صفحة 1
المجال: المطبوعات، كتب
المادة: أصول الفقه
------------------------------------------
العنوان: العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف
المؤلف: يوسف بن إبراهيم الورجلاني أبو يعقوب
الناشر: وزارة التراث القومي والثقافة
مكان النشر: سلطنة عمان
تاريخ النشر: 1404ه/ 1984م
الطبعة: د.ط
عدد الأجزاء: 2
الإيداع القانوني: 84/3205
الكلمات الدالة: أحكام فقهية، أصول الفقه
مصدر البيانات من برنامج الرستمي بموقع المنهاج:
https://www.elminhaj.org/catalogue_rech_notis.php?id_liv=422&id_ty=1
------------------------------------------
مصدر النسخة المصورة للكتاب (PDF) من موقع المكتبة السعيدية:
https://alsaidia.com/node/206
ملاحظة: قامت المكتبة السعيدية باستغلال تقنية التعرف الضوئي على الحروف في اللغة العربية (OCR) في إنشاء هذه النسخة المصورة (PDF)، لذلك فإنه يمكن البحث فيها للوصول إلى المعلومة بسهولة.
تنبيه: قام فريق مشروع المكتبة الشاملة الإباضية باستغلال تلك التقنية لتوفير النص المرقون، وذلك بالتحويل الآلي لصور صفحات الكتاب إلى نص، لذا فالنص الناتج ليس صحيحا 100%، لذا يمكن استخدام ذلك النص لنسخ جمل وفقرات من هذا النص الناتج، مع ضرورة مراجعته ومقارنته بنسخة (PDF) المرفقة، وتعديله وفقا لذلك قبل اعتماده.
------------------------------------------
ترقيم الصفحات: موافق للمطبوع. سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
تأليف العالم العلامة
الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
الجزء الأول
1404 ه - 1984 م (1/1)
صفحة 2
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
الجزء الأول
تأليف
العالم العلامة
الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
1404 هـ - 1984 م (1/2)
صفحة 3
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد
قال الشيخ الإمام الفقيه النبيه الوجيه المج الأرشد أبو يعقوب يوسف بنإبراهيم بن مناد السّدراتي رحمه الله.
الحمد لله الذي خلق الخلق لا لحاجة ولا لاستفادة، وخلق الملائكة المقربين للقرب والسعادة، وخلق الجن والأنس للابتلاء والعبادة، وخلق سائر الخلق للدلالة والشهادة، والصلاة على نبي الرحمة، هادي الأمة، محمد بن عبدالله خاتم النبيين، رسول رب العاملين. وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وعلى سائر المؤمنين والمؤمنات أجمعين. آمين رب العالمين.
أما بعد، فإن الحكمة الإلهية قد اقتضت وجود الخلق، واقتضى وجود الخلق وجود العقل، واقتضى وجود العقل وجود التكليف، واقتضى وجود التكليف / وجود الجزاء، وهو الحق، قال الله تعالى: {وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} (1).
ثم إن الله عز وجل بعد أن خلق الخلائق أرسل رسلا تترى، وأنزل كتبا تتلى ليتفكر مُتفكر فينظر، وينظر ناظر فيبصر، ويبصرمبصر فيعتبر، ويعتبر معتبر فيتذر، ويتذكر فيزدجر، ويزدجر مزدجر فيتستبشر، ويستبشر مستبشر فيشكر، ويشكر شاكر فيؤمن، ويؤمن مؤمن فيحسن، {الذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ والاحسان الأول هو الإيمان، والإحسان الثاني هو السعادة الأبدية، وللإيمان باب ومدخل، وعليه إقليد ومقفل، وهو الكتاب والسنة والرأي.
ومفتاح الباب أصول اللسان وأصول الجنان، فأصول اللسان اللغة والنحو، وأصول الجنان المنطق والفقه، وهذه الأربعة الأصول لا غنى لسبيل الهداية عنها، إذ باللغة يكون البيان، وبالنحو يكون التبيان، (ليس فى كلام العرب تفعال الا تبيان بكسر التاء من البيان وتراى وتعشار موضعان وتقصار بلاد وتمساح دابة وتمثال للمثل المصور فيهما الفتح والكسر) وبالمنطق تظهر حجج البرهان، وبأصول (1/3)
صفحة 4
الفقه تظهر معاني القرآن فنسبة صناعة المنطق إلى العقل في المعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان في المقولات، وإنما المرء بأصغريه فؤاده ولسانه، قال القائل (2):
لسان الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم
فإذا كانت الحاجة ماسّة إلى هذه المعاني الأربعة، لا سيما لمن يتعاطى طريق الهدى طريقا، واتخذه إماما رفيقا، وجعله أليفا صديقا (وسلك مجدا) (3) حقيقا، فرأينا أصولي اللسان؛ اللغة والنحو قد لحبت (4) سبيلها / واستقامت أصولهما فرأينهما كالمجمتع عليهام، وقد تصدى لهما أقوام فألقوا فيهما ما فيه الكفاية لمن أراد الله إرشاده وهداه، فكفينا المئونه فيهما. وإن كان المنطق بمثابتهما في اتساق مباينة وصحة معانيه، لكنه عوص المسلك على الأقوام، سريع الدثور على الأفهام. فلذلك غامت فنونه وانطمست عيونه، واندمجت قوانينه، وتعطلت براهينه، فالتحق بالأولين في البيان وقصر عن التبيان.
فأما معرفة الفقه وأصوله فإنها غير مضبوطة بكثرة الاختلاف في فصولها، وقلة الاتفاق على أصولها، وكثرة التنازع في محصولها، لأنها بُنيت على أمارة وإشارة. وبراهينها مقصورة على تلويحات وتنبيهات ولم تكن براهينها عقليات مطردات منعكسا بحججها، غير مقطوع بها ولا متفق / عليها فلذلك أردنا أن نشير إلى الطريقة الوسطى منها، ونستعمل الجواد، ونطرح الشواذ، ونسلك مسلكا قَصَدا بين الغلوّ والتقصير
ليقرب المأخذ على المقتصد و) تهون) (1) المشقة على المجتهد، والله ولي التوفيق والفضل والهداية والطول.
ومعّولنا –بعد حمد الله- في استخراج الحق من خلل الباطل أمران؛ أحدهما خبر، والآخر.
أما الخبر فقول رسول الله عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين» (2) وذلك أن الله ركّب في طباع البشر عشق (1/4)
صفحة 5
صنايعهم والشغف بها والدّب عنها والحياطة لها وتخليصها من الشوايب والمعايب. وإيثارها على المطاعم والمشارب والمفارش والمراكب، لا سيما صناعة العلوم خصوصا قد ائتلفت القلوب والهمم والطبايع والشيم من العرب / والعجم على تلخيص هذه المعاني وتخليصها من الميون والكذب والأماني، ولا سيما هذه الأربعة وهي الخادمة لأصول الدين، فائتلفت القلوب على اختلاف البلدان والأماكن، وتباعد الأقطار والمساكن، وتنافر أهل المدائن والمواطن، وهو أدب اله تعالى في القرون الماضية والأجيال الخاليه، وهو دأبه في الأمم الجائية الآتية {ولن تجد لسنة الله تبديلا} (3)، {ولن تجد لسنة الله تحويلا (4)} وهو معنى الحديث الذي ذكرناه أولا.
وأما النظر، فاستعمال كل شيء من العلوم في موضعه، وإعطاء كل ذي حق حقه. وعوّل على الأصول التي اجتمعت عليها الأمة واجعلها منارك، واتخذها معيارك، وأَرِدِ الله يُردْك، واضرب العلوم بعضها ببعض يخلص لك الذهب من الخبث، والمخض من بين الدّم والفرث. وقد جعل الله للإسلام ضوءا ومنارا كمنار الطريق / وحلاوة وطلاوة في اللّها والحلوق، وسكونا وقبولا
في النفوس والقلوب، والحق يصدّق بعضه بعضا ولا يكذب بعضه بعضا. وأجتنب التقليد فيما يخالف التقييد والمنكر في الصدور و (الشواذ) (1) في الأمور. والد ... ين بين الغلو والتقصير. واستعمل الحذر في مظان التهم والعلم في حناديس الظُّلَم، واستعمل الاثنى عشرية تَسْلَم؛ وذلك أن (سعادة) (2) الآخرة العلم، ثم الإيمان، ثم العلم، ثم التوفيق، ثم حسن الخاتمة، فإذا لم يكن حسن الخاتمة لم يكن التوفيق، فإذا لم يكن التوفيق لم يكن العمل الذي يجدي، وإذا لم يكن العمل الذي يجدي لم يكن الإيمان الذي يجزي، وإذا لم يكن الإيمان الذي يجزي لم يكن العلم الذي يغني، وإذا لم يكن العلم الذي يغني خسر المرء الدنيا والآخرة؛ {ذلك هو الخسران المبين} (3) ثم إني نظرت في العلم وهو الباب الأول فرأيته منحدبا من آفات كثيرة فلم يسلم العبد من واحدة منها بله جملتها. فرأيت من التوفيق –إن شاء الله- وهو من ملاك الأمر، استعمال آيتين من كتاب الله، وحديثين من حديث رسول الله - عليه السلام -، (1/5)
صفحة 6
وخبرين عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -، وأثرين عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -. ونظرين عن علي بن أبي طالب، وأوكدها وأشدها استعمال أمرين من أمور أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه -. فأول الآفات ألا تكون للعبد همة في الطلب بعد الجهل وللهو واللعب، وألاّ يريده، فإن سلم وطلب وأراد وأحب استقبلته آفة أخرى، وهو أنى له بالعلم الصافي من كدرات الكذب، ولقول رسول الله - عليه السلام -: «اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع» (4)
ولقوله - عليه السلام -: «العلم علمان / علم باللسان وعلم بالجنان؛ فأما العلم باللسان فذلك حجة الله على ابن آدم، وأما العلم بالجنان فذلك هو العلم النافع» (1)
ومنها التقليد للآباء والأجداد، وانتصار الأخلاق للأسلاف لأجل الصبا السابق واللهو اللاحق. وتفضيل العصار على الأعمار. والمألوف على المعروف، ولم يجعلوا للنهي في أنفسهم نصيبا. ومنها قطاع الطرق على ذوي الحق، وسراق العقول من أهل الألحاد والفرق، وتلبيس إبليس عند لوائح الصِّدق. فأما الآيتان من كتب الله فقوله تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} (2) والآية الأخرى قوله تعالى: {اتقوا الله ويعلمكم الله} (3) فمن اتقى علم، ومن علم تفقه. اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل يا رب العالمين.
وأما الحديثان فقوله - عليه السلام -: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ويعلمه / التأويل ويلهمه رشده» (4).
وأما الحديث الثاني فقوله - عليه السلام -: «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» (5). وهو معنى قوله تعالى: {وقل رب زدني علما} (6) وفقر الأعمى إلى الرؤية أشد من فقر الرائي إلى كثرة الوجوه. وهاتان الآيتان والحديثان ترغيب في التقوى وتوفيق في الطلب وإلهام في نيل الأدب.
وأما الخبران عن أبي بكر الصديق فقوله: (ما من عالم إلا وفي علمه مأخوذ ومتروك ما عدا صاحب هذا القبر) والتفت عن يمينه وأشار إلى قبر رسول الله - عليه السلام - وهو على المنبر، وهذا الحديث يدل على التخيير بين أقاويل العلماء.
والخبر الآخر قوله: (أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني إن أنا فسرت القرآن برأيي!؟) (1) وهذا الحديث صيانة للعلم عن الكذبة والخونة والتقليد. (1/6)
صفحة 7
وأما الأثران عن عمر فقوله: جردوا / الحديث وأنا شريككم في الأجر (2). وهذا الحديث صيانة لرسول الله - عليه السلام - لا يلتبس بغيره لأنه أوتي جوامع الكلم.
والثاني: أنه يكتب إلى عماله وأمراء الأجناد أن علموا أولادكم النحو والعربية وهما لسانا الدين ومفتاحاه وركناه.
وأما النظران، فقول علي حيث قال: (لا تكونن إمعة). وهذا نهي عن التقليد. والثاني: قوله: (عدو المرء ما جهل) , وصدق الله تعالى: {بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه} (3) وكما قال - عليه السلام -: «ما من رجل يحدّث قوما بما لم تبلغه عقولهم إلاّ كان فتنة على بعضهم» (4). والداء العضال في الأمرين قول أبي عبدالله محمد بن بكر - رضي الله عنه -: (من أراد الطريق فليقطع عليه من فوق). والثاني، قوله لسائله وقد سأله عن الرخصة في مسألة وألح عليه، فقال الشيخ: أرأيتك لو أجبتكها أكنت تعمل بها؟ فقال له السائل: نعم، ولا ألتفت ولا أبالي.
فقال له الشيخ: لا، ولكن تزن كل ما قلت لك بميزان الهندي إلى عين الشمس (5).
فمن استعمل هذه الاثنا عشرة ووزن بميزانها سلم من الطغيان والخسران وأداه إلى حقيقة الدين والإيمان. وأما أصول الديانات فهناك الداء العياء، والداء العضال، إذ لا يسع أحد خلاف دين الله الذي شرع، وحكمه الذي صدع، ونوره الذي سطع. فها هنا تورط الخلايق وتغشمروا (1) وتقحموا وتهوروا وتغشموا. وعول على ما استحسن واستسلف. فجرى الخلف على منهاج السلف فكل قد ركب أشقر صدف في سنن التلف. وأقربهم قربى من تتبع الشبه واتخذه إماما لنفسه، وزماما لعيسه، ولا يدرون إن العلم حياة القلوب، وغذاء الأرواح، والحي يحتاج إلى غذاء ودواء؛ أن صح تغذى، وإن مرض تداوي ولا ينفع المريض الغذاء، ولا الصحيح الدواء. فالغذاء هو العلم النافع / المعقول، والدواء هو الشرع الناقع (2) المنقول. ومن استعمل كلا في موضعه أحكم أمره وقل خطره. فذلك هو الطبيب الحاذق والعالم الصادق. ومن خلط الأصول بالفصول، والفصول بالأصول، وهو حال الأكثرين، (1/7)
صفحة 8
انتكس وارتكس.
