثمّ اشترى من مشتريه شيئا يريد به صحّة حقّه (229) وخوفا من دخول الغرماء معه، فإن كان في ذلك شرط فسد ولا يحلّ له أن يقبض منه شيئا حتّى تحلّ مدّته. ومن ارتهن دارا وأهلها فيها لم يجز لعدم القبض. (4/413)
صفحة 1998
فصل
أخبر أبو زياد أنّ مسعدة كان يطالب تاجرا بحقّ فوثق له فحدث به حدث فقضى له ابن المبشر بمحضر سليمان بما وثق له دون الغرماء وكان الإمام غسّان يشرّعهم في الثقة في المحيا والممات.
أبو المؤثر: وبقول غسّان: نأخذ وقال العلا وابن سليمان إن لم تقبض وكان مال الموثوق به وفاء للديان فيها سواء، وقال أزهر: من أوثق لغريمه فله الثقة ما لم يمت الموثق ولا يترك مالا أو يفلس. ومن أوثق شيئا بخمسين درهما وهو يسوى مائة أو أكثر إلى أجل فحلّ وطلب صاحب الحقّ أن ينادي على ثقته جاز له ولا مدّة عليه إذا حلّ حقّه وينادي منه بقدره، وإن نقص حقّه فهي بحالها بالباقي منه. (4/414)
صفحة 1999
الباب الثامن والثمانون
في رهن التسمية
فلا يجوز في كلّ مكيل أو موزون ولا في حيوان قصد برهنها إلى واحد من جنس أو إلى تسمية من شيئين أو أكثر، ولا في ثياب وآنية، وجازت في أرض ومتّصل بها ممّا مرّ.
وإن رهن له واحدا من ذلك ولم يعيّنه أو رهنها إلاّ واحدا منها أو رهن له بعضها، لم يجز كما إن رهن له ما ردّ هذا الموضع من الثوب إلى هذا أو هذا الشيء إلاّ تسمية منه أو بعضا منه.
وإن رهن له هذه الناقة أو الشاة واستثنى حملها وقد تبيّن أو استثنى الصوف على ظهر الغنم أو غلّة على شجرة جاز، لا إن رهن له مكيلا أو موزونا إلاّ كيلا أو وزنا معلوما، أو رهن له كيلا أو وزنا معلوما منه، ولا إن رهن له الدار أو نحوه ممّا يسكن واستثنى سكناها ولو وقت له ولا إن استثنى غلّة شجر أو حيوان أو رهن له ما يستنفع به واستثنى الانتفاع به.
وإن رهن له بيتا واستثنى نفعته أو حيطانه أو ما فوقه من الهوى أو أرضا فاستثناه، أو غار فاستثنى جوفه جاز لا إن رهن له عينا أو بئرا فاستثنى ماءها ولا إن رهن له كذا وكذا دراعا من هذه الأرض ولا إن رهنها واستثناه منها.
فصل
ومن رهن لرجل رهنا في دينه ثمّ زاد له آخر فيه جاز له، وقيل: لا يجوز الآخر وثبت الأوّل، وقيل: عكسه، وقيل: لا يجوزان معا (230) وكذا إن رهن له ما (4/415)
صفحة 2000
يسوى عشرين دينارا أي عشرة ثمّ رهن الفضل له أيضا أو لغيره، فقيل: يجوز وقيل: لا (231).
وإن شرط عليه في أصل أن يرهن له الفضل أو لغيره فقولان أيضا، وقيل: يجوز وإن لم يشرطه. ومن أذن لرجل أن يرهن بعضا من ماله فيما عليه جاز له ولا يرجع عليه بشيء إن باعه المرتهن أو أتلفه مطلقا، وقيل: إن افتداه صاحبه فلا عليه وإن افتداه المأذون له في رهنه فليرجع عليه صاحبه بأقلّ من قيمته أو ما رهن فيه.
وإن رهن لرجل رهنا [219] ثمّ رهنه أيضا الآخر لم يجز وكذا إن رهنه للأوّل في دين آخر وقد ثبت في الأوّل، وقيل: جائز في الآخر وبطل في الأوّل.
ومن له على رجل ديون فرهن له في أحدها لا بعينه أو قال له رهنت لك فيما شئت منها لم يجز وإن قصد برهنه إلى جميعها أو إلى معيّن منها جاز وكان على عددها ولو تفاضلت أو اختلفت أجناسها، وإن تلف بعضه ذهب من كلّ منابه.
فصل
جاز للأب كما مرّ أن يرهن من مال طفله فيما عليه هو ولو له مال، وإن ذهب الرهن ببيع أو تلف فعليه لابنه قيمته. وإن أفداه ردّه له وإن تلف ضمنه إلاّ إن نزعه منه وإن بلغ فأراد ردّه لم يجده، وكذا إن مات أبوه وأراد أن يفديه من تركته منه ومنعه الورثة وله أن يفديه من ماله، ولا يدرك عليهم شيئا إن لم يترك أبوه شيئا.
وإن ترك مالا أدرك عليهم الأقلّ ممّا أفداه به أو ما رهن فيه، فإن رهن من مال طفله في دين ولده الآخر ولو بالغا أو في دين أجنبي جاز، ولا يفسخه إذا بلغ ويدرك على أبيه قيمته ويأخذه من تركته إن مات.
وإن رهنه فيما على ذلك الطفل جاز وليس له أن يرهن فيما عليه مال ولده البالغ إلاّ بإذنه أو نزعه منه بحاجة ولا أن يرهنه في دين غيره ولو ابنه الآخر ولا يجوز نزعه لذلك. (4/416)
صفحة 2001
وإن رهن ماله في دين طفله جاز ويدرك قيمته في ماله إن بيع أو تلف، وإن مات الأب أدركه ورثته أيضا، وإن كان مشركا وابنه موحدا أو كان عبدا وابنه حرّا أو بالعكس فيهما لم يجز له أن يرهن من مال ابنه شيئا.
وإن رهن الجد مال طفل ابنه جاز إن مات أبوه لا إن حيي؛ ولا للأمّ أن ترهن مال أولادها ولو قعدت عليهم أو فيما عليهم.
وجاز لخليفة يتيم أو مجنون أن يرهن فيما عليهما من أموالهما أو من ماله هو لا أن يرهن مالهما فيما عليه وكذا المولى، ولا لأحد المشتركين في ولد أن يرهن ماله فيما عليه وكذا أب الخليطين. (4/417)
صفحة 2002
الباب التاسع والثمانون
في الوكالة في الرهن
وتجوز في قبضه ودفعه إن كان الوكيل جائز الفعل وإن وكّل صاحب الدين أن يرهن من ماله هو لنفسه في دينه عليه لم يجز؛ وإن قال له: وكّلت عبدك أن يرهن لك من مالي فيما لك عليّ، أو وكّلت عبدي أن يفعل ذلك أو يأخذ لك رهنا جاز.
ومن وكّل رجلين أن يرهنا بعض ماله فيما عليه أو يأخذا له الرهن ففعل أحدهما ذلك بلا إذن صاحبه لم يجز، إلاّ إن وكّل كلاّ على حدة لا في عقدة.
وإن وكّل من يأخذ له رهنا أو يرهن ماله فمات أو جنّ قبل أن يفعل الوكيل لم يجز له ذلك، وقيل: هو في وكالته إن جنّ؛ وإن جنّ الوكيل ثمّ أفاق فلا يفعل ما وكّل عليه بعد، وقيل: هو في وكالته.
وإن وكّل من يأخذ له دينه فقبض له رهنا أو وكّله أن يكري شيئا من ماله فأخذ في كرائه رهنا؛ أو وكّلته امرأة أن يزوجها فزوّجها فأخذ في صداقها رهنا فالموكّل مخيّر.
وإن وكّله أن يشتري له شيئا فاشتراه له فرهن من ماله في ثمنه فليس في ذلك شيء. وإن وكّله أن يأخذ له رهنا من فلان أو يرهن له فمات فلان أو جنّ فلا يفعل ذلك لوارثه ولا لخليفته. وإن أمره أن يرهن لخليفة يتيم فيما عليه له فبلغ قبل أن يرهن له فلا يرهن له بعد.
وكذا إن أمره أن يرهن لأب في دين طفله فبلغ فإنّه لا يرهن لأبيه ورخّص، وإن وكّل من يرهن من ماله لمن له عليه دين أو يأخذ له رهنا ممّن عليه له دين ولم يعيّن له أحدا جاز، وكذا إن وقّت له أن يفعل ذلك فيما دون معلوم فإنّه جائز، ولو أنَّه لم (232) يعامل أحدا إلاّ بعد ما وكّله، وإن وكّله أن يأخذ له رهنا أو يعطيه من ماله (4/418)
صفحة 2003
فإنّه يشهد على ذلك أو يوثّق. وإن وكّله أن يأخذه له من عقيده أو يرهن له لم يجز ذلك؛ وقيل: يجوز.
ولربّ المال أن يوكّل من يرهن لمقارضه أو يأخذه له منه، وكذا لربّ المأذون له إن اتّجر بأموال غيره لا إن كان يتّجر بماله. وإن وكّله أن يأخذ له رهنا أو يعطيه من ماله فخالف ما وكّل عليه لم يجز فعله. (4/419)
صفحة 2004
الباب التسعون
فيما يجوز للراهن في الرهن وما لا يجوز
وقد نهى صلّى الله عليه وسلّم أن ينتفع الراهن برهنه لأنّ حكمه في يد مرتهنه ولا يجوز له فيه فعل ويمنعه من انتفاع به وإن بأكل منه أو ركوب عليه أو إيصاء به أو تدبير؛ وإن انتفع بشيء منه غرمه المرتهن بقيمته وكانت رهنا كالأوّل. وإن كان عبدا فأعتقه لم يجز عتقه ولو فيه فضل؛ وقيل: يجوز إن كان فيه ويجبر على الدين؛ وقيل: لا يعتق إلاّ إن أفداه أو دخل ملكه بوجه ما. وإن مات فلا يعتق على ورثته إن ملكوه بعده؛ وقيل: لا يعتق إلاّ عليهم إن أفدوه وله أن يزوّج عبيده المرهونين؛ وقيل: لا؛ وأن يطلّق عليهم ويفادي [220] ويراجع وجاز أيضا ظهاره لا التسري لإمائه المرهونات فإن فعل أدرك عليه المرتهن عقرهن ويمنع أيضا من التي تسرّاها قبل الرهن، ولا يمنع زوج أمة ارتهنها من وطئها إلاّ إن كان عبدا للراهن ففيه قولان، وإن كانت زوجة للمرتهن أو لعبده جاز له وطئها.
وإن كان الرهن عبدا صانعا فللمرتهن أن يستعمله ويعطيه أجرته وتكون رهنا بيده، وينجي الراهن نفسه به إن كان فرسا أو سلاحا من عدوّه أو فيه إن كان حصنا أو من عطش أو جوع إن كان مأكولا أو مشروبا، ويغرم قيمة ذلك للمرتهن.
وإن كان عينا أو بئرا أو جبّا فله أن ينتفع بكلّ ما يجوز لغيره من ذلك. وإن كان أرضا فأراد أن يحرث فيها أو يغرس أو يبني فإنّه يمنعه منه، فإن فعل بلا إذنه لم يكن رهنا إلاّ إن جعله وفيه قولان. (4/420)
صفحة 2005
وإن نزع منه غروسا أو نقضا فغرسها أو بناه فيها فإنّه يمسكه المرتهن فيها كالأوّل؛ ولا يجوز للراهن أن يأذن لمن ينتفع بالرهن فإن انتفع به وقد علمه رهنا غرم قيمته للمرتهن؛ وله منع الراهن من غلّته ولا يدرك على المرتهن قيمة ما أصلح فيه وإن كان ثوبا فصبغه فهو رهن بحاله لا ما زاد فيه من عين كما إن زاد في الثياب رقائع أو كان صوفا أو كتّانا أو قطنا فزاد في ذلك فلا يكون الزائد رهنا. (4/421)
صفحة 2006
الباب الحادي والتسعون
فيما على الراهن من مؤونة الرهن ونفقته وكسوته ورعيه إن كان حيوانا
وعلى المرتهن ما يأوي إليه فإن أبى كلّ منهما ممّا عليه أجبر عليه وعلى الراهن كفنه إن كان رقيقا ومات وغسله ودفنه وجميع سننه وعليه أيضا ختنه ومداواته؛ وصرم غلّته إن كان نخلا أو شجرا؛ ولا يجبر أحدهما على سقي ذلك والقيام به وليفعله من شاء منهما.
وعلى المرتهن حرز الغلّة وعلى الراهن صرف مضرّته إن كان مائلا على أحد، فإن نزعه فلا يذهب من مال المرتهن، وإن كان عبدا فعمل موجب حد فإنّما يؤخذ بإتيانه الراهن. وإن أقرّ بالتعدي في الأموال أخذ أيضا أن يجوز إقراره فإذا جوّزه غرم ذلك من ماله.
ولا يدرك على المرتهن شيئا إلاّ إن كانت بيّنة عليه فيذهب من ماله. وإن فسد الراهن في الرهن غرمه المرتهن قيمة ذلك ويدفع له رأس ماله.
وكره جابر رهن الحيوان والمختار عند غيره الجواز. وإن رهن له ناقة حاملا أو ناقتين جاز. وإن قال له: رهنت لك هذه في كذا وهذه في كذا فقبل جاز ولو تفاضلتا في القيمة، وكلّ منهما فيما رهنت فيه. وإن قال له هذه في ثلث دينك عليّ وللأخرى في ثلثيه جاز أيضا. وإن قال رهنتهما كلّ بكذا جاز أيضا؛ لا إن قال رهنت لك واحدة في عشرين دينارا والأخرى في عشرة ولم يقصد واحدة بعينها.
وإن رهن لرجلين ناقة في عقد جاز لا إن رهنها لهما في عقدتين ولا إن رهن بعضها لرجل ثمّ زاد له الباقي، وقيل: يجوز. (4/422)
صفحة 2007
وإن رهن اثنان ناقة لواحد في عقدة جاز، لا إن كان في عقدتين، وإن رهن شريك لشريكه منابه ممّا اشتركاه جاز ولو في متعدّد وفي كلّ مشترك إلاّ في مكيل أو موزون.
فصل
إن رهن رجل لرجل أرضا بكلّها وكلّ ما فيها جاز ودخل فيها كلّ ما فيها من شجر ونخل ونبات وغار وعيون وآبار ودور وبيوت ونحو ذلك. وإن رهنها له هكذا أو قال بكلّها ولم يقل كلّ ما فيها رهنت وحدها ولا يدخل معها ما ذكر في الرهن، وكذا إن رهن له دارا أو بيتا أو خصّا بكلّه ولم يقل وكلّ ما فيه.
وإن رهن له رحى أو حمّاما أو معصرة أو سفينة وكلّ ما يجرّه البيع من ذلك يجرّه الرهن.
وإن رهن له شجرة عليها غلّة لم تدرك ففي دخولها قولان لا إن أدرك؛ وإن استمسك الراهن بالمرتهن أن يردّ له ما يجرّه الرهن أدركه عليه وما حدث عنده من غلّته ونموه فلا يدركه عليه وهو مع الأوّل، وقيل: ليس برهن ولا يدركه الراهن، وقيل: يدركه.
فصل
ومن باع لرجل شيئا فشرط عليه أن يرهن له معلوما في الثمن وإن غير معيّن تمّ له شرطه، فإن أبى ففي إجازة بيعهما [221] قولان. ويجبره مجيزه على الرهن، وقيل: البيع موقوف إلى تمام الشرط إذا كان المتّفق على شرطه للمشتري وإلاّ فلا يجوز رهنه إلاّ بإذن ربّه، فإن أذن له جاز وإلاّ فلا يدرك عليه الرهن إلاّ إن لم يعلم أنَّه لغيره فإنّه يدركه عليه، وقيل: لا. (4/423)
صفحة 2008
وإن شرط عليه أن يرهن له رهنا لا بعينه تمّ له شرطه ويجبره عليه، وإن عيّنه فتلف فإن من قبل الله قبل أن يرهنه فالبيع جائز ولا يدرك عليه شيئا. وإن تلف من قبله أدرك عليه مثله وكذا إن أتلفه من يقدر عليه أن يغرمه، وإن كان المتّفق على رهنه اشتراه المرتهن فانفسخ أو عيب ولم يقبله فلا يدرك عليه الرهن؛ وقيل: يدرك. وكذا إن استحقّ ولو استحقّه المرتهن لنفسه (233) أو لمن وليّ عليه أو بان أنَّه للأجر أو أنَّه ضالة أو لقطة أو حرام أو كان عبدا فبان أنَّه معتق فإنّه يدرك عليه غيره، وإن قال له: سأرهن لك غيره فأمسك هذا فلا ينصت إليه، وقيل: إن كانت قيمته ذلك مثل الأوّل فإنّه يقبل قوله.
وإن تغيّر الشيء بفعله أو غيره أو بالأسعار فتشاححا أن يرهن له غيره قبل قوله أيضا، هذا إن نقصت قيمته بتغييره وإن زادت (234) فليرهنه له.
فصل
جاز أن ينفق المتراهنان على نزع الأجل الأوّل ولو عيّناه ويكون الرهن سخريا وكذا إن أجّلا أكثر من أجل فاتّفقا على نزع بعضه، وإن كان سخريا فاتّفقا أن يؤجّلوه معلوما جاز، وقيل: لا إلاّ إن أفسخاه ثمّ جدّداه بشروطه التي يتمّ بها، فإن كان له معلوم فأراد أن يقرباه أو يبعداه جاز؛ لا إن أراد أن يجعل كلّ واحد ذلك وأحدهما دون الآخر؛ وكلّ ما جاز ممّا ذكر بين الراهن والمرتهن جاز بينه وبين المسلّط لا بينه وبين المرتهن، وإن تعدّد الراهن فاتّفق مع أحدهما على ذلك دون الآخر جاز في منابه، وكذا إن تعدّد المرتهن فاتّفق الراهن مع أحدهما على ذلك.
ومن أخذ رهنا لطفله أو لمن ولي أمره من أموالهما فيما عليهما بشروطه فبلغ أو أفاق فأراد تجديد الشروط للراهن أو للمرتهن جاز له؛ وكلّ ما جاز في الرهن ممّا ذكر جاز في التسمية منه أو في واحد دون غيره إن تعدّد الرهن (235). (4/424)
صفحة 2009
فصل
إن أراد المرتهن أن يحتاط لنفسه قال للرّاهن: هذا الشيء رهن بيدي إلى آخر حقّي ولا يذهب من مالي ما تلف منه وليس لك إلاّ بقية الثمن وأبيع بالدين وبالنقد وبما شئت من صامت وغيره، وبعضه دون بعض وفي الأجل وبعده وبنفسي وبأمري، ولا ينفسخ بحلول الأجل ولا يكون سخريا وجاز له كلّ ذلك إن شرطه وبيان ذلك ذكرته في النيل. (4/425)
صفحة 2010
الباب الثالث والتسعون (236)
في الرهن
إذا لم يشترط فيه ما مرّ وضاع في يد مرتهنه، فقيل: لا يرجع أحدهما على صاحبه بشيء مطلقا، وقيل: يتراددان الفضل، وقيل: يرجع المرتهن على الراهن لفضل قيمة الرهن ولا يرجع هو به وعليه الأكثر منّا والعمل، وحجّتهم ما روي من قوله صلّى الله عليه وسلّم: «ذهب الرهن بما فيه فإذا ضاع ذهب من الحقّ بقدره فإن زاد كان المرتهن أمينا في باقيه»، وقال عزّان: إذا ضاع رجع على الراهن بجميع حقّه لأنَّه أمين فيه.
أبو سعيد: إذا صحّ أنَّه اجتاح فلا يبطل حقّ المرتهن، وإن وجد في رهنه عيبا فله ردّه على الراهن ولزمه بدله إن لم يكن فيه وفاء بحقّه.
واختلف في رهن المشاع وهبته وأجاز ذلك بعض وقاسوه بالبيع ووافقهم أهل الحجاز وكثير من المحدّثين، ومنعه بعض ووافقهم عليه أهل الكوفة وهو مذهب الشيخ أبي مالك لأنّ القبض يتعذّر فيه لغير الشريك.
ومن دفع إلى رجل ثوبا أو حليّا أو غيرهما وأمره أن يرهنه لرجل فيما له عليه فأخذه المأمور لنفسه ودفع إليه المال، فليس برهن جائز وكان بيده أمانة لأنَّه خالف أمره.
وكان ابن محبوب إذا شكى إليه أحد من غرمائه قال له: خذ رهنا على البيع وكفيلا على السلف.
وجاز الرهن في الصدقة لا في الخراج وإن قضى الراهن ما عليه ولم يطلب رهنه حتّى تلف من يد مرتهنه، فقيل: هو في حكم الرهن ما لم يدفعه (238) إليه أو يعرضه عليه ليقبضه فيدعه لأنَّه كالأمانة، وقيل: زال عنه لأنَّه الآن ليس مرهونا في شيء وإذا أزال المرتهن الرهن ببيع أو هبة ثمّ استخرج [222] ثمّ تلف ضمنه. وإن سرق (4/426)
صفحة 2011
بيت المرتهن فطلب الراهن رهنه فقال له: سرق فيما سرق منه ثمّ أنَّه صالح متّهما بسرقه على شيء، فقال له الراهن: اجعل لي فيه منابا بقدر رهني فأبى، فالمختار أن يجعل له منابا على قدر ما سرق له.
واختلف في الرهن إذا كان أكثر من الحقّ فسلّم الراهن بعضه إلى المرتهن ثمّ تلف، فقيل: لا غرم على المرتهن مطلقا وذهب الرهن بما فيه، وقيل: يتقاصصان، وقيل: يرجع عليه الراهن بما دفع إليه ويذهب الرهن بما فيه.
واختلف أيضا إذا كان يتجزّى بلا ضرر وسلّم الراهن بعض ما عليه، فقيل: إن طلب أن يأخذ من الرهن بقدر ما أدّى من الحقّ جاز له، وقيل: الرهن كلّه ثابت فيما بقي منه لأنَّه معتقل فيه حتّى يفكّه بجميع ما رهن فيه.
وإن كان يتجزّى بقسم أو عدد لا بكيل أو وزن فالأكثر أنَّه إن كان لا ينقسم ولا يتجزّى إلاّ بالضرر كسيف أو ثوب، ولا يمكن للراهن أخذ بعضه فلا ينفك من الرهن إلاّ بدفع جميع ما رهن فيه.
وإن استحقّ الراهن على المرتهن تسليمه بوجه من وجوه فكّه ولم يدفعه إليه ولم يطلبه الراهن فيحول دونه المرتهن ويمنعه منه ولا دفعه إليه فيأبى من قبضه فالرهن بحاله في جملة الحقّ، وإن أفداه وطلبه وقدر المرتهن على دفعه إليه فمنعه بما لا يعذر فيه ضمن جملة الرهن بلا خلاف.
وإن صحّ عذره في عدم دفعه إليه فهو بحاله على ما مرّ؛ وإن دفعه إليه وأبى من قبضه بلا عذر له فلا ضمان عليه ولا يذهب حقّه بذهابه. ولا يضمنه إن لم يضيّعه ولم يقصّر في حفظه اتّفاقا. وإن كان للراهن عذر في حقّه فهو بحاله ولا يضمنه المرتهن أيضا، وإذا دفع إليه الراهن حقّه ولم يمنعه من قبض رهنه فتلف فلا عليه كما مرّ. (4/427)
صفحة 2012
فصل
إذا كان الرهن في يد ثقة عن رأيهما معا، فقيل: إنَّه مقبوض وهو بما فيه إن تلف، وإن كان عن رأي المرتهن فقط وأمره بقبضه أو وكّله فيه فهو رهن مقبوض وعلى سبيله ومن ماله على ما مرّ.
وإن كان عن إذن الراهن فمن ماله وليس برهن اتّفاقا.
واختلف في المرتهن إذا أخذ الرهن على أنَّه إن لم يأته بحقّه إلى وقت كذا فله أن يبيعه ويستوفيه فقيل: له شرطه، وقيل: لا ولا يباع إلاّ برأي راهنه أو الحاكم فإن باعه برأيه وقد أذن له على القول بإجازة بيعه له وتلف ثمنه قبل أن يصله فهو رهن بما فيه على الخلف في الثمن لا في الرهن؛ وعلى القول بمنع بيعه إلاّ برأي الحاكم فيجعل للراهن الخيار في رهنه وفي إتمام فعله، وكان بما فيه على الخلف وضمنه إن تلف والقول في البيع والثمن قوله عند من يجيز له ذلك.
وإن قال: بعت بكذا فهو مصدّق فيهما لأنَّه أذن له في بيعه وله حقّه من الثمن وباقيه للراهن إن فضل. وإن نقص ضمن للمرتهن بقيّة حقّه لإذنه ببيعه.
ومن ارتهن من أحد ما قيمته ألف درهم على أن يقرضه ألفا فهلك قبل أن يقبض منه شيئا فإنه يضمن لراهنه ألفا لأنَّه ليس أمانة.
وإن شرط على الراهن كما مرّ أنَّه إن ذهب الرهن من يده فحقّي بحاله عليه، فبعض أجاز له شرطه وأثبته، وبعض أبطله وأفسده لأنَّه لم يأخذه أمانة.
وإن كان إلى مدّة فتلف قبلها لم يلزم الراهن أن يعطيه بدله ولو شرطه لبطلانه في هذا ويذهب بما فيه على أصل ما قالوا في الرهن.
وإن قال المرتهن: هو بيدي في ألف وراهنه في نصفه قبل قوله مع يمينه وعلى مرتهنه البيان وليس له منه إذا قبضه إلاّ أن يحبسه بحقّه ولا عليه إلاّ حفظه. وإن كان ملكه للراهن فليس له فيه بيع ولا هبة ولا إصداق. (4/428)
صفحة 2013
ووارث المرتهن إن مات في مقامه ولا يجد واحد من ورثة الراهن أن يفكّ بعض منابه من الإرث بعد إجماعهم على أخذهم بفكاكه كلّه ولا يشرع الغرماء فيه إن قبض كما مرّ.
ومن مات قيل: وعليه مائة ألف لعشرة أنفس لكلّ عشرة آلاف وقد أخذ منه أحدهم رهنا بمائة فإنّه يردّه أو مثله إن تلف هو أو ثمنه ثمّ هو واحد منهم. وإن لم يترك إلاّ الذي يسوى مائة فهو له لأنَّه في يده، وقيل: هو أحقّ به من غيره على الوجهين.
أبو سعيد: من أراد شراء سلعة من أحد فلم يبايعه حتّى رهن له أصلا في يده قبل قبضها بالشراء فإن قبضها قبل العقد بطل الرهن وثبت بعده ولو قبل قبض ما اشتراه.
فصل
معنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا يغلق الرهن بما فيه لصاحبه غنمه وعليه غرمه». تعريفه لأنّ الجاهلية كانوا إذا رهن أحدهم رهنا شرط على صاحبه أنَّه إن لم يفده إلى وقت كذا فهو له بحقّه فأبطل ذلك، وقال: لا يبطل ملك صاحبه عنه بذلك الشرط ولا يزول حقّه [223] عنه في الفكاك وهذا مثل شرطين في بيع. ومن ارتهن في عارية وقبضه فضاع أو ضاعت فلا ضمان عليه ولا على المستعير إلاّ إن شرط المعير ضمانه وردّها فيضمنها حينئذ إذا ضاعت، وإن أخذ الرهن بالضمان فهو بما فيه كالرهن في الحقّ.
وإن كان الراهن صبيا أو مملوكا فضاع الرهن ضمنه المعير ولا ضمان عليهما في العارية ولو شرطه المعير عليها إلاّ إن أرسلا في ذلك فيلزم المرسل إذا صحّ إرساله.
قال خميس: والمرسل كالحرّ البالغ وإن انخرق الرهن قوّم منخرقا وسالما فيطرح من حقّ صاحب الحقّ بقدر ما نقص من الرهن وقدم الخلف في ذلك. ومن ارتهن (4/429)
صفحة 2014
سيفا فجاءه من يريد نهبه فسلّه فنهبوه وقد أدّى صاحبه فداءه ولم يمكنه دفعه إليه فإنّه يضمنه.
ومن ارتهن بخراج أمتعة من البيت خوفا وترك الرهن فيه فتلف فقد ذهب بما فيه.
فصل
يأخذ ــ قيل ــ راهن دارا وأرض غلّتها. وجاز رهن تمرة لم تدرك وقبضها. ومن ارتهن أصلا، فقيل: لا يثبت له إلاّ بقبض أو إقرار في الحكم، وقيل: لا رهن في الأصول لأنَّه لا يقدر على قبضه، وقيل: إنّ عقده وتسليم الراهن له هو قبضه، وهذا قريب من القبول فيما مرّ، والأكثر أنَّ قبضه جوّزه، وإخراج عامل وإدخال آخر، وكلّما كان إحرازًا في العطيّة فهو قبض في الرهن.
ومن وثق نخلة في جنانه لرجل بحقّ ولم يعيّنها فلمّا حلّ اختلفا فيها، فإنّه يعطيه ما شاء فتباع فإن عجز فهو عليه، وقيل: إنَّه رهن غير ثابت والدين في ذمّته؛ وإن زرع المرتهن أرض رهنِه فالزرع تبع لها. ولا يجوز بيعُ ممنوع منه ولا رهنه.
أبو الوليد: إن أدركت الزراعة فلربّها أن يعزل منها للمرتهن بقدر حقّه ويقبضه.
أبو عبد الله: لا يثبت في الخضرة رهن، لأنَّه لا يقدر على إحرازه في الوقت، ومثلها شجر القطن إذا لم يدرك وإدراكه أن لا يفسد بسره إذا يبس، وقد مرّ، أو يبست شجرته؛ وأجاز ابن جيفر رهن الماء إن كان من بادة معلومة، وله منع الراهن من زراعة الرهن؛ فإن زرعه وطلب المرتهن الزرع فإنّه يوضع في يد ثقة حتّى يحلّ الأجل فيقبضه من حقّه؛ فإن تلف فمن ماله، لأنَّه حبسه.
أبو الحواري: يقوّم الزرع والرهن ثمّ ينقص من الحقّ بقدر ما نقص من الرهن وقيل: لا يصحّ قبض الدار إن رهنت حتّى يفرعها ربّها ويدخلها المرتهن أو يقف (4/430)
صفحة 2015
ببابها ويشهد بقبضها، وقيل: حتّى يسكنها أو يكريها أو يقرّ الراهن بقبضها ويدّعيه المرتهن بمحضره ولا يغيّر عليه، وهذا في الحكم، وأمّا عند الله فحين يسكن أو يكري أو يعمّر أو يوكّل في قبضها أو يقبلها فهو قبضها.
فصل
منع سليمان رهن الحيوان لأنَّه يذهب ويجيء. (239) وقال (240) ابن بركة: الأكثر منّا على منعه فيه ولو عبيدا، وأجازه الأقلّ، قال: وقول المجيز أقوى في الحجّة، وقد مرّ الخلف في وطئ المرهونة لراهنها ولا يقول مانعه منه إن فعل أنَّه أتى حراما؛ وإن وطئها مرتهنها لزمه عقرها يحسب من حقّه لكلّ وطأة نصف عُشر ثمنها، وإن كانت بكرا فللأولى عشره، وأولاده مماليك للراهن؛ وإن مات المرهون أو أبق فللمرتهن حقّه. ونتاج الرهن ولبنه وغلّته فإن أخذه المرتهن حسب عليه من حقّه.
ابن محبوب: رأيت في كتب المسلمين فيمن رهن بيد رجل دارا بألف درهم وهي تسوى ألفين، فاحترق منها نصفها أنَّه يذهب من حقّه نصفه.
ومن رهن طلاق امرأته بحقّ فطلبه مرتهنه جاز طلاقه، ويرفع له بقدر حقّه من الصداق ويأخذ الراهن حقّه، أبو الحواري: إن كان أقلّ من صداقها فلا تباعة عليه في باقيه وذهب الرهن بما فيه.
فصل
اختلف في إجازة استعمال الرهن بإذن المرتهن، فقيل: لا يجوز لأنّ الغريم لا يجوز حلّه لغريمه إلاّ إن سبقت بينهما خلطة، وقيل: يجوز لأنَّه أذن له على علم منه وليس بمجبور؛ وإن تلف بعد استعماله ذهب بما فيه وعلى الأوّل لزمت المرتهن أجرته. (4/431)
صفحة 2016
ومن رهن دنانير أو دراهم فأذن للمرتهن في قرضها فأقرضها فلا يضمنها إن تلفت ولا يذهب حقّه. ومن ارتهن خاتما فلبسه في يمناه حافظا له فلا يضمنه إن تلفت، ويضمنه إن لبسه في يسراه، لأنّ فيه استعماله.
ومن ارتهن شيئا فأمره صاحبه أن يلبسه أو يعيره فلا يفعل؛ فإن استعمله فهلك فقيل: يضمنه وقال أبو عبد الله: لا بأس بذلك ولا ضمان عليه وحقّه على الراهن، ويلزمه يمين أنَّه هلك لا بيّنة.
ومن له [224] على رجل دين فرهن له فيه أرضا وماء إلى أن يؤدّيه إليه بلا تأجيل بينهما وأذن له أن يزرعها ويطني الماء فإنّه يدرك عليه ما استعمل من ذلك ولو أذن له؛ وإن قال الراهن للمرتهن إن لم آتك بحقّك إلى وقت كذا فبعه، فقيل: له أن (241) يبيعه، وقيل: لا يبيعه بعد المدّة إلاّ إن احتجّ عليه برجلين ثلاث مرّات، فإن أذن له، وإلاّ فله بعد الثالثة بيعه، وقيل: يحتجّ عليه مرّة فإن أفداه وإلاّ باعه؛ فإن باعه وطلب هو فداءه فلا غرم عليه، إلاّ إن استعذر فيضمنه المرتهن، وقيل: لا يجوز بيعه إلاّ برأي الحاكم وجعله مسلّطا في بيعه كما مرّ، وقيل: إذا جعله وكيلا فيه إلى مدَّة كذا جاز، لأنَّه وكالة صحيحة مطلقة، وإنّما الخلف إذا قال له (242): إن لم آتك إلى وقت كذا فبعه لأنّ هذه مثنوية.
فصل
إذا حجر الراهن على المرتهن بيع رهنه وخرج من البلد حيث لا تناله الحجّة، فله أن ينتصر منه إذا لم يقدر أو أخذ حقّه منه بالحكم؛ وكذا من ارتهن ما لم يعرف له ربّا وخلت له عنده مدّة طويلة، فإنّه إذا عدم من يقوم له بانتصاف بالحكم أقام نفسه مقام الحاكم ــ كما مرّ ــ وباعه وأخذ حقّه، والباقي يحرزه أمانة، فإذا أيس من ربّه فرّقه. (4/432)
صفحة 2017
ومن جعل بيد رجل رهنا إلى أجل ووكلّ من يبيعه إليه وأخذ حقّه، ففي انتزاع الوكالة خلاف، فقيل: له انتزاعها، وقيل: لا إذا كانت بحقّ، وهو الأعدل؛ وإذا قال المرتهن للراهن: لا حاجة لي بالرهن أعطني حقّي، فقال له: بعه وخذه، فإذا كان فيه وفاء به فليس على الراهن إلاّ ذلك، وإلاّ طالبه ببقية حقّه، وقيل: ليس على المرتهن بيعه ولكن على الراهن أن يفدي أو يبيع.
ومن ارتهن شيئا فقبض بعضه فلا يشاركه الغرماء فيما قبض، والباقي هو له بحقّه إن لم يكونوا وإن كانوا شاركوه فيه.
أبو المؤثر: من ارتهن رهنا ولم يقبضه فليس برهن لقوله تعالى: {فرهان مقبوضة} (سورة البقرة: 283)؛ وإن دفع الراهن إليه حقّه ثمّ ضاع الرهن في يده فإنّه يردّ له ما قبض منه، لأنَّه ضامن للرهن حتّى يردّه إلى ربّه.
وفي الأثر من رهن عند رجل دينارا في عشرين درهما فأدّى إليه عشرة من فداء الدينار ثمّ ضاع، فإنّ المرتهن يردّ على صاحبه العشرة المقبوضة منه ويذهب الدينار بالعشرين، وقد مرّ ما في ذلك.
فصل
لا يجوز للراهن بيع الرهن وهو ممّا سأل ابنُ علي ابنَ محبوب فلم يجزه، وقيل: يجوز ولو قبضه المرتهن إذا سلّم إليه حقّه؛ وإن باع المقبوض، فقيل: لا يجوز وقد بطل حتّى يستوفي حقّه أو يأذن له، وقيل: إن باعه فليس للمرتهن إلاّ أن يوفّيه حقّه فمتى أوفاه ثبت بيعه؛ فإن لم يوفه إيّاه كان في الرهن بحاله ويباع فيه، واختير أن لا يجوز بيعه إلاّ إن أوفاه حقّه قبله أو يأذن له كما مرّ.
أبو سعيد: اختلف في جعل حقّ في معلوم ثقة به، فقيل: إذا كان الرهن في ثقة وجعل كذلك فهو رهن، وقيل: ليس برهن، وقيل: إن طلب المرتهن جعل ذلك على (4/433)
صفحة 2018
يد ثقة فليس برهن وإن طلبه الراهن فهو رهن، وقد مرّ ما أخبر به زياد وما قال به غسّان.
أبو عبد الله: عن ابن علي أنّ البائع إذا جعل حقّه فيما باع حتّى يستوفيه فذلك له، وله الوفاء دون الغرماء في المحيا والممات، وقيل: هم شركاء فيه؛ قال: وإن شرط البائع على المشتري أنّ حقّه في جميع ماله لا بيع له فيه ولا هبة حتّى يستوفيه، فهو أولى بذلك من الغرماء، وقال أبو عبد الله إنّهم فيه شركاء ما لم يقبضه كالرهن. (4/434)
صفحة 2019
الباب الرابع والتسعون
في بيع الرهن
وهو حقّ للمرتهن، وجائز له إذا سلّط عليه عند أجله أو بعده إن أجّل له كان في يده أو يد غيره؛ وإذا أراد بيعه شاوره السلطان أو القاضي لا الراهن؛ وإن تعدّد المرتهن لم يجز لأحدهم بيعه دون غيره وبلا إذنه إلاّ إن سلّط هو عليه؛ وإن كان ممّن لا يجوز بيعه استخلف العشيرة له من يبيعه، وقيل: لا يجوز بيع خليفتهم؛ وإن كان الرهن مكيلا أو موزونا باعه بما تيسّر له؛ وإن كان من غيرهما فلا يبعه إلاّ في صفقة واحدة إن كانت قيمته كالدين أو أقل؛ وإن كانت أكثر منه (243) فلا يبع إلاّ قدره إن وجد من يشتري بعضه، وإلاّ فليبع الكلّ؛ ولا يجوز بيع التسمية منه.
وإن تعدّد الرهن فله أن يبيع كلاّ على حدة أو في صفقة؛ ولا يبيعه للراهن إلاّ إن وكّل على شرائه، ورخص له أيضا؛ وله شراؤه لطفله أو غيره ممّن وليّ عليه؛ ولا يبعه لوكيل الراهن ولا لمأذونه في تجر ولا لمقارضه ولا لمفاوضه؛ وكذا المرتهن، إلاّ إن كان مأذونه يتّجر بمال غيره فله [225] بيعه له؛ وكذا لا يبيعه لطفله إلاّ بخليفة له، ولا لأهل الحرام أو الربية.
فإن كان الرهن أصلا فإنّه يشهر بيعه في المنزل وعند من طمع أنَّه يشتريه ويزيد فيه وينادي (244) عليه في ثلاث جمع متوالية (245) ويوجب البيع في الرابعة ويباع غير الأصل في يوم بالندا في جمعة أو غيرها، وقيل: في الأصل ينادي عليه جمعتين ويقطع في الثالثة، وقيل: من جمعة إلى أخرى، وقيل: يساومه جهده ويساوم عند من يبيعه ولو من غير المنزل ويأمر من يساومه، ولكن لا يبيعه إلاّ هو، ويعطي أجرة الطواف من رأس ماله، وقيل: من الرهن؛ وإن بلغ الثمن بلا سوم فله أن يبيعه وإن ساومه الراهن بلا إذنه لم يضرّه. (4/435)
صفحة 2020
ولا يبيع غلاّته ولا نموّه حتّى يحلّ أجله ويبيع ما يخاف فساده من ذلك، ويرفع ثمنه إلى الأجل فيقضيه في ماله، وقيل: يبيع الغلّة إن رأى بيعها أصلح وإن لم يخف فسادها فيقضي ثمنها عنده في حقّه؛ وكذا ما خاف فساده من الرهن قبل الأجل فله بيعه أيضا. وإذا حلّ أجل بيعه وله غلّة مدركة باعها واستوفى منها حقّه؛ فإن بقي بعضه باع من الرهن ما يقابله؛ وإن باعه وفي غلّته ما يستوفي منه حقّه لم يجز، وقيل: إنّما يبيع الرهن لا الغلّة الحادثة عنده، لأنَّها لم تكن عند عقده. ولا يبيع نَماءَه إلاّ إن لم يجد وفاء في ثمنه؛ وإن حلّ الأجل وقيمة الرهن أكثر من حقّه فإنّه يبيع منه قدره إن وجد من يشتريه وإلاّ باع الكلّ.
وإن تعدّد الرهن في ديون لرجل في صفقة أو أكثر، فإن كان في صفقات باع كلاّ على حدة؛ وإن باعها في صفقة لم يجز بيعه، اتّفقت الديون أو اختلفت؛ وكذا الآجال وإن كان في صفقة فله بيعه، وإن في صفقات اتّفق ما رهنت فيه أو اختلف، إلاّ إن اختلفت آجاله فليبع كلاّ عند أجله ولا يستوفي ما نقص واحد ممّا رهن فيه من مزيد الآخر على ما رهن فيه إلاّ إن شرط ذلك. وكذا من جوّز رهن الفضل للمرتهن أو غيره كما مرّ؛ وإن أجلّ بيعه عند أجل بيع الرهن فالأوّل يبيع منه قدر حقّه ثمّ صاحب الفضل باقيه؛ فإن لم يبق من الرهن شيء عن حقّ الأوّل رجع على غريمه بدينه ولا يبيع ذو الفضل قبل الأوّل ولو بعد الأجل؛ وإن لم يبع الأوّل عنده فصار الرهن سخريا إن لم يشترط ما مرّ فلا يجد ذو الفضل بيعه، ولو لم يفت أجله.
وإن مضى أجل بيع الفضل قبل حلول أجل بيع الرهن فباع الأوّل، فإن بقي فضل في الثمن أخذه ذو الفضل؛ فإن باع الأوّل بعض (246) الرهن في حقّه وبقي بعضه فلا يجد ذو الفضل بيعه لمضي أجل بيعه؛ وإن كان عند الأوّل فانتفع بالرهن لم يضرّ الأوّل عند من يجيز رهن الفضل، وذلك إن كان فيه عند عقده وكان فيه بعد أيضا؛ وإن لم يكن فيه ذلك فليس فيه شيء؛ ولو كان فيه بعد لم يجز رهنه؛ وإن كان فيه عند عقده ولم يكن فيه بعد لم يجز أيضا. (4/436)
صفحة 2021
وإن كان الرهن لرجال في صفقة فإنّهم يبيعونه في واحدة مفترقا على قدر ما لكلٍّ؛ وكذا إن تعدّد (247) الرهن لهم في واحدة فإنّهم يبيعونه، وإن في صفقات اتّفقت ديونهم أو اختلفت؛ وإن ارتهنوه في صفقات فلا يبيعونه في واحدة، ولو اشتركوا في الدين؛ وإن باعوا كذلك لم يجز.
وكذا إن رهن اثنان لاثنين واحدا أو متعدّدا في ديون في صفقة، وإن كان الرهن أرضا ومتّصلا بها ويجد المرتهن وفاء حقّه في بيع بعضه (248) فلينظر صالحا بيعه منه فيبيعه؛ وإن باع بعضه أو تسمية منه جاز.
وإن كان الرهن ما ذكر مع منتقل كحيوان وغيره فبيع المتنقل أولى من الأصل. وإن كان أصلا وفيه قريب وبعيد من المنزل باع البعيد، وإنّما ينظر صالحا للراهن (249) فليفعله؛ وإن لم يفعله جاز له كلّ ما باع من الرهن.
وبيع الرهن أن يمسكه بيده وينادي به الطواف حتّى يستقضيه، ثمّ يبيعه هو، وقيل: يناوله الطوّاف إن كان أمينا؛ فإن لم يجده فمن لا يخونه؛ ولا يبيعه بخيار، ولا موقوفًا؛ فإن فعل انفسخ الرهن، وقيل: لا ينفسخ.
فصل
من ارتهن نخلة في يده فأمره بندائها ثلاث جمع فقطع في الرابعة فزاد ثمنها على حقّه ثلاثة دراهم أو أكثر أو أقلّ، فهو منتقض لزيادته عليه؛ فإن أراد تمام البيع باع من الرهن على قدر (24) حقّه؛ فإن لم يجد من يشتريه قيل: للراهن: بع نخلتك بما شئت وأعط المرتهن حقّه؛ فإن أبى حبس حتّى ينقاد للحقّ، وقد مرّ خلاف هذا، وذلك إذا لم يشترط ما مرّ؛ وإن نقصت قيمة ما ينادي عليه عن الحقّ زيد عليه [226] في الجمعة الثانية؛ وإن نقصت فيها زيد عليها في الثالثة؛ وما دام ينقص ثمنه عن قدر الحقّ فإنّه يزاد عليه من مال الراهن، وما دام يزيد عن قدره فإنّه ينقص عن ماله حتّى يقطع في الرابعة بقدره. (4/437)
صفحة 2022
فصل
جاز رهن واحد لاثنين كعكسه ــ كما مرّ ــ فإذا كان لهما دين على رجل فرهن لهما فيه شيئا جاز ولو لم يشتركا في الدين أو اختلف؛ فإن قال: رهنته لكما على أموالهما (251) كان على قدر رؤوس أموالهما؛ وإن قال: في أموالكما فعلى رؤوسهما؛ وإن باعاه على هذا فاقتسماه على الرؤوس فاستوفى أحدهما دينه وبقي منابه فضل فليعطه لشريكه إن لم يكفه منابه، قال: ولكن يردّه لصاحب الرهن.
وإن أمكنت قسمة الرهن اقتسماه ولا يكله أحدهما إلى صاحبه، وقيل: جاز إن كان أمينا؛ وإن لم تمكن أخذاه بالدول؛ وإن وكله أحدهما إلى صاحبه فتلف في يده فالواكل إليه ضامن لما نابه من الفضل إن كان فيه، لا إن تلف في يده ولم يضيّع.
وللرجل أن يأخذ رهنا في مشترك مع طفله، أو من وليّ أمره، وأن يأخذه في دينه هو وديون من وليّ أمره، ولو اختلفت ديونهم.
وجاز أن يرهن اثنان لواحد أو أكثر وأن يرهنا له واحدا أو أكثر.
ومن رهن لمن يجوز له الرهن ولمن لا يجوز له أو أخذه منهما لم يجز.
ومن له على رجل ديون مفترقة فرهن له فيها واحدا جاز ولو حلّ أجلها أو بعضها؛ وإن قال له: رهنته لك في واحد منها أو فيما شئته، لم يجز حتّى يعيّنه؛ وإن كان واحد منها أكثر من الآخر فرهنه له فيه أو في الأقلّ جاز، لا إن رهن له جائز رهنه وغير جائز.
ومن رهن لرجلين فأجّل لأحدهما فقط جاز إن كان ممّا يجوز بيع تسمية منه فليبع المؤجل له منابه ومناب الآخر سخري، وإلاّ وقف كلّه. وإن كان ممّا ينقسم (4/438)
صفحة 2023
فأراد أن يقسماه لبيع المؤجل له منابه لم يجز لهما قسمه. وكذا إن رهن اثنان لواحد واحدا فأجلّ له أحدهما فقط؛ وإن رهن واحد لاثنين رهنا على أنّ دين أحدهما أكثر من دين الآخر أو على أنَّهما سواء فبان خلاف ذلك، أو رهن لهما في دينهما فإذا هو لأحدهما فقط، أو رهن لأحد في معلوم فبان أنَّه لم يلزمه وإنّما عليه دين آخر، أو أخذ الرهن في دينه ودين من ولي أمره، فبان أنَّه مات قبل ارتهانه فورثه وارثه، أو بان أنَّه قد بلغ أو أفاق لم يجز الرهن في كلّ ذلك. (4/439)
صفحة 2024
الباب الخامس والتسعون
في الأجل في الرهن والشرط فيه وغير ذلك
فمن أراد أن يرهن لأحد رهنا فليؤجّل له أجلا معلوما يبيعه فيه قبل أجل الدين أو عنده أو بعده؛ فإن جعلاه قبله فإنّه يبيعه ويمسك الثمن حتّى يحلّ أجل الدين فيقضيه فيه؛ وإن جعلاه عنده أو بعده فإنّه يقضيه حين يبيع، وله أن يجعل له آجالا كما مرّ. وإن ارتهنه إلى معلوم ولم يبعه عنده انفسخ رهنه إن لم يشترط أن يبيعه عنده أو بعده. وإن قال رهنته لك فبعه وقت كذا، فإذا جاز ولم يبعه صار سخريا، ولكن إذا أراد أن يأخذ الرهن فليقل له: أبيعه عند الأجل أو قبله بكذا أو بعده بكذا، وقيل: لا يحتاج إلى توقيت ما قبله إن قال له: أبيعه قبله.
وإن رهن له ولم يذكر له الأجل وذكره المرتهن أو غيره لم يصحّ؛ وإن اشترطه له الراهن جاز إن قبله، لا إن ذكره أجنبي لهما، إلاّ إن كان وكيلا على قبضه وقبل الراهن ذلك. وإن قال له أجّلت لك كذا وكذا، أو كذا وكذا، لم يجز، ولا إن قال له: إذا هلّ رمضان فبعه وإن لم تبعه فيه خرج من الرهن حتّى يهلّ المحرّم فبعه، وإنّما يحتاج الأجل ليبيعه في الدين المؤجل لا الحال، وقيل: يحتاج فيه أيضا. وفي جواز جعله أقلّ من ثلاثة أيّام قولان.
وإن جعلاه ألف سنة أو ما لا يعيشاه هما (252) أو الرهن لم يجز ذلك الأجل.
وإن رهن له ما يسرع فساده كتين وعنب وبطيخ فليؤجّل له ما لا يفسد إليه، وإلاّ لم يجز، وقيل: يجوز وإن كان يفسد فيه؛ وإن أجّل له مجهولا كحصاد أو حرث جاز وصار سخريا. وإن قال له: بعه وقت ما [227] شئت أو وقت ما آمرك، جاز، لا إن رهن له إلى الأجل الذي يبيع فيه فلان رهنه. والسخري لا يبيعه إلاّ برضى الراهن.
وإن استمسك به إلى الحاكم ليؤجّل له ما يبيعه فيه لم يجده ورخص. (4/440)
صفحة 2025
وإن رهن له مفترقين فوقّت لأحدهما فقط فاشتبه بالآخر فلا يبيع إلاّ بإذن ربّه.
وإن رهن له رهنين في صفقة في دين أو ديون، فقال له: جعلت لك أن تبيع أحدهما وقت كذا، ولم يعيِّنه، فلا يبيع أحدهما أيضا إلاّ برضاه.
فصل
من رهن لرجل شجرا أو دارا فاشترط عليه أن يأكل الغلّة ويسكن البيوت أو ينتفع بما فيه انتفاع من غيرهما، أو شرط ذلك مرتهنه عليه، لم يجز الرهن كما مرّ؛ ولا إن شرط أحدهما على الآخر مؤونته ونفقته، ولا إن شرط عليه المرتهن الانتفاع به على أنّ عليه مؤونته؛ وقد كان في أوّل الإسلام أنَّه ينتفع بغلات (253) الرهن ويحمل مؤونته فنهي عن ذلك.
وجاز أن يشترط على الراهن أن يلزمه إلى دينه، وإن شرط عليه أن يتخاصما فيه لم يجز رهنه؛ ولا إن شرط عليه أن يبيع غير رهنه؛ وإن شرط عليه أن يبيع غلّة رهنه، أو أن يستوفي حقّه منها، أو يقضيه منها جاز، لا إن شرط عليه الراهن أن لا يدخل يده فيه، وأن لا يبيعه إلاّ إن جعله في يد المسلّط، كما سيأتي (254). وكذا إن شرط عليه المرتهن كونه في يد الراهن ويلي بيعه، أو شرط عليه الراهن أن لا يزول عنه حكمه كوطء الأمة، أو أن لا يبيعه إلاّ بمشورته لم يجز.
وإن شرط عليه أن لا يبيعه إلاّ بمحضر فلان أو مشورته أو في سوق كذا جاز، إلاّ إن شرط عليه إذا جاء الأجل ولم يوفّ له حقّه أن يمسكه فيه، وقيل: جائز؛ ولا إن شرط عليه المرتهن أن يغرس الأرض أو يبني فيها أو يعمل فيها عملا.
وإن شرط عليه أن لا يذهب ماله بذهاب الرهن، أو لا يفسخ بحلول الأجل، _أو أن يكون بيده ... الخ حقّه جاز. وكذا إن كان أقلّ من حقّه فشرط عليه (255) الباقي، وقيل: لا يجوز؛ ولا أن يشترط عليه أن لا ينفسخ إذ انتفع به؛ ولا أن يشترط (4/441)
صفحة 2026
عليه أن ينتفع بأحد الرهنين إن تعدّد الرهن بيده ولو عيّنه. وكذا إن رهن واحد لاثنين كعكسه فشرط أحدهما الانتفاع به لا يجوز الرهن في ذلك.
فصل
جاز لأحد المتفاوضين أن يأخذ رهنا في دينهما بلا إذن صاحبه، وأن يرهن فيما عليهما؛ وإن كان لأحدهما دين عليهما أو كان ليتيم استخلف عليه فرهن له الآخر فيه رهنا لم يجز. وإن انفسخت عقدتهما فرهن أحدهما مشتركا لهما فيما عليهما قبل انفساخها لم يجز أيضا. وإن رهن أحدهما للآخر رهنا فيما له عليه قبل أن يتعاقدا انفسخت عقدتهما عند مجيزها على ذلك الحال.
وإن رهن له في دين طفله أو من استخلف عليه قبل أن يتفاوضا ثمّ تفاوضا ثبت الرهن. وإن رهن أحدهما فيما عليه من قبل الصداق أو التعدي جاز وضمن لشريكه منابه في الرهن. وكذا إن اشتركا شركة عنان فأخذ أحدهما رهنا أو رهن لغيره فيما عليهما من تجرهما فكالمتفاوضين في ذلك، والفرق بينهما مذكور في النيل وغيره. وإن اشتركا لا مفاوضة ولا عنانا لم يجز لأحدهما أن يرهن مشتركهما فيما عليهما أو عليه دون شريكه.
وللمقارض أن يرتهن لمال القراض بلا إذن ربّه إن رآه أصلح، ولا يرهن منه؛ وجوّز إن رآه أصلح للقراض. وإن رهن ربّه رهنا فيما وجب للقراض جاز، سواء وجب بفعله أو بالمقارض أو بإفساد المال في أمور النّاس؛ وإن رهن رهنا فيما عليه من غير مال القراض جاز وضمن مناب المقارض من الربح؛ وإن أخذ رأس ماله وبقي الربح فرهن منه في دينه لم يجز إلاّ بإذن المقارض. وإن رهن هو من المال فيما عليه نفسه لم يجز أيضا. وإن كان لربّه دين عليه في تجرهما فرهن له من مال القراض لم يجز أيضا. وإن كان عليه دين لطفل ربّ المال أو لمن ولي عليه، فرهن له من المال أو كان الدين لمن ولي عليه المقارض فرهن له فيه ربّ المال منه جاز، لا إن رهن أحد (4/442)
صفحة 2027
المقارضين فيما وجب في المال، ولا إن كان في يد المقارض أموال رجال فرهن مال بعضهم في واجب على غيره؛ وضمنه إن فعل؛ ولا إن رهن من مال القراض في دينه هو، ورخّص فيه.
والمأذون له في التجر إن كان له على أحد دين فله أن يرتهن فيه؛ وجاز أيضا لربّه ولأحدهما أن يرهن أيضا من المال إن كان يتّجر بماله؛ وإن كان يتّجر بمال غيره لم يجز لربّه أن يرتهن في دين ذلك المال، [228] ولا يرهن منه أيضا.
وإن كان للسيّد على العبد دين من ذلك المال فله أن يرتهن منه ويرهن له أيضا فيما له عليه، وقيل: كلُّ ما جاز بيعه جاز رهنه، وما لا، فلا؛ وقيل: لا يجوز ذلك ولا الرهن فيما لم يفرض كما مرّ.
فمن باع شيئا لرجل على أن يرهن له في ثمنه شيئا، وإن غير معيّن، جاز بيعه، ويدرك عليه الرهن ولو كره، وقيل: إن أبى منه انفسخ، وقيل: ثبت، ولو لم يرهن له ولا يدركه؛ وإن تلف الشيء قبل أن يرهن له، فقيل: يدرك عليه رهنا آخر، وقيل: لا يدرك عليه شيئا، وقيل: إن لم يعط له آخر خيّر في إمساك الشيء وردّه.
ولا يدرك المرتهن على الراهن أن يرهن له في دينه إلاّ إن اتّفقا عليه ولا يبيع الرهن إلاّ هذا بذا. وإن باعه حالاًّ فأخذ الثمن بعد جاز؛ وإن هرب مشتريه أو أفلس أو مات ولم يترك وفاء أو حجرا عليه ذهب ماله وضمن الفضل إن كان فيه، ولا يبيعه بالدين؛ فإن باعه جاز وضمن الفضل في حينه، وقيل: لا يجوز وانفسخ الرهن بذلك. وإن حلّ أجل بيعه قبل حلول أجل الدين باعه وأمسك ثمنه حتّى يحلّ فيقضيه كما مرّ، وكان ثمنه بمنزلته في معانيه من ذهاب وانفساخ وغيرهما ما لم يحلّ أجل الدين. (4/443)
صفحة 2028
فصل
إن كان الرهن في دنانير أو دراهم أو في مكيل أو موزون فاشتبه عليه جملة ما رهن فيه أو جنسه فإنّه يبيعه ويمسك الثمن حتّى يتبيّن له؛ وكذا إن نُسي الراهن أو (257) فُقد أو جنّ أو مات فإنّه يبيع ويمسك الفضل؛ فإن أيس منه فرّقه كما مرّ.
وإن اشتبه عليه الرهن بغيره فلا يبيعه؛ وإن تعدّد الرهن من واحد في ديون فاشتبه عليه ما رهن له في كلّ منها فلا يبعه أيضا حتّى يتبيّن له.
وإن باع الرهن فله أن يردّه لنفسه أو لغيره بإقالة أو تولية أو بمرابحة، ويدرك به الشفعة إن كان الراهن شريكه؛ وإن باع بعضه فلا يشفعه الراهن بباقيه، ولا يبيعه إلاّ بالنقدين كما مرّ.
وإن رهن في غيرهما فباعه بهما جاز، ويشتري بهما ما رهن فيه وجوّز بيعه بما رهن فيه إن كان مكيلا أو موزونا، وبحيوان إن رهن فيه، وإلاّ باعه وقضى من ثمنه دينه. وإن باع رهنه وأخذ ثمنه فقضاه فيه فليشهد على ذلك؛ وإن أخذه وصرفه في حوائجه جاز، وقيل: حتّى يقضيه في دينه. وإن أمسكه فهو رهن بحاله حتّى يقضيه. وإن حلّ أجل بيعه فأبى منه وفيه فضل، فاستمسك به الراهن ليبيعه ويأخذه جاز له، ويدركه عليه. وإن باعه محاباة جاز وضمن ما حابا به، وقيل: لا، وانفسخ الرهن؛ وإن لم يحاب فيه ولكن غبن بما لا يتغابن به جاز البيع وضمن الغبن، ولا يضمنه إن كان ممّا يتغابن (257) به؛ وإن ارتهن لمن ولي أمره ثمّ تحوّل إلى حال يجوز فيها فعله فإنّما يبيع الرهن من ارتهنه أوّلا. وكذا إن ارتهنت خليفة فزالت من خلافتها ثمّ حدثت أخرى فإنّما يبيعه الأوّل، وقيل: الآخر، وقيل: حين جاز فعله.
ولا يجوز ــ كما مرّ ــ بيع الراهن للرهن عند الأكثر؛ وإن جوّزه المرتهن له انفسخ وجاز بيعه؛ وكذا إن أمره المرتهن فباعه جاز وانفسخ؛ وإن باعه بلا إذن المرتهن فبان أنَّه لم يكن عليه الدين، أو أنَّه قد انفسخ قبل جاز بيعه. وإن باعاه معا أو أمر من يبيعه باتّفاقهما انفسخ أيضا وجاز البيع. وإن قال لمرتهن: إذا حلّ الأجل (4/444)
صفحة 2029
فخذ الرهن في حقّك، أو أقضه، أو أمسكه، أو هو لك فيه، لم يجز، والرهن على حاله؛ وكذا إن قال له: اشتره.
فصل
لا يدرك المرتهن ردّ الرهن إن عيب على راهنه وليبعه عند الأجل، ولا يضرّه العيب إن كان فيه حال رهنه إيّاه؛ وإن حدث فيه عنده فقد ذهب منه من حقّه قدر العيب.
وإن استمسك بالراهن فيما أخذ منه فيه الرهن مطلقا أو في السخري أن يجعل له أجلا فلا يدرك عليه ذلك.
وإن باع الرهن فحطّ لمشتريه من ثمنه ما يحطّ النّاس بينهم أو أكثر أو أبرأه منه لم يجز ذلك وضمن، وقيل: جائز وضمن (258)، ولا عطيّته أو إخراجه من ملك ربّه لا ببيع. وإن أعطاه بعوض أو بدله بعدما جاز له بيعه بمثل قيمته ففي الجواز أيضا قولان. وإن رهن له وأجّل له ولم يأمره ببيعه فهو سخري. وإن أمره به ولم يؤجّل له [229] باعه فإن باعه انفساخا انفسخ الرهن، وقيل: لا. وإن خرج في بيعه عيب فردّ عليه به فإنّه يردّ الثمن لمشتريه ويعيد بيعه.
وإن بقي له بعض دينه رجع به على الراهن وذلك إذا ردّ عليه بحكم؛ وإن ردّ عليه بإقراره فلا يرجع عليه به، إلاّ إن صدّقه؛ وإن ردّ عليه بعيب وقد تلف ثمنه باعه ثانيا وغرم من ثمنه الثمن الأوّل، وما فضل فهو لمرتهنه. وإن تلف المبيع والثمن معا ضمن للمشتري ثمنه وذهب الرهن بما فيه؛ وإن تلف الشيء وبقي الثمن فليوفّه للمشتري، ولا يدرك هو على الراهن شيئا، هذا إذا تلف من يد مرتهنه، وأمّا إن تلف من المشتري قبل أن يقبضه منه المرتهن فكلّ منهما ضامن لما تلف من يده.
وإن وصل إلى الراهن ما فضل على الدين رجع عليه المرتهن بما غرم للمشتري إذا ردّ عليه بعيب أو تلف هو والثمن. وإن ادّعى أنَّه معيب فصدّقه الراهن وكذّبه (4/445)
صفحة 2030
المرتهن جاز تصديقه عليه، ولا يضرّ المرتهن، ويغرم الراهن الثمن للمشتري ويأخذ رهنه، وهذا إذا لم يعرف المرتهن بالعيب، وإن عرفه وجحد، لم يجز له عند الله وكان رهنا بيده في حقّه. وإن كان لرجلين فباعه فعيب، فأقرّ أحدهما أنَّه معيب وكذّبه الآخر جاز إقراره في منابه خاصّة. وإن باعه لرجلين في صفقة فعيب فصدق أحدهما وكذب الآخر فلا يشتغل بقوله ولزمه تصديقه فيهما معا. وإن مات المرتهن فادّعى المشتري العيب بعد موته فصدّقه الوارث فيه جاز تصديقه فيما له خاصّة لا في الفضل إن كان فيه.
وإن جنّ المرتهن أو مات وترك يتامى فعيب الرهن استمسك مشتريه بعشيرتهم أن يستخلفوا لهم أو للمجنون خليفة يخاصمه. وإن باعه ومات مشتريه أو جنّ فاستخلف المرتهن عليه أو على أولاده فالعشيرة تستخلف آخر يخاصم معه؛ وكذا إن رجع إلى طفله بإرث؛ وكذا إن مات المرتهن أو جنّ فاستخلف عليه المشتري، أو على أولاده فعيب الرهن يستخلفون آخر يخاصمه.
فصل
على الراهن زكاة الرهن كما مرّ فيما تجب فيه، سواء كان عند عقدته أو حدث فيه من النماء والغلّة ولا يجد إخراجها من الرهن ولعامل أن يأخذها منه، ولا يحتاج إلى إذن الراهن ولا المرتهن ولا المسلّط، ولا يضرّ ذلك المرتهن، ويؤدّي زكاة دينه إذا كان في مال الراهن وفاء به؛ وعلى الراهن عشر الرهن إذا حنث بماله للمساكين ويعطيه من نفسه لا من الرهن؛ وإذا ضيّعه المرتهن بعد أجله ولم يشترط ما مرّ فقد ذهب بما فيه وضمن الفضل إن كان فيه، وإن كان عبدا فطعن في الدين أو منع الحقّ فقتل فقد ذهب بما فيه وكذا إن ضيعه حتّى مات ولا يضمن الفضل فيهما؛ وإن أخذ دينه أو أبرأه منه أو أعطاه لغيره أو انفسخ أو أحاله على غريمه ثمّ منع له الرهن فإنّه يضمنه. (4/446)
صفحة 2031
وإن تزوّج امرأة بمعلوم فرهن لها أو استأجر أجيرا بمعلومة فرهن له فدخل في العمل ثمّ خرج قبل أن يتمّه أو طلقها قبل أن يدخل بها، أو خالعها ببعض الصداق، أو انفسخ بعض الدين، أو تركه له، انفسخ الرهن، وقيل: لا؛ وعليه فإن تلف ولم يمنعه منه فلا ضمان عليه.
وإن انفسخ بفعل المرتهن فتلف قبل أن يقبضه الراهن، فقيل: يضمنه، وقيل: لا، إن لم يتلفه هو ولم يمنعه إيّاه، وقيل: بالضمان في كلّ مقبوض سوى الأرض وما اتّصل بها.
ولا يجوز للمرتهن رهن رهنه، ولا إعارته، ولا انتفاع به، وضمنه إن فعل، ولا يودعه إلاّ عند زوجته أو سريته إن علمها لا تخون؛ وإن أودعه عند غيرهما ضمنه، وقيل: لا، إن كان أمينا. وإن أراد سفرا أو تحولا عن موضع هو فيه فليرفعه معه إن أمكنه نقله وإلاّ أوصى عليه زوجته أو سريته إن كانت عنده، وإلاّ أوصى عليه أمينا إن وجده، وإلاّ اختار خير (259) من وجده، والمؤتمن كالمرتهن في الضمان، والرفع والاستوداع والبيع والتضييع على ما مرّ. وإن أعاره المسلّط للراهن فتلف من يده ضمن دين المرتهن لا الفضل [230] للراهن؛ وإن أعاره للمرتهن فتلف (260) ضمن المسلّط قيمته للراهن ومال المرتهن على قدر الخلاف.
فصل
إن تحمَّل رجل بوجه رجل فأعطاه حميل الوجه رهنا أو أخذه في أرش الجرح (261) أو في الديّة أو في الدرك في بيع أو فيما أصله أمانة فتلف في يد المرتهن فلا يضمنه إلاّ إن منعه له.
الربيع: من ارتهن كلّ ما لا يجوز رهنه فلا يضمنه إن تلف في يده.
ومن أخذ رهنا من طفل أو مجنون أو عبد أو محجور عليه ضمنه إن تلف، ولا يذهب ماله؛ وإن رهن لهم فتلف وإن بفعلهم فلا ضمان عليهم ولزمه الدين؛ وكذا من (4/447)
صفحة 2032
زاد رهنا لمرتهن فتلف الثاني فلا يضمنه إلاّ إن فعل فيه موجب ضمان؛ وإن تلف الأوّل ذهب بما فيه.
ومن رهن لرجل رهنا ثمّ ضمنه أيضا لآخر فتلف في يده، فإنّه يضمنه إن علم أنَّه رهن في يد غيره، وإلاّ فلا؛ وإن انفسخت العقدة الأولى فلا يضمن الآخر إن تلف، ويذهب بما فيه.
ومن أمر رجلا أن يتديّن له من رجل معلوم فأعطاه ما يرهنه فأعطى المأمور من ماله مثله للمديان فأمسك ما أعطاه له الآمر ولم يخبره به فإنّه يضمنه إن تلف ويدرك على المديان ما دفع له. وكذا من أخذ رهنا لنفسه من مال من ولي أمره فتلف في يده فإنّه يضمنه؛ وكذا إن رهن في دينه من ماله فإنّه يضمنه إن تلف، وفي جوازه قولان.
وإن أحاط الدين بمال من ولي أمره فلا يجوز رهنه على المختار منهما فيما علمه إلاّ بمحاصصة لأرباب الديون. وإن رهن في دين من ولي أمره فخرج عليه آخر فقد انفسخ الرهن، وكان بين الغرماء إن لم يكن عنده ما يستوفون به (262) منه؛ وإن وجد فالرهن ثابت.
وإن رهن الخليفة فيما على من استخلف عليه من ماله، ثمّ استعاره أو كراه من المرتهن فقد انفسخ؛ وإن استعمله الخليفة لصاحبه فتلف فلا عليه، ورجع المرتهن بماله عليه ويضمنه الخليفة إن استعمله لغير صاحبه؛ وإن تعدّى فيه واستعمله لنفسه أو لربّه ضمن مال المرتهن ويدرك عليه ردّه. ولا يجوز للمرتهن أن يكري ذلك الرهن وينفسخ به، وأجازه الربيع، وكان كراؤه كالغلّة، وعليه فلا يجد استعماله لنفسه، وهذا في الدور والبيوت ونحوهما. (4/448)
صفحة 2033
وينفسخ أيضا بانتفاعه به وإن بأمر الراهن كما مرّ. واختلف في ضمان ما انتفع به. وإن كان عبدا صانعا فاستعمله في صنعته انفسخ وضمن، لا إن فعل بلا أمره، وكلّ ما أخذه في كرائه فهو رهن مثله.
ومن باع رهنا بحرام جاهلا به وعلمه الراهن جاز بيعه عنده في حقّه، وإن تلف فيما فيه؛ وإن بان أنَّه حرام فانفسخ البيع فالرهن بحاله؛ وإن علم المرتهن به انفسخ بيعه وضمن. (4/449)
صفحة 2034
الباب السادس والتسعون
فيما ينفسخ به الرهن
فإذا انتفع به المرتهن انفسخ وأثم لأنَّه نُهي عنه، وغرم ما انتفع به؛ وإن كان أمة فوطئها لزمه الكفر والصداق، وفي الحدّ قولان؛ وإن عضّها أو قبّلها أو لمسها بيده أو قرصها أو نظر إليها أو باشرها في لحاف واحد ففي الفسخ قولان إنّ التذّ بذلك؛ وإن كانت زوجته فلا عليه في مسّها ولو لم يمسّها قبل الرهن، وقيل: ينفسخ إن مسّها. وكذا ماء العيون وظلّ الشجر ونحوه والكن فيه والاستدفاء به ونقله من المعادن والاحتطاب من مباح للكلّ ممّا لا يحتاج إلى الإذن فيه لا ينفسخ بذلك، ولا بمسيس عبد لامرأة إن ارتهنته وهو زوجها.
والمتروك الجائز رفعه للمساكين (263) كالسنبل وجميع الحبوب لا يجوز للمرتهن رفعه؛ فإن فعل انفسخ، ولزمه ردّ مثله للراهن، ورخّص له فيه.
وإن انتفع بالرهن لتنجيته أو تنجيتهما أو الراهن أو غيرهم انفسخ بالكلّ.
وإن أمر الراهن أن ينتفع به أو المرهون أن يعمل للراهن شيئا فلا ينفسخ بأمره حتّى يفعل ما أمره به وإن وقع المرتهن في مضرّة فنجّاه المرهون منها فلعلّه لا ينفسخ [231] بذلك أيضًا (264)؛ وإن ورد به الماء أو المرعى أو فعل له صالحا له ولا انتفاع له هو في ذلك فلا عليه به، وله أن يذكر الشجر والنخل ويصرم ثمارها ويسقيها ويعمل ما يزيد صلاحا للأرض ومتّصل بها، كتجصيص الحيطان وترقيع الثياب وتشعيب الأواني فلا ينفسخ بذلك إلاّ إن قصد به نفسه.
وإن كان سيفا فعلّقه أو رمحا فأمسكه أو درعا فلبسها أو زين دابَّته بذلك أو بيته أو بيت غيره أو لبسه إن كان حليّا أو حللا، أو فرّشه أو وسده فقد انفسخ بذلك، وبكلّ ما لا يجوز له أن ينتفع به وإن ببعضه، وكلّ انتفاع به يفسخه ولو قصد به غيره أو خطأً، أو لم يعلم أو مكرها. وإن نظر في سيف أو مرآة أو جوهرة أو قرأ (4/450)
صفحة 2035
كتابا أو مصحفا أو نسخه أو حلف فيه غيره، أو شمّ ذا رائحة كعوده أو غالية أو عنبر انفسخ إن تعمّد.
وإن قعدت أمة لمرتهنها، أو حلق عبد لمرتهنه، أو حجم له، أو نزع له فرسا، أو كواه، أو فلى (265) له رأسه أو لحيته، أو نزع له شوكا ... أو نحو ذلك أو علّمه ما يتعلّم، أو أمره أن يعلم غيره فعلّمه فقد انفسخ؛ وقيل: لا، إن علّمه ما يجب عليه كالتوحيد والفرائض.
وإن سكن في بيت أو دار أو خصّ أو نحوها أو أسكن في ذلك غيره أو جعل فيه مالا ــ وإن لغيره ــ أو كان ذلك مسكونا، أو انتفع بسطح أو دكان أو كوّة أو حرث أرضًا (266)، أو بنى فيها أو غرس لنفسه انفسخ في الكلّ؛ وإن فعل ذلك للرهن ففيه قولان كما مرّ؛ وإن تعمّد فسادا فيه انفسخ، وقيل: لا، ما بقي منه شيء؛ وكذا إن أفسد فيه غيره، ويغرمه ويكون رهنا. وإن انتفع بغلّته أو نماه أو بكلّ ما جرّه الرهن انفسخ أيضا، لا إن أعار متاعا له للراهن فرهنه له فانتفع به لأنَّه ماله.
وإن بغى على المرتهن فاتّقى منه بالرهن فلا يضمن ما أفسد فيه الراهن؛ وإن رماه الراهن في العكس فاتّقى المرتهن به ضمن ما أفسده فيه الراهن وانفسخ فيهما؛ وإن بغى عليه الراهن فلا يضمن المرتهن ما أفسد، ولا ينفسخ؛ وإن بغى عليه المرتهن فاتّقى الراهن بالرهن ضمن المرتهن الفساد، ولا ينفسخ أيضا. وإن تقاتلا على بغي فاتّقى به المرتهن انفسخ، لا إن اتّقى به الراهن وكذا إن تقاتل مع غير الراهن ــ ولو كما يحلّ له ــ فاتّقى به فقد انفسخ وضمن الفساد؛ ولا ينفسخ إن اتّقى به الغير، ويضمن المرتهن الفساد إن كان هو الباغي.
وإن كان الرهن عبدا فأخرج منه الحقّ أو أعطاه له من غيره فلا ينفسخ بذلك؛ وإن انتفع به أحد المرتهنين بإذن الآخر انفسخ عليهما، أو منابه فقط إن انتفع به بلا إذنه، وقيل: ينفسخ كلّه. (4/451)
صفحة 2036
وإن رأى أحدهما طفله أو عبده ينتفع به ولم ينهه فلا ينفسخ إلاّ بفعله هو لا بمن ذكر، ولا بفعل الراهن؛ وإن فوّض إليه أمْرَ بيعِه أو استشاره فيه انفسخ، لا إن أخبره به لا مشورة.
وإن نظر فسادا استقبل الرهن فأفسخه عنه، فلا له ذلك، وفي ضمانه قولان.
وإن انتفع به طفله أو عبده أو حيوانه وعلم به ولم يصرفه عنه فقد انفسخ، لا إن صرفه حين علم به وضمن الفساد؛ وأمّا أولاده البلّغ وامرأته وغيرهم من النّاس إن رآهم ينتفعون به ولم ينههم عنه فقد لزمهم ما أفسدوا فيه ويغرمهم فيه وإن لم ينههم (267)، وإن انتفع بما غرمهم انفسخ أيضا.
وإن كان الرهن عبدا وأمة معا فوطئها العبد فلا ينفسخ به، ويذهب من ماله عقرها إلاّ إن كان زوجها فله مسّها. فإن زوّج المرتهن عبد الرهن أو طلّق عليه أو أمر عليه فلا يجوز فعله، ولا ينفسخ بذلك؛ ولا بارتداد المرتهن وجنونه (268) وينفسخ بانتفاعه ولو مجنونا.
وإن مات ولم يعلم ورثته بموته فانتفعوا بالرهن فقد انفسخ؛ وكذا من وكّل من يرتهن له ففعل فانتفع به بلا علم منه بارتهانه فإنّه ينفسخ، لا إن انتفع به وكيله.
وإن أعطى ما ارتهن فيه أو أصدقه أو أخرجه من ملكه بغير ذلك فلا يكون رهنه رهنا لمن انتقل إليه الدين، فمن انتفع منهما به (269) ضمن ما انتفع به؛ وكذا إن انتفع به بعد ما أبرء الراهن من الدين أو أعطاه له. وإن أمر من ينتفع به انفسخ إن فعل، [232] وإلاّ فقولان. وكذا إن كان عبدا فأمره أن يعمل لغيره؛ وإن أمر بالانتفاع به من لا فعل له من الآدميين ففيه خلاف أيضا؛ وإن انتفع به أحد بلا إذنه فأحلّه فلا ينفسخ به. وإن قال: كلّ من أراد الانتفاع به فلينتفع به، فانتفع، انفسخ ولو بعد ما جنّ المرتهن، لا إن انتفع به بعد ما مات.
وإن ارتهن بعض المتفاوضين رهنا فانتفع به صاحبه انفسخ ــ ولو لم يعلم ــ أو لم ينتفع به إلاّ بعد انفساخ عقدتهما، وكذا المشتركان عنانا. وإن أخذ المأذون له في التجر رهنا في دين ربّه فانتفع به هو أو عبده فقد انفسخ؛ وإن كان يتّجر بأموال النّاس (4/452)
صفحة 2037
فأخذه فيها فلا ينفسخ بانتفاع سيّده؛ وإن انتفع به العبد أو ربّ المال انفسخ وكذا المقارض وربّ المال إن انتفع به أحدهما انفسخ ولو لم يكن في المال ربح.
ومن انتفع برهن بيده ونسي صاحبه انفسخ، وكان في ضمانه ولا يبعْه (270) ليستوفي به ماله. وإن أخذه لطفله أو مجنونه فانتفع به أحدهم، ففي فسخه قولان؛ وإن بلغ أو أفاق فانتفع به ــ وإن بجهل به ــ انفسخ، لا إن انتفع يتيم بما ارتهن له خليفته إلاّ إن انتفع به بعد بلوغه كما قلنا.
وإن انتفع مرتهن بما في يد المسلّط ففيه قولان؛ وإن انتفع بثمن الرهن قبل أن يقضيه في حقّه انفسخ أيضا.
وإن اتّفق مع الراهن أن يفسخاه فلا ينفسخ باتّفاقهما عليه حتّى يفسخاه، وهو أن يقول للمرتهن: ردّ لي رهني، ويقول له: رددته لك، أو رددت لك رهنك، ويقول له: أخذته، أو يقولا: قد أبطلناه، أو تركناه. وإن أمر أحدهما الآخر أن يفسخه أو أمر غيرهما به أو أفسخه أحد فجوزا له انفسخ. وإن قالا: فسخناه وقتا معلوما، انفسخ إلى تلك المدّة؛ فإن كانت غير معلومة لم يجز. وإن أفسخه أحدهما مع وكيل الآخر، أو أفسخه خليفة اليتيم أو أب الطفل مع غيره أو صاحب المال أو المقارض أو أحد العقيدين أو سيّد المأذون له فقد انفسخ في كلّ ذلك، وفي المأذون له إذا كان له مال عنده، وإلاّ ففعل العبد أو صاحب المال ما يفسخه أو أفسخ تسمية منه انفسخ كلّه. وإن فعل أحد المرتهنين مع الراهن ما يفسخ به فقد انفسخ، وقيل: نصيبه فقط. (4/453)
صفحة 2038
الباب السابع والتسعون
في التسليط في الرهن
فإذا أراد الراهن والمرتهن أن يجعلا مسلّطا لرهنهما اختارَا أمينا تجوز أفعاله يقوم به ولا يحيف إلى أحدهما؛ وإن أبى أحدهما من التسليط فلا يحبر عليه.
وإن قال له الراهن رهنت لك هذا في دينك على أن يكون بيد هذا الرجل إلى أجل كذا فيبيعه ويقضي لك مالك، جاز؛ وكذا إن رهن له على أن يكون في يد غيره مسلّطا على بيعه خاصّة، والمرتهن أحقّ بالرهن في الوجهين من الغرماء؛ وإن تلف ذهب بما فيه وينفسخ بانتفاع المسلّط أيضا.
وإن شرط المرتهن أن لا يذهب ماله بذهابه فله ذلك ولهما أن يسلّطا واحدا على حفظه وآخر على بيعه وآخر على قبضه، ولو كان في يد غير المرتهن وآخر على أن يقضيه ثمنه في دينه ويسلّط أيضا على تسمية منه أو معلوم منه.
وإن رهن له في مال المرتهن أو على أن يبيعه المرتهن أو على أن يبيعاه معا جاز ذلك؛ وإن قال له رهنته لك على أن يكون في يدك أنت وهذا الرجل ويكون المسلّط على بيعه آخر جاز. وكذا إن جعلاه في يد المسلّط على أن يبيعه المرتهن.
وجاز تسليط مشرك على رهن موحّد، لا عبيد موحّد. وتسليط موحّد على رهن مشرك وتسليط واحد على رهان عند واحد أو أكثر كانت لواحد أو أكثر وتسليط رجلين على رهن واحد كلّ منهما مسلّط على الكلّ في عقدة أو عقدات ويكون عبد المرتهن أو مقارضه أو عقيده مسلّطا على الرهن؛ وكذا عبد الراهن. وقيل: لا يجوز العبد ولا يكون الراهن مسلّطا عليه.
وكذا إن رهن أحد المتفاوضين رهنا على أن يكون عقيده مسلّطا على بيعه فلا يجوز، وكذا المقارض وربّ المال في مال القراض، ولا إن رهن أحدهما رهنا على أن يكون الآخر مسلّطا أو رهن له رهنا ولم يحضر الراهن [243] على أن يكون في يد (4/454)
صفحة 2039
مسلّط أو حضر وشرط عليه أن يسلّط عليه من أراد أو من أراد أحدهما ولم يعيّناه، أو سلّط عليه أحدا منهم، أو من بني فلان ولم يعيّنه لم يجز كلّ ذلك.
وإن اتّفقا على أن يكون هذا مسلّطا إلى وقت كذا فيكون معه مسلّط آخر معلوم، أو سلّط عليه اثنين على أن يخرج أحدهما من التسليط وقت كذا جاز، لا إن لم يبيّناه. وإن قال له: سلّطتك عليه إلى وقت كذا، فإذا جاء خرجت من التسليط فيكون أمره في يد المرتهن، أو قال له: رهنت لك إلى وقت كذا، ثمّ يكون في يد المسلّط أو جعله في يد مسلّط إلى كذا، ثمّ يرجع في يد الأوّل أو غيره جاز ذلك؛ فإن شرط رجوعه في يد الراهن جاز وانفسخ.
ولا يجوز تسليط طفل أو مجنون على رهن؛ وإن رهنه على أن يكون مسلّطا على بيعه إذا بلغ أو أفاق ففي جوازه قولان.
وإن سلّطاه إلى مجهول أو رهنه له على أن يكون في يده إلى مجهول لم يجز هذا التسليط فيهما.
وإن سلّطا عليه جائزا تسليطه وغير جائز لم يجز، وقيل: يجوز الجائز على الكلّ، وقيل: على نصفه فقط.
ولا يجوز تسليط أب على رهن طفله أو مجنونه، ولا خليفة يتيم أو مجنون إذا رهن ماله فيما عليه؛ وإن ارتهن له جاز أن يسلّط عليه كالأب، وكذا الشريكان في ولدان رهنا ماله أو ارتهنا له؛ وأب الخليطين كذلك.
وإن جعلا مسلّطين على أن يبيع أحدهما غلّة ثلث الرهن والآخر غلّة الثلثين، أو أحدهما الرهن والآخر غلّته أو نموه جاز إن عيّناهما، وإلاّ فلا.
وإن شرط على المسلّط أن لا يبيعه إلاّ بمحضر فلان أو بإذنه أو برأيه أو إلاّ في وقت كذا أو في مكان كذا أو اشترط المسلّط الخيار له أو مشيئة غيره جاز؛ لا إن رهن رجلان لواحد رهنا على أن يكون أحدهما مسلّطا على بيعه. وإن سلّطا كلاّ على بيع مناب صاحبه جاز؛ وإن شرط الراهن أن يكون مسلّطا على مناب صاحبه فقط لم يجز. (4/455)
صفحة 2040
وإن رهن اثنان لاثنين على أن يكون كلّ من الراهنين مسلّطا على مناب صاحبه جاز ــ ولو اشتركا الرهن ــ؛ وكذا المرتهنان يكون كلّ منهما مسلّطا على ما رهن لصاحبه أو على الكلّ.
وإن سلّط على تسمية معلومة من الرهن في ممكن قسمته وفي غيره فإن كان ممّا ينقسم قسماه وإلاّ أخذاه بالدول.
وإن تركه أحدهما في يد الآخر حتّى تلف ضمن منابه منه، وقيل: لا، وله أن يأخذ أجرة على بيع الرهن وعلى حفظه.
ومن وكّل رجلا على أن يرهن بعض ماله فرهنه فسلّط عليه هو والمرتهن رجلا جاز، ولا يسلّط عليه الوكيل ولا الراهن ولا مأذونه برهنه، وجوّز فيه.
وإن رهن أب مال طفله أو ارتهن له فبلغ فله أن يجدّد مع الراهن والمرتهن مسلّطا آخر؛ وكذا كلّ شرط يجوز لهما أن يحوّلوه في الرهن وقد خرج الأمر من يد الأب وكذا الخليفة.
وإن سلّطا على رهن ولم يأمرا ببيعه جاز وكان سخريا؛ وكذا إن كان سخريا بعد ما كان غيره جاز أن يسلّطا عليه.
فصل
لا يلزم المسلّط حصاد زرع رهن، ولا صرم تمره، ولا ما يوضعان فيه، ولا رعاية حيوانه، ولا ما يأوي إليه ولو كان في يده دون ربّ المال، ويرجع بمؤونته إذا فعله على الراهن، لأنّ ذلك عليه كما مرّ.
وكذا إن رهن في يد المرتهن على أن يكون هذا مسلّطا فلا يلزم المرتهن إلاّ مأواه كما مرّ.
وإن داوى المسلّط الرهن أو أعطى عليه مالا للطبيب فلا يدرك ذلك على الراهن ويدرك عليه ما ينجّي به الرهن من هلاكه إذا كان عبدا؛ وكذا المرتهن في ذلك كان (4/456)
صفحة 2041
الرهن كفاف دينه أو أكثر أو أقلّ وهو مخيّر في مداواته وتركه؛ وقيل: إن رهن في أقلّ من قيمته فالمداواة بينهما بالمحاصصة.
وإذا قبض المسلّط الرهن لزمه حرزه فإن ضيّعه حتّى تلف أو أفسد مالا ضمن ذلك؛ فإن أتلفه ــ وإن بماله ــ غرم قيمته للراهن وردّها منه فتكون بيده رهنا كالأوّل؛ وإن أبى أن يردّه له فاستمسك به هو أو المرتهن فإنّه يدرك عليه ردّه؛ وإن أبى الراهن أن يقبض منه ثمنه فليضعه قدامه فيبرأ منه [234] ثمّ يرفعه فيكون رهنا بيده.
وإن مات الراهن أو جنّ أخذ العشيرة أن يستخلفوا له من يقبض منه ذلك، ثمّ يرجع بيده رهنا بحاله. وإن قال له الراهن أمسك قيمته فيه وقد أبرأتك من الضمان، لم يجز حتّى يقبضه، ولا له أن ينتفع بالرهن، وضمن إن فعل، وقيمته إن أتلفه. ويمنعه الراهن والمرتهن من الانتفاع به ولا ينفسخ به كما مرّ. ويدرك صرف الضرّ عنه ولا يدرك عليه كحائط مائل أو نخل أو شجر؛ وإن كان حيوانا أدرك عليه ما أفسد، ورجع به على الراهن إن لم يضيّع، وعليه صرف مضرّته، ولا يجوز فيه فعل غير ما سلّط عليه؛ فإن ساق الدابة أو قادها فأفسدت برجلها ضمن، وما تلف منه في يده بآتٍ من الله أو من العباد فلا عليه فيه، ولزمه أن يغرم من أتلفه.
فصل
إن حلّ أجل الرهن وأراد المسلّط بيعه شاور فيه الراهن والمرتهن؛ فإن باعه بلا مشورتهما جاز له؛ وإن منعه الراهن منه منعه الحاكم من منعه؛ وإن أبى المسلّط من بيعه أجبره عليه إن استمسك به الراهن أو المرتهن عليه؛ وله أن يبيعه لكلّ من يبيع له ماله ولو أحدهما، فإن باعه للراهن فقبض منه الثمن فليقضه إن وافق ماله، وإن خالفه اشترى له مثله وقضاه فيه، إلاّ إن شرط له أن يقضي له فيه ما باع به ولو خالفه. وإن باعه للمرتهن أخذ منه الثمن أيضا؛ فإن وافق دينه قضاه له، وإلاّ اشترى له ما مرّ ولو (4/457)
صفحة 2042
من أحدهما ثمّ يقضيه له ويكونان كغيرهما في الردّ بالعيب والانفساخ اشترياه لأنفسهما أو لغيرهما. وقيل: الراهن لا يكون كغيره فيهما.
وإن وكّل المسلّط من يبيعه لم يجز بيعه؛ وكذا إن باعه أحد المسلّطين دون آخر، وجوّز إن أجازه. وإن جنّ أحدهما أو مات أو غاب فلا يبيعه الآخر، وهذا إن سلّطا على بيعه معا، وإلاّ فلكلّ منهما أن يبيعه لصاحبه أو لغيره أو يبيعاه معا؛ وإن باعه كلّ منهما لرجل على حدة بلا علم بآخر ثبت بيع الأوّل إن علم، وإلاّ وقف حتّى يعلم، وقيل: انفسخ والرهن بحاله.
وإن انفسخ بحلول الأجل أو صار سخريا لم يجز للمسلّط بيعه ولا أن يبيعه خيارًا وجاز إلى أجل، ويغرم ثمنه في الوقت. وإن باعه وردّه لنفسه بإقالة لزمه؛ وإن باعه وخرج بيعه منفسخ أو ربى فليردّه وهو في الرهن بحاله، وإن خرج فيه عيب؛ وإن ردّ عليه بالحكم ثبت فيه أيضا؛ وإن ردّ عليه بإقراره لزمه خاصّة، ولا يدرك الثمن على الراهن؛ وإن تلف قبل أن يردّه لصاحبه غرمه من نفسه ولا يرجع به عليه أيضا.
وإن احتاج الرهن إلى النفقة وغاب الراهن رفع المسلّط أمره إلى الحاكم، ويأمره بما بان له منها، ويكون دينا عليه متى ما جاء؛ وكذا كلّ ما يلزمه إذا غاب وفعله المسلّط فإنّه يرجع عليه به؛ وإن جنّ فهو في تسليطه إذا أفاق بعد، وقيل: خارج منه، وإن جنّ الراهن أو المرتهن فهو فيه أيضا، ولا يخرج منه إذا مات الراهن، وقيل: يخرج ويرجع إلى الورثة؛ وإن مات المسلّط رجع إلى صاحبه، وقيل: يسلّط الحاكم آخر.
وإن مات المرتهن أو ارتدّ هو أو الراهن أو المسلّط فهو في تسليطه، وقيل: يزال منه بارتداده، ولهما أن يتّفقا على نزعه منه لا بأحدهما فقط. وإن مات الراهن فورثه المسلّط أو مع غيره زال من التسليط، لا إن مات المرتهن فورثه أو بعضه، أو انتقل الدين أو بعضه إليه.
وإن تعدّد المسلّط ومات الراهن فورثه أحدهما فقد زال منه لا إن مات المرتهن فورثه؛ وإن ماتا فورثاهما معا فقد زالا منه. (4/458)
صفحة 2043
وعهدة الرهن على المسلّط فيما قيل؛ فإن كان عبدا مسلّطا بإذن سيّده فعهدته على سيّده، ومعناها قد ذكرته في النيل عن بعضهم.
وإن باع المسلّط الرهن دفع للمرتهن ماله بلا إذن الراهن، ودفع إليه الفضل إن كان فيه. والتسليط في بيع التسمية منه أو بعضه أو غلّته وفي الحطّ من ثمنه ومحاباته ومغرمه فكما مرّ في المرتهن؛ وإن غرم أحدهما قيمة ما أفسد فيه فهو مسلّط عليه كالأوّل.
فصل
إن استحقّ بعض الرهن فالباقي بحاله؛ وكذا إن تعدّد واستحقّ واحد منه، وبه قال الربيع وقال ابن [235] عبد العزيز: منفسخ، سواء في ذلك استحقّه المرتهن لنفسه أو لغيره أو غيره، ولا تصحّ فيه للراهن دعوى وإن لمن ولي عليه، أو أنَّه أمانة بيده.
وإن باعه المرتهن ثمّ استحقّه وإن لمن ولي أمره جاز، ويرجع عليه مشتريه بالثمن وهو على الراهن بدينه؛ وإن تلف فجاء من استحقّه في ذهابه فلا يشتغل به، وقيل: يدرك قيمته على المرتهن ويرجع هو على الراهن بما غرم وبدينه؛ وإن ادّعاه المرتهن بعد موته في يده ذهب ماله ولا دعوى له (271)؛ وإن أراد أن يصل إليه فليستمسك به أنَّ عليه كذا وكذا، فإن أقرّ له أدّاه، وإن جحد كلّفه الحاكم بيّنة، فإن أتى بها حكم على الراهن به، وإلاّ فليحلفه له ويأخذه من ماله خفية إن وجده؛ وإن قال له حين ادّعى عليه له: عليّ ذلك ولكن رهنت له فيه رهنا صار مدّعيا، فإن أقرّ به المرتهن برئ من دعوته، وإلاّ كلّف الحاكم الراهن بيّنة، فإن أقامها انقطعت الخصومة بينهما وثبت الرهن بيده، وإلاّ حلّفه ما رهن له شيئا؛ وإن أقرّ بالرهن وقال: إنّما رهن لي مالي، صار مدّعيا فيه، فإن أقرّ له بذلك فعليه ماله، وإلاّ كلّفه بيّنة، فإن أقامها ثبت له الشيء وأدرك ماله على الراهن، وإلاّ حلّفه له؛ وإن استحقّ الرهن (272) بشهادة (4/459)
صفحة 2044
عدول عندهما رجع على الراهن بدينه؛ وإن كانا (273) عدولا عنده لا عند الراهن رجع عليه بدينه عند الله لا في الحكم، ويأخذه من ماله خفية إن وجده، ويبرأ الراهن منه عند الله أيضا. وإن علم المرتهن أنَّه أخذ من ماله فليأخذ من ماله مثل ما أخذ خفية، وإن كانا عدولا عند الراهن لا عنده فعليه أن يعطي له دينه ولا يأخذه المرتهن ويتبع من استحقّ الشيء (274) به أو بقيمته إن تلف؛ وكذا إن كانا غير عدول عندهما برئ الراهن من دينه ولا يرجع عليه المرتهن بشيء عند الله.
وإن جعلا رهنا بيد المسلّط فاستحقّه هو أو المرتهن أو غيرهما جاز؛ وإن باعه وأخذ ثمنه فاستحقّ عند مشتريه فليردّ له ثمنه ويدرك المرتهن على الراهن ماله؛ فإن تلف الثمن من يد المسلّط فاستحقّ الشيء من يد مشتريه فإنّه يرجع عليه الثمن ويرجع به هو على الراهن، وقيل: لا يرجع عليه بشيء. وإن أعطى الثمن للمرتهن فاستحقّ الشيء من مشتريه فرجع عليه بالثمن فهو مخير في رجوعه على الراهن أو المرتهن؛ وإن اختار أحدهما فبدا له أن يرجع إلى الآخر جاز له؛ وكذا إن مات مختاره أو أفلس أو غاب فله أن يرجع على الآخر، وقيل: إن اختار أحدهما فلا يرجع على الآخر في تلك الوجوه.
ومن باع لرجل شيئا فشرط عليه حميلا فرهن له في الدين رهنا ثمّ استمسك بالحميل فلا يدركه عليه. وإن شرط عليه رهنا فأعطاه حميلا فاستمسك به إلى الرهن جاز له.
ومن أمر عبده أن يرهن نفسه في دينه ففعله ففي الجواز قولان. (4/460)
صفحة 2045
الباب الثامن والتسعون
في ذهاب الرهن
فقد اختلف فيه، فقيل: إذا ذهب فيما فيه من الدين ــ على ما مرّ ــ فليس على مرتهنه في الفضل شيء، وهو مؤتمن فيه، وإليه ذهب أبو عبيدة، وهو المعمول به، وقيل: يذهب من الدين ما يقابله ويضمن الفضل، وقيل: لا يذهب ماله بذهابه، ولا يضمن الفضل، ولا يدرك عليه لأنَّه أمين فيه، وقيل: يتحاصص الدين والفضل في ذهابه ولو بعضه، وقيل: يذهب بما فيه قلّ الرهن أو كثر؛ ومعنى ما روي «لا يغلق الرهن» أنَّه إذا كان أقلّ من الدين استوفى ثمنه ورجع على الراهن بالباقي منه، ومعنى «لصاحبه غنمه»: أي ربحه، وهو ما يفضل عن الدين، «وعليه غرمه»: يعني أنَّه إن كان أقلّ من الدين فإنّه يرجع عليه بباقيه، ومعنى كونه ذا إغلاق أنَّهما إذا استوت قيمتهما فذهب ذهب بما فيه.
وإن باعه المرتهن فليستوف منه رأس ماله ولا له ولا عليه؛ وإن شرط على الراهن أن لا يذهب ماله بذهابه، أو إلاّ تسمية منه، أو إن ذهب فلا يذهب بماله، أو أن يزيد له رهنا آخر في دينه جاز، لا إن شرط الراهن ضمان الفضل، أو اشترط عليه أن يضمن أكثر من قيمته، أو شرط عليه الراهن أن يبدّل له رهنا آخر، أو المرتهن مثل ذلك، أو شرط عليه [236] الراهن أن يأخذ رهنه متى أراد، أو المرتهن أن يردّه له كذلك.
وإن رهن له هذا إلى أجل كذا فيكون الآخر رهنا معه إلى وقت معلوم جاز، وكذا إن رهنه إلى كذا فيخرج من الرهن ويكون الآخر في مكانه. (4/461)
صفحة 2046
فصل
إن ذهب الرهن بالراهن أو بماله أو طفله أو بمن استخلف هو عليه أو بماله فليغرمه المرتهن قيمته فتكون رهنا بيده إلى أجله؛ وإن لم يغرمه فيها حتّى دفع له رأس ماله، أو بان لهما أنّ أصل الدين لم يكن، أو منفسخ، أو لم يصحّ أصل الرهن فلا يدرك عليه شيئا بعد.
وإن غرم له قيمته فبان له ذلك فليردّ له ماله، وإن أفسده المرتهن ــ وإن بماله أو بأولاده الصغار وإن بلا أمره ــ ضمنه ويغرم قيمته، فتكون رهنا بيده، وليس عليه أكثر من قيمة عبده إن أفسده، أو كان (275) أكثر من دينه عند من لا يضمنه الفضل.
وإن أفسده أجنبي غرمه المرتهن قيمته فتكون رهنا بيده والراهن قيمته أيضا، ويأخذها منه المرتهن أيضا رهنا في الدين الأوّل، وورثتهما بمقامهما في الغرم، وكذا خليفتهما إن جنى؛ وإن لم يغرمه أحدهما حتّى غرم له الراهن ماله، أو أبرأه منه، أو فسد أصله فإنّ أحدهما يدرك على الأجنبي ما أفسد فيه؛ فإن غرمه المرتهن فليدفع ما غرم منه للراهن؛ وإن كان ما أفسده مكيلا أو موزونا فإنّما يغرماه مثله؛ وإن كان غيرهما فليغرماه قيمته؛ وإن لم يجدا ما ذكر فليأخذا ما قضى لهما فيه (276) ولو خلاف مالهما عليه ثمّ يكون رهنا في الدين؛ ولا يشتروا من ثمنه مثل الرهن الأوّل؛ وكذا إن أفسده الراهن يدرك عليه المرتهن مثل ما يدركه على الأجنبي؛ وإن لم يغرم له إلاّ أقلّ من الرهن ذهب ما بقي منه من مال المرتهن.
وإن أفسد هو الرهن وكان مثل دينه أو أكثر فاستمسك به الراهن أن يغرمه فإن كان قدر الدين فلا يدرك عليه شيئا، وإن كان أكثر منه فليغرمه الفضل، فإن استمسك به الراهن أن يغرمه قيمة الرهن فقال له: اعطني ديني أوّلا فأغرم لك قيمة رهنك، أو الراهن: اغرم لي قيمته أوّلا فاغرم لك دينك، فالمدّعي منهما من قال لصاحبه: اغرم لي أوّلا مالي فأغرم لك مالك، وهذا عند من يقول لا يذهب الرهن بما (4/462)
صفحة 2047
فيه؛ فإن أفسده الأجنبي فأبرأه الراهن من الغرم فأراد المرتهن أن يغرمه أو أبرأه هو لا الراهن فإنّما ينظر في إبرائه عند من يقول إنّه ذهب (277)، إلاّ إن كان فيه فضل فيصير إبراؤه للراهن.
وإن أفسده أو أخذه فقال له المرتهن: أغرم لي قيمته أو ردّه لي، فقال له: خذ مالك، فالقول قوله إن حلّ أجل الدين، وإلاّ فقول المرتهن. وإن أفسده طفله أو من ولي أمره فليغرمه الراهن ذلك ويكون في الرهن؛ وكذا إن أفسده طفله أو من ولي عليه فإنَّ المرتهن يغرمه (278) ذلك كذلك.
وإن أفسده من استخلف عليه المرتهن ــ وإن بماله ــ فلا يأخذ ذلك منه بنفسه، ولكن يستمسك بعشيرته فيستخلفون له من يستمسك به؛ فإن قامت عليه بيّنة أنَّه أفسده هو أو ماله غرمه قيمة ما أفسده.
وإن أخذ المقارض رهنا في مال القراض فأفسده هو أو صاحبه فقد ذهب بما فيه، وضمن الفضل إن كان فيه ويضمن لصاحب المال رأس ماله ومنابه من الربح إن كان هو المفسد للرهن. وإن أفسده ربّ المال فكان فيه الربح ضمن للمقارض منابه منه إن كان فيه، وإلاّ فلا؛ عليه وكذا إن أخذ المأذون له في التجر رهنا فأفسده هو أو ربّه أو ماله ذهب بما فيه؛ وإن اتّجر بمال غيره فأفسد ذلك أحدهما ضمناه؛ وإن أخذه أحد المتفاوضين فأفسده أحدهما ذهب بما فيه، وذلك كلّه إن لم يشترط ما مرّ أوّلا.
فصل
من رهن لرجل عبدا في حقه فقتله فهو لورثته؛ فإن أرادوا قتله فيه قتلوه وذهب حقّهم به؛ وإن أرادوا بيعه باعوه وأخذوا ثمنه، ولو أنّ قيمته أكثر من دين موروثهم؛ فإن عفوا عن قتله فليبيعوه أو يمسكوه؛ وإن باعوه ولم يعفوا عنه فلهم أن يقتلوه؛ فإن قتلوه غرموا قيمته لمشتريه إن لم يعلم أنَّه جان، وقيل: لا يجوز لهم قتله؛ وكذا إن أعتقوه من الرقّ والقتل لا يجوز لهم قتله؛ فإن قتلوه قتلوا به؛ وإن أعتقوه فلهم (4/463)
صفحة 2048
أن يقتلوه في موروثهم؛ وإن أعطوه للراهن جاز؛ وإن قال لهم: خذوا ما رهن فيه ودية موروثكم فردّوه لي، فلا يشتغلوا به إن أبوا؛ وكذا إن أراد أن يفديه بالدين أو بالدية، فقالوا له: أفده بهما معا، فالقول قولهم؛ فإن أرادوا فداءه أفداه، وإلاّ فلا يجبر عليه؛ وإن استعفوا بذلك فلا ينفسخ، وقد خرج من الرهن حين قتله، ولا يدرك فيه الغرماء شيئا.
وكذا إن قتله خطأ يصير لهم كذلك إلاّ في القتل؛ وإن جرحه جرحا يحيط بقيمته ولو خطأ، فقيل: هو له بجرحه وذهب ماله، وقيل: هو في الرهن بحاله ولا يدرك الأرش؛ وإن كان الجرح أقلّ من قيمته ومن قيمة الرهن ثبت فيما بقي من الدين، فإذا حلّ أجله استوفى منه أرشه وما بقي له من دينه. وإن انتفع به كذلك انفسخ. وإن أفسد الرهن في مال المرتهن، فإن كان الفساد قدر الدين أو قيمة الرهن باعه واستوفى الفساد وذهب الدين، وإن كان الفساد قدر قيمة الرهن كالعبد مثلاً أو أقلّ من الدين ذهب منه ما يقابل رقبته ويتبعه بالباقي ويبيع العبد ويستوفي من ثمنه ما فضل عنه، وإن كان الفساد أكثر من الدين وأقلّ من قيمة العبد ذهب ماله ويستوفي من ثمن العبد الفساد، وله بيعه بلا إذن الراهن وبلا نظر إلى أجل بيع الرهن لانفساخه؛ فإن انتفع به فلا يرجع للراهن وهو أحقّ به من الغرماء؛ وإن أراد أن يفديه بجنايته كلّها والمرتهن بيعه قبل قول الراهن.
وإن قتل ولي المرتهن فله قتله به ويذهب ماله أو بيعه واستيفاءه من ثمنه على ما مرّ إن قتله هو؛ وإن كان معه أولياء غيره واستووا في الجناية كان العبد بينهم وذهب دينه إن قتل؛ وإن قتل الراهن ذهب أيضا ورجع العبد لورثة الراهن فإن شاءوا (279) قتلوه به أو أمسكوه.
وإن أراد المرتهن أن يفديه بقيمته فأبوا إلاّ بدية موروثهم فلهم ذلك؛ فإن أفداه بها وباعه فليستوف من ثمنه ما أدَّى (280) منها إن وجده فيه، وإلاّ فلا يدرك عليهم أكثر من ثمنه لغيره. وإن باعه بأكثر من الديّة فليس ذلك الأكثر لهم، ولا يقضيه في دينه لأنَّه ذهب به أوّلا بجنايته، وكذا إن قتل الراهن خطأ إلاّ في القتل كما مرّ، وكذا (4/464)
صفحة 2049
إن جرحه ولو خطأ فعلى ما مرّ في المرتهن، أو أفسد في ماله أكثر من الدين فقد انفسخ الرهن، وللمرتهن أن يفديه بأرش الجناية؛ وإن كانت أقلّ من دينه ثبت في باقيه.
وكذا إن قتل وليّ الراهن؛ وإن قتل أجنبيا فلوارثه قتله به وذهب دين المرتهن؛ وكذا إن قتله خطأ فهو لوارثه أيضا كما مرّ؛ وكذا إن جرحه جرحا يحيط بثمنه فإنّه يذهب دين المرتهن ويكون بيده ويغرمه الجريح أرشه إن شاء، وله أن يغرم الراهن، فإن غرمه ما يقابل ما عليه من الدين أو أكثر رجع إليه رهنه، وقيل: يكون العبد بيد الجريح، فله أن يبيعه أو يمسكه؛ وإن أراد أحدهما أن يفديه بجنايته جاز له؛ فإن أفداه الراهن ذهب مال المرتهن؛ وإن أفداه هو ذهب في يده ويبيعه متى أراد ويستوفي منه ما أفداه به، وذهب ما رهن فيه، ولا ينفسخ إن انتفع به لخروجه من الرهن. وقيل: إن أفداه صار رهنا بيده في الدين الأوّل على شروطه الأولى؛ وإن قال للمرتهن: أفد رهني من الأجنبي، فأبى فلا يجبر عليه. وكذا المرتهن إن قال له، وأبى فإن أفداه ومات بيده أو تلف ذهب ماله ولا يدرك على الراهن فداءه؛ وإن بان لهما أنّ أصل الرهن فاسد فلا يذهب ماله ويرجع به على الراهن وبما أفداه.
وإن أفسد العبد مالا أكثر من قيمته فمن أراد منهما أن يفديه لم يلزمه أكثر من رقبته؛ فإن أفداه الراهن والدين مثل قيمته أو أقلّ منها ذهب مال المرتهن ورجع العبد إلى الراهن؛ وإن كان أكثر منها صار رهنا ثانيا فيما زاد من الدين على قيمته فإن باعه استوفى ما زاد منه عليها؛ وإن أفداه المرتهن صار رهنا بيده، فإذا حلّ الأجل باعه واستوفى الأكثر ممّا أفداه به أو من الدين. وإن [238] أفداه كلّ منهما بلا علم بصاحبه استوفى السابق منهما ما أفداه به ورجع الآخر بماله على من أعطاه له إن علم السابق، وإلاّ وقف بينهما حتّى يعلم، ولا ينصت لمدّعي السبق منهما إلاّ ببيّنة. وكذا إن مات ربّ المال الذي أفسده العبد فورثه أحدهما أو ترك له الفساد صار ذلك كالفداء. (4/465)
صفحة 2050
وإن أفسد برجال لكلّ منهم قدر رقبته فإنّهم يتحاصصون فيها؛ وإن تسابقوا إليه أخذه السابق؛ وإن استمسك به آخرون في أموالهم بعد ما ادّعى عليه الأوّلون نظر إلى حكم الحاكم. وكذا غير العبد من الحيوان غير أنَّه لا يلزم فيه أكثر من رقبته ولزم في غيره جميع ما أفسد.
وإن أمرا العبد بقتل رجل ــ معا أو مفترقين ــ فقتله قتل به الراهن والعبد وذهب مال المرتهن. وإن أمراه بإفساد مال فأفسده ذهب مال المرتهن وضمن الراهن الفساد؛ وإن أمره هو به لزمه من ماله خاصّة، ولا يلحق المرتهن شيء؛ وإن كان هو الآمر له به لزمه ذلك أيضا، ولا يدرك على الراهن شيئا.
وإن كان الرهن بيد المسلّط فأفسد في مال أو نفس فإن رهن في يد المرتهن ثمّ ردّه بيده فهو كالذي بيد المرتهن؛ وإن رهن ابتداء بيد المسلّط فلا على المرتهن شيء؛ وإن ذهب الرهن في يده فبان أنّ الدين لم يصحّ أو أنّ الرهن حرام أو لقطة أو أمانة بيد الراهن رجع عليه المرتهن بماله وضمن قيمة الشيء لربّه، ويرجع بها على الراهن إن غرمه ربّه؛ وإن لم يعرف ربّه أنفق ثمنه.
وإن رهن له نبيذا حلالا فانقلب محرّما ذهب ماله. وإن رهن له خلا حين جعله في قلّة فكان بيده حتّى جاز عليه وقته الذي ينجس فيه ثمّ طهر فلا يضمن ذلك.
وإن تلف الرهن من يده ــ وإن بغيره ــ ممّن له عليه غرمه فقال له الراهن: خذ دينك واعطني قيمته فله ذلك عليه؛ وإن تلف من قبل الله ذهب بما فيه ولا يدرك عليه شيئا.
ومن بيده رهان لرجل في دين أو ديون فرهنت بصفقة أو أكثر فأفسد بعضها في بعض، فما فسد منها ذهب من ماله والباقي رهن فيما رهن فيه أوّلا إن عيّن له عدد ما رهن فيه كلّ منهما، وإلاّ صار رهنا في قيمته؛ وكذا إن تلف بعضه من الله أو كانت الرهان لرجال فأفسد بعضها في بعض، أو فسد من قبل الله إن اشتركوا في الدين والرهن سواء، وإن تفاضلوا تراددوا فيما بينهم؛ وإن بان ما رهن لكلّ وحده فأفسد بعضها ذهب من مال المرتهن ما تلف من الرهن، فإن كان المفسد أكثر ممّا رهن (4/466)
صفحة 2051
فيه رجع صاحبه بالزائد عليه على من شاء من الراهن أو المرتهن، وإن كان المفسد أقلّ ممّا رهن فيه ذهب عن الراهن قيمته ويأخذ منه المرتهن باقي دينه عليه (281).
وإن رهن له ناقتين فولدتا معا وكانت قيمة كلّ من الولدين كقيمة أمّه ثمّ تلفتا وقيمتهما كالدين ذهب مال المرتهن ورجع الولدان إلى الراهن؛ وإن كان أكثر من قيمتهما صار الولدان رهنا في الباقي منه؛ وإن تلفا ذهب مال المرتهن؛ وكذا إن ماتت الناقتان وقيمتهما كالدين أو أكثر منه؛ وإن كانت قيمة الولدين أقلّ منه صارت الناقتان رهنا في باقيه.
وإن رهن له حاملا فولدت، فقيل: الولد رهن كأمّه، وقيل: لا يكون كأمّه. وكذا كلّ حامل من الحيوانات الجائز رهنها.
وإن رهن له شجرة عليها غلّة لم تدرك وأدركت فهي رهن مثلها؛ وإن حدثت بعد الرهن صارت رهنا أيضا؛ وكذا جميع ما تكون له غلّة من حيوان أو غيره فمن قال: إنّ النمو والغلاّت رهن فهما مثله في الذهاب والانفساخ والاستيفاء، ومن قال: ليس برهن صار ممنوعا من الراهن ولا يذهب أيضا من مال المرتهن، وقيل (282) كلّ ما حدث من ذلك فلا يكون رهنا ولا ممنوعا من الراهن أيضا. وإن رهن له بيضا قبل
أن يتفرّخ ثمّ تفرّخ عنده لم يذهب مال المرتهن بذلك.
وإن رهن له صيدا فحمله فدخل به الحرم فالوقف فيه, وقد مرّ.
فصل
إن رهن لأحد زرع فحصده ودرسه ودراه، فما ذهب منه من تبن ذهب من [239] ماله ما له قيمة. وكذا إن رهن له غلّة شجر فما ذهب من ورقه وجريد النخل والعراجين والتمر ممّا له قيمة ذهب من ماله قدره. وإن رهن له عين ماء فساح ماؤها إلى السباخ والفحص فلا يذهب من ماله قيمة مائها؛ وكذا ما انتفع به النّاس (4/467)
صفحة 2052
منه؛ وإن غارت العين كالبئر ذهب منه قيمة ما انتقص من مائها وثبت في الرهن ما بقي منه إن بقي.
وإن رهن له جبّا وما فيه من ماء فانتفع به هو أو غيره انفسخ وذهب من ماله ما انتفع به هو أو غيره، وقيل: لا يذهب منه شيء لأنّ رهن الجبّ والبئر لا يجوز كالجاري.
وإن رهنت له دارٌ أو بيتا أو شجرة فانهدمت أو وقعت الشجرة ذهب ماله، إلاّ ما كان من قيمة النقض أو ثمن الخشب. وإن بنى الدار أو غرس الشجرة في المكان الأوّل صارت رهنا في الدين الأوّل ولا يدرك عناءه إلاّ إن كان له النقض أو الغرس فيأخذ قيمته، وقيل: يدرك عناءه في بناء الدار.
وإن رهن له عبد فعمي أو جنّ ذهب من ماله قدر ذلك، وإن أفاق أو رجع عليه بصره فلا يذهب منه شيء. وإن رهن له عبد أعرج أو معتلّ فضربه فبرئ من علّته ذهب منه قدر أرش الضربة. وإن رهن له عبدا فختناه ذهب من ماله قيمته ولو زادت بذلك، وقيل: لا، إلاّ ما بين القيمتين. وكذا الشجرة إن ضربها البرق فصارت قيمتها أكثر من الأولى.
وإن رهن له عبدا فبان له أنَّه قد جعل عند الراهن ما يتلف فيه نفسه أو دونها فأقيم عليه فلا يذهب من ماله شيء من ذلك (283)؛ وإن جنى في يده فأقيم عليه الحدّ في يده ذهب من ماله، وإن أفداه منه الراهن قبل أن يقام عليه ما فعل عند المرتهن وقد علم بذلك وأقيم عليه بعد ما رجع إلى الراهن صار ذلك من ماله؛ وإن لم يعلم بما جنى العبد في يد المرتهن فأفداه وأقيم عليه الحدّ في يده ففيه قولان.
وإن رهن له ما أشرف على هلاك وقد علم بذلك فتلف ذهب من ماله حين علم؛ وإن لم يعلم فليرجع عليه بماله، وكذا المائل، وإنّما يقدم في صرف الضرّ إلى الراهن دون المرتهن؛ وإن نزعه الراهن فلا يضرّ المرتهن.
وإن كان الرهن منتقلا كحيوان ولو عبدا فإنّه يتقدّم إلى صرف ما أضرّ به إلى كلّ منهما، ويدرك صرف ما أحدث عليه، ولا يجوز لكلّ منهما الإذن لمن يحدثه عليه. (4/468)
صفحة 2053
ومن رهن لرجل أرضا بيضاء وفيها سعلفات (284) النوى فإنّها لا تدخل في الرهن ولا تذهب من ماله إن ذهبت.
وإن رهن له أشجارا ولها وديات دخلت فيه إن لم تثمر، وذهب ما قابلها إن ذهبت لا إن أثمرت.
وإن رهن له حطبا فحرق فصار فحما وقيمته أكثر منه، فقيل: ذهب ماله، وقيل: لا، إلاّ ما بين قيمتهما. وكذا إن رهن له حجارة فحرقت فصارت جيرا أو جصّا فزادت قيمتها، أو أحرق أحجارا وعمل منها قدرا.
وإن رهن له شيئا فخرج معيبا فلا يجد ردّه على الراهن، فإن باعه فليقض منه دينه؛ وإن بقي له منه شيء فليرجع به عليه؛ وإن أراد الراهن أن يفديه فلا يجده إلاّ إن أعطى ما رهن فيه؛ فإن ذهب ذهب بقيمته معيبا؛ وإن حدث العيب فيه عنده فما أنقصه فمن ماله.
وإن رهن له ما يسوى عشرة دنانير في عشرة فزادت قيمته أو نقصت، فأراد أن يفديه منه فداه بما رهن فيه؛ وإن ذهب ذهب بقيمته يوم ذهابه ولا يضمن ما زادت على ما رهن فيه.
وكذا إن رهن له ناقة تسوى ذلك فمرضت حتّى لا تسوى إلاّ دينارا فقد ذهبت من ماله بقيمتها يوم ذهابها، وقيل: يوم رهنت له.
وإن رهن له صوفا أو قطنا فعمل منه ثيابا ثبتت في الرهن، ولا عناء له كما مرّ؛ وإن تلفت ذهب بقيمتها يوم ذهابها إلاّ إن كانت قيمته غير معمول أكثر منها معمولا فقد ذهب من ماله أكثر من القيمتين.
وكذا إن رهن له ذهبا أو فضّة فصاغه حليّا أو حليّا فكسره فعمل دنانير فتلفت ذهب من ماله أكثر القيمتين؛ وإن رهن له حليّا فكسره ذهب منه أيضا ما بين القيمتين. وكذا إن رهن له دنانير فكسرها. وإن كانت دراهم فكسرها فلا يذهب من ماله شيء إلاّ إن ذهب منها شيء. وكذا إن كان الرهن شققا فقطعها فخاطها (4/469)
صفحة 2054
قميصا. وإن رهن له محلّى كسيف أو سرج أو لجام فزال منه الحلي ذهب من ماله ما بين قيمته محلّى وغير محلّى.
وإن رهن له برّا أو شعيرا فطحنه وعجنه وخبزه خبزا فذهب ضمن أكثر القيمتين. وإن رهن له زبدا فإذا به سمنا أو زيتونا فطحنه وعصره زيتا فذهب فكذلك.
وإن رهن له جملا منحورا فجزره لحما فلا يذهب من ماله إلاّ إن تلف بعض اللّحم. وإن رهن له [240] برّا فحرثه انفسخ وصار الزرع للراهن، وإن شاء غرمه برّه.
وإن رهن له مصباحا مع ما فيه من زيت وفتيلة فأوقده حتّى أكلتهما النّار ذهب من ماله قدر ذلك. وإن رهنه له وقت وقوده أو حطبا وقت توقده لم يجز، وقيل: يجوز ولا يذهب من ماله ما احترق بعد عقد الرهن.
وإن رهن له ذهبا أو فضّة أو حديدا أو فخارا فجعله في النّار، فإن أذهبت منه شيئا أو انكسر ذهب من ماله قدره.
ومن اشترى أرضا فغرسها بغروسه أو غروسا فغرسها بأرضه (285) فرهن ذلك في دين عليه فانفسخ شراؤه، أو خرج ما انفسخ الرهن ورجع بماله على الراهن، وقيل: ينفسخ ما بان أنَّه لم يصحّ ويبقى ما صحّ في الرهن. (4/470)
صفحة 2055
الباب التاسع والتسعون
في الدعاوي في الرهن
فمن ادَّعى على أحد كذا وكذا دينا فأقرّ به حكم عليه الحاكم به؛ فإن أنكره كلّف المدَّعي بيّنة فإن أقامها حكم عليه بالدين، وإلاّ حلفه له؛ وإن أقرّ بالمال فادَّعى أنَّه رهن له شيئا، فإن أقرّ به المدَّعي ثبت الدين والرهن معا؛ وإن أنكر كلّف مدَّعي الرهن بيّنة، فإن أقامها ثبت له الرهن، وإلاّ حلف المنكر: ما رهن عنده شيئا، وحكم له بدينه فيأخذه.
وإن قال: هذا ما رهنت لي، والراهن: ليس برهني، قبل قول المرتهن والراهن مدَّع؛ وإن اتّفقا عليه واختلفا في قبضه قبل قول من قال: إنَّه مقبوض وغيره مدَّع. وكذا إن اختلفا في وقوعه فقال أحدهما: قبل وجوب الدين والآخر: بعده، قبل قوله. وإن قال المرتهن: رهنته لك قبل أن أملكه فكذبه، أو رهنته لك حال جنوني أو صغري أو كما لا يجوز الرهن أو شرطت عليك (286) أن تردّه إليّ متى شئت فكذّبه المرتهن قبل قوله. وإن قال له رهنته لي كما يجوز لك أو كما لا يجوز فكذّبه الراهن قبل قوله والمرتهن مدَّع؛ وإن اتّفقا على عقد الدين فقال له: رهنت لك هذا الشيء في دينك كلّه فكذّبه وقال: إنّما رهنته لي في بعضه، قبل قول المرتهن.
وإن اتّفقا على الدين والرهن وقال له: رهنت لي هذين معًا، والراهن: ما رهنت لك إلاّ هذا، فالقول قوله؛ وإن قال أحدهما لصاحبه: لم نعيّن واحدا منهما، وقال له: عينّاه وهذا هو واشتبه علي، فمدَّعي التعيين مدَّع. وإن قال أحدهما للآخر إنّما وقع الرهن في تسمية من ذلك الشيء، والآخر فيه كلّه، فإن كان ممّا لا يجوز فيه رهنها قبل قول مدَّع الكلّ، وإلاّ فمدَّعيها.
وما عرف ليتيم فبلغ فادَّعى خليفته أنّ موروثه رهنه له، أو خليفته قبله فكذّبه في ذلك فالخليفة مدَّع. وكذا إن ادَّعى الخليفة أنَّه رهن بيده لطفله أو ليتيم قد بلغ وهو (4/471)
صفحة 2056
خليفته الأوّل، قبل قوله فيه؛ وإن عرف في يد رجل لغيره فجاءه ربّه فطلبه فيه فقال له: رهنته لي في دين عليك أو أمرتني أن أرهنه فيما علي، فكذّبه ربّه في ذلك قبل قوله فيه. وإن قال له ربّه: هو رهن في يدك فيما لك عليّ، وقال له هو: أمانة أو إقراض (287) أو غصب، فربّه مدَّع. وإن قال له من كان في يده: اشتريته منك أو أعطيتنيه، أو قالت امرأة: أخذته منك في صداقي، فقال ربّه: إنَّه رهن، قبل قوله فيه. وكذا إن ادَّعى هو انتقاله من ملكه إلى من كان بيده فقال هو: إنَّه عندي رهن لك، فربّه مدَّع.
ومن له على رجل ديون فرهن له رهنا في بعضها لا بعينه لم يجز كما مرّ؛ وجاز إن عيّن. وإن رهن له في معيّن منها فأخذ منه حميلا أيضا فقد رهنه أو انفسخ فاختلفوا فقال له الراهن: إنّما رهن فيما لم يحمل الحميل، فقال هو: إنّما رهن فيما حملته وكذَّبهما المرتهن فالحميل مدَّعٍ؛ وكذا إن رهن له في كلِّ من الديون رهنا وأخذ منه فيها حميلاً أيضا فأعطاه الراهن واحدا منها فادَّعى كلٌّ من الحملاء أنَّه الذي تحمَّل به وكذَّبهم المرتهن فهم مدَّعون؛ وكذا إن ذهب واحدا من الرهان فادَّعى كلٌّ من الحملاء أنَّه هو الذي رهن فيما تحمَّل به، قبل قول من صدَّقه المرتهن منهم، وقيل: إذا أقرَّ أنَّه قبض واحدًا من الديون انفسخت الرهان كلُّها؛ وإن اتَّفقا على القبض واختلفا فيما قبضه منها قبل قوله، وقيل: هو فيما يقابل منها بمحاصصة.
وإن اتفقا على الرهن فقال أحدهما: إنَّه سخري، ونفاه الآخر وادَّعى أنَّه مؤجَّل فمدَّعي الأجل هو المدَّعي؛ وكذا إن اتَّفقا [241] عليه فقال أحدهما: قد حلَّ، ونفاه الآخر، قُبل قول مدَّعي الحلول؛ وإن اتفقا أنَّه سنة فقال أحدهما قد تمَّت، والآخر: أنَّها لم تتم، فمدَّعي التمام مدَّعٍ، وقبُل قول نافيه، إلاَّ إن قال: بقي منها كذا، فيكون مدَّعيًّا.
وإن اتفقا على الرهن واختلفا في وقت وقوعه، فقال المرتهن: إنَّه رمضان، وعندي حدث النماء والغلاَّت (288) والراهن: أنَّه ذو الحجة وعندي حدث ذلك، فالمرتهن مدَّع؛ وإن تلف ذلك، فقال الراهن: تلف من يدك بعد ما رهنته لك، (4/472)
صفحة 2057
والمرتهن: قبل أن ترهنه لي، قبل قوله والراهن مدَّع. وكذا غلات الأرض والشجر ــ وإن اختلفا ــ وفي دعوة أحدهما ما ينفعه حالاًّ أو قبْلا أو بعدا فهو المدَّعي، فإن بيَّن ثبتت دعوته؛ وإن رهن له متفاضلين قيمة في ديون فتلفا ثمَّ اختلفا، فقال المرتهن: إنما رهنت لي الأكثر قيمة في أقلَّ من الديون والأقلُّ قيمة في أكترها فأنكره الراهن فليبيِّن؛ وكذا إن رهن له شيئا فقال: إنَّه في عشرين دينارا، والمرتهن: إنَّه في عشرة، قبل قوله.
وإن اختلفا فيما رهن فيه، فقال أحدهما: إنمَّا هو في مسكَّك، أو اختلفا في المسكَّك، أو فيما بين الدنانير والدراهم، أو فيما بين الصامت والحبوب، أو فيما بينها، أو في مكيل أو موزون وغيره ممَّا يجوز فيه الرهن قبل قول المنكر منهما، وعلى المدَّعي أن يبيِّن، فاذا بيَّن ثبت دعواه؛ وإن ادَّعيا معًا بيَّنا معًا، فإن بيَّن كلٌّ منهما انفسخ الرهن، وقيل: يكون الشيء بينهما أنصافا؛ وإن بيَّن أحدهما فقط ثبت دعواه.
وإن كان الشيء في يد رجلين فادعى كل منهما أنَّه رهن بيده دون صاحبه، فلا يقعد أحدهما فيه للآخر؛ فإن نسباه إلى رجل فادَّعى كلٌّ أنَّه رهن بيده منه، قبل قول الرجل وهو لمن أثبته منهما، والآخر فيه مدَّع؛ وإن جحده عليهما صارا مدَّعيين فعليهما بيِّنة، فإن أقاماها ثبت أنَّه رهن في أيديهما، وإلا حلفاه؛ وإن أقامها أحدهما كان أولى به، وإن صدَّقهما معًا كان رهنا عندهما؛ وإن قال: رهنته لأحدكما ولم أدره، أو اشتبه عليَّ، فلا شيء في ذلك؛ وإن نسبه كلٌّ منهما (289) إلى معلوم صار أقعد فيه ورجعت الخصومة بين المرتهن وبين اللذين نسباه إليهما؛ فإن كان في أيديهما معًا فادَّعى كلٌّ منهما أنَّه ارتهنه من صاحبه كان كلٌّ مدَّعيا فيه؛ وكذا إن ادَّعى كلٌّ أنَّه رهنه لصاحبه فيما له عليه.
ومن عليه لرجلين دين فادَّعى كلٌّ منهما أنَّه رهن له رهنا في منابه منه، وقال لهما: إنَّما رهنت لكما واحدا، فهما مدَّعيين. (4/473)
صفحة 2058
ومن أمر رجلا أن يرهن بعض ماله فيما عليه، فرهن فمات آمره فاختلف هو والورثة فقالوا: رهنته بعد موته، وقال إنَّما رهنه في حياته، قبل قول من صدَّقه المرتهن، وقيل: قول المأمور.
وكذا إن جنَّ فاختلف مع خليفته في ذلك؛ وكذا إن مات المأمور أو جنَّ فاختلف الآمر مع خليفته أو ورثته، فقال: رهنته بعد ما مات أو جنَّ، وقالوا له (290): إنَّما رهنه هو في حياته أو صحَّة عقله، فربُّ الشيء مدَّعٍ وكذا ورثة كلٍّ أو خليفته.
وإن اتفق الراهن والمرتهن على الرهن، فقال له الراهن: انفسخ بحلول الأجل أو بفعلك، فكذَّبه المرتهن، قبل قوله.
وإن تلف الرهن أو بعضه، فقال له اشترطت عليك أن لا يذهب مالي بذهابه، وأن يكون بيدي إلخ حقِّي، وكذَّبه الراهن، فالمرتهن مدَّع؛ وإن تلف واختلفا فقال المرتهن: قد انفسخ ورددته لك فتلف ديني والفضل أيضًا (291)، وقال له الراهن: بل بعته وأكلته، أو أفسدته، قبل قول المرتهن. وإن باع قبل الأجل أو بعده فقال له الراهن: بعته حيث لا يجوز لك بيعه، فقال له: اشترطت عليك وقت ما شئت أبيع، فالقول قول الراهن في ذلك؛ وكذا إن باعه بغير الصامت فقال له الراهن لا يجوز بيعك، والمرتهن: اشترطت عليك أن أبيع بما شئت فالمرتهن مدَّع؛ وكذا إن باع بدين.
وإن حلَّ الأجل فقضاه المرتهن في دينه أو أمسكه فيه وقال للراهن: اشترطت عليك ذلك، وكذَّبه الراهن فالمرتهن مدَّع؛ وإن باع الرهن فاختلفا، فقال له الراهن: حابيت فيه وبعته بأقلَّ [242] من ثمنه فكذَّبه المرتهن، قبل قوله؛ وإن قال له: بعت الرهن ورجع عليَّ بعيب أو بحكومة، فهو مدَّع؛ وإن قال: إنما رجع عليَّ بانفساخ أو بعيب، وقال له الراهن رددته بإقالة، فالمرتهن مدَّع في ذلك. وإن باع الرهن فتلف الثمن وقد شرط أولا أن لا يذهب ماله فاختلفا، فقال: ذهب قبل أن أقضيه فيه، وقال الراهن: بعده، فالراهن مدَّعٍ.
وإن تلف الرهن في يد المسلّط فقال الراهن للمرتهن: رهنته في يدك فسلَّطته أنت عليه فقد ذهب من مالك، وقال له المرتهن: إنَّما رهنته أنت في يده فهو من مالك، (4/474)
صفحة 2059
قبل قول المرتهن أيضا؛ وإن اختلف هو والمسلّط في ذهابه، قبل قول المسلّط؛ وإن اختلفوا فيما يبيعه به، قبل قوله أيضا، ولا تقبل بيّنة الراهن في ذلك لأنَّها تهاتر؛ وإن باعه المسلّط فأخذ الثمن فادَّعى تلفه من يده، وادَّعيا عليه أنَّه خانهما فيه، قبل قوله أيضا؛ وإن ادَّعى دفعه للمرتهن أو الفضل إلى الراهن فكذَّباه فهو مدَّعٍ، وقيل: القول قوله. وإن تلف الرهن من يده فادَّعى عليه أحدهما أنَّه ضيَّعه أو تسبَّب له أو كلاهما فكذَّبهما، قبل قوله أيضا، وفي الدَّعوى عليه في المحاباة في بيعه وفي الغبن والردِّ بالعيب بإقراره وبالإقالة ما مرَّ في المرتهن.
وإن قال للراهن: رهنته لي في كذا، فقال له هو: رهنته لك في غيره، فكلاهما مدَّع، فإن أقام كلٌّ منهما بيِّنة على دعواه فهو رهن في ذلك، وإن وجدها واحد فقط ثبت أنَّها رهن في مدَّعاه، ويحلِّفه الآخر على مدَّعاه، فإن نكلا أجبر عليه؛ وإن لم يجدا معًا بيِّنة تحالفا وانفسخ الرهن؛ وإن قال الراهن: رهنت لك هذا في دينك وادَّعى المرتهن غيره، فإن بيَّنا معا أو أحدهما أو لا واحد منهما فعلى ما مرَّ؛ وكذا إن رهن له رهانا مفترقة في ديون فاختلفا فيما وقع عليه كلٌّ من الرهان، فقال له الراهن: رهنت لك هذا في كذا، والآخر: في الآخر، فكذَّبه المرتهن فعلى ما مرَّ أيضا.
ومن له على رجل ديون فاختلفا في الرهن، فقال له: رهنت لك هذا فيها كلِّها، وقال له المرتهن: رهنت لي هذين في واحد، فإن بيَّنا معًا قبلت بيِّنتهما؛ وإن بيَّن واحد فقط فالقول قوله أيضا؛ وإن لم يبيِّنا معا تحالفا وبطل الرهن. (4/475)
صفحة 2060
الباب المائة
في الشهادة في الرهن
وإنَّما تجوز فيه من أمينين أو من أمين وأمينتين ممَّن تجوز شهادته في الأحكام، لا من أب لابنه، ولا من دافعٍ مغرما، أو جالب مغنما؛ وإنَّما تجوز فيه شهادة الشهود إذا شهدوا بالرهن والقبض، أو على إقرار الراهن والمرتهن على الرهن. ابن عبَّاس: إن شهدوا به فقط لا بمعاينة القبض ردَّت شهادتهم، وجوِّزت؛
ومن ادَّعى على أحد رهنا جاز، وإن لم يعيِّنه؛ وإن جحده كلِّف مدَّعيه بيِّنة، فإن أقامها على مدَّعاه جاز، وإن خالف أحدهما فيه ردَّت شهادته؛ وكذا إن خالفاه معا، أو شهدا بأكثر منه، أو بأقلَّ، وجوِّزت على ما اتَّفقا عليه في الأقلِّ؛ وإن اختلفا في وقت أو مكان جازت، لا إن اختلفا في الرهن أو فيما رهن فيه؛ وإن ادَّعى الراهن على المرتهن أنَّه رهن له كذا فانكره، فكلَّفه الحاكم بيان دعواه فأتى به فشهدا أنَّه رهن له هذا الثوب مثلا جازت شهادتهما؛ وإن وصفه المدَّعي لا شهوده بطلت؛ وإن وصفوه لا هو ففي إجازتها قولان؛ وإن قال المرتهن: هذا ثوبك، فكذَّبه الراهن، قبل قول المرتهن، إلاَّ إن ادَّعى الراهن صفته أوَّلا أو وصفه شهوده فعلى المرتهن الإتيان بتلك الصفة، وكذا إن أقرَّ هو أنَّه رهن له ثوبا يسوى كذا وكذا وأشهد الشهود بذلك فلا تقبل منه إلاَّ تلك الصفة؛ وإن كان عليه ديون فقال له: رهنت لك هذه الأمة في كذا وأنكره وادَّعى أنَّه رهن له هذا العبد في الآخر، فكلاهما مدَّع فإن أقام كلٌّ بيِّنة على مدَّعاه صار العبد والأمة كلاهما رهنا؛ وإن لم يقمها كلٌّ منهما تحالفا؛ ومن نكل منهما لزمته دعوة صاحبه؛ وإن أقامها واحد فقط ثبت مدَّعاه، وحلف للآخر؛ وإن ماتا معًا بيد المرتهن فأتى كلٌّ منهما بيان دعواه ذهبا بما فيهما (292).
وإن ادَّعى رجلان على رجل رهنا فأنكرهما فيه فأتيا بالشهود فشهدوا لأحدهما فقط ردَّت شهادتهم؛ وإن ادَّعاه واحد على اثنين فأنكراه، [243] فأقام (4/476)
صفحة 2061
عليهما بيِّنه ثبت رهنه؛ وإن شهدا به على أحدهما فقط ردَّت شهادتهما، ولو عيَّناه؛ وإن شهدا أنَّه رهنه له أحدهما بأمر صاحبه أو بدونه فأجاز له جاز ذلك.
ولا تجوز شهادة المرتهن للراهن على الرهن ولا لغيره ما دام بيده، وجازت لهما بعد ردِّه له. وإن ادَّعى الراهن رهنا بيد غاصب ولم يحضر المرتهن فأقام على ذلك بيِّنة جازت، ولا يكون قوله حجَّة على المرتهن في قبض ماله.
وإن ادَّعى المسلّط بيع ما بيده ونفاه الراهن قبل قول المسلّط.
وإن ادَّعى رجلان على واحد أنَّه رهن لهما واحدا فادَّعاه كلٌّ أنَّه له دون صاحبه، وقال ربُّه: رهنته لأحدكما لا بعينه أو لم أدره أو لكما معا فأراد أخذه بعد، فإنَّه يمنع منه؛ وكذا إن قال: اشتبه عليَّ الأمر ولا أدري أرهنته لهما أم لا، أو قال لم أرهن لهما شيئا، فإنَّه يمنع من أخذه أيضًا ما لم تنقض دعوتهما؛ وإن قال: رهنته لرجل ولا أدري أنَّه منكما أم لا، منع منه أيضا؛ وإن قال: رهنته لغيركما، فإن كانت لهما بيّنة أتيا بها، وإلاَّ حلَّفاه وأخذ متاعه؛ وإن انتفى منه من نسبه إليه فهما على دعوتهما، فمن أقام منهما بيّنة أخذه وكان رهنا بيده؛ وإن أقاماها معا كان بأيديهما معا؛ وإن لم يجداها وقد انتفى منه أيضا تركه الحاكم في أيديهما ولا ينصَّب الحكم بينهما؛ وإن قالا: نقيم بيّنة أنَّه رهن لكلٍّ منَّا كذا بعد أن نسباه إليه فأنكرهما ذلك وانتفى منه فإنَّ الحاكم يجيز شهادتهما؛ وكذا إن أقامها واحد منهما فقط صار رهنا بيده دون صاحبه.
ومن ادَّعى ما قد كان بيده أنَّه رهن عنده فأراد أن يبيعه فإنَّه لا يشترى منه إلا ببيّنة على قوله؛ فإن أتى بها فباعه أثبت الحاكم بيعه؛ وإن قال: هذا رهن لي في يدي رهنه لي فلان وهو غائب، فلا ينصت إليه إلاَّ ببيّنة؛ فإن أتى بها جاز لمن يشتريه منه؛ فإن أتى الغائب فادَّعى فيه دعوة أثبت الحاكم الخصومة بينهما.
ومن بيده جنان وهو لغائب فادَّعاه رجل أنَّه اشتراه منه فأتى على ذلك بيّنة فلا يحكمه الحاكم له؛ ولكن يحجره على من كان بيده ولا يمنعه منه؛ وإن أتى الغائب بعدُ وأنكر البيع فإن الحاكم يثبت الخصومة بينه وبين المدَّعي ويأتي بشهادته عنده (4/477)
صفحة 2062
أنَّه باع له ما ادَّعاه فيحكم به له، وقيل: إن أنكر البيع حين قدم فلا يشتغل به إلاَّ إن أحدث دعوة أخرى.
وإن ادَّعى رجلان على رجل أنَّه رهن لهما هذا فادَّعاه أحدهما: أنَّه له وحده وصاحبه: أنَّه بينهما، فإن أقاما بيّنة على مدَّعاهما أو أقامها واحد منهما أو الراهن أولم يأتوا بها معا فتحالفوا، فالرهن بينهما في أيديهما في ذلك؛ وإن أتى بها واحد من أرباب الديون على أنَّه رهن في يده فهو في يده دون صاحبه.
وإن اختصم رجلان على شيء في أيديهما أنَّه رهن في يد كلٍّ منهما فنسباه إلى معيَّن فادَّعى المعيَّن أنَّه لطفله أو لمن استخلف عليه، قبل قوله فيه؛ وإن ادَّعيا ما في أيديهما وكلٌّ منهما يدَّعيه رهنا بيده من صاحبه فتناكرا، فإن وجدا بيّنة ثبت رهنا عندهما معا، وقيل: قد انفسخ؛ وإن وجدها أحدهما فقط كان رهنًا له ومنع منه صاحبه؛ وإن لم يجداها خالفا (293) وانفسخ الرهن؛ وكذا إن ادَّعاه كلٌّ منهما أنَّه رهنه لصاحبه فيما له عليه.
فصل
تجوز الشهادة على الأرض وما اتَّصل بها ممَّا مرَّ وعلى ما كان منها من الدور والبيوت وما عليها من الجدر والجذوع وعلى الشجر ــ ولو موضوعا على الأرض ــ وعلى نابت إن اتَّصل بها ــ وإن لم يدرك ــ، لا على مقلوع منه إن اشتبه كبصل وكراث ونحوهما، وإلاَّ جازت عليه إن كان معيَّنا مقصودا إليه كباذنجان وكرنب وفجل وجريد ونحو ذلك. وأمَّا المكيل من الحبوب والقطاني والتين والعنب والرمَّان والبصل والثوم والإوز والموز والجوز ونحو ذلك فلا يشهد عليه الشهود إذا تواروا عنه؛ وإن شهدوا كذلك أخبرهم الحاكم أنَّهم لا يشهدون عليه كذلك؛ وإن شهدوا كذلك أجاز لهم؛ وقيل: يردُّ شهادتهم إذا علم أنَّهم تواروا عنه؛ وكذا التبن والنخالة والدقيق والعجين والخبز إن صار ثريدًا لا يشهدون عليه إذا تواروا عنه. وكذا الليف (4/478)
صفحة 2063
والخوص والشماريخ والنوى وورق التين والزيتون والريحان والحناء ونحو ذلك لا تجوز الشهادة عليه كذلك. وجازت على الزان والخشب والمنوال والأبواب إذا عرف معيَّنا ولو توارى عن (294) الشهود لا على ما لا يعرف بعينه إذا غاب ولا يفرز. وجازت على المفاتيح والقفول، وعلى منحوت من عود كالقصاع [244] والأقداح والآنية والألواح ونحو ذلك. وكذا السواري والصخور والقراميد واللبن، لا على الجير والجبس والشبِّ والمغرة والكبريت والنورة والتراب ونحو ذلك. وفي الحديد والنحاس والذهب والفضَّة والرصاص والقزدير معمولا كان أو غير معمول قولان، وجازت على الجوهر والياقوت لأعلى الخرز والودع إلاَّ ما عيِّن منهما كالواحد والاِثنين والثلاثة ممَّا يحيط به العلم؛ وكذا الحبوب والكمات والكرافس، لا على الصوف والقطن والكتان والشعر إن كان غير معمول؛ وفي الغزل والقيام والحبل من الصوف أو غيره والقيد والسلسلة قولان.
وجازت على معمول من صوف ونحوه كالعمائم والشواشي وغيرهما، وعلى الجلود وما عمل منها؛ لا على الأشربة والأدهان، ولا على المسك والزعفران ونحوهما من العطر.
وجازت على الحيوان إذا حضر لا إن غاب، إلاَّ إن أحاط العلم بوصفه؛ وجازت على مذبوح منه إن اتَّصلت (295) به رأسه عليه، لا على الجسد إن فارقه؛ وجازت على اللحم ــ ولو مطبوخا ــ وعلى العظام والقرون؛ وعلى الصيد ــ ولو بحريا ــ؛ لأعلى مثل الجراد والوزَّ، ولا على البيض، ولا على الأثر وتقع به التهمة. وفي الخطِّ قولان.
وإن تحمَّل رجلان على رجل بدين ثم أبرأهما ربُّه من الحمالة واستمسك بغريمه فجحده فشهدا عليه به ردَّت شهادتهما؛ وإن كان أصل حمالتهما لم يصحَّ، فبان ذلك جازت؛ وكذا إن تحمَّلا له بدينه وقت كذا فاستمسك به عليه قبله فلا تقبل شهادتهما عليه؛ وإن تحمَّلا له من هذا الوقت إلى وقت كذا فجاز، فاستمسك به فأنكره، فلا (4/479)
صفحة 2064
يشهدا له به؛ وإن تحمَّلا بوجهه لا بالدين فاستمسك به، فإنَّهما يشهدان له به عليه، لا بالوجه.
ولا تجوز شهادة الأب لابنه على رجل أنَّه تحمَّل بدينه؛ وإن شهد لابنه العبد ــ وهو مأذون له في التجارة ــ جازت، لا إن شهد ربُّ المال للمقارض أو عقيد لصاحبه أنَّه تحمَّل له رجل بمال القراض أو بمالهما، أو شهد السيِّد لمأذونه في التجر وإن في مال غيره؛ وكذا من أحال رجلا على غريمه فأنكره الغريم لا يشهد عليه محيله عليه لدفعه عن نفسه فكلُّ شهادة يدفع بها الشاهد مَغرَما في وقته أو بعده أو يجرُّ بها لنفسه مغنما كذلك فلا تجوز.
ومن باع ما عرف ملكا له فردَّ عليه بعيب فإنما يشهد له عليه من عرف أصله له، وقيل: إنما يشهد له بالردِّ به؛ وكذا من تزوَّج امرأة بمعلوم فطلَّقها قبل أن يمسَّها فردَّت عليه نصفه فإنَّما يشهد له من عرف له ذلك بأصل ما كان له به أولا، وقيل: إنَّما يشهد له بالردِّ من قبلها. وكذا من استأجر رجلا بمعلومة لمعلوم فعمل بعضه وخرج قبل أن يتمَّه.
ومن تزوَّج امرأة بمعلوم فتوارى بها فبان أنَّها محرمته فادَّعت المسَّ وأنكره فإنَّما يشهد لها بالمعلوم؛ وإن تزوَّجها بشهادة واحد ولم يشهدا غيره فادَّعته أيضا وأنكره فلا يحكم عليه بالصداق.
وكلُّ من يبده شيء بأمانة أو تعدية فجاء من يدَّعيه فخاصمه صاحبه فشهد له من كان بيده فلا تجوز له شهادته على المدَّعي، ولا شهادة المدَّعي على صاحب الشيء؛ وإن رده له من كان بيده فجاء من يدَّعيه إلى صاحبه جازت شهادة من كان بيده لربِّه أو لمدَّعيه.
ومن جعل شيئا للأجر فلا تقبل شهادته على مضرِّه أو مفسد فيه وجازت بأنَّ هذا ضرٌّ أو فساد؛ ولا شهادة شريك على جاعل ضرًّا على المشترك ولو لخاصَّة؛ ولا راهن أو مرتهن أو مسلّط على الرهن إن ادَّعى فيه مدَّع؛ ولا غنيٍّ إذا ماطل فيما عليه وتجرح عدالته (296) بذلك وتجوز التهمة في مضرَّة التعدِّي لا في غيره. (4/480)
صفحة 2065
وإن استشهد رجلان شهيدين فاستكتما بهما حال الشهادة أو بعدها، ثمَّ طلب إليهما أحدهما أن يشهدا له فلهما أن يشهدا له.
وكلُّ ما يجوز فيه قول المرأة كالولد المنفوس والرتقاء والفعل والافتضاض وما لا يباشره الرجال فلا يحكم به الحاكم، بل يؤخذ عنها أمينان، ويخبرانه (297) فيحكم بهما بلا احتياج إلى الشهادة.
تمَّ الجزء الرابع عشر. (4/481)
صفحة 2066
هوامش الجزء الرابع عشر
(1) - ب: - بثمن.
(2) - ب: الثمر.
(3) - ب: ثمر. وهو تصحيف.
(4) - ب: ثمرة.
(5) - ب: الكسير.
(6) - ب: + تعالى.
(7) - ب: من.
(8) - ب: بثوبٍ.
(9) - ب: بمنَّين. وهو الأظهر.
(10) - ب: بيع الشروان.
(11) - ب: مجزورًا.
(12) - ب: - باللبن.
(13) - ب: سقط عبارة: «الجبن واللبن بالطعام لأنَّه ليس من النبات، وأجاز إعطاءه منّ [كذا] قطنا لمن يغزل للمعطي منًّا منه؛ وكذا بيع ثلاثة أمناء قطنًا بمنٍّ غزلاً إلى أجل، وكرهه قوم. ويجوز بيع». وقد وقع للناسخ فيها انتقال نظر، لتكرار: «ويجوز بيع».
(14) - ب: وعبيده.
(15) - كذا في النسختين بالنصب، ولعلَّ الصواب: ملكٌ بالرفع لأنَّه خبر أنَّ.
(16) - كذا في النسختين بالدال المهملة. ولعلَّ الصواب بالذال المعجمة، ومعناه القطع.
(17) - ب: ادِّخاره.
(18) - ب: أحدٌ. وهو خطأ لأنَّه مفعول به.
(19) - ب: بمحتكرين.
(20) - ب: يخبر.
(21) - ب: بذلك ذلك. (4/482)
صفحة 2067
(22) - ب: + به.
(23) - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: عذوق.
(24) - ب: إذا طلبه أحدهما النقض.
(25) - ب: أنَّهما.
(26) - ب: لمن اشترى.
(27) - ب: آخذها.
(28) - ب: ويثبت. وهو خطأ.
(29) - كذا في النسختين.
(30) - ب: بذلك.
(31) - ب: أنَّ له عليه.
(32) - ب: التمرة. بالتاء المهملة. وهو تصحيف.
(33) - ب: وعند. ولا معنى له.
(34) - ب: - به.
(35) - ب: بعته له.
(36) - ب: - ولا يقيل:.
(37) - ب: شفعته.
(38) - ب: في المالِ المالَ.
(39) - ب: اتَّفق.
(40) - ب: باعه.
(41) - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: وبجريب.
(42) - ب: حبًّا.
(43) - ب: أيضًا خلاف.
(44) - ب: جابر. وهو خطأ لأنَّه اسم علم ليس ممنوعًا من الصرف.
(45) - ب: + إلى.
(46) - في النسختين: القيض، بالضاد وهو خطأ. وإنَّما المقصود القيظ، وهو صميم الصيف بدليل السياق.
(47) - ب: - ثمَّ. (4/483)
صفحة 2068
(48) - ب: + أهل.
(49) - ب: اقتداء.
(50) - ب: + أهل.
(51) - ب: المتوسِّط. وهو الصواب فيما يبدو.
(52) - ب: صغرًا وكبرًا.
(53) - ب: أو دنانير بدنانير.
(54) - ب: مائة مثقال وستّة وتسعون مثقالا.
(55) - ب: عن.
(56) - ب: - على الصرف.
(57) - ب: أحدهما البيع.
(58) - ب: شرط، منمح بفعل المداد.
(59) - ب: يمكن أن نقرأ: المبيع.
(60) - ب: عمر.
(61) - ب: فليس له.
(62) - ب: - من الشجر.
(63) - الملاحظ أنَّ الذرع والذراع والأذرع ... تكتب في النسختين بدال مهملة، ونظرًا لكثرة ورودها فإنَّنا نصحِّحها في المتن ونتغاضى عن الإشارة إليها في الهامش.
(64) - ب: - يأكله.
(65) - ب: + به.
(66) - كذا في النسختين.
(67) - ب: - بعد نضجه.
(68) - كذا في النسختين.
(69) - ب: أيضًا.
(70) - ب: قيمته. وهو خطأ.
(71) - أ: اترجًا. وهو خطأ.
(72) - ب: تمر. وهو خطأ.
(73) - ب: إدراكه. (4/484)
صفحة 2069
(74) - ب: من تحتها.
(75) - ب: إدراك.
(76) - ب: مبيع.
(77) - ب: لم يسمَّى. وهو خطأ.
(78) - أ (هامش) بخطِّ المؤلِّف: يقال: جزم النخل بالزاي والراء معًا خرصُه.
(79) - ب: - كما مرَّ.
(80) - ب: - أو نحوهما.
(81) - ب: - والزرع.
(82) - ب: المطر.
(83) - ب: أثرٌ. وهو خطأ.
(84) - أ (هامش): وعبارة الأصل: بادة صا ... [انمحاء].
(85) - ب: بيع.
(86) - ب: - في الحكم.
(87) - أ: يمكن أن نقرأ: وهي.
(88) - كذا في النسختين في هذا الموضع وفي كلِّ ما سيأتي، ولعلَّ الصواب: ذواتها، بذال معجمة.
(89) - ب: يشترطه.
(90) - ب: رديئًا بجيِّد.
(91) - ب: جرابًا.
(92) - ب: + بين.
(93) - ب: - ويحسنان إليه.
(94) - ب: إذا.
(95) - ب: فيه. وهو الأصوب.
(96) - ب: صدق. وهو خطأ.
(97) - ب: بكرٌ. وهو خطأ.
(98) - ب: لأنَّه ليس.
(99) - كذا في النسختين بتاء مثنَّاة. (4/485)
صفحة 2070
(100) - ب: الدوابِّ والعبيد.
(101) - ب: وكذلك.
(102) - ب: - في الحكم.
(103) - ب: وعن بعضهم.
(104) - ب: المسلمين.
(105) - ب: بيدها.
(106) - ب: عليه.
(107) - ب: لإعتاقها.
(108) - ب: بيِّنة له.
(109) - ب: فيه.
(110) - ب: ملك.
(111) - ب: - والعتق.
(112) - ب: منها.
(113) - ب: - وكذا.
(114) - ب: ما تبايعاه.
(115) - ب: أن يكون
(116) - ب: فإنَّه لا يمكن.
(117) - ب: والثاعلب. وهو خطأ.
(118) - ب: + قيل:.
(119) - ب: - له.
(120) - ب: - واللبن.
(121) - ب: يردُّه.
(122) - ب: شيء من اللحم.
(123) - ب: لأنَّه.
(124) - أ (هامش): وعبارة الأصل: قال: فأقبضها، بدون ألف.
(125) - ب: فلم يرى. وهو خطأ.
(126) - ب: وإن اشتر. وهو خطأ. (4/486)
صفحة 2071
(127) - ب: ولم تحضر.
(128) - أ: يمكن أن نقرأ: وإن غابتا.
(129) - ب: تمرًا أو حبًّا.
(130) - أ (هامش): وعبارة الأصل: وإذا مضى للبيع سنة.
(131) - ب: على هذا.
(132) - ب: ما ظهر.
(133) - أ (هامش): وعبارة الأصل: وردُّ ما بقي بالثمن.
(134) - ب: إن كان.
(135) - ب: فقبل ذلك.
(136) - ب: اشترط سنين.
(137) - ب: له.
(138) - ب: وانفسخا. وهو خطأ.
(139) - ب: بحاله.
(140) - ب: وكذلك.
(141) - ب: - ما باع.
(142) - ب: للقاهرين.
(143) - ب: بن عرزة.
(144) - ب: لابن زائد.
(145) - ب: - له.
(146) - أ (هامش): وعبارة الأصل: جباية.
(147) - ب: + له.
(148) - ب: ضعطة.
(149) - ب: واللبيا.
(150) - ب: طاهر.
(151) - ب: أجاز.
(152) - ب: وجاز.
(153) - في النسختين: المادون، بدال مهملة. والصواب: ما أثبتناه. (4/487)
صفحة 2072
(154) - ب: - له كساء.
(155) - ب: - هو
(156) - ب: فيه
(157) - ب: منه حقَّه.
(158) - ب: - منه.
(159) - ب: لتقضَّني. ولا معنى له.
(160) - ب: وكَّلا. وهو خطأ.
(161) - ب: فاستلف.
(162) - ب: فباعه. وهو خطأ.
(163) - ب: حالٌّ. وهو خطأ.
(164) - ب: له عليه.
(165) - ب: + حبًّا.
(166) - ب: بعضهم.
(167) - ب: أو نسيئة.
(168) - ب: وارثه.
(169) - ب: أمرٌ. وهو خطأ.
(170) - ب: ثبتت.
(171) - ب: حصَّة فيه.
(172) - ب: ثبت.
(173) - ب: يجيزه.
(174) - ب: - فيه.
(175) - ب: هذا
(176) - ب:
(177) - ب: - المشتري.
(178) - ب: + لأيهما كان الخيار.
(179) - ب: لأنَّه.
(180) - ب: فله. (4/488)
صفحة 2073
(181) - ب: في.
(182) - ب: - بعضه.
(183) - ب: - من الربح.
(184) - ب: جعلت.
(185) - ب: لا يجوز فيه.
(186) - ب: - متاعًا.
(187) - ب: له به.
(188) - ب: + لم.
(189) - ب: - أنَّه لا يكون.
(190) - ب: النوعان أو اللونان.
(191) - ب: سقط عبارة: «وخيار وبكُرِّ بلدٍ إترنج إذ لا يعرف قدره صغرًا وكبرًا، وكذا البيض والنارجيل لأنَّه لا يوزن».
(192) - ب: عدد. وهو خطأ.
(193) - ب: مكوكٍ.
(194) - ب: أو درهمُ. وهو خطأ.
(195) - ب: وأجازه أيضًا إن عيِّن بوزن.
(196) - ب: أبو عبد: إذا قبضه ...
(197) - ب: + إلى.
(198) - ب: أو شعير أو برٍّ.
(199) - ب: ببهارٍ تمرًا.
(200) - ب: ومن أسلف بفرض أو بلعق.
(201) - ب: يعطيها.
(202) - أ: وأضلحه. ويبدو أنَّه خطأ.
(203) - ب: أبدل له.
(204) - ب: - قيل:.
(205) - ب: - فاسد.
(206) - ب: صاحبه (4/489)
صفحة 2074
(207) - ب: - له.
(208) - ب: منفعة.
(209) - ب: - له.
(210) - ب: - على الشرط اتفاقا.
(211) - ب: ما استقبل.
(212) - ب: - رجلا.
(213) - ب: فكاله.
(214) - ب: أسلم.
(215) - ب: - قال.
(216) - ب: + كان.
(217) - ب: بياض.
(218) - ب: من عند.
(219) - ب: حلولها.
(220) - ب: عقده.
(221) - ب: - قال.
(222) - ب: رضيته أو أخذته.
(223) - ب: قبلته.
(224) - ب: علي لك.
(225) - ب: - بمرة.
(226) - ب: غيره
(227) - ب: - كان.
(228) - ب: - شيئا
(229) - ب: حقها
(230) - ب: - معا.
(231) - ب: لا يجوز.
(232) - ب: وإن لم
(233) - ب: - لنفسه. (4/490)
صفحة 2075
(234) - ب: زاد.
(235) - ب: - الرهن
(236) - ب (هامش): ينظر أين الباب الثاني والتسعون.
وكذلك في (أ) لا نجد هذا الباب.
(237) - ب: - وضاع المرتهن.
(238) - ب: يدفع.
(239) - ب: يجيء ويذهب.
(240) - ب: - وقال.
(241) - ب: إنَّ له أن يبيعه.
(242) - ب: - له.
(243) - ب: - منه.
(244) - ب: ويناد.
(245) - ب: متواليات.
(246) - ب: فضل.
(247) - ب: إن تعدَّ.
(248) - ب: بعضها.
(249) - ب: للرهن.
(250) - ب: بقدر.
(251) - ب: أموالكما.
(252) - ب: لا يعيشاهما أو الرهن.
(253) - ب: بخلات. وهو خطأ.
(254) - ب: + إن شاء الله.
(255) - ب: وشرط عليه الباقي.
(256) - ب: - الراهن أو.
(257) - ب: مِمَّا لا يتغابن به. وهو خطأ واضح.
(258) - ب: - وضمن.
(259) - ب: خين. ولا معنى له. (4/491)
صفحة 2076
(260) - ب: - فتلف.
(261) - ب: الجراح.
(262) - ب: - به.
(263) - ب: - للمساكين.
(264) - ب: - أيضًا.
(265) - ب: أفلى.
(266) - ب: - أرضًا.
(267) - ب: كذا في النسختين: تكرار عبارة: وإن لم ينههم.
(268) - ب: وجنوته. وهو خطأ.
(269) - ب: به منهما.
(270) - ب: ولا يبيعه.
(271) - ب: عليه.
(272) - ب: - الرهن.
(273) - ب: كان.
(274) - ب: + الشيء.
(275) - ب: أكان.
(276) - ب: فيها.
(277) - ب: يذهب.
(278) - ب: أو من ولي أمره فليغرمه المرتهن ذلك كذلك.
(279) - ب: شاء.
(280) - ب: ما أدَّاه.
(281) - ب: -عليه.
(282) - ب: - قيل.
(283) - ب: - من ذلك.
(284) - ب: سعافات.
(285) - ب: في أرضه.
(286) - ب: أو شرطته عليه. (4/492)
صفحة 2077
(287) - ب: قراض.
(288) - ب: والغلَّة.
(289) - ب: - منهما.
(290) - ب: - له.
(291) - ب: - والفضل. فقال ...
(292) - ب: فيه.
(293) - ب: تحالفا. وهو الأصوب.
(294) - ب: عنه.
(295) - ب: اتَّصلت. والأصحُّ تذكير الرأس.
(296) - ب: شهادته.
(297) - ب: ويخبران به. (4/493)
صفحة 2078
/ (4/494)
صفحة 2079
/ (4/495)
صفحة 2080
/ (4/496)
صفحة 2081
/ (4/497)
صفحة 2082
/ (4/498)
صفحة 2083
/ (4/499)
صفحة 2084
مصطفى بن محمد شريفي (4/500)
صفحة 2085
/ (5/1)
صفحة 2086
/ (5/2)
صفحة 2087
الجزء الخامس عشر
في النكاح وأحكامه (5/3)
صفحة 2088
/ (5/4)
صفحة 2089
الباب الأول منه
في النكاح وجوازه
قال الله تعالى: {فانكِحُوا ما طابَ لكم مِّنَ النسآءِ} الآية (سورة النساء: 3) ففي ظاهر التنزيل أنَّه تعالى أمر المسلمين أن يتزوَّجوا [245] منهنَّ مثنى وثلاث ورباع، ومعنى ذلك ظاهر؛ وإن خافوا أن لا يعدلوا بينهنَّ فليتزوَّجوا واحدة. والأمر للإباحة، فمن تزوَّج واحدة وحصن بها دينه واكتفى بها عن غيرها ورضيت نفسه بذلك، لم يفرض عليه أن يتزوَّج أكثر. وفوق الأربعة حرام على غير النبيء ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ.
وإن لم يشته التزوُّج ولم يخف العنَّة، واشتغل بدينه، واستقلَّ به عن النكاح، فلا نعلم أنَّه تلزمه عقوبة في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة في تركه.
وقيل: كان قبل ظهور الإسلام وفي أوَّله تحت رجل ثمان وعشر ولا يعدل بينهنَّ فسألوه ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ عن مخالطة اليتامى وما يحلُّ لهم من ذلك لا عمَّا هو أعظم من أمر النساء، فنزلت الآية وهي: {وإنْ خِفْتُمْ ألاَّ تُقسِطوا في اليتامَى ... } إلخ، ثم قال: {أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكم} (سورة النساء: 3) يعني: وإن خفتم أن لا تحسنوا بواحدة فاتَّخذوها من المماليك.
{ذلِك أدنى ألاَّ تَعُولوا}: أي أن لا تجوروا وتجاوزوا أمر الله في العدل، فحرم عند ذلك عليه أن يتزوَّج أكثر من أربع من الحرائر المسلمات أو من الكتابيات. وعن علي إذا خاف الرجل أن لا يعدل حرم عليه أكثر من واحدة، وحلَّ له ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ. (5/5)
صفحة 2090
وقيل: أنزل عليه: {لا يَحلُّ لكَ النسآءُ من بَعدُ ... } الآية (سورة الأحزاب: 52) وله تسع، كما سيأتي قريبا ذكرهنَّ. وقال تعالى: {وامرأةً مؤمنةً إنْ وَهَبتْ نفْسَها ... } الآية (سورة الأحزاب: 50): فليس لامرأة أن تهب نفسها لرجل بلا شهود ولا وليٍّ ولا مهر إلاَّ له، وهي من خصوصياته ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ؛ وقد ذكرتُ جملة منها مسرودة في النيل.
وروي أنَّه أعتق صفية وجعل عتقها صداقها.
ومن تزوَّج امرأة بلفظ الهبة لم ينعقد النكاح عند بعض، وقال بعض إذا وهبت له نفسها وقبلها بشهود وصداق اِنعقد ولزم (1).
واختلف في أنَّه ــ صلَّى الله عليه وسلَّم (2) ــ هل كانت عنده موهوبة؟ فقال ابن عباس ومجاهد: لم تكن عنده واهبة له نفسها، وقال قوم: كانت، فقيل: ميمونة بنت الحارث، وقيل: زينب بنت خزيمة الأنصارية أمُّ المساكين، وقيل: أمُّ شريك بنت جابر من بني أسد، وقيل: خولة بنت حكيم من بني سليم.
وقيل: لمَّا نزلت: {تُرجِي من تشآء منهنَّ وتُؤْوي ... } الآية (سورة الأحزاب: 51) خصَّ بالهبة، وقيل: إنَّ ذلك حين (3) غارت نساؤه عليه، فطلب بعضهنَّ النفقة والقسمة، فهجرهنَّ (4) شهرا، فنزلت آية التخيير، وأمره الله أن يخيِّرهنَّ بين الدنيا والآخرة، وأن يخلِّي سبيل من اختار الدنيا، وأن يمسك من اختار الله ورسوله، على أنَّهنَّ أمَّهات المؤمنين ولا يتزوَّجن أبدا، وعلى أنَّه يؤوي إليه من يشاء، ويرجي منهنَّ من يشاء، فرضين به ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ ولو لم يقسم لهنَّ أو قسم لبعضهنَّ فقط، وفضَّل بعضَهنَّ في النفقة والقسمة والعشرة أو سوَّى بينهنَّ في ذلك، والأمر إليه
__________
(1) () - ب: «لزمه».
(2) () - ب: - «عليه وسلَّم».
(3) () - ب: «لمَّا».
(4) () - ب: «فهُجرن». (5/6)
صفحة 2091
يفعل ما يشاء، فرضين كلُّهنَّ، واخترنه على ذلك الشرط، وكان مع ما جعل الله له من ذلك يسوِّي بينهنَّ في القسم، إلاَّ امرأة منهنَّ أراد طلاقها فرضيت بترك القسم لها، وجعلت يومها لعائشة، وهي ــ قيل ــ سودة بنت زمعة، وقيل: أرجأها، وجويرية وصفية وميمونة وأمُّ حبيب، وآوى إليه عائشة وحفصة وأمَّ سلمة وزينب، وكان يقسم بينهنَّ بلا تفضيل؛ وقد أباح الله له ترك القسم بينهنَّ، وأن يطأ من يشاء منهنَّ في غير نوبتها، وله أن يردَّ إلى فراشه من عزلها تفضُّلا (1) له من الله على غيره، وتخفيفا عنه، وتطييبا لنفوس نسائه، وتقليلا لحزنهنَّ إذا علمن أنَّ ذلك من الله وبأمره.
ولمَّا ارتضينه واخترنه وصبرن على ذلك أنزل الله عليه: {لا يَحلُّ لكَ النسآءُ من بَعدُ ... } الآية (سورة الأحزاب: 52). فقصره الله عليهنَّ، وهذا قول ابن عباس وكثير من الصحابة والتابعين.
وقيل لأبي بن كعب: أرأيت لو مِتن نساؤه أكان يحلُّ له أن يتزوَّج؟ فقال: وما يمنعه من ذلك؟ قيل له: قوله تعالى: {لا يَحلُّ لكَ النسآءُ من بَعدُ ... }، فقال: إنَّما أحلَّ الله ضربًا من النساء، فقال: {يآ أيُّها النبيُّ إنَّآ أحلَلْنا لك أزواجَك ... } إلخ (سورة الأحزاب: 50)، ثمَّ قال: {لا يَحلُّ لكَ النسآءُ من بَعدُ ولآ أن تبدَّل بهنَّ منْ أزواجٍ} من العرباء أو الأعراب أو نساء أهل الكتاب، كذا قال بعضهم.
فصل
قال الله تعالى: {وما كانَ لِمؤمِنٍ ولا مؤمنة ... } إلى { ... مفعولاً} (سورة الأحزاب: 36 - 37) قيل: نزلت فيه صلَّى الله عليه [246] وسلَّم وزينب بنت جحش وأخيها عبد الله وزيد بن حارثة، وكانت زينب بنت آمنة بنت عبد المطلب وزيد من سبي الجاهليَّة فاشتراه صلَّى الله عليه وسلَّم من سوق عكاظ وأعتقه وتبنَّاه، وكان
__________
(1) () - أ (هامش): تفضيلٌ. (5/7)
صفحة 2092
يُدعى ابنا له في الجاهليَّة ومولًى له في الإسلام، فخطبها فأبت وأنكرت عليه، وقالت: أنا أتمُّ نساء قريش وبنت عمَّتك فلم أكن لأفعل ذلك ولا أرضاه لنفسي ــ وكذا قال أخوها ــ ولكن إن أردتني يا رسول الله فافعل، وكانت جميلة وبها حدَّة، فأنزل الله: {وما كانَ لِمؤمِنٍ ولا مؤمنة ... } إلى { ... ضلالاً مبينًا} (سورة الأحزاب: 36) فعند ذلك قالت: رضيت يا رسول الله، وجعلتْ أمرها بيده وكذا أخوها، فأنكحها لزيد فدخل بها وساق إليها رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم عشرة دنانير وثلاثين درهما أو ستِّين وحمارا وملحفة ودرعا وإزارا وخمسين مدًّا من طعام وثلاثين من تمر (1)، وهذا قول الأكثر.
فمكثت عند زيد حينا، ثم إنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أتى زيدا ذات يوم لحاجته فأبصرها قائمة في درع وخمار فأعجبته ووقعت في نفسه، فقال: «سبحان الله مقلِّب القلوب» وانصرف، فلمَّا جاء زيد ذكرت له ذلك ففطن وكُرِّهت إليه في وقته، فأراد فراقها فأتى النبيء ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ فقال له: إني أريد أن أفارق صاحبتي، فقال (2): «مالك؟ هل رأيت منها شيئا؟» فقال: لا والله، ما علمت منها إلاَّ خيرا، ولكن تتعظَّم عليَّ بشرفها، وتوذيني بلسانها، فقال له: «أمسك عليك زوجك واتَّق الله»، ثم طلَّقها بعد، فلمَّا اعتدَّت، قال: له ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ: «ما أجد أحدا أوثق في نفسي منك، إيت فاخطبها لي»، قال: زيد: فانطلقت إليها فإذا هي تخمر عجينها، فلمَّا رأيتها عظمت في نفسي حتَّى ما أستطيع أن أنظر إليها فولَّيتها ظهري، وقلت لها: يا زينب أبشري فإنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يخطبك، ففرحت بذلك (3) فقالت: ما أنا بصانعة شيئا حتَّى أوامر ربِّي، فقامت إلى مسجدها، فنزل قوله تعالى: {وإذْ تقول ... } الآية (سورة الأحزاب: 37) فتزوَّجها، وما أولم على واحدة من نسائه ما أولم عليها، أطعم الخبز واللحم حتَّى امتدَّ النهار؛ قال ابن عمر وابن مسعود
__________
(1) () - ب: «ثمر».
(2) () - ب: + «له».
(3) () - ب: - «بذلك». (5/8)
صفحة 2093
وعائشة والحسن: ما نزلت عليه صلَّى الله عليه وسلَّم آية أشدُّ عليه (1) من هذه الآية ولوكان يكتم شيئا من الوحي لكتمها، وقيل: إنَّه تعالى أعلمه أنَّ زينب تكون من أزواجه، وأنَّ زيدا سيطلقها، فلمَّا جاء إليه وقال: إني أريد أن أطلِّقها، فقال: {أمْسِكْ عليكَ ... } الآية (سورة الأحزاب: 37) يقول الله سبحانه: فلم قلتَ له ذلك، وقد أعلمتك أنَّها ستكون من أزواجك، وهذا التأويل مطابق للتِّلاوة.
وكانت تفتخر على نسائه، وتقول: أنا أكرمكنَّ (2) وليًّا وسفيرا، زوَّجكنَّ أقاربكنَّ، وزوَّجني الله نبيئه، وقالت عائشة: أنا التي نزل عذري في كتاب الله. وقيل: كانت زينب تقول للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم: إنِّي لأدلُّ عليك بثلاث ما في نسائك، واحدة منهنَّ جدِّي وجدُّك واحد وأنكحنيك الله في السماء والسفير جبريل.
وقيل: إنَّها أوَّل من مات منهنَّ بعده (3) في خلافة عمر رضي الله عنه وهي أول من صنع له النعش، وقد قال: صلَّى الله عليه وسلَّم أسرعكنَّ لحوقًا بي أطولكنَّ يدا ومعناه ظاهر.
فصل
قال الله سبحانه: {وَأنكِحُوا الأيامَى منكم ... } الآية (سورة النور: 32) يعني من عبيدكم، وذلك ترغيب ودلالة على ما أباح الله نكاحه، وليس ذلك فرضا، وقيل: هو أمر للأولياء أن يزوِّجوا من يلون تزويجه من النساء.
و {الأيامى}: اللواتي لا أزواج عندهنَّ ولو أبكارا.
__________
(1) () - ب: - «عليه».
(2) () - ب: «كرمكنَّ». ولا معنى له.
(3) () - ب: «بعده منهنَّ». (5/9)
صفحة 2094
{والصالحين}: الأعفَّاء عن الحرام من العبيد والإماء، فأوجب النكاح على من تاقت نفسه إليه (1) واشتهاه ووجد إليه سبيلا؛ والمرأة والرجل سواء في ذلك، إلاَّ أنَّه يشترط عليه وجود المال للمهر والنفقة والكسوة.
وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «تناكحوا تكثروا فإن أباهي بكم الأمم غدا». وقال: «من أحبَّ فطرتي فليستنَّ بسنَّتي» وهو النكاح.
ومن لم تتق [247] نفسه إليه فليتنحَّ للعبادة. وقد ذكر الله عبدا بالخدمة فقال: {وسيِّدًا وحَصُورًا} (سورة آل عمران: 39) وهو الذي لا يأتي النساء.
وقال تعالى: {ولْيستَعفِف}: عن الحرام {الذين لا يَجِدون نكاحًا}: ما لا يتزوَّجون به، {حتَّى يُغْنِيَهمُ اللهُ منْ فضلِه} (سورة النور: 33).
والنكاح من سنن المرسلين، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «حُبِّب إليَّ من دنياكم ثلاثٌ: النساء والطيب وجُعلت قرَّة عيني في الصلاة». وأيضا: «تزوَّجوا الأبكار فإنَّهنَّ أعذب أفواها، وأنتق أرحاما، وألين عريكة، وأقنع باليسير». وقال أيضا: «عليكم بذوات الأعجاز فإنهنَّ أودد لكم، وعليكم بالودود الولود، ولا تنكحوا الحمقاء، لأنَّ صحبتها بلاء، وولدها ضياع». وقال أيضا: «تخيَّروا لنطفكم ولا تضعوها إلاَّ في الأكفاء». وفي رواية: «اُنظر حيث تضع ولدك فإنَّ العرق دسَّاس». وأيضا: «النساء لعب، فليحسِّن أحدكم لعبته».
وعن عمر: ولينكحنَّ الرجل لمَّته من النساء وبالعكس. ولمَّته: مثله في السن، وأراد بذلك أن لا ينكح الشيخ الشابَّة، ولا الشابُّ العجوز، وأن ينكح كلٌّ قرينه وتربه. وذلك أنَّ شيخا تزوَّج شابَّة فقتلته.
وكره عمر أن تنكح المحصنة الخصيَّ، وأن يعارض المسلم أخاه في الخطبة والبيع.
وروي أيضا: «من أحبَّ أن يلقى الله طاهرا فليتزوَّج بالحرائر».
__________
(1) () - ب: - «إليه». (5/10)
صفحة 2095
وقال تعالى: {يآ أيُّها الذين ءامنوا لا تحرِّموا طيِّباتِ مآ أحلَّ اللهُ لكم ... } الآية (سورة المائدة: 87) وذلك أنَّه اجتمع عشرة من الصحابة في دار عثمان بن مطعون، منهم أبو بكر وعمر وابن مسعود، فذكروا القيامة فبكوا، واتَّفقوا أن يزهدوا، وحرَّموا على أنفسهم الطيِّبات، وهمُّوا أن يقطعوا مذاكرهم، ويلبسوا المسوح ويسيحوا؛ فبلغ ذلك النبيء (1)، فأتى منزل عثمان وقد تفرَّقوا منه، فقال لامرأته: «أحقٌّ ما بلغني عنه؟» فكرهت أن تكذب له أو تبدي على زوجها، فقالت: إن كان عثمان أخبرك فقد صدق، فقال لها: «قولي له إذا جاءك إنَّني آكل وأشرب، وأنام وأصلِّي، وأصوم وآت (2) النساء، فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي». فلمَّا جاء أخبرته، فرجعوا عن ذلك، فنزلت تلك الآية، ومعناها: لا تحرِّموا حلالاً، ولا تقطعوا المذاكر.
وقال أيضا: «قال لي جبريل: ما بينك وبين آدم إلاَّ نكاح لا سفاح فيه».
وما يروى عنه من أنَّه قال: «أوَّله سفاح وآخره نكاح» فيمن تزوَّج مزنيَّته فممَّا لم يصحَّ عنه، لقوله: «لا نكاح بعد سفاح»، وقد حرَّم ذلك بعضٌ (3)، وهو مذهبنا.
وروى عنه عليٌّ: «ما ولدني والد من آدم إلى أبي الذي ولدني إلاَّ بنكاح كنكاح المسلمين، وليس ذلك إلاَّ لي ومن شاركني في نسبي».
وروت عائشة أنَّ النكاح في الجاهلية على أربعة أضرب:
* نكاح كنكاح الناس اليوم: يخطب الرجل إلى آخر وليَّته فيصدقها ثم ينكحها.
__________
(1) () - ب: + «صلَّى الله عليه وسلَّم».
(2) () - كذا في النسختين. والصواب: «وآتي». ولا موجب لجزمه.
(3) () - ب: «وقد حرِّم ذلك». (5/11)
صفحة 2096
* وآخر: أن يقول الرجل لامرأته إذا طهرت من حيضها أرسلي إلى فلان واستبضعي منه ــ وفي نسخة وابتضعي ــ ويعتزلها هو حتَّى يتبيَّن حملها من ذلك الرجل، ثم يصيبها، رغبة في نجابة الولد وهو نكاح الاستبضاع.
* وآخر: أن يجتمع رهط فيصيبون امرأة كلُّهم، فإذا وضعت ومرَّت ليالي اِستحضرتهم وقالت: قد عرفتم ما كان منكم، وقد ولدت وهذا ابنك يا فلان، فتلحقه بمن أحبَّت منهم.
* وآخر: أنَّها لا تمنع من جاءها، وهنَّ البغايا، وكنَّ يضعن على أبوابهنَّ الرايات عَلَما لمن أرادهنَّ، فإذا وضعت دعوا القافة يحكمون على الآباء بشبه الأبناء، فيلحقونهم بهم ويصدِّقونهم، وبالقافة يقول بعض الناس فلمَّا بعث محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم هدم نكاح الجاهلية إلاَّ نكاح الإسلام.
فصل
قوله تعالى: {قدْ علِمْنا مَا فَرضْنَا عَليهمْ في أزواجِهِم ... } (سورة الأحزاب: 50) أبو المؤثر: فرض عليهم تزويج الوليِّ بصداق وقبول الزوج ورضى المرأة. وقد روي أنَّ كلَّ نكاح لم يكن فيه أربعة فهو سفاح: وليٌّ، وشاهدان، ومزوِّج ومتزوِّج. وإن كان الخاطب كان بولي وشاهدين ومتزوج. وأيضًا: لا يثبت نكاح على امرأة ولو زوَّجها وليُّها ولو أبا إلاَّ برضاها، إلاَّ أنَّ الأب إذا عقد على صغيرته ففيه خلاف إذا كرهت الزوج وأنكرت بعد البلوغ قبل المعاشرة كما سيأتي.
فصل
روي أيضا: «أعلنوا النكاح واجعلوه في المساجد، [248] وأشهروه ولو بالدفِّ»، وأجازه أصحابنا ضربة أو ضربتين لا غير. واختلفوا في نشار الجوز فأجازه بعض وكرهه بعض، ونهى الربيع عنه وشدَّد، وعن التبتُّل: وهو ترك الدنيا والنكاح، والانقطاع في العبادة. (5/12)
صفحة 2097
وروي أيضا: «لا زمام ولا خراق ولا تبتُّل ولا سياحة في الإسلام»: وذلك يفعله أهل الكتاب قديما عبادة فحرَّمه على أمَّته صلَّى الله عليه وسلَّم. أمَّا الزمام: فزمُّهم أنوفهم وخزمهم لها، والزمام: الحبل، والحلقة في الأنف هي البرَّة إن كانت من صفر أو حديد كما هو معلوم في اللغة. والخرق: خرقهم تراقيهم عند بلوغهم. والرهبانيَّة: لزوم الصوامع، وترك أكل اللحوم. والتبتُّل: الانقطاع إلى الله، والاشتغال بعبادته، وترك الملاذ. والسياحة: الخروج إلى أطراف البلاد، والتفرد عن الناس، وقد نهى عن ذلك.
وروي: «زوجة المؤمن المؤمنة في الدنيا زوجته في الجنَّة».
وقال حديفة (1) لامرأته: إن أردت (2) أن تكوني زوجتي في الجنة إن اجتمعنا فيها فلا تتزوَّجي بعدي، فإنَّ المرأة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم الله على أزواج النبيء أن يتزوَّجن بعده.
وقالت أم حبيب: يا رسول الله، إن كان لامرأة أكثر من زوج فتدخل الجنَّة هي وأزواجها فلأيِّهم تكون؟ قال: «تتخيَّر أحسنهم خلقا في الدنيا معها، وقد ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة».
فصل
اختلف في الأكفاء، فقيل: أهل التوحيد كلُّهم أكفاء لقوله تعالى: {إنَّ أكرمَكم عند اللهِ أتقاكُم} (سورة الحجرات: 13)، ولما روي: «المؤمنون تتكافى دماؤهم». وأيضا: «إذا خطب إليكم من ترضون دينه وأمانته فزوِّجوه، وإلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» وقيل أيضا: «من خُطبت إليه وليَّته من كفئها في الإسلام فلم يزوِّجه إيَّاها كان عليه وزرُ ما همَّت به، فإن أصابت فاحشة شاركها فيها».
__________
(1) () - كذا بالدال المهملة في النسختين.
(2) () - ب: «أردتي». وهو خطأ. (5/13)
صفحة 2098
وأنَّ: «من زوَّج وليَّته من كفئها فيه زوَّجه الله عشرا من الحور العين». وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «من خطب إليه كفؤ وليَّته ولم يزوِّجه إيَّاها أبعده الله» قيل له: ولم ذلك؟ قال: «لأنَّه (1) لا يأتي بعد الكفؤ إلا شرٌّ منه»، وقيل: له من الكفؤ؟ قال: «من يتَّق الله، وطلبَ الحلال».
وقال أيضا: «استأمروا النساء في أبضاعهنَّ وألحقوهنَّ بأهوائهنَّ ولا تقصروهنَّ عن أكفاءهنَّ».
وينبغي للمرء أن يتزوَّج الصالحة العفيفة الصادقة المطيعة العارفة بحقوق الزوج وما يلزمها فيما بينهما؛ ولا تعصيه ولا تخونه؛ فإن لم يجد هذه الصفة فليختر من أحسن ما وجد من يحصن بها فرجه ويحرز بها دينه، ومن يردُّ بها نظره عن المحارم، ولا يتعدى إلى ما لا يناله، ولا يرجع إلى الدون، لأنَّه ــ قيل ــ «إيَّاكم وخضراء الدمن فإنهنَّ يورثن الذلَّ ويغيِّرن الأنساب».
وكره له أن يتزوَّج الغنيَّة لغنائها، فإذا قصد ذلك أفقره الله، ولا الجميلة لجمالها فإن فعل ذلك قبحها الله في عينه، ولا يقصد بامرأة عزًّا، لأنَّه يذلُّه الله، ولكن اِحتسابا لله ورجاء لثوابه، ورغبة في دينه، وإحصانا لفرجه.
وروي: «إنَّ المرأة تنكح لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فإن ظفرت بذات الدين تربت يداك».
وقيل: في تزوَّج الغنية خمس خصال: مغالاة في الصداق، وتسويف البناء، وكثرة النفقة، وفوت الخدمة، وعسر طلاقها إن أراده. وفي الفقيرة: خمس أيضا على الضدِّ من ذلك وسيأتي لهذا مزيد في بابه.
__________
(1) () - ب: - «لأنَّه». (5/14)
صفحة 2099
الباب الثاني
في الترغيب في النكاح وذكر من يصلح من النساء
والنكاح ــ قيل ــ حقيقة في الوطء، وقيل: في العقد، وهو الصحيح، لأنَّ العرب تسمِّيه نكاحًا تسمية للسبب باسم المسبَّب، والحقُّ أنَّه فيه مجاز مرسل. قال أبو محمَّد: هو اسم يقع على التزويج (1) دون الوطء، وبعد العقد يقع عليه.
أبو سعيد: سمعت أنَّه لا يجوز للمؤمن أن يقطع نيته عن التزويج، وعليه الاستغفار منه. وفي الضياء: نية التزوُّج فريضة لما مرَّ: «تزوَّجوا فإنِّي أكاثر بكم الأمم». ولقوله أيضًا: «تزوَّجوا معاشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوَّج، ومن لم يستطع فليصم فإنَّ الصوم له وِجاء». والباءة: الجماع، والوِجاء: [279] الخصي.
وسقط عن ذي زوجة فرض نية نكاح الأربعة، إلاَّ إن قدر على مؤنتهنَّ فينويه؛ وإن عجز عنه لم يجز له عقد النية فيما يعصي الله فيه.
وقيل: النكاح ندب لا فرض، وقيل لبعض: النكاح والالتماس أفضل أم العزوبية والصبر؟، فقال: من خاف العنَّة فالتَّزوج له أفضل، وإن رجى في تفرُّغه عنه السَّلامة وأنَّه أقدر على أمر آخرته كان ذلك أفضل له.
ومن يحتاج إلى النكاح ولا تدعوه نفسه إليه، لم يجب عليه إتيانه.
وروي: «خير ما أوتي العبد في الدُّنيا الزَّوجة الصَّالحة»، وأيضا: «أطلبوا الغناء بالنكاح»، وأيضا: «من أعطي ثلاثا فقد أعطي خير الدُّنيا والآخرة: خدَن
__________
(1) () - ب: «التزويح». (5/15)
صفحة 2100
ناصح، ولسان ذاكر، وزوجة صالحة»، وبها فسَّر بعض: {ربَّنا ءَاتِنا في الدنيا حَسَنَةً} (سورة البقرة: 201).
وقال أيضا: لعكاف بن وداع: «ألك زوجة؟»، فقال: لا، قال: «وأنت بخير موسر صحيح؟»، قال: نعم، قال: «فأنت إذن من إخوان الشَّياطين»؛ وفي رواية: «أبشر، فأنت من أهل النار: إمَّا أن تكون من رهبان النَّصارى، فأنت منهم، وإمَّا أن تكون منَّا، فإنَّ من سنَّتنا النكاح، شراركم عزَّابكم، والمتزوِّجون المطهَّرون من الخنا».
وفي رواية «أشرار أمَّتي عزَّابها»، وفي أخرى: «من مات عازبا مات شيطانا»، وقال شدَّاد بن أوس: ــ وقد ذهب بصره ــ زوِّجوني فإنَّ النبيء ــ صلَّى الله عليه وسلَّم ــ أوصاني أن لا ألقى الله عازبا.
وقال: «من قدر على النكاح فلم ينكح فليس منَّا». وقال: «لا صرورة في الإسلام»: وهو التارك للنكاح.
ودخل ــ قيل ــ رجل على جابر ومعه بنت له فقال له: يا أبا الشعثاء (1) هذه ابنتك؟، قال: نعم، قال: وإنَّك لتحبُّها؟، قال: نعم، ما قادم أحبُّ إليَّ من ملك الموت، يقدم إليها، ثمَّ عليَّ، ثمَّ على أمِّها، قيل له: وإنَّك لتحبُّ أمَّها على نفسك؟، قال: نعم ولو لم يبق على الدُّنيا إلاَّ يوم، لأحببت أن لا أكون فيه عازبا.
والنكاح مأخوذ من تناكح الأغصان، أي دخول بعضها في بعض. وعن أنس لا يجمع الزَّوجان حتَّى ينادي مناد في السَّماء أنَّ فلانا لفلانة. وروي «سوداء ولود خير من حسناء عقيم».
معاذ (2): عليكم بالأبكار فإنَّهنَّ أكثر حياء وأقلُّ دهاءً. وقال صلَّى الله عليه
__________
(1) () - في النسختين: «الشعتاء» بالتاء المثنَّاة، والصواب ما أثبتناه.
(2) () - في النسختين: «معاد» بدال مهملة. والصواب ما أثبتناه. ولعلَّه معاذ بن جبل. (5/16)
صفحة 2101
وسلَّم لزيد بن حارثة: أتزوَّجت؟ قال: لا. قال: لا تتزوَّج شهبرة، ولا لهبرة، ولا نهبرة، ولا هندرة، ولا لفوتاء، قال له: لا أعرف ممَّا ذكرت شيئا!!، قال: أمَّا الشَّهبرة: فالزَّرقاء الندية ــ وفي نسخة: النديد ــ وأمَّا اللهبرة: فالطَّويلة المهزولة، والنهبرة: العجوز المدبرة، والهندرة: القصيرة الدَّميمة، واللفوتاء: ذات (1) الولد من غيرك.
وقال شيخ من بني سليم لابنه: إيَّاك والرقوب والغضوب والقطوب:
ـ فالرقوب: التي تراقبه أن يموت فتأخذ ماله، وقيل: التي يموت ولدها.
ـ والغضوب: الحمقاء الكثيرة الغضب، القليلة الرِّضى.
ـ والقطوب: التي تعبس وجهها عند الغضب.
وكانوا يكرهون الجمال البارع. وقيل: شاور رجل حكيما في التزويج، فقال له: إيَّاك والجمال البارع. وكان صلَّى الله عليه وسلَّم إذا بنى بامرأة أخذ بناصيتها، ثمَّ قال: «اللهم إنِّي أسألك خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرِّها ومن شرِّ ما جُبلت عليه».
وقال ابن عباس: لا يتزوَّج الأعاربي الأعاربيَّة يخرج بها من أرض الهجرة. وجاز أن يتزوّج المهاجر الأعاربيَّة. وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «أعظم نسائكم بركة أقلهنَّ مهورا، وأصبحهنَّ وجوها». وقال لزيد أيضا: «تزوَّج تزدد عفَّة إلى عفَّتك».
ويكره للرجل أن يتزوَّج مولاة، أو فاسقة، أو مخالفة، أو حمقاء. ولا مرأة أن تتزوَّج فاسقا، أو مخالفا، وآكل حرام، وكاسبه، أو بدويا، أو من لا تقدر أن تأخذ حقَّها (2) منه.
__________
(1) () - ب: «دات». بدال مهملة وهو خطأ.
(2) () - ب: «حقَّه منه». وهو خطأ. (5/17)
صفحة 2102
الباب الثالث
فيمن يجوز تزوُّجه (1) من النساء ومن لا يجوز
قال الله تعالى: {حُرِّمَتْ عليكُمْ أمَّهاتُكم ... } الآية (سورة النساء: 23) وهي التي ولدته أو أرضعته؛ وأمَّهات آبائه؛ وأمَّهاته، وإن علون.
{وبناتُكم ... }: وإن سفلن، من نسب أو رضاع.
{وعمَّاتُكم وخالاتُكم ... }: وإن من رضاع.
{وبنات الأخِ وبناتُ الأختِ ... }: وإن سفلن.
{وأخواتُكم ... }: وإن من رضاع.
{وأمَّهات نسآئِكمْ ... }: وأمَّهاتهنَّ وأمَّهات آبائهنَّ، وإن علون.
{وربآئبُكم ... }: إن دخلتم بأمَّهاتهنَّ، وإلاَّ فلا بأس لأنَّ العقد على البنت يحرِّم الأمَّ لا عكسها.
{وحلآئِلُ أبنآئِكمُ الذينَ مِنْ أصلابِكمْ}: فقد حرِّم نكاح زوجة الابن؛ وجمعُ الأختين، وإن بتسرٍّ.
{إلاَّ ما قدْ سَلَفَ}: في الجاهليَّة، فمن أسلم على أختين اختار واحدة منهما. ونكاح زوجة الأب وآبائه، وإن لم يدخل بها.
أبو عليٍّ: من تزوَّج امرأة فماتت قبل أن يدخل بها ورثها، وله أن يتزوَّج بنتها، وقال بعض مخالفينا: لا تحلُّ له.
__________
(1) () - ب: «تزويجه». (5/18)
صفحة 2103
ويكره لرجل أن يتزوَّج بتريكة أب زوجته، ولا يحرم عليه، وربَّما فعله بعض المسلمين ولا نكير عليه، وبامرأة ربيبه إن دخل بها؛ أبو الحواري: لا تحرم عليه، وله أن يتزوَّج من نكح زوج أمِّه بلا حرمة أيضًا.
ومن عقد على امرأة فاسدًا ودخل بها جاهلاً بفساده حرمت على ابنه وأبيه. ويكره له أن يتزوَّج بتريكة جدِّه، وإن من أمِّه، وحرَّمه أبو الحواري، وقال: يفرَّق بينهما؛ أبو سعيد: وهو الأصحُّ، وبه قال الفضل.
ومن له ذات (1) محرم في بيت أو قرية فلم يعرفها من غيرها، فقيل: له أن يتزوَّج منها، حتَّى يعلم التي لا تحلُّ له بعينها فيفارقها؛ وعليه: فإن وافقها هلك؛ وإن وافق غيرها أثم؛ وقيل: لا يجوز له أن يتزوَّج منها حتَّى يعلم التي يتزوَّجها أنَّها ليست تلك، ويستدلَّ عليها بوجوه: بأن تكون محرمته صغيرة فيتزوَّج أكبر منها، وبأن يصحَّ عنده أن لا يمكن أن تكون هي محرمته، وباختلاف اسميهما؛ وإن كانت محرمته كبيرة فلا يحلُّ له من يمكن أن تكون بنتًا لها، وكذا من سفل، إن كانت ممَّن لا يحلُّ له نسلها كالبنت والأخت والأمِّ؛ وإن كانت كالعمَّة والخالة ونحوهما فلا بأس عليه في نكاح أصغر منها إذا عرف سنَّ التي لا تحلُّ له؛ وإلاَّ واشتبه عليه حكمها، والتبس عليه معرفتها فليترك نساء القرية أو البيت ــ وهذا القول أشبه بأصولنا ــ ولا يتعدَّى إلى غير مباح له إلاَّ بيقين.
ولا بأس بالعقد على حائض ونفساء ومستحاضة.
وحرم نكاح امرأة كرها أو في عدَّة، وإن بتسرٍّ، أو فوق أربعة، أو مشركة ولو أمة، أو من زنى بها، أو بأمِّها أو بنتها.
ونكاح الشغار: هو أن يزوِّج الرجلُ آخرَ وليَّته، على أن يزوِّجه هو أيضًا وليَّته، ولا يجعل لهما صداقٌ إلاَّ هذه بهذه.
__________
(1) () - ب: «دات». بدال مهملة وهو خطأ. (5/19)
صفحة 2104
وشدَّد بعض في نكاح أمة الزوجة.
ومن نظر فرج أمَته أو مسَّه بشهوة فلا يحلُّ لأبيه ولا لابنه وطؤها.
وكلُّ من وطئ امرأة غلطًا منه فلا تحرم عليه، قال الله تعالى: {وليس عليكم جُناحٌ فيمآ أخطأتم به ... } الآية (سورة الأحزاب: 5).
فصل
من تزوَّج امرأة ثمَّ فارقها قبل أن يدخل بها، فلا تحلُّ له أمُّها إن رضيت به زوجًا، وإلاَّ جازت له؛ وإن تزوَّج أمًّا ولم يدخل بها فماتت أو طلَّقها جازت له بنتها كما مرَّ.
ومن تزوَّج امرأة خطأ منه في عدَّتها وقد مسَّها في غير الفرج ثمَّ تركها وتزوَّج أمَّها، قال هاشم: لا أقوى على أن أفرِّق بينهما؛ وإن تزوَّجها صبيٌّ ومسَّ فرجها ثمَّ فارقها حين بلغ لم تحلَّ لأبيه.
وسئل أبو الحسن عن نكاح الرجل زوجة ربيبه، والمرأةِ زوج ربيبتها، والأب ربيبة ابنه والابن ربيبة أبيه، والمرأة زوج عمَّتها امرأة أبيها، والرجل زوجة عمِّه زوج (1) أمّه، فقال: كلُّ هذا مكروه لا حرام؛ قيل: له: فما تقول في جامع بين امرأة وخالتها، أو أمَّ خالتها، وإن علت، وكذا بين امرأة وبنت أختها أو أخيها، وإن سفلت، فقال: ذلك حرام، وأمُّ خالتها أم أمُّها ما كانت؛ وبنت ابنها، وإن سفلوا من ولد أخيها مثل بنت أختها عليه في الجمع، وكذا من جمع بين امرأة وأمِّ عمَّتها، وإن علت، أو بين امرأة وبنت أختها، وإن سفلت، وقال: عندي أنَّ أمَّ عمَّتها فصاعدًا حرامٌ عليه، كأمِّ خالتها؛ وكذا من جمع بين امرأة وخالة أمِّها، وعمَّة أمِّها، وخالة أبيها وعمَّته حرامٌ كالعمّة والخالة.
__________
(1) () - ب: «زوجه». (5/20)
صفحة 2105
فصل
اختلف في نكاح الرجل أخت امرأة زنى بها، فقيل: يجوز له، وقيل: لا، وبنات الزانية، وبناة بنيها وبناتها وإن سفلن، وأمَّهاتها، وإن علون حرام على الزاني بها. ولا بأس بنكاح بنات الزنى [251] لغير الزاني بأمَّهاتهنَّ، وبعض كرهه.
وقيل: من قبَّل امرأة فأراد نكاحها، فإن أمكنته من ذلك، واشتهته فإنَّه يكره له؛ وإن دافعته دفاع عفيفة فلا بأس به.
وقيل: في امرأة كانت تحت فاسق لا يتَّقي حرامًا، ولا يتحرَّج عن الأيْمان الغليظة: أنَّه لا بأس بنكاحها ولا يضرُّها فعله.
وإن ولدت امرأة ولم يعلم لها زوج، فلا بأس قيل: بنكاحها، ما لم يعلم متزوِّجها أنَّها زنت به، لإمكان ولادتها من غير زنىً. ولا بنكاح ملاعنة لأنَّها ليست بزانية تنسب لا محدودة على الزنى إلاَّ بمحدٍّود عليه بغيرها.
ومن له أربع زوجات، وأخت إحداهنَّ مملوكة فلا يجوز له تسرِّيها؛ ولا بأس به مع أربع إن لم يكن كذلك، إذ لا يجوز ــ كما مرَّ ــ جمع بتسرٍّ إذا كنَّ في نسب لا يجمعن بالنكاح. ولا بأس بجمع امرأة وأمتها به، وكرهها بعضٌ.
ولا تحرم امرأة على واطئها خطأً كغلط، كما مرَّ.
ومن زنى بامرأة في قرية، وخفيت عليه، فلا يتزوَّج منها امرأة حتَّى يَعلمَها غيرَها، وقيل: لا بأس حتَّى يعلم أنَّها مزنيته. ومن مسَّ فرج امرأة وأخرى تراه فلا عليه أن يتزوَّج التي تراه يمسُّه. ومن غاب عن زوجته، فتزوَّجها رجل على أنَّها زوجة غائب ودخل بها، ثمَّ صحَّ أنَّه وقع ذلك بعد موته وانقضاء عدَّتها منه، فبعض رخَّص فيه وقاسه بواطئ غير زوجته فوافقها؛ وبعض شدَّد فيه وأفسده بالنية الفاسدة. (5/21)
صفحة 2106
ومن تزوَّج (1) لأبيه بلا أمره امرأة فأنكر الأب النكاح، فلا بأس على ابنه أن يتزوَّجها لا عكس ذلك؛ ولا للابن أيضًا أن يتزوج مطلَّقة أبيه، وإن لم يدخل بها كما مرَّ.
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: زوَّج. (5/22)
صفحة 2107
الباب الرابع
في نكاح الرجل ممسوسته أو قريبتها
فمن تعمَّد نطر فرج امرأة أو مسَّه بيده فلا يتزوَّج بها ولا بأمَّهاتها، ولا بما ولدت وإن سفل، ولا ابنه بها، وله نكاح أمِّها وبنتها.
أبو زياد: من وضع فرجه على فرج صبيَّة لا تعقل ثمَّ تزوَّجها عند بلوغها ودخل بها فإنَّه يفرَّق بينهما، ولها عليه صداقها؛ وآخر بمسِّه فرجها قبل النكاح.
ومن أجرى (1) ذكره على فرج صبيَّة لم تبلغ، ومسَّ موضع الختان ولم يولج ثمَّ تاب، فلا يجوز له نكاحها في مشهور المذهب، ورخِّص فيه إذا لم يكن لأجل ما نظر أو مسَّ.
ومن نظر فرج امرأة ولم يعرف محلَّه فلا تحلُّ له إذا نظر بعض جوانبه من تحت ساتر.
ابن علي: من نظر إلى فرج قائمة عريانة، ثمَّ أراد نكاحها فلا تحلُّ له إن نظر إليه نفسه، وإلاَّ ونظر محلِّ الشعر، وما ظهر من جوانبه فلا تفسد عليه. ومن مسَّه من فوق حائل وإن بيده حتَّى أمنى، فقيل: إذا عرف أنَّه الفرج لم تجز له، ورخِّص فيها إذا مسَّه من فوقه، وإن بفرجه، والأخذ بالثقة فيه أولى.
محبوب: أخبرني المليح أنَّه دخل مع جماعة إلى أبي عبيدة، وفيهم الفضل بن جندب فسألناه عن داخل على نائمة فوضع يده على فرجها من تحت الثوب فانتبهت فغضبت وشتمت وأنكرت إنكار الحرَّة هل له أن يتزوَّجها؟ قال: لا. قال المليح:
__________
(1) () - ب: «أجرَّ». (5/23)
صفحة 2108
فسكتنا، ولم يقل له أحد منَّا: من أين؟ حتَّى استأذن عليه أبو نوح صالح الدهان فدخل فغمز بعضنا بعضًا: أيُّكم يسأله عنها؟ فقال الفضل: أنا، فسأله، فقال: يتزوَّجها، ويهب لها ماله إن شاء الله، فقال أبو عبيدة: لا! فقال أبو نوح: يتزوَّجها، فترادد القول مرَّتين أو ثلاثًا. فقال له أبو نوح: هل تعرف حيَّان الأعرج؟ فقال: نعم، قال أبو نوح: أخبرني عن جابر أنَّه يتزوَّجها ويهب له ماله إن شاء الله، فقال له أبو عبيدة: إنَّها الفروج يا أبا نوح! فقال: يا معشر الشباب ألم أنهكم أن تسألوني عن شيء وأبو عبيدة حاضر؟ فقد صدق، هي (1) الفروج!.
ومن زنى بامرأة فهل تحرم عليه زوجته، أم لا إن ستر أمره، قولان.
أبو سعيد: من نظر فرج صبيَّة تربَّى فلا تحلُّ له إن أخذها شهوة لنظره، وإلاَّ فخلاف.
ولا يتزوَّج امرأة مسَّ دبرها، وكرهها بعض، ولم يحرِّموها عليه.
ومن تزوَّج امرأة ولم يدخل بها ومسَّ دبرها فعليه نصف الصداق، وليس كالقبل.
ومن نظر بلا عمد شقَّ الفرج وغضَّ بصره، [252] ولم يتابع النظر فلا تحرم عليه، وإن وقع عليه بلا عمد ومكَّن نظره فيه، ولم يغضَّ بصره حين وقع عليه، فلا يتزوَّجها، لأنَّ تتابعه يزرع الشهوة؛ وإن نظر منها غير الفرجين جاز له ولو تعمَّد، ويتوب. والقبلان وما حولهما فرج.
أبو الحواري: من وطئ امرأة من فوق ساتر، ولو غليظًا أو مسَّ فرجها من فوقه ــ كما مرَّ ــ فلا تحلُّ له.
أبو سعيد: إن نظر بالغ فرج صبيَّة ذات حياء واستتار تعمَّد الشهوة، فقيل: له أن يتزوَّجها إذا بلغت لا لتلك النظرة، وأختارُ إن تزوَّجها لها أن يفرَّق بينهما، إذا علم
__________
(1) () - ب: + «هي». وهو أبلغ ليدلَّ التكرار على التوكيد. (5/24)
صفحة 2109
ذلك، لدخوله على أساس فاسد؛ فإن أقام معها وكان متولًّى فلا تسقط وَلايته، لأنَّه قيل: له نكاحها ما لم يكن نظره بعد بلوغها، قيل له: وسواء تزوَّجها قبله ودخل بها صبيَّة أو بعد بلوغها؟ قال: نعم. وقال: ويروى عن أبي مالك: أنَّه إن تعمَّد نظرها بعده فقيل: تفسد عليه، وقيل: لا.
وكذا إن مسَّها كارهة ومنكرة أجازها له جابر ومنعها أبو عبيدة وأجازها أبو الحسن ما لم تكن لتلك النظرة.
ومن عالج امرأة ولم ... (1)، ولم ير عورتها ولم يلمسها بيده فلا يتزوَّجها وإن قبَّل (2) ــ كما مرَّ ــ وأمكنته واشتهته كرهت له لا إن دافعته؛ وقال جابر: إن لطمته وأنكرت، وإلاَّ فلا. وقال علي بن عروة وسليمان: إذا مسَّها أو قبَّلها فلم تصح ولم تمنعه فلا يفرَّق بينهما إن دخل بها، وإلاَّ اختارا تركها لئلاَّ يتَّهمها بمثل ما فعلت. وإن نظر شعرها جازت له إن لم تعلم به، وكرهت إن تعمَّدت فتحه له.
ومن عبث بامرأة بين إليتيها بذكره فلا تفسد عليه، قال: فإن أنزل فسال في الفرج فحملت ففي نفسي منه حرج، فإن لم يتعمَّد إليه ثمَّ تزوَّجها، فلا أقدم على فراقها.
وفي الضياء: من قبَّل امرأة فله أن يتزوَّج أمَّها.
ابن محبوب: من لقي امرأة ليلاً فأخذها فضمَّها ومسَّ فرجها وإن بفرجه فله أن يتزوَّج من قريتها إن لم يعرفها (3)؛ وإن قالت له: أنا بنت فلان بن فلان، فلا يتزوَّج بنته.
__________
(1) () - كلمة غير واضحة في الأصل. ورسمها: «ولم يطقها».
(2) () - ب: سقط عبارة: «ومن عالج امرأة ولم ... ، ولم ير عورتها ولم يلمسها بيده فلا يتزوَّجها وإن قبَّل» وقد وقع للناسخ فيها انتقال النظر من سطر إلى آخر.
(3) () - ب: «إن لم يعلمها». (5/25)
صفحة 2110
أبو سعيد: من تعمَّد نظر فرج صبيَّة وإن لشهوة ثمَّ أراد نكاحها لا لنظره أو أمّها أو بنتها ففيها نفسها خلاف لا في أمَّهاتها، وأختار التنزُّه عنها لا عنهنَّ.
ومن نظر في منزل فيه امرأتان فرأى فرج امرأة تعمُّدًا، فإن عرفهما باسمهما وعينهما، فلا يتزوَّج واحدة منهما حتَّى يعلم التي نظرها، وإن لم يعرفهما فله أن يتزوَّجهما لإمكان كون التي نظرها غيرهما. وقيل: لا يجوز له نكاح امرأة من المنزل ــ كما مرَّ ــ حتَّى يعلم أنَّها غير التي نظر فرجها.
وله نكاح من نظر فرجها خطأً؛ وإن تعمَّده أو تعمَّد مسَّ دبرها ففي الجواز قولان.
ومن مسَّ فرج صبيَّة فقيل: تجوز له وقيل: لا. وقيل: إن مسَّها أو نظرها لشهوة وأخذها لها (1) فقيل: له تزوُّجُها، وإن أخذها لشهوة.
وقيل: إنَّ حدَّ الفرج المفسد النكاح هو الثقب نفسه محلُّ الجماع، لا ملتقى الدفَّتين ولا الشقُّ، وقيل: إنَّ الشقَّ يفسد، وقيل: يفسد جوانب الفرج لا بموضع الشعر ولا بظاهر الجوانب، وكذا مسُّ ظاهره لا يفسد.
ومن نظر فرج امرأة بنار أو في ماء نهارًا متعمِّدًا أو في مرآة، فعن الوضاح وابن عروة: لا تحلُّ له وانتقض وضوءه وصوم يومه؛ وإن نظر ليلاً بلا نار فلا عليه فيها، وحدُّه من غيوب الشفق إلى طلوع الفجر، وكذا له نكاح بنتها لأنَّ الليل لباس ولو مقمرًا.
وحرَّم بعض أصحابنا المرأة على ماسٍّ فرجها خطأً، وأجازها آخرون؛ وإن لم يدر أمسَّه عمدًا أو خطأً، فخلاف أيضًا. ولا بأس في النظر إن لم يدر حتَّى يعلم أنَّه تعمَّده.
__________
(1) () - ب: يمكن أن نقرأ: «بها». (5/26)
صفحة 2111
ومن أجرى فرجه على فرج امرأة على محلِّ الشعر فوق المصراعين بلا إدخال بعض رأس الحشفة فيهما فقال أبو إبراهيم عن أبي عليٍّ: لا بأس عليه في نكاحها، ويأثم بمسِّها ــ وإن بيده ــ في جسدها، وبنظرها.
وإن مسَّ فرجها برجله، أو ببعض جسده ثمَّ تابا، فلا نرى له نكاحها. ابن بركة: جسده كيَدِه فتكره له، وإن مسَّه بقدمه جازت له.
وإن أرادت امرأة أن تقع من على دابَّة أو غيرها فتناولها رجل فجاء يده على فرجها فلا يتزوَّجها، ومن نكح امرأة في عدَّتها خطأً منه، فتركها وتزوَّج أمَّها بعد [253] أن مسَّها في غير فرجها، فهاشم: لا أقوى على أن أفرِّق بينهما.
ومن نظر بدن امرأة أو لمسه، أو قضى حاجته في سائره لا في الفرج فلا تحرم عليه إذا قبَّلها، ولم يخف أن تفعل لغيره مثله.
ومن ملك امرأة فنظر فرجها في الماء (1)، فلا لها إلاَّ نصف الصداق إن طلَّقها، وقيل: كلُّه. أبو الحواري: إن نظره فيه فنصفه، وإن نظره وهي فيه فكامل.
أبو سعيد: إن ملكها ثمَّ فارقها، وقد ضربت فرجه بيدها، فقيل: تفسد عليه بنتها كمسِّه فرجها، وقيل: ولا هي (2)، ولا مسُّها كمسِّه، والتنزُّه أحسن.
ومن رأى رجلاً يزني بزوجته، حرمت عليه؛ وإن رآه يزني بسريَّته حرمت أيضًا.
ومن عبث بامرأة في بطنها، فأنزل، فسالت نطفته حتَّى دخلت فرجها، فإن لم يمسَّه ولا نظره من تحت الثوب فله أن يتزوَّجها إن لم تحمل منها.
محبوب: إن عبث بالغ بصبيَّة لا تعقل، ونظر فرجها ومسَّته، أو بفرجه، جازت له؛ وإن عبثت بالغة بصبيٍّ وجعلت ذكره على فرجها، ولا يعقل جازت له إذا بلغ؛
__________
(1) () - ب: - «في الماء».
(2) () - ب: - «ولا هي». (5/27)
صفحة 2112
وإن تعمَّدت نظرًا إلى فرج رجل لشهوة، وعلم هو بذلك فالأكثر: لا تفسد عليه، وبعض أفسدها.
أبو الحواري: من علم أنَّه مدَّ يده إلى فرج امرأة، ولم يتيقَّن بمسِّه، فشبهة، لا يتزوَّجها. ابن جعفر: جازت له حتَّى يعلم أنَّه مسَّها، أو نظره عمدًا، وكلاهما صوابٌ، وبه قال ابن محبوب. ابن الحسن: المختار في نظر بالغ فرج صبيَّة أنَّه لا بأس أن يتزوَّجها إن كان لا لنظره، وإن كان له فلا.
وإن مسَّ صبيٌّ فرج صبيَّه، فلهما أن يتناكحا إذا بلغا، ولو بذكره إن لم يولج؛ وإن أولج ففي فسادها به قولان.
وإن ملك صبيٌّ امرأة ومسَّ فرجها، ثمَّ كرهها لمَّا بلغ لم تحلَّ لأبيه، وكذا كلُّ من مسَّ فرج غير زوجته، فلا تحلُّ له ولا لأبيه.
فصل
من نظر فرج بنته أو مسَّه متعمِّدًا (1) لشهوة فسدت عليه أمُّها؛ وإن فعل ذلك لا لها، فقيل: تحرم عليه، وقيل: لا، وهو قول هاشم. قال الخراساني: والربيبة في هذا كالبنت؛ الوضَّاح: يقول المسلمون: البنت عدوَّة أبيها في البيت، إشارةً إلى ذلك.
ولا يستحبُّ لرجل أن يغسل فرج بنته، فإن فعل، فلا تحرم عليه امرأته به، ولا بمسِّه دبرها لشهوة، أو نظره، ولا بنظرة منه خطأ إلى فرجها بالغة، وفي العمد خلافٌ. وشدَّد بعض في النظر والمسِّ عمدًا بشهوة، ومن تعمَّد نظرًا إلى صدر بنته ليعرفه، ولم يرده إلى فرجها، فوقع إليه، فقيل: إنَّه كالخطإ، وقيل: إنَّه كالعمد؛ وإن تعمَّده إلى ظاهره كمنبت الشعر وملتقى الدفَّتين لم تفسد عليه أمُّها.
ومن مسَّ فرج أمِّ زوجته ولو خطأً، حرمت عليه زوجته، وبالنظر عمدًا أيضًا لا
__________
(1) () - ب: «متعمِّدٌ». وهو خطأ. (5/28)
صفحة 2113
به إلى دبر أبيها وليس أبوها كأمِّها في مسٍّ ولا نظر؛ وفسدت عليه إن وطئه فيه؛ وإن وطئه قبل أن يتزوَّجها فلا يتزوَّجها؛ ولا تفسد عليه زوجته بالنظر إلى دبر أمِّها ولو عمدًا، أو لا إلى فرجها خطأً.
ومن تعمَّد نظرًا إلى فرج امرأة لم تحلَّ له ولا لأبيه، ولا لابنه كما مرَّ. وإن نظر أبوه فرج زوجته فلا يفسدها عليه به، لأنَّها من محارم أبيه، وكره له ذلك؛ وإن نظر هو فرج أمِّه فلا يفسدها على أبيه.
وعن أبي عثمان أنَّ عبد الله بن دماح ملك امرأة فسوَّر عليها الجدار فوجدها وأمَّها نائمتين، وقد كشف عن فرج أمِّها ونظر إليه، وهمَّ بها، ثمَّ رجع، ثمَّ عاد إليها، فلم يزل كذلك حتَّى أصبح ولم يصنع شيئًا، فسأل الربيع، فقال: الليل للناس لباس، ولو مقمرًا.
أبو سعيد: من مسَّ فرج بنته أو ربيبته من فوق الثوب، فقيل: مسُّه من فوقه (1) لا يوجب حرمة، ولو مسَّه نفسه وتيقَّنه، لأنَّه لباس له، وساتر، والمعتبر مسُّه من تحته، وقيل: إذا عرف ما مسَّ وقعت أحكامه بموجب حرمة في امرأة وبناتها وأمَّهاتها، وذلك في العمد، وأمَّا في الخطإ فقيل: إذا مسَّ فرج الأمِّ ولو خطأ حرمت عليه هي وبنتها، وقيل: حتَّى يمسَّ عمدًا أو يطأ خطأ؛ قال الشيخ: وهما في هذا سواء. وقيل: الأمُّ أشدُّ إذا مسَّ فرج أمِّ امرأته، وهو أشدُّ من مسِّ فرج بنتها.
ومن مسَّ فرج امرأة ظنَّها زوجته، فعن محبوب أنَّ الخطأ في ذلك خطآن، فإن أخطأ إلى مسِّه بلا قصد إليه، بل إلى بعض بدنها، فإذا هي بنتها أو أمُّها، فذلك لا بأس به؛ وإن قصد إليه نفسه فهذا الخطأ هو المفسد عليه امرأته.
ومن مسَّ فرج صبيَّة لشهوة فلا تحلُّ له أمُّها، ولا إمساكها إن كانت عنده. ومن مسَّ فرج بنته أو ربيبته البالغتين حرمت عليه أمُّهما.
__________
(1) () - ب: «فوق الثوب». (5/29)
صفحة 2114
ومن نكح غلامًا حرمت عليه أمُّه وبنته، لا أخته.
من نعس فأخذت أمُّ امرأته يده فوضعتها [254] على فرجها فانتبه فدفعها، فلا تحرم عليه بنتها، لأنَّ ذلك من أمِّها لا منه.
عزَّان بن راشد: من نعس فقبضت أمُّ امرأته على ذكره من تحت الثوب، فانتبه فأدخل يده فمسَّ جسدها سوى العورة، ثمَّ سأل سليمان ومحبوبًا، فتوقَّفا، فقال أبو عبد الله: لا تحرم عليه، ولا إن ضمَّها ولمس منها غير الفرج، ووضع فرجه على فرجها من فوق الثوب حتَّى أنزل، وإن تنزَّه فذلك إليه.
أبو عليٍّ: إن مسَّت امرأة فرج رجل حتَّى أنزل، فالسلامة له أن لا يتزوَّجها لمطاوعته وإنزاله. أبو الحواري: لا تحرم عليه، وقال أيضًا: من نظر فرج بنته قائمة من تحت قميص يشفُّ، فإن بان له الشقُّ، وقد بلغت، وتعمَّد (1) حرمت عليه أمُّها، لا إن لم تبلغ، حتَّى يتعمَّد مسَّه لشهوة.
ومن قصد لمس فرج زوجته فصادف أمَّها فقيل: تفسد عليه، وقيل: لا وهو كالخطإ، حتَّى يتعمَّد مسَّه عالمًا قبله أنَّه فرج غير زوجته؛ وإن جامعها دون موجب غسل، ثمَّ علم أنَّه غيرها فنزع من حينه، قال: فإذا لم يقع وجوب وطء فهو في حكم الماسِّ، حتَّى يطأ؛ فإن قذف على فرجها فدخلت فيه نطفة، ثمَّ علم فنزع ثمَّ شكَّ، فلا يتبيَّن لي أنَّه أن يلحقه اختلاف كالمسِّ ودخول النطفة كالوطء لا كالمسِّ؛ فإذا ثبت الوطء فهو مفسدٌ ولو خطأً.
ومن أراد غسل فرج صغيرته لوى على يده خرقة، وإن لم يلو وغسله كذلك فلا تحرم عليه أمُّها حتَّى يمسَّه لشهوة كما مرَّ. ومن تعمَّد نظر فرج بنته أو ربيبته في صغرهما أو مسَّه، فسدت عليه ــ قيل ــ أمُّها وإن لا لشهوة.
__________
(1) () - ب: «تعمَّدت». (5/30)
صفحة 2115
قيل: لابن محبوب: فإن تعمَّد نظره، ثمَّ غلبته الشهوة، فقال: لا تفسد عليه حتَّى يتعمَّده لها؛ وإن آخر رأى ابن عليّ أنَّه لا بأس على متعمِّد نظر فرج صغيرته إلاَّ إن كان لشهوة فتفسد أمَّها.
وكلُّ من تعمَّد نظر عورة امرأة أو فعل بها موجب مهر عليه، أو ملك عصمتها فنظر فرجها أو مسَّه، فلا يتزوَّجها أبوه. (5/31)
صفحة 2116
الباب الخامس
في نكاح الرجل امرأة أبيه أو ابنه أو صبيّته أو صبيِّ امرأته
فمن تزوَّج امرأة ففارقها قبل الدخول بها، فإن رضيته زوجًا فلا تحلُّ له أمُّها، وإلا جاز له؛ وإن تزوَّج الأمَّ ورضيته ثمَّ طلَّقها قبله أيضًا حلَّت له بنتها.
وإن أمرت امرأة وليَّها أن يزوِّجها برجل فلمَّا بلغها غيَّرته ولم ترض به، فقيل: يثبت عليها بالأمر الأوَّل، وقيل: لا، حتَّى ترضى بعد النكاح، فعلى الأوَّل: لا يحلُّ لها ابن الرجل ولا أبوه، وكذا الابن إذا رضيته الزوجة عند العقد حرمت على أبيه، وإن لم يدخل بها، وذلك كلُّه مأخوذ من القرآن.
ومن تزوَّج امرأة ورضيته فطلَّقها أو ماتت (1) قبل الدخول، ولا نال منها نظرًا ولا مسًّا فله نكاح بنتها كما مرَّ.
وإن ملك صبيٌّ امرأة ومسَّ فرجها، ثمَّ كرهها لمَّا بلغ فلا تحلُّ لأبيه، وكذا كلُّ من مسَّ فرج غير زوجته فلا تحلُّ له ولا لأبيه.
ابن الحسن: من تزوَّج امرأة وقبِلته ولم يدخل بها حرمت عليه أمُّها وجدَّاتها من حيث كنَّ، فكلُّ خارجة من بطن جدَّة منهنَّ أو من صلب جدٍّ من أجدادها فتلك المرأة كولد أمِّ أمِّها، وهي خالة له، ولا يحلُّ له الجمع بينهما، وهي كالخالة، وكذا كلُّ خارجة من صلب جدٍّ لها فكعمَّتها، لأنَّ أولاد الأجداد والجدَّات كأولاد الآباء
__________
(1) () - ب: «مات». (5/32)
صفحة 2117
والأمَّهات، كما أنَّ الأجداد في الحرمة كالأمِّ والأب فما نسل من ولد الجدِّ لا منه نفسه زالت حرمته، وصار كولد الخال والخالة والعمِّ والعمَّة.
ويكره جمعٌ بين امرأة وبنت خالها أو بنت خالتها أو عمَّتها أو عمِّها، وليس بحرام، بل هو حلال، وإن كانت أمُّ خالة امرأته أو أمُّ عمَّتها غير أمِّ أمِّها وأمِّ أمِّ بنتها فتلك كمن نكح أبا أبا امرأته من النساء، فقد أجازوا أن يجمع بين امرأة وما نكح أبوها إن لم تكن من جدَّاتها، وكذا ما نكح الأجداد ولم يكن من الجدَّات فليس بحرام. ولا بأس أن يجمع بينها وبين ما نكح أبوها وأجدادها إن لم تكن خالةً أو جدَّة، لا أن يجمع بين امرأة وبنت أخيها أو أختها، وما سفل. والرضاع كالنسب.
ويكره للرجل نكاح زوجةِ ربيبه، وللمرأة زوج ربيبتها، أو امرأةِ أبيها، وللأب ربيبة ابنه، وللابن ربيبة أبيه، وزوجة زوج أمِّه، ليس محرَّمًا.
ولا يحلُّ له أن يجمع بين امرأة وعمَّتها أو أمِّها، وكذا خالتها وأمِّها، [255] وإن علون، وكذا بين امرأة وبنت أخيها أو ابنها أو بنتها وإن سفلن.
واختلف في زوجة الربيب وبناته فبعض كره، وبعض حرَّم، وبعضٌ رخَّص. وقيل: إذا كانت بنت الربيبة لا تجوز فبِنت الربيب مثلها.
ومن تزوَّج بصغيرة وطلَّقها قبل الدخول بها فلا تحلُّ لابنه، لأنَّها خالته.
أبو الحواري: جاز للابن أن يتزوَّج أمَّ زوجة أبيه وبنتها.
ومن تزوَّج صبيَّة ولم يدخل بها وأنكرته بعد البلوغ فله نكاح أمِّها كما مرَّ عند من لا يثبت نكاح الصبيَّة حتَّى تبلغ، لا عند من يثبته وإن لم يدخل بها.
فصل
حاصل ما مرَّ أنَّه يحرم على الرجل وإن عبدًا أو مشركًا ثمان عشرة: سبع من النسب، وسبع من الرضاع، وأربع من الصهر، وزيد على العبد سيِّدته، وكذا على المرأة من الرجال، وزيد عليها عبدها. (5/33)
صفحة 2118
فالنساء من نسبه: أمُّه وما ولدت وما ولدها؛ وبنته وما ولدت؛ وشقيقته كذلك، ويحرم عليه من أخته من أبيه ما ردَّت فوقها من قبله، لا ما فوقها من قِبل الأمِّ إلاَّ امرأة أبيه، ومن أخته من أمِّه ما فوقها وما تحتها من قِبلها، وحلَّ ما فوقها من أبيها؛ وعمَّته وما فوقها إن كانت شقيقة أبيه، وإن كانت من قِبله فقط فكالأخت من الأب، وإن كانت (1) من أمِّه فكالأخت منها، وحلَّ نسلها؛ وخالته مثلها في ذلك؛ وبنت أخيه وأخته وما تحتهما وما فوقهما من قبل أمِّها فكما مرَّ فيها، وحلَّ ما فوقها من قبل أبيها، وبنت الأخ فما فوقها من قبل أبيها، فكما مرَّ في الأخت، ومن قبل أمِّها حلال.
والرضاع كذلك.
ومن الصهر: زوجة أبيه وحلَّ له ما فوقها وما تحتها من غيره، إن لم يكن رضاع؛ والجدُّ مثله؛ وزوجة ابنه وأمُّ امرأته وما فوقها، وربيبته إن دخل بأمِّها؛ وإن ماتت ولم يدخل بها فقولان، والرضاع كذلك.
فصل
من زنى بامرأة تزوَّجها، فإنَّه يفارقها ويعطيها صداقها، وثبت نسب ما ولدت معه؛ وإن مات أحدهما قبل أن يفترقا فلا يتوارثان، وقيل: يجبر على فراقها، ولا يتزوَّج من عرفها زانية غيره إلاَّ إن تابت؛ ولا طفل إن رآها تزني كطفلة رأت بالغًا يزني، وإن رآها رجل يزني بها فلا بأس بنكاحها، وكذا إن فعل بعضهم ببعض، إلاَّ إن تخالطا فلا يتناكحان؛ وإن تناكحا فرِّق بينهما.
وحرِّم على الناشزة أزواج الدنيا والآخرة، إلاَّ إن تابت فلها أزواج الآخرة، وقيل: أزواج الدنيا أيضًا إلاَّ من نشزت إليه، ويجبر على فراقها، ولا صداق لها عليه،
__________
(1) () - ب: + «امرأة». (5/34)
صفحة 2119
وثبت نسب ما ولدت معه، وفي الموارثة بينهما قولان. ولا يضرُّ طفلة ولا مجنونة نشوزهما. ولا يبطل صداق أمة إلاَّ إن نشزت بسيِّدها.
ومن اتَّفق مع ذات زوج أن تفارقه فيتزوَّجها أو كتب لها عليه، أو قال له: طلِّقها، أو شهد بطلاقها زورًا، أو حكم به جورًا، أو قتل زوجها ظلمًا، أو أجبره على فراقها لم تحلَّ له في ذلك؛ وكرهت لحاكم بطلاقها عدلاً، ولشاهد به حقًّا، وإن تزوَّجاها فلا بأس.
ومن تعمَّد نكاح امرأة في عدَّة كفر ولا صداق لها، وفي ثبوت النسب ووجوب الحدِّ قولان.
ومن هربت من زوجها فتزوَّجها آخر ولا يعلمها ذات زوج فلا صداق لها عليه، وثبت له ما أتت به بعد ستَّة أشهر، وحرِّم عليها أزواج الدارين؛ وإن علمها متزوِّجة فلا يثبت ويحدَّان، وللأوَّل ما ولدت، وقيل: لا يلزمه إلاَّ ما أتت به دونها.
ولا يثبت لغاصب امرأة، وإن أيِّمًا ما وُلد معها ويحدُّ، وعليه صداقها، وقيل: لكلِّ مسٍّ صداق؛ وإن كان لها زوج لزمها كلُّ ما ولدت، وقيل: ما أتت به دونها أيضًا.
وكذلك إن طلَّق زوجته ثلاثًا ولم تعلم بها، وهو يمسُّها فلها بكلٍّ صداقٌ، وثبت نسبه، إلاَّ إن فرَّق الحاكم بينهما فلا يثبت حينئذٍ إلاَّ ما أتت به دون الستَّة، ويحدُّ.
ومن تزوَّج محرمته وإن برضاع أو صهر، ولم يعلما ثبت النسب ولها صداقها، وإن علم دونها كان لها ولا نسب له، وإن علما معًا فلا، ولا به (1) ويقتلان، وكفرا هما ومن شهد لهما ومن أعطاها.
ومن عقد على خمس بمرَّة لم يجز نكاحه؛ وإن مسَّهنَّ على ذلك وقد علمن، فلا صداق لهنَّ، ولا نسب ولا ميراث بينه وبينهنَّ، وحرمن عليه إن مسَّهنَّ؛ وإن مسَّ
__________
(1) () - ب: - «به». (5/35)
صفحة 2120
بعضهنَّ حرم وحده.
وإن تزوَّج أربعًا ثمَّ خامسة كفر أيضًا، ولا صداق لها إن علمت، وإلاَّ فلها لا النسب، وحرمت عليه وحدها إلاَّ إن علمن أنَّه مسَّها أو أتت بولد، ولا ميراث بينه وبينها.
ومن تعمَّد نكاح أختين في عقدة حرمتا عليه معًا، وكفروا [256] هم والشهود، والمنكح إن علموا، ولو لم يمسَّهما، وإن مسَّ واحدة فلها صداقها إن لم تعلما، وقيل: غير ذلك إذا لم يمسَّها؛ وإن علمتا فلا نسب ولا ميراث؛ وإن لم يعلم فتزوَّجهما في عقدة ثبت نسبه، ولا تحرمان عليه؛ وإن تزوَّجهما مفترقتين عمدًا فمسَّ الأخيرة أو لم يمسَّها ثبت نسب الأولى لا الأخيرة إن علم، ولا يتوارث معها، وحرِّمتا، وإلاَّ ثبت النسب، ويجدِّد لمن شاء منهما إن تزوَّجهما في عقدة؛ وإن مسَّهما فلا يجدِّد لواحدة حتَّى تعتدَّ الأخرى، ولا يصحُّ تجديده في عدَّتها؛ وإن مسَّ على ذلك حرمت؛ وإن رأت ثلاث حيضات فتزوَّج التي أرادها، وبان الحمل في التي رأت ذلك، فإنَّه يعتزل التي تزوَّجها حتَّى تضع وترى ثلاثًا أيضًا، ثمَّ يجدِّد لها؛ وإن مسَّها قبل أن يجدِّد لها، أو جدَّد في عدَّة الأخرى، فمسَّ على ذلك حرمت عليه؛ وإن مسَّ واحدة فقط، فأراد أن يجدِّد لها فلا حاجة إلى العدَّة لها؛ وإن أراد التي لم يمسَّها فحتَّى تعتدَّ التي مسَّ؛ وإن تزوَّجها في عدَّتها، فمسَّها على ذلك حرمت عليه وإن لم يمسَّها فليجدِّد لمن شاء بلا عدَّة؛ وإن تزوَّجهما مرتَّبتين ولم يعلم فالأولى زوجته لا الأخيرة، ولها صداقها إن مسَّها، وثبت نسبه معها؛ وإن مات الرجل ثمَّ أنَّه تزوَّجهما في عقدة فلهما صداقهما إن لم تعلما لا الإرث؛ وإن تزوَّجهما في عقدتين أخذت الأولى إرثها وصداقها إن فرض لها، ولا ترث الأخيرة ولها صداقها إن مسَّها، وقيل: حرمتا عليه ولو لم يعلم، أو عقد عليهما في عقدتين لظاهر الآية.
ومن تزوَّج امرأة وبنتها متعمِّدًا حرمتا، ولا يثبت نسبه معهما، إلاَّ إن تزوَّجهما في عقدة فمسَّ الأولى قبل أن يتزوَّج الأخيرة فإنَّه يثبت معها لا إن مسَّها بعده، ولا (5/36)
صفحة 2121
توارث بينهما ولا صداق لهما إن علمتا؛ وإن اتَّحدت عقدتهما ولم يعلما فمسَّهما حرمتا، ولهما الصداق إن لم تعلما وثبت النسب لا التوارث؛ وإن لم يمسَّهما جدَّد للبنت، وقيل: لمن شاء، وإن مسَّ الأمَّ حرمتا معًا، وقيل: يجدِّد لها، وإن مسَّ البنت جدَّد لها؛ وإن افترقت عقدتهما وقد تعمَّد حرمتا (1) ويصدق للأولى إن مسَّها، وإلاَّ فنصفه؛ وإن مسَّ الأخيرة ولم تعلم فلها صداقها لا إن علمت، وإن لم يمسَّ الأولى إلاَّ بعد مسِّ الأخيرة ولم تعلم الأولى بها فلها صداقها، وللأولى صداق ونصف؛ وإن مسَّ الأخيرة فللأولى نصفه، وللأخيرة كامل إن لم تعلم؛ وإن مسَّ الأولى ثمَّ تزوَّج عليها الأخرى فمسها ولم تعلم ثمَّ مسَّ الأولى فلها صداقان، وللأخيرة واحد؛ وإن جهلت الأولى منهما فمسَّهما فلهما صداقان وربع إن فرض لهما، وإن فرض لواحدة فقط فلهما صداقان وثمن؛ وإن مسَّ واحدة فقط وقد فرض لهما أو لواحدة فمسَّ واحدة ولم تعلم فلهما صداق وربع؛ وإن فرض لواحدة فقط ومسَّ واحدة، ولم تعلم فلهما صداق وثمن؛ وإن فرض لواحدة أكثر من الأخرى أو خلاف ما للأخرى فمسَّهما فلهما ما فرض لهما؛ وإن مسَّ واحدة لا بعينها أعطى كلَّ واحدة خمسة أثمان ما فرض؛ وإن لم تعلم كلٌّ منهما ما فرض لها أخذت كلٌّ منهما خمسة أثمان ما فرض للأخرى، فتقسمان بينهما نصفين؛ وإن تزوَّجهما بلا فريضة فمسَّهما فلكلٍّ صداق مثلها؛ وإن مسَّ واحدة فلها صداقها إن علمته وإلاَّ أخذتا صداق (2) المثل بينهما أنصافًا؛ وإن مات وبان أنَّه تزوَّج امرأة وبنتها، فإن كان في عقدة فلا ميراث لهما، ولهما الصداق إن مسَّهما؛ وإن تزوَّجهما بترتيب ولم يمسَّ واحدة فللأولى الصداق إن فرض لها والميراث، ولا شيء للأخيرة، وكذا إن مسّ الأولى فقط، ولا إرث لهما إن مسَّهما، وكذا إن مسَّ الأخيرة، ولهما الصداق إن مسَّهما معًا؛ وإن مسَّ الأخيرة فقط فللأولى نصفه وللأخيرة تامٌّ.
و
__________
(1) () - ب: + «معا».
(2) () - ب: «أخذتا صدق». (5/37)
صفحة 2122
كلُّ من لو كان ذكرًا والأخرى أنثى فلا يتناكحان فلا يجمعهما رجل إن كانتا مؤنَّثتين، ولو حرَّة وأمة أو [257] بالتسرِّي فإن جمعهما في عقدة أجبر على فراق واحدة منهما أو الأخيرة إن ترتَّبتا، وقيل: يؤخذ بفراق واحدة؛ وإن مات أو واحدة منهما قبل الفراق فالإرث بينهما ولهما صداقهما، وكذا إن أجبر على فراقهما فلهما صداقهما إن مسَّهما، وإلاَّ فنصف ما فرض لهما؛ وإن لم يفرض لهما متَّعهما؛ وإن لم يؤخذ بفراق واحدة حتَّى ماتت فلا يؤخذ بفراق البقيَّة؛ وكذا إن حرمت واحدة بردَّة أو زنًى أو بموجب التحريم، أو طلَّقها بائنًا، أو فاداها أو آلى منها أو ظاهر إن انقضت العدَّة في الإيلاء والظهار والطلاق، وإلاَّ أخذ بطلاق واحدة منهما؛ وإن جنَّ قبل أن يؤخذ به وغابت أو فقدت أو غابتا فإنَّه يؤخذ بفراق واحدة.
وإن تزوَّجها بلا شهود فلا يؤخذ بطلاقها حتَّى يشهد، وكذا إن نكحها معلّقا؛ وإن عقدها على من وكِّل عليه فإنَّه يؤخذ به موكِّله، والطفل إذا بلغ والمجنون إذا أفاق لا الوكيل.
ومن تزوَّج على عبده فإنَّه يؤخذ به عليه كنفسه؛ وإن عتق واختار القعود عليهما أخذ بفراق واحدة؛ وإن أخرجه من ملكه أو مات، وورثه وارثه أخذ من انتقل إليه بطلاق واحدة إن كان مِمَّن يطلِّق، وإلاَّ فحتَّى يبلغ أو يفيق ولو له خليفة، وكذا أبو الطفل لا يؤخذ أيضًا، وكذا إن انتقل سهم من العبد إلى من لا يجوز طلاقه؛ وإن انتقل إلى امرأة فإنَّها تؤخذ أن تأمر من يطلِّق عليه وإن زوج عقيدان لعبدهما أو أحدهما امرأة وعمَّتها فليؤخذا بفراق واحدة؛ وإن جنَّ أحدهما أو غاب أو فقد فلا يؤخذ به الباقي؛ وإن انفسخت عقدتهما قبل أن يؤخذا أخذ به من صار إليه، وكذا المقارض إن اشترى عبدًا لتجر أخذ به ربُّ المال، ولو كان الربح فيه، وعلى القول (5/38)
صفحة 2123
بأنَّهما شريكان إن كان فيه فيؤخذان معًا، وكذا يؤخذ بالمأذون له (1) ربُّه إن كان يتَّجر (2) وإن بمال غيره.
وقيل: إن جمع بين من ذكر ومسَّ على ذلك حرمتا عليه، كجامع بين أختين. ويكره بين بنات الأخوال والأعمام والعمَّات والخالات لأجل قطيعة الرحم.
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: «يتجتر» وهو خطأ. (5/39)
صفحة 2124
الباب السادس
في تزوُّج المتناكحيْن والمتماسيْن
ومن وطئ صبيًّا في دبره قدر ما تغيب حشفته فلا يتزوَّج بنته وما ولدت، ولا أمَّه ولا ما ولدها وإن سفل وإن علا. واختلف في نكاح الصبيِّ بنت الفاعل أو أمَّه فالأكثر أنَّه لا يحلُّ للفاعل بنت المفعول به ولا أمُّه، وجازت له بنت الفاعل وأمُّه.
قال مسبِّح: لا بأس أن يتزوَّج المفعول به وأمَّه، ولكلِّ نكاح مطلَّقة الآخر وأخته وعمَّته ونحوهما.
أبو عليٍّ: إن ضرب صبيٌّ يده على فرج صبيَّة أو نكحها بذكره فلهما أن يتناكحا بعد البلوغ، وبه قال أبو المؤثر وأبو الحواري وابن الحسن، وكرهه ابن محرز، ولم يجزه ابن محبوب إن أولج ذكره في فرجها. أبو معاوية: ليس بحرام لأنَّهما لم تجر عليهما الأحكام، غيره: إن راهق البلوغ واشتهى لم يجز، والمفسد لنكاحها عليه يفسد أمَّها وبنتها عليه، ومن لا فلا.
وسئل بعض عنهما إن تلحَّفا في واحد في بيت وقد راهقا هل لهما أن يتناكحا إذا بلغا، قال: لا بأس به إذا بلغا إذا كان ذلك منهما قبل بلوغهما.
وإن مسَّت امرأة فرج رجل عمدًا أو نظرته فإنَّه يحلُّ لها. وإن لزم امرأة ومسَّ فرجُه فرجها فوق ساتر ولم ينظر من تحته ولم يمسَّه، كرهت له خوفًا أن تفعل ذلك مع غيره كما مرَّ، ولا عليه إن تزوَّجها ما لم يتَّهمها.
وإن وضعت فرج غلام على فرجها ثمَّ بلغ فتزوَّجته ودخل بها، ثمَّ أخبرته بذلك، فإن صدَّقها أصدقها وفارقها، وإلاَّ فليس لها أن تقيم معه، ولتفتد بممكن لها ولا يجبر هو على فراقها، وقيل: لا تحرم عليه بذلك وهو ضعيف. (5/40)
صفحة 2125
وإن أخذت امرأة فرج ناعس، واهتدته إلى فرجها، فمسَّه ثمَّ انتبه، فدافعها، فلا تحلُّ له كما مرَّ.
ابن محبوب: من ملك امرأة ثمَّ فارقها قبل مسِّها، وقد كانت فعلت به ذلك فلا يلزمه إلاَّ نصف الصَّداق، لأنَّ ذلك جاء منها؛ وكذا إن فعلته أمُّها به، فلا تحرم عليه بنتها لأنَّه منها كما مر.
أبو علي: إن مسَّت فرج رجل حتَّى أنزل، فالسَّلامة تركها كما مرَّ، وأجازها أبو الحواري. _أبو عثمان: مسُّها لا كمسِّه، موسى: إنَّه مثله.
وإن مسَّت فرج أبي زوجها أو ابنه، فقيل: مسُّها كالرجل، وإنَّه لا يفسد في موضع الفساد، من فساد الممسوس عليه قبل التزوُّج، قال خميس: وكذا عندي يخرج من فساد الأب والابن، إن كان فيما يفسد منهما لزوجها، وإذا ثبت ذلك فأرجو أنَّ فيه اختلافا.
وسئل بعض عن امرأة مسَّت ذكر رجل هل له أن يتزوَّجها، فقال: أجازه بعض، ومنعه بعض، فقيل [258] له: أيُّهما تختار؟ قال: عندي أنَّ المختار من قول أصحابنا جوازها. (5/41)
صفحة 2126
الباب السابع
في الخطبة
وقد جازت خطبة النساء لقوله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرَّضتم به} الآية (سورة البقرة: 235)، وفيه دليل على جوازها، وإن جاءت في تعريضها في العدَّة؛ ويدلُّ عليها أيضا ما روي: «لا يخطب الرجل على خِطبة أخيه» وهو المسلم، وقيل: الموحد.
ويخطب من جاز له نكاحه في الوقت، وندب له إذا أراد أن يخطب امرأة إلى وليِّها، أو إلى نفسها، أن يقعد معها، وبينهما ثالث إن كان إلى نفسها، ويخبرها بأخلاقه، وكلُّ ما تحمله طبيعته، وتخبره هي بمثله، ولا يقول لها: أنا غنيٌّ وهو فقير، أو عريق وهو مولى، وكذا هي. ويكره له أن يمتحنها ولو بعد أن يتزوَّجها؛ ولا يخطبها إن لم يردها؛ ولا ما خطبه ولو جده من أمِّه؛ ولا ما خطب بنتها، ولا يجمعهما، ولا فوق أربعة، ولا بأس إن أراد أن يختار منهنَّ، ولا بأس أن يخطب ما ترك ابنه، أو بنتا بعد أن ترك هو أمَّها.
وإن خطب أب في عدَّة أو ما لا يجوز له ممَّا يجوز للاِبن، فله أن يخطبها؛ وكذا إن كان عبدا، فخطب امرأة بلا إذن سيِّده أو كان مجنونا أو مشركا، جازت لابنه، لا ما خطبه أبوه جائزة له، ولو مات أو تجنَّن أو تركها. وإن خطبها ثمَّ تركها، فتزوَّجت غيره، أو ارتدَّت ثمَّ أسلمت، جازت لابنه.
وللرجل أن يخطب على خطبة طفل أو نحوه، إلاَّ إن خطب بإذن وليِّه، وكذا في العبد. وإن خطب أب لطفله، أو وليٌّ لمجنونه، أو سيِّد لعبده، فلا يخطب على خطبتهم إن كانوا ممَّن لا يخطب عليهم. (5/42)
صفحة 2127
وإن خطب وكيل لموكل متولى، فلا يخطب عليه عند من يقول الرواية جاءت في المتولى لا في غيره، وإن كان الوكيل متولى دون موكِّله، جاز أن يخطب عليه.
ومن أرسل وكيله إلى امرأة، ليخطبها له، جازت لغيره ما لم يصل؛ وكذا إن خطبها إلى غير وليِّها وهو حاضر، إلاَّ إن كان أمر نكاحها في يد ذلك الغير؛ أو خطب طفلة أو مجنونة إلى نفسها ما لم يخطبها إلى من تعلقَّ أمرها به (1).
ويخطب على خاطب في عدَّة بعد انقضائها، أو من لا تحلُّ له. وعلى آذن أن يخطب عليه ولو خطب لمن وليِّ أمره.
ولمن أرسله رجال أن يخطب لهم امرأة، أن يخبرها بأمرهم الأوَّل فالأوَّل. ولا يخطب على خاطب إن أبت هي أو وليُّها، حتَّى يعلم أنَّه تركها، وجوِّز حين ردَّ.
وجاز أن يخطب على خاطب لأحد بلا إذنه أو لعبده، فأخرجه من ملكه أو أعتقه.
وعلى خاطب أمة عند سيِّد، فأخرجها من ملكه عند من انتقلت إليه، إن لم يخطبها عنده، لا على خاطب امرأة إلى وليِّها، فمات أو ارتدَّ أو جنَّ، فرجع أمرها إلى آخر أو حدث أقرب منه. ولا على خاطبها لطفله أو لمجنونه أو لعبده، فبلغ أو أفاق أو عتق إلاَّ بإذنهم أو بتركهم، ولا على عنين أو مجبوب ونحوهما.
__________
(1) () - ب: «به أمرها». (5/43)
صفحة 2128
الباب الثامن
في التعريض
وقد جاز في عدَّة للآية المذكورة، وهي في عدَّة المتوفى عنها لا في المطلَّقة، وجوِّز في الكلِّ، إلاَّ في التي لم تبن، وهو أن يقول الرجل لامرأة: إنِّي أحبُّك أو راغب فيك أو نحوهما، وإن قال لها: إذا تمت عدَّتك فأخبريني أو فأنا أتزوَّجك، جاز ذلك، وقيل: لا يفعله.
ومن تعمَّد خطبة في عدَّة عصى وحرمت عليه، وإن اتفق فيها ولم يتزوَّجها (1) حتَّى تمَّت، فندما على صنعهما وتابا، فهل يتناكحان أو لا؟ قولان. وإن خطبها فيها وتمَّت، فتزوَّجت غيره، ثمَّ خرجت منه، وأن يموت فله نكاحها. وقيل: إذا تعمَّد حرمت عليه أبدا، ابن عباس: يتركها بعد تمام عدَّتها قدرها، ثمَّ يتزوَّجها إن شاء.
وإن خطب طفل أو مجنون فيها، جازت له بعد بلوغ أو إفاقة. وإن خطب فيها عبد ثمَّ عتق، فلا تجوز له، وجوِّزت إن خطبها بلا إذن سيِّده.
ومن خطب طفلة إلى نفسها فيها، أو أمة أو مجنونة فلا يتزوَّجها، وقيل: ليست خطبتهنَّ بشيء، كما إن خطبت واحدة منهنَّ رجلا.
وإن خطب أب لطفله فيها، أو سيِّد لعبده، أو خليفة لمجنون، فبلغ أو عتق أو أفاق، فلا يتزوَّجها بعد، وجوِّز؛ والمرأة فيها كالرجل فيما ذكر. وقد مرَّ أنَّه إن اتفق مع ذات زوج، أن يتزوَّجها إذا فارقها، ونشزت حتَّى فارقته، أو إذا قتل، فلا يتزوَّجها، وفرق بينهما إن تزوَّجها؛ ولا إن قال له: فارقْها لأتزوَّجها، أو أعطاه
__________
(1) () - ب: + «في العدّة». (5/44)
صفحة 2129
أجرا ليفارقها.
وإن اتفق مع مشركة أن تسلم فيتزوَّجها لانقطاع عصمة المشرك جازت له لا إن كانت يهودية تحت مسلم.
ومن طلَّق امرأة ثلاثا ثمَّ [259] خطبها في عدَّتها، جازت له إذا نكحت غيره.
ومن طلقَّ واحدة من أربع فلا يخطب أخرى حتَّى تعتدَّ تلك؛ وكذا لا يخطب أختها حتَّى تعتدَّ؛ ولا يخطب بنت أخت المطلَّقة ثلاثا ولا عمَّتها أو خالتها، وجوِّزت له.
ومن خطب امرأة فيها إلى غير وليِّها، فليست بخطبة، ولا إن خطبها إلى أمِّها أو أخيها إن حضر أبوه (1)، وقيل: للأخ فيها نصيب. وإن أرسل إليها أو كتب، فبلغها أو الكتاب، وفهمته فلا يتزوَّجها، وكذا إلى وليِّها، ولا بأس إن وصلا بعد العدَّة.
وإن وكَّل رجلا أن يخطبها له، وقد علم أنَّها فيها، فخطبها له عليها، حلَّت له، لا لموكِّله، وقيل: غير ذلك، والمعتبر طالب النِّكاح لنفسه.
وإن خطبها فيها ولم يعلم، وقد علمت، جازت له لا لها إن أجابت؛ وإن خطبها فيها عالم بها، وجهل التحريم، فالجاهل كالمتعمِّد، وقيل: إذا علم بعد ثمَّ ندم وتاب، جازت له.
وإن طلِّقت من تحيُّض، فقالت: تمَّت عدَّتي، صدِّقت إن بلغت تسعة وأربعين، وقيل: تسعة وثلاثين، وقيل: إذا جاوزت تسعة وعشرين، وتخطب إن لم تسترب. وكذا تصدَّق الأمة إذا جاوزتها، وقيل: في ستَّة وعشرين. والكتابيَّة إذا بلغت ثلاث عشر.
وإن قعدت امرأة قدر ما تعتدُّ فيه، فلا يتزوَّجها حتَّى تقول له (2): تمَّت عدَّتي، وقيل: يخطبها إذا جاوزت قدر ذلك، وإن قالت: تمَّت عدَّتي أو رأيت ثلاثة
__________
(1) () - ب: «أبوها»، ولعله الأصوب.
(2) () - ب: - «له». (5/45)
صفحة 2130
قروء أو حيضات، صدِّقت. وإن قال الأمين: تمَّت عدَّتها على قولها، لنا فلا يخطبها إلاَّ إن قال ذلك أمينان أو أمين وأمينتان، وجوِّز أمين مع أمينة إن قالا: تمَّت فيما قالت لنا، وإن قالا: تمَّت عدَّتها ولم يزيدا على قولها لنا، فلا يخطبها، ولا ينصت لغير الأمين، ولو قال: فيما قالت لي، وإن قالت: تمَّت في غير ممكن أن تتمَّ فيه، فتمادت على ذلك حتَّى بلغت ما تصدَّق (1) فيه، فله أن يخطبها إن لم يربها.
ومن طلَّق امرأة فلا يتزوَّج أختها حتَّى تقول له: تمَّت عدَّتي، وقيل: إن قعدت قدرها (2)، فله أن يخطبها، وكذا الخامسة. وإن قالت: تمَّت عدَّتي، فتزوَّجها أو أختها أو خامسة، ثمَّ أكذبت نفسها فلا يشتغل بها، وكذا إن ادَّعت غلطا.
وإن كانت في عدَّتها فادَّعت الإسقاط أو الوضع صدِّقت إن لم تتَّهم؛ وإن ادَّعت ذلك في غير ممكن، كمن تزوَّج امرأة فمكث معها (3) ثلاثة أيَّام أو أربعة، فادَّعت إسقاطا، فلا ينصت إليها دون الأربعين.
ولا يخطب معتَّدة بالأشهر، حتَّى يعلم انقضاء عدَّتها، ولا يشتغل بقولها أو قول غير الأمناء، ولا تصدَّق فيه الطفلة والمجنونة. وإن قالوا: تمَّت عدَّة طفلة، جاز قولهم، وكذا في المجنونة إذا أيست، ولا ينصت إلى أبيها أو وليِّها أو سيِّد الأمة، إن قال: تمَّت عدَّتها.
وإن توفيَّ عن حامل ثمَّ وضعت دون أربعة أشهر (4) وعشر، فلا تخطب حتَّى ينقضي أبعد الأجلين.
__________
(1) () - ب: «يصدَّق».
(2) () - ب: «قدره».
(3) () - ب: «فمكثت عنده».
(4) () - ب: - «أشهر». (5/46)
صفحة 2131
الباب التاسع
في الهدايا
وتباح، قيل: ولو قبل إباحة الخطبة، وكره لمريد نكاح معتدَّة لا تملك رجعتها أن يردَّها إلى نفسه بإنفاق وكسوة، حتى تتمَّ عدَّتها، ولها أن تأكل منه، وتلبس إن نوت تزوُّجه؛ وغير البائن من زوجها لا تخرج من بيته، ولا تقبل هديَّة أحد، ولا تتعرَّض إليه، ولا هو إليها؛ وإن لم تنو تزوُّجه، لم يحل لها الأكل منه فإن أكلت، غرمت عند الله، وكذا الرَّجل، وكذا كره له، أن يرد لنفسه طفلة أو مجنونة أو أمة، ولو بإذن وليٍّ أو سيِّدٍ. وكلُّ من لا يجوز له نكاحها فلا يردُّها إليه إن كانت في عدَّة، وله الإنفاق عليها إن شاء، وكذا كره لعبد وأمة ولو بإذن سيِّد. ولا يجوز أن يوكل على طفل أو طفلة أو مجنون أو مجنونة، على نكاح إلاَّ إذن.
ومن أهدى إلى امرأة هدايا قبل أن يخطبها، وقد ظنَّت أنَّه إنَّما يهدي إليها على النِّكاح، جاز لها أن تأكل إن نوت أن تتزوَّجه وإلاَّ فلا، وقيل: لا بأس أن تأكل، ولهما أن يأكل كلٌّ من صاحبه، ما لم يذكر له نكاحا، وكذا ما جعل لأبيها أو نحوه.
ولا يجوز للوليِّ أن يأكل ما لم يعلم أنَّها تريده، وجوِّز ما لم يعلم أنَّها لا تريده؛ وإن أهدى إليها، ولم تعلم مراد وليِّها، فلها أن تأكل، ولو علمت أنَّه لا يريد نكاحها له إن أرادته.
والعبد والأمة لا يأكلان حتَّى يعلما ما عند [260] ساداتهما، ولا بأس أن يأكل السيِّد ما أهدي إليه على النكاح، وكذا أب الطفل والطفلة ووليِّ المجنون.
ولا يجوز لامرأة أن تأكل ما أهدى إليها من حرمت عليه، ولا له أن يأكل ما أهدت إليه، وكلُّ من رجع إليه أمر نكاحها فلا يجوز أن يأكل إذا علم حرمتها. (5/47)
صفحة 2132
وإن كانت امرأة تحت رجل، تهدي إليه أختها على النكاح، فإنَّه لا يأكله؛ وكذا من عنده أربع لا يأكل ما أهدت إليه امرأة عليه؛ وكذا إن كانت عنده امرأة ولم يدخل بها، لا يأكل ما أهدت إليه ربيبتها عليه؛ ولا تأكل متزوِّجة ما أهدى إليها رجل عليه، ولا هو ما أهدت إليه عليه وللأمِّ أن تأكل على بنتها ما أهدي إليها.
فصل
إن تهادى رجل وامرأة على النكاح ثمَّ بدا لهما، ردَّ كلٌّ ما أهدي إليه، وإن رجع عنه أحدهما فقط، فالرَّاجع يردُّ ما أكل، ولا يردُّ له ما أهدى؛ وكذا إن وقع التَّحريم بينهما، وإن من قبل غيرهما، فإنَّهما يتراددان، وإن كان من أحدهما، فإنَّه يَرُدُّ ولا يُرَدُّ له. وإن ماتا أو أحدهما أو ارتدَّا تراددا، وإن ارتدَّ أحدهما ردَّ ولا يُردُّ له، وقيل: لا ترادد في الموت.
وإن خرجت ذات بعل أو محرم منه، تراددا؛ وإن علم أحدهما بذلك دون صاحبه ردَّ العالم ولا يردُّ له.
وإن تزوَّج أربعا أو أختها أو التي لا تجمع معها، فذلك منه رجوع ولو (1) تزوَّج بلا شهود لا إن تزوَّج غير ما ذكر، وكذا إن تزوَّجت هي وإن بلا إشهاد، فهو رجوع منها. وإن تزوَّج أربعا فاسدا أو التي لا تجامعها، فرجوع، وقيل: ليسه. وإن عيب أحدهما فرجع، فهو منه رجوع، فإن رجع صاحبه من أجل عيبه، ففي كونه رجوعا قولان.
وإن تزوَّج طفل أو مجنون أو عبد بإذن من يلي أمره، فبلغ أو أفاق أو عتق، فأبى من النكاح، فلا ترادد. وإن تهاديا فتناكحا فخرج فاسدا، تراددا، لا (2) إن تناكحا تامًّا ثمَّ افترقا ولو قبل المسِّ؛ وإن اتفقا على صداق أو شرط أو وقت معلوم، فمن
نقص عنه أو زاد فهو منه رجوع لا إن اتفقا على النكاح، فأرادا أحدهما تعجيله والآخر تأخيره، إلاَّ إن بان من أحدهما الرجوع أو اشترط، ما لم يعتد.
وإن وقع الردُّ ردَّ كلَّ ما صار إليه بكيل أو وزن، إن كان مكيلا أو موزونا، وإلاَّ فبالقيمة؛ وإن قام بعينه ردَّه وغلَّته وما انتفع به، ولا يدرك عناءه، ولا ما أنفق عليه؛ وكذا إن نقص في عينه أو عيب، فإنَّه يردُّه ونقصه، إن لم يكن فيه تلف عينه، وأرش العيب أيضا لا الزائد والناقص بالسعر وإن تغيَّر وإن بفعل غيره، خيِّر ربُّه فيه وفي قيمته، إن لم يكن مكيلا أو موزونا، وإن كان منه ردَّ له كيله أو وزنه، وإن زاد فيه بصبغ أو نحوه خيِّر ربَّه في أخذه، وردِّ قيمة الصبغ، وفي قيمته يوم أهداه.
وإن تلف الشيء فإنَّه يردُّ قيمته؛ وإن كان أرضا فغرسها، خيِّر في أرضه والغرس لصاحبه، وفي أخذ عوضها. وكذا إن أهدى له شجرا فغرسه هو في أرضه فعليه له قيمته يوم أهداه له ويمسكه فيها، وقيل: إنَّما يتراددان القيمة، ولو قام الشجر بعينه.
وجناية الهدية وما جني عليها وزكاتها ونفقتها، فعلى من أهديت إليه، وفعله فيها جائز من بيع أو هبة أو رهن أو عتق أو نكاح أو طلاق.
__________
(1) () - ب: «وإن».
(2) () - ب: «إلاَّ». (5/48)
صفحة 2133
الباب العاشر
في الأكفاء
قال الله تعالى: {اليَومَ أحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ ... } إلى { ... أخْدَانٍ} (سورة المائدة: 5) وقال e: «لا تجعلوا كرائمكم إلاَّ عند ذي دين، فإن أحبَّها أكرمها، وإلاَّ لم يظلمها»، وعن عائشة: «أنكح ذا دين أو دع»، وقال أيضا: «تزويج المنافق يقطع الرَّحم»، وقال أيضا: «من زوَّج حرمته سفيها فقد عقَّها»، و (1) أيضا: «من زوَّج كريمته بفاسق عالمًا به فقد قطع رحمها»، أي قرابة ولدها منه لأنَّه لا يؤمن أن يطلِّقها، ويصير معها على سفاح، وتلد منه (2) لغير رشدة، فهو قطع رحمها.
ومن المثل: أنكحنا الفرى، فسنرى أي زوَّجنا من لا خير فيه، فسنعلم حال عاقبته. والفرى حمار الوحش، وقد روي: «كلُّ الصيد في جوف الفرى»، قال ذلك لأبي سفيان يستعطفه به لمَّا استأذن عليه [261] e فغيَّبه ثمَّ أذن له، وقال عمر: لأمنعنَّ النساء إلاَّ من الأكفاء. وقال أيضا: ما بقي من أمر الجاهلية شيء، غير أنِّي لا أبالي أيُّ المسلمين نكحت، وأيُّهم أنكحت.
أبو محمَّد: وصلت امرأة إلى أبي بكر فقالت له: إنَّ غلامي أطوع لي من غيري، فأعتقه وأتزوَّج به، فقال لها: اذهبي إلى عمر، فجاءته، فقالت له ذلك، فلحقها بالسوط، وقال: لا تزال العرب عربا ما منعت نساءها، أي من غير الأكفاء، فهو حجَّة لمن لم يجز نكاح العبد والمولى والبقال ونحوهم.
__________
(1) () - ب: + قال.
(2) () - ب: يلد معها. (5/49)
صفحة 2134
وعند عزَّان: أهل الإسلام كلُّهم أكفاء في باب النكاح، والأكثر منَّا يخالفه فيه، ويجعل الأكفاء في العرب لا في المولى والحجَّام والنساج والبقال، وإن كان منهم، والبعض يجيزه إن رضيت المرأة وكان الرَّجل مسلما، ولا يردُّ إلاَّ الكافر والعبد إن لم تكن من جنسه، ولو طلبت إتمام النكاح والوليُّ ردَّه.
واختلف في الأكفاء فيه، فقال أبو حنيفة: القريشيَّة لا كفأ لها من غير قريش، وخالفه الشافعي وهو قريشيٌّ مطلبي، فقال: أهل الإسلام أكفاء، وأبو حنيفة: مولى، واختار كلٌّ منهما ما كان للآخر أشبه، وغلَّط خميس أبا حنيفة فإنَّه e زوَّج زيدا كما مرَّ ببنت عمِّه وعمَّته لأنَّها هاشميَّة وهو ــ قيل ــ من الأنصار، وقيل: من سائر اليمن؛ وتزوَّج الأشعث بن قيس أخت أبي بكر وهي قريشيَّة وهو كندي؛ وزوَّجة أبي موسى الأشعري قريشيَّة وانظر ما نسه.
محمَّد بن حسن: ليس الكافر للنِّعم كفؤا للحرم ولا أمينا لغدره بالذمم. ابن جعفر لا يجوز تزويج العربيّة بمولى أو نساج أو بقال أو حجام أو عبد إلاّ إن كانت مثله، ويرد ولو جاز بها إن كان يعمل ذلك بنفسه وإن سابقا، وإن كان يعمله أبوه ولا هو وجاز بها ففي انتقاضه قولان، وقد أمر عمر الصّحابة أن يطلّقوا اليهوديات الكائنات عندهم لانحطاط قدرهنّ ولدعائهنّ إلى النار، وأجاز أبو الحواري نكاح المولى والحجام والبقال والنساج إذا زوَّج الوليّ برضى المرأة؛ وإن طلب وليّ سواه فراقها جاز لها إن كانت عربيّة، ويجبر الزوَّج على طلاقها.
ابن محبوب: يتزوَّج كلّ منهم بصنفه كنساج من نساج، وبقال من بقال، وفارسي من فارسي ونحوهم، قال: فإن تزوَّج أحدهم مِن خلافه فالوقف، غير أن النساج قد يكون عربيّا، فإذا تزوَّج منه المولى والفارسي لم أرهما كفؤين له وليس بكفء إن كان غير عربي، قال: ولا يردُّ الحاكم نكاح نسَّاج ومولى ومن كان أبوه عربيّا فولدته مملوكة، ثمَّ عتق فهو عربي، لا يفرّق بينه وبين من تزوَّجها. (5/50)
صفحة 2135
أبو جعفر: لا بأس بنكاح الفارسي لأنّ فارس اسم بلدة، لأنّ أول ساكنها فارس بن لاود بن سام بن نوح فسمّيت به، فبقية ولده وجمهورهم بها إلى اليوم.
وإن تزوَّج نساج بيده عربية ولم تعلمه نساجا فعن عبد المقتدر أنَّه يفرق بينهما، وإن دخل بها وإن نسج أبوه لا هو فرِّق بينهما، إن لم يدخل بها لا إن دخل (1).
أبو عبد الله: إن تزوَّج من منظره منظر زنجيّ عربيّة زوَّجه بها وكليها أو أخ صغير لها، فإن رضيت وهي بالغة قبل قول الزوَّج أنَّه عربيّ، إلاَّ (2) إن صحّت بيِّنة أنَّه مولى أو فارسيّ، لأنّ السّودان من العرب، قال: فإن ملك مولى عربيّة فكره رجل وإن من غير عشيرتها نكاحه، فله أن يفرّق بينهما إن لم يدخل بها لا إن دخل، إلا إن طلب ذلك أولى بها بعد وليّها؛ وقيل: إذا أراد المولى نكاح عربيّة أعلمها أنَّه مولى، فإن زعم أنَّه عربيّ فزوَّجه فإذا هو مولى فأجاز جابر نكاحه ولو غرّهم، وقد تزوَّج سليمان من كندة وبلال من قريش، وإن أبى ولي امرأة أن يزوَّجها بعبد فقد عرفت أنَّه يرد نكاح المسلم إن كان عبدا أو ذا خصلة يرد بها مهما مرّ، والمرأة عربيّة وإلا فليس لوليّها أن يأنف في نكاحها لمن تحلّ له، ويحلّ لها إذا رضيت، وليس اليهود والنّصارى من العرب لأنّ العرب لا يقرّون على دينهم، ولا يقبل منهم الإمام، وكلّ العجم من الفرس والهند والسّند والروم والقبط وغيرهم ممّن يجوز سباهم وشرائهم واستعبادهم للعرب إذا نزلوا بهذه المنزلة فليسوا من العرب، وإن تزوَّجت حضريّة بدويًّا فلا شيء على الوليّ والشّهود، إن كان كفؤا فجاز نكاح مسلم وإن لم يعرف أبوه، وإن طلبت امرأة إلى حاكم نكاحًا ووليّها في غير بلدها فعلى طالبها أن يخرج إليه ليزوَّجه [262] بها.
__________
(1) () - ب: + بها
(2) () - ب: لا. (5/51)
صفحة 2136
فصل
قال الشافعي: من انتسب إلى غير قبيلته وتزوَّج من قوم على أنَّه من قبيلة وهو من غيرها بطل العقد، وبه قال بعض الحنفية، وقال بعضهم: إن كان ما كتمه مثل ما أظهره أو _أشرف منه لم يكن إبطاله، وإن كان أدون خيّروا في إتمامه وإبطاله، فمن أتى قوما وقال إنّه أنصاري أو مهلّبي فروجوه على ذلك فإذا هو من ربيعة أو مضر صحّ نكاحه، وفي آثار أصحابنا أنّ من طلب إلى قوم نكاح وليَّتهم وقال إنّه يمني أو أنصاري أو ربيعي أو قريشي فإذا هو فزاري أو قريشي أو مضري أو أنصاري أو نحو ذلك، وإن قال إنّه فلان يريد رجلا شريفا مشهورا وهو غيره، فإنّ الحاكم يفرّق بينهما. فإن لم يجز بها فقيل: لها نصف الصداق؛ وقيل: لا شيء لها؛ وذلك إذا سمّى نفسه على مشهور من معروفة، فإذا هو غيره ولو صحّ أنَّه من التي انتسب إليها، وإن انتسب إلى قبيلة ولم يسمّ نفسه أنَّه فلان منها وكان من غيرها جاز نكاحه وثبت.
وإن تزوَّج مولى بعربيّة وغرّهم ولم يعلمهم أنَّه مولى فسد نكاحه ولها مهرها إن دخل بها وإلاّ فلا شيء لها.
ومن تزوَّج بمملوكة وقال إنَّه حرٌّ ثمَّ بان أنَّه مملوك لم يصح أيضا إلاّ إن أتمّه ربّه، وصداقها ــ قيل ــ في رقبته؛ وقيل: لا صداق لها، وقال موسى: لها صداق مثلها؛ وإن لم يقل إنّه حرٌّ أو عبد وسكت وزوَّجوه تمّ إن أتمّه ربّه، ولا صداق لها إن أبطله لأنَّه لم يغرُّهم ولربِّه استرداد ما أعطاها إن لم يتم له، إن أقام وإلا فلا يلزمها غرمه، وإن عتق فعليه صداقها إن زعم عند العقد أنَّه حرٌّ، ومن أذن لعبده أن يتزوَّج مملوكة فتزوَّج حرة بطل النّكاح، وقيل: إن عبد دلَّس إلى قوم بالحريّة فزوَّجوه وليَّتهم، فلمولاه أن يفرق بينهما ولو دخل بها، فإن علم فتركه وأجاز له وقد تزوَّج بلا إذنه جاز نكاحه إن اختاروه، وإن عتق قبل أن يعلم به جاز، ولا عليه في امرأته. (5/52)
صفحة 2137
وإن قال عبد لحرّة إنّه حرٌّ فتزوَّجته ثمَّ صحّ أنَّه مملوك خيّرت في الإقامة معه والمفارقة، وصداقها ــ قيل ــ في رقبته كالجناية، وقيل: عليه إذا عتق يوما، وقيل: لا صداق لها عليه لتمكينها نفسها منه قبل السّؤال عنه.
محبوب: إن أرادت امرأة أن تتزوَّج بمولى وأبى منه أهلها، فزوَّجها بعض المسلمين برضاها، فلا بأس؛ واختار هو أن لا تتزوَّج إلاّ بأمر السّلطان.
وإن تزوَّج عبد مسلم حرّة كتابية جاز، ولو كره أولياؤها لأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، ويزوَّجها السّلطان إن أبوا. (5/53)
صفحة 2138
الباب الحادي عشر
في عقد النّكاح وخطبه
قال جابر: كلّ تزويج خولف فيه السّنّة والكتاب فالفرقة، ثمَّ لا اجتماع، وأبو عبيدة: إن تزوَّجت (1) مسلمة بإذن وليّها المشرك فهو ليس بوليّ لها ولا كرامة له، ولكن يوكّل مسلما فيزوَّجها؛ وإن خطب المرأة وليُّها النسّاجُ فله أن يأمر من يزوَّجه بها (2) أو يزوَّج هو نفسَه بها برضاها، وأمرها، وجاز كلُّ ذلك، ويكثر من الشهود على النّكاح؛ وأجاز ذلك هاشم مع ضعفه عنده الوضَّاح، لا تعقد امرأة على نفسها، ولا على أمتها وعلى قريبتها وتولِّي رجلا على ذلك.
زياد بن الوضَّاح: لا يجوز لها أن تزوَّج نفسها. ابن محبوب: إذا جاز الزوَّج لم نتقدّم على فسخه؛ فإذا لم يدخل بها جدِّد بالوليّ؛ وإن زوَّجت نفسها بشهود دون وليّ ثمَّ طلّقها الزوَّج قبل علمه فيمضي النّكاحَ أو يبطله وقبل الدّخول؛ فقيل: إن شرطت رضاه فخليقة أن تدرك نصف المهر، وإلاَّ فلا مهر لها إن طلّقت قبل الدّخول بها؛ واختار ابن محبوب في الأعمى إدا أراد أن يزوَّج وليَّته أن يوكّل من يزوَّجها ولا ينقضه إن زوَّجها بنفسه، وله أن يتزوَّج لنفسه؛ ولا يوكل سليمان إن زوَّجت أمتها برجل، جاز إن دخل بها، وإلا أمَرت من يجدّد لها. الوضَّاح: إن أشهدت له جاز. ابن جعفر: قال بعض: إنَّها (3) لا تعقد لنفسها ولا لأمتها ولا لبناتها ولا لمن هي خليفة عليها، وتولي رجلا كما مرّ؛ وقال بعض: إن زوَّجت لم أقوَ على الفراق، قال:
__________
(1) () - ب: تزوَّج، وهو أصح.
(2) () - ب: يزوِّجها به.
(3) () - ب: إنَّه. (5/54)
صفحة 2139
وذلك أحبّ إليّ وإذا زوَّجت نفسها أو بنتها أومن هي وصيّة في تزويجها فلا ينتقض ذلك؛ واختار ابن جعفر أن تأمر رجلا بذلك. أبو الحواري: إن زوَّجت نفسها بلا وكالة وليّها فرّق بينهما؛ [263] وإن وكّلها وزوَّجت نفسها جاز. وعن عائشة: إذا أرادت تزويج بنات أخيها وكانت وكيلة فيه خَطبت، فإذا فرغت قالت لرجل: «أنكِح فإنَّ النّساء لا يَنكحن».
وكذا إن أوصى إلى امرأة فلها إن توكّل من يزوَّج؛ وإذا وُكّلت في النّكاح فليس لها أن توكّل، ولكن تفعل هي وتأمر رجلا يزوَّج بنات من جعلها وصيّة في نكاحهنَّ. وقال e: «لا تنكح المرأة المرأة ولا نفسها». وقيل: إنّ عمر جعل أمر بناته إلى حفصة، وكانت إذا أرادت تزويج بعضهنّ أمرت أخاها عبد الله فيزوَّج. ابن أحمد: إنَّ الصّبي إذا أحسن التزويج وعقد بين بُلَّغ ثبت تزويجه.
أبو سعيد: إذا زوَّج الأقلف من يلي تزويجها فإنَّه إن لم يدخل بها حتّى رفع ذلك إلى المسلمين أو علم فإنَّهم يأمرون غيره من أوليائها أن يزوَّجها؛ وإن دخل بها فعندي لا يفرّق بينهما، وهو جائز فيما قيل.
واختلف في تزويج الرجل نفسه بوليَّته كما مرّ، فأجازه قوم واحتجّوا بأنَّه e أعتق صفيّة وتزوَّجها وجعل صداقها عتقها، وللنّاس أن يقتدوا به في جميع أفعاله إلاّ ما صحّ أنَّه خصّ به.
فصل
خطب أبو طالب لرسول الله e خديجة فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرّية إبراهيم، وزرعِ إسماعيل ــ صلوات الله على نبيّنا محمّد وعليهم وسلّم ــ وجعل لنا بلدا آمنا حراما وبيتنا محجوجا وجعلنا الحكّام، ثمَّ إنَّ محمَّد بن عبد الله ابن أخي من لا يوازن به فتى من قريش إلاّ رجح به برًّا وفضلا وكرما وعقلا وحلما ونبلا، إن كان المال أقلَّ فالمال ظلٌّ زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، (5/55)
صفحة 2140
ولها فيه رغبة مثل ذلك، وما أحبّت من الصداق فعليَّ». وهذه الخطبة من أفضل خطب الجاهليّة، فمن أراد أن يعقد بين رجل وامرأة فلا بدّ له من خطبة يحمد الله فيها (1) ويثني عليه ويصلِّي على النّبيء e، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، فإذا أتى بالباقيات الصالحات (2) واستغفر وصلّى كذلك أجزاه (3).
وأقلّ خطبة تصحُّ بها الجمعة وتنعقد بها صلاة العيدين ويتمُّ بها النّكاح: «الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلَّى الله على محمّد خاتم النّبيئين، واغفر لنا ولجميع المسلمين».
وقال عليّ في خطبة فاطمة: «الحمد لله شكرا لإنعامه وأياديه، وأشهد أنّ لا إله إلاّ الله، شهادة تبلغه وترضيه، وأشهد أنَّ محمّدا e عبده ورسوله، شهادة تنفعه وتحصيه، واجتماعنا ممّا قدَّر الله وأذن فيه، والنكاح مِمَّا أمر الله به، ورغَّب فيه، وهذا محمّد e قد زوَّجني بنته فاطمة على أربع مائة درهم، وقد رضيتْ، فاسألوه واشهدوا».
وذلك أن يقول المزوَّج إذا حضر الزوَّج والوليُّ والشهود للزوَّج (4) أوَّلاً: يافلان، أزوَّجك فلانة بنت فلان بن فلان الفلانية، فإذا أنعم قال للوليّ: يا فلان هذا بابنتك، أو أختك، أو بنت أخيك، أو عمّك فلانة، فإذا أنعم قال: «أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم، بسم الله الرّحمن الرّحيم، الحمد لله ربّ العالمين ... إلى: ولجميع المسلمين»، كما مرّ، ثمَّ يلتفت إلى الشهود ويقول: أشهدكم أيها الحاضرون إنيّ قد زوَّجتُ فلان بن فلان هذا بفلانة بنت فلان بإذن وليّها فلان هذا، على حكم كتاب الله المنزّل، وسنّة نبيّه المرسل، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وعلى حسن
__________
(1) () - ب: فيه، وهو خطأ.
(2) () - ب: - الصالحات.
(3) () - ب: أجزته.
(4) () - ب: - للزوج. (5/56)
صفحة 2141
العشرة لها وجميل الصّحبة معها، ورفع الإساءة عنها، وأداء الواجب لها، وعلى صداق عاجل وآجل، فالعاجل كذا، والآجل كذا دينا مؤجَّلا لها عليه (1) إلى حدوث موت أو طلاق أو فراق بوجه موجب لها ذلك فعلى هذا زوَّجت فلانا بن فلان هذا فلانةَ بنت فلان، وألزمته عصمته نكاحها بإذن وليّها فلان هذا، فإن قبلها زوَّجة له على هذه الشروط فاشهدوا عليه، ثمَّ يقول له يا فلان مقبلا عليه: قد قَبِلتَها [264] على ذلك؟ فإذا أنعم، قال له: قل: قبلتها زوَّجة لي على ما ذُكر. فإذا قال ذلك وقع النّكاح وثبت عليهما ويبدأ (2) باسم الرجل كما مرَّ، ويقول زوَّجت فلانًا بفلانة، ولا يقول: فلانةً بفلان؛ وإن قدَّمها جهلا أو غلطًا ودخل الزوَّج فلا يفرَّق بينهما، كذا قال خميس، وظاهره أنَّه إن لم يدخل يفرَّق بينهما، وفيه تأمّل.
فصل
إن قال المزوَّج: زوَّجتُ أو أنكحتُ أو أخطبت، جاز. ومن وهب لرجل وليَّته فقبلها ودخل بها فليس ذلك بنكاح، ولو شهد على الهبة الشهود فالفروج لا توهب، ويفرَّق بينهما أبدا، ولها صداق مثلها إن دخل بها، وثبت النسب.
والهبة خاصَّة بالنبيء e ــ كما مرَّ ــ وإن كان لفظ المزوَّج غير تامٍّ وقد قصد التزويج بإذن الوليّ ومحضر الشهود جاز ولو قصَّر. قال أبو الدرداء: «ثلاث جِدُّهنَّ جدٌّ، وهزلهنَّ جدٌّ: الطلاق والعتاق والنّكاح». فمن قال: «يا فلان قد أنكحتك فلانة»، وهو يملك أمر نكاحها هازئا به، فقال فلان: «قبلتها»، ثبت ولو لاَعِبَيْن.
ومن أتى قوما فقال: أيُّكم أزوَّجه بنتي؟ فقال واحد: أنكحتنيها؟ فقال: نعم، أنكحتكها؛ ثمَّ ندم من ساعته، وأراد الرجوع، قال أبو عبد الله: هي امرأته إن كان بمحضر اثنين فأكثر. وقيل: كلُّ نكاح لم يحضره أربعة وهم: المنكِح والزوَّج والوليُّ
__________
(1) () - ب: عليه لها.
(2) () - في النسختين: ويبدي، والصواب ما ذكرناه. (5/57)
صفحة 2142
والشهود فهو باطل.
ومن قال: اشهدوا أنِّي قد أعطيت فلانًا الخاطب عصمة نكاح بنتي، وقال: قبلت؛ فقيل: هو (1) جائز، وعليه أن يمتّعها إن طلَّق. وكان ابن عمر لا يزيد على: «قد أنكحتك على أن تمسك بمعروف أو تسرِّح بإحسان». وإذا قال الوليّ لشاهدين: اِشهدوا أنِّي زوَّجت فلان بن فلان بفلانة بنت فلان على صداق كيت وكيت؛ فقال: نعم؛ لم يكن زوَّجا بهذا لأنَّ «نعم» ليس بقبول؛ وكذا إن قال: بلى؛ حتَّى يقول: قبلتها زوَّجة بهذا الصداق، أو: نعم قبلتها، أو تزوَّجتُها.
وجاز ــ قيل ــ أن يزوَّج الوليُّ رجلا بأربع أو أقلَّ في عقد، وكذا القبول، وإن قال: قبلت فلانة وفلانة، وأُمسك عن نكاح فلانة وفلانة؛ صحّ فيهما؛ وإن قال: قبلت نكاح فلانة وفلانة، لم يزوَّجه (2) بها صحَّ في الأولى، وكان لغوًا في الثانية.
ومن تزوَّج (3) على إنسان بالشهادة من المشهِد: أنِّي زوَّجتُ فلانا بفلانة على كذا وكذا ــ كما مرَّ ــ والمزوَّج له فلان بن فلان؛ فإن ضمن أشهد به.
ابن سعيد: إن أمرتْ رجلا يزوَّجها في السرِّ، فإنَّه يقول: اِشهدوا أنِّي قد زوَّجت نفسي بفلانة بنت فلان. قال: وأصلح من ذلك أن يأمر من يزوَّجه بها، قال: وهذه مسائل مستورة شدَّدوا فيها. وإن فَقَدَ الشهودَ فزوَّج نفسه مع شاهدٍ اليومَ ومع آخر بعده (4)، جاز. وإن أشهد رجلا وامرأتين جاز أيضا. ابن بركة: إن أمر رجلا وأفهمه ليشهد عليه الشهود فليس للمزوَّج أن يشهد عليه حتَّى يستفهمه لنفسه مرة أخرى. أبو سعيد: وذلك إن استفهم لغيره خصوصا، إذا عزل نفسه في اللفظ؛ وأما إن قال: يشهد الحاضرون فليس عليه استفهام ثان.
__________
(1) () - ب: - هو.
(2) () - ب: يزوِّجها. وهو خطأ.
(3) () - ب: زوَّج.
(4) () - ب: بعدُ. (5/58)
صفحة 2143
وإن قال رجل زوَّجت فلانًا بفلانة ولم يذكر صداقها انعقد النّكاح إن تتامما على معروف؛ وإن اختلفا فقيل: ينفسخ وإلاَّ ومسها ثبت اتِّفاقا بعد المس، ولها صداق مثلها. وإن طلَّقها قبله متَّعها.
أبو الحسن: من زوَّج امرأة فغلط في اسمها عند العقد فذكر أخرى لم يجز، ولو جاز الزوَّج بها؛ وقيل: إذا قصد إلى معيَّنة واعتقدها، وعلم الشهود ذلك وعليه عقدوا، فغلط بغيره جاز عند الله؛ وإن حاكمته [مَن] (1) وقع عليها الاسم كان عليها نصف الصداق إن قبل النّكاح، لأنَّه وقع عليها النّكاح في الحكم، وعليه أن يطلّقها لتحلّ لغيره، ولا يجوز له وطؤها به؛ والتي أراد نكاحها وقصدها هي زوَّجته. وروي هذا عن ابن محبوب.
ومن قال: اشهدوا أنِّي زوَّجت هذا الرجل بهذه المرأة، ولم يذكر اسماءهما عند العقد، فإن حضرا ورآهما وأشار إليهما عنده، ثبت؛ وكذا في العبيد.
وإن زوَّج امرأة وليُّها برجل وشهر ذلك عندها وعند الجيران لم يلزمه استرضاؤها، والشهرة تجزيهما. ومن عُرف بلقبه منهما وذكره به عند العقد لا باسمه ثبت عليه. وإن كان لامرأة اسم عند أهلها يسمّونها به، ولها آخر عرفت به، فتزوَّجت بالأوَّل، فإن كانت تُدعى به وتجيب جاز.
وفي الضياء: ومن عنده بنتان تسمَّيان فاطمة فأتاها طالبان إليه النّكاح، فقال: اِشهدوا [265] أنِّي زوَّجت فلانا بنتِي فاطمة، وكذا قال للآخر، ولم يقل: زوَّجت فلانا الصغيرة، وفلانا الكبيرة، فعند الجواز ادَّعى كلٌّ منهما الكبيرة، فإن اختلفا فإنَّهما يطلّقانهما، ثمَّ يتزوَّج كلٌّ بما طلب.
هاشم: من له خمس بنات فزوَّج واحدة منهنَّ رجلا وسمّاها، ونسي الشهود اسمها ثمَّ توفي وقالت كلٌّ: أنا هي، فالصداق والإرث بينهنّ بعد أن تحلف كلٌّ ما
__________
(1) () - من إضافة من نسخة ب ليستقيم المعنى. (5/59)
صفحة 2144
علمت أنَّ المعقود عليها غيرها. وإن لم يسمِّ واحدة عند العقد وإنَّما قال: أزوَّجك إحدى بناتي فليس ذلك بتزويج.
معمر: من له بنتان اسمهما واحد فزوَّج رجلا إحداهما فجاز بها، ثمَّ طلب الأخرى وأنَّه لم يتزوَّج التي جاز بها، فعليه لها صداقها، ويجبر على طلاقها وطلاق الأخرى أيضًا ولا يسمىّ بها.
ومن تزوَّج أربعًا في عقدة وجب أن يكون لكلٍّ صداقٌ مسمًّى؛ فإن فرض لهنّ واحدا صحَّ النكاح وبطل الصداق، وكان لكلٍّ مهر مثلها؛ وقيل: ثبت ويقسم على قدر مهور أمثالهنَّ.
واختلف في نكاح حرَّة وأمة في عقد فمن أجاز نكاحها عليها أجازه، والأكثر على المنع.
فصل
من خطب فبلغ: « ... زوَّجت فلانا بن فلان» فسكت سكتة ثمَّ أتمَّ، فقيل: لا يضرّه سكوته إن كان لتنفُّس، وإلاّ فلا يثبت حتّى يستأنف: «اشهدوا أنِّي زوَّجتُ فلانا بفلانة ... » الخ. وإن تكلَّم بعد الخطبة بغير أمر النّكاح، ثمَّ قال: «زوَّجتُ ... » إلخ، لم يضرَّه كلامه وسكوته هنا؛ وأمَّا بعد أن قال: «زوَّجت فلانا» فتكلّم ثمَّ قال: «بفلانة» لم ينتفع بذلك النّكاح؛ وإن سكت لبيان اسم الزوَّج أو الزوَّجة فعرَّفه، ثمَّ مضى في عقده لم يضرَّه ذلك؛ كذا قال بعض.
فصل
من تزوَّج امرأة على أن لا مهر لها ولا نفقة ولا وطء، جاز النّكاح وبطل الشرط ولها صداقها وحقوقها. وإن أعطت لرجل أجرة ليتزوَّجها، جاز؛ فإن تزوَّجها على ذلك ثمَّ طلّقها ردَّ لها ما أخذ منها؛ وقيل: لا إن مسّها؛ وقيل: ولو لم يمسَّها؛ ولا يردُّ لوارثها إن ماتت مطلقا؛ وكذا إن فاداها، أو اختارت نفسها، أو حرمت بموجب (5/60)
صفحة 2145
منها لا يردُّ لها؛ وإن حرمت بموجب منه، أو ظاهر منها أو آلى، أو نحو ذلك فإنَّه (1) يردُّ، وكذا إن أعطته مالاً على أن لا يطلّقها، فجاءت فرقة منها كزنى أو ملاعنة لا يرد لها؛ وإن جاءت منه ردَّ، لا إن تزوَّج عليها؛ وإن أعطته على أن لا يتزوَّج عليها فجاءت منه، أو نكح عليها أو تسرَّى ردَّ أيضا. وإن أعطاه غيرُها مالاً على أن يتزوَّجها فلا يردُّ إن افترقا؛ وإن أعطته هي على ذلك فتزوَّجها بلا شهود، فماتت أو افترقا قبل الإشهاد، أو تزوَّجها فاسدًا، أو خرجت محرِّمة له ردَّ في ذلك، وإن لوارِثِها إن ماتت.
وإن أعطته على أن يزوَّج لها عبده جاز؛ فإن طلقها على عبده ردَّ، لا إن أعتقه أو أخرجه من ملكه، أو طلَّقها مشتريه، أو المعتق نفسه. وقيل: إن تمتَّع بها العبد وفارقها لا ردَّ لها. ومن أعطى رجلاً مالاً على نكاح معلومة فتزوَّجها ثمَّ طلَّقها فإنَّه يردُّه له.
فصل
جاز ــ قيل ــ قول الوليّ: زوَّجتُها لك إن أنكحتها أو ملكتها، أو أعطيتُها أو جوّزتُها لك، لا أبحتُها، أو أحللتُها لك. ويرجع «نَحلتُها لك» أو «منحتُها» إلى العرف. ولا: بِعتُها لك أو أقرضتها أو عوَّضتها (2) أو أبدلتها. وجاز: زوَّجتُ لك فلانة بنت فلان الفلاني؛ وقيل: لا، حتّى يقول: فلانة بنت فلان بن فلان الفلاني وإن لم يسمِّ قبيلتها، أو سمّاها لا أباها، أو قال: أخت فلان بن فلان، أو بنته أو نحوهما أو نسبها إلى قبيلة أمّها لم يجز ذلك، إلاَّ إن عرفت بها. وإن قال: بنت فلان بن فلان الخراز أو الصياغ أو المكيّ أو الشريف أو نحو ذلك مِمَّا يعرف به جاز؛ وإن قال: بنتي فلانة، ولا عنده غيرها جاز أيضا؛ لا إن قال: بنتي أو الصغيرة أو الكبيرة أو الوسطى
__________
(1) () - ب: - فإنَّه.
(2) () - ب: - أو عوَّضتها. (5/61)
صفحة 2146
أو السوداء أو البيضاء أو العوراء أو العمياء أو نحو ذلك، وجوِّز إن عرفت بذلك كما مرَّ في البعض.
وإن قال الجدُّ: بنتي، ولاَ له إلاَّ بنت ابنه ففي الجواز قولان.
وتنسب مشتركة إلى أبويها وقبائلهما؛ فإن نسبها إلى أحدهما وقبيلته فقط جاز؛ وكذا المولاة بين متعدِّد. ولا تنسب مختلطة بين رجلين إليهما معا، ولا إلى أحدهما فقط ولكن يقول: المختلطة بين فلان وفلان.
ولا تنكح منبوذة حتّى تحضر أو تعرف بمعنىً، وكذا كلُّ من لا يعرف نسبها.
وجاز: زوَّجتُ لك بدن هذه المرأة دون اسمها لا عكسه؛ وإن قال: هذه الأمة، وهي حرَّة، أو هذا الرجل وهو امرأة، أو هذا الطفلة وهي بالغة وهم عارفون جاز أيضا؛ وقيل: لا. وكذا إن قصد إلى شخص امرأة فسمّاها بغيره، فيها قولان. وإن قال: نصف هذه المرأة، أو لنصف هذا الرجل، لم يجز؛ وكذا إن سمَّى الزوَّج بخلافه فيه قولان؛ وكذا لا يجوز: زوَّجت لك رأس المرأة أو يدها أو وجهها أو نحو ذلك بالقصد إليه (1)، وكذا في الرَّجل.
وإن قال: زوَّجتها لك [266] إن شاء الله، أو إن أصبتَ المؤونة، أو نحو ذلك، فقولان؛ لا إن قال: هذه أو هذه، ولا: واحدةً منهما، أو من شئت منهما، أو من أحبَّك، أو أحبَّها أبوك أو غيره. وإن قال: زوَّجتك إلى غد، أو بعد غدٍ، أو إلى وقت كذا، فهو معلَّق إليه، وجاز إن قَبِل. وإن جهل الأجل جاز النّكاح في حينه وبطل الأجل. وإن قال: زوَّجتها لك غدا أو إذا جاء غدٌ، أو بعده أو أمس، أو: وهي طفلة، أو قبل أن تُخلق هي أو الدنيا، أو قبل كونِك أو تُولَد، أو في طفوليَّتك، أو في بطن أمّك، لم يجز في ذلك ونحوه؛ وجاز إن قال: إلى خيار ثلاثة في حينه، أوقال: في مكَّة أو البصرة وهو في غيرهما.
__________
(1) () - ب: - إليه. (5/62)
صفحة 2147
الباب الثاني عشر
في قبول الزَّوج وألفاظه
فإذا قال: قبلتُ أو رضيتُ أو تزوَّجت، فقيل: يجوز، لا إن قال: نعم، أو بلى، أو أجل، إلاَّ في إثْرِ: «أَقبلتَ»؟، ولا إن حرَّك رأسه، وجاز: «قبلتُ إن شاء الله»، أو قدَّمه، وكذا: «بعون الله» مقدِّما أو مؤخرا؛ وإن قال: إن شاء فلان أو غيره ممّن تكون منه المشيئة فمعلَّق إليه؛ وإن علَّقها إلى من لا تمكن منه كميّت أو بهيمة أو جماد جاز في حينه في نكاح أو قبول، وكذا في الوليِّ والمرأة. وإن قالت: قبلت إن فعلت أنا كذا أو أنت أو فلان أو كان كذا لم يجز؛ وقيل: جاز وبطل الشّرط؛ وكذا فيهما أيضا.
وإن زوَّج الوليَّ وقام قبل أن يُعلم من الزوج قبولٌ أو إنكار فالقبول معلّق إليه، حتَّى يعلم منه الإنكار؛ وإن مات قبل أن يعلم منه فلا ترثه ولا لها عليه صداق؛ وإن ماتت وقَبِل هو ورثها؛ وإن استمسكت به أن يقبل أو ينكر أو على نفقتها وسكناها وعلى جميع حقوقها فلا يجبر على ذلك؛ وقيل: تدرك، عليه أن يقبل أو ينكر. وإن جنَّ قبل أن يُعلم منه فلا تتزوَّج حتَّى يفيق فيقبل أو ينكر.
ورِدَّتُه كإنكاره؛ وإن ارتدَّت (1) هي فقبل فليس (2) قبوله فيها بشيء؛ فإن أسلمت فعلى حالها الأولى؛ وكذا إن جُنَّت أو عيبت يَقبل أو يُنكِر؛ وكذا إن عيب هو.
وإن رآها تزني فسد قبوله إن قبلها في حينها؛ وإن رأته يزني هو فقبل في حينه جاز. وانظر هذا مع ما مرَّ في التحريم.
__________
(1) () - ب: أردت، وهو خطأ، إذ لا معنى له.
(2) () - ب: فقيل: ليس ... (5/63)
صفحة 2148
وإن طلّقها كان منه قبولا؛ وقيل: لا.
وإن تزوَّج أربعا غيرها أو أختها أو من لا تجامعها فكالإنكار؛ فإن تزوَّجت هي لم تجده وفسد.
وإن أعطاه وليّها أجرا على القبول فله أخذه. وإن تزوَّج لغيره كطفله أو نحوه فقام بلا قبول علّق النكاح إليه؛ فإن قَبِل قبْل بلوغه أو إفاقته جاز؛ وبعدهما الأمر إليهما. وكذا إن تزوَّج لعبده فقام بلا قبول فله أن يقبل بعد؛ وإن أعتق أو مات هو، أو أخرجه (1) من ملكه قبل أن يقبل فلا يصحّ قبول المعتق، ولا من انتقل العبد إليه، وإن بإرث؛ وكذا إن أخرج من ملكه بعضه ولو رجع إليه بكلّه إلاّ بتزويج آخر؛ وقيل: يصحُّ قبول المعتق أو من انتقل إليه.
ومن زوَّج وليّته لغائب علّق النكاح إليه؛ فإن مات في غيبته فلا نكاح ولا صداق ولا إرث؛ وإن ماتت هي قبل قدومه ثمَّ قبِل بعده ورثها وأعطى صداقها. وإن طلب إليه وليّها (2) اليمين ما قبل رغبة في المال أدركها عليه؛ ولا يرث إن نكل أو أقرَّ بذلك؛ وقيل: القول قوله في القبول والإنكار، ولا يدرك عليه اليمين، ولو قال: إنَّما رضيت رغبة فيه. وإن غابت وحضر علّق النّكاح إليها، وجاز إن قبلت.
ومن زوَّج وليته لطفل أو مجنون بلا إذن وليِّه علّق إلى بلوغه أو إفاقته؛ وقيل: لا يجوز نكاحه. وإن زوَّجها لعبد بلا إذن سيّده علّق إليه. وإن زوَّجها لمشرك فأسلم حال العقد قبل أن يتمّ، أو لموحّد فارتدّ قبله لم يجز أيضا. وقيل: إن قام الزوج قبل أن يقبل فلا نكاح؛ وقيل: إن اتّفقا على النكاح وطلب الزوج فزوَّج له الوليّ فلا يجد الزوج إنكارًا.
__________
(1) () - ب: أُخرِج.
(2) () - ب: وليُّها إليه. (5/64)
صفحة 2149
الباب الثالث عشر
في رضى المرأة
فلا يجوز تزويجها إلاَّ به، ولو بكرًا، لقوله e: «البكر تُستأذن في نفسها وإذنها صمتها، والثيِّب تعرب عن نفسها»: أي تلفظ بلسانها. فمن زوَّج وليّته البكر فصاحت أو بكت أو ضحكت أو سكتت فذلك منها رضى، حتَّى يعلم إنكارها؛ وإن رضيت بقلبها وأنكرت بلسانها لزمها عند الله؛ ولزمها في الحكم إن عكست. وإن مسّها على إنكار فرضيت جاز النكاح؛ وقيل: حرمت إن مسّها منكرة. وإن استأذنها وليّها قبله فسكتت فزوَّجها فأنكرت، ففي لزوم النّكاح قولان.
وينبغي له إذا أراد [267] تزويجها أن يرسل إليها أمينين فيخبرانها بأنَّه قد زوَّجها من فلان ابن فلان الفلاني، على كذا من الصّداق، ويقولان لها: إن سكتتِ فهو رضاك؛ فعلى هذا يلزمها إن سكتت.
وإن قال: أمرتْني أن أزوِّجها، أو بعد ما زوَّجها: أخبرتُها فرضِيَت، لم يجز قوله عليها؛ وإن علمت به ولم تنكر حتَّى قامت، أو علمت به قائمة فقعدت كعكسه، أو علمت فأخذت في عمل أو في أكل أو شراب لزمها؛ ولا ينصت إليها إن أنكرت بعدُ. وإن زوَّجها فمكثت زمانا ثمَّ ادّعت أنَّها لم تعلم إلاَّ في وقت أنكرت فيه فلا ينصَت إلى إنكارها. وإن شهر الأمر وهي ممّن لا يخفي عليها مثله، وإلاّ فإنَّه ينصَت إليها.
والثّيّب إن زوَّجها وليّها يرسل إليها كما مرّ؛ فإن أجازت النّكاح جاز، وإلاَّ فالأمر إليها، وليس سكوتها رضى كالبكر، ولا يحكم عليها به حتَّى تلفظ به، وتكون على أمرها حتَّى تدبّر في شأنها، ولا يضرُّها المقام والقعود ولو بدَّلت أمكنة؛ وإن أكلت طعام الزوج، أو لبست ثيابه، أو سكنت داره على التّزويج فهو رضى منها، ولزمها؛ وقيل: ليسه رضى منها؛ وكذا إن أمكنته نفسها فجامعها، أو تعرَّت قدَّامه (5/65)
صفحة 2150
حتَّى رأى منها ما بطن بعد علمها بالنّكاح فهو رضى منها، لا إن مسّته هي. وإن أخبرها أمينان أنّ وليَّها زوَّجها من فلان فرضيت به فخرج غيره فلا يلزمها نكاحه. وإن أُخبرت بمسمّى من الصّداق فرضيت فخرج أقلَّ منه، أو بأنَّه زوَّجها في وقت كذا، أو مكان كذا، فخرج خلافه لزمها النّكاح؛ وإن أُخبرت به فقالت: لا أرضى، أو لا أقبل، أو لا أجوز، أو لا أريد، أو لا أفعل، ثمَّ رضيت جاز؛ وإن قالت: لم أقبل، أو لم أرض، ثمَّ أرادت أن تقبل أو تجوِّز فهل تجد ذلك ويجوز لها أم لا؟ قولان.
والتي نكحت فطلِّقت في مجلسها فحكمها كالثيِّب إذا أراد وليّها أن يزوَّجها بعد، إلاَّ في الصّداق؛ وقيل: غير ذلك فيه؛ وكذا التي (1) نكحت فاسدًا ومسّها، أو في طفوليَّتها ثمَّ فارقته وبلغت فحكمها كالثيب. وأمّا التي ولدت ولا عذرة (2) لها فكالبكر في الحكم والمغلوبة على نفسها فأزيلت عذرتها فكالثيِّب في الصداق. والتي زالت عذرتها بوتبة (3) أو بماء أو ركوب أو بزنى فحكمها كالبكر في الرّضى.
وقيل: في البكر إن زوَّجها وليّها جاز عليها ولا إنكار لها؛ وقيل: جاز عليها وعلى الثيّب فعل وليِّهما ولو أنكرتا.
__________
(1) () - ب: الذي، وهو خطأ.
(2) () - في النسختين: عدرة، بدال مهملة، والصواب ما أثبتناه.
(3) () - كذا في النسختينن، ولعلَّ الصواب: بوثبة. (5/66)
صفحة 2151
الباب الرّابع عشر
في الإشهاد في النّكاح
ذهب مالك إلى أنَّه يصحُّ عقده بلا شهود إذا أعلن به، واحتجّ بأنَّه تعالى ذكره في غير موضع من كتابه، ولم يأمر بالإشهاد عليه كما أمر به على الدَّين والرجعة من الطلاق، ودفع مال اليتيم إليه؛ وزعم أنَّ الأخبار الواردة فيه مضطربة، واحتجّ على الإعلان به بقوله e: «فرقٌ بين النّكاح والسّفاح ضرب الدّف». وأجازه بشهادة النّصرانية؛ وحرَّم نكاح السّر (1) ولو بشهود، وقال إذا استكتم الشّاهدان عقد النّكاح فرِّق بين الزوَّجين، وطَعَن في رواية: «لا نكاح إلاَّ بوليٍّ وشاهدين». وأحلّ بعض الظّاهريَّة النّكاح بلا شهود واحتجّ بأنَّه e تزوَّج عائشة ولم يذكر أحد أنَّه أحضر شاهدين، وتزوَّج صفيّة بلا شهود. وحجَّة من لم يجز ذلك ما روي: «لا نكاح إلاَّ بوليٍّ وشاهدين». رواه الحسن وغيره، وكذا عن ابن عباس: «شاهدان غير المزوِّج». وإن كان العاقد أحدهما جاز (2).
وذهب أصحابنا إلى أنَّه لا يصحُّ إلاَّ بالإشهاد، وفعله e وأصحابه وإجماع الأمّة على وجوبه أولى وأصحُّ من قول مالك وأصحاب الظّاهر. وإذا ثبت وجوبه على
__________
(1) () - أ: هامش: بخطٍّ مغاير: «وقول أبي يعقوب يوسف بن خلفون: جلُّ قول أصحابنا جواز نكاح السرِّ يدلُّ على أنَّ قليلا منهم .... » والبقية قدر خمس كلمات غير مقروءة.
وفي هامش ب: «لم يختصَّ مالك بتحريم نكاح السرِّ، بل قال به بعض أصحابنا أيضًا، ولو منعه أكثرهم، قال أبو يعقوب يوسف بن خلفون: جلُّ قول أصحابنا جوازه. أي معظم قولهم، فافهم».
(2) () - ب: - «جاز». (5/67)
صفحة 2152
الرجعة من الكتاب والسّنّة فهو في التّزويج أوجب.
وقيل: من شهد نكاح مسلم فكأنَّما صام يوما لله، واليوم بسبع مائة.
ومن تزوَّج ــ قيل ــ مسلمة بشهادة يهوديين أو عبدين بطل ولو دخل بها، ولها صداقها إن دخل بها. وثبت وإن بفاسقَين. وانفسخ بصبيَّين، ولها [268] صداقها إن دخل بها؛ فإن لم يرفع ذلك إلى الحاكم حتَّى بلغا فشهدا به جازت شهادتهما؛ وإن أسلم اليهوديان، وعُتق العبدان، وبلغ الصبيان قبل أن يدخل بها، ثمَّ دخل بعدُ، ففي تمام النّكاح خلاف: قيل: فاسد لفساد أصله، ولكلٍّ من الزوجين فسخ العقد قبل أن يصيرا بحالٍ تجوز شهادتهما. والأكثر أنَّ شهادة العبدين لا تجوز، وأجازها شريح وعزَّان وفي الضياء.
ومن تزوَّج بشهادة صبيَّين ولم يدخل بها حتَّى بلغا فشهدا فسد النّكاح، وفرّق بينهما إن وطئ (1)، ومن زوَّج بشهادة محدودين ولم يعلم بهما حتَّى دخل، أو علم قبل الدخول، ولا يؤنس منهما رشدا، ولا توبة، فإن علموهما محدودين قبل العقد فأشهدوهما عليه، وقد علموا وقوعه بشهادة محدودين، أو عبد وذميٍّ أو صغير، جهلاً منهم أو علم الزوج ذلك لا الولي والمرأة، أو علماه دونه، قال خميس: فقولنا في النكاح أنَّه بإذن الولي ورضى المرأة، وشهادة عدلين، فإن وقع بشهادة محدودين ولم يعلم منهما بعد الحدّ الأخير، فلا نرى التفريق إن دخل بها، وإلاّ فالأولى تجديده بغيرهما؛ وأجاز أبو عبد الله ذلك؛ وقال الحنفية: إذا تزوَّج مسلم بنصرانية بشهادة نصرانيين، فإنَّه يجوز، ومنعه الشافعي.
ابن عليٍّ: من خطب امرأة برضاها، والمزوِّج هو وليُّها، ولم يشهدوا شهودا فدخل بها في سرٍّ، وباشرها، ثمَّ أشهدوا شهودا بالدخول، فإنَّها عليه حرام. ومن تزوَّج أو رجع بشهادة خنثاوين ردّت لأنَّها شهادة امرأة. الوضَّاح وابن محبوب: إن
__________
(1) () - ب: - «إن وطئ». (5/68)
صفحة 2153
شهد رجلان لرجل (1) أنَّه وليُّ امرأة وأحدهما يريد نكاحها، ردّت شهادته، ومن تزوَّج بشهادة أعمى وبصير صحّ العقد لا في الحكم؛ وقيل: ينعقد فيه. وتثبت الرجعة بشهادة العمي والفسقة. وقيل: لا ينعقد النكاح بشهادة أهل الزور والقلف والمجانين.
فصل
اُختلف في النّكاح إذا لم يُشهد الوليّ به في مجلس واحد شاهدين، فأشهد في مجلس بشاهد به وفي آخر بآخر، فقيل: فاسد؛ وقيل: صحيح، واختير إجازته إن أشهدهما قبل الجواز بها، وأجاز ذلك ابن محبوب وابن عبد الحميد وأبو صفرة، ولو مات أحد الشّاهدين قبل الجواز عند الله، ولا يثبت في الحكم إذا ماتا أو أحدهما قبله.
ومن وكّل رجلا في تزويج وليّته فزوَّج بها نفسه قدّامه وكان هو أحد الشّاهدين عليه جاز له ولو ولياّ إن كانت تجوز شهادته عليه.
ومن تزوَّج على شهادة الله وملائكته ولم يشهد أحدًا فهو حرام لا يثبت، ولها عليه صداقها إن لم تعلم لا إن علمت، وثبت نسبه مطلقا. وصحّ عقد النّكاح ولو ليلا في ظلمة؛ وإن أحضروا نارا فهو أحسن وأثبت.
خميس: لا يصح عندي أن يشهدوا قطعا على الصداق المذكور عنده فيها إلا على الخبر وفي الضّياء: وتزويج الليل بلا سراج ولا نار جائز إن عرفوا الزوج والمزوِّج عينا كالنّهار.
ومن لها ثلاثة أولياء فزوَّجها أحدهم برجل وشهد الآخران، جاز نكاحها. وإن كان لها وليّان فوكّل أحدهما الزوجَ يزوِّج نفسه بها، وشهد الوليّان، فبعض أجازه وبعض شدّد فيه، إذ لم يكن فيه أربعة.
ومن جاء إلى جماعة وقال: أريد أزوِّج هذا الرّجل ببنت فلان وقد وكّلني
__________
(1) () - ب: «لرجل رجلان». (5/69)
صفحة 2154
بتزويجها، فقال أبو سعيد: إن كان مدّعي الوكالة ثقة، واطمأنَّت القلوب إلى ذلك جاز للشّهود أن يحضروا النّكاح ويشهدوا به، ولا يجوز لهم في الحكم تصديقه إلاّ ببيِّنة، ولو كان مثل ابن محبوب.
فصل
قيل: كان ابن بركة إذا زوَّج امرأة لا يعرف نسبها ولا وليّها يقول للوليّ: قد زوَّجت فلانا ابن فلان بفلانة بنت فلان، فينعم، ثمَّ يقول للزوج: أقبلت؟ فإذا أنعم قال: أشهد عليك من حضر أنَّ عليك هذا الصّداق. وإن زوَّج من لا يعرفه قال للوليِّ: أنت يا فلان قد زوَّجت فلانا بأختك أو بنتك فلانة؟ فإذا أنعم قال: للزوج: قد قبلتها بهذا الصداق؟ فإذا أنعم كتب عليه صكًّا كما سيأتي.
أبو الحسن: كنت أسمع الشّيخ يقول بعد الخطبة نحو هذا: وأما الشّهادة على نكاح من لا يعرف نسبه إن حضر فلا بأس بها، لأنَّه [269] إنَّما يشهد على الحاضر بما أوجب على نفسه من قبوله بذلك الصّداق، لا أنَّه هو فلان بن فلان كما سمّى نفسه أو سمّاه غيره إلاَّ بعادلة أو بتواطؤ الأخبار.
فصل
لا يكون أبو المرأة شاهدا على نكاحها، وكذا سيّد العبد والأمة ولا المشكل إذا لم يحكم عليه بالرجوليَّة.
ومن تزوَّج بحضرة نيام أو سكارى أوصمّ لم تجز شهادتهم؛ وفي الساهين من وراء حجاب قولان؛ وإن قام الشهود من المجلس فقالوا: ما سمعنا ما قلتم، فإن كانوا أمناء أعادوا الإشهاد وإن بعد المسّ؛ وقيل: حرمت إن مسّها؛ ولا ينصت إليهم إن كانوا غير أمناء. وإن جاء الولي إلى حضرة ناس فزوَّجها ولم يشهدهم وهم يسمعون، أو أشهدهم فقالوا: لا نشهد، جاز النّكاح لأنَّهم حَضْرٌ يسمعون. (5/70)
صفحة 2155
وفي الأطفال ما مرّ؛ وقيل: إن تزوَّج بشهادتهم فمسَّ على ذلك حرمت عليه مطلقا؛ فإن علم قبل أن يمسّ أشهد غيرهم؛ وإن بلغوا قبله أعاد إشهادهم؛ وإن مسّ بعد بلوغهم ولم يعده (1) حرمت عليه؛ وقيل: لا يحتاج إلى إعادتهم بعده إذا عقلوا ولم يمسّ قبله.
وإن أشهد المجانين فمسّ على ذلك حرمت عليه إن علم بجنونهم، وإلاّ أشهد غيرهم ولا تحرم عليه (2)؛ وإن أفاقوا قبل أن يمسّ أعاد إشهادهم؛ وقيل: لا يعيده إذا عقلوا؛ وقيل: إن مسّ ثمَّ علم بعدما أفاقوا فإنَّه لا يعيده أيضًا (3)، ويجزيه الأوَّل؛ وكذا في المشركين؛ وإن أشهدهم ثمَّ أسلموا قبل أن يَقبل، أو أشهد موحّدين فارتدّوا قبله ردّت شهادتهم وإن تعمّد إشهاد نساء فمسّ حرمت عليه، وإن علم بهنّ بعد العقد أشهد غيرهنّ ولو مسَّ.
فصل
من تزوَّج بلا شهود ثمَّ أشهدهم قبل أن يمسّ جاز، وكذا إن تزوَّج بواحد ثمَّ زاد آخر قبله؛ وإن مسّ قبل الإشهاد أو زيادة الآخر حرمت عليه. وإن تزوَّج بلا شهود فلا تدرك عليه حقّا حتَّى يشهدهم؛ وإن مات أحدهما قبل الإشهاد فلا توارث (4) ولا صداق، وحرمت إن مسّها ولها الصّداق إن لم تعلم؛ وقيل: صداق مثلها وثبت النّسب. ولا يحلّها لمطلّقها ثلاثا؛ وإن استمسكت المرأة أو وليّها على الإشهاد فلا يدركانه عليه، وكذا إن استمسك هو بالوليّ عليه لا يدركه عليه، وقيل: يدركه كلّ على صاحبه، وإنّما يشهد من يجوز به العقد.
__________
(1) () - ب: يعد.
(2) () - ب: - «ولا تحرم عليه».
(3) () - ب: - «أيضًا».
(4) () - ب: + «بينهما». (5/71)
صفحة 2156
وإن أشهد الوليّ دون الزوج كعكسه فمسّ على ذلك حرمت عليه؛ ولا يجزيهما أن يشهد كلٌّ منهما شهودا غير شهود صاحبه؛ وإن أشهد أحدهما شهودا، ثمَّ أشهدهم الآخر جاز.
وإن مات الوليّ قبل أن يشهد أعيد النّكاح. ولا يجوز للزوج أن يشهد إلاّ مع الذي عقد له النّكاح؛ وكذا إن جنّ الوليُّ أو ارتدّ. وإن جنَّ الزوج فلا يستخلفوا له من يشهد مع الوليّ؛ وإن جنّت المرأة استشهدا معا؛ وإن مات أحدهم أو ارتدّ فلا إشهاد؛ وإن رجع المرتدّ ولو جميعهم فليشهدوا وجاز.
وإن زنت وعلم الزوج فلا إشهاد بعد؛ وإن زنى هو ورأته صحّ إشهاده مع الوليِّ.
وإن أراد أحدهما فسخ النّكاح قبل الإشهاد جاز؛ وقيل: لا يجده حتَّى يتّفقا.
وإن تزوَّج أربعا أو أختها أو من لا تجامعها قبل الإشهاد ففي الجواز قولان. وإن تزوَّج لطفله أو عبده أو مجنونه بلا شهود فإنَّه يشهدهم قبل بلوغ أو عتق أو إفاقة، وإلاّ أعيد النّكاح بعده؛ وقيل: لا يعاد. ويشهد البالغ ونحوه مع الوليّ، وكذا إن أخرجه من ملكه بعدما عقد له أو بعضه، أو زوَّج له أمته بلا شهود فأخرجهما من ملكه أو أعتقهما فإنَّه يعاد في ذلك ولا يستشهد على الأوَّل. ومن تزوَّج لموكّله بلا شهود فإنَّه يشهد هو أو موكّله مع الوليّ بعد؛ فإن ارتدّ الوكيل أو مات فللزوج أن يشهد مع الوليّ لا الوكيل إن ارتدّ الزوج حتَّى يسلم. وإن زوَّج وكيل الوليّ لوكيل الزوج بلا إشهاد ثمَّ أشهداهما أو الوليّ والزوج جاز. ولا يصحُّ إشهاد حال الردَّة ــ كما مرّ ــ.
ولا يُحضر لنكاح لا يحلّ، ولا يُشهد به. (5/72)
صفحة 2157
فصل
ينبغي إكثار الشّهود في النّكاح والتوثيق فيه، هكذا على ما قيّده بعض كابن روح (1): «هذا ما تزوَّج عليه فلانُ ابنُ فلان فلانةً بنتَ فلان، زوَّجه إياها وليُّها فلان بن فلان، على حكم كتاب الله وسنّة نبيِّه، وعلى حسن العشرة لها، وجميل الصّحبة معها، والقيام بحقِّها، والخروج إليها من المفترض عليه لها، وعلى أنّ عليه لها من الصّداق كذا وكذا دينارا أو درهما أو نخلا أو إبلا (2) أو غنما (3) أو بقرا أو عبيدًا»، ويذكرها بالصّفات التي يعرفها الواصفون، ويمكن [270] للحاكم أن يحكم بها؛ وإن كان فيه عاجل وآجل كتب: «العاجل منه كذا والآجل كذا»؛ ثمَّ يكتب جميع ما وقع عليه العقد دينا ثابتا وحقًّا لازما، لا براءة لفلان ابن فلان مِمَّا في هذا الكتاب بحدث موت أو غيره إلاَّ بأدائه إلى زوجته فلانة بنت فلان، [أو] (4) إلى قائم مقامها وبحقّها في محياها وبعد موتها، فمن قام بهذا الكتاب بما يستحقّ القيام به فإليه اقتضاء ما فيه وقبضه»، ثمَّ يكتب الشّهود، «وكفى بالله شهيدا». ويدفع صكّ النّكاح إلى الوليّ أو إلى المرأة أو يوضع عند الأمين.
__________
(1) () - ب: في الهامش بخط مغاير: «قال: وشهد محمَّد بن روح بن ... [كلمة غير مقروءة] بني [كذا] وكتب بيده: وشهد محمَّد بن عبد الله بن عزاعة [كذا] وكتب له إبراهيم بأمره. إلخ. بطولٍ».
(2) () - ب: «أو بلا» وهو خطأ.
(3) () - ب: - «أو غنما».
(4) () - ما بين معقوفتين إضافة من ب، وهو أصوب. (5/73)
صفحة 2158
الباب الخامس عشر
في الأولياء
وقد روي: «أيُّما امرأة نكحت بغير إذن وليّها فنكاحها باطل باطل»، قالها ثلاثا. والوليُّ هو الأقرب فالأقرب: الأب ثمَّ الجدّ ثمَّ الأخ ثمَّ العمُّ ثمَّ الأقرب فالأقرب؛ وقيل: الأب ثمَّ الابن وإن تعدّد وليّها واستووا فأيهم زوَّجها جاز. وندب أن يكون المتأهّل لذلك؛ والشّقيق أقرب من الذي للأب فقط. وإن كان وليّها طفلا أو مجنونا أو غائبا زوَّجها الأقرب إليهم؛ وإن كان عبدا أو مشركا زوَّجها مَن دونه. ويلي أمرَ المعتوقة (1) معتِقها إن لم يكن لها عاصبا، وبنتَ الأمّ عصبتُها، واللقيطةَ الجماعةُ؛ وقيل: ملتقطها؛ وكذا مسلمة على يد رجل.
وأولى بمن لا وليَّ لها (2) الإمام إن كان، وإلاَّ فالسلطان إن كان، وإلاَّ فالقاضي إن وجد، وإلاَّ فالجماعة إن كانت، وإلاَّ فإن وجدت صالحا ولَّته أمرها، وإلاَّ فالسلطان (3) وإن من غير أهل العدل إن وجد، وإلاّ فقاضيهم إن وجد، وإلاَّ فجماعتهم إن وجدت، وإلاَّ اختارت ممّن وجدت؛ وإن كان لها وليّ فأبى أن يزوِّجها فللمسلمين أن ينظروا في منعه إيّاه لها، فإن أراد به المال ومضرّتها فلا يتركوه إلى ذلك، وليخوّفوه بالله، لقوله (4): {ولا تعضُلوهنَّ} (النساء: 19). وإن اعتلَّ بعلَّة نظروا
__________
(1) () - ب: «المعتَقة».
(2) () - ب: «له».
(3) () - ب: - «إن كان، وإلاَّ فالقاضي إن وجد، وإلاَّ فالجماعة إن كانت، وإلاَّ فإن وجدت صالحا ولَّته أمرها، وإلاَّ فالسلطان». وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر، لتكرُّر كلمة فالسلطان، ولوجود إحداهما فوق الأخرى في الأصل.
(4) () - ب: «بالله تعالى لقوله تعالى». (5/74)
صفحة 2159
فيها، فإن وجدوا لها وجها رجعوا إلى المرأة وأمروها بطاعة وليّها، لأنَّه النّاظر لها، وإن أراد إضرارها أمروها أن تولّي أمرها غيره؛ وإن طلبت إليه واحدا فردّه ثمَّ ردّ آخر أيضا اثنين أو أكثر، فهل يكون منه ذلك تعطيلا أو (1) لا؟ قولان؛ وإنّما ينظر إلى إضرارها إذ لا حدَّ لذلك، لأنَّه ربّما ردّ واحدا أو أكثر وله وجه، وربّما ردّ واحدا وهو فيه أضرُّ لها.
وإن خطبها اثنان فاختلفا فيهما فليلحقها بهواها ويتَّق الله لأنَّها أمانة في عنقه يسأل عنها غدا، إلاَّ إن رئي فيه مضرّتها؛ وإن غاب وليّها فاحتاجت إلى التّزويج، فإن كان في قرب نحو يوم أو يومين أرسلت إليه واستأمرته فينظر أصلح لها ولا يتركها إلى أن يأتي؛ وإن طالت غيبته وبعد واحتاجت زوَّجها من دونه إن وجد، وإلاَّ فالجماعة؛ وإن كان لها أبوان فأرادا أن يزوَّجاها فإنَّهما يتّفقان، ويولي أحدهما لصاحبه أمرها ويزوِّجها؛ وإن أمرا غيرهما فلا بأس؛ وإن اختلفا منعًا وإجازة فلا يزوِّجها واحد فقط؛ وإن مات أحدهما فأمرها إلى الحي دون وارث الميّت؛ وإن حضر أحدهما وغاب الآخر أوجنّ أو ارتدّ زوَّجها الباقي؛ وكذا إن كان أحدهما عبدًا أو مشركا فالآخر يزوِّجها (2)؛ وإن استويا في الإسلام والحرية فزوَّجها أحدهما بلا إذن الآخر كُره له، فإن فعل جاز.
وإن اختلطت صبيَّتان بين رجلين ولم يدر كلّ منهما بنته فأراد تزويجهما أو إحداهما فليتّفقا وليستخلفا غيرهما، أو يوكِّل أحدهما صاحبه؛ فإن زوَّجها أحدهما بلا إذن الآخر، فإن كان أباها في الوصف جاز النكاح، وإلاَّ فلا، ولكن يطلب رضاه حتَّى يجيز له فعله؛ فإن أبى كانت كالتي أبى وليُّها فيرجع أمرها إلى الجماعة. فإن غاب أحدهما أو جنّ أو ارتدَّ أو مات اتَّفق الآخر مع الوليِّ الذي دون
__________
(1) () - ب: «أم».
(2) () - ب: - «وإن استويا في الإسلام والحرية فزوَّجها أحدهما بلا إذن الآخر كُره له، فإن فعل جاز». (5/75)
صفحة 2160
الغائب ونحوه.
وإن أعتق رجلان أمة فلا تتزوَّج إلاَّ بإذنهما، ولا بواحد دون الآخر؛ فإن فعل جاز؛ وإن زوَّجها كلٌّ على حدة ولم يدر بالآخر ثبت الأوَّل إن رضيت به، وإلاَّ ثبت الآخر إن رضيته؛ وكذا من زوَّجها الأخوان فإنَّه يعلَّق الأمر إليها، فإن رضيتهما معا أو ردَّتهما معًا بطل النكاح؛ فإن ردت أحدهما لا بعينه ورضيت الآخرَ كذلك بطل أيضا؛ فإن رضيت بالآخر ولم تعلم بالأوَّل فلمَّا علمت به رضيته فقيل: هي للآخر؛ وقيل: للأوَّل؛ وإن علمت به فرضيته ثمَّ بالآخر فرضيته أيضا فهي للأوَّل؛ وكذا إن زوَّجها أخوها لرجل فقبلته [271] ثمَّ أبوها لآخر فرضيته فهل ترجع إلى نكاح الأب أو لا؟ قولان؛ وإن علمت بنكاح الأب فرضيت به (1). ثمَّ بنكاح الأخ فلا ترجع إليه.
وإن أمرت وليَّيها أن يزوِّجاها كلٌّ لرجل بلا علم منه بالآخر ثبت الأوَّل؛ وإن زوَّجاها لواحد في عقدتين فالعقد هو الأوَّل؛ وإن زوَّجها أولياؤها لرجال فرضيت واحدًا منهم بعينه جاز لا إن رضيتهم معا.
فصل
إن أراد مسلم نكاح كتابيَّة وأبوها مشرك فلتأمر مسلما يزوِّجها له، وكذا إن كان أخوها مسلما فإنَّ أباها يأمره أن يزوِّجها.
وإن أسلمت مشركة لا أبوها فأمرها إلى الجماعة إن لم يكن لها قريب مسلم؛ وإن زوَّجها مشرك أو عبد أو أمُّها أو نفسها فسد؛ وإن مسَّ على ذلك حرمت عليه؛ وقيل: إن زوَّجها أبوها جاز ولو مشركا، وكذا إن زوَّجها أقلف، لا إن زوَّجها مشكل لم يبن حاله، أو بان في حكم النساء، وكذا الأملس.
__________
(1) () - ب: «فرضيته». (5/76)
صفحة 2161
وإن أراد الوليُّ أن يعقد النكاح على وليَّته استأذنها قبله، ولو بكرا، اقتداء به e فإنَّه إذا خطبت إليه بنت أمرهنَّ أن يجعلن سترا دونه، فيقول: «إنَّ فلانا بن فلان خطب إلينا فلانة؛ فإن رضيتنَّ به، فاتركن الستر على حاله، وإلاَّ فحرِّكنه».
وندب إظهار النكاح وإكثار الشهود فيه؛ فإذا قعدوا لأجله أكثروا من الذكر والثناء على الله (1)، لما روي: «لا شيء أحبَّ إلى الله من النكاح، ولا أبغض إليه من الطلاق».
فصل
إن امتنع الأب من تزويج بنته فزوَّجها أخوها فأراد الأب نقضه فلا يجده ولا ينقض، وكذا سائر الأولياء؛ وليس له أن يزوِّج بنات ابنه إلاَّ برضاه وأمره إلاَّ إن أبى؛ فإن لم يكن لهن جدّ زوَّجهنَّ من هو دون الأب؛ ولا يجوز تزويج غيره إن حضر إلاَّ إن أبى وله أن يوكِّل غيره؛ فإن زوَّج بنته غيره وقد حضر وكَره فرِّق بينهما، ولو دخل بها في الأشهَر؛ وإن خرج من المصر وبعُد ــ كما مرَّ ــ زوَّجها مَن دونه والابن أقرب في النكاح من الأخ؛ وقيل: عكسه. وابن الأخ أولى من العمِّ. وإن زوَّجها الأبعد مع وجود الأقرب ولم يحتجَّ عليه، فإن جاز الزوج بها وكان كفؤا لها ورضيته وهي بالغة عاقلة فلا ينقض عقده؛ وإن لم يدخل بها أمر الأقرب أن يجدّده؛ فإن أبى قام تاليه مقامه.
والحجة تقوم على الوليِّ بالسلطان أو الجماعة؛ وإن عدموا فبثقتين؛ فإن أبى زوَّج تاليه ولا تمنع من واجبِ حقِّها. وفي الأثر: وإن زوَّجها رجل من عشيرتها وجاز بها لم ينقض إلاَّ مع وجود الأب فإنَّه لا يتقدَّمه أحد فيه؛ وإن كان لها أرحام لا عصبة فالسلطان ولو جائرا أولى من الأرحام بها؛ وإن وكَّل رحما لها فهو أحسن.
__________
(1) () - ب: + «تعالى». (5/77)
صفحة 2162
وإن أسلمت مشركة فرحمها المسلم أولى بها من وليِّها المشرك ووكيل الأب أولى من كلِّ وليٍّ ما حيي الأب، ووصيُّه أيضًا في تزويج بناته أولى أيضا إلاَّ الجد، فقد قالوا: هو والوصيُّ سواء فيه، كذا عن هاشم وموسى.
عزَّان: جاز تزويج كلٍّ من الوليِّ والوصيِّ؛ وجوِّز (1). تزويج الخنثى. هاشم: إن زوَّجها ابن عمِّ أبيها ودخل بها ثمَّ علم ابن عمِّها فأمضاه جاز؛ وأجازه ابن عليٍّ أيضا؛ وفرَّق بينهما أزهر. وقال أبو عليٍّ: تزويج كلِّ وليٍّ دون وليٍّ جائز إلاَّ الأب وكذا عن الصلت بن مالك. وفي جواب هاشم إلى ابن عليٍّ: إذا زوَّجها العمُّ ودخل بها، والأخ وابنه حاضر فلا يفرَّق بينهما إن كان كفؤا ورضيته.
وروى ابن محبوب أنَّ رجلا زوَّج بنت أخيه بنزوى وأبوها غائب بالرستاق ودخل بها وقد رضيت، فقدم فقال: لم أوكِّله وقد أجزت النكاح فسألوني فأمرتهم أن يذهبوا إلى ابن محرز ففعلوا فأتاني، فتناظرنا فقال: أمَّا أنا فلا أقدم على فساده، قال ابن محبوب: فتابعته فقال لي: إذا وافقتني (2) على شيء فما أبالي بمن خالفني.
وإذا غيَّر الأب حين علم فالنكاح غير ماض. وقد زوَّج رجل أختا له وأبوها حاضر، فسئل عن ذلك ابن عليٍّ ومسعدة ومحمَّد بن عليٍّ فلم يفرِّقوا بينهما.
وعن مسعدة: مررنا حجَّاجا فسئلنا عن امرأة زوَّجها واحد من عشيرتها ودخل بها ولم يحتج على وليِّها فلم نجب حتَّى وصلنا مكَّة [272] فسألنا أبا عبيدة الصغير فلم يفرِّق بينهما.
ابن المفضل عن محبوب: إن زوَّجها خالها أو غير وليها وأولياؤها في البلد لم يشاوَروا ولم يعلموا حتَّى دخل بها، فأمَّا الخال إذا كان الزوج كفؤا ورضيته فالنكاح ماض؛ وأمَّا غير الوليِّ والرحم إن زوَّجها ووليُّها قريب بلا إذنه فالأمر إليه؛ فإن
__________
(1) () - ب: «وجاز».
(2) () - أ: «وفقتني». والصواب ما أثبتناه من ب. (5/78)
صفحة 2163
أمضاه مضى؛ وإن نقضه انتقض وذلك إليها؛ فإن كان كفؤا ورضيته فليس له أن ينقضه، وإلاَّ جاز له.
وقيل: إن زوَّجها أخوها أو أجنبي فلمَّا علم أبوها أنكر، ثمَّ مات منكرا، ومات الزوج أيضا وطلبت إرثها منه وصداقها، وقالت: توفي وهو (1) بي راض وأنا به راضية، قال هاشم ومسبِّح: النكاح منتقض. العلاء: إن زوَّجها ابن عمِّها ودخل بها ثمَّ غيَّر عمُّها ولم يمضه فلا أرى فرقة إن جاز بها، وإلاَّ انتقض. ويجبر عمُّها أن يزوِّجها إن كان الطالب كفؤا. وأجازه ابن عليٍّ إن رضيته ولا يفرِّقهما ولو لم يدخل بها؛ وأجاز تزويج كلِّ وليٍّ دون وليٍّ إلاَّ الأب. فإن خرج من البلد زوَّج من دونه؛ وإن كان فيه فزوَّجها غيره فأتمَّه تمَّ، ولو جاز قبل أن يتمَّه، كذا عن بعض. أبو الحواري: هو حرام عند بعض وبه نأخذ. وفي الأثر: إن زوَّج وليٌّ دون من هو أولى منه أو أجنبيٌّ والوليُّ حاضر وليس أبا فقيل: يفرَّق بينهما ولو جاز بها، واختير إتمامه إن جاز بها. أبو الحواري: إن زوَّج وليٌّ دون وليٍّ جاز إذا دخل بها.
وإن زوَّجها أجنبيٌّ ودخل بها قبل أن يتمَّ الوليُّ حرمت عليه، ويفرَّق بينهما ولو أتمَّ بعد الجواز بها؛ قال: وبه نأخذ ولها صداقها.
فصل
ابن محبوب: من طلبت إليه بنته فأبى إلاَّ بكثير والزوج كفؤ ورضيت بأقلَّ منه جاز لعمِّها أن يزوِّجها بمن رضيته. هاشم: إن طلب كفؤ امرأة ورغبت فيه فكره أبوها زوَّجها القاضي إلاَّ إن خاف شره إن عُرف به فلا يزوِّجها. أبو سعيد: لا يجيز عامَّة أصحابنا تزويج وليٍّ ما حيي الأب وحضر إلاَّ بعد قطع حجَّته إن أبى، وفي غيره خلاف، قال: وأحسب أنَّ بعضا يقول إنَّه يلحقه من الخلاف ما يلحق غيره، قال: وهو عندي يشبه العدل أن يكون كغيره، وغيره كمثله. فأمَّا أن لا يجوز وليّ دون
__________
(1) () - ب: «وهي». وهو خطأ. (5/79)
صفحة 2164
وليّ (1) تزويج وليٍّ بعد وليِّ ولا وليّ دون وليٍّ مع الأب أو غيره، وإمَّا أن يجوز معه وغيره، وكلُّهم سواء في وجوب الحجَّة لهم وعليهم، والحقُّ في جميع ما يتَّفق إنَّما هو للمرأة في ثبوت التزويج. وإنَّ الوليَّ ولو أبًا مأخوذ به وبكلِّ حقٍّ كغيره؛ وقيل: إن زوَّجها أحد من عشيرتها أو أرحامها من قبل الأب أو الأمِّ وجاز بها فإنَّه لا يفرَّق بينهما، لأنَّه دخل بسبب قرابة. وقيل: ولو زوَّج أجنبيٌّ إذا أتمَّ (2) الوليُّ قبل الجواز؛ وقيل: ولو أتمَّ بعده؛ وقيل: ولو لم يتمَّ فلا نقوى على الفراق، إلاَّ إن كان هنالك أب؛ وقيل: لا نقوى عليه ولو جدٌّ على كلِّ حال؛ وقيل: إنَّ ذلك جائز، وذلك في جواب الأزهر. قال أبو سعيد: ونحن نأخذ برأي من لا ينقض هذا ولا يحرِّمه، ويتوبون من ذلك. وإن رضيت بالتزويج وكان الزوج كفؤا لها ودخل بها ثبت (3) ولو غير الوليِّ، ولزمتهم التوبة لدخولهم في النهي ولا نخطِّئهم وإن كان وليها أعمى أو أصم لا يسمع مشورةً في نكاحها ولا يعقلها (4) فكالميِّت، ويليها تاليه.
ابن سعيد: إن أبى والدها أن يزوِّجها فاحتجَّت عليه الجماعة فيه (5) فأجَّل لهم إلى شهر كذا أن يزوِّجها، ثمَّ تولىَّ عن ذلك وعن تزويجها وغاب نحو سنة، فإن خرج متولِّيا عن الحكم الذي حكمت عليه الجماعة ولا يبين له عذر، فإنَّ القرب بعده يزوِّجها؛ فإن أبى الثاني أُمر الثالث؛ فإن أبوا كلُّهم زوَّجها الحاكم أو الجماعة؛ وإن خرج في حوائجه لا متولِّيا عن الحكم واحتُمل له عذر في ذلك فلا تزوَّج بنته حتَّى يغيب عن البلد الذي هم فيه أو عن الحوزة في عرفنا بالمغرب؛ فإن وقعت شبهة في غيبته فلا يعجِّل بتزويج بنته حتَّى ينقطع عذره في ذلك؛ وقيل: إن أبى الوليُّ أن
__________
(1) () - ب: - «وليّ دون وليّ».
(2) () - ب: «جوَّز».
(3) () - ب: - «ثبت».
(4) () - ب: - «ولا يعقلها».
(5) () - ب: «فيه الجماعة». (5/80)
صفحة 2165
يزوِّجها احتجّ عليه الحاكم وأمره به؛ وإن أبى حبسه حتَّى يزوِّجها أو يأمر.
فصل
من فُقد فأرادت بنته التزويج فقيل: إن فقد في المصر فلا يجوز تزويجها إلى أن يصح موته أو الخروج منه؛ وقيل: حكم المفقود حكم الخارج منه، ويحكم عليه بأحكام الغائب الذي لا يعرف أين هو، وعليه ما على الغائب، وعليه الأكثر.
ومن حلف بعتق أو طلاق أن (1) لا يزوِّج بنته بأقاربه أو الأبهم؛ فإن أبى رفع أمره إلى الحاكم ليزوِّجوها بمن أحبّت؛ وكره لها إن تحنّث أباها في ذلك. ومن أرد أن يزوِّج وليَّته ولا يعرفها الشهود، فقال أبو الحواري: لا يدخل الشهود في التزويج حتَّى يقول المزوِّج: زوَّجت بنتي. [273] واختلف في الأخت فقيل: إذا قال: زوَّجت أختي جازت الشهادة على ذلك؛ وقيل: لا لعلّها أخته من أمِّه أو نحو هذا، وقال: وأرجوا أنَّ الأم كالبنت في هذا؛ وقيل: لا تجوز على التزويج ولا للمزوِّج في تزويج من لا يعلم أنَّه وليُّها.
وإن أقرَّت امرأة أن هذا وليُّها ولا يعلم لها أقرب منه وقال هو كذلك جاز الدخول فيه للزوج والمزوج والشهود إن اطمأنَّت قلوبهم إلى تصديق ذلك ولم يكن في القرابة من يكذِّب ذلك. وإن نزل قوم في قرية وادَّعوا مثل هذا، وقعدوا أيَّاما وعلم دعواهم به، ثمَّ أرادوا التزويج قال: فإذا تقارروا فاطمأنَّت النفوس جاز ذلك، وإلاّ فحتَّى يصحَّ. أبو عبد الله: إنَّما يشهدون على دعوى الوليِّ أنَّه وليّ، يقولون: إنّ فلانة زوَّجها فلان بن فلان، وقال إنّه وليّها إذا دخلوا في التّزويج، وما لم يدخلوا فيه فلا يدخلوا إلاّ بعد الصّحة. وليس على الوليّ إذا أراد أن يزوِّج وحضر الشّهود ولم يسألوه عن شيء أن يبيِّن لهم شيئا إلاَّ إن دعوه إليه، وكذا الزوج إذا علم أنَّه الوليّ لا يلزمه أن يسأل الشّهود عن علمهم فيه، وكذا هم إن كان فيهم من يعلمه ولياّ لا
__________
(1) () - ب: - «أن». (5/81)
صفحة 2166
يلزمه سؤال سائرهم، ولا الزّوج عن علمهم، وخصّ كلّ بعلمه إلى أن يبين له ذلك؛ فإن بان له من أحد أنَّه لم يعلم ذلك قال؛ فإن لم يعلم أحد منهم ذلك شهد على دعوى الوليّ وما سمع، وما نحبّ له ذلك إلاَّ بعد البيان، ويثبت التّزويج على هذه الصّفة؛ فإذا لم يصحّ أنَّه وليٌّ أو صحَّ أنَّه ليسه فإن تزويجه كتزويج الأجنبيِّ، وذلك إذا لم يعلم الزوج ولا المرأة أنَّه وليٌّ إلاّ بدعواه، ثمَّ دخلوا في التّزويج ثمَّ علموا رأي المسلمين قبل الدّخول أو بعده؛ فإن علموا قبله فتزويجها إلى الإمام أو القاضي أو الجماعة، فيجدَّد بواضح بيِّن؛ وإن علموا بعده ولم يصحّ لها وليّ فقد مضى ذلك.
فصل
إن كان لأعجم بنت أو أخت أو نحوهما ممّن يلي تزويجها فإنَّه يزوِّجها وليّه إن كان له، وإلاّ فالسّلطان العدل وليّ من لا وليّ له؛ واختلف في الجائر فقيل: كذلك؛ وقيل: لا، وهو كواحد من الرّعية.
وسئل أبو سعيد عن امرأة طلبت إلى وليّها التّزويج فأبى منه هل يجزيها احتجاجها عليه فيما بينهما فإن فعل وإلاّ زوَّجها المسلمون بعد أن ترفع أمرها إليهم أو إلى السّلطان؟ قال: عندي أنَّه إن لم يعلموا باحتجاجها وامتناعه وسعهم حتَّى يعلموا به؛ وإن رفعت أمرها إليهم فأرسلوا إليه من يحتجّ عليه فاستتر عنهم فهل لهم أن يزوِّجوها وذلك منه امتناع؟ قال: لا، ما لم يعرفوا حجّته، قيل له: فإن خرج إلى بلدٍ تناله فيه الحجّة بعد أن احتجّوا عليه؟ قال: ليس لهم تزويجها حتَّى يحتجُّوا عليه إن كانت تناله منهم؛ قيل له: أفعليهم أن يبعثوا من يحتجّ عليه أم على المرأة؟ قال: ليس عليهم إلاَّ إن كان لهم بيت المال تنفّد منه الأحكام، وتقوم (1) منه مصالح الإسلام إلاّ إن كانت الحجَّة من قبلها هي اختير أن تلزمهم الرّسالة بها (2) والاحتجاج من قبلهم؛ قيل له: فهل على الطّالب تزويجها إليه دونهم ودونها أم ليس عليه ذلك؟ قال: ليس عليه.
__________
(1) () - ب: «وتقام».
(2) () - ب: - «بها». (5/82)
صفحة 2167
الباب السّادس عشر
في تزويج من لا وليّ له
أبو المؤثر: روي مرفوعا: «لا نكاح إلاّ بولي» ــ كما مرّ ــ يعني بقريب من الأب. و «السّلطان وليُّ من لا وليّ له». فقيل: هو العدل ــ كما مرّ ــ لأنَّ أصله من كان له الحقّ كما قال تعالى: {فقد جَعلنا لوليِّه سُلطانا} (الإسراء: 33)، أي درجة وحقّا؛ ولا سلطان للجبابرة ولا درجة. والمسلمون أولى من الجائر فتجتمع (1) جماعتهم من اثنين فأكثر فيزوِّجونها؛ فإن عدموا رجعت إلى ولاية نفسها كما مرّ؛ فإن زوَّجها الجائر برأيها كان كأجنبيٍّ. وقيل: إذا عدم العادل فالجائر أولى من غيره لشمول الاسم له في ظاهر الحديث، واختلف في ذلك أيضا، فقيل: لا يكون تزويجها إلاّ إلى الأكبر أو برأيه؛ وقيل: يكون للقائل في ناحية، وإن بلا رأي الأكبر؛ وقيل: من وليَ أمر السّلطان في بلد قام مقامه فيه (2) إن كان يملك أمر السّلطنة والمملكة فيه؛ وقيل: ولو عريفا في الحارة قد عرف عليها جاز أمره فيها، فيما يجوز للسّلطان من تزويجها. واختار خميس أن يكون الأمر إلى القائد في الناحية لأنَّ الأكبر قد قدَّمه في تدبير المملكة فكان سلطانا في تلك الكرة (3). وأجاز أبو جابر تزويجها لأصحاب العرافات الظّاهرين في القرى بالأمر والنّهي.
وقال ابن عليٍّ: لو أنَّ أجنبيّا زوَّج امرأة برأيها ثبت ولا أنقضه إن دخل بها، وإلاّ جدّده الولي أو السّلطان أو الجماعة؛ قال خميس: وهذا أرخص ما سمعناه. أبو
__________
(1) () - ب: «يجتمع».
(2) () - ب: - «فيه».
(3) () - كذا في النسختين. (5/83)
صفحة 2168
الحواري: الجائر كالعادل في تزويجها، وفي التوكيل على اليتامى؛ فإذا جاءت امرأة إلى الحاكم وطلبت إليه التزويج وادّعت أن لا وليّ لها، فإنَّه يكلّفها بيِّنة، ولا يحكم في ذلك بعلمه، فإن أقامتها أنَّهم لا يعلمون لها ولياّ في البلد ولا زوجا، ولا أنَّها في عدّة أو حامل، [274] فإذا صحّ هذا عنده جاز له الدّخول في تزويجها؛ فإن أقام لها وكيلا جاز وجاز ذلك للقاضي والإمام والولي؛ وقيل: لا يجوز للولي أن يأمر غيره، ويلي ذلك بنفسه؛ وقيل: يجوز إذا أتى المأمور بالأمر على وجهه.
أبو سعيد أجاز بعضهم في امرأة لا وليَّ لها إلاَّ أخوها لأمّها أن يزوِّجها إذا رضيت بلا مشاورة المسلمين، ومنعه بعض، وقال: إنَّهم أولى منه إن وجدوا وأمكنهم الدّخول فيه؛ وإن وكَّلوها كان أحسن لاجتماع السّببين؛ وكذا أب الأم والخال والمسلمون أولى من كلّ ذي رحم إن وجدوا وأمكنهم الدّخول فيه؛ والرّحم عند عدمهم أولى من أجنبيٍّ، وهي أولى بنفسها (1) من كلّ رحم؛ واختير أن توكّل أقرب إليها من الأرحام عند عدم المسلمين؛ وإن زوَّجت نفسها ولم توكّل رحما ولا مسلما، فإن لم يدخل بها رفع أمرها إلى الجماعة فيجدّدوا نكاحها إن وجدت، وإلاّ فرحمها توكِّله فيجدّده؛ وإن دخل بها على توكيلها في نفسها فقيل: جائز إن لم يحضر لها (2) عاصب في المصر. وإن زوَّجتها أنثى من أرحامها مع وجود ذكر منهم فهل هو كتزويجها (3) نفسها مطلقا؟ قال: عندي أنَّه ضعيف؛ فإن رضيت ودخل بها، فقيل: جائز لا ينقض إن لم يكن لها وليٌّ، وشدّد في ذلك.
وإن زوَّجتها أجنبيَّة ورضيت (4) وجاز بها الزوج فكذلك قيل له؛ فإن زوَّجت هي نفسها أو محرمتها أو أجنبيَّة مع وجود رحم ذكر ولم ترفع أمرها إلى
__________
(1) () - ب: «بنفسه». وهو خطأ.
(2) () - ب: «له». ويبدو أنَّه خطأ.
(3) () - ب: «كتزويج».
(4) () - ب: - «ورضيت». (5/84)
صفحة 2169
الإمام أو القاضي أو الجماعة وارتفع ذلك إليهم فهل يلزمهم الحدّ أو الحبس والتّعزير، أعني الزوج والزوجة والمزوِّجة لها أم لا؟ قولان؛ فإن وجد الإمام أو واليه أو قاضي الإمام فهم أولى من الجماعة وإلاَّ قامت مقامهم؛ فإن فعلوا ذلك ولم يرفعوه إليهم وهم بحضرتهم ودخل بها، فبعض أتمّ النّكاح ويشدّد عليهم في ذلك حتَّى لا يعاد لمثله. ورأى بعض (1) تعزيرهم إذا عرفوا بالجهالة والتغشُّم في الأمور على غير وجهها.
وقيل: إن زوَّجت نفسها أو أمرت من زوَّجها (2) أو زوَّجتها أمُّها أو أخوها منها أو محرمتها أو أجنبيُّ، ورضيت بالزوج ودخل بها ولها وليٌّ فأمضى النّكاح، اختير إبطاله، ولا نتقدّم على تحريمه، ولا نفرّق بينهما.
وعن بعض إن سافرت امرأة مع جماعة فمرضت ولا لها فيهم وليُّها فلأفضلهم أن يزوِّجها. وإن كانت في قرية ذات سلطان ولا لها فيهم رحم، فإنَّ أصلحهم وأفضلهم يزوِّجها، ويشهد اثنان وهم أولى بتزويجها؛ فإن لم يكونوا ثلاثة فاثنان ويقومان مقام الثلاثة بحضرة الشّهود؛ فإن عدمت الجماعة، فقيل: لصاحب الحقّ إذا عدم الحكم وامتنع خصمه من إنصافه ــ كما أمر ــ أن يحكم لنفسه به. وللمرأة إذا عدمت الحكم أو أبى أولياؤها من تزويجها أن تأمر من يزوِّجها، لأنّ النّساء لا يعقدنه، واختير إذا عدمت الحكم من عادل أو الجماعة أن ترسل هي وطالبها ثقة إلى أوليائها بحضرة جماعة من خمسة فصاعدا من أهل السّتر والعفاف إن أمكن، وإلاَّ فمن غيرهم ممّن تصحّ بهم الشهرة، فيصل الرّسول إلى الوليّ الأقرب منها والجماعة معه فيقول: إنَّ فلانا أرسلني إليك أن تزوّجه (3) بفلانة وأنّها رغبت فيه؛ فإن أبى احتجّ على تاليه ثمَّ كذلك فإنَّ امتنع جميعهم جاز لها أن توكّل رجلا، واختير كونه من عشيرتها ولو
__________
(1) () - ب: «بعضهم».
(2) () - ب: «يزوِّجها».
(3) () - ب: «تزوِّجها». وهو خطأ. (5/85)
صفحة 2170
لا نسبَ بينهما والجماعة، ولو (1) قلَّ علمهم وضعف رأيهم إذا أبصروا حكم ما دخلوا فيه فهم كالعلماء عند عدمهم.
وأهل كلّ طرف من الأرض مؤتمنون على دينهم غير معذورين عن القيام بما لزمهم لغائبهم ولم يكفلَّوا به إذا حضر، وحجّة الله قائمة في ما لزمهم. وقيل: إذا لم يصحّ لامرأة وليّ جاز أن يزوِّجها رجل من فصيلة عرفت هي منها، وإن لا نسب بينهما ــ كما مرّ ــ، لا إن كانت من الأفخاذ الكثيرة لأنَّه كالأجنبيِّ إذا تباعدت؛ وإنّما يجوز الرّجل إن كان من الفصائل.
وقال عزَّان: إذا (2) ادّعت عند حاكم أن لا وليّ لها وأحضرته (3) شاهدين بذلك، فزوَّجها ولم يسأل عن عدالتهما، ثمَّ صحّ لها وليّ بعد الدّخول بها فقد ترك السّنَّة، وحكم بغير الحقّ؛ وتوقّف الفقهاء فيه بعد الدّخول، والأحسن أن يفرّق بينهما.
وأخبر العلاء عن الإمام غسّان قال: كنت والياّ على صحار فجاءتني طالبة أن أزوِّجها برجل وادّعت أن [275] لا وليّ لها بعمان وأحضرت شاهدين على ذلك، فزوَّجتها به، فإذا بأبيها قادم من ناحية تخل فأرسلتُ إليهما وأخذتهما (4) بما كان منهما فاحتجا أنَّهما لا يعرفان عمان غير صحار، ولا نعلم لها بعمان وليّا، فأمرتُ باعتزالهما فكتبتُ إلى الإمام وارث أسأله عن ذلك فأجابني: أن أعرضْ ذلك عن (5) الأب؛ فإن أمضاه فهما على نكاحهما وإلاَّ نقض، وخذ الزوج والشّاهدين بالصّداق.
ابن عليٍّ: إن شهد اثنان عند الحاكم أنّ فلانة بالغة مبلغ النّساء، وأمر بتزويجها
__________
(1) () - ب: «وإن».
(2) () - ب: «إن».
(3) () - ب: «وأجضرته». وهو خطأ.
(4) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: وآخذتهما.
(5) () - ب: «عن». وهو خطأ. (5/86)
صفحة 2171
فلماّ دخل بها زوجها غيّرت (1) وبان أنَّها لم تبلغ، فانتظر بلوغها فبلغت وكرهته وقد باشرها ولزمه (2) الصداق فطلبه إلى الشّاهدين فما نبعدهما من غرامته.
قيل لعزَّان: ماذا تقول في امرأة لا وليّ لها بعمان، هل للإمام أن يزوِّجها نفسه؟ قال: نعم، قيل له: فالقاضي؟ قال: لا. وفي الضّياء: وللقاضي والسلطان أنَّ يزوِّج نفسه امرأة لا وليّ لها وهو كالوليِّ؛ وإن وكّل فأحسن؛ وإن زوَّج نفسه جاز.
وإنّما أطلت الكلام في البابين لكثرة البلوى فيهما.
__________
(1) () - أ: لعلُّه «خُيِّرت».
(2) () - ب: «لزمها». (5/87)
صفحة 2172
الباب السّابع عشر
في الشّروط في التّزويج
ويروى: «إنّ أحقّ الشّروط أن يوفَّى به: ما استحللتم به الفروج». وفي جواب ابن محبوب إلى ابن عليٍّ: من أعطى وليّته على أنَّه تزوَّج عليها أو تسرَّى فطلاقها بيدها، فتزوَّج أو تسرى ثمَّ باشرها فهل يُخرج وطؤه إيّاها الطّلاقَ من يدها؟ قال: إذا اشترطت عليه ذلك عند العقد فذلك لها عليه؛ وإن طلّقت نفسها حين علمت بذلك طلِّقت؛ وإن جاوزت الوقت ولم تطلِّق نفسها خرج الطّلاق من يدها ولو لم يطأها، إلاّ إن جعله بيدها بعد تزويجه عليها، أو تسريه، فلها أن تطلّق نفسها؛ ولو وطئها لم يُخرج وطؤه إيّاها الطّلاقَ من يدها لجعله فيه بحقٍّ، والقول فيه قوله، لأنَّه جعله فيه إلى وقت كذا؛ وإن تزوَّجها على ذلك فلها شرطها إذا جعله من حقّها.
ومن جعله بيدها عند العقد فإنَّه إن تزوَّج عليها فطلّقت نفسها واحدة ثمَّ راجعها، ثمَّ أرادت أن تطلّق نفسها ثانية وثالثة لم يجز لها بعد الواحدة، وخرج من يدها. أبو معاوية: إن جعل لها ذلك فتزوَّج أو تسرى عليها وعلمت ذلك فلم تطلّق حتَّى جاوزت الوقت فلا يخرج من يدها، وهو فيه كما شرطت عند العقد غيره إن جعله قبل النّكاح عليها أو التّسري أو بعدهما فسواءٌ، إلاّ إن جعله بيدها إلى أجل، فهو إليه، ولا تخرجه المفارقة ولا الوطء إلى ذلك الأجل أو بحقّ فلا يفكّه إلاّ أداؤه؛ وإن جعله بيدها عند العقد في حقّها أو صداقها، فهو ثابت لا يخرج من يدها إذا تزوَّج عليها أو تسرّى، ومتى شاءت طلّقت نفسها؛ وإن شرط عند العقد أنّ كلّ امرأة تزوَّجها عليها فهي طالق، أو طلاق التي جعله بيدها، أو كلّ سريّة تسرّاها فهي حرّة، فهذا لا يثبت لأنَّه طلّق ما لا يملك، وهو شرط باطل والنّكاح تامّ، كان عند عقده أو قبله أو بعده. (5/88)
صفحة 2173
ومن جعل طلاق زوجته، وإن بيد غيرها، فطلّقت نفسها أو طلّقها واحدة ثمَّ أتبعها ثانية في العدّة، أو فيما جاز طلاقها فيه قبل قيامهما من المجلسّ، ففيه خلاف، فالأكثر (1) أنَّه يلحق الأوَّل، ولا يلحق الطّلاق بعد انقضاء العدَّة وتزويجٍ جديد؛ قال: وهذا إذا طلّقها الذي جعل بيدها؛ وإن جعله بيد غيرها فلم يطلّقها حتَّى طلّقها هو واحدة، وانقضت عدّتها فتزوَّجها بجديد ثمَّ طلّقها الغير، وقع الطّلاق، إلاّ إن طلّقها ثلاثا فقد انفسخ النّكاح والطّلاق، ولا طلاق للمجعول في يده.
ومن تزوَّج وشرط عليه وليّها أن يكون طلاقها في يده (2) أو يدها أو وكيلها، ثبت شرطه، وجاز طلاقه؛ وكذا لربِّ الأمّة أن يشترط على ربّ العبد أن يكون طلاق أمته في يده.
فصل
أبو محمَّد: من تزوَّج امرأة وشرط عليها إن تسكن مع أبيه فكرهت؛ فإن تزوَّجها بأكثر من صداقها على أن تسكن معه رُدّت إلى صداق مثلها وأسكنها منزلا آخر؛ وإن تزوَّجها على صداقها فلتسكن معه حيث أراد، غير الذي فيه أبوه. زيَّاد بن الوضَّاح: لا يلزمها أن تسكن مع أبيه؛ وإن التزم أن يفارقها متى شاءت ويصدقها متى شاءت، ويبرئ لها نفسها فالنّكاح تامّ، والشّرط باطل؛ وكذا إن شرط لها عليه أنّ رأيها في نفسها مقدَّم على رأيه في جماع أو خروج من منزله أو غير ذلك من كلّ ماله [276] عليها فما أرادت فعلت، فكلّ ذلك باطل وعليها ما على النّساء، ولها ما لهنّ، ولها السّكنى حيث شرطته. قال مسبّح: إن شرطت عليه أن تسكن دارها عند العقد، ثمَّ طلب إليها التّنقّل فانتقلا ثمَّ بدا لها أن ترجع إلى منزلها فلها ذلك، إلاّ إن تركت شرطها، وأبرأته منه؛ وكذا عن هاشم وجابر؛ وإن جعل لها ذلك بعد العقد فله
__________
(1) () - ب: - «فالأكثر».
(2) () - ب: «بيده». (5/89)
صفحة 2174
الرّجوع فيه؛ وإن شرطت عليه سكنها في منزلها وبلدها ثمَّ أبرأته منه فعن أبي عبد الله لا رجعة لها عليه فيه؛ وإن اشترى منها ذلك الشرط بشيء جاز ولو مجهولا، لأنَّه من شرط صداقها؛ وقيل: لا يثبت بيعها للأجل لغيره.
ومن شرط لها ــ قيل ــ عند العقد أنَّه إن غاب عنها أكثر من شهرين فطلاقها بيدها، ثمّ اختلعت إليه وقبِل، ثمَّ راجعها (1) فغاب عنها، ثمَّ طلّقت نفسها، فقال الوضّاح: وقع عليها، لا إن طلّقها وانقضت عدّتها ثمَّ جدّد ثمَّ طلّقت نفسها.
وفي عرفنا في بلادنا: نشترط (2) لها عند العقد أنَّه إن تزوَّج عليها أو تسرَّى أو غاب عنها حولين رجع الأمر بيدها، فإن شاءت طلّقت نفسها، وإن شاءت تركت، ثمَّ لا يضرُّها الانتظار إن فعل ما لم تجتمع معه.
ابن عليٍّ: لا يجوز في النّكاح اشتراط ثلاث: أن لا ترثه إن مات؛ وأنَّ يعزل عنها عند الجماع، وأن لا نفقة لها عليه وشرط الله أولى وأحقّ من شرطه؛ فإن شرط عليها أن لا صداق لها عليه إن ماتت قبله بطل ولها صداقها لوارثها؛ وإن شرط عليها ذلك إن مات هو قبلها فلا سبيل لها على وارثه فيه، وكذا إن شرط عليها إن مات قبلها فليس لها عليه إلاّ ما وجدت في ماله.
أبو الحواري: من خطب امرأة فأبت منه وهواها فالتزم لها أنَّه متى شاءت يفارقها ويعطيها صداقها، أو يبرئ لها نفسها متى شاءت، بطل الشّرط وتمَّ النكاح؛ وكذا إن شرطت عليه في العقد أنَّها متى ادّعت عليه الطّلاق فهي صادقة أو مصدّقة، فلا يثبت عليه؛ وإن شرطت عليه أنّ كلّ امرأة يتزوَّجها عليها فأمر طلاقها بيدها، فذلك لا يلزمه لها ــ كما مرَّ ــ إلاّ إن جعله بيدها عند العقد بها. وقال أبو عبد الله: لا يلزمه مطلقًا. وقيل: إن جعله بعده جاز، وقيل: لا، إلاَّ إن جعله بعده جاز؛ وقيل:
__________
(1) () - ب: «رجعها». وهو خطأ.
(2) () - ب: هامش: «قوله: نشترط، أي معاشر الأزواج، ويدلُّ عليه ما سبق، أو معاشر الأولياء كما هو معروف». (5/90)
صفحة 2175
لا، إلاَّ جعله لها بعد أنَّ تزوَّج بالتي جعل طلاقها بيدها هي، لأنَّه لا طلاق قبل النّكاح.
فصل
من تزوَّج امرأة على أن لا يمسّها، أو إلاَّ في ليل أو نهار، أو على أنَّها تلد أو لا تلد، أو ثيّب أو بكر، جاز النّكاح وبطل الشّرط.
وإن تزوَّجها بكرا فوجدها ثيبا فلها نصف صداق البكر؛ وقيل: تام إلاّ إن شرطت هي له أنَّها بكر فيلزمه لها صداق مثلها وتحطُّ عنه الزيادة، ويسعه المقام معها ما لم تقرَّ بزنى. وإن شرط له وليّها أنَّها بكر فوجدها ثيبًا فلا شيء على الوليِّ؛ فإن علمها ثيبا وشرط له أنَّها بكر فوجدها ثيبًا، فقيل: إنَّ عليه فضل ما بين الصّداقين؛ وإن اعتلّت بعلّة أو بيدها أو بما قعدت عليه أو بغير ذلك سوى الرّجل، فلا تحرم عليه كما مرّ؛ وإن قالت: إنّ رجلا أصابها بيده أو بفرجه فلا صداق لها ولا يحلّ له إمساكها. أبو الحواري: لا يلزمه سؤالها إن أراد القيام معها ويسعه، ويُحسن بها الظّنّ؛ قال: وبه نأخذ.
وإن تزوَّجها على أنَّها غنيّة أو فقيرة، أو من قبيلة كذا، أو معروفة النّسب فخرج خلافه، جاز النّكاح وبطل الشّرط؛ وقيل: هو بالخيار. وإن تزوَّجها بمائة إن كانت بكرا أو عريقة أو تلد أو إن دخل بها وبخمسين إن كانت ثيِّبا أو غير عريقة أو لا تلد أو إن لم يدخل بها جاز وبطل الشرط، وترجع إلى صداق مثلها؛ وقيل: هما على شرطهما، وكذا على شرطٍ عُقد عليه النكاح فخرج خلاف ما عقد عليه، في جوازه وبطلان شرطه، وقيل: بالخيار كما مرّ. (5/91)
صفحة 2176
الباب الثامن عشر
في التّزويج على شرط
عطية: ابن محبوب: من أراد أن يتزوَّج امرأة فقال لأهلها لا أتزوَّجها حتَّى تعطوها مالكم كلَّه أو بعضه، أو نخلة أو أرضا معلومة فأعطوها ذلك عند العقد وعلى ذلك تزوجها ثمَّ أنَّها لم تقبضه فمات أبوها وله وارث سواها أو ماتت هي وقد رجع في عطيته أو لم يرجع ولم تقبض هي؛ فإن تزوجها على ذلك وعقد فعندي أنَّها ثابتة لها ولم تقبضها وهي لها دون الغرم إن كان عليه ديْن ودون وارثه إلى أن ردتها لأبيها، أبو سعيد: قيل يجوز هذا وهو عندي حسن لأن في خلافه موجب خلاف العذر وقيل: إن العطية على هذا كهي [كذا] لا [277] على شرط؛ فإن أجازت النكاح ثبتت عطيتها لها عند مثبتها على أبيها؛ وإن رجع فيها وانتقضت بوجه وقد وقع التزويج على معنى لم يثبت الشرط؛ فإن زادها فوق المعروف لها من الصداق ردت إلى الأوَّل أو إلى صداق مثلها كما مر؛ وإن كان صداق مثلها أو دونه ثبت بحاله.
وفي الأثر: من تزوج امرأة على عطية لها من والدها ثمَّ رجع عنها فلا رجوع له فيها؛ وإن ردتها إليه جاز لها ولا حجة للزوج في ذلك ولا عليها نقصان في صداقها؛ وإن تزوجها على كثرة مالها فلمَّا صارت عنده أزالته عن نفسها وقد أصدقها كثيرا لأجله فإنَّها ترد إلى صداق مثلها ولها ما أصدقها إن زال عنها بآفة لا منها؛ وإن تزوجها بألف درهم على أن تعطي هي مائة دينار فقيل: جاز شرطها وبطل شرطه، وشرط الرجال على النساء باطل؛ وقيل: إن كانت قيمة المائة أكثر من الألف أو هما سواء فلها أقل صداق وهو أربعة دراهم، وقيل: لها في الأكثر صداق مثلها؛ وإن وهبت امرأة إلى رجل دراهم يتزوجها بها جاز إن وهبتها له، وإلا فهو كمن تزوَّج بلا صداق؛ فإن دخل بها قال ابن أحمد: فلها وسط صدقات نسابها، وقيل: إن أعطته ألفا (5/92)
صفحة 2177
وقالت له: اذهب فأملكني به (1) من أهلي ففعل لم يجز إلا إن أعطته إياه عطية لا شرط فيها؛ وإن قالت له: تزوجني وعليَّ لك (2) ألف، فتزوجها ثمَّ رجعت، قال فعليها ما جعلت على نفسها إذا تزوجها بصداق، وقيل: لا يثبت شرطه عليها على النكاح والأوَّل أشبه؛ وإن شرط أحدهما على صاحبه أن لا يجامعها بطل، فمن أراد منهما الوطء كان له، لأنَّ العقد يوجب إباحته.
وإن شرط عليها أن لا يطأها فطالبته به لزمها أن يطأها، ولو شرط عليها أن لا يقدر عليه ويلزمه وطؤها حتى تعلم منه أنَّه لا يقدر عليه؛ وإن تزوج عمانيٌّ مكية، وشرط عليها أن لا يأتيها إلا في الموسم، قال موسى: جاز عليها ذلك.
ومن وهب لابنه هبة ليتزوَّج بها لم يجز له انتزاعها منه لأنَّه من أجلها زوّجوه
__________
(1) () - ب: بها.
(2) () - ب: «ولك عليَّ». (5/93)
صفحة 2178
الباب التاسع عشر
في شروط الخيار
ورضي فلان ولا يثبت الخيار للزّوج ولو شرطه، وثبت للزّوجة ولو إلى أكثر من ثلاثة أيام، ومن زوّج وليّته برجل وجعل له أجلا إن جاء فيه بحقّها وإلاّ فلا نكاح، فلم يجئ فمات بطل الشّرط وثبت النّكاح؛ وإن قال له: إن جئتنا بصداقها أو نقدها إلى يوم كذا وإلاّ فهي طالق، فإنَّها (1) تطلّق إن لم يأت إليه، والمتخالفان إن شرط أحدهما الخيار إلى ثلاثة، وقع الخلع ولا خيار لأحدهما.
ومن تزوّج امرأة على رضى وليّها فقيل: إن أتمّ قبل الدّخول بها تمّ النّكاح وإلاّ فرّق بينهما، وقيل: تمّ مطلقا. والأوَّل أصحّ، ومن زوّج وليّته على رضاها فلمَّا بلغها الخبر أنكرت، ثمَّ رضيت به بعد أيّام ورضي هو بها، فليجدّدوه بشهود، وبه قال أبو عبد الله.
قال ابن محبوب: إن زوّجها أجنبيّ على رضى وليّها، فرجع الزّوج قبل علم الوليّ فلا رجوع له، وتمّ النكاح إن أتمّه الوليّ.
وسئل هاشم عمّن تزوّج امرأة على رضى وليّها، والمزوّج لها من عشيرتها، ولها خال يتولّى أمرها، ثمَّ دخل بها قبل رضى الوليّ، ثمَّ قدم فلم يرض فسد نكاحها، قيل له: فإن رضي بعد الدخول فهل ينفعه، قال: إنَّ مسعد روى عن أبي عبيدة الصّغير أنَّه إن رضي ولو بعده تم النّكاح. ابن الفضل: إنَّه نكاح خسيس، واختار هاشم التّفريق بينهما.
__________
(1) () - ب: «فإنه». (5/94)
صفحة 2179
ابن عليٍّ: من تزوّج امرأة على رضى أجنبيّ فباشرها قبل أن يعلم رضاه فسدت عليه؛ وإن تزوّجها على رضى وليّها ثمَّ مات قبل أن يعلم رضاه، انفسخ النّكاح ولا شيء لها عليه، إلاّ إن دخل بها قبل أن يعلم رضاه حرمت عليه، ولزمه صداقها، وله أن يجدّد إن لم يدخل بها بجديد، وتكون عنده على ثلاثة تطليقات؛ وإن تزوّجها على رضى فلان فمات الزوّج قبل أن يعلم برضاه فرضي، فلها صداقها وإرثها لا إن لم يرض. ابن عليٍّ: إن تزوجها على رضى أخيها ثمَّ طلّقها قبله؛ فإن رضي تمّ النّكاح ووقع الطّلاق وإلاّ لم يجب لها صداق؛ وإن مات الأخ قبل أن يرضى فسد النّكاح؛ وإن مات الزّوج قبله ثمَّ رضي فلا ينفع لبطلانه بموت الزّوج؛ وقيل: إن تزوّجها [278] على رضى وليّها ثمَّ أراد الخروج منها قبل أن يعلم رضاه فلا يجده؛ فإن طلّقها لزمه نصف الصّداق؛ وإن دخل بها قبله حرمت عليه ولها صداقها عاجله وآجله؛ وإن تزوجها على ذلك وقبل هو النّكاح ثمَّ قال: فسخته ولا أرضى به، ولم يعلم رضى الوليّ على ثبت النّكاح، ولزمه المهر ولا يجد فسخه؛ وإن تزوّجها على ذلك أيضا ورضيا هما ثمَّ قال: فسخته ولا أرضى به، فقيل: له ذلك ويثبت عليه.
وقال عزَّان: من زوّج أخته على رضى أبيه ومسّها الزوج ومات الأب ولم يعلم رضاه فقد حرمت عليه ولها صداقها، ومتى وجد الوطء لزم الصّداق.
ومن تزوّج قيل امرأة على رضى والديهما ثمَّ أمسك واحدة ثمّ زوّجها وليّها بآخر، فدخل بها فولدت، ولم يعبؤوا بالأمر الأوَّل، ثمَّ ذكر فإنَّه يفرّق بينهما، وتأخذ صداقها من الآخر إن جهل الأمر لا إن دلسوه وكتموه عليه، فإذا انقضت عدّتها كانت عند الأوَّل إن كان الأمر في الآخر على جهل. (5/95)
صفحة 2180
الباب العشرون
في الرّضى بالنّكاح أيضًا
فإن قالت: المرأة لا أرضاه لم ينفع رضاها بعد وانتقض؛ وإن أرادت أن ترضى بعد جدّد حتى لا تبقى فيه شبهة، موسى: إن رجعت للرضى والزوج مستمسك تمّ النّكاح؛ وإن علمت قبله فرضيت ثمَّ رجعت منكرة فالأكثر أنَّه منفسخ، وقيل: ثابت عليها برضاها به، ابن أحمد: وهو عندي أعدل لأنَّها رضيت أوّلا بما لم يثبت عليها به حكم زوجية، ثمَّ رضيت بعد العقد فيثبت كالبيع إنّما يثبت بعده.
ابن بركة: من عقد عقدا على غيره وهو لا يملك أمر نفسه ولا له اختيار؛ فإنَّ العقد يراعى فيه الحال الذي يملك فيه المعقود عليه أمر نفسه؛ فإن أمضاه تمّ؛ وإن ردّه انفسخ. وهذا كلام يشمل كلّ كبير وصغير وغائب ومملوك.
وإن زوِّجت امرأة برجل فبلغها الخبر ولم يصح عندها ببيِّنة أو شهرة، فرضيت به فلما صحّ عندها أنكرت، جاز لها الرجوع ما لم ترض به بعد الصحَّة، وكذا إن غيَّرت قبلها وأتمته بعدها جاز لها (1). وكذا إن تزوّج بها فأظهرت الإنكار ثمّ قالت إنّها قد رضيت به زوجا قبله، فإنَّها تكون مقرّة بالرضى به قبل الإنكار؛ وإن أجبرها على الوطء حين أظهرت إنكاره فتركته تقيّة منه ثمَّ قالت: إنها كانت رضيت به قبله فإنَّها مقرّة بالرضى والزّوجية؛ وإن خطر ببال امرأة تزويج رجل، وإنه إن تزوّجها رضيته ولم تعلم أنَّه قد زوّج بها ولا طلبها، ثمَّ صحّ ذلك، وكان الخطور ببالها والرضى به بعد تزويجها به، فلمّا صحّ عندها أنكرته، فقيل: لا يثبت عليها إلاّ بالرضى بعد الصّحة عندها بعد لين أو بشهرة لا تدفع ولا تستراب، أو يحكم من
__________
(1) () - ب: - «الرجوع ... جاز لها». وقد وقع للناسخ انتقال النظر إلى الأسفل في "جاز لها". (5/96)
صفحة 2181
حاكم أو نحو ذلك؛ وقيل: إذا بلغها الخبر ورضيت ثمَّ صحّ وقوع النّكاح ثبت عليها. خميس: وإذا ثبت هذا في الحكم فالخاطر عندي كالمخبّر الغير ثقة أو الصّبيّ. وفي الأحكام: لا أحبّ أن يثبت عليها إلاّ ما يثبته العلماء فيها، إلاّ إن أقرّت بما يرونه ثابتا عليها؛ وإن بلا حجّة، فالإقرار عندي يوجب الحكم عليها إن احتمل صدقها، ورسول الزّوج أو الولي حجّة عليها، وقيل: لا حتى يشهر النّكاح أو يصحّ عندها بعد لين.
قال الأزهر: اختلف في امرأة أعلمها رجل أنَّها تزوّجها من وليّها فأتمّت النّكاح، ولم ترض بالصّداق، ثمَّ مات أحدهما ولم يجز بها، فقيل: هو تام ولا لها إلاّ ما فرضه الوليّ، وقيل: منتقض حتى ترضى به على ما فرض، وقيل: إن مسّها ثمَّ غيّرت في الفرض تمّ النّكاح ولا لها إلاّ الفرض وإلاّ انتقض كلّه.
ولا يجوز إكراه امرأة على التّزويج؛ وإن زوّجها وليّها بلا إذنها فبلغها فرضيت جاز؛ وإن لم يعلم منها رضى ولا إنكار فمُسّت فرضيت جاز عليها؛ وإن زوّجها فأعلمها ولم يسمع منها رضى ولا إنكار، فلمّا أراد الزّوج مسّها غيّرت وقالت: ما رضيت. فهي على الإنكار حتى يعلم رضاها؛ وإن زوّجت وقالت لا أرضى لم ينفسخ. أبو عبد الله: إن تزوّجها رجل فرضيته في نفسها فهو رضى؛ وإن لم تنطق به واعتبر في الإنكار النّطق به؛ وإن تزوّجها ثمَّ ذهب ليشهد عليها فطلّقها قبل أن يعلم رضاها، قال: فعليه نصف الصّداق وعليه يمين أن لو بلغها تزويجه بها قبل الطّلاق لرضيت به زوجا؛ وإن وكّلت [279] من يزوِّجها برجل على ألف فزوّجها على خمس مائة فدخل بها بما زوِّجت عليه، وتظنّه ألفا، فلمَّا علمت غيَّرت، جاز لها التّغيير في الصّداق لا في النّكاح، ولها القيّام معه وتُردّ إلى صداق مثلها؛ وقيل: يُلزم الوكيلُ تمامَه، لأنَّه خالف أمرها. (5/97)
صفحة 2182
وإن أهدى رجل إلى امرأة تزوّجها وعلمت به شيئا، وقيل لها: إنَّه من خطيبك أو زوجك أو فلان، فقبلته فهو رضى منها بالتّزويج؛ وإن قيل لها: هذا هديّة من خطيبك فلان (1) لم يكن ذلك رضى.
فصل
إن زوّجت بكر وأعلمت التّزويج، فسكوتها ــ قيل ــ رضاها كما مرّ إن تيقَّنت به، أو صحّ عندها وعلمت به؛ وقيل: لا تقوم الحجّة عليها إلاّ بالشّهرة أو البيِّنة؛ وقيل: إعلام الوليّ لها والأخبار المتواترة حجَّة عليها إذا صحّ ولم تغير؛ وقيل: حتى يقال لها مع الإعلام: اِعلمي أنّ سكوتك رضاك، ويشهد عليها بذلك، وهذا في الحكم، وأمّا فيما يلزمها ويسعها عند الله فبأيِّ علم بلغها وتيقّنه واطمأنَّت به فسكتت، فهو حجّة عليها.
ومن تزوّجها ــ قيل ــ بكرا فأتاها رجلان فشهدا عليها بالرّضى فسكتت فال أبو المهاجر: فحتّى يقولا لها إنّا نشهد عليك أنَّ سكوتك رضاك؛ فإن سكتت تمّ نكاحها؛ وقيل: إذا بلغها فصاحت وبكت ولم تغيّر فلا يضرّ ذلك كما مرّ، لأنَّه يكون قد (2) من امرأة مع رضاها، ولو لم ترض لغيّرت. فمن جاء بشاهدين على رضى امرأة به زوجا، وجاءت هي بآخرين أنَّها قد أنكرت قدِّم شهوده، لأنّ شهود الرضى أولى من شهود الإنكار، حتَّى يقولا: إنَّه وقع قبل الرّضى.
ومن تزوّج بامرأة فأعلمها ورضيت به، ثمَّ غيّرت وقالت: لا أرضى، فحُكم لها عليه بالفراق، وتزوّجت غيره، ثمَّ طلّقها، فليس له أن يراجعها. وإن لم يعلمها الزّوج ولكن بلغها التّزويج فرضيت به في نفسها طرفة عين فقد لزمها ولا يحلّ لها أن تغيّر بعد؛ فإن غيّرت وحكم لها بالفراق ــ كما مرّ ــ فتزوّجت غيره فمات عنها أو
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّ فيه سقطًا تقديره: «فلم تقبل الهدية».
(2) () - ب: - «قد». (5/98)
صفحة 2183
فارقها، فلها أن ترجع إلى الأوَّل وتأثم دونه.
أبو سعيد: من تزوّج امرأة فلم ترض به ووطئها حرمت عليه؛ فإن وطئها فلم تمنعه ولم تغيّر، فقيل: ليس لها إنكار بعد ذلك لتركها إيّاه بعد علمها بالنّكاح، قيل له: أفلها أن تقيم معه حلالا؟ قال: لم يبن لي ذلك، قيل له: ولا يحلّ لها أن تقرِّبه إلى الوطء إن وقع عليها؟ قال: لا يبن (1) لي ذلك أيضا، وتمتنع منه بما قدرت عليه ولا تؤلمه، لأنّ له حجّة وتخبره أنَّها لا تحلّ له، وتبطل صداقها بذلك، إذ لا حجّة لها عليه؛ قال: وفي نفسي من النّفقة والكسوة شيء في وجوبها لها عليه، لأنّ وطأها كان مباحا له، وأختار أنَّه إن أخبرته بذلك فلم يصدِّقها، ثمَّ كساها وأنفق عليها أن لا يلزمَها ردّ ذلك إليه؛ وإن زوّج بكرا وليّها بأقلَّ من صداق مثلها ولم تعلم حتَّى دخل بها فلم ترض بما فرض لها ولو ثيِّبًا؛ وقيل: إن كانت بكرا فلها الأوسط في نسائها؛ وإن كانت ثيِّبًا فلها ما فرض لها، والأكثر على أن ليس للبكر لها كما مرّ.
فصل
من تزوّج فرضي في قلبه ولم يُظهر القبول عند الشّهود ثمَّ أظهره، فالقول قوله؛ وإن لم يرض بالتّزويج في وقته ثمَّ رضيه وأتمّه، ففي إتمامه قولان.
وإن تزوّج امرأة وليّها ثمَّ قالت بعد أيّام: إنِّي مغيِّرة لتزويجه، فبلغ ذلك الزّوج فرغب فيه ليستريح من حقّها، ثمَّ قالت أنَّها غيَّرت بعد الرِّضى وأحضر هو بيِّنة أنَّها غيّرت النّكاح بعده بنحو شهر، واحتجّت أنَّها غيَّرت بعدما رضيت؛ فإن شهدت البيِّنة أنَّها غيَّرت بعد العقد، ثمَّ ادّعت الرضى به، فقيل: قد انفسخ، ولا يقبل قولها من بعد، إلاّ إن قالت: رضيت قبل التّغيير، فإن الزّوج يؤمر أن يطلّقها لتحلّ لغيره، ولا صداق لها عليه.
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «لا يبينُ». (5/99)
صفحة 2184
وإن زوِّجت امرأة برجل فلم تتمّه حين علمت، ثمَّ أتمّته بعد التّغيير، فقيل: لا يتمّ إذا لم ترض حين علمت؛ وقيل: إذا أتمّته قبل افتراق الشّهود من المجلس فقد تمّ؛ وقيل: ولو تفرّقوا منه إن أتمّته في مجلسها؛ وقيل: ولو بعد قيامها منه. قيل لأبي سعيد: فإن تزوّجها على ما اتَّفقا عليه، ثمَّ اختلفا على الحقّ، وقاما ولم يفسخاه فهل تراه ثابتا إن اتَّفقا بعد على الصّداق؟ قال: فقد قيل إذا بلغها التزويج فغيّرت ثمَّ رضيت، فبعض أفسده من أوَّل ما تغيّر، ولا تتمّه إلاّ بجديد، وبعض ذهب إلى أنَّه ما استمسك الزّوج به والشّهود كذلك ولم يرجعوا عنه حتَّى رضيت فلعلَّه (1) يتمّ. قيل له: فإن رجع الشهود قبل أن يتّفقا على الصّداق بعد [280] اختلافهما والزّوج مستمسك؟ قال: فما استمسك بالنّكاح، والشّهود بالشّهادة حتَّى رضيت فلعلّه ــ قيل ــ يتمّ؛ وإن غيّرت (2) امرأة ثمَّ قالت: كنت راضية به وإنّما غيّرت لاستقلال الصّداق، وقد رضيت به اختير ثباته؛ فإن كره الزّوج طلّقها وأعطاها النّصف، والأحسن تجديد النّكاح؛ فإن طلب يمينها بالرضى، فقيل: لا بأس أن تحلف على ما ادّعت منه؛ فإن بلغها فقالت: لا أرضى إلاّ إن كان صداقي كذا وكذا، أو إن كان كذا (3) فقد رضيت، فلا يتمّ حتَّى ترضى بعد العقد على كذا منه. وقال الأزهر: إن وصل رجل إلى امرأة قد زوّجه بها وليّها وأعلمها بالتّزويج وبالصّداق فقالت: رضيته لا الصّداق، ثمَّ مات أحدهما ولم يجز بها، فقيل: تامٌّ، ولا لها إلاّ الفرض؛ وقيل: منتقض حتّى ترضى به على ما كان؛ وقيل: إن جاز بها ثمَّ غيّرت في الصّداق، ثمَّ النّكاح، ولا لها إلاَّ الفرض وإلاَّ انتقض كلّه، وبه قال ابن محبوب، وقد مرّ ذلك.
__________
(1) () - ب: «فلعه». وهو خطأ.
(2) () - ب: «غيَّر». وهو خطأ.
(3) () - ب: + «وكذا». (5/100)
صفحة 2185
فصل
أبو المؤثر: إن تزوّج ثمَّ أنكرت انحلّ العقد؛ وقيل: تمّ ما لم تقم؛ وإن رضيت بعد القيام انتقض، ورضاها بعدُ ليس بشيء؛ وإن أظهرت نكيرا ثمَّ قالت: كنت راضية قبله وقُهرت حتَّى أنكرتُ، قال لها الحاكم: فما تقولين الآن (1)؟ فإن قالت: رأيي عند إخوتي وهم كارهون؛ فإن كان لها مليك غيرهم ردّ قولها إلاّ بيِّنة أنَّها كانت راضية به فبل الإنكار، وإلاّ قُبل قولها وثبت عليها وهي زوجته.
محبوب: إن أمرت وليّها أن يزوِّجها برجل ورضيته فزوَّجها (2) ثمَّ أنكرت ثبت عليها، قال: وأخبرتُه بقول أهل عمان أنّ لها الرّجوع، فكان يتعجَّب منه. أبو عثمان: إن قالت أوَّلاً لا أرضى انتقض. موسى: إذا رجعت ورضيت والزّوج مستمسك بها تمّ؛ وكان ابن عليٍّ يأخذ بقول أبي عثمان حتَّى حدث مثل ذلك فأجبر على الفراق ورجع إلى قول جدّه. واختير في مثل هذا إن كرهت أوَّلاً ثمَّ رضيت أن يجدد؛ وإن لم يجدّد وجاز بها فقد قالوا: يتمّ الأوَّل.
وإن زوّجها وليّها بلا رأيها فكرهت في نفسها حين علمت لا بلسانها فلا بأس إن لم تكن كراهة إنكار، لأنَّها تكون بوجوه؛ فإن استمسك الزّوج بالنّكاح ولو كرهت حتَّى أظهرت الرّضى به جاز.
وإن زوّجت برجل وغاب ثُمَّ بآخر ورضيت به فادّعى الأوَّل رضاها فلا يمين عليها، لأنَّها لو أقرّت أنَّها كانت راضية به بعد إنكارها لنكاحه ورضاها بالآخر كان ذلك باطلا. وإن زوّجت ورضيت ولا تعرف الزّوج ولا يعرفها، فإذا عرفها حين تزفّ إليه جاز أن يتماسّا بالعرف.
__________
(1) () - ب: - «الآن».
(2) () - ب: «فزوَّجتها». وهو خطأ. (5/101)
صفحة 2186
ومن تزوّج ودفع المهر إلى وليّها فقال له: ادخل على زوجتك فجاءها فقالت له: لا أرضاك، فلم يزالوا بها حتّى رضيت، وأمرته بالدّخول عليها، جاز النّكاح.
ابن عليٍّ: من ملك امرأة وصحّ عنده رضاها به ولم يشهد عليه ثمَّ كرهته (1) ولا بيِّنة لها برضاها، اختير أن يرفع أمرهما إلى السّلطان ليفرّق بينهما بكراهيتها، ولا يقبل قولها بعدها؛ فإذا قالت: رضيت قبل التّغيير أمر الزّوج أن يطلّقها لتحلّ لغيره، ولا يقرب أختها إن أرادها حتّى يطلّقها.
قال هاشم ومسبِّح: من ملك امرأة فكرهت فلم تزل منكرة حتَّى توفّي ثمَّ قالت: رضيت به الآن، فإن كان يدّعي رضاها إذا ملكها وجحدته فليس لها ذلك إلاّ إن قامت بيِّنة أنَّها كانت راضية قبل الجحود. أبو الحواري: إن أنكرت الرّضى بالزّوج واستحلفها ما رضيت به ثمَّ أقام عليها بيِّنة به، قُبلت وهي أولى من يمينها، وليس الفروج كالأموال.
ومن ملك امرأة فكرهته خفية فيما بينهما قبل أن يعلم منها رضى به وأظهرته للنّاس فقالت: إن أخذتموني بالنّكاح فجدّدوا لي صحيحا، وقالت: لم أكرهه، وأقرّ هو عند الحاكم أنَّها كرهته سرّا، وأظهرت الرّضى به بعد الكراهة، فإنَّه يحكم عليه بالصّداق، لا له بالنّكاح، لإقراره أنَّها كارهة له؛ فإن دخل بها فرّق بينهما. وإن ملكها وعلم رضاها بينهما ولا بيِّنة له به وكرهته فحكم لها عليه بالخروج وتزوّجت غيره وطلّقها أو مات عنها، ثمَّ تزوّجها الأوَّل حرمت عليه، لأنّ الآخر كان معها على غير حلّ وهي زانية، وقد علم ذلك، وإنَّما تحرم عليه إذا علم أنَّ زوجها قد علم بها فدخل بها، فإن أغلق [281] عليها الباب وأرخى عليها سترا فلا تحلّ له؛ وإن أنكرت دخوله بها؛ وأقرّ هو به قُبل قوله وتحرم عليه. وإن أعلمه برضاها عدل أو عدلتان ولم يعلمه هو فلا عليه حتَّى يُشهد عليه عدلين به، ولا يبرأ منه. وإن أقرّ عند
__________
(1) () - ب: «كرهت». (5/102)
صفحة 2187
المسلمين أنَّها رضيته ثمَّ تزوّجها لزمهم أن يسألوا عن ذلك ويأخذوا به؛ فإن أخذ به واستتيب فقال: كنت كذبت عليها ولم ترض به فأنا استغفر الله، قبل منه ذلك. وإن تزوّج امرأة فرضيت به ثمَّ أنكرت لزمها اليمين؛ فإن أبى أن يحلِّفها وغاب عنها فلها أن تتزوّج. (5/103)
صفحة 2188
الباب الحادي والعشرون
في ردّ الوليِّ طالب وليّته للتّزويج
روي أنَّه قال e لعمر: «ما فعلن بناتك؟ قال: هنَّ عندي، قال: هل حضن؟ قال: نعم، قال: فإنَّك لن تحبس امرأة منهنّ عن التّزويج إلاّ نقص من أجرك كلّ يوم قيراط»، فخرج عمر مثقلا، فلمّا دخل عليهنّ أخبرهنّ بما قال النّبيء e، فقلن له: افعل ما شئت. وعنه أيضا: «مكتوب في التّوراة: من بلغت بنت له اثنتي عشرة سنة فطُلبت إليه فلم يزوِّجها فركبت إثما، فإثم ذلك عليه». وقال أيضا: «من أنفق درهما في تزويج ابن أو بنت أعطاه الله عزّ وعلا اثنتي عشر ألف مدينة في الجنّة، وكتب له بكلّ دانق ينفقه حجّة وعمرة».
ويكره ــ قيل ــ لمؤمن أن يزوِّج وليّته منافقا، وجاز لها أن تمنع طالبها لا لوليّها إن شاءته إلاّ على ما مرّ؛ وإن كانت ممّن لا رأي لها، جاز له منعه حتَّى تطلب هي إليه، ولا يردّه إليه حتَّى يشير إليها. البسياني: من له أخت وطلبت إليه فكرها طالبها لقلّة ورعه فلا يسعه منعها إن كان كفؤا لها، ولعلّ الله يعطفه عليها فيقوم بالواجب وغيره. وقيل: إن اختصم رجلان ثمَّ طلب أحدهما إلى الآخر أخته فكره وقال: لا أدخِل على نفسي من يؤذيني، فقد سمعنا أنّ للوليّ أن يمنع رجلا. أبو الحواري: إن طلب امرأةً كفؤها فلا يردّه الوليّ؛ فإن ردّه وله ولاية فلأوليائه سؤاله عن منعها؛ فإن لم تكن له حجّة فهو ظالم، وتلزمه التّوبة ويرجع إليها، ويقول لها إنَّه يزوِّجها، ولا يلزمه أن يقول ذلك للطالب، لأنّ الحقّ هنا لها. وإن رغبت في غير كفؤها لم يلزم (5/104)
صفحة 2189
الوليّ تزويجها له كما مرَّ (1). فإن اتَّفقت هي وكفؤها على التّزويج لم يجز للوليّ إبطاله.
فصل
ابن جعفر (2): إن طلب جبّار تزويج امرأة فكرهت، فقال: إن أبت قَتَلها أو وقع عليها حراما فتزوّجت به كارهة؛ فإن كانت لمَّا عزم على أخدها اختارت الحلال ورضيته زوجا على كره فلها مهرها وميراثها، ولا يحرم وطؤه عليها وعصى بذلك؛ وإن لم ترضى به زوجا ولكنّها أجبرها حتّى قالت: رضيت وهي كارهة، فلا أراها زوجة له؛ فإن أجبرها على الوطء فلها صداقها عليه وهي عليه حرام وعليها أيضا، ولا توارث بينهما. أبو المؤثر: إن لم ترض به هربت منه وجاهدته على نفسها؛ فإن غلبها على نفسها فلا إثم عليها، قيل له: وهل لها أن تقتله على ذلك؟ قال: إن أخبرته أوَّلا أنَّها كارهة له قبل أن يطأها، وأنَّها لا ترضى به، جاز لها، وإلاَّ فلا، ولها أن تهرب منه.
وإن تزوّج الجائر امرأة لا وليّ لها بأمرها جاز له، وبه قال أبو المؤثر؛ وإن طولبت امرأة بباطل فوعدها رجل أن يخلّصها (3) منه على أن يتزوّجها ويدفع عنها؛ فإن لم تفعل أمكن منها وكفّ عن نصرتها وهي في خوف شديد فرأت أن لا طاقة لها في صرف الجور عنها إلاّ بالتّزويج فلها أن تتزوّجه؛ وإن استرهبها بذلك وقال: إن لم تتزوّجيني أوقعتك، فتزوّجته (4) خوفا منه أن يوقعها فيما لا تطيقه فأراه غير طيّب، ولا أقدم على الفراق إن رضيت به، وغير هذا التّزويج أحسن.
__________
(1) () - ب: - «كما مرَّ».
(2) () - ب: - «ابن جعفر».
(3) () - ب: «يخلِّصه». وهو خطأ.
(4) () - ب: «فزوَّجته». وهو خطأ. (5/105)
صفحة 2190
الباب الثاني والعشرون
في الجمع بين الأختين
قال الله تعالى: {وأن تجمَعوا بينَ الأختين ... } الآية (النساء: 23). يعني قبل التّحريم؛ وقيل: إنّ يعقوب عليه السّلام جمع ليا ورحيل وهما ابنتا خاله وليّا أكبر منها، وكانوا لا ينكحون الصّغرى قبل الكبرى، فرحيل أمّ يوسف وبنيامين، وكانوا يجمعون بين الأختين إلى أن بعث موسى عليه السّلام، وأنزل عليه تحريمه في التوراة.
وأجمعوا أنّ عقد الأختين ــ وإن بتسرٍّ ــ لا يجوز؛ ومن تزوّجهما ولم يعلم بهما ثمَّ علم فالأولى زوجته إن لم يدخل بهما إذا صحّ بعدلين أخوَّتهما، وحرمتا إن دخل بهما، وفسد عقد الأخيرة مطلّقا إن تعدّد العقد، وإلاّ فلا صداق عليه إن لم يدخل بهما، ولا ميراث لهما منه، ولا عدّة عليهما إن تزوّجهما خطأ، ولا يلزمه حدٌّ إن تعمّد بعد العلم.
وإن تزوّج امرأة (1) ثمَّ طلّقها، ثمَّ تزوّج [282] في عدّتها أختها أو عمّتها أو خالتها، فإن تعمّد حرمتا عليه؛ وقيل: الأخيرة. ويكره له جمع ما به في فرج أختين، وحرّمه أبو المؤثر، ويفرّق بينها وعمّتها أو خالتها، ولا تحرم عليه الأولى.
أبو إبراهيم: من تزوّج امرأة ثمَّ أختها ولا يعلم، ثمَّ دخل بهما أو بواحدة، أو نظر فرجا كذلك خرجت (2) الأخيرة منهما.
عزَّان: من تزوّج امرأة ثمَّ طلّقها فتزوّجت في عدّتها، وتزوّج هو بعد ظنّه أنَّها قد انقضت بأختها، ثمَّ علم بذلك لم يكن له عليها رجعة في بقيّة عدّتها إذا تزوّج، ولا
__________
(1) () - ب: - «امرأة».