فلما ابتلي الجمهور بهذه الأمور اختلفت الأغراض والمطالب، وكثرت الآراء والمذاهب، فاقتصروا على رأيهم في مناظراتهم، وعرّجوا على اعتقاداتهم في محاوراتهم. فجدوا في محاولاتهم وكدوا في مجاولاتهم، وفرحو بما عندهم من العلم، {وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون}. فهنالك ذهبوا شذر مذر (3)، وتفرقوا شغر بغر (4). فبعض ذهب به تلفيق الآباء وتقليد الأسلاف كل مذهب فهؤلاء أصحاب الحديث. وبعض قد استولى عليهم العمى
الشبهات أينما تقلب، فهؤلاء المارقة. وبعض قد انشعب بهم اللهو والشبهات كل مشعب فهؤلاء المرجئة. وبعض قد استعملوا التقييد زعمهم وتجنبوا التقليد جهدهم حتى تعمق ونشب فهؤلاء القدرية. وبعض حُولُ العيون، عور القلب أشتبه عليهم الخالق والمخلوق فحادوا يسار الطريق، فهؤلاء المُجسمة. وبعض غليظ القفا حليف الجفا عليه العفاء (1)، يسترط (2) السفى، ويزعم أنه الشفاء، يقول لا إله إلا الخلفاء من ذرية علي والمصطفى، حسبي الله وكفي، فهؤلاء الرافضة والغالية من الشيعة. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.
وبعض قادة التوفيق والتسديد، وحداه العون والتأييد، وساقه التمهيد والتوطيد، وغذاه الألطاف ورباه الإسعاف حتى ظفر بعزيز المطلب كريم المنصب دين الله الأصوب، وهم المسلمون كما قال أبو نوح صالح الدهان (3): ولدت زمان مقتل عثمان بن عفان فأدركت الناس ثلاثة أصناف: فوم يزيّنون أمر عثمان ولا يفرطون في الإرجاء، وقوم يزينون أمر علي ولا يفرطون في التشيع، والمسلمون بعد على هداهم وما رزفهم الله من التوفيق.
فإن قال قائل: أراك قد نُلْتَ ونِلْت (4)، وعبت وغبت، ورميت الأمة بالأمة (5)، والملة بالقلة، وشملت السانح والبارح. وخلطت الساذج بالطازج ومدحت نفسك بالوفاء، ونبزت غيرك باللفاء (6)، فكيف وحتام بلغت المنى، وفاز غيرك بالمنَى (7)، ومن عاب اجتنب المعيب، ومن طاب استعمل الطيب. وأراك
قد وضعت أمورا متشاكهة (1) متلاحقة (2)، وأشياء متشابكة متلابكة (3). فأين السنى (4) والسدى (5) من اللحمة (6) والطعمة (7) وأين الضياء والنور من السدفة/ والظلمة؟ ألك علم بغيب العباد، أم ظهرت لك أحكام البارئ غدا في المعاد؟ فإن كان فانصب منوا لك وأنسج عليه أقوالك، حتى يظهر الحق ولسان الصدق عند جميع الخلق، وإلاّ التحقت (1/8)
صفحة 9
بالأخرين أعمالا المبطلين أقوالا.
فأقول، والله الموفق للصواب، والهادي إلى سبيل الرشاد: لا جرم أن من ادّعى منهاج المحجة فعليه إيضاح الحجة، وعند شواهد الإمتحان تظهر فضايح الإنسان والتبرز في الميدان.
واعلم أن لله - عز وجل - طريقا في الدنيا يقوم بها العدل ويتبين بها الجور والميل. قال الله تعالى في محم كتابه: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة} (8). وقال: {ولقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط} (9). وقال أيضا سبحانه: {الرحمن علم القرآن. خلق الإنسان. علمه البيان. الشمس والقمر بحسبان. والنجم والشجر يسجدان. والسماء رفعها ووضع الميزان. الأّ تطغوا في الميزان. وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان} (10).
فلا تكونن من الأغبياء الغفال فتظن أن هذا الميزان ميزان الأنقال والأحمال. ذكر الله عز وجل صنيعة الإنسان، وأنه امتنّ عليه بتعليم البيان، لعجايب ما أودعه الله تعالى في القرآن، فذكر الشمس والقمر، والنجم والشجر، عجائب ملكوت السموات بحسبان. وعجائب ملكوت الأرض، وهي النجم والشجر يسجدان. ثم ذر رفع السموات ووضع الأرض، ووضع الميزان فجعل السماء والرض طر في شاهد للميزان، فابتدأ بالسماء ورفعها، وعقَّب بذكر الأرض ووضعها؛ بالسماء وشاهداها الشمس والقمر، والأرض وشاهداها النجم والشجر دلالة على نباهة هذا الميزان العظيم للأمر الجسيمن وهو الإشارة إلى ميزان العقل لا ميزان الثقل فالثقيل يراد لمعاملة الأغبياء في الدنيا، والعقل يراد / لمعاملة الأتقياء للأخرى.
ثم وصف الميزان فقال: { .. ووضع الميزان، ألاّ تطغوا في الميزان} فالطغيان في الميزان انتحال الألوهيّة للأوثان. والخسران في الميزان تقصيرها عن الرحمن.
فأول موازين الله - عز وجل - كتبه المُنزلة، وأنبياؤه المرسلة، والأولياء المحدَّثة المُروعة، والحواس المطبوعة المسخرة، والعقول المضيئة المنوّرة. فمن بهذه الموازين فزاد وطغى، أو نقص فبغى، ضل وغوى وهلك وترَدَّى. ومن وزن وعدل وتحرى الصدق ولم يَمِلْ فاز ونجا. وأنا أدعو إلى هذه الموازين على أن تكون لي وعليَّ. ومن حكم على غيره كما يحكم على نفسه فقد عدل، ومن أحب لغيره مثل ما يحب لنفسه فقد أنصف. وأنا أدعو إلى طريق العدل والإنصافن وأنهى عن الجور والإنحراف فمن أجاب اصاب، ومن أبى واستكبر فقد خسر وخاب/: (1/9)
صفحة 10
سَلِ السيف يا صيقل ... ... أيكما يَقْتُلُ.!؟
وميزانُ خالقنا ..... ... ... هو الحق لا الأميل
وميزانك، م مائل ... ... دَعُوه ولا تسألوا
وإلا هلُمَّ نزن ... ... تروا أيّكم أعدل
أعمالي أعمى لي. أعمالك أعمى لَك. أحوالي أحْوى لِي، أحوالك أحو لك. أفْعالي أفْعى لِي. أفعالك أفعى لَك، فهذا مثل ينبئك بالمالك والهالك.
(1/ 10)
وأنا أشرع –إن شاء الله- فيما أنا بسبيله، وأستعين الله وأستهديه لمراشد الأمور، فإن أصبت فبتوفيق من الله، وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان. وأستغفر الله وأسأله المنتوبة. اللهم أرنا الحق حقا وأرزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وأرزقنا اجتنابه، وأعذنا من أن يشتبه علينا/ فنتَّبع أهواءنا بغير هدى منك يا أرحم الراحيمن. واستعتب كل مسلم قرأ هذا الكتاب أن يحمل كلامنا على أحسن وجوهه. وهو دين الله تعالى الذي تعبد به عباده وشرع فيه مراده، وقد قال الله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} (1) الآية. وحسبنا ما لا ينفك عنه الآدمي في غالب الحال من الخطأ والسهو والنسيان. وقد أوسع الله عز وجل عذر المستنبطين في فروع الشريعة في ألفاظهم ومعانيهم فليوسعنا عذرا كما أننا توسعه أعذارا في مثل ذلك. فليس أحد أكثر معاذيرا من الله - عز وجل - وقد قال: فخذوا بأحسنها. وقال الإمام (2) - رضي الله عنه -: إذا أتى أحد بوجه يحتمل الوجوه في دين الله - عز وجل - وأن يحمل على المعول دون المموه الصريح (3). وإلى الله أشكو عجزي وبُجري ممن أكدي فهمه، وقَلَّ/ علمه، تخاطبه بكلام خاصّي، ويراجعك بكلام عامّي، وَلَسِنٍ لَقِنٍ يستلين الأخشن، وستخشن الألين، ويركب الكوذان يحسبه من أفره الحصن، ويزعم أنه أبن من ومن. وآخر طاغ باغ يقول ما على الرسول إلا البلاغ، وهو نصراني الصباغ. اللهم نوّر قلوبنا بأنوار الحكم، واشرح صدورنا لفهم جوامع الكلم، وأعذنا من زلات القدم في حنادس الظلم. ومن طغيان القلم في مظان التهم. وأعوذ بك عنن العنن ومنن المنن عن سنن السنن، والإفتتان في غير فن. ونعوذ بك من حيرة الحصر وفضول الهدر، والإنهمار في غير بر، وعافنا من العفو والعافية ومن آثار (1/10)
صفحة 11
القافية، وارزقنا العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ولا تكتبنا في ديوان الأشقياء ولا تحرمنا عوايد الأتقياء، وحطنا حياطة الأولياء، واكفنا كفاية الأكفياء، إنك على كل شيء قدير. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم تسليما والحمد لله رب العالمين.
وصية جامعة لأهل الأدب والنهى والطلب
ونريد أن نقدم ها هنا بابا من الأدبيات لطلب العلم.
إعلم أن طلاب العلوم تدعوهم أنفسهم أولا لتحقيق مآربهم وتصحيح مطالبهم، فإذا دخلوا فيها وتوغلوا وارتقوا إلى المناظرة دعتهم أنفسهم إليها فنعمّا رأوا. حتى غذا حصلوا وجمحت بهم أنفسهم إلى المجادلة في الميزان الشهي الرضي، لا قتل ولا قتال ولكن الغلبة والنضال. واعتقاد النفوس فيها الدب عن الدين. والدعاء إلى الحق المبين.
حتى إذا غالتهم الغول، وذهب بهم القول، نشبوا فغلوا وطغو وبغوا غلا المحسنين {فأولئك ما عليهم من/ سبيل} (1) وقيل ما هم. فالمذاكرة من شأن الطلبة المجتهدين. والناظرة هي دأب الفقهاء المحققين. والمجادلة ديوان السفهاء الجاهلين إلا المحسنين. قال الله تعالى: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} (2) وقال: {إن جادلوك فقل: الله أعلم بما تعملون} (3) وقال لرسوله عليه السلام: {وجادلهم بالتي هي أحسن} (4) وعني بالتي هي أحسن: البلاعة في المقال، والمناصحة في الفعال، والأعراض عن النضال.
وقد قال الله عز وجل: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} (5) ذما مطلقا لا حمدا مواثقا.
الأولى: فينبغي للطلبة إذا أرادوا ركوب هذه السفينة المنجية، وخوض لجّة هذه البحار المهلكة المردية، أن يقدموا بين أيديهم تقوى الله، فإن التقوى رأس كل بِر، وسبب كل خير، وحاصل خير الدنيا والآخرة./ فلن ينفعك شيء إى بالتقوى. ولا قبول إى من المتقين، وقال رسول الله عليه السلام لمعاذ بن جبل: «اتق الله في حكمك إذاحكمت» (1).
الثانية: إخلاص النية لله فيما تحاول وتقاول فإن الله عز وجل لن يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه خالصا مخلصا. قال الله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين} (2) وقال عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» (3).
الثالثة: قبول الحق ممن جاء به، (1/11)
صفحة 12
والإعتراف له والإقرار به، والإذغان له، وأن يستنكف عن صفات من وصفه الله بالاستنكاف عن الحق. ومن امتنع عن قبول الحق علما خدع نفسه، ومن أباه جهلا أوتع (4) نفسه. قال الله تعالى: {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} (5) وقال أيضا: {قلوبهم منكرة وهم مستكبرون} (6) وقال: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان اقبة المفسدين} (7).
الرابعة: ألا يُعوّد نفسه المجادلة في كل شيء؛ قال الله تعالى: {وكان الإنسان أكثر شيء جدلا} والمجادلة تدعو إلى اللجاجة، وتدعو إلى المجادلة، وإلى إغماض الناس، وإعجاب النفوس. وهي حبالة إبليس. وقد غلط الناس قديما في أشعارهم وأنثارهم. وقد نهى الله عنها لنصرة الحق. فما ظنك بمن جادل بالباطل ليدحض به الحق؟!
قال الله تعالى وعيدا وتهديدا: {وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق} (8).
الخامسة: أن يراعي العدل والإنصاف بينه وبين خصمه، فلن تتم مرؤة أحدكم ما لم تجتمع فيه هاتان الخصتان، ولا تقوى حتى يجمعها. وقد نصبنا العدل وافنصاف ميزانا بين كل خصمين. فمن حاد حاذه (1) / آد آده واستمنت منته، وخابت حجته، ومن لاذ كاده نال مراده وفلجت حجته. والحذر كل الحذر أن تظلم خصمك مثقال حبة من خردل فيكون ربك خصمك وظلمك وقصك. قال رسول الله عليه السلام: «الظلم ظلمات يوم القيامة» (2).
السادسة: أن يحسن خلقه ويستعمل الأدب بين يدي ربه، ويستعمل الوقار والعلم والتقى والحلم، ولا يهمز ولا يغمز ولا يلمز. وليقابل مناظره بكل وجهه، ويظهر البشر والتبسم في وجهه، والإعظام والذب عنه في مغيبه.
فأول ما يحسن أدبه مع الله عز وجل إذا سمع كلامه أن يظهر إجلاله وإعزاز، ويصغي إلى الفائدة منه. وإنما ظهرت فوائده على قدر عقولنا، لأن فيه علم الأولين والآخرين. وقد قال علي بن أبي طالب: ما من شيء إى وفي القرآن علمه، ولكن عقول الرجال تعجز عنه. ولهل العلم في / توعيته فوائد وعوائد.
ولا ينبغي له أن يخلط كلام رب العالمين بكلام غيره، ولا يقطعه عن خصمه، ولا يماري فيه ولا يداري. قال رسول الله عليه السلام: «لا تماروا في القرآن فإن مراء فيه كفر» (1) وقال عليه السلام: (اقرأوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فقوموا» (2). ولا يضرب بعضه ببعض، سواء كان ذلك منه وحده أو مع خصمه. فإن نزع خصمه آية من كتاب الله عز وجل فليتربص وليلق السمع وهو شهيد، لئلا يحصل في الوعيد: قال الله تعالى: {وكأين من آية في السموات والأرض يمرون عليها (1/12)
صفحة 13
وهم عنها معرضون} (3) وقد قالوا: ينبغي خفض الصوت في ثلاثة مواطن: عند قراءة القرآن، وعند الجنائز، وعند القتال.
فإذا ظهرت لك من أحد مثل هذه الأخلاق فانصحه فإنه لغو، فإن أبى فإعرض عنه واقطع كلامك دونه. قال الله تعالى: {وإذا مروا باللغو/ مروا كراما} (4) وقال تعالى: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فإعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، فإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين} (5) وكذلك قول رسول الله عليه السلام، ينبغي له أن يوقره ويعزره حتى كأنه حاضر معه. فالإيمان به غائبا
كالإيمان به حاضرا وأفضل. ويتتبع فوائده، فإنه قد أوتي جوامع الكلم. وقد عوتب في قلة الكلام فقال لأصحابه: «أعذروني فإني رسول مبلغ (1) «ولينته عند أمره ونهيه، قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} (2) وقال بعضهم: ما قطع كلام رسول الله عليه السلام أحد عن أحد إلا أصابته فتنة في دينه. ونعوذ بالله من سوابق الشقاء. وينبغي (له) (3) أن يستعمل الأصغاء والقبول، ولا يقابله بالرد والعدول ولا يضرب بين أقواله ولا يناقضها بأفعاله، وليؤمن ويصدق، أو ليتوفق حتى يقق، ولا يستقبلها بالتكذيب إذا ظهر/ فيها شيء من التشبيه بل يطلب لها تأويلا يحملها عليه تحميلا، ويقول: غن صح الحديث. وليقتصر في كلامه على أدنى ما يبلغ به مراده فإنه البلاغة. وما زاد فعَيّ. وليجتنب التكرار والترداد فإنه من العي، وليجتنب التقعير (4) فإنه التنفير. واليجتنب التشدق (5) والتفيهق (6) والتعمق (7) والتوهق (8) والتعمق (9)، وليراع العقول الحضرة، ومن وراء ذلك الحَفَظَة الكرام البررة. وليستعمل في كلامه إذا تلكم ألا يخطب ولا يطنب، ولا يسهب ولا يعجب ولا يطرب
ولا يصخب ولا يغضب ولا يكذب، وليحذر أن يستبَّ فإن المستبيّن شيطانان يتهاتران، ولا يغتب أحدا. وليجتنب ما يعتذر منه، ولا يعذر نفسه في المواطن التي لا يُعذر فيها غيره، ولكن عدلا وسطا بينه وبين ربه، وبينه وبين خصمه.
تمت الصدرة. من ها هنا/ مشره في المقصود الذي أردناه، ونبتدئ بطرق العلم ونوطدها توطيدا، ونمهدها تمهيدا إن شاء الله, ولا حولة ولا قوة إلا بالله. (1/13)
صفحة 14
باب
أقسام العلوم
أعلم أن الطرق التي تطرق فيها العلوم إلى العباد ثلاثة أقسام: حس متصل، وحس منفصل، وحس بنية. فالحس المنفصل كاللمس والذوق، والحس المنفصل هو الرؤية والسمع والشم. وحس البنية ما يجده الإنسان من نفسه من غير طريق الحاسة كالألم واللذة، والفرح والحزن، والوجود والعدم، والحدوث والقدم.
وتنقسم العقليات ثلاثة أقسام: واجب، وجائز، ومستحيل. فأما الواجب فهو ما لا بد من كونه كمعرفة الفاعل بعد ثبوت الفعل. قال الله تعالى: {أفي الله شك فاطر السموات والأرض} (1) فأثبت الشك عمن انتفى عنه/ جهل الفطور، فليس بعد انتفاء الشك إلا العلم. ومن قبيله شكر المنعم، بعد حصول النعم، وكفره.
ومن الواجبات أيضا ثبوت القدرة لمن ثبت له العقل، وثبوت العلم لمن ثبتت له القدرة، وثبوت الحياة لمن ثبت له العلم، وثبوت الوجود لمن ثبتت له الحياة، فهذه مقتبسة من أوائل العقول في مثلها.
وأما المستحيل فكاجتماع الضدين ووجود شيء واحد في مكانين، وتحرك الجسم إلى جهتين، ومحال فاعل غير قادر، وقادر غير عالم، وعلام غير حي، وحي غير موجود.
وأما الجائز فما عرى منهمان وسيوغ في العقل وجوده وعدمه.
وينقسم الشرع المسموع ثلاثة أقسام: أصل ومعقول أصل، واستصحاب حال الأصل.
وينقسم الأصل ثلاثة أقسام: الكتاب والسنة والإجماع. وينقسم معقول الأصل/ ثلاثة أقسام: لحن الخطاب، وفحوى الخطاب، ومعنى الخطاب، وهو العِبرة. وينقسم اتصحاب حال الأصل ثلاثة أقسام: براءة الذمة، وشغل الذمة، والاستحسان.
فأما براءة الذمة، فإن الأصل في الفرائض براءة الذمة منها، لا فرض إلا بثبوت المشرع عليه، فمن ادّعى بشغلها فعليه الدليل، وما ثبت من الفرائض فالأصل شغل الذمة، ومن نفاه بعد ثبوته فعليه الدليل، وأما الاستحسان فقول بتقليد، لا تقييد ولا دليل ولا (1/14)
صفحة 15
برهان, وأما فحوى الخطاب فالذي يقتضيه المعنى المذكور دون ما ذكر، كقول الله تعالىك {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما .. } (1) فالشتم والضرب والأذى والقتل أولى بالنهي.
وأما لحن الخطاب، فالضمير الذي لا يتم الكلام إلا به، كقوله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية .. } (2) أي: إن حلق وقوله:/ {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} (3) أي: فعليه ما استيسر من الهدي. وقوله: {ولكم في القصاص حياة} (4) أي: إن فعلتم. وقوله: {وما تفعلوا من خير يعلمه} (5) أي: فينبئكم عليه، في مثل هذا.
وأما معنى الخطاب الذي هو العبرة، فسيأتي معناه، إذا صرنا إليه. (1/15)
صفحة 16
باب في ترتيب العلوم
أعلم أن العلم ينقسم: مُحدث وغير محدث. فغير المحدث علم القديم سبحانه، والمحدث علم المُحدث. وعلم المحدث ينقسم قسمين: ضروريا ومكتسبا. فالضروري ينقسم أقساما:
أولهما علم البنية، وهو علم الإنسان بوجوده وبذاته وأفعاله وصفاته، وما يختلف عليه من حالاته، وما يجد من آلامه ولذاته، وقتبس من ذلك استمرار هذه الأشياء على جميع أبناء جنسه ولِدَاته (1). وإن كان/ هذا العلم ضروريا فربما تختل عليه هذه الأمور إذا كانت البنية مأفوهه (2) أو معتوهه: فتلتبس الحقائق بالخيال، والدقائق بالجلال، مثل ما يعترض المبرسمين (3) من العقلاء والمجانين.
الثاني: ما علما من العقليات الواجبات والجائزات والمستحيلات، فهذه العلوم ضرورية، وربما تفع في نفس الإنسان من أوّل وهلة، وربما تقع بعد تردد الخاطر فيها. فأما وقوعها من أوّل وهلة فكالحادثات في اقتقارها إلى مُحدث، والبناء إلى بان، والكتابة إلى كاتب، وسبق النفوس إلى استحسان الفاعل لحسن فعله، وذمِّه لسوء فعله.
فأما ما يكون عن تردد الخاطر فما يعد من الأعداد كالألوف عند الآلاف في حق أُناس، والآلاف عند المئين في حق آخرين، وفوق ذلك إلى ما دون ذلك في حق آخرين حتى ينتهي إلى ما سبق عند النفس علمه/ من التفرقة بين الواحد والأثنين والبعض من الكل، والأقل من الأكثر.
والجائزات كذلك؛ فمنها ما يقع العلم به من أول وهلة، كالممعتاد من الأمور في الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر والنبات، والشجر والسماء والأرض والدواب والبشر.
ومنه ما لا يقع من أول وهلة، كبعثة الرسل، وتزول الكتب، وإثبات صانع ليس بجسم، وفاعل في غير ذاته، وعالم لا بحلول العلم في قلبه، وحدوث الدار الآخرة، ونشر الأموات. فلذلك استعمل أهل الجحود والإنكار الإنكار والكفران بالنشأة الأخرة بعد إقرارهم بالنشأة الأولى، فصدموا قوارع القرآن قبل محك الإمتحان.
والمستحيلات أيضا كذلك؛ (1/16)
صفحة 17
ربما تقع من أول وهلة، كاجتماع الشيء وضده وكون شيء معدوم مع وجوده. فأما ما لا يقع من أول وهلة فإثبات البداية للمحدثات/ واستمرار النهايات للموجودات، وإثبات العالم بأسره محدثا والصانع القديم جسما.
والثالث: ما يعلم من جهة الحاسة. كلها ضروري، أما من جهة البصر فالأدوات والألوان، والصور والأكوان. وأما من جهة السمع، فالأصوات بأصنافها. وأما من جهة الذوق، فالطعوم بأصنافها من الحلو والمر والقارص والبشيع وغير ذلك. وربما يقع الغلط في هذه الحواس وإن كان علمها ضروريا، كالذي يجري للبصر، قد يغلط في عشرة أمكنة:
أولها: يرى البعيد قريبا والقريب بعيدا.
والثاني: يرى الصغير كبيرا والكبير صغيرا.
والثالث: يرى المتحرك ساكنا والساكن متحركا.
والرابع: يرى الأسود أبيضا، والأبيض أسودا.
والخامس: يرى الواحد اثنين والأثنين واحدا.
والسادس: يرى الخيال فيتوهنه حيوانا أو مواتا.
والسابع: يرى الأشياء على غير ما هي عليه كالسحر.
والثامن: يرى ذا الزوايا مدورا، والمدور مسطحا.
والتاسع: يرى القائم نائما والنائم قائما كالذي يعرض لأهل الميد (1) والدوار.
والعاشر: السمادير ضعف البصر، ويقال: هو الشيء الذي يعتري الإنسان من ضعف بصره عند السُّكْر من الشراب وغيره.
وأما غلط حاسة السمع في المسموعات كالذي يجري للسمع من النبأة (2) والدوي تحسبها أصواتا من بعيد، والبعيد منها قريبا والقريب بعيدا. وكغلط في الجهة.
وأما غلط حاسة الذوق في المطعومات فكالذي يعرض لأهل الصفراء يذوقوم العسل فيمرار عندهم فيحلوا عند/ آخرين كما قال أبو الطيب المتنبئ (1):
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به العذب الزلالا
وأما غلط اللمس في الملموسات فكالذي يعرض للمبرودين والمحرورين، يجد أحدهم الحار باردا والبارد حارا والسمندل (2) المعشش في النار وأشجار الآطام.
وأما ما يعرض من غلط الشم فكالجعل الذي يستطيب النتن ويستخبث الورد، والعرب التي تستطيب بنة الأبل الصادرة عن المسك الأذفر، فالطيب في حقه خبيث والخبيث في حقه طيب.
ولا يوثق (1/17)
صفحة 18
بحاسة واحدة حتى تعضده حاسة أخرى كالنبأة يسمعها الإنسان، فإن رأى شخصا تيقن، وإلا خيف عليه الغلط والوهم. ولأمر مّا جعل الله تعالى الشهادة في الأحكام عدلين اثنين بما يعرض للواحد من الوهم/ والغلط والغفلة وإن كان عليها ضروريا والله أعلم.
الرابع: من الضروريات ما يعلمه من جهة الأخبار المتواترة. وهو يتوزع بين الضروري وبين المكتسب، فبدايته كسب ونهايته ضرورة. وهذا كالأخبار عن القرون الماضية المشهورة، والقصص المعلومة المذكورة، والأمثال السائرة المأثورة. وذلك كمعرفتنا بوجود إقليم الصين والهند وخراسان والبر الكبير. والعراقات والشامات والحجاز ومكة واليمن والحرمين ومصر وأفريقيا والأندلس.
وأما الأخبار والقصص فكحرب مهلهل وداحس والغبراء، والفتوحات، وقبائل العرب والعجم كربيعة ومضر، والترك والديلم، والفرس والبربرن ومن الأمثال السائرة المروية: أغرب من العنقاء، وأهدى من صُرَد/ وأحذر من غراب، وأسمع من فرس، وأشعار امرئ القيس، والمعلقات التسع. وخطب أبي حمزة المختار رحمه الله وما أشبه ذلك. واعلم أن الحواس الخمس خاصتها الحس، وفعلها الإحساس وبه سُميت على اختلاف أفعالها ومحسوساتها، وهي السمع والبصر والشم والذوق واللمس. وعملها وتأثيرها في اليافوخ وخاصية اليافوخ الشعور. والحواس حافظة لصور المحسوسات ومؤديتها إلى اليافوخ واليافوخ حافظ لما استُحفظ ومؤديه إلى الدماغ، وفي الدماغ ثلاث قوى:
القوة المتقدمة خيالية، وهي الغالبة على الصبيان والمجانين والمبرسمين والمعتوهين، وفعلها الخيال.