(2) () - ب: «خرج». وهو خطأ. (5/106)
صفحة 2191
توارث بينهما وثبتت معه الأخيرة، وفرّق أبو عبد الله بينه وبينها؛ فإن دخل بها حرمتا عليه، وللأخيرة صداقها، وتتمّ الأولى عدّتها منه، ثمَّ يرجع إلى الأخيرة بجديد؛ وإن لم يدخل بها فرّق بينهما، فإذا كملت عدّة المطلّقة فله أن يرجع إلى الأخيرة أيضا بجديد إن تزوّجها غلطًا منهما في العدّة؛ وإن لم يدخل بها فأراد ردّ الأولى في باقي عدّتها منه جاز له؛ فإن طلّق الأخيرة وتمّت عدّتها ثمَّ فرّق بين امرأته الأولى وبين زوجها للعدّة الباقية له عليها، فإنَّه يدركها إذا أشهد على رجعتها، ما لم تبق عليه عدّة من التي طلّق، وكذا المتزوّج بخامسة وعنده أربع. وإن تعمّد تزويج أخت امرأته وجاز بها حرمت عليه امرأته، وفرّقت منه الأخيرة ولا تحلّ له أبدا، وقال العلاء وابن سليمان: إن تزوّج بأختها ولم يعلم إلاّ بعد ذلك فقد روى الفقهاء أن تفرّق منه الأخيرة، ولها صداقها إن دخل بها، وإلاّ فلا، وفرّق بينه وبينها، وتقيم الأولى عنده، ولا يطأها حتّى تنقضي (1) عدّة التي فرّقت منه إن وطئها.
ابن محبوب: إن تزوّج أختها ودخل بها فسدتا، وإلاّ فالأخيرة فقط؛ وقيل: إن دخل بهما فسدت هي أيضا فقط؛ واختير الأوَّل. موسى: إن تزوّجهما خطأ ودخل بهما فكذلك، وتبعه (2) كثير؛ واختار ابن المفضَّل خروجهما عليه معا.
ومن تزوّج امرأة بالبصرة ولم يدخل بها، ثمَّ أخرى بواسط كذلك، ثمَّ أخرى ببغداد، فدخل بها فقالت له: إنّ لي أختا بواسط، فنظر فإذا هي امرأته، وقالت: إنّ لي أختا بالبصرة فنظر فإذا هي امرأته التي تزوّجها، فقال وائل: للتي دخل بها كامل، وللأولى نصفه، ولا شيء للوسطى، لانّ عقد الأولى ثابت والثانية باطل، واستحقّت الأخيرة الكامل للدّخول بها، ويفرّق بينه وبين الكلّ؛ وإن لم يدخل بواحدة فالأولى زوجته لا الأخيرتان، ولا شيء لهما. أبو سعيد: قال بعض بذلك، وبعض يقول: لا يفسد نكاح الأولى لصحّته بوطء الأخيرة على خطإ، وهذا يشبهه إذا لم يعلم أنَّها
__________
(1) () - ب: «تتمَّ».
(2) () - ب: «تبعهما». (5/107)
صفحة 2192
أختها، والنّكاح مباح له؛ وإن علمها أختها وجهل الحرمة فتزوّجها ومسّها، فعندي أنَّها عندنا تفسد عليه؛ وكذا إن تعمّد جمعهما بعد علمه بالحرمة، فعلى العمد فسدت بلا خلاف؛ وأمَّا على الجهل فلا يتعرَّى عندي منه إن كان خطأ.
وعقد من تزوّجت في العدَّة خطأً باطلٌ، فمن تزوَّج أختها بعد أن تزوَّجت هي فبها خطأ (1). ومن تزوَّجت امرأته في العدّة خطأ فتزوّج هو أختها فكلا النّكاحين باطل؛ فإن دخل بالأخيرة، فقيل: فسدتا عليه؛ وقيل: الأخيرة فقط؛ وقيل: لا تفسدان عليه معا، فعلى الأوَّل تعتدّ الأولى بقيّة عدّتها من الأوَّل، وعلى الثاني تعتدّ كذلك؛ فإن ردّها الأوَّل في العدّة جاز ذلك، ولا يطأها حتَّى تنقضي عدّة الأخيرة؛ وإن لم يردّها اعتدّت كذلك، فيجدّد لها الأخير إن شاء، وعلى الثّالث؛ فإن ردّ الأولى في بقيّة عدّتها كانت زوجته، فمتى بانت منه بوجه حلّت له الأخيرة والأكثر عندنا أنَّه إن دخل بها فسدت عليه دون الأولى كما مر.
أبو الحواري: من تزوّج امرأة فمسّها في عدَّة من خالتها أو بنت أختها خطأ أو عالما بها لا بما فيه، فقيل: تام ولو جاز بالأخت أو بنت الأخت وتعمّد أو جهل؛ وقيل: تفسد عليها الخالة أو نحوها إن تعمّد نكاحها في عدّة بنت أختها، وإن سفلت، لا إن أخطا. ولا تحرم عليه بنت الأخت إن أراد الرّجوع إليها، واختير ثبوت نكاح الخالة مطلقا، ولا يقربها حتَّى تتمّ عدّة بنت أختها.
ومن طلّق زوجته معتدّة بحيض فكتمت انقضاء عدّتها لعلمها بإرادته أختها فلا يتزوّجها إلاّ بعد صحّة (2) تمامها بقولها أو من يثق به، أو تموت، ولا يمين عليها إن لم تخبره. ومن وطئ أخت امرأته غلطا حرمت عليه اتّفاقا إن وطأها قبل أن يعلم أنّ أختها حاضت [183] ثلاثًا؛ وإن وطئها زنى ففي وجوب الاستبراء عليه قولان؛ وإن
__________
(1) () - كذا في أ. والكلمة الأخيرة غير واضحة. والعبارة: «وعقد من تزوّجت في العدَّة خطأً باطلٌ، فمن تزوَّج أختها بعد أن تزوَّجت هي فبها خطأ». سقطت من ب لانتقال النظر.
(2) () - ب: «صحت». (5/108)
صفحة 2193
أخبرته التي وطأها غلطا أنَّها حاضت ثلاثا أو أخبره ثقة جاز له وطء زوجته؛ وإن توفّيت جازت له أختها، ولو من حينها إذ لا عدّة عليه، ولا على ميتة، ولا عليه فيها إن قال: إن ماتت زوجتي تزوّجت أختها، إذا لم يواعدها وتواعده في حياتها؛ وإن قال لوليّها احبسها لي حتَّى تموت أو أطلّقها، كره له تزويجها.
ومن زنى بأخت زوجته ففي فسادها عليه قولان؛ ويمسك عن وطئها على القول بعدمه حتَّى تنقضي عدّة المزنية عند من أوجب عليه الاستبراء و «الرّضاع كالنّسب».
أبو زياد: من طلّق زوجته فلا يقل لأختها قبل أن تعتدّ: لا تعجليني بنفسك وأرجوا أن لا باس عليه إن قال. (5/109)
صفحة 2194
الباب الثالث والعشرون (1)
في الجمع بين البنت والأمِّ والخالة والعمَّة
ومن تزوّج امرأة ولم يمسّها حتَّى تزوّج بنتها فمسّها فلها تامٌّ، ولأمِّها نصفه وحرمتا عليه؛ وإن تزوّج البنت أوّلا فمسّها، ثمَّ تزوّج أمّها فإنَّه يفارقها ويمسك البنت إن لم يمسَّ أمّها؛ وإن مسّها فسدتا معا؛ وإن لم يعلمها أمّها حتَّى مات فالإرث للأولى إن مسّها والمهر، وللأخيرة المهر أيضا إن مسها؛ وإن لم يمسَّ الأولى فلها ذلك أيضا غيره لها نصفه لا الإرث، وللمدخول بها كامل؛ وإن دخل بهما فلهما المهر، والإرث للأولى؛ وإن دخل بالأخيرة فلها المهر كلُّه ولا إرث لهما، لأنَّه لو كان حيًّا لأخرجتا منه؛ وقيل: إن دخل بهما فلهما الإرث والمهر؛ وقيل: إن دخل بالأخيرة حرمتا معا، ولها صداقها المفروض لها؛ وقيل: صداق مثلها؛ فإن دخل بالأولى قبلها فلها ما فرض لها؛ فإن أعاد (2) وطأها بعد أن وطئ (3) الأخيرة فلها ثان؛ وقيل: صداق مثلها؛ وقيل: لها واحد إن جهل ووطئها بالزوجيَّة؛ فإن لم يمسّها حتَّى مسَّ الأخرى ثمَّ مسّها فلها نصفه بها، لإدخاله الحرمة عليها، ولها بمسّها ثان؛ وقيل: صداق مثلها؛ فإن أعاد فلا لها إلاّ واحد، ولو وطئها مرارا لحرمته، ولا الأخيرة أيضا إلا واحد، وهل هو المفروض أو المثل؟ قولان؛ ولهما الإرث معا إن مات؛ وقيل: لا معا، لأنَّه مات ولا زوجيَّة بينه وبين (4) واحدة منهما (5)، ولا ينفعه الجهل في ذلك،
__________
(1) () - أ: عليه هامش قدر سطرين.
(2) () - أ: «عاد». والصواب ما أثبت من ب.
(3) () - ب: «بعد وطء».
(4) () - ب: - «وبين».
(5) () - ب: - «منهما». (5/110)
صفحة 2195
إلاَّ إن مات على ذلك، والأخير أعدل، وبه يؤخذ؛ وإن دخل بالأخيرة فقط حتَّى مات فلها كامل، وللأولى نصفه، وإلاَّ فللأولى التّامُّ والإرث وإن لم يمسها لأنَّها لم تدخل عليها حرمة مطلقا؛ وقيل: إن سبقت البنت فكذلك؛ وإن سبقت الأم، فإن دخل بها قبل أن يتزوّج بنتها فكذلك، وإلاَّ حتَّى تزوَّجَ البنتَ ومسَّها حرمت عليه الأولى بدخوله ببنتها؛ فإن علم بذلك قبل دخوله بالأولى فلها نصف الصّداق؛ وإن رجع لوطء الأمّ فلها نصفها بالنّكاح وصداق المثل بمسّها بعد الحرمة؛ وقيل: ثان على ما تزوّجها وحرمتا عليه؛ فإن مسّ البنت ثانية أيضا فلها ثان؛ وقيل: صداق المثل، وحرّمتا؛ فإن علم قبل أن يمسّ البنت، فقيل: ثبت وتفسد الأولى إذا رضيته الأخيرة، لأنَّه لم يمس الأمَّ، فإذا لم يمسّها حتَّى تزوّج البنت ورضيته ثبتت وبطلت الأم، وللأمِّ نصف الفرض والإرث للبنت. وقيل: إذا علم أو مات قبل أن يدخل بواحدة فالأمُّ زوجته ولا إرث للبنت ولا صداق، لأنَّها لم ينعقد نكاحها، وهو المختار.
ومن تزوّج لابنه صبيّا صبيَّة ثمَّ مات قبل بلوغه فلا يتزوّجها أبوه.
فصل
قال e: «لا يجمع الرّجل بين امرأة وعمّتها أو خالتها وهما في الحرمة سواه». أبو جعفر: من تزوّج عليها واحدة منهما (1)، امرأة على عمّتها أو خالتها حرمت الأخيرة. أبو زياد: يفارقهما معا، ومن طلّق زوجته ثمَّ تزوّج بنت أختها في عدّتها جهلا بانقضائها، فإذا لم يجز بها أمسك حتى تنقضي ثمَّ يجدّد؛ وإن جاز بها حرمت عليه وكذا إن تزوّج أختها في عدّة الطّلاق الرّجعي، وأما إن بانت بثلاث أو برآن فلا يشبه الرّجعي.
أبو الحسن من طلّق امرأته حاملا ثمَّ غاب عنها فلا يتزوّج أختها، أو عمّتها أو خالتها حتى تعتدّ بعد الطّلاق تسعة أشهر للحمل وثلاثة للعدة؛ فإن تزوّجها قبل ذلك
__________
(1) () - ب: - «عليها واحدة منهما». (5/111)
صفحة 2196
متعمّدا فيها حرُمتا عليه؛ وإن صحّ عنده أنَّها أختها بعد وطئها فقيل: تحرمان معا، وقيل: الأخيرة.
وإن تزوّج أختين ولم يعلم السّابقة فلا تحلّ له واحدة منهما في الحكم، ويؤمر بتطليق الأولة في الوصف ثمَّ يتزوّج إحداهما، ولهما نصف الصّداق احتياطا، إن اتَّفق صداقهما وإلا جمع ربع الصّداقين وكان لهما نصفان؛ فإن مات قبل أن يطلّق أحدهما اعتدّتا ولهما إرث واحد؛ وإن ماتتا [284] أو أحدُهما ورث من كلّ نصف الإرث وعليه نصف صداق واحدة، ومنع الكوفيون المتزوّج بأخت امرأته إن وطئها ثمَّ علم من وطء (1) الأولى حتى تعتدّ الثانية، وقال غيرهم: لا يمسك عنها، وثبت نكاح الأولى عند الجميع.
أبو عبد الله: من تزوّج أخته من الرضاع ولا يعلم، ومسّها ثمَّ علم، فلا أحبّ له أن يتزوّج أختها التي لا رضاع بينه وبينها، حتى تعتدّ، لأنَّه إنّما تزوّجها على ظنّه حليّتها ولا أحرّم عليه هذه إن تزوّجها في عدّة الأولى.
فصل
من فقد زوجته فتزوّج مطلّقة ثلاثا، ثمَّ مات عنها، أو طلّقها فتزوّجها مطلّقُها ثمَّ علم حياة الأولى وهي أخت المطلّقة، فإنَّه يفارقها مطلّقها الأوَّل لفساد نكاح متزوّجها؛ فإن مات الذي ردّها أو ماتت عنده فلا توارث بينهما ولها الصّداق إن مسّها، وليس لمن طلّق زوجته أن يواعد أختها حتّى تعتدّ كما مرّ في ذلك تشديد، وبعضهم لا يحرّم نكاحها إن واعدها في العدّة وتزوّجها بعدها، لأنَّه لم يجمع بينهما.
ومن تزوّج محرمته ظنّا منه جوازه فإنَّه يحدُّ، وقيل: يُقتل، وكذا هي إن طاوعته ولا مهر لها؛ وإن تزوّجها جهلا وأقام معها سنين ثمَّ علم فإنَّه يفارقها ويصدقها ولا
__________
(1) () - ب: «من طي». (5/112)
صفحة 2197
يرجع عليها بما أنفقها وكساها لأنَّه حبسها كما مرّ ومن تزوّج امرأة ومسّ (1) فرجها، ثمَّ علمها أخته (2) برضاع فلا شيء لها بمسّه، ولها المهر إن وطئها، وقيل: يجب لها أيضا بالمسّ.
أبو موسى: كلّ خارجة برضاع أو شبهة فلها ما ساق إليها، وبعض يعطيها مهرها ونقض أبو مروان حكم والي هجار وهو سليمان بن شملال في متزوّج جارية فشهدت أمّها أنَّها أرضعته بلبنها فحرّمها عليه الوالي، ولا صداق لها، فردّ عليه أبو مروان وأثبته لها إن جاز بها؛ فإن أنكر أقامت عليه بيِّنة، أنَّه أغلق عليها الباب وأرخى عليها سترا إن وجدتها، وإلاّ فلا صداق لها وتحلفه إن كانت الأمّ عادلة، وجازت شهادتها لبنتها بالرّضاع لا شهادة الأب لولده، ومن بان له أنّ امرأته أمُّه اعتدّت ثلاثة قروء إن مات، وتأخذ منه إرث الأمّ والصّداق بالوطء، وقيل: صداق مثلها لبطلان النّكاح.
فصل (3)
وإن تزوّج ذو أربع بخامسة حرمن عليه إن دخل بها، ويصدقهنّ وإلاّ فلا عليه في الأربع الأولى، ولا يتزوّج إن طلّق الرّابعة رجعيا حتى تعتدّ؛ فإن تزوّج قبله حرمت عليه الخامسة، ولا يعذر لجهله إن جاز بها وبعض حرّم عليه الكلَّ؛ وإن لحقت الرّابعة بالشرك تزوّج بلا انتظار لعدّتها، لا إن ارتدّت بأرض الإسلام وأقامت فيها وقد مرّ غالب.
__________
(1) () - ب: «مسّها».
(2) () - ب: «أختها».
(3) () - ب: «فصل». (5/113)
صفحة 2198
الباب الرّابع والعشرون
في الجمع بين الأمة والحرّة
قال الله تبارك تعالى: {ومن لم يستطعْ منكم طولا ... } الآية (النساء: 25). فمن خاف العنَّة وعجز عن الحرّة فله نكاح أمة بإذن ربّها، أو أمتين لا أكثر، وللعبد نكاح أربع من الإماء أو حرّتين لا أكثر؛ وقيل: له أن يجمع بين حرَّتين وأمتين، وقيل: له أربع ولو حرائر.
وللحرّ (1) نكاح حرّة على مملوكة فيعطي لها ليلة، وللحرّة ليلتين. وقيل: لا يجوز له نكاح أمة، وقيل: من عجز عن حرّة جازت (2) له الإماء إن خاف العنَّة. وقيل: إن خافها لرغبته في أمة جازت له، ولو قدر على الحرّة، ولا يتزوّج أمة أهل الكتاب ولو عبدٌ، ومن صبر عن نكاح أمة فهو خير له، ومن خطب إليه حرّ أمته فلا يزوِّجها له حتى يعلم (3) منه فقد المال وخوف العنَّة، وقد خطب حرّ إلى حرّة أمتها فشاورت جابرا فمنعها، فردّته فأعاد الخاطب إلى ثلاث، فقال لها: إن لم تزوّجنيها واقعتها حراما، فأخبرته فقال لها زوجيه، هذا هو خوف العنَّة، فمن اضطرّ إلى نكاح أمة، فقيل: لا يتزوّج أكثر من واحدة إذ لا تكون معها عنت كحرّة، ومن تزوّجها لا خائفا عنتا ولا فاقدا مالا حرمت عليه إن مسّها، وثبت النسّب، وقيل: تجوز له إن خاف العنَّة ولو كان مليّا إن لم يجد حرّة؛ وكذا جازت له إن فقد المال، وإن لم يخفها؛ وإن تزوّجها على ذلك ثمَّ استغنى ندب له أن يطلّقها، ويتزوّج الحرّة، ولا عليه إن أمسكها أو تزوّج عليها حرّة. وقيل: تزويجها عليها طلاق لها كتزويج
__________
(1) () - ب: «للحرّة» وهو خطأ.
(2) () - ب: «جاز».
(3) () - ب: «إلا إن». (5/114)
صفحة 2199
الأمَة على الحرّة طلاق لها، ومن تزوّجها على أمة فلا خيار لها قيل: وإن لم تعلم، وقيل: إن اضطرّ إلى نكاح الإماء فله أن يتزوّج منهنّ ولو أربعا كالحرائر، وكذا إن كانت تحته حرّة فاحتاج إلى أمة جازت له، ولا يتزوّج حر أمَة لطفله إذ لا عنتَ عليه وجاز لوليّ المجنون إن خافها منه.
ابن محبوب إن للحرّة الخيار إذا دخلت عليها أمة في الإقامة معه أو الخروج (1). لا إن دخلت هي على الأمة ولا لها إن تزوّج عليها حرّة إلاّ إن عتقت فالخلاف فيها. ومنع ابن عليٍّ تزويج أمة على حرّة، ومن زوّج بنته بعبده فمات، فقيل: إذا ورثت منه ولو بعضه انفسخ النّكاح؛ فإن كان لها زوج وقد [285] طلّقها ثلاثا فتزوّجت بعبد ودخل بها، فهل يحلها له أو لا؟ قولان، فمن أراد - قيل - صلاح ماله فليتزوّج حرّة، ومن أراد فساده فأمة. ومن تحته أمة ثمَّ تزوّج حرّة فكتم عنها الأمة قال الرّبيع تنزع منه صاغرا ولا يعاقب.
أبو مالك: لا يجوز لرجل أن يزوِّج عبده بأمته لأنَّه زوّج ماله بماله، أبو محمَّد: في ذلك خلاف، بعض منعه وبعض أجازه ومنهم أبو عبد الله أبو محمَّد وفعله، وتوقّف الفضل.
ومن زوّج غلامه أو جاريته فأنكرا لم يجداه ولا خيار لهما لقوله تعالى: { ... عبدا مملوكا لا يقدر على شيء} (النحل: 75). ونكاح الإماء كالحرائر فيما لهنّ أو عليهنّ إلاّ أنَّهنّ لا يجلبن إلا بإذن سادتهنّ، ولا يعطلن عن شغلهنّ ولا لهم منعهن من أزواجهنّ في أوقات معلومة على ما يراه أهل النّظر.
فصل
جاز لحرّة أن تتزوّج بعبد ولو لم تخف عنتا ولكن كره لها أن تغيّر نسلها؛ وإن تزوّجت عبدها فمسّها كفَرا معا ولا يثبت نسبه، ولا يحدان لعروض الشّبهة.
__________
(1) () - ب: + «عنه». (5/115)
صفحة 2200
ومن إذن لأمته أن تتزوّج فلا يتزوّجها أحد إلاّ بإذنه أو من أمره؛ وإن غرَّت رجلا على أنَّها حرّة فبانت أخذ ربّها صداقها وحرمت عليه، وأولاده معها أحرار، ويعطي قيمتهم، وهل يوم ولدوا أو الخصومة أو الحكم أو لكلّ أربعون درهما أقوال. وليس عليه فيمن مات منهم ولا فيما أسقطت شيء؛ وإن أخذ ديّة قتيل منهم أو عفى عن قاتله أو قتله هو أو ضرّ بها أحد فأسقطت فأخذ منه الغرّة أو تركها له؛ فإنّ الأب يعطي ما لزمه في الوجوه؛ وإن استحقّها من لا يملك ما ولد هذا الزّوج كالأبوين والأجداد والإخوة والأعمام والأخوال أعطى لهم الصّداق لا القيمة؛ وإن استحقّها أحدهم مع الأجنب أعطى الأجنب منابه من القيمة وللأقرب منابه من الصّداق؛ وإن عزّه ربّها فلا له من الصّداق ولا القيمة شيء، وكذا من له نصيب فيها، ويعطي لغيره منابه من ذلك؛ وإن غرّه أجنبي أثِم ولا عليه ويعطي ذلك لربّها وكذا الخليفة، ويضمن أب الطّفل له ذلك إن غرّ أحدا بأمته.
ومن زوّج أمة له فيها شريك لم يجز له؛ فإن مسّها حرمت عليه ويعطي صداقها؛ وإن لم يعلم بالشّريك فله الخيار في أخذ نصيبه أو نصف صداق المثل وليس للشّريك الذي زوّجها له شيء ولمن حلّت له الأمة أن يتزوج أمة أبيه، أو جدّه أو أمّه أو أخيه أو أخته لا أمة ابنه، إلاّ إن كان الأب عبد أو لو لابنه فيها نصيب، ولا أمة امرأته كما مرّ، ومن مسّ أمتها حرمت عليه امرأته ورخص فيها لا في الأمة.
ومن تزوّج أمته ثمَّ أخرجها من ملكه حيث لا يدركها الزّوج جاز له، ولا يبطل بذلك صداقها، وقيل: بطل حين لا يدركها؛ وإن زوّجها بفريضة ثمَّ باعها قبل أن يدخل بها فمسّها عند مشتريها قسما صداقها نصفين، وإن باعها (1) هو لآخر فمسّت عند الأخير فنصفه للبائع الأوَّل والآخر للذي مسّت عنده؛ فإن لم تمس عند البائع الذي زوّجها (2) فلكلّ من مسّت عنده المشتريين نصفه وللأوَّل نصفه؛ وإن
__________
(1) () - ب: سطر كامل، لانتقال النظر في كلمة «باعها»
(2) () - ب: «الذي زوّجها». (5/116)
صفحة 2201
باع نصفها قبل أن تمسّ فمسّت عند مشتريه فله ربعه، وللبائع ثلاثة أرباع، وكذا إن تداولها أكثر من بائعين.
وإن زوّجها بلا فريضة ثمَّ باعها قبل أن تمسّ فمسّت عند مشتريها فصداقها له، ولا شيء فيه للبائع، وكذا إن تداولها أكثر من بائعين فالصّداق لمن مسّت عنده؛ وإن باع نصفها قبل أن تمسّ فمسّت عند مشتريه فالصّداق بينهما، وكذا إن أخرج من ملكه سهما منها؛ وإن زوّجها بلا فريضة فباعها فاتَّفق مشتريها عليها فليس للبائع فيها شيء؛ وإن زوّجها بلا فرض ففرض لها مع الزّوج فهو كمن زوّجها به أوّلا؛ فإن باعها ومسّت عند مشتريها فالفرض بينهما؛ وإن زوّجها به أو بدونه فباعها حال وطئ الزوج لها فالصّداق للبائع.
وإن زنى رجل بأمة فتداولها البيع قبل أن ينزع من زنا بها فإنَّه يغرم لكلّ صداق مثلها، ومن زوّج أمته لرجل بفرض فأعتقها خيّرت؛ فإن اختارت نفسها فالفرض لسيّدها، وكذلك إن اختارت زوجها ومسّها قبل أن تعتق وهو لها إن مسّها بعده، وقيل: لمعتقها مطلّقا، وقيل: بينهما؛ وإن لم يفرض لها حتَّى عتقت ثمَّ مسّت فلها الكلّ؛ وإن زوجها بلا فرض ثمَّ فرض لها مع الزوج [286] فأعتقها ثمَّ مسّت فكمن تزوّج بفرض ولا يحلّ لامرأة نكاح عبدها كما مرّ اتّفاقا، وجاز لها إن أعتقته وكذا إن كانت عنده، ثمَّ ملكته، فإنَّها تحدّد النّكاح لفسخه (1) بالملك إن أعتقته وتكون عنده على ثلاث. وقيل: على تطليقتين ولا يحلّ لها إن لم تعتقه لتضادد الأحكام وتنافيها، لأنَّها لو قالت له: أنفق عليّ فإني زوجتك. لقال لها: أنفقي عليّ أنت لأني (2) عبدك، أو قالت: له سافر إلى كذا لأنك عبدي. لقال لها هو: سافري معي لأنّك زوجتي. فلمّا تنافت الأحكام وجب بطلان أضعفهما لأقواهما، فبطل النّكاح وثبت الملك.
__________
(1) () - ب: «بفسخه».
(2) () - ب: «فأنا». (5/117)
صفحة 2202
ومن أذن لعبده أن يشتري أمة ثمَّ يتسرّاها فلا يجد ذلك كما مرّ. إذ لا تحلّ امرأة إلا بنكاح أو ملك ولا ملك يمين لعبد ولو كان يملك لورث، وإجماعهم على أنَّه لا يرث دليل على أنَّه لا يملك، فلا يحلّ له الوطء إلاّ بالنكاح. (5/118)
صفحة 2203
الباب الخامس والعشرون
في نكاح العبيد
وقد روي: أيّما عبد تزوّج بلا إذن مولاه فهو زان، وفي رواية فهو عاهر وفي رواية ابن عمر: فهو باطل. ولا يجوز له نكاح ولا خلع إلاّ بإذنه وقد مرّ ما أبيح له من النساء، ولا يحتاج سيّده إلى إذنه إن تزوّج له ولا العبد إلى القبول؛ وإن أبى أن يتزوّج أجبره مولاه أن يتزوّج أمته من جنسه لا إن كانت من غيره أو لغيره، ولو من (1) جنسه أو حرّة. وقيل: يجبره على الكل. والأمة في ذلك كالعبد، وقيل: لا يجبر عبيده على النكاح مطلقا، وله (2) أن يزوِّج بنته لعبده مطلقا كما مرّ، وقيل: يكره له إن كانت أمها تحته؛ وأن يتزوّج امرأة ولعبده أمّها أو بنتها وكذا الأختان، وكذا إن كان له عبدان يتزوّج لهما أختين أو امرأة وبنتها، وكذا عبده وابنه. وقيل: يكره له كلّ ذلك، ولا يزوِّج لعبده مزنيته ولا التي طلّقها أو فداها ثلاثا، أو طلّقها على عبده كذلك، وكذا إن عنده عبدان وتحت كلّ أمة له فطلّق عليهما اثنتين لكلّ فلا يزوِّج لكلّ زوجة صاحبه وإن باع واحدا منهما أو وهبه؛ وإن لطفله أو ولي أمره فله أن يزوِّجها له لا إن أخرج من ملكه تسمية منه إلى من ذكر؛ وإن أخرج منه واحدة منهما فإنَّه يزوِّجها لغير زوجها الأوَّل منهما. وله أن يزوِّج عبيد أطفاله أو مجانينه فيما بينهم أو لعبيده هو عبيد أجنبي إن تجننوا من طفوليتهم، وإلاّ استخلفت لذلك العشيرة، وقيل: سواء. ولا يزوِّج عبيد ابنه الغائب إلاّ بخليفة، ولا يزوِّج الخليفة عبيد من استخلف عليه ولا فيما بينهم، وله أن يزوِّج مدبّرته لمدبّر؛ وإن لغيره إن كان
__________
(1) () - ب: + «كانت».
(2) () - ب: «قيل: وله». (5/119)
صفحة 2204
التدبير إلى موت السيّد أو بعده أو إلى (1) معلوم. ولا يمسّ العبد حتىّ تمضي المدّة وله أن يمسّ بعدها لأنّ نكاحهما وقع حال العبوديّة؛ وإن مات السيّد فيها استأنفا إن لم يتماسا إلاّ إن رضيا بالنكاح حال العقد.
وله أن يزوِّج عبيده الذين جعل فيهم وصيّته، والذين اسأجرهم لا المرهونين حتى يفكهم، ولا المغصوبين، وجوز إن رجعوا، ونكاح الموقوف لمن وقف إليه والمشترك إلى رضى الشريك؛ فإن أجازه جاز وإلاَّ بطل؛ وإن زوّجه بحرة وعلمته مشتركا فلا صداق لها إن مسّها على ذلك، وكذا من زوّج أمته بمشترك بإذن واحد إن لم يجزه صاحبه؛ فقيل: فاسد ويجب به الصداق إن مسّها وثبت النسب؛ وإن لم يجزه حتىّ مس حرمت عليه. وقيل: لا إن أجازه بعد؛ وإن رجع العبد إلى الذي لم يجز النّكاح فأجازه بعدما رجع إليه جاز، وقيل: لا وكذا إن اشترى نصيب شريكه لطفله أو لمن استخلف عليه أو باع نصيبه لهؤلاء، أو مات هو أو جنّ فأجاز هو النكاح، أو من استخلف عليه بعد صحّة فعله أو وارثه هو أو خليفته، ففي الجواز أيضا قولان.
وإن ارتدّ فأجاز في ردّته أو العبد قبل إجازة الشريك لم يجز؛ وإن ارتدّ مزوجه ثمَّ أجاز شريكه وكذا إن مات أو جنّ أو أخرجه من ملكه، فأجاز الذي لم يزوِّجه جاز أيضا لا إن رجع إلى مزوّجه، أو مناب شريكه إلى من ولي أمره. وقيل: يجوز إن رجع إليه فأجاز ولا إن أعتقه قبل أن يجيز شريكه الموقوف إليه فأجاز [287] المعتق ورخّص، ويزوّج الشركاء المشترك بجميعهم إن يلغوا وعقلوا فيأمرون واحدا منهم أو من غيرهم فيزوِّجه. وكذا إن أرادوا تزويج عبيدهم فيما بينهم والمرأة تأمر شريكها بذلك وكذا الخنثى؛ وإن كانت الأمة لواحد منهم والعبد لجميعهم كعكسه وكلوا غيرهم بذلك؛ وإن زوّج شريك امرأة أو خنثى عبدهما بلا إذنهما أمرا من يجيز النّكاح ولو شريكهما، ولا تأمر العبد بذلك بإجازته ولا تجيره هي؛ وقيل: جاز أن تأذن امرأة لعبدها أن يتزوّج.
__________
(1) () - ب: + «أجل». (5/120)
صفحة 2205
ومن اشترك مع طفله أو مجنونه عبدا فلا يحتاج فيه إلى إذنه؛ وإن اشتركه مع طفل غيره أو مجنونه فلا يزوِّجه إلاَّ (1) بإذن أبيه أو خليفته.
وقيل: لا يزوِّج خليفة يتيم عبده ولا ما اشترك معه أو مع غيره؛ وإن زوّج عقيد عبدهما جاز؛ وقيل: لا إلاّ بإذن عقيده وكذا المشتركان عنانًا، ولا المقارض إلاّ بإذن ربّ المال، ولا القائل لأحد: شاركني في ربح هذا العبد، فشاركه فيه إلاّ بإذنه. ولربّ المال والمشارك تزويجه بلا إذن المقارض والقائل له؛ وقيل: إن كان الربح في المال لم يجز لربّه إلاّ بإذن المقارض والجاني إذا زوّجه ربّه جاز عند القائل إنَّه له لا عند القائل إنَّه لوليِّ المقتول.
فصل
لا يجوز لامرأة أن تزوّج عبيدها بنفسها ولكنّها تأمر؛ ولا أن تجوِّز إن تزوَّجوا بلا إذنها وتأمر من يجيز لهم؛ وإن ماتت فأجاز وارثها جاز إن صحّ فعله؛ وكذا إن تزوّج العبد بلا إذن ربّه فأجاز قبل أن يمسّ، وإلا حرمت وثبت النسب، ولا صداق لها، وغرمت ما أعطاها ولو بعد تلفه بآفة؛ وتردّ الغلّة والنماء، ولو لم تعلم أنَّه عبد ولا تدرك عليه ما أنفقت عليه؛ وقيل: تدرك صداقها في رقبته؛ وقيل: إن أجاز له (2) ربُّه جاز. وإن تزوّج بلا إذنه فباعه فاسدا أو بلا شهود أو استأجر به أجيرا، ولم يدخل في العمل ونحو ذلك فأجاز مولاه النّكاح جاز؛ وإن تزوّج بلا إذنه فرهنه أو غضب منه فأجاز له قبل الفكّ أو الرجوع، ففيه قولان؛ وإن أخرجه من ملكه خروجا صحيحا أو أعتقه أو باع منه نصيبا أو ردّ إليه (3) بعيب فلا تجوز الإجازة في ذلك بعد، وإن لمن انتقل إليه؛ وإن تزوّج بلا إذنه فطلّق عليه أو أمره
__________
(1) () - ب: - «إلاَّ».
(2) () - ب: «أجازه».
(3) () - ب: «عليه». (5/121)
صفحة 2206
بالطلاق أو بالظهار أو غيرهما فلا يكون ذلك منه إجازة لنكاحه؛ وإن أذن له أن يتزوّج (1) مرسلا أو سمَّى له امرأة، أو ما يتزوّج به جاز، لا إن (2) خالف ما سمىّ له؛ وإن أذن له وأرسل لزمه ما تزوّج به؛ وإن قصد إلى معيَّن من ماله فتزوّج به لم يجز إلاّ إن أجازه له؛ وقيل: لا يلزمه إلاّ ما قابل رقبة عبده؛ وقيل: يكون الصداق في ذمّته إن وُهب له شيء أو أوصِيَ له به يوما أو عتق (3)؛ وقيل: لا تدرك عليه صداقها حتىّ يخرجه من ملكه؛ وإن أمره أن يتزوّج فتزوّج حرّة أو أمة فأصدقها (4) بعضه لم يجز؛ وإن أمره فتزوّج بلا فريضة جاز؛ فإن مسّ لزم السيّد صداق المثل، وإلاّ حتىّ اتَّفق معها أو مع سيّدها على معلوم جاز؛ وإن أمره فمات أو جنّ أو أخرجه من ملكه قبل أن يتزوّج فلا يتزوّج بأمره الأوَّل وجاز له إن غاب أو ارتدّ؛ وإن أمر عبد طفله أو مجنونه فبلغ أو أفاق فلا يتزوّج بعد إلاّ بإذنها.
فصل
إن اشترك رجلان عبدا فأمراه مرسِلين أن يتزوّج أو سمّيا له معلوما لزمهما ما تزوّج به أو ما سمّيا له؛ وإن أرسل أحدهما وعيَّن الآخر فتزوّج بما عيَّن أو بأقلَّ منه فهو بينهما؛ وإن تزوّج بأكثر منه لزم المعيِّن له ما عيَّن والمرسل الباقي؛ وقيل: ذلك الأكثر بينهما ما لم يتمّ ضعف ما عيَّن له، فإذا تمَّ فالزائد عليه نصفه على المرسل، ونصفه في رقبة العبد؛ وإن عيّن له كلّ منهما عشرة فتزوّج بها أو بعشرين أو بدون ذلك فبينهما، ولا يلزمهما ما زاد عليها إن تزوّج به وهو في رقبته؛ وإن عيَّن له أحدهما عشرة والآخر ضعفها فما تزوّج به دون ثلاثين فبينهما أثلاثا، والزائد عليها في رقبته أيضا؛ وإن عيَّن أحدهما دينارا والآخر قفيزا [288] من برٍّ أو نحو ذلك
__________
(1) () - ب: «تتزوَّج».
(2) () - ب: «لان». ولا معنى له.
(3) () - ب: «أعتق».
(4) () - ب: «فأصدق لها». (5/122)
صفحة 2207
ممَّا تخالفا فيه فتزوّج، بما عيّنا له معًا لزم كلاًّ نصف ما عيّن له، والآخر في رقبته؛ وقيل: يلزم كلاًّ ما عيَّن له؛ وإن تزوّج بما عيّن له أحدهما لزمه نصفه والآخر فيها أيضا؛ وقيل: هو بينهما على قيمة ما عيّنا له؛ وقيل: هو على معيّنه.
وإن اختلفا نقدا ونسيئة لزمهما على ذلك. وإن زوّج له حرّة لزمته حقوقها كالحرّ إن تزوّجها بقدر يسره وعسره؛ وقيل: غير ذلك. ولا يلزمه إن زوّج له أمة حقّ لها مطلقًا؛ وقيل: تلزمه حقوقها إن جلبها. وإن تزوّج لها بفرض فمسّ ثمَّ أخرجه من ملكه أو أعتقه فقد لزمه؛ وإن أخرجه قبل أن يمسّ فمسّ عند من صار له فهو بينهما؛ وقيل: على الأوَّل؛ وقيل: على الثاني، وكذا إن أعتقه أو تداوله أكثر من اثنين على ما مرّ؛ وإن تزوّج له بلا فرض فمسّ عند الصائر إليه أو بعدما عتق فالصداق على من صار إليه أو على المعتق؛ وإن أراد أن يزوِّج عبده بأمته أحضر الشهود وقال: زوّجت عبدي فلان بأمتي فلانة بمعلوم إن لم يحضرا وإلاَّ أو لم يعرف أسماءهما قصد إليهما، وقال: عبدي بأمتي إن علمهما الشهود، وإلاَّ لم يجز. وإن زوّجهما بلا فرض أو بلا تسميته جاز؛ فإن أخرجه من ملكه أو بعضه قبل أن يمسّها، وقد زوّجهما بلا فرض فمسّها عند من صار إليه فإنَّه يدرك عليه صداق مثلها أو منابه فيه؛ وكذا إن باعها أو بعضها فمسَّها عند المشتري فإنَّه يدرك ذلك على البائع؛ وإن أخرجها من ملكه أو نصيبا منهما أدرك ربّ الأمة إن مسّها عنده على ربّ العبد ذلك، وهذا إن زوّجهما بلا فرض أو بمجهول؛ وكذا إن أعتقهما أو أحدهما وقعدا على نكاحهما؛ وإن سمَّاه وأخرجهما أو أحدهما من ملكه بعد المسّ أو أعتقهما أو أحدهما فالصداق له؛ وكذا إن لم يسم فمسّها عنده؛ وإن عيَّن الفرض ثمَّ أخرجهما من ملكه فمسَّها (1) عند مالكه فلصاحبها عليه نصفه، والآخر للبائع لا يدركه ولا يدرك عليه؛ وكذا إن أخرجه من ملكه دونها فله على مالكه نصفه؛ وقيل: الصداق في رقبته حيث ما صار. وإن باعها وأمسكه قبل أن يمسّها (2) فلمشتريها عليه صداقها؛ وقيل: نصفه وكذا
__________
(1) () - ب: - «عنده؛ وإن عيَّن الفرض ثمَّ أخرجهما من ملكه فمسَّها».
(2) () - ب: «يمسَّ». (5/123)
صفحة 2208
في النصيب.
وإن أعتق العبد قبل أن يتمّ السيّد النكاح، فقيل: يتمّ إذا أعتق وتمسَّك به؛ وللأمة الخيار إن كانت عند حرّ أو عبد فعتقت؛ فإن علمت بالعتق ولم تختر نفسها حتىّ وطئها بطل خيارها.
وليس لخليفة اليتيم أن يزوِّج عبده ولا أمته (1) كما مرّ؛ وقيل: يجوز؛ وقيل: له إن يزوِّجها لا العبد.
ولا يحلّ ــ قيل ــ لامرأة تزوّجت عبدا بلا إذن ربّه أن تقيم معه، ولا يسع مسلما علم ذلك إن أقامت معه إلاّ أن ينكره، وليرفعه إلى السلطان أو الجماعة؛ وقيل: إن أتمه سيّده بعد الوطء فقد تمّ. وإن أعتقه ولم يعلم بتزويجه صار الأمر إليه ولا عليه.
__________
(1) () - ب: «وأمته». (5/124)
صفحة 2209
الباب السادس والعشرون
فيمن أولى بتزويج الأمة في رِقِّيَّتها أو بعد حريّتها
ابن محبوب: يزوِّجها معتقها أو معتق أبيها إن وجد، وإلاّ فالسلطان؛ وإن كان لمملوك بنت حرّة، فقيل: أولى بها مواليها؛ وقيل: السلطان؛ وإن زوّجها مولاها ثمَّ أعتق أبوها قبل أن يمسّها الزوج رجع الأمر إليه ويجدّده إن أتمّه وإلاَّ انتقض؛ فإن مات بعد عتقه رجع ولاؤها إلى موالي أبيها.
ومن أعتق جارية وأراد تزويجها لنفسه، فإن كان لها وليّ حرٌّ من نسبها زوّجه (1) الوليُّ بها، وإلاّ أمر معتقها رجلا يزوِّجه بها، وينبغي له أن يسمّي لها مهرا؛ وكذا إن أراد وليّ امرأة تزويجها فله أن يولّي أمرها غيره فيزوِّجه بها كما مرّ؛ وإن زوّج نفسه بها جاز.
ابن جعفر: سيّد العبد أولى بتزويج بنته الحرَّة فإن زوّجها أبوها ومسّت فلا نتقدَّم على الفراق؛ وقيل: ليس لسيّدة ولاية في تزويجها، وإنّما يتولاّه عصبة أمّها ومواليها؛ وقيل: السلطان أولى من مواليها. أبو الحواري: إن كانت أمّها [289] حرّة فولاؤها إلى مواليها وهم أولى بتزويجها إن لم يعتق أبوها، وإلاّ فهو أولى به؛ فإن مات بعد عتقه جرَّ ولاؤها إلى مواليه إن أعتقت بعتق أمّها؛ وإن مات مملوكا فهو إلى مواليها؛ وإن أعتقها غير معتق أمِّها فولاؤها لمعتقها هي، وهو أولى بها من أبيها ومواليه.
وإن مات زوج أمة وله ابن من غيرها لم يكن وليًّا لها في التزويج (2). ومن أتى ــ قيل ــ حاكما ومعه امرأة فادّعى أنَّها أمته فصدّقته وأراد تزويجها برجل (3)
__________
(1) () - ب: «زوَّجها». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «في التزويج».
(3) () - ب: «لرجل». (5/125)
صفحة 2210
فللحاكم والشهود أن يشهدوا به ــ كما مرّ ــ. ولا يجوز لأب تزويج أمة ولده إلاّ بإذنه ورضاه، وأولى قيل بالموالي إن لم يكن لهنّ قريب بالنسب معتقهنّ؛ وقيل: السلطان إن وجد وإلاَّ فالجماعة.
فصل
ابن أحمد (1): من أراد أن يزوِّج أمته بعبد ولا يعرف كلامه اختير أن يتزوّج له سيّده ويعلمه بذلك ويرضى ويقبل. ومن زوّج عبده بأمته فالقبول منه؛ وإن قبل له سيّده جاز؛ وإن زوّج أمته بحرّ أو عبد فعلى الزّوج نفقتها وكسوتها إذا أوت إليه ليلا، وعلى السّيد ذلك نهارا؛ وإن خلاها للزوج فيهما فعليه ذلك فيهما؛ وكذا على سيّدها إن حبسها فيهما.
وإن مات زوجها فعدّتها شهران وخمسة أيّام. وإن طلّقها فحيضتان إن كانت ممن تحيض؛ وإلاّ فخمسة وأربعون يوما، ولا يرث الزّوج من زوجته المملوكة إن ماتت ولو كان حرّا، ولا ترث منه إن مات، ولا الحرّة من مملوك.
وإن وطئ زوجته في حيض أو نفاس أو في دبر فكالحرّ فيه. وإن آلى منها أو ظاهر أو طلّقها فلا عليه، إلاّ إن فعل ذلك بإذن ربّه، وكذا البران (2)؛ وإن فعله سيِّده (3) لزم العبد، وعلى ربّه الصّداق إن طلّق عليه، ولزمته النّفقة ما دامت في عدّة موجبة للنّفقة على الزّوج ولو مملوكة.
__________
(1) () - ب: - «ابن أحمد».
(2) () - كذا في النسختين.
(3) () - ب: - «سيِّده». (5/126)
صفحة 2211
الباب السّابع والعشرون
في تزويج المجنون والأخرس والأعمى والسّكران والأعجم
فإن تزوّج المجنون من قوم لا يعلمونه مجنونا حتَّى مسَّ فلهم أن يأخذوا أولياءه أن يطلّقوا عليه.
أبو سعيد إن زوِّج لمعتوه حال نقصان عقله ودخل ولم يثبت نكاحه ولو أتمّه بعد إفاقته، وتحرم عليه المرأة بوطئه أبدا، إلاّ أنَّه قيل في تزويج وليّه له: إذا قبله له عليه باختلاف: بعض أجازه، وبعض أبطله؛ قال: وعندي على قول المجيز إذا قبل له الولي بالصّداق وشرطه في مال المعتوه ثبت في ماله هو، وضمنه ولا يرجع به على المعتوه. وإن رُجيَ لمعتوهة أن التّزويج أصلح لها لحفظ الزوج لها ودبه (1) عنها عن السّفهاء جاز على القول بأنّ المجنون يتزوّج عليه وليّه أو وصيّه إن كان أصلح له، وكذا وليّها يزوِّجها على ما يرضى به من الصّداق هو أو وصيُّها.
وإن تزوّج مجذوم أو مجنون بامرأة ولم يعلمها، ودخل بها فلا خيار لها عند ابن محبوب ولا صداق لها عليه إن اختارت الخروج.
والأخرس إن كان يفهم بالإشارة جاز تزويجه وقبوله بها.
واختلف في تزويج الأعجم إن كان يفهم منه بالإيماء، فأجازه بعض في العجماء إن كانت يفهم منها الرّضى بالإيماء، وكرهه بعض، وأفسده آخرون، وقال بعض: أمرها إلى أهلها، ومنع بعض تزويجها إن لم يكن لها وليّ، وبه قال ابن محبوب؛ وأجازه
__________
(1) () - كذا في النسختين. (5/127)
صفحة 2212
بعض بما يعرف منه رضاها ويعقل منها، كما جاز بيعها في غير الأصول؛ وقيل: لا يجوز إلاَّ إن رآه أهلها أصلح لها، كما يقومون لها بالقسط في بيع مالها برأي الحاكم؛ وإنّما هذا في اختلاف أمر (1) رضاها بالتّزويج ولزومه لها. والمسلمون بعد السّلطان وليّ من لا ولي لها، والنّاظرون في ذلك بالقسط، ونرجو أن يوفَّقوا لإصابة الحقّ إن اجتهدوا، وكانوا ممّن جعل لهم الاجتهاد، وتشاوروا فيما لهم فيه المشورة.
وإن تزوّجت امرأة بأعجم، ثمَّ قالت أنَّه طلّقها، وفهمت منه ذلك بإيماء وعرفته طلاقا، وتزوّجت وهي متولاّة، فأهون أحوالها الوقوف عنها. وقال الفضل: كنّا نراهم يزوِّجون العجم من الرّجال والنّساء ولم ينكر المسلمين ذلك. بشير: رضى العجماء سكوتها.
ويقول وليّ المرأة بعد الحمدلة: «اِشهدوا أنّي زوّجت فلان ابن فلان الأعجم [290] بفلانة بنت فلان على كذا من الصّداق ــ على القول بإجازة تزويجه ــ والمتزوّج له أبوه أو أخوه فلان، فإذا قبل فكونوا عليه من الشّاهدين». فإذا قال ذلك قال وليّه: «إنّي قبلتها لابني أو أخي الأعجم على ذلك الحق»، فإذا جاز بها لزمه ولا سبيل إلى الطّلاق، وتعلم قبل الدّخول بها أن لا سبيل لها إلى الخروج.
فصل
ابن بركة: لا أعلم مجيزا تزويج السّكران ولا بيعه ولا شراءه، ولاوجه (2) قول أصحابنا في التّفريق (3) بين الطّلاق وغيره من النّكاح والبيع والشّراء، مع استواء الحكم الظّاهر في الجميع، مع قولهم: إنّ الطّلاق لا يقع إلاّ بنيّة ولا نيّة لسكران.
__________
(1) () - ب: - «أمر».
(2) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «والأوجَهُ».
(3) () - ب: «بالتفريق». (5/128)
صفحة 2213
أبو الحسن: لا يجوز تزويج سكران لا يعقل عليه؛ فإن جاز بالمرأة ثبت عليه ولها أوسط الصداق وقال أيضا: قد قالوا تزويجه جائز عليه، إلاّ إن زاد فوقه فلا تثبت عليه الزيادة (1)، ولا أراه ثابتا على الذي كالميّت لا إفاقة عنده ولا تمييز؛ ويثبت على المرأة إذا رضيت بعد أن صحّت بالتّزويج؛ وقيل: لا يجوز على سكران لا يعقل، وينفسخ عنه قبل أن يدخل بها؛ وجاز إن دخل بها؛ ولا لها أكثر من مثلها.
وليس رضى السّكران بشيء حتى تصحو وانتقض النّكاح ولو جاز بها الزوّج إلاّ إن رضيت بعد أن صحّت قبل الجواز بها. أبو سعيد: إن جاز بها سكرانة فسدت عليه، ولها صداق مثلها. وفي الضّياء: إن تزوّج السّكران أو زوَّج لم يجز، ولا حجّة لمحتجّ بتزويج النّبيء e بخديجة (2) وأبوها سكران، لأنَّه قيل لمّا صحى وأخبر بما صنع، قال: «هذا كفؤ كريم، وقد أتممت ذلك».
وإن سكر رجلان فقال أحدهما لصاحبه: قد زوّجت ابني ببنتك كعكسه، فقال: قبلت، وبلغ ذلك الغلامين، فقبلا ثمَّ صحوا ونقضا التزويج فهو فاسد إن لم تكن بيِّنة، وظاهره الجواز إن كانت؛ مع أنَّه قيل: تزويج السّكران لا يجوز؛ وإن وطئ لزمه المهر؛ فإن أراد المقام بعد فلا بأس؛ قال الفضل لابن محبوب: أوليس نكاحه فاسدا؟ قال: بلى، قال له: أرأيت لو أنّ صبيا تزوّج بامرأة فوطئها ثمَّ بلغ، أليس كان يجوز؟ قال لأبي مالك: لوكان بدل السكران سكرانة فرضيت بعد الوطء أكان يجوز؟ قال: لا، قيل له: لم لم تجعله كمن لا يعقل كالصبيّة؟ قال: لا يلزم، لأنَّها يجوز تزويجها بلا رضاها إن زوّجها أبوها، وقد خصّتها السنة بذلك، بخلاف البالغة إلاَّ يرضاها بالسنَّة أيضا، فهما أصلان، كلٌّ منهما قائم بنفسه، ولا يردُّ كلٌّ إلى الآخر بالقياس، وإنّما يردُّ المسكوت عنه إلى المنطوق بعلّة تجمعهما فبطل إلزامك.
وجاز تزويج الأعمى وتزوُّجه إن عرف كما مرّ.
__________
(1) () - ب: «الزيادة عليه».
(2) () - ب: «بخديجة». (5/129)
صفحة 2214
الباب الثامن والعشرون
في تزويج المريض
فإن تزوّج امرأة في مرضه جاز، ولا لها إن زادها في الصداق إلاّ الأوسط؛ فإن طلّقها قبل المسّ فلها النصف ولها الإرث إن مات.
ومن تزوّج مريضة فماتت ورثها وورثته إن مات؛ وإن تزوّج في مرضه فأصدقها ألفا ومهْرُ مثلِها مائة، فإن علم أنَّه ضرر فلا لها إلاّ ما لمثلها (1)، وإلاّ فلها الألف والإرث، والنّكاح عقد مفاوضة يجوز وإن من مريض، وربما كان وطؤه شفاء من علّته.
وروى مسبِّح وموسى أنّ رجلا طلب امرأة يتزوّجها وهو مريض، فقالت: لا أتزوّج بك حتىّ تعطيني مالك كلّه، فتزوّجها فأعطاها ذلك فخاصمها وارثه، فزعم مسبِّح أنّ سعيدا أعطاها صداق مثلها وردّ الباقي للورثة.
وجاز نكاح مريض عاقل يحفظ صلاته ويعلم ما يأخذ وما يعطي. والمريض إن كان لا يقدر على العمل وله زوجة لا مال، فإنَّه يؤجّل له؛ فإن لم يقدر على شيء طلّق. ومن أعطى النقد ثمَّ مرض، أو حبست امرأته ولم يقدرا على الجماع، وطلبته [291] إمّا أن يدخل عليها أو يطلّق، قال: أمّا المريض فإنَّه يحاز عليها، وإن لم يقدر وينفق ويكسُ. وكذا المحبوس إذا أنفق وكسا لا يحكم عليه أن يطلّق؛ وإلاّ أمره الحاكم به.
ومنع مالك تزويج المريض وأجازه الشافعي وأبو حنيفة. وروي أنّ معاذا قال في مرضه: زوّجوني فإنِّي أكره أن ألقى الله عازبا.
__________
(1) () - ب: «لمثله». (5/130)
صفحة 2215
الباب التاسع والعشرون
في تزويج الصغار
أبو سعيد: اختلف فيه، فقيل: يثبت على كلّ حال، وقيل: يوقف إلى بلوغهم؛ فإن أتمّوه تمّ؛ وقيل: ثابت إذا عقلوه، وممن يجوز تزويجه فيما قيل، ولو لم يراهق صبي عرف القليل من الكثير والزائد من النّاقص، ولا ينظر في حدّه بطول أو سنّ؛ وكذا الصبيّة. وعلّة مثبته عليهما ــ لا الحدود والأحكام ــ أنّ التزويج يقع موقع المصالح لهما. وعلّة موقِّفه إلى البلوغ أنَّهما في الطفوليّة لا يملكان شيئا، فإذا بلغا وجب عليهما النظر لأنفسهما، فما رآه البالغ أسلم لدينه وأقوم لأمره أخذ به، وملك من أمره ما لم يملكه قبل بلوغه (1)، ورجع نظر غيره له إلى نظره، فإن شاء تزوّج وإلاّ ترك. وما دام صبيا تزوّج له القائم بأمره بنظر الصلاح له، لقوله تعالى: {وأن تقوموا لليتامَى بالقسطِ} (النساء: 127). فإذا كانت زوجته تنفق من ماله وتكسى حكم عليها بالإقامة معه.
بشير: إذا بلغت الصبيّة سداسة وحاض أترابها جاز نكاحها، وزعم أنَّه قول الربيع. ابن محبوب: إذا بلغ أترابها قُبل قولها: قبلتُ. سليمان: إذا تحرّك ثدياها أو بلغ أترابها جاز نكاحها.
ومنع جابر تزويج الصغار حتَّى يبلغوا ويستأمروا. وقيل: تنكح إذا صار ثدياها كبعرة البعير. وأجاز موسى نكاح السداسية، وكذا الأزهر. وإذا بلغ أتراب الجارية وادّعت البلوغ، قُبل قولها إن كانت في حدّه وجاز نكاحها.
ابن جعفر: لا يتمّ نكاح الصغيرين حتىّ يُتمّان بعد البلوغ؛ فإن كان أحدهما
__________
(1) () - ب: «البلوغ». (5/131)
صفحة 2216
بالغًا (1) ثبت عليه ما ألزم نفسه. وخُيّر الصبي إذا بلغ، والأكثر منّا على أن لا خيار لصبيّة زوّجها أبوها إذا بلغت.
وثبت ليتيمة إن زوَّجها وصيّها أو وليّها اتّفاقا.
وقيل: لا يجوز تزويج الصبيّان ولو أتمّوه بعد البلوغ فيما بينهما، أو صبيّة ببالغ كعكسه؛ وذلك العقد باطل لا يقع به قبله أحكام النّكاح؛ وقيل: موقوف ولو من الأب إلى البلوغ فيتمّه بعد أو يفسخه.
وإن طلّق البالغ منهما ثمَّ بلغ الآخر فأتمّ، جاز له ووقعت أحكامه. وقيل: تزويج الأب ثابت، وإن على ابنه كبنته، ولا خيار لهما بعد البلوغ، ولو كرها؛ وقيل: يثبت على بنته فقط لا عليه؛ وقيل: يثبت عليهما تزويج الوليّ كالوصيّ إن رآه أصلح.
فصل
تزوّج رسول الله e بعائشة لستٍّ، وابتنى بها لتسع.
وجاز العقد على بنت أربع، ولا يجاز عليها حتىّ تصير بحدّ من يحتمل الرجل إن زوّجها أبوها. ولا يجاز على يتيمة حتى تبلغ وترضى النّكاح؛ وقيل: يجوز وطؤها إن كانت بحدّ من يحتمله، لا على إجبار من الزوج لها، وليست كالبالغة في وجوب الطّاعة؛ وقيل: إذا منعته فلا يجبرها؛ ولا فرق عند أبي الحسن في هذا بين اليتيمة وذات الأب، إلاّ أنَّها لا خيار لها بعد البلوغ.
ومن وطئ زجته صبيّة فلها ما فرض لها، فإذا غيّرت بعده انفسخ، وبانت منه بلا طلاق، وله أن يجدّد معها عند ابن عليٍّ؛ ولا تحلّ له عند ابن محبوب، وعليه الأكثر، والعمل على قول ابن عليٍّ. والصبيّ هو الذي يقبل التزويج ولو تزوّج له أبوه، ويضمن الصداق هو لا صبيّه.
ابن عليٍّ: لا يجوز على يتيم بيع ولا شراء ولا عطيّة ولا نكاح حتىّ يبلغ.
__________
(1) () - ب: «بالغ». وهو خطأ. (5/132)
صفحة 2217
فإن كان ليتيمة وليّان أقرب وأبعد (1) فزوّجها كلّ منهما برجل وقفا معا إلى البلوغ، فإن أتمّت تزويج الأقرب جاز؛ وإن اختارت نكاح الأبعد أمر الأقرب أن يجدِّده.
وكره للقاضي أن يزوِّج صبيّة لا وليّ لها؛ فإن كانت فقيرة واجتمع ناس فزوَّجوها بكفؤ لها، وجاز بها، جاز إذا بلغت ورضيت على قول؛ وكره الدخول بها قبل البلوغ.
ومن أتاه وليّ يتيمة فقال له: [292] تزوَّجها، لم يكن له ذلك؛ فإن فعل جاز ولزمه الصّداق، وكانت إن أتمّت كالبالغة.
ومن تزوّج ــ قيل ــ يتيمة بجماعة أو سلطان ودخل بها ثمَّ ماتت قبل البلوغ ولم تخلّف وارثا ــ ولو رحمًا ــ فصداقها صدقة عنها للفقراء، وعليه التّوبة من وطئها ولم يعلم منها رضى، والزوجية لا تصحّ بدونه، ولا يعاب على داخل في تزويجها؛ واختير أن يتزوّج اليتيم على نفسه إن كان في حدّ من له أن يزوِّج وليَّته.
فصل
إن تزوّج بالغ صبيّة ودخل بها ثمَّ مات قبل أن تبلغ فلها صداقها والإرث إن أتمّته بعده، ولزمها يمين أن (2) لو حيي لرضيته زوجا وإلاَّ فلها الصّداق فقط؛ وإن مات قبل الدّخول بها وبلوغها فلها كلاهما إن أتمّت بعده وحلفت كذلك؛ وإلاّ فلا صداق لها ولا إرث.
عزَّان: إن تزوّج صبيّ ببالغة بمعلوم ودخل بها، فلمّا بلغ كره النّكاح، جاز له ولا صداق لها عليه، لأنَّه مخيّر، ولا عدّة عليها، إلاّ إن وطئها بعد بلوغه فيلزمه
__________
(1) () - ب: + «فزوَّج».
(2) () - ب: - «أن». (5/133)
صفحة 2218
الصّداق، ولا تخرج (1) منه إلاَّ بالطّلاق وتعتدّ، ولا يلحقها إن طلّقها بعد الدّخول وقبل البلوغ، ويعزل عنها حتّى يبلغ؛ فإن بلغ فأقام معها فزوجته ولا طلاق له حتَّى يبلغ؛ وإن أقرّ أنَّه دخل بها قبله أو بيّن عليه أنَّه خلا بها فلا تستوجب لذلك صداقا، لأنّ إقراره لا يجوز، ولا إن أقرّ بعد بلوغه أنَّه دخل بها قبله. ولو أقرّ غلام بعده أنَّه اقتسر امرأة قبله لكان عليه صداقها؛ وكذا إن أقرّ بعده أنَّه قتل أحدا قبله للزمته ديته في ماله ولا يصدق على العاقلة.
موسى: إن زوّج صبيّةً أبوها فأنكرت حين أدركت خرجت، ولا لها إلاّ ما ساق إليها. ابن محبوب: من تزوّج صبيّة فنظر فرجها، ثمَّ بلغت فأنكرت فعليه صداقها. مسبّح: لها مهرها إن نظره أو مسّه؛ وتوقّف هاشم. عزَّان: لا شيء لها إن ماتت قبل أن يدخل بها، وكذا قال ابن محبوب؛ وإن طلّقها قبله فلها نصف الصّداق إن أتمّت بعد البلوغ، وإلاّ فلا. وقال عبد السّلام وابن سعيد وجماعة: إن زوّجها أبوها ثمَّ غيرت حين بلغت فلا إنكار لها وقد عملوا بذلك، ولا نكير عليهم.
أبو الحسن: من تزوّج صبيّة ولم يدخل بها فلا صداق لها عليه إن ماتت قبل البلوغ والرّضى به، ولا ميراث له منها، إلاّ إن زوّجها أبوها، فقال بعض: له الإرث وعليه الصداق، والأكثر على الأوَّل؛ وإن دخل بها فعليه، ولا له إن كانت يتيمة؛ وإن كان لها أب فعلى ما مرّ؛ وإن مات الزّوج فالحكم ــ كما مرّ ــ من الصّداق لها والإرث إذا حلفت بعد البلوغ. وكذا صبيّ تزوّج بالغة فماتت يحلف إذا بلغ أن لو حييت لقبلها زوجة، ويرثها إذا رضيته.
أبو عبد الله: إن تزوّج صبيّة ودخل بها، ثمَّ تزوّج عليها امرأة وطلبت أجل صداقها فلا تجده حتَّى تبلغ، ولا نفقة إن كان لها مال، وإلاّ لزمته، فإذا رضيته بعده فهي زوجته، وإلاّ عدَّ ما أنفق عليها من صداقها.
__________
(1) () - ب: «يخرج». (5/134)
صفحة 2219
ومن دخل بالصّبيّة بعد بلوغها باختيارها فلا إنكار لها بعد؛ وإن لم يدخل بها فمتى أنكرت قبل الرّضى جاز لها وتخرج منه بلا صداق ولا عدّة ولا طلاق؛ فإن جدّد كانت عنده على ثلاث ــ كما مرّ ــ.
فمن تزوّج صبيّة من وليّها ولم يعلمها صبيّة فوطئها فماتت منه فديّتها على عاقلته؛ وكذا إن ماتت بالغةٌ من وطئه؛ وإن علمها صبيّة لزمته في ماله؛ وإن أمر الصّبيّةَ أهلُها بالإنكار من زوجها فإنكارها باطل. وإن تزوّجت غيره كانت عنده حراما.
فصل
للجارية أن تنكر حين رأت دما ولا تجده بعد؛ وقيل: ما لم تطهر منه وتجامع، وإلاّ جاز لها متى أرادت، وهذا إن جاز بها، وإلاّ فلها ذلك ما لم ترض؛ وقيل: إنَّها على حكم الإنكار ولو بلغت ما لم ترض.
ابن الحسن: من مات عن صبيّة ولم يدخل بها ثمَّ تزوّجت قبل بلوغها فبعده رضيت بالأوَّل فلها صداقها منه والإرث، وعليها العدّة، وليس للأخير مراجعتها وعليه صداقها إن وطئها؛ وقيل: حرمت عليه أبدا؛ وقيل: لها الإرث من الأوَّل، ونكاح الأخير تامٌّ، وتحلف كما مرّ؛ وقيل: لا ميراث لزوجها منها إن ماتت؛ فإن كان بالغا ودخل بها فعليه صداقها لوارثها ولا يرثها (1)؛ وإن مات هو وكان بالغا انتظر بلوغها فيحكم لها بالإرث والصّداق كما مرّ بعد اليمين [293] إن ادّعت قبوله. وليس على الصبيّ صداق ولو دخل بها.
قال ابن محبوب: إن أكره صبيّة فغلبها فافتضها فصداقها في ماله؛ وإن افتضها بأصبعه فعقرها على عاقلته إذا شهدت بيِّنة.
__________
(1) () - ب: «يرثه». وهو خطأ. (5/135)
صفحة 2220
ابن أحمد: من تزوّج صبيّة وجاز بها، ثمَّ أنكرته بعد البلوغ فتزوّجت غيره ثمَّ طلّقها فللأوَّل أن يرجع إليها. وإن وطئ الصّبي بالغة ثمَّ بلغ فأتمّ ثمَّ طلّقها فلها عليه النّصف، ولا يلزمه بوطئه شيء؛ وقيل: عليه الكلّ لأنَّه رضيها ووطئها قبلُ.
أبو الحسن: من تزوّج صبيّة ثمَّ طلّقها قبل الدّخول بها فله تجديد نكاحها لا مراجعتها ولو تزوّجها من أبيها؛ وإن كان قد دخل (1) بها فله كلاهما إن زوّجها له أبوها، لأنَّه يملكها والزّوج له فيها حقّ؛ وإن كانت يتيمة فله التّجديد لا المراجعة لأنّ الأوَّل غير تامٍّ حتَّى تبلغ فإذا خلع ماله من تزويجها عنه لم يبق له الرّد بعد خروج العقد من يده؛ فإن جدّده وقف كالأوَّل، ويؤمر أن لا يطأها حتَّى تبلغ.
وإن رفعت بالغة أمرها إلى الجماعة أن يزوِّجوها بصبيّ فإنَّهم لا يجبرون وليّها عليه، إلاّ إن كان أبوه أو وليّه يتزوّجها له ويضمن لها صداقها.
ومن تزوّج صبيّة فأنكرت بعد البلوغ فإنَّ غاب عنها ورفعت أمرها إلى الحاكم فلا ينبغي أن يحكم لها بالتزويج لاحتمال رضاها بالرجل زوجًا بعد البلوغ وقد غابت حجّته عنه؛ وإن أرادت التّزويج فأشهدت عدلين بعده أنَّها غير راضية به زوجا فلا يمنعها الحاكم منه، وللغائب عليها حجّة إذا قدم.
فصل
أبو سعيد: من خلا بزوجته فادّعت وطأها حال الصّبا فلا تصدَّق. وإن بلغت وأنكرت النّكاح وادّعته فيه فالأكثر قبول قولها؛ وقيل: لا، وهي مدّعية، قيل له: فهل يجوز أن تَنظر عذرتها (2) أمينة؟ قال: فيه خلاف، قال بعض لا يجوز النّظر إلى
__________
(1) () - ب: «قدخل». ولا معنى له.
(2) () - في النسختين: «عدرتها». (5/136)
صفحة 2221
الفرج إلاّ لعلّة يخاف منه (1) الضّر، وأجازه بعض؛ وقال آخرون: عدلتان؛ وقيل: أربع فإذا نظرتها واحدة على القول بها قبل قولها وحكم به. ومجيز النّظر إلى الفرج يجيز مسّه.
وإن زوّج يتيمة أجنبيّ وكان زوجها يطؤها إلى أن بلغت فرضيته زوجا فلا يفرّق بينهما، وإن كره. وإن تزوّج صبي صبيّة فوطئها، فإن مات قبل أن يعلم رضاه فلا عدّة عليها إذا بلغت على ما قاله الشّيخ في بالغة مات عنها صبي وقد مسّها ولم يعلم رضاه، ولا صداق لها بمسّه إيّاها حتَّى يرضى. وفي الصّبية أيضا قد مات وماتت حجّته، قال (2): ولا أحفظ فيها شيئا، غير أنَّهم قالوا: عليه في ماله كل ما أكل بفيه، أو باشر بفرجه، أو لبس فأبلاه؛ وقيل: على عاقلته جناياته.
أبو الحواري: إذا زنى بالغ بصبيّة مطاوعة له لزمه مهرها، لأنَّها لا تملك نفسها، ومطاوعتها كإكراه البالغة في وجوبه؛ وإكراه الصبيِّ للبالغة يوجبه عليه أيضا في ماله، ومطاوعتها له تزيله عنه فهو كالبالغ في هذا؛ فإن مات الصّبي عنها أخذ بالأوَّل، وهو أنَّه لا يلزمه لموته قبل البلوغ، وإنّما الخلاف بعده؛ وإن ماتت هي وقد دخل بها فإذا بلغ فرضي فعليه صداقها، ولا يرثها على قول الشّيخ أيضا في مطلّقة مسّها ثمَّ رضيها بعد بلوغه؛ فإن لم يرض بها بعدّة فعلى قول من يلزمه ما باشر بفرجه في ماله يلزمه صداقها فيه، واختاره خميس، وعلى قول من لا يوجب عليه ذلك لا يلزمه. ولا يسع وطء الصّبيّة لأنَّها لا تملك نفسها وهو جناية من الصّبي عليها، فصداقها في ماله عند الشّيخ بوطئه لا بالزّوجية إذ لم تثبت قبل الرّضى، وهو منتف، وقال فيها: إذا سلَّم إليها البالغ بعض صداقها، فإن لم يشترط عليها شيئا فأكلته أو أتلفته فلا يلزمها؛ وإن أعلمها أنَّه منه، فقيل: [294] يلزمها وقيل: لا، لأنَّه أتلف ماله بإعطائه لصبيّة، ولم يَرَوا ذلك منها جناية إذ لم تسرق منه ذلك سرقة.
__________
(1) () - ب: «منها».
(2) () - ب: - «قال». (5/137)
صفحة 2222
ومن تزوّج يتيمة ولم يعلم رضاها، ثمَّ تزوّجها ثانية بعد بلوغها، ثمَّ ظهر إنكارها له (1) فهو منفسخ؛ فإن شاء حلفها ما رضيت به.
ومن تزوّج ــ قيل ــ يتيمة من وليّها ووقف عنها حتَّى بلغت، وجهز لها، وقبضت منه النّقد والثّياب، ثمَّ أنكرت، وطلبها أن تردّ له ذلك، فإن لم يصحَّ رضاها فبل الإنكار فعليها أن تردّ له كلَّ ما أعطاها إن قام، وإلاَّ فمثله، وما صحّ أنَّه أتلفته وعملته في شيء من ذلك بأمره ردَّ له بحاله.
ومن تزوّج يتيمة ولم يجز بها حتَّى بلغت، فقال لها: أرضيتني زوجا؟ فقالت: لا إلاَّ إن أعطيتني كذا وكذا، فأعطاها ما طلبت، فقد ثبت نكاحه، لأنَّها علّقت رضاها إلى تسليم ذلك لها (2) وقد وقع.
وإن تزوّج صبيٌّ بالغة (3) ووطئها في صباه، فإن لم يطأها في بلوغه أو لم يرض بالنّكاح فله أن ينكره فيما يسعه، وأمَّا في الحكم فإذا عاشرها بعده وخلا بها ــ كما مرّ ــ فقد ثبت عليه؛ وكذا الصّبيّة إذا حاضت ولم تنكر حتَّى غسلت، كما مرَّ.
فصل
سأل بعض عن صبيّة: هل لوليّها أن يزوِّجها قبل البلوغ أزواجا على القول بالتّوقيف فتختار منهم بعده واحدًا؟ فقال: لا يؤمر بذلك، ولا يجوز للمرأة إلاَّ واحد (4)، وينهى عن ذلك؛ فإن فعل فلا يقرّ بها واحد منهم حتَّى تبلغ فترضى منهم من شاءت؛ وإن ردّتهم كلّهم انفسخ؛ وإن رضيتهم معا ثبت الأوَّل؛ وإن
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: «لهما». وهو خطأ.
(3) () - ب: «وإن تزوَّجت بالغة صبي».
(4) () - ب: «واحدًا». (5/138)
صفحة 2223
وطؤوها في صباها معا، وعلموا بوطئهم إيّاها فعلى كلٍّ صداقها؛ وقيل: بالوقف في ثبوت النّكاح لأحدهم؛ وقيل: يثبت لمن رضيته منهم ولو غير الأوَّل؛ وإن كان الواطئ لها هو المتزوّج بها آخرا فرضيت بهم معا إذا بلغت فهي للأوَّل.
أبو سعيد إن مات عن صبيّة زوجها فتزوّجت غيره في صباها قبل أن تعتدّ للوفاة فعند البلوغ رضيت بالأوَّل لا الآخر، فإنَّها تحلف ــ كما مرّ ــ وترث وتعتدّ؛ قيل له: فإن رضيتهما معا؟ قال: عندي أنّ نكاح الأوَّل ثابت وعليهما الصّداق إن دخلا بها، وإلاّ فلا صداق على الآخر، قلت: وحكم الأوَّل فيه يعلم ممّا مرّ؛ قيل له: فإن تزوّجت في صباها بآخر بعد عدّة الوفاة فبلغت فرضيتهما معا، فهل يثبت نكاحهما وثرت الأوَّل وتكون زوجة الآخر؟ قال: نعم إذا بلغت فرضيتهما في وقت (1) واحد، لأنَّها تزوّجت على السّنة بعد العدَّة؛ قيل له: فإن تزوّجت بزوجين، فلمّا بلغت رضيتهما في واحد فهل ينفسخ نكاحها حتَّى ترضى بأحدهما؟ قال: إن تزوّجت بهما في عقدة انفسخت، وإلاّ فرضيت بهما معا ثبت الأوَّل. وقيل: إن مات متزوّج بصبيّة قبل أن يدخل بها فلها أن تتزوّج قبل بلوغها إذا مضت لها عدَّة الوفاء؛ فإن ادّعت الرّضى بعده فلها الصّداق بعد اليمينِ به والإرثُ، وليس عليها إلاّ العدّة الأولى.
ومن تزوّج صبيّة ودخل بها ثمَّ طلّقها وادَّعى أنَّه لم يمسّها ولا نظر فرجها فلا يصدّق وينتظر بلوغها؛ فإن بلغت وأتمَّته وأقرّت أنَّه لم يمسها وقع طلاقها ولها نصف الصداق؛ وإن أتمّت النّكاح وادّعت المسّ أو النّظر قُبل قولها مع يمينها، ولها كامل، ووقع طلاقها؛ وإن لم تتمّه خرجت بدونه؛ فإن صدّقته في أنَّه لم يكن منه موجب صداق خرجت منه بدونه؛ وإن ادّعت موجِبَه وأنكرته انفسخ ولزمه لها إن حلفت؛ وإن ماتت قبل بلوغها حكم عليه بكامل، إلاّ إن أتى بشاهدين أنَّها أقرّت بعده بتصديقه، لا إن أقرّت به قبله ولا يزال عنه به.
__________
(1) () - ب: تكرار «في وقت». (5/139)
صفحة 2224
فصل
من زوّج صبيّته وجاز بها الزّوج ثمَّ امتنعت منه ورغب أبوها أن يخرج بها إلى بعض البلدان، فأبى الزّوج منه فأجاز أبو الحواري للأب ذلك (1)، لعدم ثبوت النّكاح. أبو سعيد إن تزوّج صبيّ بالغة ومسّها في صباه ثمَّ رضيها بعد بلوغها وطلّقها قبل وطئها فيه، فقيل: يلزمه صداقها بوطئه في صباه، لأنَّه طلّقها بعده بلا خلاف. وإن (2) تزوّج صبيّة فوطئها ثمَّ ماتت في صباها، فلمَّا بلغ هو رضي بها، فعليه صداقها ولا يرثها؛ وإن أنكرها وقد وطئها بالتّزويج ففيه [295] خلاف مرّ، واختير ثبوت صداق المثل عليه، على القول بأنَّ ما أحدثه بفرجه يلزمه، ولا حجّة من الصّبيَّة ولا عليها. وإن مات في صباه ورضيت به بعده كان لها بالوطء لا الإرث، ولا عدّة عليها وقد مرَّ ذلك مرارا.
فصل
من تزوّج صبيّة ثمَّ أبرأته وأبرأها من حقّها براءة شرط، ثمَّ تزوّجت غيره فابرأها كذلك، ثمَّ ثالثا كذلك، ثمَّ رابعا فبلغت عنده ورضيته، وظنّوا أنّ ذلك برٌّ أن يبرئها من الآخرين، قال: فإنَّها تسأل في وقتها أن لو بلغت الآن فخيّرت بين الثلاثة من تختار منهم؟ فإن اختارت وفي اعتقادها حين بلوغها إن لو خيّرت بين الأربعة لاختارت الأوَّل فقد أوقعت حرمة بينها بين الرّابع، لأنَّهم كلّهم موقوف نكاحهم إلى بلوغها ولها الخيار فيهم؛ فإن اختارت الأوَّل ثبت لها وانفسخ نكاح الباقين، ولها على من مسّها منهم صداقها؛ وكذا إن اختارت غير الأوَّل؛ وإن لم تعلم أنّ لها الخيار ورضيت بالرّابع ظنّا أنّ ذلك يلزمها، وأنَّه برّان (3) يخرجها منهم، وفي نفسها أنَّها لو كانت زوجة أحد الثّلاثة وخيّرت بينهم لاختارت أحدهم؛ فذلك يوقع بينهما وبين
__________
(1) () - ب: «ذلك للأب».
(2) () - ب: «ولمن».
(3) () - كذا في النسختين. وقد تكرَّرت هذه الكلمة ولم يظهر معناها. (5/140)
صفحة 2225
الرّابع حرمة على هذا، وهي زوجة غيره أن لو علمت ذلك، وليس على الرّابع تصديقها في قولها أن لو خيّرت لاختارت غيره، وقد زال عن الثّلاثة صداقها لأنَّ رضاها بالرّابع قبول منها برانهم [كذا] في الحكم. وكذا قالوا في المرأة أنّ تزويجها قبولها بران زوجها، ولم يروا للأولى عليهم حقّا لرضاها بالرّابع ولا عليه أن يصدقها في ذلك. وإن أبرأها بران الطّلاق فليس إبراء من حقّها، ويقع عليها ممّن أبرأها بران الطّلاق من الثلاثة، وهو أن يبرئها، ولا يشترط إن أبرأته من حقّها أو إن برئ منه، أو ما برئ منه، أو ما أبرأته منه؛ فإن لم يشترط عند البران هذا أو مثله وقع طلاقها من حينها، ولزمه صداقها.
ولا شيء لصبيّة إن ماتت قبل أن يدخل بها زوجها عليه عند ابن محبوب وابن عليٍّ وعزَّا.؛ وإن استمسكت بالغة بأبي الطّفل على صداقها أدركته قيل وإن (1) لم يمسّها إن كان حالاًّ، وكذا جميع حقوقها؛ فإن مسّ فمن ماله، وإلاّ فمن مال الأب؛ وكذا إن لم يكن للابن مال؛ وكذا في مجنونه إن جنّ من صغره؛ فإن بلغ وأفاق وقبلا النّكاح أدرك عليهما أبوهما (2) ما أعطى عليهما إن أعطاه على أن يأخذه؛ وقيل: إن كان لهما مال حال صغر وجنون، وإلاَّ فلا؛ وقيل: لا يدركه عليهما مطلّقا.
وإن ادّعى الزّوج بلوغ زوجته فإنَّه يرثها إن بيّنه وإلاّ فلا؛ وإن نظرتها الأمينات قبل أن تدفن ورأين علامته ورثها؛ وإن دفنت مضت لسبيلها؛ وقيل: يرثها. وترث الطّفلة البالغ، والطّفل بالغة، والمجانين من صغرهم كالأطفال في الإرث والصّداق ــ على ما مرّ ــ؛ والمجنون مع بالغة كطفل معها، والمجنونة مع بالغ كصبيّة معه× وكذا صغير مع مجنون، وقد مرّ ذلك.
ولا يشتغل بإنكار صبيّة في صباها حتَّى تبلغ؛ وإن أنكرت قرب البلوغ فقيل:
__________
(1) () - ب: «ولو».
(2) () - ب: - «أبوهما». (5/141)
صفحة 2226
تنزع من زوجها وتجعل بيد أمينة، وينفق عليها وينظرها (1) الأمينات كلّ طلوع.
والإنكار إنّما يكون عند الثّلاثة: عند الصّغر، والشّبهة، والتّيقن بالبلوغ. فإن أنكرت فيها خرجت كما مرَّ؛ وإن لم تنكر إلاّ بعده فلا يشتغل بها؛ وإن أنكرت فيما قلنا ثمَّ أرادت الرّجوع إليه، فقيل: لا تجده إلاّ بتجديد؛ وقيل: يشهدان بالمراجعة؛ وقيل: بالتّفصيل السّابق. وإن بلغت وأوطأته نفسها أو أخذت في غير الإنكار، وقامت من مكانها أو علّقته إلى أحد لزمها النّكاح. وإن ادّعت إنكارا قبل البلوغ وعنده، وقال الزّوج: إنّما أنكرت السّاعة، قُبل قوله. وإن ادّعى هو بلوغها قبلُ ورضيت بناكحه، وقالت: إنّما بلغتُ السّاعة، فالقول قولها.
__________
(1) () - ب: «وينظر إليها». (5/142)
صفحة 2227
الباب الثلاثون
في امرأة زوِّجت بأكثر من واحد، أو كانت عند زوج وتزوّجت بآخر
فإن كان لها أخوان غائب وحاضر، فزوّجها كلّ برجل فهي للأوَّل إن كان كفؤًا، وإلاّ فلا؛ [296] وإن كانا كفؤين وقد مسّها الأخير فرِّق بينهما، وعليه مهرها، والنّكاح للأوَّل؛ فإن أرادها فهي زوجتها، ولا يقربها حتَّى تعتدَّ وإلاَّ طلَّقها وأعطاها النصف؛ فإن أرادها الأخير جدّد نكاحها بجديد بلا عدّة، وإلاّ تزوّجت من شاءت بعد أن تعتد لمسِّ الأخير.
ومن سافر فوكّل رجلا أن يزوِّج بنته فزوَّجها الوكيل في البلد، والأب في السّفر فهي للأوَّل؛ وإن أرَّخاه واتّحد وقته انتقض. وقيل: إن كان لامرأة أخوان فزوّجها كلّ برجل ومسَّها الأخير، وقامت للأوَّل بيِّنة أنَّه الأوَّل، قال أبو زيَّاد إن لم تعلم أنَّه تزوّجها، وقالت حين علمت: أنا لم أعلم به، ولو علمت به لرضيته فقد رضيته الآن، فرّقت من الأخير، وأخذت منه صداقها، ولا يقربها الأوَّل حتَّى تعتدّ كما مرّ؛ وإن قالت: أنا أرضى الأخير وهو زوجي، لم يكن للأوَّل عليها سبيل. قال: وإن زوّجهما بها (1) واحد ورضيت بالأوَّل بعد مسّ الآخر، وأخذت منه صداقها فله أن يغرمه في مثل (2) ما أخذت منه؛ وقيل: لا ضمان على الولي إذا دخل بجهالة، أو وطئ بغلط، كما مرّ، ولزمه إن غرّه وخدعه.
__________
(1) () - ب: «به». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «مثل». (5/143)
صفحة 2228
ابن جعفر إن زوّجها وليّان برجلين فأولى بها من رضيته أوَّلاً إن لم يكن أحدهما أبا ــ كما مرّ ــ؛ وكذا إن أمرتهما معا؛ وإن دخل بها الذي رضيته آخرا حرمت عليه أبدا، وللأوَّل أن يرجع إليها بالعقد الأوَّل، ولا يقربها حتَّى تعتدّ إن أرادها؛ وإن كرهها أوَّلاً لم يكن (1) لها عذر في إجازة الأخير عليها أجبر الأوَّل على طلاقها بلا صداق عليه؛ وإن كانت لها حجّة تعتذرها طلّقها الأوَّل إن كرهها (2) وأعطاها نصفه، وعلى الداخل بها (3) كامل؛ وقيل: إذا رضيت بهما فدخل بها الأخير فلا صداق لها، ولو عليه، ولاحدّ عليها وجهلها يضرّها.
وإن زوّج امرأة ابن أخ لها ورضيت، ثمَّ زوّجها أخوها بغير الأوَّل فرضيته أيضا فدخلا بها فلا صداق ــ قيل ــ لها على واحد، وفي الحدّ الوقف، ولا يعذران بذلك إن ظنّاه جائزًا، ولا صداق لها على واحد؛ وقد روى محرز أنّ امرأة أتت إلى عبد الرحمن بن الحسن رفع عليها ثلاثة رجال كلّ واحد يدّعي أنَّه زوجها، فسألها فأقرّت، فقال لها: كيف كانت عصمتك؟ فقالت: تزوّجني الأوَّل ثمَّ ركب البحر فلبث زمانا ثمَّ أتاني نعيه، ثمَّ بعد أربع سنين أو أكثر تزوّجني آخر فركب البحر فلبث أيضا زمانا فجاءني نعيه، فلبثت زمانا ثمَّ تزوّجني الأخير، قال لها: ألك البيِّنة؟ قالت: هي عندي، ولعلّهم قد ماتوا كلّهم، والمملوكون أيضا، قال لها: اختاري من شئت منهم فاختارت الأخير وادّعت أنّ البيِّنة قد قامت عند القضاة وماتوا.
أبو الحواري: إن غاب عن امرأة زوجُها ثمَّ تزوّجت غيره، فإنَّها (4) تفرق منه إن ادّعت أنّ الأوَّل قد طلّقها ولم يصحّ، ولا تقرب إلى النّكاح حتَّى يحضر الأوَّل فيقرَّ أو ينكر، أو يصحّ موته إذا صحّ أنَّه تزوّجها حتَّى غاب ولم يُعلم بينهما فراق.
__________
(1) () - ب: هامش: «لعلَّه: ولم يكن». ويبدو أنَّ الصواب إضافة الواو.
(2) () - ب: «كرها».
(3) () - ب: «عليها».
(4) () - ب: «فإنَّه». (5/144)
صفحة 2229
فصل
أبو المؤثر: إن تزوّجت ذات زوج ولم يمت ولم يطلّق ولم يعلم به الثّاني فجاء الأوَّل فأنكر الطّلاق أخرجت من الثاني ولا صداق لها عليه لأنَّها خانته؛ وإن أقرّت بوطئه واعتماد تزويجها مع علمها بالأوَّل وقد جاز بها رجمت؛ وإن قالت: ظننت أنّي يحلّ لي أربعة كالرّجل فلا أقدر على إلزامها الحدّ، لأنَّه ذكر لنا أنّ امرأة تزوّج بها غلامُها فرفعت إلى عمر فأراد أن يحدّها فقالت: إنَّه لَيحلُّ لكم ما ملكت أيمانكم، أفلا يحلّ لنا ما ملكت أيماننا؟! فدرأ عنها الحدّ؛ ومن ثمَّ وقفنا عن حدّ تلك؛ وقيل: للأوَّل جميع ما وقف ممّا أعطاها. أبو زيَّاد: لا مهر لها من أحدهما، وحرمت عليهما إن دخلا بها؛ وإن لم يدخل بها الآخر فهي زوجة الأوَّل؛ وإن قامت بيِّنة أنَّه مات أو طلّقها، فاعتدت ثمَّ تزوّجت، ثمَّ جاء فلها صداقها ممّا أصابها. هاشم ومسبّح: كلّ زاعمة أن لا زوج لها [297] فتزوّجت ولها زوج فلا صداق لها على الأوَّل، لأنَّها خانته، ولا على الآخر لأنَّها غرّته.
فإن غاب رجل فتزوّج آخر زوجته على أنَّها زوجة غائب، ودخل بها عليه، ثمَّ صحّ أنّ التّزويج والوطء كانا بعد تمام عدّة وفاته، فقيل: لا تحرم عليه (1) وثبت تزويجه؛ وقيل: تحرم عليه بوطئه على نيّة فاسدة؛ وإن ماتا على ذلك أو أحدهما قبل التّوبة خفنا هلاكهما. أبو عبد الله: إنّ الزّوجة تحرم على زوجها بتزويجها بغيره إذا علم أنَّه جاز بها؛ وإن أنكرت قُبل قوله إن خلا بها أو أرخى عليها سترا، وإلاّ فللأوَّل ردّها في العدّة إذا طلقها الأخير ولم يصحَّ خلوه بها ونحوه (2)، وتصدَّق في استكمال الصّداق؛ وإن تصادقا على عدم الدّخول بها فلا تصدّق في ذلك في الحكم، ولزم التّحريم، لأنَّه تلزمه العدّة عند الجميع، وهي لا تكون إلاّ من الدّخول؛ وإن لم يخل بها الأخير فلا بأس عليه في تزويجها في الحكم بعد، إلاّ إن أقرّت أنَّه دخل بها ولا
__________
(1) () - ب: - «عليه».
(2) () - ب: - «ونحوه». (5/145)
صفحة 2230
تصدَّق عليه فيه، ولا حجّة له عليها فيه أيضا، ولا تفسد بقوله إنَّه دخل بها إذا لم يخل بها؛ وقيل: لا تحرم عليه إلاَّ بما تكون به زانية، ويلزمها به الحدّ بلا دعوى شبهة منها تزيله عنها لأنَّه لا تحرم إلاَّ الزانية؛ وقيل: كلُّ وطء بشبهة، ولو في الأصل حراما فلا تحرم به على الأزواج، وإنّما تحرم بزنى على اعتماد به بلا شبهة. وقيل: إذا فسد النّكاح ودخل الزّوج بها فيه فلا تصدق عليه لإيجاب الصّداق؛ وقيل: إذا أغلق الأخير عليها بابا أو أرخى عليها سترا أو خلى بها حلّت أختها للأوَّل، لأنَّه لا عدّة عليها؛ وقيل: يعلم أنَّه دخل بها بإقرارها أو بادّعائه.
فصل
أبو سعيد: إن وقع بين امرأة وزوجها كلام ظنَّا أنَّه يقع به طلاق، ثمَّ سألا فعلما أنَّه لا يقع به وقد دخل بها الأخير، فقيل: تفسد على الأوَّل لفساد النّكاح؛ والأكثر أنَّها لا تفسد عليه، ويرجع إليها بالأوَّل، ويعتزلها حتَّى تعتدَّ من وطء الأخير، وعليه به صداقها؛ فإن طلّقها الأوَّل وأرادها (1) الأخير ففي فسادها عليه لمسّها على ثبوت النكاح قولان، والأكثر على فسادها عليه به أبدا؛ قيل له: فإن أراد الأوَّل تركها ويأخذ أقلّ الصّداقين منها كالمفقود، فهل له ذلك؟ قال: لا، والمفقود غير هذا، وليحرّر هذا الكلام فلعلّ فيه خللا، قال: وعندي إنّ كلّ وطء وقع بسبب أو غلط أو جهل في العدّة يظنّ الفاعل جوازه، ووقع التّزويج على فاسد مثل هذا، فيختلف في فسادها على الزّوجين ما لم يكن الواطئ على تزويج لا يجوز، ولا يعذر الفاعل فيه بجهل.
أبو عبد الله: إن نعي لامرأة زوجُها فتزوّجت غيره؛ فإن صحّ نعيه بعدلين فلها صداقها منه وإرثها، وصداقها من الآخر، وإلاّ فلا صداق لها من الأوَّل ولا إرث ولا من الآخر؛ وكذا إن قدم الأوَّل ولم يصحّ نعيه فلا صداق لها من واحد؛ وإن صحّ خبر
__________
(1) () - ب: «وأردها». (5/146)
صفحة 2231
في إمساكها أو تطليقها وإعطائها صداقها. ويفرّق بينها وبين الأخير إن لم يصحّ نعي الأوَّل ولها في ماله ما يمونها حتَّى يصحَّ موته؛ وإن لم يصحَّ نعيه لم يكن لها فيه ذلك.
أبو سعيد: إن نعي إليها واعتدت وتزوّجت وولدت وقدم الأوَّل، أو صحّت حياته فالأولاد للأخير وهي للأوَّل؛ فإن خرجت منه بموت أو طلاق أو بران أو نحو ذلك، فالأكثر أنَّها لا تحلّ مراجعتها للأخير.
ومن زوّج بنتين له بأخوين فزفّت كلّ منهما إلى غير زوجها فوطئها واعتزلها فالولد للواطئ؛ وإن خرجت كلّ منهما من زوجها، ففي مراجعة الواطئ لها بالخطإ بالتّزويج خلاف، وهذا أشدّ [298] من الأوَّل.
وإن تزوّجت امرأة قيل بثلاثة أزواج في حال انفسخ التّزويج؛ وإن تزوّجتهم واحدا بعد واحد فالأوَّل زوجها إن رضيتهم معا، وإلاَّ (1) فزوجها من رضيته منهم أوَّلاً، ولا خيار بعد. وإن كانت عند زوج ثمَّ تزوّجت بآخر فهو زنى ولا صداق لها عليهما؛ وإن لم يمسَّها الأخير لم تحرم على الأوَّل.
ومن قال لزوجته: إن دخلت اليوم دار فلان فأنت طالق، فقالت: دخلت وهي كاذبة فصدّقها وفارقها، ثمَّ تزوّجت بغيره ثمَّ أقرّته أنَّها كاذبة، فإنَّها أوطأت فرجها فحرمت عليه، وردّت صداقها منه، لأنَّها أباحت فرجها حراما، ولا صداق لها على الآخر أيضا إن أقرّت ويرثها، إلاَّ إن صدّقها، وإلاّ فلا صداق لها عليه، وله أن يمسكها.
وإن تزوّجت امرأة بامرأة لم تحرم على زوجها.
__________
(1) () - ب: «ولا». وهو خطأ. (5/147)
صفحة 2232
الباب الحادي والثلاثون
في طالب تزويج متزوّجة
ابن محبوب: من أراد امرأة فاحشة، فقالت له: كفَّ عنّي! فأرجو أن يموت فلان، ــ تعني زوجها ــ فمات (1) فتزوّجها مريدها، فينبغي أن يفرّق بينهما، ويصدقها إن مسّها، وإلاّ فلا؛ وإن قال لها: أخرجي منه فأتزوّجك، فلا تحلّ له كما مر؛ وإن قال: إن مات فلان أخذت امرأته، وسمعت قوله فلا يتزوّجها إن مات.
ابن محبوب: إن خرجت منه بوجه فلا تحلّ له إلاَّ إن قذفها الأوَّل ولا عنها، قيل له: فإن أقرَّ بالزنا وحدّ عليه، فإنَّه لا يكون كقذفها به، لإمكان أن توطِّئه نفسها متنكّرة على وجه يكون زنى عنده، ولأنَّه إن أوطأته نفسها مشبهة بغيرها لا تحرم عليه عند الأكثر. وإن قال لامرأة إنّه يحبُّ نكاحها أو عرض لها فيه فلا يتزوّجها إن مات زوجها أو فارقها؛ وإن قالت: أنّه أخرجها أو بانت منه وقد اعتدّت، فطلبها للتّزويج فأجابته، ثمَّ صحّ عدم ذلك من الأوَّل، ثمَّ وقع أو مات عنها، فإن قصد الثاني تصديقها على ما جاز له منها ولها منه، ولم يصحَّ لها ذلك في الحكم فأرجو جواز ذلك له إن لم يقصد مواعدتها في العدّة.
أبو سعيد: من لقي امرأة فقال لها زوّجيني بنتك بكذا أو كذا، فأنعمت له، فقال لها: لو علمت أنّك تفعلين لتزوّجتها فلا تحلّ له، إلاّ إن باتت من زوجها بلعان. وأختار أنَّه إن تزوّج عليها أمة واختارت نفسها، فله أن يتزوّجها، لأنّ السبب كان منه.
ومن طلب إلى امرأة نفسها ولا يعلمها ذات زوج، ثمَّ مات أو طلّقها كره له
__________
(1) () - ب: - «فمات». (5/148)
صفحة 2233
نكاحها. ابن عليٍّ: إن قال لزوجها: طلّقها ولك عندي كذا، فلا يفرّق بينهما إن تزوّجها؛ وقيل: لا تحلّ له؛ وقيل: لا بأس بها؛ وقيل: إذا قال له ذلك وهو يريد تزويجها لم يجز له إن علم أنَّه يريده (1).
وإن مرّت امرأة برجلين، فقال أحدهما للآخر: هي ذات زوج؟ فأنعم، فقال له: لو فارقها أو مات فأخذتها، فأعلمها الآخر بقوله، فليس له أخذها إن خرجت منه؛ وإن لم يعلمها به جاز له. وإن قال لامرأة: أخرجي من زوجك فأتزوّجك، فخرجت ولم تفعل، فتزوّجت بغيره، ثمَّ بآخر بعده، ثمَّ طلّقها أو مات، فلا تحلّ له.
ابن محبوب: من تزوَّج (2) بصبية فقال رجل: إنّي هاو فلانة يعنيها، فلو كانت خلية لخطبتها، فبلغ ذلك أهلها فأخرجوها منه صبيّة، قال: يكره له نكاحها ولا أبلغ إلى تحريمه.
ابن بركة إن قال لمتزوّجة: أحبّك، فإن مات زوجك أو طلّقك تزوّجتك، فوقع ذلك، ثمَّ تزوّجها فلا يفرَّق بينهما، وإن كره تنزيها. وإن فقد زوجها وقد قال لها القائل ذلك فمضت أربع سنين فطلّقها وليُّه (3) واعتدّت، فتزوّجها القائل بالمواعدة، جاز له مع كراهة. أبو سعيد: لا يؤمر بتزويجها بعد قوله ذلك ومواعدتها، ولا تحلّ له إلاّ إن [299] قذفها الأوَّل بالزنى، وارتفعا إلى الحاكم ولاعن بينهما وبانت منه باللعان، فتحلّ له على هذا، لا على غيره. ولو تزوّجت أزواجا بعد أن طلّقها الأوَّل، أو مات تنزيها.
ابن بركة: إن واعدها في عدّة الطلاق من الفقود لم تحلَّ له ويفرَّق بينهما، وكذا في عدّة طلاق الزوج أو موته والكلّ سواء. أبو سعيد: إن كانت المواعدة أو التعريض في الزوجيَّة فأهون منها في العدّة عند بعض، قال: وعندي أنّ الزوجيّة أشدّ منها لأنَّه
__________
(1) () - ب: «يريدها».
(2) () - ب: - «من تزوَّج».
(3) () - ب: «وليُّها». (5/149)
صفحة 2234
ثبت منعها في العدّة لمعنى الزوجيّة، فلا يستقيم أن تكون أهون منها، والزوجيّة ملك الزوج، والعدّة سبب من أسبابها.
ابن عباس: إن أوّل أمر المتواعدين في العدّة معصية الله فيكره لهما أن يجتمعا بعد. (5/150)
صفحة 2235
الباب الثاني والثلاثون
في تزويج الزناة والمتّهمين
وقد روي: «أيُّما رجل زنى بامرأة ثمَّ تزوّجها فهما زانيان إلى يوم القيّامة». وقال: «لا نكاح بعد سفاح». فمن احتجّ بقول ابن عباس: «أوّله سفاح، وآخره نكاح» فلا حجَّة له فيه فإنَّما ذلك في مشرك زنى بمشركة، ثمَّ تزوّجها في الإسلام فهو حلال جائز، لأنّ ما كان فيه من الشرك أعظم من الزنا، ولأنّ الإسلام جبٌّ لما قبله.
جابر (1): من زنى بامرأة فلا يتزوّجها، وليجعل بينهما البحر الأخضر؛ فإن قدر أن لا ينظر إليها أبدًا فليفعل. وقد روي التحريم عن عدّة من الصحابة والتابعين، وقال بعض أهل الأهواء: إنّ للزّاني أن ينكح مزنيته، وهو غلط منهم وخطأ، وقد حكى بعض إجماع الفقهاء على التحريم؛ والدّليل عليه أيضا أنّ من رمى زوجته بزنى ورفع ذلك إلى الحاكم فإنَّه يلاعنها ويفرّق بينهما أبدا؛ وإن رماها وصدّقته حرمت عليه أبدا؛ وإذا زنى بها كان (2) أشدّ حرمة، وأقبح فاحشة، لما عرف من فجورها، وعرفت منه، وربّما كان تزويجه بها لما عرف منها، وما عرفت منه؛ وهذا أشدّ من القذف. وإذا صحّ التحريم في الأخفِّ كان الأشدّ أحقّ أن لا يجوز. قال الله تبارك وتعالى: {الزاني لا ينكحُ إلاّ زانيةً ... } إلى { ... المؤمنين} (النور: 3)؛ وذلك إذا حُدَّا فلا يجوز أن ينكحها إلاّ محدود مثلها على زنى بغير التي تزوّجها. ولا لرجل نكاح
__________
(1) () - ب: «جابر» مشطوب عليه.
(2) () - ب: «فهو». (5/151)
صفحة 2236
مزنيته، ولا نكاح التي علم منها زنى، ولو حدّت، وإنّما له تزويج محدودة عليه إذا لم يعلم هو زناها ولم يعاينه منها.
أبو الحسن: اختلف فيمن رأى رجلا يزني فلا يزوِّجه ــ قيل ــ وليّته، ولا يحضر في نكاحه ولا يشهد؛ وقيل: إن تاب وأصلح وتولاّه جاز له، لأنَّ التوبة جبّ لما قبلها، وهذا يدلّ على أن للتائب أن يتزوّج غير المحدودة، ولا يتزوَّج المحدود عندنا إلاّ بمحدودة، ولو تاب. واختار أبو سعيد الجواز لإباحة النكاح للمرأة في الأصل حتّى تعلم هي الزنى منه؛ فإن علمها الوليّ وزوّجها به آخر ثمَّ ماتت وهو وارثها ففي جواز ذلك قولان، لأن علم الوليّ بزناه حجّة عليه.
ولا صداق لمتزوّجة زنت لقوله تعالى: {إلاَّ أن يأتين بفاحشة مبيِّنة} (النساء: 19). والزانية الكتابيَّة لا ينكحها إلاّ موافقها في دينها أو زان موحِّد؛ فإن أكره رجلٌ ذاتَ زوج فحملت منه فلا يحلّ ــ قيل ــ له أن يقربها حتّى تضع؛ وإن وطئها قبله فأرجو أن تفسد عليه.
ومن علم من زوجته زنى فله أن يحتال في استخراج حقِّه منها، وإخراجها منه؛ وكذا إن اطلعت هي على زناه.
أبو الحواري: من دخل على امرأة ليلا فجامعها تظنُّه زوجها فلماّ علمته غيره صاحت وأعلمته بذلك، قال: ليس له أن يصدقها ولا تحرم عليه إن صدَّقها، وليس هذا كالزنى. وفي الضياء إن زنت بأخ زوجها فسدت عليه؛ وكره لها أن تغرَّه (1) من نفسها إن لم يعلم وقد زنت بأخيه.
وإن سبيت غير متزوّجات، ثمَّ رجعن إلى المسلمين ولا يدرى أوُطئِن أم لا، فلا بأس بتزويجهنّ، والتنزّه عنه أحسن.
أبو الحواري: إن زنت بمحرم من زوجها كأبيه فعليها (2) أن تعلمه بما كان
__________
(1) () - يمكن أن نقرأها في النسختين: «تقرَّه».
(2) () - ب: «فعليه». وهو خطأ. (5/152)
صفحة 2237
منها؛ فإن فارقها فلا حقّ لها عليه، والولد له وإلاّ فلها أن تهرب منه، ولا لها أن تقتله، ولا تمسّه بجسدها ونمنعه نفسها (1) ما قدرت، وتهرب منه كذلك، ولا يلزمه [300] أن يصدقها؛ فإن حبسها وعجزت عن الهروب، فإن علمت أنّ الولد ليس منه فليس لها أن تأكل منه وتلبس، وإلاّ جاز لها ما حبسها، والولد له حتّى تعلمه من غيره، ولا تعذر في المقام معه إن كان يطؤها، فإن طاوعته وأمسكها حتَّى ماتت خيف هلاكها؛ وإن أكرهها محرم الزوج عُذرت إن أعلمته فلم يصدِّقها، وتهرب منه ما قدرت. وإن زنت بغير محرمها ومحرمه فلتستر ما ستر الله عليها وتمنعه حتّى تعتدّ؛ فإن غلبها في العدّة فلا عليها إن قامت معه.
ومن زنى بامرأة ولو من فوق الثوب أو ملفوفا ذكره، فلا يحلّ له ما وَلَدها وإن علا، ولا ما ولدت وإن سفل.
فصل
إن زنت امرأة ثمَّ تابت وتزوّجت رجلا وأعلمته بزناها، فإن صدَّقها فارقها بلا صداق؛ وإن كذّبها فهي زوجته، ولا بأس على أحدهما. أبو سعيد كره لها أن تعلمه؛ وإن أعلمته فلتتب منه. وسئل أبو عبد الله عن امرأة زنت ثمَّ تزوّجت رجلا لا يعلم بزناها ثمَّ علم فإنَّها تردّ؛ فإن وطئ فلا يحلّ له المقام معها ولو علم ثوبتها بعد (2)، ولها صداقها عليه.
وإن أقرّت متزوّجة بزنى وادّعت (3) أنَّه قبل تزويجها وحدّت بإقرارها فلا صداق لها عليه، لأنَّها أوطأته فرجا محرَّما، فالزوجان إن قال أحدهما إنه زان أو زنى،
__________
(1) () - ب: - «وتمنعه نفسها».
(2) () - ب: - «بعد».
(3) () - ب: «وادَّعته». (5/153)
صفحة 2238
قال له الحاكم: إن صدقت فأشهد على نفسك أربعةً؛ فإن لم يفعل لم يضرَّ إلاّ نفسه، ولا حرمة بينهما؛ وإن أنعم وأشهد بانت منه واستوفت منه مالها مع الإمام إذا شهد معه الشّهود.
ومن اتّهم زوجته بزنى ولم يظهر منها فعن ابن زياد: إن استقرّ في نفسه ورأى علامته فليوفّها مهرها ولا يُقِم معها؛ فإن كان منه ذلك وسواسا من الشّيطان استعاذ بالله منه ولا يطعه.
ومن تزوّج بكرا فوجدها ثيِّبا، فإن اعتلّت بمرض أو قعود على وتد أو نحو ذلك ممّا يحدث عليها لا من الرّجال، فلا يقم معها؛ وقيل: إن ادّعت غلبة أحد أو وطئها نائمة، أو اعتلّت بغير الزّنا فله أن يقيم معها ولا تفسد عليه، ولو صحّ ذلك؛ وإن أقرّت بالزّنا فله تصديقها وتركها، أو تكذيبها وإمساكها، لأنَّه تريد الخروج من ملكه. أبو سعيد: إن زنت ثمَّ أرادت أن تتزوّج فعليها أن تعتدّ؛ فإن لزمها فسد تزويجها؛ فإن ثبت فساده فليس لها أن تقيم عليه وتخرج منه بما أمكنها؛ وإن غرّته حتَّى أخذت ماله لزمها ردّه؛ وإن جهلت ذلك وظنّت جوازه حتَّى وطئها ثمَّ علمت وأرادت الخروج اختير أنّ لها عليه صداقها الذي تزوّجها به؛ وقيل: صداق مثلها؛ وكذا في كلّ فاسد عند بعض.
وقيل: إن زنت ذات زوج فاستتر زناها وسعها المقام معه، لا أخذ صداقها منه، لأنَّه (1) خانته ولزمها الاستبراء بثلاث. وإن زنت بمحرم منه لم يسعها ذلك ولزمها أن تفتدي منه، وإن بما تملك؛ فإن لم يقبل هربت حيث لا يراها؛ ولا يلزمها أن تعلن بما ستر الله، ولكن تعلمه سرّا وتخبر بما كان منها ممّا ضاق عليها المقام معه به عند أبي عبد الله؛ غيره لا يلزمها أن تعلمه بأصل ذلك إن أخبرته أنَّها عملت ما لا يسعها المقام معه به، لأنَّه لا يضرّها ولا ينفعها ولا يلزمه تصديقها (2) فيه وقد مرَّ.
__________
(1) () - ب: «لأنَّها».
(2) () - ب: «تصديقه». (5/154)
صفحة 2239
فصل
جاز لزوج المرجومة أن يرثها. أبو الوليد: لا يرثها، ولا صداق لها؛ وأخذت صداقها من ماله إن رجم هو ولا ترثه؛ وفي بعض الكتب أنَّها ترثه، ولا تأخذ به؛ وقيل: لا يرث المرجومة زوجُها، وله ما ساق إليها إن قدر عليه وإلاَّ وعلى ظهره منه شيء فله ما على ظهره.
ومن تزوّج امرأة ولم يعلمها زانية ثمَّ علم بعد الدّخول بها ففارقها، اختير أن لا يبطل صداقها إن زنت قبل التّزويج، ولا صداق لها عند ابن محبوب. وإن ظهر من امرأة تبرّج، وشهر منها شرب النبيذ وعند أكثر سكّان البلد أنَّها زانية فهل لأحد أن يتزوّجها؟ قال: فعندي أنَّه ما لم يصحَّ عنده ذلك [301] بعلم منه بمعاينة، لا تحتمل مخرجا من الزّنا، أو شهادة أربعة عدول عليها به، ويجب عليها بشهادتهم الحدُّ، فلا تحرم على الأزواج، لأنّ قول القائلين لذلك ولو كثروا إنّما يخرج قذفا ودعاوي، وشهرة القذف باطلة لا تقوم بها حجّة، وكذا شهرة الدّعاوي لا تجوز ولا تقوم بها حتَّى يصحَّ في الحكم بوجه. وإن صدّق ما يقال فيها وتزوّجها على ذلك لم يجز له تصديق ذلك في نفسه، لأنَّه باطل، قال الله تعالى: {ولولآ إذْ سمعتموه ... } الآية إلى { ... إفكٌ مبينٌ} (النور: 12). وهو الكذب. ولا يجوز تصديقه في اعتقادٍ ولا فعل، وتلزم التّوبة منه.
ومن قال: إن تزوّجت فامرأتي التي أتزوّجها زانية، فلا بأس ويستغفر الله.
وقيل: إذ زنت امرأة لزمتها العدّة على القول بثبوت حكمها من الوطء؛ وإن تزوّجت قبل ذلك فسد النكاح ورخَّص بعض في ذلك إذا قصَّرت في كمالها، على القول بأنَّها لا تثبت إلاّ من وطء نكاح صحيح، لأنَّه قيل في مكرهة عليه: إن أعلمت زوجها بذلك أمر بتركها قدر العدّة استبراء لزوجها؛ فإن وطئها قبل كما لها لم تحرم عليه ــ فيما قيل ــ. قال: ولم أعلم أنَّ أحدًا أفسدها؛ وقيل: من علم أنّ وليّته (5/155)
صفحة 2240
قد زنت ولم تحدَّ عليه ولم يرفع ذلك عليها كره له أن يتولّى تزويجها ولو تابت، ولا يحرم عليه؛ وكذا الأمة ما لم يظهر عليها.
وإن رميت امرأة بزنى ثمَّ علم منها كثير خيرا، قال أبو عبد الله: لا بأس للرّجل أن يتزوّجها ما لم تحدّ عليه.
إن زنى صبيّ بامرأة، فإن كان مراهقا يشتهي اختير أنَّه لا يتزوّجها إذا بلغ؛ وقيل: يجوز ما لم يبلغ أو يحكم عليه بالبلوغ، وكذا المجنون إذا غلبها وزنى بها، فلا يجوز لهما أن يتزوّجا إذا؛ أفاق وكذا إن زنى مشرك بمسلمة غلبة منه أو بمطاوعة منها إن أسلم؛ وإن كانا مشركين ثمَّ أسلما فقد مرّ ما قيل فيهما؛ وقيل: إن كان حربيًّا أو ممّن لا تثبت عليه أحكام الإسلام في وقتهما، ولم يحرم في دينهما فلهما أن يتزوّجا بعد الإسلام، ويمكن حمل ما مرّ على هذا؛ وقيل: لا إن كان الأصل حراما؛ وإن لم يدينا بتحريمه؛ وإن كان كتابيّا وممّن تلحقه أحكام الإسلام فلا تحلّ له عندنا.
وإن زنى مسلمٌ بحربيَّة (1) أو كتابيٌّ تجري عليه أحكامنا، ثمَّ أسلمت وأسلم لزم كلاًّ ما يجب عليه في نفسه، ولو كان الآخر لا يدين بما يدين هو به (2).
وإن صحّ عند امرأة أنَّه صحّ عند زوجها زناها لم يجز لها أن تمكّنه من نفسها، لأنَّها حرام عليه فلا يحلّ لها أن تعينه عليه.
أبو الحواري: إن زنى صبيّ بصبيّة وهما لا يعرفان الشّهوة ولا الحلال والحرام، فلمّا بلغ أراد أن يتزوّجها، فقال بعض: إن استطاع الجماع وجامعها لم يجز له، وهو قول ابن محبوب، وقال بعض لا بأس عليه حتَّى يحتلم وأنَّ ذكرَه كأصبعه، وله أن يتزوّج بها (3) ولو جاز بها؛ وهو المختار عند أبي الحواري.
ومن زنى فحدّ ثمَّ خطب وليَّة قوم فزوّجوه بها ولم يعلموه محدودا على الزنا، فقيل: يفرّق بينهما، ويعطيها مهرها إن دخل بها.
__________
(1) () - ب: «بحربيَّة مسلم».
(2) () - ب: «به هو».
(3) () - ب: «يتزوَّجها». (5/156)
صفحة 2241
الباب الثالث والثلاثون
في إقرار الزّوجين بالزّنى ونحوه
أبو سعيد: إن أقرّت امرأة لرجل أنَّها زنت وتابت فلا أعلم عندنا أنَّ له تزويجها، قال: فإن أكذبت نفسها أو رجعت عن قولها فالذي يدرأ عنها الحدِّ بالرّجوع عن الإقرار يجيزها له، والذي لا يدرأه عنها به يمنعها له؛ وكذا إن أقرّ هو لها. وفي الأثر: من أقرّ لزوجته أنَّه زنى لزمها أن تمنعه نفسها حتَّى يكذِّب نفسه؛ فإن وطئها قبل ففي تحريمها عليه خلاف، [302] ولا يسعها المقام معه إن أطلعت على زناه؛ وإن أقرّ لها به ولم يكذّب نفسه، فقيل: فسدت عليه للزوم الحدِّ به؛ وقيل: حتَّى يقرَّ به ثلاثا؛ وقيل: لا يحرم عليها إن أكذب نفسه، ولا فرق في تكذيبه قبل وطئها أو بعده لسقوط الحدّ عنه به؛ وقيل: لا يسعها المقام معه في الحكم ولو أكذب نفسه، ويسعها في الحلّ؛ وقيل: لا أيضا، وعليها أن تهرب لا أن تفتدي؛ وقيل: إن شاءت كذَّبته وأقامت معه لأنَّه مدّع عليها إزالة ما أجاز الله لها؛ وكذا إن أقرّت هي له به في ذلك.
أبو سعيد: من عرض لزوجته أنَّه زنى بها ولم يفصح إلاّ أنَّه أحسّ أنَّها فهمت تلويحه، فلا بأس عليها في الحكم إن لم يفصح بإقرار يلزمه به الحدّ، ولا عليه هو إن كذَّب نفسه؛ وإن أقرّ لها أنَّه زنى بأمّها أو بنتها فسدت عليه ولو كذَّبها، ولزمها أن تفتدي منه بحقّها لا بأكثر؛ وإن قال: غلطت ببنتك بدل أختك في قولي، وسعها المقام معه إن صدّقته.
أبو الحواري: إن رمى زوجته بزنى وأبى أن يكذِّب نفسه أُمرت بمنعه حتَّى يكذّبها؛ فإن غلبها لم تحرم عليه ما لم يصلا إلى الحاكم؛ وكذا إن أقرّ عندها، وأقرَّت (5/157)
صفحة 2242
عنده به؛ فإن لكلٍّ أن يكذّب صاحبه، وتمنعه حتَّى يكذّب؛ فإن أبى كذَّبته إن غلبها، وقد قال رجل لزوجته نحيّ عنّي نقولك، يعني أولادها منه، فسألا جابرا، فقال لهما: أسترا ما ستر الله، ولم ير عليهما بأسا؛ وإن قالت له يازان، ولها على ذلك بيِّنة، ورفع هو أمرها إلى الحاكم فإنَّه يجلدها؛ وإن عفا عنها ولم يرفعها إليه فهي زوجته.
ومن سافر وترك زوجته حائلا فلمَّا قدم وجد عندها ولدًا فسألها، فقالت: غلبني رجل على نفسي؛ فإن أقرّت بهذا عند الحاكم لزمها الحدّ، وليس له أن يقيم معها؛ وإن كان فيما بينهما ولم ترجع عن قولها، نهي عن الإقامة معها ولها أن تستر ما ستر الله منها وتتزوّج غيره؛ وإن قال لها: يا زانية، فلها أن تقيم معه إن أكذب نفسه واستغفر؛ وإن دام على قوله وزعم أنَّه صادق، فإن كانت له عليها بيِّنة جلدت، وفرّق بينهما؛ وإن دام على قوله بين يدي الإمام لاعَنَها؛ وإن قالت له: يا زانٍ، فله أن يعفو عنها؛ وإن رفعها إليه وأقام عليها شاهدين بقذفه، أو أقرّت به عنده جُلدت أيضا وفرّق بينهما.
وإن أسلم مشرك فأقرّ لزوجته أنَّه زنى بشركه، فإقراره لا يشبه إقرار الموحِّدين على أنفسهم به، ولا أراها تحرم عليه.
وعن الفضل: أنَّ من قذف زوجته به أمرت بمنعه كما مرّ، ولها أن تقيم معه إن أكذب نفسه، وإلاّ منعته حتَّى يكذِّب؛ فإن وطئها ثمَّ أكذبها فهي زوجته، ولها أن ترفع عليه إلى الحاكم؛ فإن دام على قذفها لاعنها؛ فإن لاعن هو وأبت هي أن تلعن حدَّت، فإن أكذب نفسه بعد أن صار عند الحاكم حدَّ، وفرّق بينهما؛ وقيل: يدرأ عنها بالرّجوع عنده كما مرّ؛ وإن مات أحدهما قبل أن يصيرا إليه، أو بعد أن كذَّب نفسه توارثَا، إلاّ إن رآها تزني أو رأته هي؛ وإن مات أحدهما بعد أن صارا إلى الحاكم وقبل أن يتلاعنا، وأن يكذّب نفسه، فقيل: يتوارثان؛ وقيل: لا يرثها إن ماتت وترثه إن مات. وقيل: إن قذفها بزنى فلا شيء عليها وهو كاذب، ولها أن ترفع (5/158)
صفحة 2243
أمره (1) إلى الحاكم، ولا يلزمها أن تمنعه؛ وإن قدفها ومات ورثته ولا يرثها إن ماتت، وإن أكذب نفسه قبل موتها، قُبل منه، ويرثها، وقيل: لا، ويفرَّق بينهما لإقراره بموجب تحريمها، ولا يقبل قوله إن أكذب نفسه بعد موتها وموت حجَّتها.
ابن محبوب: لا صداق لزانية، ولمن رأى امرأته تزني أن يحلف على صداقها. ولا لأمة ذات زوج إن زنت كحرَّة، وعلى ربِّها ردُّه إن قبضه. ولا يقبل إقرارها بزنى على سيِّدها، إلاَّ أنَّ صدقها هو وزوجها عليه.
أبو حنيفة: لقاتلة نفسها قبل الدخول بها صداقها. ابن محبوب: لا مهر لها على زوجها إن كانت عاقلة، ويرثها.
__________
(1) () - ب: «أمرها». (5/159)
صفحة 2244
الباب الرابع والثلاثون
فيما تحرم به الزوجة على زوجها
اتَّفق الفقهاء [303] على أنَّ من طلَّق زوجته ثمَّ وطئها في العدَّة أو بعدها حرمت عليه أبدًا.
بشير: من زنى بأخت زوجته من رضاع حرمت عليه، والأكثر أنَّه لا يحرم عليه تزويجها، ولو بعد أن يزني بأختها. والأخت كغيرها عند أبي عليٍّ.
ومن أوطأته زوجته نفسها متنكِّرة متشبِّهة بغيرها، فقيل: لا تحرم عليه؛ وإن أولج بعض حشفته في دبرها، أو قبلها حائضًا فلا تحرم عليه حتَّى يولجها كلَّها، وينكلان إن باعها، ولا يجتمعان. أبو عبد الله: إن استردَّها فهما على نكاحهما؛ ابن بركة: وله وطؤها بالأوَّل؛ وإن وطئها مشتريها فالله أعلم. وإن وطئ جاريتها ولم تعلم، فقيل: تفسد عليه، قال: ولا أدري بأيِّ وجه تفسد.
أبو الحواري: من تزوَّج امرأة على أنَّها عذراء، فلم يجدها كذلك، فسألها فلم تخبره شيئًا (1)، فإن قالت: أصابها رجل ــ وإن بيده ــ فلا يمسكها ولا صداق لها، وقد مرَّ ذلك؛ وإن رآها تفجر بامرأة أو تفجر هي بها، فلا تحرم عليه بذلك، وليست كالرجل لعدم الإيلاج، ولا حدَّ عليهما بذلك، ويتوارثان؛ وإن رأته ينكحه رجل في دبره، أو دونه، فإذا رأت ذكره يدخل فيه، فقد حرم عليها، لا إن جامعه فيما دونه.
قال الشيخ: من تزوَّج جارية فدخل بها ونال منها فقالت له: حين ملكتني كنت مشركة، فقد كذبت، ولو قالت ذلك قبل أن يدخل بها فسد نكاحها.
__________
(1) () - ب: - «شيئًا». (5/160)
صفحة 2245
أبو عبد الله: من وطئ جاريته، ثمَّ علمها أخت امرأته فلا بأس عليهما فيما مضى، ولا يقرب الجارية في مستقبل؛ وإن علمت زوجته بذلك ولم تخبره به حرمت عليه، ولا مهر لها، لأنَّها (1) جرَّت الحرمة إليه، ويصدقها إن علم هو فنسي أو جهل، ولا تحلُّ له أبدًا.
وليبعْ أختين إن مَلكهما، أو يعتقهما، ولا يمسكهما، وإن رأته زوجته على ذلك حرم عليها، وافتدت منه أو هربت. قال أبو عبد الله وأبو معاوية: لا تفسد عليه.
ومن عنده غتماء (2) فلا يتسرَّاها حتَّى يعلِّمها الصلاة والغسل، ولا تحرم عليه زوجته إن وطئها قبل، ولا بوطء أخيها.
ومن زنى بنته (3) وتحته غير أمِّها، فرِّق بينه وبين امرأته. أبو عبد الله: إن علمت بذلك، وإلاَّ فكغير بنته، وليستر ذلك، ولا فساد عليهما إن لم يخبرها به. قال عزَّان أيضًا: وإن مسَّت فرج أبيه أو ابنه حرمت عليه. أبو عبد الله: لا بأس عليهما إن كان جهلا.
وحرمت إن أقرَّت أنَّها ساحرة، ولا يحلُّ له إمساكها، إلاَّ إن زعمت أنَّها تابت منه. أبو عبد الله وعزَّان: إن كان سحرها شركًا حرمت (4)، ولا يتوارثان.
وكان ــ قيل ــ رجل لا يجد لامرأته مودَّة، وله جارية جميلة، فإذا أراد جماعها ذكر جاريته عنده لاستجلاب الشهوة في قلبه، فذكر ذلك لموسى وبشير بن المنذر فحرَّمها عليه موسى لا بشير، وأخذ الناس بقوله.
ومن قال لزوجته: بيني وبينك حرمة فلا تقربه حتَّى يبيِّنها لها، فإن ذكر
__________
(1) () - ب: «لأنَّه».
(2) () - كذا في النسختين.
(3) () - ب: «ببنته». ولعلَّه الصواب.
(4) () - ب: + «عليه». (5/161)
صفحة 2246
موجبها بانت منه، وإلاَّ فهي زوجته؛ وكذا إن أكذب نفسه. وإن قبَّل أمَّها، أو مسَّ قبلها من فوق ثوب فلا تفسد عليه.
ابن محبوب: ومن أكرهت زوجته على وطء فحملت فلا يحلُّ (1) له وطؤها حتَّى تضع كما مرَّ، وتفسد عليه إن وطئها قبلُ، وتوقَّف بعض في فسادها، وهذا إن استكرهت قبل أن يدخل بها زوجها، وإلاَّ فلا تحرم عليه.
وإن غصبها الجند فجامعوها، أو أحدهم، وهو ينظر فلا تفسد عليه، حتَّى يصحَّ عنده أنَّها ساعدته على الوطء مساعدة الزانية، فما احتمل لها مخرج فهي زوجته، وإن كرهت وامتنعت خرجت من الإثم واسم الزنى، لا إن أكرهت وساعدت، وإن اشتهت وامتنعت فغلبت لم يضرَّها ما بليت به من الشهوة.
عزَّان: من وافقته زوجته يجامع جارية لابنه، فلا يحرم عليها المقام معه، ولا عليه الجارية، إلاَّ إن كان ابنه يطأها؛ بعضٌ لا يحرِّمها عليه وهو من يرى له انتزاع ماله، ويحرِّمها عليه من لا يرى انتزاعه؛ وقال بعض (2): يشهد عليه، ثمَّ يطأها.
ومن زنى جارية امرأته فولدت منه، وقالت لها: ولدت من زوجك، وهو منكر للولد، [304] فله أن يقيم معها، ولها كذلك بعد قول الجارية، ولا عليه إظهار ما كان منه، ولا يمتنع عن زوجته إذا تاب، وليس قول الجارية لازما له، ولا تقم معه إن رأته يزني بها، أو علمته.
ومن أراد تزويج امرأة، وأبت منه فاسترضى لها، وعمل لها ما يميلها إليه، فأجابته فتزوَّجها بصداق مثلها، فلا عليه إن ثبت عقلها؛ وإن نقص به حتَّى رضيت بأقلَّ منه ولم تعرف الغبن من الربح، ولا الصلاة من الصوم، فلا نحبُّ له أن يقيم على هذا النكاح، وقد مرَّ ذلك في أوائل الكتاب.
__________
(1) () - ب: «تحلُّ». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «بعض». (5/162)
صفحة 2247
فصل
من رأى زوجته تزني ولو مع بهيمة، أو لم يتمّ الفعل، أو فيما دون فرجها فسدت عليه إن بلغت وصحّ عقلها، ولا تفسد عليه طفلةً أو مجنونة إن رآها يفعل بها، ولا بالغةً عاقلة تفعل بنفسها بعود أو نحوه.
وفي أخت زوجته وأخيها إن زنى بهما قولان كما مرّ. وحرمت عليه إن رأى باطن أمّها أو مسّ عورتها ــ وإن بيده أو رجله ــ مطلقا؛ وقيل: إن تعمّد؛ وكذا ما فوقها وما تحتها من بنات؛ وإن مسّت هي عورة أبيه وما فوقه عمدا ففي حرمتها عليه قولان؛ وكذا إن تعمّدت مسّ عورة ابنه وما تحته إن بلغ؛ وكذا إن تعمّد النّظر إلى ما بطن من حليلة ابنه وما تحته تحرم عليه؛ وقيل: مطلقا. وإن مسّ عورة ختنه وما فوقه أو مسّ الختن عورة الزّوج فلا تحرم عليه بذلك؛ وقيل: غير ذلك. ولا يقع التّحريم بمسّ النّساء فيما بينهنّ في الآباء، ولا في الأولاد.
ومن تزوّج امرأة فوطئها غيره قبله بلا اتِّفاق منها معه، فإن مسّها قبل أن تعتدّ منه حرمت عليه، وليس له ولدها ولو بكرا؛ وإن تزوّجها فتحرّك الولد في بطنها دون أربعة أشهر وعشر فلا يمسّها حتَّى تضع فيجدّد؛ فإن مسّها قبله حرمت عليه؛ وإن مسّها بعده فلا تجديد، فقولان. وإن تحرّك بعدها، فقيل: يكفُّ عن وطئها؛ وقيل: لا. وإن أتت به بعد ستّة أشهر فهو له، لا إن دونها، ولا إن تحرَّك قبلها ولو ولدته بعد ستّة؛ وقيل: له إن ولدته بعدها، لا إن دونها.
ولا تفسد عليه إن مسّها في الدّبر خطأ، وفي العمد قولان.
وعصى إن مسّها في حيض أو نفاس ولا تفسد على المختار، وينفق كلٌّ منهما دينارًا في الحيض إن علما وطاوعته؛ وقيل: نصفه؛ وقيل: يتقرّبان بشيء؛ وقيل: إن مسّها في الدّم لزم كلاًّ (1) منهما دينار؛ وفي التَّيبُّس ربعه.
__________
(1) () - ب: «كلٌّ». وهو خطأ. (5/163)
صفحة 2248
الباب الخامس والثلاثون
فيما يجوز للمرأة فيه (1) قتل زوجها أو من يريد وطأها
أبو الحسن: من طلّق زوجته ثلاثًا بلفظ واحد طلّقت منه بثلاث، وأثم بخلافه السنّةَ، وتهرب منه إن جحد، وتفتدي منه بصداقها إن طلبها (2)؛ فإن أبى فلها قتله إن طلب وطأها، وغالبها به، ولا تغتاله بالسّر، ولها ممَّا نعته لا قتله إن طلّقها واحدة.
وإن تزوج بمزنيته أو فعل مع زوجته ما فيه خلاف فليس لها أن تجاهده في هذا، ولا تقتله إذا أراد وطأها، إلاّ المطلّقة ثلاثا، فإنَّها تجاهده فيه وحدها؛ وقيل: إن تزوّج مزنيّته وهو يعلم، فلها أن تجاهده وتقتله، وكذا المطلّقة واحدة أو اثنتين إن أراد وطأها قبل مراجعتها؛ وكذا إن بانت بالإيلاء؛ وإنّما لا تجاهده إذا أراده في حيض أو دبر.
أبو إبراهيم: إن ادّعت عليه أنَّه أسمعها الطّلاق ثلاثا أو أكثر؛ فإن صدَّقها لزمه صداقها وخرجت منه، وإلاّ بيّنت مدَّعاها إن وجدت بيِّنة، وإلاّ فعليها أن تفتدي منه به وبمالها إن قبل، وإلاّ حلَّفته وكانت معه ولا تطاوعه، ولتجاهده إن أسمعها ذلك وأنكر وأبى أن يقبل الفداء حتَّى يكفيها الله أمره بقتل أو غيره، ويجعل لها منه فرجا. وإن ادّعت عليه وطئًا في دبرها وأنكر حلَّفته بالقطع ما تعمَّد ذلك؛ فإن حلف حكم عليها بالمقام معه وتجاهده بما [305] دون القتل، ولا يلزمها أن تفتدي بأكثر ممّا لها عليه.
__________
(1) () - ب: «فيه للمرأة».
(2) () - ب: «طلب». (5/164)
صفحة 2249
أبو سعيد: إن ادّعت أنَّه طلّقها ثلاثا وأنكر، فلتفتد (1) منه إن صدقت بجميع ما تملك؛ فإن لم يقبل بصداقها هربت حيث لا يراها إن قدرت وإلاّ جاهدته ــ وإن بقتله ــ حين يريد وطأها، وتقول له: إنّ العلماء أجازوا لي قتلك على ذلك؛ فإن لم يقبل فداءها، ولا امتنع عن ظلمها دافعته بما دون القتل؛ فإن أبى أن يكفّ فبه، لا غيلة، ولا في غير وقت إرادتها (2). أبو الحواري: إن أغرّته وأمكنته من وطئها في حيض ولا يعلم به تريد خروجها منه لزمها أن تفتدي بما لها عليه، وله إن يقبله؛ وإن قبضته منه فلتردَّه له، ولا يلزمها أكثر منه ولا يحلّ له أخذه. وإن ادّعت تعمّد وطئها في حيض بعد أن أعلمته أنَّها حائض سأله الحاكم، فإن أقرَّ فرّق بينهما، وإلا حلَّفه لها: ما وطئها فيه بفرجه تعمّدا وغابت فيه حشفته؛ فإن حلَف أمرَها أن تفتدي منه بما عليه لها إن صدقت إن قبل، وإلاّ جاهدته بما مرّ، وهذا كما علمت مذهب المشدّدين من أصحابنا المشارقة.
ابن عليٍّ: كلّ من وطئ محرمته تعمُّدا فإنَّه يقتل، ورُجمت هي إن طاوعته؛ وقيل: تقتل أيضا، وقال جابر: إنّه يرجم وإن لم يحض.
أبو سعيد: ليس لمغصوبة على نفسها غلبة قتل غاصبها إلاّ في حين الوطء (3)، وفي غيره تمتنع منه بما أمكنها دونه.
أبو الحواري: إن لم يكفَّر المظاهر حتَّى مضت المدّة بانت منه، فإذا قاربها بعدها فلها إن تجاهده بما قدرت؛ فإن لم تقدر عليه إلاّ بقتله حلّ لها، لا في المدّة، إلاّ بعد وطئها فيها مرّة، فإنَّها تحرم عليه به فيها، فإن أرادها ثانية قاتلته.
__________
(1) () - ب: «فلتفتدي». وهو خطأ لأنَّه مجزوم بحذف حرف العلَّة.
(2) () - ب: «إرادته».
(3) () - ب: «وطئها». (5/165)
صفحة 2250
فصل
أبو عليٍّ: من دخل بيته فوجد أخت زوجته على فراشه فظنها زوجته فباشرها فعليه مهرها إن لم تنتبه إلى أن فرغ، لا إن انتبهت قبله، وأمكنته، وكذا غيرها.
ومن دخل في ظلمة فوجد امرأة عليه فوطئها ولم تمانعه ولم يعرفها فعليها الحدّ لا عليه؛ وإن قالت: أنَّه يعرفها فعليهما معا. خميس: هذا إن صدَّقها أو لها بيِّنة بذلك، وإلاّ فلا يلزمه بدعواها؛ وإن قالت: إنَّه يعلم أنِّي لست امرأته فأكرهني لم تصدَّق إلاّ ببيِّنة أنَّه غلبها؛ فإن صدَّقها أو قامت عليه بيِّنة لزمه الحدّ دونها.
وقيل: إن وجد امرأة على فراشه فظنّها زوجته فوطأها فإذا هي غيرها فولدت لستّة أشهر فإن كان لها زوج قد دخل بها قبل لحقهما الولد معا، لأنَّه لم يطأها على وجه الحرام، ولا استحقّ اسم عاهر ويدرأ عنهما الحدّ؛ وكلّ وطء يدرأ فيه عن صاحبه يلحق فيه الولد؛ وقيل: هو للزوج لأنَّه الفراش ولا يلحق ذلك الواطئ، وإن لم يدخل بها قطُّ فالولد للواطئ وعليه صداق مثلها إن لم تعلم بذلك أو لها حجّة عليه؛ وإن ساعدته في ذلك فالولد له أيضا ولا عليه صداقها، ولا يقربها زوجها حتّى تضع على ما مرّ. وانظر ما إذا لم يكن لها (1) زوج فعندي على مقتضى القواعد أنَّها إن لم تفطن به حين وطئها على ظنّه زوجته فالولد له؛ وإن فطنت وطاوعته أو أعلمته أنَّها ليست زوجته فتمادى فهو ابن أمِّه.
__________
(1) () - ب: - «لها». (5/166)
صفحة 2251
الباب السادس والثلاثون
في من تزوّج امرأة من وليّها فيأتيها فتمكّنه من نفسها، وتصدقه، وفيما إذا شرط لنفسه شيئا عند العقد، وفيما يسلِّمه الزوج لأجل التزوّج، وفيما إذا زوّجها أجنبيٌّ
وما أنساني هذين أن أذكرهما قبلُ إلاَّ الشّيطان؛ وإن تقدّم غالبهما.
الوضَّاح: من خدع امرأة فقال لها إنّ وليّك قد زوّجني بك، فصدّقته وأمكنته، ثمَّ أنكر ورفعت عليه فلها عليه يمين إن لم تجد بيِّنة؛ فإن حلف برئ منها، وإلاّ فلها عليه صداقها، وفرّق بينهما والولد لها، ولا حدّ عليها، ولا بأس عليه إن قال لها ذلك، فصدَّقته وأقام عليه بيِّنة بعد أن وجدها (1)، وإلاَّ وقال: إنَّه ظاهر علم (2) به الناس فرِّقا أيضا، ولا حدّ عليهما، ولزمهما إن كذب في أمر لم يطلع عليه؛ وقيل: بئس ما صنعت وينبغي لها أن لا تجيزه على نفسها حتّى يعلمها وليّها أو شاهدان أو يشهر نكاحها؛ فإن انتفى هذا وأمكنته بقوله ووليّها حاضر؛ فإن أقرَّ أنَّه زوّجه بها بمحضر شاهدين قبل وقت وطئها فيه أو قاما بذلك فلا ينتقض؛ وإن أنكره الواطئ ولا بيِّنة فرِّقا وأخذت منه صداقها.
ومن تزوّج ــ قيل ــ غائبة في غير بلده [306] فأتاها يريد وطأها ولم تعلم أنَّه
__________
(1) () - ب: - «ولا بأس عليه إن قال لها ذلك، فصدَّقته وأقام عليه بيِّنة بعد أن وجدها».
(2) () - ب: «عالم». (5/167)
صفحة 2252
زوِّج بها فطاوعته على حرام ووطئها على حلال، خيف فسادها عليه لإباحتها فرجها حراما ولا نبرِّئه من مهرها لتقدّمه على حلال، وكان عليه أن يخبرها حتّى يعلمها أترضى بالنّكاح أم لا؛ وقد مرّ أنَّه إذا زوّجت امرأة برجل وعلمت ورضيت به ولا تعرفه ولا يعرفها قبل، فإذا عرفها حين تزفّ إليه بالاطمئنان والعادة، فلهما أن يتماسَّا لجريان العرف بذلك، وكان لهما أن يتساءلا ليسكن القلب لا للحكم؛ وكذا إذا أتى هو منزلها ما لم يرتب فيها فيلزمه أن يتعرَّفها بما يقع عليه العلم؛ وإن بسكون النفس.
فصل
جاز للأب أن يزوِّج بنته بألف، ويشترط لنفسه مثله؛ وقد سئل جابر عن ذلك فقال إنَّه ليتمتّع من صداقها بالمعروف إن احتاج إليه، وإلاّ فليعفَّ عنه وإن أمسكه فقد صنع الناس ذلك وأجازوه، قيل له: فإن كان الوليّ أخا أو عمًّا أو ابنه؟ فقال: لا يجوز له إلاّ إن طابت نفسها بشيء منه. وانظر الجدَّ فيه هل هو كالأب أم كالأخ فيه؟ عندي تردُّد.
ومن قال: لا أزوّج بنتي إلاّ من أعطاني كذا وكذا، فقيل (1): ليس له ذلك إلاّ إن طابت نفسها بشيء (2)؛ وقيل: من شرط لنفسه غير ما سمّى من الصداق فإنَّه يلزم الزوج. والبنت أحقّ به من الأب.
موسى: من طلبت إليه وليّته فارتشى من الرجال على تزويجها فما ارتشى به فهو لها. أبو الحواري: هذا إن نقص الزوج من صداقها (3)، وإلاّ فهو له؛ وإن ارتشى منها فهو لها ولو لم ينقصها؛ وإن طلبته أن يزوِّجها بكفئها فأبى ألاّ يجعل منها فهو حرام وعليه ردّه لها، ولها أن تأخذه من ماله خفية إن لم يردَّه لها بعد أن تطلبه
__________
(1) () - ب: «فقال».
(2) () - ب: + «منه».
(3) () - ب: «صدقها». وهو خطأ. (5/168)
صفحة 2253
بالردّ فيمتنع؛ وقيل: على الوليّ ردّ ما أخذ من الزوج إن لم يزوِّجه إلاّ بأجر، إذا لا يجوز له على التزويج لوجوبه عليه، إلاّ إن أبى (1) فليس عليه ردّ ما أخذ على بنته عند بعض.
أبو سعيد: إن شرطت على الزوج عند العقد نفقة أولادها من غيره ثبتت عليه إن قبل عنده وعرفوا؛ وقيل: لا إن عيّنت المدّة.
ومن خطبت إليه وليّته فأنعم للخاطب واتَّفقا على الصداق فبعث إليه بدقيق وسمن وبعث بهم إلى أهلها فاطعموا ذلك للرّجال، قبل التزويج ثمَّ افترقوا قبله فطلب إليهم قيمته، قال: إن طلبوا إليه ذلك فبعثه إليهم لزمهم ردّه، لا إن بعثه إليهم برأيه تبرّعا، واختار أنَّه إن كان هو التارك للتزويج فلا ردّ له؛ وإن طلبوه؛ وإن كان الترك منها أو منهم وقد بعث إليهم ذلك برأيه فكذلك. وإن بعثه بمطلبهم لزمهم ردّه.
ومن تزوّج ــ قيل ــ صبيّة ودفع إلى وليّها نقودًا أو اشترى لها بها ثيابا، ثمَّ أنكرت حين بلغت فطلب إليه ذلك، فإن اشتروها لها بأمره لهم فله ثيابه، وإلاّ فله ما دفع.
وإن أهدى ــ قيل ــ لامرأة مريدها قطنا أو كتانا فعملته ثوبا ثمَّ كرهته، فله الثوب وعليه الأجرة على العرف. وفي الأثر: من يهادي قوما في نكاح بنتهم فلمّا بلغت أنكرته فطلب ما أعطى، قال: إن سلّمه إلى الصبيّة فقد ضيّعه؛ وإن سلّمه إلى أمّها لزمها (2) ردّه.
ابن عليٍّ: من قبض عاجل بنته وأكله وكرهت أن يدخل بها الزوج حتّى تقبضه، فذلك لها وتأخذه به ويرجع هو على أبيها، إلاّ إن وكّلته في قبضه فيلزمه أن يؤدّيه إلى بنته.
__________
(1) () - ب: هامش: «ولعلَّه: إلاَّ إن كان أبًا فليس ... إلخ».
(2) () - ب: «لزمه». ويبدو أنَّه خطأ. (5/169)
صفحة 2254
وفي الأثر: ومن ملك امرأة وكان يصلها أو أباها بشيء ثمَّ افترقا قبل الجواز فإنَّها تردّه إليه؛ وقيل: إنّما تردّ له ما اشترط عند البران؛ فإن لم يشترط شيئا فلا له إلاّ ما عليه، وكذا إن لم يقع العقد، وكان يهاديهم مع الخطبة ثمَّ انفسخ أمرهم، فله عليهم جميع ما أهدى إليهم، ولو كان الترك من قبله، وقد مرّ ذلك.
فصل
جابر: ما نزعم أنَّ ما عقد بلا وليٍّ حرام بعد النّكاح المعلن وقد يسرني أن يرجع إلى عقد الأولياء من غير فرقة. وقد زعم ابن عباس أنَّه يسع جهل ذلك مع شهادة الرجل وامرأتين في المراجعة والنكاح مع الوليِّ، وقد تكون الأمور على سبل مشتبهة، منها ما لا رجعة فيه وأخرى فيها أرخص؛ والعلماء يستحبّون ما صفى ويكرهون ما اشتبه؛ غير أنَّه قد يكره أمر ولا نحرّمه ولا نشتم عليه أهله.
وقيل: إن زوّج أجنبي امرأة ورضيت ثمَّ رفع ذلك إلى الإمام قبل الدّخول بها فأمر الوليّ أن يجدّد العقد فقال: لا، ولكني أجدّده على مهر أكثر من هذا، وقالت بعد ما رضيت به: لا أرضاه، قال: فإنّما يجدّدان على ما تراضيا عليه لانتقاض [307] العقد قبل الدخول.
ابن محبوب: إن زوّجها أجنبيّ فأمضاه الوليّ حين بلغه ولم يمضه الزوج، فإن نقضه قبل إمضاء الوليّ انتقض، لا إن نقضه بعده كما مرَّ (1)، وإلاّ فلا، وجاز النكاح؛ وقال بعض: إن زوّجها ورضيت ولم يحتجَّ على أوليائها فلمّا علموا غيّروا، قال: إن غيّروا قبل رضاها فسد النّكاح اتّفاقا، وإن غيّروا بعده وقبل الجواز بها انتقض أيضا إن كانوا عصبة وحضروا حين العقد، وإن غيَّره بعده أيضا، فموسى لا يفرّق بينهما، ويفرّق جابر كما مرّ.
وسئل أبو سعيد عن العلّة في قول القائل: إذا زوّجها أجنبيّ ولها وليّ حاضر
__________
(1) () - ب: - «لا إن نقضه بعده كما مرَّ». (5/170)
صفحة 2255
وجاز بها الزوج فلا يفرّق بينهما أتمّ الوليّ النّكاح أو غيَّر، وقد سنَّ: لا نكاح إلاّ بوليّ وشهود وصداق ورضى المرأة، قال: لا أعلم في ذلك علّة إلاّ اختلافهم فيه، فبعض يفرّق ويعزر المنكح والمنكوح والشهود، ويحرمها عليه أبدًا (1) إذا دخل بها وهو قول جابر؛ وبعض يكره ولا يفرّق؛ وبعض يقول: لا بأس به لوجود الدخول بها والرضى وتفاوت الأولياء ودخول الشبهة، وفسد قبل الجواز اتّفاقا. وإن زوّجها مع حضور أبيها ولم يحتجَّ عليه انفسخ إن غيَّر، ولا توارث بينهما، وثبت الولد له إن جاز بها. وإن حضر وليّ غير الأب توارثا إن جاز بها، وإلاّ فلا إن غير الوليّ؛ وإن حضر الأب فلا توارث، وإن لم يغيّر إذا لم يتمَّه في حياتهما لبطلانه، ولا عدّة عليها فيه ولا صداق، وإتمامه بعد الموت لا ينفع.
هاشم ومسبِّح: إن وكَّلت أجنبيًّا (2) وزوّجها بكفئها بلا إذن وليّها وجاز بها فقد فسد. أبو الحواري: قد قيل هذا ولا يفرّق بينهما. ابن محبوب: بعد الجواز. وإن زوّجها وشرط رضى وليّها فبلغه الخبر بعد الجواز، قال ابن محبوب: إن وقع قبل إتمامه فسد، ولو أتمّ بعده أو كان غير أب ولا يفرّقها. ابن عليٍّ: إن أتمّ بعد الجواز والأب وغيره سواء عنده. عزَّان وإن مات المشروط رضاه قبل أن يعلم منه انفسخ، ولا شيء لها عليه، إلاَّ إن دخل بها وإلاّ فلا، ولهما أن يجدّدا إن لم يدخل بها، وتكون عنده على ثلاث.
ابن المعلا: من زوّج أخته على رضى أبيه ورضيت ومسّها ومات الأب ولم يعلم رضاه حرمت ولها صداقها. عزَّان: إن مات الزوج ولم يعلم رضى الأب فلها صداقها وإرثها إن رضي، وإلاّ فلا.
ابن عليٍّ: إن شرط رضى أخيها ثمَّ طلّقها قبل أن يعلم رضاه، فإن رضي تمّ النكاح ثمَّ وقع الطلاق وإلاَّ لم يجب لها صداق، وإن مات الأخ لم يقع النّكاح؛ وإن
__________
(1) () - ب: «أبد». وهو خطأ.
(2) () - ب: «أجنبي». (5/171)
صفحة 2256
مات الزوج قبل أن يرضى الأخ ثمَّ رضي فليس ذلك بشيء لبطلان النّكاح بموت الزّوج؛ وقيل: إنّه تامٌّ إن رضي بعد موته راضيا كالمرأة فلها الإرث والصداق؛ وإن تزوّجها على رضى وليّها ثمَّ أراد الخروج منها قبل أن يعلم رضاه فلا يجده؛ فإن طلّقها لزمه النصف؛ وإن دخل بها قبله لزمه الكامل وحرمت.
وإن وكَّلت من يزوِّجها برجل (1) على معروف بلا شرط رضى الوليّ ثمَّ أراد فسخه فبعض رآه له قبل أن يعلم رضى الوليّ وإتمامه، فإن اتمّه لزمه. أبو زيَّاد: لا يجد فسخه ولا ينفسخ؛ وقيل: يجده ولو رضي إلاّ إن رضيت بعد رضاه إذ لا تقع أحكام النّكاح إلاّ بعد رضاه، فإذا لم ترض به بعد رضى الوليّ لم يثبت عليه.
__________
(1) () - ب: - «برجل». (5/172)
صفحة 2257
الباب السّابع والثلاثون
في نكاح الأقلف
ابن المفضل: إن تزوّج أقلف فقال: أنا أختتن، جاز إن اختتن قبل الدّخول وإلاّ فرّق بينهما؛ وقيل: يجدّد نكاحه بعد الختان وإن لم يدخل. وسئل أبو سعيد عن متزوّج بامرأة فدخل بها فإذا هو أقلف ثمَّ اختتن هل لهما أن يقيما معًا؟ فقال: قيل لا يجوز إذا دخل بها على ذلك، أو مسّ فرجها أو نظر إليه، لأنَّه فاسد ولو له عذر في تركه الختان، ولها صداقها إن دخل بها، وحكَى الإجماع على ذلك؛ والخلاف إذا تزوّج بذمّية، واختار المنعَ ما لم يختتن، لأنَّه يشبه المجوس، ومن تشبّه بقوم فهو منهم.
وقيل: إنَّ (1) الأقلف المسلم لا يجوز تزوّجه، ولا تزويجه، ولا يتمّ حجّه لأنَّه ليس بطاهر. وإن زوّج وليّته ولم يدخل بها حتَّى علم أمرهما أمر غيره أن يجدّد ولا يفرّق بينهما عند بعض؛ وقيل: إذا تزوّج امرأة ومسّ فرجها أو نظر إليه حرمت عليه؛ ولا تحلّ له ــ إن اختتن ــ أمُّها ولا بنتها ولا هي لأبيه أو ابنه. وإن شهد على نكاح فسد ولا قصاص بينه وبين مسلم، ولا يدخل مسجدا ولا يصلَّى بثوبه ولا على بساطه، وتردُّ شهادته، ولا تؤكل ذبيحته، ولا تقبل صلاته ولا حجّة.
وإن أسلم مشرك شتاء وخاف بردا إن اختتن فيها [308] فله تأخيره إلى حرٍّ يأمن فيه، فإنَّه يعذر في الليالي والسّمائم.
فإن وطئ زوجته في أيام العذر فلا تحرم عليه.
__________
(1) () - ب: «إنَّ». (5/173)
صفحة 2258
الباب الثّامن والثلاثون
في نكاح المشركات
قال الله تعالى: {ولا تَنكحوا المشركاتِ حتَّى يؤمنَّ} (البقرة: 221)، فحرَّم جميعهن ثمَّ خصّ الكتابيات بقوله: {والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتابَ ... } الآية (المائدة: 5)، يعني الحرائر دون الإماء. ولا بأس لمسلم أن يتزوّج أربعا منهنّ وطلاقهنَّ؛ قال أبو المؤثر: كالمسلمات، ولا تجوز إماؤهم؛ وإن لعبد؟ قال: ولا أعلم أحدًا أجاز نكاح مجوسية إلاّ ما ذكر (1) عن حذيفة أنّ زوجته مجوسيّة وضعَّف بعض هذه الرّواية عنه، وروى أنَّه تزوّجها نصرانيَّةً فتمجّست؛ وقيل: إنّ العاص بن الرّبيع تزوّج زينبا بنت رسول الله وهو مشرك، وكان نكاح المشركين بالمسلمات حلالا، وعند وقعة بدر نزلت الهجرة وخرجت، زينب إلى أبيها، وحرم نكاحهم بهنّ سنة، وخرج العاص إليه فأسلم، فردّها (2) إليه بالأوَّل. وروى أبو الحسن عن بعض أنَّه ردّ إليه رقيّة بعد إسلامه بسنة.
ولا يمنع أهل الذّمة أن يتزوّج بعضهم من بعض. وإن أسلمت مشركة تحت مشرك لم يدخل بها فلا تتزوّج بأبيه ولا بابنه في الإسلام، وكذا هو إن أسلم لا يتزوّج أمّها فيه.
وليس قيل لرجل أكراه كتابيّة تحتّه على ترك ما في شريعتها وإتيان ما لم يجب في ملّتها، لأنّ العهد قد أثبت تركهم على ما فيها.
وإن تزوّج قيل نصراني مسلمة ثمَّ علم أنَّها لا تجوز له فرِّق بينهما أبدا، أو
__________
(1) () - ب: «ذكروا».
(2) () - ب: «فردَّه». ويبدو أنَّه خطأ. (5/174)
صفحة 2259
يضرب شديدا. وإن زنى بها وطاوعته فإنَّهما يحدّان؛ وإن أكرهها قُتل، وأخدت من ماله صداقَها عند ابن محبوب.
وإن تزوّج مسلم مجوسيّة على أن تصليّ فصلّت، ثمَّ جامعها فإنَّها تحلّ له. وقيل: لا يتزّوج ذميّة حتَّى يشترط عليها أن لا تشرب خمرا، أو لا تأكل خنزيرا، ولا تعلِّق صليبا، وأن لا تدع غسلا من جنابة وحيض ونفاس ولا حلق عانة؛ وإن أبت أن تضمن له الخصال فلا يتزوّجها، ورخّص.
ومن تزوّج نصرانية وأشهد عليه المؤمنين ولم يشترط عليها ما يشترط على النّصرانية جاز النّكاح، ويخبرها بذلك؛ فإن أقرَّت به مسكها؛ وإن أبت فارقها. وفسد إن أشهدت (1) النّصارى.
ولا يطأ كتابية في صومها الفرض.
ولا بأس بنكاح كتابيَّة على مسلمة؛ واختلف في طلاقها وعدّتها، فقيل: ثلاث كالمسلمة؛ وقيل: واحدة؛ فعلى الأوَّل إن طلّقها واحدة أو اثنين جاز له ردّها في العدّة، لا على الثّاني، إلاّ إن نكحت غيره.
وإن تزوَّج أسيرٌ مسلم نصرانيةً محارِبة، وأقام معها في دار الحرب، ثمَّ هرب، فلا تحلُّ له أبدا، ولو أسلمت لتزوّجها حال الحرب، لأنَّه لا يجتمع فيها سبيٌ ونكاح؛ وإن أبت أن تسلم وأرادت الرّجوع إلى بلادها فلا يجوز منعها، لأنّ زوجها قد أمنها. وإن كانت حاملا حكم على ولدها بالإسلام؛ فإن بلغ وكفر قُتل.
وإن تزوّج عبد أمة يهودية بلا إذن سيّده أجبر سيّدها على بيع أولادها فيمن يزيد.
وجازت مجوسيّة تحوّلت إلى كتابيّة لا عكسها.
أبو عبد الله: إن تزوّج كتابي مجوسيّة فكره ذلك أهل ملّته ورفعوه إلى المسلمين
__________
(1) () - ب: «أشهد». (5/175)
صفحة 2260
فرِّق بينهما إن دخل بها، وإلاّ منعوه منها إذ لا يجوز نكاح مجوسي بكتابيّة، لأنَّه لو احتجّ وليّها فقال: إن أتت بولد منه لم تحلَّ ذبيحته، ولا مناكحته ويحلّ ذلك منّا للمسلمين وفيما بيننا، لكانت له حجّة.
الخراساني (1): إن أراد كتابيّة ورضيت به وكره أبوها أجبره المسلمون على تزويجها به، لشمول الشّرك لهم. ولو أراد أحدهم أن يتزوّج وثنيّة فلا يحولوا بينهما إذا رضيت. ولمجوسي أن يتزوّج كتابية راضية به، ولو كره وليّها؛ وإن تزوّج بمحرمته فلا يفرّق بينهما إلاَّ إن طلبت هي ذلك إلى المسلمين، فليحكموا بينهما بالكتاب ويفرّقا. وإنمّا قبلوا منهم الجزية على أن يترَكوا على دينهم، وقد علمناهم يستحلُّون المحارم.
فصل
من زنى بمشركة ثمَّ أسلما فله نكاحها؛ وإن وطئها زوجها في حيض أو دبر ثمَّ أسلما، قال ابن محبوب: عسى أن يكون كزناه بها في الشّرك.
وليس لمسلم أن يتزوّج مجوسيّة أجبرت على الإسلام ولا لمسلمة نكاح مجوسي أجبر عليه. ومن أسلم فتزوَّجت زوجته مثلَها في دينها، ثمَّ أسلمت أو أسلما فلا ترجع إلى الأوَّل إلاّ بجديد؛ وكذا إن أسلم فتزوّج أختها أو أربعا فقد انقطعت عصمته من سبق، ولا رجعة إن أسلمن.
أبو عبد الله: إن غاب كتابي عن كتابية فأسلمت ولا تعلم أنَّه أسلم أو لاَ، فلها أن تتزوّج بعد عدّتها؛ وإن علمته أسلم بعد إسلامها وعدَّتها فلا تردّ إليه، لأنّ عليه إعلامها بإسلامه. وكذا إن أسلم ثمَّ أسلمت واعتدّت فتزوّجت ولم تعلم به، فالأخير أولى بها. وكذا ــ قيل ــ[309] إن أسلم ولم يعلم حالها فتزوّج أختها، ثمَّ علمها أسلمت قبله فإنَّه يتمّ نكاحه بها، وهذا كما قال أبو الحواري: إذا كانا من غير أهل الكتاب، وإلاّ فإن أسلم دون زوجته فهو أولى بها ولا له نكاح أختها، ولو لم يعلم
__________
(1) () - ب: «الخرساني». (5/176)
صفحة 2261
حالها إلاَّ إن طلّقها، وهذا إن كانا معاهدين، وإلاّ فهو كما قيل، ومن أسلم عن مشركة لها أخت مسلمة انتظر قدر عدّة المشركة؛ فإن أسلمت قبلها وإلاّ فله أختها، وفي صداقها خلاف.
ومن أسلم هو وزوجته فوطئها قبل اختتانه حرمت عليه، إلاّ إن أسلم كما مرّ في أيَّام العذر.
فصل
إن كان لذمّي أمة ذميّة، ثمَّ غاب فأسلمت فلا تباع حتَّى يعلم أنَّه مشرك؛ فإن بيعت ووُطئت وقد أسلم الأوَّل ردّت إليه ولو أسلم بعدها. أبو الحواري: إن باعها (1) الإمام بعد أن صحّ عنده شركه مضى البيع، ولو أسلم.
ومن أسلم مع نسائه أكثر من أربع فله أن يمسك الأربع الأوائل؛ وقيل: يختارهنّ؛ ومنعه أبو حنيفة؛ وقيل: إن تزوّجهنّ في عقد بطل، والأصحُّ عقد الأوائل. وكذا إن أسلم المجوسي مع أختين تحته، فقيل: الأولى زوجته؛ وقيل: حرمتا.
أبو عليٍّ: إن طلّق زوجته ثلاثا ثمَّ أسلما، فله أن يتزوّجها مطلّقها. أبو الحواري: إن جاز الطلاق عليهم في دينهم لم تحل له حتَّى تنكح غيره. وإن تزوّج بمجوسية ثمَّ أسلم قبل الدّخول بها فلا صداق لها عليه. وائل وابن محبوب: إن أسلم عن أختين ثمَّ أسلمتا فالأولى زوجته إن لم يدخل بهما؛ وإن دخل بهما حرمتا عليه معا؛ وكذا إن مسّ واحدة بعد أن تزوَّجهما، زاد ابن محبوب أنَّه إن مسَّ الأخيرة فسدتا معا؛ وإن مسّ الأولى فسدت الأخيرة؛ وقيل: له اختيار واحدة إن مسّهما معا.
أبو عبيدة: إن أسلمت نصرانيّة تحت نصراني فلها منه صداقها، لأنَّ الإسلام لا يزيدها إلاّ خيرا، إلاّ إن كان خمرا أو خنزيرا؛ وقيل: لا صداق لها؛ وإن أسلمت قبله ولم يدخل بها فلها نصفه عند ضمَّام لا عند أبي عبيدة؛ وبه قال الرّبيع وقال: إن
__________
(1) () - ب: «باعه». وهو خطأ. (5/177)
صفحة 2262
أسلمت ثمَّ أسلم فهو أحقّ بها ما لم تتزوّج غيره؛ وحكى بعض الإجماع على أنّ الذمّيينِ إن أسلما في وقت فهما على نكاحهما؛ وكذا إن أسلم بعدها؛ واختلف في غيرهما إن أسلمت ولم يسلم هو حتَّى اعتدّت فإنَّه يدركها؛ وقيل: لا.
وإن أسلم كتابي حربي عن أربع فله أن يتزوّج من الغد؛ وكره له أخت زوجته، قال: ولو فعل ما حرَّمتها، فإذا حلّ له أربع من الغد فالأخت مثلهنّ؛ فإن تزوّج ثمَّ أسلمن اللّواتي في دار الحرب فقد حرمن عليه؛ وإن لم يتزوّج بعد إسلامه فهو أحقّ بهنّ.
وإن أسلم حربيٌّ فتزويج واحدة أو اثنين وتحته أربع حربيات فأسلمت واحدة منهنّ، فلا سبيل له عليها لانقطاع عصمة الحربيات إذ تزوّج؛ فإن كنّ ثلاثا فأقلّ فتزوَّج في الإسلام واحدة (1) فهو أحقّ بهنّ إن أسلمن؛ وإن كنّ ثلاثا فتزوّج اثنين فسدت الثّلاثة؛ وإن أسلم عن محرمة أوستٍّ وأسلمن حرمن عليه أبدا؛ أمّا بنسبة (2) إلى المحرّمة فظاهر، وأمّا السّتة إن أسلمن قبل أن يتزوّج فله الأوائل، أو ما يختار على ما مرّ.
أبو عبد الله: إن أسلم دون زوجته فتزوّجت في عدّتها بعد إسلامه، ثمَّ أسلمت بطل نكاحها وخيِّر فيها أو في تركها؛ وكذا إن أسلمت دونه فتزوّجت فيها ثمَّ أسلم؛ وقيل: ليس له تركها بلا طلاق؛ وإن لم يقع حتَّى مات أحدهما توارثا.
الوضَّاح وبشير وابن محبوب: إن غاب عن يهوديَّة زوجها وراء البحر ثمَّ أسلمت فلها أن تتزوّج ولا تنتظر إسلامه.
ومن أسلم عن أربع، فإن كان حربيّا انقطعت عصمتهنّ إن لم يسلمن؛ وإن كان ذميّا فهنّ نساؤه، وفي الأوَّل قيل: لا عدّة عليه منهنّ؛ وقيل: لا يتزوّج غيرهنّ أو أخت
__________
(1) () - ب: «واحدة في الإسلام».
(2) () - ب: «بالنسبة». ويبدو أنَّه أصوب. (5/178)
صفحة 2263
إحداهنّ إلاّ بعدها؛ وكذا إن أسلمت دونه فقد زالت منه عصمتها وفي العدّة خلاف؛ وإن أسلم ولم يردّها ثمَّ أرادها فلا يلحقها إن قال أوَّلاً: لا أريدها.
أبو عبيدة: إن تزوّجها على خنازير أو أزقاق خمرا، ثمَّ أسلما قبل أن تقبض، فلها مكان كلّ خنزير شاة، وبدل الخمر خلا. أبو معاوية: لها قيمة ذلك عند مستحلّه.
ومن تزوّج نصرانيَّة على خمسين أصل ثوم (1) فلا بأس قيل بذلك.
وإن مات زوج نصرانية فلا يتزوّجها مسلم حتَّى تعتدَّ عدّة الوفاة؛ وإن تزوّج مسلم ذميّة ثمَّ لحقت بالمحاربين انفسخ؛ وإن رجعت إلى المعاهدين وأرادها؛ فإن صحّ نكاحهما الأوَّل ثمَّ تحوّلت إلى ما يفسده من جهة الملَّة أو المذهب فلم تتزوّج هي في (2) حالها ولا هو أربعا أو محرمتها، ثمَّ رجعت إلى ما يحلّ لها وتحلّ له حلّت له على الأوَّل. وإن تزوّج بمحرمتها أو أربعا انقطعت عصمتها منه.
وإن قذف مسلم زوجته الكتابيّة فلا ملاعنة بينهما، ويقال له إن صدقتَ فلا تقربها.
فصل
وقد نهى عمر عن نكاح الكتابيّات ــ كما مرّ ــ وهنّ في النّفقة والكسوة والسّكنى كالمسلمات إلاَّ الإرث.
[310] وجاز لمسلم أن يتزوّج لطفله كتابيّة ولعبده حرّة كتابية، وحكم ما ولد معها حكمها في الحرّيّة خاصّة؛ وفي الإسلام حكمه.
ومن عنده عبد وأمة يهوديان فله أن يزوِّجهما فيما بينما.
__________
(1) () - كذا في النسختين.
(2) () - ب: - «في». (5/179)
صفحة 2264
وإن تزوّج موّحد أمة كتابيَّة أخذ بفراقها ويصدقها إن مسّها، وله ما ولد معها في الحرّيّة والإسلام والنّسب، ويعطي ربّها قيمته. وإن تعمّد نكاح مجوسيّة أو وثنيَّة كفر هو والشّهود والمزوّج لهما، والولد لأمّه، وثبت نسبه إن لم يعلمها كذلك، أو مرتدّة، ولا صداق لها عليه.
ولا يحلّ لمن علم من امرأة خصلة من الشّرك أن يتزوّجها؛ فإن تزوّجها فأحكامها كالمرتدّة؛ وإن لم يعلم ثمَّ علم ثبت نسبه ولا تحرم عليه إن أسلمت بعد؛ وقيل: تحرم.
وإن تزوّج مشرك موحّدة فالولد لأمّه، ويحدُّ إن علمها موحّدة، ولا صداق لها إن علمت وتحدّ؛ وقيل: لا يحدّان للشّبهة ولا يترك ذو خصلة من الشّرك أن يتزوّجها، ولا صداق لها إن علمت، ولا نسب معها، وحرمت؛ وقيل: لا تحرم إن تاب منها. (5/180)
صفحة 2265
الباب التّاسع والثّلاثون
في نكاح المرتدِّين
ولا يجوز لمرتدٍّ أن يتزوّج مرتدّة، فإن فعل ومسّها ثمَّ أسلما حرمت عليه، ولا صداق لها، وفي الولد قولان. وإن ارتدّ أحد الزّوجين فتماسَّا حرمت ولو أسلم بعد، لا إن لم يتماسَّا في ردّته، وهما على نكاحهما.
وقيل: إن ارتدّ الزّوج ولم يعلم ما بلغ به قوله فلا تحرم عليه إن مسّها على ذلك؛ وكذا إن ارتدّ أو وقع الارتداد بينهما حال الفعل ثمَّ أسلم المرتدّ قبل وقوع فعل آخر بينهما لا تحرم عليه في ذلك؛ وإن وقع الفعل بينهما قبل أن يسلم حرمت؛ وقيل: لا، إن لم يكن من الزّوج إلاّ النّزوع، وله أن يتزوّج أختها إن ارتدّت بعد عدّتها؛ وكذا لها أن تتزوّج إن ارتدَّ بعد أن تعتدّ.
وإن أسلم المرتدّ منهما وقد تزوّج صاحبه زالت العصمة بينهما؛ وإن رجع المرتدّ بعد أن اعتدّت ولم تتزوّج، فهما على الأوَّل؛ وقيل: يجدّدان. وقيل: إن ارتدّ أحدهما انفسخ نكاحهما، ولو رجع من حينه وليجدّداه.
وقيل: إن كان ارتداد زلَّة فلا يفرّق بينهما إن تاب (1) وهما على الأوَّل.
وإن تزوّج موّحد ذميَّة ثمَّ حاربت حرمت عليه وأبطلت صداقها وجاز سبيها إن لم تؤدّي الجزية قبلُ. ولا يجوز سبي ما أعطى عليه الذمي الجزية، وجاز ما استفاده
__________
(1) () - ب هامش: بخطٍّ مغاير: «كيفية توبة المرتد: وهو أن يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله، وأشهد أنَّ محمَّدًا رسول الله، وأنَّ ما جاء به محمَّد من عند الله هو الحقُّ. كذلك قال علماؤنا. حاشية القواعد». (5/181)
صفحة 2266
بعد. ولا يدخل في الغنيمة حملها من موحّد. وإن وقعت إلى زوجها صارت أمَّة له (1)؛ وإن رجعت من حربها قبل أن يقدر عليها، رجعت إليه على نكاحها ما لم يتزوّج أختها أو أربعا، أو تزوّج هي (2) في حربها. وإن تزوّج موحّد كتابية بهذا الخمر أو الخنزير أو الميتة فلها صداق مثلها إن مسّها على ذلك؛ وكذا إن تزوّجها بذلك كتابيّ ثمَّ أسلما قبل الدّخول بها؛ وإن مسّها قبل أن يسلم فلا شيء لها إن نقد لها ذلك والا ثم أسلما ومسّها بعد الإسلام فلها صداق المثل ولو مسّها قبل؛ وقيل: إن مسّها قبل فلها القيمة كما مرّ.
وإن تزوّجها بلا شهود أو بعدما طلّقها ثلاثا ولم تنكح غيره ثمَّ أسلما فهما على الأوَّل إن كان ذلك في دينهما؛ وإن تزوّجها في عدّة أو ذات بعل فإنَّه يفارقها؛ وإن تزوّجها وبنتها في عقدة حرمتا عليه إن مسّهما، وإلاّ جدّد للبنت؛ وإن مسّ واحدة فارق الأخرى؛ وقيل: حرمتا معا، وقيل: إن مسّ الأمَّ. وإن مسّ البنت جدّد لها؛ وإن تزوّجهما في عقدتين ثمَّ أسلموا فإنَّه يمسك الأولى إن مسّها أو لم يمسّهما معا، وحرمتا إن مسّهما أو الأخيرة؛ وكذا في الأختين، وقد مرّ ذلك.
وإن تزوّج ستّا ثلاثا في عقدة واثنتين في أخرى وواحدة وحدها، فإنَّه يمسك الثلاثة إن سبقن والواحدة ولو تأخّرت؛ وإن تقدّمت وتبعتها الاثنتان أو بالعكس فإنَّه يفارق الثلاثة؛ وإن أشكل عليه السّابق هل الثّلاثة أو الاثنتان، فارقهنّ وأمسك الواحدة؛ وقيل: يختار أربعا.
وثبت نسب المجوسي إن ولد مع محرمته. ويجرُّ من أسلم من الزّوجين أطفاله إن كانا حرّين، وإلاَّ أو كان المسلم عبدا فلا. وهل يجر الجدُّ الحرُّ أطفال ابنه إن مات؟ أو لا مطلقا؟ قولان.
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: يمكن أن تقرأ: «هو». (5/182)
صفحة 2267
فصل
إن تزوجت مرتدَّة ثمَّ تابت فلا يحرِّمها ذلك على المسلمين لأنَّه ليس كالزّنى؛ وإن تزوّج مرتدّ لأخت امرأته ثمَّ رجع ولم تتزوّج زالت عصمتها بنكاح أختها، إلاّ إن فارقها وجدّد للأولى بعد عدّة الأخت إن دخل بها.
عزَّان: من ارتدّ فقد خرجت منه زوجته بلا طلاق، ولها مهرها في ماله ولا يجدها ولو رجع من حينه إلاَّ بجديد؛ وإن لم يتزّوج فقيل: [311] يدركها، ولا تحلّ له مسلمة؛ وإن ترك في الإسلام أربعا وتزوّج في الردّة زالت عصمتهنّ ولو رجع؛ وقيل: إن تزوّج في الشّرك أربعا ثمَّ أسلم فتزوّج أربعا ثمَّ طلّقهنّ وتمّت عدّتهنّ ثمَّ أسلمن فهنّ له بالأوَّل. وإن أسلمن وقد بقي عنده بعض المسلمات أو كانت في العدّة فإنّما له أربع بهنّ، فقيل: الأوَّل فالأوَّل؛ وقيل: يختار؛ وإن أسلمن والأواخر في العدّة زالت عصمة الأوائل. ومن له أربع فارتدَّت منهنَّ واحدة أو أكثر فليتزوّج إن شاء ولا ينتظر عدّتها. وقيل: إن تزوّج في الإسلام وله في الشّرك زوجات ثمَّ أسلمن فإنَّه يتزوّج منهنّ بجديد ما تتمُّ له به (1) أربعة في الإسلام إن شاء. ولا تفسد عليه المسلمة ماله في الشّرك إن أسلمن وجدّد لهنَّ.
__________
(1) () - ب: «به له». (5/183)
صفحة 2268
الباب الأربعون
في نكاح السَّبايا
فإذا سبيت حربيَّة وصارت لمولى وسبي زوجها فأرادها فأمرُها إلى مولاها، فله أن يتمّ لهما نكاحهما إن شاء.
ومن سبى له المشركون زوجته أو سريَّة ثمَّ سبوه أيضا، فقيل: يكره وطؤها خوفا أن يشركوه في الولد. ومن أخذ أمة من السّباء فلا يطأها حتَّى تقرَّ بالإسلام ويعلمّها الصّلاة والغسل وما تقدّم، ويستبرئها بما سيأتي.
وإن سبيت ذات زوج فلسيّدها وطؤها، وذلك ليس بزوج لها، وعلى ذلك قال حسّان:
وذات حليل أنكحتها رماحنا حلالا بأن يبنى بها لم تطلّق
وقد نهى e أن توطئ الحبالى من الفيء. وقال عمر لابنه: لا تزن، لا تطأ سباء من الغنائم.
ولا يجوز لرجل أن يطأ امرأة حتَّى تقع في سهمه، وحتَّى يستبرئها، ويعلِّمها. ونهى أيضا عن وطء الحوائل حتَّى يحضن، وهنَّ غير الحوامل. (5/184)
صفحة 2269
الباب الحادي والأربعون
في التّسرِّي
وهو جائز بالكتاب والسنّة والإجماع.
ولا يجوز للرّجل أن يتسرّى إلاّ ما ملك؛ ولا لمشكل لم يتبيَّن أمره؛ ولا لمرتدّ، ولا لأقلف إلاّ إن عذر في اختتانه، ولا لمحرم، ولا لمعتكف. وجاز في دار التّوحيد، وإن لطفل أو مجنون؛ ويكره في دار الشّرك كالنّكاح فيها. وجاز تسرّي مدبرة إلى موته أو بعده، أو موت غيره أو إلى معلوم، لا إن دبرها قبل موته بكذا. وإن تسرّاها عليه ومات وبان أنَّه مسّها بعد حرّيتها، فلها صداقها من ماله، وفي النّسب قولان.
وحرم عليه تسرّي محارمه من الرّضاع، ولا يثبت نسبه معها إن فعل؛ وكلّ من يحرم عليه تزويجه من الحرائر يحرم عليه تسرِّيه من الإماء؛ وكذا في الكراهة؛ وكذا في الجمع تحريما وكراهة؛ وما لا يجمعهما بنكاح لا يجمعهما به وبتسرٍّ.
ولا يجوز تسرّي كتابية؛ وقيل: توطأ بالملك؛ ولا مرتدّة، ولا مجوسيّة كوثنيَّة، وحرمن إن فعل، والولد غير ثابت له. ولا يتسرَّى مرهونة، ولا تحرم عليه إن فعل. وإن مسّ أمته المتزوّجة أو المشتركة مع غيره، ففي النّسب ولزوم الحدّ قولان.
ولا يتسرّى ما ورثها (1) من أبيه، أو ممّن لا يحلّ له نكاح ما مسّ، أو ملكها منه لا بإرث، ولو طفلة؛ وقيل: إن كانت بالغة لزمها أن تخبره بذلك؛ وكذا التي (2) طلّقها تطليقتين إن ملكها قبل أن تتزوّج غيره. وما باعه خيارًا أو وهبها لغائب أو استأجر بها أجيرًا، أو تزوّج بها امرأة بلا شهود فلا يتسرّاها؛ فإن فعل ورجعت إليه
__________
(1) () - ب: «ورث». ويبدو أنَّه أصوب.
(2) () - ب: «الذي». (5/185)
صفحة 2270
جاز، لا إن دخلت ملك من علّقها إليه؛ فإن فعل ثبت النّسب، وصداقها لمالكها؛ وكذا لا يجوز لمن علّقت إليه وطؤها قبل أن يملكها (1) وتحرم به إن فعل؛ وإن رجعت إلى الأوَّل فله صداقها، والولد للواطئ.
ولا يتسرّى ما شهد عليه عند الحاكم أنَّه أعتقها، ولا ما كان في الخصومة مع غيره، ولا أمة ابنه ولو طفلا، إلاّ إن نزعها منه؛ وقيل: إن تسرّاها فهو نزعها كما مرّ. ولا يتسرّاها إن كان عبدا أو مشركا، ولا إن كان هو مسلما والابن مشركًا (2)؛ وربّ المال والمقارض والمشارك والمفاوض قد تقدّم أمرهم. ولا يتسرّى جانية سيِّدها، وجوِّز ما لم يدفعها؛ ولا مسترابة بحرّية، ويأمرها (3) أن توكّل من يزوِّجه بها إن شاء.
ومن تسرّى أمة فلا يتسرّى أختها حتَّى تخرج من ملكه وتعتدَّ إن مسّها أو تحرمَ عليه ــ وإن بتزويج كما مرّ ــ؛ وكذا إن أخرج بعضها. وإن وهبها لطفله أو مجنونه فله تسرّي أختها. وإن باع سريّته فتسرَّى أختها ثمَّ ملكها قعد على الأخيرة؛ وإن ملكها قبل أن يتسرَّى الأخيرة خيِّر بينهما؛ وكذا إن ارتدّت ثمَّ أسلمت قبل أن يتسرَّى أختها فله أن يرجع إليها ويدع أختها.
وإن زوَّجها بلا شهود أو باعها بخيار فلا يتسرَّى أختها حتَّى يشهد الزوج، أو يتمّ البيع؛ ولا إن زوَّجها فاسدا أو باعها منفسخًا؛ فإن تسرّاها على ذلك حرمت عليه؛ وإن جمع بينهما حرمتا، وثبت النّسب؛ وإن جمع بين أمٍّ وبنتها ثبت مع الأولى فقط، وجاز لِمُكرٍ أو معير أمته (4) أن يتسرّاها. وكذا إن غصبت منه. ولا يحلّ وطؤها لمكتر [312] أو مستعير أو غاصب، ولا يثبت نسبهم.
__________
(1) () - ب: «يملك».
(2) () - ب: «مشركٌ».
(3) () - ب: «يأمر».
(4) () - ب: «لمكر أمته أو معيرها». (5/186)
صفحة 2271
الباب الثّاني والأربعون
في الاستبراء
قد سنّ في مسبية ومشتراة.
ونهى ــ كما مرَّ ــ عن وطء الحوامل حتَّى يضعن، والحوائل حتَّى يحضن.
ولا يجوز لرجل أن يتسرَّى أمته حتَّى يستبرئها بحيضتين إن كانت تحيض، وبشهر ونصف إن كانت صغيرة أو آيسة، ولو ملكها من طفل أو امرأة؛ وقيل: لا يلزمه إن ملكها من إمام أو أمين أو امرأة، أو ممّن يحرم عليه مسّها، أو من طفل لا يتوهّم منه مسّها؛ وقيل: حيضة عند البائع وأخرى عند المشتري إن كان أمينا؛ وقيل: مطلّقا.
ومن اشترى أمة وأراد أن يزوِّجها لغيره فلا استبراء عليه، ولو لعبده. وإن أراد تسرّي أمته فلا يدعها تخرج من بيته حتَّى تحيض حيضتين أو يمضي شهر ونصف، ثمَّ يحضر الأمناء فيخلو بها، ثمَّ يشهدهم حين وقوعه عليها خوفا من استرقاق ولده. وإن قالت له: رأيت حيضتين فإنَّه يصدِّقها إن فهم قولها، وإلاّ فليترجم لها؛ وإن اشتراها حائضا فلا يعدُّ تلك الحيضة؛ وإن ملكها (1) حاملاً ثمَّ وضعت أو أسقطت فذلك استبراؤها؛ وقيل: لا، حتَّى تحيض كما مرَّ، أو تمضي الأيّام؛ وإن ملكها فمكثت عنده أكثر من ذلك ولم يرده استبراء فلا يجزيه ذلك وليستأنفه بإرادته إن أراد تسرّيها؛ وكذا ما رأت من حيض عند من كانت عنده بوديعة أو عارية أو كراء أو رهن أو غصب، أو بحال شرك أو جنون لا يجزيه في ذلك، وليستأنفه بنيّته.
وينبغي لمن اشترى من بائع سريّته أن يجعلاها عند أمين أو أمينة حتَّى تحيض
__________
(1) () - ب: «مالكها». ويبدو أنَّه خطأ. (5/187)
صفحة 2272
ذلك أو تمضي الأيَّام، ومؤونتها في ذلك على المشتري.
وإن اشترى زوجته فإنَّها ترجع لتسرٍّ إن شاء بلا عدّة لانفساخ نكاحها؛ وكذا إن ملك بعضها لا يجوز له وطؤها لانفساخه. وإن تزوّجها ثمَّ طلّقها في المجلس فاشتراها فعليه استبراؤها منه؛ وإن اشتراها غيره فيلزمه أيضا إن شاءها؛ وكذا إن طلّقها الزّوج قبل مسّها بعد ما اشتراها مشتريها.
ومن ملك أمة فتسرّاها قبل أن يستبرئها حرمت عليه، ويعتق ما ولد معها، ويعطيهم شيئا من ماله؛ وقيل: بثبوت نسبه. وإن علم أنَّها في العدّة فتسرّاها قبله حرمت، ولا يثبت؛ وإن خطبها فيها ثمَّ اشتراها فلا يتسرّاها؛ وكذا إن باع سريّته ثمَّ رجعت إليه لا يتسرّاها، ورخّص.
ومن تسرّى أمة فإذا هي حرّة حرمت عليه مطلقا، ويصدقها والولد له؛ وقيل: لا إن كانت طفلة؛ ورخِّص أيضا ولو بالغة إن جدّد النّكاح بلا احتياج إلى عدّة. ومن استحقّت سريّته فإنَّه يصدقها. وإن ولد معها أعطى قيمتهم كما مرّ. وإن خرج في بيعها انفساخ حرمت عليه، وأعطى قيمة الأولاد وهم له؛ ولا يثبتون له إن علم به؛ وإن علمت هي به لا هو فلا تتزيّن له، ولا تجعل له سبيلا إليها، وتقعد كما كانت وكذا إن علمت أنَّها حرّة أو مسروقة دونه. وإن علما معا فلتدفعه أشدّ الدّفع.
ومن أذن لرجل أن يتسرّى أمته هلك والولد لها؛ ومن قال لأمته: اشتريتك من مولاك فلا تجعل له سبيلا إليها (1) إن لم تعلم إلاّ ببيان؛ وكذا إن قال لها مولاها: سيري مع سيّدك، ولم يقل لها بعتك له.
وإن كانت عند (2) رجل أمة يربّيها ويمسّها صغيرة حتَّى بلغت وقال لها: أنا مولاك فلا تجعل له سبيلا إليها أيضا إن لم تعلم ذلك إلاّ من قوله، ورخِّص لها إن صدَّقته.
__________
(1) () - ب: «إليها سبيلاً».
(2) () - ب: «مع». (5/188)
صفحة 2273
وإن أمر رجلا أن يشتري له أمة فأتاه بجاريّة فدفعها له وسكت، فلا يقربها حتَّى يعلم ويصدِّقه إن قال: اشتريتها لك. وإن أمره أن يبيع جاريّته فلا يقربها حتَّى يعلم أنَّه لم يبعها؛ وإن أتاه بأمة فقال له: أهداها إليك فلان، فتسرّاها وولد معها، ثمَّ جاءه فلان فأنكر ذلك أخذ أمته وقيمة ما ولدت؛ فإن لم تلد أعطاها صداقها ولا يرجع به على من غرَّه؛ وقيل: يرجع؛ وإن قال له: اشتريتها لك منه، وقد علمها له، فلا يقربها حتَّى يعلم الشّراء له بإقرار بها، أو ببيِّنة؛ وإن لم يعلمها له، فقال له رسوله: اِشتريتها لك من فلان، وهو لا يعرفه فله تسرّيها على ذلك.
ومن اعتزل سريّته فاستبراها بحيضتين، ثمَّ أتت بأولاد فهم له إلاّ إن قطع عنه فراشها بتزويج أو عتق أو إخراج من ملكه فلا يلزمه بعد إلاّ ما أتت به دون ستّة أشهر. وإن زوّجها لطّفل مجبوب أو مستأصل، فلا يقطعون عنه فراشها (1)، ويقطعه الخصيُّ والمفتول والعنِّين ونحوهم. وإن زنت بعد أن اعتزلها ولم يقطع عن نفسه فراشها لزمه كلُّ ما ولدت. إن غصبت أو هربت ما أتت به دون ستّة أشهر (2) وما فوق [313] ذلك عبيد؛ وقيل: يلزمه كلّ ما أتت به. وإن تسرّاها ومات لزمه ما أتت به دونه؛ وقيل: الأوَّل لا الثّالث، وفي الثّاني، قولان. ولا يلزمه إن خرجت محرما له إلاّ ما أتت به دونها. وكذا إن باعها لرجل فمسّها ثمَّ فسخت، أو زوَّجها له ففسد النّكاح لا يلزمه إلاّ ما أتت به دونها.
ومن قال تسريت هذه الأمة أو مسستها أو جامعتها أو نحو ذلك (3) جاز قوله، وتكون به سريّة له. وإن أقرّ بولد من أمته ولم تعلم فراشا لغيره لزمه لا كونها
__________
(1) () - ب: «فراشه».
(2) () - ب: - «أشهر».
(3) () - ب: - «أو نحو ذلك». (5/189)
صفحة 2274
سريَّة له (1)؛ وإن أتت بولدين من بطن، فأقرّ بأحدهما فقط لزمه من أقرَّ به؛ وقيل: لزماه معا.
ومن قال لرجل: بعتك أمتي هذه بكذا وكذا، فولدتُّ معها هذا، وقال له: بل زوَّجتها لي، فالولد له حرّ بلا قيمة، وسيّدها مدّع؛ وفي العكس يقبل قوله وهو عبد له، والنسب ثابت.
ومن بيده جاريّة أحد فوقع عليها فولد معها فجاء ربُّها فقال: اشتريتها منيّ بكذا وكذا، وأنكر هو ذلك، فربّها مدّع، والأمة له والنّسب غير ثابت والأولاد أحرار.
ومن عنده أمة وبنتها وبنت بنتها فأقرَّ بواحدة لا بعينها أنَّها بنته حرِّرن معًا.
ولا سعاية على الصّغيرة، وتستسعي الوسطى بثلث قيمتها، والكبيرة بثلثيها، ويرثن بواحدة، ويقسمن على الرؤوس؛ وكذا إن كنّ أربعا فأكثر، وخرجت كلّ منهنّ حرّة، وحرّر من كان معها ممّن يحرّر به إذا ملكه.
__________
(1) () - ب: - «له». (5/190)
صفحة 2275
الباب الثالث والأربعون
في نكاح الشِّغار
وقد نهى عنه e، وقال: «لا شغار في الإسلام». وهو أن يزوِّج رجل (1) وليَّته لرجل على أن يزوِّج هو له أيضا وليَّته ويكون صداق كلٍّ نكاحُ أخرى، كالقياض والمبادلة، وهو من أعمال الجاهليّة، وقد نهي عنه إلاّ بمفروض، فمن فعله ووطئ عليه فعليه الصّداق. فإن جعل الوليّان لكلٍّ منهما معلوما فهو نكاح لا شغار، ولا إن جعلاه لواحدة فقط، ويكون للأخرى صداق مثلها.
ومن قال لرجل: زوّجني أختك على معلوم، وأزوِّجك أختي بلا صداق فهو شغار؛ وإن مسَّا عليه أعطى كلٌّ لامرأته صداق مثلها، وحرمتا عليهما ولا يتوارثان، والنسب ثابت.
__________
(1) () - ب: «زوجل». ويبدو أنَّه خطأ. (5/191)
صفحة 2276
الباب الرابع والأربعون
في نكاح المتعة
وهو ــ قيل ــ جائز بالكتاب لقوله تعالى: {فما استمتعتُم به منهنَّ ... } الآية (النساء: 24). وبالسنّة لأنَّه e أحلّه لهم في أوّل الإسلام، وإنّما يكون بوليٍّ وشهود وصداق. وكان الرجل يتزوّج امرأة بكذا (1) على أيَّام معلومة، فإذا تمت أعطاها ما فرض لها؛ فإن أرادا أن يزيدا قال لها: أزيدك في الأجرة وتزيديني في الأيّام. وكانوا إذا تمَّ الأجل تركها.
وقد جاء الخلف فيه: فعن ابن عباس: «لو ساعدني عمر فيه ما جلد في الزنى إلاّ شقيّ». وقال عمر: «لو تقدَّمت فيه لجلدت عليه».
وقيل: كان حلالا في أوَّل الإسلام فنسخته آية الطلاق والميراث والعدّة؛ وقيل: إنّما أحلّه ثلاثة أيَّام في غزوة احتاجوا فيها إلى النساء، وشقّ عليهم أمر العزوبيَّة؛ وقيل: إنَّه نهى عنه بعدها ولم يحلَّه قبلها ولا بعدها.
وقال بعض: أنَّه حلال ثابت ولم ينسخ، لقوله تعالى: {وأَحلَّ لكم ما ورآء ذلكم ... } الآية {فما استمتعتم به منهنَّ} إلى أجل مسمًّى {فآتوهنّ أجورَهنَّ، ولا جناحَ عليكم فيما تراضيتم به من بعدِ الفريضةِ} (النساء: 24)، يعني من بعد الأجل الأوَّل (2).
وقيل: إنَّها كانت في عمرةٍ الإماء، وإنَّ الرجل منهم ينطلق إلى مكِّيَّة فيستمتع
__________
(1) () - ب: + «وكذا».
(2) () - ب: - «الأوَّل». (5/192)
صفحة 2277
منها بما يتّفقان عليه بإذن الوليّ، فإذا تمَّ الأجل ورغبا في الزيادة كانا على العقد الأوَّل إن لم يحضر الوليّ، ولا يتوارثان إن مات أحدهما، ولا عدَّة عليها إن مات، فنسختها آية العدّة والإرث؛ وقيل: السنَّة.
وعند بعض أنَّ من يجيزه يثبته ويثبت الموارثة بينهما إن مات أحدهما قبل المدَّة وطلِّقت إن طلَّقها؛ وإن انقضت وأرادا أن يزيدا ــ كما مرّ ــ فما داما في المدّة التي حدّها الوليّ فليشهدا بالزيادة في الأجر (1) وأجل معيّنين. ويروى ذلك عن ابن عباس وابن محبوب ونبهان وأبي صفرة وأبي الحواري؛ ورأوه حلالا جائزا. وعن أبي الحسن وعبد الملك أنَّه غير منسوخ؛ ولم نعلم أنّ أحدا منّا فعله، وبحزبهم نقتدي، وبنورهم نهتدي.
وروي أنَّه e خطب وقال: «أيُّها الناس إنِّي كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النّساء ألا وإنَّ الله قد حرّمه أبدا، فمن عنده شيء منهنَّ فليُخل سبيلها (2)، ولا تأخذوا ممّا آتيتموهنّ شيئا». ونهى عنها أيضا في غزوة (3). وعن عمر: «إنَّما أحلّها ثلاثا، [314] ثمَّ حرّمها علينا»؛ وكذا عن عليّ وابن مسعود، نسختها آية ما مرَّ؛ وكيف تكون زوجة ولا ترث ولا يقع عليها طلاق ولا ظهار ولا إيلاء، ألا ترى إلى قوله تعالى: {إلاَّ على أزواجهم ... }؛ (المؤمنون: 6). فإن كانت هذه زوجة فهي كالزوجة في أحوالها وإلاَّ فلا تحلُّ له، إذ ليست ملك يمين.
وقال بعض: إنَّه صحيح ثابت لم يُنسخ كالتزويج بوليٍّ وشاهدين ورضى المرأة وأجرٍ معلوم؛ ويلحقها في الأجل الطلاق، والظهار والخلع والإيلاء، ويتوارثان إن مات فيه أحدهما، وتبِين فيه بإيلائها (4) والظهار، بلا طلاق، وعدَّتها في البينونة
__________
(1) () - ب: «الأجرة».
(2) () - ب: «سبيلهنَّ».
(3) () - ب: «غزة». وهو خطأ.
(4) () - ب: «بالإيلاء». (5/193)
صفحة 2278
كالمطلَّقة؛ وعليها عدّة الوفاة إن مات فيه؛ قال: كذا جاء الأثر؛ وإذا صحّ النّكاح بلا أجل فهو به أصحُّ وأجوز، لأنَّه شبيه بالأجرة وهو إليه أثبت.
وقيل: إنَّ التي نُسخت ونُهي عنها كانت بلا تزويج، وإنّما هي باتّفاق منهما، وقد عُمل بذلك فيما قبلُ، ثمَّ نهي عنه وحرّم، إلا بوليّ وشهود وصداق ورضى كما مرّ في النّكاح.
وفي الضياء: ولا بأس أن يتزوّج الرجل امرأة وينوي أن يقيم معها كذا ثمَّ يفارقها إذا أوفاها حقّها، إلاّ أنَّه لا يعدها أمرًا (1) ويخالفه بقلبه؛ وإن لم يذكرا فيه صداقا جاز، وكان كمتزوّج بدونه في غيره؛ وجاز الأجل ولو طال.
وإن تزوّجها بكذا إلى كذا أو بأكثر إلى أطول جاز على ما اتَّفقا عليه من الأجلين؛ وإن تزوّجها إلى كذا، أو إلى كذا، وإلى مجهول، لم يجز، وذلك كشتاء أو صيف أو حرث أو حصد؛ وقيل: صحَّ النّكاح وبطل الشرط؛ وقيل: ثابت في هذه الآجال؛ وإن اتَّفقا على معلوم أرادا نقضه فلا يجدانه؛ وإن اتَّفقا أن يزيدا في الأجل بعد الأوَّل جاز بالشهود والزّيادة في الصداق؛ وإن لم يزيدا فيه أخذت صداق المثل فيها؛ وإن تمَّ الأجل ولم يتّفقا على شيء قبل تمامه افترقا ولا يجدان الرجوع بعده إلاَّ بجديد؛ وافتراقهما ــ وإن تكرّر ــ ليس بطلاق؛ وإن اتَّفقا قبل الأجل على نزعه بإشهاد جاز وثبت النّكاح، ويزيدان في الأجر ولا يحلّ لهما أن يتركا الأوَّل ويقعدا بلا أجل؛ فإن أرادا ذلك زادا فيه وفي الأجر أيضا؛ وإن اتَّفقا على معلوم قبل العقد ولم يذكراه عنده صحّ النّكاح؛ وإن اتَّفقا على أجله فعند العقد جعلا غيره، فالأجل هو المذكور عنده؛ وإن جعلا أجلا فالتبس عليهما اتَّفقا على آخر وعلى نزع الأوَّل.
وإن تزوّج امرأتين في عقدة وإحداهما إلى معلوم، والأخرى بلا أجل وبيّن لكلّ صداقها جاز إن بيَّن، وإلاَّ وقد تزوَّجهما بفريضة واحدة جاز وكانت بينهما نصفين؛ ولو كانت إحداهما بكرا أو حرّة أو مسلمة وأخرى بضدّها. وإن تزوّج امرأتين
__________
(1) () - ب: «أمر». ويبدو أنَّه خطأ. (5/194)
صفحة 2279
إحداهما لا بعينها إلى كذا والأخرى إلى كذا، لم يجز النّكاح وجازت المتعة ــ وإن لعبد وأمة وطفل ومجنون ــ وتلزم فيها الحقوق.
فصل
أجمعوا على أنَّ من تزوّج ولم يسمِّ الصداق فعليه المثل، وثبت النكاح لقوله تعالى: {لاَ جُناح عليكم إن طلّقتم النساءَ ... } الآية (البقرة: 236)؛ لأنّ الطلاق إنَّما يقع بعد ثبوته؛ ومن لم يفرض وطلَّق قلب الجواز فليمتِّع، لقوله تعالى: {وإن طلَّقتموهنَّ من قبل أن تمسُّوهنَّ ... } الآية (البقرة: 237)، ولقوله: {فمتِّعوهنَّ ... } الآية (الأحزاب: 46)؛ وقد نزلت ــ كما قيل ــ في أنصاريٍّ تزوّج حنيفيَّة، ولم يفرض، فطلّقها قبل الجواز بها، فقال له e: «أطلَّقتها»؟ فقال: نعم، لا أجد نفقة، فقال له: «أمتَّعتها شيئا»؟ فقال: لا، فقال له: «متِّعتها بثلث شملتك التي عليك، إمَا إنَّها لا تسوى شيئا، ولكن أردتُ أن أحيي السنّة»، ثمَّ كساه النبيء e ثوبين، فتزوّج امرأة فأمهرها أحدَهما. وقد متَّع جابر بخمسين درهما، وكذا غيره؛ وقيل: لا تلزم فقيرا لم يجد ما يمتِّع؛ وقيل: الأوسط يطعمها بالمعروف أيَّام قروئها، فإذا تمّت كساها درعا وخمارا وإزارا وملحفة.
وزعموا أنّ أنصاريًّا طلّق امرأته واعتدّت، فاتت الرّسول e فأمره أن يمتِّعها بصاع من شعير، فقال: ما أجده، فقال: «فنصفه». ومتّع بعضٌ بثوبين، ولا حدَّ في ذلك، واختير أن تكون على قدر سعة الرجل وقدر المرأة؛ وقيل: أوسطها درع وخمار وجلباب وملحفة؛ وقيل: نصف صداق المثل؛ وقيل: أوضعه ثوب، وأرفعه خادم. (5/195)
صفحة 2280
الباب الخامس والأربعون
في التزويج تحلَّةً للمطلِّق
وقد روي عنه e: «لعن الله المحلِّل والمحلَّل (1) [315] والمحلَّل له». وذلك كمن طلّق زوجته ثلاثا ثمَّ يندم فيقول لها: تزوَّجني من يحلِّلك لي، فيتزوّجها على ذلك، فهم سواء في اللعنة إن اتَّفقوا على ذلك، ويفرَّق بينها وبين مُحلِّها ومن أُحلَّت له، ويصدقها (2) كلٌّ منهما إن دخل بها؛ وقيل: أنَّ كتيمة بنت وهب بن عبيد من قريضة كانت تحت رفاعة بن الستمول القريضي، فطلّقها ثلاثا فتزوّجها عبد الرحمن بن زهر النّضيري، ولم يدخل بها حتّى طلّقها فأرادت الرجوع إلى رفاعة فأتت النبيء e فقالت له: إنَّه طلّقني ثلاثا؛ وإنَّ عبد الرحمن (3) تزوّجني بعده وطلّقني قبل الدّخول، فقال لها: «لا يحلّ لك الرّجوع إلى رفاعة». فرجعت إلى النبيء فقالت له: أنَّ عبد الرحمن قد دخل بها فزجرها (4) عن الرجعة ولم يصدقها بعد الخبر الأوَّل، فلمّا توفي e جاءت إلى أبي بكر وادّعت الدّخول فزجرها أيضا، ثمَّ إلى عمر في خلافته فزجرها أيضا رضي الله عنهما.
وسئل أبو سعيد عمَّن بانت منه امرأته بثلاث فطلبها رجل ليتزوَّجها، هل للمطلّق أن يأمر وليَّها أن يزوِّجها به ويدخل فيه؟ قال: لا يمنع من الدخول فيه إن لم يُرد التحلَّة؛ وإن نواها به ولم يظهر ذلك للرّجل ولا لها ثمَّ فارقها فله الرّجوع إليها
__________
(1) () - ب: - «والمحلَّل».
(2) () - ب: «ويدصقها». وهو خطأ.
(3) () - أ: تكرار: «أنَّ عبد الرحمن».
(4) () - أ: «فجزجرها». وصحَّحناه كما ورد في ب. (5/196)
صفحة 2281
ولا يضرّه نواه، وإنّما تفسد نيّة الزوج والمرأة إذا أرادا ذلك، ولا يضرّه هو في الحكم إن لم يظهره؛ وإن أراد الزوج التّحلة عند المطلِّق وأظهرها عنده ودخل بها على ذلك ثمَّ طلّقها، فهل للأوَّل أن يرجع إليها، وإثم ذلك عليهما لدخولهما فيما يؤثمهما؛ وكذا إن أراد التحلّة أحدهما وتزوّجها عليها، وعلم المطلِّق بإرادتهما، ثمَّ رجع عن ذلك قبل الدّخول بها، وعلم برجعتهما ودخل بها على ذلك، ثمَّ فارقها، هل يحلُّ للأوَّل أن يرجع إليها؟ اختار أنَّهما إذا تابا من نواهما المحرَّم ثمَّ دخل بها على نكاح بالسنّة فلا باس عليهما في الإقامة؛ وكان كلٌّ زوجا لآخر، ولا يضرّهما الشرط الفاسد إن دخل في عقد النّكاح، لأنَّه قيل: لا ينقض بشرط ولا استثناء.
وإذا كانا زوجين كان الوطء من الزوج محلِّلا لغيره من المطلِّقين؛ وإن دخل بها قبل أن يرجعا عن الفاسد الواقع في العقد من قصد الإحلال فالوطء حرام، ولا يحلّها لمطلّقها، ولا لمن أحلَّها له.
ومن تزوّج امرأة ليحلَّها، فليستغفر من نيته، ولا يقيم معها إن وطئ، وإلاّ فليجدّد العقد لنهي النبيء عن ذلك، وقال: «إنَّ الله تعالى لا يحبّ الذوّاقين».
وأجاز قومنا ذلك إلاَّ ابن المسبِّب فإنَّه وافقنا على ذلك.
ابن مسعود: «المحلّل والمحلَّل له ملعونان على لسان الرّسول إلى يوم القيامة». وقال عمر: «لو أوتي لي بمحلّل ومحللّة لرجمتهما». وقيل: إذا طلّق زوجته ثمَّ تواعدا أن تأخذ غيره تحلّة وترجع إليه ثمَّ رجعت عن ذلك في نفسها أو رجع هو عنه ولم يخبرها بشيء ولم تخبره، ثمَّ أخذت غيره فطلّقها ورجعت إليه، هل لهما ذلك؟ قال: إن كان التزويج منها لا على نيّة التّحلة فلها أن ترجع إليه؛ وإن لم يعلم أنَّه كان على نيّتها فالتزويج حلال، حتّى يعلم أنَّه حرام، ولا عليه أن يسألها عن النيّة، ويحكم عليهم بالحلال حتّى يعلم الحرام؛ وإن طلّقها ثلاثا وقال لها: إن قضى الله وتزوّجتِ زوجا وقضى لك بالخروج منه تراجعنا، ثمَّ تزوّجته فبانت منه أو مات عنها، فإنَّها إن لم تقصد به تحلّة، وإنّما قصدت النّكاح الجائز، وجاز بها الأخير وتذاوقا، كان محلِّلا (5/197)
صفحة 2282
لها وللأوَّل. وإن أرادت به التّحلّة له لم يجز، والمعتبر في ذلك نيّة المطلّق والمطلّقة، فإذا سلمت من الفاسد المحرَّم فلا باس عليهما إن لم يعلما أنّ نيّة الأخير قصد التّحلة لهما؛ فإذا علما أنَّه قصدها لم يجز لهما.
فصل
إن راجع المطلّق ثلاثا فمسّ قبل أن تنكح المطلّقة غيره هلك وحرمت عليه، وثبت نسبه ما لم يفرّق الحاكم بينهما، ولها صداقها إن جهلت، لا إن تعمّدت، وإنّما يهدم الأخير الثلاثة؛ وقيل: يهدم الواحدة واثنتين أيضا.
وإنّما يحلِّلها كلّ بالغ ولو عبد إن لم يملكه أو بعضه، وعبد طفله والخصيُّ يحلِّلانها لا المجبوب والمفتول إلاّ إن وجد فعل من العنِّين والمفتول حتّى يجاوز الختانين؛ ولا صاحب الأنبوبة، وفي الملفوف قولان؛ ولا المشكل. ويحلِّلها (1) المخنَّث والأقلف إن عذر، ولا الأخير إن وطئها في دبر أو في حيض [316] أو نفاس، أو في إحرام أو اعتكاف، أو في ظهار منها أو إيلاء. ولا بدّ من وطء تامٍّ جائز.
وإن قالت لمطلّقها تزوّجت غيرك فطلَّقني أو مات عنّي فتمَّت عدّتي فلا يصدِّقها إلاّ بأمينين قائلين أنَّها تزوّجته نكاحا صحيحا، ومسّها مسّا تاما بإقرار منها لهما، ولا يصدَّق الذي ادّعته تزوّجها، وفعل بها ذلك إن أقرَّ له به ولو أمينا ولا يشتغل به، ولا بثلاث نفر من أهل الجملة إن قالوا له ذلك؛ وإن ادّعت من الأخير فأنكر فلا يشتغل بها إلاّ إن اتَّفقا عليه؛ وكذا إن مات فادّعته منه أو طلّقها فجنّ أحدهما أو مات عنها وترك أولادًا (2) فلا يكون الولد إثباتًا للمسّ؛ وقيل: إذا أقرَّت به وبتمام العدّة جاز قولها.
ويحلِّلها المجنون لا الطّفل ولا المشرك، ولا التّسري للأمة حتَّى تنكح غير سيّدها؛
__________
(1) () - ب: «يحلُّها».
(2) () - ب: «أولاد». (5/198)
صفحة 2283
وفي تحليل المشركِ المشركةَ لموحّدٍ قولان.
وكلّ نكاح محرّم لا يقام عليه بالتّحريم كنكاح عبد بلا إذن ربّه إن مسّ قبل أن يجوِّز له، أو خامسة أو أخت أو في عدّة ــ وإن بلا عمد ــ أو غالطة إن مسّها في أيَّام وهلت فيها أو بلا شهوة فمسّها فلا يحلِّلها. والمعيوب كالأبرص والمجنون والمجذوم يحلِّلها، لا من نشزت إليه، ولا من زنى بها ثمَّ تزوّجها. وفيمن تزوّجها بلا وليّ قولان.
أبو عبيدة: إنَّما يأتي الفساد من الأخير إن أراد التحليل؛ فإن علم به الأوَّل فلا يتزوّجها؛ وإن اتَّفق المحلِّل والمحلَّل له عليه (1) لا المرأة فلا تحلّ له إن أراد التّحليل له. وإن اتَّفقت مع زوجها عليه فتزوّجت غيره بلا اتّفاق معهما، أو به معها فلا يحلّ لها الأوَّل؛ وإن تزوّجها المحلّل على اتّفاق منهما لتحليلها له فلا يمسّها ولا يمسكها؛ وإن مسّها أصدقها وثبت ولده ولا تحرم عليه؛ وقيل: إن تابا فلهما أن يقيما على نكاحهما؛ وقيل: تحرم عليه وإن لم يرد بها إلاّ قضاء وطره، لا التحليل كعابر سبيل أو غيره فلا عليه؛ وإن أرادهما معا فلا يحلّ له ذلك.
والسّيد لا يحلل زوجة عبده.
__________
(1) () - ب: - «عليه». (5/199)
صفحة 2284
الباب السّادس والأربعون
في التّزويج إن ولدن (1) أو لا تجامع
وقد مرَّ بعضه. فمن تزوّج امرأة وشرط عليها إن ولدت منه فمهرها كذا، وإلاّ فأقلّ فهو شرط لا يجوز فلها الأكثر؛ فإن لم تلد حتَّى طلّقها أو مات فلها كأوسط نسائها. وفي الضيّاء: إن شرط إن ولدتِ غلاما فصداقك مائة، وإن جاريّة أو لم تلدي فخمسون، فبعض أبطله وجعل لها المثل وبعض أثبته وجعل لها مالها إن ولدت وإلاّ فالمثل.
أبو عبد الله: من قاطع امرأة على أن ليس لها عليه نفقة ولا كسوة فتزوّجها على ذلك جاز له وسلم، ما لم تطلبهما إليه، فإذا طلبتهما لزماه؛ وإن زادها على صداقها شيئا لأجل ذلك فله أن يرجع فيه ولها صداقها، لأنَّها أبرأته ممّا لم يجب لها، وإنّما استحقّته بالعقد؛ وكذا إن تزوّجها على أن ليس لها عليه معاشرة، وأن لا يعدل في القسم بينها وبين غيرها جاز، ما لم تطلب إليه العدل فيه. وفي الضّياء: وإن تزوّجها على أن لا نفقة لها ولا كسوة ولا سكنى فالنّكاح تامٌّ ولها ذلك إن نقضت الشّرط؛ وإن طلّقها على أن لا يكون لها ذلك في العدّة إن كانت حاملا وطلّقها ثلاثا، فهذا أيضًا فاسد إن أرادت نقضه.
ومن أراد فراق زوجته فقالت (2): لا تفعل وأنا لا أريد منك نفقة فقد كرهوا تزويج امرأة بدونها.
ومن تزوّج امرأة وصداق نسائها مائة فقال: لا أقدر على النّساء وإنّما أريدها أن
__________
(1) () - ب: «ولد».
(2) () - ب: + «له». (5/200)
صفحة 2285
تكون لي في منزلي وتصنع لي معيشتي ولست بذي نكاح، فتركت له من صداقها نصفه أو ثلثه فلمّا بنى بها وطئها فذلك لها (1)، وليس ــ قيل ــ عليه إلاَّ ما فرض لها؛ وقيل: عليه تامٌّ إذا وطئها؛ وقيل: إلاّ إن قال حين عقد وقال: ولست بذي نكاح إلاّ أن يشاء الله أو يفتح الله لي به. وكذا قال أبو سعيد عن ابن الحسن؛ فإذا استثنى لم يلزمه إلاَّ ما فرض لها عند العقد. وإن تزوّجها وفرض لها وشرطت عليه إن جاء بالمهر إلى وقت كذا فذاك، وإلاّ فلا نكاح ثبت، وبطل الشّرط، إلاّ إن قال: وإلاَّ فهي طالق؛ وقيل: إن كان في العقد ثبت لهم.
وإن تزوّج وشرط على أهلها أنَّه إن تركها في دارها فصداقها ألف؛ وإن نقلها فألفان جاز؛ وقيل: فاسد، وكرهوا شرطه عند العقد أن لا يأتيها إلاّ نهارا أو يكون لها يوم ولغيرها يومان أو نحو ذلك كما مرَّ؛ فإذا وقع وأرادت هدمه كان لها. أبو زيَّاد: إن [317] شرط عليه أهلها إن كان عنده غيرها فصداقها ألفان وإلاّ فألف فلهم ذلك والعقد ثابت؛ فإن سألوا عنه فقيل لهم: إنَّ له زوجة لم يدخل بها فأرادت وليَّتهم فسخه لم تجده لثبوت النّكاح والشّرط معا، لأنّ الشروط ــ قيل ــ فيه جائزة ولو مجهولة؛ وقيل: لها فسخه إن علمت قبل الدّخول بها، وإلاّ فلها أكثر الصّداقين؛ وقيل: المثل إن لم يعقد على ثابت بلا شرط فيه. وإن تزوّجها ــ كما مرّ ــ على إن ولدت غلاما فلها ألفان وإلاّ فالف فقيل: النكاح والشرط ثابتان؛ وإن ماتت قبل أن تلد فلها المثل إن دخل بها؛ وقيل: فاسدان ولها الأقلّ إن دخل بها ما لم يجاوز صداق مثلها؛ وقيل: الأكثر ما لم يجاوزه؛ وقيل: لها المثل. أبو عبد الله: إن شرط عليها إن ماتت قبله فلا صداق لها عليه فإنَّه يلزمه كما مرّ، وفي العكس يلزمه لأنَّها أبرأته منه ولا سبيل لها فيه على وارثه في ماله.
__________
(1) () - ب هامش: «لعلَّه فذلك له». (5/201)
صفحة 2286
وإن تزوّجها على أن يطلّقها متى شاء ويصدقها ويبرئها نفسها تمَّ النّكاح وبطل الشّرط. وإن تزوّجته على أنَّ ما أرادت فعلت في أمر جماعها وفي خروجها من منزله وغير ذلك ممّا للزّوج على الزّوجة بطل ذلك، ولها ما للنّساء وعليها ما عليهنّ، وكذا للرّجل ما للرّجال وعليه ما عليهم، وقد مرّ ذلك. (5/202)
صفحة 2287
الباب السّابع والأربعون
في الوكالة في التّزويج
فلا يجوز ــ قيل ــ لوليّ امرأة أن يوكّل فيه غير ثقة، فإن وكّله وزوَّجها جدِّد إن لم يدخل الزّوج بها، ولا يفرّق بينهما إن دخل؛ وإن وكّل رجلا فيه على صداق ألف كره له أن يزوِّجها بأقلّ ولو رضيت به ودخل بها اختير ثبوته ما لم يشترط عليه أن لا يزوِّجها إلاّ بكذا؛ فإن وكّله على ألف فزوّجها برضاها على أقلّ، فقيل: جائز إلاَّ إن قال كذلك؛ وقيل: إن خالف أمره بطل، ويحتجّ على الوليِّ إن يزوِّجها بما طلبت؛ فإن فعل وإلاَّ (1) قطعت حجّته؛ وجاز لمن بعده أن يزوِّجها به وكذا القائم مقام الوليِّ كما مرّ.
وإن أراد الوكيل أن يزوِّجها أشهد عليه العدول واجتهد في وضع أمانته في محلّها لئلاّ يضيع حقّها؛ وإن لم يجدهم واتّسع في جواز شهادة غيرهم في النّكاح على رأي بعض كما مرّ، فلا يضيق عليه إن لم يقصّر ولم يضيّع؛ فإن لم تقم لها حجّة من شهادتهم بصداقها فلا ضمان عليه إن لم يقصد إتلافه، وإنّما قصد ما يسعه إذ لم يجد عدولا حين الإشهاد لما مرّ أن بعضا أجاز شهادة أهل القبلة في النّكاح وهو الأرفق، لأنّ العدول لا يوجدون كلَّ وقت؛ فإن علم الوكيل أنّ موكّله هو وليّها في تزويجها لا الشّهود فلهم أن يشهدوا على العقد عند بعض.
وليس للوكيل أن يوكّل غيره فيه إلاّ إن أذن له فيه موكّله؛ وإن أمر الوكيل غيره أن يزوِّجها بمحضره جاز.
__________
(1) () - ب: «ولا». ويبدو أنَّه خطأ. (5/203)
صفحة 2288
ومن أتته جماعة لا يعرفهم فوكّله أحدهم بتزويج امرأة (1) لا يعرفها جاز له إن قال: إنَّه وليُّها وشهد الباقون له بذلك، وكانوا ممّن تقبل شهادتهم. ولا يقبل من وكيل أداء وكالته من موكّله في تزويجها إلاَّ بالصحّة، ولا يتزوّجها رجل (2) بلا صحّتها من وليّها. أبو سعيد: اختلف فيه، فقيل: له أن يزوِّجها زوجا بعد زوج إذا خرجت من الأوَّل إن لم يجد له الموكّل معيَّنا، ما لم يمت الموكّل؛ وقيل: لا، إلاّ مرّة؛ وأمّا إن أمره فلا يزوِّجها إلاّ مرّة؛ ولعلّ الخلافة كالوكالة في ذلك؛ والفرق بين الثّلاثة أيضا أن الخلافة تحتاج إلى القبول بخلاف الوكالة والأمر.
وإن ادَّعى الوليّ التحديد في ذلك ونفاه الوكيل قُبل قول الوليّ إن ادَّعى أنَّه حدّ له معيَّنا ونفاه الوكيل قبل قوله؛ وإن اختلفا في الرّجلين قُبل قول الولي.
أبو سعيد: إن وكّله أن يزوِّجها ولم يحدَّ له معيَّنا فقيل: له أن يزوِّجها لنفسه إن كان كفؤا لها ورضيته؛ وقيل: لا؛ وقيل: يكره، ولا بأس إن فعل. وإن وكّله أن يزوِّجها لنفسه جاز اتّفاقا؛ وإن وكّله في تزويج بنته فزوّجها نفسه وجاز بها وأنكرت الوكالة ولا بيِّنة عادلة للوكيل، فإنَّه يجبر على طلاقها ويصدقها. وإن وكّله السّلطان في تزويج امرأة فهو كالمعيَّن ما لم يسمّ له وكالة مؤبَّدة؛ وإن زال أمره بطلت وكالته، لأنّ بزواله زوال حكمه القائم به.
ومن أمره أن يزوِّج وليّته فزوّجها برجل، ثمَّ غابوا عنه ولم يعلم أنَّه طلّقها ولا مات عنها أم لا، [318] ثمَّ زوَّجها (3) الوليّ بآخر لا يعرف أمرهم فله أن يتزوّجها حتَّى يعلم فساده، لأنَّه ليس من أفعال النّاس أن يزوِّجوا امرأة بزوجين.
أبو سعيد: إن أمر رجلا أن يزوِّج وليّته فأمره فيه (4) كالوكالة؛ وقيل: إن كان أبا؛ وسئل عن قائل لرجل: وكَّلتك أن تزوّج بنتي لمن شئت أو شاءت، هل له أن
__________
(1) () - ب: - «امرأة».
(2) () - ب: - «رجل».
(3) () - ب: «تزوَّجها».
(4) () - ب: «فيها». (5/204)
صفحة 2289
يزوِّجها نفسه بلا إذنه؟ فقال: أجازه بعض إذا رضيت؛ قيل: فإن لم يقل لها زوّجها لمن شئت أله أن يزوِّجها نفسه أيضًا بدونه؟ قال: قد قيل ذلك إذا رضيت؛ قيل له: فهل له أن يوكّل غيره في تزويجها لغيره فيهما؟ قال: في ذلك قولان، وأختار أنَّه ليس له أن يوكّل غيره في تزويجها لنفسه ولا لغيره إلاّ بإذن الوليّ؛ فإن وكَّل غيره وزوَّج أو تزوَّج أو زوَّجها لغير مَن عيَّنه لم يثبت، لأنَّه خالف ما حدَّ له. وإن قال: زوِّج فلانة، فله أن يأخذها لنفسه بلا إذنه لأنّ أمره له عام؛ وإن حدَّ له معيَّنا فلا يزوِّجها خلافه، وإلاَّ كان متعدّيا؛ وإن أبى منها المعيَّن فلا يخالفه أيضا.
وإن وكّل عبدا بإذن ربّه جاز؛ وقيل: لا، وإن وكّله بدونه فزوّجها، فقيل: يثبت؛ وقيل: لا ولربّه عند مثبته ومجيزه أجرة عبده بقدر استعماله. وإن وكَّلت هي مملوكًا فزوّجها وجاز الزوج بها فلا يفرَّق بينهما إن كانت وكيلة نفسها، وإلاّ فبعض أجازه وبعض أفسده وبعض توقّف؛ قال: وعقد الحرّ والمملوك سواء، إلاَّ أنَّهم ألزموا (1) الضّمان لربّه بقدر استعماله.
وأجاز قوم وكالة الصّبي في النّكاح، وأبطلها آخرون، ولزم قدر استعماله أيضا على الأوَّل بنظر العدول.
وإن زوّج ذمِّيٌّ مسلمة بوكالة أو ولاية ودخل الزوج بها ففي التّفريق بينهما خلاف، لأنّ فيه سببا من ولّي أو ولاية.
فصل
ابن الفضل: من وكّل رجلا في تزويج أخته وهو يعرفها ولا يعلمها ذات زوج أو حاملا منه أو في عدّته فله أن يزوِّجها غيره لا نفسه، لأنا لا نحبّ له أن يتزوّج امرأة حتَّى يعلمها ليست كذلك؛ ولا يجوز أن يتوكّل لمن لا يعرفه وليّا وله أن يشهد على
__________
(1) () - ب: «ألزموه». (5/205)
صفحة 2290
العقد كما مرّ. وأجاز ابن محبوب للوكيل بالتزويج أن يوكِّل فيه غيره، ومنعه أبو سعيد. وتزويج الوكيل قبوله للوكالة.
ومن أتى حاكما طالبا أن يوكل في نكاح امرأة يدّعي أنَّه وليّها فلا يجوز في الحكم إلاَّ ببيِّنة لأنَّه مدّع، وفي الاطمئنان ــ قيل ــ يجوز تصديقه؛ وقيل: إلاّ بصحّة. وإن ادّعى أنَّه أخوها فقيل: يجوز للحاكم والشّهود الدّخول في نكاحها بتصديقه؛ وقيل: لا إلاّ بها؛ وكذا إن ادّعى أنَّه ابنها أو أبوها؛ ولا يجوز في الحكم إلاّ ببيِّنة؛ وإن ادّعى أنَّه عمّها أو ابنه فلا يصدّق إلاّ بها (1)، لأنّ قبلَه غيرُه، إلاّ إن أقرّت أنَّه وليُّها ولا يعلمان أقرب منه إليها، فيختلف حينئذ في تصديقهما، وليس لأحد أن يدخل معهما في نكاحها حتَّى يطمئنّ قلبه؛ وكذا ولد الولد والأخُ يشبه معناهما أن يكونا كسائر الأولياء.
ومن ادّعى أنّ فلانا وكّله في تزويج بنته فلا بأس في الشّهادة عليه إن أقرّت هي به، وإلاّ فلا يشهد به حتَّى تصحّ الوكالة أو تشهر؛ وإنّما قبل قولها (2) فيها لأنَّها لو قالت: فلان وليِّي، وأمرتْه أن يزوِّجها جاز. أبو المؤثر: إن قالت كذلك فعليها أن تسمّيه أخاها أو أباها أو غيرهما، وأنَّه لا أقرب إليها منه.
فصل
من كتب إلى رجل في تزويج بنته فإذا صحّ الكتاب عنده أو البيِّنة وسعه في الحكم ولا يقبل دعواه، وفي كون الكتاب كلاما قولان كما مرّ؛ وإن شهد على النّكاح الولي الموكّل للوكيل، وأمره أن يزوِّج وليَّته نفسه جاز؛ وإن وكّله على أقلّ من صدقات نسائها فزوّج نفسه ودخل بها ولم تعلم به، فهو كتزويج الولي في الصّداق والخلاف. فإن وكّله في تزويجها بزيد لم يجز للوكيل أن يوكّل زيدا أن
__________
(1) () - ب: «به».
(2) () - ب: «قوله». (5/206)
صفحة 2291
يزوِّجها نفسه.
وجاز للوكيل أن يزوِّجها ــ قيل ــ بأقلّ ممّا أمره الوليُّ إن رضيت، لأنَّه لا حقّ له في الصّداق وإنّما هو لها. أبو سعيد: إن وكّله في تزويجها بمعين فزوّجها به، ثمَّ طلبه الزّوج أن يجدّد له النّكاح لما دخله في قلبه من الأوَّل فله أن يجدّد له بتلك الوكالة بلا علم الوليِّ، لأنَّها لم تخرج من يده. وإن وكّله في تزويج بنته وخرج إلى غير بلده فنزعه من الوكالة فزوَّجها كلٌّ منهما برجل، وهي في بلد الوكيل أو الأب فالذي رضيته أوَّلاً هو زوجها؛ وإن علمت بهما فرضيتهما معا فالسّابق في العقد إن أرِّخ أولى بها؛ وقيل: [319] قد فسد نكاحهما معا كما مرّ.
ومن طلب امرأة إلى أمّها واتَّفقا على صداق وأمرته أن يكتب عنها إلى وليّها أن يزوِّجها به عليه وكتب بدونه وصدقه فزوجه عليه، فإن لم يجز بها أعلمت هي به؛ فإن أتمّته تمّ وإلاّ بطل، وهو المختار؛ وإن جاز بها ولم ترض إلاّ بما اتَّفق به مع أمّها فذلك لها؛ وإن رضيت بما أشهد به الوليّ لها بعد أن أعلمها الزّوج بذلك فذلك إليها أيضا.
وإن كان ــ قيل ــ لامرأة وليّ بالرّستاق وهي بنزوى فأرادت النّكاح، فكتب رجل من أهل نزوى كتابا إليه يطالعه في وكالتها، فأجابه: إنِّي وكّلتك في تزويج فلانة هل يكتفي بذلك ولا شهود أن يشهدوا به؟ قال: إنَّه بالوكالة لا يثبت في الحكم بكتاب إلاّ من حاكم إلى آخر ممّن يثبت حكمه ولا يقبل من الرّعيّة؛ ولا يجوز ذلك لوكيل ولا لزوج ولا شهود (1). ولا يقال لداخل فيه على اطمئنان أنَّه أخطأ إن لم يرتَب فيه.
__________
(1) () - ب: «لشهود». (5/207)
صفحة 2292
فصل
موسى: من جعل وصيّا في تزويج بنته فزوّجها جدّها جاز؛ وإن جعل لوصيّه في تزويج بناته أن يوصي فيه جاز له ولو وصيا بعد وصي؛ وليس للجدّ ولا لغيره أن يوصي في تزويج وليّته وإنّما ذلك للأب، والوكالة من الأحياء جائزة في ذلك (1)؛ وإن جعل عبده وصيّا في نكاح بنته بعد موته جاز؛ وللوصيّ أن يأمر من يزوِّجها، وأن يزوِّجها بكفؤها إن رضيته ولو كره أولياؤها والوصيُّ أولى من الوليُّ، لأنَّه كالأب؛ فإن زوّجها الوليّ مع حضوره جاز.
وإن أوصى فاسقا فلا تنزع منه الوصاية كما تنزع منه في سائر الوصايا إذ لا خيانة في ذلك؛ فإن زوّجها بغير كفؤ أو كرهها أو على خلاف السّنة نقضه الحاكم؛ وإن زوّجها يتيمة وقف إلى بلوغها كغير الأب؛ وإن كان الوصيّ مشركا حضر وأمر مسلما يزوِّجها؛ وإن كان ممّن له نكاحها فله أن يأمر من يزوِّجه، واختير له أن يحضر رجلا من عشيرتها؛ فإن أبوا فبمحضر القاضي أو الإمام أو الوليّ. واختلف في الوصاية في التّزويج، فقيل: لا تجوز، والوليّ أولى من الوصيّ ولو من الأب؛ وقيل: لا تجوز إلاَّ منه كما مرَّ؛ وقيل: تجوز من غيره أيضا الأقرب فالأقرب.
فصل
من وكَّل طفلا أو مجنونا أو عبدا بلا إذن ربّه أن يتزوّج له، أو وكّلت طفلة أو مجنونة أو أمة من يزوِّجها أو وكَّل امرأة أو مشركا أن يزوِّج أو يتزوَّج له لم يجز كلّ ذلك. وإن وكّل رجلا أن يتزوّج له فتزوّج له أربعا في عقدة جاز عليه؛ وقيل: مخيّر في الإجازة والدّفع ولا تلزمه إلاّ الأولى إن فرّق؛ وإن تزوّج له واحدة فماتت فلا يتزوّج له بعد؛ وإن تزوّج له ثمَّ بان له فساد النّكاح تزوّج له بعد، لا إن تزوّج له بلا شهود، ولا إن وكّله فتزوّج هو أربعا بنفسه بعده ولومتن أو بِنن منه؛ وكذا إن عيَّن له امرأة
__________
(1) () - ب: «في ذلك جائزة». (5/208)
صفحة 2293
فتزوّج هو أمّها أو بنتها أو أختها أو من لا تجتمع (1) معها لخروجه من الوكالة في ذلك؛ وأمَّا إن تزوّج الموكَّل امرأتين أو ثلاثا أو واحدة فللوكيل أن يتزوّج له أخرى وتلزمه؛ وإن كانت عنده ثلاث فوكّل من يتزوّج له فلا يتزوّج له إلاّ واحدة، ولو فارقهنّ بعد الوكالة، وهذا إن علم أنَّ عنده ذلك، وإلاّ فله أن يتزوّج له أكثر لإرساله في الوكالة؛ وإن وكّله أن يتزوّج له خمسا مرتّبات تزوّج له أربعا أو أقلّ؛ فإن فرق بينهنَّ في الوكالة تزوّج له ما شاء.
ولا تصحّ وكالة في خمس بعقدة، ولا في امرأة مع من لا تجتمع معها ولا في ذات زوج أو في عدّة مجوسيّة كوثنيّة، ولا في محرمة عليه؛ وكذا إن وكَّلته المرأة على ذلك. وإن وكَّله على معينّة إذا تمّت عدّتها أو أسلمت أو قال له: إذا ماتت زوجتي فتزوَّج لي أختها، أو إذا مات زوج فلانة واعتدَّت فتزوّجها لي، جازت وكالته في ذلك عند الوقت، لا إن وكَّل عبدٌ رجلا أن يتزوَّج له إذا عتق، أو مشرك إذا أسلم؛ ولا إن قالت له امرأة: إذا تمّت عدّتي، أو مشركة: إذا أسلمتُ فزوّجني، أو أمة: إذا عتقت فزوِّجني؛ ولا إن وكَّل طفلا أو مجنونا أو مشركا أن يتزوّج له إذا بلغ أو فاق أو أسلم؛ ولا إن قال لرجل: إذا ولد فلان طفلة أو اشترى أمة فتزوَّجها لي.
وقال بعض: لا تجوز الوكالة في التزويج إلاّ إن قصد له معيَّنة؛ وإن وكَّله أن يتزوّج له من قبيلة كذا (2) فله أن يتزوّج له منها، ولو مولاة أو بنت أمّها؛ أو ذمِّيَّة؛ وإن وكَّله أن يأخذ له (3) بنت فلان فله أن يتزوّج له، ولو بنت ابنه؛ وقيل: لا، ولا بنت بنته (4) اتِّفاقا. وإن قال له: من بلد كذا تزوّج له امرأة وطنته. وإن قال من أهله: تزوَّجها له من نسبهم ولا يخالف ما حدَّ له؛ وكذا المرأة إن وكّلته في
__________
(1) () - ب: «تجمع».
(2) () - ب: «كذ». وهو تصحيف.
(3) () - ب هامش: «في ... [كلمة غير مفهومة]: وكَّله أن يتزوَّج له».
(4) () - ب: «ابنته». (5/209)
صفحة 2294
ذلك.
وإن وكّله أن يتزوّج امرأة، أخذ له حرَّة بالغة؛ وإن قال: أنثى [320] أو زوجة عمَّ (1) الكلَّ. وإن وكّلته امرأة أن يزوِّجها زوَّجها بمن يجوز لها؛ وكذا إن قالت لزوج (2) فلا يزوِّجها لطفلٍ، وفي العبد قولان. وإن وكَّله أن يتزوّج له وقت كذا فلا يخالفه بقبل أو بعد؛ وإن قال: من (3) يومنا إلى يوم كذا فلا يتعدّاه؛ وإن قال: إذا جاء وقت كذا جاز فيه أو بعده لا قبله؛ وإن قال: إذا جاء الحرث أو الحصاد أو نحوهما ممّا جهل، أو قال له: إذا أتيت منزل كذا فتزوّج لي فيه امرأة، جاز ذلك؛ وقيل: لا.
وإن وكَّله أن يتزوّج له من لا تحلُّ له وقتَ الوكالة كأخت زوجته فإذا ماتت جاز كما مرّ؛ وإن قال: امرأةً، فطلّق موكِّله امرأته فأخذها له، لم تلزمه، وفي امرأة الوكيل إن طلّقها قولان (4)؛ وإن قال له: امرأةً، فتزوّج الوكيل لنفسه امرأة ثمَّ طلّقها فتزوّجها له، أو تزوّجها الموكّل لعبده، ثمَّ طلّقها فتزوّجها الوكيل له فإنَّها (5) تلزمه، لا إن عيّنها له فتزوّجها الوكيل لنفسه أو غيره أو الموكّل ثمَّ طلّقها فتزوّجا له؛ وقيل: تلزمه لأنَّه عيّنها له.
وإن وكّله في امرأتين تحلّ له إحداهما فقط ففي جواز الوكالة في التي تحلّ قولان؛ وإن وكّله في أمة وقتا لا تحلّ له فأخذها له في وقت حلّت له فيه، فهو بالخيار، لأنَّ وكالته الأولى ليست بشيء. وإن وكّله في وقت تحلُّ فتوانى حتّى استغنى فلا يتزوّجها له. وإن وكّله في معيَّنة فحرمت عليه؛ أو ارتدَّت أو الموكِّل ثمَّ أسلما زالت
__________
(1) () - أ: «غمَّ». ويبدو أنَّ الصواب ما أثبتناه من ب.
(2) () - ب: «لرجل».
(3) () - أ: «لمن». والصواب ما أثبتناه من ب.
(4) () - ب: «قولا». وهو خطأ.
(5) () - ب: «فإنَّه». (5/210)
صفحة 2295
وكالته؛ وقيل: لا، إن أسلما، وكذا إن ارتدّ الوكيل ثمَّ أسلم فهو عليها؛ وقيل: بطلت. وإن عيّن له مجوسيَّة أو وثنيَّة أو ذات بعل ثمَّ أسلمت أو بانت منه زالت أيضا. وإن وكَّله فجنَّ هو أو الوكيل ثمَّ أفاق فقولان.
وإن وكَّله أن يتزوّج له امرأة فتزوّج له معيبة كعكسه فالموكّل بالخيار إن لم يعلم ولزمته إن علم؛ وإن قال له: فلانة المعيبة أو الطفلة أو المجنونة أو اليهوديّة أو الأمة، فوجدها قد برأت أو بلغت أو أفاقت أو أسلمت أو عتقت فإنَّه يتزوّجها له؛ وقيل: لا؛ وأن قال له: هذه أو هذه، تزوّج له إحداهما، وإن (1) جمعهما خُيِّر الموكّل. وإن وكَّله في امرأتين تزوّجهما له في عقدة أو عقدتين؛ وإن قال: امرأة، تزوّج له ولو أمة؛ وإن قال له: وليّتَك فلا يتزوّج له بنته ولا أمته. وكذا إن وكّلته امرأة أن يزوِّجها فلا يزوِّجها ابنه ولا عبده.
وإن تزوّج له بعد أن نزعه من الوكالة ولم يعلم، لزمه في الحكم؛ وقيل: عند الله؛ وكذا في المرأة. وإن وكَّل رجلين في عقدة فتزوّج له أحدهما بإذن الآخر لزمه؛ وإن لم أذن له خيِّر الموكّل ولو جوّز له الآخر؛ وقيل: إن أجاز لصاحبه لزمه؛ وقيل: جاز تزويج أحدهما دون الآخر، إلاّ إن قال لهما: لا تتزوّجا لي إلا معا. وإن غاب أحدهما أو جنّ أو مات أو ارتدّ فلا يتزوَّج له الباقي؛ وكذا إن جمع بالغا مع طفل أو مجنون أو مع عاقل أو رجل مع امرأة، أو موحِّدًا مع مشرك ففي جواز الوكالة قولان؛ وعلى الجواز كان كمن وكَّل واحدا. وكذا إن وكّلتهم امرأة.
وإن جمعت رجلين في الوكالة فزوَّجها أحدهما لآخر لم يجز إلاّ إن أجازته؛ وقيل: جاز عليها مطلقا. وإن وكَّلت رجلا أن يوكّل من يزوِّجها أو يستخلف أو يوكّل أو يأمر من يزوِّجها له ففي الجواز قولان. ومن وكَّلته وليَّته، ولا لها سواه أن يزوِّجها لنفسه فلا يجوز له، ولا يستخلف من يزوِّجها له.
وإن وكّله اثنان على معينّة كلٌّ منهما وحده فله أن يتزوَّجها لأحدهما وجاز
__________
(1) () - ب: تكرار «وإن». (5/211)
صفحة 2296
قوله في ذلك؛ وإن وكَّله أن يتزوِّج (1) به بمحضر فلان جاز إن حضر، وإلاّ خيِّر الموكّل، ولا يتزوّج له إن مات فلان؛ وإن حضر نائمًا فكالعدم كما مرّ. وإن جنّ أو كان طفلا أو أبكم أو أصم لزم الموكّل إن حضر؛ وإن قال بمحضر فلان وفلان فحتّى يحضرا معا؛ وإن قال بـ «أو» (2) جاز أحدهما (3).
وإن وكّله أن يتزوّج له امرأة فخطبها إلى وليّها للموكّل فزوّجها له عليه، فقبل الوكيل أو زوّجها للموكّل فقبل الوكيل، جاز ذلك وكذا إن تزوّجها عليه فقبل هو عليه ولو حضر جاز. وإن قال له: زوّجتها إلى فلان علّق النّكاح إليه، ولو قبله الوكيل ولا يؤخذ بالصّداق؛ وقيل: جاز على الموكّل إن قبل الوكيل ولزمه الصّداق في الأوّلين؛ وإن زوّجها الولي للوكيل على الموكّل فقبل هو جاز ولو أنكر الوكيل بعد، لا إن أنكر هو وقبل الوكيل؛ ولا إن أنكر وقبل الموكّل بعد.
ومن وكّل رجلين فزوَّج لهما (4) الوليُّ عليه، فقبل أحدهما وأبى الآخر، ثمَّ قبل بعدُ هو (5) والموكّل جاز؛ وإن وكّل رجلا فتزوّج له امرأة فوجده [321] قد مات ورثته إن عقد قبل موته؛ وإن لم يعلم السّابق ورثت أيضا، لأنّ الحياة أقعد، وكذا إن وجده قد ارتدّ أو جنّ.
فصل
إن وكّل رجل رجلا أن يتزوّج له ففعل، فأنفق على المرأة على أن يدرك ما أنفق على موكّله، أو أكرى لها على ذلك فلا يدركه عليه، ولا هو على الوكيل، إلاّ أن
__________
(1) () - ب: «يزوِّج». ويبدو أنَّه أصوب.
(2) () - يعني «قال: فلان أو فلان». بدل: «فلان وفلان».
(3) () - ب: «بأحدهما».
(4) () - ب: «زوَّجهما».
(5) () - ب: + «والوليُّ». (5/212)
صفحة 2297
يجلبها له؛ وكذا لا تدرك هي عليه أن يبلغها إلى الزّوج ولا النّفقة والكسوة؛ وقيل: تدركهما عليه والصّداق أيضا، ويرجع بهم عليه؛ وإن جلبها إليه فقال: هذه التي تزوّجت لك، فلا يمسّها إلاّ إن كان أمينا وصدّقته؛ وكذا في المرأة؛ وإن تزوّج له وشرط عليه وليُّها عند العقد أنَّ أمرها بيدها إن تزوّج عليها أو تسرَّى خيِّر الموكّل؛ وقيل: لزمه. وإن أمره أن يتزوّج عليه بفريضة أو بغيرها بالحالِّ أو بالدنانير، أو قصد إلى بعض ماله فتزوَّج له به بلا أمره (1) فخالف في ذلك، فالموكّل بالخيار، وكذا المرأة. وإن وكّله أن يتزوّج له (2) بعشرين وعيّن له المرأة فتزوّجها له بعشرة جاز؛ وإن تزوّج بثلاثين فمسّ قبل أن يعلم لزمته إن تبيَّنت، وإلاّ فليسا حجّة عليه؛ وقيل: الزّائد على الوكيل، كما مرَّ؛ وخيّر إن علم قبل مسّها. وإن قال لها إنَّما وكّلني أن أتزوّجك له بعشرين، فأنا أفعل بثلاثين بطلت الزيّادة؛ وقيل: هي على الوكيل وقيل: الموكّل بالخيار؛ وإن تزوّج له بأكثر من صدقات نساء من تزوّج له جاز (3) على الموكّل ولو حاباها (4) فيه؛ وقيل: لزمه هو ما حاباها به؛ وقيل: لا؛ وكذا وكيل المرأة إن تقص لها؛ وإن قال له الموكّل أمرتك أن تزوِّج لي بكذا، وقال له الوكيل: بل بأكثر، أو ادّعى الخلاف، قبل قول الموكّل.
والمرأة إن اختلفت مع وكيلها فهي مدَّعية، وكذا ما اختلفا فيه من إثبات الشّروط الكائنة عند العقد وإبطالها، واختلافه مع ورثة الموكّل أو المرأة؛ وإن قال له الموكّل: أمرتك أن تتزوّج لي وأنا طفل أو مجنون أو عبد أو مشرك (5) أو قد (6) كانت عندي أربع قبل قول الوكيل إن كذّبه.
__________
(1) () - ب: - «أو بغيرها بالحالِّ أو بالدنانير، أو قصد إلى بعض ماله فتزوَّج له به بلا أمره».
(2) () - ب: «عليه».
(3) () - ب: - «جاز».
(4) () - ب: «حابها».
(5) () - ب: «أو عبد أو مشرك».
(6) () - ب: - «قد». (5/213)
صفحة 2298
الباب الثّامن والأربعون
فيمن تزوّج على غيره بلا أمره
فالمزوّج عليه بالخيار؛ وإن تزوّج له خمسا بطل إن كان في عقدة، وإلاّ فله الأربع الأوائل؛ وكذا إن تزوّج له أختين أو امرأة مع من لا تجامعها. وإن تزوّج على طفل أو مجنون بلا إذن أبيه أو وليّه فبلغ أو أفاق فرضي جاز عليه؛ وقيل: لا. وإن تزوّج على عبد بلا إذن ربّه أو على مشرك فعتق أو أسلم فرضي، أو تزوّج عليه مجوسيّة أو وثنية فأسلمت فأجاز النّكاح؛ أو تزوّج عليه أخت امرأته فماتت أو بانت منه فاعتدّت فعلم أنّ نكاح الأخت وقع حين كانت أختها تحته، أو كانت عنده أربع فتزوّج عليه خامسة فماتت واحدة من الأربعة فعلم بنكاح الخامسة لم يجز النّكاح في كلّ ذلك، إلاّ إن جدّد. وإن تزوّج عليه فوجده قد جنّ علّق إلى إفاقته؛ وإن ماتت التي تزوّجها على غيره بلا أمره فعلم بعد موتها فرضي فلا يرثها، ولا هي إن مات، ويعطيها الفضولي صداقها؛ وقيل: نصفه؛ وقيل: لا شيء عليه؛ وقيل: إن كانت ممّن تحلّ له فلها نصفه، وإلاّ فكامل؛ وإن قال لأوليائها: زوّجوا لي على فلان وليَّتكم ولم يأمرني به فزوّجوها له فلم يقبل فلان فليس على الفضولي صداقها؛ وإن تزوّجها عليه بلا أمره فاستمسكت به فيه وفي نفقتها وفي كسوتها، فلا تدرك عليه شيئا؛ وقيل: تدرك ذلك عليه (1)؛ وإن أنفق عليها من نفسه أو أعطى لها صداقها فرضي المتزوّج عليه بالنّكاح فهل يدرك ذلك عليه أم لا؟ قولان؛ وإن تزوّج عليه ولم يعلم بما فرض لها فرضي به ثمَّ علم فبدا له، فلا يجد ذلك فقد لزمه النّكاح؛ وإن لم يرض به فلا يمسّها الفضولي بالأوَّل لنفسه حتَّى يجدّد لها، إلاّ إن كان الفضولي ابنا للمتزوّج عليه ففي
__________
(1) () - ب: «عليه ذلك». (5/214)
صفحة 2299
جواز التّجديد لها قولان.
ومن زوّج وليَّته لمن لا يعرفها فقال له: هذه التي زوّجتها لك، فإنَّه يصدّقه، وكذا الأمينان إن قالا له ذلك؛ وإن زوّج له وليَّته فلانة بنت فلان ولم يعرفها فقالا له: هذه فلانة بنت فلان فلا يقربها حتَّى يزيد التي زوّجها لك وليّها فلان؛ وقيل: له أن يمسّها بدون الزّيادة، إلاّ إن كان في تلك القبيلة من يشاركها في الاسم والنّسب فلا يقربها حينئذ حتَّى يزيدا ذلك. وكذا المرأة والطّفلة إن كانت مع رجل يمسُّها ولم تسمع بخبر نكاحها وادّعاه ولم تعلم حتَّى إذا بلغت فلم تربه في قعودٍ معها حرامٍ فلها أن تأمنه على ذلك؛ وإن رابته فلا تقعد معه حتَّى يبيِّن؛ وقيل: لا تمكّنه من نفسها ولو صدّقته حتَّى يبيِّن. وكذا طفل مع طفلة أو بالغة، ومجنون مع عاقلة وعاقل مع مجنونة. وإن قال له أمينان هذه امرأتك فمسّها ولا يعرفها إلاّ من قولهما فلا يشتغل بهما إن رجعا؛ وإن بان له أنَّها غير زوجته مثل إن علمها ذات بعل أو محرم منه ثبت نسبه وأعطاها صداقها وكذا المرأة مع الرّجل.
ومن قال لامرأة: زوّجك لي وليّك، فلا تمكّنه من نفسها ولو أمينا؛ وقيل: فيه غير ذلك؛ وإن مكّنته فبان الأمر كما قال فلا بأس عليها؛ وإن بان لها كذبه أخذت منه صداقها إن مسّها وفي نسبه [322] قولان.
ومن تزوّج من لا يعرفها فأخبره أحد ولو خادما أنَّها زوجته فصدّقها أو دخل إليها في بيت وكانت مع نساء فقمن وتركنها فيه، فرأى عليها هيئة عروس وسكن قلبه فيهما، فله أن يتقدّم إليها ولو لم يسألها، وقد جرى العرف بذلك.
فصل
ومن تزوّج لابنه غائبا امرأة، فلمَّا علم قال: لا حاجة لي بها، فإن قبل الأب على نفسه بصداقها فعليه لها نصفه، وإلاّ فلا، إلاّ إن حملت من أرضها إلى أخرى فعليه ما (5/215)
صفحة 2300
يموّنها حتَّى تردّ لأهلها، ولا بأس إن تزوّجها لنفسه بجديد إن لم يأمره (1) ابنه بها، ولا تحلّ له إن أمره.
ومن تزوّج على غائب، فإن قال: فلان أرسلني أو أمرني أن أتزوّج له، فإن زوّجوه على ذلك وجعلوا الصّداق على الزّوج، ثمَّ أنكر ولا بيِّنة عليه أجبر على طلاقها، ولا يلزمه ولا الرّسولَ أيضا شيءٌ؛ وإن لم يقل عنه ذلك وإنّما تزوّج عليه بفضوله وأنكر، فعليه نصف ويجير المنكر على طلاقها أيضًا (2) خوفا أن يكون أمَره.
ومن تزوّج على ولده صغيرا أو غائبا فإذا بلغ أو حضر فأجازه مضى، وإلاَّ غرم الأب نصف الصّداق. أبو الحواري: إذا ضمن. وإن هلك الأب قبل البلوغ أو الحضور فصداقها في ماله مع ديونه، لأنَّه ضمنه.
ومن تزوّج غائبة ولم تعلم بالتّزويج وقد عقده على نفسه لها مع وليِّها لا بعلمها لزمه الطّلاق إن طلَّقها. ومن قال لرجل تزوّجت لك امرأة على كذا فرضي لم يجز، وأجازه أبو عليٍّ.
ومن تزوّج على غائب ضمن بالصّداق عليه؛ فإن جنّ أو مات قبل أن يعلم أمره لزم المتزوّج عليه، لأنَّه ضمنه. وكذا متزوّج على صبيّ أو يتيم، واختير في اليتيم أن يتزوّج لنفسه إن كان في حدِّ من يجوز أن يزوِّج وليَّته، وسيأتي في الباب الآتي.
ومن أرسل من يتزوَّج عليه فقال لقوم: إنّ فلانًا أرسلني أن أتزوّج عليه، فإن تزوّجوه فعن رسالته قبلت لكم؛ وإن أبيتم فأنتم أعلم، فزوّجوه فأنكر المرسل فعليه يمين ما أرسله، ويجبر على الطّلاق ولا شيء على الرّسول؛ وإن لم يقل أرسلني فأنكر فعليه النّصف وعلى المرسل اليمين كذلك، ويجبر على الطّلاق. وإن وكّله أن يتزوّج له
__________
(1) () - ب: «يأمره».
(2) () - ب: - «أيضًا». (5/216)
صفحة 2301
امرأة لا معيّنة فلم يرض بها لزمته؛ وإن تزوّج له أمة فالوقف، واختير أن لا تلزمه.
أبو الحسن: إن خالف الوكيل زالت وكالته؛ غيره: إن مضى الموكّل فعله مضى. ومن قال لرجل: يا فلان تزوّجت عليك امرأة على كذا، فرضي، فالنّكاح غير ثابت حتَّى يسمِّيها ويرضاها بعد المعرفة؛ وإن قال فلانة بنت فلان ثبت عليه إن رضى، ولو لا يعرفها ولا أباها.
فصل
من زوّج بنته غائبة بغائب ففُقد ومات الزّوج قبل أن تعلم أنَّه زوّجها به فقيل: تحلف أنَّها لو علمت أنّ أباها زوّجها به لرضيته، فلها الصّداق والإرث إن حلفت.
ومن أرسل رجلا يتزوّج عليه فمات المرسل قبل العقد لم يلزمه.
أبو الحسن: من تزوّج امرأة على رجل بلا إذنه وبلا إرساله، ثمَّ بدا له ولها فسخ النّكاح قبل أن يعلم من تزوَّج عليه جاز لهما؛ وإن قال الذي تزوّج عليه: كلّ امرأة له فهي طالق، قبل أن يعلم بالنّكاح، فلا تطلّق، إلاّ إن أرسله وقال ذلك بعد العقد؛ وإن ماتت قبل أن يعلم ثمَّ علم فرضي بها ورثها (1) إن حلف، ولا ترثه إن مات هو قبل أن يعلم. أبو سعيد: إن لم يرسله فرضيت ثمَّ مات قبل أن يعلم رضاه فلا صداق لها عليه ولا إرث منه؛ وإن ماتت راضية فعلم بالنّكاح فأتمّه ورثها كما قلنا إن حلف؛ وإن أرسله فأيُّهما مات توارثا إن رضيت.
__________
(1) () - ب: «علم بها ورضيها ورث». (5/217)
صفحة 2302
الباب التّاسع والأربعون
في التّزويج بوكالة الصّبيان أو بأمرهم
وسئل بعض عن سداسيٍّ وكِّل أو أشهد على تزويج أمة، واستنطق فوجد عاقلا، إلاّ أنَّه لا يعرف أن يشهد على ما يريد، فقيل له: نشهد عليك أنَّك وكّلت فلانا في تزويج أمّك فلانة؟ فقال: إيهي، فقيل له: قل نعم، فقال: نعم فأجاز (1) وكالته وعلى تزويج وفي تزويج وبتزويج كلّ ذلك جائز.
وإن كانت الشّهادة ليلا ولا يعرف الغلام الشّهود فلا يشهدوا حتَّى يعرفوه؛ وقد أوتي ابن محبوب بغلام يوكل في امرأة، فقال له: ما أكثر؟ السّبعون أو التّسعون؟ فقال: السّبعون، فلم يلتفت إليه ولا رأى توكيله. وقيل لأبي المؤثر: هل يجوز تزويج العاقل دون السّداسيِّ؟ فقال: أدركناهم يقولون بالسّداسي، قيل له: فإن لم يكن لها غيره؟ قال: فالجماعة توكّل رجلا، ويوكّل الغلام آخر أيضا، وهذا إن لم يكن حاكم في البلد، وإن كان زوّجها هو ويوكّله الغلام أيضًا. وأجاز ابن محبوب ابن ستٍّ إن عقل وعرف كيف يزوِّج؛ وكذا عن الرّبيع؛ وقيل: لا يجوز أن يزوِّج كما لا يجوز أن يتزوَّج. أبو المؤثر: قد أجيز السّداسي. أبو محمَّد: لا يزوِّج وليَّته حتَّى يبلغ؛ فقيل له: إن زوّجها [323] ودخل بها الزّوج هل يفرّقان؟ فتوقّف؛ وقيل: إن كان يؤنس رشده، ويعرف الغبن من الرّيح، والزّوج كفؤ جاز تزويجه عند الأكثر.
وزعم هاشم أنّ امرأة زوّجها ابنها نحو سداسيٍّ فأمضاه موسى، ولم يجزه بشير، وأجازه الرّبيع. وأجاز ابن عليٍّ لغلام بلغ ستّة أشبار أن يزوِّج وليَّته أو يوكّل إن كان سداسيّا وأحسن النّكاح والشّهادة والشّرط، ولم يجز له أن يتزوّج حتَّى يبلغ. ابن
__________
(1) () - ب: «فأجازوا». (5/218)
صفحة 2303
محبوب: إن بلغ خمسة أشبار أو ستّة أو أربعة، ووكّل رجلا يزوِّج وليَّته فزوّجها ودخل بها الزّوج، فأنكر ذلك بعض العصبة، فلا يفرَّق بينهما إن دخل بها، وإلاَّ أمر غيره أن يجدّده؛ فإن لم يكن عير الصّبيِّ جدّد السّلطان؛ وإن زوّج مراهق أمة وله إخوة بلَّغ، وأبوا تزويجها جاز إن كان الزّوج كفؤا.
ابن الحسن: إن طلبت امرأة نكاحا فأبى منه أخوها، فوكّل ابنها لم يحتلم رجلا فزوّجها؛ فإن كان طوله ستّة أشبار، ويعرف الأقلَّ من الأكثر جاز، وإلاّ فلا. وإن زوّجها أقلُّ من السّداسي وجاز بها الزّوج فعن ابن محبوب أنَّهما لا يفرّقان.
وقيل: لا يجوز تزويج صبيّ دون بلوغ؛ وقيل: إذا عرف يمينه من شماله والسّماء من الأرض والزائد من النّاقص أو شيئا من ذلك جاز، ولا حدّ في كبر أو أشبار. وإن كان في حدّ من لا يجوز تزويجه وكان يصرع في بعض الأوقات فقد أجاز أبو زيَّاد تزويجه في وقت إفاقته. (5/219)
صفحة 2304
الباب الخمسون
في وكالة المرأة في تزويج نفسها والدّعاوي في ذلك
قال العلاء: إن وكّل امرأة أبوها وجعل أمرها بيدها فلها أن توكّل وليَّها يزوِّجها؛ فإن أبى فلتوكّل غيره؛ وإن زوّجت نفسها ولم توكّل رجلا ودخل الزّوج بها فعن محبوب: ليس للنساء أن يزوِّجن أنفسهنّ، ويفسد تزويجها إن وكّلت رجلا وقد حضر وليّها. وإن كانت في بلد لا سلطان فيه ولا موافق ولا وليَّ فيه فلها أن توكّل رجلا؛ وإن وكّلته فزوّج بها نفسه كره له ولا نفرّقهما إن رضيته ودخل بها؛ وإن لم يدخل فلتوكّل غيره يجدِّد لها؛ وإن وكّلته على أن يزوِّج بها نفسه جاز ولو في القرية موافق، قيل له: فإن حضر وليّها ووكّلت غيره ولم يعلم حتَّى دخل بها؟ قال: أرى عليهما ما رأى جابر يجلدان ويفرّق بينهما أبدا كما مرّ. وإن وكّلت رجلا فزوّجها على معلوم ثمَّ علم وليّها فأجاز النّكاح وأتمَّه، ثمَّ أراد الزّوج فسخه وقال: فعلنا مكروها وأباه الوليُّ والمرأة قال: يفارقها إن دخل بها ويصدقها، وإلاّ وأرادوا إتمامه جدّده الوليّ؛ وإن أراد إخراجها اختير أن يكون بطلاق ولو لم يدخل بها واختلف في تزويج وكيل الوكيل ــ كما مرّ ــ واختار فيه خميس تجديده بالولي أو الوكيل إن لم يقع مسٌّ خروجًا من الاختلاف (1) استحسانا منه.
ابن محبوب: من جعل تزويج وليَّته إليها أو إلى أمّها ولم يقل لها أن توكّل فزوّجت هي نفسها أو أمّها بعدلين ومسَّت على ذلك فالمختار لها أن توكّل ولو لم يأمرها به؛ وإن لم توكّل رجلا وجاز بها الزّوج فلا نفرّقهما، قال وهو حلال.
محبوب: إن لم يكن لامرأة وليّ فوكّلت مسلما ولم ترفع أمرها إلى الإمام؛ فإن
__________
(1) () - ب: «الخلاف». (5/220)
صفحة 2305
زوّجها ولا ريبة هناك جاز. هاشم ومسبِّح: إن وكّلت أجنبيًّا فزوّجها بكفؤ بلا إذن وليّها انتقض إن دخل بها؛ وقيل: لا يفرَّق بينهما إن دخل بها وإلاّ جدّده الوليُّ، وقد مرّ ذلك. وقيل: إن كان الوليّ سفيها فلها أن تأمر مسلما وهو أحبّ إليها منه. وإن ولّى رجل أمر بنته امرأة فأشهد لها فزوّجتها رجلا وفرضت عليه لم يجز لها ذلك ولكن تأمر رجلا. وإن جعلت وصيّة في تزويج بنت فلا تعقده هي بل تولّي ذلك رجلا. ابن محبوب: لا أقوى على حلّه إن عقدته هي.
ومن وكَّل رجلاً في تزويج بنته فأراد الوكيل السّفر فوكّل أمّها ثمَّ وكّلت هي وكيلا قال: ما نحبّ للوكيل أن يوكّل وكيلا إلاَّ بإذن الأب؛ فإن أذن له جاز. وإن كان لامرأة وليٌّ بعمان وعجزت عن وصوله لتحتجّ عليه لضعفها أو عدم من يحملها، أو لخوفها، فإن قدر المسلمون على إنصافها وقطع حجّة وليّها من إمام أو قاض أو جماعة أو والٍ ممّن يقدر على رفع أمرها إليه لم يجز لها أن تتزوّج إلاّ بوليّها أو وكالته؛ [324] وإن لم يقدر على إنصافها كذلك وكّلت مسلما إن علم هو والزّوج والشهود (1) بعذرها ووسعها ذلك.
وأجاز كثير لثيِّب لا وليَّ لها أن تأمر مسلما يزوِّجها واختلف في البكر.
فصل
إن ادّعت امرأة أنّ وليَّها وكّلها في تزويجها، فقيل: تصدّق إن كانت ثقة؛ وقيل: مطلقا، وأختاره في الحكم، قال: وإن وكّلت رجلا فزوّج بها نفسه ودخل بها وقد حضر وليّها ولم يعلم به لم يجز ذلك إن لم تعذر، ولا أعلم فيه ــ قال ــ ترخيصا منهم، وكذا هاشم ومسبِّح. ابن محبوب: لا يفرّق بينهما إن جاز بها.
أبو بكر: إن جاءك رجل لا تعرفه فوكّلك في تزويج وليَّته؛ فإن قال بنته أو أخته جاز لمن يتوكّل فيها، ومنع بعض في الأخت. وأجاز بعض توكيل مدّع ما لم
__________
(1) () - ب: «والشهود والزوج». (5/221)
صفحة 2306
يرتب؛ وبعض إن أقرّت المرأة؛ ومنعه بعض إلاّ بالصّحّة. وأجاز بعض للشّهود أن يشهدوا ولو لم يعلموه وليًّا حتَّى يعلموا كذب ما دخل فيه، والنّاس مؤتمنون على ما دخلوا فيه من الحلال ما لم يعلم غيره.
أبو المؤثر: من زوّجته امرأة نفسها وأشهدت وجاز بها، فإن عرف لها أولياء فتزويجها فاسد؛ وإن لم يكن لها وليّ لم يفرّقا إن جاز. أبو سعيد إن ادّعت أنّ وليّها وكّل رجلا في نكاحها وأقرّ بذلك فقيل: جاز ذلك مطلقا؛ وقيل: يقبل قولها إن كانت ثقة، وإلاّ فلا.
ومن زوّج امرأة وادّعى الوكالة فيها ولا بيِّنة له ولا هو ثقة، فقيل: لا يشهد بنكاحها ولو كان ثقة، إلاّ إن شهرت وكالته. واختار أبو المؤثر للشّهود أن لا يشهدوا به حتَّى تقرّ أنّ وليّها وكّلها؛ وإن أنكرت وشهدوا به، فلا عليهم، ولا أرى تفريقهما، إلاّ إن أنكر الوليّ توكيلها، وتأخذ صداقها وتخرج إن أنكر، ولا جلد عليهم. (5/222)
صفحة 2307
الباب الحادي والخمسون
في الإحصان
وهو على أربعة: إحصان الإسلام، ودليله قوله تعالى: {إنّ الذين يَرمُونَ المحصَناتِ ... } (النور: 23) وقوله: {والمحصنات من النِّسَآءِ ... } الآية (النساء: 24). وإحصان الحريّة، والدّليل عليه قوله تعالى: {والمحصنات من الذين أوتُوا الكتابَ} (المائدة: 5). وإحصان العفّة لقوله: {ومريمَ ابنتَ عمرانَ ... } الآية (التحريم: 12). وإحصان التّزويج وهو المراد هنا لقوله: {محصِنينَ غيرَ مُسافِحين} (النساء: 24). وقوله صلى الله عليه وسلّم: «أحصَنَ من مَلَك أو مُلِّك له».
فمن نكح امرأة صحيحا فهما محصنان مطلقا؛ وقيل: حتَّى يمسّها، ويحصن الحرُّ الحرَّة وتحصنه، والعبدُ الأمةَ كعكسه، والمشركُ المشركةَ وتحصنه، ويحصن الحرُّ الأمةَ والمشركةَ ولا يحصنانه، وتحصن الحرّة العبد ولا يحصنها؛ وقيل: يحصن كلٌّ من ذلك صاحبه.
ولا تحصن طفلة بالغا، ولا طفل بالغة، ولا مجنون عاقلة؛ وقيل: يحصن كلٌّ صاحبه؛ وقيل: لا، حتَّى يكونا حرّين مسلمين بالغين عاقلين؛ وكلّ نكاح لا يقعدان عليه لا يكونان به محصنين، كنكاح بلا شهود، أو بذات محرم؛ وإن كان بلا وليٍّ ففيه قولان.
ولا يحصنها مجبوب ومستأصل (1) وعنِّين لا يصل. ويحصنها مفتول؛ وفي خصيٍّ قولان. والرتقاء لا تحصن زوجها. ويحصن الزّوجة ولو مسّها في دبر أو حيض أو في إحرام أو ظهار أو اعتكاف، وكانا محصنين في عدّة الرّجعيِّ، لا إن مات أحدهما أو وقع بينهما فداء أو ثلاث أو نحوهما؛ وقيل: هما محصنان في ذلك.
__________
(1) () - ب: «ولا مستأصل». (5/223)
صفحة 2308
الباب الثاني والخمسون
فيما يردُّ به الرّجال والنّساء من العيوب
ابن عباس: «يردُّ البيع والنّكاح بأربع: جذام وجنون وبرص فاحش وعفل حابس».
ابن محبوب: تردّ من النّساء ثلاث ما لم يدخل بهنّ: ذات برص فاحش، وجذماء، ومجنونة. فمن تزوّج واحدة منها لا عالما بها خيّر إذا علم قبل الدخول (1) بها في إمساكها أو إعطائها حقوقها وفي إخراجها، ولا شيء لها؛ وإنّما تخرج منه بطلاق لصحّة العقد، إذ لو يشاء لأمسكها، ولا أعلم امرأة تردُّ بلا صداق بعد الجواز بها إلاَّ متزوّجة على أنَّها حرّة فخرجت مملوكة.
وإن تزوَّجها صحيحة فإذا هي (2) عمياء أو صمّاء أو بكماء أو عجماء أو قبيحة المنظر، قال خميس: ولا أعلم أحدًا ردَّ واحدة منهنَّ، إلاّ العجماء فقد اختلف في العقد عليها.
وفي الضّياء: ومن تزوّج عمياء ولم يعلمها حتَّى دخل عليها وافتضها فخاصم، فإن شاء ردّها، ولها صداقها، ويتبع من دلَّسه بها فيأخذ منه ما أعطاها؛ وقيل: ليس على وليّها غرم شيء من صداقها إلاّ إن سأله عنها: هل بها من عيب؟ فيكتم عليه، فيلزمه حينئذ غرم ما ضمنه فيما قيل؛ وقيل: إنّ البخراء [325] والنخشاء والعفلاء والرّتقاء ممّا تردّ به قبل الجواز.
قال: ولا أعلم في التي لا ثدي لها أو لا تحيض أو تكون يابسة السّاقين أو تبول على الفراش أنَّها تردُّ بذلك. وليست الحرّة فيه في النّكاح كالأمة في البيع. وكذا
__________
(1) () - ب: - «الدخول».
(2) () - ب: «فخرجت» بدل «فإذا هي». (5/224)
صفحة 2309
الشلاَّء والمقعدة والعوراء والعرجاء والعسماء والعمشاء.
والعفل: داء يخرج في الفرج كخصية الرّجل، وقيل: لحمة فيه كاليقطينة الصّغيرة تمنع الجماع، ولا معالجة فيها.
والنّخشاء: هي التي يخرج من أنفها ريح منتنة.
والبخراء: يخرج من فمها ريح كذلك.
والرّتقاء هي التي فرجها ملتحم مثل الصّفاة لا شيء فيه؛ فهذه هي التي تؤجّل سنة في إصلاح نفسها كما سيأتي؛ وقيل: هي التي يلتحم فرجها باللحم كالصّفاة ولا يكون فيها جماع؛ فإن اختلفت هي وزوجها وعالجت نفسها بموسى أو بغيره وبرئت فهي زوجته، وإلاّ فله تركها؛ واختير أن يطلّقها، ولا عليه صداقها؛ وقيل: إن تركها لم يكن عليها طلاق؛ وقيل: إن عجّل وطلّقها قبل أن تتمَّ المدّة فلها صداقها إن مسّ فرجها أو نظره، وإلاّ فنصفه؛ وإن شقّها هو بحديدة بأمرها فأحسن معالجتها فهو أولى بها من غيره ولا عليه؛ وإن تعدّى المعتاد ضمن الأرش.
وزوجها إذا رضيها رتقاء فلا يكرهها بعد، وتوارثا إن مات أحدهما قبل تمام المدّة؛ وإن أنكرت أن تكون رتقاء حلفت ما تعلم (1) ذلك، وعلى الزّوج صحّة ذلك بأمينتين أو بأمينين كانا تزوّجاها أو عرفاها رتقاء وهي صغيرة؛ قال: ولا يجوز غير ذلك.
وإن وجدها قلفاء فله مسُّها ووطؤها ومعاشرتها وأكل طعامها ورطوباتها.
فصل
من تزوَّج مجنونة تقع في الشّهر مرّة أو مرّتين ثمَّ علم بها قبل الدّخول، فقال هاشم: لا يلزمه نكاحها إن لم يجز بها، ولزمه إن جاز بها، وعليه الصّداق.
__________
(1) () - ب: «ما علمت». (5/225)
صفحة 2310
أبو عبد الله: من تزوّج امرأة ونظر فرجها أو مسّه ثمَّ علمها مجنونة فلها مهرها؛ وتوقّف فيها هاشم.
وعن زيد بن عليٍّ قال: شهدت عليًّا وقد أتاه رجل بامرأة فقال له: ياأمير المؤمنين، إنّ هذه زوَّجوني بها صحيحة، فإذا بها مجنونة، فقالت له: إنَّه أبطل عليَّ، ما بي من جنون إلاّ أنَّه إذا غشيني أخذني ما لا املك نفسي، فقال له عليٌّ: خذ بيدها، فما أنت لها بأهل.
ومن تزوّج امرأة ثمَّ صحّ أنَّها صرعت مرّة من جنون، وصحت بعد ذلك عشرين سنة ولم يرجع عليها، قال: فهذا عيب تردّ به إن لم يدخل بها.
بشير: من أراد تزويج امرأة فسالها: هل فيك ما تردُّ به النّساء؟ فقالت: لا، وبها شيء منه، فوطئها ولا يعلم به، ثمَّ علم فأراد إخراجها فلها صداقها، إلاّ إن قال لها: هل فيك جنون أو جذام أو عفل، فكتمته، فلعلّها لا تدري ما العيوب التي تردُّ بها النّساء.
واختلف في إعلام الوليّ بالعيب، فقال ابن محبوب: عليه أن يعلم الزّوج به؛ وقال ابن مسبِّح: على الطّالب أن يسأل عن الحرّة وأمَّا المملوكة فعلى ربّها أن يخبر بدائها، فإذا قال: هل بها عيب تردّ به النّساء؟ فقيل له: لا، فقد سأل ويجتزي بذلك؛ وقيل: لا، حتَّى يذكر كلاًّ باسمه، فهذا هو السّؤال؛ فإن كتمه الوليُّ فله ردّها، ويرجع عليه بما غرّه، ويروي أنَّه قول عمر وقال الزّهريُّ وقتادة: إن علم غرم، وإلاّ استحلف ما علم، والغرم على الزّوج؛ وإن لم يسأل لم يضمن الوليّ ولا المرأة، وليس عليه إعلام دائها إن سئل عنه، وإنّما ذلك على سيِّد الأمة فيها. وقيل: إذا علم بعيب الزّوجة بعد العقد لا قبله فله إخراجها بلا صداق إن لم يمسّها. وقد كتب إلى عمر بن عبد العزيز في خلقاء تزوّجها رجل فكتب إليه: إن علم أولياؤها بذلك غرموا صداقها لزوجها، وإلاّ فلا عليهم إلاّ أن يحلفوا ما علموا.
والخلقاء ــ بالفوقانيَّتينِ ــ قيل هي الرّتقاء. (5/226)
صفحة 2311
والرسحاء ــ بالمهملات ــ قليلة الفرج والفخذين. ولا تردّ في النّكاح. وسئل ــ قيل ــ أبو حنيفة عن مريد أن يتزوّج، فقال: أعرفه ببيع الدّوابِّ، فزوّجه القوم، فبان أنَّه يبيع السّنانير، فقيل له في ذلك، فقال: ما كذب. وسئل عن آخر فقال: أعرف له ما يقوَّم عشرة آلاف درهم، فزوَّجوه فبان أنَّه فقير، فقيل له في ذلك، فقال: عنيت ذكره وأنثييه. وسئل عن آخر فقال: هو ثابت الجلسة قويّ الطّعنة، فبان أنَّه خيّاط. ولا يحلّ لمن سئل عن مثل هذا إلاّ أن يخبر بحقيقة الأمر.
فصل
يردُّ الرّجل بجنون وجذام وبرص فاحش ورِقِّية. وقيل: لا يردّ إلاّ نكاح الكافر والمملوك؛ وقيل: يردّ الرّجل ما لم يدخل؛ [326] وقيل: ولو دخل إذا طلبت الخروج؛ وقيل: تخيّره. ولا يردُّ الأبخر كالمرأة. ويردّ مقطوع اليد والرّجل إذا لم تعلم به فترضاه.
وإن تزوّج مجنون من قوم ولم يعلموا به حتَّى دخل بالمرأة، فقيل: النّكاح جائز عليها، ولا يجوز طلاق وليّه. ابن بركة: طلاق المجنون غير واقع اتِّفاقا، وللمرأة الخيار فيمن عُلم قبل الدّخول، ولها صداقها إن اختارت المقام.
وإن كان بامرأة ما تردّ به وبالزّوج كذلك وقد وطئها، فقيل: لها الخيار في فسخ النّكاح بترك صداقها قياسا على ثبوته لها قبل الوطء؛ فإن قيل: إنَّ الخيار زال عنها بثبوت النّكاح به أن لو كانت معلولة، قيل له: لا نعلم الوطء يوجب عليها حكما للزّوج في نفس ولا مال بغير ما ثبت له بالعقد، وإنّما الوطء هاهنا يقع بفعل منه لا منها، وإذا ثبت أنَّه فعل منه دونها كانت على أصل الخيار الذي لها بالعلّة التي هي فيه؛ وإذا ثبت لها بذلك بعد الوطء لم تبعد عندنا إجازة الخيّار للزوّج بعد الوطء ودفع الصّداق. (5/227)
صفحة 2312
فصل
اختلف في العنِّين فقيل: يؤجّل سنة؛ وقيل: عشرة أشهر؛ وقيل: إن كانا حديثي العهد أجِّل سنة؛ وإن قدم عهدهما أجِّل خمسة أشهر أو شهرين. قال أبو عبيد: وإنّما وقَّت العلماء سنة لأنَّ العلّة لا تكمن في البدن أكثر منها حتَّى تظهر؛ وقيل: يؤجّل العنِّين ستَّة أشهر، والأجل من يوم المخاصمة والحكم به. واختلف في العقيم، فقيل: يلزمه إخبارها بعقمه لعلّها تريد الولد؛ وقيل: لا خيار لها من العقيم إن أطاق الجماع.
ومن دخل بامرأته فجامعها ولو مرّة ثمَّ حبس عنها فلا أجل عليه ولا انتظار، وهي زوجته؛ وإن نفت غشيانا من زوجها وأثبته فلا وقت عليه إن قال إنّه يغشاها؛ وإن صدّقها في نفيه لعجزه عنه، قال خميس: فلا أعلم أنَّ لها وقتا، ولكن يتداوى وتتربَّص. وإن اشتكت بعجزه عنه وطلبت أن تخرج فلا يجبر عليه إن جامعها ولو مرّة، ويسمّى العاجز عنه عنِّينا، وينفسخ النّكاح بالعنَّة والعجز إذا طلبته بعد المدَّة وهي عند الأكثر سنة. وإن قالت إنَّه عنِّين، وأنكر، قُبل قوله مع يمينه؛ وإن صدّقها أجّل سنة؛ فإن قدر وإلاّ خرجت منه بطلاق على الأكثر، وأخذت صداقها بنظره فرجها أو مسّه بلا حائل؛ وقيل: لها نصفه ويتوارثان في السّنة ما لم يفرَّق بينهما، كما مرَّ.
ولا خيار لزوجة الشّيخ منه إذا عجز عن وطئها لكبره. (5/228)
صفحة 2313
الباب الثّالث والخمسون
في الرّضاع وما جاء فيه
قال الله تعالى: {وأُمَّهاتُكُمُ التي أرضَعْنَكم ... } الآية (النساء: 23). وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «يحرم من الرّضاع ما يحرم من النّسب». فدلَّ أنَّ النّكاح يحرم به ولو مصّة، فإذا صار اللبن في حلق المرضع وجب حكم الرّضاع. وقال أيضا: «لا رضاع بعد فصال».
واختلف في قدر ما يحرم منه، فقال أهل الحجاز: لا يحرم منه أقلّ من عشر مصّات، وقال بعض: خمس، ولا يجوز عندهم ما دون ذلك؛ وقال أهل العراق: لا تحرم إلاّ بعدلين إن شهدا على معاينة الرّضاع، ولا يوقِّتون له وقتا ولا مقدارًا؛ وقال داود: لا يحرم منه أقلّ من ثلاث مصّات؛ وروى أبو عبيد: لا تحرم الإملاجة ولا الإملاجتان؛ وقال أهل الظّاهر: لا يقع التّحريم بأقلّ من ثلاث رضعات لرواية أمِّ الفضل، وهي رواية أبي عبيد. والمصّة والرّضعة والإملاجة كلّها بمعنى.
وقال أصحابنا: تحرم بالمصّة، والقليل فيه كالكثير، ما لم يتمّ للرّضيع حولان، وهو صحيح ووافقهم بعض الحجازيِّين والعراقيِّين، وهو مذهب عليٍّ وابن عباس وابن مسعود وطائفة من التّابعين، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم شبَّهه بالنّسب.
خميس: وأجمعوا على أنّ الرّجل إذا جاز بامرأة، وإن بسفاح حرمت عليه أمّهاتها، وإن علون وبناتها، وإن سفلن، ولو لم يكن معها إلاّ قدر التقاء الختانين، فهو ومن يغشاها خمسين سنة كلَّ وقت سواءٌ في الحرمة في النّسب؛ فكذا رضيع امرأة حولين، ومن دخلت حلقَه قطرة من لبنها فيهما سواءٌ في حرمة [327] الرّضاع، وحدُّه الفصال وهو الفطام، وتمامه سنتان، قال تعالى: {وحَملُه وفصالُه ثلاثُون (5/229)
صفحة 2314
شهرًا} (الأحقاف: 15). فصحّ أنَّ الحمل ستّة أشهر، والرّضاع أربعة وعشرون، لأنَّ تمام الشيء يحصل بحصول جزء منه؛ وقد روي: «لا رضاع بعد حولين»؛ وفي رواية: «وأربعة أشهر» وفي آخري: «وستّة»؛ وقيل: إلى أربع سنين، وبه قال أبو عبيدة احتياطا.
وأجمعوا أنّ للأمِّ أن تطالب الزّوج بنفقة الرّضاع إلى الحولين؛ ولا يحكم لها بها بعدهما إن طلبتها؛ وكذا لو طلب هو الرّضاع بعدهما لم يلزمها.
وأجمعوا أيضا على أنَّه لا يحرم على الرّجل أن يرضع من لبن امرأته.
وكلُّ رضاع في الحولين يحرِّم ولو فصل الطّفل قبلهما؛ وإذا كان ابن ثلاث فرضع من امرأة وهو لم يفطم، والرّضاع غذاؤه فلا ستر عليها، منه فابن سنتين ــ قيل ــ يصافح ولا يناكح، وابن ثلاث لا ولا، وابن أربع يناكح ولا يصافح؛ واختير أنَّه إذا رضع بعد حولين ولم يفصل عن أمّه، فإن اعتمد على الطّعام واكتفى به عن الرّضاع فليس برضاع، وإلاّ فهو رضاع، حتَّى يزيد أربعة أشهر بعدهما، ثمَّ لا يكون رضاعا ولو لم تفصله؛ وإن كان يعتمد على الرّضاع ويأكل ويرضع قبل مضيّهما فهو رضاع؛ وإن اعتمد على الطّعام واجتزى به عن الرّضاع فليس برضاع، وإن لم يتحوّلا. واختار خميس أنّ كلّ ما كان فيهما رضاع؛ وإن فصل.
وروي أنّ امرأة عمدت إلى جارية زوجها فأوجرتها من لبنها فسأل عمر فقال له: عرضت عليك لتوجعنَّ رأس أمرأتك، ولتكوننَّ جاريتك أوَّل من تقع عليها؛ لا رضاع بعد فصال.
فصل
يحرم على الرّجل أن يتزوّج مرضعته، ولو مصّة أو سعوطا، أو وجورا، لأنَّها (1) أمّه، ولا بنته، وهي التي رضعت من لبنه (2)، ولا أخته وهي بنت
__________
(1) () - ب: «لأنَّه». ويبدو أنَّه خطأ.
(2) () - ب: هامش: «لعلَّه لبنها». (5/230)
صفحة 2315
مرضعته، أو من رضع من لبنه، ولا عمّته، ولا خالته، ولا بنت أخيه أو أخته، ولا امرأة من ولد مرضعته كانت بنت ابن أو بنت بنت، ولا ولد ولد الذي رضع من لبنه.
ولا تحلّ له التي رضع من لبنها، وإن جارية؛ ولا من ولدها، وإن سفل.
وقيل: الطّفلة لا يكون لبنها رضاعا، وكذا بالغة لم يمسّها فحل؛ وقيل: فيها رضاع إن كان ينبت اللحم؛ وإن مسّها ولو حراما كان رضاعًا، ولو ماءً إن كان ينبته؛ وكذا عجوز إن مسّها فحل. وله أن يتزوّج أمَّ بنته أو أختِه. وأخو المرضوع (1) له إن يتزوّج مرضعة أخيه.
ولا يحلّ لصبيٍّ رضع لبن رجل أن يتزوّج واحدة من ولده من غير مرضعته؛ وكذا إن كان الرّضيع جاريّة لم تحلّ لأحد من ولد الرّجل.
وإن ولدت امرأة ثمَّ بانت من زوجها، فتزوّجها آخر ولها ابن من الأوَّل فأرضعت من لبن الأخير غلاما أو جاريّة فلا يحلّ أحدهما لأحد من ولد الأوَّل؛ ولابأس أن يتزوّج من ولد الأخير من غير المرأة، لا من ولدها.
والجمع في الرّضاع كالجمع في النّسب، وقد مرَّ.
ومن زنى بامرأة فأرضعت جاريّة حرمتا عليه.
وإن دخلت امرأة محلَّة فأرضعت صبيانا فيها، فخفي ذلك على أهلها وقد علموا بالرّضاع جازت مناكحة القوم، إلاّ من علم أنَّه أخ لآخر؛ ومنعها بعض.
ولو أنّ شيخا رضع مرضعة جارية لجاز له نكاح إحداهما لأنّ لبنها ليس له بغذاء.
__________
(1) () - ب: هامش: «صوابه: المرضَع». (5/231)
صفحة 2316
فصل
يصحُّ الرّضاع بوجهين:
ــ بقول المرأة: إن الرّضيع رضعها وأحسّت بلبنها يتحلّب منها إلى فمه.
ــ وبشهادة عدلين أنَّه يرضعها وظهر في طرفي شفتيه كالزّبد، فهذا هو العلم الذي يحكم به؛ فأمَّا المصّ دون ظهور اللبن فلا يوجب رضاعا، لأنَّه قد يمصّ ولا ينحدر له لبن، إلاّ أنَّه شبهة. ولا يحكم إلاّ بالصّحّة أو بإخبار المرضعة عن علمها بانحدار اللبن منها ومصّ الصّبيّ له، فلها أن تخبر به وتشهد. ويقبل قولها إن كانت عدلة.
ومن رضع ميتة فلا يتزوّج بنتها، وهو رضاع إذا أخرج من ثديها شيء ولو لم يعرف ما هو؛ وقيل: لا.
وإذا ألقم الصبي ثدي ثيِّب ومصّه وقعت شبهة، والرّضاع أولى به، وتركت الشّبهة. فمن حلبت لبنها فطبخته في أرز فأكل منه صبي أو شرب من مائه فشبهة، ويكون رضاعا، إلاّ إن جفّ الأرز جفوفا لا تلحقه رطوبة منه [328] وتغيَّر واحتمله الأرز وذهب عينه واختير الاحتياط؛ وقيل: لو قطرت قطرة من لبن امرأة في بئر فشرب منها صبي لكان رضاعا؛ وقيل: إن استهلكت عين اللّبن ولوَّنه وغلب عليه الماء؛ ولا ــ قيل ــ إن كان الماء أكثر.
وإن رضع صبيَّان لبن غير أمّهما فلكلٍّ أن يتزوّج أمّ الآخر؛ وقيل: إذا رضع الصّبي لبن امرأة ثمَّ دسعه كان رضاعا وكذا إن سعط منه (1)، لا حقنه في دبر، ولا قطره في أذن.
ومن له امرأتان أرضعت إحداهما غلاما والأخرى جارية فلا يتناكحان، لأنَّهما أخوان من الأب.
__________
(1) () - ب: «عنه». (5/232)
صفحة 2317
ومن تزوّج صبيّة فأرضعتها أمّه من رضاع أو نسب بلبن أبيه منه أيضا فإنَّه يفرّق بينهما، ولها نصف الصّداق، ويرجع به على مرضعتها إن تعمّدت فسادا بينهما؛ أبو عبد الله: تنتظر حتَّى تبلغ؛ فإن رضيته فرِّقا ولها للنصف (1)، ويرجع به على تلك، ولا صداق لها إن ماتت قبل البلوغ، ولا يرجع به (2) عليها إن لم تتعمّد الفساد أو أخطأت فيها، ويقبل قولها إن لم يظهر منها.
وإن تزوّج صبيّة ثمَّ عمّتها فسد نكاح العمّة؛ فإن دخل بها فرّقا، لا إن أرضعت الصّبيّة أمّها لأنَّها كانت محرمة من العمّة؛ وقال أبو عبد الله: يوقف نكاحها إلى بلوغ الصّبيّة، ولا يطأ العمّة حتَّى تبلغ فإذا رضيته فلها النّصف وفسدت العمّة ولا لها صداق إن لم يمسّها وإلاّ تمّ نكاحها إن لم يمسَّها، وإلاّ فسدتا معا.
وإن تزوّج صبيَّتين فأرضعتهما امرأة فسدتا عليه ولكلّ عليه نصف ويرجع به على مفسدتهما عليه إن تعمّدت. وإن تزوّج ثلاثا فأرضعتهنّ مترتّبات كالأولتين حرمت عليه الأولتان إذ صارتا أختين وصارت الثالثة أختا لهما بعدما بانتا منه ولا تفسد عليه؛ وإن جمعتهنّ في الرّضاع فسدن معا ويجدّد لمن شاء منهنّ إن لم يمسَّهنّ. وإن تزوّج امرأة وصبيَّتين فأرضعتهما مفترقتين (3) ولم يدخل بها فارقها والأولى ولا مهر لها لأنَّها المفسدة على نفسها وللأولى نصفه ويرجع به أيضا عليها إن تعمّدت الفساد، والأخيرة زوجته ولا تحلّ له المفسدة أبدا لأنَّها أمها، وتحلّ له الأولى إن فارق الأخيرة أو ماتت؛ وإن دخل بالمرأة حرم عليه الكلّ أبدا ولها عليه مهرها، ولكلّ منهما نصفه، ويرجع به عليها كما مرّ، أمَّا المرأة فلأنَّها صارت أمًّا، وأمَّا هُمَا فلأنَّ كلاًّ منهما صارت بنتا لأمٍّ قد دخل بها، والبنت لا تحلّ له إن دخل بأمّها ــ كما مرّ ــ وإلاّ جازت له إن ماتت أو فارقها، ومنعها أبو عبد الله مطلقًا.
__________
(1) () - ب: «ولها نصف الصداق». ويبدو أنَّه أصوب.
(2) () - ب: «بها».
(3) () - ب: «متفرِّقتين». (5/233)
صفحة 2318
فصل
أجمعوا على قبول شهادة أربع في الرّضاع لا أقلّها عند الشافعي، وأجاز قوم اثنتين وبعض واحدة مرضية وتستحلف؛ وقيل: رجلين أو واحد وامرأتين ولا يلتفت أهل العراق ــ كما مرّ ــ إلى النّساء وإن (1) كثرن ولا إخبار المرضعة ولو أمينة، وأجاز أصحابنا شهادتها إن كانت عدلة ولو بعد النّكاح، وتردّ من غيرها بعد الدّخول ويؤمر بقبوله قبله لا وجوبا؛ وجازت من عدلين عن مرضعة إن ماتت أو جنّت أو غابت لا دون ذلك؛ وردّ ابن عليٍّ شهادتها بعد العقد إلاّ إن كانت عدلة، قال: لأنَّ الرّضاع قد كثر، ولم يخالفه أهل عصره وصدَّق بشير المرضعة ولو مجوسيّة إن لم تتَّهم، قال: وكذا الأمة العدلة. وتردّ شهادة الذمِّيِّين إلاّ في هذا؛ وقيل: إن الأمة الكتابيّة مصدّقة إن لم تتّهم.
بشير بن محمّد: من قالت له امرأة إنَّها أرضعته قبل فصاله بلبن فلان أمر بإجازة قولها قبل الدّخول لا بعده، إلاّ إن كانت عدلة، ولم يجب قبوله فيه، ولا أن يكونوا به محارم في النظر والولاية دون ارتفاع الرّيب ووقوع الشّهرة في هذا الخبر؛ فإن رجعت عنه سقطت الحرمة ولا يقبل قولها إن رجعت إليه بعد الدّخول ولا الشّهادة عنها.
أبو عبد الله: إذا شهدت امرأة برضاع بين رجل وزوجته بعد العقد فقال: أصدقها ولا أقيم على شبهة ولم يدخل بها؛ فإن صدّقت أيضا هذه الشّهادة وأرادت الخروج من الشّبهة ولم تأخذ منه صداقا فذلك إليها؛ وإن حاكمته لزمه أن يطلّقها ويعطي لها نصفه؛ وإن أراد المقام معها فلا نحرِّمها عليه حتَّى تكون الشّاهدة عدلة وكذا لو شهدت معها أخرى فذلك باطل لا يجوز حتَّى يشهد عدلان أو عدل وعدلتان، ثمَّ لا يحلّ لهما أن يقيما على نكاحهما؛ وإن رفع إلى السّلطان فرّق بينهما والنّسب ثابت؛ فإن دخل بها أو نظر فرجها أو مسّه فلها كأوسط نسائها؛ وقال
__________
(1) () - ب: «ولو». (5/234)
صفحة 2319
بعض: لا بأس بالمسّ والنّظر.
هاشم: تزوّج رجل امرأة وحضرت أختها عرسها ودخل بها ثمَّ قالت: قد أرضعتكما [329] فردّ أبو عثمان قولها.
أبو عبد الله: من تزوّج امرأة ثمَّ أخرى فقالت الأولى أرضعتكما فلا يصدّقها ولو عدلة؛ فإن قالت ذلك عند عدلين قبل أن يتزوّجها صدّقت إن كانت عدلة.
فصل
من أقرّ بامرأة أنَّها أخته أو أمّه من رضاع ثمَّ أراد أن يتزوّجها، وإن ثبت على إقراره وقال: هو حقّ، فرّقا إن تزوّجها؛ أبو عبد الله: لا يقبل رجوعه عنه إن كذّب نفسه ولا تحلّ له، ويقبل إقراره في الحرمة للأمِّ لا عليها في صداقها؛ وكذا إن قال: هي بنتي من الرّضاع؛ وإن أقرّت المرأة بذلك وأنكر الزّوج، ثمَّ أكذبت نفسها وقالت: أخطأت، وتزوّجها، فقيل: جائز؛ أبو عبد الله: لا يقبل قولها عليه إن لم يصدّقها ولم تكذِّب نفسها، وعليها الفداء منه إن صدّقت؛ فإن أكذبت نفسها قبل قولها ولا عليها؛ وإن قالت: هو أخي أو أبي أو ابني من رضاع ثمَّ تزوّجها قبل أن تكذّب نفسها جاز النّكاح، ولا تصدّق في قولها لأنَّها ليس بيدها شيء من أمر الفراق؛ واختار أبو عبد الله أن لا يتزوّجها ويؤمر بتركها ولو أمة أو مشركة، ولا نحرمها عليه إن تزوّجها؛ وفرّقا إن شهد عدول.
وإن قال هذا القول رجل وأشهد عليه ثمَّ تزوّجته، ثمَّ قال: هي أختي من الرّضاع، ثمَّ قال: وهمت أو أخطأت وليس الأمر كما قلت، استحسن أن لا يفسد نكاحهما، والقياس فساده قال: ألا ترى أنَّه لو كان عند أعمى امرأته وأخته من رضاع فأرادها فأخطأ بامرأته فقال: هذه أختي منه، ثمَّ قال: أخطأت لصدَّقته؛ أبو عبد الله: إنَّه ليس كمبصر في هذا، لأنَّه له الرّجوع عن إقراره ولا يجده المبصر ولو (5/235)
صفحة 2320
قال: وهمت أو نسيت، ولو لم تدع هي ذلك؛ وإن قال لعبده أو أمته: هذا ابني أو بنتي أوقعت العتق وأخذت بالقياس في هذا وتركت الاستحسان.
ولو قال لامرأته وهي معروفة النّسب هذه بنتي من نسب وثبت عليه، لم يفرّقا، وكذا لو قال: أمِّي وقد عرفت؛ ويصحّ خلاف ما قال؛ وكذا في الأخت وغيرها، ولو قال: هي بنتي ولا يعرف لها نسب ومثلها يولد لمثله وثبت على ذلك فرّق؛ وإن أقرَّت (1) أنَّها بنته من نسب ولم يصدّقها فلا يفرّقا؛ أبو عبد الله: نعم إذا صحّ أنَّها أكبر منه، ألا ترى أنَّه لو قال لامرأته صبيّة: هذه جدّتي لم يفرَّقا؛ وكذا لو قال: أرضعتني.
أبو عبد الله: إن باعت امرأة عبدها ثمَّ ادّعى أنَّه رضيعها فطلب يمينها فأبت أو صدّقته فلا يقبل قولها على المشتري في الرّضاع بينهما، ولو أقرّت به بعدما باعته أو بادلته، إلاّ إن شهد عدلان أنَّها تقرّ بذلك قبل ذلك، فإذا صحّ إقرارها ردّ عليها ويرجع عليها المشتري بالثّمن. وإن شهدت عدلة أنَّها أرضعتهما انتقض البيع ورجع إليها.
ابن بركة: إن أقرّت امرأة أنَّها أرضعت ولدها ثمَّ قالت: لم أرضعه، قبل قولها الأخير.
وجازت شهادة المرضعة ولو لم تسأل عنها وليست في الرّضاع كالشّهادة في الأصول. ابن سعيد: لا رجوع لشهادة بالرّضاع.
فصل
سعيد بن العاص: «يا معشر قريش استرضعوا في العرب، فإنَّ اللبن يعدي، لقد رأينا أهل بيت من قريش استرضعوا سوداء فما زلنا نرى ذلك في أخلاقهم».
__________
(1) () - ب: «أقرَّ». (5/236)
صفحة 2321
وعن عمر: «إنَّ اللبن يعود إلى الشّبه»، يريد أنّ الرّضيع (1) ربّما نزع به الشّبه إلى المرضعة، ومن ثمَّ قيل: لا تسترضعوا إلاّ من ترضون أخلاقه وعفافه.
أبو الوليد: للرّجل أن يسترضع كتابيّة، وتوقّف في مجوسيّة.
ولا بأس لمجنبة أن ترضع ولدها قبل الغسل، وندب لها أن تغسل حلمتها ثمَّ ترضعه.
ومن تزوّج ذات ولد من غيره فلا يمنعها أن ترضعه إلاّ إن كانت غنيَّة وله مرضع غيرها؛ وقيل: ليس له أن يمنعها صغارها حتى يكفوّا أنفسهم.
فصل
يكون اللبن لمجنون إن مسّ بالغة، ولعبد ومشرك، لا لطفل؛ ويكون لناكح فاسد، ولواطئ في دبر أو فيما دون، أو في حيض أو نفاس، أو بزنى؛ لا لماسٍّ فرجا بيده، ولا لناظر باطن جسد، ولا لمجنون ولا لواطئ في نكاح حرام بعمد.
ويقطع الزّوج البالغ اللبن إذا مسّ مسًّا تامًّا فيصير (2) له؛ وقيل: لا ينقطع لبن الأوَّل حتَّى تحمل المرأة؛ وقيل: حتَّى تضع. وكلّ مسٍّ يثبت به اللبن فهو قاطع للبنِ (3) غيره إلاّ المسّ فيما دون، فإنَّه يثبته ولا يقطعه، ولا مسّ طفل، ولا بزنى، ولا بنكاح محرّم عمدًا كنكاح خامسة، أو في عدّة؛ ويقطعه بنكاح فاسد.
والرضاع المحرِّم للنّكاح هو أن تسقيه الصّبيَّ، أو تجعله في أنفه فوصل جوفه ولو قاءه، والزبد كاللبن؛ وفي المنجوس قولان. والمغصوب والمسروق رضاع، [330] ولبن الرجل لا يكون رضاعًا. والمشركة والأمة إذا مسَّهما فحل بحرام فهو رضاع لا
__________
(1) () - ب: «الرضاع».
(2) () - ب: «فيكون».
(3) () - ب: «لبنَ». (5/237)
صفحة 2322
يجاوزهما كالحرّة الموحّدة؛ وقيل: يجاوزهما، ومعنى كونه لا يجاوزهما، هو أنَّه لا يتعدّاهما إلى بناتهما وأمَّهاتهما.
ولا ترضع امرأة غير ولدها إلاّ بإذن زوجها أو من له لبنها، وإذن أبي الطفل أو وليّه إن (1) مات أو جنّ؛ وإن اضطرّ أرضعته ولو نهوها؛ وقيل: «لأنْ تجعل ثديها في فم حيّة خير من أن تجعله في فم صبي بلا إذن». ولا ترضع ولدها من الأوَّل من لبن الأخير إلاّ بإذنهما، ولا ابن ابنها إلاَّ بإذنه وإذن صاحب اللبن، وكذا بنت بنتها وكلّ ذي محرم منها؛ وإن كان زوجها طفلا أو مجنونا فلا ترضع أحدا إلاّ باضطرار؛ وإن كان عبدًا استأذنته ومالكه؛ وقيل: لا تحتاج إلى إذن العبد؛ وإن كان مشركا استأذنته، وكذا إن ارتدّ. ولا ترضعه إن مات أبو الطّفل إلاّ بإذن الوليّ؛ وقيل: لا ترضعه بإذنه، ولا إن فارقت زوجها إلاّ بإذنه، ولا طفلا إلاّ بإذن أبيه إن كان ممّن له الإذن، وإلاّ فلا يجوز إذنه، وكذا وليّه إن لم يكن له أب.
ولا ترضع أمةٌ صبيّا إلاّ بإذن أبيه وإذن ربّها وزوجها.
وندب للرّجل أن يسترضع لولده مسلمة عفيفة عريقة ذات حسب؛ ولا تحلّ له مجوسيّة ولا مرتدّة ولا وثنيّة، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا ترضع لكم الحجفة، فإن لبنها يفسد ولو بعد حين». ولقوله: «هممت أن أنهى عن الغيلة فذكرت أنَّ فارسا والرّوم يفعلون ذلك ولا يضرّهم».
ولا يسترضع لولده مجذومة ولا برصاء ولا كلَّ عليلة تضرُّه أو لبنها؛ وإن أرضعن ولم يخبرن بعيبهنَّ فأصيب الرّضيع ضمنَّ.
فصل
من تزوّج أخته من رضاع كفر، ولا يثبت نسبه إن علم، وإلاّ وقد علمت ثبت ولا صداق لها؛ وإن لم يعلما ثبت أيضا وأصدقها، ويرجع به على الأب إن علم ويعاقب.
__________
(1) () - ب: «إذا». (5/238)
صفحة 2323
ومن خطب امرأة فقال أبوه: مسستها فلا يتزوّجها، وكذا إن قال: رضعت لبنها، وكذا كلُّ من لا يتزوّج ما مسَّ. وإن اختلط ذو محرم ــ وإن من رضاع ــ مع غيره فلا يتزوّج من ذلك حتَّى يفرز، وكذا ما أرضعتا، ولا ما أرضعته الخنثى لا يتزوّج من لا يحلّ له لو كان أنثى.
ومن خطب امرأة إلى أبويها فقالا له: قد رضعت من لبنك كعكسه أو من لبن من يحرم عليه نكاح ما ولد، فلا يتزوّجها ولو كذَّبا أنفسهما بعد. وكذا لو قال له ولو أمينة أو غيرها: إنَّها أختك، وذلك قبل النّكاح ولا يشتغل بهم بعده إن حضروه ولم يدَّعوا النّسيان، وإلاّ أو ادَّعوه فرِّقا. وإن قالت له امرأة أرضعتك أو رضعت معك فلا يتزوّجها؛ وفي مصافحتها في الأوَّل قولان؛ ولا يشتغل بها إن قالت له ذلك بعد النكاح، ولتفتَدِ إن صدّقت.
ومن تزوَّج بالغة ثمَّ طفلة فأرضعتها قبل أن يمسَّ واحدة منهما فارق الكبيرة؛ وإن اتّحدت العقدة فارقهما معا، ويجدّد للصغيرة؛ وإن مسّها فارق الكبيرة؛ وإن مسّهما الصّغيرة؛ وقيل: حرمتا؛ وإن مسّ الكبيرة فارق الصّغيرة.
وإن تزوّج بالغة ثمَّ طفلتين فأرضعتهما قبل أن يمسّ واحدة منهما؛ فإن أرضعت واحدة فارق الكبيرة وأمسكهما؛ وإن أرضعتهما استأنف لواحدة؛ وإن مسّ الكبيرة لا هما أمسكها وفارقهما، وكذا إن مسّهما فأرضعتهما؛ وإن مسّهما دونها فارقها وجدّد لواحدة منهما؛ وكذا إن مسّ واحدة منهما؛ وإن تزوّج عليها ثلاثا فقد مرّ؛ وإن تزوّج أربعا فأرضعتهنّ أجنبيّة مفترقات (1) بطل نكاحهنّ ويستأنف لمن شاء؛ وقيل: يختار من شاء على الأوّل. وإن تزوّج طفلة فأرضعتها من يحرم عليه نكاح (2) ما أرضعت حرمت عليه ويصدقها ولو لم يمسها ويرجع به على مرضعتها إن تعمدت التحريم، لا إن أرادت تنجيتها، أو أكرهت عليه؛ وإن كانت أمة كذلك فتعمّدته أدرك على ربّها ما دون قيمتها.
__________
(1) () - ب: «متفرِّقات».
(2) () - ب: - «نكاح». (5/239)
صفحة 2324
الباب الرّابع والخمسون
في الصّداق ومقداره والجائز وغيره
قال الله تعالى: {وَءَاتوا النِّسآءَ صَدُقاتِهنَّ نِحلةً} (النساء: 4)، هبةً من الله وعطية لهنَّ بعد أن كان المفروض للمرأة في الجاهليّة يأخذه وليّها دونها، فأمر المؤمنين أن يوفّروا لكلٍّ صداقها، لأنَّه أجرة لها لقوله تعالى: {فانكِحوهنَّ بإذنِ أهلِهنَّ} الآية (النساء: 25).
وقد جرت السنّة وصحّ الإجماع على لزومه على الرّجال، وقد استفاض أنَّه لا يصح النّكاح إلاّ به. واختلف في قدره، فقيل: يجوز وإن بقليل، إذ لا حدّ له في الكتاب، ولما روي: «هو ما تراضى عليه الأهلون». ويستحبّ تخفيفه لما روت عائشة: «أعظم النّساء بركة أيسرهنَّ مؤنة».
[331] وأجاز النكاحَ على خاتم من حديد، وقد زوّج رجلاً بامرأة (1) على تعليم ما عنده من القرآن، ونجوز الأجرة في الصّداق لقوله تعالى: {إنِّيَ أريدُ أنُ انكِحَك إحدَى ابنتَيَّ} الآية (القصص: 27).
ويجب بإيقاع التزويج؛ ولها أن تمنع نفسها حتّى تقبض عاجله إن شُرط.
وقيل: لم يُصدِق واحدة من نسائه اكثر من اثنى عشرة أوقية ونشر، وهو نصفها. واختلف في النواة فقيل: عشرة دراهم؛ وقيل: خمسة، وقيل: ثلاثة وثلث. وأجاز أبو أيوب النكاح بخمسة دراهم؛ وقال موسى: أقلُّ ما يجوز به عشرة، وعند الجمهور أربعة، ولم يفرِّق ابن عليٍّ نكاحا وقع على درهمين وتوقّف فيه، وأجازه
__________
(1) () - ب: «بامرأة رجلاً». (5/240)
صفحة 2325
بشير على أربعة، وأبطله إن كانت مزيَّفة.
وروي عن ابن عمر: «من أصدق فوق ما أصدق النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم عاقبته»، وأنَّه ما أصدق نسائه ولا واحدة من بناته أكثر ممّا مرّ، ولو كان غلاء المهور مكرمة لخصَّه الله به؛ وقالت امرأة يأبى الله أن يجعل ذلك إلى ابن الخطّاب وهو يقول: {وءَاتَيْتُمُ, إِحداهنَّ قنطارًا} (1) الآية (النساء: 20). فقال عمر: «أصابت المرأة وأخطأ الأمير»؛ وفي رواية: «رحم الله عمر كلٌّ يخصم عمر حتَّى المرأة». واختلف في القنطار فقيل: هو ألف دينار؛ وقيل: ألف ومئتان؛ وقيل: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة أو منهما.
ابن بركة: لا ينعقد النّكاح بأقلَّ من عشرة دراهم، والاتِّفاق من الكلّ على جوازه بهذا القدر، وفيما دونه خلاف، والاتِّفاق حجَّة دونه. وجاز على مجهول غنما كان أو عبيدا أو نخلا أو غير ذلك، وما ذكر فيه ثبت به، وللمرأة الوسط من ذلك. وكلّ من لم يسمّ رجع إلى المثل في السنّ والحسن والبكارة والبلد والعصر والمال، ومثل المرأة عصباتها.
وإن تزوّج على دينار أو درهم جاز، وكذا على حقّ عاجل وآجل؛ قيل: إنَّ عمر تزوّج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ بأربعين ألف درهم وأصدق ابن عمر صفيّة عشرة ءالاف، وكان يزوِّج بناته عليها، وتزوّج الحسن ابن عليٍّ امرأة وأرسل إليها مائة جارية، ومع كلٍّ ألف درهم، وتزوّج عبد الله بن العبّاس شميلة على عشرة ءالاف، وكذا أنس بن مالك.
ولا يجوز ــ كما مرّ ـ لامرأة (2) أن تهب نفسها لرجل بلا صداق وبلا وليّ وشاهدين، وهومن خصوصياته صلَّى الله عليه وسلَّم.
__________
(1) () - أ: أورد الآية خطأ هكذا «وإن آتيتموا إحداهنَّ». وفي ب: «وءاتيتموا».
(2) () - ب: - «لامرأة». (5/241)
صفحة 2326
فصل
من تزوّج وشرط على الوليّ البكارة فلم يجدها ثبت النّكاح كما مرّ وحطَّ عنه بقدر نقص صداق الثيِّب؛ وقال بعض: لا يلزمه سؤالها؛ فإن أراد الإقامة معها وسعه ويحسن بها الظنَّ؛ وقيل: لها كامل إلاّ إن شرطت هي له أنَّها بكر فيحطُّ عنه الزائد؛ فإن مات قبل أن يدخل بها، فإن أقرّت بما شرطت له أو بيَّن عليها، أو طولبت باليمين فنكلت فلها كثيِّب مثلها وإرثها منه.
ومن تزوّج امرأة فمكث مدة يصيبها فيما دون ثمَّ طلّقها؛ فإن نظر فرجها أو مسّه فلها عليه صداقها ولا عدّة عليها، لأنَّه لم يفض إليها؛ وقيل: ليس لها بالنظر إلاَّ نصفه؛ وفي الضياء: في النظر خلاف، وفي اللمس الصداق بلا خلاف؛ قلت: ينافيه ما مرّ، غير بعيد أنَّ النظر والمسّ لابأس بهما عند بعض وليس ــ قال ــ في غير زوجته في النظر صداق بلا خلاف، وبه في المسّ.
ومن نظره غصبا ففي وجوبه عليه خلاف، لا إن اغتال وفي موضع. وأجمعوا أنَّه إذا مسّه لزمه وفي النظر خلاف. أبو حنيفة: يلزمه إذا دخل بزوجته (1) مع اعترافها أنَّه لم يطأها؛ وإن مسّ دبرها ــ وإن بذكره ــ ثمَّ طلَّقها لم يلزمه.
ومن وطئ غير زوجته فيه لزمه لها، ولا نبرّئ من وطئ زوجته فيه ولو لم يمسَّ قبلها، ولا نظره من الصّداق؛ وقيل: لم يلزمه لها كامل؛ وإن نظر بطنها وشعرها ثمَّ طلّقها قبل الدّخول فلها نصفه، ولا عدّة عليها، ولها عند ابن محبوب نصفه أيضا إن أدخل إصبعه في دبرها.
ومن تزوّج على مائة ثمَّ أشهد على ثمانية زيادة على المائة ثمَّ طلّقها قبل المسّ فلها نصف المائة والثمانية.
__________
(1) () - ب: «على زوجته». (5/242)
صفحة 2327
فصل
اختلف في دخول الرجل بالمرأة قبل أن يعطيها شيئا من مهرها، فقيل: لا يدخل عليها حتّى يعطيها شيئا، وذلك عن ابن عباس وابن عمر ومالك؛ ورخّص بعض فيه. وأجمعوا (1) أنَّ لها أن تمتنع منه حتّى يعطيها العاجل، إلاّ إن أخبرته برضاها؛ فإن أجازته على نفسها به ثمَّ طالبته بالصّداق فقال الشافعي: ليس لها أن تمتنع منه ما دام ينفقها؛ وقال أبو حنيفة: لها ذلك حتىّ يعطيها مهرها.
وقال هاشم: من تزوّج بمال ولده فلها ما استحلّت به، ويأخذ من مال أبيه مثله؛ وإن تزوّج بمال أبيه بلا إذنه ولا رضاه فأخذ الأب ماله وقد استحلّها به ولده فلا يجد قبضه إن دفعه إليها.
أبو الحواري: من تزوّج امرأة على أن يكريها نفسه سنة ودخل بها عليه فلها عليه كمثلها؛ وإن وقف حتّى يكريها نفسه سنة ويسلِّمه إليها ودخل بها بعد ذلك جاز؛ [332] وإن تزوّجها على أن يسكنها دارا سنة وقبلت جاز؛ وإن كانت الداّر أجرتها أربعة دراهم فصاعدا.
وإن جرحت امرأة رجلا فله أن يتزوّجها بأرشه إن علم كمّيته، وأجمعوا على جواز النّكاح وانعقاده بلا عوض صداق مذكور، ولها إذا رضيت بالنّكاح كمثلها.
ولا يستباح فرج بلا صداق. وأيُّما رجل خدع امرأته على صداقها فأعطته إيّاه ثمَّ طلّقها فليردَّ لها ذلك عند بعض.
ومن تزوّج امرأة بشهود ثمَّ طلّقها قبل أن يعلم وليُّها بنكاحها فيمضيه أو ينقضه فلا مهر لها إن شرطت رضاه، وإلاّ أدركته.
__________
(1) () - ب: + «على». (5/243)
صفحة 2328
فصل
من تزوّج بكذا وكذا قفيزا أو صاعا من دراهم أو دنانير ففي الجواز قولان؛ وكذا بدينار وحبَّتين، أو إلاَّ حبَّتين، أو إلاَّ قراطًا، أو إلاَّ درهمًا، أو إلاَّ ربعا أو نصفا أو بعطف ذلك؛ وإن تزوّجها بكذا وكذا دينارا رديئًا أو فاحشًا ففيه قولان.
وإن تزوّجها بدين له عليها أو على غيرها أو بوديعة عندها أو عند فلان جاز إن علمت، وكذا البضاعة والقراض، فالمال لها ورب المال ضامن للمقارض منابه من الربح؛ وقيل: ليس لها منابه منه. وكذا بدينار في (1) موضع كذا جاز إن عرف. وفيما بيد الغاصب قولان.
وإن تزوّجها بحرام فلها كمثلها إن علمت، وإلاّ فلها مثله (2) وكذا في مكيل أو موزون، ولها العوض في غيرهما فيما يمكن فيه، وإلاّ فالقيمة؛ وإن تزوّجها بحلال وحرام فقيل: تأخذ الحلال فقط؛ وقيل: تأخذه وقيمة الحرام؛ وقيل: لها صداقها المثل؛ وكذا في معلوم ومجهول. وإن تزوّجها بنصف هذه الدّراهم أو هذه الدّنانير جاز؛ وإن تزوّجها بمائة أو خمسين لم يجز؛ وقيل: جائز ولها الأوَّل؛ وقيل: أيُّهما شاءت؛ وقيل: نصف الكلّ. وكذا إن قال: بهذا أو بهذا أو بدنانير حسنيَّة أو مرابطيَّة ولها نصفهما.
وإن تزوّجها بعدد أشياء معلومة أو بوزن كذا دنانير أو دراهم جاز، لا إن بوزنها هي ولها المثل؛ وإن تزوّجها بكذا أوقيَّة من مسك أو زعفران أو عنبر أو فلفل، أو بكذا رطلا من شحم جاز إن سمّى جنس الشّحم. وإن تزوّجها بكذا ملحفة أو ثوبا أو جزَّة أو مقنعة فقولان؛ وإن تزوّجها بكذا قفيزًا من حبّ أو تمر جاز إن عيَّن العيار، وإلاّ فبعيار بلد العقد؛ وإن كانت فيه عيارات فلها المثل إن لم يعينا واحدًا؛ وقيل: تأخذ بالأوسط؛ وقيل: من كلٍّ نصفا إن كان فيه عياران وثلثا في ثلاثة
__________
(1) () - ب: - «في».
(2) () - ب: «وإلاَّ فمثله». (5/244)
صفحة 2329
وربعا في أربعة.
وإن تزوّجها في سفر أو بلد لا عيار فيه فبعيار السّوق إن كان لهم، وإلاّ فبالأقرب إليهم وفي السفر (1) تأخذ بعيار بلدهما إن اتّحد؛ وإن كانا من بلدين عيَّنا عيارا، وإلاّ فلها المثل، أو بعيار بلد الزّوج؛ وإن كانا في غير بلدهما فبعيار بلد العقد، وجاز بهذا أو بعيار فلان؛ فإن تلف فلها ما سمَّى ومرجع المجهول إلى المثل. وإن قال: بكذا قفيرا من طعام ولم يعيِّن النّوع أخذت بقدر كلٍّ من الستَّة؛ وقيل: من البرّ والشعير معًا (2)؛ وقيل: من أحدهما. وجاز بكذا قفيزًا من فول أو حمص أو عدس أو ثوم أو بصل أو زريعة قطن أو كتَّان، أو بكذا رطل من ذلك، ومن حنا أو ريحان، أو بعدد كذا من رمّان أو بيض ونحوهما ولها الأوسط؛ وقيل: قيمته؛ وقيل: ما يصدق عليه الاسم، أو بكذا وكذا من ضأن أو معز أو بقر أو إبل أو خيل أو بغال ونحوهما، وتأخذ ما بدل الأسنان، وقيل: لا يجوز حتَّى يسمّيها؛ وإن قال: بكذا وكذا شاة أعطاها غير معيب ممَّا شاء؛ وقيل: نصفا ذكرا ونصفا أنثى؛ وإن قال: من غنم فلها الأوسط منها؛ وإن كان له بعض ممّا سمّى دون بعض أتمّ لها عدده؛ وقيل: تأخذ ما عنده ويسقط عنه ما ليس عنده؛ وقيل: المثل وكذا إن لم يكن له غنم؛ وقيل: لها ما سمَّى؛ وإن عين الأسنان دون السّنين جاز كعكسه. وإن تزوّجها بمائة شاة من هذه الغنم إلاّ عشرة منها أو بذكورها أو إناثها أو سمَّى لونا منها أو بغنمه التي في كذا، أو بكذا شاة مصوّفة أو غير مصوّفة أو عواقم أو ذوات لبن أو مرضعات، وسمَّى ما لخرفانها من الشّهور، أو بكذا خروفًا أو جديا أو عجلا أو فصيلا ونحو ذلك جاز؛ وإن لم يسمِّ لها الشّهور، لا إن قال: بخروف سنتين أو بكبش شهرين ونحو ذلك. وجاز بكذا شاة هرمة أو هزيلة أو سمينة ونحو ذلك، أو بهذا الظّبي أو الوعل وغيرهما من الصّيد إذا ملكه. وفي المكروهات قولان. وإن قال بهذا الثّور فأشار إلى معيّنة فإذا هي
__________
(1) () - ب: «السفار».
(2) () - ب: - «معًا». (5/245)
صفحة 2330
خنزير فلها [333] صداق المثل، وكذا في غيره إذا قصد إلى معيّن فسمّاه باسم غيره فخرج خلافه؛ وقيل: تأخذه إن كان حلالا.
فصل
من تزوّج امرأة بهذا العبد أو بكذا خادما جاز، ولها في الخادم البالغ ولو أنثى، ولها ما سمّى من ذكر أو أنثى أو من قبيلة معيّنة أو جنس؛ وإن قال: بكذا عبد فلها الذّكر، وبجارية أنثى، وكذا بوصيف أو وصيفة. وجاز التّعيين بالأشبار وبجارية لا تلد أو حامل أو عرجاء أو عمياء أو مقعدة أو هرمة أو برصاء أو نحو ذلك، لا إن قال: لا تموت، وجوِّز وتأخذ جارية؛ ولا بعبد آبق أو مغصوب أو مدبر وجاز بمعين مريض مشرف على هلاك أو جريح أو عليل إن قبلته، وبجان أو واجب (1) عليه قطع ولو لم تعلم به، لأنَّ الصّداق لا يردّ بعيب؛ وقيل: لا شيء للزّوج في الجاني لأنَّه استغرق رقبته، ووجب لوارث القتيل وللمرأة قيمته؛ لا إن تزوّجها بهذه الجاريّة على أن يردّ هي له كذا وكذا دينارًا أو درهما، ولا بجاريتها هي على أن يردّ هو لها ذلك؛ ولا بكذا وكذا جارية من مالها هي، وكذا جميع مالها ولو معيَّنًا، ولها في ذلك كمثلها، وقيل: قدر ذلك من ماله هو بمثل أو عوض أو قيمة، ولا إن شرطت له جارية من مالها أو غيرها (2) من كلّ ما ينعقد به النّكاح.
وإن تزوّجها بمعيَّن فخرج أخاها من رضاع جاز ولو لم تعلم ولا يحرّر؛ وإن خرج محرما لها بالنسب جاز عليها؛ وإن لم تعلم أيضا وحرّر عليها من مالها؛ وقيل: إن علم الزّوج به لا هي حرّر من ماله وأخذت منه قيمته.
وإن تزوّج امرأتين بمعين فخرج محرما من أحدهما حرّر من مالها إن لم تعلم الأخرى ولا الزّوج؛ وإن علمت أو كلاهما فمن مال المرأتين معا؛ وإن علم هو
__________
(1) () - ب: «بواجب».
(2) () - ب: «غيره». (5/246)
صفحة 2331
دونهما حرّر من ماله هو؛ وقيل: من مال محرمته؛ وإن كان محرما منهما معا حرّر من مالهما معا مطلقًا؛ وإن علمت أحدهما والزّوج فللتي لم تعلم ما نابها ولا سعاية على العبد إن علم دونهم.
وإن تزوّجها بمعيَّن فخرج حرًّا ولم تعلم به فلها (1) قيمته عبدا؛ وإن علمت أخذت كمثلها؛ وقيل: قيمته؛ وإن تزوّجها بعضو منه فلها المثل؛ وقيل: ديّة العضو.
__________
(1) () - ب: «فله». (5/247)
صفحة 2332
الباب السّادس والخمسون
في الصّداق إذا اختلفت النّقود
وللمرأة إن شرطت ما شرطت، وإلاّ فنقد البلد يوم القضاء. نبهان: إن تزوّجها في أيَّام النقاء ثمَّ عاد النقد مزيّفا فلها المزيّف كعكسه؛ وقال أبو المؤثر: لها النّقاء في الأوَّل وفي عكسه أيضا؛ وإن تزوّجها على ألف درهم حلال جاز وهي يوم الحكم؛ وإن تزوّجها على مائة مثقال ولم يعيّن ثبت النّكاح أيضا ولهما كوسط نسائها؛ فإن قال: ذهبا فلها الوسط منه، لأنَّه يكون نقدا ودنانير، والنّقد مختلف أيضا؛ فإن قال: ذهبًا عينًا فهي عند النّاس الدنانير المضروبة؛ وإن قال: مائة مثقال عينا، ولم يذكر الذهب وقع الجهل لأنَّ العين مشتركة فتردُّ إلى أمثالها؛ وإن قال: مائة مثقال تبرًا فالتّبر هو الذهب؛ فإن قال: كذا من ورق فالورق هي الدّراهم المضروبة؛ وإن قال: من فضّة فالفضّة أعمّ فترجع إلى المثل أيضا، ولها الصّداق تامّا فالموت كالدّخول بها. ومن عرض على زوجته أخذ أجله أجبرت على أخذه.
وإن طلّقها بمزاب وقد تزوّجها بالجزائر؛ فإن شرطت عليه لزمه نقد بلد طلّقت فيه ووزنه.
ومن عليه دين يستغرق ماله ولزوجته عليه صداق وطلبته أن يوقف لها منه قدر منابها فلها ذلك، ويأكل هو غلَّة ما وقف لها إلى أن تستحقّه بطلاق أو غيره؛ وقال الأزهر: ليس لها ذلك.
ومن عليه حقّ لزوجته وأراد الحجَّ ولم يحلَّ له ذلك أعطاها حقّها وتجبر على أخذه إن أبت منه إن لم يؤجِّل؛ وإن شرط عليها أنيِّ أحجُّ، فإن متُّ فأنا منه بريء فله شرطه. (5/248)
صفحة 2333
الباب السّابع والخمسون
في أقلّ الصَّدُقات، وصداق المثل
ابن عليٍّ: من تزوّج امرأة ولم يفرض لها؛ فإن طلّقها قبل المسّ فلها المتعة كما مرّ لا صداق، ولا إن مات، ولها الإرث، وهو قول جابر، ولم يصح النّقل عن ابن عباس أنّ لها الصّداق والإرث.
ابن محبوب: من تزوّج امرأة بلا صداق ولم ترض، واختلفا [334] قبل الدّخول بها انتقض ولا طلاق عليه ولا متعة؛ وإن أصاب منها محرَّما أو رآه أو لمسه متعمّدا فلها عليه كمثلها؛ وإن تزوّجها على أن لا يلزمه لها فسد النّكاح لما مرّ من أنَّه لا يباح فرج به بلا صداق. وقال ابن عليٍّ ومخلد: من تزوّج امرأة ولم يفرض لها عليه وليُّها فقال لها قبل أن يمسّها: إنَّه زوّجني بك بلا مهر وقد فرضت لك عليَّ الآن عشرة دراهم، فرضيت فلا لها إلاّ العشرة ولها إن باشرها ولم يقل لها شيئا كمثلها.
ومن تزوّج امرأة وحكم في مهرها بما يجوز به النّكاح منه فذلك إلى حكمه؛ وإن دخل بها قبل أن يحكم بشيء فلها كمثلها؛ وإن تزوّجها برخاء ومسّها بعد رضى منها ثمَّ طلبت كمثلها كان لها؛ وقيل: لها الأقلُّ وهو أربعة دراهم؛ وقيل: فسد النّكاح وحرمت؛ وإن تزوّجها على درهم ورضيت به ومسّها ثمَّ طلبت ذلك فلا تجده عند ابن عليٍّ؛ وقيل: لها أربعة؛ وقيل: إذا سمَّى لها أقلّ منها فلها كمثلها؛ وقيل: إن الصّداق ما تراضيا عليه ــ كما مرّ ــ ولو دانقا.
وسئل أبو سعيد عن متزوّج امرأة بقليل بلا مشارطة بينهما فلمّا جاز بها علمت قلَّة صداقها فلم ترض به وأتمّت النّكاح، فقال: اختلف في ذلك، فقيل: ليس لها إلاَّ فرض الوليِّ؛ وقيل: لها كمثلها، وقيل: إن كانت بكرا، وإن كانت ثيِّبا فلها فرض الوليِّ؛ فإن تشارطا قبل النّكاح على عشرة ورضيت بها فذهب إليه فزوّجه بها على (5/249)
صفحة 2334
مائة فمسَّها وطلبت ما فرض فلها المائة؛ وقيل: لا إلاّ العشرة؛ وإن اختلفا قبل المسِّ فطلبت المائة وأبى هو إلاّ بالعشرة؛ فإن تراضيا على أمر فذاك، وإلاّ انفسخ النّكاح؛ وإن قال لها قبل الجواز: ليس عليّ إلاَّ ما تعاقدنا عليه بيننا من العشرة وفرض الولي باطلٌ فرضيت فلها العشرة؛ وإن تزوّجها على ماله من قرية كذا فرضيت بالنّكاح فلمَّا بلغها ما تزوّجها به قالت: لا أرضى به، فليس لها إلاّ فرض الوليِّ إن مسّت، وإلاّ اختار الفضل كغيره النّقص.
وإن لم تعلم امرأة بصداقها ثمَّ علمت بعد أن مسّت فلم ترض إلاّ بما لمثلها، فقال ابن عليٍّ: لها ذلك وأبو عثمان: فرض الولي فقط؛ أبو الحواري: لها كمثلها إن كانت بكرًا (1)، وإلاّ ففرض الولي وكذا عن أبي المؤثر؛ وقيل: ذلك خاصٌّ بالصبيَّة، وليس للبالغ إلاّ فرضه.
ومن تزوّج امرأة على نفقتها وكسوتها ولم يفرض لها، فإن جاز بها فلها كمثله وإلاّ انتقض؛ وإن تزوَّجها على غير صداق أو بأقلَّ من أربعة توارثا إن مات أحدهما؛ وقيل: عليه صداقها إن ماتت قبل أن يمسَّها ويرثها؛ وقيل: لا يلزمه إن لم يمسّها؛ وإن مات هو ورثته، ولا لها إلاّ ما سمّي لها، ولا صداق لها إن لم يسمّ لها، وكالعدم عند ابن محبوب وجماعة إن سمَّى بأقلَّ من أربعة؛ وقيل: لها ما سميّ ولو دخل بها، وبه قال ابن عليٍّ.
ابن محبوب: من زوّج يتيمته (2) بأقلَّ من أمَّهاتها وجاز بها الزوج، فلمّا بلغت قالت: لا أرضى إلاّ بصداقي تامًّا، فليس لها إلاّ ما فرض لها وعند غيره لها كمثلها، ولا غرم على وليّها.
وإن زوّج وكيل وليٌّ ولم يحدَّ له بأقلَّ من نسائها، فقيل: هو كالوليِّ وليس لها إلاَّ فرضه؛ وكذا قيل في الصبيّ إذا زوّج وليَّته بذلك، فقال أبو الحسن: إنَّه كالبالغ؛
__________
(1) () - ب: «بكر». وهو خطأ.
(2) () - ب: «يتيمةً». (5/250)
صفحة 2335
وقيل: غير ذلك؛ واختلف في الصبية إذا زوّجها صبيّ بذلك، فقيل: إنَّها فيه ليست كبالغة في تزويج صبيٍّ، ولا كصبيَّة في تزويج بالغ؛ وقيل: كلُّ ذلك سواء في الاختلاف؛ وإن زوّج الوليُّ نفسه بذلك بلا علمها أو بأقل ممّا ثبت لها في التزويج ولم يعلمها حتَّى وطئها فلها كأوسط نسائها ولو ثيِّبًا أو بالغة، قال: بلا خلاف نعلمه.
أبو سعيد: إن زوجها الوليّ على غير صداق ثمَّ اتَّفق معها الزوج على ما يجوز في النكاح قبل الدخول بها فالنكاح والرضى بالصداق لها لا للوليِّ؛ وإن لم يذكره عنده، وقال الزّوج بعده: حقّها كذا وكذا ممّا جاز به ودخل بها قبل أن تعلم به فلها كمثلها، واختلف فيه كما مرّ، فقيل: لها مثلها في الجمال والسّن والنّسب والبلد والزمان والغنى والعذر (1) والدين والخلق والصنعة؛ وقيل: مثل أمَّهاتها وعمَّاتها ولها كأوسطهنَّ، والفرق بين صداقهنَّ وصداق مثلها أنَّه قد تكون نساؤها أفضل منها ويكون صداقهنَّ أكثر منها وأقلَّ منها في قدرها، فمن هنا اختلف صداق مثلها وصداق نسائها؛ وقيل: إن تزوَّجت زوجا قبله على أقلَّ ممّا لهنَّ فليس على هذا إلاّ مثل ما أصدقها الأوَّل، ولا تردُّ إلى مثلهنَّ، واختير أن ليس لها إلاَّ كمثلهنّ إلاَّ إن كان عند [335] العدول العارفين بها أنَّها في قدرها تستحقُّ مثل ما تزوّجت عليه أو لا، فحينئذ لا نحبُّ أن تمنع منه ولو زائدا عليه لأنَّ قدرها أولى بها من قدر (2) نسائها. أبو الحواري عن نبهان: لها عليه ما تزوّجت عليه قلَّ أو أكثر.
فصل
اختلف فيمن تزوّج امرأة على ما يتراضيان عليه هل له فسخه قبل أن يعلم رضاها وقبل اتِّفاقهما، فقيل: له فسخه والرجوع عنه ما لم يتّفقا؛ وقيل: إنَّه (3)
__________
(1) () - ب: «والقدر».
(2) () - ب: - «قدر».
(3) () - ب: - «إنَّه». (5/251)
صفحة 2336
معلّق حتّى يتّفقا على فسخه أو ثبوته؛ وإن لم يتّفقا على شيء، ثمَّ اتَّفقا على النكاح الأوَّل، فقيل: لهما ذلك إن قاما من مجلسهما؛ وقيل: إذا لم يفسخا النكاح ولم يختلفا إلاَّ في الصداق فلهما أن يتراجعا على ذلك النكاح.
ومن تزوّج امرأة على أربعين نخلة ونفقة ولدها من غيره ومؤونته، ففي ثبوت ذلك قولان.
ومن تزوّج جارية وشرط عليه سيّدها نفقتها وكسوتها غير صداقها وقبل ذلك، ثبت عليه؛ وقيل: إنَّما شرط في النكاح ممّا يعرف ــ وإن بصفة ــ فهو جائز ولو جُهل. وكل نكاح وقع على غير شرط معروف كألف درهم عاجلة أو ألفين آجلة أو مائة نخلة أو دينارا وزوجته فلانة، فإن أبت فأختها فلانة ونحو ذلك ... تمَّ النكاح عند بعض إن جاز الزوج، ولها كأوسط نسائها، وإلاَّ لزم تجديده على معروف بصفة معروفة؛ وإن تزوّج على مائة نخلة أو شاة ودخل بها فقيل: لها كمثلها؛ وقيل: الأوفر؛ وقيل: الأقل؛ وقيل: الخيار؛ وقيل: هو للزّوج. واختلف أيضا في نقضه قبل الدخول.
هاشم: من عنده خمس بنات وزوَّج رجلا واحدة منهنَّ وسمّاها ونسي الشهود اسمها، ثمَّ توفي الرجل وادَّعت كلٌّ (1) منهنّ أنَّها زوجته فالصداق والإرث بينهنّ، وعلى كلٍّ للأخرى يمين أنَّها التي تزوّجها؛ وإن قال: إحداهنّ ولم يسمّ، فذلك ليس بنكاح.
فصل
جاز لمن زوِّجت بلا فرض أن تمنع الزوج نفسها حتَّى يفرض لها ولها عليه حقوقها؛ وإن توكل من يفرض لها معه أو يوكّل هو من يفرض معها؛ وإن يوكّلا معا
__________
(1) () - ب: «كلُّ واحدة». (5/252)
صفحة 2337
ولو مشركين أو عبدين أو طفلين ولا رجوع بعد اتِّفاق على فرض ــ وإن من وكيلين ــ كذلك؛ وإن اتَّفقا على معلوم وعلّقاه (1) إلى رضى فلان؛ فإن رضيه جاز؛ وإلاَّ جدَّداه؛ وإن طلبته أن يفرض لها ففرض ولم ترض بفرضه فقبله فمسّها فلها كمثلها؛ وإن لم تقل له: لم أرض ومكَّنته من نفسها فلها ما فرض؛ وإن طلبته أن يفرض لها كذا، فأبى فغلبها على نفسها فلها المثل؛ وإن قالت له: مائة، فقال: لا إلاّ خمسين، فغلبها على نفسها فلها ما طلبت؛ وقيل: المثل إن لم يتّفقا على معلوم، ولها ما قال إن طاوعته؛ وقيل: إن مسّها ولم يتّفقا عليه (2) فلها المثل؛ وإن تجنَّنا أو أحدهما قبل أن يفرضا فلا يفرض لهما أولياؤهما؛ فإن فعلا ثمَّ أفاقا جاز عليهما إن أجازاه، وإلاّ جدَّدا لأنفسهما فرضا؛ وكذا إن كانا عاقلين ففرض لهما غيرهما؛ وإن وكّلا من يفرض لهما فجنّا أو أحدهما أتمَّ الوكيلان ما وكّلا عليه؛ وإن استخلفت لهما عشائرهما جاز فرض الخليفتين؛ وإن تجنَّن الوكيلان ثمَّ أفاقا ففرضا جاز؛ وقيل: زالت وكالتهما حين تجنَّنا؛ وإن ارتدّا ففرضا جاز، لا إن ارتدَّ الزوجان أو أحدهما ففرضا أو فرض لهما الوكيلان؛ وإن وكّلا من يفرض لهما جاز عليهما ما فرضا ممّا ينعقد به الصداق إلاّ ما عيّن من مال الزوّج فإنَّه غير جائز إلاّ إن رضي به؛ وكذا إن خالفا ما وقَّتا لهما، أو زادا عليه أو نقصا، إلاّ إن رضيا.
ومن زوّج بنته بلا فرض فرض لها مع الزّوج إن لم تبلغ، وكذا طفله فإذا بلغا قبل الفرض فالأمر إليهما، وكذا أولياء المجانين وسادات العبيد إن زوّجاهما بلا فرض. وجاز لخليفة اليتيم والمجنون أن يفرض لهما ولعبيدهما ولا يجبر على الفرض من تزوّج بدونه (3)؛ وقيل: يجبر، وجاز ما فرض من إن رضيت به، وإلاّ فلا يجبر بعد، ولا إن أجير عليه فماتت أو جنّت أو ارتدّت لأنَّ فرضه على ذلك لا يصحُّ إلاّ بخليفة؛ وإن
__________
(1) () - ب: «وعلَّقا».
(2) () - ب: - «عليه».
(3) () - ب: «بدنه». وهو تحريف. (5/253)
صفحة 2338
تزوّجها بلا فرض فلها في الحكم وعند الله أن تمنعه (1) حتّى يفرض لها كما مرّ؛ فإن وطئها غلبة عليها أو نائمة، أو رأى مباطنها أو مسَّ جسدها بذكر أو فرجها بيده فلا يجوز لها أن تمنعه بعد لوجوب المثل لها عليه في ذلك. وكذلك إن رأى باطنها ليلا عند نار أو قمر أو في ماء أو غلبته هي على نفسه أو أمكنها عورته فمسَّته فلها المثل في ذلك، وكذا إن أدخل في فرجها غير جسده؛ وإن مات أحدهما قبل أن يمسّها فلا صداق لها كما مرَّ؛ وقيل: لها المثل، ويروى عن ابن مسعود؛ وإن مسّها بعد موتها لا قبله فلوارثها عليه كمثلها؛ وإن فرض لها ومسّها بعده فله فرضها؛ وقيل: له عليه آخر به؛ وإن لم يفرض لها فقطع منها عضوا فلا صداق لها فيه؛ وكذا إن بان [336] منه عضو فاستدخلته؛ وإن ضربها وأزال عذرتها فلها كمثلها إن لم يفرض لها؛ وقيل: لها في المثل صداق أمّها إن علم، وإلاّ فشقيقتها إن علم، وإلاّ فأختها من أبيها إن علم، وإلاّ فقريبتها منه الأقرب فالأقرب؛ وإن كان لها شقيقتان فلها ما لأحدهما إن اتَّفق؛ وإن اختلف فلها نصف ما لكلٍّ؛ وكذا إن كنّ أكثر. وإن لم يعلم صداق قرابتها أو لم تكن من جنسهنَّ فلها ما لمثلها من المسلمات؛ وقيل: في ذلك لها عشر ديتها إن كانت بكرا، وإلاّ فنصف العشر؛ وكذا الإماء والمشركات. وإذا وجب عليه المثل ثمَّ فرض لها لم يجز.
وإن تزوّجها بلا فرض وقد تزوّجت قبله بفرض أو وقع عليها فمسّها فلها نصف الأوَّل؛ وقيل: كلّه؛ وقيل: لها على الثاني نصف الأوَّل، وعلى الثالث نصف الثاني؛ وقيل: لا يعتبر الأوَّل ولتأخذ كمثلها؛ وإن أكرهها ولم يفرض لها ثمَّ تزوّجت بلا فرض فلها المثل.
ومن تزوّج امرأة بمعلوم ثمَّ وطئها متعدٍّ قبل أن يمسّها أو مسّها في دبرها أو فيما دون فلها عليه ما فرض لها زوجها وعلى الزّوج أيضا ذلك؛ وقيل: على المتعدّي ما لمثلها. وإن مسّها زوجها أوَّلاً ثمَّ المتعدّي فعليه نصف فرض الزّوج لها؛ وقيل: المثل.
__________
(1) () - ب: «تمتِّعه». (5/254)
صفحة 2339
وإن تزوّجها بلا فرض فوجدها بلا عذرة أو زالت بماء أو خلقت كذلك فلها كالبكر وكالثيّب إن زالت برجل أو بنفسها؛ وإن تزوّجها بمعلوم فأزالت عذرتها عمدا فلها كالثيّب؛ وقيل: فرضها؛ وإن تزوّجها بلا فرض وقد كان لها زوج قبل فمات عنها قبل المسِّ أو طلّقها في المجلس فلها على الأخير كالبكر وقبل كالثيّب.
ومن تزوّج امرأة فاسدا ودخل بها، ثمَّ صحيحا بلا فرض فكالثيّب إن دخل بها الأوَّل، وإلاّ فكالبكر؛ وإن تزوّجها فاسدا بلا فرض فمسّها فلها المثل؛ وإن فرض لها فلها الفرض إن مسّها؛ وقيل: المثل؛ وإن تزوّجها صحيحا بلا فرض ثمَّ مرض ففرض لها فمات (1) ولم يمسّها فلها الإرث لا الصداق، ولها الفرض إن مسّها؛ وقيل: ينظر إليه وإلى المثل فتأخذ أقلَّهما؛ وإن تزوّجها في مرضه فمات ولم يمسّها فصداقها من الكلِّ؛ وقيل: من الثلث ومن الكلِّ إن مسّها ولا صداق لها إن مات ولم يفرض ولم يمسَّ؛ وقيل: لها المثل ولو ماتت؛ وإن فرض لها أكثر من المثل ثمَّ مات في مرضه أخذته كاملا؛ وإن أعتق فيه أمته فتزوّجها بفرض فمات ولم يمسّها فعتقها من الثلث والصداق (2) من الكل كالإرث لها؛ وقيل: كلاهما من الثلث؛ وإن ضمن صداق ابنه أو عبده أو أجنبي فقيل: من الكل؛ وقيل: من الثلث.
وإن أذن للأجنبي أن بصدق من ماله في صحَّته (3) ولم يفعل حتَّى مرض الآذن فأصدق، فقولان أيضا؛ وإن أصدق لها فيها بلا شهود ثمَّ أشهد في مرضه فمن الكلّ؛ وكذا إن تزوّج هو لنفسه امرأة في صحّته بدونهم (4) بفرض فمرض فأشهد فمات (5)، فالفرض والإرث من الكلِّ؛ وقيل: من الثلث؛ وإن أذن لوارثه في صحَّته
__________
(1) () - ب: - «فمات».
(2) () - ب: «وصداقها».
(3) () - ب: «الصحَّة».
(4) () - ب: «بدنهم». وهو خطأ.
(5) () - ب: - «فمات». (5/255)
صفحة 2340
أن يصدق لامرأته لم يجز إن لم يصدق لها حتَّى مرض؛ وإن أذن له بذلك فتزوّجها بلا شهود حتَّى مرض فهو من الكلّ؛ وإذا صحّ من مرضه بعد الإذن بذلك في المرض جاز عليه في كلّ ذلك؛ وإن مرض المأذون له وصحَّ الآذن قبل أن يصدق المأذون أو مات الآذن فلا يجوز للمأذون أن يفعل شيئا بعد؛ وإن ارتدَّ الآذن جاز فعل المأذون له في ماله. وإن أذن له أن يصدق عبده لامرأته فرهن عبده أو دبره أو أوصى به أو أعطاه لغائب أو باعه له أو استأجر به أجيرا ولم يدخل في العمل أو تزوَّج بلا شهود فلا يجوز للمأمور أن يصدقه بعد؛ وإن استعاره أو استأجره جاز له أن يفعل ما أمره به؛ وإن باعه أو نصفه أو سهما منه فلا يفعل المأذون له شيئا؛ وكذا إن أذن له أن يصدقه لها فجنى بما يستغرق رقبته لم يجز له إصداقه عند من لم يجز فيه أفعال السيّد، وجاز عند مجيزها؛ وكذا إن أمره فباعه بيعا فاسدا فله أن يفعل ما أمره به؛ وإن أمره أن يصدقه وقت كذا، ففعل قبله أو بعده لم يجز فعله؛ وإن أمره أن يصدقه إلى معيَّنة فماتت أو حرمت، فلا يصدقه لغيرها؛ وإن قصد إلى معيَّن من ماله فغيَّره لم يجز له بعد أن يفعل ما أمره به. وكذا إن زاد فيه أو نقص أو أخلطه بغيره. وإن أمره أن يصدق على عبده معلوما من ماله فخرج من ملكه ولو بعضه أو أعتقه لم يجز للمأمور ولا لمن صار إليه أن يفعل ذلك.
وإن فعل المأذون له ما أمر به ممّا له فعله فلا يرجع عليه الآذن بشيء من ذلك؛ وقيل: يدرك عليه القيمة فيما تجوز فيه. والكيل في المكيل والوزن في الموزون والعوض فيما يجوز فيه؛ وقيل: القيمة [337] في كلِّ ذلك إن أذهبه؛ وقيل: إن افتداه أدركه عليه الآذن؛ وإن افتداه هو فلا يدرك على المأذون له (1) شيئا.
__________
(1) () - ب: - «له». (5/256)
صفحة 2341
الباب الثامن والخمسون
في التّزويج على ما يملك
ومن تزوّج امرأة على ما يملك ثبت عليه لإجازتهم الجهالة في التّزويج فيكون لها كلُّ ما يملكه في وقته إن دخل بها عند الأكثر؛ وقيل: إنَّه مجهول فيتّم إن أتمَّاه باتّفاقهما على شيء؛ وإن اختلفا فيه قبل الجواز انفسخ العقد، وبعده (1) تردّ إلى مثلها؛ وإن تزوّجها على ما بيده وعلى ما يسعاه إلى أن يموت فليس لها فيما يسعاه شيء؛ فإن رضيت بما بيده فذاك وإلاّ ردّت إلى المثل أو مثل الأوَّل إن كانت قد تزوّجت قبل؛ وإن لم يسع شيئا بعد فلا لها إلاَّ ما بيده يوم تزوّجها إن عرفته وإلاّ خيّرت فيه، وفي المثل أو الأوَّل إن تزوّجت قبل.
أبو سعيد: هذا مجهول ولها المثل ولو تزوّجت قبل، إلاّ إن اتَّفقا على شيء؛ وإن تزوّجها على ماله في بلده ثمَّ استقلّته ولم ترض به فلها المثل إن دخل بها، وإلاّ خيّرت في الفسخ والإتمام؛ وكذا إذا لم يوجد له مال؛ وقيل: إذا عرف الوليّ المال وزوّجها على ما عرفه، وكانت قيمته (2) أربع دراهم أو أكثر جاز، وجوّز ولو لم يعرفه الوليّ ولا المرأة إن كان كذلك.
ومن تزوّج امرأة على عبدين معلومين فاستحقّا قبل دخوله بها فعليه أن يسمّي لها صداقا قبله؛ وإن استحقّا بعده فعليه قيمتهما وكذا غير العبيد (3).
ومن تزوّج امرأة على نصف حمرة ثمَّ فسل أخرى وجرَّ منها أغصانا إلى هذه
__________
(1) () - ب: «وبعدُ».
(2) () - ب: - «قيمته».
(3) () - ب: «العبدين». ويبدو أنَّه أصوب. (5/257)
صفحة 2342
الحمرة فزادت فإنّما لها ذلك النصف ولو نقصت أو ماتت؛ وإن تزوّجها على نصف ماله فلها نصفه يوم العقد.
ابن محبوب: من تزوّج امرأة على صلاحها ولم يفرض لها، واختلفا ولم يتّفقا على صداق قبل أن يمسّها انتقض النكاح وتمّ عند أبي عليٍّ إن اتَّفقا وتمّ أيضا إن اتَّفقا بعدما اختلفا ودخل بها؛ وإن اختلفا في صلاحها خرجت منه بلا طلاق إن لم يتّفقا.
وإن تزوّج بنت مملوك على مائة درهم وعتق أبيها ثبت لها ذلك، ولها قيمته إن لم يعتقه، ولها إن طلّقها قبل الجواز نصف المائة ونصف الأب؛ أبو الحسن: إن تزوّجها على معلوم وعلى عتق أبيها فطلّقها بعد (1) الدخول بها فلها الصداق وقيمة أبيها إن لم يعتقه ونصفهما قبل الدخول.
ومن تزوّج امرأة بمعلوم منه صلاحها ولم يسمِّ كم للصّلاح، ولم يذكر بعضا منه مؤجَّلا، ولا أنَّ الباقي مؤجلا (2) فإنَّها أولى به كلِّه، ويجعل في صلاحها ما تشاء.
ومن تزوّج امرأتين على ألف فهو بينهما سواء؛ وقيل: على قدر مهر كلٍّ؛ وقيل: يرجعان إلى المثل إن دخل بهما، لأنَّه لم يسمِّ لكلٍّ معلوما؛ وإن كانت إحداهما في عدّة أو مِمَّن لا تحلُّ له فالصداق كلّه للأخرى.
__________
(1) () - ب: «قبل».
(2) () - ب: «مؤجَّل». ولعلَّه أصوب. (5/258)
صفحة 2343
الباب التّاسع والخمسون
فيما يدفعه الزّوج لزوجته
فمن تزوّج امرأة على أنَّ كلَّ ما دفع إليها فهو من حقّها، وجاز بها قبل أن يدفع ثمَّ دفع إليها شيئا تظنُّ أنَّه تبرّع به عليها وهو في ظنّه أنَّه من حقّها ولم يقل لها: إنّه منه وكذا هي لم تقل له إنّه منه ثمَّ طلّقها وطلبته فادّعى أنَّه صاغ لها صوغا أو دفع لها ثوبا، وقال: إنَّه فعله من حقّها، فقيل: ما دفع إليها من ذلك فهو لها إن جاز بها، إلاّ إن شرط عليها أنَّ ما دفع إليها من ذلك فهو لها إن جاز بها إلاّ إن شرط عليها أنَّ ما دفع إليها قبل الجواز فهو له حتَّى تشترط عليه، وليس ما يكنّه صدره إذا فعله غير محكوم عليه في ظاهر الأمر أنَّه لها بنافع.
أبو الحواري: من أراد أن يتزوّج امرأة فأهدى إليها قطنا وكتانا فغزلتهما وعملتهما ثيابا ثمَّ أبت أن تأخذ الرّجل، فالثّياب له وعليه لها أجرتها كما مرّ، ولا يعدُّ ما أهدى إليها من عاجلها ولا آجلها إلاّ إن شرطه عليها.
وفي الأثر: من خطب امرأة فكان منه لها أشياء لم تجر قبل ذلك، ثمَّ يفترقان، ولو بعد الجواز فإنَّه يعتبر؛ فإن كان للتّزويج لا لغيره فهو مردود له إلاّ إن استحقّت ذلك بحقّها؛ وقيل: لا ردَّ فيما كان من طعام كخبز ولحم وفواكه ونحو ذلك؛ وقيل: لا يردّ له إلاّ ما تعورف أنَّه من الصداق؛ وقيل: إلاّ ما شرطه ودفعه على معنى معروف؛ وقيل: كلُّ ما صار إليها قبل الدخول وقبضته ولو كثر، حتَّى ما يضحيه عليها من الضحايا فإنَّه يعدُّ له عليها إن أرادت البرآن، أو ماتت وطلب وارثها صداقها لا ما كان بعد الدخول إذا بنى بها وكانت معه أو كان معها، إلاّ إن شرط عليها وله ما كان قبله ولو لم يشترطه. (5/259)
صفحة 2344
ومن وضع قيل شيئا بين يدي امرأة ولم يدفعه من يده إلى يدها فقبضته هي أو قبضه لها غيرها أو سلّمه إليها فهو ثابت لها من حقّها إن كان قبل الجواز؛ وإن لم تقرًّ أنَّه دفعه ولا وضعه من المتعارف من أداء الذي لها عليه بشرط أو تعارف.
فصل
ما كساه الرّجل زوجته وما حلاها بلا شرط ولا حكم فذلك له حتَّى تشترطه عليه أو يسمّيه لها هبة أو غير ذلك، وأمّا على وجه الكسوة والتّحلية فكذلك حتَّى يسمّي به لها.
ومن تزوّج امرأة بعاجل وآجل فنقدها بعض العاجل وبقي مائة أو أكثر وجاز بها ثمَّ سلَّم إليها مائة وفي نفسه أنَّها (1) من نقدها ويشترط عليها، ثمَّ طلّقها فطالبته ببقيّة نقدها، فقال: قد سلّمت إليك مائة، فقالت: [338] لم تشترط عليّ، فقيل: إذا سلّمها إليها عطيّة بعد الجواز فذلك لها حتَّى يشترطه عليها؛ وإن لم يدفعه إليها عطيّة إلاّ أنَّه سكت فهي له في الحكم لأنَّ الرّجل يودع زوجته ماله ويأتمنها عليه ويسلّمه إليها، وما لم يبيِّن لها فيه عطيّة ولا هبة ولا وجها فهو له؛ وإن أودعها دراهم من ماله فليس لها أن تأخذها من (2) بقيّة حقّها إن لم يجحده، إذ لا تأخذ ذلك إلاّ بعد الجحد والإنكار أو الظلم.
__________
(1) () - ب: «أنَّه».
(2) () - ب: «في». (5/260)
صفحة 2345
الباب الستّون
في الأحكام في الصداق من عاجل وآجل وقبض الوليّ
فمن زوّج بنته فاختلف مع الزّوج فيه فعن الربيع أنّ القول قول من كانت عنده منهما في الصداق؛ وقال قوم: القول قول الزّوج، ويقال له: طلِّق وأعطِ نصف ما تقول أنت، أو اُدخل وأعط ما يقول الأب. وفي الضيّاء: إذا اختلف الزّوجان فيه فالقول قبل الدخول قول الرّجل، وبعده (1) قول المرأة، وبه قال أبو حنيفة؛ وقال الشافعي: يتحالفان؛ وقيل: القول فيه قول الزّوج مع يمينه؛ وقيل: قول المرأة ما لم تجاوز أمثالها؛ وقيل: لها المثل بعد المحالفة وهو قول الشافعي؛ فإن طلّقها قبل الدخول فالقول قوله عند مالك، وبعده قوله أيضا في نصف الصداق عند أبي حنيفة؛ وقيل: قوله ولو لم يطلّق إلاّ إن سمَّى بقليل.
ومن تزوّج على معروف ولم يشترط عاجلا ولا آجلا ثبت عند هاشم ومسعدة وهو كلّه عاجل عند مسعدة وانظر ما قول هاشم فيه، وتردّ إلى عادة بلدها عند ابن عليٍّ؛ فإن كانت صدقات نسائه عاجلة فهي مثلهنّ؛ وإن اختلف فهو عاجل أيضا. وإن أقام هو شاهدين أنَّه آجل، وأقامت آخرين أنَّه عاجل، فهو عاجل، ولو كانت صدقات نسائها آجلة لأنّ بيِّنتها أولى؛ وإن كان في حال يكون صداقها عاجلا، وأقام بيِّنة أنَّه آجل فبيِّنته أولى؛ وإن كان في حال يكون آجلا وأقامت بيِّنة أنَّه عاجل فبيّنتها أيضا أولى، ولعلّه قول أبي عبد الله؛ وقيل: إذا جاز بها لزمه عاجلا، ولعلّه قول ابن المنذر.
ومن تزوّج على مائة نخلة وألف بلا تعيينه، فقالت المرأة: ألف دينار، وقال
__________
(1) () - ب: + «قُبل». (5/261)
صفحة 2346
الزّوج: درهم، قُبل قولها ما دامت عند أهلها؛ فإن شاء طلّقها وأعطاها نصف ما يدَّعيه، وإن شاء دخل بها وأعطاها ما تدَّعيه هي؛ وقيل: القول قوله وعليها البيِّنة في الزائد. وكذا إن اختلف أبوها معه كما مرّ؛ وقيل: القول قوله إن ادّعى ما لمثلها فأكثر.
وإن شهد بعض شهود النكاح على ألف وبعضهم على ألفين وكلّهم عدول فلها ألفان، ويقال للأوّلين: صدقتم في الألف، ولكنّكم لم تسمعوا الآخر لاتحاد المجلس؛ وكذا في غير النكاح؛ وإن حطَّ الوليّ عن الزّوج بعضا من الصداق بلا علمها فقيل: ليس لها أن تكره ما صنع؛ وقيل: لها وتوفّى حقّها.
أبو الوليد: إن زوَّجها وأدخل عليها شروطا وأنقصها من (1) مهرها ثلثا أو ربعا ثمَّ علمت بذلك بعد الجواز بها فليس لها إلاَّ فرضه؛ وإن علمت قبله ألحقها مهرها تامّا وإلاّ بطل النكاح إن لم ترض؛ وقال جماعة: إن أشهد الوليّ أنَّه زوَّج فلانا بفلانة على ثلاث مائة نخلة وهدم عنه صداق النخل على أن لا يدخل عليه في مالها وقبل ذلك وشرط العقد عليه، فلمّا ماتت طلب إرثه منها فقال له الوليّ الوارث لها: إنّما هدمت عليك الصداق لئلا تدخل علينا في مالها بإرث؛ فإن كنت تريده فاعطنا ما طرحنا عنك وخذ إرثك، فقال الزّوج إنّما قلت: لا أدخل عليكم في مالها وذلك شرط مجهول وقد تزوّجتها على ثلاث مائة وهي حقّها عليّ، فقالوا: إنّ فرائض الله لا ينقضها (2) الشروط فإذا طلب وارثها أو زوجها نقض هذا الشرط جاز له فيأخذ ميراثه منها ووارثها منه صداقها من النّخل كأوسط نسائها المتزوّجة عليها.
ومن تزوّج امرأة بمعروف من وليّها ثمَّ أبرأه منه، فلمّا دخل بها طلبته فيه فإنَّه يحكم به لها عليه ولا يثبت برآن وليّها من حقّها.
ابن عليٍّ: من زوَّج أخته برجل بعاجل وآجل وقبض منه العاجل ولم يوصله
__________
(1) () - ب: - «من».
(2) () - ب: «تنقضها». (5/262)
صفحة 2347
إليها وطلبت حقّها وقال الأخ لمّا علم أنَّه مأخوذ: أتاني به ولم أطلبه فيه فتلف من يدي، فإنَّه يلزمه إلاّ إن بيّن أنّ الزّوج أرسله إليها معه وتلف منه بلا تضييع ولا عمد، فحينئذ يلزم الزّوج أن يوفيها حقّها. وقال الأزهر: من تزوّج امرأة على أن يوفيها جميع حقّها، فإن كان وليّها أبًا أو ثقه دفعه إليه؛ وإن أرسله معه ليدفعه إليها فتلف فلا يبرأ منه الزّوج حتَّى يصلها؛ وإن طلبت إليه أن يقضيها حقّها فدعا أباها وقضاه مالا وقبضه ولم يعلم أنَّها وكّلت أباها، بما قضى أباها، ولم تظهر رضى ولا كراهة، فإن لم تقرَّ عنده أنَّها وكَّلته وأعلمها بذلك ولا يعرف ذلك، ولا عنده بيِّنة به، ولا أتمَّت القضاء لأبيها فلها صداقها على الزّوج حتَّى تتمّ ما اقتضى لها أبوها؛ وإن كان قد قبضه فاتلفه غرم [339] الزّوج لها ما دفع (1) لأبيها ورجع هو عليه به؛ وقيل: ليس لها أن تغرم أباها، فإذا فعلت فلها صداقها على الزّوج ويرجع به على أبيها، ولا يبرأ منه حتَّى تقول له رضيت بفعل أبي فإذا لم تقل ذلك ولم توكّله رجع القضاء على الزّوج حتَّى تقرّ بالرضى به.
فصل
أبو عبد الله: إن رفعت امرأة على زوجها فبل أن يدخل بها أن يؤدي إليها عاجلها ويدخل بها أجَّله الحاكم في إحضاره، فإن كان ستّ مائة فأكثر أجَّله فيه ستّة أشهر؛ وإن كان أقلَّ فأربعة إلى ثلاثة، فإذا انقضى الأجل وأحضرها العاجل ودخل بها فذاك، وإلاّ أخذه الحاكم لها بنفقتها ومؤنتها؛ فإن دفع ذلك إليها وإلاّ حبسه حتَّى يفعل أو يطلّقها؛ وإن طلب إليها أن يعاشرها ويمونها فلا يدركه عليها حتَّى يدفع إليها عاجلها. ويؤجّل من يوم ترفع عليه، قال: وعرفنا أنَّه إذا دخل بها فالقول قوله في العاجل أنَّه قد أوفاه إيّاها وكان في الأجل مدّعيا لأنَّه لم يحل وقته؛ وقيل: إنّه مدّع
__________
(1) () - ب: «دفعه». (5/263)
صفحة 2348
في العاجل أيضا.
ومن تزوّج امرأة ولم يجد ما يسوق إليها وقد فرض لها فتجهّزت من عندها فله أن يدخل بها إذا رضيت؛ وإن لم يجعل لها شيئا فعليه لها ما لمثلها.
ومن له امرأتان فدخل بإحداهما فقط فتوفي، فإن أقامت التي دخل بها بيِّنة بالباقي لها كان لها، وإلاّ فلا شيء لها لدخوله (1) بها، والتي لم يدخل بها إن بيّنت أنَّه فرض لها ولم تعلم كم هو فلها كمثلها؛ وإن لم يفرض لها فلا صداق لها.
أبو عثمان: إن ماتت امرأة فطلب وارثها إلى زوجها صداقها فقال: أمَّا العاجل فقد استوفته قبل الدخول بها، فعليه أن يبيِّن الوفاء، والدخول لا يهدم حقّها؛ وزعم الأزهر أنَّه شهد هو وآخر معه عند ابن عليٍّ على متزوّج امرأة على عاجل وآجل وأشهدهما الوليّ بعد أنَّه قد أجازه عليها فاثبت موسى عليه (2) الأجل فقط.
وقال ابن المبشّر: لو أنّ امرأة مات زوجها فطلبت نقدها من وارثه لكان عليه أن يبيِّن أنَّه ساقه إليها وإلاّ أعطيته.
ومن تزوّج امرأة وطلّقها فطلبت صداقها فأنكرها فعليها بيانه عليه؛ فإن لم تجد عليه بيِّنة فلتحلفه. وإن تزوّجها بمعلوم فأطلق فأجله أن يتزوّج عليها أو يتسرّى أو يموت أو تموت أو تبين منه؛ وإن تزوّجها بكذا إلى معلوم فطلّقها قبله أو حرمت أو مات أحدهما فلا تدركه عليه حتَّى يحلَّ؛ وقيل: إذا مات هو أدركته على وارثه؛ وإن فداهما قبله ثمَّ راجعها دونه، فقيل: قد حلّ مطلقًا؛ وقيل: إذا كان معلوما فإليه وإلاَّ فإلى ما مرّ من النكاح وغيره إن كان النكاح صحيحا، وإلاَّ فلا يحلُّ به الصداق وكذا التسرّي؛ وإن تزوّجها بكذا عاجلا فلها منعه حتَّى تقبضه كما مرّ؛ وإن غلبها أو أتاها نائمة أو في جنونها أو طفوليَّتها فلها منعه بعد، وكذا وليّها، وسيّد الإماء له المنع،
__________
(1) () - ب: «لدخولها». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «عليه». (5/264)
صفحة 2349
وإن جعلن إلى أنفسهنّ سبيلا لأزواجهنَّ. وكذا البالغة تزوّجها طفل أو مجنون أو عبد بعاجل حتَّى يعطيها وليّه أو سيّده ذلك؛ وإن أمكنته نفسها فلا تمنعه بعد (1)، وكذا البالغ العاقل إن مكَّنته (2) لا تمنعه بعد إذا مسّها ولو فيما دون؛ وقيل: لا تمنعه في ذلك ولو لم يمسّها وتدرك صداقها عليه ولا تمنعه في النّقد ولا الحال ولا المؤجّل؛ وقيل: تمنعه في الحال. وإن اختلفا في كمِّيتِه قُبل قوله مطلقًا كما مرّ؛ وقيل: إن دخل بها ووارث كلّ بمقامه إن مات؛ وكذا إن اختلفا في نوعه أو تأجيله وتعجيله؛ وإن اتَّفقا (3) على الأجل فقالت: قد حلّ وقال لم يحلَّ، فقولان أيضًا (4).
__________
(1) () - ب: - «بعد».
(2) () - ب: «أمكنته».
(3) () - ب: «اتَّفق».
(4) () - ب: - «فقولان أيضًا». (5/265)
صفحة 2350
الباب الحادي والسّتون
في حكم الصداق إن افترقا قبل الجواز
فمن أصدق امرأته نخلا أو حيوانا فاجتاح، ثمَّ افترقا قبل الجواز، فقيل: عليها في الحيوان أن تردّ له نصف ما دفع إليها، وفي الأصول نصف ما بقي بيدها؛ وقيل: نصف ما دفع إليها وما تلف فمن مالها؛ أبو المؤثر: الأصل وغيره سواء تردُّ النصف من الباقي والمتلف؛ وإن دفع إليها ألف درهم وجارية فولدت واتَّجرت في الألف فربحت فيه كثيرا ثمَّ فارقها فعليها أن تردَّ نصف كلِّ ما صار إليها؛ وقيل: نصف ما دفع إليها؛ وقيل: إن اتجرت بذلك صفقة واحدة فعليها نصف الجميع. أبو عبد الله: إن تزوّجها على نخل ودراهم وجارية كلّ [340] ذلك عاجل ودفعه إليها فاجتاح النّخل وسرقت الدراهم فطلّقها قبل أن يدخل بها فعليها أن (1) تردّ له نصف الدراهم والجارية وأصول النّخل. وإن تزوّجها على جارية معيّنة وتلفت بلا إتلاف منها فلا ردَّ عليها فيها؛ وإن تزوّجها على عشرة أبعرة معيّنة ودفعها إليها ثمَّ تلفت وطلّقها قبل الدخول فعليها نصف قيمتها له؛ وقيل: لا يلزمها (2) لأنَّها معيّنة؛ وإن تناسلت ردّت نصف الجميع عند بعض؛ وإن لم تكن معيّنة فعليها نصف العشرة والنسل؛ وقيل: نصف ثمن العشرة؛ وإن تلف نسلها قبل أن يطلِّقها فلا يلزمها (3) إلاّ نصف الأولى.
أبو عليٍّ: إن تزوّجها على ألف درهم فدفعها إليها قبل الدخول ثمَّ وهبتها له
__________
(1) () - ب: - «أن».
(2) () - ب: «لا يلزم».
(3) () - ب: «يلزمه». (5/266)
صفحة 2351
فقبضها منها ثمَّ طلّقها قبله وطلبها في نصفها فلا يجده لأنَّه صار إليه ما دفع إليها؛ وحكى عزَّان في ذلك خلافا، قال بعض: لا شيء عليها وهو قول موسى وهو المختار؛ وقال بعض: عليها النصف؛ وقيل: عليها (1) نصف النصف وهو نصف ما أعطته أولا ولا يستحقّه.
ابن محبوب: من قضى زوجته نخلا فأكلته سنين ثمَّ طلّقها قبل الدخول فإنَّها تردّ له نصف التّمر والنّخل؛ وإن مات النّخل ردّت نصف أرضه. وكذا إن قضاها جارية فولدت عندها أولادا فماتت الجارية وطلّقها قبل الدخول فله نصفهم لا أمُّهم؛ وإن ماتت قبل أن تلد فلا تلزمها أيضا قيمتها، إلاّ إن استعملتها أو استغلّت منها فيلزمها له نصف الغلّة والكراء؛ وإن استعملتها في عمل فماتت فيه لزمها نصف قيمتها له، لأنَّها عرَّضتها للتلف كما إن أمرتها أن تزجر فتقع في البئر أو ينطحها الثور فتموت.
وإن تزوّجها على دراهم معلومة وقضاها بها أرضا وفسلتها حتَّى صارت تسوى ألفا وطلّقها قبل الجواز فله (2) نصف الدراهم فقط وهو كالبيع؛ وإن تزوّجها على الأرض بعينها فله نصفها بلا نخل ونصفها به لها ويردّ لها قيمة النّخل الصائر إليه في نصفه، ولها قلعه إن أرادته، ولها الخيار في ذلك إن فسلتها على هذا الوجه، قال: وبين الدراهم والأرض فرق، فإذا كان الصداق دراهم فاقتضت منه بها عروضا فلتردَّ له الدراهم، وإن كان عروضا فلتردَّ له نصفها.
وإن تزوّجها بوصيفين فساقهما حتَّى وصلاها فمات أحدهما عندها فطلّقها قبل الجواز بها ضمنت الميّت وردّت له الباقي؛ وقيل: نصف قيمته ونصف قيمة الميّت؛ وقيل: نصف قيمة الحيِّ واشتركا في الميّت.
__________
(1) () - ب: - «عليها».
(2) () - ب: «فلها». (5/267)
صفحة 2352
وإن كان صداقها دراهم أو متاعا فزعمت أنَّه ضاع ضمنت له (1) نصف ما قبضت منه. مسبِّح: إن تزوّجها بألف درهم فساقه إليها ثمَّ أعطته إيّاه حتَّى ترى فيه رأيا فطلّقها ثمَّ زعم أن الألف ذهب فإنَّه يتبعها بنصفه وبه قال أبو الوليد، ويحلف ما خانها؛ وإن تزوّجها على الألف فنقدها نصفه فوهبته له ثمَّ طلّقها برئ ولاحق لها عليه.
فصل
من تزوّج مقصِّرة فإنَّها تقصِّر ما لم يدخل بها أو يؤدِّي إليها عاجلها، فإذا دخل أو أدَّى أتمّت إن كان يتمّ، ولها أن تخرج إلى بلدها قبل أن يؤدِّيه إليها (2) وليس له منعها منه ولا عليها أن تكون معه؛ وإن دخل بها قبل أدائه ثمَّ طلبته فإنَّه يؤجّل في إحضاره إن لم يكن موسرا، وتؤمر بالكون معه، ولها عليه ما يمونها.
__________
(1) () - ب: «له».
(2) () - ب: «إليه». (5/268)
صفحة 2353
الباب الثاني والسّتون
في الصداق الآجل
وللمرأة أن تأخذ منه لشراء خادم؛ وإن لولدها إن احتاجت إليه، ولنفقة أبويها إذا حكم عليها بها لهما أو لأحدهما، وأن تحجّ الفرض وتخدم والديها إن لم يكن لها مال. أبو عليٍّ: إن كان لها يتامى لا مال لهم ولا من تلزمه نفقتهم وهم صغار لا يقدرون على اكتساب، فلها أن تأخذ من صداقها ما تطعمهم. أبو المؤثر: ليس لها أن تأخذ من أجلها لما ذكر حتَّى يتزوّج عليها أو يطلّقها أو يموت أحدهما فيحلَّ كلّه، ولا لحجّة نافلة، ولها أن تأخذ منه لزكاة الفطر؛ وإن لعبيدها (1) إن لزمتها، ومنعها أبو المؤثر منه أيضا، ولا لها أن تأخذه لدين يلزمها أو كفارة.
ابن صالح: من لها على زوجها مائة [341] نخلة ولزمها أن تحجَّ فإنَّها ترفعه إلى السلطان حتَّى تأخذ من النخل وتبيع وتحجّ. أبو عليٍّ: لها أن تحجّ من صداقها وتقضي دينها وتشتري خادما غيره، لها أن تأخذ منه للدّين؛ وقال المسلمون: لا تزيل شيئا منه إلى غريم ما دامت في حبال الزّوج إلاّ لحجّ فريضة أو خدمة أبويها. وقال الفضل: لها أن تأخذه لفريضة ولدين ولمؤونة من تلزمها مؤنته ولصدقة الفطر وإن عن عبيده (2) إن لم يكن لها مال غيره.
أبو عبيدة: المؤجّل إلى أجله حتَّى يتزوّج عليها أو يتسرّى أو تحتاج إلى خادم أو يموت أحدهما. وقال أبو عليٍّ وبشير: لا يجب لها بالتسرّي؛ وقيل: إذا دخل بها ولم يسمِّ الأجل ما هو ولا حدّ له حدّا فعليه تعجيل الأجل؛ وقيل: ليس لها أن تأخذ من
__________
(1) () - ب: «لعبيدٍ».
(2) () - ب: «عبيدها». (5/269)
صفحة 2354
آجلها إلاّ إلى أحد هذه الآجال، ولو احتاجت إلى خادم أو غيره.
ومن تزوّج امرأة ولم يدخل بها ثمَّ أخرى وفارقها، فقيل: حلَّ عليه صداق الأولى بها؛ وقيل: إذا لم تطلبه حتَّى فارقها لإزاحة موجب حلوله (1) فلا تأخذه لإزاحة موجب أخذه. ابن المسبِّح: إن فارق الأخرى قبل أن تقبض عاجل صداقها فليس للأولى أن تأخذه بآجلها عند ابن محبوب؛ وقيل: إذا تزوّج عليها فلها صداقها لإباحة التّزويج له؛ وإن تزوّج بإذنها فلا يلزمه التّعجيل لها؛ وقيل: يلزمه ولو أذنت له في غير معيّنة؛ وقيل: ولو فيها؛ وإن تزوّج عليها ثمَّ طلّقها ثمَّ ردّها في العدّة فقد حلّ ــ قيل ــ أجلها لا أجل الأخيرة بردّ الأولى فيها لأنَّه ليس بنكاح؛ وقيل: يؤخذ بآجلهما معا، لأنّ الردّ كالنكاح، ولأنَّه لو لم يطلّقها ويردّها لما كان للأخرى شيء؛ وقيل: يؤخذ بآجلها إلاّ بآجل الأولى إذا ردّها. وإن اختلعت إليه ثمَّ ردّها في العدّة فالخلاف كذلك، وهذا ممّا يؤكّد أنّ للأخيرة آجلها لا للأولى، لأنَّها ملكت نفسها ثمَّ رجعت فهي داخلة عليها أيضا ولم يكن في نفس الأولى ملك.
وقيل: من تزوّج امرأة ثمَّ ردّ أخرى ببرآن منه؛ فإن ردّها أو تزوّحها فللأخيرة آجلها؛ وقيل: لا إن ردّها في العدّة؛ وإن تزوّجها فيها أو بعدها فللأولى آجلها معجَّلا.
أبو الحسن: من تزوّج على امرأته فلا تطالبه بآجلها حتَّى تخرج الداخلة عليها ثمَّ يتزوّج أخرى؛ وإن سكتت حين تزوّج عليها ولم تطالبه، فإنَّه لا يلزمه تعجيله؛ وإن أذنت له أن يتزوّج بلا تعيين فلها أن تطالبه ما لم تقل له: تزوّج فلانة ولا أطالبك بحقّي.
ومن تزوّج امرأة ولم يدخل بها ثمَّ أخرى فليس للأولى إلاّ نصف آجلها ولها الكلّ إن دخل بها، وقد مرّ ذلك؛ وقيل: لزمه أداؤه كلّه حين تزوّج، ولا يمنعها منه عدم الدخول (2) بها؛ وإن تزوّج عليها صبيّة فليس لها أن تطالبه بآجلها حتَّى تبلغ
__________
(1) () - ب: - «لإزاحة موجب حلوله».
(2) () - ب: «الدخل». (5/270)
صفحة 2355
الصبيّة وترضى. أبو عبد الله: إن تزوّج على صبيّة جاز بها امرأة فلا تطالبه بآجلها حتَّى تبلغ.
ومن تزوّج امرأة وظهرت عنده أخرى فطلبت إليه الظاهرة آجلها فاحتجّ أنَّه تزوّجها قبلها ولم يصحَّ كلّفت كلّ منهما بشاهدين أنَّه تزوّجها أولاً، ثمَّ يؤخذ لها بآجلها؛ وإن أرَّخت بيِّنة أحداهما دون الأخرى (1) جعلت هي الأولى.
فصل
قيل: إنّ الزوجة إذا أساءت إلى زوجها وعصته وخالفته ولم تنصفه بما له عليها بلا ضرر يلحقها في ذلك فلا تلزمه نفقتها ولا كسوتها حتَّى تنصفه من نفسها؛ وقيل: تلزمانه ما لم تخرج من بيته. فإن خاف العنّة وتزوّج بأخرى لزمه للأولى آجلها ولو احتجّ عليها إمّا أن تطيعه أو يتزوّج عليها، ولا صداق لها عليه ولا يزيل ذلك تعجيله.
__________
(1) () - ب: «الأولى». (5/271)
صفحة 2356
الباب الثالث والسّتون
في صدقات النّساء إذا تقدَّم بعضهنَّ على بعض، وفي إزالة المرأة صداقها
فمن تزوّج على امرأته أخرى بجميع ماله وعليه تزوّجها فلا تدرك الأولى عند مسبِّح شيئا؛ وقال هاشم: إن قضى الأخرى قدر صدقات نسائها أو أقلَّ جاز قضاؤها؛ وإن قضاها أكثر أعطت صاحبتها الفضل؛ فإن قضاها ماله بعد أن دخل بها فلمّا علمت الأولى طلبت حقّها فهذه عند مسبِّح كالأولى، ويجوز لها ما قضيت؛ وقال هاشم فيها مثل ما قال في الأولى أيضا، وقال: إن وارثا وغسَّان (1) قسما صداقا قبضته الأخيرة بينها وبين الأولى ولم يدخل بها، وقد جعل الطلاق بيد أخيه إن تبرّأت إليه، فقبل [342] براءتها فعاد المال للأخيرة القابضة له ثمَّ رجعت الأولى تطلبه فردّ عنها لأنَّه كان غائبا عنها، وقالت: تبرّأت لغيبته عنّي وأضراره بي، قال: قلت لهاشم: فعلى رأي وارث وغسّان إذا تبرّأت يعود المال إلى الزّوج أم إلى الأخيرة؟ قال: إليها، لأنَّه نزع منها.
ومن تزوّج امرأة ثمَّ أخرى وفِّيت الأولى مالها إن طلبته إن كان في ماله وفاء لهما وإلاّ أخذتا معا؛ وإن لم يكن فيه وفاء ولم ترفع (2) الأولى حتَّى هلك أخذت كلٌّ بحصّتها.
ابن عليٍّ: من تزوّج امرأة وجعل لها بحقّها أربعين نخلة في قطعة ولم يبيِّن
__________
(1) () - ب: «وغسَّانًا».
(2) () - ب: «ترجع». (5/272)
صفحة 2357
النّخل، ثمَّ تزوّج أخرى وعدَّه لها وجاز بها فليس للأخيرة شيء فيه إن شرطه للأولى عند العقد في القطعة، وكذا ما جعل من المال عند المبايعة في الحقوق فهو ثابت في الذي وضع فيه حتَّى يقضي صاحبه؛ وقال هاشم: إن تزوّج امرأة على مائة نخلة ثمَّ أخرى بعد مدّة على جميع ما يملك فقد قالوا إنَّه بينهما نصفان؛ وقيل: يتحاصصان فيه بقدر صداق كلٍّ؛ وإن تزوّجها على ما يملك ولم تعلم كمّيته فكان أقلَّ من صداقها فلها كنسائها؛ وقيل: إن كانت قيمته أربعة دراهم فأكثر فلا لها إلاّ ذلك كما مرّ؛ وقيل: إن تزوّج الأخيرة على ما يملك جاز لها وصداق الأولى دين عليه.
فصل
من نقد امرأته صداقها ثمّ أرادت بيعه أو إزالته إلى غيرها (1) قال العلاء: فهي عندهم ممنوعة من ذلك ما دامت في حباله إلاّ فيما مرّ من حجّ أو صدقة فطر أو خدمة والد على الخلف، لأنَّه ربّما يرجع إلى الزّوج بمعنى ويستحقّه بموجبه، ولا تجد هي إن أتلفته ما تدفع إليه؛ وقيل: إذا صار بيدها فهي أملك له وتفعل فيه ما شاءت؛ فإن استحقَّ عليها لزمها ما استحقّ عليها؛ وإن أعطت ابنها مالها على زوجها فليس لها أن تعطيه ذلك ولا ما جاء من عنده لئلاَّ تصير بحال الافتداء منه، وبذلك قال أبو عثمان. وهل لها صداق (2) إذا قتلت نفسها لأنَّه للورثة أولا؟ قولان. وقيل: إن أعطت صبيّها عاجلها عليه وآجلها ثبت العاجل فقط، لأنّ الآجل (3) لو رجعت فيه كان لها لأنَّها أعطته ما لم يجب لها؛ وإن لم ترجع فيه وماتت وطلبه منه غيره من ورثتها وقالوا: إنَّه عطيّة مجهولة فلهم منابهم منه لا في العاجل إن طلبوه؛ وإن كان بالغا فقبله أو قبل له أبوه إن لم يبلغ وأبرأته منه ثبت لها لا إن فقد القبول والإبراء ولا ثبت عطيّة الأجل بحال؛ وإن وهبته لأحد وأشهدته له به وقبله ثمَّ رجعت فلها الرجوع ولا تثبت
__________
(1) () - ب: «غيره».
(2) () - ب: «صداقها».
(3) () - ب: «العاجل». (5/273)
صفحة 2358
عطيّته إلاّ للزوج ويكفيه قبوله لأنَّه في ذمَّته؛ وإن أعطت زوجها صداقها على أن يفعل كذا ففعله، جاز له، لا إن كان على أن لا يفعله؛ وإن تصدّقت عليه بما لَها عليه ثمَّ بعد زمان نشزت وبغضته فأعطته مالا على أن يطلِّقها ففعل فقد ذهبت ويردّ لها ما أخذه منها ولا يحلُّ له أن يأخذ منها أكثر ممّا أعطاها، وقد نهي عن ذلك؛ ولا لها أن ترجع فيما أعطته أوَّلاً بطيب نفسها لقوله صلّى الله عليه وسلّم: «من أعطى عطيّة ثمَّ رجع فهو كالرّاجع في قيئه».
وإن تركت له صداقها ثمَّ أوصى لها به عند احتضاره؛ فإن تركته له بمطلبه إليها فطابت نفسها به له وأوصى لها به في مرضه لم يجز لها لأنَّها وارثة، ولا تجوز لها وصيّة ولو في صحّة ولا عطيّة عند الموت؛ وإن طلب إليها بعض مالها عليه فأعطته إيّاه بطيب نفسها ثمَّ رجعت فيه بعد زمان قال: جاز لها أن ترجع؛ وإن أعطته بعض مالها أو صداقها تبرُّعا منها لا بطلبه لم يجز لها أن ترجع فيه.
أبو عبد الله: من ماتت بنته فطلبه زوجها أن يترك له صداقها فقال: قد تركته، وسمّاه كذا، ثمَّ صحّ أنَّها قد طلّقت فله أن يرجع فيه، لأنَّه لم يقرّ بأنَّها (1) مطلّقة.
ومن تزوّج امرأة على مائة نخلة فتركت له خمسين مؤنة بنيها وكسوتهم فأقام عندها شهرا ثمَّ طلّقها فهو شرط مجهول، ويعدّ له ما أنفق عليهم وما كساهم وتعطى الباقي؛ ولكن لو تزوّجها على مؤنتهم لجاز كما مرّ؛ وإن طلّقها بعد (2) ثلاثة أيّام ذهب ولا شيء عليه.
ومن أعطته امرأته صداقها على الإحسان ثمَّ لبث على ذلك حتَّى ماتت فطلبه وارثها إليه (3)، فقال أعطته لي على شرطه، قال مسبِّح: إن بيّن أنَّه أساء إليها أخذه منه وتبعه على ذلك أبو الوليد؛ فإن مات هو وقال: أعطيته على ذلك ورجعت
__________
(1) () - ب: «أنَّها».
(2) () - ب: - «بعد».
(3) () - ب: - «إليه». (5/274)
صفحة 2359
عنه، فلها عندهما أن ترجع إن بيّنت أنَّه كان مسيئا إليها؛ وقال أبو الوليد: رأيت موسى يكتب إلى العلاء أنّ من أعطى عطيّة على ثنيّة ــ أي رجوع ــ فليست بشيء.
ومن طلب إلى زوجته صداقها [343] فأعطته إيّاه ثمَّ طلّقها أو مات عنها وقد أشهد أنَّه طلبه إليها؛ فإن طلبته في حياته ورجعت فيه أو طلّقها فلها صداقها بعد أن يقرّ أنَّه طلبه إليها أو تقيم هي بيِّنة به؛ وإن طلبته بعد موته فبيّنت أنَّها أعطته بعد طلبه فلها صداقها بعد أن تحلف أنَّها ما أعطته إيّاه إلاّ تقيّة منه أن يسيء إليها؛ فإن ماتت ولم تطلبه فلا سبيل لوارثها عليه ولو بيّن أنَّه طلبه إليها.
ولا يجوز لامرأة ترك صداقها لزوجها عند الموت ولا صدقتها به؛ وإن تركته له وردَّه لها في مرض الموت لم يجز. ابن عليٍّ: إن تركت له بعضه في مرضها ثمَّ صحّت ثمَّ مرضت فماتت ولا تذكر العطيّة فليس ذلك بعطيّة، إلاّ إن أعطته بحقٍّ؛ وإن قالت: وعدته أن أترك له كذا من صداقي وعليه تزوجني وقد تركته له، جاز له؛ وإن لم تقل: على ذلك تزوَّجني لم يجب على الورثة؛ وإن تركته له عند موتها بجائز له في الحكم وهو يعلم كذبها فلا يسعه أخذه؛ وقال ابن محرز: إن قالت في مرضها: كانت بيني وبين زوجي مواعدة في الصداق وقد وفيّت له بالعدّة فقد أجازه أبو عليٍّ؛ وقال: من له صداق على زوجته جاز له إن وهبته له أو قايضته أو اشترته أو أبرأته منه، وكذا له من وارثها بعد موتها؛ وإن كان غير قائم ولا محدود فلا لها ولا لوارثها منه حجّة؛ وإن قال: بعت أو وهبت أو قايضت بما لم أقبضه أو أعرفه بعينه جاز عليه ولو مجهولا، لأنّ أصل الصدقات مجهول؛ وإن تركته له أو أعطته إيّاه ثمَّ قال: أعطيته ما لم أره ورجعت فيه لم يكن لها، لأنَّه جاء عن الفقهاء أنَّه لا يجوز ذلك. وقد باع رجل ثوبين لزوجته بصداقها عليه فأجازه أبو الحسن؛ وقال أيضا: إن تركته له حتَّى إذا مات قالت: إنّي تركت ما لم أعرفه فقد قالوا: لها الرجوع مع يمينها ما تركت ما عرفت ثمَّ لها صداقها ولا تقطع حجّتها إلاّ إن بيّن عليها أنَّها عارفة ما تركت له منه يوم تركت فليس لها مثلما قضى أولاده قال: هذه تركة له وهذا قضاؤهم، قالوا: ذلك تذهب حجّته وهذه تحيي حجَّتها ولو مات زوجها، والأب الذي تذهب حجّته هو من يشهد لولده في (5/275)
صفحة 2360
صحّته بشيء من ماله بما زعم أنَّه له عليه ثمَّ يموت ويخلف ورثة فيحتجّ الأب: إنّي إنّما أشهدت أنّ ذلك له بحقٍّ يجب منّي إليه، وإنّما حقّه عليه عشرة دراهم فأنا أدفعها إلى ورثته وآخذ مالي، قال: ليس له ذلك على هذه الصّفة، وإنّما له الرجوع والحجّة إذا احتجّ أنِّي قضيته ما لم أعرف؛ فإن أقام ورثة الولد بيِّنة عليه أنَّه قضى ما عرف فالمال لهم، وإلاّ أخذ الأب ماله وأعطاهم ما أقرّ به؛ قيل له: فإن كان له الرجوع فأشهد بهذا المال لأولاده ثمَّ مات أحدهم وله ورثة ثمَّ احتجّ بهذه الحجّة؟ قال: إمّا الأموات فلا يجوز له الرجوع على ورثتهم لأنَّهم ماتوا وماتت حجّتهم ولعلّ عندهم بيِّنة بأنَّه قضاهم ما عرف من المال، وأمّا الأحياء فله الحجّة عليهم.
فصل
إن قالت الزوجة: أعطيت زوجي صداقي بمطلب منه إليّ ونفى هو ذلك وقال: وإنّما تبرّعت به إليّ فالقول قوله مع يمينه وعليها بيِّنة أنَّها ما أعطته إلاّ بطلبه؛ وإن خدعها عن صداقها فأعطته إيّاه ثمَّ طلّقها فإنَّه يردّه لها إذا لم تعطه ليطلّقها. هاشم ومسبِّح: إن تركته له فلمّا احتضر قال: إنّي طلبته إليها فأعطتنيه فاشهدا أنّي رددته إليها فهو لها؛ وقيل لا يجوز لها.
وكتب ابن محبوب إلى ابن عليٍّ فيمن تزوّج امرأة بستّين نخلة ثمَّ تركت له عشرين ثمَّ طلّقها قبل أن يدخل بها فقال: لها عشرون من الأربعين الباقية.
وقيل: في مريضة قال لها زوجها: عليّ لك مائة نخلة ما تفعلين في أمري أو فيها أو أحبُّ منها الخلاص، فقالت: تركتها لك بحقٍّ لك أو بقيامك عليّ فإنَّه يبرأ، وذلك خلاصه.
وعن بعض أنَّه ليس للرّجل أن يعرض لزوجته في مالها إذ هو كطلبه إليها ولا يبرأ منه على هذا؛ وإن لم يكن قوله تعريضا لها في تركه فقد برئ؛ وقيل: ليس كالطلب، قال: وأرجوا أنَّه قد برئ منه. (5/276)
صفحة 2361
ومن عليه لزوجته مائة نخلة فطلبها في صحّتها أن تأخذ منه خمسين ونخله من باقي صداقها فوكّلت من يقبض لها خمسين بالقيمة بمحضر من صلحاء البلد ثمَّ لم يعلم أنَّها رجعت فيما تركته له حتَّى مات أحدهما؛ فإن طلبت الرجوع في حياته [344] فلها ذلك وصداقها كاملا لأنَّه طلبه إليها، وإلاّ فلا وقد برئ منه، ولا رجوع لوارثها إن ماتت هي ولم تطلبه.
أبو الحواري: من طلب إلى زوجته بعض مالها فباعه ودفع الثمن إليها فلا رجعة لها فيه بعد إخراجه من ملكه، ولها الرجوع ما دام بيده إن كانت العطية بمطلبه، وإلاّ فلا رجوع لها فيه. أبو صفرة: إن أعطت أباها أو أخاها مالها على زوجها من مهر جاز. أبو عبد الله: نعم إن كان عاجلا وليس على الأب إلاّ قبول ما أعطته مطلقًا ويتمّ للأخ إن قبل وحضر الزّوج وأقرّ له به ولا عطيّة في الأجل ــ وإن للأب ولو حضر الزّوج ــ وتصحّ له وحده فيه كما مرّ.
ومن قضى امرأته أو مطلّقته حقّها ثمَّ طلب إليها أن تعطيه أولاده فإذا طلبها في الصّحة بعد أن قبضته فأعطته بطيب نفسها جاز؛ وكذا المطلّقة إن علم أنَّها إنّما تعطيه طمعا في الرجعة أو خوفا من بليته أو نحو ذلك، فلا نقدم على ذلك؛ وإن علم طيب نفسها له ولولده فلا بأس. ولا يجوز في المرض لواحد منهما ولا لغيرهما.
ومن طلّق زوجته ولها عليه صداق فبعث إليها ثقة فاستحلّها له وأخبره أنَّها تركت له صداقها وأحلَّته منه، ثمَّ مات ورجعت تطلبه وأنكرت قول الثّقة فحقّها واجب عليه ولا يبرأ بقول الواحد إن رجعت تطلب؛ وإن شهد عليها بذلك ثقتان ثمَّ أنكرت وطلبت حقّها فتقول: إنَّه قد برئ بما أخبره به الثقتان ولا شيء عليه لها. أبو عبد الله: إن كان طلبه في طلاق بائن أو بعد عدّة فهو كما قال، وقال غيره: إن كان في عدّة يملك فيها رجعتها فهو كالزّوج وقول الثقتين في البراءة حجَّة إذا لم يدّعيا في الشهادة أنَّهما استحلاها له.
ومن قال لزوجته استوصي بي خيرا فأشهدت له نصف صداقها فلا رجوع لها (5/277)
صفحة 2362
فيه عند أبي عبد الله إذا لم يكن ذلك بمطلبه أن تدعه له، قال: وله أن يشتري منها صداقها الذي عليه كما يجوز إذا أعطته إيّاه؛ فإن احتجّت بجهالته وأنَّه غير واقف فلا حجّة لها، قال: ولا يجوز بيعه ولا عطيته لغيره ما لم يضمن به.
ومن قال لزوجته: إن شئت أحججتك وتركت لي صداقك، فأنعَمَتْ، وحجّ لها فله الصداق ولها الحجُّ؛ وإن طلبها أن تبيع له حقّها وهو نخل وأرض قال أبو الحسن: إن باعت له وأوفاها الثمن جاز؛ وقيل: يثبت ولو لم يوفها الثمن وهو عليه لها؛ وإن قالت في صحّتها: إنَّ صداقي على زوجي فلان هو لزيد، وبعضه آجل، فلا يثبت الإقرار إلاّ في مقبوض؛ وإن قالت: بحقّ له عليّ وليس وفاء، له فلا يثبت فيه أيضا إن كان غائبا في الذّمة، لأنَّه معدوم والقضاء فيه لا يثبت في الحكم.
أبو الحواري: إن ماتت ولها عليه نخل وجارية وبرٌّ فورثها هو وأمّها وغيرهما فباعت له إرثها من الصداق وجميع ما عليه ولم يقبض، وأشهدت باستيفاء الثمن منه، وباعت له بقرا وغنما ولم يحضر ذلك ولم تقف عليه، قال: أمَّا الصداق الذي عليه لها فبيعه له جائز إن عرفت كمّيته، وكذا الماشية إن عرفت عددها، والبر إن عرف كيله، ولم ينقض البيع أحدهما، قال: وهذا إن كان ما ذكر معروفا مميّزا بعينه إلاّ بالوقوف عليه والنّظر إليه، وإلاّ فلها النّقض إن طلبته، وإلاّ فلا يحلّ له أكل ذلك حتَّى تقف عليه أو تعرفه فافهم الفرق. وإن كان النّخل أو الغنم أو نحوهما مبهما جاز بيعه له إن باعت له إرثها منه.
وإن كان للهالكة غنم أو نخل أو غيرهما على غير زوجها وينسب ذلك إليها فلا يحوز بيعه إلاّ بالوقوف عليه.
وإن أقرت امرأة لأحد بحقها على زوجها وهو غائب لا يدري أيقرُّ به أم لا فالإقرار له ثابت؛ وإن كان لها عليه ألف درهم صداقا فقالت: جعلته لفلان بحقٍّ له عليّ جاز له ذلك. (5/278)
صفحة 2363
الباب الرّابع والسّتون
فيما يجوز لمن عليه صداق في ماله وفي قضائه
أبو عبد الله: من تزوّج امرأة على صداق في ماله فله أن يفعل فيه ما شاء وإنّما يخرج عليه إذا تزوّج على معيّن.
هاشم ومسبِّح: من عليه لزوجته صداق فأراد أن يقضي أولاده من ماله بما عليه لهم وغيرهم أيضا بذلك فقالت له: وقف لي من مالك صداقي ثمَّ أقض من شئت، فلها ذلك إن خافت أن يتلفه، ومنعها الأزهر كما مرّ.
ومن قضى امرأته ماله عند الموت بحقٍّ وهو دونه وعليه دين، فقيل: يكون حقّها قيمة ماله ثمَّ تتخاصم هي والغرماء في المال.
ومن عليه لزوجته صداق [345] نخل وله مال يقوم بصداقها فأراد الحجّ وتعلّقت به فطلبته فخاف أن يدفع ماله إليها به ويرجع من سفره فتؤذيه ويتمسّك بماله وعليه عوله، فقيل: يرهنه بيدها بصداقها.
ومن شرطه لزوجته في موضع من ماله ثمَّ باعه أو قضاه أخرى وقد حضرت، فلم يجز ابن عليٍّ ذلك عليها ولو حضرت ما لم تعلم فتتمّه وأجازه عليها غيره؛ وإن كان عليه لها نخل صداقها ولم يقضه لها ولا أوصى لها به وقضاها ماله بمالها وما له أرض ومنازل أو نخل وأرض فلا يبرأ عندي إذا لم يقض لها برضاها، وعليه أن يقرّ لها بحقّها الأصلي، إلاّ إن رضيت بذلك القضاء فيجزيه إذا قبلته منه، ولا وصيّة عليه فيه بعد.
ابن أحمد: إن كان عليه لها عليه أجل وأراد السّفر إلى البحر فاتَّفقا على أن قضاها نخلات بحقّها وأشهد على ذلك وأبرأته منه، وسافر ثمَّ بداله فرجع دون مبلغه (5/279)
صفحة 2364
فأثمرت النّخلات وكانت بيده، ثمَّ أراد سفرا ثانيا ولم يوص لها بشيء، فقال له الشهود: كيف صداقها؟ فقال: اتَّفقت معها وأعطيتها، وسافر ثمَّ رجع ومات، قال: ما قضاه لها ثابت لها وحوزه مال زوجته لا يزيله عن ملكها.
وإن قضى امرأته مالا ولم ترض به ثمَّ رضيت قال إذا لم ترض أنفسخ القضاء؛ فإن أتمّه المقضي بعد رضاها جاز القضاء، لأنَّه إذا لم يكن يحكم فحتَّى يتّفقا على ذلك ويرضيا به؛ فإن قضاها مالا في مرضه ومات ولم يكن من الورثة رضى ولا تغيير لم يثبت القضاء ولو رضيت به، وجاز إن رضيت به بعد إتمامهم لها.
ومن قضى زوجته قطعة بحقّها عليه لها من عاجل وآجل ثمَّ أحلَّته منه فلا تنتقل القطعة إليه بهذا الحلِّ، لأنَّه إنّما وقع على ما وقع عليه، قيل له أنَّه معلول لأنَّه قضاء وقع على ما لا يحلّ، قال: عندي إذا قضاها ثبت؛ وإن لم يحلَّ عليه قيل له: فإن كان في الأجل شرط إلى أن يموت أحدهما أو يتزوّج عليها أو نحو ذلك من محدود فقضاها قبل حلوله، قال: إن قضاها برايه ثبت لأنَّ الأصل مجهول الأجل.
ابن عليٍّ: إن تزوّجها على مائة نخلة فلمّا احتضر أوصى لها بخمسين فلها ما قامت به البيِّنة؛ فإن شهدت لها عند العقد بخمسين فأشهد بالمائة عند احتضاره لها عليه، أو كان لها عبيد لم ينسبوا فنسبهم عنده بإقراره أنّ لها عليه كذا وكذا فإقراره ثابت.
هاشم ومسبِّح: من احتضر فقال لزوجته: هل تتركي لي نصف صداقك وأقضيك نصفه؟ فأنعمت له، فقضاها نصفه وأبرأته من الآخر، فتوفيّ ثمَّ رجعت تقول طلبه إليَّ فليس لها إلاّ ما اقتضت. (5/280)
صفحة 2365
الباب الخامس والسّتون
في قضاء الصداق من النّخل
قال خميس: قد ثبت في الصدقات ما لم يثبت في غيرها من الشراء والعطاء، لأنّ المرأة تنكح على ذلك. فمن تزوّجها على مائة نخلة مبهمة فلها مائة من خيار نخل (1) البلد؛ وإن تزوّجها على مائة خيار ماله فلها خياره لا تجاوزه وخياره ومن خياره سواء وتأخذ المائة خيارا بعد خيار حتَّى تستوفيها؛ فإن كان في الأوَّل وفاؤها فلا تتعدّاه وإلاّ فتأخذه كما قلنا حتَّى لا يبقى من النخل ما يجوز في القضاء؛ فإن بقي منه ما لا يجوز فيه وبقي لها شيء نظر إلى خيار أوسط نخله فتقضي منه أو بالقيمة من غيره والجيّد كالخيار؛ وقيل: أنّ الخيار من النّخل في شرط قضاء الصداق أفضل من الكرم. أبو الحواري: إنَّه هو (2) كرم الفرع ولا ينظر إلى رخص الأرض ولا غلاؤها (3)، إلاّ أنّ المرأة تأخذ هذه النخلة كريمة الفرع رخيصة الأرض أو بالعكس فما اختارت كان لها بالعدول، والخيار لها لا للوارث.
ومن عليه لها مائة نخلة بصداقها ومات وخلف شرارا وخيارا فطلبت منه وقال وارثه: نعطيك من الشرار، فلها من الوسط إن كان في نخله وسط لا خيار ولا شرار، وإلاّ قوّم فتعطى على قيمته من الخيار (4).
أبو الحسن: عرّفنا أنَّه إن كان في نخله ما يقضي برأسه من مواضع؛ وقيل: من
__________
(1) () - ب: - «نخل».
(2) () - ب: - «هو».
(3) () - كذا في النسختين، والصواب: «ولا غلائها».
(4) () - ب: - «من الخيار». (5/281)
صفحة 2366
أربعة (1) قضيت منه وإلاّ نظر في ذلك فأخرجت الكريمة والساقطة العوانة وما لا يجوز في القضاء عند العدول، ثمَّ جعل (2) النّخل أثلاثا جيّدتين ودونهما ولا تقضى الكريمة ولا الدون، فإذا لم يكن كذلك نظر العدول إلى نخلة يرونها قاضية فيقضون عليها ويجعلون مكانها النّخلتين والثلاثة والأربع ولا يجاوزون بالنّخلة من أربع، ويجعلون النّخلتين مكان النّخلة والنّخلة ونصف والنّخلة وربع مكان النّخلة.
أبو المؤثر: تقضي صداقها من ثلاثة (3) مواضع وسط ودون؛ وإن كان فيه [346] موضع نخل قاضية برؤوسها تعدُّ عدّا قضيت نخل الموضع حتَّى تستوفيه ولا يفرق عليها القضاء؛ وإن لم يكن في موضع ما يعدُّ برؤوسها قضيت من كلّ موضع ثلثا بالقيمة من الخيار والوسط والدون، قال: هكذا حفظنا، وليس للعدول أن يقضوا في الصداق إلاّ ما يحلّ ويجمل والحي والميت (4) سواء في قضائه.
وقيل فيمن عليه لامرأته مائة نخلة صداقها ثمَّ هلك (5) وأراد ورثته أن يقضوها من سوى ماله فإنَّها تقضى من نخله وسطا من حيث شاؤوا بنظر العدول؛ وإن طلّقها وأراد أن يقضيها فقضاها من غير نخله وسطا برأي العدول إلى أربعة مواضع فإذا حضر القضاء قاموا بذلك وقضوها وسطا من أيّ نوع كان ممّا له التمر والثمن ويعدُّ لها بحقِّها من ماله بالقيمة في كلِّ موضع مستوي الثمن لا باستواء النّخل وإنّما هو استواء الموضع في نفاسته وغلائه ورخصه فينظر في كلّ موضع نخلة وسطا برأي العدول أنَّها قاضية، ثمَّ ينظرون ثمنها في موضعها ثمَّ يعدّون النّخل فكلّ نخلة كانت كالوسطى عدّت برأسها وكلّ نخلة زادت عليها أو نقصت حسبوها بقيمتها؛
__________
(1) () - ب: «أربع».
(2) () - ب: «يجعل».
(3) () - ب: «ثلاث».
(4) () - ب: - «والميت».
(5) () - ب: - «ثمَّ هلك». (5/282)
صفحة 2367
وذلك كامرأة لها على زوجها عشرون نخلة فإذا وقف عليها العدول ورأوها مستويّة وسطا قاضية برؤوسها وكلّها في موضع يجوز منها القضاء قضوها إيّاها، ثمَّ نظروا فإذا كلّ عشر منها في موضع من القرية فعشر في نفيس يزيد في ثمنه الطالب أو من نوع يرغب فيه النّاس ويزيدون في ثمنه؛ فإن كان النّوع الآخر أكرم منه كان ثمن هذه العشر ألف درهم ونظروا العشر الأخرى وهي عندهم أفضل وأجود في القضاء لأنَّها لا تتنافس كما تتنافس الأخرى فنظروا ثمنها في موضعها فإذا هي تسوي مائتين فهل ينبغي لهم في العشرة البالغة ألفًا في المنافسة بعد أن رأوها قاضية برؤوسها أن يحملوا ما طلع من ذلك على الطالب الذي يقضي الصداق، وهذه التي تسوى مائتين هل ينبغي لهم بعد أن رأوها قاضية برؤوسها أن يرجعوا يضعفوا عليها، قال: فهذا ممَّا يدلُّ أنَّ القصد إلى الوسط لا إلى الثمن، وإنّما لمن له الصداق النّخل إلاّ أنّ العدول احتاجوا إلى ذلك، لأنَّ النّخل والأرض تختلف في الدون والعالي (1) وزيادة البعض على البعض ولا يجدون الوسط جميعا فيرجعوا إلى القيمة ويعرفوا قيمة الوسط الكائن القضاء عليها، ثمَّ يأخذوا قيمة الصداق على تلك الدراهم. وإن نظروا قيمة العليا والسّفلى والوسطى ثمَّ جمعوا قيمتهنّ ثمَّ أخرجوا ثلث ذلك وهو وجه، وقد أخذوا قيمة الوسط، ابن محبوب: ينبغي للعدول أن يجتهدوا في تقويم النّخل؛ فإن كان لها ثمن قال قوَّموها على قدر رخصها وغلائها في البلد؛ وإن كانت متّضعة الثمن حطُّوا من قيمتها ما رأوه ولا تتّحد القيمة رخصا ولا غلاء. وكذا إذا قضوا أرضا نظروا في القيمة كذلك، إلاّ أنّ النّخل الوسط الكائن عليها قيمة الصداق إنّما تقوَّم على أنَّها صحيحة، وأمَّا المال الذي يقضى منه فإنّما يعتبر في يومه صحيحا أو مريضا أو غاليا أو رخيصا.
وإن كان لها عليه نخل خيار فإنَّه ينظر خيارها في بلادها فتقضى من خيار نخله؛ وإن كان له خيار فلها وسطه لأنَّه يتفاضل، والوسط أعدل فينظروا خير نخلة ثمَّ ثانية في نظرهم ودونها خارج عن الخيار ثمَّ ثالثة خيارا عندهم وسطا بين خيار الخيار
__________
(1) () - ب: «والغالي». (5/283)
صفحة 2368
وسفلاه، ثمَّ تقضي على الوسطى إن أمكن وإلاّ فعلى قيمتها أو ثلث قيمة الثلاثة؛ وقيل: إن كان الزّوج ميّتا فلوارثه أن يقضيها عند بعض حيث شاء من ماله ويكون من موضعين إلى أربعة إن خلَّف قطعا يمكن ذلك منها ولا تلجأ إلى طرف ولا إلى نخل لا يشرعه الماء، ولا في موضع غائب. وقال أبو سعيد: اختلف في ذلك، فقيل: ليس لهم أن يفرقوها فوق موضع؛ وقيل: لهم أن يفرقوها في موضعين؛ وقيل: في ثلاثة؛ وقيل: في أربعة ولا نعلم أكثر.
وعن أبي بكر: إن تزوّجها على عشرين خيارًا (1) [347] ولا نخل له ولا أرض سوى خمس نخلات فإنَّه يقضي الخمسة وينظر خيارها ثمَّ الباقي على قيمتها ثمَّ الأرض على قيمة خيار ماله ولها وسط الخيار، قال: وتقضى الكريمة الخيار عن ثلاث بقيمتها ولا يجاوزون أربعا؛ وإن كانت تسوى أكثر من أربع أضيف إليها ما تسوى أربعا وقضيت هاتين عن ثمان، ولا يلزمه أن يقضي من البساتين المعمورة ولا من بساتين البيوت إن كان له غيرهما، وإلاّ فإن شاء قضى منهما، وإن شاء اشترى نخلا قواضي ويحكم عليه بذلك ولا عليها أن تأخذ عواضد، إلاّ إن رضيت، وليس للعدول أن يقضوا في الصداق إلاّ ما يغل ويحمل لا ما تحمل غدوقا ولكن أكثر من ذلك، ولا فانية ولا جائحة (2) ولا فسلة تنالها الدّواب والأيدي بعيد خيرها. وإن كان النّخل ممّا يلزم فيه أن يجعل الثلاثة والأربع عن نخلة فذلك من عدل القضاء في بلدهم.
أبو الحواري: يجوز قضاء النّخل ما لم يكن الفضيح هو الأكثر في التي تقضى لها وليس للنّخلة قيمة معروفة منضبطة.
فصل
إن تزوّجها بكذا وكذا نخلة وشربها من الماء أو حياتها منه وكذا الشّجر فإنَّه
__________
(1) () - ب: «خيا». ولا معنى له.
(2) () - ب: «حائحة». (5/284)
صفحة 2369
يجعل لكلّ نخلة حوضها ثلاثة أذرع (1) من كلّ ناحية؛ وإن لم يكن لها إلاّ من واحدة جعلوا لها منها ستّة أذرع؛ وإن لم يمكن (2) لكلّ نخلة حوضها فإنَّهم يضمُّون في كلّ حوض ثلاثا؛ وقيل: لكلٍّ حوضها إن أمكن (3) وقدر بلوغ الماء فيه إلى الكعب؛ وقيل: ذلك إلى العدول.
وإن تزوّجها بعدد معلوم أدركته في منزله، وإن في بلاد؛ وقيل: حيث استمسكت به إن كان فيه نخل، وإلاّ فحيث ما أعطاها جاز؛ وقيل: في أقرب المنازل إليهما؛ وإن كان بدويّا ولا نخل له أعطاها في الأقرب إليهما؛ وقيل: حيث استمسكت به إن كان فيه نخل، وإلاّ جاز حيث أعطاها وتعطى من نخيل الزّوج إن مات لا من نخيل الوارث إلاّ برضى إن قال: من نخله؛ وإن قال: بكذا من النّخل جاز ــ وإن من نخل الوارث ــ وإن قال: بهذا النّخل وعليه لم يدرك فهو لها لا إن أدرك وكذا الشّجر؛ وإن قال: بهذه النّخلة وفيها ودي لم يتمر فهو لها؛ وإن أتمر فهو للزّوج كالتّمر إن أدرك؛ وإن تزوّجها بشجرة على قلعها أخذها به ولو أثمرت؛ وإن تزوّجها بهذا الفسيل وهو كما غرسه ولم تعلم، فإذا هو لم يأخذ فلها كمثلها؛ وقيل: لها ذلك الفسيل (4)؛ وإن تزوّجها على أن يغرس لها عددا معلوما منه في أرضها لم يجز ولها كمثلها؛ وإن تزوّجها بهذه الأرض أو بأرضه في غير بلدها أو بنصفها أو بكذا ذراعا منها جاز؛ وإن كان في تلك الأرض غيران أو آبار أو مطامير أو مواجين فلها الأرض وما فيها لا إن عليها شجرا ونبات فلها الأرض فقط (5)؛ وإن قال بكلِّها وكلّ ما فيها أو بهذه الدّار فلها الكلّ؛ وإن تزوّجها بغلَّة هذه البستان جاز مطلقًا؛ وقيل: ليس
__________
(1) () - في كلتا النسختين: ترد كلمة: «أدرع» بدال مهملة، وقد صحَّحناها فيما سيأتي ولم نشر إلى ذلك.
(2) () - ب: «يكن».
(3) () - ب: - «إن أمكن».
(4) () - ب: «الفسل».
(5) () - ب: «فقض». وهو خطأ. (5/285)
صفحة 2370
لها إلاّ كمثلها إن لم تدرك؛ وإن تزوّجها بهذا الزرع أو النّبات فلها الظاهر لا الغائب في الأرض كالثّوم والبصل؛ وقيل: لها كمثلها؛ وإن تزوّجها بهذا الصوف على الغنم على أن تجزَّها جاز؛ وإن تركته إلى ثلاثة أيام أخذت ما أصدق لها ولا ترجع إلى مثلها، وكذا ما لم يدرك من الغلاّت إن تزوّجها بها على قطعها فتركتها حتَّى أدركت تأخذ قيمة ما أصدقها ولا تردُّ إلى المثل؛ وقيل: تأخذ ذلك أدرك أو لم يدرك؛ وإن أصدقها غلَّة (1) هذا البستان سنين معيّنة أو سكنى الدّار أو البيت أو خدمة عبد أو غلَّة حيوان أو أرض أو انتفاع بلباس ثوب أو إناء أو على أن يرعى لها غنما أو إبلا كذا سنة أو شهرا أو يحفر لها بئرا أو مطمورة أو يبني لها دارا أو بيتا أو يكنس لها بئرا أو مطمورة لم يجز ذلك ولها كمثلها.
وإن تزوّجها بمعلوم بلا شهود ثمَّ استشهد فلها صداقها من حين تزوّجها فيما ذكر عن أبي محمَّد واسلان ولها غلاته ونماه وعليها زكاته، ويرجع عليها بما أنفق عليه وما غرم من جناية (2) قبل الإشهاد، وعليه لها ما انتفع به ممّا بيده قبله؛ ولا تجوز أفعال أحدهما فيه قبله ممّا يوجب خروج ملك، وجازت أفعالها فيه بعده وأفعاله فيه إن لم يتمَّ النكاح، وله عليها ما زاد فيه من عين كصبغ أو غرس ونحوهما، ولا يدرك أحدهما على آخر زيادته في عينه [348] كنمائه، وكذا نقصانه في عينه كزيادة الأسعار ونقصانها؛ وإن تغيّر في عينه كطحنه إن كان حبّا، أو غزله إن كان صوفا، فإن أشهدا فهي بالخيار إن شاءت أخذت ذلك بعينه ويردُّ لها النقص، وإن شاءت أخذت قيمته صحيحا أو كيله أو وزنه فيما يكون فيه (3) ذلك؛ وإن تلف من قبل الله فلا تدرك عليه إن استحقّ قبل الإشهاد أوَّلاً وهو الأكثر، قولان.
__________
(1) () - ب: «علة».
(2) () - ب: «جنايته».
(3) () - ب: - «فيه». (5/286)
صفحة 2371
وإن تزوّجها بذي محرم منها وقفت أحكامه، فإن أشهدا صارت أحكام الحرِّ وإلاّ فهو عبد بحاله؛ وقيل: ليس لها في ذلك شيء في الصداق حتَّى يشهدا؛ وإن اتَّفقا على النكاح وشرط عليه وليُّها أن لا يزوِّجه بها حتَّى يعطيه النّخل أو غيره فدفع إليه ما شرطه من ذلك فهو من الصداق؛ وكذا كلّ ما لا يجد النكاح إلاّ به ودفعه لها فإذا تمّ صار لها كلّه كغلاَّته ونتاجه وجميع منافعه ومضارِّه، وأفعالها فيه موقوفة ــ كما مرّ ــ حتَّى يتمّ النكاح؛ وجازت (1) أفعاله فيه قبله وكانت منه رجوعا في الشيء.
__________
(1) () - ب: «وجاز». (5/287)
صفحة 2372
الباب السّادس والسّتون
في صفة الشرب للنّخل المقضي في الصداق
قال الأزهر ومسبِّح: إنَّه يكون بثلاثة أذرع من الأرض بدور النّخلة كما مرّ؛ وقال سليمان: بنظر العدول أوسط شرب أهل البلد؛ وإن شرط في العقد أنَّ شربه من فلج كذا وكان النّخل المقضي أو بعضه يشرب من غيره نظر (1) العدول ما يحتاج إليه من الشرب من الفلج الذي يشرعه، وكان له مثله من الذي عليه الشرط، ثمَّ تعطى قيمته من الذي يشرعه إن لم يكن سفيه من الآخر؛ وكذا إن كان النّخل بشربه ولم يكن لربِّه ماء في فلج، أو كان الماء سهامًا تطنى نظروا قيمة النخل بشربه، (2) ويقضون على ذلك وينظرون عند قطعة؛ فإن وجد محلّ نقص فيه الماء أو حصب طغى فيه فالتي قضيتها بشربها من ماء ربّ النَّخل الذي قضاها؛ وإن كان الماء وسطا من ذلك رضمت الأرض من تحت النّخل ثمَّ يخرج (3) لكلّ نخلة ثلاثة أذرع بذور جذعها ثمَّ تسقى شربة أو شربتين حتَّى يعلم أنَّها قد توطت (4) أرضها، ثمَّ تترك بعد أن تشرب إلى الذي تسقى منه، ثمَّ ينساق (5) إليها الماء في وقت تقلب إليها من الإجالة التي يشرب منها جميع النّخل ويساق حتَّى يدخله، وربّما اختلفت الأفلاج، فإن كثر ماء فلج جعل في كلّ أجيل ثلاث نخلات وأكثر على ما يرى العدول،
__________
(1) () - ب: «بظر». وهو تصحيف.
(2) () - ب: - «ولم يكن لربِّه ماء في فلج، أو كان الماء سهامًا تطنى نظروا قيمة النخل بشربه». انتقال نظر، لتكرار: «النخل بشربه».
(3) () - ب: + «من».
(4) () - ب: «نوطت».
(5) () - ب: «يساق». (5/288)
صفحة 2373
ويكون بين كلّ أجيلين ساقية؛ وإن قلّ فنخلتان أو واحدة في أجيل، فإذا دار الماء بأجيل النخلة فقال بعض: إذا ضرب الماء من وسط الوجيل إلى الكعب فلا حدّ لذلك عند ابن عليٍّ إلاّ نظر العدول، ثمَّ يقلب عنها الماء من الإجالة العليا بعد أن تروى، وينظر كم هو من أثر فيقطع ذلك لها ويكون شربها؛ وقيل: إنَّها (1) تسقى شربتين بين ليل ونهار ثمَّ تعطى النصف من ذلك.
أبو عليٍّ: من تزوّج امرأة على مائة نخلة من قطعة معيّنة وشربها من دور مسمّى، فإن كان النّخل مشتركا ولم يعدَّه لها، إلاّ أنَّه عيّنه أنَّه من تلك القطعة فما مات من النّخل فمن ماله، ولها وفاء حقّها؛ وإن عدّه لها فالميت منه عليها، ولها الشرب دور بليل ودور بنهار سقيا لها، ويقف فيه عدلان، فما رأياه رأيًا (2) للنّخل سقي عليه، ثمَّ تضمّ الشربتان ويطرح النّصف من ذلك والآخر شربه، وإنّما يقطع إذا كان الماء وسطا والعواضد إذا عدّت وهي تشرب على مساق تكفيها وتصلح عليها فلا شرب لها إلاّ إن شرط عند العقد عليه شربها، وليس لما يشرب من جانب الأشربة إلاّ أن تكون له أرض يحوض له فيه وقدّر له عليها فله أن يحوض؛ وحوض النّخلة ــ كما مرَّ ــ ثلاثة من ضرب الماء إلى ضربه وإذا شرط شرب نخل الصداق ثبت، ولو لم يقل: من الماء، لأنّ شربها منه، فإذا عدّ وعرف كان له من الفلج الذي يشرعه ويشرب منه.
وقيل: إذا تزوّج على نخل فهي لها بشربها، وإن لم يشرط لئلاَّ يدخل الضرر عليها؛ قال خميس: ولا نعلم أحدا من فقهائنا أخذ بذلك؛ وقيل: لا يثبت الشرب حتَّى يشترط والنّخل بأرضه؛ وإن لم تشترط له فإذا قضيت خمسين عن مائة فليس لها إلاّ شرب الخمسين؛ واختير أن يقضيها العدول هذه الخمسين بشربها عن مائة؛ وكذا [349] إذا قضيت مائتين فلها شربهما؛ وإن قضيت عواضد ونخلا لا تشرب فلها الشرب، لذلك تصنع به ما أرادت.
__________
(1) () - ب: - «إنَّها».
(2) () - ب: - «رأيًا». (5/289)
صفحة 2374
ابن محبوب: إنَّ العاضدية إذا كان الماء يجري في أصلها على قدر واد البلد عندهم أو قدر ثمانية أيَّام فذاك؛ وإن كان يجري (1) فيه على أكثر فلها شربها، وقال: ينظر فيها العدول، فإن كانت قاضية بالأصل الذي هي فيه بشربها قضيتها وخيّرت في أخذ هذه النّخلة عن نخلة بشربها، وفي التّضعيف عليها من النّخل كما يرى العدول، وفي أخذها عن نخلتين أو أكثر ولها شربها، وفي أخذها برأسها بدونه.
ومن عليه ــ قيل ــ أربعون فقضى عنها خمسين لضعفها، وقال: لا أسقي إلاّ أربعين، فيقال له: إمّا عدَّ أربعين بشربها قاضية برؤوسها وإمّا عدَّ عنها خمسين بشربها برأي العدول أنَّها قاضية عن أربعين، وكذا إن قلَّ العدد أو كثر يكون شربه إذا لم يصحَّ ما تقضى من النّخل؛ ولا تقضى نخلا بدونه، بل تقضى به برأيهم؛ فإن لم توجد له أربعون بشربها إلاّ نخل كرام رجع للعدول فيعدُّوا له ما رأوا بشربه عن الأربعين وشربها، ولا يزاد عليه شرب إلاَّ ما قضوا، ويكون بشرط هذا عند أبي علي؛ ورأى عمر ابن القاسم أنّ عليه شرب الأربعين، ولو قضى العدول من ماله خمسين أو عشرين فعليه شرب أصل الأربعين؛ وقيل: عليه شرب ما قضوه؛ وإن قلَّ أو كثر؛ وقيل: إن كان أربعين أو أكثر منها فعليه شرب ما وقع عليه العدد؛ وإن كان أقلَّ منها فعليه شربها.
ابن محبوب: إن صحّ لامرأة على زوجها مائة نخلة بلا شرب في بلد فهي كمن له نخل أخذ له شربا فلها ما يستحقّ النّخل من الماء لأنَّه للنّخل. وفي الأثر: إذا تزوّجت بنخل على شرب من فلج فلها شرب نخلها المشروط لها. أبو مروان: وأنَّ من شرط عليه شرب من نهر فلا يقسم على النّخل بل على الرؤوس فتجري قيمة الشرب ثلث قيمة النّخل؛ وقيل: تقوَّم قيمة يوم تكون قيمة الماء فيه وسطا وتعطى المرأة ذلك.
وقيل: من تزوّج على نخل فوقع أو بعضه قبل أن يقطع الشرب فله أن يفسل مكانه، ولا له أن يزرعه ويسقيه قبل أن يقطعه. ولو أنَّه اشترى من رجل نخلا وشرط
__________
(1) () - ب: «يجرُّ». (5/290)
صفحة 2375
عليه شربه فوقع انتقض البيع، لأنّ الشرب مجهول، وإنّما جاز الجهل في شرب الصداق لا البيع؛ وإن قضاها زوجها نخلا على فلج يباع ماؤه ويشترى فطلبت شربه فعليها البيِّنة فيه لأنَّها مدّعية، وإنّما يراه لها موسى، ثمَّ رجع عنه.
وقيل: فيمن طلّق امرأته ولها عليه صداق وله نخل على فلجين أحدهما ييبس والآخر عدَّ، فإنَّها تقضى من العدّ حتَّى يفرغ نخله؛ فإن بقي لها شيء فعليه أن يحتال لها بالوفاء من الذي لا ييبس؛ وإن مات وعليه لها نخل وترك نخلا على فلجين عدُّو ما ييبس قضيت من العدِّ، فإن بقي لها شيء خيِّرت؛ فإن شاءت أن تقضي من التي له على الذي لا ييبس بقيمة النّخل، وإلاّ فمن ماله حيث كان.
ومن جواب الأزهر أنَّه إن كان له مال في فلجين ولها عليه نخل فهل للوكيل أن يقضيها من فلج واحد من الأرض والنّخل حتَّى تستوفي؟ قال: إن كان له (1) نخل فليقضها برأي العدول من نخله حيث كان من الأفلاج والقرى حتَّى تستوفي؛ وإن لم يكن له قدر حقّها قضيت من الأرض بقيمتها حتَّى تستوفي.
__________
(1) () - ب: «لها». (5/291)
صفحة 2376
الباب السّابع والسّتون
فيما يدخل في الصداق إذا قضي وما يجب له
فإذا كان بين كلّ نخلتين ممّا يقضى فيه ستّة عشر ذراعا فذلك للمقضي وما زاد عليها فهو للقاضي.
ومن قضى امرأته أو باع نخلة أو أكثر (1) من قطعة كانت نخلا لم يبق غير الذي قضى أو باع غير أنَّ أصول النخل بيِّنة، فقيل: لا تعطى بقياس أصول الفانية وإذ لكلٍّ ثلاثة؛ وإن اجتمعت نخلتان أو ثلاثة في رستح فالنخلات بأرضهنَّ له.
أبو عليٍّ: إن قضيت امرأة نخلا فيها صرم يصحُّ وبلَّغ أو شجر، فالبالغ يخرجون له للورثة وكذا الشجر وما بيع من النخل إلاَّ إن اشترطه المشتري؛ فإن طلب البائع إثبات الفسل والشجر أو الذي قضى الصداق فهو قضاء وبيع ضعيفان ومنتقضان؛ وإن كانت النخلة تشرب بثلاثة أذرع من جانب، لأنَّها ملجئة إلى أجيل أو غيره فطلبت أن يكون حوضها من جانب [350] ستَّة أذرع فذلك لها؛ وقيل: للنّخل المقضي في الصّداق ثلاثة أذرع للشّرب والباقي متروك.
__________
(1) () - ب: + «من نخلة». (5/292)
صفحة 2377
الباب الثّامن والسّتون
فيما يجب للمرأة من الصداق ومن أين يجب لها من البلدان
ابن عليٍّ: إن كان على زوجها عشرون نخلة شرطها من منح فيقول أقضوها من إزكي، أو بنخلها داري، فمات فقال وارثه: إنَّما نقضيها من إزكي لا الدّار فذلك إليه وليس لها إلاّ شرطها في هذا.
وقيل: فيمن تزوّج امرأة من أهل نزوى وهو من الرّستاق وضمن لها مائة نخلة ولم يشترط عليه وليّها النّخل من نزوى وقد علمته رستاقيّا، ثمَّ طلّقها أو مات فطلبت أن تعطى الصّداق من نزوى من حيث تزوّجها، وقال أعطيك من الرّستاق، قال: إن شرط عليه وليّها أن يعطيها من نزوى فذلك لها. وكذا إن كان له نخل بنزوى أعطاها من الرّستاق؛ ولا يجبر أن يشتري لها من نزوى، وتأخذ من بلده برأي العدول.
وقيل: إذا لم يكن شرط في الصّداق كان القضاء من عادة بلدها كما يقضي مثلها، والقضاء من بلدها؛ وقيل: من بلده وعادته؛ وقيل: إن كان حيّا قضاها بعادة بلده من حيث شاء؛ وقيل: بقيمة بلدها وعادته في الصّداقات؛ وقيل: بقيمة الذي تقضى فيه؛ وإن كان له نخل في قرى أعطيت من التي تزوّجها فيها إن كان فيها وفاء حقّها، وإلاّ فمن التي يتمّ فيها الصّلاة، ولها ما نقص من التي تزوّجها فيها؛ وإن كان لا نخل له اشترى لها من قريته. نبهان: إن كانت غريبة لا من عمان فلها حقّها من الذي (5/293)
صفحة 2378
تزوّجت فيه؛ وإن كانا غريبين (1) قدما إلى عمان ثمَّ مات أو فارقها فحيث وجب لها حقّها أو حكم لها به أخذته، ويحسن أن تقضى من الذي تزوّجها فيه.
أبو عليٍّ: من تزوّج امرأة من قرية ثمَّ خرج بها إلى أخرى فطلّقها فيها ومهرها عليه مائة نخلة فحقّها من الذي تزوّجها فيه؛ فإن كان له نخل في بلدها أعطاها منه، وإلاّ فمن بلده، إلاّ نخل الحظ (2) إن كان من أهله؛ وقيل: من الذي تزوّجها فيه بقيمته إن كان فيه، وإلاّ فمن بلده بقيمته إن كان له فيه، وإلاّ ولا في غيره فلها بقيمة الذي تزوّجها فيه.
ابن محبوب: من لزمه صداق من القرى فله أن يعطيه حيث يشاء منها بالعدول، ثمَّ رجع عن ذلك وقال: إن أهل كلّ قرية يقضون من قريتهم، كما لا تلزم أهل نزوى ولا أهل سعال القسامة التي تلزم أهل سمد، وكذا عمارة المساجد لا يلزم أهل قرية إلاّ عمارة مسجدهم، كما في القسامة، وكلّ قرية فهي مأخوذة بما يلزمها.
وإن تزوّج رستاقي امرأة بنزوى وله نخل بها وكان معها إلى أن مات بها قضيت صداقها من نخله بها. وإن احتجّ الوارث أن للميّت نخلا بالرّستاق فطلب أن يقضي لها منه فالقضاء من نزوى من نخل وغيره. أبو الحواري: تقضي حيث يسكن بزوجته. وإن ماتت قضي ممّا ورثه منها إن كان بقي، وإلاّ فمن الأقرب إلى بلدها إن كان لها نخل فيه (3)، وإلاّ وكان القضاء من نخله قضى حيث شاء من نخله؛ وقيل: يقضيه من نخله وليس موتها (4) كموته، لأنّ الحقّ عليه في ماله؛ وإن مات هو لم يكن القضاء إلاّ منه لأنّ الحقّ عليه فيه؛ وقيل: إن وارثه يقضيها حيث شاء، والأوَّل أكثر. وقد حكم ابن عليٍّ في الصّداق من حيث تزوّجت فيه وبه قال ابن مبشِّر.
__________
(1) () - ب: «غربيين».
(2) () - كذا في النسختين.
(3) () - ب: - «فيه».
(4) () - ب: «موته». وهو خطأ. (5/294)
صفحة 2379
فصل
إن عجز نخل الزّوج عن صداق زوجته بدئت بالنّخل حتَّى يفرغ ثمَّ أرضه ودوره ودوابِّه (1) بالقيمة حتَّى تستوفي حقّها.
أبو سعيد: يبدأ بالنّخل ثمَّ الفسيل ثمَّ بالأرض والأصول غير الماء ثمَّ بالعروض إن لم يبق أصل؛ وإن كان له أرض ودور وغيرهما لا نخل فقال الورثة: نأخذ الأرض ونعطوها (2) نخلا أو نبيعوها [كذا] فلا يجدون ذلك إن كرهت، ولها أن تأخذ من ماله بنظر العدول إلى قيمة صداقها من نخل الموضع فتأخذ من أرضها بقيمتها؛ وقيل: إذا لم يكن له نخل بيع ماله واشترى لها منه نخل أو يفديه ورثته إن كانوا بالغين ويقضوها حيث شاءوا نخلا؛ ولا خيار لها في ذلك إن كانوا يتامى ويقضيها الوصيّ أو الجماعة نخلا يشتري لها.
أبو الحواري: إن مات وله في بلدها نخل وأرض وماء، فإن شرط عليه عند العقد الصّداق في بلد معيّن وفيه من النّخل وفاؤه (3) أخذت منه؛ وإن لم يف أخذت بالباقي من الأرض بقيمة النّخل، وكذا الماء إلاّ إن اختارت أن تأخذ نخلا من غير بلدها من ماله فلها ذلك؛ وإن أرادت أن تستوفي صداقها من المشروط لها فيه من الأرض والماء بقيمة النّخل كان لها إن لم يف ما في البلد إن شرط لها في معيّن، وإلاّ أخذت من بلدها ماله فيه، ثمَّ تتبع ماله من [351] النّخل من القرى؛ وقيل: لها من الأقرب إلى بلدها الأقرب فالأقرب، وليس عليها ولا لها أن تستوفي أرضا ولا ماء ما وجد له نخل ــ وإن في غير بلدها ــ فإذا فرغ رجعت (4) إليهما ممَّا له في بلدها،
__________
(1) () - ب: - «ودوابِّه».
(2) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «نعطيها».
(3) () - ب: «وفاء».
(4) () - أ: يمكن أن نقرأ: «رفعت». (5/295)
صفحة 2380
ويبدأ ــ كما مرَّ ــ بالبالغ ثمَّ الفسيل ثمَّ بالأرض ثمَّ بالماء؛ وإن لم يكن هناك نخل تبعت أرضه وماءه من القرى.
ولا يجوز في قضاء الصّداق الفسل الغير المغلِّ إذ هو كالأرض، فإذا استفرغت نخله من القرى أخذت الفسل ثمَّ الأرض ثمَّ الماء من قريتها، وليس عليها ولا لها (1) أن تأخذ ذلك من غيرها ما وجد ذلك له في قريتها، فإذا استفرغت ماله من ذلك فيها رجعت إلى أقرب القرى إليه فتأخذ الباقي كذلك.
ومن تزوّج على صداق من سقي فلج معيّن وله فيه نخل وأرض وماء فكالأولى؛ وإن لم يكن له من النّخل فيه وفاؤه استتمّته من الأرض والماء منه، وليس عليها أن تجاوزه (2) إلى سقي آخر إن كان في المشروط وفاؤها على ما مرّ بيانه. وإن أرادت أن تدع الأرض وتتّبع النّخل حيث وجدته بقيمة الفلج المشروط فيه كان لها، فإذا جاوزت إلى غير ذلك البلد قضيت بعدول الذي تقضي منه؛ وقيل: لها أن تأخذ الباقي من حيث كان بقيمة المشروط فيه لأنّ حقّها منه.
فصل
من عليه لزوجته صداق ولم يمكنه النّخل ولا أن يشتريه إلاّ بزائد عن قيمته فإنَّه في القياس يؤجَّل كما يؤجّل من لم يتّفق ماله إلاّ بكسر؛ وقيل: تخيّر في أخذ الثمن بسعر نخل البلد، وفي التأخير إلى أن يجد لها نخلا قاضيا؛ وإن لم يوجد لها نخل فلها الدّراهم بقيمة عدول البلد وعليها كما لها في ذلك.
ومن تزوّج امرأة على امرأته فقضاها وشرط عليها إن طلّق الأخيرة أو ماتت ردّت له ما اقتضته منه، فقال هاشم: لا ردّ عليها، وهو شرط باطل.
__________
(1) () - ب: «وليس لها ولا عليها».
(2) () - أ: «تجاوزة». والصواب ما أثبت من ب. (5/296)
صفحة 2381
أبو الحواري: من قال إنَّه قضى زوجته صداقها على شرط أن يكون ما قضاها بيده إلى أن يموت فقد ضعَّفوا هذا القضاء كبيع فيه شرط؛ وإن أعطاها بعض ماله بصداقها على أن تكون تمرته لأولاده لا لها أو يقضيها إيّاه بغلَّة ماله ولا شيء لها في أصله فهو باطل أيضا، ولا شيء لها فيه إذا رضيت بذلك وقبضته على ذلك وعرفت ما اقتضته لثبوته عليها. (5/297)
صفحة 2382
الباب التّاسع والسّتون
في قضاء الصّداق إذا ادَّعوا فيه زيادة أو جهالة
ابن أحمد: من قضى زوجته نخلا في مرضه بصداقها (1) وخيِّر وارثه (2) في إتمامه ونقضه ودفعه لها إن كان دراهم؛ وإن كان نخلا ثبت لها ذلك؛ وإن كان فيه فضل عن حقّها ردّته للوارث.
وزعم مسبِّح أنَّه نازع عند موسى في صداق جرى فيه سبب قضاء لامرأته من غيره فطلب الورثة فسخ ذلك فأصلح بينهما على إن فسخاه، قال: ورجعنا فاقتضينا وقد أكلت تمرة الصّداق فأرادوا أن يأخذوها بها وكان ذلك رأي مسعدة، فخرجت إلى موسى فكتبت إليه: ليس عليها ذلك لأنَّها أخذتها بحقّ لها لا بغصب، فلمّا قرأ الكتاب أخذ برأي موسى فلم يأخذها لهم بشيء.
وفيمن قضى لزوجته نخلا من قرية كذا بصداقها في مرضه ثمَّ عوفي فقال: إنَّه فوق حقّها وأنا آخذ الفضل وتمسَّكت بما قضى لها فيه فله فضله ولوارثه إن مات وطلبه، وليس لها إلاّ حقُّها؛ وإن قضاها عشر نخلات من نخل ولده ثمَّ قال لها بعد مدّة: إنَّما قضاك من مالي وعندك زيادة في العدد قرائن النخل فقالت: أنا تركت في نخل القرائن فالقول قولها وعليها (3) البيِّنة أنَّه قضاها يومئذ أكثر من حقّها ويأخذ الفضل؛ وإن قضاها به قطعة من ماله وأشهد عليها بالوفاء ورجعت تقول: لا أعرف صداقي الذي عليه ولي، وأخبرها منكحها أنَّه أكثر ممّا أخذت، قال مسبِّح: إذا قامت
__________
(1) () - ب: - «بصداقها».
(2) () - ب: «وارثها».
(3) () - أ: كلمات غير واضحة، رسمها: «على اما بن البيِّنة» بدل وما أثبت فمن ب. (5/298)
صفحة 2383
بيِّنة أنَّه أكثر منه فعليه بيِّنة أنَّه أعلمها وإلاّ فلها تمام حقّها؛ وقال الأزهر: لا يقرّر على معلمه صداقها [352] وقال: إنَّه قد يجوز الوفاء في غير وجه، وعليه أن يحلف أنَّها اقتضت ذلك عن معلمها بحقّها، وكذا لو أدرك يتيم فأتاه قائل له لآيبك عليَّ حقّ فاستوفه منيّ، فأوفاه إيّاه وأشهد عليه ثمَّ زعم أنَّه لم يعرف حقّه وأقام بيِّنة بأصله فعلى المعطي بيان أنَّه قد عرفه ماله عليه لأبيه وذلك بعد أن يبيِّن أنَّه أكثر من ذلك.
وقال العلاء وابن سليمان: من قضى امرأته نخلا أو نخلات عن وصيفين بلا تقويمهما ولا للنّخلات أنَّها لا رجوع لها إذا رجعت وقد عرفت صفة الوصيفين من سداسيٍّ أو خماسيٍّ أو غير ذلك.
أبو سعيد: في متزوّج على زوجته أخرى وفارقها فقال للأولى: إنيّ مطلوب بحقّك ولي نخلات بكذا أشهد لك بهنَّ به، فأشهد رجلين أنَّه قد برئ إلى زوجته فلانة من كذا نخلة أو حفرة له بكذا وقد قضاها إيَّاها، فقالت: قبلت وعرفت، وقد شهدا برضاها وكانت معه والنّخل بيده ثمَّ فارقها بعد سنين فطلبته بحقّها وقال لها: قد سلّمت إليك كذا نخلة أو حفرة اِذهبي وخذي ما أشهدت لك به، فقالت: ما عرفت ذلك ولا قبضته وإنَّما قبلته مساعدة لك أن تنجو من المطالبة والحقّ ألف وخمسون درهما وما قضيت لي من ذلك لا يسوى بعض هذا، والبيِّنة لا تعرف المال وأنكرت معرفته، وشهدا على إقرارها بالمعرفة، قال: لا يثبت هذا القضاء عليها إن ادّعت جهلا به ولا يوجب إقرارها عليها معرفة ما قضيت بقولها: عرفتُ، ولا يصحّ أنَّها عرفت ذلك لأنّ قولها: عرفتُ، لا يقع على معرفة ما قضيت ويدخل الجهل في القضاء كالبيع.
وإن وكّلت امرأة رجلا في قبض صداقها نخلا من زوجها أو من وارثه وقالت: كلّ ما فعل وكيله فقد أجزته فأخذ لها فسالا أو عوانا برؤوسه وما لا يراه العدول جائزا في القضاء، ثمَّ أنكرت وغيّرت فإنَّه يجوز عليها. (5/299)
صفحة 2384
ومن قضى زوجته قطعة به حيث لم تعلم حتَّى توفي، ثمَّ علمت فقالوا: إنَّها مخيّرة في قبول ما قضاها وفي ردّه ولا خيار لوارثه؛ وقيل: إذا تقاضت به امرأة كما يسوى عشرة عن ثلاثين درهما ثمَّ استغبنت وطالبته بالعشرين فذلك لها؛ وإن أخذت قيمتها عن ثلاثين وقالت إنَّها محسنة إليه ثمَّ رجعت فذلك أيضا لها، وقال أصحابنا: لا يجوز لها الرّجوع إن علمت؛ وإن قبضت منه صداقًا جاهلة بشيء منه، وعالمة ببعض، ثمَّ ادّعت جهلا جاز لها، لاشتمال العقدة على معلوم ومجهول، فإذا لم تقرَّ بمعرفة الجميع فالقول قولها ولا يثبت القضاء عليها. وإن استغلّت بعض النخل لم يثبت عليها وتضمن ما صار إليها، وتحلف على مدّعاها من الجهل.
وإن اقتضته منه نخلا غير جاهلة به عن شرب عليه لها ثمَّ ادّعت غبنا فيه، فإن أخذت ذلك عن حقِّها على صلح وأبرأته من الباقي ثبت عليها، إلاّ إن غبنت بما لا يتغابن فيه على ما مرّ من الخلف. وإن قضاها مريضة عاقلة بصداقها أرضا ونخلا تسوى النّصف ورضيت به فلوارثها إن ماتت أن يرجع إن كان فيه غبن. (5/300)
صفحة 2385
الباب السّبعون
في الصّداق وقضائه من الوصي أو الولي أو الوارث
جواب ابن عبد الله إلى الحكم ابن سليمان
«ذكرت أنَّك قضيت عن أخيك صداق زوجته وقد بقي لها منه ستّون نخلة وبقي لها ثياب وغنم وحبّ وعبيد، فقوّمت أنت ومن معك من المسلمين على الورثة وفيهم يتيمة، ورأيت أنَّ تلك القيمة أحظى لليتيمة وللورثة (1)، وأردت أن أعرِّفك ما عندي، فإذا رأيتم أنَّ ذلك أحظى لها فأرجو أن لا بأس عليكم إن اجتهدتم وبالغتم في ذلك، وقلتَ: إنَّك تلي القضاء بعلمك بلا احتياج إلى سماع بيِّنة عند الحاكم؛ فإن أوصى إليك بذلك وعرفته فلا بأس عليك فيه، ولا يجوز ذلك في الحكم إلاّ بها».
أبو الحواري: من هلك وأوصى إليك في قضاء دينه وإنفاذ وصيّته واحتاج الوصّي إلى صلحاء البلد وعدولهم أن يقوموا صداق زوجته الهالك ويبيع من ماله ويقضي عنه ذلك فلم يجيبوه في ذلك واستضعفوا أنفسهم عن ذلك فلا بدّ من حضور العدول لأنَّه ترك [353] يتامى ولا عذر في ذلك؛ فإن فقدهم وكان يعرف القضاء اجتهد فيه وأجرى الحقّ؛ وإن كان لا يبصر ذلك فلا يدخل فيه إلاّ بهم.
ومن مات وترك مالا ويتامى وأخا بالغا وابن عمّ وعلى أخيه ديون للنّاس ولزوجته، وأراد أن يقضي عنه ما عليه فلا يسع عند أبي عبد الله قضاؤه برأيه ولو علم الحقوق، ولو جاز ذلك لجاز لكلّ من يعلم على أحد دينا أن يقضيه من ماله بعد وفاته.
أبو المؤثر: إن اختلف العدول في القيمة أخذ الحاكم بما رأى من الآراء من أهل المعرفة بقيمة الأموال من أهل الإمامة.
__________
(1) () - ب: - «وللورثة». (5/301)
صفحة 2386
الباب الحادي والسّبعون
في قضاء الصّداق لامرأتين
أبو المؤثر: من هلك وخلَّف يتامى ووكيلا في قضائه الصداقين جملة ولم يميّز ما لكلّ منهما ثمَّ طلب النقض طالبه، قال: فلا يجوز ذلك عليهم ولكن يقضي لكلّ على حدّة من خيار ووسط ورديء من ماله الهالك ويبدأ بالحيَّة إن لم يكن فيه وفاء واختير أن تقضى الحيّة إن كان صداق الميتة لأولاده؛ فإن بقي من المال شيء قضاه منه، وإلاَّ فلا يعذِّبه الله بحقِّ أولاده؛ وإن كان معهم وارث لها فهم والحيّة سواء في ماله حتَّى يستوفيان؛ وإن نقض تحاصصا على قدر صداقهما. (5/302)
صفحة 2387
الباب الثاني والسّبعون
في المماليك في قضاء الصّدقات
وقد حكم ــ قيل ــ موسى في امرأة من أهل سيقم لأنَّهم يفرضون لنسائهم لكلّ رجل أربعين نخلة لها لكلّ فارسي أربعين كعادة بلدهم، فعاب عليهم بعض الأشياخ وقالوا: ليس لها إلاّ قيمة رجلين من الفرس يوم تستحقّها لا كشرط أهل بلدهما، وبقولهم قال أبو عبد الله.
وإن تزوّج على أربعين فارسيا، فإن قال: رجالا أو نساء أو عبيدًا أو مماليك أو سمَّى سنًّا سداسيا أو خماسياًّ (1) أو غيرهما فهو ثابت. وإن تزوّجها على أربعين فارسيا وأرسل فليس لها إن مات شيء؛ وإن طلّقها أخذ حتَّى يقرّ بكميّة صداقها فيؤخذ بما سمَّى، ولها عليه يمين؛ وكذا إن قال وليّها: إنَّه زوَّجه بها على صداق ولم يسمِّ به ودخل بها فالقول قوله مع يمينه، ولا شيء لها إن مات، وإنَّما لها كأوسط نسائها، ولا لها إلاَّ مثل ما تزوّجت هي عليه؛ وإن تزوَّجت على أكثر فليس لها إلاَّ كأوسط أيضًا (2).
ومن تزوّج على ثلاثة رجال زنج قوم الأمرد البالغ والعلج الأوسط والفاني، ثمَّ أخذت ثلث القيمة من هذا كلّه لكلّ واحد؛ وإن تزوّجها على وصيف أبيض جاز (3) عند الحنفية، ولها الأوسط وقيمة الأبيض عند أبي حنيفة أربعون دينار، ويجعل أهل عمان مكان الفارسي والأبيض سنديا.
__________
(1) () - ب: - «أو خماسيًّا».
(2) () - ب: «فليس لها أيضًا إلاَّ كأوسط».
(3) () - ب: + «أيضًا». (5/303)
صفحة 2388
وإن شرط سداسيا أو خماسيا أو غيرهما فأعطاها أكبر منه سنّا أو أصغر فترادد (1) الفضل جاز إن تراضيا.
وإن تزوّجها على غلام ولم يسمّ طوله فلها ربع خماسي وربع سداسيٍّ وربع أمرد وربع ملتحٍ؛ وقيل: ثلث سداسيٍّ وآخر أمرد وآخر ملتحٍ؛ وإن تزوَّجها على معيَّن ثمَّ صحَّ أنَّه حرٌّ فلها قيمته؛ وإن تزوّجها على وصفاء بلا تسميّة الجنس نظر في كلِّ جنس، ثمَّ تقوَّم أثمانهم فيضرب بعضها في بعض (2) ويعطيها الوسط. أبو عبد الله: لها الأغلب من خدم أهل البلد.
وإن تزوّجها على سنٍّ من الدّواب أو العبيد أو غيرهما فلها الوسط. أبو عبد الله: إن كانت عليه خمسة عشر بعيرا مرسلة صداقها أعطاها نصفًا (3) جذعا ونصفًا ثنيا من الذكور، ويدع الأسفل والأعلى؛ وكذا الوصفاء تعطى الخماسية والسّداسي لا الرّباعي والمراهق؛ وإن شئت قومت الأربعة وطرحت ثلاثة أرباع القيمة وتعطى الرّ بع لكلّ وصيف؛ وقيل: يؤخذ البالغ الأمرد والعلج الوسط ثمَّ يكون لكلّ نصف القيمة.
وإن تزوّجها على جاريّة لا تموت فكلَّما ماتت من عندها جارية فعليه لها أخرى مكانها. وقال ابن محبوب: إنَّه شرط ضعيف وإنَّما عليه أن يعطيها مرَّة واحدة؛ وإن اختلف في ذلك قبل الدّخول انتقض النّكاح وإنَّما عليه بعده أن يدفع لها مرَّة عند أبي الحسن شرطها، وكلّما ماتت واحدة فلها عليه أخرى ما حييت لأنّ الجهل يجوز في الصّدقات؛ وقيل: إذا شرطت عليه جارية فيه (4) وكانت ممّن يخدم فعليه لها خادم سواها؛ وإن شرط لها جارية فهي سوداء؛ فإن ادّعت هي أو وليّها أنَّها هنديّة أو فارسيّة
__________
(1) () - ب: «فتراددا». ولعلَّه أصوب.
(2) () - ب: «بعد». وهو تحريف.
(3) () - ب: «نصف». وهو خطأ.
(4) () - ب: - «فيه». (5/304)
صفحة 2389
كلّف البيان؛ وإن ساق إليها جارية من عاجل صداقها وولدت أولادا ثمَّ اختلعت إليه فطلب أن تردّ له الجارية وأولادها [354] فلا يجد ذلك ولا يأخذ إلاّ ما أعطى. (5/305)
صفحة 2390
الباب الثّالث والسّبعون
فيما يوجب الصّداق وفيما يبطله
ابن بركة: من وطئ ميّتة أجنبيّة فعليه الحدّ والصّداق، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «حرمة موتانا كحرمة أحيائنا».
أبو معاوية: من غصب امرأة فنظر إلى فرجها ففي وجوب الصّداق عليه قولان؛ وقيل: يجب بالمسّ والوطء لا بالنّظر؛ وقيل: يمسّ الذّكر الفرج لا باليد؛ وإن أدخل أصبعه فيه فعليه صداقها، ولزمه كاملا بنظر أو مسّ ونفاه بهما ابن عليٍّ.
أبوسعيد: من تعمّد نظرًا إلى فرج زوجته لزمه صداقها، لأنَّه نظره بإباحة الزّوجية؛ وإن أخطا في ذلك (1) ثمَّ طلّقها قبل الجواز فلا يلزمه إلاّ النّصف؛ وإن أخذت يده أو بعض بدنه حيلة فجعلته على فرجها فعليه النّصف فقط إن لم يتابعها (2).
ومن أقرَّ أنَّه أكره امرأة ثمَّ أنكر لزمه الصّداق لا الحدّ؛ وإن تابعته فعليهما الحدُّ لا الصّداق لها.
وعلى صبي افتضَّ صبيّة عقرها كنسائها ولا حدّ عليهما.
وقال جابر: على امرأة افتضَّت جارية بأصبعها صداقها، وعلى مجنون وقع على امرأة صداقها في ماله وكلُّ لذّة أصابها بفيه أو فرجه ففي ماله، وجناية يده على عشيرته؛ ومثله الصّبي.
__________
(1) () - ب: - «في ذلك».
(2) () - ب: - «إن لم يتابعها». (5/306)
صفحة 2391
ومن أكره بكرا أو ثيبا فأدخل أصبعه بفرجها فعليه للبكر إن افتضَّها مهرها وإلاّ فلا ولا للثّيب. أبو المؤثر: إن أكرهها فعليه صداقها والعقوبة على ما يرى الإمام.
ومن زنى بطائعة له ثمَّ أرادها بعدُ فأبت فأكرهها لاعتياده المطاوعة له قبلُ فلها العقر في الإكراه لا في المطاوعة، إلاّ الصبيّة والأمة والمجنونة فلهنّ العقر فيهما.
واختلف في صداق المكرهة مرارًا، (1) فقيل: لها واحد ما لم يدفع إليها الأوَّل؛ وقيل: بكلّ وطء صداق وقد مرَّ ذلك. واختار أبو سعيد كجماعته أنَّ على مكرهها في الدّبر صداقها ولم يره ابن محبوب وطائفة.
وقيل في امرأة زوّجها عمّها كارهة ودخل بها الزّوج كذلك آبية فكابرها أنَّ لها مهرًا والنكاح فاسد.
ابن محبوب: من كابر ذميّه حتَّى مسّ فرجها فعليه كمثلها إن كانت حرّة ولا عليه إن كانت أمة.
أبو معاوية: من أكره امرأة فماتت من وطئه فعقرها في ماله، وديّتها على عاقلته؛ وإن طاوعته فماتت به أو حدث به حدث فديّتها عليها أيضًا (2)، ولا مهرها لها.
هاشم: من طلب امرأة فاستغلت عليه الصّداق فاستمالها إليه بالرُّقيا حتَّى رضيت بأقلَّ فعليه الكامل؛ وإن كرهته فاسترقى لها حتَّى رضيته فلا أجيز له أن يقيم معها.
وإن شهد عدلان على رجل أنَّه أكره امرأة فوطئها فلا يلزمه لها بهما عقر لأنَّهما قاذفان.
ومن أكره امرأة ثمَّ طاوعته فقد أبطلت صداقها؛ وقيل: لا؛ ولا إن طاوعته ثمَّ دافعته.
__________
(1) () - ب: «مرار».
(2) () - ب: - «أيضًا». (5/307)
صفحة 2392
وإن مسّ طفلة أو مجنونة ثمَّ بلغت أو أفاقت حال الفعل ففي إبطاله قولان.
وإن أمسك رجل لآخر امرأة فوطئها فقد وجب على كلٍّ صداقها الأوَّل؛ وإن غرمه الفاعل برئ الممسك؛ وإن غرمه هو رجع به على الفاعل. وكذا من أدخل رجلا في بيته فأدخل عليه امرأة لا تعلم به فأكرهها أو دلّ عليها من أكرهها. وإن مسّها رجال فعلى الأوَّل إن كانت بكرا صداقها وعلى الأخيرين صداق الثّيب إن دخل بها الأوَّل؛ وإن لم يدخلوا بها فعلى كلٍّ صداق البكر؛ وقيل: الثّيب؛ وإن كانت ثيِّبًا فعلى كلّ صداقها إن دخلوا بها أو فعلوا بها موجبه.
ومن تزوّج امرأة فأغلق عليها بابا أو أرخى عليها سترا نهارا في رمضان وطلّقها قبل المغيب من يومه فادّعت وطئا وأنكر، فالقول قوله لأنَّه حرِّم عليه وطؤها؛ وكذا المحرم والمعتكف؛ أو تكون المرأة حائضا، إلاّ أنَّ الحائض تصدَّق في مسٍّ ونظر عند موجب الصّداق بهما. وكذا إن كان معهما من لا يجوز له النّظر إليهما. وإن تزوّجها فحبس عنها زمانا ثمَّ طلقها فعليه مهرها كاملا ولا عدّة عليها، ولها نصفه عند أبي عبد الله، إلاّ إن وطئها أو مسّ فرجها أو نظره.
ومن ملك امرأة وأوفاها نقدها ثمَّ أشهد لها بالدّخول ولم يعلم ثمَّ طلّقها فلها النّصف.
ومن أوصى لزوجته بمهر ولا بيِّنة لها بكميّته فلها عند محبوب كمثلها.
ومن زنى بامرأة ثمَّ تزوّجها لزمه صداقها إن مسّها ولم تدِن بالتّحريم.
ومن تزوّج امرأة ونظر فرجها في ظلّ الماء ثمَّ طلّقها، فقيل: لها صداقها؛ وقيل: [355] نصفه. أبو الحواري: إن نظر ظلّه في الماء فلها النّصف؛ وإن نظره في الماء وهي (1) فيه فلها الكامل.
ومن تزوّج امرأة فولدت (2) على أقلّ من ستّة أشهر ففي الصّداق قولان.
__________
(1) () - ب: - «وهو».
(2) () - ب: «فولد». (5/308)
صفحة 2393
ومن واعد امرأة لفاحشة فأجلس لها غيره في ظلام فبئس ما صنع ولا يلزمه الصّداق.
ومن افتض بالغة أو صبيّة بأصبعه إكراها ففي وجوبه عليه قولان؛ وإن صارت ثيبا بمجاهدته لها، فقيل: يلزمه إن كان من فعله، واختير أنَّ لها نقصان مهر الثيِّب عن البكر لا الكلّ إن لم يطأ ولم يمسّ الفرج ولم ينظره.
ومن خانت زوجها في نفسها فلا صداق لها عليه (1) إلاّ إن أعلمته فلم يصدِّقها ووطئها بعدُ فلها الصّداق بالأخير.
وإن أمكنت امرأة رجلا نفسها للزنى فوطئها في دبرها ولا تشعر، فدبرها لبس بأعظم حرمة من قُبلها، وقد أباحته ولا مهر لها. وإن أمكنته دبرها فنكحها في قبلها كان لها. وإن منعته من الوطء وأمكنته غيره فلا يبطل عنها (2) أيضا وبطل إن سكنت إليه؛ وكذا في الأصبع. وإن أباحته ذكره ونهته عن أصبعه فأدخلها فالوقف. وحدُّ المطاوعة أن تبيح له فرجها ثمَّ لا تمنعه حتَّى يطأها؛ فإن أخذ رجليها وسكتت فكلّما وطئها قالت: إنَّما أمكنته من الفخذين؛ فإن لم تمنعه بيد ولا بلسان فهي مطاوعة ولا صداق لها عليه.
وقعود الزّوجين وحدهما في ظلمة كالتّواري يوجبه لها؛ وكذا إن توارى بها فجنَّ أحدهما أو مات أو ماتا قبل المسّ لزمه إن فرض.
وإن تلاعنا في المجلس قبل المسّ أو وقعت بينهما حرمة، فقيل: لها الصّداق؛ وقيل: النّصف. وإن مسّها بما لفَّ فعليه صداقها وثبت نسبه وفي التّحليل به للزوج
__________
(1) () - ب: «عليه لها».
(2) () - ب: - «عنها». (5/309)
صفحة 2394
قولان، وتلزمها (1) العدّة ويحصنها؛ وإن فعل ذلك بغير زوجته كفر وعليهما الحدّ والغسل والتّحريم.
ولا يجب الصّداق بالمسّ بأنبوبة ولا غسل ولا تحليل ولا إحصان وتبطل صداقها بزنى وإن فيما دون، وبارتداد وقتل وسحر ونشوز وعصيان في فراش؛ ولا تبطله أمة بفعلها ويبطل سيّدها إن زنى بها، أو اتَّفق مع من يزني بها (2)، أو قتلها وتبطله المرأة بكلّ موجب تحريمها (3)؛ وقيل: لا تبطله إلاّ بزنى ولو بعد أن طلّقها رجعيا، لا إن بانت؛ وإن ظاهر منها أو طلّقها فأمكنته نفسها فلا تبطل الأوَّل بذلك، وهل يبطل إن فعل هو معها موجب حرمة أو لا؟ قولان.
وإن زنت طفلة أو مجنونة بعد بلوغ أو إفاقة أبطلته؛ وإن أكرهها على زنى فبلغت أو أفاقت حال فعله فرضيت به أبطلته أيضًا (4).
__________
(1) () - ب: «تلزمه». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «بها».
(3) () - ب: «تحريمه».
(4) () - ب: - «أيضًا». (5/310)
صفحة 2395
الباب الرّابع والسّبعون
في صداق المرأة إذا طلّقت ثمَّ وطئت وفي الوطء خطأ
فمن طلّقها ثلاثا ثمَّ وطئها لزمه صداقات الذي تزوّجها عليه والواجب عليه بوطئها إن أكرهها أو لم تعلمه طلّقها؛ وإن هربت منه فغلب عليها فوطئها ثمَّ هربت أيضا ثمَّ غلبها فعليه بكلِّ وطء صداق؛ وإن حبسها في منزل فوطئها فيه مرارا فعليه واحد بذلك مع الذي تزوّجها عليه.
وإن حرمت عليه من حيث لا يدري فوطئها ثمَّ علم فعليه بالزّوجية صداق وبالوطء بعد الحرمة ثان.
وإن تزوّجها وحلف بطلاقها ثمَّ حنث ثمَّ افتضَّها فعليه نصف المهر بطلاقها والكامل بما نال منها إن ظنّ أنَّه جائز له؛ وإن لم يكن يجهل فعليه ذلك واحد (1) أيضا.
ابن محبوب: من طلّق امرأته غائبا وأشهد عليه ثمَّ رجع من سفره فأتاه وكتم عنها الطّلاق وجامعها وقد انقضت عدّتها قبل قدومه؛ فإن أقرَّ بذلك لزمه الحدّ وصداق آخر، وكذا إن طلّقها قبل إن يدخل بها ثمَّ قيل له: لم تحرم عليك، فدخل بها بالأوَّل فرّقا ولها بالأوَّل النِّصف وبالوطء الكامل.
أبو الحسن: من طلّق امرأته وكتمها وكان يطأها حراما زمانا وقد دخل بها قبل الطّلاق وأقرّ بذلك؛ فإن كان كلّما أراد وطأها منعته ويطأها غلبة فعليه لكلِّ وطئة صداق؛ وإن منعته أوّلا ثمَّ طاوعته فعليه واحد مع الأوَّل؛ وقيل: ليس لها إلاّ واحد ما
__________
(1) () - ب: «والحدُّ». (5/311)
صفحة 2396
عزم على وطئها فإذا نوى تركه ثمَّ وطئها فعليه آخر غير الأوَّل والثّاني، وهذا إن كتم عنها.
وعلى سكران وطئ امرأة حراما صداقها.
أبو زيَّاد: من جعل طلاق زوجته بيدها إن دخلت دار فلان، فدخلت وكتمت عنه حتَّى وطئها متعمّدة لذلك فقد قصَّرت وأساءت.
ومن طلّق امرأته وجهل لزوم الطّلاق ولم يعلمها بلفظه بالطّلاق ثمَّ وطئها جاهلا بوجوبه فليس عليه إلاّ إن وطئها عالما بأنَّها بانت منه فيلزمه حينئذ ثان؛ فإن كتمها ووطئها مرارًا فلا لها إلاّ واحد (1) [356] بالوطء ولها الأوَّل.
فصل
من تزوّج امرأة فطلب أمَّها أن تريه إيَّاها فذهبت إلى جارة لها فقالت لها أرسلي مع بنتك أريها ختنتي (2) فقالت لها أخاف عليها أن يمسّها، فقالت: أنا معها، فأرسلتها معها فدخلتا عليه فلمّا نظرها أعجبته وأغلق الباب دونها فرجعت الأمُّ إليه فقالت: ليستها زوجتك فظنّها تريد أن تدفع عن بنتها فلم يلتفت إليها فوطئها فعليه عقرها ونصف المهر لزوجته، وعلى أمَّيهما التّعزيز والحبس وحرمت عليه، وتغرم له أمّها ذلك النّصف لتدليسها عليه.
ومن وجد امرأة في فراش زوجته فوقع عليها لا يعلمها غيرها في ظلام فأمكنته، فالحدّ عليها لا عليه؛ وإن زعمته واقعا عليها وعارفا بها لزمها الحدّ إن أقام بيِّنة بذلك؛ وإن أنكرت جماعه ولا بيِّنة له جلد بكذبه واعترافه على نفسه؛ وإن قالت: إنَّه كذب، لقد وقع عليّ عالما أني لست امرأته فأكرهني فلا تصدَّق عليه إلاّ ببيِّنة بذلك فيلزمه الصّداق والحدُّ.
__________
(1) () - أ: «الاوحد». ويبدو أنَّ ما أثبت من ب أصوب.
(2) () - كلمة غير واضحة في أن ورسمها: «ختيي» أو «ختمي» ... (5/312)
صفحة 2397
الباب الخامس والسّبعون
في صداق التي تغرّ زوجها
ابن عليٍّ: إن شهد عدلان عند حاكم أنّ فلانة بالغة فأمر الحاكم بتزويجها فلمّا دخل بها الزوج غيَّرت وبان أنَّها لم تبلغ فانتظر بها البلوغ ثمَّ كرهته بعده فلزمه الصّداق فطلب الشّاهدين فما نبعدهما من الغرم. وقال جابر: من غرَّ بوليدة وأخبر أنَّها حرَّة فولدت معه أولادا ثمَّ جاء ربّها فقال: أما الأولاد فهم أحرار ويقومون على من غرَّه بها فيغرم أثمانهم مع الصّداق؛ وإن دخل بها، فإن اختار أن يطلِّقها فصداقها على الوليِّ، ولها صداقها بما ناب منها، ويأخذ الأمة وأولادها ربُّها. وإن غرّته أمة فتزوّجها حرّة ثمَّ بانت أمة فعقرها لربّها (1) وأولاده أحرار، وعليه قيمتهم كما مرّ؛ وإن أقام معها بعد أن علمها فأولاده عبيد لربّها وصداقها كمثلها لها ويأخذه هو ممَّن زوجه بها.
ابن روح: من تزوّج امرأة فقالت لوليّها: بلغني أنَّها عمياء أو بخراء أو عجماء أو عسماء؛ فإن كان بها هذا فلا حاجة لي بها، فقال له: هي سالمة من كلّ ذلك فصدَّقه فلمّا دخل بها وجد بها بعضه لزمه صداقها، ولا على الوليّ شيء، إلاّ إن قال له الزّوج: إن كان بها ذلك فما لزمني فهو عليك.
ومن له بنتان من عربيَّة وعجميّة (2) فخطب إليه رجل التي من العربيّة فزوّجه بها وأهديت إليه الأعجمية، فإن علمت أنَّها ليست امرأته فعليها الحدّ ولا مهر لها،
__________
(1) () - ب: «لربِّه».
(2) () - ب: «عجميَّة وعربيَّة». (5/313)
صفحة 2398
وإلاّ ردّت إليه ما ساق إليها وما أصابت منه، وعلى الأب أن يجهّز الأخرى بمثل صداقها من ماله، ولا يدخل بها الزّوج حتَّى تعتدَّ أختها.
وعلى من غرّه الصّداق وإن غرَّته امرأة وقالت: إنَّ بنتها بالغة فتزوَّجها، فإذا هي لم تبلغ، فإنَّها تضمن له (1) ما استحقَّت بنتها من الصداق إن غيَّرت، وإلاّ فلا شيء عليها إن أتمّت بعد البلوغ؛ وقيل: إن قبلت أمّها جميع مالها عليه ولو لم تغرّه فله عليها ذلك ولو لم يحدّه إذا قبلت بجميع ما تستحقّه عليه.
أبو الحواري: من زوّج أخته في عدّة بمن لا يعلمها فيها فلمَّا جاز بها أخبر بها فاعتزلها وأصدقها فلا يلزم الوليّ إلاّ إن سأله عنها وقال: قد انقضت؛ وكذا إن سألها عنها فكذبت فلا صداق لها؛ وإن لم يسألها وقد علمت حرمة النّكاح في العدّة وتعمّدت فلا صداق لها، ولها إن جهلت وفرِّقا أبدا.
أبو الحسن: من تزوّج امرأة على أنَّها حرّة وولدت منه أولادا ثمَّ بانت أمة فعليه كمثلها لا الذي تزوّجها عليه، وفسد النّكاح، ويأخذ منه ربّها صداق أمة وقيمة أولادها يوم ولدوا، ويأخذهم والدهم ويرجع هو بها على من غرّه بمثل قيمتهم؛ وقيل: يرجع عليه بها لا بالصداق؛ وإن غرّه سيّدها على أنَّها حرّة فهي حرَّة والنّكاح جائز والصّداق لها.
ومن زوّج رجلا بنته ثمَّ سافر وأمر بتجهيزها فأجازوا عليها جاريّته فتوهَّمها زوجته فوطئها وأولدها ثمَّ بان الأمر فلا تحرم عليه زوجته، وعليه عقر الجارية لربّها، ويرجع به على من غرّه؛ وقيل: لا يرجع لاستمتاعه بها، والأولاد يلحقون به، ويعطي قيمتهم يوم ولدوا ويرجع بها على من غرَّه.
__________
(1) () - ب: «لها». (5/314)
صفحة 2399
الباب السّادس والسّبعون
في ضمان الصّداق
ابن روح: من أراد نكاح صحيحة فقال له رجل: تزوّجها وعليّ صداقها كذا وكذا، فتزوّجها فهو على الآمر لضمانه به؛ وإن سمَّى له صداقها فهو كما سمَّى، وإلاّ لزم الآمر المثل.
ومن تزوّج لطفله امرأة فهلك [357] هو قبل البناء بها وقد أشهد على نفسه بصداقها فهو في ماله مع ديونه لضمانه به إذا بلغ الطّفل وأجاز النّكاح؛ وإن ردّه فعلى الأب كامله إن جاز بها الطّفل وإلا فنصفه؛ وإن لم يضمن الأب ولم يرض الابن فالنّكاح فاسد ولا شيء على الأب؛ وإن قبل بمهر زوجة ابنه وكرهها الابن فعلى الأب الصّداق والابن الطّلاق؛ واختار خميس أنَّ من تزوّج لابنه صغيرا أو غائبا فبلغ أو قدم فأمضى (1) النّكاح فالصّداق على الأب، ونصفه إن أنكر.
ومن قال لرجل: زوّج ابنتك بزيد (2) وصداقها عليّ، فزوّجها به وجاز بها ثمَّ طلّقها أو مات فقد لزم ضامنه؛ وإن تخالع الزّوجان برئ الضّامن؛ وإن تراجعا في العدّة رجع الضمان عليه، وإلاّ برئ أيضا، وكان على المتزوِّج لأنَّه تجديد؛ وقيل: إن تزوّج لابنه وضمن ثمَّ تخالعا برئ من الضّمان إن ردّها.
ومن قال لرجل: تزوّج فلانة ونفقتها أو نفقتك، أو كلُّ حقٍّ لها عليَّ، فإن أخلفه كان مخلفا ولا يحكم عليه بالضّمان.
__________
(1) () - ب: «فأجاز».
(2) () - ب: «لزيد». (5/315)
صفحة 2400
أبو عبد الله: من خطب إلى قوم بنتهم فقالوا: مالُك يعجز عن صداقها، فقالت لهم أمُّه: زوّجوه وعليَّ ما نقص عنه، فزوّجوه ثمَّ باع الابن ماله فعلى الأمِّ تمام ما عجز عنه يوم النّكاح، إلاّ إن وقعت على المال آفة لا منه، ويحجر عليه أن لا يصيبه.
وإن زوّج امرأة وليّها وضمن لها صداقها فهو عليه لها؛ وقيل: تطلب الزّوج وهو يطلب الولي به.
أبو الحواري: من تزوّج امرأة وقبلت لها أمّه بصداقها إلى موتها فطلّقها قبل موت أمّه فإنَّه لا يحلّ إلاّ بموتها، ولكن يوقف لها من ماله بقدره إلى الأجل وغلّته للأمّ؛ وإن ضمنتها به فعليها تمامه إن عجز ثمَّ تزوّج أخرى فأرادت الأولى وفاء حقّها فمال الرَّجل بينهما، والباقي من حقّ الأولى على الأمِّ؛ فإن قالت: قبلت على ماله وقد عرفته يومئذ، وقال القوم: إنَّما قبلت بالباقي عليه بعد ماله هذا، فقالوا: يقضي من ماله يوم يريد القضاء، فالباقي عليه في ماله على أمِّه، إلاّ إن قالت: الباقي عليه بعد ماله عليها فهو عليها بعده يوم تزوّجها.
ومن خطب امرأة فقالت أمُّها: صداقها ألف درهم وخمس مائة، فقال لها: خفت أن تأخذيني به، فقالت له: كلّما أدركتك به بنتي فهو لك عليّ في مالي وفي ذمّتي، فأشهدت بذلك فإنَّه يلزمها.
وإن تزوّج الابن على أنّ الصّداق على أبيه فليس لزوجته أن ترجع عليه وإنَّما حقّها على أبيه. (5/316)
صفحة 2401
الباب السّابع والسّبعون
في وعد المرأة الرّجل في الصّداق عند العقد
فإن قالت له: تزوّجني وعليَّ لك ألف درهم فتزوّجها على ذلك، ثمَّ رجعت، لزمها ذلك إن تزوّجها بصداق؛ وقيل: لا يثبت شرطه عليها في النّكاح، والأوَّل أشبه. وإن قالت له: طلّقني وعليَّ لك ألف لزمها، وملكت نفسها، لأنَّ كلَّ من أخذ على زوجته جعلاً على الطّلاق فهو خلع، ولا يراجعها إلاّ برأيها.
ومن طلب امرأة إلى وليّها فقال: أنا أزوّجها على مائة، فقال له الطّالب: قد اتَّفقت معها على خمسين وزوّجه عليها، فلمّا دخل بها قالت: حقيّ مائة، فليس لها إلاّ ما فرضه الوليّ لها؛ وإن أقرَّ أنَّه قال لوليّها: اتَّفقت معها على خمسين ولم تجد بيِّنة رجعت إلى صداق مثلها؛ وإن لم يدخل بها فسد النّكاح إن لم تكن له بيِّنة أنَّها علمت ما فرض عليه وليّها.
أبو عبد الله: من تزوّج امرأة على معلوم على أنَّه لا نفقة لها ولا كسوة، فلمّا دخل بها طلبتهما إليه فقد لزماه لبطلان الشّرط كما مرّ؛ فإن زادها شيئا في صداقها لأجل ذلك فله أن يرجع فيه ولها كمثلها. وإن تزوّجها على غير فرض وفرض عليه عند العقد أنَّ لها عليه ألف درهم بطل الشّرط إن دخل بها ولها كمثلها، وإلاّ وأرادا أو أحدهما نقضه وأبى الآخر، فإن تزوّجها على ذلك الشّرط ورضيت انتقض العقد إن لم يدخل بها؛ فإن طلّقها قبل الدّخول فلها عليه متعة؛ وإن مات قبله فلها إرثها منه لا متعة؛ وإن دخل بها فلها كأوسط نسائها؛ وإن ماتت هي [358] قبل أن يدخل بها وقد رضيت النّكاح ورثها ولا متعة عليه. وإن قالت: عند العقد: لا أطيق الرّجل ولا حاجة لي به، فقال: إنَّما أريدك أن تحفظي مالي وداري، فهدمت عنه نصف (5/317)
صفحة 2402
صداقها المعروف فلمَّا تزوّج به غشيها جاز له، وعليه أن يتمّ لها الباقي، وكذا إن قال: إنَّه لا يطيق الجماع فتزوّجها بأقلَّ، ثمَّ قدر عليه فعليه أن يتمّ لها، وقد مرّ ذلك.
وإن قالت لرجل أخطبني إلى أهلي على كذا من الصّداق فما وضعوا عليك فوقه فليس عليك، فإن أقرّت بذلك أو بيّن عليها حكم به عليها؛ وقيل: لها صداقها ونافقت بكذبها.
وقال سليمان: من طلب امرأة وأبى أن يقبل لها بكثير، فقالت له: اقبل فذلك على الله وعليّ لا أكلّفك فوق طاقتك، فعند الموت أو الطّلاق أخذت ما وجدت عندك وأنت في سعة ممّا بقي لها فلها حقّها إذا رجعت فيه ونافقت إن لم تف له. ابن عزرة: إن قالت له لي من المهر كذا ولا عليك منه لي إلاّ كذا، فإن قدر عليه فهو له إن أخلفته؛ وإن تزوَّجته على ألف وأشهدت قبل العقد على أنَّ له نصف مهرها لم يجز له، إلاَّ إن وهبته له، بعده؛ وإن قالت له: تزوّجني على ألف فإذا تزوّجتني وهبته لك كلّه، فقال لا أثق بك، فدفعت إليه ألفا ووضعته بيد أمين فتزوّجها فدفعه إليها بمحضر الشهود، وإنَّما أراد أن يتزوّجها على مائة فرضيت فقالت: وليِّي لا يزوِّجني على أقلَّ من ألف فله أن يعطيها المائة؛ وإن تزوّجها بمعلوم سرّا وأظهروا أكثر منه عند العقد لزمه في الحكم ما عقد عليه.
ابن محبوب: إن زوَّجه بنته على أجل بينهما وأشهد عند العقد أنَّه عاجل فطلبته، فذلك لها ولا يضرّها ما أخفياه بينهما حتَّى يكون برضاها وتعاقده عليه، والشّروط في النّكاح بمنزلة الصّداق إن لم تكن معصية، ولا بأس بالصّلح فيه على ترك الشّروط.
ومن شرط أنَّه مخيّر في وطئها وتركه وفي إنفاقها وتركه ورضيت به لم يجز هذا الشّرط لأنّ كتاب الله يبطله.
أبو عبد الله: من وكّل في تزويج بنته أخاها لأمّها على أن يدفع نقدها لأبيها فزوّجها على ذلك فلم يؤدِّه إليه وطلب الأب فسخ النّكاح فأنَّه لا يجده. (5/318)
صفحة 2403
ومن شرطت عليه امرأة أرادها أن لا يتزوّج عليها ولا يتسرّى، فإن تسرّى أمةً فهي حرّة؛ وإن تزوّج امرأة فهي طالق؛ وإن نقلها بلا رضاها فأمرها بيدها؛ وقيل: لها بذلك؛ فإن كان قبل ملك عصمة التّزويج فليس بشيء؛ وإن قال لها: إن لم يف لها بما التزمه لها فعليه لها ألف لم يلزمه وأثم بخلفه.
ومن تزوّج امرأة (1) وأشهد الوليّ عند العقد أنّ طلاقها بيده وقبل الزّوج على ذلك ثمَّ طلّقها الوليّ فالطّلاق واقع، وعلى الزّوج الصّداق تاما إن دخل بها وإلاّ فنصفه؛ وإن طلّقها الزّوج قبله وقع طلاقه.
ومن تزوّج امرأة على أنَّه إن تزوّج عليها أو تسرّى فهي طالق فلا يقع الطّلاق حتَّى يفعل، وكلّ ما اشترطته عليه عند العقد فهو من الصّداق؛ وإن تزوّجها وعاهدها بالله أن يطلّق امرأته ويعتزل سريّته فلم يفعل فلا يلزمه فيهما شيء، وعليه الإثم بخلفه والكفاّرة بحنثه.
هاشم: إن شرطت عليه عند العقد أنَّ من حقّها إن ادّعت عليه طلاقًا فهي مصدَّقة مع يمينها فقد لزمه وكذا إن جعله لها بعده؛ وقيل: لا يلزمه.
ابن محبوب: من تزوّج امرأة على أنَّه إن لم يجيء (2) بنقدها إلى سنة فلا نكاح له ولا بينهما شيء بطل الشّرط وتمّ النّكاح، إلاّ إن شرط عليه عند العقد إن لم يأت به إلى وقت كذا فهي طالق أو هو بيدها، فهذا يجوز؛ وكذا عند هاشم.
وقال مسبّح وابن عليٍّ: إن تزوّج مريض على ماله كلِّه امرأة فمات فخاصمها الورثة؛ فإن سعيدًا أعطاها كمثلها والباقي للورثة.
__________
(1) () - ب: - «امرأة».
(2) () - ب: «يجئها». وهو الصواب فيما يبدو. (5/319)
صفحة 2404
أبو عليٍّ إن تزوّجها على صلاح نفسها ولم يفرض لها واختلف فيه قبل الدّخول انتقض النّكاح، وتمّ إن اتَّفقا؛ وإن هدم الوليُّ عنه (1) شيئا من صداقها (2) على أن لا يرثها إن ماتت بطل الشرط وورثها ورجع عليه وارثها بباقيه.
فصل
أبو عبد الله: من أراد أن يتزوّج [359] على امرأته أخرى وشرط عليها عند العقد أنَّه يعاشرها أو يأتيها إذا أمكن له وإلاّ فهو مع الأولى فرضيت بذلك فلمّا دخل بها طلبته أن يعدل وهو محضر لها كسوتها ونفقتها فلها أن ترجع عن ذلك ويلزمه العدل.
ابن محبوب: من عقد على أنَّه إن تزوّج عليها أو تسرّى فطلاقها بيدها ففعل، ثمَّ باشرها وعلمت بما فعل خرج من يدها إن لم تطلَّق نفسها عند العلم ولو لم يباشرها؛ وإن جعله بيدها بعد تزويجه أو تسرّيه فلها أن تطلّق ولو بعد وطء، إذ لا يخرجه من يدها لأنَّه جعله بيدها بحقّها، ويقبل قوله: إنَّه بيدها إلى وقت كذا؛ وإن شرطت عليه إن أتى بالمهر إلى كذا فهي زوجته وإلاّ فلا فهي امرأته ولو لم يأت به وثبت النّكاح بل هو أثبت من الشروط التي قبله؛ وإن شرط عليه أنَّه إن لم يأت به (3) فهي طالق؛ فإن لم يفعل بانت منه ولها نصف المهر ولا عدّة عليها إلاّ إن دخل بها.
أبو محمَّد: من تزوّج امرأة على أن يسكن أبوه معها وأبت فإن تزوّجها بأكثر من صداقها رجعت إلى مثلها، ولا يلزمها أن تسكن معه؛ وقال مسبِّح: إن شرطت عليه أن تسكن دارها عند العقد ثمَّ طلب نقلها فانتقلا ثمَّ بدا لها أن ترجع إليها فذلك
__________
(1) () - ب: «عنه الوليُّ».
(2) () - ب: - «من صداقها».
(3) () - ب: «بها». (5/320)
صفحة 2405
لها، إلاّ إن أبرأته؛ وكذا عن هاشم، وقد مرّ ذلك؛ وإن شرط (1) عليه أن يتركها فيها وصداقها ألف، وإن نقلها فألفان، فقيل: ثابت عليه؛ وقيل: النّكاح منتقض؛ وعن جابر: إن شرطت عليه أن لا ينقلها منها وقبل به ثمَّ بدا له نقلها إلى داره، فإن جعلت ذلك في مهرها (2) عند العقد كان لها؛ وإن جعل بعده فله نقلها إليها. وإن تزوّجها على أنَّه إن أخرجها من دارها فأمرها بيدها فلا يثبت لها؛ وإن شرط لها إن لا يتعدّاها أرض كذا، فإن تعدّى بها فهي طالق، لزمه الطّلاق إن تعدّاها ولو أحلَّته منه.
أبو عبيدة عن جابر: من طلّق امرأته ثمَّ اعتدّت فجعلت له ألفًا على أن يتزوّجها فتزوّجها عليه فإنَّما يمهر الرّجال النّساء لا عكسه؛ وإن تزوّجها بفريضة فلها أن تقبض منها ألفا، وإلاّ ففريضتها واجبة عليه كالأولى إن مسّها إلاّ إن رضيت بأقلّ منها.
فصل
قد مرّ أنّ من تزوّج امرأة على أقلّ من صداقها على أنَّه لا يقدر على وطئها ثمَّ أصاب منها؛ فإن عليه أن يتمّه لها إن طلبته.
ومن تزوّج بكثير في الظّاهر وواعدته على أقلّ منه، فإن أقرّت حكم عليه به؛ وقيل: لها الظاهر (3) وأثمت؛ وقيل: ليس (4) لها إلاّ ما اتَّفقا عليه سرّا، إلاّ إن حكم عليه في الظّاهر فلا يسعها أخذه ولزمه ردّه؛ وقيل: لها ما فرض لها وليّها، لأنّ العقد وقع عليه.
__________
(1) () - ب: «شرطت». ولعلَّه أصوب.
(2) () - ب: «مهرٍ».
(3) () - ب: - «وقيل لها الظاهر».
(4) () - ب: - «ليس». (5/321)
صفحة 2406
وقال الأزهر: من تزّوج على معلوم وشرط عليها قبل العقد أن عليه دينا وتأخذه من الباقي من ماله بعده وقبلت، فإنَّه يلزمه ما عاقدها عليه قبله. وإن تزوّجها على نخل عرفها إيّاها على أن يأكلها فلها كمثلها. وإن تزوّجها على أن يحكم في مهرها فذلك إلى حكمه؛ فإن دخل بها قبل أن يحكم لها بشيء فلها كمثلها.
سليمان: من تزوّج امرأة وشرط عليها أنَّه إن مات ولم يخلِّف وفاء لصداقها فلا لها عليه إلاّ ما خلَّف؛ وإن شرطت له ذلك فمات ولم يخلِّف وفاء له فكذلك؛ وإن خلَّف أكثر منه فليس لها إلاّ صداقها.
قيل لأبي المؤثر: فإن شرط عليها أن ليس لها إلاّ ما خلف بعد قضاء دينه وهو كذا وكذا، قال: هو جائز، قيل له: فإن أقرّت بهذا الشّرط أنَّه كان منها قبل العقد أيحكم به الحاكم؟ أو إنَّما يثبت له عند الله؟ قال: إن أقرّت به بينهما حكم عليها بما شرطت له، وما فرض لها وليّها فهو سمعة، ولا أرى لها إلاّ ما بينهما، قيل له: وهذا الشّرط بعد إن استحلّ فرجها بأربعة دراهم أو ما فوقها أم بلا أن يفرض لها شيئا سواه؟ قال: بل بدونه، غير أنَّه إن مات وخلّف مائة وعليه أخرى دينا وكان ما فرض لها على الشّرط مائة ضربت لها بأربعة تحاصص بها أصحاب المائة، إلاّ إن خلّف أربعة زائدة عليها فلها الأربعة ولا تحاصص الغرماء بشيء. وإن تزوّجها على أن تترك له حقّها كلّه بعد النّكاح، فلمّا تزوّجها طلبها إلى ذلك فتركته له ثمَّ رجعت عليه فهل لها ذلك ويكون كالطّالب إليها؟ قال [360] إذا ثبت عليها الوفاء بالعهد في ذلك لم يكن لها عندي رجوع إذا وفَّت له بالوعد في ذلك، لأنَّه إذا ثبت النّكاح وألحق بالشّرط وخوطبت بوفاء العهد بعد ثبوت النّكاح ورضاها به ثبت عليها ذلك عندي ولا رجوع لها، قيل له: وسواء طلب إليها الوفاء بذلك قبل الوطء بعد النكاح، أو بعد الوطء؟ قال: هكذا عندي إن كانت مخاطبة بالوفاء بالعهد، قيل له: فإن جاز بها فلم يطلب إليها حتَّى مرضت فطلبها أن تتركه له فتركته له في مرضها فهل يثبت له ويكون كالصّحة؟ قال: نعم من جهة الوفاء بالعهد وهو في حالهما سواء، قيل له: فهل عليها أن توفي بالعهد قبل أن يطلب إليها؟ قال: نعم عندي كذلك، قيل له: فإن لم (5/322)
صفحة 2407
يطلبه إليها ولم توفّ له حتَّى مات هو فهل عليها أن تتركه لوارثه ولو لم يعلموا بوعدها له؟ قال: نعم، لأنّ عليها الوفاء به، قيل له: فإن لم تتركه له ولا لوارثه وأخذته فهل يسعها أكله إن قام عينه؟ قال: هو حقّ لها في الأصل فلا غرم عليها فيه وأثمت، قيل له: فإن طلبها أن توفي له فأبت وطلبت أخذه منه فهل يسعه أن يعطيها إيّاه إن قدر؟ قال: عندي أنَّ وَعْدَها لا يُبرِئُه من حقّها فيلزمه الخلاص منه في الحكم وأثمت هي عند الله، قيل له: فعلى القول أنَّها إن وعدته على أنَّه خمس مائة فعقد لها على أنَّه ألف فاستمسكت به عليه فليس لها عند صاحبه إلاّ خمس مائة وأمَّا إن وعدته ترك الكلّ فلا يشبه هذا عندي، وذلك شيء يثبت منه العقد بما اتَّفقا عليه؛ وإن واعدته قبله جاز له على القول بأنّ من قال إذا مات فماله لفلان فإنَّه يخرج أن يكون له ماله لا على القول أنَّه لا يثبت لفلان بإقراره بماله بعد موته، لأنّ فيه شرطا والشرط بالاستثناء يهدم كلّ شيء إلاّ ما استثني من الطلاق والعتاق والظهار.
وإن تزوّجها على معلوم على أنَّها تتركه له إذا تزوّجها وواعدته به فماتت ولم تترك له، فهل له أن لا يعطي وارثها شيئًا لأجل وعدها؟ قال: إذا كان لا يبرأ حتَّى تبرئه فلا يبرأ حتَّى يبرئه وارثها؛ وإن واعدته أن يتزوّجها وعليها له ألف فبعض لا يثبته عليها، وبعض يقول: إن كان يبقى لها من بعده ما تزوّجها عليه ممّا يكون صداقًا يثبت به النّكاح ثبت عليها الألف؛ وإن قبلت له أنَّ عليها له ألفا فتزوّجها عليه بطل الشرط في هذا، ولها ما تزوّجها عليه، قال: وهذا غير الأوَّل إلاَّ (1) عند القائل أنَّه إن بقي لها عوض بعد الذي قبلت به ثبت لها.
__________
(1) () - ب: - «إلاَّ». (5/323)
صفحة 2408
الباب الثامن والسبعون
في الطلاق للسنَّة
قال الله تعالى: {يآ أيُّها النبيءُ إذا طلّقتُمُ النّسآءَ ... } إلى قوله: { ... مُبيِّنة} (الطلاق: 1)، فقيل: هي النشوز؛ وقيل: الزّنا. {وتلك حدود الله ... } إلى { ... أمرًا} (الطلاق: 1): يعني رجوعا.
ويقال إذا فحشت المرأة بلسانها حلّ إخراجها، وقد أخذ الله لهنّ الميثاق على الرّجال، فلا يحلّ لمسلم أن يجاوزه وهو: {فإمساكٌ بمعروفٍ أو تسريحٌ بإحسانٍ} (البقرة: 229). وقال: {فمتِّعوهنَّ وسرِّحوهنَّ سَراحًا جميلاً} (1) (الأحزاب: 49). فمن أراد أن يطلّق من تحيض انتظرها حتّى تحيض ثمَّ تطهر، وليتّق الله ويمسكها في بيته غير مضارٍّ بها ولا ظالم لها ولا مضيِّق عليها في نفقة وكسوة، ويجريهما عليها كما سبق قبل أن يقع في نفسه طلاقها، ولا يشتمها ولا يقبحها ولا يوبِّخها بقبيح سلف منها، ولا يذكر لها مساوئها، ويعاشرها بحسن حتّى تطهر فيحضر عدلين أو عدلا وعدلتين ثمَّ يشهدهما أنَّه طلّقها واحدة وتسكن معه في منزله، إلاَّ أنَّه ينام كلّ منهما وحده، وهذا هو الطلاق للسنّة.
ولها أن تتزيّن له في عدّتها بما قدرت وتكلّمه بالجميل من تعريض المراجعة وتتضرّع إليه بالتوبة والندم والرّجوع إلى رضاه والترك لما يكره منها وتتحرّى مسرّته، وله أن ينظر إليها وإلى زينتها ما خلا عورتها؛ فإن بدا له أن يراجعها أشهد كذلك على رجعتها لأنَّه أملك بها؛ فإن راجعها في عدّتها فهي زوجته وإلاّ حتىّ حاضت
__________
(1) () - ب: «وسرِّحوهنَّ». وهو خطأ. (5/324)
صفحة 2409
ثلاثا بانت منه، وصارت كغيرها؛ فإن بدا له في تزويجها جدِّد بالوليّ والشهود والصّداق، وكانت عنده على تطليقتين.
ويعتزل الآيسة والتي لم تبلغ حتّى يهلَّ الهلال فيطلِّقها لأوَّل [361] ليلة منه واحدة، وتكون كالأولى حتّى تتم ثلاثة أشهر؛ وقيل: يعتزلها حتَّى يتمَّ لهما شهر ثمَّ يطلّقها، فإذا تمّت الثلاثة بانت منه كذلك.
ويطلّق الحبلى متى شاء واحدة وتكون كالأوَّلات حتّى تضع فتبين منه، ويطلِّق التي لم يمسَّها أيضًا متى شاء (1)؛ فإذا طلّقها بانت منه في حينها ولا عدَّة له عليها.
والمستحاضة والمبتلية إذا أراد طلاقها تركهما حتّى تحلّ لهما الصلاة، فيطلّقهما واحدة قبل أن يمسّها ويكون حكمهما كالمطلّقات حتىّ تتمَّ (2) لهما ثلاثة قروء على قدر صلاتهما وتركهما لها.
والتي لم تر حيضا وقد بلغت فلا يطلّقها إن أراد السنّة حتّى تحيض ثمَّ تطهر أو تأيس (3) منه، وكذا التي انقطع عنها. وقيل: إن أبطأ عنها فإنَّه يعتزلها شهرًا ثمَّ يطلّقها واحدة.
وينتظر بمجنونة تحيض حتّى تحيض ثمَّ تطهر ويتركها حتَّى يخرج عنها وقت الصّلاة فيطلّقها واحدة. والتي منعت من الغسل ولا تشتغل به فإنَّه لا يطلّقها حتّى يخرج عنها الوقت بعد الطهر واحدة.
والمشركة والأمة في طلاق السّنة كالموحّدة.
ومن أراد أن يطلّق على عبدٍ أو على موكّله أو مجعولة (4) طلاقها بيدها فهم في ذلك كمطلِّق زوجته.
__________
(1) () - ب: «متى شاء أيضًا».
(2) () - ب: «يتمَّ».
(3) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «حتَّى تيأس».
(4) () - ب: «مجهولة». وهو تصحيف. (5/325)
صفحة 2410
وقال العلماء لن يندم من طلّق للسّنة.
ومن قال للتي تحيض: أنت طالق للسّنة فلا يقع عليها حتّى تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ تغتسل؛ وقيل: وقع عليها في حينها؛ وكذا إن قال لها: طلَّقتك للسنَّة؛ وإن قال: أنت طالق لها (1) تطليقتين أو ثلاثة فقد وقع عليها ذلك في الوقت؛ وقيل: لا يقعن بمرَّة ولكن كلّما حاضت وطهرت وقعت (2) عليها واحدة حتّى يتمّ ما قال لها؛ وإن قال أحسن الطّلاق أو أعدله أو خيره أو أفضله أو أجوده فقيل: كطلاق السنّة؛ وقيل: وقعت واحدة في الحين؛ وكذا إن قال: تطليقة حسنة أو عدلة.
وإن انتظر بها حتّى حاضت ثمَّ طهرت ليطلقها للسنّة فقبَّلها أو باشرها أو مسّ فرجها بيده أو رأى باطنها فطلّقها فهو للسنّة، لا إن مسّها فيما دون، أو مضت له أيَّام بعد طهر وغسل ولم يمس ولم يطلّق ثمَّ طلّقها؛ وإن مسها في حيض أو بعد طهر وقبل غسل ثمَّ اغتسلت فطلّقها فهو للسنّة؛ وإن اغتسلت أو تيمّمت بمنجوس أو حرام أو بغير مجز فلا يطلّقها في ذلك حتّى تستأنف غسلا أو تيمّما صحيحا إن لم يخرج الوقت؛ فإن طلّقها ولم ينتظر بها وقت حيضها أو طهرها فإذا هي كما اغتسلت فهو للسنّة ولا يجوز له تقدُّمه أوَّلاً.
__________
(1) () - ب: «للسنَّة».
(2) () - ب: «وقع». (5/326)
صفحة 2411
الباب التاسع والسّبعون
في الطّلاق لغير السّنة
وقد نهي عنه في حيض، وعصى من تعمّده فيه، ولزمه. وقد طلّق ابن عمر فيه فسأل عمر النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فقال له: «مره أن يراجعها ثمَّ يمسكها حتّى تحيض ثمَّ تطهر من غير التي طلّقها فيها». وقيل: «يراجعها في الوقت ويتركها حتّى تطهر من تلك الحيضة فيطلّقها إن شاء فهذه العدّة التي أمر الله بها».
وتعتدّ بالتطليقة الأوَّلة، وكذا إن جعل طلاقها بيدها أو بيد رجل فطلّقت نفسها أو الرجل في حيض أو علمها زوجها فيه فأمر من طلّقها فقد عصوا ولو لم يطلّقها المأمور؛ وإن طلّقها بعد طهر وقبل غسل أو في انتظار أو عن غيره وقد علم فقد عصى أيضًا.
وإن عتقت أمة أو بلغت طفلة (1) أو أفاقت مجنونة في حيض فاختارت نفسها فيه (2) عصين عند القائل أنّ الخيار طلاق؛ وكذا كلّ من لها خيار على معيب.
ومن قال لزوجته: إذا طلعت الشمس غدًا فأنت طالق فوقع عليها الطلاق في حيض فليس كمطلِّق فيه؛ وكذا إن قال لها: إذا قدم فلان أو عمل كذا أو مات فأنت طالق، فوقع في حيضها. وإن علَّق ذلك إلى نفسه أو إلى امرأة فعمله أحدهما وقت حيضها متعمّدا عصى ربّه؛ لا إن ظاهر منها أو آلى فبانت منه فيه لأنَّه لم يقصد طلاقا فيه؛ ولا إن لاعنها فيه فافترقا؛ ولا إن حرمت عليه فيه بفعل غيرها؛ وإن حرمت
__________
(1) () - ب: - «طفلة».
(2) () - ب: - «فيه». (5/327)
صفحة 2412
بفعلهما أو أحدهما عصى من تعمُّده فيه؛ وإن علَّق طلاقها إلى الحيض عصى [362] في حينه وعند وقوعه فيه.
والنّفاس في ذلك كالحيض وانتظاره كانتظاره، وكذا إن طهرّت من النفاس ولم تغتسل؛ وعصى في ذلك إن طلّق فيه أو طلَّق مستحاضة أو مبتلية وقت تركها للصّلاة (1).
والطلاق ثلاثا بدعة حرام؛ وفي عصيان مطلّق تطليقتين بمرّة قولان.
ومن أمر رجلا أن يطلّق زوجته ثلاثا عصيا معا إن فعل؛ وكذا من ردّ طلاقها بيدها فطلّقت نفسها ثلاثا فقد عصت؛ وكذا إن خيّرها فاختارت نفسها فطلّقت ثلاثا فقد (2) عصت دونه. وعصى إن أمر به طفلا أو مجنونا لا إن طلّقها هو ثلاثا قبل أن يمسها لأنَّه واحد.
وعصى إن طلّق الأمة تطليقتين عند القائل: إنَّها تبين منه بهما لا عند القائل لا تبين منه إلاّ بالثلاث؛ ولا إن طلّق المشركة واحدةً، ولا إن طلّقها ثلاثا معا عند القائل إنَّها تبين منه بواحدة وعصى عند القائل: لا تبين إلاّ بالثلاث.
وعصى من طلّق على عبده حرّة ثلاثا أو أمة تطليقتين.
ومن حلف بالطلاق ثلاثا إن تعمَّد حنثا، وعصت إن تعمّدت هي الحنث.
__________
(1) () - ب: «الصلاةَ».
(2) () - ب: - «فقد». (5/328)
صفحة 2413
الباب الثّمانون
في الحلف بالطّلاق
وكره لمؤمن أن يحلف به أو يحلف.
ومن قال لأمرأته: طلقتك طلاق بدعة أو الجهَّال، أو الجاهليّة أو السّفهاء فهي واحدة لا تبين منه. وقيل: طلاق السّفهاء ثلاث. وقيل في «أنت طالق البتّة» واحدة رجعيّة؛ وقيل: ثلاث؛ وقيل: واحدة بائنة. وكذا في «طلاقَ حرج» أو «خليّة»، وفي: «أنا منك بريء» أو «بائن» أو «بات» (1) إن عنى الطلاق فواحدة رجعيّة، وإلاّ فليس بشيء. وكذا في: «أنت منِّي بريئة» أو «بائنة» أو «باتة». وفي: «اِعتدِّي» إن عنى الطّلاق فرجعيّة، وإلاّ فليس بشيء؛ وقيل: هو طلاق. وفي «أنت طالق عدد النّجوم أو الشّجر» أو غيرهما ممّا يعدُّ ثلاث؛ وكذا في: «ملء البيت أو العيار من التطليقات». وإن قال: «طلاقا يملأ ما بين السّماء والأرض أو يعدلهما»، أو «أعظم الطلاق أو أكبره أو أفحشه أو أقبحه أو أسمجه أو أصغره أو أدناه» فهو واحد، وفي أكثره قيل واحدة (2)؛ وقيل: ثنتان. وقال الرّبيع: هو كالثّلاث. و «كلّ الطلاق وجميعه» ثلاث؛ وقيل: واحدة. وفي: «كلّما وقع عليك طلاقي فأنت طالق» فطلَّقها واحدة أنَّها تبين بثلاث متتابعات (3). وفي: «إن لم أطلّقك فأنت طالق» أنَّه إيلاء إن لم يعن شيئا؛ وإن نوى وقتا معلوما فمضى ولم يطلقها طلّقت؛ وإن قال لها: «إذا وقع عليك طلاقي»، أو «إن طلّقتك فأنت طالق» ثمَّ طلّقها وقع آخر. وإن قال:
__________
(1) () - كذا في النسختين.
(2) () - ب: «واحد».
(3) () - ب: «متتابعة». (5/329)
صفحة 2414
«كلَّما سكتت عن (1) طلاقك فأنت طالق» بانت بثلاث إذا سكتت قدر ما يلفظ بهنَّ، وكذا في: «كلَّما لم أطلِّقك فأنت طالق»، وإن قال لها: «إن سكتت عن طلاقك فأنت طالق» (2) فهي طالق. وفي: «كلَّما طلَّقتك فأنت طالق» أنَّه يقع ثان إن طلّقها؛ وقيل: ثلاث. وإن قال: «إن طلّقتك ثمَّ راجعتك فأنت طالق» وقع ثان إن فعل؛ وإن قال: «إن فاديتك أو بنت منّي فراجعتك فأنت طالق» ففاداها أو بانت فراجعها وقع عليها ثان؛ وقيل: لا يلحقها طلاق حيث بانت.
وكذا إن قال لامرأة: «إن تزوّجتك فأنت طالق» فتزوّجها فلا يلحقها، لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملك». وإن قال: «كلُّ امرأة مطلقا أو من قبيلة معيّنة أتزوّجها فهي طالق» فكذلك لأنَّه لا يقع إلاّ بعد العقد ضرورة (3) أنَّه حلّ له.
ومن تزوّج امرأة بلا شهود فطلّقها ثمَّ أشهد على نكاحها، فقيل: لا يقع عليها الطّلاق؛ وقيل: يقع حين أشهد، وكذا الظّهار والإيلاء؛ وإن قال: «أنت طالق طالق طالق» أو بالواو بانت منه بثلاث؛ وإن كرّر ثلاثا: «أنت طالق» فثلاث في الحكم وأمَّا عند الله إن لم ينوها فهو منه تكرير وتأكيد لواحدة.
ومن طلّق واحدا فلقيه رجل فسأله فقال له: طلّقتها، ثمَّ لقيه آخر كذلك ثمَّ ثالث كذاك، فعن عمر أنَّه يردُّ إلى نواه. وكذا إن قال لها: «إن فعلت كذا فأنت طالق» فكرّر هذا ثلاثا. وقيل: بانت منه بثلاث.
ومن طلّق في نفسه لا بلسانه فقيل: يلزمه؛ وقيل: لا، ويلزمه [363] في الحكم
__________
(1) () - ب: «عنى».
(2) () - ب: سقط: (بانت بثلاث إذا سكتت قدر ما يلفظ بهنَّ، وكذا في: «كلَّما لم أطلِّقك فأنت طالق»، وإن قال لها: «إن سكتت عن طلاقك فأنت طالق»). انتقال نظر لتكرار العبارة الأخيرة.
(3) () - ب: «ضررة». (5/330)
صفحة 2415
إن لفظ به وشهد عليه به ولم ينوه لا عند الله، لما ذكر عن ابن عباس أنَّه لا غلط ولا غلت (1) على مسلم فيما أخطا به ولم يتعمّد.
ومن أراد أن يكلّم امرأته بغير الطّلاق فسبق لسانه إليه غلطا فكذلك؛ وإن طلَّقها واحدة فعنى ثلاثا، فقيل: تلزمه الثلاث؛ وقيل: الواحدة، ولزمته في العكس ثلاث (2).
وإن أراد أن يلفظ بالطّلاق على الحلف فقال: «أنت طالق» فبدا له فسكت، فقيل: يلزمه؛ وقيل: لا. وإن كلّمها بغيره فعناه به فهي طالق؛ وقيل: لا. وإن قال لها «قضيت منك وطرا» أو «اِلحقي بأهلك» أو «لا حاجة لي فيك» أو «لست بامرأتي» أو «حبلك على غاربك» أو «خذي حرمتك» فليس ذلك بطلاق إلاّ إن عناه. وإن قال لها: «خلَّيت سبيلك» أو «سرّحتك» أو «فارقتك» فهو طلاق لظاهر القرآن. وفي: «لا سبيل لي عليك واذهبي» أو «سيري» أو «باعدي» أو «تزوّجي» أنَّه ليس بطلاق إلاّ إن عناه.
وفي: «أنت طالق كما قال الله» تطليقتان؛ وقيل: واحدة. وإن قال لها: «أنت طالق إذا لم أو ما لم أو متى لم أطلّقك» وقع عليها حين سكت؛ وقيل: في: «أنت طالق إن لم أطلّقك» أنَّه إن مسّها قبل أن يطلّقها حرمت، وإلاّ حتّى مضت أربعة أشهر بانت بإيلاء. وفي: «متى لم اطلِّقك واحدة فأنت طالق ثلاثا» أنَّه إن طلّقها حين فرغ من كلامه برَّ من يمينه؛ وإن تركها حين فرغ منه قدر ما يطلّق فيه واحدة بانت منه بثلاث. وإن قال لها: «متى لم أقم من مقعدي هذا فأنت طالق» ثمَّ قام حين تمّ كلامه فلا يقع عليها الطّلاق؛ وإن لم يقم قدر ما يقوم فيه فهي طالق. وإن قال لها: «أنت طالق حين أو ساعة أو حيث أو يوم أو زمان لم أطلّقك» وقع عليها في حينها؛
__________
(1) () - ب: «ضلت».
(2) () - ب: - «وقيل: الواحدة، ولزمته في العكس ثلاث». انتقال نظر. (5/331)
صفحة 2416
وإن قال: «ساعة أو يوم أو حين أو دهر أو زمان لا أطلّقك» فقيل: وقع في حينها أيضا؛ وقيل: لا حتّى يمضي الأجل المؤجّل لها؛ وإن قال: «إلى يوم أو شهر أو زمان أو دهر أو حين أو سنة» فلا يقع يمضي الأجل أيضًا؛ وإن قال لها (1): «أنت طالق أمس أو اليوم وأمس» طلّقت في حينها؛ وإن قال: «اليوم وغدا» طلّقت اليوم وغدا حشو؛ وإن قال: «في غد أو إذا جاء» طلّقت غدا؛ وإن قال: «غدا وإذا جاء بعد غد» وقع عليها طلاق غدًا وآخر بعد غد. وإن قال: «أنت طالق الساعة غدا أو اليوم إذا جاء غد» طلّقت في حينها؛ وقيل: لا، حتّى يجيئ غد. وإن قال: «اليوم إذا جاء فلان غدا» طلّقت اليوم إذا جاء فلان غدا. وإن قال: «اليوم أو في اليوم» طلّقت في حينها؛ وإن قال لها: «أنت طالق رمضان أو فيه أو شوال» فإنَّه إذا هلَّ وقع عليها إن عنى المستقبل؛ وإن عنى الماضي وقع في حينها؛ وكذا إن قال: «يوم الجمعة أو فيه».
وإن قال: «في السّموات» أو «تحت سدرة المنتهى» أو «تخوم الأرض» (2) أو «فيما لا تصله الشمس» أو «فيها» أو «في الدّار» أو «في ثوبك» وقع في حينها وذلك في الحكم، وأمّا عند الله فإلى نيته.
وإن قال: «في ذهابك إلى مكّة» أو «دخولك دار فلان» أو «في لباسك ثوب كذا» فحتّى تفعل ذلك؛ وإن قال: «قبل أن أتزوّجك» أو «أخلق» أو «تخلقي» وقع في حينها؛ وقيل: ليس بشيء.
وإن قال لها: «طلَّقتك في منامي» أو «طفوليتي» أو «عبوديتي» أو «جنوني» وقد كان كذلك، فكذلك.
ولا يقع إن قال: «طلَّقتك أمس»، وهو إنَّما تزوَّجها اليوم؛ وإن قال لها: «أنت طالق وأنت تصلِّين أو مصلِّية أو مريضة»، وقع عليها في الحكم، وأمَّا عند الله فإلى
__________
(1) () - ب: - «لها».
(2) () - ب: «الأرضين». (5/332)
صفحة 2417
نيته. وإن قال: «في مرضك، أو مضجعك، أو سفرك، أو ذهابك، أو مضيِّك إليه، أو في صلاتك»، فلا يلزمها إلاّ إن وجد ذلك.
وفي: «أنت طالق تطليقة قبلها أو بعدها أو معها تطليقة» تطليقتان،؛ وقيل: واحدة؛ وإن قال: «تطليقة قبل تطليقة»، أو «بعدها» فواحدة؛ وإن قال: «أنت طالق واحدة وأخرى معها، أو قبلها أو بعدها أخرى» فتطليقتان؛ وإن قال: «قبلها أو بعدها أو معها تطليقتان» فثلاث،؛ وقيل: واحدة؛ وإن قال: «واحدة لأجل اثنتين أو قبلهما، أو ثلاثا إلاَّ واحدة، أو إلاَّ اثنتين، أو إلاَّ ثلاثا» فثلاث في ذلك (1). وإن قال: «طالق ما بين تطليقتين إلى ثلاث» فثلاث؛ وقيل: واحدة؛ وإن قال: «ما بين واحدة إلى اثنتين، أو إلى أخرى، أو من واحدة إلى ثلاث، أو إلى اثنتين، أو واحدة في اثنتين» فواحدةٌ، إلاَّ إن عنى غيرها.
وإن قال: «أنت طالق اثنتين في اثنتين» فتطليقتان؛ وإن قال: «أنت طالق أو غير طالق، أو لا طالق» فواحدة. وإن قال لها: «إن طلَّقتك فليس بشيء»؛ وفي: «تعال يا مطلَّقة» إن علم لها طلاقًا فهو ما نوى، وإلاَّ فهي طالق؛ وكذا في: «يابات [كذا] يابائن وياحرام» فهو ما نوى. وفي: «أنت طالق لا طالق بل طالق، يامطلَّقة»، تطليقتان، وكذا في: «قد طلَّقتك لا بل طالق يا مطلَّقة»؛ وإن قال لها: «أنت طالق ما أشرقت الشمس، وما غربت» فتطليقة إذا غربت (2). وفي: «أنت طالق إذا شرقت (3) وإذا غربت» تطليقتان، وكذا «عند طلوعها وغروبها». وفي: «أنت طالق إذا شرقت وإذا غربت» تطليقتان؛ وكذا: «عند طلوعها وغروبها». وفي: «أنت طالق كلَّما شرقت وكلَّما غربت» ثلاث؛ وإن قال: «أنت طالق كلَّما طلعت» طلّقت ثلاثًا في ثلاثة أيَّام، وكذا في: «كلَّما غربت». وفي: «أنت طالق إذا طلعت
__________
(1) () - ب: - «في ذلك».
(2) () - ب: «غرب».
(3) () - ب: «أشرقت». ويبدو أنَّه أصوب. (5/333)
صفحة 2418
وإذا غربت، فأنت طالق» تطليقتان؛ وفي: «كلّما طلعت وغربت» ثلاث في ثلاثة أيّام. وفي: «كلّما شرقت، وما غربت فأنت طالق» ثلاثٌ في يومين، و «أنت طالق ما شرقت أو ما غربت، أو إذا، أو حين، أو حيث شرقت» واحدةٌ.
وفي: «كلّما دخلت المسجد فأنت طالق»، فحيثما دخلته وقع؛ وكذا في: «كلّما خرجت من هذا البيت» أو «فعلت هذا الشيء»؛ وإن قال لها: «إن ذهبت إلى أهلك فأنت طالق» فانقلبت إليهم ذاهبة، طلّقت؛ وإن قال: «إن مضيت إليهم فأنت طالق»، طلِّقت إذا خطت إليهم ثلاث خطوات. وتطلَّق في: «إن خرجت إليهم فأنت طالق» إذا خرجت من بيت هي فيه؛ وإن قال لها: «إن خرجت من منزلي بلا إذني فأنت طالق» طلّقت إن خرجت منه بدونه؛ وقيل: إن أذن لها مرّة ثمَّ خرجت بلا إذنه فلا تطلّق، ولا إن خرجت يراها إن قال: «إن خرجت بلا علمي فأنت طالق». وطلّقت إن كان لا يراها؛ وإن قال لها: «لا تخرجي (1) من هذا البيت» فهو كـ «لا تخرجي بلا إذني»؛ وإن قال: «إن خرجت منه فأنت طالق إلاّ إن أذنت لك أو حتّى آذن لك»؛ فإن أذن لها مرّة فلا عليها أن تخرج بعد.
فصل
إن قال لها: «كلّما أكلت رغيفا ونصف رغيف فأنت طالق» فأكلت رغيفا طلّقت ثلاثا. وفي: «إن أكلت فأنت طالق» و «إن أكلته فأنت طالق تطليقتان إن أكلته وواحدة إن أكلت غيره» وكذا في: «إن دخلت، وإن دخلت هذا البيت فأنت طالق» فدخلته، فتطليقتان؛ وكذا في الرّكوب والكلام؛ وإن قال لها: «إن كلّمت بني آدم أو الرّجال أو النّساء» أو «إن دخلت البيوت» طلّقت إن كلّمت آدميا أو رجلا أو امرأة أو دخلت بيتا. وإن قال: «إن كلّمت رجالا أو نساء أو دخلت بيوتا» فلا تطلّق حتَّى تكلّم أو تدخل ثلاثة. وإن قال لها: «إن حدثت بهذا الحديث أحدا فأنت
__________
(1) () - ب: «لا تخرج». وهو خطأ. (5/334)
صفحة 2419
طالق» طلّقت إن حدّثت به أحدًا لا إن ببعضه. وإن قال لها: «إن لبست غزلك أو أكلت خبزك فأنت طالق» فلبست ثوبا فيه بعضه أو عجنت وخبزت فأعطته لجاعله في التّنور فإنَّها تطلّق.
وإن قال لها: «إن افتضتك فأنت طالق» فافتضَّها بأصبعه طلّقت؛ وقيل: لا. وإن قال: «إن أكلت طعامك فأنت طالق» فوهبته له فلا تطلّق إن أكله؛ وكذا الرّكوب واللّباس والخدمة، وكلّ ما خرج من ملكها فلا تطلّق به؛ وإن قال: «إن أكلت طعاما فأنت طالق» طلّقت إن أكلت طعاما؛ وكذا في الطّعام بالتّعريف لا تطلّق حتى تأكل الطّعام؛ وقيل: تطلّق في هذا (1) وفي: «إن لم تخبريني بعدد ما أكلت فأنت طالق (2)» ولا تعرف عدده؛ فإن أخذته من واحد اثنين ثلاثة ... حتَّى تجاوز أكثر ممّا أكلت فإنَّها لا تطلّق. ولا إن قال لها: «إن لم تصدقيني فيما فعلت فأنت طالق» إن قالت: فعلت وهي لم تفعل؛ ولا إن قال لها: «إن لم تردِّي الدّراهم التي أخذتها فأنت طالق» وهي لم تأخذها إن لم تردَّها، ولا إن وضع درهمين تحت فراشه فقال لها: «إن ذهبا فأنت طالق» إن ذهب أحدهما. وإن قال: «إن لم يذهبا» طلّقَت إن ذهب أحدهما. وفي: «إن لم تذبحي هذه الشّاة فأنت طالق» وقد ذبحت قبلُ (3) قولان في وقوعه.
ولا تطلّق إن قال لها: «إن حلفت بطلاقك فأنت طالق» حتَّى يحلف به؛ وإن قال لها: «ثلاث مرّات أو أربعا إن حلفت به» فإن قالها ثلاثا بانت بتطليقتين؛ وإن قالها أربعا طلّقت ثلاثا.
__________
(1) () - ب: - «في هذا».
(2) () - ب: - «فأنت طالق».
(3) () - ب: - «قبلُ». (5/335)
صفحة 2420
فصل
من عنده امرأتان فقال لأحدهما: «إن لم أكسك فصاحبتك طالق» وقال لصاحبتها [365] كذلك، فإنَّه إن كساهما معا برَّ يمنه، وإلاّ حتَّى مضت أربعة (1) بانت منه بالإيلاء؛ وإن كسى إحداهما طلّقت دون الأخرى. وكذا إن قال لكلّ منهما: «إن لم أبت عندك، أو إن لم أطلّقك فصاحبتك طالق» وإن قصد إلى إحداهما بعينها فقال لها ذلك، فاختلفتا فاشتبهت عليه التي قصدها اختار أيَّهما شاء وطلّق الأخرى.
وإن حلف لامرأته: «لا تدخل دار فلان» وهي معيّنة فأخرجها فلان من ملكه طلّقت إن دخلتها بعد. وإن حلف لها بطلاقها ثلاثا لا تدخلها فطلَّقها واحدة فتزوّجت غيره فطلّقها ثمَّ ردّها الأوَّل فلا تطلّق إن دخلتها؛ وقيل: تطلّق، إلاّ إن طلّقها أوَّلاً ثلاثا.
وإن قال لها: «أنت طالق كلَّ سنة واحدة» طلّقت عند تمامها، إلاّ إن لم يراجعها حتَّى تعتدَّ؛ وإن بانت في السّنة فتزوّجت (2) غيره في الثّانية ثمَّ رجعت إليه قبل تمام ثلاث سنين ففي وجوب الطّلاق قولان؛ وإن قال لها أنت طالق كلَّ سنة ثلاثًا وقعت عليها فيها؛ فإن بانت وتزوّجت غيره ثمَّ رجعت إليه فلا تطلَّق بعد؛ وإن علّق عليها الثّلاث على أن لا تفعل شيئا فطلّقها واحدة أو فداها فتركها حتَّى اعتدّت فتزوّجها ففعلت ما حلف عليه أن لا تفعله وقع عليها؛ وإن فعلته في حال بانت فيه منه ثمَّ تزوّجها فلا يقع عليها. وإن حلف لها بثلاث أن تفعل ففاداها ففعلت في بينونتها منه فلا يبرُّ من يمينه إلاّ إن فعلت في عصمته إن لم يفت ذلك وقد برَّ إن فات؛ وقيل: قد برَّ مطلّقا حين فعلت؛ وإن لا في عصمته.
__________
(1) () - ب: - «أشهر».
(2) () - ب: «ثمَّ تزوَّجت». (5/336)
صفحة 2421
وإن قال لها: «إن تزوّجتك أو كلّما تزوّجتك فأنت طالق» فليس في ذلك شيء إن كان إنَّما عنى إن تزوِّجها ثانيا غير الأوَّل؛ وإن عنى أنَّها كانت في عصمته حال يمينه طلّقت.
ومن له عائشة وفاطمة فقال: «يا عائشة إذا طلّقتُ فاطمة فأنت طالق» وقال لفاطمة كذلك، ثمَّ قال لعائشة: «أنت طالق» فإنَّها تطلّق واحدة بالقصد وأخرى باليمين، وتطلّق فاطمة واحدة بها؛ وكذا إن قصدها تطلّق تطليقتين وعائشة واحدة باليمين. وإن قال لها: «إن دخلت هذه الدّار» ثمَّ لفاطمة: «أنت طالق إن طلّقت عائشة» فدخلت، فلا تطلّق فاطمة؛ وإن قال لعائشة: «إذا طلّقت فاطمة فأنت طالق» فقال لها: «إن دخلت الدّار فأنت طالق» فدخلت طلّقتا معا؛ وإن قال لعائشة: «إن حلفت بطلاقك ففاطمة طالق» فقال لها: «إن حلفت بطلاقك فعائشة طالق» طلّقت فاطمة لحلفه بطلاق عائشة؛ وكذا إن قال: «عائشة طالق إن دخلت الدّار» طلّقت فاطمة لحلفه بطلاق عائشة. (5/337)
صفحة 2422
الباب الحادي والثمانون
في اليمين على الغيب
فمن حلف عليه فهو حانث، كحالف على الماء أنَّه كان في البحر أو في نهر كذا، أو على أن المطر يكون اليوم أو يقدم فيه مسافر، أو إنَّ الحبلى تلد فيه أو نحو ذلك، فإنَّه حانث ولو وقع فيه ذلك؛ وقيل: لا إن وقع. وكذا كلُّ حالف بما لا يقدر عليه، كحالف بالصّعود إلى السّماء، ونسف الجبال، فإنَّه حانث. وقيل: إن حلف عليه بطلاق امرأته فمكث أربعة ولم يفعل ذلك بانت منه بالإيلاء؛ وإن مسّها دونها حرمت عليه؛ وإن حلف به أنَّه فعل ذلك فيما مضى حقّ عليه البعد والطّرد من المجالس، وفي الحكم عليه بالطّلاق قولان.
وإن حلف بطلاقها لا تأتي جنازة فمضت إلى أهلها فوجدتها عندهم طلّقت، لا إن قال لها: «لا تذهبي إليها» فذهبت إلى أمها فوجدتها عندها؛ وإن حلف لها به لا تحضر لأخيها فرحا ولا حزنا، فمات أبوها فحضرت جنازته، فلا يحنث. وإن حلف به لا تسكن هذا البيت أو البلد، طلّقت إن سكنت فيه، وقد مرّ معنى السّكن. وكذا إن حلف [366] به لا تأوي إليه أو إلى أهلها طلّقت إن أوت ولو ساعة؛ وإن حلف به: «لا تفعلي هذا» فقالت: «قد فعلته» فإنَّه يفارقها للشبهة؛ وإن قالت: لم أفعله، فليصدِّقها إن كانت أمينة، وإلاّ احتاط؛ وقيل: إن صدَّقها أجزاه؛ وإن حلف لها به أن تفعله، فقالت: فعلته صدَّقها إن أمنها، وإلاَّ أمرها أن تفعله بحضرته إن أمكن، وإلاّ احتاط؛ وقيل: يجزيه إن صدَّقها أيضا.
وإن أراد أن يحلف بطلاقها ثلاثا على أن تفعل هي كذا، فقال لها: «أنت طالق ثلاثًا» فمات أحدهما أو فات ما حلف عليه قبل أن يتمَّ كلامه طلّقت ثلاثا، ولا يتوارثان وتوارثا إن كان أقلَّ؛ وإن حلف بذلك على أن يفعله هو فلا يتوارثان إن (5/338)
صفحة 2423
مات أحدهما قبله، وقيل: إن ماتت هي ورثها إن فعله بعد؛ وكذا إن قال: إن لم أفعل.
وإن قال: «أنت طالق إن شاء الله» فلا ينفعه الاستثناء قدَّمه أو أخَّره في الطّلاق، وينفعه إن استثنى فيه على اليمين، مثل إن قال لها: «إن فعلت كذا فأنت طالق إن شاء الله»، وكذا إن قال: «عبدي حرٌّ وامرأتي طالق إن شاء الله إن فعلت كذا لوقوعه عليهما. وإن قال: «عبدي حرٌّ (1) إن شاء الله، وامرأتي طالق إن فعلت كذا» ففعله طلّقت ولم يعتق.
وإن قال لها: «إن دخلت هذه الدّار أوهده فأنت طالق» طلّقّت إن دخلت واحدة منهما، ولا تطلّق بعد أن دخلت الأخرى، وكذا في اللّباس والرّكوب والطّعام ونحو ذلك؛ وإن قال ذلك بالواو لا بأَوْ، طلّقت ثان إن دخلت الأخرى بعد الأولى؛ وقيل: كالأولى لا يقع عليها إلاّ واحد. وإن قال لها: «أنت طالق إن دخلت هذه ولا هذه» فدخلتهما معا لزمها تطليقتان. وإن حلف لها أن تدخل هذه أو هذه برَّ إن دخلت إحداهما، لا إن قال لها: «إن لم تدخلي هذه وهذه» أو «هذه ولا هذه» حتَّى تدخلهما معا، وكذا في (2) جميع الأفعال؛ وإن قال لامرأتيه: «إن دخلتما هذه الدّار فأنتما طالقان» فلا يقع الطّلاق إن دخلتها إحداهما؛ وكذا في (3): «إن لبستما هذا أو أكلتما هذا أو ركبتما هذا» ... ونحو ذلك لا يقع بفعل أحدهما ويقع إن فعلتا ذلك (4) وإن مفترقتين. وكذا إن قال: «أنتما طالقتان (5) إن دخلتما
__________
(1) () - ب: - «وامرأتي طالق إن شاء الله إن فعلت كذا لوقوعه عليهما. وإن قال: «عبدي حرٌّ». انتقال نظر لتكرار: إن قال: «عبدي حرٌّ ... ».
(2) () - ب: - «في».
(3) () - ب: - «في».
(4) () - ب: - «ذلك».
(5) () - ب: «طالقان». (5/339)
صفحة 2424
هذه». وإن قال لهما «إن دخلتما هذه أو هذه فأنتما طالقان» طلّقتا إن دخلتا واحدة (1) لا إن دخلت كلٌّ منهما غير التي دخلتها (2) الأخرى؛ وإن قال لهما: «إن ركبتما دابَّتكما أو لبستما ثيابكما فأنتما طالقان» ففعلت كلٌّ منهما ذلك على انفرادها طلّقتا، وكذا في نحو ذلك. وإن قال لهما هذه أو هذه أو إحداكما طالق طلّقتا معًا (3) إن لم ينو معيّنة؛ ويصدَّق إن قال: عنيتُ فلانة؛ فإن ماتت إحداهما قبل أن تتعيّن مرادته؛ فإن قال: عنيت الحيّة، فارقها وورث الميّتة؛ ويحلف عندي إن اتُّهم؛ وإن ماتتا معا ولم يتبيَّن أمرهما فالقول قوله؛ وعندي أنَّه مع يمينه إن اتُّهم، ولا ترثانه إن مات، وذلك إن طلّق ثلاثا؛ وإن قصد معيَّنة فطلّقها فاشتبهت عليه أخذ بطلاقهما معا؛ وإن ماتتا قبل أن يؤخذ به ورث (4) واحدة منهما، وترثانه إن مات قبله ميراث واحدة فيقسمانها، وتتحالفان عندي إن وقعت بينهما منازعة وادِّعاء. وإن مسَّ إحداهما فارقهما أبدا؛ وإن تبيَّن بعد المسّ أن الممسوسة هي المطلّقة أمسك الأخرى.
__________
(1) () - ب: + «منهما».
(2) () - ب: «دخلت».
(3) () - ب: - «معًا».
(4) () - ب: - «ورث». (5/340)
صفحة 2425
الباب الثّاني والثمانون
في المشاركة في الطلاق
فمن له امرأتان فطلّق إحداهما فقال للأخرى: شاركتك في طلاقها، وقع عليها بقدر ما طلّق الأولى؛ وإن قال لهما: بينكما تطليقة، وقعت على واحدة؛ وإن قال: تطليقتان، وقعت على كلٍّ منهما واحدة؛ وإن قال: ثلاثٌ، بانت كلٌّ منهما بها، وكذا إن كنَّ ثلاثًا أو أربعا؛ وقيل: إن قال لاثنتين: بينكما ثلاث، وقع على كلٍّ تطليقتان، كما إن قال لهما: بينكما أربع. وإن قال: بينكما خمس بانت كلّ منهما بثلاث؛ وكذا لا تقع على كلٍّ إن كنَّ ثلاثا حتَّى تتمّ تسع؛ ولا إن كنَّ أربعا حتَّى تتمّ [367] اثنتي عشرة.
وإن قال لامرأته: إن لم أكن من أهل الجنّة أو من أهل النّار فأنت طالق، طلّقت في حينها؛ وإن قال مخالف لموافقة: إن لم أكن على الحقّ فأنت طالق ثلاثا، فإنَّها في وسع لحلفه على علمه؛ وقيل: طلّقت ثلاثا؛ وإن نظر إلى طائر فقال: إن لم يكن غرابا فأنت طالق، فخرج حماما طلّقت؛ وقيل: لا، لحلفه على علمه؛ وإن طار قبل أن يعلم ما هو احتاط.
وإن قعد رجلان في مكان واحد يحرسان غنمهما فحلف أحدهما لآخر بالطّلاق أنَّك قد نمتَ، وحلف له به أنَّه لم ينم، لزم الذي قال: قد نمتَ، ويرجع طلاق الآخر إلى نيّته.
وإن قال لامرأته: إن وضعت فأنت طالق، طلّقت إن وضعت ولو ميّتا أو غير مصوّر، وكذا إن قال: إن أسقطت، فأسقطت ما لا يذوبه (1) الماء. وكذا إن قال:
__________
(1) () - ب: «يذيبه». (5/341)
صفحة 2426
إن نفستِ، فولدت أو أسقطت. وإن كانت عنده أربع فقال: إيُّكنَّ ولدت فهي طالق وصواحبتها جميعا، فولدت الأولى وقع الطّلاق على كلٍّ منهنَّ، ثمَّ ولدت الثّانية فوقع على كلٍّ ثان إلاّ الثّانية في الولادة فإنَّها بانت بواحدة فخرجت من العدّة بالولادة؛ وإن ولدت الثّالثة بانت بتطليقتين وبانت الرّابعة والأولى بثلاث.
ومن قال لامرأته: إن لم أحبلك فأنت طالق واقعها في حين طهورها (1) وكفَّ عنها حتَّى ترى حيضة ثانية فيقع عليها الطّلاق؛ وقيل: حتَّى ترى ثلاثا؛ وإن قال: إن حبلت فأنت طالق، واقعها مرَّة في حين طهورها؛ فإن لم تحبل حتَّى تطهر من الثّانية واقعها ثانية؛ فإن لم تحبل حتَّى تطهر من الثّالثة فيقع عليها فيكون حاله وحالها دهره كذلك حتَّى تحبل منه؛ فإن لم تحبل حتَّى أيست فهي امرأته؛ وقيل: يواقعها أوّلا في حين طهر فيتركها حتَّى تحيض ثلاثا ثمَّ يواقعها فيكون حاله كذلك حتَّى تأيس فيبرَّ أو تحمل فتطلّق. وإن قال ذلك لزوجته القاعد فليس بشيء؛ وإن قال لها: إن لم أحبلك فأنت طالق، طلّقت في حينها؛ وإن قاله للطّفلة فإنَّه يطأها ما دامت (2) طفلة فإذا بلغت صارت كالحائض؛ وإن قاله لشابَّة لا تحيض وطئها مرّة فيكفُّ حتَّى يتبيَّن أنَّها (3) غير حامل فتطلّق؛ وإن قال لها: إن أحبلت فلانة ــ يعني ضرّتها أو سريّته ــ فأنت طالق، فإنَّه يمسّها في حين طهرها ثمَّ يكف حتَّى تطهر من الثّانية فيواقعها مرّة، ثمَّ يكف ــ على ما مرّ ــ حتَّى تحمل فتطلّق امرأته. وإن قال لهما: إن أحلبت فلانة أو فلانة فأنت طالق فلا يطأها إلاَّ حين يطأ صاحبتها؛ وإن قال لها: كلَّما ولدت ولدًا فأنتِ طالق، وإذا ولدتِ غلامًا فأنتِ طالق، فإذا ولدتِ جارية فأنتِ طالق فولدتْ (4) أحدهما أو جارية وغلاما من بطن، بانت بتطليقتين؛ وإن ولدت جارية
__________
(1) () - ب: «طهرها».
(2) () - ب: «كانت».
(3) () - ب: «أنَّه».
(4) () - ب: «فوُلِد أحدُهما». (5/342)
صفحة 2427
ثمَّ غلاما من بطن وقعتا عليها بالجارية فتنقضي عدّتها بالغلام؛ وكذا إن قال لها: إن ولدت غلاما ثمَّ جارية فأنت طالق فولدتهما، كذلك وقعتا عليها أيضا. وإن قال: كلّما ولدت فأنت طالق فإن ولدت غلامًا فأنت طالق، فولدت أوَّلاً جارية فعليها تطليقة وتطليقتان إن ولدت غلاما؛ وإن ولدته ثمَّ جارية من بطن بانت منه بهما. وإن قال: لها كلّما ولدت غلاما فأنت طالق، فولدته وجارية من بطن ولا يدرى أيُّهما السّابق بانت منه بواحدة، وتعتدّ بثلاثة (1) قروء وتحتاط؛ وإن قال لها: إن ولدت فأنت طالق، فقالت له: قد ولدت، فالقول قولها في وقوع الطّلاق عليها، إلاّ إن ادّعته وقتا لا يمكن فيه. وإن قال: كلّما ولدت ولدين فأنت طالق، فولدت ثلاثة من بطن، خرجت بتطليقة وتمّت عدّتها بخروج الثّالث؛ وإن ولدت ولدين طلّقت أيضا؛ وإن راجعها فولدت واحدًا (2) فلا تطلّق بعد حتَّى تلد آخر فتطلّق ثانيا؛ وإن راجعها أيضا فكذلك حتَّى تتمّ ثلاث فتبين منه؛ وإن لم يراجعها حتَّى اعتدَّت (3) وتزوّجت غيره فولدت معه واحدًا فطلّقها ثمَّ تزوّجها الأوَّل فولد معها واحدًا فلا تطلّق به حتَّى تلد آخر منه أو ولدين من بطن؛ وقيل: لا يقع عليها طلاق [368] بعد ما بانت منه ولو تزوّجها. وإن قال لها: إن كان أوَّل ما تلدينه غلاما فولدته جارية من بطن ولم يعلم السّابق حقَّق لها الطّلاق احتياطا.
__________
(1) () - ب: «بثلاث».
(2) () - ب: «واحد». وهو خطأ.
(3) () - ب: «أعدت». وهو خطأ. (5/343)
صفحة 2428
الباب الثّالث والثّمانون
في تبعيض التطليق
فمن قال لامرأته: أنت طالق نصف تطليقة أو تسمية منها فذلك تطليقة تامَّة لأنَّها لا تتجزأ (1)؛ وإن قال: نصفيها فتطليقتان؛ وإن قال: ثلاثة أنصافهما فثلاث (2)؛ وقيل: تطليقتان؛ وإن قال ثلاثة أنصاف ثلاث، أو خمسة أرباع الطّلاق، أو ستّة أخماسه، أو سبعة أسداسه، فتطليقتان؛ وإن قال: نصف تطليقة وسدسها وثلثها فثلاث؛ وإن قال: نصف تطليقة وثلثًا وسدسًا فواحدة؛ وإن قال: نصف تطليقة وثلثا وسدس تطليقة، فتطليقتان كما لا يخفى؛ وإن قال تطليقة إلاّ سدسا أو نحوه لم ينفعه استثناؤه.
وطلّقت إن قال: طلَّقت بدنك لا اسمك لا إن عكس؛ وطلّقت إن قال: نصفك أو ثلثك أو بعضك إن اتّصل بها كيَدِها وشعرها لا إن بان منها؛ وإن ردّته فاتّصل فطلّقه فقولان. وإن طلّق ما بان ثمَّ ردَّته (3) فاتّصل بها فليس فيه شيء.
ولا تطلّق إن قال: طلّقت لعابك أو مخاطك أو نحوهما. وإن قال لها: طلقك نصفي أو بعضي كيَدٍ أو رجل، طلّقت إن اتّصل به؛ وقيل: لا في البعض كاليد والرّجل؛ وإن قصد إلى بائن منه فقال لها: طلّقك هذا، فليس بشيء؛ وإن قال لها: بعت لك طلاقك بكذا، فقبلت فطلاق بائن؛ وقيل: لا، إلاّ إن عناه، ولا يدرك عليها ثمن ما باعه به لها؛ وقيل: يدركه؛ وإن قال لها وهبت لك طلاقك أو تصدّقت به عليك
__________
(1) () - ب: «يتجزَّى».
(2) () - ب: «فثلاثة».
(3) () - ب: «ما بان فردَّته». (5/344)
صفحة 2429
فليس ذلك (1) بشيء، ولا إن وهبه لأهلها إلاّ إن عناه؛ وكذا إن قال لها: رهنت لك طلاقك أو رهنه لغيرها، فلا يجوز رهنه كما مرّ، وليس بطلاق؛ ولا إن قال لها: أعرضت عن طلاقك أو صفحت عنه أو تركته أو خلّيت سبيله.
وإن قال: أنت طالق ما لا يجوز أو ما لا يقع عليك من الطلاق (2) طلّقت واحدة.
وطلاق الإجبار منها أو من غيرها كالإكراه ليس بشيء؛ وإن طلّق باضطرار أو بجوع أو عطش أو حريق لزمه إن لم يجد النّجاة إلاّ به. وإن قصد إلى امرأته وغيرها فقال لهما: إحداكما طالق، أو: ياطوالق، أو: أنتما طالقان، طلّقت امرأته؛ وإن كانت له امرأتان فخرجت إحداهما من البيت فقال لها: يا فلانة ــ ظنًّا أنَّها التي تخرج ــ أنت طالق فسمّاها باسمها طلّقتا معا بالقصد والنّوى.
وإن قال لامرأته أنت طالق ثلاثا لا يقعن عليك، أو لا يجزن عليك، أو طلّقتك ثلاثا، وأنا بالخيار، طلّقت في ذلك.
ومن له امرأتان اسمهما واحد فقال: طلّقت فلانة، قُبل قوله إن قال: إنَّما عنيت التي فسد نكاحها، فإنَّه يصدَّق، إلاّ إن قال: امرأتي فلانة طالق فلا يشتغل به؛ وإن كانت واحدة فقال: فلانة طالق، فقال: عنيت أخرى لامرأة طلّقها قبل، واسمها كالتي عنده، فإنَّه يصدَّق؛ وقيل: لا يشتغل به؛ وقيل: كلمّا سمعت المرأة لفظ الطّلاق فيقول لها: إنَّما عنيت كذا وكذا، فلا تشتغل به؛ وقيل: تشتغل به إن كان أمينا.
وإن كانت له امرأة فقال: فلانة بنت فلان طالق فسمّاها باسمها وأباها بغير اسمه أو بغير اسم قبيلته، فلا تطلّق، ووقع الطّلاق إن سمّاه باسمه؛ وإن كانت ذات بصر
__________
(1) () - ب: - «ذلك».
(2) () - ب: - «من الطلاق». (5/345)
صفحة 2430
فقال: فلانة العمياء طالق، فليس ذلك بشيء، وكذا إن كانت على صفة معلومة فأوقع الطّلاق على غيرها، فلا يقع على امرأته إلاّ إن عناها به.
فإن كانت له امرأة معلومة فطلّق سواها فإذا أبوه أو غيره تزوَّجها له فبان له في هذه السّاعة فقبل النّكاح ففي الطّلاق قولان. وإن كانت له معلومة فحنث بطلاق امرأته هكذا فلا يحكم عليه بطلاق امرأته المعلومة؛ وقيل: إن لم تعلم له إلاّ هذه حكم عليه به.
وإن قال لامرأته: أنت طالق فأشار لها (1) بأصبع أو أصبعين أو ثلاث، فتطليقة. [369] وإن كانت له امرأتان: عائشة وفاطمة، فقال: ياعائشة فأجابته فاطمة فقال لها: أنت طالق، طلّقتا معا بالنيّة وباللفظ؛ وإن كلّمته امرأته فقال: أنت طالق فهي طالق؛ وإن قال لها ذلك فقالت له: أعنيتَ به أنا أم (2) غيري؟ وقال: إنَّما عنيت غيركِ، صدَّقته؛ وإن كانت له فاطمة فقال: فاطمة طالق إن فعلتْ كذا، ففعلت، فهي طالق، ويقبل قوله إن قال: ما عنيتها.
وإن تعلّقت به امرأته فقالت: طلّقني فأمسك بقرن شاة، فقال: أنت طالق، طلّقت، إلاّ إن قال: ياشاة، ولا يقبل قوله أنَّه (3) أرادها حتَّى يقول: أنت طالق ياشاة.
ومن قال لزوجته: فلان طلّق امرأته، فقالت: كيف قال؟ فقال: قال: أنت طالق، أو قال لها: ماذا عليَّ لو ذهبت إلى أهلك، فقلت لهم: قد طلَّقتكِ ثلاثًا، أو أغضبتني حتَّى أردت أن أقول لك: أنت طالق، فأمسكت نفسي، أو لو قلت: فلانة طالق،
__________
(1) () - ب: «إليها». ولعلَّه أصوب.
(2) () - ب: «فقالت: عنيتَ أنا أو غيري».
(3) () - ب: «إن». (5/346)
صفحة 2431
لكان ذلك إليَّ، ولكن لا أقوله، أو قال لها: فلان (1) قال لزوجته: أنت طالق ثلاثًا، أو قرأ كتابًا فيه: امرأتي طالق، أو رأى في منامه أنَّه طلَّقها وأعاد الرؤيا للناس، فلا تطلّق في كلّ ذلك.
وإن نذر بطلاقها، أو طلبه أبواه إليه فلا يلزمه الوفاء به، ولا يضيق عليه أن يطيعهما فيه.
وإن خطر بباله طلاقها فلا تطلَّق ولو قال له الخاطر: متى نمت أو أيقظت أو صليَّت أو صمت أو أكلت أو تحرّكت أو حوَّل الريح الرّمل أو سبَّحت أو هلَّلت أو كبّرت أو عظَّمت الله لزمك الطلاق، فلا يلزمه، ولو فعل ذلك إلاّ إن عناه فيه؛ وقيل: لا يلزمه به مطلقا.
ولزم السّكران طلاقه إن طلّق لا المجنون. ولزم المعتوه، وهو من يجنُّ مرّة ويصحو أخرى، وهو المختلط عقله، إلاّ إن بان أنَّه طلّقها (2) حال جنونه.
وطلاق الطّفل والعبد بلا إذن ربّه ليس بشيء. والأصمّ الأبكم إن كان يَفهم ويُفهم عنه جاز طلاقه؛ وقيل: لا بإشارة ولا بكتابة. ومن كتب طلاق امرأته فيما تمكن فيه الكتابة طلّقت، ولو لم يمنع من الكلام، وقيل: لا تطلَّق بها.
وإن أراد غائب أن يطلّق زوجته فإنَّه يكتب إليها: إن حضْتِ ثمَّ طهرتِ فأنت طالق.
ويطلِّق على العبد سيّده إن جاز فعله. ولا يجوز طلاق امرأة عن عبدها ولا إجازتها له إن طلّق، وتأمر أو توكِّل من يطلِّق عليه؛ وكذا عبد المشكل ولا يطلّق على عبد الطّفل خليفته حتّى يبلغ فيفعل ما يشاء؛ وكذا عبد المجنون والغائب؛ فإن طلّق خليفة أحدهم على عبده لم يجز.
__________
(1) () - ب: + «قد».
(2) () - ب: + «في». (5/347)
صفحة 2432
وجاز طلاق الأب (1) على عبد ابنه لا عليه، ولا خليفته يتيم أو مجنون عليه، ولا أحد الشّركاء دون آخر إلاّ إن أجاز له.
ابن عباس: «الطلاق بالنّساء وعليهنّ العدّة». ومعنى ذلك أن الحرّ إذا كانت تحته أمة أو هي تحت عبد فطلاقها منهما تطليقتان، وطلاق الحرّة منهما ثلاث؛ وقيل: الطّلاق بالرّجال وعليه فطلاق الحرّة والأمة من العبد طلاقان ومن الحرّ ثلاث.
وطلاق الكتابيّة من مسلم واحدة وقيل: ثلاث.
ومن طلّق أمة تطليقتين فعتقت في عدّتها فلا يتزوّجها حتّى تنكح غيره؛ وإن قال لها: أنت طالق اثنتين إذا طلعت الشمس فأعتقها ربّها دون الطلوع، فإنَّه يراجعها وتكون عنده بواحدة؛ وإن علّق سيّدها عتقها إلى وقت علِّق إليه الطّلاق فوقعا معا بانت منه بتطليقتين، وقيل: لا تبين.
وطلاق الأمة بيد زوجها ولو باعها سيّدها أو وهبها أو أصدقها فلا يكون ذلك طلاقا.
__________
(1) () - ب: - «الأب». (5/348)
صفحة 2433
الباب الرّابع والثّمانون
في طلاق المريض
فإن طلّق امرأته ثلاثا في مرضه ضرارًا لئلاَّ ترثه فذلك حرام عليه، وترثه إن مات في عدّتها، وهي عدّة الطلاق لا عدّة الوفاة إذ لا تلزمها؛ وإن طلّقها واحدة أو اثنتين، ثمَّ مات قبل أن تعتدّ فإنَّها تعتدّ للوفاة وترثه لا إن انقضت عدّتها.
وإن طلّق التي لم يمسَّها في مرضه فلا عدَّة عليها ولا ميراث؛ وقيل: إن مات قبل أن تمكث قدر (1) ما تتمُّ فيه عدّتها لو لزمتها فإنَّها ترثه؛ [366] وإن استراح من مرضه في تلك الوجوه ثمَّ مرض أيضا فمات (2) فلا ترثه التي طلّق ثلاثا فيه ولو كانت في العدَّة؛ وإن طلّقها فيه ثلاثا لئلا ترثه فلا يرثها إن ماتت؛ وإن طلّقها ثلاثا في صحّته فمرض ومات وهي في العدَّة فلا ترثه؛ وإن طلّقها اثنتين فيها فمرض فطلّقها واحدة أيضا لئلاَّ ترثه ورثته أن مات وهي معتدّة. وإن طلّقها ثلاثا فقتل أو مات فجأة (3) أو بعقرب أو حيَّة أو بغرق أو حريق أو نحو ذلك ... بلا مرض وثته؛ وقيل: لا؛ وإن آلى منها في مرضه أو ظاهر فطال حتَّى بانت بالإيلاء فلا ترثه إن مات، ولو لم تتمَّ ثلاثة قروء بعد.
وإن طلّق امرأته الأمة أو الكتابيّة في مرضه فمات فعتقت أو أسلمت فلا ترثه؛ وكذا إن عتقت فيه أو أسلمت. وإن علّق طلاقها ثلاثا في صحّته إلى معلوم فوقع عليها
__________
(1) () - ب: «مقدار».
(2) () - ب: - «فمات».
(3) () - ب: «فُجاءة». (5/349)
صفحة 2434
في مرضه ومات (1) وهي معتدّة فلا ترثه وكذا إن علّقه لها إلى قدوم فلان؛ فإن فعل ذلك فيه فأتى الأجل وقدم فلان (2) في مرضه فقيل: ترثه؛ وقيل: لا؛ وإن حلف لها فيه بطلاقها ثلاثا على أن تفعل محرَّما عليها أو ما لا تحتاج إليه ففعلته مريضا فمات فلا ترثه؛ وكذا إن حلف لها في صحّته عليه ثمَّ مرض ففعلته فمات أو آلى منها أو ظاهر فيها فمرض ومات قبل تمام وقتها فلا ترثه في ذلك؛ وإن حلف على ما لا يسعها أن تتركه ففعلته في مرضه فمات ورثثه، وذلك مثل إن حلف لها: لا تصلّي أو لا تصوم أو لا تأكل أو نحو ذلك في صحّة، ثمَّ مرض أو بعد مرضه.
وإن فاداها فيه ثمَّ مات قبل تمام العدَّة أو ردَّ لها الخيار فاختارت نفسها، أو أمر الطّلاق فطلّقت نفسها، أو طلبته أن يطلّقها ثلاثا ففعل فلا ترثه في ذلك. وإن قال لها: إذا مرضت فأنت طالق ثلاثًا فمرض وقعت عليها الثّلاث وترثه لأنَّه مضارٌّ لها؛ وإن قال: إن أفقت من مرضي فأنت طالق ثلاثا فأفاق وقعت عليها؛ وإن مات فيه فلا تطلّق وترثه؛ وإن أفاق منه ثمَّ عاوده فمات طلّقت ولا ترثه؛ وإن قال لها: إن متُّ فيه فأنت طالق ثلاثا ورثته إن مات.
وإن جرح أو أصابه وجع فقال لها (3): إن متُّ من ذلك طلّقت ثلاثًا فمات منه ورثثه؛ وكذا إن علّق طلاقها (4) إلى موته؛ وإن مات بغير ما علّقه إليه فلا ترثه. وقيل: كلُّ ما ترجع به أفعاله إلى الثلث إن طلّق فيه فإنَّه مضارٌّ لها.
وإن طلّقها ولو اثنتين في مرضه فتمّت عدّتها فتزوجها بجديد فطلّقها قبل المسّ فلا ترثه؛ وقيل: ترثه كالأولى؛ فإن طلّقها فيه بائنا أو فاداها أو خالعها وهي طفلة
__________
(1) () - ب: - «ومات».
(2) () - ب: + «فمات».
(3) () - ب: - «لها».
(4) () - ب: - «طلاقها». (5/350)
صفحة 2435
فبلغت فيه أو هي أمة فعتقت فيه (1) أو كان هو معيبا فاختارت نفسها أو كان أمرها بيدها فخرجت به ثمَّ تزوّجها بجديد في تلك الوجوه فطلّقها قبل المسّ فمات فإنَّها ترثه في كلّ ذلك؛ وإن كان الخيار له فاختار نفسه في مرضه فلا ترثه.
وإن قذفها فتلاعنا فيه أو قذفها في الصحّة فتلاعنا فيه فلا ترثه في ذلك؛ وإن حلف لها فيها فطلّقها ثلاثا على أنَّه لا يفعل كذا ولم يفعله إلاّ بعد مرضه، أو على أن يفعله فيه ففعله فيه ورثته؛ وإن كان إنّما حلف لغيره بطلاقها لا يفعل كذا، ففعله بعد مرض الحالف فلا ترثه. وإن وقع التّحريم بينهما ورثته إن كان من قبله؛ وقيل: لا، ولا إن كان من قبلها أو من قبل غيرها.
وإن طلّقها ثلاثا في مرضه فأقرَّ لها بدَين عليه لها فيه، أو أوصى لها بوصيّة، أو أعطى لها شيئا من ماله فإنَّها ترثه ويكون لها ذلك؛ وقيل: ليس لها غير الميراث والدَّين.
وإن قال للكتابيَّة أو الأمة: أنت طالق ثلاثا غدا فأسلمت أو عتقت فلا ترثه إن مات؛ وإن قال لها: إن أسلمت اليوم أو أعتقت فأنت طالق ثلاثًا فأسلمت أو أعتقت فمات ورثته، لأنَّ ذلك منه فرار من الإرث.
ومن قال لأمته: أنت حرَّة غدا، فقال لها زوجها: أنت طالق غدًا (2) ثلاثا وهو لا يعلم بقول سيّدها خرجت بها، ولا ترثه، وهذا في مرض موته؛ وإن قال لها: أنت طالق بعد غد، فمات فيه ورثته.
ومن طلّق امرأته فيه فارتدَّت فمات، فلا ترثه ولو أسلمت، وكذا لو ارتدَّت فيه ثمَّ أسلمت فيه أيضا أو فعلت موجب تحريم بينهما، أو فعله هو، أو غيرهما، فلا ترثه في ذلك، وهذا بعد ما طلّقها ثلاثا.
__________
(1) () - ب: - «فيه».
(2) () - ب: - «غدًا». (5/351)
صفحة 2436
وإن أسلم يهوديٌّ في مرضه فترك زوجته يهوديّة فطلّقها ثلاثا فيه، أو قال: غدًا، فمات في عدّتها ورثته؛ وإن قال لها: إن أسلمت فأنت طالق [371] ثلاثا، فأسلمت وقعت عليها وورثته.
ومن تزوّج أمة أو يهوديَّة فعتقت أو أسلمت ولم يعلم بذلك فطلّقها ثلاثا فلا ترثه. وإن أسلمت يهوديّة فتركت يهوديها مريضا فلا ترثه، وكذا إن طلّقها بعدما أسلمت وهو مريض فلا ترثه ولو أسلم بعدما طلّقها؛ وإن لم يطلّقها إلاّ بعد إسلامها ورثته. وإن مرض اليهوديّ فطلّق يهوديّته ثلاثا في مرضه ثمَّ أسلما فلا ترثه.
وإن ارتدَّ مريض وزوجته فلا يتوارثان إن مات أحدهما؛ وإن طلّقها ثلاثا قبل أن يرجع إلى الإسلام ثمَّ أسلما توارثا، لا إن أسلم أحدهما، ولا إن ارتدّ الزّوج فمات، ولا إن طلّقها ثلاثا في مرضه ثمَّ ارتدَّ فمات.
فصل
من طلَّق على عبده الحرَّةَ (1) ثلاثا أو علّق طلاقها إلى معلوم أو قدوم فلان والعبد مريض فعتق في مرضه فمات بعد طلاقها فلا ترثه؛ وإن قال لها: إن عتقتُ فأنت طالق ثلاثا، وهو مريض فعتق ولم يقع عليها الطّلاق ورثته إن مات؛ وإن قال لها أو لزوجته الأمة ــ وهو مريض ــ فعتق في اليوم وعتقت فجاء غد لم تطلّق وورثته.
ومن تزوّج لعبده أمته فقال لهما: أنتما حرّان غدًا، فقال هو لزوجته: أنت طالق ثلاثًا غدًا فلا تطلّق؛ وإن مات ورثته؛ وكذا إن قال: بعد غدٍ أو كان مريضا. وأماّ إن طلّقها في مرضه فإذا هما معتقان ولم يعلما بعتقهما فلا ترثه؛ وإن قال لها: أنت طالق ثلاثا غدا، في مرضه فعتق اليوم فلا تطلّق.
وإن قال حرّ لزوجته المدبِّرة أو أمِّ الولد وهما لغيره أنتما طالقان ثلاثا غدا، في مرضه، فإذا سيّداهما ماتا قبلُ وحرِّرتا فمات فلا ترثانه. وكذا إن علّق طلاقهما إلى
__________
(1) () - ب: «الحرِّ». وهو خطأ لأنَّه تناقض. (5/352)
صفحة 2437
معلوم فخرجا ميّتين قبل أو علّق طلاقهما إلى موت سيّديهما فمات في مرضه، أو علّقه إلى معلوم فماتا دونه فلا يرثانه في ذلك.
وإن قال لزوجته: طلّقتك قبل في صحّتي ثلاثا، فقيل: لا ترثه لأنَّه أصدق ما يكون عند موته إن لم يتَّهم بإضرار لها؛ وقيل: ترثه.
وإن قال لها أمينان: قد طلّقك ثلاثا في صحّته فلا ترثه.
وإن مات الزوج فقالت: طلّقني مريضا وأرثه، وقال وارثه: طلّقك صحيحا، قُبل قوله؛ وقيل: قولها.
وإن ادّعي الوارث طلاقها ونفته قُبل قولها.
وإن بانت أنَّها أمة أو مشركة بعدما ورثت فإنَّها تردُّ.
ومن مات عن أمة أو مشركة فادّعت العتق أو الإسلام في حياته وأنكره الوارث فمدّعية ولو صدّقها سيّدها. وإن ادَّعى الوارث ارتداد مسلمة أو حرمتها أو الإيلاء منها أو الظهار أو الفداء أو أنَّها أمة أو كتابيّة أو ذات محرم من الزوج أو لم يصحَّ نكاحها فعليه بيِّنة دعواه، وإلاّ قبل قولها وورثت.
ومن قال لامرأته: يا أختاه فلا بأس عليه (1). وإن قال: هي بنتي أو أختي أو أمِّي أو محرمة عليه أبدا، أو تزوّجها في عدَّة أو عصمة زوجٍ أو بلا شهود أو مجوسيّة، فقد حرّمها على نفسه في الحكم. وإن قال ذلك مريضا فمات ورثته، ولا تحرم عليه عند الله بذلك وأثم بكلامه.
__________
(1) () - ب: - «عليه». (5/353)
صفحة 2438
الباب الخامس والثّمانون
فيمن طلّق امرأته قبل أن يمسَّها
قال الله تعالى: {يآ أيُّها الذين ءَامَنوا إذا نكَحتُمُ المومناتِ ... } (1) الآية (الأحزاب: 49). وقال أيضا: {وإن طلَّقتُموهنَّ من قبلِ أن تمسُّوهنَّ ... } إلى: {يعفونَ أو يَعفوَ الذي بيدِه عقدةُ النِّكاحِ} (البقرة: 237): يعني الزّوج أن يدفع إليها ما فرض لها، وعن عمر أنَّه طلّق امرأته قبل المسّ فأوفاها صداقها ثمَّ تلى الآية فقال: أنا {الذي بيدِه عقدةُ النِّكاحِ}.
ولا يملك من طلاقها إلاّ واحدا ولو طلّقها أكثر منه في مكان أو أمكنة؛ وقيل: إن طلّقها ثلاثا في مكان لزمته، وهو قول ابن عباد، ولا عدَّة عليها كما مرّ، ولا نفقة لها، ولها أن تتزوّج من حينها، ولها النّصف إن فرض لها عند العقدة أو بعدها، وإلاّ متّعها كما مرَّ. وإن كان ما فرض لها في غير بلدها فليوف لها النّصف فيما استمسك به؛ فإن تلف نصفه قبل أن يقبضه تلف من مالها وجاز حكمها فيه إن لم يطلّقها، لا حكمه كما مرَّ ذلك، والغلّة والنماء لها قبل [372] الطّلاق لا ما بعده (2) وخدمته وسكناه لها، وعليها قبله، وما بعده فبينهما، وجنايته عليها ما لم تطلّق، وبعده بينهما.
وإن كان عبدا فقتل آخر فطلّقها، فقالت: ندفعه، وقال هو: لا، قُبل قولها وتضمن له نصف قيمته. وإن قتل العبد فقالت: نقتل قاتله وأبى الزّوج فهما سواء. وإن استوجب القطع فقطع ضمنت له منابه، ولا تدرك عليه ما أنفقت، ولا مداواته
__________
(1) () - شاهد الآية في تمامها وهو قوله: {إذا نكحتم المومنات ثمَّ طلَّقتموهنَّ من قبل أن تمسُّوهنَّ فما لكم عليهنَّ من عدَّة تعتدُّونها ... }.
(2) () - ب: «بعدُ». (5/354)
صفحة 2439
ولا عناء إن خدمته، ولا ما افتدته به. وإن كان جملا فنحرته خيِّر بين قيمته صحيحا أو منحورا فتردُّ عليه ما بينهما.
وإن أصدقها زرعا على أن تقصله فقصلته فطلّقها فله عليها نصف قيمته، وكذا كلّ ما لم يدرك؛ وقيل: نصف ما أصدقها؛ وقيل: المثل، وقد مرَّ. وإن أصدقها نخلا فأبدلته مكانا ردّت عليه نصف قيمته؛ وقيل: يمسك نصفه فيه؛ وكذا إن أصدقها مقلوعا فغرسته بأرضها؛ فإن مات النّخل أو الغرس ردّت له نصف القيمة أيضا وكذا في غيرهما؛ وإن أصدقها أرضا فغرستها أو بنت فيها فله نصفها (1)؛ وقيل: مخيّر فيه وفي العوض، وكذا إن حفرت فيها أو بنتها مسجدا أو جعلتها مقبرة أو للمساكين أو أخرجتها من ملكها فله العوض؛ وقيل: القيمة. وإن باعتها فله نصف الثّمن إن لم تحاب.
وإن أصدقها ثوبا فصبغته أو زادت فيه شيئا ردَّ لها نصف ما زادت فيه كالصّنع واشتركا فيه؛ وإن رهنته أو استأجرت به أجيرًا فطلّقها انفسخ؛ وقيل: سهمها جائز إن أمكنت قسمته؛ وإن استحقّه الأجير أو باع المرتهن بعضه ردّت له نصف قيمته ما تلف والباقي بينهما؛ وقيل: له ما لم يجاوز النّصف؛ فإن جاوزه فله عليها نصف القيمة؛ وإن استحقّ الفرض ضمنت له قيمته عند القائل: إن الاستحقاق وجب لمستحقّه حين استحقّه، ويردُّ الزوج لها نصفها عند القائل: إنَّه وجب له قبل أن يصدقه الزّوج لها.
وإن أصدقها مائة دينار فدفعها لها إلى أجل فطلّقها قبل حلوله فلا تدركه عليه قبله؛ وإن دفعها لها فردّتها له في حقوق أو دين له عليها أو تصدّقت بها عليه فإنَّه
__________
(1) () - ب: «نصفه». (5/355)
صفحة 2440
يدرك عليها (1) نصفه، إلاّ إن أعطتها له لا في ثواب أو تصدّقت بها عليه؛ وقيل: هما فيه شركاء، ولا تضمن إلاّ ما أفسدته أو أتلفته.
وإن افترقا بلعان أو نحوه فقيل: يعطيها صداقها كاملا وإن لم يمسها؛ وقيل: ليس لها إلاّ نصفه.
وإن أصدقها غير زوجها فطلّقها فإنّما تعطي ذلك لزوجها؛ وقيل: للذي أصدقه لها.
__________
(1) () - ب: «عليه». (5/356)
صفحة 2441
الباب السّادس والثّمانون
في المتعة
وقد مرّ أنَّها لا حدَّ لها وأنَّها للتي لم يفرض لها وطلّقت قبل المسّ، وفي غيرها خلاف، فقيل: لهنّ المتعة إلاّ المفتدية والتي لها نصف الفرض؛ وقيل: لا متعة لمستوجبة صداقًا بمسٍّ؛ وقيل: لكلّ امرأة متعة؛ وقيل: لا متعة إلاّ للتي أوجبها الله سبحانه، وتكون لمفتدية إن اشترطتها حين الفداء؛ وقيل: لا ولو شرطتها وإنّما تدرك بطلاق أو إيلاء أو ظهار لا بتحريم أو لعان أو خيار ولو لم يفرض لها.
ولا تدركها مطلّقة رجعيا ما كانت في عدَّة؛ وقيل فيها غير ذلك؛ ولها أن تتركها وتبرئ الزوّج منها؛ وقيل: لا يجوز إبراؤها قبل أن تفرض ولها أن تعطيها لغيره إن فرضت، وإلاّ فلا، ووارثها بمقامها. ولا تبطلها بزنى ولا بردّة ولزمته عند الله وإن لم تطلبها إذا زنت أو ارتدّت بعدما وجبت لها. وتدركها إن مات على وارثه أو خليفته إن جنَّ؛ وكذا خليفتها عليه إن جنّت.
ومتعه الحرّة أفضل من الأمة، وتدرك وإن على عبد ولا يجبر عليها في الحكم إلاّ للتي لم يفرض لها بعد فرضها. وإنّما تقوم بثلاثة عدول عارفين بحال الزّوج، ولا يفرضونها إلاّ بإذنه أو بإذن الحاكم.
وتعتبر المتعة حال استحقاقها عليه؛ فإن كان فيها مفلسا فلا شيء عليه وتلزمه إذا استفاد وهي في العدَّة ما لم تبن منه. وإن كان موسرا حال طلاقها ثمَّ أفلس فهي دين عليه إن طلّقها بائنا؛ وإن لم يعلم حاله وقت الطّلاق فادَّعى الإفلاس قُبل قوله مع يمينه. وإن فرضها العدول لها ثمَّ بان لهم أنَّه ذو مال أعادوا فرضها؛ وكذا إن خرج بعض ماله أنَّه ليس له أعادوها أيضا؛ فإن فرضوها وتلف ماله قبل الحكم عليه بها (5/357)
صفحة 2442
لزمه ما فرضوا؛ وإن حابوا فيها بزيادة أو نقص ضمنوا إن تعمّدوا، وإلاّ أخبروهما بذلك؛ وإن فرضوها وبان أنَّها في عدّتها ردّتها إن أخذتها؛ وإن بان ذلك بعد انقضائها أعادوا أيضا.
وإنّما تفرض بالنّقدين ويجزي الزّوجين ما اتَّفقا [373] عليه وما أعطاها ورضيته قبل أن يفرض، لا ما فرضه بنفسه إن لم تقبله.
وإن فرضوها فتزوّجها أيضا قبل أن يدفعها لها أو ماتت ولم تأخذها فهي واجبة لها أو لوارثها.
ولا متعة في النّكاح الفاسد والذي لا يقام عليه بالتّحريم، وثبت في النّكاح لا يقام عليه بكراهة.
وإن كان بين موسر ومعسر (1) عبد أعطى الموسر عليه منابه، ولا شيء على المعسر.
ومن طلّق على عبده فأخرجه من ملكه فالمتعة عليه لا على من انتقل إليه؛ وقيل: تجب وإن على معسر بقدره؛ وقد متَّع عبد الرَّحمن بسوداء.
__________
(1) () - ب: «معسر وموسر». (5/358)
صفحة 2443
الباب السّابع والثّمانون
في الأمر والخيار
وهو سنّة كما مرّ وليس بطلاق إن خيّر امرأةً زوجُها فاختارته، وكان طلاقا إن اختارت نفسها، وهل ثلاثا أو واحدة لا يملك رجعتها، أو يملكها؟ أقوال. وكالخيار ردُّ طلاقها بيدها.
وإن قال لها: اختاري (1) مني الطّلاق أو الإمساك فلا يكون طلاقا إن قالت: اخترته، حتَّى تقول اخترت الطّلاق، أو طلَّقت نفسي. وإن ردَّ أمره (2) بيدها فمسّها قبل أن تقضي شيئا، أو أخذت في عمل كأظفار (3) رأسها أو غيره ممّا يدلّ على تركها لأمرها زال كما مرّ من يدها، لا إن أخذت في خفيف كشراب أو لبس ثوب أو نزعه أو قامت فقعدت كعكسه؛ وزال إن قامت فمشت، أو كانت راكبة فمشت بها الدّابة، أو تحرّكت بها سفينة، أو طلعت شجرة أو نزلت منها، ولها أن تصلّي الفرض إن كانت تصلّيه؛ وإن أخذت في النفل بعده زال. وإن ردّه بيدها قاعدة فسجدت للوهم زال أيضا؛ وقيل: لا، ما دامت في مكانها إلاّ إن مسّها؛ وإن رفعها غيرها كرهًا فلا يزال (4).
وإن ردّه بيدها فطلّقها واحدة قاعدة في مكانها أو ظاهرَ منها فهي على أمرها؛ وإن نزعه من يدها أو رجع منه فلا تطلِّق نفسها بعد. وإن ردَّ لها الأمر فجنّ فلها أن
__________
(1) () - ب: «اختار».
(2) () - ب: «أمرها».
(3) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «كظفائر».
(4) () - ب: «يزول». (5/359)
صفحة 2444
تطلّق؛ وزال إن جنّت هي؛ أو أسلما أو أحدهما من الردّة؛ وإن أخذت أمرها حال الردَّة (1) لم يصحّ. وامرأة عبده كامرأته في ذلك.
وإن ردّه لامرأته (2) الطّفلة فاختارت نفسها فهي طالق، وكذا المشركة والأمة لا المجنونة.
ومن له امرأتان فقال: رددت الأمر لإحداكنَّ (3) لا بعينها أو لمن أحبّه منكما لم يجز.
وإن ردّه لامرأته فمات أحدهما قبل أن تختار توارثا؛ وإن قامت وقالت: أخذته قبل قيامي، أو علَّقه إلى تمام يومه فغابت شمسه فقالت: أخذته قبل تمامه، وكذّبها في ذلك، قُبل قولها؛ وإن ردّه لها إلى أجل معلوم فإذا حلَّ كان لها، أو إلى قدوم فلان، فإذا قامت ولم تصنع شيئا زال منها؛ وإن علَّقه إلى مجهول لم يجز؛ وإن ردّه بيد غيرها صار مثلها في ذلك إلاّ إن ردّ له في أمر الحقّ فلا يزول منه ولا يشتغل بنزعه إن نزعه له حتَّى يعطي له حقّه. وإن مسّها قبل أن يعطيه إيّاه حرمت عليه؛ وقيل: لا.
وإن ردّه بيد رجلين فطلّق أحدهما أو فعل مبطلا للأمر أو مات أو جنّ زال من أيديهما معا؛ وإن ردّه لجائز الأمر ولغيره في عقدة (4) صحّ للجائز أمره وقيل لا. وإن ردّه لرجلين في عقدتين فطلّقها أحدهما جاز.
وإن خيّرها فاختارت نفسها إن شاء أبوها أو غيره لم يجز. وإن قالت: طلّقت نفسي غدا أو وقتا معلوما زال من يدها؛ وإن ردّه لها فقالت له: لا والله لم يكن في يدي ولكنَّه في يدك، فطلِّق أو أمسك وقد رددت لك ما رددت لي زال من يدها.
__________
(1) () - ب: «في ردَّتها».
(2) () - أ: «لامرته». ولعلَّ الصواب ما أثبتناه من ب.
(3) () - ب: «لإحداكما».
(4) () - ب: «عقد». (5/360)
صفحة 2445
فصل
من طلب إليه حميل وقد أخذ في دينٍ فأبى القوم أن يتحمّلوا عنه حتَّى يجعل أمر زوجته بأيديهم إن لم يأتهم إلى ما وقَّت لهم طلّقوها وله امرأتان أو أكثر، فلمَّا حلَّ ولم يروه طلّقوا امرأته ولم يعرفوها، إلاّ أنَّهم (1) قالوا طلّقنا امرأة فلان؛ فإن سمَّى لهم معلومة حين جعل لهم الأمر ووقع نواه عليها فهي المطلّقة؛ فإن لم يقع نواه على واحدة ولم يسمّها طلِّقن معا، ولا خيار له بعدما وجب عليهنَّ؛ وإن عرفوا واحدة منهنَّ (2) فقط فقصدوها بالطّلاق، فقال: والله ما جعلت لكم الأمر عليها ولا نويتها وإنّما نويت غيرها، طلّقن أيضًا معًا (3)، لأنَّه كقائل: طلَّقت إحدى نسائي ولم يبيِّنها؛ وإن قال: نويت التي طلّقتم فقد طلّقت. وإن لم يأتهم فطلّقوا جميعا جاز، لا إن طلّق أحدهم فقط، ولو (4) سكت الباقون؛ ولا إن أعطى الدين قبل الأجل، ولا إن فسدت حمالتهم ولو طلّقوا عند الأجل. وإن نهاهم عن [374] الطّلاق لم يجده.
ولا يصحّ جعل الأمر بيد الزّوجة قبل العقد، وجاز عنده إن علَّقاه إلى التّزويج عليها أو التّسرِّي أو الغيبة مدَّة معيّنة، لا إن علَّقاه إلى غير ذلك أو إلى ما ذكر بعد العقد.
وإن جعلوا له الأمر على قبيلة أو امرأة أو بلدة معلومة أو صنفا من النّساء معلوما أو شرطه وليُّها أن يكون بيده أو بيدها (5) أو بيد غيرهما أو لطفلته أو مجنونته أو
__________
(1) () - ب: «أنَّها».
(2) () - ب: «منهم».
(3) () - ب: «معًا أيضًا».
(4) () - ب: «وإن».
(5) () - ب: «بيده». (5/361)
صفحة 2446
أمته أو لنفسه جاز ذلك. وإن شرطه لنفسه فبلغت أو أفاقت أو أعتقت كان بيده؛ وقيل: يرجع إليهنَّ.
وجاز لمن عقد على امرأتين في عقدة أن يشترط الأمر لإحداهما بعينها؛ وأن يشترطه أن يكون بيد غيرها.
وإن شرط لامرأة أمر بنت فلان فتزوّج عليها بنت ابنه؛ فإن كانت له بنت من صلبه حال تزويجه جاز له ولا يكون لها الأمر (1) في بنت ابنه وإلاّ كان لها؛ وإن شرطه لها على الكنة دخل فيها الكنتان إلاّ إن شرط لها أوَّلاً كنة الحياة لا الموت أو عكسها. وإن جعل لها أن لا تخرج من بيت أبيها أو بلده أو داره (2) جاز؛ فإن أخرجها فلها أن تأخذ أمرها؛ وإن لم تأخذه أوّلا فرجعت ثمَّ أخرجها ثانيا زال أمرها، وكذا في التزويج والتّسري والغيبة. وقيل: لها الأمر إن عاد.
وإن شرطه على عبد لامرأته الحرّة جاز؛ وإن باعه ثبت الأمر؛ وإن زوّجه مشتريه أخذت أمرها إن شاءت، وكذا إن أعتقه أو باع بعضه؛ وإن قال لها وليّها: شرطت لكِ الأمر عليه في العقد وعلّقته لك إلى كذا، فلا تشتغل به إلاّ بأمينين؛ وإن علّق إلى التزويج فتزوَّج عليها بإذنها لزمها، ولا خيار لها؛ وقيل: لا يلزمها وقد خدعته ولها أمرها؛ وكذا لا يزول بقولها: نزعته لك إن قالته.
وإن شرطت (3) عليه إن تزوّج عليها أن تطلّق نفسها ففعل فأخذت أمرها، فإذا نكاح الأخيرة منفسخ، فلا يصحّ للأولى أخذ أمرها؛ ولو لم تعلم حتَّى اعتدّت وتزوّجت فإنَّها ترجع إلى الأوَّل؛ وإن اشترط عليه الأمر فراجع مطلَّقة له عليها رجعة أو مفتدية أو مطلّقة بائنا أو تزوّجها بجديد في العدَّة فلا يجوز لها أخذ أمرها؛ وإن لم تشترط عليه الأمر ففاداها فأبت من المراجعة إلاّ بجعله بيدها جاز لها؛ فإن جعله لها
__________
(1) () - ب: - «الأمر».
(2) () - ب: «أو داره أو بلده».
(3) () - ب: «شرط». (5/362)
صفحة 2447
كانت كمن جعل لها في العقد.
وإن شرطته عليه فتزوّج عليها ولا تعلم فماتت الأخيرة أو فاداها أو طلّقها بائنا فبان ذلك للأولى فلا تأخذ أمرها بعد، ولها أخذه إن طلّقها بما يملك رجعتها ما دامت في عدّتها. وإن تزوّج عليها ولم تعلم فقالت له: إن تزوَّجت عليَّ فقد طلّقت نفسي بانت منه عند الله، ودخلت في أمرها في الحكم؛ فإذا علمت بعدُ فإنَّها تفتدي منه أو تهرب؛ وإن شرطته عليه ففادها أو راجعها ولم تذكره زال من يدها؛ وقيل: لا. وإن تزوّج عليها فأرادت أخذه فجنّت فهي على أمرها إذا أفاقت.
ولا يجوز لها أخذه إن ارتدَّ أحدهما. وإن رأته يزني فأخذته حرمت عليه، ولا يحلّ لها أن تطلّق نفسها؛ وإن رآها هو تزني وقد تزوّج عليها فأخذت أمرها أو رفع عليها فقذفها فأخذته قبل أن يرتفع الأمر إلى الإمام أو القاضي جاز لها؛ وكذا إن تزوّج عليها فطلّقها واحدا؛ وإن بلغها الخبر أنَّه تزوّج فلانة فأجازت ثمَّ علمتها غيرها فلها أن تأخذ أمرها؛ وإن شرطت عليه إن غاب عنها (1) سنتين في أرض الإسلام حسبت من حين خرج من الحوزة، وإنّما يبيِّن ذلك الأمناء ويحكم عليه بالغيبة حتَّى يتبيَّن لها دخوله فيها؛ وإن تبيَّن لها ولم يدخل منزله فليس بغائب بعد، وإنَّمَا تحسب له إذا خرج منها (2) من الليّلة المقبلة إذا خرج بالنّهار.
فإن شرطت عليه إن مكث في السَّفر، حسبت من حين استحقَّ اسمه؛ وإن مكث عنها سنتين في أمياله وقد خرج من الحوزة فليس لها أن تأخذ أمرها؛ وإن خرج من الأميال ووطَّن [375] بلدا آخر وكان يوطِّنه قبل فقعد فيه سنتين فلها أن تأخذ أمرها؛ وقيل: لا.
وإن تزوّجها عبد فشرطت عليه أمر الغيبة فغاب، فكالحرّ، ولها أن تأخذ سيّده أن يأتي به أو يطلِّق عنه. والطّفل والمجنون في ذلك كالبالغ، وكذا الطّفلة والمجنونة
__________
(1) () - ب: «عليها».
(2) () - ب: - «منها». (5/363)
صفحة 2448
والأمة إن شرط الأب والوليُّ والسّيد أمرهنَّ.
فإذا أرادت المرأة أن تأخذ أمرها أشهدت عدلين عالمين أنَّ زوجها تزوّج عليها أو تسرّى أو غاب حولين أنَّها طلّقت نفسها. وإن قالت: أخذت أمري ولم تقل: طلّقت نفسي فهل يجزيها ذلك أو حتَّى تجمعهما؟ قولان. ويجزي: طلّقت نفسي وهو المتعارف في بلدنا عند بني مصعب، وإنَّما يثبت الأمر إذا كان عند العقد؛ وقيل: الذي بعده هو مثله. (5/364)
صفحة 2449
الباب الثّامن والثّمانون
في طلاق المشيئة
فمن قال لامرأته: أنت طالق حيث أو في مكان أو حين أو وقت أو متى أو كلّما شئت، فمتى أرادت طلّقت نفسها؛ وإن قال: إذا أو إن شئت، وجب عليها في مكانها فإذا قامت منه زال عنها؛ فإن قال: إذا ما شئت عمَّ كالأوَّل؛ وإن قال لها: أنت طالق ثلاثا إن شئت أو ما شئت، فقالت له (1): قد شئت أو شئت ثلاثا بانت بها؛ وإن قالت: لم أشأ فلا شيء؛ وإن قال: كم شئت؟ فقالت: شئت ثلاثا بانت بها؛ وإن قالت: شئت اثنتين أو واحدة فكما قالت؛ وإن قالت: لم أشأ شيئا وقع عليها واحد فيهما؛ وإن قال لها: إن شئت أطلّقك فهو وعد فله أن يتمّ أو يخلف؛ وإن قال لها: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت طلاقًا، فليس لها إلاّ واحدة؛ وإن قال: أنت طالق إن شئت، فقالت: شئت، طلِّقت؛ وإن قال: إن شئت فأنت طالق واحدة، فقالت: شئت ثلاثا فقولها ليس بشيء؛ وإن قال: إن شئت فطالق ثلاثا، فقالت: شئت واحدة أو ضعفها، فلها ما قالت؛ وقيل: لا تطلّق حتَّى تشاء ثلاثا؛ وإن قال: إن أردت أو هويت أو رضيت أو اشتهيت، فأجابت بذلك فهي طالق؛ وإن قال: أنت طالق إن لم تريدي أو لم تهوي أو نحوهما، فقالت: لم أرد ولم أهو إلخ ... طلّقت أيضا؛ وإن قال: إن شئت أن تدخلي النّار أو تعذّبي أو تموتي جوعا أو عطشا أو بغرق أو حرق فأنت طالق، فقالت: شئت فهي طالق؛ وإن قال لها إن لم تردي أن تدخلي الجنّة، أو أن ينعم الله عليك، أو يعطيك الصّحة فأنت طالق، فقالت: لم أشأ، طلّقت.
__________
(1) () - ب: - «له». (5/365)
صفحة 2450
وإن قال لطفلة أو مجنونة: إن شئت فأنت طالق، فقالت: شئت طلّقت؛ وإن قال: أنت طالق إن شئتُ أنا، علّق الأمر إلى اختياره؛ وإن قال: إن شاء فلان، فقال: شئتُ، طلّقت إن كان أمينا، وإلاّ فقد لبس على نفسه؛ وقيل: طلّقت مطلقا؛ وكذا إن ردّ المشيئة إليها فقالت: شئت، فقد لبس على نفسه؛ وقيل: طلّقت.
وإن ردّها إلى صبي فقال: شئت طلّقت. ولا مشيئة لمجنون. وإن قال إن شاء الله أو الملائكة أو الجنّ أو هذا الميّت أو الجماد أو الحمل فهي طالق. (5/366)
صفحة 2451
الباب التّاسع والثّمانون
فيمن طلّق امرأته وله منها صغار فقال كلٌّ منهما: يكونون عندي
فإن استغنوا عنها فالقول قوله، وإلاّ فقولها. وحدُّ الاستغناء الاثغار؛ وقيل: إذا كانو يأكلون ويرقدون بأنفسهم، فالأب أولى بهم لاحتياجهم إلى التأديب والتعليم.
وعن عمر أنَّه طلَّق أمَّ عاصم وله منها ابن، فأراد أخذه فاختصما إلى أبي بكر فقالت له: يا خليفة رسول الله، ولدي خرج من بطني، فقال أبو بكر: ريحها وفراشها خير له منك يا عمر حتَّى يدرك فيختار، فقضى به لأمِّه. فلمَّا استخلف عمر ارتفع إليه رجل ومطلّقته في ولدهما فقالت له: يا أمير المؤمنين كان بطني له وعاءً، وحجري له وطاء، وثديي له سقاء، وضعه على شهوة، وحملته أنا كرها، فقال لها: صدقتِ، كذلك كان عمر، فقضى لها به.
وقال بعض: الأمُّ والجدّة والخالة والعمّة أحقُّ بالولد من الأب ما لم يستغن؛ وقال بعض: الأب أحقّ به من الخالة والعمّة. والأب إن تزوّجت أحقُّ بولده ولو لم يستغن، فينزعه لها؛ والوليُّ في مكانه إن مات.
والإناث إذا بلغن فلا يصبن أن يكنَّ إلاّ عنده إن كان حيًّا، وإلاَّ فالأمُّ أحقُّ بهنَّ من الوليِّ، إلاّ إن طعن الأولياء فيها أنَّها لم تحرزهنَّ، فينظر المسلمون فيها، فإن استرابوها نزعوهنَّ إلى من يثقون به من أوليائهنَّ. (5/367)
صفحة 2452
وإن أرادت أن تخرج بأولادها من بلدهم لطلب المعاش لهم في وقت كانت فيه أحقَّ بهم، لم يجز لها إلاَّ فيما دون الحوزة، وقيل: دون الأميال. وكذا إن طلّقها حبلى بائنًا (1) فله منعها من الخروج من البلد حتَّى تضع، ولا تلزمه نفقتها!!.
وكذا بائع سريّته الحامل منه، وأخبر مشتريها بالحمل، ودخل عليه بمنعه أن يخرج بها منه حتَّى تضع. ووليُّ صاحب الحمل بمقامه إن مات أو غاب، وسيأتي لهذا مزيد إن شاء الله.
__________
(1) () - ب: «باتًا». (5/368)
صفحة 2453
الباب التّسعون
في النّشوز
قال الله تبارك وتعالى: {والتي تخافونَ نُشُوزَهنَّ ... } الآية (النساء: 34). فمن نشزت عنه امرأته فليعظها وليخوّفها بالله؛ فإن أبت أعرض عنها، وإذا تركت النّشوز فذاك، وإلاّ اجتنب فراشها وضربها ضربا غير مبرح؛ فإن لم تنته عنه رفع أمرها إلى المسلمين فينظروا في أمرها، كما قال (1) تعالى: {وإن خفتمْ} (2) أي علمتم {شِقَاقَ بينِهِما ... } الآية (النساء: 35)، فيبعثوا حكما عدلاً صالحا من أهله وحكما كذلك من أهلها، فيخلو حَكَمه به وحَكَمها بها فيسألانهما فيقول كلٌّ منهما لصاحبه: أخبرني بما في قلبك فإنِّي لا أستطيع أن أفرِّق بينكما، ولا أن أجمع (3)؛ فإن كان الزوج هو النّاشز فيقول: فرِّقوا بيني وبينها ولا حاجة لي بها ولولا المهر لطلّقتها ولكن أرضوها بشيء، فيتبيَّن النّشوز من قِبله؛ وإلاّ فيقول: أرضوها عنّي بما شئتم ولا تفرِّقوا بيني وبينها؛ ويقول حكمها لها: أخبريني بما في قلبك؛ فإن كانت هي الناشزة قالت له: أرضوه عنِّي بما شئتم من مالي وفرِّقوا بيني وبينه، فإنّي لا أحبّه ولا أقيم عنده، وإنّه في قلبي كالجمرة، فيتبيَّن أنَّ النّشوز من قِبلها.
ويحلّ للزوج الخلع منها بما أصدقها لا بأزيد. وإن كانت هي النّاشزة وقالت: لا تفرّقوا بيننا ومروه أن يحسن إليَّ ويمسكني، ثمَّ يلتقي الحكمان وقد علم كلٌّ مقالة صاحبه؛ فإن أرادا إصلاحا بينهما أخذ كلٌّ على صاحبه، فإذا صدق كلٌّ صاحبه
__________
(1) () - ب: + «الله».
(2) () - في النسختين: «فإن خفتم» وهو خطأ.
(3) () - ب: - «ولا أن أجمع». (5/369)
صفحة 2454
وعرفا أنَّ النشوز من الزوج، قالا له: اتَّق الله فإنَّك أنت النّاشز الظّالم فارجع إلى أمر الله. وإن كانت هي النّاشزة قالا لها كذلك فليس لك عليه نفقة حتَّى ترجعي إلى طاعته، ويأمرانها بالعدل، ولعلّ الله أن يصلح بينهما على أيديهما (1)، وذلك قوله تعالى: {إن يُريدَآ إصلاحًا يوفِّقِ اللهُ بينهُمَا} (النساء: 35)، إذا صدق كلٌّ منهما صاحبه. وإن لم يصطلحا وظنَّا أنَّ الفرقة خير لهما في دينهما ودنياهما فرَّقا بينهما برضىً.
__________
(1) () - ب: - «على أيديهما». (5/370)
صفحة 2455
الباب الحادي والتّسعون
في الفداء والخلع
قال الله عزّ وجلَّ: {ولا يحلُّ لكمُ, أن تاخُذوا ممَّا ءَاتَيتُموهنَّ شيئًا ... } الآية (البقرة: 229). وقال أيضًا (1): {ولا تَعضُلوهنَّ لتَذهَبوا ببعضِ مآ ءَاتَيتُموهنَّ} (النساء: 19). ثمَّ استثنى إن كانت المرأة هي المغضبة لزوجها الناشزة عليه. {إلآَّ أن ياتينَ بِفاحشةٍ مبيِّنَةٍ} (النساء: 19): أي العصيان البيِّن، وهو النشوز؛ فإذا فعلت ذلك حلّت الفدية والخلع له منها كما مرّ. وقال أيضا: {وإنَ اَردتمُ استبدالَ زوجٍ مَّكانَ زوجٍ وءَاتيتُمُ, إحدَاهنَّ قِنطارًا ... } (2) إلى { ... غليظًا} (النساء: 20). وهو إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. وأيضا؛ {وإن يتَفرَّقَا ... } الآية (النساء: 130).
ومن أراد أن يفادي امرأته فليتّق الله إن نشزت صبر حتَّى تحيض ثمَّ تطهر ثمَّ يفاديها (3) بلا إضرار لها ولا استثقال لمكانها ولا ظالم لها ولا حارص على مفارقتها ولا ملول لجماعها فهذا هو الذي يجوز له أن يأخذ منها ما أعطاها ولا يزيد، ولا يأخذ منها بما أنفق عليها.
والفداء إنَّما يكون من بالغين حرَّين عاقلين باتِّفاقهما لا بكراهية، ولا بين طفلين أو مجنونين، أو مع بالغ عاقل، ولا لخليفتهم أو أبيهم، وجوّز لآبائهم. وجاز لسادات العبيد أن يفادوهم ولا بأس إن أمروهم، لا أن يفادوا بلا إذنهم ولو أجازوا
__________
(1) () - ب: - «أيضًا».
(2) () - ب: + {مَّكانَ زوجٍ وءَاتيتُمُ, إحدَاهنَّ قِنطارًا ... } وفضَّلنا إثباته لتوضيح المعنى.
(3) () - ب: «يفاد بها». (5/371)
صفحة 2456
لهم، وجوّز لهم إن أجازوا. والأمة إن فدت بلا إذن سيّدها فذلك طلاق بائن، وليس للزّوج شيء من الصّداق ولا فداء في ذلك؛ وقيل: طلاق وهو أملك بها؛ وقيل: معلّق إلى سيّدها؛ فإن أجازه كان فداء، وإلاّ فلا يجوز؛ وإن لم يجزه حتَّى عتقت أو أخرجها من ملكه أو مات (1) ثمَّ أجازه أو وارثه أو من انتقلت إليه جاز إن جنّ فأجاز خليفته.
وفداء العبد من حرَّة بلا إذن ليس بشيء، وأمَّا فداء الطفلة [377] من بالغ فهو طلاق بائن، وتأخذ منه صداقها؛ وقيل: هو أملك بها؛ وقيل: إن علِّق إلى أبيها جاز إن أجازه، وإلاّ فلا؛ وإن لم يكن لها أب فلا شيء بذلك؛ وإن فادى طفلةً أبوها فبلغت فأنكرت فعله، فقيل: يجوز عليها ولا تدرك عليه ولا على زوجها صداقها؛ وقيل: تدركه عليه ويرجع به على الأب؛ وقيل: تدركه عليه. ولا يجوز له أن يفادي من طفله زوجته، وجوِّز إن رآه صلاحًا؛ وكذا الجانين والأصمُّ الأبكم.
وإن فادى رجل بالغة بلا إذنها فليس بشيء؛ وقيل: طلّقت ولا فداء؛ وقيل: معلّق إليها؛ فإن أجازته جاز، وكذا هي إن افتدت بلا أمر زوجها إلاّ إن أجازه.
وجاز لمريضين أن يفتديا، ولكن إن مرضت فافتدت فماتت في مرضها أخذ زوجها الأقلَّ بين الصداق والإرث؛ وقيل ليس له إلاّ الصّداق. وفداء المعتلِّين كالشيخ الفاني والعجوز، وقائم عليه البحر في سفينة، ومحاط به حريق، أو مشرف على موت بجوع أو عطش أو حرٍّ أو بردٍ، وحامل ومصلوب ومجروح وكلُّ من ترجع أفعاله إلى الثّلث لما يخاف عليه من الموت جائز ما عقلوا.
ولزمت السّكران أفعالُه من الطّلاق والفداء وغيرهما ما عقل، لا إن زال عقله.
وجاز مفاداة محرمين بالحجِّ كالطّلاق. وإنّما تجوز بما أعطى من الصّداق لا بأكثر وجاز بأنقص منه ولا بخلافه إن قام، وجوّز، كما إن تلف بقدره؛ فإن كان نقدا أخذ
__________
(1) () - ب: - «أو مات». (5/372)
صفحة 2457
مثله؛ وكذا إن كان مكيلا أو موزونا وله في العروض والحيوان القيمة وفي الأصل عوض مثله. وإن افتدت بالخلاف والصّداق حاضر وقع الفداء والمال مالها، ولا له عليها شيء؛ وقيل: يمسك ذلك مثلا بمثل، والقيمة في الخلاف.
وإن تزوَّجها بلا فرض ولم يمسَّها فافتدت منه فهو فداء؛ وقيل: كالطلاق؛ وقيل: لا يجوز إلاّ بالمال؛ وإن قصدت إلى ماله أو مال غيره عالما به فافتدت منه به جاز الفداء، ولا له عليها شيء؛ وإن لم يعلم أدرك عليها عوض ذلك؛ وإن افتدت منه بما في يدها بأمانة أو تعدية (1) أو ببيع فاسد بلا علم منه بذلك فله عليها عوضه، لا إن علم به، وجاز الفداء. وإن أتلفت الصّداق أدرك عليها عوضه، ولو أتلفته إليه ببيع أو هبة كما مرّ تقيَّد حتَّى تغرم له ذلك؛ وإن أعطته له (2) بلا عوض فلا يدرك عليها شيئًا؛ وكذا الأصل إن زال من يدها فهو أحقُّ به ولو علم، وتغرم عوضه لمن ملكته إيَّاه؛ وإن غيَّرته في عينه أخذه بعينه إن علم أنَّها غيّرته، والأخير في عوضه وفي أخذه كذلك ونقصانه، وتدرك عليه ما زادت كصبغ كما مرّ. وما أكلته من غلَّة أو انتفعت به من خدمة وسكنى وكراء ونحو ذلك وما تلف من ذلك من قبل الله فليس عليها منه شيء. وما أطعمته لعبيد أو حيوان وما خدمت ذلك بنفسها وإصلاحها له بلا زيادة فيه من مالها فلا تدركه. وإن افتدت منه بما أصدق لها (3) من حيوان وقد غاب في المرتع فعليها أن توصله إليه إن لم يعلم بذلك لا إن علم، ويدركه بنفسه حيث كان؛ وكذا كلُّ ما لم يكن أصلا ويقصد إلى الأصل بنفسه ولا عليها منه شيء؛ وإن حدث بذلك عيب عندها فلا يلزمها منه شيء إلاَّ إن انتقص عينه فله عليها نقصه. وإن كان عبدا أو أمة ففعل موجب تلفه أو بعضه عندها فافتدت ولم يعلم الزّوج به، ثمَّ علم فالجناية من مالها، ولا يفوته شيء ممّا أصدقها؛ وإن هرب أو غصب
__________
(1) () - ب: «بتعدية».
(2) () - ب: «لها».
(3) () - ب: «أصدقها». (5/373)
صفحة 2458
ولم يعلم به، ثمَّ افتدت منه به لزمها أن تردَّه أو تغرم قيمته؛ وإن علم أدركه حيث كان، ولا له عليها شيء؛ وإن قتل أو جرح فأمر القود أو الديّة إليها، وتغرم له قيمته.
وإن أصدق لها أمة فزوّجتها ثمَّ افتدت منه بها قبل أن تمسَّ الأمة، ثمَّ مسّت فصداقها للزّوج وما وصل المرأة من صداق أمتها أو بزنى قبل أن تفتدي بها فهو لها.
فصل
إن فعلت امرأة في صداقها ما لا يزيله من ملكها كرهنه أو تعويضه أو استئجار به أو بيعه بيع خيار أو إعطاء معلّق وقد قام بعينه (1) فالزّوج أحقُّ به؛ وإن أصدق لها شجرا أو نخلا فنزعت ذلك فغرسته بأرضها ثمَّ افتدت منه فإنَّه يمسكه [378] فيها؛ وقيل: تعطيه عوضه. وإن أصدقها أرضا فغرست فيها أو بنت، فإن علم أخذها وأمسكت هي ما غرست وبنت في موضعه، وإلاّ أخذ الكلَّ وأعطى لها القيمة كما مرَّ؛ وقيل: هو مخيّر في إمساك الأرض دون ما فيها وفي أخذ عوضها؛ فإن كانت الغروس منها أو النقض فله الأرض وما فيها ولا يردُّ لها شيئًا.
وإن فعلت مبطلا لصداقها فافتدت به دفعته إليه ومثله من مالها أيضًا (2).
وإن تزوّجها بنقد فقضى لها فيه (3) خلافه أدرك عليها ما تزوّجها به؛ وقيل: ما دفع لها. وإن افتدت بأزيد منه جاز في الحكم لا عند الله، وهي دين عليه إن أخذه ولو نشزت، ولها أن تأخذ من ماله خفية مثله، وكذا إن نشز هو فلا يحلّ له أن يأخذ منها الفداء وهو دين عليه، ولها أخذه (4) خفية إن وجدته (5)، ولا يقع ــ قيل ــ بينهما إلاّ وقد كفر أحدهما.
__________
(1) () - ب: «عينه».
(2) () - ب: - «أيضًا».
(3) () - ب: «فيها».
(4) () - ب: «ولها أن تأخذه من ماله خفية».
(5) () - ب: - «إن وجدته». (5/374)
صفحة 2459
وقيل: إذا طلبت إليه الطّلاق فقد طلبت مكانها في النّار، وذلك عندي إذا نشزت.
وقيل: إذا أراد سفرا نائيا فأراد أن لا يعضلها وهي أيضًا لا تحبُّ العضلان بعده فاتَّفقا على الفداء برضاهما فلا يكفرا بذلك؛ ويحلُّ له الصداق إن طابت نفسها بذلك.
وإن فاداها وبان نكاحها فاسدًا وقد وطئها ردَّ لها ما أخذ (1). وكذا إن حنث بطلاقها ثلاثا أو وقعت بينهما حرمة ثمَّ فاداها.
وإن رآها تزني أو رأته فافتدت منه جاز؛ لا إن فاداها في حال ارتدادهما أو أحدهما، ولا إن جنَّ أو كلاهما ففادى بينهما أولياؤهما؛ وجوِّز إن رأوه أصلح لهما. وإن فاداها قبل أن يمسَّها وقد فرض لها جاز.
__________
(1) () - ب: + «منها». (5/375)
صفحة 2460
الباب الثّاني والتّسعون
في ألفاظ الزَّوجين في المفاداة
فإن قالت امرأة لزوجها: رددت لك صداقي على الفرقة، فقال: قبلت أو رضيت أو أخذت فهو فداء؛ وكذا إن قالت له: تركت لك ما تزوّجتني به عليها، أو ما تزوّجتك به، أو ما حللت لك، أو ما حللت لي به، أو مالي عليك أو مالك، أو صداقي أو صداقك، أو ما أصدقتني لي عليها، فهو فداء إن قبل؛ وإن قالت له: تركت لك مالي عليك على أن تطلّقني لم يجز له أن يقبله إلاّ على الطّلاق؛ فإن قبله فأبى منه فقبوله طلاقه؛ وقيل: لا، حتَّى يقول: طلّقت. وإن قالت له: تركته لك (1) على الفرقة فقال لها: إن كان في العلم أن أقبله ولا أطلّقك فقد قبلته، ففداء؛ فإن قالت: رددته لك ولم تذكر الفرقة، ولم تكن بينهما مشاجرة، فقيل: لم يكن شيئًا والمال ماله؛ وإن كانت بينهما ففداء إن قبل؛ وقيل: لا يصحُّ (2) حتَّى تذكر الفرقة ولو وجدت مشاجرة بينهما؛ وإن قالت: تركته لك على الطّلاق، فقال: طلّقتك واحدة وقبلت المال، بانت بتطليقتين، لأنَّ الفداء يلحق الطّلاق؛ وإن قال لها: قبلته وطلّقتك ثلاثا فلا تطلّق إلاّ واحدة بالفداء، ولا يلحقها طلاق والمال له؛ وإن قالت له: تركته لك على الطّلاق، فقال لها (3): طلَّقتك تطليقتين وقبلت المال بانت منه بثلاث والمال له؛ وإن قال: طلّقتك ثلاثًا وقبلته فالمال لها؛ وإن قال لها: ردّي لي مالي على
__________
(1) () - ب: - «لك».
(2) () - ب: «تصحُّ».
(3) () - ب: - «لها». (5/376)
صفحة 2461
الطلاق، فقالت: رددته لك عليه فأبى أن يقبله فلا يجد ذلك (1)، وقد بانت منه بالفداء؛ وقيل: لا يكون فداء حتَّى يقبل؛ وإن قالت: رددته لك عليه على الطّلاق، فجامعها زال قولها، وليس في ذلك قبول بعد الوطء؛ وكذا إن بدا لها قبل أن يقبل؛ وقيل: الخيار إليه قبولا أو تركا.
وإن قالت: رددته لك على الطّلاق فجنَّت فإنَّه يقبل ما لم يقوما من مكانهما؛ وقيل: ولو قاما منه. ولا يقع الفداء إن ماتت أو ارتدَّت، فقبل. وإن أخذت منه صداقها فقالت: تركت لك مالي عليك على الطّلاق فقبله فقد خدعته فلا يدرك عليها شيئًا، لأنَّها تركت مالها عليه، ولا شيء لها عليه. وإن قالت: تركت لك صداقي أو مالك على الطلاق وقد أخذته قبلُ، فقبله وقع الفداء، ويغرمها في المال. وإن أخذت بعضا فقالت له: تركت لك مالك جاز، وكان له الباقي عليه من صداقها، ولها هي ما أخذت منه؛ وإن لم تأخذه وقد تركت [379] له بعضه وقالت له: تركت لك صداقي على الفرقة جاز وصحَّ له كلُّه ولا يدرك عليها شيئًا؛ وقيل: إن قالت له: رددت مالي عليك أو مالك أو مالي عندك، أو مالي وقد أخذته قبلُ، فقبل ففداء، ويرجع المال إليه؛ وإن قالت: تركت لك صداقي على الطّلاق إلاّ كذا منه، جاز وهو خلع، ويبقى لها ما استثنت منه؛ وكذا في: تركت لك كذا منه عليه، فإنَّه يصحُّ له ما تركت له عليه؛ وإن لم يمسها فتركت له مالها عليه على الطّلاق جاز، ويصحّ له كلّه ووقع الفداء؛ وإن قالت: تركت لك نصفه عليه قبل أن يمسّها، فقبل رجع كلّه إليه؛ وقيل: له ما تركَت له فقط؛ وقيل: يقسم معها ما بقي بيدها، ويصحّ له ما تركت له؛ وفي: تركت لك نصف مالي عليك (2) عليه قبل أن يمسّها يقع الفداء إن قبل، ويصحّ لها ربع الكلِّ (3) والباقي له؛ وكذا في: تركت لك ثلث مالي عليك عليه،
__________
(1) () - ب: «يجده».
(2) () - ب: - «عليك».
(3) () - ب: «ربع الصداق». (5/377)
صفحة 2462
يقع أيضًا إن قبل ولها سدس الكلِّ، وله خمسة أسداسه. وإن قالت: تركت لك صداقي عليه، فقال: قبلت إن شاء الله، أو قدم أو إن أصبت معونة (1) قبلت، أو قدم ففداء؛ وكذا في: تركت لك هذا الثّور على الطّلاق، فخرج خنزيرا ولم يعلم، فله عليها قيمته على أنَّه ثور؛ وكذا إن تركت له هذا الزّيت أو الخلَّ أو النبيذ في إناء ولم يعرف ما هو (2)، فقبل، فخرج خمرا ففداء، وله عليها قدر ذلك.
وإن تركت له لحمًا مقصودا إليه بعينه (3) فقبله، وقع أيضًا، وعليها له قيمته حلالا. وإن قبضت يدها فقالت له: تركت لك ما فيها على الطّلاق، فقبل ففتحتها (4) فإذا هي لا شيء فيها وقع الفراق ولا يدرك عليها شيئًا؛ وإن قالت (5): تركت لك ما فيها من عين أو ما يقبض ممّا له قيمة، فقبل ففداء؛ فإن خرج ذلك في يدها أخذه وإلاّ فليس بشيء. وكذا في الأوعية والدور والبيوت. وإن تركت له حمل هذه النّاقة أو نحوها على الطّلاق، فقبل ففداء؛ فإن صحّ فهو له، وإلاّ فلا شيء له؛ وكذا في النبات والغلَّة، وما كان في الضروع إن افتدت به؛ فإن كان فيه اللبن في الوقت أخذه، وإلاّ فليس بشيء.
وإن افتدت بما في تلك المعاني إلى معلوم ولم تكن فيه، فقبل ففداء، وليس له من ذلك شيء. وإن تركت له خدمة من يخدم، وانتفاع ما ينفع به، ولباس الثّياب، أو سكنى الدّور والبيوت إلى معلوم على الطّلاق، فقبل، ففداء، وهو جائز (6)؛ وقيل: والفداء واقع.
__________
(1) () - ب: «المعونة».
(2) () - ب: - «ولم يعرف ما هو».
(3) () - ب: - «بعينه».
(4) () - ب: «ففتحها».
(5) () - ب: + «له».
(6) () - أ (هامش): «وعبارة الأصل: ومنهم من يقول: لا يجوز والفداء واقع». (5/378)
صفحة 2463
وكذا إن كانت لها عنده شفعه فتركتها له على الطّلاق، فقبل ففداء، والشّفعة له؛ وقيل: ليست له. وإن كانت لها شفعة عند رجل فوهبتها (1) له عليه فقبل، ففداء وهي له؛ وقيل: فداء، وليست له.
وإن تركت له جميع ما تدرك عليه (2) من المضرّات كمائل أو مائلة عليها فتركته له على الطّلاق، أو ما عليه من الدّيون لها والفساد والمعاملة والتعدية، فقبل ففداء، وله ما تركت له؛ وكذا ما لها من الديّات والدّماء عليه. وإن قال: لها أنت طالق على أن تعطيني كذا وكذا، طلّقت إن قبلت وعليها ذلك؛ وإن قال لها: أعطنيه، وإن أعطيتنيه أو جئتني به (3) أو أتيتني به فأنت طالق، فلا تطلّق حتَّى تعطيه ما قال. وإن قالت له: رددت لك مالك اليوم على أن تطلّقني غدا أو عكست، وقع الفداء إن قبل على ما شرطت؛ وإن قالت: رددته لك حين هلَّ الهلال فقبل فلا يقع حتَّى يهلَّ، وفي: رددته لك السّاعة على أن يقع الطّلاق إذا هلَّ، فداء إن قبل على ما شرطت عليه؛ وإن قالت: رددته لك اليوم (4) على أن تطلّقني عند إتيان المطر أو أجل لا يعرف، وقع الفداء في حينه وهو طلاق عندنا؛ فإن فاداها ثلاثا فلا ترجع إليه حتَّى تنكح (5) غيره؛ وإن راجعها كذلك فلا يوكل معروفهما ولا يستظلُّ بظلِّهما ولا يجالسا وتأهلا للإبعاد وثبت نسبهما. وعن جابر: أنَّه ليس بطلاق ولو فاداها عشرًا. وإن قالت له: تركت لك مالي على ثلاث تطليقات فقبل، ففداء واحد؛ وقيل: ثلاثة.
__________
(1) () - ب: «فوهبته».
(2) () - ب: - «عليه».
(3) () - ب: - «به».
(4) () - ب: «الساعة على أن يقع على أن تطلِّقني».
(5) () - ب: + «زوجًا». (5/379)
صفحة 2464
الباب الثّالث والتّسعون
في المراجعة
وهي من الطّلاق ثابتة في الكتاب: {لا تدرِي لعلَّ اللهَ يُحدِثُ بعدَ ذلك أمرًا} (الطلاق: 1): أي رجعة. وفي السّنة، وقد طلّق صلَّى الله عليه وسلَّم حفصة، فقال له جبريل: «راجعها فإنَّها صوّامة قوّامة، وهي من أزواجك [380] في الجنّة»، فراجعها.
ومن أراد أن يراجع امرأته ولم تتم عدّتها أشهد عدلين؛ فإن علما بالطّلاق قال لهما: أشهدكما أنِّي راجعت امرأتي فلانة، وهي عندي بتطليقة أو ضعفها، وإلاّ قال لها (1): إنَّ امرأتي فلانة (2) بيني وبينها كلام كانت به عندي بتطليقة أو ضعفها وأشهدكما أنيِّ راجعتها وهي عندي بكذا، وفي الفداء يخبرهما بما وقع منه إن لم يعلما، وتخبرهما هي أيضًا به وقت طلبه أن يردَّ لها مالها على المراجعة، فيقول لهما: اِشهدا أنِّي (3) رددته لها عليها فتقبل، ثمَّ أيضا: اِشهدا أنِّي رجعت إليها أو راجعتها. ومراجعة الفداء لا تكون إلاّ باتِّفاقهما، ولا يحتاجان فيها إلى الوليِّ، ولا يحتاج الزّوج في مراجعة الطّلاق إلى رضاها، ولا إلى وليِّها ولو طفلة أو أمة.
وفي البائن لا تكون المراجعة فيه (4) أيضًا إلاّ باتِّفاقها ولا يحتاجان إلى الوليِّ؛ وقيل: لهما أن يشهدا غير الأمناء في مراجعة الفداء؛ وإن أشهد في مراجعة الطّلاق غير
__________
(1) () - كذا في النسختين. والصواب: لهما.
(2) () - ب: «بنت فلان».
(3) () - ب: + «قد».
(4) () - ب: «فيه المراجعة». (5/380)
صفحة 2465
الأمناء عندهما حرمت عليه إن مسّ على ذلك؛ وقيل: يجزي الأمناء عنده دونها، وإن علمت بطلاقها فلا يراجعها إلاّ بعلمها؛ وإن راجعها بدونه ثمَّ علمت بخبر الأمناء في العدَّة أجزاهما، ولا تشتغل بقوله: إنَّه راجعها، ولو أمينا، ورخِّص لها إن كان أمينا؛ وإن لم تعلم ولم يخبروها إلاّ بعد انقضاء عدّتها فلا تشتغل به ولا بهم، ولها أن تتزوَّج في حينها. وقيل: إن أخبروها ولو بعدها فإنَّها تصدِّقهم وترجع إليه.
وإن لم تعلم بالطّلاق فراجعها كذلك جاز له ولو لم يعلمها؛ وإن أخبرها بالطّلاق ثمَّ قال: راجعتك فلا تنصت إليه إلاّ بالأمناء؛ وإن لم يخبرها به إلاّ مع المراجعة فلا تصدِّقه فيها؛ وإن طلّقها عالمة ثمَّ غاب ولم تعلم أنَّه راجعها، أو لا حتَّى تمَّت عدّتها، فإنَّها تتزوّج إن شاءت، لا إن كتب لها أنَّه راجعها مع الأمين، وهي فيها وله أن يشهد رجلا وامرأتين؛ وإن أشهد نساء أو أطفالا أو مجانين أو معهنَّ أو عبيدًا أو مشركين فمسَّ على ذلك حرمت عليه؛ وإن لم يعلمهم أطفالا حرمت عليه أيضًا. وإن راجع بشهادة العبيد والمشركين والنّساء ولم يعلم ثمَّ علم بعد مسِّه فلا تحرم عليه، ويعتزلها حتَّى يشهد الأمناء؛ وإن أسلم المشركون أو عتق العبيد أو أفاق المجنون بعد ما مسّ فإنَّه يشهدهم ثانية إن كانوا أمناء.
وإن قال للشّاهدين: اشهدا أنَّها عندي بتطليقتين، أو أنِّي راجعتها، وهي عندي بتطليقة أجزاه؛ وإن قال: اشهدا أنِّي رجعت عليها، وهي عندي بتطليقتين جاز؛ وإن لم يبيِّن كم كانت عنده حرمت عليه إن مسَّ، وكذا إن كانت عنده بهما، فأشهد أنَّها عنده بواحدة، أو عكس، أو كانت عنده بهما فأشهد أنَّها عنده بثلاث حرمت عليه في ذلك؛ وقيل: لا؛ وإن قال: اشهدا أنَّها عندي بواحدة أو اثنين لا بلفظ الطّلاق، فقولان؛ وإن راجعها بشاهد فمسَّها أو قبل أن يراجعها أو رأى منها ما بطن (1)، أو كان بينهما لمس بمذاكر حرمت عليه أيضًا، لا إن قبَّلها أو قرصها أو عضَّها أو مسَّها بيده بشهوة، ويراجعها؛ وإن راجعها بواحد ثمَّ أشهد آخر قبل أن
__________
(1) () - ب: «رأى ما بطن منها». (5/381)
صفحة 2466
يمسَّها أجزاه في الطّلاق لا في الفداء.
وله أن يوكِّل غيره في مراجعته لا الطّلاق؛ ولها أن توكّل أيضًا (1) في الفداء؛ وقيل: لا تجوز الوكالة فيه؛ وقيل: تجوز له لا لها.
ومن طلّق على عبده واحدة فإنَّه يراجع عنه كنفسه؛ فإن أمره أن يراجع لنفسه أو بلا إذنه فأجاز له فلا بأس قبل أن يمسّ، وحرمت إن جاز بعده؛ وإن باعه أو وهبه أو أصدقه راجع له من انتقل إليه؛ وكذا وارثه إن مات؛ وإن عُتق راجع بنفسه. وإن طلّق على عبده ثمَّ مات وورثه طفل أو مجنون أو غائب وله خليفة فلخليفته أن يراجع عليه إن رآه أصلح. وإن ورثته امرأة أو كان لها عبد فأمرت من طلّق عنه؛ فإن أراد المراجعة أمرت أيضا من يراجع عنه.
ومن طلّق على عبده ثمَّ رهنه أو استأجره فلا بأس أن يراجع عليه وكذا إن باعه بخيار أو استأجر به أجيرا ولم يدخل في (2) العمل، أو تزوّج به بلا شهود؛ وقيل: لا في هذه الوجوه؛ فإن فعل ورجع (3) إليه جازت مراجعته وإلاّ بطلت؛ وإن طلّق على عبد طفله أو مجنونه من طفوليته فبلغ عليه فله أن يراجع عليه، لا إن جنَّ بعد بلوغه.
وإن كان بين رجلين عبد فطلّقا عليه، فإنَّه يأمر [381] أحدهما صاحبه أن يراجع عليه أو يأمرا العبد به أو غيره؛ وكذا إن اشتركته امرأة مع رجل فطلّق عنه (4)، فأمرته أن يراجع عليه جاز.
ومن طلّق على عبده فمات فورثه طفل أو مجنون مع بالغ عاقل فإنَّه يتّفق مع
__________
(1) () - ب: - «أيضًا».
(2) () - ب: - «في».
(3) () - ب: «ورجعت».
(4) () - ب: - «عنه». (5/382)
صفحة 2467
خليفته فيراجعان عليه.
ومن فادى زوجته فأبت أن تراجع حتَّى يزيد لها على صداقها، جاز لها، لا إن قال لها: لا أراجعك إلاّ بأقلَّ منه؛ وقيل: تأخذه كلَّه، وتمَّت مراجعتها؛ وقيل: له أن ينقصها منه.
ومراجعة الفداء لا تصحُّ إلاَّ بالمال؛ فإن تلف صداقها من يدها وأراد أن يفارقها أعطاها شيئًا تفتدي به منه؛ فإن أراد الرّجوع بعد فإنَّه يراجعها بما افتدت به؛ وإن أصدق لها مائة دينار ثمَّ فارقها فأبت أن تراجعه حتَّى يزيد لها خمسين، فطلّقها قبل أن يمسّها فإنَّها تأخذ المائة والخمسين. وإن تزوّجها بحيوان فتناسل ففاداها فلا يأخذ من النسل شيئًا؛ وقيل: يأخذ الكلَّ؛ وكذا إن فاداها فتناسل عنده قبل أن يراجعها ثمَّ راجعها، فقيل: يمسك النّسل؛ وقيل: تأخذه والأمَّهات.
وإن أصدقها نقدا فأتَّجرت به فربحت كثيرا ثمَّ فاداها فلا له إلاّ ما أصدقها والرّبح لها؛ وكذا إن فاداها فأتَّجر هو به فربح كثيرا ثمَّ راجعها؛ وكذا إن أصدقها حبًّا فحرثته فحصدت منه كثيرا ففاداها، فإنَّما تعطيه ما أصدق لها وتمسك الباقي؛ وكذا هو إن فاداها ثمَّ حرثه ثمَّ راجعها. وكلّ ما لا يجد النّكاح إلاّ به فهو من الصّداق، فإن فاداها فإنَّه يدركه عليها. وإن دفعه لوكيلها أو لوليِّها (1) بإذنها فإنَّه يدركه إن فاداها عليها (2).
وإن فاداها وشرط عليها رضاع ولده إلى معلوم جاز؛ وقيل: لا. فإن ولدت من بطن ولو ثلاثا لزمها رضاعهم ولا إن شرط عليها (3) نفقة ولده إلى معلوم؛ وإن فادها على أن لا تتزوّج فلانا أو من بلد أو قبيلة، تمَّ الفداء وبطل الشَّرط.
__________
(1) () - ب: «فاداها لو لوليِّها أو وكيلها».
(2) () - ب: «عليها إن فاداها».
(3) () - ب: «شرطت عليه». (5/383)
صفحة 2468
وإن طلبت إليه مالها على المراجعة فردّه لها فأبت أن تقبله فلا رجعة بينهما؛ وقيل: يشهد بأنَّه (1) رجع عليها وتكون امرأته؛ وإن قبلته ثمَّ بدالها، فلا تجد الرّجوع، ويشهد على مراجعتها، وتكون زوجته؛ وكذا إن جنّت بعدما قبلت، فإنَّه يشهد كذلك؛ وإن بدا له قبل أن يردّ لها مالها وقد طلبته إليه فليس فيه شيء؛ وإن ردّه لها فقبلته ثمَّ ترك فالمال لها.
وإن جنّ أو مات أو ارتدّ قبل أن يشهد فهو له. وإن طلبته إليه على مراجعته إليه على المراجعة فردّه لها فقبلت فارتدَّ أحدهما أو فعلت موجب تحريمها عليه أو قتلها أو نفسه أو قتلته أو نفسها فالمال له وبطلت. وإن قال للشّهود أشهدوا أنِّي قد راجعتها بمالها فقبلت، فمسّها على ذلك حرمت عليه؛ وقيل: لا. وإن طلبته إليه فردّه لها عليها فسكتت، فأشهد أنَّه قد رجع عليها فمسّها حرمت عليه.
فصل
إن ادّعت امرأة إلى زوجها أنَّه فاداها فأنكر، فقال للشّهود: إن كان الحقُّ ما قالت أشهدكم أنِّي رددت لها (2) مالها على المراجعة فقبلت، فقال: اشهدا أنِّي رجعت عليها، فلا تصحُّ على الإنكار، وليست مراجعة؛ وقيل: هي هنا مراجعة؛ وكذا في مراجعة الطّلاق.
فإن ادّعت أنَّه فاداها وأنكر فهي زوجته وقد برئت من المال إليه ولا تأكل من ماله شيئًا، ولا تتزيّن له ولا تمكّنه نفسها؛ وقيل: لها أن تأكل منه قدر نفقتها حين عقلها. وإن ادّعى الفداء فأنكرت وقعت بينهما فرقة والمال عليه، وتعتدّ وتتزوّج.
__________
(1) () - ب: «يشهد أنَّه قد رجع».
(2) () - ب: «إليها». (5/384)
صفحة 2469
ومن راجع في فداء بشاهد (1) لم تجز مراجعته، ولو زاد آخر حتَّى يشهدهما في مكان والمال له ولا توارث بينهما إذا لم تصحّ. وإن راجعها غائبة بأمناء فبلغها الخبر بهم، أو ردَّ لها مالها على المراجعة بحضرة الشّهود فأخبروها بذلك فقبلت، ثمَّ أخبروه أيضا بقبولها فأشهدهم عليها لم تجز حتَّى تحضر هي فتطلب إليه المال فيردّه لها فتقبله بحضرتهم فيشهدهم على رجعتها؛ وإن تزوّجها في محلّ مراجعة الفداء فلا يفعل ذلك؛ فإن فعله جاز وكان مراجعة.
وقيل: في مفتدية ومطلّقة بائنا أنَّه إن نكحها بوليّ [382] وصداق وشهود جاز لا مراجعة بائنة خرجت من عدَّة، ولا مطلّقة قبل مسّ وحرمت إن مسّت عليها، ولها صداقها وثبت نسب الأولى لا الثّانية.
وتجوز ــ قيل ــ بغير المال كالفداء أيضا. وعن الإمام عبد الوهَّاب أنَّه اصطحب مع رجل من أصحابه فحلفوا بالطّلاق، فخاف عليهم الحنث، فقال لهم: هاتوا أرْدِيَتَكم فأعطوه إيَّاها فردّها لهم على الفرقة فقبلوها فصار ذلك منهم فداء، وفيه فداء ومراجعة بلا مال.
وإن قالت له: أتركني الليلة فأعطيك كذا، ففي كونه فداء قولان. وإن ردّ لها مالها على المراجعة إذا هلّ الهلال جاز إن قبلت، ويشهد أنَّه رجع عليها؛ وقيل: لا تجوز تلك المراجعة. وإن ردّه السّاعة على أن تكون إذا هلَّ (2) فقبلت ففي جوازها عنده أيضا قولان. وإن ردّه لها عليها وهو إلى معلوم فقبلت جاز، وكان إلى الأجل؛ وكذا إن علَّقاهما إليه أيضا.
__________
(1) () - ب: + «واحد».
(2) () - ب: «أهلَّ». (5/385)
صفحة 2470
الباب الرّابع والتّسعون
في العدَّة
وهي المدّة التي تكون فيها الزّوجة معقولة على التّزويج. قال الله عزَّ وجلَّ: {والمطلَّقات يَتَرَبَّصْنَ ... } إلى الآخر (البقرة: 228). وأيضا: {واللآئي يَئِسنَ ... } إلى { ... حملَهُنَّ} (الطلاق: 4). وأيضًا: {والذين يُتَوَفَّوْنَ ... } إلى { ... وَعشرًا} (البقرة: 234). وأيضا: {يَا أَيُّها الذينَ ءَامَنوا إذا نَكَحتُم ... } إلى { ... تَعتَدُّونَها} (الأحزاب: 49).
فبيَّن سبحانه أن المطلّقة قبل أن تمسَّ (1) لا عدَّة عليها؛ وأنَّ الحامل أجلها وضعها ولو سقطًا لا يذوِّبه (2) الماء، وأنَّ الحائض إذا طلّقها زوّجها أو فاداها أو خالعها أو بانت منه بتحريم أو لعان فعدّتها ثلاثة قروء؛ وأنَّ الآيسة والصّغيرة ثلاثة أشهر وعشرًا، إلاَّ (3) إن كانت حاملا فأبعد الأجلين، والبالغة التي لم تر حيضا لا تتزوّج حتَّى ترى ثلاثة قروء أو تأيس أترابها؛ وقيل: عدّتها ثلاثة أشهر.
والتي ترى حيضة أو حيضتين بعد الطّلاق ثمَّ حبس عنها لا تتزوَّج حتَّى ترى ثالثة أو تأيس؛ وقيل: تمكث تسعة أشهر للحمل ثمَّ ثلاثة فتلك سنة ثمَّ تتزوّج.
وعدَّة المستحاضة والمبتلية ثلاثة قروء على قدر تركهما للصّلاة وغسلهما لها، وعليهما أن تأخذا فيها (4) من حين وجبت عليهما بقصد ونِية، وليتَّقين الله فيها
__________
(1) () - ب: «قبل المسِّ».
(2) () - ب: «يذيبه».
(3) () - ب: «لا إن كانت».
(4) () - ب: «فيهما». (5/386)
صفحة 2471
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
المؤلف: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
ضبط النص: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 7
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2000/104
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الطهارات، الولاية والبراءة، فقه الإباضية، ترجمة عبد العزيز الثميني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=516&id_ty=1
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 صفر 1447ه/ 12 - شهر 08 - 2025م. فإنَّها أمانة في أعناقهنَّ، وقد ائتمنهنَّ عليها، ويقبل قولهنَّ فيها إذا قالت امرأة: تمّت عدّتي، أو أنا حائض أو طاهر أو حامل أو أسقطت.
وقيل: إن الأمة كالحرّة في أربعة: فقدٌ وإيلاء وحيض وإياس. وعدَّة الأمة الحائض حيضتان والطّفلة والآيسة خمسة وأربعون يوما، وفي الوفاة شهران وخمسة أيَّام. وللمشركة الحائض حيضة في غير الوفاة؛ وقيل: ثلاث، وفيها شهر وأربعة عشر؛ وقيل: أربعة وعشر.
وقيل: كلُّ امرأة لا ترث زوجها إذا توفّى عنها فعدّتها ثلاثة قروء إن كانت حائضا، وثلاثة أشهر إن كانت آيسة أو صغيرة.
وتجب بمسٍّ ولو حراما، أو بيد لفرجها، وبرؤية باطنها، لا بوطء من بهيمي أو مسٍّ من امرأة.
وإن مات ولم تعلم إلاّ بعد أربعة أشهر وعشر بالأمناء أجزتها، وتتزوّج إن وقَّتوا لها ما تتمّ فيها عدّتها، وإلاّ أخذت من حين علمت بموته إن كانوا أمناء، وإلاّ فمن حين أخبروها؛ وكذا إن طلّقها ولم تعلم ثمَّ علمت؛ وقيل: تستقبل العدَّة في كلّ ذلك من حين علمت بقصد ونيّة.
وإن وضعت حامل من بطنها واحدًا وبقي الآخر بانت من زوجها، ولا يحلّ لها أن تتزوّج حتَّى تضع الآخر؛ وقيل: لا تبين منه حتَّى تضعه؛ وإن مات فيه فصار يقع بضعة بعد آخري، فلا تبين منه حتَّى تقع جميع أعضائه. وإن رأت حامل دما فلا يكون لها حيضا.
وإن شربت مطلّقة دواء لتحيض فلا تحسبه إن أتاها في عدّتها، ولكن تدع به الصّلاة وتأكل به في رمضان؛ وإن شربته وأتاها الدّم به ثلاث مرّات بانت من زوجها، ولا تتزوّج حتَّى تعتدّ ثلاثة قروء؛ وقيل: تتزوّج بذلك. وإن فتحت قرنها فانفجر منه الدّم في وقت تعطيه للحيض فإنَّه تعطيه له وتحسب تلك الحيضة في عدّتها. (5/387)
صفحة 2472
فصل
إن وهلت معتدّة ثمَّ تبيّن لها أنَّها غلطت فإنَّها تصيب في ثلاثة أيّام فما دونها لا ما فوقها؛ وإن مسّت على ذلك حرمت؛ وإن تبيّن لها قبل أن تخرج من الأيّام اعتزلها [383] الآخر حتَّى تمضي ثمَّ يمضي على نكاحها؛ وإن مسّها بعد ما علم بغلطها في تلك الأيَّام حرمت عليه؛ وإن أراد زوجها الأوَّل أن يراجعها فيها فله ذلك إن ملك بها، وترثه إن مات فيها كعكسه؛ وإن لم يعلم بغلطها حتَّى مضت بانت منه، وكانت زوجة الآخر ويعتزلها قدر ثلاثة غلطت فيها؛ وإن لم يعتزلها وتمادى على مسّها فلا تحرم عليه بذلك ولا يكون الوهل إلاّ في معتدّة بالأشهر إن أخذت بالأيّام، ولا تجده إن أخذت بغرَّة الشّهر؛ وقيل: الوهل خمسة أيّام؛ وقيل: سبعة؛ وقيل: تسعة؛ وقيل: لا تصيب الوهل أصلا.
وإن اعتدّت حائض بالأشهر وظنّت أنّ لها ذلك أيضا فتزوّجت عليه لم يجز نكاحها؛ وإن مسّت عليه حرمت إلاّ إن رأت ثلاثة قروء فيها؛ وكذا إن اعتدّت في الوفاة بالقروء حتَّى أتمَّتها ولم تتمَّ أربعة أشهر وعشر (1) فلا يجوز نكاحها وحرمت إن مسّت عليه.
وإن طلّقت من وقت حيضها عشرة فحاضت (2) فمكثت ثلاثة أيَّام فرأت طهرا فاغتسلت وصلّت معتادها، ثمَّ حاضت فمكث عليها ثلاثة أيضا فرأت طهرا كذلك، ثمَّ حاضت ثالثة كذلك، فإنَّها تتزوّج على ذلك، وكذا إن رجعت الثّالثة إلى عشرة تتزوّج لانتقالها بنزولها مرّتين؛ وإن رأت الأوَّل فمكث عليها ثلاثة ثمَّ الثّاني فمكث عليها عشرة ثمَّ الثّالث عشرة أيضًا (3) فإنَّها تزيد سبعة تتمّ بها الأوَّل وتتزوّج؛ وإن مكث عليها الأوَّل عشرة فنزل لها الثّاني والثّالث إلى ثلاثة فإنَّها تتزوّج؛
__________
(1) () - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: «وعشرًا».
(2) () - ب: - «فحاضت».
(3) () - ب: - «أيضًا». (5/388)
صفحة 2473
وإن كان الأوَّل عشرة ثمَّ الثّاني ثلاثة ثمَّ الثّالث عشرة فلا تتزوّج حتَّى تتمّ سبعة لتمام الأوسط.
وإن مسّ امرأة رجال فلزمتها عدّات مختلفة فإنَّها تعتدّها كلَّها الأولى فالأولى إلى آخرهنَّ؛ وقيل: يجزيها ثلاثة قروء.
وإن بلغت طفلة في العدَّة رجعت إلى الأقراء؛ وإن بان بها حمل رجعت إلى عدّته (1)؛ وإن مات عنها قبل أن تضع فعدَّتها أبعد الأجلين، وهذا إن طلّقت واحدة أو ضعفها.
وإن طلّقت أمة (2) واحدًا ثمَّ عتقت قبل أن تتمّ عدّتها انتقلت إلى عدَّة الحرّة؛ وإن بان بها حمل انتقلت إلى عدّته؛ وإن مات عنها فأبعد الأجلين.
ولا تخرج معتدَّة من بيتها إلاَّ لما لا بدَّ لها منه إن كانت غير بائن، وتخرج البائن وتفعل ما تشاء، ولا تتزّين في العدَّة كما مرَّ، ولا تكتحل، ولا تستاك، ولا تخضب إلاّ لعذر، ولا ترقد مع زوجها في بيت، ولا تأكل معه، ولا يدخل إليها إلاّ بإذنها.
وإن طلّقها واحدة أو ضعفها فحاضت حيضتين فطلّقها أخرى بنت على الأوَّلتين؛ وقيل: تستأنف ثلاثة قروء من حين طلّقها الأخرى؛ وإن طلَّقها واحدة ثمَّ راجعها بعد ما رأت حيضتين فطلّقها أخرى قبل أن يمسّها فإنَّها تستأنف ثلاثة قروء؛ وإن قصد بذلك إضرارا بها حرم عليه.
__________
(1) () - ب: «عدَّتها».
(2) () - ب: «الأمة». (5/389)
صفحة 2474
الباب الخامس والتّسعون
في الظّهار
قال الله عزّ وجلَّ: {والذينَ يَظَّهَّرون ... } إلى {مُنكَرًا منَ القولِ وَزُورًا} (المجادلة: 2). فمن ظاهر امرأته عصى ربَّه وهو من أفعال الجاهلية. وقد اشتكت إلى النّبيء صلَّى الله عليه وسلَّم امرأة من زوجها فقالت: إنَّه ظاهر منيّ بعدما كبر سنّي ورقَّ عظمي فتركني لا مزوَّجة ولا مطلَّقة فأرسل إليه فسأله عن ذلك فأخبره، فنزلت آية الظّهار.
وهو أن يقول لامرأته أو سريّته: أنت عليّ كظهر أمي أو بنتي أو نحوهما من المحارم، وإن برضاع أو صهر، أو كظهر واحدة من نسائه صلَّى الله عليه وسلَّم أو سراريه، أو كظهر مجوسيّة أو وثنيّة؛ وإن قصد إلى معيّنة منهما فقال: كظهر هذه المجوسيّة أو الوثنيّة، فليس بظهار؛ ولا إن قال: كظهر واحدة من الكتابيات أو من المتزوّجات؛ ولا إن قصد إلى متزوّجة معيّنة، أو إلى مزنيّته قبل، أو إلى معتدّة من غيره، أو إلى ملاعنته، أو إلى مطلّقته ثلاثا، فقال: أنت عليّ كظهر هذه.
وإن قال كظهر الرّجال، فظهار؛ وقيل: لا إن كانوا محارم؛ وقيل في: كظهر الرّجل، كفاّرة يمين؛ وقيل: لا شيء عليه في غير المحارم.
ولا ظهار في: كظهر النّساء، ولا في: كظهر ميتة؛ وفي كظهر البهائم كفارة يمين؛ وفي: كظهر أمِّي أو أختي ظهار واحد؛ وكذا في العطف بالواو؛ وقيل: [384] فيه ظهاران. وإن كرّر كظهر أمّي مرار في مكان أو أمكنة فواحد ما لم يكفِّر؛ وقيل: إن كان في أمكنة فعليه لكلٍّ يمين؛ وإن قصد إلى عضو منها أو بطنها أو شعرها، فقال: هو عليّ كظهر أمّي، أو أنت عليّ كهذا العضو من أمه، ولو بائنا أو إلى عضو منه، (5/390)
صفحة 2475
فقال: أنت على هذا العضو كظهر أمّي؛ أو قال: عضوك هذا على عضوي هذا كهذا العضو من أمِّه فظهار في ذلك؛ لا إن قصد إلى بائن من امرأته، فقال: عضوك هذا عليَّ كظهر أمّي، أو إلى بائن منه فقال: أنت عليه كظهر أميّ عليَّ، أو إلى عضو ألصقته أمّه إلى بدنها لا منها فقال: أنت عليّ كظهر هذا العضو، أو إلى عضو ألصقته امرأته إلى نفسها، أو ألصقه هو إلى بدنه لا منها (1) فقال: عضوك هذا أو أنت على هذا العضو كظهر أمي؛ وإن ألزقه بجسدها فالتصق به في كونه ظهارا قولان. وكذا في: أنت عليّ كمثل أمّي قولان أيضا. وليس: أنت مثل أمِّي، أو أنت عندي مثلها ظهارا، أو: أنت عليّ هذه اللّيلة كظهر أمِّي ظهارًا (2) ولو جازت اللّيلة؛ وقيل: ليس بظهار إن جازت، وعليه يمين؛ وقيل: لا يلزمه.
وإن قال لها: قد ظاهرت منك أو أنا مظاهر فظهار؛ وقيل: لا؛ وإن قال أنت عندي مظاهرة أو أنا عندك مظاهر، وأنا عليك كظهر أبيك عليك، أو نحوه من كلّ من يحرم عليها من الرّجال أو النّساء (3) ظهار؛ وكذا: أنت عليّ كظهر امّك عليك أو عليّ.
وإن قال لامرأته وامرأة غيره: إحداكما عليّ كظهر أمي عليّ، فظهار من زوّجته. وإن قال لنسائه: إحداكنّ عليّ كظهر أميّ، ولم ينو واحدة فظهار منهنّ معا؛ وإن قال: إنّما نويت فلانة أو هذه، جاز قوله؛ وكذا في الأولى (4).
وإن ظاهر من إحدى امرأتيه وقال للأخرى: شاركتك في ظهارها، فلا يقع إلاّ على التي ظاهر منها؛ وإن أمر زوجته أن تظاهر من نفسها، فقالت له: أنا عليك كظهر أمِّك عليك، فليس بظهار. وكذا إن أمر رجل أن يظاهر من امرأته فقال لها:
__________
(1) () - ب: «بدنها لا منهما».
(2) () - ب: «ظهار». وهو خطأ.
(3) () - ب: «الرجل والنساء».
(4) () - ب: «الأوَّل». (5/391)
صفحة 2476
أنت عليه كظهر أمه عليه فلا يلزمه، وفي: أنت عليّ كظهر أمِّ فلان عليه، ظهار؛ وكذا في: كظهر أمّي في هذا البيت، أو المكان، أو في الأماكن إلاّ هذا، أو في مكّة أو بغداد أو في مكان لا تصل إليه كسدرة المنتهى أو في البحار أو في الأماكن، إلاّ تحت سدرة المنتهى، أو إلاّ في السّماء، فكلّ ذلك ظهار.
وإن قالت له: أنت عليّ كظهر أبي أو من يحرم عليه نكاحه فظهار؛ وتكون كالزّوج في الكفّارة ولا تحرم عليه بالإيلاء؛ وقيل: إنّما عليها في ذلك كفَّارة يمين.
ومن تزوّج امرأة بلا شهود فظاهر منها ثمَّ أشهد فقد لزمه الظّهار؛ وقيل: لا.
ومن ظاهر من امرأته فارتدّ أحدهما حتَّى مضت الأربعة فرجع إلى الإسلام فلا تخرج بالإيلاء حتَّى تمكثها بعد الرّجوع؛ وإن رجع قبل الأجل فالظّهار من حين ظاهر؛ وقيل: من حين رجع؛ وقيل: إن ارتدّ الزّوج فرجع زال عنه حكمه.
ومن ظاهر فجنّ فمضت عليه الأربعة خرجت بالإيلاء؛ وإن كفَّر عن ظهاره هو أو وليّه عنه فلا يجزيه. وإن ظاهر منه فمات أحدهما قبل الأجل توارثا؛ وإن ظاهر منها ففاداها وراجعها دون الأربعة فإنّما تحسب الإيلاء من حين راجعها؛ وقيل: تبني على ما مضى؛ وإن راجعها بعدها فهو من حين (1) راجعها.
وإن ظاهر منها ثمَّ طلّقها فتمَّت عدَّة الظّهار قبل عدَّة الطّلاق بانت بتطليقتين؛ وإن تمّت عدّته قبل الظّهار فواحدة؛ وإن تمّت العدّتان معًا فتطليقة؛ وقيل: تطليقتان؛ وإن طلّقها واحدة فظاهر منها لزمه (2) الظّهار ما اعتدّت. وإن طلّقها بائنا أو خالعها أو فاداها فلا يلحقها الظّهار. وإن ظاهر منها فبانت بالإيلاء ثمَّ تزوّجها ثبت عليه الظّهار؛ وإن لم يكفِّر أربعة بانت بالإيلاء ثانية؛ فإن (3) تزوّجها أيضا ولم
__________
(1) () - ب: + «ما».
(2) () - ب: «لزمها».
(3) () - ب: + «عزم». (5/392)
صفحة 2477
يكفِّر حتَّى مضى الأجل بانت بثلاث (1)، ولا تحلّ له حتَّى تنكح (2) غيره، لأنّ الإيلاء عندنا (3) طلاق. وإن تزوّجت غيره فخرجت منه بعد مسّها رجعت إلى الأوَّل ويلزمه الظّهار الأوَّل لأن الزّوج يهدم الطّلاق [385] لا الإيلاء عندنا؛ وقيل: يهدمهما معا لا الكفّارة؛ وقيل: إن خرجت بالإيلاء مرّة فلا تخرج به بعد ولكن لا يمسّها حتَّى يكفِّر، وأجلها أربعة.
ومعنى قولهم: «الطّلاق يهدم الإيلاء» أنَّه إن آلى منها فطلّقها فخرجت من عدَّة الطّلاق قبل الإيلاء فلا تخرج به. وقولهم: إنَّه لا يهدم (4) الطلاق أنَّه إن طلّقها وآلى منها (5) معا فتمّت عدَّة الإيلاء قبل الطّلاق خرجت بهما معا، فتكون عنده إن تزوّجها بعد على واحدة إن طلّقها واحدة، وتحرم حتَّى تنكح غيره إن طلّقها تطليقتين، وهذا يفهم ممّا مرَّ.
فصل
من ظاهر من امرأته نهارا حسبت من وقته حتَّى تمضي أربعة (6)؛ وقيل: من طلوع الشّمس؛ وقيل: من الليلة المقبلة. وإن ظاهر منها ليلاً حسبت من ليلتها.
وإن قال لغير امرأته: أنت عليّ كظهر أميّ، أو: إن تزوّجتك فأنت عليّ كذلك، أو: كلّ امرأة أتزوّجها من قبيلة كذا، أو بلا تعيينها، أو: في هذا اليوم أو الوقت أو وقت كذا أو تزوّجها لي فلان، فلا يلزمه في ذلك ظهار، لأنَّه لا يكون إلاّ بعد
__________
(1) () - ب: «بثلاثة».
(2) () - ب: + «زوجًا».
(3) () - ب: «عند».
(4) () - ب: «يهد».
(5) () - ب: + «منها».
(6) () - ب: + «أشهر». (5/393)
صفحة 2478
نكاح، ويلزمه كما مرّ في سرّيته وأمته التي له تسرِّيها، ولا تخرج بالإيلاء كالزّوجة ولكن إن مسّها حرمت عليه.
وقيل: في الإماء كفّارة يمين (1) لا الظهار، وهو قول ابن عباس: من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن لا ظهار على الرّجل من زوجته الأمة، أو من سريّته. ويلزمه من امرأته كلّ وقت ولو مريضًا أو محرما أو معتكفًا (2).
وليس ظهار العبد والطّفل والمجنون بشيء. ومن ظاهر عبده فقد لزمه، ولا يمسُّ حتَّى يكفّر عنه سيّده، وإلاّ حرمت عليه؛ وإن مضت أربعة ولم يكفر عنه بانت منه، وكذا إن أمره أن يظاهر فظاهر فقد لزمه؛ وإن قال له: امرأتك عليّ كظهر أميّ عليك، أو عليك كظهر أمّك عليَّ فليس بظهار؛ وإن قال له: امرأتك عليك كظهر أمِّك عليك، أو أمي عليَّ، فظهار. وإن ظاهر عنه ثمَّ باعه قبل أن تمضي أربعة فلا يزول الظّهار عنه، وأجله من حين ظاهر عنه الأوَّل؛ وكذا إن مات فورثه وارثه، وكذا إن وهبه أو أصدقه أو أعتقه فلا يزول عنه حتَّى يكفِّر عنه أو بنفسه؛ وقيل: الكفّارة على سيّده (3) الأوَّل.
وظهار المرأة عن عبدها ليس بشيء. وإن أمرت من يظاهر عنه ففعل فظهار إن جاز فعل المأمور، وإلاّ فلا؛ وإن أمرته أن يظاهر بنفسه (4) ففعل فظهار؛ وإن ظاهر الأب على عبد طفله فليس بظهار؛ وكذا خليفته وخليفة الغائب والمجنون.
ومن رهن عبده أو أكراه أو أعاره أو أبق منه أو غصب أو فعل فيه معلَّقا من بيع أو هبة أو إجارة أو إصداق فظاهر عنه قبل أن يتمَّ الفعل لزمه الظّهار، لا إن ظاهر
__________
(1) () - ب: «اليمين».
(2) () - ب: «معتكف».
(3) () - ب: «سيِّدها».
(4) () - ب: «عن نفسه». (5/394)
صفحة 2479
أحد المتفاوضين عن عبدهما حتَّى يتّفقا [وكذا المعارض إن ظاهر عن عبد مال القراض، ولو فيه ربح. ولزم إن ظاهر عنه ربُّ المال مطلقًا.
ومن اشترك مع أحد شركة عنان فظاهر أحدهما عن عبدهما فلا يكون ظهارًا حتَّى يتَّفقا، ولا إن ظاهر شريك عن مشترك] (1) حتَّى يجيز له شريكه؛ فإن أجاز فمن حين إجازته؛ وإن ظاهر عنه أحدهما ثمَّ رجع إليه قبل أن يجيز له شريكه فعله فليس بظهار؛ وإن انتقل إلى الذي لم يظاهر منهما فأجاز فعل شريكه فظهار.
وإن اشترى عبدا فظاهر عنه فخرج به عيب فردَّه به أو بالإقالة لزمه الظّهار؛ وإن انفسخ شراؤه بعده فليس بظهار.
__________
(1) () - ما بين معقوفتين سقط من ب. (5/395)
صفحة 2480
الباب السّادس والتّسعون
في كفّارة الظّهار
قال الله تبارك وتعالى: {والذينَ يظَّهَّرون مِن نسآئِهِمْ ... } إلى قوله { ... مِسكينًا} (المجادلة: 3). فمن ظاهر من امرأته فلا يقربها حتَّى يكفّر؛ وإن ترك حتَّى مضت أربعة بانت منه بالإيلاء، ولا تلزمه الكفّارة، إلاّ إن تزوّجها فليكفّر إن أرادها؛ وإن لم يكفّر حتَّى مضت بانت أيضًا به (1)؛ وإن تزوّجها بعد ولم يكفّر حتَّى مضت بانت به أيضا، ثمَّ لا تحلّ له بعد حتَّى تنكح غيره.
وكفّارته: رقبة سليمة إن وجدها، وإلاّ فصيام متتابعين، فمن لم يستطع أطعم ستّين كما مرّ. ولا تجزيه مقطوعة عضوً وبطل، أو مجنونة ومجذومة وبرصاء، ولا وثنيّة ومجوسيّة؛ وجاز غير ما ذكر. ولا يجزي كتابيا عتقه إن عتق منهما؛ وقيل: يجزيه (2).
ومن أعتق مشتركة أجزته وعصى، لا أمة غيره إن تعمّدها، وتجزيه أمة طفله وبالغه إن نزعها محتاجا إليها، [386] لا إن لم يحتج؛ وقيل: غير ذلك. ولا أمانته ومرتهنته ولا أمة دلّ على ربّها؛ وإن كان بيده مال فدلّ على صاحبه فاشترى منه فأعتق أجزته، وكذا إن غلط فيه، لا آبقة أو مغصوبة ولو رجعت إليه؛ وقيل: تجزيه إن رجعت إليه، ولا حمل، وإن أعتقه حين خروجه أجزاه إن كان لا يرجع في أمه، لا إن
__________
(1) () - ب: - «به».
(2) () - أ (هامش): «وعبارة الأصل: والمجنونة والمجذومة والبرصاء لا تجزيه، وإن كان فيه عيب غير ما ذكرنا فإنَّها تجزيه، والوثنيَّة والمجوسيَّة فلا تجزيان؛ وكذلك أهل الكتاب إن أعتق منهم لا يجزيه، ومنهم من يقول: يجزيه. اهـ». (5/396)
صفحة 2481
لم يخرج إلاّ رأسه، ولا مشرفة على هلاك إن تلفت وإلاّ أجزته؛ ولا مبيعة (1) ولا مشتراة بخيار إن صارت لغيره؛ وكذا كلُّ موقفة (2) إلى غيره. وتجزيه أمة ظنّها لغيره فخرجت له، لا إن ظنها له فخرجت لغيره.
ولزمه الإيلاء من حين علم إن لم يستأنف. ولا أمة موروثه إن ورثه قبل أن يمسّ، ولا خارجة حراما أو حرّة. وإن مسّ بعد علم حرمت زوجته عليه. وإن علم قبل أن تتمّ الأربعة فالإيلاء من الأوَّل؛ وإن علم بعدها فمن حين علم.
وإن أعتق مشتراة بانفساخ فمسّ عليه حرمت؛ وإن علم به قبل مسّ جدَّد أخرى؛ وإن علم بعد الأربعة بانت، ورخص أن لا تحرم عليه. وإن أعتق هرما فذهب بعض أعضائه كأسنانه لم يجزه؛ وإن سلمت أجزاه ولزمته نفقته حتَّى يموت؛ وقيل: لا يجزيه.
ويجزيه (3) طفل وينفقه حتَّى يبلغ كما مرّ؛ وإن مات الهرم أو الطّفل فلا نفقة عليه؛ وقيل: في الطّفل يعطي مثلها لوارثه إن كان له وإلاّ أنفقه حتَّى يبلغ أترابه؛ وإن أعتقه وغاب جمعها حتَّى يبلغ فيدفعها له إن جاء، وإلى وارثه إن مات، ويدركها عليه في الحكم.
وإن أعتق أمتين لكفّارة أجزتاه؛ فإن كانت إحداهما حراما أو معيبة أجزته الأخرى.
وإن أعتق أمة فمسّ ثمَّ استحقّت بعدول فلا تحرم عليه، ولزمه أن يجدِّد أخرى. والإيلاء من حين استحقَّت إن كان بعد أربعة؛ وإن كان فيها فمن الأوَّل؛ وقيل: من حين علم ولا شيء عليه إن استحقّت بلا عدول وأجزته كفارته.
__________
(1) () - ب: «معيبة».
(2) () - ب: «موقوفة».
(3) () - ب: «وقيل: لا يجزيه طفل». (5/397)
صفحة 2482
ومن أعتق عن امرأتين واحدة ثمَّ أخرى ففي الإجزاء ــ كما مرَّ ــ قولان. وإن أعتق رقبة ولم ينوها لواحدة فمسَّ إحداهما حرمت عليه؛ وقيل: لا، وتجزيه لها ويعتق أخرى لغيرها؛ وإن ماتت قبل أن ينويها لواحدة زاد أخرى وأجزته؛ وقيل: لا، وعليه آخرتان (1)؛ وإن لم تمت ولم ينوها لإحداهما حتَّى مضت أربعة لم تجزه؛ وإن نواها ولم يعتق عن الأخرى حتَّى مضت بانت التي لم يعتق عنها؛ وإن ماتت إحداهما ولم ينو الرّقبة لإحداهما أعتق أخرى؛ وقيل: يردّها للأولى؛ وإن ماتت رقبته قبل أن يعتقها جدّد أخرى.
وإن أعتقها فخرجت محرمته، فالأكثر أن لا تجزيه؛ ولا إن علم فأعتقها ورخِّص فيهما.
وإن قال لامرأتيه: أنتما عليَّ كظهر أمِّي فعليه واحدة؛ وقيل: كفّارتان.
ويعتق إخوته برضاع لكفّارة. وإن أعتق عضوا أو تسمية من رقبة أجزاه لها؛ وإن أعتق لنصفها أو لنصف امرأته أجزاه أيضا؛ وإن أعتق عن امرأتيه خادمين فانفسخت إحداهما أعتق أخرى؛ فإن مسّهما قبل أن يعتقها حرمتا عليه.
وإن أعتق ما رهنها لم تجزه، ورخِّص وغرم للمرتهن ماله كما مرّ.
وإن اشترى أمة بحرام فأعتقها لم تجزه وغرمه لربّه، وأجزته إن اشتراها لا به ودفعه في ثمنها، وغرم أيضا لا أمة قائل: أعتقها عنك، إلاّ إن أعطاها له ثمَّ يعتقها.
وإن ظاهر رجلان فوكّلا من يعتق عنهما ولكلٍّ رقبة فأعتق عنهما بكلمة أجزاهما. وإن اشتركا في أمتين فأعتق كلٌّ على حدة أو وكَّلا من يعتق عنهما على حدة أو بمرّة فلا يجزيهما ذلك، ورخِّص؛ وإن ملك واحدة فقط أو نصفها صامَا، وكذا الواحد إلاّ إن كان يجد به رقبة.
__________
(1) () - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: «أخريان». (5/398)
صفحة 2483
وإن ظاهر من امرأتيه وله واحدة أعتقها عن واحدة وصام عن أخرى، ولا يجزيه إن صام قبل أن يعتق؛ وقيل: يجزيه؛ ولا الصَّوم لملِّيٍّ لم يجد رقبة ورخّص فيه. وإن لم يجد شراء إلاّ بأكثر من قيمتها أو بماله كلّه فليشتر، ورخِّص له أن يصوم؛ وإن لم يجدها إلاّ في مسير شهر أو أكثر سار إليه ولا يجزيه الصّوم، ويجزيه إن كان لا يصله إلاَّ بانت منه.
وإن أعتق أمتين فعيبت إحداهما بما لا تجزي في كفّارة؛ فإن قصد بها لواحدة من امرأتيه أعتق أخرى وحرمت إن مسّها قبله؛ وإن لم ينوها لها فمسَّ قبل أن يعيد حرمت عليه التي مسّها. وإن نسي المال أو الأمة فصام أو أطعم ثمَّ علم [387] بعد ما مسّ حرمت عليه ورخّص فيه أن لا تحرم. وإن ضيّع حتَّى تلف المال أو الرّقبة لم يجزه صوم ولا إطعام؛ وإن غصب ماله وأيس منه أجزاه الصّوم، وتعيّن إن أحاط به دين؛ وقيل: يعتق؛ وإن غاب عنه سلف إليه إن لم يصل إليه فلا يعذر ولو لم يجد سلفا.
ومن لم يجد مالا فأصاب من يعطيه مالاً أو رقبة أو حقوقًا أخذ ذلك إن أراد، وإلاّ صام ولا عليه؛ وإن لم يكن له إلاَّ مدبر صام عند من لا يجيز له (1) عتقه، وعند من يجيزه عتقه يعتقه.
وصام من لم يملك إلاّ مكروها أو مصاحف. وقيل: لا يصوم ذو مال.
ومن أخذ في صوم أو إطعام ثمَّ دخله أعتق ــ كما مرّ ــ ولا شيء عليه إن دخله بعد إتمامه؛ وقيل: إن لم يدخله إلاّ وقد أخذ فيه فلا يلزمه عتق.
وإن أمر من يعتق عنه من ماله فقال له: أعتقت عنك منه أجزاه إن كان أمينا؛ وقيل: مطلقا إن صدَّقه؛ وإن قال له: أعتق عنّي من رقيقك فلا يجزيه إن فعل، وحرّرت على مولاها؛ وإن قال: اشتر لي من مالك رقبة وأعتقها عنّي أجزاه إن فعل.
__________
(1) () - ب: - «له». (5/399)
صفحة 2484
فصل
من أعتق أمته عن كفّارته على أن يعطي له كذا جاز عتقها ولا تجزيه لها وأخذا المال؛ وقيل: تجزيه. وإن أعتق أمتين لظهار ومغلَّظة معا أجزاه؛ وقيل: لا إن لم يعيّن؛ وإن أعتق أمة لهما لم تجزه لواحدة؛ وقيل: تجزيه للمذكورة، أو لا.
ومن ظاهر من امرأتيه ولم يجد إلاّ رقبة أعتقها عن واحدة وصام عن أخرى، وهل إن صام عنها أوَّلاً يجزيه أو لا؟ قولان؛ وكذا إن كنّ أكثر.
ومن ظاهر حال الفعل حرمت عليه؛ وقيل: ينزع ولا عليه.
ومن لم يجد ما يعتق به صام إن استطاع وإلاّ أطعم. وإن تخلَّل صومه عيد فأكله انهدم؛ وقيل: لا، ويبدل يومه؛ وإن أكل فيه بسفر أو مرض أو نحوهما انهدم؛ وقيل: يصيب فيه ما يصيب في رمضان؛ وإن أكل فيه ناسيا انهدم صومه؛ وقيل: لا؛ وإن ظنَّ أنَّه قد تمَّ فأكل، ثمَّ بان له غلطه رخِّص له في ثلاثة أيّام لا في أكثر (1)؛ وقيل: لا يعذر بغلطه ولو في يوم؛ ولا تحرم عليه إن مسّ قبل أن يعلم؛ وإن مسّها بعده وقبل أن يصوم حرمت عليه. وإن تموَّل قبله أعتق؛ وإن لم يصمها حتَّى مضت أربعة من حين علم بانت منه؛ وإن غلط بأكثر فلا يعذر، وحرمت إن مسّها قبل أن يكفّر.
وإن صام مسافر رمضان لكفّارته أجزاه لها؛ ومن ضيّع صوما حتَّى مضى له شهران فأخذ فيه فجاء تمامه مع تمام الأربعة فهل بانت منه أم لا؟ قولان؛ وكذا إن صام عن امرأتيه أربعة بينهما بانتا إن لم يقصد كلاًّ؛ وقيل: نزعتهما الكفّارة للإيلاء. وإن وجد رقبة فصام أيّاما فتلفت استأنف صوما؛ وقيل: لا يجزيه ولا إطعام حيث ضيّع أوّلا كما مرّ. وإن ضيّع صوما حتَّى لا يقدر عليه فهل يجزيه الإطعام أو لا وهو الأكثر؟ قولان.
__________
(1) () - ب: - «لا في أكثر». (5/400)
صفحة 2485
ومن أخذ فيه بلا تضييع ثمَّ عجز عنه أطعم ستّين؛ وقيل: ثلاثين إن صام شهرا، وكذا على قدر ما بقي عليه منه وقد مرَّ. وإن أخذ في صوم أربعة عن امرأتيه ولم يقصد واحدة فصام شهرين فماتت إحداهما أو بانت منه فلا يجزيانه لباقية؛ وقيل: يردّهما لها ويجزيانه؛ وإن لم يجد إلاّ رقبة فأعتقها أو صام شهرين أيضا ولم يقصد واحدة أجزاه ذلك. وإن أعتق أمة ولم ينوها لواحدة فأخذ في الصّوم فماتت إحداهما أو بانت منه فلا يردّ الرّقبة للباقية، ورخِّص.
وإن لم يجد إلاّ رقبة فلم يعتقها حتَّى تلفت فلا يجزيه أن يصوم لواحدة ويطعم عن أخرى، ورخِّص؛ وكذا إن ضيّع صوما حتَّى لا يقدر عليه لا يجزيه أن يطعم، ورخِّص.
وإن ظاهر من امرأته فبانت منه فكفَّر عنها لا في عصمته لم يجزه، ويجدِّد إن رجعت إليه؛ وكذا إن صام عنها بعضا أو أطعمه ففارقها منها، ثمَّ ردّها استأنف.
وإن تزوّجها بلا شهود فظاهر منها فكفَّر فلا تجزيه حتَّى يشهد؛ وقيل: لا كفّارة عليه؛ وقيل: حيث كفَّر أجزاه إن أشهد بعد؛ وإن صام شهرًا ثمَّ أشهد فلا يبني عليه. وإن ظاهر منها فطلّقها فصام قبل خروج (1) عدّتها أجزاه.
وإن أخذ فيه فجنّ فصام باقية في جنونه لم يجزه؛ وإن نام فيه أيَّاما أجزاه، لا إن أغمي عليه فيها؛ وإن أغمي عليه يوما بعد الفجر وقد بات عليه أجزاه يومه، لا إن أغمي عليه ليلا؛ وإن أخذ فيه فأجنب فنسي حتَّى مضت عليه أيّام انهدم عنه ما صام قبل؛ وإن جامع ناسيا سريّته أو التي لم يظاهر منها انهدم أيضا، ورخّص فيه.
وإن أخذ فيه فدخله مال فتلف [388] قبل أن يضيِّع فلا ينهدم؛ وإن ضيّع عتقا انهدم صومه، ولا يجزيه بعد.
__________
(1) () - ب: - «خروج». (5/401)
صفحة 2486
وإن ظاهرت هي منه كفَّرت كالرجل ولا تمنعه من وطئها إن لم تكن صائمة؛ وإن غلبها صائمة فلا يضرُّها وندب لها أن تعيد؛ وإن بانت قبل أن تكفِّر كفَّرت بعد.
وإن صام مظاهر أربعة لظهار ومغلَّظة لم يجزه لواحد وبانت منه، ورخّص؛ وكذا إن صام ثلاثا له ولقضاء رمضان، ورخّص. وإن صام شهرين وأخذ في الثّالث فانهدم عليه ردَّ الأولين للظهار (1)؛ وإن انهدم الثّاني ردّ الأوَّل للقضاء. وإن صام أربعة لأربعة نسوة خرجن بالإيلاء، وكذا شهرين أو ستّين عن امرأتين لا يجزيه ذلك.
فصل
من عجز عن عتق وصوم أطعم ستّين كما مرّ؛ وإن أطعمهم أكلة فمسّ حرمت عليه؛ وقيل: غير ذلك.
ورخّص في إطعام أهل العهد من الكتابيِّين.
ويطعم الغداء ويكتال للعشاء، ويطعم البرّ غداء والشّعير عشاء، أو خبزهما مختلطًا. ولا يجده في كيل إلاّ إن أعطاهما على شعير. وإن أخلط تمرا أو زبيبا أجزاه على التّمر لا على الزّبيب. وإن أطعم مساكين عشاءهم على كفّارة ثمَّ لم يجدهم فأطعم عليها آخرين (2) الغداء والعشاء، ثمَّ وجدهم فلا يجزيه أن يطعمهم الغداء لأخرى، ولكن يستأنف لها الإطعام.
وإن أطعم مساكين لكفّارتين عشاء ولم يقصد واحدة فمضوا ولم يجدهم، ثمَّ أطعم آخرين الغداء والعشاء ولم يعيّنهم لواحدة أيضا، ثمَّ وجد الأوَّلين فليطعمهم أكلة أخرى، ويجزيه ذلك عليهما؛ وإن عنى بالآخرين لواحدة فوجد الأوّلين فلا يطعمهم على الأخرى أخرى، بل يجدّد لها إطعاما؛ وقيل: يجزيه أن يطعمهم أخرى.
__________
(1) () - ب: «لظهار».
(2) () - ب: «آخرين عليها». (5/402)
صفحة 2487
وإن أطعمهم واحدة فاستطاع الصّوم أو أصاب الرّقبة صام أو أعتق، ورخِّص له أن يتمَّ الإطعام، ويجزيه لدخوله فيه بموجبه؛ وإن لم يكفر حتَّى لم يبق له إلاّ يوم وليلة فلا يطعمهم على واحدة، ويكتال على الأخرى، ورخِّص.
وكذا إن ظاهر رجلان لا يطعمهم واحد، ويكتال لهم الآخر، ورخّص. وإن لم يبق إلاّ يوم رخِّص له أن يطعمهم أو يكتال لهم غداء اليوم والعشاء على الرّخصة. وكذا إن كانت عليه أكثر من كفّارة اكتال على كلٍّ لستِّين على حدة، لا لمن اكتال لهم في ذلك اليوم، ولكن يستأنف ستِّين لكلّ.
ويكتال رجلان لهم في يوم (1)؛ ولا يجزي الأخيران إطعامهم معا فيه.
وإن أمسك عشرة أو ثلاثة فأطعمهم ستَّة أيَّام أو عشرين أجزاه (2)، ورخّص له في واحد. ولا يجزي أن يطعمهم بعض الغداء ويكتال لهم بعضه (3). وإن أطعمهم التّين أو سقاهم اللبن، ثمَّ من الحبوب حتَّى شبعوا أجزاه.
وإن أطعم مساكين فخرجوا عبيدا أو أغنياء أعاد؛ وإن مسّ بعدما علم قبل أن يعيد حرمت عليه؛ وقيل: ولو لم يعلم؛ وإن غلط بثلاثة أجزاه أن يطعمهم؛ وإن غلط بأكثر فمسّ قبل أن يطعمهم أو يكتال حرمت عليه.
وروي: «خير إدامكم اللحم». وأوسطه: اللبن، وأدناه: الزّيت والحليب والشّحم والمرق والجبن والعسل، والمخّ إدام؛ وقيل: إن البصل والكرات والفول والعدس وجميع القطاني والبقول إذا طبخت إدام، لا الملح وحده. وقيل: إدام.
ويجزي كيل الزبيب (4) والتّمر لا إطعامهما.
__________
(1) () - ب: + «واحد».
(2) () - ب: «أجزاهم».
(3) () - ب: «بعض».
(4) () - ب: «الزيت». (5/403)
صفحة 2488
الباب السّابع والتّسعون
في الإيلاء
قال الله سبحانه: {لِلذين يُولُون من نِّسآئِهِم ... } (1) إلى { ... عليمٌ} (البقرة: 226). وعزم الطّلاق أن يترك امرأته ليمينه؛ فإن تركها حتَّى مضت أربعة طلّقت؛ فإن فاء وجامعها دونها كفَّرها، ولا تبين منه إن حلف لا بطلاق أو ظهار؛ وإن حلف بطلاق لا يمسّها وأراد أن لا تخرج بالإيلاء أرخى السّتر وأحضر أمناء، فإذا وجب عليه الغسل أشهدهم على مراجعتها، ولا يتقدّم ولا يتأخّر حتَّى يشهدهم؛ وقيل: إذا وجب تأخَّر ثمَّ أشهد بعدما نزع؛ وقيل: غير ذلك؛ وقيل: يحنث نفسه بالنّوى ويعزم على المسّ، ثمَّ يشهد على المراجعة.
وإن حلف بظهارها لا يمسّها أحضر رقبة إذا وجب عليه فيعتقها؛ وقيل: يدبرها إلى حنثه وكلّ يمين حلف به، وإن بعتق أو ظهار أو نذر أو هدي أن لا يمسّها فإذا تركها من أجلها حتَّى مضت أربعة بانت به بتطليقة وهي أملك بنفسها؛ فإن تزوّجها فهي عنده على تطليقتين ولا عدَّة عليها إذا بانت [389] بالإيلاء وهي عدَّة سبقت طلاقها؛ وقيل: لزمتها له ولغيره؛ وقيل: لغيره فقط لا له.
ومن آلى من امرأته وجعل أجله ما دون (2) أربعة فتركها أربعة فلا تبين به؛ وقيل: إن تركها من أجله حتَّى مضت بانت به؛ وإن أجّل له أكثر منها بانت بمضّيها.
وعن عمروس: إن حلف على المكان فلا تخرج بالإيلاء؛ وإن حلف على البدن خرجت به، وذلك إذا حلف لا يمسّها في معلوم فله أن يطأها في غيره ولا تبين به؛
__________
(1) () - في النسختين: «والذين ... » وهو خطأ.
(2) () - ب: «فيما دون». (5/404)
صفحة 2489
وإن حلف لا يطأها إلاّ في معلوم فلا تبين أيضًا، وله وطؤها في المستثنى. وإن حلف بطلاقها لا يمسّها، أو أن يمسّها في معلوم بانت إن تركها حتَّى مضت أربعة؛ وقيل: لا تبين لأنَّه له أن يمسّها؛ وإن حلف بطلاق أو ظهار أن يفعل أو إن لم يفعل فمعناه أن يفعل، ومعنى لا يفعل أو إن فعل لا يفعل؛ وإن حلف بذلك أن يفعل شيئًا أو أن يفعله غيره فلا يمسّها حتَّى يفعل؛ فإن فعل قبل أربعة برَّ يمينة؛ وإن مسّها قبل أن يفعل حرمت عليه؛ وإن تركها أربعة ولم يفعل بانت منه به؛ وإن حلف بذلك لا يفعل شيئًا فإنَّه يمسّها ما لم يفعله فإذا فعله لزمه الظّهار أو الطّلاق؛ وإن حلف به أن يفعل شيئًا وقتا معلوما فلا يمسّها حتَّى يفعله وحرمت عليه إن مسّها قبله؛ وقيل: له أن يمسّها ما لم يأت الأجل، فإذا جاء ولم يفعل حنث بالطّلاق؛ وإن حلف بظهار أن يفعل معلوما في وقت معلوم فلا يمسّها حتَّى يفعله (1) فيه؛ فإن مسّها قبله حرمت عليه؛ وإن تركها أربعة قبل أن يحي الأجل بانت منه؛ وقيل: يمسّها ما لم يجئ فإذا جاء ولم يفعل لزمه الظّهار والإيلاء من حيث وجب عليه.
وإن حلف به أو بالطلاق لا يفعل شيئًا فبانت منه ففعله برئ (2) من يمينه، ولا يحنث إن رجعت إليه بعد إن فعله. وإن حلف بذلك أن يفعل شيئًا ممّا لا يفوته فخرجت من عصمته ففعله لم يبرَّ من يمينه؛ فإن رجعت إليه بعد فاليمين بحالها؛ فإن فات الشّيء في وقت خروجها منه ثمَّ رجعت إليه زالت اليمين عنه.
وإن ردّ أمرها بيد رجل على ماله عليه فلا يمسّها حتَّى يعطيه حقّه، وحرمت عليه إن مسّها، وإلاّ فلا تبين منه إن مضت أربعة؛ وإن قال لها أنت عليّ حرام فتركها أربعة لأجله بانت منه. وإن حلف بالله لا يمسّها فعاقه منها (3) مرض أو غيره؛ فإن
__________
(1) () - ب: «يفعلها».
(2) () - ب: «برَّ».
(3) () - ب: «منه». ويبدو أنَّه أصوب. (5/405)
صفحة 2490
لم يمسّها أربعة بانت منه به؛ وقيل: للمريض أن يجرَّ يده على جسدها ولا تخرج منه، ورخّص له أن ينوي في قلبه وطأها، ولا تخرج أيضا.
وإن حلف لا يمسّها إلاّ مرّة فإنَّه يتجنّبها حتَّى لا يبقي من السّتَّة (1) إلاّ أقلّ من أربعة ثمَّ يمسّها ولا تبين منه به؛ وقيل: تبين (2) إن تركها أربعة.
وإن آلى منها فكفَّر يمينه قبل أن يطأها فلا عليه، وإنّما يطأها أوّلا ثمَّ يكفّر؛ وإن كفّر وتركها حتَّى مضت أربعة فلا تبين منه؛ وإن آلى منها ثمَّ طلّقها واحدة فالطّلاق يهدم الإيلاء لا عكسه كما مرّ؛ وإن حلف لا يمسّها سنة أو أكثر بانت منه إن تركها أربعة؛ فإن جدّد نكاحها فلا يقربها حتَّى يكفرّ فإذا تركها أيضا أربعة بانت منه، فإن جدّد لها ثالثة فتركها فيها أيضًا بانت بثلاث، ولا تحلّ له حتَّى تنكح غيره كما مرّ.
وإذا كان أجله (3) أكثر من سنة فإنَّه يتركها إذا بانت بالإيلاء ولا يتزوّجها حتَّى إذا لم يبق منه إلاّ أقلُّ من أربعة فليتزوّجها ولا تبين منه بعد.
ومن إلى من أربعة بكلمة وحلف أن لا يمسّهنَّ فإنّما عليه واحدة؛ فإن آلى من كلٍّ على حدّة فعليه لكلٍّ كفّارة.
وإن حلف لامرأته بطلاقها أو ظهارها أن يتزوّج عليها فلا يمسّها حتَّى يفعل؛ فإن فعل دون أربعة برّ من يمينه وإلاّ بانت منه؛ وإن تزوّجها بعد أيضا فلا يمسّها أيضا حتَّى يتزوّج عليها وحرمت عليه إن مسّها؛ فإن تزوّجها بعد ثبت عليه الإيلاء؛ وإن لم يفعل حتَّى مضت أيضًا بانت منه بثلاث. وإن ظاهر منها أو آلى بأيمان في يوم فتمّت أربعة ولم يكفرها بانت بواحد؛ وإن حلف لا يمسّها فيما دون أو تاما فتركها أربعة بانت بالإيلاء؛ وقيل: لا إذ له أن يمسّها في غير ما حلف عليه.
__________
(1) () - ب: «السنة».
(2) () - ب: + «منه».
(3) () - ب: «أحله». (5/406)
صفحة 2491
وإن حلف لا يمسّها في الإبط أو نحوه من جسدها فلا تبين به.
ومن آلى عن غيره أو أمر عبده أو غيره أن يولي عليه أو يظاهر فلا إيلاء في ذلك؛ وإن أمر عبده أن يولي من امرأته بطلاق أو بظهار فآلى منها فتركها أربعة بانت منه؛ وإن مسّها وقع عليه.
ومن حلف لا يمسّها في حيض أو نفاس أو اعتكاف أو حرام أو بنهار في رمضان أو في ظهار أو طلاق أو نحو ذلك فتركها أربعة فلا تخرج منه بالإيلاء [390] لأنَّه ممنوع منها.
وإن هربت منه فحلف لا يمسّها ما دامت كذلك فلا تخرج به لأنّ له أن يمسّها ما لم ترجع إليه.
ومن تزوّج امرأة فكانت عند أهلها فمنعوه أن يجلبها حتَّى يأتي بما لها عليه (1) فحلف لا يمسّها بانت بالإيلاء إن تركها أربعة.
وكلّ يمين له أن يحلف به فلا تخرج به إن حلف به، وتخرج بما ليس له أن يحلف به.
وإن حلف لا يمسّها وبينهما مسيرة أكثر من أربعة فإنَّها تبين منه إن لم يمسّها حتَّى مضت أربعة.
وإن حلف المجبوب أو المستأصل أو العنِّين أو المفتول أو كلُّ من لا يصل إلى الفعل أن لا يمسّ امرأته فتركها أربعة بانت منه بالإيلاء؛ وقيل: لا.
ولا إيلاء في سريَّة.
__________
(1) () - ب: «عليها». وهو خطأ. (5/407)
صفحة 2492
الباب الثّامن والتّسعون
في نفقة النّساء على أزواجهنَّ
قال الله تعالى: {الرِّجالُ قَوَّامُونَ على النِّسآءِ ... } الآية (النساء: 34). وقال أيضا: {ولاَ تُوتُوا السُّفَهَآءَ امْوَالَكُم ... } (النساء: 5). أي النّساء والعبيد.
وروي أنّ هند اشتكت إلى رسول الله (1) صلَّى الله عليه وسلَّم من زوجها أبي سفيان أنَّه قطع عنها وعن أولادها النّفقة فأمرها أن تأخذها من ماله.
وعلى الرّجل نفقة امرأته بمعروف على قدره، قال تعالى: {لِيُنْفِقْ ذو سَعَةٍ مِّنْ سَعَتِهِ ... } الآية (الطلاق: 7). ولا تلزمه لبكر إن تزوّجها ولا كسوتها حتَّى يجلبها أو يطلب إليه جلبها، أو تمنع منه حتَّى يأتي بشروطها بعدما قيل له: اجلبها؛ وكذا إن طلبته المرأة أن يجلبها ومنعها أبوها، كما لا يحلّ له أو الغاصب على كره منها، لزمته في ذلك لا إن أراد جلبها وقد أتى بشروطها فأبت منه. وإن زوّجها غير الأب لزمته ولو لم يجلبها بالغة كانت أو طفلة.
ولزمته إن تزوَّج ثيبا من حيث تزوّجها؛ وكذا إن جلب ولو مشركة لا أمة، إلاّ إن قطعها عن ربّها ولا تخدمه وقد مرَّ. وتلزمه لمعيبة كرتق وبرص ما لم يفارقها ولو لم تشتغل بمداواة نفسها.
وعلى أب الطّفل نفقة امرأته إن جلبها له من ماله إن كان له، وإلاّ فمن مال الأب وكذا المجنون، ولزوجة عبده إن كانت حرّة وجلبها، ويجبر عليها، لا إن كانت أمة ولو جلبها؛ وقيل: تلزمه إن جلبها لا لمن تزوّجها موقوفا حتَّى يتمَّ نكاحها.
__________
(1) () - ب: «إلى النبيء». (5/408)
صفحة 2493
وإن تزوّجها بعاجل أو بلا فرض فمنعته حتَّى يؤدِّي أو يفرض لها لزمته لا إن منعته بعدهما ولا لعاصية وناشزة ولا أمة إن منعها سيّدها، ولا لهاربة ومرتدّة. وإن منعها (1) منه أبوها لا هي فلا يسقط حقّها إلاّ إن طاوعت (2).
ولا حقّ أمة وطفلة ومجنونة بعصيانهنَّ، ولا يمنع وليّها، ولا حقَّ قاتلة وطاعنة (3) ومانعة من حقّ؛ وإن تابت مانعة لحقّها ومبطلة لصداقها ثبت لهما.
ومن غصبت منه امرأته أو نزعت منه بحكم فلا تلزمه حقوقها؛ ولا لبائنة منه؛ وقيل: لها النّفقة والسّكنى إذا منعها حتَّى تعتدّ؛ ولا لسّريَّته إذا أعتقها؛ ولا لزوجته الأمة أو الطّفلة أو المجنونة إذا عتقت أو بلغت أو أفاقت فاختارت نفسها؛ ولا لمختارة من معيب بعد مسّها؛ ولا لزوجة طفل أو مجنون إذا بلغ أو أفاق فاختار نفسه. وكذا كلُّ (4) من تزوّج فاسدا ثمَّ تبيّن فساده؛ ولا يدرك هو أيضا ما أنفق عليها قبل أن يعلم؛ ولا لمسلمة على زوجها المشرك، لأنّ التّوحيد قطع بينهما ولو حاملا؛ ولا لبائنة بثلاث أو فداء أو غيرهما ولو حاملا عند أبي عمران؛ ولها النّفقة عند ويسلان؛ ولها النّفقة والسكنى عند ابن عبد العزيز ولو غير حامل في العدَّة، لأنَّها ممنوعة؛ ولحامل عنده ولو ارتدَّت حتَّى تضع.
ومن تزوّج امرأة فدخل عليها فبانت أنَّها محرمته فعليه نفقتها وكسوتها حتَّى تعتدّ، وكلُّ من لا يصل إلى نكاح زوجته كعنِّين فعليه ذلك ما لم يفترقا.
ابن عبد العزيز: من تزوّج صغيرة لا يمكنه جماعها لصغرها فلا يلزمه ذلك لها ما دامت كذلك، والمختار أنَّه يلزمه. وإذا أنفق على أنَّها (5) زوجته أو حامل بعدما
__________
(1) () - ب: «منعه».
(2) () - ب: «طاوعته».
(3) () - ب: «طاعنة وقاتلة».
(4) () - ب: - «كلُّ».
(5) () - ب: «أنَّه». (5/409)
صفحة 2494
بانت منه، أو على مطلّقة ملك رجعتها بعد انقضاء عدّتها ولم يعلم به، ثمَّ بان أنَّها ليست كذلك، أو أنفقها بعده، فله أن يغرمها ذلك.
ومن تزوّج امرأة فسبقه إليها متعدّ عليها فمسّها فاعتزلها حتَّى تعتدّ فعليه لها ذلك كالمفقود إن قدم فاختارها من حين اختارها، إلاّ إن حملت فعلى الأخير نفقتها؛ وقيل: على الأوَّل. وإن وهلت بثلاثة فبان لها غلطها فعليه نفقتها فيها إن ملك رجعتها. (5/410)
صفحة 2495
الباب التّاسع والتّسعون
فيما للمرأة على زوجها
وتدرك عليه نفقتها وكسوتها وسكناها على عسره ويسره، ولا ينظر إلى شرفها؛ وإن كان [391] غنّيا أدركتها عليه كمثله من بلده، ويوسِّع عليها فيها بإدام لغداء وعشاء، واللحم في كلِّ جمعة بنظر العدول، وزيتا تظفر به فيها، وماء تغسل به لصلاتها؛ لا عطرا، إلاَّ إن تطوّع به.
فإن كان في بلد الفاكهة والرّطب نظروا لها فيما يعطيها من ذلك فوق نفقتها؛ وإن كان وسطا فهو كمثله من بلده بنظر المسلمين. وعليه إدام طعامها وزيتا للظّفر، ولحما مرّتين في الشّهر بنظرهم؛ وقيل: قدر إدامها ملء بيضة الدّجاجة؛ وقيل: يصبّ الزّيت على الطّعام حتَّى تلتقي (1) أطرافه.
ونفقة الفقير على قدر معيشة أدنى (2) البلد بالنّظر. ولا تدرك عليه لحما ولا إداما؛ وإن تنازعا عليها نظروا لها في عسره ويسره. وإن أعطى لها ثريدا (3) لم يلزمه غيره. وإن أعطى لها شعيرًا ونحوه فليحضر لها ما تعمل به طعامها وما تستغني عنه من الأداة وماء وما تحتاج إليه شتاء وصيفًا.
وإن استعار أداة تعمل به طعامها أو ما تمسك فيه الماء أو غير ذلك أجزاه، وليس
__________
(1) () - ب: «يلتقي».
(2) () - ب: «أدنى معيشة».
(3) () - وردت هذه الكلمة ومشتقَّاتها في النسختين بتاء مثنَّاة وصحَّحناها فيما سيأتي دون الإشارة إلى ذلك. (5/411)
صفحة 2496
لها (1) عليه أن يأتي بذلك من ماله؛ وإن لم يأتها بكلّ ما تدركه عليه أخذته من ماله.
ولا تدرك عليه مرودا ولا مكحلة ولا مشطا ولا حنَّاء، إلاّ إن اضطرّت إليه، وتشتريه أيضا من ماله؛ وإن قالت: أنا أعمل طعامي بيدي، وقال هو: أعطيه لك معمولا، فالقول قوله، إلاّ إن طعنت في عمله وخافت منه ضررا فينظر فيه؛ فإن اتّهموه أعطاها أن تعمل بنفسها أو بمن تطمئنُّ به؛ وإن قالت: لا آخذه إلاّ معمولا مثرَّدا، وقال: لها اِعملي لنفسك، فالقول قولها. وإن أعطاها غداءها فأكلت منه (2) فلها أن ترفع الفضل إلى وقت احتياجها، ولا يجوز له أخذه؛ وإن لم تأكل منه وقالت: أرفعه إلى وقت احتياجي جاز لها؛ وإن لم تأكله حتَّى العشاء فلتأكله له أو تردّه إليه، ويعطيها جديدًا.
ولا يحلُّ لها أن تتَّجر بفضل طعامها ولا بنفقتها وتأكل من مالها، وذلك له، ولا عناء لها في تجارتها في ذلك، ولا عوض لها عليه فيما أكلت من مالها، ولا لها ما أنفقته ونفسها منه (3) ولم تقاصصه فيه؛ وإن استمسكت به فيه فلا تدركه عليه؛ وقيل: تدرك ما أنفقت عليه. ولا لها أن تعطي من نفقتها، ورخِّص لها للسَّائل.
ولا يضيق عليها أن تنحّي منها غير زوجها، أو من تلزمه نفقته؛ وقيل: كلُّ ما حكم لها به لنفقتها فهو لها، وعليها أن تنحّي به غيرها. وإن مات أو بانت منه قبل أن تأكله فهو له أو لوارثه على الأوَّل، ويدرك عليها النّوى والنّخالة إن طلبهما، وإلاّ فلها أن تشتري بهما ما تحتاج إليه.
ولها أن ترجع عليه بنفقتها ثانيّة إن تلفت بلا تضييعها، لا إن ضيّعتها؛ وقيل:
__________
(1) () - ب: - «لها».
(2) () - ب: - «فأكلت منه».
(3) () - ب: «من مالها». (5/412)
صفحة 2497
تدركها عليه وتغرم له (1) ما ضيّعت.
ولا يحكم لها عليه بأكثر من غداء وعشاء؛ وقيل: ليس لها إلاّ نفقة نوبة؛ وقيل: النّظر في ذلك إلى الحاكم أو الجماعة؛ فإن رأوها لسبعة أو شهر أو غيرهما حكموا لها به. ومن تعدّى فيها وأكلها أو أفسدها فهل يغرمها له أو لها؟ قولان؛ وكذا في الحمل.
وإن أبرأته منها قبل أن يحكم لها بها أو بعد الفرض لها فلا عليه؛ وإن طلبتها إليه بعدُ أعطاها لها، ولا عليه فيما مضى؛ وكذا إن منعها لها زمانا فاستمسكت به بعدُ أدركتها عليه في مستقبل لا في ماض.
وإن كان عليها دين فاستمسكت به فيها فقال لها: أنفقي نفسك ممّا لي عليك فلا ينصت إليه ولكن يدفعها إليها ويدرك عليها دينه؛ وإن مات الفارض لها أو عزل فاختلفا فيما فرض لها فالقول قوله فيما مضى وليدفع لها في مستقبل وكذا إن أصدقته؛ وإن ادّعت أن ما أعطاها لا يقوم بها نظروا في ذلك فيجعلوا لها ما يقوتها.
فصل
إن فرض حاكم أو جماعة نفقة امرأة على موسر أو معسر فتحوّل الغني إلى الأوسط أو إلى الفقير فرضوها أيضًا بقدر ما انتقل إليه. وإن ادّعت أنَّه يجعل لها ما يضرّها في طعامها نظروا فيه ويجعلون لها عليه أمينا؛ فإن طلبت حميلا فيها عليه وهو حاضر فلا ينصت إليها.
وإن أراد سفرا فلها عليه أن يعطيها ما يكفيها حتَّى يرجع، أو حميلا بمقامه، ولها عليه ما على الزّوج ويجبر [392] عليها الحميل إن كان مليّا، وإلاّ فلا.
وإن طلّقها بائنا فادّعت أنَّها حامل لتأخذها منه نظرها الأمينات؛ فإن قلن: هي حامل أنفقها. وإن أراد سفرا فمنعته حتَّى يعطيها حميلا ولعلّها حامل فلا ينصت إليها
__________
(1) () - ب: «لها». وهو خطأ. (5/413)
صفحة 2498
حتَّى يتبيّن حملها؛ وإن سافر ثمَّ بان بها فأنفقت نفسها على أن تدركها عليه فلا لها عليه شيء إن لم ترفع أمرها إلى الحاكم أو الجماعة فيأمرونها بذلك، فكلّ ما أمروها به أدركته عليه إذا قدم. وكذا إن غاب عنها وأنفقت من مالها لا تدركه عليه إلاّ إن رفعت إليهم فأمروها؛ ولا ما أخذت من دَين لنفقتها إلاَّ إن رفعت أيضًا؛ فإذا قدم فادَّعى أنَّه لم يسافر حتَّى ترك لها نفقتها أو أرسلها لها وكذَّبته كلِّف البيان. وإن رفعت أمرها إلى الحاكم فباع من ماله لنفقتها، فقدم وأتى ببيِّنة أنَّه تركها لها حين سافر، ولم تدَّع تلفها فإنَّها تغرم له (1) ذلك ومضى فعل الحاكم.
وإن أبى أن ينفق أجبره الحاكم أو الجماعة بالسَّوط حتَّى ينفق أو يطلّق بلا نهاية حتَّى يفعل ولا يأمرونه بالطّلاق؛ فإن طلّقها في حاله جاز طلاقها، ولا يملك رجعتها ولا يراجعها إن تموَّل بعدُ إلاّ برضاها؛ وقيل: يراجعها إن أيسر بدونه؛ وقيل: يقول له الحاكم: أنفقها وإلاّ طلّقها. وإن أجبره عليها وكانت في حيض فليس له أن يطلّقها فيه إن كان ملِّيًّا، وإلاّ فالوقف فيه؛ وإن تشاكلت مع امرأة أو مع نساء (2) فادّعت كلٌّ أنَّها زوجته فلا يجبر عليها، وكذا وليّها إن استمسك به عليها وقد اختلط مع غيره حتَّى لا يفرز.
وإن ادّعى رجلان امرأة كلٌّ يدَّعيها له فاشتغلا بالخصومة فإنَّهما ينفقانها حتَّى يأتي كلّ ببيِّنة ويأخذهما الحاكم بطلاقها؛ وإن حُكمت لأحدهما فلا يدرك على صاحبها ما أنفق عليها؛ وإن صدَّقت أحدهما وكذَّبت الآخر أو كذّبتهما فلا تدرك على من كذَّبته شيئًا، وكذا إن صدَّقتهما لا تدركها عليهما.
وكذا إن ادّعت امرأة على زوجها أنَّه طلّقها ثلاثا أو فادها، أو فعل ما يحرِّمها عليه، أو أنَّه محرمها، أو تزوّجها فاسدا فأنكر قولها، فلا تدرك عليه شيئًا. وكذا إن غاب فادّعت موته فلا تدركها عليه، ولو كذّبت نفسها؛ وقيل: تدركها إن كذّبتها في
__________
(1) () - ب: «لها». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «أو مع نساء». (5/414)
صفحة 2499
كلّ ذلك.
وإن ادّعى أنَّه طلّقها ثلاثا أو فاداها أو فعل ما يحرِّمها، وبان الفعل وأنكرت فليس عليه نفقتها؛ وقيل: لها النفقة في الفداء بإقراره به. وإن ادّعى أنَّ نكاحها فاسد، وأنَّها حرمت عليه بطل قوله ولزمته.
ويجبر الأب على نفقة زوجة طفله أو مجنونه من ماله إن كان له، وإلاّ فمن مال الأب إن كان له، وإلاّ فلا يجبر على شيء. ويجبر خليفة يتيم على نفقة امرأته وأزواج عبيده إن كان له مال وإلاّ فلا يجبر. وكذا خليفة الغائب إن كان له مال.
وكلّ من لا يجوز طلاقه على غيره فلا يجبر على النّفقة إن لم يكن ما ينفق منه. ويجبر على نفقة زوجة عبده الحرَّةِ بالسياط حتَّى ينفق أو يطلّق. ولا يجبر العبد عليها إن لم يحضر سيّده، أو كان طفلا أو مجنونا، وترفع أمرها إلى الحاكم أو الجماعة فيستخلفون للطّفل أو المجنون.
وتجبر امرأة على نفقة زوجة عبدها الحرّة؛ وكذا الشّركاء فيه؛ وإن غاب بعضهم أو كان طفلا أو مجنونا، فإن كان له خليفة أجبره الحاكم، وإلاّ رفعت أمرها إليه أو إلى الجماعة فيأخذون وليّه بالاستخلاف عليه. ويجبر من حضر من الشّركاء أن ينفق بقدر منابه فيه؛ وإن احتاج أخذ بنفقته من كان بيده إن لم يحضر شريكه، ويدرك عليه ما أنفق إذا قدم.
ومن غاب عن زوجته ولم يدع لها نفقتها رفعت أمرها إلى الحاكم فيفرض لها عليه بقدره؛ وإن لم يكن له إلاَّ أصل أو ما يحتاج إلى بيع، جعل له خليفة يبيع منه بقدر نفقتها حتَّى يجيء، وكذا خليفته؛ فإن لم يترك مالاً في منزله وله مال في غيره فلا تدرك شيئًا؛ وقيل: لها أن يستخلف أولياؤه من يدين إليه فينفقها؛ وقيل: يأمرها الحاكم أو الجماعة أن تدين إليه بحضرة عدول وتدركه عليه إذا قدم؛ وإن لم يكن له مال ولم يحضر أدركت نفقتها على وليّها؛ وإن حضر معها في المنزل ولا مال له، فإمَّا (5/415)
صفحة 2500
أن ينفق أو يطلِّق ولا [393] يعذر؛ وقيل: يجبر على نفقتها إن كان معدما، وتدركها على وليّها.
وإن كان فقيرا وهي غنيَّة فلا له عليها نفقة؛ وقيل: غير ذلك.
وإن تشاجرَا في أولادهما فقالت: لا أسكن معهم ولا أعمل لهم، قُبل قولها، ولا يدرك هو عليها ذلك؛ وإن أرادت (1) أن تكون معهم وتعمل لهم وأبى نظر الحاكم أو الجماعة في ذلك؛ فإن كان لا يضرّ ذلك بهم قبل قوله؛ وإن اضرَّ تركوا معها وينفقهم؛ وإن لم يكن عنده إلاّ قدرها أو قدرهم أجبر أن ينفقها، ويدرك نفقته ونفقتهم على وليّهم.
ومن باع عبده موقوفا أجبر على نفقة زوجته الحرَّة حتَّى يتمّ البيع؛ وكذا إن رهنه أو دبره أو أبق منه أو غصب فعليه نفقتها حتَّى يباع أو يموت أو يعتق؛ فإن طلَّق عليه بائنا فلا تلزمه نفقتها بعد ولو حاملا أو كانت في العدَّة؛ فإن عُتق بعدما طلّق عليه ربّه أنفقها هو لا ربّه إن كانت حاملا حتَّى تضع.
ومن فارق حاملا ولا مال له ثمَّ تموَّل أنفق عليها حتَّى تضع؛ وهل من حين دخله المال أو على ما مضى أيضا؟ فيه تردُّدٌ، والأظهر الأوَّل.
__________
(1) () - ب: «أردت». ولا معنى له. (5/416)
صفحة 2501
الباب المائة
في كسوة المرأة على زوجها
وعليه أن يكسوها على قدره.
وذكروا في كسوة الغنيِّ أنَّها ستَّة أثواب: قميص وملحفة ورداء وخمار ومربع ووقاية، ويجعل لها خفًّا وقرقا.
وعلى الأوسط: قميص وحولية ومقنع ومربع ووقاية وقرق.
وعلى الفقير: عباءة ووقاية.
ولا تدرك الأمّة على زوجها كسوة؛ وقيل: إن جلبها أدركتها عليه كنفقتها. وتدركها حرّة تحت عبد على ربّه.
وإنّما يحكم الحاكم بكسوة السنة؛ فإن دفعها إليها ولبست من مالها إلى المستقبل فلا تدركها فيه عليه ما دامت عندها تلك؛ وإن باعتها أو أتلفتها فلتغرم قيمتها له، وترك عليه كسوتها. وقيل: إن أعطاها كسوة سنة فأتلفتها أو أفسدتها فلا تدركها عليه إلى المدَّة؛ وإن تلفت لا بتضييعها أدركتها عليه من حينها؛ وقيل: إن أعطاها فانخرقت أو انفتقت فليس عليه إصلاحها إن كان ذلك بسببها، وإلاّ لزمه.
وإن لبست من مالها ثمَّ قالت له: أغرم لي ما لبست من مالي، فلا يشتغل بها، وتدركها عليه في مستقبل. وإن كساها من ماله فمات أحدهما أو بانت منه ردّت إلى الزّوج أو إلى وارثه. وإنَّما يفرض الحاكم لها فيها ما يسترها على قدرها. ولا تدرك عليه ما تصلّي به فوق كسوتها. وتدرك عليه دثارها في الشتاء وفراشها في الصّيف، لا حليًّا، ولا تحضر به عرسا. (5/417)
صفحة 2502
وإن دفع لها كسوتها فقالت: هي منك لي هديّة، فقال لها: إنَّها الواجبة لك عليَّ، فالقول قولها؛ وقيل: إن كانت لا تشبه ما يجب لها عليه فالقول قولها.
وعليه إن توسّخت أو تنجَّست غسلها!، ولها أن تغسلها، ويعطي الأجرة لغاسلها. (5/418)
صفحة 2503
الباب الأوَّل بعد المائة
في سكنى المرأة على زوجها
ويجب لها عليه على عسره ويسره. قال (1) تعالى: {اَسكنُوهنَّ من حيثُ سكنتُم من وجدكم ... } الآية (الطلاق: 6). وندب لمن قدر أن يوسِّع في السكنى، لأنَّه يوسّع العقل، ويحسِّن الأخلاق، ويورث الغنى. وضيق المسكن يورث ضدَّ ذلك.
وعليه سكناها على قدر سيرة بلده. وإن تشاجرا فيه وكانا في واسع فأراد أن يردّها في أضيق منه فلا يجوز له؛ وقيل: يردّها إلى ما رآه العدول؛ وإن استمسكت به إلى الحاكم على سكناها أمره أن يجعل لها بيتا تسكن فيه إن كان من أهل البيوت؛ وإن كان من أهل الخصوص والأخبية أجبره أن يجعل لها ما تسكن من ذلك.
وإنَّما تدرك عليه ما ترقد فيه وتمدُّ رجلها، وتصلّي قائمة تركع وتسجد، وتضع فيه ما لا تستغني عنه من الآنية.
وإن جعل لها بيتا فمنعها من الخروج منه، فإن أتاها بحوائجها وما يجب لها فلا تخرج إلاّ بإذنه؛ وإن استمسكت (2) به إلى الحاكم أو الجماعة أن تخرج منه وقد أتاها بذلك حجروا عليها أن تخرج إلاّ بإذنه؛ فإن كسرت الحجر أخرجوا منها الحقّ. وإن لم يأت بحوائجها لها فلها أن تخرج إلى ما تحتاج إليه ولا تشتغل بمنعه لها.
وإن أراد أن يمنع عنها داخلا إليها أو محدِّثا لها، أو مؤنسا ولو من خارج البيت فله ذلك؛ وإن اشتكت بالوحشة أمروه أن يؤنسها بنفسه أو بغيره مِمَّن لا يخاف منه
__________
(1) () - ب: + «الله».
(2) () - أ (هامش): «لعلَّه: واستمسك بها كما بالأصل». وفي ب (هامش): «لعلَّه لو استمسك بها». (5/419)
صفحة 2504
ضرٌّ، أو أن تدخل إليها [394] أمُّها وأختها لتزورها من جمعة إلى أخرى.
وإن جعلها في بيت أو خصٍّ فلها أن تخرج منه إلى ما لا بدَّ لها منه، إلاّ إن كان في الدّار فلها أن تخرج فيها. ولا تقعد خارجا من بيتها أو خصِّها لتنظر من يمرّ عليها. ولا يغلق عليها بابا فيه إلاّ في وقت حاجتها إلى ذلك؛ وإن كانت في خصّ فأرادت أن تفتح أبوابه فمنعها، فإن رأى المسلمون أن يجعلوا لها بابا أو بابين فعلوا باجتهادهم. ولا تجد أن ترقد خارج البيت في الصّيف إلاّ إن اضطرَّت إليه، فينظرون في أمرها ويبنون لها خصًّا عند أمين يحفظها ويخبر الجماعة بمن ظلم منهما؛ فإن لم يجدوا أمينا فأمينة. ولا يسكنها في طرف المنزل ولا فيما تخاف فيه، وله أن يسكنها في عارية أو بكراء.
ولا يمنع عنها ــ قيل ــ أبويها ولا أولادها ولا من يمرُّ بها ولا عبيدها، إلاّ من خاف منه ضرًّا. ويمنعها أن تعين نفسها بعمل، ولا له عليها أن تعمل له شيئًا إلاّ برضاها. وليس لها أن تخرج إلى عملها، وتأمر من يقوم بشغلها.
ولها أن تخرج إلى تنجية مالها أو نفسٍ ما، وكلِّ ما بيدها؛ وأن تخرج من ذلك البيت إن بان فيه خوف مضرّة لها كهدم أو حريق أو غيرهما. ولا يدرك عليها أن تسكن معها غيرها كضرّتها أو أولادها أو غيرهم، إن لم ترد.
ولا يحجر على زوجته الأمة كحرَّة؛ وإن تزوَّجها على عبده فتشاجر معها دون العبد فله أن يحجر عليها أن لا تخرج من بيتها إن أتاها بحوائجها ولو لم يرد العبد، ولا يجد هو ذلك بلا إذن سيّده. وإن كان بين شركاء فأراد أحدهم أن يجحر عليها أن لا تخرج من بيتها بلا اتِّفاقهم فلا يجده حتَّى يتّفقوا.
ومن أراد أن يحجر على زوجة طفله أو مجنونه على ذلك كان له إن أتاها بحوائجها؛ ولا يشتغل بهما في ذلك حتَّى يبلغ أو يفيق؛ وكذا نساء عبيدها، ونساء من استخلف عليه ونساء عبيده إن رآه أصلح. (5/420)
صفحة 2505
الباب الثّاني بعد المائة
في العدالة بين الأزواج
قال الله تعالى: {ولن تَستَطِيعوا أن تعدِلوا بينَ النِّسآء ... } الآية (النساء: 129). وروي: «اتّقوا الله في النّساء فإنَّهنَّ أمانة في أعناقكم». وأيضا: «اتَّقوا الله في الضّعيفين: اليتيم والمرأة». وأيضا: «اتَّقوا الله في النّساء فإنَّهنّ عوان عندكم». وفي آخر خطبة كلِّ نبيء: «اتَّقوا الله في النّساء وما ملكت (1) اليمين». وروي أنَّه قال صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: «جعل الله سبحانه جهاد العدوّ درجة وفضيلة للمسلمين، ولا يمكن ذلك للنّساء لضعفهنَّ فجعل لهنَّ الجهاد في الصّبر على المضرَّات، فإن احتسبن وصبرن على ذلك فلهنَّ ما للمجاهدين».
ومن له أكثر من واحدة فعليه أن يعدل في الجماع، لا يفضّل شابّة أو جميلة على غيرها، ويعطي من كره منهنّ حقَّها أو يطلّقها. ويعدل بين طفلة وبالغة وحرّة وأمة وموحّدة وكتابيّة. وإن كنَّ صغيرات أو مجنونات أو معيبات أو مختلطات فليعدل بينهنّ. وعلى كلّ بالغ عاقل أن يعدل.
ومن تزوّج بكرًا (2) ولو كبيرة فلا يلزمه من حقوقها شيء حتَّى يجلبها أو يطلب أبوها إليه جلبها كما مرّ. وإن كانت يتيمة لزمته حقوقها ولو طفلة من حين تزوّجها؛ وقيل: حتَّى يجلبها؛ وكذا الثيِّب تلزمه من حين تزوّجها ولو كانت تحت أبيها.
__________
(1) () - ب: «ملك».
(2) () - ب: «بكر». وهو خطأ. (5/421)
صفحة 2506
وللمرأة عليه ليلة من أربع ويومها ولو لم تطلبه، إلاّ إن كانت حائضا أو نفساء أو مريضة، بحيث لا يصل إلى وطئها، ويمسّها مع ذلك إن شاء فيما دون؛ ويكون عندها يومها وليلها؛ وإن كانت عنده واحدة فقط ولا مشاجرة بينهما فمرَّة يعطيها أكثر من حقّها ومرّة يتباطأ عنها فلا عليه ما لم يرَ منها حرجا من ذلك؛ فإن حرجت منه أعطاها حقَّها؛ وإنَّما يعطيها حقّها أوَّلاً في ابتدائه؛ وقيل: يبتدئ بلياليه وأيَّامه، ثمَّ يعطيها حقّها؛ وإن تركت له ليلتها بطيب نفسها أجزاه في الماضي لا في المستقبل؛ وقيل: لا يجزيه الحلُّ فيما فرط فيه من ليلها ونهارها (1). ويخرج من أعضائه غدا.
وإن عصته في فراشها أو هربت منه سقط عنه حقّها كما مرّ.
وإن كانت لا تشتغل بنفسها ولا تغسل (2) من جنابة ولا تنظِّف فليس في تضييعها نفسها ما يسقط عنه واجبا لها عليه؛ وقيل: له أن يجتنبها تأديبا لها. وإن كانت له امرأتان ففعلت إحداهما [395] ذلك وضيّعت ما بينها وبينه رجع إلى ضرّتها حتَّى تتوب.
وإن تزوّجها بلا شهود أو فاسد أو ظاهر منها أو آلى أو أحرم أو اعتكف أو طلّقها رجعيّا، أو أحرمت هي أو اعتكفت بإذنه أو تزوّجها فسبق إلى مسّها ــ كما مرَّ ــ فليس عليه من ليلها ونهارها شيء ما منع من وطئها.
__________
(1) () - ب: «ونهار».
(2) () - ب: «تغتسل». (5/422)
صفحة 2507
الباب الثّالث بعد المائة
فيمن تزوّج امرأة على أخرى
فإذا أقام مع امرأة زمانا ثمَّ تزوّج عليها بكرا فلا يعدل حتَّى يجلبها؛ وإن كانت ثيِّبًا عدل مطلقا، فإذا جلب البكر على الأولى أقام عندها سبعا ثمَّ يعدل؛ وقيل: ثلاثا؛ وإن جلب ثيِّبًا على الأولى أعطى لها ثلاثا ثمَّ يعدل؛ وقيل: يومين؛ وقيل: يعدل من حين جلبها.
وإن تزوّج أربعا أو أقلّ فجلبهنَّ معا وفيهنّ بكر وثيِّب أو اتَّفقن فإنَّه يقرع، فمن وقعت عليها القرعة أعطاها لياليها، ثمَّ يقرع بين الباقيات كذلك إلى الأخيرة، ثمَّ يعدل؛ وقيل: يقرع بينهنّ أوّلا فيتتابعن كما تتابعت قرعتهنَّ؛ وقيل: يختار من شاء فيعطيها حسابها ممّا لبكر أو ثيِّب؛ وقيل: يقصد البكر؛ وقيل: (1) الثيِّب؛ وقيل: الكبيرة؛ وقيل: التي تزوّجها أوَّلاً، ثمَّ كذلك ... وليس عليه أن يعطي لكلٍّ عدد الليالي والأيّام أوّلا.
وإن كانت له امرأتان فأسكنهما في منزلين؛ فإن أمكنه أن يعطي لكلٍّ ليلة فعل، وإلاّ فليعدل بما قدر عليه؛ فإن تباطأ عند إحداهما في أموره فمنع فليس عليه العدل في ذلك، فإذا وصل إلى الأخرى أقام عندها كالأولى.
ومن جلب امرأة أخرى قبل أن يتمّ ليالي الأولى فإنَّه يتمّها لها، ثمَّ يعطي للأخرى حسابها ثمَّ يعدل؛ وقيل: يقصد الأخيرة فيتمّ لها ثمَّ يعدل. وإن جلب امرأتين فظاهر من إحداهما أو آلى أو طلّقها، ثمَّ كفر أو راجع فليس عليه (2) أن يعطي لها
__________
(1) () - ب: + «يقصد».
(2) () - ب: - «عليه». (5/423)
صفحة 2508
ما قام عند ضرّتها قبلُ. وإن بانت منه بفداء أو طلاق فتزوّجها جديدا أو راجعها في عدَّة الفداء أعطاها لياليها. وإن سافرت إحداهما وبقيت الأخرى عنده فليس عليه إذا رجعت أن يغرم لها ما قام عند ضرّتها ولو سافرت في حاجته؛ وقيل: إن سافر معها في حاجتها يغرم للباقية مثل ما مكث مع المسافرة.
ولا تمنعه عن السفر في طلب العلم أو المعيشة إذا ترك لها ما تحتاج إليه.
ولا يقيم عند إحداهما دون الأخرى (1) ما قدر أن ينتقل، وإلاّ فلا عليه.
وقد روي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم يمشي بين نسائه في مرضه، حتَّى اشتدّ عليه عند عائشة فاستأذنهنَّ في القعود عندها فإذنَّ له، مع أنَّه لا عدالة عليه.
وقيل: إنَّه إذا عجز عن المسير فإنَّه يرفع بين نسائه؛ وقيل: إذا مرض حتَّى لا يقدر على مسِّهنَّ أقام عند من شاء؛ وقيل: إذا أقام عند إحداهنَّ في مرضه حتَّى برئ فلا يلزمه أن يعطيهنّ مثل ما أقام عندها؛ وكذا إن جنّ فأفاق أو ارتدَّ ثمَّ أسلم فلا يلزمه ما مضى؛ وكذا إن ارتدّت إحداهنَّ ثمَّ أسلمت بعد زمان أو مرضت فاجتنبها بمرضها أو بحيضها أو نفاسها فلا يلزمه أن يعطي لها مثل ما أقام عند ضرّتها. وإن جنَّت إحداهنّ أعطاها ليلتها، وكذا الجرباء والمجذومة والمجذورة والبهقاء والبرصاء؛ وقيل: يعتزلها في كلّ ما يرجى برؤه حتَّى تبرأ منه، ويعطي حقّ التي لا يرجي برؤها.
وإذا مرض أو سافر فإذا برأ أو رجع أو زال مانعه فلا غرم عليه؛ وإن ترك إحدى نسائه زمانا ثمَّ تاب فلا غرم عليه في الماضي؛ وقيل: يغرم لها لياليها؛ وكذا إن كانت وحدها فترك حقّها ثمَّ تاب؛ وإن نزلت عليه مسألة فيما بينه وبين إحداهنّ فلا غرم عليه لها.
وإن تركت له ليلتها بطيب نفسها لم يجز له ولو كبيرة، فإما أن يعطيها حقّها أو يطلِّقها، ورخّص إن طابت نفسها، وأحبّت أن تقيم عنده كذلك.
__________
(1) () - ب: - «دون الأخرى». (5/424)
صفحة 2509
وروي أنَّه صلَّى الله [396] عليه وسلَّم كانت عنده سودة بنت زمعة، وهي كبيرة فأراد أن يطلّقها فكرهت، وقالت: «مالي أرب النّساء بالرّجال، وإنَّما أردت أن أحسب من نسائك، فاقسم يومي لمن شئت منهنَّ»، فقسمه لعائشة.
ومن له امرأتان ولم يصب نفسه إلى إحداهما فإنَّه يبقي في نفسه إذا بات عند التي يصيبها عندها حتَّى يعطيها حقّها؛ وقيل: يجرِّب نفسه إذا بات عندها، فإن لم يجدها فلا شيء عليه؛ وقيل: يقيم عندها حتَّى يعطيها حقَّها، وقيل: (1) لا ينظر إلى الليل والنّهار، وإنَّما عليه أن يعدل في عدد الأفعال وإنَّما عليه من حقّها من ليلها ونهارها ما يقدر عليه ولا يكلَّف غير طاقته ولا تمنعه عن شغله، ويصلّي النوافل فيهما؛ وقيل: السّنة فقط؛ وقيل: إذا كان منه مسٌّ فيهما فلا يلزمه استقصاء طاقته؛ وقيل: إذا أقام عندها فيهما ولم يمسَّها فليس عليه غير ذلك.
فصل
من عنده حرّة وموحدّة ومقابلتهما فإنَّه يعدل سواء؛ وقيل: للحرّة والموحِّدة لكلٍّ منهما ليلتان، ولكلٍّ من الأمة والكتابيّة ليلة. وكذا على العبد إن كانت عنده حرّة وأمة. وللرجل أن تأتيه كلٌّ من نسائه في ليلتها إلى بيته إن عدل بنفسه، ويوصل إليهنَّ حقوقهنَّ؛ وإذا مشى بينهنَّ انتقل بنفسه وسلاحه وفراشه إلى نوبة كلٍّ فيبيت عندها، ويقيم في النّهار إلى وقت جاءها فيه أمس، وله أن يبدأ بالنّهار؛ فإن بدأ به أقامه عندها مع الليل كعكسه، وينتقل إلى الأخرى بعدما أصبح إن بدأ بالنهار، ومن الغروب إن بدأ بالليل.
وإن أراد أن يسافر عن إحداهنَّ نظر إلى وقت خروجه من بيتها، فإن كان ينتقل إلى كلٍّ بالليل فخرج من عندها ليلاً نظر إلى رجوعه؛ فإن كان ليلا رجع إلى التي
__________
(1) () - ب: سقط «يجرِّب نفسه إذا بات عندها، فإن لم يجدها فلا شيء عليه؛ وقيل: يقيم عندها حتَّى يعطيها حقَّها، وقيل». انتقال نظر لتكرار: «حتَّى يعطيها حقَّها، وقيل». (5/425)
صفحة 2510
خرج منها وأقام عندها يومها وليلتها ولو طال سفره؛ وإن رجع نهارا قصد إليها وأقامه عندها، ثمَّ ينتقل إلى غيرها. وإن خرج من عندها نهارا، فإن رجع فيه قصد إليها فيه، ثمَّ ينتقل؛ وإن رجع ليلا قصد إلى التي لم يخرج من عندها؛ وإن رجع في يومه أو ليلته رجع إلى التي سافر من عندها؛ وإن ابتدأ بالنّهار ثمَّ سافر به ورجع فيه أيضا قصد إلى من سافر من عندها وأتمَّ لها بقيَّته والمستقبلة أيضا؛ وإن رجع ليلا أتمَّه لها؛ وإن سافر ليلا ورجع فيه أتمّه للتي خرج عنها؛ وإن رجع نهارا قصد إلى التي لم يخرج من عندها.
ولا يقصد بضيفه ولا بطعامه إلى التي لم يكن عندها؛ وقيل: يقصد به التي تقوم به وتحسن عمله إن كان غيره لا يفعل ذلك أو خاف منه ضرًّا فيه أو خيانة. ولا يطعمه إلاّ عند التي بات عندها.
ولا يسكنهنَّ في واحد ما وجد غيره؛ فإن اضطرَّ رقد مع كلٍّ في ليلتها.
ولا يطأها بمرأى أو مسمع من أخرى.
ولا يقصد إلى بيت إحداهنَّ بما أتى به من سفره أو غلَّته أو من صيده، بل يضعه بين بيوتهنَّ ويقسمه على قدر عيال كلٍّ؛ وإن كان له بيت على حدة وضعه فيه حتَّى يقسمه.
ويعطي للواحدة ليلة من أربع، وثلاث ليال له؛ ولاثنتين ليلتين وليلتان له؛ ولثلاث ثلاث (1)، وله واحدة؛ ولأربع أربع [كذا]، ولا شيء له.
وعن سعيد بن يخلف: للواحدة ليلة من ستّ عشرة؛ ولاثنتين ليلتان منها؛ وكذا للباقي بحسب ذلك، فتكون له اثنتا عشرة ليلة إن كانت له أربع.
وإن كانت له امرأتان جعل لنفسه ليلة بين ليلتهما. ولا يقصد بلياليه إلى واحدة
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «ثلاثًا». (5/426)
صفحة 2511
فقط؛ وقيل: له أن يفضل بها (1) على من شاء لا أن يمسَّ واحدة في ليلة أخرى، إلاّ إن عذرت بمرض أو حيض أو نفاس.
فإن أراد جماع إحداهنَّ في ليلة أخرى فلا تمتنع له، وعصت إن امتنعت. ولا يطيل القعود عندها في غير نوبتها،؛ فإن كانت له حاجة في بيتها قصدها ثمَّ خرج. وله أن يقعد في مجلس الذّكر في ليلة كلٍّ، وإن يتباطأ فيه ويرقد عندها. وإن أقام عندها أوّل اللّيل فخرج من عندها ولم يرجع لمانع حتَّى أصبح، أو منع من الدّخول من أوّله فتلك اللّيلة محسوبة لها؛ وإن منع فيها كلِّها أعطاها النّهار والمقبلة؛ وإن ابتدأ بالليّل ثمَّ أراد أن يعكس جاز له. وإن تباطأ في سفر ونسي التّي خرج من عندها فإنَّه يقرع بينهنَّ إذا رجع كأوَّل مرّة؛ ولا يقبل قول إحداهنَّ: إنَّها التي [397] خرج من عندها ولو أمينة؛ وإن صدَّقت إحداهنَّ صاحبتها فليقصد التي قالت: من عندها خرج حين صدقتها. وكذا إن مرض أو جنّ حتَّى لا يعرف من أين ابتدأ.
وإن أراد أن يعطي لثلاث لياليهنَّ ويستريح ليلة وأراد أن لا يتفاضلن فإنَّه يستريح بين الأولى والثّانية وبينها وبين الثّالثة كما مرّ بعد الليالي الأولى عند الجلب، ثمَّ يستريح بينهما وبين الأولى كذلك؛ وإن كانت له أربع فلا راحة له؛ وقيل: يستريح كما مرَّ، فيبتدئهنَّ إلى الرّابعة، ثمَّ يرجع إلى الأولى فيعطيها ليلتها ونهارها ثمَّ يستريح ثمَّ كذلك دأبه.
وإن أعطاهنَّ جميع ما يلزمه لهنَّ فله أن يفضّل من شاء منهنَّ بعد ذلك خفية؛ وإن أمكنه إخراجهنَّ إلى الرّبيع فعل، وإلاّ رفع من شاء منهنَّ ولا يحاور بينهنّ إن أمكنه إلاّ إن اضطرَّ.
ولا يقبح إحداهنّ في وجه الأخرى. ولا يخبر بعيبها ولا بسرّها.
__________
(1) () - ب: «به». (5/427)
صفحة 2512
الباب الرّابع بعد المائة
في حقوق الزّوج على الزّوجة
وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه قال: «لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرتها أن تسجد له تعظيما لحقّه». وقد سألت امرأة معاذ عن حقوقه فقال: «لو خرجت عنه ودخلت إليه فوجدته يسيل من أحد منخريه دم ومن الآخر قيح فلحستِها بلسانك ما أديّت حقّه»، فقامت عنه فحلفت لا تتزوّج أبدا.
وعن رجل قال لبنته: «أزوّجك لمن له عليك اثنان وسبعون حقّا»، فقالت له (1): «أردّها إلى ثلاثة (2): إذا دعاني أجبته؛ وإن أمرني أطعته؛ وإن نهاني انتهيت».
ومن حقوقه عليها أن لا تخونه في نفسها ولا في ماله؛ وأن لا تدخل في بيتها (3) من لا يريده؛ وإن لا تدع فراشه وطعامه لغيرها.
ولا يلزمها (4) في الحكم أن تقوم به في مرضه، ولا أن تسخّن له الماء، ولا أن تبرِّده، ولا أن تروِّحه، ولا أن تبخّره، ولا أن تفرش له، ولا أن تغسل ثيابه أو ثياب بنيه، ولا أن تربِّيهم!، إلاّ الرَّضاع.
ولها أن تطلبه أن يقوم معها أوقات الصّلاة إن خافت، ويعذر بذلك في التخلُّف عن الجماعة إن لم يجد غيره.
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: «ثلاث».
(3) () - ب: «بيته».
(4) () - ب: «يلزمه». (5/428)
صفحة 2513
وحرم عليها أن تلاحظه لحظة سوء؛ فإن فعلت ضرب في عينيها مسامير من نار غدًا (1)، إلاّ أن تتوب ولا تحقر طعامها منه؛ ولا تقول له: ماذا أصبت عندك؟ فإذا قالت له كذلك فإنَّها لا تشمُّ رائحة الجنّة. ولا تسأله الطّلاق إذا لم تخف حراما بينهما. وتتبسّم في وجهه إذا قدم من سفر (2). ويقال: «أحبَّ الله الضّحك في ثلاثة (3): ضحكها في وجهه، وضحك المرء عند المصيبة، وفي وجه الغريم، وبغضه في ثلاث: ضحك المرأة في وجه أجنبي، والضّحك عند مصيبة الغير، وفي مجلس الذّكر».
وتأخذ من يده سلاحه إذا قدم، وتنزع له نعليه، وتفرش له ولو بطرف ردائها. ولا يحلّ لها أن تعطي من ماله إلاّ بإذنه أو بعلمها بطيب نفسه بذلك؛ وتأخذ منه ما تحتاجه من نفقتها وكسوتها ودهنها إذا لم يعط لها كما مرَّ، لا إن أعطاها ما يقوم بها من ذلك. وتعطي لأولاده وعبيده ما يحتاجون إليه ولمن لزمته نفقته إن ضيّعهم. وتأخذ من ماله أيضا الماء لصلاتها وتؤاجر منه من يأتيها به، ومن يغسل ثيابها كما مرَّ إن لم تجد ذلك إلاَّ بالأجرة فيها؛ وتعطيها أيضًا لمن يخدمها، لا ما تتزيَّن به غير الدهن إلاَّ بإذنه؛ ولا ما تداوي به نفسها.
وإن جعل ماله بيدها فلا يحاسبها بما ذهب منه، وعليها (4) حقوق الجيران ومن في بيتها من أولاده وعبيده وكلِّ من هو له؛ وإن كان يحاسبها عنه، أو لم يجعل ماله بيدها فعليه ذلك لا عليها.
ومن حقوقه عليها أن لا تردَّ يده إذا أرادها على نفسها ولو كانت على قتب؛ وأن لا تتقلَّب عنه في فراشه، ولا تردُّ إليه ظهرها إلاَّ بإذنه وأن تجعل البزاق على ذكره
__________
(1) () - ب: - «غدًا».
(2) () - ب: «سفره».
(3) () - ب: «ثلاث».
(4) () - أ (هامش): «وعبارة الأصل: فإنَّ عليها». (5/429)
صفحة 2514
إن احتاج إليه؛ وأن تستدخله، وأن تتحرَّك عند الجماع وتمسحه إذا تنحَّى عنها.
ومن حقوقها هي عليه أن لا تجوع ولا تعرى ولا تشعث ولا يكلِّمها بسوء في قرابتها، ولا يمنعها من زيارتهم، ولا يهدّدها بطلاق أو ظهار كما مرّ. (5/430)
صفحة 2515
الباب الخامس بعد المائة
في مسائل السِّر
وندب للزّوجين أن يتلاقيا عند أوّل ملاقاتهما على طهارة؛ وإن بتصعُّد لمن عجز منهما عن الماء؛ وأن يصلّي كلٌّ منهما ركعتين فرادى إن لم يمكنهما أن يصلّي بها إن أمكنتهما وإلاّ جعلا الدعاء مكانها فإذا صلّيا دعوا بما فتح لهما ثمَّ يقومان إلى فراشهما، فإذا دعاها طاوعته إلى ما دعاها إليه؛ وإن ردَّت يده وامتنعت هلكت وبطل صداقها إن دعاها إلى ما يحلُّ، وإلاّ فلا إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ويقول: بسم الله ويضع يديه على ناصتيها ثمَّ: اللّهم بارك لي في أهلي وبارك لها فيَّ، وارزقني منها وارزقها منِّي، وذلِّل صعوبتها، وارزق لي (1) يمنها وبركتها واصرف عنّي كيدها وسوء ظنونها.
وقيل: إذا وضع يده على ناصيتها استعاذ بالله وقرأ الفاتحة وآية الكرسي والمعوّذتين ثمَّ يمرّها على وجهها؛ وقيل: إن جرّها على جسدها كتبت له عشرة حسنات. ولْتلِ وضع ثيابها بنفسها إذا أمرها به، إلاّ الذي يلي جسدها فإنَّه أولى بنزعه منها؛ ويحلّ يمين شعر رأسها ثمَّ يسراه قبل نزعه، ثمَّ يضطجعان على أيمانهما ورؤوسهما نحو المغرب، ويكون قدّامها إن أمكنهما وإلاّ ردَّا رأسهما نحو المشرق إن أمكن، وإلاّ فنحو القبلة إن أمكن، وإلاّ فعلا ما أمكنهما، وليدعوا بما بدا لهما، ثمَّ يردُّ وجهه إليها ويقول [398] إذا أراد الفعل: بسم الله، ثمَّ يقرأ سورة الإخلاص ثلاثا، لما روي أنَّه «إذا أراد أحدكم الدّخول بامرأته فليقرأ: {قل هو الله أحد} ثلاثا، ثمَّ يقول: اللهمَّ أرزقني من هذه الوقعة ولدا فإنِّي أسمّيه محمّدا، فإنَّه يعطي له إن شاء الله
__________
(1) () - ب: «وارزقني». (5/431)
صفحة 2516
ببركته». ثمَّ «اللهمَّ جنّبنا من الشّيطان وجنّبه ممّا رزقتنا».
ولا يستعين بأحد عليها إذا امتنعت منه حال الجماع، ولا بأس في غيرها. وله أن يجعل لها ما يصل به إليه من ضرب غير مبرح وربط وعنف. وكره الكلام عندها إلاّ بما لا بدّ منه فإنَّه يولد الخرس في الولد، والنّظر إلى عورتها فإنَّه يولد العمى فيه، ويباشر جميع جسدها بيده، ويجامعها كيف شاء كما قال تعالى: {فَاتُوا حرثَكُمُ, أنَّى شِئْتُم} (البقرة: 223). مستلقيات أو متجنِّبات أو باركات أو قاعدات أو قائمات أو مستدبرات. ويكون من الجماع على الجانب ــ قيل ــ عرق النّساء. ومن استعلي بها عليه علته.
ولا يمسّها نائمة، ولا توقظه إلاّ في ليلتها. ولا يجامعها عريانين، ورخّص في مستتر، والسّترة لهما أفضل لما روي: «استحيوا ممّن يراكم ولا ترونه». ولا بمرأى أو مسمع ممّن يميّز ويعقل.
ويكره على البطنة لأنَّ منه الفتق. وله أن يقبّلها بفيها وغيره وتقبّله هي أيضًا عنده، وتقبيلها كعتق رقبة. وإن أخذ في الجماع كان كمن يعتق ما لم ينزل، ولها أيضا مثله إن طاوعته، ويأخذ لسانها بفيه ويعضُّها ويقرصها بما لا قصاص فيه، ويتَّكئ على الأيمن وقت النزول ــ كما مرَّ ــ إن كان من قدّام، وعلى الأيسر إن كان من خلف؛ وإن أنزل فيها لبث حتَّى يفرغ منه. ولا يعزل عنها إلاّ بإذنها (1)؛ ورخّص له إن رآه أصلح، وإن لم تأذن له. ويعزل عن السّرية إن شاء. وتمسح له أوَّلا ثمَّ لها كلٌّ بخرقته، لأنَّ اتِّحادها ــ قيل ــ يورث البغض، وتكون من صوف لينة جديدة إذ هو أصلح إن وجد (2)، وإلاّ فما وجدته؛ وخرقة الكتَّان والقطن تلين المرأة وتضعف الرّجل؛ وتخفيهما حيث لا يريان، ولا تتركهما بلا غسل؛ وتتَّخذهما من ماله؛ فإن لم تجد ما تمسح به فبطرف ثوبه؛ وليمسح لنفسه إن لم تشتغل به، لا في ثوبها إلاّ بإذنها؛
__________
(1) () - ب: «بإذنه». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «إن وجد». (5/432)
صفحة 2517
فإن فعل بدونه فتباعة عليه؛ وإن وصل النّجس إلى ثوبها أو فراشها أو جسدها فلا عليه منه.
وإنَّما يدخل إليها في فراشها من قبل رأسها وهي تدخل إليه بالعكس. ولا يرقد عليها بعد فراغه، إلاّ إن أرادت. ولا كلٌّ منهما في ثوبه (1) على حدّة إلاّ بإذن صاحبه. ولا يحوِّل وجهه عنه (2) إلاّ به. وهذا في نوبتها ولا عليه في غيرها. وليس لها أن تفعل هي ذلك على كلّ حال إلاّ بإذنه، ورخّص له في ليلتها إذا قضى حاجته أن يرقد وحده إن (3) أراد؛ ولا يرقد مع نسائه في واحد. ويرقد كلا في ليلتها على حدة ولا يحلُّ لها أن تأخذ منه أجرة على وطئها؛ وإن أعطته هي أجره في غير ليلتها ففيها قولان؛ ولا يحلُّ له فيها؛ ولا أن تعطيها لصاحبتها أن تترك لها ليلتها.
فصل
لا يحلّ لرجل أن يكتب لامرأة أو لوليّها محبَّة أن يتزوّجها، ولا لها ولا لمن يكتب ذلك؛ ولا بأس لأحدهما بعد أن تزوّجا أولهما. وإن كانت له امرأتان فلا يحلّ لإحداهما أن تكتب له أن يحبّها دون صاحبتها، ولا له أيضا؛ ولا بأس لها إن كان ليحبّها كما أحبَّ ضرّتها؛ ولا بأس لهما أن تكتبا معا ليحبّهما؛ وأن يكتب لهما لتحبَّاه معا أيضا.
ولا تفعل مضرّا بضرّتها، ولا تسأله طلاقها، ولا عملا يفارقها به؛ ولا تجعل لنفسها ما يمنعها من الولادة أو يقطعها عنها، وكذا الرّجل، ولا يتّفقان على ذلك. ورخّص لهما إن اتَّفقا أن يكتبا في إناء ويشرباه. وجاز لأحدهما أن يفعل إذا أذن له صاحبه؛ ولا يجوز لمن يكتب لهما إلاّ بإذنهما، ولا لمن يداوي أحدهما على ذلك إلاّ
__________
(1) () - ب: «بثوبه».
(2) () - ب: «عنها».
(3) () - ب: «إذا». (5/433)
صفحة 2518
بإذن صاحبه. ولها أن تداوي نفسها أو تكتب أن تلد بلا إذنه، وإنَّما تداويها حين تغتسل من حيضها. وللزوج أيضا أن يكتب أو يداوي بلا إذنها؛ وكذا من طلبه أحدهما إلى ذلك لا يحتاج إلى إذن الآخر. وليكتب لهما إن أحباها.
ولا يجعل للعبيد مانعا منها إلاّ بإذن ساداتهم (1). وجاز جعل الدّواء لهم والكتاب لها بدونه. ولساداتهم أن يجعلوا لهم مانعا منها ككتابة أو خلقة أو خرز لا ما يقطعها عنهم أصلا.
والحرّ إن تزوّج أمة فلا يجعلا مانعا منها إلاّ بإذن سيّدها، كحرّة إن تزوّجت عبدا فلا يجعلاه (2) إلاّ بإذن ربّه.
ومن زوّج لحرّ أو لعبد غيره فلا يجعل هو لها [399] ولا الحرّ ولا سيّد العبد مانعا لها إلاّ باتّفاق. ويمنعها الرّجل عن سريّته بلا إذنها، ولا تمنعها هي إلاّ بإذنه. ولا بأس لها أن تداوي لها أو تكتب بدونه. وله أيضا أن يجعل لها ما تلد به، ولو لم تردها. وكذا سادات العبيد ولو لم يريدوها.
ولا يحلّ لشريك أن يجعل مانعا لمشتركهما دون صاحبه؛ ولا لوالد (3) الطّفل وخليفة يتيم أو مجنون أن يمنعوا عبيدهم منها، إلاّ إن رأوه (4) أصلح؛ وكذا المقارض. وجاز لمن أذنوا له أن يفعل؛ ولا بأس لهؤلاء أن يداووهم ليلدوا إن رأوه أصلح.
ومن تزوّج مجنونة فلا يمنعها منها ولو أذنت له؛ وكذا التي تزوَّجت مجنونا ولا يجوز إذن الأولياء في ذلك. ولا يمنعها بالغة لطفلة كبالغة لطفل.
__________
(1) () - ب: «سادتهم».
(2) () - ب: «يجعلاها».
(3) () - ب: «لولد».
(4) () - ب: «رأوها». ويبو أنَّه أصوب. (5/434)
صفحة 2519
وجاز لمن لا زوجة له ولمن لا زوج لها أن يجعلا مانعا منها لا ما يقطعها أصلا؛ وقيل: في الرّجل غير ذلك ولو متزوّجا.
ولا يمنعها عبد ولا أمة ولو كانا غير متزوّجين إلاّ بإذن ساداتهما. (5/435)
صفحة 2520
الباب السّادس بعد المائة
في فضل الحامل
ولها ــ قيل ــ ما لقائم ليله صائم نهاره ما لم تضع، إلاّ إن حملته بزنى راضية، وتتناثر ذنوبها إذا تحرّك في بطنها كما يتناثر الورق، وكذا إذا ضربها الطّلق. وإذا وضعت فارقتها كيوم ولدتها أمّها. وإذا مصّ الولد منها أوّل مصّة كانت كمن أحيى النّاس جميعا، وبالثّانية حرَّم الله عظامها من النّار، وبالثّالثة بنى لها بيتا في الجنّة. وإن قتلها حملها كانت كقتيل في الجهاد. (5/436)
صفحة 2521
الباب السّابع بعد المائة
في ضمان الحمل
فلا تفعل من اتّهمت نفسها بحمل أو تحقَّقته مضرّا به من أكل أو شرب وحمل ثقيل أو سرعة في المشي أو مداواة. ولا تجيع نفسها ولا تعطشها، ولا تدع طلب ما تشتهيه، ولا تمتنع من زوجها إذا أرادها أو تفعل معه مضرّا بحملها؛ فإن فعلت ذلك فأسقطته ضمنته؛ وكذا إن احتجمت أو فصدت أو كوت أو فعلت في جسدها ما يبدِّل طبعها ضمنت إن أسقطت وكذا إن علمت أو أكلت أو شربت موهم إسقاط مطلّقا ورخّص لها بالحمل وكذا إن عملت أو أكلت أو شربت موهم إسقاط مطلقًا، ورخِّص لها إن لم تعلم بالحمل، وكذا إن علمت به فأكلت دواءً أو شربته، أو عملت ما لا يتوهَّم منه إسقاط ضمنت (1) إن وقع، ورخّص.
وإن اشتهت ما عند أحد فأعلمته لزمه أن يعطيها إيَّاه، وإلاّ ضمن إن أسقطت؛ وكذا هي إن لم تطلبه. وتعذر إن وثبت على ميتة أو دم أو نجس أو مال أحد بلا إذنه فأكلته، ولا تهلك إذا لم تملك نفسها وقت هيجان طبعها بالحمل، وعليها أن تغرم المال أو تستحلَّ ربّه.
ومن أطعم ــ قيل ــ حاملا ما تضع عليه ضرسها ممّا تشتهيه فله اثنان وسبعون سهمًا ونصف في الجنّة، وذلك النّصف لو أصابه أهل الدّنيا لو سعهم واستغنوا منه جميعا. وكذا من أطعم ذلك مسلما أو مريضا.
__________
(1) () - ب: «ضمنته». (5/437)
صفحة 2522
ولا تجعل لنفسها دواء تسقط به ولو أيقنت بموته في بطنها وسقطت منه أعضاء خوفا أن يكون فيه آخر، ولا إن حملت بزنى؛ فإن فعلت فأسقطت ضمنت؛ ولا إن خافت موتا لنفسها؛ ولا يفعل لها ذلك غيرها، ولا يقطعه فيها قطعا لئلاَّ تموت أمّه؛ وقيل: غير ذلك.
وليس للرّجل أن يشقّ بطنها إذا ماتت لينزع منها الولد وهو حيٌّ؛ وقيل: غير ذلك. (5/438)
صفحة 2523
الباب الثّامن بعد المائة
في وضع الحامل
فإذا حضر وضع حملها فلترسل إلى القابلة وإلى من تحتاج إليه من النّساء إن لم يكن معها من يجزيها ثلاث: القابلة والمناولة ما تحتاج إليه والحاملة للحامل من خلفها؛ وإن احتاجت إلى أكثر أرسلت إليها؛ ولا يأتيها منهنّ إلاّ من أرسلت إليها، إلاَّ إن خفن فواتها، فيأتين إليها بلا إرسال ويشتغلن بأمورها ولو حجرت عليهنَّ ويدخلن (1) إليها بلا إذنها؛ وكذا لا يشتغلن بزوجها إن حجر عليهنَّ أن يدخلن عليها، وكذا سيّد الأمة.
ويمنعه المسلمون إن منع القابلة عن زوجته أو أمته على كره منه. ولا تمتنع هي منها إلاَّ إن خافت منها ضرّا لها أو لولدها.
وإنَّما ترسل إلى أمينة إن وجدتها وإلاَّ اختارت. فلا تقعد لها محرمتها كأمّها أو بنتها أو أختها إلاّ إن اضطرّت إليها، وكذا المشركة. وإذا أرسلت إلى قابلة لزمها أن تأتيها إن لم يكن معها من يقوم بها، ولا يضيق عليها أن تجيبها إن كان معها ولا تحتاج إليها، وكذا إن ضعفت عن إتيانها، أو كانت هي حاملا وخافت على حملها، أو منعها مانع لا تجد الوصول إليها معه. وإن أرسلت إليها فأتاها أنزل منها فإنَّها تكلها إليها إن أمكنها أن تتركها إليها، وإلاّ فلا تتركها لغيرها أن يلحقها أو ولدها ضرّ.
وإن ولدت بزنى فلا تسألها القابلة ولا غيرها عمّن كان منه ولدها، ولا يحلّ لها أن تتركها حتَّى تموت هي [400] أو ولدها وضمنت إن تركت؛ وإن لم يحضرها إلاّ واحدة مع رجال قابلتها وأعانوها بما أمكنهم من عصر وغيره؛ وكذا امرأتان مع
__________
(1) () - ب: «يدخل». (5/439)
صفحة 2524
رجل. وإن حضرتها طفلة فقط وليت أمرها إن قدرت؛ وإن حضرتها بالغة وحدها عالجتها بما أمكنها، ولا تدعها (1) حتَّى يموت أحدهما؛ وإن تركتها ضمنت؛ وكذا كلّ من احتاجت إليه أو أرسلت إليه ولم يأتها حتَّى ماتت أو مات.
وإن لم يحضرها إلاّ من لا تعرف كيف تصنع أخبرها من علم ذلك من الرّجال؛ وإن لم يحضرها غيرهم ولي أمرها زوجها إن كان معهم؛ وإن كان معهم محرمها أعانه بما أمكنه؛ وإن كانوا كلّهم أجنبيِّين عصروها من فوق الثّياب ولا يباشرونها إلاّ إن كان معهم محرم؛ وإنَّما يعصرونها بالثّوب يخالفون بين أطرافه فيعصرونها به ويرفعونه فوق الحمل ممّا يلي صدرها، ولا بأس أن يباشرها محرمها بيده لا عورتها ولو تموت؛ وقيل: يتولاّها محرمها عند عدم النّساء؛ وقيل: غير ذلك إذا لم يكن الرّحم ولا يحرمها عليهم مباشرتها.
وإن قامت بنفسها تركوها؛ وكذا إن كانت تقوم بأمرها ولا تحتاج إلى النّساء لا يلزمها أن ترسل إليهنَّ؛ وإن أرسلت إلى القابلة أكثر من واحدة وقد اشتغلت في غيرها فالتي اشتغلت بها أولى من غيرها؛ وإن حضرن معا بدأت بمن خافت عليه موتا؛ وإن خافت على الكلّ اشتغلت بمن شاءت ولو كانت فيهنّ بنتها أو أختها أو أمّها؛ وقيل: بالأقرب إليها؛ وقيل: بالأمينة إن كانت فيهنّ؛ وقيل: بحمل المتولىَّ إن كان فيهنّ. وإن أرسلت إليها وقد اشتغلت في صلاح ما خيف فساده من الأموال تركته واشتغلت بها؛ وإن أرسلت إليها وقت الصّلاة؛ فإن اتّسع اشتغلت بها حتَّى تفرغ ثمَّ تصلي وإلاّ فبالصّلاة بقدر الإمكان ولو بالتّكبير إن خافت على الحامل.
ولزمها أن تحييها إذا أرسلت إليها في المنزل (2) ويبلغها الخبر لا إن كانت خارج الأميال وخافت ولم تجد رفيقًا؛ ولا إن أغنت عنها؛ وإن منعها زوجها أو سيّدها إن كانت أمة فلا تشتغل به، إلاّ إن خافت أن يضر بها (3) فلا يلزمها.
__________
(1) () - ب: «تتركها».
(2) () - ب: - «في المنزل».
(3) () - ب: «يضرَّها». (5/440)
صفحة 2525
الباب التّاسع بعد المائة
فيما ينبغي للقابلة أن تفعله
وإنَّما تقعد قدّام المرأة وتمسكها أخرى من خلفها، ولا تنظر إلى عورتها إلاّ إن اضطرّت، وتباشرها بيدها وتسوي الولد إن لم يستو؛ وإن عصى خروجه نفضتها وعصرتها من فوق الحمل ممّا يلي الصّدر، فإذا خرج فرشت له فخذيها؛ وقيل: ذراعيها وتأخذه بيدها إن كانت ليِّنة، وإلاّ فلتجعل على يدها خرقة وتأخذه بها، وتقطع ما بينه وبين أمّه بحديد، ولا بأس بغيره؛ وتترك إليه قدر أربعة أصابع وتعقد ما يليه بليقة ليِّنة؛ ثمّ تقطع ما بينهما من العقد الكائن في المتّصل به؛ وإن قطعته قبل أن تعقد ما يليه فلتمسك ما يليها ببنان رجلها هي أو النّفساء أو غيرهما وتعقد ما يلي الولد، فإذا فرغت منه فلتعقد بخيط ممّا يلي أمّه إلى فخذها الأيسر؛ فإن أرسلته ولم تعقد كلاّ منهما ضمنت إن وصل الضرُّ أحدهما؛ وإن وقع مع وعائه قلبت القابلة الولد على وجهه وقطعت خلف قفاه على طول قدر ما يخرج منه لا أكثر؛ وتمسح أنفه وفمه؛ وإن قطعته مقابل وجهه ضمنت ما أصابه من ضرّ؛ وتغسله بفاتر؛ وإن غشي عليه أخذت زيتا بفيها ورشّته به على كتفيه أو قدميه، لا وجهه وإلاّ ضمنت.
وإن حملت بكرًا قطعت عذرتها بإبهم، وتقطع ثيِّب بقصب من أسفل إلى فوق إن لم يجد الولد خروجا منها، ولا بأس بغيره؛ وإن خرج حيّا فماتت أمّه قبل أن يقطع ما بينهما فإنَّها تقطعه كعكسه، لا إن ماتا معا، وتلفُّه على حدة فتجعله أمام أمّه إن كان ذكرا وإلاَّ فخلفها، ثمَّ تجمعهما في كفن؛ وإن خرج حيّا ثمَّ مات وماتت أمّه بعده فإنَّه يقطع ما بينهما؛ وإن خرج ميتا وأمّه حيّة فماتت قبل أن يقطع فهل يقطع بعد أم لا؟ قولان. (5/441)
صفحة 2526
وتدخل القابلة يدها لتسوّي الولد إذا عسر خروجه وإلى الوعاء أيضا لتخرجه إذا عسر أيضا، وتدهن يدها إذا أرادت أن تدخلها؛ وتحفر للوعاء والدّم الكائن منها حين الولادة، وتدفن ذلك في الحفرة، ولا يلزمها رفعه إلى الفحص أو المقبرة؛ وإن وقع ذلك منها متفرّقا دفنته كذلك؛ وكذا إن وضعت ولدين أو أكثر. (5/442)
صفحة 2527
الباب العاشر بعد المائة
في مسائل مناسبة لما مرَّ
من الواجب على النّساء السّترة إلاّ من [401] ذي محرم أو زوج. وليس لامرأة أن تكشف لغيرهما غير الوجه والكفين إن لم تكن فيهما زينة؛ ولا تبديهما لمن تخاف منه إن كانت فيهما، ولا بأس إن لم تخف.
ولا تعذر في الجهر بالكلام. ولتستر نعليها أو خفيها إن كانا جديدين. ولا تسلّم على من جازت عليه من الرّجال إلاّ إن كان ممّن لا تظنّ به سوء (1). ولا يسلّم هو عليها إلاّ إن تأهّلت لذلك، ويردّ عليها إن سلّمت عليه في المنزل، لا إن سلّمت عليه في الفحص. وينزّهها بكلام إن اتّهمها بسوء، وإلاّ فلا بأس أن يردّ عليها.
ولا تُعِرْ ثيابها لغير محرم منها ليلبسها، ولا لمن يحضر بها لعبا، أو يمشي بها مرحا. ولا تلبس هي ثياب غيره إلاّ إن اضطرّت أو اضطرَّ، ورخّص لهما إن يكن فيها مشوِّش للقلب.
ولا يجوز لها أن تمشي وحدها قدر ما لا يسمع صوتها إذا غلبت، فإذا مشت فغلبت فكأنَّها اتَّفقت معه (2). ولها أن تسير مع عبدها إلى المساء إلاّ إن خافت منه، ومع المراهق إلى المقيل إن لم تخف منه أيضا.
وأن تدفع ظلم من أرادها وتصيح عليه؛ وإن لم تصح فكمن اتَّفقت معه.
ولا تخرج النّساء إلى الفحص وحدهنّ حيث لا يسمعن فإنَّهنّ في ذلك
__________
(1) () - كذا في النسختين، والصواب: «سوءًا».
(2) () - ب: - «معه». (5/443)
صفحة 2528
كالواحدة؛ وإن كان معهنّ زوج إحداهنَّ فلا بأس عليهنَّ؛ وإن كان معهنَّ محرمها فقولان. ولا تصطحب مع واحد ولو مسلما، ورخّص لها إن لم تخف منه. ولا بأس عليها إذا خافت من عطش أو جوع أو من (1) تلف نفسها أن تصطحب مع من وجدت أو تمشي وحدها ولو بعد المكان، وكذا إلى تنجية غيرها.
وللأمة أن تسير وحدها أو مع من وجدت في حوائج سيّدها، ولا تتعمّده مع من خافت منه أو وحدها إن خافت؛ ولا يكلِّفها ذلك.
ورخّص للمرأة أن تسير وحدها في بلد ظهر فيه (2) الحقُّ إن لم تخف ولو إلى ما لا يسمع منه صوتها.
ولا تأكل مع أجنبيٍّ، ولا تشرب حيث يراها، ولا تناوله بيدها شيئا إلاّ على عود أو تضعه أمامه، ولا تأخذه من يده، ورخّص لها إن كان الرّجل مع زوجته أن تسكن معه وتستتر منه (3) وترقد حيث لا يراها.
وإن مرض عندها أجنبيٌّ ولا قائم به، فإنَّها تطعمه وتسقيه وتباشر ما يصلح له اضطرارا.
ولا تسرع مشيا إلاّ بعذر كخوف فساد في نفس أو مال، ورخّص لها ما لم يتحرَّك ما في عنقها أو رجليها أو ما تخفيه من زينتها.
ولا تتّخذ حانوتا لمبايعة ولا تسير إلى السّوق تختلف فيه مع الرّجال، ولا بأس إن قعدت خارجه بعيدا منهم إذا لم تجد قائما بحاجتها.
وتستأذن أباها أو زوجها في الخروج إلى مجلس الذّكر؛ فإن أذن لها وإلاّ قعدت. وترسل إلى من تستفتيه إن نزلت عليها مسألة. وليسر إليها من أرسلت إليه مع غيره
__________
(1) () - ب: - «من».
(2) () - ب: «فيها».
(3) () - ب: - «منه». (5/444)
صفحة 2529
كذي محرم منها أو نحوه (1) إن وجد وإلاّ نظر من يصطحب معه. ولا يقعد معها في خلوة لأنّ الشّيطان ثالثهما.
ومن أراد زيارة غير محرمته اصطحب إليها مع صالح أو محرم أو قريب، ويسلّم عليها ويصافحها من وراء حجاب، ويضرباه بينهما إذا أراد سؤالها أو التّحدّث معها، ولا يتقابلان إلاّ إن كانت عجوزا. ورخّص له أن يدخل إلى مريضة مستترة ويسألها عن حالها.
وللمرأة أن تزور الرّجل وتصل إلى بيته وتسأله، ولا تطلْ معه القعود إلاّ إن مرض وأراده؛ وكذا كلّ من زار مريضا.
فإذا قصد النّساء مجلس الذّكر جعلن حائلا بينهنّ وبين الرجال، ثمَّ يسألن ولا يجهرن، ويقمن قبلهم منه. وإذا أرادوا أن يجعلوا مجلسا على متأهِّلة له جعلوا بينهم سترة أيضا فيسألونها فتجيبهم، ويردّون إليها الكلام ويقرأون معها ويختمون.
ولا يقوم الرّجل لامرأة لتصافحه إذا سلّمت عليه، بل يردّ لها قاعدا، ورخّص أن يقف إليها.
ولا تخرج من بيتها وتدور في البيوت أو يجتمعن إليها فيه للخوض فيما لا يعني (2)، لأنّ أشرّ النّساء الجوَّالة، وأشرّ منها التي يجتمعن إليها لدم (3) النّاس والوقيعة فيهم وغير ذلك ممّا لا يحلّ لهنّ.
وعن الشّيخ واسلان أنّ امرأة خرجت بغزلها لتحدّث مع النّساء ثمَّ بدا لها أن ليس عندهنّ إلاّ الخوض فيما يكره فرجعت إلى بيتها فسألت ربَّها فإذا سفق قد انشقّ فنظرت منه أبواب السّموات السّبع.
__________
(1) () - ب: «غيره».
(2) () - ب: «ينبغي».
(3) () - في النسختين بدال مهملة، ولعلَّ الصواب: «لذمِّ» بذال معجمة. (5/445)
صفحة 2530
ولا تخرج المرأة من بيتها إلاّ لمهمّ. ولا تنوح ولا تلعب ولا تصوت حتّى يخرج صوتها منه ولو في قراءة أو دعاء ورخّص لها ولو خرج منه ما لم يجاوز حزمة حطب، ورخّص لها قدر ثلاثة أبعرة؛ وقيل: سبعة؛ وقيل: ما لم تستقص صوتها، وهذا في غير العذر وأمَّا فيه كخوف على نفس أو مال كحريق أو عدوّ فتصيح جهدها.
وروي: «برُّوا آباءكم بيرُّكم أبناؤكم، وصلّوا أرحامكم يبارك الله في أرزاقكم، وغضُّوا أبصاركم يستر الله عوراتكم».
ولا يحلّ للزّوج أن ينظر إلى غير الوجه من امرأته إذا ماتت، وكذا لا تنظر إلى عورته إذا مات، وكذا حال سريّته معه. ولا يحلّ النّظر إلى عظام العورة ولو بانت.
ومن طاعة المرأة لزوجها أن تتزيّن له بما أمكنها ممّا ليس فيه معصية، ومن أفضل زينتها الكحل والسّواك والخضاب. وعليها تنظيف جسدها. وعليه حقوقها كلّها ولو لم تنظِّف نفسها؛ ورخّص له إذا لم تنظِّف أن يترك جماعها أدبا لها؛ وكذا إن كانت تمتنع منه وتعصيه، أو لا تغتسل من موجبه.
ولا يحلّ لها أن تتزيّن بوشم ولا تفليج ولا تتنمَّص ولا تصل شعر رأسها بما يوافقه؛ ولا تقصّ منه شيئا؛ ولا يحلّ لمن يفعل لها ذلك؛ وقد لعنت النامصة والمتنمِّصة، والواشمة والمتوشِّمة، والنّاشرة والمنتشِّرة، والواصلة والمتوصّلة.
ولا يحلّ لامرأة أن تقصَّ لبنتها أو أمتها؛ ورخّص لها أن تقصّ لطفلة لا لبالغة؛ ورخّص فيها أيضا إذا كانت تسام وتبدي أيضًا قصّتها على جبهتها. ورخّص لها في الدلال أيضا أن تخرجه وتنزع الوشم من جسدها إن أمكنها وما وصلت به شعرها رأسها ممّا يوافقه، ولا بأس عليها أن تصله بما يخالفه.
ولا يحلّ لها أن تستعمل قفاها ما ينظر إليها أو تزيد فيه ما تردُّ به الأعين إليها. وتظفر رأسها بما لا يضرّ زوجها من الأدهان لا بقطران ونحوه إلاَّ لعذر ولو غائبا لئلاَّ يأتيها كذلك أو طفلا. (5/446)
صفحة 2531
ولا تأخذ من ماله ما تتزيّن به أو تداوي إلاّ بإذنه كما مرّ. ولا تعطي رأسها لمن يظفره لها إلاَّ لأمينة إن وجدتها وإلاّ اختارت؛ فإن لم تجد من يظفر لها ظفرت لنفسها وفرقته بجهدها.
ولا تعر مشطها لغير أمينة؛ فإن فعلت وردته لها فلتغسله إن وجدت ماء وإلاّ مسحته بتراب إذا أرادت أن تمشط به وكذا غيره من أداة رأسها. وتمشط لطفلتها بمشطها، وبنتُها البالغة كغيرها، وكذا ضرّتها. ولا تعر لرجل غير محرمها أداتها كمِرود ومكحلة ومشط، ورخّص في الأمين؛ فإذا أرادت أن تعيرها لهؤلاء غسلت ما أمكنها أو مسحته؛ وكذا إذا أرادتها (1) منهم.
وجاز لها نزع شعر جسدها إلاّ رأسها وحاجبيها وأشفارها؛ ولا تخلق الجائز إلاّ إن لم تقدر على النتف أو يضرّها. ولا تجاوز بشعر الإبط والعانة أربعين يوما، ورخِّص حتّى يدور بالإصبع؛ وقيل في شعر الإبط: ما لم يخرج منه إذا ضمَّت عضدها إلى جنبها، وكذا الرّجل.
وتباشر بنتها في لحاف ما لم تجاوز أربعا؛ وقيل: سبعا، وابنها ما لم يجاوز سنتين؛ وقيل: أربعا. والأب في مباشرته لابنه في لحاف كالبنت للأمّ وفي مباشرتها فيه لأبيها كالطّفل فيه لأمِّه، والنوم واليقظة في هذا سواء.
تمَّ الجزء الخامس عشر
__________
(1) () - أ: «أردتها». والصواب ما أثبت من ب. (5/447)
صفحة 2532
/ (5/448)
صفحة 2533
/ (5/449)
صفحة 2534
/ (5/450)
صفحة 2535
/ (5/451)
صفحة 2536
/ (5/452)
صفحة 2537
/ (5/453)
صفحة 2538
مصطفى بن محمد شريفي (5/454)
صفحة 2539
/ (6/1)
صفحة 2540
الجزء السادس عشر
في الوصايا وأحكامها (6/2)
صفحة 2541
الباب الأوَّل
في وجوب الوصيَّة والحثِّ عليها
قال الله تعالى: {كُتِبَ عليكمُ, إذَا حَضَر أحدَكم الموتُ ... } الآيات (البقرة: 180). فنسخ الأمر للوالدين بآية الإرث، وبقي حكم الأقربين. {فَمن خافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أو اِثمًا} أي ميلا أو حيفا، {فَأصلَحَ بَينَهمْ} فقد أحلَّ له على عدل الكتاب، ويترك جور الميّت، {فَلآَ إثمَ عليه} (البقرة: 182). حين أصلح. ونهى من حضره أن يأمره إلاّ بالحقّ والعدل وهو سرّ قوله {وَلْيَخْشَ الذِينَ ... } الآية (النساء: 9)
فمن عدل عند الموت ــ قيل ــ في وصيّته فكأنّما وجّه ماله في سبيل الله. وقد روي: «إنَّ الله جعل لكم ثلث أموالكم زيادة لكم في أعمالكم وزادا لكم عند الموت». أبو بكر: «رضي الله من الغنائم بالخمس وأنا أوصي بخمس مالي». وروي: «ألاَ لا وصيّة لوارث».
أبو عبيدة: الموصي في وصيّته كالقاضي في قضيّته لأنَّ أصدق ما يكون المرء عند [403] موته.
{إنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ, أن تُودُّوا الاَمَانَاتِ إلىَ أهلِهَا ... } الآية (النساء: 58).؛ وقيل: درهم يقدّمه في صحّته خير من ستِّ مائة عند موته. ويكره لمسلم أن يبيت ليلة إلاّ ووصيَّته تحت رأسه.
أبو سعيد: قيل لحيار بن سالم وهو عماني: من طيِّئ: أوصِ، فقال: بماذا؟ ما لي ولا عليَّ درهم. وكان يضرب به المثل: «موتة كموتة حيار». وكان فاضلا، ويقول (6/3)
صفحة 2542
لأبي عبيدة: إذا جاوزت نهر البصرة فأنا أفقه منك، لو كنت نبيئًا ما أجابك أحد، أنت شديد على النّاس، فيضحك أبو عبيدة رحمهما الله.
أبو الحواري: من أوصى بماله أو بأكثره من قبل ما عليه، ويحتاط لما يعرف وما لا يعرف فلا عليه إن لم يرد به أثرة لغير وارثه، وله أن يحتاط بماله في خلاص نفسه.
وقال أصحابنا: إذا لم يكن له ولد ولا ولده ولا والد ولا إخوة أوصى بالثّلث؛ وإن كان له وارث منهم فبالخمس أو السّدس، فالخمس كثير إن كثر المال.
أبو معاوية: من عليه دين لوارثه ولم يوص له به فأخذه من ماله فلا يبرأ منه لأنَّه لم يوص له به ولو ظنّ أنَّه يبرئه منه. ويجب عليه أن يوصي بكلّ تباعة عليه ولو لوارثه وإن لم يعرف كم عليه احتاط بلا قصد إلى حيف؛ فإن أقرَّ بأكثر ممَّا عليه إلى أكثر من الثّلث باجتهاده فلا عليه عند الله.
وندب له الإيصاء في أبواب البرّ إلى ثلثه بلا حيف. وعليه الإيصاء للأقرب، ولا يعذر بتركه إلاّ إن نسيه، وترجى له السّلامة إذا دان بكلِّ ما يلزمه علمه أو جهله، وعليه الخلاص منه إذا قدر عليه.
وإن مات فجأة ذو ولاية عندنا ولم يوص بما عليه فعلى ولايته، والحقوق في ماله إذا صحّت. وجازت الوصيّة بالخلافة على الأمّة إن أوصى بها الإمام على صالح لها بعده، لأنّ أبا بكر أوصى بها إلى عمر، وجعلها هو من بعده (1) شورى بين ستّة، ورضي الصّحابة بذلك واجتمعوا عليه.
ومن ثبتت له ولاية على ولده فله أن يوصي فيه إلى غيره إن لم يكن له وليّ بعده. وللأب أن يوصي في تزويج بناته. ولا تجوز بما لا يكون قربة لله كالكنيسة، وكتب التّوراة، وحمل السّلاح إلى دار الحرب، لأنَّها لاستدراك ما فات وزيادة في الحسنات.
__________
(1) () - ب: «بعدُ». (6/4)
صفحة 2543
الباب الثّاني
في المرض وجواز الوصيّة
وقد روي: «من عاد مريضا قعد في غرفة الجنّة، فإذا قام وكِّل به سبعون ألف ملك يصلّون عليه إلى الليل». وأيضا: «إذا عاده خاض في الرّحمة، فإذا قعد عنده قرب من الله. وإذا عاد مسلم أخاه أو زاره قيل له: طبت وطاب ممشاك، وتبوَّأت في الجنَّة منزلاً». وروي أيضًا: «إذا مرض العبد بعث الله إليه ملائكته لينظروا ما يقول لعواده؛ فإن حمد الله وأثنى عليه رفعوه إليه، وهو أعلم به منهم، ويقول سبحانه: لعبدي عليَّ أن أدخله الجنّة إذا توفيته؛ وأن أبدل له لحما خيرا من لحمه، ودما خيرا من دمه، وأكفِّر عنه سيّئاته إن أنا شفيته».
وقيل: إذا أصاب المسلم مرض شديد فهو كفّارة لما سلف له، ويقال إنَّ الملك الذي عن يمينه يقول للّذي عن يساره: أكتب بماله من حسنة عشرا لا ما عليه من سيِّئة حتَّى يبرأ.
أبو عبد الله: لا بأس عليه أن يخبر بما يقاسيه من المرض لا على الشّكاية، وستره أفضل.
ولا بأس بعيادة المنافق، وله الفضل إذا قصد الفضل وحسن الأخلاق وصلة المرضى. وقد جاء في عيادة المريض من التّرغيب في الأجر مالا يفي به مختصرنا.
قال خميس: ولم يخصَّ في الأخبار فضل عيادة المؤمن من المنافق، قال: ويخرج عندي على مقدار قصد العائد لا قدر المعود. (6/5)
صفحة 2544
فصل
ابن جعفر: لا ترك عند الموت، ولا عطيّة ولا بيع ولا شراء، إلاَّ إن باع في مرضه لما يحتاج إليه، وإن لمؤنة عياله. وكذا من في الحرب أو البحر (1)، ويعرض لهم ما يخافون منه غرقا. والحامل عند الميلاد فهو لا يرد بيعهم إلاّ فيما أجازوه ممَّا لا بدَّ لهم منه؛ وقيل: إذا بان حملها؛ وقيل: إذا هلَّ شهرها، وقد مرّ ذلك.
وجاز فعل المجذوم والمفلوج والمسلول ونحوهم ممّن يجيء ويذهب إذا لم يقصدوا إضرارا بالوارث.
وقيل: حدّ من يؤمر بالوصيّة ويحكم عليه في وصاياه وعطاياه بحكم المريض هو من يخاف من مرضه موته، ولولاه ما أوصى ولا تصدَّق، فإذا صار في حال الشدّة جاز أن يقطر في فمه ماء أو دهن، إن رجي فيه صلاحه، وإن لم يأمر به، لأنَّه قد يصير إلى حال لا يعقل فيها صالحا به؛ فإن شرق به أو مات فلا بأس على فاعله إن تعورف أنَّه صلاح له؛ وإن كان صائما وخيف عليه الموت فلا بأس أن يصبَّ في (2) فيه ذلك أيضا أو دواء بلا رأيه إذا عجم، واختير أن يكون برأي وليّه.
وعلى المحتضر أن يدين ويقرَّ ويوصي بما [404] عليه ولو معدما ولعلّه يحدث له مال من حيث لا يدري.
وندبت في مرض وعند خروج لسفر والتجهُّز لحرب. وهي في الصّحة أحزم وأفضل. وكان بعض يأمر بها كلَّ جمعة. وقال بعض: هي واجبة في كلّ مرض مخوف، وعند ركوب البحر؛ وإن لم يجد من يوصي إليه فليتكلَّم بما يسمعه الملكان؛ وقيل: يدين بها ويسلم إن شاء الله.
__________
(1) () - ب: «البحر أو الحرب».
(2) () - ب: - «في». (6/6)
صفحة 2545
الباب الثّالث
في الأمر بالإشهاد على الوصيّة وكاتبها وحكم الصكوك
قال الله سبحانه: {يآ أيُّها الذينَ ءامَنوا شهادةُ بينِكم ... } إلى { ... مِن غيركم} (المائدة: 106). قيل من غير العشيرة؛ وقيل: من غير الورثة؛ ابن عباس: من غير أهل دينكم.
أبو سعيد: إن فائدة الأقوال أنّ الورثة وغيرهم في الإشهاد سواء، وأنَّ مدارها التّأكيد في أن لا يترك على الوصيّة على كلّ حال. ويشهد من حضرها لفوات أمرها، ولذا أجاز شهادة المشركين عليها خاصّة من قال: من غير أهل دينكم؛ وقيل: منسوخة لردّها في غيرها بقوله تعالى: {وأشهدوا ذوَيْ عدلٍ منكمْ} (الطلاق: 2)، وبقوله: { ... ممَّن تَرضَوْنَ ... } (البقرة: 282).
ومن أوصى إلى مأمون وأشهد عليها إليه رجلين لا يعرفان بثقة ولا خيانة فلا يثبت في الحكم إلاّ بالثّقات؛ وإن استتر له أن ينفِّذها سرّا جاز له.
ومعنى قوله تعالى: {ولا يابَ كاتبٌ ... } الآية (البقرة: 282)، الوجوب إذا كان المشهِد في حال الضّرورة إليه، وفقد من يقوم مقامه في إثبات الكتاب؛ وإن حضره من يكتب سواه ولا يعلم حاله فيه وحضروا مع مريض فلا يضيق عليه (1) ذلك إذا حضر غيره.
__________
(1) () - ب: + «في». (6/7)
صفحة 2546
والقول في حمل الشّهادة وأدائها كالقول في الكتابة، وهو قوله: {ولا يابَ الشهدآءُ ... } الآية (البقرة: 282).
أبو عبد الله: إن قال محتضر وصيَّتي عند فلان فخذوا بما عنده فلا يجوز ذلك إلاّ إن كان معه شاهد آخر بما في الكتاب؛ واختار أبو سعيد أن تصحّ بشاهدين عليها أو يقرّ بها نفسها.
أبو الحسن: إن دعت امرأة من يشهد على وصيّتها ثمَّ منعهم زوجها أن يدخلوا عليها بلا رأيه كراهة لوصيّتها؛ فإن كانت صحيحة خرجت هي إليهم وأشهدتهم عليها؛ وإن كانت مريضة احتجَّت على زوجها إن كان لها حقٌّ؛ فإن أبى وخافوا فوتها وبطلان وصيّتها فليدخلوا عليها ويشهدوا ولو حرَّم عليهم الدّخول.
وقيل: إذا سلَّم مريض ثاوٍ قرطاسا إلى رجل وأمره أن يكتب فيه وصيّته جاز ذلك؛ وإن أوصى ليلا في ظلام واطمأنَّ الشّهود أنَّه هو كما عرفوه نهارا لم يجز للوصيّ إنفاذ ما أوصى به في الحكم، إلاّ إن أتمّه الوارث وفي الاطمئنان إذا لم يشكَّ فيه ولم يحل بينه وبين ذلك حائل بحقّ فأرجو أن لا يضيق عليه.
وقيل: إذا سلَّم الصّك إلى الكاتب فلا يلزمه أن يشاور الشّهود فيه وهو أمين فيه وعليهم النّظر في شهادتهم إلاّ إن فعل ذلك احتياطا لهم حتَّى تكون له الأمانة منهم. وللموصي أن يجعل الصّك عند من شاء بلا مشورتهم إن كان ثقة ولم يقوموا هم بذلك. وله أن يأتمن عليه من شاء من أهل الأمانة؛ وإن مات الشّهود وطلب الوصيّ الصكَّ فلا يسلمه ما ثبت فيه حقّ ووصيَّة حتَّى ينقضي حكمه.
فصل
إذا لفظ الموصي بما لا يثبت فللكاتب أن يستأذنه أن يكتب له الثابت في الحكم؛ فإن كتبه برأيه ولم يستأذنه فإذا قرأه عليه فأقرّ به جاز إذا اطمأنّ قلبه أنَّه أراده فإن استرابه وخاف أن يحيف أمره بالتّقوى ويتركه وكتب له ما هو عدل؛ وله أن يكتب (6/8)
صفحة 2547
له ما أراد ما لم يعلمه باطلا وحيفا؛ فإن عزم على ما استرابه الكاتب كتب له ما احتمل أنَّه حقٌّ ولا يمتنع بعد إن أمره بالتّقوى وترك الحيف ولو استرابه. خميس: ولا أحبّ له الامتناع قبل أن يشاهد الظّلم، فإن بان له الحيف بعد أن كتب فلا شيء عليه إن خفي حيفه؛ وإن ظهر وخفي على الكاتب وقت الكتابة ثمَّ بان له فلا يسعه أن يكتبه إذا علمه.
وإن أقرّ بماله كلّه لبعض ورثته أو بمعروف منه فهو ممّا يحتمل أنَّه حقّ.
ومن كتب وصيّة ثمّ أشهد عليها ولم يقرأها على الشّهود وكان ممّن يكتب فقيل: جازت الشّهادة عليها (1)؛ وقال أبو المؤثر: إن قال لهم: قرأتها أو عرفت ما فيها فاشهدوا عليَّ جاز، لا إن قال: قرئت عليَّ لإمكان غفلة قارئها عليه في شيء؛ وجوّز إن قال: قرئت عليّ وفهمتها أو عرفتها إذا أشهدهم عليها وقال إنّها وصيّة.
ومن كتبها لأحد ولم يشهد عليها ثمَّ طلب أخذها منه [405] وقد كتب عليه فيها حقوقا وضمانات ووصايا فله أن يسلِّمها إليه ما لم يشهد عليها؛ وإن كتب وصيّة وأشهد عليها ثمَّ قال أحد الشّهود لبعضهم: خذ الكتاب عندك وسكت الباقون فله أن يدفعه إليه؛ وإن أرادوا أن يثبتوا ذلك لأنفسهم فهو إليهم؛ وإن احتضر من عنده الصّكوك سلَّم كلّ صكّ إلى الشّهود الكائنين فيه؛ وإن لم يكونوا فيه فإلى من له الحقّ فيه.
__________
(1) () - ب: - «عليها». (6/9)
صفحة 2548
الباب الرّابع
في صفة كاتب الوصيَّة
فإن كان بمنزلة من يستفتى لا من يرفع عنه خطاؤه (1) في الفتيا فكتبها ولم يقل: اَعرضوها على المسلمين، أو لا تأخذوا بها حتَّى تعرضوها عليهم، وكان فيها مخالفا للحقّ بلا خلاف ولا مخرج ضمن؛ وإن كان فقيها بمنزلة من يرفع عنه ذلك لم يلزمه ضمان، ولا إن كان جاهلا، وعليه التَّوبة فقط. وكذا من عرضت عليه فإنَّه كالثّلاثة في ذلك؛ وكذا الوصيّ إن أنفذها ولم يعرضها وعلى الشهود التّوبة لا الضّمان مطلقا، فإن أنفذها بعد عرضها وفيها مخالف للحقّ فلا ضمان عليه، ولا على الفقيه إن عرضها عليه وهي من ثلث المال؛ وإن عرضها على من يلزمه الضّمان لزمه في مال من عرضت عليه وأثبتها على ذلك؛ وإن أنفذها بمعرفته وهو ممّن يلزمه فهو في الثّلث؛ وكذا من عرضت عليه إن كان ممّن لا يلزمه الضّمان في الفتيا بمنزلة المعرفة فلا ضمان عليه ولا على الكاتب ولا على الوصيّ؛ وكذا إن أنفذها بها وهو ممّن لا يلزمه والكاتب (2) والمعروضة عليه ممّن لا يلزمه فلا ضمان إن كان أحدهم ممّن لا يلزمه من منزلته في المعرفة؛ وإن كان الكلّ مِمَّن يلزمه فهو على جملتهم، فأيّهم تاب ردَّ الكلّ، وعلى صاحبيه أن يردّوا له، إلاّ إن ردّ كلّ ما عليه؛ وإن كان أحدهم فقيها فأنفذها بمعرفته وفيها مخالف زال الضّمان عنهم وكان في الثّلث. وإن عرضها الوصيّ على من له الفتيا وكان مِمَّن يلزمه ضمن للوصيّ.
وليس لمن بيده وصيَّة ميّت أن يدفعها إليه إلاّ برأي الشّهود لأنّ فيها شهادتهم.
__________
(1) () - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: «خطؤه» أو «أخطاؤه».
(2) () - ب: - «والكاتب». (6/10)
صفحة 2549
أبو سعيد: من ائتمنه رجل على كتاب فيه وصيَّته ودينه ومات وبقي بيده فإنما يسلِّمه إلى الشّهود جميعا إن كانوا أمناء ووجدهم، وإلاّ ائتمن عليه ثقة إن استطابه لهم من الدّافع له، وإلاّ فالقرطاس لمن دفعه له ولورثته والشّهادة للشّهود، ولا يسلم للورثة فتتلف الحقوق. واختير أن يأتمن عليه ثقة، وكذا قيل في مريض كتب وصيَّة ودفعها للشّهود أو لرجل ثمّ صحّ وطلبها فلا يدفعها إليه إلاّ برأيهم، إلاّ إن علم أن ليس فيها حقوق واجبة، [وإنَّما هي وصايا يستحقُّها في الصحَّة، وكان القرطاس له أو للموصي فله أن يسلِّمها إليه] (1). وإن لم يشهد بما فيها فلا يضيق على الكاتب تسليمها إلى الموصي وكان شاهدا عليه بما أقرّ به للعباد.
__________
(1) () - ما بين معقوفتين سقط من ب. (6/11)
صفحة 2550
الباب الخامس
في صفة كتابة الوصايا
ويبتدئ الكاتب بالبسملة، ثمَّ: «هذا ما أوصى به أو أقرّ به فلان بن فلان الفلاني ... »؛ فإن كان مريضا كتب: «وهو مريض ولا نعلم في عقله نقصانًا». وإن كان صحيحًا (1) كتب: «في صحَّة عقله وبدنه وجواز أمره وهو مقرّ بالجملة إلى آخرها، دائن بجميع ما يلزمه في ماله وبدنه لله ولعباده وتائب من كلِّ كبير وصغير، ومعتقد أنَّه لا ينقض توبته إلى أن يموت؛ وإن حدث له ذنب بعدها (2) فهو تائب منه ودينه دين أهل الاستقامة، وقوله قولهم ووليّه وليّهم وعدوّه عدوّهم، أتولاَّ من تولاَّه الله ورسوله والمؤمنون، وبالضدّ من ابتداء الدّنيا إلى انقضائها، وبهذا أوصي أهلي وأولادي وإخواني وكلَّ من بلغه كتابي من المؤمنين، وأن لا يعبدوا إلاّ الله مخلصين له الدّين ولا يشركوا به شيئًا؛ وأن يأخذوا من الفانية زادا للباقية. وأوصى بما يحتاج إليه بعد موته لعطره وكفته وحنوطه وبغير ذلك ممَّا يجهز به، وبأن يطعم عنه كذا وكذا قربة إلى الله بعد دفنه، وبكذا للأقرب إليه، وبكذا لمن يصوم عنه كذا من قضاء رمضان، وبخمس كفَّارات لكلِّ صلاة إطعام ستِّين أو عدله، وبعشر مرسلات للأيمان، وبثلاث مغلّظات لها أيضا؛ وأن يؤتجر عنه من يحجّ البيت ويزور القبر ويسلّم على صاحبه وعلى صاحبيه، وبنخلته الفلانيّة في كذا للمسجد الفلاني وقفا مؤبَّدًا، وبغلَّة الفلانيّة لمن يصوم عنه البدل مؤبَّدة، وبكذا وكذا لما لزمه من الزكاة، وبكذا للفقراء لما لا يعرف له ربًّا، وبالعتق ــ إن رغب فيه ــ. وأقرَّ بأنَّ عليه لولده فلان كذا
__________
(1) () - ب: بدل «صحيحًا» نجد: «في عقله».
(2) () - ب: «من بعدها». (6/12)
صفحة 2551
وكذا درهما عوضا عمّا أعطى لإخوانه الكبار، وبكذا وكذا لزوجته فلانة بنت فلان من قبل الأجل لها».
فإذا أراد أن يرجع إلى الوصيَّة كتب: «وأوصى ... »؛ وإن أراد الانتقال منها إلى الإقرار كتب: «وأقرّ ... » ليتميّز كلٌّ من آخر فإذا أتمّهما (1) كتب الوصيّ باسمه، بأن يكتب: «قد جعل فلان بن فلان الفلاني وصيّه بعد موته في إنفاذ وصيَّته وأجاز له ما يجوز له (2) من أمرها، وفوّضه فيما [406] يصلح لها وجعل له كذا وكذا أجرة له؛ وإن يقضيها من ثلث ماله بلا مشورة ورثته؛ وإن يقضي ما عليه من الدّيون والتّباعات والضّمانات من الكلّ، وجعل له الحجّة عليهم في بيع ما يشاء من ماله ويكتب التّاريخ والشّهود.
وقد كثرت ألفاظ ذلك بحسب كلِّ عرف، وفيما ذكرناه كفاية.
__________
(1) () - ب: «أتمَّها».
(2) () - ب: - «له». (6/13)
صفحة 2552
الباب السّادس
في ألفاظ الوصايا وإنفاذها والثّابت منها وغيره
وقيل: في رقعة معروضة على أبي سعيد أشهدنا فلان النّازل حَرَّة كذا من قرية كذا على نفسه ونحن به عارفون، وهو بالغ عاقل أنّ عليه لزوجته فلانة بنت فلان مائة نخلة صداقا لها، وأوصى أن تقضى عليه من ماله. قال: فهذا يخرج عندي من الكلّ. وأقرّ أنّ عليه للفقراء كذا درهما، وأوصى أن يقضى عنه ماله فهو عنده منه أيضا. وكذا إن أقرّ عليه لفلان كذا وما أوصى به للفقراء أو للكفّارات أو للمسجد فمن الثّلث؛ وإن أوصى أنَّ عليه حجّة الفريضة وفرضها في ماله أربع مائة درهم وعشرين يحجّ له بها ويزار القبر، فإنَّه عنده غير ثابت؛ وإن أقرّ أنّ عليه لفلان ثلاثة دراهم إلاّ نصف دانق، وأوصى أن يقضي من ماله فهو عنده ثابت من الكلّ؛ وإن أوصى بستَّة دراهم لصلاح فلج كذا. قال: فلا يتبيّن لي ثبوته.
وإن جعل فلانة بنت فلان وصيَّة على أولاده وصدّقها في ماله فما ادّعته ــ وإن لنفسها ــ من درهم وقيمته إلى ألف وقيمته، قال: فهذا والقيمة والتّصديق عندي ثابت؛ وإن قال: فلان بن فلان إن لم يرثه ولد من صلبه فإرثه من أخيه فلان لبنت أخيه فلانة فهو ثابت عند بعض، قال: وإن ورثه ولد من صلبه بطل ذلك لأني وجدت الكلام ساقطا؛ وإن قال: إن حدث بي موت من مرضي هذا فغلامي حرٌّ لله ثبت من الثّلث إن مات فيه. وإن قال: إن كان له أنثى فمنزله الذي يسكنه لأنثاه؛ وإن لم يكن له ذكر ولا أنثى فنصفه لبنت أخيه قال: إنّه جائز عند بعض على هذه الشّريطة من الكلّ؛ وإن قال: فلان بن فلان وكيله في حياته، ووصيّه بعد وفاته (1) في
__________
(1) () - ب: «موته». (6/14)
صفحة 2553
قضاء دينه وإنفاذ وصيَّته وصدَّقه فيما يدّعيه؛ ــ وإن لنفسه ــ من درهم إلى ألف ثبت ذلك.
وإن أقرّ أنَّ عليه لبني فلان كذا (1) فمن الكلّ؛ وإن قال: فلان يشهد عليه جميع من حضر فكلُّ (2) ما في هذا الكتاب بعد أن قرئ عليه فأقرَّ بفهمه ومعرفته حرفا حرفا كفاه بالتّصديق (3) المجعول منه لزوجته أو لوصّيه ثابت فما أقرّ به أحدهما أنَّه دين عليه أو حقٌّ فهو من الكلّ. وما قال: إنَّه وصيَّة فمن الثّلث، وما خرج من ذلك مخرجها أو نحو ذلك على المجعول بيده التّصديق فإنَّه إذا أوصى به أو أقرّ إلاّ أنَّه يدّعي إثباته على نفسه وأنَّه عليه في ماله فمن الثّلث؛ وإن خرج مخرج الحقوق فمن الكلِّ وهذا كلّه كلام أبي سعيد باختصار.
أبو الحواري: إن أشهد أنّ عليه جريبين ذُرة للفقراء ثبت من الكلّ لا إن قال للأيمان إذا لم يضفها لأحد وأثبته غيره في كفّاراتها من الكلّ، والأظهر أنَّها من الثّلث.
وإن أشهد أنّ عليه كذا دينارا لحجِّ فريضة ثبت من الثّلث؛ وقيل: من الكلّ؛ وقيل: لا يثبت. وإن قال: لزوجته فلانة كذا نخلة بشربها وأرضها صداقًا لها عليّ أو منزلي هذا بجميع ما فيه من حبّ وتمر وآنية فمن الكلّ، ولم تصحّ عند بعض، وأشهدنا فلان أنَّ لأقربيه في ماله جريبين ذرة، فقيل: من الثّلث؛ وقيل: من الكلّ؛ وإن قال لأيماني فكذلك؛ وقيل: لا يثبت. وإن قال: للمسجد الفلاني كذا درهما في مالي ثبت من الكلّ؛ وقيل: لا يثبت حتَّى يقول: منه أو عليّ. وإن قال: بلعقي في القطعة في عاضد بني فلان هي لفلان تثبت (4) من الكلّ.
__________
(1) () - ب: «لبني فلان عليه كذا وكذا».
(2) () - ب: «بكلِّ».
(3) () - ب: «والتصديق».
(4) () - ب: «ثبتت». (6/15)
صفحة 2554
وإن قالت موصيَّة: إنّ نخلها بكذا تباع، ويحجّ لها إلى البيت بثلاث مائة درهم، وللفقراء من باقي ثمنها عشرة، ولفقراء كذا خمسة، ولفقراء كذا خمسة، ولأقاربها عشرة، وكذا للصّلاة، فيشترى بمالها حبّ فينفق. وإن قالت: على زوجها فلان سبعون نخلة بأرضها وشربها وما تحتاجه وقد تركته له ما لم يدخل مع ولدها في ميراثها فذلك باطل فله الإرث وعليه الصّداق؛ وإن قالت: لأختها فلانة نخلة من مالها في كذا فمن الكلّ؛ فإن عرفت النّخلة سلّمت إليها وإلاّ فلها الوسط؛ وإن قالت: لفلان ما كان يأكله في حياتها إن ماتت، فإن صحّت فهي أولى بمالها، فهذا وصيَّة له ثابتة إن ماتت في مرضها، وإلاّ فلا شيء له. وإن أوصت أن يفرق عنها كذا من تمر ويطعم عنها كذا من حبّ وتشترى لها شاة وتذبح في مأتمها ثبت من الثّلث إن ماتت في مرضها، وإلاَّ أو رجعت عنه انتقض؛ وإن قالت: إنَّ ملحفتها وحليها إقرار منها لبنتها بحقٍّ لها عليها علمته لابنتها ثبت لها ذلك من الكلّ ولا تنقضه الصحّة؛ وإن قالت: ما بقي من ثيابها بعد كفنها غير ما أوصت به فللفقراء إلاَّ الإزار الأصفر فلفلانة لقيامها بها ثبت ذلك [407] من الكلّ ولا تنقضه الصّحّة أيضا ومن الثّلث ما للفقراء وتنقضه وترجع فيه؛ وكذا فيما للمسجد لأنَّه لله.
وإن وكّلت أختها في ولدها لم يثبت إذ ليس لها أن توكّل فيه أحدًا وإنّما ذلك للأب؛ وإن اختار أن يكون مع خالته فذلك له، ولا وكالة لخالته في ماله.
وإن أبرأت زوجها من كلّ حقّ لها عليه بقيام، أو قالت لبنتها ما كان لها بكذا بقيام فلا يثبت لأحدهما ذلك حتَّى تقول (1) بقيامه أو قيامها عليها.
فصل
أبو الحواري: من كتب أو أشهد أنّ عليه لزوجته فلانة كذا نخلة بأرضها وشربها شرب البلد صداقا لها، فقد ثبت من الكلّ؛ وإن أشهد أنّ منزله بجميع ما فيه
__________
(1) () - ب: «يقول». (6/16)
صفحة 2555
من حبّ وتمر وثياب وأداة فهو لها بحقّ لها عليه وقيام ثبت لها بالحقّ لا بالقيام حتَّى يقول ما مرَّ؛ فإذا ثبت لها بالحقّ خيّر وارثه في إمساكه وإعطاء قيمته لها وفي تسليمه لها.
وإن أشهد أنّ زوجته وكيلة في حياته ووصيَّته بعد وفاته ومسلّطة في ماله حتَّى تنفّذ هذه الوصيَّة والمال في يدها بها، فذلك ثابت؛ وإن قال: لها أن توكّل من شاءت حتَّى تقضي ما عليه فذلك إلى الوارث لا إليها؛ فإن كان بالغا قضاه وإلاّ أقام الحاكم له وكيلا.
ولها أن توكّل في حياتها من ينفّذ عنها ما أوصى إليها زوجها إلاّ حقّها.
أبو سعيد: إن قال: أوصيتُ بجميع ما في هذه الكتاب أن ينفّذ عنّي من مالي بعد موتي فإنَّه ينفّذ عنه ما فيه من الحقوق والإقرار ــ كما مرّ ــ من الكلّ وما فيه من الوصايا من الثّلث، ولو قصر في اللفظ، إلاّ الحقوق الباطلة في الأصل كالرّبا والحرام، وما صحّ أنَّه أريد به حيف ونحو ذلك، فإنَّه لا يثبت ولو أثبته هو، قال: ولكن المجهولات التي لا تصلح إلاّ بمعاينة أو بصفة فعدمت فهذا لا يقدر على إصلاحه فإنَّه ومثله لا يصحّ إلاّ فيما يعرف أو يعيَّن أو يوصف بما يستدلّ به عليه، والكلام الذي يوصي به ويشهد (1) هو ما كان بعضه من بعضه ولو قطعة بتنفُّس (2) إذا أتمّ الباقي؛ وإن قطعه بكلام في غير ذلك أو بسكوت فالكلام الأوَّل ثابت والثّاني غير متّصل به، إلاّ إن تمّ في موضعه وثبت، وهذا إن كان يوصي بلا كتاب.
قال خميس: والمعروف من قول أبي سعيد أنَّه إذا كتب وصيَّته أو كتبت بأمره أو قرئت عليه وأقرّ بفهمها وأشهد عليها جازت إن كانت على ثابت من لفظها. أبو عبد الله: إن كان فيها: أوصى فلان أنّ للفقراء كذا، وللأقربين كذا، ولفلان كذا
__________
(1) () - ب: «وشهد».
(2) () - ب: «بتنفيس». (6/17)
صفحة 2556
ونحو ذلك جازت من ماله، ولو لم يقل: فيه أو منه لأنَّها (1) إنّما تكون في ماله، كذا قالوا. فإذا جاء شيء آخر فقال: لزوجتي صداق كذا نخلة فلا يصحّ لها حتَّى يقول: عليّ أو في مالي.
أبو سعيد: إذا وجد فيها أوصى أنّ لفلان كذا في ماله ولفلان كذا منه ولفلان كذا فإنَّه ثابت عندي، لأنَّه تقدّمه ثابت؛ وإن قال في مرضه: جعلت لفلان في مالي كسوته ونفقته ما حيي فمات فيه ثبت له إن جعله وصيَّة في ثلثه، لا إن جعله عطيَّة أو هبة؛ ومن الكلّ إن جعله إقرارا.
وإن أوصى للفقراء بمائة درهم كفّارات عليه وحقوق لازمة، اختار أن يشترى بنصفها حبّ يفرّق عليهم على وجه الكفّارات وينفّذ عليهم نصفها دراهم. وإن قال لوصيّه فيها: إذا متّ فأعط فلانا نخلة، فإذا لم يقل: من ماله ولا كان على نسق ثابت لم تثبت (2) من ماله، فإذا بدأ بوصيَّة فهو فيها حتَّى يقول: بحقّ عليه أو إقرار؛ وكذا إذا بدأ به أو بدين فما اتّصل به فهو منه حتَّى يقول: إنَّه وصيَّة؛ وكذا ما كان منها يقول فيه: بعد الموت، أو: إذا متّ، ولو لم يبيّن فيه على أيّ وجه.
ومن قال: جعلت للفقراء أو لله أو في أنواع البرّ كذا من مالي، ثمَّ مات ولم يوص بإنفاذه عنه منه، فبعض ضعَّفه، قال: وهو عندي كالأيمان إذا حنث فيها، فلا يؤخذ هو بها ولا وارثه إن لم يوص بإنفاذها؛ وقيل: إن الوصيَّة تكون على سياق ابتدائها؛ فإن قال: أوصيت لفلان بكذا ولفلان بكذا، أو: لفلان بكذا (3)، فالكلّ وصيَّة؛ وقيل: حتَّى يقول: ولفلان. وكذا إن قال: لفلان عليّ كذا، ولفلان كذا، ولفلان كذا، فالكلّ دين؛ وكذا إذا بدأ فأقرَّ بشيء ثمَّ قطع تلك الصّفة بغيرها.
__________
(1) () - ب: «لأنَّه».
(2) () - ب: «يثبت».
(3) () - ب: - «أو لفلان بكذا». (6/18)
صفحة 2557
وإن قال في صحّته: إذا متُّ فلفلان من مالي كذا، ولم يقل: عطيّة ولا وصيَّة فهي وصيَّة لقوله: إذا متّ؛ وقيل: إقرار. وإن قال: أوصيت له بكذا بحقٍّ ثبت للأجنبيِّ من الثّلث لا من وجه القضاء ولا للوارث؛ وإن قال: هذا ممّا أوصى به للفقراء كذا، وللأقرب كذا، وقال على أثره: ولزوجته صداق كذا نخلة، فلا شيء لها حتَّى يقول: عليّ أو في مالي أو منه؛ وقيل: يثبت لها إن قال: منه، ولا يخرج مخرج الوصيَّة منه؛ وكذا إن قال: عليّ لأنَّ صداقها لا يكون على غيره، ويتحوّل في ماله أو عليه، واختير أنَّه إن قال: هذا ما أوصى به فلان للفقراء كذا، ولفلان كذا، فلا يثبت حتَّى يقول: من مالي أو فيه أو وصيَّة منِّي [408] لهم (1)؛ وإن قال: بكذا ثبت، ولو لم يقل: من مالي إن عرف لأنَّه يخرج على التّقديم والتّأخير، لأنَّه لو قال: أوصي لهم كذا ولفلان كذا؛ فإن قال: من مالي ثبت من الكلّ إقرارًا إن عرف، لا إن لم يقله.
وإن قال: أوصيت أنَّ لفلان عليّ كذا أو لفلان عليَّ كذا، كان إقرارا لا وصيَّة؛ وإن قال: أقرَّ لفلان بكذا أو لفلان كذا (2) ثبت الأوَّل لا الأخير؛ وإن قال: أوصيت لفلان كذا ولفلان بكذا ففي الأثر أنَّه جائز وهي وصيَّة؛ قال: ولا يتبيّن لي ذلك حتَّى يقول: بكذا، لأنَّ كذا غير بكذا؛ وإن قال: أوصيت لفلان بكذا وفلان كذا، لم يثبت لأنّ معناه وأوصيته كذا فكأنَّه وصاه بذلك لغير معروف.
__________
(1) () - ب: - «لهم».
(2) () - ب: «بكذا». (6/19)
صفحة 2558
الباب السّابع
فيما يثبت من ألفاظ الوصايا والإقرار وما لا يثبت
وفي الأثر: ومن قال في وصيَّته: مالي لفلان وقد أوصيت لفلان بمالي، وعليّ لفلان ألف درهم فوجد ماله ألفا فالألف للأوَّل ولا شيء لصاحب الألف، ولا للموصى له بالمال، ولو أخَّر الأوَّل وقدّم الموصى له؛ وإن قال: أوصيت لزيد بمالي ولعمرو (1) مالي أو مالي له أو أوصيت لزيد بمالي هذا وعيَّنه ولعمرٍو مالي، فالمال في ذلك لعمرو، ولا شيء لزيد، لأنَّه لمن أقرّ أنَّه له؛ وكذا لو قال: أقررت بمالي لزيد وهذه النّخلة من مالي لعمرو كان كلّه لزيد، ولا يجوز إقراره الأخير حتَّى يصحّ أنَّه استفاده بعد الأوَّل. ولو قال: هذه النّخلة أو الأرض أو هذا العبد أو البيت لفلان من مالي، أو لم يقل: منه، إلاَّ أنَّه بيده، ثمَّ قال: مالي لفلان، ثبت للأوَّل ما أقرَّ له به، والباقي للأخير؛ فإذا أقرَّ بماله، أو بمعيَّن منه، ثمَّ أقرَّ بدين أو قدّمه، فالإقرار بماله أو ببعضه أولى من الإقرار بالدّين ولو قدّمة.
وإن قال: لزيد عليّ ألف وقد أوصيت بمالي لعمرٍو فوجد له ألف فالمال لزيد بدينه، ولا شيء لعمرو؛ وإن قال: لزيد عليّ ألف، وقد أوصيت بمالي لعمرو فوجد له ألفان، فالألف لزيد وثلث الآخر لعمرو وقس على ذلك.
وإن أوصى أن يُفرق عنه كذا (2) من ماله، ولم يقل: إذا مات أو بعده أو وصيَّة منه، فقيل: يثبت ذلك في الحكم؛ وقيل: لا.
__________
(1) () - في النسختين يرد «عَمْرو» أحيانًا بالواو وأحيانًا بغيره، فاخترنا إثباته بالواو على المعمول به، دون الإشارة إلى ذلك فيما سيأتي.
(2) () - ب: - «كذا». (6/20)
صفحة 2559
أبو الحسن: إن قال: أوصيت بكذا أو للفقراء به أو عليَّ لفلان كذا، ثبت ذلك ولو لم يقل: من مالي، أو قال: يقضى أو يؤدَّى عنّي منه؛ وإن قال: يقضى أو ينفّذ جاز في الإقرار والوصيَّة.
واختار أبو سعيد أن يوصي بقضائه عنه من ماله بعد موته في الدّيون وفي الوصايا بإنفاذه عنه منه بعده. أبو عبد الله: إن أقرّ لفلان كذا وصيَّة منّي له، أو قال: لفلان كذا وصيَّة منّي له، جاز من ماله، وإن لم يقل منه؛ وإن قال: للفقراء والأقربين عشرون درهما تُفرّق عنه ثبت.
هاشم: من له على أخيه دين فأشهد أنَّه قد استوفاه خوفا من ورثته، وقال: له إن قدرت على شيء فأعطنيه فإذا متّ فلا سبيل لأحد عليك؛ فإن كان وارثا فلا يجوز، وإلاّ جاز وصيّه منه له.
أبو الحسن: من أوصى في صحّته لرجل بشيء من ماله إذا مات فوصيَّته له، وله الرّجوع فيها؛ وإن قال: في صحّته إن متّ فموضع كذا له بحقّ له عليّ أو إقرارا منِّي له فلا رجعة له فيه؛ وإن قال: أوصي أنّ لفلان عشرة دراهم، لم يثبت لأنّ معناه بأنَّ له كذا، فلمّا أسقط الباء نصب أنَّ. وإن قال: هذا ما أوصي به أنّ لفلان كذا من ماله فإقرار. وإن قال: له كذا منه فوصيَّة؛ وإن قال: له بكذا، فوصيَّة أيضًا؛ فإن قال: إنَّ الذي أوصى به لفلان عشرة، فوصيَّة؛ وإن قال: ما أوصى به له عشرة من ماله فإقرار؛ فإن قال: هذا ما أقرّ به أنَّ [ما أوصى به عشرة فوصيَّة لأنَّه أقرَّ بها؛ فإن قال: أقرَّ أنَّ عليه كذا ينفَّذ عنه من ماله بعد موته فإقرار؛ وإن قال: هذا ما أوصى به أنَّ الذي أقرَّ به له كذا منه، فإقرار أيضًا؛ فإن قال: هذا ما أقرَّ به أنَّ] (1) وصيَّته لفلان كذا فلا يثبت وصيَّة ولا إقرارًا؛ وإن قال: من ماله ثبت وصيَّة.
__________
(1) () - ما بين معقوفتين سقط من ب، وقد وقع للناسخ انتقال نظر لتكرار عبارة: «فإن قال: هذا ما أقرَّ به أنَّ». (6/21)
صفحة 2560
فإن قال: هذا ما أوصى به فلان عن فلان لفلان عشرة فوصيَّة في مال الموصي؛ وإن قال في وصيَّته: هذا ما أوصي به فلان لزيد كذا، ثبت وصيَّة لقوله به فكأنَّه (1) قال: بكذا. وإن قال: هذا ما أوصي به فلان به أنّ لفلان كذا لم يثبت لدخول به بين أنَّ والمتقدّم فلم يكن متناسقا.
وإن قال: أوصيت لزيد مالي كلّه، فإقرار لا وصيَّة؛ وإن قال: بثلثه لزيد وعمرو فوصيَّة بينهما؛ وكذا في الإقرار إن قال: مالي لزيد وعمرو فبينهما؛ وكذا إن قال (2): ولعمرو أو لزيد مالي، ولعمرو أو لزيد ولعمرو عليَّ كذا، أو ألف عليَّ لزيد وعمرو أو ولعمرو فذلك إقرار بينهما.
وإن قال: أوصيت بثلث مالي لزيد ولعمرو وخالد وجعفر ثبت وكان لزيد وعمرو ــ قيل ــ ثلث الثلث، ولخالد مالهما، ولجعفر ما لخالد، وحجّة القائل بذلك قوله تعالى: {فأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وللرَّسولِ ولِذِي القربَى واليتَامى والمساكينِ} (الأنفال: 41). فقال: للثَّلاثة سهم، ولكلٍّ من الآخرين سهم، لأجل اللاَّم؛ وقيل: هم في الثّلث سواء، لقوله تعالى: {مَآ أَفَآءَ اللهُ على رسولِهِ من اَهلِ القرىَ فللَّهِ ... } [409] الآية (الحشر: 7). وكانوا فيه سواء لا تفضيل لأحد (3) فيه ولم تضرَّ اللام ولم ينفع إسقاطه (4).
وقيل: إن قال: أوصيت بثلث مالي لعمرو ولزيد وخالد (5) وجعفر ولعبد الله وأحمد، كان لعمر ربع الثّلث وكذا لزيد، ولخالد وجعفر ربع الثّلث، ولعبد الله وأحمد
__________
(1) () - ب: «فكأنَّما».
(2) () - ب: - «إن قال».
(3) () - ب: «لأحدهم».
(4) () - ب: «إسقاطها».
(5) () - ب: «ولخالد». (6/22)
صفحة 2561
ربع الثّلث؛ وإن قال: أوصيت لزيد بمالي ولعمرو وعليَّ لخالد ألف، فوجد له ألف فهو لخالد، لأنّ الحقوق قبل الوصيَّة والإقرار أولى منها وهو مفصّلا أولى منه مبهمًا.
وإن أقرّ لرجل بعبد ولآخر بماله ولآخر بألف فوجد له العبد للرّجل فقط وبطل الإقرار بماله وبالألف؛ وإن قال: أوصيت لزيد بنصيب بعض أولادي بطلت، لأنّ نصيبه لا يستحقّه غيره؛ وإن قال: بمثل نصيب أحدهم وله ابن وبنت فله مثل نصيبها.
أبو سعيد: من كتب في وصيَّته: إحدى عشرة درهما فلا يثبت حتَّى يكتب: أحد عشر، وفي المؤنَّث: إحدى عشرة. ويكتب: عشرة أمنان لا أمناء ومنوان لا منان، ودانقين ثلث درهم، ودانق سدسه وهو أصحّ. وإن كتب: دانقين من الدّرهم جاز؛ وكذا: درهم ونصفه، وجاز: ونصفٌ بلا إضافة على نسق الأوَّل. (6/23)
صفحة 2562
الباب الثّامن
في الوصيَّة والإقرار بعد الموت
ومن قال: إن متُّ في سفري أو مرضي فلفلان عليّ ألف درهم لا إن برئت أو رجعت لزمه الألف ولو برئ أو رجع، ولا يلزمه عند ابن عليٍّ إذا برأ أو رجع؛ وإن قال: أكلت من مال (1) فلان شيئًا فادفعوا إليه ألف درهم، فإن حييت فلا شيء عليّ، فلمّا عوفي قال: لم آكل شيئًا، قال هاشم: عليه الألف؛ وقيل: لا، ويؤخذ حتَّى يقرّ بما يشاء أنَّه أكله من ماله، ويقبل قوله مع يمينه.
وإن قال: عند مرضه في وصيَّته: كذا وكذا من مالي لفلان، يعني من ورثته إن متّ فسلّمه إليه يافلان، فوصيَّة ولا تجوز له (2) إلاَّ بحقٍّ؛ وإن كان غير وارث سلَّمه إليه إن كان يخرج من الثّلث، وإلاّ فلا إلاّ ما خرج له منه.
وإن قال صحيح: إذا متّ فنخلتي هذه للمسجد، فقيل: إقرار؛ وقيل: وصيَّة. و «إذا»، و «إن»، و «متى متُّ»، سواء، وبعض ضعَّف «إذا متّ»؛ وإن قال مريض: إن حدث بي موت فثلث مالي لفلان بحقٍّ له عليّ وليس بوفاء له فقضاء ثابت من الكلّ؛ وإن قال: فثوبي لفلان، فقيل: إقرار؛ وقيل: وصيَّة. وإن قال: بقيامه عليّ فقضاء، وللوارث فيه الخيار؛ وقيل: لا، فعلى القول بأنَّه وصيَّة يخرج من الثّلث إذا علم أنَّه يخرج منه؛ وقيل: له أن يأخذه حتَّى يعلم أنَّه لا يخرج منه؛ وقيل: إنَّها والعطيّة والبراءة في المرض كالوصيَّة مطلقا والوقف ــ قيل ــ كالوصيَّة (3) لا يجوز
__________
(1) () - ب: «مالي». ولا معنى له.
(2) () - ب: - «له».
(3) () - ب: «للوصيَّة». (6/24)
صفحة 2563
للوارث إلاّ أن أسند إلى باب من البرّ.
ومن قال: كلّ مالي بعد موتي لفلان فلا يثبت؛ وقيل: يثبت ويخرج مخرجَ «إن أو إذا أو متى متّ»؛ وإن قال: فهو له بعده ثبت ويخرج مخرج الإقرار والوصيَّة.
ومن احتضر فأشهد أنَّ عليه لفلان ألف درهم إن مات في مرضه وإلاّ فلا، فهو عند ابن عليٍّ كما قال، وقد مرَّ؛ وعند ابن محبوب يلزمه ذلك حيي أو مات، ولا ينفعه قوله: إن صحّ فلا شيء له عليه. (6/25)
صفحة 2564
الباب التّاسع
في وجوه الوصايا الخمسة
أبو المؤثر: إنَّ أصول الوصايا خمسة: مبهم ومعلم ومودع ومضاف ومفصول.
* فالمبهم: كالإيصاء بألف درهم أو بثوب أو عبدا ونحو ذلك ممّا يعرف بالصّفة ويقع عليه الاشتباه فيها.
* والمعلم: كالإيصاء بنخلة معيَّنة أو عبد أو نحوه (1) كذلك، فإذا مات الموصي وقد تلف المعيَّن لم يكن للموصى له شيء؛ وإن تلف ماله إلاّ المعين فللموصى له به ثلثه زاد المعيَّن أو نقص؛ وإن خرج من الثّلث فكلُّه للموصى له، وما نقص فهو عليه.
* والمضاف: كالإيصاء بعبد من عبيده أو بنخلة من نخله (2) أو ثوب (3) من ثيابه فيكون للموصى له بذلك الأوسط؛ فإن اختلفت أجناسه أخذ بالقيمة وكان له جزء منها ممّا يقع له (4) ممّا أوصى له به.
* والمودع: كالإيصاء بألف درهم لأحد من الموصي في داره أو نخلته هذه أو بثوب أو عبد فيها أو بعشرة دراهم في عبده هذا أو بنخلة في أرضه هذه، فلا تثبت الوصيَّة بهذا إلاّ في المعيَّن؛ وإن تلف بطلت.
* والمفصول: كالإيصاء له بثلث أو ربع أو عشر ماله أو بمسمًّى منه، فينبغي
__________
(1) () - ب: «أو نحو».
(2) () - ب: «نخيله».
(3) () - ب: «بثوب».
(4) () - ب: - «له». (6/26)
صفحة 2565
للنّاظر في الوصايا أن ينظر في ألفاظها ليضع (1) الأمور في مواضعها. وأكثر ما يقع عليه الاشتباه في المودع والمضاف. ولا يظنُّ أنَّ قوله: أوصيت لفلان بثوب في داري باطل، ويقول: إنَّه إنَّما أوصى له به فيها؛ وقيل: لا يثبت إلاّ أن صحّ بعينه أو توجد له فيها ثياب؛ وقيل: حتَّى يصحّ الثّوب منها؛ وقيل: له أقلّها ثمنا؛ وقيل: أوسطها؛ وقيل: له وسط يجعل في أصل الدّار بياع له منها ويشترى [410] له ثوب (2) إلاّ إن فداها الورثة؛ وقيل: له يعدِّد (3) الأجزاء من قيمة الثّياب؛ ولعلّ ثَمَّ من يقول بالإبطال حتَّى يعرف الثّوب. وإن قال: أوصيت له بثوب من ثيابي التي في داري فله الوسط منها؛ وإن قال: بثوب فيها أو منها فله وسط وهو من المودع. وإن قال: بثوب من التي في داري فله أوسط الكائنة فيها، وهو من المعلم في الثّياب مضافا إليها؛ وبطلت إن لم يكن له في الدّار (4) ثياب ويخرج فيه أنَّ مثله مضاف إلى المعلم وكذا؛ إن قال: أوصيت له بثوب لي في داري فله ثوب من التي فيها وهو مضاف.