والقوة الوسطى وهي المفكرة، فهي حافظة لما استحفظتها والخيالية ومؤديته/ إلى القوة الثالثة التي هي في مؤخر الدماغ، وهي القوة الحافظة والدماغ، وهي القوة الحافظة والدماغ حافظ لصور المحسوسات (1) حتى تنظر فيها النظر فيها النفس والروح والعقل. فالنفس جوهرية دموية بها قوام الجسد، ولها صفات أربع: الشهوة والغضبة، والرغبة والرهبة. (1/18)
صفحة 19
فالشهوة داعية لتوفر الجسد وتقديم صورته. والغضبة حامية الجسد عن هلاكه وآفاته، والرغبة مقحمة ومقدمة على طلب الأوطار. والرهبة محجمة عن الآفات والأخطار. فبقاء الجسد ببقاء النفس وبقاء النفس ببقاء الجسد. وبالجملة إن النفس هي المعنى الجامع
للصفات المذمومة من الإنسان. ومهما تمكنت هذه الصفات من أفعالها بغير واسطة العقل دمرت وتبرت، وهو معنى قول الصديق –صلى الله على نبينا وعليه- حين قال: {إن النفس لإمارة بالسوء/ إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم} (2). (1/19)
صفحة 20
باب في علوم الكسب
وعلوم الكسب تقع من أوجه؛ أحدها: ما يقع من جهة الاستدلال بما أدركت الحواس وما دل عليه ما أدركته الحواس. فاالاستدلال بما أدركت الحواس كالصوت تدركه الحاسة إذاكان موزونا منغما ومؤلفا دل على حسن قائلة أو ذمه، وعلى جهله أوعلمه. والذي يدل عليه هذا الصوت المنغم المؤلف المنظم من أمر ونهي وخبر واستخبار وهو ما دل عليه ما أدركت الحواس.
الثاني: ماوقع العلم به من جهة النظر والبحث من علوم الشرائع والفقه، وهي علوم معنوية كعلوم الفقه والشرائع والطب والعبارة والفتاوى
الثالث: ما وقع العلم به من جريان العدة في علم الصناعات والحرف.
وأختلف الناس في حد العلم على ثلاثة أقوال:/ فقولنا حد العلم معرفة الشيء على ما هو به. والأحسن عندي درك الشيء على ما هو به. وقد قصرت العرب المعرفة على درجة في نهاية العلم وسبق أمور تلوح للعارف. والأصل في المعرفة درك تقدمه علم. وبعضهم يقول في حد العلم: هو معرفة المعلوم على ما هو به، وهو قول الأشعرية، وهربوا من الشيء إلى المعلوم وقالوا: إن معلوما موجودا ومعدوما وشيئا وغير شيء. ولهم فيه حدود زهاء عشرين.
والثالث: منهم أيضا من يقول: لا حد له، هو أظهر من أحد يحد. وإنما قال هذا (1) القائل هذا القول لتعذر حضره وعظم خطره (1/20)
صفحة 21
باب القول في الروح والقعل
والروح أمر رباني نسب الله معرفة علمه إليه، لا سبيل إلى القول فيه إذ لم يأذن الله لنبيه عليه السلامفيه. وقد ذكر الله تعالى خلقه أبينا آدم عليه السلام فنسب جسده إلى الطين/ ونسب روحه إليه فقال عز من قائل: {وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه} (1) وقال أيضا: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} (2) ثم قال أيضا: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا} (3). لكن أفعال الإنسان الشريفة (العلية) (4) مع أضرارها منسوبة إلى الروح من الفطنة والعلم والجهل والكبر والشرف والرئاسة والسيادة وسمو الهمة والعجب والإفضال والجود والكرم وما أشببها.
أما الحياة فيه اجتماع الروح والجسد وكونه فيه وهي عرض من الأعراض، والروح والنفس جوهران. وأما العقل فقد اختلف فيه على أربعة أقوال:
أحدهما: أنه غريزة في القلب يتهيأ بها درك العلوم النظرية/ الاستدلالية اختيارية. والإشارة في هذا إلى الطبيعة.
الثاني: أنه جوهر روحاني بسيط مركوزة في جبلته العلوم العقلية المنسوبة إليه الفطرية، يعلمها لا بتعلم ولا تعليم ولا يتخالجه الشك فيها.
الثالث: أنه العلوم العقلية نفسها من الواجبات والجائزات والمستحيلات وهو مصدر من قوله: علمت علما، وعقلت عقلا، فعلى هذا القول هو من أفعال القلب.
الرابع: أنه العلوم التجريبية النظرية، وهو من أفعال القلب، غير أن هذا كسب وتلك ضرورة، فالأولان جوهران والآخران عرضان.
والأصل أنه جسماني بسيط مركوزة فيه علومه الجبلية، ويستعملها للعلوم التتجريبية والنظرية، وينفرد عن البهائم بذكر ما مضى، ويعلم ما يأتي وما يذر، ويزداد بالتجارب استحكاما./ ولقد (1/21)
صفحة 22
جاءت الشريعة بهذه المعاني:-
أما الذي قال أنه جسم روحاني فإليه الإشارة بقوله عليه السلام: «أول ما خلق الله القل فقال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر. فقال: وعزتي وجلالي ما خلفت خلقا أكرم علي منك. بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب» (1). وقول من قال أنه العلوم النظرية التجريبية مأخوذ من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: «إذا تقرّب الناس بأبواب البر إلى الله فتقرب إليه أنت بعقلك» (2) وقوله عليه السلام لأبي الدرداء: «إزدد عقلا تزدد من الله قربا» (3).
وأعلم أن العلوم العقلية لا يتخالج فيها الشك لأهلها ولمن أثمر عقله المعرفة فسلم من شوائب الغفلة وآفات التقليد. وجل احتجاج القرآن على أهل الأوثان عقليات. وعرفنا الله عز وجل الاحتجاج ونبهنا عليه في مواطن/ من كتابه. وجل السور المكية مشحونة به.
وجه الإحتجاج بالميزان العقلي:
فمن أراده فليأخذه عن الله أولا، ثم عن الخليل صلوات الله عليه ثانيا – ثم عن سائر الأنبياء عليهم السلام ثالثا.
أما أحتجاج الله عز وجل عن الفكرة بالعقليات فمنظوم في سورة الأنعام، وذلك أن الله تعالى ذكر ما شرعه الكفار في أديانهم وما أحلّوا ممّا حرّم الله، وما حرّموا مما أحل الله، وذكرها خصلة خصلة. قال الله تعالى: {وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا: هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا، فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله، وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون. وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركاؤهم ليردوهم وليلبسوا عليهم/ دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون. وقالوا هذه أنعام وحرث حجر لا يطعمها إلا من نشاء بزعمهم، وإنعام حرمت ظهورها، وأنعام لا يذكرون اسم الله عليها افتراء عليه، سيجزيهم بما كانوا يفترون. وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أزواجنا، ,إن يكن ميتة فهم فيه شركاء، سيجزيهم وصفهم إنه حكيم عليم. قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفها بغير علم وحرموا ما رزقهم الله افتراء على الله، قد ضلوا وما كانوا مهتدين. وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات والنخل والزرع مختلفا أكله والزيتون والرمان متشابها وغير متشابه كلوا من ثمره غذا أثمر وآتوا حقه يوم (1/22)
صفحة 23
حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين إنه لا يحب المسرفين. ومن الأنعام حمولة وفرشا/ كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين. ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين.
قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين؟ نبؤني بعلم إن كنتم صادقين ومن الإبل انثين ومن البقر انثنين، قل: آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، أم كنتم شهداء
(1/ 26)
إذ وصاكم الله بهذا .. } (1) فها هنا حاجهم الله تعالى وطالبهم بالعلة التي حرموا بها بعض الأنعام فقال: {الذكرين حرم أم الأنثيين ... } لأجل ذكوريتهما أم لأجل أنوثيتهما أم لأجل اشتمال الرحم عليهما؟ فقال: أنبئوني بعلم عقلي مبني على علة صحيحة، فسألهم علما فقال: {إن كنتم صادقي}.
{ومن الأبل انثنين ومن البقر اثنين .. / .. } فقال: {آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين} فطالبهم أيضا بالعلة، فقال لهم: فإذا لم يكن بهذا علم عقلي، فأنبهم فقال أو {وصاكم اله بهذا} فإن قلتم لا مجال للعقل ها هنا فقالوا إذا شرع شرعه الله عز وجل ووصانا به. فإن قلتموه، فمتى وصاكم الله عز وجل بهذا؟! فانظر كيف عقب بالوعيد والتهديد لهذا الإلحاد العظيم والجحود فقال: {فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل الناس بغير علم، إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (2) فكل من انتحل علما وانتحله دينا لا شرعا ولا عقلا فهو من الظالمين.
وجه احتجاج الخليل صلوات الله عليه بالميزان العقلي:
قال الله تعالى حكاية عن خليله إبراهيم في مناظرته الذي كفر بالله فقال: {ألم تر إلى الذي حاج/ إبراهيم في ربه .. } (3) والمحاجة بين اثنين لغة. والهاء تصلح لإبراهيم والكافر في {أن آتاه الله الملك} (4) والهاء أيضا من ربه كذلك. ثم قال إبراهيم: {ربي الذي يحي ويميت} (5).
وها هنا ثلاث مقدمات: الواحدة أن إبراهيم أثبت نفسه عبدا مربوبا، فسلّم ذلك له الكافر.
والثانية: أن لا بد للمربوب من رب. فسلم الكافر ..
والمقدمة الثالثة: أن الذي يحي ويميت هو الرب فسلم الكافر أيضا لكن اختلفا بعد هذه الثلاثة، فأثبت إبراهيم عليه السلام صفة الرب وصفا، وقصرها الكافر على نفسه وجاء يشبهة، وهو أنه أطلق رجلين من سجنه فقتل أحدهما وموّل الآخر، والغرض منهما استلاب عقول الحاضرين. فلو وقعت المجاحدة في المقدمات الثلاث لاحتاج إباهيم عليه السلام إلى إقامة البرهان عليهن وأولاهن إقامة البرهان (1/23)
صفحة 24
/ على أن إبراهيم مربوب، والبرهان: الحاجة والعجز بالمشاهدة والحدوث بالدليل.
وأما الثانية: أن لا بد للمربوب من رب، فهي من الواجبات عقلا.
وأما الثالثة: فأن الله الربوبية لمن كلمت له الصفتان، الإحياء والإماتة، وهما لله رب العالمين. وأما انتحال الكافر هاتبن الصفتين فمجاز لا حقيقة، وهما في الله حقيقة لا مجازا, فلما فطن إبراهيم عليه السلام بمراد الكافر، وهو أن يستميل عقول العامة، عارضه إبراهيم عليه السلام بنفس الدليل، ولكنه احترز، فقال {إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب} (1) ولم يقل إبراهيم: فأت بها أن من المشرق احترازا من أن يقول الكافر أنا آتي بها من المشرق غدا، أو أنا أتبت بها بالأمس، فكان الشبهة قائمة إلى الآن. لكن احترز من ذلك فقال: {فأت بها من المغرب} قياسا؛ لأن المغرب/ مثل المشرق فمن قدر أن يأتي بها من المشرق قدر أن يأتي بها من المغرب، ولأن المغرب والمشرق سيان. ولم ينكر الكافر في هذه المقايسة مخافة أن تأخذ عليه العامة فلما أعيت المذهب بُهت الذي كفر. وهذا من أعظم الدلة على إقامة البرهان من طريق العقول بحكم الخليل
وأما احتجاج الأنبياء عليهم السلام بالميزان العقلي: قال الله تعالى: حكاية عن جميع المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين في محاجتهم أُمَمَهُم بقول واحد يشملهم، وجواب الأمم أجمعين على أسلوب واحد يعمهم قال الله تعالى: {ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إى الله جائتهم رسلهم بالبينات} (1) انظر كيف أخبرنا الله تعالى أن الذي جاءت به الأنبياء إلى الأمم هو البينات. ثم قال: {فردوا أيديهم في أفواههم} (2) إجماعا وإزماعا على تكذيبهم/ رسلهم فقالوا: {إنا كفرنا بما أرسلتم به} (3) ففي الكفران الجحود، ومكابرة القوم الشهود. ثم قالو: {وإنا لي شك مما تدعوننا إليه مريب} (4) فكأنهم رجعوا عن الكفران إلى الشك، والشك دال على جهالتهم، وكأنهم رجعوا عن الشك بما فيه من نقيصتهم إلى الريبة بعد الشك والكفران، فالكفران مكابرة والشك جهالة. والريبة فيها بعض النقص وبعض المعذرة. {قالت رسلهم: أفي الله شك فاطر السموات والأرض؟ ... } (5) تقريعا وتوبيخا بعد الإقرار بفطور السموات والأرض. وفيه مكابرة الحكم العقلي إقرارا بالحدوث وإنكارا للمحدث، فهذه من الجوابات التي انطبقت عليها العقول الاسلمة من الآفات. ثم قالت الأنبياء: {يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم (1/24)
صفحة 25
ويؤخركم إلى أجل مسمى} (6). فهذه من الجائزات، غير مستنكر في عقل كل/ أحد ... ثم قالت الأمم: {إن أنتم إلا بشر مثلنا} (7). كأنهم أشاروا إلى (أن) النبياء بشر وهم بشر، فمن أين لكم ما قلتم؟ فهذه من الاستشهاد بالشاهد على الغائب وحكم التسوية، غير أنهم لم يغيبوا وجه الدليل فقالوا: {تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا} (8).
وقد صدقوا، مراد الأنبياء أن يصدوهم عما يعبد آباؤهم من الأوثان إلىعبادة الرحمن فقالوا: {فأتونا بسلطان مبين} (1) {قالت لهم رسلهم: إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده} (2) فعارضتهم الأنبياء بالجائز، وإثبات القادر أن يمنعلى من يشاء، غير مستحيل في الجائزات أن منَّ الله عليهم بالرسالة. وقالت الرسل: {وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإن الله} (3) صدقوا؛ لأنهم إنما طلبوا ما تعجز العقول/ البشرية فيه ليستبين صدقهم. وقالت الأنبياء: {إلا بإذن الله} وصدقت، وفيه رد على بعض الموحدين الذين يقولون لا بد للرسول من آية وإلا سقطت دعوته .. وبدليلقوله أيضا حكاية الرسل الثلاثة حين قال: {فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون. قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا، وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون. قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون. وما علينا إلا البلاغ المبين} (4) صدقت الأنبياء وبلغت الرسل، ونحن على ما قال ربنا ومولانا من الشاهدين.
ثم قالت الرسل (5): {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} فلحن الخاطاب أنهم توعدوهم، فعند ذلك قالت الأنبياء: {وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون. وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا .. } (6) برح الخفاء وانقطعت المحاجّة/ ورجعت مسايفة ومغالبة، فليغلبن مغالب الغلاَّبِ (7).