فصل
قد تختلف الألفاظ الخمسة، ومرجعها إلى ما ذكر.
ومن قال: أوصيت أن يعطى فلانًا (5) ثوبا يشترى له من دراهمي هذه أو من غنمي هذه فهو من المودع؛ وإن قال: أوصيت له بألف دراهم من قطعتي أو من داري أو من دنانيري فمن (6) المودع أيضا، فإذا لم توجد له قطعة ولا دار ولا دنانير بطلت؛ وإن قال: بنخلة من نخلي فوجد كلّه خيارًا أو شرارًا فللموصى له وسطى منه؛
__________
(1) () - ب: «فيضع».
(2) () - ب: - «ثوب».
(3) () - ب: «بعدد».
(4) () - ب: «في الدار له».
(5) () - ب: «فلانٌ». وهو أصحُّ لأنَّه نائب الفاعل.
(6) () - ب: «فهو من». (6/27)
صفحة 2566
وكذا إن قال: بثوب من ثيابي أو بعبد من عبيدي فله الوسط منها ولو غالية فائقة، وهذا هو المضاف.
فأمّا المودع إن قال: بنخلة في نخلي أو ثوب في ثيابي فوجد له خيار أو شرار لا وسط، فإنَّه يشترى للموصى له من ثمن ما جعله فيه؛ فإن وجد فيه الوسط دفع إليه فأفهم الفرق. قال: وإن أوصى له بثوب قطن من ثيابه فلم يوجد له إلاَّ كتان اشتري له وسط من ثمن الثّياب؛ وإن قال: بدينار في دراهمي اشتري له منها ودفع إليه؛ وإن تلفت وبقي الدّينار قبل أن يدفع إليه بطلت الوصيَّة؛ وإن قال: بدينار مطرق من دنانيري فلم يوجد له إلاَّ مثاقيل اشترى له مطرق؛ وإن قال: بثوب خماسي من ثيابه فلم يوجد له إلاَّ سداسي ورباعي اشتُري له خماسي وسط منها. وإن قال: بدينار مثقال من دنانيره، فلم يوجد له إلاّ مطرَّقة فله دينار مثقال فيها؛ وإن قال: من دنانيره المثاقيل فلم توجد له دنانير مثاقيل، أو قال: بخماسيٍّ من ثيابه السداسيَّة فوجدت له خماسية لا سداسيَّة، أو قال: بثوب من ثيابه أو فيها فلم توجد له، لم يكن للموصى له بشيء من ذلك؛ قال: وإنَّما الفرق بين المودع والمضاف أن يوجد النّوع الموصى به فاضلاً على (1) الوسط أو ناقصًا عنه. ففي قوله: في كذا، له الوسط في النّوع في ثمنه إن لم يوجد فيه؛ وإن قال: منه، فله وسط النّوع خيرا كان أو شرًّا لا من غيره.
وقيل: إذا قال: بجمل من جماله أو بثوب من ثيابه أو نحوهما فمن المودع؛ فإن وجد فيها وسط فلا يجاوز به إلى غيره لا له ولا عليه، لأنَّه خرج من باب المضاف، وإلاَّ كان له في ثمنها؛ وكذا إن تلف الوسط قبل أن يدفع إليه فله ثمنه من النّوع.
فصل
من قال: أوصيت لفلان بألف درهم في مالي، أو منه، أو في ثلثه أو منه، أو له ألف في مالي وصيَّةً منّي، أو عنّي أو له منه ألف وصيَّة منّي فالكلّ سواء في باب
__________
(1) () - ب: «عن». (6/28)
صفحة 2567
المبهم؛ وقيل: ذلك وصيَّة في الثّلث، إلاّ قوله لفلان ألف من مالي وصيَّةً، فإنَّه من كلّه.
وإن قال: بخماسيٍّ من ثيابه الخماسيَّة بطل إن لم توجد له؛ وإن وجدت (1) فائقة أو رديئة أو كلتاهما فله الأوسط لا من غيرها؛ فإن وجدت له أربعة اثنان فائقان مستويان واثنان رديئان كذلك فله نصف أحد الفائقين ونصف أحد الرّديئين؛ وقيل: ربع قيمة الأثواب؛ فإن خرج في واحد أخذه، وإلاّ أسهم فيها، فإن وقع سهمه في أحد الفائقين كان شريكا فيه بقدر ما يخصّه، وكذا في الأدونين بقيمة. وإن قال: في ثيابه الخماسيّة فلم يوجد له إلاَّ خيار أو شرار اشتري له وسط وثمنه فيها؛ فإن لم توجد له إلاَّ رديئة لا تبلغ ثمن أوسط الثّياب كانت له كلُّها ولو عشرة تباع ويشترى له بها خماسيٌّ وسط، ولا يزاد عليها؛ وإن لم يتمَّ له فيها ثمنه دفع إليه؛ وإن شاء الوارث دفعها إليه بلا بيع إذ له ذلك إن بلغ، وإلاّ بيعت واشتري له إن بلغ الثّمن، وإلاّ دفع برأسه إليه؛ وقيل: يشترى له به خماسيٌّ ولو أدون.
فصل
أبو المؤثر: ربّما تحبس الوصايا بعد الموت ولا تنفَّذ حتَّى تزيد الأموال أو تنقص، فينبغي للنّاظر أن يعرف كيف يكون الحكم فيها عند الزّيادة والنّقصان، حتَّى يجعل كلّ شيء منها في [411] جهته.
وكلٌّ منهما على ثلاثة أوجه:
فوجه من الزّيادة: أن تزيد الأموال بالغلاء.
وآخر: أن تزيد أعيان الأموال كسمن الدّواب ونشائها، وكرم النخل ونشوها.
وثالثها: أن تزيد بتوالد الإماء والحيوان والنّخل وعلوِّ الدور.
__________
(1) () - ب: «وجد». (6/29)
صفحة 2568
ووجوه النّقصان (1): أن تنقص الأثمان بالرّخص، والأعيان بالتّغيير كهزال الدّوابِّ وضياع النّخل ونحو ذلك. وثالثها: استهلاكها، كموتهما وانهدام الدّور.
فالزيادة والنقصان ــ قيل ــ يلزمان جميع الأبواب الخمسة، فيكون النّظر في الأموال يوم الحكم بإنفاذ الوصايا، وتكون قيمتها يوم الإنفاذ، فما خرج من الثّلث حينئذ خرج، وما لم يخرج منه ردَّ الكلّ إليه؛ وقيل: النظر في قيمتها يوم الإيصاء، ولا تدخل عليها زيادة ولا نقصان؛ وقيل: يدخلان على بعضها ويحكم فيه بالقيمة يوم الإيصاء؛ وفي آخر يوم الإنفاذ، فلا تخرج الأقوال الثّلاثة عن أحد الوجوه الثّلاثة، قال: ولو أنَّ معاندا قال: يدخل عليها النّقصان لا الزّيادة، لكان قولا، ولكنّه بيِّن الغلط لا يحتاج إلى مناظرة فيه، لأنَّ كلَّ ما وجبت له الزّيادة وجب عليه النّقص ولكن (2) الثّلاثة الوجوه.
قال: فينبغي لنا أن نلتمس وجوه الصّواب في ذلك، والوجه في ذلك أنَّه إذا فسد قولان ثبت الثّالث، فنقول لمن قال إنّ الزّيادة والنّقصان يدخلان على كلِّ وصيَّة وأنَّ القيمة يوم الحكم: أرأيت لو أوصى رجل لفلان بأمة تسوى ألفا وترك ألفين فلم تسلَّم إليه لمانع حتَّى ولدت أولادًا أو ماتت (3) أو زادت حتَّى تسوى ألفين؛ فإن قال: هي له بأولادها وزيادتها ونقصانها إن وسعها الثّلث يوم مات فقد هدم قوله إنَّ القيمة في الوصايا يوم إنفاذها؛ فإن قيل: يقوَّم المال فيه ولا شيء له من أولادها، قيل له: أولدت في ملكه أو في غيره؟ فإن قال: في ملكه، فلا شكّ أنَّهم له؛ وإن قال: في غيره، قيل له: فلو أعتقها قبل أن تدفع إليه فهل تعتق أم لا؟ فإن قال: تعتق، هدم قوله، إذا لا عتق إلاّ بعد ملك؛ وإن قال: لا، بان بطلانه أيضًا (4)؛ وإن قال: تعتق لأنّ له
__________
(1) () - ب: «النقص».
(2) () - ب: «وللكن». والعبارة الأخيرة غير واضحة المعنى.
(3) () - ب: «أولادًا وماتت».
(4) () - ب: - «أيضًا». (6/30)
صفحة 2569
فيها (1) حصّة، قيل له: فإذَنْ له حصّته من أولادها أيضا؛ فقد بان فساد هذا القول.
ونقول لمن زعم أنّ القيمة يوم الإيصاء في الوصايا: أرأيت أنَّه لو أوصى بوصايا في أيمان وللأقربين والفقراء وغير ذلك، وكانت تخرج من ثلثه يوم موته ثمَّ لم تنفَّذ حتَّى أغلَّ المال كثيرة ثمَّ هلك وبقيت الغلَّة؛ فإن قال: ليس لأهلها في الغلّة شيء وإنّما لهم في الأصل ولا شيء لهم قبل، فيقال له: وكذا أيضًا إن هلك ولم يغلَّ وبقي ثلثه فهو لأهلها ولا شيء للوارث فيه إن كانت القيمة يوم الإيصاء، فكما لم يكن لهم في الزّيادة شيء لم يكن عليهم في النّقصان أيضًا (2). ويقال له أيضا: أرأيت إن كانت تخرج من الثّلث يوم مات الموصي ثمَّ رخص المال حتّى استفرغت الثّلثين؛ فإن قال: تنفَّذ كلّها ولو استفرغت المال إذ (3) كانت تخرج من الثّلث يوم الإيصاء ظهر فحشه؛ وإن قال: يرجع إلى الثّلث الباقي هدم قوله. وكذا يقال له: لو كانت لا تخرج من الثّلث يوم الموت ثمَّ غلى المال حتَّى صارت ربعه، فهل تخرج كلّها أو تردّ إلى ما كانت عليه يوم الموت؟، فإن قال: تخرج من ثلثه يومئذ ولا شيء لهم في زيادة رقاب الأموال ولا في أثمانها ولا في غلاَّتها (4) بان فساده أيضا إذا كانت تخرج من الثّلث يوم مات، ولو هلك المال كلّه إلاّ قدر الوصايا؛ وإن قال: تخرج منه إن كانت تخرج منه يوم القيمة فسد أيضا؛ فلمَّا فسد الوجهان لم يبق إلاّ الثّالث وهو أنّ الحكم في البعض يوم الموت وفي الآخر يوم الإنفاذ.
فينبغي للنّاظر أن يعلم أيُّ الخمسة يكون الحكم فيه يوم الإنفاذ، وأيٌّ منها يكون يوم الإيصاء؛ وأن يعرف موضعها من الاتِّفاق والانفراد والاشتراك.
* فالانفراد: أن يوصي بباب منها وتكون ألفاظه كلّها فيه.
*
__________
(1) () - ب: «فيه».
(2) () - ب: - «أيضًا».
(3) () - ب: «إذا».
(4) () - ب: «علاتها». (6/31)
صفحة 2570
والاتِّفاق: أن يوصي ببابين أو أكثر، فيكون في كلّ نوع من ماله أو بعض أنواع أمواله نوع من أبواب الوصايا.
* والاشتراك: أن يجمع بابين من الوصايا أو أكثر في نوع من ماله.
فالانفراد: أن يقول: أوصيت لفلان بألف درهم ولفلان بعبد ولفلان بثوب، ولا يوصي إلاّ على هذا النّحو من المبهم، أو أوصيت لفلان بألف في قطعتي هذه ولفلان بألف في عبيدي هؤلاء ونحوهما من المودع أو له بألف من دراهمي ولفلان بنخلة من نخيلي ونحوهما من المضاف، أو: أوصيت لفلان بثمن مالي ولفلان بعشره ونحوهما من المفصول؛ فهذه وجوه الانفراد كما ترى.
ووجوه الاتِّفاق: أن يقول: أوصيت لفلان بسدس مالي ولفلان بداري هذه ولفلان بألف درهم ولفلان بعشرين درهمًا في قطعتي هذه فقد اتَّفقت [412] أنواع الوصايا في ماله.
ووجوه الاشتراك: أن يقول أوصيت لفلان بداري هذه ولفلان بمائة درهم فيها ولفلان ببيت منها ولفلان بسدسها، فقد اشترك في هذا النّوع من ماله أربع وصايا.
قال: وقد يجمع أيضًا في وصيَّته (1) الأبواب فيقول: أوصيت لفلان بألف درهم ولفلان بألف من دراهم ولفلان بسدس مالي ولفلان بنخلتي هذه ولفلان بداري ولفلان بألف درهم فيها ولفلان بسدسها ولفلان ببيت منها، فهذه جميع الوصايا التي تتَّفق وتشترك وتنفرد وهي كلّها في ثلث ماله.
أبو المؤثر: نظرنا في أبوب الوصايا فوجدنا الصّحيح منها أنَّ كلّ معلمة ثابتة بعينها فهي للموصى له بها يوم مات الموصي، وهو يوم وقوع الوصيَّة على المختار؛ وقيل: يوم الإيصاء كما مرّ، وسائر الوصايا تكون القيمة فيها والحكم يوم الإنفاذ، كتارك دارا تسوى ألفا وألفين، وأوصى لرجل بها وللآخر به، فوصيَّته يوم مات ثلثا
__________
(1) () - ب: «وصيَّة». (6/32)
صفحة 2571
ماله فرجعا معا إلى ثلثه، فلكلٍّ نصف وصيَّته، فلصاحب الدّار نصفها، ولصاحب الألف نصفه، ونصفه للوارث أيضًا، فصار لصاحب الألف خمس ما بيد الوارث لأنّ بيده نصف الدّار خمس مائة وألفين آخرين فله من ذلك خمس مائة.
فإن لم يحكم في الوصيَّة وتنفَّذ حتَّى أغلت الدّار فصارت تسوى ألفين وأغل الألفان فلصاحب الدّار نصفها ونصف غلّتها لا يزاد على ذلك ولا ينقص ويبقى من غلّتها ألف وقيمة نصفها الباقي ألفان مع الآخرين فتلك أربعة آلاف فلصاحب الألف خمسها ثمان مائة، فزادت ثلاثة مائة لازدياد القيمة والغلّة؛ فإن أغلت الدّار أربعة آلاف فصار ثمنها ألفين فللموصى له بها نصفها ونصف غلّتها وبقي منها ألفان مع الآخرين وقيمة نصفها ألف فهي خمسة آلاف وخمسها للموصى له بالألف وهو ألف.
وإن أغلت الدّار أربعة آلاف وصار ثمنها كذلك فللموصى له بها نصفها ونصف غلّتها ويبقى منها ألفان وقيمة نصفها ألفان مع الأولين فتلك ستّة آلاف، فليس للموصى له بالألف إلاّ ألفه وللوارث خمسة آلاف لأنَّه له خمس ما يبقى بيد الوارث حتَّى يستوفي وصيَّته ثمَّ لا فضل له.
وإن نقصت الدّار عن يوم الموت فكانت يوم الإنفاذ تسوى خمس مائة فلصاحبها نصفها ويبقى من قيمتها مائتان وخمسون مع الأوّلين، وخمسها أربع مائة وخمسون هو لصاحب الألف، فنقصت خمسون عن يوم الموت وانتقص عن صاحب الدّار نصف ما كان بيده منها وهو مائتان وخمسون.
ولو هلكت قبل أن تسلّم إليه وقبل أن يحكم في الوصايا بشيء لبطلت وصيَّته له بها وكان لصاحب الألف خمس الباقين؛ ولو تلفا قبل الإنفاذ وبقيت الدّار وثمنها زائد أو ناقص فلصاحبها نصفها والآخر للوارث وربّ الألف فله منه خمسه ثمنا.
ومن ترك عبدين يسوى أحدهما ثمانية آلاف والآخر أربع فأوصى بالأوَّل لرجل ولآخر بألف ثمَّ مات الأوَّل قبل الإنفاذ فعلم أنَّه أوصى بثلاثة أرباع ماله تسعة آلاف فردَّ إلى ثلث ماله أربعة آلاف فللموصى له بالأوَّل ثمانيّة أتساعها وللموصى له بالألف (6/33)
صفحة 2572
تسعها وهو أربع مائة وأربعة وأربعون وأربعة اتساع درهم، فيضمّ إلى الثّلثين الفاضلين وهما ثمانيّة آلاف فجملتها تسعة عشر جزءا، لأنّ كلّ أربعة آلاف على تسعة أجزاء. فإذا مات العبد الأوَّل فليس للموصى له به شيء، وتبقى أربعة آلاف قيمة الثّاني فللموصى له بالألف جزء من تسعة عشر من قيمته نقصت أو زادت (1) حتَّى يستوفي الألف ثمَّ لا زيادة له عليه. ولو أغل الباقي غلاَّت أو زادت قيمته حتَّى صار ذلك تسعة عشرة ألفًا لكان له ألف، ولو بلغ ذلك عشرين ألفًا لم يكن له إلاّ ألف.
__________
(1) () - ب: «ازدادت أو نقصت». (6/34)
صفحة 2573
الباب العاشر
في بيان وجوه الخمسة ومعرفتها في المعلم
أن يوصي هالك لرجل بعبد بعينه وهو يسوى ألفا وترك ألفين أيضا فلم يُدفع إليه حتَّى هلك أحد الألفين وصار يسوى ألفين وأغلَّ آخرين فإنَّه وغلّته للموصى له به، ولا شيء من ذلك للوارث؛ وإن رجع إلى خمس مائة فليس له غيرها ولا شيء له إن مات ولا غير غلّته إن مات وبقيت.
وإن أوصى له بعبد يسوى ألفين [413] وترك ألفا ولم يترك غير ذلك ثمَّ نقصت قيمته قبل أن يسلّم إليه حصّته منه حتَّى صار يسوى خمس مائة فلا له إلاّ نصفه لأنَّه إنّما له نصفه يوم الموت ولو زادت قيمته حتَّى صارت ستّة آلاف لكان له نصفه يومئذ ولوارثه نصفه مع الألف الأوَّل. ولو تلف الألف وصارت قيمة العبد وغلاَّته عشرين ألفا قبل الإنفاد لكان للموصى له به (1) نصف ذلك وللوارث النّصف فتأمّل.
وفي المفصول: أن يوصي لرجل بسدس ماله أو ثلثه والمال يسوى عشرة آلاف ثمَّ صار قبل الإنفاذ يسوى عشرين ألفا بغلاء أو غلّة أو نسل أو صلاح فللموصى له بذلك أن يأخذه من الجميع؛ وكذا إن نقص المال أو هلك نصفه حتَّى صار إلى خمسة آلاف فله سدسه أو ثلثه يوم الإنفاذ.
وفي المودع: أن يترك ألفا وأرضا تسواه فيوصي لرجل به فيها؛ فإن أنفذت وصيَّته في يومه فللرّجل ثلثا ألفه فيها لأنَّهما ثلث المال، وإلاّ حتَّى تلف الألف فله ثلث ما أوصى له به في أرضه إن كانت قيمتها بعد ألفا؛ وإن بلغت ثلاثة آلاف فله
__________
(1) () - ب: - «به». (6/35)
صفحة 2574
ألف فيها؛ فإن أذهبها السّيل حتَّى لم يبق لها أثر ولا ثمن وبقي الألف فلا شيء للموصى له به فيها؛ وإن تلف منه نصفه وبلغت الأرض ألفين فله خمسة أسداس الألف.
وفي المضاف: أن يترك نخلتين تسوى كلٌّ منهما ألفا لا غيرهما ويوصي لرجل بنخلة فله ثلثا إحداهما؛ فإن لم يدفع إليه شيء حتَّى بلغت كلٌّ إلى ألفين أو نقصت إلى مائة فله ثلثا إحداهما قلَّ أو أكثر؛ فإن أغلَّتا ألفا قبل الإنفاذ وكانت كلٌّ تسوى ألفا فله إحداهما ولا شيء له في الغلّة؛ ولو أغلَّتا أربعة آلاف؛ فإن بلغت كلٌّ منهما ثلاثة آلاف وأغلتا ألفين فله ثمانية أتساع إحداهما؛ وإن نقصت كلٌّ منهما إلى مائة وأغلَّتا ألفين فليس له إلاّ إحداهما؛ فإن بلغت إحداهما ألفين والأخرى بقيت على حالها ألفا فله ذات الألف، وهذا إن لم تغلاَّ شيئًا؛ فإن أغلَّتا أو إحداهما حتَّى صار نصف قيمتها يخرج من الثّلث كان له ذلك؛ وإن بقيت إحداهما على ألفها ونقصت الأخرى إلى نصفه فهي له لا غير إن لم تغلاَّ؛ فإن أغلَّتا ألفين فله قيمة نصف كلٍّ منهما وهي سبع مائة وخمسون ويسهم بينهما؛ فإن وقع سهمه على ذات الألف أخذ ثلاثة أرباعها وهو ما ذكر؛ وإن وقع على ذات نصفه أخذها وربع ذات الألف؛ وإن بلغت إحداهما ثلاثة آلاف والأخرى ألفين فله ألف وستّ مائة وستّة وستّون وثلثا درهم فذلك ألف وثلثاه، فلا تتمّ له إحداهما فيسهم، فإن وقع سهمه على ذات ألفين فله خمسة أسداسها؛ وإن وقع على ذات الثّلاثة آلاف أخذ خمسة أسباعها.
وكذا من أوصى بنخلة من نخله وهي مائة؛ فإن كان نصفها رديئًا ونصفها خيارًا سوهم بينهما فأخذ نصف جيّدة ونصف رديئة، فيجمع له بالقيمة كذلك إن اتَّفقت قيمتهما؛ وإن اختلفت قوِّم النّخل كلّه فيكون له معشار القيمة؛ فإن خرج في واحدة أخذها، وإن خرج في أكثر منها (1) سوهم على المتّفقات أو المختلفات إن اختلفت.
__________
(1) () - ب: «منه». (6/36)
صفحة 2575
وفي المبهم: أن يترك مالا يبلغ ثلاثة آلاف ويوصي لرجل بألف ثمَّ نقصت قيمته أو هلك بعضه قبل الإنفاذ حتَّى نزل إلى ألفين فللرّجل ثلث المال؛ فإن زاد حتَّى بلغ أربعة آلاف وترك مالا يسواها ثمَّ نزل إلى ألفين فليس له إلاّ ثلث المال لا ينقص منه حتَّى يستوفي وصيَّته؛ فإن زاد المال إلى ستّة آلاف فلا له إلاّ ألفه؛ وإن ترك ما يسوى ألفين وأوصى له بألف فزاد إلى ثلاثة فله ألفه؛ وإن نزل إلى ألف فليس له إلاّ ثلث المال؛ فإن على إلى أربعة فلا له إلاّ ألفه؛ وإن ترك ألفا وما يسواه ثمَّ علا إلى ألفين فله ثلثه؛ وكذا إن نزل إلى خمس مائة.
فصل
أبو المؤثر: ينظر إلى المال يوم الحكم بالإنفاذ حتَّى يصحّ أنَّ قيمته يوم الموت تخالف يوم الحكم به، وعلى مدّعي الخلاف بيِّنة. كمن أوصى لرجل بأمة معيّنة فشهدت البيِّنة أنَّها ولدت بعد الموت بشهر أو سنة، لا أنَّها كيف كانت يوم الموت، ثمَّ مات ولدها قبل الحكم اعتبرت قيمتها في المال يومه؛ فإن وجد معها فلم يعرف متى ولدته فهو للوارث لا للموصى له بأمِّه؛ وإن علم أنَّه ولدته بعد موت الموصي، فإن خرجت من الثّلث إذا [414] قوِّمت يوم الحكم إذ لم تعرف قيمتها يوم الموت فهو للموصى له بأمِّه؛ وإن خرج نصفها منه فله نصفها ونصفه، وتشاركه الوصايا في الثّلث إن كانت فيأخذ منهما بقدر ذلك إذا صحّ أنَّها ولدته بعد الموت ويدخل الباقي منهما في شرع الوصايا والوارث كلّ بقدره.
ومن ترك أمة فأوصى لرجل بها ولآخر بألف درهم فلم تعرف قيمتها ولا قيمة المال يوم مات، ثمَّ ولدت، ثمَّ أراد الحاكم إنفاذ الوصيَّة ولم يدَّع الوارث ولا ذو وصيَّة أنّ قيمته (1) يومئذ غيرها اليوم أو ادّعوا ذلك ولم يصحَّ عنده فإنَّه يقوّمها يوم الحكم؛ فإن وجده يسوى مائتين والأمة ألفا وولدها كذلك وصحّ أنَّها ولدته بعد
__________
(1) () - ب: «قيمتها». (6/37)
صفحة 2576
الموت فإنَّه يحكم للموصى له بها بنصفها ونصفه لأنَّ له نصف وصيَّته فردَّا (1) إلى الثّلث لأنّ الوصيَّة كانت ألفين؛ وكذا ثلثا المال فردَّا إلى ألف وهو ثلث المال، فصار لذي الأمة نصفها ونصف ولدها وكان الباقي من المال غير الولد ألفين وخمس مائة ونصف الأمَّة خمس مائة (2)؛ والألفان للأوّلين، فللموصى له بالألف خمس مائة وهو الخمس كما مرَّ؛ ثمَّ زدنا الوارث نصف قيمة الولد وهو خمس مائة فخُمسها مائة أيضا لصاحب الألف فتجتمع له ستُّ مائة وهو خمس الباقي. تمَّ كلام أبي (3) المؤثر.
قال خميس: فمن أوصى لرجل بعشر نخلات من ماله أو بعشر ثياب منه فكالمبهم، وإن لم يقل: من ماله، فقيل: يثبت وهو من المبهم؛ وقيل: لا، حتَّى يقول: منه. وإن أوصى له بعبده أو جاريته وعنده جوار وعبيد، فقيل: لا يثبت حتَّى يشهد بمعيَّن؛ وقيل: يثبت له أقلُّهم قيمة؛ وقيل: أوسطهم؛ وقيل: يكون بالأجزاء كالمضاف.
وإن أوصى لرجل بألف من دراهمه أشبهه (4) ثبوته منها والمودع فيه وازنة لا منها على عدد، وكذا بمائة درهم من نخله فمن المودع أيضا فيه؛ وإن أوصى له بمائة نخلة من دراهمه فمنه أيضا فيها؛ وإن أوصى له بعشر نخلات فيها أو في أرضه خرج من بابه؛ فإن قال: في معروف كان مودعا في معلم، وإلاّ ففي موصوف حيثما أدركته الصّفة له من ماله.
__________
(1) () - ب: «فردَّ». بصيغة المفرد
(2) () - ب: - «ونصف الأمة خمس مائة».
(3) () - ب: «أبو». وهو خطأ.
(4) () - ب: + «في». (6/38)
صفحة 2577
الباب الحادي عشر
فيما يخرج من الثّلث أو من الكلِّ
ابن بركة: اتَّفق علماؤنا (1) أنَّ من لزمه فرض صلاة أو زكاة أو حجٍّ أو عتق أو صدقة عن يمين أو نذر أو غير ذلك ممّا أمر الله بفعله ولا خصم له فيه ممَّا هو أمين في أدائه ولم يؤدّه ولا أوصى به فلا يلزم الوارث أداؤه ولو نسيه الميّت؛ فإن أوصى به وأمر بإنفاذه، فقال سليمان وغيره: يجب إخراجه من الكلّ كسائر الحقوق المأمور به منه، واحتجّوا بما مرَّ من قوله صلى الله عليه وسلّم للخثعميَّة حين سألته عن أبيها أتحجُّ عنه الفريضة أم لا، وقد كبر: «أرأيت لو كان عليه دين فقضيته عنه أكنت قاضيه عنه له أم لا»؟ قالت: نعم، قال: «فدين الله أحقُّ». فشبَّه الحجّ بالدّين وهو من الكلّ. وقال ابن عليٍّ وابن محبوب وجماعة: إنَّه (2) يخرج من الثّلث كما مرّ، وهو أنظر، لأنَّ الدّين يجب قضاؤه مطلقا، والحجّ إن أوصى به لاتِّفاقهم على ذلك؛ وأيضا أنَّ المريض لو لزماه ولم يدع وفاء لهما قدِّم الدّين ولو استويا لتحاصصا؛ وأيضا قوله تعالى: {أنفقوا ممَّا رَزقناكُم مِّن قبلِ أن يأتي ... } الآية (البقرة: 254). فالإنسان إنّما يتحسَّر على ما لا يقدر عليه؛ وكذا في قوله: {ربِّ ارجعُونِ ... } الآية (المؤمنون: 99). إنّما يطلب الرّجوع إلى ما فاته من الواجب؛ وإنَّما شبهه (ص) بالديّن لأنّ المرأة سألته عن الأداء فشبَّه لها ذلك بأداء الدّين لا عن (3) الوجوب فيجيب عنه.
وإن أقرّ بفريضة حجّة أو زكاة ماله عليه وأوصى بإنفاذهما فقيل: من الكلّ؛
__________
(1) () - ب: + «رحمهم الله».
(2) () - ب: - «إنَّه».
(3) () - ب: «على». (6/39)
صفحة 2578
وقيل: من الثّلث؛ وإن أقرّ بهما ولم يقل: زكاة ماله ولا فريضة حجّ، فقيل: من الكلّ لإمكان أنَّهما عن غيره دين عليه؛ وقيل: إن اللوازم المجمع عليها ككفّارة الأيمان والقتل خطأ ونحوها، فقيل: من الكلّ؛ وقيل: من الثّلث؛ وكذا الحقوق اللازمة لله سبحانه (1) وحقوق العباد من الكلّ إجماعا؛ فإن استفرغت المال وقد أوصى بلازم لله (2) فهل يقضى كلّه في الدّين ولا يترك لذلك اللاّزم شيء على القول بأنَّه من الثّلث؟ قال: نعم، إلاّ أن بقي فضل عنه فيكون ثلثه لما يخرج منه.
وكذا وصيَّة الأقرب والعتق لغير كفّارة في المرض من الثّلث؛ وقيل: من الكلّ؛ وإن أعتق عنها في حياته أدّى ما عليه إجماعا ولو خلف دينا لا مالا؛ وإن أوصى بعتق عن كفّارة ففيه خلاف، كما إن كان عن غيرها.
وإن أوصى بلوازم كزكاة وحج وكفّارة وبنفل، فقيل: يتحاصصان في الثّلث كلّ بقدر؛ وقيل: يقدَّم اللازم (3)؛ فإن فضل عنه شيء وزِّع على النّفل، وإلاّ لم يحكم له بشيء؛ وإن نقص [415] الثّلث عن اللوازم وزّع بينهما وترك النّفل؛ وقيل: يشاركها (4) فيه.
وإن أوصى بتباعة لا يعرف ربّها كانت من الكلّ لأنَّ أصلها من حقوق العباد؛ وكذا إن أقرَّ بها على هذا ثمَّ أوصى بإنفاذها على الفقراء فمنه أيضا.
وزعم ابن المعلا أيضا أنّ المدبر أنّ المدبِّر والحجّ والأيمان من الثّلث والعتق في المرض منه أيضًا؛ وفي الصّحّة من الكلّ ومضى فيهما.
ومن لم يزكِّ سنين ثمَّ أقرّ عند احتضاره أنَّه لم يزكِّ كذا سنة، وعليه كذا
__________
(1) () - ب: «تعالى».
(2) () - ب: «بلازمة لله تعالى».
(3) () - أ: «الازم». وصحَّحناه ممَّا في ب.
(4) () - ب: «يشاركه». (6/40)
صفحة 2579
درهمًا؛ وأوصى أيضا بوصايا أخرى فحسبت مع زكاته فجاوزت الثّلث فأبى الوارث أداء الزّكاة فقال هاشم: يبدأ بها تامَّة والنّقص على غيرها؛ وقال الأزهر: إنَّه على الكلّ؛ وكذا عن سليمان؛ وقال موسى: كلُّ من لزمه شيء في حياته وصحّته فمن الكلّ؛ وأفتى أبو عبد الله في محتضر (1) قال أوصتني أميّ بوصيَّة فلم أنفّذها أنَّه إن ورث منها شيئًا أنفذها تامّة من ثلث ما ورث منها إن لم يرثها غيره، وإلاّ فهي كحكم وصيَّته عن نفسه في ثلث ماله.
ومن أعتق صغيرا فنفقته بعده فيه؛ وقيل: في الكلّ، لأنَّه ضمنه وهو جناية جناها على نفسه،؛ وكذا إن أعتق ما شورك فيه في مرضه فمنابه منه من الثّلث ومناب شريكه من الكلّ؛ وقيل: من الثّلث، والأوَّل أحوط، لأنَّه في ضمانه جناية أيضا؛ وقيل: إن أعتق أو دبَّر فيه فالنّفقة من الثّلث، وإلاّ فمن الكلّ.
وقيل: من صحّ عليه دين في صحّة ثمَّ أقرّ بآخر في مرض فدين الصّحّة أولى، ولا يجوز إقراره به فيه، إلاّ إن بيَّن؛ فإذا استوفى غرماء الصّحة ديونهم أخذ من أقرّ لهم في المرض ما بقي؛ وقيل: الكلّ سواء، وهما من الكلّ.
أبو الحواري: من أوصى بكفّارة صلاة وحجّ وزكاة ووصيَّته للفقراء والأقربين، وثلثه يعجز عن ذلك، قال: فما كان في باب البرّ كالفقراء والأقرب وحجِّ النّافلة ونحو ذلك فلا يجاوز به الثّلث، وما كان كحجّ الفريضة والزّكاة والكفّارات فمنه أيضا؛ وقيل: من الكلِّ فإذا رأى الحاكم الأخذ برأي لم يجز خلافه.
__________
(1) () - ب: «مختصره». (6/41)
صفحة 2580
الباب الثّاني عشر
في حدٍّ يجوز الإيصاء إليه وفيما يجوز من الثّلث
قال الله تعالى: {من بعدِ وصيَّةٍ ... } الآية (النساء: 12). فلا يجوز للموصي أن يحيف على وارثه ولو فاجرا، ولا أن يجاوز الثّلث فيها؛ فإن فعل خالف ما أمر (1) به واعتدى في وصيَّته.
فمن سلم من الدّيون والضّمانات والعلائق وأوصى لقرابته كما لزمه فما بقي على وارثه. وقيل: يستحبُّ له الإيصاء بخمس ماله إن كان له ولد فيجعل خمس الخمس للفقراء (2) والباقي في الأقربين، وإلاّ فبالرّبع للفقراء والباقي للأقربين.
ويوصي الغنيّ بالكثير، والفقير بالقليل.
وقيل: الوصيَّة في ستّ مائة درهم فصاعد على ما ذهب إليه بعض في قوله تعالى: {إنْ تَرَكَ خَيرًا ... } الآية (البقرة: 180) كما ستراه.
ومن لم يكن له وارث ولو رحما فلا عليه أن يوصي بجميع ماله إذا أراد به وجه الله.
ومن أوصى بثلث ماله ثمَّ حدث له مال لم يعلم به من قبل إرث أو غيره فقيل: الثّلث في جميع المال؛ وقيل: إنّما للموصى له بالثّلث ثلث ما علم به (3) حين أوصى، ولعلّه رأي ابن عليٍّ.
__________
(1) () - ب: «أمره».
(2) () - ب: «في الفقراء».
(3) () - ب: - «به». (6/42)
صفحة 2581
ومن أوصى بجزء من ماله كربع أو سدس فإنَّه يخرج من بقيّة ماله بعد أداء الحقوق والإقرار، إلاّ إن قال: بربع أو سدس مالي هذا، فإن خرج ذلك الجزء من ثلث ماله ثبت له، لأنَّه حدَّه.
وإن أوصى لرجل بثلث ماله ثمَّ قتل فللرّجل ثلثه (1)، وثلث ديّته أيضا إن قتل خطأ، ولا حقّ له فيها إن قتل عمدا، إلاّ إن عفا الوارث أو صولح؛ فإن رجع إلى الدية أخذ معه فيها وهي من الكلّ عند أبي الحسن؛ وإن دخله مال عند الإيصاء فللموصى له ثلثا ماله يوم مات؛ قال أبو سعيد: وقيل: لا يدخل فيها ولم يفسِّر خطأ من (2) عمد؛ وقال مسبِّح: إنّما له ثلث ماله يوم الإيصاء؛ أبو الوليد: يوم مات غيرهما مع ثلث ديّته أيضا وهي داخلة في المال، وقد كثر الاختلاف في هذا، وسيأتي الكلام في الدّيات إن شاء الله.
__________
(1) () - ب: «ثلث ماله».
(2) () - ب: «عن». (6/43)
صفحة 2582
الباب الثّالث عشر
فيمن أقرَّ وأوصى بشيء لا بإنفاذه
فإذا أوصى عليه حجّة أو نذرًا أو كفّارة أو نحو ذلك ولم يقل: أدّوه عنّي فقيل: ليس بثابت، إلاّ إن قال: إنّي أوصي بذلك فيكون وصيَّة؛ وقيل: إذا أقرّ بما فيه خلاف، فهل يخرج من الكلّ أو من الثّلث، فالقائل: إنَّه من الثّلث لا يوجب إنفاذه إلاّ إن أوصى به؛ والقائل: إنَّه من الكلّ يثبته عليه، ويلزم الوارث إنفاذه.
ومن أقرّ في مرضه أنَّه لم يزكِّ ماله ثمَّ مات؛ فإن احتمل تركه لعذر فلا معنى لإقراره؛ وإن لم يحتمل إلاّ أنَّه أقرّ أنَّه أضاعها، فقيل: إنَّ الإقرار في مثل هذا واجب لأنَّه في ذمّته كالدّين، ولعلّه عند من يراه من الكلّ؛ وقيل: لا يثبت في الحكم إلاّ إن أوصى به؛ وقيل: إذا أقرّ أنّ عليه زكاة أو كفَّارات ولم يوص بها فقال سليمان وجماعة: على الوارث إخراجها؛ وقال ابن محبوب وابن عليٍّ وجماعة: لا يلزمهم إلاّ إن أوصى بها. (6/44)
صفحة 2583
الباب الرّابع عشر
في المال إن استهلكه الدّين
فمن ترك مالا وعليه حقوق النّساء وديون النّاس ولم يوص وأراد وارثه أن يقضي ما علمه عليه من ذلك، فليس له إلاّ ما فضل عنه (1)؛ فإن كان المال لا يقوم بالكلّ تحاصصوا فيه بقدر كلٍّ؛ فإن ترك بعض الغرماء بعض ماله للوارث أكله؛ وإن تركه للميّت كان للغرماء. وإنَّما يباع من المال بقدر حصّة الحاضرين منهم ويوقف الباقي إلى أن يقدر على أدائه.
ويوكّل الحاكم من يقبض ليتيم أو غائب من المصر منابه، ويحتجّ على غائب فيه أن يحضر؛ فإن لم يحضر بعد الحجّة أوقف له قدره أو أقام له وكيلا يقبض له، وما سلّم إلى الغرماء بحكمه لا يلحقهم فيه من لم يقبض شيئًا إن تلف المال؛ وما قبضوه بلا حكمه ثمَّ تلف المال قبل أن يصل أرباب الحقوق إليها تحاصصوا فيه، وليس للوارث أن يتمّلك شيئًا منه إلاّ بعد استيفائهم أموالهم؛ فإن حازه على حفظ له إذا لم يكن له قائم به ولا وصل أهلها إليها جاز له، ولا يضمنه إن تلف؛ وإن تعدّد الوارث فأقرّ بعضهم بالدّين وأنكره غيرهم وأخذوه بالمقاسمة وقد علم أن لا فضل في المال، فإذا لم يصحّ الدّين عند جميعهم كانت حجّة من لم تقم عليه الحجّة به قائمة على المقرِّ به، وعليه أن يقاسم شريكه المال، فإذا صار إليه منابه منه أنفذه فيما علمه من الدّيون بالحصص؛ فإن بقي له منه شيء كان له ولا غرم عليه من عنده (2) إن نقص عنها، لأنَّ عليه منها قدر إرثه؛ وقيل: إن لم يعلم غيره من الورثة كعلمه بالدّين فلا يسعه أن يأخذ من
__________
(1) () - ب: «عليه».
(2) () - ب: «من عنده». (6/45)
صفحة 2584
المال شيئًا حتَّى يقضي جميع ما علمه منه ولو استفرغ منابه لقوله تعالى: {من بعدِ وصيَّةٍ ... } الآية (النساء: 12). فهذا إذا لم يصحَّ الدّين ببيِّنة؛ وإن صحّ بعضه بها قضي من مناب المقرّ وغيره؛ وإن لم يصحّ إلاَّ بإقراره فعليه في منابه قدر منابه من الدّين. (6/46)
صفحة 2585
الباب الخامس عشر
فيمن له مال هل عليه أن يخبر وارثه به؟ وفي عطيَّة بعض الورثة
ابن قريش: من أوصى عند موته: إنَّ لي في كذا دفينا، فهل للوصيّ أخذه؟ قال: إن كان فيما يسكنه فحكمه له، وإلاّ فلا، ولا يجوز له أن يتعرّض له ولو كان وارثا؛ وإن قال الموصي: علامته كذا وكذا، فوجد كذلك فالمعنى واحد إلاّ إذا كان فيما يسكنه.
ومن احتضر وله ديون وخاف تلفها أو كان له دفين، فنحبُّ له أن يخبر بذلك وارثه أو يشهد عليه، ولو كان الدّين على من يأمنه لأنَّه منفعة للوارث ولا يلزمه لزوم الضّمان عليه، لأنَّه مضمون على غيره وعلى الدّيان أداء الحقوق لأهلها أو الإقرار بها، ويلزمه الإخبار أو الإشهاد في الدّفين إن كان هو الدّافن له.
ومن أعطى بعض ورثته شيئًا عن ميراثه منه فلا يثبت له إلاّ إن أتمّه له باقيهم أو أذنوا به لموروثهم؛ وقيل: لا، ولو أذنوا له به لإذنهم له فيما لا يملكونه، وما أقرّ له به فقد ثبت له إذا لم يستثن في إقراره شيئًا، وهو أولى بما اكتسب إلاّ إن علمت منه أثره.
وقيل: فيمن قال: أعطيت فلانا هذه النّخلة أو أوصيت له بهذه القطعة بحقّ له عليّ وبإرثه من مالي وله مال غيرهما بحقّه وبإرثه منه كان له ذلك؛ وإن غيره كان له نصف قيمتها بحقّه وله ميراثه من ماله ومن سائر النّخلة أو القطعة؛ وكذا إن لم يتمَّ له الورثة الوصيَّة أو القضاء فله نصف النّخلة بحقِّه، وميراثه من نصفها ومن سائر المال؛ وإن قال: أوصيت له بها بحقّ له عليَّ وبميراثه ولم يسمّ ولم يكن له إلاَّ تلك النّخلة أو (6/47)
صفحة 2586
القطعة فهي للموصى له بحقّه وإرثه من سائر ماله؛ وكذا إن أوصى له بنخلة من نخله أو بشيء من ماله بحقّ له عليه. ويجري حبّ من سلف له عليه فالنّخلة للموصى له بها بحقّه ولا يدخل السّلف فيها بشيء، وكان (1) ذلك معارضة، وثبت الحلال وبطل الحرام. وكذا إن أوصى له بهذه النّخلة بحقٍّ له عليه، وبزقٍّ خمرا أو بثمنه أو بحرام كانت النّخلة له بحقِّه.
__________
(1) () - ب: - «كان». (6/48)
صفحة 2587
الباب السّادس عشر
في الموصي إذا أمر [417] أن يسلَّم عنه شيء بعد موته ونحو ذلك
فالواجب على المرء حفظ ماله ــ وإن عند موته ــ لقوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «نهاني ربيّ عن القيل والقال وإضاعة المال وعن ملاحاة الرّجال».
فمن أنفق ماله في الطاعة كان محسنا، وليس له أن ينفق جميعه ولو فيها لقوله تعالى: {ولاَ تَجعلْ يَدَكَ ... } الآية إلى { ... مَحْسُورًا} (الإسراء: 29). على ما أنفق من ماله في أيِّ وجه كان إن أدَّاه إلى أسوء حال، وليس للحاكم أن ينقض عليه فعله في أيِّ وجه أنفقه؛ وإن عصى في إنفاقه، فإذا احتضر لم يكن له أن ينفقه إلاَّ في مؤنته أو دوائه أو فديته أو قضاء دينه وكراء قائم به في مرضه وفيما لا بدّ للمريض منه، ولا يجوز فعله وأمره فيما ينفَّذ عنه بعد موته إلاّ في دين يقرُّ به أو تقوم به بيِّنة عليه أو وصيَّة لغير وارث في ثلثه؛ فإن قال: اِدفعوا عنّي أو أعطوا من مالي، أو نحو ذلك، ولم يقل: أوصيت به، أو قاله لفلان أو وصيَّة له من مالي فليس ذلك وصيَّة، إلاّ إن تقدّم ذكرها منه، أو يذكرها ويوصي بوصايا ثمَّ يذكر الدّيون ويأمر بقضائها، ثمَّ يبني على ذكرها إنفاذ غيرها، ولا يعطف إلاّ على ثابت قبله.
وإن أوصت امرأة إلى رجل ودفعت إليه حبًّا وقالت: إن متّ ففرّقه لي فليس بوصيَّة وليدفعه إلى وارثها، إلاّ إن قالت على الفقراء أو تصدّق به عنّي. وإن كان لها حقٌّ على رجل، وقالت له: إن متّ فادفعه إلى فلان وقد برئت منه فلا يبرأ إلاّ إن قالت: أوصيت له أو هو له، فيدفعه إلى سيّده إن كان مملوكا لا إن كان وارثا إن (6/49)
صفحة 2588
قال: أوصيت (1) له به إلاّ إن قال: هو له.
وإن قالت: إن متّ من (2) مرضي فغلامي حرّ، أو اشتروا عنّي رأسا وأعتقوه عنّي وأعطوا فلانا كذا، فإن كان لا يجاوز الثّلث بدأوا بالعتق فما فضل فلأهل الوصيَّة. وإن سلّمت إلى امرأة دراهم وقالت لها: إذا متّ ففرّقيها على الفقراء فلها أن تفرِّقها إذا ماتت؛ وقيل: لا؛ وإن قالت لها: خذيها وفرِّقيها عليهم فماتت فلا يثبت هذا؛ وإن قالت: على الضعاف (3) بعد موتي، فقيل: هم الفقراء كعكسه؛ وقيل: بالوقف، لأنَّهم قد يكونون ضعاف الأبدان؛ وإن قالت: على المساكين فبعض فرّقه بينهم، لأنّ الفقراء هم المفتقرون بعد الغنى، والمساكين هم الناشئون على المسكنة؛ وقيل: سواء. وجاز أن يدفعوا لفقير ما للفقراء ولو وارثا؛ وقيل: لا إن كان وارثا؛ وكذا المأمور بالتّفريق له أن يأخذ إن كان فقيرا؛ وقيل: لا، وقد مرّ ذلك. وإن قال له هذه الدّراهم للفقراء فله أن يأخذ منها اتّفاقا، لا إن قال له: أعطها لهم، لأنّ الإعطاء لغيره.
وإن دفع إليه مريض دراهم وأمره أن يفرّقها عليهم إذا مات، فقيل: له أن يفرّقها؛ وقيل: لا، إلاّ إن جعله وصيّا في تفريقها؛ وقيل: إلاّ إن أوصى بها وجعله وصيّا في إنفاذها.
ومن قال: عليه كذا وكذا دراهما من زكاته يفرّق عنه من ماله بعد موته، فأجاز بعض لوصيّه أو وارثه أن ينفّذ عنه عروضا بقيمتها، ومنعه بعض.
أبو الحواري: من أوصى رجلا وقال له بع هذا الشّيء وأعط فلانا عنّي عشرة دراهم والباقي فرّقه لله، ولم يقل للفقراء أو لأحد، أو قال: للجنّ أو للشّياطين فليس له أن يبيعه إلاّ بإذن الوارث؛ فإن أراد فداه وأعطى فلانا عشرة وإلاّ باعه الوصيّ بعد
__________
(1) () - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: «أوصَتْ».
(2) () - ب: - «من».
(3) () - ب: «الضعفاء». (6/50)
صفحة 2589
الحجّة عليه وأعطاه والباقي إن وسعه الثّلث فرّقه كما قال لله، ويرجع إلى الوارث ما للجنّ ونحوهم، إلاّ إن قال: قد تصدّق بماله على الجنّ فإنَّه يفرِّقه على فقراء الإنس، وذكر الشّياطين ليس بشيء.
وإن أوصى أن يفرّق عنه كذا (1) ولم يسمّ به لأحد رجع إلى الوارث.
وإن قالت مريضة: إن نزل بي حدث فتصدّقوا عنّي من مالي بألف درهم ولها كثير ثمَّ صحّت، فإن قالت: بألف في مرضها فقد شرطت وإلاّ فإن تصدّقت به في حياتها جاز؛ وإن تربّصت به الأحداث كان لها؛ وقيل: إذا صحّت بطلت الوصيَّة.
ابن بركة: من سلَّم إليك شيئًا وأمرك أن تفرّقه عن والده وزعم أنَّه وكّله فيه وأنَّه باعه وخالفه سائر الورثة ولم يتمّوا له ذلك ونقضوا عليه ولا بيِّنة عنده بالوكالة له، وقد باع بعض مال أبيه ووزن الثّمن من عنده وأخذه لنفسه دون إخوته وسلّمه إليك، فإن قال: إنَّه من عنده وأنَّه غير ثمن المال، فلك أن تأخذه منه وتفرّقه كما أمرك (2)، ويلزمه هو لسائر الورثة ردّ ما باع من ما لهم ولا بأس عليك إن علمت أنَّه متمسّك بالذي باعه؛ وإن علمت أنَّه يعطيك منه فليس لك أن تقبض منه شيئًا وتفرّقه، وهو على ذلك مغتصب فليؤمر بالتّقوى وردِّ مال إخوته إليهم بالحقّ؛ فإن فعل، وإلاّ برئ منه؛ فإن أمره أبوه بذلك أمرا صحيحا فلا يجوز له أن يبيع من مال أبيه لمن يعرفه لأبيه ولا بيِّنة له بذلك، فإذا فعل ذلك كان قد دعاه إلى ما لا يحلُّ له وهلك، وإنَّما له أن يبيع من ماله إن كان محقّا في قوله [418] إن استحقّ إليه ولم يعلم أنَّه له؛ وقال غيره: لا يهلك إن جاز له ذلك، إلاّ أنَّه دخل فيما يمكن عند المشتري كونه محقّا وكونه مبطلا فهو على ولايته إذ لا يظهر ظلمه.
وقال الأزهر في محتضرة دفعت حليّها إلى قريب لها وقالت له: بعه واشتر به حبّا وفرّقه على الفقراء على تفريق الإيمان، ولم تقل: إنَّها كفّارة أيمان، ولم توص للفقراء
__________
(1) () - ب: - «كذا».
(2) () - ب: «كما أمرك». (6/51)
صفحة 2590
والأقربين بغير هذا: أنَّه ينفّذ فيما قالت له؛ وإذا علم أنّ الحليّ لها وقالت له: إذا متّ فبعه وفرّق ثمنه عليهم كتفريق الأيمان فكالوصيَّة عندي، ويكون الثّلثان منه لأقاربها إذا لم توص لهم، والثّلث للفقراء؛ فإن فرّقه عليهم كالأيمان أو على غيرهم فلا عليه حتَّى يتبيّن أنَّه كفّارة أيمان فلا شيء عند ذلك للأقربين، ويؤخذ به حبّ ويفرّق على نحوها.
أبو الحواري: إن أوصت بنخلة أن تباع ويقرّق ثمنها عليهم فأراد وارثها أخذها لنفسه، فإنَّه ينادي عليها أربع جمع، ويقطع بيعها في الرّابعة، وينادي على الدّابة إن أوصت بها كذلك في واحدة كما مرّ إن أراد أخذها، وإلاّ وباعها بمساومة واستقصى جهده في بيعها جاز؛ وإن لم تعيّن الدّابة باع متوسّطة من دوابِّها كذلك؛ وإن لم توص للأقربين بشيء كان ثلثا الثّمن لهم في النّخلة والدّابة إن خرج الأمر مخرج الوصيَّة، وإلاّ بطل بموت الأمر.
ومن دفع إليك شيئًا وقال: إذا متّ فادفعه لزوجتي فإنَّه يدفعه إليها، لا إن قال: إن حدث بي حدث ولم يدفعه إليها حتَّى مات الآمر، إلاّ إن قال له: هذا الشّيء لها فإنَّه يدفعه إليها إن حدث به حدث وكانت أولى به؛ وإن قال في مرضه: لفلان ــ يعني من ورثته ــ كذا من مالي إن متّ فادفعه إليه يافلان، فهو وصيَّة ولا تجوز له كما مرّ إلاّ بحقٍّ؛ وإن كان غير وارث وخرج من الثّلث سلّمه إليه، وإلاَّ فلا يسلّم إليه منه إلاَّ ما يخرج منه.
ومن سلّمت إليه امرأة ذهبا أو دراهم وقالت: قد برئت من هذا إلى الفقراء فبعه كيف شئت وأنت في حلّ وفرّقه عليهم، ثمَّ طلبته، فإن رجعت فيه قبل أن يصلهم فهي أولى به، ويصدَّق إن قال: قد فرّقه عليهم، ولها عليه اليمين إن أرادتها.
ومن لا يعرف له وارث وسلّم ماله لرجل وقال له: فرّقه إذا متّ عليهم فله أن يفرّقه جميعا عليهم؛ وإن علم له وارثًا فرّق ثلثه؛ وإن علم أنّ له وارثا وأنَّ ما سلّم إليه أكثر من ثلث ماله فرّق قدره ودفع الباقي لوارثه. (6/52)
صفحة 2591
أبو سعيد: من قال في مرضه لوصيّ أو وارث: اقض (1) عنّي فلانًا (2) كذا خرج على الإقرار إذ لا يقضى عنه إلاّ ما عليه؛ وإن قال: أعطوه عنّي كذا فعطيَّة المريض لا تجوز حتَّى يسمّيها وصيَّة، أو يقول: بعد موتي من مالي فتكون من الثّلث؛ فإن قال ذلك فوصيَّة؛ وقيل: لا يثبت حتَّى (3) يسمّيها به. و «فرّقوا عنّي على الفقراء كذا» هو كـ «أعطوا عنّي فلانا كذا وسلّموا عنّي» كالعطية لا يثبت؛ وقيل: يثبت إن كان على نسق وصيَّة، وإلاّ فإن ابتدأ به جاز إن قاله لوصيّه أو وارثه، وإلاَّ فلا، إلاّ إن سمّى به وصيَّة؛ وإن قال: أعطوا فلانا ولم يقل من مالي فليس بشيء، إلاَّ إن أوصى به.
ومن جعل (4) عنده رجل دراهما أو متاعا وقال له: إن جئتك إلى سنة، وإلاَّ تصدّق به عليهم، ثمَّ مات فالأمانة لصاحبها، إلاَّ إن فرّقه حين أمره به؛ وإن مضت ثمَّ فرّقها ظنّا أنَّ الآمر حيٌّ ثمَّ صحَّ أنَّه مات قبل أن يفرّقها بعد مضّيها، فإن فرّقها جازت كما أمره ولو ميِّتًا ما لم يعلم أنَّه ألجأها إلى الفقراء على الوارث، وكذا لو فرقها بعد السّنة ولم يأته [فقد فرَّقها كما أمره، وليس عليه له إلاَّ يمين ما خانه، ولا فعل إلاَّ كما أمره؛ وإن قال له: إن جئتك إلى سنة، وإلاَّ فهي لك فلم يأته] (5) إليها أو مات قبلها فلا يثبت، إلاَّ إن أقرّ له بها أنَّها لك.
أبو سعيد: من قال لورثته: أوصيتكم أن تصوموا عنّي كذا وكذا يوما وقبلوا له لزمهم في ذاتهم ولا يتعلّق بماله.
__________
(1) () - ب: «اقضي». وهو خطأ.
(2) () - ب: - «فلانًا».
(3) () - ب: - «حتَّى».
(4) () - ب: - «جعل».
(5) () - ما بين معقوفتين ساقط من ب. (6/53)
صفحة 2592
الباب السّابع عشر
في الرّجوع في الوصيَّة والاستثناء فيها
أبو الحسن: إنّ الرّجوع فيها إحداث الموصي فيها مزيدا كبيت (1) يسج من داخله وأعلاه أو يزيد فيه عمارة، أو أوصى بنخلة فجذرت أو قطعت أو نبتت أو أدركت تمرتها فجذَّها أو خرفها أو جلد كربها أو رضم أرضها أو أمر بها فسقيت فبعض أوجب الرّجوع ببعض هذا وقال: بعض إن جذاذ التّمرة ليس برجوع في النّخلة، وكذا شراطها وسقيها؛ وإن أوصى بالدّار وأمر بهدمها فقيل: إنّه رجوع؛ وقيل: لا، لأنَّه نقصان فيها؛ وكذا الخلف إن جصصها أو سجّها من داخلها أو خارجها.
وكذا إن أوصى بثوب وأمر بغسله أو بتهذيبه أو بنحوهما؛ وإن [419] أمر بصبغه فرجوع إن كان زيادة فيه لا إن كان نقصا؛ وإن أمر بقطعه نصفين فذهب أحدهما فالباقي للموصى له به؛ وإن قطعه قميصا أو غيره أو هذّبه أو قصره فرجوع؛ وإن أوصى بقطن فغزله أو حشى به فراشا، أو بغزل فنسجه ثوبا أو بحبّ فأمر بطحنه أو بدقيق فخبز أو بأرض فبنى فيها أو فسل أو نحوهما ممّا يزيدها أو ينقصها أو بغلَّة بستانه، ثمَّ قال: إنَّه بها وصيَّة منّي لآخر فذلك كلّه رجوع، وثبتا للأخير.
وكذا إن أوصى بشاة بذبحها أو بلحم فطبخه أو بمعيَّن ثمَّ أعتقه أو مثَّل به فرجوع، وفي كونه من الثّلث أو من الكلّ قولان؛ وكذا إن باعه أو وهبه فرجوع؛ وإن انتقل الموصى به من ملكه ثمَّ رجع إليه ببيع (2) أو هبة أو نحوهما فقيل: رجوع
__________
(1) () - في أ: «كبيث».
(2) () - ب: - «أو وهبه فرجوع؛ وإن انتقل الموصى به من ملكه ثمَّ رجع إليه ببيع». (6/54)
صفحة 2593
لا يثبت للأوَّل، إلاَّ إن أوصى له به ثانيا بعد أن رجع إليه، وعليه الأكثر؛ وقيل: يثبت له لأنَّ الوصيَّة لا تجب، إلاَّ بعد الموت وقد مات وهو في ملكه.
وإن أوصى له بمعين ثمَّ لآخر بنصفه ثبتا لهما، لأنّ للموصي أن يزيد وينقص في وصيَّته؛ وقيل: للأوَّل ثلثان وللأخير الثّلث؛ وقيل: للأوَّل ثلاثة أرباعه وللأخير الرّبع، ولكلٍّ وجه. وإن أوصى لرجل (1) بمعين ثمَّ لآخر فقيل: هو بينهما؛ وقيل: هو للأخير، وهو المختار وهو رأي عمر، وبه قال ابن جعفر، لأنَّه رجوع عن الأوَّل.
وإن أوصى له بخاتم ثمَّ بفصِّه لآخر فقيل: الفصُّ بينهما ونصفان؛ وقيل: هو للأخير والخاتم للأوَّل؛ وإن قال في مرض موته: غلامي فلان لفلان وصيَّة منّي له، لا بل لفلان أو لفلان، فقيل: الوصيَّة بينهم عند من يقول: إن أوصى لفلان بثلث ماله ثمَّ به لآخر فالوصيَّة لهما معًا (2) نصفان، وعند القائل إنَّها للأخير فقد أبطل الأوَّل بقوله: لا بل ... إلخ وتكون بين الأخيرين؛ وقيل: لا تثبت لواحد منهما. وإن قال: ثلث مالي لفلان وصيَّة منّي له، لا بل لفلان، فقد رجع عن الأوَّل وكانت للأخير عند القائل هي له، وأوقعها بقوله أو لفلان لأحدهما فلا تقع لأحدهما عند بعض كما مرّ؛ وقيل: هي للأخير منهما؛ وقيل: للأوَّل النّصف ولكلّ من الأخيرين الرّبع؛ وقيل: هي لهما ولا شيء للأوّل؛ وقيل: بينهما؛ وقيل: هي للأوَّل لا للأخير لأنَّه لم يبيِّن الاستثناء فيه، ولا الرّجوع بعينه؛ وقيل: لا شيء لهم فيها، وهذه الأقوال محتملة في ثبوت الوصيَّة وبطلانها استخرجها خميس على نحو ما مرّ لا مصرح بها.
وإن أوصى بعبده لرجل ويخرج من الثّلث ثمَّ به أن يعتق فرجوع؛ وإن أوصى بعتقه ثمَّ ببيعه فرجوع عن الأوَّل أيضا.
وإن أوصى لرجل بمعيَّن ثمَّ لآخر بسدس ماله فزاد المعيَّن أو هو والسّدس على الثّلث فإنَّه يضرب لذي المعيَّن مائة والسّدس خمسون، فعلم أنّ الثّلث مائة فلذي
__________
(1) () - ب: - «لرجل».
(2) () - ب: - «معًا». (6/55)
صفحة 2594
السّدس ثلثها ولذي المعيَّن ثلثها فيكون له ثلثا ولذي السّدس تسع المال كلّه فيكون له تسع المعيَّن وتسع المال ولذي المعيَّن ستّة أتساعه ولذي السّدس تسعه وللوارث تسعاه.
أبو المؤثر: من أوصى لرجل بماله ثمَّ لآخر به ثمَّ لثالث به أيضا، فثلث ماله بينهم؛ وكذا إن أوصى لكلّ منهم به يكون الثّلث بينهم، وليس ذلك برجوع. وإن أوصى لرجل بماله ثمَّ لآخر بثلثيه ثمَّ لآخر بماله ثمَّ لآخر بنصفه ثمَّ لآخر بثلث ماله ثمَّ لآخر بماله ثمَّ لآخر بربعه ثمَّ لآخر بسدس ماله ثمَّ لآخر بماله، فالذين أوصى لهم بأكثر من الثّلث فهم وذو الثّلث سواء، لأنّ الأكثر يردُّ إليه، ولذي الرّبع ثلاثة أرباع ما لذي الثلث، ولذي السّدس نصف ما لذي الثّلث أيضا، فتنقسم وصيَّتهم من ثلاثة وثلاثين فلذي الثّلث وذوي المال وذو الثّلثين وذي النّصف وهم سبعة، لكلّ منهم أربعة أسهم، ولذي الرّبع ثلاثة، ولذي السّدس سهمان؛ وقيل: من أحد وسبعين فلكلٍّ من ذوي المال اثني عشر، ولذي الثلثين ثمانية، ولذي النّصف ستّة، ولذي الرّبع ثلاثة، ولذي الثّلث أربعة، ولذي السّدس سهمان، والكلّ يخرج من الثّلث.
أبو الحسن: من أوصى لرجل بشيء من ماله ثمَّ بذلك الشّيء لآخر، فهو للأخير (1)؛ وقيل: بينهما؛ وقيل: للأوَّل ثلاثة أرباعه وللأخير ربعه؛ وقيل: له ثلثه، وللأوَّل ثلثاه.
__________
(1) () - ب: «للآخر». (6/56)
صفحة 2595
الباب الثّامن عشر
فيمن أوصى في مرضه ثمَّ صحَّ أو في سفره
وقد نقض ابن محبوب وابن [420] عليٍّ وصيَّة مريض إذا صحّ. أبو سعيد: قيل إنّها ثابتة إن لم يرجع فيها، إلاَّ إن قال: إن حدث في موت في هذا المرض ولم يمت فيه فله الرّجوع إذا صحّ منه، وكذا إن أوصى في سفره ثمَّ رجع فقيل: إنّه كالمريض؛ أبو سعيد: هما سواء والوصيَّة ثابتة حتَّى يشترط إن مات في مرضه أو سفره، وهي في الصّحّة ثابتة حتَّى يرجع فيها ولو مرض بعدها ثمَّ صحّ أو سافر ثمَّ رجع، والحقوق ثابتة على كلّ حال.
وإن جعل مريض وصيًّا في قضاء دينه، ثمَّ صحَّ، فالمريض إذا صحَّ انتقضت وصاياه في أبواب البرِّ، ووصايته ووكالته حتَّى يجدِّد بعد، وثبت عليه ما أقرَّ به من الحقوق برأ أو مات.
ومن أوصى بوصيَّة ثمَّ صحَّ ولم يغيِّرها وحيي مدَّة ثمَّ مات جازت.
وإن أوصى مريض بوصايا وأشهد عليها ثمَّ مات فقال وارثه: إنَّه عوفي ثمَّ مرض ثمَّ مات فلا يصدَّق إلاَّ ببيِّنة، فإن عدمها وأراد من الموصى له يمينًا فإنَّه يحلفه: ما علم ذلك؛ وإن كانت الوصيَّة في برٍّ فإن أقام بيِّنة على دعواه بطلت، وإلاَّ أنفذت ولا يمين على وصيِّه. وإن أوصى في إفاقته من مرضه وكان يدخل ويخرج، ويجيء ويذهب إلاَّ أنَّ فيه ضعفًا منه، ثمَّ صحَّ مدَّة ثمَّ مرض فمات، وقد أوصى بوصيَّة وجعل لها وصيًّا فيها ولم يوص في الأخير بشيء فوصيَّته تامَّة إن زالت علَّته وبقي ضعفها وألمها؛ وإن بقيت بحالها وهي غير مخوفة ويجيء ويذهب معها متحمِّلاً لها فهي (6/57)
صفحة 2596
تامَّة أيضًا؛ وإن استقبلته حادثة مخوفة لا يتحمَّلها إلاَّ بجهد، وفي التعارف أنَّها يخاف منها (1) الموت، فقيل: إنَّه الذي لا تجوز عطيَّته، وتنتقض وصيَّته، وقيل: غير ذلك.
ومن أعتق عبده ثمَّ اختلف في عتقه أكان في مرض أو في صحَّة ففي الحكم أنَّه فيها حتَّى يعلم أنَّه فيه، لحدوثه؛ وإن اختلف فيه أهو ممَّا تبطل به الوصيَّة أم لا؟ فالأحكام جارية على ثبوت العتق والوصايا إذا صحَّت حتَّى يعلم أنَّه كان في الذي لا يجوز فيه فعله.
ومن وقع من عال فكان به جرح يبرأ منه مرَّة وينقض عليه أخرى إلى أن مات به، فإن كان ثاويًا من علَّة يخاف عليه منها الموت فهو في حدِّ الذي لا تجوز أفعاله ولا وصيَّته؛ وإن كان ثواؤه من زمانة مورثة له السقوط من طريق علَّة لا يرجى أوبتها، أو عن ضعفها زالت خيفتها فكان كالصحيح. والذي لا تجوز مبايعته هو المدنف (2) المخوف عليه الموت، ويموت في مرضه، والسقيم الذي طال سقمه كالمفلوج والمجذوم والمجبوب والمسلول والمحموم ونحوهم مِمَّن ترجى صحَّته فكالصحيح في ذلك. والمبرسم والمبطون ونحوهما لا تجوز ــ كما مرَّـ عطيَّتهم ولا مبايعتهم إلاَّ فيما لا بدَّ لهم منه.
__________
(1) () - ب: «منه».
(2) () - أ: يمكن أن نقرأ: «المذرف». (6/58)
صفحة 2597
الباب التاسع عشر
في وصيَّة الصبيِّ والمجنون والأعجم والرقيق والدرك فيما بيع للوصيَّة
أبو المؤثر: إن أقرَّ الصبيُّ بالبلوغ عند موته وهو بحدِّه جاز إقراره وإيصاؤه.
وجازت وصيَّة يتيم عاقل إن لم يلقَّن، لا عطيَّته. وتجوز وصيَّة صغير بمعروف إلى خمس ماله إن عقلها من ذات نفسه لا بتلقين في برٍّ أو لأحد؛ وقيل: إلى ربعه؛ وقيل: إلى ثلثه.
ومن قال لصبيٍّ: أوص لفلان بكذا، فإن كان في حدِّ من يفهم فليس بتلقين، وجازت وصيَّته، وإنَّما التلقين أن يقال له: أوص بكذا وكذا، فيقول: كيف أقول؟ فيقال له: قل: كذا وكذا، ويعلَّم كيف يلفظ؛ وإن قال: أريد أن أوصي بكذا وكذا فكيف أقول للشهود؟ فقيل له: قل: كذا وكذا، فليس بتلقين، وهذا جائز الوصيَّة لأنَّه عقلها، وأراد معرفة ما تثبت به، وربَّما فعله كثير من البالغين، وليس كلٌّ يحسن ما تثبت به. ولا بأس بتلقين المراهق؛ وقيل: لا تجوز وصيَّة الصبيِّ ولا يحكم بها في ماله حتَّى يبلغ لزوال الفرض عنه، والوسائل أولى أن لا (1) تلزمه إلاَّ إن أتمَّها الوارث.
وإن أوصى الغلام بحقوق ولأحد بقيامه به فلا تجوز عليه الحقوق إلاَّ بالصحَّة؛ وقيل: لا تجوز وصيَّته بحقٍّ عليه، ولا بقيام به، وإنَّما تجوز في برٍّ.
__________
(1) () - ب: - «لا». (6/59)
صفحة 2598
ابن خالد: إن احتضر صبيٌّ وهو يصلِّي ويعقل فأعتق غلامه، فإنَّه لا يعتق. وعن جابر وغيره في صبيَّة أوصت عند موتها بثلث مالها أنَّ الخيار لوارثها في الإمضاء أو الردِّ.
وأجاز ابن الخطَّاب وابن عبد العزيز وصيَّة بنت سبع وابن عشر.
أبو عبد الله: إذا عقل الصبيُّ وعدل في وصيَّته جازت إلى الثلث؛ قال: والعدل عندنا في الحجِّ والفقراء والسبيل والأقربين؛ غيره: لا تجوز إلى أكثر من الخمس ولو عدل فيها.
أبو مروان: إنَّ (1) المعتوه كالمجنون، إذا كان حينًا يعقل وحينًا لا يعقل جازت وصيَّته حين إفاقته إلى الثلث؛ فإن أوصى بحجٍّ أو زكاة [421] أو نحوهما من اللوازم جاز في جميع أبواب البرِّ لا في الحقوق.
أبو عبد الله: إن أوصى مجنون بثلث ماله للأقربين فأجازه موسى كالصحيح وسليمان إلى الخمس؛ وغيرهما لا يجيز وصيَّته كالصبيِّ لأنَّها إتلاف لأموالهما.
وإن اعتجم المريض وزال كلامه فدعا بقرطاس فكتب: عليَّ من الدين كذا (2) وللأقربين كذا وصيَّة منِّي فاشهد يافلان ويافلان عليَّ بهذا فقد أمسك على لساني وأنا أعقل وأعرف ما أكتب، وكتب كلَّ هذا بيده، قال أبو عليٍّ: إنَّا نجبر على إمضاء ذلك. وإن قال: اشهدوا عليَّ بما في هذا الذي كتبته بيدي (3)، فإنَّه وصيَّتي، جاز، ويشهدون عليه بما فيه ولو لم يقرُّوه (4) عليه إن كان يكتب،
__________
(1) () - ب: - «إنَّ».
(2) () - ب: + «وكذا».
(3) () - ب: «بيدٍ».
(4) () - كذا في النسختين، ولعلَّه: «يقرأوه». (6/60)
صفحة 2599
وإلاَّ فلا، إلاَّ إن قروه (1) عليه وأقرَّ بفهمه، ويشهدهم بذلك، ويكون في أيديهم ويعرفون ما فيه؛ وإن أومأ برأسه أو أشار بيده لمَا يريده في وصيَّته أن يوصيَ به لم يجز، ولو استدلَّ على مراده، لأنَّ الحكم لا يقع إلاَّ على صحَّة عقل، ولا يعلم مراده بإشارته إلاَّ بالظنِّ وهو لا يغني؛ فإن قيل: لم لا يؤخذ بها لثبوت عقله؟ قيل له: لا نعلم صحَّته إلاَّ بلسانه.
فصل
لا وصيَّة لمملوك في ولده ولا في ماله، ولا تجوز وصيَّته ولا أمره في ذلك، ولا في مال سيِّده إلاَّ فيما أذن له فيه من التصرُّف فيه، فإن أخرجه لتجارة وأوصى بقضاء دينه في حاله ممَّا بيده من التجارة جاز ذلك لجواز فعله عليه فيه؛ وإن أخرجه من معناها لم تجز وصيَّته فيها ولا إقراره، وما أنفذه من مال مولاه على وجه الحقِّ جاز عليه لا إن كان على غيره، ولا يثبت عليه، فإن أدرك المال بعينه رجع إلى سيِّده وضمن الوصيُّ للمشتري ما قبض منه في الحكم ويرجع على الغرماء إن قدر عليهم، وإلاَّ أو غابوا أو ماتوا فلا شيء له، ويضمن للمشتري، إلاَّ إن شرط عليه الوصيُّ أنَّه يبيع هذا المال ولا علم له به؛ فإن استحقَّ منك فلا حقَّ عليَّ لك، ولا شيء عليه له إن شرط هذا؛ وإن لم يدرك المال بعينه وصحَّ على من أتلفه كان عليه ضمان شرواه أو قيمته بالعدول إن عدم.
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّه: «قرأوه». (6/61)
صفحة 2600
الباب العشرون
في الورثة إذا أرادوا إتمام الوصيَّة أو نقضها أو نحو ذلك
فإذا أتمُّوا المنتقضة بعد موت الموصي فلا نقض لهم، ولا رجوع في ذلك؛ وإن أتمُّوا الوصيَّة على جهل أو شرط لم يثبت عليهم.
ومن أوصى بشيء لوارث فأجازه له باقيهم جاز له، لا إن أجازوه له في حياته فلا يثبت عليهم لعدم الملك.
ومن دفع إلى رجل دراهم وأمره أن يدفعها إلى الفقراء بعده وأوصى إليه في دفع ذلك إليهم، ولفظه يثبت في الحكم، وعلم به الورثة وأتمُّوه وأجازوه لهما، ولم يذكر الجواز ولم تقم عليه بيِّنة عادلة ولم يصحَّ عند الوارث، ثمَّ رجع عن إتمام ما أتمَّه ونقضه، فإن أتمَّه بعد العلم به أو إنفاذه فلا رجوع له؛ وإن أتمَّه ولا يعلمه ثمَّ علم، فقيل: له الرجوع بالجهل، وقيل: لا إذا أتمَّ فعل الميِّت ولو لم يعلمه. (6/62)
صفحة 2601
الباب الحادي والعشرون
في الموصى له إذا لم يقبل الوصيَّة من الموصي وموتهما
أبو محمَّد: اختلف فيها، فقيل: هي عطيَّة، ولا تصحُّ إلاَّ بقبول وإحراز، ومن ثمَّ قالوا: إذا مات قبل الموصي بطلت لعدمه؛ وقيل: تصحُّ بلا قبول ولا إحراز لإجازتهم الوصيَّة للحمل والغائب؛ وقيل: جائزة ما لم يردَّها الموصى له.
ومن أوصى لرجل بوصيَّة أو دين فلم يطلبه حتَّى قسَّم الورثة ماله ثمَّ طلبه فإنَّه يدركه فيه حيث وجده، ولو قسِّم أو بيع، وإن لم يقبلها الموصى له، فإن علم الموصي بردِّه لها بطلت، وإلاَّ حتَّى مات ثمَّ رجع يطلبها بعده كان له.
ومن أوصى لرجلين بثلث ماله فردَّها أحدهما بعد موته فقيل: ترجع حصَّته إلى الوارث؛ وقيل: إلى الأقرب، وحصَّة الآخر له إذا قبلها (1).
ومن أوصى لرجل بنخلة، فقال: إن شاء أخذها من موضع كذا، وإن شاء من موضع كذا، فمات الرجل ولم يشأ شيئًا فله نخلة من ماله؛ وإن أوصى له بوصيَّة وهي بيده يستغلُّها فنازعه فيها الوارث وحكم له عليه لزمه ردُّها وغلَّتها. وإن أوصى له بوصيَّة ولم يدر أيُّهما مات قبلُ، فإذا أشكل أمرهما فلوارث الموصى له نصف الوصيَّة للإشكال، والآخر للأقربين الذين تنالهم الوصيَّة على قول.
ومن أوصى لرجل بشيء من ماله، وقال في حياته: لا أقبل هذه الوصيَّة فقال الموصي: بعوه وادفعوا له ثمنه، ثمَّ مات وأحبَّ الموصى له أن لا يقبضه وهو محتاج إليه جاز له القبول والترك.
__________
(1) () - ب: - «وحصَّة الآخر له إذا قبلها». (6/63)
صفحة 2602
أبو الحواري: إن لم يعلم أيُّهما مات قبلُ ــ كما مرَّ ــ فللموصى له النصف، ولم ير له ابن الحسن شيئًا إذا لم يصحَّ موت الموصي قبله إذ لا تجب إلاَّ بعد موته والموصى له حيٌّ حتَّى يصحَّ موته قبله؛ فإذا صحَّ رجعت لوارث الموصي؛ وقيل: لأقاربه. وإن عاب (1) الموصى له وصحَّ موته [422] ولم يدر أكان حيًّا حين الوصيَّة أم لا، فإذا صحَّت (2) موتهما معًا بطلت؛ وإن صحَّت موت الموصي قبل ثبتت، وبطلت في العكس أيضًا، وإن صحَّ موتهما لا أيُّهما سبق فقيل: لا تصحُّ؛ وقيل: ثابتة لاحتمال سبق الموصي حتَّى يعلم سبق الموصى له؛ وإن صحَّ سبق أحدهما ولم يعلم فقيل: باطلة؛ وقيل: للموصى له نصفها للإشكال والاحتمال كما مرَّ.
__________
(1) () - ب: «غاب». ولعلَّه أصحُّ.
(2) () - كذا في النسختين. (6/64)
صفحة 2603
الباب الثاني والعشرون
في إقرار الوارث أنَّ الميِّت أوصى بكذا
فمن هلك أبوه وأوصى بثلث ماله لفلان، وأقرَّ الولد به، ثمَّ قال: نسيت، بل إنَّما أوصى به لآخر، فإنَّه يدفعه للأوَّل لإقراره به أوَّلاً، ويدفع للأخير أيضًا ثلثًا آخر لاستهلاكه الأوَّل، فيلزمه أن يضمن الثاني للأخير؛ وإن قال: أوصى أبي لهذا بثلثه ثمَّ سكت ثمَّ قال: وأوصى لهذا بثلثه فإنَّه يدفع للأوَّل الثلث وللثاني نصفه لزعمه أنَّه بينهما، فدفع للأوَّل أكثر من حقِّه فضمن للأخير نصفه. وإن قال: أوصى لزيد بثلث ماله ثمَّ سكت، ثمَّ ولعمرٍو به ثمَّ سكت ثمَّ ولجعفر به على نحو ما مرَّ فلزيد ثلثه، تامًّا، ولعمرٍو نصفه ولجعفر ثلثه.
أبو الحسن: وإن أقرَّ بهذا ولأبيه ورثة معه لم يجز قوله عليهم، ولزمه ذلك في منابه منه.
ومن أوصى لزيد بثلث ماله فدفعه إليه وارثه، ثمَّ زعم عمرو أنَّ الوصيَّة له وأقام بيِّنة، قال: فإن علم أنَّ موروثه أوصى لزيد ثمَّ أقام عمرو البيِّنة غرم له أيضًا، وإلاَّ ودفع له رجع عليه إن شاء بالأخذ منه؛ وقيل: إذا أقرَّ الوارث أنَّ أباه أوصى بثلث ماله لزيد، وشهد الشهود به لعمرو أخذ بشهادتهم ولا (1) فهو له (2)، ولا شيء لزيد لأنَّ الوصيَّة لا تجوز بأكثر منه؛ فإن قال: أوصى به لزيد، ثمَّ قال: أوصى به لعمرو، أو لابنه، فإنَّه لزيد إذ لا يصدَّق الوارث عليه بعد ثبوت حقِّه؛ وإن قال: أوصى به لزيد، وأوصى به لعمرو كان بينهما، وليس المتَّصل كالمنقطع في ذلك؛ وإن قال: أوصى به
__________
(1) () - كذا في الأصل، ولعلَّ الصواب: «وإلاَّ». وفي ب سقط: «أخذ بشهادتهم، ولا».
(2) () - أ: يمكن أن نقرأ: «فهو لهم». (6/65)
صفحة 2604
لزيد لا بل لعمرو، ولم يدفعه حتَّى يرفع إلى الحاكم ويقضي به لزيد، ولم يجعل لعمرو شيئًا فلا ضمان على الوارث، وإنَّما هو شاهد.
وإن أقرَّ لزيد بوصيَّة وهي ألف درهم بعينها وهي الثلث، ثمَّ أقرَّ لعمرو به، ثمَّ رفع إلى القاضي فإنَّه ينفذ الألف إلى زيد ولا يجعل لعمرو شيئًا لأنَّه لا يجوز على الوارث إلاَّ الثلث، وأنَّه إنَّما يدخل على الأوَّل دونه، وهو شاهد والمعيَّنة والثلث في هذا سواء؛ ولو شهد من الورثة اثنان جازت شهادتهما عليها كغيرهما؛ وإن شهدا أنَّ أباهما أوصى بالثلث لزيد فدفعاه إليه، ثمَّ شهدا أنَّه لعمرو وقالا: أخطأنا، فلا يصدَّقان وضمناه لعمرو أيضًا؛ وإن كانوا ثلاثة والمال ثلاثة آلاف فأخذ كلٌّ ألفًا ثمَّ أقرَّ أحدهم أنَّ أباه أوصى بالثلث لزيد فله أن يأخذ ممَّا بيده ثلثه؛ وإن كان المال ألفًا عينًا وألفًا على أحدهما أخذ الورثة ثلثيهما، لأنَّ الوارث يقول: أقررت لك بالثلث في جميع المال فإنَّما لك في نصيبي ثلثه لجحود أخي؛ قال خميس: وينبغي في القياس أن يكون له نصف ما بيده لأنَّه زعم أنَّ نصيبهما سواء فانظر في ذلك.
ابن بركة: إن أقرَّ أحد الوارثين أنَّ الميِّت أوصى بثلث ماله للفقراء وقال الآخر: (1) بل للأقربين، ولا بيِّنة فيلزم كلاًّ نصف ما أقرَّ به، وليس هذا كالدين؛ فإن وجد في القرابة الفقراء فإنَّه يدفع إلى القرابة، وقد اتَّفق القولان لوجود الصفتين.
__________
(1) () - ب: + «لا». (6/66)
صفحة 2605
الباب الثالث والعشرون
في المريض وما يجوز من فعله وما لا يجوز
فإذا كفل عن وارث لآخر فمات في مرضه ردَّت كفالته وجازت لغيره من ثلثه؛ وإن لزمه دين يحيط بماله بطلت كفالته أيضًا، وقيل: لا تجوز منه مطلقًا لأنَّها عطيَّة للمكفول عليه، والأوَّل أكثر. وإن اقترض في مرضه شيئًا جاز وله قضاؤه أيضًا، ويشارك صاحبه الغرماء في ماله، وجاز إقراره بالوفاء إن أقرّ به في مرضه.
أبو سعيد: من قضاه مريض شيئا من ماله بحقٍّ، ففيه خلاف. ومن عليه حقٌّ له فله أن يدفعه إليه ما عقل، أو إلى من أمره بالدفع إليه؛ وإن كان بينه وبين أحد مال جازت وكالته لمن يقاسم معه وبطلت إن مات قبل القسم، إلاَّ إن جعله وصيًّا لصغاره فله أن يقاسم حصَّتهم.
وإن باع أحد من مال المريض شيئًا فلا يجوز إتمام بيعه، ولا أن تقبل منه هبة ولا هديَّة، ولا عارية، فإذا ردَّها المستعير إليه برئ منها وجاز قبضه لها إن كان حافظًا لماله، أو يأمر من يحفظه له وجاز أمره ونهيه فيما يعود لصلاحه [423] وصلاح عياله، لا إتلافه له لبعض ورثته إلاَّ بحقٍّ عليه أو قربة.
وإن عتق أمته ثمَّ تزوَّجها ودخل بها وقيمتها ألف، ومهر مثلها مائة، فإن كانا يخرجان من الثلث جاز النكاح ولها مهرها وإرثها، وإلاَّ دفع إليها مهرها ثمَّ تستسعي بقيمتها أو بباقيها إن خرج بعضها مع المهر من الثلث؛ وإن علم أنَّه إضرار بالورثة لم يجز ذلك. (6/67)
صفحة 2606
فصل
ابن جعفر: لا يجوز عند الموت ترك ولا عطيَّة ولا مبايعة إلاَّ لمَا مرَّ، أو في لازم من دين أو كفَّارة أو نحوهما، ولو باع أصلا؛ وقيل: إن شاء وارثه ردَّه بثمنه، وإن شاء ترك؛ وقيل: إن باع بعدل السعر جاز، ولا خيار لوارثه؛ وقيل: بيعه مردود مطلقًا، وإن مات ولم يغيِّر وارثه في البيع حتَّى مات أيضًا ثمَّ طلب وارثه نقضه جاز له عند من لا يجيز بيع المريض، لا عند مجيزه، واختير أنَّه إن باع بعدل السعر فيما يلزمه ممَّا مرَّ ثبت عليه، وعلى وارثه إن مات؛ وقيل: لا يجوز منه القياض كالبيع، وقيل: يثبت بالعدل بقدر الثمن ويردُّ الباقي إن عرف الثمن، وإلاَّ ثبت الحقُّ؛ وقيل: إن مات في مرضه وكان قياضه فيه وفاءً أو دونًا، وطلب وارثه نقضه أو باع مالاً واستوفى ثمنه وطلب نقضه أيضًا، أو باع ماله جملة أو قياض به لم يجز بيعه ولا قياضه ولو بوفاء إذا ردَّ الوارث الثمن أو المال؛ فإن باع مالاً بمحاباة كانت في ثلثه بعد الدين، فإن رضي بذلك المشتري، وإلاَّ انتقض البيع، فإن ثبت فللشفيع شفعته، ولو وارثًا؛ وإن كان له والشفيع أجنبيٌّ فلا شفعة، لأنَّ البيع غير صحيح؛ وقيل: ليس له أن يبيع لوارثه شيئًا، وإن بأكثر من قيمته؛ وإن فسد بيعه بموجبه فأتمَّه الوارث فللشفيع شفعته.
ابن عليٍّ: إن أشهد محتضر أنَّه قد ناقل ابنه بموضع كذا له من وصيَّة جدِّه فإنَّه يقوَّم ما لكلٍّ منهما، ثمَّ يطرح قيمة ما للطفل ممَّا قايضه أبوه، فإن شاء الوارث ردَّ ثمن ما بقي من مال أبيه الذي أشهد به لأخيه وأدَّى قيمته؛ وإن لم يعرف ذلك جازت المناقلة، وله ما أشهد له به أبوه، وإنَّما جاز ذلك إذا لم يعرفها.
أبو المؤثر: إن قضى غريمًا شيئا في مرضه بما له عليه، أو أوصى له بحقٍّ أو فعل ما للورثة فيه الخيار بعده، وفيهم يتيم وقف القضاء حتَّى يبلغ فيتمَّ أو يفدي إن لم يكن له وصيٌّ؛ أبو سعيد: وكذا ينظر له الحاكم إن كان، وإلاَّ فالجماعة، وله أن يقبض حقوقه ما لم يقبض بالدراهم عروضًا كعكسه إذا اقتضى حقًّا بعينه جاز له، وعليه في (6/68)
صفحة 2607
القضاء والاقتضاء؛ وقيل: له أن يقتضي لا أن يقضي، ولا يتمُّ قضاؤه إن أحيط بماله إلاَّ إن أتمَّه الغرماء.
أبو عبد الله: إذا قضى بعضهم حقَّه في مرض موته وقد أحيط بماله فكلُّهم فيه أسوة كلٌّ بقدره، ولو كان الدين في المرض؛ وإن قصد خلاص نفسه ورضي الغريم أن يبرئه منه، ويتعلَّق مع الورثة كان وجهًا، ولا نحبُّ له أن يقصد توفير غريم دون آخر.
ومن عليه حقٌّ لمريض وله عليه آخر جازت مقاصصته له من جنس حقِّه، وبقدره؛ وقيل: لا. ومن أراد أن يقاصص مريضا بما عليه له ولا يعلمه خوفًا أن يثقل عليه جاز له إن قاصصه بجنس حقِّه، ورخِّص، وإن بغيره إن لم يبن بينهما فضل على ما تقاصصا به لأنَّه له أن يبيع بالعدل في قضاء تباعاته ويقضي به؛ وبعضٌ لا يجيزهما ولوارثه نقضهما، والقول في المقاصصة (1) في ماله إن مات كما قلنا. إن بلغ ورثته وحضروا وإن لم يعلموا بحقِّه، وخاف هو إن أعلمهم به أن يطالبوه بصحَّة دعواه ولا بيِّنة عنده فله أن يقاصص نفسه، ولا يعلمهم به ولا يحتجُّ عليهم إلاَّ إن أمنهم فيحتجُّ عليهم خفية، ولا إن كانوا يتامى إذ لا حجَّة عليهم، ولو كان حقُّه من غير جنس حقِّه؛ فإذا بلغوا احتجَّ به عليهم، وإن لم يقاصص نفسه في حال يتم الصبيِّ فلا يلزمه أن يحتجَّ عليه بعد بلوغه، ويجزيه اعتقاد المقاصصة بلا نطق بها وتزول المطالبة بينهما.
ومقاصصة المريض عند أبي سعيد كبيعه فيما مرَّ؛ وإن كان بحدِّ من يقبض ولا يحرز ما قبض فدفعت إليه وديعة فتلفت فإن دفعت إليه باختياره فلا ضمان عليه؛ وإن دفعت إليه على كره منه ضمن، وعندي عكسه فليراجع (2).
__________
(1) () -أ: «المقصاصة».
(2) () - ب: «فليرجع». (6/69)
صفحة 2608
فصل
اختلف في الهبة والعطيَّة من مريض، فقيل: هما (1) قربة كالوصيَّة، ولا يحتاجان إلى إحرازه؛ وقيل: لا تصحَّان منه، لأنَّهما لا تثبتان إلاَّ به وهو منه متعذِّر وبعده لا يجوز لانتقال الملك إلى غيره.
وفي حلِّه من ماله فيما له على أحد، فقيل: حلّه لغريمه وصيَّة له جائز لهما، وقيل: إبراء له من حقِّه، وهو إتلاف لماله، وقيل: لا يصحُّ حلُّه لأنَّه كالهبة والعطيّة، ولا تصحَّان منه عند صاحبه؛ واحتجَّ قوم بقوله تعالى: {من بعدِ وصيَّةٍ يوصي بهآ أو دين} (النساء: 12). فلا يجوز فعله في ماله إلاَّ من بعدهما، فما عداهما باطل؛ فإن تصدَّق ببعض ماله ثمَّ صحَّ فإن أراد به الله فلا نحبُّ له أن يرجع فيه. وإن وهب شيئًا ثمَّ صحَّ ولم يرجع فيه حتَّى [424] مات ففي هبته خلاف كما مرَّ، فحجَّة مبطلها أنَّها غير جائزة في وقتها، وحجَّة مثبتها أنَّ الأب إذا أعطى صغيره عطيَّة ولم يرجع فيها حتَّى بلغ وأحرزها ثبتت له ولو لم تثبت في وقتها؛ وقيل: لا يثبت على مخوف عليه موت حلٌّ ولا إبراء ولا ترك ولا عطيَّة، ويثبت إقراره ووصيَّته لمن يجوزا (2) له.
ومن عليه تباعة لمريض فاستحلَّه منها فإن جعلها وصيَّة جازت له من الثلث، وقيل: إنَّ حلَّه وإبراءه وتركه (3) وعطيَّته كلُّ ذلك جائز قائم مقام الوصيَّة؛ فإن لم يكن له مال وجعل التباعة وصيَّة له فله ثلثها إن لم تكن للميِّت سواه؛ وإن كانت تحاصصت فيه؛ وقيل: البراءة في المرض كالإقرار بالقبض؛ فإذا قال له المستحلُّ: جعلتني يافلان في حلٍّ وسعة (4) ممَّا لزمني لك إلى كذا درهما وقيمته وجعلته لي وصيَّة
__________
(1) () - ب: «هو».
(2) () - كذا في النسختين. ولعلَّ الصواب: «يجوزان». أو «يجوز».
(3) () - ب: «وتركه وإبراءه».
(4) () - ب: «جعلتني في حلِّ وسعة يافلان». (6/70)
صفحة 2609
من مالك، فإذا أنعم ثبت ذلك؛ وإن قال: كلّ ما عليَّ لك فهو لي، فأنعم ثبت عليه حتَّى لو برئ أو مات؛ وإن رجع عليه فيه إذا صحّ منه لم يجده، ولو احتّج بجهل فيه فلا حجّة له، لأنَّه إقرار، وجوّز في المجهولات؛ وإن قال: أنت في الحلّ من قيراط وقيمته إلى ألف وقيمته بحقّ لك عليّ أنا أعلمه لا أنت أو كلّ ما عندك أخذته لي فأنت منه في حلّ فهو لك بحقّ عليّ وليس لك بوفاء، فإذا لم يكن له على المريض حقّ وكان عليه للمريض قال: كلّ ما عليّ من حقّ لك فهو وصيَّة لي من مالك إلى قيمة كذا درهم (1) فينعم كذلك فهو خلاص إن وسعه ثلثه؛ وإن كان لكلٍّ على آخر حقّ فقال المريض: كلّ ما عليك لي فهو لك بما لك عليّ وليسه لك بوفاء جاز إن صدق، أو غاب كذبه عند هذا ولم يعلم أنَّه إلجاء أو حيلة؛ وإن قال: له جعلت لي ما انتفعت به من مالك وصيَّة لي، فأنعم ثبت في ثلثه مع وصاياه.
__________
(1) () - ب: «درهما». (6/71)
صفحة 2610
الباب الرّابع والعشرون
في إقرار المريض
وهو جائز في كلّ ماله، ووصيَّته في ثلثه؛ وقيل: إن كان للوارث فكالعطيّة، وهي لا تجوز منه؛ وإن لغيره فهي كالوصيَّة ولا تجوز له؛ وقيل: ينظر إلى ما أقرّ به وإلى ما أوصى به فيحملان على الثّلث؛ فإن وسعه أخرجه مخرج الوصيَّة، وإلاَّ ساوى به الوصايا، وعليه فيثبت لغير الوارث لا له؛ وأصحابنا يفرِّقون في الإقرار للوارث وغيره وبالوصيَّة ويلحقونه بالإقرار ويثبتونه عليه.
وإن أقرّت مريضة باستيفاء صداقها من زوجها فلا يحلّ لوارثها مطالبته بعد.
ومن قال في مرض موته: جميع ما أخلِّفه من نخل وماء وعبيد ومنازل لابني ولبنتي، فإقرار مجهول لا يثبت، ومتروكه ميراث بالكتاب.
ومن أقرّ لقاتله بدين، فقيل: إن كان مريضا لازما للفراش حتَّى مات ردّ إقراره؛ وإن كان يجيء ويذهب جاز.
ومن قال في مرضه: هذا العبد لولدي فلان، ادفعوه إليه ثبت له، لا أنَّ عبدي فلان لولدي فلان، أو هو من عندي أو من مالي لولدي فلان، لأنَّ هذا وصيَّة.
ومن قال عند وفاته: هذا المال وديعة عندي، جاز إقراره (1) به عليه إن عيّنه؛ وكذا إقراره بمضاربة. ولو عليه دين ولا مال له فإذا أقرّ بمعيَّن لأحد فهو له.
وإن أعطت مريضة قريبا لها ثوبا فقال لها: هو لي من مالك، فأنعمت، أو قالت: هو لك من مالي، اختير أن يكون هذا الإقرار إن كان لغير وارث كالوصيَّة من ثلثها.
__________
(1) () - ب: «إقرار». (6/72)
صفحة 2611
ومن أقرَّ لوارثه بدين وقال إنّي قضيته به هذا البستان، جاز، إلاّ إن شاء غيره أن يفدوه بقيمته في يومه ولهم أن يحلفوه؛ وقيل: إذا لم يكن به معروفا بكيل أو وزن ردّ إقراره في مرضه؛ فإن أقرّ بمعروف جاز؛ وقيل: لا يجوز لوارثه البتّة، إلاَّ ببيِّنة بحقّه، وجاز بالاستيفاء على الورثة؛ وقيل: لا على الغرماء والورثة إذا أقرّ أنَّه استوفى من غريم له عليه حقّ؛ فإن أقرَّ أنَّ دينه على فلان لفلان لم يجز حتَّى يستوفي الغرماء ديونهم المعروفة، ثمَّ يجوز ما أقرّ به لفلان، ويجوز ذلك من الكلّ قبل الدّين؛ فإن قال استوفيت من فلان جاز إن لم يكن عليه دين، ويبرأ منه، لا إن قال: تركته له.
فصل
أبو عليٍّ: إذا أقرَّ مريض أنَّه أعطى رجلا مالا في الصحَّة وأحرزه فيها عليه جاز إقراره، ولم يجزه غيره بالعطيّة في المرض ولو أقرّ أنَّه كان فيها.
ابن محبوب: من احتضر فقال: إنِّي كنت أعطيت ابني أو غيره كذا من مالي وقد أحرزه علي جاز هذا الإقرار (1) لغير الوارث لا له.
وإن أعطى أحد الزّوجين صاحبه عطيّة وأقرَّ عند موته أنَّه قبلها منه فلا يثبت إلاَّ ببيِّنة أنَّه قبلها في صحّته، وجوِّز بدون ذلك؛ وإن أشهد محتضر أنَّه باع لابنه أو لغيره قطعة، وإن استوفى منه ثمنها جاز ما أقرَّ له به؛ وقيل: إن قال: قد بعت وقع البيع في الوقت؛ وإن قال: قد كنت بعت له في الصحَّة، جاز ذلك، [425] وقوله: إنَّه استوفى منه الثمن جائز إقراره له به في مرضه، وجاز استيفاء حقّه فيه وللورثة أن يفدوها بقيمتها بعدول.
ومن قال: قد قضيت فلانًا من مالي (2) كذا بحقٍّ عليّ قال: فلا يثبت عندي (3) حتَّى يبيِّن أنَّه عليه إذ لم يقل عليّ له.
__________
(1) () - ب: «الإقرار».
(2) () - ب: - «من مالي».
(3) () - ب: - «عندي». (6/73)
صفحة 2612
أبو سعيد: إن أقرَّ مريض أنَّه أعتق عبده هذا في صحّته فقيل: هو من ثلث ماله لأنَّه لو أعتق في مرضه كان منه، ولا يجوز إقراره فيه إلاَّ بما يجوز فيه فعله؛ فإن أقرَّ فيه أنَّه باع لفلان مالا بألف في صحّته واستوفاه منه فلا يثبت إقراره بالبيع على ورثته، والثّمن في ماله لمن أقرَّ أنَّه قبضه منه، لأنَّه لو أقرَّ له بألف في مرضه جاز إقراره به، وينظر إلى ما يجوز له (1) فعله فيه، فيجوز فيه إقراره إن فعله في الصحَّة، وهذا أصل يدور عليه كثير.
وفي الأثر: ومن قال عند موته: كنت نذرت إن تعافى ابني أعطيته كذا، وقد أعطيته، جاز له. ومن قال في مرضه: كنت أعطيت مالي للفقراء في صحَّتي ثبت ذلك لا إن قال: أعطيته فلانا الفقير فيها، والفرق أنّ قوله لهم عطية لمن ليس عليه قبض لأنَّهم غير معلومين وفلان يقدر عليه؛ فإن صحّت بيِّنة به في صحّته ثبتت عطيّته، وإلاَّ بطلت.
__________
(1) () - ب: - «له». (6/74)
صفحة 2613
الباب الخامس والعشرون
في عمل الحيِّ عن الميِّت
وقد أمر النبيّء صلَّى الله عليه وسلَّم سعد بن عبادة أن يتصدَّق عن امّه فتصدّق عنها بحائط. وسأل طاوس عن صدقه الحيّ عن الميّت فقال: بخٍ بخٍ. ولم يختلف فيها.
وجازت صدقه حيٍّ عن حيٍّ وللمتصدّق عنه أجر. واختلف في عمله عن ميّت كصيام وصلاة وطواف، فقال الأكثر: إنَّه لا يجوز عنه ولا عن حيٍّ وكان عطاء يقول لابن له ولمولى له: قم فطف عنِّي. وجاز الحجّ عن ميّت، وقد أمر صلَّى الله عليه وسلَّم امرأة أن تصوم عن أختها وقد ماتت وعليها صيام.
وفي بعض الأخبار أنّ عمله عن الميّت ينفعه، قال: وأرجو أنَّه إن مات على الفطرة لا إن مات على غيرها؛ وفي بعضها أنَّه: «إذا مات انقطع عمله، إلاَّ من ثلاث: من غرس وعلم ينتفع به من بعده، وولد صالح يستغفر له». وفي بعضها: «من سنَّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، ثمَّ لا ينقص من أجره شيء»، وبالضدِّ. وفي بعضها: كان نهى عن زيارة القبور ثمَّ جاء عنه: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا (1) هجرا».
وقيل: إن قراءة القرآن تنفع الميّت إلى أربعين من جيرانه.
ومن مات مؤمنا نفعته صدقة الحيّ عنه وكلّ ما أوصى به فزيادة له في عمله؛ وإن دعاء المؤمن لأخيه واستغفاره له ينفعه وأنَّ ذلك منه بمكان.
ولا تنساني من دعائك يا أخي!.
__________
(1) () - ب: «ولا تقول». (6/75)
صفحة 2614
الباب السّادس والعشرون
في الوصيَّة بالصّلاة وكفَّارتها والزكاة والصيام
وفي الأثر: من لزمه بدل صلوات ولم يبدلها حتَّى احتضر؛ فإن أبدلها ولو بالتّكبير جاز؛ وإن مات ولم يبدلها فنرجو أن لا بأس عليه إذا تاب ولا وصيَّة عليه فيه، وتجزيه التّوبة لما مرّ أنَّه لا يصلّي أحد عن أحد؛ وإن قال لوارثه: عليَّ بدلها فاقبضه عنِّي لم يثبت عليه، إلاَّ إن قال به له عند بعض؛ فإن قال: عليّ صلوات فاسأل عالما فما ألزمني فأنفذه عنِّي، فلا يثبت ذلك حتَّى يقول: إنَّه تعمّد تركها أو تضييعها إذ لا يدرى في «عليه صلوات» أعليه بدلها أو كفّارتها؛ وإن قال: عليه (1) كفّارة صلوات فاسأل لي عنها فما لزمني فأنفذه عنّي من مالي، فأقلّه واحدة وأكثره ثلاث تخرج من ثلثه؛ وإن قال في وصيَّته: عليه خمس كفَّارات صلوات تنفَّذ من ماله، فقيل: من كلّه لإمكان كونها من قبل غيره؛ فإن أقرَّ أنَّها من تضييع صلواته، فقيل: من الثّلث؛ وقيل: من الكلّ؛ وإذا ثبت وجوبه ولم يعرف ما هو، ولم يقر أنَّه من صلاته فمن الكلّ؛ وإن أوصى بكفّارة خمس صلوات خيِّر الوارث في هذا الاحتمال أنَّها واحدة تجزي عن خمس صلوات؛ فإن شاء أنفذ واحدة؛ وإن شاء خمسًا للخلاف في ذلك.
ومن أوصى بدراهم تنفذ عنه بعده عن زكاة عليه وشرط صحاحا فأنفذ الوصيّ دراهم فيها كسور (2) لم يجز خلاف أمره، وللوصيّ أن يشرك في درهم اكثر من اثنين فيقسمونه برأيهم.
__________
(1) () - ب: «عليَّ».
(2) () - ب: «كسورًا». (6/76)
صفحة 2615
ومن أقرَّ أنَّ عليه عشرة دراهم زكاة وأوصى بإنفاذها ولم يترك إلاَّ عشرة فإنَّها تنفَّذ عنه. ومن ترك زكاة لزمته ولم يدفعها [426] حتَّى مات وعليه ديون تزيد على ماله، وأوصى لرجل أن يصرفها على أهلها؛ فإن علم بالدّيون فليس له أن ينفِّذ الوصايا حتَّى يقضي الدّيون، ثمَّ هي في ثلث ما يبقى؛ وإن لم يعلم، إلاَّ ما أوصى به الميّت فله أن يجعل ذلك في الكلِّ مع الدّيون؛ وقيل: إنَّه من الثلث للإجماع على أنَّه لو قال: إنَّ عليه حجّا وزكاة ولم يوص بإنفاذ ذلك، فإنَّه لا يثبت عليه في ماله ولا على وارثه.
وإن أقرَّ بديون ولم يوص بإنفاذها ثبتت فيه ولزمت وارثه.
وإن أوصى بوصايا في ثلثه ولا يفي بها ولا ديون عليه فإنَّها فيه بالحصص. وإن كانت مع الوصايا زكاة فيه وقد دفعها الوصيّ إلى فقير ولا تخرج منه تامّة إذا حوصصت فيه ضمن الفضل، ولا رجوع له على الفقير، لأنَّه تصدَّق عليه بما استحقّه في الظاهر.
وإن قال: لوصيّه ادفع زكاتي هذه إلى فلان فدفعها إلى غيره خالف أمره، ولا يجوز له، ولا نقوى على تضمينه، لأنَّه في مقام الميّت، وعليه التّوبة.
وإن أوصت هالكة للفقراء بشيء من حليّها ودراهم من قبل زكاة عليها، فإن قالت: أوصيت لهم بكذا من زكاة عليّ، فللوصيّ أن يدفعه إليهم؛ وإن قالت أوصيت به زكاة عليهم تدفع من مالي، فله أن يدفعه على هذا إلى الإمام أو إلى من أمره.
ومن أوصى بحبٍّ برًّا جيدًا زكاة فالجيّد يتفاضل، وكذا الأوسط والرديء فإذا أخرج من حبّه الجيّد ما ليس برديء أجزاه حتَّى يقول: أفضل الجيّد أو من خياره؛ وإن أوصى بزكاة وورثته فقراء فلا نحبُّ أن يعطوا منها من جملة ماله؛ وإن سلَّم كلٌّ منابه من الوصيَّة إلى الوصيّ وجمعه عنده فلا نحبّ له أن يدفع لأحدهم شيئًا من تلك الزّكاة؛ وإن ضمن كلّ منابه من الوصيَّة بها وجعل يعطي ما يدفعه هذا لآخر فلا يضيق عليه ذلك إن كان بإذن الدّافعين إليهم وعلمهم؛ وقيل: لا يجوز ذلك، لأنَّها (6/77)
صفحة 2616
وصيَّة ولا وصيَّة لوارث، واختير هذا لما فيه من التّنزه؛ ومن أخذ بالأوَّل لم يضق عليه.
فصل
جاز استئجار امرأة لصيام عن رجل كعكسه وفي الحجّ خلاف مرّ.
ومن أوصى بصيام ولم يعيّن فأقلُّ ما يصام عنه يوم.
ومن لزمه بدل رمضان وأوصى أن يصام عنه أو يقضى فلا يجزي عنه إطعام كما مرَّ.
ومن نذر بصوم فأوصى به أنفذ عنه من ماله باستئجار. وإن أوصى به إطعامًا أطعم عنه، لأنَّه له فيه في حياته؛ وبعض لا يرخّص فيه حتَّى لا يطيق الصّوم.
وإن أوصى ببدل رمضان إطعاما فلا يثبت، إلاَّ بدلا. وإن أوصى بشهرين كفّارة جاز أن يصام عنه بعض ويطعم بعض إن اتّصلا؛ وقيل: يجب أحدهما.
ومن أوصى بتفريق كفّارات صلوات وإيمان فرق عنه الصّلاة الواحدة في ثلاث ثمار في كلّ عشرين مسكينا، وجاز ما أمكن إذا أكمل الكفّارة.
أبو الحواري: إن أوصت امرأة أن يكفِّر عنها صلاتين فلكلٍّ إطعام ستّين؛ وإن أطعم عنها لهما ستّين أجزاها إذا لم تحدَّ لكلٍّ.
وإن فرض الميّت الكفّارات كفِّرت عنه كما فرضها ووصيُّه أولى من الإمام بتفريقها. واختلف في إعطاء وارثه منها إن كان فقيرا، فقيل: يجوز لارتفاع نفقة الموصي عنه ولاستحقاقه اسم الفقر، وللموصي دفعها لكلّ فقير؛ وقيل: لا لظاهر «لا وصيَّة لوارث».
ومن أوصى أن تنفّذ عنه كفّارة من ماله فاقتسم ورثته ماله بلا إنفاذ شيء عنه (6/78)
صفحة 2617
فأراد أحدهم إنفاذ ما لزمه، فقيل: إن كان ثلث ميراثه (1) يقوم بالوصيَّة لزمه إنفاذها كلَّها؛ وإن نقص ثلث الميِّت عنها لم يلزمه إلاَّ ثلث إرثه منه حيث ما بلغ منها.
وإن علم بدين عليه لزمه قضاء قدر منابه، ولو استغرقه.
ومن أوصى عن كفّارة لكلّ مسكين نصف مكوك يعطى بمكوك البلد عليه المعاملة في وقته. وإن سمّى لكلٍّ أربعة أسداس ونصف ذرة أعطى بالصّاع؛ فإن قال: لكلّ ثلاثة أرباع المكوك فبالذي عليه المعاملة أيضا، وقد مرّ غالب الباب.
__________
(1) () - ب: «ما يراثه». (6/79)
صفحة 2618
الباب السابع والعشرون
في الوصيَّة بالحجّ
فمن أوصى بحجّة ولم يفرضها فقال أبو المؤثر: إن كان وليًّا استؤجر له فاضلاً بما عزَّ إن وسع الثّلث؛ وقيل: إذا اتَّفق الأجير والوارث على شيء جاز؛ وإن قال: لا تعطى إلاَّ ثقة حاجًّا عن نفسه فلا يخالف أمره.
أبو عبد الله من أوصى بحجَّة ولا يبلغ ثلثه بها أعطي ذلك من يحجّ يتقوى به أو يرسل به فيستأجر به من يحجّ عنه به من بعض الطريق بقدر ما يقيمه من موضعه إلى أن يقضي المناسك أو حيث بلغت؛ وقيل: غير ذلك ممَّا مرَّ.
ومن لزمه حجّ وأوصى به فليس عليه ــ قيل ــ إيصاء بضحيّة ولا بأن يعتمر عنه. ومن لزمه وثلثه يسع أجرته من وطنه فلا يجزيه الإيصاء به من الحرم إن قدر عليه منه؛ وإن عجز ثلثه عنه إلاَّ من الحرم وأوصى به فإنَّه يجزيه منه ولو قدر عليه ــ قيل ــ من وطنه. ومن لزمه ثمَّ افتقر فعليه الإيصاء به [427] فإن قدر له مال وأطاق فعل ما يطيقه؛ وإن قدر له ما يحجّ به من الحرم فحجّ له به منه ثمَّ قدر له كثير؛ فإن أوصى بها كذلك أنفذت كما أوصى بها؛ وإن أوصى بتامة فنقص ماله عنها حتَّى أخرجت من الحرم ثمَّ دخله مال فصحّ أنَّه له في حياته؛ فإن كان الباقي يخرج به تامّة ثانية من بلده أخرجت، وإلاَّ فمن حيث بلغت؛ وإن دخله أكثر من الأولين أخرجت عنه تامّة ثالثة وهكذا ما دخله أكثر من الأوَّل ولم تنفذ عنه تامّة فعليه أن يخرجوا عنه كلّما دخله مال حتَّى يحجّ عنه تامّة. (6/80)
صفحة 2619
ومن لم يعرف هل لزمه في ماله حجّ أم لا، لزمه الإيصاء به ثمَّ ينظر فيه بعده؛ فإن كان في ثلثه ما يخرج منه حجّة من بلده أخرجت عنه، وإلاَّ فلا عليه؛ وإن كانت تختلف منه كانت كالأقلّ.
ومن أوصى بحجٍّ فأحبّ أن تكون في كلّ سنة واحدة إن لم يخف فوتًا فعسى أن يجوز في سنة أكثر من واحدة وجوّز ولو حجّ له بها في كلّها حجّ في سنة.
وإن حلف بها وحنث أدّى ما حلف به منها من حيث حنث؛ واختلف في إخراجها، فقيل: يؤدّي في كلّ سنة حجّة وجوّزت في واحدة؛ وقيل: من حيث حلف؛ وإن صار بمكّة وأقام فيها فله أن يقضي ما شاء؛ وإن استأجر من يقضي عنه عشرين في سنة ويؤدّي هو واحدة جاز له عند بعض. ومن حلف بها وحنث وأوصى بها ومات فليس للموصي أن يستأجر عليها في سنة أو ضعفها، ويجزي عنه إن فعل.
ومن أوصى بحجّة وجعل لها ألفًا وتصاب بأقلّ أو وجد لها رجلان به فقيل: إن أوصى به في واحدة أنفذ فيها ولا يخالف أمره؛ وقيل: يؤتجر منه لتامَّة والفضل إن بلغ لها أيضا، وإلاَّ فمن حيث بلغ؛ وإن أوصى أن يحجّ عنه بثلثه واحدة وهو يفي بكثيرة فإنَّه يحجُّ عنه به ما بلغ كلّ عام مرّة.
واختلف في قطع الأجرة للحاج، فقيل: يجوز؛ وقيل: لا.
وإن أوصى أن يحجّ عنه من ماله فأحجَّ الوصيّ له رجلا فسرقت نفقته في الطّريق فرجع لزمه أن يحجَّ آخر من ثلث ما بقي. وكذا إن أوصى أن يعتق عنه رقبة فاشتريت له فماتت قبل أن تعتق لزمهم أن يعتقوا من ثلث ما بقي بأيديهم.
وإن جعل وصيين في حجّة لم يجز لأحدهما أن يحجّ بها؛ وإن جعل له ما جعل لهما فلأحدهما أن يؤاجر عليها الآخر أو يخرج بها؛ وقيل: لا يجوز أن يؤتجر عليها غير ثقة ولزم الأجير الإشهاد على الحجّ إن شرط عليه، وإلاَّ قبل قوله أنَّه حجّ مع يمينه.
ومن أوصى بأرض أن تباع ويحجّ بها عنه فمات وصيّه ونقصت قيمتها عن حجّة من بلده، فلوارثه أن يبيعها ويحجّ بها من حيث بلغت. (6/81)
صفحة 2620
ومن أوصى بحجّة وعيّن لها دراهم فأعطاها الوصيُّ رجلا ضمانا عليه على أنّ الفضل له والنّقص عليه جاز لهما كما اتَّفقا؛ وإن لم يعيّن وأعطاها ثلاث مائة وتعاقدا أنّ الفضل للخارج بها والنّقص عليه جاز أيضا؛ وإن لم يعيّن وأعطى الوارث من يحجّ عنه على أنّ الفضل للوارث والنّقص عليه جاز أيضا؛ وإن غرق قبل فعلى الوارث أن يخرج حجَّته أيضا من ثلث الموصي، وليس عليه أن يجاوزه؛ وإن رجع الأجير وقال: إنَّه أصيب ما عنده حلف.
وإن أوصى لها بمعينة فتلفت قبل أن يحجّ بها عنه فلا يلزم الوارث أخرى إذا لم يوص بغير المعينة عند من يراها من الثّلث ولزمته عند من يراها من الكلّ إذا علم أنّ عليه حجّة وأمكنه إخراجها عنه ولو لم يوص بها إذ هي كالدّين عنده ما لم يعلم أنّ الهالك قضى ذلك؛ وقيل: إذا علم بذلك ولم يقرَّ الهالك به ولا أوصى من يلزمه أداؤه لاحتمال أنَّه قضاه.
ومن أبان شيئًا من ماله وأوصى فيه بحجّة ولم يترك وصيّا في إنفاذه فأولوا الأمر أولى من الوارث فيه إذا ميّزه منه في حياته؛ وإن أراد أن يأخذه لنفسه ويحجَّ عنه أو يستأجر لم يجز له إن كانت الحجّة معلمة.
ومن أوصى بحجّة دنانير أو دراهم وإلى رجل في إنفاذها عنه فأعطاها رجلا نخلا أو أرضا بها واسترهنها منه الوصيّ على أنَّه إن حجّ في وقت كذا، وإلاَّ فهي راجعة إليه في حجّة الميّت ثبت ذلك وينبغي أن يشهد عليه؛ وقيل: إنّما يكون ذلك للوصيّ من مال الميّت أن يعطي عن (1) الأصول عروضا في الوصايا والدّيون بعد أن ينادي عليه ويوقف على ثمنه إن احتجّ على الورثة في فدائه فلم يفدوه، فهناك يسلِّمه إلى من يستحقّ ذلك فيها على سبيل العروض؛ وقيل: له أن يبيع من مال الميّت بمساومة إن رآه أوفر.
__________
(1) () - ب: «على». (6/82)
صفحة 2621
أبو الحسن: من قال: هذا المحدود في حجّتي أو بها فقد حدّها ولا يخرج وارثه إلاَّ ذلك.
أبو المؤثر: من أوصى بحجّة ولم يعيّن لها؛ فإن كان وليّا استؤجر له ثقة ولو إلى ثلث ماله، وإلاَّ فما اتَّفق هو والوارث أخرجها به.
ومن قال: هذه القطعة لحجّتي فهي وثمرتها إن كانت أو ما تثمر إلى أن تخرج الحجَّة (1) فالكلّ لها؛ وإن قال: هي حجّتي فإنّما [428] لها القطعة لا التّمرة ولو أدركت؛ وكذا في النّخلة ونحوها.
وإن أوصى في ماله ببدنة تهدى عنه فلا يبرأ حتَّى تؤدّى عنه؛ وقيل: هي على الوارث من الثّلث.
ومن أوصى إليه أن تؤدّى هذه المعينة في الحجّة فإن أتلفها ضمنها، وليس له أداء ما ضمنه فيها، إلاَّ بإذن الوارث؛ وإن جعله وصيّا في إنفاذها ودفع إليه دراهم ينفذها في وصاياه فعلى ما مرّ إن لم يكن شرط؛ وإن أوصى أن يحجّ عنه واحدة بثلثه وهو يبلغ حججا فإنَّه يحجّ عنه كلّ سنة حجَّة كما مرّ وقال الأزهر: إن أوصى بحجّة وفرضها كذا وكذا ووجد من يحجّ عنه بأقلّ لم يجز، إلاَّ كما أوصى؛ وإن اتَّفق الوارث والحاجُّ بها أن يترك له بعضا ممّا أعطاه أو أعطاه ما يسوى مائة بأربع مائة، فإذا قبل الخارج بها ذلك برأيه بعدما أعطاه الحجّة على ما أوصى به الميّت جاز له ما فعل له الخارج بها من ذلك.
ويقبل قول الوصيّ قد أحججت؛ وقيل: لا بدّ أن يبيّن ذلك للوارث؛ وإن قال: إنّه قد حجّ بها فليبيّن، إلاَّ إن جعل له الموصي ذلك؛ وإن أعطى الحجّة رجلا من مال الميّت فمات في الطّريق ذاهبًا (2) فضمانها في ماله أو يتّمها وارثه لا على الوصيّ؛
__________
(1) () - ب: - «الحجَّة».
(2) () - ب: «ذاهبًا». (6/83)
صفحة 2622
وقيل: عليه إذا أعطاه بلا رأي الوارث قبل أن يقضي الأجير الحجّة.
وقيل: من لزمه حجّ ويدين به ويأمل قضاؤه حتَّى مضت له سنون ثمَّ خرج إليه فمات قبل أن يحرم به فإنَّه سالم ولا يلزمه الإيصاء به ما لم يحرم فإذا أحرم لزمه ولو فقيرًا لدخوله فيه.
ومن أوصى بحجّة لا بوصيّ بها فقال بعض ورثته: تكون في أيدينا وهي دراهم، وقال بعضهم: لا نثق بكم، ولكن إن شئتم أخذ كلٌّ منّا منابه؛ فإذا قدم الحاجُّ أعطاه؛ وإن شئتم نجعلها بيد ثقة فهذا أحزم وأوثق؛ وإن ضمن كلّ منابه في يده فلا بأس إن كانوا (1) مؤدِّين له.
وإن جعل دراهم معلومة فلا تحبّ لهم أن يتعرّضوا لها بل ينفذونها على ما تركها؛ وإن أوصاهم بحجّة فيما خلفه عليهم فهي عليهم في ماله على موجب الحكم؛ فإن شاء كلّ منهم أدّى ما يلزمه منها من حيث شاء؛ وإن أخرجوها من مال الميّت على ما أوجبه الحكم في وصيَّته جاز؛ فإن اتَّفقوا على إخراج الدّراهم فأحزم. والتّعجيل مخافة الأحداث أولى.
__________
(1) () - ب: «كان». (6/84)
صفحة 2623
الباب الثّامن والعشرون
في الوصيَّة (1) بالأيمان
أبو عبد الله: من أوصى بكفّارة مرسلة فهي إطعام عشرة. أبو سعيد: من أوصى لأيمانه ففيه خلاف، ونحبُّ أن تثبت؛ وقيل: حتَّى يقول: في كفّارتها أو تحلّتها أو نحو ذلك.
ومن أوصى للأقربين وللأيمان بعشرة دراهم ولم يسمّ فنصفان؛ فإن قال: نصفها للأيمان (2) ونصفها للفقراء وللأقربين، فللأيمان ثلاثة أسهم وللأقربين سهمان وللفقراء سهم؛ وإن قال: للأقربين النّصف والنّصف للفقراء والأيمان فلكلٍّ منهما سهم وللأقربين سهمان؛ وإن أوصى عند موته بنخلة تباع بعشرين في تحلَّة أيمانه ولم تبلغها فتمامها من الثّلث؛ فإن نفذ باعها الوصيّ وفرّق ثمنها فيها ولا يلزمه أن ينتظر بها الغلاء. أبو سعيد: وهذا إن أوصى بتحلّة أيمانه وبينها؛ وإن أوصى بثمنها فيها لا بمعروف منها لا عشرين (3) درهما ولا غيرها، إلاَّ أنَّه أوصى بالنّخلة أن تباع وتنفّد في تحلّة أيمانه كانت النّخلة فيها.
أبو الحواري: إن قالت امرأة برتاها في تحلّة أيمانها والبيِّنة لا تعرفهما وقد تركت برتين كانتا فيها إن وسعهما ثلثها ولا يعرف لها غيرهما، ولا يجوز ذلك في الإقرار حتَّى تشهد البيِّنة بمعرفة البرتين، وكذا في الجمل ونحوه؛ وإن قالت بجمل ولها جمال فأوسطها؛ وقيل: تجزَّأ على عددها؛ وإن أوصى أن يفرّق عنه عشرة دراهم في
__________
(1) () - ب: «الوصايا».
(2) () - أ: «لا ايمان». وهو خطأ. وأثبتنا الصواب من ب.
(3) () - ب: «بعشرين». (6/85)
صفحة 2624
أيمانه فإنَّه يشتري بها حبّ ويفرّق؛ فإن قال الورثة: نعطي الحبّ كما يباع لم يجز لهم، وتؤخذ منهم الدّراهم ويشتري بها من غيرهم، ويعطي لكلّ نصف صاع من برّ وثلاثة أرباعه من ذرة أو شعير؛ فإن بقي يسير من الحبّ فللفقراء، إلاَّ إن أوصى بكفّارة أيمان معروفة فالباقي بعد كمالها للورثة أو في بقيّة وصيَّته.
ومن أوصى بمعروف لأيمانه جاز وكان في كفّارتها؛ وقيل: لا؛ وكذا الإقرار لها في الخلاف، وكذا إن أقرَّ وأوصى ليمين أو أيمان فقيل: يجوزان؛ وقيل: لا. (6/86)
صفحة 2625
الباب التّاسع والعشرون
في الوصيَّة بالعتق
فمن أوصى بعتق (1) بغلامه فباعه ورثته لزمهم أن يشتروه إن قدروا عليه ويعتقوه، وإلاَّ فمثله؛ وإن أوصى أن يشترى له معلوم ويعتق عنه فلم يبعه ربّه فقيل: يوقف ثلث [429] ماله ما حيي مملوكًا (2)؛ فإن أعتق أو مات ردّ إلى الورثة؛ وإن أوصى أن يباع غلامه فلان لفلان فلم يشتره فإنَّه يعرض عليه؛ فإن اشتراه بالعدل من ساعته فهو له، وإلاَّ صار حرّا؛ وإن أوصى أن يعتق عنه بمائة وثلثه لا يبلغها فإنَّه يعتق عنه به بما بلغ، ألاَ تراه إن أوصى أن يحجّ عنه بها فلم يبلغ الثّلث، إلاَّ خمسين حجّ عنه من حيث بلغت؛ وإن أوصى أن يعتق عنه رقبة ولآخر بالثّلث فإنَّه يقسم بينهما بما أصابه (3) منه فهو له وما أصاب الرّقبة أعتقت به بما بلغت؛ وإن أوصى أن تعتق عنه بجميع ماله فلم يجز الوارث اشتريت له بثلثه أو منه؛ وإن أوصى بعتق عبده، أو قال: أعتقوه، أو هو حرّ بعد موتي بيوم أو بأكثر، أو لرجل بألف فالثّلث بينهما بالحصص وليس هذا من العتق الذي يبدأ به قبل الوصيَّة؛ وإن قال: هو حرّ بعد موتي مبهمة أو عتقه في مرضه البتّة، أو قال: إن متّ فيه فهو حرّ، ففي هذا يبدأ به قبلها كالعتق قبل الموت؛ وقيل: كلّ ذلك شرع في الثّلث.
ومن قال لعبده: أنت حرّ إذا جاء الليّل أو إن متُّ من مرضي هذا فكما قال؛ وإن أوصى بدراهم يشترى بها رقبة ولم تبلغها جعلت في الرّقاب؛ وإن أوصى: إذا بلغ
__________
(1) () - ب: - «بعتق».
(2) () - ب: - «ما حيي مملوكًا».
(3) () - ب: «فما أوصى به». (6/87)
صفحة 2626
ولداه فلان وفلان فغلامي فلان حرّ فماتا قبل أن يبلغا فلوارثه استخدامه إلى قدر بلوغهما؛ وإن قال الغلام: إنّما وقفت عليهما فقد ماتا ولا سبيل لكم عليّ، فقيل: هو كما قال إن مات من وقف عليه.
أبو سعيد: في قائلة: إذا متّ فأعتقوا جاريتي فلانة أو عنّي فماتت، فقال: ولدها أعتقوها عن أمّي، فهل تعتق بقولها أو بقوله؟ قال: إذا صحّ قولها ذلك لوارث أو لمعين فهذه وصيَّة بعتقها فعليهم أن ينفّذوها عند بعض؛ وقيل: حتَّى تقول: وصيَّة منّي به؛ وإن كان في نسقها فوصيَّة بلا خلاف أنَّه من ثلثها إن قالت ذلك فيها؛ وإن قالت: إن متّ فأعتقوا عنّي أو جاريتي عتقت عند جاعله وصيَّة لا عند غيره حتَّى تسمّيها وصيَّة؛ وإن قالت ذلك لا فيها ولم تسمّ بها وصيَّة ولا: إذا أو إن متّ، وإنَّما قالت: أعتقوا جاريتي فلانة أو أعتقوها عنّي فليس بشيء إذا ماتت قبل أن تعتق؛ وإن قالت في مرض موتها لوارثها أو لحاضر عندها أحبُّ أن أسرّح عبيدي كلَّهم، فقال الحاضر: أمّا فلان فلا يستأهل، وقال لها (1) وارثها هذا ضرر، فسكتت فلا يجب بهذا اللفظ عتقهم حتَّى يصحّ أنَّها أرادته به وقصدت إليه فإذا ماتت ماتت حجّتها؛ وإن قالت: إذا متّ فلا حجّة لأحد فيهم فتدبير من ثلثها إن قالته في مرضها وماتت فيه.
ومن قال عبده فلان رقبة عليه فلا تكون الرّقبة تدبيرا حتَّى يقول: إذا متّ فهو حرٌّ، أو يدبّره إلى مسمّى.
ومن أعتق عبده ثمَّ اختلف فيه أكان في صحَّة أو (2) مرض فالحكم أنَّه في صحَّة حتَّى يعلم أنَّه فيه؛ فإذا صحّ من مرضه فاختلف في العتق أكان فيه أم بعد أنّ صحّ فالحكم أنَّه فيه حتَّى يعلم أنَّه بعده؛ وإن اختلف فيه أكان ممّا يبطل الوصايا أم لا؟ فالأحكام جارية على ثبوتها والعتق حتَّى يعلم وقوع ذلك في مرض لا يجوز الفعل فيه، والذي لا تجوز فيه إلاَّ الوصيَّة هو ما يخاف منه موت، ومن أجله أوصى أو أعتق؛
__________
(1) () - ب: - «لها».
(2) () - ب: + «في». (6/88)
صفحة 2627
وقيل: ما لا يحمل فيه المرء (1) نفسه لما يعنيه من بول ونحوه ووضوء وصلاة؛ وقيل: هو حالة احتضاره أمّا يموت أو يحيى وكلّ ذلك له معان وأصول، فإذا ثبتت أحكام المرض بوجه فالعتق فيه عندنا من الثّلث كالوصايا (2).
فصل
إن قال موص: إن متّ من مرضي فعبدي فلان حرّ، وأشهد عليه، فقال: العبد مات منه، والوارث: بل صحّ، قبل قوله مع يمينه؛ وإن أقاما معا بيِّنة فبيِّنة العبد أولى؛ وإن قال: إن متّ منه فغلامي فلان حرّ؛ وإن صححت فغلامي فلان حرّ ثمَّ لم يدر قبل قول الوارث أيضا مع يمينه؛ فإن أقام الآخر بيِّنة عتق أيضا.
ومن أوصى بعتق رقاب ثبتت ثلاثة وسطى بالغة تقوم بمؤنتها؛ فإن أعتق الوصيّ صبيّا فمؤنته في ماله؛ وإن أعتقه الميّت في مرضه فهي في جملة ماله؛ وإن أوصى بعتقه فهي في ثلثه.
ومن أقرَّ عند موته بأمّ ولد أنَّها لفلان فإقراره يثبت لها رقّها قبل موته هو؛ وإن قال: إن مت فهي وصيَّة له، قال خميس: يعني من وصيَّته تلك على موجبها ويثبت رقّها، إلاَّ إن كان لها منه ولد حيّ فإنيّ أقف عن ثبوت الوصيَّة، لأنَّها إنّما تجب بموت الموصي وبه تعتق بسبب الولد فتوقّفت عن الجميع ولا أحكم فيها بشيء.
__________
(1) () - ب: «المرء فيه».
(2) () - ب: - «كالوصايا». (6/89)
صفحة 2628
الباب الثّلاثون
في الوصيَّة [430] بالمماليك
فإن قال موص: إنّ غلامي هذا لفلان يخدمه سنة فهو له أبدا، وله بيعه، وقوله: يخدمه سنة حشو؛ وإن أوصى له بخدمته سنة كانت له فقط؛ وإن أوصى به لفلانة ما لم تتزوّج، فقيل: هو لها ولوارثها ولو تزوّجت، لأنَّه ملَّكها إيَّاه وبطل شرطه، ونظر فيه خميس للخلاف في هدم الاستثناء (1) الوصيَّة.
ابن محبوب: في قائلة عند موتها: إن تزوّج زوجي فعبيدي هؤلاء أحرار فتزوّج، أنَّه لا يجوز الحنث بعد موتها؛ وقيل: يعتقون إذ هو كالتّدبير.
ومن قال في وصيَّته: رقيقي لفلان فمات وقد حدث له رقيق بعدها، فقيل: ليس له إلاَّ الذين في ملكه يوم الإيصاء، إلاَّ إن قال: يوم أموت فرقيقي له، فيكون له (2) ماله يومئذ؛ وقيل: له ما كان يوم موته؛ وإن قال: جاريتي الحامل لفلان، وما في بطنها لفلان جاز كما قال؛ وإن أوصى بغلام له مرهون أو بثوب له عند غسّال أو بعدل برًّا كان قد اشتراه ففداؤه في ماله، لأنَّه دين عليه ثمَّ ينظر، فإن كان يخرج من الثلث بعد أن يخرج فداؤه فهو للموصى له به، وإلاَّ فله ما يخرج منه، والفداء من الكلّ؛ وإن أوصى لرجل بعبد من عبيده فلم يوجد له، إلاَّ إماء، فقيل: الوصيَّة باطلة، لأنَّ الإماء غير العبيد؛ وقيل: له عبد وسط من ثمنها، لأنَّها منهم وقد عرف في اللغة عبد وعبدة، ولأنّ من أعتق عبيده عمّ الإناث كما مرّ؛ فإن وجد له إماء وعبد كان له ولو خيارا أو دونا، لأنَّه من عبيده إذا وسعه الثلث؛ وإن أوصى له بعبد فيهم فله وسط في ثمنهم
__________
(1) () - ب: + «في».
(2) () - ب: - «له». (6/90)
صفحة 2629
فعند القائل أنّ الإماء يشملهنّ العبيد يكون العبد في ثمن الكلّ، وعند القائل أنَّه (1) لا يصدق اسم العبيد على الإماء يجعله في ثمن الذّكر؛ فإن لم يوجدوا عنده بطلت الوصيَّة؛ وإن أوصى له بعبد من إمائه أو فيهنَّ فوجد له ذكران وإناث فله وسط في ثمنهنَّ ولا يدخل في الذكور بشيء؛ وإن أوصى له بأمة من عبيده فوجدا له معا فعند القائل اسم العبيد شامل للإماء فله وسطى من إمائه لأنَّها من عبيده إن وجدت فيهنّ، وإلاَّ كانت له في ثمن عبيده وعند القائل إنَّه لا يشملهنّ تكون له وسطى في ثمن (2) عبيده لا في الإماء؛ وإن قال: أمة من إمائه فله وسطاهنّ؛ فإن لم تكن له إلاَّ واحدة ولو خيارا فله وسطى.
وإن أوصى له بمعروف ثمَّ به لآخر فقيل: بينهما؛ وقيل: هو للأخير وهو المختار كما مرّ؛ وإن أوصى له به ثمَّ لآخر بنصفه فللأوَّل ثلاثة أرباعه وللأخير ربعه.
أبو الحواري: من أوصى لأخته بجارية من جواريه؛ فإن كنّ عشرا فلها من كلّ عشرها؛ وإن كنّ تسعا فلها من كلّ تسعها وكذا إن قللن أو كثرن؛ وإن أوصى لها بجارية من ماله فلها وسطى تشترى من ثلثه؛ وإن اختلفوا في قيمتها إن كانت مبهمة فلها ثلث خماسية وثلث سداسية وثلث علجة؛ وقيل: وسطى جواريه؛ وإن قال: منها، فقيل لها: أخيرهنّ؛ وقيل: أوسطهنّ؛ وقيل: أدونهنَّ. وإن أوصى لها بما في بطن هذه الجارية ثمَّ ولدت بعد موته لستَّة أشهر أو أكثر فلا شيء لها لاحتمال كونه بعد الموت؛ وإن ولدته لأقلَّ كان لها من الثلث؛ وإن قال بأوّل ما تلده ولا حمل بها فليس بشيء، لأنَّه لا يدري أيكون أم لا؛ وإن أوصى لها بجاريته وعليها ثياب وحليّ؛ فإن كانت له عند الإيصاء فهي لوارثه لأنَّها مال له.
__________
(1) () - ب: - «أنَّه».
(2) () - ب: «ثمن». (6/91)
صفحة 2630
فصل
من قال: خدمة عبدي هذا لفلان وصيَّة منّي له، وهو أيضا لفلان كذلك، خدم الأوَّل حتَّى يموت ومؤنته عليه ثمَّ هو ملك للأخير.
قال عزَّان: من لم يترك، إلاَّ ثلاثة أعبد فأعتق في مرضه أحدهم وأوصى بالآخرين وقفا على امرأة يخدمانها حياتها، فإن أجاز الورثة ولا يتيم فيهم ونحوه ولا غائب جاز ذلك، وإلاَّ فالعتق والوقف من ثلثهم؛ فإن ترك سواهم ضرب لذات الخدمة بسهم وللمعتق بسهم من ثلث متروكه، فما أصاب بينهما وبين الوارث تحاصصوا في خدمتها وتكون حصّة ذات الخدمة بكراء في كلّ يوم أو شهر على قدرها إلى أن تستوفي منابها فيردّ إلى المعتق إلى أن يلحقه الورثة بشيء، فما فضل ممّا ردّ إليه ممّا أصاب صاحبته ردّ إليهم، وما أصاب مناب المعتق من ثلث ما خلف يستسعيه الورثة بالباقي من قيمته، لا إذا أجازوا العتق لا الخدمة وكان الباقي بعد أن تستكمل منابها من الخدمة مردودًا إلى الورثة فأهل إزكي يدخلون الأقربين فيما أوصى لها [431] به من الخدمة فلها ثلثها ولهم الثلثان؛ وقيل: ينظر في قيمتهم، فإن استوفت كان للمعتق ثلث قيمته ويسعى للورثة بالثلثين ولا يدخل على الموصى لها بالخدمة فإذا ماتت رجع العبدان إليهم؛ فإن كان المعتق أكثر قيمة منها نظر كم قيمته من قيمتها؛ فإن كانت ألفا وقيمتها ألف (1) فيضرب له سهمين وللمرأة سهما، فإذا ماتت ردّ إليهم.
ومن ترك ألفين وغلاما يسوي ألفا وأوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بخدمته حياته ولآخر بنفقته ولآخر بسكنى داره حياته، فإن أجاز ذلك الورثة دفع لذي الثلث ثلث ماله ولذي السكنى سكناها؛ فإذا مات رجع إليهم ولذي الخدمة خدمته؛ فإذا مات أيضا رجعت إليهم والباقي من المال لهم؛ وإن لم يجيزوا ذلك ضرب لذي الثلث فيه بسهم من ثلث ما خلّف (2) وكذا لذي الخدمة ولذي السكن، لأنَّ كلاًّ منهما
__________
(1) () - ب: «ألفًا». وهو خطأ.
(2) () - ب: «خلَّفه». (6/92)
صفحة 2631
كالموصي بالثلث وإنَّما يضرب لهم بثلث كامل في مال الميّت مع أصحاب الوصايا وقد استوى الموصى لهم في الوصيَّة والمحاصصة، فضربنا لكلٍّ في ثلث الموصي وهو ألف ثمَّ نظرنا ما أصاب كلاّ من سهامهم وهو مائتان وخمسون ويدفع لذي الثلث منابه ويوقف مناب ذي (1) النفقة ويجري عليه؛ فإن مات قبل أن يستفرغه ردّ الفضل على أصحاب الوصايا بالحصّة وأمَّا ذو السكن، فإن كانت الدّار تسوى منابه وهو مائتان وخمسون سلّمت إليه يسكنها بأجر معروف كلّ شهر إلى أن يتمّ منابه ثمَّ تردّ إلى الورثة؛ وإن مات قبل أن يستفرغه ردّ الفضل على أصحاب الوصايا إلى أن يستوفوا؛ فإن فضل شيء بعد ذلك سلّم إلى الورثة، فهذا إن كانت قيمة الدّار أكثر ممّا أصاب منابه كان سكنه بالحصّة يحاصصه في ذلك الورثة؛ فإن كانت قيمتها خمس مائة كان سكنها شهرا بمعروف إلى أن يستوفي ما أصاب منابه من الثلث؛ وكذا تجري خدمة الغلام مجرى الدار؛ وقيل: يضرب لذي الثلث ولذي النفقة ولذي الخدمة بقيمة ما أصاب كلاّ منهم من الثلث ثمَّ يدفع لذي الثلث ما استحقّه في حينه، ويوقف لذي النفقة بقدر منابه من المال، ولذي السكن قدر ما استحقّ من الثلث ممّا ضرب له وكذا لذي الخدمة.
فصل
من أوصى بعبد لرجل ولآخر بسيف ولآخر بثوب وقيمة العبد خمس مائة والسيف مائتان والثوب مائة وله ألف أو عوضه فلم يجز الورثة ذلك فلذي العبد منه ثلاث مائة وخمسون، لأنَّ الوصيَّة ثمان مائة والثلث ستُّ مائة فنقص (2) من مناب كلّ بقدره؛ وقيل: له خمسة أثمان الثلث وهو ثلاث مائة وخمسة وسبعون وهي ثلاثة أرباع العبد، ولذي السيف مائة وخمسون فيه فله ثلاثة أرباعه، والباقي وهو خمسة وسبعون لذي الثوب.
__________
(1) () - ب: «ذو». وهو خطأ.
(2) () - ب: «فنقض». (6/93)
صفحة 2632
ومن له عبدان قيمتهما سواء فأوصى لرجل بأحدهما بعينه ولآخر بثلث ماله ولا مال له غيرهما فالثلث يقسم على سبعة: فلذي الثلث ثلثه في العبدين ولذي العبد أربعة وذلك أنَّ له ثلثيه، ولذي الثلث فيه سهم وهو نصف الثلث وثلث في الآخر سهمان، فالجملة سبعة. وإن أوصى لرجل بعبد وبثلث ماله لآخر وبعبده ذلك لآخر أيضا وبسدس ماله لآخر وقيمة العبد ألف وله ألفان أيضا، قال: فالثلث ينقسم على مائة وأربعة وأربعين، فلذي العبد اثنان وستون، ولذي الثلث خمسة وخمسون، ولذي السدس ستَّة وعشرون، فما أصاب صاحبي العبد بينهما فيه وما أصاب ذا الثلث كان له في المال وذا السدس له فيه أيضا، وما بقي من العبد ولم يستقم هذا على إجازة الورثة ولا على ردّهم ولا صحّ قسمه على ذلك، والأظهر عندي إذا ردّوا الوصايا إلى الثلث فإنَّه ينقسم من ثمانية عشرا اثنى عشر لصاحبي العبد فيه ولذي الثلث أربعة فيه ولذي السدس سهمان فيه، فتأمّل.
وإن أوصى لرجل بعبد ولآخر بنصفه ولآخر بثلث ماله، والعبد يسوى ألفا والمال ألفين فردّوا إلى الثلث وهو قيمة العبد فلصاحبه فيه اثني عشر ولذي نصفه ستّة ولذي الثلث أربعة، فتكون المحاصصة فيه من اثنين وعشرين وهذا ما ظهر لي [432] وهو خلاف ما نقله خميس من بيان الشّرع وفيه ــ كما قال ــ خفاء.
وإن أوصى لرجل بعبد ولآخر بآخر وقيمة أحدهما أكثر من الثلث والآخر أقلّ منه فيتحاصصان في الثلث؛ وقيل: يضرب للذي عبده أقل منه بقيمته وللذي عبده (1) أكثر منه بقيمته أيضا ما بينه وبين الثلث لا بالفضل عليه، لأنَّه مناب الورثة، وفي ذلك خفاء ولا يؤخذ إلاَّ بما وافق الحقّ وليمعن النظر في كلّ ذلك.
__________
(1) () - ب: - «عبده». (6/94)
صفحة 2633
الباب الحادي والثلاثون
في الوصيَّة بالغلّة والخدمة
فمن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة ولا مال له سواه فإنَّه يخدمه يوما والوارث يومين حتَّى تتمّ؛ وإن قال بسكن دارها سنة سكن ثلثها سنة وليست كالعبد لأنَّها تتجزّأ، واختار أبو سعيد أنَّها مثله بالأيّام أو بالمشاهرة؛ وكذا إن قال بغلَّة عبده أو داره سنة فله ثلث غلّة ذلك سنته (1)؛ وإن قال بغلَّة عبده وسكن داره فليس له أن يؤاجرهما، لأنَّ الأجرة يوجد فيها حقّ للموصى له به وليس له أن يخرج العبد من مصره، إلاَّ إن كان الموصى له أهله في غيره فيخرجه إليهم فيخدمه هنالك إن كان من الثلث؛ واختار أبو سعيد أن يخرج في خدمته وسكن الدّار معنى الخلاف في أن يؤاجره (2) ويخدمه غيره أو يؤاجر سكناها ويسكنها غيره؛ فإن أوصى له أن يستخدمه أو يسكنها لم يكن له إلاَّ ذلك وبين قوله: «سكناها»، و: «أن يسكنها»، فرق؛ وقيل: له أن يؤاجرهما إذا أوصى له (3) بسكناها وخدمته والأجرة له.
وإن أوصى له بخدمة غلامه وللآخر برقبته وهو يخرج من الثلث جاز لكلّ منهما ما أوصى له به، ألا ترى أنَّه لو أوصى لرجل بأمة ولآخر بما في بطنها ويخرج من الثلث كان كما أوصى، ولا شيء لصاحبها منه، ألا تراه لو قال: هذه القوصرة لفلان وما فيها من التمر فأعطوه فلانا فهو كما قال إن كان يخرج منه أيضا؛ واختار أبو
__________
(1) () - ب: «سنة».
(2) () - ب: «يؤاجر».
(3) () - ب: «لها». (6/95)
صفحة 2634
سعيد أنَّه إذا أوصى (1) له بالقوصرة وفيها تمر فالوصيَّة تأتي عليهما معا إن لو سكت على الوصيَّة بالتمر، فإذا رجع فأوصى به لغيره فهو عنده رجوع فيها به ويكون بينهما، والقوصرة للأوَّل، إلاَّ إن قال: ظرفها لزيد وهي لعمر؛ واختار عليّ هذا أن يخلص التمر والظرف لعمر، قال خميس: ولا يظهر لي في الأمة وما في بطنها وذلك في الأوَّل إذا قال: قوصرة هذا التمر، أو هي والتمر؛ وإن قال (2): هذه القوصرة ولم يذكره أشبه عندي معنى الأمة وما في بطنها.
وإن أوصى لزيد بخدمة عبده ولعمرو بغلَّته خدم زيدا شهرا وطعامه عليه فيه ويغلّ على عمرو شهرا ومؤنته عليهما وكذا جنايته؛ وإن أبيا أن يفدياه ففداه الورثة بطلت وصيَّتهما؛ وقيل: الخيار إليهما؛ فإن فدياه كان بحاله والأخير الوارث في فدائه وتركه؛ فإن تركه فلا عليه؛ وإن فداه رجع إليه؛ فإن تقدّمت الجناية رجع باقي الغلّة إليه، وإلاَّ فهي بحالها.
ومن أقرَّ أنّ عليه لرجل خدمته (3) حتَّى يموت فليس بشيء، أو أنّ عليه له نفقته أو خدمته شهرا فضعيف حتَّى يعيِّن الشهر أو السنين.
أبو عبد الله: إن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر برقبته قوّمتا في الثلث ثمَّ يتحاصصان فيه فيأخذ كلّ قيمة ماله منه كسائر الوصايا، وكذا إن لم يكن له إلاَّ واحد فأوصى بخدمته سنة قوّمت، وكانت منه أيضا إن أوصى للأقربين، وإلاَّ فلهم ثلثاها.
أبو سعيد: إن أوصى له بمعيَّن ولآخر بخدمته ضرب لكلٍّ بماله في الثلث والعبد للأوَّل والخدمة لصاحبها كما مرَّ (4)؛ فإن مات قبل العبد رجع إلى صاحبه؛ وإن
__________
(1) () - ب: «إذا وصَّى».
(2) () - ب: «وقال».
(3) () - ب: «خدمته لرجل».
(4) () - ب: - «كما مرَّ». (6/96)
صفحة 2635
مات هو قبل صاحبها فعليه مؤنته إن كان لا غاية لخدمته؛ وإن أوصى له بخدمة عبده بلا حدّ ففي ثبوت خدمته لوارثه بعد موته خلاف؛ فإن أوصى أنّ له خدمته خدم وارثه بعده (1) اتّفاقا؛ وإن أوصى أن يخدمه خدمه لا وارثه بعده اتّفاقا أيضا؛ فإن أوصى لزيد بالعبد ولعمرو بخدمته وقبلا فمؤنته على زيد؛ وقيل: على عمرو وكذا فطرته؛ وإن حدَّت الخدمة فالخلف واحد.
__________
(1) () - ب: «بعدُ». (6/97)
صفحة 2636
الباب الثاني والثلاثون
في الوصيَّة بالغلَّة والإقرار بها
فمن أوصى لأحد بغلّة نخلة؛ فإن كانت فيها تمرة (1) فله تلك التمرة، وإلاَّ فله تمرتها ما دامت، وكذا في الأرض ولا شيء له ــ قيل ــ من غير التمرة كحطب؛ وإن أقرَّ له بغلّة ثلث ماله ولا زراعة فيه في الوقت، فأمّا الإيصاء بتمرة النّخلة فقد [433] قالوا: إن كانت فيها فيه فليس له إلاَّ الحاضرة حتَّى يقول: كلّ تمرة لها، وإلاَّ فله تمرتها ما كانت، قال خميس: وكأنّي أرى هذا خلاف ذلك وأنَّ له ثلث غلّة ماله في مستقبل أيضا مع ثلث الحاضر.
وإن أوصى له بتمرة نخلته ومات قبل إدراكها فهي لوارثه؛ وإن أوصى له بها ولآخر بأصلها ولا تمرة فيها حينئذ فلذي التمرة تمرتها أبدا ولذي الأصل نخلته كالعبد وخدمته فيما مرّ؛ فإن ماتا معا أو ذو التمرة فقط فهي لوارثه؛ وقيل: ترجع إلى ذي الأصل؛ وإن اختلفا في عمارته، قيل لذي التمرة: إن شئت فأعمره وهي لك، وإلاَّ قام به ربّه وله عليك فيها بقدر ما عمّره بالعدول، وهذا إن كانت الوصيَّة بالتمرة مبهمة؛ وإن كانت محدودة فقيل: إنّ عمارته على ربّه؛ وقيل: عليه ما هو صلاح أصله، وعلى ذي التمرة ما كان صلاحا لها في وقتها؛ وقيل: إنّ ذلك عليه لا على صاحب الأصل. خميس: وأصحّ ما عندي في هذا أحد المعنيين في المحدودة أن لا يلزم ذا التمرة سقي لحياة النخلة ويقال لصاحبها: إن شئت فأحيها، وإلاَّ فدعها؛ وإن لا يلزمه سقي للتمرة، ويقال لصاحبها: إن شئت فاسق النخلة لتتمر، وإلاَّ فدعها.
__________
(1) () - كذا وردت هذه الكلمة في النسختين وتكرَّرت بتاء مثنَّاة، ولعلَّ الصواب بثاء مثلَّثة. (6/98)
صفحة 2637
وإن أوصى مريض بتمرة نخلة ولم يزل مريضا حتَّى حصدت ثمَّ مات فقيل: له التي فيها يوم الإيصاء ولا شيء له فيها إن رجع؛ وإن مات وقد أكل أكثرها فالباقي للموصى له؛ وإن لم تكن (1) فيها تمرة يومئذ ولم يمت إلاَّ وقد أتمرت وأكلها أو بعضها ثمَّ مات فالوصيَّة فيها تتمر في مستقبل؛ وإن كانت فيها مدركة كانت له هي وغيرها على ما قيل. وإن أوصى له بمأكلة ماله فله ما أتمرت من جميعه. وإن أوصى له بسكن بيته وغلّة ماله ما حيي أو إلى أن يموت جاز؛ وإن أوصى له بغلّة نخلة أبدا فصلاحها عليه، لأنَّ نفعها له؛ فإن كانت عاما لا تحمل فالنفقة لصلاحها عليه؛ فإن لم يفعل وأنفق صاحب النخلة حتَّى حملت استوفى نفقته من حملها والباقي لربّ الغلّة؛ وكذا إذا فعله يحاكم (2).
أبو سعيد: إنّ أوصى بالغلّة سنين فالنفقة على صاحب النخلة؛ وإن كانت لا إلى غاية فعلى ذي الغلّة؛ وقيل: هي بالنظر إلى موجب صلاح النخلة بلا تمرة ففي أيَّام ذلك يؤخذ ربّ النخلة بها، فإذا وقع منتفعهما معا فعليهما وعلى ربّ التمرة إن كان لها وحدها.
فصل
سئل أبو المؤثر عن موص لأحد بثمرة أرضه عشر سنين وهي براح لا تمرة فيها، فقال: لا أراه ثابتا، إلاَّ إن قال بغلّتها فتدفع الأرض إليه عشرا ثمَّ ترجع إلى الوارث. وجوّزت الوصيَّة بثمرتها ولو براحا وتدفع إليه يزرعها وتكون له ثمرتها.
أبو المؤثر: إن أوصى لرجل بمعيَّنة ولآخر بتمرتها فالنّخلة لذي تمرتها؛ فإذا مات كانت لصاحبها ولوارثه بعده ولو لم تكن فيها تمرة يوم الإيصاء، إلاَّ إن قال: أوصيت له بتمرتها فتكون كلّ منهما لصاحبها؛ فإن هلكت التمرة قبل موت الموصي فليس
__________
(1) () - ب: «يكن».
(2) () - ب: «بحاكم». (6/99)
صفحة 2638
لصاحبها شيء والنخلة لصاحبها، وذلك إذا خرجت الوصيَّة من الثلث؛ وقيل: ليس لذي التمرة إلاَّ تلك إن كانت فيها، وإلاَّ فله تمرتها ما دامت؛ وإن قال بتمرة هذه النخلة وكانت فيها يوم الوصيَّة ثمَّ أدركت وصرمها الموصي ثمَّ مات فللموصى له بها أن يستغلّها في مستقبل ما حيي والخوص اليابس والشغراف والكرب ونحو ذلك تابع للتمرة.
وعن هاشم في موص لرجل بثلاث نخلات وعليها مدركة إن حدث به حدث فمات من مرضه أنَّهما له؛ وقال غيره إن أدركت يوم الإيصاء فهي لوارثه، وإلاَّ تبعت النخلات؛ ووافق بعض هاشما وقال: ليست الوصيَّة كالبيع؛ وقيل: إن عيّن النخلة فحكم التمرة يوم موت الموصي، وإلاَّ فيوم القبض؛ وقيل: إن كانت مبهمة فيوم القبض؛ وقيل: وإن كانت معلمة فيوم الموت.
وإن أوصى له بتمرة بستان له يأكلها عشر سنين فأكلها نصف سنة فمات، فقيل: ترجع إلى الموصي أو وارثه، ولعلّ بعضا يقول: هي لوارث الموصى له بها حتَّى يتمّ المدّة.
وإن أوصى له بمعينة وعليها مدركة فقيل: المدركة وغيرها له؛ وقيل: المدركة للموصي. وفي الهبة والبيع للواهب والبائع اتفاقا. وإن أوصى له بتمرة ماله أو نخلته المعيّنة ولم يسمّ المدّة، فقيل: هي له ولوارثه؛ وقيل: له فقط. وإن قال بمأكلة ماله هذا فله حياته اتفاقا. وإن أوصى له أن يأكل تمرة ماله هذا فكذلك. وإن قال بغلّة داره أو غلامه فله ولوارثه؛ قال خميس: ولعلّه يجري فبه الخلاف ما لم تحدَّ.
فصل
من أراد أن يقرّ لأحد بتمرة [434] ماله مدّة كتب: أقرَّ فلان لفلان بجميع ما أتمر منه ومن غلّته من أرض ونخل وشجر وكلّ خارج منها وتابع لها وجار عليه الثّمار والغلاَّت وخارج من علوقة هذا المال وجميع مياهه من قرية كذا، لا أصول ذلك كذا (6/100)
صفحة 2639
وكذا سنة (1) لما يستقبل، وأوّلها سنّة كذا وآخرها كذا، لا رجوع له ولا حجّة ولا دعوى ولا شرط يفسد الإقرار، وهذا المذكور في الكتاب ثابت عليه وعلى وارثه حتَّى تتمّ السنون وذلك بعد إقراره بمعرفة المال معرفة تامَّة.
أبو المؤثر: إذا كتب: أقرَّ فلان لفلان بكلّ ما أثمر من ماله كما مرّ، لم يجز، لأنَّ الأرض عنده لا تنسب إلى التمرة وإنَّما تنسب إلى الغلّة؛ وكذا جميع الشجر ليس بثمرة وإنَّما هي غلّة، وهي تقع عليه وعلى الأرض والتّمرة على النخل.
ومن أشهد بثمرة ماله أو معروف فقال: إنّها لفلان كذا سنة أو حتَّى يموت فإقرار وجائز؛ وإن لم يسمّ إلى محدود وكان في ذلك تمرة فليس له إلاَّ تمرة سنته، وإلاَّ فله تمرته في مستقبل وله، أن يجعل تمرة نخلته صدقة لأحد يأكلها يوم موته، أو حتَّى يموت وينزع فسلها ويغرسها في أرضه.
ومن قال غلّة أرضي هذه لفلان عشر سنين، أو بحقٍّ له عليّ فإقرار ثابت عليه ولا رجوع له إن أقرَّ في صحّته. وإن أقرَّ لأحد بثمرة قطعته عشر سنين فليثت (2) بيده عشرا فلم تثمر ولم تزرع فطلب بقاءها بيده حتَّى تثمر فلا يجده لمكثها بيده مدّته وإن لم تغل؛ وإن أقرَّ بذلك في مرضه فمات ثبت عليه أيضا ولا يجد وارثه فداء الأرض إن أراده، إلاَّ إن طابت نفس المقرّ له به لعدم معرفة قيمة الغلّة، وتسلّم إليه الأرض عشرا ولا رجوع له في إقراره إن صحّ من مرضه.
ومن قال أعطيت فلانًا غلّة أرضي هذه عشرا سنين أو بعتها له أو قضيتها إيّاه بحقّ له عليه فلا تثبت له على كلّ حال، وله الرجوع فيها، ولوارثه أن لا يتمَّ ذلك إذا مات ولم يرجع فيه وليس ذلك بشيء، إلاَّ إذا قال قضيته إيّاها كذلك ثمَّ رجع كلّف أن يقرّ بما شاء من الحقّ ثمَّ يحلف: ما عليه غير ما أقرَّ به؛ وإن طلب وارثه أن ينزع القطعة فلا يجده إذ لا تعرف قيمته فتكون بيده عشرا.
__________
(1) () - ب: «ستَّة».
(2) () - ب: «فلبت». (6/101)
صفحة 2640
و «أعطيته غلّتها كذا بحقّ له عليَّ» كـ «قضيته إيّاها كذلك» سواء. وإن أقرَّ له بثلث ثمرة ماله وفيه مثمر وغيره ثبت له، وتكون له الحاضرة حينئذ وحدها، وله ثلث ما لم يثمر ما أتمر؛ وإن قال: ثلث تمرتي ولم يقل: ثمرة مالي كلّه فسواء؛ وإن قال: ثلث غلّة مالي خالف الأوَّل، لأنَّ الثمرة في الأصول والغلّة عامَّة؛ وإن قال: جعلت نخلتي هذه أو تمرة قطعتي أو عبدي هذا لفلان، فإن أحرز ذلك ثبت له، لأنَّه عطيّة. (6/102)
صفحة 2641
الباب الثالث والثلاثون
في الوصيَّة بأصل
فمن أوصى لزيد بحائطه هذا ولعمرو بنخله، وهو يخرج من الثلث فلذي الحائط نصف النخل. أبو سعيد: قيل: إنّ إيصاءه بالنّخل بعد الحائط رجوع منه، فالنّخل كلّه بما يستحقّه لعمرو والباقي من الحائط لزيد.
ومن أوصى لأحد بكذا وكذا ولم يقل: في ماله، فهو فيه؛ وكذا كلّ موص بشيء فوصيَّة، ولولم يقل: في مالي أو منه؛ وقيل: حتَّى يقول: منه، كما مرّ. وإن قال تمرة نخلي لزيد وهو لعمرو جاز؛ فإن كانت فيه يوم الإيصاء فهي وحدها لزيد، وإلاَّ وتوفي ولا تمرة فيه فهي له أبدا والنخل لعمرو؛ وإن أوصى له بنخلة أو نحوها من قرية معروفة ثبت له من الثلث إن أبهمت الوصيَّة؛ وإن عيّنت ثبتت إن كانت في ملكه، وإلاَّ فلا؛ وإن أوصى له بقفيز من رطبه فلم يوجد له يوم مات بطلت وصيَّته به؛ فإن وجد فاستهلكه وارثه ضمنها له؛ وإن وجد له نصفه فليس له إلاَّ ما وجد؛ وقيل: إن أوصى له بذلك فوجد له ــ وإن من غير نخله يوم يستحقّ الوصيَّة ــ فله قفيزه يومئذ؛ وإن ادّعى أنّ للهالك رطبا يوم موته فعليه بيِّنة إن وجدها، وإلاَّ حلف وارثه ما علم ذلك؛ وإن وجده في ماله بعد موته فادّعى أنَّه له يومه، والوارث أنَّه حدث في نخله بعده قُبل قوله مع يمينه، وعلى الوارث بيان حدوثه. وإن أوصى له به من نخله فمودعة فيه فمتى توسّط الحال في الرطب ووجد اشترى له ولو لم يحمل نخله.
أبو عبد الله: في موصيَّة لكلّ من إخوتها بنخلة، إلاَّ فلانا، فإن شاء أخذ نخلة أو حصّتها من الدار وصيَّة منها له فمات ولم يختر شيئًا، فليس له ولا لوارثه منها شيء. (6/103)
صفحة 2642
وإن أوصى له بنخلة من أرضه فاستغلّها ثمَّ وقعت فله أن يغرس مكانها، إلاَّ إن استثنى أرضها. وإن أوصى أنّ لفلان نخلة من مالي فإنّما له وسطى منه؛ وإن ميّزها ثمَّ اشتبهت على الشهود فإنَّه ينظر عدد القطعة ثمَّ يعطي جزءا منه [435] بالقيمة من نخلها بين خيار ودون؛ وقيل: له وسطى إن قال بنخلة من قطعة؛ وقيل: لا تثبت.
وقال العلاء: إن أوصى له ببستان وله كبير في جوفه بساتين لكلٍّ منها باب يسدّ عليه، فقال: آخذه بما فيه، وقال الوارث: إنّما لك بستان فخذ منها واحدًا؛ وكذا إن كانت دار كذلك، فقالوا: إنّما له وسط إذا لم تعرف البيِّنة الذي أوصى له به ولم يعيّنه.
أبو سعيد: إن أوصى لزيد بنخلة ولعمرو بتمرتها عشرا فعلى زيد سقيها إن عيّن للتمرة حدّا معروفا، وإلاَّ فعلى عمرو.
أبو الحواري: إن أوصى للمسجد بنخلة ثمَّ جاء تحتها صرم؛ فإن عرف صالحا للفسل وقت موته فهو لوارثه، وإلاَّ فللمسجد؛ وإن اختلفوا فالنظر فيه يوم الحكم؛ فإن أمكن فيه حدوثه بعد موته قُبل قول الموصى له مع يمينه إن كان غير مسجد، وعلى الوارث البيِّنة أنَّه كان قبله، وإلاَّ قبل قول الوارث مع يمينه أنَّه مات وهو صالح للقلع. وكذا في البيع إن اختلف (1) المتبايعان فيه تحت النّخلة؛ وإن لم يعرف حين البيع وموت الموصي فعلى طالب الفسلة البيِّنة وعلى ربّ النّخلة اليمين.
وإن أوصت لأحد بنيها بما فسل في مالها فقال: إنّه فسل هذا النّخل وكذّبه إخوته (2) فمن بيده شيء فهو أولى به وعلى المدّعي البيان؛ فإن لم تكن بيد أحد وكانت مشاعة فعلى مدّعي الفسالة بيِّنة؛ فإن أوصت بكلام يثبت له في الحكم
__________
(1) () - ب: «اختلفا».
(2) () - ب: «أخواته». (6/104)
صفحة 2643
كالإقرار والقضاء فما أقام عليه بيانًا لفسالته (1) كان له، وإلاَّ فلا وصيَّة لوارث، وله عناؤه فيما شهد له أنَّه فسله.
ومن أوصى أنّ قطعتي من كذا لفلان فإذا له فيه كثيرة ولا يدرى أيّتها له؛ فإن كنّ ثلاثا فله من كلّ ثلثها؛ وإن كنّ أكثر أو أقلّ فبالأجزاء؛ وقيل: له أوسطها؛ وقيل: دونها؛ وقيل: أفضلها، وقد مرّ؛ وإن قال: له فروضي ولم يقل: من مالي، وله فروض معروفة؛ فإن قال: فروض النّخل فله جميع فروضه منه ولو لم يقل: من مالي ولا شيء له إن لم يقل من النّخل، إلاَّ إن شهدت (2) له بيِّنة أنَّه قال: فروضي وعنى النّخل. وإن أقرَّ لزيد بنخلة أخذت مفاسلها في أرضه أو في خراب، فقال زيد: لنخلتي ثلاثة أذرع في الجرز وتقايس وأنكر المقرّ الأرض قال: فإن كانت في جرز فلها ثلاثة، وإلاَّ قايست، إلاَّ إن كان بين النخلتين أكثر من ستَّة عشر فترجع إلى ثلاثة كما مرّ.
وإن أوصى له بنخلة فلا يجوز حتَّى يقول: من مالي، أو: وصيَّة منّي له وجوّز، وتشترى له وسطى إن لم يكن له نخل؛ وإن كان فمنه إن كان فيه وسط؛ وإن قال: من ماله، فله وسطى فيه؛ وإن قال: بمعلومة منه أو بعبد أو جمل معيّن فهو له إن وسعه ثلثه، ولا شيء له على الوارث إن تلف بعد موت الموصي والغلّة تابعة لذلك؛ وإن أوصى له بمجهول من ذلك في جملة ماله فهي للوارث وليس له عليه إلاَّ ما أوصى به يوم الحكم.
__________
(1) () - في النسختين يمكن أن نقرأ: «بفسالته». إذ كتبت الباء برسم اللام مع نقطة تحتيَّة.
(2) () - ب: «أشهدت». (6/105)
صفحة 2644
الباب الرابع والثلاثون
في الوصيَّة بالمأكلة والعطيَّة
فمن أعطى رجلا مأكل قطعة له عشرا ثمَّ مات قبل انقضائها فلا يجد وارثه عدم إمضائه، قلت: صوابه فإنَّه يجده، لأنَّه لو رجع في حياته كان له، إلاَّ إن قال: يأكلها وإن بعد موته؛ وقيل: إنّ المأكلة تجيء متفرّقة وعطيّتها مجهولة وفيها الرّجوع ولو سمّى بها ما لم يحرز منها شيئًا. وإن أعطاه مأكلة بعض ماله بعد موته عشرا أو بلا تسمية فكالوصيَّة من الثلث؛ فإن لم يرجع اختير جوازها مثلها؛ وإن سمّى عشرا في حياته (1) وبعدها ولم يرجع اختير أن تكون له، فما كان له منها في حياته فمن الكلّ، وما بعدها فمن الثلث؛ وإن قال: عشرا ولم يسمّ بعد موته اختير بطلانها عنده، إلاَّ إن ثبتت في تسمية فأحرزها قبله فيتمّ له ما أحرزه؛ وإن قال: جعلت له مأكلها عشرا فكالوصيَّة، والمأكلة لا تخرج في التسميّة حتَّى تصلح التمرة للأكل؛ وإن أعطاه تمرتها وهي نخل فإذا أثمر وأبرأه فقد أحرزها وكذا الهبة والصدقة إن كانت لله مِمَّن تلزمه لمن تجب له إن قبلها؛ وإن ردّها، فقيل: ترجع إلى المتصدّق أو وارثه؛ وقيل: تنفّذ على غيره من أهلها؛ وقيل: توقّف على الأوَّل حتَّى يقبلها أو يموت فتكون لوارثه؛ وإن رجع فيما تصدّق به بجهالة كان له إن لم تكن لله؛ وقيل: إنّ الهبة والنحلة ونحوهما ممّا يثبت بقبول بلا إحراز ولا رجوع في ذلك بعد قبول ولا تدخل الجهالة في الإقرار ويثبت بلا إحراز كما مرّ.
ومن قال: إنّ هذا لفلان أو تمرته ومأكلته ثمَّ جاز فيه الإقرار من مقرّ فهو جائز بدونه ولو مجهولا، فله ذلك بثمرته ولو مدركة؛ وإن قال: مالي هذا أو تمرته أو
__________
(1) () - ب: «حياتها». (6/106)
صفحة 2645
مأكلته لفلان فهو ممَّا اختلف في ثبوته وكان كالعطيّة؛ فإذا أقرَّ له بهذا وفيه مدركة فهي للمقرّ كالمعطي والواهب والمتصدّق؛ [436] وإذا صحّ الإقرار ولا يدخله معنى العطيّة فهي للمقّر له.
وإن قال صحيح: أعطيت فلانا مأكلة نخلتي هذه ما حيي، لاَ إن مات فأبو عبد الله لا يجيزه لأنّه عطيّة فيها استثناء وله أن يرجع في ذلك؛ وإن قال: أوصيت له جاز وهي من الثلث.
ومن أعطى ــ قال العلاء ــ رجلا قطعة نخل مأكلة فأكلها سنة وكانت بيده حتَّى حملت ثمَّ مات المعطي فهي وتمرتها لوارثه لا للرّجل لانقضاء الأمر الأوَّل قبل إدراكها، إلاّ إن صارت فضحا أو رطبا عند موته فتكون للرجل، لأنَّ الأكل لا يقع إلاّ على مدرك؛ وإن أعطاه تمرتها فأثمرت وأبرها قبل موت المعطي فقد أحرزها وكانت له، والتسجير والتحدير إحراز لها أيضا؛ فإن أوصى له بمأكلة ماله فله ما أثمر جميعه.
وإن قال مريض: جعلت مأكل ثلث مالي لفلان إلى كذا سنة وصيَّة له به، كان له إلى حدّه إن وسعه الثلث؛ فإن كان له عبيد ودوابٌّ دخلوا فيها له.
أبو الحسن: من أشهد لأخته بمال له (1) تأكله ما حييت فإذا ماتت فماله له، وقبلته ثمَّ أشهدت لابن لها به جاز ذلك للأوَّل والآخر (2).
ومن أوصى لابنه بمأكل ثلث ماله ما حيي ثمَّ هو لبنيه من بعده ثمَّ هو للفقراء إن لم يبق من ذريته أحد، فقيل: وصيَّة باطلة ترجع إلى الورثة؛ وقيل: جائزة له على شرطه.
ومن أوصى لبعض أرحامه بقطعة من ماله وقال: لولدي فلان مأكل غلّتها عشرا
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: «والأخير». (6/107)
صفحة 2646
وله ورثة غيره، فهو إقرار، ولولده غلّتها عشرا ثمَّ القطعة للموصى له من الثلث؛ وإن أوصى بها لفلان ولوارثه بغلّتها عشرا فالغلّة للورثة عشرا ثمَّ القطعة من الثلث لفلان إذ «لا وصيَّة لوارث»؛ وقيل: إنَّها منه له، والغلّة للموصى له بها مذ وقع الإيصاء بهما والكلّ منه؛ وإن مات الموصى له فالغلّة لوارثه إلى تمام المدّة؛ وكذا إن ثبتت بإقرار لولد ومات قبلها فهي لوارثه إلى تمامها، فإذا تمّت فهي لذي القطعة منه أيضا. وإن أوصى بها لرحمه ثمَّ لولده مأكل غلّتها حتَّى يموت فموته كتمام العشر، والعطيّة في المرض لا تثبت؛ وقيل: إن وسعها الثلث فكالوصيَّة.
ومن قال جعلت لفلان مأكل ثلث مالي إلى كذا سنة وصيَّة له ثبت إليه إن وسعه. (6/108)
صفحة 2647
الباب الخامس والثلاثون
في الوصيَّة بالوقوف
ابن بركة: لا يجيز أصحابنا وقفا على الورثة ويروى ليس على ما وقع عليه سهام كتاب الله حبس وأجازه بعضهم إذا أجراه عليهم ثمَّ على الفقراء بعدهم لتعلّق حقّهم فيه بالوصيَّة، وللورثة التصرّف فيه سوى البيع والرقبا عليهم لا تثبت كالوقف، لأنَّه كالوصيَّة.
ابن قريش: من جعل ماله وقفا على وارثه ووارثِه بعده، فمِن فعلِ قومنا لا فعل أصحابنا، ولا يرون إجازته، إلاّ إن أوقفه عليه، ثمَّ للفقراء إن انقرض وصيَّة لهم، ولو وارثا بعد وارث إن كان آخره يرجع إلى باب من البرّ.
ومن أوقف (1) ماله على فقراء قرية كذا، فعدموا منها حبس حتَّى يوجدون (2) فيها ولو خربت، لإمكان عمارتها ووجودهم فيها. وإن أوقفه على قوم ونُسولِهم فانقرضوا رجعت لوارثه على ما ورثه الأوّلون.
وما وقف على مسجد أو بئر أو فلج أو نحو ذلك فخرب فهو بحاله ما رُجي عمرانه، وتجمع غلّته وتوقف، ولو إلى يوم القيامة. وكذا ما وقف على الجهاد ونحوه.
أبو الحواري: من أوقف نخلا على رحى على فلج فلمن يأتي يطحن عليها أن يأكل منه؛ فإن انكسرت ولم يأتها أحد فلا ينبغي لمن يتعرّض له، فمن تعرّض له جعلت تمرته عنده حتَّى تقوم الرحى فتوكل كأوّل مرّة، والنخل موقوف على حاله.
__________
(1) () - ب: «أوقفه». ولا معنى له.
(2) () - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «يوجدوا». (6/109)
صفحة 2648
وإن قال ماله مدبّر على فلان، أو رقبة عليه، فلا يثبت له، فإنَّما التدبير في الرقيق وفي المال الوقفُ والوصيَّة أو الصدقة لا الرقبة؛ قلت: لعلَّه من الرقبى والعمرى، على ما في كتب المغاربة.
وليس قول مريض ماله كلّه وقف بشيء.
ومن قال مالي لورثتي ثمَّ لورثتهم كذلك فهو لهم وإن لم يقل؛ وقيل: يثبت للأوّلين لا لمن بعدهم، لأنَّه بإقراره لهم.
ومن لا يرى قوله مالي لفلان إقرارا فلا يثبت ذلك اللّفظ ولو للأوّلين؛ وإن قال: بستاني هذا وقف على ورثتي، لهم غلّته، فإذا ماتوا كان وصيَّة منّي للفقراء بذلك من مالي، ويسعه الثلث فغلّته لهم على قدر سهامهم؛ فإن جعلها لواحد منهم فهي لجميعهم.
ومن قال مالي هذا وقف على بني فلان فإذا ماتوا فهو على بني فلان، فإذا ماتوا كان على الفقراء، فهذا من فعل قومنا لا من أصحابنا. قال خميس: فإن فعله أحد منّا لم أره إقرارا؛ وإن كان عطيّة فلا يثبت إلاّ بإحراز (1)؛ وإن جعله وصيَّة في صحّته وخرج من الثلث وبنو فلان غير ورثته إلى أن مات فأراه ثابتا.
__________
(1) () - ب: «بالإحراز». (6/110)
صفحة 2649
الباب السادس والثلاثون
في الوصيَّة والإقرار بالميراث والعطيّة ونحو ذلك
فمن أوصى لرجل بكلِّ ما [437] يرثه من أبيه ثمَّ مات أبوه ولم يرجع هو ولم يجدد فلا تثبت تلك الوصيَّة لأنَّها أسِّست على ما لا يملك.
ومن ورث هو وأخوه وأمّه مالا من أبيه، ثمَّ ماتت فورثاها ثمَّ ورث أخاه، ثمَّ أقرَّ لرجل بما ورث من أبيه ويظنُّ أنّ جميع المال ورثه منه، ثمَّ أراد أن يمسك ما ورث من أمّه وأخيه ويسلم إرثه من أبيه، وعلى ذلك أقرَّ، وبه لفظ، ونيّته على الكلّ، فلا أرى على هذه الصّفة أن يسلّم إليه ما ورثه من أمّه وأخيه إذا لم يعلم أنّ له فيه حقّا؛ وإن علم سلّمه إليه ولو لم يقرّ له به، وعند الله إذا علم أنَّه أقرَّ له بما ليس له فلا بأس عليه بإمساكه وفي الحكم جائز عليه إقراره؛ وإن أقرَّ له بإرثه من أبيه وفيه شركة في مال بين قوم ولا يدري كم سهمه منه جاز الإقرار في ذلك وثبت، ولا يحتاج إلى معرفة، فله ما ورث منه في كلّ شيء.
ومن باع ميراثه لوارث معه أو أعطاه إيّاه أو قضاه وهما عارفان به وهو مشاع جاز إذا سمّى كم هو من المال ثلثا أم ربعا أو نحوهما.
فصل
الوقف هو حبس المعين على ملك الموقف إليه، والتصدّق بالمنفعة.
ولا يلزم إلاّ إن حكم به عدل، أو قال الموقف: إذا متّ فقد وقفته. (6/111)
صفحة 2650
ولا يجوز في مشاع لإضرار بالشّريك، ولا يصحّ فيه قسم إلاّ لموقف ما حيي؛ وإن حكم به جاز. ولا يجوز أيضا حتَّى يكون لغير منقطع أجره من أبواب البرّ كالجهاد والشداء والفقراء والمساجد ونحو ذلك.
وجاز وقف الأصول، وفي غيرها خلاف، كفاسر ومسحة ورحى وقدر وكتاب ومصحف وما تجري به المعاملة. وجاز حبس السّلاح والكراع للجهاد؛ لا بيع الموقوف ولا تمليكه ويبدأ من غلّته لعمارته، وإن لم يشرطها الموقف. وما انهدم منه أو فسد صرف فيها؛ فإن استغنى عنه حبس إلى وقت حاجته.
وإن تعذّر إعادة عينه بيع وصرف ثمنه في عمارته.
ولا يقسم الوقف مستحقّوه وتجعل غلَّته بيد الموقف إليه، ويولَّى عليه، وينزعه الحاكم منه إن كان غير أمين، ويولّي عليه أمينا.
وهو في المرض من الثلث. (6/112)
صفحة 2651
الباب السابع والثلاثون
في الوصيَّة والإقرار بالصّداق ونحو ذلك
فإن اعترفت امرأة في حال جواز أمرها طائعة أنَّها تركت لزوجها جميع ما لها عليه من حقّ بما له عليها؛ فإن أقرّت به في صحّتها فلا خيار فيه لوارثها، وإلاَّ وعرف حقّها عروضا أو حيوانا أو نخلا خيِّر في فدائه بقيمته أو في إتمامه.
أبو سعيد: من قال لولده: قل لزوجتي تترك حقّها، فأتاها فأخبرها أنّ أباه يقول أنّك تتركي صداقك، فقالت: أمَّا كلُّه فلا ولك نصفه، فأخبره فقال: ادعها إليَّ، ففعل وكان في معزل عنه، فخرج الأب إليه فقال: اذهب بفلان وبفلان إليها، فأتوها فقالت: اِشهدوا أنّني تركت لزوجي فلان كلّ حقٍّ لي عليه، فقال ابنه: قد استوفيت من أبي كلّ ما لك عليه من صداق وغيره، فأنعمت فقال أخوها: هذا فيه مثنوية، فقالت: لا، وكانت عاقلة، وتوفي الرّجل وجاءت تطلب حقّها، وقالت: إنَّه طلبه إليها ولم يعلم الوارث ذلك، فقد برئ الرجل من حقّها على هذه الصّفة، ولا رجعة لها فيه بعد موته ولو صحّ طلبه إليها، إلاّ إن صحّ أنَّه أجبرها عليه، لأنَّه إذا مات ماتت حجّته، ولا حجّة لها على وارثه (1) ولو صحّ طلبه لإمكان أنَّها دعته إلى ذلك بلا مطلب منه إليها، وللولد أن يستفهمها إذا لم يعلم كذبها، وقد علم أنَّه تريد إلجاء بلا حقّ، وأنَّها تكذب فيه، فإذا علمه فلا أحبّ له استفهامها في ذلك؛ فإن فعل فقد قصَّر ولا يأثم إذا لم يطب إليها أن تلحقه بلا حقّ ولم يعنها عليه، وإنَّما أراد به استفهامها فيما أرادته.
__________
(1) () - ب: «ولا حجَّة له على وارثها». وهو عكس المقصود!. (6/113)
صفحة 2652
وإن أرادت ــ قيل ــ مريضة أن تقرّ لأولادها ببعض مالها فشقّ على زوجها فقالت له (1): أترضى أن أخلِّي لك حقّي؟ فقال لها: كلّ ما لك عليّ من صداق وغيره؟ فقالت له (2): نعم إن متّ، فماتت في مرضها، فقيل: كالإقرار؛ وقيل: كالوصيَّة، فيثبت له (3) ذلك على الأوَّل لا على الثاني، لأنَّه وارث.
ومن أشهد لامرأته أنّ عليه لها عشرين نخلة صداقها والباقي من ماله لابنه بحقّ، فلمَّا مات (4) صحّ أنّ لها عليه أربعين فلها ما صحّ ببيِّنة، وبطل قضاؤه له في مرضه إن لم يكن في ماله وفاء إذ هي أولى منه إذا لم يفضل، وله على أبيه قيمة الباقي منه بعد العشرين إن بقي له. أبو سعيد: إن أقرّت أنّ كلّ حقّ لها عليه وهو كذا وكذا، فقد استوفته منه وأبرأته منه إبراء قبض بحقّ عرفته هي لا هو له عليها، وليسه [438] بوفاء ماله عليها فقد برئ من حقّها.
ومن مرض فأرسل إلى شهود فحضروا فقال: لزوجتي هذه عليّ أربعون نخلة قولوا لها تترك عنّي عشرا وأعرفها بثلاثين وأقضيها إيّاها، فقالت: مقبول ما أعطاني، فقال له أحدهم (5): دع عنك بنيك وأوفها هي حقّها عليك، فعدّ لها أربعين في موضعها وتبرأ إليها منها به، ثبت إن رآه العدول قضاء؛ وقيل: لوارثه الخيار في إتمامه ونقضه، وقضاء أربعين لها كقضاء صدقات بلدها؛ وإن قال للشهود: قد بعت لها بيتي هذا وما فيه بثلاث مائة من حقّها خيِّر في إتمامه ونقضه وقضاء ما أقرَّ لها به إن عرف؛ وإن قال: بعت من مالها نحو ثلاث مائة أو بها فأقلّ ما يثبت نحوها؛ وقيل: ينتقض في النحو منها ولو درهم، وهذا يمكن أنَّه باع منه بلا أمرها ما يسوى أكثر من ثلاث
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: - «له».
(3) () - ب: «لها».
(4) () - ب: «بحقٍّ فلمات». ولا معنى له.
(5) () - ب: «أحدهما». (6/114)
صفحة 2653
مائة بها بدونه فيلحق عليه قيمته ما باع لا ثمنه ووجب أن لها قيمة البيت وما فيه إن لم يتمَّه الورثة؛ وإن حضروا وسمعوا الشهادة وقال أولاده من غيرها: إنّ هذا النخل قضاه أبونا أمَّنا، فإن كان في يد الأب فهم مدعون، فقيل: يثبت عليهم قضاؤه في مرضه؛ واختير عدم جوازه إن كان له مال وتلحقه المرأة، وإلاَّ جاز فعله في مال ولده وثبت عليه إن لم يغيّر؛ وإن لم يصحَّ ببيِّنة لم يثبت له شيء بدعواه فذلك إذا ثبت قضاء الأب في قول؛ والقائل بنقضه يلحقها مال زوجها حيث كان، وما أكله على أولاده من نخل وبيّنوه عليه فلا يزيل أصل مالهم عنهم لجواز ذلك له في مال ولده، ولا حجّة إلاّ إن ادّعاه ولم يغيّر فيثبت له في الحكم ويبطل طلبه بعد موت أبيه إن ادّعى تملّكه ولم يغيّر، فإذا صحّ القضاء في النخل فله أرضه وسماؤه (1) لأنَّها تبع له.
ومن تزوّج امرأة على صداق فلما احتضر قال: إنّ عليَّ لها كذا من صداقها، وهو اكثر ممّا تزوّجها عليه ثبت لها ما أقرَّ لها به، لا إن قال: إنّ لها كذا عليه صداقها الذي ممَّا (2) تزوّجها عليه، وهو أكثر، والفرق أنّ الأوَّل يجوز أن يكون لها عليه صادقان، والثاني قد صحّ أنَّه تزوَّجها على أقلّ ممّا قال.
__________
(1) () - ب: «وسماؤها». ويبدو أنَّه أصوب.
(2) () - ب: - «ممَّا». (6/115)
صفحة 2654
الباب الثامن والثلاثون
في الوصيَّة باللّقطة
فمن لقطت دنانير فسلّمتها إلى رجل فعرَّفته أنَّها لقطة لزمه أن يعرِّفها إن كانت لها علامة؛ فإن عرفت بها إلى سنة دفعت لمستحقّها، وإلاَّ فرَّقها للفقراء؛ فإن جاء ربّها بعد خيِّر بين الأجر والغرم له؛ وإن ردّها إلى من سلّمها إليه وسعه ذلك؛ فإن سلّمها هو أو ملتقطها إلى غيره فأوصى إلى وصيِّه أنّ عليه كذا وكذا لقطة فاعمل فيها بما يراه المسلمون، وأوصى هو أيضا بها فليعرِّفها بصفتها وعلامتها إن كانت لها.
أبو الحسن: إن أتلفها ملتقطها أوصى بها لربّها إن صحّ لها، لا بالتخيّر فيها، وإنَّما هو فيما لا ضمان فيه، لأنَّ من أخذها ليحفظها ثمَّ تصدّق بها، فقيل: لا يضمنها ولا يوصي بها؛ وقيل: يوصي بالتخيير لربّها إن وجد فيما مرّ؛ فإن تعدّى فيها لزمه الإيصاء بأنّ عليه كذا لمن لا يعرفه؛ وإن عرفه دفعه إليه من ماله، وها هنا كلام ذكرته في النيل. (6/116)
صفحة 2655
الباب التاسع والثلاثون
في الوصيَّة بالدين
فمن أوصى أنّ عليه منها كذا وكذا لفلان بن فلان بن فلان (1) من قرية كذا، فوجد فيها ثلاثة كلُّهم كذلك؛ فإذا لم يصحَّ لمعيَّن بصفة أو صناعة يعرف بها أو بسبب يستحقّه به (2) دون الآخرين فهم فيه سواء؛ وإن بيّن أحدهم أنَّه له كان له؛ وإن ادّعوه معا ولم يصحَّ لأحدهم ببيِّنة فلكلٍّ على صاحبه يمين على ما يتداعونه ويراه الحاكم؛ ومن نكل عنها قطعت حجّته من الحقّ، وكان لمن حلف؛ وإن حلفوا معا فقيل: هو بينهم؛ وقيل: يوقف حتَّى يصطلحوا، أو يصحّ لأحدهم ببيِّنة واختاره خميس في الحكم.
ومن أوصى لرجل بمائة درهم بعينها وله ديون، فقيل: له ثلثها ويوقف الثلثان، فإذا استخرجوا منها ما يجمع المائة والوصايا لا تجاوز الثلث فهو أولى بالمائة؛ وإن زاد على الثلث كان في الوصايا بالحصص؛ وإن كان له غير الديون والوصايا أقلّ من ثلثه فالمائة للرجل؛ وإن قال: أعطوا فلانا حتَّى مائة من مالي، جاز ويعطاها؛ وإن قال: إلى مائة فقيل: يعطاها إلاَّ يسيرًا وقيل: «إلى» كـ «حتَّى».
ومن قال: أنفق على عيالي أو زوجتي أو خادمي إلى ألف من مالك أو من عندك فادّعى أنَّه أنفق كما أمره فليبيّن إلاّ إن صدّقه من أنفق عليه؛ وقيل: كالتصديق فمجيزه [439] إذا حدَّ له يجيز ذلك؛ ومن لا يجيز التصديق لا يجيزه؛ وإن قال له أنفق عليها ألفا في شهر، قُبل قوله مع يمينه إذا صدّقته، كقائل لرجل: ادفع إلى غلامي
__________
(1) () - ب: - «بن فلان».
(2) () - ب: - «به». (6/117)
صفحة 2656
ألفا قُبل قوله، إن صدّقه الغلام في أنَّه دفعه إليه، وعليه البيان إذا أنكر. أبو سعيد: إذا حدَّ له حدًّا فلا يلزمه أكثر ممّا حدّ له ولو دفعه، لأنَّه أتلف ماله برأيه.
وإن أوصى لرجل بنفقة خمس مائة في كلّ شهر ما عاش ولآخر بثلث ماله فالثلث بينهما يأخذ صاحبه نصفه يصنع به ما شاء، ويوقف نصفه لذي النفقة ينفق عليه منه كذلك؛ فإن مات قبل أن يستهلكه فالباقي منه لذي الثلث. وإن أوصى لرجل بمائة بعينها فوجدت له المائة وألف على رجل ولم يوص إلاّ بالمائة فإنَّها للموصى له بها ولكن يدفع إليه ثلثها ويوقف ثلثاها؛ فإذا قبض الورثة من الألف ما تصير المائة ثلثه دفعت إليه تامَّة، وإلاَّ فبقدر ذلك؛ وإن أفلس غريمهم ولم يقبضوا منه شيئًا وأيس منه صار الثلثان لهم.
وإن أوصى في تلك المسألة لزيد بتلك المائة ولعمرو بمائة، دفع لزيد ثلث (1) المائة، ويوقف باقيها، فما خرج من الدين حاصص فيه عمرو بقدره في المبهمة ولا يأخذ زيد شيئًا حتَّى يستوفي عمرو ثلث المبهمة كما أخذ زيد ثلث المائة فما خرج بعد ذلك من الدين كان بينهما نصفين، فيأخذ زيد منابه من المعلمة من الموقف وعمر منابه من المبهمة من المال حتَّى يستوفيا؛ فإذا قبض الورثة خمس مائة استحقّ زيد مائته؛ وإن قبضوا مائتين فلزيد نصف مائته ولعمرو خمسون من المائتين ولا يدخلون في المعلمة بشيء ما لم ينعدم الدين بلا شكٍّ.
وإن أوصى لزيد بعبد معيّن ولعمرو بمائة، والعبد يسوى مائتين وله تسع مائة دينا فلزيد ثلث العبد ولا يسلَّم إليه، ولكن يدفع إليه ثلث غلّته، فإذا قبض الدين دفع لزيد (2) عبده وغلّته ولعمرو مائته؛ وإن انعدم الدين كلُّه فلزيد تسعان من العبد ومن غلّته، والباقي للورثة وعمرو معهم حتَّى يستوفي إن كان فيه وفاء.
ومن أقرَّ أنّ للزيد في منزلي هذا ثلاثين درهما فمات، فقال زيد: نقوّمه وأخذ
__________
(1) () - ب: «ثلثا».
(2) () - ب: «فإذا قبض الدين فلزيد عبده». (6/118)
صفحة 2657
منه بقدرها، وقال الوارث (1): إنّما لك ما سمّى، فليس له إلاّ الدراهم.
فصل
أبو المؤثر: من أوصى بثلاثين دينارا تفد منها وصيَّته الفلانية، فالباقي للفقراء جاز له؛ فإذا وجدت وصيَّته خمسة عشر ووجدت له، فأراد الموصي أن ينفّذها فيها ثمَّ يبيع من المال على مهلة ويعطي للفقراء مثلها فأبوا وقالوا: قد علمت أن لنا النصف فحاصص ذلك بيننا وبين الوصيَّة، قال: فله أن يقسم أو يقدّم أحدهما ويؤخِّر الآخر إلى البيع؛ فإن تلف المال قبل أن يوفّي لهما ضمن لمن أخرّ نصف ما دفع لمن قدّم؛ وإن نقض الثلث عن الثلاثين حاصصه بينهما. وإن أوصى أن تنفد وصاياه من دنانير له معيّنة والباقي منها وصيَّة لزيد بدأ بها ولزيد ما فضل إن فضل؛ وكذا إن قال فالباقي من الثلث له؛ وإن وجدت الدنانير أكثر منه رجعت الوصايا منها إليه وإنَّما تثبت فيما يخرج من الدنانير من الثلث فتنفّذ من ذلك؛ فإن بقي شيء فوصيَّة لزيد، وإلاَّ فلا شيء له.
ابن قريش: من أوصى للفقراء بدنانير، فقيل: تجزَّأ بالأجزاء وتفرَّق عليهم؛ وقيل: تصرف وتفرَّق؛ وإن أوصى بعشرة دنانير أو دراهم للأقربين فإنَّها تصرف بلا خلاف. أبو الحسن: إن أوصى بعشرة تفرق عنه في السوق فعلى فقرائه.
أبو عليٍّ: من احتضر وله على رجل معشر مائة درهم وأوصى له بثلثيها (2) وخلَّف مائة درهم عينا وأوصى لآخر بثلثها ولم يخلف سوى المائتين فإنَّه يضرب اثنان في ثلاث، فلذي الثلثين الثلث من الوصيَّة وهو سهمان من ستّة هي للمعشر ثلث ما بيده وهو سدس الجميع، وتقسّم المائة التي خلفها على خمسة فللموصى له الخمس من
__________
(1) () - ب: «الورثة».
(2) () - ب: «بثلثها». (6/119)
صفحة 2658
ذلك، وللورثة أربعة أخماس؛ فإن أدّى المعشر بقيَّة الدراهم التي عليه قسّمها أيضًا على خمسة كذلك، ونظر أبو سعيد في المسالة.
ومن أوصى ــ قيل ــ لقوم بألف بينهم ولا شهود لهم إلاّ أنفسهم فلا شيء لهم، إلاّ إن أتمّها الوارث. أبو الحواري: إن وسعه ثلثه [440] وقدروا أن يأخذوه من ماله خفية جاز لهم.
وعن الأزهر: في موص بمائة درهم للفقراء والأقربين ولم يقسمها بينهما فهي عل نقد بلده وقت إيصائه؛ وقيل: وقت الإنفاذ؛ وقيل: وقت موته، وعندي أنَّها تقسّم بينهما أثلاثا على ما مرَّ.
ومن أخذ من رجل عشرة آلاف فأثبت على نفسه نصفها وبيّنه؛ فإن كان مستحلاّ للأموال فعليه ما أثبت على نفسه إلاّ إن وجد المال بعينه؛ وإن لم يك مستحلاّ لها فعليه الجميع.
ومن أوصى بثلاثين دينارا يدفع منها ما يوجد في وصيَّته التي شهد بها فلان وفلان لأقاربه وتسلّم إليهم، فالباقي من الثلاثين وصيَّة للفقراء، فوجد فيها لكلٍّ منهم مسمًّى وهم عشرة اثنان منهم قد ماتا قبل إيصائه، وثلاثة ماتوا بعده في حياته، وواحد من ولد جدّه الخامس وهو حيّ وله في الوصيَّة معروف، وأربعة من ولد الرابع أحياء فإنَّه ينظر إلى حصّة الأربعة فتدفع إليهم وإلى حصّة الاثنين وحصّة الثلاثة فتدفعان للورثة وإلى الباقي من الثلاثين بعد فيقسم على الفقراء، ولا شيء منها لولد الخامس، ويعطي من مال الموصي وصيَّةً؛ فإن نقص ثلثه عن هذه الوصايا ضرب كلّ بحصّته فيه. (6/120)
صفحة 2659
الباب الأربعون
في الوصيَّة بالبيت وما فيه
فمن أوصى به ــ وهو معروف ــ وبما فيه من متاع، فإن وسعه ثلثه ثبت للموصى له به؛ والمتاع ــ قيل ــ يعمّ الأشياء حتَّى الأصول؛ وقيل: إلاّ الحيوان والأصول؛ وقيل: هو على المتعارف في بلد الموصي؛ وإن قال: ببيت هذا (1) وما سدَّ، فقيل: له البيت وما سدّ من أصل وحيوان وغير ذلك من كلِّ ما سدَّ؛ وقيل: له البيت، وما سدَّ ضعيف؛ وإن قال: وما سدَّ بابه فكالأوَّل سواء؛ وإن كان فيه أبواب فما سدّ الخارجي، لأنَّ أبواب البيت داخلة في الوصيَّة إن كانت مركّبة وهي منه. وإن أوصى له ببيت في داره فله البيت وطريقه إلى أن يخرج من بابها ولا يعطى بيتا لا ينتفع به.
وفي الأثر: ومن أعطى رجلا أو أوصى له بدار وما سدّت أبوابها وفيها نخل فإنَّه منها؛ وكذا الدّراهم، وقد مرّ الخلف في العبيد والدواب؛ وقال بشير: إن شهد على رقيق أو دوابّ أنَّها في الدار وقت الإشهاد بها فهي منها، وإلاَّ فلا.
أبو المؤثر: من أوصى لزيد بما في بيته فكلّ ما فيه وقت الإيصاء من عروض أو حيوان أو عين أو حليٍّ أو عبيد فالوصيَّة فيه ثابتة؛ ومنها أيضا ما كان داخلا في السّقوف (2) من داخل البيت لا ما كان خارجا منها؛ وكذا ما ختم من الكوى فما كان داخلا منها فهو في البيت، وما كان إلى خارج فليس منه، وما نفذ من البيت إلى خارج فنحبّ أن لا يكون فيه، لأنَّ من حلف لا يدخل هذا البيت فأدخل يده في
__________
(1) () - ب: «ببيته وما سدَّ».
(2) () - ب: كلمة رسمها: «السوق». (6/121)
صفحة 2660
الكوى فلا يحنث، وكلُّ ما أدخل فيه بعد فلا وصيَّة فيه، ولو مات الموصي وهو فيه، وكل ما فيه وقت إيصائه فداخل فيه ولو مات وهو خارج منه إن ملكه يوم إيصائه؛ وإن أوصى بما في البيت أو البيوت بطل إلاّ إن عرف ببيِّنة وكان في ملكه يومئذ؛ وإن قال: بما في بيته دخل فيه ما أحاط به جدره من حجر وشجر ونصب وخشب ولو مطروحا، والأوتاد والعرش والدعون والسماد وكنف وآبار لا بستان، ولا يدخل في الوصيَّة (1). وإن أوصى له بما في بيته وله بيوت ولا بيان، فله جزء منها (2) بقدر العدد؛ وإن سكن في واحد منها فسواء؛ وإن سكن في بيت غيره، فإن لم يكن له بيت وقع الإيصاء على ما فيه؛ وإن كانت له بيوت وقع على ما يملك، ولا يقع إلاّ على ما يسكنه إن كان لغيره؛ وإن قال: بما في الذي سكنه فإنّما يقع على ما سكنه دون غيره ولو لم يملكه؛ وإن قال: بما في الذي أنا فيه وقع على ما هو فيه تلك الساعة إلاّ إن كان في عريش أو نحوه لا في سقف فبقع على ما يسكن؛ وإن قال: بما في منزل أنا فيه وقع على ما في السكن، وليس هو كبيتي، ولو كان في خاصٍّ منه، وداري كمنزلي سواء؛ وإن قال: بما في سكني أو مسكني فهو كمنزلي وداري؛ وإن قال: ببيته هذا وهو في بيت له لم يكن قوله هذا بموجب له حتَّى يسمّيه أو يشير إليه بما يعقل عنه.
ابن محبوب: إن أوصت لجارية بالبيت وما سدّ فلا شيء لها، إلاّ إن قالت: بيتي (3) وما سدّ؛ وإن قالته ولها ثلاثة فلها من كلّ ثلثه.
ومن أوصى أن يبنى في ماله أو منه مسجد أو بيت أو منزل لرجل فالطّول والعرض حدّه منام رجل والرّفع قامته.
ومن أوصت له جدّته ببيت فوقه سطح وفوقه غرفة ولها سطح، فقال الوارث:
__________
(1) () - ب: - «ولا يدخل في الوصيَّة».
(2) () - ب: «منه».
(3) () - ب: «ببيتي». (6/122)
صفحة 2661
إنَّ ظهر البيت له وادّعاه الموصى له به وأرضه وسماءه (1) أيضا؛ [441] فإن حدّ البيت بغرفته فجميعه له ما على وما سفل وما احتاج إليه، وإلاَّ فمجهول لا يثبت إلاّ ما اتَّفقا عليه من البيت.
وعند أبي سعيد في قائلة: كلّ ما في منزلها فلزوجها وهي قاعدة فيه، وفيها وعليها حليّ وكسوة أنّ هذا كلّه له، لأنَّه مال وفي المنزل.
ومن أوصى لزيد بداره وما فيها، وبها وقت الإيصاء عبيد وحيوان ودراهم وغيرها فلا شيء له في الدراهم اتِّفاقا، وفي العبيد والحيوان خلاف، وله الآنية والحبّ وغيرهما.
__________
(1) () - ب: «وسماؤه». والصواب: «وسمائه». (6/123)
صفحة 2662
الباب الحادي والأربعون
في الوصيَّة والإقرار بالقماش والمتاع والآنية والثياب والرثَّة
أبو الحسن: من أوصى أو أقرَّ لأحد بقماشه أو متاعه أو رثنه فله ما سوى الأصول والحيوان، إلاّ أنَّه يدخل في الرّثة الحيوان أيضا؛ فإن قال: بمتاع أو رثة أو قماش بيته لم يدخل فيه مصحف ولا كتب ولا ترس ولا طعام ولا حيوان، ودخل فيه ما سواها. ويدخل في الآنية آنية البيت لا مدية ومخلب، ويدخل في المتاع عند عزَّان كلّ شيء من أصل وغيره؛ وقيل: يخرج على المتعارف كما مرّ.
وعند جابر أنّ من أوصى لامرأته بمتاع البيت؛ فإن عرف، وإلاَّ فما سدَّه الباب فلفلانة فهو إقرار، فلها ما فيه من متاع، وهو كل ما يتمتّع به وينتفع في البيوت، قال: ولا أرى الثّياب والحليّ والعينين والحيوان والحبوب والأصول من متاع البيت، إلاّ أنّي أحبّ أن يرفع في هذا إلى عدول المحل، فما قالوا به إنَّه من متاعه فهو منه.
وعن عزَّان من أوصى لرجل بكلّ ماله من متاع بسمد نزوى، فقيل: إنَّه ما كان من الآنية كالطست والجفنة والتابوت ونحوها ممّا كان من الآنية المتأتَّى بها في البيوت للموصي بالمحلّ فهو للموصى له إذا وسعه الثلث؛ وقيل: «الدنيا كلّها متاع». وله كلّ ما للموصي من نخل وأرض وحبٍّ وعبيد وحيوان وغير ذلك، واختاره عزَّان؛ وكذا إن قال: بما في داره أو بيته من متاع، وهو عند أبي عبد الله آنية البيت. (6/124)
صفحة 2663
فصل
إن أوصت امرأة بثياب جسدها لفلانة وتركت مقطّعة وغيرها ولم تلبس، فقيل: إنّما لها ما قطع وليس ما لم يقطع من ثياب البدن إلاّ إن كان أردية (1)، فقيل: هي منها؛ وإن لم تلبسها.
ومن مات وأوصى لامرأته بكسوتها ومعاشها في ماله حتَّى تموت (2)، إلاّ إن أحدثت حدثا فلها ذلك في ثلثه؛ وإن قال الوارث: قد أحدثت تزوّجا أو قتلت نفسا أو نحو ذلك فلا أبطل وصيَّتها حتَّى يسمّي بالحدث ما هو عند وصيَّته، لأنَّ قيامها وقعودها وجميع حركاتها ممّا يحدث.
أبو سعيد: من أوصى بثوب من ثيابه فوجدت له أربعة ساقطان وفائقان، فهو شريك فيها فإذا ثبتت الشركة فالقسمة بالسّهم وله وسط؛ فإذا عدم فيهم فله من كلّ منابه وذلك أنَّها تقوَّم فيكون له ربع القيمة؛ وإن قال: بثوب فيها أو منها أو بالذي فيها أو في داره وعيَّنه ولم يعرف بعينه، فقيل: له أوسطها؛ وقيل: أجودها؛ وقيل: أردأها كما مرّ؛ وقيل: لا شيء له حتَّى يصحّ المعيَّن؛ وقيل: له من كلٍّ جزء؛ وإن قال بثوب في داره فوجد له ثياب، فقيل: له الأوسط؛ وإن لم توجد له فله ثوب من الدّار، لأنَّ هذا من المودع؛ وقيل: لا يثبت له لإمكان أنّ له فيها ثوبا، لأنَّ المودع ضربان، والخلف في هذا، فبعضٌ أثبته وجعله مودعا في المودع فيه، وبعض نفاه حتَّى يصحَّ بعينه، ويكون من ثيابه وسط في ثمنه؛ وإن كان في ذلك وسط كان له منه؛ قال: ولا أعلم قائلا في هذا الباب أنَّه يكون شريكا في عدد الذي وصّى فيه كالسيوف والثياب؛ وكذا عند مثبت ذلك إن أمكن أنَّ في ذلك الشيء موضوعا فهو في مثل هذا سواء على ما قيل.
__________
(1) () - ب: «أزدية».
(2) () - ب: - «حتَّى تموت». (6/125)
صفحة 2664
الباب الثاني والأربعون
في الوصيَّة بالماء والأرض وما أنبتت
فمن أوصى لرجل بثمن يوم من ماء فلج كذا، ثبت في الثلث، لأنَّ ذلك معروف، ولأنَّه ليس بمعدوم، ولأنَّه يجوز في الصداق ما لم يوص بمحدود من مال غيره، أو يتزوّج عليه فلا يثبت ذلك لبطلانه؛ وإن أوصى له بذلك وله في الفلج ماء ولم يقل: من مائي خيِّر وارثه في إعطاء الثمن من مائهم وفي شرابه منه من الغير؛ وإن قال: من مائي منه ثبت له منه من الفلج؛ وإن قال: من مالي فكالأوَّل في ذلك؛ وكذا إن قال بثمن ماء من فلج كذا من مائي، ولم يقل: منه، خيِّروا (1) في ذلك أيضا؛ وإن أوصى له بماء من معروف ثبت إن كان مبهما، لا إن كان معلما، إلاّ إن كان للموصي ماء؛ وإن أقرَّ أو أوصى أنّ لزيد يوما من ماء في فلج كذا فلا يثبت له حتَّى يقول: من مائي؛ وكذا إن قال: إنّ له نصف يوم أو ربعه من يوم كذا في الفلج وله فيه أيضا في غير اليوم ربع أو نصف فلا يثبت له حتَّى يقول: من مائي؛ وقيل: يثبت له في هذا ربع منابه من ذلك اليوم أو نصفه منه كغيره من المشترَك، لأنَّ هذا اليوم من اد (2) الفلج ليس شركته كشركة الشركاء من الأصول والعروض التي لا يقدر الشريك على أخذ حقّه إلاّ بمقاسمة [442] شريكه، لأنَّه لو أقرَّ بثلث هذه القطعة أو الدّار وله فيها الثلث فله ثلث منابه من كلّ ذلك بقدر ما يقع له؛ وكذا الحيوان والعروض والأمتعة المشتركة من مكيل أو موزون أو غيرهما؛ فإن كان له الشيء كله فله جملة ما أقرَّ له به؛ وكذا اليوم من الماء إن كان له كلّه فأقرّ له بثلثه أو ربعه فله ما
__________
(1) () - ب: «خيِّر».
(2) () - كذا في أ، وفي ب: «من ءاد». (6/126)
صفحة 2665
أقرَّ له به؛ فإن كان له نصفه فأقرّ أنّ له نصفه (1) لم يكن له منه شيء حتَّى يقول: من مائي؛ فإن كان له ثلثا اليوم فأقرّ أنّ له ثلث نصفه ولم يقل: من مائي فله سدس اليوم منه، لأنَّه إنّما ينظر إلى جملة ما في اليوم لغيره، فيلقي عنه ما أقرّ به ولا يثبت عليه ما فوق ذلك.
فصل
إن أوصى مريض لزيد بأرض وبها زرع، فقيل: إن أدرك يوم موته فهو لوارثه إلاّ إن قال: إنَّه لزيد، وإلاَّ تبعها، واختار أبو سعيد أنَّه تابع لها ولو أدرك.
ومن أوصى لأقاربه بعشرة أجربة برٍّ أو لم يسمّ نوعه؛ فإن كان له زراعة برٍّ أخرج الوصيّ منها ما شاء من الأصناف، وإلاَّ اشترى لهم وسطا، ولا يقصد حيفا على أحد؛ وإن سمّى صنفًا منه أخرج وسطا منه من زراعة الموصي أو بشراء.
__________
(1) () - ب: «نصف». (6/127)
صفحة 2666
الباب الثالث والأربعون
في الوصيَّة بالغنم والجمال
فمن احتضر وله مائة شاة، فقال: إذا متّ فلزيد عشر شياه من غنمي هذه، فمات ونتجت معا أو بعضها، قال أبو زيَّاد: إن نتجت كلّها أعطيها من أوساطها بنتاجها؛ وإن نتج بعضها فقط أعطي عشرا من أوساطها بنتاجها إن أنتجت، وإلاَّ فبدونه؛ وإن سمّى العشر فنتجت بعد موته فهنّ ونتاجهنّ لزيد؛ وكذا إن زادت أو نقصت؛ وإن لم يعيّنها فله عشر من غنمه يوم تدفع إليه من الأوساط؛ وإن أوصى لزيد بشاة من ماله ولعمرو بشاة من غنمه ولبكر بعشرة دراهم ولخالد بثلث ماله ولم يوجد له إلاّ شاة قيمتها عشرة دراهم رجع الكلّ إلى ثلث الشّاة المتروكة له وهي وسط فإنَّه يضرب لعمرو بثلاثة أسهم في ثلثها ولخالد بسهم منه ولزيد فيه بثلاثة ولبكر بستّة، فذلك ثلاثة عشر، فيقسم عليها ثلث الشاة مضروبا في ثلاثة فذلك تسعة وثلاثون، فلزيد وعمرو ستَّة إن شاء الوارث من ثلاثة عشر من ثلث الشاة؛ وإن شاء من غيرها وسطى، ولبكر أربعة دوانق، ونصف وجزء من ثلاثة عشر من نصف دانق؛ وإن شاء الوارث أعطاه من ثلث الشاة أو من غيره ولعمر وخالد أربعة من ثلاثة عشر من ثلثها ليس عليهما أن يخرجا منه، إلاّ إن اتَّفقا مع الوارث. وقال أبو عبد الله: في المسألة الأولى أنّ لزيد فيها من النتاج بقدر عشرة ولو نتجت الغنم كلّها؛ وقيل: ليس له إلاّ عشرة من غنمه، لأنَّ هذا من المضاف لا من المعلم، لأنَّه هو ما إن عيّن العشرة فله ما زاد وعليه ما نقص بعد موت الموصي؛ فإن نتجت قبله فالنتاج لوارثه؛ ويوجد مثل هذا عن الربيع؛ وتوقّف فيها أبو الوليد. (6/128)
صفحة 2667
وإن أوصى له بشاة من غنمه فمات وله عشر فمتن فبقيت واحدة كانت لزيد لأنَّها منها يوم الإنفاذ؛ فإن ماتت الغنم قبل موت الموصي إلاّ شاة فهي لزيد إن وسعها الثلث، وإلاَّ فله ثلثها إن لم يكن له سواها.
فصل
أبو سعيد: من أوصى لزيد بجمل من جماله فوجد له صغار كبنات لبون أو مخاض فعندي أنّ له وسطا في نوقه هذه، لأنَّه إذا وجد له نوق لا يقع عليها اسم الجمال لا جمال (1) فكالمودع؛ وكذا إن قال ببعير في إبله أو جماله فكالأوَّل فإذا وقع الاسم على ما يخرج مضافا إليه من الأسماء الموجودة له فله أوسطهنّ صغارا كنّ أو كبارا؛ وإن خالف الأسماء والمعاني كان كالمودع وله وسط من نوع وصيَّته؛ وإن قال: ببعير من جماله ووجدت له نوق، فقيل: تبطل الوصيَّة؛ وقيل: لا ومثارهما: هل يلحق النوق اسم الجمال ويكون مودعا أم لا؟ والأباعير كالجمال في ذلك؛ وكذا إن قال: بناقة من نوقه أو بجمل منها (2) فمن المضاف إليها؛ وإن قال بجمل من نوقه فمن المودع، لأنَّه من غير من اسمه، وقد مرّ الخلف في الأباعير والجمال هل يشترك فيها الذكور والإناث أم لا؟ والإبل يعمّهما والصّغار أيضا، قيل: وكذا الأباعير؛ وإن قال: بجمله أو بناقته فوجد له خلافه بطلت وصيَّته؛ وإن قال: بناقة أو بجمل فلم يوجد له واحدا اشتري له من ثلثه، وليقس ما لم يقل على ما قيل.
__________
(1) () - ب: - «لا جمال».
(2) () - ب: - «أو بجمل منها». (6/129)
صفحة 2668
الباب الرابع والأربعون
في الوصيَّة بالسّيف
فمن أوصى لزيد بسيفه ولم يذكر الغمد ثبت دونه، لأنَّه غيره في الاسم؛ وقيل: له غمده وحليته إن وسعه الثلث؛ وقيل: له النصل والحلية على القائم بما حمل السّيف سوى جفنه. وإن أوصى بسيف لزيد ولعمر بنصله، فقيل: النّصل له ولزيد القائم وما عليه؛ وقيل: له هذا، والنّصل بينهما.
أبو الحواري: من أوصى بمثل سيفه أو [443] درعه أو ترسه ولم يعرف الشّهود ذلك فلا يثبت من ذلك إلاّ ما شهدوا به بعينه، ولا يسع الوارث أن يتمسّك بذلك النوع إذا علم بالوصيَّة؛ وإن علم أنَّ له ما أوصى به فهو لذي الوصيَّة ولو لم يعرفه بعينه إذا عرف أنَّه للموصي؛ فإذا قال: سيفي أو نحوه لفلان ثبت له، لا إن قال: السّيف أو الدّرع له، ويسع وارثه التمسّك به؛ وإن أوصى له بسيف فوجد له سيفان، فقيل: له أضعفهما؛ وقيل: أفضلهما؛ وقيل: له من كلّ نصفه. (6/130)
صفحة 2669
الباب الخامس والأربعون
في الوصيَّة بما يكون في غيره من جنسه أو من غيره
أبو الحواري: من أوصى لزيد بهذا الجراب الهروي أعطيته الجراب وما فيه؛ وإن قال: ببرٍّ في جواليق فله البر دونها؛ وإن قال: بسيف كان له وجفنه وحليته، وقال غيره: إنّما له النّصل وما حمل، والحلية على القائم بما حمل السّيف، والغمد وما حمل ليس منه؛ وإن أوصى له بسرج كان له وما حمل من متاعه؛ وإن قال: بقبّة كانت له باللبود؛ وإن قال: بحجلة فله الكسوة دون العيدان؛ وإن قال: بسلّة زعفران كان له دونها؛ وإن قال: بهذا العسل وهو في زقّ كان له دون الزّق؛ وكذا مثله؛ وقيل: له الزقّ والسّلة والجواليق وما فيهنّ إن قال: بزقّ هذا العسل وجواليق هذا البرّ وسلَّة هذا الزّعفران؛ وإن قال: بهذه السّلة أو الجواليق، أو بهذا الزّق أو الجراب أو الصّندوق كان له ذلك وما فيه لا في البيت، إلاّ إن قال: بما فيه كما مرّ؛ وإن قال: بزقّ هذا العسل وكيس هذه الدّراهم ونحوهما كان له وما فيه أيضا من الثّلث في الوصيَّة، ومن الكلّ في الإقرار.
ومن أقرَّ لوارث أو غيره بفاتية له في بيت فلان ولا يشهد الشّهود على عينها فله الموجودة في بيت فلان إن لم يوجد فيه غيرها للمقرّ؛ وإن أقرَّ له بالفاتية التي له ولم يقل: بما فيها فلا يثبت له ما فيها؛ وإن قال: وما فيها كانا له معا.
ومن أوصى لفلان بكسوته فله ما صدق عليه اسمها، ولو لم يكن على جسده؛ وكذا في سلاحه ولو من خشب. (6/131)
صفحة 2670
الباب السادس والأربعون
في الوصيَّة بالبِرِّ وأمر الوصيِّ بوضع الثلث حيث أراد
فمن أوصى بثلث ماله في البرّ، فقيل: يكون في قرابته، لأنَّ أفضل التّقرّب برّ الوالدين وصلة الرّحم؛ وقيل: في وجوه التّقرّب على ما يراه هو؛ وقيل: يرجع إلى الورثة إذا لم يبيّن وجها من البرّ؛ فإن قال: في أولي البرّ كان للأقربين؛ وإن أوصى بكذا ينفّذ في أفضل الوجوه فهم أحقّ به، واختير كون خمسه للفقراء؛ وإن أمر وصيّه أن يضع ثلثه حيث شاء فلا يضعه في عبيده وكره في نفسه بلا حرمة إن فعل؛ وإن مات قبل إنفاذه رجع إلى وارث الموصي.
وإن أوصى الوصيُّ أن ينفّذ على الميّت في كذا جاز له، لا إن أوصى إلى غيره أن ينفّذه حيث شاء. وإن قال: ثلثي يضعه صبيّ حيث شاء، فقيل: يحبس إلى بلوغه فيضعه حيث شاء؛ فإن مات قبله رجع إلى وارث الأوَّل؛ فإن كان للأوَّل وصيّ كان الثّلث في يده حتَّى يبلغ الصبيّ، وإلاَّ وضعه الحاكم بيد عدل حتَّى يبلغ، ولا تجوز الوصاية إليه ما لم يبلغ، إذ لا يجوز فعله وأجاز أبو الحسن إنفاذه إذا عقل الوصيَّة.
ومن قال: لوصيّه: اجعل كذا من مالي حيث شئت أو رأيت أو فيما شئت، فله في الحكم أن يأخذ منه ــ وإن لنفسه وولده ــ والتّنزّه جعله في معروف؛ وإن أعطاه فقراء فلهما حظّهما منه إن افتقرا إليه، وقد مرّ ذلك. وإن أوصى إلى رجلين أن يضعاه حيث شاءا أو في من شاءا فاختلفا، فقيل: يعطي كلّ نصفه لمن شاء؛ وقيل: لا يكون لواحد منهما منه ولو قليل، لأنَّهما لم يجتمعا على واحد منهما.
ومن أوصى بفلان من عبيده أن يباع ويجعل ثمنه حيث رآه المسلمون؛ فإن كان له أقارب جعل فيهم، وإلاَّ فحيث شاءوا. (6/132)
صفحة 2671
وإن أوصى بثلث ماله لزوجته تجعله في فداء أولاده من الجائر يؤدُّونه في خراج يطالبهم به أو حيث شاءت ممَّا يلزمها من قبلهم، قال: فلا يثبت عندي مثل هذا. وإن ردّ قسم وصيَّته إلى المسلمين جعلوا خمسها للفقراء (1)، وأربعة أخماس لأقاربه؛ وإن أوصى بها لهما فأثلاثا، كما استظهرته فيما مرَّ.
فصل
من أوصى لزيد بباق من ثلثه ولم يوص لأحد بشيء، فالثلّث كلّه لزيد لبقائه؛ وإن أوصى لأحد بشيء ولو بعد زيد خرج منه ولزيد باقيه، وقال الرّبيع: إذا سأل وارثه أن يوصي بأكثر منه وبيَّن الزّيادة عليه فأجاز له ورضي به فليس له أن يرجع فيه بعد موته؛ وإن لم يبيّنها جاز له إن أسرف؛ وقيل: له أن يرجع ولو بينهما لإذنه فيما لا يملك؛ وإن أتمّ بعد موته فلا رجوع له بعد، وأجازه أبو سعيد إذا لم يعرف ما أتمَّ له.
ومن أوصى لابنه بمثل ما أعطى الآخر وبثلث ماله لأجنبي فالدين من الكلّ ثمَّ للأجنبي ثلث باقي المال ثمَّ للولد مثل أخيه قال: أبو سعيد هي مسألة حسنة، وهي أنّ الدّين من الكلّ والوصيَّة بعده من الثّلث، وما للولد بعد الدّين أيضا.
__________
(1) () - ب: «إلى الفقراء». (6/133)
صفحة 2672
الباب السابع والأربعون
في الوصيَّة بما زاد على الثّلث وبغير ذلك
ومن حلف بصدقة فحنث ولم يخرجها إلى أن (1) مات ثمَّ أوصى بها وبوصايا تزيد عليه، فالكلّ [444] من ثلثه يوم حنث؛ وإن أوصى بأكثر منه بطل الزائد وترجع الوصايا إليه ولو كثرت.
ومن أوصى بوصيَّة من مفصول لفلان بثلث ماله قبل الدّين والحقوق؛ فإن أتيا على المال كلّه بطلت الوصيَّة، وإلاَّ فالباقي من المال بعدهما يضرب فيه لذي الثلث قبلهما في ثلث المال بعدهما ومع سائر الوصايا بالحصّة منه بعد الحقوق وبالثلث قبلها؛ وذلك كموص بثلث ماله قبل الحقوق والدّيون ثمَّ أقرَّ بحقوق وديون وأحاط ذلك بماله فالوصيَّة باطلة؛ فإن أحاطت الحقوق بثلثيه وبقي ثلثه وأوصى لرجل بماله مرسلا، فإذا كان هكذا ضرب لذي الثلث المرسل سهم في ثلث المال فيكون لهذا ثلاثة ولهذا سهم؛ وكذا إن أوصى بوصايا يضرب لكلٍّ حصّته من ثلث المال من الحقوق، فالإقرار في المعلم أولى منه في المفصول وهو فيه أولى منه بالمبهم؛ كما لو أقرَّ لزيد بعبد ولعمرو بماله ولبكر بألف، فوجد له العبد لا غيره بطل الإقرار بالمال وبالألف، ولو يسواه العبد.
ومن أوصى بثلث ماله لزيد فدفعه إليه ابنه ثمَّ زعم عمرو أنّ الوصيَّة له وبيَّن ذلك؛ فإن علم الابن أنّ أباه أوصى لزيد غرم لعمرو، وإلاَّ فإنَّه يرجع على زيد بما غرم، وقد مرّ هذا.
__________
(1) () - ب: «ولم يخرجها حتَّى مات». (6/134)
صفحة 2673
وقال موسى: من أوصى بثلث ماله في صحّته إذا مات مدبره، ثمَّ عند موته بالثلث لأقاربه، قال هاشم: فأخبرت بشيرا فحقّقه ثمَّ سليمان فكرهه، وقال: إنّما يجوز في التدبير، لأنَّه لو شاء نقض وصيَّته، ولو أراد نقض التدبير ما جاز له؛ وقيل: وصيَّته في صحّته ثابتة؛ وقيل: إنَّها ووصيَّة المرض (1) كليهما في الثلث؛ وقيل: وصيَّة المرض في ثلثه بعد وصيَّة الصحَّة لجواز الأوَّل فيها كالإقرار؛ وإن أوصى بثلثه فأعطى الوصيّ الثلث أهله وأمسك الثلثين للورثة لأنَّهم صغار وغيَّب فهلكا من يده فلا يرجعون على أهل الثلث؛ وإن أعطاهما الورثة وأمسك الثلث لأهله لأنَّهم كذلك فتلف من يده رجع أهله عليهم بثلث ما بأيديهم، إلاّ إن دفعه إلى الحاكم فأمره بإمساكه لأهله فحينئذ لا رجوع لهم عليهم، لأنَّ قسمته على الموصى لهم لا تجوز.
فصل
أبو سعيد: من أشهد لزيد بثلث ماله وصيَّة منه له، وجعل فيه وصيَّته وقال له: أنفذها عنّي وباقي الثلث لك، فأعتق رقبة ثمَّ طلب الوارث قيمتها وقال له زيد: إنّما أعطيك الثلثين، فالوصيَّة من الثلث وباقيه لزيد؛ وإن أوصى له بثلث ماله ولعمرو بنفقته حياته ولبكر بدانقين كلّ يوم ما حيي ضرب لكلّ بوصيَّته، فلزيد ثلث ولعمرو بثلث الثلث؛ وكذا لبكر؛ فإن مات عمرو أو بكر أو كلاهما رجع ما بقي بأيديهما إلى زيد لدخولهما عليه.
ومن أوصى بأكثر من الثلث في مرضه فأجاز له وارثه فلا يجد النقض بعد موته إن استشاره بذلك فأجازه له، ولا الرّجوع.
ومن أوصى بثلث ماله لابن أخيه وقال: مالي كذا وكذا كنت أعطيه فلانا منذ حين وليس لي، فنازعه الورثة فاستخرجوه منه، فابن الأخ لا يدخل عليهم فيه، لأنَّ الموصي قد أخرجه من الوصيَّة.
__________
(1) () - ب: «المريض». (6/135)
صفحة 2674
وإن أوصى مريض بعتق غلامه ولزيد بمائة درهم وهو يسوى ثلاث مائة ولا مال له سواه فللورثة منه الثلثان والثلث بين عتقه وزيد، لكلٍّ بقدره.
أبو عليٍّ: من أوصى لزيد بثلث ماله وبوصايا تدخل فيه، فقال زيد: أنا أردُّ على أصحابها وآخذ الثلث وافيا، وقال الورثة: بل نحن نردّ عليهم ونأخذ مالنا وخذ أنت منابك منه، فهم أولى منه بذلك.
ابن محبوب وأبو زيَّاد: من لم يترك إلاّ وفاء دينه لزوجته، وأوصى للأقربين بوصيَّة فأجازتها فلا شيء لوارثه إن طلبها. أبو سعيد: إن أجازتها على ما أوصى به وأتمّتها من مالها فله ثلثاها، وللأقربين ثلثها، لا يدخل عليهم الوارث بشيء فيه؛ وإن لم تتمّها للهالك إنَّما أتمّتها للأقربين ولم يحصل للوارث شيء (1) كان معهم شرعا فيها ولا تدخل الزّوجة معهم (2).
وإن أوصى لزيد بثلث ماله ولعمر بربعه قسِّم الثلث بينهما على سبعة، فلزيد أربعة ولعمرو ثلاثة.
أبو سعيد: من أوصى لرجل بثلث ماله وترك قليلا فقسّم فأخذ الرجل ثلثه ثمَّ صحّ أنّ له كثيرا قبل موته؛ فإن أوصى وقد دخله فثلثه للرجل لو لم يعلم به الموصي؛ وإن دخله بعد الإيصاء، فقيل: له ثلثه يوم الإيصاء؛ وقيل: يوم الموت، وهو المختار وقد مرّ ذلك.
__________
(1) () - ب: «شيئًا».
(2) () - ب: «معهم الزوجة». (6/136)
صفحة 2675
الباب الثامن والأربعون
في الوصيَّة والإقرار بمثل نصيب أحد بنيه
فمن أوصى لابن أخيه به وقد ترك امرأته وثلاثة، ففريضة من أحد وثلاثين لأنَّها أوَّلاً من أربعة وعشرين؛ وكذا إن أوصت ذات زوج بذلك ولها ثلاثة ففريضتها أوَّلاً من ستّة عشر فتنقسم (1) من عشرين.
ومن ترك بنتين أو أختين ــ قال عزَّان ــ وأوصى لأجنبي بمثل نصيب أحداهنّ فمات ولم يبيّن، فقيل: له أقلُّ الأنصباء؛ وقيل: نصفه ونصف الأكثر فله ربع المال.
ومن ترك خمسة وأوصى لزيد بمثل أحدهم ولعمرو بثلث الباقي من الثلث ففريضة من أحد وخمسين، فثلثها سبعة عشر. ولينظر بيان هذا الباب في فرائض الشيخ إسماعيل.
__________
(1) () - ب: «فتقسَّم». (6/137)
صفحة 2676
الباب التاسع والأربعون
في الوصيَّة بالمال والسهم والجزء والنّصيب ونحو [445] ذلك
فمن أوصى لزيد فرفع ماله وهو موضع كذا فلمّا مات وجد أكثر من ربعه أو أقلَّ منه فله ربع ماله زاد أو نقص؛ وإن أوصى له بجميع ماله ولعمرو بنصفه ولبكر بثلثه ولخالد بسدسه فإنّما لهم معا ثلثه، فلزيد سهمان، وكذا لعمر ولبكر، وسهم لخالد، لإبطاله ما زاد على الثلث وردّه إليه وأثبت ما كان أقلَّ منه؛ وقيل: يضرب بينهم على قدر وصاياهم، ثمَّ يكون لعمرو كنصف ما لزيد، ولبكر كثلثي ما لعمرو، ولخالد كنصف ما لبكر؛ وقيل: إنّ هذا غلط وإنَّما لعمرو كنصف ما لزيد، ولبكر ثلث ما لزيد ولخالد سدس ما له أيضا.
وإن أوصى لزيد بجزء أو سهم من ماله، فقيل: يعطيه وارثه ما شاء؛ وقيل: إن قال: بجزء فله الرّبع؛ وإن قال: بسهم فله السّدس؛ وقيل: كبنته إن كانت له بنات؛ وقيل: أقلّ السّهام؛ وقيل: له نصفه ونصف الأكثر؛ وقيل: له سهم من النبل الذي يرمى به يشترى له من الثلث.
ابن محبوب: إن أوصى لزيد بنصف ماله ولعمرو بثلثه فهما سيّان في الثلث؛ وإن أوصى له بسدس ماله وبثيّاب سمّاها قوم المال بها فيعطي سدس القيمة ثمَّ الثياب أيضا بعده. أبو عبد الله: إن قال: إنّ لفلان سهما في ماله فلا يثبت حتَّى يقول: كسهم أحد ورثته من كذا؛ وقال الأكثر: له من أربعة وعشرين واحد (1)؛ وقيل: من ستّة؛
__________
(1) () - ب: «واحدًا». (6/138)
صفحة 2677
وإن قال: بجزء أو بطائفة أو بشخص أو ببعض من ماله فالكلّ سواء ويعطي الوارث ما شاء كما مرّ؛ وقيل: البعض هو النّصف. وإن قال: بالثلث إلاّ قليلا أو إلاّ شيئًا أو بجملة هذا الألف أو بعامّته فله النّصف والزائد عليه إلى الوارث يعطيه ما شاء من النّصف الآخر.
ابن قريش: من أوصى لزيد بعشر ماله فوجدت له (1) مائة نخلة فقضيت عنه خمسون في الدّين فلزيد عشر الباقية؛ وإن أوصى له بعشر نخلات فقضيت عنه الخمسون فله عشر في الباقية.
ومن أوصى لزيد بمائة درهم وبخمسين لعمرو وبثلاثين لبكر ولخالد بعشرين وبأن يصبح من ماله في مسجد كذا مصباح دائما ولم يسمِّ له شيئًا فإنَّه يضرب في ثلثه لأهل الوصايا وللمصباح بثلث ماله، فإذا انهدم وذهب حتَّى لا تمكن إعادته رجع الباقي إلى من ذكر حتَّى يوفّون وصاياهم فما بقي منه فهو للوارث فيفرض ثلثه ثلاث مائة، فيكون قد أوصى للمصباح بها وللرّجال بمائتين فذلك خمس مائة، فيوقف له ثلاثة أخماس من ثلاث مائة وهي مائة وثمانون، ويعطي لزيد خمس الثلاث مائة وهو ستّون، ولعمرو نصفه ثلاثون، ولبكر ثلاثة أعشاره ثمانية عشر ولخالد خمسه اثني عشر؛ فإن أصبح في المسجد بثمانين ثمَّ انهدم كذلك فيدفع من المائة الباقية لزيد أربعون، ولعمرو عشرون، ولبكر اثني عشر، ولخالد ثمانية، فتتمّ وصاياهم وتبقى عشرون للوارث.
__________
(1) () - أ: + «خمسون نخلة». ويبدو أنَّه شطِّب عليها. (6/139)
صفحة 2678
الباب الخمسون
في الوصيَّة للرسول وللمسلمين وفي سبيل الله أو في السّبيل
فوصيَّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ثابتة للفقراء وتدفع وصيَّة المسلمين إلى الإمام العدل إن وجد، وإلاَّ فلفقرائهم.
أبو سعيد: إذا لم يحد فيها حدّا فهي عندي لهم ولو في غير أيّام دولتهم؛ وإن قال: تدفع إليهم إن قاموا أو إمام منهم دفعت إليهم أو إليه؛ وليس لوصيِّه أن يجعلها إلاّ حيث أمره وتوقف على ما أوصى بها ولا تزال كذلك، إلاّ إن قال: هي من زكاته فيجوز له دفعها للفقراء.
ابن روح: إذا أريد بالوصيَّة الأولياء فلا تعطي الأولياء أو صغيره أو يتيما أبواه وليّان؛ وإن أراد بها المسلمين لا أهل الولاية فهي لأهل الصلاة؛ وقيل: لفقرائنا (1)؛ وقيل: لكلّ مقرّ؛ وقيل: لأهل الولاية منّا.
ومن قال: إذا متّ فقطعتي الفلانية في سبيل الله ثمَّ احتاج إلى أكل ثمنها فلا يجوز له بيعها، قال: مسبِّح: إنّها من الثلث إذا مات، وبه قال: سليمان وعند موسى وبشير من الكلّ.
ومن أوصى بشيء للسّبيل ثمَّ أمر به أن يباع ويفرَّق على الفقراء ولم يقل: إنَّه نقض الوصيَّة، فقال: أبو الحواري مرّة: لا نعرف ما السبيل، ومرة: إنَّه كالضيافة لمحتاج إليه ولو غنيا وله الرجوع في هذا، وجاز جعله للفقراء وتركه على ما أوصى به،
__________
(1) () - ب: - «وقيل: لفقرائنا». (6/140)
صفحة 2679
لا ردُّه إلى ملكه بعد صرفه ووضعه في باب من البرِّ؛ وقيل: له الرجوع فيه إذا كان وصيَّة؛ وإن تركها بحالها ولم يأمر ببيعها وتفريقها وثلثه يسعها فلا نحبُّ لوارثه أن يتعرَّض بها، إلاَّ إن احتاج إلى أكل منها كغيره على وجه السبيل.
وعن أبي الحواري: لا يمنع من بيعها إن أراده، واختير أنَّه لا يردُّه إلى ملكه بل يدعها كذلك إن أوصى بها الميِّت في صحَّته، ويحمل قول أبي الحواري على الإيصاء بذلك في مرض موته، وقد جاء الأثر أنَّ للموصي أن يرجع عن وصيَّته ويزيد فيها وينقص كانت في صحَّة أو مرض أو في برٍّ، أو لأحد غنيا كان أو فقيرا إذا سمَّاها وصيَّة، فإذا لم يرجع فيها حتَّى مات ثبتت من ثلثه ما لم يوص بباطل، وليس للوارث تبديلها ولا نقضها إلاَّ في جائز له.
ومن أوصى بنخلة للسبيل أو باعها أو وهبها، ولم يقل: بما تستحقُّ ولها مسقى وطريق وصلاح من الأرض فهو تبع لها؛ وقيل: الإيصاء له ليس بشيء، لأنَّه الطريق؛ وقيل: إنَّه كالصافية؛ وقيل: هو للفقراء والأغنياء والمسافرين من المسلمين، وسبيل الله هو الجهاد، وابن السبيل هو المسافر المارُّ في الطريق لا المتَّخذ فيه بيتا وأهلا ولو قصَّر.
ومن مكث في بلد بحاجة ولا مال له فيه ولا أهل (1) فمن ابن السبيل ويستوي فيه غني وفقير، وحاضر وباد.
ومن جعل منزله (2) لعابر السبيل نزل فيه المسافرون.
__________
(1) () - ب: «ولا أهل له فيه ولا مال».
(2) () - ب: «منزل». (6/141)
صفحة 2680
الباب الحادي والخمسون
في الوصيَّة للشذا (1) والشراة
أبو الحسن: من أوصى بشيء لشذاء المسلمين وهي المراكب والسفن للبحر أو قال: لها كذا جعل في سبيلهم إن لم يكن لهم شذاء؛ فإن عنى به الجهاد جعل فيه إذا خرجوا إليه، وإلاَّ فرِّق على فقرائهم.
وثبت ما للشذا (2) إن كانت يسار فيها بالعدل وإلاَّ وقف إلى قيامه أو يخرج فيها قائم به. ومنع أبو سعيد جعله في غير ما أوصى به.
ووصيَّة الشراة ثابتة في كل عصر؛ فإن مات الموصي لهم في زمانهم، وإلاَّ انتظر بوصيَّتهم إلى خروجهم.
وتدفع إلى الإمام لا إلى الفقراء، ويعلم أنَّها للشراة. وقال أبو سعيد: إن لم يحدَّ فيها حدًّا، ولم يوجد منهم قائم بالعدل أعطيت فقراء المسلمين لأنَّهم من الشراة وهم الفقراء والأغنياء.
__________
(1) () - ب: «لاشذا».
(2) () - ب: «للشذاء». (6/142)
صفحة 2681
الباب الثاني والخمسون
في الوصيَّة للطرق والأموال والموارد والأطوء (1)
أبو الحسن: من أوصى للطرق أو في مصالحها جاز ويجعل فيها، فيعطى من يوطئها ويسوق في وعثها إلى الهفوات، لأنَّه من مصالح المارِّ فيها ويقطع منها الشجر وتسوَّى، وجاز أن يحفر فيها بئر لأنَّها من مصالحه.
ومن أوصى بمائة درهم في صلاح مال ورثة فلان (2) فلا يثبت، لأنَّه لا وصيَّة لمال، ولأنَّه إن كان له مال فلا يجوز له جعله في صلاحه بلا أمره، ومن ثمَّ قيل: لا يثبت إلاَّ إن وصف ما يخرج في معنى ثبوته على قول. ولا يجوز إيصاء بغير جائز في التعارف على وجه، كأن يقول أحد: لذات فلان عليَّ كذا وكذا قفيزا من شعير أو لمنزله أو كبشه أو نحو ذلك؛ وإن أوصى لعبد أجنبيٍّ، فقيل: يثبت ويرجع إلى سيِّده؛ وإن أوصى لحمار زيد ببردعة أو لفرسه بسرج أو بكذا مكوك شعيرا، فقيل: يثبت لزيد، لأنَّه راجع إليه؛ وإن أوصى ببيت يبنى قرب بئر أو بها أن تحفر، فاذا لم يحدَّهما كان البيت وسطا من هذه البيوت المدركة على نحو ما أوصى به عند الثقات العارفين بها؛ وإن لم يعرف اختير مشاورتهم؛ وكذا يقصد في البئر إلى مقاطعة في متوسِّطة لا إلى إتلاف مال لغير معنى إن أبهمت الوصيَّة؛ وإن كان هناك حدُّ وصفة فالوصيَّة على ذلك.
ومن أوصى ــ قيل ــ بمائتي درهم يحفر بها طوي (3) في بعض الطرق؛ فإن
__________
(1) () - ب: «الأطواء».
(2) () - ب: - «فلان».
(3) () - ب: «صوي». (6/143)
صفحة 2682
استقرح بها الوصي طويا فلم تفرغ فيها اختير أن يوقف الباقي منها للمستقرحة بها، ولا يجعل في غيرها ولا يردُّ للوارث إن خرجت من الثلث؛ وإن نفذت قبل خروج الماء منها فلا شيء عليه إلاَّ إن شرط الموصي أن يحفر بها طويا (1) ليخرج منها الماء بها فليس للوصي حينئذ أن يقاطع إلاَّ على حده؛ وإن اكترى بها رجلا يحفر له طويا يخرج منها الماء فمنعه الصفا قبل خروجه، فإن كان لا يطيق حفره وكان عذرا له فله أجره، ولكن إن قوطع بالمائتين بعينهما على إخراجه وأعلمه أنَّهما وصيَّة وأنَّه لا حقَّ له فيهما إلاَّ إن خرج فيها فليس له (2) شيء حتَّى يأتي بالمحدود؛ وإن قاطعه على حفر هذه البئر إلى أن يمهيها بمائتين فعرض له من الجهالة ما يستحقُّ به عليه أجرة، لا يبلغ بها ثبوت الوصيَّة ويجهل فيها الوصي أصل ثبوتها خيف عليه ثبوتها عليه دون مال الموصي إذا لم يشترط عند المقاطعة ما حدَّه؛ وإن شرطه عليه ولم يأت (3) بكلِّ ما قوطع عليه لم تكن له في مال واحد منهما والمقاطعة تكون على بئر وسطى إن كانت الوصيَّة مبهمة لا محدودة.
ومن قال: جعلت فلانا وصيي يحفر لي بئرا بهذه الدراهم فتلفت أو اقترضها الوصيُّ أو ضمنها أحدا بإنفاذها بطلت وصيَّته ورجعت إلى الوارث؛ وإن قال: هذه الدراهم وصيَّة منِّي يحفر بها عنِّي بئرا فاقترضها أو ضمنها كذلك ثبتت ويبدلها وتنفذ في معناها.
ومن لزمته تباعة من فلج لا يعرف ربُّها من أهله؛ فإن لزمه أن يقرَّ بها أقرَّ أنَّ عليه لفلج كذا درهمين مثلا؛ وإن قال في وصيَّته: لزمتني تباعة لفلج كذا وهي كذا وقد أوصيت به في صلاحه من مالي بعدي ثبت أيضا؛ وإن أوصى لفلج بدراهم فأعطى الوصي في حفره حبا بها كما يأخذه حفار [447] من أهله، فقيل: لا ينفِّذ الوصيَّة إلاَّ على ما أوصى بها الميِّت؛ وإن قال لهم: إنَّه أوصى بدراهم في حفره فإنِّي أعطيكم ما شئتم من حبٍّ أو دراهم فاختاروا الحبَّ جاز له.
__________
(1) () - ب: «صويًا».
(2) () - ب: - «له».
(3) () - ب: «يأتي». وهو خطأ. (6/144)
صفحة 2683
الباب الثالث والخمسون
في الوصيَّة للكفن والقبر والموتى
فالكفن عند الأكثر من الكلِّ قبل الدين؛ وقيل: من الثلث بعده؛ وإن لم يكن له إلاَّ كفنه وأحاط دينه به وطلب غرماؤه أخذه منه ويدفن عريانا، فقيل: لهم ذلك، ومنعهم الأكثر، ويكفن بواحد وسط.
ومن مات وعليه دين وما عنده إلاَّ ثوب، فقال أبو عبدالله: يكفَّن به وأمره إلى الله، وقال عزَّان: يدفن عريانا ويباع ثوبه في دينه، لأنَّ الله يسأله عنه لا عن دفنه عريانا. وسئل أبوسعيد عن موص أن يكفَّن بثياب معروفة من ماله بلفظ يثبت في معنى الوصيَّة أيثبت ذلك؟ قال: لا عندي، والرأي إلى وارثه. وإن أوصى أن يصلِّي عليه فلان، فقيل: هو أولى؛ وقيل: الوليُّ أولى؛ وكذا في غسله وتكفينه ودفنه. ومنع القائل أنَّ الكفن من الثلث من تكفينه من ماله في الحكم حتَّى يصح أنَّه يسعه الثلث إلاَّ برأي وارثه؛ وإن صحَّ الإيصاء منه بمعلوم ويسعه جاز تكفينه به؛ وقيل: أقله ثوب يستره وأكثره ثلاثة أثواب؛ وقيل: أربعة؛ وقيل: ستَّة بلا مجاوزة (1) فما صحَّ عنها إلاَّ ما قيل: إنَّه بما يلبسه حيا؛ وقيل: الستَّة للمرأة، والرجل لا يجاوز الخمسة كما مرَّ.
ومن أوصى بشيء للقبور جعل في اللبن التي تجعل على الميِّت وفي المساحي التي تحفر بها والقرب الحاملة للماء (2) لها وفيه، لا في حصى تنصب علامات لها، ولا في نعش.
وما جعل للموتى تدخل فيه القبور وما يحتاج إليه الميِّت من غسل وحنوط
__________
(1) () - ب: «مجازة».
(2) () - ب: «التي تحمل الماء». (6/145)
صفحة 2684
وكفن وسرير وحمله وحفر وغير ذلك.
وإن فقد من يقبره استؤجر عليه من ماله من يجهزه. وفي كونه من الكلِّ أو من الثلث قولان، واختير الأوَّل كما مرَّ.
ودخل فيما للموتى الأغنياء والذكور والأحرار ومقابلوهم وأهل الذمَّة أيضا.
ولا تستعمل مساحي القبور لغيرها ولا قربها لشرب. وقد مرَّ أنَّ الموصى له إذا مات قبل الموصي رجع ما أوصى له به إلى وارثه بخلاف الإقرار فإنَّه لوارث الموصى له به؛ وإن مات بعد الموصي ولم يقبض ما أوصى له به في حياته فهو لوارثه (1) إن وجد، وإلاَّ فكمال لا يعرف له ربٌّ؛ وقيل: يبحث عن معرفة وارثه سنة من حيث يرجى دركها؛ فإن عرف وإلاَّ فرق؛ وقيل: إنَّه مال حشري مؤبَّد حتَّى يصحَّ له وارث يدفع إليه، وإلاَّ فهو بحاله.
__________
(1) () - ب: سقط: «وإن مات بعد الموصي ولم يقبض ما أوصى له به في حياته فهو لوارثه». (6/146)
صفحة 2685
الباب الرابع والخمسون
في الوصيَّة للحمل
فمن أوصى لما في بطن امرأة زيد من ولد بكذا من ماله بحقٍّ له عليه فأمَّا على معنى القضاء فيختلف في ثبوت الوصيَّة له إن ولد حيًّا وثبت له الإيصاء والإقرار عند من لا يخرجه مخرج العطية.
أبو الحواري: من أوصى وقال: إن كان ما في بطن فلانة جارية فلها ألف درهم وصيَّة؛ وإن كان غلاما فله ألفان فولدت جارية لستَّة أشهر إلاَّ يوما وغلاما بعدها بيومين أو ثلاثة أو أقلَّ فالوصيَّة لهما من الثلث لاجتماعهما في بطن، وأنَّها وقعت لهما معا حيث ولدت الجارية لأقلَّ من ستَّة؛ وإن ولدت غلامين وجاريتين لأقلَّ منها فذلك إلى الوارث يعطي أيَّهما وأيَّتهما شاء، وتكون الوصيَّة بينهم معا؛ وقيل: لا خيار له في ذلك لأنَّها لهم معا؛ وإن قال: إن كان الذي في بطنك غلاما فله ألفان؛ وإن كان جارية فلها ألف فولدتهما أو غلامين أو جاريتين فلا شيء لواحد منهما، لأنَّ الذي فيه غير ما قال.
ومن ترك حاملا وأوصى لما في بطنها ثمَّ ولدته لستَّة ثبت نسبه وله وصيَّته؛ وكذا إن وضعته ما بينها وبين سنتين؛ وإن أوصى له ثمَّ وضعته بعد موته وبعد الوصيَّة بشهر ميِّتا فلا وصيَّة له، لأنَّه لا يدرى أكان عندها حيًّا أو ميِّتا؛ فإن ولدته جازت له من الثلث؛ وإن ولدت حيًّا وميِّتا فهي للحيِّ؛ وإن ولدتهما حيَّين فبينهما.
واختلف في الوصيَّة للجنين، فقيل: إذا ولد لأقلَّ من ستَّة حيًّا جازت له، لا إن ولد لها أو لأكثر؛ وقيل: إن مات أبوه جازت له إذا ولد لسنتين أو أقلَّ مذ مات لا إن (6/147)
صفحة 2686
كان أبوه معها فجاءت به لستَّة أو أكثر؛ وقيل: إن اجتنبها وأشهد على ترك وطئها جازت له إن أتت به لأقلَّ من سنتين؛ وقيل: إن ولدته لتسعة أو أقلَّ جازت له.
وروى غسان أنَّ موصيَّة في مرضها قالت: يوم أموت فلِما في بطن أختي ذكرا أو أنثى ثلث مالي فصحَّت منه وأسقطت أختها، ثمَّ حملت أيضًا وماتت وأختها حامل فأتمَّ سعيد الوصيَّة لمَّا حملت لقولها: يوم أموت فلِما في بطنها ذلك.
ومن أوصى لأولاد فلان بكذا من ماله وامرأته حامل فإذا وضعت لستَّة من موت الموصي أو لأكثر فلا يدخل ولدها مع إخوته فيه ودخل إن وضعته لأقلَّ منها.
وجازت الوصيَّة لولد الولد إن لم يكن وارثا. والإيصاء للحمل أن يقول: قد أوصيت بكذا وكذا لحمل فلانة بنت فلان الذي هو في بطنها. (6/148)
صفحة 2687
الباب الخامس والخمسون
في الوصيَّة لبني فلان [448] ولفلان ولأولاد فلان ونحو ذلك
فمن قال: ثلث مالي لبني أخي فلان وهم ثلاثة فوجد (1) له خمسة قال أبو عبد الله: إن الوصيَّة للخمسة لثبوتها لأولاده؛ وإن قال: لبني أخي وهم خمسة فوجد له ثلاثة فقط فلهم ثلاثة أخماسها ويرجع الخمسان إلى الوارث، والفرق أن الخمسة في الأولى موجودة وفي الأخيرة معدومة، لأنَّ قوله في الأولى وهم ثلاثة مجرد إخبار؛ وكذا إن قال: وهم بالبصرة، فوجدوا بمكة أو بالكوفة فالوصيَّة لهم، ولا يضرُّ قوله وهم بالبصرة كذلك؛ وإن قال لأحمد ومحمَّد وعبدالله بني أخي فوجد له خمسة ثلاثة منهم محمَّدون وواحد أحمد وآخر عبدالله، فقيل: يقسم ثلثه أثلاثا ثلث لأحمد وآخر لعبد الله وآخر بين المحمَّدين؛ وإن قال: لابن فلان وهو محمَّد فوجد (2) له ثلاث محمَّدين فبينهم معا؛ وإن قال: لبني فلان وهم ذكور وإناث فسواء؛ وقيل: للذكور؛ وإن كنَّ إناثا معا رجعت للوارث؛ وإن قال: لأحد بني أخيه ولم يسمِّه فقال: كلٌّ من بنيه هي لي كانت بينهم وعلى كلٍّ يمين ما يعلم أنَّها لغيره إن طلبوا ذلك؛ وإن وجد له ثلاثة إخوة أو أكثر ومع كلٍّ أولاد فهي لهم معا ويتحالفون كذلك.
وإن أوصى بألف لبني فلان وهم خمسة ولفلان بن فلان، فنصفان؛ وقيل: على العدد؛ وبطلت ــ قيل ــ إن قال: لأحد هذين أو لهذا أو ذاك؛ وإن عيَّنه ونسيه الشهود
__________
(1) () - ب: «فولد».
(2) () - ب: «فولد». (6/149)
صفحة 2688
كانت بينهما كما مرَّ؛ وكذا إن قال: لبني أخيه ثمَّ عيَّن أحدهم ونسي فبينهم في الحكم؛ وإن قال: لبني فلان وبني فلان وبعضهم أكثر عددا فعلى عددهم؛ وقيل: لكلِّ قوم نصف؛ وإن قال: كذلك ولفلان فالنصف له والنصف للأوَّلين؛ وإن قال: لبني فلان وبني فلان ولبني فلان ولبني فلان فالنصف بين الأولين والنصف بين الأخيرين وإن قال: لبني فلان وبني فلان وبني فلان فعلى عددهم؛ وإن قال لفلان ولبني فلان فعليه أيضا على المختار؛ وقيل: لفلان النصف ولبني فلان النصف؛ وإن قال: ثلث مالي لفلان وفلان وللفقراء فأثلاثًا؛ وعند أبي سعيد النصف لهم والنصف بين فلانين؛ فإن أوصى لبني أخيه ولبني فلان بثلث ماله فالنظر إلى عددهم يوم موته لا إيصائه؛ ومن مات منهم قبله رجع منابه إلى وارث الموصي؛ وقيل: إن أوصى لبني فلان وهم عشرة بثلث ماله فلم يمت حتَّى مات منهم تسعة فللباقي منهم عشره.
وإن أوصى لبني فلان (1) فلا يدخل معهم ولد الولد، إلاَّ إن كانوا مِمَّن ينسبون إليه وهو فلان جدٌّ أو قد توفي فيكون لمن ينسب إليه معا؛ وإن صار كهيئة الفخذ والقبيلة فللبطن الأعلى والأسفل معا. وإن قال: غلَّتي لآل بني فلان ولآل فلان فعلى عددهم إن كانوا يحصون، وإلاَّ بطلت الوصيَّة؛ وقال أبوسعيد: يعطى من قدر عليه كالوصيَّة للفقراء ولا يحصون؛ وإن قال: لبني فلان صغارهم وكبارهم ونسائهم ووجد بنو بنيهم ونسولهم لا أحد منهم، قال أبو عبد الله: إذا لم يصب له أولاد فليس لبنيهم شيء.
وإن أوصى لبني فلان فالإناث فيه كالذكور. وإن قال لولده دخل فيه ولد ولده الذي ينسب إليه ولو أنثى لأولادها؛ وإن قال: لبني بنيه ولم يوجد له إلاَّ بنات فلا شيء لهنَّ إلاَّ إن قال: لأولاده؛ وإن قال لإخوته ومعه أشقَّاء وإخوة لأب وإخوة لأمٍّ، فقيل: بين الكلِّ سواء؛ وقيل: للأشقَّاء الثلثان وللفريقين الثلث بينهم؛ وإن قال: لولد فلان دخل فيه من ولد وقبل القسمة؛ فإن كان له بنات وبنو ابن فلهنَّ دونهم، لأنَّه
__________
(1) () - ب: + «فلان». (6/150)
صفحة 2689
لولد الصلب ولو واحدا إن وجد، وإلاَّ فلولد الابن، والأنثى فيه كالذكر؛ وقال هاشم: إن قال لبني فلان أو لولده فسيَّان عندي، وهو رأي محبوب أيضًا.
وإن قال: لبني فلان وهم قبيلة لا تحصى، فقيل: بطلت الوصيَّة كما مرَّ، لأنَّه لا يعلم نصيب كلٍّ؛ وقيل: لا، ويعطي الأقرب منهم مِمَّن قدر عليه. وإن قال: لفلان ولفلان أو بينهم فمات ثمَّ أحدهما فبين الحي ووارث الميِّت؛ وإن مات قبل الموصي وبعد الوصيَّة فنصفها للحيِّ وردَّ الآخر لوارث الموصي كما مرَّ؛ وإن قال: لفلان وفلان وأحدهما ميِّت فالكلُّ للحيِّ؛ وقيل: النصف فقط، والآخر مردود أيضًا؛ وإن قال: لفلان ولعمَّته فأثلاثا؛ وقيل: [449] سواء؛ وإن قال: لفلان وللمساكين فأنصافا؛ وكذا له وللحاجِّ؛ وإن قال: لبني فلان وهم أربعة فمات أحدهم وولد له ثمَّ مات الموصي فللولد مناب أبيه؛ وقيل: إن مات بعد الموصي فكذلك، وإلاَّ فللباقين فقط؛ وقيل: لهم ثلاثة أرباع والربع راجع إلى وارث الموصي؛ وإن قال: لمن أعتقهم ثمَّ مات بعضهم وأعتق بعد الإيصاء بعضا ثمَّ مات هو دخل الأخير مع الأوَّلين؛ وإن قال: لموالي وله موال أعتقهم وموال أعتقوه بطلت الوصيَّة للجهل.
فصل
من أوصى لزيد وبنيه بكذا فوجد بنوه عشرة فقيل: هو على أحد عشر؛ وقيل: لزيد نصفه ولبنيه نصفه سواء؛ وكذا إن قال: له ولهم؛ وإن قال لزيد وللفقراء فأنصافا؛ وإن قال: لزيد وعمر ولخالد وبكر وجعفر ولعزَّان وعثمان ولسعيد فأرباعا؛ وإن قال (1): لزيد وعمر ولجعفر وخالد ولبكر وحفص وسليمان ولسعيد ولهاشم ولمحمَّد فأسداسا؛ وإن قال: لزيد وعمر ولعبد الله وخالد وبكر ولإبراهيم وأحمد وموسى وعيسى فأثلاثا.
__________
(1) () - ب: - «قال». (6/151)
صفحة 2690
وإن قال لبنات فلان فلم توجد له أنثى ردَّت الوصيَّة كما مرَّ. وإن قال لبني أخيه فلان ولبني أخيه فلان فنصفان؛ وكذا لأخيه فلان ولبني أخيه فلان. ورأى هاشم في موص لفلان وبنيه من أقاربه بمائة خصَّهم بها وأوصى لأقاربه أيضًا، أنَّ للأب سهمين ولكلٍّ من بنيه سهما؛ وقيل: على الرؤوس؛ وقيل: أنصافا؛ وإن لم يصحَّ لأحد من الأقارب وصيَّة غيرهم قسمت عليهم قسمة الخاصِّ لا وصيَّة الأقربين.
وإن أوصى لبني أخيه بمائة وقد كتب الوضع كذلك بلا نقط لفوقانيَّة أو سفلانيَّة وله بنوا أخ وبنو أخت، ولا يدرى لأيِّهما أوصى ولا بيِّنة، ردَّت لوارثه.
وإن أوصى لفلان بكذا بوصيَّة أو وكَّله بوكالة ثمَّ شهد عدلان أنَّهما لا يعلمان في البلد فلان بن فلان إلاَّ هذا جازت له؛ وإن نسبه إلى ثالث وفيه مواطئه في اسمه واسم أبيه لا في جدِّه فصحَّ أن ليس فيه إلاَّ هو جازت له أيضًا؛ وإن نسبه إلى صفة يعرف بها ولا يعلمان في البلد فلان بن فلان عليها إلاَّ هذا فكذلك. (6/152)
صفحة 2691
الباب السادس والخمسون
في الوصيَّة للوارث
وقد مرّ أنَّه تواتر: «لا وصيَّة لوارث». فمن أوصى في مرضه لبعض ورثته فأقرُّوا به ورضوا في حياته، قال الربيع: جازت عليهم بعد موته؛ وقال أبو مروان: إذا أحرز ذلك في حياته وأمضاه له إخوته ثمَّ طلبوه بعده في الدخول فيه معه فلهم ذلك عليه ولا يضرُّهم إحرازه عليهم ولا إمضاؤهم لأبيهم، إلاَّ إن أحرز عليهم في صحَّته؛ وقيل: إذا نوى أن يوصي له بشيء وعرفهم إيَّاه فأوصى له به ثبت له.
ومن قالت في صحَّتها (1): يوم أموت فلأخي من أمِّي ثلث مالي وأشهدت على ذلك يوم ماتت وقد ولدت فقال له ورثتها: أشهدت لك وأنت وارث، وقال هو: استحققته (2) بعدها، فله ــ قيل ــ ثلثه؛ وقيل: لا عند من يراه وصيَّة. وإن قال: أوصيت للفقراء ولأقاربي أو نحو ذلك، فقال أبو الحسن: يعطي فقراء أقاربه ممَّا يدخل فيه الفقراء إلاَّ في التي أوصى بها لهم أو لأقاربه؛ وكذا يعطى من كفَّاراته وزكاته الواجبة عليه في حياته، ولا له أن يعطيها (3) إيَّاه إن لزمه عوله فيها ثمَّ أوصى بها ومات إن لم يرثه.
ومن أوصى بزكاة أو حجٍّ أو كفَّارات أو غيرها فللورثة ثلثاها ولو أغنياء بالاستحقاق لا بالوصيَّة. وكل مستحقٍّ لإرث لم تجز له وصيَّة ولو فقيرا إلاَّ على ما
__________
(1) () - ب: «صحَّته».
(2) () - ب: «استحققتها».
(3) () - ب: «يعطيه». (6/153)
صفحة 2692
مرَّ، أو على أنَّها (1) لم تثبت فيدخل فيها بإرث.
ومن أوصى بشيء للفقراء فلوارث وارثه أن يأخذ منه إن كان فقيرا، ولا يمنعه ممَّا استحقَّه بقرابة ماله بفقر؛ وقيل: لا يدخل فيما للفقراء، لأنَّه قد يدخل فيه عليهم ولو لم يكن له وصيَّة وكلُّ وصيَّة يدخل فيها ولو لم تكن له، وإنَّما استحقَّها إن كانت للأقارب فلا يأخذ منها فقراء الأقارب لفقرهم وإنَّما يدخلون به فيما لا يدخل فيه الأقارب من زكاة وكفَّارة ونحوهما.
ومن أوصى لوارث ولم يرجع ولم يمت حتَّى صار غير وارث، فقيل: له الوصيَّة؛ وقيل: لا، وفي عكسه اتِّفاقا. ولا إن أوصى له وارثا ثمَّ صار غيره ثمَّ صار وارثا ومات وهو غير وارث؛ فإن أوصى لغير وارث ثمَّ صار وارثا ثمَّ كان غيره ومات جازت له اتِّفاقا.
ومن أوصى لأقاربه بشيء وعليه محيط بماله ولم يرثه ينوه فليس لأقاربه منه إلاَّ ثلث باق بعد الدين والثلثان لبنيه؛ وإن أتمَّ الغرماء لهم وصيَّتهم فلا يأخذ منها بنوه شيئًا؛ وقيل: يدخلون معهم فيها كذلك إذا لم يرثوا شيئًا، واختير كما مرّ أنَّهم إن تركوا ذلك للميت دخلوا فيه كذلك لا إن تركوه للأقارب.
ومن أوصى لوارث [450] فأمضى له غيره ولم يعرفوا ما أوصى له به فقال هاشم ومسبِّح لا رجوع لهم وأجازه لهم أزهر وسليمان؛ وإن أوصى له بحقٍّ أو ضمان لزمه له (2) جاز له، وخيِّر غيره في إتمامه وفي إعطائه القيمة إن أوصى في مرض لا إن قال: فيه بحقٍّ ليسه بوفاء له؛ وإن أوصى له بقيامه عليه ثبت له. أبو سعيد: إن قال: أوصى أنَّ موضع كذا من ماله لفلان كان إقرارا؛ وقيل: لا يجوز له.
ومن أوصى لأقاربه وللفقراء بوصيَّة فللوصي أن يعطيها كلَّها لأقاربه إن كانوا
__________
(1) () - ب: «أنَّه».
(2) () - ب: - «له». (6/154)
صفحة 2693
فقراء لاستحقاقهم إيَّاها من جهتين، ولهم أن يأخذوا أيضا من الأيمان وغيرها ممَّا يدخل فيه الفقراء كما مرَّ.
ومن أوصى لولده بنخلة فأكلها على إخوته وهم سكوت لا مجيزون ولا منكرون حتَّى مات أو ماتوا فطلب ورثتهم فإنَّهم يدركون، لبطلان الأوَّل وأثم الأب في فعله وعلى الآكل ردّ الغلَّة لإخوته بالحصص.
ومن أشهدت بمالها لزوجها على الإقرار جاز له وثبت، لا إن كان على الوصيَّة. أبو الحواري: من قال عند موته: منزلي لزوجتي وبنتي إلاَّ إن أحدثت حدثا فلا يثبت إلاَّ إن سماه، فما لم تحدثه فكما قال، وتقسمانه على الرؤوس لا على الإرث.
ومن أراد أن يحسن إلى زوجته وأبى أن يعطيها شيئًا في حياته وأراد أن يكافئها به بإحسانها إليه أشهد أنَّه إذا حدث به موت أو متى حدث به أو متى أو إن أو إذا مات فموضع كذا من ماله لها، فقيل: إنَّه يخرج (1) كالوصيَّة فلا يثبت لها؛ وقيل: يقوم مقام الإقرار ويثبت لها.
__________
(1) () - ب: «يخرج أنَّه». (6/155)
صفحة 2694
الباب السابع والخمسون
في الوصيَّة للمآتم
وهي ثلاثة بليالها، فمن أوصى أن يطعم عنه فيها فلم يفعل حتَّى انقضت رجع لوارثه؛ ولا يتمُّه أبو سعيد حتَّى يقول: من ماله؛ وإن أوصى أن يطعم عنه من يحضر عزاءه ومأتمه فلا يجوز أن يهدى منه لغير من حضر؛ وإن عمَّم جاز؛ وإن قال من معروفين فلا يطعم إلاَّ من حضر؛ وإن أوصى أن يطعم عنه ولم يقل: من حضر ومن غاب، فالوقف.
أبو الحسن: من أوصى بذلك بعد موته وصيَّة منه تقضى منه وكان وارثه بالغا فأتمَّه تمَّ؛ وإن نقضه وصحَّ بعدول كان من ثلثه؛ فإن قال لهم: أطعموا عنِّي وضمنوا به وقد بلغوا لزمهم أن يوفوا به؛ وقيل: الطعم عن ميِّت في مأتمه مكروه؛ وقيل: بدعة.
ومن أطعم أهله لشغلهم به جاز له ويثاب عليه، لأمره صلَّى الله عليه وسلَّم أهله أن يصنعوا لآل جعفر طعاما لمَّا أتاهم خبر قتله، فإنَّ بهم ما يشغلهم.
أبو محمَّد: من أوصى أن يفرَّق عنه كذا وكذا من خبز وتمر، ويعطى النائحة كذا فرِّق عنه ذلك، ولا تعطى هي شيئًا؛ وإن قال: إذا متُّ فاصنعوا طعاما أو أطعموا الناس ولم يحدَّ وجعله وصيَّة من ماله أطعم عنه ثلاثة أيَّام؛ وإن قال: أطعموا عنِّي في غسلي كذا؛ فإن فعلوا فيه، وإلاَّ رجع للوارث وأمر الإطعام إلى الوصي؛ فإن شاء أطعم من جيِّد أو من (1) وسط.
__________
(1) () - ب: - «من». (6/156)
صفحة 2695
الباب الثامن والخمسون
في الوصيَّة في العتق وللمماليك (1)
وقد مرَّ أنَّه لا وصيَّة لعبد في ولده ولا في ماله وربُّه أولى بتزويج بنته الحرَّة منه. أبو سعيد: لا تجوز له وصيَّة منه لنقل ماله إلى ماله، ولا تثبت على وارثه.
ابن بركة: أجمع أصحابنا على إجازة الأجرة لعبد أجنبيٍّ وتمليكه بوصيَّة، واختلفوا فيها له من غير ربِّه، فقال كثير: تصحُّ له، ثمَّ اختلف الكثير، فقيل: تكون له وليس لربِّه أخذها منه وللعبد أن ينتفع بها؛ وقيل: لربِّه أن يملك ماله كما يملكه هو؛ وقيل: ما ملكه العبد من وصيَّة وجبت له لا من مال ربِّه، أو ممَّا وهب له فلا يملكه ربُّه إلاَّ إن رجع إليه بموت العبد؛ وإن اكتسبه من ربِّه فله أخذه منه (2)؛ وأجاز بعض له الوصيَّة من سيِّده، وعليه فإن خرجت من ثلثه وقيمته داخلة فيها خرج حرًّا، لا إن نقصت عن قيمته وله وصيَّته.
أبو الحسن: إن مات حرٌّ وله أخ مملوك فأوصى بالثلث له فاشتري منه فعتق قبل أن يقسم ماله فإنَّه يرثه؛ وإن كان مملوكا له عتق إذا ملكه.
ومن له عبد لا من أرحامه فأوصى له بوصيَّة فهي ــ قيل ــ موقوفة عليه حتَّى يعتق أو يباع فيشترى بها؛ وقيل: لا تجوز له إن كان عبدا لوارثه؛ وقيل: إن أوصى له بجزء من ماله جاز وكأنه ملَّكه شيئًا من نفسه لأنَّه من جملته وعتق واستحقَّ الوصيَّة؛ وقيل: حتَّى يوصي له بنفسه أو بجزء منه؛ فإذا أوصى له بذلك جاز على كلِّ حال.
__________
(1) () - ب: «وفي المماليك».
(2) () - ب: - «منه». (6/157)
صفحة 2696
ابن خالد: من أوصى بعتق جاريته وهي ثلث ماله عتقت، ولا سبيل عليها لوارث؛ فإن أوصى لها بشيء بعد فهو له لنفوذ الثلث؛ وإن كانت الرقبة ثلث ماله فهي تامَّة لها، ويحاصصها الوارث فيما أوصى لها به إن شاء؛ وإن أوصى لعبده بنصف رقبته أو ثلثها أو نحوهما عتق ذلك الجزء وسعى في الباقي إن لم يترك غيره وهو حرٌّ كلُّه كذا رواه محبوب عن أيوب.
ومن أوصى لأمِّ ولده بوصيَّة فلا تثبت إلاَّ إن قال: بعد موته لها كذا وكذا؛ فإن عتقت به ثبتت لها؛ وقال بشير: لا يسع مولى العبد أخذ وصيَّته من غيره وأجازه هاشم؛ وقيل: هي لمولاه؛ وقيل: توقف كما مرَّ؛ وكذا الإقرار له والهبة.
ومن أوصى بثلث ماله لأخيه [451] المملوك فإنَّه يشترى به إن بلغ ثمنه، وإلاَّ تربَّص به حتَّى يموت أو يعتق فيعطاه؛ وإن كان يسيرًا دفع إليه؛ وإن كثر عتق به وأعطي الباقي، وقال أبو عبد الله: هذه الوصيَّة لربِّه.
فصل
من قال: إذا متُّ فعبدي فلان حرٌّ وله ثلث مالي، وله أولاد وفقدا معا، فقيل: إن كان لهم بيِّنة أنَّه عاش بعد سيِّده، وإلاَّ فلا ميراث لهم؛ وكذا قال عزَّان: إن غرقى أو هدمى (1) فالوصيَّة باطلة؛ وقيل: له نصفها كميراث الغرقى والهدمى عند أبي الحواري.
ومن أوصى ــ قيل ــ لأمِّ ولده (2) أن ينفق عليها بمعروف ثمَّ مات وتزوَّجت وطلبتها فقال وليُّ اليتيم: لا تلزمني نفقتها حيث تزوَّجت، فقيل: هي لها باقتصاد من الثلث؛ وكذا إن عتقت بإرث ولدها أو بوجه؛ وإن كانت مملوكة فلا تجوز وصيَّته لعبده، لأنَّه لوارثه و «لا وصيَّة لوارث» ولا لعبده.
__________
(1) () - في النسختين: «غرقا أو هدما». في هذا الموضع وغيره.
(2) () - ب: «ولد». (6/158)
صفحة 2697
ومن أوصى لعبد (1) برقبته في مرض عتق من ثلثه؛ وإن قال: إن حدث بي موت فغلامي حرٌّ وله من مالي ألف فله ــ قال أبو عبد الله ــ أن يرجع فيه لا في رقبته، إلاَّ إن نوى استثناء إن مات من مرضه.
ومن احتضر فقال: إن متُّ منه فغلامي حرٌّ واشتروا آخر فأعتقوه وأعطوا فلانا كذا دينارًا ولا يبلغ لذلك ثلثه فإنَّه يبدأ بالعتق والفضل إن كان لربِّ الوصيَّة؛ وقيل: يتحاصصون في الثلث على قدر الوصايا وقيمة العبد ويلحقه الوارث فيما بقي منها.
ومن أوصى لعبد فباعه ربُّه قبل موت الموصي ثمَّ مات وهو في ملك الأخير فالوصيَّة للعبد.
ومن احتضر وله عبيد ولأحدهم مال اكتسبه في حياة سيِّده فقال: غلمانه هؤلاء أحرار وهذا حرٌّ وماله له، فقيل: إن ظهر له فهو له وصيَّة من الثلث؛ وإن خفي ولم يسمِّه فليس بشيء حتَّى يعيِّنه كذا، فيكون إقرارا منه له به، أو يقول: وما اكتسبه من مال فهو له فيجوز، ويكون إقرارا أيضًا إذا حدَّه ووصفه، لأنَّ قوله: وماله، لا يثبت، لأنَّه لا مال له مع سيِّده إن خفي، إلاَّ إن سمَّى له به. وإن أوصى بوصايا وأعتق العبيد وقال: لهذا العبد ماله فإنَّها والعبيد من الثلث، إلاَّ قوله وله ماله؛ فإن حدَّ له معروفا مسمًّى فإقرار، وإلاَّ فكالوصيَّة، لأنَّه من قبل العتق وهو في المرض من الثلث؛ وإن كان ذلك في الصحَّة فالوصايا منه والمال والعتق من الكلِّ.
وإن قال سيِّد مدبرة: إذا متُّ فلفلانة كذا من مالي وقد أوصيت لها به منه، فإن كانت تعتق بعد موته وتستحق الوصيَّة منه مع عتقها جاز من الثلث إن كان ذلك وصيَّة؛ وإن كان إقرارا له بموجبه بعد عتقها أو وصيَّة غير عتقها جاز معه أو قبله.
__________
(1) () - ب: «لعبده». (6/159)
صفحة 2698
قال أبو عليٍّ: إملاك العبيد (1) ثلاثة أوجه: ما اكتسبه فلسيِّده اتِّفاقا، وما ورثه فموقوف حتَّى يباع فيشترى به أو يعتق فيسلَّم إليه؛ فإن مات قبل ذلك رجع إلى وارث الميِّت لا إلى سيِّده اتِّفاقا أيضًا، وما أقرَّ به أحد له وصار إليه بإقرار أو عطية أو وصيَّة، فقيل: إنَّه له ولا يسع ربَّه أخذه؛ وقيل: إنَّه له ويسع مولاه أخذه؛ وقيل: إن قد دفع إليه؛ وإن كثر اشتري به، وهذا حاصل ما مرَّ.
__________
(1) () - ب: «العبد». (6/160)
صفحة 2699
الباب التاسع والخمسون
في الوصيَّة للفقراء مطلقا أو الأقارب أو فقراء قرية أو أكثر
أبو الحواري: من أوصى بمائة لفقرائه قسمت لفقراء أقاربه مِمَّن تناله الوصيَّة من فقرائهم وأغنيائهم؛ فإن وصلت إلى فقرائهم وعرف ذلك رجع مناب الأغنياء إلى فقرائه؛ وإن كانت تصل إلى الأغنياء لا إلى فقراء أقاربه فللأغنياء الثلثان وللفقراء الثلث؛ وإن كان مع الأغنياء واحد منهم فالوصيَّة كلُّها له.
أبو المؤثر: إذا كان فقراء أقاربه إذا عدَّ ما أوصى به لهم عليهم جميعا نالهم فكلُّه لهم ولا شيء فيه للأغنياء؛ وإن كان لا ينالهم فلهم ثلثه وللأغنياء ثلثاه إن كانوا أقرب، وإلاَّ فلا شيء لهم؛ وإن نال واحدا من الفقراء فله ثلثاه ولهم ثلثه ولا شيء للأغنياء أيضًا؛ وقيل: له ذلك كلُّه.
ومن أوصى لواحد من أقربيه لا لباقيهم بشيء، قال أبو المؤثر: تحسب وصيَّته على الأقربين؛ فإن ناله منها شيء جازت له كلُّها، وإلاَّ أعطي ثلثها وثلثاها لهم. وإن أوصى لأقاربه بدراهم ولفقراء أقربيه فلم يكن فيهم (1) فقراء إلاَّ من نالته الوصيَّة فإنَّها تردُّ في أقربيه؛ وقيل: هي لفقرائهم ولا خيار لهم في الدخول في وصيَّة الأقربين وردِّ سهامهم في جملتها وفي أخذها والقسم على عددهم لا على قسمة الأقارب ولا يدخلون في وصيَّتهم؛ وقيل: ليس لهم ما أوصى لهم به ولهم منابهم من وصيَّة الأقارب؛ وقيل: إنَّما لهم ما أوصى لهم به؛ وقيل: يردُّ فيها.
__________
(1) () - ب: «فيه». (6/161)
صفحة 2700
ومن أوصى لفقراء أقربيه بشيء قسم على الأقرب فللأقرب (1) منهم إذا نالهم واستحقُّوه وإنَّما يقسم على الرؤوس ما أوصى به لمعينين، وما وقّع على الإبهام فيقسم قسم الأقارب إن كان في قوم منهم عليه، والفقراء منهم كالأغنياء مبهمون.
ومن أوصى لأقربيه بدراهم ولفقرائه بأخرى ولا فقراء في أقربيه إلاَّ من نالته الوصيَّة [452] ردَّت على أقربيه لا فقراء البلد.
ومن أوصى عليه والده بثلث ماله للفقراء، أو قال: للأقربين، فقيل: يخرج على ما قال؛ وقيل: يرجع فيه إلى قيمته فتعطى لهم. وإن أوصى لفقراء قريتين فأنصافا.
أبو الحواري: إن أوصى بوصيَّة لفقراء نزوى فأعطيت لثلاث منهم فأكثر أجزته إذا لم يعيِّن، وإنَّما تعطى لمن يتمُّ فيها ويقبل قوله: إنَّه يتمُّ فيها؛ وإن جاء أسود يطلب منها أو من الأيمان فله أن يعطى إن قال: إنَّه حر، ما لم تعلم رقِّيَّته، فإذا لم يحدَّ الموصي كم يعطى لكلٍّ فللوصي أن يعطي كيف شاء، إلاَّ في الكفَّارات فكما مرَّ فيها؛ وقيل: إن قال: لفقراء قرية معيَّنة أو يفرَّق عنه عليهم وصيَّته منه جاز أن يعطى منها لمتمٍّ فيها وغيره، إلاَّ إن قال: أهلها فيختصُّ بها المتمُّ فيها؛ وقيل: إن قال: لفقراء أهلها فلا يعطى غيرهم لتحديدهم ويعطى من يتمُّ فيها وإن لم يكن فيها، وليس للوصيِّ أن يفضِّل؛ وإن قال: للفقراء من أهلها فالوصيَّة للمعروفين بها ولا شيء للسكَّان فيها لا منهم منها ولو أتمُّوا فيها، لأنَّ فقراءها غير فقراء أهلها؛ وإن أوصى أن يفرَّق عنه في قرية كذا على الفقراء وصيَّة، فرِّقت عنه فيها على فقرائها؛ وإن لم يتمُّوا اتِّفاقًا؛ وإن قال: في بلد كذا على الفقراء، فلا يفرَّق إلاَّ فيه عليهم، وإن من غير أهله؛ وإن قال: على فقراء أهله فرِّق عنه على فقرائه فيه أو في غيره إن كانوا من أهله ويتمُّون فيه؛ وإن قال: على فقرائه، جاز أن يفرَّق عنه في غيره عليهم.
ومن أوصى لفقراء قرية أو حارة فلوصيِّه أن يفضِّل الفاضل في دينه والكبير والأرملة الضعيفة والمتعفِّف في بيته ولو لم تصل جميعهم؛ وكذا إن دفعها لواحد أو
__________
(1) () - ب: «فالأقرب». وهو الصواب فيما يظهر. (6/162)
صفحة 2701
اثنين جاز له إن رءاه أهلا لذلك ولم يرد به محاباة ولا إيثارًا ولا غرم عليه.
ومن أقرَّ لأهل قرية كذا بكذا ثبت عليه لجميعهم.
ومن قال: ماله صدقة على أهل البصرة لم يلزمه شيء.
أبو سعيد: من أوصى بكذا للفقراء جاز أن يعطى واحدا (1)؛ وقيل: اثنين؛ وقيل: ثلاثة فأكثر؛ وإن قال: لفقراء فلا يجزي أقلُّ من ثلاثة، ووجهه ظاهر لمن أتقن الأصول.
__________
(1) () -كذا في النسختين والصواب: «أن يعطَى واحدٌ» أو «أن يعطِيَ واحدًا». (6/163)
صفحة 2702
الباب الستُّون
فيما يدخل عليه الأقربون من الوصايا
فمن لم يوص لهم بشيء فلهم ثلثا ما أوصى به وثلثه بين وصاياه لا إن أوصى لهم أو لأحدهم ولو بدرهم؛ وقيل: لهم ذلك؛ وإن أوصى لهم بأقلَّ من ثلثي وصاياه جمعوا ما أوصى لهم به إلى وصاياه فأخذوا ثلثي الكل لا إن أوصى لهم بأكثر من الثلثين، لأنَّ لهم الأوفر؛ وإن أوصى لهم بوصيَّة وخصَّ واحدا منهم (1) أيضًا بشيء؛ فإن شاء جمعه إلى مالهم وأخذ من ذلك سهما معهم؛ وإن شاء أخذ ماله ولا يدخل معهم فيما لهم، إلاَّ أن أوصى أن يدخل معهم فيه أيضًا؛ وقيل: له ماله ومنابه ممَّا لهم أيضًا.
ومن أوصى بعتق وحجٍّ وأيمان وزكاة لزمته فذلك من الثلث ولا يدخل فيه الأقربون؛ وقيل: من الكلِّ؛ وقيل: إن لزمه العتق في حياته فمن الكلِّ؛ وكذا قيل: الزكاة والحجُّ، وقد مرَّ ذلك.
ومن أعتق غلامه بعد موته ولم يوص لأقاربه، فقيل: لهم أن يستسعوه بثلثي قيمته؛ وقيل: إنَّهم يدخلون فيما للفقراء والقبور والمسجد.
ابن بركة: إذا لم يوص للأقربين فالأكثر وما عليه العمل عندنا أنَّ لهم ثلثي ما للفقراء؛ وقال بعض منَّا: ليست وصيَّة الأقربين بفرض، فلا يدخلون عليهم فيما أوصى لهم به؛ وإن أوصى لبعضهم فقط، فقيل: لباقيهم أن يشاركوه فيما أفرده به لاشتراكهم في القرابة؛ وقيل: لا، وقد أوصى لهم (2) في الجملة؛ وقيل: إن أوصى لواحد منهم ولو بدانق فلا يدخل باقيهم فيما أوصى لهم به ولو كثر ولا على الفقراء؛
__________
(1) () - ب: - «منهم».
(2) () - ب: «له». (6/164)
صفحة 2703
وبه يقول ابن محبوب؛ وقيل: إذا أوصى لبعض الفقراء بوصيَّة ولقرابته فيسير أو لأحدهم دون باقيهم؛ فإن شاءوا جمعوا ما لهم إلى ما للفقراء وأخذوا ثلثي الكلِّ.
والأكثر على أن تارك الوصيَّة للأقربين عمدا عاص وعليه فلا يدخلون على الفقراء، وإلاَّ فلا معنى ــ قيل ــ للخبر؛ وقيل: إنَّهم يدخلون فيما للشذاء وحجِّ النفل؛ وقال أبو الحسن: فيما لجميع أبواب البر إلاَّ الأيمان والزكاة والحجِّ؛ وقيل: فيما للأجنبيِّ وما للفقراء، وهو المختار.
وقال موسى: من أوصى لقريب وترك أقرب منه فله ثلثا ما أوصى به للأبعد وله ثلثه، وقال سليمان: إن كان الأبعد تناله الوصيَّة لهم فله ما أوصى له به ولو ثلثه وعصى بفعله.
فصل
من أوصى لفقراء أرحامه بشيء قسم كقسم الوصيَّة، وفضِّل الأقرب على الأبعد؛ وإن كان في أرحامه أغنياء أقرب من الفقراء ولم يوص لهم حسبت الوصيَّة على الأقربين؛ فإن لم تبلغ إلى فقراء أقرب أرحامه قسِّم ثلثاها على أغنيائهم وثلثها على فقرائهم بالسويَّة؛ وإن أوصى لأرحامه بمائة ولفقرائهم بأخرى قسِّمت مائتهم عليهم بها أيضًا، ومائة الأرحام قسمة الأقربين؛ فإن بلغت فقيرا منهم خير؛ فإن شاء ضمّ حصَّته [453] من مائة الفقراء إلى منابه من مائة الأرحام فيدخل معهم فتزاد حصَّته على المائة ثمَّ تقسم عليه وعلى سائر الأقربين فيأخذ منابه من ذلك؛ وإن شاء تمسَّك بحصَّته، وهذا إن كان له الخيار، وإلاَّ فله الأوفر.
أبو المؤثر: من كان صبيًّا أو معتوها أو أخرس حكم له بالأوفر من ذلك، فمن جمع خبزا وتمرًا من غلَّته أو من تجارته فليس ــ قيل ــ بفقير ولا يعطي زكاة ولا كفَّارة؛ وكذا ذو صناعة تغنيه ولا يتمُّ غناه الخبز والتمر دون إدام مثله في بلده ويكون عنده ما يكتسي به، وإلاَّ فليس بغنيٍّ وكان فقيرا إلى ما لا بدَّ له منه. (6/165)
صفحة 2704
ومن أوصى للفقراء والأقربين والأيمان بثلاثين درهما فلها عشرة وللأقربين ثلثا العشرين وثلثها للفقراء؛ وأجاز ابن جعفر أن يعطوا أيضًا ممَّا للفقراء إن كانوا فقراء لا غيره إلاَّ من الأيمان؛ واختار ابنه الأزهر الجواز.
أبو الحواري: إن قرنت لهما وصيَّة فلا يأخذ فقراء الأقربين ممَّا للفقراء منابا ويأخذون ممَّا لهم من سائر الوصايا؛ وقيل: يأخذون من منابهم أيضًا لفقرهم ولو من مقرون؛ وقيل: لهم في المقرونة أربعة أخماسها وللفقراء خمسها؛ وقيل: أثلاثا؛ وقيل: نصافا وقد مرّ ذلك.
ومن أوصى بثلث ماله لأرحامه ولمواليه فأثلاثا؛ وإن أوصى لأعمامه بوصيَّة ولا له يومئذ من أرحامه أقرب منهم ثمَّ لم يمت حتَّى كان له بنو بنين وبنو إخوة فإنَّها تقسم كوصيَّة الأقربين؛ فإن نالت أعمامه كانت كلُّها لهم على قسم الأقارب وإلاَّ فثلثها لهم على عددهم لبني البنين وبني الإخوة كذلك.
أبو الحسن: من أوصى للأقارب وللفقراء بمائة وللفقراء وحدهم بأخرى أيضًا فلا يدخل الأقارب فيها. وعن ابن عليٍّ والأزهر: أنَّ من أوصى للفقراء بثلاثين وللأقارب بخمسين ولزيد بمائة فللأقارب منها مائة وعشرون وتقسم ستُّون على ثلاثة عشر ثلاثة للفقراء وعشرة لزيد.
ومن أوصى لأخواله ولأخيه لأمِّه وترك غيرهم من أقاربه جاز له عند سعيد وسليمان. (6/166)
صفحة 2705
الباب الحادي والستُّون
في وصيَّة الأقربين ولزومها
قال الله تعالى: {كُتِبَ عليكمُ, إذا حَضَر أحدَكم الموتُ ... } الآية (البقرة: 180). فنسخ وصيَّة الوالدين بآية الميراث، وبيَّنها الرسول بـ «لا وصيَّة لوارث». وثبتت وصيَّة الأقربين بحالها، والخير المال، فقال ابن عباس: «من له فضل مال ولم يوص لقرابته ختم بعصيان وضيَّع فرضا إلاَّ إن عذر».
وقيل: إذا (1) ترك ستَّ مائة أو قيمتها لزمه الإيصاء بها؛ وقيل: أربع مائة؛ وقيل: مائتين؛ وقيل: ألفا؛ وقيل: خمسة دوانق قياسا على الغنيمة؛ وقيل: أربعة دراهم أو قيمتها ولا قائل بأقلَّ من خمسة دوانق ولا بأكثر من ألف درهم أو قيمة ذلك ثمَّ اختلف أيضًا، فقيل: إنَّ ذلك من بعد أن يكون له خادم ومنزل؛ وإن كانت له أرض تزرع وبها شجر أو نخل اختير له أن يوصي من غلَّتها.
ومن ضيَّعها ذاكرا لها بعد أن لزمته في مخوف ومات على ذلك غير تائب منه ختم بعصيان؛ وكذا إذا أراد جهادا أو حجًّا أو سفرا مخوفا ونحبُّ لكلِّ مسلم أن يوصي بها إذا ترك النصاب بعد دينه وإنفاذ لازم كزكاة وحجٍّ ويمين. ولا تترك ولاية ميِّت تركها عند موته حتَّى نعلم أنَّه خلَّف من المال أقصى ما قيل به من الكثرة؛ وإن وجدنا له موجب عذر له فلا ندعها حتَّى لا نعلم له مخرجا فالأهون فيه الوقوف؛ وإن دان بها وغلبه الأمر ومات فلا ندعها أيضًا ما احتمل له عذر؛ وإن فرَّق عنه ورثته شيئًا ولا يتيم فيهم ونحوه ولا غائب فقد أحسنوا. وأجاز بعض إخراجها لهم في
__________
(1) () - ب: «إن». (6/167)
صفحة 2706
حياته (1)، والمختار منعه ولا يأثم تاركها ناسيًا.
ومن ترك محيطا بماله وأوصى لأقاربه فأجاز له ذلك غرماؤه وطلب وارثه أن يدخل فيه، فقيل: له ذلك؛ وقيل: لا، واختار خميس كما مرَّ أنَّهم إن أجازوه من مالهم للأقارب فلا يشاركهم فيه الوارث؛ وإن أجازوه للميِّت ورث منه ثلثيه وثلثه لهم وله أن يوصي لبعضهم بدراهم ولآخرين بجزء من ماله بلا مجاوزة الثلث؛ وإن أوصى لهم ــ وإن بأقلَّ ــ فقد أدَّى اللازم إذ لا حدَّ في ذلك ونحبُّ التفضيل فيهم الأقرب فالأقرب ولو غنيا؛ وإن رأى الأبعد أفضل وأحوج فله أن يفضله على الأقرب إن أشغله بشيء.
__________
(1) () - ب: - «في حياته». (6/168)
صفحة 2707
الباب الثاني والستُّون
في ألفاظ الوصيَّة للأقارب ونحو ذلك
ابن بركة: من قال: أوصيت بثلث مالي لقرابتي، فقيل: هو للفقراء منهم، لأنَّ القصد طلب الأجر. ومن كان منهم أشدَّ احتياجا فالإعطاء له أفضل، ولأنَّ الغنيَّ عنه أغنى، وقال الأكثر ــ وعليه العمل ــ إنَّها لهما لعموم اسم القرابة لهما ولأنَّ صلة الرحم تجب لهما في الحياة؛ وكذا يعدها واتَّفقوا أنَّه إذا فال أوصيت لقرابتي جاز إن لم يجاوز الثلث؛ فإذا قال: للأقربين فقال أبو الحسن: والأكثر أنَّه لا يتوجه إلاَّ إلى قرابته؛ وقال أبو المؤثر وجماعة: ذلك ضعيف.
وإن قال: في قرابتي كذا درهما أو اقتسموا عليهم كذا فسواء؛ وإن قال هذا لأقاربي فكالإقرار بالسوية إلى أربعة آباء. وجاز: أوصى فيهم أو عليهم.
وإن أوصى لأرحامه وفي الحجِّ ولأيمانه وفي الهدي وفي سبيل الله وللفقراء ولزيد ولعمر بكذا، فإنَّه يقسَّم على ثمانية، فلكلٍّ من الحجِّ والهدي والأيمان والسبيل سهم، تبقى أربعة ثلثاها في الأرحام وثلثها بين الفقراء وزيد وعمرو أثلاثا، لأنَّ الأقربين لا يدخلون إلاَّ على الفقراء والأجنبي؛ وإن أوصى في الحج أو الزكاة أو نحوهما لأرحامه بشيء فلا يثبت حتَّى يكون على نسق ثابت؛ وإن قال: لأرحامي مائة من مالي وصيَّة لهم جاز، وكانت وصيَّة، ولعلَّه قيل: إقرار من الكلِّ إلاَّ إن قال وصيَّة منِّي لهم؛ وإن قال لهم: من مالي مائة فإقرار؛ وإن قال لهم مائة منه وصيَّة، فقيل: [454] وصيَّة؛ وقيل: من الكل؛ وإن قال: لهم مائة وصيَّة منِّي أو عنِّي فوصيَّة؛ وقيل: إن كان ذلك على أثرها فوصيَّة؛ وإن كان على أثر إقرار فإقرار كالابتداء؛ وإن قال اشهدوا أنَّ في مالي لهم مائة فإقرار بين أرحامه الذين تنالهم الوصيَّة إلى الرابع من أبيه (6/169)
صفحة 2708
وأمِّه وورثته الذين من أرحامه كأبيه وولده إلاَّ الزوجين؛ فإن كانا من الرابع فمن أرحامه، وإلاَّ فلا شيء لهما وتقسم بالسويَّة، ويدفع مناب العبد لسيِّده.
وإن قال: أوصيت لكلِّ رحم لي بكذا فكوصيَّة الأقربين الأقرب فالأقرب؛ وإن قال لكلٍّ من أرحامي درهم فلكل ما ولده جدُّ أبيه وجدُّ أمِّه درهم ولا شيء فيها للوارث ولا لمن ولد بعد إيصائه؛ وإن قال: لكلِّ واحد منهم بمائة كان ذلك لكلِّ رجل منهم إن وسعه الثلث، وفيه نظر؛ وإن قال بمائة لكلِّ رجل منهم فالمائة بين رجالهم، وفيه بحث أيضًا؛ وإن قال: لرجالهم بمائة أو بها لهم قسمت بينهم قسم الوصيَّة؛ وإن قال: لكلِّ نفس منهم بدرهم دخل فيه النساء والصغار أيضًا؛ وإن قال لكلِّ امرأة منهم خصَّت بالنساء؛ وإن قال لكلِّ جارية أو غلام خصَّت بهما سواء؛ وإن قال: لكلِّ صبيٍّ شمل الصبيَّة؛ وإن أوصى لكلِّ رجل من أقاربه بدرهم فلم يوجد من أقربيه إلاَّ رجل ووجد صبيَّان ونساء أقرب منه؛ فإن قسم فنالَ الرجلَ منه دانقٌ كان الدرهم كلُّه له، وإلاَّ فله ثلثه وثلثاه لأقربيه منه. (6/170)
صفحة 2709
الباب الثالث والستُّون
فيمن تثبت له القرابة ومن لا تثبت له
فمن أوصى لأقربيه بوصيَّة ثمَّ ادعى عند قسمها مدع أنَّه منهم وأنكروه قال أبو الحواري: لا يدخل معهم إلاَّ بشاهدين؛ أبو سعيد: أقلُّ ما عرف عن أبي الحسن أنَّه يقبل قول ثقة إن قال: إنَّ هذا من أقارب الميِّت فيدخل معهم، وذلك عند الله، وأمَّا في الحكم فلا إلاَّ ببيِّنة.
أبو محمَّد: من أوصى لقرابته بشيء وكان يقرُّ أنَّ فلانا قريبه وله أقارب أُخر دخل معهم إذا بيَّن نسب قرابته منه ولا تصحُّ في الحكم إلاَّ بشاهدين أو شهرة لا تدفع وفي الاطمئنان إذا لم يعارضه أحد مِمَّن صحَّت لهم القرابة، فقيل: يصحُّ ذلك بثقة إن كان مِمَّن يسمع تصديقه.
ابن بركة: من أوصى لأقربيه بوصيَّة وفيهم مسلمون ومشركون، فقيل: هي لهم دون المشركين بدليل: «لا يتوارث أهل ملَّتين»؛ وقيل: هي لهما معا لعموم الإسلام (1) فيستحقها كلُّ قريب؛ وقيل: هي بينهما أثلاثا؛ وقيل: يعطى مشرك منهم كنصف مسلم أبعد ولو كان أقرب إلى الميِّت؛ وإن أوصى ذمِّيٌّ لأقربيه وفيهم مسلمون فلهم منابهم.
أبو عبد الله: لا يعطى مملوك ولا كتابي من وصيَّة الأقربين الجامعة إلاَّ إن أفردهما بشيء. وإن أوصت هالكة بثلث مالها لابنتي بنتها وهما قرمطيَّان كان لهما ولو كره الوارث، ولها أن تصرفه حيث شاءت، وإن لمجوسيٍّ.
ومن أوصى لأقربيه بوصيَّة وقال: لا يعطى منها فلان وهو منهم وتناله اختير أن لا يعطى منها.
__________
(1) () - ب: «الاسم». وهو أصوب، أي لعموم اسم "الأقربين" فيشمل المسلم وغيره. (6/171)
صفحة 2710
الباب الرابع والستُّون
في الأقارب إذا لم يعرفوا
أبو الحسن إن لم يصحَّ لموص أقرب ولم يعرفه وصيُّه رجعت وصيَّته للوارث، ومنعه أبو الحواري، قال: فإن صحَّ له أقارب، وإلاَّ وقفت حشريا. أبوسعيد: إذا صحَّ أنَّه لا أقارب له وقعت على معدوم وهي له باطلة وترجع إلى الوارث؛ وإن كانوا له وجهل مكانهم ولم يعرفه الوصيُّ ولم تصحَّ معرفتهم فكمالٍ لا يعرف له ربٌّ.
أبو الحسن: إذا فرّط في الإنفاذ حتَّى مات الأقربون ولم يوجد لهم وارث أو لم يقدر على الأداء إليهم وقد قدر قبل، اختير له أن يتخلَّص بقدر ذلك إلى الفقراء من ماله أو من مال الميِّت بإذن ورثته إن بلّغو.
أبو سعيد: كل ما كان على الميِّت من تباعة أو دين لمن لم يعرف له وارث باسم ولا حلية أو عرف هو لا وارثه أنفذ الوصيُّ ذلك على الفقراء من مال الميِّت، ومنعه غيره إلاَّ برأي وارثه.
أبو الحسن: إذا عرف الأقربون وجهل الوصيُّ القسم بينهم فعليه أن يسأل ولا يعذر إن عرفهم، وإلاَّ فحتَّى يعرفهم؛ فاذا قدر على إنفاذها فلم ينفِّذها على وجهها بلا عذر حتَّى صار لا يقدر عليه ضمنها في ماله؛ واختار أبو سعيد أنَّ عليه السؤال على كلِّ ما يلزمه إن لم يعلمه من القسمة أو الأرحام والبحث عنه إذا لزمه حتَّى يؤدِّيه إن قدر، وأنَّه إذا لم ينفِّذ الوصيَّة والدين من مال الميِّت في حال يسعه فيها ذلك ولم يقصد إضاعة ولا تعطيلا حتَّى أتاه القدر بإبطال ذلك فلا ألزمه عزمه، لأنَّه أمين لا ضامن في الأصل فيما عندي أنَّه قيل. (6/172)
صفحة 2711
ومن أوصى لأقربيه بوصيَّة وفيهنَّ غائب لا يدرى (1) مكانه فلا يحبس له مناله منها؛ وقيل: إذا رجي رجوعه وعرف مكانه حبس له إلى أن يرجع أو يبعث إليه إن أمكن؛ وقيل: لا شيء له إذا قطع البحر. فمن يرى أنَّ عمان والبحرين مصر واحد حبس للغائب من عمان في البحرين منابه من وصيَّة الأقرب؛ ومن يراهما مصرين فلا يحبسه له.
__________
(1) () - ب: «يدر». (6/173)
صفحة 2712
الباب الخامس والستُّون
في قسم وصيَّة الأقربين
فمن أوصى بها لأقربيه فالجمهور منّا أنَّها تقسم بين الذين يلونه مِمَّن يناسبه بالأب والأمِّ إلى أربع درجات تتَّصل به؛ ثمَّ اختلفوا فيها، فقيل: بالميِّت؛ وقيل: لا، وهو في الخامسة؛ وقيل: إلى ستٍّ؛ وقيل: تقسم بين كلِّ من ثبت له الاسم من رحم أو عاصب مِمَّن لا يرث، ولم يجعل هؤلاء للقرابة حدًّا ينقطع عنده النسب وتعلَّقوا بالاسم، فقال بعضهم: تنقطع فيهم بالشرك إن اتَّصل بهم النسب إليهم كالإرث، والوصيَّة أولى أن تنقطع (1) به؛ وقيل: (2) ليست كالإرث، لأنَّها قربة، وحجَّة الجمهور قوله تعلى: {وأنذِرْ عشِيرتَكَ الاَقربينَ} (الشعراء: 214). فأنذَرهم إلى أربعة.
واختلف في قسمها إن كانت مبهمة للأقارب أو القرابة أو الأقربين [455] أو لأقربائه والكلُّ بمعنى، فقيل: تقسم عليهم إلى أربعة ولو لبعيد وامرأة؛ وقيل: على الأقرب فالأقرب. وأجمعوا أنَّ أقربهم مِمَّن لا يرث أولاد البنين والبنات ثمَّ نسولهم؛ وأنَّ الإخوة وما تناسلوا أقرب من الأعمام والأخوال وما تناسلوا. واختلف في الأجداد والإخوة والأعمام والأخوال، فقيل: الأجداد الأربعة أولى من الإخوة ونسولهم والإخوة وبنوهم أولى من الأجداد الثمانية، ثمَّ الأخوال والأعمام وبنوهم وتأخذ كلُّ درجة نصف ما للتي قبلها إلى أن يبقى ما لا يصل للأخيرة دانقا لكلٍّ من أهلها فيرجع إلى الأولى، فيأخذ الأجداد الأربعة كنصف ما لآخر ولدٍ من أولاد (3) الأولاد،
__________
(1) () - ب: «تقطع».
(2) () - ب: + «إنَّها».
(3) () - ب: - «أولاد». (6/174)
صفحة 2713
ويأخذ الإخوة كنصف ما للأربعة والثمانية كنصف ما لآخر نسل من نسول الإخوة، ثمَّ الأعمام كنصف ما للثمانية، والأخوال كنصف ما للأعمام؛ وإن سقطوا سقط الأعمام؛ وكذا بنوهما، وإن سفلوا؛ ثمَّ يأخذ أجداد الأجداد كنصف ما لآخر نسل الأخوال والأعمام، ثمَّ كذلك أبو كلِّ جدٍّ وأمُّه يأخذ كنصف ما لابنه خلافا للأولاد وأولادهم والإخوة والأعمام والأخوال وأولادهم، لأنَّه يأخذ كلُّ ولد من هؤلاء كنصف ما لأبيه ويأخذ أعلى الأجداد كنصف ما لولده، ثمَّ أعمام الأب وأخواله وأعمام الأم وأخوالها كنصف ما للأجداد العلياء ما بقيت الدراهم وارتفع النسب.
وأجمعوا على التسوية بين الذكر والأنثى إن اتَّحدت درجتهما، إلاَّ قولا رواه أبو سعيد أنَّه للذكر مثل حظ الأنثيين، ولم يعمل به أحد، واختلفوا فيها إن اختلفت فقال الأكثر بتنزيلهم درجات على ما مرَّ من الترتيب؛ وقال الموصلي: بالتسوية ولو اختلفت الدرجات ما صحَّ النسب وأكثر العمل على الأوَّل؛ واستحسن أبو سعيد أن يأخذ أولاد الأولاد ثمَّ نسولهم إلى أن ينقرضوا، ثمَّ الأربعة ثمَّ الإخوة ونسولهم ثمَّ الثمانية ثمَّ الأعمام والأخوال ونسولهم على ما مرَّ، إذ لا ينبغي أن يأخذ الولد قبل والده.
وإن كان الأخوال أسفل من الأعمام أخذوا كأسفل عمٍّ، ويأخذ خال الأب كنصف عمِّ الأب وابن عمِّ الأب كخال الأب وابن خاله كنصف خاله وابن عمِّه، ولعمِّ الأمِّ ما لخال الأب وخالها كنصف ما لعمِّها؛ وكذا أولادهم. والإخوة المتفرِّقون سواء؛ وكذا أولادهم؛ وكذا الأعمام وأولادهم والأخوال وأولادهم والأجداد؛ ولقرابة الأب سهمان، ولقرابة الأمِّ سهم. فمن كان يناسب الميِّت من قبلهما، فقيل: يعطي من النسبين؛ وقيل: من وجه الأكثر حظا.
واختلف فيما يقطع قسمتها، فقيل: تقسم بينهم إلى أن يبلغ لواحد في آخر درجة ثلاثة قراريط؛ وقيل: تقسم على دانق فضَّة؛ وقيل: إلى ربع درهم؛ وقيل: إلى (6/175)
صفحة 2714
نصفه؛ وقيل: إلى دانقين؛ وقيل: إلى أربعة؛ وقيل: إلى درهم وأنَّه لا يعطي الواحد أقلَّ منه.
ثمَّ اختلفوا فيما يفضل يبد القاسم ممَّا لا يبلغ قدر ما يخصُّ الوحد أو ما لا تستوي قسمته، فقيل: هو لأشدِّهم قرابة وأحوجهم إليه؛ وقيل: يرجح به الميزان ليفضي إلى كلٍّ؛ وقيل: يقسم على كلٍّ بقدر منابه إلاَّ إن تراضوا؛ فإن كان فيهم غائب أو نحوه اشتري به ما ينقسم عليهم كخبز؛ وقيل: يدفع إلى من لم تنله الوصيَّة؛ وقيل: لا يجعل إلاَّ فيمن تناله؛ وقيل: لأضعفهم مِمَّن لم تنله. (6/176)
صفحة 2715
الباب السادس والستُّون
في قاسم وصيَّة الأقربين وخلاصه
فعليه أن يجتهد في قسمها بالورع لا بالهوى ولا بتخيُّر الآراء لمن يحبُّ ولا على من يبغض ويجعل نظره إلى الله ويأخذ بالأقرب إلى الحقِّ كالقاضي في قضيَّته، فإذا قسمها ودفع إلى بعض منابه ثمَّ شكَّ فيمن لم يدفع إليهم أعاد قسمها والتزم الأحوط له لعروض الشكِّ له فيه.
أبو سعيد: إذا قسمت بحكم حاكم أو جماعة ثمَّ ولد قريب فلا يدخل فيها ولو لم يقبضوا سهامهم، وحكمه بالقسم هو أمره به من مال الميِّت؛ فإذا قسم على الحكم به أو قال: حكمت لهم به، أو أثبته في دفتره بعد أمره به على الحكم بقسمها فذلك من معنى الحكم به؛ فإن أمر به فولد مولود لهم قبل القسم دخل معهم، لأنَّ الحكم لم يتم إنفاذه؛ وإن أمر (1) به وحسبت بعده على سبيل الحكم ولم تقسم بميراث ثمَّ ولد فالوقف في دخوله وعدمه؛ وإن قسمها الوصيُّ بالحكم أو بالجماعة فولد قبل أن يدفعها إليهم دخل فيها، لأنَّ قسمة الميزان ليست بحكم؛ وإن قبض بعضٌ بقسمه دون بعض أو بقسم غيره مِمَّن يحسنه غير الحاكم اختير أن لا يدخل لوجود القسم (2) مِمَّن يبصره قبل ولادته، والغائب في ذلك كالمولود؛ وإن نسي أحدًا حتَّى قبض كلَّ منابه فله منابه؛ فإن أمكن أخذه من مناب كلٍّ بقدره بلا نقض القسم فعل، وإلاَّ أعيد؛ وإن سلَّمه له الوارث من ماله قصدا أنَّه منابه منها بلا رجوع منه عليهم تفضُّلا به
__________
(1) () - ب: «أمره».
(2) () - ب: «الحكم». (6/177)
صفحة 2716
أجزأ عن الميِّت والوصيِّ. ولا يجوز قسمها جزافا بلا تقدير؛ فإن فعله ظنًّا أنَّه يسعه بلا رأي يراه إلاَّ ظنُّه ويراه رأيًا ثمَّ عرف قول المسلمين فيه لم يلزمه غرم.
ومن أمر وصيُّه أن يفرِّقها عليهم كيف شاء فنحبُّ له على ما حدَّه المسلمون؛ ولا ينبغي له أن يتعدَّاه، ويسأل ويقسمها بالعدل؛ فإن أعطى من لا تناله وترك ذا حقٍّ فيها لزمه الغرم ولو أمره الموصي بذلك. وإذا غلط فيها أو نسي أحدا حتَّى نفذ ما بيده، فقيل: لا يلزمه ولا خصومة بينه وبين أحد منهم [456] إن اجتهد ولا يرجع عليهم في حصصهم لأنَّه إن اجتهد في قسمتها وأخذوا أنصباءهم فلا يرجعون عليه كعكسه، لأنَّهم ملكوا ما صار إليهم، وليست كالأملاك الموجبة للدرك؛ وقيل: يلزمه الغرم لإتلافه ما لم يفعله، لأنَّ الخطأ في الأموال لا يزيل الضمان. وقيل: إذا دفع إليهم وقال: هذا حقُّكم فيها ولا أعلم لكم فيه شريكا ثمَّ علم به فإنَّه يرجع عليهم بمنابه؛ وقيل: يزيله عنه هذا الشرط، وتكون الخصومة بين الأخذ وغيره، ويحكم له بحقِّه عليهم.
وعن بشير: إن قاسم الوصيَّة في أوسع من الدهناء وذلك لمن أبصر القسم ولم يتعمَّد لحيف. وعند أبي الحواري إذا قسمها بعلم، وإلاَّ فهو في أضيق من عقد التسعين؛ وقيل: من قسمها فأعطى من ليس له لزمه الغرم له؛ فإن لم يكن حاكم يحكم عليه به له فليس له أن يأخذ من ماله؛ وإن لم يعرف أقارب الميِّت حبس الوصيَّة عمَّن عرف حتَّى يعلم أنَّه لا (1) قرابة له غيرهم ولا حدَّ لحبسه إيَّاها إلاَّ نظره؛.
وإن استعجل وقسمها على من يعرف ولم يسأل ثمَّ صحَّ أنَّ للميِّت أقرب منه أو أبعد مِمَّن تناله، فقيل: إن كان من لم يعطه في بلده غرم له، وإلاَّ فلا إذا لم يعرفه عند قسمها، وما لزمه من غرم من ذلك رجع به على من أعطاهم إمَّا بحاكم أو باختيار منهم؛ وإن قال له ذو سهم فيها: أعطه فلانا واقطع به عنِّي فلانا دينا عليَّ له أو أنت في حلٍّ أو ردَّه في سهام الأقربين جاز له إذا عرف منابه.
__________
(1) () - ب: «أن لا». (6/178)
صفحة 2717
فصل
إن كان في الأقربين صبيٌّ دفع منابه إلى من يعوله إن لم يكن له وصيُّ؛ وإن كان دفع إليه؛ وإن كان له والد دفع إليه؛ وكذا لوكيله؛ وإن لم يكن له أب ولا وصيٌّ ولا وكيل فلا تدفع إلى من يعوله إلاَّ إن ائتمن.
أبو سعيد: اختلف في دفع الوصيَّة لوالد الصبيِّ، فقيل: إنَّه وغيره سواء في الأمانة لولده، ولا يجبر الوصيُّ أن يسلّم إليه ماله إلاَّ إن كان ثقة وأقلّه أن يؤتمن عليها؛ وقيل: بالإجازة له مطلقا، لأنَّ ماله لوالده.
وقد اختلف في نفقة الصبيِّ إن كان له مال، فقيل: هي على والده، ويوفِّره له حتَّى يجعله له في غير ما يلزمه، وعليه فلا يجوز للوصيِّ أن يجعل ذلك في نفقته وكسوته، إلاَّ إن بان أنَّ أباه لا يقدر أن يقوم به، وخاف عليه الضّرَّ؛ وقيل: إنَّها في ماله ولا تلزم أباه وعليه فيجوز الموصي ذلك؛ واختير أنَّه إن كان غير مأمون جعل ذلك في مصالح الصبيِّ؛ وقيل: إنَّها كوصيَّة الفقراء إذا فرِّقت على ثلاثة من الأقارب فصاعدا أجزأ ولو مِمَّن بعد لا إن أعطيت واحدا أو اثنين إلاَّ إن كانوا لا يحصون ولا يحاط بهم فيكونوا كالفقراء. (6/179)
صفحة 2718
الباب السابع والستُّون
في بيان معرفة القسمة بين الأقارب وذكر الأخوال والأعمام
وقد مرّ أنَّ أوَّل الدرجات: أولاد الأولاد، ثمَّ الأربعة: أب الأب وأمه وأب الأمِّ وأمُّها ثمَّ الإخوة ثمَّ نسولهم، ثمَّ الثمانية وهم: آباء الأجداد والجدَّات الذين ذكرناهم وأمَّهاتهم ثمَّ الأعمام والعمَّات والأخوال والخالات ثمَّ نسولهم ثمَّ أعمام الأب وعمَّاته وأخواله وخالاته؛ وكذا في الأمِّ ثمَّ نسولهم؛ فإذا عدمت درجة قامت تاليتها مقامها وهكذا؛ وإن اجتمع في درجة عدَّة ولم يصحَّ لكلٍّ دانق على القول به سقط أهلها.
والعمومة والخؤولة درجة إذا سقط واحد منهم سقطوا معا؛ وكذا بنوهم.
فمن أوصى لأقربيه بثلث درهم وعشرين درهما وترك ابني خال وعمًّا وابنه وخالة وابن أخ وبنت أخت وشقيقا وأختا لأمٍّ وابن ابنه وبنت بنته فإنَّك تضرب أوَّلاً عشرين وثلثا في ستَّة إن قلنا بالقطع على دانق وهو سدس الدرهم فيخرج لك (1) مائة واثنان وعشرون سهما، لأنَّ ثلث الدرهم اثنان ولك في إعطاء كلٍّ منابه وجهان: الابتداء بالأعلى وهو الأقرب إلى الميِّت وبالأسفل وهو الأبعد منه؛ فإن أردت بالأقرب نظرت كم درجة فتجعل كلاًّ ضعفا وتعطيه الأقرب فأبعدها بنوا الخال ولكلٍّ منهم سهم وهم درجة، وبنو العم درجة، والخال درجة، والعم درجة، والإخوة درجة، وبنوهم درجة، وبنو البنين درجة، فهي ستَّة للقصوى ضعف ولتاليتها ضعفان وللثالثة أربعة أضعاف وللرابعة ثمانية وللخامسة ستَّة عشر وللسادسة اثنان وثلاثون ضعفا.
__________
(1) () - ب: - «لك». (6/180)
صفحة 2719
فاذا فهمت هذا فقل لكلٍّ من ابن الابن وبنت البنت اثنان وثلاثون سهما فلهما ضعفها وللأخ والأخت نصفه وهو اثنان وثلاثون لكلٍّ ستَّة عشر ولكلٍّ من ابنيهما ثمانية وللعمِّ نصفها ولكلٍّ من ابنه والخال سهمان ولكلٍّ من بنيه سهم.
وإن أردت بالأبعد فتعطي لكلٍّ من ابني الخال سهما ثمَّ له ولابن العمِّ سهمين ثمَّ له أربعة ثمَّ لكلٍّ من بني الإخوة ثمانية ثمَّ لكلًّ من أخ وأخت ستَّة عشر ثمَّ لكلٍّ من بني البنين اثنين وثلاثين. فإن نقص من الوصيَّة ثلث الدرهم سقط ابنا الخال وابن العمِّ ورجعت إلى الباقين مِمَّن هم أعلى منهم.
وإن زادت أدخلت الأبعد حتَّى لا يصل لكلٍّ سدس الدرهم؛ وإن نقصت رجعت إلى التي هي أقرب إلى الميِّت؛ وإن كثرت وقلَّ الأقربون ولم يصحَّ له أحد منهم غير من حضر ضوعفت عليهم.
وإن أوصى لأقربيه بألف ولم يصحَّ له إلاَّ واحد فهي له ولو كان لا ينال كلاًّ (1) من ورثة [457] الموصي قدر ما يناله؛ وإن كان أقربوه مائة في درجة وأوصى لهم بدرهم أو اقلَّ كان بينهم سواء.
فصل
اختلف في الأعمام والأخوال، فقيل: إذا اجتمعوا فللأعمام ثلثان وللأخوال ثلث ولو كان عمّ ومائة خال كعكسه لكان كذلك؛ وقيل: إذا اجتمع الأخوال والخالات والأعمام والعمّات في درجة أخذ الخال والخالة نصف ما للعمّ والعمّة؛ وقيل: هم درجة ولهما نصفان إن استوى عددهم، وليست كالميراث فإذا عدم أحد الفريقين، فقيل: تدفع إلى من وجد منهما حصَّته ورجعت حصَّة المعدوم في الجملة؛ وقيل: يسقط المعدوم حصَّة الموجود لاشتراكهما في الدرجة؛ وقيل: إذا عدم الأعمام رفع بنوهم إلى درجتهم؛ وقيل: يأخذ ابن العم كالخال لأنَّه في درجة أبيه ولأنَّه يساوي الخال في
__________
(1) () - ب: «كل». (6/181)
صفحة 2720
الحصَّة في وجود أبيه وعدمه، وعليه العمل؛ وقيل: لأخوال الأب وأعمامه ضعف ما لأخوال الأمِّ وأعمامها (1)، ولأعمامهما ضعف ما لأخوالهما؛ وقيل: أخوالهما كأعمامهما سواء ويكون لمن كان من قبل الأب ضعف ما لمن كان من الأمِّ؛ وقيل: لابن العمّ مع الخال ضعف ما له؛ وكذا للعمّ مع ابن الخال ولعمّ الأب كنصف ما لواحد من نسول بني عمّ الميِّت، ولخال الأب كنصف ما لآخر واحد من بنيه؛ وكذا عمّ الأمِّ وخالها.
أبو المؤثر: إن كان لموص خال وابن عمّ فسيَّان؛ وإن بلغ سهم الخال دانقا لا مناب ابن العم سقط هو لا الخال؛ وكذا ابن خال وابن ابن عمّ فسيَّان، ولا يسقط بسقوط ابن ابن العمّ؛ وإن كان خال (2) وابنه وابن ابنه، فللخال سهم ولابنه نصفه ولابنه ربعه؛ وكذا الأعمام وبنوهم؛ وكذا إن كان له عمّ وابن خال فللعمّ سهم ولابن الخال نصفه؛ فإن بلغ دانقا سقط وأخذ العمّ وعلى هذا يقاس النسول.
__________
(1) () - ب: «لأعمام الأمِّ وأخوالها».
(2) () - ب: «خاله». (6/182)
صفحة 2721
الباب الثامن والستُّون
في الوصيِّ ولفظ جعله (1) وجائز فيه
أبو محمَّد: لا يجوز الإيصاء إلاَّ إلى ثقة لأمره صلى الله عليه وسلم بحفظ الأموال ونهيه عن إضاعتها، فمن لم يجده وقد لزمنه الوصيَّة فأقلُّ ما يكتفي به (2) المأمون على ما يستأمنه عليه ويفوّضه إليه من مال الورثة والغرماء أنَّه يجعله في وجهه ويعمل فيه بالعلم، ويسأل عمّا جهل فيه؛ وإن لم يجد وصيا إلاَّ بأجرة من ماله ودينه يحيط به وهو مريض كمن لا يجوز فعله فيه إلاَّ قضاء دينه فوصيَّته من الثلث، ولا يثبت فعله على الغرماء، وله أن يقرّ بما يلزمه ويشهد عليه، لأنَّ ذلك على الحكَّام وعلى الكافَّة، لا أن يفعل ما لا يلزمه إن أحيط بماله.
ولا يجوز الإيصاء إلى مشرك ولو مأمونا على ما ولِّي عليه، وثقة في دينه، وجاز إلى ثقة مخالف إلاَّ فيما يدين فيه بالخلاف، وإلى أمينة إلاَّ في تزويج بناته، ولا إلى صبيٍّ؛ فمن أوصى إليه وكّل له الحاكم ثقة ينفِّذ الوصيَّة (3) والتزويج إلى الولي، إلاَّ إن قال: إذا بلغ فهو وصيٌّ فيجوز فينفَّذ حينئذ ويزوِّج إن أوصاه فيهنَّ. وفي إجازة الأعمى قولان.
ومن أوصى إلى غير ثقة وقد رجا فيه أن يقضي عنه ولم يجد ثقة فلا يبرأ من حقوق العباد حتَّى يؤدِّي عنه ولو ثقة وفي حقوق الله إن كان أمينا أو يأمنه على ما حمله فنرجو له أن يبرأ منها؛ وإن لم يؤدِّ عنه إن ائتمنه على ذلك وأشهد عليه عدلين؛
__________
(1) () - ب: «ولفظه».
(2) () - ب: - «به».
(3) () - ب: «الوصي». (6/183)
صفحة 2722
وإن اتهم الورثة الوصيَّ فلهم أن يدخلوا معه مأمونا إن كان مِمَّن يتَّهم، وإلاَّ فلا يتعرض له.
وجازت وكالة عبد بإذن ربِّه (1)، ولا يشغله عن الإنفاذ إن أذن له ويحكم عليه بذلك وأجاز بعض لسيِّده أن يجعله وصَّيه وبيعه لإنفاذ وصاياه وقضاء دينه ولمؤنة يتاماه إن أوصاه فيهم، وتزويج بناته كذلك، ويكون أولى فيه من الولي. وكره بعض وصاية مملوك، واختار خميس إجازتها إن كان ثقة ومنعها بعض ولو أذن له ربُّه، لأنَّ له بيعه فيخرج منها به.
ومن قال له مريض: أريد الإيصاء، فقال له: أوص إلى فلان إن كان عندك ثقة جاز له إن لم يعلم منه خيانة وكان ثقة عند المريض لا عنده.
ومن عدم وصيًّا فكتب وصيَّته وأشهد عليها فمات واحتسب له من أنفذها وقضى دينه، فبعض منعه إلاَّ إن كان وصيا، وأجاز له ذلك بعض.
ومنع أبو المؤثر وصاية الصبيِّ ولو أتمَّها بعد بلوغه، وأجازها بعض إن رضيها وأتمَّها.
فصل
قال الله تبارك وتعالى: {فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعدَ ما سَمِعَهُ ... } الآية (البقرة: 181)، فقيل: يعني الوصيَّ ويبرأ الميِّت؛ أبو سعيد: نعم قد قيل في الديون والوصايا، وذلك إذا أوصى إلى ثقة وأشهد ثقتين عند الإمكان؛ وقيل: ذلك في الوصيَّة ولا يبرأ في الدين حتَّى يسلّم.
ومن عليه حقوق الناس وحقوق الله واحتضر وأراد الوصيَّة فقال له ثقة: أنا
__________
(1) () - ب: «سيِّده». (6/184)
صفحة 2723
أقضي عنك ولا آخذ منك شيئًا، فهل يسلم (1) الميِّت بذلك ولا تجب عليه الوصيَّة به؟ فقيل: إذا وعده الثقة بذلك أجزى عنه؛ وقيل: يوصي بذلك؛ فإن قضاه عنه، وإلاَّ أوصى به (2) واختير له الإيصاء بحقوق العباد من الكلِّ وحقوق [458] الله اللازمة ــ قيل ــ منه؛ وقيل: من الثلث. والقائلون إنَّها من الكلِّ قال بعضهم (3) هي قبل ما للعباد؛ وبعضهم بالتحاصص في التركة لا بتقدُّم أحدهما؛ وقيل: بعده. وغير اللازمة من وجوه البرِّ في الثلث اتِّفاقًا.
ومن حبس وعليه تبائع ولم يجد ثقة يوصيه، أوصى وأشهد واجتهد في طلبه حتَّى يجده أو يموت فيكون الحقُّ في ماله بعد الإشهاد به.
فصل
أبو سعيد: من قال: فلان وصيٌّ فهو وصيُّه ولو في أولاده وتزويج بناته؛ وقيل: إلاَّ فيهنَّ؛ وقيل: لا يثبت ذلك حتَّى يقول: في كذا؛ وإن قال: وكيلي بعد موتي عمَّ كالوصي؛ وقيل: لا، حتَّى يحدَّ له أيضًا؛ وقيل: حتَّى يجعله وصيًّا له لأنَّ الوكالة في الحياة.
__________
(1) () - أ: + «الثقة بذلك» ولكن يبدو أنَّه مشطوب عليها.
(2) () - ب: - «به».
(3) () - ب: «بعض». (6/185)
صفحة 2724
الباب التاسع والستُّون
في الوصاية في الأولاد
أبو سعيد: لا يحوز الإيصاء فيهم إلاَّ إلى ثقة أو مأمون عند عدمه، ولا للجدّ أن يوصي في أولاد أولاده إلاَّ إن أوصاه ولده فيهم، ولا وصاية غير الأب فيهم. ويجزي لجاعل وصيا أن يقول: جعلت فلانا وصيِّي في ولدي وفي ماله.
ومن ترك يتيما وحاملا ووكَّلها فيه وفي ماله فهي وكيلة فيه وفيمن تلده؛ وإن سمَّى لها خصَّت بما سمَّى لها؛ وكذا وصيُّ تارك حاملا في بناته إن ولدت جارية فهو وصيٌّ في تزويجها أيضًا إن لم يسمِّ؛ وإن أوصى فيهنَّ إلى غير ثقة فهو أولى به من غيره ولا ينزع منه إذ لا خيانة فيه كالمال؛ وإن زوَّجهن بلا رضى منهنَّ أو غير كفؤ أو على خلاف السنَّة نقضه الحاكم.
ولا يجوز الإيصاء فيه إلى كتابيٍّ أو قرمطيٍّ، لأنَّه مرتدٌّ عند أبي سعيد.
وإن أقرَّ رجلان بوطء جارية فصار ولدها لهما فلا تجوز وصاية أحدهما في منابه منه إن مات؛ وإن مات الآخر أيضًا فوصي الأوَّل فيه عليها إن لم يوص فيه الأخير؛ وإن أوصى كان لها وصيَّان.
ابن أحمد: من أوصى في أولاده وفي مالهم معروفا منه النفاق وطلب شريكهم قسمة ما اشتركه معهم بطلت وصايته عند علم خيانته، ولا تجوز منه مقاسمة ولا غيرها. (6/186)
صفحة 2725
الباب السبعون
في قبول الوصيِّ الوصيَّة وتبرُّئه منها
فإذا قبل الوصيَّة من ميِّت ولو غائبا فلا يسعه (1) تركها بعد، وله أن يقول: إنّما أقوم منها بما أمكنني؛ وإن عنته منازعة في الوصيَّة، فقيل: عليه المؤنة في تصحيحها وما كان منها في منازعة في مال فعلى المال؛ وإن لم بقبلها وأمر فيها ونهى بما أراد وترك ما لم يرد جاز له؛ وقيل: إذا أدخل يده في شيء منها فهو رضًى بها ولا رجوع له.
أبو محمَّد: إن اختار الدخول فيها لم يكن له الخروج منها إلاَّ بالإقالة من موص إليه فيها؛ وقيل: إذا تبرَّأ إليه منها برئ، إلاَّ إن كان لا يجد غيره يقوم بها فحينئذ لا يكون له أن يبرئه، ولا للوصي أن يتبرَّأ منها؛ وقيل: إنَّها فرض على الكفاية.
ومن أوصى ــ قيل ــ إلى رجل فلم يقبل الوصيَّة ولا ردّها حتَّى مات خيِّر الوصيُّ فيهما؛ وإن قبلها بعلم الموصي فلم يرجع به حتَّى مات لزمته؛ وإن قبلها بدونه ثمَّ رجع كذلك جاز له إن لم يقبلها بعد موته فإذا قبله بعده لزمته؛ وإن ردّها في حياته بعلمه حتَّى مات فليس له قبولها بعد موته ولعلّه لعلمه قد أوصى إلى غيره، إلاَّ إن جدّد له بعد أو لم يعذره عنها ويفارقه على أنَّه وصي له بعد أن تبرَّأ منها فله أن يقبلها على هذا بعد موته؛ وإن علم بقبوله لها ثمَّ رجع بعلمه أيضًا فله أن يرجع إليه في حياته وبعدها؛ وإن ردّها بعد موته لزمه إنفاذها وضمن له به؛ فإن رجع عن ذلك بعد موته وصحَّ في الحكم فلا سبيل له في ماله مع ورثته لإقراره بأنَّه ليس له بوصيٍّ ولزمته عند الله، لأنَّه فارقه على إنفاذها بعد موته فعليه إنفاذها من ماله إن لم ينازعه
__________
(1) () - ب: «يسعه». (6/187)
صفحة 2726
وارثه؛ وإن نازعه واستردّها فعسى أن يجوز له؛ وقيل: إذا رجع عن الوصيَّة بعد إنفاذ بعضها، فقيل: لزمته كما مرّ؛ وقيل: إذا رجع ولم يكن قبلها وقد أنفذه من مال الميِّت فقد لزمه؛ وقيل: إذا لم يقبلها فله أن ينفّذ منها ما شاء ويدع ما شاء ما لم يردّها أو يقبلها.
ومن أوصى غائبا فلم يقبل الوصيَّة ثمَّ قبل، فإن كان ردّها بطلت وصايته؛ وإن لم يقل شيئًا ثمَّ قبل فهو وصيٌّ؛ فإن قبل بعضها وأراد ترك باقيها فبعض أجازه له وألزمه بعض إيّاها وهو المختار؛ وإن أضمر القبول ونوى الإنفاذ عنه فهو وصيُّه بعده لا إن أظهر إليه عدمه ومات عليه ولو نوى ذلك.
أبو سعيد: إن قال قد رجعت عن التي قبلت لك بها إن أنفذها عنك أو أنا راجع عنك فيما قبلت لك مِمَّا أوصيت إليَّ أو رجعت عليك في قبول وصيَّتك ولا أقبلها فانظر لها غيري أو نحو ذلك، فرجوع يجزيه عن لزومها.
وتجوز المقاصصة بحقِّ الميِّت لوارثه لا لوصيِّه. (6/188)
صفحة 2727
الباب الحادي والسبعون
في أجرة إنفاذ الوصيَّة والقيام بها
أبو سعيد: جاز للموصي أن يجعل لوصيِّه أجرا على إنفاذ وصيَّته وله أخذه؛ فإذا قال: جعلت له كذا بإنفاذ وصيَّتي بعدي أو على أن ينفذها عنّي كان جعلاً إن كان بالعدل، وإلاَّ رجع إليه. ولا يجوز أن يكون إقرارا لأنَّه هنا من المقرِّ باطل؛ وإن كان منه وصيَّة بلا حيف منه فيه جاز من الثلث ما لم يشترط فيه شرطًا.
البنسوي (1): من أوصى لوصيّه بأجرة جاز لهما إذا عمل بها واختار عرض الدّنيا جازت له بعنائه؛ وإن جعل [459] له ألفا على إنفاذها ردَّ إلى جعل مثله.
وقال موسى: من أوصى لبعض ورثته ببعض ماله بقيامه عليه جاز له ولو كثر.
أبو الحواري: إن كان أجنبيا فقال أوصيت له بكذا، بقيام جاز له من الثلث؛ وإن قال بقيامه عليّ فمن الكلِّ، ويسعه أخذ ما أوصى له به إلاَّ إن علم أنَّه أكثر مِمَّا له؛ وإن كان وارثا فأوصى له بكذا بقيام فلا يثبت له، وثبت إن قال بقيامه عليه أو بحقٍّ له عليه. وفيما يخرج ــ قيل ــ من الثلث قولان: أحدهما أنَّه يجوز للموصى له به، ويثبت حتَّى يعلم أنَّه لا يخرج منه؛ والآخر: لا يجوز حتَّى يعلم أنَّه يخرج منه.
ومن أوصى له محتضر بمنزله بقيامه عليه ولم يعلم أنَّه أتى بما يستحقّه به، فقيل: له أن يأخذه إن لم يعلم أنَّه أوصى له به باطلا؛ وقيل: لو قام عليه في صلاة واحدة لكان أفضل من الدّنيا وما فيها.
ابن محبوب: إن أشهدت امرأة لرجل بربع مالها بعنائه وقيامه بأمرها في صحَّتها،
__________
(1) () - كذا في النسختين، ولعلَّه: «البسيوي». (6/189)
صفحة 2728
وبربع مالها أيضًا له، وبثلثه أيضًا بعنائه وشقائه فكلُّها (1) من الثلث، لأنَّ قيامه وعناءه (2) وشقاءه معناها واحد؛ فإن كانت الشهادات في صحّتها كان له ذلك، وإلاَّ وماتت خيِّر وارثها في إمساكه وإعطاء فيمته له وفي إتمامه؛ وقيل: لا خيار له فيما قالت بقيامه؛ وإن طلب منه يمينا ما يعلم أنَّها ألجأت إليه ذلك بلا حقٍّ له عليها كان له، ثمَّ له الخيار في قول.
أبو الحواري: من أوصى لرجل ببعض ماله بحقّ له عليه أو بقيامه عليه ثمَّ أوصى به في مرضه أيضًا لآخر بذلك، أو قال وصيَّة منه به وهو غير وارث فهو للأوَّل.
ومن دفع لرجل مالا وقال: هذا لك بقيامك بأمر وصايتي فقضاء منتقض، وله أجر مثله ما لم يجاوزه أو قيمته؛ وإن قال: هذا لك كيما تنفذ عنّي وصايتي فإقرار ثابت واختير كون الأوَّل قضاء؛ وإن قال: لك من مالي كذا وأنفذها عنّي، اختير ثبوته ولا يقوم مقام القضاء.
أبو الحواري: من أوصى إلى أحد أن ينفذ وصيَّته من كذا من ماله، والباقي بعد إنفاذها وقضاء دينه له، فهو كما قال.
ومن جعل لبعض ورثته بعض ماله وضمن له بقضائه، فإن كان في صحَّته ثبت له إن سمَّى له الدّين والوصيَّة، لا إن كان في مرضه.
ومن عليه دين فلم يجد في مرضه من يوصيه في قضاء دينه بعد موته إلاَّ بجملة ماله بعد دينه فعليه الإيصاء به أن يقضي عنه ولو بجملته ويسعه ذلك ويرجع بعد موته إلى أجر مثله بالعدول، وعليه قضاء دين الميِّت من ماله إذا قبل بعده، ولا يجوز له عند الله أن يأخذ من ماله أكثر مِمَّا يحكم له وهو أجر المثل؛ وكذا إن لم يجد من ينفذ عنه وصاياه إلاَّ بثلثه بعدها فله أن ينحي لها من ينفذها ولو به.
__________
(1) () - ب: «فكلُّه».
(2) () - ب: «عناءه وقيامه». (6/190)
صفحة 2729
ومن أوصى لصبيٍّ بشيء بقيامه عليه بحوائجه ثبت إن كان قدر ما يستحقّه من خدمته بلا حيف على وارثه؛ وإن كان لا ينفع بشيء وهو بحدّ من يقام عليه فلا تثبت الوصيَّة بقيامه إلاّ إن قال: بحقٍّ له؛ وإن كان بحدّ من لا يمكن قيامه، وإن بقليل وكان من المحال؛ فإن قال: بقيام له ثبت ذلك؛ وإن قال: لقيام له عليّ أو بقيام استحقّه أو وجب له عليّ جاز على اللفظ؛ وإن قال: بقيامه عليّ وهو من الورثة فلا يثبت له إن كان من المحال؛ وإن كان من غيرهم ثبتت الوصيَّة من الثلث.
أبو الحسن: من قال لامرأته ــ وهي مريضة ــ أنا عليَّ لك حقٌّ وأحبّ أن تشهدي لي بما عليّ لك من حقّ بقيامي عليك ففعلت له ذلك، فإن علم أنَّ عليها له حقّا من قيامه أو غيره بما (1) يستحقّه به من جملة مالها عليه جاز له إن لم يقم عليها مريدا من الله ثوابا؛ وإن كان قوله حيلة في زوال حقّها عليه في الحكم زال به إذا صحّت بيِّنة فيه؛ وكذا إن سألها بعض مالها أن تشهد له به فقد أجازوا الشهادة بالقيام إن كان قدر ذلك؛ واختار خميس أنَّه إن قام لله فلا يأخذ عليه جعلا؛ وإن قام عليها لم يسألها أجرًا فتبرَّعت بالإشهاد بقيامه وعلم هو أنَّه قام بقدر ما يستحقُّ ما أشهد له جاز.
__________
(1) () - ب: «ممَّا». (6/191)
صفحة 2730
الباب الثاني والسبعون
في الوصيَّين أو أكثر
أبو الحسن: من أوصى إليهم ولم يجعل لأحدهم ما لجملتهم فليس له أن ينفذ إلاَّ برأيهم أو حضرتهم؛ وقيل: لكلٍّ أن ينفذ الثلث إن كانوا ثلاثة وهكذا ... وإن جعل لكلٍّ ما لهم كان له؛ ويجوز أمر الواحد في ذلك وإن لم يقل إلاَّ أنَّهم أوصياؤه كان التصرُّف عن (1) الكل؛ وإن جعل لهم التصديق فيما أوصى به فمات أحدهم بطل؛ وإن اختلف الوصيان كان نصف المال عند كلٍّ؛ وقيل: يأتمنان عليه غيرهما لا أحدهما إلاَّ إن تراضيا. وفي إجازة إيصاء الوصي فيما أوصي إليه فيه قولان؛ وإن أوصى أحدهما الآخر فمجيز إيصاء الوصيِّ يقول: إن الباقي منهما وصيٌّ في الكلِّ ومانعه يأمر الحاكم أن يقيم معه وكيلا.
ومن أوصى إلى رجلين فمات أحدهما أقام مكانه آخر ولا يجوز تصرُّف أحدهما وحده إلاَّ فيما لا بدَّ منه إن لو غاب أحدهما؛ وقيل: لا، إلاَّ بإذن الآخر أو الحاكم، وذلك كاحتياج الأيتام إلى مأكل أو ملبس أو نحوهما.
ومن قال: فلان وصيِّي إلى أن يقدم فلان فالوصيَّة إليه كان كما أوصى.
ومن جعل وصيَّين [460] ولكلٍّ منهما في وصيَّته ما جعله (2) لهما وحيُّهما عن ميِّتهما وشاهِدهما عن غائبهما بلفظ ثابت، فقد ثبت عليه وله أن يقضي وينفد على ما يجيزه أهل النظر؛ وإن لم يجعل لهما ذلك فلا حجَّة لهما إلاَّ بمحضرهما؛ وقيل: لكلٍّ حجَّة في إنفاذ النصف والأوَّل أصحُّ؛ وإن قام به أحدهما بأمر صاحبه جاز لهما
__________
(1) () - ب: «على».
(2) () - ب: «جعل». (6/192)
صفحة 2731
اتِّفاقًا؛ وإن مات أحدهما، فقيل: للحيِّ أن يتطوَّع عنه بالقيام بالكلِّ ولو لم يجعل لهما؛ وقيل: لا، إلاَّ إن أقام له الحاكم أو الجماعة وكيلا معه؛ وقيل: له إنفاذ النصف مِمَّا يتجزَّأ، والأوَّل أحوط والأوسط أصحُّ والأخير جائز.
أبو سعيد: من قال لأوصيائه في وصيَّته: أجزت لكم ما للأوصياء فلا يجوز لأحدهم إنفاذها إلاَّ عن رأيهم لجمعهم في الإجازة كالوصاية؛ وكذا إن قال: أجزت لكم في إنفاذها من مالي ما جاز لي أن أجيزه لكم؛ وإن قال: أجزت أو جعلت لكلٍّ منكم ما لجميعكم من إنفاذها، جاز لكلِّ ذلك.
ومن أوصى إلى رجلين فلم يتَّفقا، لم يجز لأحدهما إنفاذ النصف وترك الآخر لاشتراكهما فيه، إلاَّ إن جعل لكلٍّ ما لهما فينفذ كلٌّ ما قدر عليه؛ فإن غاب الآخر أو مات أو عناه ما لا يقدر فأنفذ النصف فلا يجاز إلاَّ إليه؛ وإن شهدا أنَّه أوصى إلى ثالث معهما ردَّت شهادتهما على الثالث، ويدخله الحاكم معهما. (6/193)
صفحة 2732
الباب الثالث والسبعون
فيما إذا وجدت لموصٍ وصيَّتان أو أكثر
فمن أوصى بهما فلم يرجع جازتا من ثلثه؛ وإن رجع عن شيء جاز له ما لم يكن إقرارا أو إشهادا بحقٍّ.
أبو سعيد: تثبت الأخيرة لنسخها الأولى؛ وقيل: يؤخذ بهما معا إلاَّ إن اتَّحدتا؛ وقيل: بالأخيرة إلاَّ في الحقوق.
أبو الحواري: من له وصيَّة فأمر أن تكتب له أخرى فيمتثل له نحو ما في الأولى وقد تقدَّمت الشهادة لها قبل الأخيرة أنفذ عنه ما فيها إلاَّ إن كان في الأولى للفقراء والأقربين مائة وفي الأخيرة خمسون أنفذ الخمسون؛ وإن قال في الأولى: عليه لفلان عشرون وفي الأخيرة عشرة، وكان الإقرار منه فيهما حكم عليه بأكثرهما، وأمَّا الوصايا فيؤخذ بالأخيرة إن اتَّحد المعنى، كأن يوصي لفلان في الأولى بعشرين وفي الأخيرة بعشرة حكم له بها فقط؛ وكذا في أبواب البرِّ ويؤخذ بالأكثر في الحقوق والإقرار؛ وإن أوصى في الأولى لأحد (1) بكذا كان له إن لم يكن في الأخيرة، إلاَّ إن صحَّ من مرضه بعد الإيصاء فإنَّه يبطل ما في الأولى من البرِّ لا الحقوق؛ وكذا إن جعل في الأخيرة وصيًّا آخر فوصيَّان إن لم يبطل الأولى.
أبو عبد الله: إذا جدَّد غير الأولى وفيها ما يحالفها (2) أخذ بما فيهما ما لم ينقض الأولى، إلاَّ ما اتَّفق فيهما فواحدة.
__________
(1) () - ب: «لأحد في الأولى».
(2) () - ب: «يخالفها». ويبدو أنَّه الصواب. (6/194)
صفحة 2733
وعن عمر: من أوصى بوصيَّتين فالأخيرة أملك.
ومن وجدت له مختلفتان وفي كلٍّ منهما أنَّه قد نقض غيرها عمل بهما معا؛ وإن أُرِّخت (1) إحداهما فقط عمل بها.
ومن أوصى في صحَّته أو مرضه ثمَّ مرض وأوصى بأخرى وفيها موافق وزائد وناقص وقال: أنفذوا عنِّي الأولى فإنَّه يؤخذ بالأخيرة إلاَّ إن كان في الأولى ما ليس فيها وكان في مرض واحد فإنَّه يؤخذ بما فيها إن لم يكن في الأخيرة؛ وإن كانت وصيَّة أعقبتها صحَّة فهي منتقضة؛ وقيل: إن كانت في الصحَّة أو في مرض متَّحد ولم ينقض إحداهما عمل بهما في الوصايا وبالأكثر في الإقرار ولو رجع عنه؛ وقيل: بالأخيرة فيها إلاَّ إن كان في الأولى منها ما ليس في الأخيرة؛ وإن أثبتهما أخرجتا من الثلث والحقوق اللازمة من الكلِّ؛ وقيل: يؤخذ بالأكثر في الحقوق والوصايا؛ وقيل: بالأكثر في الإقرار وبالأخيرة في الوصايا كما مرَّ؛ وقيل: يؤخذ بالزائد ويطرح عنه الناقص.
__________
(1) () - في النسختين: «ورِّخت». واخترنا إثباته على المعتاد من الاستعمال. (6/195)
صفحة 2734
الباب الرابع والسبعون
فيما جعل للوصيِّ من التصديق والانتفاع
فمن جعل وصيَّه مصدَّقا فيما أقرَّ به عليه من حقًّ وادَّعى أنَّه أوصى به، فقيل: إنَّه مصدَّق كما جعل له إلى الثلث في الوصايا وإلى الكلِّ في الحقوق؛ وقيل: حتَّى يقول: مصدَّقا إلى كذا، ثمَّ هو مصدَّق إليه ولا له إلاَّ ذلك حتَّى يجعله له فيه أو قيمته ثمَّ يكون له؛ وقيل: حتَّى يصحَّ ببيِّنة، وإلاَّ فلا يصدَّق. وإن جعله لوصيَّين لا لكلٍّ منهما فمات أحدهما أو غاب أوجنَّ أو خرس بطل عن الآخر. وإن قال: أوصيت لزيد بغلام من غلماني أو نحوه وهو يعرفه لم يحز حتَّى يجعله مصدَّقا؛ وإن قال: إنه وصيِّي وقد عرَّفته ديني فمصدَّق فيما قال: إنَّه عليَّ له أو لغيره، فقال ابن عليٍّ: إنَّه مصدَّق كما جعل له، ونفاه ابن محبوب، إلاَّ إن حدَّ له فيجوز له إلى الحدِّ؛ وقيل: لا، ولو حدَّ له.
ومن جعل لوصيِّه أن يوصي إلى غيره بوصيَّته جاز لهما؛ وإن جعل له أن يأكل من ماله ويركب ما شاء جاز له إن حدَّ وكان في الثلث، وإلاَّ فالوقف.
ومن احتضر فقال: فلان مصدَّق فيما ادَّعى عليَّ، فقيل: عن موسى إنَّه يحلف فيعطى ما حلف عليه؛ ومنعه ابن المبشِّر إلاَّ ببيِّنة؛ واختاره الأزهر؛ وقال أبو المؤثر: إن حدَّ له [461] جاز، وإلاَّ أو اتُّهم فلا.
وإن قال مريض: فلان مصدَّق فيما ادَّعى عليَّ من درهم إلى ألف فأعطوه بلا يمين فمات فادَّعاه فأراد وارثه يمينه لزمه أن يحلف أنَّ عليه كذا إلى ما جعل له التصديق فيه؛ وإن لم يمت ثمَّ صحَّ فادَّعى عليه الألف فقال له: لم يكن عليَّ لك (1) شيء
__________
(1) () - ب: «لك عليَّ». (6/196)
صفحة 2735
ولكن أردت أن أحتاط مِمَّا كان بيني وبينك من معاملات ولا أعلم أنَّ لك شيئًا فإنَّه لا رجوع له بعد أن صدَّقه عليه، ولكن عليه له اليمن.
ومن قال: جعلت ثلثي لزيد وسمَّيته لعمرو فصدَّقوه فيه (1) فقال عمرو: هو هذا، وخالفه الورثة، فلا يصدَّق لأنَّه شاهد؛ وإن قال: سمَّيته لبكر وخالد فصدَّقوهما فشهدا لزيد به جازت شهادتهما؛ وإن اختلفا بطل قولهما فلم يصدَّقا؛ وإن قال: أعتقت أحد عبيدي وسمَّيته للوصي فصدَّقوه فلا يصدَّق لأنَّه واحد.
محبوب عن ابن عليٍّ: من قال لفلان عليَّ دين ولا أدري كمِّيته غير أنَّه مصدَّق فيما قال، جاز. وإن احتضر فأقرَّ بديون عليه وأوصى بوصايا ووكَّل وكيلا في قضائها وإنفاذها وصدَّقه فيما أقرَّ به عليه إلى ألف ثمَّ أشهد أنَّه صدَّقه فيما أقرَّ به عليه من دين إلى مائة فالتصديق إلى الألف إن لم يرجع عن الأوَّل؛ وإن قال: كتاب وصيَّتي وديني عند فلان فخذوا بما فيه لم يجز إلاَّ إن كان معه شاهد آخر بما فيه؛ أبو سعيد: حتَّى تصحَّ بعدلين ويقرَّ بها ويشهد عليها؛ وإن ذهبت الوصيَّة من يد الوصيِّ وقد قبض المال ولم ينفذها فله الإيصاء فيما أوصى إليه به ولو لم يجعله له؛ وقيل: لا، إلا إن جعله له، ولكن يعترف بالمال ويشهد عليه ويقرُّ به على ما صار إن أتلفه وضمنه.
__________
(1) () - ب: - «فيه». (6/197)
صفحة 2736
الباب الخامس والسبعون
فيمن أعطاه الوصيُّ شيئًا من مال الميِّت
ومن لقي رجلا فقال له: هذه الدراهم أوصى لك بها فلان، فله أخذها منه ولو غير ثقة، لأنَّها في يده وهو أولى بما فيها ما لم يصحَّ كذبه أو يعلم أنَّها من مال الموصي بلا إقرار مِمَّن هي بيده؛ وقيل: لا يحوز أخذها إلاَّ من الثقة على التصديق؛ وقيل: لا مطلقا، إلاَّ إن صحَّت الوصيَّة ببيِّنة؛ وكذا إن كانت في يده وقال: هي لفلان.
ومن قيل له: إنَّ فلانا متوليًّا إنفاذ حجَّة عن موص إليه ولم يصحَّ عنده أنَّه وصيَّه فهل له أن يأخذ المال منه ويحجَّ به عن موص بها، فالخلاف إن كان في يده، واختير من الأقوال تصديق الثقة فيما يسع لا في الحكم ولو لم يكن في يده ما لم يعارض فيه.
وسئل أبو محمَّد عن مفرِّق شيئًا عن ميِّت على الفقراء والأقربين ويدَّعي أنَّه وصيٌّ ولا بيِّنة له هل لهم أن يأخذوا من مال الميِّت شيئًا؟ قال لا، ولو ثقة؛ وإن سلَّم شيئًا إلى الفقراء وقال لهم: إنَّه أوصى لكم به فلان أو أقرَّ، جاز أخذه من يده إن لم يقل: إنَّه من مال فلان؛ وإن شهد له عدلان أنَّه وصيُّه لا بالإنفاذ أخذ منه ولو قال: إنَّه من ماله.
ومن أوصى بدراهم للفقراء أو من زكاته من عشرة إلى مائتين فرِّق مالهم لثلاثة فأكثر؛ وقيل: لاثنين وجوِّز لواحد على ما مرَّ، ما لم يصل به إلى حدِّ الغنى، قال خميس: وهو الأصحُّ، لأنَّ هذا الاسم خاصٌّ إلى الواحد وعامٌّ للفقراء، كما لو حلف أحد لا يكلِّم الفقراء فكلَّم واحدا حنث؛ وإن قال: لفقراء، فلا يحاوز العشرة ولا (6/198)
صفحة 2737
ينقص عن ثلاثة. وتعطى الزكاة الواحد ولو أتى على جميع الوصيَّة أو ما يجزيه وعياله سنة. وإن أوصى بمعروفه أن تدفع إلى معروف، فإن كان مستحقا للزكاة ثبتت له على ما أوصى؛ وإن كان غنيًّا أو لا يستحقُّها بوجه بطلت له وأنفذت على وجهها؛ وإن أوصت امرأة وجبت فبل عقد الإمام أن تنفذ عنها قيل لها التخيير ما حييت ولزم الوصي الإنفاذ في الحين.
ومن أعطاه آخر دراهم وقال له: خذ منها ما شئت وفرِّق الباقي على الفقراء أو قال له: إنَّها لهم فخذ وفرِّق كذلك؛ فإن كان فقيرا أخذ منها ما شاء، إلاَّ إن قال: إنَّها من الزكاة فلا يأخذ منها إلاَّ ما يغنيه وعياله سنة؛ وإن قال له (1): خذ هذه الدراهم وخذ منها ما شئت وفرِّق بقيَّتها عليهم ــ وهو غنيٌّ ــ ولم يقل: إنَّها لهم ولا أنَّها من الزكاة فله أن يأخذ منها ما شاء ولا حدَّ عليه فيه ولا فيما يفرِّق، وجاز لاثنين فصاعدا؛ وإن قال له (2): خذ منها ما شئت فله أخذها كلَّها وقد مرَّ ذلك.
وإن أوصى بدراهم فاتَّفق الوصيُّ مع الفقير أن يعطيه بها حبًّا أو تمرا أو غيرهما (3) فلا يجزيه إلاَّ الدراهم، وجوِّز ذلك بعدل السعر؛ وقيل: على ما اتَّفقا عليه، وقد مرَّ ذلك. وإن أوصى بثوب يباع ويفرَّق عليهم فباعه الوصيُّ على فقير وأعسر ببعض الثمن، فأجاز بعض أن يحطَّ له منه وجعله قائما مقام التفرقة، ومنعه الأكثر، لأنَّ الحقَّ ليس لفقير فيقاصص به.
أبو الحواري: من أوصى للفقراء بشيء ولم يعيِّنهم فرِّق على فقراء قرية يتمُّ فيها ولو أوصى في غيرها أو مات فيه، إلاَّ إن أوصى في قرية يتمُّ فيها ومات فيها فإنَّه يفرَّق فيها؛ وإن أوصى في قرية ومات في أخرى وهو يتمُّ فيهما أجزاه أن يفرَّق في أحداهما.
__________
(1) () - ب: - «له».
(2) () - ب: - «له».
(3) () - ب: «أو غير ذلك». (6/199)
صفحة 2738
ومن ولد ــ قال عزَّان ــ[462] في قرية وتزوَّج في أخرى ويعتقب السكن فيهما وأوصى بدراهم للفقراء فأيُّهما فرِّقت فيها أجزاه، ولا ضمان إن فرقت في غيرهما، والأحسن في التي هي مسكنه ووطنه.
وفي الأثر: ومن ينزل بلدين ويتمُّ فيهما ومات في أحدهما وقد أوصى لذلك ولأيمانه جاز أن يقسم بينهما أو يفرَّق في الذي مات فيه أو في غيرهما.
ومن أوصى لذلك فرِّق في التي فيها مقامه ولو مات بغيرها، ونحبُّ أن يبدأ بجيرانه ولو فرِّق عنه في غير قريته أجزاه. ومن أوصى بكفَّارات فلوصيِّه أن يفرِّقها عنه في غير بلده؛ وإن كان الأحسن فيه. (6/200)
صفحة 2739
الباب السادس والسبعون
في الوصيِّ وثقته وتهمته وتسليم المال إليه
أبو محمَّد: ليس لوارث الميِّت الاعتراض على الوصيِّ فيما جعله أمينا فيه، إلاَّ إن صحَّت خيانته فإذا صحَّت نزع الحاكم الوصيَّة منه؛ وإن اتُّهم معه من يرضاه هو أو المسلمون لحفظها وإنفاذها.
أبو المؤثر: من ترك مالا ودينا ويتامى وحاملا وقد أوصى إلى غير ثقة؛ فإن كان متَّهما أدخل معه ثقة وكانا وصيَّين لا يقضي أحدهما شيئًا وحده وكان الثقة حافظا لما يضيِّع المتَّهم؛ وإن عرف بالخيانة نزعه الحاكم وأقام مكانه ثقة، وجازت مقاسمته لليتامى إن لم تصحَّ خيانته أو سبقتها؛ وإن شكا الورثة منه فليس على الحاكم عزله إلاَّ إن بدت لهم وعلمها الحاكم.
ومن عليه حقٌّ لميِّت فقال له ثقة: إنَّه وصيُّه فله أن يسلِّمه إليه على تصديقه إن اطمأنَّ لا في الحكم؛ وإن شهر جاز ولو لم يشهد عدلان أنَّه وصيُّه إن لم تعلم خيانته أو يتَّهم.
ابن قريش: إن استخان الورثة الوصيَّ، وقالوا: ينفذ بحضرتنا فلا يلزمه ذلك لوثوق الموصي به ما لم تتبيَّن خيانته؛ فاذا بانت خرج من الوصاية.
ومن أوصى إليه رجل ولم يدر كيف أوصى إليه فلا يجوز الشراء منه حتَّى يعلم أنَّه وصيٌّ في الدين والإنفاذ، وجوِّز؛ وإن سلَّم الورثة المال للوصيِّ ليقضي وينفذ ثمَّ طلبوا منه صحَّة القضاء، فقيل: مصدَّق ولا يلزمه ذلك، إلاَّ إن طلب الحقوق أهلها وأنكروه.
وإن أنفذ بعض الورثة الوصيَّة من مال الموصي ضمن لباقيهم حصصهم مِمَّا أنفذ وبرئ الوصي إذا صحَّ عنده الإنفاذ ورضي به وأتمَّه. (6/201)
صفحة 2740
الباب السابع والسبعون
فيما للوصي من الوصاية والاستعانة على الإنفاذ
وقد جاز له أن يوكِّل من يعينه فيه في حياته لا بعدها إلاَّ إن جعل الموصى له ذلك، وأجاز له بعض أن يأمر من ينفذ بعد موته ما بقي من الوصيَّة إن أنفذ بعضها مطلقا.
أبو سعيد: له أن يوصي فيما أوصى إليه الموصي فيه مطلقا؛ وقيل: لا مطلقا؛ وقيل: له إن جعله له؛ وقيل: إن دخل فيها جاز له وإلاَّ فلا؛ وقيل: لا، ولو دخل، إلاَّ إن بقي منها يسير.
والوصيَّة لها أن توكِّل فيما لا يمكنها البروز فيه، ولو لم يجعل لها.
أبو الحسن: له أن يوصي ولو لم يجعل له الموصي في الوصايا والتزويج إن أوصى أوصى إليه في ذلك وهذا أحوط لهما. أبو سعيد: له أن يأمر من يعينه إن كان أمينا ويوكِّل غيره إن كان ثقة؛ وقيل: لا، وليس للوكيل أن يوكِّل فيما وكَّله فيه الموكِّل، إلاَّ إن جعل له ذلك ويفعله في حياته؛ فإن تعدَّى بطلت وكالته والوكيل كالوصيِّ إن كان ثقة فلمعينه إن استعان به أن يعينه وليس له أن يبيع الأصول إلاَّ بصحَّة الوكالة والوصاية للحيِّ وللميِّت؛ ولا يجوز أن يعينه إن كان غير ثقة حتَّى يعلمه ثقة.
وإن أوصى لفلان بكذا ولفلان بكذا، فلا بأس على الوصيِّ أن يفعل ما أوصى به إن لم يجُر فيه؛ وإن ترك ذلك الجور على حاله أثم هو لا الموصى له فيما أخذ إذا لم يعلم أنَّه حاف ولا فعل ما لا يجوز له.
وإن أوصى أن يشتري له برًّا بكذا درهما وماء بكذا ويفرَّق البرُّ على الفقراء ويصبُّ الماء عليهم فلا نحبُّ للوصي أن يخالفه بنقص من أحدهما وزيادة في آخر؛ وإن رآه أصلح عمل به. (6/202)
صفحة 2741
ومن جعل إلى وصيِّه أن يرفع اليمين عمَّا يطالبه بحقٍّ بلا مناداة (1) ولا حكم ويبيع بلا مشاورة وارث جاز له ما لم يطلب الوارث فداء المال؛ فإن طلبه كان له، ولو جعل للوصي أن لا يشاوره، فإن طلب دفع الفداء كان له عليه إن كان قبل البيع، ولا يلزمه أن يوقف عن (2) المال لاستعراض للوارث، إلاَّ إن فداه قبله ولا يلزمه أكثر من ذلك ويصدَّق الوصيُّ فيما دفع عن اليتامى من النفقة والزكاة والديون وغير ذلك حتَّى يعرف كذبه؛ وإن اتُّهم فعليه اليمين وليس له أن يحطَّ عن المشتري في البيع بلا عيب يظهر في المبيع.
عزَّان: من أوصى إلى رجل ولم يشهد له بوصاية إلاَّ إنَّه أمره أن ينفذ عنه ما أوصى إليه أو أعلمه به ثمَّ مات فلا يجوز له أن ينفذه عنه حتَّى يعلم به الوارث ويتمَّ له؛ فاذا أتمَّ فله أن ينفذه إلاَّ إن صحَّ بشهادة عدلين، وهذا في الحكم وأمَّا عند الله فاذا استتر له جاز له.
ومن علم أنَّ على أبيه لأحد حقًّا أو لزوجته صداقا فأوصى إليه إذ احتضر وصدَّقه فيما قال عليه وقال له: أمَّا فلان فقد قضيته ما له [463] عليَّ وأوفيت زوجتي صداقها، ثمَّ طلبا وأنكرا ما قال، فليس له أن يقضيهما ما ذكر الميِّت أنَّه أوفاهما؛ فإن صحَّ لهما وحكم لهما به سلم هو، واختير له أن يقضي بقدر ميراثه مِمَّا علم لهما.
ابن جعفر: من عرف وصيُّه دينه وأمره أن يقضيه بلا حاكم فلربِّه أخذه بلا يمين عليه؛ وقيل: لزمته ولو لم يكن له وارث أو كان معتوها أو أخرس؛ وإن عرفه به ولم ولم يأمره بقضائه فلا يقضيه بلا أمره، فلو علم وليُّ ميِّت بدين عليه ولا وصيَّ له وأمكنه قضاؤه من مال الميِّت في زمان عدل أو جور، فإن قضى شيئًا منه مِمَّا عليه جاز بقدر منابه من الدين من إرثه منه، ولزمه أن يخلص المال لأهله إن قدر؛ وإن
__________
(1) () - ب: «منادة».
(2) () - ب: «على». (6/203)
صفحة 2742
صحَّت الحقوق عند الحاكم وقضاها من المتروك جاز له، وإلاَّ لزمه ردُّها إلى أهلها؛ وإن يدرك ما أتلفه من مال الميِّت لزمه الشروى فيما يكون فيه؛ وقيل: ليس له أن يقضي ما علم عليه إن لم يصحَّ ببيِّنة، إلاَّ إن قال له: اقض عنِّي كلَّ ما علمته عليَّ ولم تعلم أنِّي قضيته، فإن قال له جاز له، وإلاَّ فلا، وهذا في الحكم إن لم يعارض معارض أو محتسب أو وارث؛ وقيل: ليس له ذلك عند الله أيضًا؛ وقيل: له إلاَّ إن حدَّ له معروفا يأمره بقضائه؛ وإن جعله وصيًّا في قضائه جاز له.
ومن مات وعليه محيط بماله وله حيوان وغيره فادَّعى رجل أنَّه وصيُّه فهل يجوز أن يخلى بينه وبين قبض ماله ولو كره الغرماء وفيه ما يحتاج إلى أن يقام به ويعمل، فإن كان ثقة كان المال بيده ينفذه في الدين برأي الحاكم بالمحاصصة؛ وإن كان متَّهما أقام الحكم معه (1) ثقة وكان المال في أيديهما (2) حتَّى يأخذه الغرماء؛ وإن ظهرت منه خيانة فيه فلا يقرُّ به الحاكم إليه إن طلبوا ويوكِّل غيره وما احتاج إليه من عمل لا بدَّ منه أمر له بعمله؛ وإن علم أنَّه أقرَّ لأحد بحقٍّ وعلم أنَّه من ربىً وأمره بدفعه إليه فلا يجوز له أن يعطيه؛ وإن ادَّعى أنَّه قضى بعض الغرماء من عنده وأراد أن يأخذ من مال الميِّت بدله واحتجَّ لليتامى من يدفع عنهم بأنَّك تأخذ لنفسك ما شهدت به، فإن شهد بالدين عند الحاكم وثبتت وصايته أو وكالته ثمَّ قضى من ماله أخذ من مال الميِّت بدله إذا (3) صحَّ القضاء؛ وإن قضى قبل أن يشهد به عنده وأراد أخذ ذلك ضعفت شهادته فيما قضى قبلها.
فصل
جاز لوصيٍّ ووكيل أن يقضي ما على الموصي والموكّل من ماله هو على نية أخذه من ماله ما لم يمنعه خصم أو حاكم بحجَّة؛ وقيل: يجوز للوصيِّ لا للوكيل؛ وإن
__________
(1) () - ب: «مع».
(2) () - ب: «بأيديهما».
(3) () - ب: «إن». (6/204)
صفحة 2743
كان على الوصي دين للميِّت فله أن ينفذه فيما عليه؛ فإن كان له هو دين على الميِّت فله أن يستوفيه من ماله إن كان مكيلا أو موزونا، وإلاَّ فلا إلاّ برأي الوارث أو الحاكم أو العدول إن كان يتيما؛ وإن عدمهما فله أن يأخذ حقّه من جنسه لا أكثر منه؛ وإن أخذ مثله أو دونه جاز له.
ومن أوصى ــ قيل ــ بزكاة عليه فلا يأخذ وصيّه منها لنفسه ولا لأولاده إلاّ إن بلغوا أو بانوا عنه أو كانت عليهم ديون فيقضيها عنهم وهم بلَّغ، ولا يخرج بحجّته إلاّ بإذن وارثه. وجوِّز له أن يأخذ من الزكاة ويعطيهم إن كانوا فقراء ولو كانوا في حجره إن كان هو فقيرا؛ وإن كان غنيا فأعطى البالغين الفقراء منهم جاز له ولو كانوا فيه أيضًا، لأنَّها ليست زكاته وكرهه بعض. وإن أدخل في مجهول أجيرًا ليعمل عن ميِّت فيما أوصى به فترك العمل فأتمّه الوصيُّ أو تاممه على ما لا ينقض ما تثبت به الوصيَّة ممّا يخر ج به أجر مثله وأكثر منه فله إتمام ذلك؛ وإن كان أقلَّ مِمَّا تاممه عليه فلا يثبت في ماله إلاَّ ما يستحقُّ من الأجرة في عنائه.
ومن أوصى لرجل بشيء يسلّمه إليه فاستحلّه منه وصيّه بعد أن أخبره فأحلّ الميِّت منه فلا يجزيه حتَّى يدفعه إليه، لأنَّه لم يوصه باستحلاله، وإنَّما أوصى إليه بتسليمه؛ فإن كان ممّا يخرج من الثلث من غير ما يلزمه له فيحضره ذلك، فإن اختار أن يدعه ويبرئه أو يأخذه فذلك إليه. وإن أوصى له بما يخرج من الكلِّ من حقوق فيحضره إيَّاها، فإن لم يقبل ما تركه الميِّت وأحلَّه له منه جاز إلاَّ إن كان من أهل العدم أو ورثته من أهل العفَّة فخاف عليهم وطلب إليه أن يتركه حقّه أو يأخذه منهم ففعل ولم يدع وفاء فاستحلّه فأحلَّه (1) جاز وأمَّا أن يوصي إليه بشيء فيستحلّه والميِّت غني، قال: فلا أراه إلاّ على اختبار من الموصى له بعد قدرته على أخذه.
__________
(1) () - ب: - «فأحلَّه». (6/205)
صفحة 2744
فصل
للوصيِّ أن يأمر من يثق به أن يفرّق على من شاء، وإن في غيبته، لأنَّ الثقة لا يفعل إلاّ جائزًا لا أن يرسل لفقير إلاّ إن كان الرسول ثقة أو أقرَّ الفقير بالوصول.
ومن أوصى رجلا في دينه وهو عالم به ولا بيِّنة عليه فلا يأخذ مال الورثة إلاّ بها، وقال ابن عزرة: هو وصيّه فليعط النّاس حقوقهم وهو المصدَّق.
ومن أوصت بثلث مالها يباع ويفرَّق عنها وأراد وصيّها أن يبيع بحبٍّ ولم تسمِّ هي به ولا بفضّة جاز له بما شاء. أبو المؤثر: من أوصى ببدن تنحر عنه فدفع وصيّه ثمنها إلى من يأمنه منَّا ولا ولاية له، أو من قومنا وهو ثقة يأمنه ولا يتّهم بخيانة ولا تقصير ولا مخالفة فلا بأس عليه وليسأله؛ فإن أخبره أنَّه أدّاها على ما ينبغي أجزاه وأرجو أن لا يلزمه غرم إن لم يسأله حتَّى يعلم أنَّه قد ضيّع.
ومن عليه دين فمات ربّه وترك وارثا فإنَّه يوصي أنَّ عليه لفلان الميِّت كذا لا لوارثه، لأنَّه إن أوصى لورثته كان بينهم [464] سواء؛ وإن أمر الوصي من يقبض له ما على رجل وينفذه في وصيَّة الميِّت جاز له إن كان مأمونا، ولا يجزيه حتَّى يسأله، وليس كالدافع من يده؛ وإن أمره فيما عليه للميِّت فلا يجزيه قوله، لأنَّه مدّع براءة نفسه إلاّ ببيِّنة أنَّه أنفذ ما أمره الوصي أو بإقرار الموصى له بالقبض منه.
ومن قال لوصيّه ما قصّرت أو ضيّعت أو دفعت إلى غير ثقة يوصل إلى من له الحق فأنت في الحلّ فهل يسعه؟ قال: أمّا في الدين والأيمان واللّوازم فلا ينبغي له ذلك ولا نحبّه له في وصيَّته؛ وإن فعله في وصيَّة الأقربين فلا نؤثمه، لأنَّها حقٌّ، ولأنّ الوصي ليس له أن يستغني بهذا الشرط ولا يجتزي به ولا أن يعمل فيها إلاّ بالحقّ ولا يقصّر ولا يدفع إلى من لا يأمنه؛ فإن فعل ذلك غرم إن تلف شيء على يده، لأنَّه وسع له فيما لا ينبغي لهما. (6/206)
صفحة 2745
ومن احتضر وعليه محيط بماله وكتبه فضاعت وصيَّته ونسي وصيّه الغرماء وعرف أحدهم (1) فقط ولم يعرف ما لكلٍّ، فلا يجوز له أن يدفع إليه ما بيده وهو كفاف ماله حتَّى يحتجّ عليهم؛ فإن صحّت حقوقهم بعد دفعه له ضمنه (2) وعليه أن يأخذه منه إلاّ قدر منابه منه؛ وإن دفع برأي الحاكم ثمَّ صحَّحوها فلا يلزمه شيء وإنَّما (3) هو على الميِّت.
أبو الحسن: من جعل وصيَّته في محدود فباعه الوكيل وقضى الغرماء الأوَّل فالأوَّل فعجز عن الدين والوصيَّة وقد أوفى بعضهم جميع ما لهم ولم يدفع لبعض شيئًا؛ فإن أقامه وكيلا له بعد موته في قضاء دينه من المحدود حيث بلغ منه لا وصيًّا في غيره وليس له في سائر ماله بعد ذلك وصاية وباع المحدود وقضاه بعضا وترك بعضا فقد قصّر وأخطأ؛ فإن وصل من ترك حقّه على يده أو الوارث وصحّ عنده استغفر الله إن قصد الإيثار؛ وإن لم يصله طالب الأخذين بالردِّ إليه، فإن أعجزوه غرمه الوصي.
__________
(1) () - ب: «أحدهما».
(2) () - ب: + «له».
(3) () - ب: - «إنَّما». (6/207)
صفحة 2746
الباب الثامن والسبعون
في الجائز للوصيِّ فعله في المال وفي غيره
ومن احتضر فأوصى بما عليه لغائب، وله وكيل في قبضه وللميِّت أيتام ولهم وصيٌّ، فإنَّه يرفع (1) ذلك إلى الولاة، فإذا صحّ عندهم أمر الوصي بدفعه للوكيل.
ومن مات وأوصى بما عليه لمجاوز للبحر وخلّف يتامى وكثيرا يفضل عمّا أوصى به بأضعاف واحتاجوا، فلوصيّه أن ينفقهم منه لأجل الضرِّ والعدل فيه أن يقام للغائب وكيل في قبض حقّه من المال، فإذا قبضه برئ من الدين وخلص للورثة.
ومن أوصى لقرابته بخمسين درهما صحاحا فلم يمكن الوصي قسمها عليهم إلاّ إن كسرها؛ فإن قسمها على وجه الدرجات فلا بأس بتكسيرها إن كان لا بدَّ منه؛ فإن أخذ بقول من أشركهم فيها سواء استأمرهم بدفعها إلى أحدهم وإلى غيرهم، فإذا قبضوها تولَّوا قسمها.
ومن أوصى لمعروف بدراهم فقال للوصيِّ اعطني بقيمتها حبًّا أو غيره جاز له؛ وقيل: لا. وقال أبو عبد الله وأبو زيَّاد وزيَّاد: من أوصى إلى رجل أنّ كلّ مدّع عليَّ من درهم إلى عشرة آلاف فاقضوه عنّي فإنَّه يقضى عنه كما أوصى، ولو ادّعى عليه ذلك ناس حتَّى يفرغ ماله؛ وكذا إن قال فهو المصدَّق فاقضوه عنِّي، واختير استحلافه. وإن باع الوصي من ماله هو وقضى الديون بلا إذن الوارث جاز؛ وقيل: لا، لأنَّه خالف ما أوصى به وهو أنَّها تقضى عنه من ماله.
__________
(1) () - ب: «يردُّ». (6/208)
صفحة 2747
أبو الحسن: إذا قضى بعض الغرماء من محدود لا بعضا فإنَّه يطالب من قضى بالردّ فيعطيه لمن لم يقض له؛ وإن قضى بعضهم برأي بعض ورضاهم ولم يقصد إتلافا عليهم؛ فإن كان في المال وفاء وصحّ للغرماء ديونهم ببيِّنة على الوارث أولم يعلم بإقرار موروثه فلا غرم على الوصي وإلاَّ غرم إن لم يصل إلى مال الميِّت فيقضي منه الباقي ولم يقدر على قبض ما سلّم لبعض الغرماء وله أخذه وقسمه إن قدر؛ فإن عجز لزمه مناب الباقي ممّا سلّم لغيره لا جميع الدين ولا جميع ما سلّم لبعض؛ وقيل: إذا تحاصص الغرماء ثمَّ صحّ لأحدهم حقّ حاصصوا بقدر حصَّته؛ وإن تعمّد الوصي إلى إعطاء بعض دون بعض راجيا للوفاء لهم غرم لهم إن طلبوه، لا من أعطى لهم؛ وإن لزمه الغرم بحقّ دفع إليهم بما أعطاهم إن صحّت للباقي بيِّنة عليهم وللوصيِّ أن يقترض من مال الميِّت إن احتاج ويردّه إلى الوصيَّة بلا رأي الوارث ولنفسه من مال اليتيم وفي قرضه لغيره خلاف وما نحبّه لغني إلاّ لحاجة لزمته. (6/209)
صفحة 2748
الباب التاسع والسبعون
فيما على الوصيِّ والوارث تسليمه
فمن أوصى لرجل بحمل أو دابَّة غائبة جازت إن خرجت من الثلث، وعلى الموصى له إن قبل أن يأخذها من حيث كانت لا على الوارث إيصالها إليه، ولكن يوكِّل من يسلّمها إليه؛ فإن تلفت وقد طلبها إلى الوصي فلم يدفعها إليه ضمنها، لا إن لم يطلبها.
ابن أحمد: إن أوصى له بحيوان أو متاع أو أصل وهو معيّن يعرفه فليس على الوصي تسليمه إليه وله هو أخذه، أبو الحواري: ولو كانت دابَّة وماتت في وثاقها [465] لم يلزمه ذلك ولا الوارث إطلاقها ولو ماتت جوعا وعطشا. وقيل: إذا أوصى بمعيّن من ذلك وبيَّنه إليه لم يلزمه أداؤه إلى الموصى له به ولا هو أمانة بيده ولا حفظه والقيام به إن كان في منزل له، ولا حيوانا مربوطا فيه ولا له حلّه من الرباط وإخراجه، ولا إن لم يربط، لأنَّ الميِّت تركه في البيت؛ فإن خرج أو أخرج لم يلزمه حفظه؛ وإن قام به وحفظه لم يضمنه.
ومن مات وقد أوصى لرجل بدين عليه، فقيل له: أحلف على حقِّك فكره، فقيل: قد برئ الموصي؛ وإن استحلفه الوارث فأبى اختير له أن يدفعه إليه إن أبى؛ وإن نفى عنه اليمين في وصيَّته صرفت عنه؛ وقيل: لا بدَّ منها إن كان في الورثة يتيم أو نحوه أو غائب. (6/210)
صفحة 2749
الباب الثمانون
في تأخير الوصيِّ الإنفاذ وما يلزمه فيه
فإن فرّط فيه بلا عذر خيف عليه الهلاك. أبو سعيد: ليس له أن يؤخر إلى إدراك الثمرة في مال الموصي إن كان بيده منه نقود أو حيوان أو عروض إلاّ بعذر، فإن تلف ذلك قبل الإدراك أو بعده (1) وقد أمكنه الإنفاذ؛ فإن لم يقصد إلى تضييع بلا عذر فأرجوا أنّ فيه خلافا؛ وإن أخّره رجاء لدخول ثمرة توفيرًا على اليتيم فتلف المال وقد أمكنه الإنفاذ من دونها فليس له فيه عذر، ولا هو قاصد إلى تضييع بل إلى صلاح فيما عنده؛ وإن كان في المال وفاء فأخَّر الدين عن الوصية ثمَّ تلف قبل أن يقضيه فعليه ضمان ذلك إلاّ ما كان من الوصايا معلما، قال: فأرجوا أن لا يضمن منه إلاّ ثلثيه؛ وإن قضاه ثمَّ تلف المال فأرجو أنَّه سالم ما لم يضيّع ويفرّط؛ وقيل: بالخلاف؛ وإن بدأ بما اختلف فيه أهو من الكلّ أو من الثلث ثمَّ تلف المال قبل قضاء الدين فعلى القول إنَّه من الكلّ يضمن الحصَّة من جملة المال ممّا أنفذ بقدر حصص ما بقي ممّا كان بيده إن لو قسم على الحقوق؛ وعلى القول أنَّه من الثلث فأخاف عليه ضمان الكلّ لإتلافه لا في وجهه؛ وإن أذن له الموصي أن يبدأ بما شاء وقد وسع المال الوصيَّة بعد الدين فتلف قبل إنفاذه وقد أنفذها فليس للموصي في ذلك أمر ولا نهي إذا وجبت الحقوق فيما له الرجوع فيه من الوصايا، فإذا أوصى بها وبأن يبدأ ببعضها قبل بعض، فقيل: إنَّه جائز، لأنَّه وصيَّة.
__________
(1) () - ب: «بعدُ». (6/211)
صفحة 2750
ومن أوصى إلى رجل (1) في محدود من ماله أو فيه فمنعه الوارث منه أو من الوصيَّة بحقّ أو باطل ولم يقصِّر لم يلزمه إلاّ الإيصاء بذلك في مال الميِّت؛ وإن قصّر فيها وقد قدر على إنفاذها حتَّى عجز عنه ومنع، فقيل: يضمن؛ وقيل: أساء؛ واختير أنَّه إذا كان على نيّته حتَّى حيل دونه وعجز لزمه الاستغفار لا الضمان، ما لم يقصد تعطيلا وتضييعا واستخفافا وتهاونا عند الإمكان.
__________
(1) () - ب: «لرجل». (6/212)
صفحة 2751
الباب الحادي والثمانون
في الوصيَّة إذا لم يقدر على الوصول إليها، وفي وصيِّ اليتيم
فإذا قبلها وفيها ما يعجز عن الوصول إليه فهو غير مكلّف به ويكون على اعتقاد أداء ما يلزمه حتَّى يقدر فيؤدّيه أو يموت فيوصي به، ولا يلزمه أكثر من اجتهاده في حياته وإيصائه بعدها، واختير له أن يشهد ويظهر أنَّه لم ينفذها.
أبو الحسن: إذا عدم الموصى لهم وورثتهم وصار بالحدّ الذي يقول فيه بعض: إنَّه يفرق على الفقراء فله أن يفرِّق عليهم، فإذا صحّوا بعد بيِّنة خيّروا في الأجر والغرم؛ وقيل: لا، إلاّ بإذن الوارث، لأنَّه إذا وجد للحقّ طالب بها رجع في المال؛ فإن فرَّقه بلا إذن الوارث ضمنه لإتلافه ماله فيما لا يحكم له فيه ببراءة ممّا لزم في مال موروثه إلاّ إن جعل له ذلك بلا إذنه وإذا حاز الوارث ــ قيل ــ مال الميِّت انتقل عليه ما فيه من حقّ، لأنَّه صار في ذمّته يجوز له ولا عليه إن لم يجزه إلاّ إن كان وصيا له فيلزمه ذلك من قبل الوصيَّة وإنفاذها متى أمكنه.
وقد اختلف فيمن تلزمه حقوق لا تعرف لمن هي، فقيل: لزمته أبدا ولا ينفعه تفريقها على الفقراء ولا يؤمر به؛ فإن فعل ضمن وأوصى به؛ وإن لم يفرِّقها فلا بدّ من الإيصاء والإقرار بأقرب ما يدرك به ذلك من الصّفات {لا يكلِّفُ اللهُ نفسًا إلا وُسعَها} (البقرة: 286)؛ وقيل: يفرِّقها عليهم ولا يدين بما يلزمه في ذلك، فإذا عرف أربابها خيَّرهم، فإن احتضر قبل أوصى به وأنَّه فرَّقه وذلك خلاصه؛ وقيل: إذا لم يقدر على معرفتهم وأيس منها فغيره أبعد منها وأولى فيفرِّق ذلك إلاَّ إن بان ربّه (6/213)
صفحة 2752
فيخيّره كما مرّ؛ وقيل: إذا فرَّقه على هذا الوجه أجزاه ولو بان ربّه بعد، لأنَّه فعل بقولٍ، وعليه فلا يلزمه الإيصاء به.
واختلف في تفريق ما لم يعرف ربّه، فقيل: يفرَّق في بلده؛ وقيل: في بلد لزم فيه؛ وقيل: حيث شاء المفرِّق؛ وقيل: إن كان ذلك في المصر لا خارجا منه فرِّق في الذي لزمه فيه، فإن خرج منه، فإن شاء فرَّقه في المصر حيث شاء فيه؛ وإن شاء قرَّقه في محل صاحبه من المصر.
ومن أوصى لرجل بدراهم ومات الرجل وترك أولادا ثمَّ انقرضوا إلاّ رجل أو امرأة يذكر أنَّه من نسلهم بسماع لا بصحَّة؛ فإن صحَّ ببيِّنة أنَّه من ورثته فذاك، وإلاَّ فرِّق في بلدهم. فإن كان من يذكر منهم فقيرا دفع إليه، فيقال: إن كنت تستحقّه بالإرث فهو لك وإلاَّ فلفقرك؛ ولا يعطى له إن كان غنيا إلاّ بالإرث إن صحّ له.
ومن أوصى لرجل بعشرة دراهم فعدم الرجل [466] ولم يوجد له وارث؛ فإن أبهمت في المال كانت بحالها إلى أن يصحّ الموصى له بها؛ وكذا إن أعلمت فإن احتضر ائتمن عليها ثقة وأشهد إن وجده، وإلاَّ وأيس ولو من وارثه دفنها وكتب فيها باسم الرجل وأشهد وهو خلاص أيضًا!؛ وإن ائتمن عليها ثقة ولم يشهد فتلفت فأرجو أن لا يضمنها؛ وقيل: للوصي أن يفرِّق ما لا يعرف ربّه بلا مشاورة الوارث؛ وقيل: لا، إلاّ بها.
ومن أوصى أنّ عليه كذا لقوم من بلد كذا ولا يعرفهم ثبت في المال وغلَّته للوارث حتَّى يعرفوا فيدفع إليهم وهو المسمّى عندنا بالحشري. وقد أوصى أبو جعفر إلى ابنه محمّد في دين لبصري فخرج إلى البصرة فلم يجده فيها، فقيل له: إنَّه بواسط فلقي أبا صفرة فشاوره في ذلك (1) فأشار عليه أن يخرج إليها فيسأل عنه فيها، فإن
__________
(1) () - ب: - «في ذلك». (6/214)
صفحة 2753
وجده، وإلاَّ نادى بأعلى صوته باسم الرجل؛ فإن لم يجد له صحَّة فرَّقه أو ودعه ثقة وأشهد عليه وكتب فيه.
ومن مات وترك مالا لوصيّه لا وارثا يعلمه ولا الموصى إليه فقال له: اجعل لي بعضه في الفقراء وبعضه في الرقاب وحجّ عنّي ببعضه، ففعل ما قال له، ثمَّ أتاه وارثه وصحّ فليس عليه شيء؛ فإن أدرك الوارث قائما أخذه وثلثي ما بيد كلٍّ، قال أبو سعيد: وهذا عند الله وأمَّا في الحكم؛ فإن صحّ له وارث ولم يفعل الوصي ذلك بحاكم ضمن.
ابن عليٍّ: من ترك كثيرا ولا يعرف له وارث بعُمان وقد قال لوصيّه: لك نصفه أو ثلثه وكان يذكر له وارث بالعراق؛ فإن عرف جاز للوصي الثلث، وإلاَّ صار الكلّ أو النصف أو الثلث إليه، وكان كمن لم يوص للفقراء والمساكين، وكلّ من لم يعرف له وارث فحيث صار ماله جاز. فمن مات كذلك فجعل ماله في وجه من البرِّ فأنفذه وصيّه فيه ثمَّ صحّ له وارث فطلب لم يلزمه ضمان؛ فإن شاء الوارث باع المال وأخذ من كلّ ثلثي ما بيده كما مرّ.
فصل
أبو المؤثر: جاز لوصي يتيم أن يأكل من ضيعته ويركب دابَّته في حاجة اليتيم ومن فضل طعامه إن كان لا يحتاج إليه ولا يباع ويفسده الادِّخار، ولا بأس عليه في فضل خادمه وفضل اللبن ممّا لا قيمة له؛ وكذا خدمة خادمه إن لم يشغله بها عن قيامه بضيعته وحاجته، ولا له أن يقترض من ماله إلاّ إن اشتغل بماله عن اكتساب لنفسه ولعياله ويضيع ماله إن تركه؛ وإن اشتغل به ضاع عياله وليردَّ إن أيسر إذا اقترض؛ وإن مات قبل الإيسار رجونا (1) له أن لا يأثم. ولا له أن يضرّ باليتيم جوعا ويشبع هو من ماله إلاّ إن كان فيه فضل عن مؤنته وصلاح له؛ فإن
__________
(1) () - ب: «فنرجو». (6/215)
صفحة 2754
اقترض على هذا فلا عليه. وكذا المحتسب؛ وقيل: له أخذ الأجر على عمله في ماله كمثله فيه ونحبُّ له أن يستعفف عن (1) ذلك إن كان غنيا. وإن أكل منه بسرا أو رطبا أو نحوهما إذا حضر فيه فلا عليه، ويستحلف ــ قيل ــ وصيّه ووكيله له على الدين ونحوه ولا يعجل بيمين في أصل إلى بلوغه إلاَّ إن خاف بطلان حقّه فيستحلف له عليه، فإذا بلغ فأقام بيِّنة به كان له، وأمَّا اليمين فليس له غير الأولى، ولا يراها له بعض، كما لا يراها عليه.
__________
(1) () - ب: «على». (6/216)
صفحة 2755
الباب الثاني والثمانون
في دعوى الوصيِّ وشهادته وإقراره على الموصي والحكم بينه وبين الوارث
قال أبو محمَّد: لا يقبل إقراره على الميِّت وليس للوارث اعتراض (1) عليه فيما أوصى إليه فيه وأمنه عليه؛ فإن ادّعى تلف ما بيده ممّا يتولىَّ إنفاذه فالقول قوله؛ وكذا إن باعه وادّعى تلف ثمنه فلا عليه؛ فإن بقي للميِّت مال أنفذ منه الدين؛ وإن ادّعى الوصيان أنَّ الميِّت جعل معهما ثالثا واعترف به أيضًا فللحاكم أن لا يثبته بشهادتهما لأنَّهما دافعان ويريدان أن يكفيهما بعض المؤنة. وإن ادّعى ثقة أنَّه وصيّ أو وكيل لميِّت أو غائب فلا بأس على من لم يعلم ذلك إلاّ بقوله أن يشتري منه ما باع من مال ذلك؛ وكذا ما أتاه به وقال: أوصى لك به فلان أو حقّ لك عليه، وهو يعرف أنَّه من مال الغائب أو اليتيم ولا يعرفه إلاّ بقوله وإقراره، فلا بأس إن كان ثقة؛ وإن قدم أو بلغ فأنكر فله حقّه على الدافع ورجع هو على مدّعي الوصاية بما دفع إليه؛ وإن كان المدّعي أو المقرّ على الغائب غير ثقة لم يكن للمقرّ له قبول قوله عليه ولا على الوارث ولا ما دفع إليه؛ وإن كان ثقة مخالفا فكثقتنا في هذا؛ وإن ادّعى الوصي أنَّه قضى من ماله وطلب عوضه من مال اليتيم فلا يقبل قوله عليه ولا له أن يرجع على من دفع إليه، ولا له أن يبيع من مال الميِّت إلاّ لدين صحَّ عند الحاكم أو لوصيَّة جائزة أو لمؤنة يتاماه، ولا له على الوارث يمين إن أنكر الوكالة والوصايا إلاَّ في وجوه البرِّ منها لا في الحقوق؛ وقيل: إذا صحّت وصايته فادّعى على الميِّت أنَّه أوصى إليه في أبواب البر فإنَّه ليس بخصم في ذلك ولا عليه ضمان إلاّ من مال الميِّت؛ فإن
__________
(1) () - ب: «اعترض». (6/217)
صفحة 2756
ثبت ذلك فيه ببيِّنة، وإلاَّ فلا يمين له على الوارث؛ وقيل: له عليه في الأجر، لا فيما للأقارب والنّاس من الوصايا ولا فيما للعباد من الحقوق لأنَّهم خصوم فيها ولهم اليمين؛ وإن ادّعى وصاية من ميِّت فهو خصم فيها وله فيها اليمين على الوارث لأنَّه لو [467] أقرَّ بها لألزم نفسه الحجّة وذلك إذا صحّت هي والحقوق وادّعى أنَّه وصيٌّ في إنفاذه فإنَّما عليه اليمين ما يعلم أنَّه جعله وصيا ثابتا إلى الوقت. وكلّ مدّع وصيَّة للأقربين أو للأجر فلا يمين له ولا عليه، إلاّ الوصيُّ فله على الوارث فيما أوصى به الميِّت في الأجور؛ وقيل: لا يمين له في ذلك، واختير الأوَّل.
ومن ادّعى علما بأنّ الميِّت أوصى له بكذا فأنكره الوارث ولا بيِّنة له فليحلفه ما علم بذلك؛ وإن ردّ اليمين إليه حلف أنَّه أوصى له؛ وإن لم يدَّع العلم حلف الوارث ما لم يعلم. وكلّ حقّ لأحد وجهل ورجع إلى الفقراء فأنكره الوارث فإنَّه يحلفه الوصي.
ومن أوصى لزيد بوصيَّة فطلب وارثه من زيد يمينا ما يعلم أنَّها إلجاء إليه قال عزَّان فإن سمّاها وصيَّة لم تلزمه يمين؛ وقيل: لزمته بالعلم لا بالقطع.
فصل
من أقرَّ لزيد بحقّ لا يعلمه فقال له وصيه: أتحلف عليه وتقبضه؟ فأبى، فطلبه فلم يسلّم إليه حتَّى مات، فقيل: إن رفع الوصيُّ ذلك إلى الحاكم وقطع حجّة زيد وانفصل الحكم بنكوله فلا حجّة لوارثه لانقطاع حجّة موروثه إذا لم يكن له حقّ إلاّ بعد اليمين، وذلك إن سأله الحاكم اليمين على ما يلزمه في ذلك، وإنَّما يحلف ما علم أنّ المقرّ أقرَّ له بباطل لا قطعا أنّ الحقّ له على فلان؛ فإن لم يقطع الحاكم حجّته وإنَّما يسأله الوصي ذلك وهو يمتنع من اليمين فلا يقطع الحكم إلاّ الحاكم أو نحوه عن تراض (1) الخصوم بمن دونه، فإذا حكم بحقّ مضى الحكم ولو لم ينصَّب له كان في
__________
(1) () - كذا في النسختين والصواب: «تراضي». (6/218)
صفحة 2757
عصر إمامٍ أو مصره أو لم يكن إذا كان الحكم مِمَّا يجتمع عليه؛ وإن كان من مختلف فيه فلا يثبت إلاَّ بإمام أو برأيه. وما لا تزول حجّته إلاّ باليمين فلا بدّ من إنفاذ الحكم فيه، فإذا لم ينفذ فيه كان بحاله؛ وإن طلب الوارث أن يسلّم له حقّه لا يمينا عليه فأبى أن يأخذ حقّه، ففيه خلاف.
ومن ادّعى دينا على ميِّت فأنكره وصيّه فلا يمين له عليه، لأنَّه لو أقرَّ له به عليه ما ثبت في ماله.
ومن ادّعى أنَّه وصي لميِّت وحقّا له على رجل ولا بيِّنة له بالوصاية ولا بالحقّ فلا يمين له على الرجل؛ فإن أقامها بها لا به أدركها عليه.
أبو الحواري: إن أوصى إليه في دين وحقوق ووصايا وإقرار فهل له أن يحلف ذويهم أو بعضهم ولا يعطى من نكل، فإن كان الأمر إلى الحاكم وجب اليمين فمن حلف أخذ لا من نكل؛ وإن كان إلى الوصيِّ لزمه أن يحلفهم إن كان الوارث يتيما، وإلاَّ فالأمر إليه؛ وإن أوصى لمعيَّن بشيء؛ فإن حلفه الوصي كان له؛ وإن تركه وسعه إن لم يطلبه الوارث؛ فإن طلب كان له؛ وإن تركه الورثة وسعى الوصيُّ تركه أيضًا، ولو فيهم يتيم، وهذا في الوصايا وأمَّا في الحقوق فلا بدّ فيها من اليمين إن كان فيهم يتيم؛ وإن طلب الوارث أو الحاكم صحَّة ما أوصى له به كان عليه ذلك؛ فإن لم يجدها وقدر أن ينفذه جاز له ولو خفية.
أبو قحطان: إذا صحّت وصايته كان أولى بإنفاذ الوصيَّة من الوارث؛ وإن أنفذها كالدين أجزأ عنه وعن الموصي؛ وإن أحال الدين والوصايا صاحبه والوصيُّ على الورثة جاز؛ وإن قالوا: نحن نودوا (1)، والوصي: أنا أؤدِّي فهو أولى.
ومن أوصى بماله للفقراء ولا وارث له فطلبوا الوصي فقال لهم: قد أنفذت الوصيَّة وفرّقت المال فلا يقبل قوله إن قام؛ وإن قال: إنَّه باعه وظهر بيعه وقبض
__________
(1) () -كذا في النسختين، والصواب: «نحن نؤدِّي». (6/219)
صفحة 2758
الثمن وفرّقه، قُبل قوله ولا بيِّنة عليه إلاّ إن أوصى لمعينين وادّعوا أو أحدهم أنَّه لم يعطه شيئًا لزم الوصي أن يبيِّن. وإن ادّعى أنَّه أنفذ وصايا الأجر وأنكر الوارث لزمه أيضًا. قال مسبِّح: أمَّا الدين فلا يبرئ الوصي بقبالة الورثة إلاّ إن قالوا: استوفيناه وهو كذا وأبرأناك منه. وكذا من أوصى له بشيء حتَّى يقول: إنَّه قبضه، ولا تدفع الحجّة إلاّ به، لأنَّ على الوصي إنفاذه ولا تجوز قبالة الوارث بذلك.
ومن أوصى وصيا في ماله وولده فله أن يبيع ويقبض ويحلف فيما يبيع ويشتري، وفي أنَّه ما قبض الثمن؛ وقيل: ليس له أن يحلف ولا أن يحلف؛ وقيل: له أن يحلف وليس عليه أن يحلف.
ومن ادّعى وكالة وتصديقا وأخذ من الورثة ما ادّعاه ثمَّ طلبوا هم أو غيرهم منه صحَّة الإنفاذ، فقال ابن خالد: عليه أن يحلف ما خانهم. وقال المنذر: يحلف لقد وكَّله الميِّت وأنفذ ما أخذ فيما وكَّله. أبو سعيد: من أقرَّ لأحد بحقّ له عليه ثمَّ ادّعى غلطا أو نسيانا في إقراره أو إلجاء فيه وطلب منه يمينا ما علم بذلك؛ فإن كان ذلك عنده باطلا كان عليه اليمين. وفي الضياء: وإن اتَّهم الورثة الوصيَّ بالعلم أنَّه ما يعلم للوارث عليه حقّا من قبل ما اتَّهمه به ولا خانه في ميراثه فلا يمين هنا على الوارث. وإذا رفع اليتامى على وصيِّ أبيهم فقالوا: لنا في يدك مال وقال: هو عندي وسلّمته إليكم وقضيت به دين أبيكم فطالبوه بالحساب فلا يلزمه إظهاره إن لم تظهر تهمته؛ وإن كان لا يتَّهم اختير له إن حفظ الحساب أن يأتيهم به وهو أقطع؛ وإن فاته فلا لهم إلاّ يمينه؛ فإن عرفوا عدل ما بيده فلا يمين وليس عليه أن يقاسمهم حصص الموصى لهم ولا له ذلك، لأنَّه ليس بوكيل لهم.
وإذا باع المال بعد احتجاجه على الورثة أو بوجه مجيز له في القضاء والإنفاذ وألجأوه إلى المحاكمة وطلبوا يمينه فإنَّه يحلفه الحاكم ما قبله لهم حقّ ممّا يدّعون عليه من بيع مالهم، فإذا حلفه ما باع لهم ما يلزمه لهم فيه حقّ إلى الحين جاز له ولا يحنث؛ فإن ألجأه الحاكم إلى اليمين فحلفه ما باع لهم هذا أو مالا، وأسرّ في نفسه متّصلا بها بلا (6/220)
صفحة 2759
حقّ، أعني ما باعه بغيره، فإن استثنى على أثرها متّصلا أجزاه ولا ينفعه هذا الاستثناء في نفسه إن لم يحرّك به لسانه سرًّا، ولا يحنث إن كان محقّا؛ وإن حلفه قطعا وكان محقًّا وجهل أن يستثني بلسانه كذلك حنث، لأنَّه باع مالهم، وعليه مرسلة لا إثم؛ وقيل: مغلّظة، واختير الأوَّل.
ومن لم يجعل لوصيّه أن يخاصم في ماله فالوارث أولى منه في المحاكمة إلاّ إن كان يتيما، أو لا يفي المال الوصايا والحقوق وطلبها الغرماء فله أن يطلبها ويحكم له بقبضها مِمَّن عليهم للميِّت حقوق وليس له أن يحلف عليها وإن حلف لم تنقطع حجّة الوارث إن كان غائبا أو يتيما. (6/221)
صفحة 2760
الباب الثالث والثمانون
في تسليم الوصيِّ لا على وجه الوصاية
أبو محمَّد: ليس له أن ينفذ إلاّ فيما رسم له الموصي، إلاّ إن فوّض الأمر إليه فيعمل بما رآه أصلح في الدين. أبو الحسن: إن أوصى بدراهم للفقراء فلا يجوز للوصي أن يعطي فقيرا بها حبًّا أو غيره، وجوِّز إن كان من مال الميِّت لا من ماله هو؛ وقيل: لا، ولو من مال الموصي، إلاّ إن كانت الوصيَّة بها لمعيَّن ورضي بذلك؛ وقيل: لا، إلاّ إن أحضرت فيرضى ببدلها؛ وإن أوصى بحب فلا يبيعه ويعرف الدراهم ونحبُّ أن لا يفرق عنها حبًّا ولا عنه دراهم ولا يخالف إلاّ إن رأى صلاحا أو رضي من له الوصيَّة.
ومن أوصى أن تفرَّق عنه دراهم ولم يسمّها فضَّة ولا غيرها فرِّق عنه (1) من نقد البلد.
ومن لزمه ضمان وأراد أن يتخلّص منه، فقيل: إن لزمه من النقود فلا يتخلّص إلاّ من جنس ما لزمه وكذا في العروض؛ وقيل: له أن يدفع عنها دراهم كعكسه بالقيمة. وأجاز أبو الحواري أن يفرَّق عن الذهب دراهم لا عكسه. قال خميس: ولا يعلم ما حجّته؛ قلت: ولعلّها (2) أنَّ الدراهم أثمان الأشياء، وأنَّ الذهب من السوالع كما قيل بذلك.
__________
(1) () - ب: «عنها».
(2) () - ب: «ولعلَّه». (6/222)
صفحة 2761
ومن عليه زكاة أو دين فباع على الفقراء متاعا من ماله بدراهم ثمَّ جعلها لهم ممّا عليه فلا يجوز ذلك له ولا يتخلّص به منه. وكان الأشعث (1) بن قيس يعطي في الوصايا عروضا بدراهم، على ما قال أبو المؤثر. فلمّا وصل إلى أبي الحواري (2) أمره أن يردّ ذلك، ووصل إليه الأشعث وذكر له قول أبي المؤثر فلم يقبله وعنده أنّ الأشعث قَبل قول أبي الحواري.
__________
(1) () - في النسختين: «الأشعت». بتاء مثنَّاة، وقد أثبتناه بثاء مثلَّثة على ما اشتهر به.
(2) () - ب: «وصل أبا الحواري». (6/223)
صفحة 2762
الباب الرابع والثمانون
في الموصي إذا أجَّل لوصيَّته وجعلها في محدود من ماله
فإن جعل مريض لوصاياه أجلا تنفذ فيه فهي إليه وللوارث الغلّة إليه، إلاّ وصيَّة الأقربين فلا أجل لها وتنفذ من حين موته. وإن أوصى ثابت عقل عنده وجعل وصيَّته في قطعة هي أفضل ماله، وإلى أخت له في ولده فأرادت أن تبيع غيرها (1) وتراه أوفر فليس لها أن تتعدّى إيصاءه والحقّ أولى ما اتُّبع إلاّ إن كان الوارث بالغا وأراد أن ينفذ هذه القطعة بثمنها جاز له (2).
ومن سلّم لوصيّه نقودا ينفذ عنه ويقضي، فطلب الوارث أخذها بعينها وتبديلها بغيرها جاز له، وليس على الوصي أن يدفعها (3) إليه حتَّى يسلّم إليه فداءها ممّا فيه وفاء؛ وقيل: ليس لهما ذلك وينفذها على ما أوصى به؛ فإن جهل وسلّمها إليه ثمَّ لم يسلّم هو إليه وتلفت النقود فالوصيَّة والدين في مال الميِّت ولا ضمان على الوصي.
أبو محمَّد: من جعل وصيَّته في محدود وقال: إن قصر عنها فالباقي على ولدي فلان أو نحو ذلك وهو يسمع ولم يقل: لا ولا نعم، فباعه الوصي بإذن الوارث فقصّر عن إنفاذ الوصيَّة، قال: فلا أرى عليه إلاّ ما أمكنه من ماله إنفاذه ويطلب الولد مطلب سؤال لا مطلب حكم؛ فإن تبرّع له بشيء أخذه وأنفذ به، ولا يحكم عليه بشيء إن أبى، ونحبّ له رعاية حقّ والده إن أمكنه؛ وإن نوى أن ينفذ عنه حين سمعه ندب له إن بقي بلا ثبوت عليه في الحكم.
__________
(1) () - ب: «غيره».
(2) () - ب: «لها».
(3) () - ب: «يسلِّمها». (6/224)
صفحة 2763
ومن جعل وصيَّته في محدود فباعه الوصيُّ وقضى الغرماء الأوَّل فالأوَّل فعجز عن الوفاء وقد أوفى بعضهم، فقيل: إن جعله وصيا في قضاء دينه منه حيث بلغ منه لا وصيّا في غيره فقد أخطأ حيث لم يعدل بين الغرماء؛ فإن وصل باقيهم من مال [469] / (1) الميِّت حقّهم وصحّ عند الوصي فلا يزيله غرمه، وإلاَّ فعليه مطالبة من أوفاه حقّه؛ فإن عجز عنه غرم.
ومن جعل بعض ماله لبعض ورثته وضمن له بقضاء دينه ثبت إن كان في الصحَّة وسمّى له الدين والوصيَّة.
ومن جعل حجَّته في نخل وتلف رجعت في الثلث؛ وإن نفذ بطلت؛ وإن أوصى بهذا النخل لحجّة وتلف بطلت أيضًا، وأخرجت إن بقي بعضه من حيث خرجت.
وإن أوصى أن يقضى عنه حقّ من فضلة غلّة ماله ثمَّ لم تكن فيه أو كانت ولم تفضل عن عياله فهي وصيَّة باطلة؛ وإن طلب الحقّ صاحبه بِيع الأصلُ وقضي منه إن لم يؤجّل. أبو سعيد: إن أوصى بقضائه في غلَّة ماله قضى منه على وجه قضاء الدين؛ وإن قال: إنّ عليه ألف درهم في غلّة ماله أو تمرته متّصلا بإقراره لم يكن إلاّ فيها على ما أقرّ به، لإمكان أنَّه وصيَّة فيها في دينه أو دين غيره؛ ولا يباع المال أبدا حتَّى يخرج الحقّ منه ثمَّ هو للوارث.
أبو زكرياء: من أوصى بوصايا في ماله ثمَّ جعلها في محدود منه؛ فإن شاء الوصي أنفذها منه أو من المال؛ وإن أوصى بها في محدود فلا ينفذها إلاّ منه؛ وإن أقرَّ بحقوق وجعلها فيه فإنَّه ينفذها من حيث شاء.
ابن روح: من أوصى ببقرة في دين وهي مؤجَّرة في زرع فأراد الوصي أخذ حبّها فيقضيه فيه وطلب بعض الورثة نصيبه من الحبِّ؛ فإن جعل قضاء دينه في بدنها فليس على وارثه إلاّ ما أقرّ به؛ وإن أوصى أن تباع ويقضى ثمنها في دينه ووصيَّته خيّر
__________
(1) () - ابتداء من هذه العلامة سقطت ورقة من نسخة أ. (6/225)
صفحة 2764
الوارث في فدائها وفي تركها وإنَّما له الخيار في الموصى به في الدين وفضلته منه للوارث والنقض عليه؛ وإن أقرَّ دينه في معين بخصوصه فلا خيار له فيه ولا فداء إن أبهم الدين وعين ثبت له الخيار. (6/226)
صفحة 2765
الباب الخامس والثمانون
في قيمة المال للإنفاذ إذا زادت أو نقصت
ومن أوصى لرجل بوصيَّة وبلد كلٍّ منهما والحاكمِ غير بلد الآخر ووصيَّته وموته ومسكنه كلّ منها في بلد آخر وله مال في تلك البلاد أو بعضها أو في غيرها وتوجد الوصيَّة فيها أو في بعضها وقيمتها مختلفة فيها فتخرج من الثلث في بعض القيم دون بعض، فأمَّا قيمة ماله فحيث يوجد يوم القضاء، وأمَّا قيمة وصيَّته فحيثه سكناه؛ فإن تعدّد قوِّمت في الذي فيه ماله؛ وإن كان له فيهما فحيث مات؛ وإن مات في غيرها؛ فإن كانت تخرج من الثلث فحيث كان أوفر على الوارث من بلد الميِّت وإذ لم تخرج منه من أحد البلدين وخرجت فيه فقيمتها على الأوفر على الموصى له إن أخرج من الثلث؛ وإن لم يوجد في بلد الميِّت فقيمته في أقرب موضع يوجد فيه ذلك الشيء إلى بلده، ولا ينظر في غيره.
وإذا أثبت الحاكم الوصايا في الثلث وأمر الوصيَّ أو الوارث بالتسليم لأهلها أو البيع فلم يسلّم إليهم حتَّى غلا المال أو أغلَّ فالغلّة للوارث، وينظر إلى قيمته يوم الإنفاذ؛ فإن غلا وأغلَّ فلذي الوصايا ما للوارث؛ فإن نقصت فعليه أداء الوصايا وذلك في غير المعلم، وأمَّا المعلم فقيمته يوم مات ولو نقص أو تلف، وهو لصاحبه وغلّته له؛ وإن لم تنفذ حتَّى زادت أو نقصت في الأربعة؛ فإن قضى في بعضها على الأوفر من المال ولم ينفذ جميعها حتَّى نقصت قيمته أو تلف؛ فإن فعل ذلك بحاكم عليه بإنفاذ ذلك بصحّتها عنده لا سائرها فلا يلزمها ضمان، ويتحاصص أصحابها إذا صحّت، ويلحقون من سلم إليهم منه؛ وإن أنفذ بلا حاكم وسلّم على الأوفر ثمَّ تلف المال أو نقصت قيمته حتَّى نقصت الوصايا ضمن لفعله ما ليس له، وإنَّما له إنفاذ الكلّ في وقت أو بحاكم. (6/227)
صفحة 2766
وإن سلّم سائر الوصايا وكان باقي الثلث في يده حتَّى زاد المال أو نقص حتَّى رجعت الوصايا إلى التمام فالمسلم إليه يرجع فيستحقّ ماله فيها ويستتمّه. وسئل أبو سعيد عن غير المعلم منها هل لأصحابها ما أغلّ المال قبل الإنفاذ أم هو للوارث فاختار أنَّه إن ثبت للموصى له أصل في الحكم فمذ يستحقّه فيه فله ما أغلّ، وإلاَّ فلا غلّة له.
وإن طلب ذوو الوصايا إلى الوارث أن يدفعها إليهم فلم يفعل فإنَّهم يدخلون فيما أغلّ بعد طلبهم إن لم يكن لهم شيء من أصل ولو مشتركا فليس لهم إلاّ ما سمّى لهم من الوصيَّة؛ وإن طلبوها في حين وجود المال فلم يعطوها حتَّى نقص ضمن؛ وإن دفعهم الوصي وكان عليه التسليم وأمكنهم بلا حقّ فكالوارث؛ وإن أنفذ أحدهما بعض الوصايا وترك بعض حتَّى نقص المال أو تلف؛ وإن أنفذ بلا حاكم وبلا عذر ضمن، وإن كان بحاكم صحّ عنده بعضها دون بعض وسعه ذلك بأمره، فإذا لم يقدر على الامتناع وأخذه بالحكم ولا على الإنفاذ سرّا حيث لا يناله ولا علانية، قال: فأرجو أنَّ له ذلك، وهل يضمن إن فعل ما نقص من قيمتها يوم القضاء كما حكم به؟ قال: إن كان على العجز والعذر فأرجو أن لا يضمن، ولكن إذا صحّت الوصايا شوركت فيما قضى؛ وإن لم تصحَّ وقدر فأرجو ألاّ يلزمه ضمان، وله أن يحكم بإنفاذ ما عنده بعد أن يقطع حجَّة من لم تصحّ وصيَّته.
فصل
أبو الحواري: من أوصى بمال يباع ويحجُّ له به فثمرته إلى البيع للوارث إلاّ إن كانت يوم الإيصاء ولم تصرم حتَّى مات فهي تبع له والحادثة بعدُ للوارث فهذا إن أوصى ببيعه في حجّة؛ وإن قال: بالمال فيها أو هذا يحجّ به عنه، فهو وثمرته فيها.
وإن كان على ميِّت دين فطلب إلى وارثه فعرض ماله على غرمائه فاحتجّوا بالعدم لم يكن كالمدين، لأنَّ الدين في المال لا عليه فينادي عليه الحاكم ويأمر ببيعه بعد أن يحتجّ عليه أن يفديه؛ فإن فداه، وإلاَّ باعه وليس له في إحضاره الدين أجل؛ وقيل: له ثلاثة أيَّام؛ وإن أراد بعضهم فداء منابه منه بمنابه من الدين كان له؛ ومن لم يفده (6/228)
صفحة 2767
باع الحاكم منابه، وهذا إن كان منابه من المال يخرج من الدين؛ وإن كان المال إذا بيع جملة أدّى جملة الدين، وإلاَّ فلا لم يكن لأحدهم أن يفدي منابه، لأنَّ الدين أولى بالمال من الوارث به. قال ابن محبوب: وإن كان يتيما أو غائبا باع الحاكم وأعطى الدين بعد أن يستحلف أهله ويكتب للمشتري بما صحّ عنده من الديون وأنَّه استحلفهم عليها وأنَّه سلّم إليهم الثمن وأبرأوه منه.
وإن كان للميِّت وصيٌّ منه في دينه ووصاياه وصحّ ذلك ببيِّنة احتجّ الحاكم على الوارث فيما صحّ عنده منهما؛ فإن كان للوارث حجّة، وإلاَّ أمر الوصيَّ أن ينفذ ما صحّ عنده وكتب له وأشهد له أنَّه صحّ عنده وصايته في القضاء والإنفاذ وأنَّه قد أجازه عليهما. وإن كان الوارث يتيما أو غائبا أمر الوصيَّ بإحضار الغرماء وأهل الوصايا واستحلف من لزمه اليمين منهم. وإن كان الدين والوصيَّة لهما أو لمعتوه أو أعجم سلّم ذلك لقائم بهم. وعلى الحاكم أن يحتجَّ على البالغ حتَّى يحضر دعوى، وعلى وليِّ اليتيم ولا له أن يحكم حتَّى يحتجَّ إلاّ إن كان الوارث بالغا غائبا فإنَّه ينفذ الحكم ولا ينظر حجّته.
فصل
يباع ما تركه الميِّت من رثَّة أو حيوان بنداء في جمعة أو غيره برأي حاكم أو وصيِّ أو وكيل حاكم أو عشيرة إن كان في الورثة يتيم أو غائب ويكون مالهما في يد الوكيل، إلاّ من له حيوان كالأغراب، فلا تباع أموال اليتامى ولا ما يحتاج إليه اليتيم من متاع وما يعتدل قسمه كحبٍّ أو بكيل أو وزن. وقيل: يقسم بالقيمة ما اعتدل بها، وبه قال ابن عليٍّ، وقد قسم كتابا بين قوم بها؛ وقيل: كان فيهم أيتام. ولا تباع دابة أو خادم احتاج إليها لخدمته إلاّ ما فضل عن كفاية ماله؛ وإن أطرى دابَّته قبل موته فلا تباع حتَّى ينقضي الأجل؛ وإن كره البائع منابه من العبيد بيع مناب اليتيم والغائب؛ وقيل: يستخدمون بالحصص. أبو المؤثر: بياع مناب اليتيم إن كانوا في قرية فمن شاء باع، ومن شاء ترك. (6/229)
صفحة 2768
ونفقة العبيد والدواب من المال ما لم تبع؛ وإن لم يكن للميِّت غيرهما فعلى الورثة في رقابها؛ فإن كرهوا ولم يجيزوا فمؤنتهم في المال.
ومن ادّعى فيها دعوى كانت في يد من كانت بيده ومؤنتها عليه؛ فإن صحّت للمدّعي غرم للذي هي بيده ما أنفق من يوم وقفت، وإلاَّ فلا يمنع من استعماله ولا يضمن الغلّة إلاّ الغاصب ويؤجَّل بقدر ما يحضر بيِّنته من موضعها. فإن اتَّفقوا على بيعها فذاك إليهم وكان الثمن بيد من كان العبد أو الدابة في يده بعلم من حاكم أو عدلين.
أبو عبد الله: ليس على الورثة أن يباع مال موروثهم بديون الأغياب، وإنَّما يباع بدين حاضر إلاّ إن أحيط بماله فيخرج مناب الغائب ويوقف عند عدل حتَّى يجيء أو وكالته أو موته؛ وقيل: يباع إذا خيف فوته؛ وقيل: إذا ترك ألفا وابنين وأخذ كلّ منهما نصفه فأتلفه أحدهما ثمَّ صحّ على أبيه خمسمائة لرجل دفع له ما بيد الآخر ويرجع على أخيه في مائتين وخمسين يتبعه بها.
أبو الحواري: إذا صحّ على الميِّت دين بعد موته فليس على الحاكم أو الجماعة قضاؤه إلاّ إن طلب إليهم وصحّ عندهم أقام الحاكم وكيلا يبيع من ماله فيه وليس له أن يعرض، ولا يقضى العروض في دينه إلاّ إن بلغوا ورثته واتَّفقوا مع أهله عليها جاز لهم وللجماعة أن يفعلوه إن لم يكن حاكم. (6/230)
صفحة 2769
الباب السادس والثمانون
في بيع الوصيِّ أو الحاكم مال الميِّت وفي الحجَّة على وارثه
فمن ترك يتامى وبلّغا ومالا ووصيّا وحيوانا وعروضا وأصولا فإنَّه يبدأ ببيع الحيوان ويترك منه ما زارع عليه أو شارك ثمَّ/ (1) [471] المتاع والطّعام إن فضل عن مؤنتهم وينظر الأوفر للثمن (2) في النداء أو المساومة؛ فإن لم يكن في هذا وفاء باع من الأصل ما شاء. والأرض والنخل قبل الماء، لأنَّ في بيعه إضرار بهما إلاَّ إن كان فيه فضل وينظر الأصلح لليتامى. ولا يوجب بيع أصل حتَّى يستثني للأيتام والأغياب حجّتهم؛ وإن كان في الأصل وفاء ترك لليتامى من الآنية ما يتناولون به، ومن الطّعام ما يعيشون به؛ وقيل: يبدأ بالحيوان إلاّ ما كان منه مغلاًّ ثمَّ بالطعام إلاّ ما احتاجوا إليه، ثمَّ بالأخوف فسادا من الأمتعة ثمَّ بالنخل ثمَّ الأرض ثمَّ الماء، إلاّ إن رأى أصلح وأوفر لليتامى.
وإن كان في المال زراعة وطلب الغرماء أن يباع بزراعته حكم على الوصي بذلك، ولا ينتظر بالبيع إدراك التمرة إن كان الدين حالاًّ، وإلاَّ فحتّى ينقضي الأجل؛ وإن اختلف بيع منه بقدر الحال وانتظر إدراكها وهي للوارث إن أدركت، وإلاَّ فهي تبع للأرض ولو زرعت قبل الموت.
__________
(1) () - في هذه العلامة انتهى سقط ورقة من أ.
(2) () - ب: - «للثمن». (6/231)
صفحة 2770
وإن كان الوارث حيث تناله حجّة الوصي فلا يعجل بالبيع حتَّى يحتجّ عليه، ووكيل الغائب في مقامه كوصيِّ اليتيم. وإن جعل للوصيِّ أن يبيع بلا مشورة الوارث كان له كما مرَّ. وإن باع بلا حجّة عليه ولم يعلم بما باع به ثمَّ علم فله أن يردّ على المشتري الثمن ويأخذ ماله إذا علم أنَّه باع له بلا رأيه؛ وإن صحّت حجّته عليه أنَّه باع بحضرته ولم ينكر عله حتَّى قبض المشتري المال فلا حجّة له بعد عليه.
وإن علم الوصي أنَّه لا يجوز له بيع مال الميِّت ووارثه حاضر فتعمّد خلاف الحقّ أثم؛ وقيل: لا يجوز له بيع الأصل حتَّى يحتجّ عليه إن كان بالغا عاقلا حاضرا، وله بيع العروض بلا حجّة عليه ويستحبّ له أن يشير عليه في بيعها، ولا مدّة له في فداء المال كما مرّ؛ فإن فداه من حينه، وإلاَّ جاز البيع؛ وإن احتجّ عليه ولم يبع حتَّى مضت أشهر أو سنة جدّد عند قطع البيع إن لم يقل له أوّلا: بع بما رزق الله؛ فإن أمره بالبيع فلا يلزمه تجديد الاحتجاج، إلاّ إن قال له: إذا أردت أن توجب فأعلمني، فله أن يشير عليه عنده.
وجاز للوصيِّ أن يبيع خلاف ما أمره الموصي ببيعه، لأنَّه بمقامه، والوكيل لا يتعدّى أمر الموكِّل ولو أمره أن يدفع إلى فلان درهما فأتاه قبل أن يصله إليه ضمنه للأمر وليس له أداؤه من عنده لفلان، لأنَّه ليس كالوصيِّ.
فصل
لا يجوز للوصيّ أن يبيع إلاّ بالنقد، وإلاَّ ضمن؛ وجوِّز بغيره لثقة يأمنه. وإن باع لغيره ضمن ويبيع بقدر ما لا يفضل بيده الدراهم إن أمكنه بيع الجزء؛ وإن لم ينفق إلاّ جملة فالميِّت أولى بماله فيبيعها إن لم يفدها الوارث.
أبو الحواري: إن احتاج الوصيُّ إلى صلحاء البلد وعدوله في تقويم صدقات نساء الميِّت وبيع ماله فلم يجيبوه، فإن كان في الورثة يتامى فلا بدّ من ذلك ولا عذر لهم فيه؛ وإن عدم العدول ويعرف القضاء اجتهد؛ وإن لم يبصر العدل لم يكن له أن يدخل في ذلك إلاّ بحضرة عدول يبصرونه. (6/232)
صفحة 2771
وقيل: ليس على الأوصياء أن يخرجوا ممّا ترك الميِّت من حيوان إلى الأسواق المجمعة من القرى وله بيعه في بلدهم وسوقهم أو مجمعهم عند الجمعة والجماعات؛ وإن لم يكن فيه سوق ولا جامع فلا حدّ عندنا في ذلك إلاّ النداء فيما ذكر إن وجد، وإلاَّ ففي جماعة مِمَّن يريد الشراء ويزيد في الثمن، وله أن يبيع بما رآه (1) أوفر ولو بحبٍّ.
وقيل: إذا نادى الولي على مال الميِّت وباعه لينفذه في وصيَّته وأدّى بعضها ومات ولم يدر أين المال ثمَّ طلب وارثه ذلك من ماله، فقال: هو أمين، وليس على ورثته إلاّ أن يحلف البالغ منهم ما يعلمون موضعه ولا أنَّه اقترضوا. وكذا في الوصي.
وإن باع موضعا من مال موصيه فبلغ ثمنه أكثر من دينه ووصيَّته فليس له أن يبيع بأكثر منهما؛ فإن فعل ثبت بقدرهما وبطل ما وراءه!.
أبو الحواري: إن كان له من الورثة فهل له أن يقسم بينهم؟ وإن كان له دين على الميِّت فهل له أن يقضي نفسه من مالهم ولو يتامى؟ قال: إن كان مكيلا أو موزونا لم يجز له، إلاّ إن لم يصل إليه ولا يقدر عليه مع غيره فإنَّه يأخذ لنفسه من المال بقدر حقّه، وأمّا القسم فإن بلغ الورثة ورضوا به جاز لهم، وإن أراد أن يقضي نفسه من مكيل أو موزون استحسن له أن يأمر من يكيل له أو يزن.
فصل
من ترك مالا ووصيّا وعليه ديون ووصايا، وله ورثة فأزالوا ــ أو بعضهم ــ منابه منه إلى غيره أو قضاه بما عليه وأراد الوصي بيع ما أزاله ويقضيه في الدين والوصايا؛ فإن فدوا مالهم فله إزالته ويتمّ، وإلاَّ فلا.
وينفذ مال اليتيم في دينه وليس للوارث إلاّ ما فضل عنه؛ فإن أزالوا حصصهم أخذوا بما يلزمهم؛ وإن أبوا حبسوا.
__________
(1) () - ب: «يراه». (6/233)
صفحة 2772
أبو الحسن: من ترك وصيّا يقضي عنه وينفذ ويتامى وأصولا فرفع الغرماء عليه فعرض المال فلم يطلب إلاّ بأقل ممّا يباع به مثله في الوقت ولم يصحّ له أن [472] يبيع به ويفقرهم وأراد أن يقضيه من الثمار، قال: ليس له ذلك وعليه أن يبع فيمن يزيد بنداء أو بمساومة إن كانت أوفر منه، وأنفذ مال الميِّت فيما أقرَّ به؛ وإن أبى من بيعه بعد الرفعان عليه وصحّت وصايته والحقوق حبسه الحاكم حتَّى ينفذ ما ألزم نفسه القيام به، وليس هذا الوصي بأمين إذا لم يؤدّها حتَّى يحبس، وهو إلى الخيانة أقرب. وإن أقام الحاكم وكيلا مكانه وباع وقضى وجاز وليس عليه ولا على الوكيل إشهاد على القضاء إذا قضى أحدا حقّا إلاّ إن أمره الموصي أو الموكل به أو طلبه الوارث وهو أحوط وأحزم.
ومن علم من وصيٍّ أو وارث أنَّه يبيع من مال الميِّت لينتفع به لا لقضاء ما عليه ويقول: أنَّه يقضيه من عنده فلا نحبُّ له شراؤه، إلاّ إن كان لقضاء ما عليه.
ومن له على الوارث دين فباع من مال الميِّت وأوفاه من ثمنه وقد علم أنَّه ترك دينا جاز له. ولا يسأل عن دين الميِّت لا (1) إن قال له: أنا أعطيك الأرض فيما لك علي ثمَّ قضي دينه، لأنَّ مال الميِّت أولى أن يسلّم في دينه، إلاّ إن كان له ما بقي به غير ذلك. وإن قال الوارث: أبيع في دين الميِّت، فاشتراه منه أحد على ذلك وسلَّم (2) إليه الثمن فأكله وعلم أنَّه لم يدفعه فيه فقد مرّ أنَّه إن بيع لقضائه جاز شراؤه، وإلاَّ فلا.
وإن طلب الوارث فداء المال فأبى الوصيُّ وباعه على كره منه فلا يثبت بيعه بعد الاحتجاج عليه. وإن باعه قبله جاز وترك المأمور به. وإن جعل له
__________
(1) () - ب: «إلاَّ». ويبدو أنَّه الصواب.
(2) () - ب: «فدفع». (6/234)
صفحة 2773
وصيَّته في معين يبيعه وينفذه فيها ويسعه الثلث ثبت (1) بيعه ولو احتجّ عليه، إلاّ إن باعه بغبن فاحش.
وليس له أن يبيع من المال وينفق اليتامى حتَّى يعلم أنَّه يفضل لهم منه (2) ذلك، وإلاَّ فليس لهم ذلك، والميِّت أحقّ بماله. وإن انحطّ سعر المال بعد أن أطعمهم من ثمنه وكساهم أو احتاج فلا آمن عليه ضمان ذلك.
__________
(1) () - ب: «جاز».
(2) () - ب: «منه لهم». (6/235)
صفحة 2774
الباب السابع والثمانون
في مال الميِّت إذا بيع بحاكم أو وصيٍّ ثمَّ أدرك فيه بدرك وحكم ذلك
أبو عبد الله: من ترك مالا وعليه محيط به فأمر الحاكم ببيعه وقضائه ثمَّ أدرك فيه مدرك ببيِّنة، فإنَّ الحاكم يسلّم إليه ماله ويتّبع مشتريه الغرماء بما قبضوا منه؛ فإن أفلسوا أو غابوا رجع على الحاكم بما أخذ منه ويردُّه إليه من بيت المال، إلاّ إن شرط عليه يوم باع له أنَّك إن أدركت في المبيع رجعت على صاحبه بما وجدت له من مال فيبرئ الحاكم حينئذ ويتّبع الغرماء إن وجد منهم، وإلاَّ رجع في مال الميِّت إن وجد، وإلاَّ فلا شيء له والوصيُّ كالحاكم في ذلك، وينبغي لهما أن يشترطا هذا إذا باعا من مال الميِّت في دين أو وصيَّة أو نفقة يتيم أو نحو ذلك لإزالة الضمان، وهو أن يقول عند العقد: أبيعك هذا المال ولا علم لي به أو ولا ضمان عليَّ في دركه ولا في ظهور عواره، فإذا قال هذا لم يلزمه، ولا اليتيم ضمان، ولا يجد نقضه إن أراده بعد بلوغه ولا منازع له قبله.
وبيع الوصي جائز، وإن بمساومة، إن رآها أوفر. وقد كان بعض الحكّام يأمر بالنداء ويبطل البيع الأوَّل. وإن نقص عنه لزم بالثمن الأوَّل للمشتري الأوَّل؛ وإن زاد فلليتيم وعلى الأوَّل ردّ غلّة الزيادة؛ وقيل: لا ينقض بيع الوصيّ بالمساومة إلاّ إن كان بغبن فاحش، وليس له أن يقيل فيه ولا نحبُّ للحاكم أو الجماعة عند عدمه أن يبيعوا إلاّ بالنداء فيمن يزيد. (6/236)
صفحة 2775
ومن جعل وصيّه في بيع غلام له ويفرق ثمنه ففعل (1) وردّ بعيب ضمن وغرم لمشتريه، إلاّ إن قال له: إنَّه أمرني أن أبيعه وأفرِّق ثمنه ولا علم لي بحاله؛ فإن شئتم فاشتروا أو اتركوا فلا عليه إن فعل. ورأى أبو عبد الله أن يردّ على الوصيّ كالدابة بالعيب إن كان فيه قبل العقد؛ فإن كان للميِّت غير ذلك ردّ النقصان منه لا على الوصيّ.
وله بيع ما عرف أنَّه للميِّت أو شهدت له به بيِّنة، أو أقرَّ به الوارث وكان بيده؛ وإن أقرَّ بما ليس في يده ولا بيِّنة عليه فما نحبّ له أن يتعرّض لبيعه، لأنَّه إن باعه واستحقّ لزمه الضمان إن تلف ما قبضه من ثمنه وعجز عن استرجاعه مِمَّن دفعه إليه أو من يده قبل دفعه لأحد، إلاّ إن باع ما سلّمه الوارث إليه ممّا بيده فنحبّ له اشتراط ما مَّر.
وسئل أبو الحسن عمّن باع مال ميِّت (2) وادّعى الوكالة وقد شرط عليه الشروى ثمَّ لم تصحَّ له ونقض الوارث بيعه فقال: إذا باع على ذلك وانتزع منه فعليه الشروى وهو مثل المبيع أو قيمته بعدول؛ وإن صحّت له الوكالة من الميِّت وباع وشرط عليه الشروى ثمَّ رجع أحد شاهدي الوكالة عن شهادته بعد البيع، [473] فإذا حكم له بالوكالة والبيع وباع وقضى نفذ الحكم؛ فإن رجع بعد إنفاذه كان على الوكيل الشروى.
ثمَّ إن أقرَّ للغرماء أنَّه يقضيهم ديونهم من مال الميِّت وقبضوها لم يلزمهم ردّ بعد إقراره لهم بها وذلك إن لم تكن لهم بيِّنة بها؛ وإن كانت لهم بإقرار الميِّت لهم رجعوا برفعان ذلك إلى الحاكم فيحكم لهم بها في ماله، وذلك إذا بطلت وكالة الوصيِّ قبل أن يقضيهم إيّاها، ولا رجوع له عليهم بعده، لأنَّ له أن يقضيهم سرّا أو علانية.
__________
(1) () - ب: - «ففعل».
(2) () - ب: «الميِّت». (6/237)
صفحة 2776
إن أوصاه الميِّت وأقرّ عنده بثابت فقد أدّى إليهم ما لهم وما لزمه في قدرته لو بطلت في الحكم وصايته إلاّ إن أعلمهم أنَّه يقضيهم بلا صحَّة وصاية له فيه وعلموا له فذلك وورثته لا يعلمون لهم قبله حقّا ولا بيِّنة لهم بديونهم عليه، فإذا طلبهم الورثة بما قبضوه من ماله أدركوه وعليهم لهم اليمين بعلمهم لا بالقطع فيلزمهم في الحكم ردّ ما في أيديهم لهم لا عند الله.
وكذا يبطل بيع الوكيل في الحكم بلا صحَّة الوكالة لا عند الله؛ وما لحق الوصيّ من الضمان فهو في مال الموصي إن أدركه، وإلاَّ كان في ماله هو وله إذا بطلت وصايته عند الحاكم أن يبيع من مال الميِّت خفية إن أمكنه ويقضي عنه ويحتجّ على وارثه خفية ويبيع، ولا يسع من يشتري منه خفية إذا لم يعلم أنّ الميِّت أوصاه، فإذا لم يشترط عليه الشروى لم يلزمه إلاّ ردّ الثمن إذا بطل البيع. وإن اشترى منه على علمه بأنَّه أوصاه ولا بيِّنة له فإنّما يلحقه بأحدهما من مال الميِّت لشرائه على علمه.
وإن مات الوصي وبقي بيده بعض مال الميِّت وأراد وارث الوصيِّ (1) الخلاص منه فإنَّه يجعله في ديون الأوَّل ووصاياه برأي الحاكم أو الوارث؛ فإن عدم ذلك ولم يأذن له الوارث أو الحاكم سلّمه إلى الوارث. وإن كان في المال فضل عن الدين جازت مصالحة الورثة فيه بقدر ما طلبوا به (2).
__________
(1) () - ب: «وارثه الخلاص».
(2) () - ب: - «به». (6/238)
صفحة 2777
الباب الثامن والثمانون
في شراء الوصي لنفسه وفي خروجه بالحجّة
أبو الحواري: لا يجوز له شراء شيء من مال الموصي، ولكن يوكّل من يشتريه له إن كان ينادي عليه فيمن يزيد في مغيب الوصيِّ؛ وإن كان مكيلا أو موزونا أمر من يكيل له أو يزن على السعر. ولا يشتري الوكيل لنفسه بلا إذن صاحبه إلاّ ما قيل فيهما كذلك.
وجوّز للوصي الشراء إذا بلغ المال ثمنه وزاد هو عليه ولم يُزد عليه، أو يشتريه غيره ثمَّ يأخذ منه؛ وقيل: إن جعل له الموصي أن يشتري من ماله ما شاء بما شاء جاز له ذلك، وأجاز له أبو عليٍّ أن يشتري كغيره بلا جعل الموصي. وإن باع ــ وإن بمساومة ــ ثمَّ أولاه المشتري ذلك جاز له إن لم يتّفقا عليه (1) وللوارث فداؤه؛ وإن من يده بالتولية إن لم يحتجّ عليه قبل. وإن أمر من يشتري له من مال الموصي فاشترى له من عند نفسه لم يصحّ؛ وإن أمره بذلك وبالنداء عليه والبيع له فما اشتراه من المنادي بلا علم منه أنَّه له أو من المأمور ببيعه أيضًا كذلك جاز له، لا خروجه بحجّة الموصي كما مرّ، إلاّ بإذن الوارث إن حضر بالغا.
ومن أوصى إلى رجل في إنفاذ حجّته فحجّ بها وارثه بلا أمر الوصي؛ فإن ورثه وحده جاز إنفاذه الوصيَّة. وكذا إن أتمَّ له أو ورث معه غيره فأذن له.
ومن أوصى بدم في الحرم فللوصيِّ أو الوارث إنفاذه ــ وإن من عروض ــ ولا يبعث به إلاّ مع من يثق به ولو بانتظار كما مرَّ. أبو سعيد: إذا لم يأذن له
__________
(1) () - ب: «على ذلك». (6/239)
صفحة 2778
الموصي في الخروج بحجّته ولم يحجر عليه فلا يخرج بها إلاّ بإذن الوارث وأرجو أنَّ فيه خلافا. ولا يعطيها غير ثقة أو أمين إن قال له: أعطها من شئت، ولا نحبّ له تأخيرها بعد القدرة إن قال له: أخرجها متى شئت. وإن أخَّرها بعدها حتَّى تلف المال فلا نلزمه ضمانه مع قوله ذلك. (6/240)
صفحة 2779
الباب التاسع والثمانون
في الوصيَّة إذا تلف المال وفيمن عليه دين لميِّت وقضاه
فمن أوصى لأحد بمعلوم من ماله فذهب لم يكن له شيء، وإن ذهب ماله كلّه إلاّ ذلك فله ثلثه وثلثاه للوارث إن ذهب قبل موته؛ وإن ذهب بعده اختير له ثبوته إن وسعه الثلث يوم موته.
وإن أعتق مريض غلامه ويخرج منه فتلف ثلثا ماله قبل موته فعتقه ماض ويستسعي بثلثي قيمته.
ومن أوصى لرجل بثلث (1) حيوانه أو حبوبه ونحوهما ثمَّ تلف الثلثان وبقي الثلث وله كثير، فإن استحقّا أو تلفا قبل موته فللرجل ثلثه كاملا، وإلاَّ فله ثلث الباقي إن كانت الوصيَّة تخرج من الثلث يوم موته فله ما يخرج منه، وقد مرَّ ذلك. وإن أوصى له بإبله أو غنمه أو بحبّه ونحو ذلك فلا تصحُّ له الوصيَّة إلاّ في ذلك، لأنَّه معلم؛ وقيل: مبهم فالقائل [474] إنّما تقع بعد موته على ذلك الجنس يوم إيصائه يخرجه على باب المعلم، لأنَّه لو مات ذلك أو تلف ثمَّ استفاد وآخر لم يكن له، والقائل إنَّها في ماله يوم موته يكون من المعلم حتَّى يموت، فإذا مات كانت من ثلثه ومن المعلم زيادته ونقصانه عليه كتلفه.
__________
(1) () - ب: «بثلثي». (6/241)
صفحة 2780
ومن مات ولم يوص بقضاء ما عليه وله على رجل حقّ، فقيل: ليس له أن يقضيه عنه ممّا عليه إلاّ بإذن وارثه وإلاَّ ضمن (1)، وبعض رخّص له فيه ويبرأ بذلك، وبه قال ابن روح.
وفي الأثر: ومن أوصى بحقّ عليه لرجل ووكَّل في قضائه وله على رجل حقّ يطلبه به فلا يجوز له أن يقضي عنه صاحبه إلاّ برأي الوصي أو الوارث؛ فإن لم يكن له وكيل ولا وارث وأراد خلاص الميِّت رفع إلى الحاكم علم ما عليه له وطلب ماله عليه، فإن أمره أن يقضيه قضاه، وجاز له بعد الحجّة على الوارث؛ وإن دفع ما عليه للوكيل أو الوارث برئ؛ وإن عدم الحاكم ولم يعرف الوصيُّ ولا الوارث ففي تسليمه لمن له على الميِّت حقّ جواز ومنع.
ومن أوصى لرجل بشيء وأبى أن يقبضه وقال: إن لم يقبضه فبعوه وأعطوه ثمنه فله قبوله أو تركه، وكره له تركه إن كان مدينا، ونحبّ له أن ينفذه في دينه.
__________
(1) () - ب: - «وإلاَّ ضمن». (6/242)
صفحة 2781
الباب التسعون
في دين الهالك وقضائه وتقاضيه
أبو الحواري: إن مات ذو دين ولم يوص به لصاحبه أخذه من ماله خفية إن لم تكن له بيِّنة عليه.
وإن صحّت على ميِّت ديون فليس على الحاكم أن يقضيها أهلها من ماله إلاّ إن رفعوها إليه وبيّنوها فيقيم حينئذ لهم ثقة يبيع منه في قضائها ولا له أن يقضي العروض فيها إلاّ إن كان له ورثة كما مرَّ، وجاز للجماعة عند عدمه؛ وقيل: ليس لوارث أن يؤدّي عن ميِّت ما علمه عليه إلاّ بإذن جميعهم إن بلغوا أو كان وصيّا له فيه أو يؤدّي عنه بقدر إرثه؛ وكذا كلّ مقرّ بدين على موروثه؛ وقيل: لا يحلّ له أخذ شيء من ماله بإرث حتَّى يؤدّي جميع ما علمه عليه أو صحّ عنده، ولو أحاط بإرثه كما مرّ.
أبو عليٍّ: من له على ميِّت حقٌّ فقضاه بعض ورَّاثه (1) بعض ماله فله ــ قيل ــ أخذه؛ وإن علم الوصي بعض ديون الموصي فليس له قضاؤه من ماله إلاّ إن قال له: أقض عنِّي كلّ ما علمته عليّ ولم تعلم أني قضيته، فحينئذ يجوز له. أبوسعيد: له أن يقضي عنه ما أقرّ به عند الله.
واختلف في يمين من له الحقّ، فقيل: لا يعطي الحقوق (2) إلاّ بعد اليمين ولو ثبتت (3) بإقرار الميِّت أو ببيِّنة، وجوِّز ما لم يرفع أمرهما إلى الحاكم، فإذا رفع إليه لم يعذر طالب (4) الحقّ من اليمين.
__________
(1) () - ب: «وارثه».
(2) () - ب: «الحقَّ».
(3) () - ب: «ثبت الحقُّ».
(4) () - ب: «صاحب». (6/243)
صفحة 2782
ومن أوصى بديونه وله مال وأولاد فأراد أحدهم أن يعطي منابه منها فإنَّه يعطي كلَّ من له حقّ بقدره من إرثه، لا أن يدفع جميع منابه لواحد من الغرماء ويدع الباقين، إلاّ إن رفع كلّ وارث غريما منهم ويقضي كلّ من ضمن له فحينئذ يجوز لهم؛ وإن لم يقض بعضهم شيئًا ممّا على موروثهم أعطى هو كلّ غريم بقدره وهو المختار، وقيل: إنَّه يوفّي جميعهم من ميراثه إذا لم يعط غيره ما عليه، لأنَّه لا ميراث له إلاّ بعد الحقوق، وقد مرّ ذلك. قال خميس: ولا نعلم قائلا إنَّه يعطي ما يلزمه من جميع الدين غريما ويبرأ من الباقين إلاّ إن رضوا بذلك فحينئذ يجوز له عن رأيهم؛ وإن أمروه بذلك فلم يدفعه حتَّى رجعوا عليه فيه جاز لهم الرجوع.
ومن ترك ــ قيل ــ ولدين وألف دينار وعلى أحدهما مثلها دينا فليس لهذا المدين في الألف الموجودة شيء وإنَّما هي لغير المدين؛ فإن ترك ثلاثة وعلى كلٍّ (1) والمسألة بحالها فالألف للباقين بينهما ويكونان شريكين فيما بقي على ذي الألف لا ينفرد به أحدهما (2). وإن أوصى في المسألة بثلث ماله لرجل كان، واللذان لا شيء عليهما شركاء في الألف على قدر ما لكلٍّ من المال، وكان للذي عليه الألف منه ما لَه من المال، ويلحقه الاثنان، والرجل بالباقي منه على قدر ما لهم من المال، ولا ينفرد به واحد، وقيل: يكون الدين بين الجميع كالحاصل.
وإن أقرَّ بعض الورثة بدين على موروثهم، فإنَّ للغريم استيفاؤه من سهمه؛ وقيل: يجوز عليه منابه من الحقّ اللاّزم من جميع المال ثمَّ يعطي بقدر منابه من ذلك. وكذا إن أقرَّ بوديعة ولو مجهولة فمن يلزمه جميع ما أقرّ به على ميِّته يقول إنّ عليه للمقرّ له من ماله بقدر ما بقي من قيمة الوديعة، ومن لا يلزمه ذلك يجعل عليه حصَّته
__________
(1) () - ب: - «وعلى كلٍّ».
(2) () - ب: «أحدهما به». (6/244)
صفحة 2783
منها. وإن أقرَّ بشركة كانت من أبيه، فإن بالنصف أخذ الغريم من حصَّته النصف، وذلك إذا أقرّ في معيَّن أنّ لفلان فيه النصف؛ فإن كان له هو فيه النصف كان له النصف تامّا؛ وإن كان فيه أقلّ منه فليس عليه أكثر، لأنَّه شركة لا ضمان على الميِّت وكلّ ما كان ضمانا عليه فأقرّ بذلك فعليه تمام الحصَّة من ماله حتَّى يستوفي لا أكثر منها من مال الميِّت؛ وقيل: إنّما عليه ذلك، ولو لم يكن عليه، فإنّما عليه بقدر منابه من إرثه منه. فإن أقرَّ بمعين أتلف منابه منه؛ وإن أقرَّ بمجهول [475] / (1) فعليه منابه على قدر ذلك أيضًا. وقيل: إذا أقرَّ بالنصف من هذا المعيَّن وله فيه النصف فللمقرّ له الربع.
وقيل: إذا علم الوارث أنّ على موروثه دينا فلم يعلم أنَّه قضاه فعليه أداؤه حتَّى يعلم أنَّه قضاه؛ وقيل: لا حتَّى يعلم أنّ الميِّت لم يؤدّه، ولو طلب إليه إلاّ إن صحّ في مال الميِّت وحكم عليه به فيه فعليه أن يطيع للحكم، ولو صحّ ذلك عنده ببيِّنة لم يكن عليه شيء عند الله ما لم تشهد عليه أنَّه مات ولم يقض ما شهدت به البيِّنة عليه، وفي الحكم إذا شهدت عليه أنّ عليه دينا ولا يعلم أنَّه قضاه ثبت عليه في ماله.
أبو سعيد: من ورث مالا من رجل مع أيتام ويعلم أنّ عليه دينا أنَّ عليه وله أن يخرجه من الجملة؛ وقيل: عليه في منابه بقدر منابه منه لما على الأيتام إذ لا حجّة عليهم، ولا يلزمه أكثر من منابه، إلاّ إن حكم عليه؛ وقيل: ليس له ذلك في منابهم وإنَّما هو عليه أن يخرج ممّا يخصّه من الدين من منابه فما فضل كان له بالإرث إن فضل، وإلاَّ واستهلكه الدين لم يكن له أن يدخل معهم في حصصهم؛ فإن بلغوا وصحّ عليهم بالبيِّنة أو لعلمهم لحق كلاّ بقدر منابه.
أبو الحسن: من مات وترك مالا وأقرّ بما عليه وأوصى أحد أولاده في قضائه ثمَّ مات الوصي ولم يعلم الحيّ منهم أنَّه قضاه أم لا، قال: أمّا دين الولد، فإن (2) مات
__________
(1) () - ابتداء من هذه العلامة سقطت صفحة من النسخة أ.
(2) () - في الأصل: «فامات». (6/245)
صفحة 2784
أبوه وأوصى إلى أخيه ثمَّ مات وهو يعلم أنَّه لا يقضى عنه ما أوصى به من دينه فعليه في إرثه منه، وإن لم يعلم أنّ أخاه مات وعليه ذلك في وصيَّة أبيه ولا صحّ عنده بعد موته بعدلين أنَّه على أبيه لم يلزمه في الحكم قضاؤه؛ وقال أبو الحواري: إن كان موته منفسحا بقدر ما يمكن فيه قضاء دين أبيه من حيث لا يعلم أخوه فلا يلزمه حتَّى يعلم أنَّه يقضيه كما مرّ. وإن تقارب موتهما وعلم أنَّه لم يقضه فعلمه أولى إذا كان ممّا يجوز فيه القضاء علانية؛ وإن كان ممّا يختفي فيه ويمكن أنّ أخاه قضاه بلا علم منه فلا يلزمه كذلك. وإن كان لا يعاشر أخاه ولا يحادثه فلا يلزمه في الحكم أيضًا قضاؤه، إلاّ إن علم أنَّه مات وذلك عليه، أو أقام عليه الغرماء بيِّنة فينفذ عنه ما صحّ عنده عليه بها في الحكم. وإن أراد أيمانهم على ذلك كان له.
فصل
من باع مالا ليتامى وأدّاه في خراجهم ثمَّ مات ولم يوص به ولم يقرّ واحتمل دخوله في ذلك بجائز أو زواله عنه بأدائه إليهم أو بوجهٍ ما، وسع الوارث ذلك ما لم تقم عليه بذلك حجّة حقّ.
ومن له حصَّة في مال مع غائب وأيتام فباعه جملة ويأمل أن يستتمَّ ذلك منهم إلى أن مات ولم يصل إليه فما يُلزم وارثه، فإذا ألزم فلمن يلزِم (1) لأصحاب المال أو المشتري وهل عليه أن يعلمه ويدعوه إلى أخذ دراهمه ويقول له: دع لهم ما لهم وخذها أم يلزمه غير ذلك؟ قال: ليس على الوارث أن يتوب ممّا أخذه الميِّت، وعليه أداء ما صحّ في ماله وما لم يصحّ بإقرار أو إيصاء بأدائه أو بيِّنة فاحتمل أنَّه قد خرج من ذلك بمخرج حقّ أو تاب منه أو أدّاه به فلا سبيل على الوارث ما لم تقم عليه حجّة بذلك.
__________
(1) () - كذا في النسخة ب. والعبارة غير واضحة. (6/246)
صفحة 2785
ومن مات أبواه ولكلّ منهما مال في قرية غير قرية الآخر وترك ديونا ووصايا ووصيّا وأراد الوصيُّ أن يبيع من مال أحدهما لينفذوها إيّاها ويقضي ما عليهما، لأنَّ وارثهما واحد يتيم، قال: لا يجوز ذلك، وإنَّما يبيع من مال كلّ في قضاء ما عليه وإنفاذ وصاياه، لأنَّ المشتري إذا أدرك فيما اشترى يدرك لم يرجع به على مال الآخر.
فصل
من مات وعليه دين لرجل ولم يترك مالا أو تركه وأنكر الدين ثمَّ مات أبو الرجل أو أخوه وأوصى أنّ عليه لفلان كذا وكذا، قال: إن كان ليس لأبيه أو أخيه وارث غيره فله أن يستوفي حقّه ولا يعطي وارث الآخر شيئًا حتَّى يستوفي إن استتر له، ويشهد له بالوفاء، إلاّ إن كان عليه غير دينه فليأخذ منابه ممّا أقرَّ به أبوه أو أخوه والباقي بين غرمائه يقسمه بينهم الحاكم. وإن كان معه وارث غيره لأحدهما فسواء يأخذ حقّه إن استتر له. وإن كان عليه غير دينه فوصل غرماؤه إلى ديونهم من مال الميِّت أخذ هو حقّه لا حصصهم. وإن لم يصلوا إليها حاصصهم فيما أخذ إن علم أنَّه مات وهي عليه، وإلاَّ ويعرف أنّ عليه الدين ولا يدري أقضاه أم لا؟ فليستوف حقوقهم ولا محاصصة عليه لهم.
ومن اشترى ــ قيل ــ دارا أو دابَّة ثمَّ مات قبل قبضها ولا البائع الثمن وعلى المشتري غير ثمنها، فإذا ثبت البيع فالبائع أسوة مع الغرماء ولو لم يقبضها المشتري/ (1).
__________
(1) () - في هذه الإشارة انتهاء سقط الصفحة من النسخة أ. (6/247)
صفحة 2786
[476] الباب الحادي والتسعون
في ميِّت عليه دين وترك مالا لا وصيًّا
ابن جعفر: فإن كان في البلد حاكم رفع الغرماء إليه أمرهم، فإذا صحّت عنده ديونهم أقام له ثقة يبيع منه بقدرها وينفذها، وإلاَّ وكان فيه جائز فرفع ذلك إليه فقضاهم إيّاها بعدول فلهم أخذها برأيه، وإن لم يكن فيه لا عادل ولا جائر جاز (1) لقادر على أخذ حقِّه استيفاؤه؛ وإن كان فيه جائرا لا يأمنه الغرماء أن يرفعوا إليه جاز لقادر على أخذ حقّه أخذه أيضًا.
وإن كان للميِّت نخل ولزوجته عليه نخل أخذته بعدول؛ وإن كان لها وللغرماء عليه نقود وكان ماله حيوانا أو طعاما أو أصلا باعوا منه بقدر ما لهم باجتهاد في طلب الزيادة؛ وإن أمكنهم بالنداء فيمن يزيد فأحوط، وأشهدوا العدول أنَّهم استوفوا ما لهم على فلان إن أمكن لهم علانيّة.
أبو سعيد: إن كان خصم الغريم يتيما أو معتوها أو غائبا ووجد إماما أو قاضيه أو وليَّه أو جماعة عند عدمه فليس له أن يأخذ حقّه إلاّ بالحكم إلاّ إن لم تكن له بيِّنة أو لا يصل إليه به. وإن كان بالغا عاقلا فليس له أخذه أيضًا، إلاّ إن جحده إيّاه أو علم أنَّه بيِّنة له به أو للمعدل، فإن جحده ووجد حاكما عدلا فلا يأخذه إلاّ بالحكم؛ فإن لم يجد إلاّ جائرا فهو كعدمه، لأنَّه ليس بحجّة. وإن أبى العدول أن يدخلوا له في ذلك أو عدموا، فإن قدر على أخذ حقّه بنفسه جاز له. أبو المؤثر: إن كانت عنده بيِّنة فالجماعة كالحاكم، فلا يجوز له اقتضاء دينه بنفسه إلاَّ إن وجد مثل ماله فله أخذه منه بلا أخذ.
__________
(1) () - ب: - «جاز». وفي أ: «جار» والصواب ما أثبتناه. (6/248)
صفحة 2787
والدنانير والدراهم كالواحد فيأخذ لنفسه بالصرف، وقيل: لا يأخذ غير جنس حقّه إلاّ بحاكم إن وجده، وإلاَّ جاز له؛ وإن لم يجد إلاّ مزيدا عليه أو ناقصا فليس له مثل ماله ولا يأخذه إلاّ ببيِّنة عند حاكم ويستحلفه عليه ثمَّ يقضيه إيّاه؛ وإن عدمها أو وجدها لا موصله إلى حقّه فليس له بيع المال ولا شراءه لنفسه ويلتمس عدلين يقومان له بما وجد منه ويأخذه بقيمته؛ فإن لم يجد مقوما له استقصى على نفسه بها وأخذ بها، ويشهد عدولا بالوفاء.
وقال أبو المؤثر: إن وجدت امرأة لها (1) مائة نخلة خيارًا صداقا (2) بيِّنة وحاكما فلا تأخذ لنفسها فيها مائة وخمسين شرارا ولو أنَّها إذا قضاها حاكم لقضى لها بها ثلاث مائة؛ فإن لم تجد بيِّنة ولا من يوصلها إلى حقّها (3) فلها أن تقضي لنفسها بقيمة المائة ولو بلغت ثلاث مائة أو أكثر.
وقال: إن كان على ميِّت سلف لرجل وقدر على استيفائه بها من ماله كالديون فيما مرّ إذا لم يجد بيِّنة أو موصلا إليها مثلها فيه فلا أرى السلف كالديون ولكنّه يأخذ من ماله ويدفعه لمن يبيعه بحضرته ثمَّ يأمر من يشتري له مثل سلفه ويقضيه؛ وإن لم يجد من يأمره بذلك ولا من يقضيه باع واقتضى لنفسه؛ وإن وجد من يشتري له بائعا باع هو ودفع لمن يشتري له؛ وإن لم يجدهما باع واشترى ودفع إلى من يقضيه؛ فإن لم يقدر على ذلك باع وقضى واقتضى، وأشهد أنَّه استوفى من ماله حقّه، وليس عليه أن يسمّيه لئلا يؤخذ به؛ وإن لم تكن له بيِّنته به عليه لم يلزمه الإشهاد بالوفاء، قال: وإنَّما أمرناه بذلك احتياطا له؛ وإن اقتضى غير سلفه كان دينا عليه وسلفه بحاله. وإن اقتضى ماله غلّة فهما للوارث ويطرح منها مثل ما أنفق عليه وعنى. وإن
__________
(1) () - ب: «له».
(2) () - ب: «صداقًا خيارًا».
(3) () - ب: «حقِّه». (6/249)
صفحة 2788
اقتضى مالا غلّة له فاتَّجر به فالربح له وما اقتضاه دين عليه ودينه بحاله حتَّى يفعل كما مرّ. وإن وجد مثل حقّه من مال الميِّت فله أن يأخذه لنفسه ولو في البلد حاكم عدل وله بيِّنة ولا يرفع إليه إن شاء؛ وكذا له أخذه بالقيمة إن لم يجد بيِّنة ولو وجد فيه. أبو سعيد: هذا إن كان الوارث يتيما ولا وصيَّ له ولا وكيل، وأمَّا إن كان له فلا يفعل ذلك، لأنَّ وصيّه أو وكيله في مقامه كالبالغ، ولا بدّ من الحجّة عليه فيه إن أمكنت بلا تقيّة.
ابن جعفر: لا نرى للعدول أن يدفعوا مال ميِّت إلى غرمائه إلاّ بصحَّة إن وجدت، وإلاَّ وقالوا لزوجته: إنَّ (1) هذه النخل قاضية لمن له صداق ولم يروا فيها زيادة على صداق مثلها فلمّا عرفت ذلك أخذته لنفسها بلا إعطاء منهم أنّ عليه لها ألف درهم ولا بيِّنة لها وقد ترك عندها ألفا؛ فإن ظهر ذلك إلى الحاكم أو الوارث أو الوصي دفعها عنه. وإن لم تصل إلى حقّها فأخذته لنفسها بما تطلبه به وأقامت نفسها مقام الحاكم فإنَّها سالمة في أخذه ومدخلة فرحا على الميِّت به أيضًا، وليس الحكم لها (2) بأكثر من علم الله أنَّها أخذت حقّها أو مثله.
وإن فقد الموصي فباع وصيّه ماله في أجل الفقد وأنفذ وصاياه وديونه انتقض بيعه، لأنَّه لا وصاية إلاّ بعد الموت وثبت لأهلها ما قضاه [477] من الديون وله وضمن ما أنفذ من الوصايا فبعد صحَّة موته أنفذها من الثلث.
ومن جعل ماله بيد موصيه بعد موته حتَّى ينفذ وصاياه، قال الأزهر: الحكم فيه إذا صحّت هي وديونه وقفه الحاكم ولا يقرّ به الوارث حتَّى
__________
(1) () - ب: - «إنَّ».
(2) () - ب: «له». (6/250)
صفحة 2789
ينفذهما؛ فإن لم يكن حاكم أشهد الميِّت (1) في كتابه أنّ ماله جعله في يده وقفا حتَّى يقضي وينفذ.
أبو سعيد: إن استغرقت الديون المال فلا وصيَّة إذا كانت لا تخرج من الثلث؛ وإن كان يبقى من المال شيء وكانت في ثلثه وثلثاه للوارث وهذا في حكم اللازم والجائز ومالا يسع في الأحكام فلا يسع في مثل هذا ولو لم يحكم به إذا صحّ عند الوارث وقامت عليه الحجَّة به.
__________
(1) () - ب: «البيِّنة». (6/251)
صفحة 2790
الباب الثاني والتسعون
فيما يبدأ بإنفاذه
فقيل: إنّ الوصايا كلّها شرع في الثلث بقدر كلٍّ؛ وقيل: يقدّم ما قدّمه الموصي الأوَّل فالأوّل؛ وقيل: الفرض كالزكاة والحجّ ثمَّ الكفارات ثمَّ العتق ثمَّ غيرهما (1)، وذلك إذا قال: حجّوا عنِّي حجّة وأعتقوا رقبة؛ فإن بلغهما الثلث أنفذا منه، وإلاَّ بدئ بالحجِّ لابتدائه به؛ فإن بدأ بها قبله بدئ بها؛ وإن قال حجَّة الإسلام بدئ بها لفرضها.
أبو سعيد: إن أوصت امرأة (2) بحجَّة خمسة عشر دينارا وللفقراء والأقربين بدينارين ومالها ثلاث مائة درهم فالوصايا كلّها في ثلث مالها على الأجزاء فترجع إلى مائة، فإذا أرادت قسم ذلك نظرت الأجزاء من الدنانير وهي سبعة عشر فتقسم المائة عليها فيكون للفقراء والأقارب جزآن بينهما أثلاثا وللحجّة خمسة عشر جزءا، وعلى هذا تجري الوصايا إذا لم تخرج من الثلث، فالنقصان يجري على الجملة كلٌّ بقدره، وهذا على القول إنّ الحجّة منها من الثلث؛ وقيل: إنَّها والزكاة والأيمان من الكلّ وعليه فينظر في الباقي؛ فإن خرج ما للأقارب وللفقراء من ثلثه كما مرّ بعد الخمسة عشر انقضت من الدينارين بقدرهما.
وقيل: إذا أوصى بوصايا وكان فيها لازم وغيره بدئ باللاّزم فيخرج من الثلث؛ فإن بقي منه شيء أشرعت فيه غيره؛ فإن وسعه، وإلاَّ حوصص فيه وعليه وهو
__________
(1) () - كذا في النسختين ولعلَّ الصواب: «غيرها».
(2) () - ب: - «امرأة». (6/252)
صفحة 2791
الأوسط فلا يبقى للأقارب والفقراء (1) شيء؛ واختار خميس أن ينظر فيه إلى حصَّة الأقارب فيحاصص بها مع اللاّزمة، لأنَّ لوصيَّة الأقارب أصلا في الكتاب فيجب أن تكون معها لا عند جاعل اللاّزمة من الكلّ وأنَّه إن أوصى باللّوازم ولم يسمّ أنَّها لزمته ولا أنَّها ممّا يلزمه كانت من الثلث كالأقرب على كلّ حال ..
ومن أوصى ــ قيل ــ لرجل بمائة درهم معيَّنة (2) فوجدت له وألف دينار لا بغيرها حكم له بها ويدفع إليه ثلثها (3) ويوقف الثلثان على ما مرَّ فافهم.
تمَّ الجزء السادس عشر
__________
(1) () - ب: «للفقراء والأقارب».
(2) () - ب: «قيل بمائة درهم معيَّنة لرجل».
(3) () - ب: «الثلث». (6/253)
صفحة 2792
/ (6/254)
صفحة 2793
الجزء السابع عشر
في الفرائض (6/255)
صفحة 2794
/ (6/256)
صفحة 2795
الباب الأوّل
منه في الحثّ على تعليمها
وقد روي عنه صلّى الله عليه وسلّم: «تعلّموا الفرائض وعلّموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، ويوشك أن العلم أن يرفع، حتّى أنّ الاثنين ليتشاجران في فريضة فلا يجدان من يفرق بينهما». وفي ذلك أخبار؛ وقيل: إنَّ علم الفرائض ثلث العلم؛ وقيل: نصفه، وقد رغّب فيه أكثر من غيره.
وقال أيضا: «أوّل ما ينزع من أمتّي». وأيضا: «تعلّموه؛ فإنَّ أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه أو يبقى في قوم لا يعلمون»،
وقال عمر: «إن لهوتم فالهوا بالرمي وإذا تحدّثتم فحدّثوا بالفرائض».
ابن عباس: «من لي بمن يضع الحبل في رجلي يعلّمني الفرائض والقرآن».
ابن مسعود: «من تعلّمه فليتعلّمها».
ابن أبي يحي: «فرع العلم وأصله بعد معرفة الله وما أوجب، تعليمُ الفرائض لما يلزم من بلائها كلّ وقت.» إلى غير ذلك. (6/257)
صفحة 2796
الباب الثاني
في معرفة من يرث ومن لا يرث
ويصحّ التوارث بالحرّية والملّة والنسب والنكاح. فالوارثون ثلاث منازل: ذو سهم فرض في الكتاب كالزوجين والأبوين والأولاد والأخوة، ولحق بهم الأجداد وأولاد الابن بالسنّة.
ولا يرث جدّ مع أب، ولا جدّة مع أم، ولا ولد ابن مع أبيه.
ثمَّ عاصب للفضل بعد أخذ ذي السّهم فرضه، أو للكلّ مع عدمه، ثمَّ رحم كما ستراه.
ولا يرث مع أحدهما غير زوج أو زوجة.
ولا يرث مسلم مشركا كعكسه المجمع عليه، ولا الحرّ العبد بالنسب كعكسه، ولا القاتل قتيله ولو خطأ عندنا، ويرث المشرك مشركا ولو اختلفا ملّة. (6/258)
صفحة 2797
الباب الثالث
في ميراث ذي السّهام
وهي الثمن والربع والنصف والسدس والثلث والثلثان.
فالثمن لزوجة فأكثر عند وجود الولد أو ولد الابن.
والربع عند فقدهما وهو الزوج أيضا عند وجوده.
والنصف عند عدمهما وهو أيضا، البنت إن انفردت أو مع بنت ابن، ولها أيضا إن انفردت عند فقدها، ولشقيقه منفردة، ولأخت لأب كذلك عند عدمها.
والسدس لأب مع ولد أو ولد ابن، ولجدٍّ معه، وفقد الأب، ولأم عند وجود ذلك، والجدة عند فقدها بأكثر (1)، أو أكثر من أخ (2) أو أخت، ولجدّة فأكثر عند عدم الأمّ، ولبنت ابن مع وجود بنت، ولأخت لأب فأكثر مع وجود شقيقة، ولأخ أو أخت لأم.
والثلث لأكثر، ولأمّ مع فقد من لها معه السدس، ولها أيضا ثلث الباقي بعد فرض زوج أو زوجة ووجود أب.
والثلثان لبنتين إن انفردتا، ولبنتي ابن، مع (3) فقد الولد، ولشقيقتين، أو لأب فأكثر في الكلّ.
__________
(1) - ب: - «والجدة ... بأكثر».
(2) - ب: - «أو أخ».
(3) - ب: «إن». (6/259)
صفحة 2798
[478] فصل
يرث من الذكور تسعة إجماعا وفي العاشر خلاف: الأب وابنه، وابن الابن وإن سفل، وأب الأب وإن علا، والأخ وابنه وإن سفل، إن كان شقيقا أو لأب، والعمّ وابنه وإن سفل كذلك، والزوج.
والجمهور منّا لا يورّثون المعتق، ومن الإناث سبع، وفي الثامنة خلاف: البنت، وبنت الابن وإن سفل، والأم، والجدّة وإن علت، والأخت مطلقا، والزوجة، والمعتقة عندنا كذلك.
وستّة لا يرِثون اتّفاقا: عبد، ومدبر، وقاتل عمدا، وأمّ ولد، ومرتدّ، ومشرك لمسلم، وفي عكسه كالقاتل خطأ، خلاف.
ومن لا يسقط بحال الزوجان والأبوان.
وولد الصلب، وابن الابن وإن سفل كالابن في الفرض والحجب والتعصيب.
ولا تحجب (1) الأم عن الثلث إلاّ الولد وولده، واثنان فأكثر من الإخوة خلاف.
ابن عباس: والجد عندنا كالأب، إلاّ مع زوج أو زوجة وأم، فلها الثلث كاملا، ومع الأب ثلث الباقي كما مرّ، وحجّة أصحابنا في أنّ الإخوة لا يرثون مع الجدّ قوله تعالى: {ءاباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيّهم أقرب لكم نفعا}، فاجتمعت الأمّة على أنّ ابن الابن يقوم مقامه عند عدمه، وقد سمّى الله الجدّ أبا، فقيس على ابن الابن المجمع عليه، فأقيم مقام الأب.
فصل
إن فقدت بنات الصلب قامت مقامها بنات الابن، وكذا بنات ابن ابن الابن وإن سفل، ويقوم الأسفل مقام الأعلى عند عدمه، فلبنت ابن مع بنتٍ السدس تتمَّة
__________
(1) - ب: «يحجب». (6/260)
صفحة 2799
الثلثين كأخت لأب مع شقيقة؛ وإن كان معهما أخ عصبهما (1)، بل إن كان مع بنت ابن أخ في درجتها أو أسفل منها صعد إليها وعصبها، فإنَّه يعصب أخته وعمّته لا بنات أخيه، لأنَّهن أسفل منه.
فمن مات عن بنتين فأكثر، وبنت ابن، وعاصبا، فالثلث له، والثلثان للبنتين، ولا شيء لبنت الابن، وكذا لا شيء لأخت لأب حيث لا أخ معها مع شقيقتين فأكثر.
وكذا إن ترك بنتي ابن، وبنت ابن ابن، وعاصبا، فلا شيء لها معه إلاّ إن كان أخاها معها أو ابنه، خلافا لزيد وعليّ فإنَّهما لا يعطيان لبنت ابن مع ابن أخيها شيئا، بعد أخذ بنات الصلب الثلثين، فالباقي له وحده ولبنات الابن وإن سفل، مع بنت الصلب السدس وإن كثر.
فصل
إن اجتمع أشقَّاء مع إخوة لأب، فالإرث للأشقَّاء، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ ويمنع الشقيق منه إخوة الأب ولو ذكورا، وإخوة الأم، وإن عدم الأشقّاء فإخوة الأب بمقامهم أفرادا أو جمعا تذكيرا أو تأنيثا، ولا يزاد لأكثر من أخ وأخت لأمّ من الثلث وهم فيه سواء، إلاّ في مسائل الردّ كما سيأتي عند بعض.
وإذا اجتمعت شقيقة مع إخوة لأب فعند الأكثر من العلماء أنّ للشقيقة النصف، والباقي بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.
وبنت وشقيقة أو لأب فنصفان، ولا شيء لإخوة لأب، مع شقيقة وبنت (2)، ولأخت لأبوين أو لأب مع بنت، وبنت ابن الثلث بالتعصيب.
__________
(1) - أ: «عصبهنّ» والأصوب ما أثبتنا من ب.
(2) - ب: «بنت وشقيقة». (6/261)
صفحة 2800
ولا شيء لبنات الابن مع بنتين فأكثر، وأخ وإخوة لأبوين أو لأب، ولا لبنت ابن ابن مع بنت وبنت ابن وأخت شقيقة أو لأب، ولا لأخت فأكثر مع شقيقين فأكثر، إلاّ مع وجود الأخ المبارك كما مرّ.
ولا للأخ لأب مع شقيقة فأكثر وبنت، ولا لابن الأخ الشقيق مع بنت فأكثر، وأخت لأب، ولا لإخوة لأب مع شقيق أو أكثر، وكلالي فأكثر، ولا لأخ أو أخت فأكثر لأب مع شقيقتين وأكثر، وكلا ليتين فأكثر، ولا لإخوة للأم مع وجود أب أو جد أو ولد أو ولد ابن وهم عمود النسب.
فإذا وجدت بنت وبنت ابن، وأخ أو أخت لأم، وابن أخ لأب، فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، والباقي ابن الأخ.
وإذا وجدت شقيقتان معه، وأخت لأب، فلا شيء لها، وله الثلث بالتعصيب.
فصل
للزوج النصف، وللأمّ السدس، وللشقيقة النصف، وللأخت للأب السدس أيضا إن اجتمعوا، فتعول فريضتهم من ستّة إلى ثمانية؛ فإن كان مع الأخت للأب أخ منه، فلا شيء لها، لأنَّه معصبها فهو مشوم عليها؛ وإن كانا مع شقيقتين فأكثر عصبها فلولاه ما ورثت، فقد ضرّها في الأولى ونفعها في هذه.
وكذا للبنت النصف، ولبنت الابن السدس، وللزوج الربع، ولكلّ من الأبوين السدس إن اجتمعوا، فتعول من اثني عشر إلى خمسة عشر، فإذا وجد مع بنت الابن أخوها منعها من الإرث كذلك، فإذا وجدا مع بنتين عصبها ولولاه ما ورثت كذلك.
ويعطي ابن مسعود على - ما قيل - عنه ما فضل بعد ثلثي البنتين فأكثر لابن الابن دون أخته، وما فضل عن الشقائق للأخ للأب دون أخواته منه، ولا يشارك ابن الابن في سدس بنات الابن، ولا إخوة الأب في سدس أخواته. ووافقه بعض الصحابة في ذلك والجمهور على ما مرّ. (6/262)
صفحة 2801
الباب الرابع
في ميراث العصبات
وهم: كلّ ذكر ليس بينهم وبين الميّت أنثى، وبعبارة أخرى كلّ ذكر مدل إليه بنفسه أو بذكر، والتعصيب هو: أنّ من يرث به يحوز المال إن انفرد، [479] أو الفضل عن ذوي السهام إن كانوا (1) معه.
وهم: الابن فابنه وإن سفل، فالأب، فالجد وإن علا، فالشقيق، فالأخ للأب، فابن الشقيق، فابن الأخ للأب، وكلّ من كان أقرب للميّت كان أولى بالإرث في التعصيب؛ وإن كان لأخ ابن ولآخر عشرة واتّحدوا في الدرجة والنسب، فالمال بينهم سواء، لا أنَّ لكلّ فريق ميراث أبيه عندنا.
ثمَّ العمّ لأبوين، ثمَّ العمّ لأب وكذا بنوهما، ولا يرث الأب ولا (2) الجدّ مع الولد، أو ولد الابن إلاّ السدس بالفريضة أو الفضل معه بالتعصيب.
ولا عصبة في النساء بالاستقلال إلاّ الأخت مع البنت، أو بنت الابن، فابن الابن يعصب من يحاذيه ومن أعلى منه كما مرّ.
ولا يعصب الأخ للأب إلاّ من يحاذيه، فإذا وجدت بنت وابن ابن وبنت ابن ابن ابن فلا شيء للتي هي أسفل منه، ولها في العكس السدس، وله الثلث بالتعصيب.
وإن وجدت فيه بنتان وبنت ابن وابن ابن عصب عمّته. وإن وجدت معه أخت عصبها وعمّتها، والأكثر أنّ الإرث للعصبة ما صحّ النسب واتّصل، ولم يجهل أب بين الميّت وطالب الإرث، ولا قطع بينهما بالشرك وهذا مذهبنا.
__________
(1) - ب: «كان».
(2) - ب: «أو». (6/263)
صفحة 2802
وقيل: لا إرث بعد أربعة آباء وهم: أولاد أبيه، إخوته، ثمّ بنوا جدّه، أعمامه ونسولهم ولو بعدوا، ثمَّ أولاد أبي (1) أبيه وما تناسلوا، فهم الدرجة الرابعة به.
ومن لا يعرف له أب، فما حييت أمّه فهي عاصبة له، فإذا ماتت عصبها عصبتها بعد أخذ الفرضيين منه (2) فرائضهم. ولا يرث رحم مع وجود عاصب.
__________
(1) - ب: + «أبي».
(2) - ب: - «منه». (6/264)
صفحة 2803
الباب الخامس
في ميراث ذوي الأرحام
قال الله سبحانه وتعالى: {وأولوا الأرحام ... } الآية. نقل أبو المؤثر أنّ سائقا لإبل أتى عمر في خلافته فقال له: «إنّ أختي سافحت في الجاهلية، فولدت غلاما فسبي، فاشتريته، وإنَّه مات وترك هذه الإبل ولا وارث له». فقال له عمر: «إنّما أنت خال، والخال كواحد من المسلمين»، فأمر بها أنَّ تجعل (1) في إبل بيت المال، ثمَّ انطلق الرجل إلى ابن مسعود فأخبره بذلك، فانطلق معه إلى عمر فقال له: «لمَ لمْ تورث يا أمير المؤمنين هذا بالرحم؟ والله يقول: {وأولوا الأرحام ... } الآية». فقال له: «أترى ذلك يابن مسعود؟»، فقال له: «نعم»؛ فأمر عمر بالإبل فردّت إلى الرجل.
وذكر أن ثابت بن الدحداح لم يدع وارثا، وله ابن أخت، وهو أبو لبانة بن عبد المقتدر، فقال له صلّى الله عليه وسلّم: «يابني العجلان هل تعلمون له وارثا؟». فقالوا: «لا»، فدعي بأبي لبانة فسلّم إليه ميراث خاله.
وروي عنه: «الخال وارث من لا وارث له».
وعن عمر أنَّه أعطى العمّة الثلثين، والخالة الثلث، فأقامها مقام الأمّ، والعمّة مقام الأب. (2)
__________
(1) - ب: «فجُعلت».
(2) - ب: - «والعمّة مقام الأب». (6/265)
صفحة 2804
وقال خميس: مِن المتقدّمين من ورَّثهم بالقرابة على سبيل العصبات، ومنهم من ورّثهم ميراث آبائهم، وأخذ أصحابنا بالأقرب إلى الصواب، والأشبه بالسنّة والكتاب، واجتهدوا ونصحوا فاهتدوا للحقّ والحمد لله. والأصلان متقاربان، وأجمعوا أنّ المنفرد منهم ولو أنثى يحوز المال، وهم أربعة أصناف:
الأوّل: بنوا البنات وبنات بنات الابن وبنو بناته، ونسولُهم، ويقدّم الأقرب منهم فيعطي المال كلّه على المختار عندنا، ومثاله: بنت بنت وابن بنت ابن، فالقائلون بالتنزيل كآبائهم يعطون لها ثلاثة أرباع، وله الربع، والمعتمد عليه المختار أنّ الكلّ لها لأنَّها أقرب.
وكذا لبنت ابن بنت مع بنت بنت ابن، وفي ابن بنت وعشر بناتِ بنتٍ أخرى، قيل: للابن إرث أمّه، وللعشر إرث أمّهن، وقيل: المال بين الكلّ للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وقيل: بالسويّة وهو مذهبنا.
وكذا لبنت البنت المال إذا وجدت مع بني بنت بنتٍ أسفل، وعلى هذا القياس الثاني بنات الإخوة وبنوا الإخوة للأم وبنوا الأخوات، فالقائلون بالتنزيل أيضا، ينزلون كلا منزلة أبيه وأمّه، ويرفعونهم بطنا بطنا إلى الموروث ويقدّم الأسبق؛ وإن استووا أعطوا كلاّ ميراث من نسب إليه.
والقائلون بالقرابة يعطون الأقرب، فإن استووا قدّموا من أدلى بشقيق؛ فإن استووا في القرابة والنسب أعطوهم بالسوّية وهو المختار. وذلك كبنات شقيق وبني شقيقة فبينهم سواء، ولا يعطى كلٌّ سهم من ورثه ولو له بنت ولها عشرة بنين أو له عشر بنات ولها ابن، وقيل: لكلّ ميراث أبيه.
فإذا وجدت ثلاث بناتِ إخوةٍ متفرّقين فعند أهل التنزيل: لبنت الكلالي السدس، والباقي لبنت الشقيق، ولا شيء لبنت الأخ للأب، لأنّ أباها لا يرث معهما، (6/266)
صفحة 2805
وعند أهل القرابة أنّ المال لبنت الشقيق، فإذا وجدت ثلاث بنات أخوات متفرّقة (1) فالأكثر أنّ القسمة بينهنّ على خمسة: ثلاث لبنت الشقيقة، ولكلّ من الآخرتين سهم كأمهاتهنّ، وكذا لبنت شقيقة ولابن أخت لأمّ، ولبنت أخت لأب، فلبنت الشقيقة ثلاثة ولبنت الأخ سهمان (2)، ولبنت أخ أو أخت لأمّ سهم إن اجتمعن، ولعشر بنات شقيقة ثلاثة أخماس المال، ولبنت أخت لأب خمس، ولابن أخت لأمّ خمس، ولكلّ وإن كثر سهم أمّه.
وإن وجدت عشر بنات شقيقة وبنت شقيقة أخرى فبالسويّة كما مرّ. واختلف في بنت شقيق وابن شقيقة، فقيل: له ثلثان لأنَّه ذكر؛ وقيل: هما لها ميراث أبيها؛ وقيل: بالسويّة لاتّحاد الدرجة، وقس على ذلك النسول الثالث الأجداد المحجوبون بأقرب منهم، والجدّات السواقط بأسفل منهنّ، فالمنزلون ينزلون كلا منزلة والده [480] ويقدّمون الأسبق؛ فإن استووا قسّم المال بين من انتهوا إليهم، وحصّة كلّ بين المدلين به، وقال المقرّبون إن اختلفت درجاتهم فالمال للأقرب، فيقدّم أب الأم على أب أم الأب، وأم أب الأم على أب أب أب الأم،؛ فإن استووا وكانوا من جهة الأب وجِهة الأم فلذي جهتها الثلث ولذي جهته الثلثان، ويقسمان (3) بين ذوي جهة الأب على قدر مواريثهم ويجعلان كالمال. وكذا الثلث بين ذوي الأم على ما مرّ.
فالمنزلون يجعلون أب أم الأم وأب أم الأب كأم الأم وأم الأب، وقال المقرّبون لأب أم الأم الثلث ولأب أم الأب الثلثان وهو المختار مع اتّحاد الدرجة، وإلاّ فالمال للأقرب.
الصنف الرابع في الأخوال والخالات والعمّات. فإذا اجتمعوا فالثلثان للعمّات والثلث للأخوال والخالات، ويعتبر في كلّ من الصنفين ما يعتبر في المال إذا انفرد به
__________
(1) - ب: «متفرّقات».
(2) - ب هامش: «ولعلّه سهم فتأمَّل».
(3) - ب: «يقسمون». (6/267)
صفحة 2806
أحدهما، كثلاث عمّات مفترقات أو خالات، فالثلثان بين العمّات على خمسة: للعمّة الشقيقة ثلاثة أخماس وخمس لكلّ من عمّة لأب أو لأم، كأنَّهن أخوات وكأنَّه لا وارث غيرهن، والثلث بين الخالات وكذلك.
والمقرّبون يجعلون الثلثين للعمّة أو الخالة الشقيقة كالخال والأوَّل في هذا أصحّ. ولثلاث عمّات الثلثان، وللخال أو الخالة الثلث إن اجتمعوا، ولعشرة أخوال وعشر خالات الثلث بينهم سواء، ولعمّة الثلث إن اجتمعوا، ولثلاثة أخوال مفترقين الثلث، ولعم أخ لأم الثلثان.
واختلفوا في الأخوال فقال عزَّان: الثلث بينهم أخماسا كما مرّ. وقال غيره: للخال للأم السدس والباقي للخال لأبوين، وسقط الخال للأب؛ وإن اجتمعت خالة وبنت عم فالمال لخالة، وكذا في خالة وابن عمّة ولها بنت وخال، كالخالة مع بنت خال وبين خالة أم وخالة أب أثلاثا، وكذا بين عمّة شقيقة وخالة كذلك.
ولا إرث لبنات الأعمام ولا لبني العمّات مع وجود الأخوال والخالات، ولا لبنيهم وبنيهنّ مع وجود عمة من أي جهة كانت؛ وإن وجدت بنات أعمام فالمال لبنت الشقيق؛ وإن وجدت بنت عم شقيق وبنت عمة شقيقة فالأكثر أنّ المال لبنت الشقيق؛ وقيل: نصفان ولبنت عم لأب المال دون بنت عمّة لأبوين عند المنزلين.
وإن اجتمعت ثلاث بنات عمّات، وثلاث بنات أعمام، فالمال لبنت العم الشقيق دون الباقيات ولبنت عمّته لأبوين دون بنت عمّ لأب عند المنزلين أيضا.
وينقسم بين بني عمّات أخماسا لابن الشقيقة ثلاثة، ولكلّ من التي للأب والتي للأم سهم، ولخالة الأب ثلثان ولعشر عمّات الأم ثلث، ولعمّة أبيه لأبوين ثلثان، ولخالة أبيه لأب ثلث؛ وإن اجتمعت ثلاث عمّات أبيه وثلاث خالات أبيه، وثلاث عمّات أمّه وثلاث خالات أمّه وكلّهن مفترقات، فالثلثان لعمّات أبيه وخالاته والثلث لعمّات الأم وخالاتها، فتقسم من خمسة وأربعين لعمّة أبيه لأبويه اثني عشر، ولعمّة أبيه لأب أربعة، وكذا للتي لأم ولخالة أبيه، لأبويه ستّة، ولخالة أبيه لأبيه سهمان، (6/268)
صفحة 2807
وكذا لخالة أبيه لأمّه، ولعمّة أمّه للأبوين ستّة، ولعمّة أمّه للأب سهمان، وكذا لعمّة أمّه للأم ولخالة أمّه، للأبوين ثلاثة ولكلّ من خالة أمّه للأب وخالتها للأم سهم سهم. وذلك أن ثلثي الخمسة والأربعين ثلاثون، ثلثاها عشرون للعمّات أخماسا، وثلثها عشرة للخالات كذلك أخماسا وهما من جهة الأب وثلثها خمسة عشر لأرحام الأم ثلثاها عشرة للعمّات أخماسا، وثلثها خمسة للخالات كذلك، ولا سترة فيه، وقس على ذلك من علا ومن سفل، ربّما اشتبه على الطالب بعض المسائل كبنات ابن أو بنيه يكون لأحدهم عشرة أولاد أو أكثر للآخر واحد، فالإرث بينهم للذكر ضعف الأنثى، لا أنّ لكلّ إرث أبيه إن لو حيي وإنّما يشتركون في ذلك إذا كان الكلّ بني بنين أو بني إخوة أشقاء، أو لأب، أو لأم، أو لأحدهم ولد، ولآخر أكثر، فهم في الإرث سواء لأنّ لكلّ ميراث أبيه.
وكذا بنوا الأخوات؛ وإن اختلفوا في النسب أو الدرجة فلكلّ نسل سهم أبيه أو أمّه ولا يدخل عليه غيره. وذلك كشقيقة عندها ولد وأخت لأب ولها خمسة وأخت لأم معها عشرة، فلولد الشقيقة ثلاثة أخماس المال، ولكلّ من أولاد الأخت للأب والأخت للأم خمس سواء.
وكذا في أولاد الأعمام والعمّات والأخوال والخالات إذا اختلف ذلك فلكلّ سهم موروثه وقد تقدّم ذلك. (6/269)
صفحة 2808
الباب السادس
في معرفة الحجب
وهو حجب إسقاط، وحجب نقل، كالولد وولده يحجب الزوج عن النصف إلى الربع، والزوجة فأكثر منها إلى الثمن، والإخوة الأمَّ من الثلث إلى السدس.
وحجب الإسقاط كالابن يحجب ابنه، والأب أباه، والأمّ الجدّة، والآباء والأجداد والأولاد وأولادهم الإخوة، والشقيق الأخَ للأب وهما ابن الأخ وهو وإن للأب العمّ.
ولا يرث القاتل، ولا يَحجب وكذا المملوك، والمشرك، [481] وفي بعضها خلاف.
أبو المؤثر: من لا يرث لا يحجب إلاّ الإخوة مع الأبوين فإنَّهم يحجبون الأم كما مرّ. وقال عبد الله: «لا يحجب الولد المملوك الزوجَ عن النصف ولا الزوجةَ عن الربع، وفي الغرقى والهدمى خلاف.
ويحجب البنتان فأكثر بنات الابن عن السدس إلاّ مع معصب كما مرّ. كالشقيقتين لأخت الأب للأب عنه كذلك، وكلّ متقدّم من العصبات أو الأرحام حاجب لمن بعده. (6/270)
صفحة 2809
الباب السابع
في بيان القسمة
اعلم أنّ أصول الفرائض سبعة: ثلاثة منها عائلة، والتي لا تعول هي ما أصلها من اثنين أو أربعة أو ثلاثة أو ثمانية، والعائلة أصلها من ستّة أو ضعفها وضعفه فكلّ فريضة فيها نصف وباق فهي من اثنين كبنت وابن ابن، وكشقيقة أو لأب مع زوج وكأخ مع شقيقة، وإن كان فيها ثلث وباق فمن ثلاثة كأم مع جدّ أو مع شقيق أو لأب؛ وإن كان فيها ربع فمن أربعة كزوج مع ابن أو كان فيها نصف معه وباق كخروج وبنت وشقيق أو لأب أو مع ابن ابن أو كزوجة وشقيقة مع أخ لأب.
وكلّ فريضة فيها سدس ونصف وثلث وثلثان فمن ستّة، كزوج وأم وإخوة لأم (1)، وكأم مع شقيقة أو لأب وابن أخ، وكأم مع شقيقة وأخت لأب وأخت لأم ونحو ذلك، وكجدّة وشقيقتين أو لأب وأخت لأم.
والثمانية أصل لكلّ فريضة فيها ثمن وربع ونصف: كزوجة مع بنت وشقيق أو لأب.
وإن كان فيها سدس وربع وثلث ونصف وثلثان فمن اثني عشر كزوجة مع شقيقتين وأخ لأب، وكزوج وبنتين وابن ابن.
وإن كان فيها ثلث وثمن أو هما ونصف فمن أربع وعشرين: كزوجة وبنت وأخ أو نحو ذلك، وعلى هذه الأصول يدور القسم وربّما عال بعضها أورد إذا لم يكن من يستحقّ الكلّ أولا عاصب فيهم كما ستراه.
__________
(1) - ب: - «لأم». (6/271)
صفحة 2810
الباب الثامن
في العول
فالستّة تعول إلى سبعة وتنتهي إلى عشرة، ففي السبعة كزوج وشقيقتين أو لأب؛ وإن زدت معهم أخا أو أختا لأمّ بلغت ثمانية؛ وإن زدتهما معا بلغت تسعة؛ وإن زدت عليهم (1) أمًّا بلغت عشرة.
والاثني عشرة تنتهي إلى سبعة عشر فالثلاثة عشر: كزوجة وأمّ وشقيقتين أو لأب؛ وإن زدت عليهنَّ أخا أو أختا لأم بلغت خمسة عشر؛ وإن زدتهما معا بلغت سبعة عشر، ولا تعول إلاّ إلى الثلاثة.
وتعول إلى الأربعة والعشرون إلى سبعة وعشرين، كزوجة وأبوين وابنتين لا إلى غيرهما عند الأكثر.
__________
(1) - ب: «معهم». (6/272)
صفحة 2811
الباب التاسع
في مسائل الردّ
وهي ضدّ مسائل العول، والرد: هو ما يفضل عن ذوي السّهام، ولا عاصب يدفع إليه، فيردّ على الوارثين على قدرهما إلاّ الزوجين عندنا، إلاّ إن لم يكن مع أحدهما وارث؛ فهو -قيل- أولى بالكلّ من الفقراء أو بيت المال، لأنّ من له سهم في الميراث أحقّ ممّن لا سهم له فيه.
واختلف أيضا في الردّ على الإخوة للأمّ مع غيرهم، وعلى الأخت للأب مع الشقيقة، فأثبته بعض كأصحابنا ونفاه آخرون.
وفي تصحيح حساب مسائله وجهان، أحدهما مالا يكون فيه من السّهام إلاّ ما يحتاج إلى أكثر من القسم على رؤوس أهلها، كتارك بنتين أو شقيقتين أو لأب فلكلّ منهما سهم؛ وإن كنّ خمسا قسم على خمسة وكذا إن كنّ أقلّ أو أكثر، وكذا غيرهن من ذوي السّهام حيث لا عاصب.
وكذا أربع أخوات لأب وأخت لأمّ يقسم بينهنّ من خمسة، وكذا أربع بنات وأمّ أو جّدة، أو أربع بنات ابن وجدّة، أو شقائق وأخ أو أخت لأم، وكذا كلّ ما يرد عليك من نحو هذا.
والثاني ما يحتاج إلى قسمة وعمل وحساب: وهو أن تنظر كم جملة الفرائض، ومن كم أصلها؛ فإن اجتمع سهمان أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة فالردّ على ذلك، والخمسة منتهى ردّ الستّة.
وإن كان في الورثة زوج أو زوجة، وعرفت في كم الردّ فاحفظه، فانظر سهمه من كم يخرج وارفعه، ثمَّ انظر الباقي هل ينقسم على الردّ أم لا، فإن انقسم فأصل (6/273)
صفحة 2812
المسألة من مخرج سهم الزوج أو الزوجة إن كان فيها، وإلاّ فاضرب مخرجه في مبلغ الردّ؛ فإن صحّ فهو أصلها.
ومسائله التي فيها أحدهما تخرج من ستّة أصول؛ فإن كان فيها ثُمن والردّ على خمسة صحّت من أربعين، كزوجتين وأم وبنتين، فمخرج الثمن من ثمانية، والردّ على خمسة: للبنين أربعة وللأم سهم، فتضرب الخمسة في الثمانية، فالخارج أربعون، للزوجتين منها خمسة وخمس الباقي، سبعة للأم، وللبنتين ثمانية وعشرون، فتنكسر المسألة على الزوجين، فاضرب أصلها وهي أربعون في اثنين فتلك ثمانون فتصحّ منها بلا كسر.
وكبنت وثلاث بنات ابن وثلاث جدّات وثلاث زوجات فيخرجهن من ثمانية، والردّ على خمسة أيضا، لأنّ للجدّات سهما (1) من ستّة، وكذا لبنات الابن وللبنت ثلاثة فتضرب الثمانية فيها فذلك أربعون، وثمنها لا ينقسم على الزوجات، وللجدّات سبعة لا تنقسم عليهنَّ أيضا، ولبنات الابن سبعة كذلك، وقد تماثلت في أنَّ كلا منهنّ ثلاث فتضرب فيها [482] الأربعين فذلك مائة وعشرون، فللزوجات خمسة عشر، وللجدّات أحد وعشرون، وكذا لبنات الابن، وللبنت ثلاثة وستّون.
وإن كان في المسألة ثمن والردّ على أربعة صحّت من اثنين وثلاثين، كزوجة وبنت وابني ابن، فلهما منها سبعة لا تنقسم عليهما، فتضرب الاثنين والثلاثين في مخرجهما، وهو اثنان، فتلك أربعة وستّون، ومنها تنقسم بلا كسر؛ وإن كان فيها ربع والردّ على أربعة صحّت من ستّة عشر: كزوج وبنت وبنتي ابن، فله أربعة، ولها تسعة، ولهما ثلاثة، لا تنقسم عليهما، فتضرب المسألة في اثنين تبلغ اثنين وثلاثين، ومنها تصحّ بلا كسر.
وإن كان فيها ربع والردّ على اثنين صحّت من ثمانية: كزوجة وجدّة وأخ لأم، فللزوجة سهمان، ولكلّ من الجدّة والأخ ثلاثة.
__________
(1) - ب: «سهمان». (6/274)
صفحة 2813
وإن كان فيها ربع والباقي رد (1) على ثلاثة، صحّت من أربعة، كزوجة وأم وأخ وأخت لأم (2)، فالربع للزوجة ولكلّ من الثلاثة واحد؛ وإن كان فيها أحدهما، فللأم سهمان والمسألة بحالها.
وإن كان فيها نصف وردّ على اثنين صحّت أيضا من أربعة، كزوج له اثنان وجدّة لها سهم وأخ أو أخت لأمّ لها آخر، وهذه هي الأصول الستّة. وقسم عليها ما يردّ عليك.
__________
(1) - ب: - «ردّ».
(2) - ب: - «لأم». (6/275)
صفحة 2814
الباب العاشر
في حساب فرائض الصلب.
فإذا وجدت الورثة كلّهم أهل فريضة، وعرفت من كم تخرج مسألتهم، وأنَّها تنقسم بينهم، استغنيت عن الضرب، كتاركٍ أبويه وأربع بنات لكلٍّ سهم من ستَّة، كبنت وبنت ابن وأبوين، وكشقيقتين وأختين لأم، وكزوج وثلاث بنين من أربعة، وكزوجة وبنت وثلاث بنين من ثمانية؛ وإن انكسرت الفريضة على بعض وانقسمت على بعض فاضرب عدد المنكسر عليهم في أصلها ودع أسهم المنقسم عليهم بحالها.
كخمس بنات وأبوين، لكلّ منهما سدس، ولا تنقسم الأربعة عليهنَّ فتضرب الخمسة في الستّة فتكون ثلاثين ومنها تصحّ؛ وإن كان بدل الأم ثلاث جدّات، ضربت الثلاثة في الخمسة ثمَّ في الستة تكون تسعين ومنها تصحّ (1)، وإن ماثل بعض العدد بعضا اجتزيت بأحدها فتضربه في أصل المسألة، كثلاث بنات وثلاث جدّات، وثلاث أخوات لأب، فقد انكسر على كلّ من أصلها وهي ستّة، فتضربها في ثلاثة، تبلغ ثمانية عشر، ومنها تصحّ بلا كسر، وقسم على ذلك.
وإن قسمت بين الأولاد بعد ذي فرض، كزوجة وابن وبنت فالفريضة من ثمانية، ولا تنقسم منها لهما السبعة، فتضرب الثلاثة في الثمانية تبلغ أربعة وعشرين ومنها تصحّ.
وكزوج وابن وبنتين فأصلها من أربعة، ولا تنقسم عليهم الثلاثة فتضرب الأربعة في سهامهم وهي أربعة تبلغ ستّة عشر، ومنها تصحّ. وكأم وثلاث بنين وثلاث بنات
__________
(1) - ب: انتقال في كلمة «تصح» ووقع سقط قدر سطر. (6/276)
صفحة 2815
أصلها من ستّة تبقى منها بعد السدس خمسة لا تنقسم عليهم فتضرب سهامهم وهي تسعة في الستّة تبلغ أربعة وخمسين منها تصحّ.
وكذا إن كان بدل الأم أب أو جدّ أو جدّة، وإذا وافقت سهام الأولاد قدر ما يفضل من سهم الفرضي، لم تحتج إلى عمل كزوجة وابنين وثلاث بنات فإنَّها تصح من ثمانية بلا ضرب. وكزوج وابن وبنت من أربعة وكأم أو أب أو جدّ أو جدّة وابنين وبنت من ستّة وقس على ذلك. (6/277)
صفحة 2816
الباب الحادي عشر
في القسم
إذا وقع فيه انكسار فإذا انكسر على الورثة أو على بعضهم؛ فإن كان في المسألة سدس ونصف وثلث وثلثان فأصلها من ستّة؛ وإن كان فيها ربع ونصف فمن أربعة؛ وإن كان فيها ثلث وثلثان فمن ثلاثة؛ وإن كان فيها نصف وباق فمن اثنين؛ فإن كان فيها ثمن وربع فمن ثمانية؛ وإن كان فيها ثلث وربع فمن اثني عشر؛ فإن كان فيها ثمن وثلث فمن ضعفها، فإذا عرفت أصل المسألة أعطيت كلّ صنف نصيبه منه؛ فإن كان فيها عول عرفت منتهاه؛ وإن كان فيها ردّ عرفت مرجعه؛ فإن وافقت سهامهم ما صار إليه كفيت المؤونة، كتاركة زوجها وأباها وأمّها، فإنَّها (1) تصحّ من ستّة بلا كلفة؛ وإن كانت معهم أربع بنات كانت من اثني عشر وعالت إلى خمسة عشر بربعها بلا كلفة؛ وإن وقع انكسار على بعض صحّح الأصل وعرفت عدد المنكسر عليهم، ثمَّ ضربت المسألة في رؤوسهم، كزوج وأبوين وخمس بنات فعالت من اثني عشر إلى خمسة عشر فتضربها بعولها في عدد البنات المنكسر عليهن تبلغ خمسة وسبعين ومنها تصحّ.
وكثلاث شقائق وجدّتين وخمس أخوات لأمّ فعالت فريضتهنّ [483] من ستّة إلى سبعة، وقد انكسر على الكلّ ولا موافقة فتضرب، الاثنين في الثلاثة، ثمَّ في الخمسة ثمَّ في السبعة، تبلغ مائتين وعشرة أسهم، فلكلّ من الشقائق أربعون، ومن لجدّتين خمسة عشر، ومن الأخوات للأب اثني عشر.
وكجدّتين وزوج وخمس بنات، فقد عالت فريضتهم إلى ثلاثة عشر، وقد انكسر فيها على البنات، فتضرب عددهنّ فيها بعولها تبلغ خمسة وستّين، ومنها تصحّ وقسم على ذلك.
__________
(1) - ب: «فإنه». (6/278)
صفحة 2817
الباب الثاني عشر
في الاِختصار في القسم.
وقد جاز فيما توافق فيه بعض السهام كتارك ثلاث زوجات وستّ أخوات لأبٍ، واثنتي عشرة لأمّ، فأصلها من اثني عشر، وعالت إلى خمسة عشر، فللأخوات للأب ثمانية لا تنقسم عليهنَّ، وتوافق عددهنّ في النصف، وكذا مناب أخوات الأم يوافقهن في الربع، فربعهن ثلاثة، توافق نصف أخوات الأب، وعدد الزوجات، فيكفي أحدها فتضربه في العول تبلغ خمسة وأربعين، ومنها تصح.
وكزوج وثمان شقائق وأربع للأم وجدّتين فتعول من ستّة إلى عشر، ولا ينقسم مناب بعضهنّ، ويوافق عددهنّ، وتماثل ربع الثمانية ونصف الأربعة وعدد الجدّتين، فتكتفي بواحد وهما اثنان فتضربها في العول تبلغ عشرين، ومنها تصح.
وكثلاث جدّات واثنتي عشرة بنتا وأخ وأخت لأبوين، فالستّة لا تنقسم عليهم منها سهامهم، ويوافق ربع عدد البنات عدد الجدّات.
وميراث الأخ والأخت فتكتفي بثلاث منهنّ، فتضربها في الستّة تبلغ ثمانية عشر، ومنها تصحّ لكلّ سهم، وللأخ سهمان، وتصح لزوج وأخت لأبوين أو لأب أو لبنت، وأخت أو لبنت ابن وأخت كذلك من اثنين، ولأمّ وأب أو جدّ من ثلاثة كبنتين وأخت كذلك (1)، وكعمّة وخال، وكبنتين وعم أو أختين كذلك، وابن أخ ولزوج، وابن وبنت أو لزوج وابن، ولابن وبنتين من أربعة، ولأم وأخ وأخت لأم وشقيقة، ولجد وجدة وبنتي ابن، ولشقيقة وأخت لأب وأخ وأخت لأم من ستّة.
__________
(1) - ب: - «كذلك». (6/279)
صفحة 2818
ولا تصح من ثمانية إلاّ عند الزوجة والولد وولده، والتمثيل ظاهر لما فيه انكسار أو بدونه، ولزوجة وخمسة عشر عمًّا وثمانية لأم من اثني عشر، فللإخوة منها أربعة منكسرة عليهم، توافق عددهم بالربع للأعمام خمسة منكسرة عليهم وتوافق عددهم بالخمس فتضرب ربع الأخوات في خمس الأعمام تصير ستّة، ثمَّ هي في اثني عشر تبلغ اثنين وسبعين ومنها تصح، ولزوجة وعشر أخوات لأب وستّ إخوة لأم وأربع جدات، فتعول إلى سبعة عشر، وقد انكسر على الثلاثة، ولكن سهامهم توافق عددهم بالإنصاف، فاضرب اثنين في ثلاثة، ثمَّ في خمسة، ثمَّ في سبعة عشر تبلغ خمسمائة وعشرة ومنها تصح.
واعلم أنّ الموافقة طلب للاختصار، وذكر بعض أنَّها بين السهام والرؤوس، وأنّها تكون من تسعة أجزاء بالأنصاف والأرباع والأخماس والأسباع والأثلاث والأثمان وثلاثة عشر وستَّة عشر وسبعة عشر، مثال ذلك ستَّ إخوة لأب وزوجة من أربعة وعددهم يوافق سهامهم بالأثلاث، وزوج وأم وستّ عشرة بنتا من اثني عشر، فعالت إلى ثلاثة عشر وعددهنّ يوافق سهامهنّ بالأثمان.
وزوجة وأبوان وستّ بنات وعشرة بنين، فعدد الأولاد وهو ستّة، وعشرون نصفه يوافق سهامهم من أربعة وعشرين وهي ثلاثة عشر، وزوجة وأبوان وثمانية وأربعون بنتا فعددهن يوافق سهامهن بأجزاء ستّة عشر، وزوجة وأم وإحدى عشرة بنتا وعشرون ابنا فعدد الأولاد يوافق مالهم من أربعة وعشرين بأجزاء سبعة عشرة (1) وقس على ذلك.
__________
(1) - ب: «». (6/280)
صفحة 2819
الباب الثالث عشر
في اختصار الموافقة.
فانظر ما يلقى إليك من المسائل من أيّ أصل يخرج، ثمَّ اقسم بين أهلها، وانظر ما أصاب كلّ فريق، فمن انكسر عليه، فانظر هل يوافق عدد رؤوسهم عدد سهامهم؛ فإنَّ وافقه فخذ وفق رؤوس كلّ عدة، وانظر ما يرجع إليها من صاحبتها، فتجزيك إحداهما فتضربها في أصل المسألة ولو بعولها، كتارك زوجتين واثنتين وثلاثين بنتا وعشر شقائق أو لأب، فأصلها من أربعة وعشرين، للبنات ستّة عشر وتوافق عددهن في نصف الثمن اختصارا، وللأخوات خمسة موافقة لعدتهن في الخمس، فتماثل نصف ثمن عدد البنات وخمس الأخوات، في أنَّ كلا منهما اثنان، فتضربهما في أربعة وعشرين، تصير ثمانية وأربعين، ومنها تصح، وقس عليها ما يرد من هذه الصفة، وهي ما إذا رجع العددان إلى اثنين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة أو ستة أو غير ذلك، فتجزي عدة واحدة، وكتارك زوجة أو ستة جدّات [484] وأربعة وعشرين أختا لأبوين أو لأب، فتعول إلى ثلاثة عشر فللجدات سهمان موافقان لهنَّ في النصف وللأخوات ثمانية موافقة لهنَّ في الثمن، فثمنهنّ ثلاثة مماثلة لنصف الجدات، فتضربها في ثلاثة عشر تصير تسعة وثلاثين، ومنها تصح، وقد يكون في مثل هذا تداخل، وذلك بأنَّ ترجع كلّ عدة إلى أخرى ولا يتماثل الجزآن، ويكون أحدهما أكثر، فإذا كان أحدهما إذا وفق بينه وبين الآخر رجع الأصغر إلى واحد، ودخل في الأكبر فاضربه في المسألة، وألف الأصغر، فإنَّه لم يكن كتارك زوجة واثنتي عشرة أختا لأم واثنتي وسبعين لأب،، فتعول إلى خمسة عشر، ولا تنقسم إلاَّ على الزوجة، وعدد أخوات الأم يوافق مالهن منها وهو أربعة في الربع، وربع رؤوسهن ثلاثة، وعدد الأخوات للأب يوافق مالهن منها بالثمن، وثمن عددهن تسعة، وتتفق مع ثلاثة بالأثلاث فتدخلها فيها، فتضرب (6/281)
صفحة 2820
التسعة في العول تبلغ مائة وخمسة وثلاثين، ومنها تصح، وقد يكون من هذا الضرب ما ترجع فيه العدّتان إلى جزأين فيكون أحدهما أصغر من الآخر وداخلا فيه، ويكون على وجهين أيضا، أحدهما ما لا يوافق الجزء فيه صاحبه، بشيء فتضرب أحدهما في الآخر ثمَّ في أصل المسألة كزوج وستّ أخوات لأمّ وعشرين لأب فأصلها من ستَّة، وتعول إلى تسعة فللأخوات للأب أربعة لا تنقسم عليهنَّ وتوافقهن بالربع وربعهن خمسة، وللأخوات للأم سهمان يوافقانهن بالنصف، ونصفهن ثلاثة فتضربها في الخمسة، ثمَّ في العول تبلغ مائة وخمسة وثلاثين ومنها تصح.
ووجه آخر أن يكون الجزآن اللذان رجعت إليها العدتان لا يوافق أحدهما الآخر بشيء، ولا يدخل فيه، وحينئذ توافق بينهما ثمَّ تضرب وفق أحدهما في كامل الآخر، ثمَّ في أصل المسألة، فتخرج السهام بلا كسر، كزوجة وثلاثين أختا لأب، وثمان وأربعين لأم، فتعول إلى خمسة عشر، وللأخوات للأب ثمانية لا تنقسم عليهنَّ، وتوافقهن بالنصف ونصفهن (1) خمسة عشر، وربع الأخوات للأم الموافق لما لهن، وهو أربعة: في الربع اثنى عشر، فهذا الربع والنصف متوافقان، في الثلث فاضرب أحدهما في كامل الآخر تحصل ستون، فاضربها في العول تخرج تسع مائة، ومنها تصحّ فتضرب ما بيد كلّ في ستين، وإذا لم تنقسم سهام فريق عليهم فاضرب عددهم في أصل المسألة أوفي عولها، فما اجتمع صحَّت منه، كزوجة وأخوين، فلها الربع ولهما ثلاثة لا تنقسم عليهما، فاضرب بينهما اثنين في أربعة وهي مسألتهم تبلغ ثمانية ومنها تصح؛ وإن وافقت سهامهم عددهم فاضرب وفقه في المسألة، كزوجة وستة إخوة لأبوين فلها واحد، ولهم ثلاثة توافقهم بالثلث، فاضرب ثلثهم في أربعة تصير ثمانية ومنها تصح، وكثلاث زوجات وأخوين فلهنّ واحد ولهما ثلاثة، وقد انكسر على الكل ولا موافقة فتضرب العدد في العدد تبلغ ستَّة ثمَّ في أربعة تبلغ أربعة وعشرين ومنها تصح؛ وإن تساوى العددان أجزأ أحدهما كزوجتين وبنتين وأخوين فللزوجتين
__________
(1) - ب: «نصفها». (6/282)
صفحة 2821
من أربعة وعشرين ثلاثة منكسرة عليهما، وللبنتين ستَّة عشر منقسمة عليهما، وللأخوين خمسة منكسرة عليهما أيضا، فتكتفي بأحد الاثنين فتضربه في المسألة تصير ثمانية وأربعين ومنها تصحّ، وكأربع زوجات وأخت لأب وستَّة أعمام فلهنّ واحد من أربعة منكسر، وكذا لهم واحد منها منكسر، والعددان متوافقان بالنصف، فاضرب نصف أحدهما في كامل الآخر ثمَّ في أربعة تصير ثمانية وأربعين ومنها تصح، ومختصرنا غير موضوع لقواعد الحساب. (6/283)
صفحة 2822
الباب الرابع عشر
في ميراث الغرقى والهدمى ونحوهما
فإذا مات متوارثان بغرق أو حرق أو بهدم أو زحام أو طاعون أو في بعد، ولم يعرف السابق منهما، ففي ذاك - قيل - ثلاثة أوجه:
الأوَّل: أن يعلم وقوع الموتين معا، لا كيفيته، أمعا أم على الترتيب، فلا يورث أحدهما من صاحبه شيئا، بل يجعل مال كلّ منهما لورثته الموجودين لعدم تيقّن استحقاق إرث أحدهما من صاحبه.
الثاني: أن يعلم بسبق أحدهما لا بعينه (1)، وفيه وجهان أصحّهما أنَّه كالأوَّل، والثاني أنَّه يعطي كلّ وارث ما يتيقن أنَّه له مع توريث الآخر، ويوقف من إرث كل ما يشكّ فيه حتَّى ينكشف الحال، أو يقع العلم (2).
الثالث: أن يعلم السابقَ ثمَّ ينسى، فالصحيح أنَّه يوقف ميراث المشكوك فيه إلى ذلك، لأنَّه لا إياس من العلم أو الصلح، واختار بعض (3) أن لا يوقف، بل يكون حكمه كالأوَّل، وعليه فيتضح بأربعة أمثلة:
الأوَّل: رجل [485] غرق مع زوجته وله بنتان وأخت لأب هي أختها أيضا لأمِّها، وابن أخ لأمٍّ هو ابن عمها أيضا، فللبنتين من مال أبيهما الثلثان والباقي لأخته
__________
(1) - ب: - «بعينه».
(2) - ب: «العلم».
(3) - ب: «بعضهم». (6/284)
صفحة 2823
لأبيه، ومن مال أمِّها كذلك والباقي لابن عمِّها، ولا ترث الأخت للأمِّ لسقوطها بالولد.
الثاني: إخوان غرقا ولكلٍّ منهما ابن، فميراث كلّ منهما لابنه الثالث امرأة غرقت (1) مع ابنها وتركت أختا وزوجا هو أب لابن، فادَّعى أنَّها السابقة ويرثانها، ولا ترث ابنها، وادَّعى الأخ أنَّه السابق، فترث ثلثه ويرث هو نصفه، وحلف أنَّه لم يعلم أنَّ أخته السابقة والزوج أنَّه لم يعلم أنَّ الابن هو السابق، فلا يورث أحدهما من الآخر، بل ماله لأبيه ومالها بين الزوج والأخ.
الرابع: رجل غرق مع زوجته وابنه، وخلَّف الابن زوجة وابنا وبنتا وشقيقتين، والأب ابنتين، هما الأختان، وجدٌّ أو وجدّة، والزوجة جدّة وبنتين هما الأختان أيضا، وثلاث مفترقات، فلزوجة الابن الثمن، ولجدَّ أبيه السدس، ولجدَّتي أبيه وأمِّه السدس، والباقي لابنه وبنته أثلاثا، أصلها من أربعة وعشرين، وتصحُّ من اثنين وسبعين، ومال الأب لابنتيه منه ثلثان، ولجدّه وجدَّته (2) سُدسان، ولا شيء لأولاد الابن، وتصحُّ مسألتها من ثمان عشر، للبنتين اثني عشر، وللجدَّة ثلاثة، وكذا لأولاد الابن، وتسقط الأخوات بهم، فإذا صحَّت مسألة كلّ منهم على حدتها بحسب التناسخ، فوفق بين المسائل واحفظها، كثلاثة إخوة ما توا ولهم أمٌّ، ولأحدهم ابن، ولآخر بنت؟، وللثالث بنتان، فمسألته ذي الابن من ستَّة، فلأمه السدس والباقي له ولا شيء لأخويه منه، وذو البنت كذلك، لأمِّه السدس ولها ثلاثة ولكل من أخويه سدس، فلوالد الابن سهم على ستَّة، لأمه سهم ولابنه خمسة ولوالد البنتين سهم أيضا على ستَّة، لأمِّه السدس ولهما أربعة ويبقى واحد لابن أخيه، فمسألة كلّ من ستَّة، وتركته سهم وزيادة من أخيه والد البنت ولا تتفق مسألة أحدهما وتركته، فاضرب الستَّة الأولى في إحدى هاتين تبلغ ستَّة وثلاثين، فلبنته ثمانية عشر، ولأمِّه ستَّة، ولكل أخ ستَّة، ولها سهمان
__________
(1) - ب: - «غرقت».
(2) - ب: «ولجدَّته وجدّه». (6/285)
صفحة 2824
أيضا من ابنيها الأولين، فتلك ثمانية، وللابن ستَّة، خمسة من أبيه وواحد من عمِّه ذي البنتين، ولهما أربعة، فصحَّت مسألة والد البنت من ستَّة وثلاثين، ومنها تنقسم، ومسألة أب البنتين من ستَّة، وتصح من اثني عشر فلهما ثمانية ولأمه سهمان، ولكل من أخويه سهم، ولأب البنت سهم أيضا على ستَّة، لأمه سهم، ولبنته ثلاثة، ولابن أخيه سهمان إلى الخمسة التي له من أبيه فهي سبعة، فمسألة كلّ من الأخوين من ستَّة، وتركته سهم لا يتفق بشيء، فتجزي ستَّة عن ستَّة، فاضرب الأولى وهي اثني عشر في إحداهما تبلغ اثنين وسبعين، فلامه اثني عشر ولابنته ثمانية وأربعون، ولكل أخ ستة ولها أيضا من كل منهما سهم، فيكون عندها أربعة عشر.
وكتاركة زوجها وثلاثة بنين وبنتا، ومات أحد البنين ثمَّ قتل الآخر مع أبيه، ولم يعلم السابق، وترك الابن زوجته وبنته، والزوج زوجته وبنتين وابنا غير المقتول وهو أحد الثلاثة، فمسألة المرأة من أربعة وتصح من ثمانية وعشرين، للزوج ربعها، وميراث ابنه الثاني من أمِّه وهي ستة، تبلغ ثلاثة عشر، ولكل من الباقين ستَّة، ولبنته ثلاثة، وللزوج ثلاثة عشر على ورثته، وهم زوج وبنتان وابنان، أحدهما القتيل، فتصحُّ مسألته من ثمانية وأربعين، لزوجته ستَّة ولكل من ابنتيه سبعة، ولابنه ضعفها، وللقتيل مثله على بنته وزوجته وأخيه وأخته، ومسألته من ثمانية، توافق (1) تركته بالأنصاف، فإذا ضربت الثمانية والأربعين وهي مسألة الأب في نصف الثانية وهي أربعة بلغت مائة واثنين وتسعين، للزوجة منها أربعة وعشرون، وللابن الحيِّ سبعون، ستَّة وخمسون من أبيه وأربعة عشر من أخيه ولأخته نصف ذلك ولأخيه لأبيه ثمانية وعشرون، ولزوجة القتيل سبعة، لبنته ثمانية وعشرون، فمسألة الأب تصحُّ من هذا، وأمَّا القتيل فله من الأولى مقسومة على ورثته وهم: زوجة وبنت وأب، ومسألته من ثمانية، لزوجته سهم، ولبنته أربعة ولأبيه ثلاثة مقسومة على ورثته الأحياء وهم الزوجة والبنتان والابن، فتصح مسألته من اثنين وثلاثين ولا تتفق، فاضربها في مسألة
__________
(1) - ب: «توفق». (6/286)
صفحة 2825
القتيل وهي ثمانية تبلغ مائتين وستَّة وخمسين، فلبنته مائة وثمانية وعشرون، ولزوجة أبيه اثني عشر، ولكل من أختيه أحد وعشرون، ولأخيه اثنان وأربعون، فقد صحت المسألتان الفرعيتان فتركة الأب ثالثة عشر لا توافق مسألته، فاضرب الأولى وهي ثمانية وعشرون في الثانية وهي مائتان إلاَّ ثمانية، فتلك خمسة آلاف وثلاث مائة وستَّة وسبعون، وتركة الابن من الأولى ستَّة توافق مسألته بالنصف، والأولى إذا ضربتها في نصف مسألة الابن بلغت ثلاثة آلاف وست مائة إلاَّ ستة عشر، فتجد ما صح من مسألة الأب وهو خمسة آلاف وثلاث مائة وستَّة وسبعون توافق ما صح من مسألة الابن المتقدمة، بربع وسبع ثمن الثمن وهو من الكبرى ثلاثة ومن الصغرى سهمان، فاضرب وفق إحداهما في كامل الأخرى يخرج لك عشر آلاف وسبع [486] مائة واثنان وخمسون، فإذا أردت قسمها فانظر عدد الأحياء وهم في هذه المسألة ستَّة، ابن وبنتان وزوجتا الأب والابن وبنته، فلابنة الأولى من الأولى ثلاثة مضروبة في الثانية وهي مائتان إلا ثمانية، ثمَّ في اثنين فذلك ألف ومائة واثنان وخمسون، ولها من الثانية خمسة وثلاثون، منها ثمانية وعشرون من أبيها، وسبعة من أخيها مما ورث من أبيه، فالخمسة والثلاثون مضروبة في تركة الأب ثلاثة عشر، تخرج أربع مائة وخمسة وخمسون، ثمَّ في اثنين، جزء مسألة الابن تخرج لك تسع مائة وعشرة، ولها من مسألته مما ورث من أبيه أحد وعشرون في نصف تركة الابن وهو ثلاثة وستون، ثمَّ في ثلاثة، وهو (1) جزء مسألة الأب، فذلك مائتان (2) غير أحد عشر، فيجمع لها ألفان ومئتان واحد وخمسون ولأخيها ضعف ذلك، وللابنة الأخيرة من مسألة الأب ثمانية وعشرون في ثلاثة عشر، ثمَّ في اثنين، فذلك سبع مائة وثمانية وعشرون، ولها من مسألة الابن ممَّا ورث الأب منه أحد وعشرون في ثلاثة، ثمَّ في ثلاثة، فذلك مئتان غير أحد
__________
(1) - ب: - «وهو».
(2) - ب: «مائة». (6/287)
صفحة 2826
عشر، فيجمع لها سبع (1) مائة وسبعة عشر، ولزوجة الأب من مسألته أربعة وعشرون في ثلاثة عشر وهي تركته، فتلك ثلاث مائة واثني عشر في اثنين، فتلك ستّ مائة وأربعة وعشرون ولها من الابن ممَّا ورث منه أبوه اثني عشر في ثلاثة، ثمَّ في ثلاثة، فذلك مائة وثمانية يجتمع لها سبع مائة واثنان وثلاثون، ولزوجة الابن من الأب سبعة في ثلاثة عشر، فتلك أحد وتسعون، ثمَّ في اثنين فتلك مائة واثنان وثمانون، ولها من الابن اثنان وثلاثون في ثلاثة ثمَّ في ثلاثة فتلك مئتان وثمانية وثمانون، يجتمع لها أربعة مئة وسبعون، ولبنت الابن من الأب ثمانية وعشرون في ثلاثة عشر ثمَّ في اثنين فتلك سبع مائة وثمانية وعشرون، ولها من الابن وهو أبوها مائة وثمانية وعشرون في ثلاثة، ثمَّ في أخرى، فذلك ألف ومائة واثنان وخمسون، فيجتمع لها ألفان إلاَّ ثمانية (2) وعشرين، فإذا جمع ما صح لهم معا بلغ عشرة آلاف وسبع مائة واثنين وخمسين، ولا قطع فيها على أقل من ذلك ولينظر في هذا المقام.
فصل
وعن زيد أنَّه: لا يورَّث ميتا عن ميت، وإنَّما يورَّث الأحياء من الموتى وهذا لا كلفة فيه، وعليٌّ يورِّث الموتى بعضهم من بعض، من تلاد أموالهم لا من طريقها، وفيه عمل وكلفة، فإذا غرق ثلاثة إخوة معا وتركوا أمَّهم وكلٌّ ابنا، فعلى رأي زيد لها من كلّ سدسه، والباقي من كل لابنه؛ وإن لم يخلف كلّ ولدا فلها من كلّ ثلثه، والباقي للعاصب، وعلى رأي عليٍّ يجعل منهم أكبر وأوسط وأصغر، فيُمات الأكبر ويحييان فتعطى الأمّ من ماله سدسه والباقي بين الأوسط والأصغر (3)، وما صار لمن الأوسط من الأكبر فلأمه منه الثلث والباقي للعاصب، وكذا فيما عاد إلى الأصغر منه ثمَّ،
__________
(1) - ب: «تسع».
(2) - ب: «مائة».
(3) - ب: «الأصغر والأوسط». (6/288)
صفحة 2827
يُمات الأوسط ويحييان فتعطى منه سدسه والباقي بينهما أيضا، وما عاد إلى كلّ منهما منه فلأمِّهم منه ثلثه، والباقي للعاصب، ثمَّ يُمات الأصغر ويحييان فتأخذ منه سدسه والباقي بينهما أيضا، ولها أيضا ممَّا عاد إلى كل منهما منه ثلثه والباقي للعاصب أيضا، فإذا أردت تصحيح المسألة بعد هذا فخذها من ستَّة، وابدأ بمن شئت، فقل: لأمه السدس والباقي لأخويه فلا تنقسم الخمسة عليهما، فاضرب اثنين فيها تبلغ اثني عشر فيكون لها سهمان، ولكل منهما خمسة، وما صار إلى كلّ من هذه الخمسة فلأمه ثلثها والباقي للعاصب ولا ثلث لها، فاضرب اثني عشر في مقامه تبلغ ستة وثلاثين فيكون لها ستة وخمسة عشر لكل منهما، فلها منها أيضا خمسة، وعشرة للعاصب، فيجتمع لها ستَّة عشر، وللعاصب عشرون وهما يتفقان بالربع وهو تسعة منهما، فتقول: تنقطع المسألة من تسعة، فيكون لها منها أربعة وللعاصب خمسة. ومسألة كل منهما هكذا؛ وإن كانت عصبة الأخوين متفرِّقة وقد عرفت أنَّ لكل منهما عشرة، وللأم ستَّة عشر ونصفهما خمسة وثمانية ومجموعهما ثمانية عشر ومنها تصح مسألة كلّ منها؛ وإن كانت مجتمعة، فمن تسعة، فعلى هذا تجري قسمة الغرقى ونحوهم.
وإن مات مدبر ومدبرة وزوجته ولا يدرى [487] أيهم مات قبل، فعن أبي عبد الله أنَّه يرث زوجته إلاَّ أنَّ بيَّن الورثة أنَّه مات قبلها؛ وإن مات رجل وابنه ولا يعرف السابق منهما وترك ابن زوجته وترك الابن زوجته وأمًّا وابنا وبنتا، والأب زوجة وابنا آخر؛ فإن أمتَّه أولا (1) صحَّت مسألته من ستَّة عشر، للزوجة سهمان ولكل من الابنين سبعة، فيرفع ما للابن الغريق من أبيه إلى ورثته الأحياء دون أبيه، ثمَّ يُمات الابن وقد خلَّف أبويه وزوجة (2) وابنا وبنتا، فمسألته من أربعة وعشرين، ولا ينقسم ما للابن والبنت عليهما وهو ثلاثة عشر ولا يوافق، فتضربها في ثلاثة،
__________
(1) - ب: «قبل».
(2) - ب: «زوجته». (6/289)
صفحة 2828
فتلك تسعة وثلاثون، ومنها تصح للبنت ثلاثة عشر، وللابن ضعفها، وللزوجة تسعة، ولكل من الأبوين اثني عشر، كذا - قيل- وفيه نظر، والصواب أنَّه (1) يضرب الرؤوس التي لم يقسم لها، وهي الثلاثة في أربعة وعشرين تبلغ اثنين وسبعين، ومنها تصح عليهم فريضته، ولا يعطى أبوه مما ورث الابن منه، وكذا يدفع ما ورث الأب منه إلى ورثة الأحياء.
__________
(1) - ب: «كذا قيل أنَّه يضرب ... ». (6/290)
صفحة 2829
الباب الخامس عشر
في ميراث الخنثى وقسمها (1)
وهو من اجتمع فيه مثل ذكر الرجل وفرج المرأة ويعرف حاله بالبول؛ فإن كان يبول بهما معا على الدوام اعتبر السابق إن عرف، وإلا فتأخيره وانقطاعه إن عرف، وإلاَّ اعتبر الأكثر، وبالمني والحيض والحبل، فمن أيّهما أمنى حكم به؛ وإن أمنى من الذكر وحاض من الفرج أو استوى البول منهما فمشكل، وإن حبل وولد فامرأة يقينا، والولد مقدَّم على سائر الأدلَّة، وإن بال من الذكر وحاض من الفرج فمشكل أيضا، ولا يعرف ذلك إلاَّ بعد بلوغه، وقيل: سئل بعده عمّا يميل إليه طبعه؛ فإنَّ مال لطلب الرجل فامرأة وبالعكس، فما أخبره به من ذلك فلا يقبل منه رجوعه عنه بعد، إلاَّ إن أخبر أنَّه رجل ثمَّ ولد فيتيقن حينئذ أنَّه امرأة، وينقض حكمه السابق، ولا اعتبار بنبات اللحية والثديين وعدد الأضلاع على الأصح، فإذا اعتبر حاله بما مرَّ وعرف أنَّه أنثى أعطي إرثها وبالعكس؛ وإن لم يعرف أشكل أمره، فقيل: لا يرث لأنَّه ليس بذكر ولا أنثى وليس في كتاب الله إلا ميراثهما، وقيل يرث نصف ميراث كلٍّ منهما فيجمع له ثلاثة أرباع، إلاَّ في موضع وهو ما إذا كان أخا لأم أو عمة أو خالة أو نحو ذلك.
وللخنثى حالان فيجعل له فريضتان ثمَّ ينظر؛ فإن تساوتا أجزت إحداهما فتضرب في حاليه، وإلا فإن دخلت إحداهما في الآخر فاكتفي بالكبرى، وإلا فإن وافقتها بجزء فاضرب في وفق الأخرى ثمَّ في حاليه، فمن الخارج تصح، ثمَّ من له شيء من إحداهما فاضربه في الأخرى أو في وفقها، فمن هلك عن أبويه وخنثى
__________
(1) - ب: - «وقسمها». (6/291)
صفحة 2830
ففريضته من ستَّة، لأبويه سهمان وللخنثى على أنَّه أنثى ثلاثة، يبقى واحد يعصبه الأب، وعلى أنَّه ذكر له أربعة من ستَّة أيضا، فتجزي إحداهما فتضربها في حاليه تبلغ اثني عشر، للأم سهمان وللأب ثلاثة من حال التذكير سهم ومن حال التأنيث سهمان، وللولد سبعة، ثلاثة من حال وأربعة أخرى.
ومن ترك خنثيين وأبا ففريضته في تأنيثهما من ثلاثة أثلاثا وفي تذكيرهما من ستة (1) وتصح من اثني عشر، للأب سهمان ولكل منهما خمسة ويكتفي بها لدخول الثلاثة فيها، وتضرب في الحالين تبلغ أربعة وعشرين، للأب في التأنيث أربعة، وفي التذكير اثنان فهي ستة، ولكل من الولدين تسعة، أربعة في حال وخمسة أخرى، فإذا أردت اختصارها فوفِّق بين الستة والتسعة تجدهما يتفقان بالثلث، فردَّ مناب كلّ منهم (2) إليه فتصح من ثمانية.
وإن ترك خنثى وأماًّ، ففي تأنيثه من أربعة بقدر الرد عليها من ستة، وفي تذكيره منها للأم سدسها وله خمسة فيتفقان بالنصف، فتضرب اثنين في ستة، أو ثلاثةً في أربعة تبلغ اثني عشر ثمَّ في حاليه (3)، فتبلغ ضعفها، فللأم من التأنيث واحد في ثلاثة، ومن التذكير واحد في اثنين فهي خمسة وللولد منها ثلاثة في ثلاثة، ومنه خمسة في اثنين فهي تسعة عشر له؛ وإن ترك ابنا وخنثى فالفريضة في التأنيث من ثلاثة وفي التذكير من اثنين، فاضربهما فيها تبلغ ستة، ثمَّ في الحالين تصير ضعفها، فللابن فيها اثنان في اثنين فهي أربعة، وفيه واحد في ثلاثة، فيجتمع له منهما سبعة، وللخنثى فيها واحد في اثنين، وفيه واحد في ثلاثة فله خمسة منها.
و إن ترك ابنا وبنتا وخنثى، فقيل: فريضته من تسعة، للابن أربعة، وللبنت سهمان، وللخنثى ثلاثة، قال خميس: والأصحُّ أنَّها من أربعين لأنَّها في التذكير من
__________
(1) - ب: «ستة عشر».
(2) - ب: «منهما».
(3) - ب: «حاليها». (6/292)
صفحة 2831
خمسة، وفي التأنيث من أربعة، فتضربها فيها فهي عشرون، ثمَّ في الحالين فهي أربعون للبنت [488] من الخمسة واحد في أربعة، ومنها واحد في خمسة، فتجتمع لها تسعة، وللخنثى من خمسة سهمان في أربعة، ومنها سهم في خمسة فتجتمع لها ثلاثة عشر، وللابن من خمسة سهمان في أربعة، ومنها سهمان في خمسة، فتلك له ثمانية عشر.
وإن ترك خنثى وعمًّا كذلك وابن عم، فالمختار أنَّ للولد نصف المال ونصف نصفه فذلك ثلاثة أرباعه، فإذا انقضى الولد أقمنا العمّ ذكرا فله الربع الباقي؛ وإن جعلناه أنثى فلا شيء له، فله نصفه، ونصفه الباقي لابن العمِّ؛ وإن ترك أمًّا وشقيقة وأخوين لأم وخنثى لأب فالفريضة من اثنين وأربعين مضروبة في الحالين، فتضعف لأنَّ للخنثى في حال الأنثى واحد من سبعة بالعول، ولا شيء له إن كان ذكرا لأنَّه عاصب، وترجع المسألة من ستَّة لإزالة العول، وتضربها في السبعة لا توافق بينهما، فللأم واحد من الستة في سبعة وبالعكس، فتجتمع لها (1) ثلاثة عشر، وللأخوين للأم ضعفها، وللشقيقين تسعة وثلاثون، وللخنثى في حال سهم من سبعة في ستَّة ولا شيء له فيها.
وإن ترك بنتا وبنت ابن خنثى وبنت ابن ابن كذلك، فقيل: يجعل الكلّ في حال ذكورا وفي حال إناثا وفي حال مختلفين بهما، ثمَّ ينظر ما يستحقّ كل في الحالين فيعطى نصفه وهو الأصح والأعدل، لاتحاد خَلقهم، ولا يجعل بعضهم ذكرا وبعضهم أنثى، ولكن إذا جعل هذا ذكرا جعل الآخر كذلك لا كالغرقى يمات هذا ويحيا هذا وبالعكس، فإذا جعلتهم ذكورا فالمال للابن؛ وإن جعلتهم إناثا فلا شيء لبنت ابن الابن بعد النصف والسدس لمن فوقها، فأعطي الأوَّل نصف ماله من كلّ حال فذلك ثلاثة أرباع، ولا شيء لبنت الابن، على أن الأوَّل ذكر، ولها السدس على أنَّه أنثى فتعطى نصفه والباقي للعاصب، فتصح من اثني عشر بضرب الستة في الحالين، فللأوَّل منها تسعة، ولولد الابن واحد، واثنان للعاصب، وفي الضياء أنَّ لبنت الابن السفلى
__________
(1) - ب: «فيجتمع له». (6/293)
صفحة 2832
سهما، لأنَّها في حال ذكر لها الباقي، فلها نصفه والباقي إن كانت عاصبا، وإلا ردَّ عليهما على أحد عشر، للبنت تسعة ولبنت الابن سهمان.
فصل
إن تركت امرأة أمَّها وأخويها لها وشقيقتها وخنثى لأبيها فإن جعلته ذكرا فلا شيء له؛ وإن كان أنثى فلها السدس، فعالت من ستة لسبعة في حالها، فربعهما تبلغ اثنين وأربعين، ثمَّ في حالين فتصّ من ضعفها كما مرَّ، فللأم منها أربعة عشر وللأخوين للأم ضعفها، وللشقيقة اثنان وأربعون، ولم يبقى للخنثى شيء إن كان ذكرا لأنَّه عاصب، ثمَّ أقسمها على أنَّه أنثى على سبعة بالعول، فأعط الأم اثني عشر وللأخوين لها ضعفها، وللشقيقة ستَّة وثلاثين، والأخت للأب اثني عشر ولا شيء لها إن كانت ذكرا، فأعطها ستَّة، ورد واحدا على الأم واثنين على الأخوين وثلاثة على الشقيقة فتلك أربعة وثمانون. (6/294)
صفحة 2833
الباب السادس عشر
في ميراث أهل الشرك
وقد روي كما مرَّ: «لا يتوارث أهل ملتين»؛ وقيل: بتوارثهم لاتحادهم في الملّة والموحّدون كذلك، ولا توارث بين الملّتين، فإذا مات يهوديٌّ وله وارث نصراني، فإن قسموا إرثهم بأحكامهم وتديُّنهم فلا علينا فيهم؛ وإن رفعوا أمرهم إلينا حكمنا بينهم بالقرآن، وورَّثنا اليهودي من النصراني ومن المجوسي وبالعكس.
وقيل: إن تزوج بأمّه فولدت بنتا فصارت بنته وأخته لأمه، ومات (1) فلبنته النصف ولأمِّه السدس ولا شيء للبنت من جهة الإخوة للأم لأنَّها حجبت نفسها.
وإن ولدت ابنا وبنتا فكذا لها السدس، والباقي بينهما، للذكر ضعف (2) الأنثى؛ فإن مات الابن فلأخته النصف ولأمّه الثلث والباقي للعاصب؛ وإن تزوَّج بنته فولدت منه بنتا فمات، فلهما ثلثاه والباقي للعاصب؛ فإن ماتت الكبرى حوت مالها بنتها، نصف بالفرض ونصف بالتعصيب لأنَّها أختها وبنتها، وإن ماتت الصغرى أخذت أمّها ثلثها ونصفها بالأخوَّة أيضا والسدس للعاصب.
وإن تزوج بنته فولدت منه ابنا وبنتا فالمال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، ولا إرث لبنته الكبرى بالزوجية، فكل مجوسي تزوج بمحرمته؛ وإن برضاع أو مصاهرة فلا توارث بينهما بالزوجية إذا رفعا إلينا، وإذا توارثا بدينهم ثمَّ أسلما لم يلزمهما ردّ ما ورثاه به، وكذا ما بيد مشرك بربى أو ثمنَ خنزير أو خمر لم يلزمه ردّه إن أسلم، إلاّ
__________
(1) - ب: - «فمات».
(2) - ب: + «مثل». (6/295)
صفحة 2834
ماله من ديْن من قبل ذلك، فإنَّه يردّ إلى رأس ماله ولا يحلّ له أخذه إن كان ثمن خنزير أو خمر ويريقها إن قامت بيده ويقتله.
وإن مات مسلم وله وارث مسلم وآخر مشرك؛ فإن أسلم قبل القسم، فقيل: لا يرثه لأنَّه مشرك يوم مات وقيل يرثه إلا الزوج والزوجة كما مرّ.
أبو عليٍّ إن أسلم يهوديّ ومات ولم يعرف له وارث فميراثه للمصلِّين من اليهود؛ وإن أجبر المجوس على [489] الإسلام توارثوا ما تناسلوا فيه، وليس إجبارهم عليه بمانع من توارثهم ما كانوا في الإجبار، فإذا زال عنهم فداموا على الإسلام، لم تكن بينهم موارثة ولا لهم الرجوع عنه، فمن رجع عنه بعد زوال الجبر (1) عنه وبعد إتمام الإسلام فهو مرتدّ.
أبو عبد الله: إذا مات يهوديّ وله ولد صغير وأب مسلم، فميراثه لليتيم ولا يجبره جدّه على الإسلام، وقال أبو العباس: إنَّه يجبره عليه وإن كان يهوديّا، ثمَّ أسلم بعد موت ابنه فالإرث كله للصغير لا له.
__________
(1) - ب: «الإجبار». (6/296)
صفحة 2835
الباب السابع عشر
فيما إذا كان بعض الورثة مملوكا
فمن مات وترك ابنا مملوكا وأرحاما وعصبة، فقيل: يوقف إرثه عليه إن عتق دفع إليه؛ وإن بيع اشتري به؛ وإن مات دفع لمن بعده؛ وقيل: لا يوقف بل يدفع للحرّ العاصب أو الرحم، واختار أبو الحسن أن يوقف على الولد كما يوقف على الأبوين؛ وإن مات بعض ورثة الأب قبل عتق الابن ثمَّ مات وقد وقف المال عليه وردّ على ورثة الأب، دفع إلى وارث الأب أو وارثه إن مات.
فإن ولد المملوك ولدا وقد وقف المال على الولد على القول به؛ فإن كان حرّا دفع إليه وإلا دفع إلى الورثة الأحرار؛ وإن لم يوقف على ولد الولد؛ فإن مات وخلَّف ابن ابن حرّ أو ابنا مملوكا، فمن لا يوقف عليه يعطيه ابن الابن الحرّ، وموجب التوقيف لا يعطيه شيئا؛ فإن مات والإرث بحاله دفع إلى ابن الابن الآخر؛ فإن مات وترك مملوكا وحرّا دفع إلى الابن الحرّ النصف ويوقف النصف على المملوك؛ وقيل: لا، بل يدفع الكلّ إلى الحرّ.
فإن ترك ابن ابن ابن مملوكا وابن ابن حرًّا فهو للحرّ، وإن ترك مملوكا له ابنان حران وابني ابن بنت (1) فسواء في ذلك.
وإن ترك مشركا له مسلم وابن ابن مسلم؛ فقيل: يرثان معا لقوله تعالى {ولِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ... } الآية، وقيل: هم بنوا العمّ هنا؛ وقيل: العصبة ولقوله: {واُلُوا الاَرْحَامِ ... } الآية، فإذا استوت درجاتهم في النسب والملّة استوى الإرث بينهم، وربما
__________
(1) - ب: «وابني بنت». (6/297)
صفحة 2836
تناسب مسلمان إلى آدم وقد قيل بقطعه بالشرك؛ وإن ترك مشركا ومملوكا ولكلّ منهما ابن مسلم حرّ، فالإرث لهما إلاَّ أنَّ ابن المملوك في توقيف ميراثه على أبيه من جدّه خلاف.
ومن ترك ابني أخ مملوك وابن ابن أخ حرّ فالإرث بينهم أثلاثا إن استوت أنسابهم بالعصبة.
أبو المؤثر، من ترك ورثة أحرارا وورثة عبيدا فعتقوا قبل قسم الأحرار المال، فقيل: لا شيء لهم لأنَّهم عبيد عند الموت؛ وقيل: يقاسمونهم إلا الزوج والزوجة كما مرّ، فمن مات عن حرّة وأمة ثمَّ عتقت قبل القسم فالإرث للحرّة وحدها؛ فإن لم تكن له إلا أمة فكمن لا زوجة له، وكذا في الزوج إن ماتت تحته حرّة لا يرثها ولو عتق قبل القسم؛ وإن تزوجها ثمَّ طلّقها ربّه واحدة، ثمَّ عتق فمات في العدّة قبل أن يراجعها ورثته، وكذا إن طلق حرٌّ أمَة ثمَّ عتقت فمات في العدّة ورثته واعتدّت للوفاة وقد مرّ ذلك.
فصل
وممّن يوقف المال كما مرّ، ابن محبوب وله قول: إن الإرث للأولاد الأحرار.
ابن بركة: من ترك مملوكا له حرّ وأخا فولد ولده أولى بإرثه؛ وقيل له: من أين جاز التوقيف إذا كان الأب مملوكا، فقال: ممَّا روي: لا يجزي ولد والده إلاّ أن يجده مملوكا فيشتريه ثمَّ يعتقه.
ابن محبوب: من ترك ولدين أحدهما مملوك حبس عليه منابه، ولا يحبس المال إلاَّ على والد وولد.
ابن بركة: من ترك مالا ومملوكا انتظر به عليه إلى الإياس؛ وإن بيع فدي به؛ وإن كان من الأجناس فلجنسه وإلاَّ فللفقراء.
ومن ترك أمّا حرّة وإخوة مماليك فلها الثلث لأنّ من لا يرث لا يحجب. (6/298)
صفحة 2837
وإن عتق عبد وتحته حرّة وله أخ حرّ فمات الحرّ، فقيل: عليه أن يعتزل زوجته حتّى يتبيّن أنَّها حبلى يوم مات أخوه أم لا؛ فإن كانت حبلى فالإرث للولد إن خرج حيّا؛ وقيل: لا يلزمه ولكن إن أتت به لأقل من ستّة أشهر ورث أخاه لا إذ أتت به لأكثر؛ وقيل: إن أتت به لأقل من تسعة ورث عنه (1)؛ وقيل: إن اعتزلها وولدت لسنتين من يوم اعتزلها ومرّ الولد.
وإن تركت -قيل- حرّة ابنا مملوكا وابني بنت حرّين، فالإرث لهما ولو مؤنَّثين أو مختلفين بالسويّة، والمختار التوقيف على المملوك.
وإن ولدت حرّة لعبد أولادًا فميراثهم لعاصبها بعد أخذها فرضها (2) إن لم يكن لهم عاصب حرّ؛ وقيل: هي أولى بهم من عاصبها إن كانت حيّة، وإلاّ عصبهم وجنايتهم على عصبتها، وقال ابن محبوب: على عاقلتهم الأحرار.
ومن أعتق أمة وتزوَّجها أو غيره، وماتت وتركت مالا وأبا وإخوة عبيدا، فنصفه للزوج ونصفه يشترى به أبوها ويدفع إليه الباقي، ومن [490] ترك مالا وأولادا عبيدا فإنَّهم يشترون به ويرثون الباقيَ.
وإن ترك عبيدا وأحرارا فالإرث للأحرار إن كانوا ذكورا أو إناثا؛ وإن كانوا نساء فلهنّ منابهم ومناب العبيد يشترون به ويعتقون ويرثون الباقي.
أبو عبد الله: الإرث لمن كان منهم حرّا ولو كان أنثى؛ وإن كان الكلّ مماليك حبس لهم كما مرّ؛ وإن ترك مملوكا ومرتدّا وقاتلا ونصرانيّا فقال ابن مسعود: يحجبون ولا يرثون، وقال عليّ: لا ولا، وبه قال أبو المؤثر.
فإن تركت امرأة زوجا وأبوين وعبيدا ويهودا ونصارى فلزوجها النصف ولأمّها ثلث الباقي، وثلثاه لأبيها عند عليّ، وعند ابن مسعود: لزوجها الربع ولكلّ من أبويها
__________
(1) - ب: «عمه».
(2) - ب: - «فرضها». (6/299)
صفحة 2838
السدس والباقي يعصبه الأب، أبو الحواري المعمول به قول عليّ والمختار كما مرّ توقيف المال على الولد المملوك إلى أن يباع فيشترى به، أو يعتق فيدفع إليه، أو يموت فيدفع لمن بعده؛ وقيل: لا يوقف بل يدفع للحرّ ولو رحما.
وإن مات بعض ورثة الأب قبل أن يعتق ابنه ثمَّ مات بعد موت الوارث؛ فإن وقف على الابن ولم يصل إليه ردّه (1) على وارث الأب إن كان حيّا، وإلاّ فعلى وارثه كما مرَّ.
فإن ولد للابن ولد وقد وقف المال ثمَّ مات الابن وتركه حرّا، فعلى التوقيف فالمال لوارث الأب ولا شيء للولد، لأنَّه لم يوقف على ولد الولد وقد مرّ ذلك.
__________
(1) - ب: «ردَّ». (6/300)
صفحة 2839
الباب الثامن عشر
في ميراث الجنس
فقد قيل: يتوارث به الزنج والهند والحبشيّ كما مرّ، فإذا أقرّ ميت منهم بجنسه فماله له الذكر فيه والأنثى سواء، إن كان من قبيلته وبلاده، وإلا فلسائر من كان في بلده من الزنج يوم موته. ومن ولد منهم بعده وقبل القسم دخل معهم.
وإن لم يوجد في بلده جنسه فلمن وجد في أقرب القرى إليه، ومن حضر القسمة من جنسه ولو من غير أقرب القرى إليه فالإرث بينهم؛ وإن كان من المولدين في بلادنا فلجنسه من بلاده وقبيلته؛ وإن كان معتقوه موالي من جنسه فهم - قيل - أولى بميراثه، وكذا إن كان من الغنم المجلوبين، فقيل: إنَّ معتقوه من ذلك الجنس أولى به من غيرهم منه أيضا؛ وإن كان أبوه من جنس من الزنج وأمّه من آخر منه، فقيل: ماله لجنس أبيه وكذا إن كانت من الهند؛ وقيل: بينهما أثلاثا؛ وقيل: ميراثه لجنسه من بلده.
ومن ادعى أنَّه من جنسه فعليه البيان، ومن أقام بيِّنة أنَّه منه من قبيلته أو من بلده فهو أولى به؛ وإن كان من صحّ له مرضع فالإرث له؛ وإن مات فلوارثه؛ وإن قدم أحد مثله فهو للأوَّل؛ وإن لم يقبضه.
ابن المسبِّح: موالي مواليه أولى من جنسه ولو كانوا في غير بلده، وأهل البدو في البدو كأهل الحضر فيه؛ وقيل: إنّ ميراثه لجنسه المتِمين في بلده، وموالي مواليهم وغيرهم سواء، وعندنا أنَّه يعطى من حضر القسم لا الموت؛ فإن لم يحضر أحد من أقرب القرى إليه فلا يزال كذلك حتّى يستفرع الحوزة أو المصر الذي هو فيه؛ وإن لم (6/301)
صفحة 2840
يوجد فيه جنسه فرق على فقراء بلده الذي أقام فيه، ومن لم يبيّن أنَّه من جنسه فهو كغيره فيه، ومن حضر البلد من جنسه من غير الذي مات فيه، فقيل: أولى؛ وقيل: المتمّ فيه أولى؛ وإن وجد من الجنس صبيّ فقط ولم يقبض المال حتّى مات فهو لورثة الأوَّل من جنسه لأنّ الأجناس غير الأرحام والعصبات، وقيل: إنَّه لجنسه يوم موته لا يوم قسمه، ولا يدخل فيه حادث بعده، وسهم من مات منهم لورثته إن أقاموا في البلد يوم الموت، إلاّ إن كان واحدا فلا يحتاج للقسم لأنَّه استوجبه وحده إذا علم به؛ وقيل: لا ما لم يحرزه أو بعضه أو يحرز له؛ وإن انتفى ذلك حتَّى مات زال حكمه.
والأجناس على الرؤوس والزنج قبائل وبلاد مختلفة كالهند، أبو المؤثر: جنسه من بلده هو فيه سواء ولا يفضّلهم معتقوه كذا إن كان من الغنم المجلوبين فموالي مواليه منهم أولى بإرثه من غيره؛ وإن أقرّ أنَّه من جنس أو قبيلة ثبت إقراره إن لم تشهد بيِّنة لجنس آخر أنَّه منهم، لأنَّ الإقرار بالوارث لا يثبت إلاّ لمن لا يصح له وارث بسهم أو عاصب أو رحم، وإذا صحّ أنَّ فلانا من قبيلته وبلده، وفلان آخر أنَّه منها لا منه، فالأوَّل أولى به، ومن كان من بلده لا من قبيلته فهو أولى به مِمَّن لم يكن منهما؛ وإن تعارض ذو قبيلته وذو بلده فعندي أنَّه يقدم ذو قبيلته وليراجع، واعتبر في هذا بلده الأصليّ لا الذي مات، فيه ولو وجد ذو قبيلته وبلده في غير الذي مات فيه وأقام فيه وكان في الذي أقام فيه من جنسه من المجلوبين لا من قبيلته فبلده في الإسلام أولى، ويكون لجنسه من بلده [491] الذي مات فيه إذا لم يحضر ذو قبيلته وبلده المذكور ويكون مقيما فيه؛ فإن حضر البلد وأقام قبل قسم ماله كان أولى به؛ فإن حضره قبله ولم يقم فيه ويصير من أهله، فقيل: إنَّه أولى لحضوره كما مرّ، وقيل: المقيم المتمّ من جنسه أولى، واختير أنَّه إذا حضر ذو قبيلته أو بلده الذي مات فيه ولم يقم فيه شاركه فيه من لم يصح أنَّه منهما، وكذا إذا حضر من كان من بلده مع من ليس منه وهو من جنسه ولم يقم فيه، فإنَّه يشاركهم لأجل بلده الأصليّ، واختير أنَّ من كان مقيما في بلده الذي مات فيه من جنسه أولى به من غيره ولو من جنسه؛ وقيل: سواء، (6/302)
صفحة 2841
واليهود والنصارى والمجوس والصابون يتوارثون بالأديان، والغرب والفرس والبياسرة لا يتوارثون لجنس.
وقال أزهر: إذا وجد بيسر بن بيسر بن بيسر فهو ممّن يتوارث به، ولمن يورث به أن يوصي بجميع ماله كمن لا وارث له.
والزوجان لا ردّ بينهما في الإرث إلاّ من يورث بالجنس؛ وقيل: يردّ عليهما فيه ولو كانا من غير الأجناس؛ وقيل: فيمن يورث به إذا قال عند موته: فرِّقوا مالي على الفقراء ولم يوص به لهم أنَّه لهم ولو لم يقل وصيّة؛ وإن أوصى به لهم أو لغيرهم فأوكد.
ومن أقرّ بوارث ولا وارث له غير الجنس فهو أولى به من الجنس، أبو الحواري: من كان من أهله وترك زوجته ولا وارث له إلاَّ جنسه فهي أولى بماله منه وكذا الزوج. (6/303)
صفحة 2842
الباب التاسع عشر
في ميراث مولى النعمة
وقد أجمع العراقيّون والحجازيّون والشاميّون على توريث مولى النعمة، حيث لا عاصب ولا ذا سهم ولا رحم، وقالوا: ما علمنا صحابيّا ولا تابعيّا خالف في ذلك.
أبو المؤثر: مولى النعمة لا ميراث له لأنَّه صلّى الله عليه وسلّم لم يورثه، ولا علمنا أنَّه ورّث بالولاء، وقد مات مولى لابن عمر وجاءته امرأة بماله فقال: لها لو كان لي لأخذته فلم يقبضه، ومات مولى لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم ودعا من حضر من أهل أرضه فسلَّم إليهم ماله، ولم يرثه بالولاء.
وعن جابر عن عليّ في امرأة لم تترك إلاّ زوجها فقضى له بإرثها كلّه، قال: فإن لم يكن زوج ولا زوجة فالمال لأهل دينه من أرضه، فمن كان مصليّا فإرثه لأهل الصّلاة من أرضه التي خلق فيها وهم جنسه؛ فإن لم يصح له وارث ولا زوجة ولا رحم ولا جنس فماله لفقراء مسكنه، وقد افتى ابن محبوب بمثل هذا.
وقد أجمعوا أنَّ النساء لا يرثن من الولاء شيئا إلاّ ما أعتقن أو أعتق من أعتقن، أو كاتبن أو كاتب من كاتبن.
أبو المؤثر: لا يورث الولاء على حال؛ وقيل: هو على وجهين أحدهما - وهو المعروف عند العامة - أنّ من أعتق مملوكا فله ولاؤه والآخر أنَّ من أسلم على يد أحد كان مولاه. (6/304)
صفحة 2843
الباب العشرون
فيما يزيل الميراث
وقد سنّ أنَّه لا يرث القاتل قتيله ولو خطأً كما مرّ إلاّ أن قتله بحقّ أو شهد عليه به, فقتل، فإنَّه يرثه، وكذا المعلم إذا أمره رجل أن يضرب ولده أدبًا فمات من ضربه فإنَّه يرثه؛ وإن طرح في الطريق جذعا أو حفر فيها بئرا فوقع فيه من يرثه فمات ورثه، وإنما يزيل إرثه فعل يده إذا ضربه أو أمر من يضربه، ولا يقاد الوالد بولده ويديه، ويمنع من إرثه، وإذا قتل من يكون ولده ولي دمه فله أن يقتله واختير أن يوكل في قتل أبيه ولا يتولى هو قتله (1)، ويزيل إرثه من القتيل وصيته منه إذا قتله بيده ولو خطأ؛ وإن قتله خطأ لا بيده ورثه وجاز وصيته له؛ وإن كان القاتل معتوها ورث لأنَّه ليس كالعاقل في الأحكام.
أبو عبد الله: إذا كان القاتل صبيًّا لا يعقل ورث، لا إن عقل الصلاة والغبن من الربح استحسانا إذا تعمّد القتل، وفي القياس إنَّه يرث كما أنّ قتله خطأ وقال الفضل ووائل ومحبوب: إنّ الصبيّ لا يرث قتيله لعموم الرواية كما مرّ، ولا يدخل القاتل في وصية الأقربين لأنَّه إذا بطل الإرث بالقتل فالوصية أحقُّ، ولو أفرده بها فعلى كلّ حال بطلت وصيّته، وإذا جرحه ثمَّ أوصى له ببعض ماله ثمَّ مات جازت وصيّته له.
وسئل أبو سعيد: هل بين من يلزمه القود ومن تلزمه الدّية فرق في الإرث؟ فقال: قد قيل لا يرث قاتل من قتيله ولو خطأ؛ وقيل: لا يحرم من الإرث بالخطإ لأنَّه لم يقصد بفعله ثبوته لنفسه والمختار الأوَّل.
__________
(1) - ب: «قتله هو». (6/305)
صفحة 2844
وإن شهد رجلان على من يرثانه بقتل العمد فقتل بشهادتهما ثمَّ رجعا عنّها؛ فإن قالا تعمّدنا عليه بها زورا حرما من إرثه؛ فإن قالا شبِّه لنا أو ظننَّا أنَّه القاتل ثمَّ تبين لنا أنَّه غيره ولم نتعمّد عليه الزور، فقيل: يرثانه؛ وقيل: لا.
ومن أمر بقتل من يرثه، فقتل بأمره، فقيل: لا يرثه مطلقا لأنّ الآمر قاتل؛ وقيل: إن [492] كان مطاعا وإلاّ ورثه؛ وإن أشير عليه في قتله فأشار به فإنَّه لا يرثه إذا أمر به.
ومن أشرع جناحا في الطريق أو وضع فيها موجب عطب ممَّا يكون فيه متعديا فعطب به من يرثه، فقيل: يرثه لأنَّه لم يباشر بيده؛ وقيل: لا لأنّ القتل جاء من سببه أو من قطع رأس ميت يرثه، فقيل: قد أبطل إرثه منه؛ وقيل: لا وعليه الدّيّة على كل حال، ولا يرث منها شيئا أيضا، ويرث من بقية رأس ماله عند من لم يحرمه من الإرث، وإذا بغى مصلّ على من يرثه فقتل الباغي وإرثه فإنَّه يرثه لأنَّه قتله بحقّ. (6/306)
صفحة 2845
الباب الحادي والعشرون
في الإرث من الأحرار والمسلمين ومن مقابلها
فإذا مات مسلم وله وارث مسلم وآخر مشرك؛ فإن أسلم قبل القسم فقيل: يرثه إن لم يكن زوجا أو زوجة؛ وقيل: لا وكذا المملوك كما مرّ وأحكام هذا الباب وجزئيّاته قد تقدَّمت. (6/307)
صفحة 2846
الباب الثاني والعشرون
في ميراث الزوج والزوجة
ابن محبوب: من تزوّج صبية ثمَّ أبرأ لها نفسها بلا طلاق وأوفاها صداقها فمات قبل أن تخلو لها ثلاثة أشهر، فلا ترثه إن لم يدخل بها ونوى بالبرّ إن طلاقا؛ وإن لم يعرف نواه ورثته ومن تزوج - قيل - بكرا ثمَّ طلَّقها في صحته قبل الدخول بها ثمَّ مات فلا توارث بينهما ولا عدّة عليهما،؛ وإن طلّقها في مرضه ومات فيه في عدّتها ورثته ولها تامٌّ، واعتدّت للوفاة.
وحفظ أبو عبد الله عن الفقهاء أنَّها إن حبست نفسها عليه حتّى مات قبل أن تنقضي عدّة مثلها ورثته، ولها النصف وعليها عدّة المطلقة، قال: وبه نأخذ.
ومن له أربعة نسوة فطلّق إحداهنّ لا بعينها ثمَّ توفي وقد علم ذلك؛ وقيل: يعطين ثلاث أرباع الثمن ويردّ ربعه على الوارث، وقال أبو عبد الله: لا يرد عليه، بل كلّه لهنّ ويستحلفن كما مرّ، أبوسعيد هذا إن طلّقها بائنا وتمّت عدّة مثلها.
وقيل: إن تزوّج بثلاث في عقدة وباثنين في أخرى، ثمَّ طلق إحداهنّ لا بعينها ثمَّ مات ولم يدخل بواحدة منهنّ ولم تعلم أي العقدتين سبقت؛ فإن على الخمس عدّة الوفاة ولهنّ الإرث معا، وفسدت العقدة الأخيرة إذ ليس له أن يختار واحدة منها وللثلاثة صداق وربع بينهما، وللثنتين ثلاثة أرباع بينهما، وبيان ذلك أنا لو جعلنا لكلّ أربعةَ دنانير لكان للثلاثة اثني عشر دينارا على جعلهنّ السابقات، وقد وقع الطلاق على واحدة منهنّ فيسقط عنها ديناران فتبقى عشرة، وعلى جعلهن المتأخرات لا صداق لهنّ فلما التبس حالهنّ أعطين النصف وهو خمسة دنانير لكلّ ثلث الصداق (6/308)
صفحة 2847
وثلث ربعه ولو اختلفت صدقاتهنّ، وكذا الاثنتين ثمانية على جعلهما متقدمتين فيسقط على المطلقة ديناران فتبقى لهما ستّة وعلى تقديرهما متأخرتين لا شيء لهما، فأعطيتا نصفها وهو ثلاثة أرباع الصداق بينهما لكلّ ثلاثة أثمانه.
أبو سعيد: هذا إن لم تعرف اللتان في عقدة واللواتي في أخرى وأمّا إذا عرفت ففي الصداق كذلك وأمّا في الإرث فهو نصفان بين الفريقين ويتحالفن إن أردن، قال: وإن ادّعت امرأة إلى زوجها أنَّه طلّقها ثلاثا وهو ينكر إلى أن مات ثمَّ رجعت عن دعواها، فقيل: لا يقبل دعواها عليه ولها الإرث منه، وقيل: إن اعتزلت عنه حال ادّعائها إلى أن مات فلا ترثه ولا ينفعها رجوعها؛ وإن كانت تساكنه وتعاشره حال دعواها ورثته.
أبو المؤثر: إن ادّعت ذلك وأنَّها بانت منه بتحريم وسمته، كوطء في الحيض أو الدبر متعمّدا له واعتزلت عنه، وأنكر هو ذلك، فلها صداقها لا ميراثها، وعليها عدّة الوفاة لأنَّها تصدق فيما لها لله لا في ما لله عليها.
وإن ادّعت أنَّه طلّقها واحدة وأنكر ولم يشهد على رجعتها فاعتزلت عنه ثمَّ تمّت عدّتها ثمَّ مات ثمَّ رجعت فأكذبت نفسها فلا ترثه وعليها عدّة الوفاة.
وقيل: إذا طلبت إليه أن يطلقها ثلاثا (1)، وفعل وهو مريض لم يتوارثا، لأنَّها كمن أبرأ مريضا من حقّ تعلّق عليه، فلمّا كانت لها في ماله حقّ فاختارت تركَه وأبرت الوارث منه، لم يبق لها فيه شيء؛ وإن طلّقها ثلاثا مختارا ورثته لأنَّه [493] كالفار من حقّ لها في المرض.
ابن محبوب: إن اختلعت إليه في مرضها وماتت فيه ورثها ولها صداقها، وكذا في مرضه هو ومات فيه فإنَّه يبرأ من صداقها وترثه؛ وقيل: إذا أبرأته فيه في صحتها وأبرأها فيبرأن ولا يتوارثان في العدّة.
__________
(1) - ب: - «ثلاثا». (6/309)
صفحة 2848
وجازت شهادة الأب لبنته بالطلاق.
ومن تزوج امرأة ثمَّ شهد عليه أبوها وآخر معه أنَّه طلّقها وهو منكر، ففرق بينهما، ثمَّ ماتت بعد مدة، فطلب ميراثه منها؛ فإن كان الأب هو الوارث فللزوج إرثه منها؛ وإن ورثها معه غيره دخل الزوج على الأب فيما له فيحاصصه فيه لا على أولادها؛ وإن زوجت بآخر فماتت عنده ورثها وغرم الأب للأوَّل قدر ميراثه منها، وجوزت شهادة الأب للزوج لأنَّه أجنبي وإنمّا يدخل على الأب وعلى أولاده، لأنّ شهادة الأب لا تجوز لنفسه ولا لأولاده وتجوز لغيرهم في الإرث كما جازت في الطلاق وإباحة الفروج، وللزوج فيه أيضا إن لم يجرَّ بها نفعا ولو إلى أولاده، قال الربيع وغيره: لا يستقيم أن ترث المرأة زوجين، ومتى تبث الأخير بالحكم بطل الأوَّل، وعن سعيد ابن أحمد فيمن أبرأت زوجها من صداقها ومات أحدهما في العدّة أنَّهما لا يتوارثان إن كان في صحّتهما؛ وإن كان عند موته، فقيل: خلع ولا يتوارثان؛ وقيل: لا يقع وتوارثا إذ لا يثبت البرآن في مرضها؛ وقيل: محل الخلاف إن كانت هي المريضة؛ وقيل: لا يبرأ منه ولا يرثها؛ وإن أبرأها في مرضه؛ فإن كان لإساءة بها ورثته كما مرّ، لا إن طلبته باختيارها وبرأ من الحق أيضا؛ وقيل: لا، ويرثها إن ماتت؛ وإن مات هو برئ وورثته إذا لم تكن مختارة للبرآن، لأنَّها بائنة، ومن طلّق حاملا ثمَّ مات وقد خرج الولد إلاّ قدماه فإنَّها ترثه وتعتدّ للوفاة ما لم يتم خروجه؛ وإن طلّقها فحاضت ثلاثا فمات قبل أن تغتسل من الثالثة ورثته إن كان رجعيّا إلاّ إن ظهرت بينًا حتّى خرج وقت الصلاة.
فصل
إن طلّق محتضر زوجته ثلاثا ولم يدخل بها؛ فإن علم أنَّه طلّقها ليلا ترثه فلها إرثه ومهرها واعتدّت للوفاة؛ وقيل: لا تلزمها ولها الإرث والنصف؛ وقيل: الكامل؛ وقيل: لها النصف لا الإرث ولا عدّة عليها. (6/310)
صفحة 2849
ومن طلّق زوجته ولم يدخل بها حتَّى احتضر ضرارا فلها صداقها إن فرض لا الإرث، أبو عبيدة إن لم تتزوج واعتدّت منه فلها صداقها وإرثها؛ وإن تزوجت ولم تعتد فلها النصف لا الإرث وقد مر الخلف فيها؛ وإن طلّقها ثلاثا في مرضه قبل الدخول بها فمات في عدة مثلها فلها الصداق والإرث وتعتدّ؛ وإن مات بعدها فلها النصف لا الإرث ولا تعتدّ وقال جابر من طلّق زوجته قبله في مرضه فلها ذلك، وقال ابن محبوب: إن حبست نفسها حتّى تنقضي عدّة مثلها فلها الصداق والإرث؛ وإن تزوّجت فلها النصف فقط، وزعم هاشم أنَّ رجلا له أربع نسوة فطلّقهن في مرضه وإحداهن لم يدخل بها ثمَّ مات فقسم موسى الربع بين الثلاثة ولم يورث التي لم يدخل بها، وورثها ابن المبشر وابن عثمان؛ وقيل: طلاق المريض ضرار؛ وإن لم يرده؛ وقيل: إن أراده؛ فإن وجب حكمه ورثت وهو المختار؛ وقيل: لا، وعلى المختار - قيل - لها الصداق؛ وقيل: نصفه.
وإن طلّق مريض ثلاثا ثمَّ صح ثمَّ مات في عدّتها لم ترثه عند هاشم ومسبح؛ وقيل: ترثه واختاره أبو سعيد وقال أبو الحواري: إن انقضت عدّتها في مرضه ثمَّ مات فالمختار أنَّها ترثه أيضا؛ وقيل: لا ولا إن انقضت بعد صحّته ثمَّ مات اتفاقا؛ فإن طلّقها واحدة ثمَّ انقضت عدّتها في مرضه ثمَّ مات فقيل: لا ترث إلاّ إن بان معنى الضرار مؤكدا ولو في مرضه، ولا ميراث لمطلقة بائنا في الصحّة ولا لمطلّقها منها ولو في العدّة والبائن ضربان الطلاق ثلاثا والطلاق قبل الدخول أو واحدة أو ضعفها بعده بعوض منها فتصير خلفا؛ وإن طلّقها بعده في صحة أقل من ثلاث بلا عوض ومات أحدهما في العدّة توارثا إلاَّ إن انقضت؛ وإن طلّقها ثلاثا في مرض مخوف بلا أن يكون منه صنع في ذلك ثمَّ مات فيه، فالأكثر فيه أنَّها ترثه؛ وقيل: لا. (6/311)
صفحة 2850
الباب الثالث والعشرون
في ميراث الأولاد
قال ابن عقبة وابن محبوب: من مات وله أولاد من زوجة، ولآخر من أخرى (1)، فقالت: مات أبوكم قبل ابني، وقالوا: بل ابنك السابق، فمن أقام منهما بيِّنة فالحقّ له؛ فإن أقاماها معا أو عدماها معا ورث كلّ من صلب مال صاحبه كما مرّ.
وإن سبى المشركون ذات زوج وأتت منهم بأولاد، فإنَّهم يرثون أباهم، وهو زوجها لأنّ الولد للفراش؛ وإن أقبلت قابلة إلى ولد أو وضعت حيّا ثمَّ إلى أمّه في الموت فماتت ثمَّ التفتت إليه فإذا هو ميت، فقيل: إنَّه يرث كل منهما من صلب مال الآخر، لا ممّا ورث كلّ من آخر.
أبو الحواري إن ولد صبيّ بعد موت أخيه من أب غير أبيه، فادّعى [494] وليّ الصبيّ أنَّه ولد لأقل من ستّة أشهر بعد موت أخيه، وولي الميت أنَّه ولد (2) لأكثر منها، فالبيِّنة على مدعي الأقل لأنَّه مدّع للإرث.
وإن ماتت حامل فتحرك حملها؛ فإن خرج حيّا ورثها وإلاّ فلا، وتلك الحركة بعد موتها ليست شيء، وإقرار الوالد بولد كعكسه ثابت إن أمكن وتوارثا، أبوسعيد:
__________
(1) - ب: «آخر».
(2) - ب: - «ولد». (6/312)
صفحة 2851
إن أقر رجلان بصبيّ أنَّه ولدهما فمن أقام منهما (1) ببيِّنة عليه فهو أولى به وبما يستحق؛ وإن أتت حالة يجب على المقرّ بإقراره حكم من نفقة وكسوة جباية ونحو ذلك لزمه به ما لم يدفعه الولد؛ وإن لم يصح ذلك ببيِّنة، فقيل: إنَّه ولدهما ولا يرثانه إن مات حتّى يبلغ ويقرّ بذلك أو تقوم البيِّنة به بلا إقرارهما ويرثهما هو إن ماتا من كل ميراث ولد؛ وقيل: نصفها مع الأولاد؛ وإن لم يترك إلاّ إياه ورثهما معا؛ وإن بلغ فأقرّ بذلك عندهما ولم يقيما بيِّنة وأخدهما ثبت إقراره لمن أقر له إن صدَّقه؛ وإن صحّ ذلك بها لهما أو لأحدهما لم يلتفت إلى إنكاره ولا إقراره لغيره ولا يثبت إقرار لوالد بولد حتى يصدقه، ولا لولد بوالد كذلك إن مكن تقاررهما، ابن أحمد: من أقرّ بولد ولم يعرف له إلاّ من قوله ولم يصح له نكاح ثبت إقراره على نفسه إن كان من غير متزوّجة ويرث أباه وغيره كالصحيح النسب، إلاّ الرم فلا يدخل - قيل - فيه إلاّ بالصحّة؛ وقيل: يرث أباه وجدّه لا غيرهما من أقارب أبيه إن أنكره؛ وإن أقر به ولده من زنى، قال خميس: فبعض ورثه وبعض منعه والله أعلم بالعدل فيهما.
قلت الصحيح عندنا في المغرب منعه، وقال موسى في ميت له أمّ متزوجة: إن كان بها حبل قد نفخ فيه الروح ورثته وإلاَّ لم يرث ميت ميتا؛ وقيل: إن أتت به لأقل من ستّة من موت أخيه ورثه لا أن لأكثر لإمكان أنَّها حملته بعده؛ وقيل: يرث إلى تسعة؛ وقيل: إن لم يطأها زوجها من موت ربيبة بسنتين كان ولده وورث أخاه؛ وإن ولدته لأكثر منهما لم يرثه وعليه اليمين أنَّه له يطأها وهذا ما قصدناه في الميراث.
تمَّ الجزء السابع عشر
__________
(1) - ب: - «منهما». (6/313)
صفحة 2852
/ (6/314)
صفحة 2853
الجزء الثامن عشر
في الإقرار والعطية ومن يجوز إقراره
ومن لا يجوز وغير ذلك (6/315)
صفحة 2854
/ (6/316)
صفحة 2855
الباب الأوَّل
في الجائز إقراره وغيره
فمن أقرّ في حال لا يثبت عليه إقراره فيها جاز عليه في حال الجواز، ولا يؤخذ بما أقر به في حال لا يثبت عليه فيها، كالمكره والمقهور، فمن أقرَّ على غيره في ماله، ثمَّ انتقل إليه، ثبت عليه إقراره فيه بما أقرَّ به على غيره، لا إقرار صبيّ ومجنون (1) ومقهور إذا خاف، ولا أخرس بإيماء أو إشارة ولا أعمى، وجوز إذا أقرّ بما تقوم به بيِّنة عليه من نسب أو غيره، إذا عرف المقرّ به، لا إن أقرّ بما في يده مما يجهله، ولا مسجون، ومن أقرَّ أنَّه أخذ من كيس فلان أو منزله أو صندوقه أو حائطه أو نحو ذلك أخذ منه لربّه ولا إقرار أحد على أحد إلاّ السيّد على عبده فيما يكون في رقبته، لا فيما يكون فيه قصاص وحدٌّ وقتل، وتكون الديّات والجروح على السيّد في رقبة العبد، ولا تجاوز إلاّ إن أمره بذلك، فيلزمه في ماله ولا إقرار العبيد بما (2) يلزمهم في أبدانهم ولا بما في أيديهم من مال ولا في نكاح وطلاق ولا في جناية.
ومن ادّعى دعوى متَّصلة بإقرار، ولم يقطع بينهما بسكوت، فهو لاحق بدعواه، وكذا إن كانت بعده متَّصلة به كمدَّع على رجل عشرة دراهم، فيقول: كان علي له ذلك وقد أعطيته إيَّاه متَّصلا بالإقرار.
ومن أقرَّ بقتل رجل ثمَّ أنكر جاز له ولا يلزمه في الحكم شيء.
ومن اتّهم به فحبس فأقرَّ به لزمته الدَّية لا القتل، لاجتماع حق الله وحق العباد فيه، فسقط ما لله بالشُّبهة وثبت ما لهم.
__________
(1) - ب: «أو مجنون».
(2) - ب: «فيما». (6/317)
صفحة 2856
ومن أقرَّ بإقرار في الحبس لم يقرّ به قبل، ثمَّ أنكره بعد خروجه، لم يلزمه إقراره فيه.
ومن أقر لغيره بمستهلك في ماله ضرب له بقيمته فيه، كأن يقول: لزيد في ثوبي هذا رطل من قرمز أو زعفران، فإنَّه يضرب لكلٍّ بقيمة ماله، ولا يجوز الإقرار لدابة فلان أو منزله أو نحوهما.
ولا يثبت إقرار مريض لا يعقل الصَّلاة، وجوز إقرار كلّ حرّ بالغ عاقل على نفسه بما أقرَّ به ويؤخذ به، إلاَّ إن أقرَّ معروف النسب والحرِّية على نفسه بالرقيَّة أو بعد عتقه، وكذا إن أقرَّ بالولاء لغير من هو له، وجاز الإنكار بعد الإقرار في الحدود لا في الحقوق.
وإقرار السَّيد على عبده في جنايته تكون في رقبته لا فيما مرَّ من قتل وقصاص وحدٍّ، وجاز عليه فيما أقرَّ به من حقِّ لله أو للعباد إن صدَّقه سيده، ولو بإتلاف رقبته، وما أقرَّ به وهو مملوك ثمَّ عتق لم يلزمه بعد، كصبيِّ ومجنون ومقهور ومحبوس بعد بلوغ وإفاقة وإطلاق وإخراج.
فصل
ومن أقرَّ بنوع من الأموال كدين أو غصب أو ضمان ثمَّ وصفه بصفة متَّصل بها لم يلزمه إلاَّ ما أقرَّ به، إلاَّ إن اتَّصل بدعوى على المقرِّ له، كأن يقول: عليَّ لفلان كذا إلى كذا، فيلزمه حالا وإلاَّ حلَّ دعوى منه، وبعض يرى أنَّها إن اتَّصلت بالإقرار كان ذلك إلى الأجل، لأنَّه إنَّما أقرَّ به إليه؛ وإن قال عليه له ألف درهم عدنية أو نحوها من الأصناف لزمه نقد البلد إذا قطع بين الإقرار والصِّفة بسكوت أو كلام لا من الإقرار؛ وإن اتصل قبل قوله؛ وإن أقرَّ بعروض كثوب أو عبد ثمَّ قال هو من جنس أو نوع كذا لم يلزمه إلاَّ ما أقرَّ به؛ وإن أضافه إلى جنس أو نوع من العبيد أو الثِّياب لزمه الأوسط. (6/318)
صفحة 2857
وجاز الإقرار بحقِّ أو جناية إلاَّ إن كان في سجن أو قيد أو أحاطت به السَّرايا وبذلك أقرَّ لم [495] يجز إن أنكره بعد، وعلى المقرِّ أن يعرف ما أقرَّ به كالبائع إن كان أصلا؛ وأن يسلِّمه لمن أقرَّ له به إن كان غير أصل؛ وإن كان حيوانا أو غائبا فعلى المقرّ له طلبه وقبضه؛ وإن كان بيد المقرِّ دفعه إليه، والشَّهادة للمقرِّ له والمشتري، فإذا أراد ذلك من المقرَّ كالبائع كان له عليه إلاَّ إن أقرَّ بحيوان أنَّه استعمله عارفا به، لزمه تسليمه إليه.
ومن أقرَّ لأحد بشيء وادَّعى أنَّه صار إليه بحق وأنكره المقرُّ له، وطلب المقرُّ منه يمينا فإنَّما يحلف له ما يعلم أنَّه استحقَّه عليه أو دونه، ومن قال لأحد: كلُّ ما خلَّفته في منزلك من مالي إذا خرجت منه فهو لك، كان له ولا رجوع له فيه إذا خرج؛ وإن قال: كلُّ ما خلَّفته فلزوجتي فلانة جاز؛ وقيل: لا.
أبو سعيد: من قال كلُّ مال له فهو لفلان بحقٍّ له عليه، وليس بوفاء، ثمَّ رجع عنه وطلبه فقال صاحبه: رددته عليك؛ فإن كان هذا القضاء في الصِّحة ثبت عليه إلاَّ إن ادَّعى جهلا به؛ وإن كان في المرض ثمَّ صحَّ فإنَّه ينتقض كما مرَّ؛ وإن لم يدَّع جهلا فعليه له قيمة ما شهد له به، ومن أقرَّ لأحد بشيء من ماله بما له عليه (1) ولا حقَّ له عليه فقد كذب، ولم يجز له في دينه وجاز في الحكم، وللمقرَّ له التمسُّك بما أقرَّ له به ولو ادعى أنَّه كاذب بعد إقراره لم يكن له حجة على المقرِّ له ولا عليه تصديقه.
فصل
من أقرَّ أنَّ أباه أعتق غلاما له ثمَّ أنَّه باعه ثمَّ مات، فقيل: يلزمه فداؤه إذ علم أنَّ أباه باعه وهو حر؛ وقيل: لا، وذلك كالحقوق التي علم أنَّها لزمت أباه ثمَّ لم يعلم أنَّه قضاها أم لا حتَّى مات، فقيل: عليه قضاؤها حتَّى يعلم أنَّه قضاها؛ وقيل: لا إلاَّ إن أوصى بذلك وقد مرَّ ذلك.
__________
(1) - ب: - «عليه». (6/319)
صفحة 2858
وإن أقرَّ بشيء مما للعباد ولم يمكن زواله عنه بوجه ثبت في ماله اتِّفاقا كما مرَّ؛ وإن كان ممَّا لله عليه ولم يوص به ولم يكن زواله عنه ثبت فيه - قيل - بلا خلاف؛ وقيل: به. (6/320)
صفحة 2859
الباب الثاني
في ألفاظ الإقرار
وقد مرَّ أنَّ من قال لأحد: أعطيك ثوبي هذا أو هو لك ولو متُّ فعطيَّة؛ فإن كان في الصِّحة فأحرز المعطى له قبل أن يرجع فيها فلا رجوع له بعد؛ وإن قال: أوصيت أو قضيت أو جعلت أو أعطيت كذا لفلان بحقِّ له عليَّ، أو بقيامه على أفضل أو أكثر أو أعظم من ذلك، فهو له ولا خيار فيه للوارث؛ وإن قال عند موته: هذه الدَّار أو القطعة لفلان ثمَّ سكت فأقرَّ؛ وإن قال: بحقّ له عليَّ فقضاء؛ وقيل: إقرار؛ وإن أشهد في مرضه لفلان بكذا بجرح جرحه، ثمَّ صح فرجع عليه فله قيمته؛ وإن أشهد فيه أنَّه أغماه غمية وأعطاه بها شاة معيَّنة وهو يتيم فطلب وليه أن يأخذ من مال الميِّت أُرشها، وقال: إنَّ الشاة ليست وفاءه فقال جماعة: إن لليتيم أرشها إن كانت الشاة لا تبلغه، وقال ابن خالد: من أشهد بماله لرجل بدين مبهم، ولامرأته عليه صداق مائة نخلة فإنَّها تحاصصه؛ فإن كان المال يسواها كان لها نصفه؛ وإن كان يسوى مائتين فلها ثلثه؛ وإن كان يسوى ثلاث مائة كان لها ربعه؛ فإن كان يسوى خمسين فلها ثلثان وله الثلث وينظر في هذا.
وإن قال: ما خلَّفت أو ما تركت فلفلان فله جميعه؛ وقيل: لا، حتَّى يقول: من مالي أو من مال؛ وإن قال داري أو بستاني لفلان اختار أبو عليٍّ وغيره وجوبه، وقيل: لا؛ وإن قال هذا المال له أو هذه الدَّار فإقرار ثابت، قال أبو سعيد: بلا خلاف.
ومن بعث مع رجل ألفا فقال له مائة منه للفقراء ومائة لفلان والباقي لبنيه، فمات الباعث قبل أن يضع ذلك حيث أمره، فهو إقرار منه لهم؛ وإن حضر مريضا (6/321)
صفحة 2860
أناس وله ابنا بنت وابنا ابن فقالوا له: أليس لابني ابنك ميراث أبيهما أو ثلث مالك، فقال: نعم، ولمن هو إلاَّ لهما، فقال أبو الحسن: لا يثبت حتى يكون إقرارا؛ وقيل: إنَّه إقرار ثابت، ومن قال: يوم أموت فلفلان كذا فإقرار، وقيل: وصيَّة؛ وقيل: لا أحدهما حتى يقول: من مالي؛ وإن قال: كلُّ مالي بعد موتي فلفلان فلا يثبت؛ وقيل: يثبت ويخرج مخرج "إن" أو ّإذا" متّ كما مرَّ؛ وإن قال: كلُّ مالي فله ثبت وخرج مخرج الإقرار والوصيَّة أيضا.
وإن قال: أوصيت لزيد بنصيب بعض أولادي بطلت وصيَّته، لأنَّه لا يستحقُّه غيره؛ وإن قال: بمثله وله ابن وبنت فله مثلها؛ وقيل: نصف كلٍّ.
ومن ماتت بنته ولها ولد، ولماَّ احتضر أوصى أنَّ له مثل ميراث أمِّه ثبت له وأبطله أبو سعيد.
أبو المؤثر: في مشهدة أنَّ لبنت ابنها في مالها مثل سهم أبيها من ميراثه منها، لا يثبت له إقرار ولا وصيَّة؛ وإن كان عند بعض وصيَّة فضعيف إذ لا يعرف من يموت من ورثتها، وذلك مبطل لإشهادها، والخلف في إثبات ذلك وإبطاله شهير.
فصل
من أقرَّ أنَّ أحد هذين ولدي فلهما إرث واحد منه؛ وإن قال: أحد عبيده: حرٌّ، عتقوا معًا ولا سعاية عليهم؛ وإن أقرَّ أن عنده أو معه أو في يده أو صندوقه أو منزله أو في ماله كذا فوديعة وكذا؛ إن قال: أودعني أو أعارني فلان كذا، وإن قال: دفعه إليَّ أو أقبضني إيَّاه فمضمون إلاَّ إن اتَّصل الإقرار بادِّعائه وديعة أو غيرها؛ وإن قال: أخذت أو قبضت أو عليَّ أو قبلي فمضمون ولو ادَّعى ما يسقط الضمان لا غصب إلاَّ بما يعرف به، لأنَّ الأخذ والقبض قد يكونان غيره؛ وإن قال: عندي له كذا فأمانة حتَّى يصح أنَّه مضمون. (6/322)
صفحة 2861
أبو سعيد: من أقرَّت أنَّها قالت أشهد الله وملائكته أنَّ هذا الغلام لزيد فإقرار ثابت ولا شهادة أصح من هذه الشهادة ولا رجوع [496] لها (1)، وكذا إن صحَّت عطيَّتها هذا العبد لزوجها بإقرار أو بيِّنة وقبوله لها قبل أن ترجع، لأنَّه لا إحراز بين الزوجين، لأنَّ القبول منهما كاف، ومن أشهد بحقٍّ عليه لزوجته أو غيرها في ماله ونفسه فضعيف، والغرماء شرع فيه، ولا يمنع هو أيضا من بيعه؛ وإن قالت مريضة: لفلان نخلة من مالي أو فيه، ثمَّ قالت: إن متَّ من مرضي أو إلى سنة وإلاَّ فالمال مالي؛ فإن اتَّصل قولها كانت له من ثلثها، وإلاَّ فإقرار ثابت عليها، ولو رجعت.
ومن قال: كلُّ مال لي (2) فهو لفلان دخل فيه حتى الدَّين؛ وقيل: إلاَّ الدَّين؛ وقيل: إن احتج المقرُّ فله حجَّته وإلاَّ أو مات دخل فيه كلُّ ماله من دين أو غيره.
ومن قال: عليَّ درهم لخالد لزيد لمحمد أشبه أن يكون لمحمد فقط، كما لو قال هند زينب فاطمة طالق وهنَّ نساؤه طلِّقت فاطمة فقط، وإن قال: عليَّ لزيد درهم لعبد الله أشبه أن يكون لعبد الله؛ وإن قال: عليَّ لفلان ولفلان درهم فبينهما؛ وإن قال: عليَّ لزيد عبد الله درهم لم يثبت لأحدهما؛ وإن قال عند موته: عليَّ بعض المائة لفلان فله قيل نصفها؛ وإن قال: نحوها فله عند هاشم تسعة وتسعون وقد مرَّ؛ وإن قال: دونها احتمل القلَّة والكثرة؛ وإن قال: إن حدث فيَّ حدث فلفلان كذا من مالي؛ فإن بال أو تغوَّط فهو حدث وما كان من شيء فحدث ويلزمه ما قال، إلاَّ إن قال: حدث موت فوصيَّة؛ وقيل: إقرار كما مرَّ؛ وإن قال: عليَّ له حقٌّ أو شيء يختار به ما شاء من مالي أو من نخلي أو من غنمي أو إبلي فلا يثبت عليه إلاَّ إن جعل له شيئا من ماله بلا خيار له به، وكذا إن اقرَّ له بمعروف ويختار به ما شاء منه فلم يختر حتَّى رجع أو مات، فله حقُّه لا الخيار، والزوجة فيه كغيرها، وإن قال: لها صداق، أخذ حتَّى يقرّ له بما شاء ويحلف عليه؛ وإن مات فلها أقلُّ الصَّداق، وكذا إن قال: لها عليَّ عاجل وآجل؛ وإن قال: صداق كثير، فلها أكثر صدقات نسائِها؛ فإن قال: علي لفلان نقد
__________
(1) - ب: - «لها».
(2) - ب: «كل مالي». (6/323)
صفحة 2862
لم يثبت له شيء، وإنَّما يثبت ذلك لها؛ وإن قال: لزوجتي أو لزوجي أو لامرأتي أو لصاحبتي كان ذلك لها والكلُّ بمعنى.
فصل
إذا وجد في وصيَّة: اعترف فلان لفلان بكذا أو دان له به، أو أنَّ عليه له كذا، أو قال له: كذا عليَّ، كان في نحو هذا مقرًّا ولا يثبت عليه حتَّى يقول: عليه؛ وإن قال: له قبلي أو عندي أو معي كذا؛ فإن كان عند الحاكم سئل: كيف كان ذلك له؟؛ فإن احتج فيه فلا يثبت عليه إن كان أمانة أو وديعة فتلفت، أو نحو ذلك مما يعذر فيه؛ وإن قال: عليّ، لم تكن له حجَّة عند الحاكم، وكذا إن قال: له من مالي أو فيه، ثبت عليه ما أقرَّ به ولا حجَّة له فيه؛ وإن قال: قبلي له أو معي أو عندي كذا في وصيَّتي، ومات، ثبت في ماله وكان إقرار؛ وإن قال: مالي هذا لزيد شهرا أو محدودا كان للمقرِّ له فيه، فإذا انقضى خرج من يده؛ وقيل: ثابت له على الدَّوام، وتلك الصِّفة حشو.
ومن قال: مالي هذا لفلان، فقال فلان: رددته عليه وقبضه فلا يثبت للمردود عليه في الحكم، لأنّ الإقرار لا يخرج على معنى الهبة والعطيَّة، ولا يثبت إلاَّ بقبض وقبول، ويرجع بالرَّد ممن قبضه وقبله على من أعطى ووهب، وإنمَّا الإقرار ثابت للمقرِّ له على معنى الانتقال من ملكه، فليس ردُّه له بشيء، لأنَّه لو قال: لما يملكه قد رددت هذا على فلان كان مستحيلا على معنى العطيَّة، ولا معنى لهذا إلاَّ إن قصد به إليها، وفي التَّعارف يثبت فيه حكمها (1).
ومن قال: هذه النَّخلة لفلان نحلة له فنحلة؛ وقيل: إقرار إن كان موصولا، وقال: نحلة له منيِّ، وإلاَّ كان إقرارا اتفاقا، وكذا إن قطعه بكلام أو سكوت؛ وإن قال: سلَّمتها إليه، ولم يقل: بكذا، فلا تثبت لمن سلَّمها إليه لمكان الاحتمال؛ وإن قال:
__________
(1) - ب: «حكمه». (6/324)
صفحة 2863
قد أزال ماله لفلان فالإزالة تحتمل الوكالة والوديعة والهبة والإقرار، فالقول فيها قول المزيل إن كان حيًّا، وإلاَّ فلا يثبت منها شيء إلاَّ إن صحَّ أنَّها منه إقرار.
أبو سعيد: من شهد لامرأة بماله بحقٍّ أو بإقرار فقالت: رددته عليه، فذلك لا يرجعه إليه إذ لا يقع ذلك اللَّفظ إلاَّ على ملكه، وكأنَّما ردّته عليه؛ وإن قالت: رددت عليه مالي الذي أقرَّ لي به وأشهد لي أو المال الذي قضاني إيَّاه عطية مني له أو على وجهها، ثبت له عطية؛ وإن لم تسمِّها فلا يرجع عليه، لأنَّ الرد إنَّما يكون من العطية والإقالة من القضاء ومن الإقرار، لأنَّ قولها: رددت عليه ما قضاني إيَّاه لا يدري به ما هذا الرَّد إلاَّ إن أقرَّت بشيء فهو ما أقرَّت به؛ وقيل: إنَّه والعطيَّة لا يثبتان إلاَّ بالإحراز؛ فإن كان المردود عليه زوجا كفاه القبول باللِّسان إذا شهد به ولو كان ميِّتا وقد مرَّ بعض ذلك. (6/325)
صفحة 2864
الباب الثالث
في الاستثناء في الإقرار
فمن أقرَّ لأحد بشيء واتَّصل استثناؤه بإقراره فقد ثبت عن ابن سعيد؛ وقال ابن محبوب: إنَّه يهدمه، وقال أبو سعيد: إن عنى بقوله الاستثناء الشَّرط ثبت الإقرار وإلاَّ فلا، وقيل: لا ولا الشَّرط؛ وقيل: يثبت ويبطل الشَّرط إن لم يرد به الشَّرط فالوقف فيما أراد به.
ومن قال: إذا متُّ فمالي لفلان، فقيل: يثبت إقراره بعد موته؛ وقيل: لا لأنَّ فيه شرط الاستثناء، وقيل: يثبت وصيَّة في الثلث.
ومن أقرَّ أنَّ المنزل الذي سكنه وكان بيده لفلان، وليس له فيه إلاَّ الطِّين والجذوع والأبواب، وقال (1) فلان: لا شيء لك معي فيه، فالبيِّنة على السَّاكن [497] إن وجدها، وإلاَّ فالأرض بما فيها لصاحبها مع يمينه (2).
وإن قال مريض: إن متُّ فعليَّ لفلان ألف درهم، وإلاَّ فلا تشهدوا عليَّ بشيء. فقيل: عليه ذلك مطلقا؛ وقيل: إن مات، وإلاَّ لم يثبت عليه، لأنَّ فيه استثناء.
ومن قال: نخلتي لك إلى كذا، أو إلى بلوغ (3) ابني ومات في مرضه ثبت الإقرار وبطل الحدُّ كما مرَّ.
__________
(1) - ب: + «له».
(2) - ب: - «مع يمينه».
(3) - ب: «بلوغي»، وهو خطأ. (6/326)
صفحة 2865
وإن قال: عليَّ لفلان ألف (1) إذا متُّ ثبت عليه إذا مات عند ابن عليٍّ، ومطلقا (2) عند ابن محبوب لإبطاله بالاستثناء.
ومن أقرَّ أنَّ عليه لعمر ألفا إن شاء زيد، فمن يبطل الإقرار بالاستثناء يبطله، ومن لا يراه هاد ماله يثبت؛ وإن قال: عليَّ لزيد ألف إن شاء الله، فذلك وكذا في الوصايا؛ وإن قال عندي له ألف إن شاء فلان فهو باطل. وكذا إن قال: عليَّ له ألف، إلاَّ إن بدا لي أو أرى غير ذلك، أو إن رأيت ذلك، أو إن دخل الدَّار، أو مطرت السَّماء، أو هبَّت الرَّيح، أو إن تكلَّم، أو نام فهو باطل.
وإن قال: إنَّ جملة هذا المتاع إلى بيتي جاز؛ فإن حمله كان الألف له؛ وإن قال: له عليَّ ألف فيما أظنُّ أو أرى، أو خليق لك عليَّ أو لعلَّه (3) فباطل، لأنَّه شك، وعندي في نظم خليق في سلك ذلك تأمّل؛ وإن قال: فيما أعلم جاز وكان إقرارا.
أبو سعيد: من عليه لرجل حقٌّ فمرض فقال له: إن جعلتني في الحلِّ فكلُّ ما تركته فهو لك؛ فإن جعله فيه ممَّا استثناه عليه، فقيل: يكون له (4)؛ وقيل: لا.
وإن قال: كلُّ ما تركته فهو لك إن جعلتني فيه، فقيل: يكون إقرارا ولا يبطله الاستثناء؛ وقيل: يبطله؛ وقيل: إن أحلَّه كان له وإلاَّ فلا.
ومن أقرَّ بشيء واستثنى بعضه جاز له ما اتَّصل إقراره؛ فإن استثنى الكلّ لزمه الكلُّ.
أبو الحواري من قالت لزوجها صداقي لك ثبت له، لا إن قالت: على أنَّ لي ما علَّته، وكذا في العطيَّة.
__________
(1) - ب: «ألف لفلان».
(2) - ب: «وبطل مطلقا».
(3) - ب: «فلعلّه أو لعلّه».
(4) - ب: «عليه». (6/327)
صفحة 2866
ومن قال (1): مالي لك ما حييت فقيل: إقرار ثابت؛ فإن ماتا أو أحدُهما ثبت للمقرِّ له أو لوراثه ولا ينفعه استثناؤه؛ وإن قال: لك حياتَك فإذا متّ رجع إليَّ فقولان.
وإن قال: بيتي هذا لك إلاَّ جدره وغماؤه، فقيل: هو كما قال؛ وقيل: الإقرار ثابت والاستثناء باطل، وكذا في الخاتم والفصُّ كما مرَّ، وفي كلِّ مجمل (2) أقرَّ به واستثنى منه مفردا باتصاله أو بعد انقطاعه؛ فإن أمكنت إزالته عنه؛ فإن اتَّصل ففيه خلاف، والأثبت الإقرار وبطل الاستثناء.
فإن قال: هذه الشَّاة إلاَّ كبدها أو بعض لحمها لم يثبت، إذ (3) لا يمكن تميزه منها إلاَّ بعد ذبحها، وجوِّز؛ ويكون الكبد أو (4) نحوه بحاله إلى أن تذبح فيأخذه لا في الوصيَّة؛ فإن اختلفا في ذبحها اختير بقاؤها لينتفع بها؛ وإن كان لا فساد في ذبحها ولا يصل كلّ إلى ماله منها إلاَّ بعده، ورأى العدول أنَّ تركها أصلح، لم يجز إدخال الضَّرر على من لم يرد ذبحها؛ وقيل: لا يجوز منع صاحب الكبد من أخذه إن أراده وتذبح خوفا من إتلافها.
فصل
أبو سعيد: من أقرَّ لأحد بماله أو أعطاه إيَّاه بحقٍّ يشهد له به؛ فإن استثنى ما علَّه إلى أن يموت فذلك ثابت إذا كان متَّصلا، وفي نقض القضاء بالشَّرط قولان كالإقرار، وذلك إن جهل الشَّرط فيبطل ويثبت القضاء، وإلاَّ ثبت على ما شرط كالأكل مدَّة معروفة.
__________
(1) - ب: + «لرجل».
(2) - ب: + «إن».
(3) - ب: «لأنَّه».
(4) - ب: «و». (6/328)
صفحة 2867
ومن قالت لأولادها: هذا المال لكم ولي ثمرته ونفقتي وكسوتي فيه، ثبت الإقرار لهم به لا نفقتها وكسوتها (1)؛ وإن قالت: على أن تنفقوا عليَّ منه، فقيل: يثبت الإقرار لا الشَّرط؛ وقيل: كالعطيَّة ويضعف ذلك، واختير أنَّه إن عرف منها أنَّها تريد العطيَّة لهم، لا إنَّ أصل المال لهم، فتريد الإقرار به لهم، فلا يحكم لهم بحكم الإقرار بل بأحكام العطيَّة فيما يسعهم، ويبطلها الإلجاء والاستثناء المجهول، والنَّفقة والكسوة مجهولان، ويبطلان العطيَّة.
ومن قالت لزوجها: حقّي عليك هو لك إن تركت شرب النَّبيذ أو صمت غدا، فقيل: الإقرار ثابت لا الاستثناء؛ وقيل: يبطلانها.
فصل
من قال: عليَّ عشرة إلاَّ خمسة فقد اعترف بها، وإذا قال: إلاَّ أربعة فقد زادها عليها فصارت تسعة، فإذا قال: إلاَّ ثلاثة فقد نقصها منها فبقيت ستَّة، فإذا قال: إلاَّ اثنتين زادها عليها فصارت ثمانية؛ هكذا يكون الأوَّل نقصانا والثَّاني زيادة.
وإن قال: عليَّ لفلان درهم إلاَّ تسع مائة وخمسين فعليه خمسون؛ وإن قال: عليَّ له ألف درهم ومائتا دينار إلاَّ ألف درهم لزمه الكلُّ وبطل استثناؤه، ولا يجوز استثناء أحد النَّوعين كلِّه.
وإن قال: علي له كرّ حنطة وكرّ شعير إلاَّ كرّ حنطة وقفيزُ شعير جاز فيه وبطل في الكرّ.
وإن قال: علي له ألف - أستغفرُ الله - إلاَّ مائة، لزمه الألف لبطلان الاستثناء بالفصل.
وإن قال: له ألف إلاَّ عشرة قضاه إيَّاها، لزمه الألف كلُّه من قبل أنَّه استثنى قضاء ادَّعاه؛ فإن قال: عليه ألف الألف لزمه الألف وكذا إن استثنى أكثر مما أقرَّ به،
__________
(1) - ب: «لا كسوتها ونفقتها». (6/329)
صفحة 2868
أو غيّر جنسه كما لو قال: عليه ألف درهم إلاَّ دينار، أو ألف دينار إلاَّ ألف درهم، أو كرّ حنطة إلاَّ درهما، أو مائة درهم إلاَّ صاعا برا أو إلاَّ ثوبا، أو ثوب طوله كذا أو عرضه كذا إلاّ عشرة دراهم؛ بطل الاستثناء في ذلك.
وإن قال: عليَّ له ألف درهم فاشهدوا بذلك إلاَّ عشرة دراهم، بطل أيضا للفصل.
وإن قال: جاريتي هذه لفلان إلاَّ خدمتها، بطل استثناؤه وكانت مع خدمتها له؛ وقيل: [498] ثبت معا.
فصل
من قال: هذه الجنَّة لفلان إلاَّ بطانتها، فإنَّها تبع للبطانة؛ وإن قال: هذا السَّيف إلاَّ حليته؛ فإن كانت في القائم تبعت السَّيف؛ وإن كانت في الجفن فتبع له؛ فإن استثناه فهو له مع الحلية؛ وإن أقرَّ به فهي تبع له؛ فإن قال هذه الدَّابة إلاَّ سرجها أو لجامها أو ما عليها جاز الاستثناء.
وإن كانت له أمَة فأقرَّ بها الرَّجل وبيدها دراهم وعليها ثياب فادَّعاهما، فلا يصدق فيهما وهما تبع لها، وكذا إن كان لها غيرهما لا ولدها، إلاَّ إن كانت حرَّة يوم ولدته؛ وإن استثنى الفصَّ من الخاتم بطل وثبت إن استثناه من حلقة الفضة، وانظر الفرق.
وإن كان بيده صندوق وفيه متاع، فقال: هو لفلان والمتاع لي، فهو كما قال، وكذا في الدَّار وما فيها ولم يذكره أيضا لكان له ولا شيء منه للمقرِّ له بالدَّار. (6/330)
صفحة 2869
الباب الرَّابع
في الإقرار بالمشتبه بجنسه وغيره والذي لا لمعين
أبو الحسن: من أقرَّ عند قوم أنَّ عليه لفلان ثلاثين أو خمسين أو غيرهما من العدد، ولم يسمِّ ما هو ويشهد عليه به، وأنكر هو فلا يثبت عليه شيء بذلك؛ فإن شهد عليه أنَّه أقرَّ أنَّ عليه لرجل عشرين جريا ولم يسمِّه فلا يثبت أيضا ولا يلحقه شيء إلاَّ إن أقرَّ به؛ فإن شهد عليه أنَّه أقرَّ أنَّ له عليه ثلاثين، وقال: عليّ له ثلاثون درهما عدنية لم يقبل منه إلاَّ إن كان فيها. أبو سعيد: لا يحكم عليه إلاَّ بما أقرَّ، إلاَّ إن شهد عليه بغيرها، قيل له: فلو كان المقرُّ والمقرُّ له من عمان معا أو كانا بعدن فأقرَّ له بدراهمها أيثبت له وعليه؟ قال: نعم؛ وقيل: إذا قال له: عليَّ ثلاثون عدنيَّة متَّصلا، فليس له إلاَّ عدنيَّة؛ وإن سكت ثمَّ ادَّعاها فكما قيل في الأولى؛ فإن أقرَّ أنَّ عليه له جريب حبِّ ولم يعينه، أخذ حتَّى يقرّ له بما شاء منه مع يمينه؛ وإن ادعى إليه عند الحاكم ألف درهم أو معروف فقال: إنَّما لك عليَّ نصفه أو مائة درهم، فقال إنَّما لك خمسون ولم يبيِّنها؛ فله خمسون درهما على وفق الدَّعوى، واختار أبو سعيد أن يلزمه إلاَّ ما أقرَّ به؛ وإن أقرَّ أنَّه اشترى منه بمائة أو غيرها من العدد ولم يبيِّن لزمه نوع ما يتبايع به في البلد؛ وإن أقرَّ بمعروف في البيع ثبت وإلاَّ بطل إلاَّ إن رضي البائع بما أقرَّ به.
وإن أقرَّ أنَّ عليه لزوجته كذا وكذا صداقها أو تزوَّجها به ولم يبيِّنه دنانير ولا دراهم ولا نخلا، فعليه - قال أبو الحسن -: نقد بلدهما فيه ممَّا يصدق فيه للنِّساء ولو نخلا، وقال أبو سعيد: إن قال إنَّ عليه صداقا حقًّا لفلانة ولم يبيِّن كمِّيته، فقيل: يعطيه الوارث ما شاء ويجبر عليه ثمَّ يحلف ما علم أنَّه أكثر إن لم يكن يتيما، ويحكم (6/331)
صفحة 2870
لها بالصَّداق في مال الميِّت، ولو كان وارثه يتيما، لكن بأقلّه، ويحلف إذا بلغ ما يعلمه أكثر، وكذا الغائب والمجنون والأعجم.
ومن دفع إلى زوجته شيئا، فسألته: لمن هو؟ فقال: مبعوث معي ومات وترك يتامى، فقيل: لا يزيله ذلك من ملكه، لأنَّ البعث يتصرَّف وهو أولى بما في يده، حتَّى يقرَّ بصاحبه أو يشهد به بعد موته.
ومن بيده مال فقال لوارثه: إنَّه ليس ل، ي فقوله هذا لا يكون حجَّة على الوارث عند أبي الحواري حتَّى يبيِّن ربَّه، ويترك عند أبي الحسن، واختار غيره أنَّه لا ينقله في الحكم من ملكه هذا الإقرار.
ومن قال: هذا لي ولغيري أو شركة بيننا، فهو له بحاله في الحكم، حتَّى يبيِّن ما ينقله عنه؛ وإن قال في مرضه: موضع من مالي حرام وهو في موضع كذا، لم يلزم وارثه قبول قوله، إلاَّ إن بيَّنه لأحد. (6/332)
صفحة 2871
الباب الخامس
في الإقرار بالمال هل يدخل فيه الدَّين أم لا
ومن أشهد بماله لأحد وأقرَّ له به وهو ديون عاجلة وآجلة أو كان له تمر أو حبٌّ (1) أو دراهم على أحد، فقيل: الدَّين داخل في جملة المال مطلقا؛ وقيل: لا مطلقا؛ وقيل: إن مات ولم يحتج دخل وإلاَّ واحتَجَّ نظرت حجَّته؛ فإن قبلت وإلاَّ دخل، لأنَّ الدَّين من ماله؛ ولا يدخل الجهل ولا الرِّبا في الإقرار وكذا في الوصيَّة، ولا يجوز شراء ما على أحد من دين ولو بنقد، لأنَّه لا بيع فيما لم يقبض، ولا بيعه كما مرَّ من النَّهي، وكذا لا يدخل الدَّين والدَّراهم في بيع جميع ماله إذا باعه.
أبو سعيد: من قال: كلُّ ما يملكه في كذا فهو لفلان أو قد قضيته إيَّاه بحقٍّ له عليَّ أو أقرَّ له به، فقيل في الإقرار: إنَّه يثبت عليه كلُّ ما يملكه ولا ينتقض بالجهالة؛ وقيل: له النَّقض بها حتَّى يقرَّ بمعرفته وتحديده؛ وقيل: ينتقض البيع والقضاء والعطيَّة بالجهل إذا رجع فيه به.
ومن قال: كلُّ مال لي في قرية كذا فهو لفلان وعلى رجل منها له حقٌّ، فإنَّه إذا كان الذي عليه الحقُّ حين الإقرار في القرية دخل فيه؛ وإن كان خارجا منها حينئذ لم يدخل فيها؛ وإن قال كلُّ مال له في بلد كذا فلفلان بحقٍّ له عليه وله فيه ذهبٌ وفضَّة ونخل وأرض، فهل يدخل ذلك في القضاء ويكون له جميع ما في البلد من مال الرَّجل؟ قال: نعم وكذا إن قال كلُّ مال لي فهو لفلان، وعلى قوم له ديون فإنَّها تدخل فيه.
__________
(1) - ب: «حبٌّ أو تمر». (6/333)
صفحة 2872
ومن مات وقد أوصى - قيل - بجميع ما خلَّفه من ماله من أرض ونخل ومنزل لزوجته بما لها عليه وترك يتيمة، فلا يثبت للزوجة إلاَّ الثلاثة.
ومن أقرَّ لرجل [499] بماله من نزوى وله دين على أهلها (1)، دخل فيه إذا لم يحتجَّ أو مات، لا ماله على رجل من غيرها ولو كان بنزوى يوم أقرَّ أو أوصى، واختار أبو سعيد أنَّه يدخل أيضا إن كان فيها.
ومن أقرَّ لرجل بميراثه من عمر وله دين على زيد، فقيل: إنَّ زيدا مخيَّر في دفعه للمقرِّ أو للمقرِّ له؛ وقيل: لا وإنَّما يدفعه للمقرِّ له، وكذا إن أعطاه ميراثه منه فالعطيَّة كالإقرار إلاَّ من الجهالة.
__________
(1) - ب: «على أهلها دين». (6/334)
صفحة 2873
الباب السادس
في الإقرار بالمال وغيره إلى أجل
فمن قال: هذا لفلان شهرا أو ستة أو نحوهما، فإنَّه يكون له فيه كما مرَّ، فإذا انقضى رجع عنه؛ وقيل: ثابت له دائما؛ وإن ردَّه على المقرِّ في المدَّة فلا يثبت الرَّد في الحكم، لأنَّ الإقرار ليس كالعطيَّة والهبة.
أبو الحسن: من أشهد لأخته بمال له تأكله حياتَها، فإذا ماتت فماله له وقبلت ثمَّ أشهدت لابنها به تأكله حياتها، جاز ذلك.
ومن أقرَّ لأحد بغِلَّة أرضه عشر سنين بحقٍّ له عليه، ثبت ولا رجعة فيه، وجاز ولو جهل فيه القضاء، وليس لوارثه فداؤها، فإذا مضت العشر في يد المقرِّ له ولو لم تغلَّ له فليس له غيرها؛ فإن قال: أعطيته أو قضيته أو بعت له غلَّة أرضي هذه عشرًا بحقِّ له علي فهو باطل لا يثبت؛ وإن لم يرجع حتَّى مات كان لوارثه إن لم يتمه، إلاَّ أنَّه إذا قال: قضيته كذلك كلِّف أن يقرَّ بما يشاء ويخلف ماله عليه غيره، وليس لوارثه انتزاعها إن لم تعرف قيمتها؛ فإن أقرَّ أنَّ له أرضه هذه عشر أفليس هذا بقضاء. (6/335)
صفحة 2874
الباب السابع
في الإقرار الغير الصريح
فمن قال: عليَّ لفلان ثلاثة أنصاف درهم، لزمه درهم ونصف؛ وإن قال: أرسل من يأخذ دراهمك أو اقعد أزنها، أو لم تحلّ بعد أو أبرأتني منها أو قبضتكها أو نحو ذلك (1)، فلا يلزم المال بهذا؛ فإن قال: فعلت كذا يوم أقرضني فلان مائة درهم أو يوم ابتعت منه كذا بمائة فإقرار.
ابن المسبِّح: من ادَّعى على رجل عشرة دراهم فقال: علي له درهم، فقال المدَّعي: قد استوفيت منه إلاَّ درهمين، فقال هو: قد أوفيته إلاَّ درهما، قُبل قول المدَّعى عليه، لأنَّ قوله أوفيت لا يلزمه العشرة حتَّى يقول: نعم قد كانت له علي فأوفيته أو أعطيته إلاَّ درهما؛ فتلزمه حينئذ بيِّنة. وقيل إذا قال (2): كانت له علي متَّصلا بأوفيته إيَّاها لا تلزمه.
ومن ادعى على رجل ألف درهم فقال له: قد استوفيت مني فلا يكون إقرارا بالألف؛ وإن قال (3): استوفيتها مني، احتمل أن يكون عن غيره أو أوفاها عنه؛ وكذا إن قال: استوفيت ذلك مني.
ومن أحسن إلى رجل فقال عند مرضه: أريد أن أكافئ المحسن إليَّ، وأقرَّ بمالي كله له، ولا يعرف قدر إحسانه، فلا يجوز له أن يقرَّ له إلاَّ بقدره، أو مثله، أو قيمته، ولا يزيد عليه في مرضه.
__________
(1) - ب: «هذا».
(2) - ب: - «قال».
(3) - ب: - «قال». (6/336)
صفحة 2875
ابن بركة: من قال: عندنا لفلان ألف درهم فعليه منه الثلث، قال وهذه: كلمة يتكلَّم بها الملوك وعلى من تكلَّم بها منهم الثلث. أبو الحسن: لا أعرف اللغة في هذا، إلاَّ أنِّي عرفت أنَّه إذا قال: عندنا أو علينا، فإنَّما عليه ثلث ما أقرَّ بهـ لأنَّ أقلّ الجمع ثلاثة. (6/337)
صفحة 2876
الباب الثامن
في الإقرار لفلان أو لفلان
فمن قال: عليَّ حقٌّ إمَّا لفلان أو لفلان وهما يطلبانه، أو لا يطلبانه، ففي الفتيا أنَّه إذا علم أنَّه لأحدهما أو لم يعلمه فالأحوط دفعه إلى كلٍّ منهما، ولا يحكم عليه به لأحدهما بل لهما؛ فإن صحَّت بيِّنة أنَّه لأحدهما فهو له، وإلاَّ أو عجزا عنها تحالفا فيه وقسَّماه؛ وإن قال لفلان: عليَّ ألف أو لفلان، ثمَّ أنكر فلهما أن يأخذاه معا؛ وإن يحلفاه؛ فإن لم يحلف لهما لزمه لكلٍّ منهما ألف؛ فإن قال: لفلان علي ألف لفلان أو لفلان فللأوَّل نصفه والآخر بينهما إن حلف لهما، وإلاَّ لزمه لكلٍّ منهما خمس مائة؛ فإن قال: لفلان قبلي مائة أو لفلان ولفلان، ثمَّ أنكر وقامت عليه بيِّنة، فللثالث منهم النِّصف والآخر بين الأوَّلين ويحلف لهما؛ وإن أنكر لزمه لكلٍّ خمسون؛ وإن قال: لفلان علي ألف وإلاَّ فلفلان كان للأوَّل؛ وإن قال: له علي ألف أو عبدي حرّ فإنَّه يعتق ويلزمه الألف وقد مرَّ نحو ذلك. (6/338)
صفحة 2877
الباب التاسع
في إقرار الإلجاء
فإن أشهدت امرأة لصغيرها بإرثها من كذا، فقيل لها: لا يجوز ذلك لأنَّه وارث، فأشهدت أنَّ عليها كذا وكذا دينا (1)، فله عليها كما أقرَّت، وعليه اليمين إذا بلغ: ما يعلم أنَّ ذلك له إلجاء منها إليه؛ وقيل: إذا أقرَّت لوارثها ببعض مالها أو بدين ولم يلزمها، وإنَّما أرادت تفضيله وجعلته على وجه يثبت له إذ لم يجز وصيَّة، فلا يسعها ذلك وختمت عملها بمعصية إن لم تتب.
أبو سعيد: إن قالت ذات زوج ومال وأولاد: لهم مالي نفقتي وكسوتي فيه وقد ألجأته إليكم؛ فإن قالت: هذا بعينه لكم، كان إقرار، ولا يضرُّ قولها: ألجأته إليكم؛ والإلجاء الذي لا يثبت على ربّ المال أن يمسك عليه الملجئ إليه به، وهو أن يعطي رجلا ماله على شرط أنَّه إنَّما يعطيه إيَّاه في الظَّاهر، أو يقرَّ له به فيه؛ فإن كتم ذلك عند الإشهاد وقد أسّس عليه، فذلك لا يجوز في الحكم ولا في الجائز لبطلانه في الأصل؛ فإن قال له: قد ألجأت إليك مالي فإقرار؛ فإن علم الملجأ إليه أنَّ على الملجئ دينا وأنَّه يلجئه عن غرمائه فلا يجوز له قبوله، إذا لم يحتمل له عذر، ولا يدفع الحقُّ بباطل ولا إعانته على ظلمه، فمن ألجأ ماله لزيد ثمَّ صحَّ عليه دين لعمر فعلى زيد أن يحلف لعمر إن طلبه ما يعلم أنَّه ألجأه إليه إلجاء، لأنَّ زيدا لو أقرَّ به ثبت المال في دين عمر، وكلُّ حالف على فعل غيره فإنَّما يحلف على علمه، وكذا كلُّ حالف عن غيره على ما جاز اليمين فيه عنه مما يتولَّد عليه فيه. ومن سمع من يرثه يقرُّ بماله لغيره، لم يجز له أن يأخذ منه شيئا إذا صار إليه بإرث أو غيره؛ [500] وإن لم يسمعه فله أكله، وكذا من أقرَّ لورثه فلان بمال أو سمعه بعضهم دون بعض ولا بيِّنة بالإقرار فلمن سمعه أن يأخذ ويأكل دون من لم يسمعه.
__________
(1) - ب: - «دينا». (6/339)
صفحة 2878
الباب التاسع
في الإقرار بالملكيَّة
فمن أقرَّ أنَّه غلام زيد أو عبده أو مملوكه فلا يوجب عليه إقراره هذا الملكيَّة له، وإن قال: غلام له أو عبد له لزمه قيل بذلك؛ فإن قال: أنَّه (1) مُلك له فهو أقرب إلى الثُّبوت؛ فإن قال: أنا له أو خادم له ثبت عليه ذلك، لا إن قال: مولى له لأنَّه يكون سيِّدا وعاصبا وغيرهما؛ فإن قال: إنَّه كان لفلان أو أعتقه أو أنَّه من عتقاء بني فلان، فهو حرٌّ حتَّى يصحَّ أنَّه مملوكا أو يقرَّ به إلاَّ قوله: أعتقني فلان؛ فإن حكمه حُكم له عليه بالرُّقية، وعليه البيِّنة إن أنكره فلان.
فإن غاب حيث لا تناله الحجَّة فقال: قبلت، فإذا لم يقرَّ بالملكيَّة فحكمه الحرِّية حتَّى تصحَّ الرقية. وقوله: أعتقني فلان لا يثبت عليه الملكية عند السَّامع، وإذا حاكمه فلان وأنكر أنَّه عبده ولم يعتقه فعليه البيِّنة بالعتق، وعلى فلان اليمين ما أعتقه؛ وإن قال: إنَّه حرٌّ فعلى المولى أن يبيِّن أنَّه عبده؛ وإن أقرَّ بالملكية والعبد بلفظ واحد وقدَّمها لم يقبل قوله أعتقني ولا يستعمل، وعن جابر: ما أقرَّ المكاتب من حدّ أو دين لزمه؛ وإن أقرَّ عبد أنَّه جرح رجلا وأنكر مولاه ثمَّ عتق وطلب الجريح إليه جرحه، فلا يدركه بشيء إلاَّ إن أقرَّ حال الحرِّية.
وإن أقرَّت أمة أنَّها مملوكة لرجل فإنَّما يشهد على إقرارها بالملكيَّة لا أنَّها أمة، لأنَّ شهادة الإقرار غير شهادة القطع، واليد لا تثبت في الأنفس الملك كما تثبته في غيرها ولو حيوانا (2) بهيميا.
__________
(1) - ب: - «أنه».
(2) - ب: «حيوانيا». (6/340)
صفحة 2879
وعن الشَّعبي: لا يجوز اعتراف الصَّغير والرَّقيق في الجراحة، وقال هو والنخعي وقتادة: لا يجوز إلاَّ في الحرَّة وأجازه عبد الوهاب فيما يلزم بدنه لا فيما يدخل على سيِّده غراما إلاَّ ببيِّنة؛ وجوز إقرار بالغ الملكيَّة عليه لمن أقرَّ له بها ما لم يعرف لغيره أو بالحرِّية، وكان لابن محبوب عبد فهرب عنه وأقرَّ أنَّه له، ولم يقبلوا ذلك من ابن محبوب حتَّى أقام عليه (1) بيِّنة، فقال: ما تلزمنا.
والبالغ إن كان بيد رجل فقال له: أنت عبدي، فقال لا ولكنَّي عبد فلان، قُبل قول من كان في يده لأنَّه إذا أقرَّ بالعبودية ثبت إقراره لمن (2) بيده ودعواه أنَّه لغيره وسكوته سواء، وهو للذي بيده ثمَّ يقيم غيره بيِّنة أنَّه له؛ وقيل: هو لمن ادَّعى العبد أنَّه له إذا صدَّقه وعلى الذي ينفيه العبد من ملكه البيِّنة أنَّه له.
__________
(1) - ب: - «عليه».
(2) - ب: + «كان». (6/341)
صفحة 2880
الباب العاشر
في الإقرار عند الموت وما للوارث فيه الخيار وغير ذلك
فإذا أقرَّ ميت بحقٍّ مما له عليه في حال تجب فيها عليه الوصيَّة، فعلى الوارث قبل إنفاذه؛ وإن لم يوص به، وإقراره ثابت عليه في ماله وفي كونه من الكلِّ ومن الثلث قولان؛ وإن أقرَّ أنَّه لم يزن ما بيده كذا وكذا سنة، جاز قيل على الوارث لأنَّه حق في ماله وقد أخذه بما فيه؛ وقيل: لا، إلاَّ إن أوصى بإنفاذه، وقد مرَّ ذلك.
ومن بيده دراهم لغيره فأقرَّ بذلك؛ فإن كان وصيا فعلى اليتيم إخراج ما أقرَّ به وصيُّه بعد بلوغه؛ وإن كان مؤتمنا للميت فإذا أقرَّ بذلك للوارث لم يلزمه في الحكم إلاَّ إن احتاط على الميّت (1)، إذ لم يوص به.
ومن مرض وسافر فأشهد أنَّ عليه حقًّا أو دراهم لفلان، فقال: إن متّ فله قطعتي بكذا وكذا منه، ولم يسمّ كمِّيته ثمَّ صح أو رجع فأكلها حتَّى مات فطلبها أو ألحق فلانا فقال القوم: لا نعرف أنَّ لك حقًّا، ولم تستوجبها حتَّى رجع أو صحَّ، قال له: القطعة وللوارث أن يأخذها أو يعطيه حقّه إن سماه الميِّت وإلاَّ فقيمته؛ وإن قال: إن متّ فله قطعتي كذا من مالي، لم يجز لأنَّه قال: إنّ عليه حقًّا ولم يبيِّنه، وقال: قطعتي له فهو وصيَّة إلاَّ إن قال هي له به؛ وقيل: إقرار إن قال هي له بشيء من ماله؛ وإن قال: بحقِّه فإقرار؛ وقيل: قضاء.
__________
(1) - ب: - «على الميِّت». (6/342)
صفحة 2881
ومن وضع عند رجل حباًّ ثمَّ أقرَّ به لغيره ثمَّ أراد أن يأخذه، فإنَّه لا يدفع إليه لإقراره به لغيره، واختير أنَّه يدفع إليه، ولا يجوز أمره أن يدفع إلى غيره؛ وإن ادعى أنَّه له لم يقبل بعد إقراره به لغيره، ومن أقام شاهدين أنَّ فلانا أشهدهما أنَّ كذا وكذا من نقد له على فلان هو لفلان يعني هذا الطَّالب له، ثمَّ رجع المقرُّ يقبضه منه ثمَّ مات القابض أو أفلس، أو (1) جاء المشهود له يطالب الذي عليه ذلك، فلا يحكم له عليه شيء، وإذا صار ما عليه للذي داينه على هذا برئ، ويرجع الذي له ذلك على المقرِّ به.
__________
(1) - ب: «ثمّ». (6/343)
صفحة 2882
الباب الحادي عشر
في الإقرار للولد والوارث والحمل
وقد أبطل أبو الحواري إشهاد امرأة لولدها بكذا يوم تموت إن مات قبلها، إلاَّ إن قالت عليها ذلك له، وأثبته ابن محبوب، وهو عليها ويكون لوارثه؛ وإن قال مريض: إن كان لي أنثى فمنزلي لها، فمات وزوجته حامل فولدتها وذكرا فلم تكن له أنثى، قيل: فمنزله لها؛ وإن لم يعلم أنَّها حامل يومئذ فأتت بها فلها الإرث والإقرار؛ وإن أشهدت - قيل - حامل بمالها لولدها، ثمَّ ولدت لأقلِّ من ستَّة أشهر، فالإقرار له إن حيي أبوه، وإلاَّ لحقه ولو إلى سنتين، وثبت له الإقرار كالميراث [501] وكذا الوصيَّة؛ فإن ولدت لستَّة فأكثر وأبوه معها، فقيل: لا يلحقه الإقرار لا مكان أنَّه حملته بعده لأنَّه يلحق لستَّة فصاعدا؛ وإن شهد حامل أو أوصت أنَّها إن ولدت فمالها لولدها، فولدته فعاش ثمَّ مات وماتت بعده، فلا يجترئ على الحكم بمالها له على هذه الصِّفة، ومن احتضر وأشهد أنَّه إن ولدت زوجته ذكرا فسيفه له، فضعيف والسَّيف للورثة، ويثبت الإقرار للميت لا الوصيَّة.
ومن دفع إلى رجل دراهم وقال له: هي لولدي فلان فادفعها إليه، فهي له وأحق بها دون إخوته، ويدفعها إليه سرًّا؛ وإن قال: ادفع هذه الدَّراهم إليه أو هي له من عندي فهي لهم جميعا.
ولا يجوز الإقرار لما في البطن ولو ولد لأقلّ من ستَّة، وجازت الوصيَّة له إن بان الحمل لا العطيَّة، وأجاز أبو الحسن الإقرار له ويوقف عليه حتَّى يلد؛ فإن ولد حيًّا كان له وإلاَّ فلوارثه؛ وإن ماتت أمُّه فلورثتها، ونظر في ذلك أبو سعيد. ولا يرث الولد ولا يحكم له ولا عليه ما لم يخرج حيًّا. (6/344)
صفحة 2883
ومن أشهد - قيل - في صحته بشيء لولده، وأمَّا في بطن امرأته ومات جاز للولد وللحمل إذا أشهد له أبوه بحق له عليه، أو أقرَّ له به لا إن كانت له وصيَّة أو عطيَّة منه.
ومن أشهد عدلين أنَّ نصف ماله لأخيه، واحتج ابنه أنَّ أباه أقرَّ له بماله، وأقام على ذلك بيِّنة بعد موتهما؛ فإن سبق تاريخ الأخ فلوارثه نصف ذلك المال؛ وإن سبق تاريخ الابن فالمال كلُّه له؛ وإن لم يؤرخا معا فلوارث الأخ ربع المال وللابن ثلاثة أرباعه؛ ومن قال عند موته: لبنته عنده ألف درهم وبيِّنت أنَّ لها أكثر، فقال ابن عليٍّ: لها ما قامت به البيِّنة، وقال بشير والعراقيون: لها ما أقرَّ به أبوها وكذا فيما يشبهها؛ وإن أشهد ببعض ماله لبعض ورثته بما أكل من ماله أو بدين لم يعينه، فمنعه سليمان حتَّى يعيِّن كمِّيته، وأجازه غيره ولهم الخيار فيه كما مرَّ عند ابن عليٍّ وأبي الحواري وهو المختار؛ ومن أعطى قال ابن عليٍّ زوجته كلّ مال له بصداقها، وأشهدت هي به لأولادها وهم صغار ذكور وإناث، فمات أحد الذُّكور فورثت منه السُّدس وأبوه الباقي، وعليه دين فأشهد عند موته أنَّ عليه لولده الحادث من زوجته فلانة ما ورثه من ابنه الميِّت بعشر غميات، فطلب الغرماء ديونهم واليتيم ما ضيَّع له أبوه قال: فرأينا أنَّ الكل فيه سواء، وأقلّ ما تعطى الغمية عندنا بعير؛ ومن أشهد لولده بماله ثمَّ مات وطلبت زوجته حقَّها وأحضرت بيِّنة أنَّ المال ماله إلى أن مات، فالمال لولدها وعليها بيِّنة بما استفاد الميِّت بعد قضائه لولده.
ومن أقرَّ عند موته لورثته بحق قال هاشم: كان موسى لا يراه لهم ثمَّ رآه؛ ومن أقرَّ قيل لأحد ورثته بحقٍّ له عليه على أنَّ يرافع بما يستحقَّه ممَّا عليه من دين الميِّت فلا يثبت عليه ذلك وله حقُّه وعليه منابه من الدَّين.
فصل
أبو الحواري: من أوصى لزوجته بصداقها وميراثها منه في معروف، وخلف قطعة، وقال: هي لبناته ولأخيه، فهي إقرار منه لهم وهم فيها سواء ولا يمين للزوجة (6/345)
صفحة 2884
فيها؛ وإن قال: مالي من قرية كذا لابني فلان بحقٍّ عليَّ لأمّه، أو بجرح جرحته، ثمَّ أشهد الابن به لغيره ثمَّ نزعه الأب، وكان الإشهاد والنَّزع في مرضه، فلمَّا مات أبوه رجع ينازع الذي أشهد له به، وقال: إنَّما ألجأته إلجاء، قال: فإن أزاله إليه بثابت كبيع وقضاء فانتزاع الأب باطل؛ وإن لم تقبل دعوى الابن بالإلجاء فالمال لمن صار إليه؛ فإن ردَّه للابن كان له دون الورثة ولا يضرُّه إقراره بالإلجاء حتَّى يدركونه عليه، ولهم أن يعطوا له قيمته على ما مرَّ، وكذا لهم على الملجإ إليه إن لم يردَّه للابن لأنَّ الإشهاد كان في المرض، إلاَّ إن قال الأب: إنَّ ذلك له بحقٍّ وليس بوفاء، فلا يجد الورثة ذلك على كلِّ منهما.
أبو عبد الله: إن قالت امرأة: مائة نخلة من مالي لأولادي بما أكلت من مالهم؛ فإن قالت للذكر مثل حظِّ الأنثيين فهم فيه كذلك، وإلاَّ فسواء. ومن أشهد لبعض أولاده ببعض ماله بصداق أمّه شاركه فيه إخوته من أمّه، لا إن قال منه لا مكان أنَّ ذلك له وحده ممَّا له من صداقها.
ومن أشهد أنَّ كلَّ مال له فلبيِّنة على عدل الكتاب فإقرار منه، الأنثى فيه كالذكر سواء؛ وقيل: للذُّكور دون الإناث؛ وقيل: العدل فيه استواؤهما فيه إن لم يفسِّره؛ وقيل: كالميراث؛ وإن قال في مرضه: داري لأولادي فعلى الميراث؛ وإن قاله في صحته فإقرار بالسَّوية، وكذا إن قال: بينهم.
أبو الحواري إن أوصى جدٌّ أنَّ ميراث ولدي وقد مات لولده، فلا يصحُّ حتَّى يقول لولد ولدي كميراث أبيه؛ وإن قال حيٌّ: ميراث ولده فلان لولده بحقٍّ أو بدونه فلا يصحُّ [502] حتَّى يقول كذلك. (6/346)
صفحة 2885
الباب الثاني عشر
في إقرار أحد الزوجين للآخر
قال هاشم: من قال عليَّ لامرأتي ألف وظهرت عند التَّزويج ما تبيَّن، فقال الورثة: إنَّه أثره، فالحكم على الظاهر، واختار أنَّ لها ما قال؛ وإن أقرَّ عند موته أنَّ لها ألف صداقها كان لها، إلاَّ أن بيَّن الوارث أنَّه نصفه؛ وإن قال: عليَّ لزوجتي كذا وكذا وله أكثر من واحدة، كان لمن ادَّعته منهن بعد أن تحلف عليه؛ فإن ادَّعينه معًا تحالفن ثمَّ يقسمنه.
وكذا إن قال: لابني أو لأخي، ولم يعيِّن وله بنون أو إخوة.
وإن قالت: إنَّ الحقَّ الذي لي على زوجي فلان هو له بحقٍّ، ثمَّ ماتت في مرضها وقد عرف أن ليس له ما يحيط بما عليه لها، وسعه إمساكه إذا لم يعلم أنَّه أثرة له، وضرر على ورثتها، ولاحتمال أنَّه له عليها بوجه لا يعلمه.
وإن قالت مريضة: لزوجي ما قبله، ولأمّي ما قبلها؛ ثمَّ صحَت، فقال لها: قد برئت من حقِّك، فليس قولها ذلك بشيء إذا صحت؛ أبو الحواري: إن أشهدت له أو لغيره بجميع مالها ولها ديون وصداق؛ فإن احتجت أنَّها (1) لم تشهد بهما، فلها ذلك مع يمينها؛ وإن ماتت وجب لمن أشهدت له بذلك، وكذا من أوصى لأحد بثلث ماله، ثمَّ قتل خطأ فله ثلث ديته أيضا كما مرَّ.
__________
(1) - ب: - «أنها». (6/347)
صفحة 2886
وإن تركت لزوجها صداقها على أن تسكن معهما أمّها، فسكنت أسبوعا فماتت، ثبت له ولو سكنت قليلا، وجاز ذلك بينهما فيه لجواز الجهل في الصَّدقات، ولعلَّه قد مرَّ ذلك، وخلاف فيه.
أبو المؤثر: إن أقرَّت في مالها بنفقته وكسوته ومؤنته حتَّى يموت، ثبت عليها ذلك فيه ولا رجوع لها فيه، ولا شيء لورثته فيه بعده، والمؤنة هي: أدمه، ومرافعه، وأجرة معالج طعامه، ومحضر له حوائجه إن عجز عن ذلك، وبساط من خوص أو نحوه قدر ما ينام عليه، وكراء مركب، وماء لشربه وغسله، ودثار في الشِّتاء ونحو ذلك. وأما الدَّواء والكحل فيتوقف فيهما.
وليس لها أن تأكل من (1) غلَّة ذلك المال، ولا أن تبيع منه، وتوقف له على يد عدل وأمان منها فإذا مات رجع إليها؛ وإن تلف المال لم يلزمها شيء له؛ وإن ماتت وقف على وارثها مثلها؛ وإن لم يطلب وقف الغلَّة إليها أو إليه فأكلتها هي أو هو إلاّ قدر مؤنة الزوج، ثمَّ تلف المال، فله أن يرجع على أكل الغلَّة بما أكل إلاَّ إن أكله بإذنه؛ فإن إذن لبعض ورثتها دون بعض فهم فيه معا على قدر إخبائهم، ولا رجوع له فيه عليهم إن تلف المال؛ ويرد ما باعته هي أو ورثتها ويوقف؛ وإن نقص عن الغلَّة ما جعلت له في المال، بيع منه له بقدر النّقص؛ وإن احتاج المال إلى إصلاح أصلح من غلَّته ولا يجد الزوج منعه ولو نقص عنه؛ وإن نقصت عنهما وطلب أن يباع من أصله، فإنَّه يباع منه ويصلح ولو كره هو أو الورثة ولا يضيع؛ وإن اجتمعت من المال غلَّة فبيعت فبلغ في ثمنها نصاب فلا زكاة فيه حتَّى يموت الزوج؛ وإن أتلفت هي أو هو بعض الموقوف فلم يبق له ما يكفيه لزم المتلِف قيمة ما أتلف وتوقف أيضا؛ وإن قالت له: عليها ذلك ولم تقل في مالها، لم يثبت عليها ذلك لأنَّه لا يكون ذلك إلاَّ على من لزمته نفقته.
__________
(1) - ب: - «من». (6/348)
صفحة 2887
أبو عبد الله: إن أشهدت عند موتها أنَّها تركت له كذا وكذا بما كان يضحي لها، جاز له إذ لا تلزمه الضَّحية لها إلاَّ إن أضحى لها تقية منه لها إن تركته له في مرضها؛ وقال غيره: إن ضحى لها تقية لزمها ضمان ذلك وكان أثبت.
أبو سعيد من أوصى لزوجته بقطعة بحقِّها ثبت لها إن كانت معروفة وإلاَّ فلا للجهالة؛ وإن أعطاها معروفة بإرثها منه فلا يثبت لها ولا عليها إلاَّ إن أتمها الوارث؛ وإن أعطاها إيَّاها بحقِّها وإرثها ولم يعيِّن للحقِّ معروفا منها بطل ولها الرُّجوع بالجهل؛ وإن عيِّن نصفها أو ثلثها أو نحوها بميراثها ثبت بحقِّها لا بإرثها ولها الرُّجوع أيضا إلاَّ إن أتَّم الوارث أيضا وهذا في الصحة للقضاء والعطية والجهل لا في الإرث ولو فيها.
فصل
من أشهد أن كلَّ ماله فلزوجته بحقِّ لها عليه وقد أخذ حجَّة من قوم أربع مائة، فخرج بها حاجا فأنفق منها ما يتبيَّن، وبقيت بيده مائتان، فقالت: هما لي مع المستهلكتين في سفره وأبى وارثه؛ فإن أشهد لها بكلِّ ما يملك فلها الأربع مائة إن قبضها، والحجة دين عليه ولا شيء لها فيها إن قبضها بعد الإشهاد لها؛ وقيل: إن كانت الحجة أمانة فليست له ولو قبضها؛ وإن أخذها بأجرة وقبض فقيل: إنَّها كالمبيع إذا باعه وجب ثمنه له؛ وقيل: ليست له حتَّى يتمَّ العمل ولزمه ضمان ما أخذ قبله وفيما لم يقبضه خلاف؛ وقيل: إن حج واستوجبها ثمَّ أشهد لها قبل أن يقبض فقيل: كلُّ ماله من دين وغيره فهو لها؛ وقيل: لا يدخل الدَّين في هذه الشهادة؛ وإن قبضها فهي لها.
ومن أوصى لزوجته بكذا، فهو (1) لها إلاَّ إن قال: رددته عليها فليس له أن يردَّ عليها عند موته ما تركت له، وجوِّز للزوجين، ومن أوصى لزوجته بسكن منزله حياتها بما عرفه لها عليه، فإذا ماتت فلولده بذلك أيضا وذلك عند موته، فلا يجد ورثته
__________
(1) - ب: «فهي». (6/349)
صفحة 2888
إن يردوا قيمته ويكون المنزل لهم، ولا أن يدفعوا إليها كراءه كلَّ شهر بعدول ويسكنونه حتَّى تموت، ولها سكنه، كما جعل لها وليس، من القضاء حتَّى تأخذ القيمة، وعليها لوارثه يمين: ما تعلم أنَّه شهد لها بذلك بلا حقٍّ لها عليه، وكذا على ولده إن طلب الورثة إليه ذلك (1)؛ وإن قالت: ليس على زوجي [503] إلاَّ كذا، وقال وارثها: إنَّما لها عليك أكثر يوم تزوجتها، فقولها أجوز له إذ لم تقل تركت له؛ وإن قالت له: إن أنا متُّ فلك ما على ظهرك؛ وإن متَّ أنت فهو لك، جاز إن مات لا إن ماتت؛ قال أبو سعيد: أمَّا الأوَّل فقيل: إقرار؛ وقيل: وصيَّة، وأمَّا الثاني فعندي أنَّه إقرار إلاَّ عند مبطله بالاستثناء، وهو: إن متُّ.
ومن أوصى في صحته بموضع كذا من ماله لزوجته تأكله حياتها بما لها عليه، وليسه بوفاء، ثبت إن اتَّصل بالشَّهادة، وكذا إن أوصى بذلك في مرضه فوصل الشَّهادة بالاستثناء؛ وقيل: غير ذلك.
ومن مرَّ مع زوجته على أرض ونخل لها فقال: لمن هما؟ فقالت: لك، وقبل ذلك وقبضه؛ ثبت له في الحكم إلاَّ أن تردَّ ذلك الإقرار فلا يجوز له فيما يسعه؛ وأمَّا اللفظ فيخرج على الإقرار إن كان ذلك لها؛ وإن أشهد محتضر أنَّ عليه لزوجته ألفا ولم يذكر اسمها ولا أباها ولا عرفها، وله قائمة ومطلَّقة وميِّتة قبل فلا شيء لهاتين إذ ليستا بزوجتيه بعد الطَّلاق والموت، فتعيَّن أنَّها للقائمة عنده؛ وإن كانت له أكثر من واحدة وادَّعته كلٌّ أنَّه لها دون غيرها، فمن بيَّن منهن أخذته؛ وإن بيَّنن معا أو لم يبينن معًا تحالفن وقسَّمن على ما مرَّ.
ومن قال في مرضه: لامرأتي هذه صداق عليَّ وهو كذا، وعنى أمته، لم يجز لها إلاَّ إن قال: إنَّه أعتقها لاستحالة ذلك كما لو قال لزوجته أمتي.
__________
(1) - ب: «ذلك إليه». (6/350)
صفحة 2889
الباب الثالث عشر
فيمن أقرَّ لأحد بشيء ثمَّ أقرَّ به لغيره
فمن أقرَّ أنَّه غصب هذا العبد من فلان، ثمَّ قال: لا بل من فلان، فإنَّه يقضى به للأوَّل وللآخر بقيمته أيضا؛ وكذا في العارية والوديعة، وفي الحيوان، والعروض، والأصول.
وكذا إن قال: إنَّه اقترض من فلان كذا درهما أو حبًّا، ثمَّ قال: لا بل من فلان، فإنَّه يضمن لكلٍّ منهما ما أقرَّ به؛ وإن كانا يدَّعيان ذلك عليه فعليه لمن أنكر له بعد أن أقرَّ له اليمين؛ وكذا إن قال غصبت من فلان أو استودعني أو اقترضت منه، لا بل من فلان، حتَّى أقرَّ لأكثر من اثنين، فإنَّه يقضى عليه بما أقرَّ به للأوَّل ويضمن لكلِّ من الآخرين بقيمته.
وإن قال: اقترضت أو اغتصبت أو استعرت من أحد هؤلاء ولا أعرفه فإنَّه يقضى به لهم بينهم، ويضمن لكلٍّ حتَّى يتمّ له قيمة ما أقرَّ له به (1) ويستحلفهم إن شاء.
__________
(1) - ب: «به له». (6/351)
صفحة 2890
الباب الرَّابع عشر
في الإقرار بالجزء والسهم والنَّصيب ونحو ذلك
فمن أقرَّ لأحد بجزء من ماله فقيل: له الربع؛ وقيل: السبع؛ وقيل: لا إلاَّ ما أقرَّ به الوارث مما يقع عليه اسم الملك منه؛ وإن أقرَّ له ببعض ماله فقيل: له (1) النِّصف؛ وقيل: ما يقع عليه الاسم؛ وإن قال: بسهم منه، فقيل: له السدس؛ وقيل: الثلث؛ وقيل: سهم من اثني عشر؛ وقيل: ضعفها؛ وقيل: أقلّ سهام الورثة إن كانوا له وإلاَّ فله السُّدس؛ وإن لم يرثه إلاَّ واحدا ومن يجاوز منابه الثلث فله السدس أيضا؛ وقيل: له سهم من النبل وقد مرَّ ذلك؛ وإن قال: بنصيب منه فله ما أقرَّ له به هو أو وارثه؛ وقيل: لا إلاَّ ما صحت به بيِّنة والأوَّل أشبه؛ وإن قال: بِجُلِّ ماله أو أكثره فله ما زاد على النِّصف؛ وإن قال: بكافته أو عامته أو خاصته فله ماله كلُّه؛ وإن قال بخياره أو بشراره من نخل وعبيد ودواب وغيرها وكان خيارا كلُّه أو شرارا، فله ذلك؛ وإن قال بأدون فله عند أبي سعيد ما يراه العدول أدون، وكلُّ من أقرَّ في ماله أو داره لأحد بنصيب أو حصَّة أو شركة أو سهم فلم يسمه، لم يثبت فيما أقرَّ فيه حتَّى يبيِّنه، إلاَّ إن كان وصيَّة، فقد مرَّ في النَّصيب والسَّهم الخلفُ فيما له ولا يثبت إن كان غيرها، إلاَّ إن حضر فيؤخذ بتسمية ما أقرَّ به؛ وإن أبى حبس ما أقرَّ فيه عنه؛ وإن أقرَّ بشيء وسماه ولم يُعرف كشاةٍ من غنمه، أو عبد من عبيده، أو نخلة من نخله، أو سارية من داره، أخذ بتعريفه؛ فإن لم يقر أو مات فله أوسط من ذلك؛ فإن تلف منه شيء قبل أن يحضر ضرب له في الباقي بقدره.
__________
(1) - ب: - «له». (6/352)
صفحة 2891
ومن له سهم في مال كربع أو نصف أو نحوهما فأقرَّ لأحد بربع جملة المال أو النِّصف أو نحوهما؛ فله ربع حصته أو نحوه، وكلُّ شريك في أصل أقرَّ فيه لغيره بجزء شائع فيه جاز له لا إن أقرَّ له فيه بمعيَّن كبيت أو سارية من دار (1)، إلاَّ إن قاسمه، فوقع في منابه فيؤخذ بدفعه إليه، إلاَّ إن أقرَّ بمستهلك فيها فإنَّه يعطيه قيمته، وكذا إن أقرَّ له بجزء من عروضها كخشبة مشاعة فيها أو نحوها مما لا ينزع إلاَّ بضرر فله قيمته؛ وإن أقرَّ له بجزء من طريق أو نهر هو شريك فيه أدَّى له قيمته.
ومن قال: لفلان شقص من داري، فقيل: له النِّصف؛ وقيل: جزء من جملتها؛ وقيل: ببطلانه بجهله وإلاَّ نظر في هذا أو نحوه أن لا يحكم فيه بشيء، إذ لا يصل الحاكم إلى معرفته إلاَّ إن كان حيًّا فيكلِّف أن يقرَّ بما شاء ثمَّ يحلف عليه.
__________
(1) - ب: «كبيت من دار أو سارية». (6/353)
صفحة 2892
الباب الخامس عشر
في مقرٍّ بمال غيره لأحد ثمَّ انتقل إليه بإرث وهبة وفي إقرار في مشاع
فإن أقرَّ بذلك وانتقل إليه فقد مرَّ أنَّه قيل يثبت؛ وإن أقرَّ بمال كان لميِّت ورث منه حصَّة ثبتت عليه لا غيرها؛ وقيل: لا يثبت عليه إن انتقل إليه بشراء وهبة؛ وقيل: يثبت عليه فيهما أيضا كالإرث؛ وإن أقرَّ شريك في أرض أو مال بجزء من ذلك (1) لرجل بإرثه من فلان وهو جزء معيَّن إلاَّ أنَّه لم يقسم؛ فإن كان لا يستحيل فيه اللفظ إلى غير معنى الإقرار بوجه اختير ثبوته ولو في مشاع، والوقوف على المال ليس إحرازا له، وقد [504] مرَّت مسائل هذه الأبواب.
__________
(1) - ب: - «شريك .... من ذلك». (6/354)
صفحة 2893
الباب السادس عشر
في الإقرار في الأصول وما يدخل فيها
فمن أقرَّ أو باع أو أوصى لرجل بثلث ما يملكه من الأصول دخل فيه الماء لأنَّه منها، قال أبو المؤثر: الأصول هي الأرض، ثمَّ النخل، ثمَّ المنازل، ثمَّ المياه، والأشجار، من ذوات السُّوق الثابتة.
فمن أقرَّ - قيل - لرجل في بلد بمال بلا حدود، ثمَّ أدرك فيه، فإنَّه يؤخذ حتَّى يقرَّ له بما شاء؛ وإن باع له بدونها رجع عليه بالثمن أو على وارثه؛ وإن أقرَّ له بمعروف كقطعة مسمَّات ثبت بلا حدود إذا عرفه أهل البلد.
ومن قال: جميع مالي لزيد ولم يحتج زيد أن يثبت عليه من أرض ونخل وغير ذلك، وكان جميعه واحد في هذه اللَّفظة، كان مشاعا أو مقسوما فهو ثابت له (1)؛ وقيل: لا، حتَّى يحد ماله أو يقرَّ بمعرفة حدوده، وهذا في الإقرار؛ وأمَّا القضاء فلا يثبت إذا تناقضاه حتَّى يحدَّه أو يتمَّاه بعد المعرفة، فإذا أقرَّ بمعرفته ثبت عليه ولو ادَّعى الجهل بعد؛ فإن قال: مالي هذا لفلان، فقيل: إقرار؛ وقيل: لا، إلاَّ أنَّه يستحيل أن يكون ماله له ويشبه فيه النَّفي بقوله مالي هذا؛ فإن لم يحكم بلفظ ثابت دخلت فيه العلل؛ فإن قال: بمالي هذا إقرار منِّي له ثبت؛ وإن قال: كلُّ مال له أو في قرية كذا أو لزوجتي فلانة إقرار منِّي له أو لها بحقِّها، وله فيها نخل وأرض وشجر ومنازل؛ كان له أو لها ذلك.
__________
(1) - ب: - «له». (6/355)
صفحة 2894
وفي الأثر: في مقرَّة لأخيها بمالها في بلد كذا، وعرفه هو لا هي، وكان لفظها بسهم من أربعة ورثته من أبيها من أرض ونخل وما غير ذلك من كلِّ ما وقع عليه اسم الملك، لها فيه بحقٍّ له عليها وليسه بوفاء له، فقيل: إنَّه من القضاء فإن جهلت ذلك ورجعت فيه؛ كان لها وعليها له قيمته؛ وإن ماتت ولم تنقضه ثبت عند الأكثر، وإذا شهدت البيِّنة على إقرار أحد بأنَّ كل مال له بقرية كذا فهو لفلان، وليس عليها معرفة المال ولا تحديده ولا حجَّة بالجهالة في الإقرار عند الأكثر كما مرَّ.
أبو الحواري: من قال: كلُّ مال بيدي أو عندي أو ما في يدي أو معي فلفلان، فإقرار ثابت له بعد موته؛ وإن كان حيًّا واحتجّ لم تقطع حجَّته فيما احتجّ به، وعليه في الأصول أن يعرفه ما أقرَّ له به كما مرَّ؛ وإن كان حيوانا غائبا فعلى المقرِّ له طلبه وقبضه؛ وإن كان بيد المقرِّ سلَّمه إليه وإلى وارثه وقد مرَّ ذلك، ومن أقرَّ بماله لإنسان ولم يحدُّه ولم يشهد بمعرفته إلاَّ أنَّه قال: كلُّ مال لي فهو له بإقرار ثابت عليه ولا يحتاج فيه إلى تحديد ولا يقبل قوله إنَّه لم يعرفه، إلاَّ إن كانت له بيِّنة أنَّه أقرَّ به وهو لا يعرفه؛ وإن قال: كلُّ مال لي فلفلان ولم يعيِّنه ولا من أيّ وجه، فقال أبو عبد الله: إنَّه ثابت؛ وإن قال: موضع كذا استفدته بعد إقراري، فعليه بيانه.
ومن قيل له في صحَّته: متى حدث بك موت، فكلُّ مالٍ لك في كذا فلفلان فقال نعم؛ فقيل: هو إقرار من الكلِّ؛ وقيل: وصية فعلى الأوَّل، فقيل: يثبت ولو في حياة المقرِّ؛ وقيل: بعد موته؛ وإن طلب فلان أخذه ومنعه منه المقرُّ فله أخذُ ما يسعه أخذه ويحكم عليه الحاكم بما يراه من ذلك؛ وإن كان ممَّا أجمع عليه حكم بتسليمه.
أبو الحواري: لا إحراز في الإقرار على صغير ولا كبير، ولا رجعة فيه للمقرِّ إلاَّ إن احتجَّ بجهالة فيه؛ وإن أقرَّ بما يملك ثبت ما عليه من الثياب أيضًا والأكثر أنَّ الإقرار في المغصوب لا يثبت. (6/356)
صفحة 2895
الباب السابع عشر
في الإقرار بالنخل والصرم والماء والبستان ونحو ذلك ...
أبو سعيد:: من أقرَّ بماله ونخله (1) الذي في كذا لفلان، ثبت له نخله حيث ما كان ولو في غيره؛ ولا يثبت له من المال إلاَّ ما في كذا، خاصَّة لأنَّ قوله الذي نعث للمال وهو مذكَّر، ولو أراده نعتا للنخل لقال: التي قلت، وهذا منه سهو وقد قال الله تعالى: { ... نخلٍ منعقرٍ ... } لأنَّ الجنس جائز تذكيره وتأنيثه، وقد التزمت في غالب ذكري للنخلة في (2) هذا الكتاب تذكيره.
ومن أقرَّ أنَّ المال الفلاني لفلان وفيه نخل مثير وغيره فالكلُّ له؛ وإن بتمره؛ وإن أقرَّ له بحقٍّ عليه وليسه بوفاء فالتمرة المدركة للمقرِّ؛ وإن قال: فروضي من النخل له فإقرار ثابت، لا إن لم يقل منه؛ وإن أقرَّ لرجل بنخلة أو غيرها من الشجر وزعم أنَّها وقيعة وإلاَّ فله أصلها وما أخذ من الأرض؛ وقيل: لها منها (3) مسقط تمرها. قال خميس: وعرفنا أنَّه إذا قال: هذا المال أو السيف أو الجراب أو العبد، أو هذه الدار أو الدابَّة أو كلُّ مال بموضع كذا ولم يضفه لنفسه لفلان ثبت، ولا حجَّة فيه للمقرِّ، ولا إحراز فيه، لأنّ هذا لا يخرج حكمه منتقلا من ملكه حين أقرَّ به، وإنَّما يخرج منه اعترافا بملك متقدم.
__________
(1) - ب: - «ونخله».
(2) - أ: - «في». ولعلّه سهو.
(3) - ب: «منه». (6/357)
صفحة 2896
ومن أقرَّ لأحد بحقٍّ عليه في بستانه من كذا فما فعل جاز له؛ وإن أقرَّ له بشيء من أصله فليس له إزالته؛ وإن جعل حقُّ صاحبه في البستان فليس له أن يزيله أيضا إذا كره. ومن قال: لفلان نخلة بلعق (1) من نخلي من كذا، ولفلان خرفانة، ولفلان فرض؛ فإن كان في صحَّته ثبت هبته؛ وإن كان في مرضه لم يجز منه إلاَّ ما كان على سبيل الوصيَّة لغير الوارث والإقرار له؛ وإن قالت مريضة: لفلان نخلة من مالي، ثمَّ قالت: إن مت إلى سنة أو من مرضي وإلاَّ فالمال مالي. قال أبو الحواري: إن اتَّصل قولها ثبتت له من الثلث؛ وإن فصلت بينهما بسكوت ثبتت له في مالها ولو رجعت.
أبو سعيد: من بيده نخلة يجوِّزها ويمنعها، فقال لوارثه: إنَّ لفلان منها نصفها وأعطاني منها ما كلتها إلى أن أموت فتردَّ عليه كلُّها، فمات، وأراد السَّامع منه ذلك أن يأخذها قال: فإن إقراره بالنِّصف لفلان ثابت عليه وعلى وارثه إذا علم ذلك ولا ينصت لدعواه أنَّه أعطاه ما كلتها كذلك، وقوله فتردَّ إليه إذا مات إقرار لا ردٌّ؛ وإن [505] قال: تمرة نخلتي هذه لي إلى أن أموت والنَّخلة لفلان؛ فإن كانت فيها مدركة فهي له وإلاَّ فقيل: له شرطه ما حييت النَّخلة؛ وقيل: منتقض وله النَّخلة والتَّمرة، ومن قال: هذه النخلة (2) للمسجد وتحتها صرم، كانت له وما تستحله من أرض وصرم وغيرهما فكأنَّه لم يدعها لنفسه.
وإن قال: نخلتي هذه له أو لفلان، كانت له وما تحتها (3) من صرم مدرك وما لم يدرك منه أو من شجر مما لا يتبع الأرض وقت الإقرار فللمقرِّ.
وإن قال: هذه النَّخلة لفلان وتحتها صرم ولو لم يدرك فلفلان؛ فإن قال: أعطيته هذه النَّخلة وتحتها مدرك وغيره فالمدرك للمعطي وغيره للمعطى له؛ والعطيَّة كالبيع.
__________
(1) - كذا في النسختين، غير مفهوم.
(2) - ب: - «النخلة».
(3) - ب: «تحته». (6/358)
صفحة 2897
واختلف في غير المدرك من المعطاة والمبيعة إذا أحرزت، فقيل: البائع والمعطي حتَّى يشترطه المشتري والمعطى له؛ وقيل: لهما، لأنَّه غير مدرك، فهو تبع.
ومن أقرَّ لفلان بنخلة ولم يعيِّنها دفع إليه من ماله وسطى؛ وقيل: ما يصدق عليه الاسم.
أبو الحواري: من قال لفلان ثمن من ماء من فلج كذا، والفلج أصول أو سهام، ثمَّ قال: إنَّما أقررت له بشربه وهو لم يسمَّ به، ولا قال أبدا، فإذا سمَّى فإقرار ثابت عليه أبدا في الأصول، وكذا في السِّهام إلاَّ إن تركه من يد المقرِّ له بحقٍّ لأنَّ أهلها أولى بسهامهم. (6/359)
صفحة 2898
الباب الثامن عشر
في الإقرار بالدُّور والمنازل ونحوهما
فمن اقرَّ عند موته أنَّ لفلان في داره حصَّة وأشهد بذلك، قال ابن عليٍّ: لا شيء له حتَّى يسمِّي الشُّهودُ الحصَّة؛ وإن أقرَّ له بمنزله المعروف له بكلِّ ما يستحق مع الجنَّة التي فيه بحقٍّ عليه له، وليسه بوفاء له ثبت له المنزل على ما يستحقه، قال: وأمَّا الجنَّة عندي فلا يقع عليها اسم الَّتي فيه لو كانت فيه جنَّة لأنَّه قال مع الَّتي فيه فلم يصفها، وهذه إضافة إلى مجهول، ومن ثمَّ لم تثبت عندي الجنَّة.
ولو قال مع الَّتي في هذا المنزل وكانت فيه جنَّة يقع عليها الاسم كانت عندي له بما فيها من نخل وشجر وكلُ ما يقع عليه اسم الجنَّة.
وإن صحت ببيِّنة أو تحديد ثبتت له مع الإقرار الأوَّل؛ ومن أقرَّ لأحد بمنزله وبما فيه فإنَّما يقع الحكم إذا وقع التَّناكر على ما فيه وقت الحكم، وعلى الوارث أن يبيِّن أنَّ ما فيه لم يكن فيه يوم الشَّهادة؛ فإن لم يكن ذلك فيه (1) عند المحاكمة، وادَّعى الطَّالب أنَّه فيه يومئذ فعليه بيانه.
وإن أقرَّ لرجل بمنزله أو أوصى له به أو باعه إيَّاه، وفيه بئر، لم تتبعه البئر إلاَّ إن قال: وما فيه؛ وإذا باع له الدَّار وما فيها فلا يثبت له ذلك حتَّى يقف على جميع ما فيها ويبايعه إيَّاه عن معرفة به، وإلاَّ فلا يثبت البيع إلاَّ على الدَّار؛ فإن قال بيتي هذا لفلان وفيه نخل وشجر فله البيت وما لحقه اسمه فقط وكذا إن قال: داري أو منزلي؛
__________
(1) - ب: «فيه ذلك». (6/360)
صفحة 2899
فإن قال: هذا البيت لفلان فهذا غير الأوَّل كما عرفت، ويكون له البيت وجميع ما فيه من نخل وشجر.
فإن قال: هذه الأرض لفلان كانت له وما فيها؛ وإن قال: أرضي هذه لم يكن له إلاَّ الأرض؛ وإن قال قطعتي هذه فهي غير الأرض وكانت له وما فيها؛ وإن قال: ضاحيَّتي هذه فله الأرض وحدها والضَّاحية غير القطعة؛ فإن قال: هذا البيت؛ فإذا لم تكن في الإقرار علامة تعلّق ملك للمقرِّ كان ما فيه مما مرَّ تبعا له؛ وإن كان فيه أنيَّة أو عروض وسماد مجموع ودواب وثيَّاب وطعام كان فللمقرِّ له؛ وإن قال: وما فيه دخل كلّ ذلك وثبت له.
فإن قال: بيتي هذا وما فيه، فبعض أثبته وبعض أبطله؛ وإن قال: هذه الدَّار كانت له وما فيها كشجر ولم يعلم به؛ وإن قال: داري لم يثبت له إلاَّ ما هو تبع لها ممَّا هو تبع للأرض لا ذوات السُّوق؛ وإن كان فيها فسل صالح للغسل فهو للمقرِّ والبائع حتَّى يقول: وما فيها، وإلاَّ فللمقرِّ له والمشتري.
ومن قال عند موته: داري بما فيها لزوجتي، فقال بشير: إن كان فيها وقت الإقرار عبيد ودواب وعلم الشُّهود بذلك فهم لها، وقال مسبِّح: لها ما فيها ممَّا لا ينتقل إلاَّ أن يسمى بهما في الإقرار؛ وقيل: إذا لم يصحّ كونهما فيها حينئذ نظر في حين المحاكمة؛ فإن كانا فيها فهم لها وإلاَّ فلا وكذا في الوصيَّة؛ وإن أقرَّ بيته أو فأتيته ولم يقل: وما فيهما لم يثبت ما فيهما.
ومن قال: لفلان من داري ما بين الحائطين، فله ذلك لا هما وقد قضى.
موسى: في معطية رجلا بيتها بالحجرة معه، وقال: هي منه لأنَّه لابد له منها؛ وإن أشهد لزوجته بمنزل وما يستحقه وفيه جنَّة بها نخل وطوى، فقيل: يثبت ذلك في الإقرار؛ وقيل: لا.
ومن أقرَّ لرجل بنصف منزله ولآخر بالآخر وطريق المنزل في النِّصف الأوَّل ولم يذكر للآخر طريقا ولا غيره، فالطَّريق له حيث كانت بلا ثمن عليه. (6/361)
صفحة 2900
ابن أحمد: من أقرَّ لأحد بمنزل بجميع ما فيه وهو فيه على فراش أو ثياب أو غيرهما ثبت للمقرِّ له ما فيه إلاَّ الثِّياب التِّي فيه أو عليه.
وسئل أبو سعيد عن مقرِّ في مرضه لزوجته ببيت من بيوته ولأخيه بآخر منها، فقال: إنَّ إقراره ثابت - قيل - له؛ فإن كان في الذي أقرَّ به لها أمتعة وأداة ودراهم، فهل تدخل فيه [506] لها معه؟ فقال: لا، إلاَّ إن قال: وما فيه من شيء فيتبعه؛ فإن قال: بيتي وما آوى لفلان فليس له إلاَّ البيت؛ فإن قال: بيتي هذا وما التوى عليه أو وما لوى عليه فاختار أن ما لوى عليه تبع له (1)؛ فإن قال: بيتي هذا، فبعض أثبته وبعض ضعفه؛ وعليه فإن قال: بيتي وما لوى وما فيه، أيضعف ما فيه ولا يثبت ما لم يقل، والذي فيه وما لوى عليه ومالي فيه؟ فاختار أنَّه ثابت ولا يلحقه الضُّعف.
__________
(1) - ب: «لها». (6/362)
صفحة 2901
الباب التاسع عشر
في الإقرار بالنقدين والمثاقيل والكيس
فالإقرار - قيل - على ما تعورف في البلد في معاني الأسماء؛ فإنَّ للمقرِّ له بذلك أو بالمكاكيك نقد البلد ومكياله؛ فإن اختلف فله الأوسط أو المعتمد عليه وكلُّ مقرٍّ لغيره بنوع ثمَّ وصفه بصفة متَّصلة لم يلزمه إلاَّ ما أقرَّ به، إلاَّ إن وصله بدعوى على المقرِّ له كقوله: له عليه ألف درهم إلى وقت كذا، فيلزمه حاضرا، وكان مدَّعيا في الأجل، وكقوله عدنيَّة أو غيرها فيلزمه حكم البلد إذا فصل بين الإقرار والصِّفة بسكوت أو كلام؛ لا منه كما مرَّ، ويقبل قوله إن اتَّصل.
وإن أقرَّ أنَّ عليه لرجلين ألفا، ثمَّ قال بعد أيَّام لهذا منه تسع مائة ولآخر مائة؛ فالقول قوله إلاَّ إن مات، أوحكم عليه لهما به قبل أن يعيّن فنصفان؛ وإن قال: لفلان علينا ألف درهم لزمه ثلثه إن رجع؛ وقيل: يأخذه الحاكم حتَّى يقرَّ كم عليه له؛ وإن قال: لفلان كيس دراهم في منزلي أو جمل في إبلي أو نحوهما، ثمَّ أنكر، فإنَّه يأخذه أيضا إن صحَّ عليه الإقرار حتَّى يعيِّن ما أقرَّ به، ويقبل قوله فيه أنَّه هذا؛ وإن أقرَّ بذلك فمات فإنَّه يجزى ذلك النَّوع أجزاء على قدر ما أقرَّ به فيه ثمَّ يعطى المقرُّ له جزءا منها؛ وقيل: لا يثبت له ذلك حتَّى يصحَّ معيَّنا ببيِّنة أو بتحديد المقرِّ؛ وإن أقرَّ له بكيس كذلك فوجد في منزله كيسان فله من كلٍّ نصفه؛ فإن وجد فيه ثلاثة فثلث وكذا في أكثر كما مرَّ؛ وقيل: له الأقل والأوَّل أعدل أبو الحواري: إن لم يعيِّن فلا شيء له، كذا حفظنا حتَّى تقوم بيِّنة بمعيَّن؛ وقيل: له الأكثر؛ وإن أقرَّ له بكيس كذلك فوُجد فيه كيس فيه دنانير وآخر فيه دنانير ودراهم، فلا شيء له أيضا حتَّى يوجد فيه كيس فيه دراهم خالصة؛ وقيل: له الذي كانا فيه معا، وكذا ما أشبهه. (6/363)
صفحة 2902
ومن أشهد على نفسه بحقوق مختلفة إلى أوقات أو وقت فإنَّه يؤخذ بجملتها إن اتَّحد مجلس الإشهاد؛ وكذا إن أشهد لرجل بألف إلى رمضان وبألف إلى شعبان، فادَّعى أنَّه واحد، والطالب أنَّهما ألفان، فعليه ألفان لاختلاف الوقتين، ولكن إن أشهد بألف إلى رمضان من تلك السنة فألف واحد، واليمين بينهما، إن اختلفا، وذلك حيث تواطأت الشَّهادة؛ فإن اختلف التَّاريخ وكان الأوَّل في رمضان من تسع وأربعين مثلا، والثاني في سنة خمسين فألفان؛ وإن أشهد بألف ثمَّ بألف ولا وقت لذلك أو كانا في شهر بلا تاريخ فألف واحد؛ وإن كانت المدَّة إلى رمضان، فقال المطلوب: هو من الخامسة، وقال الطَّالب: هو من هذه السَّنة، قُبل قوله مع يمينه وكذا في السَّلف ولا ينتقض؛ وقيل: قول المطلوب مع يمينه؛ وإن قال: عليَّ مائتان أو مائة، فطلب الطَّالب مائتين، وقال المقرُّ مائة، أخذ له بما أقرَّ أوَّلاً، وقيل بالمائة، ويدَّعي الطَّالب بالبيِّنة على الأخرى؛ فإن لم يجدها حلف له؛ فإن حلف وإلاَّ أخذ له بالأخرى وزعم ابن سعيد أنَّ ابن شادان ادَّعى على ابن حميد أنَّ له عليه دراهم فأقرَّ له عند أبي عبد الله أنَّ عليه كذا أقلَّ ممَّا ادَّعى عليه، ثمَّ أقام عليه عدلين أنَّ عليه له كذا كما ادَّعى عليه، وأقام عليه آخرين أنَّه أقرَّ بمجلس أبي عبد الله بأقلَّ مما شهدت به عليه البيِّنة، ثمَّ طلبا أبا عبد الله أن يأخذه بما شهدت به (1) وبما شهد عليه العدلان بإقراره. واحتج ابن حميد بأنَّ ما أقرَّ به عندك هي من التِّي شهدت بها البيِّنة، فلم ير عليه إلاَّ ما شهدت به وهو الأكثر، ولم يأخذه بما أقرَّ وهو الأقلُّ وحكم ذلك بينهما وأكثر عليه ابن شادان؛ وقال له: لو كان هذا يلزم النَّاس لضرَّهم إقرارهم بالحقِّ، ولو أنَّ مدَّعيا على رجل ألفا فأقرَّ أنَّ عليه تسع مائة ثمَّ أقام عليه شاهدين أنَّ عليه له ألفا، وطلب إلى الحاكم أن يأخذه بهما، لكان لا يقرُّ أحد عند الحاكم ولكنَّه يأخذه بالأكثر ويبطل الباقي، وكذا إن اقرَّ بالأكثر وشهد بالأقلِّ، واحتجّ أنَّ ما شهدت به البيِّنة له مما أقرَّ به فلا يأخذه إلاَّ بالأكثر، إلاَّ إن صحَّ أنَّ إقراره بذلك من ثمن كذا وما شهد به من نوع آخر، فهناك يأخذه بهما معا، وكذا إن كان عليه ألف فأشهد
__________
(1) - ب: - «به». (6/364)
صفحة 2903
صاحبه أنَّه قبض منه مائة، ثمَّ مائتين، ثمَّ ثلاث مائة، فادَّعى المعطي أنَّها ستّ مائة، والقابض أنَّه ثلاث مائة، وأنَّه كلَّما قبض منه أشهد بجملة ما صار إليه، قال: فأرى هذا خلاف ذلك وأخذ برأي من رأى عليه جملة ما أقرَّ به أنَّه قبضه، وأنَّه يؤخذ بإقراره حتَّى يبيِّن عند الشَّهادة أنَّ ما أشهد به من قبل هو، ومن هذا وإنَّما جملة ما قبض أوَّلا وآخرا كذا وكذا.
ومن أقرَّ عند حاكم أنَّه اشترى هو وفلان كذا من فلان، وعليه نصف ثمنه، فليس للطَّالب أن يأخذ من المقرِّ إلاَّ النصف، كما أقرَّ لا الجملة.
ومن قال: عليَّ لفلان مائتان إلى عشرة فلا شيء له حتَّى يقرّ بمعروف، وإن قال له: عليّ حتَّى مائة فله مائة عند أبي الحواري؛ وإن قال إلى مائة فقيل: له مائة؛ وقيل: إلاَّ درهما؛ وقيل: إلاَّ [507] يسيرا؛ ومن قال: لك عندي يا فلان مائة، فقال: لا، مالي عندك شيء، ثمَّ قال: بلى عندك لي مائة، فانكر المقرُّ، فليس له عليه شيء لا برأيه له إلاَّ إن قال له: بلى لك عندي، فيقول له: نعم أو صدقت، فيكون قد أقرَّ بعد الإبراء فيلزمه.
ومن بيده درهم فقال: لفلان ثلاثة أنصاف هذا الدِّرهم، كان له بعينه لا أزيد منه، ومن قال: فعلت كذا يوم أقرضني فلان مائة أو يوم ابتعت منه كذا بمائة ثبت عليه إقراره؛ فإن قال: عليَّ له عشرة دراهم عددا فالقول في وزنها قول المقرِّ؛ فإن قال صغار أو كبار فله نقد البلد، وعليَّ أو قبلي يتوجه إلى الدين؛ وقيل: إلى الأمانة، وعندي إلى الوديعة، وفي مالي إلى الشَّركة؛ وإن قال: علي مائة وإلاَّ فعبدي حرٌّ لزمته المائة لا العتق لأنَّه أقرّ بيمين؛ وإن قال: عليَّ ألف أو عبدي حرٌّ لزماه؛ وإن قال: أقرضني أمس ألفا وإلاَّ فعبدي حرٌّ فإقرار وإخبار عن ماض ويلزمه الألف لا العتق؛ وإن قال له: عليَّ ألف وإلاَّ فلفلان عليَّ دينار لزمه الألف للأوَّل ولا شيء للآخر؛ وإن أقرَّ له بمثقال ذهبا ثبت له صوغ كسور لا دنانير إلاَّ إن قال بذلك، وكذا إن قال: بكذا فضَّة، لزمه من المكسور والصَّوغ لا دراهم إلاَّ إن قال بها؛ فإن أقرَّ له به بمائة ثمَّ في موضع بألف لزمه الألف، وأقرَّ له في مجلس بألف ثمَّ آخر بمائة لزمه الألف وليس (6/365)
صفحة 2904
كالوصيَّة في هذا (1)؛ وقيل: ما أقرَّ به فيهما والأوَّل أشبه؛ وإن قال: اشهدوا أنَّ عليَّ له مائة ثمَّ قالّ: كذلك، ثمَّ ادعى أنَّها واحد، فلا تلزمه إلاَّ واحدة، وكذا إن قال: اشهدوا أنَّ عليَّ له مائتين؛ وإن قال: اشهدوا أنَّ علي له ثلاث مائة ثمَّ أنَّما عليّ له ثلاث مائة، لزمته ثلاث مائة، وكذا إن أشهد على درهم ثمَّ على درهمين فقال الطَّالب: هي ثلاثة، وقال المقرُّ: درهمان؛ لزمه درهمان.
ومن أقرَّ أنَّ عليه لرجل عشرة دراهم ثمَّ أنكره فأراد هو أن يأخذ من ماله بعد الحجَّة عليه جاز له إن لم يعلم كذبه؛ فإن أنكر بعد الإقرار ذكره به؛ فإن أعطى ما أقرَّ به، وإلاَّ فله أن يقبض من ماله بعد الحجَّة عليه؛ وإن غاب قبل أن يحتجَّ عليه حيث لا تناله الحجَّة وقد أنكره فله الأخذ من ماله؛ فإن قال: عليه ألف درهم جديد أو صفر أو ما لا تعرف به الدَّراهم لزمه نقد البلد، ولا شيء له إن قال: أقلّ من مائة أو أزلّ منها؛ وإن قال: نحوها فله أقلُّ منها وأكثر من تسع وخمسون إن قال بعضها.
__________
(1) - ب: - «في هذا». (6/366)
صفحة 2905
الباب العشرون
في الإقرار بالبيوع والكتب والثِّياب والدَّواب
فمن أقرَّ أنَّه باع لفلان كذا وحده بمعروف من الثَّمن؛ وأنَّه قد استوفاه منه جاز عليه وعلى وارثه، وكذا إن أقرَّ بالبيع وبالاستيفاء، ولم يسمِّ، واختير أنَّ له أن يرجع بجهالة الثَّمن إن لم يعيِّنه إن كان حيًّا، وهذا في الصَّحيح.
وأمَّا في المريض فإقراره بما لا يجوز فعله وقت مرضه كفعله فيه لا يثبت؛ وإن أقرَّ أنَّه باع له قطعة كذا بكذا من الثَّمن واستوفاه جاز؛ وإن على وارثه إن كان في الصِّحة وإلاَّ فلوارثه فداؤها كما مرَّ؛ وإن أقرَّ بشراء سلعة من فلان ولم يقل: بكذا، ثمَّ قال: ليس له عليَّ شيء فلا شيء عليه، حتَّى يحضر البائع بيِّنة أنَّ عليه له (1) كذا من الثَّمن؛ وإن سمَّاه، وقال: دفعت له أو ليس عليَّ، لزمه الثَّمن إلاّ إن بيَّن دفعه.
ومن قال في مرضه وعنده كتب بعضها مكتوب وبعضها لا ورقاع وكلُّها في وعاء، فقال: كتبي لفلان؛ ينظر فيها، اختير أنَّ المكتوب بعد الحرز فمن الكتب وما لم بكتب من الدَّفاتر لحقه الخلاف، ولحق الرِّقاع معنى الكتب ما كتب منها وما كان محروزا مكتوبا في بعضه، التحق بالكتب ما كان فيه، ولو من كتاب واحد، وما لا كتاب فيه فهو من غيرها.
ومن أقرَّ لرجل بثيابه فله جملتها؛ فإن قال بكسوته فله ما لبس؛ فإن لم تكن فيه علامة اللباس قبل فيه قول من بقاه حتَّى يعلم أنَّه ملبوس؛ فإن كان لامرأة ثيابٌ
__________
(1) - ب: «له عليه». (6/367)
صفحة 2906
وشقق فالمقطع منها من كسوتها وإن لم تلبسه، وما لم يقطع أو كان ثيابا لم تلبس فهي لها. أبو سعيد: ما صحَّ أنَّه من كسوتها ولو لم تلبسه فمن كسوتها.
ومن قال لرجل: هذا الثَّوب لك على أن تذبح لي هذه الشَّاة فذبحها ثبت له؛ فإن هلكت قبل أن يذبحها؛ فإن خرج على معنى الإقرار ثبت ولو لم يذبحها؛ وإن خرج على الأجرة بطلت.
ومن أقرَّ لرجل بدابة فمات وتركها في منزل وارثه يسكنه وقد علم بذلك، لا أنَّه كاذب فيه، ثبت عليه ما أقرَّ به إذا علم به أو بيَّن عليه ولزمه دفعها إليه إن بقيت بيده أمانة، فإنَّها في مسكنه أمانة؛ وإن أقرَّ له بدابة أو أرض ثمَّ استحقت من يده فإنَّه لا يرجع بشيء إلاَّ إن أشرط مرجع الدَّرك فيها. (6/368)
صفحة 2907
الباب الحادي والعشرون
في الإقرار بالشوران والخبز والمماليك
فمن أقرَّ لرجل بمن شورانا عند الحاكم فله يابس؛ فإن اختلف فالأوسط؛ وإن أقرَّ له بمنّ من خبز فله خبز البلدي في الوقت؛ ثمَّ هل يعتبر ما في الأسواق أو ما في المنازل، فإنَّه يردُّ إلى إقراره مع يمينه؛ وإن أقرَّ له بجاريته وله جاريتان وأحدهما أغلى؛ فإن لم يجد بيِّنة معيَّنة فلا يحكم له بشيء، قلت والظاهر ممَّا مرّ في التمايز أنْ يعطي له من كلٍّ نصفها، وإن كانت له واحدة، فإذا شهد أنَّ هذه جاريته فهي [508] له؛ فإن قال وارثه: إنَّ له غيرها لزمه بيانه؛ فإن أوصى له بجاريته فوجد جاريتان قال: فإن وسعهما الثلث فله نصفهما؛ وقيل: الأولى منهما؛ والفرق أنَّ الإقرار لا يقع إلاَّ على معينة، فإذا لم يحكم له بشيء كما مرَّ والوصيَّة فعل منه في ماله؛ فإن عرف ما أثبت فيه من الوصيَّة، وإلاَّ فالنَّظر إلى الأحكام وأهل النَّظر، ولا يحكم إلاَّ بالأقل وفي الاحتياط لا يخرج إلاَّ من المشاركة فيهما كما مرَّ؛ فإن أقرَّ لزيد بجارية فلا شيء له؛ وإن أوصى له بما ثبت له ما يقع عليه الاسم كما مرَّ؛ وإن قال له: لك هذا الغلام ما حييت وبعد موتك لي أو لوارثي فهو لزيد؛ وقيل: للمقرِّ؛ وإن قال له جاريته هذه إلاَّ خدمتها لم يثبت الإقرار عند بعض وبطل الاستثناء وله وطؤها لا إن ثبت؛ وإن قال أعطيتها لك إلاَّ خدمتها لي لم يثبت العطيَّة مع الشَّرط ولا يحلُّ له وطؤها؛ فإن فعل لم يحد لعروض الشُّبهة بالعطيَّة. (6/369)
صفحة 2908
الباب الثاني والعشرون
في الإقرار بالميزان والميراث
فمن أقرَّ لرجل بميراثه ثبت له العمود والكفَّتان وما ثبت فيهما؛ واختلفت موازينه، فقيل: له إلاَّ دون؛ وقيل: الأوسط؛ وقيل: النِّصف الأوجد ونصف إلاَّ دون؛ وقيل: لا شيء له حتَّى يعيِّن.
ومن أقرَّ أنَّ إرثه من فلان لبني فلان وهو شائع في المال فقال ابن بركة: لا يثبت؛ فإن لم يرجع فيه لم يجده وارثه، أبو سعيد يخرج هذا على القول بأنَّ الإقرار تدخل فيه الجهالة ويكون كالعطيَّة، ولا نعلم معنى إبطالهما إلاَّ بعد رجعة المقرِّ، فحينئذ يثبت فيه الاِختلاف، ولو كان باطلا لبطل من حينه، ولو لم يرجع.
أبو سعيد قد قيل إنَّ الإقرار إذا وقع بصفة من ميراث ومن فلان أو من قرية كذا أو بماله على الإجمال فقال: مالي لفلان، ثبت هذا الإقرار ولا يعلل بالجهالة، ولا تدخل إلاَّ على العطيَّة والبيع ونحوهما من المصالحة والمقايضة ممَّا تناقل حكمه، وأمَّا الإقرار فمعناه إقرار ملك تقدَّم قبله ثابت له، ولا تكون الجهالة حجَّة فيه، وعندي أنَّه يلحقه معنى العطيَّة، ويثبت فيه الإحراز والعلَّة بالجهالة تنقضه والرَّجعة فيه أيضا، إذا قال: مالي أو ميراثي أو كذا من ماله لفلان، فهذا كأنَّه لمَّا انتقل عن ملكه بقوله له خرج على معنى الهبة ما لم يسمِّه بقضاء أو بيع أو نحوهما، قال: وعندي أنَّه يخرج قيل في مالي أو داري لفلان إن حكمه مستحيل لا يثبت فيه الإقرار لأنَّ ماله لا يكون لغيره كما مرَّ إلاَّ بهبة أو بيع أو صدقة ونحو ذلك في عموم الإثار ثبوته؛ وإن كان تضعيفه أثبت في معنى الأصل لاِستحالة كونه لغيره؛ والوقوف على المال ليس إحرازا له كما مرَّ حتَّى يعلم فيه، كقطع شجر أو نخل أو رضم الأرض وزرعها ونحو ذلك. (6/370)
صفحة 2909
الباب الثالث والعشرون
في العطيَّة ومعناها
قال هاشم ومسبِّح: إن كان لامرأة في بلد مال ورثته من أبيها فطلبها أخوها أن تعطيه منابها منه، وزعم أنَّ لها الثلث من مائة نخلة، وسمَّى لها النخل، فإذا هو مائتان فلا يجوز له إلاَّ منابها من المائة، ولا تجوز الهبة في الحركات ولا السكون لعدم القبض ولا في الدَّين لعدم صحَّته فيه، والعطيَّة مزيلة لملك المعطي موجبة لملك المعطى له.
واختلف في وجوب العطيَّة فقيل: إنَّها نفسها موجبة لها ولا رجعة فيها، وقيل: إذا أحرزها المعطي له أو مات هو أو المعطي ثبتت؛ وقيل: لا إلاَّ بالإحراز لأنَّها يد أعطت أخرى، فما لم تصل يد المعطى له فهي في حكم يد المعطي، وهذا أقصى ما قيل فيها؛ فإذا أحرزها المعطى له فلا خلاف أنَّها زالت من يد المعطي وحرمت عليه الرَّجعة فيها، وهو سرُّ قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «الرَّاجع في هبته كالكلب الرَّاجع في فيه».
محبوب: من له أخ أو رحم فقير عليه له دين (1) وعجز عن أدائه، جاز له إبراؤه منه وهبته له إذا لم يرد إضرارا بوارثه؛ وإن تصدَّق يهودي على مسلم بماله جاز له إن أحرزه. ابن يوسف إن أمُّ امرأته أعطتها عطيَّة ولم تعلم هي بها، فلمَّا علمت بها طلبتها وأقامت عليها بيِّنة، فاحتجَّ محتجٌّ أنَّها لم تقبضها، فحكم لها الأزهر بها وقال: إنَّها لم تعلم بها فتحرز، ولا يضرها إنكار الأم العطيَّة.
ومن طلب من رجل ثوبا يصلِّي به، فاحتجَّ أنَّه أعطاه إيَّاه فهو لصٌّ وعليه ردُّه كما مرَّ (2). ومن تصدَّق على رجل بجزء من داره كثلثه جاز له؛ وإن لم يقبضه.
__________
(1) - ب: «له عليه دين».
(2) - ب: - «كما مرَّ». (6/371)
صفحة 2910
الباب الرَّابع والعشرون
في العطيَّة وإحرازها
فمن طلب إلى رجل قورة شجر أو صرمة نخلة فقال له: هي في كذا فخذها ثمَّ مات أحدهما أو غاب؛ فإن كان هو السَّائل وقد رجع المسؤول في عطيَّته فهي ماله؛ وإن كان هو المسؤول فالعطيَّة بحالها وللسَّائل أن ينتفع بها حتَّى يعلم أنَّه رجع عليه فيها؛ وإن مات فقيل: موت المعطي رجوع؛ وقيل: ما لم يرجع [509] فهي للمعطي له؛ فإن بيَّن له شيئا من ماله فقال له: اذهب خذه فهو إذن منه له بأخذه لا عطيَّة، وله أخذه في حياته لا بعدها؛ وإن غاب الإذن فأَخبر السَّائل ثقةً أنَّه قد رجع فيما أذن له بأخذه، فله أخذه في الحكم حتَّى يخبره ثقتان، والتَّنزه أولى وأحوط.
ومن قال لرجل: قد جعلت لك في كلِّ مالي العشرَ أو الثلث أشبه معنى العطيَّة؛ فإن قال: أعطيتك ربع مالي ولا يحيط به علما فإذا أحرزه عليه ولم يرجع فيه جاز له؛ وإن رجع واحتجَّ سمعت حجَّته؛ وإن أعطاه شيئا فأحرزه ثمَّ ادَّعى أنَّه لم يعرفه فله الرَّجعة بالجهالة كالبيع، ويقبل قوله في ادعائها مع يمينه.
ومن تصدَّق على أحد بشيء أو أعطاه إيَّاه فقال له: كُلْهُ أو اشترِ به طعاما وكلْه، فله أن يفعل فيه ما شاء إذا ملَّكه إيَّاه؛ وإن قال له: اشتر بهذه الدَّراهم كذا وكلْه أو اكتس به، فلا يفعل فيه إلاَّ ما أمره به عند أبي الحواري.
ومن طلب رجلا بخمسة أجربة حبًّا فاَستقضاه بها مرَّة بعد مرَّة ولم يعطه شيئا، ثمَّ قال له: قد وهبت لك أو تركت جربين واعطني ثلاثة، فقال له الذي عليه ذلك: قبلت هبتك؛ قال أبو الحسن: إن قال تركت لك، ثمَّ قال وكرامة لك أرجع إليَّ إلى ثلاثة أيَّام أعطيك مالك، فعند ذلك جاء ذو الحقِّ يقول: إنَّما تركت أو وهبت على (6/372)
صفحة 2911
أن تعطيني، فلم تجعل، فالآن لا آخذ إلاَّ الخمسة قال: فإن وهب له على أن يعطيَّه فلم يفعل فله الرُّجوع، وإلاَّ فلا إذا قبل الموهوب له.
ومن طلب رجلا بألف فقال له: إن أتيتني بنصفه يوم كذا فالباقي هبة لك، فأتاه به، وأبى الطَّالب أن يترك له الباقي، فله الرُّجوع، وأثم بالخلف.
ومن أعطته امرأته مالا فلمَّا اِحتضر ردَّه عليها، فقيل: لا يجوز ردُّه لها في المرض، وأجازه بعض وهو المختار في الزوجين والوالدين كما مرَّ.
ومن ترك لأحد ماله عليه أو يعطيه إيَّاه، فإذا قال له ذلك برئ منه، ولا يلزمه قبول لأنَّه في يده إن كان في الصحَّة، وقال نبهان: إذا ترك ذو الحقِّ حقَّه برئ الذي لزمه إن قال: قبلت، وإلاَّ ورجع فيما ترك جاز له؛ وهذا إن كانت العطيَّة والتَّرك في الصِّحة.
ابن محبوب: ليس على الزوجين قبول، إن ترك أحدهما لآخر ماله عليه أو أعطاه إياه في الصِّحة، ولا يجوز في المرض، وإنَّما يلزمهما إذا أعطاه شيئا من ماله.
فصل
ولا تثبت العطيَّة إلاَّ بالإحراز وهو في الأصول أنْ يحيلها من يد عامل إلى آخر، أو يصرمه إن كان نخلا، أو يسقيه، أو يقبضه، أو يعطيه، أو يحدث فيها موجب إزالة عن حالها.
ومن أعطى أحدا عطيَّة فأحرزها ثمَّ ردَّها عليه، فلا إحراز عليه وليس عليه قال أبو الحواري إلاَّ القبول عند بعض.
ومن جعل معروفا من ماله للمسجد ثبت له، ولا إحراز عليه. ومن جعله لفلج معروف فعلى أربابه أن يحرزوا له ولو بعضهم؛ وإن كان الجعل كالعطيَّة له فإنَّما يثبت منها بقدر نصيب المحرز من الفلج، وكذا من أعطى زيدا أو عمرا عطيَّة فأحرزها عمر ثبت نصيبه منها إن رجع المعطي عند القائل إنَّها لا تثبت إلاَّ بالإحراز؛ وإن أحرزها (6/373)
صفحة 2912
بإذن زيد أو بتوكيله إيَّاه أو كان أبًا لزيد وهو صغير أو وصيًّا له من أبيه، أو وكيلا له من حاكم أو جماعة ثبتت كلُّها؛ وقيل: حصَّة عمر بإحرازها كلِّها.
ومن جعل في صحَّته أرضه مقبرة للنَّاس فقبر فيها واحد، فلا رجعة له فيها إذا لم يسمِّ، ولو لم يُقبر فيها أحد، إذ لا إحراز في مثل هذا، وكأنَّه للجملة كالفقراء ونحوهم، وقد ثبت ما جعل لنحوهم؛ وقيل: له الرُّجوع ما لم يتمّ ذلك أو يحرزه أحد مِمَّن يقوم به، وهذا كما قال: ثبوت للمقبرة فيها ولو لم يقبر فيها إن اتَّحدت البقعة، ويخرج على أنَّه إحراز لجميعها، وليس له الرُّجوع فيها على كلِّ حال. (6/374)
صفحة 2913
الباب الخامس والعشرون
في عطيَّة الصِّبيان
وقد أجاز أبو سعيد للمعلِّم أن يقبض من اليتيم يتعلَّم عنده ما يصل به إليه من رطب أو نبق أو نحوهما إن أخرج في التَّعارف أنَّه مرسل إليه من يكلِّفه كما مرَّ، ولو من ماله، وإذا لم يعلم أنَّه منه جاز على كلِّ حال، وكذا لغير المعلِّم إذا مدَّ له يده باليسير من فاكهة ونحوها، وعلم أنَّه يفرح إذا قبض منه، يجوز له أخذه منه على اِعتقاد أنَّه يكافيه بمثله أو أفضل منه؛ وإن تركه متنزها بلا إدخال ضرٍّ عليه فهو أسلم.
ومن أعطى يتيما أرضا فلا إحراز عليه وتمت له إلى أن يبلغ؛ فإن بلغ ولم يحرز له وصيُّه أو وكيله أو محتسب قبل بلوغه جاز للمعطي أن يرجع؛ وإن مات قبل بلوغه ثبتت العطيَّة له ولا رجوع للمعطي بعد، وهذا في عطيَّته من أبيه، وجازت له من غيره بلا إحراز عليه فيها.
ومن أعطى صبيًّا شيئا وله أب أو وكيل ولم يحرز له حتَّى مات المعطي أو رجع، فقال موسى: لا يجوز.
ومن له على ولده حقٌّ فأبرأه منه وقبل ثمَّ رجع في إبرائه فله رجعته فيه، وكذا لو أعطاه عطيَّة وأحرزها فله الرَّجعة عليه بعد الإحراز، وذلك في الولد لا في غيره.
ومن أعطى صبيًّا له والد عطيَّة ولم يقبضها أحدهما فلا رجعة للمعطي فيها. وإن مات [510] والصَّبي لم يبلغ ثبتت ولا رجعة للوارث؛ وإن مات قبل بلوغه ثبتت ولا رجعة للمعطي أيضا؛ وإن لم يمت أحدهما ولم يحرز الصَّبي هو ولا قائم به حتَّى بلغ فللمعطي أن يرجع في هذا؛ فإن لم يحرز بعد بلوغه ولم يرجع المعطي فقيل: ترجع إليه إن رجع؛ وقيل: لا، وقد ثبتت بموته ما لم يرجع قبل موته وهو المختار؛ وإن (6/375)
صفحة 2914
مات قبل بلوغ الصَّبي وإحرازه ولم يرجع أيضا حتَّى مات ثبتت أيضا بموته؛ وقيل: لا، وترجع إلى الوارث لأنَّه لا إحراز للصَّبي بعد موت المعطي، واِختير هذا أيضا؛ وإن أعطى صبيَّه عطيَّة ولم يرجع فيها حتَّى بلغ فأحرزها قبل أن يرجع أبوه عليه أو بعد علمه بإحرازه، ولم يغير عليه، فقيل: تثبت له بالإعطاء المتقدِّم مع ما ذكر؛ وقيل: لا، إلاَّ إن جدَّد له الإعطاء بعد بلوغه واِختير أيضا؛ فإن مات قبل بلوغ الصَّبي فهي له؛ فإن بلغ ولم يحرز حتَّى مات أحدهما بطلت؛ وإن أعطى ولده البالغ ثبتت له إن أحرز قبل أن يرجع عليه وإلاَّ بطلت، وكذا غير ولده.
وفي الأثر: ومن وهب لصبيٍّ جارية ثمَّ أعتقها قبل بلوغه؛ فإن تمسَّك بها بعده فهي له، وإلاَّ جاز العتق.
ومن طلب إلى امرأته أن تعطي ولدها مالها وهو صغير جاز له إن أعطته، ولا رجعة لها فيه إلاَّ إن بلغ ولم يحرز فلها أن ترجع حينئذ؛ وإن اِنتزع منه أبوه ما أعطته إيَّاه جاز عند بعض؛ وإن قضاه أمّ الولد جاز قضاؤه لها إياه. (6/376)
صفحة 2915
الباب السادس والعشرون
في عطيَّة المشاع أو كان فيها شرط
وقد أعطت امرأة ولدها مالا على أن يكفِّر عنها يمينا له أن لا ترجع فيه ثمَّ رجعت وتمسَّك هو بعطيَّته ونازعه إخوته، فقال محمد: إن لم يكفِّرها عنها حتَّى ماتت فسدت العطيَّة بشرطها عليه التَّكفير لما قيل إنَّها إذا كانت على أن يفعل فلم يفعل، حتَّى رجع المعطي فيها بطلت وكذا إذا مات أحدهما قبل أن يفعل؛ وقيل: مطلقا لأنَّ فيها مثنوية.
ومن أعطى رجلا مالا على أن لا يخرج من قرية فأحرزه، ثمَّ رجع، فقال: أعطيته ما فيه مثنوية فأجازها بعض إن لم يخرج المعطى له من قريته، وقيل: له في الرُّجوع من المثنوية وإن لم يرجع حتَّى مات فلا يجده وارثه؛ وقيل: يجده مثله.
ومن أعطى رجلا وليدة على أن يثيبه؛ فإن أثابه وإلاَّ فله الرَّجعة، ومنع أبو الحواري كلَّ عطية فيها شرط.
ومن أعطى رجلا نخلة على أن لا يخرجها من ملكه بطلت عطيته؛ وقيل: شرطه وثبتت؛ وقيل: ثبتا معا.
أبو الحسن: إن طلبت صبيَّة إلى امرأة أن تعطيها منزلها، ففعلت (1) وضمنت لها أمّها أن تصوم عنها كفَّارة، أو تطعم، جازت العطيَّة لها في الصِّحة لا في المرض وعلى الأم ما ضمنت؛ فإن كانت لها فيه بشرط أن تصوم أمّها وضمنت بذلك الحال لم تثبت العطيَّة لها فيه ولا على الأم ما ضمنت به، إلاَّ إن كانت وصيَّة لها فتبيع من مال
__________
(1) - ب: - «ففعلت». (6/377)
صفحة 2916
الموصيَّة إليها، وتنفِّذ عنها، وإلاَّ لم يلزمها إلاَّ إن ثبتت عليها الوصيَّة في الحكم فتكون من مال الهالكة.
ابن بركة: من وهب منابه من غير مقسوم لبعض شركائه جاز بلا خلاف، وفي غيره قولان، أبو سعيد: قد قيل إنَّ الهبة تجوز فيما يجوز فيه البيع، ولا خلاف بين أصحابنا في أنَّ بيع الجزء من المشاع جائز ولو غير الشَّريك، قال: ولا أعلم موجب علَّة في هبته غير تعذُّر الإحراز، لأنَّه لغير الشَّريك لا يبلغه إلى إحراز حصته بعينها، وإذا ثبت أنَّه من أجل ذلك كان ضعف العطيَّة مثله في أحد الشُّركاء، إلاَّ إن لم يشارك المعطي والمعطى له غيرهما في مشتركهما، فحينئذ يحسن اِفتراق معنى الشَّريك وغيره في الهبة ويعطيه شريكه جميع حصَّته حتَّى لا تبقى بينهما مقاسمة. (6/378)
صفحة 2917
الباب السَّابع والعشرون
في عطيَّة الأصول والمأكلة والحقوق
فمن قال: وهبت لك هذه النخلة، كانت له بأرضها. ومن منح رجلا ما كلة قطعة نخل فأكلها سنة ولبثت بيده حتَّى حملت ثمَّ مات، فقال العلاء: ليس للمعطى له شيء والنخل وتمرها للوارث لانقضاء الأمر الأوَّل قبل إدراكها، إلاَّ إن صارت عند موته فضخا ورطبا، فهي للمعطى له لأنَّ الأكل لا يقع إلاَّ على مدرك؛ وإن أعطاه تمرتها فأتمرت فأبرَّها قبل موت المعطي فقد أحرزها لوقوع الاسم عليها من حين الإثمار، وتحرزَّ بالتَّأبير وبالتحذير أيضا، أبو سعيد من له على رجل حق فأعطاه آخر؛ فإن كان آجلا لم تثبت عطيته عند الأكثر مطلقا؛ وقيل: تثبت إذا أقرَّ به من كان عليه وضمن به للمعطى له، وثبتت في العاجل إذا أحرزه. وإحرازه - قيل - هو إقرار من عليه الحقُّ به؛ وقيل: ضمانه به؛ وقيل: قبضه فإذا قبضه [511] منه ثبت له اِتِّفاقا؛ وإن أقرَّ له به إقرارا ثبت له إذا صحَّ الحقُّ ولو غاب من لزمه أو كان آجلا؛ وقيل: لا يثبت فيه، وكذا في الصَّداق إن أعطيته المرأة رجلا أو أقرَّت به له. (6/379)
صفحة 2918
الباب الثامن والعشرون
في العطيَّة لواحد أو جماعة (1)
ولا يجوز في غضب ترك ولا نحل ولا هبة ولا جعل ولا صدقة ولا عطيَّة؛ فمن أعطى أحدا فيه وصحَّ بطلت عطيَّته ولو أحرزها؛ فإن لم تصحّ فيه جاز له الرُّجوع فيها قبل الإحراز لا بعده؛ ومن أعطاها فيه فلم يحرزها المعطى له حتَّى زال الغضب ثمَّ أحرزها بعد الرِّضى جازت.
ومن دخل إلى جماعة بقرمة ماء أو بطعام فيكون أكلهم وشرابهم في ذلك مختلفا، فقيل: إن أدخله إليهم على وجه التمليك لهم فعليهم العدل فيه؛ وإن كان على الإباحة فمن احتاج منهم إلى شيء منه (2) اِنتفع به؛ ومن أتى إليهم بالدَّراهم، فإن كان على التمليك فكذلك، وإن كان على اِنتفاع وإباحة فما لم يصحّ فساد شيء من ذلك أو غاب أمره عن المبتلى به فلا عليه في اِنتفاع به على ما يظهر من الإباحة أو التَّمليك، ما لم تُعلم حرمته.
ومن اِشترى - قيل - من امرأة تمرا فدفعت إليه ظرفا خلقا وجعله فيه، ولم يعلم أهو عارية أو عطيَّة ولا أين توجَّهت، وضاع الظرف ولم يعرف كيف ضاع، فلا يلزمه ضمانه لها حتَّى يعلم أنَّها دفعته إليه على وجهها.
__________
(1) - ب: «لجماعة».
(2) - ب: - «منه». (6/380)
صفحة 2919
الباب التاسع والعشرون
في عطية الأزواج والأقرباء
فمن أشهدت له زوجته بمالها على أن لا يتزوَّج عليها قال، أبو الحواري: إن مات زوجها على ذلك فلا رجعة لها فيه، وإن رجعت قبل موته كانت لها والمال لها، وكذا إن أعطته إيَّاه على أن لا يتزوَّج فلانة عليها، وتركها حتَّى ماتت هي، فالمال له إن لم ترجع، وإن أعطته شيئا بمطلب منه إليها عن طيب نفسها فلا رجعة لها فيه عند أبي محمَّد؛ وإن ادَّعت خوفا لما طلبها قبل قولها مع يمينها ولا إن أعطته إيَّاه لله اتِّفاقًا، وإن أقرَّت أنَّها راضية عند المطالبة والإعطاء وأنَّها الآن راجعة لأجل السؤال، فلعلَّه - قيل - بإجازة الرجوع لها، إلاَّ إن أعطته بدونه، ومن أعطته زوجته نصف مالها، ثمَّ ماتت واختلف هو وورثتها في العطية فلا يرى ابن عليٍّ الصداق من المال حتَّى يسمياه عند الشهادة، والحلي والكسوة داخلان في العطية، إلاَّ ما على ظهرها منها (1)، وكذا الحالف بالصدقة، وإن أعطته بعض مالها ممَّا لها فيه رجعة، ثمَّ قالت: حرَّم الله عليك بكلّ حقّ يلزمك لي، قال: فليس هذا عندي رجوعا يلزمه لها حقّ، لأنَّه لو لزم ما احتاج إلى قول فيه، وكان لازما له، وإن طلب إليها أن تعطيه بيتها يبيعه ويعطيها بيته تسكنه حياتها، فإن ماتت قبله فله بيته، وإن مات قبلها فهو لها، ففعلت وباع بطل الشرط إن رجعت عليه أو على وارثه، وإلاَّ حتى ماتت ففي الرجوع فيه لوارثها قولان، وإن وعدها بشيء يعطيه لها حين أراد وطأها فلا يؤخذ به في الحكم، فلا ينبغي له أن يرجع فيه إذا أعطاه إياها وقبضته، وإن وهبت له كلَّ مالها ثمَّ رجعت فيه قال محبوب: إن قبضه وصار بيده وأشهدت له به فلها أن ترجع فيه إن
__________
(1) - ب: - «منها». (6/381)
صفحة 2920
أساء إليها وطلَّقها، وإلاَّ فلا وبه قال هاشم؛ وإن طلب إليها أن تحجه من مالها أو يحجها أو تعطيه إيَّاه وتدع له صداقها وما تعطيه أكثر من المؤنة، قال ابن عليٍّ لا بأس له إن لم يكن إسرافًا ولم تعطه خوفا من تغييره عليها؛ وإن طلب إليها صداقها فأعطته ثمَّ رجعت بعد موته لطلبه لها فطلبته من وارثه فقيل: لها رجوعها؛ وقيل: لا، ولا لوارثها إن ماتتّ؛ وقال ابن المسبِّح: لا يمين له على الزوج وإنَّما اليمين لها هي ما طلبه إليها أو تحلف هي ما أعطته إلاَّ بمطلبه، لأنَّه لو أقرَّ به ما لزمه لوارثها شيء، ولم يجز موسى العطية إلاَّ بقبول وهو يستحسن القبض؛ وإن لم يلفظ بقبول؛ وقال: من أراد الدخول بامرأته فمنعته إلاَّ إن أعطاها شيئا ويشهد به لم تكن عطية عندنا.
فصل
من طلب إلى امرأته الحلَّ من نفقتها فأحلَّته ثمَّ رجعت فيها، فليس بإبراء عند بعض، لما قيل: إنَّه إذا طلب إليها مالها فأبرأته منه فلها أن ترجع فيه؛ وقيل: ذلك في الصداق لا في غيره من الحقوق، وإن قالت له: إن متَّ في سفرك هذا فأنت بريء مما عليك، برئ إن مات؛ وإن ماتت هي فليس له إلاَّ ميراثه، وإن أعطته نصف مالها ثمَّ عاشا نحو عشرين سنة فماتت، فقال ورثتها: استفادت مالا بعد العطية، ونفى الزوج ذلك، وأراد أخذ النصف من كلِّ ما تركت وأبوا، فعليهم بيان دعواهم، وكذا إن ادَّعوا أنَّها رجعت؛ وإن أعطته مالها وقبله وردَّه إليها على أن لا تتزوَّج بعده أو لا تخرجه من ملكها فله أن يرجع، وإن غضبت عنه إلى أهلها فطلبوا إليه أن يرضيها فأعطاها شيئًا قال الأزهر: فإن قالوا هم أو هي لا ترجع إليك حتَّى تعطينا شيئًا فلا شيء لها، وإن طلب إليه كلٌّ منهما جاز لها ما أعطاها.
ومن نحل زوجته نحلة فلم تقبضها حتى مات وعليه دين شاركت غرماءه فيها بمنابها، وأجاز جابر ما نحل لها من غير الصداق؛ وروي: كلُّ من تصدَّق بصدقة أو نحل لولده فلا رجعة له، ولو لم تقبض، ثمَّ قال: هؤلاء لا يأخذون في هذا بما نقول. وزعم أنَّ رجلاً أتاه وقد نحل امرأته عشر شياه من غنم له، فقال له: اعلمهنَّ لها فإنَّها (6/382)
صفحة 2921
لها من [512] غنمه، وإن لم يبق منها غيرهنَّ ولا شيء لها إن ذهبت كلُّها إن لم تقبض، ولها ما ولدن إن أعلمهنَّ لها. ومن أعطته امرأة مالها أو بعضه فقبل ولم يحرز، ثمَّ تزوَّجها ثمَّ رجعت قبل أن يحرز، فأجاز لها عزَّان الرجوع؛ فإن قال لها لمَّا تزوَّجها: قبلت ما أعطيتنيه، فقالت: رجعت الساعة، فلا رجعة لها بعد قبوله بعد النكاح، وقيل: لها ما لم يحرز عليها إلاَّ إن أعطته وهي زوجته.
فصل
من قال لزوجته: كنت تزوجت امرأة وتركت لي صداقها أو أحب أنِّي تخلَّصت من حقِّك أو صداقك عليَّ أو إني في غمٍّ منه أو أخاف أن أموت وحقُّك عليَّ، ولا أدري كيف أحتال حتَّى أخلص منه، راجيا أن تترك له حقها، فتركته له فلا يبرئ منه إذا رجعت فيه، لقولهم: ليس له أن يعرض لها فيه، فإذا فعل وتركته له كان لها أن ترجع فيه وكأنهم رأوا التعريض كالطَّلب، وكذا إن ادعى ربّه بمحضرها فتركته له لذلك فكالطلبة؛ وإن تركته له به فلم ترجع حتَّى مات أحدهما برئ منه، وأجاز بعض (1) طلبه إليها مع إجازة الرُّجوع لها، وأجاز لها أبو الحسن أن ترجع عليه إن تركته له بطلبه إن حيي؛ وقيل: ولو مات ما بقي ماله ولا رجعة لوارثها عليه ولا على وارثه اتفاقا؛ فمن النَّاس من يطلب الخلاص منه بالصِّدق على جهد منه، ومنهم من يطلبه بالتَّخويف والتَّهديد والظُّلم والوعيد، فهذا لا يبرئ منه، وكذا الزوجات في ترك مالهن فمهنّ الرَّاغبة في خلاص زوجها إذا علمت صدقه بطيب نفسها، ومنهنّ الكارهة لتركه فلا يبرئ فيها، فتنظر المرأة لنفسها ولزوجها؛ فإن كان ذا ورع وإخلاص ورغبة في خلاص ولو لم تبره لأوصى لها بجملته فهذا ترجى له البراءة؛ وإن لم يكن كذلك ولا يبالي أتخلص منه (2) أم لا وإنَّما أبرأته بلسانها خوفا
__________
(1) - ب: «بعضهم».
(2) - ب: «منها». (6/383)
صفحة 2922
أن يسيء إليها، فقد غرَّته وأثمت بخلفها ولها حقُّها مع يمينها؛ وإن تركت له صداقها في مرضها جاز إن كان يحقُّ له عليها، وإلاَّ فلا ولا هبة ولا عطيَّة فيه.
وإن قالت: وهب الله لك مالي عليك في صحَّتها، فقيل: يثبت، وقيل: لا، وهو المختار ولأنَّه تعلى لا يهب حقوق النَّاس.
وعن أبى عبيدة والرَّبيع وغيرهما في واهبة لزوجها مهرها ثمَّ يطلِّقها قبل أن يدخل بها: إنَّه لا شيء عليه.
وإن قال محتضر: قد أعطيت ابني أو غيره كذا من مالي، وقد أحرزه عليَّ، قال: أمَّا للوارث فلا يجوز هذا له وجاز لغيره؛ وقيل: إنَّ الورثة يدخلون على الولدان إن أعطاه أبوه في مرضه لا فيما أعطاه في صحَّته وأحرزه عليه فيها إن بلغ، ولا يدخل هو أيضا على من أعطاه الأب في مرضه، مثل ما أعطاه هو، وإنَّما يدخل عليه يقدِّر صحَّته من لم يعط لهم في الصحَّة ولا في المرض. (6/384)
صفحة 2923
الباب الثلاثون
في العمرى والرَّقبى والسُّكنى
فالعمرى هو (1) أن يقول الرَّجل لآخر: أعطيتك هذا المال أو جعلته لك أو وهبته لك حياتك؛ فأَكله حتَّى مات، فهو لوارثه بعده ولا رجعة للمعطي فيه؛ وإن قال: أرقبتك إياه أو أطعمتك أو أسكنتك حياتك إلى عشر سنين مثلا فله فيه الرّجعة؛ وإن أكله حتَّى مات رجع للمعطي؛ وإن قال: نحلتكه حياتك فلا رجعة له فيه ولا لوارثه إن أحرزه المعطى له؛ وإن قال: أعرتك أو أسكنتك هذه الدَّار وأخدمتك هذه الجارية حياتك فهو ضعيف لا يثبت له؛ وكذا (2) إن قال هذه الدَّار أو الجارية لك حياتك أو حياتي، فإذا متّ فهي لي أو لوارثي بعدي فضعيفة لا تجوز.
ابن محبوب: إن قال له: أعطيتك أرضي هذه عمرها واسكنها ما حييت، فهي له ولوارثه.
أبو عليٍّ: من أعطى رجلا ماله وقال له: هو عليك رقبة تأكل بتمرته حتَّى تموت ثمَّ هو مالي؛ فإن قال: قبلت جاز له، وقال غيره: نعم إذا قبل الشرط فيها ثبتت العطيَّة.
ويروى: «لا عمرى ولا رقبى، من أعمر عمرى فهي له» وأيضا: «لا تعمروا ولا ترقبوا من أعمر شيئا أو أرقبه فهو له إذا بان به».
__________
(1) - ب: - «هو».
(2) - ب: - «كذا». (6/385)
صفحة 2924
وقال عزَّان: أمَّا العمرى فصحيحة إذا بان بها، وأمَّا الرَّقبى فلا نعرفها؛ فإنَّ قال فيها صلَّى الله عليه وسلَّم شيئا فهو كما قال.
والعمرى موجبة لانتقال الملك بلا خلاف وهي داري هذه لك عمرك وعقبك أو بلا ذكره؛ وإن قال: أيَّام حياتك، رجع إلى المعمِّر إذا مات المعمَّر - بالفتح - وبطلت.
وقد ورد النَّهي عن الرَّقبى والإجازة لها والفاسدة إجماعا أن يقول: إن مت فلك داري على أنَّ لي دارك إن مت قبلي، وكلُّ منهما يرقب موت صاحبه، والجائزة أن يقول: إن متّ فداري لك؛ وإن متّ أنت فهي لي؛ وإن قال: سكنى داري لفلان حياته فإقرار وله سكناها حياته وترابها لصاحبها، وسماد العلف والأرواث للسَّاكن كالرَّماد.
ومن أسكن رجلا منزله سنة وأشهد له، ثمَّ مات، وقال له وارثه: اخرج من دارنا، فله سكناها سنته.
ومن أعطى رجلا أرضا وبنى فيها، ثمَّ أراد إخراجه منها فله نقضه، وما غرم على البناء، ولا يلزمه كراء ما سكن؛ وإن قال له: اسكن هذه الدَّار أو كل هذا المال ما عشت، فله ذلك إلى أن يموت لا لوارثه؛ وإن قال: لك ذلك ما عشت فله ولوارثه بعده.
فصل
من أمر رجلا أن يبني في أرضه ويسكن، فبنى وغرم ثمَّ مات أو أخرجه فله نقضه؛ وإن أنزله فيها يسكنها ثمَّ أراد إخراجه فاحتجّ السَّاكن أنَّ الجذوع له، فقيل: إذا عرف أنَّه أعطاه براحا [513] فبنى فيها فالقول قوله؛ وإن أنزله بيوتا مسقَّفة قُبل قول ربِّها، وما كان فيها من متاع ودعون وجذوع وعروض فالسَّاكن أولى به إن تداعياه لأنَّه بيده، إلاَّ في الثَّابت من الخشب في البناء فلربِّ الأرض وللباني في الأرض بإذن ربِّها الخيار في أخذ نقضه أو ثمنه إن أخرجه، ولربِّها الخيار إن بنى بلا إذنه، ومن (6/386)
صفحة 2925
قال له قوم: ابن في أرضنا وسكن أنت وذرِّيتك، فبنى وسكن هو وهم ما شاء الله، ثمَّ طلبوا إخراجه منها، قال أبو عبد الله: فهو مخيَّر في نقضه أو قيمته؛ وإن قال له: أعطيتك أرضي على أن تبني فيها وتسكن فهي عطيَّة ثابتة؛ فإن ادَّعى أنَّه شرط فيها بقوله على، وأراد الرُّجوع فيها لأجله لم يجده؛ وإن قال: فإذا مت فهي لي، فله شرطه.
ومن أعمر رجلا دارا ثمَّ أراد بيعها (1) والرجوع فيها، قال ابن المسبِّح: إن عمر فيها أشياء يرى صاحبها، فعليه القيمة له إن قدر على إخراجها، وإلاَّ فهي للعامر؛ وإن سكن الدَّار حتَّى مات صاحبها فجاء ورثته يطلبونها فقال هو: والدكم أعمرنيها حياتي، فشرطه عليه واجب عليهم إذا صحَّ بيِّنة.
تمَّ هذا الجزء [الثامن عشر] ويتلوه الجزء التاسع عشر
__________
(1) - ب: - «بيعها». (6/387)
صفحة 2926
/ (6/388)
صفحة 2927
الجزء التاسع عشر
في الأولاد وتربيتهم (6/389)
صفحة 2928
/ (6/390)
صفحة 2929
الباب الأوَّل منه
فيمن أحقُّ بهم
فإن أرادت امرأة أن تفصل ولدها قبل تمام السَّنتين قال الأزهر: إن كان أبوه حيًّا فحتَّى يتراضيا، كما قال الله سبحانه { .... فإن أرادا فصالا ...... } الآية؛ وإن كان ميِّتا وقد صار إلى حده فلا بأس ولا تفصله قبل وقته إن احتاج إلى الرّضاع والتَّشاور فيما دون الحولين؛ فإن قالت: افطمه فيما دونهما وكره الأب فليس لها أن تفطمه؛ وإن أراده هو وكرهت فليس له أيضا حتَّى يجتمعا وليس له أن يجبرها على إرضاعه إذا كرهت، إلاَّ إن لم يوجد غيرها وخيف عليه، وتعطى كمثلها إن كانت مطلَّقة، فعلى الأب طعامها وكسوتها ما دامت زوجته {لا تضارَّ والدةٌ بولدها}، فترمي به إلى أبيه إذا فارقها، {ولا مولود له بولده} فينزع منها، {وعلى الوارث} مثل ذلك كالأب؛ {وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم} إذا أبت الأمّ أن ترضعه أن يسترضع لها غيرها، إذا سلم لها أجرها، وإذا طلِّقت وهي ترضعه فهي أحقُّ به، فإذا كبر فأيُّ أبويه اختار كان عنده، وعلى الأب نفقته؛ فإن تزوجت فهو أحقُّ بأولاده؛ وكان ابن محبوب يحكم لها بولدها وهو فطيم إذا تزوجت ويأخذ الأبَ بنفقته؛ وإن مات معدما فعلى أمِّه نفقته حتَّى يفطم، وعلى وارثه ما على أبيه إن كان له وإلاَّ أجبرت على إرضاعه، أبو المؤثر: عليها أن ترضعه إن مات أبوه معدما؛ وإن كان له ورثة فرض عليهم الحاكم أجرة رضاعه بقدر إرثهم؛ فإن كانوا أعماما أو جدًّا فعلى الأم الثلث وعليه الضعف وكذا في غيرهم؛ وإن لم يكن له مال ولا وارث غيرها أُجبرت على رضاعه ونفقته حتَّى يطيق المكسبة لأنَّها هي وارثته. (6/391)
صفحة 2930
فصل
أمُّ الجارية أولى بها إلى أن تبلغ أو تزوجّ إن أمنت عليها، وإلاَّ فالأب أولى بها كما إن ماتت أو غابت، والجدُّ أولى بالولد إن ذهب أبواه، وأمُّ الأب - قيل - أولى من أم الأم، والإخوة أولى من الأعمام وهم أولى من الأخوال؛ وقيل: أم الأم أولى ثمَّ الخالة ثمَّ العمَّة ثمَّ الخال، فإذا عقل فالخيار إليه، والأخت للأب قبل التي للأم وهي أولى من العمَّة، وهي - قيل - أولى من الخالة، وإذا أمنت الأم ولم يكن معها من تخاف خيانته على ولدها، فلا تنزع بنتها منها، ولا يحكم على مطلَّقة بتربيته إن أبت، ولزمت متزوِّجة ولو أبت.
ومن تزوَّج ذات ولد من غيره فأراد إخراجه عنها؛ فإن كان لا يستغني عنها فلا يعرف بينهما؛ وإن استغني عنها؛ فإن تركه عندها فحسنٌ وإلاَّ جاز له؛ وإن قالت أم صبيٍّ: أنا آخذه بفريضة، وقال غيرها: آخذه بدونها، وقد اختار أمَّه، فإنَّه يترك معها وكذا الجدَّة إذا رضيت بما رضي به غيرها؛ ولا بأس على الأب أن يسترضع لولده كثيرا بأجرتها ولا نفقة لها ولا كسوة غيرها.
وإن مات أبوه ولا قريب له جعله الحاكم عند من يأمنه عليه وعلى ماله ولو بأجر إن كان له، وإلاَّ أنفق عليه من مال الله؛ وإن صحَّ له رحم جعل عند الأصلح إلى أن يفعل الخيار وحده من سبع سنين فصاعدا واِختير النَّظر في ذلك لاختلاف أحوال الأطفال.
وإن كانت تحت مصلٍّ ذمية له منها صغير كان معها إن طلبته إلى أن يستغني عنها، فإذا كفى نفسه كان مع أبيه، ولا خيار له بينهما، ومالك الولد أولى بحضانته من أبيه الحرِّ كأمِّه.
وإن كان لامرأة ولد من زوجها وهو معها، وطلبت له نفقته، أخذ لها بها، وكذا المرضع عند أمِّه يؤخذ أبوه لها بربابته، وإن أبت أن ترضعه غلظ عليها بالقول؛ فإن أبت طلب له مرضعة إن وجدها وإلاَّ أجبرت أمُّه كما مرَّ. (6/392)
صفحة 2931
فصل
من طلَّق ذات أولاد منه فأخذته بالنَّفقة والكسوة ففرض عليه ذلك، ثمَّ طلبت أن يسكنهم أو يكتري لهم [514] منزلا، لزمه اكتراؤه لهم وعليه من الكراء بقدر عددهم، لا إن كانوا معها في منزلها عند أبي عبد الله، وألزمه أبو زيَّاد سكناهم معها أو باكتراء منزل لهم إن وجد أرخص من منزلها وصلح لسكنهم؛ وإن سكنوا معها وقنعت بما تجد من الكراء السَّكن منزلها أو اختارته، طرح عنه منه، ولا يحبس على نفقة صغيرة إلاَّ إن فرضت له، وتؤمر أمّه أن تنفق عنه، فإذا رفعت عليه حبس حينئذ حتَّى يدفع ذلك إليها، وقد حبس ابن قريش رجلا في نفقة أولادها، فإذا أراد الإمام راشد إطلاقه ولعلَّه لم يفرض له ولم يأمر من ينفق عليه.
فصل
إن كان لليتامى مال (1) فرض الحاكم لهم فيه مؤنتهم، لكلّ على قدره، ويلي ذلك من كان معه من الصُّلحاء بنظرهم معه، ويأمر من يسلِّم لكلّ نفقة شهر على قدر مالهم؛ فإن وسَّع وسَّع عليهم، فإن احتاجوا إلى خادم أخذ لهم، وينفق عليه أيضا من مالهم، ويباع مالهم من حيوان وعبيد ورثة، ويؤمر وصيُّهم بأداء الفرائض إذا فرضت في مالهم إلى أهلها، ويبيع منه بقدر ما يلزم، وكذا في الدَّين؛ ولا يبيع الشيء كلّه إلاَّ إن كان حيوانا أو متاعا، ويحفظ ثمنه وينفقهم منه.
__________
(1) - ب: - «مال». (6/393)
صفحة 2932
الباب الثَّاني
في ربابة الأولاد
فعلى الزَّوجة أن ترضع ولدها لأبيه، وعليه مؤنتها لا أجرة ربابته، وعلى ذلك الأكثر وإنَّما هي للمطلَّقة؛ فإن كان فقيرا فلا يلزمه أكثر من النفقة والكسوة؛ وإن كان غنيًّا فعليه أن يحضر لها من يربِّي لها ويقوم بصلاحه وعليها هي رضاعه؛ وإن طلَّقها وتراضيا على حولين وعلى أن لا تتزوَّج فيهما، فلا يمنعها هذا الشَّرط التَّزوج، فإذا تزوَّجت وجلبت فالأجرة لها، وتحسب لها لما أرضعته قبل؛ وإن وجد مرضعة بأقلَّ ممَّا طلبت هي خيَّرها أبو زيَّاد في أن ترضعه هي بما أصاب، أو تدفعه إليه فيعطيه لمن وجدها بالأقلِّ، وقال ابن محبوب: لا يجد الأب ذلك، وإنَّما ترضعه أمُّه بما يرى لها العدول.
ومعنى {وعلى الوارث مثل ذلك} ما مرَّ من أنَّ الأجرة على وارث الطِّفل؛ وقيل: في ماله لأنَّه الوارث وهو قول الأكثر إن كان له، وإلاَّ فعلى وارثه كما مرَّ، والأكثر على أنَّه في الرَّضاع والنفقة على كلّ بقدر ما يرث؛ وقيل: على الوارث العاصب لا على غيره، فإذا وجب أنَّ على الوارث ما على الأب في أجرة الرّضاع، فإذا تعبَّد بذلك لزمه السُّؤال حتَّى يصيب العدل، فيعمل به كغيره من الواجبات إن أريد معرفة لزومه؛ وإن أريد صفة ما يلزم منه مثل ما يلزم له، يثبت ذلك بنظر العدول ولا يلزمه السؤال (1) إلاَّ بعد اللزوم الذي لا يسعه إلاَّ العمل به، وهذا سؤال الفرض، وأمَّا سؤال الوسيلة فهو أن يسأل عمَّا يأتي وما يتَّقي، فيعمل بعلم ويترك به، فإذا لزمه العمل كان كلُّ من له ذلك حجَّة عليه لأنَّه مخاطب به آثم بتركه، فعليه قبول ذلك
__________
(1) - ب: - «السؤال». (6/394)
صفحة 2933
من كلِّ من عبَّره له، فإذا أصاب به عدل ما يلزمه كان حجَّة عليه، وليس وراء هذا عذر؛ فإن سمع بلزوم أجرة الرَّضاع الوارثُ أو الولد ثمَّ لزمه ذلك وقد نسي ما سمعه، أيكون كمن لم يسمع به؟ قال: لا، لأنَّ النَّاسي معذور؛ فإن ذكر بعض فصال الصَّبي لم يلزمه دفع ذلك إلى المرضعة إلاَّ إن طلبت إليه عند الحاكم وحكم عليه به، لقولهم في الزَّوجة ونفقتها: إنَّها لازمة ولو لم ينفق عليها زمانا بجهل أو تعدية، ثمَّ تاب، فلا يلزمه ذلك في الحكم كلزوم الواجب عليه أداؤه، وقد ندب له أن يتخلَّص من ذلك أو يستحلَّها وهذا على وجه الفتيا.
فصل
إن أيسرت الأم ولا لبن لها، وأعدم الأب لزمها أن تستأجر له من يرضعه إن لم يكن معها وارث، وإذا طلبت مطلَّقة أجرة رضاعها وحضانتها لولدها فعلى أبيه إن أيسر لكلّ شهر ثلاثة دراهم؛ وإن كان متوسطا فدرهمان ونصف؛ وإن كان فقيرا فدرهمان؛ وقيل: لها ما يراه الحاكم في الوقت؛ وقيل: إن كانت دراهم المصر زيفا ونقاه صحيحا ومكسَّرا فلها الصحيحة؛ وقيل: ما يعامل بها فيه ويراه الحاكم عدلا؛ وإن كانت ترضع له ولدين فلها الأجرة على قدرهما.
ومن اِستأجر لولده ضبرا ترضعه لم يلزمها تدهينه وتمريخه وكحله إلاَّ إن شرط عليها ذلك؛ وإن دفعته إلى أمتها فأرضعته إلى انفطامه فلا أجرة لها ولا لأمتها لأنَّها متبرِّعة؛ وإن كانت تحت بعل فأذن لها أو أجرت نفسها فليس له منعها إلى المدة ولا له فسخ الإجارة.
وإن طرحت مطلَّقة ولدها على أبيه ثمَّ طلبته فأبى الأعلى أنَّ لا ربابة لها عليه، فلا يثبت هذا الشَّرط عليها ولها ربابتها إن طلبتها إليه.
وعليه لأولاده الكسوة والفراش والدِّثار عند البرد بنظر العدول. (6/395)
صفحة 2934
ومن ترضع ولدها من زوج أو مطلَّق، وقام لها أبوه أو وارثه بما يلزمه، فلا يجوز لها أن ترضع غيره؛ وإن بأجر إلاَّ بإذنه إن فضَّل عنه لبنها، ولو كان أبوه - قيل - غير منصف لها (1).
ومن طلَّق مرضعة ولده فطلبت أجر رضاعه، فقال: لا أملك شيئا ولا أجد ما أعمل وهو مجلس، فقيل: إن كان كذلك، يقال لها: إن شئتِ فاكتبي عليه إلى يساره؛ وإن شئت فادفعي إليه ولده، إلاَّ إن خيف عليه ولا توجد له مرضعة، فإنَّها تجبر على رضاعه، ويكون لها أجرها إلى ميسرة الأب حتَّى تفطمه؛ وإن كرهت أن ترضعه لا مضارة به، ولكنَّها أرادت أن تتزوَّج، أو عجزت [515] عن القيام عليه فلا بأس أن يسترضع له أخرى ومن ولدت امرأته وأبت أن ترضعه إلاَّ بالأجر قال أبو عبيدة: يعطيها أجرها للرَّبابة إن كان موسَّرا وقال هاشم ومسبِّح وابن محبوب: لا أجر لها لأنَّ نفقتها وكسوتها على الأب كما مرَّ وإذا رفعت أم اليتيم إلى الحاكم وطلبت أن يفرض لها الرَّبابة بادعائها فليس ذلك له ولا عليه؛ فإن أبى من ذلك فهل للجماعة ولو أحد منهم أن يفرض لها ذلك إذا صحَّ عنده موت الزوج أم لا قال أمَّا في الحكم إذا صار كالحاكم فإنَّه لا يدَّعي على من يدَّعي البيِّنة مع الجماعة أو الحاكم أو القائم مقامهم عند عدمهم؛ وإن غاب المطلق وترك ولدا عند أمه يرضع، فطلبت عند الحاكم أن يفرض عليه الرَّبابة جاز له، ويستثني له حجَّته ولا يحكم عليه في ماله بشيء حتَّى يقدم؛ فإن قدم وادَّعى أنَّه قد قام بما يلزمه دعي ببيِّنة لأنَّه مأخوذ بذلك؛ وإن مات قبل أن يقدم دعي بها وارثه أيضا، فإذا صحَّت أنَّه أدى لم يثبت عليه في الحكم وإلاَّ دعي بها أنَّه غاب إلى أن مات ولا يعلم أنَّه أدى إليها (2) شيئا من ذلك؛ وإن لم تكن لها بيِّنة وقد مات وماتت حجَّته قُبل قول وارثه مع يمينه؛ وإن ردَّها إليها حلفت على دعواها، وإلاَّ حلَّفه الحاكم: ما يعلم أنَّ قبله لها حقٌّ من قبل ما تدَّعيه في مال البيت.
__________
(1) - ب: - «لها».
(2) - ب: «إليه». (6/396)
صفحة 2935
الباب الثالث
في فرض الإمام أو القاضي الرَّبابة
فإذا فرضها (1) من ذكر أو الولي لامرأة كتب: هذا ما فرضه فلان لفلانة على فلان لولده فلان كلّ شهر كذا برضاعها له؛ وإن فرضت لها الجماعة كتبوا أسماءهم كذلك؛ فإن مات الأب فرضوا لها في مال اليتيم إن كان له وإلاَّ فعلى ورثته، وقد مرَّ أنَّ على الفقير الرَّضيع درهمين لكلِّ شهر، وعلى المتوسِّط درهمين ونصف، وعلى الموسر ثلاثة، وهو قول ابن محبوب، قال: وهذا منتهى الرَّبابة.
وأمَّا نفقة الصِّبيان فلكلٍّ قدر صغره وكبره؛ وإن كان ميِّتا فعلى قدر ماله.
وعلى الرَّجل قال عزَّان: نفقة صغاره (2) وكسوتهم وإدامهم لا البالغين، إلاَّ ما قيل: إنَّه يلزمه ذلك للإناث ما لم يتزوَّجن. وإن مات زوج البالغة أو طلَّقها ورجعت إلى بيت أبيها فلها عليه ذلك إن احتاجت؛ وقيل: لها ذلك ولو لم ترجع إلى بيته؛ وقيل: لا يلزمه ذلك لهنَّ؛ وإن كان ذكوره مرضى أو مجدومين عاجزين عن مكسبهم فعليه ذلك لهم؛ وإن كان لصغاره مال فقيل: يوفِّره لهم وينفق عليهم من ماله؛ وقيل: يؤخذ نفقتهم؛ فإن أنفق عليهم من مالهم جاز ولا يمنع منه؛ وقيل: تلزم فيه فإذا فرغ ففي مال الأب، وقد مرَّ ذلك.
وله أن ينفق عليهم من ماله أو من مالهم على القول به إن كان لهم، وصحَّ عند الحاكم، وسأله أن يفرض ذلك فيه، ولا يكون دينا عليهم ولا تباعة عليهم إن أتلف.
__________
(1) - ب: «فرضه».
(2) - ب: «أولاده». (6/397)
صفحة 2936
وإن طلبت المرأة الفريضة لولدها على أبيه في ماله كلِّفت بيِّنة على معرفتها ومعرفة الأب وماله، فإذا صحَّ فرض لها، فإذا بلغ وعليه كسوة من أبيه فليس له أن يلبسها إلاَّ برأيه، ولا شيء على الجارية فيما عليها إن كانت كسوة مثلها؛ وإن كانت أجود فلا تلبسها أيضا إلاَّ بإذنه؛ وقيل: إن لم يكسها بحاكم فلا يلزمها ذلك، ومن ضعف وافتقر منهم لزم أباه مؤنته ومؤنة عياله وتزويجه إن كان غنيًّا قادرا على ذلك، وإلاَّ لم يلزمه والله هو الرَّزاق.
ومن له أولاد من مطلَّقة وفرضت عليه لهم نفقة وطلبته أن يحضرهم (1) خادما، لزمه إحضاره لغسل ثيابهم وعمل طعامهم والقيَّام بحوائجهم، فإن اتَّحد بلدهم فلأبيهم استعمال الخادم بعد فراغه من حوائجهم، ولا يلزمه إن كان فقيرا، وللأعمام منع الأم من تحويل أولادها إلى غير بلدهم.
فصل
لا يحبس الأب بنفقة أولاده إن أعسر عليه؛ وإن كانت الفريضة لأمِّهم أو غيرها قد اِستحقَّتها من قبل أولاده، وصارت دينا لهم عليه بحكم الحاكم أو القائم مقامه، وجب عليه الحبس لها، وكذا إن بان منه تضييع لصغاره يأمره بالقيَّام بهم؛ فإن لم يفعل حبس حتَّى يقوم بحقِّ الله فيهم، فإذا أراد أن يفرضها لصبيٍّ على أبيه أو وليِّه أو من عليه له (2) دين، فإنَّه ينظر إليه وإلى قدر ما يستحقُّه في حال، وله - ما دام يرضع - في كلِّ شهر درهمان إلى ثلاثة كما مرَّ، فإذا أكل الطَّعام فله ثلث الكبرى إلى أن يكون طوله أربعة أشبار ونصفا؛ وقيل: خمسة فله نصفها إلى خمسة ونصف؛ وقيل: ستة فله ثلثاها إلى أن يبلغ؛ وقيل: إذا صار سبعة أشبار ولم يبلغ نقص من التَّامة قليلا؛ وقيل: لا حدَّ للنَّفقة وإنَّما هي بالنَّظر والمشاهدة لاختلاف أحوال الصِّبيان، فمنهم الطَّويل القليل الأكل، ومنهم قدّه وهذا أحسن، والشبر بمتوسط.
__________
(1) - ب: «يحضر لهم».
(2) - ب: + «له». (6/398)
صفحة 2937
أبو عبد الله: إن كانت أمُّ الولد مسلمة وأبوه مشركا فنفقته عليها دونه؛ وإن اِختلف الوالدان فيما فرضها الحاكم لها عليه، فقال: سلَّمتها إليها [516] وأنكرت، فعليه بيان ذلك إن وجده، وإلاَّ وطلب يمينها حلفت ما تعلم أنَّه بريء منها؛ وقيل: على القطع لأنَّ الحقَّ قد صار إليها دون الصَّبي إن أنفقت عليه مالها؛ وإن أمر الحاكم أن ينفقه فادعى أنَّه مسلم إليها ما تنفقه فأنكرت، فإنَّها تحلف: ما علمت أنَّه بريء منها؛ وإن سلَّمها إليها لتنفقه أو إلى غيرها فأتلفتها وأنفقته من عندها، فليس لها ذلك إلاَّ إن اِستحقَّتها من قبل؛ وإن كانت تنفقه وبقي بيدها فضل؛ فإن جعل معها بتلك النَّفقة وسلَّمت إليها فحكمها وباقيها لها؛ وإن سلَّمت إليها لتجريها عليه وفضل من الشَّهر شيء دفع إلى الأب، وليس لها أن تجعله في صلاح الولد أو تشتري له به شيئا إلاَّ بإذنه. و
من عليه لمطلَّقة نفقة أو ربابة، وادَّعى أنَّه لا يملك ما يؤدّي لها، فعليه اليمين: ما عنده إلاَّ ما لبسه أو فراشه ووسادته وإناء أكله؛ وإذا فرض عليه الحاكم وادَّعى أنَّه فقير والولد أنَّه تحوّل إلى الغنى، فإنَّه على الحال ما فرض عليه حتَّى يصحَّ غيره؛ فإن شاء ينظر في حاله؛ وإن شاء كلَّف الولد البيِّنة ويتوقف إن اِختلفا، ويكلِّف كلاَّ منهما بيان دعواه، فإذا أشكل أمره توقّف ويثبتها عليه من حين ما طلب بها؛ فإن صحَّ غناه أو فقره كان ما يصحُّ عنده، وإذا لم تجد بيِّنة على معرفتها عند الحاكم وشهد لها واحد عنده، واطمأنَّ قلبه أنَّها فلانة، وطلبت النَّفقة أو الرَّبابة، والأب ميِّت فلا يضيق عليه الدُّخول في ذلك إذا رجى فيه مصلحة لها ولولدها، ولو لم يرتب بعد اِطمئنانه.
وقيل: إذا طلب النفقة إلى أبيه وظهر عليه الغناء، فله الوسط مما عليه غالب المعاش في الموضع، وكذا إن لم يصحّ فقره، وإذا صح أحدهما فلا ردّ عليه ولا له في ماض عليه من الحكم. (6/399)
صفحة 2938
ومن له - قيل - صغار فأشهد: إنِّي أنفق عليهم وأكسوهم وأحسب لك دينا عليهم لي، فإذا بلغوا أخذته منهم، فلا شيء له عليهم لأنَّ ذلك واجب عليهم إلى أن يبلغوا أو يتموالوا ولا يلزم الآباء كفل في الفرائض أولادهم، كانوا موسعين أو مقترين.
ومن تزوَّج امرأة من غير بلده فحملها إليه، ثمَّ طلَّقها وقد ولدت، فأرادت حمل ولدها إلى بلدها وطلبته بالنَّفقة فكره أن تخرج به من بلده، قال أبو عبد الله: لا يجد منعها ولها أن تحمله إلى بلدها، وعليه أن ينفقها فيه، لا إن كانا في واحد وأرادت ذلك؛ وإن تزوِّجها في بلده وهي من غيره، وكانت تقصر إلى أن تزوّج بها، فلها أن ترجع إلى بلدها بولدها، وعليه أن ينفقها فيه كالأولى لا إن كانت تتم في بلده. (6/400)
صفحة 2939
الباب الرَّابع
في الأحقُّ بالصبيِّ في خدمته وتخييره
وقد تحاكمت امرأة وزوجها إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في ولدها، فقال: أنتِ أحقُّ به ما لم تتزوَّجي، وقد مرَّت حكايتها معه وحكمه وحكم أبي بكر وعمر في ذلك، وأجاز بعض للأم خدمة ولدها إذا أخذته بالفريضة، ومنعها بعض ولم يجزها بعض لها ولا لأبيها (1) إلاَّ إن كانت مصلحة للصبيِّ؛ وإن أخذته بها من أبيه أو من وارثه وعلم ما حصل له به نفع، فإنَّه يعدُّ عليها من نفقته إذا صار إليها أو إلى كافل به، وليس لأبيه إجباره على عمل إلاَّ إن كان صلاحا له، فيأمره به ويضربه عليه أدبا لا مبرحا، فإذا اختار الكون مع أمِّه حكم على أبيه به وبفريضته، إلاَّ إن خيف ضرره معها في نظر العدول، وليس له أخذه من عندها إلاَّ أنَّهم قالوا: يكون عنده للأب بالنَّهار وبالليل عندها؛ فإن طلب ذلك كان له إن صلح له، وأمَّا اليوم واليومان بلياليهما قال خميس: فلا أعرف في ذلك إلاَّ أنَّه إن حدث صالح عند العدول في كونه معه لمَا يعرض صلاحه على العامة كان معه؛ وإن رأوه أصلح تربية إذا كان معها كان معها؛ وإن كانت أمُّ الجارية عند زوج وكره أبوها أن تكون معه، فلا حجَّة في ذلك إن أمن الزوج عليها، وإلاَّ كانت بحدِّ من يخاف عليها كان حجَّة له، ولا يحكم عليه بكونها مع متَّهم؛ وحدُّ الصَّبي في تعقُّله الخيار إذا صار يؤمن عليه في خروجه ودخوله، ويأكل ويشرب إذا كان الطَّعام والشَّراب معه بنفسه، وينام وحده ويتطهَّر من النَّجس؛ وإن اِختارت الصَّبية مرَّة أباها وأخرى أمَّها فكلَّما اِختارت أحدهما رُدَّت إليه.
__________
(1) - أ: «لأبيه» وهو خطأ. (6/401)
صفحة 2940
وإن كان ليتيم أمٌّ فهي أحقُّ به من قرابته ولو اِختارهم وإنَّما الخيار له بين أبويه؛ فإن ذهبا وبقيت قرابته كان مع من اِختاره منهم؛ وقيل: له الخيار بين الأب وأم الأم والخالة عند فقد الجدَّة (1)، أو اختير أنَّ له الخيار إن وافق فيه صلاحه؛ وإن كان لشهوة على عمى فصلاحه مع أبيه ولو وجدت أمّه، إن بان للعدول.
ومن اختاره من لا يصلح له وخيف عليه من ضرِّه فذلك دليل على جهله بصلاحه، وأنَّه لا يعرف الخيار.
أبو سعيد: إن اِختارت صبيَّة أن تكون مع أمِّها، وفي النَّظر أبوها أصلح لها (2)، أجبرت على الكون معه، أو حيث كان أصلح لها إن خيف عليها عندها، وكذا إن بلغت وتسبب من أمِّها فساد في أخذها، أجبرت أن تكون عند أبيها أو حيث يؤمن عليها من أرحامها، أوجبه النَّظر ولا تترك لرأيها.
__________
(1) - ب: - «عند فقد الجدَّة».
(2) - ب: - «لها». (6/402)
صفحة 2941
الباب الخامس
في حقِّ الأبوين على الولد وعكسه
فعليه طاعتهما والإحسان إليهما، إلاَّ إن أمراه بمعصية، والإنفاق عليهما إن افتقرا، لما روي: إنَّ الجنَّة تحت حقِّهما ورضاهما، لا من طريق [517] اللزوم إذ لا سلطان لهما عليه، ومن لا يعرف منهما إلاَّ الجهل، ولا معرفة لهما بالدِّين والورع، فله أن يستغفر لهما في حياتهما لا بعدها.
ومن حقِّ الوالد على ولده أن لا يسمِّيه باسمه، ولا يتقدَّمه في مشي أو صلاة إلاَّ بإذنه، ولا يمشي فوق بيتٍ والده تحته خوفا أن يسقط عليه غبار أو غيره.
ومن حقِّ الولد عليه حسن تربيته والشَّفقة عليه، وتعليمه وتأديبه كما مرَّ، لِما قيل: إنَّ الأدب من الآباء والصَّلاح من الله.
وعليه أن يبرَّ والديه ويجيب دعوتهما ويحسن خدمتهما ويسارع في مرضاتهما، ويلين لهما جانبه، ويتعاهدهما ما قدر، ويؤثرهما على نفسه، ويلزم معالجتهما إن مرضا، ويديم عيَّادتهما إن لم تمكنه الإقامة معهما، ويشيِّع جنازتهما إذا ماتا، ويواريهما، ويكثر زيارتهما، ويترحَّم عليهما إن كانا وليين، ويستغفر لهما، ولا يشتم فيُشتمان، وحقُّ الأمِّ أعظم لأنَّها حملته وأرضعته وربَّته وضمَّته، وأولته الخير وهو لا يقدر، ودفعت عنه وهو لا يحتال، وتتيِّمه وتسهر وتخدمه ولا تسأم وتتمنَّى حياته.
فصل
وقد روي أنَّ للجنَّة بابا يقال له باب الفرج لا يدخله إلاَّ من يفرح الصِّبيان؛ وإن من حمل أطروفة من السُّوق إلى ولده فكمن حمل صدقة، وليبدأ بالإناث، ومن (6/403)
صفحة 2942
فرَّح أنثى فرَّحه الله يوم الحزن، وعلى الأب التَّسوية ولو في قوله، وله أن يفضِّل الأبرّ لا إن اِستووا في برِّه، ولا يقطع عنه لزوم برِّه ولو تعدَّى عليه، ولا يرى أبو الحواري على الأبوين أن يحمل عليهما العناء، ولو اِفتقر أولادهما، وعليهم أن يكتسبوا وينفقوا عليهما؛ فإن دخلهما شيء - وإن باكتسابهما - طرح عنهم ذلك، ولا شيء عليهم إن عجزوا عن الاكتساب.
وإن كان للأمّ زوج يقدر على نفقتها فهي عليه؛ وإن كان لهما صغار وكبار ولهم جميعا مال فنفقتهما عليهم إن كان لهم، وإلاَّ فعلى الكبار إن كان لهم مال ومكسب، وإلاَّ وكان للصِّغار مال أنفقوا عليهما منه بمعروف؛ وإن أعدموا معا فالله أولى بالعذر.
وإن كان لامرأة ثلاثة بنين فتصدَّقت على أحدهم بجميع مالها، ثمَّ كبرت أو مرضت فطلبت إليهم أن يعولوها لزمهم وبئس ما صنعت، وكذا قيل في كبير معدم له بنات معدمات وطلب أن يعملن وينفقنه ويكترين له مسكنا، فعليهن نفقته وكسوته إن قدرن، والمنزل إن اتَّفقن أن يسكنَّ مع كلٍّ قدر حصَّتها، فذلك إليه إن رضي به وإلاَّ أخذن له مسكنا وكذا في الأم.
وإن كان للأبوين عَصبة مع البنات فعلى كلٍّ قدر ميراثه، ومن أنفق على من تلزمه نفقته ولم يعلم أنَّ له مالا أو كان مستترا ثمَّ بان، فإنَّه يأخذه بما أنفق عليه إن كان له مال حين أنفق عليه، وإلاَّ فلا يرجع عليه بعد بشيء إن دخله مال؛ وإن احتاج الجد أنفق عليه من مال ابن ابنه، ولا يعود الوالد في الصَّدقة إلاَّ إن اِحتاج فينفق عليه من صدقته.
فصل
فمن عجز أو مرض أو زمن ولا مال له فمؤنته على ورثته إن كان لهم مال، وإلاَّ فلا، وإنَّما تلزم الولي نفقة من يرثه غير صغاره وزوجته إن كان له ما يكفيه لعوله (6/404)
صفحة 2943
وعول أولاده وزوجته من الثمرة إلى الأخرى (1) ولا يلزمه بيع الأصل إلاَّ في نفقة صغاره وزوجته.
ابن محبوب: إن كان لفقير صغار وزوجة وبالغ، فأراد أن ينفق من ماله لنفسه ولها ولهم، فكرِه البالغ، فلا نرى عليه له إلاَّ نفقته وحده وكسوته، لا مؤنتها هي وصغاره.
أبو عليٍّ: إن كان لإخوة صغار يتوارثون وهم فقراء ولهم عمٌّ، فنفقتهم عليه ولا تكون دينا له عليهم إلى بلوغهم، وقال ابن محبوب لا تلزمه، واختاره أبو الحواري.
وإن ماتت امرأة ولها ورثة في البحرين وقريبٌ بعمان ومال فيه، فلا يجوز له أن يأكل منه إلاَّ إن كان بحال تلزمهم نفقته وللوارث له غيرهم؛ وإن كان له حاضرون وغائبون أخذ من الحاضرين بقدر إرثهم منه، ومن مال الغائبين كذلك.
ومن لزمه عول أقاربه وتفاوتوا في القرب إليه وكلّهم ذوو فقراء وزمانة، لزمه للكلِّ إن قدروا عليهم، وإلاَّ لزمه الأقرب فالأقرب، واليتيم والأعمى والمقعد والزَّمن ونحوهم مِمَّن لزمت لهم النَّفقة إن كانت لهم حرفة من المكاسب، أو تجري لهم صدقة، فعلى أوليائهم أن يوفوا لهم ما نقص منها لأكلها.
وإن كان لصبيٍّ أب مملوك وإخوان منه ولهم مال، قال ابن محبوب: لا تلزمهم نفقته لأنَّه لو مات وله مال لكان موقوفا على أبيه كما مرَّ ولا يرثه إخوته؛ وقيل: يرثونه ولا يوقف عليه، وعليه فتلزمهم.
__________
(1) - ب: «من الثمرة إلى الثمرة». (6/405)
صفحة 2944
الباب السَّادس
فيما للوالدين في مال ولدهما وما ليس لهما
وقد روي أنَّ رجلا أتى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعه هرم فقال له: «هذا أبي يحتاج مالي»، فسأل الشَّيخ فقال: «يا رسول الله، ما هو إلاَّ ما أنفق عليَّ وعلى عمَّاته» ثمَّ سكت هنيئة، ثمَّ هبط جبريل فقال: «يا محمد: سلْ الشَّيخ عن أبيات [518] قالها في نفسه» فقال له: «أنشدنيها» فأنشدها له. وتركتها طلبا للاختصار، فلمَّا سمعها أخذ بتلابيب الابن، وقال: «أنت ومالك لأبيك».
وعن الرَّبيع أنَّه لو اِحتاجت امرأة إلى مال ولدها تبيع منه وتأكل منه وتكتسي وهو يتيم، لكان لها ذلك ولا عليها، ولا تأكل على شبع، وقال أبو عليٍّ: إنَّها إن كانت مسكينة فلها أن تأكل من ماله بمعروف.
ومن أخذ - قيل - من مال ولده وهو غنيٌّ فأنفق على نفسه أو قضى به دينه بلا إذنه، كان دينا عليه قبل الميراث؛ فإن كان عليه دين آخر لغيره قضاه ولده قبل دينه؛ وقيل: ما أخذ من مال ابنه فهو له وللأم عند أبي عبد الله ما للأب في مال الولد من الأكل والاِنتزاع.
وإن تربي ولدها حتَّى يبلغ وليس للأب نزعه إن (1) تزوَّجت؛ وأن تخرج به إلى كلِّ بلد كان له فيه أعمام أو أخوال.
__________
(1) - ب: «إذا». (6/406)
صفحة 2945
ومن رسم - قيل - على ولده مع الجائر رسما؛ فإن كان معونته للظَّالمين عليه لم يجز؛ وإن كان على فداء نفسه من ماله جاز له، وقال أبو المؤثر: لكم أخذُ ما بيد أولادكم أو عبيدكم، ولا يلتفت إلى قولهم إنَّه حرام.
وإن لفظ فيه لفظة فلوالده أن يتصرَّف فيها ما لم يعلم أنَّها حرام وما بيد الصَّبي فهو له؛ وإن أقرَّ أنَّه لفظة أو غيرها لم يقبل إقراره ولم يحكم به عليه؛ وإن بلغ وقد توالد منه مال فلا يضمن إلاَّ العين الَّتي التقطها، وله ما توالد منها، وأجاز أبو سعيد للأب اِستعمال ولده فيما يطيقه والانتفاع من ماله وللأم قيل مثله؛ وقيل: لا.
أجاز بعض للأب بيع مال ولده، ومنعه بعض، والأوَّل يثبته عليه ولو اِستغنى أبوه إلاَّ أنَّهم ضمَّنوه الثَّمن له إن كان غنيًّا لا إن كان فقيرا، وله إبراء نفسه من ضمانه له من ذلك أو من دين عليه له (1) بوجه آخر، ونزع ماله منه وتملُّكه عليه، ولو اِستغنى عنه أيضا ما لم يثبت بالحكم أنَّه إضرار بالولد، لما روي: «أنت ومالك لأبيك»، وأيضا: «أفضل مال الرَّجل من كسبه»، وولده من كسبه، واحتجَّ المانع بما روي: «كلٌّ أحقّ بماله حتَّى الوالد والولد»، وبلا يحلُّ مال (2) مسلم إلاَّ بطيب نفسه أو بإرث أو بيع أو هبة أو صدقة.
ولأب الصَّبي أن يقاسم شركاءه في الأصول وغيرها بالعدول لا بغيرهم، ولا بالخيار، وإنَّما يقوم في المقاسمة له مقام الوصيِّ والوكيل، وأجاز بعضٌ له بقية مال ولده وإبراؤه من حقوقه وأخذه واِنتزاعه منه، وبعض لم يجز له إلاَّ الكسوة والنَّفقة إن اِفتقر، وكذا إن اِحتاج للتَّزوج وخاف العنة فله أن يتزوَّج منه ويزيلها عن نفسه بلا إضرار بالولد فيه، وكلُّ مؤنة لا بدَّ له منها كزوجة أو خادم فإنَّه يحكم على الولد له بها، ولا يلزمه غيرها كالدَّين وإن لله؛ وإن نزع ماله بلا اِحتياج إليه فمات وتركه لورثته، فقيل: إن كان أصله عطيَّة له من أبيه ثمَّ نزعه منه جاز وهو بينهم؛ وإن لم يكن منه
__________
(1) - ب: «له عليه».
(2) - ب: + «امرء». (6/407)
صفحة 2946
وقد قام رجع إلى الولد وهو أحقّ به؛ فإن أتلفه الأب رجع الولد في ماله بمثل ما أتلفه من ماله.
وإن كانت له جارية فوطئها أبوه بعد انتزاعها منه، جاز له وكره قبله؛ وقيل: إذا أبرأ نفسه مما عليه لولده برئ منه ولا يحكم عليه له بشيء إذا صحَّت براءته ببيِّنة مما عليه له، إلاَّ ما كان له من مال قبضته أمُّه منه من صداق أو غيره، فذلك ليس لأبيه أخذه ولا ينتفع بما أدَّاه، وقد قالو: إذا أبرأ نفسه من حقِّ ولده عليه برئ ولو غنيًّا.
ومن عليه - قيل - لأولاده حقٌّ من قبل أمِّهم فمات ولم يوص لهم فإنَّه إثم، إلاَّ إن أبرأ نفسه في صحَّته وأبرأ في مرضه، فالأكثر أنَّه يجوز، ومنع أبو الحواري أبا الصَّبية أن يأخذ صداقها قبل بلوغها، قيل له: أليس قد أجازوا له أن يأخذ من مال ولده؟ قال: ذلك في غير هذا، وأمَّا هذا فلا يحكم به على الزَّوج على نحوه من الزِّيادة أو النُّقصان؛ وإن أبرأه من حقِّ بنته بلا انتزاع فلا يبرأ الزَّوج؛ وإن أبرأه بعده برئ ولو كبيرة؛ وأجازوا له قبض حقوق صغاره غير الصَّداق. وفي الأثر: من اِحتاج وله بنت لها صداق فإنَّه يأخذ منه ولو كرهت؛ وإن أبرى زوج صغيرته من صداقها ففي براءته منه خلاف، ولا يجوز له مراجعتها إلاَّ بنكاح جديد، وإذا وهب مهر بنته لغيره فالأكثر لا يجوز له.
فصل
من لزمه ضمان لصبيٍّ له أب فقير غير ثقة فإن بانت له حاجة الصَّبي، فقيل: له أن ينفقه منه نفقة مثله بعدول؛ وإن اِستشار أباه فحسن؛ فإن لم يأمره بذلك ورأى الضّرّ على الصبيّ أنفق عليه وكساه، وإن بلا أمره.
ومن لزمه حقٌّ له من إرثه فأراد أن يستحلَّ منه أباه، فإنَّه يقول له: قد حللتني ممَّا لزمني لولدك إلى قيمة كذا، أو أبرأتني منه، فالحلُّ والإبراء سيَّان، ويبرأ بهما إذا أبرأه على قول من أجاز الإبراء من الإرث، ومن اِستعمله بلا إذن أبيه ثمَّ اِستحلَّ أباه منه، فقيل: يبرأ؛ وقيل: لا، وأجاز أبو سعيد للولد أن يبرأ نفسه من الحقوق اللازمة (6/408)
صفحة 2947
لولده كلِّها إلاَّ الإرث؛ فإن كان من فعل غير كواحد من العاقلة، فقيل: يبرأ منه إن أبرأ نفسه؛ وقيل: لا.
ومن لزمه حقٌّ لصبيٍّ فأبرأه والده منه فقال عزَّان: يبرأ، وقال غيره: لا. فإذا قبضه منه الأب ثمَّ ردَّه له بعطيَّة أو غيرها منه له برأ لأنَّه أتلفه، ولو إن أتلف مال ولده.
ومن قتل ولده فأبرأ نفسه من ديته فلا يبرأ إن كان له إخوة، لأنَّها لهم عليه، ويحبس بها [519] حتَّى يعطيها إيَّاهم بعد أن تنجم عليه.
ومن عليه دين لولده فأبرأ منه نفسه عند الموت، قال هاشم: لا يبرأ في تلك الحال، وللوالد أن يبرأ نفسه من حقِّ الولد، ويضعف أن يقول: نزعت ما عليَّ له ولكن يشهد أنَّني أبرأت نفسي مما عليَّ له أو لزوجتي؛ ويضعف أن يبرأ نفسه في مرضه؛ وقيل: لا يبرأ لأنَّ حكم مال الولد قد صار إلى غيره وعليه الأكثر.
ومن له على أبيه دين وعليه هو دين للنَّاس فرفعوا عليه بديونهم، فحجَّر الحاكم عليه ماله، لم يجز للأب أن يبرأ نفسه من دين ولده والغرماء أحقُّ به.
وإن كان له وديعة عند رجل فطلبه الأب لم يكن للأمين أن يدفعها إليه (1)؛ فإن وجدها فأخذها بغير أن يدفعها إليه فذلك له؛ وإن أبرأ نفسه ممَّا عليه لابنه قبل أن يحجّر الحاكم عليه ماله برأ؛ ولا يجوز لذميٍّ أن يبرئ نفسه ممَّا عليه لولده المسلم؛ فإن فعل وطلب ولده سجنه سجن له ويحلفه إن أنكر.
فصل
للأب أن يأكل من مال بنيه إن احتاج ولو كرهوا بلا إضرار بهم وإفساد، وأجمعوا أنَّه إن كان عبدا حرم عليه تناول مال ولده؛ وإن أخذ منه شيئا فعليه ردُّه وذمَّته مرتهنة به إن للأب أن يشتري من ماله؛ وإن منعه؛ وإن له أن يطأ أمته بعد
__________
(1) - ب: - «إليه». (6/409)
صفحة 2948
النَّزع كما مرَّ، ولو كان له في مال الابن حقٌّ لم يجز له، لأنَّ المشتركة لا يجوز وطؤها إجماعا، ولأنَّه إن احتاج فعلى ولده نفقته، فلو كان ماله للأب لم تفرض له عليه، وأجاز له أبو عبد الله أن يعتق عبد ابنه وبيعه وقضاءه وقباضه لأصلحه في مال ابنه؛ ومنع بعض عتقه حتَّى يشهد أنِّي قبضته منه ولا يلحق أباه بشيء؛ وإن كان له فيه حصَّة وأعتقها وحصَّة ولده لم يلحق أباه بشيء؛ وإن كان إنَّما أعتق حصَّته فقط لحق الابن العبد بحصَّته يستسعيه بها؛ وقيل: له أن يأخذ من مال ولده لأربعة أشياء إن احتاج إليها: النَّفقة وقضاء الدَّين والحج والتَّزوج، وفي بعضها خلاف كما مرَّ.
ولا يجوز إقراره في مال ولده، ابن محبوب: لا يعطي من مال ولده وقد مرَّ الخلاف في هبته منه وإبرائه وانتزاعه؛ وقيل: إن أعطى من مال صغيره ثمَّ طلبه بعد بلوغه ففعلُ الأب فيه ثابتٌ؛ واختلف في العوض من مال الأب إن مات، وفي تزويجه إماءَ ولدِه، ويشترط الصَّداق لنفسه، فأجازه بعض ولو كان بالغا حاضرا، ولا يجوز للبالغ أن يأخذ من مال أبيه إلاَّ إن كان بحال تلزمه نفقته والأب غنيٌّ ولا يطعمه، ولا يحكم له عليه، فله حينئذ أخذ قدر ما يجب له عليه، ولا يأخذ من مال أمِّه إلاَّ بإذنها أو بحلٍّ منها أو بدلالة عليها، وله أن ينفق على صغيره من ماله لا على عبيده لأنَّهم مال، ويبيعهم إن شاء. (6/410)
صفحة 2949
الباب السَّابع
في انتزاع مال الولد
ابن بركة: أجاز بعض للأب أخذ مال ولده وتملُّكه عليه ولو أيسر؛ فإن أخذه ضمنه؛ أبو الحواري: يصحُّ اِنتزاعه فيما يتلف عينه لا في قائم العين، فينقله إلى ملكه كالأصول؛ وقيل: لا يجوز له إلاَّ النَّفقة والكسوة بفرض الحاكم إن أعسر وأيسر الابن، وهو الأنظر، وعلى الإجازة له فقيل: يملك بالاِنتزاع على الابن ماله ولا يكون إلاَّ بالإشهاد أنَّه ملكه عليه، وأمَّا أن يأخذه بلا نيَّة فلا؛ وقيل: أخذه هو انتزاعه حتَّى لو وطئ جاريته جاز له، وانتقل عن ابنه إليه ولاؤها به؛ وقيل: لا يحلُّ له قبل اِنتزاعها حتَّى ولا بدَّ له من استبرائها بعده؛ وإن قال إنَّه قد وطئها أو مسَّ فرجها حرمت على أبيه؛ فإن وطئها مع علمه بتحريمها عليه فعليه الحدُّ؛ وقيل: يسقط عنه بالشُّبهة كما مرَّ من «أنت ومالك لأبيك»، ولوجود الخلاف؛ وقيل: هذا غلط وليس كلُّ مدَّعٍ شبهة تقبل منه إلاَّ بدليل، ومن ورث هو وابنه جارية من زوجته فأراد وطأها فقال أبو مروان: يرفع أمره إلى المسلمين حتَّى يشتري حصَّة ابنه، ثمَّ يستبرئها أو يهبها، وأجمعوا على أنَّ الأمَّ في «أنت ومالك لأبيك» ليست لأم ملك، وإنَّما (1) هي بمعنى "من"، لأنَّ الأب أصل، والابن فرع، والمال فرع فرعه، فكأنَّه حثَّ على برِّه وإجلاله؛ وكقوله وقد أمرا أن ترحل له العضبا، فقيل له: إنَّ العباس قد رحلها لركوبه، فقال: أنا والعضبا للعباس.
__________
(1) - ب: «بل». (6/411)
صفحة 2950
فصل
لا يجوز للأب إن كان غنيًّا اِنتزاع مال ولده؛ وقيل: يسمّى لها إذ ليس له أخذه، ولا يجوز له اِنتزاع ماله عند موته حذرا أن يرثه غيره معه؛ وقيل: له نزع ما صار له من أبيه، لا ما كان له بإرث أو صنعة أو غيرهما من المكاسب، فإذا نزعه منه فحاكمه الولد (1) حكِم له بردِّه له إن قام، وإلاَّ فلا يدركه عليه (2) وما أقرَّ به له ولو في مرضه بحقٍّ عليه له (3)، فهو ماله وكسبه، ولا يجوز للأب نزعه على هذا القول.
وإن لزمه أرش له فقضاه به مالا فليس له نزعه أيضًا، ولا شيء له إن كان ذميًّا في مال ولده المسلم؛ وقيل: إذا نزع الأب مال ابنه وقضاه فيما عليه أو باعه أو أتلفه بوجه ثبت عليه؛ فإن كان للأب مال فعليه عوضه له وإلاَّ فلا عليه؛ فإن فقد أو غاب فلأبيه في ماله ما لَه في مال الحاضر، ما لم يحكم بموت ذلك.
فمن نزع مال ولده وأشهد عليه ثمَّ غاب فباعه الابن، ثمَّ قدم الأب فطلبه فيه، فبيع الابن له تام، وكذا إن قضاه في دينه، [520] لأنَّه ما لم يخرجه الأب (4) من ملكه فهو للولد وكذا له أكله إن تيسَّر له أو مات الأب فالمال له ما لم يتلفه الأب؛ وإن اِنتزع مال ولده وعلى الأب دين فمات (5)، فإن كان له غير المنتزع بالمنتزع لولده وإلاَّ استوفى الغرماء منه؛ وقيل: هو للولد ما لم يزله الأب من ملكه؛ وإن أشهد أنَّه انتزع كلَّ ما كان لولده فالمجيز له يثبت له كلَّ شيء إلاَّ ما كان في الذمم ففيه خلاف؛ وإن أعطاه شيئا ثمَّ نزعه منه؛ فإن كان غنيًّا والولد فقيرا لم يجز له نزعه؛ وإن
__________
(1) - ب: - «الولد».
(2) - ب: - «عليه».
(3) - ب: «له عليه».
(4) - ب: - «الأب».
(5) - ب: - «فمات». (6/412)
صفحة 2951
اِحتاج إلى ما أعطاه ونزعه والابن غنيٌّ فهو للأب، وله الرُّجوع فيه إن اِحتاج لا للأم فيما أعطته إن قبضه، ولها أن تعيش وتلبس من مال ولدها ولو كره؛ وإن أعطى ابنه مالا فأحرزه ثمَّ نزعه منه ثمَّ أشهد عند احتضاره أنَّه ردَّه إليه فهو للابن دون غيره، وعليه ضمان ما أكله؛ وإن أقرَّ له بمال ثمَّ اغتاظ (1) فنزعه منه ولم يحرزه ولم يخرجه من ملكه وكان بيد الولد حتَّى مات الأب جاز له إقراره فيه، ولا رجوع للأب عليه فيما أقرَّ له به؛ وإن أعطى الابن منه شيئا لأحد أو باعه جاز له ولمن أخذه منه، لأنَّ الأموال إنَّما تحلُّ وتحرم بالأحكام.
ومن أعطى أولاده شيئا فله نزعه من أحدهم إن اِحتاج إليه أو خاف أن يتلفه ويمسكه عليه شفقة، وإلاَّ لم يجز له إضراره عند الله، وجاز له في الحكم اِنتزاعه منه أو من غيره إلاَّ إن قضاه إيَّاه من قبل أرش.
فصل
لا يجوز اِنتزاع مال الولد إضرارا به وهو اللصُّ فيما مرَّ، وجاز باِضطرار، وهو أن يأخذ ما احتاج إليه وفي الاختيار خلاف، وقد سئل العلاء عمَّا ينزعه من مال ولده البالغ بلا حاجة منه إليه أو بها، فقال: أمَّا ما لا خلاف فيه فأخذه له بها، وما ثبت فيه فأخذه له بدونها، والمختار منعه منه. وأجاز الأزهر له أن يأخذ (2) مال ولده، وكره له أن يتركه فقيرا؛ وإن أخذ ماله لزمه قضاء ديونه وإنفاقه، وجاز أمره في ماله، ونحبُّ له أن ينفق عنه إن أيسر.
ومن نزع عن صغيره ما تركت له أمُّه ومات وله جدَّة، فإن أتلفه قبل موته فلا شيء له منه، وإلاَّ فلها سدسه. وحفظ الوضَّاح عن هاشم فيمن عليه لولده حقٌّ من مهر أمِّه فقضاه إيَّاه ثمَّ نزعه فمات أنَّ للولد أخذه؛ وابن محرز عنه أيضا فيمن أعطاه
__________
(1) - ب: «تم اغتاض». وهو خطأ.
(2) - ب: + «من». (6/413)
صفحة 2952
أبوه شيئا فأحرزه ثمَّ أشهد الأب أنَّه نزعه منه ولم يقبضه حتَّى مات أنَّه للابن كما مرَّ.
ابن محبوب: إن أعطى أحد أولاده شيئا وقد بلغ وأحرزه، ثمَّ نزعه منه عند موته ولم يقبضه، فله أن يرجع وإن في مرضه، أو أحرزه الابن؛ وقال غيره: لا يضرُّه نزع أبيه إن أحرزه إلاَّ إن أحرزه الأب بعد نزعه أو اِدَّعى الإلجاء إليه وقد نزع فله نزعه منه.
وإن أعطت امرأة بالغا من أولادها مالا فأحرزه فعند موتها أعطت سائرهم مثل ما أعطته جاز لها ولهم.
ومن قتل أحد بنيه فورثوه ثمَّ نزع ماله فقال أبو الحواري لا يجوز لأحد أن يشتري ممَّا نزعه منه لأنَّ نزعه لا يجوز له؛ فإن مات أحدهم ولا وارث له غير أبيه وأمِّه فميراثه لهما؛ وإن كان له غيرهما فلهما فرضهما وحلَّ لمن يشتري منه ما ورث. (6/414)
صفحة 2953
الباب الثامن
في بيع الوالد مال ولده وقياضه فيه
وللحاكم ــ قيل ــ أن يحول بينه وبين مال ولده؛ فإن باعه جاز بيعه ووقف ثمنه في نفقة الولد إن كان صغيرا عند أمِّه مطلَّقة إن لم يكن ثقة ويكون بيده إن كان ثقة وينفقه. وإن ماتت أمُّ ولد جعل ماله بيد أبيه؛ وإن غير ثقة، إلاَّ إن علم تضييعه.
ومن باع لنفسه مال صغيره ثمَّ طلبه بعد بلوغه قال أبو عبد الله: إن كان بيد الأب بحاله فإنَّه يدركه وإن أخرجه من ملكه؛ فإن كان له مال فله أن يأخذ منه مثل ما أخذ من ماله؛ وإن باعه أو تزوَّج به أو افتضَّ جاريته جاز له ولا حدَّ عليه، وإن قبل نزعها؛ وله عتقها أيضا ولو بلغ الابن؛ وإن أشهد على قبض عبيده ثمَّ أعتقهم جاز.
ومن باع مال ولده فإنَّه يدركه الولد، وإن عند مشتريه عند ابن علي. ومن وثق في مال ولده بدين لزمه أو في معاش ولم يشهد عند الثِّقة أنَّه جعله في الدَّين وهو مال الولد من غير أبيه ولم يبعه حتَّى مات فاحتجَّ الابن أنَّه عالم بصنيع أبيه غير أنَّه لم يقدر على خلافه، فقال هاشم والأزهر وابن عليٍّ: يقضي الدَّين من مال الأب إن كان له، وإلاَّ فمن مال ولده الذي وثقه في الدَّين.
وقال أبو عبد الله في بائع مال ولده وله مال أنَّ للحاكم أن يأخذه بمثله لولده، ولا يحبسه له فيه، فإن مات قضى ولده من ماله بمثل (1) ما باع؛ وقيل: إن لم يطلب إلى أبيه ذلك إلى أن مات فلا شيء له في ماله. ويثبت ــ قيل ــ بيعه مال ولده إن
__________
(1) - ب: - «لولده، ولا يحبسه له فيه، فإن مات قضى ولده من ماله بمثل». (6/415)
صفحة 2954
اِحتاج إليه؛ وقيل: مطلقا؛ وقيل: يجوز إذا كان فيه صلاح للولد وإلاَّ ردَّ؛ وقيل: يثبت ويضمن الثمن إن حدث له يسار. وإن باع مال البالغ ولم ينكر بعد علمه به إلى أن مات الأب فليس للابن رجعة فيه.
ابن أحمد: من باع مال صغار بالغين ثبت البيع إلاَّ إن علم أنَّه يريد إضرارهم، وجاز دفع الثمن إليه وعليه لهم شروى ما باع إن كان غنيًّا وإلاَّ فلا عليه؛ [521] وإن طلب الأولاد العوض كان لهم وإلاَّ حتَّى مات فلا شيء لهم. فإن باع الولد بعض ماله لم يكن لمشتريه دفع الثمن إلى أبيه إلاَّ بأمره، وضمن إن فعل ويسمِّي ابن عليٍّ آكل مال ولده لصًّا إن كان غنيًّا عنه وأجمعوا أنَّه لا يلزم الابن أن يعطي أباه إن استغنى إلاَّ بالإحسان.
ومن مات وله بنون ومال وعليه دين وقد أشهد أنَّه قضى غرماءه، فإن قضاهم معروفا من مال ولده جاز، وإلاَّ فليس بشيء؛ وإن باع مال ولده فأتاه الولد بما يفديه فلا يجده لما قيل إنَّ بيع أبيه كبيعه هو.
ومن قضى مال بنته وهي مريضة زوجته قال أبو عليٍّ: إن كان له مال فنحبُّ له أن يثبت لها مالها وإلاَّ خانها؛ وقيل: لا يجوز ذلك في مرضها لأنَّه خرج مالها إلى حكم الوارث.
فصل
أجاز أبو عبد الله قياض الأب بمال صغيره، ولا يدرك ماله إذا بلغ، وله ما أخذ له أبوه بالقياض؛ ولو قايض بمال ولده من نفسه لنفسه لجاز لولده أخذ ماله الأوَّل إن أدركه بيد أبيه؛ وإن كان له مال من أمِّه فقايض به أبوه مالا فالصَّائر إليه بالعوض من قياض مال ولده فلولده دون الورثة، وشاركهم فيما تركه لقولهم: إنَّ له في مال أبيه شروى ما أتلف من ماله، ثمَّ يرثون الباقي، قال: وأرجو أنَّ بعضا لا يرى له أن (6/416)
صفحة 2955
يقايض بمال ولده، ولا يلزمه ولا يتلف منه شيئًا إلاَّ إن اِحتاج إلى ما لابدَّ له منه فله أن يأخذ من مال ولده لذلك بلا إضرار منه بالولد.
ومن قضى ابنه نخلا بصداق عليه لأمِّه فمات فعجز ماله عن دينه فغرماؤه أحقُّ بماله ولا يشاركهم حتَّى يستوفوا ديونهم إلاَّ إن قضى ولده في صحَّته فإنَّه يثبت له ما اقتضاه.
ومن أبرأ نفسه من صداق أمِّ ولده في مرض الولد فعن سليمان أنَّه يبرأ؛ وعن هاشم لا.
ومن ماتت امرأته وله منها ولد فأشهد أنَّه أبرأ نفسه من مهرها ونزع إرث ولده منها، فأجاز له موسى المهر لا أخذ المال إلاَّ في قضاء دين أو نفقة لا إن أخذه لغيرهما، وقال هاشم: يردُّ له صداق أمِّه عند موته ولو أبرأ نفسه منه؛ وإن أبرأ نفسه من مهرها عليه لبنيه وله أولاد من أخرى فمات فلا شيء لمن أبرأ نفسه من حقِّهم؛ وإن ردَّه عليهم جاز ولو في مرضه ولهم أخذه دون غيرهم. وقال الفضل: إن كان عليه لابنه مهر أمه فأبرأ نفسه منه في مرض الابن فمات فهو بين ورثته كما مرَّ.
ومن عليه صداق لصبيَّة فخرج إلى الحجِّ فله أن يدفعه إلى أبيها، فإن كان نخلا أو غيره جاز أن يقضي لها به أبوها إن اِستحقَّته بنظره لها كما يقضى غيرها. والصَّغير إذا قضاه أبوه شيئا من ماله بحقٍّ له عليه فلا يثبت، وثبت لبالغ ولو لم يحرزه أو كان في حجر أبيه. ومن أخذ من ولده شيئا وقضاه به أكثر ثبت له في الحكم إن لم يرجع فيه الأب؛ وإن رجع وسعه أخذه، ما لم يبلغ الولد ويحرز؛ وإن لم يرجع فيه إلى أن مات فلا حجَّة عليه للورثة فيه.
ومن أراد شراء شيء من مال صغيره نظر الحاكم أو الجماعة مصلحة الصَّبي؛ فإن لم يوجد حاكم ولا قائم مقامه أقام الأب له وكيلا؛ وإن كان عليه حقٌّ لولده وأراد دفعه إليه أو (6/417)
صفحة 2956
قضاه إيَّاه أقام له وكيلا؛ وإن كان عليه حقٌّ لولده وأراد دفعه إليه أو قضاه إيَّاه أقام له وكيلا يقبض منه إذا لم يكن حاكم؛ ولو وجد وفعل ذلك بلا أمره جاز أيضا. (6/418)
صفحة 2957
الباب التاسع
في دين الولد على الأب وتصرُّفه في ماله
أبو سعيد: من عليه لولده دين فمات ولم يوص له به، فإن لم تكن له بيِّنة به ولا قدرة على أخذه من ماله إلاَّ خفية جاز له، ويُعلم الورثة بذلك خفية فلعلَّه تكون لهم حجَّة أو يعطوه حقَّه إن علموا به، وإلاَّ ولا بيِّنة له عليه فله أخذه إن كان من جنس حقِّه، ولا يلزمه إعلام الورثة إن مات أبوه؛ فإن أوصى بما عليه لغيره لا له فالغرماء أولى بماله كما مرَّ ــ ولو أوصى له بماله ــ وليس له أن يأخذ خفية أو علانيَّة إلاَّ من بعد اِستيفائهم. وقال ابن محبوب: من عليه دين لابنه فقضاه ما عليه له في صحَّته ثمَّ مات وعليه دين للغرماء فليس لهم أن يرجعوا عليه فيما قضاه أبوه فيها؛ وإن قضاه في مرضه فقيل: يشرع معهم بحقِّه إن لم يف مال الأب؛ والأكثر أنَّهم أولى بماله.
ومن مات وعليه حقٌّ لأولاده ولم يوص لهم بشيء ولم يبرئ نفسه منه أثم. ومن قال في وصيَّته: قضيت ابني ثلاثين لما أكلتُه من ماله جاز له ما سمَّى له، ولو لم يسمِّ ما أكل.
ومن اِحتضر ولبنيه مال وعليه دين، فأشهد أنَّه قضى غرماءه منه فمات، قال ابن محبوب: إن كان له مال فدينه فيه، ولا يجوز له ذلك في مرضه، وإلاَّ جاز إن قضاهم من معروف، وإلاَّ فليس بشيء كما مرَّ. وإن أوصى محتضر معدم عليه دين وله ولد له مال أنَّه قضاه منه ولأرحامه منه أيضا بمائة، فقال هاشم ومسبِّح: إنَّ قضاءه منه في حياته جائز إذا بيَّن ما قضاه منه، وإلاَّ فليس بقضاء ولم يثبتا كغيرهما وصيَّته في مال ولده. (6/419)
صفحة 2958
وأجاز بعض قياض الأب بمال ولده ومقاسمته له بلا سهم ومنع ذلك آخرون.
ومن أعطى ولده غلامه بدين له عليه فأقام يعمل للأب حتَّى احتضر فأوصى بعنائه أن يقضى منه دينه [522] فمات الأب، فقال الابن: أنا آخذ عناء غلامي، فقال الورثة: غلامك في يد أبيك وقد أوصى بعنائِه في دينه، فقال العلاء: إن عمل له في حياته فالعناء في دينه كما أوصى به إن مات قبل إدراك التمرة فهو لرب الغلام، والدَّين في مال الأب إن كان له (1)، وإلاَّ فنحبُّ أن يكون من عناء الغلام ومن له ولد له إرث عند قوم فصالحهم على شيء أو قاسمهم ثمَّ أنكر الولد حين علم فالصُّلح لا يتمُّ، إن كان صغيرا فلم يتمَّه بعد بلوغه، وأمَّا القسم إذا علم به فليس له نقضه إذا بلغ؛ وإن كان بالغا فهو أولى من أبيه بذلك وله تغييره؛ وقد روي أنَّ أبا بكر رضي الله عنه نحل عائشة جداد عشرين وسقا من ماله فلمَّا احتضر جلس فتشهَّد فقال: يا ابنتي إن أحبَّ النَّاس إليَّ غنى لأنت، وأعزُّ النَّاس عليَّ فقرا بعدي لأنت، وإنِّي كنت نحلتك ذلك فقد وددت والله أنَّك أحرزته وأخذته، وإنَّما هو اليوم للوارث، وهو أخواك وأختاك، فقالت: والله لو كان ما بين كذا أو كذا لرددته.
فصل
أجاز بعض للوصي أن يدفع ما للصَّبي من وصيَّة الأقرب لأبيه مطلقا ويبرأ بذلك، ومنعه بعض إلاَّ إن كان ثقة، وأقلُّه أن يؤمن عليه؛ واختار أبو سعيد أن يجوَّز للوصيِّ أن يصرفه في نفقة الصَّبي وكسوته على القول بأنَّهما واجبان في ماله لا على أبيه كما مرَّ، وأنَّه إن كان غير مأمون فإنَّه يصرفه في مصالحه أيضًا (2)؛ فإن المسلمين يقدِّمون لليتامى والصِّبيان إذا كان لهم مال على أبيهم قائما لهم عليه كالسُّلطان والحاكم؛ فإذا لم يوجد هو ولا قائم على الأب وكَّل هو قائما بذلك إن
__________
(1) - ب: - «إن كان له».
(2) - ب: - «أيضًا». (6/420)
صفحة 2959
كان صلاحا لهم؛ وكذا من عليه لولده حقٌّ وأراد دفعه إليه أقام له وكيلا يقبضه منه له (1) وجاز ذلك ولو وجد حاكم.
__________
(1) - ب: - «يقبضه له». (6/421)
صفحة 2960
الباب العاشر
في جواز الأخذ من الصَّبي والعبد
فمن أتى إلى قرية ووقف بباب قوم وقال: يا أهل البيت أريد منكم كذا، فأتاه به عبد أو صبيٌّ فقال بشير (1) بن محمد: لا يأخذه حتَّى يقول أرسلني إليك أبي أو أمِّي أو مولاي، وكذا الهدية من أيديهما؛ وأجاز أبو الحواري قبول ذلك منهما حتَّى يعلم أنَّه من عندهما؛ وقيل: إن اِطمأن أنَّه مرسل إليه وإلاَّ فلا واليتيم إن أرسل بطعام أو هدية إلى أحد جاز له أكله لا إن كان من عنده وكذا العبد.
ومن أتى إلى عبد رجل في أرض له فيها حطب ذرة أو ثمرة أو علف فلا بأس ــ قيل ــ عليه إن أخذ من عنده شيئا من ذلك إذا علم أنَّ مولاه لا يكره ذلك.
__________
(1) - ب: - «بشير». (6/422)
صفحة 2961
الباب الحادي عشر
في لحوق الولد من نكاح صحيح أو فاسد
وقد مرَّ أنَّه إن تزوج مطلَّقة بعد عدَّتها فولدت ولدين أحدهما قبل تمام ستَّة أشهر مذ تزوَّجها الأخير والآخر بعدها فقيل: هما للأوَّل لأنَّهما حمل واحد والأخير تبع للأوَّل؛ وقيل: هما للأخير لاتِّحادهما أيضا ولأنَّها لم يتمَّ وضعها إلاَّ بعد تمام الستَّة، والأوَّل مضاف إلى الأخير لاتِّفاقهم على أنَّه إذا ولد قبل تمام الستَّة منذ تزوَّجت ولو بطرفة عين وقبل مضي سنتين؛ وقيل: إلى أربع إن لم تتزوج فهو للأوَّل والأخير للأخير للاتِّفاق (1) أيضا على أنَّه إذا ولدت لتمام الستَّة من يوم الدُّخول بعد مضيِّها ولو بطرفة عين فهو للأخير.
والمطلَّقة إن لم تتزوج كالمتوفى عنها (2) لاحق ولدها بزوجها إلى قبل تمام السَّنتين ولو بساعة؛ وقيل: إلى أربع ولو أقرَّت أنَّه ليسه منه، لأنَّ إقرارها مبطل لنسب وارث ولا يلتفت إليه؛ وقيل: أوتي عمر بحامل ليحدّها (3) فقال له عليٌّ: إن كان لك عليها سبيل فلا سبيل لك على ما في بطنها؛ وقال معاذ: ليس لك عليها حدٌّ لأنَّها تعلم من نفسها ما لا تعلمه أنت، فخلاَّها فأتت بولد قد نبت أسنانه، فنظر في ذلك فوجد مقدار سنتين، فقال عمر: عجزت النِّساء أن يلدن مثل معاذ، لولاه لهلك عمر، فألحقه بنسب الأوَّل، ولم ينكر عليه أحد فسنَّ ذلك؛ وقيل: يلحق إلى ثلاث سنين؛ وقيل: إذا ولدت مطلَّقة بابن لأكثر من سنتين من يوم طلَّقها زوجها لم يكن
__________
(1) - ب: «لاتِّفاقهم».
(2) - ب: + «زوجها».
(3) - ب: «ليحلها» وهوخطأ. (6/423)
صفحة 2962
الولد له إذا أنكره، لأنَّها وضعته لما لا تضعه النِّساء؛ فإن أخذت النَّفقة حتَّى وضعته فقيل: تردُّ منها نفقة ستَّة أشهر لأنَّ الحمل لغيره فيرفع نفقته لأدنى ما يكون؛ وقيل: لا، لأنَّها في العدَّة حتَّى وضعت. وإن طلَّقها رجعيًّا ثمَّ ولدته لأكثر من سنتين ولم تقرَّ بانقضاء العدَّة فإنَّه لا يلزمه إلاَّ إن أشهد على رجعتها قبل انقضائها وعلى القول بأنَّ جماعها رجعتها ولو لم يشهد عليها، فالولد له إن كانت أمُّه على حالها، والصَّحيح ما مرّ.
ولو أنَّ مطلِّقًا امرأته ثلاثا أو بائنا أتت بولد بعد ذلك لسنتين أو أقلَّ وبشهادة بولادته والزَّوج منكر للحمل، لم يلزمه ما لم يعلم أنَّه خلا بها أو تصحّ به بيِّنة، وقد أقرَّ به فحينئذ تجوز شهادتها بذلك، وثبت نسبه.
ومن لم يطلِّق امرأته وجاءت بولد شهدت به امرأة، وهو منكر للحمل جازت أيضا وثبت إذ لا فرقة بينهما ولا عدَّة عليها، وذلك إذا ولدته لستَّة أو أكثر مذ دخل بها.
أبو عبيدة: لو أنَّ حائضا ثلاثا قالت: انقضت عدَّتها، فتزوَّجت ثمَّ ولدت لأكثر من ستَّة بعد دخول الأخير بها فالولد له؛ وإن ولدته لأقلَّ فهو للأوَّل، لأنَّه ربَّما رأت في أيَّام حيضها غيضا فتظنّه حيضًا وليسه، فإذا شهدت موحِّدة على الولادة لأقلِّ من ستَّة مذ تزوُّجها الأخير لزم الأوَّل الولد وثبت نسبه منه؛ وقد قال الأكثر: إنَّه يلزم الأوَّل إن [523] مات أو طلَّقها ولو بائنا أو حرمت إلى سنتين ما لم تتزوَّج، فذلك بعد تمام ستَّة، أو يقرَّ الأخير بالدُّخول أو بالولد بعدها مذ تزوَّجها.
فصل
إن ظهر حمل بامرأة صبيٍّ بعد موته قبل بلوغه لم يلحق به.
وإن طلَّق خصيٌّ أو مات فكالصحيح في الولد، وكذا المجبوب إن كانا ينزلان، وإلاَّ لم يلزمهما كالصَّبي وربَّ خصيٍّ ينزل ويلقح. (6/424)
صفحة 2963
ومن طلَّق امرأة قبل أنْ يدخل بها فتزوّجت وبان بها حمل عند الأخير، فادَّعته من الأوَّل، وأنكر، فإذا علم أنَّه خلا بها أو بيّن عليه، ألزم الولد إن أتت به لأقلَّ من ستَّة مذ تزوّجها الأخير، وأقلَّ من سنتين مذْ طلّقها الأوَّل، وإن لم تقم بذلك بيِّنة فهو ولدها، ولا حدَّ عليها.
ومن ترك وطء سريَّته واستبرأها ثمَّ ولدت دون ستّة لزمه ولدها، وكذا إنْ زوَّجها بعد ذلك، فأتت به كذلك، فإنَّه يلزمه؛ وإن أعتقها ولم تتزوّج فأتت به لأقلَّ من سنتين فإنَّه يلزمه ولو نفته عنه ولا يُقبل قولها.
ومن تزوَّج امرأة فوجدها حبلى، فادَّعته منه وأنَّه كان يدخل عليها وأنكر، فإنْ بيّنت ذلك ألزم الولدَ إن ولدته بأكثر من ستَّة مُذ تزوّجها، وإن ولدته لأقلَّ فولدها، ولا تحدُّ. ابن محبوب: من وطئ جاريته فأتت بولد، فإنَّه يلزمه إن لم تتزوّج، والولد له إن تزوّجت بلا رأيه، وفسُد، وقال أبو إبراهيم وأبو محمَّد (1): إنَّ الولد يلحق من الفاسد كالصحيح، ألا ترى أنَّ من تزوّج محرمته، وهما جاهلان بالنسب والحرمة أو بها، وعالمان به أو بهما، فأتت بولد فهو له.
ومن قال لولديه من امرأة من بطن: أحدُكما ليس منِّي، لزماه معًا، ويلاعنها ويفرَّق بينهما؛ وقيل: لا لعان بينهما حتَّى يرميها بزنى.
ومن تزوَّج امرأة فأغلق عليها بابا أو أرخى ستارًا، فطلَّقها ثمَّ بان بها حمل، فقالت: إنِّي أقررتُ لم يمسَّني، لأنِّي خفتُ أنْ يقول: إنَّها مطلّقة، وقد مسّها، وهذا ولده، وأنكره فهو ولده، ولا يحدُّ لأنَّها أقرَّت قبلُ أنَّه لم يمسّها. وقد مرّ أنَّ المطلّقة إذا اعتدّت ثلاثا فتزوّجت ثمَّ ولدت لستّة مذْ تزوّجت بالأخير، فقيل: الولد له، وقيل: إذا تحرّك قبل المعتاد من وطئه، فهو للأوَّل والأوَّل أكثر، واضح لثبوت الأصل بالنسب، وإذا ثبت من الأخير لم يصحَّ انتقاله إلى الأوَّل، وإن لم تجد حركته إلاَّ بعد المعتاد لها من وطء الأخير، ووضعته لأكثر من ستَّة مذْ دخل بها فهو له اتِّفاقًا. وإن
__________
(1) - ب: - «وأبو محمَّد». (6/425)
صفحة 2964
أقرَّت أنَّه ليس من زوجها، وادَّعاه له فهو له؛ وتحدُّ إذا وضعت، وإن لم تصرِّح بزنًى ونفته عنه، وزعمت أنَّها أُكرهت، فالولد له، لأنَّه الفراش، وإن صرَّحت به ونفته، فإن أقرَّ به فولده وحدَّت.
وإن كابر امرأة عبدُها فولدت منه فالولد لها، والعبد عبدها. وإن ادَّعت امرأة أنَّ ولدها من فلان، وهي زوجته، (1) أو مطلَّقة منه قُبل قولها إن كان الولد حيًّا، ولا يلزمها أن تأتي بقابلة تشهد أنَّها ولدته في حبال الزوج؛ فإن أقرَّ أنَّه لها لا له ولم يرمها بزنًى فالولد له، ولا ملاعنة بينهما إن دخل بها ولا يفرَّق بينهما؛ وإن رماها به لاعنها، وفرِّق بينهما والولد له؛ وإن طلَّقها ثمَّ أتت به لأقلَّ من سنتين مذْ طلِّقت، وقالت: إنَّه لها، وقال هو: ليس لها، فعليها (2) الإتيان بقابلة عدلة تشهد أنَّها ولدته لأقلَّ منهما، فيثبت نسبه منه، وإن ادَّعى أنَّها ولدته لأكثر منهما كلِّف بيِّنة؛ وإن مات وأنكر ورثته الولد ثبت عليهم ما يثبت عليه في حياته إذا صحَّ النكاح. وإن مات وهي في حباله لحقه الولد ولا يلزمها إتيان بقابلة تشهد بذلك.
أبو سعيد: من تزوَّج غير بالغة هي ولا أترابها فدخل بها ثمَّ غاب عنها، ثمَّ قدم وقد جاءت بولد، فإنَّه يلحقه إن كانت بحدِّ من تلد، ولو غيَّرت النكاح، ولا ينظر في غيبته إذا صحَّ الجواز فيما يمكن وجوب حكم الولد.
فصل
إذا انكسرت سفينة فيها حامل وغرق من فيها، فوجدت ميِّتة بالساحل بعد أيَّام، وتحتها ولد، فلا يكون لها ولا يرثها، ولا ينسب إلى أبيه، إلاَّ إن بُيِّن أنَّه ولدها.
وإن ادَّعت امرأة ولدًا لم تصحَّ لها ولادته، فقيل: يلحق بها على سبيل الإقرار به، وقيل: يلحق بالأب.
__________
(1) - ب: «أو مطلَّقة» مكرَّر.
(2) - ب: «فعليه». (6/426)
صفحة 2965
ومن تزوَّج امرأة فأتت بولد فقال: إنَّه تزوَّجها منذ أربعة أشهر، وقالت: منذ ستَّة، فالقول قولها. ابن قريش: إن أتت به (1) لأقلَّ من ستَّة، وأقرَّ أنَّه ولده، لزمه بإقراره، ويلحق به، لا إن لم يقرَّ به.
ومن يجامع امرأة ويعزل عنها فتلد فالولد له. ومن غاب عن زوجته فولدت بعده أولادًا ولدًا بعد ولد، فالأوَّل لاحقٌ به اتِّفاقًا، وفيما بعده خلاف: بعضٌ ألحقهم به، لقوله (ص): «الولد للفراش». وبعض لا يلحق به من حملته بعد وضع الأوَّل، لأنَّه (2) لا يمكن في التعارف وصوله من بعيد إليها، ولا يعلم به أحد.
وإن ماتت حامل، وقد خرج بعض ولدها وهو حيٌّ قبل أن يتمَّ خروجه، فلا يخرج من بطنها؛ فإن مات فيه، ولم يعرف أذكر أو أنثى ورثها عند ابن عليٍّ نصف ميراث كلٍّ منهما.
ومن تزوَّج امرأة على شهادة الله وملائكته (3) فحرام، والولد ــ قيل ــ ولده، ولا صداق لها إن علمت أنَّه لا يجوز، وإلاَّ كان لها.
ومن قذف منيًّا في إناء فاحتملته زوجته، فحملت منه فلا يلحق الولد به!.
وإن أقرَّت مطلَّقة بانقضاء عدَّتها، ثمَّ جاءت بولد في أقلَّ من سنتين، فإنَّه لاحق بمطلِّقها ما لم تتزوَّج، ولو حاضت كمَا مرَّ.
وإن نُعي إلى امرأة زوجها فاعتدَّت وتزوَّجت وولدت، [524] وصحَّت حياة الأوَّل أو قدم، فالولد للأخير، وهي زوجة الأوَّل؛ فإن خرجت منه بموت أو فراق ففي حلِّها للأخير خلاف، واختير عدمه، وقد مرَّ.
__________
(1) - ب: «بها».
(2) - ب: «لأن».
(3) - ب: - «وملائكته». (6/427)
صفحة 2966
أبو الحواري: إن ولدت امرأتان في موضع، وعندهما قابلة، وقد ولدتا غلامًا وجارية، ولم تدر واحدة منهنَّ لمن الغلام منهما، فإن أخذت كلٌّ (1) منهما واحدًا، وصار بيدها، أو أخذت إحداهما فقط، فكلٌّ أولى بما في يدها عند موسى؛ وإن لم يتعرَّضا لهما، ولا عرفت كلٌّ ولدها لزماهما معًا، ويرضعانهما ويرثان من كلٍّ نصف نصيب الذكر، ونصف نصيب الأنثى؛ وترثان أيضًا من كلٍّ من الولدين ميراث أمٍّ، ويكون بينهما سواء.
ومن مات وله ولد وعبد، ولم يعرف أيَّهما ولده، ولا بيِّنة، فهما ابناه في الحكم يرثانه ميراثَ واحدٍ.
وإن ولدت كلٌّ من يهوديَّة ونصرانيَّة ومجوسيَّة ومسلمة غلامًا في مجازة، ولم تعرف كلٌّ ولدها من غيره فالإسلام أولى بهم، ويجبرون عليه إذا بلغوا، ويقتل من أبى منهم ويرثهم المسلم، ويرثونه؛ وقيل: لا يرثهم.
وإن خرجت حبلى من عند أهلها فوجدت ميِّتة وصبيٌّ على صدرها، ولم يعلم أولدها أم لا، ولا حضرها أحد، قال أبو زكرياء: لا يلحق بها، ولا بزوجها كما مرَّ، وقيل: يلحق بها لا به.
فصل
من تزوَّج امرأة، ولم يدخل بها، ولا صحَّت خلوته بها، فجاءت بولد لأكثر من ستَّة، فلا يلزمه حتَّى تصحَّ، أو يقرَّ بها؛ وإن صحَّت ولم يجامعها، أو جامعها ولم ينزل لزمه ولو أنكره؛ وإن قضى حاجته في غير فرجها فسالت النطفة فدخلت فيه لزمه أيضًا إن كانت ثيِّبًا، وإلاَّ فقولان؛ وإن سالت حتَّى دخلت أوَّله، ولم يعلم هو أبلغت
__________
(1) - ب: + «واحدة». (6/428)
صفحة 2967
داخله أم لا، وادَّعت أنَّها بلغته لزمه الولد أيضًا إذا صحَّ عنده أنَّها دخلت فيه، لأنَّه قيل: ينشف. قال خميس: وإن لم يصحَّ عنده ذلك فلا ألزمه في الحكم ما لم يصحَّ وما أولاه بالشبهة في هذا، ولا نحبُّ له أن يقطع أنَّه ولده، ويورثه ماله، ولا أن ينكره، وليقل: اشتبه عليَّ أمره، ولْيَدِن بالله بما يلزمه فيه، ويسعه ذلك في سريرته، وإن لم ينكر دعواها، ولا أقرَّ به فيما لا يسعه الإقرار به وسعه ذلك. وإن أصابته جنابة فمثها (1) بخرقة أو بغيرها (2)، فأخذت ما هي فيه وأدخلته في فرجها، فحملت فولدت لذلك لزمه في الحكم لا عند الله في الأظهر.
__________
(1) - كذا في النسختين.
(2) - ب: «بغيرها». (6/429)
صفحة 2968
الباب الثاني عشر
في الإقرار بالولد (1) من زنًى أو تزوُّج
أبو المؤثر: من أقرَّ بولد من زنًى وصدَّقته أمُّه فلا يلحق به، وله الحجَر إن أحصن، وإلاَّ جلد؛ وإن تقاررا به ولم يذكرا زنًى فهو ولده لإمكان أنَّه تزوَّجها سرًّا؛ وقيل: إذا أقرَّ به منه وصدَّقته فهما مصدَّقان عليهما لا على الولد، ويكون تبعًا لهما، ويرثهما، ولا ينسب لأبيه؛ والصحيح ما مرَّ.
ومن زنى بامرأة فليس لها أن تقرَّ أنَّ ولدها منه.
ومن أقرَّ بولد من زنىً فإنَّه لا يرثه، ولا يزوَّج المحرمة، ولا يأخذ من الأمِّ.
ومن قال: فلانة زوجتي، لي منها أولاد، فمن ادَّعته أنَّه منِّي فهو ولدي، ثبت عليه إقراره، ولحقه نسبهم إن لم يكن لها زوج تلد على فراشه، كذا قال ابن الحسن؛ وقال أبو الحواري: إن ولدت امرأة لا زوج لها وأقرَّ رجل بولدها فإنَّه يرث الرجل، ولا يرثه هو إن مات صغيرًا، إلاَّ إن بلغ فأتمَّ ذلك فإنَّهما يتوارثان؛ وإن مات الرجل وله أولاد سواه فورثوه معًا، ثمَّ مات الصبيُّ فلا يرثون منه إلاَّ ما ورثه من أبيهم إن مات في صغره. وجاء الأثر بجواز الإقرار بالولد وبالوالدين في أسباب الميراث لا إن كان منه (2) زنىً على الصحيح. ومن أشهد جماعة أنَّ هذا الولد ولده من صلبه وقد أقرَّ به أوَّلاً أنَّه من زنى فالأوَّل يبطل الثاني.