قال الله تعالى: {فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم} (8). (1/25)
صفحة 26
فصل
الإلهام علوم الملائكة، ويسوغ لهم الإجتهاد والرأي، ورأيهم كله صواب لا خطأ فيه. واجتهادهم ظاهر في طينة آدم عليه السلام. والنبؤة والوحي والإرسال وحي الأنبياء. والروع في الروع والإلقاء والنفث علم الأولياء والأصفياء العارفين، لقوله عليه السلام: «ما من نبي إلا وفي فومه مروع ومحدَّث، وإن يكن فيكم فعمر» (1) وقال عليه السلام: «إحذروا فراسة المؤمن فإنه بنور الله يبصر» (2) ومنه قوله لواصبة حين سأله فقال: يا رسول الله، إني أتيتك لأسألك عن أمرين فإني أنسيتهما. قال رسول الله عليه السلام: «جئت تسأل عن البر والإثم، أما البر فما اطمأنت إليه النفس وأما الإثم/ فما حاك في الصدر. واستفت نفسك يا واصبة وإن أفتوك وأفتوك» (3).
والفقه في الدين والأحكام. والاستنباط علم الفقهاء وأهل الفتاوى، والوعظ والحكم علم العلماء بالله. والأصول المتكلمين والأصوليين. والعبارة علم الرؤيا. وعلم الخضر عليه السلام منوط بعلم الملائكة وليس على الشرعيين من علومه شيء، ولا عليه من علوم الشرعيين شيء، علومه مرتبطة به يتلقاها من لدن الله عز وجل. ولا عليه من إنكار المنكر الظاهر شيء ولا أمر بمعروف وأشباهه.
وكذلك الجن. وليس عليهم ولا عليه إظهار أنفسهم إلى الناس. ولا أن يشهروا أنفسهم غلى هذه الخليقة وليس عليهم من تبليغ الشهادات، ولا تقويم الحكومات شيء. وأحكام الجن فيما بيننا وبينهم كذلك وأحكامهم بينهم كأحكامنا بيننا وأن ظهروا/ كانت أحكامهم وأحكامنا واحدة. وليس ظهور الأصوات بظهور بل الأجساد. وليس علينا من ولايتهم قصد إلى أحد وإن ظهر كلامه. وتجزينا ولايتهم في الجملة وهذا لمن قامت الحجة بهم.
وذكر الشيخ بدر بن سابغور عن الشيخ عمو بن أفلح رحمهم الله وقد كان استكتب عنده رُقيْةَ يُعزم عليهم فيقتلهم بها، يريد هؤلاء الذين يصرعون الناس ويخنقونهم، أن لا حرمة لهم لمن قدر على ذلك، والله أعلم. (1/26)
صفحة 27
فصل
وقلب الحقائق من أفعال الله عز وجل، والمثيل فعل الملائكة والتخييل فعل الجن والسحرة والمشعوذين. والمكلّفون: الإنس والجن والملائكة. والثقلان: الأنس والجن، ولا ينسب العقل إلا إلى هؤلاء الثلاثة. وقد تُبتلى الملائكة ببني آدم، وبنو آدم بالملائكة وابتلي محمد بجبريل في الحديث المذكور/ المشهور. وابتليت الملائكة في فضيةالميت المقبوض بين القريتين. وابتلي هاروت وماروت ببني آدم بأرض بابل.
واعلم أنه لا يقدر على قلب الحقائق إلى غيرها إلا الله تدريجا وتلوينا, ولبعض الأطباء ملابسات دون بلوغ النهايات، واستأثر الله بالكمال، ولم يبرأ أحد من النقصان.
وأما قلبه الأشياء فكقلب عصا موسى حية، والنار على إبراهيم بردا وسلاما.
وأما التمثيل فهو مقدور الملائكة، وذلك أن ذوات الملائكة تتمثل
بأي صورة شاءت، والذوات لم تتقلب ولم تتغير لكن الصور تختلف عليها وتقلبها وتقبل التمثيل، ولا تقدر على التمثيل ولا على انقلاب في العيون. مثال ذلك: سبيكة ذهب، فإنها زوايا تقبل الزوايا والأشكال وتختلف عليها الصور والأمثال والعين واحدة لم تنقلب، لو شئت صوّرت منها صورة إنسان أو ثعبان أو سطحا/ ذا زوايا أو مدوّرا أو مستطيلا.
وأما التخييل والتخيل فهو مقدور الجن، وذلك أن تحول بينك وبين الجن صورة غيره من انقلا في ذاته ولا تغييير عن صفته فتبصر جذع مخلة تحسبه سبعا رابضا أو شيئا جاثما أو تبصر ملتويا تحسبه ثعبانا منطويا وقد ذكرنا هذا فيما يغول الأبصار عن الإبصار في الأبشار ...
في النظر
اتفق الجمهور إلا الشذوذ أن النظر الصحيح في دليل مثمر أنه مؤد إلى العلم الصحيح. والنظر نظران:
(1/ 32)
أحدهما: النظر في أصول الشريعة فلا يؤدي إلا إلى الحق أو إلى خروج عن الدين.
والنظر في فروع الشريعة: إما غانم، وإما سالم، فالمصيب غانم (1/27)
صفحة 28
والمخطئ سالم.
وأما نظر العامة فعلى وجهين: أما من شدا شيئا من العلم فنظره في العلم والدليل. ولكن العلماء تتهير أقاويل العلماء ما/ تستعمله وتمتثله مما تراه وتظنه أنه صواب عند الله. وأما غيره فليتخير في العلماء من يراه أنه أسلم لدينه ودنيا.
فصل
إختلف الناس في النظر؛ فقال بعضهم: جوازه من جهة العقل، وقد أمر الله به، قال تعالى: {قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما
تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} (1) وقال: {أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء ... } (2). وقال بعضهم: من جهة الشرع لا من جهة العقل.
واعلم أنه كل ما أوصل إليه النظر الصحيح من شيء فهو علم وإلا كان ظانا. ولا بد أن يكون الناظر في دليل صحيح لا في شبهة، ويكون عاريا من التقليد والاستحسان.
ويحتاج الناظر إلى معرفة طرق العلماء ومواضعاتت أهل الشريعة، وعامة ما اجتمعت عليه الأمة، فمهما استقامت له/ هذه الأمور كان نظره علما، وإن اختلّ شيء من هذه الشروط كان ظنا، ولا بد أن يكون عاقلا مميزا.
القول في الدليل: الدليل والدلالة والمستدل به والحجة والبرهان والسلطان، هذه أسماء متعاورة على مسمى واحد، وهو كل ما يتوصل به إلى معرفة الأمور النظرية لا الضرورية. والدال: هو الناصب للدليل، وهو الله رب العالمين، والدلالة فعله، والمدلول مفعوله. والمستدل قد يقع طالبا أو ناصبا، والاستدلال فعله، والمستدل به والمستدل له والمستدل عليه كل يحوم على الدلالة.
أما المتسدل به فهو الدليل، وأما له فالمفعول وأما عليه فالحكم, وسوغ أن يسمى الدال دليلا كقوله عالم وعليم وقادر وقدير.
فصل
والأدلة على وجهين: عقلي ووضعي. فالعقلي ضروري حقيقي/ والوضعي اختياري مجازي. والعقلي ما قدمناه من وجوب الواجبات، وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات.
والوضعي: كاللقظ والخط والرمز والإشارة وهو من مواضعة الناس. والقول في العلة والمعلول كالقول في الدليل والمدلول. تقول: علة ومعلل ومعلل ومعتل (1/28)
صفحة 29
ومعلول ومستعل ومستعل.
القول في وجوب النظر
قالت القدرية: إن على الإنسان النظر بعقله حال البلوغ في معرفة الله عز وجل وفيما للعقل عليه دليل من جميع المحرمات فيمتثل هذا ويجتنب هذا وما سوى ذلك فليس عليه شيء في المعرفة الرسل والملائكة والكتب والمعاد.
وقالت الأشعرية: يجب عهليه النظر في الحالة الأولى فإن مات فيها كان لا مؤمنا ولا كافرا، وما بعدها فمقطوع العذر لا يسعه/ إلايمان أو الكفر.
وقال بعضهم: يسعه ما دام كافا ناظرا في الدليل. وعورضوا في النظر في هذا الدليل: أواجب أم ليس عليه منه شيء. فقال بعضهم فرض واجب ولم يفترض عليه غيره، فإذا نظر وعرف وجبت عليه معرفة البارئ سبحانه. ونقضوا أصلهم حيث قالوا: لا يجب عليه من معرفة البارئ سبحانه شيء. وكيف يكلفه البارئ سبحانه الفرايض ولما يعرفه.
وقال بعضهم: ليس النظر بفرض، ولكن لا بد له أن ينظر. وهذا القول لا يحتمل فرضا ويحتمل
وأما الكراهة: فما فعله مضطرا إليه بالضرب والقتل والأذى، فهذا ختياري ضروري فلا يعذر في شيء من هذا إلا ما يتقلق باللسان غذا ظهرت الضرورة من ضرب أو قتل. وأما غير ذلك من منع الفضل أو ظلم المال والأصل من وضع أو رفع أو أكل أو شرب وجميع المنافع، وصرف جميع المضار فلا يسع. وأجاز بعض المعتزلة الضرورة في هذا قياسا على اللسان في جميع المعاصي إلا ما كانت فيه مظلمة للغير. وهو أيضا قول ابن الحسين. وأما الضرورة فمعذور فيها لا إثم ولا غرم؛ مثل أن يُسحب أو يُرمى به من فوق فيهلك أحد على يديه. وقال بعضهم: إن المضطر بالسيف يسوغ له كل شيء من شرب الخمر والزنا والقتل وأخذ الأموال. وهذا خطأ محض. وبعضهم يقول: لا يسوغ له الكفر إلا بالتورية، واستدلوا بقول رسول الله عليه السلام وقد كبت إلى ناس قبل موته بشهر: «إلا تنتفعوا بالميتة بإهاب ولا عصب ولا تشركوا بالله شيئا ولو عُذبتم أو أحرقتم بالنار» (1).
في أقسام الأفعال في الشرع
وأقسام الأفعال في الشرع خمسة: واجب، ومندوب، ومباح، وحرام (2)، ومكروه. وزاد بعضهم: الصحيح والفاسد.
فالواجب هو الفرض وهو اللازم وهو الحتم وهو (1/29)
صفحة 30
المكتوب. وحده: ما كان في فعله ثواب وفي تركه عقاب. وذهب آخرون إلى أن الواجب منزلة بين الفرض والمندوب في قبالة المكروه، واستعملوه لأوكد السنن.
وحد المندوب: ما كان في اكتسابه ثواب وليس في تركه عقاب.
وحد المباح: ما ليس في فعله ثواب وليس في تركه عقاب.
وحد المكروه: ما في تركه ثواب وليس في فعله عقاب (3).
وأما صحيح وفاسد فمن مواضعات الفقهاء بينهم البين. فما أمروا بإنفاذه قالوا صحيحن كالصلاة في الدار المغصوبة، وما أمروا فيه بإعادته قالوا فاسد؛ كالصلاة للحاقن. والحمد لله رب العالمين. (1/30)
صفحة 31
باب
أحكام الخطاب الوارد من الله تعالى
أعلم أن الخطاب الوارد من الله تعالى ومن الرسول عليه السلام ومن الأئمة الخلفاء الراشدين الهادين/ المهتدين الذين يقضون بالحق وبه يعدلون رحمه الله، لا يخلو من أن يكون حقيقة أو مجازا (1).
فالحقيقة كل لفظ استعمل له كفول العرب: هذا أسد، للشجاع، ويحر للسخي، ونجم للأهتداء. وقال الله تعالى في محكم كتابه في عقلاء مبصرين سميعين: {صم عمي بكم فهم لا يعقلون} (2) ومعلوم أنهم يسمعون ويبصرون ويعقلون، لكنهم تصاموا وتباكموا وتعاموا، وفعلوا أفعال من لا يعقل ولا يسمع ولا يبصر.
فصل في الحقيقة
والحقيقة تنقسم قسمين: مثجمل ومفصّل. فالمجمل ما لا ينفهم المارد به من لفظه، ويفتقر في بيانه إلى غيره، كقوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا} (3) فالحق مجهول الجنس والنصاب. ولقوله تعالى: {ولكل جعلنا مواليا مما ترك الوالدان والأقربون ممّا قل منه
أو كثر نصيبا / مفروضا} (1). وينقسم المفصل فسمين: محتملا وغير محتمل. فغير المحتمل هو النص؛ وهو ما رُفع في البيان إلى أقصى غايته كقوله تعالى: {لا لا إله إلا هو الحي القيوم} (2) وقوله: {إنما الله إله واحد} (3). وقوله: {محمد رسول الله} (4) وقوله: {خلقكم ثم رزقكم} (5).، {وخلق الليل والنهار} (6)، {والشمس والقمر والنجوم مسخرات} (7)، {وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره} (8)، وقوله: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا .. } (9) وما أشبه ذلك. والمحتمل ينقسم فسمين: ظاهرا وباطنا. (1/31)
صفحة 32
طبعا، فإن كان فرضا كان كالأول. وإن كان طبعا أوجبوه ضروريا. وقد ينظر فيخطئ أو يصيب فيبطئز فسبحان الله لقوم أوجبوا النظر ولم يوجبوا معرفة الله سبحانه. فإن وقع الموت فعلى من أجره أعلى من لم يعرفه ولم يفرض عليه معرفته أم عليهم/ هم الذين كلفوه النظر.
وللجاحظ أسوأ من هذا؛ وهو أنه إن لم يستعمل النظر فليس عليه شيء، وإن استعمل النظر واجتهد فقد أصاب ولو أخطأ دين الإسلام وأخطأ معرفة البارئ سبحانه لأنه لا يعرفه ولو اجتهد.