__________
(1) - ب: «بولد».
(2) - ب: «من». (6/430)
صفحة 2969
وأجمعوا على أنَّ من أقرَّ بولد ولم يقل: من نكاح، أو من سفاح فهو ولده؛ واختلفوا فيه إذا صحَّ بعد هذا الإقرار أنَّه من زنىً، فقال الجمهور: الإقرار هو الأوَّل أنَّه ولده، وقال بعض: إنَّه غير ثابت، إذا صحَّ أنَّه من زنىً.
ومن زنى بامرأة سرًّا، ثمَّ أشهد على تزويجها وولدت له أولادًا لحقوا به، وتوارث معهم لِما مرَّ من لحوقه بالفاسد كالصحيح.
وإن اغتصب ملك مملكةَ آخر فاحتوى على جواريه، فوطئهنَّ فحملن منه فالجواري وأولادهنَّ ملك لأربابهنَّ، وألحقهم بالغاصب من ألحقَ أولاد الزنى بآبائهم على ما يجب في أولاد المماليك كما مرَّ. وقد تركت ما ذكر من الخلاف في ثبوت ولد الزنى والتفاصيل فيه لِما مرَّ من أنَّ الصحيح عند المغاربة عدم لحوقه بأبيه، إذ ليس بفراش، ولا حاجة لنا في نقله، وإن نبَّهنا على فساده. (6/431)
صفحة 2970
الباب الثالث عشر
في لحوق الولد من الإماء
وقد أجمعوا على ثبوته من سيِّدها إذا أقرَّ بوطئها، لأنَّه فراش كالزوج.
ومن اشترى أمة معها ولدها فادَّعاه ولده، ولا بعل لها، ولا ثبت له نسب يلحق به حكم له به، ولا يقبل قوله إن كان لها زوج؛ وإن كان للولد أخ ولد معه من بطن ألحق به أيضًا كما مرَّ ولو أنكره، لِما قيل: إنَّه يستحيل أن تحمل في وقت من رجلين، إذ الرحم لا يقبل نطفتين مختلفتين في وقت إذا وضعتهما في ليلة أحدهما، في أوَّلها وآخر في أخراها، على ما جرت به العادة من وضع الحملين.
وإن أقرَّت أمة بولد لغير سيِّدها وكان يطأها ردَّ قولها، [525] ولحق به؛ وإن أنكر وطأها فأتت بولدها فانتفى منه فإنَّه لا يلحق، وإن أقرَّ بوطئها أو علم منه فأتت به بعدما ملكها لستَّة ألحق به إن استبرأها، ولو نفاه.
ومن باع جاريته فولدت عند مشتريها ولدين أحدهما لأقلَّ من ستَّة بيوم، والآخر لأكثر منها به، فهما للبائع عند أبي زيَّاد، ونقض البيع، وللمشتري عند أبي عبد الله؛ وإن ادَّعاهما ونفاهما البائع فهما أبناء المشتري كعكسه، وإن نفياهما معًا، أو شكَّا فيهما فهما عبدان للمشتري كأمِّهما.
ومن وطئ جاريته فأولدها، ثمَّ تركها وقد أقرَّ عند الحاكم بولدها، أو عند عدلين، ثمَّ ولدت، وآخرين فأنكروهم، وأنكر وطأها بعد الأوَّل، وقالت: كلُّهم له، ولم يطأ في غيره، قال أبو زيَّاد: إنَّهم أولاده إذا أقرَّ بوطئها قبلُ؛ ولا يقبل قوله إن تركها، ولزموه بإقراره الأوَّل إذا لم يزوِّجها؛ وإن أراد تركها أشهد به؛ فإن ولدت بعدُ قبل مضيِّ ستَّة فهو ولدها، إلاَّ إن أقرَّ به، وقيل: يلحق به بعد الإشهاد إلى سنتين؛ (6/432)
صفحة 2971
وقيل: أكثر؛ وقيل: ما لم يزوِّجها. وإن مسَّ فرجها يفرجه أشكل حكمه إذا لم يدر ألتقى الختانان أم لا.
ومن أحلَّ لرجل جاريته فأصابها فلا يحلُّ له وما ولدت له، ويؤدِّي لها قيمته، ولا يحدُّ.
فصل
من اشترى أمة فأولدها، ثمَّ استحقَّت منه فالولد له اتِّفاقًا، ولزمته قيمته لمستحقِّها يوم ولد.
ومن أقرَّ بوطء أمته حكم عليه بولدها؛ وإن باعها وبان بها حمل فولدت في وقت يلحق به بطل بيعها، لأنَّه لا يجوز بيعها، وولدها في صفقة واحدة، لأنَّه حرٌّ. وإن باعها فأعتفها مشتريها ثمَّ ولدت على سنتين أو أقلَّ لحق ولدها البائع إن أقرَّ به أو بالوطء.
ومن باع حاملا فولدت عند مشتريها ابنًا ثمَّ آخر بعد ستَّة أشهر فادَّعاهما البائع فهما ابناه، وردَّت وردَّ الثمن، ولا يثبتان للمشتري، ولو ادَّعاهما.
ومن تزوَّج أمة على أنَّ أوَّل ما تلد حرٌّ، فأتت بولدين من بطن، ولم يدر المتقدِّم فحرَّان، وما بعده عبيد، ولا يجبر ربُّها على بيع أولاد أمته على أبيهم.
وإن كانت بين رجلين أمة يطآنها، فأتت بولد، فقال بعض قومنا: هو عبد لهما، ويحدَّان؛ وقال أصحابنا وأبو حنيفة: إنَّه ولدهما، ولا يحدَّان. فإذا تداول قوم جارية فأتت بولد، فقيل: هو للأخير منهم، وقال الربيع: للأوَّل؛ وإن وطئ شركاء أمتهم فولدها بينهم، ويرث من مات منهم، وعتقت بميراثه، ويردُّ على الورثة بقدر مالهم من أمِّه في إرث أبيه إن ترك مالاً غيرها، وإلاَّ استسعاها غيره بقدر حصصهم منها، ويرث من كلٍّ ميراث ولد. ومن لا وارث له غيره حوى ميراثه. (6/433)
صفحة 2972
ومن وطئ أمة فباعها فوطئها الثاني قبل استبراء فباعها فوطئها الثالث قبله أيضًا، والوطء كلُّه في طهر واحد، فالولد للأوَّل لأنَّ وطأه حلال، وقيل غير ذلك، وقد مرَّ نحوه.
وإن كان بيد مسلم ونصرانيٍّ صبيٌّ، والمسلم يدَّعيه عبده، والنصرانيُّ ولده، فإنَّه يكون حرًّا، ويسلَّم للمسلم نصف ثمنه؛ وإن أسلم ومات ورثه الصبيُّ. وإن أتت أمة موحِّد وذمِّيٍّ بولد فادَّعياه معًا فهو بينهما؛ وإن قالت: هو ابن الموحِّد لم تحدَّ إذ (1) لم تقذفه بزنًى، ولا يحدُّ؛ فإن أقرَّ أنَّه حرٌّ فهو ولدهما، وهو مسلم.
وإن اتَّخذ كتابيٌّ أمة على دينه فوطئها، ثمَّ أسلمت، وباعها المسلم، فأتت بولد فادَّعياه، فإن ولدته لأقلَّ من ستَّة مذ اشتراها فهو للذمِّيِّ، وإن ولدته لأكثر فهو للمسلم، وهو تبع لأمِّه، والإسلام أولى به في الوجهين؛ فإن أشكل أمره فالمسلم أولى به.
وإن وطئ ذمِّيٌّ أمته الموحِّدة نزعت منه، ويجبر أولاده منها على الإسلام إذا بلغوا؛ فإن أبوا قتلوا؛ وقيل: لا، ما ملكت؛ فإن عُتقت أجبروا عليه، وقيل بالوقف، وقيل: يحبسون حتَّى يسلموا أو يموتوا.
فصل
إن ادَّعت امرأة على ميِّت أنَّها كانت زوجته، وأنَّ ولدها منه، وبيَّنت أنَّه كان يقرُّ بذلك فإنَّه يرثه، ولو لم تكن بيِّنة على النكاح. وفي الضياء: ومن بيده جارية لها ثلاثة أولاد من بطون مختلفة، فقال أحدهم ولدي، ومات ولم يبيِّنه فإنَّها تعتق، ويعتق من كلٍّ ثلثه، ويسعى في ثلثيه.
__________
(1) - ب: «إذا». (6/434)
صفحة 2973
ومن أقرَّ بغائب عن مصره، وله حاضرون فيه، فإقراره به ثابت لازم لهم إن كان يولد مثله لمثله، وإلاَّ بطل. وإن ماتت مرضعة ولدًا ولم تقرَّ أنَّه ولدها لم يرثها في الحكم حتَّى تقرَّ به أو يشهر.
ومن له غلامان فأشهد أنَّ أحدهما ولده والآخر عبده، ومات، وغابت معرفتهما على الشهود أنفق عليهما من ماله حتَّى يبلغا، فإذا بلغا حبس عنهما ليصطلحا عليه، ولا يحكم به لأحدهما إلاَّ ببيِّنة أنَّه هو ولده.
ومن أقرَّ بولد مع ورثته، ولم يبيِّنه أذكر أم أنثى أخذهم الحاكم ببيان أنَّه أنثى، وإلاَّ ترك له ميراث ذكر؛ فإن عجزوا وقف له نصف ميراث كلٍّ منهما؛ فإن صحَّ أنَّه أنثى رجعوا عليه بالزيادة، وإن صحَّ ذكرًا رجع عليهم بالنقصان. (6/435)
صفحة 2974
الباب الرابع عشر
في الملاعنة [526] وحكم ولدها
فمن قذف امرأته بزنىً ولم يرفع إلى السلطان أمره، وأكذب نفسه واستغفر، فلا عليه فيها وإن لم يرجع عن قذفها حتَّى صار أمرهما إليه، فلا رجعة له بعد؛ فإن شهد معه أربعة عدول بما قال برئ ورجمت إن دخل بها، وإلاَّ تلاعنا وتأبَّد تحريمها، والولد لها، ولها صداقها، وتعتدُّ؛ وقيل: إذا أكذب نفسه بعد الفراغ من الملاعنة جلد، والولد له؛ وإن صدَّقته قبلها أو بعدها رجمت، ولا يتوارثان؛ وقيل: يرثها ولا ترثه؛ وقيل: عكسه.
وإن رماها بزنًى وانتفى من ولدها، ومات قبل الملاعنة فقال ابن عبَّاس: تلاعن نفسها وترثه، والولد له، ويرثه.
ومن تزوَّج امرأة فولدت لستَّة فالولد له، فإن رماها وانتفى منه لاعنها، وثبت له ولو كارهًا ولها مهرها، ويفرَّق بينهما؛ وإن ولدته لأقلَّ منها فالولد لها ولا لعان، ويفرَّق بينهما. ولا لعان بين مطلِّق ومطلَّقة.
وإن رمته هي بزنىً، وأشهدت عليه أربعة رجم، واعتدَّت للوفاة وورثته؛ وإن لم تقم عليه أربعة جلدت، ولا تلاعن بينهما إذا قذفته وهي زوجته.
وإن انتفى الزوج من ولد فلا لعان ــ قال أبو عبد الله ــ بينهما بذلك، حتَّى يقول: هذا ولدك من زنًى. وسئل عن ميراث ولد الملاعنة، فقال: إن دخل الزوج بها فهو ولده، وإلاَّ فلأمِّه. (6/436)
صفحة 2975
الباب الخامس عشر
فيما تصدَّق فيه القابلة في الولد
قال ابن محبوب: تصدَّق إن كانت عدلة في قولها: ولد حيًّا أو ميِّتًا، لا في أنَّه ذكر أو أنثى، ولا في أنَّه مات قبلها، أو بعدها، إلاَّ بشاهدين سواها؛ ويقبل قول أمِّه إن كان حيًّا أنَّها ولدته (1) في حبال الزوج؛ وإن كانت مطلَّقة فلا بدَّ أن تشهد عدلة أنَّها ولدته حيًّا ثمَّ يلزمه؛ وقيل: لا تصدَّق في الولد إلاَّ إن شهدت به القابلة، أو صحَّ ولو بائنة؛ وقيل: تصدَّق إذا جاءت به في أجل يلحق فيه بأبيه إن كان حيًّا؛ وقيل: إذا أتت به في الوقت على كلِّ حال صحَّ.
ولا يقبل ــ قيل ــ قول القابلة: إنَّه خرج حيًّا ثمَّ مات، وإن شهد عدلان أنَّ الذي شهدت على ولادته كان حيًّا، ولا تدري أمات قبل أمِّه أو بعدها ورثت من أصل ماله إن كان له، وورث هو منها كذلك؛ وإن بيَّن أنَّه ولد حيًّا، ولا يدري أذكر أو أنثى ورث نصف إرث كلٍّ.
ولا يقبل ــ قيل ــ قول الأمِّ أنَّها ولدته، ولو كانت في العصمة، إلاَّ إن شهدت به القابلة. فإذا صحَّ لرجل أنَّه دخل بزوجته فأتت بولد فقالت: إنَّه ولده، فقال ابن قريش: إنَّه يلزمه ولو أنكره، إلاَّ إن أحضر بيِّنة أنَّها وضعته لأقلَّ من ستَّة. وإن طلِّقت فأتت به وقالت: أنا ولدته في أقلَّ من سنتين مذ طلِّقت، وأنكر هو، لزمها عند ابن محبوب أن تبيِّن.
__________
(1) - ب: «ولدت». (6/437)
صفحة 2976
وقيل: تقبل شهادة أمِّه على رضاع وهي مرضعة، أو استهلال وهي قابلة إن كانت عدلة. ومن حضرتها قابلتان عند ميلادها، وماتت فيه، وقالت إحداهما: خرج الولد حيًّا، والأخرى: ميِّتا، أخذ بقول الأولى.
أبو الحواري: إذا ماتت امرأة وبطنها يتحرَّك ثمَّ خرج ميِّتًا فإنَّه لا يرثها إلاَّ إن خرج حيًّا، ولا عبرة لحركته بعد موتها. (6/438)
صفحة 2977
الباب السادس عشر
في العقيقة وإخراج الولد من أمِّه الميِّتة
وقد روي أنَّه (ص) عقَّ عن الحسن والحسين شاة، فأكلوا وأطعموا وأهدوا، وأعطوا القابلة منها عضوًا وحلقت فاطمة رؤوسهما، فتصدَّقت بوزن شعرهما فضَّة في سابع ولادتهما، وقال: «إذا أردت أن تعفَّ الصبيَّ فضع يمناك على وسط رأسه، وأذِّن في يمناه، وأقم في يسراه، ثمَّ اقرأ الفاتحة وآية الكرسيِّ سبعًا، و {قل هو الله أحد} كذلك، ثمَّ تقول عند الذبح: بسم الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله والله أكبر إيمانًا بك، هذه عقيقة عن فلان بن فلان، على ملَّتك ودينك وسنَّة نبيئك محمَّد (ص)، ولا تكسر لها عظمًا، وفصِّلها تفصيلاً». والجارية في ذلك كالغلام، فإن شاء قسمها أعضاء، وإن شاء طبخها وقسم معها خبزًا ومرقًا. ولا تعطى إلاَّ للمتولَّين. وليقل في دعائه: «اللهمَّ إنَّك وهبت لنا ولدًا، وأنت أعلم بما وهبت، ومنك ما أعطيت، فاجعله بارًّا تقيًّا واسع الرزق، ومن شيعة محمَّد وآله».
وقد روي أنَّه (ص) ناول الذي يحلقه شقَّه الأيمن فحلقه، ثمَّ ناول أبا طلحة الشعر فقسمه.
واختلف في شعر بني آدم، فقيل: لا بأس به، وهو ظاهر، وقيل: مكروه؛ وعند أبي سعيد أنَّه يخرج في اتِّفاق أصحابنا أنَّ شعور بني آدم المصلِّين طاهرة، إلاَّ إن عرضتها نجاسة، وبيعها مكروه إذ لا ينتفع بها لشيء، وما لا ينتفع به لا يجوز بيعه، وإن ثبتت في شيء منها منفعة بعد زواله عنهم لم يبعد جواز بيعه.
وأجاز المعالجة لإخراج الولد إذا ثبتت حياته من الميِّتة بلا إباحة ضرر على ميِّت، ولا على صبيٍّ؛ وقال: يخرج في قولهم أنَّه محجور منه ما يحجر من حيٍّ على (6/439)
صفحة 2978
التعمُّد في معنى الحدث عليه، إلاَّ أنَّهم قالوا: إنَّ الخطأ في الميِّت لا يوجب الدية، وفي سائر الأحداث الميِّت والحيُّ فيه (1) سواء، إلاَّ أنَّه لا قصاص فيه، ولا قود.
__________
(1) - ب: - «فيه». (6/440)
صفحة 2979
الباب السابع عشر
في أدب الصبيان وغيره
وقد روي: «زايلوا بين أولادكم في المضاجع لسبع، واضربوهم للصلاة لعشر».
أبو سعيد: على الرجل أن يعلِّم صغاره ومماليكه (1) الطهارات والصلاة ولو لم يسألوه إذا علم جهلهم، وأمَّا زوجته وكباره وغيرهم من أرحامه فأهون، ولا يلزم كهؤلاء، إلاَّ إن رأى من أحدهم منكرًا أو تضييع فرض [527] فينكر عليه إن قدر، ويرشد كلَّ من سأله عن دينه، على ما علم منه، ويعينه على ما لم يعلم منه، والأقرب أولى لقوله تعالى: {قوا أنفسَكم وأهليكم ... } (2) الآية (التحريم:).
ومن له ولد جاوز عشرًا، فأمره بالصلاة فلم يصلِّ، وكان مِمَّن يضرُّ الناس في أموالهم، وأراد تعليمه فلم يفعل، فهل له أن يقيده بقيد يحتمله؛ قال ابن أحمد: لا أعرف فيه شيئًا، وإنَّما عرفت أنَّه يضرب أدبًا، وإن كان القيد ممَّا يحتمله مثله فلعلَّه كالضرب.
ويقال: إنَّ الصبيَّ تكتب له حسناته لا سيِّئاته، فإذا أدرك كتب له وعليه.
ومن لقي صبيًّا فقال له سلِّم لي على أبيك، فلا ضمان ــ قيل ــ عليه في ذلك، وليس هذا باستعماله.
__________
(1) - ب: - «ومماليكه».
(2) - أ: - «وأهليكم». (6/441)
صفحة 2980
وإن سقت امرأة ابنها دواء، وتريد شفاءه فمات منه، فقال أبو الحواري: لا يلزمها شيء؛ واختار خميس أنَّه إن عرف أنَّه دواء لما سقته إيَّاه (1) فكذلك إن تعورف أنَّه مضرٌّ فلا نبرئها من الإثم والضمان.
وإن تألَّمت ضرس صبيٍّ، فذهب إلى من قلعها له، ثمَّ رجع الصبيُّ إلى قلعها منه (2) فقال أبو عليٍّ: ليس عليه شيء.
وللمرأة استعمال ولدها بما يطيقه ما لم تمنع منه، ولها كأبيه ــ قال أبو سعيد ــ أن تضربه إن أبى من الدواء للرمد ضربًا غير مبرح إن خشي عليه منه الضرَّ، وكان الدواء صلاحًا له.
وروي: «ثقِّبوا آذان صبيانكم، خلافًا لليهود». فإن ثقبت أذن ولدها بلا إذن أبيها ومات، فقال أبو إبراهيم: يلزمها لأبيه أو وارثه ديته، ولا ترثه. وإن اتَّفق الأبوان على تثقيب ولدهما فمات به فديته لوارثه بعدهما؛ وإن ثقب له غيرهما بلا إذنهما ففيه الأرش؛ وكلُّ ثقب نافذة؛ وقيل: يقاس كعبد يثقَب فيُنظر كَم ينقصه الثقب من ثمنه، فكذا للصبيِّ من ديته، كذا قيل عن عزَّان.
ومن ثقب ــ قيل ــ لصبيٍّ بلا إذن أبويه فمات فعليه ديته لهما.
وأجاز أبو الحسن تثقيب الصبيِّ بلا إذن أبويه للرواية السابقة، وقال بشير: لا بأس على أمِّه في تثقيبه، إلاَّ إن تقدَّم عليها أبوه، فإن تقدَّم عليها فثقبته في كلِّ أذن أربعة فعليها دية الأذن في ثلاثة، ويعدُّ الرابع جرحًا، ولو أنثى؛ فإن كان لها صداق على أبيه فله أن يحطَّ الدية عن نفسه منه إن كانت بيِّنة، وإلاَّ وقدر على أخذها منه أو من مالها كان له.
__________
(1) - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «لو لم يعرف أنَّه دواء لما سقته إيَّاه».
(2) - كذا في النسختين. (6/442)
صفحة 2981
وأجاز ابن محبوب تثقيب الجارية دون الغلام، ولو لم تشر الأمُّ على الأب؛ وإن ثقبت أذني ابنها أو غيره بلا إذن أبيه قال أبو سعيد: ففي الأمِّ قولان في ضمان الأرش له. ولا يجوز لغير أمِّه إلاَّ إن كانت وصيَّة ليتيم، وكان مصلحة له، ومِن أهله، فقيل: يسعها إن كانت رحمًا له كالعمَّة والخالة والجدَّة أشبه عند عدم الأمِّ لقيامهنَّ مقامها وعدم القائم به مِمَّن يستأذن في أمره. وإن كان له وصيٌّ من أبيه فلا تثقبه أمُّه إلاَّ بإذنه (1) إن قام بمصالحه لأنَّه في مقام أبيه، وإن ثقبته بلا إذنه سلَّمت الأرش إليه.
ومن أمرته أمُّ صبيٍّ أن يثقبه ولم يعلم أنَّ أباه أذن لها أم لا، لم يجز له ذلك في الحكم، ولو كانت ثقة، وأمَّا في الاطمئنان فإن علم منها أنَّها لا تدخل إلاَّ فيما يسعها فأرجو أن لا يضيق عليه ذلك فيه، وإن لم يعرف الاطمئنان وثقب بأمرها ولا أنَّها ثقة، أو غيرها فهل يلزمه الأرش؟ قال: عندي أنَّه إذا دخل بلا حجَّة فأروش العباد محجورة (2)، ودية ثقب الأذن نافذة لكلٍّ، ولكلِّ نافذة في عضو ثلث ديته، ولكلِّ أذن نصف التامَّة.
فصل
وعن عمر: الصلاة على من عقل، والصيام على من أطاق، والحدود على من بلغ.
وعلى الصبيِّ أن يتخلَّص ممَّا أكل من الأموال؛ فإن مات ولم يفعل رجيت له السلامة، ولا تترك ولايته إن كان متولىًّ لأنَّه مرفوع عنه القلم؛ وقال هاشم: إذا تناول بعض أموال الناس ثمَّ بلغ فذكره فأرجو أن لا شيء عليه، غير أنِّي عناني ذلك فأعطيت؛ وقال ابن محرز: إذا ترك الصلاة، وأكل الأموال ثمَّ بلغ فليردَّها ولا بدل عليه؛ والأكثر أنَّ ما جناه بفيه أو بفرجه أو بلبسه فهو في ماله. وما ضمنه في صباه فما
__________
(1) - ب: «بلا إذنه».
(2) - أ: غير واضحة ورسمها: «حجورة». (6/443)
صفحة 2982
علم به بعد بلوغه تخلَّص منه، ولا شيء عليه فيما لم يعلم به، وقد مرَّ ذلك؛ وقد جاء الأثر أنَّ ما أكله أو لبسه يلزمه في ماله، ويؤمر بأدائه إذا بلغ وذكره، وما أفسده بغير ذلك فلا عليه فيه.
وإذا رمى دابَّة فأضرَّها فقيل: لا شيء عليه؛ وقيل: عليه في ماله، وقيل: على عاقلته. وإن جمع مالاً بقمار فبلغ لزمه أن يتصدَّق به إن لم يعرف صاحبه، أو لم يجده؛ وجنايته ــ قيل ــ كلُّها خطأ على عاقلته، وقيل: لا تعقل إلاَّ ما بلغ خمسًا من الإبل. وإن قتل دابَّة أو أتلف عروضًا، فقيل: عليها؛ وقيل: لا تعقل المال. (6/444)
صفحة 2983
الباب الثامن عشر
في اللقيط وأحكامه
وهو الطفل الذي يوجد منبوذًا، ولا يعرف له أمٌّ ولا أب (1)، وحكمه الحرية، وولاؤه للمسلمين، ولزمهم أن يعقلوا عنه؛ فإذا وجد في دار الإسلام فحكمه حكمهم إجماعًا؛ فإن ادَّعاه ذمِّي وأقام عليه بيِّنة ما فحكمه حكم أبيه؛ وإن عرفت أمُّ اللقيط دفع إليها. وقال أبو الحسن: لا يعقل على من ربَّاه.
وقال ابن عبَّاس في [528] ولد الزنى: «اِصنعوا به كموتاكم، وهو خير الثلاثة»، يعني هو وأبويه. وقال قتادة: كان فينا ابن زانية، وكان حميدًا، وقتل شهيدًا. ويجوز ــ قال خميس ــ أن يكون إمامًا في الصلاة، إن كان صالحًا وشاهدًا إن كان عدلاً، ولا يضرُّه فعل أبويه، ويدخل الجنَّة إن أطاع الله، وأن يكون حاكمًا إن كان أمينًا، وأن يزوَّج.
وإن طرحت زانية ولدها ثمَّ لم تعرف حاله، فإنَّه يلزمها ومعينها الإثم العظيم، وأمَّا الضمان فحتَّى تطرحه، فيما يتلف فيه، وعليها أن تجتهد في طلبه وتخليصه. فإن وجدته وآخر معه، ولم تعرف أيَّهما ولدها أخذتهما معًا، وقامت بهما، وتسأل (2) عمَّا يلزمها فيهما وعن شأنهما؛ وإن تركتهما في تلف ضمنتهما؛ وإن طرحته في مسجد أو منزل قوم وكفله أحد ثمَّ مات، وتابت فلا نلزمها ديته. وإن مات قبل أن يكفله لزمتها لإخوته لأمِّه ولا شيء لها ولا لأبيه منها.
__________
(1) - ب: «أب ولا أم».
(2) - ب: «وتسأله». (6/445)
صفحة 2984
ومن وجد صبيًّا بمسجد فتركه فيه حتَّى مات، فإن كان يلتمس له قائمًا به فمات قبل أن يجده فلا عليه؛ وإن وجد قائمًا به وتعمَّد تركه حتَّى مات خيف عليه ضمانه. وفي الأثر: ومن خرج إلى فلاة حاملاً طعامًا لأهله فوجد منبوذًا وعجز عن حملهما معًا، فحمْله الطعامَ لمن يلزمه عوله أولى إن خاف عليهم والقيام بعولته ألزم؛ وإن قدر على حفظهما معًا والصبيُّ في مهلكة لزمه القيام بهما معًا.
فصل
إذا وجد منبوذ في دار الإسلام لزم المسلمين أخذه والقيام به على الكفاية، وإنَّما يلزم عالمًا به وعلى من أخذه أن يعرف حاله؛ فإن عجز عن القيام به أوصله إلى الإمام لينفق عليه من بيت المال كما يرثه؛ وقيل: ماله لمن تكفَّل به. ومن كفله ثمَّ أراد ردَّه فلا يجده. ومن أنفق عليه، وأشهد فله أن يرجع بما أنفق إذا بلغ، ولا شيء له عليه إن أنفقه لله. وأجاز الربيع لمن لقطه أن يشهد أنَّه يستخدمه إذا أدرك بقدر إنفاقه عليه. وإن وجده مسلم وذمِّي حكم به للمسلم في دار الإسلام. وإن وجده رجلان فتشاجرا فيه فلا يخرج من أيديهما إذا قاما بأمره، ولا يحكم به لأحدهما إلاَّ إن عجز الآخر عن القيام به؛ فإن استويا ترك في أيديهما إن قدرا؛ فإن تباعدت ديارهما حكم بالقرعة بينهما، فمن خرجت له كان معه، ويصله الآخر بنصف نفقته؛ فإن ادَّعياه أو أحدهما أو غيرهما أنَّه عبده كلِّف البيان.
وإن وجد عنده مال حكم له به، وأشهد له به (1) لئلاَّ يذهب، وذلك إذا وجد في ثوبه أو على فراشه. وإن وجد قريبًا من موضعه لا على ذلك ولا فيه، ولا قربه لم يحكم له به، لأنَّه كاللقطة وفيه شبهة. وإن وجد على دابَّة وعليها مال فهما له.
ومن ادَّعى لقيطًا ولا منازع له قُبل قوله فيه إجماعًا. وإن ادَّعى نسبه مسلم وذمِّي، أو حرٌّ وعبد فهما فيه سيَّان عند الشافعي؛ وقال أبو حنيفة: المسلم والحرُّ
__________
(1) - ب: «به له». (6/446)
صفحة 2985
أولى من مقابلهما. وإن ادَّعاه رجلان، فبيَّن أحدهما أنَّه ابنه، والآخر أنَّه بنته، وهو خنثى، قال أبو المؤثر: إن بال من الذكر حكم به لمدَّعي ابنه، وإن بال من الفرج فلمدَّعيه بنته؛ وإن أشكل أريء القافة.
وإذا بلغ اللقيط فأقرَّ أنَّه عبد لزيد لم يقبل إقراره، وقال كثير أنَّ ميراثه لمن ربَّاه وأنفق عليه، وكثير أنَّ له أن يرجع عليه بذلك ولا يرثه؛ وقيل: لبيت المال؛ وقيل: للفقراء، قال أبو الحسن: وهو الأعدل إن لم يكن له رحم؛ وإن أوصى بماله كله جاز له إلاَّ إن كانت له زوجة أو رحم فتردُّ (1) إلى الثلث؛ وقيل: تجوز وصيته إلى الربع الذي لها أو إلى النصف الذي للزوج، وجازت في الباقي؛ وكذا عند من يقول: لهما حصَّتهما، والباقي للجنس؛ وقيل: لا شيء له معهما وكلُّ المال لهما لأنَّ من له سهم في الإرث أحقُّ كما مرَّ.
أبو الحواري: إذا طرح حبشيٌّ في بلد فعلى أهله أن يربُّوه؛ فإن لم يجدوا له مربِّيا بجعل لزمهم بما قدروا عليه، ويشترون له شاة يرضَعها؛ وإن ضيَّعوه حتَّى مات لزمهم ديته لوارثه إن عرفوه ولو رحما وإلاَّ فللفقراء.
__________
(1) - ب: - «أو رحم، فيردُّ». (6/447)
صفحة 2986
الباب التاسع عشر
في اليتيم وأحكامه
وهو من مات أبوه دون بلوغه؛ ومن الدوابِّ من ماتت أمُّه. وقد روي: «من تولَّى له أو لغيره فاتَّقى الله فيه وأحسن إليه كان معي في الجنَّة كهاتين ــ فجمع بين وسطاه وسبَّابته ــ، ومن وضع كفَّه على رأسه رحمة له كتب له ما أخذَت بكلِّ شعرة حسنة، ومحيت له بكلٍّ سيِّئة». وأيضًا: «اتَّقوا الله في الضعيفين» وهما اليتيم والمرأة، والأخبار فيهما كثيرة.
وقد فرض القيام باليتامى وأموالهم، ولا يسع الناس تركه، قال الله سبحانه (1): {وأنْ تقوموا لليتامَى بالقسطِ}؛ فالقيام به لهم واجب على من لزمه بولاية أو وصاية أو وكالة. ويقام له ثقة، وإن بأجرة من ماله.
ولا يضرب على الصلاة؛ وجاز لأمِّه ضربه [529] عليها. وجاز لمحتسب له إن خاف عليه من بروزه أن يهدِّده بالإساءة والضرب إن كان صلاحًا له؛ ولو ربطه وأراد به صلاحه لم يلزمه شيء، ولو أثَّر الحبل فيه من تجذُّبِه لم يلزمه ضمان؛ ولمعلِّمه ضربه على التعلُّم والأدب لا غير. وإن كان في حدِّ الختان فأمر الختَّان بعض من يقوم به فلم يزد ولم ينل حشفته فمات فلا قصاص عليه، ولا دية، ولا على آمره؛ وإن أصاب حشفته أو زاد في ختانه فمات فديته عليه في ماله لا على آمره.
ابن محبوب: من أمر ختَّانًا يختن يتيمًا لا وليَّ له فسال دمه حتَّى مات، ضمن الآمر إن لم يكن وليَّه؛ وإن علمه الختَّان غير وليِّه ضمنا معًا، لا إن لم يعلم.
ويلي أمر ختانه الحاكم إن وجد، وإلاَّ فالجماعة من اثنين فصاعدًا.
__________
(1) - ب: «تعالى». (6/448)
صفحة 2987
الباب العشرون
في وجوب القيَّام لهم
ابن جعفر: من مات في مصر لا إمام فيه ولا حاكم بحقٍّ وترك أموالا وزوجة لها عليه حقٌّ، وعليه دين لغيرها ولم يجعل وصيًّا في ذلك واحتاج يتاماه إلى حافظ أموالهم ومؤنتهم، والغرماء إلى ديونهم، فإنَّه يحضر وليُّهم إن كان لهم مع الجماعة، وأقلُّها عدلان، والعالم إن كان في البلد فيفرضون لكلٍّ (1) نفقته وكسوته بقدر حاجته، ثمَّ تشهدا معهم أو من كانوا عنده أنَّه أخذهم بالفريضة، وأنَّه يجريها عليهم من عنده ويأخذها من أموالهم، وبذلك قال ابن محبوب؛ فإن حفظت أموالهم أمهم أو ثقةٌ وإن من غير أوليائهم فله الأجر إن تطوَّع {والله يعلم المفسد من المصلح} (البقرة: 220)؛ وإن أقام لهم عدلان ثقة كان وكيلا لهم؛ وإن عدموا وأقام لهم الجائر ثقة فباع ما جاز له بيعه أن لو كان وصيًّا له فلا يلزمه ضمان، ونحبُّ له كما مرَّ أن يستتمَّ أمر الجائر بالجماعة، وإلاَّ فلا عليه.
أبو سعيد: إن كانت في بلد مِمَّن تقوم بهم الحجَّة ويظهرون أمرهم، لم تكن للجبَّار حجَّة ولا لداخلٍ بأمره إلاَّ فيما جاز فيه فعل محتسب، والجماعة أولى من الجبَّار لأنَّهم الحجَّة بعد الإمام؛ وإن قال أهل البلد لوكيل الجبَّار لا نتم لك ولا ننهاك أو لا ندخل في ذلك فدخل فيه بعد قولهم؛ فإن اِجتهد وأقام بالعدل فلا يضمن ولا نرى لأحد نهيه إن كان ثقة قويَّا، ولا نزعه وهو أولى، إلاَّ إن اِتَّهموه ولا له أن يكابرهم بأمر الجبَّار، لأنَّ أمرهم أولى منه؛ وإن كان ثقة ولم يدخل فيه بعد ثمَّ أقاموا غيره فأمرهم أجوز؛ وإن أقاموا له وكيلا ولم يعمل في ماله حتَّى أمر الجبار غيره ودخل فيه، لم يجز فعله،
__________
(1) - ب: «لهم». (6/449)
صفحة 2988
وأمرهم أحق وأجوز، وإن أقامه ولم يعلم (1) بوكيلهم فتصرَّف فيه بجائر ثمَّ علم به فردَّ المال إليه جاز له ما فعل، قبل علمه به إن لم يغلط أو يجوز؛ وقيل: إذا لم يظهر أمرهم بالقيَّام بالحكم ففعل الجبَّار بالعدل أولى؛ وقيل: لا حكم له عليهم لقوله تعالى {ولن يجعل الله للكافرين .... } الآية (النساء: 141)، وظهورهم هو أن يقدروا على الإنقاذ بلا تقيَّة ولا معونة منه؛ أو أنَّ يوليِّهم ذلك ويقويِّهم عليه فيكون حينئذ أولى منه؛ وإن تفرَّقوا وأقامت له كلّ طائفة وكيلا ولم تعلم كلّ ما صنعت أخرى، فالأوَّل أولى ولا ضمان على الأخير، ولا يردُّ فعله إن لم يغلط أو يجوز حتَّى يعلم بالأوَّل؛ فإنَّ الأمر له؛ وإن لم يكن عادل ولا جائر ولا جماعة فقام به صالح؛ وإن من غير أوليائه مقام الوكيل وباع ما للوصيِّ بيعه وقبض الثَّمن فضاع ثمَّ نازعه اليتيم أو المتطوِّع عليه لم يلزمه ضمانه؛ وإن خاف فساد ماله؛ وإن لم يكن وكيل الجائر أو المتطوِّع ثقة أو عرف بالخيانة، لم يجز له الدُّخول فيه ويضمن التَّلف، وأجاز أبو سعيد الاحتساب له؛ وإن من غير ثقة إلاَّ في دفعه لماله وقبضه فلا يجوز إلاَّ من ثقة.
وللحاكم أن يحكم ببيِّنة المحتسب، وله ما للوصيِّ إلاَّ في اليمين؛ وقيل: لا يجوز الاحتساب إلاَّ عند عدم الحكَّام، وجوِّز كما مرَّ عند عدم الوصيِّ والوكيل.
فصل
إن كان اليتيم مع أمِّه أو قائم به واحتاج إلى مؤنة ولا له إلاَّ الأصل، ولا في بلده عدل، فإنَّه بأخذه له ذلك ويضمنه إلى وقت يبيع فيه منه وهو أقرب ما يقدر عليه، ويبيع بعلم من وليِّه أو من الصُّلحاء، ويشهدهم أنَّه أخذ له وباع من ماله بعلمهم؛ وإن لم يحضروه قام وأنفق عليه ممَّا باع فإذا بلغ ونازعه فيما باع فصحَّ أنَّه كان معه بقدر ما يمكن أن يذهب في مؤنته مثل ما باع، فلا يدركه به ولا بثمنه؛ فإن شاء حلفه ما خانه.
__________
(1) - ب: سقط جملة «أقاموا له وكيلا ... وإن أقامه ولم يعلم» لانتقال النظر في أقام. (6/450)
صفحة 2989
أبو المؤثر: يباع ماله في مؤنته إذا لم يكن حاكم برأي الجماعة؛ فإن باع أصله بلا إذنهم فكبائعه بلا حاكم، ويردُّ بيعه وله قدر ما أنفق عليه إلاَّ إن وجد حاكما ولم يجد قائما بذلك فباع، جاز له ولا عليه إذا صحَّ أنَّه كان في عياله، وأكل قدر ثمن ما باع.
أبو الحواري: إذا بلغ وطلب ما باعه المحتسب كان له، ولا يجوز بيعه، ولا يجوز بيع ماله، إلاَّ بوصيٍّ أو وكيل، ويرجع المشتري على البائع وهو على اليتيم إن أخذه بفريضة، وإلاَّ ولا أشهد على كفالته لم يلحقه بشيء، وقال في موضع: إذا بلغ فطلب ما أدَّى عنه وصيُّه إلى الجبار أو طلبه ورثته إن مات قبل بلوغه لزمه ردُّ ذلك؛ وإن أخذ الجبَّار ماله وله وصيٌّ أو وكيل فخاف عليه أن يذهب فصالح عنه منه بأقلّ ممَّا خاف أن يذهب منه باِجتهاد جاز له. (6/451)
صفحة 2990
الباب الحادي والعشرون
في مخالطة اليتامى وأدبهم ونفقتهم وما يشترى لهم
قال الله سبحانه {ويسئلونك عن اليتامى ... } الآية (البقرة: 220)، أبو المؤثر لا يخالطهم [530] إلاَّ من كانوا في حجره ويعولهم، ابن محبوب: إن كان في غلَّته سعة للخادم والضَّحية وثياب العيد أعطى ذلك بالقصد، ويتَّخذ له منيحة للبن وإلاَّ فلا له إلاَّ نفقته وكسوته.
ومن بحجره يتيم وضحَّى له سمينة ولنفسه هزيلة كره له خلط لحمهما في الطَّبخ، إلاَّ إن علم أنَّ تفضّله عليه أكثر ممَّا يأخذ منه، والمراهق إن صلحت مخالطته وفيها توفير عليه في الطَّعام وغيره، جازت لمنصفه ولمن كفله أن يخلط حبّه بحبِّه ويأكلان معا، ما لم يأخذ أكثر ممَّا يعطيه. ولوكيل اليتيمة أن يحليها من مالها بلا إسراف إن وسع حليها؛ وإن لمن يكن لمال اليتيم شرب أطنى له ماء إن وجده، وإلاَّ اِشترى له، وللحاكم إذا طلبت أمُّ اليتيم أو من يكفله أن يأخذه بالفريضة أن يوقفه بين يديه إن كان غلاما، وينظر مع العدول كما مرَّ كم يستحقُّ؛ وإن كان جارية شهد له بقياسها فيفرض لكلِّ؛ وقيل: لا يفرض على شهادة العدول به بل على رويَّتها وصفتها وقياسها، ويفرض وحده ولا يحتاج إلى غيره، لأنَّه منه حكم.
فصل
من عليه ليتيم شيء وله فريضة فقال: أدَّيت ما عليَّ فيها له، فلا يقبل منه إلاَّ بيِّنة، فإذا أقامها أنَّه أعطى حبًّا ولا زراعة لليتيم، وقال: إنَّه من زراعتي فهو مصدَّق لأنَّه المعطي كان وكيلا أو غيره. (6/452)
صفحة 2991
أبو المؤثر: إن قال الوصيُّ هذا من مالي قبل أن يسلِّمه، وأشهد قُبل قوله ولو لليتيم زراعة؛ وإن سلَّم الفريضة إلى كافل به حبًّا أو غيره فلا يقبل إن قال من ماله إلاَّ ببيِّنة؛ وإن أخذته عمَّته وتنفقه من غلَّته ولا تكفيه قال أبو عليٍّ: إن أنفقت عليه بإمام أو قاض أو جماعة طرحت نفقته من غلَّته، وتبعته بالباقي، وإلاَّ فعليها تسليم ما بيَّنته أنَّه من غلَّته إليه؛ وإن طلبت أن تأخذه بالفريضة وخالته بدونها؛ فإن كان لا يعقل الخيار جعل في أصلح له منهما وأرفق به وينفق عليه من ماله؛ وإن كان يعقله فحيث اختار؛ وإن لم تجد العمَّة بيِّنة بالفريضة وعندها أنَّها تنفقه من ماله فعليها أن تحلف له: مالك في يدي اليوم حقٌّ إن لم تكن له بيِّنة على ما صار بيدها من الغلَّة.
ومن ترك يتيمين وأمَّهما ومالا أفضل من مهرهما، فقال لهما وليَّهما: إنِّي أسلِّمه لكِ تأكلينه وعليك مؤنتهما ولك فضلة غلَّته، قال أبو عليٍّ: ينظر في المؤنة والغلَّة؛ فإن كانت تكفيهما سواء فليس لهما؛ وإن كان فيها فضل فليحفظه لهما، وجاز لوصيِّه أن يبيع ماله لنفقته؛ وإن بلا مناداة إن كان برأي الحاكم وبوفاء في الثَّمن.
أبو سعيد يستحبُّ لذوي اليتامى أن ينفقوا عليهم من أموالهم ولا يأخذونهم بالفريضة، لأنَّها تحتاج أموالهم وأكثر ما يؤخذ عن الحاكم أنَّهم بفروضهم مع قائم بهم بفريضة، واِختير أن يراعى الأصلح لهم بلا مضرَّة عليهم ولا عليه، وقد مرَّ أنَّه يجوز له إن اِشتغل بأمورهم عن معيشته أن يأكل من أموالهم بالفرض، ويكون دينا عليه؛ فإن أيسر ردّ لهم وإلاَّ عجز وحيي له، والأحسن أن يوصي به.
أبو سعيد اِختلف في دفع مال اليتيم إلى أمِّه لا على فريضة وبلا حاكم، فقيل: إذا لم يكن له مال وكانت تفضِّل عليه جاز مطلقا؛ وقيل: إن كانت ثقة أو بحاكم. (6/453)
صفحة 2992
فصل
جاز صبغ ثياب اليتيم إن كان يسرُّه ولا يضرُّه ويسعه ماله، وكان من صلاحه وشراء النَّعل والدهن (1) والطِّيب له، ويتعاهد اللحم في كلِّ شهر ولو مرَّة، أو بالنَّظر، ويشتري له في الأعياد الحنَّا والجوز وما اِعتاده عند أبيه إن وسعت غلَّته ذلك وإناء شربه، وجفنة لعجنه، والفراش، والوسادة، والقدر ونحو ذلك؛ وإلاَّ فالأولى ما لا بدَّ منه، وما ضاق عليه ماله ترك إلى ما هو أفضل منه وأنفع؛ وإن مرض جاز لوصيِّه أن يشتري له الغذاء الغالي والدَّواء وما يخاف في تركه ضرَّه وهو لازم ويفعل له ذلك؛ وإن من غير فضل؛ ولو (2) من قوته أو أصل ماله لا ما كان ترفُّها وتفكُّها، إلاَّ من فضل الغلَّة بلا مضرَّة؛ وتجوز المصالحة في ماله إن كانت أقرَّ له في الجائز لا في الحكم، وليس لمن له الفريضة في ماله إلاَّ ما فرض له الحاكم أو الجماعة إن كان حبًّا فحب؛ وإن كان تمرا فتمر؛ وإن أراد اليتيم أن يسلِّم من فريضته دراهم بقيمة الحبِّ أو التَّمر برضى مستحق الفريضة جاز إن كان أوفر لليتيم؛ وإن رفع ذلك إلى الحاكم فليس له إلاَّ ما فرض له على السِّعر أو أرخص (3)؛ وإن دفعت إلى من يكفله فينبغي للحاكم أو الجماعة أن يشهدوا على قبضها من ماله لكذا وكذا شهرا، فإنَّه أحزم وأحوط، ولا يجعل إلاَّ عند من يؤمن عليه وعلى ماله، وإن لم يوجد له رحم ولا ثقة يقوم به إلاَّ بأجر اِستؤجر له إن وجد وإلاَّ قام الصُّلحاء به؛ وإن جعلوه عند ضعيف في أمانته كانوا عينا عليه؛ فإن رأوا تضييعا حضوا على إقامة العدل ومنع الجور، ولا يكلَّفون إلاَّ طاقتهم بممكن، ولهم في ذلك مع صدقهم أعظم الأجر.
__________
(1) - ب: - «الدهن».
(2) - ب: «وإن».
(3) - ب: «رخص». (6/454)
صفحة 2993
الباب الثَّاني والعشرون
في وصيِّ اليتيم ووكيله وما لهما في ماله
لا يجوز في الحكم شراؤه من وصيِّه إلاَّ إن صحَّ أنَّه باعه فيما جاز بيعه فيه، وأجازه أبو سعيد في الاطمئنان إن كان ثقة لا يبيعه إلاَّ في ذلك، وجاز شراء عروضه وحيوانه من ثقة [531] محتسب له ومنع في حيوانه إلاَّ بوصاية أو وكالة.
ومن جعل لوصيِّ ولده ثلث غلَّة منابه يتوسَّع فيه لمَّا لزمه فيه وعليه، وقبل وصايته لم يثبت له فيه بعد وفاة الأب؛ وإن سمعه يقرُّ بالصَّداق فلزوجته أو بحقٍّ لأحد، وأوصى أن يعطى ذلك عنه من ماله؛ فإن كان وصيًّا في قضاء ما عليه كان له وعليه؛ وإن كان وصيًّا لليتيم فقط لم يكن ذلك له ولا عليه؛ وإن رفع الميِّت اليمين عن كلِّ من أقرَّ له بدين أو وصيَّة فقيل: ترفع عنهم؛ وقيل: لا والأوَّل أولى.
وإن جعل كفالة ولده إلى زوجته وائتمنها على عوله فليس للوصيِّ أن يصدِّقها فيما تقول إنَّه يحتاج إليه، إلاَّ بحاكم أو عدول، ويسعه في الاِطمئنان إن رجى صدقها؛ وإن أوصى بدين أو وصيَّة مريض عاقل ولم يحضر له وكيلُ يتيمه وأخبره بذلك أخو اليتيم البالغ وأمينتان وأحدهما وصيته في قضاء دينه وزوجته، فهل للوكيل أن يسلِّم إليهم إنفاذ الوصيَّة من جملة المال، وفيه مناب اليتيم بقولهم؟ قال: أمَّا في الاطمئنان فيسعه بقول الواحد الثِّقة، وأمَّا في الحكم فلا إلاَّ بعدلين أو نحوهما؛ وقيل: ليس لوصيِّ اليتيم أن يشتري له مالا إلاَّ إن كان شفعة له في مشاع، وجاز له القرض من ماله إن كان فقيرا، إلاَّ إن كان غنيًّا، إلاَّ إن اِحتاج إليه واضطرَّ؛ وإن اِستأجر له مرضعة ووجد أخرى بلا أجرة نظر الأصلح له؛ وإن أراد بيع ماله ولا يلزمه فيه درك من مشتريه قال له عند العقد: أبايعك هذا ولا علم لي به ولا ضمان عليَّ في دركه وظهور عيبه، فحينئذ لا ضمان عليه ولا على اليتيم، وحفظ ابن خالد إجازة بيعه بلا (6/455)
صفحة 2994
مناداة إن رجى له فيه صلاحا، ولا يشتري له من الشَّفيع إلاَّ مشاعا؛ وإن باع ماله برأيه ثمَّ قال: بعته بأقلَّ من ثمنه، وطلب ردَّه، فقيل: بيعه جائز لا يردُّ؛ وقيل: لا يباع ماله إلاَّ بالنِّداء؛ وإن اِحتاج إلى بيع ماله في مؤنته ولا وكيل له، قال أبو الحواري: لا يوكل له إلاَّ الثِّقة إن وجد، وإلاَّ كان عند أمِّه وفرض له الحاكم، ويبيع ماله فيما وجب لها من الفريضة إن وجد، وإلاَّ فالجماعة، وأمرُ وكيلِه جائز عليه فيما حكم له؛ وقيل: ليس له أن يهدم بيِّنته إذا اِستخلف على حقِّه، فإذا بلغ وقامت له بيِّنة به فهو له؛ وقال عزَّان: لا يجوز له أن يؤاجر أرضه تشقُّ فيها قناة أو ساقية، لأنَّه لا يدري ما يحدث بعده إن مات، فتثبت على اليتيم بموت الوكيل أو البيِّنة فتثبت عليه في أرضه؛ فإن فعل وأكثر من بيِّنة واستوثق لم يلزمه إن نفع اليتيم ذلك؛ وإن أعطى أرضه من يزرعها وفيها نخل إذا زرعت شرب، قال أبو الحواري: إذا كان يصلحه الصَّلاح بقدر ما يصلحه من المرفق من الزِّراعة جاز له؛ وإن كان الرِّفق أكثر من الصَّلاح لم يجز له حتَّى يعطيه الفضل أو الحصَّة من الزِّراعة، وليس له أن يذهب شيئا من ماله.
فصل
قيل: لا يشتري وصيّ يتيم له أصلا بدراهمه؛ فإن فعل خيرا إذا بلغ فإن أتمَّه كان له وإلاَّ فلوصيِّه وضمن له دراهمه إن لم يكن شفعة مشاع كما مرَّ، وجوِّز عليه أيضا ما أخذ له من الشَّفع التي بالمضار بغير مشاع، ومنع، وأجازوا له أن يبيع أصله ويشتري له مثله أو أفضل منه إن رآه أوفر له، ومنعه بعض، وكذا الخلاف في القياض بماله أصلا بأصل، وكذا في القسم بالخيار، وفي زراعة ماله، من وصيِّه وإصلاحه منه، فأجازه بعض ومنعه بعض؛ وإن باع ماله بنسبة ضمن إن لم يف؛ وإن باعه بمساومة وغبنه العشر انتقض وتمَّ إن كان أقلَّ، وليس للحاكم أن يبيع أصله إلاَّ بالنِّداء أربع جمع كما مرَّ، وجاز للوصيِّ وإن بدونه إن رآه أصلح، وكذا الوكيل، ولا يزوِّج أمته ولا يطلِّق زوجته ولا زوجة عبده؛ وقيل: يزوِّجها لا عبدَه؛ وقيل: لا يزوِّجهما وقد مرَّ ذلك، ولوكيله أن ينظر أصلح له ولماله؛ فإن حمله إلى منفق فيه؛ فإن حمله مع غير ثقة (6/456)
صفحة 2995
ضمنه إن تلف إلاَّ إن كان بغالب، والأحسن لمن أبتلي به في هذا الزَّمان أن لا يخاطر به وينظر له أوفر في بلده ولو رجى أكثر منه في غيره مع الخطر؛ وإن حمله على غيره وكان أوفر فصلاح له؛ وإن باع ماله غير وصيِّه ثمَّ طلبه بعد بلوغه كان له إلاَّ إن بيِّن أنَّه أنفقه في مصالحه أو ماله، فحينئذ يثبت عليه بيعه إن كان البائع ممن يقوم بمصالحه، وجاز أن يشتري من هذا المال ويوكل منه ممن كان بيده، لا أن يبيع في خراج، وشراؤه مِمَّن صحَّت وكالته إن قال إنَّه باعه في مؤنته وكان ثقة، حتَّى يعلم أنَّه بيع لا في لازم أو فيما لا يباع فيه، وقال ابن محبوب: إن كان له حبٌّ أو غيره ولا نفاذ له إلاَّ في البحر ولم ينفق في موضعه وخاف تلفه وصيُّه فحمله فيه وتلف فإنَّه لا يضمنه؛ وإن ترك له أبوه مالا في بلاد الزِّنج فلوصيِّه أن يوكل ثقة في قبضه ويوصله إليه في البحر؛ وإن تلف فيه فلا يضمنه وصيُّه أيضا لأنَّه لا يصله إلاَّ منه إلاَّ إن ضيَّع، والمحتسب له كوصيِّه أن يزرع له أرضه ويفسل له صرمه ولا يلزمه ضمان ما مات من ذلك إن رجى فيه صلاحه؛ وأن يبيع له صرمه ويطعمه إن اِحتاج إليه؛ وإن وكَّل عليه [532] أبوه امرأة وأراد شركاؤه المقاسمة فلها أن توكِّل ثقة يقاسمهم إن كانت لا تبرز إليهم، وإن أنافت شجرته ولو على مال وصيِّه فله قطعها برأيه، ومن عنده أمانة له ويسلِّم منها لمن يكلِّفه بقدر مؤنته وسعه؛ وإن اِستحله بعد بلوغه فأحلَّه وقبل منه فلا رجعة له بعد على الأمين، وفيها خلاف إن لم يقبل حلّه، ولوصيِّه أن يقضي عنه دينه إن بيَّن، ويدفع زكاته، ولا يحطُّ عن المشتري ماله بلا عيب يصحُّ فيه، ولا يقبله إلاَّ إن رأى الحطّ والإقالة أوفر له مخافة الدرك، والقول قوله فيما يدَّعي من الدَّفع حتَّى يصحَّ كذبه؛ وإن اتُّهم حلف، وله أن يُسكن معه رحمه بلا أجرة إن رآه صلاحا له، ولم يخف منه عليه (1) ضرًّا، أو إن لم يقدر على إصلاح نفسه إلاَّ بماله فنفسه أولى؛ وإن أقرَّ أبوه لامرأته بحقٍّ فأراد وصيُّه أن يصالحها ببعضه بلا يمين جاز له إن رآه أوفر له، فإذا اِرتفع أمرهم إلى الحاكم فلا بدَّ من اليمين، وقد قضى بعض عن الميِّت، ولا يحلف أحدا على حقٍّ له وعليه فيسعه أن يصالح بلا يمين، ومنع أبو سعيد بيع أصوله
__________
(1) - ب: «عليه منه». (6/457)
صفحة 2996
إلاَّ ما ينفذ في وقته لقضاء دين أو قوت يوم لا غير.
ومن أوصى في ولده إلى رجل أو امرأة أجاز له الحاكم ذلك، غير أنَّه ليس له أن يسلم مال يتيم إلى معروف بخيانة، بل يقيم له ثقة؛ وإن كان له وصيَّان فمات أحدهما أقام معه آخر، وليس للوصيِّ أن يوصي فيما أوصى فيه إلى غيره إلاَّ إن أذن له الموصي، ولا لوكيل الحاكم أن يؤكل غيره ولا له أن يجعل له ذلك.
فصل
سئل أبو سعيد: هل يجوز أن يعطى من نخل اليتيم لعامل على جمع ثمرته وحملها إلى منزله بقدر ما لو كان لبالغ أعطى نفسه؟ قال إذا كان في عادة البلد لا يلزم، وإنَّما هو على ربِّ المال، وكان في تركه الضياع أو النُّقص فيه، فلا بأس بالأجرة على ذلك بقصد واِجتهاد، وخوص نخله وسعفه وحطبه، ولا بأس بدفعه لكافل به إلاَّ إن كان بيعه أوفر وأصلح له من دفعه في مؤنته، ولا يباع أصله إلاَّ فيما لا بدَّ له منه كما مرَّ؛ وإن حدث له مال وله وكيل فهو وكيل فيه أيضا وكاليتيم الغائب.
أبو الحواري: إن لم يكن لمعتوه أو يتيم وكيل، فليس على الحاكم أن يجبر أحدا على الوكالة له، بل يلي ذلك بنفسه إلاَّ فيما لا يمكن له، فله أن يأمر الثقة بالقيَّام فيه، ويجبر عليه، لأنَّ السلطان ولّي من لا وليَّ له. (6/458)
صفحة 2997
الباب الثالث والعشرون
في الاحتساب لليتيم
فإنَّه كما قال أبو سعيد: يقوم مقام وصيِّه في مصالحه فيما يخرج منها في النَّظر والصَّلاح ما دون الأحكام، وإثبات الحجَّة عليه فيما يزيل من ماله، قيل له: إن القياض به وبيعه والشِّراء له إذا رآه أصلح له أيجوز له فعل ذلك له؟ قال: نعم، ولا يكون تركه لشفعته مزيلا لحجَّته منها، ولا يجوز (1) أن يختتنه إن كان له وصيٌّ أو وليٌّ؛ فإن فعل بلا إذنه وسال دمه حتَّى مات لزمته ديَّته كما مرَّ؛ وإن لم يكن له ذلك وكان مِمَّن يقدر عليه وصلاحا له، وفي الحدِّ الذي يختتن فيه مثله لم تلزمه، ولعلَّ بعضا يذهب إلى أنَّ الصَّبي غير متعبِّد بذلك، ولا حسبة ليتيم فيما يتولَّد عليه فيه ضرٌّ، وإذا طبخ قيل صبيٌّ وإن غير يتيم تمرا وعصره في وعائه ونواه نبيذا، فإنَّه لا نيَّة له إذا كان ذلك في إتلاف ماله، والمحتسب له أن يأخذ ذلك النَّبيذ ونحوه ويرفعه له ويمنعه منه، إلى أن يصير خلاًّ ينتفع به. وجازت الحسبة لإزالة الضرِّ والقيَام باليتامى من كلٍّ إلاَّ في تسليم أموالهم وقبضها فلا يجوز إلاَّ من ثقة، وللحاكم أن يحكم بما أصحَّه المحتسب ببيِّنة عن المنكر؛ وإن أطنى نخل اليتيم فللمطني قطع الخوص اليابس إن تعورف في البلد أنَّه له، وإلاَّ لم تجز إباحته له من وصيٍّ أو وكيل أو محتسب إلاَّ ببيع؛ وإن لم يكن له واحد منهم واحتاج رجل إلى طناء شيء من نخله، فقوَّمه بالعدل وأطنى نفسه، وأنفذ الثَّمن في صلاح اليتيم وماله جاز في الاطمئنان إن كان صلاحا له، لا في الحكم، وتكون الدَّراهم عليه ضمانة لا أمانة ما لم يقبضها منه له ثقة كوكيل أو محتسب، وعليه أن يخرج زكاته؛ وقيل: له لا عليه؛ وقيل: لا له ولا عليه.
أبو سعيد: قيل إذا لم يكن له وصيٌّ ولا وكيل واحتسب له ثقة وقام بمصالحه
__________
(1) - ب: + «له». (6/459)
صفحة 2998
جاز، وثبت فعله إذا صحَّت ثقته، ولا يضمن في الحكم ما باع من الغلاَّت بكيل أو وزرن، وكذا العروض وطناء الثِّمار والمياه، وكراء المنازل دون زوال الأصل، والحيوان إذ لا يجوز في الحكم (1) بيعهما إلاَّ من وصيٍّ أو وكيل من حاكم، كان المحتسب له رجلا أو امرأة، أُمًّا أو غيرها، وليًّا له أو غيره.
وجوِّز بيعه لحيوانه إن كان ثقة، واِختاره بعض لعروض التَّلف له واِحتياجه، ولا يجوز له ما ذكر إن لم يكن ثقة وهو ضامن له فيه. وإن كان مع أمِّه فباعت من أصله لمؤنته وحاجته، جاز الشراء منها؛ وإن لم تكن ثقة إن أمنت وقد اِحتاج؛ وقيل: لا، ولا يشتري إلاَّ من ثقة؛ وقيل: لا يجوز بيعه إلاَّ من وصيٍّ أو وكيل ثقة كما مرَّ.
وفي الأثر: ومن بيده نخل اليتيم فأطناه رجلا ويأخذ منه شيئا فشيئا ولا يكتبه، فعند المحاسبة لم يعرف كم دفع ولا كم بقي، فأمَّا في الحكم فعلى الرَّجل تصحيح ما دفع وإلاَّ فالحقُّ عليه، وعلى القائم أن يتحرّى لنفسه فيما قبض منه لا على مال اليتيم؛ وإن نسيَّا أصل الحقِّ لزم [533] الرَّجل التَّحري لليتيم والخروج من حقِّه إلى ما يطمئن إليه قلبه، وعلى القابض التَّحرِّي والخروج إلى الدَّافع إليه؛ وأن يتحرَّى قدر ما بقي على الرَّجل ويجزيه، فإذا كان ما قبضه قد صيَّره في مصالح اليتيم بالعدل لم يكن له إلاَّ حقُّه؛ وإن كان في حِجر أمِّه ولا وكيل له وقامت به، فلها عند بشير أن تبيع من ماله في مؤنته؛ وإن كان له حقٌّ على رجل فأراد أن يدفعه إلى أمِّه فليحضر عدلين يفرضان له قدر ما تحتاج إليه ويأمرانها تستدين عليه وتطعمه وتكسوه ويدفعه إليها إن لم تُعرف بخيانة؛ وقيل: إنَّ الأم تقوم مقام الأب في الأولاد بعد موته، وعليه فلها بيع ماله في مصالحه، فإذا وجب البيع والثَّمن على المشتري ففي تسليمه خلاف، والأكثر أنَّها تؤمر بأن تستدين له وتنفق عليه شهرا ثمَّ ينظر السعر ويسلَّم إليها بقدر ما أنفقت عليه؛ وإن لم يجد القائم به من يدين منه أنفق عليه من ماله جاز له، وطريق الحكم أثبت للمشتري إن قدر عليه.
__________
(1) - ب: «في الحكم لا يجوز». (6/460)
صفحة 2999
الباب الرَّابع والعشرون
في مال اليتيم وإخراج زكاته والانتفاع منه
فمن رأى شيئا عند يتيم أو غائب ثمَّ بيد من زعم أنَّه اِشتراه؛ فإن أمكن تحوُّله إليه بحلال فله تصديقه؛ وقيل: إنَّه بحاله حتَّى يصحَّ اِنتقاله فالقيَام ألزم؛ فإن اِمتنع الحاضرون من قبول الوكالة فعلى الإمام أن يأمر من يأمنه أن يقوم بمصالحه ولو بأجر من ماله؛ وإن اِجتمع النَّاس على تركه لم يسعهم، ولا يجوز إلاَّ لمن عذَره الحاكم أو بان عذره عندهم، وإذا وجبت في ماله الزَّكاة فلوصيِّه أن يخرجها منه؛ وقيل: مخيَّر؛ وقيل: ليس له ذلك، والوكيل والمحتسب كذلك، وبعض يرى أن تجمع فإذا بلغ أخبروه بها، ولمن دفعت إليه قبولها، قال خميس: وهذا الخلاف في غير أيَّام العدل في زكاة النُّقود والمواشي، وأمَّا الثِّمار فعلى الوصيِّ إخراجها وقد مرَّ ذلك، ولا بأس على من يعمل في مال اليتيم بإذن من يليه إلاَّ أنَّه ليس له أن يسلم ثماره إلاَّ إلى ثقة ولو أخذ نصيبه منها؛ وإن كان من يقبض ثمار اليتيم غير ثقة اختير أنْ لا يتعرَّض له عامل. (6/461)
صفحة 3000
الباب الخامس والعشرون
في مبايعة اليتيم، ومقايضته، ومقاسمته، ومصالحته، ومفاسلته، وفدائه، وماله من الخراج
وقد منع ابن محبوب مبايعته، وجوِّزت إذا كانت أصلح له، وسئل ابن الحسن عن وكيله ووكيل المعتوه: هل يبيعان مالهما جملة إذا كان أوفر للثَّمن؟ فقال: لا، وإنَّما يبيعان ما يقوتان به يوما كما مرَّ، وأجاز أبو الحسن طلاق زوجة عبده في الحكم لوصيِّه، ومنع زياد بيعه وشراءه وعطيته، واختلف في ثماره وحبِّه الحادث بعد أبيه، وما خلَّفه له ممَّا ترجى زيادة سعره ويخاف نقصانه، فقيل: لوصيِّه أن يبيع ذلك بسعر يومه، ويطني نخله، ولا يدع له شيئا منه، ويشتري له مؤنته بقدر ما يحتاج إليه، ويجمع له ذلك نقودا؛ وقيل: يدع له من نخله قدر ما يحتاج إليه من الرَّطب بقدر ما يغنيه، ومن يلزمه عوله قيضا؛ وقيل: ينظر إلى أصلح له من بيع أو تأخير؛ وقيل: يدع له حاجته من تمر وحبٍّ لسنة، ويبيع الباقي في وقته ولا يؤخر؛ وقيل: ينظر له ما فيه الأوفر من بيع وترك، ولا ضمان في ذلك على الوصيِّ إذا تحرَّى الصَّواب، ويشاور الصَّالحين، والمحتسب في ذلك مثله.
أبو الحواري: إن كان لامرأة أيتام لهم غنم وماء وأرض، وسعها عند الله أن تبيع الحيوان وتطني الماء وتكري الأرض بلا مناداة وبلا وكالة ولا فريضة، وقامت بأمرهم إذا اجتهدت لهم لا في الحكم، فينقضه ذلك ولا يثبت لها إلاَّ بالوكالة أو وصاية، وجوّز لها بيع الأصل كما مرَّ، وجاز لمن يشتري منها إن قالت: تجعله في نفقتهم مطلقا؛ وقيل: إن كانت ثقة وكانت أُمًّا أو رحما، وجوِّزت معاملته بما يكال أو يوزن، وشراؤه ما يباع في السُّوق من طعام وإدام وسماد، أو اكتراء دابة، ولا يجوز لأحد أن (6/462)
صفحة 3001
يعمل في أرضه إلاَّ بقائم بأمره وله أن يقعدها وإن لنفسه بسهم كما يزرع غيره إذا كان أصلح له لا في الحكم؛ وقيل: من في حجره يتيم فباع ماله في جائز بيعه فيه، فله شراؤه إذا أعطى فيه كغيره، ومن أقرَّ عند شرائه شيئا من رجل أنَّه اِشتراه ليتيم وهو وصيُّه أو محتسب له وقف إلى بلوغه، وليس لأحدهما نقضه، فإذا رضيه كان له وإلاَّ فقيل: يرجع إلى البائع؛ وقيل: على مشتريه وذلك إذا لم يكن شفعة له؛ فإن كان شفعة له ثبت عليه عند الأكثر كما مرَّ، ولا يباع سيفه إن كفَتْه غلَّته، وأجاز أبو الحواري لوكيله بيع صرمه وسماده وقعادة أرضه وطناء مائه بلا مناداة، ومن أطنى من رجل نخلا فيه حصَّة ليتيم، جاز، وثبت إن كان صلاحا له، وكان المطني وكيله أو وصُّيه، واِختير أن يثبت إن كان شريكا أو محتسبا إلاَّ إن كان ثقة، وإلاَّ فقيل: يجوز إن كان صالحا ولا يدفع إليه الثَّمن بل يصرف في صلاحه؛ وإن غبن المطني فلمطنيه أن يحطَّ عنه من منابه لا عن اليتيم؛ وإن طلب الغبن وادَّعى الجهالة في داخل [534] العذوق أو موجب النقض، فاليتيم كغيره في ذلك، فإذا لم يخرج متغيِّرا عن ظاهره وقد نظره نظرا يعرف به ذلك ثبت عليه؛ وإن لم يفتش العذوق إلاَّ بعد أيَّام بقدر ما يحدث فيه التَّغير ثمَّ وجد في بعضه؛ فإن أمكن حدوثه بعد الطَّناء ثبت عليه أيضا ما لم يصح أنَّه فيه قبله؛ وإن خرف بعض النخل في حينه فوجد فيه التَّغير فرضي به، ولم يعلمه عيبا، ثمَّ نظر فإذا هو في داخل العذوق، وأراد نقض الطَّناء كلّه، قال: إذا كان جملة وثبت العيب في بعضه بما يردُّ به فله ردّه كلّه إنْ اتحد العيب، وإنْ اختلف والشراء صفقة في أشياء، وكان في البعض عيب يردّ به (1) البيع فأراد المشتري ردّه بالقيمة فقيل: له ذلك؛ وقيل: إن شاء ردَّ الكلّ أو تمسَّك به وحطَّ عنه الأرش والبالغ واليتيم في ذلك سواء؛ وإن ورث مبيعا بالخيار فلا يجوز لمحتسب له أن يبيع بعض أصله ويجدي به الباقي إلى أن يبلغ؛ فإن أتمَّه وإلاَّ اِنتقض، وعلى مشتريه ردّ الغلَّة ويطرح عنه ما أصلحه به؛ وإن لم يجد الوصيُّ من يقرض لليتيم فله أن ينفق عليه بلا فريضة، أو وجده وكانت النَّفقة عليه بدونها، أو أقرّ له أنفق عليه كما يرى أنَّه أصلح له، وجاز أمره ما
__________
(1) - ب: سقط قدر سطر «يردُّ به فله ردّه ... غيب يردّ به» لانتقال النظر في "يردّ به". (6/463)
صفحة 3002
لم تصح خيانته، فإذا صحَّت أدخل الحاكم معه ثقة وحجّر عليه أن لا يدخل يده في شيء إلاَّ بحضرته؛ وقيل: جاز أن يباع له؛ وأن يشتري منه مال اليتيم إذا لم تعلم خيانته ولا أمانته إن وكَّله أبوه أو حاكم؛ وإن كان من غيرهما فلا يشترى منه إلاَّ إن كان ثقة، وله أن يأخذ ممَّا يكال أو يوزن من ماله بسعر ما يبيع لغيره، ويأمر من يكيل له أو يزن وشروى ما أنفق عليه.
وإن كانت أمُّ يتيم غير ثقة فباعت من أصله ولا يدري أباعته بحقٍّ أو باطل، فلمن علم بذلك أن ينتفع به من يد مشتريه إن لم يعلمه باطل، ولا يجوز له أن يشتريه منها إن علمها مبطلة فيه.
فصل
إن اِحتاج الحاكم إلى أن يوكَّل ليتيم وفي البلد من يثق به، وأبى من الدُّخول في أمره ولا يمكنه أن يتولاَّه بنفسه، أمر ونهى فيه واعتقد أنَّه متى وجد أو قدَّر فعل؛ وإن فرض ليتيم وأثبته مع أمِّه أو من يعوله فإذا اِستحقَّت ما فرضه في ماله جاز للحاكم أو من كان بيده دفع الفريضة لها ولو لم يكن له وكيل؛ وإن أسلم إليها بقدر ما استحقَّ من النَّفقة بلا فرض لشهر أو دونه وضمنها ذلك؛ فإن حيي إلى أن يستفرغ كان خلاصا؛ وإن مات قبله ردَّت على ورثته قدر ما بقي من الأيَّام؛ وإن باع وكيلُه دابته أو خادمه وفيها عيب ممَّا تردُّ به؛ فإن ردَّها به مشتريها جاز وكان على اليتيم أن يردَّ الثَّمن؛ فإن عرف الوصيّ العيب فباع وكتمه لزمه في ماله، وإلاَّ فلا، وهو في مال اليتيم؛ وقيل: عليه أن يقبضها إذا حكم بردِّها بالعيب ولا يكون ذلك عليه ولا له إلاَّ بالحكم؛ فإن باع الدَّابة والعبد ولا يعلم أنَّ بها عيبا فلا شيء عليه في ذلك ولا يكون إلاَّ بالصِّحة والحكم؛ فإن علم به وأقرَّ لم يكن إقراره به حجَّة على اليتيم ويلزمه الأرش من ماله، ومنع أبو عبد الله وكيله أن يفاسل في ماله أو يقايض به أو يقاسم بغير اِستهام؛ وقيل: يجوز ذلك؛ وقيل: يفاسل وليس له أن يقايض ولا أن يقاسم بخيار؛ وقيل: يقايض ولا يقاسم، وأجاز عزَّان لوكيلة على أولادها من أبيهم أن تقايض بمالهم (6/464)
صفحة 3003
كبشير، ومنعه ابن محبوب، وأجاز ابن أحمد أن يقايض بمال اليتيم أو الفقراء أو المسجد أو السبيل (1) بنظر الجماعة أو من يعرف ذلك أنَّه أصلح لهم ولو واحدا.
فصل
إن رأى وكيل اليتيم الضرَّ في ماله وصالح عليه وأعطى منه جاز له عند الله لا في حكم إن طلبه هو أو وارثه؛ وقيل: إذا خاف عليه التَّلف جاز له أن يصالح عليه بعد أن يستثني له حجَّته إذا بلغ، ولا يجوز لوصيِّه أن يفدي نفسه بمال اليتيم إذا عارضه الجائر، ولو كان يقتله، إلاَّ إن ضمنه واِضطرَّ إليه كالأكل منه، فإذا صار هكذا أو لم يجد إلاَّ مال الغير رخِّص له أن يأخذ منه أو من أمانته أو من مال المسجد أو الوقف بقرض أو دين ويشهد على نفسه به ويعتقد أداءه والتَّخلُّص منه؛ وإن قصد اليتيم وأخذ ليعذِّب أو يضرب وخاف عليه العطب فمن العدل أن يفديَّه بماله منه كما يفديه من جوع وعطش وغيرهما ممَّا يخاف عليه منه ومع ذلك أنَّه مخيَّر؛ فإن شاء فداه؛ وإن شاء ترك، ونحبُّ له أن يفديه إن قدر عليه من ماله لأنَّه أعظم منافعه، وأمَّا إن قصد الجندُ إلى ماله ليفسدوه أو يأخذوه إذا لم يسلم إليهم ما طلبوه على اليتيم فإذا رأى ماله في حال التلف فقيل: له أن يفديه منه في هذا إن كان أوفر له من تركه ولا يقصد فيه إلاَّ لما يراه أصلح له وأوفر؛ وقيل: ليس له أن يؤدي ذلك من ماله والله يسأله عمَّا أدَّاه منه لا عمَّا ظلمه الظَّالمون واِختير الأوَّل؛ وإن أخذ اليتيم أو ماله في الخراج جاز للمحتسب الثِّقة أو الوكيل أداؤه عنه لا قبل أن يؤخذ به؛ وإن فدا دابته أو خادمه؛ فإن ضاعت من يده بعد أن حفظها لم يضمنها؛ وإن أخذ مال الوصيِّ بسبب اليتيم فلا يجوز له فداؤه من ماله؛ ومن فدا مال يتيم [535] بأقلّ قيمة جاز له وضمن إن فداه بأكثر؛ وقيل: لا يجوز للوصيِّ أداء الخراج على أموال الأيتام إلاَّ إن خاف عليها الهلاك؛ وقيل: إذا أدَّاه عليهم على ذلك رجونا أن يسعه وذلك إذا خاف عليهم أو على أموالهم لا إن خاف على نفسه؛ وقيل: إذا كان على ماله خراج فإذا لم يؤدِّه
__________
(1) - ب: - «السبيل». (6/465)
صفحة 3004
عنه، خربوا ماله وأذوه في نفسه، فهل لوصيِّه أن يبيع من تمرته ويؤديه صيانة له ولماله أم لا؟ فقيل: لا يجوز مطلقا؛ وقيل: إذا كان من مصالحه ويبين عليه نفعه عند العدول جاز له بصدق الإرادة لاستكمال مصالحه لا لفداء الفاعل ولا ماله ولا لما يفرض من أمره. (6/466)
صفحة 3005
الباب السَّادس والعشرون
في الإقرار لليتيم والحكم له وعليه بعد بلوغه وفي شركته
فمن أقَّر له بمال وتبرأ منه إليه ثمَّ مات وحكم له به فلمَّا بلغ طلب ورثة المقرِّ منه يمينا: ما يعلم أنَّه ألجأ إليه فلهم عليه ذلك؛ فإن أبى أن يحلف نُزع المال منه إن كان ابنه، وإلاَّ فليس لهم ذلك عليه.
ومن أقرَّ لرجل ببعض ماله وورثه يتيم ورفع الرَّجل بعد موت المقرِّ فحكم له به، فلمَّا بلغ اليتيم طلب حجَّته فيه، فلا تقبل منه إذا حكم له به، ولو لم يكن له من يحتجُّ له حال يتمه لأنَّ الحاكم مأمون على ذلك، فإذا لم يصحّ له حكم منه وصحَّ الإقرار، كان عليه لليتيم يمين إذا بلغ؛ وإن قضى مريضٌ رجلا مالاً بحقٍّ له عليه ومات وورثه يتيم فبلغ فطلب أن يردَّ له قيمته ويأخذه، كان له ولكن يأخذه كلّه أو يتركه كلّه.
ابن احمد: إن كانت بين بلغ ويتامى شركة في باب فكسر فدفعه بالغ منهم إلى النَّجار ليصلحه، فلبث عنده مدَّة، ثمَّ صحَّ تلفه، قال: إن كانت مصلحة لليتامى واِحتسب البالغ بما فعل فلا يضمنه إن لم تعرف للنجَّار خيانة؛ وإن كانت بين يتيم أو غائب وحاضر رحى ماء فأراد الحاضر استعمالها، قال: إذا لم يكن لليتيم أو الغائب وصيٌّ أو وكيل أقام الحاكم له وكيلا إن وجد، وإلاَّ فالصُّلحاء؛ قال: فإن لم يتَّفق ذلك جاز للحاضر استعمالها ويحفظ حصَّة اليتيم أو الغائب منها؛ وإن كان بين بالغ ويتيم لا وصيَّ له عبد؛ فإن أقيم له وكيل وإلاَّ جاز للبالغ استخدامه بقدر صحَّته منه، وإذا كان ليتيم شريك في مال فأخذ حصَّته عذوقا لم يصح له في الحكم، وأمَّا في الجائز (6/467)
صفحة 3006
فقيل: لا يجوز له ذلك (1) وهو ضامن لحصَّة اليتيم؛ وقيل: يكون فيها أمينا لا ضامنا إلاَّ إن ضيَّع؛ وقيل: لا يضمن حصَّته ممَّا أخذ ولا فيما ترك؛ وقيل: إذا تحرَّى قدر حصَّته فأخذها بعد عدم القياس لليتيم فلا يلزمه ضمان فيما أخذ ولا فيما ترك، وهذا أرخص ما قيل فيه عندنا؛ وإن اِشترك نخلا فهل له أن يقوّم كلَّ نخلة ويأخذ قدر حصَّته نخلة أو أكثر بالقيمة؟ قال: إذا ثبت القسم له بلا كيل ولا وزن فلا يكون إلاَّ بها أو بالتَّقدير، وسواء كان حقُّه في واحدة أو في كلٍّ، وكلُّ ذلك معنى واحد ولا يخرج على حقيقة قسم اليتيم.
وإن اِشتركوا أرضا فأراد أحدهم أن يزرع قدر منابه منها بلا حجَّة على البالغين ولا بلا وكيل لليتيم؛ فإن أقيم له وإلاَّ وزَّع الأرض ووفى له حصَّته جاز؛ وإن كانت تجري عليها القِعادة فله حصَّته منها.
فصل
من له شركاء يتامى في مال فباع منابه منه مشاعا فجاء مشتريه إلى رجل من المال برطب أو عنب أو نحوهما، وقال: قد أعطيتهم حصَّتهم منه أو لم يقل؛ فإن كان لهم وصيٌّ أو وكيل أو محتسب وقد علم أنَّ الشَّريك يقوم لهم، وأنَّه مؤتمن أن لا يدخل في حرام، ولا يأخذ من مالهم إلاَّ بمقاسمة من أحدهم جاز له (2) أخذ ذلك منه على الاِطمئنان؛ وإن لم يكن لهم ذلك لم يجز له إلاَّ إن كان ثقة، لأنَّ الثِّقة لا يفعل إلاَّ جائزا له وكذا إن أقرَّ له أنَّه ممَّا شاركوه فيه فلا يأخذه منه إلاَّ بحضرة منه لذلك أو مِمَّن يثق به ولا يقرُّ من أين هذا الذي أتاه به؛ فإن لم يقر له حتَّى قبضه على أنَّه لهم وأعلمه بعد ذلك فلا يلزمه أن يصدِّقه؛ فإن كان له وصيٌّ ولم يتَّهِم هذا (3) أنَّه يطعمه حراما بلا قسمة جاز له لاحتمال أنَّه أخذه بحلٍّ لا إن كان غير مأمون.
__________
(1) - ب: «ذلك له».
(2) - ب: - «له».
(3) - ب: + «على». (6/468)
صفحة 3007
ومن له أرض أو نخل أو غيرهما وليتيم لا وصيَّ له فيها شركة، فله أن يزرعها ويلزم اليتيم السَّماد والمؤنة عن حصتَّه، ويدفع للعامل حصتِّه عن العمل كغيره، ويضمّ حصَّة اليتيم ويعزلها من الحبِّ وغيره، ويأخذ حصَّته بلا قسم إذا علم بكيل أو وزن إذا لم يجد قائما باليتيم، ومن شاركهم يتيم في نخلة فأطناها أحدهم وعرف كلَّ منابه من طنائها فأخذ منابه منه ولم يدر أصارت لليتيم حصَّته أم لاَ لم يجز له هذا الطَّناء على البالغين وأمَّا اليتيم؛ فإن كان المطني محتسبا [536] له مِمَّن يجوز عليه صار طناؤه في حصَّة اليتيم، وضمن له حصَّته ممَّا أخذ منه، وكذا إن أتمَّ له الشُّركاء الطَّنا، فكاليتيم في الضَّمان حتَّى يصل إلى كلِّ حقِّه؛ وإن لم يتمُّوه فقيل: ثبت طناء حصَّته، وقيل: بطل الطَّناء كلُّه وهو الأصحُّ؛ ومن شاركه يتيم في أرض فأراد أن يزرعها جاز له إذا لم يجد من يقاسمه، ولليتيم منابه من الزرع (1)؛ وقيل: إن يزرعها بالمشاركة على ما يرى العدول؛ وإن تلف قبل أن يحصده أخذ من مال اليتيم ما عليه من الغرم؛ ومن كتاب الأشياخ: ومن منح رجلا أرضا ومعه فيها غائب أو يتيم ثمَّ ندم الممنوح، فعلى الممنوح الخلاص من مناب الشَّريك، وعلى المانح الضَّمان إن أدخله فيها بظلم وعُرف به؛ ومنه أيضا: وإن كان بيني وبين يتيم طوي ولكلٍّ منَّا أرض وحده؛ فإن حفرت الطَّوي وركيتها زجرت زرعي وزجر هو زرعه؛ فإن لم أفعل لم يجد أن يزرعها، قال: فلك أن تفعل إذا كان ما يعود إليه من الزِّراعة أنفع له من تركها وأكثر من قيمة ما يلزمك (2) من الضَّمان في اِستعمالك أرضه التي فيها الحبَّ إن شاع؛ وإن لم يصح عندك أنَّ اليتيم يأكله وينتفع به ضمنت له قيمة اِستعمالك.
وإن كان بين شركاء فيهم يتيم وغائب وامرأة مال وهو في يد عامل لا يعرف من وضعه في يده، فجاء إلى رجل ببعض ثماره مِمَّن له فيه حصَّة، فقال له: هذا من حصَّتك منه، فإذا لم يعلم أنَّه أعطاه أكثر منها جاز له قبوله منه، وكذا إن أتاه به أحد من الشُّركاء، ومن له إخوة يتامى ولهم شجر يأكلون منه معا قال ابن محبوب: لا غرم
__________
(1) - ب: «الغرم».
(2) - ب: «يلزمه». (6/469)
صفحة 3008
عليه إن أكل قدر حصَّته، وسئل عمَّن له حصَّة في مشترك مع أيتام أو أغياب، ولم يجد وصولا إلى قبضها بحاكم أو وكيل، هل له أن يأخذ من الأصول والحيوان بقدرها أم لا؟ فقال: أمَّا ما يكال أو يوزن فلا يقسم إلاَّ بما يوجبه الحقُّ، أن لو حضر بنظر العدول والاستهام والحيوان والعبيد يباع ويقسم ثمنه أو يقسم بالقيمة، وكذا ما لا يكال ولا يوزن؛ وإن اِستعمل شيئا من الحيوان أو من الأصول بلا قسمة من شريكه ولا وكيله ولا حاكم؛ فإن أخذه على ما يجوز له عند عدمهم جاز له، وإلاَّ فلا وضمن لشركائه من كلِّ ما صار إليه؛ وإن أخذه على غير جائز فتلف في اِستعماله ضمن إن أخذه لنفسه على غير ما يسعه؛ وإن أخذ شيئا من هذا وكان يجوِّزه ويدَّعيه ويقوم به فهلك ولم يستعمله؛ فإن كان ذلك على غير ما يسعه ضمنه أيضا. (6/470)
صفحة 3009
الباب السَّابع عشر
في حدث اليتيم وفيه وفي ماله
فمن لقيه فحمله على دابَّة فصرع وانجرح فعليه أرشه، ومن اِستعمل إناءه فتلف وأمر من اِستعمله كصغيره أو عبده أو من يرى عليه طاعته فعليه ضمانه في كلِّ ذلك؛ وإن أمر عبدا غيره فقولان، فعلى المأمور الحرِّ البالغ ممن لا طاعة عليه للأمر الضمان، ومن قصَّ يتيما يريد صلاحه فعقره؛ فإن كان ممَّا يسع الدُّخول فيه، فقيل: عليه الضَّمان كالخطإ لأنَّه أراد شيئا فأخطأ بغيره، وقيل: لا يلزمه ما لم يتعمَّد وليس من عادته اجتراء على ذلك، ولا يعدم مثله من فعل مثله إن كان ممن يقوم بمصالحه؛ وإن كان أجنبيًّا شاور أوليَّاءه إلاَّ إن وقع فعله موقع الصَّلاح له، والوصيُّ في مثل هذا أولى من الولي، وهو أولى من المحتسب، فإذا تركه الكلُّ لم يكن لهم قول، وله القيام بمصالحه بلا مشورتهم، وسئل بعضٌ: هل لأحد أن يُركب صبيًّا دابة؟ قال نعم ويثاب إن كان من مصالحه؛ قيل له: فإن صرع عنها فهل عليه ضمان ما حدث به؟ قال: لا، إن كان من مصالحه؛ قيل له: فإن حمله عليها إكراما له ولم يحتج إلى الرُّكوب؟ قال: إن أراد به إحسانا إليه وكان آمنا عليه في ركوبه، فذلك من الإحسان ولا يضمنه.
وإن كانت عند امرأة يتيمة لا وليَّ لها حاضر فقصَّت لها رأسها فجرحتها؛ فإن قصدت صلاحها فأخطأت فلا تضمنها على ما مرَّ في الختان والحجَام إذا مات أحد من فعلهم أو تولَّد عليه ضربه أنَّه لا ضمان عليهم، إلاّ إن جاوزوا المعتاد؛ وقيل: تضمنها لأنَّها أبيح لها قصُّ الشَّعر لا البدن المحجور، فأرادت المباح فأخطأت، فكان عليها ضمان الخطإ لأنَّه كلُّ من قصد شيئا فأخطأ بغيره.
ومن زنى بصبيٍّ ووعده أن يعطيه شيئا، فقيل: لا يسعه أن يسلِّمه إليه لأجل الزِّنا إلاَّ إن لزمته منه تباعة بما أشغله أو ألمَّه؛ ومن أتاه يتيم يستعير منه حمارا يركبه إلى (6/471)
صفحة 3010
موضع فأعاره إيَّاه فصرع منه، فإن كان في حد من يركب قال عزَّان: لا شيء عليه وإلاَّ ضمنه، وكذا إن أعطاه نارا أو حديدا وهو لا يعقل وهذا أشدُّ لأنَّه أعطاه؛ وإن طلب منه يتيم فقير رطبا، فقال له: اطلع هذه النَّخلة وأخرف منها لك، فصرع منها فمات أو اِنكسر؛ فإن كان ممن يقدر على ذلك ويؤمن عليه فيه وكان من مصالحه فلا ضمان عليه، ومن سقى زرعا ليتيم فضاع من ماله شيء بلا تضييع منه أو أبَّر له نخلة أو حدَّرها بالخلع من شماريخها شيء أو لم تلقح فإذا قصد صلاحه وماله في [537] وقت التَّأبير بما يؤبر به مثلها في وقته، وكذا حدارها وسقي زراعته وما قام من مصالح ماله فيما لا يقوم إلاَّ به، فلا غرم عليه في ذلك إن اِجتهد في توفير وقصد الصَّلاح، فهذا من الإحسان إليه، ولا يجوز استعمال اليتيم إلاَّ إن أبرز لذلك وأجازه أبو القاسم إن عرف به ويعطى أجر مثله.
وإن سقط من علا نخلة أو عرض له عارض فإنَّه لا يضمنه عنده؛ وإن لم يعرف بذلك واِستعمله أحد ضمن ما أصابه في عمله، أو ألحقه موجب ضمان به، ولزمته ديَّته إن مات به، وكذا العبد ولا يجوز استعمال ذات زوج لغزل، أو طحنٍ أو غسل أو نحو ذلك، إلاَّ بإذنه، ومن ختن ليتيم احتسابا فزاد على مثله فمات منه لزمته ديَّته؛ وقيل: لا، وعلى اللُّزوم، فقيل: في ماله؛ وقيل: على عاقلته واِختير سقوطه عنه إذا قصد صلاحه، واليتيمة مثله إن كان الختان صلاحا لها، أبو جابر: إن أمر رجل بختان يتيمة فعليه ديَّتها إن ماتت به، لأنَّ ختان النِّساء مكرمة لا واجب، وقال غيره لا يضمن لأنَّه عمل صالحا؛ وأجاز أبو الحسن: لأمِّها أن تأمر من يختنها؛ فإن ماتت لم يلزم قائما بها شيء. (6/472)
صفحة 3011
الباب الثَّامن والعشرون
في اِستخدام اليتيم
أبو الحسن: من اِستعمله في مباح فله أجر العناء، لا قيمة ما زاد عليه في اِستعماله. ولزمت متلفا ما كسبه اليتيم من مباح قيمتُه. ومن مرَّ على يتيم ومعه حطب فقال له: ارفعه عليَّ، ففعل فلا عليه إن تأهَّل لحمله وبرز له أو كان منفعة له، ولا يخاف عليه فيه ضررًا (1).
ومن اِسترعى يتيما في حجره فأكله سبع وليس هو (2) بوليٍّ له ولا استأجره منه فإنَّا نرى عليه الدية ونفاها عنه أبو المؤثر، إلاَّ إن أرسله إلى معروف فيه سبع فأكله.
ومن أرقى يتيما نخلة بأجر ولو لم يؤجره وليٌّ ولا وصيٌّ إلاَّ أنَّه يلتمس الفضل لأمِّه فصرع منها، قال: إن علم أنَّه يرسل لالتماسه، ويعلم ذلك الوليُّ والوصيُّ فلا بأس على من استأجره.
ومن أتاه يتيم بإناء فقال له: قال لك زيد أعطه فيه كذا وكذا، فأخذه من يده وجعل فيه مطلوبه فسلَّمه إليه فلا بأس عليه عند أبي الحسن في ذلك.
وسئل ابن الحسن عن يتيم يعقل السَّرح والمأوى: هل جاز لمن يستعمله في صنعة بأجر برأيه أو بمن يعوله وليس بوصيٍّ له ولا وكيل، وهل يدفع إليه أو إلى من يعوله؟ فقال: إذا كان مِمَّن يكتسب واستعمل فيما يعمله مثله جاز ذلك ودفع الأجر إليه؛ وإن كان تؤاجره أمُّه وتقوم بمكسبه دفع إليها إذا كان صلاحا له بلا ضرر عليه.
ومن رأى يتيما يعمل في ماله كغيره ولم يأمره قال أبو الحسن: إن رضي بعمله
__________
(1) - ب: «ضرًّا».
(2) - ب: - «هو». (6/473)
صفحة 3012
لزمه أجره وإلاَّ ونهاه حين يراه، وتقَّدم عليه أن لا يعمل فعمل بعد التَّقدمة لم يلزمه.
ومن أمر يتيما أن يشتري له مأكولا فلا بأس على من يأكل منه إن كان الثَّمن من عند الآمر وضمان كرأيه عليه. وأجاز الأزهر ليتيم يعمل عملا ما شرطه لنفسه أو عليه إن كان العمل مكسبته ومنفعته؛ وإن كان مع قوم يستخدمونه ليلا أو نهارا وينتفعون به جاز لهم إن كانوا يتفضَّلون عليه ويناله منهم قدر ما يستعملونه ولا يكرهونه على عمل لم يرده.
ابن سعيد: وذكرت في يتيم قد كبر وقوي على العمل واحتاج إلى عمل يعيشه هل يجوز أن يُستعمل في طلوع النَّخل والزَّجر وغيرهما وتدفع إليه أجرته؟ قال: نعم إذا كان مصلحة له؛ وقيل: لا يستعمل في مخوف ذي خطر، وجوِّز كلُّ ذلك إن قدر عليه وأمن عليه أن يظفر بمثله؛ قيل له: فإن حدث عليه فيه حدث فهل يضمنه مستعمله أم لا؟ قال: إن كان العمل مباحا فقيل: يلزمه الضَّمان؛ وقيل: لا، وهو المختار عنده؛ وإن حجر اِستعماله لزم على كلِّ حال. وإن كان له حمار يسقي عليه فهل يجوز لأحد أن يكتريه ويحمل عليه ويدفع إليه كراءه ويبرأ منه؟ قال: إذا كان منفعة له ومصلحة جاز في الاطمئنان لا في الحكم، واختير أنَّه إن (1) كان بحدِّ من يحفظ ما سلِّم إليه جاز أ، يسلَّم إليه أو في مصالحه، وحاصله أنَّه أجاز بعض استعمال محتاج إلى مكسبة بإذن وليِّ الأمِّ ودفع الأجر إليه ولو غير ثقة إن كان في حجره (2) أولى من يعوله، ويستعمل فيما يستعمل فيه مثله، ويضمن إن تلف؛ وقال بعض: لا يضمن إن استعمل بإذن وليِّه؛ وقيل: إن اِستعمل فيما يستعمل فيه مثله، وإن بلا إذنه فلا يضمن، وتدفع أجرته إليه لا إلى اليتيم؛ وقيل: من اِستعمله بلا إذنه فعليه ديته إن مات في عمله. وإن كان ليتيم مال فلا يكترى ولا يجوز استعماله بلا عوض إلاَّ مِمَّن يكفله إن كان يعوِّضه بقدره. ومن عنده أيتام يربِّيهم فله أن ينتفع بهم إن كان يفضل
__________
(1) - ب: «إذا».
(2) - ب: - «إن كان في حجره». (6/474)
صفحة 3013
عليهم من ماله بأكثر ممَّا لهم عليه.
ومن طاب إلى أحد شيئا فقام يتيم فأتاه به؛ فإن كان الشيء من الطَّالب ولم يستعمله فلا عليه؛ وإن أتاه به عن اِستعمال من المطلوب على جائز في التَّعارف لمستعمل يتيمه فضمانه على أمره. وإن أخذ يتيم إناء أحد فاستقى فيه بلا أمره ووضعه فلا يجوز لربِّه استعمال مائه إلاَّ إن كان لا قيمة له ولا يحتاج إليه. (6/475)
صفحة 3014
الباب التَّاسع والعشرون
[538] فيمن عليه حقٌّ ليتيم وفي الخلاص منه
فمن عنده أمانة له وعنده ما يكفيه لمؤنته فله أن يطعمه به ويكسوه ويجعله وإن في مصالح ماله؛ وإن كانت عنده كسوة تكفيه لم يكن له أن يشتري له منه أخرى ولو فقيرا؛ وإن كان الحقُّ قليلا لا يجزيه أن يشتري له به جديدا اعتبر صلاحه بين أن يشتري له خلقا إن كان فقيرا، وبين ما يطعمه إيَّاه، ومنع ذلك بعض إلاَّ لوصيٍّ أو نحوه ــ كما مرَّ ــ إلاَّ إن حكم له بذلك؛ فإن كان في حجر أمِّه وله مال عند رجل وطلبت الربابة والرضاع له أو ما أنفقت عليه ولم يقدر على الوصول إلى الحكم بصحَّة ذلك فإنَّه لا يجوز له أن يعطيه لها بلا فريضة ولا أمر حاكم كلَّ شهر إلاَّ بحكمه أو نحوه عند صحَّته عنده؛ وأمَّا على معنى الجائز فإن كان صلاحا له وتركه ضرر عليه وخاف منه فله ذلك، قال: وإن لم يخف عليه ضرًّا فلا يعجبني أن يفعل، لأنَّه احتساب لا يخرجه من الضَّمان؛ وإن اِحتاج إلى كسوة وسعه أن يسلِّم لأمِّه منه قدرها إن أمنها في الجائز؛ وإلاَّ لم يكن له أن يخاطر بمال اليتيم إلاَّ في مصلحته، إلاَّ إن جعله هو فيها فيكسوه أو يقوم له بذلك من يأمنه، وكذا كلُّ ما يحتاج إليه؛ وإن فرض لها الحاكم الربابة (1) وكان يعطيها من اليتيم بفريضة الحاكم إلى أن صار يأكل الطَّعام ويتعمَّد عليه ولا يكتفي به عن الرَّضاع وهو أكثر قوامه فهل له أن يعطيها الربابة تامَّة أم عليه أو على الحاكم أن ينقصها منها بقدر أكله؟ قال: فعندي أنَّها لا تكون في مال اليتيم إلاَّ في الحولين كما مرَّ، فلا يحكم عليه فيه بأكثر إذا استحال عن حال الرَّضاع، وتكون النَّفقة في ماله، إلاَّ إن أوجب النَّظر مصلحته في الخوف عليه في ذلك فيخرج في معنى النَّظر لا على الحكم على ما يخرج في معنى المشاهدة.
__________
(1) - ب: - «الربابة». (6/476)
صفحة 3015
وإن كان له وصيٌّ أو وكيل وله على رجل حقٌّ فحكم عليه بدفعه له وأخبر الحاكم بخيانته، قال: إذا صحَّت الوصاية أو الوكالة فلا يقبل دعوى من عليه الحقُّ، ويلزمه الاِنقياد لحكمه في الظاهر، ويسعه الدَّفع إليه، ويبرأ من الضمان، ولا يلزم الحاكم إلاَّ إن علم بخيانة الوصيِّ أو الوكيل (1)، أو صحَّت عنده من غير من عليه الحقُّ.
ومن عنده دراهم ليتيم يموِّنه منها ويكسوه بقدرها فيسلِّم للعمال حبًّا وتمرا من عنده ويأخذ هو من الدَّراهم ما اجتمع عليه بلا مرابحة ولا ربى، جاز ــ قيل ــ للأمين إن اشترى له أو عمل بها، والرَّأي في ذلك للعمَّال والبائع إذا لم تكن هناك حيلة.
ومن ترك ورثة فيهم يتيم ودراهم على مجوسيٍّ فأخذوا حصصهم وبقيت حصَّته فهل يجوز لأمِّه قبضها وصرفها في مصالحه وهي مأمونة أم لا؟ قال: إن كانت وديعة عنده فلا يجوز تسليمها ولا بعضها إليهم حتَّى يبلغ؛ وإن كانت مضمونة كدين، فقيل: لا يجوز أيضا، لأنَّ كلَّ ما سلَّمه إلى كلٍّ منهم (2) فلليتيم منه حصَّته؛ وإن سلَّم إلى كلٍّ منابه وبقي منابه؛ فإن كان له وصيٌّ سلَّمه إليه وإلاَّ وكانت أمُّه ثقة سلِّمت إليها. وإن تلف حصَّته بموت المجوسي أو بغيره رجع على البالغين بقدره وليس على أمِّه أن تلزم على نفسها ضمانا له ولو اِحتاج أو طلبه المجوسي؛ وإن أرادت ذلك وساعدها فذلك إليها.
ومن عنده مال اليتيم فلا يدفعه لوصيِّه إن كان فاسقا أو خائنا؛ وإن لم يصح ذلك فقيل: لا يجوز إلاَّ إن كان ثقة.
__________
(1) - ب: - «أو الوكيل».
(2) - ب: - «إلى كلٍّ منهم». (6/477)
صفحة 3016
فصل
أبو الحواري: من عليه حقٌّ ليتيم ففرضت له فريضة وسلَّمه إلى أمِّه ومات بعد أن نفذت برأي الذي كان (1) عليه الحقُّ؛ وإن مات قبل استفراغها كان عليه الباقي منه بعد موته يسلِّمه إلى ورثته ويلحق أمّه بما سلَّم إليهم، وهذا إن سلَّم الفريضة إليها لمستقبل؛ وإن سلَّمها لماض كانت للأم لا لليتيم ولا للورثة؛ وتسلَّم فريضة اليتيم لأمِّه أو من يعوله بعد اِستحقاقها بالإنفاق عليه، فمن سلَّم إليها شيئا لمستقبل فهو ضامن له حتَّى يستحقَّه.
أبو عبد الله: من عنده دراهم ليتيم فاقترض منها شيئا فاشترى به مالا ثمَّ ردَّها بعد سنين من غلَّته أو من (2) غيرها فالمال وغلَّته لليتيم وخير إذا بلغ فيهما وفي دراهمه؛ وإن اشتراه لنفسه واقترضها فالمال له ولليتيم دراهمه، وقد مرَّ ذلك؛ وعن عزَّان (3): لا يترك على اليتيم حليٌّ يخاف تلفه ــ وإن لأنثىـ وإن أعطت أمُّه شيئًا (4) من ماله زوجها وقالت: تحسبه من نصيبها أو تجعله ممَّا لها عليه، فإن كان يأمنها على أن تخلِّصه منه ولها حصَّة فيه جاز له؛ وإن اعتقد مكافاة اليتيم بمثل ما يرى وسعه.
ومن اِستعار كتابا من رجل فمات وخلَّف يتيما ولا وصيَّ له، وعنده أمانة أو عليه دين له أيضًا، قال أبو الحسن: إن اِحتاج إلى مؤنة وإلى بيع الكتاب والأمانة أقيم له وكيل يبيعها ويمونه؛ [539] وإن لم يفرض لمن يعوله من عنده حتَّى إذا استحقَّ الفريضة سلَّم إليه منها إذا فرضت وما لم يدرك ذلك واحتاج اليتيم وأمُّه وإخوته يؤمنون على ما يسلَّم إليهم فله أن يدفع إليهم ذلك لمؤنته كذا وكذا شهرا على ما
__________
(1) - ب: - «كان».
(2) - ب: - «من».
(3) - ب: + «أنَّه».
(4) - ب: - «شيئًا». (6/478)
صفحة 3017
يستحقُّ من فريضته إن ضمنوه بها؛ وإن لم يحتج كان ذلك (1) في يده بحاله حتَّى يقام له وكيل ثقة، أو يبلغ وأمَّا الدَّين فله أن يطعمه منه إن أراد الخلاص؛ وإن اِحتاج إلى كسوة كساه كمثله.
وسئل أبو سعيد عن مستعير من رجل كتابا ومات المعير وخلَّف ورثة فيهم يتيم هل له أن يستحلَّ البالغين من أنصبائهم منه ويطعم اليتيم قيمة نصيبه ويأخذ الكتاب لنفسه؟ فقال: أمَّا في الحكم فلا، وأمَّا في الجائز فإذا أضطرَّ إلى ذلك فقد قيل بإجازة مثله إذا كان أوفر من البيع؛ وإن دفعه للبلَّغ ونظر قيمة ما لليتيم منه فجعلها في مؤنته ففي الحكم أنَّ الكتاب يباع ويقسم ثمنه؛ وقيل: بالقيمة ويجعل قدر مناب اليتيم في مصالحه ولو غنيًّا.
ومن عنده قرطاس له فهل له أن يعطيه أكثر من قيمته ويأخذه؟ قال أبو إبراهيم: لا يبيعه لنفسه، ولكن يجمع ثقاتا يفرضون لليتيم ويثبِّتونه عند من يعوله؛ فإن اِستحقَّ الفريضة جعل القرطاس فيها.
أبو سعيد: ليس لمن عنده (2) أمانة له أن يسلِّمها إلى غير وصيِّه ولو أمره إلاَّ على الأمانة إلى أمين؛ وكذا إن أمره أن يبيعها فباعها على ما للوصيِّ بيعها جاز له ما يجوز له.
__________
(1) - ب: - «ذلك».
(2) - ب: «عند». وهو خطأ. (6/479)
صفحة 3018
الباب الثَّلاثون
فيمن تزوَّج بأمِّ يتيم فينتفع به وبماله
فمن قبض مالا له مِمَّن يعوله ولا وصيَّ له ولا وكيل؛ فإن قبضه محتسبا له أو قائما بمؤنته بصدق نيته جاز له. ومن عمل له مالا وقبض التمرة وأخرج له حصَّته، فإن أدخله في عمله قائم به ثقة وغلَّته تقوم به جاز ذلك؛ وإن كانت أمُّه أو القائم به غير ثقة وغلَّته لا تقوم به وللقائم به تفضّل عليه فله أن يسلِّمها إليه؛ وإن علم العامل أنَّ من يمونه ويقوم به ليس بثقة وحضرت التَّمرة اِلتمس من حاكم أو جماعة وكيلا ثقة يسلِّم إليه، لا إلى القائم به بعد المقاسمة، أو يفرض لمن يعوله فريضة في ماله، فكلَّما استوجبها (1) منه دفع إليه العامل برأي من فرض له قدر ما استحقَّه، فإذا حصدت التَّمرة فهو أمين اليتيم فيما بيده، ولا يسلِّمه إلاَّ على موجب خلاصه أو يعوله منه، ويأخذ هو حصَّته بكيل أو وزن على السِّعر إن كان منهما. وسئل: هل لزوج أمِّه أن يسكن معها في منزله ولها فيه حصَّة وقالت: إنَّها تلي أمره وتكافيه بسكنه؟ فقال: إذا أمنها على ذلك، وخلَّصته في قدر الكراء جاز له؛ قيل له: وقد يصلح الزَّوج في منزل اليتيم ويعمر فيه وفي ماله بقدر ما أنَّه لو كان مستأجرا لم يصل قيمة سكنه ولو تحوَّلا منه لخرب، قال: إذا كان سكنه أصلح لليتيم وأوفر لعمارة منزله ولو تحوَّل عنه خرب فسكنُه أحظى له من عدمه؛ وإذا عمر فيه أو في ماله وكافأه بقدر ذلك جاز له إذا قبضت أمُّه الثمرة فهل لها أن تأخذ منها بقيمة مالها عليه من فريضة؟ قال: إذا فرضها الحاكم العدل (2) أو الجماعة وقامت بعينها وكان ذلك برأيهم جاز؛ فإن عدم منهم أحد وقد اِجتمع لها من التي تجريها عليه طائفة فالمكيل والموزون تستوفيهما بكيل
__________
(1) - ب: «استوجب».
(2) - ب: - «العدل». (6/480)
صفحة 3019
ووزن وتطرحه عنه من الفريضة وتشهد أنَّ ما تقبضه وتستوفيه من ذلك بما قد أنفقته عليه في ماض.
وسئل ابن الحسن عنها إذا زرع زوجها أرضا فيها أيتام فحصد فأتى الحبُّ إلى المنزل ولا تدري ما عمل في حصَّتهم فقال: إذا علمت منه خيانة وأنَّه زرعها بلا قعادة من وصيِّهم أو نحوه وليس زوجها بشريك لهم فيها ولو لها فيها شركة (1) وأنَّه زرعها بما لا يسعه؛ وإن الحبَّ قد صار إلى محلٍّ تأمر فيه وتنهى وأنَّه حبُّ تلك الأرض فلا تتعرَّض له حتَّى تعلم أنَّه أنصفهم أو أنَّه زرعها بجائز له؛ وإن علمته ثقة أو لم تعلمه من تلك الأرض أو من غيرها فلا بأس عليها فيه لأنَّ الثِّقة لا يفعل إلاَّ جائزا له، وما لم تعلمه حراما فواسع لها أن تأكل منه وتتصرَّف فيه حتَّى تعلمه.
وإن كان لامرأة يتيم له آنية في منزله وهي تأتي بها (2) فتزوَّجها رجل فهل له أن يأكل ويشرب فيها؟ قال: إذا قرَّبت له طعاما أو شرابا عن رأيها ولم يأمرها ولا استعمل هو الآنية فلا عليه فيها وهذا إن كانت غير ثقة وذلك عليها، وإن كانت ثقة وقالت أنَّها تحسب خرابها (3) وتوفيه، وكانت تعوله وتفضل عليه وتعتقد مكافأته بأكثر جاز له.
__________
(1) - ب: «شريكة».
(2) - كذا في النسختين، ولعلَّ معناه: تستعملها.
(3) - ب: - «خرابها». (6/481)
صفحة 3020
الباب الحادي والثَّلاثون
في البلوغ والإقرار به ودفع مال اليتيم إليه، وفي الشَّهادة على البلوغ
قال الله سبحانه: {وابتلوا اليتامَى ... } الآية (النساء: 6) قال ابن عباس: معناه اختبروا عقولهم حتَّى إذا بلغوا الحلم، فإن أبصرتم منهم صلاحا في دينهم، وحفظا لأموالهم، فادفعوها إليهم ولا تأكلوها إسرافا بلا حقٍّ، وبدارا لمسارعة وظلم أن يكبروا، أي لا يتسارعوا (1) إلى أكلها فإذا دفعتم أيُّها الأوصياء إليهم أموالهم {فأشهِدوا عليهم وكفى بالله شهيدا}. فإذا سئلتم غدا عنها وعن غيرها فلا شاهد أفضل من الله سبحانه بينكم وبينهم.
ولا يدفع ليتيم ماله حتَّى يبلغ ويؤنس رشده، أي عقله وهدايته، وقد مرَّت علامات البلوغ وعن أبي بكر [540] وعمر وابن الزُّبير: حدُّه إذا بلغ ستَّة أشبار، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة دفع إليه ماله ولو كان مضيِّعا؛ ولا يوجب ابن محبوب الحدَّ على من شكَّ في بلوغه حتَّى يبلغ خمسا وعشرين سنة؛ وقيل: خمس عشرة؛ وقيل: سبع عشرة إذا بلغت أترابه. أبو عبيدة: إذا بلغها أو ثمان عشرة فهو كالبالغ وبه قال ابن محبوب في البلوغ والأحكام والوكالة والاستحلال إن عقل، لا في الحدود؛ قال: ولا أقدم على إقامتها عليه حتَّى يقرَّ بالبلوغ أو يشهد له أو عليه به ولا يجوز إقراره به عنده حتَّى تمضي له خمس وعشرون سنة؛ وكذا الجارية إذا شهد أنَّها في حدِّ البالغات، وقالت: قد بلغتُ، جاز لها وعليها.
__________
(1) - ب: «تسارعوا». (6/482)
صفحة 3021
وإن ادعى الغلام البلوغ وقف عند العدول فرأوه في حاله، قال أبو إبراهيم: فله أن يشفع. ابن بركة: إن اِدَّعاه بعد خمس عشرة صدِّق، وإلاَّ فحتَّى ينتهي إلى ثمان عشرة، ثمَّ يحكم عليه وله؛ وإن لم يقرَّ به.
أبو الحسن: من عليه دين يتيم فسأل عن بلوغه فقيل له: قد بلغ، ورأى عليه علامته (1) جاز عند الجميع دفعه إليه؛ وإن أنكر البلوغ بعد (2) قبضه لدينه لم يصدَّق إلاَّ إن كان طفلا لم يبلغ مثله؛ وقيل: انتهاء طول الرَّجل (3) ثمانية أشبار بشبره؛ وقيل: دليل بلوغ الصبيِّ أن يقاس من أعلا أذنيه على وسط رأسه بخيط ثمَّ يلوى برقبته (4)؛ فإن اِستويا فقد بلغ؛ وإن نقص الخيط فغير بالغ؛ وقيل: تفرّق أرنبة أنفه بثلاث، فما لم تفترق فصبيٌّ؛ وقيل: غير ذلك ممَّا مرَّ؛ وقيل: إذا بلغ أترابه أو أصغر منه أو مضت له ثمان عشرة جازت مبايعته وإقراره وتزوُّجه وجميع أحكامه إلاَّ الحدود. وإذا صار بحدِّ ما يختلف في بلوغه فأقرَّ به ثبتت عليه أحكامه.
واختلف في حدث الصبيِّ ممَّا يلزمه فيه لا في صباه ولم يعلم أنَّه كان منه فيه أو في بلوغه، فقيل: لا يلزمه حتَّى يعلم أنَّه كان منه بعده؛ وقيل: يلزمه حتَّى يعلمه قبله.
فصل
اِختلف أصحابنا في الرُّشد المؤنس منه، فقيل: حفظ ماله بعد بلوغه؛ وقيل: حفظ دينه لأنَّ من لا ولاية له عندهم فليس برشيد في دينه؛ وقيل: يعتبر بالمبايعة؛ فإن رغب في الزِّيادة وكره النُّقصان والغبن ويمتنع منه، دفع إليه ماله؛ وإن كان مِمَّن لا يخالط ولا يعاشر اختير في المعيشة، فإن أحسن القصد فيه والحفظ دفع إليه.
__________
(1) - ب: «علامة البلوغ».
(2) - ب: «عند».
(3) - ب: «الرجا». وهو خطأ.
(4) - ب: «على رقبته». (6/483)
صفحة 3022
والجارية أشدُّ في الاختبار ويعرف حالها في المعاشرة؛ وإن كانت تخالط النِّساء اختبرت في المغازلة معهنَّ وفي حفظ غزلها.
ومن دفع إليه ماله ثمَّ بدا له منه تضييعه فله أن يحجر عليه باقيه، ثمَّ يتولَّى عليه كأوَّل لقوله تعالى: {فإن كان الذي عليه الحقُّ سفيهًا أو ضعيفا ... } الآية (البقرة: 282) فقيل: الضعيف هنا من لا يستطيع أن يملَّ؛ وقيل: المغلوب على عقله.
أبو عليٍّ: إن قال الصبيُّ أنَّه قد بلغ وقد أمكن بلوغهـ ثبت عليه ولا إنكار له بعد؛ وإن قال: بلغت مبالغ الرجال، ثبت عليه أيضا، لا إن قال: أنا رجل؛ وإن قال: أنزلت النُّطفة أو خرجت مني أو الجنابة أو نزلت مني أو نحو ذلك ... كان بذلك بالغا؛ لا إن قال: قد بلغ أو أنزل الدَّافق أو اِحتلمت أو أجنبت (1) أو أصابتني الجنابة؛ وإن قال: أنا جنب، أو كنت جنبا، أو قد غسلت منها، فإقرار بالبلوغ وثابت عليه؛ وقيل: إن قال: غسلت من جنابتي ثبت عليه لا إن قال غسلت من الجنابة. وإن اقرَّ بولد ثبت عليه البلوغ إن أمكن.
وإن قالت جارية: أنا حائض أو حبلى أو قد حبلت، أو أنا امرأة بالغ، أو (2) بلغت امرأة، أو أنا حامل لم يثبت عليها البلوغ بذلك؛ وقيل: يلزمها بـ «أنا حامل» وهو الأنظر. وإن قالت في بطني ولد أو حمل، ثبت عليها أيضا، وكذا في أنَّها تنزل النفطة عند الجماع أو أنزلتها عنده؛ وقيل: في تنزُّلها أنَّه في مستقبل، وفي أنَّه أوانها بلغ مبالغ الرِّجال أو النِّساء خلاف. وإن أقرَّا أنَّهما بلغا السنَّ أو شهد عليهما به فهو أضعف من الأوَّل، ولا يثبت به بلوغ؛ وإن أقرَّا أنَّهما بلغا سنَّ (3) الرِّجال والنِّساء أشبه مبالغهما؛ وإن قالا (4) بلغا النِّكاح ثبت لهما وعليهما أحكام البلوغ إن كانا
__________
(1) - ب: - «أو أجنبت».
(2) - ب: + «قد».
(3) - ب: - «السنَّ أو شهد عليهما به فهو أضعف من الأوَّل، ولا يثيت به بلوغ؛ وإن أقرَّا أنَّهما بلغا». وقد وقع للناسخ فيه انتقال النظر لتكرار كلمة «سن».
(4) - ب: «قال». (6/484)
صفحة 3023
بحدِّه، لا إن قالا: بلغا التَّزويج إذ ليس كالنِّكاح؛ وإن قالا: بلوغ من تجب عليه الحدود أو الأحكام أشبه مبالغ الرِّجال والنِّساء؛ وإن قالا: بلوغ من امتحن بالدين أو بالصَّلاة، أو من خوطب بالإسلام أشبه مبالغهما أيضًا إن كانا كذلك.
فصل
وسئل أبو سعيد عن امرأة في يدها مال ولدها أو متاعه أو نقوده وبلغّ، وخافت إن سلَّمته إليه ضيَّعه وقد عرفت سوء تدبيره فيه هل يحلُّ لها أن تمسكه عليه وتنفقه بقدر ما يجزيه ولو حرم عليها إمساكها ماله أم لا؟ فقال: لا إن كان في يدها أمانة في حال يتمه فبلغ وطلبه فعليها دفعه إليه إن طلبه، وإلاَّ واعتقدت معاني مناصحته خوفا من تبذيره له في غير موجبه، فعندي أنَّه قيل: أنَّه لم يؤنس رشده في حفظه إذا خافت أن يجعله في غير محلِّه؛ وقيل: إذا لم يؤنس رشده في دينه فعلى الأمين إمساك ماله عليه؛ وقيل: إيناسه معرفة ضرِّه من نفعه؛ قيل له: فإذا عرف منه أن يكتسي فوق مثله ويأكل ما ليس من طعامه أيكون عندك غير مؤنس رشده؟ فقال: نعم، قيل: له (1): فإذا صار في يد أمِّه إرث له بعد بلوغه واستحقَّه أيكون كالأوَّل؟ [541] قال: لا فرق عندي إذا كان عندها كالأمانة؛ قيل له: فإذا باع من ماله شيئا أيجوز شراؤه منه أصلا أو عروضا أم لا؟ قال: عندي أنَّه إذا كان محجورا عليه فلا يجوز بيعه فيه إلاَّ بما يسع ممَّا فيه الرُّشد.
فصل
والمراهق ــ قيل ــ حدُّه أن يقرب من البلوغ، فإذا أقرَّ به لم ينكر عليه؛ وإن لم يراهق وهو يعقل كالمراهق فلا يكون مثله في أحكامه، لأنَّ المراهق يلحقه بعض بالبالغ في أحكامه فيجوز بيعه وشراؤه عنده وجميع أحكامه إلاَّ الحدود؛ وكذا المراهقة يثبت عليها الرِّضى بالتَّزويج في نحو ما يثبت على المراهق إذا أنكر بعد البلوغ على القول به،
__________
(1) - ب: - «له». (6/485)
صفحة 3024
فإذا خلت لهما ثمان عشرة وبلغت أترابها ولم تبلغ فعليهما ما على البالغ من التَّستُّر، ولا يباح النَّظر منها إلاَّ ما أبيح من بالغ على قول من يلزم المراهق أحكامه وكذا يلزمها من الفرائض ما يلزمه في حكم التكليف غير الحدود، وأقلُّ ما تبلغ فيه سبع سنين إن حاضت أو حبلت أو قذفت، وما لم تبلغ فلا يحكم عليها بالبلوغ ــ قيل ــ إلى ثلاثين سنة، والاختلاف فيما بينها كثير وكلٌّ له دليل.
وإن شهد عدلان على غلام أنَّهما رأياه قذف نطفة من ذكره فلا يثبت عليه البلوغ بذلك، لإمكان خروج ما يشبهها منه وليستها.
وإن تزوَّج عدلان امرأة متفاوتين فشهدا أنَّها تحيض أو تنزل ثبت عليها بذلك؛ وإن اِحتجَّت أنَّ الدَّم قرحة والنُّطفة علَّة لم يقبل قولها، وقولهما أوكد منه، إلاَّ إن اِستريبا. وكذا إن شهدت عادلات أنَّهنَّ تزوَّجن فلانا وكان ينزل، فلا يحكم عليه بالبلوغ فهنَّ في الحدود؛ وأمَّا في الأحكام فإذا شهدت عدلة علي امرأة أنَّها حاضت حُكم عليها به فيها إلاَّ في الحدود، وإن شهدت القابلة العدلة عليها أنَّها ولدت ولدا أو هذا فلا يلزمها إذا أنكرت، وليس كالحيض حتَّى يشهد عدلان أنَّ لها معروفا، أو أنَّه هذا، فتقام عليها الحدود حينئذ، لا إن قالا: إنا رأيناها ولدت، وإنْ شهدا أنَّهما رأيا في لحية فلان أو شاربه شعرا كالنابت في لحم الرجال وشواربهم ثمَّ ذهب ولا ندري كيف زال، ثبت بلوغه ووجبت عليه الحدود، لا مكان أنَّه نتفه أو جعل له عقار أو أصابته علَّة، فإنْ شهد أنَّهما سمعا فلانه تقرُّ أنَّها ولدت أو فلانا يقرُّ بالبلوغ، فأنكرا وقالا: إنَّه مزاح فلا يلزمها. (6/486)
صفحة 3025
الباب الثاني والثلاثون
في المجنون والناقص العقل والأبله والأعجم وأحكامهم
فمن كان يهدِّد النَّاس بالضَّرب ويتكلَّم بما لا يتكلَّمون به، ويطلع الشَّجر وينام فيه، ولا يعلم منه غير ذلك، فلا يجوز لك أن تشهد أنَّه مجنون حتَّى تعلمه بالجنون، كما يعلم غيره بالصِّحة، وللمجنون أسباب يعرف بها لا تخفى على من ابتليَّ بمعاشرته، فإذا ظهرت فيه فهو المجنون، فما أحدثه ممَّا يلزمه فيه الأرش فعلى عاقلته؛ فإن كانوا معدمين أو مفالس لم يلزمهم ذلك حتَّى يقدروا عليه، واختلف أبو عبيدة وضمام فيه إذا صحى، ولا في عقله باسم، فقال أبو عبيدة: لا طلاق له ولا عتق؛ وإن قتل أحدا فعلى عاقلته، وقال ضمام يلزمانه؛ وإن تعمَّد القتل لزمه القود؛ أبو عبد الله إذا فعل ذلك وقت صحوه لزمه كلُّه، وقال غيره: إن كان يصحو حينا وكان منه بعض ما قيل فيه ولم يعلم أنَّه في عقله أو في جنونه لحقه لذلك اختلافهما، فأمّضا إذا صحَّ أنَّه كان في ذلك الوقت ذاهب العقل، فلا يلزمه ذلك وكذا إن صحَّ أنَّه كان منه في صحَّته، لا يلزمه أيضا، ويحكم عليه بالأغلب ما لم يصحّ فيه بيِّن، ولا يلزمه القود على الشُّبهة؛ وأمَّا الطَّلاق والعتق فهما أولى بالاحتياط؛ وفي كتاب الأشياخ: من له أخ مجنون ويخاف منه قتل النَّفس وهتك الحرم وكان يربطه ويضربه أدبا ثمَّ ماتّ، فهل يلزمه لورثته ضمان؟ قال: إنَّ المجنون لا عقل له ولا يكون الضَّرب أدبا له، ولا آمن أن يلزمه الأرش، ولا يلزمه شيء في ربطه، وضرب الأدب الذي لا يؤثِّر لمستحقه لا أرش فيه.
ومن قبض من مجنون شيئا ثمَّ دفعه إليه، فقيل: يضمنه لأنَّه لا حفظ له؛ وقيل: لا ضمان عليه إذا كان يحفظه، أبو الحسن: من كبر حتَّى لا يعقل وصار في حدّ من لا (6/487)
صفحة 3026
تجوز مبايعته وله مال واحتاج أن يباع له منه، فإنَّه يقام له وكيل ثقة يبيع منه وينفقه، ولا تجوز مبايعة المجنون، وإنَّما يبيع له وكيله إذ هو والكبير الذَّاهب العقل كالصَّبي.
فمن تصدَّق على فقير قليل العقل بثوب فقبله منه، ثمَّ ردَّه إليه بعد أيَّام، فلا يجوز له أن يقبله منه ويتصدَّق به على غيره ولا أن يقبضه منه، فإذا قبضه ضمنه.
ومن اِدَّعى عليه مجنون أنَّه ضربه وفيه أثر الضَّرب، فإذا لم يعرف بالتَّخليط في كلامه أخذ [542] له به إن أتُّهم به وكان مِمَّن تثبت عليه التُّهمة؛ وإن كانت له بيِّنة ولا يعقل أن يرفعها إلى الحاكم، لزمها أن تصل إليه فتشهد له (1).
أبو سعيد: إنَّ المجنون هو من يذهب عقله حينا ويرجع حينا، والمعتوه هو من يذهب عقله أبدا؛ ومن ذهب عنه (2) سنة فمعتوه، وإن أفاق حينا - وإن قلَّ - فمجنون.
أبو الحواري: من يتغيَّر عقله حينا ويعرف النَّاسَ حينا وهو محتاج، فلا بأس أن يستعمل بما قدر عليه، ولا يعطب فيه، ويطعم بقدر عنائه؛ وقيل: المعتوه هو المطبق على عقله ولا يجد راحة ولا يصحو في وقت، وهو قريب من قول أبي سعيد.
ووصيَّة المجنون - قيل - كوصيَّة الصَّبي، تجوز في أبواب البرِّ لا الحقوق إلى الثُّلث؛ وقيل: إلى الخمس؛ وقيل: لا تجوز وصيَّتهما وقد مرَّ.
أبو سعيد: إن تزوَّج المعتوه في نقصان عقله لم يثبت ولو أتمَّه بعد صحوه، وتحرم عليه بوطئه إلاَّ أنَّه - قيل - في تزويج وليِّه له إذا قبل عليه باختلاف، فبعض أجازه وبعض أبطله، وعلى الأوَّل قال: إذا قبله بالصَّداق وشرطه في مال المعتوه ثبت فيه؛ وإن لم يشرطه فيه ثبت عليه، ولا رجوع له على المعتوه.
__________
(1) - ب: - «له».
(2) - ب: «عقله». (6/488)
صفحة 3027
ومن اتَّهم أنَّه لا يعرف الغبن من الرَّبح فأعطاه رجل فيما يبيعه من ماله عشرة، والآخر فيه عشرين، فاِختارها أو نحو هذا، جازت مبايعته لا إقرار صبيٍّ ولا مجنون ولا مقهور على ما أقرَّ به إذا خاف على نفسه، ولا يؤخذون إلاَّ من يغيب عقله حينا ويحضر حينا؛ فإنَّ إقراره في حضوره ثابت عليه.
ومن ادَّعى على مجنون دينا وبيَّنه عليه، وأنَّه داينه في صحَّة عقله، أقيم له وكيل يخاصمه عنه، ثمَّ يؤخذ من ماله إن صحَّ عليه، وجنايته على عاقلته إلاَّ إن أكل بفمه، أو وطئ بفرجه، أو لبس على بدنه فذلك في ماله؛ وإن كانت جنايته في عبد أو مال من غير أكل أو لبس على ماله ولا على عاقلته من ذلك شيء؛ وإن فعل موجب حدّ درء عنه، ويؤمر أهله بحبسه أو خيف عليه أو منه؛ وإن طلبت امرأته نفقتها ولا مال له، ولم يقدر عليها، أمر وليُّه أن يطلِّقها، ومنعه (1) أبو المؤثر منه، ولا يطلِّقها أحد وهي على حالها.
قال أبو الحواري: إلاَّ إن كساها وأنفق عليها من ماله أو من مال المجنون إن كان له؛ فإن أبى وليُّه أن ينفقها منه فعله السُّلطان؛ وإن جنى فادَّعى أنَّه جنى حال جنونه، وأنكرت عاقلته ذلك فعليه البيِّنة، ولا تعقل جناية السَّكران.
ومن يجنُّ حينا ويفيق حينا فما جناه في جنونه فعلى عاقلته، وما جناه في إفاقته ففي ماله إن تعمَّد وإلاَّ فعليها أيضا.
وإن اِستكره امرأة فوطئها فعقرها في ماله؛ وقيل: على عشيرته، وكذا الصَّبي في ذلك، وذلك إذا بلغ ما يلزمها وهو ما قيمته خمس من الإبل، وما أكلاه أو فعلاه بفرجيهما ففي مالهما، واِختار أبو الحواري لزومه فيه في كلِّ ذلك؛ وللحاكم والوصي والوكيل أن يجروا على المجنون والأبله والأخرس والأبكم والأصمّ والأعجم النَّفقة كاليتيم في أموالهم.
__________
(1) - ب: «منع». (6/489)
صفحة 3028
فصل
إن ارتدَّ المجنون بعد بلوغه ثمَّ مات مجنونا، فميراثه لوارثه المسلم، ولا يخرجه عن الإسلام ارتداده ولو كان مشركا ثمَّ أسلم بعد جنونه، ثمَّ مات مجنونًا لكان مشركا، ويرث المجنون موروثه.
ومن كان متولَّى ثمَّ جنَّ فعلى ولايته، ولا طلاق لمجنون ولا صدقة؛ وإن كان لا يصلِّي في بعض الأوقات فهو الذي لا يجوِّزان منه، ومن جنَّ طلَّق أو ظاهر أو تصدَّق بماله أو أشرك لم يلزمه ذلك.
ومن أوصى رجلا في ولده فجنَّ قبل بلوغه أو بعده قبل أن يسلِّم إليه ماله، فهو بيده بحاله على وصايته.
والأبله هو الغفول، ويروى: أنَّ اكثر أهل الجنَّة البلَّه لتصديقهم بالله، وبما أنزل (1) وبتركهم الدُّنيا.
والأبهم هو المغلوب على عقله المطبق عليه.
والشُّجاع الذي لا يهوله أمر أيضا.
والأكمه من ولد أعمى والأبكم من ولد أخرس.
وقيل: المسلوب الفؤاد لا يعي ولا يفهم، وقال الفضل: هو الذي لا يسمع ولا يبصر ولا يتكلَّم، ويقال: إنَّه الأخرس؛ والأعجم: من لا يفصح الكلام، والخرس ذهابه وهو الأعجم؛ فإن فعل موجب حدٍّ فلا يحدُّ، فلا طلاق له ولا مبايعة ولا عطيَّة، وعليه الحجُّ إن استطاع، ويقف في المواقف، وتجزيه النَّية، وما جناه ممَّا لا يعلم أنَّه أخطأ أم عمد، ففي ماله ويعقل عنه.
ومبايعته كمبايعة المسترسل والصبيِّ، ويأخذ له وكيله شفعته من مشاع لا مقسوم وغيره لا يشتري له واحدا منهما ولا يتولَّى، وإن صلَّى وصام، ولا يكون إماما
__________
(1) - ب: + «إليه». (6/490)
صفحة 3029
ولا حاكما ولا شاهدا، ولا يصلِّي بغيره، ولا تجوز ذبيحته، وهو كاليتيم والعبد إذا علموا لأحد بلا أمره، فلا ضمان عليه لهم، وإشارته بموجب الحدَّ أن لو أفصح به لا توجبه عليه. (6/491)
صفحة 3030
الباب الثالث والثلاثون
في الأعمى وأحكامه
والعمى ذهاب البصر من العينين والعور ذهابه إحداهما، ويروى: من قاد أعمى أربعين خطوة كتب له بكلِّ عتق رقبة، وصلَّت عليه الملائكة إلى أن يفارقه؛ فإذا سدع بما يلزمه فيه الضَّمان لم يلزم قائده، إن كان يحدره ويعرفه، ولا يمرُّ به فيما يزول به عن الطَّريق، فما أصابه بيده فلا يلزم قائده؛ وإن لم يحدِّره فسدع أو تسدَّع كان كقائد الدَّابة وضمن.
وإذا قذف أحدا فقيل: لا يحدُّ إذا طنَّه فلانا الذمي أو المملوك؛ وإن [543] سمى باسم معروف، فإنَّه يحدُّ إذا سمَّاه فلانا ابن فلان، وإن قال: كذلك، واِحتجَّ أنَّه قذف ذميًّا يواطئه في الاسم فله حجَّته؛ وإن زنى بامرأة ولا زوجة له ولا سريَّة، فإنَّه يحدُّ لا إن كانت له، وقال: ظننتها زوجتي أو جاريتي.
ولا إمامة له ولا قضيَّة، وفي صلاته بغيره قولان، وقد صلَّى ابن عليٍّ خلف أعمى؛ وإن علم من أحد موجب ولاية أو براءة فهو كغيره؛ وإن سافر مع كثير لا يثق بهم وهم موحّدون فأخبروه بأوقات الصَّلاة ورؤية الهلال في صوم أو إفطار وطلوع الفجر والليل قُبل ذلك منهم، وكذا إن كان في قرية لا يثق بأهلها، وكذا في القبلة.
ابن بركة: لا يجب على أعمى ولا على زمِنٍ حجٌّ إن لم يقدرا أن يخرجا إليه بأنفسهما، وهو يعرف الثِّقة بالشُّهرة، وكرهت الصَّلاة بإزاره إذا لم يكن معه من يصونه ويتعاهده من وقوع النَّجس به وبثوبه، ولا بأس إن كان معه، وهذا في الاحتياط، وأمَّا في الحكم فإنَّه مسلم وثيابه طاهرة، حتَّى تعلم نجاستها، وتجوز شهادته في النَّسب والموت والنَّكاح ونحو ذلك من المشهور كما سيأتي، وجوزت فيما شهد (6/492)
صفحة 3031
به قبل ذهاب بصره، ومنع أبو الحسن تقليده في الشَّهادة، وجازت رفيعته عند بعضهم إن كان من أهلها، وقبول فتياه، وقد اتَّفقوا على أنَّ فتيا ابن عباس وأبي عبيدة مقبولة، وكذا أهل عمان في أبي الحواري وفي أبي المؤثر يقبل منه ما رفعه عن ابن محبوب وغيره، وكان يفتي بفتياه ويعمل بها إذا خاطب من يروي عنه، وصحَّ له بالشُّهرة إلاَّ تراه إذا قال: جعلت فلان ابن فلان في الحلِّ جاز له، لا لمن يخاطبه: جعلتك فيه، وتقبل فتياه مشهور بالعلم كما شهر صالح بن سعيد فيها وكلُّهم عميٌّ.
وإن شهر عند أعمى عالم وعرفه، فله أن يروي عنه كما عرف أبو المؤثر ابن محبوب وروى عنه، وجابر عن ابن عباس، فيروي الأعمى عن البصير كعكسه، وجاز ذلك في الفتيا لا الشَّهادة.
فصل
أبو سعيد: زال عن الأعمى حكم التعبُّد بالأنجاس بزوال حكمها بالمعاينة، وما يدرك من المحجورات بريح أو طعم يعرف به، فلا يسعه أن يجهل حكمه بعد المعرفة، كما لا يسع المبصر إذا عاين النجس أو عيَّنه، وما يدرك بمعاينة ولا ريح له ولا طعم يعرف به، فقد زال عنه حكم حجره وأبيح له حيث وجده؛ وإن كان في يد غير ثقة ويؤكل من الِّثقة ويشرب مالا يدرك بالعين ولا بالرِّيح ولا بالطُّعم، فيكون منه طيِّبا، ولو حرم في الأصل كنبيذ الجرِّ والأديم.
وإن كانت على أعمى حقوق لقوم يعرفهم قبل أن يعمى، ويعرف أصواتهم، فإذا سلَّمها إليهم أو اِستحلهم فلا يبرأ في الحكم حتَّى يصحَّ عنده، ولن يصحَّ أبدا وجاز في الاطمئنان، وإن من فعل غيره.
وله أن يوكل لنفسه فيما يحتاج إليه، وله أن يتزوَّج ويزوِّج، ومنع أبو عبد الله بيع الأعمى وشراؤه وسلفه وعطيته، وأجاز توكيله في ذلك وفي المنازعة وفي التَّزويج له وفي كلِّ أموره، وأجاز له وعليه فعل وكيله، وجاز إقراره بما عليه إذا عرف صاحبه بنفسه. (6/493)
صفحة 3032
ومن له مال فيه حصَّة لأعمى فاشتراها منه وقد علم أنَّ بيعه لا يجوز، وأنّ مبايعته لا تحلُّ إلاَّ بوكيل، فلمَّا مرَّ عليه سنون تذكَّر شراءه ولم يعرفه أكان بوكيل أم لا، وهو بيده يستعمله، فالمال ماله حلال له حتَّى يصحّ (1) أنَّه اِشتراه بلا وكيل؛ وإن باع شيئا من ماله لرجل ثمَّ ماتا، فليس لوارثه على وارث المشتري شيء عند أبي علي، وبيعه للماء ثابت عليه، لأنَّه معروف له (2) بلا بصر، لا للنَّخل والأرض، والأحسن أن يعرف بمعرفة الماء ثمَّ يثبت عليه، وتجوز شهادته عليه فيجوز بيعه ولا يراه، لا قسمته ولا هبته، إلاَّ في قليل.
وإن أعطى فقيرا زكاته وأمره بأخذها، فإن كانت شيئا معروفا لم يحرم له قبض الزَّكاة والكفَّارات ودينه، ومن اِستحلَّ أعمى من ضمان لزمه، قال له: جعلت فلان بن فلان في حلّ من كذا وكذا، لا جعلتني، وتجوز ذبيحته اتِّفاقا، وإذا أقرَّ بامرأة أنَّها زوجته ولا بيِّنة له بأصل التَّزويج أخذ لها بالنَّفقة والكسوة، إلاَّ تراه، لو كان عند أمرأته وأخته من الرَّضاع فأرادها فأخطأ بامرأته، فقال: هذه أختي صدَّقته إن قال وهمت، وهو قال أبو عبد الله لا يشبه البصير في هذا، وله الرُّجوع عن إقراره في هذا لا للبصير ويفرَّق بينهما؛ وإن ثبت على قوله وقال: هو حقٌّ أو شهد عليه فرقا أيضا، ولا ينفعه جحوده أن يجحد، واِستحسن إذا قال: هي أختي، ثمَّ قال: وهمت، أن يصدّق، فأمَّا إذا أقرَّ أنَّه لا يوهم وأنَّه حقٌّ ثمَّ قال: وهمت، فلا يقبل منه.
ابن بركة: إذا قال فلانة بنت فلان زوجته ثبت عليه إقراره؛ وإن قال: أوصيت لفلان بقطعة كذا ولا يعرفها لم يصحّ؛ وإن قال: بثلث مالي أو بعشره جاز وثبت، وكذا إن قال: بقطعتي الفلانية أو بموضع كذا أو بما هو به عارف قبل أن يعمي، أو قيل له: أتعرف موضع كذا؟ فقال نعم أوصيت له به، وقد أوصى له بزراعته أو تمره، أو قال: أوصيت له بكذا أثر ماء فلج من ماله، جاز كلُّ ذلك، وكان شريكا مع
__________
(1) - ب: «يعلم».
(2) - ب: - «له». (6/494)
صفحة 3033
الورثة إلاَّ إن كانت الأثر معلومة وحدها في مال غيره، ولا يخلطها من ماله كالمعين، جاز ذلك، وكانت للموصى له؛ فإن لم يعلم [544] أنَّه أوصى للأقربين بشيء، فقال أحدهم: أوصى لنا، جاز له أن يأخذ ما أوصى له به؛ فإن كثر المال ولم يعلم الموصى له أنَّه أوصى لهم، ففي أخذه ذلك خلاف، كموصى له بوصيَّة، فقيل: له أخذها حتَّى يعلم أنَّها لا تخرج من الثُّلث؛ وقيل: لا حتَّى يعلمها تخرج منه.
فصل
لا يمين - قيل - على الأعمى لأنَّه لا يبصر ما يدَّعي، ولا ما يدَّعى عليه، كما لا تجوز شهادته على صفة عرفها قبل، وله أن يحلف خصمه فيما يدَّعيه عليه، ولا يحكم عليه فيما لا يبصره، ويؤمر من يستأجر له أو عليه، ولا تثبت أجرته إن قاطع هو على نفسه أو له، وجاز العطاء منه على وجه الهديَّة، ولمن يضيفه أن يأكل من عنده وحلِّه إلى قيمة ما (1) يعرف إذا أحلَّ أو أبرأ إلى قيمة كذا، لأنَّ الدَّراهم معروفة لا هبته فيها، لأنَّه لا يعرف ما يهب؛ وأن يوكّل في العطاء كما يوكّل في البيع والحلّ؛ وأن يستحلّ غيره لغيره إن أمن عليه واطمأنَّ قلبه؛ وأن يقضي الدَّين غيره ويبرأ المعطي إن اطمأنَّ؛ وان يعطيه (2) السِّلاح يجاهد به؛ وأن يعير؛ وأن يكون وصيًّا أو وكيلا ليتيم، ويؤمن على ماله إن كان أمينا؛ وأن يأذن - قيل - لعبده في التِّجارة وفي التَّزويج؛ وأن يكاتبه؛ وأن يطلِّق عليه؛ وأن يأمره أن يظاهر أو يكفِّر، وإذا كاتبه على أقلّ من ثمنه عتق ولزمه فضل الثَّمن، وإذا أشهد أنَّه قضى زوجته ماله أو قطعة بحقٍّ عليه لها، ثمَّ رجع بغير الورثة ذلك، فله أن يرجع إن كان حيًّا، ويعطى ما عليه لا إن مات وأراده ورثته إذا قضى ذلك ومات، إلاَّ إن رجع في حياته وقاموا بحجَّته بعده؛ وإن قال: مالي لفلان، جاز إقراره؛ وقيل: لا، لإقراره بما لا يعرف إلاَّ إن أقرَّ بما يعرفه قبل أن يعمى؛ وإن أقرَّ لرجل بماله أو بعضه بحقٍّ له عليه وليسه بوفاء، فذلك قضاء لا
__________
(1) - ب: + «لا».
(2) - ب: «يعطيه». (6/495)
صفحة 3034
يجوز، وثبت له على المقرِّ أو وارثه قيمة ما أقرَّ له به، ومنع ابن أحمد إقراره لهذا الرَّجل إلاَّ إن نسبه بنسب يعرف به، وجاز بيعه لماء وأرض عرفها على الصفة بحدودها، وعرفت البيِّنة ذلك، ما لم ينقض البيع إذ له نقضه؛ وإن كرى دابة أو إنسانا إلى معروف جاز إذا لم ينقض.
فصل
إذا رفع على أعمى بحقٍّ لأحد، واستحضره الحاكم، وأمره أنْ يقيم وكيلاً يسمع له وعليه، لأنَّه لا يعرف من يطلب ولا من يطلبه، وقيل: لا يمين له، كما لا يمين عليه، وإنَّما يحكم له وعليه بالبيّنة، وإن أبى أنْ يوكّل حبسه حتَّى يوكّل، وإنْ أبى من الحضور إليه أدّبه بقدر ما يراه، وإنْ أقام وكيلاً أجزاه عن حضوره، وإن أقرَّ أنَّ عليه لفلان كذا وحضر مدَّعٍ ذلك عليه، وقال: إن اسمه يواطئ مَن أقرّ له، فليس للحاكم أنْ يأمره بالتسليم إليه، إلاَّ إنْ بيّن أنَّه هو بما وصفه الأعمى، وأنَّه لا أحد يواطئه في اسمه وصفته.
وإنْ ادّعى أنَّ فلانًا ضربه، فإنْ عرفه الحاكم بالصفة أخذهُ له بالتهمة إنْ كانت تلحقه؛ وإنْ ادّعى على حاضر بعينه، وأشار إليه بيده ولم يسمّه، فلا يقبل منه حتَّى يمينه، ويصفه بما تدرك به معرفته، وإنْ أقرَّ أنَّ لزيد هذا عليه كذا، وأشار بيده إلى حاضر، فليس هذا بإقرار، ولا يثبت له؛ وإنْ قال لزيد هذا: فلان بن فلان عليّ كذا، فإذا عيّنه بشخصه وحضر ثبت له، وإن قال: لفلان بن فلان التنازل في كذا، فإذا أدركت معرفته بذلك ثبت له، ولا يجوز إقراره بما فيه من حدود وقصاص، وجاز بولد على الصفة والحلية، وروى أبو سعيد أنَّ أبا الحواري رفعت عليه امرأة إلى ابن جعفر وكان قاضيا، فألزم أبا الحواري وأراد أنْ يحلفه، فذهب إلى نبهان فقال له: إنَّه أراد أنْ يحلفني، فقال له: لا يحلفك، أرِه عينيك، فلمَّا حضره أراد أنْ يحلفهّ، فقال له: تحلفني وأنا أعمى، انظر إلى عيني؛ فنظر إليهما، فقال: نعم، ذاهبة وهذه عائبة، فلم يحلفه. (6/496)
صفحة 3035
الباب الرابع والثلاثون
في بيع الأعمى ماله، وطلاق نسائه ونساء عبيده
فلا تجوز - قيل - مبايعته، فإذا طلب نقض ما باع أو اشترى انتقض، وأجاز نبهان بيعه فيما لا ينظر إليه كالماء من النَّهر والبئر كنصف يوم أو ليلة أو ربع يوم أو ثمنه أو أثر من ماء أو نحو ذلك، وكذا شراؤه في مثل (1) هذا وبيعه كطلاق زوجته، واختلف فيما يحدُّ بالبصر كالأصول والعروض والحيوان، فقيل: إذا باع واشترى بعدل السِّعر وكان نفعا له ولم ينقصه جاز؛ وقيل: لا وهو حرام؛ وإن نقض مالا يبصر جاز نقضه لمن شاء منهما؛ وإن باع ومات ولم يرجع لم يكن لوارثه رجوع كما مرَّ وبه قال الأزهر، وقال ابن عيسى: يقوى بيعه بموته أو موت المشتري كالبيع المجهول، وجاز السَّلف منه وله، وكذا مكاتبته لعبيده؛ وقيل: لا يجوز منه شيء من ذلك إلاَّ بوكيل.
أبو الحواري: لا يسع الشِّراء منه إلاَّ به، ومن اِشترى منه شيئا فليردّه، وأجاز ابن أحمد شراء الخفيف منه؛ وإن باع [545] شيئا لغير بأمره جاز، وكذا المريض، ومنع بعض تسليم الزَّكاة إليه إلاَّ بوكيل، وأجازه بعض بدونه، واِختير أن لا يضيق ذلك في الخفيف، وأجاز أحمد بن محمد له أن يقضي ما عليه لأحد دراهم معروفة عند النَّاس، وللعمياء أن تبيع صداقها لزوجها إن كان في ذمَّته؛ وإن قبضته منه لم يجز له ولا لغيره، وكذا الزَّوج الأعمى له أن يشتري صداق امرأته الذِّي عليه لها كان أصلا أو غيره إن لم يسلِّمه إليها؛ وإن سلَّمه لم يجز له شراؤه، وله أن يتزوَّج بصداق عليه، وإذا بارى زوجته عند الشُّهود وقد قعد للخلع وتباريا وقع البرآن بينهما، لأنَّه طلاق
__________
(1) - ب: - «مثل». (6/497)
صفحة 3036
بلا مهر، والطَّلاق جائز له إذا سمَّاها، ولا حجَّة له في ذلك، ولا توارث بينهما بعد البرآن، ولا مراجعة إلاَّ برضاها، ولا يجوز ردُّها منه إلاَّ به قبل وفاء عدَّتها، أو بجديد بعدها وبمهر وشاهدين ووليٍّ؛ وإن كانت عميا فلها أن توكِّل في البرآن؛ وإن أقرَّت له بما عليه لها من الصداق لم يحتج إلى وكيل، ولا يخرج برآنها من الإجازة لاقتضائه كما في الذِّمة، وأجازوا صدقة الأعمى بالذَّهب والفضَّة، وجوِّز بيعه لطلاق زوجته وهبته له ووكالته فيه لأنَّه شيء لا يوقف عليه، وجاز طلاقه؛ وإن لنساء عبيده وعتقه لهم لا بيعهم. (6/498)
صفحة 3037
الباب الخامس والثلاثون
في الأصمِّ وأحكامه
وقد جازت مبايعته إذا عرف ما يكتب له، ومن لا يسمع ولا يتكلَّم لا يثبت عليه حكم؛ وإن سمع شيئا ثبت عليه، وطلاق الأبكم والأصمِّ - قيل - يعرف بالإشارة، وجاز إذا عرف ما يريد من الأشياء.
أبو سعيد: إنَّ الأعمى والأصمّ والعاجز بآفة ما صحَّت عقولهم ولم يحدثوا موجب عزل ومختلف في زوال إمامة من كان منهم إماما بذلك، فإذا لم يجتمع علماء الدَّار على عزله، وتمسَّك بقول بعض المسلمين لم تكن لهم محاربته ما تمسَّك به، وقال ابن محبوب: لا يعزل بالصَّمم إلاَّ إن كان لا يسمع إذا نودي.
ابن سعيد: ليس الأصمُّ كالأعجم، لأنَّه لا يبصر ولا يتكلَّم، وتجوز شهادته إن كان عدلا، ويكون إماما في الصَّلاة وللمسلمين إذا كان يسمع لا إن كان لا يسمع أصلا، ولا حاكما إلاَّ إن كان يكتب برأيه ويقتدي به، والحاكم غيره، ولا يثبت الحكم على من لا يسمع.
أبو الحواري: إذا صمَّ الإمام، وقال: إنِّي أسمع إذا نوديت فينادى، فمرَّة يسمع ومرَّة لا، فلهم عزله إذا ذهب سمعه، وكان لا يسمع البيِّنة ولا حجَّة الخصم؛ وإن أبى أن يعتزل فليس لهم قتله ولا محاربته إلاَّ إن اِجتمع العلماء على عزله، ولا أحد منهم معه، فلهم أن يحاربوه حتَّى يعتزل، ولا يجوز له ذلك ولا أن يحاربهم؛ فإن حاربهم كان مبطلا، وحلَّ لهم دمه ودم من حاربهم معه؛ فإن تركوه في إمامته وسعهم ذلك، وقد ذهب سمع عبد الملك بن حميد ولم يزل في إمامته، وموسى بن علي قاض له إلى أن مات الإمام؛ فإن أرادوا أن يتركوه فيها ويقدِّموا معه من يكون معه (6/499)
صفحة 3038
في موضع الأحكام وينفِّذها وهو في إمامته، وهذا أمين فذلك لهم، وكذا إذا ذهب بصره وكلامه.
وذهاب العقل والكلام أعظمها، وقد أجمعوا على زوال إمامته إذا ذهب عقله لزوال الأحكام عنه، وأجاز بعض شهادة الأصمِّ وفتياه، وقد كان البسياني إذا أريد منه الفتيا كتب له في الأرض فيفتي لأنَّه أصمٌّ، وتزويجه إذا عقل ما يكتب له، ويردُّ الجواب بالرِّضا ويشهد عليه ولو أنَّه لا يسمع؛ وإن أمر من يتزوَّج عليه ثبت عليه إذا كان يتكلَّم؛ وقيل في الأعجم والعجماء إذا كان يفهم منهما الرِّضا بالإيمان، فإنَّه يجوز منهما ذلك، وكره بعض تزويجها وأبطله بعض، وردَّ بعض أمرها إلى أهلها. ويحدُّ قاذف الأعمى والأصمِّ إن لم يأت بمخرج.
وإذا كان الأصمُّ إماما فسهى فسبَّح له فلم يسمع، مضى من خلفه على صلاتهم وتركوه؛ وقيل: يرمى بحجر لا تضرُّه، أو يحرَّك، ولا يضرُّ ذلك صلاتهم لأنَّه من مصالحها؛ وإن قطع أحدهم صلاته ونبَّهه وأتمَّ بهم جاز، ويعيد المنبِّه، وكان ابن الفضل وابن جعفر والبسياني يصلُّون بالجماعة، وكلُّهم صمٌّ وأيمَّة في الدِّين، ولم يعب أحد على من صلَّى خلفهم ولم يقدح أحد في ذلك؛ وإن كان الأصمُّ مأمونا ولا يسمع من الإمام الإحرام فقد مرَّ ما فيه؛ وقيل: يحرم إذا ركع الإمام.
وقال أبو الحسن: إذا صلَّى الأصمُّ العيد مع النَّاس فإذا رآهم أحرموا فليحرم؛ وإن عمى عليه أمسك، فإذا ركعوا أحرم وأبدل الرَّكعة بالتَّكبير؛ وإن عجز عن فهمه فليصلِّ ركعة أخرى بلا تكبير ويجزيه، وفي الضِّياء: إذا حضرها ولم يسمعه فليصلِّ معهم الركعتين، فإذا سمع من التَّكبير شيئا أجزاه ما صلَّى معهم وكذا في الجنازة؛ وإن كبَّر على ضنِّه فلا عليه، واِختلف فيما يكبِّر الأصمُّ فيها خلف الإمام إذا كان لا يسمع تكبيره، فقيل: ثلاث عشرة؛ وقيل: ما شاء. (6/500)
صفحة 3039
[546] الباب السادس والثلاثون
في الغائب وأحكامه
وهو من خرج من بلده ولم يدر أين توجَّه ولا ما سببه، ولا أحيٌّ أم ميِّت، فإذا خلت له مائة سنة؛ وقيل: مائة وعشرون؛ وقيل: مائة وثلاثون، وقيل: ثمانون سنة حكم بموته، والأصحُّ أنَّه حيٌّ حتَّى يصحَّ موته، لأنَّ الآجال تختلف، فإذا غاب وماله في يد أحد فهو في يده حتَّى يصحَّ موته؛ وإن كان بيد أولاده وزوجته يمتانون منه فهو كذلك حتَّى يصحَّ أيضا؛ وإن لم يكن بيد أحد أو تنازع فيه ورثته ولا زوجة له ولا مؤنة فيه ولا حقوق لأحد جاز أن يضمنه ورثته ويكون في أيديهم؛ وإن أقام له الإمام وكيلا قبضه وكان بيده أمانة حتَّى يقدم أو يموت؛ وإن أخذه الورثة فهم فيه ضمناء لا أمناء، إلاَّ إن أشهدوا أنَّهم لا يأكلون منه ولا ينتفعون به، فهم فيه أمناء؛ ومن أخذ شيئا منه وإن كان نقودا فأمانة؛ وإن كان بيد أحد فهو أمانة حشرية، وعليه الإيصاء به إلى أمين ولا يلزم وكيل الغائب أن يزكِّيه إن لم يأمره، واِختير جواز إخراج (1) زكاة ماله ومال اليتيم من الثِّمار والمواشي لا النُّقود، إلاَّ إن أمره وليس لوكيله تصرُّف في ماله إلاَّ بما أمره به فيه؛ فإن تعدَّى لم يسعه. ومن بيده ماله ويدَّعي أنَّه وكيله فيه فلا يجوز أكل من عنده منه إلاَّ بثمن حتَّى تعلم إباحته له.
وجاز شراء التمرة من عنده إذا كان بيده يتصرَّف فيه وصاحبه تناله الحجَّة ولا ينكر، أو شهرت وكالته، فإن كان لا يدري موضعه ولا يرجى رجوعه فلا يشترى من عند مدَّعيها حتَّى تصحَّ وكالته؛ وإن لم يعرف له موضع ولا وارث لم يجز أكل من ماله.
__________
(1) - ب: - «إخراج». (6/501)
صفحة 3040
أبو الحواري: الحاكم مخيَّر في أمر الغائب دخولا وتركا، وعليه فليس له أن يجبر أحدا على الوكالة عليه في ماله ولا في مقاسمة شركائه فيه؛ وفي جواز التَّعارف في ماله قولان؛ وقيل: إنَّ الغائب تسمع عليه البيِّنة، ويقضى عليه، ويستثنى له حجَّته، ولا يحكم عليه إجماعا. وليس لوكيله إذا أراد سفرا أن يوكِّل له وكيلا، وله أن يوكِّل لنفسه ويجعل ما بيده للغائب أمانة عند وكيله ويشهد عليه. وإن كانت له مائلة على أرض رجل ولم يجد حاكما له يقطعها، فقطع ما أشرف عليه فلا عليه؛ وكذا إن كانت لحاضر ولم يجد منصفا له منه.
وللحاكم أن يوكِّل لغائب من يقبض له ويقاسم له بأمره، ويجوز له وعليه؛ وليس لوكيل الحاكم أن يوكِّل غيره ولا يوصي إليه ــ كما مرَّ ــ وللحاكم أن يجعل له ذلك؛ فإذا أراد وكيل الغائب أن يبرأ من وكالته ويدفع ماله إلى ورثته فلا يجد ذلك ولا يبرأ، ويضمنه إن فعل أو ضيَّع؛ وإذا قدم فلا يأخذ به غيره، ولو كان من سلَّمه إليه ثقة، وهو المتبوع فيه، لأنَّه المؤتمن عليه؛ وإن سلَّمه إلى وكيل الجماعة وأبرأوه من الوكالة برأ منها ومن المال إن كان وكيلهم عدلا عندهم وليس بأعظم من الإمامة. وقد أبرأ الجلندى الإمام منها إلى من أقامه إماما؛ ولا تجوز له البراءة من المال إن كان ليس بعدل، ولا لأحد أن يبرأ من الوكالة ويتركها إلى غيره، إلاَّ إلى إمام عدل أو جماعة إن أبرُّوه، وأقاموا للغائب غيره ثقة، ولا لهم أن يبرُّوه حتَّى يقيموا مثله أو أفضل منه إن كان هو أمينا، وإلاَّ فليس لهم أن يقيموا إلاَّ أفضل منه، ولا لهم قبول البراءة منه (1) إلاَّ إن أقاموا غيره إلاَّ إن أبرأ إلى الإمام فقبل منه؛ وإن أبرأ إلى عدلين وقبلا منه وحفظا مال الغائب أو اليتيم، وقاما به جاز له ولا ضمان عليه فيما تلف عندهما، ولا يجوز لهما فيه ما للوكيل من البيع والمنازعة، وإنَّما هما كالمحتسب ولا يقسم ماله لغلبة الظَّن بموته، حتَّى يصحَّ بعادلة أو شهرة قاضية.
__________
(1) - ب: «منهم». (6/502)
صفحة 3041
فصل
من غاب حيث لا يعلم مكانه وله شريك في مال أقيم له وكيل يقاسمه ويقبض له منابه.
ومن عليه حقٌّ لغائب لا يعرف مكانه وله زوجة وعيال تلزمه مؤنتهم، فله أن يدفع لهم ما عليه إذا لم يحكم لهم بفريضة في ماله وذلك أن ينظر إلى كلِّ من يلزمه عوله ولا وكيل له، فيفرض لمن عليه الحقُّ فريضة ولهم قائم به يدفعها لهم على يده فيبرأ بذلك.
وإن شهد عدلان على غائب أو ميِّت بحقٍّ لرجل وكان له دين على آخر فله أن يدفع ما عليه إلى الذي له الحقُّ إذا كان عنده أنَّه لا يصل إلى حقِّه بذلك؛ وإن لم يكن وكيلا ولا وصيّا، لأنَّه ليس لوارث الميِّت إلاَّ ما فضل عن دَينه وقد علم هذا به على الميِّت، ولا يحلُّ له دفعه للوارث (1) [547] لأنَّه ليس له؛ وإن علم الذي عليه الحقُّ بحقوق النَّاس على الغائب أو الميِّت؛ فإن تساوت وكان ما عليه يفيها فعليه أن يدفعه إليهم؛ وإن تفاضلوا فيها وما عليه لا يفي بها دفعه إليهم بالحصص؛ وإن كان لا يعلم بما على الميِّت أو الغائب وشهد عنده عدلان بما عليه لهم وهم يدَّعون حقوقهم دفع ما عليه إليهم فقول العدلين لقيام الحجَّة بهما على الحيِّ والميِّت، فإذا صحَّت الدُّيون بشهادتهما استحق أهلها ما على الرَّجل دون الورثة.
ومن غاب وله دين ومال ولم يعلم مكانه ولا وكيل له، وطلب بعض ورثته توقيف ماله، فإذا صحَّ أنَّه خرج من حدود عُمان، وقفه الحاكم وجعله بيد ثقة، وبمعنى هذا خروجه من الحوزة عند المغاربة، انظر معناها في النِّيل. وإن كان بين غائب وحاضر مال فاحتسب للغائب رجل معه وجمعه وأخذه من الحاضر فلا ضمان عليه فيه؛ وإن طلب منه أن يقاسمه فلا يجده عليه، بل يرفع أمره إلى الحاكم فيوكِّل للغائب من يقاسمه.
__________
(1) - ب: «لوارثه». (6/503)
صفحة 3042
فصل
إن مات من يرثه الغائب ورثه ويفرض لصغاره وزوجته وعبيده في ماله فرائضهم، وتؤدَّى إليهم من غلَّته؛ وإن أقرَّ بديون وطلبها أهلها حكم لهم بها؛ فإن كان له وكيل في قضائها في حياته قضاها لهم، وإلاَّ قضاها الحاكم واستثنى له حجَّته بعد أن يحلفهم على أصلها وعلى انَّهم ما استوفوها؛ وإن أقرَّ لأحد بشيء من ماله فغاب وطلبه سلَّمه الحاكم إليه، واستثنى حجَّته أيضا.
ومن عليه حقٌّ له وله صغار وزوجة فليس له أن يدفعه إليهم فيما يلزمه لهم، إلاَّ إن حكم عليه به حاكم أو قائم مقامه، وليس ذلك عليه ولا له إلاَّ بالحكم.
ومن عليه دين لحاضر وغائب أقام له الحاكم وكيلا يقبض له منابه إن لم يكن له وكيل ولا يضمنه إن ضاع من يده بلا تضييعه، ولا الحاكم؛ وإن قيض الحاضر حصَّته بلا وكيل (1) للغائب وبقيت حصَّته فضاعت، فإنَّه يحاصصه فيما بيده وما تلف فهو بينهما؛ وقيل: إذا قبض قدر منابه ولم تصل إلى الغائب حصَّته، ولا إلى وكيله حاصصه فيما قبض، ويرجعان (2) معا بالباقي في مال الهالك إن كان فيه وفاء.
ومن اِشترى ما لغائب من أحد ولا بيِّنة له أنَّه اِشتراه من وكيل أو مسلط أو مأمور أو حاكم أو قائم مقامه فالغائب أحقُّ بماله؛ وإن بلغه بيعه فلم يغيِّر فقد مضى وينظر في بائعه، ويؤخذ من ماله إن ظلم.
فصل
أبو الحسن: من اِدَّعى إلى رجل مالا في يده فطلبه إليه فأقرَّ أنَّه لغائب فإنَّه ليس بينه وبين الذي كان بيده خصومة إلاَّ إن طلب يمينه أنَّه ما أقرَّ به لفلان هذا ولا يعلم
__________
(1) - ب: - «ولا يضمنه إن ضاع من يده بلا تضييعه، ولا الحاكم؛ وإن قيض الحاضر حصَّته بلا وكيل». انتقال نظر لتكرار كلمة «وكيل».
(2) - ب: «يرجع». (6/504)
صفحة 3043
أنَّ له فيه حقًّا؛ وإن بيَّن أنَّه له وكان الغائب حيث تناله الحجَّة احتجَّ عليه وحكم عليه بعدها (1)؛ وإن كان حيث لا تناله حكم له بمال واِستثنى للغائب حجَّته ولا يلزمه أن يوكِّل له وكيلا يسمع عليه البيِّنة ويحتجُّ عنه ولو صحَّ عليه حقٌّ لأحد بها وله مال لكان للحاكم إنفاذ الحكم عليه، ولا يوكِّل له من يحتجُّ له أو يسمع عنه ويستثني له حجَّته؛ وقد قالوا: إنَّه مخيَّر في الدُّخول في أمره كما مرَّ؛ وقيل: ليس بمخيَّر في الحكم عليه وإنَّما خيِّر في القيام بماله ما لم يكن عليه حقٌّ لأحد أو مشاركة في مال. وإن اتَّفق ورثته وتقارروا على موته بلا صحَّة وقسموا ماله فهل لأحد أن يشتري من أحدهم شيئا منه؟ قال أبو عبد الله: كلُّ من دخل فيما قامت عليه فيه الحجَّة فليس له أن يدخل فيه إلاَّ بها، غير أنَّه رخَّص له إذا لم يعلم أنَّهم كذبوا فله أن يشتري منهم على اعتقاد أنَّه إذا بان كذبهم دان فيه بما يلزمه إذا اطمأنَّت نفسه ولم يكذبهم، ولولا هذا ما جاز للوليد بن عقبة أن يعطي عمران بن حطَّان مال نافع بن الأزرق بادِّعاء عمران عليه دينا وقد رفع هذا عن ابن محبوب. ولا لأحد شراء شيء من السُّوق من يد من بعث به كعبيد ولا أخذ برخصة فيما تطمئنُّ فيه القلوب من تصديق مدَّع على ما تعورف من المعاملة بين النَّاس.
ومنع البسياني الأكل من منسوب لغائب ولو لفقير؛ فمن أخذ شيئا منه ضمنه لربِّه؛ فإن احتضر قبل دفعه أوصى به، إلاَّ إن لم يعرف له ربٌّ فقد أجاز بعض أكله للفقراء وقد مرَّ ذلك.
__________
(1) - ب: «بعدُ». (6/505)
صفحة 3044
الباب السَّابع والثَّلاثون
في المفقود وأحكامه
فقيل: هو كالغائب في ماله ولوالدهما في مالهما ما لوالد الحيِّ في ماله. ومدَّة الفقد عند عمر أربع سنين وقد جعل الدُّنيا أربعة أقاليم: بلاد الزِّنج وهي سفالة الأرض إقليما وأعلاها إقليمًا، وكذا كلاًّ من شرقها وغربها؛ وجعلها ابن مسعود سبعة. ومدَّة الفقد سبع سنين؛ وبعض لم يحدَّ ذلك إلاَّ بصحَّة موته. والمعمول به هو قول عمر: والمفقود هو من اِنكسرت به سفينة ولا يعلم أنَجا أم غرق، ومن دخل حربا ثمَّ انجلت ولم يُدر أحيٌّ أم قتيل، ومن ترك صريعا في مكانه بجراح، ومن حمله سبع ولا يدرى ما حاله، ومن حمله سيل أو أحاط به حريق، ومن كان في دار فانهدمت عليه، ولا يدري ما صار إليه. وقيل: إن كان في الصَّف الأوَّل في الحرب فمفقود اتِّفاقا، وفي الثَّاني خلاف، وليس في الثَّالث بمفقود اتِّفاقا.
ومن حبسه جائر عادته القتل، فقيل: مفقود؛ وقيل: حيٌّ.
ومن توجَّه إلى قرية من قرى عُمان فلم يظهر فيها ولا في غيرها فمفقود، وكذا من دخل غيطة فيها أسود ولم يرجع ومن طلع [548] (1) الجبل الأخضر المعروف بعمان ولم يعلم أين توجَّه، وفي بعضها خلاف عند المغاربة. وفي الأثر أنَّ خارجة من منح قاصدة إلى نزوى ولم يعلم أين توجَّهت، فحكم الأشياخ بفقدها. وحكموا بفقد رجل من منح قاصدا إلى السر في تجارة، وبفقد آخر من جوفين خرج منها ولم يرجع ولم يعرف خبره ولا أين توجَّه، وبفقد رستاقي (2) قاصدًا (3) إلى الجوفين ولم
__________
(1) - ب: + «إلى».
(2) - ب: «رسناتي».
(3) - ب: «قاصد». وهو خطأ. (6/506)
صفحة 3045
يعلم أين توجَّه؛ قال خميس: أرجو أن حكم الخارج من الجوفين حكم الغائب إذا لم يذكر أنَّه قصد إلى معلوم.
ومن ركب (1) سفينة قاصدا إلى معروف ولم يوجد فيه ولا رجع ولا شُهد بحياته أو موته فمفقود.
فصل
إذا مضت لمفقود أربعٌ قُسِم ماله؛ وإن مات أحد مِمَّن يرثه فيها ورثه. وإن فقد رجل زوجته أو وارثه قسم مالهما بعد الأربع على ورثتهما، ويرث كلٌّ من صاحبه من أصل ماله، لا ممَّا ورثه منه على ما مرَّ.
وإن فقد ذو صبيَّة ومضت له أربع قسم ماله ووقف لها إرثها حتَّى تبلغ فتحلف ــ كما مرَّ ــ فتأخذه. وإن تزوَّجت زوجته أزواجا فماتوا وورثتهم ثمَّ قدم حيًّا فاختارها الأقل فقال الأكثر تردُّ ما ورثت (2)؛ وقيل: لا، واختاره أبو الحواري، لأنَّها تزوَّجتهم على السُّنَّة.
ومن شهر خبره في مسكنه أنَّه خرج في جيش ثمَّ لم يعلم أهل بلده أنَّه خرج منه فيه إلى أن وقع على الجيش آخر، فتقاتلوا فقتل بعض وانهزم بعض، وافتقد الرَّجل ولم يرجع وترك مالا وزوجة، وقد شهد رجلان أنَّه خرج في ذلك الجيش، ولا يعلم أنَّه خرج منه حتَّى وقعت الوقعة، كوقعة مناني أو واشح، فقال أبو الحسن مجيبا لأبي سعيد: إذا صحَّ خبره أنَّه كان في الجيش حتَّى لقوا عدوَّهم ثمَّ انجلت الحرب ولم يعلم أحيٌّ أم ميِّت حكم بفقده، فإذا صحَّ حكمه فبعد أربع يطلِّق زوجته وليُّه؛ فإن أبى الأدنى طلَّق الأقصى؛ فإن لم يكن له وليٌّ طلَّقها (3) الحاكم أو الجماعة ثمَّ تعتد
__________
(1) - ب: + «في».
(2) - ب: «ورثته».
(3) - ب: «طلَّق». (6/507)
صفحة 3046
للوفاة؛ وإن لم يصحَّ الفقد ولا موته ولا حياته فكالغائب، ولا حكم للجماعة في زوجته إلاَّ في إنفاذ ما يلزم لها في ماله إن رفع ذلك إليهم أو إلى الحاكم، وإلاَّ تولَّى ورثته ما صحَّ عندهم في القسم على ما يسعهم في ماله وصحَّ عندهم موته، فليس للحاكم أو الجماعة معارضتهم فيه، إلاَّ إن رفع إليهم أمر يجب إنكاره.
وإن فقدت امرأة وخلت لها أربع فلزوجها أن يتزوَّج أختها؛ وإن شاء طلَّقها وتركها سنة، ثمَّ يتزوَّجها وقال أبو عليٍّ: تعتدُّ بعد الطَّلاق سنتين ثمَّ يتزوَّجها؛ وقيل: لا، حتَّى ينقضي أجل الفقد، أو يطلِّقها وتنقضي عدَّتها احتياطا إن كانت ممن تحيض، وإلاَّ فحتَّى تايس (1)، وتعتدُّ بالشُّهور؛ وليس لوارثها أن يأخذ من الزَّوج أجل صداقها حتَّى تمضي أربع فيورث مع مالها؛ وإن طلَّقها كان دينا عليه؛ وقيل: يحلُّ أجله بطلاقها.
وإن فقدت عن زوج أربع أو بعضهن فليس له أن يتزوَّج حتَّى تمضي أربع؛ وإن طلَّق واحدة منهنَّ قبل أن تمضي فليس لوارثها أن يطلب منه الأجل؛ فإن كان له وكيل قبضها مع مالها، وإلاَّ وكِّل لها الحاكم من يقبضه، ويكون بيده إن طلب ورثتها ذلك إليه؛ قيل له: فمتى يكون له قبضه منه، أمِن حين ما يطلِّقها أم من حين ما تنقضي عدَّتها؟ فإن طلَّقها ثلاثا فمن حين طلاقها، وإلاَّ فلا حتَّى تمضي ثلاثة أشهر؛ وإن راجعها بعد أن طلَّقها رجع صداقها آجلا عليه، ويتوارثان في الأربع لا إن ردَّها بعد مضيِّ الثَّلاثة، لأنَّها بعدها بائن ويحلُّ صداقها، ولوكيلها قبضه، وليس لزوجها أن يتزوَّج أختها ولا خامسة حتَّى تعتدَّ سنة للاحتياط فيه؛ وإن طلَّقها لا ثلاثا فمضت أربع قبل الثَّلاثة ورثها لأنَّه يحكم بموتها في العدَّة؛ وإن طلَّق مفقودة لم يدخل بها تزوَّج أختها من حينه.
__________
(1) - كذا في النسختين، ولعلَّ الصواب: «تيأس». (6/508)
صفحة 3047
فصل
من دبَّر سريَّته ففقد فلا تتزوَّج حتَّى تمضي أربع ثمَّ تعتق وتعتدُّ للوفاة كالحرَّة؛ فإن قدم وقد تزوَّجت أخذها وهي أمته ولها صداقها؛ وإن أجاز نكاحها جاز؛ وإن كان السَّيد والأمة يهوديين (1) ثمَّ أسلمت وقد فقد، فإنَّه يحرم عليه وطؤها، ولا تتزوَّج إلاَّ بإذنه إلاَّ إن باعها لمسلم فتعتدُّ كالمسلمة ثلاثة قروء؛ وقال أبو الحواري: قرأين، أو شهرًا ونصفًا. ولا سبيل للذَّمي إن قدم وقد أسلمت؛ وإن قدم مسلما فهي أمته فتردُّ إليه إن شاء. وإن فقد اليهودي وأسلمت امرأته ثمَّ تزوَّجت ثمَّ قدم ردت إليه إن صحَّ إسلامه قبل أن تتزوَّج.
ومن فقدت امرأته فأراد نكاح أختها قال ابن محبوب: يتربَّص أربع سنين؛ فإن تزوَّجها وقدمت وقد دخل بها اختار أيَّهما شاء؛ وإن قدمت ومات قبل أن يختار ورثتاه. وإن فقدت صغيرة انتظر إن أراد أختها أو أربعة سواها حتَّى لا يشكَّ في بلوغها، ثمَّ أربع سنين ثمَّ يتزوَّج؛ وإن شاء طلَّقها وتزوَّج من حينه إن لم يدخل بها. وإن فقد هو عن صغيرة ومضت له أربع قسم ميراثه، ووقّف لها منابها حتَّى تبلغ كما مرَّ، وإنَّما تطلَّق بعد بلوغها ورضاها ثمَّ تعتدُّ للوفاة. وكذا إن فقد صبيٌّ عن بالغة تنتظر حتَّى لا تشكَّ في بلوغه، ثمَّ أربع سنين ثمَّ يطلِّقها وليُّه، ثمَّ تعتدُّ للوفاة، وإنَّما يلزمها ذلك لأنَّها رضيت به ولا صداق لها ولا ميراث حيث لم يعلم رضاه بها بعد بلوغه.
وقيل: إذا تزوَّج الرَّجل بأخت المفقودة أو بربيبة لم يدخل بأمِّها ثمَّ قدمت خرجت الأخيرة بلا طلاق وبلا صداق إن لم يدخل بها؛ وإن ماتت وورثها ثمَّ قدمت [549] المفقودة ردَّ الإرث.
__________
(1) - ب: «يهوديان». وهو خطأ لأنَّه خبر كان. (6/509)
صفحة 3048
فصل
زعم ابن المعلا أنَّ زوجة المفقود تنفق من ماله في مدَّة الفقد وفي عدَّة الوفاة، وقال هاشم: لا نفقة لها في عدَّة الوفاة. أبو الحواري لها أن تأكل منه في مدَّة الفقد؛ فإن صحَّ موته قبل تمامها ردَّت، لأنَّ الخطأ في الأموال مضمون.
والكتابيَّة والأمة كالحرَّة المسلمة في عدَّة الفقد، وكذا العبد فيه كالحرِّ، ويطلِّق زوجته سيِّده، وله الخيار مثله؛ وإن توفِّي بعد أن صحَّت حياته وطلِّقت زوجته فالعدَّة من يوم مات؛ فإن تزوَّجت فرِّقت من الأخير، واعتدَّت باقي عدَّتها من الأوَّل عدَّة الوفاة ثمَّ تتزوَّج الأخير إن شاءت بجديد بلا عدَّة منه بعد انقضاء عدَّة الأوَّل؛ وإن أرادت غير الأخير وقد دخل بها اعتدَّت منه أيضا بعد الأوَّلى من الأوَّل.
وأولى بطلاق زوجة المفقود أبوه ثمَّ ابنه وإن منها ثمَّ الأقرب فالأقرب؛ وإن كان له رحم أو جنس لا عاصب فالإمام أولى وإن بأمره؛ وإن تزوَّجت من غير أن تطلَّق ففي تفريقها قولان؛ وإن اِستوى أولياؤه أمر الحاكم أحدهم ولا يتزوَّجها مطلِّقها منهم ولا يطلِّقها الحاكم إن كان له وليٌّ حتَّى يحتجَّ عليه.
وقد كثر الاختلاف والاحتجاج في زوجة المفقود وتزويجها في المدَّة بعد ادِّعائها (1) موته، فأجازه ابن بركة، وأبطله أبو سعيد، ولكلٍّ حجَّة وأصل يبني عليه، واختلاف السَّلف في ذلك رحمة.
__________
(1) - ب: «ادِّعاء». (6/510)
صفحة 3049
الباب الثامن والثَّلاثون
في الخناثى وأحكامهم
وقد جاء في الأثر أنَّ شهادة الخنثى شهادة امرأة، وحكمه حكمها، لا يجوز النَّظر إلى بدنه، ويقتل به قاتله، وديته كإرثه، ثلاثة أرباع الرَّجل؛ ولا يكون وليًّا في التَّزويج إلاَّ مع غيره؛ ولا جهاد عليه ولا جمعة ولا جماعة؛ وإن صلَّى معها كان بين الرِّجال والنِّساء، ويلبس لباس النِّساء إلاَّ الذَّهب والحرير عند الصَّلاة، وإحرامه في وجهه كالمرأة، ولباسه عنده لباسها؛ وقيل: لا يلبس لباسها ولا لباس الرَّجل ولا الحرير ولا الذَّهب ولا حليًّا ولا خاتما ولا خمارا، ويسدل على رأسه، ولا يتشبَّه بالرِّجال ولا بالنِّساء في اللباس، ويلبس جائزا لهما لا لأحدهما فقط؛ وليس له أن يتزوَّج، وله أن يتسرَّى، وعليه الغسل من الحيض والجنابة، فإذا رأى حيضا توضأ لكل صلاة، فإذا طهر اغتسل لأنَّه يلزمه حكم الذَّكر وحكم الأنثى؛ وإن خرج منه منيٌّ من فرج الأنثى بلا معنى الجماع ففي وجوب الغسل عليه خلاف، ولزمه بأيِّ وجه خرج من خلق الذَّكر؛ وإن جامع به حتَّى غابت منه الحشفة في قبل أو دبر أو أوطأ نفسه رجلا أو دابَّة في قبله أو دبره وجب عليه الغسل بذلك.
أبو سعيد: لا يثبت في الأحكام أب خنثى فيكون له ميراث الخنثى، وإذا ثبت أبا ولو فيه خلق الذَّكر والأنثى فحكمه حكم الأب في الإرث، وفي العصبات في أمر المفقود والعواقل وانتقل عن حكم الإشكال؛ وإن ثبت حكمه أمًّا انتقل إلى حكم الأنثى ولها حكم الأمِّ في الإرث من ولده وولده وتحوَّل عن الإشكال أيضا فيكون له ما للأمِّ وما للجدَّة، ولا يجوز أن يكون أب أو أمٌّ أو زوج أو زوجة خنثى في الإرث وغيره. (6/511)
صفحة 3050
فصل
يخرج في الإشكال أنَّه لو تزوَّج خنثى بأنثى ورضيت به وجاز بها أو لم يجز ثمَّ مات أحدهما، فقيل: يتوارثان بالزَّوجية فإذا ثبتت على القول بها كان له منها إرث الزَّوج، وعلى القول ينفي ذلك فليس بشيء ولا توارث بينهما ولو رضي كلٌّ بصاحبه فإذا ولدت له الأنثى وصحَّ حملها منه على فراشه ثبت في حكم الذُّكران وكان زوجا بلا خلاف وصحَّت الزَّوجية اتِّفاقا؛ وكذا لو تزوَّج ذكرا ورضيت به زوجا فلا توارث بينهما إن مات أحدهما ولا صحَّت زوجية في الإرث ما لم تلد من الذَّكر، فإذا ولدت منه صحَّ أنَّها أنثى وأنَّها (1) زوجته ولها ميراثها، وإلاَّ فلا زوجية بينهما، لأنَّ حكم الكتاب والسُّنَّة بها للذَّكر والأنثى، وحكم الإشكال مشكل موقوف عن ثبوت الأحكام، حتَّى تصحَّ، والزَّوجية لا تنعقد إلاَّ لذكر على أنثى، فما لم يصحَّا لم تنعقد في المواريث، لأنَّها نقل الأموال ولا يجوز على الشُّبهة والإشكال، ولا الإطلاق (2) في الزَّوجية لخنثى على خنثى بذكر أو أنثى في حكم ولا فتيا. قال: ولا يبين لي ذلك، لأنَّ فيه إطلاق الموقوف عن الأحكام والموقوف لا يطلق فيهما؛ وإن وقع التَّزويج وإن بخنثى اختير تركه بالإطلاق، قال: ولا يبين لي وجه الفراق بينهم (3)، لأنَّ الحكم في بني آدم لا يخرج إلاَّ في ذكر أو أنثى لقوله سبحانه: {يَهَبُ لمن يشآء إناثا ... } الآية (الشورى: 49)، فكلُّ مولود لهم فهو ذكر أو أنثى، وجاز أن يخلق فيها خلقه وفيه خلقها (4)، ولا يستقيم أن يكون خلق واحد ذكرا وأنثى معا، وذلك من عجائب صنع الله، يبتلي عباده بما شاء، فالمولود على هذه الصِّفة يسمَّى في بعض المعاني المشكل لا الخنثى (5)، والمشهور أنَّ الذي له خلقان يسمَّى
__________
(1) - ب: «أنَّه أنثى وأنَّه ... ».
(2) - كذا في النسختين، والعبارة غير واضحة المعنى.
(3) - ب: «بينهما».
(4) - ب: «فيه خلقها، وفيها خلقه».
(5) - ب: - «لا الخنثى». (6/512)
صفحة 3051
خنثى، ولا يكون ذكرا مع الرِّجال، ولا أنثى مع النِّساء، ولا يحكم له بميراث أحدهما، وإنَّما يعطى لأشكاله نصف كلٍّ كما مرَّ، {هو الذي يصوِّركم في الأرحام كيف يشآءُ لآَ إله إلاَّ هو العزيز الحكيم} (آل عمران: 6).
تمَّ هذا الجزء. (6/513)
صفحة 3052
/ (6/514)
صفحة 3053
/ (6/515)
صفحة 3054
/ (6/516)
صفحة 3055
/ (6/517)
صفحة 3056
/ (6/518)
صفحة 3057
/ (6/519)
صفحة 3058
/ (6/520)
صفحة 3059
/ (6/521)
صفحة 3060
/ (6/522)
صفحة 3061
/ (6/523)
صفحة 3062
/ (6/524)
صفحة 3063
/ (6/525)
صفحة 3064
حقوق الطبع محفوظة. (6/526)
صفحة 3065
/ (7/1)
صفحة 3066
/ (7/2)
صفحة 3067
الجزء العشرون
في العبيد وما لهم، وما عليهم (7/3)
صفحة 3068
الباب الأول
في العبيد والرِّفق بهم
قال الله سبحانه: {أو ما ملكت أيمانُكم} (النساء: 3)، وقال أيضا: {عبدًا مملوكا لا يقدرُ على شيءٍ} (النحل: 75). ولمَّا احتضر [550] النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «الصَّلاة والزَّكاة وما ملكت اليمين». فردَّدها مرارا ثمَّ قال: «رفيعَ العرش هل بلَّغتُ»؟ ثمَّ لم يتكلَّم بعدها. وقال أيضا: «يأيُّها النَّاس إنِّي أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السَّماء وحقَّ لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلاَّ وعليه جبهة ملك أو قدماه، ومن له خول فليحسن إليه؛ فإن كره فليبع». والأطيط صوت الثَّقيل. وقال أيضا: «أطعموهم ممَّا تأكلون، واكسوهم ممَّا تكسون، ولا تكلِّفوهم ما لا يطيقون؛ فإن وافقوكم فأحسنوا إليهم؛ وإن خالفوكم فبيعوهم، ولا تعذِّبوا خلق الله، فإنَّهم لحوم ودماء لم ينحتوا من الصَّخر، ولم يقطعوا من الشَّجر». وهاهنا روايات تركتها.
وقيل: إذا كان العبد عاصيًّا لمولاه مؤذيا له فله ضربه حتَّى يطيعه؛ وقيل: تركه أسلم، وبيعه أولى. وأدب العبيد مختلف، ويعتبر بالتَّحرِّي، فإذا كان يتأدَّب بعشر فلا يؤدَّب بأكثر؛ وقيل: إلى أربعين، وهو أدب عمر؛ وقيل: إلى (1) سبعين، وهو ضرب ابن محبوب غلامه. أبو الحسن: لا أعرف لأدبه حدًّا إلاَّ حتَّى يطيع (2)، وما بعد الطَّاعة فعقوبة. وأجاز جابر ضربه والمانع يجيز قيده إذا خاف منه هربا، حتَّى يأمن منه. ولا يصلح ضربه على سرق أو إباق. وقال هاشم وابن عليٍّ والأزهر: إذا عرفت
__________
(1) - ب: - «إلى».
(2) - كذا في النسختين. (7/4)
صفحة 3069
من سيِّد إساءة إلى عبده بضرب وجوع وتقدِّم عليه وأمر بالإحسان فلم يفعل أمر ببيعه؛ فإن أبى حبس؛ وقيل: إذا أساء بعد التَّقدمة أجبر على بيعه.
ومن ضرب عبد غيره ندب له أن يستحلَّه وسيِّدَه، والأرش لسيِّده.
فصل
جاز للرَّجل أن يأمر ثقة بضرب عبده لا أن يعان السَّيد على عبده؛ وقيل: يعين مثل وليِّه ويحال دونه إن ضربه ضربا مهلكا. أبو عليٍّ: إن ضربه بلا ذنب حبس؛ فإن مات ولم يسئله ندب له أن يتصدَّق بمثل أرشه ويستغفر.
ومن ربط عبده حتَّى مات فليعتق رقبة. وعن عمر أنَّه جلد قاتلا خادمه مائة، ومحى اسمه من الدِّيوان.
وأجاز له بعض كالشافعيِّ أن يحدَّ عبده إذا زنى؛ ومنعه بعض كأبي حنيفة، لأنَّ إقامة الحدود لا تكون إلاَّ للإمام؛ وقيل: للرَّجل في عبده وأمته ما للإمام في رعيَّته من الحبس والتَّعزير والنَّهي. وأجاز له قوم أن يقبِّح وجه عبده إن اِستحقَّ؛ ومنعه آخرون، وإنَّما يدعو على نفسه إذا دعا على ماله.
ومن قال: إن ضرب عبده فهو حرٌّ فضربه ضربتين، وصحَّ أنَّه مات بهما فشبهة وفيه الديَّة. ومن قتل عبده خطأ لزمه عتق؛ وإن تعمَّد فالكفَّارة والتَّوبة إن كان مؤمنا، ولا شيء عليه في الخطإ إن كان مشركا.
ومن ضرب أمته فأسقطت حيًّا، فإن بلغت قيمته ثمن رقبة تصدَّق بها؛ وإن أسقطت ميِّتا فعشر قيمة أمِّه إن كان ذكرا، ونصفه إن كان أنثى.
أبو عليٍّ: يضرب على المناكر (1) الكبار وترك الصَّلاة، لا على ترك الخدمة.
__________
(1) - ب: «المناكير». (7/5)
صفحة 3070
ومن اِشترى أغثم لا يعرف العربيَّة، فإن كان موحَّدا طابت له ملكته ويأمره بالصَّلاة، ويضربه عليها، ولا عليه إن لم يفعل؛ وإن كان مشركا باعه ــ قيل ــ في الأعراب. والزِّنجي إذا لم يصلِّ ولم يقر بالله فمشرك؛ وإن أمره بالصَّلاة ولا يراه يصلِّي ويدَّعي أنَّه يصلِّي فلا عليه؛ وقيل: يبيعه فيهم أيضا إذا لم يصلِّ ولم يصم؛ وإذا غاب عنه فعله من المعاصي لم يلزمه. ويكره له أن يتركه غير مختون إذا بلغ.
وإذا ملك المجوسي أمة، وقالت إنَّها مسلمة وطلبت أن تباع أخذ به، وكذا غيره، ولا بأس بالذكر كان بيسرا أو أسود.
ومن صلَّى من عبيد المشركين فهو حرٌّ ومن لم يصلِّ دعي إليها. ولا يردُّ إلى مولاه. وإن أسلم مولاه قبله فهو عبد.
وإذا (1) تزوَّج عبد أمة يهودي بلا إذن ربِّه فولدت أولادا أجبر على بيعهم.
__________
(1) - ب: «وإن». (7/6)
صفحة 3071
الباب الثَّاني
في نفقة العبيد وكسوتهم واستخدامهم
وقد روي: «إنَّهم إخوتكم، جعلهم الله في أيديكم». فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممَّا يأكل، وليكسه ممّا يكتسي. قال خميس: ولم نر (1) من يحكم بذلك، ومعناه عندي أنَّه أمر به ترغيبا لا وجوبا.
ومن أطعم عبيده التَّمر وأكل هو البسر والتَّمر فلا عليه إن طابت نفوسهم، وإلاَّ فقد مرَّ ما ورد في ذلك. وقال بشير: له أن يطعمهم تمرا لا خبزا أو عكسه، قال: ولا أرى لهم عليه فريضة. ويؤمر بإشباعهم وكسوتهم؛ وقيل: ربع صاع ذرَّة أو شعيرًا (2) أو من تمر كلَّ يوم؛ أو يطعمه حتَّى يشبع. ويجبر على نفقته ويؤمر إن لم ينفق عليه أن يبيعه (3)؛ وإن أحبَّ أخذها إلى بيته كان له؛ وإن أحبَّ سيِّده أن لا ينفق عليه فيه كان له أيضا إذا خاف أن يزيل منها إلى غيره، ويضعف عن خدمته. ولا بدَّ له من إدام على قدره.
أبو الحسن: إن أبى من الخدمة وهو يطيقها جاز منعه من الطَّعام، ويسأل عن شبعه إذا خاف جوعه، ويطعمه حتَّى يشبع ويستخدمه حتَّى يلغب؛ فإذا مضى له يوم أو يومان ولم يأخذ نفقته ثمَّ طلبها لم يجدها، ويعطى بالغداة نصفها وبالعشيِّ نصفها. وجاز أن يكسى واحدا إن كان يكفيه لصلاته.
وحفظ زيَّاد أن ليس على مولى الأمة أن يغطِّي رأسها، ولا بأس بكشف نصفه.
__________
(1) - ب: «نرى». وهو خطأ.
(2) - ب: «شعير». وهو خطأ.
(3) - ب: - «أن يبيعه». (7/7)
صفحة 3072
ومن ولاَّه رجل على عمله ونفقة عبيده، وأمره أن يعطي من عمل منهم لا من لم يعمل، فإنَّه لا يتعدَّى أمره، والإثم على مولاهم؛ ولا ينبغي له أن يكلَ أمر عبيده إلى غير ثقة. وفضلُ النَّفقة للسيِّد، وللعبد أكله.
واِستخدامه من طلوع الفجر إلى العشاء الأخيرة، ولا يستخدم بالليل إن كره، ولا بأس إن طابت نفسه؛ وإن اِستحلَّه فأحسن؛ وقيل: إنَّ الأحوال تختلف، فمن كان يستخدمهم وقتا ويريحهم وقتا كالقابلة، فله أن يستعملهم في الليل بقدره؛ وقيل: ليس له أن يستعملهم فيه. [551] وله اِستعمالهم كما مرَّ من الفجر إلى العتمة. بشير: له أن يستخدمهم فيه ويريحهم بالنَّهار إن قبلوا؛ فإذا كانت للعبد صنعة فيه من صلاة الغداة إلى اللَّيل كنسج أو غيره ممَّا لا راحة فيه، فليس له اِستعماله في اللَّيل. ولا للعبد فراغ يوم العيد. ولا يجب على مولاه أن يقيله نهارا، وحسن إن فعل؛ وقيل: إنَّ غسَّان قال: قد نال أهل عمان العدل، إلاَّ عبيد الباطنة.
وقيل: إنَّ لامرأة أمة فشكت إلى موسى أنَّ أهلها يكلِّفونها الزجر فكتب لها إلى الوالي أن لا يستعملها مولاها إلاَّ بالطَّحين والخبز والمكسحة ونحوها، ولا تكلَّف الزَّجر.
ومن اِستعمل عبده بما يرى أنَّه يقدر عليه، فقال إنَّه لا يطيقه، لم يغدر، وله أن يجبره عليه إن لم يخف فيه تلف نفسه؛ ولا يستعمله إلاَّ بما قدر عليه إن مرض أو كبر، وعليه مؤنته ولو أعتقه إن طلب عتقا إذا عجز عن ذلك لصغر أو كبر أو مرض ولو لم يطلبها. وإن كان بين قوم فأبق إلى بعضهم فاستعمله ضمن لشركائه قدر ما لهم فيه؛ فإن رضوا أن يستعمله كلَّ وقت جاز، وإلاَّ فالأجرة والغلَّة بينهم. ولا يجوز له أن يؤاجر نفسه ليلا لنفسه إلاَّ بإذن ربِّه. (7/8)
صفحة 3073
الباب الثَّالث
فيما للسيِّد في عبده وماله
ابن أحمد: ما اكتسبه فلسيِّده اتِّفاقا، وما ورثه فموقوف عليه كما مرَّ، ولا شيء لسيِّده فيه اتِّفاقا أيضا؛ وما أعطيه أو اقرَّ له أو أوصى به إليه، فقيل: هو للعبد وليس لمولاه أخذه؛ وقال هاشم: لا يمنع منه إن أخذه؛ وقيل: العبد وما بيده لربِّه، وليس له أن يتصرَّف فيه إلاَّ بإذنه، ويدفع إليه ما أوصى به له؛ فإن مات قبل أن يدفع إليه فهو لربِّه؛ وإن مات قبل الموصي له رجعت وصيَّته لوارث الموصي. ولا يجوز له أن يتصدَّق ببعض ماله ولا يفضل عن نفقته، ولا أن يأكل من تحت يده ويكتسي وينفق على عياله إلاَّ بإذن ربِّه، ولا يأخذ إن منعه إلاَّ ماله عليه من نفقته ونفقة من أمره بتزويجه لا على أولاده ولا له زيادة على كسوة مثله؛ وإن أرسله في طلب شيء فأتاه به فله أخذه منه والانتفاع به ولو طلبه لنفسه، ويستأذن ربَّه في الزَّكاة والحجِّ إن كان له مال، وليجتهد في طلب ما يلزمه، فإذا كان له مال زكَّاه ولو كره ربُّه؛ وله أن يستأذنه في الحجِّ، وله منعه منه إن شاء.
ومن وجد بيد عبده مالا فله أخذه منه ما لم يربه، وله أخذ ما عليه. وإن قال إنَّ ما عنده لقطة ردَّها إليه وضمنها إن أتلفها. أبو المؤثر: له أخذ ما بيده إن كذَّبه؛ وإن شاء صدَّقه وردَّه له.
وإن عمل بأجرة في حال شركه ثمَّ أسلم فلربِّه أخذها وأكلها إن حلَّ أصلها. وقيل: كان أبو بكر إذا أتاه عبده بغلَّته سأله عنها فأتاه يوما بها فأكل ولم يسئله ثمَّ سأله فقال كنت نفثت لقوم في الجاهليَّة فلم يعطوني فأعطوني اليوم، فأدخل ــ قيل ــ يده في فيه فقاء ما أكل منها، وهذا ــ كما قال أبو عبد الله ــ على وجه التَّنزُّه؛ وله أن يأكل ما وجده عند عبده، وأن يأخذ ما عليه من الثِّياب، ولو أقرَّ أنَّه لفلان حتَّى (7/9)
صفحة 3074
يعلمه حراما. أبو المؤثر: ما في يدي أولادكم وعبيدكم فلكم أخذه، ولا يلتفت إلى إقرارهم أنَّه لغيرهم أو حرام!.
أبو الحسن: من أعتق عبدا فمضت له مدَّة فوُجد بيده مال فادَّعى أنَّه أصابه بعد عتقه، وسيِّدُه أنَّه قبله، فالقول قول المعتق إن أمكن حدوثه في تلك المدَّة، وإلاَّ فقول السيِّد.
ومن طلب إلى عبده أن يعلِّمه بماله لزمه إعلامه ولا يكتمه شيئا منه. وإن رهن رهنا أو وضع عند أحد أمانة فضاع ذلك، فالأمانة إن وضعها برأيه بلا قبض لها من الأمين (1) فلا ضمان عليه، وأمَّا الرَّهن فإن اِرتهنه منه مرتهنه بلا إذن ربِّه لزمه غرمه، ودينه في رقبة العبد.
فصل
ليس للعبد أمر في نفسه ولا في ماله إلاَّ إن أذن له فيه ربُّه، وإذا وهب له شيء فقبضه فهو له دون سيِّده، وكره له أخذه وليس بحرام؛ وقيل: لا يجوز أكل ما اصطاده العبد وذبحه، لأنَّه ذبح مال مولاه بلا إذنه.
ورفيعته في الولاية مقبولة لا تعديله؛ وقيل: مقبول أيضا.
وإذا أسكن السيِّد عبده في أرض ونخل جاز أن يشتري منه ثمارها بأنَّه قد ائتمنه على ذلك، ولا بأس بأكل ما أهداه إن فوِّض ذلك إليه.
ومن وكَّل عبد غيره في بيع أو شراء أو تزويج أو طلاق ثبت عليه فعله، ولو كره مولاه، وعليه له أجر استعماله، وعصى هو والعبد.
وإن أقرَّ بقتل رجل لم يجز إقراره على نفسه. ومن استعمل عبد غيره أو حمله على دابَّته بلا إذن سيِّده ضمن ما أصابه اتِّفاقا. وإن أمره أن يستقي له من نهر
__________
(1) - ب: «من الأمين لها». (7/10)
صفحة 3075
فاستقى له من طوي كعكسه، فسقط فمات ضمنه عند أبي عبد الله؛ ويلزمه عند أبي الحسن أجر استعماله لا تلفه إن خالف أمره.
ومن استعار من رجل غلاما ليطلع له نخلة فطلعها فسقط على رجل فماتا معا فلا شيء في ذلك، لأنَّه لم يلزم مولاه أكثر من ثمنه لو عاش؛ وإن أطلعه بلا إذنه فديته عليه ودية الرَّجل على سيِّد العبد، وهي ثمنه يأخذها من مطلعه. ومن رفع على مملوك حمله بمطلبه فلا عليه إلاَّ إن كان الحمل له، فيلزمه ما استعمله؛ ولا بأس أن يؤمر أن يستأذن مولاه ويدخل بإذنه، ولا إثم على آمره، ولا بمماشاته ومحادثته في الطَّريق. ومن علَّمه وهو مارٌّ لم يحبسه فلا عليه، وله أن يسلِّم عليه ويمرَّ عنه.
ومن حمل جنازة فأتاه عبد ليحمل عنه فلا يسلِّمها إليه، ولكن إذا أخذها وصارت بيده جاز له أن يدعها فيه ويعتزل عنها، ولا يأمره بأخذها منه [552] ولا يمنعه عنها؛ وقيل: يسلِّمها إليه إذا أراد حملها.
ومن استعمل عبدا يعمل بيده كحجَّام ومولاه يرى مستعمله جاز له لا إن غاب من البلد؛ وإن اِستعمله ولا يعلمه مملوكا ثمَّ قال إنَّه عبد ضمن لسيَّده أجرته.
فصل
من قال لعبد: ادع لي مولاك، أو هل رأيت دابتي؟ أو قف لي حتَّى أسئلك، أو إذا مررت بمنزلي فقل لغلامي يجيء إليَّ، أو أوقفه في الطَّريق يحدِّثه لم يجز له ذلك، وله أن يسأله عن مولاه: أهو في البيت أم لا، ولا يرسله إليه. وقد أجازوا استعمال العبيد في الاستئذان على مواليهم والسؤال لهم عن أحوال مواليهم لمن لقيهم في الطَّريق، والمصافحة لهم إذا سلَّموا عليه، إذ لا تتحرَّج نفوس مواليهم بهذا، ولا يجوز غيره وإن قلَّ. (7/11)
صفحة 3076
ولا يجوز استعمالهم بالليل بلا إذنهم؛ وقد دخل أبو المؤثر منزله فسمع فيه صوت رحى، فقال: من هذا؟ فسكتت الرَّحى، فقالت له جارية: أنا أمة لفلان، فضمن له نصف دانق، وكان ضريرا، قال خميس: وهذا منه احتياط، وإلاَّ فلا يبلغ بهذه الكلمة مثل هذا، ولكن كانوا يحتاطون.
وإن حبس الجائر عبدًا فلحقه ضرر بجوع أو غيره فلا يستعمل بأجرة بلا إذن ربِّه، ولكن يتصدَّق عليه بطعام. ومن له عبد يخدمه وينفق عليه فاستعمله يوما ولم ينفقه، فلا يجوز استعماله ذلك اليوم بكراء؛ وإن عرف أنَّ مولاه يستعمله إذا احتاج إليه، ويدعه يعمل لنفسه إذا لم يكن له عمل فلا يستعمل إلاَّ بأمره، وضمنه مستعمله إن أتلفه.
أبو زيَّاد: إن قالت امرأة لعبد غيرها: رد عليَّ هذه البقرة فخرج يجري وبيده رمح فصرع عليه فمات، لزمها ضمانه.
ومن اِستطعمه عبد فليطعمه إذا لم يعلم (1) أنَّه آبق أو عاص لمولاه، أو كان طعامه يعينه على عصيانه. ومن حور على عبد فمات (2)، فإن اعتيد أنَّ التَّحويرة ممَّا يوقفه ويهلكه ولا يمكنه أن يسير، ولا أن يرجع فإنَّه يضمنه.
ومن سافر معه عبد فحمل له شيئا بلا أمره أو كلَّمه بلا قصد لحبسه؛ فإن أذن له في السَّفر ولم يحمِّله هو شيئا ولم يستعمله بأمره، ولم يعقه بكلامه عن سفره، فلا يلزمه عندي ضمان، وإلاَّ فهو أشدُّ، قال: فما لم يحبسه أو يستعمله فأرجو أن لا يلزمه.
__________
(1) - ب: «يعلمه».
(2) - ب: «فمات». (7/12)
صفحة 3077
الباب الرَّابع
في جنايات العبد وفيهم وأحكامها
فإذا جنى العبد لم تلزم ربَّه جنايته، إلاَّ إن طلبت إليه، وجنايات العبيد في رقابهم لا على مواليهم أكثر من تسليمهم كانت عمدا أو خطأ في نفس أو مال، إلاَّ أنَّه مخيَّر في الخطإ بين تسليمه وفدائه بقيمته إلاَّ أن يزايد فيه إلى أن يبلغ دية الجناية، ثمَّ ليس عليه زيادة على ذلك، كعبد يسوى مائة درهم قتل حرًّا (1) خطأ، فقال: أفديه بها وقال الوليُّ: نأخذه بدية القتيل، فالمولى مخيَّر في تسليمه وفي فدائه بها؛ وإن قال الوليُّ: نأخذه بعشرين ألفا، وإن شئت فافده أنت بها وإلاَّ فسلِّمه إلينا، لم يلزم مولاه ذلك، إلاَّ إن شاء أن يزداد من الولي ثمانية آلاف جاز إن رضي الوليُّ بذلك؛ وإن أبى أن يسلِّم غلامه فليس عليه إلاَّ دية جنايته أو يسلِّمه؛ وإن قتله عمدا فأراد الوليُّ أن يقبل الدِّية جاز له؛ وإن أراد القود لزم العبد ولو فداه ربُّه بمائة ألف. وإن أراد أخذه ليستخدمه أو ببيعه (2) أو يعتقه فلمولاه فداؤه بدية الحرِّ.
ومن قتل عبدا يسوى عشرين ألفا، فقال الوضَّاح: لا تبلغ ديته دية الحرِّ فعليه أن ينقص منها دينارا، كذا عن أبي زيَّاد؛ قال الوضَّاح: وأنا أحكم عليه باثني عشر ألفا إن كان يسوى أكثر منها؛ فإن نقَّص منها دانقا حتَّى لا يبلغ ديَّة الحرِّ فلا ينكسر هذا من عبده كلَّ الانكسار، وكلُّ جناية جناها عبد فما لم يحكم فيه بشيء فلمولاه إن أعتقه عتق؛ وإن باعه أو وهبه جاز؛ وإن قضاه بشيء فهو لمن قضى له به؛ وإن كانت جنايته لأناس فهو بينهم على قدر حقوقهم، فليس الأوَّل فيه بأحقٍّ من الآخر، ما لم يقض به لأحد فيصير عبدا له؛ وإن جنى ثانية بما يذهب برقبته قضي به للثَّاني إلاَّ
__________
(1) - ب: «حر». وهو خطأ.
(2) - ب: «ليبيعه أو يستخدمه». (7/13)
صفحة 3078
إن فداه الذي بيده، فهذا ما في جناية العبد أقلُّ من القتل أو من قيمته فعلى سيِّده أن يؤدِّي ذلك؛ وإن امتنع بيع في الجناية ودفع لربِّه ما بقي له من ثمنه.
فصل
قيل: الفرق بين ما يلزم العبد في ذمَّته وما يلزمه في رقبته أنَّ ما في رقبته محكوم عليه حال عبوديته؛ فإن شاء ربُّه سلَّمه عنه؛ وإن شاء سلَّمه به؛ وإن أبى منهما حكم ببيعه الحاكم، وأعطى الحقوق أهلها، ويردُّ الفضل لربِّه إن وجد، وما يلزمه في ذمَّته فلا يؤخذ به حال عبوديَّته، ولا يلزم سيِّده تسليمه ولا عبده به، ويلزمه في ذمَّته إلى أن يعتق فيؤدِّيه. أبو عبد الله: يلزم العبيد في رقابهم ما جنوه من قتل أو جرح إذا قامت عليهم بيِّنة لا غير ذلك ولا مواليهم، ولو قامت به عادلة. وقالوا: لو وجدت بكر مع عبد في منزله ودمها يسيل وادَّعت أنَّه افتضَّها فلا يؤخذ بعقرها، لأنَّه ليس كالحرِّ.
ومن أتاه عبد برسالة من سيِّده كاذبا فأخذ منه شيئا فقال أبو مروان: إنَّها جناية في رقبته؛ وقال أبو مالك: لا يلزم سيِّده ذلك ولا هي جناية فيها، وإنَّما هو مضيِّع لماله. ومن قال لعبده: من أتاك يريد أخذ شيء من عندك فقاتله، ففعل، فلا يلزمه ولا سيِّده شيء. ومن أعار عبدا ثوبا فذهب به، وقامت عليه البيِّنة، فإن ردَّه، وإلاَّ فلا غرم على سيِّده، وما نحبُّ أن يحبس غلامه على هذا. ومن لزمته جناية في رقبة عبده لرجل وأبى [553] أن ينصفه، فقيل: له بيع العبد وأخذ حقَّه من ثمنه إن قدِّر، على قول من أجاز لذي الحقِّ الممنوع منه الأخذ من غير جنس حقِّه.
وإن جنى عبد لا يعرف له ربٌّ باعه الحاكم، وأدَّى منه لذي الحقِّ حقَّه. وإن جنى ثمَّ أعتقه سيِّده فعليه قيمته، ويتبع العبد بالباقي؛ وقيل: كلُّ ذلك عليه؛ وقيل: على السيِّد إن أعتقه بعد علمه بالجناية.
ومن له عبدان قتل أحدهما رجلا، فقتل الآخر القاتل، فليس على المولى أكثر من ثمنه، فحين تلف لم يلزمه شيء واِختير أن يلزمه تسليم العبد الحيِّ لأنَّه المتلف لحقِّ (7/14)
صفحة 3079
الوليِّ، فيؤخذ مولاه بجنايته. ومن جرح عبده أو رأى من يعقل عنه جنى بما تعقله العاقلة ولم يطلبهما المجني عليه فلا شيء عليهما حتَّى يطلبا.
ومن أحدث عبده في الطَّريق فإنَّه يحتجُّ عليه؛ فإن كانت عنده حجَّة تزيل عنه حجَّة حدث عبده فذاك، وإلاَّ أخذ بإزالته؛ فإن فعل وإلاَّ حبس حتَّى يزيله؛ وقيل: حدث العبد متعلِّق برقبته؛ فإن غاب سيِّده وخيف على العبد استوثق منه بالحبس إلى أن يقدم سيِّده، فيحتجَّ عليه، فإمَّا أن يفديه، أو يباع في جنايته؛ وإن غاب حيث لا تناله الحجَّة أقام الحاكم وكيلا وأنفذ الحكم بما صحَّ عنده واِستثنى حجَّة الغائب؛ وإن جنى جناية أكثر من قيمته، وله مال من كسبه أو من إرث، فإنَّه يؤخذ بها، ولا سبيل للمجني عليه في ماله؛ وكذا الأمة.
فإذا قتلت موحِّدة ذميَّة فلمولى الذَّميَّة قال أبو سعيد أن يستخدمها إن كانت قيمة الذَّميَّة ألفا وقيمة المسلمة مائة، ويستسعيها بتسع مائة؛ فإن شاء سيِّدها فداها بالمائة؛ وإن شاء سلَّمها بجنايته ولا يدخل كسبها ولا إرثها فيما استحق عليها.
فصل
إن فقأ (1) عبد عين حرٍّ فقال سيِّده: هو حرٌّ فلا يحرَّر بذلك، ولا يصحُّ عتقه، وللحرِّ أن يأخذه بعينه إلاَّ إن كان أكثر ثمنا من ديتها فيؤدِّيها مولاه إن شاء أو يتركه؛ أبو المؤثر: إن أعتقه وقد علم بجنايته فعليه قيمته لصاحب العين؛ فإن كانت كفافا لديتها استوفاها؛ وإن كانت أكثر منها أدَّى له ديَّتها؛ وإن كانت أكثر من ثمنه فعليه له ثمنه، ويتبع المعتق بالباقي له منها.
وإن قتل عبد ابنا لرجل فلمَّا قيِّد به قال الرَّجل تصدَّقت به لله، فقيل: هو للمساكين، وليس على مولاه سواه إذا سلَّمه، إلاَّ إن شاء فداءه إن كانت جنايته خطأ.
__________
(1) - ب: «قفأ». (7/15)
صفحة 3080
ومن وقعت بينه وبين عبيد غارة فطعنه واحد منهم فلا ديَّة ــ قيل ــ إن اِجتمعوا عليه في رقابهم معا؛ وإن قصد إلى واحد منهم في شيء فجرحه المقصود فالدِّية في رقبته وحده. وإن تعمَّد عبد قتل حرٍّ فدفعه مولاه إلى وليِّه فله أن يقتله به؛ فإن عفا عنه رجع إلى سيِّده وليس للوليِّ أن يسترقَّه بعد عفوه عنه. أبو المؤثر: إذا دفعه إليه فله أن يقتله به أو يستخدمه أو يبيعه أو يهبه أو يعتقه، إلاَّ إن قال له السيِّد: إن أردت قتله دفعته إليك، وإن أردت أن تسترقَّه فديته، فله أن يفديه إن لم يقتله. وإن قتل عبد حرًّا فعفا عنه فحسن، ولا يعتق بعفوه ولا بوليِّه، إلاَّ إن أخذه القتيل قبل أن يموت فعفى عنه هو أو وليُّه بعد أن قضي له به فهو حرٌّ حينئذ، لأنَّه وهب له نفسه؛ أبو المؤثر: هو مملوك له؛ وإن قال أجرتك وصرت لي وقد رددتك إلى مولاك وعفوت عنك رجع إليه.
فصل
إن أوصى رجل بخدمة عبده لرجل، ولآخر برقبته فجنى العبد؛ فإن سلَّم ذو الخدمة فيها فالجناية على ذي الرَّقبة وإلاَّ فهي عليه؛ وقيل: إنَّها في رقبته يباع بها؛ فإن فداها ذو الخدمة من ماله كانت له خدمته لا رقبته، وإلاَّ وفداه ذو الرَّقبة، فإذا استوفى من غلَّته ما فداه به رجعت الخدمة إلى صاحبها؛ وإن لم يفدياه معا بيع في جنايته، ولا يثبت إقرار عبد بجناية إلاَّ ببيِّنة إذ هو على الغير.
ومن غصب عبدا فجنايته عليه لا في رقبته، وهو مسلم على مولاه؛ وليس للعبد أن يقتل غاصبه إلاَّ عند محاربته على ما يستحقُّ من قتله عليه؛ فإن قتله غيلة ففي الأثر أنَّه لا شيء عليه، قال: ولا نعرفه من أيِّ وجه، ولا يبين لي براءته إلاَّ بموجب صواب من أثر أو غيره، وإلاَّ فالجناية على الجاني إلاَّ بما يبرئه منها.
ومن قطع أذني عبد رجل، فثمنه عليه والعبد له؛ وقيل: الثَّمن عليه والعبد لربِّه؛ وكذا إن قطع يديه أو عور عينيه؛ فإن قطع آخر أذنيه بعد ما عور الأوَّل عينيه فعليه قيمته أعور إن كان له ثمن، وإلاَّ فبقدَّر ما يرى له. (7/16)
صفحة 3081
ومن قتل عبده فأقرَّ أنَّه حرٌّ وتبرَّأ من دمه إلى أبيه الحرِّ، قال ابن محبوب: لا يصدَّق إلاَّ إن بيَّن أنَّه أعتقه قبل أن يقتل؛ وإن شهد بتحريرة لم تجز شهادته على فعله. وإن جرح عبد أحدا أو قتله فقال سيِّده: إنَّه حرٌّ، فإن بيَّن أنَّه أعتقه قبل الجناية فلا شيء عليه وهي على الجاني، وإلاَّ فإن اِختار الوليُّ الديَّة فعلى السيِّد قيمة العبد في ماله لأنَّه المتلف له بعتقه.
وإن قتل رجل مدبرا، فقيل: تلزمه أجرة مثله إلى أن يموت المدبر؛ وقيل: قيمته. وإذا قتل المسلم كتابيًّا فإنَّه لا يقتل به ولكن يباع فتؤدَّى من ثمنه ديَّته.
أبو المؤثر: إن قتلت أمة تسوى ألفا عبدا يسوى خمسين فإنَّما على سيِّدها قيمته في رقبتها، ولمولاه أن يقتلها ويردَّ الفضل والعبيد في القتل والجرح بالقيمة. وإن باع عبد عبدا فهو ضامن له في رقبته كالجناية. وإن قال عبد لعبد أجرحني فجرحه، فأرشه في رقبته. (7/17)
صفحة 3082
الباب الخامس
في المخرج للتِّجارة ودينه
فإذا برز لها جازت مبايعته والقبض منه والتسليم له إن أذن له مولاه فيها، وجاز إقرار في ضيعته ويؤخذ بها وحطه عند المحاسبة لا هديَّته؛ وليس لأحد أن يدانيه إلاَّ بإذنه، ويصحُّ عليه إن فعل، ويلزم سيِّده في رقبته. وللمأذون له في التِّجارة أن يوكلَّ فيها ولا تجوز وصايته.
ومن أذن لعبده فيها فديته في رقبته، فإن شاء فداه أو سلَّمه؛ وإن أذن له في عمل كنسج فليس على سيِّده ما قدَّمه قبل العمل ولا في رقبته، وفيه تأمل. وإن أذن له أن يتقدَّم من الكبراء وأمره أن يبايع فعليه لا على العبد. وإن كان يصوغ فاحتضر فأقرَّ لقوم بصوغهم؛ فإن كان بما ليس في يده فلا تباعة على مولاه فيما تركه.
ومن أراد أن يخرج عبده لصنعته فقال (1) تركته يردُّ عليَّ بجزء (2). وجاز استعمال العبيد إذا أخرجوا لطلب العمل في بلد فيه مواليهم ويتَّصل به خبرهم، ودفع الكراء إليهم، بلا علم بإطلاقهم لذلك. وقيل: من لم يعط حجَّاما أجرته في يومه فليدفعها لسيِّده لا له.
أبو الحواري: من اِستعمل عبدا فيما أخرجه سيِّده فيه جاز له، ويسلِّم الأجرة إليه إلاَّ إن علم أنَّ مولاه هو الذي يقبضها. ومن أخرج عبده يعمل بها فاستأجره رجل لطلوع نخلة فسقط منها فلا شيء عليه لأنَّ ذلك مكسبته برأي سيِّده. وإن اِستأجر نفسه منه فله أن يشتري منه ويبايعه ــ وإن بنسيئة ــ كالمأذون له في التِّجارة.
__________
(1) - ب: «قال».
(2) - ب: «بجزء». (7/18)
صفحة 3083
وإن أطلق له أن يعمل لنفسه ويأكل جاز أن يبايع بنقد لا بنسيئة، ولا يستعمل بلا أجرة. ومن واجر (1) غلامه بأجرة (2) يؤدِّيها إليه فلا يحجر عليه اِستعماله بغيرها.
فصل
من أذن لعبده في تجارة فدوين (3) بأكثر من قيمته لزمه عند أبي عبد الله؛ وقيل: لا يلزمه أكثر منها؛ وقيل: لا يكون في رقبته إلاَّ الجناية ولو أخرجه لتجارة أو صناعة حتَّى يأذن له أن يداين إليه. وليس لأحد أن يداين عبدا كما مرَّ إلاَّ بإذن سيِّده ولو أذن له فيهما، ولا يلزمه ذلك في رقبة عبده؛ ومال العبد ورقبته لغرمائه، ولا يشاركهم في ذلك غرماء سيِّده؛ فإن تلفا حاصص غرماؤه غرماء سيِّده.
أبو الحواري: من سأل رجلا عن عبده التَّاجر أغنيٌّ أم لا؟ فقال له: لا أدري ولا آمرك بمبايعته ولا أنهاك، فداينه فإنَّه يباع في دينه، لأنَّه لم ينهه عنه، ولا يلزمه إن حجر عليه الدَّين وعليه أن يبيِّن متى حجره عليه أو البيع أو الشِّراء، وهذا إذا أبرزه لتجارة؛ وإن إذن له شارك غرماؤه غرماء سيِّده في الفضل عن رقبته وما بيده ولو لم يأمره ــ قيل ــ أن يداين فيلحق غرماؤه مال سيِّده؛ فإن حدَّ له أن لا يستدين إلاَّ إلى حد معلوم فلا يلزمه ما زاد عليه؛ وإن أخرجه لتجارة فأخذ أموالا ثمَّ أعتقه فعليه ضمانها لغروره بالنَّاس؛ قال أبو عبد الله: هي في ماله إن كان له، وجاز عتقه، وإلاَّ لم يجز ويباع فيها؛ وإن أخرجه في عمل بالنِّصف كنسج فطرح إليه رجل ثوبا بأجرة فهرب العبد إلى بلد آخر فباعه فيه ربُّه، فإن أبرزه لذلك فما صحَّ عليه أنَّه أخذه (4) أو أتلفه فيما أذن له فيه فهو ممَّا بيده ورقبته على سيِّده؛ فإن فداه وإلاَّ ففي رقبته؛ وقيل: لا يكون فيها ما داينه بلا سبب من سيِّده ولكن هو عليه متى عتق ويقرُّ به إذا احتضر، ويبرأ إن قصي عنه.
__________
(1) - كذا في النسختين.
(2) - ب: - «بأجرة».
(3) - كذا في النسختين.
(4) - ب: + «لأخذه». (7/19)
صفحة 3084
الباب السَّادس
في العتق وأحكامه
قال الله سبحانه: {فلا اقتحم العقبة ... } الآية (البلد: 11). وروي: «من أعتق رقبة لله فهو فداؤه من النَّار عضوا بعضو». ومعنى العتق التخلية وإزالة الملك، وإنَّما خصَّت دون سائر الأعضاء لأنَّه كالحبل فيها، والغلُّ في العنق كما تحبس الدَّابة بذلك. وسئل صلَّى الله عليه وسلَّم عن عمل يدخل الجنَّة وينجِّي من النَّار فقال: «عتق نسمة، وفكُّ رقبة». قيل له: أو ليستا واحدة؟ فقال: «عتقها الانفراد بها، وفكُّها الإعانة فيها»، قيل له: فمن لم يستطع؟ قال: «يطعم جائعا، أو يسقي صائما إن قدر، وإلاَّ فليكف أذاه».
ومن أعتق حصَّته في عبد عتق كلُّه وغرم لشركائه باتِّفاق أصحابنا؛ وقال بعض قومنا: لا يعتق حتَّى يجتمعوا على عتقه، وها هنا أخبار تركتها.
ومن لزمه عتق فما نحبُّ له أن يشتري رقبة شرط فيها عتق؛ وقيل: لا بأس إن وفى الثَّمن. ومن اِشترى مملوكا على أن يعتقه قال قتادة: إن أعتقه وإلاَّ فليرده، لأنَّ البيع لا يصحُّ بالشَّرط؛ وقال الربيع: يكره له حبسه. ومن لزمه عتق فله أن يعتق ولو في غير بلده. وأفضل الرِّقاب أغلاها وأقدرها على الاكتساب، وأحفظها لدينها؛ وقيل: الصَّغير، وينفق عليه حتَّى يكبر؛ وقيل: عتق مولودة بزنى أفضل من بيعها وإنفاق ثمنها.
ومن نوى أن يعتق عبده [555] فله بيعه إذا رجع عن نواه، والعتق الذي لا يحلُّ للمعتق تزويج معتقه ولا الانتفاع به هو الذي قصد به لله لا لطول صحبته معه مكافأة له به، ولا لمنزلة كانت عنده ونحو ذلك. (7/20)
صفحة 3085
ومن أعتق آبقا فلا يجزيه حتَّى يقبضه. واختلف في غائب، فإن غاب هاربا أو حيث لا يعلم فيه فلا يجزيه أيضا حتَّى يجيء فيعتقه (1)؛ وإن غاب بأمره أو في حاجته أو في جائز له ويرجع أجزاه إلاَّ إن علم أنَّه مات قبله؛ وإن كان عتقه عند الموت فليوص إن صحَّت حياته فحرٌّ وإلاَّ فليعتق عنه عند موته.
__________
(1) - ب: - «فيعتقه». (7/21)
صفحة 3086
الباب السَّابع
فيما يقع به العتق من الكلام
فمن قال عند اِحتضاره: جاريته لله إذا مات، فما كان لوجهه فتحرير جائز؛ ابن محبوب: من قال كلُّ: عبد له فحرٌّ، فلا تعتق أمته، ومن قال لعبده: أنت حرٌّ إن شئت، فقال: لا أشاء أو سكت، فقيل: يعتق؛ وقيل: لا؛ وإن قال: كلُّ قديم لي فحرٌّ، وله عبد ملكه قبل آخر بسنة أو أكثر عتق لا إن ملكه قبل انقضائها؛ وإن قال له: إذا كان كذا فأنت حرٌّ، فلا يجوز له أن يخرجه من ملكه (1) فإذا جاء ذلك حرِّر؛ وإن قال: إن فعل كذا فغلامه هذا أو هذا حرٌّ؛ فإن أوقع نواه على معيَّن فهو ذاك، وإلاَّ حرِّرا معا واِستسعيا بنصف قيمتهما.
قيل لموسى: إن قال نويت عند قولي أن أختار من أوقعه عليه بعده؟ فقال: لا ينفعه نواه ما لم يوقعه عند اليمين؛ وإن قال: إذا بلغ ابني فغلامي حرٌّ، فمات قبل أن يبلغ، فإنَّه لا يعتق.
ومن سمع رجلا يخاصم عبدا له فقال: لو كان هذا مملوكا ما فعل كذا، فإنَّه يحكم عليه بما قال، وليس بعد الملكة إلاَّ الحرِّية ولا بأس عليه في الجائز إذا (2) لم يرد به تحريرا.
ومن قال لغلامه: يا بني أو أنت ابني أو أعدُّك ابني أو صرت ابني أو مثله، أو أنت ولدي أو أراك ولدي، فلا تحرير له في ذلك عند أبي عبد الله، إلاَّ إن نواه.
__________
(1) - ب: - «من ملكه».
(2) - ب: «ما». (7/22)
صفحة 3087
ومن عتب على (1) غلامه فقال: هو لنفسه ولم يقصد عتقه قال أبو سعيد: إن أقرَّ أنَّه لنفسه فقد أقرَّ به لها وصار حرًّا في الحكم لا عند الله إلاَّ إن أراده؛ وإن قال: إنَّه حرٌّ خوفا من الجند ثمَّ حاكمه أو كان صغيرا فبلغ فحاكمه، عُتق في الحكم لا عند الله لأنَّ له معنى يسعه، وقيل: لا يسعه، لأنَّه تكلَّم بالعتق.
ومن له زنجيٌّ فمرَّ به رجل فقال: ما هذا الغلام؟ فقال: ابن جاريتي واشهد عليَّ يا فلان أنَّه لا يملك عليَّ، فمات وخلف ورثته، فلا يعتق إلاَّ إن قال: لا يملك بعدي؛ وإن قال: عبده صدقة أو للسَّبيل تصدَّق بقيمته؛ وقيل: السَّبيل مجهول كما مرَّ؛ وإن قال: في سبيل الله كانت في الجهاد؛ وقيل: يعتق به.
وإن قال: جاريتي للمساكين إن كان كذا فحنث، فله أن يعطيهم قيمتها ويمسكها؛ وقيل: تعتق.
ومن قال لغلامه: قم يا أخي فاعمل كذا فإنَّك تزعم أنَّك حرٌّ، فقيل: يحرر بذلك؛ وقيل: لا إلاَّ إن أراد به عتقا؛ وإن قال له: هذا ولدي أو صاحبي أو أخي، فلا عليه.
ومن تكلَّم بعتق عبيده ولا يعقل من جنون أو إغماء أو شدَّة مرض أو نحو ذلك لم يلزمه؛ وإن اتُّهم في قوله لا يعقل حلف ما أعتقهم عاقلا.
ومن له جارية غارت منها زوجته فحلف لها إن مسَّها فحرَّة ثمَّ ماتت زوجته؛ فإن وطئ الأمة عتقت.
ومن قال: بعض غلامه حرٌّ، حرِّر كلُّه.
ابن عليٍّ: من قال لرجل: أتضرب عبدي هذا؟ فقال: أضرب هذا النغل، فقال له: تقول له نغل وهو حرٌّ، عتق بذلك؛ وإن قال له قم يا حر فإنَّه يعتق إذا سمَّاه حرًّا وقامت به بيِّنة وأقرَّ به؛ وإن كان اسمه حرٌّ في الأصل فأنكره، فعلى السَّيد البيِّنة أنَّ اسمه حر من قبل.
__________
(1) - ب: - «على». (7/23)
صفحة 3088
ومن قال لخادمه: وهبت لك نفسك أو سرحتك أو في وصيَّته ذلك، قال ابن محبوب: لا تعتق حتَّى يقول: أعتقتك أو حررتك، أو فلانة حرَّة أو عتيقة، ولا يعتق عند أبي الحسن بأعتقك الله، وفي قد أعتقك الله خلاف واِختير العتق به.
ابن محبوب: من مات وبينه وبين أخيه عبد فقالت زوجته: كنت أسمعه يقول أنَّ أباه قد حرره، وأنا أبرئه من إرثي منه، قال: إن ورثاه منه فأقرَّت بذلك فإنِّي أراه محررا بإقرارها عن إقرار زوجها، ويستسعي العبدَ أخوه بحصَّته، ويعتق العبد إن قصد مولاه إلى عتقه؛ فإن أراد غيره فاخطأ به فلا عليه؛ وقيل: لا غلَّة على مسلم في عتاق ولا طلاق (1).
فصل
من تكلَّم بعتق عبده وحاكمه لزمه ما صحَّ عليه، فإذا قال له: أنت حرٌّ، يريد أنَّه صاف فذلك إلى نواه؛ وإن حاكمه حكم عليه به؛ وقيل: يعتق إذا قصد إلى نفس الكلمة ولو لم يرده، ولا يعتق إن قال: هو سريح أو سراح، إلاَّ إن نوى عتقا ويعتق بسرحتك لله؛ وإن قال: غلامه حرٌّ أو نوى إن دخل دار زيد فقيل: يعتق؛ وقيل: لا؛ وإن قال لسريَّته: أنت طالق، فقيل: تعتق؛ وقيل: لا حتَّى يريده؛ وقيل: يستخدمها ولا يطؤها، فإذا مات عتقت؛ وقيل: يخرجها من ملكه؛ وقيل: إن شاء.
أبو سعيد: من له عبد يقال له مبارك، فقال: مبارك حرٌّ، فقيل: يعتق به في الحكم؛ وقيل: لا.
ومن قال لعبده: يا عبد الله أو لأمته يا أمة الله، فلا يكون عتقا حتَّى ينويه. ومن قال لعبده: هذا ليس مملوكا، فإن أراد به عتقا عتق، وإلاَّ فقيل: كذب؛ وقيل: يعتق لأنَّه أقرَّ أنَّه ليس مملوكا، ويعتق في الحكم.
__________
(1) - ب: «طلاق ولا عتاق». (7/24)
صفحة 3089
ومن قال: عبده لله أو لوجهه عتق بذلك، لا إن كانت له نيَّة فيه عند الله ولم يحاكمه العبد إذا أراد أنَّ كلّ شيء لله؛ وإن لم تكن له فيه نيَّة، فقيل: يعتق لأنَّه لا شريك لله، وليس لأحد فيما لله شركة.
أبو الحواري: من مرض عبده فقال: اللهم عافه ولا يملكه عليَّ أحد، ثمَّ عوفي، فقال: لم ينو عتقا فهو عبده؛ وإن أخرجه من ملكه فليكفِّر نذره. ومن قال: إن حضرني الموت ومعي عقلي سرحت عبدي أو أسرِّحهم، فلا يبلغه ذلك إلى العتق ولا إلى التَّدبير وندب له إتمام قوله؛ وإن ورث قوم عبدا فقال أحدهم: إنَّ موروثنا أعتقه أو قاله غيرهم وصدَّقه بعضهم لا باقيهم، [556] فقول أحدهم صدَّقت فلانا وبرئت من عبد لا يوجب عتقه حتَّى يقول: صدَّقته فيما يقول موروثي فيه من التَّحرير، أو صدَّقته وأعتقت العبد، أو في تحريره عن موروثي، فحينئذ يعتق ويتبعه باقيهم يستسعونهم بقدرهم من ثمنه؛ وقيل: إنَّ الوارث إذا صدِّق بقول القائل بالعتق فهو كالعتق لأنَّه إنَّما عتق بتصديقه، ولم تقم الحجَّة بعتقه إلاَّ منه.
وإن كان لامرأة جارية فقال لها رجل: زوِّجنيها؛ فقالت: هي حرَّة لا أمة، ثمَّ باعتها ووطئها مشتريها، فقيل: إنَّها تعتق بقولها وعليها أن تخلِّصه منه بما عزَّ وهان لأنَّها باعت حرَّة وتغرم لها عقر مثلها. (7/25)
صفحة 3090
فصل
من قال: إن بعت فلانا وعنى غلامه فأمتي في المساكين؛ فإن باعه ونوى أنَّها صدقة عليهم وكانت قدر ثلثه أو أقلَّ فهي صدقة فيهم؛ ومن قال: أمته فلانة في المساكين مرسلا ولا نيَّة له، فليس بشيء.
ومن قال لجاريته: قد أتاك الله نفسك وبيني وبينك شرقا وغربا؛ فإن نوى بذلك عتقا فذلك وإلاَّ فلا شيء.
ومن قال لغلامه: اذهب فو الله لا ترجع عليك ملكة أبدا، فمدبَّر إن لم يرد به عتقا.
ومن قال لرجل: إن لم أقضك حقَّك يوم كذا فكلُّ شيء لي صدقة لله ثمَّ حنث، فقيل: ماله من عبيد فأحرار ويعشر ماله؛ وقيل: لزمه العشر لا العتق.
ومن قال: ممالكي أحرار دخل فيه الذُّكور والإناث اتِّفاقا؛ وإن قال: عبيدي فقيل: كذلك؛ وقيل: لا وقد مرَّ ذلك.
ومن أعطى امرأته صغيرا وقبلته منه، ثمَّ (1) قالت: إن متُّ عجماء فحرٌّ، لم يجز لها بيعه؛ فإن ماتت كما قالت فحرٌّ وإلاَّ فلا.
ومن قال لعبده: أنت حرَّة ولأمته أنت حرٌّ فلا يكون عتقا إلاَّ إن أراده.
أبو عبد الله: من قال غلماني فلان وفلان وفلان أحرار إلاَّ فلانا وفلانا وفلانا عتقوا جميعا، إلاَّ إن اِستثنى من لم يسمِّه؛ وإن كان له ثلاثة فقال كلُّ عبيدي أحرار إلاَّ فلانا وفلانا وفلانا فكلُّهم أحرار. ومن قال غلامه فلان حرٌّ قبل أن يقدم فلان بشهر، وقف عن خدمته وبيعه؛ فإن قدم فلان عتق؛ وإن اِستخدمه فله أجر ما اِستخدمه قبل قدومه بشهر؛ وإن مات فيه فمملوك لا يعتق.
__________
(1) - ب: - «ثمَّ». (7/26)
صفحة 3091
ومن له مماليك فقال في مرضه: فلان حرٌّ وفيهم من اسمه كما سمَّى فإنَّه يعتق؛ وإن قال في وصيَّته: جاريته إلى خمسة أشهر حرَّة، فماتت قبلها فإرثها لمواليها لموتها قبل العتق وتعدُّ من يوم مات؛ وإن قال: أنت حرَّة إليها، فقيل: عتقت من حينها؛ وقيل: حتَّى تنقضي؛ وإن مات قبلها فأمة.
ومن دعا مباركا أراد عتقه فأجابه ميمون، فقال أنت حرٌّ عتقا معا كما مرَّ؛ وإن قال إن مت قبل رمضان فغلامي حرٌّ فلا يعتق إن مات بعده؛ وإن قال له: أنت اليوم حرٌّ فحر أبدا، ويعتق بأنت حرٌّ أو عتيق، لا إن قال: لأمته هي جفرة حرَّة إلاَّ خلاف أو كسيَّة الحرَّة حتَّى يريد بذلك عتقها؛ وإن قال: هي كسيَّة العتيقة وأراد حسن صنعتها فحرَّة إلاَّ إن لم تصدِّقه هي على ذلك، وعتقت إن قال: ما هي إلاَّ عتيقة.
ومن له عبد يستخدمه يوما ويعتقه يوما من الخدمة فقال له: أنت اليوم عتيق منها، فقد ألزموه العتق في (1) هذا، أو من قال لخدمه: أيُّكم شاء الله عتقه فحرٌّ، فليس بتحرير حتَّى يعتق من شاء منهم، والعتق والتَّدبير لا يحتاجان إلى قبول من العبد، وسرحتك لله عتق ولا يقع - قيل - إلاَّ من مالك قادر على التَّصرف فيما ملك، وصريحه يقع بلا نيَّة كانت حرًّا أو محرَّرا أو حررتك، أو عتيق أو معتق أو أعتقتك، أو يا حرًّا أو يا عتيق، إلاَّ إن جعل ذلك اسما له فلا يعتق، وكذا إضافة الحرِّية إلى ما يعبِّر به عن البدن وكنايته تحتاج إلى نيَّة، كلا ملك لي عليك أو لا سبيل، أو لا رقَّ لي عليك، أو خرجت من ملكي أو خلَّيت سبيلك، أو لا سلطان لي عليك أو أنت كالحرِّ ونحو ذلك.
ومن ملك محرمه عتق عليه، ومن أعتق عبده لصنم أو شيطان عتق وعصى؛ وإن أعتق حاملا عتق حملها معها؛ وإن خصَّ الحمل عتق وحده، ومن أراد أن يكتب عتقا لعبده كتب: هذا ما كتبه فلان بن فلان لعبده فلان أنَّه أعتقه لله سبحانه عتقا ثابتا
__________
(1) - ب: «على». (7/27)
صفحة 3092
تاما ابتغاء ثواب الله وهربا من عقابه ولاِقتحام العقبة الآية؛ ولأن يعتق بكلِّ عضو منه عضوا من النَّار ولا رجعة له عليه بعوض ولا ثمن ولا سعاية إلاَّ حقّ الولاء له ولمن بعده، وله ما للأحرار وعليه ما عليهم؛ وإن قال: أعتق عبده أو مملوكه فلان لوجه الله جاز وكفى. (7/28)
صفحة 3093
الباب الثَّامن
في عتق المرء ما لا يملك
فمن قال لعبد غيره: هو حرٌّ من مالي لزمه أن يشتريه إن باعه مولاه وإلاَّ اِنتظر به؛ فإن مات اِشترى مثله وأعتقه؛ فإن اِحتضر أوصى بشرائه بعده؛ فإن لم يبعه إلى أن مات العبد ردَّ الوصيُّ الثَّمن إلى وارثه إلاَّ إن أوصى أن يعتق عنه بدله، ويكون من جملة مال الموصي؛ وقيل: هو كالتَّدبير إن أوصى به في مرضه فمن الثُّلث وفي الصِّحة من الكلِّ؛ وإن قال: هذه النَّخلة صدقة من مالي وهي لغيره فلا شيء عليه في هذا وليس كالعبد؛ وقيل: لا شيء على من قال لما لا يملك أنت حرٌّ من مالي؛ وقيل: يؤمر أن يشتريه ثمَّ يعتقه؛ فإن لم يبعه مولاه أو طلب فيه شططا أو غاب به أو مات عبده أو أعتقه فإنَّه يشتري مثله ويعتقه؛ وقيل: يقوم يوم يموت وتشترى بقيمته رقبة؛ وقيل: قيمته يوم قال.، وحجَّة من لم يلزمه شيئا قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا طلاق ولا عتاق فيما لا يملكه ابن آدم».
ومن قال: يوم أشتري هذا العبد فحرٌّ من مالي، ثمَّ اِشتراه فلا يعتق بذلك حتَّى يجدِّد له نيَّة في عتقه؛ فإن قال: يوم أبيع فلانا فحرٌّ فإنَّه إذا وجب البيع عتق قبل أن يصير إلى المشتري. (7/29)
صفحة 3094
الباب التَّاسع
في عتق المشترك وشهادة الشُّركاء فيه
اتَّفق أصحابنا كما مرَّ على أنَّ من عتق شخصا له في عبد سرى العتق في كلِّه والحرِّية أولى به؛ فإن قصد إضرارا على شريكه عطى به؛ وإن قصد القربة ضمن [557] القيمة له وسلَّم، واِختلف فيها، فقيل: يرجع بها على العبد يستسعيه بها غرم عنه، وقال عزَّان: إنَّ الشريك مخيَّر في رجوعه بحصَّته بين المعتق والمعتق كالضَّامن والمضمون عنه؛ فإن أفلس من اِختار فلا يرجع على الآخر لأنَّه اِختار غيره؛ وقيل: يلزم المعتق القيمة إن أيسر؛ وإن أعسر اِستسعي العبد في حصَّة شريكه؛ وقيل: يغرم لصاحبه ولا يتَّبع العبد بشيء مطلقا، والمختار أنَّ القيمة عليه دون المعتَق - بالفتح - لأنَّه المتلف مال شَّريكه، ولِما روي: «من أعتق شقصا في (1) عبد قوم عليه»؛ وقيل: تقوم عليه إلاَّ إن كان معسرا؛ وقيل: إنهاء من عليه راجعة إلى العبد، والأوَّل أصحُّ، وروى ابن مسعود أنَّ عبدا بين رجلين من جهينة فأعتقه أحدهما فضمنه صلَّى الله عليه وسلَّم نصيب شريكه فباع فيه غنمه.
ومن أعتق شقصا له في عبد عند موته، فقيل: يضمن ما لشريكه من الكلِّ؛ وقيل: من الثُّلث ومنابه هو منه اتِّفاقا؛ وقيل: يتبع وارثه العبد بما بقي وزاد على الثُّلث ممَّا ضمنه لشريكه؛ وقيل: لا لأنَّه ليس من جنايته، وقال الرَّبيع: إن كان له مال يبلغ ثمنه عتق منه وإلاَّ اِستسعى العبد؛ وإن كان بين شركاء عبد فقال لهم أحدهم إن ضربه أحدكم فهو حرٌّ؛ فإن ضربه ضربا يجوز له عتق من مال القائل؛ وإن كان لا يجوز له فمن مال الضَّارب ولا يرجع على القائل ولا على العبد بشيء؛ وإن كان بين رجلين
__________
(1) - ب: «من». (7/30)
صفحة 3095
فقال أحدهما للآخر إن ضربته أو أمرته أو نهيته أو اِستعملته فحرٌّ؛ فإن فعل فهو حرٌّ وعلى الحالف قيمة نصف شريكه؛ وإن ضربه فمات من ساعته أوَّل الضَّرب عتق، وتلزمه حصَّته ولا شيء عليه للعبد؛ وإن مات آخر الضَّرب لزمه لوارثه ديَّته حرًّا وقيمة حصَّة شريكه.
وقال أبو مالك: الفرق بينهما أنَّ الاِستخدام جائز له لا الضَّرب، فإذا فعل ما له أن يفعله فوقعت الحرِّية فالمعتق هو الحانث والمتلف على شريكه حصَّته فيضمنها وليس له أن يضرَّ به؛ وقيل: إن مات أوَّل ضربة فحرٌّ ونصف ثمنه على القاتل؛ وإن مات بعد الأولى قتل به ويردُّ شريكه نصف قيمة العبد على أهله وهذا إذا ضربه بحقٍّ وإلاَّ فهو الموقع للتَّحرير؛ وقيل: إنَّه يعتق من مال الحالف بعتقه؛ وقيل: لا يرجع على شريكه إن ضربه وهو حرٌّ، يعني أنَّه فعل بينهما لأنَّ هذا أوجب العتق على فعل هذا وفعل هذا موجب العتق.
فصل
إذا كان بين اثنين عبد فشهد كلٌّ على الآخر أنَّه أعتق نصيبه، فإنَّه - قيل - يعتق من حصَّة كلِّ النِّصف ويسعى لهما بالنِّصف، وعند أبي الحسن أنَّه يعتق كلُّه ولا يسعى لهما بشيء؛ وإن كان بين ثلاثة فشهد اثنان منهما على الثَّالث أنَّه أعتق نصيبه منه ردَّت شهادتهما لأنَّهما يعجلان قبض ثمنه ومنعا من اِستخدامه لاعترافهما بحرِّيته؛ وقيل: يستسعى العبد بحصَّة المشهود عليه.
ومن شهد لعبد أنَّ سيِّده أعتقه ولا شاهد معه؛ أو كان وردت شهادته ثمَّ ورثه أو اِشتراه فإنَّه يعتق لإقراره بعتقه.
ومن ترك عبدين ووارثين فأقرَّ أحدهما أنَّه أعتقهما؛ فإن كلاًّ منهما يسعى للمقرِّ بثلث نصيبه وللآخر بنصف قيمته؛ وقيل: إنَّه ضمن حصَّته إن شاء ويلحق هو العبدين بما اِستحقَّ عليهما الآخر وعليه فإنَّما يستسعيهما المقرُّ بثلثي قيمتهما ويضمن للوارث حصَّته قال خميس: كأنَّه نصف قيمتهما وذلك في المرض؛ وإن أقرَّ أحدهما (7/31)
صفحة 3096
أنَّه أعتق أحدهما فيه ولا يدريه فذلك في الخلف؛ وإن شهد أنَّه أعتق هذا بعينه وزاد أحدهما أنَّه أعتق الآخر أيضا عتق الذي شهدا له ويسعى بقيمته لهما وهو أولى بالثُّلث من الآخر؛ وقيل: هو كذلك بلا خلاف وأمَّا الذي شهد له أحدهما فأنَّه يسعى للمنكر بنصف قيمته وللمقرِّ بثلث نصيبه؛ وقيل: بثلثيه وكذا في الأولى، ومن ترك له أبوه ثلاثة فأقرَّ أنَّه أعتق هذا بل هذا بل هذا عتقوا معا؛ وإن قال أعتق هذا ثمَّ سكت سكتة ثمَّ قال أو هذا أو هذا عتق الأوَّل ونصف الثَّاني وثلث الثَّالث.
أبو الحسن إن قال: أعتق إليَّ هذا ثمَّ هذا لا بل هذا عتقوا معا ولا سعاية عليهم؛ وقيل: يعتق من كلِّ ثلثه ويسعى بثلثيه؛ وقيل: يعتق الأوَّل ونصف الثَّاني وثلث الثَّالث.
ومن مات وقال أحد ورثته: إنَّه أعتق عبده وأنكر باقيهم فرأى بعض على المقرِّ لهم الضمان، وقال موسى: ويحكم أنَّه أقرَّ وأنتم تلزمونه الضَّمان وأسقطه عنه وقد عتق العبد ويسعى للباقين بما لهم منه؛ وإن طلبوا يمينه حلف لهم أنَّ ميِّتهم قد أعتقه.
ومن ورث من أخيه مالا وعبيدا وأعتقهم فشهد منهم اثنان أنَّ أخاه الميت أقرَّ أنَّ أحدهم ولده فأجاز أبو عبد الله شهادتهما على أنفسهما أنَّ هذا ولده وأبطلا ميراث الأخ منهما وعتقه لهما وهما مملوكان للولد، ولا تجوز شهادتهما في باقي العبيد والمال.
ومن أقرَّ بتدبير جاريته بعد أن باعها لزمته في ماله وعليه اِستخلاصها من مشتريها؛ فإن أدركها فهي في التَّدبير وإلاَّ فليوصِ بفكاكها. (7/32)
صفحة 3097
الباب العاشر
في عبيد المشركين وملكهم وبيعهم
وقد مرَّ أنَّ من صلَّى من عبيدهم فهو حرٌّ، ومن لم يصلِّ دعي إليها؛ وإن صلَّى العبد قبل مولاه فهو حرٌّ لا عكسه؛ وإن تزوَّج مسلم بلا إذن سيِّده أمة يهودي فولدت أولادا، أجبر الذَّميُّ على بيعهم فيمن يزيد من المسلمين؛ وإن أسلم حربيٌّ وله مملوك في دار [558] الحرب فباعه فيها فأسلم مشتريه وباعه له ترك وخرج منها قبل أن يسلم مولاه فهو حرٌّ بخروجه منها إلى دار الإسلام؛ وإن أسلم في دار الحرب ومولاه بعده قبل خروج العبد إلى دار الإسلام ردّ إليه (1)؛ وإن خرج إليها (2) قبل أن يسلم مولاه ثمَّ أسلم فلا يردُّ إليه بل يترك في دار الإسلام؛ وإن طلبه سيِّده أمر ببيعه إن كان مشركا؛ فإن أسلم قبله فهو عبده وكذا إن أسلما معا؛ وقيل: إذا أعتق المسلم كتابيًّا فلا حرِّية عليه؛ وإن دخل حربيٌّ دار الإسلام فاِشترى منها مسلما وخرج به إلى دار الحرب فإنَّه يعتق منه وله أن يملك مولاه ويقتله ويسبيه فإذا أسلم عبيد المحاربين ولحقوا بالمسلمين فهم أحرار ما لم يسلم مواليهم فإذا أسلموا ردُّوا إليهم وإذا لم يخرجوا من دار الحرب فسبوا مع أموال مواليهم المحاربين فهم غنيمة مثلها.
__________
(1) - ب: «إليها».
(2) - ب: «إليه». (7/33)
صفحة 3098
الباب الحادي عشر
في أمِّ الولد وفيما يلزم من يعتق بسبب ميراثه
وقد روي - قيل - (1) أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر بعتق أمَّهات الأولاد، وقال: «لا يبعن في دين ولا يجعلن في وصيَّة»، والأصحُّ أنَّها أمة وتباع إلاَّ إن أعتقها ربُّها، قال خميس: وعندي أنَّه إذا كان الولد منه عتقت إذا ملكها أو بعضها، وإلاَّ واِستغرقها الدَّين بيعت فيه لأنَّه لو أعتقها سيِّدها في مرضه وعليه محيط بماله لم تعتق لإعتاقه ما لا يملك فكذا لا يرث ولدها منها إلاَّ باقيًّا من الدَّين، ولا تباع فيه إن حملت من سيِّدها إلاَّ إن اِستغرقها وماله ولا ميراث لأحد منها إذا لم يفضُل من مال الميِّت شيء بعد دينه؛ وإن ولدت حيًّا يستحقُّ الإرث عتقت، وإلاَّ فلا؛ ابن محبوب: تعتق بحصَّة ولدها منها إن لم يحط الدَّين بثمنها، ولباقي الورثة حصصهم عليه إن ورث من أبيه مالا، وإلاَّ اِستسعَوْها بها من قيمتها وذلك في الأمِّ لا في الأب ولا في غيره ممن يعتق بسببه.
ومن أقرَّ بأمِّ ولد له سرقها من رجل، فقال هاشم ومسبِّح: إنَّها تردُّ إليه وتؤخذ أثمان الولد من الكلِّ.
ومن ولدت له جاريته أولادا أحياء فماتوا قبله فإنَّها أمته إن لم يعتقها، لأنَّهم لم يرثوا منها شيئا، وقال أبو المؤثر: نفقة الحامل من سيِّدها إذا مات على ورثته؛ فإن ولدت حيًّا ردَّت عليهم منها بقدر ميراثه منها ويردُّون عليه حصَّته من غلَّتها وخدمتها؛ فإن لم يكن لربِّها مال وأنفقوا عليها حسبت نفقتها وخدمتها؛ فإن ولدت حيًّا عتقت وجعلت نفقتها في خدمتها لأنَّهما تحسبان؛ فإن فضَّلت خدمَتها كانت له
__________
(1) - ب: - «قيل». (7/34)
صفحة 3099
حصَّته منها ويحسب لها ما تسعى به لسائر الورثة؛ وإن فضَّلت نفقتها سعت لهم بقدر حصَّة ولدها من فضلها عن خدمتها مع ما تسعى به لهم من رقبتها؛ وإن ولدت ذكرا ومنعهم من الإرث ولم يترك الميِّت غيرها وقد أنفقوا عليها من أموالهم، فعليها الرَّد عليهم ولهم اِستخدامها ما دامت حاملا؛ وإن أغلَّت غلَّة أو وهب لها مال أو أوصي لها بوصيَّة فالوصيَّة لها والهبة والغلَّة كما لسيِّدها يوقف ذلك حتَّى تلد؛ فإن ولدت حيًّا عتقت به وكانت غلَّتها ومالها للورثة ويرفع لسائرهم ممَّا ورث هو مالهم من قيمتها؛ وإن لم يترك أبوه غيرها سعت لهم بمالهم منها؛ وإن أسقطت ميِّتا فأمة ومالها لهم؛ وإن لم يترك غيرها ولها غلَّت أنفقت منها؛ فإن فضل منها شيئا وقف حتَّى تلد؛ فإن كفتها فلا عليهم؛ وإن نقصت عن نفقتها أتمُّوا النُّقص من عندهم؛ وإن قذفت أحد أو قذفها وهي حامل فلا أحد عليها ولا لها؛ وإن شربت خمرا ثمَّ ولدت فعليها نصف الحدِّ ولا قصاص لها إن خرجت ولها أرش الأمة وهو للورثة؛ وإن زاد الحرج بعدما ولدت فلها في الزَّائد ديَّة الحرَّة لها لا لهم؛ وإن كاتبها أحدهم عتقت ووقِّف الثَّمن؛ وإن أدَّت بعضه ثمَّ عتقت بالولد بطل عنها باقيه وسقط عنها الكلُّ إن لم تؤدِّ شيئا حتَّى ولدت؛ وإن أسقطت ميِّتا فهي مكاتبة وتؤدِّي الثَّمن إلى الورثة؛ وإن أدَّته أو بعضه ثمَّ ولدت ردَّ عليها مناب ولدها ممَّا أدَّته؛ وإن كان ما أدَّته أقلَّ من حصصهم أتمَّتها من إرث ولدها، وليس عليه أن يردَّ ما أدَّته قبل أن تلده ولو ورث مالا؛ وإن تركها سيِّدها حاملا وكان يقصِّر فيما مات فيه وفيه بعض ورثته يتمُّ فيه وبعض يقصِّر فإنَّها تتمُّ؛ وإن لم يكن في المحلِّ من يتمُّ فيه منهم فإنَّها تقصِّر وتصلِّي صلاتهم حتَّى تلد؛ وإن أعتقها بعض عن كفَّارة لم تجزه ولو أسقطت؛ وإن لم تكن بين شركاء فأعتقها الوارث عن كفَّارة حال حملها أجزته إن أسقطت ميِّتا لا إن ولدت حيًّا.
ابن محبوب: من له أمُّ ولد وضربها وقذفها بزنى فأقامت شاهدين أنَّها حرَّة في الأصل أو عتيقة فرِّق بينهما ولها عليه صداق مثلها ويرجع على بائعها له بما اِشتراها منه به ولا يحدُّ بقذفها لأنَّه قذفها في ملكه.
ومن زوج أمّ ولده فولدت أولادا فهم عبيده يبيع منهم ويهب ويعتق وهي (7/35)
صفحة 3100
مثلهم، روي ذلك عن علي وابن العباس وجابر.
فصل
اختلف - كما مرَّ - في بيع أمّ الولد فأجازه قوم إذا لم يكن فيه ضرر عليه وعليه الأكثر منَّا، وحرَّمه قوم، وكرهه آخرون؛ وأجمعوا على جواز بيع الأمة قبل أن تحمل من سيِّدها؛ وروى بعض قومنا أنَّ بعض الصَّحابة أو [559] التَّابعين أجاز بيع الحامل إذا اِستثنى حملها منه وعلى جواز وطيها له بعد وضعه وعلى أنَّ له أن يؤاجرها وعلى أنَّ الزَّكاة لا تجب فيها؛ وإن الفطرة تجب عنها؛ وأنَّ وصيَّتها لا تجوز إلاَّ بإذنه؛ وإن أعتقها عتقت ولها أن تصل مكشوفة الرَّأس وله أن يزوِّجها بمن شاء. ومن تزوَّج أمة فولد منها أولادا ثمَّ اِشتراها فله بيعها وأولاده منها إذا ولدوا قبل الشِّراء لمولاها.
ومن وطئ أمة من الغنيمة قبل قسمها وهو من أهلها وحملت منه، كانت أمّ ولد له يتعلَّق به حقُّه في الغنيمة، ولو أعتقها جاز وكانت قيمتها في حصَّته؛ وإن لم يكن من أهلها لم تعتق ويحدُّ أبو سعيد إذا مات عن أمِّ ولد سيِّدها وله ورثة سواه فقيل: إذا خلَّف مالا لحقوه بقدر حصصهم من أمِّه وتذهب حصَّته بميراثه وتكون حرَّة وإلاَّ فلا يلحقون بشيء لأنَّ سبب العتق جاء من غيره؛ وقيل: لا يلحقونه ولو خلَّف أبوه مالا أو كان له من غيره، وتعتق أمُّه بسببه وإرثه منها إذ لا يستقيم أن يعتق بعضها ويسترقّ بعضها ولا يلزمه هو شيء لأنَّه لم يدخل عليهم ضرًّا من فعله، وإنَّما هو من فعل سيِّدها بها إذ لو أعتقها عتقت؛ وقيل: ليس عليه أكثر من ميراثه من أبيه ولباقيهم أن يأخذوا بقدرهم من ثمنها ممَّا ورثه ولدها من أبيه؛ فإن نقص عن تمامهم اِستسعوها بالباقي من ثمنها ولا يلزمه تخليصها بغير إرثه منه ومن ورث أمَّه وإخوته لأمِّه وله إخوة يوارثونه في أبيه قال هاشم وابن المفضل: إنَّه يحسب عليه أمَّه وإخوته لأمِّه في حصَّته حتَّى لا يبقى له إرث ويستسعيها الورثة بقدر الباقي من قيمتها؛ وقيل: لا تحسب عليه إلاَّ أمَّه.
ومن له جاريَّة أصاب منها ولدا وله آخر من غيرها ثمَّ مات وترك مالا فلم (7/36)
صفحة 3101
يطلب إلى أخيه قيمة أمِّه حتَّى هلك وهلكت أمُّه وتركت مالا ثمَّ طلب إرثه من قيمتها ولم يرثها إلاَّ جنسها فقيل: ليس له اليوم ذلك ولا فيما كان لها لأنَّه لم يطلب ذلك حتَّى ماتت. (7/37)
صفحة 3102
الباب الثَّاني عشر
في إقرار الأمة بالملكة ولها أولاد
أبو الحواري: إن أقرَّت سوداء ذات أولاد أنَّها مملوكة، وقالوا: هذه تقرُّ بذلك فنكون (1) مماليك معها ليس كما قالت، فإقرارها على نفسها بالعبوديَّة لا يجوز عليهم ولو لم يبلغوا وهم أحرار حتَّى تصحَّ بيِّنة أنَّها ولدتهم في ملك من شهدت لهم البيِّنة أنَّها أمتهم، فإذا لم تصحّ عبوديتهم لهم فميراث من مات منهم لهم ويحبس إرثها منه إلى أن تعتق أو تموت أو تشتري به إذا بيعت؛ وقيل: إذا أقرَّت أنَّها مملوكة لفلان وأولادها بالِغون مقرُّون أنَّها أمُّهم وأنَّها حرَّة فهم مماليك له أيضا، والأكثر أنَّهم أحرار ولو أقرُّوا أنَّها أمُّهم؛ وقيل: القول قولها في الصِّغار إذا كانوا في يدها فيكونون عبيدا لمولاها؛ فإن بلغوا وادَّعوا الحرِّية وأنكروا كونها أمُّهم قُبل قولهم حتَّى يبيِّن المدَّعي أنَّهم عبيده، واِختير أنَّهم إذا بلغوا وأنكروا العبوديَّة فلا يثبت عليهم، ولو أقرُّوا أنَّها أمهم.
ومن أعتق غائبة ثمَّ أتت بعد سنين بأولاد فأراد أخذهم وقالت: ولدتهم بعد أن أعتقتني، قال أبو عليٍّ: إنَّ القول فيهم قولها إلاَّ إن بيَّن أنَّها ولدتهم قبله وإلاَّ فهم أحرار.
__________
(1) - ب: + «معها». (7/38)
صفحة 3103
الباب الثالث عشر
في الشَّهادة في العتق والنيَّة فيه
فإذا شهد أنَّ فلانا أعتق أحد عبيده في وصيَّته وهم ثلاثة عتق من كلٍّ ثلثه وسعى في ثلثيه؛ وإن كانوا أربعة عتق من كلّ ربعه وسعى بثلاثة أرباعه وكذا في غيرهما كما مرَّ إن اِستوت قيمتهم؛ وإن اِختلفت أخذ من أقلِّهم قيمة بقدرها ومن أكثرهم كذلك فيقسَّم ذلك بينهم.
ومن له عبدان فشهد عليه أنَّه قال: هذا حرٌّ أو هذا، جازت الشَّهادة ويعتق من كلّ ثلثه إن لم يكن له غيرهما؛ وإن كان له مال ووسع ثلثه أحدهما عتق من كلّ نصفه وليس للوارث أن يعتق أحدهما ويمسك الآخر (1)؛ وإن شهد أنَّه قال: لفلان عبدي هذا أو هذا ويسعهما الثُّلث كان للوارث أن يعطي أيّهما شاء، وليس هذا كالمعتق لأنَّ العتق وقع فيهما معا، وقال ابن محبوب: إن تفاضلا في القيمة اشترط الوارث والموصى له فيهما؛ وقيل: لا يثبت هذا في الوصيَّة حتَّى يعيّن أحدهما أو تشهد البيِّنة بقدره بعينه ولم يعرف السَّاعة فله الأقل؛ وقيل: نصف كلّ.
فإذا شهد عدلان أنَّه أوصى بعتق سالم وقيمته ألف وهو الثُّلث وشهد الورثة أنَّه رجع عنه وأوصى بعتق آخر وقيمته نصفه، أجيز عتق الأوَّل ولا يصدَّقون فيه، ويعتق الآخر أيضا بإقرارهم ويتحاصصان في الثُّلث؛ وإن لم يكن له غيرهما قسِّم الثُّلث بينهما على الثَّلاثة فيعتق من سالم ثلثه ويسعى بثلثيه ومن الآخر كذلك؛ وكذا لو شهدا أنَّه أعتق فلانا إن مات في مرضه أو سفره وأنَّه مات فيه وشهد آخران أنَّه برئ منه أو رجع منه فمات في أهله جازت شهادة العتق.
__________
(1) - ب: - «الآخر». (7/39)
صفحة 3104
فصل
من أراد أن يعتق عبدا له نوى أنَّه عن كفَّارة قتل أو ظهار أو صوم أو قربة أو نحو ذلك، ومن له عبيد فقال: أنت حرٌّ قبل قوله أنَّه نوى فلانا؛ وإن قال: فلان حرٌّ واسم غلامه كذلك، ثمَّ قال: نويت غيره فالقول قوله ولا يعتق غلامه ولو سمعه.
ومن قال لجاريته: إن ولدتني فولدك حرٌّ؛ ثمَّ قال: [560] نويت ما في بطنها ذلك فله نيَّته؛ فإن مات ولم تعلم له وقد أرسل خيف أن يتحرر كلُّ ما تلده، ومن قال لغلامه: اذهب نازع فلانا فإذا خفت أن يحكم عليك فقل: إنِّي حرٌّ، فلا يعتق إلاَّ إن نازع وقال ذلك؛ فإن احتجَّ أنَّه نوى بقوله: قل إنِّي حرٌّ لست لك فهو إلى قوله مع يمينه.
ومن قال في مرضه: إذا مت فغلامي حرٌّ، ثمَّ عوفي فقال: إذا مت من مرضي هذا تمَّ قوله إلى أن يموت ولا تنفعه نيَّته. (7/40)
صفحة 3105
الباب الرَّابع عشر
في الدَّعاوي في العتق وغير ذلك من ضروبه
فمن قال لغلام له: أنت حرٌّ إن مت في رمضان ولآخر كذلك إن مت في شعبان، فأقام كلٌّ بيِّنة أنَّه مات فيما وقَّت له، فإنَّه يحكم - قيل - (1) بموته في شعبان، فلا تجوز حياته بعد صحَّة موته، فلا يعتق من أقام بيِّنة أنَّه مات في رمضان؛ وقيل: لا يعتق أحدهما لأنَّ الشهادة متهاترة لا تقبل ويحكم بموته لصحَّته؛ وإن قال لعبده: إن متّ في مرضي هذا فأنت حرٌّ وشهد بذلك عدلان وقالا: لا ندري أمات فيه أم لا، فقال: العبد: مات فيه، والورثة: لا، بل برئ منه، فالقول قولهم مع يمينهم، وإن أقام كلٌّ بيِّنة على دعواه، فبيّنة العبد أولى (2)؛ فإن قال: إن متُّ في مرضي هذا فسالم حرٌّ، وإن برأت منه فميمون حرٌّ فادَّعى سالم الموت فيه وميمون البرء منه، فالقول في ذلك قول الورثة مع إيمانهم.
أبو سعيد: من شهد عليه أنَّه أعتق عبده فحلف بعتق آخر أنَّه شهد عليه بباطل فيختلف في عتقه وطلاق زوجته إن حلف به؛ فإن حلف ما أعتق الذي شهد عليه بعتقه فلا يعتق بذلك اتِّفاقا؛ وإن قالت سوداء عند الحاكم: كانت مملوكة فأعتقت، فهي في الحكم مملوكة بإقرارها ودعواها العتق ولا ينفعها إلاَّ ببيِّنة؛ وإن اِدَّعى الحرِّية عبد فأتى بشاهد واحد عليها فضرب عينه فنزعها فديتها في رقبته وهو عبد، وكذا إذا شهد رجل على مال آخر أنَّه مغصوب ثمَّ ورثه فإنَّه ليس له أن يأكله.
ومن شهد على عبد أنَّه حرٌّ ثمَّ اِنتقل إليه بإرث أو غيره فليس له أن يتملَّكه
__________
(1) - ب: «».
(2) - ب: سقط قدر سطرين «وإن قال لعبده: إن متّ في مرضي هذا فأنت حر ... فبيّنة العبد أولى». (7/41)
صفحة 3106
وهو حرّ حين اِستحقَّه.
ومن شهد عليه عدلان أنَّه أعتق غلامه فلانا فحلف بطلاق امرأته وعتق عبده، لقد شهدا عليه بباطل فحاكماه، قال: ففيه خلاف (1) ولا نقوى على إخراجهما منه. أبو الحواري: يعتق وتطلَّق.
ومن أشهد لغلامه أنَّه يخدمه ويبيعه إن اِحتاج إليه وإلاَّ فإنَّه حرٌّ إذا مات فله ما شرطه لنفسه ولغلامه، ومن شهد عليه (2) واحد أنَّه دبر غلامه وآخر أنَّه أعتقه فمدبَر يعتق إذا مات.
ومن قال: كلُّ مملوكة له فحرَّة إلاَّ أمَّهات أولاده عتقن إلاَّ هن؛ فإن قال: هذه أمُّ ولد لم يصدَّق؛ فإن كان عند كلّ ولد فقال: ولد هذه منِّي وولد هذه منِّي، فالجواري يعتقن ولا يصدَّق على أمَّهاتهم ولا يضرب إماء بعد صحَّة عتقهنّ، وثبت نسب أولاده ويعتقن؛ وإن قال: كلُّ مملوكة له فحرَّة إلاَّ خراسانية ثمَّ قال: اثنتان منهنَّ أو أكثر خراسانيات فكالأولى؛ وقيل: القول قوله واِختير أنَّه مدَّع ويعتقن كلُّهن إلاَّ إن صحَّ دعواه.
وإن قال: كلُّ جارية له فحرَّة إلاَّ بكر ثمَّ قال: كلُّهن أبكار، فالقول قوله لأنَّهن في الأصل أبكار إلاَّ إن صحَّ انتقالهن؛ فإن وجدت ثيِّبات فقال: أصابهن بعد يمينه قُبل قوله؛ وإن قال: كلُّ جارية لي تلد منِّي فحرَّة ثمَّ قال: هذه ولدت منَّي لم يصدَّق إلاَّ ببيِّنة؛ وإن قال لغلامه: إن لم أضربك الليلة فأنت حرٌّ، فقال: ضربه ونفاه الغلام فالقول قوله وعلى السيِّد البيِّنة؛ وقيل: على الغلام؛ فإن لم يجدها حلف السيِّد أنَّه ضربه؛ وإن كان بعد اِنقضاء الليلة فالقول قول العبد مع يمينه؛ وإن قال: كلُّ جارية لي حرَّة إلاَّ التي اِشتريتها من فلان عتق الكلُّ ولا يصدَّق إلاَّ ببيان.
__________
(1) - ب: - «خلاف».
(2) - ب: - «عليه». (7/42)
صفحة 3107
الباب الخامس عشر
في عتق الأب عبد ولده وإقراره أنَّ أباه أعتق أحد مماليكه والانتفاع من المعتق
ابن محبوب: يجوز عتقه لعبد ولده ولو لم ينزعه لأنَّ الحرِّية عند الشُّبهة أولى، ومنعه أبو المؤثر حتَّى ينزعه؛ وقيل: مطلقا لأنَّ اِنتزاعه لا يزيله عن ملك الولد حتَّى يتلفه؛ وقيل: إلاَّ في لازم على الأب ولا يقدر عليه إلاَّ من ولده وهو قول ابن عليٍّ، وجوِّز فيه (1) إذا لم يرد إضراره، ويؤمر بأن يعطي ولده ثمنه إن كان له مال وإلاَّ سعى العبد له به.
ومن أعطى ابنه عبدا بحقٍّ واِستثنى خِدمته حتَّى يموت، فلمَّا اِحتضر أعتقه، فلا يجوز عتقه عند أبي علي إلاَّ إن كان بحقٍّ واِحتاج إليه؛ وإن أعتق عبد ولد ولده لم يجز اتَّفاقا، ومن قال: غلامه لابنه ما شاء، فإذا مات فهو حرٌّ، فلمَّا مات ظنَّ أنَّه حرّا فتزوَّج حرَّة، قال جابر: هو عبد لوارث الابن وامرأته بالخيار في الذَّهاب والملك.
ومن أعتق مملوكا لله فإنَّه لا ينتفع به؛ وقيل: لا بأس إن كان مَصلحة للعبد؛ فإن عمل له بلا أمره جاز أيضا أو كان يعمل بأجر فعمل له كغيره وأوفاه أجره جاز له، أبو زيَّاد: لا يشرب من يده ولو ماء من قدح.
__________
(1) - ب: - «فيه». (7/43)
صفحة 3108
الباب السَّادس عشر
في المعتق بالملك والنَّسب
فقيل: يعتق على الرَّجل كلُّ من يحرم عليه نكاحه بالنَّسب إذا ملكه لا من يحرم عليه بالصِّهر، وله بيعه واِستخدامه، وفيمن يحرم عليه بالرّضاع خلاف، فقيل: يعتق عليه؛ وقيل: لا ولا يبيعه ولا يستخدمه؛ [561] فإن باعه تمَّ، وجوَّز بيع الأخ من الرّضاع في الدّين، وقال الوضَّاح: يستخدمه ولا يبيعه ولو مدينا، وقال عبد المقتدر: من ملك ابن عمِّه أو ابن خاله استخدمه ولا يبيعه ونسلهما مثلهما، وأجمعوا أنَّه إذا ملك والديه وولده عتقوا عليه، ويعتق عليه آباؤه وإن علوا، وأولاده وإن سفلوا؛ واختلف فيمن يعتق عليه وله فيه كشريك، فقيل: يضمن له حصَّته مطلقا؛ وقيل: لا مطلقا، وقيل: إن ملكه بشراء أو هبة أو وصيَّة ضمن لإمكانه أن لا يقبله لا إن ملكه بإرث؛ وقيل: يضمن في الشِّراء لأنَّه فعله لا في غيره؛ وقيل: لا يعتق عليه رحمه إذا ملكه بالإرث إلاَّ أمَّه ويضمن الحصَّة منها.
وإن كان بين ثلاثة عبد له أمٌّ حرَّة فأعطاها أحدهم حصَّته منه فإنَّه يعتق عليها، وتبع الآخران بحصصهما (1) المعطي لا الأمُّ، وقال جابر: من ملك من يحلُّ له نكاحه فهو خديمه ويكره له بيع قرابته إلاَّ في لازم أو دين.
ومن بيده مضاربة فاشترى به محرَّما من ربِّ المال عتق عليه. ومن اِشترى من يعتق عليه شراء فاسدا أو معيبا لم يعلم بعيبه أو فساده فقال الفضل: لا يعتق إذا ردَّه. ومن ملك ــ قيل ــ ابني عمِّه وهما وارثاه ولا مال له سواهما فلمَّا احتضر أعتقهما فهما معتقان؛ وإن وهب أحدهما لأخيه عتق وعتقا معا إن مات في مرضه، وإن كانت
__________
(1) - ب: «يحاصصهما». (7/44)
صفحة 3109
العطية فيه لا تجوز وقد ورثاه ولا مال له غيرهما؛ فإن تفاضلا في القيمة تراددا (1) فيها حتَّى يستويان. ومن اِشترى ابنه عتق وضمن الثَّمن للبائع إن علمه ابنه، وإلاَّ لم يضمنه، وعلى الابن أن يسعى له به؛ وإن علم البائع أنَّ مشتريه أبوه فباعه له عتق ولا شيء له.
__________
(1) - ب: «ترادد». (7/45)
صفحة 3110
الباب السَّابع عشر
فيما يعتق العبد به من فعل سيِّده فيه
أبو الحواري: من خصاه أو شوَّه به أو قفأ (1) عينه أو كواه بلا رأيه فقد عتق. وذكر له عن امرأة بضرب غلامها فأعور عينيه ضاربه خطأ فسأل محبوبًا فقال: لا يعتق، لأنَّه أعوره خطأ، والمحفوظ عنهم إن مثِّل بعبده فأعوره أو قطع أذنه أو إصبعه عتق إن تعمَّد؛ وأمَّا إن قطع أذنيه أو أنفه أو نحوهما ممَّا تتمُّ فيه الدِّية في الحرِّ فإنَّه يعتق ولو خطأ.
ومن وطئ أمته فخلطها عتقت؛ وقال ابن قريش: لا تعتق؛ وإن ماتت بوطئه عتقت؛ وإن وطي غلامه ولم يضرَّه لم يعتق. ومن ثقب أذن أمته أو عبده يريد به التَّزيين فلا يخرجا من ملكه إذ ليس بمثله. وقال ابن عليٍّ: من خرم أذن غلامه أو أنفه فقيل: يعتق إذا مثِّل به، وكره له كيُّه؛ ولا يعتق إن كواه برأيه وهو كبير؛ وقيل: يعتق.
أبو سعيد: من تعمَّد ضربه بالنَّار فأثَّرت فيه ــ وإن قليلا ــ عتق، لا إن خطأ، حتَّى تكون الضَّربة قدر ما لو كانت في حرٍّ لأوجبت له الدِّية التَّامَّة، مثل أن يقطع أذنيه أو أنفه. ومن أطعمه نارا يريد نفعه فإنَّه لا يعتق إذا لم يكن مثلة له. وقال هاشم: من ضرب عبده بشعلة فقد عتق؛ وقال الأزهر وابن عليٍّ: حتَّى تؤثِّر.
ومن بغلامه علَّة فشاوره غيره أن يكويه فلم يمنعه وساهل في القول ولم يصرَّح، فلا يسعهما ذلك. وقيل: لا يجوز الكيُّ والوسم، وفي الرَّشق خلاف، قيل: إذا رشق بالنَّار عتق؛ وقيل: لا إذا اعتلَّ وطلبه، ولا إن كوى غلام أخته أو زوجته. ومن كوى
__________
(1) - ب: «فقأ». (7/46)
صفحة 3111
عبده يريد شفاءه من ضرسه فأخطأ فلا عليه؛ وكذا إن جرحه أو ضربه خطأ ويرضيه بشيء؛ وإن شوَّه به أو عرقبه عتق.
أبو سعيد: من أخطأ على عبده فأحرق بعضه عتق إن كان ما أصابه يبلغ الدِّية؛ وإن أخطأ عليه في مواضع إذا جمعت بلغتها فلا يعتق؛ وبقطع الأعضاء يعتق إذا بلغتها فيه، مثل أن يقطع يده خطأ في موضع ورجله في آخر. وإن جرحه اليوم موضعا وغدا آخر ونحوهما، حتَّى اجتمعت الدَّية، اختير أن لا يعتق بهذا على الخطإ.
أبو سعيد: من مثَّل بعبده عتق، ولو قطع منه أنملة إن تعمَّد، وكذا إن أعور عينه ولم يبصر بها إلى سنة عتق.
ومن جعل عتق عبده بيده فلبث شهرا ثمَّ أعتق نفسه جاز عتقه؛ وإن أمر أحدًا أن يعتقه أو يطلِّق زوجته، ثمَّ رجع ولم يعلم برجوعه فأعتق أو طلَّق جاز إذا فعل قبل أن يعلم به؛ وقيل: لا يقعان إذا صحَّ رجوعه قبل أن يفعل.
فصل
من مثَّل بعبده مثلة توجب عتقه فلا يلزمه له أرشها في الحكم، إلاَّ إن ازدادت بعد العتق فيلزمه الزَّائد من تأكل (1) الدَّواء أو غيره كالحرِّ. والمثلة الموجبة للعتق على العمد كما عرفت هي أن لو قطع منه ولو راجبة، وموجبته على الخطإ هي أن يفعل به ما تكمل فيه الدِّية كقطع اليدين أو الرِّجلين أو العينين أو أنف أو يد أو رجل.
ومن له أمة فحلق رأسها وكانت من ذوات الشَّعر فذلك مثلة. ومن مثَّل بعبده فزادت المثلة به بعد عتقه إلى أن مات لزمته ديَّة الحرِّ كما مرَّ؛ وإن مات قبل ثلاثة أيَّام فلا قود فيه، والأظهر بعد ثلاثة فتأمَّل. وإن كان الحدث خطأ فعلى العاقلة؛ وإن كان عمدا فعلى الجاني.
أبو عبد الله: [562] من وطئ عبده فلا يعتق بوطئه؛ وإن عقره به فعليه التَّوبة
__________
(1) - كذا في النسختين. (7/47)
صفحة 3112
والإصلاح. وإن كسر سنَّه عمدا عتق. وإن قال له: إذا أردت فأعتق نفسك في هذا الشَّهر فمات قبل أن يحول وأعتق فيه نفسه (1)، وقال الورثة: إنَّه لم يفعل في حياته؛ وقال هو إنَّه فعل فيها جاز قوله، لأنَّه فعل فيما وقَّت له.
وإن كسر أنفه فنخش عتق، لأنَّ النَّخش فيه التَّامة؛ وإن شتن جفن عينيه ولم يلتئم عتق أيضا، لا إن كسر أحدى يديه أو رجليه فجبر، وإن على شين، حتَّى تشلَّ. ابن قريش: إن لم يقدر أن يمشي برجله عتق.
وإن ضربه حتَّى زال منه الجماع فالأكثر أنَّه يعتق؛ وكذا إن ضربه حتَّى ذهب شعر رأسه أو حاجبيه أو أشفار عينيه ولم ينبت إلى سنة. وإن تألَّم من ضرسه وطلب قلعه فأذن لمن يقلعها له جاز له. أبو عبد الله: من جعل العتق على أفعال عبده فليس له؛ وإن جعله على أفعاله هو فله أن يخرجه من ملكه؛ وقيل: له ذلك ولو على أفعال عبده إن قال له: إن فعلت كذا لما لا يكون مكاتبة إلاَّ إن قال له: إن لم تفعل هذا، فلا يبيعه على كلِّ حال؛ وقيل: إن قال له: إن فعلت كذا، وقع موقع اليمين، وله بيعه قبل أن يفعل وقبل الحنث؛ وقيل: موقع التَّدبير، ولا يجوز بيعه، والمدبِّر على فعل متى فعله عتق.
ومن قال لقوم أنتم أحرار، وفيهم غلام له فقد عتق.
ومن خرم أنف عبده أو أذنه أو طعنه بمخياط أو بأدنى فأنفذ جارحة منه فيخرم ذلك يعتق، لا بطعنه بما ذكر إن التأم المنفذ، لأنَّه ليس بمثلة، وإلاَّ عتق.
__________
(1) - ب: «نفسه فيه». (7/48)
صفحة 3113
الباب الثَّامن عشر
في العتق بالمبايعة وشرطه عندها
فمن باع عبد ولده بلا إذنه فمات وورثه ولده والمشتري عتق ولا رجعة له فيه بعد عتقه؛ وله قبله. ومن اِشترى عبدًا لعتق فلا يحلُّ له أن يأخذ منه شيئا، وكذا الأمة؛ وإن عجلا له قبل أن يشتريهما وعلم سيِّدهما فلا بأس عليه. ومن اِشترى مملوكا على أن يعتقه فليردَّه إن لم يعتقه، وكره له حبسه؛ وإن لزمه عتق (1) كره له الشِّراء بالوقيعة.
ومن اِشترى جارية ليعتقها فأحسن إليه بائعها في ثمنها ثمَّ بدا له أن يمسكها (2) أو يدبِّرها فللبائع أن يرجع عليه بردَّها أو بعتقها؛ وقيل: يؤخذ به.
ومن اِشترى عبدا فأعتقه وعلم أنَّه مدبِّر، فإن أعتقه منتقلا به من غير واجب عليه جاز عتقه؛ وإن أعتقه في واجبة عليه جاز أيضا، وينظر فيه ويسلِّم مثله ثمَّ في فضل الثَّمن، فإن أصيبت به رقبة أعتقت، وإلاَّ جعل (3) في نسمة تعتق كذلك.
ومن قال: إذا بعت غلامي فحرٌّ، قال محبوب: إن ساوم به فقام على ثمن يرضى أن يبيعه به فهو حرٌّ وقته؛ وقيل: لا حتَّى يبيعه بمسمَّى، فإذا قال: بعته بكذا أو بعتكه ولم يسمِّ (4) عتق؛ وإن (5) قال إذا اِشتريته فهو حرٌّ لله عتق عند العلاء إذا اشتراه؛
__________
(1) - ب: - «عتق».
(2) - ب: «يمسكه».
(3) - ب: «جعلت».
(4) - ب: «يسمَّى». وهو خطأ.
(5) - ب: «ومن». (7/49)
صفحة 3114
وقيل: لا لأنَّه قال ذلك قبل أن يملكه؛ وإن قال إن باع فلانا فحرٌّ عتق إذا وجب البيع، وإن لم يصل إلى مشتريه؛ وقيل: لا يعتق لأنَّه صار له، واختير الأوَّل.
وإن كان بين اثنين غلام فباع أحدهما منابه على أب الغلام؛ فإن علمه أباه ضمن لشريكه حصَّته، وتبع هو والغلام بحصَّته، وإلاَّ ضمنها الأب لشريكه.
ومن عليه رقبة كره له أن يشتريها على أنَّه يعتقها، ولا يضرُّ الشَّرط إن وقع بعد البيع، ولا إن كان العتق في غير لازم.
ومن قال له عبد: اِشتريني أعطيك نصف ثمني على أن تعتقني فاشتراه وأعطاه فأعتقه، ثمَّ علم البائع بما صنعا فعليه أن يردَّ للبائع ما أعطاه العبد وهو حرٌّ ويرجع به عليه؛ وأمَّا إن اِشتراه وأعطاه بعد أن ملكه فهو مال العبد ما لم يعلم أنَّه كان مستترا بيده في ملك الأوَّل، أو أنَّه أخذه من ماله؛ وإن رجع البائع في بيعه قبل عتقه وقد ضمن لمشتريه ذلك ولم يعلم البائع ويكون ذلك برضاه قبل البيع أو بعده فله الرَّجعة؛ فإن لم يرجع حتَّى عتق فالقول كما مضى.
ومن باع جارية لها ولدان بيع أحدهما معها فادَّعى أبوه أنَّهما ولداه، فأكذبه البائع والمشتري فهو ولده، ولا يأخذ من سيِّده ويعتق أخوه الذي في ملك ابنه ويضمن قيمة أمِّه، وفي هذا الكلام تأمُّل.
ومن اِشترى عبدًا بعبدين إلى أجل فأعتقه لم يجز عتقه، لأنَّ هذا من الرِّبا المحرَّم؛ وقيل: يعتق بالبيع وتكون عليه قيمته، لأنَّ النَّاس يجهلونه ويتعاملون به، والعتق ليس كغيره.
ومن اِشترى عبدا بمائة درهم، وزقٍّ من خمر، ثمَّ أعتقه فإنَّه يعتق، ويرجع عليه البائع بفصل القيمة على المائة؛ وإن اِشتراه بكذا زقا من خمر فليس شراؤه بشيء.
ومن اِشترى جارية فاسدا فأعتقها (1) جاز عتقها، وعليه ردُّ ثمنها، وليس
__________
(1) - ب: «فأعتقه». وهو خطأ. (7/50)
صفحة 3115
كالغضب والسرق؛ وإن كانت قيمتها أكثر ممَّا سمَّياه كانت على المعتق.
ومن أمر رجلا يشتري له أخاه بألف، فقال: اِشتريته بألف وخمس مائة، والبائع بعته بألف فالقول قوله، ويعتق حين دخل ملك أخيه.
ومن أوصى أن يباع غلامه لفلان، فإن اِشتراه وإلاَّ فحرٌّ، فإنَّه يعرض عليه؛ فإن اِشتراه بثمنه وإلاَّ صار حرا.
ومن اِشترى ابنه عالما به عتق عن ساعته، وضمن الثَّمن؛ وإن لم يعلم به لم يضمنه، وعلى الابن أن يسعى به للبائع؛ فإن علم به أيضا أنَّ مشتريه منه أبوه فباعه له عتق، ولا يدركه بشيء كما مرَّ.
ومن دفع إلى رجل مالا أو أمره أن يشتري له به جارية فاشترى له من لا يحلُّ له نكاحه بالنَّسب، فالجارية حرَّة وهو ضامن له ماله.
فصل
من اِشترى خمسة عبيد وأنفذ الثَّمن فلمَّا وصل منزله وجدهم ستَّة فقال لهم: من لم [563] أشتره منكم فلينصرف، فقال أحدهم: أنا حرٌّ، والآخرون إنَّا أحرار، فإن لم يعرف الذين اشتراهم لم يكن له ملك أحدهم إلاَّ ببيِّنة أو إقرار بالغ منهم؛ وإن عرفهم وادَّعوا ذلك فإذا لم يصحَّ من أمرهم إلاَّ أنَّه اشتراهم قبل قولهم وعليه البيِّنة؛ فإن وجدها أنَّه اشتراهم من زيد وهم في يده، وقالوا: إنَّهم أحرار قُبل قولهم؛ وإن وجدها أنَّهم كانوا في يد زيد يدَّعيهم ولا ينكرون عليه، إلى أن باعهم له فهم عبيد، إلاَّ إن صحَّ أنَّهم أحرار؛ وقيل: إنَّهم أنَّهم أحرار ولا تثبت الدَّعوى على العبيد في أنفسهم من مدَّعيهم عليها.
ومن أمر رجلا أن يشتري له عبدا فاشترى له أبوه هو ولا يعلمه أباه جاز الشِّراء وهو عبد للآمر.
ومن اِشترى عبدا فأعتقه ثمَّ صحَّ أنَّه لغير بائعه فإنَّه لا يعتق. وإن اِشتراه من (7/51)
صفحة 3116
ربِّه فاسدا عتق، وعليه ما اشتراه به له؛ وقيل: قيمته يوم اشتراه، وعلى الغاصب أفضل القيمتين، فما أغلَّه العبد قبل أن يعتق أو يموت فلمشتريه بالضَّمان عند القائل عليه الثَّمن؛ وقيل: لبائعه عند من يرى عليه القيمة، ويرافع بقدر ما أنفق عليه.
ابن جعفر: من باع لرجل عبدا على أنَّه إن باعه فحرٌّ فباعه فهو حرٌّ من مال معتقه؛ فإن كان المشتري هو الذي أخذه على أنَّه حرٌّ إن باعه فمن ماله؛ وإن كان البائع هو القائل عند العقد: إنَّه حرٌّ إن باعه مشتريه فهو حرٌّ أيضا، ولكن من مال البائع. ومن قال: إن اِشترى هذا العبد، أو أمر بشرائه، فكلُّ عبد في ملكه حرٌّ ثمَّ اشتراه عتق كلُّ من في ملكه لا الذي اِشتراه؛ وكذا إن قال: إن اِشتريت هذه النَّخلة فكلُّ مالي صدقة، فإنَّه يعشره دونها؛ وإن قال: أوَّل عبد أشتريه أو أملكه فحرٌّ، فاشترى نصف عبد أو ملكه فإنَّه لا يعتق لأنَّه حلف على تامٍّ. ومن قال لا أبيع غلامي إلاَّ بألف، وإن وضعت منه شيئا فحرٌّ، فباعه بألف، ثمَّ وضع منه بعد البيع فإنَّه لا يعتق، لأنَّه صار للمشتري.
ومن ورث وليدة أو عبدًا وله شركاء فيه فأراد أن يشتريه ويعتقه، فليس له عتق نصيبه إلاَّ برضاهم؛ وقيل: يجوز له إن كان موسرا ويرجى له الثَّواب فيه. ومن أراد أن يبتاع وليدة للعتق وأبى مولاها أن يبيعها له، وأبى هو أن يزيد على ما ساومه به، فقالت لمولاها: أنا أزيدك عليه فرضي بذلك، ويستسعيها فلا يصلح ذلك إن لم يعلم به مشتريها، فإن علم فلا بأس.
ومن أراد شراء عبد فقال: إنَّه حرٌّ، فلا يشتره؛ فإن سكت حتَّى اشتراه ثمَّ زعم أنَّه حرٌّ فلا يصدَّق إلاَّ ببيِّنة؛ وإن أقرَّ أنَّه مملوك ثمَّ قامت بيِّنة أنَّه حرٌّ فالحرِّية أولى به، ويضمن لمشتريه ثمنه؛ وإن لم يقرَّ ولم ينكر حتَّى اشتراه ثمَّ صحَّ أنَّه حرٌّ فلا غرم عليه؛ وقيل: عليه لأنَّه غرَّه؛ وقيل: لا يجوز في العبيد إلاَّ إقرارهم أو البيِّنة، إذ ليس الدَّعوى فيهم كالدَّعوى في المال. وسئل الفضل عمَّن اِشترى من يعتق عليه فاسدا هل يعتق أم لا؟ فقال: إن كان من عيب لم يعلم به فلا يعتق، قيل له: فإن اِشتراه بمائة (7/52)
صفحة 3117
دينار على أن يأخذ بها ألف درهم، قال: قد قيل عن عبد المقتدر أنَّ من باع شيئا بمائة درهم على أن يأخذ بها حبًّا جاز لها، وليس من الشَّرط في بيع، إلاَّ إن قال: آخذ منك هذا الحبُّ مكوكين بدرهم، فذلك لا يجوز. (7/53)
صفحة 3118
الباب التَّاسع عشر
في العتق بالخدمة والحمل والدخول والخروج والقدوم
فمن قال لعبده: إذا خدمتني سنة فأنت حرٌّ، فمات قبل تمامها فإنَّه يخدم ورثته باقيها ثمَّ يعتق؛ وقيل: لا يعتق إذا مات السيِّد قبل تمامها؛ وإن قال: إن خدمتني سنة فأنت حرٌّ فمات قبل تمامها، فإنَّه لا يعتق؛ وإن قال: لي عليك خدمتها ثمَّ تعتق ومات قبل تمامها فإنَّه إذا خدم ورثته تمامها عتق لأنَّ ما له من حقٍّ على أحد ينتقل إليهم بعده؛ وإن قال: أخدمني سنة وأنت حرٌّ، فله شرطه عند قتادة كالرَّبيع وقال قتادة: إن قال أنت حرٌّ واخدمني سنة، حرِّر من حينه وقال الرَّبيع: هو على شرطه قدَّم أو أخَّر، إلاَّ إن فصل بسكوت ساعة؛ واختار أبو عبد الله قول قتادة؛ وإن قال: إن خدمتني سنتين فأنت حرٌّ فخدمه سنة ثمَّ مات فإنَّه يخدم وارثه أخرى فيعتق؛ وقيل: لا، لأنَّه لم يخدمه سنتين، إلاَّ إن قال: لي خدمتك سنتين واختار أبو الحواري الأوَّل؛ وإن قال له إن خدمتني أكثر الأيَّام فأنت حرٌّ فليخدمه أربعة؛ وإن قال: إن خدمتني آخر أوَّل الشَّهر خدمه ستَّة عشر يوما؛ وإن قال: أوَّل آخر الشَّهر فليخدمه خمسة عشر؛ وقيل: إنَّ آخر أوَّله هو آخر ساعة من يوم خمسة عشر، وأوَّل آخره فهو أوَّل ساعة من يوم ستَّة عشر؛ وإن قال له: أنت حرٌّ على أن تخدمني سنة فمات قبل حولها عتق (1) وبطل الشَّرط. وإن قال إذا خدمت أولادي سنة، فماتوا قبل تمامها، فإنَّه يخدم ورثتهم تماما ثمَّ يعتق؛ وقيل: إذا ماتوا قبل أن يتمَّها فهو مملوك؛ وإن قال: إن خدمتني فخدمه برأيه أو سيِّده عتق؛ وإن قال: إن اِستخدمتك فخدمه برأيه لم يعتق؛ وإن أمره عتق ولو عمل له غير ما أمره به لأنَّه أمره؛ وإن قال: خدمتك لي سنتين، عتق بعدهما ولو مات.
__________
(1) - ب: «أعتق». (7/54)
صفحة 3119
فصل
أبو عبد الله: من قال: عبده حرٌّ إن خرج فلان من هذه الدَّار، إلاَّ إن أذن له، فأذن له فلم يخرج حتَّى نهاه، أو قال: إلاَّ بإذني فأذن له فلم يخرج حتَّى نهاه، فإنَّه لا يعتق.
وإن كان بين رجلين سالم فقال أحدهما: إن لم يدخل [564] سالم غدا هذه الدَّار فعبدي حرٌّ، والآخر: إن دخلها غدا فهو حرٌّ (1) فمضى غد ولم يعلم دخلها أم لا، فالقول قول من قال: إن لم يدخل، ولا بدَّ من عتقه؛ وإن قال العبد: إنَّه فعل فعليه البيِّنة.
ومن قال: إن دخلت دار فلان فعبدي حرٌّ، ثمَّ دخل وقال: نويت أيَّاما وقد انقضت فإنَّه يعتق، إلاَّ إن أظهر النِّية حين حلف؛ وإن قال لعبده: إن دخلتها فأنت حرٌّ فباعه قبل دخوله ثمَّ باعه مشتريه ثمَّ رجع للقائل بوجه فدخلها وهو في ملكه، فإنَّه يعتق؛ وإن قال: إن دخل داري أحد فعبدي حرٌّ، فدخلها هو ولا نيَّة له في ذلك، فإنَّه يحنث بدخولها كلُّ ذي روح. وإن قال لجاريته: إن لم أخرج إلى مكَّة فأنت حرَّة فلم يخرج، فإنَّه يستخدمها حتَّى يموت فتعتق، وفي وطئها له خلاف؛ وإن قال لها: إن كان أوَّل ما تلدينه (2) غلاما فأنت حرَّة، فولدت غلاما وجارية، ولم يعلم الأوَّل، فالبيِّنة عليها إن اِدَّعته الأوَّل. وإن قال لعبده: إن دخلت اليوم دار فلان فأنت حرٌّ، فقال: إنَّه دخلها فيه، فإن غاب عنه قدر ما يمكن دخولها فيه صدِّق وعتق.
فصل
من قال لعبيده: أيُّكم حمل هذا، فهو حرٌّ، فحملوه كلُّهم، فإنَّهم يعتقون ويسعون بأثمانهم، وتطرح عنهم قيمة واحد؛ وقيل: لا سعاية عليهم. ومن قال لعبده
__________
(1) - ب: «فحرٌّ».
(2) - ب: «تليدينه». وهو خطأ. (7/55)
صفحة 3120
إن حفرت هذه (1) البئر أو بلَّغت هذا الكتاب إلى فلان فأنت حرٌّ، ثمَّ مات قبل ذلك، فإن فعله بعد عتق، وإلاَّ فلا. وإن قيَّده فقال له: إن فتحتك فأنت حرٌّ، فليفتحه غيره أو يبيعه مقيَّدا؛ وإن قال: إذا قدم أخي فعبدي حرٌّ، فله أن يبيعه في غيبة أخيه؛ وإن قدم والسيِّد مريض، ثمَّ توفيَّ عتق من الكلِّ عند هاشم ومسبِّح. أبو المؤثر: إن دبره على قدومه فليس له بيعه؛ وإن أقسم قسما فله بيعه قبل قدومه، كقوله: إن قدم يوم كذا فعبده حرٌّ، فله أن يبيعه قبل أن يقدم؛ وإن قدم وهو في ملكه عتق؛ وإن قال: إن فعل كذا فعبده حرٌّ، فلا يعتق حتَّى يفعل وله بيعه قبل أن يفعل، وكذا الطَّلاق؛ وإن قال: عبده حرٌّ قبل أن يقدم فلان بشهر، وقف عن خدمته وبيعه؛ فإن قدم فقد عتق؛ وإن اِستخدمه فله ما اِستخدمه به قبل قدومه بشهر؛ وإن مات في غيبته لم يعتق.
__________
(1) - ب: «هذا». (7/56)
صفحة 3121
الباب العشرون
في العتق بالقضاء والمرض والموت
فمن قال لرجل: إن لم أقضك حقَّك إلى كذا فغلامي حرٌّ، فتوفِّي (1) قبل الوقت لم يعتق، وعلى وارثه القضاء عنه؛ وقيل: عتق.
ومن اِشترى جارية إلى أجل وحلف بعتقها إن لم يوف ثمنها إليه، فباعها قبله ولم يدفعه عند حلوله فلا تعتق، لأنَّه حنث وليست في ملكه؛ وقيل: ليس له بيعها وهي كالمدبرة؛ فإذا حنث عتقت؛ وإن أتى إلى البائع بحقِّه فوجده ميِّتا فهي مملوكة عند العلاء؛ وقد اِختلف في الحنث بعد الموت، فقيل: يحنث، وقيل: لا؛ وإن قال: إن لم أوفك إلى شهر فعبدي حرٌّ فمات ذو الحقِّ قبله، فقيل: يعتق لأنَّه لم يوفه؛ وقيل: لا، ويوفي وارثه لأنَّه من التَّعارف أنَّه لم يحلف على الموت، وإنَّما يحلف النَّاس على الحياة؛ وإن قال له: إن لم أقضك حقَّك يوم كذا فكلُّ مالي صدقة لله، ثمَّ حلف وحنث فعبيده أحرار، ويعشر ماله؛ وقيل: لا يعتقون؛ وإن قال: إن لم أقضك إلى كذا فعبيدي أحرار، فمات غريمه قبل الوقت فقال ابن محبوب: لا يعتقون، ويعتقون عند غيره.
أبو الحواري: من قال غلامه حرٌّ إن مات من مرضه، فقام منه بقدر ما يجيء ويذهب ولم يبرأ منه، ثمَّ زاد عليه حتَّى مات فإذا كان قد ارتفع منه حتَّى مات وكان ممَّا يخاف منه الموت فقام منه إلاَّ أنَّ فيه أثره بطل التدبير وهو مملوك؛ وإن كان مرضه كالسُّل والبطن فمرَّة يخفُّ ومرَّة يشتدُّ فالتدبير على حاله كما قال، حتَّى يبرأ من علَّته؛ فإن كان عليها حتَّى مات في زيادة منها أو نقصان عتق من الكلِّ؛ وإذا مات في المرض
__________
(1) - ب: «فمات». (7/57)
صفحة 3122
الذي دبره فيه عتق من الثُّلث؛ وإن قال الوارث: إنَّه برأ منها كلَّف بيِّنة.
أبو سعيد: إن أقرَّ مريض أنَّه أعتق عبده في صحَّته كان منه أيضا، لأنَّه لو أعتقه فيه كان منه؛ ولا يجوز إقراره فيه وإنَّما يجوز (1) فيه فعله لا إقراره، وجنايته من الكلِّ.
ومن قال لعبده: إذا مت فأنت حرٌّ، فجرح رجلا جرحا يبلغ ثمنه فله أن يأخذ العبد عند جابر؛ فإذا مات القائل عتق العبد واقتصَّ المجروح منه أو أخذ الدِّية وقاصصه بعمله فما فضل عن الجرح استسعاه فيه. وإن أعتق مريض عبده فتلف ثلثا ماله قبل موته فإنَّه يسعى بثلثي قيمته؛ وإن لم يتلف ماله فقيل: يسعى بهما ويعطيان الأقرب؛ وقيل: لا يدخل على العتق ولا على الوصيَّة به؛ وإن قال له: إذا متُّ فأنت حرٌّ، ثمَّ قال: عنيت إذا متَّ أنت لم يقبل قوله، والعبد مدبر؛ وإن قال: إذا متُّ فهو حرٌّ فله أن يبايع نفسه في حياته عند عزَّان؛ فإن مات عتق العبد وبرأ من باقي الثَّمن؛ وقيل: إنَّه كالمكاتبة.
ومن أعتق في مرضه شقصا له من عبد فمن الكلِّ ما ضمنه منه (2) لشركائه وحصَّته من الثُّلث ويتبع ورثته العبد بما زاد عليه ممَّا ضمنه لهم؛ وإن قال فيه: عبيده أحرار ثمَّ صحَّ منه واِستفاد آخرين [565] ولم يغيِّر فقيل: يعتق عبيده يوم مات؛ وقيل: يوم أوصى، وقد مرَّ.
ومن قال في صحَّته: إذا مات فعبده حرٌّ لرقبة عليه، ثمَّ توفي قال مسبِّح: مدبَّر من الثلث؛ وهاشم: من الكلِّ ولا يجزيه عمَّا (3) عليه إن كان بعد موته.
أبو عليٍّ: إن أوصت امرأة أنَّ أمتها حرَّة عند موتها ثمَّ رجعت عنها إلى غيرها، وقالت جاريتي لا تخدم بعدي فإنَّها تعتق. وإن قال صحيحٌ: إذا كان يوم كذا فعبدي
__________
(1) - ب: - «ولا يجوز إقراره فيه».
(2) - ب: - «منه».
(3) - ب: - «عمَّا». (7/58)
صفحة 3123
حرٌّ، فجاء وهو مريض فمات، عتق من الثُّلث؛ وقيل: من الكلِّ، لأنَّه تدبير في الصَّحة؛ وإن قال إذا كان كذا فامرأته طالق ثلاثا فوقع وهو في مرض لم ترثه لأنَّ أصل الطَّلاق كان فيها؛ وإن قال: فيه ذلك إذا كان كذا، فإن وقع فيها فمات ورثته لأنَّه كان فيه وهو فار من الإرث؛ وقيل: لا ترثه على هذا في الأولى ولا في الثَّانية، لأنَّه طلَّقها في صِّحة (1) وكذا إن طلَّقها فيه ثمَّ صحَّ منه ثمَّ مرض فمات، فقيل: ترثه؛ وقيل: لا، وهو المختار.
ومن قال: يوم أموت فعبدي حرٌّ، عتق من حينه، لأنَّ يومه مجهول؛ وقيل: يستخدمه ولا يبيعه، فإذا مات عتق وله أجر اِستعماله في ذلك اليوم؛ وقال سليمان في مريضة لها جارية وولداها فأوصت إن ماتت من مرضها فهم عتقاء ولا مال لها غيرهم إلاَّ حليّها ويسير، وعليها شيء من ذلك، فقيل لها: أجحفت بورثتك، فأشهدت أنَّها رجعت عن عتق بعضهم، قال: فما نرى لها رجعة إن ماتت في مرضها، وينظر في قيمتهم وفيما تركت ويسعون بما لحقهم من الثُّلثين، ولهم الثُّلث ممَّا تركت ومن أنفسهم.
__________
(1) - ب: «الصحَّة». (7/59)
صفحة 3124
الباب الحادي والعشرون
في العتق بالوطء والضرب والعطية واليمين به
أبو سعيد: من أهدى إلى رجل جارية أو عبدًا، ثمَّ حلف بالعتق أنَّه لا عبيد له فوصلت الهديَّة فلم يقبلها أو ردَّها على المهدي، وعنده أنَّه لا عبيد له حين حلف، فقيل: وقع العتق لرجوع المملوك إليه بالملك الأوَّل؛ وقيل: لا، واختير الأوَّل.
ومن باع عبده ثمَّ حلف بالعتق ثمَّ ردَّه مشتريه بعيب فإنَّه إن باعه ولم يعلم به ثمَّ حلف فإنَّه لا يعتق؛ وإن علم به عتق.
ومن قال لامرأته: عبدي حرٌّ انَّك لا تردِّي الدَّراهم التَّي عندك فردَّتها، قال أبو محمَّد: إنَّ الاستثناء في الفعل المستقبل جائز إلاَّ أنِّي (1) ضعفت عن معنى قوله إنَّه استثناء أو غيره، ولا أراه إيَّاه، ولو قال: إن لم تردِّيها لكان استثناء.
ومن له أربع جوار فقال: كلَّما وطئت جارية منهنَّ فجارية منهنَّ حرَّة، فوطئ واحدة وثانية لا الكلُّ عتقت الأولى (2) والثَّانية والتي لم يطأها وتبقى الثالثة التي وطئها آخر؛ فإن وطئ الرَّابعة فلها الصَّداق عند أبي حنيفة؛ وقال أصحابنا: إذا وطئ الأوَّلة عتقت البواقي، ويستسعين ــ قيل ــ بثلث أثمانهنَّ له؛ وقيل غير ذلك، وهذا إذا قال: كلَّما، أو: إذا وطئ واحدة منهنَّ فالأخرى حرَّة، فإذا وطئها عتقن، لا التي وطئها، ولا سعاية عليهن؛ وإن قال: إذا وطئت واحدة منهنَّ فواحدة منهنَّ حرَّة عتق الكلُّ حتَّى التي وطئ، ويستسعين ــ قيل ــ بثلاثة أرباع أثمانهنَّ؛ فإن مضى الوطء بعد التقاء الختانين وجب لها الصَّداق وتأبَّد تحريمها عليه؛ وقيل: لا سعاية عليهنَّ إلاَّ إن
__________
(1) - ب: «جائزًا لأنِّي».
(2) - ب: «الأوَّل». (7/60)
صفحة 3125
قال: فهذه حرَّة بعينها حين أوقع العتق عليها، ثمَّ لم يعرفها حين وطئ إحداهنَّ، فحينئذ يستسعين بذلك ويعتقن؛ إلاَّ إن قال: إن وطئت فلانة ففلانة غيرها حرَّة، عتقت الثَّلاث على هذا، وتسعى كلٌّ بثلثي ثمنها.
أبو عبد الله: من حلف بعتق سريَّته إن لم تنازع فلانا إلى الإمام أو القاضي فإنَّه من الإيلاء، وليس له أن يطأها حتَّى تنازعه إليه ولا وقت عليه؛ وإن لم تنازعه إلى إحداهما حتَّى وطئها فليس له وطؤها فيما يستأنف، وهي أمته يستخدمها؛ فإن مات هو أو فلان قبل أن تنازعه عتقت؛ وإن قال لها: إن وطئتك فأنت حرَّة فوطئها مرَّتين فلا عليه في الأولى وتعتق بها، والثَّانية حرام عليه، ويحدُّ بها؛ وقيل: إذا التقى الختانان في الأولى عتقت وحرم عليه وطئها؛ فإن نزع من حينه فلا عليه؛ وإن أمضاه لزمه العقر لا الحدُّ؛ فإن وطئها ثانية فزانٍ ويحدُّ، ولا عقر لها إلاَّ في الأوَّل، لأنَّه شبهة؛ وإذا طاوعته في الثَّاني حدَّت إن علمت، وإلاَّ فلا، وعليه الحدُّ وصداق المثل في الحرَّة.
ومن قال: لكلِّ سريَّة له فحرَّة (1)، فما تسرَّاها يوم حلف فحرَّة لا ما يتسرَّاها بعده.
فصل
من قال لعبده: إن لم أخصك غدا فأنت حرٌّ، فنرى أن يعتقه ولا يخصيه، ولو أخرجه من ملكه قبل غد جاز له ولم يعتق؛ وقيل: لا يجوز له إخراجه منه (2)، لأنَّه يعتق خصاه أو لم يخصه؛ وإن مات قبل غد كان من ماله؛ وإن قال له: إن أخصيتك أو ضربتك غدا فأنت حرٌّ، فله بيعه، واختير أنَّه لا يعتق إن لم يفعل؛ وإن قال لجاريته: إن نكحتك فأنت حرَّة، وقع على الجماع في التَّعارف؛ وإن قال لها وهي بكر: إن افتضضتك فأنت حرَّة فافتضَّها بإصبعه لم تعتق (3) لأنَّه عقر لا افتضاض في التَّعارف.
__________
(1) - ب: + «فهي».
(2) - ب: - «منه».
(3) - ب: - «لم تعتق». (7/61)
صفحة 3126
وقد مرَّ أنَّه إن كان بين رجلين عبد فأراد أحدهما [566] أن يضربه فقال له الآخر: إن ضربته فحرٌّ فضربه حتَّى قتله؛ فإن مات من الضربة الأولى حرِّر ونصف ثمنه للقاتل؛ وإن مات بعدها قتل به ويردُّ شريكه نصف القيمة لأهله، وهذا إذا ضربه بحقٍّ، وإلاَّ فهو الموقع عليه التحرير؛ وقيل: يعتق على الحالف بعتقه؛ وقيل: إن ضربه فلا يرجع على شريكه بشيء، والعبد حرٌّ لأنَّه الفاعل به وعلى معنى قوله أنَّه فعل بينهما معا لأنَّ هذا أوجب (1) العتق على فعل هذا موقعا للعتق وقد أتلفا على أنفسهما، وقد مرَّ ذلك؛ وإن قال له: إن لم أضربك فأنت حرٌّ، فمات قبل أن يضربه وقع الحنث والعتق حين مات، وهل من الثُّلث أو من الكلِّ؟ خلاف؛ وإن قال له (2): إن ضربتك أو إن لم أضربك الليلة فأنت حرٌّ فقال العبد: إنَّه لم يضربه قبل قوله وعليه البيِّنة إن قال إنَّه ضربه؛ وقيل: إن قال: ضربتك، فقال العبد: إنَّه ضربه فمدَّع؛ وإن قال: إن لم أضربك، فقال السيِّد: إنَّه ضربه، فمدَّع وعليه البيِّنة؛ وإن قال له: أنت حرٌّ إن لم أضربك سوطين في غير دار زيد، ثمَّ ضربه في داره فإنَّه لا يبر حتَّى يضربه في غيرها عند عزَّان. أبو عبد الله: إن قال له: إن لم أضربك فأنت حرٌّ، فليس له أن يزيله من ملكه؛ فإن مات قبل أن يضربه عتق؛ وإن مات العبد لزمه عتق مثله؛ وقيل: لا.
وروي: «من ضرب عبده فبلغ به الحدَّ فكفارته عتقه»؛ وقيل: لا يعتق. ومن حلف بعتقه ليضربنَّه فلا يعتق إن لم يضربه حتَّى يصير عاجزا عن ضربه.
فصل
إن كان بين رجلين عبد فقال أحدهما: أنت حرٌّ، والآخر: إذا أعطيتني مائة درهم فأنت حرٌّ؛ فإن أيسر البادئ بعتقه حرِّر من ماله، وعليه نصف ثمنه لشريكه، وإلاَّ فنصفه عتيق، ويسعى للآخر بالنِّصف؛ وإن كان نصف قيمته لا يبلغ مائة فليس له إلاَّ نصفها؛ وإن كانت قيمته أكثر من مائتين لم تلزمه إلاَّ المائة المشروطة؛ وإن بدأ
__________
(1) - ب: «أواجب». وهو تحريف.
(2) - ب: - «له». (7/62)
صفحة 3127
الأخير بالعتق عتق ولو معسرا، وأخذ الأخير بنصف قيمته ورجع على العبد يستسعيه بما أخذ منه شريكه وعتق من حينه؛ وإن قال له أحدهما: إذا أعطيتني مائة فأنت حرٌّ كان يمينا لا مكاتبة؛ فإن سلَّمها إليه قبل أن يعتقه شريكه عتق من ماله بالقيمة ولشريكه نصف المائة لأنَّه ماله يسلِّمه إليه وهما شريكان فيها ويعتق، ولا شيء عليه لمعتقه، وللآخر نصف قيمته وخيِّر بين الشَّريك والعبد ولا يحاسب السيِّد بنصف المائة التي استحقَّها من مال العبد لأنَّها له لأنَّ ماله لسيِّده؛ ولو كاتبه أحدهما كان حرًّا والمائة المسلَّمة لهما معا؛ ويعتق من مال من كاتبه وضمن لشريكه نصف القيمة.
ومن قال لعبده: أنت حرٌّ وعليك ألف، حرِّر ولا عليه إلاَّ إن قال: أنت حرٌّ على أنَّ عليك ألفا فله شرطه؛ وقيل: لا شيء له وهو حرٌّ؛ وإن قال: أنت حرٌّ إذا أعطيتنيه فمتى ما أعطاه إيَّاه عتق ولو لم يقبله منه. (7/63)
صفحة 3128
الباب الثَّاني والعشرون
في العتق بفعل السيِّد أو العبد
فمن قال: إن لم أفعل كذا فعبدي حرٌّ فهو عبده ما قدر على فعله حتَّى يعلم أنَّه لا يقدر عليه فيعتق حينئذ ولا وقت فيه كما مرَّ وليس له أن يخرجه من ملكه حتَّى يفعل؛ وإن قال إن لم تفعل كذا فأنت حرٌّ فقال له لا أفعل فهو مملوكه حتَّى يموت أو يعلم أنَّه قد فات فعله فيعتق حينئذ؛ وإن قال لغلامه: إن لم أتزوَّج فأنت حرٌّ فليس له بيعه حتَّى يتزوَّج؛ فإن مات قبله عتق؛ وإن باعه ثمَّ مات قبلُ أيضا عتق أيضا وردَّ على المشتري الثَّمن وكذا يردُّ ما أخذ (1) منه إن كاتبه على أهله إن عرفهم، وإلاَّ وضعه في المكاتبين؛ وإن حلف بعتقه إن فعل العبد كذا فله بيعه؛ وقيل: لا؛ فإن باعه وفعل فقيل: عتق وعليه فلا يباع؛ وقيل: يجوز بيعه ولا يجب عتقه إذا فعل في ملك الغير؛ وإن قال له: إذا أتيتني بكذا فأنت حرٌّ، فمات قبل فلا يعتق ولو أتى به لوارثه.
أبو الحواري: إذا جعل عتقه على فعل العبد فمتى فعل عتق ولو في ملك غيره لا إن جعله على فعله هو فحنث وهو في ملك الغير؛ وإن قال: إن أكلت هذا الرَّغيف فانت حرٌّ عتق إن أكله لا إن أكله سيِّده أو أتلفه؛ وإن قال: إن ضربتك، عتق بما يسمَّى به ضربا ولو أمر به؛ وإن قال: إن أكلته فله بيعه، ولا يعتق إن أكله في ملك الغير؛ وإن قال لرجل: إن بعتك غلامي فحرٌّ، فقال: إن اشتريته فحرٌّ، فباعه واشتراه، قال أبو عبيدة: إذا عرضه للبيع ورضي بالثَّمن عتق عليه من ماله لا على مشتريه.
أبو عبد الله: من قال: عبده حرٌّ إن باعه، فإذا قال لرجل: بعتك إيَّاه بكذا فقد عتق ولو لم يقبله.
__________
(1) - ب: «أخذه». (7/64)
صفحة 3129
ابن محبوب: إن أوصت قائلة إن تزوِّج زوجي بعدي فعبيدي أحرار فتزوَّج بعد موتها فلا يجوز الحنث بعده؛ وقيل: يعتقون، ويكون كالتَّدبير؛ وإن قال: أنت حرٌّ إن متُّ من مرضي، قال أبو سعيد: ليس له أن يبيعه فيه حتَّى يموت فيعتق أو يصحَّ فيملك. (7/65)
صفحة 3130
الباب الثَّالث والعشرون
في العتق بشرط التَّزويج وبالطَّلاق
فمن أعتق جاريته وشرط نكاحها فأبت، قال أبو الوليد: لا ترجع إلى الرِّق؛ فإن رضيت فلها صداقها، وإلاَّ فلا سبيل له عليها؛ أبو المؤثر: [567] له شرطه؛ أبو عبد الله: لا تعتق وله شرطه، فمن يراه له لا يحرمها عليه إن جاز بها بلا صداق؛ ومن يرى عتقها ويبطل شرطه لا يجيز له الدُّخول بها إلاَّ به ورضى منها؛ وقيل: إن أعتقها برأيه على أن يتزوَّج بها فلا يثبت عليها، إلاَّ إن شاءت؛ وإن طلبته أن يعتقها على أن يتزوَّجها ففعل فمكاتبة مجهولة؛ فإن تزوَّجته على ذلك فلها صَداقها إن رضيت، وإلاَّ فعليها له قيمتها؛ وإن أعتقها على أن يتزوَّجها وعلى أنَّ عتقها هو صداقها جاز لهما إن رضيت بذلك؛ وإن لم يتَّفقا عليه وتزوَّجته ولم يسمَّ بها فلها كمثلها وعليها قيمتها؛ وإن تتامما على أنَّه صداقها ثبت ذلك وكان كالمكاتبة.
ومن أوصى لفلانة بغلامه ما لم تتزوَّج فهو لها ولوارثها ولو تزوَّجت، وبطل الشَّرط، والاستثناء - قيل - يهدم الوصيَّة؛ وقيل: لا.
ومن أوصى بعتق أمته على أن لا تتزوَّج فمات عتقت من ثلثه ولها أن تتزوَّج؛ وإن قال: هي حرَّة على أن تثبت على الإسلام أو أن لا ترجع عنه؛ فإن أقامت عليه ساعة عتقت منه أيضا (1) ولا يبطل عتقها إن ارتدت بعد ولا وصيَّتها.
وإن أوصى لأمِّ ولده بألف على أن لا تتزوَّج، أو إن لم تتزوَّج، أو على أن تقيم مع ولدي، ففعلت ما شرط عليها بعد موته ولو ساعة فالوصيَّة لها (2) من ثلثه ولا
__________
(1) - ب: - «أيضا».
(2) - ب: - «لها». (7/66)
صفحة 3131
تبطل إن تزوَّجت بعد؛ وإن أوصى لأمته أن تقيم مع ابنه وبنته حتَّى يستغنيان وهي حرَّة ولا وارث له غيرهما وهي تخرج من ثلثه، فإن كانا كبيرين خدمتهما حتَّى تتزوَّج البنت ويصيب الابن خادما أو مالا يغنيه عن خدمتها؛ وإن كانا صغيرين خدمتهما حتَّى يدركا فتعتق منه أيضا؛ وإن لم يكن له مال غيرها عتقت وسعت لهما بعد الخدمة بثلثي قيمتها؛ وإن ماتا أو أحدهما قبل استغنائهما لم تعتق.
وإن أوصى لأم ولده بألف إن لم تتزوَّج أبدا أو شهرا أو سنة؛ فإن تزوَّجت قبل ذلك بطلت وصيَّتها؛ وقيل: إن أقامت معه ولم تتزوَّج فلا تستحقُّها حتَّى يموت فتتزوَّج، فإذا ماتت هي استحقَّتها أيضا وكذا إن قال: اعتقوها إن لم تخرج من عند ولدي أو إلى سنة أو شهر أو غيرهما؛ فإن تزوَّجت أو خرجت من عنده قبل ذلك بطلت وصيَّتها؛ وإن أوصى بعتقها على أن لا تتزوَّج فلانا ففعلت عتقت من الثلث ولا يضرّها تزوّجه بعد وإن أوصى به على أن يتزوّجها فلان (1) جاز العتق عند الأكثر وبطل الشَّرط؛ وإن تزوَّجت حرَّةٌ عبدا ثمَّ اشترته فرِّق بينهما وحرم عليه وطؤها وهو عبدها، ولا يحلُّ لها أن تتزوَّج بعبدها إذا أعتقته لله، ومن قال إذا طلَّق زوجته فغلامه حرٌّ فاختلعت منه؛ وقيل: عتق عند من يراه طلاقا؛ وإن ردَّه بيدها فطلَّقت نفسها أو اختارتها أن تتزوِّج عليها أو لاعنها أو بانت منه بإيلاء لتركه التَّكفير لغرم الطَّلاق عتق لا إن تركه لعجزه عنه.
__________
(1) - ب: سقط قدر سطر «ففعلت ... فلان» لانتقال النظر في فلان. (7/67)
صفحة 3132
الباب الرَّابع والعشرون
في العتق إذا لم يعرف المعتق وفي الاستثناء فيه
وقد مرَّ أنَّ من قال: كلُّ مملوكة له فحرَّة إلاَّ أمهات أولاده عتقن إلاَّ هنَّ؛ فإن قال: هذه أمُّ ولدي ولم يعلم إلاَّ من قوله لم يصدَّق؛ فإن كان مع كلِّ ولد ولدته في ملكه فقال: ولِد هذه منِّي ثمَّ كذلك عتقن، ولا يصدَّق على الأمَّهات ولا يصرن إماء بعد يمينه، وثبت نسبهم منه وعتقن حتَّى يعلم أنَّه كان يدَّعيهم قُبل يمينه وبعدها لا يصدَّق؛ وإن قال: كلُّ جارية لي فحرَّة إلاَّ خبارة ثمَّ قال: هذه خبارة فقالت لستها فحرَّة، ولا يصدَّق إلاَّ ببيِّنة ومن له ثلاثة عبيد فقال أحدهم عتيق قوّموا معا ولهم ثلث أثمانهم ويسعون بثلثيهما وذلك إذا أرادوا حدًّا بعينه ولم يعرف وإلاَّ عتقوا معا ولا سعاية عليهم؛ وإن قال لأمته: ولدك حرٌّ ولها أولاد عتقوا معا عند أبي سعيد؛ وإن قال: نويت أحدهم، فقيل: له نيَّته؛ وقيل: لا؛ وإن قال: إن ولدت فولدك حرٌّ فلها حين قال أولاد ثمَّ ولدت عتق جميعهم.
ومن مرَّ على عبيد لغيره وفيهم عبده فقال: أحدهم حرٌّ عتق عبده أيضا ولو لم يعلمه فيهم؛ وقيل: لا حتَّى يقصده؛ وإن كانوا أحرارا عتق عبده؛ وإن لم ينوِّه؛ وقيل: لا حتَّى يسمِّيه؛ وقيل: عتق إن نواه وإلاَّ فلا.
ومن أعتق نصف عبده ولم يسم قوموا ويهدم النِّصف وسعوا بالآخر وعتقوا؛ وإن لم يسع ثلثه النِّصف سعوا بنقصه إن قال ذلك في مرضه.
ومن له ثلاثة فدخل عليه اثنان فقال: أحدكما حرٌّ وخرجا ثمَّ دخل الثَّالث مع أحدهما فقال: كذلك، فقيل: يعتق من كلٍّ نصفه إن قال ذلك في صحَّته وإلاَّ فثلثه إن لم يكن له مال غيرهم، وسعوا بالباقي؛ وإن كان له مال يخرجون من ثلثه عتق نصف (7/68)
صفحة 3133
كل؛ وقيل: إنَّ الدَّاخل مرَّتين يعتق كلُّه ومن الأخيرين نصف كلٍّ في الصِّحة، ومن له عشرة ووقفوا عليه بالباب فقال: واحد (1) منكم حرٌّ ولم يعيِّنه، أمر أن لا يبيع الحرَّ ولا يستخدمه، وعليه لكلٍّ مؤنته حتَّى يعيِّنه؛ وإن أنكروا عليه ذلك وطلبوا الإنصاف، فقيل: ليس له نيته بعد ذلك في الحكم؛ وقيل: يقبل قوله مع يمينه أنَّه أراد فلانا عند مجيز الاِستثناء بالنِّية.
ومن اعتق جاريته واستثنى ما في بطنها [568] جاز له إذا نفخ فيه الرُّوح؛ وقيل: إذا أتت به لأقلِّ من ستة؛ وقيل: هما حران وأجازه الرَّبيع في البيع وتوقَّف في العتق، واختير أنَّه إذا أتت به لستة أو أكثر مذ أعتقها فحرٌّ؛ وقيل: له ما استثناه ولو لم يتحرَّك.
أبو الحسن: له ذلك إن تحرَّك؛ وقيل: لا ينفعه استثناؤه لأنَّ الولد في بطنها بضعة منها ولا يدري أحيٌّ أم ميِّت وتوقَّف فيه بعض.
__________
(1) - ب: «أحد». (7/69)
صفحة 3134
الباب الخامس والعشرون
في العتق بالولد والنِّكاح
ابن محبوب: من قال لجاريته: إن ولدت ولدا فحرُّ فولدت ولدين فقيل: يعتق الأوَّل؛ وقيل: كلاهما، ويسعى كلٌّ بنصف قيمته يوم ولد إذا بلغ؛ وقيل: لا سعاية عليهما؛ وإن قال: إن ولدت غلاما فأنت حرَّة فولدته وجارية؛ فإن تقدَّم عتقت هي والجارية لا الغلام؛ وإن تقدَّمت هي عتقت الأمُّ لا ولداها؛ وإن ولدت غلامين فهي والأخير حرَّان لا الأوَّل؛ وإن قال: كلُّ ما ولدت فحرٌّ فباعها وولدت عند مشتريها عتق من مال البائع وهو عيب تردُّ به؛ وقيل: لا يعتق من مال أحدهما ولا يكون عيبا إلاَّ إن باعها حاملا؛ وإن قال لصغيرة: كلُّ ما تلده فحرٌّ ثمَّ بلغت فولدت عتق ما ولدته في ملكه وما حملت به فيه؛ وإن قال لجاريته: إن كان أوَّل ما تلدينه غلاما فحرٌّ فولدته وجارية ولم يدر الأوَّل فادَّعته الأوَّل كلِّفت بيِّنة؛ وقيل: يعتقان معا؛ وقيل: يسعيان بالنِّصف؛ وإن قال لها: إذا ولدت عتقت، فولدت فحرَّة لا ولدها لعتقها بعد ولادتها ولو ولدت آخر من ذلك البطن لكان حرًّا لعتقها قبله؛ وإن أسقطت عتقت إن تبيَّنت جوارح السَّقط؛ وإن قال إذا ولدت فولدك حرٌّ؛ فإن أرسل عتق - قيل - كلُّ ما ولدت واختير ما ولدت في الوقت.
ومن تزوَّج أمة على أنَّ أوَّل ما تلده فحرٌّ، فولدت ولدين ولم يدر الأسبق فهما حرَّان ولا شيء عليهما ولا على أبيهما، ومن قال لجاريته الحامل: إذا أو إن ولدت فأنت حرَّة فصبَّت حملها دما عتقت؛ وقيل: حتَّى تلد تام الخلقة؛ وقيل: إذا بان شيء منها فهو ولد وإلاَّ فلا؛ وإن قال ذلك لحائل فحملت فصبَّته دما فلا تعتق؛ ولا إن طرحته مضغة أو لحمة حتَّى يتبيَّن منه جارحة؛ وإن قال: إن ولدت ولدين فأحدهما (7/70)
صفحة 3135
حرٌّ، فولدتهما عتقا معا وسعى كلٌّ بنصفه؛ وقيل: لا سعاية عليهما؛ وإن مات أحدهما فالقول فيه كذلك إذا بانت جوارحه؛ وإن قال: إن وضعت ما في بطنك غلاما فأنت حرَّة فوضعته غلامين أو أكثر فلا تعتق حتَّى تضعه واحدا؛ وإن قال: إن ولدت ما فيه غلاما فولدت ذلك عتقت بالأوَّل وكان عبدا وما بعده حرٌّ؛ وإن قال لحبلى: إن ولدت غلاما فأنت حرَّة فولدت جارية ثمَّ غلاما عتقت وهما مملوكان؛ وإن عكست فهما حرَّان والغلام مملوك؛ وإن قال: إن ولدت غلام فحرٌّ فولدت ميِّتا ثمَّ حيًّا كان حرّا؛ وإن قال: إن ولدت فولدك حرٌّ، ثمَّ قال: إنَّه نوى ما في بطنها حينئذ فله نيَّته؛ وإن مات قبل أن تعلم وأرسل خيف أن يتحرر كلُّ ما تلده.
وإن قال: كلُّ مملوك لي ذكر فحرٌّ وجاريته حامل فولدت ذكرا؛ فإن نفخ فيه الرُّوح يومئذ فهو حرٌّ؛ وإن قال: إن ولدت جارية فحرَّة، فمات قبل أن تلد حتَّى ولدت عتقت؛ وإن قال: إذا تزوَّجت امرأة فعبدي حرٌّ فتزوَّج أمة عتق على رأي من يجيز تزويجها على الحرَّة؛ وإن قال: لامرأته كلُّ سريَّة تسرَّيتها عليك فحرَّة وله يومئذ أمة فتسرَّاها بعدُ عتقت إذا التقى الختانان منهما؛ وإن زاد حرمت عليه لأنَّه وطئ حرَّة بلا عقد. (7/71)
صفحة 3136
الباب السَّادس والعشرون
في العتق باليمين على الفعل
أبو الحواري: من قال لجاريته: إن لم أفعل كذا فحرَّة لله، ثمَّ باعها ثمَّ فعله فليس له أن يطأها ولا أن يبيعها قبل أن يفعل أو تموت، فإذا مات ولم يفعل عتقت؛ وإن حلف على فعلها؛ فإن لم تفعل حتَّى مات ثمَّ فعلت لم تعتق وهذا إن قال: إن لم أفعل. قال عزَّان: إذا قال لها إن لم يفعل كذا فله استخدامها لا وطؤها فإذا هلك شيء عتقت. أبو الحواري: لا عتق بعد موت السيِّد؛ وقيل: إن فعلته بعده عتقت.
ومن قال لعبده: إن لم تدخل هذه الدَّار الليلة أو تلبس هذا الثَّوب أو تأكل هذا الطَّعام فأنت حرٌّ، فقال السيِّد: إنَّه دخل أو أكل أو لبس وقال هو لم أفعل ذلك، فالقول قوله ويعتق إلاَّ إن بيَّن السيِّد؛ وإن قال: له إن فعلت اللَّيلة كذا (1) فأنت حرٌّ، فإذا قال: فعل فيها فمدَّع وعليه البيِّنة إلاَّ إن كان ممَّا لا تمكن فيه كالوطء والاحتلام والمبيت عريان فهو مصدَّق فيعتق؛ وإن قال له: إن أتيتني بكذا من قرية كذا فأنت حرٌّ، فخرج فجاء به وقد مات خيف عليه أن لا يعتقه أبو المؤثر.
إن قال له: إن أكلت هذا الرَّغيف فأنت حرٌّ فله بيعه لا إن قال إن لم تأكله؛ فإن أتت عليه حالة لا يقدر فيها على أكله عتق؛ وقيل: ولا إن قال إن أكلته حتَّى تأتي تلك الحالة فيبيعه حينئذ إن شاء؛ وإن قال له: إذا فعلت كذا عتقت، فقال بعد المجلس إنَّه فعل قُبل قوله؛ وإن قال له: إن لم تفعله عتقت، فقال إنَّه فعل فهو مملوك حتَّى يموت سيِّده أو يعلم أنَّ ما علق إليه قد فات فعله فيعتق حينئذ.
__________
(1) - ب: «كذا الليلة». (7/72)
صفحة 3137
ابن محبوب: من حلف بعتق عبيده وطلاق نسائه لا يفعل كذا ثمَّ باع بعضا وطلَّق بعضا وأبدل مكانهما غيرهما، ثمَّ حنث فإنَّه يطلِّق ما في عصمته ويعتق ما في ملكه؛ وإن قال: إن تزوَّج فلانة فهي طالق، [569] أو ملك فلانا فهو حرٌّ ثمَّ تزوَّجها أو ملكه فلا عتق ولا طلاق قبل الملك؛ وإن حلفت امرأة بعتق عبيدها (1) لا تتزوَّج فلانا، قال جابر: تبيعهم وتتزوَّجه إن شاءت.
ومن فعل العتق على فعل العبد فليس له فعله؛ وإن جعله على فعله هو جاز له؛ وقيل: لا فيهما إلاَّ إن قال: إن لم يفعل هو أو العبد الشيء الفلاني لأنَّ "لم" غير "أنَّ"؛ وأن لا يقع بها إيلاء ولا حجْر البيع أو الوطء، إلاَّ في: إن وطأتك فأنت طالق، فإنَّه يحجره عليه وتبين منه بالإيلاء؛ وقيل: إن قال له: إن فعلت كذا فكاليمين وله بيعه قبل أن يفعل؛ وقيل: وجب الحنث؛ وقيل: كالتَّدبير وعليه فلا يباع فمتى ما فعل عتق.
__________
(1) - ب: - «بعتق عبيدها». (7/73)
صفحة 3138
الباب السَّابع والعشرون
في المدبر وأحكامه والتَّرقيب
أجمعوا أنَّ من دبر عبدة أو أمته ولم يرجع حتَّى مات، خرج من الثُّلث بعد الدَّين والوصيَّة وتجب حريَّة المدبر بعد موت من دبر عليه وهو تدبير مطلق كانت مدبر أو معود على صفة كقدوم زيد، فإذا قدم كان مدبرا ويقع بالموت؛ ابن بركة: اختلف فيه في الصِّحة فقيل: من الكلِّ؛ وقيل: من الثُّلث كالمرض؛ وقيل: كلاهما منه وهو أنظرُ لأنَّ العتق يقع بالموت والوصيَّة فيهما من الثُّلث وكذا العتق عند جابر وعند ابن مسعود وغيره من الكلِّ، وأجمعوا أنَّ التَّدبير في المرض من الثُّلث وهو مأخوذ من التدبُّر لوقوعه دبر الحياة، وهو خاص بالعبيد، ولا يسمى به فرس ولا نخل وجنايته جناية عبد وأحكامه أحكامه في كلِّ شيء إلاَّ البيع.
ومن دبر عبده في صحَّته ومات وعليه محيط به عتق ولا سعاية عليه؛ وإن دبره فقتله خطأ فالديَّة على عاقلته لأنَّها عاقلة سيِّده؛ فإن تعمَّده قتل به إن اختار وليُّه قتله؛ وإن استبقاه فهو مملوك لأنَّه كقاتل وارثه فحرم إرثه فكذا يحرم الحرِّية قياسا عليه؛ وقيل: يعتق.
ومن دبر سريَّته فاشترت عبدا أو نخلا ثمَّ مات ولم يغيّر (1) عليها؛ فإن أوصى لها بذلك فهو لها، وإلاَّ فلا يثبت لها على الوارث فإذا صارت حرَّة كان لهما ما بيدها حتَّى يعلم لغيرها أو تقرِّبه له.
ومن دبر عبده وإن على غيره، فلا رجعة له في تدبيره، وصحَّت له في خدمته
__________
(1) - ب: - «ولم يغيِّر». (7/74)
صفحة 3139
حتَّى يموت هو أو من دبر عليه، ومن قتل مدبرا فعليه ثمنه أو مثله فيكون مدبرا؛ وإن لم يدبره كان عبده ولا تدبير عليه ولزمه العتق، والمدبر إذا سيئ فاشتراه مولاه كان على تدبيره.
ومن دبر عبده في مرضه وعليه محيط عتق وسعى بقيمته؛ ومن قال في مرضه: إن مت منه فعبدي حرٌّ؛ وإن حييت فهو رقبة، فلمَّا صحَّ منه قال: رجعت كان رقبة ولا رجعة له فيه.
وإن دبر عبده على أجنبيٍّ جاز وللمدبر عليه خدمته حياته فإذا مات عتق؛ وإن دبره على بعض ورثته صحَّ التَّدبير وبطلت الوصيَّة له وكانت خدمته لجمعهم.
وإذا مات المدبر عليه وحرر المدبر اعتبرت قيمته؛ فإن وسعها ثلث مدبره حرر ولا عليه وإلاَّ سعى بما نقص؛ وإن كان للمدبر مال ومات سيِّده فماله له؛ وقيل: إنَّه كالمعتق فإنَّه قد اختلف في ماله الظَّاهر والخفيّ لسيِّده كما مرَّ.
فصل
من قال: غلامي فلان حرٌّ مدبر على ولدي فلان دون غيره فلا يكون مدبرا له دون غيره كما مرَّ، فإذا مات الولد حرر لأنَّه أوصى بحقَّين: حقٌّ لله وحقٌّ للعبد، فبطل لأنَّه لوارث وثبت حقُّ الله؛ وإن دبره على زوجته حرر يوم تموت ولا رجعة لوارثه ولا لوارثها فيه، وأولاد المدبرة قبل أن تعتق مماليك؛ وإن مات مدبرها وقد خرج نصف الولد منها فهو حرٌّ عند بعض.
ومن دبر بعض عبد دبر كلُّه كالعتق ومن دبر أمته في مرضه ثمَّ ندم فقال: إنَّما يحجُّ عنِّي بثمنها؛ فإن وسعها ثلثه فحرَّة وليوص بالحجِّ إن شاء في باقيه إن وسعه؛ وإن لم يسعها سعت في ثلثيها للوارث؛ وإن قال: عبدي رقبة على أمِّي فإذا عتق فهو وصيَّة من الثُّلث إن وسعها، وإلاَّ استسعى بالباقي، وإنَّما يحسب إذا عتق.
ومن دبر صغيرا فنفقته في الثُّلث فإذا أدرك وعليه سعاية سعى بها؛ وقيل: إذا (7/75)
صفحة 3140
دبره أو أعتقه في الصِّحة كان من الكلِّ دينا عليه ولا سعاية على الصَّغير بعد بلوغه وفي المرض من الثُّلث كنفقته ولا سعاية عليه، ويباع المدبر في المرض في الدَّين إن أحاط به عند ابن أحمد، وعند غيره: يعتق ويسعى بثمنه وقد مرَّ.
ومن دبر عبدا على اثنين وجعل خدمته بينهما، فلا يعتق حتَّى يموتا معا، فإذا مات أحدهما خدم باقيهما.
فصل
من أرقب عبده على بيِّنته إلى أن تموتا فليس ذلك تدبيرا إلاَّ إن قال: أرقبته عليهما إلى أن تموتا فيحرر ولا يعتق بموت أحدهما كما مرَّ، ويخدم الباقية بقدر منابها؛ وإن من أختها وباقي ورثتها بقدر إرثهم منها وهذا في المدبر وأمَّا الرَّقبة والوقف فلا يجوزان للوارث وإنَّما له من العبد إرثه.
ومن أرقب جارية على أجنبيٍّ فماتت فمتروكها للورثة لا له، وإنَّما له الخدمة، ولا فرق بين الإرقاب والتَّدبير في المعنى، وأمَّا اللَّفظ فيقال: مرقب ومدبر [570] وينتظر بهما موت من أرقب أو دبر، فإذا قال: دبرت عبدي على نفسي أو على فلان ثبت ولو لم يقل: حرٌّ بعد موتي، وأمَّا إن قال: أرقبته كذلك فقيل: لا يصحُّ حتَّى يقول كذلك.
أبو إبراهيم: إن قال ذو صحَّة لأحد: أرقبت عليك (1) عبدي هذا ثمَّ أقبضه إيَّاه، كان رقبة لأنَّها عطيَّة وهي جائزة فيها؛ وإن قال في مرضه: هو رقبة على ولدي فلان وله أولاد كان لجميعهم فإذا مات من أرقب عليه عتق هو، وأولاد المرقبة مماليك كالمدبرة لوارث مرقبها.
أبو الحواري: إذا قالت امرأة: جاريتي فلانة رقبة على بنتي فلانة إلى أن تبلغ، فهذا ثابت كالإقرار، لا إن قالت: أرقبتها عليها فليس بشيء حتَّى تقول: بحقٍّ.
__________
(1) - ب: - «أرقبت عبدي هذا عليك». (7/76)
صفحة 3141
الباب الثَّامن والعشرون
في بيع المدبر وألفاظ التَّدبير
قال أبو عبد الله: لا يباع، وأرخص ما سمعنا فيه أنَّ من دبر عبده ثمَّ تلف ماله وعليه دين فله أن يبيعه في مرضه في بلده ويكون البيع في خدمته حتَّى يبلغ التَّدبيرُ أجله، ويشهد على ذلك ولمشتريه أن ينقض البيع أو يرضى به، ولا يباع من غير دين وجوِّز بدونه، وأجاز الشَّعبيُّ بيعه إن احتاج سيِّده إليه، ومنعه بعض مطلقا، وكرهه بعض، وأجازه بعض في الدَّين، ويحكم عليه به؛ وقيل: فيه وفي الحاجة، ومنعه بعض في دين كان قبل التَّدبير، وجوَّز بيع خدمته، ويؤجر سنين معيَّنة لجهلها؛ فإن مات قبلها ردَّ على المستأجر له بقدر نقص الأيَّام؛ وإن أتمَّا بيعها تمَّ؛ وإن نقضاه انتقض وجوِّز بيعه لمن يعتقه ولنفسه أيضا؛ فإن مات السيِّد قبل أن يدفع إليه الثَّمن كان لوارثه ومن كتاب الأشياخ: لا يجوز له بيعه لأنَّه عاهد الله فعليه الوفاء لقوله {كبر مقتا عند الله .... } الآية (سورة غافر: 35) وبيع الخدمة مجهول وهي عرض.
وإن ولدت مدبرة عند مشتريها فأولادها مماليك له، ومن باع مدبرا واستثنى أنَّه مدبر فلا شيء عليه إذا لم يقدر على ردَّه؛ فإن لم يستثن حين باعه فلم يقدر عليه فليعتق عبدا بما باعه به (1)؛ فإن لم يبلغ جعل في معتقة ووافق أبو حنيفة جابرا في أنَّ المدبر لا يباع في الدَّين، وأجاز الشافعي وداوود بيعه مطلقا، ومالك خدمته وكذا الشافعي وأصحاب الرَّأي، والأصحُّ ما ذهب إليه جابر لأنَّه إنَّما له الخدمة لا الرَّقبة.
__________
(1) - ب: - «به». (7/77)
صفحة 3142
فصل
جاز أن يقال: غلامي مدبر، ومن قال في مرضه وإن لم يمت فيه: إن مت منه أو حدث بي حدث فيه فغلامي فلان وفلان لا يملكان بعدي فتدبير، فإذا مات عتقا.
أبو سعيد: إن المدبر على زيد إنَّما يملك منه الخدمة لا الرَّقبة وهي للمدبر؛ فإن قال: جعلت هذا مدبرا على فلان فتدبير يبيح له خدمته؛ وقيل: لا يبيحها له؛ وإن قال: إذا مات ولدي فليس لأحد في عبدي هذا ملكة وهو قد وقف عليه فتدبير؛ وإن قال: لا يملك بعده أو بعد موته فتدبير لا إن قال لا يملكه فلان بعدي؛ وقيل: هو أن يقول له: إذا مت فأنت حرٌّ أو أنت مدبر، أو قد دبرتك أو أنت حرٌّ مع موتي أو فيه، أو أوصيت لك بنفسك أو برقبتك أو بثلث مالي، فإذا قال ذلك صار مدبرا لا يجوز له إخراجه من ملكه إلاَّ بالعتق؛ وله مكاتبته واستخدامه وإجارته ووطء المدبرة فإذا مات عتق من الثُّلث إن وسعه وإلاَّ فبحاسبه.
وإن كان عليه دين سعى في قيمته؛ وإن كان بين شريكين فدبره أحدهما ضمن مناب شريكه، فإذا مات المدبر - بالكسر - عتق نصفه وسعى في نصفه. (7/78)
صفحة 3143
الباب التَّاسع والعشرون
فيما على المعتق والمكاتب والمدبر لشركائه
فمن دبر نصيبا له من عبد فقال شركاؤه: نريد بيعه وأفسدته علينا؛ فإن كانت فيه حصَّة ليتيم لا مال له فهل لهم أن يأخذوه بحصصهم حتَّى يموت مدبره قال: إن كان شريكه يتيما نودي على العبد؛ فإن كان تدبيره ينقص من ثمنه ردَّ عليه منابه من النُّقص ممَّا نوى غير مدبر؛ وإن كان بالغا نظر فيه؛ فإن كانت عليه المضرَّة في تدبيره فله وعليه لأنَّه كالجناية وليتأمل هذا؛ وإن اشتراه من شركائه أو أعطاهم قدر ما انكسر من ثمنه جاز؛ وإن استخدموه ولم يبيعوه جاز لهم أيضا؛ وإن مات من دبره كانوا بالخيار في الرُّجوع على وارثه إن ترك له مالا وفي استسعاء العبد، وإلاَّ تعيَّن؛ وقال الأزهر: من دبر حصَّة منه فقيل: لا قيام عليه حتَّى يموت، ويعتق المدبر فتلزم في ماله حينئذ حصص شركائه؛ وقيل: يقوم حين التَّدبير فيكون لهم عليه قيمة ما نقص به.
أبو المؤثر: إن أرادوا بيعه حكم عليه أن يأخذه بالقيمة بالعدول يوم دبره ولا ينادي عليه؛ وإن استعملوه بعد أن علموا أنَّه دبره ثمَّ أرادوا بيعه فليس لهم على مدبره تباعة وهو بحاله؛ وإن مات العبد قبله فلا تباعة عليه أيضا؛ وإن مات هو قبله خيَّر الشركاء في أن يتبعوا العبد أو مال الميِّت، ولوارثه أن يرجع عليه بما أخذوا منه يستسعيه به دينا عليه له؛ وإن قال أحد الشَّريكين في عبدين: أنِّي أعتقتهما، قال ابن موسى إن كان موسرا [571] لزمه نصف الثَّمن؛ وإن كان معسرا سعى العبدان به؛ وقيل: يغرم لصاحبه ولا يتبعهما بشيء إن كان موسرا وإلاَّ تبعهما بما غرم؛ وقيل: الشَّريك مخيَّر وقد مرَّ كلُّ ذلك؛ وإن اشتركه ثلاثة فدبره أحدهم وأعتقه الآخر (7/79)
صفحة 3144
وتمسَّك به الثَّالث فالبادئ ضامن؛ فإن بدأ المدبر ضمن لهما ما بيَّن قيمته مدبرا وبينهما عبدا ثمَّ المعتق قيمته مدبرا؛ وإن بدأ هو ضمن لهما قيمته عبدا.
أبو سعيد: إن اشترك اثنان عبدا، وكلُّ منهما في مصر فبلغ أحدهما أنَّ شريكه عتق نصيبه منه فأعتق هو أيضا حصَّته، فقد عتق بعتق الأوَّل ولزمه نصيب الأخير؛ وإن أعتق مريض حصَّته منه فهي من ثلثه وضمن من الكلِّ ما لشريكه كما مرَّ ولا ينهدم عنه الضَّمان إن مات العبد قبله؛ وإن دبر حصَّته ثمَّ ماتا ولم يعلم الأوَّل منهما لزمه ما لشريكه يقوم مدبرا وعبدا، فيضمن النُّقص ويقوم ما بقي من حالين: حال يكون فيها ميِّتا قبل السيّد (1) فلا شيء عليه لموته عبدا، وحال العكس فيكون مات حرًّا والسيِّد متلفا لمناب شريكه فيلزمه، فلمَّا عدمت معرفة ذلك لزمه نصف منابه؛ وإن صحَّ أنَّهما ماتا معا وقد دبره لموته اعتبر أنَّه مات عبدا ولا عليه.
__________
(1) - ب: - «قبل السيّد». (7/80)
صفحة 3145
الباب الثَّلاثون
في نفقة المعتق وأولاده
فمن أعتق صبيًّا له من يلزمه عوله كأب وأمٍّ وغيرهما من الأرحام، فعليه نفقته دونهم إن أعتقه في لازم؛ وإن أعتقه تطوعا فقيل: نفقته على وليِّه إن قدر؛ وإن أعتقه في مرضه فهي في ثلثه؛ وقيل: في ماله وقد مرَّ ذلك. ومن أعتقه وأمُّه ذميَّة فأسلمت فاشتراها مسلم أو أعتقت فمؤنته على معتقه حتَّى يبلغ أو يكتسب قبله ما يكفيه؛ وإن كسب ما لا يكفيه أتمَّ عليه معتقه؛ وإن كان في حد من يعمل فأبى أن يعمل فلا يجبر عليه فما عمله يرفع عن معتقه إن عمل أبو عليٍّ من أعتق صبيَّا أو أعمى أو زمنا عاجزا فعليه عوله ولو طلب العتق؛ وإن أعتق قادرا على مكسبة أو سؤال لم يلزمه إن كان يصيب ما يكفيه؛ فإن طلب أن يعوله ولا يسئل قال الفضل فلا يأمره الحاكم بذلك إن كان يصيب من السُّؤال ما يكفيه؛ وقيل: نفقة المعتق الصَّغير تطوُّعا على الجماعة ومعتقه واحد منهم؛ وإن كان فقيرا فهو أعذر.؛ وإن قدر على نفقته أنفق عليه؛ وإن مات أوصى له في ماله؛ وقيل: لا شيء عليه؛ وإن رزق العتيق مالا لم يلزم معتقه أن يدفع إليه ما ضيَّع من نفقته حال العدم كالعاجز عن نفقة زوجته إن أخذه الحاكم بطلاقها فطلَّقها، ثمَّ أيسر فإنَّهم لم يروا عليه غرمها لما سبق حال العدم، ومن أعتق صغارًا وأمُّهم حرَّة متزوِّجة بمملوك فطلب وارثه بعد موته أن يطعمهم في منزله حتَّى يبلغوا وأمَّهم أن تأخذ لهم فريضتهم ويكونوا معها عند زوجها، قال أبو عبد الله: إنَّها أولى بهم من الوارث وتأخذها لهم بعدول ويدفعها إليها لأيَّام كمثلهم.
ومن كاتب جاريته ولها صغير فماتت، فإن كان ولدها حرًّا يوم كاتبها فلا شيء عليه؛ وإن كاتبها على نفسها وولدها لزمته نفقته حتَّى يبلغ إن كان له مال وإلاَّ أنفق من الصَّدقة. (7/81)
صفحة 3146
الباب الحادي والثَّلاثون
في المكاتب وأحكامه
وهو عندنا حرٌّ حين ما كوتب والثَّمن عليه ولو ضعف بيعه؛ وقيل: حتَّى يؤدّيه وندب لمكاتبه أن يضع عنه منه قدر الرُّبع ويأثم إن لم يفعل، كذا قيل ولي فيه نظر.
ومن كاتب ذات أولاد في ملكه فهم مماليك له حتَّى يجري البيع لهم أيضا وما ولدته بعد المكاتبة أحرار؛ وإن كانت إلى أجل كره له أن يتعجَّل بحقِّه قبله ولو حطَّ منه، ولا بأس إن طابت نفس المكاتب؛ وإن بلا حطٍّ.
ابن محبوب: لا يأخذ شيئا قبل الأجل؛ وإن أعين في أداء مكاتبته وفضل بيده فضلٌ جعل في مكاتب آخر؛ ومن أجبر مكاتبته على وطئها فعليه عقرها، وفي الحدِّ خلاف.
ومن كوتب على ثمن معيَّن وخدمة سنة؛ فإن أوقع المكاتب له البيع بعد انقضائها بهما، بمعنى أنَّه إذا انقضت وقع فهو ضعيف؛ وإن أوقعه في وقته على أن يخدمه بسنة ثبت البيع، والاستخدام على وجه العبودية، ومعناه أنَّه لا يملك رأيه في السَّنة، ولا يردُّ في الرَّقبة بعد الحرِّية وإذا وقع البيع بالثَّمن المسمى وأجرة المثل للسنة باستثناء الخدمة له فيها، فإذا زاد فيهما بطلت الزِّيادة وثبت ما سمى؛ وإن مات قبل السَّنة أدَّى الثَّمن إلى وارثه وحرر، وهذا - قيل - كالتَّدبير، وعند من لا يثبت البيع مع دخول الشَّرط المجهول تنتقض المكاتبة بذلك لأنَّها بيع.
ومن قال لعبده: بعت لك نفسك فقبل ولم يذكر ثمنا ولا حدًّا قال أبو الحواري: يسعى له بقيمته وعتق. (7/82)
صفحة 3147
ومن كاتب مملوكة على وصفاء قال قتادة: إنَّ عمر ابن العزيز كره ذلك إلاَّ إن كان عاجلا يدا بيد، وقال الربيع مثله.
ومن كاتب عبده وله أمّ ولد وولد ومال ولم يشترطهم، فإن عر ف ذلك مواليه فلم يستثنوهم فهم له؛ وإن استثنوهم فهم لهم؛ وإن خفي عليهم (1) [572] بعض المال ثمَّ علموا به فهو لهم، وليتأمّل هذا الكلام. أبو عبد الله: أمّ ولده وولده مماليك إذا لم يشترهم المكاتبة عليهم، وأمّا ماله فكما مرّ.
ومن كاتب مملوكه على وصيف معيّن جاز أن يقوّم بدراهم ولا تثبت إن كان مجهولا أو نسيئة إلاَّ إن اتَّفقوا على شيء، وإلاّ عتق بقيمته عليه؛ وإن كاتبه بدراهم مسمّاة وقصارة ثوب كلّ شهر ما بقي لم تجز. قال أبو الحواري: تمضي ويلحق بنقص الثّمن يوم كوتب بشرط قصارة الثّوب.
وإن كاتب مريض عبده أجيز له من ثمنه الثّلث ويسعى في باقيه؛ وإن شرط عليه الرجوع إلى الرقّ إذا عجز عن أداء الثّمن لم يجده وكان دينا عليه.
فصل
إن أيسر العبد وقد عرض عليه مولاه المكاتبة فلا تسعه الإقامة على العبوديّة إلاَّ إن خاف الحمل على النّاس؛ وإن مات وترك مالا بعد أداء ما عليه فهو لوارثه.
ومن كاتب عبده أو أعتقه فماله الظاهر له إن لم يستثنه مولاه والخفيّ لربه وعليه الأكثر؛ وقيل غير ذلك؛ فإذا طلب المكاتبة أمر سيّده أن يكاتبه إن كان يؤدّي، ولا يمنعه لأنَّها توجب الحرّية المفضّلة؛ فإذا حصل له ثمنه وأخّرها فلا نحبّ له منعها، وبعض حثّه عليها وبعض حكم عليه بها، وولاؤه لمكاتبه.
وإن اشترى سريّة فولدت له ثمَّ مات قبل أن يؤدي المكاتبة بيعت فيما عليه ولا سبيل على ولدها؛ أبو سعيد: إن وقعت على وصفاء لم تحضر فهي فاسدة كما مرّ؛
__________
(1) - ب: «عليهم عليهم» وهو خطأ. (7/83)
صفحة 3148
وإن اتَّفقوا عليها على وصفاء ثمَّ نظروا قيمتها دراهم وتكون عليها جازت وعتق إن فسدت وعليه قيمته؛ وإن كاتب أعمى عبده جاز له وعليه؛ وإن باعه لغيره لم يجز إلاّ إن أعتقه مشتريه، وجاز أن يعطى دراهم يشتري بها نفسه؛ وإن قبل المكاتبة وتكون العطيّة له دون سيّده، وقيل: توقّف إلى عتقه فتكون له إن أعتق وإلاّ فموقوفة إن أحرزها؛ وإن أ عطاها إيّاه على القرض فاشترى بها نفسه وحرّر، ثمَّ طالبه المقرض بما أقرضه أن يقضيه إيّاه فإنَّه يدركه عليه إذا عتق؛ وإن أمر من يشتريه من ربّه فاشتراه منه ثبت البيع وعتق العبد، وعلى المشتري الثّمن؛ فإن وعده أن يدفعه فدفعه إليه بعد استيجابه منه جاز؛ وإن دفعه إليه قبل البيع فالثّمن للسّيد وعليه له ثمن ثان؛ وإن اشتراه بما دفعه إليه وهو عبد بطل البيع وهو والمال لسيّده إلاّ إن اشتراه لنفسه ولنفس العبد ثمَّ قضاه الدّراهم بعد أن استوجبه، والوجبة أن يقول له: بعته لك أو لنفسه بكذا، فيقول: قبلت أو أخذته به، وأمّا إن باعه لنفسه فقال: بعت لك نفسك بكذا، فإذا قال ذلك وجب عتقه، وإن لم يرض لأنّه لا يجوز ألاّ يرضى ويكون ثمنه دينا عليه، ولا يقبل دعواه أنَّه كوتب إلاّ ببيِّنة، واختير جواز مكاتبة الوصيّ لعبد اليتيم؛ وقيل: لا، ومن قال لعبده: أدّ إليَّ كلّ شهر خمسة دراهم وأنت عتيق، فإنَّه يعتق وعليه ذلك ما عاش، ويعطى من الصّدقة ومن بيت المال، لأنَّه غير مملوك، ولا نفقة له على مكاتبه.
ومن وطئ مكاتبته ظانًّا أ نّه حلال فعليه مهر مثلها، ويدرأ عنه الحدّ، وكذا هي إن ظنّته حلالا؛ وإن علمت أنَّها حرّة؛ وإن وطئها زنى حُدّت ولا مهر لها، وأجمعوا أ نّه لا يجبر السّيد على مكاتبة عبده على أقلّ من قيمته، وأنَّها لا تجوز بمحرّم كخمر؛ وإن وقعت عليه لم يقع عتق؛ وقيل: إذا أدّاه عتق وعليه قيمة نفسه وتجوز على حيوان وثياب وعروض كالتّزويج.
وإن كاتب ذمّي عبده على خمر جاز وأيّهما أسلم فللمولى قيمة الخمر ومن كاتب عبده على مال وقبلا صار مكاتبة، وثبتت من صغير يعقل شرط القيمة حالّة أو مؤجّلة أو نجومًا. (7/84)
صفحة 3149
الباب الثّاني والثّلاثون
في الولاء وأحكامه
وقد روي أنَّه لمن أعتق وأنَّه لحمة كلحمة النّسب ومن أعتق عبده فهو مولى له ولقومه ويعقلون عنه؛ وإن كان له أب قد أعتقه غيره جرّ أبوه ولاءه إلى مواليه؛ وإن كان أب الأب لغيرهما جرّ الأعلى ولاء الأسفل ثمَّ هو ولاء أسفل منه كذالك ولو سبق العقل؛ وقيل: الولاء لا ينتقل إلاّ إن لم يبق أحد من قوم المعتق فحينئذ ينتقل إلى موالي الآباء لأن المعتق أولى بمن أعتق ممّن لم يعتقه ولا تجرّ الأمّ ولاء بنيها إلاّ إن كان أبوهم مملوكا ومات في الرّقّ فيكون حينئذ ولاؤهم لمواليها وذلك إذا أعتقوا بسببها وإلاّ فولاؤهم لمن أعتقهم؛ وإن أعتق رجلان عبدا كان ولاؤها بينهما وكذا الأكثر ويعقل عن قوم كلّ ويعقلون عنه وولاء المرأة لعصبتها وقومها لأولادها إلاّ إن كانوا منهم ومن لا أب له من العبيد في الأحرار ولا جدّ فأعتق رجل أمّه أو جدّته وإن بعدت ثمَّ تناسلوا منها كان أولادها موالي من أعتقها إذا لم يعرف لهم أب حرّ؛ وإن كان موالي العبد من قبائل عقل عن كلّ بقدره فيه على الرّؤوس ولو ذكورا أو إناثا كما في الأثر إن امرأة أعتقت عبدا فولاؤه لعشيرتها فإذا ماتوا رجع إلى أولادها ولو كانوا من آخرين فقال هاشم ومبشّر الولاء لإخوتها وعشيرتها؛ وإن أعتق مشرك مسلما فقيل: ولاؤه له؛ وقيل: للمسلمين فإذا أسلم رجع إليه ومن أعتق عن أبيه بعد موته عبدا؛ فإن كان من ماله فولاؤه لأبيه؛ وإن كان متطوّعا به عنه أو عن وصيّة أبيه من ماله هو فالولاء له لا لأبيه؛ وإن كان لنصراني عبد فأسلم فأعتقه ثمَّ لحق بأرض الحرب فأسره المسلمون فباعوه فاشتراه ذلك العبد المعتق فأعتقه كان ولاء كلّ للآخر؛ وإن كان بين رجلين عبد فكاتبه أحدهما وأعتقه الآخر فقال قتادة الولاء لمعتقه وقال أبو عبد الله لمكاتبه لأنَّه ضامن لشريكه وعندي عكسه فتأمّل قال شريح إذا أعتق (7/85)
صفحة 3150
عبد له أولاد من حرّة فإنَّه لا يجرّ ولاءهم وبه قال الرّبيع؛ وقيل: يجره، ومن اشتري من الزّكاة فأعتق فولاؤه للمسلمين؛ وقيل: لمعتقه ومتسبّب فيه واختلف في الدّعاوي في الولاء فمن الحكّام من دعا عليه بالبيِّنة ومنهم من لم ير ذلك إلاّ إن تزوّج امرأة فتطلب أولياءها ذلك أو تلزم العاقلة دية الخطأ فإنَّها تسمع في ذلك ولا أيمان في الولاء؛ وإن قامت بيِّنة به وبيِّنة أنَّه من العرب فبيِّنة أنَّه منهم أولى.
والولاء ضربان ولاء عتاقة وهو ما صحّ أنَّه أعتق هو أو أبوه أوجدّه فهو لمن أعتقهم وولاء صلبيّة وهو ما لا يعرف أصله إلاّ بإقرار أو شهادة عن شهادة ففي كلّ ذلك تجو ولو من النساء وسبب ولاء العتاقة العتق وعتق القريب بالشراء، والمكاتب بالأداء، والمدبّر وأمُّ الولد بالموت، وسبب ولاء الموالاة العقد.
ومن أسلم على يد أحد فولاؤه له، فإذا أسلمت امرأة ووالت أو أقرّت بالولاء وبيدها صغير تبعها فيه.
تمَّ هذا الجزء (7/86)
صفحة 3151
الجزء الحادي والعشرون
في الأمانة، والوديعة، والهديَّة، والعارية، واللقطة، وما في معنى ذلك (7/87)
صفحة 3152
الباب الأوَّل
في الأمانة
ومعناها قال الله عزَّ وجلَّ: {إنَّ الله يأمرُكمُ, أن تُودُّوا الاَمانات إلى أهلها}، وقد نزلت قيل في مفتاح الكعبة، وردِّه إلى عثمان بن طلحة، وقال أيضًا: {إنَّا عرضنا الأمانة ... } الآية، فقيل: هي الفرائض؛ مجاهد: هي والحدود؛ أبو العالية: ما أمر به ونهي عنه؛ زيد بن أسلم: الصوم وغسل الجنابة وما خفي من الدين؛ وقيل: فرج الإنسان فإنَّه أوَّل ما خلق منه؛ وقيل: جميع أعضائه؛ وقيل: الوفاء بالعهد؛ وقيل: غير ذلك.
والأصحُّ أنَّها التَّكاليف الشاقَّة الشرعية، وروي أنَّ الأمانة تجلب الرزق، وأنَّها غنىً، والمراد أنَّ التاجر إذا عُرف بها وبالصدق كثر معاملوه، وقد مدح الله الأمناء بقوله: {والذين هم لأماناتهم ... } الآية. وقد أمر بأدائها وأكَّده صلَّى الله عليه وسلَّم؛ فمن اؤتمن بها فليحفظها حتَّى يؤدِّيها ولا يضيِّعها، وإلاَّ ضمنها، وكذا إن أعارها أو استعملها، لا إن ضاعت بلا تضييع منه.
والواجب على المرء أن يودع ماله ثقة، فإن أودعه غير أمين فقد عرَّضه للتلف، ويخاف عليه الإثم بمخالفة النهي عن إضاعته (1). ويقال: من ائتمن فاجرًا فجزاؤه الخيانة. وروي: «لا تكن أمينا لخائن»، وأيضًا: «لا تزال أمَّتي بخير ما لم يروا الأمانة مغنمًا والزكاة مغرمًا». وقيل: معنى ذلك: كفى بالمرء خيانة كونه أمينًا لخائن.
ومن قدر على تخليص مال المسلمين من تلف فتركه فتلف فإنَّه يضمنه، ومن احتضر وبيده وديعة، ولم يجد لها إلاَّ غير ثقة، فعليه أن يجتهد في طلب أمين إلى أن
__________
(1) - ب: «إضاعة المال». (7/88)
صفحة 3153
يموت، ولا يدفعها إلى خائن، فإن فعل ضمنها، لأنَّ عليه حفظها؛ وكذا إن أراد سفرًا ولم يجد أمينًا، فعليه ردُّها لربِّها، أو جعلها عند أمين، أو حملها معه، ولا يضيِّعها.
وإن استودع الأمين غيره، فلا خير أن يقبلها، وتكون (1) وهو يعلم أنَّها لغيره، وأجمعوا على منع المودع من استعمال الأمانة وإتلافها، وعلى إباحته بإذن ربِّها (2)، وندب قيل لقادر على أدائها وحفظها أن يقبلها، لقوله تعالى: {وتعاونوا على البرِّ}، ولما روي: «من كشف على مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عليه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان في عون أخيه».
وإن لم يكن بالمحلِّ صالح لقبولها، وخاف المرء إن لم يقبلها أن تتلف، لزمه قبولها لما روي: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه». والوديعة أمانة بيد المودع، ولا يضمنها إن لم يفرِّط، لما روي: «من استودع وديعة فهلكت فلا ضمان عليه»، أي بلا تعدٍّ ولا تضييع. وهو أمين إذا ادَّعى تلفها، وقيل: عليه اليمين، وقيل: لا، فإن تعدّى فيها ضمن كما إذا أعارها، أو رهنها، أو أودعها غيره بلا إذن ربِّها، إلاَّ إن أودعها ضرورة، واختلف فيه إذا أراد السفر، فقال الشافعي وموافقوه: إذا سافر بها بلا إذنه ضمنها إن (3) تلفت، وقال أصحابه: إذا أراده حملها إلى الحاكم، أو أودعها ثقة؛ أبو حنيفة: له أن يسافر بها، صاحباه [574]: إن كان في حملها مؤنة كراء أو غيره ضمنها، وإلاَّ فلا وأجازه هو للأمين دفعها إلى من يثق به، ممَّن يلزمه عولهم، إذا كان في منزله، وإلاَّ ضمن. ونحوه عن زيد بن علي وضمَّنه الشافعي والأصحُّ أنَّه إذا دفعها إلى ثقة يأمنه على ماله، فلا يضمنها، ولو أجنبيًا في غير منزله، وقد مرَّ ذلك.
__________
(1) - ب: «وتكون بيده».
(2) - ب: «ربه».
(3) - ب: «إذا». (7/89)
صفحة 3154
الباب الثاني
في الأمانة، والوديعة، وما جاء فيهما، والخلاص منهما
وقد روي كما مرِّ: من استودع وديعة فلا ضمان عليه، وهو قول الربيع وأبي عليٍّ إلاَّ بما مرَّ. شريح: ليس في العارية والوديعة والمضاربة ضمانًا له إلاَّ بما مرَّ.
ابن سيرين: ارتفع إلى شريح رجلٌ استودع امرأة مائة درهم، فوقع حريق قربها، فحوَّلتها إلى رجل فضاعت، فقال له: هل تتَّهمها في شيءٍ، قال: فإن شئت رضيت فيها بخمسين، قال فما رأيته أمر بصلح غير ذلك اليوم.
نبهان وأبو المؤثر: إن وضعتها حيث وضعت مالها لم يلزمها ضمانٌ؛ وقيل: إذا حوَّلتها ضمنت؛ وقيل: إذا جعلتها في مأمن فلا يلزمها.
ومن ائتمن رجلاً على سلعة فأبى أن يقبلها، ولا إن أقرَّ له بها فأقرَّ له بها ثمَّ رجع فأخذها بلا رأي المقرِّ له، وسعه ذلك عند الله، وأمَّا في الحكم فيحكم عليه بإقراره، ومن عنده أمانة فجعلها في مأمنٍ ثمَّ عناه خروج من بيته أو بلده، واجتهد في حمل جميع ما في يده، ثمَّ وجدها في الطريق قد تلفت، فلا يضمنها عند من يرى له حملها معه، حيث مضى إذا رآه أسلم لها من تركها، وهذا إذا قبضها هو ووضعها في بيته، لا ربّها بأمره، وقدر على حملها؛ فإن وضعها فيه ربُّها بأمر ربِّه فليسعه قيل حملها منه، بل يدعها فيه؛ فإن حملها على جائز له حملها، فاكترى لها حاملاً، ونيته أنَّ الكراء على ربِّها، كان له عليه على اعتقاده في حين حملها، فإن أهمله زال الكراء عن ربِّها، فإذا استحقَّ على الأمين ولم يجد الحجَّة على ربِّها في الحكم، فله أن يأخذ قدره من ماله أو من الأمانة. (7/90)
صفحة 3155
أبو مالك: من وضع أمانته في محلٍّ يدخله من لا يثق به فإنَّه يضمنها إن تلفت، والأكثر أنَّ المودع إذا أحرز وديعته في صندوقه أو حانوته أو بيته ثمَّ تلفت بلا خيانة لم يلزمه ضمانها.
ومن عنده أمانة في ثيابه ثمَّ وضعها في الأرض ليتَّزر فنسيها فضاعت، فقيل: إذا نوى اتَّزر أخذها فلا يلزمه ضمانها، إلاَّ إن تعمَّد تلفها، قلت: هذا إنَّما هو فيما بينه وبين الله، وأمَّا في الحكم فالظاهر لزومه، وليراجع؛ وإن قصد صاحبها موضعًا من داره الأمين فحفر فيه حفرة فوضعها فيها، فجاء ربُّ الدار فقلعها منها وحوَّلها إلى موضع آخر، فغصبت فإنَّه يضمنها.
ومن وجد في منزله متاعًا؛ فإن وضعه فيه صاحب أمانة فليحفظها ربُّ المنزل، ولا يترك مال أخيه يضيع، ومن أمر الأمين أن يجعل أمانته في منزله لا في غيره، فخاف عليها التلف فيه فله أن يخرجها، إن أحرز لها ولا يضمنها إن تلفت، لأنَّه لو رأى البيت يحترق لزمه تخليصها ونقلها إلى أسلم لها، وإن قدر على ذلك فترك لزمه الضمان إن تلفت.
وإن أراد الأمين الخروج فليحمل أمانته معه، أو يجعلها عند ثقة؛ وإن تركها فتلفت ضمن، وإن وجد ربَّها أو وكيله دفعها إليه أو إلى الحاكم أو الثقة، وأعلمه أنَّها لفلانٍ ولا عليه؛ وإن أودعها الأرض وأشهد عليها جاز.
فصل
إذا طلبت الأمانة من الأمين، وقدر على تسليمها، إلاَّ أنَّه قد شغل، فيدافع ربَّها وهو يريد دفعها إليه حتَّى تلفت، فإذا لم يكن له عذر فهو آثمٌ وعليه ضمانها لربِّها إذا منعه.
ومن عنده أمانة في منزله، فنسيها وظنَّ أنَّها له فاستخدمها، ثمَّ علمها أمانة فردَّها في موضعها فضاعت، فعليه كراؤها لا ضمانها، ومن وضعت بمنزله بإذنه أمانةٌ (7/91)
صفحة 3156
فعليه. قال أبو الحواري: إذا تحوَّل منه أن يحوِّلها معه، وإلاَّ ضمنها إلاَّ إذا دعا ربَّها إليها، ولم يرفعها.
ومن حمل على حماره حبًّا لرجل إلى قرية أخرى مع قومٍ فلقيه اللصوص وأرادوا سلبه، فأخذ كلَّ حمل دابته بيده، فدفع هو حماره لبعض أصحابه، ودافع عنهم اللصوصَ، فغلبوا على حماره، فأخذوا الحبَّ منه، فإنَّه لا يضمنه، إن تركه ليمنعهم، لأنَّ عليه أن يمانع لا أن يقاتل حتَّى يُقتل، فإن غُلب لم يضمن.
من ائتمن رجلاً على أمانة ثمَّ أرسل إليه من يأخذها منه فلم يجده فدفعها إليه غيره، فإذا صحَّ عند الغير أنَّه أرسله إليها أو (1) اطمأنَّ به، فلا ضمان عليه؛ وإن رفع قوم إلى منزل رجل متاعًا فأخذه غاصبٌ فطلب أصحابه الغرم، وقالوا له: إنَّ متاعنا حبسه لك في خراجك فأغرمه لنا؛ فإذا لم يحاسب الجبَّار عليه فلا عليه؛ وإن حسب له منه بلا محاسبة منه، لم يلزمه أيضًا لأنَّه لا حقَّ عليه في هذا.
ومن عنده أمانة ولم يجد ثقة، فحفر لها فدفنها في بيت أو مزرع أو فلاة؛ فإن دفنها في مأمن عليها حافظ لها، فلا ضمان عليه إن تلفت إذا أشهد عليها، وإلاَّ فالأرض ليست بحافظة بلا إشهاد.
وما كان في الثياب [575] معقودًا عليه في عمامةٍ أو رداء فذلك حرز له؛ وقيل: إن لم يظهر فيه؛ وإن ظهر فيه فليس بحرز، وقيل: الثياب ليس بحرز. ابن محبوب: وشدُّ الإزار بخيط أو هيمان فهو حرز وإلاَّ فلا.
ومن عنده حبٌّ أمانة فدخله السوس ففرَّقه على ظهر البيت، فيذهب عنه فحملته الريح فلا يضمنه إن قصد صلاحا، ومن خاف على أمانته التلف، فله أن يستأجر عليها منها.
__________
(1) - ب: «و». (7/92)
صفحة 3157
أبو سعيد: اختلف في الأمانة فقيل: إنَّها مضمونة في الديْن؛ وقيل: لا، قال: وعندي أنَّه قيل لو مات رجل وصحَّ عليه ببيِّنة أنَّ زيدًا ائتمنه على ألف درهم، ثبتت عليه في ماله عند القائل إنَّها مضمونة، فقيل: قبل الدين؛ وقيل: مثله؛ وقيل: بعده، وقيل: و (1) عند القائل إنَّها ليست مضمونة، لا يلحق صاحبها ورثة الأمين بشيءٍ، ولو صحَّ ذلك ببيِّنة، ما لم تصحَّ بعينها، ومن رفع مع رجل تمرًا ثمَّ أتاه فأخرج له منه وسلَّه إليه ولم يعرف أنَّه منه، قال ابن أحمد: لا يبرأ بذلك.
أبو سعيد: من ائتمن رجلاً على حبٍّ فوضعه فيما يضع فيه متاعه فأذن لمن دخل بيته ليأخذ متاعًا له منه وهو متَّهم بالسرقة فأخذ من الحبِّ، فعليه ضمان ما أخذ، لا مكانة من أمانته خائنًا، ولا يجوز له أن يخاطر بها،.
ابن بركة: من عنده أمانة لجبَّار فأخذه بالخراج فدفعها إليه فيه قيل فإنَّه يبرأ منها.
فصل
من دفع إلى رجلٍ دراهم يخلطها في دراهمه وعنده أنَّ ذلك أحرز لها من إفرادها فضاع الكلُّ، فقيل: لا يضمنها؛ وقيل: صارت مع دراهمه شركة فضاع المشترك. ومن دفع إلى رجل وديعة، ووكَّل رجلاً في قبض ماله، وغاب عن مصره، وطلب ما سلَّمه الموكِّل إلى الرجل من الأمانة، فهل له أخذها منه، قال: لا، لاحتمال أنَّها ملكه، وأنَّها وديعته، فإذا احتمل فلا يدفعها إليه، لأنَّه إنَّما وكَّله في قبض ماله، فإذا مات الغائب دفعها إلى وارثه، لأنَّه الدافع لها إليه، حتَّى تُعلم أنَّها لغيره، وإن جعل عند غيبته وكيله في قبض ماله وأمانته جاز الأمين دفعها إليه.
ومن اشترى بأمانته مالاً، فقيل: الشراء فاسد، وقيل: هو لصاحب الأمانة؛ وقيل: إن اشترى لنفسه وحسبها على نفسه قرضًا فالشراء له وعليه ضمانها، وقد مرَّ ذلك.
__________
(1) - ب: - «وقيل و». (7/93)
صفحة 3158
أبو عثمان: من ضارب بمال يتيمٍ ضمن الخسارة والربح لليتيم.
ابن جعفر: من اتَّجر بمال يتيم أو رجل أو بلقطة، ثمَّ أدرك أو جاء صاحبها، فما أحبَّ إلاَّ أن يعطيه المال وربحه، وإن أشهد بالضمان عليه، كان الربح له، وإن اشترى بذلك مالاً فلربِّه أخذه أو دراهمه، إلاَّ إن اشترى لنفسه فافترضها، وإن اتَّجر بها ثمَّ جاء ربُّها وصار الكلُّ إليه فله عناؤه إن ربح، وقيل: لا شيء له، ومن اقترض من أمانته شيئا فتلف لم يضمن إلاَّ ما أخذ، فإن لم يردَّها فيها حتَّى تخلص منها إلى ربِّها، فعاد ردُّها إليه ثانية فله ردُّه فيها، لأنَّه تخلَّص من ضمانها إليه، ثمَّ استأمنه عليها ثانية، وإن ردَّ فيها مثله، من غير أن يقبضه ربُّها، وتلف البدل لم يمر الأمين لأنَّه إذا لم يقبضه لم ينتقل على ملك الأمين وملك ربِّها ضمان عليه في ذمَّته، لا يبرأ منه إلاَّ بقبض منه، أو من وكيلة أو وارثه إن مات للإجماع على أنّ المدين إذا أفرد من ماله قدر ما عليه، وجعله لربِّه، ثمَّ تلف، لم تبرأ ذمَّته منه حتَّى يصل ربّه، وليس إفراده بعض ماله موجبًا براءتها.
فصل
أجمعوا على أنَّ الوديعة إذا كانت دراهم واختلطت بغيرها، أو خلطها غير المودع فلا يضمنها المودع إن تلفت، فإذا خلطها هو في جنسها فقيل: يضمن؛ وقيل: لا، وإن خلطها في غيره مما لا يتميَّز ضمن، وقيل: إن خلطها فيما لا يتجزَّأ إلاَّ بقسمة.
ومن عنده دراهم الأمانة ففتحها ليزن منها شيئًا ليقترضه ثمَّ ندم فردَّها وسدَّها كما كانت فتلفت ضمنها إن وزنها على تلك النية؛ وقيل: ولو لم يزنها؛ وإن فتحها وقبض منها على شيءٍ أو لم يزنه ثمَّ ندم فردَّها فتلفت فقيل: يضمنها؛ وقيل: لا حتَّى يحوِّل منها شيئًا. وكذا في اللقطة. وقيل: إذا دسَّها ضمنها؛ وقيل: لا حتَّى يزيلها من موضعها أو يقبضها ومن عنده الأمانة فكان يتنقَّلها في المنزل ثمَّ تلفت؛ فإن أراد بذلك إحرازها أو احتياجه إلى منزله فوضعها في مأمن منه اختير أن لا يضمنها ومن عنده دراهم أمانة فاقترض منها شيئًا ثمَّ ردَّه فيها ثمَّ ذهب الكلُّ قال أبو عبيدة والربيع (7/94)
صفحة 3159
وابن محبوب وأبو المؤثر: يضمن ما افترض كما هو وهو المختار، وقال أبو نوح: الكلُّ لأنَّه متعدٍّ، وبعض يشدِّد في فتح الأمانة وإظهارها بلا إذن ربِّها. وقال عزَّان فيه: إن اقترضها ضمن؛ وإن أقرضه غيره فردَّها عليه ثمَّ ردَّها في موضعها فلا يضمن.
ومن بعث مع رجل بضاعة ليبيعها له ففعل وقبض الثمن ودراهم البلد الذي باع فيه أردى من نقد بلده، فاقترضه منفعة لصاحبه وأذهب بعضًا منه ولا يدري كمِّيته، ثمَّ خرج إلى بلده فلقيه [576] اللصوص فسلبوه فإذا حسبها على نفسه (1) لزمه غرمها.
وسئل أبو الحسن عمَّن بيده رهن أو أمانة فطلبه جبَّار لا يمتنع منه إليها، هل يسعه أن يسلِّم ذلك إليه ولا يضمنه. قال: لا؛ قيل له: فإن طلبه أن يفتح له بابه إن لم يسلِّمها إليه ففتحه له فأخذها بيده؟ قال: يضمن أيضًا؛ قيل له: فإن فتح له الخارج لا الداخل فكسره الجبَّار أو فتحه فأخذها؟ قال: يضمن أيضًا؛ قيل له: فإذا لم يعلم أنَّه يأخذها ففتح له البابين فأخذها؟ قال: لا يضمنها؛ قيل له:؛ فإن فتحه الخارجيّ فلم يعلم ما يريد إلاَّ الداخل ثمَّ علم بعد أن دخل هل يضمن؟ قال: لا أيضًا؛ قيل له: فإن قال بعد أن دخل إلى الحائط والداخل مفتوح أنَّه يأخذ الأمانة هل عليه أن يغلقه؟ قال: نعم، فإن لم يغلقه فلا يضمنها؛ وإن فتح له غيره فأخذ الرهن ذهب بما فيه ولا عليه.
فصل
من بيده أمانة ولقطة فضاعتا منه ثمَّ وجدهما بيد رجلٍ، فهو خصيم له في الأمانة حتَّى يأخذها ربُّها، لا في اللقطة لأنَّه بريء منها ولا حقَّ له فيها فيدَّعيه، وقيل: إنَّه يضمنها إذا ضاعت من يده. قال أبو سعيد: وعليه فيكون له خصيمًا فيها أيضًا، وإذا سرقت من يد لقيطها فوجدها عند سارقها فهل يكون له خصيمًا فيها أم
__________
(1) - ب: + «قرضًا». (7/95)
صفحة 3160
لا قولان. وقيل في الأمانة إذا سرقت من الأمين ثمَّ ظهرت إنَّه ليس عليه مطالبتها وإنَّما هو على صاحبها.
أبو الحسن: الأمين خصم فيها اتِّفاقًا، ومن عنده أمانة فوجَّه بها إلى ربِّها مع ثقة فتلفت منه في الطريق بغصب أو سرق وقد وجَّه بها إليه برايه لا بإذن ربِّها ولا بأمره لحاملها فلا يضمنها إلاَّ إن وجَّه بها على خطر.
ومن طلب إليه غريب لا يعرفه ولا بلدَه أن يضع عنده أمانة وخاف إن مات الغريب أن يعسِّر عليه الخلاص منها، فهل إحرازها له أفضل له أو تركها لأنَّه أسلم له؟ قال ابن الحسن: إذا صدقت نيته في إحرازها له لله طالبا فيه التواب وصحَّ اعتقادها في أدائها وترك الخيانة فيها فله الثواب منذ قبضها إلى أن يؤدِّيها، لأنَّ المحافظة عليها من أعمال الحسنات، وإن تركها خوفًا من الله مع صدقة أن لا يقوم بها لما علم من ضعفه عن أدائها؛ فإن أخذها فمأجور؛ وإن تركها فمعذور والله بعباده خبير بصير، والمودع عنده مغصوب أن يمتنع من حفظه وعليه أن لا يعين صاحبه على باطله.
وإن نسي شيئًا على حصير تاجر فأراد أن يرفع حصيره ولم يرجع إلى الشيء صاحبه، فإنَّه لا يجوز له أن يأخذه ويدع ما عليه في دكَّانه حيث لا يأمن عليه؛ وإن تركه وضاع ضمنه، لا إن أخذه محتسبًا فضاع بلا تضييع منه، أو دلَّه عليه ثقة فأخذه كذلك وضمن إن دلَّ عليه غير ثقة.
ومن ائتمن على دراهم فوضعها في فيه إلى أن يبلغ ما يحرزها فيه فتلفت فإنَّه في الحكم قد عرَّضها للتلف لا عند الله إن كان يأمن عليها كمالِه لما يصرفه من نفسه، وكذا إن قبضها في كفِّه حتَّى يبلغه فنسيها فتلفت أو وضع في ثيابه الصرَّة الكبيرة من المائة فأكثر.
فصل
من دفع إلى رجل أمانة فقال له: إنَّها لفلان، ثمَّ أتاه فلانٌ فطلبه فيها، فذهب إلى دافعها له فأخبره بطلبه لها، فتقدَّم عليه إن لم يسلِّمها إليه. قال ابن الحسن: إنَّ المؤتمن (7/96)
صفحة 3161
شاهد على الواضع له عنده بما أقرَّ به لفلان، فإذا قال له: لا تسلِّمه (1) إليه أعلمه أنَّه أقرَّ لك عندي بكذا وتقدم علي أن لا أسلِّمه إليك، فإذا أردت مطالبته كنت شاهدًا لك عليه، لا يدفعه إليه فإذا قال له إنَّه لفلانٍ لأسلِّمه إليه، فإن سلَّمه إليه ورجع يطالبه فلا يحكم له عليه، إلاَّ إن كانت له حجَّة توجب الحكم في ذلك؛ وإن قال: هذا لفلان ثمَّ ليس له، وإنَّما هو لي وقد كذبت، فهو شاهد عليه أيضًا بما أقرَّ إذا رفع إلى الحاكم واحتجَّ أنَّه لم يقر، والآخر أنَّه سلَّمه لفلان بإقراره، فهناك يحكم عليه بغرم ما سلَّم بعد يمين المنكر للإقرار.
__________
(1) - ب: «تسلمها». (7/97)
صفحة 3162
الباب الثالث
في خلاص الأمين، والرسول، والدافع
فمن أودع رجلا تمرًا وقال له إذا أتاك رسولي بعلامة منِّي فأعطه ذلك التمر وعرِّفه بها فأتاه بها وسلَّمه إليه، ثمَّ قال: ما أرسلته؛ فلا ضمان على الأمين إذا دفع ما أمر به، إلاَّ أنَّه يعرفه الرسول من هو فيذهب إليه في طلب ثمره منه إن عرفه وإلاَّ فلا شيء عليه إلاَّ إن استخانه فيحلفه أنَّه دفعه بعلامته إلى من جاء له بها وما خانه فيه، فإن لم تكن بينهما علامة فأتاه بكتاب فدفع إليه فالخطأ مضمون وقد دفع بلا صحَّة ولا حكمٍ، ولا يبرأ إلاَّ إن كان الرسول ثقة عنده وأتاه بخطِّ صاحب الأمانة أو أمين معروف بشهود فحينئذ يبرأ منها، فإن لم يكن كتابٌ والرسول مقرٌّ أنَّه أخذها ودفعها إلى ربِّها وأنكر، فعلى الرسول اليمين إن كان ربُّ [577] الأمانة أمر الأمين أن يدفعها إليه ولا ضمان عليه؛ وإن أرسل ثقة عنده بلا أمر ربِّها فقال إنَّه سلَّمها إليه، وقال هو لم تصله، فعلى الرسول اليمين لأنَّه أمين، وكذا على ربِّ الأمانة ما وصلته، فإذا حلفا للأمين خيف عليه ضمانها، لا إن ادَّعى هو والرسول أنَّها ضاعت من يده، ويحلفهما إن استخانهما، فإن أرسل إليه رسولاً أن يدفعها إليه ففعل ثمَّ ادَّعى أنَّها لم تصله، والرسول أنَّه سلَّم فعليه يمين، لا على الأمين.
أبو الحواري: من له أمانة عند رجل وقال له: كلُّ من أتاك برفعة منِّي فسلِّمها إليه، فأتاه رجل بها فدفعها إليه، ثمَّ قال: ما أعطيتني، وقال الأمين: أعطيتك ذلك أو شيئًا منه قبل قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه، فإن كان للذي بيده الرفعة حقٌّ على ربِّ الأمانة وكتب له به، فقيل: إنَّ الأمين ما دفع إليَّ شيء، وقال هو: إنَّه دفع إليه ما (7/98)
صفحة 3163
فيها، فإن كانت عنده (1) بيِّنة بذلك برئ، وإلاَّ وطلب منهما ربُّ الأمانة اليمين كانت له عليهما.
ابن المسبح: من دفع أمانة بكتاب أو علامة ضمنها حتَّى يقرَّ ربُّها أنَّه كتب أو جعل له علامة، وإن قال له لا تدفعها إلى أحد حتَّى آتيك ضمن أيضًا حتَّى يقرَّ بذلك ويقبل قوله مع يمينه (2) في كمِّيتها. غيره: إن قال له لا تدفعها وجعل له علامة جاز له دفعها، وإن أنكر القبض منه، وأقرَّ ربُّها، أنَّه كتب إليه أو جعل له علامة يقبضها به قبل قول الأمين إنَّه دفعها وما خانه فيها.
فصل
إن مات مستودع فأتى بعض ورثته إلى المودع يطلب حصَّته من الوديعة، فليس له أن يدفع شيئًا منها إلاَّ بحضرة الكلِّ أو وكلائهم أو بإذنهم، وإن دفع له بدون ذلك ضمن، وكذا القابض حتَّى يصلوا جميعًا إلى حقوقهم، وقيل: له أن يسلِّم إلى كلٍّ منابه إن كانت مكيلا أو موزونًا.
أبو سعيد: إن مات مستودع عند رجل جراب تمرٍ وخلَّف أيتامًا مع أمِّهم ولا وصيَّ لهم ولا وكيل واحتاجوا إلى تمرهم ولا فريضة لهم، وأراد الرجل الخلاص منه، قال: فإن أمنت على ما يسلِّم إليها إن تعدَّل فيه، وتوصل كلا إلى حقِّه، فذلك وجه من الخلاص، وإلاَّ فلا نأمر بدفع مال يتيم إلى غير أمين إلاَّ إن استحقَّه بفريضة عند حاكم أو جماعة وإلاَّ فالله أولى بالقدر، وإن عالهم الرجل أو قدم لهم (3) من يعولهم حتَّى يوصل كلاًّ إلى حقِّه بالعدل فهو وجه أيضًا منه.
__________
(1) - ب: «عند».
(2) - ب: «يمينها».
(3) - ب: - «لهم». (7/99)
صفحة 3164
ابن بركة: من وكَّله رجلان يقبض لهما وديعة، ثمَّ جاء أحدهما ليقبض منابه، فقال الأكثر منَّا ليس للأمين أن يدفعه إليه، لأنَّه لا يصير إليه إلاَّ بعد قسمة، وليس له قسمها من غير أن يوكِّل فيها، وقيل: له أن يدفعه إليه، ولا يمنعه منه، ولا يجيز له أبو حنيفة قسم الأمانة، ويضمنه إذا فعل، ويسقطه عنه صاحباه كداوود.
ومن عنده أمانات لأناس فأخذوها وبقي منها بعض لا يدري لمن هو، وقد صحَّ أنَّه منها، فهو بحاله؛ فإن رجى في بيعه الوفور على ربِّه فعل واختير له أن يقوم فيه بأبلغ ما يرجو فيه صلاحه، وقيل في مثل هذا إنَّه كاللُّقطة، ولا يعرف ما لا علامة فيه.
أبو سعيد: من عنده أمانة فسرقها رجل علمه فأتلفها، ثمَّ تاب وطلب إليه أن يدفع إليه قيمتها، فليس له أن يقبلها منه، لأنَّه ليس بخصمٍ في القيمة، ويسعه أن لا يقبضها، وعليه أن يتخلَّص منها إلى من نسبها إليه الأمين، وإنَّما هو خصم في أمانته إذا وجدها بعينها.
ابن بركة: من عنده أمانات من الدراهم أو غيرها، ثمَّ وجد في خزانته بعض ذلك، ولا يدري لمن هو، فإن كانت في معروف له أو لأناس، وقد أمكن أن يكون ذلك له، فلا بأس عليه فيه، وإن علم أنَّ له مثله وأنَّه لم يجعل هناك شيئًا له، وإنَّما جعل الوعاء أو الموضع للأمانات تدبَّر فيها، فإن تمَّت كلٌّ لربِّها، فتصدَّق به جاز له، وإن بان له أنَّه من أحد العلامات جعله حيث بان له، لأنَّه ربَّما كانت له علامة، أو من انخراق الصرَّة أو نحو ذلك.
فصل
من وضع عنده رجل متاعًا ثمَّ لم يدر أين ذهب ولا عرف اسمه، قال أبو عبد الله: يمسكه سنة، ثمَّ يتصدَّق به، فإن جاء صاحبه خيَّره في الأجر أو في الغرم، وإن استودع محتضر رجلاً دراهم وقال له ادفعها إلى الفقراء لا إلى ولدي إذا متُّ، فلا يجوز له دفعها إليهم إلاَّ إن أوصى بها إليهم فتخرج له من ثلثه. (7/100)
صفحة 3165
وإن مات مستودع دراهم عند رجل وترك ورثته، فإنَّما يدفعها إليهم كما مرَّ، وإن كان عليه دين، فالمال له عند الأكثر، فإن كان له وصيٌّ في قضائه دفعها إليه، وإلاَّ فقيل: يدفعها فيه، وقيل: لا لأنَّه ليس (1) بوصيٍّ ولا وارث. ومن عليه دين وعنده أمانة لميِّت وعرف بدين عليه ولا بيِّنة لربِّه غيره، فله أن يقضي ما عليه أو عنده فيه، ولو لم يوص به.
__________
(1) - ب: - «ليس» وهو خطأ. (7/101)
صفحة 3166
الباب الرابع
فيمن اؤتمن على أمانة غيره، وفي الإقرار بالأمانة
فمن أمن رجلاً دراهم وقال له: هي لبنت ابني، فذهب عنه زمانًا ثمَّ أرسل إليه رسولاً أن يعطيها بعضها فأبى، ثمَّ أتاه بنفسه فقال: إنَّما هي لي لا لها، فأخذ منها ما شاء وترك الباقي عنده ومات وطلبها ورثته، ولم يعرف الأمين أنَّها للميِّت أو للبنت، قال هي لها ولا يجوز إنكاره بعد إقراره، ولا يضمن ما قبض من يده [578] منها، لأنَّه مخيَّرٌ في دفعها إليه أو إليها.
ومن أودع رجلاً وديعة وقال هي لزيد عندي، فله في الحكم أن يسلِّمها إليه أو إلى زيد؛ وقيل: يجمعهما ثمَّ يدفعها إلى من أودعها عنده بحضرة المقرِّ له، ويكون شاهدًا له عليه، وإن مات المقرُّ دفعها للمقرِّ له، كعكسه، وإن قال له: هذه الوديعة أرسلني بها زيد إليك دفعها الأمين إلى زيد.
ومن دفع إلى رجل شيئًا وقال له إنَّه لفلان فأتاه فلاه يطلبه فيه، قال أبو الحسن: إن حضر الدافع جمعهما عسى أن يكون له حقٌّ في الأمانة، وإن مات أو غاب، وقد أقرَّ بها لفلان سلَّمها إليه، وإن سلَّمها إليه لا بإذن الدافع وهو غير غائب، وأنكر أنَّه أقرَّ كلّف الأمين البيِّنة، وإلاَّ حلَّفه، وغرمها واستردَّها من فلان.
ومن وضع عند رجل شيئا فقال له إنَّه لفلان أو لقطة أو سرقة وقبضه، قال أبو الحسن: إذا علم صدق القائل فله ردُّه عليه، أو التخلُّص منه، وإن أقرَّ عنده بالسرقة لأحدٍ جمع بينهما (1) وسلَّمها له، فإن غاب أو مات ولم يقدر على الخلاص إليه ردَّها لمن سلَّمها إليه، وأمره بالتقوى والخلاص منها، ويردُّ اللقطة إليه، ويأمره بما يلزمه فيها،
__________
(1) - ب: «جمعهما». (7/102)
صفحة 3167
أو بأن يأذن له في إنفاذها على جائز له. ومن دفع إلى رجل شيئًا وقال له إنَّه ليتيم ثمَّ أتاه يطلبه فليس له أن يسلِّمه إليه، كان إقراره بعد أن جعله عنده أو في حينه، وإن تلف بلا خيانة منه ولا تقصير، لم يلزمه ضمانه، إذا أراد أن يسلِّمه على جائز له من أمر اليتيم.
أبو سعيد: قيل له دفعه إلى الدافع له على ردِّ الأمانة على الاستحقاق له، وإنَّما يسلِّم إلى اليد التي أعطته، وقال فيمن بيده أمانة لرجل وأقرَّ بها لغيره أنَّ له أن يردَّها إلى من اؤتمن عليها إلى أن يضمنها، فإن ضمنها لم يكن له أن يسلِّمها إلى المقرِّ بها، فإن كان الذي بيده ميراثًا له أو دينًا أو رأس مال فأقرَّ به لغيره، فقيل: يدفعه إلى المقرِّ له به، وقيل: إلى الوارث، ومن جعل عند رجل حبًّا أمانة ولم يقل إنَّه له، ثمَّ أتاه آخر فقال له إنَّ ربَّه أوصاني أن آخذ منه جريبًا فدفعه إليه، ثمَّ أنكر ربُّه فقال إنَّه لفلانٍ الأعجم وليس لي، فهل يكون مخيَّرًا في تسليم الجريب إلى من سلَّمه إليه أو إلى الأعجم لأنَّه تلف وضمنه؟ اختير أنَّه إذا لم يدَّع أنَّه له حين جعله أو بعده قبل تلفه ثمَّ أقرَّ فيه وقد تلف، فلا يكون مخيَّرًا فيه وأنَّه يضمن ذلك للمقرِّ له به لأنَّه أتلفه، وإن قام الشيء بعينه فأقرَّ به لغيره أشبه أن يكون فيه مخبرًا في دفعه للمقرِّ أو للمقرِّ له؛ ومن وصل إلى رجل بدراهم وقال إنَّها لفلان اليتيم فاقبضها منِّي فأبى، وقال له: إن أعجبك المنزل فاجعلها فيه، ثمَّ دفنها فيه، ثمَّ قال له: إنَّها لي لا لليتيم، ولم يستودعه إياها، وطلبه أن يعطيه (1) منها شيئًا فدفعه إليه ثمَّ مات هو واليتيم، فلا ضمان عليه فيما دفع إليه، والباقي يدفعه لوارث اليتيم كما مرَّ.