وقال أهل الحق: ليس للعقل وصول إلى معرفة البارئ سبحانه وتعالى إلا بتنبيه أو إلهام على استعمال الدليل. وذلك كله من أفعال الغير ولا يتسع له استعمال الأدلة لمعرفة البارئ سبحانه إلا إلى أحوال بعد المخبر والمنبه، فكيف ولا مخبر ولا منبه؟ وإنما نظره ومهلة التكليف قد سبقت له أيام الترعرع وانتهاز البلوغ. وقد جعل الله تعالى في حاسة الصبي –اعني غريزته- ما يقبل هذه العلوم شيئا بعد شيء سماعا. وقد أمكنه أيام المراهقة استعماله لهذه الأمور التي تخصه فيكون ذلك مهلة/ وفسحة لتعذر حال البلوغ من حال الغلمة. ولله تعالى ألطاف خفية وأمور قُدْرٍية تحار فيها العقول. فما لهم وللبالغ العاقل أن يشرعوا له جهل الله سبحانه؟ والله أرأف منهم وأرحم بعباده.
وعذرت القدرية كل من أتى شيئا من محارم الله عز وجل من الأمور كلها التي ليس للعقل عليها دليل حتى تقوم عليه الحجة. والحجة عندهم اثنان في قول بعضهم، ولا يقولون بأخبار الآحاد. وبعض أربعة قياسا على شهود الزنا. وبعض خمسةن وجعله حد التواتر من أسفل شروطه. وبعض عشرون لقوله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين} (1) وبعض مائة، لقوله تعالى: {وإن تكن مائة صابرة ... } (2) وبعض مأتين، وبعض سبعون وبعض اثنى عشر. وبعض حتى يقع العلم المتواتر الضروري والكلام في هذا عند الكلام في أصول الدين. (1/32)
صفحة 33
باب في الأفعال
اختلف الناس في حد الفعل، فقالت القدرية: ما كان مقدورا لفاعله قبل وجوده، على أصلهم في القدرة قبل الفعل. وعند المحققين أنه الموجود بقدرةفاعله على أصلنا في أن القدرة مع الفعل وفيه
حد الفعل ما لم يكن ثم كان. والله تعالى خالق أفعالنا، فهي من الله خلق ومنّ فِعل، خلافا للمعتزلة والجهمية. أما المعتزلة فقالوا: هي لهم دون الله عز وجل. وأما الجهمية فقالت: هي لله تعالى دوننا. وأهل الحق يقولون: هي بين بين؛ كانت منا فعلا ومن الله خلقا.
فصل
وأفعال المكلفين على ضربين: ظاهر وباطن. أما الظاهر فكالحركات والسكون. وأما الباطن فكالاعتقادات والإرادات. ومرجوع الإرادات والإعتقادات إلى الحركات والسكنات. لا يتحرك بحركتين. وكذلك السكون. ولا يتعداه فعله، وبعض المتولدات/ أفعاله مجاز لا حقيقة. كالصوت (لأن) (1) الصوت جسم. وإنما له علىلحقيقة التصويت وهو عرض من الأعراض. وهو كاسب لفعله ومختار له ومريده. ولا يجوز خالقه ولا منشئه ولا موجده ولا مبدعه. والله الخالق المبتدع المنشيء المخترع. والعبد هو الفاعل الكاسب المريد المختار. فحواسه كلها أجسام ولنطقه وكلامه وقوله كلها أفعاله وهيي أعراض وصوته ولونه وريحه وطعمه كلها أجسام.
فصل
وتنقسم أفعاله كلها ثلاثة أقسام: قسم اختياري، وقسم ضروري، وقسم كراهة. فأما الأختياري: فما أختاره ما سبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى: {كلوا (1/33)
صفحة 34
واشربوا} (10)، {واذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا} (11)، {وكلوا من ثمره .. } (12)، {وجعل لكم الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه / النشور} (13) .. ، {وافعلوا الخير لعلكم تفلحون} (14) والباطن مللا يسبق إلى النفوس معناه كقول الله تعالى: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (15) وقوله: {والأرض جميعا فبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} (16).
وكذلك جميع ما يؤول من أوصاف البارئ سحانه إلى صفات البشر لأنه؛ {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (1). وقوله: {ذق إنك أنت العزيز الكريم} (2). فظاهر أمره مدح وباطنه ذم وتهوين. وقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم .. } الآية (3) فالظاهر ينقسم قسمين، عامَّا وخاصَّا. فالعام ما عمَّ شيئين فصاعدا. والخاص إخراج بعض ما رسمه اللفظ من الحكم.
والعام كقوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} (4)، {والله على كل شيء قدير} (5) وقوله: (كل من عليها فان} (6). وقوله: {كل نفس / ذائقة الموت} (7) وقوله: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} (8) وقوله: {جاهد الكفار والمنافقين} (9). وقوله {أحل الله البيع وحرم الربا} (10) وقوله: {أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يُتلى عليكم} (11) وشرح العام والخاص سيأتي فيما بعد إن شاء الله.
والعام والخاص ينقسمان إلى قسمين: أمر وخبر. فالأمر إذا دخلت عليه (لا) صار نهيا. والخبر إذا دخل عليه (الألف) صار استخبارا. وهذه الأربعة المعاني إليها تؤول لغة العرب كلها وإليها تنقسم ونحن نشير إن شاء الله إلى لمع في اللغة تخصنا محتاج إلى معناها باختصار.
باب الكلام
وحد الكلام ما استحق (12) لمن سمي به متكلما، وكلام الله تعالى وقوله وخطابه واحد.
واختلف الناس في كلام عزوجل، وقوله وخطابه وأمره ونهيه. قالت الأشعرية: هذا كله صفة/ الله عز وجل في ذاته، لم يزل موصوفا بها كالعلم، والقدرة، وأنه تكلم في الأزل كما تقول عَلِمَ وكلم موسى في الأزل كما تقول علمه.
وقول الباقين: إن كلام الله عز وجل وكل ما ذكرناه آنفا فعل من أفعال الله عز وجل، وأن الكىم فعل المتكلم، وكذا قوله وخطابه وأمره ونهيه.
ومن محصول كلام الأشعري أن الكلام معنى في النفس قائم لا يختلف، كالعلم والقدرة، ولا يوصف بحرف ولا صوت. ونسبة الأمر إليه نسبة النهي فالمعنى الذي هو الأمر هو نفس (1/34)
صفحة 35
النهي وإنما وقع الاختلاف في العبارة باللسان في الألفاظ والبيان. فالكلمة من الله عز وجل ينفهم منها لأهل الأمر أمرهم ولأهل النهي نهيهم. فالعام فيه هو الخاص والظاهر هو الباطن، لا يحتمل الوجوه، وإنما الاختلاف في ظاهر العبارة. واستدلوا بقول الأخطل النصراني حيث يقول/ (1):
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ويؤخذ عليهم في هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
أحدهما: استدلالهم بكلام كافر نصراني غير مأمون على الشريعة.
والثاني: التقول على اللغة، وإنما يقبل فيها عن مثله القول لا التقول.
ولو كنا ممن يصغي إلى ما شرعته لنا العرب عن الله عز وجل في أشعارها لجوزنا قول القائل (2):
أبني لُبينى لا أحبكم ... ... وجد الإلاه بكم كما أجدا
وقول الشاعر:
وذو العرش محمول على ظهر سبعة ... ولولاه ما راموا النهوض ولا كادوا
وقول الشاعر:
وإنالله ذاق حلوم قيس ... فلما رءا خفتها قلاها
فلو عكس عليه هذا الشعر بعض نظرائه فقال:
إن الكلام لفي اللسان وإنما جعل اللسانعلى الفؤاد رقيبا ... أو أميرا ... أو دليلا، لما زاد.
والثالث/: قد رد الله عز وجل قوله بقوله:
{
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (1) فأثبت القول في اللسان دون الفؤاد. ونفاه عن الفؤاد دون اللسان، بدليل قوله: {ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل} (2). وقوله: {اليوم نختم على أفواههمن وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} (3). منعهم من الكلام بأفواههم حيث كذبوا بألسنتهم وقصرهم إلى الجوارح لا الفؤاد. وقول رسول الله عليه السلام: «إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم (4) «.
والنطق في اللسان بإجماع الأمة. ولو طولبوا بإقامة الكلام في الفؤاد لخرجوا من المعقول. ولو أن حالفا حلف لا يكلم فلانا ولم يكن منه إليه إلا حديث (1/35)
صفحة 36
النفس لما حنث. ولو حلف ليكلمنه لما بر إلا أن ينطق بلسانه.)
ومن أدلتهم قول الله عز وجل: {وأسروا قولكم أو اجهروا} (1) فالإسرار/ باللسان والإجهار به، ولو لم يكن فؤاد ولا قلب وإنما الإعتقاد في القلب. واستدلوا بقوله: {ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول} (2). فإنا نقول: إن القول باللسان عند نفسه. ولم يقل: وتقول نفسه، على أن نفسه هو هي ولو قاله. وأما قوله {في أنفسهم} فربما يتوجه بينهم كقوله عز وجل: {فسلموا على أنفسكم} (3). وقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما} (4). وإنما يريد يتساررون بينهم البين. والحق الحقيقي أن القول باللسان، وفي القلب مجاز بدليل قوله: كلمته، وقلت له، وخاطبته، لا يصح إلا باللسان، وهو المعقول وهو الظاهر إلا بدليل. ومن أين الدليل على معقول قول الله تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله} (5) إلا بأذنيه من لسان قائلة لا من فؤاده. وهذا المسموع محدث، فليقولوا ما شاءوا، والكلام في هذه المسألة في أصول الديانات.
فصل
واختلفوا في اللغة، هل هي توقيف أو مواضعه؟ فالأشعرية تقول توقيف وبعض القدرية. وبعضهم يقول مواضعة. والأصل أن المعنيين سائغان؛ يجوز أن تكون توقيفا، ويجوز أن تكون مواضعة، ويجوز أن تكون توقيفا، ومواضعة، وعقلا، والله أعلم كيف كانت فعلا.
والغرض فيمن لم يسمع قط صوتا هل يصح منه كلام؟ أو هل يصح عقل من لم يسمع الصوت؟.
فأهل التوقيف يقولون: من لم يصح له سماع صوت لم يصح منه كلام، ومن لم يصح منه كلاملم يصح له عقل. واستدلوا بقول الله تعالى: {منهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك، أفانت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون} (1) فسلب العقل عمن / سلب السماع كما سلب البصر عمن وصفه بالعمى. وعلى قول أهل التوقيف فمعذور حتى يقتبس من الكلام ما يقتبسه العقل من الكلام ولو عدم التوقيف، ولكن تتعذر منه لغة لم يعرفها ولم يقف عليها، ويئول مذهب هؤلاء إلى أن العقل هو التجربة لأن الكلام يوضح المعاني، وفهم المعاني (1/36)
صفحة 37
نتيجة العقل.
وقال الباقون: من لم يسمع صوتا قط قد يصح منه الكلام مهما انفتق لسانه به ولو عدم التوقيف، ولكن تعذر منه لغة لم يعرفها إلا إن ألهمها، وربما يتواضع مع نفسه أو مع (2) غيره على المعاني كالذي يجري بيننا وبين البهائم من الواضعة كقولك عه عه للإبل إذا زجرتها، وتعاه للخيل إذا دعوتها، وشاه للجمل إذا استحثته، ومنه قول رسول الله عليه السلام للحسن بن علي (حين) (3) أخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه: (كخ كخ) / فألقاها. فقال عليه السلام: «أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد ولالآل محمد» (4). الا ترى إلى الصم غذا اجتمعوا إلى أبناء جنسهم كيف يتواضعون بينهم كلاما يبعارفونه بإشارة ورموز يؤدي بها المعاني بعضهم إلى بعض، ولو انفتقت ألسنتهم لصح منهم الكلام، وليسوا بأنقص حالا من البكم الذين يتواضعون مع اللسن. وأجاز
هذا الفريق أن يخلق الله إنسانا بإلغاء صحيح العقل وينطق لسانه بلغة العرب أو بأي لغة شاءها الله عز وجل فيهتدي بها من غير مواضعة وتوقيف. ودليل ذلك حين تبلبلت ألسنتهم ببابل، وللفريقين فيه متعلق. فقال أهل المواضعة: إن ا÷ل كل ناحية مكثوا زمانا يتواضعون بينهم حين سلبوا السريانية. وقال آخرون: بل أصبح كل فريق قد انفتقت ألسنتهم بكلامهم ,انسوا السريانية فاستوحش بعضهم من بعض فافترقوا/ في البلاد. واستدل الفريقان أيضا بأبينا آدم عليه السلام حين نفخ فيه الروح، وجبريل الروح الأمين قاعد عند رأسه فلما دار الروح في أنفاسه عطس فقال له جبريل عليه السلام: قل الحمد لله يا آدم، أو يا أبا محمد. فقال آدم: الحمد لله. فقال له جبريل عليه السلام: يرحمك الله يا آدم أو يا أبا محمد، وهي الرحمة التي سبقت إليه حين قال الله تعالى: (سبقت رحمتي غضبي يا آدم) فتاب عليه حين عصى (1). فتعلق الفريقان، أهل التوقيف وأهل المواضعة في هذه النكته. فقال أهل التوقيف: ألا ترى إلى جبريل عليه السلام حين لقنه أن يقول الحمد لله. وقالت الفرقة الأخرى: ومن أنبأه بمعنى (قال) ولم يتقدم له توقيف على معنى (قل) مواضعة. وفي الرؤيا عبرة أن الرائي يسمع كلاما لا يعرف من أي لغة كانت فينفهم (1/37)
صفحة 38
له المعنى الذي يريده، ويبصر شخاصا لا يعرفه فينعرف له، وبلدا لم يدخله قط فيثبته وينطلق / لسانه بما يشاء فيفهم وينفهم. وقالوا: إن الأخرس إذا انفتق لسانه لا يهتدي لمعنى الجمل والفرس وإلى قولهما إلا بعد توقيف. وقول الآخرين: يهتدي بمواضعة إلى معنى الجمل والفرس بغيرهما.
والأصل كما قلنا أن الله تعالى قادر أن يخلق خلقا بالغا عاقلا، ويركب (2) فيه معرفة أي لغة أرادها فيتكلم بها عند فتق اللسان بما أراد من
البيان، وامتنعوا من قلب الحقائق.