فصل
من جعل عنده اثنان أمانة فغاب أحدهما وجاءه الآخر يطلبها، فلا يدفعها إليه حتَّى يحضرا معًا أو تصحَّ له، أو أنَّه أمره بقبض حصَّته، وإن وضع صبي أو عبد شيئًا
__________
(1) - ب: «يعطي». (7/103)
صفحة 3168
في منزل رجل، فإن وضعه فيه برأيه فليس له أن يسلِّمه إلاَّ بإذن الأب أو السيِّد، وإلاَّ فلا يمنعه من أخذه إن أراده، ولا يأذن له فيه، ولا يلزمه للأب أو للسيد خلاص منه.
أبو الحسن: إن رهن عبد رهنًا، أو وضع أمانة عند تاجر، فإن وضع ذلك برأيه، ولم يتعرَّض له التاجر ولا ارتهنه منه وضاع لم يلزمه، وما وضعه بلا رأي التاجر ولو فتح له لم يلزمه، إن لم يتعرَّض له.
وإن وضع زنجي عند رجل جرابًا من تمرٍ ومات ولا يعرفه حرًّا أو مملوكًا ولا بلده، وقال الناس: إنَّه من قرية كذا بلا صحَّة ولا إقرار من الزنجي، قال أبو الحواري: إذا لم يصح له وارث ولا رحم فرَّق التمر في جنسه من بلد مات فيه وهو حرٌّ حتَّى يصحَّ أنَّه مملوك، فإذا صحَّ ولم يعرف مولاه فرِّق على فقراء البلد.
وسئل أبو سعيد عن مجنون وضع شيئًا في مال رجل أو منزله، ولم يقبله منه، ومرَّ المجنون وتركه، فقال: قيل يلزمه حفظه، ويكون أمانة عنده، وقيل: إذا لم يتعرَّض له، فهو عنده كاللقطة إذا أخذها احتسابًا لربِّها أثيب، وإن تركها خوفًا من الضمان وسعه، وإن وضعه في بابه وهو مغلق لم يجز له أن يفتحه له إن عرف بتضييع ماله، ولا يعان عليه، فإن فعل ضمن؛ وإن فتحه لحاجته هو لا للمجنون فلا ضمان عليه إن أخذ المجنون ماله.
ومن أودع مجنونًا أو عبدًا أو صبيًا مالاً فأتلفه، قال أبو حنيفة: لا ضمان على العبد حتَّى يعتق، وضمَّنه يعقوب كالصبي، ومن دفع إليه عبد ما لا يأتمنه عليه ثمَّ طلبه هو أو سيِّده، فله دفعه لطالبه منهما، ويسلَّم قيل إلى اليتيم ما قبضه منه، لأنَّ قابضه لم يضمنه له، وإنَّما أخذه منه ويدفعه إليه، وليس كأخذه من غيره على أمانة منه أو دين، أو من قبل أمانة لأبيه أو دين استحقَّه اليتيم فهذا لا يدفعه إليه إلاَّ إن جعله في مصالحه، أو يدفعه إلى وصيِّه أو وكيله، أو يفرض له فريضة على الخلاص. وقيل: لا يجوز دفعه إلى اليتيم على وجه الخلاص، لأنَّه ليس كحجَّة فيه على نفسه في قبض ولا دفع، وكذا فيما أشبه هذا، وأمَّا إن أذن له بدخول بيته إن استأذنه أن يجعل أمانته (7/104)
صفحة 3169
عنده ولم يقبضها منه، ثمَّ أراد أخذها فأذن له في الدخول، ولم يأمره ولم ينهه، ولم يقبض ولم يدفع، فذلك جائز له إذا أراد فيه صلاحًا له وبراءة من أمره خوفا من التباعة، وكان صلاحًا له. (7/105)
صفحة 3170
الباب الخامس
في [579] بيع الأمانة إذا خيف تلفها
وسئل عن خائف على أمانته الضر، هل له أو عليه أن يبيعها، فأجيب بأنَّ بعضًا لا يجيز له بيعها، بل يدعها بمالها، وبعض خيَّره فيه على اعتقاد الضمان لأصلها لا لثمنها؛ وحفظ أبو صفرة في ثوبين أوصت بهما امرأة من بعيد وخاف من كانا عنده تآكلهما؟ أن يبيعهما خير، وضمن إن تلف ثمنهما. قال أبو عبد الله: لا يلزمه الضمان إن كان وصيًا، وأجازه أبو الحسن إن كان أصلح، ولا ضمان عليه إن تلف الثمن بعد قبضه.
أبو المؤثر: من بيده حبٌّ لغائب محرم منه استودعه إياه، فخاف تلفه، فباعه احتسابًا له، وقبض ثمنه، فله إذا قدَّم مثل حبِّه أو ثمنه، وكذا الوارث، إلاَّ إن قدَّم ولم يختر فمات، فليس لوارثه ما له من الخيار، وقيل: إن باعه كذلك فلا ضمان عليه. وللغائب ثمنه لا الخيار؛ ومن عنده حبٌّ أو غيره أمانة فباعه، ثمَّ علم أنَّه أخطأ فيه، وأعاد بثمنه مكانه مثله، فقيل: ليس له ذلك بعد بيعه، إلاَّ بإذن ربِّه، ولزمه الضمان لأنَّه مخيَّر في ذلك.
ومن عنده أمانة فخاف تلفها من ذاتها، قال ابن سعيد: عليه عند بعض أن يبيعها ويكون ثمنها عنده أمانة، وإن تركها ضمنها، وقيل: لا، وقيل: إن باعها ولو خاف تلفها ضمنها، وإن تركها؛ ولو ضاعت لم يضمنها. ومن ائتمنه رجل بأمانة ثمَّ غاب حيث لا يعرف أو مات ولم يعرف له وارث، وخاف عليها أن تضيع، فقيل: إذا باعها ضمن، وقيل: هو مخيَّر إذا كان بيعها صلاحها، وتركها ضياعها، وقيل: ليس له تركها. (7/106)
صفحة 3171
وفي الأثر: ومن أودع عند رجل تمرًا أمانة، ثمَّ قال الرجل: إنَّه قد ضعف وتلاشى فباع من باقيه بثلاثة دراهم، فهو مصدَّق، فإن استخانه صاحبه حلَّفه ثمَّ هو مخيَّر في أخذ الثمن أو مثل الباقي من الثمر، إلاَّ إن باعه بحاكم أو فتوى عالم، فليس له إلاَّ ثمنه ويمينه. (7/107)
صفحة 3172
الباب السادس
في العارية وما جاء فيها
ولا يضمن العارية مستعيرها إذا لم يضيِّعها، ولم يعرها غيره، ولا استعملها في غير ما استعارها له إن عينه، وإلاَّ وقد استعارها لينتفع بها فاستعملها بغير (1) ما يستعمل به مثلها، ضمنها إن تلفت.
ومن استعار مسحاة ليرضم بها فهل له أن يسلِّمها إلى أجيره أو معينه؟، كذا حمارا أو استأجره فضاع ذلك؟ قال النخيلي: إن كان ممن لا يعمل بيده وعلم المعير أو الموجز ذلك فلا يلزمه ضمان، وقد جرت العادة بذلك في المسحاة والدابّة وغيرهما مما يعار بين النّاس، فإذا شرط عليه البعير ردّها لزمه الضمان عند الأكثر إن تلفت بيده قبل ردها، وقيل: لا ولو شرطه إذ هي في الأصل لا ضمان فيها.
والشرط لا يثبت قياسا على الأمانة، والرّاعي والمضارب إذا شرط عليهم فإنَّه لا يلزمهم ولا تضمن العارية كغيرها إلاَّ بالتعدِّي فيها.
ومن أعطى رجلاً ثوبًا وشرط عليه عشرين درهمًا إن لم يردّه، قال موسى: لزمته إن لم يرده؛ وإن ردها المستعير مع من أتاه بها من ربِّها، أو مع ثقة فضاعت، فلا يضمنها إن لم يحدث فيها الثقة حدثا كركوب. ومن استعار من رجل شيئًا فأرسله إليه مع رسول، ثمَّ مات أو غاب، وأراد المستعير الخلاص منه، فإن سلَّمه إلى الرسول بريء، وعلى الرسول الخلاص منه إلى ربِّه. ومن طلبه إلى رجل شيئًا ليرهنه فأعاره إياه، فأرهنه فتلف من يد المرتهن فعلى المستعير قيمته.
__________
(1) - ب: «في غير». (7/108)
صفحة 3173
وتبطل العارية بموت المعير، وترجع إلى وارثه، إلاَّ إن كانت كساقية زرعَ عليها المستعير، أو دابة استعارها إلى معروف أو وقت أو نحو ذلك، فإنَّها تثبت إليه، أو انقضاء الزراعة، إذ لا رجعة للمعير عليه في ذلك، ووارثه مثله، وكُره للمرء أن يعير أحدًا ما يتقوَّى به على المعصية، فإن أعاره عارفا به فتلف فلا يضمنه إلاَّ إن ضيَّعه أو تعدَّى فيه؛ وإن أعار المستعير غيره ما استعاره فتلف أو نقص ضمن، فإن تخلَّص من الضمان بالأداء فليس عليه أن يخبر المعير بذلك، وإن استحلَّه منه، فعليه أن يعلمه أنَّه من كذا.
ومن أعار رجلاً سلاحًا فعزم له عبد أو عدوٌّ فضرب به فانكسر، فإن أعاره ليضرب به ما عرض له فلا غرم عليه، وإن لم يذكر له ذلك، فعرض له عدوٌّ فضربه أو رماه به، فلا يغرمه أيضًا إن انكسر، وإن رمى به غرضًا أو ما عرض له من غير عدوٍّ فعليه غرمه، إلاَّ إن شرط على المعير أن يصنع به ما شاء وهو رأي أبي عبد الله.
ومن استعار من رجل ترسًا وخرج مع الإمام في الحرب، فانهزم العسكر وصرع هو، فوقع منه الترس فتركها، فإن قدر على أخذها ضمنها، وإلاَّ وقد غلب وخاف الموت فلا.
فصل
إن استعارت امرأة حلياًّ من قومٍ فجعلته لبنتها فذهب، وقالت إنَّها استعارته لتجعله عليها وأنكروا، فإنَّها تضمنه إن لم تبيِّن أنَّها أعلمتهم بذلك، وتحلفهم إن لم تجد بيِّنة، وإن ردُّوا إليها اليمين، فإن حلفت وإلاَّ غرمت، وإن استعارته على ذلك فعلَّقته على غيرها ضمنت أيضًا، وإن لم تشترط تعليقه على بنتها، ولم يشترط واصليها ردَّه، ولا ضمانه لم [580] يلزمها، وكذا إن تلف منها، وقد قالت تعلقه عليها، إلاَّ إن جعلته في مخوف عليه إن كانت بنتها في ما لا يصلح لها أن تعلِّقه فيه، لخفَّتها واضطرابها وسوء مداخلها. (7/109)
صفحة 3174
وقيل: إنّ (1) من استعار شيئًا وسمَّاه عارية، واستعمله لما يستعمل به شاملاً يضمنه، إلاَّ إن خالف أو حمله فوق طاقته، وقيل: لا يستعمله حتَّى يسمِّي لربِّه العمل، وإلاَّ لم يجز له استعماله، وضمن إن فعل لاحتمال أن يعيره إياه ولا يستعمله، ولا إن سمَّاه أمانة إلاَّ بإذن ربِّها اتِّفاقًا، وإن استعارته امرأة لتلبسه في العيد فضاع لمَّا لبسته فيه، فلا تضمنه إلاَّ إن تعدَّت فيه، وإن حبسته إلى الغد ضمنته، وإن لم تلبسه إلاَّ كما شرطت، ثمَّ أخرجته لتردَّه فضاع لم تضمنه، ولا بحبسه إلاَّ إن منعته بعد طلبه.
فصل
من أعار جاره جدارًا يغمي عليه فمات، وأراد أن يغمي عليه ثانية بلا رأي وارثه، قال أبو سعيد: ليس له ذلك إلاَّ به، وكذا إن كان حيًّا لا يغمي عليه ثانية إلاَّ بإذنه، فإن قال له: أعطنيه لأغمي عليه، فأذن له فهو عارية في الحكم، وكذا إن قال له: هبنيه أغم عليه حتَّى يقول له وهبته لك، فيكون حينئذ عطية، فإذا أغمى عليه وقد أحرزه، فإن قال له أعطيتكه تغمي عليه، فليس له أن يغمي عليه إلاَّ مرَّة، وإن كان عارية وغمى عليه مرَّة، ثمَّ نقض غماءه، فلا يغمي عليه بعد إلاَّ بإذنه، وكذا إن قال له أعطنيه أغمي عليه، فقال له أعطيتكه فغمي عليه، أو لم يقل له أغمي عليه اختار أيضا أنَّه إذا أحرزه على ذلك فهو عطية، وإن أغمى عليه بلا إذنه، ثمَّ أعلمه، فأحلَّه وأجاز له، فلا يلزمه أن يخرجه ولا أن يعلم وارثه إذا احتضر، إنَّه جدار لجاره، وإن غمي عليه خوفًا أو ذعنا بعريش.
ومن قال لجاره: اجعل مجرى الميزاب على سطحك، وقال نعم، فجعله ثمَّ مات، فليس لوارثه نقضه ما قام، فإذا زال فلا يجد تجديده إلاَّ بإذنه، وما ثبت الأوَّل في محلِّه فله تركه وإصلاح عيوبه بلا إذن الوارث، ما لم يزل منه، إلاَّ إن كان في إصلاحه زيادة الضرِّ على ربِّ السطح، وإن انخرق الميزاب إلى المنزل أو من الجدار، لم يكن له أن يصلحه، كما كان إلاَّ بإذن الوارث، لأنَّه زال منه بعض ما كان فيه أوَّلاً، فليس له
__________
(1) - ب: - «إنَّ». (7/110)
صفحة 3175
زيادته إلاَّ بإذنه، وإن اختلف ربُّ الميزاب وربُّ البقعة فيما يجعله فيه قُبل قول ربِّها، وإن قامت بيِّنة لمدَّعي ثبوته في هذا الجدار ولم يعرف ربَّه ولا من عليه المجرى أين كان الميزاب، ولا يدعي في محلٍّ، فإذا لم تشهد البيِّنة بالمجرى بطلت شهادتها، إلاَّ إن عيَّنت محلَّه، وإن شهدت أنَّها رأت ميزابًا في هذا الجدار، وماؤه يجري إلى هذا الموضع، لم يثبت المجرى بها، إلاَّ بتجديد موضع الميزاب منه.
ومن طلب إلى قوم مسقى في أرضهم، وزرع عليه، وسقى شربتين أو ثلاثا، وغيَّروا عليه، وهدموا مسقاه، قال: وإذا زرع وأجرى الماء فيه فلا رجعة لهم عليه، إلاَّ إن كان عارية فلا يجدون منعه أيضًا حتَّى يحصد، وإن فسد عليه، فقيل: إذا لم يجد غيره، فلهم عليه قيمته، إن كان عارية، وإلاَّ ثبت لهم عليه بلا ثمن.
ومن أعار رجلاً بقعة فبنى فيها بناء فأراد إخراجه، قال فإذا بناه بسبب فله أن يأخذ من ربِّها قيمته قائمًا بلا أرضه، أو يخرجه منها ولا شيء له، ووجهه أنَّه تقوم العمارة مع أرضها، ثمَّ الأرض بدونها، ثمَّ ينظر الزائدَ عن قيمتها بلا بناء، وإن أعاروه أرضًا فزرعها، ثمَّ طلبوا قلع زرعه فلا يجدونه حتَّى يحصده إن كان حبًّا، وإن كان ما زرع كنخل أو كرم ونحوهما، فله أن يأخذ قيمته قائمًا بها، أو يقطعه (1).
ومن أعطى رجلاً يبني في أرضه نقصة لجدار فبناها، فلا يكون ذلك عطية لموضعها حتَّى يسمي له بها لموضعها، وله أن يرجع فيه (2) إلى أن يقع الجدار أو النقصة إلاَّ إن أعطاه أن يبنيها إلى أن يقع فله ذلك إلى أن يقع، ثمَّ ليس له أن يرجع ولا على الباني تحويل النقصة قبل أن يطلبه ربُّ الأرض، ولا للمعطي تجديدها إن وقعت إلاَّ بإذن ربِّ الأرض، وإن مات المعطى له فلوارثه تجديدها بدونه، حتَّى يعلم أنَّ موروثه فعل ما لا يجوز له، لأنَّه أدركها كذلك، وإن علم أنَّه أعطي ليبني عارية، فلا يجدِّدها إن وقعت إلاَّ بإذن ربِّ الأرض.
__________
(1) - ب: لعلّ «يقلعه» عوض يقطعه.
(2) - ب: + «عليه» ويبدو أنَّه وهم. (7/111)
صفحة 3176
فصل
من استعار دابَّه ليركبها إلى معلوم، فله في التعارف أن يحمل عليها زاده وماءه ورحله، إلاَّ إن فحش الحمل، فليس له أن يستعملها لغير ما استعارها، وإن أخذت منه، أو سخرت عليه، فعليه أن يطلبها إن رجي فكاكها، ما لم يخف ما يهلكه في نفسها، وضمنها إن تركها قادرا على تحصيلها، لا إن عجز عنه.
أبو صفرة: من استعار متاعًا جاز لك أن تستعيره منه؛ لأنَّك لا تدري ما رخِّص له فيه، فإذا عطبت غرمها الأوَّل، وقيل: كلاهما إن علم أنَّها عارية، وقيل: على الأوَّل ضمانها إن كان ثقة، لا على الأخير.
ومن استرهن في العارية رهنًا وقبضه فضاع أو ضاعت، فلا ضمان على المرتهن، ولا على [581] المستعير، إلاَّ إن شرط المعير ردَّها وضمانها؛ وإن أخذ الرهن بضمان ذهب بما فيه؛ وإن كان المرتهن صبيًا أو عبدًا فضاع، فعلى المعير ضمانه لا عليهما في العارية، ولو شرطه عليهما المعير، إلاَّ إن أرسله في ذلك، فيلزم المرسل لهما.
أبو المؤثر: ليس لأحد أن يستعير من مستعير إلاَّ إن كان ثقة، وقال إنَّ المعير أذن له أن يعير. أبو عبد الله: يسعه إن كان ثقة.
أبو سعيد: هل يجوز لأحد أن يستعير منه ما بيده إذا علمه عارية؟ فقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا، وقيل: يجوز إن كان ثقة، وإن استعارها على قول منها فتلفت في عمله، فلا يضمنها عند المجيز، إذا لم يتعدَّ، وضمنها عند المانع مطلقًا؛ فمن ألزمه ضمانها ألزمه ردَّها إلى صاحبها الأوَّل، وإن بقيت سليمة فله ردُّها إلى من شاء منهما.
وإن باع المستعير ما استعاره فقد حكم موسى للمعير أن يأخذه من مشتريه، ويرجع هو على البائع، فعابوا عليه، وقيل له: إنَّ أبا الحرِّ يفتي بخلاف ذلك، فلم يخالف موسى، إلاَّ أنَّه لم يطب بذلك نفسًا، وأتمَّ غيرُ موسى البيع، لأنَّ المعير أمنه، ويرجع عليه، ويأخذ منه المِثل، ولا سبيل له على المشتري. (7/112)
صفحة 3177
أبو عبيدة والربيع: على المعير أن يمكِّن منه المشتري فيحاكمه، ثمَّ له أن يأخذ متاعه، ويرجع المشتري على المستعير؛ وأجاز هاشم بيعه، ويأخذ منه المعير المثل (1).
الشيخ عثمان: إن قدر المعير على أخذ متاعه من مشتريه، فلا يجده حتَّى يجمع بينه وبين البائع، فيختصما فيأخذه حينئذٍ، وقيل: يفديه إن شاء، وإلاَّ فلا يأخذه إلاَّ إن جمع بينهما.
فصل
من استعار عارية لمعروف فعمله ثمَّ غيَّره، فعليه أجرة ما زاد عنه؛ وإن ضاع منها شيء في عمل ما أعيرت له ثمَّ عمل بها غيره، فإذا لم يتعدّ وعيبت من غير أن يحملها، ما لم يحمل على مثلها، فلا عليه، إلاَّ إن عيبت في استعمالها في غير ما أعيرت له.
ابن محمَّد: من استعار دابَّة لركوب أو حمل، أو حديدة لعمل، فطلب إلى رجل يمسكها له، ليركب أو يحمل، أو قال له: ناولنيها لأعمل بها كذا؛ فهل له أن يمسكها له، أو يناولها له، إذا قال له إنَّه مستعيرها؟ قال: نعم، على هذه الصفة ولا ضمان عليه.
ومن استعار جرَّة خلٍّ ليطرحه فيها، فلا رجعة لمعيرها عليه، حتَّى يحمض ويفرغ منها كالمعتاد، وكذا إن مات المعير وقد طرحه فيها، فلا تنزع منه ولو كان وريثه يتيما، وعلى المستعير أن يسعى في إفراغها، ولا يحبسها أكثر من المعتاد، ولا يعيد فيها ثانية إلاَّ بإذن، ولا يدفعها بعد الفراغ إن كان الوارث يتيمًا إليه - بل إلى وصيه أو وكيله -.
__________
(1) - ب: «مثله». (7/113)
صفحة 3178
وإن استعار دابَّة لمعنى، فحمل عليها غيره، لم يجز له وضمن؛ فإن طلبها ليحمل عليها عشرين، فحمل ثلاثين لم يجز، وليس له أن يزيد حملاً على المحدود، وضمن إن زاد.
وإن استعار سيفًا، فقال له رجل أرنيه، فأبرز ماله فعطب، فإنَّه يضمنه، إلاَّ إن أذن له أن يبرزه لمن ينظره ويقاتل به، وإنَّما يضمن إذا خالف؛ وإن قال: ردَّه إلى غدٍ، فردَّه إليه في يومه فتلف، فلا يضمنه إلاَّ إن قال له: لا تردُّه اليوم فخالف، ففي ضمانه بهذا تردُّدٌ، لأنَّه إنَّما ردَّه إليه فيه، ليتخلَّص منه شفقة عليه، قال: ولا أراه يضمن، إلاَّ إن قال له: أخاف إن رددته اليوم، أُخذ منك أو منِّي، ولا تأتيني به فيه، فحينئذ يضمنه.
ومن عنده كتب ومات، فقال رجل لورثته - وفيهم أيتام -: أخرجوها لأنظر الذي لي منها، فليس له أخذه في الحكم، لأنَّه مدَّعٍ لنفسه، ولو صدُّقه البلَّغ أو غيرهم، أو كان ممَّن لا يدَّعي باطلاً؛ ولا تجوز إزالة مال الأيتام بلا حكم، فإن قال: ضمّنوني الكتب إلى بلوغهم، أو حلّفوني عليها، وأخرج علامتها، فليس له ذلك فيه، إلاَّ إن أقام على ذلك بيِّنة، أو قدر على أخذها خفية، فله ذلك ولو كانت عنده بيِّنة، وليس للورثة أن يخرجوا الكتب بمحضره، حتَّى يحضر ببيِّنته عند الحاكم، فيقيم للأيتام قائمًا بحجَّتهم، ثمَّ يحكم له بها، وليس للورثة دفع ذلك إليه بلا حكم. (7/114)
صفحة 3179
الباب السابع
في الهدية
وقد روي: «تهادوا تحابوا، فإنَّها تذهب الشحناء، وتثبت المودَّة، وتجلب السمع والبصر»؛ وقد قبلها صلَّى الله عليه وسلَّم، وحلَّت له إلاَّ الصدقة، وجازت بين الجيران، والأرحام، والإخوان، والأجنبيين؛ فكلُّ من أهديت إليه لصلة أو صدقة بطيب النفس، جازت له، لا إن كانت لرشوة أو لتقية (1). فإن شرَّ الناس من يكرم مخافة شرِّه، أو لإعانة على ظلم.
ومن أهدى هدية ليكافى بأكثر منها لم يضاعف له عند الله أجر، وإنَّما تضاعف إن كانت قربة، وتأوَّل قوله تعالى: {ومآ آتيتُمْ مِنْ رِبىً ... } الآية، بمن أعطى ليعطى أكثر.
وجازت الهدية ولو بين بارٍّ وفاجرٍ، وغني وفقير، إذا قصد بها [582] اللهَ، أو المكافأة بالإحسان بمثلها.
ومن أهدى لسلطان يدافع شرَّه بماله جاز له.
وخروج الهدية من يد المعطي هي - قيل - وصولها، وقيل: قبضها وعليه الأكثر؛ وإن مات المهدى إليه قبل أن يقبضها فهي لمهديها، وفي ضمان حاملها حتَّى يردَّها إليه.
وإن أهدى فقير إلى غني، فله قبول هديته، وندب له أن يكافيه، لأنَّه لا يكاد يهدي له إلاَّ تعرُّضًا لمكفاءته، إلاَّ إن سبق بينهما التعارف، أو اطمأنَّت نفسه أنَّه لا
__________
(1) - ب: «تقية». (7/115)
صفحة 3180
يريد إلاَّ الله؛ وبعض كره هديته لغني، وألزمه مكافأته، أو الإيصاء بها إن لم يكافيه في حياته؛ وقيل: للغني أن يقبلها ويكافيه، أو يردُّها؛ وبعض ألزمه القبول والمكافأة، قال خميس: وذلك عندي من طريق حسن الخلق لا على الوجوب؛ وبعض كرهه ولم يوجب المكافأة عليه إلاَّ ندبًا.
ومن أهدى هدية وفي نيته أن يكافى بأكثر منها لم يجز له، فأوجب عليه بعض ردَّ الزيادة عمَّا أهدى، ولم يوجبه بعض.
ومن أهدى إلى عامل، فردَّ عليه أفضل ممَّا أهدى، جاز له إن لم يكن حرامًا، ومن قبل الهدية ثمَّ ظنَّها لغيره، فردَّها على المُهدي، فلا رجعة له فيها، وهي للمهدى إليه، لأنَّه قد قبضها.
وعن عمر بن العزيز: «كانت الهدية لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم هدية، وللأمراء بعده رشوة»، ولم يقبل هدية مشرك، وقال: «من أسدى إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا فأثنوا عليه خيرًا، ومن ستر هدية فقد كفرها».
وجاز قبول هدية من عبد أو صبي، حتَّى يعلم أنَّها من عندهما، وقيل: لا، حتَّى يقولا إنَّهما أُرسلا بها؛ وقيل: لا يجوز إقرارهما بذلك؛ وقال الفضل: قد أهدينا إلى أهل الورع مع الخادم فقبلوا، وقد عرفوه لنا؛ قلت: والأظهر الجواز مع سكون القلب، وظهور القرائن. (7/116)
صفحة 3181
الباب الثامن
في الصدقة
وقد اختلف في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «اليد العليا خير من (1) السفلى»، فقيل: العليا المعطية، والسفلى الممسكة عن الصدقة (2)، وقيل: القابضة لها.
أبو عبد الله: من تصدَّق على رجل بمالٍ فلم يقبل؛ فإن أراد الله ترك الصدقة بحالها، وإن كان فيه ثمرة فليحفظها، فإن قبلها دفعها إليه، وإن مات قبل القبول قبض لوارثه، ولا يدفعه إلى الفقراء.
أبو الحواري: إن قاله أبو عبد الله قبل قوله، ولم يصح عندنا ذلك، ونقول: إذا لم يقبلها دفعها إليهم غيره، حدث الخلاف في القولين؛ فقيل: يتصدَّق بها على غيره، وقيل: هي له ولا رجعة له فيها.
ومن تصدَّق على من لا تجوز له الصدقة، فليس بشيء عندي، أبو الحواري: وماله راجع إليه، أبو سعيد: من نوى أن يتصدَّق على معلومين، فعليه إتمامه عند بعض، والصحيح أنَّه لا يلزمه حتَّى يدخل في العمل، وإن أمر بشيءٍ وفصل من يده، فهو ماله حتَّى يصل الفقراء، وإن كان فصله منه تسليمًا إليهم، أو إلى من يؤدِّيه إليهم، فهو لهم، وزال من ملكه.
ومن قال لأحد: أعط فلانًا كذاَ، أو ادفعه إليه، أو سلِّمه؛ ضمن له ما سلَّمه إليه بأمره، إلاَّ إن قال له: تصدَّق عليه، أو هب له، أو نحوهما ممَّا يؤدِّي معنى الصدقة؛
__________
(1) - ب: + «اليد».
(2) - ب: - «عن الصدقة». (7/117)
صفحة 3182
فظنَّ أنَّه يأمره على وجه الضمان، فذلك إلى العلماء، فما خرج بمعناها فصدقة، وما خرج بعناه فضمان، ولا ينفعه جهله.
ومن وجَّه مع أحد ما يؤدِّيه لفلان، وقال له: إنَّه له فأعطه إياه، فقد صار له؛ ومن طلب أحدًا، فحمل له حباًّ أو تمرًا، فلم يجده، فإن وصله بنفسه، فهو للطالب حتَّى يصله، وإن كان الحامل له غيره، فقيل: إنَّه له أيضًا.
ومن قضى حاجة أحدٍ لله، فله ثوابه، ولو أكره نفسه على قضائها.
ومن سأل أحدًا حاجة، فوعده ثمَّ أخلف، فقيل: إنَّه منافق إن لم يتب.
ومن جمع لفقير دراهم، فلم يمكنه أو لم يجده، فإن شاء حبسها له، وإن شاء ردَّها على من قبضها منه، وإن غاب وأرادها له فسواء، وله أن يتركها له أبدًا، ويوصي له بها، أو يفرِّقها إن أيس منه.
ومن أتى بصدقة إلى فقير، ففرغ بابه أو فتح، فطرحها في بيته، فإن كان لإدخال الإحسان إليه، جاز له، وله أخذها إذا وجدها في بيته إن سكنت نفسه، ولا عليه في تركها إن رابها، وقيل: يسعه أخذ ما وجده فيه من حبٍّ، إن أمكن دخول أحدٍ به إليه، ما لم يرتب أنَّه لغيره.
ويوجد أنَّ عمل السرِّ يضاعف على عمل العلانية بسبعين، وعكسه، ومعناه قال أبو سعيد: ما يتأسَّى به فيه فإظهاره أفضل، وستر الصدقة أفضل لقلَّة التأسِّي فيها إلاَّ لموفق. أبو الحسن: من تصدَّق بها أو بزكاة، ونفسه تأباها، فهل يشفع بها؟ قال: المؤمن ينتفع بفضل الله عليه، ونفسه طيِّبة بها، لأنَّه يعلم أنَّ الله منَّ عليه بها، ولو عرضه الشيطان، ولا يقدر على القلوب، ولا يصلحها إلاَّ الله سبحانه؛ والمنافق لا ينتفع بها، إلاَّ إن تاب، أو تعجَّل له منفعتها في الدنيا، لما يقال: لا يذهب عند الله إحسان المحسنين. ويصدِّق ذلك ويكذِّبه النيات.
أبو سعيد: من تصدَّق بشيءٍ لله ولو لازمًا، فلا يجوز له انتفاع به، إلاَّ إن ردَّه إليه بإرث أو شراء، لا بهبة أو نحوها، وجوَّز بأيِّ وجهٍ ردَّ إليه؛ ومن تصدَّق على أحد (7/118)
صفحة 3183
بما عنده له، ولم يعلمه فهو ضامن له، إلاَّ إن كان يتيمًا أو مجنونًا، فاحتسب له به؛ ومن تصدَّق على أحد بجزء من ماله أو داره، كثلث أو ربع جاز له، ولو لم يقبضه. (7/119)
صفحة 3184
الباب التاسع
في اللقطة وتعريفها وما قيل فيها
ابن عباس: لا ترفعها من الأرض؛ وكذا ابن عمر، وقال: خيرها بشرِّها كعكسه، وكره جابر أخذها من الطريق؛ وكان شريح يمرُّ بالدراهم فيها ويدعها؛ وأباح الشافعي أخذها، قال: فمن التقطها فهلكت منه بلا تعدٍّ، فلا يضمنها، والقول قوله فيها مع يمينه [583]؛ وروي: من وجدها فليشهد عليها، ولا يكتمها، ولا يغيِّرها، ولا يضيِّعها، فإن جاء صاحبها، وإلاَّ فاستبقوها، وفي خبر: فأسمع بها، فإن جاء وإلاَّ فهو رزق (1) ساقه الله إليك، وهذا إن كان فقيرًا.
وقال عمر وابن عباس وعائشة وابن المسيِّب وابن حنبل في لقطة مكَّة هي كغيرها، وقيل: لا تحلُّ البتَّة، ولا نهاية لإنشادها. واختلف في قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «إلاَّ لمنشِدها»، فقيل: إلاَّ لمسمع بها، يأخذها ليردُّها لصاحبها، وقيل غير ذلك؛ ونهى عن لقطة الحاج.
الربيع: يكرهون أخذ كلِّ لقطة؛ أبو سعيد: اختلف في موجودٍ ضائع، فقيل: تركه أفضل، وقيل: أخذه، وقيل: واجب لحفظه لمن قدر عليه. 0
أبو الحسن: على المسلم حفظ مال أخيه، ولا يدعه يضيع إن قدر عليه، وإن تركه ضمن، وقيل: لا حتَّى يرفعه، والأوَّل أشبه، وإن أحدَّ النظر إليه فأبصره غيره فأخذه ضمن، إلاَّ إن علم أنَّها صارت إلى ربِّها، أو فرَّقها، أو كان ثقة؛ وإن رفعها ثمَّ ردَّها بمكانها، ولم يدلَّ عليها، فقيل: يضمنها، وقيل: لا، إلاَّ إن تغيب بها قدر ما لو جاء صاحبها يطلبها لم يجدها، فحينئذ يضمنها اتِّفاقًا؛ وإن مسَّها ولم يرفعها لم تلزمه،
__________
(1) - ب: «وإلاّ فرزق». (7/120)
صفحة 3185
ويلزمه ما استعمله كحصير إن قعد عليه؛ وقال الشيخ: من أخذها لنفسه ضمنها، ولو نوى ردَّها لربِّها، وكذا من أخذها غافلاً، لأنَّ الخطأ في المال لا يزيل الضمان، ولا يأثم إن لم يتعدَّ؛ ومن أخذها ليحفظها على ربِّها، {فما على المحسنين من سبيلٍ}؛ وإن ضاعت عند لاقطها، فلا عليه إن أخذها على ذلك، إلاَّ إن تعدَّى فيها.
أبو الحسن: اختلف فيها، فروي: عرِّفها سنة، فإن جاءك مدَّعيها بوصفِ عِفاصها ووِكائها، فهي له، وإلاَّ فانتفع بها؛ وقد مرَّت حكاية لقطة زيد بن ثابت، وأجمعوا على أن ليس لغني أخذها، وعن عمر في مدَّة التعريف روايات، فقيل: سنة، وقيل: ثلاثة أشهر، وقيل: أيام، وأكثرها سنة.
وروي إن لم يأت ربُّها بعدها جُعلت في بيت المال، أبو المؤثر: تعرَّف على قدرها، أبو سعيد: ما قيمته ثلاثة دراهم فصاعدًا عُرِّف سنة، والدرهمان شهرين، والدرهم شهرًا، أو قيل سنة، وإن قلت؛ وقيل: ثلاثة أيام؛ وإن كثرت؛ وقيل: إن رجى لها طالبا بعد السنة، فلا يعجل في تفريقها، وقد عرَّفها أبو نوح ثلاث سنين، حتَّى جاء صاحبها.
والتعريف يكون في المجامع كالأسواق، والمساجد، وحيث يرجى فيه انتهاء الأخبار؛ وندب إلى الملتقط أن يجتهد فيما يوصله إلى معرفتها؛ ومان عمر يشدِّد عليه في أمرها، ويأمره أن يوافي المواسم في تعريفها؛ وابن عباس ومالك والشافعي يأمرون به على أبواب المساجد، وفي الأسواق، والجماعة كما مرَّ.
واختلف في الدراهم، فقيل: إن كانت في خرقة دفعت إلى آتٍ بعلامتها، وإلاَّ وجاء طالبها بما تعرف به، مثل سكَّة كذا مكتوب فيها، أو قل هو الله، أو بها شقٌّ في كذا، فقيل: إنَّ ذلك علامة، وقيل: لا؛ وإن قيل: فيها خيط أحمر، أو أسود، أو خرقة صفتها كذا، دُفِعت إليه إن وافقت.
وفي كون الوزن علامة قولان، وقيل: حتَّى يجمع مع العدد والعلامات، وهو أبعد من الريب. (7/121)
صفحة 3186
واختلف في مثل المدية والسيف إذا كان فيه ما يعرف به، كثلم في كذا منه، أو كتابة، أو نحوهما، فقيل: علامة، وقيل: لا، إلاَّ الوعاء والوكاء؛ وقيل: إذا جاء بعلامة تكون فيه سرًّا مثل أنَّه لا يقدر على وصفه، أو لا يعلمه إلاَّ مالكه، وليس شاهرًا فيه، فيعرفه الكلُّ، وقيل: إذا كان بهذا كان علامة.
واختلف في الثقة إذا ادَّعى لقطة، فقيل: إذا وصفها دفعت إليه على التصديق، ولا تدفع لغيره إلاَّ ببيِّنة، لأنَّها مال، قيل: تدفع بدونها، لأنَّ السنَّة خصَّتها بهذا الحكم دون سائر الأموال.
فصل
من التقط مالاً يبقى إلى مدَّة التعريف، أو لا يوصل إلى معرفتها بعلامة، كلقطة من عين أو عسرة، من صوغ أو سبيخة أو ما لا علامة له، فعلى الحاكم النظر لصاحبها، وأن يفعل ما فيه أصلح له، وكذا على الإمام إذا انتهى إليه أمرها؛ ومن وجد دراهم منتثرة، فله أخذها وتفريقها من حينه، ولا ينشد بها إذ لا علامة لها.
وإذا أبصرت جماعة لؤلؤة، فسبق إليها أحدهم فأخذها فله، ولا عليه أن يشركهم فيها، إلاَّ إن خرجوا على اشتراك فيما أصابوا.
ومن لقط ثوبًا مهذَّبا أو مصبوبًا، أو قال طالبه: فيه كذا، فكان كذلك، فذلك علامة له، وإن قال: فيه خرق في كذا، وكان كذلك، اختير أنَّه علامة إذا لم يستر به من هو في يده.
ومن لقط قلادة لؤلؤة فيها حبَّة من ذهب أو مرجان أو نحوهما، فذلك علامة، ويقع التعريف على الثياب والعبيد، لاختلاف ألوانها، وكلُّ مختلف بلون، أو صفة، أو وزن، أو درع، وأدركت معرفته جاز تعريفه. (7/122)
صفحة 3187
وإذا ظفر الإمام بلقطة بيد من لا يؤمن عليها، فله نزعها منه، وجعلها بيد ثقة، إلى انقضاء وقت تعريفها، فإن لم يصحُّ لها (1) ربٌّ، رُدَّت إلى ملتقطها إن كان فقيرًا، وإن كان غنيا تصدَّق بها الإمام.
ولم يوجب الضمانَ أحدٌ على ملتقطها، إذا تصدَّق بها، بعد استقصائه في طلب ربِّها سنة أو ضعفها. ومن لزمه ضمان أموال الناس، لا يعرفهم من تجر أربى فيه أو معاملة بجهل ثمَّ تاب، قال وائل: فعليه أن يتصدَّق بها، ولا ضمان عليه بعده، والصدقة باللقطة أيسر من هذا في العذر، إلاَّ إن صحَّ ربُّ أحدهما، فله إمَّا الأجر أو المثل، قال: ويدلُّ ما قلنا ما فعله الحضرمي لمَّا ظهر على اليمن، واستولى على خزائن السلطان التي جباها على وجه الخراج من أموالهم، واختلطت ولم [584] يعرف لها ربًّا، فتصدَّق بها ولم يلزم نفسه ضمانها، ولو اعتقده ما قصد إلى إتلاف أموال الناس، على أن يلزم نفسه الضمان.
وما روي عن علي لمَّا هزم طلحة والزبير، قصد إلى ما جبياه من أهل البصرة على وجه الخراج، وفرَّقها على أصحابه - وهم اثني عشر ألفًا - فحصل لكلٍّ خمسمائة درهم، فلا يمكن - مع علمه - أن يفرِّقها عليهم، وهو يعلم أنَّه يتعلَّق عليه ضمانها، فلمَّا جعل ذلك في عزِّ الدولة كالزكاة، علمنا جوازه كاللقطة.
أبو سعيد: أكثر ما قيل فيها أنَّها تباع بالنداء، ويتصدَّق بثمنها، فإن لم يكن محلُّه سيمت في المجامع، وأجاز بعض الصدقة بها بعينها، ولم يجزه بعض؛ ومن التقطها من بين القُرى، فإنَّها تعرَّف في الأقرب إليها، وأقرب الأحياء، وما سقط من السيارة كالعصى، والخيط، والحبل، والخرقة، ونحوها ممَّا لا يُرجع إليها، فلا بأس - قيل - بالانتفاع به إذا كان في القفار، كالطرق البارزة من القرى (2) إن كان ممَّا يسوى
__________
(1) - ب: «له».
(2) - ب: - «من القرى». (7/123)
صفحة 3188
درهمًا أو أقلَّ أو أكثر، وقيل: إذا عرف صاحبه لا يجوز أخذه، وقد أجازوا لقط التمرة والسنبلة في البلد.
أبو سعيد: أكثر ما وجد في المتروك أنَّه يجوز أخذه إلى قيمة درهم، إن كان ممَّا يرجع إلى مثله، وقيل: إلى نصفه؛ ومن بيده عشرة دراهم ينقدها، فسدعه سادع، فسقطت منه، فلقطها فوجد فيها زيادة، فإن علم أنَّها ليست من دراهمه فلقطة، وإن غلب على ظنِّه أنَّها منها، وأنَّه غلط فيها قبل، فهي له، فإن صحَّ أنَّها لا منهاـ فعليه ضمانها، فإن أتلفها بلا مقاسمة ضمن الزائد، فهو والعثرة مشتركان.
وإن ضاع لامرأة قرط، ثمَّ ظهر بيد رجل، وقال إنَّه لقطة من سماد في قطعة لمدَّعيه، فهل لمن عرفه أخذه؟ قال: إذا لم يشتبه عليه، وبلغ إليه جاز له.
وإن لقط ضعيف مدية لم يجز لك أن تستعيرها منه إذا علمت، وإن أخذتها من لاقطها لزمك ضمانها حتَّى يدفعها لربِّها، فإن عرفته، وإلاَّ فللفقراء، وإن أعطاها لا قطها لهم برئت إن كان ثقة، أو علمت بذلك، وإلاَّ ضمنتها حتَّى يتخلَّص منها، وما يدريك أنَّه لم يعرِّف بها، حتَّى يقبضها من يده. (7/124)
صفحة 3189
الباب العاشر
في تسليم اللقطة
فمن اشتراها من غني غير ثقة، فلا يدفع إليه الثمن ويضمنها، ولا يجوز له أن يفرِّقها والبائع حيٌّ، وقيل: يرفعها إلى الحاكم، حتَّى يأخذ الآخر وثقةٌ معه، ثمَّ يأمره بالتسليم إليه، ويأمر الآخر بالتفريق، ومن أتى بشيءٍ يبيعه، ويقرُّ أنَّه لقطة، وأنَّه عرَّفه، فلم يعرفه أحدٌ، فقيل: يجوز شراؤه منه، وقيل: لا، وقيل: إذا باعه بعد أن عرَّفها، فلا تكن أجرة البائع منها، لأنَّه لو أعطاها بعينها أجزاه.
وإن سار رجلان في طريق، وكلٌّ يتولَّى الآخر، فإذا بثوب، أو نعل، أو غيرهما ملقى فيها، فقال أحدهما لصاحبه: إنَّه لي، قال أبو محمَّد: لم أحفظ فيه شيئًا، وقال غيره: أجاز ذلك بعض، وكرهه بعض.
واتَّفقوا على أنَّ من التقط ما له أمارة، فعليه تعريفه كما مرَّ؛ واختلفوا في دفعه، فمنعه بعض إلاَّ ببيِّنة، مع دعوى مدَّعٍ له بأنَّه مالٌ، وقال الأكثر وعليه العمل: إنَّ اللقطة مخصوصة بحَكم - كما مرَّ -، وقد أمر بدفعها إلى مدَّعيها بعلامتها، وهو وعاؤها وكاؤها؛ وقيل: عفاصها، فكانت موجبة لدفعها، وقائمة مقام البيِّنة، وخصَّت بهذا الحكم.
فالاقتداء بأمر الرسول أولى من تأويل من لا يؤمن عليه الغلط، وإن طلبها اثنان وأتيا بعلامتها وقعت الشبهة، ولا تدفع هنا إلاَّ ببيِّنة اتفاقا وإن دفعت بعلامة ثمَّ صحّت بيِّنة أنَّها لغير من دفعت إليه بها ضمنها الدافع إليه لا إن أتى بعلامة أيضا، ومن تمّ ضعف القول بأنَّها لا تُدفع إلاَّ ببينة (1)، وجاز للقيطها أكلها بعد تعريفها إن
__________
(1) - ب: وقع انتقال النظر إلى الأسفل قدر سطرين في كلمة «بينة». (7/125)
صفحة 3190
كان فقيرًا ولوارثه كذلك، وإن لزمت فقيرًا زكاة ماله وعزلها منه، لم يجز له أكلها ولو افتقر بعد، وقامت بيده، ولا لوارثه إن مات قبل أدائها.
ومن لقط ثوبًا وعرفه ولم يجد له ربًّا، فله أن يدفعه لفقير أو لأكثر، أو يبيعه ويفرِّق ثمنه عليهم، وله أن يشترط عليهم ردَّها إن بان ربُّها بعد تفريقها إن قامت، وقيمتها أو مثلها إن أكلوها، وإن تعذَّر ارتجاعها منهم بإعسار أو غيبة أو موت، ضمنها مفرِّقها، ويعطى منها فقير بقدر مالا يستغني به كالزكاة، وهو أقلُّ من النصاب، إلاَّ إن أعطي ابتداء أكثر.
وأجمعوا أنَّه إذا جاء طالبها بعد موت لاقطها، دفعت إليه إن قامت بعينها، وقدرها من مالها إن فرَّقها، ولا عليه إن ضاعت بلا خيانة منه.
ومن دفع إليه لقطة، يفعل فيها ما يراه العلماء، فاستعملها بلا اعتقادها لنفسه لفقره، ضمن ما استعملها لا إن اعتقدها كذلك، وقيل: يضمنها.
ومن وضع عند أحد شيئًا وقال له: إنَّه لقطة أو سرقة، قال أبو الحسن: إذا صدَّقه أو علم صدقه، فإمَّا أن يردَّه عليه، وإمَّا أن يتخلَّص منه لربِّه إن كان سرقة؛ وإن كان لقطة ردَّه إليه، وأمره بما يلزمه فيها، أو استأذنه في إنفاذها.
ومن لقط ماله علامة، فعرفه بقدره، فله - قيل - أن ينتفع به إن كان فقيرًا، وقيل: لا مطلقًا؛ ويدفعه للفقراء بعد ثبوت الضمان عليه؛ وإن بان له ربُّ خيِّر بين الأجر والغرم، واختلف في الإيصاء به بعد تفريقه، فقيل: يلزمه ولو لم تكن له علامة، وقيل: إن كانت له، وقيل: إن انتفع به ولم يفرِّقه (7/126)
صفحة 3191
[585] الباب الحادي عشر
في اللقطة في المنازل والأرض والشجر والأنهار
فمن لقط من منزل قوم شيئًا، فحكمه أنَّه لهم إن كانوا فيه، إلاَّ إن أنكروه، أو علم أنَّه ممَّا لا يملكونه، فلقطة.
ومن له منزل تداوله السكَّان، ثمَّ سكنه هو فوجد فيه مالاً، فقيل: إنَّه لآخِر ساكنٍ فيه، أو لوارثه، لا له هو، وقيل: لقطة؛ وإن ورث هذا المنزل إرثًا، فوجد فيه دفينًا، فقيل: إنَّه لآخر ساكن فيه، والأكثر أنَّه لمن صحَّ أنَّه له، وإلاَّ فلقطة؛ ومن وجد بمنزله دراهم لا يعرف أنَّها له، قال عزَّان: إنَّها كلقطة، إلاَّ إن وجدها على حصير أو نحوه ممَّا يمكن أنَّها سقطت عنه عند الوزن، قال: ولا أرى له منها شيئًا إن كانت كثيرة، إلاَّ إن عرف أنَّها له، دخله المنزلَ بإرث أو شراء.
ومن وجد دينارًا فوق بيته فلقطة، إلاَّ إن كان لا يطلعه إلاَّ بنوه؛ ومن سكن بيته فوجد فيه ما يملك مثله، فقيل: له ما لم يرتب فيه. وقيل: لقطة حتَّى يصحَّ له.
وإن وجد دراهم في جنانه فلقطة، لأنَّه ليس محلاًّ لحفظ دراهمه، ويقف فيه غيره، وتقع منه فيه أيضًا، وكذا في طَوى وبستان، ومن قال لرجل: في هذا الموضع مائة دينار أو مال لك فجده، فوجد فيه ذلك، فلا يحلُّ له أخذه إلاَّ بالصحَّة أنَّه له، أو كان بيد القائل، وأقرَّ له به، وإلاَّ لم يقبل قوله، وكذا إن كان في منزله، وقد سكنه، فإنَّه يقبل قوله فيه، وإن كان في أرضه فليست كالمنزل إذا أبيحت للناس.
ومن وجد كنزًا في بيته أو جنانه فلقطة، أبو عبد الله: إن وجدت في أرض قوم دراهم وهي في أيديهم، وادَّعاها غيرهم، فهي لمن كانت الأرض بأيديهم، إلاَّ إن بيَّن (7/127)
صفحة 3192
أنَّ الأرض كانت له؛ وقيل: إن كانت مباحة لم تسكن، فما وجد فيها فلقطة، كمشترٍ أرضًا وجد فيها دفينًا، أو لقطه من فلاة، أو من أرض قومٍ، أو منزلهم إلاَّ إن أتوا بعلامة، وقيل: هو لآخر ساكن فيه.
وما وجده في بيت جرفه السيل، فصار أرضا لا يعرف له حدٌّ، ولم يعرف المحلّ لمن هو، فقيل: إذا وجده ظاهرا فيها وهي خراب، فلقطة أيضًا، وإن ثبت أنَّه دفين فيها فقيل: لقطة، وقيل: لآخر ساكن البيت، وقيل: لآخر ساكن يملك مثله.
أبو سعيد: إن أبيح الدخول في دهاليز البيوت والقعود فيها، فما لقط منها، أو من الدروب الكائنة بين الدور، يدخلها الرافعون والمشترون والسائلون، فكاللقطة؛ وإن لم تبح إلاَّ للرافعين أو الساكنين، كان كالملقوط من مسكونٍ وقدمٍ.
ومن سقط عليه شيءٌ من دار قوم فلقطة إن أخذه، إلاَّ إن صحَّ لأحد، وإن تركه في محلِّه ولم يأخذه، ففي الضمان عليه خلاف؛ وإن سقط عليه سقوط السيل كماء، أو سقوطًا يثبت، فإن رفعه ثمَّ وضعه فقد لزمه، وقيل: لا، إن لم يدلَّ عليه.
أبو الحسن: من لقط شيئًا من منزل أحدٍ أو أرضه، ظاهرًا أو دفينًا، أو من ظاهر البلد، من الرموم أو الجبال، أو الوديان أو الطرق، فإن كان يسكن منزله، وهو ممَّن يملك مثل ذلك وادَّعاه فهو أولى به، وإلاَّ فلقطة كما إن لقطه ممَّا ذكر ابن محبوب: من لقط كنزًا جاهليًا، وأشهد عليه غير عدلين فلا يحبس بذلك، وقد سلفت مسائل هذا الباب. (7/128)
صفحة 3193
الباب الثاني عشر
في لقطة صبي ومملوك به ومتعدٍّ
فلوالد الصبي التصرُّف فيما لقطه ما لم يعلمه حرامًا وتحلّ ما بيده فمحكوم له به ولا يقبل قوله إن أقرّ أنَّه لقطة أو غيرها، إن أقرَّ أنَّه لقطة أو غيرها، فإذا بلغ وقد تولَّد منه مال، فإنَّما عليه ضمان ما لقطه، والمتولِّد منه - ولو كثر - فله، ولو اتَّجر به بعد بلوغه، أو أبوه له قبله.
أبو عبد الله: يردُّه وربحه، فإن لم يعرف أهله تصدَّق به، وله في الربح عناؤه إلى بلوغه، وكذا غيرها.
وقيل: إذا وجدت لقطة بيد صبي، أخذها الإمام منه، ودفعها إلى ثقة يعرِّفها، فإن وجد لها ربًّا، وإلاَّ فالصبي أولى بها إن كان فقيرًا.
ومن أتاه عبده بدينار فقال: إنَّه لقطة، فلمولاه ولا يلزمه تصديقه، وكره للعبد أن يأخذ لقطة، لأنَّه متى رفعها فقد تعدَّى فيها، لأنَّه لو رجع إليها ربُّها وقد أتلفها لزمته في رقبته، ولا يلزم فيها إلاَّ الجنايات، لأنَّه ليس أهلاً للتمليك.
وكذا إذا ظهر الإمام على معروف بالتعدِّي على أموال الناس والخيانة لهم، وبيده لقطة، فإنَّه يأخذها منه، ويجعلها بيد ثقة يعرِّفها، فإذا لم يجد لها ربًّا ردَّها إليه إن كان فقيرًا، وإلاَّ تصدَّق بها الإمام. (7/129)
صفحة 3194
الباب الثالث عشر
في الضّالَّة
وقال صلّى اللَّه عليه وسلَّم: «لا يأويها إلاَّ ضالُّ (1)»، وأيضا: ضالَّة المؤمن حرق النار، والكفُّ عن أخذها خير من التعرُّض لها إذا لم يعرف لها ربًّا، وهي إنَّما تكون في الحيوان.
وقد سُئل عن ضالَّة الإبل فنها عن أخذها، والتعرُّض لها، فقال للسائل: «مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر حتَّى يجدها ربُّها». وفرِّق بينهما وبين ضالَّة الغنم لأنَّها تقدر على ما لا يقدر عليه الغنم، من الرعي والشرب، ولا يجوز أخذها اتِّفاقًا، وكان آخذها متعدِّيًّا اتِّفاقًا أيضًا.
وقال في ضالَّة الغنم: «هي لك أو لأخيك أو للذئب».
وقد روي في البقر أنَّ صحابيًّا أمر ببقرة لحقت ببقرة في الرعي أن تطرد عنه، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا يأوي الضَّالَّة إلاَّ ضالٌّ» فيحتمل أنَّ التي أباح أخذها من جملة ما توعَّد عليه من أخذ الضوال ما خرج من البلدان، وصار إلى حيث لا يصل [586] ربُّه إليه، ولا يرجع إلى ما خرج منه.
فمن وجد بعيرًا ضالاًّ فيما لا يقدر فيه على الورود ولا على الرعي وأخذه قصدًا إلى حفظه على ربِّه، فهو مطيع لله في فعله، لأنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم لم ينه عن أخذ مثل هذا؛ فإن تلف في يده على ذلك لم يلزمه ضمانه إن لم يتلف به، إذ لم يكن معه حذاؤها ولا سقاؤها اللذين من أجلهما منع أخذه والتعرُّض له.
__________
(1) - ب: «الضال». (7/130)
صفحة 3195
قال خميس: ولا يبعد أن يكون هذا البعير في معنى ضالَّة الغنم ونحوها. وقال عمر: «من آوى الضالَّة فهو ضالٌّ ما لم يعرِّفها»، فهذا يدلُّ على أنَّه إذا عرَّفها وحبسها على ربِّها كان مأجورًا.
وعن الزهري: كانت الإبل في أيَّام عمر مؤتلفة تتناتج لا يمسُّها أحد إلى أيَّام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن بان لها ربٌّ دفع إليه ثمنها.
واختلف في النفقة على الجمل إذا حبسه على ربِّه، ولم يجد نهوضًا بنفسه، فقيل: له ما أنفق عليه، وقيل: لا، لأنَّه متطوِّع، ولم يوكِّله ربُّه ولم يأمره بذلك وهو المختار.
أبو سعيد: من آوى ضالَّة فعلفها حتَّى سمنت ثمَّ جاء ربُّها، فقيل: له عناؤها إذا أخذها محتسبا لربِّها؛ وقيل: لا.
ومن رأى شاة مسلم حيث تتلف، فعليه حفظها، فإن تركها قادرًا عليه ضمنها، وإن كانت حيث لا ترجع إليه، وخاف تلفها فله أخذها، فإن عرف لها ربًّا سلَّمها إليه، وإلاَّ فهي في حفظه حتَّى تموت، وله أكل لبنها بعلفها؛ فإن وجدها في البلد أو حيث ترجع إلى ربِّها فأخذها، سرحَها إذا أصبح لترجع إليه، إذ لا يجوز حبسها حيث يقدر عليها ربُّها.
ومن آوى غنمًا فماتت أو سرقت، أو أكلها سبع، لم يلزمه ضمانها، ومن وجد شاة وأراد أن يتبرَّأ منها وقد تناتجت عنده واستغلَّ منها كثيرًا فاللبن والسمن، قال أبو المؤثر: بالعلف ولا عناء له، وأمَّا الصوف والشعر والنتاج فتبع لها، فإن عرف لها ربًّا دفع ذلك إليه، وإلاَّ تصدَّق به، وقيل: ليس له من منافعها إن كان غنيًّا إلاَّ بقدر ما أنفق وتعنَّى، وضمن الفضل لربِّها إن وجد من يشتريه منه، وإلاَّ فهو له، لأنَّ اللبن إذا لم يحلب من الشاة أضرَّها.
ومن وجد دابَّة فركبها ثمَّ تركها، فقيل: لزمه ضمانها، وكراء استعمالها، وقيل: لا كراء عليه، وإن ردَّها إلى محلِّها فقيل: عليه الكراء لا الضمان، لأنَّ الدوابَّ تختلف. (7/131)
صفحة 3196
ومن أخذ ضالَّة متعدِّيًا ثمَّ أراد حفظها وردَّها لربِّها فتلفت أو أطلقها فإنَّه يضمنها، وإن قام بها حتَّى جاء ربُّها فإنَّه يعطيه ما أنفقها.
ومن بيده ضالَّة فإنَّما يدفعها لمدَّعيها بالبيِّنة لا بالعلامة كاللقطة إذا ترافعا إلى الحاكم، وإلاَّ فيعدُّ فيسعه ذلك عن سكون النفس إذا لم يأت مدَّع لها ببيِّنة.
تمَّ هذا الجزء (7/132)
صفحة 3197
الجزء الثاني والعشرون
في صرف المضارِّ وإحداث الدوابِّ والعبيد (7/133)
صفحة 3198
الباب الأوَّل منه
في صرفها عن الطرق والمنازل والأموال
وقد لعن صلَّى الله عليه وسلَّم من آذى المسلمين في طرقاتهم وقال: «لا جهاد لمن ضيَّق الطريق».
الشيخ عثمان: يؤذي فيها ما يؤذي في العين وكذا المسجد، فمن أحدث قيل في هوى الطريق كماما في جداره، أو أشرع جناحًا أو غِماء عليه فإنَّه يؤخذ بنزع ذلك إلاَّ إن بيَّن أنَّه قد سبق، وإن مات محدث ذلك ترك بحاله، إلاَّ إن قامت بيِّنة أنَّه باطل، وليس لأحد أن يحدث فيها أو عليها ما لم يكن، فإن أحدثه أخذه الحاكم بإزالته، وإلاَّ حبسه حتَّى يزيله، أو يصحَّ أنَّه أحدثه بحقٍّ، وإلاَّ كان باطلا في الحكم. وفد قالوا: من أحدث في هوائها كمن أحدث في أرضها.
ولا يجوز أن تجعل الطرق أملاكًا بلا عوض ولا أن تحدث فيها ساقيةٌ ولا نفقٌ تحتها من مال إلى مال، ولو لم يضر الطريق ذلك في الوقت.
ومن أحدث فيها ما لا يجوز كان مبطلاً، ولا أشدَّ أذىً ولا مشقَّة مِمَّن أوقع باطلاً في حكم دين الله، لأنَّه قيل: لو عمى الله أحدًا بالمشرق لآذى المسلمين بالمغرب، وبذلك جاءت الآثار عن ذوي الأبصار.
ويروى: لكلِّ بقعة مِمَّا لا يملك من المساجد أو الطرق حدُّها من السابعة إلى سماء الدنيا، وللحاكم أن يأمر بصرف المضارِّ عن الطرق والمساجد، ومال الأيتام والأغياب (1)، ويقيم لذلك قائمًا ثقة، ويحجر عن الأضرار، ولا بأس عند بعض في التسقيف على جائز إن لم يضر بالركبان؛ وإذا جعل لمن يقيمه بالأمر والنهي أن يحبس
__________
(1) - ب: «الغياب». (7/134)
صفحة 3199
آبيًا عن صرف الأذى عن ذلك، إن كان من حدثه فله أن يحبس عليه بلا علم الحاكم، ويكون قوله مقبولا عنده في رفع مثل ذلك إليه، وأنَّه احتجَّ على محدثه ولم يزله، فله قبول قوله، وحبس الممتنع من ذلك بعد احتجاج قائمه؛ ولا يقيم الحاكم الحجَّة عليه (1) ثانية بعده إن كان مبصرًا للعدل.
فصل
روى بعضٌ: للفسل فسح ذراع عن الحدِّ، وبعضٌ: قدر ما إن قامت الفسلة نخلةً، قامت في مال الفاسل ولم تضرَّ ربَّ الأرض، وكلُّ من لم يفسح واستفرغ حدَّه فإن قام ودخل في حدِّ غيره صرف، وكذا يصرف عن الجدر ما يصرف عن الزراعة والماء، ويفسح حتَّى يرى العدول أنَّه لا مضرَّة فيه.
أبو عبد الله: إذا مات باني الجدار فعلى ربِّ الأرض صرف الماء عنه [587] حتَّى لا يضرَّ به، وإن كان الباني حيًّا ولم يترك لجداره عزًا فليس على ربِّ الأرض أن يتركه له منها، وإن زال من يد محدثه إلى غيره فسواء؛ فإن كان له عزٌّ كان على ما اشترى أو ورث، إلاَّ إن كانت عند ربِّ الأرض بيِّنة (2) أنَّ العزَّ كان عارية، وإن لم يكن له عزٌّ فعلى ربِّها أن يصرف عن الجدار مسَّ الماء والزراعة، إلاَّ إن بيَّن ربُّه أنَّه كان له عزٌّ، وكذا ما سبق من الإحداث في مثل ما يحدث في الطرق وغيرها فقد توقَّف أكثر الحكَّام عن صرفه إن مات محدثه.
ولا يجوز لأحد أن يحدث في جائز في أرضه ولا سمائه ولا إلى جنبه كنيفًا ولا تنُّورًا ولا نحوهما، ويصرف ذلك إذا طلب صرفه، وما سبق من ذلك رفع منه حادثه من الضرِّ، ولا يلزم الناس حمل البيِّنة من القرى إلى الحكَّام في المضارِّ، ويسمعها الحاكم في موضعها بأن يكتبها الوالي إليه مع ثقة، وله أن يأمر بإصلاح الطرق، وإن لم
__________
(1) - ب: - «عليه».
(2) - ب: - «بينة». (7/135)
صفحة 3200
يرفع إليه؛ وإن جازت بين ناس من نخل وزراعة، ونشد فيها أو في حدِّها شجرًا وغيَّره حتَّى غيَّرها أخذ كلاًّ بإصلاح ما حاذى بماله من الطريق؛ وعلى أهل كلِّ جانب إصلاح نصف ما يليه منه؛ وإن قال أهل الأملاك: إنَّه واسع، وإنَّما المضرَّة من الشجر الناشئ فيه، ولا يلزمنا صرف ذلك، فليس لهم ذلك وعليهم إصلاحه إلاَّ إن كان في غير القرى، فمن قام به أثيب، وقيل: إنَّ إصلاح التي بينها من بيت المال. أبو سعيد: إصلاح التي بين الأملاك على أهل البلد لا على أهلها إن لم يكن بيت المال، وإن وجد كان ذلك منه.
وقيل: ما وقع في الطريق من قبل السيول، أو ما لا يطاق منعه، فإصلاحه على أهل البلد؛ وما وقع فيها من قبل الأموال، فعلى من يليها من أهلها؛ وإن وقع فيها فلج، أو جرى فيها سيل حتَّى حفرها وتوعتت فصلاحها وصلاح القناطر على أهل البلد، وقيل: على أهل القرى عمارة طرقهم الجائزة ومساجدهم وأفلاجهم وعلى أهل كلِّ قرية أو حارة عمارة مسجدها؛ وإن خافوا من عدوٍّ ولا يمتنعون منه إلاَّ ببناء أو حفر أخذ به رجالهم.
فصل
إنْ مالَ الجدار وخيف وقوعه، أمِر ربُّه بطرحه، وإن انقلع من عرضه فأشد ويؤخذ بصرفه، وإن انشقَّ من أسفله إلى أعلاه، ولم يتفلَّق من أصله، ولم يمل فلا يطرح، وإن خيف من جدار أو نخلة، أمر الحاكم بإزالته، فإن فعل ربُّه، وإلاَّ أجبره عليه، أو أمر به، ويعطى الأجرة.
ومن أحدث قاطعًا للطريق كسدٍّ حكم بفتحها وإزالته حتَّى يصحَّ أنَّه فعل بحقٍّ، وليس قيل قطعها كالإحداث عليها.
ومن بحائطه شجرة فنبتت من عروقها أخرى في حائط جاره، قال أبو سعيد: فله أن يأكل من ثمارها، وإن أراد أن يقطع العرق وما نبت منه ينتفع به جاز له، وإن بلا إذن ربِّها؛ وقيل: لا، وقد مرَّ ذلك. (7/136)
صفحة 3201
ومن أحدث في جائز مضرًّا بأحد لا عليه فله إزالته إذا طلب، ويصرف عنه الضرُّ، ويؤخذ محدثه على الطريق بصرفه، ما لم تثبت حجَّة حدثه؛ فإن مات ثبتت ما لم يصحَّ أنَّه باطل، وإن شهدت بيِّنة أنَّهم لا يعلِّمون على الطريق فلا يُزال بهذه الشهادة، وإن شهدوا أنَّ فلانًا أحدثه بغصب ومكابرة فقيل: إنَّه يصرف وإن شهد أحدثه باطلا، فقيل: يزال، ومن أشار إليه كيف يحدثه لا على الأمر به أجزته التوبة ما لم يأمره به، وعليه إزالته إن أمره كالمحدث له؛ وإن مات الآمر وأراد المشير أن يزيله ليحتاط على نفسه فلا يفعل إلاَّ بإذن الوارث، لموت حجَّته بموته حتَّى يصحَّ أنَّه باطل؛ وإن كان للآمر وكيل في ماله ويستأجر عاملاً لذلك، ومات الآمر وهو لا يعلم أنَّه أحدثه على الطريق، فإذا بان له فعليه إزالته، وإن أبى حُبِس، ويُلزم الآمر إن كان حيًّا كالوكيل والأجير، وإن مات بعضهم أو غاب لزم باقيهم، وإن ماتوا كلُّهم أزيل من مالهم، وإن حال الآمر بين الوكيل والأجير وبين إزالته لم يعذرا ويحبسا حتَّى يزيلاه، وإن منعهما حبس أيضًا.
فصل
إن نبت على المجرى مانع للماء فلمن يشحب السَّاقية ويصلحها إزالته، وإن احتجَّ على ربِّه فأحسن. ويحفظ لغائب ويتيم ما له قيمة منه.
وإن مالت نخلة رجل على مال آخر رفع بينهما رمح، فإن نال خوصها فما سدعه داخلا في حدِّه حكم قيل بقطعه، وإن مال رأسها جعل حجر في حبل ثمَّ يربط في قلَّتها فإذا سقط في أرض الرجل قطعت النخلة.
وإن مالت شجرة على ماله رفع أمره إلى الحاكم ويأمر من يزيل الضرَّ عنه؛ وإن كان بين شركاء أمر حاضرًا منهم بإزالته؛ وإن عدم الحاكم احتجَّ عليهم إن أمكنه، فإن أزالوه، وإلاَّ حكم لنفسه كالحاكم وأزاله، وتكون الخُشب عنده أمانة إن لم يجدهم؛ ومن له منيفة على خراب لرجل لا زراعة فيها، فعليه قطع ما أناف منها إذا دخل في سماء أرض غيره وطلبه؛ وإن كانت من حدثه فعليه صرفه، وإن لم يطلبه (7/137)
صفحة 3202
لتولُّده من فعله وما زاد عن فعله بما اختُلف في وجوب صرفه، فلا يلزمه حتَّى يحكم عليه به إذا طلب إليه.
ومن طُلب إليه صرف حدثه [588] فلم يصرفه حتَّى مات هو أو المحدَث عليه أو كلاهما، فإذا صحَّ النكير فيه أزيل، ولو لم يرفع النكير إلى الحاكم؛ وقيل: يقطع مِمَّا أناف على الطريق ما يضرُّ بالراكب على أرفع مركوب، أو بالحمل على أرفع حمَّال قائمًا، فما ارتفع عن ذلك وأُمِن منه الضرُّ تُرك.
وأمَّا غير الطرق من الأملاك فيصرف داخل في هوائها لا غاية به فيه في الرفع إلاَّ إن اعتبر أنَّه لا يضرُّ بارتفاعه.
ومن ورث مالين بينهما طريق فَحَشَت كرمة من أحدهما عليه إلى الآخر في حياة موروثه فلا يلزمه إزالة ذلك حتَّى يعلم أنَّه باطل.
وأمَّا القرظ والسدر والأبث وغيره من الشجر مِمَّا ليس كالكرمة فإنَّه يزال الضرُّ الحادث منه؛ وقيل: إذا نبت مثله على الأموال، وثبت في أيَّام ربِّه، ومات وتركه لوارثه فإنَّه لا يزال إلاَّ إن كان باطلاً، والأوَّل أكثر.
وقيل: من حشا كرمه في أرض غيره ولم ينكر إلى أن مات ربُّ الكرمة ثبت لوارثه عليه ما قد ثبت، ويصرف عنه ما زاد عنها، وإن ماتت وأراد الوارث أن يغرس مكانها أخرى كذلك فليس له أن يحشيها في أرض غيره. وإن ثبتت سدرة في أرض الغير فقيل: إنَّ ما ثبت في حياة من مالت على أرضه أو منزله، ولم يطلب صرف ما أناف منه فليس هو كالبنيان والغرس ونحوهما من الأحداث، فلا يزال إن ثبت في حياة صاحبه حتَّى يعلم بطلانه، وأنَّه يزال على كلِّ حال، وقيل: كالبنيان. ويزال المائل بعد موته إذا طلب إلى وارثه. (7/138)
صفحة 3203
فصل
من له أرض قرب منزل قوم فطرح فيها ترابًا أو نحوه حتَّى علا عليه وكان من طلع عليه نظر جوفه، فإنَّه لا يمنع من الانتفاع بأرضه أو منزله إذا لم يمسَّ التراب أو نحوُه جدارَ منزلهم؛ ولهم منع النظر إلى داخله، وهو كالنخل والشجر المشرف عليه.
ولا يجوز وضع التراب في الصافية (1)، ولا الجواز فيها؛ ومن أذن لأحد أن يضع ميزابًا على ماله، فسال الماء منه إلى مال الآخر، فليس له حجَّة على ربِّ الميزاب، وإنَّما هي لهما على خصمائهما إذا جعلوا لغيرهم ما يتولَّد منه الضرُّ على أموالهم.
ومن بنى على صافية، وأدخلها في ماله، ومات حكم بإخراجه إذ لا تثبت عليها حجَّة كالجائز، وإن لم تَبِنْ مضرَّة من حادث فيها ولا منفعة، وقد استريب، تُرِك الريبُ، ولو كان كتحويل ساقية من موضع إلى آخرَ أَصلحَ، فللقائمين به إزالته أو تركه؛ وإن حوَّلوا ذلك بجنب منتهى الصافية، وكانت القديمة قاطعة على بعض الصافية، ويُظنُّ أنَّه أصلح لها وأقلُّ ضرًّا جاز.
ومن خلط بعضها في ماله ولم يعرف الشهود حدَّ ذلك فعليه إخراجه منه وتحديده، ويقبل فيها قوله إذا لم يعرفه غيره كمدَّع إلى رجل حقًّا لا يعرف كمِّيته، فإنَّه يؤخذ حتَّى يقرَّ له بما يشاء كما مرَّ؛ فإذا حلف أنَّ هذا هو ما خلطه منها فلا يترك له ما حلف عليه، ولا يمين فيها ولا تبطل حجَّة القائمين بالصافية عنه باليمين.
ومن فسل قرب صافية أو جائز، وعاش الفسل ومال على ذلك، فعليه إزالة الضرِّ عنه؛ وإن لم يطلب إليه؛ وإن احتضر أو أراد أن يغيب ولم يتولَّد من الفسل ضرٌّ فلا يلزمه الإيصاء بذلك إن جاز فعله في الأصل؛ وإن أخرجه مَن مَلكه أو كان له فيه شريك فوقع له في حصَّته قبل أن يتولَّد منه الضرُّ على ذلك، ثمَّ تولَّد منه وهو غائب، فإذا صحَّ عنده فعليه أن يأمر من يزيله إن قدر، ويجتهد فيه بأمر أو رسالة أو غيرهما
__________
(1) - الصافية: كذا وهي الأرض التي جلا عنها أهلها أو ماتوا ولا وارث لهم. (7/139)
صفحة 3204
ولا يلزمه السؤال عنه إن لم يصحَّ عنده لإمكان زواله؛ وإن مال على مهجورة لا تزرع، أو كانت في أيدي الجبابرة فإذا اعتبر أنَّه يضرُّها إن لو عمرت أو كانت بيد غيرهم فإزالته عنها واجبة، لئلاَّ يثبت عليها وما حدث من فعله فعليه صرفه؛ وإن لم يطلب إليه، أو كان في أيَّام الجور.
فصل
إن كان أصل كرمة في مال رجل، وحشوها في منزل آخر فادَّعى كلٌّ أنَّها له، فالقول قول من كان أصلها في ماله، وعلى الآخر البيِّنة؛ ومن أنافت على أرضه أو منزله سدرة (1) أو قرضة، فلا تحلُّ له ثمار ما نافا عليه؛ وكذا من تعدَّت عنبة إلى أرضه أو داره من أخرى فلا يحل له ثمرها، وله أن يعزل ما دخل إليها أو يقطعه، لأنَّ له أرضها وسماؤها.
وإن كان في أرض غائب شجر أضرَّ بأرض حاضر، فإنَّه يرجع أمره إلى الحاكم، وإن عدم هو والجماعة حكم لنفسه كما مرَّ.
وإن لم يكن لليتيم وصيٌّ ولا وكيل فلمن دخل إليه شجره قطْعُ ما ناف عليه منه، إذا عدم الحاكم.
ومن له نخل أو شجرة على حدِّ رجل أو بين رجلين فيها قرينة مائلة كلٌّ منهما على أحد الحدَّين، فإذا كانت في وسطه، فهي لهما؛ وإن كانت لأحدهما فمالت على أرض الآخر؛ فإن مال خوصها أو أغصانها فعل بالرمح أو غيره كما مرَّ؛ وإن مال رأسها فعل بالحبل والحجرة كذلك؛ وإن مالت على ساقية فاتَّكأت على وجينها (2) من الجانب الآخر فطلب أهل الماء صرفها فإذا ضرَّت بجريِّه فلهم أن يعزلوها عنها، وإن بقطع حتَّى ترجع الساقية كما كانت، ولا ضمان عليهم، وكذا ما كان من
__________
(1) - ب: - «سدرة»
(2) - كذا وهو شطّها. (7/140)
صفحة 3205
المضارِّ مثلَها في الطريق. وقد أمر ابن عليٍّ بعزل جذوع في طريق لا يحفظها، وكلِّ مائلة أو مائل على أرض رجل أو منزله، أو طريق أو مسجد أو غيره، فإخراجه على ربِّه.
وإن أنافت شجرة على طريق فمنعت الماشي والراكب، وبها [589] ثمرة فلا يحلُّ لفقير أخذها إلاَّ بإذن مَن أصلُها في ماله. ومن مال فرع شجرته ولو على مال يتيم أو غائب ولم يَطلب إليه قطعَها عمَّا مالت عليه فلا تحرم عليه ثمرتها، وتقطع إن طلب.
أبو سعيد: إذا أناف خوص نخلة على أرض رجل صرف عنه ما ناف عليها، ولو ارتفعت إلى أن رأى العدول أنَّ ضرَّها قد ارتفع، وإن كانت مخوفة على مال أو منزل ولم تدخل في هوائه، فلا تقطع، إلاَّ إن صدعت الأرض من تحتها، وكذا الجدر إن اتَّكأت وأخوفت أُمر بطرحها، وإن انفلقت من عرضها أخافت، وإن انشقَّت من سفل لعلو، ولم تتفلَّق من الأرض، ولم تمل فلا يؤخذ به كما مرَّ.
ويصرف التنُّور إن التزق بمنزل أحد وفيه منه الضرُّ على الجدار أو الشجر كالنخل، إلاَّ إن سبق ومات محدثه، فلا يصرف منه إلاَّ ما حدث من الضرِّ.
ويأمر الحاكم بفسح الفسل عن قرب المنازل وفسح النخلة عن الجدار ثلاثة أذرع، والماء والزراعة، قدر ما لا يرى العدول المضرَّة، ولا يمسُّها كما مرَّ.
وأجاز الفضل لمحتسب للطرق إذا مالت عليها مائلة أو على منزل أحد أن يطلب قطعها؛ فإن قطعها ربُّها، وإلاَّ أمر الحاكم به وعلى ربِّها أجرة قاطعها، وكذا جذع النخلة.
ابن سعيد: إن اعتاد أنَّ الصرمة تضرُّ بالجدر أمر بإزالتها.
ومن في بيته سدرة خرج منها عرق ودخل في بيت رجل وأرضه، فنبتت منه أخرى، فطلب ربُّها أن يقطعا، وقال: هي من عرق سدرتي، وقال الآخر: هي في بيتي أو أرضي وهي لي، فالعرق لربِّ السدرة، والنظار لربِّ الأرض أو البيت، وأستحسنُ أن يكون لربِّ الأرض قيمته، وأنَّه إن ظهر منها إلى أن دخل في ذلك، فحكمه لربِّها، (7/141)
صفحة 3206
وللجار صرفه عنه إن طلبه؛ وإن خفى بحيث لا يرى ولا يدرى أمن تلك الشجرة هو أم من غيرها، فهو للداخل إليه لا لربِّها. (7/142)
صفحة 3207
الباب الثاني
في صرف المضارِّ من الأبواب والميازيب والمجاري والكنف والبوالع
فمن له منزل في جائز فليس له أن يفتح بابًا قبالة آخر إلاَّ بإذن صاحبها، فإن أذن له ثمَّ طلب إزالته، اختار خميس أنَّ له أن يرجع لأنَّه لم يكن له في الأصل، ولأنَّ الضرر يزال إذا بان، وإن لم يره العدول فيه اختار ثبوته، وإن فتحه قبالته بدلالة عليه لا بإذن، ولم ينكر عليه فكالإذن؛ وإن اشترى المنزل وفيه مفتوح قبالة باب، وركَّب عليه بابًا كما أدركه فتركيبه ليس بضرر بل هو منفعة لمقابله، وإن لم يثبت فتحه من قبل فلمقابله صرفه عنه، وما أدرك مفتوحًا فلا تلزم إزالته، إلاَّ إن صحَّ موجبها، ولا يوسِّع إن وجد ضيِّقًا إلاَّ بالإذن أيضًا، إن كان في النظر لا يجوز فتحه. وإن فتح باب ينظر منه هواء المنزل المقابل له بابه لا أرضه، فإن كان ينظر منه دون السترة التي على الناس في مثلها المباناة فإنَّه يصرف، وإن كان المفتوح عليه ثبت عليه أكثر من هذا فقد ثبت، واختير أن لا يفتح عليه ما يتولَّد منه الضرُّ، وإن كان لا يضرُّ في النظر لم تلزم إزالته؛ وإن لم تكن فيه مضرَّة إلاَّ النظر للمنزل إن فُتح بابه، فهو ضرٌّ يلزم صرفه.
ولا حدَّ في مسافة بعد الباب عن الآخر إلاَّ إذا وقف في داخل المفتوح، نظر إلى داخل القديم المقابل، ويرى العدول أنَّ فيه ضرٌّ على أهله؛ ولا بأس في فتحه قبالة باب بستان، وإن فتح قبالته ثمَّ صار البستان مسكنًا كالمنزل، فطلب ربُّه صرفه عنه لم يجده، وقد توقَّف الأكثر في صرف ما أحدثه أحد ومات.
أبو سعيد: من أحدث منزلاً على طريق وميزابًا له، وطالبه المحسب بإزالته أو كانت أرضه خافقة، وكبسها حتَّى صارت مجرًى للغيث والبئر إلى الطريق فعليه إزالة (7/143)
صفحة 3208
ذلك وليس له أن يحدثه؛ وإن ادَّعى أنَّ المنزل بني قديمًا، أو مجراه إلى الطريق، وإن ميزابه كان إليها، فعليه بيان مدَّعاه إن لم يعرف ذلك غيره، وإلاَّ فعليه إزالة ما أحدث، وإذا ثبت ميزابه الأوَّل فليس له أن يجعل مجاري منزل آخر إليه، وله أن يجدِّده في مكانه طولاً وعرضًا كلَّما رثَّ، ولا يزيله عن كونه الأولى، فإن فعل فعليه إزالته، وإن بنى على ذلك السطح غرفة فليس له أن يجعل ميزابها إلى الطريق.
وإن بنى إلى جانب خراب، وفيه طريق ثابت يمرُّ الناس فيها ثمَّ عمرت، وأخرج الطريق إلى جانب المنزل، فاحتجَّ ربُّه أنَّه بناه قبل إخراجه، وقد جعل ميزابه ومجراه إلى ما ثبت فيه الطريق فعليه إزالته، لأنَّه أحدث في مال غيره أو في طريق.
وإن بنى على المنزل غرفة وفتح لها بابًا على الخراب، ثمَّ عمر منازل، وطلبه أهلها (1) أن يسدَّه عنهم، فاحتجَّ أنَّه بناها قبل منازلهم فعليه سدُّه، ولا حجَّة له بذلك.
وإن بنى أو فتح على موات وجعل الميازيب والمجاري إليها ثمَّ أحياها أحد وبنى فيها منازل، وطلب إليه إزالةَ ذلك، قال: أمَّا الباب فيلزمه غلقه وإزالته، وأمَّا غيره فقد ثبت له فيها. وفي الضياء: وجاز إشراع ميزاب إلى الطريق حيث لا يضرُّ مارًّا.
فصل
ابن محبوب: من أحدث بالوعة قرب دار رجل فدفعه عن ذلك لمضرَّتها بداره فقال له: إنَّما أجعلها في أرضي ولك أيضًا أنت أخرى قرب داري فاعزلها فإنَّها أضرَّتني؛ فقال له: إنَّها قديمة، وقد مات محدثها؛ قال: فأمَّا البواليع التي مات حافرها قبلُ فلا تزال من أمكنتها ولو أضرَّت، وأمَّا ما أريد إحداثها فليس لمريدها أن يحدثها إذا رآها العدول مضرَّة وإلاَّ فلا يمنع من وضعها في ملكه ما شاء.
أبو سعيد: إن مات محدث الخلاء على الطريق فليس قيل على الوارث إزالته، وكذا إن [590] أدرك بابه مفتوحًا إليه لا يجب سدُّه، إلاَّ إن علم باطله؛ وقيل: عليه
__________
(1) - ب: «أهله» (7/144)
صفحة 3209
إزالة ما حدث فيه من الأذى على الطريق. وإن مات محدث الخلاء عليه، وكان يطرح فيه التراب، ويدخله الناس، فلوارثه أن يتَّبع ما كان يفعله، ولا يحكم عليه بإزالة الرائحة عن الطريق إن لم يحدثها هو؛ وإن ظفر بمن يدخله ويتنفَّس فيه حكم عليه بصرف الأذى منه، وإن آذى من عليه أُمر أن لا يعود إن تولَّدت فيه مضرَّة على الناس في طريقهم.
ومن له خلاء قرب منزل رجل فأراد أن يجعل فيه مصلًّى، وطلب صرف الأذى عنه، فنظر فإذا هو ليس مضرًّا إلاَّ إياه، فإن سبق، ولم يكن فيه ضرٌّ يجب صرفه إلاَّ من حدوث المصلَّى، فلربِّه إمَّا بناء السترة لنفسه أو تركه على ربِّ الخلاء؛ وكذا إن كان قرب منزل رجل خلاء يحمل منه الفأر العذرة إليه، فإنَّه يحكم على صاحبه بإزالة الضرِّ عن جاره إن كان محدثا له، وإن لم يكن إلاَّ حمل الفأر لذلك لم يكن ضرًّا من المحدث إذ لا امتناع من الفأر فيه، فلربِّ المنزل أن يصرفه بما أمكنه أو يدعه، كذا إن كان يشمُّ رائحته منه أو من جداره، فإنَّه إذا لم يكن فيه إلاَّ الرائحة أمر بصرفها إذا أحدثت كغيرها.
فصل
من أراد إحداث كنيف قرب جاره فسمح له بقدر ما لا يؤذيه برائحته ولا بغيرها، وإن أحدثه إلى جنب طريق، وجعل بابه إليها، فإنَّه يصرفه، لا إن كان بابه في ماله مدبرًا عنها ولم يضرَّها، وإن آذت رائحته صرفت بتراب أو غيره إذا طلب، وإن آذت من بالمسجد، أمِر ربُّه بعزله، إلاَّ إن أتى ببيِّنة أنَّ الكنيف سبقه؛ وأمَّا بين الناس فحتَّى يصحَّ أنَّه أحدثه إلاَّ أنَّه يصرف الرائحة؛ وفي الأثر: أنَّه إذا لم يكن بابه إلى طريق أو منزل فإنَّما يؤخذ محدثه بصرف إذايته عن ذلك إذا طلب إليه؛ وقيل: يفسح له بخمسة عشر ذراعًا، وقيل: بقدر ما لا يؤذي الطريق أو المنزل.
أبو سعيد: لا يمنع من إحداث الكنيف مريده في ماله بجنب الطريق إذا بنى عليه جدارًا قدر البسطة، وليس له أن يجعل فيه كوى نافذة فيما دونها، ولا يفتح بابه إليه (7/145)
صفحة 3210
لإخراج السماد منه وعليه أن يسدَّه أبدًا إن فعل؛ فإن حدث منه رائحة أمِر بدفنها؛ وإن أدرك بابه إليه ومات محدثه ترك بحاله إلاَّ إن كانت منه مؤذية، فإمَّا أن تزال أو يسدَّ، قال: والمعروف أنَّه إن كان قرب طريق، وله جدار قدر قامة وبسطة ولا باب له إليها فلا يحكم بإزالته، إلاَّ إن تولَّدت منه (1) مؤذية، فعلى ربِّها إزالتها، وإن كان بابه إليها أمِر بسدِّها إن قرب منها بقدر ما تؤذي رائحته، وذلك إذا كان أقلَّ من خمسة عشر ذراعًا. وإن آذت مسجدًا أزيل ولو قديما، إلاَّ إن سبقه.
ويؤخذ محدث الخلاء بإزالته، ولو أقرَّ به لغيره.
__________
(1) - ب: «مضرّة» (7/146)
صفحة 3211
الباب الثالث
في المضرَّة إذا كانت من يتيم أو غائب أو ممتنع أو وارث أو مشترٍ، وغيرهم؛ وفي قطع السدرة وصرف الضرِّ عن السواقي
فإذا أضرَّت نخلة أو شجرة بطريق أو ساقية وغاب ربُّها بحيث لا يحتجُّ عليه رفع ذلك إلى الحاكم فيحكم بصرف الضرِّ، ولا ضمان في ذلك، وإن لم يوجد فالجماعة. وإن أنافت على أحد وهي بين حاضر وغائب فعلى الحاضر قال ابن أحمد: إزالتها.
ومن طرح ترابًا على ظهر فلجٍ لقوم فإنَّه ينكَر عليه، ولا يحكم الحاكم بإزالته ما لم يرفع إليه. وإن مالت مائلة على أرض رجل، ولم يجد من ينصفه، فله عند أبي الحواري أن يقطعها برأيه، ويعلم ربَّه بذلك، أو يدعوه إلى حملها، وعليه ضمانها إن غاب، لا إن قطعها بحاكم، ولا عليه، لأنَّه لا يقطع شيئًا إلاَّ بعد إقامة الحجَّة على ربِّه.
ومن فسل على جاره نخلة أو شجرة، فطال خوصها أو غصنها فأضرَّه، فعلى ربِّها أن يصرف عن جاره ما أضرَّه؛ وإن لم يصرفه أو غاب، أو كان كمغصوب، فلا نحبُّ له أن يصرفه بيده إلاَّ على سبيل ما يلزمه فيه الضمان، وقد مرَّ ذلك. (7/147)
صفحة 3212
فصل
إذا رأى قائم بمصالح الطرق نِقضة (1) إلى جدار فيها، ولا يدري أمحدثة أو قديمة، أو مات محدثها أم لا، فليس عليه أن يسأل عن ذلك إلاَّ إن احتسب وهي ثابتة، إلاَّ إن صحَّ بطلانها، وإن مات محدثها ثمَّ وقعت، ثمَّ أراد وارثه أن يبني مكانها مثلها، اختير أن لا يجده إن أخذت من الطريق.
ومن ملك منزلاً وفيه جدار مؤزرًا مِمَّا يليها، ثمَّ وقع الإزار فلصاحبه أن يجدِّده ما لم يزد فيه إذا لم يعلم بطلان أصله؛ وإن أدرك نقضة إلى جانب جداره ممَّا يلي الطريق، فله أن يجدِّدها كالأولى إن قامت له بها حجَّة.
والملتزق بالجدار حجَّة له ولربِّه في التعارف، لأنَّ الأموال على ما هي عليه؛ وإن تآكل من أسلفه وبقي هواه فله تجديده في الاطمئنان، وفيه تردُّد في الحكم.
ومن اشترى منزلا أو غيره، وعليه مائلة مخوفة، وهو عالم بها، فليس له أن يطالب ربَّها بإزالتها عنه، ولا تلزمه إلاَّ إن لم يعلم المشتري أنَّها تضرُّه.
أبو مالك: إن دخلت مخوفة على قوم في مالهم، فلهم على ربِّها قطعها إن رآه العدول وكانت تقع عليهم، ويأمر الحاكم بصرفها عنهم، وليس لربِّها أن يوكيها فيحدث بأرضهم شيئًا إلاَّ بإذنهم، وتصرف عوجاء إن دخلت في الطريق عنه.
أبو الحواري: ما دخل منها في ثمانية أذرع في الجائز فإنَّه يزال، وقيل: في ستَّة، وكذا إن دخلت كلُّها فيه، وإن خرجت من هواء العدد تركت ولو كانت في الجائز، وإن احتجَّ [591] القائم بصلاحه على أحد أن يزيل حدثه، فأبى فله أن يزيله بنفسه، أو يحبسه حتَّى يزيله.
ولا حجَّة لمدَّعٍ أنَّه ورث نخلة أو شجرة إن أضرَّت الطريق، وتزال. وقيل: إنَّ كلّ محدثٍ مات، واحتمل أنَّ حدثه صواب، ولم يكن من أهل التقيَّة فيه، ولا يغير على
__________
(1) - النقض، وجمعه أنقاض، اسم للبناء المنقوض إذا هدم. (7/148)
صفحة 3213
وارثه فيه، لاحتمال صوابه نحو ما يوجد قيل في الزواجر والمنازف، إن مات محدثها، وكذا التنُّور والخلاء، وكالنساج والقصار وغيرهما من الأحداث الموجودة في آثارهم، وكذا في السيول إذا قطعت وأخذت في مجاري أخرى، فإنَّها تكون بحالها، وإن مالت بدفن أو حفر من أحد، حتَّى حوَّلها، وكانت في الأحياء، فإنِّي أرى ردَّ حدثه لها إن مات، وعسى أنَّه فعله بحقٍّ؛ وقيل: إنَّ كلَّ محدث في مثل هذا ولم يسبق له فحدثه مردود، وإن لم يطلب إليه ردُّه إلاَّ إن مات لموت حجَّته بموته؛ وموت المحدَث عليه لا يبطل حجَّة وارثه.
فصل
كره محبوب قطع المثمرة، ولا يأثم قاطعه لصلاح، وهذا في المملوك، وأمَّا شجر القفار المنتفع به الفقراء فلا يصلح قطعه، ومن له مسقى على رجل، ولربِّ الأرض نخلة عليه، وهي على الفلج الذي يسقي منه الرجل، ولا تمسُّ ماءه ولا تحبسه، ثمَّ كبس الأرض ربُّها حتَّى ارتفعت، فصار يمسُّ النخلة وتحبسه، فطلب ربُّ الأرض إزالة النخلة حتَّى لا تحبس ماءه، فإن مالت على المسقى من قبل فلا تقطع، وإن مالت أو زادت في الميل عمَّا سبق، رُفعت عن المسقى، وكذا في الشجر.
ومن أحدث على ساقية حدثًا فأضرَّ ماءه، ولم يمكن لربِّها أن يحتجَّ عليه في وقته، فله أن يزيله، ويمرَّ بمائه إن كان في الحكم أنَّ ذلك الحدث يزال، ولا يثبت عليه الضرُّ كمن له أن يحكم لنفسه كالحاكم كما مرَّ.
أبو سعيد: من فسل بماله، فأناف خوص فسله على جاره فعليه صرف ما أضرَّه به أو تولَّد من فعله، وإن لم يطلبه إليه؛ وإن أضرَّته عروقه فلا قائل إنَّها تصرف، ولجاره أن يقطعها إذا قطع أرضه، ويأخذها إذا قصد به إزالة الضرِّ عنها، وإن قصد الضرَّ بالنخل أو الشجر لم يجز له، ومن أراد أن يفسل قرب ساقية، تمرُّ في ملكه، أو يزرع فيها ولو شجرًا فقيل: ترك ذراعًا عن جري الماء، وقيل: ما لم يدخل الفسل (7/149)
صفحة 3214
فيها، ويمنع جريه، ويصرف إن منعه؛ وإن كان لا يمسُّ الماء إلاَّ أنَّه يجيء (1) به فإنَّه لا يمنع من الفسل.
__________
(1) - ب: في الهامش بخطِّ الناسخ: «لعلَّه يحيى» (7/150)
صفحة 3215
الباب الرابع
في الحدود والموات بين الأرضين والجذور وحفر الأرض قرب أخرى
أبو الحواري: من له نخلة على حدِّ رجل أو شجرة فمالت على أرض الآخر، فإن مال الخوص والأغصان فعل بالرمح أو نحوه ما مرَّ، وإن مال رأسها فعل بالحبل والحجرة ما مرَّ كذلك، وإن كانت في حدٍّ بين رجلين، فهي بينهما إن لم تعرف لأحدهما، وقيل: تترك لحالها لا لأحدهما.
وإن كان بين مزرعة رجل وجدار منزل آخر موات فقيل: لربِّها، وقيل: لربِّه، وقيل: بينهما، وقيل: يترك بحالها، إلاَّ إن صحَّ أنَّها لأحدهما، فإن بيَّن ربُّ المزرعة أنَّه له، قال أبو عليٍّ: فله أن يعمرها (1) إلى منتهى ما لا يضرُّ بجدار الرجل، وإن لم يبيِّن أحدهما تُركت بحالها، وليس لاحدهما أن يحدث فيها شيئًا.
وإن كان لرجل نخلة في جدول خلف جدار الرجل، وهو مستوٍ بأرضها أو مرتفع عنها فلها في الجدول ما تستحقُّه من قياسها إن كانت حوضيَّةً فثلاثة أذرع، وإن كانت عاضدية فذراعان، فإن بقي بعض الجدول فلربِّ النخلة، إلاَّ ما قام عليه الجدار، على القول بأنَّ الجدُر قواطع؛ وقيل: إنَّ الباقي بعد قياسها يكون بين أرضها والجدار، وقيل: موقوفًا بحاله.
ومن له منزل ولرجل خلف جداره أرض يزرعها، فادَّعى ربُّه أنَّ له شيئًا مِمَّا يليه وقال ربُّها: إنَّها أرضي، ولا بينهما إلاَّ جدار المنزل محيط به، وهي وراءه، فقالوا:
__________
(1) - ب: «يزرعها». (7/151)
صفحة 3216
الجدُر قواطع، ولا شيء لربِّه خلف جداره، إلاَّ إن وجد خلفه موات، على الخُلف السابق آنفًا.
وإن كان بين أرضيْن عليا وسفلى وجين، فقيل: للعليا ما استوى بها منه وما قامت عليه، ولا قوام لها إلاَّ به، وللسفلى ما استوى بها أيضًا، وما خرج من ذلك فبينهما، وقيل: للعليا ثلثاه وللسفلى ثلثه، وقيل: الوجين كلُّه متروك بينهما إلاَّ إن (1) اتَّفقا عليه واقتسماه كما شاءا أو يتركانه أبدًا، وإن ادَّعى فيه أحدهما كلِّف بيان دعواه؛ وإن نبتت فيه نابتة فعلى القول بالقياس، فقيس على أحد الوجهين أو عليهما، فحيث خرجت فهي لربِّه، وإن خرجت فيما لهما معًا فهو لهما على قدر ما لكلٍّ؛ وعلى القول إنَّه موقوف فموقوفة كذلك؛ وإن أضرَّت بالمال صرفت.
وقال ابن أحمد: إن تساند الوعب (2) فللعليا الثلثان وللسفلى الثلث، وقيل: عكسه، وقيل: نصفان، وأختار أنَّ للعليا ما استوى بها كما مرَّ، وهو القول الأوَّل فيه؛ وإن انتصب الوعب فهو للعليا.
فصل
ليس لأحد أن يحفر أرضه حتَّى تنغلق أرض جاره وتنهار عليه، وإن أراده ترك منها قدر ما يرى العدول أنَّه لا مضرَّة فيه على جاره، ولا لربِّ الخافقة أن يحفر الساقية، ويضرَّ بربِّ الطالعة، وإنَّما يتركها (3) بحالها، ومن أراد أن يعق أرضه قيل يترك منها ما يرى العدول أنَّه لا يضرُّ جاره، وقيل: ذراعان، وقيل: قدر ما يعقُّ من أرضه أيضًا، فإن حفر ذراعين ترك ذراعين، وإن حفر ثلاثة ترك ثلاثة، وهكذا قلَّة
__________
(1) - ب: «ما».
(2) - الوعب: الطريق الواسع.
(3) - ب: «يترك» (7/152)
صفحة 3217
وكثرة؛ واختار أبو الحسن نظر العدول، لأنَّ من البقاع ما لا ينهار، ولو ترك له قليل من الفسح، ومنها ما ينهار ولو ترك له كثير منه فيرجع إلى النظر.
ابن روح: من كانت في أرضه نخلة لرجل فأراد أن يحفر دونها، [592] فإنَّه يفسح ثلاثة أذرع عن الوقيعة، ثمَّ إن أراد أن يحفر ذراعًا ترك ذراعًا غيرها، وإن أراد ذراعين ترك ذراعين، ثمَّ كذلك في الثلاثة، ولا يلزمه أن يفسح أكثر منها، واختير قدر ما يرى العدول، وإن كان مِمَّا يلي الحافر جدار له بين أرضه وأرض جاره، لم يلزمه ترك شيء، ويحفر وراء جداره إلى أرضه، فإن وقع ثبت ما حفر قبل الوقوع؛ وإن أراد الحفر بعده فعليه أن يترك لكلِّ ذراع في الحفرة ذراعًا مِمَّا يلي أرض جاره؛ فإذا ترك ثلاث حفر بعدها ما شاء، واختار أبو سعيد أنَّ الجدار وغيره سواء لأنَّه لا يمنع ضرر الحفر، ولأنَّه يسقط ويضرُّ الجار، ولا يمنع من تآكل الرخوة، وربَّما أعان على هدمها. (7/153)
صفحة 3218
الباب الخامس
في التنُّور والرحى
فقد يوجد في الأثر صرفه إن أحدث بجنب الطريق، واختير المنع إلاَّ إن بان ضرّه عليه من دخان أو غيره، ولا يمنع الناس من انتفاع بأموالهم؛ ومن أحدثه في بيته ثمَّ ملك آخر بيتًا أو أرضًا قربه، أو كان خرابًا فبناه بيتًا، أو غرسه غرسًا قرب تنُّوره فإنَّه يزال إن أخّر، ولو سبق أو لم تطلب إزالته، وإن لم يزله محدثه، ولم يطلبها إليه جاره، فأوقد فيه نارًا فأحرقت بيت جاره، أو غرسه، فلا نبرِّئه من الضمان.
أبو زكرياء: إن قدُم في منزل أحد وكان إذا حمى كان كالدخان المؤذي للجار فطلب إزالته فإنَّه يزال ضرُّه من دخان أو غيره لا نفسه لقدمه.
فصل
لا يجوز لأحد أن يطحن برحى أحد أو ينخل بمنخله، أو يخبز بتنُّوره إلاَّ بإذنه إلاَّ إن سبق التعارف، فإذا أرادت امرأة أن تطحن، فرفعت الرحى فوجدت فيه حبًّا، فإن تعورف أن لا يرجع إلى مثله فمباح، وإن لغنيٍّ، إلاَّ إن تركه من لا يجوز تركه لماله كعبد أو صبيٍّ، فإن طحن فيها أحدهما فأتى من رفعها ووجد الحبَّ فيها؛ فإن اعتيد أنَّه لا يمكن إلاَّ بقاء ذلك فيها من كلِّ أحد كان مباحًا أيضًا.
وإن كانت بين ناس رحى مال وأموال جاز قسمها بالقيمة معها إن اتَّفقوا، وإن اختلفوا فلا تحمل على تحلٍّ ولا غيره من الأصول، ويستغلُّونها بالحصص ويتغارمون مؤنتها بها، ولا يتجابرون على بيعها، وإن خربت وفيهم يتيم أو غائب أو عاجز عن غرم منابه على إصلاحها فلمن يقوم منهم بها، ويصلحها من عنده أن يستعملها حتَّى يستوفي قدر ما أنفق عليها، بعد أن يقيم الحجَّة على من له حصَّة فيها، (7/154)
صفحة 3219
فإن استوفاه ثمَّ أراد أن يستغلَّ منابه منها بعدُ ويدع مال اليتيم أو الغائب وغيرهما بحسب الأيَّام والأوقات جاز له.
وكذا النهر إن كان راغدًا في واد أو مكسَّرًا فأراد من له فيه حصَّة أن يسقي بقدرها ثمَّ يردَّه إلى حيث وجده جاز له.
وإن كان لأصحاب الرحى أرضها لا حصَّة في فلج فلهم ما سبق لها، ولو كان الماء لغيرهم. ومن اشترى ماء منه ورفعه أعلاها فله أن يمرَّ به حيث أراد ولا يمنع.
أبو محمَّد: لا بأس بالطحين في رحى اليتيم إن تعورف، ولا تمانع فيه. أبو سعيد: قيل: لا يجوز إن صلح لها لأنَّها تنقص منه ويخاف عليها الضرّ، وقيل: ما وقع عليه اسم الإباحة، فمال اليتيم والغائب فيه سواء على المعتاد؛ وقيل: يستأذن البالغ في الطحن، فإن أذن له دخل وطحن، ومانع المباح قيل كمانع المحجور، ومبيحه كمانع المباح.
أبو الحسن: إن طحنت امرأة فكانت كلَّما فرغ حبُّها أخذت الرحى حتَّى لا يبقى فيه شيء منه، وربَّما تأتيها، وبها باق، فإن أخذت غير حبِّها أنفقت مثله إن لم تعرف ربَّه، وقيل: لا بأس إن كان لا يرجع إليه كما مرَّ إلاَّ إن زاد على المعتاد فإنَّها تعزله حتَّى تطحن فتردَّه فيها؛ وإن كان مثله لا يرجع إليه، وعرف أنَّه ترك عمدًا على وجه التضييع جاز أيضًا إن لم يكن لمن لا يجوز تركه لماله، ويعزل كما مرَّ.
ومن أعار لرجل رحًى، فوضعها في فم داره فسرقت فإنَّه يضمنها لوضعها في غير مأمن، وإن كانت بين حاضرِينَ وغُيَّب رحى، رفع الحاضرون أمرهم إلى الحاكم، فيقيم للغيَّب وكيلاً على حصَّتهم، وإن لم يكن حاكم ولا نحوه، فللحاضر أن يستعملها، ويحفظ مناب الغائب، ومن له ماء في نهر وأراد أن يركِّب رحًى في ملكه أو ملك من أذن له فصرف ماؤه إليها فلا بأس إليه إن لم يضرَّ أهل النهر أو غيرهم؛ (7/155)
صفحة 3220
ومن له رحى ماء في واد فركَّب رجلٌ أخرى فيه أعلى منها (1)، فلا يثبت له ذلك إن أدَّى إلى ضعف ماء الأسفل، أو ضرَّه.
__________
(1) - ب: «منه». (7/156)
صفحة 3221
الباب السادس
في جنايات الذِّمِّيِّ والاِنتصار منه
فإذا لطم مسلمًا اعتداءً عليه قطعت يمناه وإن (1) يسراه، وإن لطمه على مشاورة، فللمسلم دية لطمته، ويعاقب بالحبس والتعزير، وإن انتصر من مسلم أراد قتله أو غصب ماله ظلمًا، فلا سبيل عليه لقوله تعالى: {ولَمَنِ انتصَرَ ... } الآية. فإذا دخل في العهد فلا يظلم ولا يتعدَّى عليه.
وإن قتَل مسلمًا خطأً فعلى عاقلته الدية إن كانت له، وإلاَّ فهي في ماله.
وإن قتل موحِّدٌ موحِّدًا ثمَّ ارتدَّ فإنَّه [593] يقتل به، وإن رجع إلى الإسلام فلوارثه الدية، ولا يؤخذ من ماله شيء إن قتل، لأنَّه ليس كالشرك، والمشرك يقتل ويؤخذ من ماله ثلث الدية.
وإذا جرح الذمِّيُّ موحِّدًا اقتصَّ منه وردَّ له الذمِّيُّ ثلثيها، وإن قذفه جُلِد وجيعًا، ولا يبلغ به الحدُّ.
وإن قتل مجوسيٌّ مسلِمًا ثمَّ أسلم قبل أن يحكم عليه فلوليِّه إمَّا قتله، أو أخذ ديته، وكذا أهل العهد. ويهدر عن حرٍّ حيٍّ إذا أسلم ما أصاب في شركه. وإن قتل موحِّد ومجوسيٌّ موحِّدًا؛ فإن قتلهما أولياؤه ردَّوا لوارث الموحِّد نصف الدية، وازدادوا من مال المجوسيّ سدسها، وإن اختاروا قتل الموحِّد قتلوه، وردَّ المجوسيُّ نصف الدية.
__________
(1) - ب: «أو». (7/157)
صفحة 3222
وإن قتل نصرانيٌّ موحِّدًا قتل به وأخذت الدية كاملة من ماله أيضًا لنقضه العهد عند بعض، وعند آخرين ثلثاها، وهو الأصحُّ.
وإن قتل يهوديٌّ يهوديًّا فأسلم مخافة القود لزمته الدية؛ وإن ارتدَّ القاتل قبل أن تؤخذ منه، أخذت منه وقتل لارتداده.
وإن اغتصب ذمِّيٌّ موحِّدة، فوطئها أو مسَّ فرجها بيده بلا ساتر فإنَّه يقتل كما مرَّ؛ ومن مسَّه من فوقه عزِّر. ويقتل إن لطم موحّدًا جهلاً، وإن قتله في منازعة فالوقف.
وقيل: إنَّ يهوديًّا أو نصرانيًّا دعر دابَّة عليها امرأة فصرعت، فكشف عورتها، فأمر عمر بقتله، فقال: «ما على هذا صالحناهم»، أو «ليس على هذا عاهدناهم» وقيل: إنَّه قطع يده.
وإن افترى على موحِّد ضرب بلا حدٍّ، وإن أسلم قبل أن يقام عليه ما لزمه من قطع أو جلد أو قتل، هدى عليه (1) إلاَّ إن قام بيده مال مسلم فعليه ردُّه.
أبو عبد الله: إن لطم عبدًا مسلِمًا فعليه الأرش والعقوبة.
__________
(1) - كذا في النسختين، والعبارة غير مفهومة. (7/158)
صفحة 3223
الباب السابع
في جناية العبيد
قال ابن خالد: من جرح عبدًا فعتق فمات، فعليه دية الحرِّ، وإن عاش وعتق فله دية جرح العبد؛ وكذا إن جرح مسلم كتابيًّا فأسلم، فإن مات من جرحه فديته دية مسلم، وإن عاش فله أرش الكتابي، وإن رمى حرٌّ عبدًا فعتق قبل أن تصيبه الرمية فمات منها ففي ذلك القصاص، لأنَّها وصلت إليه وهو حرٌّ، وإن قتل عبد حرًّا، فلم يطلب وليُّه إلى سيِّده بما جنى، والسيِّد مِمَّن لا تقيَّة له فاحتاج؛ فإن تعمَّد فليس له بيعه وعليه تسليمه إلى وليِّه، فإمَّا أن يقتله أو يملكه، وكذا إن قتله خطأً، فليس له بيعه ولا عتقه، فإمَّا أن يخلِّصه من جنايته، أو يسلِّمه إلى أهل الدية، وإن جنى عبدٌ لا يعرف ربُّه جناية باعه الحاكم، وأدَّى المجني عليه حقَّه.
وإن جرح عبدٌ رجلاً فلم يطلب أرشه فلا يلزم مولاه، ولو علم ما لم يطلب؛ وكذا من رأى جارحًا رجلاً خطأً، وهو مِمَّن يعقل عنه، فلم يطلب أرشه، فإنَّه لا يلزمه ما لم يطلبه، وإن أحدث عبد في الطريق ما يؤخذ به محدثه، فإنَّه يحتجُّ على ربِّه، فإن كان عنده ما يزيل عنه حجَّة الحدث فذاك، وإلاَّ أخِذ بإزالته، فإن أبى حبِس حتَّى يزيله هو، أو بطلق عبده فيزيله، وإن جنى العبد وغاب ربُّه وخيف عليه استوثق عليه بحبسه حتَّى يحضر فيحتجُّ عليه، فإمَّا أن يعلم به أو بإذن منه فيباع في جنايته؛ وإن غاب حيث لا يحتجُّ عليه أقام له الحاكم من يسمع له وعليه وأنفذ الحكم، واستثنى له حجَّته. ومسائل الباب قد تقدَّمت. (7/159)
صفحة 3224
الباب الثامن
في أحداث الصبيان وفيهم
فإذا جرح صبيٌّ من يلزمه القصاص، قال أبو عبد الله: ليس لأبيه أن يقتصَّ منه وله أخذ الدية منه، فإن عفا عنه فليس لابنه أن يقتصَّ منه إذا بلغ، وله أخذها. وليس لصبيِّ أن يقتصَّ مِمَّن أصابه. أبو المؤثر: إن اقتصَّ له أبوه جاز عليه. ابن محبوب: لا قصاص له ولا عليه. وكلُّ حدثٍ من صبيٍّ ولو قتلاً فعلى عاقلته. أبو المؤثر: لا يجوز لغير الأب أن يقتصَّ له، وأجازه أبو عبد الله لوصيِّه، ويؤمر أن ينظر له في الأرش، وإن اقتصَّ كان له، وإن أخذه خيِّر اليتيم فيه وفي الاقتصاص بعد بلوغه وردّ الأرش؛ وإن أنكر أخذ الوصيّ له فعليه إثباته، ولأبيه إمَّا الاِقتصاص وإمَّا الأرش، وله أخذه إذا بلغ؛ والمعتوه كاليتيم في ذلك.
وما أحدثه صبيٌّ في الطريق فقيل: عليه إزالته إذا بلغ وعلم أنَّه باطل، وقيل: لا يلزمه ما أحدثه في صباه، إلاَّ ما أكل أو لبس كما مرَّ، والأوَّل أكثر، وإن لم يعلم أحقًّا أم باطلاً لم تلزمه إزالته حتَّى يعلمه باطلاً، وقيل: إنَّ كلَّ ما أحدثه فيه فقد لزمه في ماله إذا علمه بعد بلوغه؛ وكذا إن أحدث غماءً على جائز فلا يؤخذ بإزالته بعده، وتكون للمسلمين وعليهم، ولا يثبت حدث صبيٍّ بموته، وغير ما أكل أو لبس أو باشره بفرجه فعلى عاقلته؛ وقيل: عليها كلُّ ما ليس عقلاً عن غيره من نصف الدية فأكثر، ودونه، لا عليه ولا عليها، وقيل: عليها ما كان من الدماء، وقيل: عليها جميع جناياته، ولو في الأموال، إلاَّ ما أكل أو لبس أو باشر بفرجه، وقيل: عليها ذلك أيضًا، ولا عقل (1) على صبيٍّ كالمرأة، ولا حبس إلاَّ إن راهق ولم يكف عن الأضرار إلاَّ بالحبس
__________
(1) - العقل: الدية. (7/160)
صفحة 3225
فإنَّه يمنع عنه. ورخَّص ابن محرز وغيره فيما أكل من الأموال أن لا يلزمه ضمانه، وقد مرَّ ذلك.
فصل
إن أعطى بالغ صبيًّا نارًا أو سلاحًا يمسكه له، فعطب، فعلى عاقلته ما ناله به لا إن قتل به [594] نفسه أو غيره لأنَّه لم يأمره بذلك، وإن طلب الصبيُّ مثل ذلك إلى البالغ فأعطاه إياه، وهو بحدِّ متعوِّدٍ باستعماله، فما يلزمه ما أعطاه ولا ما فعل به وضمنه إن كان بحدِّ من لا يقبضه، وإن حبس والٍ صبيًّا بحدثه، فسقط عليه الحبس فمات، فديته قيل في بيت المال.
أبو الحواري: من استعمل صبيًّا بإذن أبيه فأصيب بعمله فعليه ضمانه. قيل لأبي سعيد: فإن سكت عنه ولم يأمره ولم ينهه فهل يضمن ما أصاب؟ قال: يخرج فيه عندي معنى الخلاف، وكذا إن استعمله بأجر، وكان مِمَّن يعمل به وهو في النظر أصلح له.
أبو الحواري: من رأى صبيًّا يسقط في بئر أو يغرق في ماء فلم ينقذه أو أحدًا يموت جوعًا أو عطشًا فلم ينجِّه، وهو قادر على ذلك فعليه ديته إن مات، وقد مرَّ ذلك، وإن أصاب امرأة جدَريٌّ فأراد أهلها تحويلها من موضع لآخر، يرجون نفعها فيه، فقالت لهم: لا ترفعوني، وحذَّرتهم من الرفع لها لأنَّه يشقُّ عليها، فرفعوها فسقطت من أيديهم فأغمي عليها، فإن رجوا في رفعها صلاحها واجتهدوا فيه، وكانوا قائمين بأمرها، لم يلزمهم ضمانها ولو ماتت منه.
ومن مرَّ بصبيَّين يتقاتلان فوقع أحدهما على الآخر فأمسكه عن ضربه، فلمَّا قام المصروع ضرب الآخر والمارُّ ممسك له وهو لا يعلم أنَّه يضربه، فلا شيء عليه لأنَّ عليه أن يمسكه عن ضربه، فإن قال للصبيِّ على سبيل الهدى: اضربه الساعة فوثب عليه فضربه، فإذا لم يرد به الضرب فلا شيء عليه؛ وإن أراده فقيل: أمر البالغ للصبيِّ كأمره لصبيِّه؛ وقيل: لا يضمنه، وعلى الأوَّل به منه. (7/161)
صفحة 3226
فصل
إن أمر صبيٌّ صبيًّا بحدث، فهو على عاقلة الفاعل لا على الآمر؛ ولا على عاقلته إن تشاجج صبيَّان ثمَّ بلغا فعلى كلٍّ أرش ما جنى لصاحبه، وإن غاب عنه أو لم يتعارفا فعلى كلٍّ أن يجتهد في السؤال عن صاحبه؛ فإن عجز عن معرفته فرَّق ما لزمه كاللقطة، ومتى وجده خيَّره؛ وإن تعارفا ولم يعرفا قدر الجرح حسبا داميا.
ومن رأى صبيَّه جرح صبيًّا فلا يلزمه في الحكم أرشه إلاَّ إن حكم به على عاقلته، فعليه ما على واحد منهم، وكذا إن رآه واحد منهم. (7/162)
صفحة 3227
الباب التاسع
في أحداث الدواب
وفيها فمن ملكها وأجاعها وأعطشها وأوثقها، ثمَّ إن تعمَّد؛ وقيل: يؤتى غدًا على ما ماتت عليه من ذلكَ ولا وقت للعمل عليها، إلاَّ أنَّها لا تكلَّف فوق طاقتها، وروي أنَّه قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «اِمسحوا رغام الشاة ونقُّوا مربطها من الشوك والحجارة، فإنَّها في الجنَّة، وما من مسلم له لشاة إلاَّ قدّس له في كلِّ يوم مرَّة، وهكذا وأنَّه خلق الله الجنَّة بيضاء، وخير الزيِّ البياض». وأنَّه بعث إلى الرعاة من له غنمٌ سودٌ فليخلطها بعفر، فإن دم عفرٍ أزكى من دم سوداوين؛ وأنَّه قالت امرأة إنِّي اتَّخذت غنمًا رجوت رسلها ونسلها، وإنِّي لا أراها تنمو، قال: «ما لونها؟» قالت: «سودٌ»؛ قال: «اعفري - أي أخلطي- فيها بياضًا».
وأنَّه أمر باتِّخاذ الغنم؛ فإنّ فيها البركة؛ وإن سمنها معاش، وصوفها رياش، وإن الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم، والديك صديقي، وعدوُّه عدو الله يحرس دار صاحبه، وسبع دور حوله، وإنَّه لا يكون البنيان قرية حتَّى يصعق فيها ديك!.
وكره تعليق التعاويذ في أعناق الدواب، ويحمل على الجلاَّلة المتاع، ولا يجوز الحجُّ عليها، وإن العجماء جبَّار، والبئر جبَّار، أي فعلها هدر، لا ضمان على صاحبها فيه وذلك إن استأجر عليها من يحفرها في ملكه فتنهار عليه فإنَّه لا يضمنه، وقيل: هي الكائنة في ملك أحد فيسقط فيها إنسان أو دابَّة، وقيل: القديمة التي لا يعلم لها حافر ولا مالك، فإن الواقع فيها هدر كقتيل وجد في فلاة، ولا يدرى قاتله، فلا دية فيه ولا قسامة. (7/163)
صفحة 3228
والمعدن جبَّار فمن حجر فيه بأجر فانهار عليه فمات، كان هدرا ولا ضمان على مستعمل عامل بأجر، وعليكم بكلِّ أغرّ محجَّل، ويكرم الشكال من الخيل، وهو المحجَّل من يد ورجل بخلاف، وقيل: في ثلاث؛ وأن لا تنقصوا نواصي الخيل، ولا معارفها، ولا أذنابها، فإنَّها مدابها وعوارفها دواؤها، ونواصيها معقود فيها الخير، وأن لا تتَّخذوا ظهور دوابِّكم منابر (1)، فإن الله سخَّرها لكم لتبلغكم إلى {بلد لم تكونوا بالغيه إلاَّ بشقِّ الأنفس}. وأنَّه جعل لكم الأرض مهادًا فعليها فاقضوا حوائجكم ولا تتَّخذوا ظهور الدوابِّ كراسي.
فصل
من له أكول فاستعاره منه رجل أو استأجره ليركبه فأعاره، ولم يعلمه بأنَّه أكول فإنَّه يضمنه، ومن أطلق على أحد عَقورًا أو أشلاه عليه ضمنه. ومن رأى آكلة زرعًا لرجل لزمه إخراجها منه، وإلاَّ ضمنه إن قدر لأنَّه منكر، وتلزم إزالته كلَّ قادر وروي: على المؤمن حفظ مال أخيه، وكلُّ من رآه يضيع وتركه وقد قدر عليه أثم وضمنه لأنَّه لا يأمر به إلاَّ ولزم تاركه الضمان لأنَّ أوامره على الوجوب، إلاَّ ما قام دليله أنَّه ندب. ومن رأى دابَّة تجري في زرع فليدخل في أثرها، [595] حتَّى يخرجها؛ فإن كانت تكسره إذا جرت فيه وكذا هو إذا مضى في أثرها فلينظر أقلَّ ضرًّا من تركها وطردها، فإن كان طردها أقلُّ ضرًّا فلا ضمان عليه، وقيل: إنَّ تركها أولى به من تولُّد الضمان عليه؛ وإن ساقها وجرت وكسرته، لزمه الضمان لا الإثم.
ومن رأى ضالَّة في زرع أحد فعليه أن يسوقها إن قدر، وقيل: لا يلزمه إخراجها، وإذا ثبت عليه لصرف الضرِّ لزمه معنى الضمان في ترك ما قدر عليه منه، وهي كالحريق والغريق، فمن رأى ضرًّا وقدر على صرفه كان كالمجتثِّ له، وبعضٌ فرَّق بين الأموال والأنفس في ذلك؛ فمن ركب دابَّة وغلبته حتَّى أفسدت في زرع أو
__________
(1) - أ هامش: «أو للمتاجرة». (7/164)
صفحة 3229
أكلت منه فلا يضمنه إن لم يقصِّر، وكذا إن تركها في مأمن وغلبته حتَّى أفسدت أو أكلت.
ومن رأى دابَّة لا يعرفها فيما لا يعرف ربّه تأكله، فإن كانت فيه لا على معنى الضرِّ لا يلزمه إخراجها، وإن كانت فيه عليه فالضرُّ مصروف، وهو من النهي الواجب القيام به إلاَّ من عذر، وقيل: عليه إزالة الضرِّ، ولو عرف أنَّهما لواحد، وإن ساقها سوق مثلها يريد إخراجها، ولم يخرجها فلا عليه فيما أتلفت بمشيها فيه، ولا في تركها فيه، ويُخاف عليه الإثم فيه.
فصل
إن اعتيد لدابَّة ضرٌّ فيحتجُّ على ربِّها في كفِّها ثلاثًا فلم يكفَّها، فقيل: يجوز عقرها بقدر ما يرجى به كفُّها، وقيل: لا سبيل عليه، ويغرم ربُّها ما أتلفت أو أكلت قبل الحجَّة عليه في حال ما يلزمه حفظها، فلم يفعل، وإن لم يلزمه حين ما أكلت فلا ضمان عليه؛ وإن كانت بين بيوت أرض أو على طريق، وهي تزرع، وشكا أهل الزرع من ضرِّ الدوابِّ، فقيل: على أهله حصنه عنها، وقيل: على أهلها كفُّ فسادها، وقيل: حفظها بالليل، وعلى أهلها حفظه بالنهار، وقيل: يتساوى الضمان فيهما.
ومن أخذ دابَّة من حرثه فربطها حتَّى ماتت فقد غرَّمه القضاة إيَّاها، وله ما أتلفت منه. وللرجل إخراج الصبيِّ من منزله إذا دخل عليه، ويقوده ليخرجه، وكذا غيره إذا لم يخرج بالكلام، وإخراج الدابَّة منه ويقودها حتَّى يخرجها منه ومن زرعه، ولا يضمنها إن جعلها في مأمن على مثلها؛ وإن قربت من زرعه وخافها عليه، فله أن يبعدها إلى حيث يأمن ضرَّها، وإن على غيره، وإن ساقها على ذلك، ووقعت في زرع غيره فلا يضمنه إذا لم يرد وقوعها فيه؛ وقيل: إذا لم يسقها سوقًا مباحًا له ولم يكن الحبل في يده وإنَّما يرعاها بعينه، ولم يقصِّر فيه لم يلزمه ضمان لأنَّه لا يلزم الراعي إذا لم يقصِّر، ولو أصاب زرع غيره. (7/165)
صفحة 3230
أبو الحواري: من وجد دابَّة في زرعه، وحوله مزارع الناس، وخاف إن ساقها تخرج منه إلى غيره، فله أن يخرجها منه، فإذا دخلت في غيره وهو ينظر إليها أخرجها منه أيضا، وإن دخلته ولا يعلم فلا عليه، ولو علم بعد أن لم يرد إخراجها منه إلى غيره، وكذا إن أخرجها ثمَّ تلفت فلا عليه؛ ويضمنها إن أمسكها حتَّى يؤدِّيها إلى أهلها، وإن أخرجها منه وساقها وذهبت فلا عليه ولو قادها، وإنَّما يلزمه الضمان إذا ربطها وحبسها.
ومن مرَّ بزراعة قوم وبها دابَّة أمر بإخراجها، ولا يلزمه، وترك الفضل، وليس لمن وجدها في حرثه أن يربطها عنده حتَّى يطلبها ربُّها (1)، ويتقدَّم عليه في إمساكها لأنَّها لا عقوبة عليها؛ وإن جاعت أو عطشت في ربطها فعليه ما نقصت، وضمانها بأخذه لها، ويعاقب حابسها بالحبس وبضمان ما أصابها؛ وإن ماتت غرم أفضل القيمتين، والقول قوله في القيمة مع يمينه، ما لم تكن بيِّنة بأكثر.
أبو سعيد: من قاد دابَّة ولا يقدر عليها إذا جمحت، ومرَّ بها قرب زرع فأكلته ضمنه، ولو اجتهد؛ وقيل: كلٌّ من القائد والسائق والراكب ضامن حدثها.
أبو عبد الله: من حفر بجانب أرضه حفرة ضمن ما وقع فيها إن نوى بحفرها وقوع الدواب فيها، وإن أراد بها تنفيرها عن زرعه لا وقوعها فلا عليه إن حفرها في ملكه؛ وإن حفرها في الطريق فكسرت فيها دابَّة ضمنها؛ وإن لم يتعمَّد؛ وإن حفرها في مباح، فإن أراد بها هلاك الدوابِّ ضمن، وإن أراد بها صرفها عن زرعه وماله فلا.
ومن ركب دابَّة فمرَّ بزرع فأكلت منه، على غلبتها له، أو غفل عنها أو نام أو نسي، فإن اعتيد أنَّه يملكها فغلبته، فأرجو أن لا يضمنه.
أبو عبد الله: إن وقعت على حرث قوم غنم ليلاً ضمن أهلها ما أفسدت، وحفظه نهارًا على أهله، وهو رأي أبي عبيدة، والأعور، وضمَّام، وعليه قال أبو عبد
__________
(1) - ب: «ربّه». (7/166)
صفحة 3231
الله: قيمة ما أكلت دابَّته إن وجدت بيِّنة أو إقرار، وإلاَّ وطلب يمينه حلف ما يعلم أنَّه أكلت.
أبو المؤثر: قد حكم أهل عمان على أهل الدوابِّ بغرم ما أكلت ولو نهارًا.
فصل
إذا أفسدت دابَّة زراعة ولزم ربَّها الغرمُ، فقيل: يوم أكلته، وقيل: زرعًا قائمًا، لا ثمن العلف مجزوزًا، وقيل: يلزم مثل ثمرة مثله. أبو المؤثر: إن استهلكت حرثًا استهلاكًا لا يعود نظر الأوفر لربِّه، فإن كانت قيمته يوم أكلته أكثر من نفقته وبذره وعنايته حكم له بها؛ وإن كان العناء والنفقة أكثر حكم له بقيمة ذلك؛ قال: إلاَّ السماد فلا أقول فيه شيئًا.
ابن بركة: اختلف في آكلة أرز أحد أو زرعه فقيل: يضمن ربُّها ما أتلفت ولو نهارًا، أو في حال رعي أو شدٍّ، وقيل: لا يضمن فعل النهار مطلقًا، وعلى ربِّ ذلك حفظه نهارًا، وعلى ربِّها حفظها وشدُّها ليلاً، وقيل: إن أطلقها ربُّها للرعي نهارًا في فلاة فرجعت فيه فأكلت، لم يلزمه؛ وإن أطلقها في العمارة والقرية، أو قرب المزارع، ضمن في ليل أو نهار؛ وإن انطلقت من رباطها فأكلت، فلا ضمان - قيل - على ربِّها إذا لم يفرِّط في حفظها، وقيل: يضمن.
وكتب - قيل - عمر إلى أبي بكر رضي الله عنهما في قوم يرفعون إليه أنَّ خمرًا في [596] بيوت، وإن قومًا يأتونها بدوابٍّ، فكتب إليه: «أمَّا من رفع على محجور فأرسل واستأذن، فإن وجدت خمرًا فأرقها، وعاقب من كانت في بيته، وأمَّا أصحاب الدوابِّ فمن أفسدت دابَّته، فغرِّمه في الأولى، فإن عاد، فغرِّمه واحبسه، فإن عاد فغرِّمه واحبسه وعاقبه بالضرب».
وقال الربيع: على أهل الحرث حفظها بالنهار، وعلى أهل الدوابِّ حفظها بالليل، وإن أفسدت تقدم عليهم، فإن كفُّوها وإلاَّ فلأهل الحرث أن يرموها ويقتلوها في الليل من حرثهم، ولا شيء عليه. (7/167)
صفحة 3232
ومن له زراعة على أهل الطريق فليحظر عليها، وقال عمر: «ترد الضواري على أهلها ثلاثًا ثمَّ تعقر»، وبه قال الربيع. وقيل: كانت لابن عازب ناقة ضارية فاقتحمت حائطًا فأفسدت فيه، فرفع صاحبه إلى النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم فقال: «إنَّ حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، ولو أفسدت ليلاً لغرم».
ومن أطلق دابَّته تدور في البلد، وقد زرع الناس بلا حظار ولا جدار، ووقعت في زروعهم، فما أتلفته ليلاً فعليه غرمه اتِّفاقًا، وفيما بالنهار خلاف. ومعنى ما روي أنَّ على أهل الحروث حفظها بالنهار، وعلى أهل الدوابِّ حفظها بالليل؛ قيل: ما أكلته دابَّة أحد بالليل فعليه الغرم إلاَّ إن تقدَّم الحاكم على الناس أن يحفظوا دوابَّهم ولو بالنهار، فما أفسدته فيهما بعد التقدمة عليه، فعليه ضمانه؛ والمختار أنَّه إن كانت في مأمن فيه على الحروث وأمن منها ولم يغفل عنها غفلة تقصير فأفسدت كان واسعًا له ولا يضمنه؛ وإن حملها على الحروث في مواضع الأحظار، وحيث لا تمنع فيه من الفساد ضمن، وهذا أوسط الأقوال، وكلُّها صواب.
فصل
من ضرب دابَّة أحد فطرحت ولدها قال عزَّان:؛ فإن حيِي نظر إلى قيمتها قبل طرحها وبعده، فيعطى فضل ما بينهما، وإن مات بعدهما، أعطي قيمته أيضًا، وانظر ما إن طرحته ميِّتًا، ولعلَّه سواء في الفضل.
ومن ضرب دابَّة عليها راكب، أو نفرها أو نخسها فصرعت فعليه ما أصابه. ومن منع أحدا التصرُّف في ملكه بعد حقٍ ضمن ما أتلف منه.
أبو سعيد: من رمى دابَّة لزمه ما نقص عن حالها لأنَّها تقوم صحيحة ومصابة كما مرَّ، وإن عاشت ناقصة من حدثه ثمَّ ماتت فعليه فضل القيمتين لا ضمانها؛ وإن رماها فمشت قليلاً ثمَّ ماتت، فإن كانت الرمية مثلُها يقتل، ولم تبِن صحَّة بعدها لم يبرأ من ضمانه، إلاَّ إن صحَّ موتها بغيرها، وإن تعورف أنَّ مثلها لا يقتلها، فلا يلزمه غير حدث الرمية حتَّى يصحَّ موتها بها؛ وإن اشتبه دُعي ربُّها والرامي بالبيِّنات على (7/168)
صفحة 3233
ما يدَّعيان، وإن رماها وغابت عنه إلى ربِّها، والرمية مِمَّا يقتل مثلها، فادَّعى ربُّها أنَّها لم تزل هاوية منها حتَّى ماتت، أو قال: إنَّها ماتت من ضربه فالوقف.
فصل
من فقأ عين دابَّة أو قطع أذنها فعليه ربع قيمتها، وإن قطع يدها أو رجلها فثمنها، ويأخذها؛ وكذا إن عور عينيها معًا، وقيل: تقوم صحيحة ومصابة فيعطي نقصان قيمتها.
وإن كسر قوائمها أو بعضها قوِّمت كذلك فيغرم ما أنقصها، وإن كسر قرنيها أو أحدهما فالنظر؛ وإن عور إحدى عينيها، فالأصحُّ أنَّها تقوم صحيحة ومصابة إن وجد عدول، وإلاَّ أخذ بالقول إنَّ فيها ربع القيمة؛ وفي ذنبها إن قطع كلُّه، قيل ثمنها كلُّه؛ وقال ابن محبوب: سوم عدلين، وقيل: تقوم مقطوعة وغير مقطوعة، فيكون لربِّها ما نقص.
ومن كسر شاةً من حرثه قوِّمت سالمة ومكسورة، فيعطى ربُّها قيمتها صحيحة، وكذا الجمل والبقر، وأمَّا الحمار فإنَّه يعطى قيمته لأنَّه لا ينتفع بلحمه إذا كسر، وكذا الجمل والثور إذا لم يكن للحمهما قيمة.
ومن عور عين دابَّة فعليه ربع قيمتها؛ فإن كانت مِمَّا يؤكل طرح عنه قيمة اللحم، وإلاَّ فلا، وتعطى للجاني. ومن عقر دابَّة فماتت من حينها أو بقريب، فعليه قيمتها؛ وإن تباعد موتها قوِّمت سالمة ومعقورة وأعطى النقص، وجرح الدابَّة ليس كجرح البشر.
أبو الحسن: قيمة جنين الدابَّة عشر ثمنها؛ وقال الشافعي: ما نقص من أمِّه. ومن ركب ناقة (1) فألقت جنينًا، فعليه عشر ثمنها كالأمة؛ وإن خرج حيًّا فمات
__________
(1) - ب: «دابة». (7/169)
صفحة 3234
فقيمته. ومن ضرب شاة فألقت ميِّتًا قوِّمت وهو بها، وبعدما ألقته فيغرم الأفضل (1).
فصل
منع بعضٌ إطعام الدوابِّ الأنجاس وبعض أجازه، ومن كلَّف دابَّته أكل شيء يريد به صلاحها، فلا عليه، واختلف في لبنها، وإذا أكلت زرع أحد فقيل: حلال، وعلى ربِّها ضمانه إن كان يلزم فيه الضمان، وقيل: حرامٌ لتولُّده من الأكل، والمختار الأوَّل؛ ورخَّص بعض في الطعام إذا تنجَّس أن يطعم للدوابِّ والصبيان.
ومن غصب ماء وسقى به زرعه، فالتنزُّه عن أكله أحسن. ومن قتل كلبًا فعليه قيمته، ولا غرم في غيره إلاَّ إن كان لغنم أو بستان فيضمن، وإن أرسله ربُّه على الناس ولو مكلَّبًا فدخل بيوتهم فلا غرم على قاتله، وأخبر الوضَّاح أنَّ أباه وأصحابه كانوا بصحار يشكون الكلاب في منازلهم ويضربونها، وكان يضع إصبعه في أذنه من صياحها، ولا غرم على قاتلها على ذلك، وقد مرَّ صاحب للجلندَى بكلب في بستان، أو سمع صوته فهمَّ بقتله فلم يفعل.
وكره بعض وسم الدوابِّ، وأجازه بعض إن كان لعلَّة أو علامة.
أبو عبد الله: على قاتل الكلب وإن آذى الغرم والإثم والحبس، وإن لحق ضرُّه أحدًا أخذ ربُّه بكفِّه، فإن كفَّه وإلاَّ حبس، ويقال لربِّ العقور: كلُّ ما أحدثه عليك فأنت له ضامن، فإن أضرَّ بعد التقدمة ضمن.
__________
(1) - ب: «الفضل». (7/170)
صفحة 3235
فصل
لا يحمل على دابَّة ما لا تطيق، وتضرب إن أخذت غير الطريق حتَّى تستقيم أو تزيد في المشي.
ويسع عقر الدابَّة عند القتال إذا أريد أن لا ينتفع بها العدوُّ. ومن قتل دابَّته أو ذبحها لا لمعنى فمن التضييع، ومن وجد حيَّة ولم يقتلها ضمن، إن لسعت أحدًا.
ويرد بيع السبع ولو ذئبًا لأنَّه يجوز قتله.
ونهي [597] عن قتل الكلاب عبثًا. وأمِر بقتل الأسُود، وكانوا في زمان الجلندى يقتلون الكلاب. وقتل كلب الحامي والصائد لا يجوز، وقاتلهما ضامن؛ ولا قتل الذرة والجعل والخنفساء ونحوها مِمَّا لا يؤذي.
وروي: من قتل عصفورًا وما دونه أو فوقه، سأله الله عن قتله، وليستغفر منه.
ونهي أن يحرق حيوان، وكره التعذيب بعذاب الله. ابن بركة: لا بأس أن تكوى الدوابُّ لمصلحة. المهنا: يكره وسم الدوابِّ على خدودها، وضرب وجوه العبيد والدوابِّ والطير الواقع على الزرع مؤذ وهو من الصيد.
وقيل: إنَّ الأبرار هو الذين لا يؤذون حتَّى الذرَّة؛ ونهي عن قتل الهدهد والنحلة والهرَّة، وإن يوشى بين بهيمتين، ولعن من وشى بينهما؛ وقيل: أقذر الذنوب ظلم المرأة صداقها، والأجير أجرته، وقتل البهائم لا لمعنىً؛ ولعن من ترك قتل حيَّة مخافة شرِّها؛ وقال: «اقتلوا الحيَّة والعقرب، فإنَّا ما سالمناهنَّ منذ حاربناهنَّ».
وقيل: إنَّ العقرب لا تضرب ميِّتًا ولا مغشيًّا عليه ولا نائما إلاَّ إن تحرَّك؛ وإن عمر الذباب أربعون يومًا.
ولا يجوز ضرب الدابَّة ولو له أو أباحه له ربُّها، ومن آذاه قمَّل فله أن ينشر ثوبه في الشمس ليموت، ولا يُطرح في النار. (7/171)
صفحة 3236
ولا يجوز خصي الإبل والخيل والحمير، وجاز خصي الغنم لتسمن؛ وما خيف ضرَّه من الدوابِّ، وأخصاء العجول للمنافع، وأجازه أبو سعيد في السِنَّور.
ابن محبوب: إذا هرمت دابَّة لا توكَّل، أو كسرت، أو صارت بحدِّ ما لا ينتفع به فإنَّها تذبح ويرمى بها ولا تسيَّب.
فصل
قيل: من له في نفسه نظر فلا يتَّخذ الحقم، وهو ضرب من الطير، وقيل: الحمام. وقيل: إنَّ معدِّلا طرح عدالة رجل، فقيل: له فيه، فقال: إنَّ عنده ستِّين لصًّا يعدون على زروع الناس.
واتِّخاذ الدجاج أهون حتَّى يعلم إفسادها ولا بأس باتِّخاذها لمن لم يسرحهما عليهم، وإن أطلقهما تقدَّم إليه في صرف الضرِّ، وإلاَّ حبس.
وإذا اشتكى أهل المنازل من حفر الغنم في أصل جدورهم قيل لهم: احصنوا مواضعها عن مرابطها؛ فإنّ الشاة تحفر الجدار وتؤذي الجار؛ وإن شكوا من دخولها عليهم فعليهم حفظ منازلهم بالأبواب.
وإن اتَّخذ أهل منزل سبعًا فيه فدخلته شاة فعقرها لم يلزمهم ضمانها.
وإن وقعت دابَّة في الحوانيت والدكاكين والأسواق ونحوها لم يلزم أهلها ضمان، وعلى ربِّها ضمان ما أصابت بعقر أو نطح، أو ركض في ذلك، ولو كان راكبًا عليها، وإن أصابت بمقدِّمتها فعليه ضمان ذلك، وإن كنحها (1) باللجام ضمن ما أصابت بمؤخِّرتها؛ وإن حملت حطبًا أو غيره، وقد قيدت أو سيقت ضمن قائدها أو سائقها ما أصابت بمقدَّمها إلاَّ إن لاقت مثلها في ما لا محيد لأحدهما عن الأخرى، فتلفت إحداهما فلا ضمان على الأخرى، وإن تلاقتا فيه ولا بدَّ من تلف إحداهما
__________
(1) - ب: «كبحها». (7/172)
صفحة 3237
قيل: تتلف أقلُّهما ثمنًا، وقيل: تقوَّمان ثمَّ يخاير بينهما أيُّهما أتلف، فلربِّها نصف الثمن على ربِّ الباقية، واختير إتلاف أردأهما.
ومن هاج جمله وعرف بأكل الجمال فساقه وأكل جملاً ضمنه، ولا حبس عليه، وإن قطره خلف وأكل ما قدمه ضمنه أيضًا؛ وإن لم يعلم أنَّه يأكل فأطلقه على محلِّ قوم فيه إبلهم ضمنه، لا إن أطلقه في المرعى فلقيه فقتله، إلاَّ إن تقدَّم عليه فيه، وإن رجع ربُّ المعقورة وربُّ العاقرة إلى الأحكام، وطلب ضمان ما نالها من العقرة، فقال ربُّها: لم أعلم أنَّها تعقر، كلِّف ربُّ المعقورة البيِّنة أنَّها تعقر الدواب، وإنّ ربَّها عالم بذلك.
وإن عرف كبش أو تيس بنطح البشر تقدَّم على ربِّه، فما أصابه بعد فإنَّه يضمنه، وكذلك الذئب إذا كان يصيب، ومن تقدَّم عليه في شيء من ذلك فتعمَّد إطلاقه بعد التقدمة ضمن وحبس.
أبو سعيد: إذا عرفت دابَّة بذلك ضمن ربُّها ما أصابت، وقيل: لا، إلاَّ إن تقدّم عليه في حفظها، وإن لم تعرف بذلك من قبل لم يلزم ضمان ما أصابت، وقيل: له؛ فإن عرفت بذلك فمن دخل منزل ربِّها فأصابته فيه، قال: إذا كانت في حصن لها ودخله داخل بلا إذن فلا ضمان له على ربِّها، وإن كان بإذن منه فقيل: يلزمه.
ومن ربط دابَّته بحبل فقطعته أو سرق، وأكلت زرعًا فقيل: عليه غرمه، وقيل: إن كان الحبل مِمَّا يؤمن وثاقها به فلا يلزمه، وكذا إن كان يرعاها وأكلت بلا تضييع منه فلا يلزمه.
وإن أطلق حماره على الدوابِّ عارفٌ أنَّه يعقرها ضمن ما عقر، ولو لم يتقدَّم عليه فيه. ومن اتَّهم دابَّة بالأكل فلا يحكم له إلاَّ بالصحَّة وليس على الدوابِّ تهمة، ومن طلب يمين ربِّها حلف له ما يعلم أنَّها أفسدت عليه، وإن ردَّ اليمين عليه حلف له: لقد أفسدت على زرعي. (7/173)
صفحة 3238
فصل
حبس في الفساد خادم ربِّ الدابَّة إن ضيَّع والمرأة في بيتها، وتتعاهد لصلاتها ونفقتها، وقائم وعبده بفساد دابَّته، ولو راهق في مسجد أو طريق، لا في سجن، ويؤخذ به وليُّه، وإن تجامحت الدوابُّ، وخاف كلُّ أحد أن يدنوها لئلاَّ تضرَّه، فرمى فيها بحجرة فأصابت إحداهنَّ فقيل: يضمنها، وقيل: لا، إن كان يدفع عن نفسه أو مال؛ وإن لغيره.
ومن عدى عليه بعير أو ثور أو كلب أو حمار، وخاف منه قتلا فقتله، فلا عليه أن يُبن، ولا يصدَّق إن ادَّعى [598] ذلك إلاَّ ببيِّنة، وقال عزَّان: اختلف فيه، واختير أنَّه لا يضمن، لأنَّه دافع إلاَّ إن كانت تندفع بلا قتل فتعمَّده، وكذا إن دفعها عن ماله ولم يقصد قتلها، وقيل: يضمن في دفعه عنه، لا فيه، عن نفسه. وإن دفع عن غيره في مال أو نفس ففيه خلاف.
ابن محبوب: إن كان بين أربعة جمل فعقله أحدهم فوثب في عقاله فوقع في بئر، فعند عليٍّ إنَّه ضامن لأنصبائهم، وقال غيره: لا، لأنَّه أحرز نصيبه، وهو المختار.
وإن أضرَّ سِنَّور في منازل، فقيل: يعقر بما يكفُّ به ضرُّه، ولا نحبُّ أن تكسَّر قوائمه، فإن أمن منه وإلاَّ جاز قتله. وإن احتمل أنَّ له مالكًا سئل عنه حتَّى يتقدَّم عليه، فإن كفاه، وإلاَّ عقر، وكذا سائر الدوابِّ ...
وقيل: إنَّ الضواري تعقر بعد الاحتجاج على ربِّها ثلاثًا، فإن كفَّها، وإلاَّ عقرت، ولم يقولوا: تقتل، إلاَّ إن ماتت بعقرها فلا غرم فيها.
ويرمى الدجاج إن أضرَّ بنبل أو حجر (1)، فإن احتمل أن لا يقتله، ورجا إن عقره يكفُّ ضرَّه عقره، وإلاَّ لم يجز.
__________
(1) - ب: «بحجر أونيل». (7/174)
صفحة 3239
ومن له جمل أكول فادخله سوقًا أو طريقًا ضمن ما أصاب حتَّى يحبسه في داره، ولا يرى قائد الدابَّة ولا راكبها ضمان ما أصابت برجلها.
ومن ضرب دابَّته فركضت أحدًا فقتلته، فإن أصابته بها فلا دية عليه، فإن أصابته برأسها أو بيدها لزمته. ومن وطئ أفعى أو عقربًا فنتر رجله فسقطته على أحد فلدغته فمات فديته على عاقلته، ولا يرثه لأنَّ ذلك من فعل يده.
فصل
قد مرَّ أنَّ ناكح البهيمة يجلد إن كان بكرًا ويرمى من عال إن كان محصنًا، وقيل: يرجم، وقيل: يقتل بالسيف، وتذبح وتدفن، وقيل: لا بأس بها، وقيل: تسيَّب، ولا ينتفع بها، وبه قال أبو الحسن. وعلى الفاعل قيمتها؛ ابن عليٍّ: لا بأس بحبسها؛ أبو عثمان: تذبح وتدفن حتَّى لا يأكلها سبع ولا طائر؛ ابن بركة: على الفاعل الحدُّ، والدابَّة لربِّها، وله أن يتصرَّف بها، وليس وطؤه إياها يزيلها من ملكه؛ وقيل: إن كان واطئها ربُّها أو بنوه أو غلمانه فلا يحلُّ له إمساكها إن علم، بل يذبحها ويدفنها، وإن كانت لغير الفاعل اشتراها إن قدر، وذبحها، ولا يأكلها، ولا لبنَها، وإلاَّ فلا يستعملها، وإن باستعارة أو أجر، وإن أمكنه أن لا ينظر إليها فعل، وعليه الاستغفار والندم أبدًا. وإن ماتت ولها جنين ذبح ودفن كأمِّه. وروي: «ملعون من أتى بهيمة، ومن أطال الوقوف عليها بتوسيدها». وفي خبر: «اقتلوها وناكحها» وتنظر صحَّته.
فصل
من جرح دابَّته أو مثَّل بها فعليه التوبة لا الضمان، وله أكلها، وله أن يذبحها أو يرميها إن كبرت أو كسرت، أو كانت لا ينتفع بها، أو تؤذي كما مرَّ، ولا يكون (7/175)
صفحة 3240
ذلك إضاعةً لماله إن لم يرج نفعها، وعليه أن يتعاهد سقيها وعلفها، ولا يدعها تموت جوعًا وعطشًا.
ومن قتل ذرَّة أو دبى أو سمسمًا أو سقاطًا أثم. ومن لدغه سمسم أو غيره فوجد جنسه فله قتل كلِّ مؤذٍ. ولا بأس على مطعم هرِّ غيره إن لم يحبسه عن ربِّه، ولا على قاتل في مسجد ما مرَّ أو عقربًا، وفي قتل الإمحات قولان.
ومن سرق سِنَّورًا ينتفع به لزمه ردُّه لربِّه ونقصُه إن حبسه وقيمتُه إن تلف. وإن سرق كلبًا فليردَّه لربِّه، ولا يضمنه إلاَّ إن كان لرعي أو صيد، ولا كراء لكلب أو سِنَّور، وإن دخلا منزلاً فأكلا فيه طعمًا فقتلهما ربُّه فلا عليه، إلاَّ في الكلب إن كان لذلك، وعلى ربِّهما قيمة ما أكلا، وإن دافعهما حين أرادا أكله فلا ضمان. وإن أوى سِنَّور لمنزل ولم يعلم أهله أنَّ له ربًّا فلا عليهم إن أطعموه، ويمسكونه عن الذهاب.
وسئل هاشم عن الدوابِّ: هل تطعم الدوابُّ الخبز؟ فقال: إنَّما هو للبشر ولها العلف، ولعلَّ غيره أجاز ذلك. وإن تسلَّط سنَّور على منزل قوم ولا يعرف لأحد وكان يأكل طعامهم وغيره، فإن غلب على ظنِّهم أنَّه مربوب، ولكنَّه لا يعرف ربُّه فإنَّه يعقر، فإن مات لم يضمن، إذا لم يتجاوز فيه إلى غير مباح منه.
وإن قرنت دابَّتان بحبل فطردهما رجل فخنقت إحداهما الأخرى فقتلتها، فإنَّه يضمنها.
ومن سرق كلبًا أو هرًّا من حرز وقيمته ربع دينار فأكثر فإنَّه يقطع.
ومن رأى دابَّة في زرعه (1) فطردها فأبت أن تخرج منه فضربها فتلفت في حينها فلا عليه.
__________
(1) - ب: «أرضه». (7/176)
صفحة 3241
وأجاز أبو عبد الله بيع كلب الصيد والسنَّور، وقال بعضٌ: اشترِ كلب القنص والرعي ولا تبعهما، واشتر السنَّور وبِعه. ومنع أبو الحسن بيع الغراب والثعلب والرخمة لأنَّها سباع.
ولا بأس بإرسال الحمار على الفرس لتلد بغلاً.
فصل
أبو عبد الله: من أتاك بدابَّة وقال: أفسدت ماله، وتكون في يده، ويرسل الحاكم معه ثقة، فإن رأى فيه فسادًا أمر الذي كانت بيده أن يدعو ربَّها إليه ثمَّ ينصفه منه ويحبسه له؛ ولا يلزم له إلاَّ إن صحَّ أنَّها أفسدته، أو يتَّفقا على رأيٍ، أو يتحالفا، أو يرضى ربُّها بيمين، فيغرم له ما يراه العدول، وذلك بعد الحبس.
وإن شكا الناس من فساد الدوابِّ أمر الوالي من ينادي فيهم أن لا يهملوها إلاَّ براعٍ يكون حبلها بيده، فمن أهمل دابَّته بعد التقدمة حبسه ولو لم تفسد على أحد وما أكلته دابَّة من مدركة نظر في مثله فعرف [599] ثمَّ ألزِم أهل الفساد الغرم؛ وإن كان مِمَّا يرجع من الزرع بحاله كالبقل والقت فغرمه كالعلف، وإن كان مِمَّا لا يرجع ولا تترك له ثمرة كالفحل إذا قطع فإنَّه يقوَّم على قدر بيعه.
ومن وجد دابَّته مقتولة في بيت، فليس على ربِّه إلاَّ اليمين ما قتلها؛ وإن وجدها في حرثه فلا غرم عليه، إلاَّ إن صحَّ أنَّه قاتلها؛ ومن نكل غرم. ابن المسبِّح: والذي عندنا بعُمان أنَّه إذا أحدثت شاة فجيء بها من زرع دفعت إلى الراعي؛ وقيل: لآتٍ بها إتيان بربِّها، فإن أتى به نظر في أمره، وإن لم يأت به ردَّت عليه، وأخذ بأمرها، فإن قال ربُّها إنَّ الزرع لا خضار عليه ولا جدار، قلنا له: أقم شاهدين، فإن (7/177)
صفحة 3242
أحضرهما فلا حبس عليه إلاَّ إن أفسدت ليلاً، وإن شهدا أنَّ عليه جدارًا أو خضارا (1) لا يمنعها لم يحبس، وإن لم يحضر ذلك عوقب.
وإن بلغ الوالي أنَّ أحدًا أخذ دابَّة غيره بلا فساد، وأتى بها عاقبه، فإن قال: أفسدت عليه، كلِّف بيِّنة، فإن لم يبيِّن سببًا عوقب، وإن قال وجدتها تأكل فانطلقت إليها فهربت، حتَّى أخذتها، فقد أقرَّ أنَّه أخذها من غير زرعه، وإن وجده مأكولا عذر في أخذها، ولا يعاقب، فإن كان مِمَّا يرجع بحاله كان أهون عقوبة، وإلاَّ كان أشدَّ.
ومن أفسدت دابَّته مرارًا بعد التقدمة عليه، عوقب على قدر ثمنه وإفسادها بوطئها لمالكها في الضمان. وإن أدَّى ربُّها ما أفسدت وأراد ربُّ الزرع أن يعذره من الحبس فلا حجَّة له لأنَّه عقوبة من الحاكم. ولا يحلُّ له أن يأخذ الغرامة من ربِّها إلاَّ إن أقرَّ أنَّ دابَّته هي المفسدة لزرعه، أو رآها تأكله، أو شهد بذلك، وإن رأى دابَّة فيه، وأراد أخذها فلم يقدر، واتَّهمها لأحد فليس على الدوابِّ كما مرَّ تهمة؛ فإن طلب من ربِّها يمينًا حلف ما يعلم أنَّها المفسدة؛ وإن ردَّها إلى ربّ الزرع حلف لقد أفسدته عليه، وحبس له؛ وإن قال: أحلف أنا كذلك من غير ردٍّ من ربِّها فليس عليه ذلك؛ وإنَّما اليمين على ربِّها إلاَّ إن ردَّها إليه. وإن صارت إلى الراعي ولم يعرف لها ربًّا أجبر الآتي بها على أخذها إن عرف وإلاَّ فكالضالَّة، فمن أتى بعلامتها دفعت إليه، وإن لم يأت لها بها قيل للراعي شأنك وشأنها إن كانت شاةً، وإن كانت ناقة ذهب بها إلى خارج البلد وأرسلها في الكلأ عند المورد؛ وإن كانت بقرة سبيها، وأشهد عليها؛ وكذا إن كانت حمارًا أهليًّا؛ وإن كان بدويًّا أطلقه خارج البلد؛ وإن كان طيرًا أهليًّا قيل لربِّه: كفَّه، فإن لم يكفَّه قيل لربِّ الزرع: شفه وارم ولا غرم عليك فيه، ولا تشبك لأخذه.
__________
(1) - ب: «خضارا أو جدارا». (7/178)
صفحة 3243
فصل
يقدَّم على أرباب الضواري أن يكفُّوها، وإلاَّ تعقر؛ وقيل: تعقر إذا أدركت في زرع ولا غرم فيه ولا غرم عليه، لا إن لم تدرك فيه، وقيل: حيث أدركت؛ وقيل: لا تعقر الدوابُّ، ويؤخذ (1) أهلها بها بعد التقدمة؛ ومن وقعت في غنمه شاة فأتاه رعاة غير ثقاة فادَّعوها، فله دفعها إليهم بالعادة، إن سكنت نفسه لا بالحكم؛ ومن له عشر شياه فزرب عليها فلمَّا أصبح وجدها عشرين ولم يجد لها طالبا ولا خبرا، فإنَّه يأخذ غنمه ويفتح باب الزرب لتمضي، فإن لم تمض أطعمها وسقاها ولا يضمنها.
وسئل أبو سعيد: هل لربِّ الدابَّة أن يطلقها نهارًا بلا قيد ولا شكال؟ قال: نعم، على القول بأنَّ على ربِّها حفظها، وعلى أهل الحرث حفظه نهارًا، وعليه فإذا وضعها في مأمن كطريق أو خراب لم يلزمه ضمان؛ وقيل: إذا اشتبك البلد بالزرع، فيلزم من أطلق دابَّته فيه، وإن كانت زراعته خارجة عنه فله إطلاقها فيه، ولا يلزمه ضرُّها نهارًا، وعليه في النظر أن يضعها في مباح مأمن كما مرَّ، وعليه فمن وجد دابَّة في زرعه، وأخرجها إلى جائز أو خراب فله، ولا عليه حفظها، ولا تأديتها لربِّها، قال: وأمَّا في معنى الرواية من الحفظ بالليل والنهار كما مرَّ فذلك خاصٌّ بالمدينة لأنَّ زراعتها خارجة منها، وإن سرحها بالليل فأضرَّت ضمن اتِّفاقًا، ولو خرجت الزراعة منها.
ومن رعى لقوم بقرًا فولدت واختلفوا في أولادها جاز قوله لهم وعليهم، إلاَّ إن علموه كاذبًا، ومن طرد دابَّة فقال لأحد: أمسكها لي، فله إمساكها له، إلاَّ إن اتَّهمه بظلمه فيها، وإن طرد عبدًا أو حرًّا وقال له: أمسكه لي، فإنَّه سرق لي كذا! فأمسكه فضربه، فإنَّه يضمنه إن لم يكن له.
ومن أخذ حمارًا من فلاة يظنُّه له، فلم يكن له، فقيل: يردُّه إلى المرعى، وقيل: يضمنه ولا يسلِّمه لمدَّعيه بلا صحَّة، وفي العلامة إن أتى بها الوقف.
__________
(1) - ب: «لا يؤخذ». (7/179)
صفحة 3244
ومن له بقر فدخلت فيه بقرة لا يعرفها واشتبهت عليه فلا يأخذ إلاَّ ما له، وكذا الغنم.
ومن وجد جملا في خراب فأخذه ولم يعرف له ربًّا فقيل: يخرجه من حيث جاء في البرية ويتركه، ويشهد على سلامته.
ومن لهما عشراوَتان أرغداهما في برية ثمَّ طلباهما فوجدا عندهما فصيلا يتبعهما وترضعانه وتقفان له إن تخلَّف ولم يعلما أيُّهما أمُّه، فقيل: تبع لهما، وقيل: يدعى كلٌّ ببيِّنة أنَّه لناقته، فإن أقاماها أو أحدهما، وإلاَّ كانت كاللقطة، واختير الأوَّل؛ ولا يلحقهما إن لم يَرضَعهما إلاَّ ببيِّنة.
وإن ذهب بقر إلى موضع وتوحَّش فيه ولم يعرف أولادها فإنَّها تقسم عليها.
ابن بركة: من له غائبة ووجد عندها ولدًا ترضعه، فلا يأخذه، وقال أبو سعيد: له أن يأخذه إن غابت عنه قدر ما تنتجه، وهي تقف له وترضعه، وقيل: لا، حتَّى يعلمه منها، وهو الأشبه، ويسع الأوَّل إن اطمأنَّ القلب.
وإن مرَّت شاة على عطَّار فكسرت قواريره، وأراقت دهنه، فلا شيء على ربِّها إلاَّ إن خلفها من يدمِّرها فيلزمه ضمان ذلك. (7/180)
صفحة 3245
الباب العاشر
في الميزاب
فإذا كان لمنزل يطرح في أرض رجل فطلب صرفه عنه، فإن أحدثه ربُّ المنزل فعليه صرفه عنه، إلاَّ إن قدم ومات محدثه، ومن [600] بنى دارًا وجعل ميزابها يطرح في براح فلبثت على ذلك مدَّة ثمَّ بناها دارًا، وقد ترك الأوَّل من أرضه خلف جداره ذراعًا أو أقلَّ، أو لم يترك شيئًا، فلمَّا بنى الأخير، قال له: اعزل عنِّي ميزابك (1) لئلاَّ يضرَّ بجداري، فإنَّه يصرفه عنه.
ومن اشترى أرضًا وشرط عليه المجرى في موضع لمنزل لرجل فبناها، وجعل الميزاب إلى المجرى فله ذلك إن كان في ملكه، وإن كان يفضي إلى فلج يجرُّ الماء والطين ويضرُّه صرف الحادث عنه، وإذا ثبت المجرى الأوَّل في الملك فإنَّه يزال ما تولَّد من حدثه لا نفسه، وإن لم يتولَّد منه، ولم ينكر عليه صرف ذلك الطين لا إن دخل ملكه كذلك؛ وإن اشتراه جدارًا قائمة وله بيِّنة أنَّ ميزابه في ذلك الموضع ثبت له أيضًا.
تمَّ هذا الجزء
__________
(1) - ب: «اعزل ميزابك عني». (7/181)
صفحة 3246
الجزء الثالث والعشرون
في الدمَاء (7/182)
صفحة 3247
الباب الأوَّل منه
في الجروح وأسمائها وصفاتها
فأوَّلها الجارحة: وهي التي تشقُّ الجلد قليلا. ثمَّ الدامعة: وهي المخرجة ماء كالدمع، وقيل: الدم. ثمَّ الدامية وهي ما يدمي ولا يسيل. ثمَّ المتلاحمة: وهي ما قطعت جلدًا وأخذت في لحم، وقيل: هي التي تشقُّ الجلد ولا تأخذ في اللحم، ويسودُّ دمها. ثمَّ الباضعة: وهي التي تبضعه وتأخذ منه. ثمَّ السمحاق: وهي ما يبقى بينها وبين العظم جلد رقيق يسمَّى بذلك. ثمَّ الموضِّحة: وهي ما أوضحت العظم. ثمَّ الهاشمة: وهي ما هشَّمته. ثمَّ المنقِّلة: وهي ما أنقلته. ثمَّ اللامَّة: وهي ما بلغت أمَّ الدماغ، ويقال لها: أمُّ الدماغ، ويقال لها الدامغة؛ وقيل: إنَّ الثلاثة الأولى ليست في الجروح، إذ لا أثر لها (1)، وكذا الدامغة إذ لا يعيش معها أحد غالبًا؛ والأكثر قيل: إنَّ الموضِّحة إنَّما هي في الرأس والوجه لا في غيرهما. ثمَّ الجائفة: وهي البالغة الجوف ولو برأس إبرة؛ وقد ذكرنا في النيل أزيد من هذا.
__________
(1) - ب: - «لها». (7/183)
صفحة 3248
الباب الثاني
في قياس الجروح
فإذا وصل الجريح إلى الحاكم ونظر إلى جرحه، ولم يعرف منتهاه، ثمَّ يقيسه بخيط ليعرف طوله وعرضه وعمقه، فإذا عرف أنَّه كم من الراجبة، أثبته بكتابة، وله أن يأمر من يقيس إن كان يحسن، وأن يصدِّقه إن وثق به وجعله لذلك، وكذا المرأة للنساء فيما لا ينظره الرجال.
ويقاس الجرح برفق، ولا يفتح ولا يسدُّ، ولا يغسل بما يضمُّه أو يفتحه، فإن كان في موضع أغرز، وفي آخر أظهر واختلف حكمه، فأمَّا القصاص فلا يكون إلاَّ مثلاً بمثل، وأمَّا الدية فعلى أكثر الجرح بحسب الطول والعرض والعمق.
وقيل: لو كان الجرح داميًا وأوضح منه قدر ثقب الإبرة، فموضَّح؛ وكذا إن انهشم من العظم ذلك، وإن نقل منه ولو قليل فمنقل، وكذا النافذة والراجبة من مفصل ظاهر الإبهام إلى رأسها؛ وبه قال ابن عليٍّ. وقيل: منه باطنًا إلى رأسها، وهي راجبة الحاكم، إلاَّ إن زادت أو نقصت جدًّا فبراجبة الأوسط.
وقيل: المجروح فإذا عرف طولها نقط اثنتي عشرة نقطة فيه، وفي عرضها كذلك نقطًا معتدلاً مستويًا فهي مائة وأربعة وأربعون، إذا تمَّ القياس طولاً وعرضًا، فإذا كان الطول ثلاثًا، والعرض نقطتين، فذلك ربع في سدس فهو ستَّة، وهو ربع السدس كعكسه من الراجبة، وإن كان الطول ستًّا، والعرض خمسًا فتلك ثلاثون؛ وإن كانت ثمان في عرض ستَّة فهي ثمانية وأربعون، فنصف في نصف بربع، وثلث في ثلث بتسع، وربع في ربع بنصف الثمن، وقس على ذلك. (7/184)
صفحة 3249
وراجبة في ربع بربعها، وكذا في غيره. وراجبة في خمسة أسداس ونصف راجبة، فهي خمسة أسداسها. ونصف الراجبة وراجبة وسدس في راجبة فهي راجبة. وسدس وراجبة، وسدس في مثلها براجبة. وسدس السدس وراجبة ربع في راجبة. وسدس فهي راجبة. وسدسان وأربعة أثمان وثلث ثمن راجبة، أو تقول: راجبة وسدسان، ونصف سدس وربعه، وذلك أن تضرب بالراجبة في مثلها براجبة وربعها فيها بربعها، ثمَّ سدسها فيها بسدسها، ثمَّ تضرب أيضًا سدسًا وربعًا فذلك سدس وربع، ثمَّ تجمع ذلك.
وراجبة وثلث في راجبة ونصف سدس فهي راجبة. وسدسان ونصف سدس السدس، وبابه أن تضرب الراجبة في مثلها، ثمَّ الثلث فيها فذلك ثلثها، ثمَّ نصف سدسها فذلك نصف سدسها، ثمَّ الثلث فيه فذلك ثلث نصف نصف السدس، أو قلت: سدس نصف الثلث.
وراجبة ونصف في مثلها راجبتان وربع، وذلك أن تضرب ثمان عشرة نقطة في مثلها ثلاث مائة وأربعة وعشرون فمائتان وثمان وثمانون راجبتان، وستَّة وثلاثون ربع الراجبة، وقس على ذلك، وتأمَّل في ذلك فإنِّي نقلته بلا تأمُّل. (7/185)
صفحة 3250
الباب الثالث
في معرفة الأرش
فإذا عرفت الجرح وقياسه، فاعرف ما له من الأرش: فللنقطة من دامية القفا دانقان، ونصف دانق فضَّة؛ ولباضعته: خمسة ولمتلاحمته درهم ودانق ونصف؛ ولسمحاقه: درهم وأربعة دوانق، ولموضِّحته درهمان ونصف دانق.
ولها من دامية مقدَّم الرأس خمسة دوانق؛ ولباضعته درهم وأربعة دوانق؛ ولمتلاحمته: درهمان ونصف؛ ولسمحاقه: ثلاثة ودانقان؛ ولموضِّحته: أربعة ودانق.
ولها من دامية الوجه: درهم وأربعة دوانق؛ [601] ولباضعته: ثلاثة ودانقان؛ ولمتلاحمته: خمسة؛ ولسمحاقه: ستَّة وأربعة دوانق؛ ولموضِّحته: ثمانية ودانقان.
وللراجبة من دامية القفا من الخطإ: نصف بنت لبون قيمتها يوم تجب، وذلك أنَّ دية الخطإ على خمسة: عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقَّة، وكذا جذعة.
والعمد على ثلاثة: ثلاثون بنو لبون، وكذا حقَّة، وأربعون جذعة، إلى بازل عامها؛ وقيل: غير هذا ...
وللدامية في مقدَّم الرأس بعير من أوسط الخمسة، وهو ابن لبون، فخُمس ونصف من بنت لبون، وكذا من حقَّة وخمسان من الجذعة؛ ولها في القفا نصف ما لها في المقدَّم فلها نصف بنت لبون؛ وكذا للباضعة في القفا، بعير ونصف بنت لبون، ونصف حقَّة على الخطإ؛ ولها في المقدَّم بنت لبون وابنه وحقَّة؛ وللموضَّحة خمسة من سنٍّ من الخمسة واحد. ولجرح القفا نصف ما للمقدَّم. (7/186)
صفحة 3251
وقال: وإنَّما جعل للباضعة، وللمتلاحمة والسمحاق، والموضِّحة من كلِّ بعير نصفه لتفاصلها، فيعطى لكلٍّ من المعالي ومن الردل نصفه. وحملوا بعض الأسنان على بعض وجعلوا قيمة البعير مائة وعشرين درهمًا في دية الجروح؛ ولكلٍّ في الوجه ضعف ما له في المقدَّم ولكلٍّ في جميع البدن مثل ما لجرح القفا، فإذا تمَّت الراجبة في الموضِّحة في القفا فلها بعيران ونصف فيه كسائر البدن. وفي المقدَّم خمسة، وفي الوجه عشرة.
ومن جرح رجلاً دامية فزاد الجرح وتآكل حتَّى صار موضَّحًا ففي القصاص يقتصُّ داميًّا ويؤخذ بالفضل أرشًا، وفي الدية يأخذ الموضّح. وكذا كلُّ جرح انتقل إلى ما فوقه قبل برئه. وإذا كان الجارح أصغر جنْبًا من المجروح فإنَّما يقتصُّ منه على قدر سعة جنبه، ويؤخذ بالفضل دية. واختلف في الزيادة فقيل: على الجاني من ماله، وقيل: على عاقلته.
فصل
من طعن رجلاً في اللحم المتَّصل بين الكفِّ وبين راجبة الإبهام السفلى فنافذة في الكفِّ، والجرح فيها جرح كفٍّ. وللإبهام ثلث ديته إذا قطعت من ثلاثة مفاصل. والنافذة في المتَّصل بين الأصابع في أسفل الرواجب السفلى نافذة في الكفِّ. وإن تلاصق إصبعان خلقة، فنفذت بينهما فنافذة فيه أيضًا.
والجرح في الأسفل من الراجبة السفلى من الأصابع جرح أصبع. ولنافذة الظهر ثلث ديته. وللنافذة في الصدر إلى الإبط نافذة، فيه نصف الدية. ولنافذة الدبر ثلثها. قال: وليس في الحلقوم نافذة، ولها في حجاب الأنثيين الثلث، وإن نفذت في البيضة والجلد، فنافذة في نصف الدية.
وجروح اللسان دام، ثمَّ متلاحم، ثمَّ نافذة، ولها ثلث دية العضو. ولينظر في النيل ففيه أضبط وأوضح من هذا. (7/187)
صفحة 3252
ودية لسان الفصيح كاملة، وللسان الأعجم ثلثه إن ذهب الكلام، وإن ذهب بعضه قسِّمت على عدد الحروف. وللاَّمَّة كالجائفة ثلث الدية. وقيل: ليس في عضو نافذتان إلاَّ في بطن، وذكر وحلقوم.
وليس لمجروح أن يأخذ بعض جرحه قصاصًا وبعضه أرشًا إلاَّ إن كان هاشما أو منقلاً فله أن يأخذ إلى الموضَّح قصاصًا، وبالهشم أو النقل أرشًا، إذ لا قصاص في هاشمة ومنقِّلة. ولمن جرح جرحين أو أكثر أن يأخذ بواحد أرشًا وبآخر قصاصًا؛ فمن صحَّ من جرحه ثمَّ انتقض عليه ومات منه فليس له إلاَّ أرشه.
والجرح في الأذن واللسان والأنف والبطن والذكر دام، ثمَّ باضع، ثمَّ متلاحم، ثمَّ نافذ. والجرح في الرقبة وفي صفحتها وفي الحلق كالجرح في القفا. وفي ملتقى الضلوع، وفي الصدر وفي الفقار، وفي الذكر كالجرح قيل في المقدَّم، وثقب الذكر كالقفا، وفرج المرأة كقفاها، والدبر كالقفا أيضًا.
فصل
إن بقي الجارح مع المجروح زمانًا، ولا يطالبه فيه بحقِّه ثمَّ مات الجارح فليس على وارثه منه شيء له، إلاَّ إن لم يقدر عليه في حياته، وكذا إن مات المجروح ولم يطلب، لم يكن لوارثه مطلب إلاَّ إن طلب في حياته، وإن مات من جرحه بعد الجارح فديته تامَّة في مال الجارح، وذلك إن كان فيه القصاص، ولم يطلب إليه.
قال خميس: والنفس عندنا غير الجرح، فإن مات بعد البرء، فطلب وارثه ديته لم يجدها.
وعن عمر أنَّها على أهل الإبل مائة، وعلى أهل الورِق عشرة آلاف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الشاء ألف. وعلى أهل البقر مائتان، وكذا على أهل الحلل. وقيل: لا يجوز في الديات إلاَّ الإبل والعينان. (7/188)
صفحة 3253
ومن جرح رجلاً ثمَّ صالحه ثمَّ قال: لم أعلم كم لي من الأرش، فله أن يرجع ما لم يعلم، وقيل: إن وقع الصلح على أصل أو عروض فله أن يرجع، وقيل: إن تعمَّد جرحه جاز الصلح، وإن كان خطأ انتقض ورجع عليه بالفضل، إن صالحه على دراهم، وإن صالحه على أصل أو متاع جاز؛ وكذا إن صالحه على أقلَّ من حقِّه جاز، وإن صالحه على دراهم فله الرجوع عمدًا كان أو خطأ. ولا يجوز الصلح في جرح لم يبرأ.
أبو عبد الله: جاء الأثر أنَّ من جرح رجلاً، ثمَّ عفا عنه، ثمَّ مات من جرحه، فإن زادت ديته مع وصاياه على ثلث ماله مع دينه، فوارثه يتبع الجارح بقدر ما فضل عن الثلث بالحصَّة. [602] وإن كان عمدًا تمَّ العفو ولا يتبعه وارثه بقوَد ولا دية؛ ولينظر في (1) هذا الكلام. واختار أبو عبد الله أنَّ العفو باطل لانتقال الحقِّ عنه إلى وليِّه؛ والأشبه عندنا أن لا يجوز قياسًا على هبة المريض، لأنَّ كلاًّ منها إزالة حقٍّ.
ومن جرحه رجلان كان بجرحه، وأرش أحدهما خمسة أبعرة، وأرش الآخر بعير، ثمَّ مات بعد ثلاثة أيَّام فعلى كلٍّ نصف ديته.
فصل
أبو عبد الله: من جرح أحدًا في أذنه فذهب من جرحه سمعه، فله نصف الدية عليه، ويطرح عنه أرش الجرح إن ذهب كلُّه؛ وإلاَّ كان له عليه الأكثر من الأرش، أو ما نقص من دية السمع، ما لم يجاوز (2) نصف الدية، فإن زاد عليه سقطت تلك الديَّة، وإذا قطعت كلُّها وذهب سمعها فله نصف التامَّة، ومن خرقت أذنه في محلِّ القرط خرقًا واسعًا بقطعها رجل أذنه وسالمة فإنَّه يقتصُّها وليس عليه أن يردَّ على المقتصِّ منه قدر الخرق.
والأذنان من الرأس والجرح الكائن بين الأذن وشعر الصدغ هو من الوجه.
__________
(1) - ب: - «في».
(2) - ب: «يجاز» ولعله خطأ. (7/189)
صفحة 3254
الباب الرابع
في ذكر الجروح في الأعضاء
فإذا نتف شعر الرأس أو حلق، ولم ينبت إلى سنة فديته تامَّة، وإن نبت فسوم العدلين، والبعض بقدره؛ وفي القصاص شعرة بشعرة، والنتف بالنتف، والحلق مثله؛ ومن ملأ كفَّه من لحية رجل أو رأسه نتف له مثله، وشعر سائر الأعضاء إذا نتف أو حلق ليس فيه إلاَّ السوم، ومن حلق رأس أحد بتعدية فإنَّه يحلق رأسه، ويضرب وجيعًا.
وفي الحاجبين إذا قطع لحمهما مع الشعر الدية فيه إن لم ينبت، وأرش الجرح، وللواحد نصفها، وفي الأشفار القصاص، وإن لم يعلم كم نتف من شعر الحاجب نظر كم ذهب منه؟ أثلث أم ربع، أو غيرهما؟ فيعطى قصاصهما من حاجب الفاعل إلاَّ إن كان قصيرًا فيكون الثلث من المصاب نصف حاجب الفاعل، فإنَّما يؤخذ منه ثلثه.
وللجفن الأسفل عند موسى ثلث الدية وللأعلى الثلثان، وعند سليمان العكس؛ وعند غيرهما سيَّان، ولشعر كلِّ شفر نصف الديَّة وهو ربعها إذا نتف، ولم ينبت. وفي الشارب إن لم ينبت نصف دية الشفة، وقيل: فيه السوم. وفي اللحية إن لم تنبت الدية، وفيها السوم إن نبتت، وفيها القصاص شعرة بشعرة، وبذلك قضى علمي.
ومن نتف من لحية رجل مائة أو مائتين، ولم يتبيَّن نقصانها، وليس في لحية الناتف إلاَّ مائتان أو أكثر فإنَّه ينتف منه بقدر ما نتف؛ وقيل: القصاص في اللحية بالأجزاء بأن ينظر ما نتف من المنتوف، ويعدُّ الباقي حتَّى يعرف كم هو ثلث أو دونه (7/190)
صفحة 3255
أو فوقه، فيقتصُّ منه ذلك الجزء، ومن اللحية، العنفقة والعارضان، وحدُّ شعرهما من شعر الرأس العظم، المحاذي للأذنين من الوجه، ومذاهب من اللحية بقدرها من الدية، والعنفقة قيل: ليس منها ولا لها إن لم تنبت إلاَّ السوم. (7/191)
صفحة 3256
الباب الخامس
فيما اشتمل عليه الرأس من الديات وسائر الجسد
وفي شعر الرأس كما مرَّ وفي السمع وفي البصر، والشمِّ والنطق، والحاجبين والأشفار، والشفتين واللسان، وفي النفس الدية التامَّة في كلٍّ إن ذهب كلُّه، وفي إحدى العينين والأذنين والشفتين والمنخرين والحاجبين نصفها، فإن في كلِّ ما بالإنسان واحد التامَّة، وفي ما كان فيه اثنان أو أكثر فعلى الأجزاء، وفي بعضها خلاف كما سيأتي.
وفي اليدين: التامَّة كالأصابع، وفي الرجلين كذلك، وفي الصلب إذا انحدب التامَّة، وفي الجنبين كالذكر وفي البيضين وذهاب الجماع والحمل، وعدم استمساك البول أو الغائط التامَّة في كلٍّ.
والمرأة نصف الرجل إلاَّ في حلمتي الثديين فضعف الرجل لها فيها؛ والصبيُّ كالبالغ. فإذا قطعت حلمة ثدي امرأة فلها عشر من الإبل، وللرجل خمس، وفي الثديين التامَّة، وللبيضة اليسرى قيل التامَّة لأنَّ الولد يكون منها، وقيل: ثلثاها. ولمن لم يكن فيه إلاَّ واحدًا من تلك الأعضاء، وقد ذهب الآخر بعلَّة أو في الجهاد فالدية للباقي كما سيأتي، ولكلِّ نافذة في عضوٍ ثلث ديته.
ولخرم الأذن وشترها ثلث ديتها، وللنافذة في الجنبين وفي البطن وفي الحلقوم ثلث التامَّة، وكلّ جارحة أصيبت فذهبت أو خلعت فقطعت فميتة ولها ثلث التامَّة، ومن تعمَّد قطع عضو من رجل ولم يوجد هو فيه فعليه ديَّته؛ ومن ضرب ناشزة فماتت من ضربه، فعليه ديتُّها. (7/192)
صفحة 3257
وإن نكح امرأة فنزفت دما حتَّى ماتت، فإن بلغت فديَّتها على عاقلته وإلاَّ ففي ماله، وإن خلطها فعليه التامَّة وقد مرَّ.
ولليهودي والنصراني والمجوسي ثلث ديَّة المسلم، وقيل: له ثمان مائة درهم، وهي ثلث عشر دية المسلم. ولكلِّ يد عسماء أو شلاَّء، أو رجل عرجاء، أو سنٍّ سوداء أو عين عوراء، أو لسان أعجم، أو ذكر خصيٍّ، إذا أصيب ثلث دية سالم مثله.
وقيل: لا تقطع يمين بشمال كعكسه في القصاص إذا عدمت في كلِّ الجوارح. (7/193)
صفحة 3258
الباب السادس
في شرح ما للجوارح من الديات
وقد اختلف في (1) الحاجبي، ن فقيل: لهما التامَّة، وقيل: ثلثها، وقيل: الحكومة. ولدامية الأذن نصف بعير، ولباضعتها بعير، ولمتلاحمتها بعير ونصف، وللشتر فيها ثلثها، كنافذتها، وبذلك قال موسى.
وإن قطعت أذن عبد ثمَّ عتق قبل أن يبرأ فديتها له، إلاَّ إن شرطها عليه ربُّه عند عتقه، وحكم الأذنين [603] سواء، ولو صمعاء: وهي الصغيرة المحدَّدة الضيِّقة الصماخ، وبها سمِّي الأصمعي؛ أو خطلاء: وهي الكبيرة الواسعة، وبها سمِّي الأخطل؛ أو خدواء: وهي المنكسرة المقبلة على الوجه.
وقيل: ليس جرح الأذن من الوجه، وتحسب جراحتها على نصف الدية، من المقدَّم. وإن ادَّعى المصاب نقصان سمعه وصدَّقه المدَّعى عليه، فإن ادَّعاها من إحداهما، فإنَّها تسدُّ ثمَّ يصاح له من بعد بقدر ما يسمع، ثمَّ تسدُّ له الصحيحة ثمَّ يصاح له أيضًا، ثمَّ ينظر النقص، ثمَّ يعطى ديتها؛ ويحلف إنَّ هذا جهد سمعه بالناقصة، وإن ادَّعى نقصانهما معًا صيح لوليِّه من بعيد ثمَّ له، فينظر ما بينهما فيعطى بقدر النقص عن وليِّه من التامَّة ويحلف.
__________
(1) - ب: - «في». (7/194)
صفحة 3259
الباب السابع
في العَينَينِ
وأجمعوا أن لا قصاص في نقص البصر إذ لا يمكن الوصول إليه، فإذا فقأ صحيح العينين عين أعور فله أن يفقأ واحدة مثل عينه لا كليهما، ويردَّ عليه نصف دية عين إن ذهبت عينه بعلَّة أو في (1) جهاد.
وإن أصابه بها إنسان فأخذ ديتها فله دية واحدة كما مرَّ، أو يقتصُّ بها، ويأخذ نصف دية عين فجارحته هنا تقوم مقام جارحتين، وإن ذهب بصرهما وقامتا فلكلٍّ نصف كما مرَّ. وإن لم يذهب كلُّه فبالحساب، وقيل: ينصب له علم وينطر إليه بالسالمة ثمَّ تغمض وتطلق الناقصة، فحيث بلغ بصرها قيس، وأعطي بقدر ما بينهما، وإن اتُّهم حلف، وقيل: إن كان فيها أثر الجرح وادَّعى ذهاب بصره أخذت له بيضة وجعل له فيها سواد وبياض، ويسدُّ على سالمته، ثمَّ يراهما، وتقلب له ما عرف البياض من السواد، ويحفظ عليه حتَّى تنتهي معرفته في سوادها من بياضها، فإذا حفظ المبلغ حلف أنَّه جهد الناقصة، ثمَّ تفتح السالمة فيرى البيضة كذلك حتَّى يشتبها عليه، ويوقف على الموضع ويستحلف، ويعطى بقدر الفضل بينهما، ويوضع على السالمة في القصاص عجينًا أو طينًا، ويلفُّ عليها ثمَّ تحمى مرآة فتدنى منها حتَّى تسيل.
قد نهى ابن عباس عن قياس العين في غيم وفي الساعة الواحدة، فلا يصحُّ القياس، ولم يحكم فيها بهذا غير عليٍّ ولا قود في ذهابها بإجماع.
__________
(1) - ب: - «في». (7/195)
صفحة 3260
ومن ضرب أحدًا في رأسه فذهب بصره، فإن ذهب بعد أيَّام اقتصَّ منه بالجرح، وأخذ بالعين دية؛ وإن ذهب من حينه اقتصَّ منه ففي الضربة والعين إن سقطت، ومن فقأ عين رجل وفي عين الفاقئ بياض، فللرجل أن يقتصَّها أو أن يأخذ دية عينه؛ فإن كانت هي الناقصة، فليس له القصاص، وإنَّما له نظر العدول؛ وإن كان يبصر بها وفيها ضعف فديتها تامَّة.
ابن محبوب: من جرح رجلاً في أحد الجفنين فذهب بصره من جرحه فعليه ديتها لا ديته؛ وإن لم يكن في حدود العين بل أعلى منها أو أسفل فعليه ديتها إن ذهبت، وأرش الجرح. (7/196)
صفحة 3261
الباب السابع [مكرّر]
في الأنف
وفيه القصاص إن قطع والتامَّة، وإذا قطع مارنه (1) إلى القصبة فله دية الأنف، وإن قطع منه بعضه فبحساب الذاهب، وللباقي ثلث الدية وفيه إن كسر فأدمى من المنخرين بعير ونصفه إن أدمى من أحدهما، وإن نخش فتامَّة، وإن نخش أحدهما فنصفها، ونخشهما: هيجان منتنة منهما.
وللأرنبة إن قطعت وحدها نصف التامَّة. وجرح الأنف دام وباضع ومتلاحم وسمحاق وموضِّح وهاشم ومنقِّل، ونافذ؛ فللنافذ من المنخرين والحاجز بينهما ثلث التامَّة، وإن نفذ في إحدى الورقات فثلثه؛ وفي نافذة الورقتين ثلثاها، وقيل: لها إن نفذت في أعلى الأنف نافذة تامَّة؛ وإن نفذت من الحاجز الآخر فنافذتان.
ابن محبوب: نافذة الأنف واحدة، ولكلِّ ورقة نفذتها ثلث الثلث، وقيل: في كسر الأنف السوم، وقيل: بعير، وقيل: ثلاثة. ومن ضرب رجلاً فمالت أنفه أو حدبت، أو أحولت عينه فعليه السوم؛ وقيل: في الوتيرة: وهي الحاجز بين المنخرين ثلث الدية، ووتيرة اليد ما بين الأصابع والمارن ما لان مِمَّا انحدر عن قصبة الأنف، وهي عظمه؛ ولخرمه في منخر ثلثها.
__________
(1) - كذا في النسختين غير مفهوم. (7/197)
صفحة 3262
الباب الثامن
في الشارب والشفتين
وله ما مرَّ إن نتف ولم ينبت، وقيل: السوم مطلقًا؛ وقيل: القصاص؛ وفيهما تامَّة، وللواحدة نصفها، وقيل: للعليا ثلثان لأنَّها تشين وتملك الكلام، وقيل: هما للسفلى لأنَّها تملك الطعام، والمختار أنَّ لكلٍّ نصفًا، وهو قول أبي بكر وعليٍّ وابن مسعود؛ وإن خرمت فنفذت إلى الضروس فلها ثلث ديتها، وفي البعض المقدار وفيهما القصاص؛ والخرم فيهما ما مرَّ، وفيه السوم كالنافذة، وجرحهما من داخل جرح القفا والبدن، ونافذة الشفة إن نفذت في لحم الضروس فلها فيها ما مرَّ وفيه السوم. ابن محبوب: كلُّ خرم في أذن أو منخر أو شفة فله ولو التام ثلث العضو.
ومشقوق العليا أعلم، والسفلى أفلح. والجرح [604] في داخل الفم وفي اللسان كالمقدَّم. (7/198)
صفحة 3263
الباب التاسع
في الفم والأسنان واللسان
وفيه إن قطع أو بعضه وعرف القصاص، والتامَّة إن ذهب كلامه، أو كلُّه؛ وإن ذهب بعض كلامه فبقدره كما مرَّ. ويعرف قيل بـ " أ ب ت ث ... إلخ ". وينظر فيما أفصح به منها وما لم يفصح به فيكون له من الدية قدر ما ذهب منها كما مرَّ؛ وقيل: فيه السوم إن أفصح بالحروف. وجرحه من أعلاه أو من أسفله سواء؛ وينتهي إلى المتلاحم ثمَّ النافذ، وله ما للمقدَّم.
ولا قصاص في لسان الأعجم إلاَّ لمثله، وتوقَّف بعض في القصاص في اللسان، وقيل: إذا قطع فتكلَّم صاحبه فله نصف الدية. ووجبت بذهاب الصوت إجماعًا.
وفي الأسنان القصاص، والتامَّة إن قلعت كلُّها، ولكلِّ ضرس خمس من الإبل ولا قصاص في كسرها، وإن اسودَّ السنُّ فديته تامَّة؛ ولها إن قطع بعضها نصفها. وإن انكسر فبالحساب؛ وإن انصدعت وثبتت لا زائحة ولا خارجة، ولا كسر فيها ففيها السوم. وكلُّ ضرس كسر (1) من اللحم فديته تامَّة.
وسنُّ الصبيِّ إن قلع ثمَّ نبت، ففيه قيل ثلث دية ضرس الكبير، وقيل: بعير؛ وتامَّة إن لم ينبت. ومن قلع ضرسه فنبت فله ثلث الدية، وإن قلع فردَّه في حينه ورجع فكذلك. ولا قصاص في الزائدة، ولها الدية.
__________
(1) - ب: «سكر» وهو خطأ. (7/199)
صفحة 3264
فإن لم يكن للجاني مثل ما قلع فعليه ديتها، لا القصاص. ولنافذة السنِّ سوم. أبو عبد الله: وإنَّما للآدميِّ ثمانية وعشرون سنًّا أو اثنان وثلاثون لا غير، وربَّما خلفها ضرس تسمَّى ضرس العقل؛ فإن قلع ذو ثمانية وعشرين ضروسًا ذي اثنين وثلاثين فإنَّه يقلع له عدده، وليس له أن يأخذ بالباقية أرشًا.
وقيل: إنَّ الطعنة في الوريد ملحمة، حتَّى ينفذ كلُّه، والكربة إن نفذتها فهي نافذة؛ وقيل: ليس في القلصمة نافذ.
ومن الأسنان أربع ثنايا، وأربع رباعيات، وأربعة أنياب، وأربع ضواحك، واثنتي عشرة رحًى، وأربع نواجذ، وهي أقصاها المسمَّاة بضرس الحلم، وقيل: الناجذ هي ما بين الناب والأضراس. (7/200)
صفحة 3265
الباب العاشر
في الكتف والترقوة واليدين
وللكتف إذا قطعت أو خلعت نصف الدية، وجرحها كالترقوة كجرح اليد؛ ولكسرهما إذا جبر على شين أربعة أبعرة، وإن جبر على غيره فبعيران؛ وقيل: جرح الكتف كجرح البدن، وإن جرحت يد منها، ومن المنكب فله جرح يد وجرح كتف، وهما سيَّان في الدية. وإن قطعت يد فأدِّيت ثمَّ جرحت فدية الكتف تامَّة.
ومن طعن رجلا على كتفه واللحم الذي تحتها حتَّى أوضح ضلعًا فإنَّه يقاس من أعلى ثمَّ ينظر أكبر أرشًا أنافذة الكتف أو أرش الجرح، فيعطى له؛ والنافذة فيها نافذة في نصف الدية، وللصدع قيل في كلِّ عضوٍ أربعة أخماس دية كسره ولفكِّه خمس ونصف منها، ولخلعه خمسها في العظام كلِّها؛ وقيل: في الخلع والصدع السوم.
ومن كسرت ترقوته، فلم يعنت فلها بعيران وأربعة إن عنت. وفي اليدين القصاص من مفصل الكتف، فإن كان القطع أكثر من ذلك في الساعد فله بالمفصل ديته، فإن قطعت يد المصاب من المرفق أو من المنكب فلها ثلث الدية؛ وما قطع منها فبحسابها منه. وقيل: إذا قطعت يد وبقي منها، ثمَّ انقطع بدواء أو غيره ففيه الدية لا القصاص، إلاَّ إن قطعت من رسغ أو مرفق أو منكب، واعرف قياس ما قطع منها، والباقي فله أن يقتصَّ بذلك، ويأخذ بالباقي إن قطعه الدواء أرشًا.
واختلف في يد الأجذم؛ فإن كانت أصابعها فيها حياة ينتفع بها فلها تامَّة، وإن انفسخت وانقطعت فلها ثلث السالمة، وكذا أرجله إن ذهبت بعضها وحيي بعضها، فلها ما رآه العدول من الأرش. وتقاس اليد إن نقصت قيل بخيط، ثمَّ السالمة، ثمَّ (7/201)
صفحة 3266
للناقصة قدر النقص عنها، وقيل: يرمي صاحبها بحجرة بمصابته، ووليُّه بمثلها ثمَّ يعطى النقص.
وإن كسرت يد من مرفق فجبرت سالمة إلاَّ أنَّها لا تنعطف فلها نصف ديتها.
وللكسر في العضد إن جبر على شين أربعة أبعرة، وإن جبر على غيره فبعيران.
وإن كان الكسر في أحد الزندين، فلكلٍّ نصف كسر اليد، وهو مثل ما للعضد، وليس كسر الساعد منهما وكسر العضد سواء، فإن كسرت يد من مواضع فلها بكلِّ كسر ما ذكر. والجرح إن كان بأحد الزندين فقل: له نصف ما لجرح اليد، وقيل: كجرحها سواء، وهو المختار. وجرح العضد جرح يد أيضًا، وللهاشمة فيها خمس، وللمنقلة سُبع ونصف.
فمن جرح يدَ رجل وكسرها فعليه أرشهما، وله أن يقتصَّ بالجرح ويأخذ أرش الكسر.
ومن قطع يد رجل من الكفِّ، ثمَّ من المنكب، ثمَّ خلع الكتف وأخرجها، فعليه بقطع الكفِّ القصاص أو دية اليد، وكذا عليه القصاص في الباقي من المفصل، فإن أخذ الدية ففي باقي اليد بعد الكتف وقطعها ثلث ديتها؛ ولما قطع منها حصَّته منه، فإن قطع واحد الكفَّ والآخر باقي اليد إلى المرفق، والآخر الباقي إلى المنكب فعلى كلٍّ القصاص أو الأرش على قدر (1) ما جنى؛ فإن قطع الكفُّ، ثمَّ آخر نصف [605] الذراع، فإنَّما له أرش ذلك، تقاس الصحيحة، وينظر ما نقص من الذراع، فيعطى بحساب ذلك من ثلث دية اليد، وكذا الرِّجل؛ وقيل: إذا قطعت من نصف الذراع فلها نصف الدية إجماعًا، واختلفوا في الزيادة.
ومن ضرب رجلاً في يده فشلَّت سنة فأعطي ديتها، ثمَّ برئت فقيل: يرجع عليه بما أخذ منه وله ما رأى العدول للضربة، وكذا في نحوها.
__________
(1) - ب: «قدّ». (7/202)
صفحة 3267
ومن قطع يمنى رجل ويسرى آخر قطعت يمناه بيمنى الرجل وللذي قطع يسراه الدية، لأنَّه لا تقطع يداه معًا، قال: ولينظر في هذا، وقيل: إنَّما القطع للمقطوع أوَّلا وللأخير الدية إلاَّ إن اتَّفقا عليها معًا؛ وإن قطع يمناهما قطعت يمناه بهما، وغرم لهما دية اليد؛ وكذا إن قطع لأكثر تقطع يده بواحد ويغرم دية ما بقي؛ وإن غاب أحد المصابين فله الدية؛ وقيل: إذا اجتمع المصابون فقضى لهم الحاكم بالقصاص ثمَّ عفا أحدهم جاز عفوه، ولا قصاص لباقيهم لأنَّه قضى لهم بيد يقطعونها، وقيل: لهم القصاص، ولا يضرُّهم عفوه واختير هذا.
وقيل: في قاطع يمنى رجل ويسرى آخر إنَّه تقطع يمناه ويسراه بهما إن طلبا، ولو اجتمع قيل عشرة على قطع يد رجل لقطعوا معًا بها إذا طلب (1) ويردُّ عليهم دية تسعة أيد.
ومن قطع رجالاً من مناكبهم، ثمَّ قطعت يده من كفِّه فلهم أن يقولوا: نرضى بقطعها من المنكب، ويأخذون الباقي حكومة، وإن قطع أكفَّهم فقالوا: نرضى أن نقطع أصابعه بأكفِّهم، فقيل: لهم ذلك.
ومن قطع يد رجل وبيده هو طفر أسود أو جرح، أو ما لا ينقصها قطعت قصاصًا، ولها إن أصيبت ديتها تامَّة. ومن ضرب بيده فنقصت فإنَّه يرمي بها ثمَّ الأقرب إليه، فيعطى ما بينهما كما مرَّ، فإن كان الأقرب صبيًّا رمى أبعد منه؛ فإن لم يكن له وليٌّ غير الجنس من ثقة منه لا رجال عن نساء ولا عكسه، وإن كان أعسر رمى أعسر مثله؛ وكذا إن كان أيسر إن وجد، وإلاَّ رمى وليُّه باليمين وجعلت مكان اليسرى، ويرمي لصبيٍّ مثله.
وللكفِّ إن قطعت تامَّة.
__________
(1) - ب: - «إذا طلب». (7/203)
صفحة 3268
فصل
من كسر ذراع رجل من موضع أو أكثر فلكلٍّ ديته، وإن كسره ثمَّ قطعه آخر من الكسر فعليه ديته، وعلى القاطع دية القطع ولا قصاص فيه. ومن قطع يد رجل وقد قطعت من يد أحدهما أصبع أو أصابع، فإن كان هو القاطع فللمقطوع أن يقتصَّ هو كذلك، ويأخذ منه أيضًا دية ذلك، لأنَّه قطع سالمة الأصابع، وإن كان هو المقطوع اقتصَّ يد القاطع، وردَّ عليه دية الأصبع أو الأصابع، ومن قطع أيمان رجل وكان أحدهما صاحبه في القصاص وأخذا دية يد، وإن قطع يدي رجل أو رجليه فله أن يقطع منه ذلك إلاَّ إن أراد أن يأخذ فله أن يفعل به مثل ما فعل به، ولا ينهدم عنه القصاص إذا لم يبق له إلاَّ تلك اليد أو الرجل أو العين.
ومن قطع يد رجل من رسغها ثمَّ من مرفقها ثمَّ من منكبها فله أن يفعل به كذلك إن قطعها من المفاصل، وإن قطعها من الرسغ ثمَّ كسرها من المرفق ثمَّ قطعها من المنكب فإنَّه يقطعه منهما، ويأخذ بالكسر أرشًا، ويدخل به في ثلث دية اليد فيكون له منه به بعير وثلثه. (7/204)
صفحة 3269
الباب الحادي عشر
في الأصابع
وقد مرَّ أنَّ فيها التامَّة؛ وإن من الرِّجل واختلفت منافعها. وقد روي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم ساوى بينها في الدية، وقيل: وضع الخنصر على الإبهام، وقيل: هما سيَّان، ولكلٍّ إذا قطعت من ثلاثة مفاصل عشر من الإبل، وقد أجمعوا على ذلك، وعلى أنَّ من قطع خمس أصابع من يد رجل فعليه نصف التامَّة، وقد حكم عمر في الخنصر بستٍّ وفي البنصر بتسع وفي الوسطى بعشر وفي السبَّابة باثنتي عشرة، وفي الإبهام بثلاث عشرة فتلك خمسون. وليس لإبهام الرجل فضل على غيرها.
وللإصبع ثلاثة مفاصل ولكلٍّ ثلاثة أبعرة وثلث، وللراجبة مع ظفرها ذلك، وليس له هنا غير ديتها، ولا قصاص في الزائدة وهي إن ساوت الأصابع في المقدار والمفاصل فلها ما لها، فإن كان ستًّا فلكلٍّ سدس، وإن كان سبعًا فكلٍّ سبع، وإن لم تساوها فلها السوم، وكذا في الرجل والأسنان؛ وإن كانت في الكفِّ أربعة أصابع، فله بها نصف الدية، وإن قطع منها إصبعًا أو أكثر قسمت على العدد.
ومن قطع إصبع رِجل من الأعلى ثمَّ قطعها الآخر كلَّها اقتصَّ صاحب الأعلى ثمَّ الآخر بقيّة الإصبع، وكان له بما ذهبا منها للأوَّل أرش، ولكف فيه ثلاثة [606] التامَّة، واختير أنَّ في اليد ديتها ما كان فيه أكثرها؛ وإن لم يبق فيها إلاَّ الأقلُّ لم يكن فيه قصاص، وله من الأرش ثلث دية اليد، وما يرى العدول له ما بقي فيه شيء (1) وذلك إذا قطعت اليد، وإن قطع الكفُّ وفيه بعض الأصابع فله أرشه بنظر العدول.
__________
(1) - ب: - «شيء». (7/205)
صفحة 3270
وإن قطع إصبع فشلَّت تاليتُها فالدية فيهما معًا، وسقط القصاص للشلل، وقيل: يقتصُّ للمقطوعة ويؤخذ بالشلاَّء دية. ولجرح كلِّ مفصل ثلث دية الإصبع لأنَّها ثلاثة مفاصل، وقيل: كلُّ جرح في أعلاها أو في أسفلها فجرح إصبع تامَّة وهو خمس جرح اليد، لأنَّها خمْس أصابع. فلدامية الإصبع خمس دامية الإصبع (1) وكذا ما فوق الدامية ولها في اليد إذا تمَّت الراجبة نصف بنت لبون، وكذا يحسب لسائر الجراحات في الأصابع أن يقع لكل خمس ما لمثله في اليد، فإن كان في كلّ إصبع موضح، فلهنَّ معًا موضحة اليد، بعيران ونصف؛ وإنَّما تُعتبر الأصابع باليد، فإن جُرِحت إصبع قسته بجرحها فتعطيه خمس ديَّة الجرح من اليد لأنَّها خُمس اليد، وكذا الهاشمة والمنقِّلة في الإصبع لهما خمسهما في اليد؛ والكسر في الرواجب إن كسرت من الأوَّل التالي للكفِّ فلها كسر إصبع تامٍّ وهو خُمس كسر اليد؛ وإن كسرت من الثاني فلها ثلثا خمسه؛ وإن كسرت من الثالث الأعلى فلها ثلثه؛ وإن كسرت الإبهام من ثلاثة، والثالث هو الموالي للرسغ فلها ثلثا كسر اليد؛ وإن كسرت من مفصلين أو من الأعلى فبالحساب. وفي نافذة الإصبع خلاف، واختير أنَّ لها خمس نافذة اليد.
فصل
وفي الظفر القصاص، وقيل: لا، وديته بعير إذا قلع، ولم ينبت، وإن نبت فنصفه، وقيل: ثلثه، وإن نبت أسود، أو اعرنجم فديته بعير بعد انتظاره سنة ولم يرجع، وإن صحَّ فسوم. ومن اقتصَّ قيل بظفره فنبت ظفر المقتصِّ منه لا ظفر المقتصِّ به، رجع على المقتصِّ منه بالسوم، وهو ما بين النبات وعدمه، وإن نبت ظفر المقتصِّ لا ظفر المقتصِّ منه كانت عليه ديته للمقتصِّ منه، لأنَّه أخذ حقَّه فحدث منه غيره، فعليه فيه الدية، وتوقَّف فيه خميس.
__________
(1) - ب هامش: «لعله اليد»، أأ هامش: «لعله اليد بدل الإصبع، بل وجدت في النسخة التي من الأصل خمس دية اليد». (7/206)
صفحة 3271
ولنافذة الظفر قال أبو عبد الله: ثلث ديته؛ فإن نفذت إلى اللحم فلها نافذة الظفر، وأرش اللحم يقاس من أعلى الظفر، فإن نفذت فيه وفي الإصبع، فهي نافذة في راجبة، وليس لها نافذ في الظفر.
ومن تعمَّد قطع ظفر رجل فتآكلت يده إلى المرفق، ففي التآكل الدية لا القصاص، وإنَّما هو في الظفر وحده. (7/207)
صفحة 3272
الباب الثاني عشر
في الصدر والظهر والضلوع والبطن
والجروح في الصدر والفقار كالمقدَّم لموضِّحته خمس؛ وإن كان في جنب أو زال عن مجار الصدر، فبحساب نصف الكائن في محاره؛ وإن زال في أحد الجنبين فله دية جرح الجنب، أو كسر الضلع، وإذا رضا المحار فله دية (1) كسر الجنب، وإن زال فنصفها والنافذة في الصدر إلى الإبط نافذة في نصف الدية.
وثدي المرأة ولو عجوزًا أو صبية إذا قطع من أصله فله نصف ديتها، وإن قطعته امرأة (2) مرضعة لامرأة فلا قصاص عليها حتَّى تفطم ولدها أو توجد له مرضعة سواها، وكذا في القتل والرجم. وإن قطعت حلمة ثدي امرأة فلم تمسك اللبن فلها نصف التامَّة، وإن أمسكته ورضع منه، فقيل: فيه عشر، وقيل: حكومة، وقيل: ثلث ديته، وللثديين إن استؤصِلا تامَّة كما مرَّ.
ولكلِّ جنب كسر وجبر على شين أربعة أبعرة، وإن جبر على غيره فبعيران، وفي كلِّ اثني عشر ضلعًا؛ فإن كسر وجبر على شين فسدس بعير، وإن جبر على غيره فنصفه؛ وقيل: التالية للقود أرجح، وعندنا سواء. وقيل: إن كان في المكسور عنَّة أو عثم أعطى دية الكسر وانتظر بهما سنة، فإن تمَّ أعطي عنته.
وجروح البطن كالقفا، وهي دام فباضع فمتلاحم فنافذ؛ فله ثلث التامَّة، وإن نفذت من الجانب الآخر فنافذتان، وفيه الدية.
__________
(1) - ب: «نصف دية».
(2) - ب: - «امرأة». (7/208)
صفحة 3273
ومن ضرب رجلاً فعظم بطنه وهو يجيء ويذهب، فعند أبي علي يعطى للضربة أرشها وللباقي السوم. وفي الصلب إن ذهب منه الجماع التامَّة، فإن منع المشي أو جبر منحدبًا فبذلك، وإن لم ينحدب ولم يشِنه فله خمس عشرها، وإن شانه فأربعة أخماسه؛ وإن جبر ولم يحمل فله التامَّة، وإن حمل فنصفها. (7/209)
صفحة 3274
الباب الثالث عشر
في الذكر والبيضتين
وفيه القصاص، وله التامَّة وكذا الحشفة إن قطعت، ولباقيه ثلثها، فإن زال منه الجماع ولم يقطع فله الدية به وفيه بعد ذلك ثلثها، وهو لذكر الخصيِّ أيضًا؛ وجرحه قيل كالمقدَّم، وفيه القصاص وهو دام فباضع فمتلاحم فنافذ، فإن نفذ من جانبيه (1) فنافذتان، ولا سمحاق فيه ولا موضِّحة إذ لا عظم فيه.
ومن قطع ذكر صبيٍّ في المهد وجب القصاص فيه إجماعًا، وإن لم يساوِ ذكر البالغ. واختلف في ذكر العنِّين إذا قطع ففيه التامَّة، وقيل: ثلثها.
وفي البيضتين ما مرَّ، واختير أنَّهما [607] سيَّان، وفيهما القصاص، وجروحهما دامٍ فباضع فمتلاحم فنافذ، وإنَّما يكون نافذا إذا تعدَّى إحداهما، وأمَّا إن جاوزت الطعنة الجلد، ودخلت فيه فملحمة، لأنَّها لحمة، وجرحها كالمقدَّم، وللنافذ في إحداهما ثلث نصف الدية. وفي جرح الدبر قصاص.
__________
(1) - ب: «جابيه». (7/210)
صفحة 3275
الباب الرابع عشر
في الرِجليْن
وفيهما قصاص من المفاصل، ولكسر الرجل ما لكسر اليد، وإن جبرت على شين فأربعة أبعرة، وإن جبر على غيره فبعيران؛ والأصابع كالأصابع؛ والركبة إن جبرت سالمة، ولكنَّها لا تنعطف فلها نصف دية الرِّجل؛ وكذا المرفق؛ وإذا كسر الفخذ أو الساق فنقلت العظام فلها ستَّة أبعرة ونصف، وقيل: سبع؛ وإن خرج مخُّها ووهى عظامها فلها مأمومة الرأس ستَّة عشر قلوصًا وثلثان؛ وموضِّحته كالمقدَّم.
ومن طعن رجلاً من نصف الساق، فنفذت من الجانب الآخر ولم تضرَّ العظم فنافذة، وإن أصابت الرجل فارتفعت من الأرض، فديتها؛ وإن مسَّها بعض القدم نظِر كم مسُّها منه، فيطرح على الجاني بقدره، وأعطي أرش الباقي، وإن أصيبت بعد أن أخذ لها التامَّة فلها ثلث ديتها، وإن قطع القدم كلّه ففيه تامَّة. (7/211)
صفحة 3276
الباب الخامس عشر
في كسر العظام
فإن جبر عظم كسر على غير شين، فله بعيران، فإن جبر عليه فأربعة، إلاَّ في زندي يد فله نصف ديتها، وإن كسر إحدى الجنبين حسب له ماله من أربعة إن جبر على شين، ولكلِّ ضلع منابه منها، وهو ثلث بعير إن جبر على شين، وإن على غيره فسدسه كما مرَّ.
ومن كسر ذراع رجل ثمَّ قطعه آخر من موضع الكسر فعلى الكاسر ديته، وعلى القاطع دية القطع، ولا قصاص عليه فيه، لأنَّه قَطَع مكسورًا؛ وإن قطعه من أعلى الكسر ففيه الدية أيضًا لا القصاص، ولا قود في عظم إن كسر لأنَّه يُخاف على المقتصِّ منه الموت، وفيه الدية.
وللكسر في كلِّ عظم أربعة أخماس نصف عشر ديته، وقد مرَّت مسائل الباب. (7/212)
صفحة 3277
الباب السادس عشر
في الغمية
فإذا قام صاحبها سالمًا فديتها بعير ما لم تذهب صلاته، فلها قيل ثلث الدية، وقيل: خمسه؛ فإن كان أكثر فبحسابه، واختير أنَّ لها بعيرًا مطلقًا؛ وقيل: إذا (1) ذهبت منها خمس صلوات فثلث الدية، وإن ذهبت صلاة أو صلاتان فبحساب ذلك لكلِّ صلاة خمس ثلثها، وقيل: إن زال عقله ولو ساعة فهي غمية، ولو لم تذهب صلاته، وديتها ثلث الغمية، وهي بعير، وهي أن يغمى على المرء حتَّى يُظنَّ أنَّه مات ثمَّ يحيى، وقيل: هي أن يُضرب حتَّى يغمى عليه ولا يعقل.
وللمرأة نصف ما للرجل، وللعبد بقدر ثمنه على ذلك فإذا شهد على رجل أنَّه جثم على آخر وأخرج من تحته، ولا يتكلَّم، ولا جرح فيه ولا أثر، أو ضربه ولم يؤثِّر، ولا يتكلَّم أيضًا فالشهادة في مثل ذلك مقبولة؛ فإن اتُّهم حلف ما تغاشى عمدًا؛ فإن قدر على حلب شاة أو أقلَّ ثمَّ تكلَّم أو تنفَّس أو زأر أو تأوَّه أو نهم بلا كلام، ثمَّ أغمي عليه أخرى كذلك، ويكون منه في اليوم مرارًا فكلُّ هذا فيه أرش غمية واحدة.
ومن ضرب فزال عقله أصلاً فله تامَّة، وإن ادَّعى الإغماء، وأنكر الضارب حلف ما يعلم أنَّه أغمي عليه بضربته، ولا أنَّه زال عقله منها، أو يردُّ اليمين على المضروب، فيحلف أنَّه زال منها، فيأخذ منه ديتها.
__________
(1) - ب: «إن». (7/213)
صفحة 3278
الباب السابع عشر
في اللطمة ومعرفة الضرب وأرشه وأسمائه
وفي اللطمة قصاص؛ وقيل: لا، وديتها إن أثَّرت بعير، وهو مائة وعشرون درهمًا، وإلاَّ فستُّون، وقيل: فيها سوم، وقيل: لها ذلك في الوجه. والأثر: هو أن يحمرَّ أو يخضرَّ، ويعرف ذلك ولا تلزم لاطمًا نفسه دية، ويستغفر الله.
أبو عثمان: إنَّ اللطمة باللطمة لا دية لها، وكذا الكسعة بالكسعة؛ وكلُّ ضربة بعصًا أو رمية أو فقدة وهي صفع الرأس ببسط الكفِّ فأثَّرت في الوجه فهي مضاعفة على غيره، لها عشرون درهمًا، وقيل: السوم، وقيل: صفة أثرها: أن تؤثِّر الأصابع الخمسة والراحة آثارًا مفترقة، فإن اختلطت فلها عشرون درهمًا لأنَّها يحكم فيها بأثر واحد؛ وإن أثَّرت الأصابع لا الراحة فلكلٍّ عشرون، فإذا كسرت اللطمة الأنف وأثَّرت فيه، فللكسر مائة وعشرون، وللأثر ما مرَّ. ولها في البدن نصف ما للوجه.
ومن لطم رجلاً، فعور عينه وجرحه وأثَّر فيه بواحدة، فإن كان ذلك في غير واحد، فله دية العور والجرح واللطمة، إن كان الجرح في غير العين، والأثر لا في موضعه، وإن أثَّرت جرحًا يمكن فيه القصاص، كان له إلاَّ إن اختار الدية. وقيل: إن لطمه وذهبت عينه، فله ديتها لا دية اللطمة عند هاشم؛ وإن لطمه لطمتين إحداهما على الأخرى، فأثَّرت أعطي دية مؤثِّرة، إلاَّ إن بيَّن أنَّهما مؤثِّرتان معًا.
ومن ادَّعى على أحد أنَّه ضربه، فأقرَّ أنَّه لطمه لزمته لطمة الوجه، لا مؤثِّرة حتَّى تصحَّ، وقيل: له نصف أرشها. وإن شهد عليه عدلان بلطمة فلا يحكم عليه بهما حتَّى يجدا موضعًا، ويُبيِّناها مؤثِّرة أو غيرها. (7/214)
صفحة 3279
وضربة السوط والراطبية والركضة والركبة إن [608] أثَّرت فلها عشرة دراهم، وإلاَّ فخمسة.
وأرش الآثار في البدن سواء إلاَّ في الوجه فمضاعف. وللركضة فيه إن أثَّرت عشرون، وإلاَّ فعشرة؛ وفي البدن نصفه، وقيل: لها السوم، وإن لم تؤثِّر، وقيل: ثلاثة أبعرة ولا قصاص فيها.
وللصفعة في البدن إن أثَّرت عشرة، وإلاَّ فخمسة، وإن أدمت فأرشها مبلغ قياسها، وإلاَّ وأثَّرت حمرة أو خضرة فكالركضة وكذا الركبة.
واللوزة في الوجه إن أثَّرت فأرشها عشرون، وليس كأرش اللطمة، وللكسعة إن أثَّرت عشرة، وإلاَّ فخمسة، ولو كانت أشنع.
وكلُّ ضربة بعصًا، أو وجبة أو رمية فلها السوم، إن أثَّرت حمراء أو خضراء أو سوداء أو صفراء. (1)
ومن ضرب رجلاً بحبل مضاعف فأثَّر ففيه آثارًا فواحدة، ولكلٍّ منها أرش مؤثِّرة، لقوله تعالى: {وخُذ بِيدكَ ضِغْثًا ... } الآية، قيل أمَره أن يأخذ مائة شمراخ فيضربها بها واحدة، وقيل: عود من قصب، وهو القت، فجعلت الضربة بها مائة ضربة، ومن وجأ (2) رجلاً عشر وجيات ودفر عشرين دفرة، ولينه حتَّى اختنق، وأجثى على ركبتيه، وجثم عليه، فإن أثَّر الوجي فلكلِّ وجية عشرة دراهم، وإلاَّ فخمسة، وإن أثَّرت فله ضعف ذلك، وللخنق والإجثاء السوم ولا قصاص.
__________
(1) - ب: «حمراء أو صفراء ... ».
(2) - في الأصل: وجى، أي ضرب بالسكِّين أو بيده في أيِّ موضع كان. (7/215)
صفحة 3280
الباب الثامن عشر
في الحدث حين الجناية
فمن ضرب رجلاً حتَّى أحدث من قبله أو دبره فعليه السوم لا القصاص، وقد قضى عثمان فيه ثلث الدية، وإن وجأه فأثَّر فيه، وبال فله أرش الوجية عشرة دراهم، وبالبول السوم، وهو عند أبي عبد الله عشرون وللغائط ضعفه؛ وإذا وجأه على الذكر فإنَّما له عشرون، وإن خنقه فأحدث فله عند ابن محبوب السوم، وعند غيره دية الجائفة. وإن نخسه فضرط فله عند بعض أربعون، وعند أبي عبد الله السوم. (7/216)
صفحة 3281
الباب التاسع عشر
في السوم
وهو قيل: ثلث دية العضو، وقيل: خمسها، وقيل: النظر في جناية لا دية لها مفروضة، وكذا ما كان من العوارض كمن طرح دابَّة على رِجل دابَّة فلسعته، وكالجروح البارئة قبل الرفعان، والمتولِّد بعد الحدث، وما لا يتوصَّل إلى معرفته ففيه النظر.
وقيل: السوم نصف دية العضو، وقيل: عشرون درهمًا، واختير أنَّه كلُّ جناية أو حدث لا يعرف قدر ديته، ولا يتوصَّل إلى الحكم به أن يُسام باجتهاد العدول. (7/217)
صفحة 3282
الباب العشرون
في القتل وتفسيره
وهو إمَّا عمدًا أو شبهة أو خطأً، وهو أن يقصد طيرًا أو غيره فيصادف إنسانًا أو يسقط عليه بلا قصد أو يطير شرار حدَّاد عليه، أو ينقلب عليه نائم، أو نحو ذلك فيقتله بذلك، فديته على عاقلته، ولا يصدَّق إن ادَّعى الخطأ حتَّى يصحَّ ببيِّنة؛ ولا يؤخذ من رجل فيها أكثر من أربعة دراهم حتَّى توفَّى الدية منها الأقرب فالأقرب، والجاني واحدهم، وقيل: عليه جمعها منهم ولا يعطي معهم، وهي على الرجال دون النساء والصبيان، ونودي في ثلاث سنين، في كلٍّ ثلثها.
والعمد أن يقصد قتلاً فيلزمه القود لا الدية إلاَّ إن شاء الولي، ويعطيها الجاني من ماله على ثلاثة أجزاء من الإبل، كما مرَّ.
أبو المؤثر: فثمان من الأربعين فيها جذاع، وثمان ثنايا، وثمان رباعيات، وثمان سداس، وثمان مخاض، وهي بازل عامها، وكلُّهنَّ خلفات حاملات.
وشبه العمد إن ضربه بيده أم يرميه ولا يريد قتله ونحو ذلك مِمَّا لا يقتله عادة فديته مثله، وقيل: خمس وعشرون بنات مخاض، وكذا بنات لبون، وكذا حقَّة، وكذا جذعة؛ وقيل: فيه القصاص إلاَّ إن شاء الوليُّ الدية (1).
وزاد قومٌ ضربًا من القتل وسمَّوه: قتلاً بسيطًا، كحافر بئر لا في ملكه، وواضع حجرًا في طريق أو مسجد أو فيما لا يجوز له فيه الفعل، فيعطب به إنسان فديته على
__________
(1) - ب: + «فيه». (7/218)
صفحة 3283
العاقلة، فإذا جاء القاتل تائبًا، وقاد فإنَّه يصلَّى عليه إن أقرَّ ويغسل قبل أن يقتل، ويكفن بثياب (1) قتل فيها، ولا يحنَّط ولا يطهَّر، وإن أنكر ولم يتب حتَّى شهدت عليه بيِّنة فإنَّه يقتل ويدفن، ولا يصلَّى عليه، وليس المصرُّ كالتائب.
ومن استحلَّ به دم المسلمين، ودان به فإنَّه يقتل، ولا يصلَّى عليه ولا تؤخذ منه دية. ابن محبوب: لو رمى رجل رجلاً ببعرة متعمِّدًا بها قتله (2) فهو عمد وفيه القود.
ولا كفَّارة على قاتلٍ عبدَه خطأ.
__________
(1) - ب: «في ثياب».
(2) - ب: «قتله بها». (7/219)
صفحة 3284
الباب الحادي والعشرون
في الإقرار بالقتل والجرح ونحوهما
فمن أقرَّ بالقتل فعلى الإمام إنفاذ الحكم فيه كما جاء في الكتاب، فإن لم يجده فيه ففي السنَّة، وإلاَّ فمن آثار أئمَّة الهدى؛ وإنَّما يحبس من لم يدع إلى الإنصاف من نفسه، لا من دعا إلى أخذ الحقِّ منه وأقرَّ، ولا يلزمه في الحكم إن أنكر بعد الإقرار، وقيل: لا يقبل رجوعه بعد اعترافه.
والمحبوس بتهمة القتل إن أقرَّ به في الحبس فعليه الدية لا القتل، لأنَّه حقُّ الله، فيسقط بالشبهة (1).
أبو عبد الله: من أقرَّ بقتل رجل وادَّعى أنَّه بغى عليه، فإن بيَّن أنَّه بغى عليه وإلاَّ قاد؛ وقيل: إن أقرَّ بقتلٍ معيَّن، أو بسرقة معيَّنة ثمَّ أنكر، فقيل: إن رجع قبل أن يقع عليه أوَّل القصاص أو الحدِّ بطلا عنه، ولزمه غرم السرقة والدية، وقيل: ثبت عليه القود.
ابن محبوب: من أقرَّ بقتل رجل وشهد عدلان أنَّه قتله آخر، فقد جاء الأثر أنَّ الوليَّ يقتل من شُهد عليه، [609] وبه قال هاشم وابن المفضل.
وإن أقرَّ به رجلان كلٌّ منهما منفرد به قتل وليُّه أيهما شاء ويردُّ الآخر لوارثه نصف الدية، وقيل: عليه الدية والعتق أيضًا؛ وإن قال: قتلته عمدًا، وقال (2) الوليُّ: لا بل خطأً، لزمته الدية لا القود عند أبي الحواري، وبطلا معًا عند عزَّان.؛ وإن رجع
__________
(1) - ب: «بلا شبهة».
(2) - ب: - «قال». (7/220)
صفحة 3285
الوليُّ إلى العمد وصدَّقه المقرُّ لزمه القود، وعند عزَّان الدية. أبو المؤثر: ليس للأولياء أن يقتلوه بعد اعترافهم بالخطأ، ولو اتَّفقوا على ذلك، وكذا في الجروح.
أبو عبد الله: إن اتَّهم قوم قومًا بقتل وجروح، فأقرَّ بعضهم بهما، وأنكر باقيهم، فعفا أصحاب الدماء عنها، وقبلوا الدية، ثمَّ أقرَّ المنكرون بأنَّهم شركاء في ذلك فلا رجعة لهم على من عفوا عنهم ولا قصاص، ولهم أن يختاروا واحدًا من المقرِّين بعد الإنكار فيقتلوه، وكذا لهم أن يختاروا في القصاص، ثمَّ تكون دية القتيل (1) والمقتصِّ منه على الجميع لأوليائهما، وتسقط حصصهما.
قال عزَّان: أخبرني ابن الجهم أنَّ قومًا من نخل قتلوا رجلاً فأقرُّوا بقتله فقالوا: ظننَّاه فلانًا، فلم ير عليهم ابن عليٍّ قودًا، ورآه عليهم المشايخ، ثمَّ رجع ابن عليٍّ إليهم وذلك في عصر الإمام ابن حميد.
ومن أقرَّ بقتل رجل في رمضان، ثمَّ أقرَّ بقتله في شوال آخر، فالأوَّل أولى به، إلاَّ إن قال وليُّه: إنَّه حيٌّ في رمضان، وإنَّما قتل في شوال، فله أن يقتل المقرَّ بقتله فيه.
ومن أقرَّ لحاضر أنَّه قتل أخاه أو ابنه، ولا بيِّنة أنَّه أخوه أو ابنه، فهل يكتفى بإقرار القاتل بذلك أم لا؟ قال عزَّان: إذا قال: قتلت فلانًا بن فلان، وهو أخوه أو ابنه، لم يجز إلاَّ ببيِّنة بذلك؛ وإن قال: قتلت أخاه أو ابنه جاز إقراره عليه.
ومن أقرَّ عند قوم أنَّه قتل فلانًا ولم يشهدهم بقتله، قال محبوب: لا أرى عليه قودًا لإمكان أن يقول بذلك ولم يقتله، وإنَّما يمدح نفسه به، إلاَّ إن أقرَّ به عند الإمام.
ومن أقرَّ بقتل رجل، وقال: رأيته قتل ابني فقتلته، فلا يقبل دعواه إلاَّ بشاهدين، وإلاَّ لزمه القود، وإن وجدت قتيلة في الطريق، فأقرَّ رجل أنَّه قتلها عمدًا، أو تعدية عليها، فلوليها - قال ابن الحواري - أن يقتله بها ولا يردُّ نصف الدية، أو يأخذها منه، ولا يأخذ بها قودًا ولو فتك بها.
__________
(1) - ب: «المقتول». (7/221)
صفحة 3286
الباب الثاني والعشرون
في القاتل إذا أحدث في القتيل غير القتل
فمن قطع يد رجل ثمَّ تباعد عنه ثمَّ رجع إليه فقطع رجليه، ثمَّ قتله، فطلب وليُّه أن يفعل به كذلك، قال: أبو عبد الله: إن ضربه ضربة أذهب بها هذه الجوارح، وفاتت نفسه معها، أو بعدها، فلوليِّه إمَّا القود، وإمَّا الدية، لا أروشها؛ وإن قطعها جارحة بعد جارحة فله أروشها وديَّة النفس تامَّة، وإن أراد القصاص بها، وقد قطع شفتيه وأنفه ويديه ورجليه في مقام، ثمَّ قتله، فليس عليه إلاَّ القود، وإن نزل الوليُّ إلى الدية فليس عليه إلاَّ واحدة، وإن فعل به ذلك وعاش الممثَّل به فله بكلِّ ما أحدثه فيه دية.
وقال هاشم: إنَّ رياميًّا قتل رياميًّا فأقاده لوليِّه راشد، فضربه ضربة لم يمت منها وعاش، وطلب قتله أيضًا، فقال لهم بشير: قدِّموا الضَّارب حتَّى يضربه المضروب مثل ضربته، ثمَّ يقتله، فلمَّا عرفوا رأيه تركوا ذلك حتَّى سرقوه بعد فقتلوه. (7/222)
صفحة 3287
الباب الثالث والعشرون
فيمن قتل أو أمر أو أعان أو رأى من قتل
أبو الحواري: إن سار قوم إلى قوم يريدون قتلهم، فلمَّا التقوا كان فيهم من قتل، وفيهم من أعان، وفيهم من لم يفعل وأراد التوبة من مسيره، فإن سار مع بغاة وكثَّرهم، وكان معهم حتَّى نالوا من القوم ما نالوا، لزمه ما لزم الفاعل، لما قال بعض (1) إنَّ من نظر من قتيل سواد رأسه فقد شارك في دمه.
وإن تتابع قوم على قتل رجل فأعان عليه بعض بسلاحه، وبعض بطعامه، وبعض بدابّته، وساروا إليه حتَّى دنوا منه فتقدَّم إليه أحدهم فقتله، فكلُّهم شركاء في دمه، فمن أحدث منهم قطع نخل، أو هدم جدار، أو أخذ مال فعليه الغرم وحده، ولزم قائدهم جميع ذلك. وإن خرجوا لقتله فلماَّ وصلوه ندم أحدهم، وقام نادمًا ولم يرجع وسلاحه شاهر حتَّى قتل، لزمته الدية لا القود؛ وشاركهم فيه إن نظر سواد رأسه. وإن خرجوا وظنَّ بعضهم أنَّهم يريدون صلحًا أو ما يسعهم، فلمَّا وصلوه كان منهم القتل وغيره، فعلى من لم يقتُل ولم يرضَ ولم يدل، وخرج من جملتهم التوبةُ؛ وعلى باقٍ مكثِّرٍ بنفسه ما على الفاعل إن نظر ما مرَّ.
ومن خرج يريد الدفع عن الحريم مع قوم صاحوا بالسلاح، فأحدثوا باطلاً، وسفكوا دماء، فإنَّه إن لم يحب ذلك ولم يتبيَّن عليه، وإنَّما خرج على ما يجوز له، فأحدث غيره ذلك، ولم يعن فيه، ولم يقدر على إنكاره، سلم من الإثم والضمان، وله عليه ما نوى.
__________
(1) - ب: «بعضهم». (7/223)
صفحة 3288
وإن قصد قوم قتل رجل وسلب ماله، ثمَّ ندم أحدهم وأراد التوبة والخلاص من ذلك فعليه في المال قدر حصَّته، وفي القتل أن يقيد نفسه [610] إن قتلوه فتكًا أو في ثائرة، ولوليِّه إمَّا قتله أو أخذ منابه من الدية، فإن قتله لحق وارثه شركاءه بما عليهم، وهذا إن وجب في قتله القود، وإلاَّ ووجبت الدية فعليه منابه منها والعتق. (7/224)
صفحة 3289
الباب الرابع والعشرون
في القتل بالشهادة
فمن قتل بشاهدين عليه بقتل، ثمَّ أكذبا أنفسهما، فقيل: يقتلان به، وقيل: لوليِّه أن يقتلهما ويردَّ لوارثيهما دية واحد تكون بينهما، وقيل: إن قالا: تعمَّدنا عليه زورًا قتلا به معًا ولا ردَّ للدية؛ وإن قالا: شبِّه لنا أو ظننَّاه فلانًا، كان كالقتل على الثائرة، وإن شهدا عليه أنَّه قتل فلانًا خطأً، فقضي على العاقلة بالدية، فقبضها وليُّه ثمَّ جاء حيًّا فإنَّها ترجع بما أخذ منها عليه، وليس هذا كالرجوع في الشهادة.
فإن أفلس أو غاب، أو لا يقدرون على ردِّه منه كان على الشاهديْن، ويتبعانه به، وقيل: إنَّهما ضامنان في مثل هذا، وللعاقلة الخيار فيهما أو الولي، فإن ردُّوها منه لم يلزم الشاهدين غير التوبة، وإن ردُّوها منهما رجعا عليه، لأنَّه أخذ باطلاً.
وإن شهدا على رجل أنَّه قتل رجلاً، ولم يقولوا: عمدًا أو لا خطأً؛ قال ابن محبوب: لا أعلم أكثر مِمَّا شهدا به، فنقول: عليه الدية في ماله لا القود، إذ لم يشهدا بالعمد، ولا على العاقلة، إذ لم يشهدا بالخطإ؛ وإن شهدا على واحد من الورثة أنَّه عفا بطل القتل، ووجبت الدية.
ومن شهدت عليه بيِّنة أنَّه قتل فلانًا يوم كذا، وشهدت أخرى أنَّه معنا يومئذ في موضع كذا ولم يقتله، قال هاشم: يقتل به ولا يلتفت إليهم أنَّه لم يقتله. (7/225)
صفحة 3290
الباب الخامس والعشرون
في القتل إذا دخل فيه العفو أو أحدث القتيل في القاتل أو دخل في الحرم
فمن قتل أحدًا فعفا عنه بعض أوليائه، وأراد بعضهم قتله رجع الكلُّ إلى الدية، وقيل: لا شيء منها لمن عفا.
ومن قتل رجلين فدفعه الحاكم لأوليائهما فقال أحدهما: اقتله، والآخر: آخذ الدية، فقيل: إن كان مليًّا، فلكلٍّ منهما ما طلب، وإلاَّ فعلى طالب القتل أن يردَّ على الآخر نصفها، لأنَّه دفعه الحاكم لهما.
وقد همَّ عمر أن يقيد رجلاً بدم رجل عفا بعض أوليائه عن دمه فنهاه ابن عباس، فأثنى عليه عمر خيرًا.
وإن فرَّ القاتل حتَّى دخل الحرم، فقد مرَّ أنَّه يلجأ إلى الخروج منه ثمَّ يقتل، وإن سرق فيه، أمره الإمام أن يطوف ويسعى ويحلَّ، ثمَّ يقطع. وإن تقاتل رجلان فطعن كلٌّ صاحبه، ثمَّ تبارءا فمات أحدهما، فلا تثبت البراءة في هذا لأنَّه سُنَّ أن لا قصاص في الجرح حتَّى يبرأ، ويعلم وهما تبارءا قبل ذلك، ولا ينفع كلاًّ إبراء الآخر، ولعلَّه يموت في مدَّة وجوب القصاص، أو تنقضي، ويرجع إلى الدية، وتكون لوارث المطلوب.
أبو المؤثر: كلُّ ما أحدثه القتيل في القاتل من دية أو قصاص فإنَّه يلزمه إذا لم يعلم الباغي من المبغي عليه. ولو قطع يد القاتل، فلوليِّه القود إن تعمَّد، وللقاتل دية يده في ماله، وقس على هذا نحوه. (7/226)
صفحة 3291
الباب السادس والعشرون
في القود والقصاص وصفته وعند من يكون
وقد مرَّ أنَّه ما روي: أنَّه لا يقتل مؤمن بكافر، ولا حرٌّ بعبد، وقيل: لو أنَّ من رمى رجلاً ببعرة أو نواة، أو ريشة أو صوفة متعمِّدًا فمات، كان فيه القود، وقيل: إنَّ مثل هذا لا يقتل في التعارف، وإنَّه مات بأجَله؛ وكذا كلُّ ما لا يقتل فيه، ولا يعين على قتل، فقد اختلف فيه.
ومن ألقى رجلاً في نار ظلمًا فمات بها، فقيل: يطرح فيها حتَّى يموت، وقيل: يضرب بالسيف؛ وكذا قاتل بسمٍّ.
وأمَّا القصاص فإنَّه لا يكون إلاَّ في الظهور لأنَّه حقٌّ، ونحبُّ أن يكون مع المالك للأمر، وقيل: لا يجوز إلاَّ مع السلطان ولو جائرًا، وكذا القود، فإنَّه من الحدود، ولا يقيمها إلاَّ العدل، وقيل: يقيمها من ملك البلاد ولو جائرًا، وهو المختار.
وإذا مرض القاتل، وأراد التوبة وأقاد، نظر الحاكم فيه، فإن صحَّ مثله للقود قاده (1) للوليِّ فله إمَّا قتله، أو العفو عنه، أو أخذ الدية منه، وليس له أن يقتله في فراشه إلاَّ بنظر الحاكم؛ وإن كان مثله في النزاع والاِحتضار أوصى بالدية.
ومن رأى رجلا يقتل رجلاً فوكله الوليُّ في قتله بعد إقراره، ثمَّ جحد، فهل يقتله؟ قيل: نعم؛ واختلف فيما إذا ضربه فلم يمت في حينه، فقيل: إن بقي ثاويًا من ضربه وجرحه حتَّى مات، فعلى الضارِّ به القود، وقيل: لا، إن لم يمت في ثلاثة أيَّام،
__________
(1) - ب: «قاد». (7/227)
صفحة 3292
وقيل: لا قود إن جاوز سبعة، وقيل: ما لم يمت من ضربته، ففيه القود، وقيل: ما لم يداو، فإذا داوى بطل ووجبت الدية، وقيل: لا يبطله الدواء، وخياطة الجرح حدث يبطله.
وقيل: إن طعن المضروب الضار عن طعنة قيمتها أقلُّ من قيمة ما للمضروب فلم يزل المطعون ثاويًا حتَّى مات، فلا يلحق أحدهما صاحبه بشيء من الأرش لأنّ النفس بالنفس، وقد ماتا معًا.
فإذا وجب القود على أحد عند الإمام، وَكل به من يثق به عند القود إن لم يحضره الحاكم [611] بنفسه، فتكتف يداه إلى خلفه، ثمَّ يجثو وليُّ الدم على ركبتيه ثمَّ يضرب بقاطع على رقبته في واحد حتَّى تقبض روحه، وقيل: إن طعنه بخنجر أو مدية، أو رماه بحجر فقتله، أساء ولا عليه.
وقيل: من لزمته الحدود فإنَّه يبدأ بحقوق العباد الأوَّل فالأول، ثمَّ بما لله سبحانه، يبدأ بما كان دون القتل، وقيل: إنَّه يأتي على الجميع، لأنَّه داخل تحته.
أبو المؤثر: من دخل على رجل في النزع فقتله، ففيه القود، وقال أيضًا: لو أنَّ رجلاً ضرب رجلاً إلى أن صارت الروح فيه تجيء وتذهب، ثمَّ قتله آخر، لزمهما القود لاشتراكهما في دمه إن فتكا به.
والمقتول صبرًا لا تقمَّط يداه خلفه، ولا يقيَّد، وإذا استوجب القتل، أطلقت عنه الأغلال والقيود ثمَّ يقتل. (7/228)
صفحة 3293
الباب السابع والعشرون
فيمن يلزمه القود ومن لا يلزمه ومن أولى به
وهو والقصاص لازمان في العمد كلَّ حرٍّ بالغ عاقل، لا أخرص ولا أعجم، يعبِّر عن نفسه إذا اعتدى على مماثله ولو صغيرًا أو شريفًا، لا أبٌ بابنه، وعليه ديته عند الأكثر، فإن قتل أبوه ابنه فله أن يقتله به، والأحسن أن يولِّي قتله غيره، ولا يتولاَّه بنفسه، وكذا إن بغى ولقيه في الصفِّ فإنَّه يردُّ قتله إلى غيره، وللأب أن يقتل ولده بابنه (1). وجاز القصاص في غير الأبوين.
ويقتل كافر بمسلم لا عكسه عند الأكثر، وامرأة برجل، وبالعكس، ودم كلٍّ منهما وفاء من صاحبه، وقيل: ليس دمها وفاء لدمه، فلوليِّها أن يردَّ على قاتلها فضل ديته، ويقتله أو يأخذ ديتها، وقيل: إن كان أولياء القتيل يتامى وبلَّغًا، فعفا بعضهم عن القود، وأخذوا الدية جاز عليهم وعلى الأيتام، وإن طلبوا بعد بلوغهم ردَّها وأخذ القود، فلا حجَّة لهم، ولو كان العافي أخًا، واليتيم ولدًا، وينهدم القاتل بالعفو وكذا إن كان الورثة نساء وعفا الذكر، وإن أراد القود غير الأيتام فلا يجاب إليه حتَّى يبلغوا، ويختاروا، وإن مات القاتل (2) قبل بلوغهم أخذوها من ماله؛ وإن قال الجريح: وكَّلت فلانًا فمات في وقت يجب فيه القود فله أن يقتله، وتثبت وصيَّته فيه وهو أولى من الولي، وقيل: يبطل القود، وتكون الدية لوارثه؛ وإن كان لا عاصب له ولا رحم فالإمام أولى بدمه من قتلٍ أو دية؛ فإن كان له جنس دفعت إليه، وإلاَّ وضعت في بيت
__________
(1) - ب: «بابنه ولده».
(2) - ب: سقط قدر سطرين «وينهدم بالعفو ... مات القاتل». (7/229)
صفحة 3294
المال؛ فإن جاء له وليٌّ بعدُ دفعت إليه منه؛ وإن كان من غير الأجناس فقيل: توقف أبدًا حتَّى يصحَّ له وارثًا؛ وقيل: هي للفقراء، وقيل: لبيت المال ولا تبطل.
وإن كان القاتل ناقص بعض الأعضاء، والقتيل كاملها، أو عكسه صحَّ القود. ومن أمر عبيده أو من عليه طاعته بقتل رجل فعليه القود كما مرَّ إن كان له على المأمور سلطانًا، وإن كان بالغًا عقلاً لزمه أيضًا؛ وإن لم يكن للأمر عليه سلطان لزمه وحده.
ومن أكرهه الجبَّار على قتل رجل فلوليِّه قتل من شاء منهما أو كليهما، إن كان فتكًا؛ وقيل: الإجبار على القتل كالإجبار على الزنى، ويدرأ عنه القود كالحدِّ بالشبهة.
أبو عبد الله: على الآمر صبيًّا أن يرمي رجلاً القود إن رماه وقتله، لا على الصبيِّ، وقال عزَّان: عليه الدية لا القود، وقيل: إنَّ كلَّ آمر في مال أو دم ولم يعلُ ذو الحقِّ إلى حقِّه مِمَّا فعل من دية أو غرم، أو قود فلا نراه فيما أمر به؛ وقيل: إذا لم يكن سلطانًا أو مطاعًا فلا غرم عليه ولا دية، إلاَّ إن أمر عبده أو صبيَّه فعليه ذلك، ولا مخرج له منه إلاَّ بأدائه.
ومن أمر عبده أن يسرق فلا قطع على أحدهما إن سرق عبده، وإن أمر حرًّا بالغًا عاقلا به قطع إن سرق، وأثم الآمر، وعبدُ غيرِه كالحرِّ، وقيل: إن أمر جائر رجلا بقتل رجل، ثمَّ قام العدل، وأراد التوبة فلوليِّه أن يقتل الآمر أو المأمور القاتل، وقيل: عليه القود إن قدر عليه، وإلاَّ فعلى الآمر الدية، وقيل: القود إذا لم يقدر على القاتل، وقيل: على السلطان القود، وعلى القاتل الدية إن أجبر. (7/230)
صفحة 3295
الباب الثامن والعشرون
في القود بإقرار أو بيِّنة أو دعوى والرجوع عنه وقتل غير الولي
أبو المؤثر: إن قتل رجل فادَّعى وليُّه أنَّه قتله، حبس بالتهمة حتَّى يستقصي الإمام حبسه، فإن كان له بيِّنة أنَّه قتله حكم عليه بالقود، وإلاَّ استحلف له ما قتله، فإذا حلف خلَّى سبيله؛ وقيل: كلُّ جناية ادَّعاها الجاني عمدًا والمصاب أنَّها خطأ، فلا شيء له، وفي العكس الأرش، وقيل: يثبت في الوجهين، حتَّى يصحَّ العمد ويدَّعيه المصاب فيثبت القصاص.
ومن قتل وله ولدان، فادَّعى كلٌّ منهما على رجل أنَّه قتله عمدًا أو بيَّن ذلك، وطلب كلٌّ القصاص مِمَّن بيَّن عليه، فقيل: يبطل، لأنَّ كلاًّ منهما يبطل دعوى صاحبه؛ قال خميس: ولعلَّ لكلٍّ منهما الدية على من بيَّن عليه.
والقاتل إن أقرَّ ثمَّ رجع قبل أن يقع عليه أوَّل الضرب كما مرَّ [612] فله أن يرجع. ابن محبوب: إن رجع وقد ضربه الوليُّ ولم تفت نفسه أمر بالإمساك عنه، ويردُّ للحبس، ولا يلزم الولي ضربه، لأنَّ الإمام أباح له قتله، وكذا لو ضربه شديدًا ثمَّ عفا عنه، لا يلزمه ما ضربه، ولو قطع منه جارحته، وإن ضربه ثمَّ ولَّى عنه وظنَّ أنَّه قتله، فقيل: عليه أرش ضربه، وله أن يقتله.
ومن أقيد لرجل فضربه، وظنَّ أنَّه قتله ثمَّ ذهب عنه فصحَّ فقال موسى: ليس له إلاَّ ما ضربه؛ وقال بشير: له أرش ضربه، ويقتله، واختاره أبو الحواري، وفي نسخةٍ (7/231)
صفحة 3296
أبو عبد الله. ومن قتل رجلاً عمدًا فعرض له آخر فقتله، فلأهل الأخير أن يقتلوه ويعطوا الدية إلى وارث الأوَّل.
أبو المؤثر: سمعنا أنَّه ليس لوارثه تباعة في مال الثاني ولوليِّ الأوَّل إمَّا قتل الثاني، أو أخذ الدية منه إن قتله عمدًا، وإلا وطلب وارثه الدية، فلم تقض له حتَّى قتل الثاني، فإن أراد وليُّه أن يستفيد من قاتله فله ذلك، وإن كان للثاني مال غير الدية أخذه الوليُّ.
وإن سرق رجل من حصن أو قتل أحدًا، فقتله رجلٌ بلا إمام به، أو قطع يده فإنَّه يعزَّر (1) ولا يقتصُّ منه، وألزمه غيره القود، إذ ليس له أن يقتله دون وليِّه ودون الإمام، وإن كان قتله إليه بحدٍّ من حدود الله، لا على القود فهو كما قال، وكذا القطع والرجم، ليس له أن يعفو فيهما. ولمن لم تصح له بيِّنة على قاتل وليِّه أن يقتله سرًّا إن أمكنه، ولا يقطع سارقه ولو سرًّا.
ومن قتل مرتدًّا أو محصنًا زانيًّا بلا حاكم، فإنَّه قيل يعزَّر لإمضائه الحكم بدونه، وهو المختار.
فصل
من قتل عشرًا ثمَّ تاب، فأقاد لجميع أوليائهم لم يجز لأحدهم قتله، ولكن يوكِّلوا واحدًا يقتله لهم، أو يقترعوا على أحدهم، فإن قتله أحد في الوجوه، فإن كان ماله يسع جميع الديات وإلاَّ لحقوه بتسعة أعشارها ورفع له عشر ما ينوب صاحبه؛ وقيل: إذا تاب وأقاد فقد برئ في الحكم والله أولى بعباده في الدارين؛ وقيل: يقاد لوارث القتيل الأوَّل، وللتسعة المقتولين بعده دياتهم، وإن نقص ماله عن جميع الديات، كان بالحصص.
__________
(1) - ب: «يعزّ» وهو خطأ. (7/232)
صفحة 3297
وإن قتل رجلان أو أكثرُ رجلاً وبيَّن فقال أبو المؤثر: إن فتكوا به قتلوا به لما روي عن عمر أنَّه «لو اجتمع أهل صنعاء على فتك امرأة لقتلتُهم بها»؛ وإن قتلوه على غير الفتك فلأوليائه أن يختاروا واحدًا فيقتلوه ويردُّ باقيهم على وارث هذا القتيل الدية، إلاَّ ما ينوبه من دية الأول.
وإن قتل حرٌّ وعبدٌ رجلاً، فإن فتكا به ردَّ على وارث الحرِّ نصف ديته، وذهب العبد، وقيل: إن كانت قيمته كنصفها أو أقلَّ أو أكثر، فإن كانت أكثر ردَّ على مولاه الفضل عليه، وإلاَّ فلا. وإن قتل الحرَّ دفع العبد لوارثه، إلاَّ إن كانت قيمته أكثر من نصفها فالفضل لربِّه. وإن قتل العبد به، وكان ثمنه كدية الحرِّ ردَّ على ربِّه نصف ثمنه، وإن كان أقلَّ من نصفها فليس على ربِّه غير رقبته، وعلى الحرِّ نصفها. (7/233)
صفحة 3298
الباب الثامن والعشرون
في العفو وما يبطل به القود وما يبرأ به الجارح
فمن تعمَّد جرح رجل فمات قبل أن يطلب الجريح أرشه، فقيل: إن مات الجارح قبل أن يبرأ الجريح فله ذلك، وإن مات بعدما برئ ولم يطلب فلا شيء له إلاَّ إن كان خطأً كان في ماله،.
وقال هاشم: من جرح رجلاً فعفا عنه ثمَّ مات فعليه ديته، وكلُّ جرح أحدث فيه صاحبه كيًّا أو غيره فمات فليس له إلاَّ أرشه، وإن لم يحدث فيه شيئًا ولم يزل يؤذيه حتَّى مات فعليه تامَّة، إلاَّ إن علم أنَّه حدث فيه مرض فليس له إلاَّ أرشه؛ وإن عالجه بالدواء ولم يحدث فيه غيره فالدواء لا يبطل الدية، وإن أبرأ القتيل قاتله من دمه، جاز عفوه عنه إن تعمَّد قتله، إلاَّ إن كان خطأً، وإن أوصى له بديته، كانت في ثلثه؛ وإن جرحه عمدًا دون القتل فعفا عن جرحه ثمَّ مات منه فعليه ديته إذا لم يبرَّه من نفسه؛ وإن أبرأه من دمه برئ إن تعمَّد وجاز عفوه، لا إن كان خطأً، إلاَّ من ثلث ماله مع وصاياه.
وجاز في العمد ولو في المرض؛ وإن كان على المصاب دين ولا مال له، فإن تعمَّد الجاني جنايته، فله ولوارثه أن يعفو عنه، وإن كانت خطأً لم يجز عفو أحدهما لاستهلاك الأرش في الدين؛ وإن قبل وليُّه الدية فقضاه منها، فإن عفا عنها جاز عفوه، وجاز الصلح في الجروح مطلقًا.
وقيل: في الخطإ خلاف إذا وقع على دراهم أقلَّ من الأرش، وإن وقع على عروض ثبت مطلقًا. (7/234)
صفحة 3299
وإذا جرح بالغ صبيًّا فعفا أبوه عنه، فإذا بلغ ولم يرض بطل القصاص لا الأرش، وإن بلغ ولم يطلب، حتَّى مات فلا مطلب لوارثه.
أبو المؤثر: من تعمَّد قتل رجل فأبراه من دمه وأوصى له بديته، فهو أولى بدم نفسه، وليس لوليِّه قود ولا دية، وإن قتله خطأً، وكانت كثلث ماله، أو أقلَّ جاز عفوه إلاَّ إن أوصى بما يزيد عليه، فإن المعفو عنه يحاصص الوصايا بديته فيه، فإن فضل شيء ردَّه على الوارث، كمن له أربعة وعشرون ألفًا، وديته اثني عشر ألفًا فهي ثلث ماله، فيجوز العفو عنه، أو الإيصاء له به إن لم يكن وارثًا، ولا تباعة عليه له؛ وإن كان ماله اثني عشر ألفًا وديته كذلك ثبت للمعفوِّ عنه أو الموصى له ثلث ذلك، وهو ثمانية آلاف.
وقيل: إنَّ العفو عن الدم في سبب الدية كالحلِّ والترك من الحقوق، فإنَّه لا يثبت في الخطإ، ويبطل به القود في العمد.
وقيل: من جرح رجلاً فعفا عنه، ولم يعلم ما له من الأرش فلا رجوع له إذا علم بعد (1). أبو المؤثر: وذلك إن تعمَّد، وإلاَّ جاز له، [613] إلاَّ إن حدَّ له إلى قيمة معروفة.
أبو زيَّاد: من تعمَّد قتل أبيه فأوصى له بثلث ماله وأبرأه من دمه برئ منه، وجازت له الوصيَّة والهبة والصدقة والعفو والحلُّ والترك، وإلاَّ برأ منه.
وجاز العفو في العمد لا في الخطإ عند الأكثر، وإذا قال له: عفا الله عنك، فله أن يطالبه بجرحه؛ وإن قال: عفوت عنك فعفو عن القصاص وله الدية، وإن لم يعلم قدر جرحه، وإن علمه ثبت عفوه، وقبل قوله أنَّه لا يعلمه.
__________
(1) - ب: - «بعدُ». (7/235)
صفحة 3300
الباب الثلاثون
في العاقلة وما عليها
وقد أجمعوا أنَّها لا تعقل عبدًا ولا عمدًا ولا صلحًا ولا اعترافًا ولا أقلَّ من نصف عشر الدية، ولا ما دون الموضِّحة، وعلى الجاني ما على واحد منها، ولا يلزمها إلاَّ الخطأ، فإن كثرت قيمته الأولى بقدر ما يكون على كلٍّ منهم أقلَّ من أربعة دراهم، قسِّمت على عددهم. وليس على امرأة ولا صبيٍّ ولا مجنون، ولا أعجم عقلٌ، فإن استفرغت القبائل وبقي من الدية شيء فقيل: يضعَّف على الجاني، وقيل: عليهم، وقيل: على بيت المال، وإن أنكرت نسب الجاني فليبيِّن؛ فإن كانت فصيلته التي هو منها حيث لا تصلها الأحكام، ولا ينال منهم الإنصاف لزمت في ماله، وليس له أن يأخذ من البُعدى إلاَّ بعد أن يعلم أنَّ القربى لا تفي بالدية على حسب ما يلزم كلَّ رجل، وهو أربعة دراهم، فإذا علم ما بقي منهم، كان على التي بعدها، وعليه أن يتبع عشيرته حتَّى يؤدِّي ما عليه، إلاَّ إن كان صبيًّا أو معتوهًا؛ فإن وليَّه هو الذي يتبعها؛ وقيل: إنَّ وليَّ الصبيِّ والمجنون والمعتوه والأعجم هو الذي يتولَّى قبضها ودفعها لوليِّ الدم.
وأوَّل من يعقل: الأب ثمَّ الابن ثمَّ الأخ ثمَّ الأقرب فالأقرب، وعمد العبد وخطأه (1) وجناية اللقيط عليه، وقيل: يعقل عليه من كفله كما مرَّ، واختير الأول؛ وكذا لا يعقل على أحد.
__________
(1) - في أ وب: «خطاؤه» وهو خطأ. (7/236)
صفحة 3301
والخنثى تعقل عنه عاقلته ويلزمه نصف الرجل في العقل، ومن مات من العاقلة بعد الحكم بالدية، فمنابه في ماله، وإن كان فيها عبد أو مشرك فعتق أو أسلم قبل أن تؤدَّى فعليهما منابهما؛ وما أكله صبيٌّ بفيه أو افتضَّه بفرجه قسرًا ففي ماله، وكذا الأعجم والمعتوه، وسائر الجنايات على عواقلهم.
وقيل: إحداث الصبيِّ في أمر العاقلة كإحداث البالغ (1)، ويعقل مولى عن معتقه، ولو تعدَّد من قبائل.
وتؤدَّى دية الخطإ في ثلاث سنين كما مرَّ وجروحه إن كانت أقلَّ من ثلث التامَّة في سنة، وما زاد عنه إلى الثلثين ففي سنتين، والزائد عنهما، إلى التامَّة في ثلاث إلاَّ إن كان في ذلك صلح، وتعدُّ الثلاث من يوم حكم بالدية على العاقلة، ولا يعتبر ما سبقه. (2)
وجناية المرأة على عاقلتها وعليها كواحد منها، وعن الربيع: أنَّ الدامية في الخطإ على أدنى القرابة إلى الجارح، وترفع الباضعة إلى من فوقه، وكلَّما زاد صعد إلى أعلاه حتَّى يبلغ الثلث، فيكون على العشيرة كلِّها.
والعاقلة من اثنين فصاعدًا؛ وقيل: من ثلاثة، وكلُّ ملَّة تعقل عن مثلها لا عن غيرها.
ولا يلزم عالمًا من العاقلة بجناية من يلزمه ليعقل عنه شيء كما مرَّ حتَّى يطلب المجني عليه من الجاني، ويطلب هو من يعقل عنه ما لزمه.
ولا دية لوارث قاتل نفسه على عاقلته، وخطأ الإمام والحاكم على عاقلتيهما، وقيل: على بيت المال؛ وقيل: خطؤه في الحكم فيه، وباليد عليها.
__________
(1) - أ: هامش «وعبارة الأصل: وقيل إن جرت الصبي في أمر العاقلة كإحداث البالغين ... [غير مقروء]».
(2) - أ: هامش «وعبارة الأصل: وثلاث سنين لحسب من يوم يحكم الحاكم على العاقلة». (7/237)
صفحة 3302
أبو زيَّاد: من جرحه صبيٌّ فأدَّى أبوه أرشه من ماله، فإن علم أنَّ الدية على عشيرته، وأدَّى بإرادته فلا رجوع له عليها، وإلاَّ ثمَّ علم فله أن يرجع عليهم، والأب كواحد منهم.
والخطأ اللازم لهم هو أن يرمي الرجل صيدًا مثلاً فيصيب إنسانًا كما مرَّ، أو يركب دابَّة فتصيبه أيضًا برأسها أو يدها أو رجلها، أو يشرع جناحا على الطريق أو يميل حائطه عليه، فتقدم عليه فيه فيقع على أحد، أو يقتصَّ منه فيموت، أو يسترشده الطريق فلم يرشده، أو يستسقيه أو يستطعمه فلم يفعل فيموت ففي نحو هذا وجوب الدية على العاقلة وفي بعضه خلاف؛ وفيه العتق أو الصوم، وفي منع الإرث بذلك خلاف في البعض أيضًا. (7/238)
صفحة 3303
الباب الحادي والثلاثون
في القسامة
وشرطها أن يوجد قتيل في قرية ولا يدرى قاتله، وتقسم ديته على أهلها بعد أن يحلف منهم خمسون رجلاً من صلحائهم: ما قتلناه ولا علمنا قاتله. ومن نكل منهم أدَّاها وحده؛ وإن وجد بين قريتين كانت على القربى إليه، والأيمان على أهلها، وإن لم يوجد فيها إلاَّ واحد تكرَّرت عليه خمسين ثمَّ يؤدِّيها، وإن كان فيها أقلَّ من خمسين رجلاً حلف كلٌّ منهم ثمَّ يختارون من يضعِّف عليهم باقي الأيمان، وإن استوت القريتان فديته عليهما معًا، بعد أن يحلف من كلٍّ خمسون يختارهم الوليُّ، وقيل: خمسة وعشرون.
ولا قسامة فيمن لا أثر فيه إذ هو ميِّت لا قتيل، وإن وجد في دار فديته على ربِّها وهي على عاقلته إن سكنها هو، وإلاَّ فعلى ساكنها، وإن سكنها هو وغيره فعلى العدد، وإن وجد في دار ابنه أو أبيه أو المرأة في دار زوجها فعلى عواقلهم، وإن وجد في دار نفسه فلا دية له، وقيل: على عاقلته إلاَّ إن عرف قاتله فتلزمه.
وعلى عاقلة الذمِّيِّ إن وجد في داره، وإن وجد على دابَّة فعلى سائقها، أو قائدها أو راكبها معه، وعليهم إن اجتمعوا [614] وكانوا من أهلها ويديه عواقلهم إن استووا إلى الدابَّة، وإلاَّ فعلى من كانت بيده يصرِّفها كيف شاء، وإن لم يوجد معها أحد فعلى أهل محلٍّ وجدت فيه لا على ربِّها، وإن وجد في سفينة فعلى راكبيها، وإن وجد في نهر صغير لمعروفين فعليهم، وإن وجد في كبير أو دجلة أو (7/239)
صفحة 3304
بحر أو في فلاة فلا قسامة فيه؛ وإن وجد في سوق أو جامع أو زحام فهو في بيت المال، وقيل: فيه القسامة على أهل البلد.
وإن وجد في دار عبدٍ فعلى عاقلة ربِّه، وإن وجد في دار يتامى لا ساكن فيها غيرهم فلا شيء عليهم؛ وإن وجد عضو منه في دار أو قرية فلا شيء فيه حتَّى يوجد فيه أكثر من نصفه ولو رأسه، حتَّى يكون مع الأكثر من بدنه.
وإن ادَّعى وليُّه على أهل قرية أو محلَّة وجد فيها فقد أبرأهم ولا شيء له على من ادَّعى عليه إلاَّ بالصحَّة وبطلت؛ وإن اتَّهم رجلاً فحبس له ثمَّ قال فيها على أهل الموضع، فوقع على كلٍّ أكثر من أربعة دراهم، تبع عشيرته بالزائد عليها حتَّى يؤدِّي ما لزمه من الفضل عليها.
وعلى الإمام والقاضي ما على غيرهم من القسامة والأيمان، وقيل: لا.
وإن شهد عدلان من أهل القسامة على قاتل معيَّن جازت شهادتهما عليه عند الأكثر، وقيل: لا، لأنَّهما دافعان، وجوِّزت من ثلاثة. وإن وجد في دار قوم لم تجز شهادتهم أنَّه قتله فلان، لأنَّه لازم لهم دون غيرهم ولا قسامة فيه إن لم يوجد فيه أثر الأدم يخرج من أنفه، وثبتت فيه إن كان يخرج من أذنيه.
وإن وجد سقط أو جنين في محلَّة فلا يلزم أهلها، إلاَّ إن كان حيًّا تامَّ الخلق، وفيه أثر القتل.
ومن جرح في قبله أو بسهم أو حجر، ولا يدرى من به فثوى من ذلك حتَّى مات، فعلى من أصيب فيهم القسامة.
واختلف في أعمى وزمن ومقعد ومجنون وأعجم، فقيل: تلزمهم؛ وقيل: لا.
وتلزم غائبًا إن كان في ممكن وصوله، وأهل السجن، وقيل: إنَّما تلزم أهل الأصول، لا مكتريًا منزلاً ولا غريبًا، ويقوم بأمر من لا وارث له إلاَّ جنسه، ذلك الجنس يستحلفون عليه ويقبضون ديته. (7/240)
صفحة 3305
وإن كان رأسه في داره، وبدنه خارجًا فديته على ربِّها، وفي العكس القسامة على أهل القرية، وقيل: غير ذلك.
ومن دخل قرية حاملاً قتيلا فزعم أنَّه قتله قوم، قال العلاء ومسبح: لا شيء عليه إلاَّ ببيِّنة، وقيل: هو عليه.
وإن وجد في حيٍّ يبلغ خمسين حلف كلٌّ منهم، وإلاَّ تكرَّرت عليهم الأيمان كأهل القرية.
ولا يمنع داخل في القسامة من إرث القتيل، وإن قال أحد من أهلها: قد علمت قاتله، ولا أحلف، أو لا علم لي به، أجبره الحاكم على اليمين، ويكفرها إن علم، ولا يقبل قوله على أحد كما مرَّ.
فصل
قيل: على أهل الذمَّة القسامة لنا وبالعكس، وقيل: لا قسامة بيننا وبينهم.
وإن وجد في دار أو قرية فيها يتامى وعبيد فقط فلا دية عليهم، وقيل: على عواقلهم، وموالي العبيد. وإن وجد في قرية فيها مسلمون وذمِّيُّون فالقسامة على المسلمين إن كان منهم، وإن كان ذمِّيًّا فعلى الذمِّيِّين، ولو كان لهم فيها بيت واحد، أو كانت كلُّها لهم إلاَّ بيت للمسلمين، فالقسامة على أهل البيت.
ويؤخذ بالقتيل أهل ملَّته لا غيرهم فيها.
تمَّ هذا الجزء (7/241)
صفحة 3306
الجزء الرابع والعشرون
في الشهادات (7/242)
صفحة 3307
الباب الأوَّل منه
فيمن عليه تحمُّل الشهادة
وهي فرض كفاية وركن من الأحكام، قال اللَّه تعالى: {وأشهدوا إذا تبايعتم ... } الآية. {و أشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله} {ولا ياب الشهداء ... } الآية، فقيل: معناه في وجوبها قبل تحمُّلها، وقيل: في وجوب أدائها بعده، أبو عبد الله: يسع من دُعي إلى تحمُّلها أن لا يُجيب ما وجد غيره، ولزمه إن اضطرَّ.
أبو عليٍّ: عليك أن تشهد عمَّا عليك أن تؤدِّي؛ وفي قوله: {ولا يُضارَّ كاتب ... } هو أن يقول الرجل لا أجلك (1) حتَّى تكتب لي، وهو يجد غيره، فهو قيل: إضرار، ولا سيَّما إن كان في حاجة مهمَّة أو شغل.
ابن بركة: اتَّفقوا على أنَّ الشهود، إذا دُعوا إلى حمل الشهادة، لم يجز لهم أن يمتنعوا من أدائها إلاَّ من عذر؛ وكذا الكاتب إن احتيج إليه وكان فارغًا قادرًا، ولا يوجد غيره في الوقت، لا يجوز له أن يمتنع، وقد ذكرت في النيل كلامًا في {ولا يُضارَّ ... } الآية. وأختار أنَّ الشاهدين إذا لم يوجد غيرهما، ويخاف من تخلُّفهما أن يضيع الحقُّ أو يفوت، يلزمهما الإيصاء (2) عند الاحتضار، وكذا النكاح، والإشهاد على الصلاح ونحو ذلك، يجب عليهم تحمُّلها؛ قال: ولا يلجئهما قوله تعالى: {ولا
__________
(1) - ب: «أحلك»، وهو غير مفهوم.
(2) - ب: «الإيضاء» وهو خطأ. (7/243)
صفحة 3308
يُضارَّ ... } إلى مضرٍّ بهما مع العذر لهما، أو وجود غيرهما [615] من فرض شقَّ عليهما، أو طلب قوت، وإن لعيالهما.
وإن تحمَّل شاهد ودُعي إلى أدائها فأبى، فقد عصى بإبائه لإجماعهم على أنَّه واجب عليه، فإن أدَّاها (1) غيره، واستغني عنه فعليه التوبة من إبائه، فإن لم يؤدِّ ما شهد به الآخر معه وكان الحقُّ لا يثبت إلاَّ بأداء شهادته، وقعوده عنه سبب ضياعه على الطالب له كان ضامنًا له بقعوده؛ فإن أبى من أدائها إلاَّ بعوض لم يكن له ذلك، وعليه ردُّه إن أخذه؛ فإن خاف ضرًّا يؤذيه ولو إلى تلف عياله لاشتغاله بأدائها، فاشتغاله بفرض نفسه أولى، فإن أعطى له المشهود له ما يقيم به رمقه، ويسدُّ به خلَّته فعليه أداؤها، وله ما أعطى له، ويدلُّ على ذلك إجماعهم أنَّ على الوصيِّ حفظ مال اليتيم، ولا عوض له على ذلك، فإن خاف العجز عن القيام بذلك لاشتغاله بطلب القوت فله الأخذ منه بالمعروف كما مرَّ لقوله تعالى: {ومن كان غنيًّا فلْيستعفِفْ ... } الآية، فإن أدَّى الشهادة مرَّة سقط الفرض عنه، وله أخذ العوض على إقامتها ثانية، وكان كمن أكرى نفسه في عمل لا يلزمه فعْلُه من طاعة كصيام وحجٍّ وتعلُّم القرآن ... ونحوه مِمَّا يؤدِّي فعله إلى نفعه ومستأجره.
ومن أبى أن يشهد وشهد غيره فلا يأثم.
ومن دعي إلى تحمُّلها فله أن يخبر المشهود له أنَّه ينسى ويشكُّ، ويقول له: لا تتَّكل على شهادتي، فإن أشهده على ذلك ونسي أو شكَّ فقد عذر، ولا بأس إن لم يقل ذلك.
ومن عنده شهادة فليخبر بها إذا سئل عنها بلا تأخير خوف ما يحدث.
__________
(1) - ب: «أدّاه». (7/244)
صفحة 3309
فصل
وعنه صلَّى الله عليه وسلَّم: «خير القرون قرني، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ يفشو الكذب، حتَّى يشهد الرجل قبل أن يستشهد». «وخير الشهود من يشهد قبل ذلك». وهذان خبران صحيحان.
ومعنى الأوَّل: فيمن عنده شهادة لبالغ عاقل حاضر عالم بها قادر على السؤال عنها وإقامتها، فهذا لا ينبغي له أن يشهد قبل أن يستشهد.
ومعنى الثاني: فيمن عنده شهادة لطفل أو ميِّت، فهذا ينبغي له أن يبتدئ بها؛ وإن لم يسأل عنها، ولكن ينبغي له أن يسير إلى الحاكم فيقول له: عندي لفلان الطفل أو الميت أو المجنون شهادة، فإن سألتني عنها شهدت بها، ولا يبتدئ بها قبل تمهيد المقدِّمة. وكذا إن كانت لمسجد أو نحوه من الموقوفات.
ومن عنده شهادة على من يخاف منه، وإن على ماله، فقيل: ذلك عذر له حتَّى يأمن، وقيل: لا عذر له، واختير الأوَّل، لأنَّه ليس من الفعل، والتقيَّة لا تجوز فيه، وكذا إن كان من له الحقُّ جائرًا، ويخاف الشاهد على المشهود عليه أن يضرَّه، فإن كان يؤدِّيها إلى عادل، فلا يعذر في ترك أدائها؛ وإن كان يؤدِّيها إلى جائر، جاز له أداؤها ولزمه، فإن جار فعليه، وإن عدل فله؛ وقيل: لا، إذا لم يأمنه على المشهود له، فإذا أمنه، ولم يظهر عليه باطلاً، ولم يعلم منه كان له ذلك، وعليه إذا لم يكن دالاًّ له ومعينًا له على ظلمه؛ وقيل: ليس له ولا عليه أداء الشهادة إلاَّ حيث يقام بالعدل، وتظهر أحكامه؛ وقيل: يشهد والله يحفظه.
ولا تجوز على غير جائز من البيوع والنكاح ونحوهما.
وإذا شرط على من تحمَّل له شهادة أن يحملها إن شاء، فهو شرط باطل، إن كان الحكم في البلد، وإلاَّ وشرط أن لا يخرج منه، ثبت ولا يأثم؛ وإن أدَّاها في قرب كان أفضل وأسلم، وإن نسي وذكَّره من لا يشكُّ في قوله، كره له أن يشهد حتَّى يتذكَّر بنفسه، ولا يشهد بما شكَّ فيه. (7/245)
صفحة 3310
ومن دعي إليها فجعل إصبعيه في أذنيه لئلاَّ يسمعها؛ فإن كان في المجلس غيره مِمَّن يثبت الحقُّ بشهادته سلم من الإثم، وإن كان يبطل بتركه فقد غرَّ المشهود له وأثم ولا غرم عليه، وكان كالكاتم للشهادة، وتترك ولايته حتَّى يتوب، ولا تصحُّ توبته إلاَّ بالغرم، وإن لم يدع في المجلس ثلاثًا فصاعدًا لم يلزمه ما لزم من دعي، ولو أساء، ولا نقول: إنَّه آثم، ولا غارم، ولا تزال ولايته. (7/246)
صفحة 3311
الباب الثاني
فيمن تجوز شهادته
قال الله تبارك وتعالى: { ... مِمَّن ترضَوْنَ ... } وهو رضى الصالحين، لأنَّه رفع عن عباده معرفة رضاه وحجبها عنهم، فمن عُرف بالأعمال الصالحة، والموافقة في الديانة فهو وليٌّ وعدل، ولو قبحت سريرته، ولو ستر عبادته، وأظهر المخالفة ردَّت شهادته. وكلُّ من لم يُعرف بسوء ولا ريبة ويظهر الصالح فإنَّها تقبل منه.
وفرَّق بعض بين العدل والثقة والوليِّ، فقال: العدل هو المؤتمن على الأمانات، ولا يعرف مصرًّا على بعض الأحداث، المسارع إلى الخيرات، المجانب للشبهات، المأمون على ما تحمَّل من الشهادات، فتجب ولايته ولو لم تعرف موافقته، ولا انتحاله لغير دين المسلمين، ويظهر التمسُّك بأقوالهم فهذا عدل، وقيل: عدل ووليٌّ.
والثقة: هو المأمون على ما حمِّل من الشهادة، وفي صدقه فيما حدَّث به، ويفي بما [616] عاهد به ويؤدِّي أمانته، وينصف من نفسه إذا عامل، وينقطع إلى الخيرات، ويجتنب الشبهات، فهذا ثقة، وقيل: وليٌّ.
والوليُّ هو من يعرف منه ذلك، مع الموافقة في كلِّ ما يستحقُّ به الوَلاية، ومن ثمَّ قيل: إنَّه عدل وثقة ووليٌّ، وعلى ذلك جازت شهادته؛ ولا يسأل عنه في كلِّ ما شهد به حتَّى يعلم منه غير ذلك.
أبو سعيد: الثقة هو من تظاهرت منه الأمانة في دينه لا التهمة فيه أنَّه يدخل فيما لا يسعه بجهل ولا بعلم، فالأمانة أولى به، ولا تجوز تهمته. (7/247)
صفحة 3312
الباب الثالث
فيمن تجوز شهادته أيضًا ومن لا تجوز
وتردُّ من وليٍّ، إن قارف كبيرًا حتَّى يستتاب، فإن تاب قبلت منه، وثبتت ولايته، وإلاَّ فلا؛ وإن قارفة قبل أن يشهد أو بعده ثمَّ تاب قبلت ولايته وشهادته فيما يستأنِف، لا (1) التي شهد بها فيما مضى.
ولا يحكم بشهادة من أخذت ولايته وعدالته مِمَّن تردُّ شهادته. وتردُّ من متَّهم. وكلُّ من تردُّ شهادته في شيء لم تجز عدالته فيه ولا حكمه؛ ومِن أخرس بإشارة أو إيماء، ومن مجنون لا يفيق، وتقبل منه إن غلب عليه الإفاقة؛ ومن سكران وصبيٍّ، ومن شريك لشريكه، كسيِّده لعبده، ومِمَّن ادُّعي إليه شيء فأقرَّ به لغيره وهو بيده؛ ومن دافعٍ مغرمًا، وجازٍ مغنمًا، ومن وكيل إلاَّ إن أقامه الحاكم ليتيم أو غائب أو معتوه أو أخرس؛ ومن شاهد على فعله إلاَّ الحاكم فيما حكم به، والوليُّ على عقدة النكاح، وتجوز شهادته بالصداق إذا صحَّ النكاح بشهادة غيره، إلاَّ الأب لابنه؛ ومن قاذفٍ وشاتم إن شهد بما قال؛ وتقبل من زوج على زوجته، إن لم يكن قاذفًا لها كما مرَّ.
وتردُّ مِمَّن لا يحسن أداء الفرائض، ولو تيمُّمًا، وقد فات وقتها؛ ومن خنثى في الحدود، ومن خصيم وسفيه، ومن ذي حقد، وذي حنَّة وذي جنَّة، ومن قائف إن قال: هذا أثر فلان.
واختلف في الشاعر فأجازها قوم، ومنعها آخرون، وفي رجلين يخفيهما رجل ويحضر خصمه ليسمعا ما يقرُّ به له، فقيل: يقضى بما شهدا، وقيل: لا؛ ومن ساكن
__________
(1) - ب: «إلاَّ». (7/248)
صفحة 3313
فيما سكنه، وإن بكراء؛ ومن عبدٍ؛ وإن فقيهًا، وجوِّزت إن كان عدلاً؛ ومن تارك الجمعة بلا عذر، وكذا الجماعة؛ ومن مريب، وعاق لوالديه، أو لأحدهما؛ ومِمَّن لا يزكِّي ماله؛ ومن مِلِّيٍّ لم يدِن بالحجِّ، ولا آفة به؛ ومن لاعب بكلاب، أو ديكة، ويهارش بينها، ومِمَّن يشرف على جيرانه، ومن مكثر شرب النبيذ إن كان يسكره؛ ومن مخنَّث ومسرف ومن منتسب إلى غير قومه، أو مدَّع للعروبيَّة وهو مولى.
وجازت من أعمى فيما يستدلُّ عليه بالخبر المشهور كالموت والنسب والنكاح، ونحو ذلك مِمَّا لا يشكُّ فيه إذا كان في أهل بيت نشأ، فيه حتَّى كان كأحدهم ولم يتَّهم؛ وإذا شهد وهو يبصر ثمَّ أدَّاها عند الحاكم وهو أعمى فإنَّه يجيزها؛ وقيَّدها أبو الحواري بما إذا شهد بأرض أو نخلة ووصفها بحدودها، بعد أن شهد عدلان أنَّها التي شهد بها الأعمى.
وجوِّزت في النسب إذا شهد أنَّ فلانًا ابن فلان، لا إن قال: هذا فلان بن فلان، ولا على زنى، أو سرقة ونحوهما من الحدود، ولو قال: إنَّه شهد بها بعد أن عمي، والصواب قبله.
وتجوز الشهادة عن شهادة الأعمى والمعتوه إذا شهدا في صحَّتهما، وجازت من أعمى في رضاع ونكاح ومراجعة. (7/249)
صفحة 3314
الباب الرابع
في شهادة المخالفين
أبو سعيد: اتَّفق أصحابنا على ردِّها منهم؛ وإن كثروا، فيما يوجب تكفيرنا أو يخرجنا من الولاية، لأنَّهم خصماؤنا في الدين، ولا يُقبل قول مدَّع ولا شهادة خصم؛ واختلفوا فيها في الحقوق وجميع ما يتعلَّق بالأموال والأبشار وما ليس فيه تكفير، فقيل: لا تجوز في شيء من ذلك، لأنَّهم ليسوا ممَّن خاطب الله بإجازة شهادتهم، إذ قال: {ممَّن ترضون ... } وليسوا بمرضين بما خانوا الله في دينه، وخالفوه في أمره؛ وأجازها (1) بعضهم في الحقوق وما يتعلَّق بالأموال والذِّمم لا في الفروج والأبدان، كالطلاق والعدِّة والعتق ونحوها ممَّا يدخل فيه أحكام الفروج والأود كالديون والإقرار والوصايا والمواريث، ويكونون حجَّة في ذلك علينا.
وقيل: تجوز في كلِّ ما واصفونا في أصل ما دانوا به، وقيل: تجوز في ذلك إن لم يدينوا بخلافهم، حتَّى جوزت على الموافقين في القود والقصاص؛ ويقاد من موافق بشهادتهم ويُقتص منه بها وهو على ولايته لخروج ذلك مخرج الحقوق لا الحدود؛ وتردُّ قيل: منهم عليهم في كلِّ ذلك، وفيما يتعلَّق به الحدود من الحقوق كالسرقة والمحاربة مما فيه القطع والغرم وجوزت في ذلك، ويغرمون ما تعلَّق به الحدُّ من المال.
__________
(1) - ب: «أجازه». (7/250)
صفحة 3315
قال: ولا تقام عليهم الحدود بشهادتهم، ولا خلاف أنَّها لا تجوز عليهم في الحدود لأنَّها من المكفِّرات، ولأنَّ كلَّ ما يجب به حدٌّ الآن وعذاب غدا فهو ممَّا تردُّ فيه عندنا.
و أجمعوا أنَّ شهادة العدول منهم عليهم فيما بينهم جائزة في جميع الحدود والحقوق والقصاص والأحكام الجارية بين [617] أهل الإقرار؛ وجازت من كلِّ فرقة على أخرى، من جميع من دان بخلافنا إن كانوا عدولا في دينهم، لأنَّه يجمعهم كلُّهم اسم الملَّة والنفاق.
أبو المؤثر: أجاز أصحابنا شهادة قومنا عليهم فيما لا يكفِّرونهم فيه، وبما لا يدينون باستحلاله منهم وهو حرام عليهم. وأجمعوا على إجازتها من عدولهم على جميع ملل الشرك في الحقوق والحدود، إن كان فيها ثبوت حقِّ لله أو للعباد، ومن عدولنا على جميع أهل القبلة والملل في جميع الأحكام. (7/251)
صفحة 3316
الباب الخامس
في شهادة النساء
ويحكم بها وحدهنَّ فيما لا يشهد به الرجال، لا في الحدود، وقيل: إلاَّ في الزنى، ولا في الحقوق، وفي النكاح والطلاق إلاَّ مع رجل؛ وجازت منه ومن امرأتين على الإحصان، ومنهنَّ وحدهنَّ في الفروج وحياة المولود، وأقلُّ ذلك عدلة حرَّة، فإن شهدت غير عدلة برضاع بين رجل وامرأة قبل الجواز، فلا يتزوَّج منها، أبو الحواري: وكذا إن شهدت قبل العقد وبعده، لا يفرَّق بينهما إلاَّ إن كانت عدلة، وهو قول ابن عليٍّ وقد مرَّ ذلك. (7/252)
صفحة 3317
الباب السادس
في شهادة أهل الذمَّة ولهم، والحكم لهم وعليهم
وتجوز من عدول كلِّ ملَّة على أهلها، إن اجتمع في شهادة ما يلزم أهل التوحيد وأهل الشرك جازت في لازمهم، لا في لازم الموحِّدين. قال خميس: وذلك كمسلم اشترى من مجوسيٍّ عبدًا فادَّعاه مجوسيٌّ آخر، وأحضر عليه مجوسييْن، فشهادتهما فيه جائزة لأنَّ المسلم يرجع على البائع بالثمن؛ وقيل: لا ينزع منه بشهادتهما، ولكن يرجع مستحقُّ العبد بثمنه على بائعه لإتلافه عليه، ولا سبيل على المسلم بشهادة الكافرين، ولو اشتراه مجوسيٌّ من موحِّد، وادَّعاه أحد، وأحضر عليه مجوسييْن لم يقبلا لأنَّ معناه يرجع على الموحِّد.
فإن تنازع مسلم وذمِّيٌّ في شيء فأقام المسلم بيِّنة من الذمِّيِّين، وأقامها الذمِّيُّ من المسلمين، فالذمِّيّ قيل أولى به، لأنَّ بيِّنته أعدل؛ وقيل: المسلم أولى به؛ وقيل: يتحاصصان بعد أيمانهما.
وإن كان شهود كلٍّ منهما من ملَّته فشهود المسلم أولى، وقيل: هو بينهما نصفان.
ومن مات وأبواه ذمِّيّان، فقالا: مات كافرًا، وقال أولاده وهم موحِّدون: مات مسلمًا قُبل قولهم؛ ولا يرثه أبواه وكذا إن كان لميِّتٍ ابنان: موحِّدٌ ومشرك، فادَّعى كلٌّ منهما أنَّه مات على ملَّته، وأقاما على ذلك بيانًا، والبيِّنة لا تعلم له وارثًا سواهما، فإنَّه يقضى بإرثه للموحِّد لعلوِّ الإسلام، ولثبوت الصلاة على هذا الميِّت. وإن كان شهود الذمِّيّ مسلمين، وشهود المسلم ذمِّيّين، جازت شهادتهم له أيضًا، (7/253)
صفحة 3318
وكان الإرث له؛ وقيل: إذا صحَّ أنَّ الأب كان ذمِّيًّا فمات فترك هذين الابنين، فادَّعى كلٌّ منهما موته على ملَّته، فالذمِّيّ أولى بإرثه حتَّى يصحَّ انتقاله؛ وإن كان قبلُ مسلمًا، أو لم يصحَّ أمره فالمسلم أولى به إذا كان في دار الإسلام، إلاَّ إن بيَّن الذمِّيّ دعواه.
وكذا زوجة الميت المسلمة إن قالت: مات مسلمًا، وأولاده كافرون، وقالوا: مات كافرًا، وصدَّقها أخوه المسلم، وهو يدَّعي معها الإرث، قال: فإنِّي أقضي به لهما، لا لهم، لأنَّه لو ترك ابنًا كافرًا، وبنتًا مسلمة، وأخًا مسلمًا، فقالت هي والأخ: إنَّه كان مسلمًا، وقال الابن: كان كافرًا، فإنِّي أجعله مسلمًا، وأصلِّي عليه، وأورِّث منه البنت والأخ، والقول قول المسلم من الورثة، أنَّ الميِّت كان مسلمًا، ولا نصدِّق الكافر منهم؛ وكذا إن كانت بيِّنته كافرة فلا نجيزها على المسلم، وإن كانت مسلمة ولا بيِّنة للمسلم ورثه الكافر دونه؛ وإن كانت بيِّنة كلٍّ منهما ذمِّيَّة أجزنا بيِّنة المسلم.
وإن مات معروف أنَّه ذمِّيّ وورثه كفَّار، وله أمَة ذمِّيّة فادَّعت أنَّه أعتقها في حياته، فمدَّعية إن قالوا: عتقت بعده، وعليها أن تبيِّن.
وإن مات مسلم له نصرانيَّة، فقالت: أسلمت في حياته، فعليها أن تبيِّن وإلاَّ فلا ترثه، وعلى الورثة يمين العلم؛ وإن قالت: إنَّها كانت من قبل مسلمة، قُبل قولها وورثتْه، ولا يصدَّقون على إخراجها بعد موته من الإرث إلاَّ ببيِّنة. وإن أقرَّت أنَّها كانت أمة، وأنَّها عتقت في حياته، فلا ترث إلاَّ إن بيَّنت لإقرارها بالرقِّ وادِّعائها العتق. وإن ادَّعى الورثة أنَّه طلَّقها ثلاثًا وأنكرت، كان القول قولها، وورثت بعد أن تحلف، وإن أقرَّت أنَّه طلَّقها واحدة في الصحّة (1)، وبانقضاء العدَّة، وأنَّه راجعها فيها، وقال الورثة إنَّه لم يراجعها قُبل قولهم وهي مدَّعية إلاَّ إن بيَّنت.
__________
(1) - ب: - «في الصحّة». (7/254)
صفحة 3319
والشرك قيل ملَّة واحدة، وجازت شهادة بعض أهله على بعض، لا شهادة الذمِّيّين على شهادة المسلمين لذمِّيّ، ولا لمسلم وتجوز منه لذمِّيّ على ذمِّيّ، وشهادة ذمِّيّ عن مسلم على ذمِّيّ لا على مسلم.
وإن ضرب مجوسيٌّ آخر فمات قبل ثلاثة أيَّام، وأسلم بعد موته، ثمَّ شهد مجوسيان أنَّه مات مسلمًا، ومسلمان أنَّه مات مجوسيًّا فلا يلزم ضاربه غير دية مسلم، وتقبل شهادة المجوسيين على إسلامه، لا على ضاربه في القود، وهي منهما إن كانا عدلين في دينهما أولى من المسلمين. (7/255)
صفحة 3320
الباب السابع
في شهادة الوكلاء والشركاء والأجراء وذي سبب ونحو ذلك
فإن شهد أحد الشريكين لصاحبه بمشاع بينهما، قال ابن محبوب: ردَّت شهادته، وجوِّزت. وقال الفضل: إن كانت بين رجلين أمة، فشهد كلٌّ منهما على صاحبه أنَّها أخته بالنسب، فلا يقبل حتَّى [618] يشهد مع غيره ويكونا عدلين. أبو عبد الله: إن كان بين أربع نسوة مال، فشهد زوج كلٍّ منهنَّ لآخر بالوكالة على زوجته في قسمه أو بيعه، وقبض الثمن، ثمَّ أنكرن، ردَّت شهادتهم في ذلك لأنَّ كلاًّ منهم يشهد بتمام ما فعل في المقاسمة، وجازت أنَّه وكَّلته في بيع مالها، وإن شهد عدلان عند الحاكم بوكالة من زوجته أو غيرها في بيعه، وقبض ثمنه، وأجازه على بيعه، فاشتراه الشاهدان بها أو إحداها فأنكرت الوكالة، فإن ثبتت شهادتهما عند الحاكم قبل أن يشترياه، تمَّت وثبت؛ وإن اشترياه منه قبل أن يشهدا لم تجز شهادتهما، وذلك إن كان الحاكم حيًّا ولم يعزل، وإن عزل فشهد عدلان أنَّهما حضراه، وقد حكم لهذا الوكيل بهذا البيع وصحَّت عنده وكالته، أو عزل الوكيل، فشهد هو وعدل آخر بذلك، جاز البيع للشاهدين، وإن لم يصح ذلك لم يجز بالوكالة الأولى، وعليها يمين ما وكلت البائع في بيع مالها هذا.
ومن باع مالا بوكالة لرجل بثمن فأنكر بعضه لم تجز شهادة الوكيل بالبيع إلاَّ بشاهدين؛ وإن أقرَّ المشتري بالشراء منه لغيره جازت شهادة الوكيل مع عدل آخر. (7/256)
صفحة 3321
ومن اكترى دابَّة يحمل عليها متاعه، فعيبت أو عقرت، أو كسرت، أو تلفت، فشهد على رجل أنَّه أحدث فيها الحدث جازت شهادته، إلاَّ إن قامت بيِّنة أنَّه حمل عليها غير ما اكتراها له.
ومن اكترى دارًا إلى معلوم فنوزع فيها ربُّها، فشهد له بها ردَّت شهادته في وقت سكنه فيها، وقبلت منه أنَّها لغير من ساكنه فيها.
وجازت من وكيل إن عزل لموكِّله، إلاَّ إن خاصم في شيء فشهادته فيه مختلف فيها؛ ومن وكيل اليتيم له على غير فعله لا عليه. وكرهت من أجير لمستأجره، وجوِّزت وجازت من عامل إذا أخرجه ربُّ المال منه. وتردُّ من وكيل باع مالا وأعلم مشتريه أنَّه لغيره، وأنَّه حرم بيعه، ثمَّ طلب صاحبه ثمنه، ومشتريه منكر، ولو أقرَّ الوكيل أنَّه أعلمه بذلك، وإنَّما اختلفوا في الثمن وحده، وجازت منه إذا شهد على المشتري أنَّ عليه لربِّ المال كذا مع شهادة غيره، لا إن شهد أنَّه باع بكذا.
وجازت من وكيل غائب لا يعرف أين هو لأنَّه كاليتيم، وتنفذ عليه الأحكام وله، ولو لم يكن له وكيل.
ولا تقبل شهادة البيادير في المال الذي يعملونه لمدخلهم في عمله، وتقبل إن زال من أيديهم لا على فعلهم.
وإن شهد رجلان لرجلين على ميِّت بدين، ثمَّ شهد الشاهد بهما عليه بآخر جازت من كلٍّ لكلٍّ إذ لا شركة بينهم في أصل الدين، وقيل: لا، لاشتراكهم في قسمته، واختير الأوَّل.
وتردُّ من بعض الورثة على بعض كثلاثة إخوة شهد اثنان منهم أنَّ لهم رابعًا، وأنكره الثالث.
ومن نازع في شيء ثمَّ أقرَّ به لغيره، ردَّت شهادته فيه؛ وإن نازع فيه ثمَّ برئ منه وشهد أنَّه لغيره جازت شهادته فيه، وردَّت من بائع فيما باع، وقبلت من معط (7/257)
صفحة 3322
لمعطى له فيما أعطى له إن نوزع فيه لصحَّة الرجوع على البائع بالثمن إن استحقَّ المبيع لا المعطى له على المعطي.
وإن اشترك ثلاثة سلعة فباعوها لرجل ثمَّ استقالهم فيها فأقالوه ثمَّ أنكر أحدهم الإقالة، جازت شهادة صاحبيه عليه، وأجاز عزَّان شهادة المقطوع عليهم السبل على القاطعين في القتل، إن لم يكونوا أولياء القتيل، لا في إشهار السلاح وأخذ الأموال، لأنَّها شهادة لأنفسهم إن أخذوا أموالهم. (7/258)
صفحة 3323
الباب الثامن
في شهادة الأوصياء ولهم، ومن له حقٌّ في الوصيَّة ونحو ذلك
فقيل: تجوز شهادة الوصيِّ على الميِّت بما عليه إن لم يجرَّ إلى نفسه نفعًا، وقيل: لا.
ابن بركة: من أوصى إلى رجلين في وصيَّته فلم ينفِّذاها عنه، ولم يستحقَّاها أو بعضها ثمَّ باع الورثة المال ليأكلوه فإنَّه لا يجوز لمن علم بها أن يشتريها منهم ولا أن يشهد لهم أو عليهم؛ فإن باعوه على أن يقضوها جاز الشراء منهم، والشهادة لهم وعليهم، إن لم يكن الثمن لهم.
وأجاز بعض شهادة الوصيِّ للميِّت وعليه بعد إدراك وارثه، وقبض ماله، ومنعها بعض، لأنَّه لو قبضه الوصيُّ جاز على الوارث وكان خصمًا فيه، وأجازوها لبعض الورثة إن كان صغيرًا على بعض، وقيل: لا، إلاَّ إن كان كبير القبضة بنفسه.
وجازت من وصيَّيْن على دين أو وصيّة، وإن تدافعا ذلك قبل أن يشهدا ثمَّ شهدا بطلت لدفعهما عن أنفسهما الضمان. وأجاز عزَّان شهادة الوصيِّ بالديْن على المال، وأجازها فيه ابن جعفر إذا قبضه غيره؛ ومنعها منه بعض على الميِّت بالحقوق لأنَّها تقبض بتسليمه لها للغرباء؛ وإن أقرَّ بدين عليه للميِّت فلا يأذن له الحاكم بالدفع إلى من شهد له بالوصيَّة، ويقيم له من يقبضه منه. (7/259)
صفحة 3324
ومن أوصى لرجلين، وأشهدهما بوصيَّة، جازت شهادتهما بها، وبطل كونهما وصيين ويقيم له وصيِّا غيرهما، ومن أوصى للشراة أو الأقارب أو الفقراء بوصيَّة، فشهد [619] بها منهم اثنان جازت قيل شهادتهما، وبطل منابهما منها، فيرجع قيل للوارث؛ وقيل: تبطل الشهادة، إلاَّ إن شهد صنف من ذلك للآخرين؛ وجوِّزت من الفقراء والشراة ولا يسقط مناب الشاهدين منهم لعدم التعيين، بخلاف الأقارب، وللوصيِّ أن يعطي الشاهدين وصية الصنفين إن شاء؛ وقيل: يبطلان الوصية أيضًا ولو شهد الأقربون للصنفين لدخول الأقارب فيها؛ وجوِّزت شهادة الشراة للأقارب والفقراء لدخول اسم الفقراء في الشراة، فإذا كان الشاري فقيرًا دخل في الاسم لا عكسه.
ومن شهد من أهل الحرم فيه شهادة أنَّه لبني فلان وهو منهم جازت شهادته، وبطل منابه منه، وقيل: لا تقبل منه فيه.
ومن أوصى لأقاربه بوصيَّة، فشهد منهم اثنان أنَّه أوصى لهم بكذا لا غيرهما حسبت، فإن وصلتهما بطلت شهادتهما، وإلاَّ ثبتت؛ وقيل: ولو وصلتهما، وبطل منابهما.
وإن شهد بعض الورثة بدين لرجل على ميِّتهم جاز على جميعهم عند موسى، وقيل: على من شهد فقط.
وإن شهد رجل أنَّ فلانًا أوصى إلى فلان يوم الخميس، وآخر أنَّه أوصى إليه يوم الجمعة جاز، لأنَّ الوصيَّة كلام لا فعل. ولو شهد زيد أنَّه أوصى إلى خالد بالكوفة، وعمرُ أنَّه أوصى إليه بالبصرة جاز أيضًا. (7/260)
صفحة 3325
الباب التاسع
في الشهادة للآباء والأرحام والأولياء
والمختار جواز شهادة الأب لولده على الآخر، وشهادته له فيما لا يجوز له في حياته إذا مات إن شهد له بها عليه عدل بعد موته إذ لا يجرُّ إلى نفسه مالاً، وذلك إذا لم يشهد بها في الحياة فردَّت؛ وليس يرجع فيما ردَّت فيه إن كانت قد ردَّت، كما قال ابن محبوب. وكذا يجوز حكمه لابنه فيما أزاله الابن إلى غيره وشهادته له في إثباته له في الأصل إلاَّ ما يلزم الولد فيه ضمان فلا تجوز له، وجازت منه له في النكاح ورضى امرأة والرضاع والحدود والقصاص لا في فيما يأخذ به الدية، وجاز حكمه له، وتعديله له، ولشهوده فيما لا يجرُّ به إليه مالا (1)، لا فيما ترد فيه شهادته له؛ وكذا يجوز حكمه لوالديه وتعديله لهما ولشهودهما.
وأجاز جابر ومسلم والربيع شهادة الأقارب بعضهم لبعض إلاَّ الأب لولده فيما يجرُّ به أو يدفع؛ وجوِّزت شهادته له في كلِّ شيء عند من لا يُجيز له أن ينتفع بماله إلاَّ برأيه، لما رُوي: كلٌّ أولى بماله؛ وعليه فهو فيه كغيره؛ وأجاز شريح: شهادة الأب والزوج للمرأة، وقال: ومن يشهد لها إلاَّ أبوها وزوجها، وابن خالد: للولد إن كان مملوكًا أو مشركًا، وعلى من قذفه ولبنته بالطلاق لا بالمهر.
__________
(1) - ب: «به مالا إليه». (7/261)
صفحة 3326
الباب العاشر
في شهادة المتلاعنين والمتقاتلين والمتبرئين ونحوهما
فمن رأى ذابحًا رجلاً ثمَّ دخل مسجدًا فيه نفر، فلم يعلم أيُّهم قتله، قال الخرساني: يقع عليهم الوقف، فإن شهد واحد منهم بشهادة لم تجز لأنَّه يوقف ولا يُدرى لعلَّه القاتل، وكذا إن شهد اثنان منهم وحدهما إذ لعلَّ أحدهما القاتل، إلاَّ إن شهد معهما آخر ولو منهم، فيبرأ منهم اثنان بلا شكٍّ؛ واستحسن أبو عبد الله قوله.
و في شهادة المتلاعنين خلاف، فقيل: إن اجتمعا فيها كانت شهادة امرأة احتياطًا، إذ لا بدَّ من كذب أحدهما؛ وقيل: تجوز على الانفراد خوفًا من ضياع الحقّ؛ وجازت شهادة عدلين أنَّ فلانًا من البغاة قتل فلانًا. (7/262)
صفحة 3327
الباب الحادي عشر
في أجل إحضار البيِّنة
فمن ادَّعى بيِّنة أجَّل له الحاكم وكتب تأجيله فإذا أتى بها سمعها بمحضر خصمه أو وكيله إن وافاه، وإلاَّ سمعها الحاكم وكتبها واحتجَّ عليه، فإن تخلَّف على الموافاة لمرض أو موت من يلزمه القيام به، أمر صاحبها بردِّها حتَّى يحضرها الخصم؛ وإن لم يعذره في تخلُّفه أنفذ عليه سماعها إذا عدلت بعد أن يحتجَّ عليه إن كانت له حجَّة فيما صحَّ عليه.
وإن كان الطالب فقيرًا عاجزًا عن حمل البيِّنة، كتب له إلى الوالي أن يسأل عنه من يعرفه من الصلحاء إن كان له مال أو مقدرة فليرفع بيِّنته أو معه خصمه ويجعل لهما أن يتوافيا في الأجل؛ وينبغي للحاكم أن لا يغيب عنه من يكتب عنه الشهادة أو غيرها.
ومن ادَّعى ما بيد غيره فإنَّه يؤجّل ما تأجَّل ما لم يكن فاحشًا مضرًّا، وإن كان في عبدٍ أو دابَّةٍ أو متاعٍ أمر ربَّه أن لا يغيب ويؤجَّل بقدر ما يمكنه إحضار بيِّنته؛ وكذا في الإبراء من الدماء يؤجَّل كالمحبوس وجميع أهل الأحداث، وإن لم يحتج على مدَّعي القتل في الدماء والأحداث بعدما يستفرغ حبس المتَّهم، أجِّل بقدر ما تجيء بيِّنته إن ادَّعى صحَّة، وكذا مدَّعي الإبراء من الدَيْنِ وقد صحَّ عليه ليُبطله، يؤجَّل [620] كذلك بكفيل؛ وإن ادَّعى تزويج امرأة ليمنعها أجِّل بقدر ما تأتي بيِّنته، فإن كانت مع زوج واحتجَّ أحدٌ في تزويجها، لم توقف عن زوجها ولا يوقف عنها إلاَّ إن (7/263)
صفحة 3328
صحَّ العقد، فيُمنعا عنها (1) معًا ويُؤجَّل كذلك؛ فإن بيَّن وإلاَّ خلِّي بين الرجل وزوجته؛ فإن صحَّ العقد للطالب قبل تزويجها فطلب رضاها ويمينها أنَّه ليس زوجًا لها، فله عليها اليمين، فإن حلفت برئت منه، وإن ردَّتها إليه وحلف كانت امرأته؛ وإن كانت في عقد من رضيته لم يلزمها للطالب يمين لثبوت نكاح الآخر عليها، وإن رضيت به وبالأوَّل من قبل، لم يُقبل قولها إلاَّ بشاهدين.
وإن ادَّعت امرأة على زوجها طلاقًا وبيِّنة أجِّلت كذلك، وإن ادَّعته ممَّن يُردّ نكاحه كمولى أو حرمة بينهما كرضاعٍ أجِّلت؛ ومن ادَّعى على زوجته جنونًا أو جُذامًا أو برصًا فاحشًا أو عفلاً أو نخشًا فليبيِّن أنَّه كان بها قبل نكاحها إلاَّ إن كان مماَّ لا يشكُّ فيه.
فصل
إن ادَّعت امرأة على زوجها طلاقًا، وقالت: إنَّ شهودها بالبصرة أو نحوها من البعاد، عزل عنها، وتؤجَّل إن سحتهم ولم يعرف كذبها، وقد أجَّل بعض لمدَّعي بيِّنة بمكَّة إلى وقت مجيء الحاجِّ، وعليه أن يسمِّيهم للحاكم، وإلاَّ فلا يؤجَّل له؛ وكذا إن ادَّعى من لا تجوز شهادته كمراهق حتَّى يبلغ، وإن زيِّفت بيِّنته، أو ماتت واحتجَّ بأخرى، أجِّل لها أيضًا، واحتجَّ عليه، وإن لم يحضر جميع بيِّناته إلى كذا بطلت حجَّته.
وقيل: أكثر ما يؤجَّل ثلاثة آجال، ويحتجُّ عليه في الثالث: أنِّي لا أؤجِّلك أكثر من هذا، ثمَّ ينفِّذ ما صحَّ عنده.
أبو عبد الله: يؤجَّل ما تجيء بيِّنته وتبطل ويطلب الأجل، وإن لم يحضرها عند تمام الأجل، فإنَّما يؤجَّل ثلاثة، ويقول له في الثالث أجَّلتك هذا الأجل على أن تأتي ببيِّنتك، فإذا انقضى ولم يأت بها أنفذ الحكم.
__________
(1) - ب: «منها». (7/264)
صفحة 3329
وإن ادَّعى الخصم شهادة من لا يصحبه إلى الحاكم من بلده وهو صحيح فلا يؤجَّل، ولا يقبل منه شاهد عن شاهد؛ وإن أحضرها بعده بيومين أو ثلاثًا، فلا تقطع حجَّته، ولا تسمع بيِّنته.
وإن ادَّعى عبد تحريرًا من سيِّده أجِّل بقدره لأنَّه يمنع من بيعه، لا من استخدامه بأجره، فإن صحَّ دعواه ببيِّنة فله أجرته، ويحاصص بنفقته، وكسوته، ويعطى الباقي؛ وكذا الأمة.
ومن احتسب ليتيم أو غائب أو نحوهما على رجل بمال في يده أجِّل؛ وكذا مدَّعٍ حكمًا من قاض أو والٍ على ما بيد صاحبه، إلاَّ إن تلف؛ وإن احتجَّ في تجريح شاهد أو معدِّل، أو ادَّعى نهرًا في قرية، أو ما لا يزال كالأصول أجِّل أيضًا.
ابن محبوب: من ادَّعى على رجل حقًّا وبيِّنة عليه حبس له يومًا؛ فإن أتى بها، وإلاَّ ترك إن لم يجد كفيلاً، وإن ادَّعاها سئل عنها، فإن كانت عادلة أجِّل له، وإلاَّ أنفذ الحكم. (7/265)
صفحة 3330
الباب الثاني عشر
في هدم البيِّنة
فإذا استحلف الحاكم المدَّعي على دعواه، قطعت الخصومة بينه وبين خصمه، وذلك بعد أن يقول له: إن كانت لك بيِّنة فأحضرها، فإن ادَّعاها أمره بإحضارها، ويؤجَّل إن طلب، وإن قال: رضيت بيمين خصمي، ردَّ لها، فلا يسمعها بعد أن يحلف، وبه قال الأكثر، خلافًا للشافعي وأبي حنيفة فإنَّهما يسمعانها بعد اليمين، لما روي: «شاهد عدل خير من يمين فاجرة». وقيل: إن أهدرها صاحبها لم تسمع بعد، وإلاَّ سمعت، وقيل: إن أقرَّ بمعرفتها ثمَّ أهدرها، ثمَّ أحضرها سمعت منه وكانت أولى من الفاجرة عند الربيع وعند مسلم استحلافه لخصمه، ترك منه لبيِّنته. (7/266)
صفحة 3331
الباب الثالث عشر
في تعديل البيِّنة وسؤال الحاكم المعدِّل، ولفظه وصفة المعدل
وينبغي للحاكم أن يولي مسائله التي يسأل عنها الشهود ثقات يأمنهم ويطمئنُّ إليهم، ويكتمون سرَّه، وأن لا يظهر عليها سواهم، وأنَّه إذا أرسل في التعديل بعث به مختومًا مع من لا يعرف ما فيه، حتَّى يبلِّغه إلى من ولاَّه ذلك، لأنَّ الطمع أضرَّ الناس، إلاَّ من عصمه الله؛ وإن خاف أن يشهر أنَّه صاحب المسائل، بعث بها مختومة مع غيره إلى القاضي، لينظر ما فيها ثمَّ يرسل إليه سرًّا حتىَّ يسأله عمَّا يجيبه فيها، وإن عدلوا فأراد أن يردَّها ثانية إلى غيره يسأل عنها فأحسن وأوفق؛ فإذا عدلوا أمضى الحكم على من شهدوا عليه إن لم تكن له حجَّة؛ وينبغي للوالي أن يقدم على كلِّ بلد ثقة، ويسأل عن ثقات البلاد أهل الفضل فيولِّيهم أمورها، ويجعل التعديل إلى المعدِّلين المنصوبين له، فيكون واليه هو الرافع إليه التعديل، ويليهم مسائله بنفسه؛ ولا يقبل منهم حتَّى يقولوا: إنَّ فلانًا عدلٌ، وقيل: يقبل إن قالوا: ثقةٌ، أو في الولاية.
ولا يقيم معدل إلاَّ برأي الإمام أو القاضي، ولا يكون السؤال عن التعديل إلاَّ بعد الشهادة، ولا تلزمه ولاية من عدَّله المعدِّلون.
وإن طرح المعدِّل وليًّا لنا فلا يقبل منه إلاَّ بواضح عليه، فإن أبى وتولاَّه المسلمون قبِلَ؛ وعلى من تولاَّه إذا طرحه المعدِّل، أو وقف عنه أن يرفع عدالته إلى الحاكم والمعدِّل. (7/267)
صفحة 3332
ولا يجوز لمسلم أن يطرح وليَّه، وهو يقدر أن لا يطرحه. وإن وجد معدِّلان أو ثلاثة سئلوا معًا، [621] فإن عدل واحد وطرح الآخر أخذ بالتعديل إلاَّ إن اتَّفقوا على طرحه، ويقول: إذا طرح الشاهد أوقف عنه، ولا أقول فيه شيئًا، وإذا عدَّل قال: فلان عندي عدلٌ، أو هو ثقة أو وليٌّ لي أو للمسلمين، أو في الدين، أو لأهل الحقِّ أو جائز الشهادة، أو لا أعلم منه إلاَّ خيرًا، أو من خيار المسلمين، أو من أفاضلهم، أو منهم، أو من الصالحين، فكلُّ ذلك يثبت ولايته، ويجيز شهادته؛ وإن قال: ثقة في دينه أو عدل فيه قبلت شهادته لا ولايته؛ وإن قال: أثق به أو أأتمنه، أو أمين عندي فلا ولا؛ وإن قال: من الأخيار أو الأبرار أو المتَّقين أو الصالحين قبلتا معًا.
فصل
تزكية الشهود لم يكن عن الرسول ولا عن الصحابة. قال عمر: «المسلمون عدول بعضهم على بعض»، وقد نهي عن التجسُّس عن العورات، وقيل: السؤال عن الشهود بدعة إلاَّ أنَّه لمَّا ظهر الزور، وأخذُ الأموال بالرشا عن الشهادات أمر بالسؤال عن العدالة والعفَّة، ويكون عن حال الرجل في اليوم الذي هم فيه لا عمَّا عليه قبلُ.
ومن طرحت شهادته في حكم ثمَّ عدل فقيل: تجوز، وقيل: لا في ذلك، وتجوز فيما بعد، ولا يقبل التعديل إلاَّ من المنصوبين، ويقبل من الواحد، وكذا الولاية لا البراءة، والتجريح إلاَّ من عدلين.
وقيل: يقبل التعديل من امرأة ثقة تبصر موجب الولاية والبراءة إذا لم يوجد من يعرفه من الرجال. ابن المسبِّح: لا تنصب امرأة للتعديل، ويكون منها لامرأة.
وتؤخذ الولاية من عبد إن تأهَّل لا التعديل، إذ لا تقبل شهادته، وقيل: إذا رفع الولاية قبل السؤال عن الشاهد قُبل منه ذلك، وتولَّى المرفوع إليه، وجوِّز تعديله وشهادته.
وقيل: إذا ظهرت الدعوة في بلد كعُمان، كان أهله عدولاً إلاَّ من في عنقه حدٌّ أو أقام على محرَّم، وللحاكم أن يحكم بأوليائه، ولا يسأل عنهم. وولاَّة الإمام على (7/268)
صفحة 3333
عدالتهم، ولا يحتاج الحاكم أن يسأل عنهم، ولو غاب عنه أمرهم حتَّى يصحَّ خلافها، كذا عند ابن محبوب.
وجاز تعديل حامل الشهادة لمن حمله عنه إن كان عدلاً يبصره، وتعديل الوكيل كذلك لا شاهد لمن وكَّله، ولا تثبت على الخصم تزكية شاهد خصمه حتّى يصدِّقه فيما شهد به عليه، وجوِّز تعديله عليه، لخروجه مخرج الإقرار.
ولا ينصَّب للتعديل مخالف.
فصل
قيل عند ابن عليٍّ تجريح شهود الخصم إذا عدلوا عن خصمه، إن قال: نجرِّح فيهم، ويدعى بالعادية عليه، ولم يقبل ذلك ابن محبوب. ومن جرح شهود خصمه فقد أثبت عدالتهم، إذ لا تجريح إلاَّ بعد التعديل، وقيل: يقبل قبله لا بعده. وليس على الحاكم أن يحتجَّ على الخصوم في تجريح البيِّنة ولا المعدِّلين إلاَّ إن طلب المشهود عليه، أو المعدَّل عليه، وقيل: يقبل الجرح على المعدِّلين بعادية لا تختلف الحكام في عدالته.
وإن شهد عنده شاهدان فادَّعى المشهود عليه أنَّهما عبدان توقف عن إمضاء الحكم بهما؛ فإن صحَّ دعواه ردَّت شهادتهما عند الأكثر، وإلاَّ قبلت.
ابن محبوب: إن جرح المعدِّل متولَّى الحاكم بما تسقط به عدالته فلا يحكم بشهادته، وإن وقف عنه بلا تجريح، فله أن يأخذ بمعرفته، وقيل: يحكم بها؛ ولا يقبل تجريح المعدَّل فيه لأنَّه لو جرَّح وليَّه؛ فإنّ عليه هو أن يقيم شهادته، وتقوم على المعدِّل حتَّى يصحَّ عليه ما جرَّحه به، وليس عليه أن يسأل عنه. (7/269)
صفحة 3334
الباب الرابع عشر
في حمل البيِّنة
اتَّفقوا على أن ليس على الحاكم أن يخرج لسماع الشهود في محلِّهم، ولو طلب إليه، أو كانوا في قريته. وعلى من لزمته البيِّنة أن يحضرها إليه في محلِّه؛ فإن كانوا مرضيِّين جاز أن يشهد عن شهادتهم كلُّ شاهدان، وجازا عنهما معًا، إذا شهدا عن شهادة كلٍّ على انفراده.
وإن بعد الشاهد عن الحاكم وقوي على المسير فعليه أن يسير مع المشهود له إليه، ولو بتحمّل المؤونة ما لم يضر؛ وإن بعياله، وإن قدر على المشي لا على الزاد فعلى المشهود له أن يزوِّده؛ وإن عجز عنهما وعن الكراء فعليه أن يحضر له ذلك.
وللوصيِّ أن يحمل بيِّنة اليتيم من ماله.
ومن ادَّعى حقًّا لصغيره، ولا مال له حمل بيِّنته من ماله هو؛ وقيل: من عجز عن حمل بيِّنته، وهو في غير بلده خيِّر خصمه في خروجه لسماعها في محلِّها أو في أن يكتب الحاكم إلى والي البلد أن يسمعها ويعدِّلها، ويبعث بما صحَّ عنده إليه، ويتعيَّن إن أبى أن يخرج إليها.
وتقبل البيِّنة قيل بالوكالة والنسب، بلا محضر الخصم، وقيل: فيها دونه. ومن له قيل دين على رجل من غير بلده فرفع عليه إلى والي بلد المدين، وبيِّنته في بلده هو، فعليه إحضارها إلى الوالي، إن لم يكن متداولاً كوالي "السر" وهو بلد فيسمع الطالب بيِّنته الوالي الأكبر، فيأخذ له بحقِّه، فإن كان من "السر"، والمطلوب من نزوى، وصل الطالب إلى الإمام ويأخذ منه كتابًا إلى والي السرِّ يسمع بيِّنته، ويكتب إلى الإمام بما (7/270)
صفحة 3335
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: التاج المنظوم من درر المنهاج المعلوم
المؤلف: عبد العزيز بن الحاج بن إبراهيم الثميني
ضبط النص: محمد بن موسى باباعمي - مصطفى بن محمد شريفي
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: مسقط - سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1421ه/ 2000م
الطبعة: 1
عدد الأجزاء: 7
أصله: مخطوط
الإيداع القانوني: 2000/104
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أحكام الطهارات، الولاية والبراءة، فقه الإباضية، ترجمة عبد العزيز الثميني
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=516&id_ty=1
------------------------------------------
أعَدَّه للشاملة الإباضية: روائع الآثار، للخدمات العِلمية الإباضية الخيرية.
https://t.me/slitame
https://wa.me/qr/CWZOF66L3ENDN1
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع، لكن عند تهميش الصفحات يُعتمَد على ترقيم النسخة المصورة (PDF) وليس على ترقيم برنامج الشاملة.
تاريخ النشر الرسمي بالشاملة الإباضية: 17 صفر 1447ه/ 12 - شهر 08 - 2025م. شهدت به عنده فيأخذه له. ولا يبتدئ والي [622] "السر" بالكتابة إليه حتَّى يكتب هو إليه، فيتبع ما كتبه؛ وإن كان المطلوب من توام، وصل الطالب إلى واليها، فيقول له: بيِّنتي "بالسر"، فإن قدر على حملها، وإلاَّ كتب والي توام إلى والي "السر" أن يسمعها، ويكتب له عند ثقة، أنَّه سمعها، فليحكم له عند ذلك.
وقيل: لا تحمل بيِّنة من بلد لبلد في دين ولا وكالة، ولا وصيَّة ولا نسب، ولا إرث، وتسمع في بلد صاحبها، ولو قدر على حملها، وكذا في المضارِّ والأحداث، ونحو ذلك. (7/271)
صفحة 3336
الباب الخامس عشر
في كيفية أداء الشهادة وألفاظها وغير ذلك
ويقول الشاهد: أشهد على إقرار فلان البائع أو المشتري في كلِّ ما سمَّى ووصف، من إقراره في هذا الكتاب من البيع والابتياع والقبض والخلاص إلى غير ذلك مِمَّا بيَّن فيه، ولا أعلم أنَّهما باطلان بوجه أو سبب إلى أن أدَّيت هذه الشهادة.
وإن كانت على إقرار قال: أشهد على إقراره بجميع ما سمَّى ووصف، في الكتاب لفلان.
وإن كانت بصداق، قال: أشهد على إقراره بذلك من الصداق لفلانة.
وإن كانت على إقراره بالزوجة، قال: أشهد على إقراره أنَّه تزوَّج فلانة؛ وإن حضر العقد، قال: أشهد أنَّه تزوَّجها.
وإن كانت على طلاق، قال: أشهد على إقراره أنَّه طلَّق زوجته فلانة ثلاثًا، وبانت منه.
وإن كانت على وكالة، قال: على إقراره بما سمَّى من الوكالة لفلان، ولا أعلم بطلان ذلك إلى أن أدَّيت هذه الشهادة؛ وكذا إن كانت على دين أو وصيَّة أو رهن أو عتق أو ضرب أو جرح أو غير ذلك ...
ويؤدِّي شهادة العلم على ما علم من حال المشهود له وعليه.
ومن ادَّعى قيل مملوكًا وشهد عدلان أنَّه عبده ردَّت شهادتهما حتّى يقولا ولا يعلمان أنَّه خرج من ملكه بوجه ولا بسبب. (7/272)
صفحة 3337
وإن أقرَّت أمة أنَّها مملوكة لفلان شهدا على إقرارها بالملكية لا على أنَّها أمته، لتغاير شهادتي الإقرار والقطع، والفرق بين الأحكام.
ولا تقبل الشهادة بأنَّا سمعنا أو عندنا كذا، حتَّى يشهدا بها قطعًا على دعوى المدَّعي، أو حوز المال بعلم من الآخر، أو أنَّه لهذا، ولا يعلمان أنَّه أزاله، وإن نسيا اللفظ، ولم يشكَّا في المعنى لم يضق عليهما أن يشهدا به.
وإن شهدا على رجل أنَّ ما بيده من المال، أو أنَّ زوجته عليه حرام، ولم يفسِّراه، لم يكن في ذلك حجَّة في الأحكام، ولا يحكم على المشهود عليه بمكفِّرة، ولا بإخراج ذلك من يده وعصمته حتَّى يفسِّرا كيفيته من الرأي والدين، والخاصِّ والعامِّ؛ وإذا ثبت ذلك في الحرمة ثبت ذلك في شهادتهما بطلاقها، أو برائها، أو أنَّه ظاهر منها، أو لا عنها. وإذا لم يفسِّرا بلفظ يصحُّ في الحكم على ما يقطع الحجَّة احتمل فيه جهلهما بموجب ذلك وخرج فيه قولهما على معنى وصف الطلاق ونحوه، لا على معنى موجبه؛ وكذا في كلِّ ما يخرج على هذا.
فصل
إذا قال الشاهد للمشهود عليه: أشهد عليك بكلِّ ما في هذا الكتاب، فأنعم له، جاز عليه بما فيه؛ وإن استودعه ثقة ولم تعلم أنَّه زيد فيه شيء، جاز لك أن تشهد بما فيه، وإن أشهدك على غير جملة ما فيه، ولم تحفظ منه هذا اللفظ، فإنَّما تشهد بما حفظته بعينه لا على غيره.
ولو كان عند ثقة وكنت أنت مستودعا له ذلك فافهم ما بين الشهادتين على الجملة، وعلى المتفرِّق، كان مستودعًا أو لا بيد ثقة، أو لا، ولا تحمل جميع الأمور بعضها على بعض.
ومن سلَّم للشهود كتابًا فيه وصيَّة، وقال: اشهدوا عليَّ بما فيه، فلا يشهدوا حتّى يقول قرأه أو قرئ عليه وفهم ما فيه، وإن كانت كتبت شهادتهم بأيديهم ودفعوها إلى ثقة وأتاهم بها، وقد غاب عنهم علم بعضها، قال أبو عبد الله: فلا (7/273)
صفحة 3338
يشهدوا حتَّى يحفظوها كلَّها، إلاَّ إن شهد مع الأمين آخر، ويكونان عدلين؛ وقيل: لهم أن يشهدوا إن كان الكتاب عند ثقة؛ وقيل: إذا عرفوا خطوطهم، ولو كان عند غيره.
واختلف في مشهد على نفسه، فغاب أو مات، فيأتي الشاهدان إلى الكاتب أن يثبت شهادتهما، فقيل: لا يجوز ذلك لهما ولا له، ولكن يحفظان ما شهدا به، وقيل: يجوز إن كتبت الألفاظ بالشهادة عليهما، وأشهدا بذلك على أنفسهما، ولم يخرج الكتاب من معانيها، لأنَّها تضمَّنت ما فيه؛ ويدلُّ على ذلك أنَّ من تحمَّل شهادة بملحون فيه، وأدَّاها بمعرب جاز له إذا لم يغيِّر المعنى، وكذا إن تحمَّلها بألفاظ كثيرة فأدّاها بقليلة، ولم ينقص من معناها شيئًا جاز ذلك؛ وكذلك إذا أخبر من رجل إلى رجل رسالة أو حكاية فأدَّاها بغير ما تحمل منها، ولم يخرج من معناه لم يكن مخطئًا؛ وقد يكون عربيَّ اللسان فيُشهد على نفسه أعجميًّا لسانه أو قارئًا أو غيره، ولهذا نظائر وأشباه. وفرَّقوا بين القارئ والأمِّيِّ.
ابن محبوب: إذا دفع القارئ إلى الشهود الكتاب مختومًا، وقال: إنَّه كتبه بيده، وأمرهم أن يشهدوا عليه بما فيه جاز، ولم يسمِّ غير الختم، فإن قرئ عليه ولم يقل: [623] إنَّه قرأه هو لم تجز الشهادة على ذلك؛ والأمِّيُّ يشهد عليه حتَّى يقرأ عليه، ويقول: سمع ما فيه إن حضر لقراءته عليه؛ وإذا لم يفهم الشهادة عند القراءة وشكَّ فيها، والذي فيه الشهادة عنده أو زال إلى غيره، وهو يحفظ أنَّه قال: أشهد عليك بما فيه، فينعم، قال ابن محبوب: إنَّها لا تجوز. وإن قالوا: نشهد عليك بما فيه من حقٍّ أو إقرار أو وصيَّة، جاز.
ومن قال: أشهد بمثل شهادة فلان الشاهد على هذا الصكِّ أو المال فالأمثال تختلف، وإن قال: بما شهد عليه به أو بلفظ يقتضي معنى الشيء نفسه لا بحكاية المثل، فقيل: تجوز، وقيل: لا، حتَّى يشهد على نفسه بمواطئ شهادة الآخر، ولا يختلفان لفظًا ولا معنًى.
والصكوك المكتوب فيها البيوع والوصايا والحقوق، ويُشهد عليها فهي لذي الحقِّ، ولا تسلَّم إليه إلاَّ بإذن الشهود لأنَّ فيها شهادتهم. (7/274)
صفحة 3339
الباب السادس عشر
في استفهام الشاهد والمشهود له
فإذا قرئت الشهادة على القاضي وعلى المشهود عليه وقال له: هذه شهادتك؟ فقال: نعم، بها أشهد؛ قبِلها القاضي، وأثبتها عنده، والمأمور أن لا يكتب كاتب شهادة شاهد حتَّى يشهد بها عند القاضي، ويسمِّي بها، فحينئذ يأمره هو أو الإمام أن يكتبها، بعد أن يمليها عليه الشاهد حرفًا حرفًا، ولا يكتبها بالمعنى، ويقرأها عليه فينعم بها، لأنَّه ربَّما غاب عنه فهم الحرف، ويكتب خلاف ما عنده، ويظنُّ أنَّه كذلك، كأن يقول: أشهد على فلان أو فلان، فيكتبها الكاتب شهد عليهما، وإن وليها الحاكم، وكتبها غير ثقة، وهو يسمع وينظر فيها فلا بأس، والأحسن أن لا يلي كتبها وحملها إلاَّ ثقة.
وليس على الحاكم أن يفرِّق بين الشاهدين ويسمع من كلٍّ على حدة، لقوله تعالى: {أن تضِلَّ إحداهما فتذكِّر إحداهما الاُخرى}؛ وقد يقوِّي بعضهم بعضًا إذا اجتمعا (1). ابن عليٍّ: له أن يفرِّق بينهما إذا طلب المشهود عليه ذلك، وقال (2): إن شهد على امرأة بشيء، فقيل لهما: أرأيتماها؟ فقالا: لا، إلاَّ أنَّها هي، فلا تقبل شهادتهما.
وإن قال الشاهد للمشهود عليه: أشهد عليك بكلِّ ما في هذا الكتاب، وقد فهمته، فأنعم، فإذا أدَّاها عند الحاكم، قال له: قلت لفلان: أشهد عليك فيه ... إلخ
__________
(1) - ب: «اجتمع» وهو خطأ.
(2) - ب: «وإن قال». (7/275)
صفحة 3340
ذلك؟ فأنعم، وأنا شاهد عليه به، فإن كانت على الوصيَّة أو على الحقِّ، قال: ولم أعلم أنَّه رجع عنها، أو برئ منه إلى أن أدَّيتها كما مرَّ بعد أن يقرأ على الحاكم كتاب الشهادة، ولا تكتب - قيل - إلاَّ عن رأي الشهود، وجوِّز بدونه، لأنَّ الكتاب ليس بحجَّة له ولا عليهم، وقيل: عليه سؤال الشاهد على مريض أكان في عقله أم لا؟؛ فإن قال: إنَّه في الشدَّة، ولا أعلم أنَّه زائل العقل أم لا، فإن عرف من قبل بعقله، ثمَّ شهد أنَّه لا يعلم فيه تغييرًا جازت شهادته؛ وقيل: إذا قال الطالب: اِشهدوا أنَّ لي على فلان كذا، فيقول: نعم، فإنَّه يلزمه بقوله تصديقه؛ وإن شهد عند حاكم غير ثقتين بحقٍّ على أحد فإنَّه لا يحكم بهما إلاَّ أنَّه إذا علم صدقهما في ذلك رفعهما إلى غيره، ويلي الحكم به بما يعلم هو منهما، ولا يلي ذلك ولا إبطاله.
ومن شهد عند حاكم ثمَّ مات أو غاب فادَّعى المشهود عليه أنَّه رجع عن شهادته، كلِّف بيان ذلك، فإذا قال له الشاهد: فعلت كذا وكذا، فسكت، فقيل: له: قل نعم! لم تكن شهادةً وإقرارًا حتَّى ينعم، وإذا قال بعد أن شهد: ذكرت كلمة كذا أو أتوهَّم أنِّي زدتها فيزيدها أو ينقصها مرارًا، فما زاد أو نقص فهو مقبول، ما لم يحكم به، ويحكم بآخِر ما شهد به. و «إي» و «بلى» كـ «نعم». (7/276)
صفحة 3341
الباب السابع عشر
في معرفة الخصوم والشهود
فإذا لم يصفوا المشهود عليه بما يعرف به كأن يقولوا: أشهدنا فلان أخو فلان أو أبوه أو زوج فلانة أو صاحب كذا ... لم تجز شهادتهم، ولو قال: الرستاقيُّ أو الخراسانيُّ، أو نحوهما ...
وإذا قال للحاكم: سل الشاهدين من أين علما أنَّ هذا الحقَّ عليه أو للمشهود له، فله أن يسألهما أو يترك.
وقيل: إذا شهد عنده رجلٌ على آخر أنَّ عليه حقًّا، وأنَّه مات، ولم ينزله الشاهد، وقد عرفه الحاكم فقيل: إذا عرفه نزّله على غير معنى الشهادة من الشهود أنَّهم نزّلوه، ويكون تنزيله من لفظه هو ويميِّزه عن قولهم ولفظهم بما يستدلُّ به على ذلك.
وإن شهدا عنده لامرأة ينسبانها ولا يعرفانها بوجهها على رجل بصداق، فسأله: أهي فلانة بنت فلان التي شهدا به لها أم لا؟ فإذا أنعم، حكم عليه به لها.
وكذا كلُّ من لم يعرفه الحاكم، وأقرَّ الخصم بأنَّه هو الذي شهد له عليه فله أن يحكم عليه بإقراره أو [624] ببيِّنة؛ وكذا إن أقرَّ الخصم بامرأة ساتر وجهها مدَّعية عليه، وبأنَّها خصيمته، فإنَّه لا يحكم إلاَّ على الرؤية المثبتة صحَّة المدَّعى عليه، أو ببيِّن على مستتر أنَّه فلان، أو أنَّه خصمه.
أبو الحواري: إن أشهدتْ امرأة من لا يعرفها، فإذا أظهرت إليه وجهها في الوقت، ونظره، وشهد عنده عدلان: إنَّها فلانة بنت فلان، فالمعروف من قولهم أنَّه (7/277)
صفحة 3342
يشهد بذلك، وبأنَّه أشهدته بكذا، وقد عرفها، وكذا في الرجل، ولو رآه بعد فلم يعرفه، أو برزت له حاسرة فلم يعرفها، جازت شهادته في ذلك الوقت عليهما بعينهما، ومنع ابن محبوب أن يشهد أنَّها فلانة بشهادة العدلين، وكذا في الرجل، قال: وإنَّما يشهد: لقد شهد معي فلان وفلان أنَّها فلانة، وهو قول عزَّان؛ فإذا شهد كذلك فقيل: لا يثبت منه الحقُّ، وقيل: يجوز ويثبت، وقيل: إذا عرفها في قلبه، وزال منه الريب، ولو أبصرها قليلاً؛ وقيل: إذا شهر اسمها في البلد، فأراه إيَّاها عدلتان، وشهدتا أنَّها فلانة بنت فلان، جاز له أن يشهد؛ وقيل: إذا أخبرته واحدة وشهدت له أخرى جاز؛ وقيل: إن قال له ثقة ولو امرأة إنَّها فلانة، قُبل ذلك منها إن عرفت ولا يعرف هو وجهها، فعرفه الثقة.
وجاز من جهة إجازة التعديل بواحد، وقيل: إن أشهدتْك من لا تشكُّ في معرفتها من خلَفِ باب أو غيره ساترة وجهها، فإن كانت بين يديك وعرفتها، جاز لك أن تشهد، لا إن كانت خلف حجاب، ولم تعرفها إلاَّ بالصوت لتشابه الأصوات، وقيل: لا يشهد إلاَّ على وجه مكشوف في ليل أو نهار.
وليس عندنا للشاهد أن يتحمَّل الشهادة في ارتياب، فإذا زال الريب فله أن يشهد على كلِّ حال.
أبو قحطان: من أوصى لفلان بن فلان من بلد كذا بوصيَّة أو وكَّله بوكالة ثمَّ شهد عدلان أنَّهما لا يعلمان فيه هذا الاسم، إلاَّ هذا ثبت ذلك كما مرَّ، وإن نسبه إلى ثالث، وصحَّ أن ليس فيه غيره، ثبت أيضًا؛ وإن كانت له صفة يعرف بها ونسباه إليها، وقالا: لا يعلمان في الموضع فلانًا بن فلان على هذه الصفة إلاَّ هذا كان أثبت.
وإن أقامت امرأة عند حاكم وكيلاً ينازع لها خصمها ويحضر كلَّما أرادت مخاصمته فلا يستقيم حتَّى تكون الوكالة على هذا الوجه لا على المعرفة، أو تكون بحضرة الحاكم فتقوم الحجَّة على الخصم بمعرفة الوكالة له منها بحضرتها، أو مخاصمة خصمها خاصَّة، أو بقرانه وكيل خصمه، ولو لم يعرف الحاكم ذلك؛ وقيل: إذا لم تجد (7/278)
صفحة 3343
بيِّنة على معرفتها عنده وشهد بها واحد واطمأنَّ قلب الحاكم أنَّها فلانة، وطلبته أن يفرض لها (1) في مال ولدها ربابة إن كان يرضع، أو نفقة إن مات أبوه، لم يضق ذلك عليه إذا رجا أنَّ فيه مصلحة لها ولصبيِّها ولم يرتب.
وأجاز أبو مالك تحمُّل الشهادة ليلاً بلا نار ولا قمر، إذا تيقَّن الشاهد بمعرفة المشهود عليه؛ وقد تزوَّج رجل ليلاً، ثمَّ طلب الفسخ عند الصباح، واحتجَّ أنَّه تزوَّج في الظلام، فأمر الشيخ البيِّن أن يؤدُّوا الشهادة إن تيقَّنوا بمعرفة الزوج.
__________
(1) - ب: «يفرض لها ربابة في مال ... ». (7/279)
صفحة 3344
الباب الثامن عشر
في الشهادة عن الشهادة وجوازها ولفظها ونحو ذلك
فإنَّها تجوز إلاَّ في الحدود والقصاص، وجازت من حيٍّ عن شهادة ميِّت إن حملها عنه، بأن يقول: أشهد أنَّ فلانًا أشهدني أنَّ فلانًا أشهده أنَّ عليه لفلان كذا؛ وقيل: يقول: أشهد على شهادة فلان أنَّ لفلان على فلان كذا، وقد أمرني أن أؤدِّي عنه هذه الشهادة، ولا أعلم أنَّه رجع عنها، وجازت من حيَّة على ميِّتة لا عن حيَّة إلاَّ رجلان أو نحوهما، وكذا عن حيٍّ؛ فإن شهد عدلان عن مريضين بأن شهدا عن هذا وعن هذا جاز عنهما، وكذا عن رجل وامرأتين، لا عن أربعة نسوة، إذ لا يجزن عن شاهدين.
وجازت من رجل وامرأتين عن ميِّتين لا من حيٍّ عن ميِّتتين، وجازت من حيَّتين عنهما مع حيٍّ، وقيل: لا يجوز عن حيٍّ أو ميِّت مطلقًا إلاَّ رجلان أو عدلهما، وهما حجَّة في غير الزنى.
وليس لأحد أن يشهد عن أحد إلاَّ إن أشهده عن شهادته، ويقبل الحاكم بيِّنة عن بيِّنة، إذا غابت، وعن نساء ولو كنَّ في البلد، وعمَّن لا يقدر أن يحضر عنده؛ وعن إمام وقاض إذا ولَّيا الحكم غيرهما؛ وقيل: لا، إن كانا في بلد الحكم أو في مجلسه؛ ولا من ذمِّيٍّ عن مسلم مطلقًا، وجاز عكسه لذمِّيٍّ أو عليه، لا على مسلم، لأنَّه قيل: كلُّ شهادة احتملت عن مشهود عنه في وقت لو شهد بها لردَّت فأدِّيت بعد أن جازت منه، لو شهد لم تجز على مشهود عليه، إلاَّ إن كانت رفعة من والد لولده، فمات الوالد، أو من فاسق فتجوز عنه. (7/280)
صفحة 3345
وكلُّ شهادة احتملت عن مشهود عنه في وقت لو شهد فيه لجازت ولم تؤدَّ حتَّى صار بحالة لو شهد فيها لردَّت لم تجز، إلاَّ إن حملت عن بصير ثمَّ عمي، أو عن عاقل ثمَّ جنَّ جازت.
ومن شهد عن شاهد ثمَّ طرح، بطلت منهما، وإن طرح الآخر، وعدل الأوَّل جاز أن يشهد عنه [625] غيره.
وفي حمل الشهادة من غير وليٍّ قولان.
وإن أشهدت امرأة واحدًا أنَّها أرضعت فلانًا وفلانة، فقيل: لا يجوز عنها إلاَّ عدلان، كما لو مات حاكم فأشهد واحدًا أنَّه قضى لفلان بكذا، لم يجز عنه إلاَّ عدلان؛ وللمشهود له أن يطلب الشاهد أن يشهد على شهادته. وقيل: في مشهدٍ رجلين على شهادته ثمَّ غاب ثمَّ قدم، فلمَّا قدم نسي وقد حفظاها، أنَّ ابن محبوب لا يقبلها منهما.
وإذا شهدت امرأة في حال تكون شهادتها فيه حجَّة، كشهادة لا يتوصَّل إليها الرجال، فشهد واحد عنها بعد (1) موتها فهو حجَّة، وجازت شهادته بذلك.
__________
(1) - ب: غير واضح لعلّه «بحد». (7/281)
صفحة 3346
الباب التاسع عشر
في شهادة الشهرة وأحكامها
وقد جاء الأثر المجمع عليه: أنَّ الشهرة لا تجوز في حدٍّ، ولا قود ولا قصاص، لأنَّ فيها لله حقًّا، وإن خلطها حقُّ العباد، فأصلها عقوبة من الله، يذوق فيها الجاني وبال أمره، إلاَّ ما قالوا: إنَّ من قتل مسلما على دينه جاز قتله بالشهرة من إمام أو شارٍ أو وليٍّ أو غيرهم ... ولو غيلة أو علانية، ولا حجَّة فيه للوليِّ، ولا يسقط عفوه عنه قتله.
وأجمعوا على إجازة الشهرة في النكاح والنسب والموت، وما تسبَّب من ذلك كغرق وحرق وهدم وفقد ورضاع ونحو ذلك ... ويشهد بالموت إن تظاهرت به الأخبار ولم يرتب فيه من بلغه، وإن لم يحضره، ولا جنازة من حلَّ به، وله أن يقع الشهادة به لما قضت الشهرة من العلم، وكذا في النكاح والنسب.
واختلف في الشهادة على الشهرة فيما يوجب على المشهود عليه أحكامَ البراءة، فأجازها بعضٌ، ومنعها بعضٌ، لأنَّ فيها شهادة على حدٍّ لله.
ولا تجوز في الحدود كما مرَّ لأنَّ البراءة وحدَّ السيف سواء، ولما روي: «خلع المؤمن كقتله» ولقول عمر في معناه: «أحسنوا به الظنَّ ما وجدتم له مخرجًا»، فعُلم أنَّ الحقَّ فيه لله، تعبَّد به عباده؛ وليس الحكم فيها يشبه ما أجازوا فيه الشهادة على الشهرة وأحكامها إلى الحدود أقرب، وبها أشبه.
وقيل: كان النسب مشهورًا باسم الرجل واسم أبيه إن كان، والشاهد يعرفه ولا يدرك أباه، فله أن يشهد أنَّه فلان بن فلان، وكذا إن لم ير أحدهما، وعرفهما (7/282)
صفحة 3347
بالشهرة كما نشهد أنَّ أبا بكر هو ابن أبي قحافة، وعمر بن الخطَّاب وغيرهما، ولم ندركهم، ولا آباءهم؛ وذلك إذا شهر نسب الرجل وعرف به.
ومن نزل عند قوم شهرًا أو أكثر، وعرف أنَّه فلان بن فلان، فلجيرانه أن يشهدوا أنَّه فلان بن فلان. ومن قدم من بلد وانتسب، فلم يعرفه إلاَّ واحد، فلا يجوز أن يشهد غيره أنَّه هو فلان إلاَّ بشاهد معه.
وإذا شهد عدلان على الشهرة، وآخران على المعاينة، فشاهدا المعاينة أولى، وإن قال فلان: صحَّ عندي أنَّ فلانًا مات قبله الحاكم، لا إن قال: شهد عندي، واختلف فيه بما يعلمه من الشهرة، فقيل: له أن يشهد به على القطع إن عرف معاني الأحكام؛ وقيل: لا، لأنَّها تثبت في الحقوق ولا في الحدود.
وإذا قتل رجل وولده في وقت، ولم يعلم أيُّهما قتل صاحبه فلا تقبل الشهرةُ في التقديم والتأخير، وتقبل في القتل، وتوارثا كالغرقى.
فصل
حدُّ الشهرة هو ظهور الأمر وانتشاره، حتَّى لا يُنكَر من تواترِ الأخبار التي لا تدفع ولا يرتاب في صحَّة ذلك، ولو لم يكن في المخبرين ثقات؛ وقيل: لا تصحُّ حتَّى يكون فيهم، لأنَّ المخبر شاهد به، فإذا لم يكن ثقة لم يقبل منه خبره.
واختلف في عدد من تثبت بهم، فقيل: ما فوق أربعة، وقيل: أحد عشر فأكثر، وقيل: ثلاثة عشر، وقيل: أربعون، وقيل: إن كان فيهم عالم، وقيل: ثلاث مائة وثلاثة عشر.
وعن بشير: مبلغ الشهرة ارتفاع الريب لكثرة الناقلين، فإذا كثرت الأخبار صحَّت في القلب؛ ولا يصحُّ ثبوتها إن كانت متلافية حتَّى تتَّفق في المعنى.
وقد كتب الإمام راشد إلى ابن سعيد بكلام إلى أن قال: «إنَّ الأطماع قد اتَّسعت في أموال الناس، وجعل من ادَّعى في مال رجل دعوى طرح يده فيه، والوجه (7/283)
صفحة 3348
أن ينادى في البلدان: إن كان من طرح يده في مال في يد غيره، ويحوزه ويمنعه، ويدَّعيه ملكًا له، فإنَّه يعاقب، ولا تطلب عليه بيِّنة، بل يرجع (1) في ذلك إلى قول أهل البلد، فاعرف ذلك واعمل به، ولا تقصِّر فيه حتَّى تنحسم مادَّة الطمع ويزول الظلم».
أبو الحسن: إن قال واحد: إنَّ النخلة الفلانية لفلان، وجاء ثان وثالث بقدر ما يتحقَّق في نفسه، وأخبرا بذلك، ولم يسمع من أحد أنَّها لغيره، فلك أن تشهد بها أنَّها له.
قال ابن قريش: وقد سمعت أنَّ الشهرة لا تصحُّ في الأموال، وتوقَّف في قول أبي الحسن، ويوجد أنَّها تصحُّ فيه بالملك في معنى العلم، لمن تأدَّت إليه بما لا تناقض فيه؛ وإذا ثبت العلم بها فللحاكم أن يحكم بعلمه، وفرَّق بعض بين العلم بالشهرة وبيِّنة بالخبرة، فقال: إنَّ الأوَّل يمكن فيه الاستحالة والانقلاب، ولا يتحوَّل في الثانين فلذا كره الحكم بالشهرة، وربَّما كانت في بعض الأحكام أقوى من الصحَّة فلينظر المبتلى تمييز الأمور واختلافها.
__________
(1) - ب: «يرفع». (7/284)
صفحة 3349
الباب العشرون
فيمن يشهد قبل أن يستشهد وفيمن شهد على فعله
وقد مرَّ ما روي من الخبرين في الأوَّل وتأويلهما؛ فمن عنده شهادة ليتيم أو مجنون أو مسجد فله أن يقول للحاكم: عندي ذلك، فإذا قال له: اشهد بما عندك، شهد، وكذا الوصيُّ والمحتسب. واتَّفقوا أنَّ من شهد بحقٍّ، ولم تطلب منه شهادته ردَّت، وإن كانت بحقِّ الله قبلت؛ وإن كانت بعتق أو نحوه، فقيل: إنَّها حقٌّ للعبد، وهو قول أبي حنيفة، وقيل: لله، وتقبل [626] ولو فيها حقٌّ للعبد أو لم يطلبها، أو لم يرض بها.
وجوِّزت شهادة سامع لمن يشهد على نفسه أو يقرُّ بما عليه عند أحد، وإن لم يشهده. وشهادة عن شهادة على ذلك. وليس لأحد أن يشهد عن شهادة غيره إلاَّ إن أشهده كما مرَّ؛ وقيل: إذا سمعه يشهد فعليه أن يشهد، وإن لم يشهده؛ وكذا إذا أقرَّ بما عليه عند الحاكم، واختلف فيه إذا أقرَّ به عند غيره، أو من غير أن يشهد به على نفسه، فقيل: هو إقرار ثابت عليه، وقيل: لا. وإن قال: سمعته يقرُّ أو يقول، أو أقرَّ عندي أنَّ عندي لفلان كذا، ففي قبول شهادته خلاف.
وإن قال: ما أشهدني، وإنَّما سمعته يقرُّ كان كاذبًا، وخيف عليه الإثم، وعند من جعلها شهادة، ولو حاكيًا أجزته التوبة، ولا يلزمه ضمان؛ وخيف عليه عند الأوَّل، فإذا أشهده، وأقرَّ عنده، فشهد بالقطع أنَّ عليه كذا، فشهادة على الغيب، وخيف أن يكون زورًا عند الله، ولا يلزمه الضمان، لأنَّه متأوِّل على المعنى، وعليه التوبة. (7/285)
صفحة 3350
ومن أخفى رجلين وأحضر خصمه ليسمعا منه ما يقرُّ به ثمَّ سألهما أن يشهدا به، فقيل: يشهدان بما سمعا، ويقضى بهما، وقد مرَّ ذلك، ويشهد على حكم الحاكم.
ومن أقرَّ عنده رجل بمائة درهم لآخر في غيبته، ثمَّ أنكر عندما طلبه فيها، ولم يجد عليه بيِّنة، فلا يسعه أن يكتب ما سمع منه، ويقول لذي الحقِّ: لك عندي شهادة.
وقد مرَّ أنَّ من شهد على فعله ردَّت شهادته إلاَّ الحاكم والوليّ على عقد النكاح، وتردُّ من بائع إذا باع إذا نوزع فيه مشتريه، وقد مرَّ ذلك. (7/286)
صفحة 3351
الباب الحادي والعشرون
في اتِّفاق الشهادة واختلافها
فقيل: لا يحكم بها إلاَّ إن اتَّفقت ألفاظها ومعانيها من الشاهدين، وقيل: إن اتَّفقت معانيها ثبت الحكم بها ولو اختلفت ألفاظها.
ابن عليٍّ: من شهد عليه رجلٌ أنَّه أعطى منزله زيدًا وأحرزه أو ما لا إحراز عليه فيه، وشهد عليه آخر أنَّه أقرَّ له به فقد اتَّفقت شهادتهما، وقيل: لا، إلاَّ إن اتَّفق لفظهما، والمختار قول ابن عليٍّ، لأنَّه لو كان أحدهما عربيًّا والآخر أعجميًّا فعبَّر عن لفظه عدلان على معنى ما شهد به جاز، ولأنَّ المطلوب من الألفاظ تأدية المعاني؛ فإذا اتَّفق في الكلام ما يدلُّ على معنى واحد، جاز، كرجلين شهد أحدهما أنَّ زيدًا مات، والآخر توفي، فهما متَّفقان، إذ معنى الموت والوفاة واحد، وكذا ما يشبه هذا ...
وإن شهد أحدهما أنَّ فلانًا أوصى للمساكين بكذا، والآخر: أنَّه أوصى للفقراء فقيل: شهادتهما متَّفقة، وهي للفقراء، وقيل: لا، وهما غيران (1).
وإذا شهد أحدهما أنَّ زيدًا أقرَّ لعمر بكذا، والآخر أنَّه قضاه إيَّاه بحقٍّ أو باعه له أو أعطاه إيَّاه فأحرزه فقيل: متَّفقة لاتِّحاد معناها ويوجب الملك لعمر، وقيل: لا حتَّى يتَّفق لفظهما؛ وإن شهد له أحدهما بألف إلى أجل، والآخر له به لا إلى أجل، فالألف ثابت له إلى المعيَّن؛ وإن شهد أحدهما بخمسين والآخر بمئة، فقيل: تثبت الخمسون، وقيل: لا، لاختلاف الشهادة في اللفظ.
__________
(1) - أ وب: «غيران» هو غير مفهوم. (7/287)
صفحة 3352
ومن جرح رجلاً فأنكر، فأحضر الرجل من شهد عليه بالمعاينة أنَّه جرحه، ومن عليه بإقراره، فشهادتهما عند ابن محبوب متَّفقة، وقيل: لا، وقيل: متَّفقة في الدية لا في القصاص.
ومن شهد له رجل أنَّ فلانًا أقرَّ له بقطعة، والآخر أنَّه أعطاه إياها فهي واحدة، وجازت له، وإذا شهد أحدهما أنَّ زيدًا باع كذا لعمر، والآخر أنَّه أقرَّ له به فهي متَّفقة عند الوضَّاح، وإن شهد أحدهما هن شاهد بالتزويج، والآخر به على الشهرة جاز؛ وإن شهد عدلان عليها، وآخر على المعاينة فهو أولى منهما، وإن شهدا على صداق امرأة فقال أحدهما: زوَّجها أخوها زيد على كذا، والآخر أنَّه زوَّجها أخوها عمر عليه، جاز لاتِّفاقهما عليه، وإن اختلفا في الوليَّين.
فإن شهد أحدهما أنَّ خالدًا دبر عبده، والآخر أنَّه أعتقه، فإن كانت الشهادة بعد موت خالد فهي متَّفقة؛ وإن كانت قبله، فقيل: مدبر.
وإن شهد أحدهما أنَّ بكرًا أعطى جعفرًا ماله، والآخر أنَّه تصدَّق به عليه، أو أحدهما بالإقرار، والآخر بالعطيَّة والإحراز جاز؛ وكلُّه عطيَّة، لا إن شهد أحدهما بها، والآخر بالوصيَّة.
وإن شهد أحدهما بالإقرار بوطء جارية، والآخر بالإقرار بولدها منه فمتَّفقة. وإن شهد رجلان لزيد على عمر بمائة إلى أجل كذا، وآخر إن بإقراره له بها حالَّة فمتباينتان؛ وكذا إن شهدا أنَّه أقرَّ له بها حالَّة في رمضان، وآخر أن كذلك حالَّة في شوال، فهما مائتان حالَّتان، لأنَّه أقرَّ بإقرارين مختلفين، وهو مدَّع في الأجل. (7/288)
صفحة 3353
الباب الثاني والعشرون
في الشهادتين إذا اختلفتا أيُّهما أولى؟
أبو سعيد: إذا تكافأت البيِّنتان فيما لا يمكن فيه صدق الجميع، أبطل أصحابنا أضعفهما، كما إذا صحَّت بيِّنة بالحرِّية وبيِّنة بالملكية، بطلت هذه لضعفها، وإذا صحَّت بيِّنة بالرضى بالتزويج، وأخرى بالإنكار، بطلت هذه كذلك، وثبتت الأولى، وإن أمكن جمعهما؛ كما إن صحَّت بيِّنة أنَّ هذه الضحيَّة لزيد، وبيِّنة أنَّها لعمر [627] قسِّمت بينهما، وقس على ذلك.
وإن قال البائع إنَّ الثمن، والمشتري إنَّه مؤجَّل قبل قول البائع، وعلى المشتري البيِّنة، وإن أحضرها كلٌّ قبلت بيِّنة العاجل، الأيمان بينهما على ما يدَّعيان، وكذا كلُّ من كان القول قوله فالبيِّنة بيِّنته إلاَّ إن جرّ لنفسه المدَّعي شيئًا أكثر من المدَّعى عليه.
ومن بيَّن أنَّه اشترى هذه الجارية بألف، وبيَّن البائع أنَّه باعها (1) بألفين، فبيِّنته أولى.
وإذا بيَّن مشتر الشفعة بما اشترى، وبيَّن طالبها عليه بأقلَّ، قبلت بيِّنة المشتري. وإن بيَّن كلٌّ من رجلين على صاحبه أنَّه مملوكه، قبلت بيِّنة الأوَّل منهما، وكان الآخر عبده.
__________
(1) - ب: «باعه». (7/289)
صفحة 3354
وإن أقرَّ رجل بالولاء لقوم، وادَّعى أولاده أنَّهم من العرب، وبيَّن ذلك، فبيِّنة العربيَّة أولى، وكانوا منهم، وثبت نسب أبيه فيمن ثبت نسبه فيهم وتوارثوا.
وإن شهد عدلان أنَّ زيدًا قتل عمرا يوم النحر، وآخران أنَّهما رأياه فيه من سنته حيًّا في محلٍّ آخر، قبلت بيِّنة القتل، ويقتل به زيد، فإن شهدوا معًا، وتنازعوا الشهادة في يوم واحد، فشهادة الموت أولى، فإن شهدا أنَّه مات يوم الفطر، وآخران أنَّه تزوَّج فلانة فيه من سنته، وهذان ولداه، فلا يلحقان منه؛ فإن جاء حيًّا فقال الشاهدان: كذبنا، قتلا بمن قتل بهما، وردَّ على ورثتهما دية الواحد، وقيل: لا ردَّ كما مرَّ؛ وإن قالا: شبِّه لنا، لزمتهما.
ومن بيَّن على رجل أنَّ لأبيه عليه ألفًا، وبيَّن الرجل أنَّ الأب أقرَّ أنَّه استوفى ذلك الألف منه، فبيِّنة الوفاء أولى، وكذا في نحوه. وقيل: إنَّ بيِّنة الموت أولى من بيِّنة الحياة، والطلاق أولى من الزوجية، والقطع أولى من الشراء، وهو أولى من الإرث، وهو أولى من العطية، وبيع القطع أولى من بيع الخيار، وهو أولى من الرهن، وهو أولى من الصدقة.
والعروبية أولى من الولاء، والحريَّة أولى من الرقِّية، والرمُّ (1) أولى من الأصل، وذو اليد أولى من المدَّعي، والمسلم أولى من الذمِّيِّ، والعقل أولى من عدمه، والحدث أولى من البراءة، ومدَّعي الشراء أولى من مدَّعي الغصب، والرضى أولى من الإنكار، والبائع في كثرة الثمن أولى من المشتري، ومشتري الشفعة أولى من الشفيع، والإقرار أولى من المحلِّ، والنسب أولى من الإقرار به، والقرض أولى من الأمانة، في البيِّنة في كلِّ ذلك.
ومن قال: غلامي حرٌّ إن متُّ في مرضي هذا، فشهد عدلان أنَّه مات فيه، وآخران أنَّه برئ منه، فبيِّنة العتق أولى. وسمع ابن محبوب أنَّه إذا شهد عدلان لقوم
__________
(1) - والرمّ كذا وهو ما على وجه الأرض من فتات الحشيش، وهو أيضًا الثرى. (7/290)
صفحة 3355
بأرض أنَّها أصل لهم، وآخران أنَّها لهم إثارة، وهي الرمُّ فهي أولى كما مرَّ، لأنَّها لا تزول، والأصل يزول.
وإن تنازع رجلان فيما ليس بأيديهما، فشهد لأحدهما اثنان، ولآخر أربعة، فقيل: سواء فيه، وقيل: يقسَّم على عدد الشهود، وقيل: ذو الأربعة أولى به، غير أنَّهم أجمعوا أنَّ بيِّنة مدَّعي الرمِّ - وإن قلَّت - أولى من بيِّنة مدَّعي الأصل، وإن كثرت كما مرَّ إلاَّ إن كانت بيِّنة على أصل لاحق لهم في الرمِّ، فهم أولى بالتحديد. (7/291)
صفحة 3356
الباب الثالث والعشرون
في الرجوع عن الشهادة وعن الحكم
فإذا رجع الشاهد عن شهادته عند الحاكم قبل الحكم بها بسبب ما لم يلزمه غرم، وإن رجع بعده، وبعد قبض المحكوم له بشهادته ما حكم له بها غرم منابه على عدد من شهد معه إن قصد الحاكم الحكم بهم معًا، وقيل: لا يلزمه إن بقي منهم من يتمُّ الحكم به، وإن قصده بشاهدين منهم، ثمَّ رجعا أمضاه، ولزمهما الغرم؛ وإن رجع أحدهما غرم الكلَّ، لأنَّه لولاه لم تجز شهادة الآخر؛ قال خميس: وأرجو أنَّه رأي جابر ومسلم وأبي علي وأبي الحواري (1)؛ وقيل: النصف لأنَّه لولا الآخر لم تجز شهادته هو، وهو قول أبي المؤثر.
وإذا رجع المعدِّل بعد الحكم بتعديله نقضت القضية ولا غرم، وقيل: لا، ولكن إن تعمَّد تعديل من لا عدالة له، لزمته التوبة، وغرم المتلف. وكذا تنتقض القضيَّة إن كان الشاهد إن كان الشاهد عبدًا أو مزورًا أو أبا للمشهود له، أو شريكا له، ولم يعلم الحاكم به حتَّى حكم به.
وإن شهد رجلان على رجل أنَّه قتل رجلاً عمدًا وعدلاً وحكم بقتله بهما، ثمَّ رجعا وقالا تعمَّدنا قتله، وشهدنا به زورًا فإنَّهما يقتلان به معًا كالفتك، وقيل: يختار الوليُّ منهما واحدًا ويردُّ الباقي على وارثه نصف الدية، وكذا إن كانوا أكثر أو أتلفوا
__________
(1) - ب: «وأبي الحواري وأبي علي». (7/292)
صفحة 3357
بشهادتهم عضوًا فيه القصاص؛ وإن رجع منهم واحد فللوليِّ أن يقتصَّ منهم ويردَّ عليه مناب من شهد معه من الدية.
وكلُّ شهادة رجع عنها شاهد بها لهوًى أو نسيان فإنَّه غارم ما أتلف بها مِمَّا لا قصاص عليه فيه، وكلُّ شهادة أنفذ الحكم بها، ثمَّ اطُّلع أنَّ الشاهد بها مِمَّن لا يجوز إنفاذه به، فإنَّه يردُّ المحكوم به إن قام، وإلاَّ فلا غرم فيه. وإن رجع الشاهد بالزنى بعد تمام الشهادة بأربعة جلد وغرم إن أنفذ الحكم، فإن لزمه فيه القود رفع حدُّ القذف، وإن رجع وقد بقي منهم ما يتمُّ به الحكم فلا حدَّ عليه ولا غرم، وإن لم تتمَّ الأربعة جلد، ولا غرم على راجع من شهود الإحصان، ولا قصاص، وقيل: عليه الضمان إن رجع شهود الزنى، وأيُّهم رجع ضمن.
وكذا إن شهد رجلان على رجل أنَّه سارق أو قاذف، ثمَّ رجع أحدهما قبل الحدِّ، فقيل: يمضى عليه، وقيل: لا، ولهم الرجوع ما لم يمض الحكم؛ وإن شهدا عليه أنَّه طلَّق زوجته، وفرِّق بينهما، ثمَّ تزوَّجت ثمَّ رجعا، فقيل: تنتقض القضيَّة وترجع إلى الأول، وقيل: ما لم تتزوَّج، وقيل: لا ترجع إليه بعد الحكم، ويغرمان الصداق لها، ولا يفرَّق بينها وبين الأخير.
وإن شهدا عليه أنَّه أعتق عبده، وحكم [628] بعتقه بهما، ثمَّ رجعا مضى العتق، وعليهما غرم ثمنه، وإن شهدا عليه أنَّهما رأياه يشرب الخمر، فحدَّ، ثمَّ رجع أحدهما فعليه نصف دية الحدِّ.
وإن شهد عليه ثلاثة أنَّه قتل رجلاً فحكم عليه بالقود، فضربه الوليُّ ضربة فقطع يده، ثمَّ رجع أحدهم، قال عزَّان: فلا شيء عليه، لأنَّ الشهادة بعد تامَّة يحكم بها، فإن ضربه أخرى فقطع أنفه، ثمَّ رجع أحدهما فعلى الأوَّل والثاني نصف دية اليد بينهما، وعلى الثاني أيضًا نصف دية الأنف.
أبو عبد الله: إن شهد أربعة على محصن بزنى، فرجم، فرجع أحدهم أو أكذب نفسه، فطلب إليه الوليُّ الدية أو القود، فقيل: على المكذِّب ربعها، إلاَّ إن قال: تعمَّد (7/293)
صفحة 3358
قتله، فيلزمه القود، والوقف في الحدِّ، ولا حدَّ على الثلاثة، ولا قود ولا دية؛ وعلى الراجع منهم الحدُّ، عن أبي علي.
وإن رجم بهم ثمَّ رجع أحدهم رجم لا باقيهم، وإن رجعوا معًا رجموا وردَّ على ورثتهم دية ثلاثة، وإن قالوا: تعمَّدنا قتله قتلوا، وردُّوا الفضل عن واحدة، وإن قالوا: شبِّه لهم أعطَوها، ولا يقتلون؛ وإن رجع أحدهم فعليه قدر منابه منها إلاَّ إن قال: أردت قتله، فيقتل، وقيل: عليه الدية، لأنَّه لولاه لم يحدَّ. (7/294)
صفحة 3359
الباب الرابع والعشرون
في الشاهد إذا مات أو غاب أو حدث به مبطل الشهادة
فمن شهد عند الحاكم ثمَّ غاب أو جنَّ أو مات، فإنَّه يجيزه في الحقوق لا في الحدود، لأنَّه كالميِّت، فإن فسق، أو جلد في قذف أو ارتدَّ وشهد عدلان أنَّه كان يوم شهد عدلاً، فإنَّ الحاكم يردُّ شهادته.
ومن شهد عنده، ولم يجزه لوحدته، ثمَّ شهد معه آخر أجاز شهادته إن لم ترد، قيل: فإن كان الآخر يوم شهد مع الأوَّل صبيًّا ثمَّ بلغ فشهد كما شهد، وكان عدلاً جازت منه.
أبو أيُّوب: إن ردَّها لأنَّه عبد، وأقامها وهو حرٌّ جازت إن كان عدلاً. أبو مالك: إن لم يعرف الشاهدان أداء الشهادة على وجهها، فأخبرهما من يعرف أنَّها لا تقبل على ذلك الوجه، وعرَّفهما كيف يشهدان، ثمَّ شهدا، جازت شهادتهما.
ابن جعفر: من شهد فردَّت شهادته لأنَّه عبد أو مشرك، ثمَّ شهد بها عتق أو إسلام لم تقبل لردِّها قبل؛ وإن ردَّت من صبيٍّ ثمَّ شهد بها بعد بلوغه جازت على المختار، وقيل: لا.
وإن تحمَّلها صبيٌّ فأدَّاها بعد بلوغ أو إسلام جازت.
أبو عبد الله: من شهد عند حاكم بشهادة، فطرح فيها ثمَّ عدل فيها جازت ما لم يحكم. (7/295)
صفحة 3360
الباب الخامس والعشرون
في شهادة الزور والجائز منها وغيره وفي التوبة منها
فإنَّها من أكبر الكبائر، ومن الزور قذف المحصنات، وشهادة الباطل، ولا تقبل لشاهده شهادة إلاَّ بعد التوبة، فإذا تبيَّن منه الصلاح والمسارعة إلى الخير، قبلت توبته، وثبتت ولايته، وجازت شهادته في مستقبل، إلاَّ فيما شهد فيه بالزور، فإنَّها لا تقبل منه فيه أبدًا عندنا، وقيل: إنَّه قاتل لنفسه به، ولمن نزع ماله، ولمن أطعمه الحرام كما مرَّ، ولا تقبل توبته حتَّى يغرم ما أتلف به، وإن أخذ عليه رشوة ردَّها، وفي الحلِّ منه فيها خلاف؛ وقيل: لا تقبل شهادته أبدًا، ولو تاب، ويجلد قيل ويطاف به ويطال حبسه حتَّى يتوب، وقيل: يبعث دالعًا لسانه كالكلب، وقد أمر عمر بجلده أربعين، وبحلق رأسه، ويطاف به ويحبس طويلاً.
واختلف في استخراج الحقِّ به، فقال ابن محبوب: من غصب من رجل مالاً، فلم يقدر على الإنصاف منه إلاَّ بشهادة الزور، فلا يحلُّ له أكله بها، ولو حكم له به، وعليه ردُّه إن فعل إلى المحكوم عليه به، أو إلى وارثه؛ واختار أبو سعيد أن يأخذ ماله إن علم أنَّه له بلا ريب، وأنَّه لا يبطله استعمال الشاهدين بالزور، ولا يحرمه عليه ذلك، ولكنَّه يأثم بالأمر بالشهادة به إذ هي باطلة، ولا يحرم عليه إبطاله بوجه حلالاً، ولكن إذا حكم له به ولم يدَّع ببيِّنة وهو يعلم أنَّه له فهو له حلال، فيأخذه ويأكله، وعلى الحاكم غرم المثل للمحكوم عليه، وقيل: لا يجوز له استعمال شاهدي الزور، فإن أخذ عين ماله فلا عليه، وإن أخذ غيره، كما إن حكم له بالمثل أو القيمة تاب، وقاصص المحكوم عليه، فإن أبى قاصص نفسه، ولا يحرم عليه ماله بظلمه لنفسه ولا يبطل. (7/296)
صفحة 3361
ومن شهد عليه بزور، وقد علم به، فقيل: إنَّه مخيَّر في أخذ العوض من مال الشاهدين، أو من المشهود له، ولا خلاف في الأخذ منه، وثبت فيهما، وهذا إن قدر على أخذه سرًّا.
وإن تعمَّد رجلان شهادة الزور على رجل أنَّه طلَّق زوجته ثلاثًا، أو أنَّه أعتق جاريته فلانة، فقضي بشهادتهما، لم يجز لأحدهما أن يتزوَّجها. وكذا من شهد لرجل بمال زورًا فحكم له به، فلا يحلُّ له أكله من يد الرجل، لقوله تعالى: {ولا تاكلوا أموالَكم ... } إلى { ... تعلمون}.
ابن محبوب: من شهد بزور مع شاهدين أو شهود، فحكم بهم معًا، ثمَّ أقرَّ بفعله، فلا ضمان عليه لتمام الحكم به، وإن حكم به وبآخر معه ضمن النصف، وقيل: الكلّ.
ولا تجوز التقيَّة في شهادة الزور لأنَّها فعل.
وإن شهد رجل على رؤية رمضان، أو رجلان على شوال، ثمَّ اطَّلع الإمام على زورهم أدَّبهم بقدر ما يرى ردعًا لهم ولغيرهم.
ومن شهد بشهادة ثمَّ بان له بعد الحكم بها أنَّه أخطأ فيها أو غلط، وقد مات المحكوم له، أو المحكوم عليه، فعليه الغرم لوارثه، ولا توبة له إلاَّ به، وقيل: تثبت له بدونه إذا أجَّله ذو الحقِّ.
وفي المرتشي على الزور شدَّة، ولا توبة له إلاَّ بالردِّ عند الأكثر.
ومن طرحت شهادته بحدث ثمَّ تاب وأصلح ثبتت ولايته لا شهادته تلك. وإن شهد وردَّت أو لم ينفَّذ الحكم فلم يعدل ثمَّ تاب قبلت بعد إذا لم يقطع بها حكمًا أو يحقَّ بها باطلا كعكسه. (7/297)
صفحة 3362
الباب السادس والعشرون
في الشهادة على الأصول
[629] فمن عرف مالاً ينسب إلى زيد، أو علم أنَّه له، ثمَّ رأى فيه إحداثًا ككنيف أو غيره قرب مسجد، وكذا في الطريق كالسواقي وغيرها، فاحتسب فيه محتسب وطلب منِّي الشهادة عليه، وقد رأيت مثل الأجير والخدم يحدثونه، أو لم أرهم إلاَّ أنِّي أعرف الموضع ولا حدث فيه، بم يجوز لي أن أشهد؟ وكيف يكون ما تؤدَّى به الشهادة؟
قال: فهي على علمك لا على غيرك، وتشهد أنَّه محدث، وأنَّه أحدثه، وتشهد على من أحدثه أن رأيته يحدثه.
والحدث إذا صحَّ كان للحاكم أن يأخذ من أحدثه من الأجراء وغيرهم، ومن أمرهم من وكيل وذي مال، وكذا من كان من أهل الرمِّ، فالشهادة فيه على النسب، فإذا صحَّ الواحد مِمَّن يؤخذ منه كان داخلاً فيه، إلاَّ إن تناكروه، فيشهد له أنَّه فلان بن فلان وأنَّه من أهله، ويشهد على الصافية قطعًا أنَّها صافية.
وقيل: إذا تنازع الخصماء في الأصول وتناكروا واحتاجوا إلى البيِّنة، فإذا شهدوا لخصم بهذه النخلة التي نوزع عليها احتاجوا إلى أن يحدُّوها في أوَّل الشهادة عند الحاكم، أو بحضرة رسوله، وإنَّما يكون التحديد بصفة يوقف عليها عند عدم العين بمحض الخصم؛ وقيل: لا تكون الشهادة إلاَّ بمعاينة المال، وقد أجيزت على الصفة التي تدرك بها معرفته، ويحكم بها على الخصم، لا على غيره، ويقطع حجَّته عليه من المال الموصوف وذلك جائز.
واختلف في أرض كانت بيد رجل ورثها من أبيه، وأبوه من أبيه إلى ثلاثة أجداد، يتوارثونها، فمن شهد أنَّها له لم يصدَّق، وقيل: ليس له أن يشهد بذلك، (7/298)
صفحة 3363
وإنَّما يشهد بمعرفة باليد أو بالشراء، أو بالإرث، أو الهبة، وجوِّز أن يشهدا قطعًا أنَّها له، لأنَّ المتعارف أنَّ من كان بيده شيء فهو له، ومن ورثه أو اشتراه أو وهب له فهو له. ولا تثبت الشهادة بتحديد أحد الشاهدين، ويشهدون بما خلَّفه الميِّت لورثته إن ادَّعوه واحتاجوا إلى قَسمه أنَّه تركه فلان، أو ملِّك له، أو أنَّه مِمَّا كان له، أو نحو ذلك، مِمَّا يصحُّ به اللفظ أنَّه من ماله.
وكلُّ ما بيد أحد فهو ملك له، واليد شاهدة له به، إلاَّ بني آدم فقد يكون منهم مالك ومملوك، ولا تجوز الشهادة عليهم إلاَّ ببيان.
وإن شهد عدلان على زيد أنَّ لعمر في أرضه موضعًا طوله كذا وكذا ذراعًا، ولم يحدَّاه منها، فإذا أحدَّاها بحدودها، ووصفاها ثبتت شهادتهما، وعلى الحاكم أن يأخذه حتَّى يدفع له ما شهد له به، فإن قال عمر: هو من وسطها، وقال زيد: إنَّه من جانبها، فعليه أن يدفع له من حيث أقرَّ له، ويحلف أنَّه الذي دفعه إليه.
وكذا إن شهدا أنَّ له نخلة في نخله ولم يعيِّناها ثبتت إن حدَّاه بحدوده ووصفاه، ويعطيه وسطة منه، وقيل: إذا شهدا له بمكان نخلة له في مال زيد، ولم يحدَّاها، كان له من أوسط المواضع منه بلا ضرر على أحدهما.
وإن شهدا بقائمة في المال ولم يحدَّاها منه كانت بحساب النخل، فيعدُّ؛ فإن خمسًا فله الخمس من النخل مشاعًا، وإن كان عشرًا فله العشر مشاعًا فيه، وعلى ذلك يكون الحساب.
ومن شهد عليه أنَّ في قطعته لفلان حقًّا، وهو كذا ذراعًا طولا وعرضًا أو شيئًا معلومًا منها جاز، ويحكم عليه بذلك، وإذا قال الشاهد: أنا أشهد أنَّ هذا المال كان لفلان يحوزه ويمنعه، ويدَّعيه إلى أن مات، ولا أعلم أنَّه زال عندي بحقٍّ صحَّت شهادته إن كان عدلاً وشهد معه عدل، وإن قال: أنا أعرف هذا لفلان، لم يكن شهادة حتَّى يقول: أشهد أنَّه له إن كان حيًّا أو كان له إن مات. (7/299)
صفحة 3364
وإذا قال: أشهد أنِّي رأيت كذا في يده، ولم يقل أنَّه له، إذا لم يعلم فيه إلاَّ اليد، حكم له باليد، فيكون ملكًا له.
ومن كان مع امرأته في دار، وكان يعمِّرها ويحوزها فلا يحكم له بها حتَّى يشهد أنَّها له، لأنَّ الزوج يعمِّر في مال زوجته، وحوزه له ليس حجَّة عليها، وقيل: لا يقال لمن بيده شيء إنَّه ملك له إذا لم يعلم من أين صار إليه حتَّى يعلمه بإرث أو هبة أو شراء أو نحو ذلك، وإنَّما يقال (1): إذا لم يعلم ذلك إنَّه في يده.
أبو سعيد: كذا يخرج عندي في معنى الحكم، وأمَّا في مجاز الكلام معنى الخبر؛ فإنَّ من بيده شيء فهو في ظاهر الحكم له، ولو لم يعرف من أين صار بيده، ويحكم به لوارثه، ولا يورث منه إلاَّ ماله، ويشترى منه إن باعه، وكذا لا يضيق هذا الكلام على معنى التسمية أن يقال لمثل هذا إنَّه مال فلان وملكه وما على معنى الشهادة والأحكام، فلا يجوز أن يقال ذلك، ولو صحَّ أنَّه اشتراه مِمَّن هو بيده، ولو كان بيد والده وورثه منه أو وهب له وعلم ذلك، فإنَّما يشهد عند معاني الأحكام والحقيقة منها والقصد إلى معناها أنَّ هذا مِمَّا بيد فلان، إن كان بيده وهو وارثه منه أو اشتراه أو وهب له لأنَّه قد يكون هذا وهو حرام في الأصل، ولا يشهد ولا يحكم إلاَّ بالظاهر لا على الجائز من المتعارف في الكلام.
وقيل: ليس لشاهد أن يشهد إلاَّ بعلمه، فإن علم أنَّه ورثه فلان، أو وهب له أو اشتراه، فإنَّما يشهد بما علم لا بالقطع أنَّه له.
وإن شهد قوم أنَّ هذه الدار لفلان، ولا نعلمه باعها ولا وهبها وقد سافر لبعيد، ومات فيه منذ سنين فهي لوارثه، إلاَّ إن بيَّن أنَّه باعها أو وهبها، قلت: له الحبس قد شهدوا على غيب، ولا يدرون ما صنع في سفره، قال: نعم، وإن شهدوا على علمهم، فمن ادَّعى ما صنع فيه فليبيِّنه، قلت له: فلمَ يشهدون ثانية أنَّها داره، تركها إرثًا،
__________
(1) - ب: «يقال». (7/300)
صفحة 3365
قال: ليس لهم ذلك، ولكن [630] يشهدون أنَّه سافر، وهي داره، ولا نعلمه باعها ولا وهبها، وعلى مدَّع شيئًا في غيبته بيانه.
فصل
إن ادَّعى في مال أربعة رجال، فيبيّن أحدهم أنَّه له كلُّه، وآخر أنَّ له ثلثيه، وآخر نصفه، وآخر أنَّ له ثلثه، فقيل: يقسَّم بينهم على خمسة عشر سهما لذي الكلِّ ستَّة، ولذي الثلثين أربعة، ولذي النصف ثلاثة، ولذي الثلث سهمان، وقيل: لذي الكلِّ نصف المال، وثلث سدسه، ولذي الثلثين سدسه وثلث سدسه، لذي النصف نصف سدسه وثلثه، ولذي الثلث نصف السدس، وبيانه من ستَّة وثلاثين، للأوَّل: عشرون، وللثاني ثمانية، وللثالث خمسة، وللرابع ثلاثة، وذلك أنَّ لذي الكلِّ ثلث المال، وهو اثنا عشر، إذ لا تشهد إحدى البيِّنات ثمَّ يقسِّم هو وذو الثلثين ما زاد عليه إلى النصف، وهو السدس لأنَّ بيِّنة ذي النصف وذي الثلث مسلَّمة، فيكون بيد ذي الكلِّ خمسة عشر، وبيد ذي الثلثين ثلاثة، ثمَّ يقسِّمان هما وذو النصف السدس الآخر الزائد على الثلث أثلاثًا، لأنَّ بيِّنة ذي الثلث لا تشهد له فيه؛ ويقسَّم الثلث الباقي بين الأربعة أرباعًا، وذلك ظاهر.
قال أبو يحيى في دار ليست بيد أحد، فبيَّن رجلٌ أنَّها له، وبيَّن آخر أنَّ له نصفها، وآخر أنَّ له ثلثها: فإنَّها تقسَّم من أحد عشر، وأصلها من ستَّة كما في القول الأوَّل من الأولى، وقيل: من ستَّة وثلاثين كما في الثاني فيها. (7/301)
صفحة 3366
الباب السابع والعشرون
في الشهادة بالطلاق
فمن طلَّق امرأته فكتمه إياها حتَّى مات، فقيل: إن كان معها ولم يفارقها وورثته إن أحضرت بيِّنة، وقيل: لا بيِّنة عليها؛ وكذا إن أقرَّ عند الموت، وإذا شهدت بيِّنة أنَّه طلَّقها، وهي تعلم أنَّه لم يطلِّقها، فلا يحلُّ لها أن تتزوَّج ولو حكم بالفراق بينهما إلاَّ إن تزوَّج من لا تجتمع معها، وهو قول أبي الحواري؛ وقيل: لا تحرم عليه ولو تزوَّج أختها، ولا يحلُّ لها أن تتزوَّج إلاَّ إن جاز بها، أو تزوَّج أربعًا، وجاز بهنَّ، وإلاَّ فالعقد لا يفسدها عليه؛ وإذا أغلق الباب عليها أو أرخى سترًا حلَّ لها النكاح في الحكم؛ وإن علمت أنَّهما شهدا بطلاقها زورًا فلزوجها أن يطأها سرًّا.
أبو الحسن: من شهد عليه عدلان أنَّه طلَّق زوجته، ولم يعلم أطلَّقها أم لا، فعلمه أولى منهما فيما بينه وبين الله، ما لم يصيرا إلى الحاكم فيحكم عليه بهما؛ وقيل: إذا شهدا عليه كانا حجَّة عليه في ممكن أن يفعله وينساه.
ومن طلَّق بحضرة الشهود وسألهم أن يكتموا لم يسعهم، وعليهم أن يعلموا زوجته، ويقولوا لها: لك عندنا شهادة على ذلك؛ وقيل: من كتم شهادة علمها من مطلِّق زوجته ثلاثًا، وكان يساكنها بعد، ولم ينكر عليه، بطلت شهادته، إلاَّ إن صحَّ فيه عذر أو تقيَّة؛ وقيل: إذا شهد عدلان أنَّه طلَّقها ثلاثًا وفرِّق بينهما ثمَّ رجعا أو أحدهما قبل أن تتزوَّج، فإن كانت هي المدَّعية بذلك عند الحاكم، وحكم لها به بهما مضى الحكم، ويلزمها الصداق للزوج إن غرمه لها، وإن لم تدَّع ذلك، وإنَّما شهدا من عندهما، ولم تتزوَّج فله أن يرجع إليها، ومضى الحكم إن تزوَّجت، ولا سبيل له إليها. (7/302)
صفحة 3367
الباب الثامن والعشرون
في الشهادة على البيع والعطية
ولا يجوز لرجل أن يتحمَّلها في مال لم يحدَّ بين قوم، وعليه أنَّ يعرِّفهم أنَّ الشراء غير جائز، وإن كان لا يعرف جوازه، ولا حدود للمال، كان أبعد من ثبوت الشهادة.
وإذا تبايع رجلان فاسدًا لم يجز تحمُّل شهادته، ولا أداؤها، وعلى من علمه أن يعرِّفهما فساده إذا رجعا إلى الحقِّ. وإذا دفع مشتريه الثمن لبائعه، وأشهده عليه، فله أن يشهد كما علم، لا على ثبوت البيع، وأولى به أن لا يشهد.
ومن أجبر على بيع ماله، وخاف الشاهد أو المجبر إن لم يشهِد فله تحمُّلها لا أداؤها، وليس على الشهود أن يشهدوا في البيع إلاَّ على صفة المحلِّ وانتهاء حدوده، ولا أن يقفوا عليه.
ومن دعي إلى الشهادة على بيع أصل ولا يعرف ربَّه إلاَّ إن بايعه قاعد فيه ويدَّعيه؛ فإن قعد فيه قعود السكن، وما ثبت به اليد كان أولى به حتَّى يعلم غير ذلك، وإلاَّ فهو وغيره فيه سواء، وجوِّزت فيه الشهادة على ما حضره الشاهد، فإذا علم أنَّ له فيه شريكًا فباعه كلَّه فلا يجوز بيع مال الغير؛ فإذا احتمل حقّه وباطله فالحقُّ أولى به حتَّى يعلم باطله.
ومن أقرَّ لرجل بمال، أو وهبه له، أو باعه في غير البلد الذي كان فيه، وأشهد عليه ببيِّنة وبحدوده وصفاته، فلهم أن يشهدوا على جميعها، وتجوز شهادتهم، وليس عليهم أن يقفوا على الأموال بأعيانها إذا شهدوا بجميع حدودها وصفاتها، وجازت أيضًا إن غابوا عنها. (7/303)
صفحة 3368
وإن شهدا على رجل أنَّه أعطى ماله لفلان، وآخران أنَّه أعطاه لآخر وكلُّهم عدول، فالمال للمؤرِّخ منهما ببيِّنته أنَّه الأوَّل، وإن لم تؤرَّخ البيِّنتان وأحدهما لا تثبت له العطية إلاَّ بالإحراز، فالعطية لمن لا إحراز له؛ وإن وجب عليهما واستوى التاريخ، أو فقد فهي بينهما [631]؛ وقيل: إن شهدت البيِّنة بها لمن لزمه لا بهما فلا تثبت له، وقيل: غير ذلك. (7/304)
صفحة 3369
الباب التاسع والعشرون
في الشهادة على الملكة والولاء
فقيل: لا يجوز أن يشهد بمملوكة أحد لأحد، إلاَّ إن ورثها من أبيه، وأبوه من أبيه، فيشهد حينئذ بملكتها له، وفي غير هذا يشهد بأنَّها في يده، ويدَّعيها أمة له، ويثبتها الحاكم له، لا على أولادها، وأنَّه اشتراها من فلان بعد إقرارها أنَّها مملوكة له فيثبت له الملكية له أيضًا، ولا تلزم أولادها إن أنكروا؛ وقيل: إذا علم الشهود ذلك من حالها، وهي تقرُّ بها لمدَّعيها، وأنَّه صحَّ شراؤه بعد إقرارها بها لبائعها أو أقرَّت له أمُّها بها وولدتها، وأقرَّت بعد بلوغها بذلك، فلهم أن يشهدوا عليها بالملكة.
واختلف في الولاء، فقيل: يدّعى عليه ببيِّنة على كلِّ حال، وقيل: لا، إلاَّ إن طلبت امرأة نكاحًا، فتدَّعي الولاء من قوم، فتدَّعي عليه ببيِّنة إن أنكروا، ولا يمين فيه؛ وإذا قامت بيِّنة به وبيِّنة بأنَّه من العرب فهذه أولى.
فمن أعتق هو أو أبوه أو جدُّه فولاؤه ولاء عتاقة. وما لا يعرف أصله إلاَّ بإقرار أو شهادة على الأخرى فهو ولاء صلبيَّة، وقد مرَّ ذلك، وفي كلِّ ذلك تجوز الشهادة عن شهادة، ومن الرجال والنساء. (7/305)
صفحة 3370
الباب الثلاثون
في الشهادة على الرضاع والاستهلال
جابر عن ابن عباس: قد شهدت امرأة على رجل وامرأة أنَّها أرضعتهما، فقال: حلِّفوها عند المقام، فإن كذبت لم يحل عليها الحول حتَّى يبيضَّ ثديها، فحلَّفوها فكان كذلك.
واختلف في شهادة المرضعة قبل العقد، إن كانت غير عدلة، ولا يفرَّق بين الزوجين بعد الجواز إلاَّ بالعدلة كما مرَّ، وقيل: لا، إلاَّ بالعدلين.
وجازت قيل شهادة مرضعة ذمِّيَّة على المسلمين، وجاء الأثر بجواز [شهادة] مرضعة ما لم تتَّهم. وجوِّزت شهادة الأمة والمجوسية، والذمِّيَّة إن كانت عدلة في دينها، وقيل: لا يكون ذلك إلاَّ في الموحِّدين إذا كانت عليهم.
وجازت شهادة الأمِّ لبنتها بالرضاع لا الأب. أبو عبد الله: لا يفرَّق بين الزوجين إلاَّ بعدلة مسلمة حرَّة أنَّها أرضعتهما، لا على فعل غيرها. وجوِّزت من قابلة ومرضعة، إن كانت عدلة، ولو مجوسيَّة. وجازت من أمة على الرضاع منها، وفي الولادة الوقف. وإذا قالت: لم أرضعهما ثمَّ أرضعتُهما وكنت نسيت، أو قالت: أرضعتهما ثمَّ نفت، فقيل: إن كانت عدلة قبل قولها (1) مطلقًا؛ وقيل: إذا نفت وعلمت بنكاحهما، رأتهما مجتمعين، فلم تشهد حتَّى مضى زمان، اتُّهمت وردَّت؛ وإذا شهدت به ثمَّ رجعت قبل أن يفرَّق بينهما قبل منها، ولا عليها، وإذا فرِّقا ثمَّ رجعت ردَّ قولها وكانت مزوِّرة، وتمَّ الفراق، وتغرم الصداق.
__________
(1) - ب: «قوله» وهو خطأ. (7/306)
صفحة 3371
ابن محبوب: إن قالت: أرضعتهما ثمَّ أنكرت ردَّ قولها الأوَّل، وقيل: إذا قالته ثمَّ رجعت قبل الحكم، ثمَّ شهدت بذلك ببيِّنة رُدَّ الأوَّل، لرجوعها عنه، وإكذابها نفسها؛ وإذا شهدت أمة أنَّها أرضعت مولاها، فلا نحبُّ له بيعها، ولا نكاحها، ولا ما ولدت، وجوِّز بيعها، لأنَّها تجرُّ نفعًا لنفسها. (7/307)
صفحة 3372
الباب الحادي والثلاثون
في الشهادة على التزويج والرضا بالصداق
وللشهود أن يشهدوا على النكاح المشهور، وإن لم يحضروه، وذلك لمن تزوَّج المرأة علانية، ودخل بها، وأقام معها ثمَّ مات، فيسع جيرانها أن يشهدوا أنَّها زوجته، وكذا كلُّ من علم ذلك مثلهم، وجازت من أب لابنه، برضا المرأة به كما مرَّ، إن لم يكن هو المزوِّج له، ومن وليٍّ في المال والرضا، لا في التزويج لأنَّه المزوِّج.
وإن شهد رجلان عند حاكم أنَّ فلانة بالغ، وأمر بتزويجها، فلمَّا دخل بها غيّرت، وبان أنَّها لم تبلغ، ثمَّ بلغت وأنكرت الزوج، وقد لزمه الصداق، لزمهما غرمه إن طلبه.
أبو المؤثر: لا يلزمهما إن علم هو ذلك، وإن شهد رجلان بأنَّ فلانًا وليُّ فلانة، وأحدهما يريد نكاحها، فإنَّها تردُّ شهادته عند الوضَّاح وابن محبوب.
وإن شهد لامرأة رجلان أنَّ لها على زوجها الميِّت مائة نخلة، وآخران بمائة وخمسين، فقيل: لها الأكثر مع يمينها، إلاَّ إن بيَّنت أنَّ المائة هي غير المائة والخمسين، فيكون لها الكلُّ إلاَّ إن شهد الجميع أنَّ الزوج أشهدهم بما شهدوا به، شهادة في مجلس حضروه معًا، فيكون لها عليه مائة وخمسون، فإن قال كلٌّ منهما: إنَّ الآخرين لم يكونوا معهما عندما أشهدهما، فلها الكلُّ إن ادَّعته مع يمينها، وقيل: هو لها معًا إن ادَّعته، ولو لم يقولا ذلك، وقيل: إنَّما لها الأكثر إلاَّ إن بان أنَّه تزوَّجها مرَّتين بهما.
ومن ادَّعى على رجل ألفا، فأقرَّ أنَّ عليه تسعمائة، ثمَّ بيَّن أنَّ عليه ألفًا، وطلب الحاكم أن يأخذه به وبتسعمائة، فليس له إلاَّ الأكثر، وكذا إن أقرَّ هو له به، وبيَّن هو (7/308)
صفحة 3373
الأقلّ وادَّعى أنَّه غير ما أقرَّ هو به، فلا [632] يأخذه إلاَّ بالأكثر، إلاَّ إن صحَّ أنَّ إقراره كان من ثمن كذا، وشهد أنَّه من نوع آخر، فحينئذ يأخذه بهما.
وقيل: في مدَّعية على زوجها ألف درهم، من ستَّة دوانق، وبيِّنتْ ذلك، وأقرَّ هو أنَّها عدنية، وبيَّن ذلك، إنَّ القول قول بيِّنتها؛ وقيل: إذا زوَّج رجل رجلاً واستفهمه ليشهد عليه، فإذا أقرَّ عند ذلك له أنَّه قد رضي، أنَّ عليه هذا الحقّ لزوجته، خرج هذا على الإقرار، والمزوِّج وغيره في سواء، وإذا قال: شهد عليك هؤلاء الحاضرون، لك أن تُشهد هؤلاء عليك، مخرجًا نفسه من جملتهم وقد أشهدتهم، فعزل المزوِّج نفسه في كلِّ ذلك من الحاضرين، في الاستفهام له على معنى الشهادة دونه أو عزله المشهد منهم، قال خميس: فلا يعجبني _أن يستفهمه ثانية وكذا ما يتولَّد من هذا؛ وإن قال: شهد عليَّ جميع الحاضرين دخل في جملتهم في معنى الإشهاد، لأنَّ الحقَّ لغيره.
ومن حضره قيل رجلين فقال أحدهم: أريد أن أشهدك على تزويج بنتي بهذا الرجل، فهل له أن يشهد به على ذلك؟ قال: إن علم أنَّ له بنتًا وأراد ذلك، شهد به، وإلاَّ؛ وإن بشهرة توجب اطمئنانًا فهو مدَّعٍ؛ ولا يقبل قوله في إباحة الفروج في ردٍّ ولا نكاح لأنَّه لا يصل الزوج إلى استباحتها إلاَّ بالشهود، فمن ثمَّ لزمهم أن لا يدخلوا في النكاح والردِّ إلاَّ بعلم يوافق الدعوى.
ولا تقبل شهادة الوليِّ مع آخر في النكاح وفي الرضى به قبل الإملاك من المرأة، قيل: يثبت عليها، وقيل: لا إلاَّ إن رضيت به بعد العقد كما مرَّ وهو قول الأكثر، وإن رضيت بعد علمها به ولو طرفة عين ثبت عليهما، وهو في الحكم على الإنكار حتَّى يصحَّ رضاها. (7/309)
صفحة 3374
الباب الثاني والثلاثون
في الشهادة على نقصان العقل وتمامه
أبو عليٍّ: من شهد عليه رجلان أنَّه ناقص العقل، وآخران أنَّه وافره، فبيِّنة صحَّته أولى (1).
أبو الحواري: إن شهدا أنَّ فلانًا أشهدنا أنَّه صحيح العقل كره ذلك لهما، وللكاتب كتابته، ولكن يقولان: لا نعلم فيه نقصًا، أو أشهدنا في صحَّة عقله؛ وقيل: إن قالا: أشهدنا فيه، ثمَّ شهد بعدهما آخران أنَّه ناقصه رُدَّا؛ وقبلا إن قالا: أشهدنا ولا نعلم فيه نقصانًا، ولو قال الآخران ذلك بعدهما.
والشهادة والكتابة على المريض في الوصايا كغيرها، لا يكونان إلاَّ في صحَّة عقله.
__________
(1) - ب: غير واضح. (7/310)
صفحة 3375
الباب الثالث والثلاثون
في الشهادة على الموت
وتقبل فيه كالشهرة على الموت والنكاح المشهورين؛ فإذا قتل الزوجان أو الأخوان أو من يتوارثا [ن] في وقت ولم يدر السابق منهما توارثا كالغرقى؛ وإن شهدت جماعة لا تقبل أنَّ أحدهما قتل قبل الآخر لم تقبل الشهرة في التقديم والتأخير كما مرَّ إلاَّ ببيِّنة.
وإن شهدا أنَّ فلانًا مات، وآخران أنَّه حيٌّ في مقام، فالحياة أولى ما لم يحكم بموته، فإذا حكم به ثمَّ شهدا بحياته ردَّا إلاَّ إن عويِن فالعيان أولى.
وقيل: إن مات في طريق أو أكله سبع وليس معه ولد واحد لا يتَّهم إلاَّ باليقين في أمره، فإنَّه يجوز في الاطمئنان؛ فإن شهدا بموته فاعتدَّت زوجته، ثمَّ تزوَّجت، ثمَّ شهد أكثر منهما وأعدل وأرضى أنَّه لم يمت لكنَّه أقبل إليها فلمسار عشر ليال مات، فإنَّها ترثه؛ وقيل: إذا صحَّ موته بعادلة وتزوَّجت فلا تقبل بيِّنة بحياته، ولو كثرت كما مرَّ، إلاَّ إن قدم أو عوين، فإذا صحَّ بالعيان بطلت العادلة، وفرِّق بينها وبين الأخير، وغرِّما ما أتلفا.
وجازت شهادة الولد بموت أبيه لا في الإرث لجرِّه النفع. (7/311)
صفحة 3376
الباب الرابع والثلاثون
في الشهادة على الدراهم والحقوق
فكلُّ مشهد على نفسه بحقوق مختلفة فإنَّه يؤخذ بجملتها لمن أشهد له بها، ولو اتَّحد وقتها إن أشهد في مجلس وكذا إن أشهد أنَّ عليه لرجل ألفًا إلى رمضان، وألفًا إلى شعبان، فقال المطلوب: هي واحدة، وقال الطالب: هما ألفان، لزماه لاختلاف الوقتين؛ وإن أشهد بألف إلى رمضان، ثمَّ بألف إليه من سنة لواحد، فألفٌ، واليمين بينهما إن اختلفا، وذلك حيث تواطأت الشهادة، وإن اختلف التاريخ فهما ألفان.
وإن أشهد له بألف، ثمَّ بآخر ثمَّ بآخر، ولم يوقِّت، أو كان في شهر بلا تاريخ فألف ولو أشهد عشرة في مجالس إن قال: إنَّها واحد، إلاَّ إن شهدت بيِّنة باختلاف أسبابها، وقالت: ألف من قيمة القطن، وألف من قبل الحبِّ، وألف من قبل الغنم مثلاً، فيلزمه الجميع له. وإذا شهدا أنَّ له عليه مائة وخمسين درهمًا، فليس له إلاَّ خمسون، حتَّى يقول: مائة درهم وخمسين درهمًا؛ وقيل: غير ذلك.
ومن ادَّعى على رجل مائة وبيَّنها عند الحاكم فحكم له عليه بتسليمها، ثمَّ ادَّعى عليه أخرى، وبيَّنها أيضًا عنده، فلا تثبت عليه هذه الأخيرة، لأنَّه صار بريئًا عنده بتسليم الأولى، إلاَّ إن أتى بالتاريخ في اختلاف الوقت أو بيان أنَّ الأخرى غير الأولى، وإن استحلفه المطلوب بعد بيِّنته على دعواه فعليه اليمين. وإن ادَّعى عليه ألفًا عاجلاً فأنكر فأتى بشاهد عند الحاكم أنَّه عاجل، وبآخر أنَّه آجل جازت شهادتهما، وكان الحقُّ إلى الأجل؛ وقيل: بسقوط شهادة شاهد الأجل، لأنَّه أكذب دعوى المدَّعي، ألا ترى أنَّه لو ادَّعى إلى الأجل فشهد أحدهما أنَّه إليه، والآخر أنَّه عاجل، لم تجز شهادته من قبلُ أنَّه يشهد له بغير حقِّه؛ ولو ادَّعى عليه عاجلاً والمدَّعى [633] عليه أنَّه إلى أجل مسمًّى، فأتى المدَّعي بشاهدين فشهد أحدهما بتصديقه، (7/312)
صفحة 3377
والآخر بتصديق المدَّعى عليه، واتَّفقا على الحقِّ، فإن صدَّق مدَّعي الأجل أحدَهما كذب الآخر، وكذا لو ادَّعى غير ألف وأنكر المدَّعى عليه، فشهد به أحدهما، والآخر بألف وخمسمائة بطل الشاهد بهما، لأنَّه شهد بغير ما استشهد عليه، ولو شهد أحدهما بألف، والآخر بخمسمائة جازت شهادتهما فيها، لأنَّ الشاهد بها شاهد بالإبراء من بعض الحقِّ.
وإن شهدا لامرأة على زوجها بمائة نخلة ثمَّ قال أحدهما قبضت منها خمسين، أو أبرأته منها، فقيل: يقال لها، أو لوارثها: إن شئت فاقبل شهادته، وخذ خمسين؛ وإن أبيت فأت بغيره؛ وقيل: ثبت حقُّه بهما فعليه هو أن يأتي بآخر أنَّها خمسون أو أبرأته منها، واختير الأوَّل. (7/313)
صفحة 3378
الباب الخامس والثلاثون
في الشهادة على الإحداث في الطريق والسواقي
فإذا شهد رجلان أنَّ لفلان طريقًا، إمَّا في أرض فلان، وإمَّا في أرض فلان، فليست بشهادة حتَّى يقطعا به في أرض أحدهما.
وإن شهدا على رجل أنَّ في قطعته طريقًا لهذا المسجد ولم يجدوها، جازا عليه، ومن شهد عليه أنَّ في أرضه طريقًا لزيد وحدَّها أنَّها طريق تابع أو قائد وغيرهما بالطريق معروفة والشهادة عليها جائزة، وإن لم يحدَّها ويحكم عليه به؛ فإن شهد الرجل أنَّه يجوز لماله من هذا المال ردَّت، حتَّى يشهد أنَّ له طريقًا فيه إليه؛ فإن صحَّت بيِّنة أنَّ والد ربِّ هذا البستان كان يجوز إليه من هذا المال، ومات ولا له فيه طريق مطرق ثبت لوارثه ماله والسواقي والطرق في الشهادة؛ وإن قالت بيِّنة: لا نعلم شيئًا من هذا الحدث على الطريق، فلا يزال حتَّى يشهدا أنَّ فلانًا أحدثه على تعدية أو باطل. (7/314)
صفحة 3379
الباب السادس والثلاثون
في الشهادة على السرق [كذا] والقتل
ابن بركة: إذا شهد رجلان على رجل أنَّه سرق، أو أربعة أنَّه زنى، لم يحكم به عليه، إذ ربَّما لا يعرفون وصف السرق والزنا ويجب الوقف، حتَّى يفصحوا عنه، فإن ذكروا ما يتَّضح به معناهما حكم بشهادتهم؛ وكذا في النكاح والحرمة بين الزوجين ونحو ذلك.
وإن شهد زيد على عمر أنَّه سرق من خالد بالبصرة، وجعفر أنَّه سرق من خالد بالكوفة، غرم المال ولا يجد.
ومن شهدت عليه بيِّنة أنَّه سرق وجب القطع، فلا يقطع إلاَّ بحضرتهم، والحرُّ والعبد سواء في السرق والقطع، وإذا شهد عدلان وقومًا سرقا شيئًا بعدما تابا وأصلحا، لم تجز شهادتهما، لأنَّهما يشهدان على فعلهما، وجاز إقرارهما على أنفسهما. وإن شهد نفر على رجل أنَّه سرق، فأمر به فقطع ثمَّ جاءوا بآخر فقالوا: إنَّه السارق، وظننَّاه الأوَّل، لزمتهم دية المقطوع، ولا يصدقون (1) على الآخر، وإن اختلفت الشهادة في الموضع (2) أو الوقت أو الحرز أو القيمة بطل القطع.
ومن شهد عليه رجل أنَّه قتل رجلاً، وآخر أنَّه أمر بقتله، فإنَّه يقتل به، وإن اختلفا في القتل أو الجراح فقال أحدهما: قتله أو جرحه يوم كذا، أو سنة أو موضع كذا، أو بسيف، أو عمود، أو حجر، أو خنجر، أو بعصى، وخالفه الآخر في ذلك بطلت.
__________
(1) - ب: «يصدقان».
(2) - ب: «المواضع». (7/315)
صفحة 3380
الباب السابع والثلاثون
في الشهادة على الميراث والنسب
فإن ادَّعى اثنان ميراث ميِّت، وأقام أحدهما بيِّنة بإقراره أنَّه وارثه، وأقامها الآخر بالنسب، فالنسب أولى، فإن استوت بيِّنتهما فيهما ورثاه سواء، فإن شهدت بيِّنة النسب بأقرب من الآخر فالمال للأقرب؛ فقيل: لا يجوز أن يشهدا أنَّ هذا وارث فلان، ولا نعلم له غيره كهذا بالنسب من الميت إليه، ويلتقيان إلى معروف، وتتَّصل القرابة بينهما، ولا نعلم أنَّه يلاقي أحدًا قبله.
وعن نبهان أنَّ شهودًا شهدوا بنسب رجل يرث رجلاً وبقي بينهما واحد، نسوا اسمه، وقد عرفوه قبل في النسب، وقد علموا أنَّه وارثه فلم يجيزوا شهادتهم.
ولا يكلَّف شاهد أن يقول: لا وارث له غير، لأنَّه غيب، وله أن يقول: ولا أعلم له غيره، وإن شهد عدلان لطالب الإرث بإلقاء النسب بينه وبين الميت إلى جدٍّ يجمعهما، فللحاكم أن يقضي له به؛ فإن جاء أحد بعد ذلك فبيَّن أنَّه أبوه أو ابنه أو على أقرب إليه من الأوَّل الذي حكم له بالإرث، فإنَّه يأخذه منه ويردُّه إلى الأقرب إليه؛ وإن جاء رجل فبيَّن أنَّ الميِّت فلان بن فلان من غير القبيلة الأولى، وأنَّه ابن عمِّه، وعزله عن الأب والنسب الذي صحَّ عند الإمام أنَّه منه وحكم به، فالحاكم لا يقبل منه ذلك، ولا يحوِّل نسبه بعد أن يثبت عنده.
وإن شهدا أنَّ جدَّ هذا مات، وقد أدركناه وترك هذه الدار ميراثًا، فلا يحكم له بإرثه حتَّى يقولا: مات وورثه أبو هذا، وورثه هذا، ومن أقام بيِّنة أنَّ أباه مات يوم (7/316)
صفحة 3381
كذا، وأنَّه وارثه فحكم له بإرثه، ثمَّ بينت امرأة أنَّها تزوَّجها على معلوم ودخل بها في يوم كذا بعد اليوم الذي بيَّن الأوَّل أنَّه مات فيه، وشهر بعد الشهر، وسنة بعد السنة، فللحاكم أن يبطل بيِّنتها لأنَّ موته وجب في الأوَّل.
وإن ماتت امرأة فادَّعى رجل أنَّها كانت امرأته، فأقام بيِّنته على ذلك فلا تكلَّف أن تشهد أنَّها امرأته إلى إن ماتت، إن قالا: ولا نعلم أنَّها خرجت منه، وإن شهد اثنان من ثلاثة إخوة أنَّ لهم رابعًا، وأنكره الثالث لم يقبلا، ويدخل معهما في إرثهما من أبيهما، ولا يدخلان هما في ميراثه إذا مات إلاَّ إن صدَّقهما، وأقرَّ لذلك كما مرَّ.
ومن أقرَّ أنَّ جارية أبيه حامل منه، وأنكره غيره من الورثة جازت شهادته من منابه لا على غيره.
ابن بركة: إن شهد رجلان عن ميِّتين أنَّ فلانًا مات، وأخذ وارثه المال، ومات ثمَّ قدم فلان، [634] وقد ذهب بماله الوارث، فلا غرم على الحيَّين، لأنَّهما شهدا عن غيرهما، وكذا إذا شهدا بإقرار الميِّت أنَّ فلانًا وارثه، ولم يصحّ له وارث بنسب، فأخذا المال ثمَّ صحَّ له وارثٌ فلا غرم عليهما لأنَّهما شهدا عن إقرار الميِّت. (7/317)
صفحة 3382
الباب الثامن والثلاثون
في الشهادة المعارضة لغيرها
فإنَّها ساقطة كما صحَّ عليه ببيِّنة أنَّه قتل فلانًا ثمَّ بيَّن أنَّه كان في الوقت الذي أرِّخت فيه الأولى، قتله ببلد غير الذي قتل فيه، وكذا في الأموال إذا ثبتت في الوقت أو المكان، وفي الحدود، ومن بيَّن أنَّ أباه فلان مات يوم (1) كذا، ثمَّ بيَّن غيره أنَّه أب له، وأنَّه مات قبل تاريخه أو بعده ثبت النسب في المال، وحكم به في السابق منهما، فإذا أتى الأخير ببيِّنة تدفع الأوَّل لم يلتفت إليه، وكانت الأخيرة معارضة، فإن بيَّن الثاني قبل أن يحكم للأوَّل بالمال وقف الحاكم حتَّى يقيم الثاني أخرى فيحكم بها.
ومن أقام قيل عدولاً أنَّ أباه أعطاه عطيَّة وأحرزها، وبيَّن من سواه أنَّ أباهم لم يزل يأكل ذلك ويبيعه إلى أن مات، فهي ساقطة، والحقُّ للمعطى له.
وإن شهد عدلان بحقٍّ على رجل، فأتى هو بأربعة يشهدون عند الحاكم أنَّهما شهدا عليه زورًا فلا يلتفت إليهم، ولزمه الحقُّ بهما؛ وقيل: تقبل الشهادة على الشهود بباطل أو زور، فإن حكم بشهادتهما ضمنا ما أتلفاه، وإلاَّ ردَّا إذا صحَّت بيِّنة أنَّهما شهدا زورًا وجاز عليهما عدلان.
أبو سعيد: إذا شهد على غائب رجلان أنَّه مات وقسِّم ماله، وتزوَّجت امرأته، ثمَّ شهد آخران أنَّه حيٌّ لم يقبلا، ولا يحيى بعد موته إذا صحَّ.
ابن بركة: إن شهد وليَّان على وليٍّ لهما أنَّه قتل رجلاً، فإن احتملت شهادتهما عنده القبول قبلت، وليس له أن يترك ولايتهما، وعلى الحاكم أن يقيِّد شهادتهما،
__________
(1) - ب: - «يوم» وهو سقط. (7/318)
صفحة 3383
ويحكم بها إن لم تتناف (1)، ولم تبعد عن القبول، وولي الحكم غيره، قال: ومثل ذلك لو أنَّ عزَّان كان مصاحبًا للحاكم، ولا يفارقه طرفة عين، ولو في الليل، فشهد عليه مثل ابن محبوب وابن عليٍّ أنَّه قتل رجلاً في وقت مصاحبته للحاكم لم يجز له قبول ذلك منهما وله أن يبرأ منهما سرًّا، ولا أن يبطل ما شهدا به ويولِّي عليه غيره.
وإن ادَّعى عند الحاكم كلٌّ من رجلين رقَّ الآخر وبيَّن كلٌّ، فإذا أنفذ الحكم على أحدهما لم تقبل بيِّنة الثاني ولا دعواه لاعتراضه عليه.
وإن طلبت امرأة ميراثها من أبيها، وأحضرت بيِّنة فبيَّن أخوها أنَّها بنت جارية أمِّه وقد وطئها، فإن عدلت ببيِّنتها أنَّها بنت أبيه ثبت نسبها منه وإرثها، ولا تبطله بيِّنة أخيها، إلاَّ إن شهدت أنَّه بنته من أمة زوجته، ولها يومئذ زوج غيره، ويبطل إقراره بها، ولا يلحقه نسبها ولا ترثه، وهي أمة زوجته، وله الفراش، وليتأمَّل هذا.
__________
(1) - في النسختين «تتنافى» وهو خطأ. (7/319)
صفحة 3384
الباب التاسع والثلاثون
في الشهادة على البراءة من الشيء
ونحو ذلك
فمن أبرأ رجلاً عند موته مِمَّا كان يطالبه به فهي براءة؛ فإن أراد بها عطيَّة فهي عنده ضعيفة، وإن أراد بها الاستيفاء جاز.
أبو المؤثر: إن قال: أبرأته منه فهو ترك له وعطية، ولا يجوزان في المرض؛ ومن احتضر وعليه محيط بماله فتبرَّأ منه، فقال: مالي لفلان، فإن اتُّهم في قوله فلا نقوى على إجازته إن اتُّهم بالكذب، وإن لم يكن له سبب من إرث، أو دعوى من موصى له أو نحوهما ... فهو أولى بماله، وبما قال فيه.
وقال الأزهر: من تزوَّج بأمة وولد منها أولادًا ثمَّ برئ إليهم عند احتضاره من شيء من ماله، فإن كان مثل ما يشترون به دفع في ثمنه؛ وإن ذهبوا مماليك رجع إرثًا لوارثه.
وقيل: إنَّ الإبراء لا يثبت إلاَّ بالإحراز.
وإن سلَّمت امرأة إلى رجل ذهبًا أو دراهم، وقالت: برئت من ذلك للفقراء، أو أنت في حلٍّ منه، وفرِّقه عليهم، ثمَّ عادت تطلبه، فإن رجعت قبل أن يفرِّقه، فإنَّه (1)
__________
(1) - ب: «فإنَّها». (7/320)
صفحة 3385
يردُّه إليها، وهي أولى به، وإلاَّ صدِّق فيه أنَّه فرَّقه؛ وإن باعه ولم يفرِّقه، وأرادت ثمنه، كان لها عليه.
أبو سعيد: من له على رجل حقٌّ، وقال له: برئت إليك مِمَّا عليك لي، لم يكن إبراءً. وإن قال: أبرأتك منه وقبله كان إبراءً. وإن كانت بينهما منازعة أو مشاركة فيما ليس متعلِّقًا بالذمَّة فقال له: أبرأتك منه، لم يكن ذلك موجبًا له مِمَّا أبرأه منه، ولو قال: برئت إليك منه جاز إن أحرزه عليه لقيامه مقام العطيَّة.
تمَّ هذا الجزء (7/321)
صفحة 3386
الجزء الخامس والعشرون
في الأحكام (7/322)
صفحة 3387
الباب الأوَّل منه
في معاني الأحكام وما جاء فيها
وهي من الفرائض. قال الله عزَّ وعلا: {يآأيُّها الذين ءامنوا كونوا قوَّامين ... } الآية؛ وقال: {إنَّآ أنزلْنآ إليكَ الكتابَ بالحقِّ ... } الآية؛ وقال: {وأنُ احكُمْ بينهمْ بمآ أنزلَ اللهُ}؛ ونحو ذلك كثير ... وكان صلَّى الله عليه وسلَّم يقضي بين الناس، ويأمر أصحابه بالقضاء بينهم، وبعث عليًّا إلى اليمن ليقضي بينهم، وعمرُ أبا موسى إلى البصرة قاضيًا بينهم، وابنَ مسعود إلى الكوفة فصحَّ [635] وجوبه من الكتاب والسنَّة والإجماع.
وأوَّل - قيل - من قضى بالأرض آدم بين ابنيه قابيل وهابيل لمَّا أراد قابيل التزويج بتوأمته إقليماء وكان في شريعتهم لا يتزوَّج أحدهم بتوأمته، فرغب فيها، وهي لا تحلُّ له، وتحلُّ له توأمة هابيل، وهي لمودا، وفي نسخة لومدا.
وقابيل وإقليما أوَّل بطن ولدته حوَّاء، وقضى آدم بينهما، وأمرهما أن يقرِّبا قربانا على ما جاء في المائدة.
وما زال كلُّ نبيء يقضي بين أمَّته حتَّى حكى الله سبحانه حكم داود وسليمان، إذ قضى داود بالغنم التي نفشت في كرْم الرجل ليلاً، وسليمان يدفعها إليه ينتفع بلبنها وسمنها وصوفها وأولادها عامه، وعلى أهلها أن يزرعوا له مثل ما أفسدت عليه، فقال له داود: نعم ما قضيت، وكان ذا إحدى عشرة سنة، والحرث قيل: كرمًا؛ وقال تعالى: {ففهَّمناها سليمانَ ... } الآية، وقال: {يا داود ... } الآية. وقال: {وءاتيناه الحكمةَ وفصلَ الخطابِ}. وهو قيل فصل القضاء: البيِّنة على من (7/323)
صفحة 3388
ادَّعى واليمين على من أنكر؛ وقيل: كان يقضي بين الناس يومًا، وبين البهائم يومًا، وكان إذا قضى بينهم نزلت سلسلة من السماء، فأخذت بعنق الظالم، حتَّى جاء رجل فاستودع آخر لؤلؤًا فثقب له عصًا وجعله في جوفها، وجحده على ربِّه، فجاء إلى داود فأمرهما أن يذهبا إلى السلسلة فأتياها، فقال الرجل: اللهمَّ إن كنت تعلم أنِّي دفعت إليه اللؤلؤ، فجحدنيه فأسألك أن أنالها فنالها، فقال له المستودع: أمسك العصا حتَّى أحلف، فدفعها إليه وهو فيها، وقال: اللهمَّ إن كنت تعلم أنِّي دفعته إليه فأسألك كذلك، فنالها؛ فقال دواد: سبحان الله! ما هذا، نالها الظالم والمظلوم، فأوحى الله إليه أنَّ ماله في العصا، فرفعت السلسلة، فأمره أن يقضي بينهم بالشهود والأيمان، فوجب بذلك أبدًا. (7/324)
صفحة 3389
الباب الثاني
فيما جاء في الحكام وسِيَرهم ونحو ذلك
ويقال: إنَّ رجلاً جلس على باب داود عليه السلام، فكلَّما خرج عليه رجل وجده راضيًا عن داود فأعلمه بذلك، فقال له: إذا كان غدًا فاقعد على باب فلان، فقعد الرجل عليه، فكلَّما خرج عليه رجل وجده متوجِّعا من داود، فقال له: يانبيَّ الله، ما خرج عليَّ أحد من هذا الباب إلاَّ وهو متوجِّع منك، فقال: إنَّه يخرج منه من أحكم عليهم، ومن الآخر من أحكم لهم.
وقيل: إنَّ عمر استعمل رجلاً على القضاء، فاختصم إليه رجلان في دينار، فأطلق من كمِّه دينارًا فدفعه إليهما، فبلغه ذلك عنه، فكتب إليه: أن اتركْ قضاءنا.
ومن رسالة أبي بكر إلى عمر: «اِعلم أنَّه ليس شيء أعظم عند الله من الحكم، وما عظَّمه فهو عظيم». وروي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أنَّه لمَّا أمر بالحكم، صاح صيحة واشتدَّ عليه ثمَّ سكن لأمر الله فوفَّقه، وحكم بما أمره، وأنت اليوم يا عمر إنَّما تحكم برأيك، وليس لك أن تترك حقوق الناس، ولا تلبس عليهم، فاحكم بما أمرتك به، وما أشكل عليك فأرجعه إليَّ؛ فإن الله يوفِّقني كما أخبرني نبيُّ الله عليه السلام».
وقيل: إنَّ يهوديًّا ومسلمًا تحاكما إليه، فرأى الحقَّ لليهوديِّ فقضى له، وقال له: إنَّ جبريل وميكائيل على لسانك أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك، فقال له عمر: ما يدريك لا أمَّ لك فقال: إنَّهما مع كلِّ قاضٍ ما قضى بالحقِّ، فإذا تركه عرجا عنه، ووكلاه إلى شياطين الإنس والجنِّ، فقال عمر: إنِّي أحسبه كما قال.
وكتب قيل إلى أبي موسى: «سلام عليك، أمَّا بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنَّة متَّبعة فافهم، إذا أدِّي إليك فإنَّه لا ينفع تكلُّم بحقٍّ لا نفاذ له سوى بين الناس (7/325)
صفحة 3390
في وجهك ونظرك وعدلك لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البيِّنة على من ادَّعى واليمين على من أنكر. والصلح بين الناس جائز، إلاَّ صلحًا أحلَّ حرامًا، أو حرَّم حلالاً؛ لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس فراجعت فيه عقلك، وهديت لرشدك، أن ترجع فيه للحقِّ فإنَّه قديم، ومراجعته خير من التمادي في الباطل؛ الفهم الفهم، فيما تلجلج في صدرك مِمَّا ليس في الكتاب ولا في السنَّة، ثمَّ اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور بنظائرها، واعمد إلى أقربها إلى الله، وأشبهها بالحقِّ، واجعل لمن ادَّعى غائبًا أو غائبة أجلاً، فإن أحضرها إليه أخذت له خصمه بحقِّه، وإلاَّ استحللت عليه القضيَّة فإنَّه أنفى للشكِّ، وأجلى للعمى.
والمسلمون عدول، إلاَّ مجلودًا في حدٍّ، أو شاهد زور، أو ضنين في ولاء أو نسب، فإنَّ الله تولَّى منكم السريرة، وردَّ إليكم البيِّنات والأيمان؛ فإيَّاك والقلق والتأذِّي بالخصوم، والتنكُّر عند الخصومات، فإنَّ الحقَّ في مواطنه يعظم به الأجر، ويحسن به الذخر. فمن صحَّت نيته، وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلَّق لهم بما يعلم الله أنَّه ليس من نفسه شانه الله؛ فما ظنُّك بثواب غير الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته. وإيَّاك والرأي، فإنَّ الله ردَّ على الملائكة وقال: {إنِّي جاعلٌ ... } إلى { ... ما لا تعلمون} وقال لنبيئه: { ... لتحكمَ بين الناس بمآ أراك الله} لا بما رأيتَ».
وروي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم، لمَّا بعث معاذًا إلى اليمن فقال له: «كيف تقضي إن عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بما في الكتاب، قال: فإن لم يكن فيه؟ قال: فبما في السنَّة، قال: فإن لم [636] يكن فيهما؟ قال: أجتهد رأيي. قال: الحمد لله الذي وفَّق رسول رسوله بما يرضي رسوله». فإن قيل: كيف لم يذكر الإجماع؟ قيل له: لأنَّه لم يكن في عهد الرسول.
ويقال: إنَّ عمر كتب إلى معاوية بمثل ما ذكرنا. (7/326)
صفحة 3391
فصل
قدم قيل رجل وامرأة إلى الشعبي، فقضى لها عليه، فقام مغضبًا منشدًا:
فتن الشعبي لمَّا *** رفع الطرف عليها
فتنته ببنان *** وبلحظ حاجبيها
فقضى جورًا على الخصـ *** ـم ولم يقض عليها
كيف لو أبصر منها *** نحرها أو ساعديها
لصبا حتَّى تراه *** ساجدًا بين يديها
فبلغ ذلك عمر بن عبد العزيز فكتب إليه: «ما صنعت به؟ فقال: أو جعته ضربًا حين نسبني إلى الجور». وفي المستطرف حكاية ظريفة في ذلك، ومن جملتها: أنَّ الشعبي مرَّ يومًا بغسَّان ينشد فتن الشعبيُّ لمَّا، وهو لا يعرفه، فصار يردِّدها، إذ لم يتذكَّر ما بعدها، فلقَّنه الشعبيُّ: رفع الطرف إليها ... ، لما شاع إنشاد ذلك في البلد.
وروي أنَّ عمر صلَّى الفجر، فمكث في محرابه، فإذا مقبلة إليه بحمّال يحمل مكتلاً، فوضعته بين يديه، فقال: يا أرقى، أظهر لنا ما فيه، فأظهرَه، فإذا هو جسد إنسان له رأسان، وأربعة أعين، وقبلان ودبران، فقال له عمر: ما أنت؟ فقال بلسانٍ بيِّن: نحن خلق من خلق الله، وهذه أختنا، قد خلف علينا أبونا مائة درهم، فاقتسمناها بيننا، فقال لمن حوله: قولوا في ذلك، فقال كلٌّ بما عنده، ثمَّ قال: عليَّ بعليٍّ في الوقت، فخرج أرقى مبادرًا إليه، فوجده في حائطه، فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال عليٌّ: ما المهمُّ الذي يريدني فيه؟ فقصَّ عليه القصَّة، فقال: معضلة وربِّ الكعبة، فبادر إلى عمر، فلمَّا دخل عليه، قال له: يا ابن أبي طالب، انظر في ميراث هؤلاء، وتدبَّر صورتهم، فدنا عليٌّ من الجسد فقال: تكلَّما، فتكلَّما، فقال عليٌّ: في هذا حكمان، أحدهما أنَّهما يطعمان ويسقيان ويتوقَّع نومهما، فإن غمضا عينيهما وفميهما معًا في وقت واحد فجسد واحد، وإن تفاوتا في النوم فجسدان، ثمَّ يطعمان كذلك في الغد، (7/327)
صفحة 3392
ويحرسان في وقت إحداثهما، فإن بالا من مبالين، وتغوَّطا من مخرجين في واحد فواحد، وإلاَّ فجسدان، فكبَّر عمر، وفي نسخة: بكى، وأثنى على عليٍّ خيرًا، ثمَّ نظر عمر في أمرهما، فإذا هما جسدان، فقضى بينهما.
ثمَّ بعيد زمان، أوتي عمر بهما فقالا: زوِّجنا، وأعط المهر عنَّا من بيت المال، فإنَّا لا مال لنا، فوافق حضور عليٍّ، فأقبل عمر عليه، فقال له: قل ما عندك فيه، فقال: لا نكاح لهما، فأقبلا عليه بغضب، وقالا: لم محوت حظَّنا من بيت المال؟ قال عليٌّ: سمعته صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لا يحلُّ الفرج أن يكون في فرج وعين تنظرهما؛ ثمَّ حملا، فقال عليٌّ لعمر: قد بدت الشهوة فيهما، فما أسرع موتهما، ويتفوتان فيه بساعة. ثمَّ بعد ثلاثة أتى ناعيهما إليه يطلب لهما كفنًا من بيت المال، فاستخبره عن موتهما، فقال: مات أحدهما عند الغروب، والآخر عند اشتباك النجوم، فكبَّر عمر فقال: هذا هو العلم.
وروى جابر: أنَّه قدم رجل إلى عمر وقد ضرب على أمِّ رأسه فذكر وليُّه أنَّ فلانًا ضربه منزلاً الماء الأسود في عينيه، وذهب بصره، وشمُّه، وسمعُه، وخرس لسانه، وانقطع ماء صلبه، فضحك عمر فقال: إنَّ هذه القصَّة منكرة، أيكون هذا ومثله في الدنيا، فقال عمَّار يا أمير المؤمنين: أنفذ به إلى عليٍّ فإنَّه قد أوتي الحكمة، وعرف دقائق الأحكام، فقال عمر: فقم ياعمَّار؛ فإنَّ العلم يؤتى ولا يأتي، فسار بالرجل حتَّى أتى عليًّا به فقصَّ عليه علَّته، فقال له: إن كان صادقًا، فله بكلِّ ما ادَّعى دية تامَّة فقال له عمَّار: أما تراه قائم العينين، فمن أين تعلم أنَّه ذهب ضوؤهما؟ فقال له عليٌّ: أقمه في عين الشمس، فإن هو لم يطرف، فهو ذاهب البصر، قال: فمن أين تعلم ذهاب شمِّه؟ قال: أحرقوا تحت أنفه خرقة، فإن أدمعت عيناه فالشمُّ باق، وإلاَّ فهو ذاهب، قال: فمن أين تعلم خرس لسانه؟ قال: اضربوه بإبرة؛ فإن خرج منه دم أسود فلسانه ذاهب، وإن خرج منه أحمر فباقٍ، قال: فمن أين تعلم ذهاب سمعه؟ قال: أخرجوه عنِّي حتَّى أخبركم، فأخرجوه ووليَّه، قال: استقبلوه ليلاً حيث لا يعلم هو ولا أحد من أنسابه فازعقوا به زعقة شديدة، فإن التفت فالسمع باق، وإلاَّ فقد (7/328)
صفحة 3393
ذهب، قال: فمن أين تعلم ذهاب ماء صلبه؟ قال: أقعدوه في الماء؛ فإن تقلَّص إحليله فهو باقٍ، وإن بقي بحاله فذاهب؛ فقال عمَّار: فبكيت وبكى من حضر، فقالوا: بآبائنا وأمَّهاتنا نفديك يا منقذ الأمَّة من الشبهات.
ولعليٍّ قضايا كثيرة.
فصل
كان قيل يحيى بن أكتم يمتحن من يريده للقضاء، فقال لرجل: ما تقول في رجلين زوَّج كلٌّ منهما بصاحبه، فولد لكلٍّ ولد؟ ما قرابة ما بين الولدين؟ فلم يعرف، فقال يحيى: كلٌّ منهما (1) عمٌّ للآخر لأمَّه.
وقيل: دخل شاميٌّ على عبد الملك بن مروان فقال: إنِّي تزوَّجت امرأة وزوَّجت ابني أمَّها، ولا غنى بنا عن رفدك، فقال له عبد الملك: إن أخبرتني ما بين الولدين إذا ولد بهما، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا حميد بن مجيد قلَّدته سيفك، وولَّيته ما وراء بابك فاسأله، فإن أفتاك لزمني الجهل، وإن أخطأ اتَّسعني العذر، فدعا النجدلي فسأله، فقال: ياأمير المؤمنين، ما [637] قدَّمتني على العلم بالأنساب، ولكن على الطعن بالرماح، أحدهما عمُّ الآخر، والأخر خاله.
وقال الزهري: إنَّ القاضي إذا لم يحتمل اللوائم، وأحبَّ المحامد، وكره العزل، فليس بقاضٍ.
ويروى: بينما امرأتان معهما ابناهما، فجاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقال كلٌّ منهما لصاحبتها: إنَّما ذهب بابنك، فتحاكما إلى داود، فقضى به للكبرى، فأخبرتا سليمان، فقال: إيتوني بالسكِّين لأقتسمه، فقالت الصغرى لا تفعل هو ابنها، فقضى به لها، حيث رأى رحمتها له.
__________
(1) - ب: «منه» وهو خطأ. (7/329)
صفحة 3394
وقيل: عزل عمر بن عبد العزيز قاضيًا له، فقال له: لم عزلتني؟ فقال: بلغني أنَّ كلامك أكثر من كلام الخصمين إذا تحاكما إليك.
وكان شريح كلَّما قعد للحكم نظر في رقعة فيها: {ياداودُ إنَّا جعلناكَ خليفةً في الاَرضِ فاحكُم ... } إلى { ... الحساب}. وقد أتاه الأشعث بن قيس في مجلس القضاء، فظنَّ شريح أنَّه أتاه مسلِّمًا، فقرَّبه وأجلسه إلى جنبه، وما على الأشعث خصم، فقال: جئتك معه لأخاصمه إليك، فالتفت شريح إلى الأشعث فقال له: كذلك؟ قال: نعم، فقال: تحوَّل مع خصمك، فتغيَّر وجهه، ثمَّ قال: عهدي بك ياشريح وشأنك، فقال له: ياأشعث، جهلك نعمةَ الله عليك، وعقوبتهما على غيرك، إنِّي كذا كنت، فقال الأشعث: والله لأرضينَّه من حقِّه ثمَّ لا أخاصم! ثمَّ قال له: أنت وشأنك، فقام من عنده مغضبًا.
ويقال: أتى شريحا ابن عمٍّ له وهما من بني عديٍّ، فقال له: يا أبا أميَّه، إنَّ لي قرابة وحقًّا، وأريد أن أقدِّم إليك خصمًا، وأحبُّ أن تقضي لي عليه، فقال شريح: نعم إن شاء الله، إن استطعته، فجاء إليه من الغد بخصمه، فاختصما إليه، فتوجَّه القضاء على ابن عمِّه، فلمَّا رأى شريحا يتحامل عليه، قال: أين ما وعدتني؟! قال: حال الحقُّ بيني وبينه، ثمَّ قضى عليه.
وقد أتاه قيل خصمان، فجعل أحدهما يصيح ويخلط، فقال له: خصمك داؤك وبيِّنتك شفاؤك، فافزع منه إلى دائك، يعني: إيت ببيِّنة إن كان لك، فأتى بها، فقال شريح: أمَّا أنا فلم أدعكما، فإن قمتما لم أمنعكما، فأنتما على ما آذيتمونا، فاتقيا الله ربَّكما.
ويقال: إنَّ امرأة اختصمت إليه، فجعلت تبكي فرآها رجل، فقال: كأنَّها مظلومة، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف يبكون.
وكان يقول للخصم: إنِّي والله لا أقضي لك، وإنِّي لأظنُّك ظالما، ولا أقضي بالظنِّ، وإنَّما أقضي ببيِّنتك، وإنَّ قضائي لا يحلُّ لك حرامًا، الحقُّ أحقُّ من قضائي. (7/330)
صفحة 3395
وكان - قيل - مزاحًا، فأتاه رجلان في شيء فأقرَّ أحدهما بما ادَّعى عليه خصمه وهو لا يعلم، فقضى عليه، فقال له: أتقضي عليَّ بلا بيِّنة؟! فقال: شهد عندي ثقة، فقال: من هو؟ فقال: ابن أخت خالتك، فقال: أين أنت أصلحك الله؟ قال: بينك وبين الحائط، قال: إنِّي من أهل الشام، قال: من مكان سحيق، قال: تزوَّجت امرأة، قال: بالرفاء والبنين، قال: ولدت غلامًا، قال: ليهنِّئك الفارس، قال: وشرطت لها دارها، قال: الشرط أملك، قال: اقضِ بينا، قال: قد فعلت.
فصل
تدارأ عمر وأبيّ بن كعب - قيل - في شيء، فجعلا ببينهما زيد بن ثابت فأتياه، فقال له عمر: أتيناك للحكم بيننا، وفي بيته يؤتى الحاكم.
وقيل: عنّت عمر منازعة في شيء في خلافته، فاجتمع هو وخصمه إلى أبي بن كعب، فلمَّا دخل عليه، قال له: جئتك مخاصمًا فطرح إليه وسادة فجلس عليها (1)، فقال له عمر: هذا أوَّل جورك، إنِّي أقول لك جئتك مخاصمًا، وأنت تطرحها إليَّ أجلس عليها؟! ثمَّ قام فجلس مع الخصم فنازعه، فرأى أبيُّ عليه اليمين، فقال له: أتحلف؟ فأنعم عمر، فقال أبيٌّ للخصم: اعفِ أمير المؤمنين على اليمين، ومضى عمر فيها. والأخبار في ذلك كثيرة ... تركتها للاختصار.
__________
(1) - ب: «عليه». (7/331)
صفحة 3396
الباب الثالث
في صفة من يكون حاكمًا
والحكم لا يكون إلاَّ من إمام عدل أو واليه، أو قاضيه، أو تقيمه الجماعة للحكم عند عدم الإمام، أو مِمَّن حكَّمه الخصمان بينهما بالحقِّ، فقد جاز حكم هؤلاء على من حكموا عليه؛ ولهم إجبار الخصوم على حكمهم، إلاَّ من حكَّماه فلا يلزمه إجبارهما على حكمه.
والسلطان العادل إذا قدَّم قاضيًا عدلاً جاز فعله كالإمام، واختلف في الجائر؛ وقيل: إذا قدَّم عادلاً ودخل في الحكم لا على نية طاعته، ولا لثبوت يده، ولا لتقوية حجَّته، وإنَّما نوى فيه ابتغاء الوسيلة والقيام بالعدل، والإنصاف بالحقِّ جاز حكمه، وله الدخول فيه على هذه النية، إذا لم يجد لذلك قائمًا به غيره، وهو مأجور فيه؛ وقيل: لا يجوز لأحد أن يحكم بأمر الجبابرة ليعلم أهل الجور أنَّه لا يجوز عند أهل الجور العدل؛ وقد قال تعالى: {ولا تطِع منهمُ, ءاثِمًا أو كَفورًا}. وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «لا تكن أمينًا لخائن».
وقيل: لا تجوز للولاَّة والقضاة الأحكام حتَّى يولِّيها الإمام لهم، ولا يكون هو إمامًا إلاَّ برضى الأعلام، والبيعة والعقدة على طاعة الله فيها، ولا للأئمَّة استعمال غير أهل العدل؛ ولا نحبُّ استعمال قومنا في ذلك، ولو عدولاً، ولا ائتمانهم على الأمانة، لأنَّ المسلمين خلفاء الله في أرضه، قال الله عزَّ وجلَّ: {وعدَ اللهُ الذين ءامنوا منكم ... } الآية؛ فالمؤمنون خلفاؤه فيها بحكم كتابه، ولعلَّ هذا حجَّة من يقول بجواز الحكم بأمر الجبابرة، ويجيز له العقوبة [638] والحبس والمنع من الظلم، والإنصاف، لأنَّه في ذلك ليس بعاضد للجبَّار ولا حاكم له فيما لم يأذن الله به، لأنَّ الجبَّار واحد من الرعيَّة وأمره له بالحكم بالحقِّ أمر بالمعروف، وهو مقبول من كلِّ من جاء به ولو (7/332)
صفحة 3397
ظالمًا إذا وافق في شيء، لأنَّ الجائر إذا كان من أهل الإقرار والدعوة فعصى الله بظلم وارتكاب الفواحش والقتل والكذب، وقام بما يلزمه من الفرائض، فنقول: إنَّه يسقط عنه ما أدَّاه على ما وجب عليه، وهو في حال ركوبه لذلك عاص لله؛ فكذا أمره لهذا الحاكم أن يحكم بالحقِّ، أمر بمعروف لأنَّه من الواجب عليه. (7/333)
صفحة 3398
فصل
إذا وجد من يريد الدخول في الحكم أعلم منه وأعرف بحكم القضية جاز له الدخول فيه وتركه، وإذا كان عالمًا بذلك وبان على المدَّعي البيِّنة وعلى المدَّعى عليه اليمين، فإذا عرف ذلك وما يتولَّد منه، جاز له الدخول فيه أيضًا ولو لم يُبتل في عمره إلاَّ بهذه القضيَّة فقط، كان له وعليه إنفاذها، حيث خيِّر فيه وعليه حيث يلزمه إنفاذها، وكان بتركها مضيِّعًا لفرضٍ؛ وإذا لم يعلم حكمها لم يجز له أن يقدم على ما لم يعلم، ولا عليه السؤال عن حكمها، وعلى الخصمين أن يطلبا من يقضي بينهما غيره، فإن قضى بلا علم أثم ولو وافق، وإن خالف هلك وغرم ما أتلف.
وإذا وجدت جماعة لا حاكم وأمكنهم إنفاذ الأحكام والقيام بالعدل بلا تقيَّة ولا عجز ولا عدم لما يقدرون به على القيام بالحقِّ لزمهم ذلك كالصلاة؛ فإن عدما معًا ووجد مسلم يقدر على إنفاذ الأحكام لعلمه وقوَّته جاز له وقام مقام الجماعة والحاكم، ويشاور إن أمكنه؛ وإن رأى ما يخاف ضياعه وتعطيله، ولم تمكنه المشاورة فيه، فأقام الحاكم على وجهه، لم نخطِّئه ولم نلمه، ورجينا له الثواب إن احتسب.
وللإمام في قاضيه تقديمه أو عزله، إن كان طاعة لله، وليس للجماعة فيمن قدَّموه حجَّة في عزله ما أقام على الحقِّ، وقضى بالعدل، ولم يضيِّع ولم يضعف.
فإذا أراد القاضي أن يستعفَّ من أقامه من إمام أو جماعة فليس له ولا لهم ذلك، إذا التزم الأمر مجملاً، ولا له عليهم شرط عند الدخول في ذلك، إلاَّ إن اتَّفق هو والمسلمون على غيره مِمَّن هو أفضل للقضاء منه، ولا يسعه على غير هذا أن يضيِّع أمر الله ما قدر عليه، وعليه التمسُّك، ويستعين الله فإنَّه يعينه وينصره؛ وكذا الإمام والوالي والوصيُّ والوكيل، فمن دخل منهم في عمل من الطاعات لم يجز له تركه، إلاَّ إن وجد أعلى منه، ورجا به الكفاية عنه، ويلتزم الأمر ويقوم به.
وفي بعض الآثار: لا يجوز القضاء إلاَّ لمن جمع العلم والحلم والفهم والتقوى والورع، أن يكون حافظًا لكتاب الله، عالمًا بناسخه ومنسوخه، ومحظوره ومباحه، (7/334)
صفحة 3399
ومحكمه ومتشابهه، وخاصِّه وعامِّه، وفرضه وندبه؛ وبالسنَّة ناسخها ومنسوخها؛ وباختلاف أهل الأعصار، وبلغة العرب، وتأويل القياس ومصادره وموارده، ومحتمله من غيره، وعاقلاً مميِّزًا لما يرد عليه، وعدلاً.
ولا يجوز لعبد كامرأة أن يكون حاكما، وفي الأعمى قولان كما مرَّ إذا ولي فصل الحكم غيره، ولا لأصمَّ، ولا لأخرس، ولا لناقص العقل، ولا لأقلف، وفي اللقيط قولان، ولا لمتَّهم.
وكلُّ حاكم حكم بالحقِّ لم يكن - قيل - لغيره نقضه إلاَّ إن بان جوره، وكان خطأً إجماعًا. (7/335)
صفحة 3400
الباب الرابع
في ذكر شيء من أدب القاضي وما ندب له
فإذا أراد من ولي الحكم أن يخرج إلى ما يحكم فيه فلا يخرج حتَّى يقضي حاجته ويتوضَّأ ويتغدَّى ثمَّ يخرج إليه بالسكينة والوقار، ولا يخرج إليه إن كان به غضب، وإن حدث به بعد خروجه رجع إلى منزله، لما روي أنَّه: «لا يحكم الحاكم وهو غضبان، ولا يقضى القاضي وهو شبعان». فإذا أتى مجلسه سلَّم على من حضر فيه، ثمَّ يسأل العافية والعون والرشاد والعصمة والتوفيق، ويستقبل القبلة لما روي أنَّ لكلِّ شيء شرفًا، وأنّ أشرف المجالس ما استقبل به القبلة، وإذا جلس الخصوم أعرض عنهم هنينة حتَّى تجتري قلوبهم، وتنشط ألسنتهم، ويذكرون حاجتهم، ويُجلس الخصمين بين يديه، ويسوِّي بينهما كما مرَّ، وإن في لحاظ، ويجلس معه عالمين ورعين، يرشدانه إذا زلَّ ويخبرانه إذا غفل، ويؤدِّبان الخصوم، وذلك أسلم له، وينظر بين القادمين منهم أوَّلاً، ويقعد لذلك إلى انتصاف النهار.
واستحبَّ بعض الحكَّام القعود نهاره كلَّه، وهذا لمن لا يتغيَّر حاله، وتكون النساء عنده أقرب إليه من الرجال. وله أن يشاور العلماء بالعربية وبالكتاب والسنَّة والآثار واختلاف الأقوال.
ولا يحرِّف الكلام ووجوهه، ولا يكون هذا في رجل حتَّى يكون عالما بذلك مأمونًا، ولا يقصد إلاَّ الحقَّ، ولا يقبل من أشار إليه بشيء عنده، حتَّى يخبره أنَّه من حقٍّ لزم من الكتاب أو السنَّة أو الإجماع أو من قياس على مجمع عليه، وينظر هل يحتمل غير ما قال، فإن لم يحتمله، أو كانت سنَّة لم يختلف في روايتها قبله.
وإذا ورد عليه مشكل أحضر له أصلاً وسأل عن ذلك، ولا يحكم حتَّى يتبيَّن له ما يجب عليه أن يحكم به وله أن يشهد على ما حكم به؛ وإن يكتبه. (7/336)
صفحة 3401
وإذا حلف أحد الخصمين لآخر كتبه لئلاَّ يرجع في استحلافه ثانية، ولا يمين على الحاكم لمن حكم عليه ولا على الشهود.
وإذا [639] رأى من يتعنَّت بالأيمان شيئًا بعد شيء احتجَّ عليه أن لا يستحلف له خصمه إلاَّ واحدة، فيقول له: اجمع مطالبك فأستحلفه لك عليها (1) واحدة، وقد فعل ذلك ابن محبوب وحكم به.
وكره له أن يمازح في مجلس الحكم، وإن يسارَّ جليسًا أو خصمًا، وإن يبيع ويشتري ويولي ذلك غيره، لما روي: «ما عدل والٍ اتَّجر في رعيَّته»؛ وأن يستقرض من خصم أو نحوه، وأن يستعير إلاَّ مِمَّن كان يستعير منه قبل أن يستقضى، وكذا الاقتراض.
وأن يحكم وهو متغيِّر القلب ولو بفرح أو نعاس، وأن يفتي في الأحكام إذا سئل عنها.
وكان شريح يقول: أنا أقضي ولا أفتي، وإن أفتى في أمور الدين بالعلم (2) جاز له؛ وأن يضيف أحد الخصمين دون الآخر.
وندب له أن يكون متثبِّتًا حليمًا متثاقلاً رحيمًا متلطِّفًا سليمًا، ويسوِّي بين القويِّ والضعيف، والوضيع والشريف، والحبيب والبغيض، وليكن قصده في حكمه الله، ولا يحفل بالعواقب، ولا يخشى الدوائر، ويتوكَّل على الله، ويصلح ما بينه وبين الله، فإنَّه يكفيه ما بينه وبين الناس. ويروى: «من أعطي حظَّه من الرفق فقد أعطي حظَّه من الخير، ومن حرمه فقد حرمه»؛ وأن يأخذ بكلِّ حميدة، ويترك كلَّ ذميمة.
وله أن يعود المرضى، ويشيع الجنائز، ويأتي مَقْدم الغائب لأنَّه من السنَّة، وأن يجلس للقضاء في فسيح بارز، يصل إليه كلُّ أحد، ويكون في وسط البلد، ولا يحتجب
__________
(1) - ب: «عليه».
(2) - ب: «في العلم». (7/337)
صفحة 3402
بلا عذر، لما روي: «من ولي شيئًا من أمور الناس فاحتجب دون حوائجهم، وفاتتهم حجب الله دون حاجته وفقره غدًا»؛ وأن يكون مجلسه حيث لا يتأذَّى فيه بحرٍّ أو برد أو دخان أو نتن.
ويكره له القضاء في المسجد، فإن اتَّفق فيه جلوسه لغيره، واتَّفقت حكومته فيه فلا بأس، والأكثر قيل جوازه فيه، وفي كلِّ ممكن فيه من المصر الذي استقضي عليه ولو في طريق.
وإن دعته الحاجة إلى حاجب اتَّخذه أمينًا حاذقًا بعيدًا من الطمع، ويوصيه بتقديم السابق إليه؛ وكذا إن دعته إلى حابس أو إلى كاتب اتَّخذه عارفًا بما يكاتب به القضاة أو الحكَّام، وبما يكتبه من الصكوك، ولا يكون إلاَّ عدلاً مرضيًّا.
وكان ابن المبشِّر كاتبًا لابن عليٍّ، وزيد بن ثابت وعلي وعثمان ومعاوية وغيرهم كتَّابًا للنبيء صلَّى الله عليه وسلَّم.
وندب له أن يتَّخذ ترجمانًا عارفًا باللغات، وكان زيد ترجمانا له؛ وأن ينظر إلى فم الخصم حين ينطق، وله أن يؤدِّب بضرب وحبس، لِما روي: «من رأى منكرًا فليغيِّره بيده إن قدر، وإلاَّ فبلسانه إن قدر، وإلاَّ فبقلبه»، وقد مرَّ.
وقيل: لا يجوز له أن يحكم بالليل، ويد الإمام أبسط من غيره.
فصل
للحاكم أن يحكم بما علمه في حين ما يكون فيه حاكمًا، لا بما علمه قبله، والفرق أنَّ ما علمه وهو حاكم هو حقٌّ عنده، ويصحُّ له في مجلس الحكم.
وله أن يحكم في المصر حيث شاء، فكلُّ ما صحَّ عنده فيه، فكأنَّما صحَّ عنده في المجلس، والمصر كلُّه مجالس له، فلذا له أن يحكم بما علمه؛ وقيل: علمه أقوى وأصحُّ من البيِّنة لأنَّها إنَّما توجب علمًا ظاهرًا جائز الانقلاب، لعلمنا بغلط الشهود وقلَّة ورعهم، وعلمُ الحاكم لا ينقلب، وقد تعبِّد بالحكم بما علم، قال تعالى: { ... إلاَّ من (7/338)
صفحة 3403
شهد بالحقِّ} الآية. وقد حكم صلَّى الله عليه وسلَّم بين سعد بن أبي وقَّاص وعبد بن زمعة بعلمه.
وروي أنَّه اختصم إليه رجلان فوقعت اليمين على أحدهم فحلف له: ما له عنده شيء، فأخبره جبريل أنَّه كاذب، إنَّ له عنده حقَّه، وأمره أن يعطيه إيَّاه؛ قلت: وفيه دليل لمن قال: إنَّ اليمين الفاجرة لا تقطع حقَّ المسلم.
وكره له أن يتعب نفسه بطول الجلوس، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم: «إيَّاكم والأفراد. قالوا له: وما هو؟ قال: أن يكون أحدكم عاملاً، فتأتيه الأرملة أو المسكين، فيقول: اقعد، حتَّى أنظر في حاجتك، فيأتيه الغنيُّ أو الشريف فيقعده إلى جنبه، فيقول له: ما حاجتك؟ فيأمر بقضائها عاجلاً».
وأن يسمع شكية (1) أحد إلاَّ ومعه خصمه، لئلاَّ يسبق في قلبه شيء على صاحبه، وهو طرف من المكائد.
__________
(1) - ب: «شكيه» وهو خطأ. (7/339)
صفحة 3404
الباب الخامس
في ما جاء من الأخبار في التغليظ في القضاء والترغيب فيه والتحذير للحكام من الركون إلى الدنيا
وقد روي أنَّه قال صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: «لا أدري لعلَّكم ستلون أمر هذه الأمَّة من بعدي، فمن ولي منكم شيئًا من أمرها، فاستُرحم ولم يرحم، أو حكم فلم يعدل، أو عاهد ولم يوف، فعليه غضب الله ولعنته إلى يوم القيامة». وقال أيضًا: «ما من والٍ يلي على عشرة، إلاَّ أوتي به مغلولاً حتَّى يوقف به على جسر من جسور جهنَّم، فإن عدل نجا، وإلاَّ انخسف به في جبٍّ مظلم يهوي به سبعين خريفًا معذَّبًا». وقالت عائشة: سمعته يقول: «يؤتى بالقاضي فيلقى من شدَّة الحساب ما يتمنَّى أن لا يكون قضى بين اثنين في تمرة». وقال: «يوشك رجل يتمنَّى أنَّه خرَّ من السماء، أو من الثريَّا ولم يلِ من الأمور شيئًا» وقال لأبي ذرٍّ لمَّا سأله الإمارة: «إنِّي أراك ضعيفًا، وإنِّي أحبُّ لك ما أحبُّ لنفسي، لا تتوليَنَّ مال اليتيم، ولا تأمرن على اثنين». وقال: «من عقد عليه القضاء فكأنَّما ذبح من غير سكِّين».
وقيل: لا يكون الحاكم حاكمًا حتَّى يكون إنصافه من ذئبه إذا أكل جاعدة غيره كإنصافه من ذئب غيره، [640] إذا أكل جاعدته، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله به والملائكة والناس أجمعين.
وقال: «من طلب القضاء واستعان عليه بالشفعاء، وكل إلى نفسه؛ ومن أكره عليه أنزل الله عليه ملكًا يسدِّده». وقال: «لا تسأل الإمارة فإنَّك أعطيتها عن (7/340)
صفحة 3405
مسألة وكلت إليها وإلاَّ أعنت عليها (1)». قال عمر: ما أحبّ أن أكون كالسراج يضيء الناس ويحرق نفسه، ومن يعدل فهو كالقمرين يضيئان (2) ولا ينقص من ضوئهما شيء؛ ثمَّ قال: إنَّ الحاكم ليكابد بحرًا لجِّيًا عميقًا، تغشاه أمواج تيَّارات الظلم فترفعه مرَّة وتخفضه أخرى؛ وللقضاة غدًا مواقف بين يدي الله ولا يفكُّهم منها إلاَّ العدل.
وروي أنَّ: «القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وهما من قضى بغير الحقِّ وهو يعلم، ومن قضى بلا علم؛ وقاضٍ في الجنَّة، وهو من قضى بالحقِّ وهو يعلم»، اللهمَّ نجِّنا من النار بفضلك.
وقيل: جعل أبو الدرداء قاضيًا، فكتب إليه رجل: بلغني أنَّك جعلت طبيبًا، فإن كنت تبرئ الناس فنعم ما أنت، وإن كنت مطبِّبا فاحذر أن يموت على يدك أحد. فكان إذا قضى بقضاء فشكَّ فيه، فقال: متطبِّب والله، ردُّوا عليَّ الخصوم.
وقيل: إنَّ عليًّا قال بعثني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إلى اليمن لأقضي بين الناس، فقلت له: إنِّي لا علم لي بالقضاء، فضرب بيده صدري، فقال: «اللهمَّ اهدِ قلبه وثبِّت لسانه» قال: فما شككت بعدها في قضاء، حتَّى جلست مجلسي هذا.
فصل
قال الحسن البصري: أجر حاكم يومًا أفضل من أجر مَن أن يصلِّي في بيته سبعين أو ستِّين سنة؛ وقيل: رأى شريح إنسانًا يعيب القضاء فقال له: أتعيب شيئًا أوتيه داود عليه السلام؟ وقد روي: «إنَّ الحاكم إذا اجتهد فأصاب فله عشرة أجور، وإن أخطأ في جائز فيه الرأي فلا يضمن».
__________
(1) - ب: «عليه».
(2) - ب: + «على الناس». (7/341)
صفحة 3406
وقيل: من أفضل المعروف إغاثة الملهوف، وإعانة الضعيف من الظالم الشريف. وروي أنَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أمر عمر [و] بن العاصي أن يقضي بين قوم، فقال: أقضي وأنت حاضر؟ فقال له: «اِقضِ بينهم، فإن أحسنت فلك عشر حسنات، فإن أخطأت فلك واحدة». قال خميس: ولعلَّ معناه أن يقصد الحقَّ وهو يعلمه، فيزلُّ لسانه بغيره فيسلم عند الله، والضمان في بيت المال.
ويروى أنَّ المقسطين غدًا على منابر من نور، وهم أهل العدل في حكمهم وأهليهم. وقد كتب عمر إلى أبي موسى: «إنَّ القضاء في مواطن الحقِّ مِمَّا يوجب الأجر ويعظِّم الذخر، فمن خلصت نيته فيه، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس».
قال خميس: والذي نحبُّه لمن ناصحنا في الله أنَّه إذا أراد الدخول في الأحكام أن ينظر أهل عصره، فإن رأى أنَّ غيره أقوى منه علمًا، وأحدّ فهمًا، وأضبط عزمًا منه، اعتذر واستعفى من أراد منه الدخول فيها، نظرًا منه لله ولعباده فيما يراه أقرب إلى الحقِّ، وأعزَّ له؛ وإن رأى أنَّه في عصره المقدَّم في إخوانه، ويفوقهم فيما ذكر فلا يعتذر من الدخول في ذلك، ويترك الأحوال ضائعة، وأمور الإسلام غير جامعة، وسبل الحقِّ دارسة، وشوارع الدين طامسة، رغبة في الراحة العاجلة عوضًا من الحياة الباقية؛ وليكن دخوله في الأحكام احتسابًا لله، وابتغاء مرضاته، لا رغبة في الرئاسة، وصرف وجوه الناس إليه، واستجلاب نفعهم له؛ ويعتقد أنَّه متى وجد أعلم منه أن يعتذر إليه، ويستعفيه بسلامة الصدر، وطيب النفس، فإن دخل على ذلك ولم يقضِ إلاَّ بالحقِّ، رجينا له السلامة (1)، وكان له من الله الكرامة.
__________
(1) - ب: «السلام». (7/342)
صفحة 3407
الباب السادس
في الابتداء في الحكم ومعرفة المدَّعي من المدَّعى عليه
فإذا أراد الحاكم أن يقضي جلس مستقبلاً، وبسْمل، واستعان بالله، وصلَّى على النبيء صلَّى الله عليه وسلَّم، وسأل الله أن يهدي قلبه، ويثبِّت لسانه، ثمَّ ينظر بين الخصوم، ويعرف المدَّعي من المدَّعى عليه.
وقد اختلف في الاستدلال على معرفة هذا من هذا، فقيل: المدَّعي من إذا ترك الخصومة تركت، والمدَّعى عليه من إذا تركها لم تترك، إلاَّ إن أقرَّ بشيء أو يسلِّمه إليه؛ وقيل: المدَّعي هو الطالب، والمدَّعى عليه هو المطلوب؛ وقيل: المدَّعي من ادَّعى الأصل، والمدَّعى عليه من ادَّعى حادثًا، وهذا ليس بعامٍّ؛ وقيل: المدَّعي من حسن أن يطالَب ببيِّنة لا المدَّعى عليه بها على الإنكار؛ وقيل: المدَّعي من يدَّعي خلاف الظاهر، والمدَّعى عليه من معه الظاهر. وقيل: إنَّ الدعاوى ثلاثة:
* ما لا يجوز أن يسمع أصلاً، مثل مدَّعٍ على أحد أنَّه وعده أن يهب له شيئًا، أو يتصدَّق عليه به، أو ما لا يحلّ، أو عن مشهور النسب أنَّه مملوكه، أو على أكبر منه سنًّا أنَّه ولده، ونحو ذلك ...
* وما يسمع ويطالب فيه بالبيِّنة، كمدَّع على رجل حقًّا في مال أو متاع، ويمكن أن يكون له، فإن لم يجدها وطلب يمين المنكِر كانت له عليه.
* وما يسمع ولا يطالب فيه ببيِّنة كمن بيده رجل أو امرأة لا يعلم أمرهما، إلاَّ أنَّه يستخدمهما، [641] ويصرفهما فيما يريد من صنائعه، ثمَّ يدَّعيان الحرِّية فهما (7/343)
صفحة 3408
حرَّان، ولا يكلَّفان ببيِّنة عليها؛ وكذا من طلَّق المرأة رجعيًّا فطلب ردَّها بعد شهر أو خمسة وأربعين يومًا فادَّعت انقضاء العدَّة، فإنَّها تبين منه، ولا تكلَّف ببيِّنة عليه؛ وكذا مسلم له مسلمون ومشركون، فيموت ويأتي المشركون قبل أن يقسَّم ماله، ويدَّعون أنَّهم أسلموا قبل موته فإنَّهم يرثونه مع المسلمين، ولا يكلَّفون بيان أنَّهم أسلموا قبل موته، ونحو ذلك ... (7/344)
صفحة 3409
الباب السابع
في الحكم بين المدَّعي والمدَّعى عليه والبيِّنات والأيمان في ذلك
فإذا وصل إلى الحاكم الخصوم في منازعة في أصل وعروض وحيوان، فما أمكن حمله إليه فعليهم إحضاره بين يديه، ليحكم بما يرى فيه، وما لا يمكن حمله إليه بعث إليه عدولا ينظرونه، ويقفون عليه، ويعْلمونه به، وإن بعثهم ليقفوا عليه ويحكموا به جاز لهم.
فإذا حضر الخصمان فادَّعى كلٌّ على صاحبه دعوى، وطلب من الحاكم الإنصاف فإنَّه يسمع من المدَّعي الأوَّل حتَّى ينقطع الحكم بينه وبين خصمه، ثمَّ من الثاني؛ وقيل: له أن يسمع من أيِّهما شاء أوَّلا.
ومن ادَّعى على رجلٍ دعوى، ثمَّ ادَّعى هو عليه أخرى، بدأ بالأوَّل، فإن أقرَّ له خصمه بدعواه، أو بيِّنه عليه أمره الحاكم بتسليم حقّه إليه، فإن قال: أنصفني من خصمي حتَّى أسلِّم إليه حقَّه فلا حجَّة له بهذا، وعليه أن يأخذه بما صحَّ عليه له، إلاَّ إن كان له عذر بإفلاس أو غيره، فإذا وصل إلى ما صحَّ له من خصمه، وفرغ منه أخذ في إنصافه أيضًا فيما يدَّعيه عليه، وصحَّ له مثل ذلك.
وإذا ارتفع إليه رجلان يدَّعي أحدهما أصلاً في يد الآخر، وبيَّن أنَّ أباه اشتراه منه وأنقده الثمن، وقد مات، فأنكر المدَّعى عليه البيع، فإنَّ الحاكم يكلِّفه البيِّنة على أنَّه لا يعلم لأبيه وارثًا غيره، فإذا أقامها، قضى له بالأصل، ودفعه إليه؛ وكذا إن ادَّعى دارًا أو أرضًا في يد من يزعم أنَّ أباه مات وتركها ميراثًا، والذي كان بيده ذلك مقرٌّ به للميِّت، إلاَّ أنَّه لا يعرف له وارثًا، فأقام المدَّعي بيِّنة أنَّ فلانًا صاحب الأصل أبو (7/345)
صفحة 3410
هذا، أو أنَّه ابنه لا يعلمون له وارثًا غيره، فللحاكم أن يجيز شهادَتهم على نسبه ذلك، ويدفع الأصل إليه؛ وإن لم تدرك البيِّنة أباه، لأنَّ العامَّة على هذا لا يجدون بدًّا منه، يشهد بعضهم لبعض، وهذا من طريق الشهرة والاطمئنان؛ وكذا من ادَّعى ميراثًا في يد غيره فبيَّن أنَّه فلان بن فلان، وأنّ الميِّت فلان بن فلان يلتقيان إلى أب واحد، وأنَّه وارثه ولا يعلمون له غيره، قضى له الحاكم بالإرث؛ فمن جاء بعد فبيَّن أنَّ الميِّت ابنه أو أبوه، ولا وارث له غيره، فله أن يجعله أولى بالإرث من الأوَّل، ويأمر بدفعه إليه؛ وإذا جاء آخر فبيَّن أنَّ الميِّت ينسب إلى أب آخر من قبيلة أخرى، وأنّ فلانًا ابن عمِّه لا يعلمون له غيره، فلا ينبغي للحاكم أن يحوِّل نسبه بعد أن ثبت لأنَّ البيِّنة الأولى ثابتة، والأخيرة معارضة؛ ولو جاز انتقاله إلى أب ثانٍ وقبيلة لجاز لثالث ورابع إلى هلمَّ جرًّا.
ولا أن يكلّف الشهود في المواريث أن يشهدوا أنَّه لا وارث له غيره، لأنَّه غيب، وإن شهدوا أنَّهم لا يعلمون له ذلك ثبت ذلك؛ وكذا من ادَّعى موت أبيه وبيَّنه قضى له بإرثه إن لم يكن معه غيره؛ وكذا من ارتفع إليه فادَّعى أصلا لجدِّه وبيَّن أنَّه له وأنَّه تركه ميراثًا، ولم يقولوا: إنَّه إرث لهذا ولا لأبيه، لم تجز شهادتهم لأنَّهم لم يحرزوه، ولم يقولوا تركه إرثًا لهذا؛ وكذا إن قالوا: إنَّه جدُّ هذا المدَّعي تركه ميراثًا لأبي هذا، لا يعلمون له غيره، فلا ينبغي له أن يجعل بهذا شيئًا إلاَّ إن شهدوا أنَّ أبا هذا تركه ميراثًا لهذا، لا يعلمون له غيره؛ وكذا إن بيَّن أنَّه كان لجدِّه وأنَّه تركه لأبيه وعمِّه، ثمَّ خلَّف أبوه منابه له، ثمَّ بيَّن عمُّه أنَّ أخاه مات قبل أبيه، وأنَّه ورث منه السدس، ثمَّ مات أبوه فورثه هو، وبيَّن ذلك فإنَّه يقضي به للمدَّعي الأوَّل لتمام شهادة شهوده، ولأنَّ الأخيرة معارضةٌ، وقيل: يبطل ذلك كلُّه ولا يقبل ذلك منهما لكذب إحداهما، حتَّى يعلم الصادقة منهما، وقيل: يورَّثان كالغرقى.
وكذا من بيَّن على ميراث رجل أنَّه مات يوم كذا، وورثه ابنه هذا ثمَّ بيَّنت امرأة أنَّها تزوَّجت به بعد ذلك اليوم ثمَّ مات، فللحاكم أن يبطل شهودها، لأنَّ موته (7/346)
صفحة 3411
وجب في الوقت الأوَّل والبيِّنةِ الأولى؛ ولو جازت بيّنتها (1) ثمَّ جاءت امرأة أخرى فبيَّنت أنَّه تزوَّجها بعد الوقت، وأنَّه مات بعده لجاز لثانية وثالثة، لا إلى نهاية.
فصل
إذا ارتفع إلى الإمام رجلان فادَّعى أحدهما أصلاً في يد الآخر فأقام شاهدين، فشهد أحدهما أنَّه اشتراه منه بكذا، والآخر أنَّه وهبه له، وقبضه، فله أن يبطل شهادتهما لاختلافهما لأنَّ المدَّعي قد أكذبها من إحداهما؛ وكذا في العروض والحيوان وغيرهما؛ وكذا إن ارتفعا إليه، وادَّعى أحدهما دارًا في يد الآخر أنَّه وهبه له، وبيَّن ذلك، ثمَّ بيَّن أيضًا أنَّه تصدَّق بها عليه، وهو أوَّلاً ينفي الصدقة، وثانيًّا الهبة، فلا يقضي له بشيء، لأنَّه أكذب نفسه وبيِّنته، وكذا إن ادَّعاها ميراثًا لا شراءً، ثمَّ عكس وبيَّن الشراء.
وإن ادَّعاها هبة لا صدقة، ثمَّ أتت ببيِّنة [642] عليها، وقال: إنَّه لمَّا جحدني الهبة، ثمَّ سألته أن يتصدَّق بها عليَّ فله أن يجيزه ذلك، لأنَّه ليس إكذابًا لنفسه ولا لبيِّنته؛ وكذا فيما مرَّ من المسائل.
__________
(1) - ب: - «بيّنتها». (7/347)
صفحة 3412
الباب الثامن
في معرفة كيفية الحكم وما يفعله الحاكم
فمن ادَّعى على رجلٍ مالاً في يده أنَّه له، أو رفع إليه أمره بإحضاره، فإن أحضره وادَّعاه أنَّه له سأل الحاكم المدَّعى عليه، فإن أقرَّ له به، أمره بدفعه إليه، وإن جحد سأل المدَّعي عن البيِّنة، فإن قال: إنَّها عنده أمره بإحضارها إلى معلوم، أو (1) خصمَه أن يحضر ليسمعها (2)، فإن أحضرها وشهدوا له به بحدوده وصفته ثبت له على المدَّعى عليه، وأمره الحاكم أن يدفعه إليه، وإن احتجَّ أنَّ عنده بيِّنة أمره بإحضارها، فإن أحضرها ثبت له، لأنَّه بيده، وحكم له به على القول بأنَّ بيِّنة ذي اليد أولى من بيِّنة المدَّعي، وهو الأكثر، وإلاَّ حكم به للأوَّل؛ فإن أراد المدَّعى عليه يمين المدَّعي بعد بيِّنته كان له، وحلف بالله أنَّه له، ما لهذا فيه حقٌّ، ولا يعلم أنَّ بيِّنته شهدت له بباطل وذلك بعد أن يحدَّه، ويحلف عليه؛ وإن لم يجد بيِّنة عليه، وأراد يمين المدَّعى عليه حلف له أنَّه له، ما لهذا فيه حقٌّ مِمَّا يدَّعي عليه، ثمَّ يحكم به لمن حلف عليه منهما، ويصرف الآخر عنه؛ وإن قال كلُّ أنا أحلف فالمنكر أولى باليمين، والمدَّعي بالبيِّنة، فإن لم تعدل فاحتجَّ أنَّ عنده أخرى أمره بإحضارها وأجَّل له، وأمر خصمه أن يوافيه، وحجر المال على المدَّعى عليه أن لا يزيله، حتَّى يفصل بينهما، وهذا إن ادَّعى بيِّنة سمَّاها، وإن لم يحضرها، أو لم تعدل، فقيل: يؤجَّل إلى ثلاثة كما مرَّ؛ وقيل: ما تؤجَّل إن كان هو الطالب، ولم يكن فيه ضرٌّ على خصمه فيما يدَّعيه إليه.
__________
(1) - ب: «و».
(2) - ب: «ليسمع». (7/348)
صفحة 3413
وإن تنازعا في عروض أو حيوان، أوقفه الحاكم على يد ثقة إلى أن ينقطع الحكم بينهما، ولا يؤجَّل إلاَّ بقدر ما يحضر بيِّنته.
ومن ادَّعى على رجل مالاً بيده، ورثه من فلان، وحضر عند الحاكم سأله عن دعواه بمحضر خصمه، فإن أقرَّ أمره بدفعه اليد، وإلاَّ أمره بإحضار بيِّنته وخصمه بوفائه؛ فإن صحَّت أمره بدفعه إليه، وإلاَّ وأراد يمين خصمه، حلَّفه أنَّه له، وما يعلم لهذا فيه حقًّا ممَّا يدَّعيه؛ وإن ردَّ اليمين إلى المدَّعي، حلف أنَّه خلَّفه له موروثه، وما يعلم فيه كذلك، فإن لم يعرف حقَّه إلاَّ بما شهدت له به البيِّنة حلف ما يعلم أنَّهم شهدوا له بباطل؛ وإن ادَّعى أنَّه ألجأه إليه حلف ما يعلم ذلك بلا حقٍّ.
وإن ادَّعى الربا في بيع حلفَ على ما يصفه المدَّعي لا بالقطع ولا بالعلم، ثمَّ ينظر الحاكم في ذلك بعد اليمين، ويحكم بما يراه.
وإن كانت الدعوى في الصُّداق، ولا بيِّنة للمرأة حلف ما عليه لها، وما تدَّعيه إليه منه، وإن ردَّ اليمين إليها حلفت أنَّه عليه لها ما أزالته عنه.
ومن ادَّعى على رجل حقًّا أو دينًا له عند الحاكم فاحتجَّ أنَّه معدم حبسه حتَّى يعطيه إياه أو يصحَّ إعدامه. أبو عبد الله: لا يحبسه حتَّى يسأل عنه جيرانه ومن يعرفه، وذلك عند أصحابنا لئلاَّ تبطل الحقوق، وحجَّتهم أنَّه إن اكتسب مالاً أو دينًا أو حقًّا فيما تعاملا فيه فهو واحد، حتَّى يصحَّ إعدامه؛ فإذا صحَّ وله مكسبة فرض عليه فيها على ما يرى من قدرته، وما يفضل عن نفقته وكسوته لا غير؛ وقيل: إنَّه يفرض عليه من مكسبته محدودًا؛ وإن لم تفضل عن ذلك، فبطنه أولى من الدين، واختاره خميس.
فصل
من ادَّعى على رجل مالاً في يده فأقرَّ الرجل أنَّ له فيه ثلثه أو نحوه، فقيل: عليه بيِّنة، إنّ له فيه ذلك، لإقراره بشيء منه للمدَّعي، وصار ذا يدٍ فيه؛ وإن أراد أن يستحلفه حلف له أنَّه كلَّه له، ما لهذا فيه حقٌّ؛ وإن كان من قبل غيره حلف له: إنَّ الذي ادَّعاه هو له، ولا يعلم لهذا فيه حقًّا من قبل ما يدَّعي أنَّه انتقل إليه مِمَّن يدَّعيه (7/349)
صفحة 3414
له، وقيل: ليس كلُّ من طلب إليه مالٌ بدعوى عند الحاكم، فأقرَّ بنصفه للمدَّعي تكون عليه البيِّنة، ويكون هو المدَّعى في الباقي، وإنَّما عليه ما أقرَّ به لا غير. وعلى مدَّعي الكلِّ بيان فيما لم يقر له به، فإن بيَّن، وإلاَّ فالأيمان بينهما، ويقسم على ما أقرَّ به واتَّفقا عليه على ما ينقطع الأمر فيه، ثمَّ يحكم بمستوجبه بيمين أو بيان، واختاره خميس، لأنَّه لو كان كلُّ من أقرَّ لأحد بشيء مِمَّا في يده يصير هو المدَّعي لَما أقرَّ أحدٌ لأحدٍ بشيء.
وإن تنازع عنده مدَّعيان ما ليس بيد أحدهما أمرهما أن يحضرا عليه بيِّنة، فإن أحضراها عليه واستوت بيِّناتهما، حكم به بينهما إن أرَّخت ذلك وصحَّ الحكم؛ وإن أرِّخت واحدة وحدَّدته دون الأخرى حكم به للمؤرِّخ المحدَّد، وإن لم تحدَّه إحداهما لم يحكم به لهما؛ وإذا صحَّ أنَّه في أيديهما، وطلبا أن يتحالفا تحالفا وحكم به بينهما على قدر ما يدَّعي كلٌّ منه؛ وإن نكل أحدهما حكم به لمن حلف عليه.
فصل
من ادَّعى على رجل أنَّه أحدث عليه حدثًا في ماله، أو حيوانه أو في بدنه حبسه الحاكم إذا صحَّ الحدث، [643] ورأى أثره فيه لتعدِّيه بقدر ما يستوجب حبسه؛ فإذا استقصاه وكان الحدث في غير العين أو النفس سأله عنه، فإن أقرَّ أنَّه أحدثه أمره بإصلاحه؛ وإن كان ذا قيمة أخذ بها؛ وإن كان مِمَّا فيه قصاص أو دية أخذ به؛ وإن أنكر لزم المدَّعي بيان أنَّه أحدثه عليه، فإن أحضرها حكم له به على ما مرَّ في الإقرار وإلاَّ وأراد يمين المدَّعى عليه حلف ما أحدثه عليه، ولا يعلم أنَّ له عليه حقًّا من قبل ما يدَّعي ثمَّ ينظر فيه.
ومن خلَّف مالاً، وأقرَّ أنَّ فلانا وارثه، ثمَّ جاء من ادَّعى أنَّه وارثه وبيَّن ذلك، حكم به له، لا لمن أقرَّ به له، إلاَّ إن بيَّن مثله فيكون بينهما على ما يستوجبانه؛ وإن نسبت إحدى البيِّنتين ثبت لصاحبها دون صاحب التي لم تنسب؛ وإن أراد المقرُّ له بالإرث حلف له أنَّه وارثه، وما يعلم لهذا حقًّا فيما يدَّعيه. (7/350)
صفحة 3415
وإن كانت الدعوى في دابَّة في يد أحدهما كلِّف من لم تكن في يده بيِّنة، فإن أحضرها دفعت إليه؛ وإن بيَّن الآخر أيضًا فبيِّنة ذي اليد الأولى كما مرَّ؛ وإن كانت في أيديهما معًا فالحكم فيها كما مرَّ؛ وإن كان في يد أحدهما وادَّعاها الآخر أوقفها الحاكم عند ثقة حتَّى ينقطع الحكم بينهما؛ فإن أتلفها من كانت بيده قبل انقطاعه ضمنها، وعوقب.
وإن ادَّعى رجلٌ إلى رجل أنَّه عبده وأنكر، فعلى مدَّعي العبودية أن يبيِّن، فإن شهدت له بيِّنة أنَّه عبده ردَّت كما مرَّ؛ إلاَّ إن زادوا: ما نعلم أنَّه خرج من ملكه.
وإن كان بيد رجل بالغ فادَّعاه آخر، وأقرَّ البالغ أنَّه عبد لمن لم يكن في يده فلا يحكم به للذي كان بيده عند الأكثر، لأنَّ ما ينتقل لا ينتقل.
ومن ادَّعى على أمة أنَّها له، وأقرَّت له بالعبودية حكموا له بها؛ فإن كان لها بالغون فلا يحكم له بالرقِّ عليهم حتَّى يقرُّوا له به، أو يبيِّنه عليهم، وتبعوا أمَّهم إن لم يبلغوا.
ومن جاء ببالغ يقرُّ له بالملكة فباعه، ثمَّ علم مشتريه على ذلك أنَّه حرٌّ، فهو حرٌّ وحكم عليه بما أخذ بائعه لمشتريه، لأنَّه غرَّه بإقراره، وإن لم يقر بالعبودية لزم البائع ردُّ الثمن.
وإن تنازعا في أصل، وكلٌّ منهما يدَّعيه، وأنَّه في يده، وأحدث فيه، فبلغ الحاكم أنَّهما يقتتلان عليه، فإذا صحَّ عنده ببيِّنة أرسل إليهما أمينه، فإن وجدهما كذلك حبسهما، ولا يلزمه إلاَّ إن شهد عنده عدلان؛ فإن وجداهما مفترقين، ولا يتطالبان بينهما حقًّا فلا يتعرَّضا لهما. فإن ادَّعى كلٌّ منهما قطعة كلِّف بيِّنة؛ فإن عدماها تحالفا، وكانت بينهما إن كانت بأيديهما؛ وإن نكل أحدهما منعه الحاكم أن يعارض الآخر فيها وهي له، وكذا إن بيَّنا معًا كان بينهما بعد اليمين؛ وإن كان لأحدهما فيها أثر من فسل أو بناء فهو أقعد فيها وذو يد، وعلى الآخر البيِّنة. (7/351)
صفحة 3416
الباب التاسع
في ما جاء في الصلح والأمر به وفي تعليم الخصوم الحجج ونحو ذلك
وقد روي عنه صلَّى الله علي وسلَّم: «إنَّ الصلح بين المسلمين جائز إلاَّ ما حرَّم أو أحلَّ ... » كما مرَّ. وهم على شروطهم ما وافقوا الحقَّ. والصلح جائز؛ وإن لم يقبض، وهو والقَسم من ضروب الحقِّ جاريان مجرى القياض والبيع، وهو إزالة شيء بشيء، فيقع ذلك موقعهما، ويدخله الجهل مثلهما.
ويقال: إنَّما يمضي الصلح فيما يختلف فيه، أو في ملتبس، ولا إثم على القاضي فيه إن أبطل القضاء ما لم يبِن له الحقُّ. ومن عليه الحقُّ فيستتر حتَّى يصالح عنه، فللذي له الحقُّ أن يرجع عليه.
وقال عمر: «ردُّوا الخصوم ليصَّالحوا، فإنَّ الحكم يورث بينهما الضغائن».
وإن اصطلحا على شيء، وقاما من المجلس ثمَّ لمَّا وصل أحدهما منزله أشهد أنَّه نقض الصلح، وقال الآخر لَمَّا بلغه ذلك أنَّه نقضه أيضًا جاز نقضه إن اجتمعا عليه. قال خميس: ولا نقول في أحدهما شيئًا.
ومن ادَّعى [على] (1) قوم حقًّا، فلم يقرُّوا له به، فصالحهم على شيء، ثمَّ وجد بيِّنته فله الرجوع، ويردُّ لهم ما صالحوه به، ولهم أيضًا مثل ذلك.
ولا ينبغي للقاضي إذا تبيَّن له القضاء أن يصالح عند قطع الحكم بين الخصوم، لأنَّه يقع موقع التوهين عن إنفاذ الحقِّ، ولكن يولِّي ذلك ثقة حتَّى لا يتكلَّم هو فيه
__________
(1) - ب: - «على». (7/352)
صفحة 3417
بشيء، لأنَّ ذلك أقوى في إعزاز الحقِّ؛ واختلف فيه في المجهولات، فقيل: جائز ما لم ينقضه أحدهما، وقيل: يجوز نقضه للجاهل منهما، وقيل: للعامل أيضًا ما له إذا تراضيا بعد العلم.
والصلح على الرموم ضعيف، ومن الذي لا رجعة فيه أن يقول لخصمه: أصلحتك على كذا من كذا مِمَّا تدَّعي عليَّ، فيقبل ويبرئه؛ فإذا قال هذا وهو على قدرة مِمَّا يطالبه به، وهو عارف به، ومقرٌّ به ثبت الشرط والصلح والإبراء.
وفي الصلح على الإنكار النقض لمن شاء منهما؛ وإن نازع مشتركينِ في مشتركهما أحد فصالحه أحدهما عليه، فقيل: الصلح باطل [644] لأنَّه صالحَ على ماله ومال غيره، وقيل: جائز عليه في صحَّته إذ هو كالبيع.
وإن ارتفع إلى الإمام متداعيان فيما يوجب عليهما حبسا وحبسهما، واصطلحا في الحبس، وأشهدا على أن لا يرجع أحدهما على صاحبه بدعوى، وتبارءَا، وأخرجهما بإذن كلٍّ، ثمَّ أرادا أو أحدهما نقضه فله ذلك لأنَّه لا يثبت في الحبس ولا يلزم، لأنَّ المحبوس مقهور، والصلح لا يكون إلاَّ عن تراض؛ وكذا الإقرار لا يثبت فيه أيضًا.
ثمَّ هل للحاكم أن يدخل بين الخصمين بصلح، أو يعرض لهما فيه؛ وإن لم يطلباه وهو في مجلس الحكم وأحدهما منكر لخصمه ما يدَّعيه عليه؟ فقيل: له أن يأمرهما به، ويدعوهما إليه لا بإجبار، ومنعه ابن قريش من ذلك.
وقيل: عليه أن يلقِّن الخصم حجَّته، ويفتح له ما يتقوَّى به على الدفع عن نفسه بالحقِّ إذا بان له، حتَّى يفهم الخصم حجَّته، وهو قول ابن محبوب؛ وقيل: له ذلك، لا عليه؛ وقيل: لا يأمر به، إلاَّ إن كان الخصم ثقة، فإن فعل لم يضق عليه، وقيل: لا له ولا عليه، وينهى عن ذلك، ويكره له أن يفتح للخصوم الحجج، وإنَّما يحكم بما صحَّ عنده من دعاوى الخصوم الجارية بينهم؛ وجاز ذلك لغيره في غير مجلس الحكم، وذلك بالحقِّ إذا رأى أحدهما عاميًا عن حجَّته، وخاف أن يلزمه ما لم يلزمه، أو يؤخذ منه ما هو له. (7/353)
صفحة 3418
الباب العاشر
فيما للحاكم أن يحكم فيه بعلمه وشهادته
فقيل: له أن يقضي به في كلِّ ما علمه إذا رفع إليه، ولو علمه قبل استقضائه إلاَّ الحدود فإنَّها لا تكون إلاَّ بإقرار أو بيِّنة، وقيل: لا أصحَّ للحاكم من علمه، وقيل: يقضي به فيما علمه بعده، لا فيما قبله، وقيل: يقضي بما علم في مصرٍ كان قاضيًا فيه لا في غيره، وقيل: بما علم في مجلسه، وقيل: لا يحكم إلاَّ بإقرار أو بيِّنة وقد مرَّ ذلك.
وقيل: إنَّ عمر تحاكم إليه خصمان فادَّعى كلٌّ منهما شهادته، فقال لهما: إن شئتما حكمت ولم أشهد، وإن شئتما عكست.
وتجوز شهادته وحده فيما حكم به ما حكم، فإن عزل وولي غيره لم تجز إلاَّ إن شهد معه آخران. وكلُّ من جاز له الحكم فهو حاكم.
وإن تنازع الخصمان فنزلا إلى اليمين، وقد علم أنَّ أحدهما يحلف على الباطل، فليس له أن يحلِّفه وليأمره بالتقوى، وليقل لهما: إنّ عندي خلاف ما تدَّعيان، فاذهبا إلى غيري، وإنَّما أشهدُ بما أعلم إن سئلتُ عن ذلك.
ابن محبوب: إن شهد الشهود على حاكم أنَّه قضى لزيد على عمر بألف درهم، وقال: بل قضيت على زيد لعمر، فقيل: البيِّنة أولى من قوله. وفي جوابه إلى ابن عليٍّ في الإمام إذا اطَّلع على قتل رجل أو علمه قبل أن يلي الأمر ولم تطلب إليه فيه بشهادة، ثمَّ ادَّعى وليُّ القتيل على بريء، فإنَّه لا يحكم في هذا ويردُّه إلى القاضي، فيحكم فيه بما صحَّ عنده، ويقول الإمام: عندي في هذا علم، ولا يسعني أن أحكم.
وإن شهد القاضي بعد عزله أنَّه قضى بكذا، لم يجز إلاَّ مع غيره. وجازت الشهادة على حكم الحاكم إن قال الشاهد: حضرته حكم بكذا. ومن أقرَّ - قيل - (7/354)
صفحة 3419
عنده لخصمه في غيبته، فلمَّا حضر أنكره، فإن أقرَّ عنده في مجلس الحكم أخذه به، وإن أقرَّ له أنَّ عنده أو عليه له كذا عند الحاكم، ولا يبصره بعينه حين أقرَّ، فليس عليه أن يأخذه به، لأنَّه لا يجوز له أن يأخذ الخصم بإقراره لخصمه حيث لا يراه الحاكم، لأنَّه قيل: له أن ينظر في فمه حين يقرُّ أو يدَّعي. (7/355)
صفحة 3420
الباب الحادي عشر
في إحضار الخصوم وما يفعله الحاكم فيهم وذكر المدرة
وله أن يصرف الخصمين إذا تنازعا إليه، ويؤجِّل لهما في حضورهما إذا خاف أن يدخل فيما لا يسعه حتَّى يبصر العدل لأنَّه لا يحكم إلاَّ به، وببيان واضح. والخصم إذا رفع إلى الحاكم، وأمره بإحضار خصمه، ولم يطلب إليه مدرة، وجاء بالشهود أنَّه دعاه إلى الموافاة عند الحاكم، فأبى فلا تلزمه عقوبة ولا حبس على امتناعه؛ وأمَّا إن أخذ عنده مدرة، وهي أن يكتب له في رقعة: أجبه يافلان إلى الشرع الشريف، كتبه فلان بن فلان بيده، فهذه قيل صفتها؛ فإذا أراها خصمه بحضرة الشهود وأبى بلا عذر، عاقبه الحاكم بما بان له لا بالحبس الطويل.
وإن طلب الخصم أخذ الحقِّ منه قبل الحبس كان له، لأنَّ حقوق العباد تفوت، وحقُّ الله لا تبطله الأزمنة؛ وإن أراد خصمه أن يعفو عن حبسه، فلا عفو له ولا حجَّة له فيما لله، وله العفو عن حقِّه. وإذا تخلَّف عن الموافاة بعد أن أراه المدرة، ولم يجد شاهدين عليه، فليس عليه في هذا يمين إن أنكر (1) الإراءة.
ومن ادَّعى على رجل حقًّا وهو في بعيد، وسأل الحاكم أن يكتب له بإحضاره إليه، فليس ذلك عليه، ولا له ولكن يكتب له إلى حاكم البلدة التي كان فيها أن يجمع بينهما ويسمع دعواهما؛ فإن أنفذ الحكم بينهما، وإلاَّ رفعهما إليه أو إلى الإمام، إن كانت الخصومة فيما ترفع فيه، وكان الحاكم مِمَّن رفع إليه من القرى؛ وإن كان في بلد لا حاكم فيه كتب إلى جماعته؛ وإن مرض المرفوع عليه، وأراد خصمه الإنصاف، لا يكلِّفه الحاكم ما لا يطيق، ولكن إن صحَّ للطالب حقٌّ عليه وسأل الحاكم أن يحجر
__________
(1) - ب: «أنكره». (7/356)
صفحة 3421
من ماله قدر حقِّه فله ذلك خوفًا من إتلافه أو موته؛ وإن وكَّل من يقوم مقامه فحسن، وكذا الأعمى.
وإن كانت الدعاوى في ضرب أو قتل أو سرق أو في موجب للعقوبة، وتفوت فهذا يسارع فيه الحاكم من حين ما وصل إليه المدَّعي، [645]، وما كان كالديون والشفع والمشاركات والكسوة والنفقات وغيرها من المحاكمات ... فهذا ومثله إذا رفع فيه الخصم إلى الحاكم أمره أن يأخذ على خصمه مدرة ويشهد على إراءتها بيِّنة، فإذا لم يواف إلى الوقت عاقبه بالحبس؛ وإذا أخرجه منه نظر فيما بينهما؛ وإن حكم قبل حبسه فحسن.
وجوِّز إعطاء المدرة لصبيٍّ في إحضار خصمه، ولكن يدعها له في الأرض، ولا يمكِّنها له في يده، وقيل: لا يجوز لمن أخذها لإحضار خصمه أن يحضر بها غير من كتبت له، ولا له أن يعطيها غيره أن يحضره أو غيره بها. (7/357)
صفحة 3422
الباب الثاني عشر
في رفعان الخصوم من بلد لبلد
فإذا طلبوا إلى الوالي أن يرفعه إلى الكبير إن كان هو المولِّي له أو إلى القاضي، كان له ذلك عليه، وإلاَّ فلا عليه، ولا له، وإنَّما يرفعه إلى الذي ولاَّه، أو إلى الإمام، أو القاضي؛ فمن له حقٌّ على رجل بتوام فوصل إلى والي صحار، فأخذ منه كتابًا إلى والي توام أنَّه بيَّن عنده حقُّه فقال: لا أرى هذا، ولا أرفع إلى والي صحار به، ولكن أحضروا الرجل، فأحضر فسأله، فأنكره حقَّه، فقال له: افتوا إلى "غدانة" يعني والي صحار كأنَّه مستفهما له، فأنعم الرجل فكتب بينهما بالموافاة، فوافاه، فبيَّن عنده فحكم عليه بحقِّه عليه، ولم ير غيره أن يرفعه إلاَّ بكتاب من الإمام أو القاضي.
وكان قيل لصحاريٍّ على ينقليٍّ، فكتب إلى موسى بن موسى أن يكتب برفعه إلى والي صحار ليبيِّن عليه، ويأخذ منه حقَّه فأبى أن يكتب له، وكان قاضيًا لراشد بن النظر. وقيل: لا إجبار في الرفعان إلاَّ إلى الإمام، أو قاضيه.
أبو المؤثر: إن طلبه المحكوم عليه، كان له لا للطالب، وقيل: في سريٍّ له حقٌّ على نزويٍّ، وعنده عليه بيِّنة "بالسر": أنَّه يأخذ كتابًا من الإمام إلى والي السرِّ يسمعها، ويكتب إليه بما شهدت عنده به، ثمَّ يأخذه الإمام به له، ولا يبدأ الوالي بالكتابة كما مرَّ.
وقيل: لايجوز لأحد أن يمتنع من المحاكمة إلى حاكم بلده، ولا له أن يطلبها إلى غيره إن كان يحكم بحكمنا. وكان أبو عليٍّ إذا رفع إليه خصم على خصمه من بلد فيه قاض كتب إليه أن يرفعه فيه، وللكبير أن يرفع أهل الجرائم الثقال من ضرب أو (7/358)
صفحة 3423
قتل أو جرح أو سرق ونحوها إلى موضعه، ويحبسهم في حبسه، إلاَّ الحقوق فيحبس من كانت عليه في موضعه كالدين ونحوه.
ابن محبوب: يحبس الديَّان في بيوت ولا يرفعون من بلدهم؛ قال خميس: إذا عظم المال، ورفع إلى الإمام أو القاضي، فلا بأس بذلك، وله أن يرفع في الأصول، وما لا يتصرَّف فيه العدول، ويتولاَّه النساء، ولا يرفعهنَّ ولا يحبسهنَّ إلاَّ في بلدهنَّ، إلاَّ في الأموال الثقيلة، وتقبل منهنَّ الوكالة لهنَّ أو عليهنَّ. (7/359)
صفحة 3424
الباب الثالث عشر
في الحاكم إذا لم يعرف الخصوم
فإذا ثبتت عنده فريضة امرأة على زوجها وحضرا وذكرت أنَّها هي التي لها ذلك عليه، وأقرَّت أنَّها فلانة التي لها ذلك على فلان هذا، أو لولدها منه، وأنَّها قبضت منه كذا والحاكم لا يعرفها، فلا يقبل قولها إلاَّ إن عرفها، أو بيَّنت أنَّها التي لها (1) ذلك عليه، وإن قال هو: إنَّها التي لها عليَّ ذلك، فإقرارٌ منه، وثبت ذلك عليه. وإن عرف الحاكم شخصها، أثبت لها حقَّها عليه، وقيل: إن سترت وجهها، وأقرَّ هو أنَّها فلانة، وأنَّها خصمه، فالحاكم لا يحكم إلاَّ بالرؤية الموجبة للمعرفة، أو ببيِّنة أنَّها فلانة.
ومن باع على رجل شيئًا وله أخ يشابهه، فلم يعلم دينه على أيٍّ منهما، فكلَّما طلب أحدَهما، قال: إنَّه على أخي، فالحاكم لا يحقِّق الدعوى على أحدهما حتَّى يعلمه، وله أن يطلب اليمين منهما على رسم الدعوى على الصفة، كما ينظر الحاكم فيما يوجبه الحقُّ في ذلك.
__________
(1) - ب: + «لها». (7/360)
صفحة 3425
الباب الرابع عشر
في إزالة ما تداعى فيه الخصمان ببيع أو غيره وفي حكم توقيف المال
فإذا تنازعا في أصل، فبيَّن المدَّعي دعواه، أمر الحاكم المدَّعى عليه أن لا يزيله ويحجره عليه حتَّى ينتهي الحكم فيه، ويسأل المعدِّل عن البيِّنة، فإن عدَّلهما احتجَّ على الخصم، فإن احتجَّ بإبطالها أجِّل له، ولا يحكم للمشهود له بها إلاَّ بعد قطع الحجَّة، وإن كانت عدولاً عنده، وهم مِمَّن لا يسأل عنهم فلا يحجر المال بعد صحَّتها، إلاَّ إن ادَّعى المشهود عليه دعوىً توجب تأخير الحكم.
وإن تنازعا في شيء، وقد عُرف المدَّعى عليه بالوفاء، أثبته في يده بقيمة، وحجَّر عليه أن لا يزيله، فإن أزاله أدَّبه وغرَّمه قيمته للمدَّعي إن أوجبه الحكم له.
ومن اشترى بقرة من رجل فادَّعاها قوم، فقالوا: أرناها، فإن كانت لنا أقمنا عليها بيِّنة، فقال له الفضل: اذهب فبعها، قال: فبعتها، ولم أخرجها لهم.
وإذا وقَّف مالاً حتَّى يقام عليه بيِّنة كره شراؤه، والتقدُّم على مخالفته إذا حكم؛ فإن علم من وقف عليه أنَّه ماله وباعه ولم يصحَّ ما يزيله من حكمه، ثبت البيع إن علم المشتري بذلك، وإن صحَّ ما ينزعه منه، وقد استغلَّ منه مشتريه، فالغلَّة له إن بيَّن أنَّه كان لخصم البائع من يوم كذا، فهي له وللمشتري عناؤه وغرمه إذا كان دخل فيه بلا سبب؛ وإن أقرَّه في يد من كان بيده، واستغلَّ منه، وبيَّن أنَّه للمدَّعي حكم له به، وبالغلَّة الحاضرة والماضية، فليس له إلاَّ من يوم بيَّن أنَّه له.
ومن اشترى عبدا من غير ثقة، وقد جُلب من بلد آخر، ثمَّ وصل منه من يدَّعيه، فأرسل الوالي إلى من كان بيده ليحضره به بمحضر الطالب، فهرب به حيث [646] (7/361)
صفحة 3426
بلغه وصول الطالب والرسول وباعه في قرية أخرى ورجع إلى بلده فسأله الوالي عنه فأقرَّ أنَّه باعه فيها، ولا يتَّهم بسرق ولا خيانة، فقال له: ما حملك على الهروب به؟ قال: علمي برسولك إليَّ، فلا نرى عليه حبسًا بهربه، ولا على الوالي أن يطلب ردَّ العبد، ولكن على الطالب أن يطلبه حيث كان، فإذا وجده، رجع إلى والي البلد، وأوقفه عند من وجده بيده بثمن حتَّى يقيم الطالب بيِّنة عليه، فإن استحقَّه فهو له، ورجع مشتريه على بائعه، وإلاَّ فهو لمن كان بيده، ولا يتَّهم كلٌّ بسرق؛ وإن اتُّهم به من كان بيده، وخيف هربه به قبل أن يبيِّن الطالب فلا بأس أن يحبسه، ويوقف العبد بيد ثقة حتَّى يبيِّن الطالب إذا عرف أنَّه عبده.
ومن حكم الحاكم توقيف المال، فإذا رآه وقَّفه، ولو لم يطلب إليه لأنَّه مِمَّا يلزمه النظر فيه، وقيل: إن شهد للطالب واحد بمال في يد غيره فطلب توقيفه إلى إتيانه بآخر، أجِّل له ووقَّفه؛ وقيل: لا يوقف إلاَّ بشاهدين فليحتجَّ المشهود عليه بزوال شهادتهما بتحقيق المال فقيل: يوقَّف على هذا ونحوه؛ وقيل: إذا شهدا وكان الحاكم يسأل عنهما وقَّفه على هذا إلى أن يسأله عنهما؛ فإن وقَّفه واحتاج إلى نفقة أو رزية، وقد وقَّفه عند غير الخصمين أخذهما بها معًا إلاَّ إن أقرَّ أحدهما به لصاحبه؛ فإذا صحَّ أنَّه لأحدهما أخذ بها، وإن صحَّ لهما فعلى كلٍّ قدر ما له منه؛ وإن كان في يد أحدهما فهي عليه؛ فإن حكم به عليه لصاحبه ردَّ عليه ما غرم وأنفق. (7/362)
صفحة 3427
الباب الخامس عشر
فيمن ادَّعى على أحد شيئًا فأقرَّ أنَّه بيده أمانة أو رهن أو غيرهما أو صدقة ثمَّ أنكره بعدما رفع إليه
فمن ادَّعى متاعًا في يد رجل أنَّه له، فأقرَّ أنَّه رهن بيده من فلان بحقٍّ له عليه، فالمتاع لربِّه، وعلى المقرِّ بيان دعواه، فإذا أقرَّ المطلوب بين يدي حاكم لرجل بحقٍّ ثمَّ رجع عنه، وقد حفظ عليه ما أقرَّ به، فقيل: يحكم عليه بما أقرَّ به عنده، وحفظه عليه ولا يحتاج إلى شاهد معه إن كان من الحقوق، ولا يجوز ذلك في الحدود.
ومن رفع - قيل - على رجل بما له عليه، فقال عند الحاكم: علينا كذا درهمًا، فإنَّه يأخذه حتَّى يسمِّي كم عليه له، ولا يعذره إلاَّ بذلك؛ فإن أقرَّ بشيء لم يلزمه غيره مع يمينه، وقيل: يلزمه ثلث ما أقرَّ به، قلت: ولعلَّه مع عدمها.
ومن اشترى من رجل متاعًا، فلمَّا طلبه في الثمن أقرَّ أنَّه عبد لفلان، وكذا إن قتل رجلاً خطأً، ثمَّ أقرَّ أنَّه عبد ردَّ قوله، وأخذ بما لزمه، إلاَّ إن بيَّن أنَّه عبد.
ومن قال لرجل: لي عليك رهن، وقال هو له: بل لك عندي وديعة، وقد دفعتها إليك، فعليه البيِّنة لا على مدَّعي الرهن.
ومن أقرَّ لرجل بمال ادَّعاه عليه عند الحاكم ثمَّ أنكره، وطلب يمين المدَّعي، فإن الحاكم يأخذه بإقراره، ويحكم عليه بما أقرَّ له به، ولا يمين عليه إن أقرَّ له بدعواه إليه، وصدَّقه عليه؛ وإن أقرَّ له به مع بيِّنة شاهدة عند الحاكم عليه بإقراره لخصمه بما يدَّعيه إليه، فإن أنكر إقراره والمالَ، وشهدت به عليه أثبته عليه؛ فإن طلب يمين المشهود له به كانت عليه له، وإن أقرَّ بما شهدت عليه، ثمَّ طلبها لم تلزمه له بعد تصديقه البيِّنة وإقراره له بالمال. (7/363)
صفحة 3428
ومن ادَّعى على رجل دراهم، فادَّعى أنَّها مؤجَّلة، فالحقُّ أنَّها حالَّة، وعليه أن يبيِّن دعواه وإلاَّ قيل: قول الطالب مع يمينه؛ وإن قال أحدهما لآخر: أنت رهنت عندي درهمًا، وأخذت منِّي دينارًا، وعكس الآخرُ، فقد اتَّفقا على الدرهم، ويحلف على الآخر على الدينار.
ومن أخذ - قيل - إرثًا من ميِّتٍ ثمَّ صحَّ له وارث، وهو أولى به منه، فإنَّه يردُّ إليه.
ومن قال لرجل: إنَّ فلانًا وضع عنده كذا، أو أمره أن يدفعه إليه فلم يفعل، فلا يجبره الحاكم على دفعه إليه، ولكن يأمره به.
ومن رفع على رجل إليه فقال: لي عنده ألف درهم، فقال هو: نعم، لك عندي ألفٌ إلاَّ كذا، فإن اتَّصل الاستثناء بالكلام فله مثنويته، وتوقَّف خميس في إقراره عند الحاكم، قال: ولعلَّه لا يقبل منه.
ومن ادَّعى على رجل تمرًا فأنكره، وأقرَّ له بدينار، فقال المدَّعي: إنَّما لي عليه التمر لا الدينار، فلمَّا لم يجد بيان دعواه رجع يطلب الدينار فأنكر المطلوب الكلَّ، فإنكاره للدينار بعد إقراره به لا يقبل.
وإن ادَّعى عليه أنَّه سرق له ثوبًا، فادَّعى هو على المتَّهم له به عشرة دراهم، وقال: إذا دفعتها إليَّ فعليَّ له الثوب؛ فإن تتامما على ذلك فذاك، وإلاَّ فلهما الرجوع حتَّى يقرَّ كلٌّ بمعروف باختياره لآخر.
وإن ادَّعى عليه قرضًا، فقال هو: بل مضاربة، ضمنَ لأنَّه مدَّع فيها، وإن قال بنسق واحد: بل قبضت منك مضاربة، قُبِل قوله، وعلى مدَّعي القرض بيانه. والفرق: أنَّ الإقرار الأوَّل يُثبت عليه الحقَّ، ثمَّ قال: مضاربة، فهو مدَّعٍ، والثاني لم يقرَّ له بشيء يوجب ضمانًا؛ وإن أقرَّ بمضاربة بشيء قبضها، لم يلزمه ضمان؛ وكذا كلُّ قول لا يقارنه الإقرار بها فهو مدَّعٍ بعده. (7/364)
صفحة 3429
ومن باع مالاً وأشهد باستيفاء ثمنه لم يدفعه إليه مشتريه، ثمَّ طالبه فأنكره لزمه أن يحلف أنَّه أوفاه له، وعليه أن يبيِّن أنَّه أوفاه، وإلاَّ فالقول قول البائع.
ومن بيده شيء فادَّعاه كلَّه [647] رجل، فأقرَّ هو له فيه بجزء، فإن كانت عند المقرِّ به بيِّنة فذاك، وإلاَّ فمدَّعيه كلَّه أولى به مع يمينه مِمَّن كان بيده ما يعلم أنَّ له فيه حقًّا.
ومن أقرَّ لرجل بمعيَّن، ثمَّ تلف بلا تضييع منه لم يلزمه ضمانه، ولا أن يقبضه إياه، ولا أن يحول دونه، وكذا العطية، فليس على المقرِّ والمعطي والموروث إلاَّ أن يقرّوا بذلك، ويحدُّوه لا تسليمه، ولزم البائع فيما باع لأنَّه لو لم يسلِّمه حتَّى عطب، كان من ماله.
ومن ادَّعى على رجل مائة درهم، فقال له: قبضت منِّي منها كذا، فقال له الطالب: إنَّما هو من غيرها، حكم عليه أنَّه منها، إلاَّ إن بيَّن أنَّه من غيرها.
فصل
ومن ادَّعى على رجلٍ دراهم قرضًا، فقال له: بل هي أمانة، فقيل: هي أمانة إلاَّ إن بيَّنه، وقيل: القول قول مدَّعيه مع يمينه، إلاَّ إن بيَّن الآخر، وقيل: يدَّعي كلٌّ ببيان مدَّعاه؛ فإن بيَّنا أو أحدهما، وإلاَّ حلف كلٌّ على مدَّعاه. وانظر ما إذا بيَّنا معًا، أو حلفا معًا فلعلَّه على الخلاف المتقدِّم.
ومن ادَّعى متاعًا على رجل، فأقرَّ له به، وهو بيده بحقٍّ له عليه، فهو لربِّه، وعلى المقرِّ بيان دعواه؛ وإن ادَّعى عليه أنَّه له عنده رهن، وعليه فيه كذا درهما، فقال هو: لا شيء له عليَّ، ويعطيني ما أقرَّ به من الرهن، فقال المقرّ به: لا أعطيه رهنًا في يدي ولم أقرَّ له إلاَّ برهن فإنَّه يؤخذ به حتَّى يسلِّمه إليه، وعليه أن يبيِّن أنَّه أرهنه عنده في كذا، فإن قال: إنَّه لم يقرَّ إلاَّ برهن، لم يسمِّ به أخذ به حتَّى يسمِّي بما شاء؛ فإن سمَّى لم يلزمه إلاَّ ما أقرَّ به مع يمينه، فإن ادَّعى أنَّه رهن له قيمة ألف، فقال هو: رهنتني (7/365)
صفحة 3430
ذلك، ودفعته إليك، وأنكر الآخر، فإنَّه يؤخذ بما أقرَّ به، ويبيِّن ردَّه لثبوت الرهن عليه بإقراره، ولا يبطل عنه إلاَّ بالصحَّة.
وإن أقرَّ الراهن للمرتهن بمائة فعليه دفعها إليه، أو يسقط مِمَّا عليه من الرهن؛ وإن ادَّعى أنَّه أرهنه رهنًا فصدَّقه، وادَّعى عليه قيمة كذا، فقال هو: لا شيء عليَّ فيه، وإنَّما دفعته إليه بلا شيء، لزم المقرَّ بالرهن تسليمُه، ويؤخذ الراهن حتَّى يسمِّي بما أرهنه، فإذا سمَّى لم يلزم للمرتهن إلاَّ ما أقرَّ له به مع يمينه، إلاَّ إن بيَّن أنَّه أكثر من ذلك. (7/366)
صفحة 3431
الباب السادس عشر
في الدعوى والحكم واليمين في الأمانة ونحوها والهدية والعطية ونحوهما
وقد أجمعوا على أنَّ المودع إذا أخذ الوديعة ثمَّ ادّعى تلفها قُبل قوله مع يمينه لا يمين عليه إلاَّ عند من ضمنه إذا صحَّ قبضه لها حتَّى يصحَّ تلفها، والمختار الأوَّل؛ فإن قال للمستودع: رددتها عليك قُبل قوله أيضًا مع يمينه؛ وإن قال المودع دفعتها إلى فلان بأمري فأنكر، ردَّ قوله، وضمن عند الأكثر، وقيل: هو أمين، ويمكِّن إذن المستودع له أيضًا بذلك، وينكر هو يريد أن يلزمه ضمانًا بما لم يلزمه فيه في الأصل.
واختلف فيمن يرسل بمال له رسولاً إلى من ائتمنه عليه فيقول: لم تدفع لي شيئًا، ويقول هو: دفعته إليك، فقيل: لا يقبل قوله إلاَّ إن بيَّن أنَّه دفعه إليه، وإلاَّ غرم، وقيل: عليه اليمين لا الضمان، لائتمانهما عليه. وإذا بعث الأمين بأمانة لربِّها مع رسول أحدهما ويقول ربُّها: لم يدفعها إليَّ، ويقول الرسول: دفعتها له، فإن قال: قبضتها من الأمين ودفعتها لربِّها قُبل قوله مع يمينه، ولا ضمان عليه ولا على الأمين إن كان بعثه ربُّها، وإن بعثه الأمين ضمن، حتَّى يصحَّ أنَّه دفعها إلى ربِّها، ويحلف: ما قبضها من الرسول؛ فإن ردَّ اليمين إلى أحدهما، حلف الأمين أنَّه بعثها إليه مع أمينه وما خانه فيها، وحلف الرسول على ما يراه الحاكم من الدعوى.
ومن عنده قيل لرجل أمانة فقال له: كلُّ من أتاك برقعة منِّي فسلِّم إليه ما فيها، ثمَّ أتاه بها فأعطى، ثمَّ تناكرا، فقال الأمين: دفعت ما فيها، وأنكر الرسول، فالقول قول الأمين، وكذا الرسول مصدّق على المرسل في الأحكام؛ وقيل: إن دفع الأمانة ربُّها ببيِّنة فعلى الأمين بيان ردِّها، والأوَّل أكثر. (7/367)
صفحة 3432
وإن مات أحد الزوجين، فطلب من الحيِّ يمينًا ما خانه، ولا ستر من ماله شيئًا لزمته، وقيل: لا.
أبو سعيد: إنَّما تجري الأيمان في الدعاوى في الأمانات على معنى الصفة من المدَّعي، فإن ادَّعى درهمًا بيَّن وزنها أو عددها.
وإن ائتمن الأمين على أمانته غيره بلا إذن ربِّها فالمعتمد عليه أنَّه إن ائتمن عليها ثقة فهو مصدَّق فيها مع يمينه إن ضاعت، إلاَّ إن صحَّت خيانته، وهذا إن كان الأوَّل يميّز بين الأمين والخائن؛ فإذا، أراد ربُّها يمينه حلف له: لقد جعلها حيث يأمن على مثلها من ماله، وما خانه فيها، ولا يعلمه خائنًا ولا متَّهما حين جعلها عنده؛ [648] وإن ادَّعى أنَّه خانه في ماله الذي بيده، أو سرق له شيئا ولم يره حين أخذه، ولم يعرف قدره، حلف: ما عنده ولا عليه، له حقّ من قبل ما يدَّعيه عليه.
ومن ادَّعى عند حاكم أنَّه استودع رجلاً ألفًا فأنكر فبيَّن عليه، فلمَّا حكم له بالألف عليه جاء بشاهدين أنَّ الدراهم سرقت، فعلى الحاكم أن يسألهما، فإن شهدا أنَّها سرقت قبل إنكارها عنده برئ منها، وإن أرَّخا أنَّها سرقت بعده ضمنها؛ وإن لم يؤرِّخا وصحَّت عليه بعده لا تلفها قبله ضمنها أيضًا حتَّى تصحَّ براءته منها. (7/368)
صفحة 3433
فصل
من دفع لرجل دراهم فأمره أن يدفعها إلى فلان، فإنَّها دين عليَّ، فقال: دفعتها إليه وأنكر، ضمن إلاَّ إن بيَّن، وقيل: لا، لأنَّه أمين؛ وقيل: مصدَّق، إلاَّ إن دفعها إليه ببيِّنة فعليه أن يدفع هو أيضًا بها، وقيل: مصدَّق، إلاَّ إن كانت الدراهم عليه، أو كان لها ضامنًا؛ وقيل: مطلقًا، وإن قال المستودع: إنَّ المودِع أمره أن لا يصدِّق به، فإنَّه يصدَّق، لأنَّ الأصل أمانة، والأمين مصدَّق، لا فيما أصله ضمان إلاَّ ببيِّنة.
ومن ادَّعى - قيل - إلى رجل أمانة فقال له: أمرتني أن أدفعها إلى فلان وقد دفعتها كلَّها متَّصلاً بعضه ببعض، فقيل: مصدَّق ولا غرم عليه؛ وقيل: يضمنها لأنَّه صدَّقه فيها، وادَّعى عليه الأمر بالتسليم، وذلك إذا أنكر الأمر به.
ومن دفع قيل إلى رجل دراهم، فقال له: هي هدية لك من فلان، فأخذها وأتلفها، ثمَّ قال فلان: أعطني دراهمي، فإنَّ رسولك زعم أنَّها أمانة، وقد أتلفتها، فإنَّ ربَّها يأخذها من متلفها؛ وكذا إن دفع إليه دراهم يتصدَّق بها عنه ثمَّ جاء يطلبها، فقال: أمرتني بتفريقها، وأنكر، قُبل قول ربِّها مع يمينه: ما أمره، وعلى مدَّعي الأمر أن يبيِّن؛ وقيل: القول قوله لأنَّه أمين.
ومن ادَّعى إلى رجل وديعة، فقال له الحاكم: أعندك لهذا وديعة؟ قال: نعم، ليس قبلي له حق موصولاً بكلامه، قال: فهي إقرار بها، ولو موصولاً بنَعَم.
ومن استعار من أحد شيئًا فادَّعى أنَّه ضاع، فلا يغرمه إلاَّ إن ضمنه إيَّاه حيث استعاره؛ فإن اتَّهمه حلَّفه؛ وإن أهدى إليه هديَّة، وادَّعى أنَّه إنَّما أهداها إليه ليكافئه، فقيل: القول قوله مع يمينه، وله على المهدى إليه ردُّ هديَّته أو قيمتها إن تلفت، وقيل: إن عرف مثل المهدي في العادة، إنَّما يهدي إلى المهدى إليه ليكافئه حكم عليه أن يكافئه، وإلاَّ فلا، وندب له مكافأته إن قدر كما مرَّ؛ وقيل: لا يحكم بها مطلقًا.
وإذا عرف لرجل شيء عند آخر فقال الأوَّل: أعرته إيَّاه، وقال الآخر: أعطانيه إيَّاه، فقال ابن عليٍّ: إنَّه للمعروف له، إلاَّ إن بيَّن الآخر العطيَّة له منه، فيكون أولى به. (7/369)
صفحة 3434
الباب السابع عشر
في اللقطة والقرض والرهن والعارية أيضًا والدعوى والحكم واليمين في ذلك
أبو سعيد: إن ادَّعى الثقة لقطة لنفسه بلا علامة، جاز أن تسلَّم إليه بدعواه، وقيل: لا، لأنَّه مدَّع ولا يصدَّق غيره فيها بذلك.
ومن ادَّعى على رجل أنَّه لقط له دراهم فأخذها، فأنكر فإنَّه يحلف له ما لقط دراهم يعلم لهذا فيها حقٌّ إلى الساعة. وفي كون اللاقط خصيما في اللقطة إذا سرقت فوجدها عند سارقها قولان. ومن كانت عنده فضاعت أو سرقت فطلبها رجل بصفتها ويمينه عليها، فقيل: لا خصومة فيها ولا يمين، وقيل: هما فيها.
ابن عليٍّ: من ادَّعى على امرأة أنَّها أقرضت هي وزوجها منه دراهم، ومات فأنكرت، فإنَّها تحلف له قطعًا: ما اقترضتها منه إلى اليوم، وما علمت من زوجها ذلك؛ واختار بعض أن تحلف واحدة: ما عليها له ذلك من قبل ما يدَّعي عليها وعلى زوجها.
ومن بيده أمانة ولقطة فضاعتا منه ثمَّ وجدهما بيد رجل فهو في الأمانة خصم دون اللقطة على ما مرَّ؛ وقيل: إنَّه يضمنها إن ضاعت منه، وعليه فيكون خصمًا فيها.
ومن قال لرجل: لي عندك رهن، فقال له: بل لك عندي وديعة فدفعتها إليك، فالبيان على المقرِّ بها المدَّعي لدفعها؛ وإن ادَّعى إليه أنَّه أرهنه رهنًا فقال له: إنَّما أعطيتنيه أرهنه لك عند غيري، فالبيان على المقرِّ بقبضه المدَّعي ما يزيله عنه. (7/370)
صفحة 3435
ومن رهن عند رجل رهنًا، ثمَّ طلب أن يحلفه له: ما عنده له كذا درهمًا، فكان قد رهن عنده دراهم، لم يلزم الحاكم أن يسأل الطالب: كيف صار له هذا الحقُّ، ويحلِّفَه على ذلك؛ وإذا قال له المطلوب: سله ما هذه الدراهم؟ وما سببها؟ فقيل: له ذلك، وللحاكم أن يسأله عنه.
ومن ادَّعى على رجل أنَّه أرهنه قيمة ألف بمائة، فقال: أرهنتني قيمته، وقد دفعتها إليك، وقال هو: لم تدفع لي شيئًا فالمقرُّ مأخوذ بما أقرَّ به، ومكلَّف ببيان ردِّه.
ومن تصدَّق بمال على رجل ثمَّ رجع فيه، وقال: إنَّما فعلته في الغضب، فعليه بيان أنَّه فعله فيه.
ومن استعار شيئًا أو استأجره أو التقطه، أو كان عنده مضاربة أو أمانة أو رهنًا، فسرق منه فهو خصم فيه. (7/371)
صفحة 3436
الباب الثامن عشر
في الدعوى والحكم في النقدين وفي اليمين في ذلك وفي ادِّعاء الغريم البراءة من الحقوق ونحو ذلك
ومن ادَّعى على رجلٍ أنَّ له عليه مائة [649] دينار مثاقيل، فقال هو: عليَّ له مائة دينار عدنيَّة، أو ادَّعى عليه مائة درهم فقال هو: إنَّها مزيَّفة، فإن اتَّصل إقراره، فالقول قوله؛ وإن قطع بسكوت بين قوله بمائة دينار أو درهم، وبين قوله عدنية أو مزيَّفة ردَّ قوله وعليه نقد البلد.
ومن يطلب رجلاً بمائة درهم فقامت له عليه بيِّنة بخمسين، وجاء من أقرَّ له بأخرى أو قال: أنا الذي عليَّ الخمسون، واشتبه على الشهود، أخذت منه ومن الآخر أخرى بشهادتهم.
ومن طلب رجلا بدراهم محدودة فقال له آخر: أنا الذي عليه ما تطلبه منه، فإنَّها عليَّ لا عليه، فإنَّه يأخذها من القرِّ له بها؛ وقيل: من أيِّهما شاء.
ومن رفع على رجل بعشرة دراهم فأنكره، فإنَّه يحلِّفه ما قبله له حقٌّ من قبلها بوجه. ومن قال لك عليَّ كذا، وقد دفعته إليك، ولم يقل: قد كان عليَّ لك لم ينفعه.
وإن ترافع رجلان في كيس يتجاذبانه (1)، وكلٌّ منهما يدَّعيه، فقيل: هو لمن بيده أعلا الكيس، إلاَّ إن بيَّن الذي كان بيده أسفله أنَّه له؛ وقيل: هو ذو يد فيه، لأنَّ الدراهم فيه، والبيِّنة على من بيده أعلاه؛ وقيل: كلٌ ذو يد فيه فهو بينهما، إلاَّ إن
__________
(1) - ب: «يتجابدانه». (7/372)
صفحة 3437
بيَّن أحدهما أنَّ الكلَّ له؛ وإن قال أحدهما: لي نصفه، والآخر: لي كلُّه، فقيل: لمدَّعي النصف الربع، ولمدَّعي الكلِّ ثلاثة أرباع؛ وقيل: كلُّه له، ومدَّعي النصف مدَّعٍ.
وإن ادَّعى المطلوب بدراهم أنَّها مؤجَّلة، والطالب لها أنَّها حالَّة، فطلب من المطلوب يمينًا فإنَّه يحلف له ما له عليه اليوم حقٌّ؛ فإن ادَّعاه إلى أجل مسمًّى فليبيِّنه إن أنكره الطالب؛ وإن لم يجد بيِّنة حلَّفه ما هو له عليه إلاَّ ذلك الأجل؛ وإن نزل يمين المطلوب حلف له: ما له عليه حقٌّ، ولا يستحلفه على الأجل إلاَّ برأي الطالب.
وإن ادَّعى رجلان على رجل أنَّ لهما عليه ألفًا، فقال: إنَّه يعلم أنَّه عليه لأحدهما، لا بعينه، قال عزَّان: لكلٍّ منهما عليه ألف، لأنَّه يحكم عليه بدفع ألف لصاحبه؛ فإذا قال: لا أعرفه لأيِّهما وكلاهما يدَّعيه، قيل له: أعط كلاًّ ألفًا، وهذا احتياط وخروج من الشبهة، وله عليهما يمين من كلٍّ أنَّه الذي له عليه ألف.
وإن ادَّعته امرأة على زوجها، وأنَّ الدرهم ستَّة دوانق وبيَّنت ذلك، وادَّعى الزوج أنَّه عدنيٌّ، وبيَّنه أيضًا قبلت بيِّنتها.
ومن اشترى من رجل متاعًا بثمن يعطيه إيَّاه في نجمين إلى الصيف أو إلى القيظ، فقال البائع: في الأوَّل الثلثان، وفي الثاني الثلث، وعكس المشتري، فقيل: البيِّنة عليه، وقيل: على البائع.
ومن ادَّعى على رجل دينًا إلى (1) نجمين فاختلفا في التقديم والتأخير، فقيل: إنَّ مدَّعي أقربهما هو المدَّعي، وقيل: هو مدَّعي أبعدهما.
واختلف في الحقِّ إذا كان إلى أجل، فقال: من لزمه بعده، قضيته غريمي حين حلَّ علي أجله وأنكر طالبه، فقيل: القول قول المطلوب بعد المدَّة، وقال الأكثر: قول الطالب مطلقًا، وعليه العمل.
__________
(1) - ب: «على». (7/373)
صفحة 3438
واختلف أيضًا إذا ماتا أو أحدهما، فقيل: إنَّه ثابت على الذي كان عليه مطلقًا حتَّى يصحَّ الإبراء منه؛ وقيل: إذا مات في المدَّة فهو ثابت عليه حتَّى يصحَّ وفاؤه، وإن مات بعدها بيَّن من له الحقُّ أنَّه باق على من كان عليه إلى أن مات. وإن مات ربُّه فلا يبطله موته فيها أو بعدها إلاَّ بصحَّة الوفاء وإذا قال الضامن: ضمنت على فلان مائة إلى كذا، والمضمون له: هي حالَّة، فقيل: القول قوله، وقيل: قول الضامن. (7/374)
صفحة 3439
الباب التاسع عشر
في الحكم إذا كانت الدعوى على اثنين أو أكثر أو منهما أو من الأكثر والأيْمان في ذلك
فإذا ارتفع إلى الحاكم مدَّع دارًا أو أرضًا بيد وارثيْن، وادَّعى شراءهما من موروثهما وأحدهما غائب، وبيَّن المدَّعي دعواه حسُن للحاكم أن يقضي على الحاضر بكلِّ ما بيَّن، ولا يلتفت إلى غيبة الغائب، لأنَّ الحاضر خصمه فيها، لأنَّ الدعوى إذا كانت على ميِّت فأيُّ الورثة حضر فهو خصم فيه ولو بعد القسمة وله أن يمضي القضاء فيه عند ابن عليٍّ، وقال ابن محبوب: لا يحكم على أحدهم حتَّى يحضر هو أو وكيله، وبه قال أبو المؤثر وأبو الحواري.
ومن ادَّعت عليه جماعة دعوى فأنكر، فإن كانت في وقت في واحد لم يلزمه لهم إلاَّ يمين واحدة، فإن ادَّعاها كلٌّ على انفراد كان لكلٍّ يمينٌ عليه، وإن أتوه معًا، وكلٌّ يدَّعي عليه سهمًا في مال بيده، وهو منكر فطلب كلٌّ أن يحلفه على منابه، وطلب هو أن يحلف لهم واحدة فقيل: لكلٍّ يمين، ولو اجتمعوا في حين المنازعة؛ وقيل: إن اجتمعوا وكانت دعاويهم عليهم في مكان لم يحلف لهم إلاَّ واحدة، وقيل: إن ادَّعى هو عليهم حقًّا من مال ورثوه وطلب تحليفهم فردُّوا إليه اليمين، وطلب كلٌّ أن يحلِّفه على ذللك الحقِّ، فقيل: إذا طلب إلى جملتهم بمحضرها ذلك، فإنَّما عليه لهم واحدة، وأمَّا هو فيحلف كلاًّ على انفراده إذا طلب ذلك؛ وقيل: إذا كانت الدعوى في شيء بين حاضر وغائب، وطلب يمين الحاضر فإنَّه يحلف أنَّه له، ولشركائه ولا يعلم فيه حقًّا للمدَّعي. (7/375)
صفحة 3440
الباب العشرون
في تصديق الخصم خصمًا فيما يدَّعيه ويقرُّ ببعضه
ومن ادَّعى على رجل مالاً بيده فصدَّقه ثمَّ رجع فيه وقال: ظننته له فصدَّقته، فإذا أقرَّ أنَّه له، وصدَّقه على معروف فلا رجعة له فيه.
ومن ادَّعى على رجل عند الحاكم مائة درهم فسأل الرجل عنها فقال: لا أنكرها فإنَّه لا تلزمه بهذا، ولزمته إن قال: لا أنكر، وكان ذلك إقرارًا منه.
ومن بيده دابَّة فادَّعاها إليه رجل، فأقرَّ له بجزء منها، وادَّعاها هو كلَّها، فقيل: إن كانت عند الذي كانت بيده بيِّنة بالجزء فذاك وإلاَّ فالآخر أولى بها، ويحلف لمن كانت بيده [650] ما يعلم له فيها حقًّا، وقيل: ليس عليه إلاَّ ما أقرَّ به وعليه الأكثر، وكذا في المال؛ وإن ادَّعى أحدهما البعض والآخر الكلَّ، ولم يكن بيد أحدهما فعلى كلٍّ بيان دعواه؛ وإن لم يصحّ لهما تحالفا، ويعطى ذو الكلِّ ثلاثة أرباع، وذو النصف الربع، هذا إذا لم يطلب فيما يدَّعيان فيه غيرهما، وكذا إن بيَّن ذو الكلِّ كلَّه، والآخر نصفه فبينهما على الأربعة كما مرَّ.
ومن مات ولم يوص وصيًّا فادَّعى رجل إلى ورثته عليه دينًا فصدَّقوه عليه، وكتبه عليهم، وأشهد، وطلبه إليهم فقالوا: خدعتنا، فقال: ضمنتم لي، ومزَّقت كتاب البيِّنة، وأبرأته وصحَّ حقِّي فيكم فهو عليهم.
ومن قال لرجل: لي عليك عشرة فصدَّقه، وقال له: لا أعلم أنَّ لك عليَّ شيئًا إلاَّ أنِّي أصدِّقك وأعطيك، فأعطاه إياها، ثمَّ مات، فجاء وارثه، فقال له: إنَّ التي أعطاك موروثي ليست لك! ردَّها عليَّ، فقيل: لا ردَّ عليه إن علم أنَّها على مورِّثه. (7/376)
صفحة 3441
ومن مات فادَّعى بعض ورثته أنَّه أقرَّ له بمال، وإن عنده بيِّنة وصكًّا فظنُّوا أنَّه صادق فتركوا له ذلك المال، ولم يسألوا الشهود، واقتسموا الباقي، وأكل المال سنين، ومات بعضهم ثمَّ طلب من بقي عليه بيان ما يدَّعيه من المال، وأرادوا أخذه وغلاَّته منه، فقيل: لهم ذلك إذا بان لهم بطلان دعواه.
ومن ترك بالغًا وكيسًا من الدراهم، فقال له رجلٌ: إنَّ لي عند أبيك أمانة، فقال له الابن: أعطنيها مضاربة، وكلَّ سنة نقسم الربح، فجعلها عنده ويسافر بها، ويأخذ الرجل من فائدتها، ثمَّ سأل الابن عن ذلك، فلم يوجب له العلماء دعواه فحكموا بأن لا شيء للرجل في الكيس، وعليه ردُّ ما عليه من الفائدة.
أبو يحيى: من ترك ألفًا وابنًا، فقال له رجل: هذا الألف دين لي على أبيك فصدَّقه فدفعه إليه، فإن دفعه إليه برأي الحاكم لم يلزمه لمن صدَّقه على أنَّه وديعة شيء، وإن دفعه برأيه هو لزمه دفعه إليه، واستحسن ذلك أبو الحواري.
ومن ترك ولدين فادَّعى أحدهما نصف معروف أنَّ أباه أقرَّ له به وأكله، فإن أعلم أخاه به وصدَّقه فله ذلك إذا بيَّن أنَّه صدَّقه، وإلاَّ فلا يصحُّ له أكله بدعواه. (7/377)
صفحة 3442
الباب الحادي والعشرون
في المتولي عن الحكم ومن تسمع عليه البيِّنة ويحكم عليه من غير حضوره
ومِمَّا للحاكم إنفاذ لحكم فيه بلا حضور المحكوم عليه هو من صحَّ عليه الحقُّ لآخر عنده، وأمره بدفعه إليه فتولَّى عنه، فإنَّه يبيع من ماله بقدره، ويمكِّن طالبه من حقِّه، وكذا من حبسه بدين صحَّ عليه، فهرب من الحبس، فإنَّه يبيع ويقضي كذلك؛ وكذا إن أجَّله في ثابت عليه فتولَّى عنه يبيع كذلك؛ وكذا إن أمره أن يوافي خصمه فلم يفعل لا لعذر، فله أن يسمع عليه البيِّنة، فإن تولَّى أنفذ الحكم عليه.
وإن وكَّل وكيلاً فغاب، وأبى أن ينازع سمعها عليه، وحكم واستثنى للغائب حجَّته، وكذا غائب حيث لا تناله الحجَّة أو لا يدرى أين هو، وجبَّار ومن قطع البحر وعليه حقوق الناس وبيَّنها أهلها، فإنَّه يحكم لهم عليه، ويستثني له حجَّته ويحلِّفهم؛ وكذا من تولَّى عن المدرة وأخلف موافاة غريمه، أو هرب من السجن، تسمع عليه البيِّنة، ويستثنى له حجَّته.
ابن محبوب: من ركب البحر وعليه ديون متولِّيًا بها، ولا مال له وقت خروجه، ثمَّ حدث له وهو حيث لا تناله الحجَّة من المسلمين فإنَّه يبيعها ويقضيها، وقال ابن بركة مثله.
أبو عبد الله: لا يباع من تولَّى عن الحكم إلاَّ بحقِّ من تولَّى بحقِّه إن رفع إليه، ومن ثبت له حقٌّ بعد ذلك فلا يباع له منه إلاَّ بعد الاحتجاج عليه؛ وإن كان ماله لا يفي بحقِّ من ثبت حقُّه فتولَّى عنه وبحقِّ من لم يتولَّ عنه، فإن ثبت قوِّم ونظرت الحقوق الثابتة عليه، فيؤخذ لمن تولَّى عنه بقدر حقِّه، ويوقف حقوق من لم يتولَّ عنه (7/378)
صفحة 3443
حتَّى يحضر ويحتجَّ عليه، إلاَّ إن صحَّ أنَّه خرج من عُمان أثبت الحاكم حقوقهم، وحلَّف كلاًّ، وأعطى له قدره.
أبو المؤثر: إن كان حقُّ من تولَّى عنه يستغرق ماله فهو أوَّلى به، وكانت ديون غيره على الغريم. وإن عرف موضعه وكان حيث يحتجُّ عليه فلا يعجل في بيع ماله حتَّى يحتجَّ عليه فيه بكتاب أو رسول من المسلمين، ويقوم مأمورهم بذلك مقام شاهدين إن كان ثقة، وقيل: حتَّى يحتجَّ عليه عدلان، ويؤدِّيان الحجَّة إلى الحاكم.
ومن رفع على رجل إليه، وطلب حضوره عنده في يومه، والمرفوعُ عليه التأخيرَ إلى الغد فعليه أن يوافيه، إلاَّ إن كان له عذر لا شغل دنيويٌّ؛ وله أن يصرف الخصمين إذا تنازعا إليه، ويؤجِّل لهما أن يحضراه إذا لم يبصر الحكم فيما بينهما أو شكَّ فيه، وخاف الدخول فيما لا يسعه حتَّى يبصر العدل، لأنَّه لا يحكم إلاَّ به وببيان واضح.
أبو عليٍّ: من فرَّ من حبسكم ولم تقدروا عليه، فهو الذي ينادى على ماله ويجتهد فيه لاستقصاء ثمنه، فإن بلغ قدر ما عليه من الحقِّ فذاك؛ وإن رأيتم أنَّه لا يبلغ في ثلاث (1) جُمع فلا تعجلوا حتَّى تعود أخرى أو أكثر.
__________
(1) - ب: «ثلث» وهو خطأ. (7/379)
صفحة 3444
الباب الثاني والعشرون
في الحكم والأيمان بين العامل وربِّ المال في الزراعة
فإذا غاب العامل حيث لا تناله الحجَّة، وخاف شريكه الضرَّ في القيام بالعمل احتجَّ عليه إلى الحاكم أو الجماعة، حتَّى يقوم عليه بما يلزمه؛ فإن عدما أشهدوا يتَّجر أجيرًا عليه [651] بعدل الأجرة، وكانت في ماله ولا حقَّ له في ذلك لأنَّه إنَّما استعمله على كمال العمل، وقيل: إذا ترك ما يلزمه منه مِمَّا لا تقوم الزراعة إلاَّ به أو ببعضه، فله أجرته فيما مضى، ولا حقَّ له في الزراعة؛ وقيل: لا عمل ولا أجرة لأنَّه لم يوف بما عومل عليه، فلا شيء له إلاَّ بعد الوفاء بالعمل من أوَّله إلى آخره.
ومن شارك رجلاً فيه فعمل معه مدَّة ثمَّ خرج بلا إذنه فأبطأ عليه فرفع عليه إلى الوالي فإنَّه يأمر بالأجرة عليه، ولا يحتجُّ عليه، وإن استأجر عليه برأيه بعد الإشهاد على ذهابه نظر العدول فيه، فإن اجتهد أو شرط عليه لزمه بقدر ما يرون من الأجرة فيما غاب، وقد أخذوا مكانه رجلاً بجزء معروف فقال: آخذ زراعتي، وما عملت فعليَّ أجرته، فقيل: إن غاب حيث تناله الحجَّة ولم يحتجَّ فله زراعته، ولا أجرة عليه، ولزمتهم للرجل؛ وإن غاب حيث لا تناله، وفي البلد حاكم ورفعوا إليه، وأدخل الأخير فله عناؤه، ولا شيء عليه للأوَّل؛ وإن لم يكن فيه حاكم كان ذلك برأي صلحائه، وإن أدخلوه برأيهم ثمَّ قدم الأوَّل فله أن يردَّ عناء الأوَّل ويأخذ زراعته، أو يأخذ هو عناءه بالعدول؛ وقيل: الحجَّة في ذلك أن يحكم عليه ويحتجَّ، ويقطع عذره بما يثبت عليه به الحكم.
فإن لم يكن حاكم أشهد؛ وإن لم يكن الشهود، فإنَّما يكون ذلك فيما يجب في الحكم أو يقرَّ هو بذلك، أو يصحَّ أنَّه احتجَّ عليه؛ وليس دعوى ربِّ المال حجَّة عليه إن قال: إنَّه احتجَّ عليه عندي. (7/380)
صفحة 3445
وقيل: إن عدم الحاكم والجماعة والشهود لم يجز له أن يعطي أجرة العامل إلاَّ بعد الحجَّة عليه، ولعلَّه يقضي على نفسه ويأخذ ماله إن أمكنته الحجَّة.
وقيل: على ربِّ المال أن يصل العامل إلى منزله إذا فقده عن حضور صنعته ويحتجُّ عليه بما قدر إن أمكنه إذ لعلَّه معذور، إلاَّ إن خاف فوت ما يلزمه القيام به قبل أن يحتجَّ عليه، فله أن يستأجر عليه في مثل ذلك ويشهد عليه وعلى غيبته عن لازم يخاف فوته إن احتجَّ عليه؛ فإن كان له عذر يبرئه في الحكم، وإلاَّ اختير ثبوت ذلك عليه لئلاَّ يدخل على ربِّ المال الضرَّ.
ومن كان يعمل لرجل في زراعة بسهم منها فاستخان العامل فإنَّه يحلفه (1) في مثل هذا إذا لم يدَّع معروفًا عنده ولا عليه ولا أتلف ما يعلم أنَّ لهذا فيه حقٌّ من قبل ما يدَّعي عليه من الذي يصف، كما تقع الدعوى.
وقيل: اجتمع رجلان إلى أبي عبد الله، فقال أحدها: أعطيت هذا أرضًا لي يزرعها بسدس لي منها فغاب، وتركها في يد ولده فحصد الزرع، وأعطاني اثني عشر مكوكًا، فقال له: صدق، سلِّم له ما جاءه من الزراعة، وولدي عندي ثقة إلاَّ أنَّه قد بقي أكثر مِمَّا أعطيته، فقال ربُّ الأرض: لا أعرف ما بقي لي، فقال: فحلف على هذا.
وإذا اختلف العامل وربُّ الزرع، فقال: عملت بالربع، وربُّ المال: بالسدس، قُبل قول ربِّ المال في هذا.
__________
(1) - ب: «يحلف». (7/381)
صفحة 3446
الباب الثالث والعشرون
في الأحكام والأيمان بين المسلم والمشرك (1)
فإن ادَّعى مسلم على يهوديٍّ مائة درهمٍ، وأحضر شاهدين من عدول اليهود بصحَّة دعواه وبالعكس كذلك، فقيل: يؤخذ كلٌّ منهما لخصمه بما بيَّن، وإن تنازعا مالاً بينهما، ولا بيِّنة عندهما، فقال ابن محبوب: حكمه للمسلم، وقال موسى: هو بينهما ويتحالفان، ولا شيء لمن نكل.
وأيمان الذمِّيِّ كأيمان المصلِّي، ولكن لا نصيب بين مسلم ومشرك في حجٍّ ولا طلاق ولا عتق ولا غير ذلك، لأنَّ المشركين لا يرون ذلك دينًا، ويحلفون بالله ولا أعظم منه واليهود بالله المنزِّل للتوراة على موسى بن عمران والنصارى بالمنزِّل للإنجيل على عيسى بن مريم، والمجوس بالله (2)، فاعل الخير وربِّ النار التي يوقدونها.
وقيل: يحلف أهل كلِّ ملَّة بالبراءة من دينهم.
وإن حلف مشرك وحنث بعد إسلامه، فقيل: إن كان يحرِّم ما حلف عليه لزمه الحنث، وإلاَّ فلا، وقيل: يلزمه مطلقًا، وقيل: لا مطلقًا.
__________
(1) - ب: «بين المشرك والمسلم».
(2) - ب: «بالله العظيم». (7/382)
صفحة 3447
الباب الرابع والعشرون
في الدعوى والحكم بين العبيد وخصمائهم والدعاوي فيهم وفي أنَّ الأيمان تلزمهم أم لا؟
وقد روي: «لا يمين لعبد مع سيِّده، ولا له على سيِّده»، فقيل: إنَّ معنى الأوَّل أنَّه لا يحلف في حكومة، ولا يحلف إلاَّ بإذنه، وله أن يأذن له أن يحاكم ويخاصم، أو أن يحاكم عنه.
وإذا ثبت اليمين للعبد، فلسيِّده أن يحلف أو يأذن له أن يحلف، فإذا ثبتت عليه فلا تلزمه في الأحكام على سيِّده إلاَّ ببيِّنة، إلاَّ فيما جاز إقراره فيه مِمَّا أذن له من التجارة فقيل: يجوز في الدين ما أذن له فيه، وفي التجارة، فإذا وقعت المحاكمة، وقد عزل عن التجارة وحجرت عليه لم يجز إقراره في الدين؛ وقيل: لا يثبت مطلقًا، ولو أقرَّ وهو في حينها، وعليه فلا يمين عليه. وعلى إجازته إقراره، فإذا طلب خصمه يمينه، فلسيِّده أن يأذن أن يحلف أو يصدِّقه، لأنَّه لو أقرَّ ثبت عليه.
قال خميس: ولا يبين لي أنَّ للسيِّد هاهنا خيارًا في الإذن له أن يحلف، أو يحلف هو ما يعلم أنَّه أدان هذا الدين في حال تجارته، وثبت له في سائر الأحداث [652] والجنايات في الإذن له أن يخاصم ويحلف، أو يحلف هو: ما علم أنَّه جنى هذه المتعلِّقة في الحكم لو صحَّت برقبته وثبت على سيِّده. وما كان من الدين والأمانات التي لا تثبت عليه لا من الجنايات، فلا شيء عليه منه لو صحَّ على العبد إذا لم يكن في الأيَّام التي أذن له أن يتَّجر أو نحوه من صناعة تتعلَّق فيه الديون والمضمونات فيشبه معنى التجر، فذلك لو صحَّ عليه ببيِّنة لم يكن على سيِّده منه شيء ولا خصومة عليه فيه، وإنَّما يتعلَّق ذلك على العبد إذا أعتق يومًا ما، ولا شيء عليه إن مات، قال: وعندي (7/383)
صفحة 3448
أنَّ هذا من المضمونات، لا حجَّة فيه على السيِّد في معنى الخصومة، ولا تثبت له يمين على سيِّده، إلاَّ إن ادَّعى عليه أنَّه أعتقه ولا بيان له، فله أن يحلف له، أو يردَّ اليمين إليه، وكذا ما يتولَّد مِمَّا يجب به العتق من جناية عليه، ولا يصحُّ على سيِّده ببيِّنة، ولو صحَّ عليه عتقه فيدَّعي ذلك عليه من المثلات، قال: فذلك عندي من موجبات اليمين له لمعنى العتق؛ وينظر في اليمين له إذا ادَّعى عليه ما يخاف عليه فيه الضرَّ من ظلمه له في كسوة أو نفقة أو إساءة إليه لا تجوز له، ولو أقرَّ السيِّد بذلك لمنع منه وحكم له به عليه، فإذا حكم عليه به كان كالخصم منه، وكالمتداعيينِ فيما يثبت من الأحكام، وقد سنَّ أنَّ على المدَّعي البيِّنة وعلى المنكر اليمين، وذلك فيما ثبت معناه في مستقبل يحكم به له على سيِّده، وأمَّا في الماضي فلو أقرَّ به لم يلزمه فيه ضمان للعبد، من ظلمه في مؤنته ولا في إساءته عليه، ما لم يكن موجب عتق من المثلات.
وأمَّا سائر الدعاوى في الأشياء فلا دعوى بينه وبين سيِّده ولا حكومة، فتكون بينهما اليمين، فإن حدث شيء من ذلك نظر فيه.
وإن ارتفع إلى الإمام حرَّان وعبد تاجر لأحدهما وعليه دين، وبأيديهم أرض أو دار يدَّعيها كلٌّ منهم، فللحاكم أن يجعلها بينهم أثلاثًا؛ وإن لم يكن عليه دين، جعلها بين الحرَّين. أبو المؤثر: نعم، إذا أحاط دينه بثلثها؛ وإن كان أقلَّ كان الباقي منه بعد الدَّين بينهما أيضًا.
فصل
إن ادَّعى - قيل - عبدٌ على سيِّده عتقًا وأنكر، وطلب يمينه فردَّها إليه، شرط الحاكم على السيِّد أنَّ يمين العبد عتقه، فإن رضي به وحلفه عتق.
فإن ادَّعى رجل على رجل أنَّه عبده وأنكر، فلا يمين عليه إن طلبها.
أبو المؤثر: إن اتَّهم ربُّ الأمة رجلاً أنَّه وطئها، فأنكر، استحلف ما فعل فيها موجب عقر عليه لها، لا أنَّه ما وطئها. (7/384)
صفحة 3449
وإذا رفع قيل إلى الحاكم عبد أنَّ حرًّا ضربه، وكان فيه الأثر، فحبسه له، ثمَّ أراد إطلاقه، فإنَّه يحتجُّ على سيِّده إن حضر، وإلاَّ أخذا على المحبوس كفيلاً بما يصحُّ عليه مِمَّا اتَّهمه به العبد؛ فإن لم يصحَّ له كفيل، وغاب السيِّد، فإن أطلقه ولم تبق عليه عقوبة بالحبس لم يحبس إلاَّ بما صحَّ عليه من الدعوى.
وإن ادَّعت - قيل - أمَة على زوجها طلاقًا أو حرمة وأنكر، فإمَّا أن يأذن له ربُّها في محاكمتها له، أو يحاكم هو عنها، فإن لزمته اليمين حلف: لقد قالت كذا، وادَّعت كذا على زوجها فلان، ولا أعلم أنَّها كاذبة في دعواها، ويسمِّي بما تدَّعي، وإذا حلف بعد رضى الخصم، فرَّق الحاكم بينهما وقطع حجَّتهما بما جرى في ذلك؛ وإن لم يرض أن يحلف سيِّدها عنها، وطلب يمينها أجبر أن يتركها تحلف هي على ما طلب منها إذا ردَّ اليمين إليها؛ فإن أبى حبس حتَّى يحلف هو أو يتركها تحلف؛ وكذا إن أبى من تركها للمحاكمة في غير اليمين، أو من المحاكمة عنها حبس أيضًا، وكذا في كلِّ ما يدَّعى على العبيد كالأمة في هذا. ولو ادُّعي عليهم في الأنفس أو المال لكان هكذا.
ويحلف السيِّد عن عبده ما يعلم أنَّ قبله للمدَّعي ما يدَّعي عليه، وإن تزوَّج مملوكة فرفعت بالنفقة، فإنَّه يأمر كلاًّ بإحضار مولاه، ويجعل على كلٍّ نصف الكسوة، إلاَّ إن تركه معه ليلاَّ ونهارًا، فيموِّنها وحده كما مرَّ.
وإن أخرِج عبدٌ لتجارة أو صنعة، فلمن كان له حقٌّ من قبل ما خرج، له أن يخاصمه في ذلك أو برفعه إلى الخصومة ويكون خصمًا فيه، ويجوز إقراره في ذلك، ولا يحلف فيه، ولا يحلف إلاَّ برأي سيِّده، وما لم تخرج فيه فلا تكون عليه خصومة، ولا له، ولا إقرار له إلاَّ ما أتمَّ سيِّده، وإنَّما يحكم عليه ببيِّنة على ما صحَّ عليه من لازم في رقبته.
وإن رفع على سيِّده إلى الحاكم فإنَّه يرسل من يدعوه إلى الإنصاف منه، ولا له أن يرسله لإحضار سيِّده. (7/385)
صفحة 3450
فصل
إن تنازع رجلان في عبد فوجد مع أحدهما وادَّعاه، وقال الآخر إنَّه له، فإن بيَّن أنَّه له فهو أولى به، إلاَّ إن بيَّن الذي كان بيده.
ويحلف العبيد - قيل - إن أنكروا الملكة أنَّهم أحرار، ولا يعلمون لمن ادَّعاها عليهم حقًّا من جهتها.
وإن تنازعا في أمة ادَّعاها أحدهما زوجته، وأنَّها حامل منه، والآخر بيعَها له، ويطالبه بثمنها، فعلى كلٍّ بيان دعواه، ولا يثبت إلاَّ به، والحمل حكمه للمقرِّ به، وهو عبد لسيِّده إن بيَّن دعواه؛ وإن لم يبيِّنا معًا أو أحدهما، أجبر مدَّعي التزويج على نقضه لتحمل [653] لربِّها.
وإن كان بيد مسلم وكتابيٍّ صبيٌّ يدَّعيه المسلم أنَّه عبده، والنصرانيُّ أنَّه ابنه، فإنَّه قال أبو عبد الله: حرٌّ مسلم، ويسعى للمسلم بنصف ثمنه؛ فإن مات النصرانيُّ مسلمًا ورثه الصبيُّ.
ومن قال لجماعة هؤلاء عبيده وهم يسمعون، فلم يغيِّروا عليه، ثمَّ أنكروا بعدُ، فهم عبيده إن كانوا بيد، قال: ولا أجد إن ألزمهم الملك بالسكوت حتَّى يصحَّ أنَّهم عبيده.
ومن ادَّعى - قيل - بالغًا أنَّه عبده، وادَّعاه الآخر أيضًا، فصدَّقه العبد، ثبت له؛ ولو أقرَّ أنَّه لغائب وصدَّقه كان أولى به؛ إلاَّ إن صحَّ أنَّه لمن كان بيده، فلا يلتفت إلى إقرار العبد وإن كان صغيرًا.
وقال: من كان بيده أنَّه عبده، وقال هو: أنا حرٌّ، فهو حرٌّ، إلاَّ إن بيَّن أنَّه عبده؛ وكذا إن كان يدفع عنه أحد فقال: هذا وإلاَّ ولا (1) كان يتكلَّم لم يلزم الحاكم أن يسأل الناس عمَّا في أيديهم، ولا يعارضهم فيه.
__________
(1) - كذا في النسختين، والعبارة غير مفهومة. (7/386)
صفحة 3451
ومن ادَّعى جارية له سرقت، وبيَّن أنَّها كانت له، فقالوا: لا نعلم أنَّه باعها، ولا وهبها، وكنَّا نعلم أنَّها له بأرض كذا، فإنَّه لا يجوز أن يعطاها، ولكن تسأل البيِّنة، فإن شهدوا أنَّها كانت فيها، وسمعناه يذكر ذلك، وأنَّه فقدها فيها.
وكان لابن محبوب عبد هرب أو كان يدَّعيه، وأقرَّ العبد أنَّه له، ولم يقبلوا ذلك منه حتَّى يبيِّن ابن محبوب ذلك، فقال: ما علينا بيِّنة.
وإن كان بيد رجل عبد فأقرَّ أنَّه لغائب، فإنَّ الرجل لا يمنع منه إلاَّ إن أتى وكيل الغائب ليقبضه فله ذلك، لأنَّ إقراره بنفسه جائز عليه إن لم يبيِّن الذي كان بيده أنَّه له فيحكم له بالبيِّنة؛ وإن حضر المقرُّ له، وانتفى من العبد قُبل قول من كان بيده ولا ينزع منه.
أبو عليٍّ: من ادَّعى على رجل أنَّه عبده، وادَّعى هو أنَّه أعتقه وبيَّن ذلك، فلا تقبل بيِّنته حتَّى تقول أعتقه فلان إذا صحَّ أنَّه ملكه؛ وإلاَّ فلا يكلَّف بيِّنة على مثل هذا؛ وإن أقرَّ أنَّه عبد لفلان وادَّعى أنَّه أعتقه فليبيِّن، وإلاَّ فله اليمين عليه إن طلبها: إنَّ هذا مملوكه إلى ساعته ما خرج منه، فإذا حلف قيل للعبد: إن صدقتَ فيما قلت فاجتهد في فكِّ رقبتك، واهرب منه جهدك، وإن كذبت فاتَّق الله وارع سيِّدك؛ وإذا قال: إنَّه أعتقه، وقال السيِّد: أعتقه إذا متُّ، قُبل قول العبد مع يمينه، ويبيِّن السيِّد أنَّه جعل عتقه إلى موته.
ومن أقرَّ أنَّه غلام لزيد، أو مملوك له، أو ملك له، فقيل: يجب عليه الملك بذلك لا بالإضافة؛ وإن قال: أنا له أو خادم له، فقيل: يثبت عليه بذلك، إلاَّ إن قال: مولًى له، لأنَّ المولى يخرَّج على وجوه كما مرَّ.
ومن اشترى - قيل - عبدًا، ثمَّ أخبره أنَّه حرٌّ، فإن سأله حين اشتراه فقال: إنِّي مملوك فليكاتبه بما اشتراه به، ولم يجز بيعه، ولا إن لم يقبل له بالثمن، وليعتقه محتسبًا بالثمن، وقيل: لا يلزمه تصديقه إلاَّ إن بيَّن أنَّه حرٌ، وذلك إذا أقرَّ أنَّه مملوك لمن باعه، وأمره أن يشتريه؛ وإن ادَّعى مشتريه أنَّ بائعه باعه حرًّا أو غصبًا أو لفلان، فقال فلان: (7/387)
صفحة 3452
إنَّه له، والبائع ينكر ذلك، فإذا تقاررا على البيع الصحيح فالثمن على المشتري؛ وإن لم يقبض العبد، ولا يقبل قوله على البائع إلاَّ ببيِّنة؛ ويعتق بقوله: إنَّه حرٌّ من ماله وإقراره أنَّه لفلان يوجب عليه قبضه من البائع وتسليمه لفلان إذا صدَّقه فلان ولا يرجع على البائع بشيء إلاَّ ببيان ما يدَّعي. (7/388)
صفحة 3453
الباب الخامس والعشرون
في الدعوى والحكم في العيوب والأيْمان في ذلك
أبو سعيد: ما كان - قيل - منها في الحيوان ولا يمكن حدوثه عند مشتريه بعد الصفقة في التعارف، فالقول فيه قوله مع يمينه، وقيل: بدونها، وما يمكن فيها فالقول فيه قول البائع، والمشتري فيه مدَّعٍ، فيلزمه البيان إن وجده، وإلاَّ فله اليمين على البائع: أنَّه باعه ولا يعلم فيه ذلك؛ وإن ردَّ اليمين إليه حلف: لقد اشتراه وبه ذلك العيب إن ادَّعى أنَّه كان به يوم اشتره.
وخاصم - قيل - رجل إلى موسى بعيب في حمار اشتراه فردَّه على البائع به، وقد حمل عليه قبل، فأمره موسى أن يردَّ على الرجل النصف من الأجرة وله هو بعنائه النصف، وكان شريح لا يجعل لداء في دابَّة أجلاً، ويقول: على المشتري بيان أنَّه اشتراها وهو بها، ويحلف البائع لقد باعها (1)، وما يعلمه بها، واختير ما قاله أبو سعيد 0
ومن باع عبدًا أو أمة ثمَّ أبق أو زنى أو سرق عند مشتريه، فقال له: بعتنيه معيبًا، فقال له: بل حدث بعد البيع، وبيّن أنَّ بائعه كان يقول له: يا زان، يا سارق، يا آبق؛ قال: فلا يلزمه إلاَّ إن شهد عليه أنَّه كان فاعلا، وأمّا هذا فكالشتم، وذكر أنَّه احتجّ بذلك، وقال شريح من اشترى دابَّة أو سلعة، فوجد بها داء، ثمَّ عرضها للبيع، فقد وجبت في عنقه وهو قول الربيع وعلّله أبو سعيد بأنَّ ذلك منه رضا في الحكم، لأنَّه لا يبيع إلاّ ماله بعده.
__________
(1) - ب: «باعه». (7/389)
صفحة 3454
ومن اشترى دابة وماتت عنده وبها داء، فقيل: إن بيّن أنَّه كان بها عند البائع أسقط عنه أرشه، وقد خاصم إلى شريح رجل في دابَّة اشتراها (1) من رجل وبها مشش، وهو مستدق يد الخيل أو رجلها أو شيء يشخص في وصيف، حتّى يشتدّ دون العظم، فقال: بيّن له أنَّه باعها منذ وهوبها، وإلاّ فيمينه: لقد باعها منك وما يعلم بها مششا فلم يجد له بيانا، فاستحلف له البائع فنكل، فقضى عليه [654] بها. أبو سعيد: لم يبن لي معنى ما قال.
ومن اشترى - قيل - عبديْن أو دوابَّ أو عروضا أو سيوفا بثمن وعقد واحد، ثمَّ وجد في بعضها عيبًا، فإمَّا أن يرضى به أو يردّ الكلّ، وإن أتلف واحدا بما اشترى جملة في عقدة ضمن قيمته إن عرفت فيما اشتري وردّ الباقي، وإلاّ سئل: كم يسوى؟ فإن قال العدول: يسوى كذا، كان القول قوله مع يمينه، ما يعلم أنَّه يسوى أكثر من ذلك إلاّ إن جيء بشاهدين يعرفانه، وأنَّه يسوى كذا فيؤخذ بذلك، فإن نزل المتلف إلى يمين صاحبه حلف أنَّه عنده يسوى إلى كذا، ثمَّ يؤخذ له به؛ وكذا في البيوع الفاسدة والمنتقضة، كتمر بتمر أو غيره نسيئة، فإنَّه ربًا لا يحلّ فيردّ إلى رأس المال، وإن أتلف ما أخذ ردّ عليه مثله، وإن ادّعى البائع أنّ الذي أحضره دون حقّه كلّف بيان أنَّه دونه، وكلّف المطلوب أن يحضر جزءا منه، وإن قال الشاهدان: إنّ تثبّته خير بكذا وقفا ولا بيِّنة، قُبل قول من عليه الشيء مع يمينه، ما يعلم أنّ ماله أكثر من هذا؛ وإن نكل ونزل إلى يمين صاحبه، حلف أنّ ماله خير من هذا.
أبو المؤثر: إن قال المدّعي: لا أعرف من أين حدث العيب، ولكنّي اتّهمته أنَّه باعه لي، وهو فيه، حلف البائع له لقد باعه له، ولا يعلمه فيه، أو يردّ معيبه.
__________
(1) - ب: «اشتراه». (7/390)
صفحة 3455
فصل
إذا تداعى متبايعان في عيب نظره الحاكم أو يأمر ثقة ينظره، فإن كان مما لا يردّ به المبيع، فلا يمين في ذلك ولا حجّة للطالب، وإن كان ممّا يردّ به، فإن كان ممّا لا يمكن حدوثه عند المشتري وقد أقرّ البائع بالعيب ردّ البيع به، حتّى يصحّ أنَّه أراه المشتري عنده، أو أنَّه أعلمه به.
أبو عبد الله: إن كان لا يحدث في ساعة، فعلى البائع بيان أنَّه حدث عند المشتري، وقيل: إذا طلب البائع يمينه إن لم يجد بيِّنة بحدوثه عنده، حلف ما يعلم أنَّه حدث بعد أن اشتراه، ثمَّ يردّه، وقيل: يحلف لقد اشتراه وهو فيه، وما حدث عنده داء بعد أن اشتراه إذا طلب البائع يمينه، فإن احتجّ أنَّه أراه العيب ونظره قبل البيع، فعليه أن يبيّن، وإلاّ فيمين الطالب ما رآه، وأنَّه حين رآه ردّه وكرهه ولم يستعمله، وإن رُدّ اليمين إلى البائع حلف أنَّه أراه له ونظره قبل البيع؛ وإن كان ممّا يمكن أن يكون قبله فأنكره، حلف ما باع له هذا بكذا من الثمن، واستوفاه منه وصرف عنه الخصم، وإن ردّ اليمين إليه حلف: لقد باعه له بكذا واستوفاه منه، فإذا حلف أمر أن يأخذه ويردّ عليه الثمن الذي حلف عليه. (7/391)
صفحة 3456
الباب السادس والعشرون
في دعوى الجهل في البيوع والثمن والحكم والأيمان في ذلك
فمن أقرّ بمعرفة ما باع ثمَّ طلب نقضه، وقال: إنّه أقرّ بها وهو جاهل بما باع ورضيه المشتري، قال ابن المسبح: إنّ البيع تامّ ولا ينقض لإقراره بها، وإن نقضه المشتري بعد إقراره بها، وقال: أنا جاهل بالمبيع، لم يجد نقضه أيضا، ولا يمين على أحدهما لصاحبه إذا أقرّا أنَّهما عرفا ما تبايعاه.
وإن طلبه البائع وقال: إنّه باع ما لا يعرف، والمشتري: إنّه باع لي وأشهد لي أنَّه عارف، واشتريت أنا ما عرفت، فعليه بيان أنَّه أشهد له بمعرفة ما باع، فإن شهد له ثبت عليه، وإن طلب يمين المشتري استحلفه له أنَّه ما يعلم أنّ شهوده شهدوا له بباطل، ولا يعلم أنّ له قبله حقاّ من هذا الشراء، وإن لم تكن عنده بيِّنة بالمعرفة حلف للمشتري لقد باع له ذلك، وما عرفه في حين بيعه.
وإن قال: اشتريت ما لم أعرفه، وأنكر البائع، فإن بيّن عليه معرفته ثبت عليه، وإن طلب يمينه حلف له: لقد شهدا له، وما يعلمهما شهدا له باطلا، وإن لم تكن بيِّنة قُبل قول المشتري، ويحلف: لقد اشتريته منك وأنا به جاهل، وقيل: أيّهما ادّعى الجهل في المبيع فهو مدّع ويثبت عليه حتّى يصحّ جهله؛ فإن ادّعى أحدهما أنَّه جاهل ببعض حدوده أو بجزء منه، ففيه اليمين.
فمن ادّعى إلى خصمه بيعًا، فادّعى هو عليه فساده، فقيل: من ادّعى إثباته فهو المدّعي لإقرارهما بأنَّه بيع جائز ولم يقرّ به، ثمَّ يدّعي نقضه بعدما ثبت عليه بسكوت، وإنّما أقرّ بصفة متّصلة، والمتّصل ينقض بعضه بعضًا فيها؛ وقيل: من ادّعى (7/392)
صفحة 3457
فساده فهو المدّعي، ويثبت عليه مدَّعاه إذا صحّ دعواه، وقيل: القول قول من بيده المبيع مع يمينه، وقيل: ما لم يصحّ البيع بإقرارهما أو ببيِّنة وكلاهما يدعى بها، فإن لم يبيّنا حلفا وترادد البيع.
فصل
من ادّعى أنَّه باع لرجل جرابا تمرا، واثني عشر درهما بثمانين درهما إلى أجل، والمشتري أنَّه باع له الجراب بثمانين والاثني عشر وهبه إياها، فقال هاشم والأزهر وتبعهما مسبح: على البائع البيِّنة؛ فإن أقامها انتقض البيع، وإلاّ حلف المشتري: ما أضمر في الاثني عشر على صاحبها، فإن شاء حلف له البائع ما وهبها له، وإن لم يحلف حلف المشتري لقد وهبها له، فيكون أحقّ بها.
[655] ومن اشترى جرابا تمرا فوجده فاسدا ثمَّ أكل بعضه، ثمَّ أراد ردّ الباقي، فقال البائع: أكلت وأبصرت لا أقيلك، فقيل: يردّه ويعطيه ثمن ما أكل ولا يلزمه الباقي لأجل ما أكل، وقيل: يلزمه إن أكل بعدما رآه فاسدًا، وقيل: إذا أنكر القبض من البائع فعليه البيِّنة أنَّه دفع له ما باع له.
وقيل: كلّ من باع شيئا فأدرك فيه المشتري، فالمبيع لمن صحّ له ويرجع على البائع بما أخذ منه، وإن مات رجع في ماله إلاّ إن سلّم المشتري البيع بلا حكم، فلا يرجع بشيء.
ومن ادّعى أنّ فلانا باع له شيئا، وقبض ثمنه، وأقام بيِّنة بإقراره بذلك في الصحّة، والبائع يأكله إلى أن طلبه المشتري، ومضى ذلك سنون، جاز إقراره عليه، فإن جحد فعلى المشتري أن يخرج المال ببيِّنة.
ابن خالد: سمعنا بائعا لرجل مبيعا فأقام بيِّنة أنّه باع له بما يتبين حالة، وبيّن المشتري أنَّه اشتراه بمائة وخمسين إلى مدّة، فبيِّنة البائع أولى، فيؤخذ له بالأكثر وبالنقد، إلاّ إن شهد شاهدا المشتري أنّ البائع نقض البيع الأوَّل وحطّ له من الثمن. (7/393)
صفحة 3458
ومن باع لرجل حبّا أو زعفرانا أو نحوهما، ثمَّ ظهر به عيب، فقال: أعرفه الذي بعت له، فهذا ومثله ممّا يتشابه يحلف فيه ما باعه، ويعلم أنّ فيه عيبا وكتمه، ولا يعلم أنَّه الذي باعه له إذا طلب المشتري ذلك.
وإن باع له غلاما أو نخلة، ثمَّ ظهر به عيب، ممّا يردّ به أو ممّا لا يشبه بغيره، وقال البائع: لم أبع له هذا؛ نظر الحاكم أولاّ في العيب، أو يأمر من ينظره، فإن كان ممّا لا يردّ به البيع، فلا يمين ولا حجّة للطالب في ذلك، وكذا إن اشتراه منه منذ سنة أو نحوها وكان ممّا يحدث في قريب أقلّ من ذلك، ولا يكون قبل البيع فلا يمين في ذلك؛ وقيل: فيه اليمين، والقول قول البائع مع يمينه: ما يعلم أنَّه باعه له وفيه ذلك وقد مرّ.
ومن قال لرجل: لك عليّ مائة إلى شهر، وقال الرجل: هي حالّة قُبل قوله، أبو عليٍّ: حالّة ولكن إذا قال: لك عليّ مائة، وقال الرجل إلى شهر، فهي إليه، ومن قال ضمنت عن فلانٍ، بمائة إلى شهر، وقال المضمون له: حالّة، قُبل قول الضمان؛ وقال ابن بركة مثله.
أبو الحواري: من باع لرجل مالاً، ثمَّ أشهد: إنّي بايعته مالي بمائة، وقبضت منه الثمن، ولم يدفعه المشتري إليه، فلمّا طلبه البائع قال له: ليس لك عليّ شيء، وقد أشهدت أنّك استوفيته منّي، فقيل: إن بيّن البائع أشهد بالاستيفاء، وطلب البائع اليمين حلف لقد أوفاه ثمن هذا، وما عليه له منه شيء، فإن لم يجد بيِّنة قُبل قول البائع، وعلى المشتري بيان الوفاء، وإن تبايع رجلان وتقاررا بالبيع، ثمَّ تداعيا الخيار، فقيل: القول فيه قول من كان بيده المبيع، وقيل: هو شراء ثان وصاحبه مدّع.
ومن قال: اشتريت هذا من فلان، وقال هو: لم أبعه، فإذا أقرّ أنَّه له وأنكر البيع فحتّى يصحّ الشراء.
أبو عليٍّ: إنّ الأيمان بين المتنازعين في الربا، وما لا يحلّ مثله على ما يصفه المطلوب إليه، وكذا الطالب، ولا يحلف أحدهما على القطع في ذلك. (7/394)
صفحة 3459
ومن قال: بعتُ مال غيري بوكالة منه، وأنكره الثمن مشتريه، فنزل إلى يمينه فردّها إلى البائع لزمه أن يحلف أنَّه يستحقّ عليه مطالبة كذا ممّا باع له من مال فلان.
ومن اشترى من رجل متاعا وأعطاه الثمن، ثمَّ ردّه له ردّا يأمنه وزعم أنَّه من ثمنه، وأنكره المشتري، فعلى البائع بيان أنَّه ممّا أعطاه، وإلاّ حلّفه أنَّه ما يعلم أنَّه من ثمنه. (7/395)
صفحة 3460
الباب السابع والعشرون
في الدعوى والحكم في الأجرة والقيمة واليمين في ذلك
ومن ائتجر أجير العمل معروفٌ فادّعى أنَّه عمل، وطلب حقّه، وأنكر الآخر، فإذا تقاررا على الكراء والعمل كتبليغ الكتاب ونحوه، فالقول قول الأجير إنّه عمل وله الكراء؛ وإن كان من غير عمل حضر كبناء ونحوه فحتّى يعلم أنَّه عمله، ويحلف الأجير في ذلك أنّ له على هذا كذا ممّا يدّعيه.
ومن طرح إلى صيقل سيفا يصقله له بكراء، وادّعى الصيقل أنّ بيته نُهب ونُهب معه، فقال السعالي: إن ادّعى أنّ عنده بيِّنة فهل تشهد على نهب البيت أو السيف؟ وإن طلب المحاكمة في نزوى فأين تكون؟ وكيف تكون الأيمان إن نزلا إليها؟ ومن تلزمه؟ وكيف تلزمه؟
فالمختار كما مرّ أنّ الأجير على العمل إن ادّعى ذهاب الشيء من يده بغصب أو سرق أو حرق لزمه أن يبيّن وإلاّ غُرم إن أنكر صاحبه ذلك، فإذا بيّن ذهابه من يده بذلك أو نحوه ممّا لا يعرّضه للذهاب فيه برأ من ضمانه، ولا تجزي الشهادة على نهب البيت، لإمكان أن ينهب بعضه ويسلم السيف، والنظر في الحكم إلى الحاكم، فإن كان له إجبار على الخصوم، فعلى ما يلزمهم إن وجد حاكم كذلك، وإلاّ فعلى ما تراضى عليه الخصمان، وإن نزلا إلى اليمين كانت على ربّ السيف ما يعلم أنَّه ضاع إلاّ إن رضي بيمين الصيقل فحلف لقد ضاع وما ضيّعه.
ومن دفع - قيل - إلى رجل غزلا يطرحه عند النسّاج يعمله له بكراء، فلمّا طلب إليه ثوبه فقال: إنّه هرب، فقيل: إن كان الطارح يأخذ على طرحه كراء ضُمن الثوب حتّى يردّه، وإلاّ فالقول قوله مع يمينه، إلاّ إن صحّت خيانته. (7/396)
صفحة 3461
وإن دفعت امرأة إلى رجل عينا يدفعه إلى صائغ يصوغه لها حليّا، وقالت له: ادفعه إلى فلان الصائغ كذلك، ثمَّ قال: دفعته إليه، ثمَّ جحده أو قال: ذهب، فالقول قوله مع يمينه ولا يضمنه لأنَّه أمين، وضمن إن دفعه إلى غير من أمرته.
وإن عمل النسّاج الثوب فأفسده لزمه أن يضمن [656] لصاحبه مثل غزله ويأخذ ما عمله إلاّ إن اتَّفقا أن يأخذه ويلحق العامل بالباقي من قيمة النقصان.
وإن صبغ الصبّاغ الثوب بغير ما أمره ربّه حتّى لزمه ضمانه، فإذا طلب أخذ ثوبه، والصبّاغ الكراء، قوّم أبيض ومصبوغا، فيكون للصبّاغ عليه ما زاد الصبغ فيه، وإن نقص، قيل له: فإمّا أن تدعه له وتأخذ قيمته أبيض، وإمّا أن تأخذه ونقصه، وردّ للصبّاغ قيمة صبغه.
أبو الحواري: إن أخرج النسّاج الثوب فاسدا فلصاحبه أخذه ولحقه بالنقص أو يردّه عليه، ويكلّفه أن يأتي بمثل غزله وبما أخذ عليه من الكراء، فإن طلب الأجل قدر ما يبيع ويأتيه بما عليه، أُجّل له من خمسة أيّام إلى عشرة، فإذا انقضى لم يكن أجر، ويحبس حتّى يؤدّي ما عليه.
ومن سلّم إلى رجل عينا أو نقدًا على أن يصوغه له، فأدخله النار فسبكه وضربه، فلم يتّفق له عمله في وقته، فقبضه ربّه كذلك، ولا يعلمه سالما من الغشّ أو لا، ثمَّ سلّمه كذلك إلى آخر فصاغه، واستعمله ربّه مدّة، ثمَّ قال: اتّهمتك بإدخال الغشّ فيه، واحلف لي عليه، فإذا قبض السبيكة من الأوَّل ولم يبن بها غشٌّ حتّى سلّمها إلى الآخر فصاغها واستعمل الصوغ ثمَّ اتّهم الأوَّل به فلا تهمة عليه، وقد زال عنه حكم ذلك إلاَّ إن ادّعى عليه قطعا أنَّه أخذ ماله وغشَّه بغيره، فحينئذ يحلف له وخانه فيه ولا حقّ له عليه، أو يردّ اليمين عليه، فيحلف هو على دعواه. (7/397)
صفحة 3462
الباب الثامن والعشرون
في الحكم بين الأعمى وخصمه
فإن ادّعى حقّا على رجل فأنكر ولا بيِّنة عنده، فطلب يمين الرجل، فردّها إليه فلا يمين على الأعمى لأنَّه لا يحلف لمن لا يبصره، فإن كانت له بيِّنة حكم له بحقّه وإلاّ بطل، وقيل: ليس على الأعمى يمين، ويجبر له خصمه عليها حتّى يحلف أو يقرّ له بحقّه، واختير أنَّه لا يمين عليه، ولا يجبر خصمه عليها إذا ردّها إليه.
أبو سعيد: إذا لم يجد بيِّنة على حقّه وقفت دعواه إلى إحضارها، فإن عدمت وطلب يمين خصمه خيِّر، فإمّا أن يحلف أو يقرّ له، وإلاّ حبس ولا بدّ من ذلك. ابن محبوب: لا يحلّفه حتّى يوكّل من يحلّفه له، وكذا قال نبهان وقد مرّ ذلك.
أبو سعيد: إذا لزم الأعمى حقٌّ لخصمه فامتنع عن أدائه وبانت منه أسباب الامتناع بحضرة الشهود، استحضره الحاكم وأمره أن يوكّل من يسمع له وعليه، ولا يمين له ولا عليه، وإنّما يحكم له وعليه بالبيِّنة؛ فإن امتنع عن التوكيل حُبس، وإن أبى من الحضور إلى الحاكم بعدما تسبّب عليه ما يستحقّ به الإحضار، كان له الخيار: إمّا أن يوكّل وإمّا أن يحضر، وقيل: للحاكم إجباره على ذلك، وقيل: له ذلك وعليه.
وإن أقرّ أنّ عليه لفلان كذا وحضر من يدّعي ذلك عليه، وقال: إنّه يواطئ من أقرّ له في الاسم، فلا يؤمر بالدفع إليه إلاّ إن بيّن أنَّه فلان بن فلان الذي وصفه الأعمى، أو الذي لا يعلم أنَّه مواط له غيره كما مرّ. (7/398)
صفحة 3463
الباب التاسع والعشرون
في الحكم على الصبيان ولهم والرفعان من آبائهم ونحو ذلك
أبو سعيد: إنّ الصبيّ إذا خاصم إلى الحاكم وعقل ما يخاصم فيه، سُمعت دعواه، وإن كان له والد أُمر بإحضار مخاصمته، والاستماع له وعليه؛ وإن كان يتيمًا وكّل له، فإن سمع بيّنته، وكانت مثبتة له جاز الحكم له، وإن حلف له خصمه ولم يوكّل له من يحلّفه له، لم يثبت له ذلك، وله اليمين على خصمه إذا بلغ، لأنّ ذلك من الحكم عليه له.
وما حُكم بمخاصمته بإقرار أو بيِّنة من خصمه ثبت له، ولا يجوز إقراره على نفسه، وإذا قامت عليه بيِّنة أقام من يسمعها عليه، وحكم عليه، فإن لم يوكّل له وحكم عليه، وسمع عليه بحضرته، كانت له حجّته في البيِّنة وفيما يحتجّ فيها، فإن ماتت قبل بلوغه، ولم يوكّل له من يدفع عنه ولو في أمرها حين استماعه أو بعده، وتنقطع حجّته بالوكيل، كانت له في البيِّنة فيما يدّعي ما يثبت شهادتهما، وليس له إبطال البيِّنة لشهادتهما في صباه، وشهادتهما له ثابتة عليه، إلاّ ما له من حجّة فيها، والباقي في هذا الفصل من طرح الشاهد على الشاهد، أو المشهود عنه من الشاهدين، فهو يشبه ما قال، لأنّ طرح شهادة المشهود عنه يبطل أصل الشهادة لأنَّه يصلح إلاّ عن المشهود عنه، وطرح الآخر لا يبطل الأوّل.
وإذا جاء للحاكم قيل صبي وبه أثر، فادّعى على أحد، فإن كان يعقل ما يدّعيه، كانت دعواه كغيره، وإن لم يكن له أثر وادّعى إفراكا في أعضائه، أو وجعا في بطنته (7/399)
صفحة 3464
من ضرب، فلا تُقبل منه تهمة على ذلك، ولا من البالغ إلاّ ما تسبّب من شهادة يوجب مثلها التهمة. ولا تجوز وكالته في منازعة عنه.
وإن ادّعى إليه بالغ حقّا وطلب الحاكمَ أن يحبسه له بإقراره، فإنَّه لا يجوز إقراره عليه، ولا يحكم عليه به، إلاّ إن كان في حدّ من يثبت عليه في الأموال على القول بذلك، وفي حدّ البلوغ ما [657] (1) مرّ.
وإن جاء صبي طالبا أو مطلوبا جاز الحكم له لا عليه، وله أن يطالبه إذا بلغ، وإن استحلف خصمه فلا يستحلفه الحاكم له، فإن جهل واستحلفه له، فله أن يعيد استحلافه إذا بلغ وطلب، وقيل: ليس على الصبيان استحلاف ولا لهم ولا لمحتسب، وكان للأب والوصي أن يحلف لهم خصمَهم، وليس للأب أن يحلف من يدّعي إلى ولده حقّا في ماله إذا كان صغيرا واستحقّه بحقّ؛ ولا يجوز الحكم على صبي برأي أبيه، ولا على يتيم بوصي إلاّ ببيِّنة، وإنّما يحلف الأب من يطالب إليه حقّا لولده لا عكسه، لأنَّه لا يكون على الأب، ولأنَّه لو ردّ اليمين إليه لم تكن عليه، فإن لم تصحّ للمدّعي بيِّنة في مال ولده، كانت له اليمين عليه على موجب الحق.
__________
(1) - أ: تنقص هذه الصفحة في النسخة الأم. (7/400)
صفحة 3465
الباب الثلاثون
في الحكم بين الوالد والولد واليمين فيه
والمختار أن لا يمين له على والده، وقيل: له عليه كعكسه؛ ولأمّه عليه كعكسه.
ابن محبوب: إن ادّعى إلى أبويه حقّا فلم يجد بيِّنة خيّرهما الحاكم في الحلف له أو ردّ اليمين إليه، فإن اختارا الحلف له فقد حلفا برأيهما، وبرئا من دعواه، وإن ردّ إليه حلّفه الحاكم على حقّه، وأوصله إليه من مالهما، إلاّ إن أبرأ الأب نفسه من مال ولده كما مرّ؛ وإن حرا (1) أن يحلفا أو يحلفا له أجبرا على أحدهما، فإن لم يفعلا حبسهم الحاكم على عصيانهما إياه، فإن أبرأ الأب نفسه ممّا عليه لولده بعدما رفع إليه، فأنكره وأقام عليه بيِّنة وحكم له به، فأمره أن يسلّمه إليه، فأبرأ الأب نفسه بعد هذا فإنَّه يبرأ.
وإن جرحه حبسه على الحدث لا على حقّه، فإن صحّ عليه ذلك وقاس الجروح فله أن يأخذه بحقّه له، أو لمن قامه، ولا يحبس إن لم يؤدّ له، ولا يجوز له أن يبرأ نفسه من أرش ولده إلاّ إن أبرأه منه بعد بلوغه عند الأكثر، ويبرأ في سائر الحقوق ولو صغيرا، ولا يجبر على إلزام ضيعة أبيه إن أراد اعتزالا عنه، وإذا طلبا النفقة إليه، فقال: إنهما في حدّ غنى، فليبيّنا ما يدّعيان من الإعدام، فإن لم يجدا بيِّنة وأرادا يمينه أنَّه يعلم أنَّهما مستفيان عن إنفاقه حلف لهما.
وإن كان مسلما والأب مشركا حكم له وعليه باليمين، وهو في الأحكام كغيره.
__________
(1) - ب: «حرا» كذا غير مفهوم. (7/401)
صفحة 3466
الباب الحادي والثلاثون
في الحكم للغائب وعليه
فمن قطع البحر وعليه حقوق الناس، وبيّنوها عند الحاكم عليه، حكم لهم بها عليه، وأوصلهم إليها من ماله واستغنى له حجّته بعد استحلافهم عليها.
ومن طلب إلى الحاكم قسم ما بينه وبين غائب، أقام له من يأخذ له منابه، وأمرهما بقسمه، بعد أن يعرّفه بحدوده ببيِّنة وأنَّه على كذا وكذا سهما ويشهد على ما للغائب، وإن كان له ولحاضر دين على رجل، فأخذ الحاضر منه منابه ثمَّ أفلس، فللغائب أن يرجع إليه فيما أخذ بقدره، وإن رفع ذلك إلى الحاكم وكّل للغائب ثقة يقبض له، ولا يرجع على شريكه إن تلف ما أخذ له الثقة، ولا على الغائب لأنّ الحاكم وليّه، ولا يلزمه ولا لليتيم إقرار الوكيل والوصي، ولا يحكم عليهما به إلاّ إن كان معه آخر.
وقيل: إذا باع الحاكم مال غائب بفريضة زوجته أو ولده أو بدين لازم ببيِّنة ودفع الثمن إليهم، وقبض المشتري المال، ثمَّ قدم واحتجّ أنّ الدين قد استوفاه ربّه، وكذا صاحب الفريضة، أو أقام بيِّنة بالإبراء من ذلك تمّ البيع لأنَّه باعه يومئذ بحقٍّ، ويرجع هو على من أخذه منه ذلك.
ومن رفع - قيل - على رجل وادّعى أنّ بيده مالاً لفلانٍ غائب، وأقام عليه بيِّنة، وليس أحدهما وكيلا له، فإن الحاكم يعزله من يده، ويجعله بيد ثقة للغائب، إلاّ إن بيّن الذي كان بيده أنَّه وكيله فإنَّه يتركه بيده. (7/402)
صفحة 3467
الباب الثاني والثلاثون
في مال اليتيم لوصيّ أو غيره
فله قيل أن يحمل البيِّنة له على حقّ، إن طلبه من مال اليتيم، فإن طلبه فيه أحد أو على أبيه أو جدّه أو من يرثه، لم يسمع الحاكم البيِّنة حتّى يحتجّ على الوصي أو الوكيل ليحضر سماعها، فإن احتجّا عليه، وإلاّ حكم عليه، ولا يمين لأحد عليه كعكسه، ولا لمحتسب لصافية أو مسجد أو طريق أو شذا أو غائب على خصمه كعكسه، وإنّما يحكم في ذلك بالبيّنات وجازت شهادته مع عدل آخر، وقيل: حتّى يشترط قبل المنازعة إنّه يخاصم وعنده شهادة فيما يخاصم فيه، إلاّ لغائب فقيل: تُقبل ممّن يخاصم له، وقيل: إن كان حيث لا تناله الحجّة جازت شهادة وكيله له، لأنَّه كاليتيم والمعتوه، وتنفَّد عليه الأحكام، وإن لا وكيل له.
ومن أقرّ ليتيم بمال كان له فأبرأه منه ثمَّ مات، وحكم له بما أقرّ له به، فلمّا بلغ طلبه وارث المقرّ، أن يحلف ما يعلم أنَّه ألجأه إليه، فللوارث ذلك عليه، وإن أبى نُزع المال من يده، ولا يمين على وكيله فيما يخاصم له فيه لخصمه، إلاّ في فعل الوكيل، كمدّع على وكيل يتيم أنَّه دفع إليه دراهم كانت له عليه، فأنكر الوكيل فطلب يمينه، كانت له عليه إنّه ما دفعها إليه.
ولزوج اليتيمة أن يحتسب لها، وللحاكم أن يوكّله لها.
وإن حضر الوصي الحكم بين اليتيم وخصمه فقضى عليه ثمَّ بلغ، وطلب ما حكم عليه بمحضر وصيّه، فلا حجّة لليتيم في ذلك، وإن لم يحضر الوصي كانت له، وقيل: إنّه ووكيله يستحلفان له على الدين ونحوه، ولا يعجّل الحاكم باليمين في الأصل إلى بلوغه إلاّ إن خاف بطلان حقّه فليستحلف له، فإن بلغ وبيّن كان له ذلك وليس له غير تلك اليمين، وقيل: ليس على أحد يمين كعكسه السابق، وليس لوصيّه أو (7/403)
صفحة 3468
وكيله أن يهدر بيّنته إن أراد استحلاف خصمه، وإذا بلغ وبيّن حقّه كان له، ويأمر الحاكمُ وكيله أو وصيَّه أن يجري عليه مؤنته من ماله، وكذا الأعجم والمعتوه.
ومن طلب في مال يتيم حقّا على أبيه أو عليه هو، فلا يسمع الحاكم البيِّنة عليه حتّى يحضر وصيّه أو وكيله، فإن احتجّا عليه وإلاّ حكم، ولوكيله من قِبل السلطان أن يستحلف له من يطالبه بحقّ عليه، إن لم تكن لليتيم بيِّنة، وليس له إبطال بيّنته، وينزل إلى اليمين، فإن فعل لم يبطل حقّه، وليس للحاكم قبول ذلك منه، وإن قال لا أعرف له بيِّنة حلّف الحاكم خصمه، فإن قامت له بيِّنة قبل بلوغه أو بعده ثبت حقّه وله حجّته. (7/404)
صفحة 3469
الباب الثالث والثلاثون
في الحكم في دعوى الزوجية وإنكارها والإقرار بها وحكم الدعوى في الرضى والردّ وأحكام ذلك والأيمان فيه
أبو سعيد: لا يمين عندنا في النكاح، وأثبتها فيه بعض قومنا واختاره أبو سعيد قال: لأنَّه لو أقرّ به الزوج ثبت عليه فيه وعلى الزوجة، ولا يثبت بإقرارها له حقّ من المال، قال: فيعجبني أن يكون هو عليه اليمين على هذا، لا عليها إن ادّعت نكاحه لوجوب اليمين عليه، لما يتعلّق لها عليه من الحقّ كما لو أقرّ، وإن ادّعى هو نكاحها لم تحلف له، لأنَّها لو أقرّت لم يتعلّق له عليها حقّ إلاّ إباحة الفرج لا الملل ولا الغرم، فمن ثمَّ اختلف المعنيان، وقيل: إنّ اليمين ثابتة في ذلك كلّه لأنّ الإقرار بالزوجية ثابت في حكم الإرث، وقيل: لا يجوز فيه إلاّ بالبيِّنة، قال: فلا يخرج في قوله اليمين على الزوج لا الزوجة على النصّ لكن على الاختلاف.
وقيل: لا أيمان في النكاح، ولا في الأنساب، ولا في الردّ، ولا لهما، ولا عليهما، وإن أنكرت الرضى بالتزويج وادّعى هو رضاها ولا بيِّنة لها، ونزل إلى اليمين فقيل: تلزمها، وقيل: لا، وإن بيَّن الرضى، وبيّنت هي الإنكار، فبيِّنة الرضى أولى كما مرَّ.
وإن ادَّعت امرأة على رجل أنَّه زوجها، وطلبت إليه مؤنتها، فانتفى هو أن يكون زوجها، ولا بيِّنة لها، أجبره الحاكم أن ينفق أو يطلِّق، أبو عبد الله: إن ادَّعت عليه ذلك وأنكره، وبيَّنت ذلك فلم تصح بيِّنتها، فقالت: إن لم أكن امرأة له فليبرئني (7/405)
صفحة 3470
لأتزوَّج، فقال: لا أبرؤك فإنِّي لا أملك ذلك، ولا أطلِّق ما لم أملكه، قال: يجبر أن يطلِّقها ولا عذر له، وهو أن يقول: فلانة طالق منِّي إن كانت زوجتي.
وإن ادَّعت امرأة على زوجها حرمة، سألها الحاكم عنها، فإن قالت بموجبها، استحضره ونظر بينهما، فإن لم تجب بما ادَّعت فلا خصومة بينهما، فإن ادَّعت أنَّه كان منه إليها ما لا تحلُّ له بعد أبدًا، لزمه اليمين عليه.
ومن ادَّعى أنَّ زوجته تمنعه نفسها، وأنكرت وطلب يمينها فلا تلزمها.
ومن تزوَّج صبيَّة من أبيها وجاز بها، ثمَّ بلغت فغيَّرت وطلب يمينها، فقيل: لزمها أن تحلف أنَّها فسخت نكاحها منه، وما رضيته زوجًا بعد بلوغها، قبل فسخها إيَّاه ولا وطأها ولا مسَّ فرجها بيده ولا نظره على الإمكان منها، قُبِل الفسخ إن ادَّعى هو ذلك، وإلاَّ أجزت اليمين الأولى، وهذا عند من يرى لها التغيير ما لم ترض به، أو يطأها أو يمسَّ فرجها أو ينظره؛ ولا يراه لها من يثبت عليها التزويج إذا زوَّجها أبوها وقد مرَّ ذلك.
فصل
تنكر الصبيَّة حين ترى الدم، وقيل: قبل أن تغتسل من أوَّل حيضة بلغت فيها، وقيل: ولو لبثت سنة، ثمَّ قالت: إنِّي منذ بلغت فإنِّي كارهة، كان القول قولها مع يمينها؛ وإن أقرَّت بالبلوغ بحدِّ من يجوز إقرارها ثبت عليها ولا إنكار لها بعد.
ومن تزوَّج يتيمة ثمَّ أنكرت، فإن غاب عنها ورفعت أمرها إلى الحاكم، فلا ينبغي له أن يحكم لها بالتَّزويج، إذ لعلَّها رضيت بالأوَّل بعد بلوغها وقد غابت حجَّته؛ وإن أرادت تزويجا وأشهدت بعد بلوغها أنَّها لم ترض بالأوَّل، فلها أن تتزوَّج بعد ولا يمنعها الحاكم منه وللغائب حجَّته إذا قدم. (7/406)
صفحة 3471
وعلى من ادَّعت عليه امرأة أنَّه وطئها، يمين لأحد لوجوب الصداق به، إلاَّ إن قالت: وطئها برضاها، فعليها الحد ولا يمين لها عليه؛ وإن ادَّعت وطئا بالزوجية حلف لها لموجب الصداق، ولا أيمان في الحدود.
ومن أشهد على رجعة زوجته من غير طلاق ثلاث، كل مرَّة شاهدين، فقالت: لم يبق له عليَّ [659] رجعة، وقال: إنَّه أشهد عليها من غير ذلك، فقيل: القول قوله، حتَّى يعلم أنَّه أشهد عليها عن طلاق، ولا طلاق عليها.
ومن ادَّعى تزويج امرأة فأنكرت، وبيَّن أنَّها أقرَّت أنَّه زوجها ويأوي إليها، فالإقرار به ضعيف، إذا لم تقم بيِّنة بأصله، إلاَّ إن عرف وشهر أنَّه يأوي إليها، ويخرج من عندها، وأنَّهما متقارران بالتزويج مع بيانه.
ومن تزوَّج جارية فلمَّا أصاب منها، قالت له: حين ملكتني إنِّي مشركة، فأكذبها، ثبت التزويج، ولو قالت ذلك قبل الدخول بها فسد.
ومن تزوَّج مسلمة فزعمت أنَّها زنت في الشرك، فلا بأس عليه في إمساكها؛ وإن ادَّعته بعد إسلامها، فارقها إن صدَّقها بلا صداق عليه، وإن أكذبها أقام معها ولزمه.
ومن طلَّق امرأته ثمَّ اعتدَّت ثمَّ زعم أنَّه ردَّها، وأنكرت، فلا يمين في هذا إلاَّ بالبيِّنة، وإن قال: أشهدت بردِّها شاهدين بعلمها وقد غابا أو مات فكذلك وبانت منه، وإن قال: أعلمها به في العدَّة، وأنكرت، حلفت ما أعلمها به فيها وبانت منه، فإن ردَّت إليه اليمين، حلف لقد أعلمها به فيها وكانت امرأته، وإقرار كلِّ منهما بالزوجية في المرض جائز إن اشتهر تزويجهما عند جيرانهما وبيِّنت شهرته. (7/407)
صفحة 3472
الباب الرابع والثلاثون
في الحكم بين الزوجين
فإذا فرض الحاكم عليه مؤنتها، واستحقَّتها لما مضى، ثمَّ ادَّعى أنَّها فيه تمنعه، فإن حلفت أنَّها لم تمنعه في حال، لزمتها عشرته بحكم عليها يدفعها لها لذلك، وإن نكلت وردَّت اليمين إليه حلف إنَّها كانت تمنعه ولا تعاشره، فلا تستحقّ المفروضة إلاَّ بالمعاشرة؛ وإن لم يفرض عليه شيئا ولا أخذته، فلا أيمان في ذلك، لأنَّه لا يحكم لها بشيء لماض فيدَّعي عليها زواله، وإنَّما تؤخذ بمعاشرته ويؤخذ بمالها لمستقبل من حين طلبت إليه. فإن ادَّعى عليها الزنى فأنكرت ولا بيِّنة له لزمته مؤنتها، وكانت في ماله إن غاب، ولوكيله كالحاكم أن ينفق عليها إن غاب حيث لا تناله الحجَّة، ويستثنيها له ولا يبطل دعواه عليها ثبوت صداقها؛ وإن رفع أمره إلى الإمام ولاعن بينهما بانت منه ولا شيء عليه.
ومن غاب عن امرأته ورفعت أمرها إلى الحاكم وطلبته أن يكتب لها عليه ما يموِّنها، كتبه لها يوم طلبته، واستثنى له حجَّته ولا يحكم عليه به في ماله حتَّى يحتجَّ عليه، فإن صحَّت له حجَّة أنَّه ترك لها قدرها ما يغيب، وإلاَّ أخذه لها بذلك منذ طلبت، فإذا قدم وعلم الحاكم بقدومه ولم يحتج عليه ولا أخبره بما كتب عليه، حتَّى خلت مدَّة ثمَّ طالبه به، فقال له: لم تعلمني بذلك، فقيل: إذا طلبت ذلك إلى الحاكم وجب لها ولا تكلَّف بيان أنَّه لم يَمُنْهَا لوجوبه عليه في الأصل، وعليه هو أن يبيِّن أنَّه يمونها، وقالوا: لا يؤخذ لها بذلك قبل أن تطلبه، إذ لا يحكم لها قبل طلب الحكم لها بما طلبت، ولا يبرأ منه عند الله وهو به آثم وضامن له، ولها أن تأخذ من ماله بقدر ما لها في الحكم، وعليه التوبة؛ فإن ادَّعى قبلها ما يزيل به بعض ما لزمه أو كلَّه، كلِّف بيانه، وإلاَّ فالقول قولها مع يمينها، ولا يحكم عليه بالإِنفاذ من ماله إلاَّ بعد أن يحتجَّ عليه، فإن (7/408)
صفحة 3473
صحَّ أنَّه يموِّنها بعد طلبها وثبت له، وبيَّنت أنَّه خرج متولِّيا عنها ولم يدَّع لها شيئا، أخذ ببيِّنته إذا تكافأت البيِّنتان، ولا يكتم لها ما يموِّنها قبل أن تطلب إليه، وإن كتب لها برأيه بعده أوصلها إلى ما وجب لها، وإن عجز عمَّا يلزمه لها ثمَّ استفاد مالا، فإن حكم لها عليه بمؤنتها ثمَّ أيسر بعد عجزه، لزمه أن يدفع لها ما وجب لها بالحكم إلى ميسرة.
وإن تزوَّج غنيُّ غنيَّة ثمَّ افتقر، وعجز أن يكسوها الحرير وينفق عليها مثل الأوَّل، فقيل: لها كسوة مثلها ولو فقيرا، وقيل: في قدره إذا قدر من كسوة وسطة ونفقة كذلك، واختير أنَّه إن تزوَّجها غنيَّة فلا يحول حكمها عن حالها، فإمَّا أن يمسكها بلا إضرار بها أو يطلِّقها ولها (1) ميسورة من حقِّها. وإن طلبت المرأة الحرير، وادَّعت أنَّه لباسها وطلب أن يحضرها القطن، فقيل: لها عليه كسوة مثلها. فإن تزوَّجها وهي من لباسها الحرير أو القطن، كان لها ما صحَّ لها عند الحاكم منهما إذا وصلا إليه.
وإن رفعت عليه بنفقة؛ وإن لوالدها أو غيره، أجِّل له. وإن خافت أن يهرب وطلبت عليه كفيلا، أحضره لها، وقد حكم بذلك نبهان، ولا حبس عليه إن لم يجده، وإنَّما يحبس القادر على الكفيل ولا يؤخذ عليه كفيل فريضة لولد لها.
__________
(1) - ب: «لهو» واللفظ غير مفهوم في النسختين. (7/409)
صفحة 3474
الباب الخامس والثلاثون
في الحكم بين الأزواج في العيوب ودعوى وطئا في حيض أو دبر وفيما يجبر فيه الزوج على الطلاق
فإذا أنكرت رتقا، حلفت ما علمت أنَّها رتقاء، وإلاَّ فعليه صحَّته ممَّن يوثق به من نساء وعدلين كانا تزوَّجاها قبل أو عرفاها بالرتق في صباها لا بغير ذلك، وقيل: تؤجَّل كالعنِّين سنة، فإن جاز بها وداوت منه، وإلاَّ فلا صداق لها عليه وفرِّق بينهما وكذا العنِّين، وثبت لها إن مسَّ فرجها إذا صحَّ موجبه بإقراره أو بالشَّهادة أنَّه أغلق عليها بابا أو أرخى سترا.
ابن محبوب: إن ادَّعت عليها وطئا [660] في الحيض أو الدبر ولا بيِّنة لها، حلف لها إن طلبت ما يعلم أنَّه تعمَّد ذلك، ثمَّ يأمرها أن تساكنه إن كان زوجها أو بالهرب منه إن صدَّقت، وإن أبت أن تحلِّفه، أمرها الحاكم به. وإن ادَّعت عليه وطئا في الدبر، فلا يسمع دعواها حتَّى تقول عمدا.
ابن عليٍّ: من ملك امرأة ثمَّ حبس وطلبت أن يؤدي لها مالها، فإنَّه يؤجَّل في الحبس، ثمَّ يموِّنها بعد الأجل، وتجبر على الطلاق إن عجز؛ وكذا مريض عاجز عن العمل ولا مال له يؤجَّل، ويجبر على الطلاق إن عجز لا إن أنفقا وكسيا إلاَّ العنِّين إذا أجِّل، فإذا لم يطق أجبر عليه، لأنَّه عيب يردُّ به. (7/410)
صفحة 3475
الباب السادس والثلاثون
في جواز خروج المرأة إلى الحاكم للحكم
فمن ادَّعى على مخدرة أو شريفة دعوى، فطلب إحضارها إلى مجلسه لم يلزمها أن تخرج إليه نهارا، وتؤخِّر إلى الليل، وجازت عنها الوكالة في الأحكام، ويقوم الوكيل مقامها إلاَّ في اليمين، فإذا لزمها أمر ثقة يحلِّفها في بيتها بمحضر من خصمها، ولا تخرج منه لليمين، ولا بدَّ من إخراج وجهها إن أراد تحليفها، لأنَّ الحكم لا يكون إلاَّ على مكشوف.
وجوِّز خروج المرأة للأحكام، وقد خرجت فاطمة إلى أبي بكر تطلب إرثها من جدك (1)، وهند بنت عتبة إلى النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم تشكوه من أبي سفيان بلا إذنه ولم ينكر عليها، وكذا حبيبة بنت عبد الله تشكو من ثابت بن قيس.
__________
(1) - كذا، غير مفهوم. (7/411)
صفحة 3476
الباب السابع والثلاثون
في الحكم والدعوى واليمين في الصداق
فإذا صحَّ لامرأة على زوجها ببيِّنة، وطلب وارثه يمينها، فإن كانت تدَّعيه، حلَّفت أنَّ لها عليه هذا الصداق إلى هذا الوقت وما علمت أنَّه زال عنه، وما شهد لها به باطلا، وإن أقرَّ هو لها به حلَفت ما تعلم أنَّه إلجاء بلا حقٍّ وأنَّه أقرَّ لها بباطل، وقيل: إذا أعطته صداقها ثمَّ طلبته بعد موته وبيَّنت أنَّه إنَّما أعطته بعد طلبه، فلها صداقها بعد أن تحلف ما أعطته إلاَّ تقيَّة منه أن يسيء إليها.
ومن قبِل على ابنه بصداق امرأته فمات فطلبته من زوجها وهو الابن، وقال: لا شيء لكِ، فإن ترك الأب مالا، حلف الابن ما يعلم على أبيه هذا الصداق، وإلاَّ فلا يمين عليه لأنَّه لم يرث.
ومن قضى زوجته بصداقها مالا في صحَّته فلا يمين عليها لوارثه وثبت لها ولها الخيار كما مرَّ إن قضاها في مرضه وله عليها يمين ما علمت أنَّه إلجاء إليها وأنَّه أكثر من حقِّها. وإذا صحَّت لها بيِّنة عليه بحقٍّ وقبول التزويج عليها وبإقراره به فالحقُّ والشَّهادة على نفسه بذلك ثابت عليه في الحكم، ولو لم يشهد أنَّه إلى وقته هذا.
ومن عليه لزوجته صداق، فأقرَّ لها بجميع ماله ولم يقبضها ما عليه لها، وطلبته إليه، وقالت: إنَّما ذلك أقرَّ لي به وحقِّي عليه أيضا، فقيل: إقراره ثابت ولا يبرأ من حقِّها وهو عليه.
أبو الحواري: من تزوَّج بامرأة وعليه لها صداق وماتت، وخلفت جارية عنده ومات هو أيضا وخلَّف يتيمين: بنت الميِّتة وولد من أخرى، ولم يوص لورثة الميِّتة بشيء، فخلا لذلك زمان إلى أن شهدت البيِّنة على فلان بن فلان لفلانة بنت فلان (7/412)
صفحة 3477
بكذا نخلة تزوَّجها عليها، ولا يعلمون أنَّه زال عنه إلى أن ماتت ومات هو، فإذا شهدوا كذلك (1) ثبت الحقُّ عليه لورثتها لأنَّه إنَّما وجب بعد موتها، فهو لهم عليه في ماله، ولا يبطل حتَّى يموتوا ولم يطلبوا، فحينئذ لا يكون لمن بعدهم شيء فيه، ولا تكلَّف البيِّنة شهادة القطع، وإنَّما عليهم أن يشهدوا أنَّ فلانا تزوَّج فلانة على كذا درهما، أو مثقالا ذهبا، أو نخلة، أو نحو ذلك.
ومن له - قيل - زوجة لها عليه صداق مكتوب يوم التزويج، ولم يوص به عند موته، إلاَّ أنَّه مكتوب في حدِّ التزويج وقال وارثه: ما أوصى لك، فقيل: إن قامت لها بيِّنة بما فيه ثبت لها.
ومن طلَّق زوجته وأنكرها الصداق، ولا بيِّنة لها، حلف لها ما عليه لها حقّ بوجه من قبل صداقها، ولا غيره. هذا إذا لم يسمّ كمِّيته، وإن سمَّاها قال: إنَّه أوفاها إيَّاه أو أبرأته منه، أو زال عنه بوجه، فعليه أن يبيِّن ذلك، وإلاَّ فهو ثابت عليه، فإن طلب يمينها حلَّفها.
__________
(1) - ب: «فذلك». (7/413)
صفحة 3478
الباب الثامن والثلاثون
في الدعوى والحكم في الطلاق والرد واليمين في ذلك
فمن ادَّعته عليه امرأته الطلاق فأنكر، فعليها البيِّنة، وإلاَّ حلَّفته ما يعلم أنَّه طلَّقها طلاقا يبينها منه إلى ساعته، فإذا حلف وقد ادَّعته رجعيا، أجبره الحاكم أن يردَّها إزالة للشبهة (1). وإن ادَّعته بائنا، قال لها بعد أن يحلف الزوج: إن صدقت فاهربي منه أو فافتدي منه بما قدرت، فإن قبل الفدية، قال له: اتَّق الله فإنَّها لا تحلّ لك إن صدقت، وإن كذبت وأنت محسن إليها، جازت لك بما أسلمت لها لا بالزَّائد، وإن لم يقبل فديتها، قال لها: إن صدقت فلك مجاهدته إذا أرادك في الحين لا قبل ولا بعد كما مرَّ، فإن غلبها فالله أولى بالعذر ويقول له اتَّق الله ولا يحملها ما لا يحلُّ لها، وإن كنتَ كاذبا فلها قتلك حين إرادتك جماعها، وإن ردَّ إليها [661] اليمين، اشترط عليه أنَّها طلاقها ويقول لها هو إذا حلفت فقد طلَّقتك، فإذا أنعم (2) وحلَّفها، جاز لها أن تعتدَّ وتتزوَّج، وكذا السيِّد إذا أراد اليمين على العبد إن ادَّعى منه عتقا، وأنكر ونكل وردَّها إليه، فإنَّ الحاكم يشترط عليه أنَّ يمينه عتقه وهي في الطلاق على ما تحكيه المرأة من الطلاق لما حكي أنَّ رجلا وامرأته حضرا عند أبي المؤثر فقال: كان بيني وبينها كلام، فقلت لها: استتري فليسك امرأتي، فقال لها أبو المؤثر: اسمعي ما يقول، فقالت: يقول هذا، فقال للرجل: إن عنيت الطلاق فهو ما نويت، وإلاَّ فلا بأس عليك، فقال: إنَّما نويت أغمَّها إذا غمَّتني لا الطلاق، فقال لها: إن صدَّقته فلا بأس عليك، وإلاَّ فاستحلفيه، فطلبت يمينه فأمر باستحلافه ما عنى بما قال طلاق، فقالت:
__________
(1) - ب: «لا شبهة».
(2) - ب: «أنهم» وهو خطأ. (7/414)
صفحة 3479
ارجع إليه، فقال لها نعم وهو زوجك، وقيل: إن ادَّعت عليه طلاقا فأنكر ونزل إلى يمينها؛ فإن ادَّعته بائنا أو ثلاثا حلفت كذلك، وإن ادَّعته رجعيا وتمَّت عدَّتها، حلفت على ذلك ويجبر على ردّها إن لم تنقض. وقيل: إن ادَّعت عليه الطلاق فقال: سلوها؛ فإن قالت: طلِّقتها فقد صدقت فسئلت، فقالت: طلَّقني، قال هو: كذبت، اختير أن يقع لأنَّها صدَّقها ولا يدري ما تقول.
وقيل: إن ادَّعت أنَّه طلَّقها ثلاثا، ولم تقرّ له بالزوجية، وادَّعاها هو زوجته فقيل: هي دعيَّة عليه الطلاق، وهو مدَّع عليها الزوجية فيدَّعي أوَّلا بالبيِّنة عليها، فإذا صحَّت كلِّفت هي بها على الطلاق، فإن صحَّت وإلاَّ لزمه اليمين.
وإن ادَّعت خلعا أو طلاقا وأنكر، فمدَّعية وعليها البيِّنة. وإن ادَّعى أنَّه خالعها على شيء تردُّه له وجحدت، فالطلاق لازم عليه وعليه بيان أنَّها أبرأته ممَّا ادَّعاه، وإن ادَّعت عليه طلاقا وأنكر، وادَّعت بيِّنة غائبة، أجِّل لها بقدرها ويحال بينهما إذا سمت معروفين جائزين، وإلاَّ فأرجوا أن لا يحال بينهما.
وإن شهد عليه عدلان أنَّه طلَّقها فحلف بطلاق نسائه وعتق عبيده، أنَّهما شهدا عليه زورا فرفع عليه العبيد والنساء فلا يطلَّقن ولا يعتقون، لأنَّه إنَّما حلف على علمه، وتطلَّق التي شهدا أنَّه طلَّقها، هاشم إذا شهد بذلك، وأجازهما الحاكم ثمَّ أكذبا أنفسهما فإنَّها لا ترجع إليه.
ومن قال لزوجته: إنَّه حلف بالطلاق ولم يحلف، فكذب فلا يقع وعليه اليمين أنَّها زوجته إلى الساعة ما خرجت منه به ولا حلف به إذا طلبت يمينه، فإذا حلف بطلاقها في شيء فطلبت يمينه أنَّه صادق فيها، فلها ذلك عليه فحلف لقد صدق فيما حلف بطلاقها، فإن ادَّعته أنَّه قال: الحلال عليه حرام، يعني طلاقها أو إن أخذ لها شيئا فليست بامرأته، وادَّعت أنَّه أخذ لها حليًّا وأنكر، فقيل: يحلف في ذلك على الصفة، ثمَّ ينظر الحاكم في ذلك، فإن أوجب اللفظ الذي ادَّعته الطلاق إذا أراده به (7/415)
صفحة 3480
حلفه عليها وإلاَّ لم يحلف على ما لم يوجبه، وإنَّما تكون اليمين في الطلاق على ما يتداعيان عليه من الألفاظ.
فصل
من طلَّق امرأته فانقضت عدَّتها وادَّعى أنَّه ردَّها وأنكرت فلا أيمان في هذا إلاَّ بالبيِّنة، فإن ادَّعى موتهما أو غيبتهما بانت منه ولا يمين هنا (1)؛ فإن جاءت بيِّنة أنَّه ردَّها بعد عودتها، وادَّعى أنَّه أعلمها بالرَّد قبل انقضائها وأنكرت، وطلب يمينها، لزمه أن يبيِّن أنَّه أعلمها به فيها، وإلاَّ فيمينها ما أعلمها به، فإن حلفت بانت؛ وإن نكلت فليس لها ذلك، وإن ردَّتها إليه فحلف، كانت امرأته بالردِّ وذلك إن ادَّعى أنَّ الشاهدين أعلماها. وقيل: تحلف ما أعلمها به في العدَّة، وبانت منه، وإن ردَّت اليمين إليه حلف أنَّه أعلمها به فيها؛ وقيل: لا يمين في هذا إلاَّ بالبيِّنة؛ وقيل: إذا أعلمها هو أو أحد الشاهدين في العدَّة ثبت عليها ذلك ويأتيها بهما أو بالثاني، وقيل: فيه اليمين فتلزمها إن ادَّعى عليها ما لو أقرَّت به ثبت عليها.
__________
(1) - ب: «عنها». (7/416)
صفحة 3481
الباب التاسع والثلاثون
في الدعوى والحكم في الميراث بين الزوجين والاختلاف في الحكم في انقضاء العدَّة ونحو ذلك
فمن طلَّق زوجته رجعيا أو آلى منها أو ظاهر، ثمَّ مات أحدهما فقال الحيُّ: إنَّه مات في العدَّة، وقال وارثه: بعدها، أو قال الحيُّ: لا أعلمها انقضت، فقيل: القول قوله مع يمينه، إلاَّ إن بيَّن الوارث أنَّه مات بعدها؛ وكذا إن ماتا معا أو متتابعين، فقال ورثة الميِّت الأوَّل: مات بعد العدَّة، وقال ورثة الآخر: لا نعلمها قد انقضت، قُبل قولهم مع يمينهم، ويرثون الأوَّل إلاَّ إن صحَّ أنَّه مات قبل انقضائها.
وكذا في صبيَّة مات زوجها، وهي في عصمته أو قد أبرأها، برَّ إن شرط ولها الخيار إن بلغت، فماتت بعد البلوغ، ولم يعلم رضاها من إنكارها، فطلب وارثُها ميراثها من زوجها، فهي امرأته حتَّى يصحَّ أنَّها أنكرت، وله الإرث [662] منه، ولوارث الزوج على وارثها اليمين بما يدَّعي.
وإن أقرَّت امرأة أنَّ زوجها طلَّقها، ثمَّ مات فطلبت إرثها منه، وقالت: لم يطلِّقها، حلفت وورثته؛ وإن طلَّقها في مرضه وقالت: لم تتم عدَّتي، بيَّن الوارث انقضاؤها؛ وإن ادَّعت أنَّه طلَّقها ثلاثا، وأنكر ولم تجد بيِّنة، حلف ما طلَّقها وهي امرأته، ولا إرث لها إن مات لإقرارها بالثلاث، وقيل: ترثه إن أكذبت نفسها؛ وإن طلَّقها تطليقة ثمَّ ماتت، فطلب أن يرثها، وقال: إنَّها في العدَّة، وهي ممَّن تعتدُّ بالإقرار فله إرثه ولو خلا لها سنة أو أكثر، ما لم تقم بيِّنة أنَّها أقرَّت بانقضائها. (7/417)
صفحة 3482
الباب الأربعون
في الدعوى والحكم بين الزوجين والمتساكنين لما في المنزل
أبو عليٍّ: إذا مات أحدهما فادَّعى الحيُّ ما فيه فهو أولى به مع يمينه، إلاَّ إن بيَّن أنَّه أو بعضه للميِّت.
وإن سكن أحدهما منزلا آخر، ثمَّ جاء الآخر بعد موته، فادَّعى ما فيه، فليس له إلاَّ ببيِّنة. وإن سكنا منزلا ثمَّ خرجت زائرةً أهلها، ومات، فادَّعت ما فيه، فهي أولى به مع يمينها حتَّى يعلم انتقالها عن زوجها منه، فليس لها ما فيه إلاَّ ببيِّنة.
وإن كان بلدها غير بلده فخرجت إليه بإذنه ومات، ثمَّ جاءت إلى منزل كانا فيه، فادَّعت ما فيه، فهو لها مع يمينها، وقيل: يصدَّق كلٌّ منهما فيما يصلح له، وقيل: سيَّان لأنَّها ترث وتشتري وتوهب ما يصلح له وبالعكس.
وإن أخذ أحد المتساكنين في بيت شيئا منه، فادَّعى أنَّه له، فهو أولى به مع يمينه، وإن كان فيه لا في يد أحدهما، وتداعياه معًا، وهو فيه فهو بينهما، ويحلف كلٌّ أنَّه له وما يعلم لصاحبه فيه حقًّا، فإذا تحالفا قسَّماه؛ وإن نكل أحدهما، فلمن حلف نصفه، وخيِّر الآخر في أن يحلف أو يحبس أو يسلم؛ وكذا مشتركان في تجر أو غيره.
ومن طلَّق - قيل - زوجته، وفي بيتها كثير من الآنية والأمتعة فليس لها إلاَّ ما كان لها؛ وإن مات وادَّعت المنزل الذي سكناه وما فيه أنَّه لها دونه، وأنكر وارثه، فقيل: إن عرف المنزل للميِّت قُبل فيه قول وارثه مع يمينه، فإن أقامت بيِّنة، وإلاَّ فللوارث أن يحلف أو يردَّ اليمين إليها، وإن لم يعرف لمن هو، فالساكن فيه أقعد فيه وحكم ما في المنزل لساكنه ولو مملوكا إن ادَّعاه. (7/418)
صفحة 3483
ومن توفِّي وفي داره رقيق، فقالت زوجته: إنَّه لها، وكان يقول: إنَّه له، فهو له إلاَّ إن بيَّنت أنَّه لها، فإن بيَّنت أنَّها اشترته فلانا من عبيده فلا يثبت لها إلاَّ إن قالت: البيِّنة فلانا هذا، لأنَّ الأسماء تتفق، ولو أسلمته إلى معلِّم أو مؤدِّب، أو آجرته من أحد، لأنَّها تفعل في مال زوجها مثل هذا.
واختلفوا في الأصول، فقيل: القول قول الحيِّ من الزوجين أو المتساكنين أو المشتركين، وقيل: لا تثبت الدعوى فيها إلاَّ بالبيِّنة.
ومن أصلح بيت زوجته بمثل جذوع أو باب أو غيرهما ثمَّ تبارءا، وخرج من عندها ولم يطلبها فيه، فتزوجَّ غيرها أو مضت سنون إلى أن ماتت وطلبه من وارثها، فقيل: ما أصلحه به بلا شرط أن ترجعه إليه، فلا حجَّة له عليه.
ومن مات عند زوجته، فطلب وارثه يمينها، ما سترت عليه شيئا من ماله، فله ذلك عليها، فإن نكلت حبست حتَّى تحلف أو تموت في الحبس؛ وكذا الرجل؛ والذمِّيَّة والأمة والعبد سواء في الحكم في ذلك. (7/419)
صفحة 3484
الباب الحادي والأربعون
في الدعوى والحكم في الميراث واليمين في ذلك
فمن كانت بيده دار فأقام عليها رجل بيِّنة، أنَّ أباه تركها له ميراثا ولا يعلمون له وارثا غيره، فأقام عليها آخر بيِّنة أنَّ أخاه تركها له كذلك وأنَّه شقيقه، والذي كانت بيده منكر لذلك، فإنَّه يقضى بها بينهما، وقيل: على كلٍّ منهما لصاحبه يمين أنَّه لا يعلم أنَّ بيِّنته شهدت له بباطل، ولا شيء للناكل منهما؛ وكذا في غير الأصول. والبيِّنة التي وقِّتت أولى، وقيل: سيَّان، واختير الأوَّل، فإذا وقِّتتا واختلفتا، فالأكثر أنَّ بيِّنة الأخير أولى لإمكان الانتقال من ذي البيِّنة الأولى إلى ذي الأخيرة، كمدَّعيين عبدا بيَّن أحدهما أنَّه ورثه من أبيه وحده، وبيَّن الآخر أنَّ أباه باعه لهذا المدَّعي في حياته، فبيِّنة المشتري أولى، وهي تبطل بيِّنة الإرث، وكذا إن شهدا أنَّ الميِّت تصدَّق به على هذا أو أعطاه إيَّاه أو نحله له.
ومن بيده دار أو مال، فادَّعى رجل أنَّه له فشهد له أنَّه لأبيه أو كان له لأنَّه لا أنَّه ورثه منه، فقيل: لا يقضى له به، ولا تنفذ هذه الشهادة، وقيل: إذا شهدا أنَّه كان لأبيه، لم يحتج إلى أن يقولا: مات وتركه له، ولكن يسألان عن عدد الورثة؛ ولو شهدا أنَّ جدَّ هذا مات، وتركه ميراثا له، لم تنفذ حتَّى يشهدا أنَّه تركه كذلك ولا يعلمون له وارث غيره، [663] وقيل: إذا شهدا أنَّه كان له، لم يكلَّفا إلاَّ عدد الورثة، وقيل: لا تثبت حتَّى يشهدا أنَّه كان لأبي هذا، أو جدِّه أو نحوهما، ولا يكفيهما أن يقولا: تركها له ميراثا، لأنَّه ترك الدنيا وما فيها.
ومن بيده دار أو غيرها، فبيَّن رجل أنَّ أباه تركها إرثا له، ولا يعلمون له وارثا سواه، وبيَّن الذي كانت بيده أنَّ أباه تزوَّج عليها أمَّه فلانة، وأنَّها ماتت وتركتها ميراثا له، ولا يعلمون وارثا غيره، فإنَّه يقضى بها لابنها، لأنَّ الرجل خرج منها حين (7/420)
صفحة 3485
تزوَّج عليها، وكأنَّه باعها؛ وإذا كانت بيد رجل، فبيَّن زيد أنَّها دار أبيه، ولم يقولوا تركها ميراثا له، فإنَّه لا يقضى له بشيء بهم، حتَّى يصحَّ موت أبيه، وكذا لو شهدوا أنَّها كانت لجدِّه، وتركها ميراثا له، وقيل: يقضى بها للجدِّ وتجعل على يد عدل، حتَّى يصحَّ عدد ورثة الجدِّ؛ ولو شهدوا أنَّها تركها إرثا لأبي هذا، ولا يعلمون له غيره، فإنَّه يقضى له بها، وقيل: إنَّ ما لجدِّه يحكم به لورثته، فإن لم يصح له غيره كان هو وارثا له.
وقيل: إذا كانت بيد زيد، فبيَّن عمر أنَّ أباه تركها ميراثا له ولأخويه فلان وفلان، ولا يعلمون له غيرهم وقد غاب أخواه، فإنَّه يقضى للحاضر بمنابه وتترك أنصباؤهما بيد من كانت الدار بيده، إلاَّ إن وكَّلا أخاهما، وقيل: للحاكم أن يدفع ما للغائب إلى وكيل يقيِّمه له، أو يتركه بيد من كانت بيده، وقيل: إذا أقرَّ أنَّها دار أبيهم ثمَّ أنكر، فقيل: يدفع للحاضر حقًّه ويترك ما للغائب بيد المقرِّ، والإقرار والبيِّنة في هذا سواء. فمن ادَّعى شراء مناب أحد الغائبين فلا تقبل بيِّنته عليه لأنَّه ليس أحد الورثة خصمه إن أقرُّوا بنصيب الغائب أنَّه له.
وإن كانت بيد رجل وابن أخيه، وادَّعى العمُّ أنَّ أباه تركها ميراثا له، ولا يعلم له غيره، وابنُ الأخ أنَّ أباه تركها كذلك، وبيَّنا ذلك معا، قضي بها بينهما، وكذا إن بيَّن هو أنَّها كانت لجدِّه وخلَّفها لأبيه وعمِّه، فمات أبوه وورثه، وبيَّن العمُّ أنَّ أخاه مات قبل أبيه فورث منه سدسه، ثمَّ ورث أباه وجدَّه، فقيل: يقضى في هذا ببيِّنة الأولِّ، وتبطل بيِّنة الأخير، وقيل: تبطلان معا لكذب أحدهما لا بعينها، وقيل: لابن الأخ ربع المال، لأنَّه بيَّن النصف، وللعمِّ ثلاثة أرباعها، لأنَّه بيَّن الكلَّ، ويعطى أيضا سدس مال أخيه الذي أنكره ابنُ أخيه، وقامت به البيِّنة، ولا يرث مما ورث أخوه من أبيه، وورَّثهما أبو الحواري كالغرقى، كجدٍّ مات وقسَّم ماله بين ابنيه، ومات الابن فورث أبوه سدس ماله، فكان لابن الابن نصف مال جدِّه، وللعمِّ نصف مال أبيه وسدس ابنه إن كان له غير ما ورث منه. (7/421)
صفحة 3486
وكذا مدَّع مالا كان لجدِّه وميراث أبيه منه، ولم يكن يدَّعيه قبله، فقيل: لا دعوى له، ولا عليه بيِّنة. وكذا إن ادَّعى ميراث ميِّت لم يطلب حتَّى مات، إلاَّ إن تتابع موتهما. وكذا جاء الأثر عن موسى وغيره، وبه قال أبو المؤثر، واختير أنَّ له حجَّته إلاَّ إن قامت على الميِّت بيِّنة تبطل إرثه من ذلك المال.
أبو المؤثر: المحفوظ قول موسى إلاَّ إن بيَّن أنَّ مال الأوَّل مشاع إلى ساعته، ولا تعلم البيِّنة أنَّه قسِّم، فإذا صحَّ ذلك قسَّم على المواريث الأوَّل فالأوَّل، وقيل: إذا علم أنَّه قسِّم وادَّعى بعضُ الورثة بعضَه في يد غيره، فليبيِّن أنَّه لم يقسَّم حتَّى يشهد أنَّه قسِّم.
أبو المؤثر: لا اقبل بيان أنَّه لم يقسَّم حتَّى يشهد أنَّ هذا الموضع مشاع بين ورثة فلان، لا يعلم أنَّه قسِّم، وقيل: إذا مات الأوَّل ولم تصحَّ مطالبته في المال، ماتت حجَّته، إلاَّ إن صحَّ أنَّه له، وأنَّه بيد من هو بيده بوكالة أو عمالة أو بغصب أو غير ذلك، وقيل: للثاني حجَّته، وإنَّما تنقطع عن الثالث مما لم يطلبه الثاني، وقيل: للثالث والرابع حجَّتهما ما صحَّ المال، ولم تثبت على أحدهما حجَّة تزيل حقَّه من المال، وقيل: حتّى يصحَّ أنَّه غير مقسوم، ثمَّ هناك تثبت حجَّة الثاني، وقيل: إذا لم يصحَّ القسم فلهم حجَّتهم ما تناسلوا وصحَّ النسب، وقيل: إن كان ذلك في تتابع موتهم جاز، فإن تفاوت فهو الذي فيه الخلاف.
فكلُّ من يرث من حالين كالزوجين، فإنَّه يعطى أقلَّ ما يرث عند الحاكم، وإن كان في يد غيره فله أن يسلِّم لمن صحَّ عنده له فيه معروف، وقيل: أقلُّ ما يدفع الزوج من زوجته الربع ولها منه ربع الثمن.
فصل
إن ادَّعى زيد أنَّه وارث عمر وادَّعى بكر أنَّه وارثه، فعلى كلٍّ بيِّنة النسب، فإن بيَّنا معا، نظر الحاكم إلى الأقرب ودفع إليه الإرث، فإن استويا في النسب قسَّمه بينهما، وإن بيَّن أحدهما فقط فهو له، ولا تقبل بيِّنة أنَّ هذا وارث هذا بلا وضوح (7/422)
صفحة 3487
النسب بينهما، وإن نزلا إلى اليمين فعلى من لزمته أن يحلف أنَّه وارث فلان، ولا يعلم أنَّ خصمه وارثه.
ومن طلب إلى رجل ميراثا في مال أو دين أو وصيَّة فأنكر، فإن بيَّن الطالب ما يدَّعي، وإلاَّ حلف المطلوب، فإن حلف قبل وإلاَّ قيل للطالب: احلف، واستوجب.
وإن طلبت - قيل - امرأة إرثها في مال أبيها وبيَّنت مطلبها إلى أخيها، فقال: إنَّ الطالبة [664] لذلك هي بنت جارية لأمِّي وطئها أبي، وهي لها، وبيَّن ذلك، فإذا شهد به ثبت نسبهما منه، وإرثها في ماله، ولا يبطله شهوده على هذه الصفة.
وقيل: إذا خلَّفت هالكة بنتي أخيها، فعلى مدَّعي أنَّه من العصبة أن يبيّن أنَّه يلقاها إلى معروف، ويسمِّيان الآباء أبا أبا إلى الذي يجمعهما، وأنَّهما لا يعلمان لها غيرهما، فإن انقطع واحد أو أكثر من الأجداد لم تثبت الشهادة.
ولو شهدت بيِّنة لرجل أنَّه ابن عمِّها، وهو معروف حاضر، لم يرث معهما لأنَّ ابن العمِّ للأمِّ لا يرث مع بنت الشقيق أو بنتي الأخ للأب، حتَّى تشهد البيِّنة أنَّه ابن عمِّها من الأبوين أو من الأب.
أبو سعيد: إن ورث رجلان مالا فحازه أحدهما إلى أن مات، وانتقل إلى ورثته، فادَّعى الحيُّ ذلك إليهم، فلم يوصله إلى حقِّه، وقد علموا أنَّه كان يدَّعيه إلى والدهم، ثبتت حجَّته عليهم، ولا تموت بموته، وإن علموا أنَّه يدَّعيه إليه بلا حجَّة لا أنَّه وارث في الأصل، لم تكن دعواه عليه حجَّة عليهم.
ومن ادَّعى ميراث أحد وبيَّن أنَّه أخوه أو ابن عمِّه أو موجب إرثه شرعا، فحكم له بماله ثمَّ ادَّعى غيره أنَّه أقرب منه إليه بعد أن أتلفه، فلا غرم قيل على المفتي، ولا على الحاكم، ولا الشهود، ولا الوصيِّ المسلِّم إليه المال، وقيل: الغرم على الشهود، فإن وجد الرجل المال عنده، نزع منه ودفع للآخر، وإن استهلكه غرم (1) قيمته.
__________
(1) - ب: «غمر» وهو خطأ. (7/423)
صفحة 3488
الباب الثاني والأربعون
في الدعوى والحكم في الولد
فإن كان بيد رجلين صبيٌّ يتداعيانه ولداهما، ولم تصحّ لأحدهما بيِّنة، فإنَّه يوقف ويموِّنانه، فأيُّهما أقرَّ به بعد بلوغه أنَّه أبوه، كان القول قوله إذا لم يكن من وطئ واحدة، وإنَّما يدَّعيه كلٌّ منهما من واحدة، ولا يصحُّ لهما فيه ما يكون بينهما، ويدخلهما فيه بسبب احتمال أنَّهما أبواه، فإذا لم يصحَّ لهما معا أو لم يتداعياه، صحَّ أنَّه ابن أحدهما أو غيرهما لإمكان كونه بينهما بين امرأتين، ولا يحكم لهما ولا لأحدهما منه بإرث إذا مات قبل بلوغه، وإقراره بأحدهما، فإن مات أحدهما، وقف ميراثه منه إلى بلوغه وكان وارثا، لأنَّه أقرَّ أنَّه ابنه خالصا؛ وكذا إن ماتا ثمَّ بلغ، فبأيِّهما أقرَّ أنَّه أبوه ورثه، وقيل: إنَّه على هذا إذا مات قبل بلوغه بعد موتهما لم يرث أحدهما، لأنَّه لا يرث إلاَّ بالإقرار بعد بلوغه، وعند بعض إنَّ إقرارهما به جائز له عليهما إن احتمل أنَّه ابن لهما، ما لم يقرَّ أنَّه لا يجوز ولا يحتمل أن يدرك ذلك، ولا يجوز هو عليه دعواهما إلاَّ إن أقرَّ بعد بلوغه بذلك.
ومن له - قال موسى - سرية وامرأة، فولدتا في ليلة ذكرا وأنثى، فأصبحت كلٌّ تدَّعي الذكر، فإن كان بيد كلٍّ منهما واحد، ألزمت إيَّاه، وكانا لهما، وإلاَّ دفعا إليهما وألزمتا تربيتهما وكانا ولدين لهما.
ومن اشترى جارية فولدت عنده، وقد حبلت عند البائع، وادَّعى أنَّه ولده، لم يجز دعواه، ولا يجبر السيِّد على بيع عبده، فيقال للبائع: إن صدقت فخلِّص ولدك من الرقِّية، فإن خلص يوما ومات المدَّعي أنَّه ولده ورثه.
ومن بيده توأمان ولدا عنده، فباعهما، وأعتق المشتري أحدهما، ثمَّ ادَّعى البائع الآخر، فقيل: لا يصدَّق فيه، ويقبل قوله في المعتق ويرثه، وإن عُتق الآخر يوما، قبل (7/424)
صفحة 3489
موت المدَّعي له، ورثه أيضا، وعليه أن يخلِّصه ولا يجبر عليه، ولا السيِّد على بيعه أيضا.
ومن ادَّعى أنَّه ابن لرجل وهو ينكره، قبلت عليه بيِّنته إن بيَّن، وقضي له بثبوت نسبه منه، وإن لم يدع قبله مالا؛ وكذا إن ادَّعى أنَّه أباه، والابن ينكر وبيَّن عليه، قضي له أنَّه ابنه.
ومن بيده صغير لا يعبِّر عن نفسه، يزعم أنَّه التقطه، فادَّعته حرَّة أنَّه أخوها، قُبلت بيِّنتها ودفع إليها؛ وكذا مدَّعية رجلا أنَّه ابنها وينكر، يقضى لها به إن بيَّنت، وإن لم تدع قبله إرثا أو نفقة كعكسه.
وإن ادَّعت عليه أنَّه ابن ابنها وأنكر، سئلت: هل تدَّعي قبله ذلك أم لا؟ فإن ادَّعته كان خصما، فإن بيَّنت قضي لها به، وبذلك إن مات أبوه؛ وإن غاب ثمَّ جاء فأنكر لم يلتفت إلى إنكاره؛ وإن قالت: مالي قبله إرث ولا مطلب بنفقة، وإنَّما أريد إثبات النسب، لم تقبل بيِّنتها ولم يجعل خصما إن كان أبوه حيًّا، وقيل: إنَّه خصم.
وإن ادَّعت على رجل أنَّه زوجها ومعها منه ولد وهو ينكرهما، فإنَّه يجبر أن يطلِّقها واحدة إن لم تبيِّن عليه، ثمَّ يحلف ما عليه لها حقٌّ من نفقة ولا صداق ولا مؤنة عليه لها من الربابة لهذا الصبيِّ.
ومن قدم ومعه غلامان، فقال: إنَّ أحدهما ولده، والآخر غلامه، ثمَّ مات ولم يعيِّن، فقيل: هما حرَّان وتجوز شهادتهما، ويحدُّ قاذفهما، ويحدَّان لمن قذفاه، وفي الأخير - قيل - خلاف، ويسعى كلٌّ بنصف قيمته.
ومن تزوَّج امرأة، فوجدها حبلى، فقال: ليس الحبل منيِّ، وقالت: إنَّه منه، وإنَّه كان يدخل عليَّ سرًّا، فإن بيَّنت قيل أنَّه يدخل عليها، ألزم الولد ولاعنها. (7/425)
صفحة 3490
أبو المؤثر: إن تزوَّجها [665] فولدت لأقلَّ من ستَّة منذ ملكها، فلا لعان بينهما، ويفارقها ولا حدَّ عليها إلاَّ إن أقرَّت بالفجور، أو شهد عليها (1) أربعة، وإن ولدته لستَّة أو أكثر، فانتفى منه ولم يقذفها، وقال: لعلَّها أكرهت أو تزوَّجت غيري، برأ من الولد إلاَّ إن بيَّنت أنَّه خلا لها ستَّة منذ ملكها، فلا ملاعنة بينهما ولا حدَّ عليهما، وقيل: إن جاءت به لستَّة أو أكثر فانتفى منه تلاعنا، ولا يلزمه إلاَّ إن أقرَّ أنَّه جاز بها أو صحَّت خلوته بها.
__________
(1) - ب: «عليه». (7/426)
صفحة 3491
الباب الثالث والأربعون
في الدعوى والحكم فيمن اشترى مالا أو ورثه فنوزع فيه
أبو محمَّد: من اشترى مالا، فادَّعى فيه رجل دعوى، وقال: إنَّه مالي، فعليه أن يبيِّن وإلاَّ حلف المشتري ما يعلم له حقًّا فيه؛ وكذا الوارث والموهوب له.
ومن اشترى قيل من رجل مالا وعدم البيِّنة، فالحيلة فيه أن يبيعه ممن يثق به في حضرة البائع، ويشهد أنَّه باعه عليه بلا حاجز ولا مانع، فإن ادَّعاه من هو بيده، طلبت منه البيِّنة أنَّه في يده، وسلم البائع من إقامة البيِّنة؛ فإن أمكنه أن يحدث فيه حدثا بحضرة الشهود ليشهدوا أنَّه أحدث فيه بلا دفاع ولا مانع فاليد يده.
ومن ورث مالا، فادَّعاه عليه مدَّع، فقيل: له أن يحلف قطعا أنَّه ماله، وقيل: لا، وإنَّما يحلف ما يعلم له فيه حقًّا ممَّا يدَّعيه عليه. (7/427)
صفحة 3492
الباب الرابع والأربعون
في الدعوى والحكم والأصول واليمين فيها
فقيل: تجوز على صفة المحدود إن كانت تدرك في معاني الحكم، وأقرَّ بها، وقيل: لا يمين في الأصول، إلاَّ في الوقوف والمشاهدة عليها، فإن ثقل على الحاكم، أرسل من يحلِّف الخصم بحضرة المال، فإذا لم يصح لأحدهما فيه يد ولم يجد بيِّنة حلَّفهما، فإن نكل حلَّف الآخر وقطع عنه حجَّة خصمه من المال، وقيل: لا يحكم في الأصول إلاَّ بالبيِّنة أو بكون الشيء في اليد ويحلف عليه، أو يردّ اليمين إلى خصمه، فيؤمر بالتسليم إلى الحالف، ولا يحكم للحالف بالمال قطعا.
وإن تداعى خصمان في مال ولم يصحَّ في يد أحدهما، ثمَّ طرح يده فيه وطلب الآخر إلى الحاكم صرفه عنه، كان له حتَّى يبيِّن أو يتَّفقا عليه، ولا يقرب أحدهما بيعه إلاَّ إن كان بيده من قبل، فلا يمنع منه ولو كان الآخر يدَّعيه.
ومن ادَّعى أرضا مختلطة بأرض غيره، فقال له: لا أعرف حدَّ أرضك وخذ ما شئت، وحلف عليه فحدَّها، فللحاكم أن يحلِّفه على ما ادَّعى ويصرف عنه محلِّفه أن لا يعرض له فيما حلف عليه ولا يحكم له به، ولا نحبُّ لمسلم أن يحلف بهذا اليمين قطعا، ولكن إن ادَّعى أنَّه اشتراها أو ورثها أو وهبها أو دخلته بوجه أبيح، وحلِّف بذلك وأنَّه لا يعلم لهذا فيه حقًّا، فإذا حلف صرف عنه، كما صرف في الأوَّل من المنع، وله أن يحلف قطعا وهو على ولايته لأنَّه جاء في الأثر أنَّها إذا كانت بيد وارثها من أبيه وهكذا إلى ثلاثة أجداد، فلا يعنَّف شاهد أنَّها له، وإنَّ من الحكام من لا يحلِّف في الأصول إلاَّ على محدود، ومنهم من يحلِّف على ما يدَّعيه مدَّع، ثمَّ يقال لمحلِّفه على ذلك أحضر من المبهم وأقر بما شئت منه، فإن صدَّقه عليه فذاك، وإن قال: إنَّ منابه أكثر من هذا، حلف على الزائد إن ادَّعاه، وإلاَّ وطلبه أن يحضر ما أقرَّ به، (7/428)
صفحة 3493
ويحلف ما قبله حقٌّ له فيها أكثر ممَّا أقرَّ به وأحضره جاز له، ومن ثمَّ كره الأوَّل أن يحلف إلاَّ على محدود، وهو أن لا يعرف كم طول الرمح، ولا كم بدر المكوك من الأرض، فهذا من الميهم (1).
أبو الحسن: من أراد أن يحلِّف رجلا على ما يدَّعيه إليه، فإن حدَّه بحدوده، وعرفاه، وأقرَّا به فأيُّهما حلف عليه بعد إقرارهما به، جاز ولو غابا عنه، إذا حدَّاه وأقرَّا به وعرفاه. والوقوف على هذا هو الرأي في الحكم.
ومن أحدث على رجل حدثا، ثمَّ رفع عليه وطلب المحدث أن يرفع إلى القاضي، وقال الآخر: أزله، ثمَّ نرتفع إليه، فليس عليه أن يرفع حدثه، هذا إن ادَّعى أنَّه أحدثه في ملكه، وليرفع بينهما إلى الحاكم، وإن أنكر وطلب الرافع إليه أن يقف عن الحدث، فلا يقف معه حتَّى يصحَّ عنده، ثمَّ يأمره بذلك بعد أن يحتجَّ عليه فيه، فلا يكون عنده حجَّة.
وإن تنازع رجلان في مال، كلٌّ منهما يدَّعي قضيَّته من حاكم، فأتى كلُّ بشاهدين أنَّ فلانا قضى له به، ولا يدرون من قضي له به قبل الآخر ولم يؤرِّخوا، فقيل: الإمام مخيَّر في أن يقرَّه على ما هو عليه، أو يكلِّفهما بالبيِّنة فيه، وهو بيد من كان بيده؛ وكذا إن بيَّن كلٌّ شراءه من رجل أو أكثر، ولم تؤرخ البيِّنتان، الأسبق فذو اليد أولى من غيره، إلاَّ إن بيَّن أن البيع كان له أوَّلا.
وإن تنازعت جماعة في أرض أو نخل، وكلٌّ يقول: إنَّه مالي وفي يدي، فإن كانت بيد أحدهم، فهو أولى بها، وعلى غيره أن يبيِّن، وإن كانت بأيديهم معا، فعلى كلٍّ بيِّنة، فإن عجزوا معا تحالفوا، وقسَّموها ولا شيء منها للناكل منهم؛ وإن لم تكن بيد أحدهم، منعهم الحاكم منها، وكلَّفهم بالبيِّنة، فإن عدموها منعهم منها حتَّى يبيِّنوا، وله أن يوقفها بيد ثقة، [666] وأن يمتنع من التعرُّض لها، وإن لم يتعرَّض لها،
__________
(1) - ب: «الميهم» والصواب ما أثبتنا. (7/429)
صفحة 3494
ولا أوقفها، واصطلحوا عليها، لم يكن له منعهم من ذلك؛ وإن أوقفها لم يسلِّمها إليهم ولا إلى غيرهم، إلاَّ على الصحَّة.
فصل
لا تكون اليد إلاَّ بيتا أو غرس (1) أو زراعة واستغلال، لا برضم الأرض وسقيها وعملها، حتَّى تشهد بيِّنة أنَّها رأته يزرعها أو يغرسها أو يبني فيها.
ابن قريش: إن كان بيد رجلين مال يتقاسمان ثمرته أنصافا ثمَّ تداعيا في الأصل والثمرة، فقال أحدهما: كلُّه لي، وقال الآخر: لك النصف، قال: لا توجب قسمة الثمرة (2) أنصافا، الحكم في الأصل كذلك، وعليهما الصحَّة.
ابن روح: إن تسارع رجلان في مال كلٌّ يدَّعيه وحده، وطلب أن يحلف عليه، فإذا لم يصح لأحدهما دون الآخر، كان لهما معا اليمين، فإن تحالفا، قسَّماه بينهما؛ وكذا إن تكافأت البيِّنتان.
أبو الحسن: إن وصلا إلى حاكم في قطعة أرض، يدَّعي أحدهما أنَّ له فيها بذر كذا وكذا، ميراثا من والده، والآخر أنَّها كلُّها له، ولم يقل ميراثا، ولا بيِّنة عند أحدهما، فطلب كلٌّ أن يحلف، فإن كانت في يد أحدهما، فعلى الآخر أن يبيِّن وإلاَّ حلف من كانت (3) بيده، أو يردُّ اليمين إليه؛ وإن أقرَّ المدَّعى عليه أنَّ للمدَّعي نصفها، فقيل: إنَّه المدَّعي في الباقي، وقيل: غير هذا؛ وإن لم تكن بيد أحدهما ولا بيِّنة لهما تحالفا عليها، وكانت بينهما، فمن حلف استوجب النصف، وعلى الآخر اليمين أو التَّسليم أو الحبس، فإن لم يحلفا كانت بحالها، وقيل: يتحالفان إذا لم تكن بيد أحدهما، فإذا عدما بيانا وتحالفا كانت بينهما، وإن نكلا معا منعا حتَّى يبيِّنا أو يحلفا
__________
(1) - كذا في النسختين، ولعلّ الصواب: «بيتا أو غرسا ... »
(2) - أ: « ... تمرته ... التمرة ... التمرة» ولعلّه تصحيف.
(3) - ب: «دانت». (7/430)
صفحة 3495
أو يصطلحا بلا حاكم؛ وإن ادَّعى أحدهما نصفها، والآخر كلَّها، فمدَّعي النصف مدَّع، وعلى الآخر اليمين، لأنَّه سلَّم إليه النصف، فصار مدَّعيا في النصف الآخر، والآخر كأنَّه ذو يد فيه، وقيل: هما مدَّعيان، والبيِّنة مع اليد أقوى منها مع غير اليد عند الأكثر.
ابن أحمد: إن تنازع قوم في مال، وكلٌّ يدَّعيه، والآخر ينكر، ولا بيان، وطلبوا أيمان بعضهم بعضا، كانت عليهم، فمن نكل قطعت حجَّته عن خصمه، فإذا حلفوا، منعوا أن يتعدَّى بعضهم على بعض، وإن شهر عند أهل البلد وهم غير ثقات أنَّ المال في يد أحدهم فقال الإمام راشد: إذا شهر ذلك عندهم فعلى الباقين البيِّنة، وإلاَّ فلا لهم عليه إلاَّ اليمين أنَّه لم يعلم للمدَّعين فيه حقًّا.
أبو سعيد: لا يجوز لخصم على خصمه في الأصول إلاَّ بالبيِّنة لا بيمينه، ولكن يدفع عنه خصمه، أبو الحسن: بل يحكم له بها، وقيل: إن طلب أن يحلف له خصمه على دور أو أرض أو نخل، وقف عليه الحاكم أو رسوله ومعه العدول، فإن كانت في بلد آخر كتب إلى واليه أن يقف كذلك، ثمَّ يحدُّ طالب اليمين ويحيط ويخط خطاًّ، ثمَّ يحلف خصمه أو يردّ اليمين إليه، فيحلف أنَّ ذلك له لاحتياج الحاكم بعدها أن يحكم له بما حلف عليه، وإن كان متاعا أو عبدا أو حيوانا، أوقف بين يديه عند اليمين، وقيل: إنَّ ابن خالد حلَّف رجلا ادَّعى إليه خصمه مالا، وهو في البلد الذي تنازعا فيه على الصفة ولم يقف عليه.
وقيل: من ورث مالا أو اشتراه، فادُّعي عليه، فخاف إن حلف على ذلك أن يكلَّف البيِّنة، فقيل: يحلف بالقطع، وقيل: إنَّه يحلف أنَّه اشتراه أو ورثه من فلان، وما يعلم لخصمه فيه حقًّا وهو أرفق من القطع، وإن حلف به جاز؛ وإن ردَّ اليمين إليه، حلف أنَّه خلَّفه له أبوه أو نحوه، ولا يعلم لهذا فيه حقًّا من قبل ما يدَّعي. (7/431)
صفحة 3496
الباب الخامس والأربعون
في الحكم في الثمار
فإن اشترك رجلان في زراعة أو نخل، فجذَّها (1) أحدهما بلا إذن صاحبه، فعليه له يمين إن اتَّهمه ما خانه في ذلك.
ومن اشترى مالا ومطل البائع إلى أن استغلَّ منه غلَّة، ثمَّ طلبه بالثمن فلم يعطه، فأراد أن يردَّ المال عليه، فالغلَّة قال أبو المؤثر للمشتري، وعلى البائع أن لا يدعه يستغلُّ حتَّى يعطيه حقَّه. واختلف في ردِّ الغلَّة إذا بيع المال بالخيار، فقيل: إذا غيَّر فيه المشتري فإنَّه يرافع بما أنفق عليه ممَّا استغلَّ منه، فإن فضلت على ما أنفق، طرح ما فضل من الثمن الذي عقد به البيع، وهذا إن غيَّر بموجب التغيير كالجهل، وقيل: لا يلزمه ردُّ الغلَّة لاستغلاله بسبب، وإنَّما يردُّها غالط وغاصب ولا ردَّ عليه إن غيَّر البائع بما يثبت له به الخيار؛ وكذا في بيع الأصل، إلاَّ أنَّه لا ردَّ فيه عند الأكثر من أيِّهما كان التغيير إن كان بوجه يثبت به؛ وكذا إن اشترى مالا واستغلَّ منه ثمَّ شفع فيه، فقيل: يحاسب ما استغلَّ بما أنفق إلاَّ إن اشتراه وفيه مُدركة، فعليه ردُّها معه ولا محاسبة له فيها.
ومن أقعد رجلا أرضا له يزرعها، وقد عرف أنَّ الزراعة له وكانت [667] بسبب، ثمَّ ادَّعى الأرض وجحدها صاحبها، وقال: إنَّها أرضي، وهذا زرعي فيها، فإنَّه في الحكم إذا رفع ربها عليه، وقال: إنَّه زرعها بقعادة منِّي أو بمنحة أو غيرهما، وقال الزارع: إنَّها لي وهذا زرعي، فالبيِّنة على مدَّعيها واليمين على الزارع.
__________
(1) - في النسختين: «فجدَّها» بدال مهملة، والصواب ما أثبتنا. أي قطع. (7/432)
صفحة 3497
ومن ادَّعى قيل أرضا على آخر، وليست في يد أحدهما، فأقرَّ لآخر بالزراعة التي فيها، وادَّعى الأرض أو صحَّت الزراعة لأحدهما، فقيل: يكون ذائد في الأرض، وقيل: له الزراعة وكان مدَّعيا في الأرض، وقيل: إذا تقارر الخصمان بأنَّ أحدهما جذَّ هذه الثمرة، أوجزّ هذا الزرع، وقال الفاعل: إنّه فعل بحقٍّ، وهو أنَّه له، وقال الآخر: بل فعل مغتصبا؛ فإذا أقرّ أحدهما للآخر أنَّه أثمر هذا المال أو سكن هذا المنزل الذي يتداعيانه كان إقرارا منه له بثبوت اليد فيه، وكذا إجذاذ نخله وحصاد زرعه، وعلى المقرِّ البيِّنة أنَّه فعل ذلك متعدِّيا عليه بغصب أو سرق أو كان بمنحة أو نحوهما ممَّا يخرج معنى الأصل فيه لهذا المدَّعي، فإن لم يبيِّن ذلك فله على الفاعل يمين. (7/433)
صفحة 3498
الباب السادس والأربعون
في الدعوى في النخلة ونحوها واليمين فيها
فمن ادَّعى على أحد نخلة في نخله، فلا يحكم له عليه إلاَّ بصحَّة دعواه أنَّه يحوزها.
ومن له أرض وفيها حفر لقوم فيهم أيتام، وطلب أهل الحفر أن يخرجها لهم، فقيل: يؤمر أن يخرج لهم حفر نخلهم في مواضعها، فإن قال: هذه مواضعها، لم يلزمهم إلاَّ اليمين، إلاَّ إن أتى أهلها ببيِّنة إن ادَّعوا غير ما قال.
ومن ادَّعى على رجل أنَّه قلع عليه في الليل صرمتين أو قطعهما وبيَّن، وقال للحاكم: حلِّفه ما فعل، وقال هو: أحلف أنِّي فعلت ذلك له، فإن كانوا يقفون على الصرمتين، فاليمين على المدَّعي عليه ما قلعهما، فإن ردَّها إليه، حلف أنَّه قلعهما عليه بلا رأيه، وإن قال: قلعت صرمتاه واتُّهم بهما هذا، حلف ما قبله لهذا حق من قبلهما، فإن ردَّ اليمين، فلا ردَّ على المدَّعي في التهمة، واليمين فيها على المدَّعي عليه، فإن حلف وإلاَّ حبس.
وإن طلع رجل نخلة يخرِّفها، وآخر ينكر عليه، ويقول له: انزل من نخلتي، والطالع يقول: هي نخلتي، فمن بيَّن منهما حكم له بها، وإن أراد خصمه يمينه حلف له، وإن بيَّنا معا حكم بها لهما، وتحالفا إن لم تكن بيد أحدهما، وإن لم يبيِّنا ولا أحدهما، اصطلحا فيها بشيء أو عليه، وإلاَّ فهي بحالها حتَّى تصحَّ لأحدهما، ولا يمنعهما الحاكم من حصاد تمرتها إذا لم تبن لأحدهما حجَّة عنده تقطع عذر الآخر، وقد أمكن صواب أحدهما أو كليهما أو خطأهما، فمتى لم تقم لأحدهما حجَّة بأيِّهما أتمرها، لم يمنع إلاَّ إن تعدَّى على الآخر بلا حجَّة له فيه. (7/434)
صفحة 3499
الباب السابع والأربعون
في الدعوى والحكم في الجدُر والحدود واليمين في ذلك
فإن كان بين دارين حائط، فقيل: إن كان لإحداهما عليه جذوع لا للأخرى، فلا حقَّ فيه لصاحب الدعن، لأنَّ الجريد ونحوه، لا يستحق شيئا من الحائط، وقيل: إن اتَّصل ببناء أحدهما، وللآخر عليه جذوع فهو لربِّها إلاَّ إن لم يرتفع الاتصال، فإن ارتفع كان لصاحبه ولصاحب الجذوع مواضعها، وقيل: إن لم يتَّصل ببناء أحدهما ولا له عليه جذوع، فهو بينهما، وقيل: إن كان لواحد عليه عشر خشبات وللآخر عليه سبع، فنصفان أيضا، وقيل: إن كان لواحد عليه عشر، وللآخر عليه واحدة، فلكلٍّ ما تحت خشبه، وقيل: إن كان لأحدهما عليه خشب، وللآخر عليه حائط سترة، فله سترته، والحائط الأسفل لذي الخشب، فإن لم تكن لأحدهما عليه سترة ولا خشب، ولم يتَّصل ببنائهما ولأحدهما عليه دعن، فالحائط بينهما، ولا شيء للدعن إذ لا تحمل.
وقيل: إن كان بين رجلين (1) حصن، فادَّعاه كلّ القمط إلى أحدهما، فالحصن بينهما؛ وكذا البناء إن كان وجهه إلى أحدهما وظهره إلى الآخر، فهو بينهما ولا عبرة بالقمط، ولا بوجه البناء وظهره، وقيل: يقضى بالحصن إلى من إليه القمط وأنصاب اللبِن.
وقيل: إذا كان أسفل الحائط لرجل وعلوُّه للآخر، فأراد ذو السفل أن يهدمه، فلا يجده ربُّ العلوى، وقيل: ليس له أن يفتح فيه كوَّة ولا بابا ولا يدخل فيه جذعا، ولا ما لم يسبق فيه إلاَّ بإذن ربِّ العلو، وقيل: له أن يدخل فيه جذعا إن لم يضر
__________
(1) - ب: + «رجلين» وهو تكرار. (7/435)
صفحة 3500
العلو، وليس له أن يحدث فيه ما يضر به، وقيل: ليس لربِّ العلو أن يحدث فيه بناء، ولا أن يضع عليه جذوعا لم تسبق، ولا كل ما لم يسبق.
وإن كان بين دارين حائط، فبيَّن كلٌّ من صاحبيهما أنَّه له، فهو بينهما، وإن بيَّن أحدهما فقط قضي له به، فإن كانت عليه للآخر جذوع نُزعت، فإن كان بينهما فادّعى ثالث أنَّ أحدهما أقرَّ أنَّه له وبيَّن ذلك قضي بمنابه منه (1)، وكان بينه وبين الآخر.
ومن بيده حائط [668] وله جذوع شاخصة فيه على دار رجل، فأراد أن يجعل عليه كنيفا، فلربِّها أن يمنعها منه، وليس له قطع الشاخصة إليه بل تترك بحالها إلاَّ إن كانت لا تحمل على مثلها وإنَّما هي أطراف وجذوع خارجة من داره، فتقطع عند بعض؛ والبيت إن كان أسفله لزيد وعلوه لعمر، فليس لزيد أن يهدم سفله، ولا لعمر أن يبني على علوه ما لم يسبق عند بعض، وقيل: له أن يبني ما لم يضر بالسفل، وقيل: إذا انهدم لم يجبر ذو السفل على بنائه، ولربِّ العلو أن يبنيه ثمَّ العلو فوقه، ويسكن ذو السفل منزله حتَّى يؤدي قيمة البناء لربِّ العلو؛ وقيل: لو هدم علوه، وربُّ السفل سفله، أخذ بالبناء حتَّى يعيده.
وإن تنازع رجلان في جدار بين منزلين لهما، فتنازلا إلى الأيمان، فحلف أحدهما أنَّه له لا على الأرض القائم هو عليها، قال: فلا أقول في الحدِّ الذي فيه الجدار شيئا، والجدار لي، فحلف عليه، فليس له إلاَّ ما حلف عليه، والأرض بحالها فإن حلف أنَّها له والجدار بينهما، فالأرض لمن حلف عليها، فإذا سقط فليس للناكل (2) أن يبنيَّه عليها.
__________
(1) - ب: « ... له» غير واضح.
(2) - ب: «للذاكرا» غير مفهوم. (7/436)
صفحة 3501
الباب الثامن والأربعون
في الدعوى في المياه والحكم والأيمان فيها
أبو الحواري: إن تنازع رجلان في ماء، وكلٌّ يسدُّ الماء في ماله أو حيث شاء، ويقول: هذا مائي وفي يدي، فعلى كلٍّ أن يبيِّن دعواه وإلاَّ تحالفا، فإن حلفا كان الماء بينهما، ومن كان يسقي ماله بماء من فلج، كان أقعد فيه، إلاَّ إن صحَّ عليه غير ذلك، فإن سقى به مال غيره وهو يدَّعيه فهو ذو يد فيه، وإن بيَّن أنَّ زيدا يسقي به مال عمر فعمر أقعد فيه، وإن بيّن أنَّه يسقي مال عمر بهذا الماء، ولم يقرّ به له (1)، لم يكن ذا يد فيه، وإن أقرَّ أنَّه له قعد فيه، واليمين فيه أن يحلف ما قبله لهذا، حق من مائه هذا من خبورة كذا ممَّا يدَّعيه.
__________
(1) - عبارة ب: «ولم يقرّ له به». (7/437)
صفحة 3502
الباب التاسع والأربعون
في الدعوى والحكم في الطريق والمسقى واليمين في ذلك
ومن أحدث مجرى إلى ماله في مال آخر أو غيَّر مجرى بلا عطيَّة ولا عارية، ولم ينكر هو عليه، وقد فسل المحدث نخلا وزرع، ثمَّ طلب من أحدث عليه الحدث إزالته، واحتجَّ المحدث أنَّه لم ينكر عليه، فقيل: إن أحدثه بغير ادِّعاء فعليه إزالته عنه.
وإن كانت لقوم في أرض رجل ساقية، وادَّعوا أنَّها أصل، وقال ربُّ الأرض: إنَّها حملان أو عارية، فالقول قول صاحب المسقى.
ومن استعار من رجل مسقى أو طريقا إلى أرضه أو داره أو جنانه، وكان ينتفع به إلى أن مات، وبيَّن أنَّه كان بيده عارية من فلان، جاز وبطلت العارية إلاَّ برأي صاحبها، فإن لم تصحَّ وصحَّ أنَّ البيت ينتفع بذلك ثبت حتَّى يصحَّ أنَّه غصب منه؛ وكذا إن وقعت الدعاوي على الطريق، فإن قام أثرها كان حكمها طريقا على ما هي عليه، وعلى من يدَّعي إبطالها البيِّنة، وإن لم يقم فعلى مدَّعيها البيان.
ومن له أرض يسقيها من ساقية لها طريق، ولا يسقي منها إلاَّ هو، فقيل: هي له حتَّى يعلم أنَّها لغيره؛ وكذا الطريق.
ومن ادَّعى إلى رجل مسقى في أرضه لما له وأنكر، وبيَّن المدَّعي أنَّ مسقى ماله يمرُّ من تلك الأرض بلا أن يحدَّاه، فإذا صحَّ بالبيِّنة كذلك كان على ربِّها أن يخرجه له حيث شاء منها، ما لم ير العدول أنَّه مضرٌّ برب المسقى فيه.
ومن ادَّعى على شركاء طريقا أو مجرى واعترف به بعضهم فقط، فلا يلزم إقراره باقيهم، ولا يثبت له عليهم إلاَّ إن بيَّن أو أقرُّوا به معا، وله أن يحلِّف المنكر. (7/438)
صفحة 3503
أبو سعيد: إن أضرَّت شجرة أو نخلة أو فسلة بطريق أو ساقية لقوم، وربُّها غائب حيث لا تناله الحجَّة، فقيل: يرفع ذلك إلى الحاكم، فإذا صحَّ عنده أمر بصرفها وحكم به ولا ضمان عليهم فيه؛ وإن يقطعها، والجماعة كالحاكم عند عدمه، ويستثني للغائب حجَّته.
ومن ادَّعى على رجل أنَّه دفن له مسقى، وأقرَّ أنَّه أخرج في ماله وقد دفنه، فهل يكون مضرٌّ بالمسقى ويثبت عليه؟ اختار أبو سعيد أنَّ المقرَّ بالدفن مدَّع لإخراج المسقى في ماله.
وإن ادَّعت جماعة طريقا لهم في موضع، فإن كان في يد واحد، فعليهم بيان أنَّ فيه طريقهم، فإن عدموا البيِّنة وطلبوا اليمين إليه، حلف ما لهم في الموضع حقٌّ من الطريق، هذا إن ادَّعاها معيَّنون. وإن ادعيت جائزا، لم يكن فيها يمين، وقيل: فيها؛ وكذا الساقية الجائز إن كانت تجمع أهل القرية، فطلب فيها طالب فكالطريق إلاَّ إن جمعتهم أن يحلفوا، ويحلفوا فلهم ذلك، وإن كانت جائز المعروفين فلهم اليمين وعليهم، وأجاز أبو عليٍّ أن يُطلب طريق، أو تقام عليها بيِّنة ويجيزها على ما شهدت به.
ومن طلب طريقا لوالده كان يسلكه في مال رجل وبيَّن أنَّ المسلك له، ثمَّ يسلكه هو، حلف أنَّ أباه كان يسلكه ثمَّ هو بعده، وما يعلم أنَّ بيِّنته شهدت له بباطل؛ وإن طلبها لنفسه وبيَّن جوازه حلف أنَّها له، ومن طلب طريقا لماله أو بيته ولا بيِّنة له حكم له بطريق بثمنه من أقرب إلى ماله أو منزله، وإن ادَّعاه في مال رجل أو منزله ولا بيِّنة له لم يحكم له بها إلا (1) ببيِّنة.
__________
(1) - ب: «ولا». (7/439)
صفحة 3504
[669] الباب الخمسون
في الدعاوي واليمين في الميِّت
فمن ادَّعى دارا أو أرضا في يد وارثين، أنَّه اشتراها ممَّن ورثاها منه وأحدهما غائب فأقام بيِّنة، فللحاكم أن يقضي على الحاضر بما قامت به ولا يلتفت إلى الغائب لأنَّ الحاضر خصمه، ولأنَّ الدعوى إذا كانت على ميِّت فأيُّ الورثة حضر فهو خصم ولو اقتسموا ذلك؛ وكذا إن أقامها عليه بدين، فإنَّه يمضي القضاء بذلك ولو على الصغير منهم، وبهذا قال ابن عليٍّ، وقال ابن محبوب: لا يحكم على واحد منهما حتَّى يحضروا؛ وإن بوكلائهم، وبه قال أبو المؤثر وأبو الحواري وحكم سليمان فيمن له على رجل دين فماتا معا وتركا أولادا فبيّن أولاد الطالب أنّ له على المطلوب كذا وكذا وقد مضت على ذلك سنون بدين أبيهم عليه في ماله، وقيل: حتّى يصحّ أنَّه باق إلى أن مات الذي عليه وإلاّ فلا يثبت، وقد مرّ ذلك في الضياء، ومن أقام بيِّنة على ميّت بدين فهو لهم، ولا يكلّفونها أنَّه مات وعليه دينهم، ولكن على أهله أن يبيّنوا أنَّه قد برئ منه قبل موته.
ومن مات وعليه دين وورثه بالعراق وقامت عليه بيِّنة؛ فإن كان له وصي أمر أن يقضيه عنه وإلاّ رفع أهل الحقوق فيها وبيع من أصله إن لم يكن له رقّ وقضى أهلها بعد استحلافهم ما قبضوها، وإن دخلوا في القضاء وأقرّوا به فليبيّنوا أنَّه مات وقد بقي من حقّهم كذا وللوارث حجّته إذا وصل.
ومن ترك أشياء عرفها الناس وبيّنوا أنَّها لهم فلا يحكم لهم بها إلاّ إن شهد أنَّها عنده وديعة أو عارية أو سرقة أو نحو ذلك، لا مكان أنَّه اشتراها أو وهبت له بلا بيِّنة واستحقّها بوجه؛ ومن ادّعى حقّا على ميّت ولا بيِّنة عنده، وطلب يمين ورثته ما علموه عليه حُلّفوا: ما نعلم أنّ لك علينا حقّا من قبله. (7/440)
صفحة 3505
أبو الحواري: من ترك أولادا فادَّعى عليه رجل حقًّا وطلب يمين كلّ من ورثته على انفراده كانت له إن كانوا بالغين، فإن طلبوا يمينه هو فليس عليه إلاَّ واحدة لهم، إن هذا الحقُّ له على ميِّتهم إن طلبوا مع يمينه. وإن طلبه كلٌّ منهم فكلَّما طلب هذا الحقَّ أحدُهم على أبيه كانت له عليه يمين لأنَّه كلَّما حلفه أحدهم وجب له في منابه.
ومن ادَّعى حقًّا على ميِّت، فأنكره الورثة فعليه أن يبيِّن أنَّ ديْنه باق عليه إلى أن مات وقيل: إنَّه ثابت حتَّى يصحَّ وفاؤه. وزعم هاشم أنَّ الخصمين إذا ادَّعى أحدهما إلى خصمه دينا من قبل أبيه أو غائب، وقال: أخبرني أبي ولا بيِّنة، فعلى المدَّعى عليه اليمين، فإن نكل حلَّف المدَّعي، وأخذ حقَّه، وإن نكل فلا حقَّ له، وهذا إن ادَّعاه على الخصم من أبيه؛ كذا، فقيل: اليمين هنا على المدَّعى عليه خاصة، وقيل: إن ردَّها إلى المدَّعي، حلف أنَّه أخبره أبوه أو فلان أنَّ له عليه كذا.
وإن اختلف الطالب وولي المطلوب، فقال: إنَّه قد بلغ وأراد يمينه، وقال وليه: لم يبلغ، فالبيِّنة على الطالب أنَّه بلغ، فإذا أحضرها دعاه الحاكم إلى الحكم والإنصاف. (7/441)
صفحة 3506
الباب الحادي والخمسون
في الدعاوي والحكم والعروض واليمين فيها
فإذا تنازع رجلان إناء فادَّعاه أحدهما أنَّه له، وأنَّه اشتراه وأقرَّ له الآخر بأنَّه كان في يده أو كان له أو رهنه فذو اليد أولى به، وعلى الآخر البيِّنة، وبمثل هذا قال أبو سعيد.
وإن تنازعا في عروض، استحسن إحضاره بين يدي الحاكم، إن كان ممَّا يحمل، وإلاَّ فالحكم فيه كالأصول، ومن اشترى - قيل - من رجل ثوبا وغاب به ثمَّ ادَّعى فيه خرقا، قبل فيه قول البائع مع يمينه، وإن قال: هو الذي اشتريت منك، وقال البائع: لا أعلم، فقيل: إن أخذ الثمن قُبل قوله أيضا، وإن بقي بعضه قُبل قول المشتري، وقيل: قول البائع مطلقا إذا غاب الثوب عند المشتري، إلاَّ إن اشتراه بالخيار، فأراد ردُّه في أيَّامه، فالقول قوله إنَّه هو، وكلَّما يتشابه في العين والصفة، فغاب ثمَّ تناكرا فيه فاليمين فيه على البائع، بالعلم، وعلى المشتري فيما تجب فيه بالقطع؛ وذلك كالدراهم والثياب، وكلُّ ما لا يتشابه في العين، فاليمين فيه بالقطع عليهما، وفيما كان من دعاوي البيع وإنكاره فيما يثبت الحجَّة في البيع فاليمين فيه، وذلك إذا كان التناكر والدعاوي في عقده وما يتولَّد فيه من أحكام.
وإن كانت الدعاوي في الثمن مع دعوى البيع وأنَّه إنَّما يطلب اليمين، لم تلزم المدَّعى عليه في البيع، وإنَّما هي ما قبله له هذه الدراهم من قبل ما يدَّعيه عليه من البيع.
ومن ادَّعى أنَّه [670] أخذ له متاعا، حلف ما قبله له حقٌّ من هذا المتاع، وإن ادَّعى عليه أنَّه أخذ من عنده متاعا أو دراهم، ولم يبيِّن الكمِّية، سمع دعواه ويحلف ما معه ولا عنده ولا أتلف ما يعلم لهذا فيه حقًّا ممَّا يدَّعيه عليه من ذلك. (7/442)
صفحة 3507
أبو سعيد: إن ادَّعى عليه أنَّه أخذ له شيئا، أو عنده له شيء، فعندي أنَّه يحلف على ما يدَّعيه لا ما قبله له حقٌّ أو يقرَّ به. (7/443)
صفحة 3508
الباب الثاني والخمسون
في الدعاوي والحكم في اليد والأكل واليمين في ذلك
أبو عبد الله: من أكل مالا وادَّعاه على ميِّت، ثمَّ طلب ورثته إليه أو مات الآكل، فإذا أكله بعلم من المأكول عليه حتَّى مات الآكل، فقد ماتت حجَّته ووارثه أولى به، حتَّى يصحَّ أنَّه أكله بطعمة أو وكالة أو غير هما، وإن مات المأكول عليه، فورثته أولى بذلك إذا صحَّ أنَّه لموروثهم حتَّى يصحَّ انتقاله إلى الآكل.
وإن كانا حيين وتنازعا فيه فالذي هو له في الأصل أولى به، فإن كان في يد الآخر فادَّعاه عليه أنَّه له، وهو لا ينكر ولا يغيِّر فقد استوجبه الذي هو بيده ويدَّعيه، وإن غاب ثمَّ أنكر، لم يدركه: والفرق بين الآكل والمأكول عليه، أنَّ الآكل إذا مات، وكان يأكله بعلم صاحبه، وجب لوارثه، وإن كانا حيين فحتَّى يأكله به ويدَّعيه وهو لا ينكر.
ومن أشهد لرجل بمال وكان يأكله هو وهو بيده، فطلبه وارثه والمشهد له به، اختير أنَّه لا يكون للمشهد له حتَّى يسلم إليه ويقبضه منه، ثمَّ يرجع المشهد يأكله بعلم المشهد له حتَّى يموت، فلا يكون حينئذ وارثه أولى به، وممَّا ليس حجَّة لصاحبه ولا دعوى له من يدَّعي مالا في يد رجل يأكله منه بادِّعاء أنَّه له وهو يسمعه ولا ينكر عليه ثمَّ أنكر وطلبه، فلا حجَّة له؛ وكذا في عبد ودابة وغيرهما.
وإن مات الآكل للمال وبيَّن وارثه أنَّه يأكله بعلم من صاحبه وهو بيده إلى أن مات فوارثه أولى به؛ وكذا مدَّع مالا كان لجدِّه، فيدَّعي ميراث أبيه منه ولم يكن أبوه ويدَّعيه، فقيل: لا دعوى له ولا يكلّف بيِّنة؛ وكذا إن ادَّعى ميراث وارث مات ولم يطلبها حتَّى مات، ومن خلَّف مالا لورثته فلم يقسم، وكان بيد أحدهم يتصرَّف فيه إلى أن مات شركاؤه ثمَّ مات أيضا، ولم يعلم أنَّه قسِّم، ولا أنَّه انتقل إليه منهم بوجه (7/444)
صفحة 3509
جائز، فقيل: إنَّ الأكلة حجَّة لوارثه فيه حتَّى يصحَّ أنَّه أكله باطلا، وقيل: أكلة الوارث والشريك ليست كغيرهما والمال لصاحبه حتَّى يصحَّ أنَّه أكله بحقِّ، وأمَّا أكلة أجنبي لا حجَّة له في المال فثابتة عند الأكثر في هذا ومثله خلاف، والمختار أنَّ المال إذا صحَّ أنَّه للميَّت الأوِّل، ولا بيِّنة أنَّه قسَّم إلى الحين، فإنَّه يقسَّم على ورثته لأنَّ حوز الشريك ليس كغيره إلاَّ إن صحَّ أنَّه كان بيده يحوزه ويدَّعيه على شركائه ولا ينكرون عليه، فالمال حينئذ لوارثه في الحكم دون غيره.
ومن بيده مال يدَّعيه ويأكله ثمَّ بيَّن رجل أنَّه ماله ورثه من أبيه، وأراد الآكل بيمينه حلف له أنَّما شهدت به بيِّنته له، ولا يعلم لهذا فيه حقًّا، وإن قال: ما يعلم أنَّها شهدت له بما ليس له ولا بباطل ولا أنَّ لهذا في ذلك المال حقًّا، فإذا ردَّ اليمين إلى خصمه، حلف أنَّ المال له ولا يعلم لذلك فيه حقًّا، فإن حلف كان له لا إن نكل.
ابن خالد: من ترك بالغين فأكل أحدهما المال على أخيه بعلمه حتَّى مات، والحيُّ حاضر، لم يغيِّر عليه، فوارثه أحقُّ بما أكل أبوه ولو بغير دعوى.
فصل
إن أقرَّ كل من رجلين لصاحبه بما ورث من أبيه ولم يسلّم إليه شيئا وكان يأكله حتّى ماتا أو أحدهما وترك يتامى فوارث الأكل أولى بما أكل ولا شيء للمقرّ له إذا علم بإقرار المقرّ وبما أقرّ له به وبأكله إيّاه حتّى مات فلم ينكر عليه وبيّن ذلك، فالمال لوارث المقرّ لا لوارث المقرّ له وإقرار الحيّ منهما ثابت عليه ويدفع ما أقرّ به لوارث المقرّ له، إلا إن كان المقرّ له الميّت عالما بإقرار الحيّ وبما أقرّ له به كان أكله المقرّ بعلم المقرّ له وادّعاه عليه به، وهو لا ينكر عليه حتّى مات، فالمال للحيّ وقد انقضت مأكلته ودعواه بعلم الميّت بما أقرّ له به وهذا في الحكم ولا يبطل عند الله؛ وعليه أن يسلّم (1) ما أقرّ له به إلى ورثته إذا أقرّ له بحقّ؛ وقيل: إنّ أكلة المقرّ أو البائع باليد التي
__________
(1) - ب: «إن سلّم». (7/445)
صفحة 3510
له قبل الإقرار أو البيع لا تضرّ المقرّ له ولا المشتري حتّى يأكله عليهما بعد أن صار إليهما، ثمَّ رجع إلى المقرّ أو البائع فأكلاه حتّى ماتا أو أحدهما؛ وقيل: إن الأكلة توجب الحجّة للآكل إذا مات، وصحّ أنَّها كانت بعلم المأكول عليه أو بغيره؛ وقيل: حتّى تكون بعلمه؛ وقيل: إن أكل الحيّ المال الذي أقرّ به للميّت بعلم من ورثته أنَّه أقرّ به لأبيهم وأنَّه كان يأكله حتّى مات الحيّ، فقيل: لا شيء فيه لبالغ من ورثة الأوَّل ولليتيم منهم متابه (1).
وقيل: إن أكل المقرّ ما أقرّ به لأحد إلى إن مات فإنَّه للمقرّ له به ولا يضرّه أكل المقرّ إلاّ إن جازه المقرّ له، ثمَّ أكله عليه المقرّ بعلمه حتّى مات فهو لوارثه كما مرّ.
وقيل: أكله له حجّة لوارثه ومن ترك أبوه [671] مالا وصحّ عنده أنَّه بيد مغتصب له فهو له حلال ولعلّ أباه أخذه بحلّه.
ومن بيده مال وادّعاه آخر بحضرة وارثه وهو لا ينكر ثمَّ كان يأكله ويجوزه إلى أن مات ثمَّ أراد المدّعي (2) أخذ المال، فهل للوارث منعه وأخذه على ذلك؟
اختير أنَّه إذا كان بيد المدعي عليه فلا يضرّ المدعي حتّى يكون بيد المدّعي.
ومن سكن دار رجل أيّاما ثمَّ مات فيها وترك بنيه بها (3)، فقالوا (4): إنّها دار أبينا تركها لنا، فقال الرّجل: هي داري، وإنّما أكريتها له، فإنَّها لبنيه من بعده. إلاّ إن بيّن الرّجل ما يدّعيه.
__________
(1) - ب: «مذابه».
(2) - ب: «ثمّ مات المدّعي ... ».
(3) - ب: «وترك بنيها فيها».
(4) - ب: «فقال». (7/446)
صفحة 3511
فصل
من له في مال قوم سهم معلوم في جملته فلم يطلبه إلى الذي هو بيده حتّى مات فانتقل إلى وارث آخر فلم يطلبه أيضا حتّى مات الثّاني فانتقل إلى آخر فطلبه عنده فإنَّه يدركه، ما لم يكن الميّت يدّعيه لنفسه دونه، وهو يعلم ولا يغير، فمالم يكن لذلك فهو يلحق سهمه حيث وجده ولا يثبت بسكوته ذلك عليه حجّة؛ وإن عرف مال لرجل ثمَّ غاب عنه أو مات، ثمَّ نظر بعده بيده آخر فحُكمه للأوَّل حتّى يبيّن الآخر أنَّه له.
ومن ملك عليه ماله وهو حاضر ينظره ولا يغيّر، فقيل: يثبت ذلك عليه ولا حجّة له إذا لم تكن تقيّه؛ وقيل: لا، ولا يملك عليه، وحجّته ثابتة وكأنَّه ينظر ويتعجَّب من ظلم من ملك ماله تعدية عليه.
ومن غاف فتوّقع رجل على منزله فسكنه، وعلى ماله فزرعة وأكله سنين، ثمَّ قدم فوجد ذلك في يده، فكلّما أراد أن يأخذ شيئا من ماله يمنعه منه، فقيل: من كان بيده شيء فهو أولى به؛ فإن بيّن الغائب أنّ هذا له كان أولى به، وكذا إن بيّن من كان بيده وذو اليد أولى؛ وإن أقام بيّنه بالأكلة والدعوى، فمقيمها أنّ المال له أولى به حتّى تشهد بيِّنة المدّعي أنَّه كان يدّعيه ويأكله بعلم هذا ولا يغير عليه، فإذا أشهدت بهذا كان من بيده المال أولى به.
ومن وجد بيد أبيه مالا فله أكله وأخذ إرثه منه، حتّى يصحّ أنَّه حرام، وبذلك قال أبو المؤثر وأبو الحواري وغيرهما. (7/447)
صفحة 3512
الباب الثالث والخمسون
في الحيّل في الأحكام
فمن عليه دين أو صداق لزوجته فخافت أن ينكر ماله أو يلجئه، فإنَّها تدّعي عليه جميع ماله بحدوده أنَّه لها دونه؛ فإن أقرّ لها انقطع الأمر؛ وإن أقرّ أنَّه له أخذ الحاكم عليه إقراره.
ومن اشترى من رجل مالا وعدم البيِّنة عليه، فالحيلة فيه أن يبيعه لغيره ممّن يثق به بحضرة ربّ المال، ويُشهد أنَّه باعه عليه بلا حاجز ولا مانع، فمن ادّعى أنَّه بيده طلبت منه بيِّنة أنَّه له وأنَّه بيده، وسلم البائع من إقامتها.
فإن أمكنه أن يحدث فيه حدثا بحضرة من يشهد له بذلك بلا مانع ولا دافع فهو أحسن، واليد يده.
ومن سرق وأراد أن يدفع الحدّ عن نفسه احتجّ أنَّه اشترى ما سرق، فلا يقطع إلاّ إن شهد عليه بالسر، ق وكذا إن احتجّ أن ما سرقه لا يقطع به.
وإن زنى بجارية احتجّ أنَّها له أو بعضها فذلك شبهة يدرأ بها الحدّ.
ومن أراد السلطان أن يحلفه، قال: أنا لا أحلف؛ فإن أمرتني أحلفت؛ فإن أمره باليمين فقد أكرهه، لأنّ أمره إكراها إذا خاف منه؛ وإن على ماله. (7/448)
صفحة 3513
الباب الرابع والخمسون
في الأيمان وأحكامها
قال الله سبحانه {لا يواخذكم الله باللغو في أيمانكم ... } الآية، وقال: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}. فذمّ الذين يحلفون على الكذب في كثير من الآيات، وقال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لا يحلف أحد على مثل جناح بعوضة فما فوقها كاذبا مبطلا، إلا كانت وكتة في قلبه»؛ والوكتة: الأثر اليسير. وقال أيضا: «لا يحلف رجل يمينا يقطع بها مالا وهو فيها فاجر، إلاّ لقي الله وهو عليه غضبان». وقال: «الأيمان الفاجرة تدع الديّار بلاقع».
فإذا عرف الحاكم المدّعي من المدّعى عليه، ألزم المدّعي البيِّنة، ولولم يطلب خصمه ذلك، فإذا عدمها، قال له: لك عليه يمين؛ وقيل: لا يذكرها حتّى يطلبها المدّعي، أو يقول له ما يجب عليه، فيقول له: لك عليه يمين إذا لم يجد بيِّنة.
فإذا أراد أن يحلفه قال له: هل لك بيِّنة؟ فإن أنعم، قال له احضرها أو اهدرها؛ فإن أهدرها أمضى اليمين على خصمه، وقطع الخصومة بينهما؛ وإن قال له: احضرها، أُجّل له؛ فإن أحضرها وإلاّ قال له: إن أردت أن أحلف لك خصمك حلفته لك يمين المسلمين، وهو أن يتلو: {إنّ الذين يشترون بعهد الله ... } الآية؛ ثمَّ يقول للمنكر: أتحلف؟ فإذا أنعم، قال له: قل والله، الذي لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة الرّحمن الرّحيم، الضارّ النّافع، ما لهذا عليك حقّ ممّا يدّعيه قبلك، وبعضهم يقول له: إن كنت كاذبا أو حانثا، فلله عليك كذا حجّة بجميع فرائضها وسننها ومستحبّها، وكلّ مال تملكه فثلثه صدقة، وكلّ مملوك لك فهو حرّ لله، وكلّ زوجة لك فهي طالق ثلاثا. (7/449)
صفحة 3514
ولا يحلف في الأحكام بالخروج من الإسلام، ولا بأنَّه مشرك بالله، أو يهودي، أو نصراني، ولا بالخروج من الإيمان إلى الكفر، ولا بأنَّه زان، أو كافر، أو ظالم؛ ولا بأنَّه رافضي، أو معتزلي، أو مرجئي، أو غيرهم؛ أو بريء من دين محمد، أو من دين الإسلام، أو دين الإباضية.
والأكثر المختار أنَّه لا نصب في الطّلاق والعتاق والحجّ، ولكن بصدقة مثل الذي فيه المنازعة، [672] وجُوّز أن يحلف بأكثر منه عند النّصب.
وإذا حلف الحاكم بشي ء من أسماء الله فهو يمين قاطعة الأحكام، وإنّما غلّظوا وكرّروا الأسماء للتّخويف، ورجاء النّكول والإقرار بالحقّ، ورجوع المحلّف إن كان معنتا لخصمه.
والمكرّرُ من الأسماء كواحد في ثبوت اليمين في البرّ والحنث، لقولهم: من حلف بكثير من أسماء الله وحنث، فعليه واحدة، كحالف بواحد والأيمان مختلفة.
فمن ادّعى حقّا على غيره يعرفه، فهي فيه بالقطع، وما غاب عنه كمدّع على ميّت أنَّه وارثه، أو مال اشتراه، أو وكيل وكّله في قبض شيء، له فأنكر أو ادّعى إليه مالا، انتقل إليه من غيره بوجه؛ فإنما يحلف بالعلم: لقد ورثه أو اشتراه أو وهب له، وما يعلم لهذا فيه حقّا ونحو ذلك.
وقيل: لا يزيد الحاكم في اليمين على ما ادّعاه المدّعي، كما إن ادّعى عليه مائة يحلّفه (1) ما عليه له مائة، ولا يقول: ولا أقلّ ولا أكثر، إلاّ إن ادّعاه، ولا عليك له حقّ بوجه، لأنّ هذا ما لا يعرفه، وقد يمكن أن يكون له غير هذا، ويقرّ به أو يردّ عليه فيه اليمين، أو يغيب عنه شيء ولا يعرفه؛ وإنّما يستحلفه على ما يدّعي (2).
__________
(1) - ب: «حلَف».
(2) - ب: «يدّعيه». (7/450)
صفحة 3515
ابن المسبِّح: من رفع على رجل في عشرة دراهم فسأله: ألك عليه أكثر منها أو أقلّ؟ فإن قال: لا، حلَّفه ما عليه له عشرة، ولا أقلّ ولا أكثر؛ لأنَّه إن كانت له عليه عشرة ونصف احتاج إلى يمين أخرى عليه؛ وإن كانت له عليه تسعة كان قد حلّفه ولا أقلّ ولا أكثر، فقد جمع له مطلبه في واحدة.
وقيل: إذا حلَّف رجلٌ الرجل حلَّفه: ما عليك له كذا، ولا شيء منه، قال نبهان: إذا قال الطالب حلِّفه ما عليه لي عشرة ولا أقلّ ولا أكثر؛ فإن أبى أن يحلف بذلك، حلّفه: ما عليه له عشرة؛ فإن عاد ادّعى أقلّ أو أكثر، حلّفه بكلّ ما يدّعي عليه ما دام يدّعي (1) عليه قليلا أو كثيرا؛ حتّى يحلف ولا أقلّ ولا أكثر فيعرف عنه اليمين.
فصل
اتَّفق أصحابنا على ردّ اليمين إذا طلبه المدّعى عليه؛ وأن لا يقضي القاضي بشهادة رجل ذي الحقّ؛ فإنَّ الحكم ليس كذلك، واليمين بالقطع هو أن يحلف: ما عليه له كذا، أو بالعلم: ما يعلم أنّ عليه كذا؛ ويمين النّصب بما مرّ من الصّدقة وغيرها؛ فإذا حلف الحاكم بالقطع في موضع العلم كعكسه لزمته التّوبة وردّ الخصوم ونقض القضية والحكم بينهم بالحقّ؛ وإذا وجبت على الخصم يمين لخصمه فلا يجوز للحاكم تأخيرها عليه حكما؛ وإن كانت الدعوى بأشياء مختلفة حلّفه على كلّ منها بما عليه، فما احتاج منه إلى تسمية سمّاه، وما وجب من الفعل أن يسمّى سمّاه، وما يدخل فيها من الأفعال التي يحلف عليها ما قبله وما عليه منها حقّ سمّي بذلك، وكان كلّه في يمين واحدة.
وإذا بان له من رجل تعنّت على رجل بأيمان، قال له: لا أحلّفه لك إلاّ واحدة، فاجمع مطالبك، وبه قال ابن محبوب؛ وقيل: إذا ردّ اليمين إلى المدّعي فحلفه الحاكم
__________
(1) - ب: «يد» وفيه سقط « .. عي» من «يدّعي». (7/451)
صفحة 3516
بعضها، ثمَّ قال المدّعى عليه: اَمسك عنها أنا أحلف فله ذلك عند أبي سعيد، ما لم يحلف.
واختلف فيمن ادّعي عليه باطل فيفتدي بمال ولا يحلف، فقيل: له ذلك، وروي أنّ حذيفة فدى يمينه بدنانير؛ وقيل: يحلف ولا يجمع شيئين يضيع ماله ويطعم أخاه الحرام.
فإن ادّعى عليه ما لم يعلم أنَّه عليه فلا يأثم إن حلف وقد حلف أبو عبيدة على أربعة دوانق.
فصل
اللفظ الموجب لقطع الدعوى ولا تسمع بعده أن يقول الحاكم للخصم: قطعت كلّ دعوى لك على خصمك، هذا فيما مضى إلى الوقت. فإذا أنعم وحلفه عليها ثمَّ ادّعى عليه دعوى لم تسمع له في الوقت؛ فإن غاب عنه بعد قدر ما يلزمه له حقّ ثمَّ نزلا إلى اليمين في ذلك اليوم بعد الغيبة فادّعى عليه أخرى سمعت منه إن أمكن حدوث ذلك؛ فإن طلبه الخصم أن يحلف له خصمه بالمصحف لم يلزمه، إلاّ إن رآه وجها فيكون له ذلك.
وتلزم الأيمان في كلّ شيء إلاّ في الحدود، والقذف، والشتم الموجب للحدّ، فلا أيمان فيه إلاّ على السّرق فإنَّه يستحلف على المتاع ما أخذ له متاعا ولا قطع عليه إن لم يحلف.
وقيل: في موجب التّعزير يمين، ولا حدّ فيه، ولا يرى أبو المؤثر في موجب التّعزير والحبس يمينا.
أبو الحواري: لا أيمان عليهم في هذا، ولا للصّبيان، ولا عليهم، ولا لمحتسب ليتيم ولا لغائب، ولا في طريق ومسجد وما فيه ولا في رمّ - قيل - ولا في نسب، ولا (7/452)
صفحة 3517
نكاح، ولا في ردّ لا لهم (1) ولا عليهم ولا على أعمى وله؛ وقيل: لا له أيضا، ولا على حاكم لمن حكم عليه ولا على الشّهود؛ وقيل: إن ادّعى المشهود عليه أنَّهما رجعا عن شهادتهما، فلا يمين عليهما عند أصحاب الرأي؛ وقيل: عليهما لإتلافهما ماله؛ فإن حلفا وإلاّ قضي عليهما به.
وكذا من ادّعى وصيّة الأقربين أو الفقراء أو الشذا (2) أو نحوها من أبواب البرّ، فلا يمين له ولا عليه إلا الوصيّ فله اليمين على الورثة فيما أوصى به الميّت من أبواب البرّ.
أبو المؤثر: يستحلفون ما يعلمون أنَّه أوصى بذلك إذا طلب الوصيّ ذلك، ولا يمين للولد على والده؛ وقيل: له عليه وللوالد على الولد، وللوالدة عليه كعكسه، ولا على وكيل ينازع لأعمى؛ وإن أتت امرأة [673] بولد على سنتين لزم الزّوج ولا يمين عليها، ولا تلزم المدّعي مع بيّنته عند الأكثر؛ وقيل: تلزمه.
تمّ الجزء المذكور
__________
(1) - ب: «ولا ردّ مالهم ... ».
(2) - كذا في النسختين. (7/453)
صفحة 3518
الجزء السادس والعشرون
في الديون (7/454)
صفحة 3519
والباب الأوَّل منه
في الدّيون والإشهاد عليها والكتابة لها
قال الله تعالى: {يآ أَيّها الذين ءامنوا إذا تداينتم بديْن ... } الآية، فأجمع علماؤنا على أنّ الإشهاد عليه غير واجب، والأمر به تأديب وحثّ على حفظ الأموال.
واختير لمسلم أن لا يدَعه تنزيها لمن عليه الدّين، ولا يطمع في الإنكار بالوسواس وتسويل النّفس له، ولئلاّ يتّهم في دعوى ربّ الدّين في الكثرة، ولأنّ الإنسان محلّ للحوادث ولا يدري ما يفاجئه، ويحدث عليه من الآفات.
أبو المؤثر: كان الإشهاد عليه فريضة حتّى نسخ بقول: {فإن أمن بعضكم بعضا ... } الآية، واختير أنَّه ليس يعرض بدليل أنَّه صلّى الله عليه وسلم باع لأعرابيٍّ بعيرا فجحده الثّمن، فلم يجد بيِّنة، فقال له خزيمة: أنا أشهد لك، فقال له: «من أين علمت ذلك» فقال له: «لأنّك صادق». فلو أشهد الأعرابي على نفسه خزيمة لما قال له صلّى الله عليه وسلّم: «من أين علمت». فدلّ على أنّ الإشهاد ليس بواجب، ولو كان فرضا ما تركه، واتَّفقوا على أنَّه لا يجب بين المتبايعين عاجلا كما مرّ، ويكره الدّين إلاّ من ضرورة لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم قال: «إيّاكم والدّين فإنَّه همّ باللّيل ومذلّة بالنّهار»، وروي أيضا: «القتل في سبيل الله يكفّر كلّ شيء إلاّ الدّين»؛ فقد وعظ رجلا فقال له: «أقلل من الدّين تعش حرّا؛ أو أقلل الدنيا يهن عليك الموت»؛ وكان يقول: «اللهمّ إنِّي أعوذ بك من ضلع الديّن وثقله»، وقال أيضا: «روح المؤمن معلَّقة بين السّماء والأرض حتّى يقضى دينه». (7/455)
صفحة 3520
وفي ذلك روايات، ومن احتاج إليه فقد رخّص له بقدر ما يحييه وعياله ويسترهم لا أكثر منه؛ وقيل: من يحمله بلا إسراف أو لخير فلم يمكنه أداؤه حتّى مات فلا عليه؛ وإن تحمّله بإسراف أو فيما لا يجوز له فلم يمكنه أداؤه حتّى مات فهو هالك؛ وقيل: من يتحمّله دائنا بأدائه ثمَّ نسي بعضه فقيل: باق؛ وقيل: لا شيء عليه.
وعن منير: إنّ النّاسي لا يتحمّله، وروي: «من أحبّ رزق الله الحلال فليستدن على الله وعلى رسوله». وقال أيضا: «المستدين تاجر الله في أرضه». وأيضا: «من بات وعليه دين يريد قضاءه وكّل الله له ملكين يحفظانه إلى أن يصبح».
وقيل: من عليه دين في غير مأثم هو مهتمّ بقضائه فهو في أجر وحسنات ما كان عليه. وأجاز بشير للمرء أن يدان ويتزوّج؛ وإن مات ولم يمكنه قضاؤه فلا عليه، أو قال: الله يقضيه عنه؛ وقيل: إنّه غريم الله. (7/456)
صفحة 3521
الباب الثاني
فيمن عليه ديون وضمانات وما له أن يفعله
قال ابن بركة: من عليه ديون كثيرة من أموال اغتصبها، ومظالم ارتكبها، ولا يملك قدر ما عليه لم يكن له عند الله أن يتصرَّف في ماله ويحبسه عن إنفاذه في ذلك إلاّ قدر ما يقوّته كمثله؛ فإن باع أو وهب أو اشترى أو تزوّج جاز عليه وله وهو ملكه وله أن يتصرّف فيه ويحكم بذلك وهو عند الله آثم؛ وإن كانت الأموال من ديون تحمّلها أربابها فلا يأثم بحبسها عنهم حتّى يطلبوه بها ويضيّقوا عليه وليس لوارثه بعد موته أن يحبسها أو بعضها لأنَّه مالك للمال وليس وارثُه مالكا له، إلاّ بعد أن تقضى.
ومن عليه ديون ومظالم ولا يفضل ماله عمّا عليه، فلينفق على عياله بما يسدّ به خلّتهم، ولا يضيف ولا يهب ولا يعتق؛ فإن فعل مضى وأثم، ولا يأكل اللّحم ولا الطُّرَف ولا يخرج لجهاد عدوّ إلاّ إن تعرّض له؛ فإن عرض له أشهد وقاتل؛ وقيل: لا يقاتل حتّى يدخل على حرمته.
ابن عليٍّ: من عليه دين ويعرض له تولّى؛ فإن خاف التّبع فليقاتل ولا يقتل مدبرا، ومن عليه دين لا يعلم به غيره فلا يقاتل بل يرجع إليه.
محبوب: من له مال وعليه محيط به وله زوجة، فهل له أن يتحمّل الدّين ويحجّ نافلة ويصل قرابته ويضيّف ويصنع المعروف؟ قال: أن تحمله على نفسه وهو ملي فلا عليه؛ وإن كان يأخذه ولا أصل له ولا منتقل كره له؛ وإن حسن فعل ذلك إذ ليس بواجب إلا على قادر عليه. (7/457)
صفحة 3522
وأداء الدّين فرض وذلك وسيلة ولا تقام، ويعطّل الفرض، ومن لزمه دين ولا وفاء له فمسألته فيه - قيل - خير له من أن يموت وهو عليه؛ وإن كانت للمدين حقوق فأبرأ أحدا ممّا له عليه قبل أن يرجع عليه غرماؤه فلا يضيق ذلك عليه، ما لم يقصد به إضرارهم.
أبوسعيد: من بيده مائة درهم وعليه مائة زكاة؛ فإن كانت التي بيده من زكاة ماله أدّاها فيها إلى أهلها؛ لأنَّها أمانة بيده، والأمانة أولى من الدّين؛ وإن كانت من غيرها فهما فريقان الدّين والزّكاة؛ فإن أدّاها فيها قبل أن يحكم عليه بأداء ما عليه من الدّيون وسعه ذلك إن دان بها؛ وإن أدّاها ودان بالزّكاة وسعه أيضا؛ وإن رفع عليه الغرماء كانوا أولى بما في يده إن صارت الزّكاة دينا عليه؛ وإن [674] كانت هي بعينها زكاة أخذها المصدّق.
وقال أيضا: من عليه دين وبيده مال قدر ما يقضي به لا أكثر وهو دائن بأدائه، فليس له إذا قدر عليه أو على أداء بعضه أن يمسك ماله ويبطل غرماءه، إلاّ إن كان له عذر؛ وقيل: لهم ما فوق الإزار؛ وقيل: له من ماله ثوبان؛ وإن كان له عيال تلزمه كسوتهم في الوقت كانت لهم في وقت لا يسعه تركهم، ما لم يرفع عليه الغرماء؛ وقيل: له منه كسوته ومنزل ينزله؛ وإن كان له عيال وفضل عن قدر سكنهم أيضا بيع وليس له بما بيده بعد هذا إلاّ قوت يومه، ولا يمسك منه أكثر منه لأنَّه أحيط به، إذ لو مات لم يكن لوارثه من ماله شيء إلاّ بعد وفاء ما عليه حتّى اختلف في دفنه، فقيل: يؤخذ له منه بقدره ممّا جاز في الأكفان؛ وقيل: لا وإنّما جعل له من ماله في حياته مالا قوام له إلاّ به في وقته، فالفرض على المدين أن يبذل مجهوده في قضاء ما عليه بلا مخادعة ولا التواء، وعلى الغريم أن ينظر المعسر كما قال سبحانه: {فإن كان ذو عسرة ... } الآية وعليه أن يتفقّد حاله ولا يلزمه في حال عسره وعليهما الإنصاف من أنفسهما، والحكم عليها بحكم الله ورسوله والمسلمين، ولو لم يحكم عليهما لقوله تعالى: {كونوا قوّامين ... } الآية، فإذا حكم المرء أمرَ نفسه بدأ بالأقرب والأقرب إلى ما بلغ إليه طوله ولا توفيق إلاّ بالله سبحانه. (7/458)
صفحة 3523
الباب الثالث
في قضاء الدّيون وتقاضيها والحلّ والخلاص منها
قال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة ... } الآية، بأن يؤجّله إلى الإيسار عليه، فأخبر أنّ الصدقة على المعسر برأس المال خير من انتظار ميسرته وذلك ندب. وروي: «خذ حقّك في عفاف وافيا أو غير واف»، وأيضا: «من شدّد على معسر في التّقاضي شدّد الله عليه في قبره»، وأيضا: «لا تمكّكوا على غرمائكم» والتّمكّك: الاستقصاء والإلحاح في الاقتضاء، مِن أمتكّ الفصيل لبن أمّه، إذا استنفد جميع ما فيه.
وأيضا: «امش إلى غريمك بحقّه تشيّعك الملائكة بالصّلاة عليك»، ومن علم الله منه إرادة قضاء دينه رزقه الله من حيث لا يحتسب، أو يهيئ له قضاءه في حياته، أو بعد موته.
وكان بعض السّلف إذا كان له حقّ على أحد طال تأخيره ثمَّ تركه طلبا للثّواب، ومعنى قوله: «مطل الغنيّ ظلم»، أو قال: الموسى ظلم، قيل أن يكون دينه ممّا يقدر عليه وتناله يده وربّه محتاج إليه أو يطلبه، وإن كان يطلب بدراهم وعنده النّخل والدّور والمراكب لا الدّراهم فليس بباطل، وليس بإثم إن كان يريد دفع ما عليه، وإذا لم يقدر المدين على الأداء سأل النّاس وأدّى.
ومن عنده قيل عشرون درهما وعليه دين بقدرها، ولزمه الحجّ وله عيال لزمته مؤونتهم، فالواجب قضاء الدّين أولا، ثمَّ العيال؛ فإن خاف عليهم ضرّا أنفق عليهم، واجتهد في القضاء.
ومن عليه دين فلا يأثم في مطله ما لم يطالَب، فإذا طولب أثم. (7/459)
صفحة 3524
ومن له حقّ على رجل فله أن يلازمه، لما روي: «لذي الحقّ يد ومقال»، أو قال: «ولسان»، يريد باليد الملازمة، وباللّسان المطالبة.
وليس عليه إذا أعطى أهله دينا كان أو مظلمة أن يسألهم الحلّ، وقد تخلّص إذا أعطى الواجب عليه، ومن له حقّ على رجل فأوفاه إيّاه برئ منه ولو لم يعرف أنّ ما دفع إليه من حقّه، ومن قال لغريمه: خذ نخلتي هذه بمائة درهم، وإلاّ لم أعطك شيئا، وهي تسوى خمسين، ولا بيِّنة له، فأخذها فليس له إلا النّخلة، أذلّه أن يأخذها بماله أو يتركها، وليس كمن قال: إن أخذت منّي دونها وإلاّ لم أعطك شيئا؛ فذلك لا يبرأ، ولهذا ما بقي عليه إذا لم تطب نفسه له بتركه.
ومن له على رجل دين فله أن يعطيه ويرجح له ولربّه أخذ ذلك، لقوله صلى الله عليه وسلّم للوازن: «زن وأرجح».
ومن قال لغريمه: أرسل إليّ أعطيك بحقّك حبّا، ففعل فكال له على بسعر الوقت (1)؛ فإن تتامّاه تمّ؛ وإن تناقضاه انتقض ورجع كلّ إلى حقّه الأوَّل إذا لم يتّفقا على مبايعة يتراضيان بها.
فصل
من عليه تبايع ومظالم وديون في بلده وغيره، وخاف إن رجع إلى بلده وماله ليتخلّص ازداد تبايع أيضا، فهرب وترك بلده، فلا يعذر بهذا، فليرجع ويتخلّص، وقد نهي عن إضاعة المال؛ فإن كان يخاف ذلك فإنّما يعذر بعد تخلّصه.
ومن سرف دراهم وقضاها في دينه فلا يبرأ؛ فإن تاب وردّ ما أخذ برئ؛ وقيل: يكفّر بذلك وبرئ من الدّراهم ويلزمه ما أخذ فمتى تاب فقد تاب ممّا قضى، ولزمه ضمان ما أخذ؛ وقيل: متى قضى ذلك برئ.
__________
(1) - ب: «فكال له بسعر البلد». (7/460)
صفحة 3525
ومن عليه دين لغائب ويظنّ أنَّه أعطاه ثمَّ شكّ، فهو عليه حتَّى يعلم أنَّه أدّاه، وكذا إن لزمته كفّارة، ومن استحلّ رجلا ما أحدثه في ماله ثمَّ شكّ، فعليه أن يستحلّه حتّى يتيقّن؛ وقيل: إن استحلّه وقد جرى إليه منه الحلّ أو مضى ليستحلّه، وعنده أنَّه استحلّه، أو حفظ أنَّه قعد لمن يستحلّه، وقام على ذلك فلا يلزمه [675] حتّى يعلم أنَّه لم يستحله وإلاّ ويعلم أنّ عليه الحقّ فهو عليه حتّى يعلم أنَّه بريء منه. (7/461)
صفحة 3526
الباب الرابع
في دفع الدّين وقبضه والأحكام بين القاضي والمقتضي
ومن عليه لرجل حقّ فأعطاه دراهم فقال له: هي حقّك، وهو كذا؛ فقبضها ثمَّ ادّعى نقصا ناعما، قال: قُبل قول ذي الحقّ إذا لم يزنها عليه أو قبضها منه على التّصديق له، وأظهر أنَّه قبل ذلك عن حقّه.
ومن له على آخر عشرة دراهم فأخذها منه ثمَّ وزنها في ميزان آخر فزادت أو نقصت، فالزّائد لربّها والنّاقص عليه، إلاّ إن ضيّع منها.
أبو عبد الله: من له سلف على رجل فقال له: كلت لك هنا كذا صاعا؛ فقال: قبلت، ولم يقبضه، ثمَّ قال: لا أرضى فكله لي، فله (1) ذلك وعليه أن يكيله له؛ فإن قبضه بلا كيل عند التّصديق له ثمَّ طلب عليه الكيل فلا يجد ذلك عليه، فمالم يصر في يده فله أن يرجع لأنَّه لو تلف قبل أن يضمنه كان من مال الأوّل؛ وقيل: ما لم يفارقه ويغب عنه، فله أن يرجع في الكيل لقيام عينه؛ فإن كال له فنقص كان عليه؛ وإن زاد كان له إذا طابت نفس الدّافع، لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم استسلف بكرا فردّ رباعيا؛ وأنّ ابن عمر اقترض من رجل ألفا فردّ إليه ألفا ومائتين وقال له: الألف بحقّك والزّيادة من عندي لك؛ وقيل: يجب أن تكون الزّيادة منفصلة منه.
واختلف فيما يرجح الميزان به فقيل: الزّيادة بعد اعتداله هبة معلومة يجوز أخذها بطيب نفس ربّها؛ وقيل: إنّها ثمن لبيع مستحقّ، قال خميس: والقولان عندي فاسدان إذ لا يكون الشّيء مبيعا حتّى يعلم ثمنه، وتلك الزّيادة غير معلومة والهبة لا تكون إلاّ معلومة، واختلف في جوازها، فإذا لم تكن هبة ولا بيعا لم يجز ذلك فقد أمر صلّى
__________
(1) - ب: «حمّله». (7/462)
صفحة 3527
الله عليه وسلّم بالرّجحان في الميزان، فدلّ على أنَّه أباحه، وزعم قوم أنَّه لا يجوز حتّى يعتدل لسانه بالحقّ فتكون الزّيادة منفصلة، ويفسده ما مرّ من ردّ الرّباعي بالبكر، ومعلوم أنّ الزّيادة فيه غير معلومة ولا منفصلة.
ومن عليه لرجل (1) ألف فقال له: هذا كيس فيه ألف فخذه، فأخذه ثمَّ رجع إليه فقال: إنّما هي خمس مائة؛ قال أبو جعفر: فله أن يرجع بها إليه إذا لم يزنها حين دفعها إليه، إلاّ إن شهدت عليه بيِّنة أنَّه صدقة فلا رجعة له على الدّافع أن يحلف لقد دفع له الألف التي له عليه؛ وكذا على الذي دفع إليه، وقال: إنّها خمس مائة فرجع بالباقية أن يحلف ما أزالها من يده وما خانه فيها وما وجدها إلاّ خمس مائة.
ومن يطلب رجلا بخمسين فأتاه يتقاضاه فدفع إليه كيسا فيه مائة، وقال له: اذهب اتزن (2) مالك وردّ عليّ الباقي، فخرج من عنده فضاعت قبل أن يزن ماله، فهو أمين حتّى يزنه، فإذا وزنه ثمَّ ضاع الباقي من عنده ضمنه لأنَّه شرط أن يردّه إليه إذا وزن، فما لم يزن فهو أمين، فإذا وزن ضمن الباقي.
فإن قال له: خذ حقّك فالباقي أمانة بيدك لي، ولم يشترط عليه ردّه فلا يضمنه إن تلف قبل القبض أو بعده؛ وكذا إن قال له: خذه من هذه الدّراهم ولم يشترط عليه في الباقي كان أمينا فيه.
ومن عليه - قيل - لرجل دراهم فأتاه بها فطرحها في حجره، فلا يبرأ منها بذلك حتّى يقبضها، لأنَّه ليس يقبض؛ وقيل: برئ.
ومن عليه حقّ لأحد فشكّ بعد ما غاب أنَّه أعطاه إيّاه، فلا يبرأ منه حتّى يتيقّن به.
__________
(1) - ب: - «لرجل».
(2) - كذا في النسختين، ولعلّه: لتزن. (7/463)
صفحة 3528
ومن عليه عشرة لرجل فسرقها من غيره وقضّاها إيّاه، فلا يبرأ ممّا عليه وعليه ضمانها؛ فإن تاب وردّها برئ؛ وإن كانت عليه له (1) عشرة أجرية حبّا فكالها له ووضعها عند غيره، وقال له: كلتها لك وهي عند فلان، فقال له رضيت فليس بقبض.
وإن وجّه إليه رسولا يكتال له منه البعض فليس قبضا أيضا، ولا يبرأ إلاّ ممّا قبض لأنَّه وضعه برأيه لا بربّ الحقّ، ولا يلزمه بقوله: رضيت.
وإن قال له: كلته لك، فقال له: ضعه عندك أو عند فلان، فقيل: إنّه قبض لأمره بذلك؛ وقيل: لا حتَّى يقبضه له غيره بأمره (2)؛ فإن قال له سلّمه إلى فلان ففعل كان قبضا، وفيه تأمّل.
ومن ترك قيل حقّا خوفا أن يقال طلب باطلا فهو من الرّبا.
__________
(1) - ب: «له عليه».
(2) - ب: «بأمر». (7/464)
صفحة 3529
الباب الخامس
في الخلاص من الدّين والتبّاعة والجائز من ذلك
فمن حلف على حقّ لغريمه، ثمَّ أراد الخلاص منه فعرضه له فأبى، وقال له: قد حلفتك عليه ولا آخذه ولا أحلّك منه، فإنَّه يحكم عليه بأحدهما؛ فإن لم يفعل وضرّه ورمى به في حجره وقال له هذا مالك عليّ فقد برئ منه؛ ولو رماه منه لأنَّه ضيّعه بعد ما صار بيده؛ وإن رفع عليه عند الحاكم لم يعذره فإمّا أن يأخذه أو يحلّه منه.
ابن محبوب: من له حقّ فدعي إلى أخذه فأبى فلا حقّ له؛ وقيل: يجبره الحاكم على أخذه؛ وإن عدم وأبى من قبضه فقد برئ منه ولا يلزمه إيصاء به؛ وقيل: لا، ويلزمه.
ومن عليه لرجل سلف حبّ ودراهم فلمّا حلّ الأجل أعطاه مائة مكوك، ومضت مدّة فقال المسلّف: الحبّ من سلف (1)؛ وقال الدّافع: يحسب من الدّراهم بالقيمة، قال ابن محبوب: [676] إنّ الحبّ يكون من جملة ما عليه من سلف الحبّ.
ومن عليه لرجل دراهم فصرّ في ثياب الرّجل قدرها، فلا يبرأ بذلك حتَّى يقبضه إيّاها أو يعلم أنَّه قبضها، وكذا إن دفعها إليه وقال له: خذ وزنها من حقّك حتى أحاسبك، فهي وديعة حتّى يقبضه إيّاها، وكذا إن دفع إليه ثوبا وقال له احسب ثمنه واستوفه من حقّك، فتلف الثّوب بلا تضييع منه قبل أن يحسبه فهو أمين فيه؛ أبو سعيد: إن كانت له عليه دراهم فأتاه بدراهم، فقال له: تراها هنا كذا، اقبضه من حقّك، فقال له: صرّه في هذا الثوب أو ضعه في مأمن، فذهب عنه ليصرّه، فجاء ربّ الحقّ ليأخذ ما وضع له، فلم يجد في ذلك شيئا وأقرّ أنَّه أمره بالصرّ أو بالوضع من
__________
(1) - ب: «السلف». (7/465)
صفحة 3530
ذلك فلا يبرأ من ضمانه إلا بقبض صاحبه أو بما يحكم عليه به أنَّه كقبضه، أو بإقراره به؛ وإن كان ذلك أمانة فأمره بذلك فلم يجده في ذلك فالقول فيه قول الأمين لأنّ الأمانة خلاف المضمون كما علمت.
وإن قال: هذا حقّك وهو عشرة، فقال له: ضعه في كذا، فتلف أو لم يجده فيه، وادّعى أنَّه وضعه فيه فعليه البيِّنة أنَّه وضعه فيه؛ فإن قال: إنّها عشرة، فقال: صدّقتك، فأمره أن يضعها في كذا فوضعها فيه فلم يجدها الآخر قُبل قوله إنّه وضعها فيه.
فصل
من تصدّق قيل عن ضمان لمن لا يعرفه يقول: تصدّقت عليك بهذه الدراهم ممّا لزمني لمن لا أعرفه قضاء عن نفسي.
ومن عليه لرجل دين فنسيه ثمَّ طالبه به فأنكره إيّاه، عذر الناسي إلاّ أنَّه يتوب إن لم يدن بأداء كلّ لازم علمه أو نسيه؛ وإن كانت له عليه مظلمة ولا يمكنه الوصول إليه فإنَّه إذا شهد أنّ لفلان عليّ كذا ثمَّ تاب فإنَّه يبرأ منها إن أدّيت إليه؛ وإن أوصى بها إلى ثقة ومات الثّقة قبل أدائها برئ وكان على ولايته كما مرّ.
ومن لزمه ماله مثل من مكيل أو موزون تخلّص من جنس ما لزمه؛ وإن كان من العروض قوّم بالدراهم، والذهب والفضّة يتكافآن؛ فإن أعطى من أحدهما على الآخر برئ من لازمه؛ وإن تخلّص عنه من جنسه كان أحوط له، ومن عليه لرجل دين ولم يعرف أين هو وأدّى عنه دينه إن كان عليه وإلاّ وكان له وكيل سلّمه إليه؛ وإن لم يكن فإلى وارثه إن كان وإلاّ فرّقه في منزله؛ فإن عرفه حيّا فلا يدفعه إلاّ إليه أو إلى وكيله أو في دينه.
ومن عليه لزيد عشرة فأتاه من يدّعي الوكالة منه في قبضها وسلّمها إليه على دعواه، ثمَّ تأمّل حاله فإذا هي دعوى، فليس له في الحكم أن يأخذها منه إذا رجع إليه إلاّ إن قدر على أخذها منه إذا لم تقم له حجّة تبرئه. (7/466)
صفحة 3531
الباب السادس
في ترك الديون والإبراء منها
فمن عليه دين لميّت عليه ديون فأخلّه فيه ورثته، فإنَّه ما لم يحكم عليه حاكم به أو تقوم عليه حجّة للغرماء به واحتمل الصواب فيما دخل فيه الورثة فلا يضيق عليه؛ فإن قامت حجّة الغرماء بالديون وحكم لهم بالقضاء على الوصي فقضاهم ولم يوفّهم ولم يعلم المدين أنَّ الورثة سلّموا إليه قدر ما أحلوه منه، فإذا صحّ أنَّهم أحلوه ممّا لا يستحقّونه لثبوت الدين فيه فأحلا لهم فيه باطل إذ لا حجّة في المال إلاّ بعد الدين إذا لم يحتمل صواب ذلك.
ومن عليه لرجل دين فأشهد أنَّه تركه له ثمَّ احتجّ أنَّه لم يبرئه منه أو أبرأه، ولم يسمّ به ولا باسم الرجل فإن احتجّ بذلك عند الحاكم فلا يحكم عليه بتركه، حتَّى يقول: تركت له حقّي أو أبرأته منه إلاّ أنَّ عليه اليمين ما ترك له ماله عليه؛ فإن حلف كان له وإلاّ فلا؛ فإن ردّها إلى الغريم لم تكن له إلاّ على ما قال: تركته له (1) أو أبرأته منه، ولا يحلف لقد ترك له حقّه الذي عليه وأبراه منه، فإنّما يحلف على ما حفظ من لفظه، وأمّا عند الله فإن عنى بذلك الترك والإبراء لغريمه فلا يسعه أخذه إن قال قبلت؛ وقيل: ليس عليه أن يقول قبلت ما هو عليه.
فمن له على رجل ألف فقال أبرأتك منه على أن تسلّم لي عشرة، ففي هذه البراءة مثنوية، فله عليه الرّجعة؛ فإن قال إذا سلّمت إليّ العشرة فسلّمها إليه فليس فيها ذلك.
ومن قال لغريمه: أبرأك الله من حقّي، ففي الإبراء قولان.
__________
(1) - ب: - «له». (7/467)
صفحة 3532
ومن داين رجلا دينا (1) فقال له: إن متّ فأنت منه بريء، فمات هو فإنَّه لا يبرأ؛ وإن مات المدين برئ والأحسن أن يقول إن متّ أنت فوصية لي في مالك، فإذا مات من له الحقّ برئ منها إن كان أقلّ من الثلث؛ وإن قال الطالب للمطلوب: إن أتيتني بخمس مائة يومَ كذا فالباقية لك هبة، فأتاه بها فكره، فذلك منه خلف ويأثم به (2)، ولا يثبت ذلك عليه في الحكم؛ وإن قال له المطلوب: لك خمس مائة على أن تترك لي الأخرى، فلا يجوز له ذلك إن فعل.
ومن عليه دين يعجز ماله عن وفائه، فقال له غرماؤه: أعطنا مالك ونبرّئك من الباقي، ففعل ثمَّ تموّل، فعليه أن يؤدّيه إليهم إلاّ إن أعطوه إيّاه بعد أن أتاهم به؛ فإن صالحهم بنصف أموالهم ورضوا به ثمَّ تموّل الباقي لهم أيضا؛ فإنَّ الصلح أشدّ من الهبة.
ومن له على رجل دين فأفلس فأبرأه منه لفقره برئ منه، ولا رجعة له عليه، إلاّ إن أظهر الفقر والإفلاس، وعنده ما يقضي به دينه أو بعضه، وهو يعلم ذلك لا غريمه فلا يبرأ ممّا أبرأه منه، وكذا من طلّق امرأته وجحدها في حقّها، ولا بيِّنة لها به، فسألها الحمل منه فأحلّته، فلا يبرأ منه [677] لأنَّها لا تقدر على أخذه؛ فإن أقرّ لها به وأشهد لها به وعلمت ثمَّ أحلته منه جاز ذلك، وكذا جميع الحقوق.
وإن قال من له الدين لمن هو عليه: وهبته لك، وأعطيته إيّاك، ثبت؛ وإن قال: تركته لك من زكاته أو ممّا عليّ منها وجعلته لك وأعطيتك إيّاه منه، أو هو لك منها، أو ممّا عليّ منها، جاز وبرئ عند مجيز المقاصصة فيها.
قال أبو المؤثر: من عليه دنانير لرجل إلى أجل فقال له: إذا حلّ حقّي عليك فأنت منه بريء، فهذه براءة لا تثبت له لعدم صحّتها؛ وإن لم يرجع حتى ماتا أو أحدهما فله حقّه، لأنَّها ليست براءة تثبت.
__________
(1) - ب: «بدين».
(2) - ب: - «به». (7/468)
صفحة 3533
ومن عليه لرجل مكوك رطب فأراد أن يعطيه في الشتاء مكوك تمر، فلم يفعل فطلبه رطبا أو قيمته؛ فإن كان الرطب من غير السلف أو الإجارة فما اتَّفقا عليه فهو جائز؛ وإن لم يتّفقا على شيء لم يكن لصاحبه إلاّ قيمته في وقته لا في عدمه أو يُنظره إلى وجوده، وليس له في السلف إلاّ رأس ماله، وله في الإجارة بقدر عنائه لأنَّها لاتباع، ولا يعطى إلاّ ما اكتري به من كيل أو وزن، ولا يجوز بيعها إلاّ بعد قبضها عند الأكثر.
ومن له حقّ على رجل فدفع إليه بعض ماله ليبيعه ويستوفي ثمنه فتلف، فكالأمانة حتى يفعل، ولا يكون كالرهن؛ واختلف فيمن عليه لرجل دين أو سلف أو أمانة، فقال له: كُلْه أو سلّمه إلى فلان، أو اجعله عنده، ففعل، اختير في "سلّمه إليه" أنَّه قبض، وفي "اجعله عنده" خلاف، فقيل: إنَّه قبض؛ وقيل: لا.
أبو الحواري من عليه لرجل حقّ فأعطاه صرّة دراهم وقال: هذا حقّك وهو كذا، فقبضه وادّعى أنَّه وزنها، فنقصت عمّا قال، فالقول قوله إن لم يزنها له قدّامه أو قبضها منه على التصديق له. (7/469)
صفحة 3534
الباب السابع
في الأحكام في الحقوق والديون وقضائها والبراءة منها والحبس عليها
فمن صحّ عليه حقّ لأحد فطلب إلى الحاكم أن ينصفه منه أمره أن يدفعه إليه؛ فإن لم يفعل حبسه حتى يعطيه، إلاّ أن يؤجّله طالبه برأيه، وإذا انصرف ولم يمدد له وقد طلب أن يأخذه بما أقرّ له به (1)، فعليه أن يأخذه بحقّ غريمه؛ فإذا اذعن للعطاء وإلاّ حبسه حتّى يحضر غريمه؛ فإن بذل التسليم للحقّ، فقيل: يؤخذ بالكفيل إلى أن يحضر خصمه ولا يحبس إذا حضر الكفيل؛ وقيل: لا حبس عليه ولا كفيل إذا أذان بالعطاء وعرض ماله.
ومن عليه لرجل حقّ فرفع عليه في غير بلده، فقيل: لا يحبسه إلاّ في بلده ويلحقه غريمه إليه؛ فإن أوفاه وإلاّ حبسه له الوالي فيه، ويكتب به إن فرّ عنده به إلى الوالي الآخر.
أبو عبد الله: من رفع على آخر بحقّ وأقرّ له به وقال يصحبني إلى منزلي أدفعه إليه وكره فعليه أن يدفعه إليه في محلّ الحكم عند الوالي؛ وإن اختلف في قبض المال كان قبضه إلى الحاكم وعلى المطلوب إحضاره إلى محلّه، وجاز الحبس على كلّ دين ثبت عن عوض مغن، لأنَّه في الظاهر مستغن بالمال إذا حصل في بلده، ولأنَّه ممتنع عن الأداء مع الإمكان، وكلّ دين لم يوصف بهذا فلا يحبس فيه حتى يعلم أنَّه أغنى ممّا قال، وذلك مثل ما يتحمّل من العزم في الأروش والدّيات والصدقات وما لم يؤخذ
__________
(1) - ب: - «به». (7/470)
صفحة 3535
فيه ضامن أو عوض فهذا لا يبدأ بحبسه حتّى يصحّ غناؤه وامتناعه لأنّ الفقر أصل والغنى حادث.
فصل
من حبس بديْن لم يجز له أن يقرأ الشعر وجاز له القرءان والعلم؛ وإن كان في الشعر أثر أو مواعظ أو آداب، وقرأه طلبا لمعانيه كالدّعائم ونحوه فلا بأس؛ به ولا تمكن زوجة المحبوس من الدّخول إليه.
ولا حبس قيل على من لا يحضر كفيلا إن لم يثبت الحقّ وإنّما يلزمه إذا ثبت؛ وقيل: الحبس على نظر الحاكم لما يتوجّه إليه عند المشاهدة ووقوع التّهمة.
ابن المسبِّح إن كان من عليه الحقّ يوثق به أنَّه لا يتوارى فلا يأخذ عليه كفيلا، فإذا زعم المطلوب أنّ المبايعة كانت بالبصرة، وأنَّه أوفاه حقّه وأقام شاهدًا بالبراءة، وادّعى آخر بها وطلب أجلا له فذلك له.
ابن محبوب: من عليه لرجل ألف، فطالبه به فأقرّ له به وأعطاه، ثمَّ عاد فرفع عليه بألف، وأقام به بيِّنة فاحتجّ الغريم أنَّه الّذي أوفاه إيّاه، وقال هو إنَّه سواه، فلا يؤخذ له بهذا إلاّ إن شهدت البيِّنة أنَّه غير الذي أقرّ له به أو أرّخ كلّ منهما؛ وإن كان له عليه مائة وأقرّ له بها وقال: قضيتك منها خمسين، فقال له الطالب: إنّما قضيتنيها من غير هذه المائة، فالقول قول المطلوب إلاّ إن بيّن الطالب أنَّها من غيرها، وكذا ما يشبه هذا.
ومن قامت له بيِّنة على زيد بخمسين، وأقرّ له عمر بأخرى، وقال: أنا الذي كانت عليه الخمسون ولكن اشتبه على الشهود، أخذت منه التي أقرّ بها، ومن زيد التي شهدوا عليه بها.
ومن يطلب زيدا بدراهم وهو يجدها فقال عمر: أنا الذي عليه التي تطلبها إلى زيد وإنّما هي عليّ لا عليه فله أن يستوفيها من أيّهما شاء. (7/471)
صفحة 3536
الباب الثامن
في الدعاوي والأيمان والأحكام في الحقوق
قال نبهان وأبو المؤثر: من ادّعى على رجل حقّا فأنكره ولا بيِّنة له عليه فطلب يمينه فردّها إليه، فقال: يحضرني حقّي فأحلف له، فلا شيء له حتى يحلف، فإذا حلف وطلب إحضاره فقال المدّعى [678] عليه إنّما استوجبه على الساعة حين حلف وطلب المدّة فأبى المدّعي أن يمدد له، فقيل: إن أراد أن يعرض له فله أنْ يتعرَّض بقيمة العدول؛ وإن أبى مدّد له مدّة يبيع فيها ماله كما يرى الحاكم؛ وقيل: لزم الذي عليه الحقّ أن يحضره لخصمه ثمَّ يحلفه.
ومن عليه حق إلى أجل فرفع عليه فيه طالبه فطلب يمينه، فقيل: يحلف له ما عليه له حقّ حال؛ وقيل: بلا زيادة حال؛ وإن أقرّ أنَّه مؤجّل فعليه البيِّنة؛ فإن أحضرها وإلاّ استحلف الطالب أنَّه حال؛ وإن كان إلى مختلفين فقال الطالب في الأوَّل: ثلثاه وفي الآخر ثلثه، وعكس المطلوب، فقيل: القول قول الطالب؛ وقيل: قول المطلوب.
واختلف في الوفاء أيضا إذا كانت الديون مختلفة وترافع الخصمان بعد انقضاء الآجال المختلفة، وطلب ذو الحقّ في آخرها جميع الحال في الأوَّل وفي الحاضر، وقال: لم أستوف من الحقوق شيئا، وقال المطلوب: كلّما حلّ عليّ شيء منها سلّمته إليك ولم يبق لك عليّ إلاّ الحال الآن، فقال ابن المبشّر ومسعدة: لا شيء له لما مضى من النجوم، والقول فيها قول المطلوب إنَّه سلّمها عند حلولها، أبو عبد الله: هذا غلط بل عليه البيِّنة بذلك والأخذ بذلك، وكذا خلافهم في الصداق العاجل، القول فيه قول الزوج بعد الدخول أنَّه برئ منه؛ وقيل: قول المرأة أنَّه باق عليه ولا يهدمه الدخول ولكل أصل. (7/472)
صفحة 3537
الباب التاسع
في التولي عن الحكم ومن يلزمه الوفاء بلا حضرته وتسمع عليه الدعوى في غيبته
إذا حضر الحاكم خصمان فادّعى أحدهما على الآخر دعوى فدعاه بالبيِّنة، فأمر المطلوب بالدفع، فخرج على أن يعطي فتولّى أمر الحاكم ببيع ماله وأعطى الحقّ طالبه؛ وإن كان بيده مال أسلمه؛ وإن صحّ عليه دين فحبسه فتولّى من الحبس أنفذ عليه الحكم وباع ماله؛ وإن أجّل له فتولّى وهرب بعد أن صحّ عليه الحقّ باع ماله لأهله، وكذا في جميع ما يلزمه من الحقوق؛ فإن احتجّ عليه أن يوافي من يدّعي عليه مالا؛ وأن يوافي إلى الحاكم أو إلى الأجل فلم يواف سمع عليه البيِّنة وأنفذ الحكم إن تولّى؛ وإن كان بيده ما صحّ عليه أنَّه لغيره واحتجّ عليه في دفعه له فتولّى حكم عليه وإن وَكَّل الخصم وكيلا فغاب فأبى وكيله أن يخاصم له سمع عليه البيِّنة وأنفذ الحكم عليه، وكذا نحو هذا.
وجاء الأثر عن أصحابنا أنَّهم لا يرون سماعها إلاّ بحضرة الخصم أو وكيله إلاّ في الوكالات والنسب؛ وقيل فيه: إنَّه إذا كان يدّعي ميراثا لم تقبل منه بيِّنة إلاّ بحضرة من يدّعيها إليه بذاك النسب؛ وإن كان إنما يطلب بيان نسبه من فلان ثبت ولو لم يكن له فيه خصم، وتقبل على الوكالة بلا حضرة خصم الموكل، وكلّ مطلوب بحقّ امتنع واختفى فعلى الحاكم أن يجتهد في الاحتجاج عليه بالثّقة؛ فإن لم يقدر عليه فلا يحكم عليه إلاّ بعد الاحتجاج.
وقيل: إذا بيّن عليه عنده أنفذ الحكم عليه واستثنى له حجّته؛ فإن أتى بها وإلاّ ثبت عليه وكان أبو عليٍّ يفعل ذلك ممّن عرفه بالخصومات والتواري عن الأحكام (7/473)
صفحة 3538
وإقامة الحجّة عليه، ويقول أيضا: من فرّ من حبسكم ولم تقدروا عليه فهو المنادي على ماله في ثلاث، فإذا بلغ عدلا يبع منه بقدر ما عليه، وإلاّ فلا تعجلوا عليه حتى تفوّتوا جمعة أخرى ثمَّ بيعوا.
وإذا هرب من يد الشاري فهو على هذه الصّفة؛ ومن تعدّى البحر لا متوليا؛ فإن عرف موضعه وتناله الحجّة احتجّ عليه بعدلين، وإلاّ بيع ماله إذا طلب الحقوق أهلها، واستثنيت له حجّته ولا يباع من مال المتولّي إلاّ بحقّ من رفع عليه؛ وقيل: إذا صحّ لرجل حقّ على آخر عند الحاكم فله أن ينفّذ الحكم فيه بلا حضرته، فإذا أمره بدفعه لربّه وخرج على ذلك وتولّى فإنَّه يبيع من ماله بقدره، ويوصله إليه، وكذا إن فرّ من حبسه أو لم يواف أجله أو خصمه.
ومن تولّى بحقوق الناس وغاب حيث لا تناله الحجّة ولا مال له ثمَّ حدث له، باعه الحاكم وقضاها.
أبو عبد الله: إن تولّى بحقّ من رفع عليه وعليه حقوق لغيره، فلا يباع منه إلاّ بحقّ من رفع عليه كما مرّ، ومن ثبت له حقّ عليه بعد ذلك فلا يباع له إلاّ بعد الحجّة عليه؛ وإن كان ماله لا يفي بحقّ من تولّى عليه وبحقوق من ثبتت لهم بعد تولّيه عنه قوم ونظر في جملة الحقوق فيأخذ المتولّي عنه قدره، ويوقف الأخرى حتى يحضر المتولّي ويحتج عليه، إلاّ إن خرج من مصره فإنَّ أهلها يثبتونها ويحلف كلاّ على حقّه ثمَّ يعطيه قدره؛ وإن كان فيما تناله الحجّة أو ثقة فلا يعجّل عليه في بيع ماله إلاّ بعدها، ويقوم الثّقة مقام الشاهدين عند أبي عبد الله.
وقال أبو المؤثر: إذا تولى بحقّ رجل فادّعى عليه قوم [679] وأثبتوا ديونهم ولا يفي ماله (1) بها معا وكان المتولّي عنه يستغرقه فهو أولى بماله عندي وتكون الديون الأخرى على المدين.
__________
(1) - ب: «يفريها». (7/474)
صفحة 3539
الباب العاشر
في تحجير الحاكم على المدين ماله في الديون وفي إزالته ماله
ابن بركة: إذا أراد الحاكم أن يحجره عليه كتب أنَّه ثبت، عندي على فلان لفلان ولفلان ولفلان كذا وكذا من الديون، وسألوني حجر ماله وقد حجرته عليه إلاّ لمَّا لا بدَّ له منه من مؤونته؛ فإن أقرّ بعد بشيء من الدين لم يدخل على الغرماء وكان ذلك لازما له، إلاّ إن صحّ أنَّه كان عليه قبل أن يحجر عليه؛ وإن أقرّ بموضع من ماله بعد أن حجره عليه لم يقبل منه إلاّ إن صحّ أنّ الموضع كان له قبله.
أبو قحطان: إذا صحّت عند الحاكم الحقوق فله أن يحجر على من لزمته ماله أن يزيله حتى يؤدّيها؛ وقيل: قدرها ولا يمضي عتق من حجر عليه ماله فيها، واختلف في عتقه إذا كان ماله مستهلك في الدين، وأعتق قبل التحجير، فقيل: يمضي؛ وقيل: لا.
وفي مقر بدين آخر بعده، فقيل: صاحبه مع الغرماء؛ وقيل: لا ومن حجر عليه ماله ثمَّ جرح فليس له إبراء جارحه من الأرش، ولا يبرأ إن أبرأه وله أن يعفو عن القصاص لأنَّه له لا للغرماء، فإذا عفى ورجع إلى الديّة صارت مالا؛ وإن كان له قود ورجع إليها فليس له إبراء القاتل منها، وله أن يعفو عنه.
وكذا إن حجر على المرأة مالها فخالعها زوجها، ثمَّ (1) كان طلاقا لا خلعا، ومن حجر عليه ماله وتقدّم عليه فيه لا يحدث فيه حدثا لم يتمّ بيعه إن باعه، ولا يدخل المقضى له ولا المشتري مع الغرماء في المال، ويستسعيانه بما لزمه لهما من حقّ،
__________
(1) - ب: - «ثمّ». (7/475)
صفحة 3540
ولو رفع عليه أحد من غرمائه إلى جماعة بلدهم، أو حجر عليه ماله أحدهم على هذه الصّفة، ولكن إن رفعوا عليه إلى حاكم ثمَّ أقرّ أنّ ماله هذا لفلان دونه جاز، ولا يدخلون فيه، وله على المقرّ به يمين.
ومن حجر عليه ماله أن لا يبيعه حتى يوفّي غرماؤه، ثمَّ أراد أن يبيع منه خفية فلا يثبت حتى يوفّيهم ديونهم التي حجر عليها فيها، وهو كالمريض.
وإذ رفع عليه أحد من غرمائه، وأنكر وبيّن عليه حقّه، بعدما أزال ماله، فإزالته له قبيل إقامة البيِّنة عليه جائزة؛ وإن حجر عليه بعضه وباع من غيره وقضى منه ثبت بيعه، لأنّ ما حجر فيه قد انحطّ عنه، وإذا حجر على الولد ماله لم يجز لأبيه إبراء نفسه من دينه، والغرماء أولى به، إذ ليس له في مال ولد أكثر ممّا للولد فيه، وإذ حجر عليه في دينه لم يجز إبراؤه من ماله، وإن أبرأ (1) الأب نفسه ممّا عليه لولده قبل أن يحجر عليه ماله جاز له وبرئ.
__________
(1) - ب: «وإذا برئ». (7/476)
صفحة 3541
الباب الحادي عشر
فيما يلزم المدين بيعه من ماله في الدّين إذا حكم عليه بالوفاء
فإذا كان له مال خيّر الغرماء في أن يعترضوا من ماله بعدول البلد وفي أن يؤجّلوه بقدر ما يبيع ماله؛ وإن أبوا أن يعترضوا منه أجّل له بقدر ذلك وأخذ عليه كفيلا مليّا إلى الأجل، فيكون الحقوق عليه لإمكان إتلاف ماله وتوانيه في بيعه؛ وقيل: لا يلزمه إحضار الكفيل؛ وقيل: إذا طولب به؛ فإن أتى به وقدر عليه فلا حبس على الكفيل، ولكن يحجر عليه ماله إذا طلب غرماؤه لئلاّ يزيله أو يتلفه.
ومن لا مال له وأجّله حتّى يعمل فلا كفيل عليه اتفاقا، فمن أجّل في بيع ماله (1) وانقضى الأجل ولم يحضر ما عليه حبس حتّى يؤدّيه؛ فإن تمادى في الحبس ولم يؤدّ باع الحاكم من ماله وأدّى وهو رأي سليمان؛ وقيل: يحبسه حتّى يبيعه ويؤدّي، وهو رأي ابن محبوب.
واختلف في المدّة وقال سليمان إلى ثلاثة أشهر؛ وقيل: يحبسه الحاكم حتّى يبيع، وإلاّ باع هو وقضى عنه وأشهد للمشتري، وشرط له الدرك على ربّ المال؛ وإن لم ينفق ماله إلاّ بالكسر وهو أن ينحطّ من قيمته الثلث؛ وقيل: الربع إن لم يحمل عليه فرض عليه الحقّ في الثمار.
وقال مسعدة: لا تباع أصول الأحياء في سوق من يزيد إلاّ مال المفلس، ورخّص في بيع الثوب والبضاعة والعروض، وكذا عن سليمان.
__________
(1) - ب: «في بيعه». (7/477)
صفحة 3542
وإذا طلب إلى وارث الميّت دينه نادى الحاكم أو الوصيّ على ماله في أربع، وأمر ببيعه بعدما يحتجّ على الوارث أن يفديه أو يعطي الدين؛ فإن لم يعطه باع المال وليس له في إحضاره أجل؛ وقيل: له ثلاثة أيّام كالشفيع.
وقيل: إن كان الحقّ مثمونا في عروض أو أصول أو مرهون بيد صاحبه بيع؛ وإن بوضيعة إذا طلب الغريم ذلك، وكان المرتهن أولى من الغرماء ولا لهم إلاّ الفضل.
وقيل: إذا رفع على الغريم إلى الحاكم، حكم عليه بالأداء إليهم ولهم ما فوق الإزار، ولا يحبس لربّ المال فوق إزاره شيء؛ وقيل: يترك له إزار ورداء في سائر الزمان كمثله وفي الشتاء ما يدفّيه إن كان فيما يحتاج فيه إلى الدثار؛ وقيل: له ثوبان يلبسهما وقوت يومه؛ وإن لعياله وكسوت الكلّ سنَة؛ وقيل: له سكنه لا يباع؛ وإن كان فيه بستان لا يجد الوصول إليه إلاّ منه ترك ذلك له وفرض عليه في تمرته أو صناعته، وإن كان في سكنه فضل عن سكنه وعياله بيع، ولاتباع - قيل - كسوته ولا نعله ولا مصحفه ولا كتبه ولو من السّير إن كان أهلا للعلم، ومأمونا على الأسرار، وإلاّ بيعت ويباع القرطاس الغير المكتوب، وكتب الشعر الغير المنظوم في الأثر أو في الأدب أو في اللّغة، أو في معين على الدّين كسيفه وخاتمه وفرسه وحماره، إلاّ إن عجز عن المشي فله أن يترك له حماره [680] إن طلبه عند بعض، وكذا تباع دوابه من بقر وغيره وعبيده، إلاَّ ما زرع عليه فإنَّه يترك له حتى تنقضي زراعته.
وإن طلب الغرماء أن يتعرضوا من ذلك بالقيمة كان لهم؛ وإن شرط على مشتر أن يترك له دوابه إلى انقضاء الثمرة وحصادها باع وقضى دينه؛ وإن كان زمنا ولا غنى له عن خادم ترك له يقوم عند بعض وتباع آلة الصانع التي يخدم بها؛ وقيل: لا واختلف أيضًا (1) فيما يحكم عليه في كسبه، فقيل: يفرض عليه فيه بقدر ما يعمل؛ وإن كثيرا؛ وقيل: نصفه؛ وقيل: ثلثه؛ وقيل: ثلثيه؛ وقيل: يلزمه ما فضُل عن مؤونته وعياله كما مرّ وهو المختار عند بعض وذلك في كلّ لازم.
__________
(1) - ب: - «أيضا». (7/478)
صفحة 3543
الباب الثاني عشر
في محاصصة الغرماء في مال المدين
أبو عبد الله: من عليه دين فرفع عليه غرماؤه إلى الحاكم، شرع كلّ بحقّه إن كان يفيهم، وإلاّ قسط بينهم على قدر كلّ ولا يجوز أن يخصّ أحدا بالوفاء دون غيره؛ وإن باع ماله بمعروف وأقرانه استوفاه لم يمض بيعه وماله شرع بين غرمائه والمشتري بثمنه إن سمّاه، وإلاّ ضرب معهم بقيمة المال علم المقضي أو المشتري أنَّه رفع عليه بعض غرمائه أو لم يعلم، ولهم عليه يمين أنَّه أوفى الثمن، الذي اشترى به المال، أو أنَّه قضاه بحقّ له عليه وهو كذا؛ فإن قال إنَّه لا يعرف له حقّا، حلف ما يعلم أنَّه إنّما قضى هذا المال إلجاء (1) منه إليه بلا حقّ له عليه؛ فإن كانت عليه ديون مؤجّلة أو صداق مؤجّل دخلوا مع غرمائه فيه ويوقف قدر ذلك إلى حلوله، وتكون علّة الموقوف لربّ المال حتى يحلّ أو تكون بين من عجلت حقوقهم؛ وإن لم يكن في المال وفاء فهو بين أهل العاجل والآجل، وإذا تخاصم من صحّت حقوقهم على ميّت ثمَّ صحّ عليه بعد لرجل حقّ لحقهم بقدره؛ وإن قضى المدين ولده شيئا من ماله بما عليه له في صحّته ثمَّ مات فلا يرجع الغرماء على الولد بما قضاه إيّاه أبوه، وكذا إن أعطاه شيئا فيها وأحرزه فيها ثمَّ مات الأب، ويحاصصونه فيه إن قضاه في المرض؛ وقيل: لا يجوز قضاؤه لابنه وعليه دين لغيره، وغير الولد أحقّ بالقضاء، وإذا لم يقض فيه ولا في الصّحة فالغرماء أولى والزوجة والأجنبي سيّان.
وإذا بعث مفلس بدراهم إلى بعض غرمائه فهي بينهم؛ وإن بعث إليه بهدية فهي له؛ وقيل: بينهم إذ ليس له أن يهدي من ماله؛ وإن عنهم فخرج إليه أحدهم فأعطاه
__________
(1) - كذا في النسختين، والعبارة غير مفهومة. (7/479)
صفحة 3544
حقّه شاركوه فيه بقدر عنائه ونفقته على قدر الحصص لا الرؤوس، والأجرة تخرج منها؛ وكذا ما يغرمونه على عمل المفلس إن مرض أو غاب أو حبس فعلى الرؤوس أيضا؛ وإن جنى في إفلاسه حاصصهم المجنيُّ عليه في ماله.
وإن قضى المدين بعض غرمائه دون بعض قبل الرفعان جاز، لا بعده إلاّ بالحصص، وأجاز ابن عليٍّ قضاءه وبيعه وعطيته ما لم يحجر عليه ماله؛ وقيل: حتى يحكم عليه بالتسليم؛ وقيل: حتى يحجر عليه إزالته والتصرُّف فيه؛ وقيل: لم يفلس، ومن أقرّ له فلا يحاصص من بيّن على حقّه فإذا استوفى المبين ألزم للمقرّ له بحقّه؛ وإن كان ماله عبيدا بينه وبينهم من الرضاع، ما لا يحلّ (1) له نكاحهم لم يجبر على بيعهم، ولو لم يكن له غيرهم، وكذا إن كانوا مدبرين أو لغائب، وصحّت عليه حقوق، وتكون غلّتهم للغرماء حتَّى يصحّ موته، ومن أقرّ بوديعة عنده لأحد فوجدت بعينها فهي له دونهم؛ وإن اقترضها أو أتلفها حاصص معهم في ماله؛ وإن اختلف الغرماء والمقضي فقال: اقتضيت منه قبل رفعانكم، وقالوا: بعده، قُبل قوله (2).
__________
(1) - ب: «يحمل».
(2) - ب: «وقالوا: بعد، قُبل هو له». (7/480)
صفحة 3545
الباب الثالث عشر
في تفليس المدين وما يجوز ويثبت من فعله في ماله
والمفلس هو من يقضي عليه الحاكم بحقوق تثبت عليه، وصحّ عنده إعدامه، ويقول في مجلس الحكم: اعلموا أنّي فلّست فلان بن فلان، أو حكمت عليه بالإفلاس، فلا تبايعوه، ثمَّ يفرض عليه لغرمائه ولا حبس عليه ولا كفيل، واختلف في حبسه قبل أن يصحّ إعدامه فقيل: يحبس ويدّعي ببيان إعساره؛ وقيل: يحلف ما عنده ما يؤدي به ما عليه ولا بعضه؛ وقيل: لا يمين في هذا؛ وقيل: يسأل عنه من يعرفه ولا يبدأ بالحبس؛ وقيل: إن توجّه الدين عليه ممّا عليه له بدل فهو مدَّعٍ في الإعسار، وإن كان ممّا لا عوض له ولا بدل، كالصداق والجرح، فالقول قوله مع يمينه على ما ذكر.
فإن ادّعى الغريم أنّ له مالا كلّفه الحاكم بيانه؛ وإن لم يدَّع سأل عن حاله؛ وقيل: إن ادّعى اليسار، والمدين الإعسار دعا (1) كلا ببيِّنة وحكم بما صحّ عنده، وليس - قيل- على أصحاب الصناعات تفليس، وإنّما هو لمن لا صناعة له ولا مال.
وإن مات مفلس وعنده مال لرجل، فهو من الغرماء؛ وإن وجده بعينه وقامت بيِّنة أنَّه مال فلان أخذه دونهم.
ومن باع له شيئا على علم بإفلاسه، فقيل: البيع ثابت لرضاه به وهو المتلف ماله وعليه التوبة إن قصد إتلافه، لارتكابه النهي عن إضاعته؛ وقيل: لا، لأنَّه لا يجوز له تضييعه؛ وإن بايعه ولا يعلم بإفلاسه فله أخذ متاعه إن قام بعينه؛ وإن باعه وقبضه
__________
(1) - في النسختين: «دعى». (7/481)
صفحة 3546
المشتري فإنَّه يدركه [681] عنده ويرجع هو عليه بالثمن يخاصم به الغرماء؛ وإن اشترى المفلس منه طعاما وأكله أو باعه (1) كان واحدا منهم.
وإن استدان دينا بعد ظهور إفلاسه والفرض عليه لغرمائه، ثمَّ اكتسب مالا فإنَّه يقسم بين من فلس على حقوقهم، ولا يدخل معهم فيه ربّ الدين الأخير حتى يستوفوا، ثمَّ يأخذ ومن باع عبدا على مفلس (2)، ثمَّ مات المفلس فله أخذه إن قام بعينه دون غرمائه لأنَّه غرّه؛ وإن باعه له قبل أن يفلس كان إسوة بينهم وليس له أخذه ولا الدخول معهم فيه، إن علم بتفليسه وبايعه.
وإن استفاد بعد ذلك مالا حكم له بثمنه؛ فإن أقرّ لأحد بحق بعد أن أفلس لم يجز إقراره على غرمائه لإقراره على غيره؛ فإن تزوج امرأة بصداق أو جرح رجلا موجب ديّة ثمَّ طلّقها فلا تدخل معهم به، ودخل لجريح بجرحه، والبيع للمفلس باطل إن لم يعلم به البائع، لما روي: «أيّما رجل باع على من فلس متاعا فوجده بعينه فهو أحقّ به.
فصل
من كتاب الأشراف: اختلف في متزوّجة برجل فتجده مفلسا، فقال أجد لا خيار لها إلاّ إن قال عندي كذا وكذا، ولها عند الشافعي فسخ النكاح كالبيع، أبو سعيد إلاّ إن شرط كما قال أحمد، ولكن يؤجّل له في أداء العاجل؛ فإن أحضره وإلاّ فرضت عليه النفقة والكسوة؛ فإن أحضر ذلك في الأجل وإلاّ أجبر على طلاقها، وكان لها النّصف دينا عليه، إلاّ إن أجارته على نفسها فيفرض عليه ذلك من حينه؛ فإن أحضره وإلاّ أجبر على طلاقها.
__________
(1) - ب: «فباعه أو أكله».
(2) - ب: «مفالس». (7/482)
صفحة 3547
فإن دخل بها تمَّ الصداق وإلاّ فنصفه، وإنّما لها الخيار إذا كان مفلسا إذ ليست سلعة تفوت؛ فإن ماتت قبل الطلاق تمّ لها الصداق وورثها؛ وإن مات ورثته وكان لها عليه دينا واستحسن الخيار لها، والأوَّل أصحّ.
واختلف فيمن يتكارى من رجل حملا على طعام إلى بلد ثمَّ يفلس المكتري أو يموت، فقال الشافعي: يكون المكاري والغرماء إسوة إذ ليس في الطعام مبهمة؛ وإن أفلس قبل أن يحمله له فسخ الكراء، مالك: الحمّال أولى بالشيء إذا كان بيده حتى يستوفي الكراء، أبو سعيد: إن كان الكراء وهو مفلس لم يقع؛ فإن حمل كان له أجر مثله مع الغرماء ولو كان بيده؛ وإن كان قبل أن يفلس فحمل، ثمَّ أفلس فهو إسوة بينهم ولو كان المال بيده أيضا؛ وإن أفلس قبل الحمل خيّر في حمله له، وله كراؤه مع الغرماء وفي الفسخ واختلف، في مستأجر رجلا في زرع أو حائط بمعلومة، ثمَّ يفلس، فقال الشافعي: الأجير والغرماء شرع، ومالك: إنَّه أولى بما في يده من الزرع أو نحوه حتى يقتضيها، أبو سعيد: إن وقعت وهو مفلس بطلت؛ فإن عمل فله أجر مثله؛ وإن وقعت قبل التفليس وعمل كان إسوة ولو كان بيده إلاّ إن لم تقم الضيعة، إلاّ بتلك الأجرة فإنَّها ثابتة بعدل السعر من رأس المال، قبل الغرماء لأنَّها قامت بها وأجمعوا أنَّه لا يحلّ المؤجّل من ديونه بإفلاسه؛ وقيل: إذا أفلس كان لربّ المال ماله إن قام بعينه؛ فإن كان أرضا فزرعها مشتريها أو بنى فيها أو غرس ثمَّ أفلس والزرع أخضر، فهو والبناء والغرس له والأرض للبائع، وخيّر في أن تكون له قيمتها بيضاء وفي أن يكون مع الغرماء فيها وما عليها، فيباع الكلّ ويحسب ثمنها بيضاء، والباقي للغرماء، وأمّا الثمرة فيها وفي النخل إذا أتمر في يده؛ فإن باعها ثمرة فزادت في يد المشتري فله المال والتمرة لأنَّها عين ماله، فإذا صار المفلس في حال ضرورة يلزم فيها إحياؤه وإنقاذه ممّا خيف عليه تولد الضرّ منه عليه وجبت مبايعته والصدقة عليه ولا يترك بسوء حال مع القدرة على إنقاذه منه. (7/483)
صفحة 3548
الباب الرابع عشر
في الفريضة على المدين ونحوها
فإذا صحّ إعدامه فرض الحاكم عليه في كسبه لغرمائه فريضة، كأمر وأجل له فيها ولا كفيل عليه كما مرّ؛ وإن كان ذا صناعة فطلبوه منه خوفا أن يغيب عنهم كان لهم؛ فإن كانت حراثة فرض عليه في الثمار فإن كان ذا عيال ترك له نصف عمله والآخر لغرمائه وإلاّ فثلثه؛ وإن كانت غيرها فرض عليه كلّ شهر على قدرها؛ وإن كان قويا ولا صناعة له ولا حراثة فلا يؤخذ بالعمل إلاَّ إن أحب، وإن كانت له فأبى أنْ يعمل حبس حتَّى يعمل أو يعذر، وإن فرض عليه فاجتمعت عليه الفريضة وعجز عن أدائها، فلا حبس عليه ولا في فريضة ولده.
ولأمّ الولد أن تقبل منه ما قدر عليه، أو تترك له ولده، ومِن عياله زوجته المطلّقة رجعيا ما اعتدّت، أو حاملا وقد مرّت مسائل الباب فراجعها. (7/484)
صفحة 3549
الباب الخامس عشر
في الانتفاع من الغريم والجائز منه وغيره
فمن له على رجل دين فدعاه في وليمة فأكل مع الناس، فقيل: لا يأكل عنده، واختير أنَّه إذا تعورف ذلك أو كان بينهما مهاداة قبل المداينة فله أن يأكل منه وعنده، ولا عليه إن لم تدل قرينة على أنَّه لأجل دينه، فإن نزل له أيّاما لم يجز له أن ينزل عنده ولا أن يأكل طعامه؛ وإن أكل حسبه ممّا له عليه، فإذا أهدى إليه هديّة وهو نازل عند غيره في البلد يريد مطالبته حسب له من الدين، ومن الرّبا أن يأكل عند غريمه؛ وقيل: ذلك إذا طالبه وإلاّ فلا بأس، وكره له أن يفترض من عنده للنهي [682] عن قرض جرّ منفعة؛ وإن أكل عنده فلمّا قضاه حقّه استحلّه ممّا أكل عنده فقد برئ إلاّ إن أحلّه قبل الوفاء وعليه له ثمن ما أكل؛ وإن أكل عند غريم ولده البالغ فلا عليه؛ وإن طلب إليه وليّته ليتزوّجها فحطّ عنه من صداقها لدينه، فقيل: لا يجوز؛ وقيل: إذا صحّ العقد والصداق فله وطؤها، ابن عباس: من سلّف من أحد سلفا فلا يقبل منه كرامة ولا ركوب دابّة، أبو سعيد: قيل تجوز منه المنفعة عند القضاء لا عند القرض والتدين، لأنَّه إذا صحّ القضاء زالت التقية.
وقيل: إن جرت بينهما المنافع من قبل جازت من بعد كما مرّ، وكذا في الاستعانة في الضيعة، واختلف في الشهادة له، فقيل: يجوز؛ وقيل: لا ما ثبت حقّه عليه (1).
__________
(1) - ب: «عليه حقّه». (7/485)
صفحة 3550
الباب السادس عشر
في الصدقة بالدين والأمر بذلك وإبراء المدين ونحو ذلك
فمن عليه دين لرجل فتصدّق به على الفقراء، فإنَّه يسلّمه له ولا يعطيه إيّاهم، إلاّ إن أمره فله أن يعطيه إيّاهم أو يسلّمه إليهم؛ وإن أقرّ به لرجل خيّر في دفعه لأيّهما شاء؛ وإن مات المقرّ دفعه للمقرّ له أو لوارثه لا لوارث المقر؛ وقيل: مخير؛ وإن قال له: ما عليك لي تصدّقت به على فقراء قرية كذا، دفعه إليهم ولا يكلّف الخروج إليهم.
ومن عليه حقّ لرجل فمات الرجل، وأخبر من كان عليه أو ثقة أو أوصاه أن يدفعه لزوجته فلانة جاز له من طريق الاطمئنان، دفعه إليها ما لم يمنعه الوارث؛ وإن عارض الاطمئنان حكم الظاهر بطل الاطمئنان؛ وإن أمره أن يدفعه إليها ومات قبل دفعه إليها بطل أمره ولو أشهد عليه، لأنّ الأمر إنّما يكون في الحياة والوصية تثبت بعد الموت.
ومن قال لرجل: انفق على عيالي وزوجتي إلى ألف من مالك، فادّعى أنَّه أنفق كما أمره قُبل قوله؛ وقيل: لا إلاّ ببيِّنة؛ وقيل: لا يصدّق إلاّ إن حدّ له إلى معروف، ويقرّ المدفوع إليه أنَّه قبضه؛ وقيل: عليه بيان الدفع في كلّ ذلك، وقد مرّ. واختلف في قائل لرجل: أعطي فلانا كذا ممَّا لي عليك، فقال: دفعته إليه، فقيل: عليه بيان الدفع؛ وقيل: القول قوله؛ فإن قال إذا أتاك رسولي فادفع إليه مالي عليك، فأتاه صبيّ أو عبد أو بالغ حرّ يدّعي الرسالة منه إليه ودفعه إليه (1)، ولم يرجع يطلبه إليه برئ،
__________
(1) - ب: «له». (7/486)
صفحة 3551
وعلى هذا عادة الناس وعملهم وسكون القلب إليه؛ وإن كان عليه حقّ لامرأة فبعث به إليها مع أخرى اكتفى بها إن أمّنها عليه وكذا غير ثقة من الرجال.
وإن وقع الإنكار في التسليم لم يصحّ إلا ببيّنة.
ومن عليه لرجل حقّ فأمر وكيلا له أو شريكا أو ذا مال بيده أن يدفعه إليه فأنعم، وغاب من عليه الحقّ، وقال من بيده المال: لا أسلّم إليك شيئا إلاّ أنَّه عاد أمرني أن لاّ أسلّمه إليك، فلا يلزم المأمور في الحكم ولا يحكم عليه بدفعه، أقرّ أو أنكر إلاّ بالبيِّنة أنَّه أمره به من ماله وقبل.
ومن عليه لرجل حقّ فطلب إلى ثقة أن يأخذ منه شيئا ويدفعه إليه، فقال له الثّقة: لا نأخذ شيئا أنا أكفيكه، ثمَّ لم يسأله عنه حتَّى مات الثقة، وذو الحقّ كان يسكن عنده أو لا يسكن، فقال أبو المؤثر عن الوضَّاح أنّ ابن عليٍّ أرسله أن يخلّصه من علاقة عليه، قال الوضَّاح: فأدّيت ذلك عنه ثمَّ رجعت إليه، فلم يسألني عنه، وذلك لثقته بي، إلاّ أنّي شككت أنَّه قال بعث معه ابن عليٍّ ما يقضيه به عنه ثمَّ لم يسأله عنه أو أوصاه بقضائه؛ قال خميس: إلاّ أنّا نقول إن كان الرجل بعث مع الثقة ما يقضي به عنه ثمَّ لم يسأله عنه برئ كما فعل ابن عليٍّ؛ وإن لم يبعثه معه وقال له: أنا أكفيكه، فحتّى يعلم أنَّه خلّصه، ولو علمنا أن ابن عليٍّ أوصى الوضَّاح لكان كذلك سكن معه أو لم يسكن.
ومن عليه دين فقال له ثقة: أنا أدّيه (1) عنك، ثمَّ أخبره أنَّه أدّاه ولم يطلب منه عوضا برئ؛ وإن قال له (2) المدين: أدّ عنّي ما عليّ من قرية كذا وأنا أعطيك بدله، ثمَّ أخبره أنَّه أدّاه عنه فإنَّه لا يبرأ إلاّ ببيِّنة أو إقرار من ربّ الدين لا دعاية، لنفسه فلا تقبل دعواه إلاّ بالصحّة، وكذا من لزمه شيء فقال له ثقة عنده: أنا أنفّذه عنك من مالي أو أمره بذلك ففعل، وأعلمه برئ.
__________
(1) - كذا في النسختين، ولعله: «أؤدّيه».
(2) - ب: - «له». (7/487)
صفحة 3552
وقالوا من تبرّع على أحد بقضاء ما عنده بلا أمره أقضاه عنه ليأخذ عنه عوضه، سقط عنه الضمان رجع للقاضي على (1) المقضي إن (2) أرادها، واحتجَّ أنَّه ليس بعارف بالحقّ فلا حجّة له في ذلك.
__________
(1) - ب: «عن».
(2) - ب: «إذا». (7/488)
صفحة 3553
الباب السابع عشر
فيما يلزم المدين فيه الخروج
وفي الضمان لمن لا يعرف، وما لا يلزم فلا يلزم المدين أن يخرج إلى غرمائه إذا ركبوا البحر إلاّ إن طالبوه فأبى، ثمَّ إلاّ إن أعسر ثمَّ أيسر بعد أن خرجوا، لزمه أن يصلهم حيث كانوا أو يؤدي (1) ما عليه، وعلى المدين دفع ما عليه من قبل بيع أو نحوه في بلده؛ وقيل: لا يلزمه في الديون من وجوه البيوع.
وفي الأمانات ونحوها خروج، وعلى غريمه وصوله لأخذ حقّه؛ وقيل: يلزمه في الدين ونحوه؛ وإن اشترى عماني بعمان سلعة من بصري فتوفّي فعلى العماني أن يدين بالخلاص وقضاء دينه، وليس عليه أن يخرج [683] إلى من لا يعرفه وله أن يعرفه؛ وقيل: إذا لم يصحّ له وارث فإنَّه يوقف بعد الطلب، والأكثر على أنَّه لا خروج على من عليه الدين، لأنَّه أخذه بإذن ربّه، والتباعات والضمان غير الديون، والفرق أن الدين ما أخذه الرجل من الآخر بطيب نفسه، والتباعة هي لازم لا على تعمّد، والضمان ما تحمّله من الأموال بتعمّد، وعليه في الأخير الخروج والتخلّص إلى أربابها، لا في الأوَّل، وإذا لزمه الأداء والخروج فيه لم يلزمه إلاّ بصحّة البدن، وأمان الطريق، ووجود الزّاد، والراحلة، والدليل على الطريق، والأمن على المال والعيال بعده، إلى أن يرجع إليهم.
ومن لزمته تباعات (2) من قرى لا يعرفها لمن هي فقيل: يفرقها فيما لزمته فيها؛ وقيل: حيث شاء؛ وقيل: يوصي بها على الصّفة وهو الأصحّ.
__________
(1) - ب: «يدي» وهو خطأ.
(2) - ب: «تباعة». (7/489)
صفحة 3554
ومن جهل المبايعة وبان له أنّ بيعه وشراؤه لا يجوز من جهة الرّبا، وأراد التوبة، وقد فقد مبايعه، فقيل: يحتاط بقيمة ما يظنّ ويطمئنّ به من جنس الطّعام الذي أربى فيه، ويعرفه حتَّى يعلم أنَّه خرج من كلّ ما يلزمه مع الاستغفار والعزم على أن لا يعود لمثله، قال: ولعلّ بعضا أجاز له المقاصصة من مال من يوفي عليه، وليس على من لزمه الرّبا حمله إلى بلد المربي عليه، وإنّما قضاؤه في بلده وعلى من له الحقّ أن يقبضه، في بلد الذي (1) عليه.
ومن عليه دين لرجل ولم يعرف محلّه أدّى ما عليه له؛ فإن كان على الرجل دين قضاه عنه منه وإلاّ وله وكيل دفعه إليه؛ وإن سلّمه في صلاح ماله الذي حكم بصلاحه حاكم عدل أجزاه وقد مرّ ذلك.
__________
(1) - ب: «من». (7/490)
صفحة 3555
الباب الثامن عشر
في المشترك والخلاص منه
أبو سعيد: من عليه مشترك لرجلين أحدهما غائب فأخذ الحاضر منابه منه، ثمَّ قدم الغائب وقد أفلس المدين؛ فإن كان الحقّ واحد ألحق صاحبه فيما قبض ولو لم يفلس؛ وقيل: لا.
ومن أقرّ لرجلين بعشرين درهما أو دينارا وأحدهما غائب فمات، فدفع وارثه للحاضر مالا بذلك كلّه فأصلحه حتّى زاد، ثمَّ قدم الغائب فطلب نصفه فله أخذ النصف، ويردّ على صاحبه ما عني فيه أو أخذ العشرة التي أقرّ له بها الميّت؛ وقيل: إن كان الحقّ لشركاء فطلب أحدهما منابه وأخذه فهو أولى به ولا يرجعون عليه بشيء ولو أفلس من عليه الحقّ أو غاب، أو كان الدين على متعدّد فاستوفى منابه منه من أحدهم، فإنَّه يأخذه منه ويحاصصونه فيما زاد على ذلك.
وإن كان بين شركاء مال على واحد فالدين لهم كلّهم إن كان أصله من بيع مشترك بينهما، فهم فيه شركاء، إلاَّ أن يعلم أنّ شركاءه وصلوا إلى حقوقهم.
ابن أحمد: من مات وله على رجل عشرة دراهم، وخلّف ابنين أحدهما غائب، فقيل: للحاضر أن يأخذ منابه وليس كالأمانة؛ وقيل: إن كان على رجل دين لحاضر وغائب؛ فإن لم يكن له وكيل أقامه الحاكم له؛ فإن قبض ماله وضاع بيده فلا ضمان عليه ولا على الحاكم كما مرّ، ولا يلحق الشريك بشيء أيضا؛ فإن لم يكن له وكيل وقبض الحاضر منابه منه وبقي مناب الغائب فضاع، حاصص الحاضر فيما قبض وكان المتلف بينهما؛ وقيل: إذا أخذ قدر حقّه ولم يصل إلى الغائب منابه ولا إلى وكيله حاصص الحاضر ورجعا معا في مال الميّت بالباقي، إن كان فيه وفاء، وكذا إن كان الحقّ على حيّ كان ضامنا لجميع ما بقي، إلاَّ إن أتمّ الغائب ذلك للحاضر والمدين. (7/491)
صفحة 3556
ومن أوصى بدين لجماعة قال أبو إبراهيم: ليس لأحدهم أن يأخذ منابه حتّى يعلم أنَّهم أخذوا حصصهم، إلاّ إن كان الوصيّ ثقة، ومن عليه دين لحاضر وغائب؛ فإن أخذ الحاضر حصّته منه ثمَّ لم يوجد له مال فللغائب أن يرجع فيما أخذ بمنابه.
أبو المؤثر: ليس للغائب تباعة على الحاضر بما أخذ إلاّ إن حجر الحاكم على المدين ماله، فللغائب على الأخذ والرجوع بقدره، إذا لم يكن الدين غير الذي أخذه الحاضر.
وإن كان بين شريكين دين فافترقا وتبع كلٌّ منهما غريما، ورضي ورضيا بذلك، ثمَّ خلص لأحدهما جميع حقّه، وبقي لآخر بعض حقّه، فقيل: لهما ما خلص وعليهما ما بقي.
وإن كان الحقّ على رجل لجماعة فأنكرهم فيه، ونازعه بعضهم، وقال: إنما أطلب حصّتي وحدي، فحكم له به أو ببعضه أو صالحه فيه تبعه شركاؤه فيما أخذ، إلاّ إن نازعه في حصّته وحكم له بها خاصّة، فلا تباعة لهم عليه، وهو أولى بما أخذ، ويلحقون بحقوقهم من لزمته.
وكذا إن كانت المنازعة في أصل أو عروض، أو باع عليه منابه أو قايضه به، أو صالحه، فلا يلحقه شركاؤه بشيء بل يتبّعون صاحبهم. (7/492)
صفحة 3557
الباب التاسع عشر
فيمن دعي إلى قبض حقّه فأبى وفي أين يلزم قبضه
فمن لزمته تباعة لرجل فعرض عليه قبضها منه فأبى، فسأله أن يبرّئه منه فأبى، فإنَّه يرفع عليه إلى الحاكم ويجبره على قبضها أو تركها؛ فإن أبى فلا يعذر وقد مرّ، فإذا عدم الحاكم، فقيل: من عرض عليه حقّه فأبى أن يقبضه فلا حقّ له ولا إيصاء عليه به؛ وقيل: لاحقّ له في القبض والتسليم والحقّ بحاله عليه ولزمه [684] الإيصاء به؛ وقيل: إذا رفع عليه فلم يجد من ينصفه منه برئ ولا حقّ عليه.
ومن عليه حقّ لرجل فلم يقدر على قضائه فرفع عليه فأنكره خوفا أن يحبسه، وهو ناوٍ قضاءه فحلفه الحاكم فعليه أن يعطيه حقّه، ويكفّر يمينه مغلّظة، ويتوب ممّا ركب؛ فإن أمكنه القضاء بعد فأراده فأبى الغريم أن يأخذه، وقال: قد حلفتك عليه ولا أحِلّك منه، فإنَّه يجبره على أحدهما كما (1) مرّ؛ وإن أبى من ذلك جعله له في صرّة ورمى به في حجره، ويبرأ ولو رماه منه كما مرّ؛ وقيل: يحبسه حتّى يأخذه أو يحلّه؛ وإن اختلفا في قبضه كان عند الحاكم وعلى الطالب الميزان وعلى المطلوب المكيال.
__________
(1) - ب: «فما». (7/493)
صفحة 3558
الباب العشرون
في المرافعة في الحقوق والمفاحصة بها والانتصار من مال من لزمته
ابن بركة: من لزمه لرجل ألف، فطلبه إليه فلم يعطه ثمَّ إنَّه أنَّه ائتمنه على ألف لم يجز له أخذه مكان ألفه، لما روي: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك».
أبو سعيد: قيل بما يشبه هذا؛ وقيل: له أن ينتصر ممّن أمانته عند الظّلم، كما له أن ينتصر من مال من ظلمه من غيرها، وليس الانتصار بالعدل من الخيانة، ولا بعد أخذ الواجب إذا تلف المال فيه ثبوت معنى الأمانة، وإنّما يصحّ معنى الرّواية أن يردّها إلى من ائتمنه، إن بقيت بيده، ولا يخن من خانه بظلم.
وقد قال الله سبحانه: {ولمن انتصر بعد ظلمه ... } الآية، وقال: {وجزآء سيئة سيئة مثلها} ففي المعنى أنّ المكافأة تخرج على معنى فعل الفاعل؛ وإن كان ليس عند الانتصار سيئة فإذا أراد المقتصّ أن يعلم المقتصّ منه، قال له: أخذت مالي ممّا عليّ لك، وأبرأت نفسي منه، ثمَّ إنّه إن حلف بعد حلف له.
ابن عليٍّ: من عليه لرجل حقّ فطلبه فأنكره، فله أن يأخذ من ماله بقصاص ما عليه له (1)، ولزمه أن يخبره لئلا يقضيه إيّاه بعد، أو وارثه، أو يوصي به له.
ومن له حقٌّ على غيره فأنكره ولا بيِّنة له عليه، حكم لنفسه كالحاكم، وانتصر من ماله سرّا، إن أمكنه كما مرّ، وأشهد.
__________
(1) - ب: - «له». (7/494)
صفحة 3559
ومن غصب عليه أصل فله أن ينتصر من أصول من ظلمه إن أمكنه خفية بالقيمة، وكذا المرأة إذا جحد لها زوجها حقّها، فلها أن تنتصر من ماله بقدره، ما لم تقم عليها حجة تمنعها منه؛ وإن علم ورثته به فله أخذه بعلمهم، ما لم تصر متعدّية في الحكم.
ومن ظلمك واستحلّ أخذ مالك ودان لله به وهو مبطل فيه؛ فإن وجدته بعينه أخذته، وإلاَّ فليس لك أن تنتصر من ماله، ولو مات.
ومن عليه حقّ لعون جبّار فظلمه عون آخر في مقدار ما عليه لذلك، فقيل: له أن ينتصر ممّا عليه له، ولوكان الغاصب له غيره، لأنّ الأعوان كلّهم شركاء في الظلم وفي الضمان، فإذا قدر على أخذ شيء من مال أحدهم، أخذ مثل ما أخذ منه.
وإن كان عليك حقّ لجبّار فظلم هو وأعوانه أحدا، فلك أن تسلّم له ممّا عليك للجبّار، وقد فعل ذلك بعض المسلمين.
ومن له على ميّت دين أو حقّ ولم يجد من يعطيه إيّاه فله أن يأخذ من ماله إن قدر؛ وإن من غير جنس ماله؛ وإن وقع بيده مال ولد من لزمه الحقّ، فليس له أن يقتضي منه ولو صبيّا.
ومن له عشرة دراهم على رجل فأوصى له بعشرة، فقد سقطت عنه التي عليه إن خرجت الوصيّة من الثلث، وإلاّ رافع بما يصحّ له منها، واقتضى الباقي من مال الميّت.
ومن له حقّ لرجل فجحده إيّاه، ثمَّ مات وورثه الجاحد، فقد برئ ويتوب من جحده، وكذا في الغصب؛ وقيل: إنّ الغاصب كالجاحد لا يبرأ، وعليه أن يدفع ما عليه لباقي الورثة؛ فإن لم يكن غيره فرَّقه، والأوَّل أكثر وعليه العمل.
ومن له على رجل دين فأبى من أدائه وهو دراهم فوضع له بيده غيرها، فقيل: له أن يأخذها منه؛ وقيل: لا وحجّة المجيز حديث هند بنت عتبة فيما مرّ وحجّة المانع أنَّه لا يأخذ إلاّ من جنس حقّه، واختار أبو سعيد أنَّه يخرج في مثل هذا خلاف، (7/495)
صفحة 3560
قال: والأكثر أنّ له أن ينتصر من مال من ظلمه من جنس ماله إن قدر عليه، وليس له عند القدرة عليه أن يتعدّى إلى غيره بالاختيار، فإذا لم يجد في ماله جنسه كان له انتصار من ماله؛ وقيل: يبيع من غير جنس ماله ويشتري جنسه ويستوفي حقّه، ولا يأخذ غير ذلك لأنَّه يحكم له به على خصمه فإذا عدم جنسه ماله أو لم ينصفه؛ فإنَّ الحاكم يأمره ببيع ماله ويسلّم ما عليه؛ فإن أبى فله أن يبيع عليه ويسلّم لذي الحقّ حقّه؛ فإن عدم الحاكم كان له وعليه أن يرجع إلى ما يحكم له به؛ وقيل: يأخذه بالقيمة من مال من لزمه بالعدول إن أمكن ولا يبيع إلاّ بالحكم فإذا صار المال له فله بيعه وأخذ حقّه أو حبسه لنفسه على هذا القول.
وكذا الخلف فيمن يموت وعليه دين لرجل ولم يوص إلى أحد، ولا بيِّنة له عليه، فالحكم فيه كما مرّ.
وإن كان على كلّ من رجلين حقّ لآخر فغاب أحدهما حيث لا تناله الحجّة، فقيل: يزول عنه حكم القضاء حتّى يقدر عليه؛ وقيل: له أن ينتصر من ماله ويشهد [685] والأوَّل أولى.
وإن كان لرجل حقّ على رجل فكلّما تقاضاه قال: أعطيك فلم يعطه فطال الحال؛ فإن مطله ظلما فله أن يأخذ من ماله قدر حقّه بعد أن يحتجّ عليه إن أمكنه، وإلاّ فلا يلزمه إن خاف؛ ومن الحجّة عليه أن يقول له: إن أعطيتني مالي عليك إلى كذا، وإلاّ فاعلم أنّي إذا قدرت على أخذه من مالك أخذته.
وتكون المدّة قدر ما يمدّه (1) الحاكم، فإذا سخّر السلطان حمّالا يحمل له طعاما أو غيره فله أن يأخذ منه أجرته.
أبو عليٍّ: إن ظلم جبّار رجلا شيئا من ماله ثمَّ قدر على مال الجبّار؛ فإن دان بظلمه فليس له أن يأخذ من ماله، إلاّ إن وجد ماله بعينه.
__________
(1) - ب: «يمدّد». (7/496)
صفحة 3561
وإن ظلمه عاصيا فيه كان له أن ينتصر من ماله بقدر ما ظلمه، واختلف في ذلك، فقيل: ليس له إلاّ إن وجد مثل جنسه وليس له أن يأخذ غيره؛ وقيل: إن وجد جنسه أخذ منه؛ وإن وجد غيره باعه واشترى مثل ماله؛ وقيل: ليس له بيعه وإنّما له أن يأخذ بالقيمة.
وكذا الخلف في الأمانة، فقيل: يأخذ منها؛ وقيل: لا وهذا في حياة الظالم وبعدها إن كانت عليه حقوق له ولغيره، ولا وفاء لها في ماله، فليس له أن يأخذ منه إلاّ بالحصّة على قدر الحقوق، وكذا لو كان فيه وفاء ولم يصل إليها أربابها، لم يكن له أن يأخذ ممّا بيده من ماله إلاّ بها؛ والفرق أنّ الحيّ لو كانت عليه حقوق وليس له إلاّ قليل وأعطى الرجل ماله عليه، فله أخذه ما لمْ يحجّر عليه الحاكم ماله، وليس له ذلك في الميّت، وإنمّا له قدر ما يحكم له به.
وقد كان على ابن روح لبعض أسباب السّلطان حقّ، فسأل أبا الحواري عنه فقال له: هل كان الرجل يظلم أباك شيئا من الخراج؟ فأنعم، فقال له: اسأل أباك أن يجعل لك ذلك ممّا ظلمه الرجل مثل ما عليك له، وقاصِصه بذلك، وذلك إذا كان ثقة عنده فإنَّه لا يرجع هو يأخذ ما جعل له، وقد عرفت في المقاصصة أنَّه يعلم من قاصصه إن كان لا يخافه؛ وإن كان يتّقيه أشهد سرّا أنَّه استوفى حقّه منه، لأنَّه عسى أن يتوب.
ومن له على رجل دراهم فأنكره فأخذ من غنمه شاة تسوى أكثر منها فتناتجت، فلربّها شاته ونتاجها وسمنها ولبنها، ويلحقه بما عنى فيها وعلف، كان مقرّا له أو جاحدا، وفي موضع إن كان له سبعة دراهم عليه فأخذ شاة تسواها، فعليه أن يردّها وسمنها ويأخذ حقّه إن لم يبعها. وإن كانت له على الجاحد غنم فأخذ من غنمه قدر حقّه، لم يكن للجاحد شيء منها ولا من نسلها؛ وإن مطله ولم يجحده فأخذ شاة وتناسلت فليس له أن يأخذ من ماله شيئا حتّى يجحده، ولا أن يأخذ ممّا عليه له (1) فإن قدر أن يحتجّ عليه أن يعطيه حقّه وإلاّ أخذه.
__________
(1) - ب: «له عليه». (7/497)
صفحة 3562
الباب الحادي والعشرون
فيمن أخبر بمبايعة إنسان أو مداينته أوقال إنَّه وفيّ أو موسر
ومن حضر تاجرًا فأتاه من يشتري منه، فقال للتاجر: إنَّه وفيّ أو موسر، فباع له، فإذا هو معسر، فقيل: إنَّه لا يلزم القائل شيئا لأنَّه غير ضامن، ولعلّه قال ذلك على ما ظهر له منه؛ وقيل: يلزمه لأنَّه غرّه وإنّما بايعه بإخباره؛ وقيل: إن كان يومئذ موسر ثمَّ أفلس فلا ضمان عليه، وإلاّ لزمه لأنَّه غرّه.
أبو إبراهيم: من أراد أن يسلف رجلا ولا معرفة له به، فقال له: من يثِق به: سلّفه فسلفه، ثمَّ لم يعطه، فرفع على من أشار عليه إلى القاضي فألزمه.
وفي الأثر: إنّ الأمر على وجهين، أمر على الإخبار للسائل جوابا لقوله ولم يقصد أن يغرّه به، فلا يلزم القائل شيء؛ وأمر على وجه الأمر بمبايعته قصدا منه إلى قضاء حاجة الأمر والمأمور، فهو الذي يلزمه الضمان. (7/498)
صفحة 3563
الباب الثاني والعشرون
في الحوالة وما تجوز فيه الرجعة وما لا تجوز
وقد روي: من حيل بحقّه على مليّ فليحتل، فإذا صحّت الرواية خرجت على معنى الإطلاق في الحوالة أنَّها جائزة في المال لا في غيره، لأنَّها شرط فيها (1) مليّ، وبطلت إن وقعت على مفلس.
أبو عبد الله: من له دين على رجل فأحاله على آخر فأفلس، فله أن يرجع به على الأوَّل إلاّ إن باعه على أن يحيله على هذا الرجل، وكان البائع هو الطالب إلى المشتري (2) أن يحيله على الرجل فأحاله عليه فأفلس فليس له أن يرجع عليه، إلاّ إن لم يعلم بإفلاسه يوم أحاله؛ فإن لم يرجع بحقّه فهو على المشتري؛ وقيل: إن أحاله بمطلب من الذي عليه الحقّ كان له الرجوع على غريمه (3) إن أفلس المحال عليه، أولم يدرك وفاء من ماله؛ وإن كان بمطلب من له الحقّ لم تكن له رجعة إلاّ إن كان حينئذ مفلسا، وكذا إن وقع البيع على الإحالة فذلك ثابت.
فإن مات المستحال أو أفلس قبل الإحالة انتقض البيع إن أراد البائع؛ وإن تتامما عليه تمّ، وكان الثمن على المشتري.
ومن له على رجل دراهم إلى أجل فباعه رجل شيئا بها وأحاله عليه، جاز له.
__________
(1) - ب: «فيهما».
(2) - ب: «للمشتري».
(3) - ب: «الغريم». (7/499)
صفحة 3564
ومن اشترى من رجل شيئا بثمن فأحاله عليه رجلا به وضمن المشتري للمحال بالثمن، ثمَّ إنَّه استقال البائع ذلك الشيء فأقاله، فقيل: إن أمر المشتري الرجل أن يقبل عنه بالثمن الذي عليه للبائع عن أمره، ن كان على المشتري للرجل إذا ضمن له، ويرجع على البائع لأنَّه المتلف له؛ وإن غاب المحالّ عليه ضعف البيع وانتقض إلاّ إن جمع بينه وبين الغريم، وأحاله عليه، وقبله الغريم بالثمن جاز.
وإن ردّ السلعة بغيب بعد ما قبل للمحال بالثمن، فهو عليه له، لأنَّه قد قبل به، ويرجع هو على البائع بمثل ما أعطى للمحال، إلاّ إن ضمن قيمة السلعة بعلم المضمون له؛ فإنَّ المضمون له يرجع على البائع بحقّه.
ومن له - قيل - حقّ على [686] مفلس أو غني، ثمَّ أحاله على مفلس أيضا، وقال: إنَّه يعطيه حقّه أو يعمل له عملا، فاحتاله عليه ثمَّ ذهب (1) ولم يعمل له ولا أعطاه، وقد علم أنّ الضامن مفلس، فقيل: إن احتال على هذا عالما بتفليسه وأبرى من لزمه الحقّ فلا رجعة له عليه؛ وإن لم يبره كانت له عليه؛ وإن لم يعلم به رجع على ذي الحقّ؛ وإن مات المحالّ عليه قبل أن يعطي ما أحيل عليه فإن أبرأ المحيل ذو الحقّ منه برئ، ولا رجعة له عليه إلاّ إن كان المحال عليه مفلسا ولا يعلم به، أو عليه من الديون ما يستغرق ماله، وكذا إن كان المحال عليه مملوكا ولا يعلمه المحال، فله أن يرجع على صاحبه، وكذا إن كان ماله موثقا أو مرهونا ولا فضل فيه، فله الرجعة إن لم يعلم به.
وقيل: إنّ الحوالة مأخوذة من التحوّل، فمن أحال أحدا بماله على أحد برضاهما برئ ممّا عليه، ولو كان المحال عليه مفلسا أو مات بعدما (2).
__________
(1) - ب: - «ثم ذهب».
(2) - كذا في النسختين. (7/500)
صفحة 3565
فصل
اختلف في رجوع المضمون له على الغريم أو الضامن بالحقّ، فقال الشافعي: له الرجوع به؛ وقيل: ينتقل الحقّ بالضّمان كما ينتقل بالحوالة؛ وقيل: إنّه مخالف لها لأنَّه يصحّ من متبرّع به وهي لا تصحّ، إلاّ أن يحال (1) بها من عليه الحقّ على من له.
وإن اختلف المحيل والمحتال، فقال أحدهما: أحيل لك بما ليس عليّ، وادّعى المحتال أنَّه أحاله بماله، فالقول قوله، وكذا في الكفالة.
ومن أحال رجلا بألف، ثمَّ قال: هو مالي، وادّعاه المحتال، فهو مال المحيل إلاّ إن جمع بين المحتال وربّ المال، وقبل ربّ الحقّ له بماله وأبرأه المحيل ممّا عليه وقبله المحتال فهو ماله.
ومن أودع رجلا ألفا، وله على المودع ألف، فأحال المودع الذي عليه الألف بألفه على المستودع بما عنده، جاز له ويدفعه إليه؛ فإن هلكت الوديعة فمن مال المودع ولا ضمان على المستودع لأنَّه أمين فيها.
__________
(1) - ب: «يحلل». (7/501)
صفحة 3566
الباب الثالث والعشرون
في الضمان بالحقوق
فكلّ حرّ بالغ عاقل ضمن عمن يجوز أن يلزمه الحقّ الذي ضمنه عليه من جميع الحقوق والأموال، وما يعود إليها (1) أو فيما يدرك من استحقاق أو ردّ بعيب ونحو ذلك، فهو غارم إلاّ الحدود والقصاص؛ فإنَّ الضّمان فيها باطل، وللضّامن على المضمون عنه خلاصه ممّا ضمن به عنه؛ فإن أدّاه لزم المضمون عنه وإن أبرأ المضمون له الضّامن برئ، والحقّ على المضمون عنه؛ وإن أبرأه لم يبرَ الضامن.
أبو قحطان: إن أبرأ الضامن برئا معا؛ وإن أبرأ المضمون عنه لم يبرأ الضامن؛ وإن توى حقَّ المضمون له عند الضامن بموت أو إفلاس أو غيبة أو مطل بوجه، رجع به على المضمون عنه، إلاّ إن أبرأه فلا سبيل له عليه، إلاّ إن كان الضمان بغير أمره؛ وإن لم يبرأ واحد منهما فله أن يطلب من شاء منهما، إلاّ إن كان الضّمين مفلسا.
وكذا إن اشترى شيئا على أن يضمن عنه بثمنه، أو على أنَّه عليه، رجع الضامن بما ضمن على المضمون عنه.
وإن ضمن على غائب وأقرّ أنَّه أمره بالضمان، لزمه ما ضمن به، ومن ضمن بحال أو مؤجّل كان عليه كذلك، وعلى المضمون عنه حالا.
وضمان العبد والصبي والمحجور عليه باطل، ولو أذن للعبد في التجارة.
__________
(1) - ب: «إليه». (7/502)
صفحة 3567
ومن ضمن بما لا يعلم كميته، ثمَّ رجع لما علم، فقيل: لا ضمان يلزمه؛ وقيل: إن قدر ربّ الحقّ على أخذه فتركه لأجل ضمانه، ثمَّ رجع عنه لجهالته ثمَّ تلف، لزمه ضمانه؛ وإن أخرجه من يده ثمَّ تلف ولم يقدر عليه، لزمه اتفاقا.
ومن أقرّ أنَّه ضمن لرجل عن آخر بكذا، أو (1) احتجّ أنَّه ضمن عنه غائبا، أو بلا أمره فله حجّته، ولا يلزمه الحقّ ولو أقرّ به المضمون عنه.
ومن طلب إلى رجل حقّا، فقال له آخر: إن عجز أن يؤدّيه إليك، فإذا أهلّ شهر كذا فهو عليّ، فتركه فمات الذي عليه الحقّ قبل الإهلال، فهو قيل على من تقبّل به؛ فإن قال: إنّما قلت إن عجز ولم يعجز، وإنَّه مات، فإنَّه إن لم يؤدّه إليه فقد عجز، إلاّ إن ضيّعه ربّه بأن يدعى إلى قبضه فتركه، فحينئذ لا يلزمه غرمه، لقوله: إن عجز، وهذا قد ضيّع.
وأجمعوا على أنّ من ضمن على أحد بأمره، فله أن يرجع عليه بما ضمن عنه، ولا يجوز له الرّجوع عليه إن ضمن عنه بلا أمره لأنَّه متبرّع به، وهو لا يرجع على من تبرّع عنه؛ وللضامن عنه بأمره مطالبته قبل أن يدفع الحقّ إلى المضمون له، لأنّ الضمان بالأمر يوجب المال في ذمّة (2) المضمون عنه، والضامن يبرئها ويثبته في ذمّته هو، فإذا أنكر أو مات أو غاب أو امتنع من الدفع لم تكن للمضمون له مطالبة المضمون عنه، لبراءة ذمّته.
والضمان جائز وإن على ميّت أو غائب إذا تبرّع الضامن عن المضمون عنه، لما روي أنَّه صلّى الله عليه وسلّم أوتي بميّت ليصلّي عليه، فقال: «هل عليه من دين» فقالوا: «درهمان» وفي رواية: «دينار»، وفي أخرى: «ثمانية عشر درهما»، فقال: «هل ترك وفاء؟»، قالوا: «لا» قال: «صلّوا على صاحبكم»، فقال ابن قتادة: «هو عليّ»، وفي رواية قال عليّ: «هما عليّ»، فصلّى عليه.
__________
(1) - ب: «و».
(2) - ب: «ذمّته». (7/503)
صفحة 3568
فدلّ هذا على أنّ الحقّ ينتقل على الضامن، ويتبرّأ المضمون عنه، فإذا ضمن عنه بعد موته ثمَّ أراد الرجوع، فقيل: يلزمه ما ضمن به عنه إن عرفه؛ وقيل: إذا لم يدفع للغرماء من مال الميّت حتّى تلف أو بعضه أو ماتت بيّناتهم فلا يلزمه.
ومن قال لرجل: طلّق امرأتك (1) وعليّ كذا من دينك؛ فإن طلّقها في ساعته، قال موسى: فدينه [687] عليه، وإلاّ فلا، إلاّ إن قال: متى طلّقتها؛ وإن قال له: طلّقها وعليّ ربابة ولدك أو مؤونته، لم يلزمه ذلك، ومن قال لذمّيٍّ: صلِّ وعليّ دينك، فإنَّه يلزمه إن لم يجبره على الصلاة، لا إن قال لمصّل.
ومن سرق له شيء فوجده عند أحد، فقال له: أعطيك ما أخذ منك، لزمه ما ضمن له به، على أن يسلّم إليه الشيء.
ومن يطالب رجلا بحقّ، فقال له آخر: إنّه عليّ، ثمَّ أنكره الرجل، فلا يلزم الضامن شيء، إلاّ إن أقرّ المطلوب، أو قامت للطالب بيِّنة به، وجاز للضّامن أن يعطي للمضمون له غير جنس ما ضمن، مثل أنْ يضمن له بنقد فيعطيه عروضا أو أصلا كعكسه، إلاّ إن كان أصل الحقّ من سلف أو أجرة أو بيع بنسيئة، فأجاز ذلك بعض والأكثر على المنع؛ وإن أعطى من مال المضمون عنه فلا يعطيه إلاّ من جنس ما عليه له؛ وإن لم يعلم ربّ الحقّ من أين يعطيه الضامن إيّاه جاز له أخذه، ولو لم يبرّ ربّ الحقّ المضمون عنه.
ابن خالد: إنّ من قبل على رجل بحقّ وهو مقرّ به غير أنَّه لم يسمّ كميّته، إلاّ قوله: كلّ ما كان عليه فهو عليّ؛ ثمَّ ذهب الرجل، فإنّما على الكفيل أن يحضر نفسه ثمَّ لا عليه؛ وإن لم يحضره لزمه ما صحّ على الآخر إن عرف الحقّ فيؤخذ به الكفيل؛ وإن قبل على غير مقرّ بشيء لم يلزمه.
__________
(1) - ب: «امرأته» وهو خطأ. (7/504)
صفحة 3569
ومن مات ولم يوص، فادّعى عليه رجل دينا فصدّقه وارثه، وكتب عليه كتابا وأشهد، فلمّا طلبه إليه قال له: خدعتني فقال له طالبه: ضمّنتني ومزّقت المكتوب فيه البيِّنة، وصحّ حقّي فيك فهو عليه.
ومن ادّعى على ميّت حقّا فقبل له بعض أرحامه، فلا يلزمه إلاّ إن دفعه عن حقّه، حتَّى ذهبت بيّنته أو مال الميّت؛ ومن قال: ضمنت (1) لفلان بألف على أنِّي مخير إلى ثلاثة أيّام لزمه الضمان؛ وإن ضمن بحقّ من قبل مصالحة على إنكار فلا يبطل ضمانه ببطلانها.
__________
(1) - ب: «ضمنته». (7/505)
صفحة 3570
الباب الرابع والعشرون
في الضمان عمّن يطالبه سلطان
فمن ضمن له على رجل شيء فليس له أن يطالبه به إلاّ إن أمره أن يضمن عنه، فله أن يطلبه إن طالبه السّلطان وإلاّ فلا؛ وإن ضمن بنفسه أن يحضره إليه بأمره، فله أن يطالبه ويحضره إليه؛ فإن كان يريد قتله فلا يلزمه إحضاره إن خاف عليه منه، ولا هو أن يحضر؛ فإن ضمن عنه بمال وأخذه منه فدفعه إليه قبل أن يطلبه إليه، فالمال عليه إذا دفع إليه ما ليس له، ولو أمره بدفعه إليه؛ وليس على المضمون عنه أن يعطيه ما ضمن به عنه (1) إن ادّعى أنَّه طالبه إلاّ ببيِّنة أو بعلم منه؛ وإن مات فطالب السّلطان الضامن فله أن يأخذ وارثه بذلك أو من مال الميّت.
ومن أُخذ منه مالا فقال لرجل: أخرجه من يده ولك عليّ كذا أجرة فأخرجه منه، فقيل: يلزمه كراء المثل له؛ وقيل: لا شيء لوجوبه عليه إذا قدر، ولا يستحقّ على فعل واجب عليه كراء.
ومن ضمن له على رجل بأمره في حقّ فطالبه به؛ فإن قصد إعانته أثم وشاركه في الإثم؛ وإن نوى إعانة الرجل وتخليصه أحسن وليس له أن يأخذه به قبل أن يطالبه به، إذا لم يلزمه في الأصل، ولا هو كالواجب أداؤه عن المضمون عنه، وعليه إعانة ربّ الحقّ على أخذه، وهذا مطالب بغير حقّ، فعلى الضامن وغيره إعانة المظلوم على تخليصه، ومنع الظالم عن ظلمه مع القدرة؛ وإن أخذه بما ضمنه له وأدّاه من عنده فله أن يرجع على من ضمن عنه به بأمره فيأخذه منه؛ فإن أبرأ المضمون عنه لا الضامن فأخذه به فأدّاه إليه فله أن يرجع عليه بما أدّى، لأنَّه ضمنه بأمره؛ وإن أدّى إليه قبل
__________
(1) - ب: «ما ضمنه عنه». (7/506)
صفحة 3571
أن يدفع هو إلى السّلطان من غير أن يطالبه فأبرأه من المطالبة، فليردّ للمضمون عنه ما أخذ منه؛ فإن دفع للسّلطان ما دفعه إليه المضمون عنه فوهبه السّلطان له فليردّه للمضمون عنه، إذ لا يزيله من ملكه مطالبة السّلطان له به ولا أخذه منه؛ وإن قال الضامن: أخذني به فدفعته إليه من مالي، وأنكره المضمون عنه، فعلى الضامن بيان ذلك.
وإن قال السّلطان: أخذت منه، فعلى المضمون عنه للضامن تسليم ما ضمن عنه لأمره بالدّفع وإقرار المأمور له بالقبض، فصحّ للدّافع حقّه، والأمر بذلك والضمان يوجبان الدّفع؛ فإن خرج السّلطان أو مات برئا معا. (7/507)
صفحة 3572
الباب الخامس والعشرون
في الكفالة والثّابت منها وغيره
فالكفيل والزّعيم والحميل والقبيل والضمين بمعنى، والكافل هو من كفل إنسانا بعونه، وجاءت السنّة: «لا كفالة في حدّ ولا قصاص» إلاّ من كفل بإنسان، فقد لزمه، وإنّما يلزمه واجب الأرش، وأجمعوا أنَّها في الحدود باطلة.
أبو الحواري من كفل بحقّ لطالب على مطلوب بلا رأيه؛ فإن كان في حبس أو بيّن عليه عند الحاكم فكفل عنه به وأخرجه منه، وتركه (1) بعد أن صحّ عليه برأي الكفيل، فلذي الحقّ أن يتبعه أو من لزمه، وقد ثبت على الكفيل ولو رجع؛ وإن أدّاه إلى صاحبه خيّر المطلوب في إعطائه ما أدّى عنه، وفي تركه إن كفل عنه بلا رأيه؛ وإن كفل بلا ضغطة من سلطان ولا حبس، ثمَّ رجع جاز له، إلاّ إن مات المطلوب، أو بيِّنة الطالب، ولو كفل بلا رأيه.
ومن كفل بدين عن ميّت ثمَّ رجع، كان له الرّجوع قبل أدائه؛ فإن أدّاه أو بعضه إلى الغريم ثمَّ رجع عليه فيما أعطاه متبرّعا لم يجده، ولا أن يتّبع مال الميّت به إلاّ إن منع الغريم حتّى تلف المال، أو أحضر بيِّنة فماتت، فإنَّه يضمن لزوما إذا عرف بما ضمن؛ وقيل: لا؛ وقيل: له الرّجوع ما وفيّ المال ووصل إلى الحقّ صاحبه، وإلاّ فلا.
هاشم: من كفل عن أحد بحقّ فلا يؤخذ به حتّى يهرب أو يغيب أو يعسر، ولا حبس - قيل - على من لم يحضر كفيلا إذا لم [688] يثبت الحقّ، وإذا ثبت وقدر على إحضار الكفيل، فقيل: يحبس فيه، وللحاكم أن يكفل النّساء إذا رجا فيه عدلا،
__________
(1) - ب: - «وتركه». (7/508)
صفحة 3573
واختلف فيمن باع أصلا أو عروضا وكفل للمشتري بما يدرك فيه كفيل، ثمَّ ادّعى الكفيل المبيع، فقيل: لا حجّة له فيه؛ وقيل: له حجّته والشاهد على البيع مثله.
ابن المسبِّح: إذا قال الكفيل: أنا أقبل لك عليه إلى أجل، ولم يقل بنفسه، ولا بالحقّ، فإنّما عليه أن يحضر نفسه إلاّ إن شرط عليه القبول بالحقّ، وقال هاشم: إذا لم يشترط الكفيل القبول بالنّفس فإنَّه يؤخذ بالحقّ.
موسى: من كفل بنفس رجل فلم يأت به لزمه الحقّ، ويؤخذ به.
أبو الحواري: إن قال: إن لم آتك به غدا فعليّ الحقّ، فأتى به بعد غد، فلربّ الحقّ أن يأخذ به الكفيل أو المكفول عنه.
ومن كفل لأحد بنفس رجل إلى أجل فمات الرّجل أو غاب، فليس عليه إلاّ نفسه لا إحياؤه، إذ لا قدرة له على إحضاره ولا إحيائه.
أبو الحواري: إن مات في الأجل فلا شيء عليه؛ وإن مات بعده لزمه الحقّ؛ وقيل: إذا كفل بنفسه فمات فلا شيء عليه؛ وإن غاب فعليه ما صحّ عليه، والفرق أنَّ الموت ليس من فعله، والغيبة من فعله، إذ لو شاء لمنعه حتّى يخرج، واختلف في نفقته إذا حبس فيما كفل به، فقيل: على المكفول عنه (1)؛ وقيل: لا، وهو رأي أبي الحواري.
ومن كفل على رجل بجميع أحداثه إن لم يحضره، فعليه ما أحدث؛ فإن أحدثه ثمَّ هرب ولم يقدر عليه فإنَّه يؤخذ به ويحبس إن لم يحضره؛ فإن كفل عليه أن يخرجه من القرية أو المصر، فعليه أن يردّه إلى الحاكم لا أن يخرجه من ذلك؛ فإن هرب ولم يقدر عليه لم يلزمه حبس.
__________
(1) - ب: «عليه». (7/509)
صفحة 3574
فصل
من كاتب عبدين واحدة، على أنّ كلاّ كفيل عن صاحبه، فليس لأحدهما أن يرجع على صاحبه بما أعطى، حتّى يؤدّي أكثر من ثمنه، فيرجع عليه بالفضل، ومن كفل عنه عبده بأمره بمال ثمَّ عتق فأدّاه رجع بما أدّاه عليه بعد عتقه، لا إن أدان قبله؛ فإن كان الحقّ عليه فكفل به مولاه ثمَّ عتق فلا يرجع به على المعتق، فليراجع صحّته.
وإن قال المكفول له للكفيل: برئت إليك من الحقّ، فهو قبض، ويرجع الكفيل على المكفول عليه؛ وإن قال له: أبرأتك منه، فهو بريء، ولا يرجع عليه بشيء، واختلف في ربحه من مال المكفول عنه، قال ابن هاشم: هو للكفيل لأنَّه ضامن، وقال أبو عبد الله: لا، إلاّ إن دفع الحقّ لربّه.
أبو سعيد: إن قبض المال على أنَّه له من قبل ما كفل عليه للمكفول له فالرّبح له فيما قبض؛ وإن قبضه للمكفول له مقتضيا له من المكفول عنه (1) فربحه للمكفول له وضمانه عليه؛ وإن قبضه على أنَّه رسول به، فالضّمان عليه للمكفول عنه والرّبح للمكفول له وبه قال عزَّان.
وقيل: إن أعطى الحقّ من عنده لربّه فالرّبح له؛ وإن قال له المكفول عنه: لا أعطيك الحقّ إلاّ بحضرة ربّه، فله ذلك.
ومن كفل على رجل بدراهم إلى أجل فصالحه بما كفل به عنه فدفعه إليه قبله أو بعده، ولم يقبضه المكفول له أو صالحه على شيء من ذلك النّوع أو غيره، فلا بأس أن يعترض به من الكفيل من غير النّوع بسعر يومه، فإمّا أن يزداد فضلا لنفسه، فلا نحبّ له ذلك.
والمتفاوضان إذا افترقا وعليهما دين فلأصحابه أن يأخذوا أيّهما شاؤوا بجميعه، ولا يرجع من أدّى منهما شيئا على صاحبه بشيء، إلاّ إن أدّى أكثر من النّصف
__________
(1) - ب: - «عنه». (7/510)
صفحة 3575
فيرجع عليه بالفضل؛ وإن اشترى رجلان من رجل عبدا بألف، على أنّ كلاًّ منهما كفيل على صاحبه، فلا يرجع أحدهما على صاحبه إلاَّ (1) بالفضل عن النّصف أيضا.
وليكن هذا آخر ما قصدت من اختصار ما انتهى إلينا من أجزاء المنهاج للشيخ خميس بن سعيد، عند الظهر من يوم الخميس لأربع عشر خلت من جمادى الأخرى من سنة 1192، والله الموفّق للصّواب (2).
__________
(1) - ب: - «إلاَّ».
(2) - ب: + «قال صاحب المختصر رضي الله عنه: وليكن هذا آخر ... والله الموفق للصواب.
انتهى على يد كاتبه لنفسه ولمن شاء الله من بعده عبيد ربّه وأسير ذنبه الرّاجي لها عفو مولاه حامدا له على ما أولاه، لليلتين خلتا من شهر الله ذي الحجّة من عام 1202 من هجرة النبيء عليه أفضل الصّلاة والسّلام، فالحمد لله على الابتداء والانتهاء والصّلاة والسّلام على سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم سيّد كلّ الورى». (7/511)
صفحة 3576
/ (7/512)
صفحة 3577
/ (7/513)
صفحة 3578
/ (7/514)
صفحة 3579
/ (7/515)
صفحة 3580
/ (7/516)
صفحة 3581
/ (7/517)
صفحة 3582
/ (7/518)
صفحة 3583
/ (7/519)
صفحة 3584
/ (7/520)
صفحة 3585
/ (7/521)
صفحة 3586
تم بحمد الله وحسن عونه طباعة هذا الملف وهو آخر ملف من التاج بعد حوالي ثلاث سنوات من العمل على الساعة الواحدة والنصف بعد صلاة الظهر بمكتب جمعية التراث (بمنزل الدكتور محمَّد بن صالح ناصر) حي بابهون بالقرارة يوم الأربعاء 27 ذو الحجَّة 1416 هـ / 15 ماي 1996 م.
------------
بحمد الله وحسن عونه أتممت تصحيحات الأخطاء في كتاب التاج، التي نبَّه عليها برنامج (Word 2010) عشية يوم الأربعاء 28 محرم 1447 هـ / 12 جويلية 2025 م، بمقرِّ جمعيَّة أبي إسحاق لخدمة التراث بحي بابا السعد في تغردايت (في إطار الأيام المغلقة لتحقيق شرح النيل). وكنا قد أنجزنا - في التسعينيَّات - الأجزاء الأولى من التاج ببرنامج (Write) حيث كان من الصعب كتابة الهوامش في الصفحة نفسها. ثمَّ لما بدأنا في تشغيل برنامج (Word) تمكنَّا من إدراج الهوامش في أسفل كلِّ صفحة بطريقة آلية؛ وهو ما سبَّب الاختلاف بين الأجزاء الأولى (حيث كانت الهوامش مجموعة في نهاية كل باب)، وبين الأجزاء الأخيرة (حيث صارت الهوامش في أسفل الصفحات).
وفي كل الأحوال لم يكن البرنامج - آنذاك - يشير إلى الأخطاء الطباعية ولا الإملائية، فكانت الأخطاء كثيرة كثرة مزعجة! تعجبت من غفلتنا عنها!! فأتممت الآن تصحيح ما أشَّر عليها برنامج (Word) بعون الله وتوفيقه. يبقى التصحيح الدقيق لما لم يشر إليه البرنامج عملا ضروريًّا، مع وجوب العودة إلى النسختين الخطِّيَّتين للكتاب - وغيرهما إن وجدت - وأصوله من مؤلفات السابقين، لاسيما منهج الطالبين، مع التخريجات اللازمة، لاسيما مع توفُّر الوسائل الرقميَّة الميسِّرة للعمل، ولله الحمد، وهو المستعان، ولكنَّ العين بصيرة، والأعمال كثيرة، واليد والأوقات والأعمار قصيرة.
مصطفى بن محمد شريفي (7/522)