وأنا أظن أن خلقة الملائكة صوات الله عليهم على هذا النمط. وإنما التوقيف في أهل الصبا الذين لم تكمل خلقتهم، وفي أهل المحشر ما يدل على التعارف وجميع هذه المعاني حتى قالوا أنه يقرأ السواد من لم يقرأه منهم قط. ويفهم الكل كلام الكل، وما ذلك على الله بعزيز والحمد لله رب العالمين.
واختلفوا في اللغة هل فيها قياس؟ فقال بعضهم: اللغة لا تقاس فالجمل الأول والفصيل الأول يجري عليهما الأسمان جميعا توقيفا وعلى من بعدهما استقراءا كما لزمت الأولتين، ولم يقصروهما على الأولين دون الثانيين. وبعضهم يقول: تسمية هؤلاء قياس فمن ها هنا وقع الاختلاف في تسمية النبيذ المسكر خمرا فحرمه الأولون من جهة (الحكم) (1) في تحريم الخمر وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام» (2). وحرمه الآخرون قياسا على الخمر، وكذلك تسميتهم النباش سارقا وواطئ البهيمة زانيا واللواطي على أصولهم.
فصل
والاسم مشتق من السمو لا من السِّمة خلافا لنحاة الكوفة وأهل الرأي منهم الذين يقولون: مشتق من السمة. والأول يقول: إنّ الاسم / سما بمسماه فأوضحه وكشف معناه.
وقال الآخرون: إن الاسم علامة للمسمى من جهة السمة. والكل سائغ؛ الأول على اللغة والثاني على المعنى، والمعاني إنما تعرف باللغة، والأول أصح وهو الذي عضده الدليل. وإنما تعرف الأسماء المتعله برجوعها إلى أصولها وإدخالها التصغير عليها. وتصغير اسم سُميّ على (قول) (3) أهل اللغة
وعلى قول أهل التسمية وسيم (1/38)
صفحة 39
فصح الأول.
والاسم هو المسمى في حق البارئ سبحانه عند المحققين، وفي أسماء الأجناس أيضا، كالجسم والعرض والسماء والأرض والهواء والماء والحيوان والموتان. وعند النحاة الاسم غير المسمى وذلك من أجل تواضعهم على ذلك عند التّعلم والتّعليم. وأما أسماء الألقاب فيهي غير المسمى. فالهوهية في الأول حقيقة وفي الثاني مجاز. ولا يسمى/ البارئ باسم لقب. وذلك كقوله تعالى: {ما تعبدوزن من دونه إى أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} (1).
على الاسم أنه المسمى. وما عبدوا إلا أصناما وهي الأسماء. وقال الآخرو: سميتموها تدل على الأسماء وتدل على الأصنام، لأنهم لم يفعلوا الأصنام كما فعلوا الأسماء. واستدل الآخرون بقول الله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى} (2) هي له على التمليك فدل أنها ألفاظ العباد وهي أيضا جمع. وبقوله عليه السلام: «إن لله تسعا وتسعين إسما، مائة غير واحد، من أحصاها دخل الجنة» (3). فالعقل يحيل أن يكون الله معدودا، والأسماء معدودة. وأما قولهم: له الآسماء على التمليك، ليس فيها تمليك، له العلم والقدرة، وله بالذات/ وله الألوهية. وأما الجمع فالمراد التسميات بأسمائه ألا تراه يقول: {فادعوه بها} (4). واستدلوا بقول الشاعر:
... ما كل من قال نار أحرقت فاهُ
وقال الآخرون: أما اسم النار فهو النار، وأما تسميةالنار باسمها فهي غير النار، وهي قولي النار لا ذات النار، وإنما القول فعل القائل
والصحيح أن أهل اللغة ألقوا الاسم على الذات وأطلقته النحاةعلى اللفظ لحاجتهم إلى إعراب الألفاظ مواضعة. فالأولون على الأصل، وهؤلاء على الفعل. والنحو طارئ، والطارئ مجاز، وغيره الحقيقة بدليل قولهم هذا زيد. فإن كان هو زيد فلا معنى للغيرية. وقولك جاء زيد فالذات هي التي جاءت وهي زيد وإن كان الاشتراك قد وقع وتعذر الانفصال / على الغير. فالله هو الله، والرحمن هو الرحمن فلئن كان الأول إسما والثاني مسمى فهو هو، ولئن كان الأول مسمى والثاني إسما لهو هو وليس بعد الهوهية إلا الذات. (1/39)
صفحة 40
فصل
واختلفوا في أعم الأسماء وأخصها. فأعمها على مذهبنا (شيء) وعند الأشعرية معلوم، ومذكور، وشبههما. ولا يجعلون المعدوم شيئا. وعند الأولين هو شيء معدوم، وعند الأشعرية ليس بشيء. والعدم عندنا وعندهم في الحيقيفة ليس بشيء.
واختلفوا في الاسم الواحد هل يجري على متضادين؟
قال بعضهم: يجوز، كالجلل يجري على الصغير والكبير، ومن امتنع جعله مجازا في حق أحدهما. وأما المتضادان لا بد وأن يجمعهما الأسم الأعم كاللون للأبيض (1) كذلك الأسماء المشتركة كالعين والبيضة يجرينا على أمور/ مختلفة، والمختلف أبعد شبها من المتضاد. ولذلك تقول: الله مخالف لخلقه ولا تقول مضاد له.
فصل
اختلف الناس في أقل الجمع. فقال عثمان بن عفان وزيد بن ثابت: أقل الجمع اثنان. وقال ابن عباس: أقل الجمع ثلاثة. وبه قال أبو حنيفة والشافعي. ولمالك فيهما القولان جميعا. فاستدل أهل اللغة بأن الله تعالى جعل للواحد صورة وللأثنين صورة وللثلاثة صورة. فلو كان لفظ
الأنثين جمعا لكان لفظ الجمع اثنين ولكان لفظ الواحد اثنين ولفظ الاثنين واحدا. فلما اختلفت صورة فولهم (رجلان) وصورة قولهم (رجال) وجب أن تختلف المعاني. ولو جاز هذا لجاز أن تقول: رأيت اثنين رجالا. ولو كان قولهم اثنا يقيد جمعا لجاز ذلك كما قالوا: ثلاثة رجال.
ولا ينكر أن يسمى الواحد باسم الجماعة في بعض / المواطن للعلة الطارئة، نحو قوله تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (1) بمعنى الأبهة. وأن يسمى الأثنان باس الجماعة، كما قال في داوود وسليمان {إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكيا لحكمهم شاهدين} (2) ولقوله: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس} (3). فإن وقع كان مجازا لا حقيقة. ومن ها هنا وقع الاختلاف في آية الكلالة؛ قال الجميع: إن الأثنين من الخوة يحجبان (1/40)
صفحة 41
الأم عن الثلث إلى السدس. وقال ابن عباس: لا يحجبها من الأخوة إلا ثلاثة ويورثهم الأسلاف وتواترته الأخلاف وسارت به الركبان في جميع البلدان أولى أن يتبع. وقد سمى الله تعالى باسم الجمع في قصة موسى وهارون، وهما اثنان، فقال: {اذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون} (4) وقال منتصر ابن عباس: أرادها ها هنا موسى وهارون/ وفرعون. وفي قصة داوود وسليمان {وكنا لحكمهم شاهدين} (5) يريد هما والخصم. وقال عن يعقوب عليه السلام: {عسى الله أن يأتيني بهم جميعا} (6) يريد يوسف وبنيامين ويهودا. واستدلوا بقوله: {إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه ... } (7). قالوا: العرب
تكره الجمع بين تثنتين أو جمعين، واستدلوا بقوله: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما} (8) فعورضوا بقوله: {فأصلحوا بين أخويكم} (9) وبقوله: {نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} (10) والخصم يجري على الواحد والاثنين والجمع والذكر والأنثى ولكل بدليل قوله: {فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} (11). وقال: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ..... } فهما لهما أربعة أيد.
فصل
اتفق الجميع أن وجود الله تعالى على الحقيقة ووجود الأشياء على الحقيقة/ وقال أبو العباس الناشيء البغدادي: وجودنا في جنب وجود الله عز وجل مجازز وقوله هذا يدعو إلى السفسطة. ومرادنا ها هنا بالمجاز في الأقوال دون الأفعال. فالعلم كل موجود على الحقيقة، والبارئ أحق منه وحياة البارئ سبحانه أحق من الحياة الحي. وحياة الحيوان في جنب حياة النبات والأشجار والمعادن أحق. والقرآن موجود على الحقيقة في صدور الذين أوتوا العلم. ومن وصف به البارئ سبحانه لاشاه، وحاشاه أن يكون بعد حدوثه ونزوله وجعله صفة البارئ حاشاه.
فصل
واختلفوا في القرآن هل فيه مجاز أو كله حقيقة لا مجاز فيه. قال بعضهم: كله حقيقة لا مجاز فيه لأنه حق، والمجاز باطل، وكيف يكون الحق مجازا؟. وهذا أخذ بظاهر (1/41)
صفحة 42
من القول أين ذهب به. والصحيح أن فيه المجاز وليس باطل/ وإنما المجاز في اللفظ لا في المعنى، والمعنى المراد
(1/ 50)
منه الحقيقي. قال الله تعالى: {فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضَّ فأقامه} (1) والإرادة من أوصاف الحيوان لا من أوصاف الجدران، والمعنى يريد مال كأنه رجل همَّ بالوقوع. وقوله: {والذين يؤذون الله ورسوله} (2) فالله تعالى لا يتأذى ولا يناله الأذى. وقوله: {واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها ... } (3) وقوله: {الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة .. } (4) وقد يتعارف النسا على أسماء كان في البداية مجازا رجعت بالعرف حقائق كالغائط والنجو والنكاح والإيمان والكفر والنفاق والصلاة والزكاة والحج وما أشبه ذلك. وقد غيرت الشريعة كثيرا من اللغة، وجعلتها حقائق في الشرع ومجازا في اللغة بعدما كانت بالعكس. ومنه قوله/ عليه السلام لعمر بن الخطاب رضي الله عنه –وقد سأله عن الجنابة تصيب الرجل من الليل- فقال له: «توضى واغسل ذكرك» (5) أراد غسل يديه ثم ذكره، ولم يرد وضوء الصلاة.
فصل
جميع ما في القرآن عربي. والدليل قول الله عز وجل: {بلسان عربي مبين} (6). وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} (7) واستدل من أجاز أن يكون فيه غير العربي من سائ لغات العجم قال: وذلك أن الله تعالى بعث محمدا عليه السلام إلى الناس كافة بقوله: {وما أرسلناك إلا كافة
للناس} (1) وبقول رسول الله عليه السلام: «بُعثت إلى الأحمر والأسود» (2) وفي أمته العربي والعجمي والبربري والتركي وسائر أهل اللغات. وقد قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه} (3) فدل هذا على أن في القرآن من كل اللغات، فإن يشتمل على لغة كل من أرسل إليه. فهذا خرق. فليته سكت/ ولم ينطق. وهل في القرآن ما يكفي أهل كل لغة ويفي لهم بجميع ما خوطبوا به؟! وفائدة اللغة أن يصخ صاحبها بمضمونها يلزم صاحب هذا القول أن تكون أمته كلها وقومه، فيكون رسول الله عليه السلام روميا عجميا كما أنه قريشي. والثانية أن محمدا (1/42)
صفحة 43
عليه السلام تكلم بلغة كل من أرسل إليه. وإلا خرج أهل كل لغة لم يتكلم بها أن يكونوا من أمته!! غاب عنهم المراد وفقدوا السداد حين فارقوا الظاهر والباطن جميعا. وذلك أن كل نبي إنما أرسل بلغة فومه إلى كل من أرسل إليه ..
واستدلوا بحروف من العجميه عربتها العرب وتكلمت بها كانت في القرآن كالمشكاة في الحبشية: الكوّة، والقسطاس بالرومية: الميزان. والاستبرق بالفارسية: الديباج، وحسبهم قولهم: عرّبتها العرب،/ وإنما رجعت عربية إذ عربتها العرب. وانقطع العتاب، ومن وراء ذلك قول الله تعالى: {ولو جعلناه قرآنا عجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي} (4). (1/43)
صفحة 44
باب المجمل
والمجمل في القرآن قوله تعالى: {وآتوا حقه يوم حصاده} (5) فالمجمل كل كلام في العربية لا ينفهم الغرض بظاهره حتى يَرِدَ بيان بمراده، كالحق
ها هنا مجهول الجنس والنصاب. وكذلك قوله عز وجل: {ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} (1) فالنصيب مجهول الكم. واختلفوا في الصلاة والزكاة والحج والصوم والأسماء الشرعية كلها. فقال بعضهم: إن هذا كله مجمل لأنه لا يتوقف على حقيقته إلا بالشرع الوارد ببيانه. وكذلك تحريم الأمهات والبنات/ وذوات المحارم كلها، لا سيما أنها منقولة عن لغة العرب إلى مقتضى الشرع؛ لأن التحريم يقتضي معاني. فما الذي حرم منها؟ الضرب، أم القتل، أم السب، أم السفاح، أم النكاح؟ والمعنى المحرم مجهول. وهذا ليس بشيء؛ لأن الأسماء التي تخرج إلى أسماء مختلفة لا بد أن يكون أحدها هو الأظهر في لغة العرب فيتوجه المراد إلى ذلك حتى يرد من الشرع ما يشمله مع غيره أو يخصه عن غيره؛ كالأمر؛ فإنّ صيغته تحتمل أمورا كثيرة، والأصل في تلك الصيغ كلها إذا كانت عارية من القرائن الأمر المطلق، إلا إن كانت قرينة تدل على خلاف ذلك. ولهذا قال بعضهم: إن هذه الأشياء المذكورة كلها مفصلة لا مجملة وهو الأصح، وإنما المجمل المجهول الجنس. وهذه الأمور التي يحتوي عليها التحريم تعرفها/ العرب. فإن الصلاة عندهم دعاء، والزكاة طهارة ونماء، والصوم إمساك، والحج قصد. والتحريم الظاهر في سورة النساء النكاح والعقد، فكل معروف مراده. (1/44)
صفحة 45
باب المفصل
والمفصل هو المبَيّن، والبيان هو الإيضاح والإعلام والدلالة والإرشاد والهداية والإيذان. فجميع الوجوه التي تنفهم منها (2) المعاني لأهل اللسان فهو بيان لما في القرآن والسنة والأثر وجميع الكلام ويقع البيان بأوجه:
أولها: البيان بالقرآن لما في القرآن. والبيان الثاني: بيان القرآن والثالث: بالظاهر دون الباطن إلا أن منع من الظاهر نظر أو عقل أو قياس. والرابع: العام ما لم يقع تخصيص. والخامس: الخاص لأحكام العموم. والسادس: بيان المجمل من الكتاب أو السنة أو الأثر. والسابع: البيان بالعقل، والثامن: الإجماع.
فصل
قال الله عز وجل/: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (1) وقال: {فإذا قرأناه فاتبع قرآنه. ثم إن علينا بيانه} (2) وقال: {يبين الله لكم أن تظلوا} (3) وقال: {وانظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون} (4) وقال: {ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة} (5) وقال: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم} (6). وقال: {أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} (7) وقال: {سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون} (8).
ومن بيان القرآن لما في نفس القرآن بيان مجمله به كقوله: {نصيبا مفروضا} (9) فبينه وقال: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين .. } (10) حتى أتى على آخر الآية في أحكام المورايث.
وقال: {وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقاته أربعين ليلة} (11)./ ولولا ما نص على الأربعين لاحتمل قوله أن الثلاثين هي التي أتمت بالعشرة.
وقال: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة} (1). ولولا ذلك لوقع الوهم (1/45)
صفحة 46
على الثلاثة مع الأربعة أنها سبعة، فأتمها بسبعة. (2)
هذا كله رد على أهل الباطن الذين يقولون إن ظاهر القرآن ليس فيه بيان، وإنما البيان في التأويل، والتأويل عندهم لا يعلمه إى الله عز وجل ومن علّمه إيان من من عترة المصطفى عليه السلام. يقولون: إن التفسير هو ما شرعه الله لمن لم يرسخ الإيمان في قلبه لكي يستعمله حتى يرسخ الإيمان في قلبه فيطرحه عن نفسه كالصلاة والزكاة والصوم. فهذه الأمور إنما أريدت لشيء آخر لا لعينها؛ فغذا بلغ البد النهاية في الإيمان أسقط الله عنه هذه الخصال إذا جاوز حد الظاهر/ إلى حدّ السريرة وكان من الخلصين. وأما من كان من أهل الظاهر كانت عليه هذه الصلاة والزكاة عذابا وعقابا لمن اقتصر على الظاهر وعطل السرائر. وللقرآن ظواهر، وللظواهر تفاسير، وللتفاسير تأويل. فمن وقف في حد الظواهر كلف الفرائض عقوبة، فإن جاوز إلى حد التفسير إلى حد المئال كان من المخلصين المحققين حل له الحلال والحرام، إذ ليس في الآخرة أكثر من هذا. فمن بلغ في الدنيا تلك الدرجة حلت له الدنيا، وهذا (3) المئال في الأخرى. وسيأتي بيان مذهبهم بأشبع (4) من هذا في موضعه إن شاء الله. (1/46)
صفحة 47
باب
في بيان القرآن
فمن البيان المبين ما قصه الله علينا ونصه لنا من أخبار القرون الماضية والأمم الخالية، ونبأ المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين. قال الله تعالى: {كذبت قوم نوح المرسلين. إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون
أني لكم رسول/ أمين. فاتقوا الله وأطيعون} (5) وكذلك قصص الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين.
وأوامر الله تعالى في القرآن عن بيان كقوله: {اركعوا واسجدوا} (1)، {وقولوا للناس حسنا} (2)، {واذكروا الله ذكرا كثيرا} (3)، {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} (4)،} ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} (5) وكذلك جميع أوامره ونواهيه، وجميع استخباراته فإنها بيان لأولي الألباب من العباد ومن ألقى السمع وهو شهيد. وأما الظاهر والباطن والعام والخاص. فسنذكر وجه البيان فيها إن شاء الله. وأما البيان بالسنة: قال الله تعالى: {وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون. بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر/ لتبين للناس ما نزل إليهم} (6). وقال: {وما أنزلنا عليك القرآن إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} (7). وقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} (8). فأوجب أن بيان الرسول عليه السلام لما في القرآن بيان وهو سنته. وقد أمرنا الله عز وجل بالصلاة مجملة فبينها عليه السلام فقال: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (9). وقوله: «صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الآدميين» (10) ونهيه عن القراءة
في الركوع والسجود وقوله: «كل صلاة لم يقرأ (فيها) بفاتحة الكباب فهي خداج» (1). وفوله للذي يعلمه الصلاة: «إذا افتتحت الصلاة وقرأت فيها ما فتح الله لك فكبر واركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تطمئن قائما، ثم اهو إلى السجود حتى (1/47)
صفحة 48
تطمئن ساجدا، ثم ارفع (رأسك حتى تطمئن قاعدا، ثم أهو إلى السجود حتى) (2) تطمئن/ ساجدا، ثم ارفع رأسك وقم إلى الركعة الثانية وافعل فيها ما فعلت في الركعة الأولى، فإذا أنت قعدت وقلت فقد تمت صلاتك» (3). وبيانه في أوقات الصلاة وأعدادها وأساميهن وما يفعل فيهن. وقال عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» (4) , و «صلوا كما رأيتموني أصلي» (5). وبيانه (في) النُّصب في الزكاة، قوله: «ليس فيما دون عشرين مثقالا نصف مثقال» (6)، و «ليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة» (7). وفي بعض المصنفات: «من الحب». و «في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس وعشرين بنت مخاض» (8).
وفي الصوم: «إذا غابت القرص من ها هنا، وطلع الليل من ها هنا أفطر الصائم» (1). وقوله: «إذا سمعتم أذان بلال فكلوا، وإذا سمعتم إذان ابن أم مكتوم فكفوا» (2)./ وقوله: «لا صوم لمن لم يبيّت الصيام من الليل» (3).
وفي الحج «الحج هو الثج والعج والتلبية» (4). وبيان المواقيت للإحرام. وقوله على الصفا: «نبدأ بما بدأ الله به» (5).
وأما بيانه بالفعل: فلقوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» و «صلوا كما رأيتموني أصلي» وأشكاله كلها في الصلاة من قيام وقعود وركوع وسجود، وفع ووضع، وتكبير وتسليم، فهي بيان للصلاة، وقراءة الجهر، وسجدتا السهو وطول القنوت وغيره.
وأما بالترك: فكتركه القنوت بعد الاستعمال (6) وترك مسح الركنين الشاميين (7)، وتركه لباس خاتم الذهب، ورمى به وقال: أما هذا فلا ألبسه أبدا (8). وتركه أهل مكة في بيوتهم وقد دخلها عليهم عنوة (9).
وأما الإقرار: فكل شيء أقر عليه أمته وتركهم وفعله بين يديه وكان ذلك عندهم / واجبا أو ندبا أو مباحا فهو من سنته.
وأما الواجب فما فعلوه وتركهم وفعله فكالاستنجاء بالماء فصار سنة. وأمر المرأة التي هربت من مكة في هدنة الديبية فطلبها المشركون يردوها فأبى عليهم المسلمون. فقال رسول الله عليه السلام للمشركين إن شئتم رددناها جَذَعة. فلم يردوها على المشتركين.
وأما وقوع البيان بالإجماع: فإنه يقع قولا وفعلا وتركا. فأما القول: إذا قال بعضهم وسكت الباقون، أو قال بعضهم وترك الآخرون النكير عليهم: كقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه للأنصار: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. وقوله أيضا قياسا: الله واحد، والرسول (1/48)
صفحة 49
واحد. فطاعوا لقوله وأطبقوا. وقوله: وأيم الله/ لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. وقوله: لو منعوني عقالا مما كانوا يؤدونه إلى رسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق به. وتخميسه أهل الردة.
وأما البيان بالترك: فكتركهم توريث العبيد وتوريث الأموات. وتسويتهم بين الأمة والعبد في الحدود، وإعتاق شقص منهم.
وأما البيان بالعقل: فجميع حجج الله تعالى في القرآن على المشركين، كما قال: {ومن يدع مع الله إلاها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه .. } (1) وقوله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (2) وقوله: {أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون} (3) وقوله: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون} (4). وقوله: {ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد} (5).
وقوله: {أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون} (1) وقوله: {وضرب/ لنا مثلا ونسي خلقه، قال من يحي العظام وهي رميم؟ قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل شيء عليم} (2) وقوله في الأصنام: {ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم آذان يسمعون بها بها} (3).
فصل
واجتمعت الأمة على أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. واختلفوا في تأخيره عند وقت ورود الخطاب. فأجازه بعض وأبطله آخرون. فعامة الفقهاء قد أجازوه، ومنعت منه القدرية والشذوذ من غيرهم. ودليل الأولين قوله تعالى: {فإذا قرأنه فاتبع قرآنه ثم إن عليها بيانه} (4) وثم للتراخي. ودليل الآخرين ا، ذلك لا يجوز كما لا يجوز خطاب الموتى وخطاب من لا يفهم معنى ما خوطب به، كما استحال خطاب العربي بالفارسية، والفارسي بالعربية. واعلم أن خطاب هؤلاء غير مستحيل وجائز، بشرط إحياء الميّت/ وبقاء الفارسي حتى يفهم أو يجيء من يفهمه، وكذلك المعدوم بشرط إذا كان من يبلغه ويفهم عنه إلى حين وجود المعدوم وبلوغه الخطاب كما أنا خوطبنا نحن في الجملة وجميع من يأتي من الأمة –على (1/49)
صفحة 50
عهد الرسول عليه السلام. واعتلوا بالبلاغ وقرنوه بالبيان. قالوا: فكذلك يجوز تأخير البلاغ إذا جاز تأخير البيان. قلنا: ولا سواء؛ أما البلاغ فمتعين الآن. وأما البيان فلا يتعين إلا عند حصول الفعل وحضور النازلة. فكما أن الفعللة وقت، وليس للابلاغ (5) وقت، وجميع الأوقات للإبلاغ وقت، وجميع أوقات الأفعال فمتراخية. فبطل ما اعتلوا به.
ومن الأدلة علىجواز تأخير البيان قول الله عز وجل {أنا مهلكوا أهل هذه القرية إن إهلها كانوا ظالمين} (1) حكاية عن الملائكة، ولولا ما وسع الناس من تأخير البيان إلى وقت الحاجة للزم/ إبراهيم أن يحكم على أهل القرية بالهلاك وبالبراءة من جميع أهل القرية. لكن إبراهيم علم أن للعموم خصوصا وبيانا، فقال: {إن فيها لوطا}، مستفهما. {قالوا: نحن أعلم بمن فيها} (2). وقوله: {إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة} (3) وأخر بيان نعتها. {واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه} (4) فذكر الأصناف وأخر القسمة. وحد ذوي القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب دون عبد شمس ونوفل. ومن جهة السنة: أن سائلا سأل رسول الله عليه السلام عن أوقات الصلاة، فأخر الجواب حتى صلى بهم صلاة يومين فقال: أين السائل عن أوقات الصلوات؟ فقال: «ما بين هذين أوقات الصوات» (5).
فصل
واختلف الناس في العموم والظاهر وأخبار الآحاد إذا تعارضت أيها أقوى. قال بعضهم: إن أخبار الآحاد/ أقوى من الظاهر. واستدلوا بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله عليه السلام:» نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (6) وقال بعضهم: العموم أولى. ألا ترى إلى عمر كيف أبطل حديث فاطمة بنت قيس وقال: لا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة لا تدري أصابت أم أخطأت. فأوجبالنفقة والسكنى للمبتوتة (7).
والظاهر والعام وأخبار الآحاد هي طرق مستعملة فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأصل. (1/50)
صفحة 51
باب في الأمر والنهي
اعلم أنه لا أحد تجب طاعته إلا لله تعالى (1) أو من أمر هو بطاعته من نبيء أو خليفة أو حاكم أو والدين أو غيرهما. واتفق الجميع في مقتضى اللغة أن الأمر لا يفيد حسن المأمور به (2)، ولا النهي (3) قبح المنهي عنه. أن هذا حسن/ وأن هذا قبيح. وإنما يُعلمان من جهة الشرع ولا يعلمان (4) من جهة المصلحة خلافا للقدرية (5) الذين يقولون إن الله عز وجل لا يكلف عباده إلا من جهة المصلحة بدليل قول الله تعالى: {فبظلم من هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت، وبعدهم عن سبيل الله كثيرا. وأخذهم الربا وقد نهو عنه، وأكلهم أموال الناس بالباطل، واعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما} (6).
وقد يكون التكليف والأمر ابتلاء ويكون رحمة. فمن الشرع يقتبس حسن الحسن وقبح القبيح لا من جهة العقل، إلا ما يتعلق بالعقل من جهة الواجبات وأخواتها. والمباح خارج من حد الحسن والقبح، كما أنه خارج من حد الطاعة والمعصية.
فصل
اعلم أن الأمر يتصرف في اللغة على وجهين: الشأن والقصة، وجمعه: أمور. كما قال الله تعالى: {وإلى الله/ ترجع الأمور} (1). والثاني: أمر الله ونهيه، وجمع الأمر منه: أوامر. وهو القول المقتضى منه الفعل من المأمور. وهذا في الخطاب. وأما في الإيجاب فلا. وأما حد الأمر: فهو طلب الفعل واقتضاءه على غير وجه المسألة. والفرق بين الأمر والسؤال، أن الأمر بالشيء نهي عن ضده، والسؤال عن الشيء ليس بنهي عن ضده. فمن أثبت نهي تأديب أثبت (أمر تأديب) (2) والسمر القرق بينهما، ومن امنتع من (1/51)
صفحة 52
ذلك قصر الأمر على الواجب (3)، والنهي على الزجر، ومن أجازهما أوجب التأديب فيهما. وقد يعبر عن الأمر (4) بالقول وبالإشارة وبصورة الخبر.
أما من جهة القول: فقول الله عز وجل: {قل .. أحد} (5) وقوله عز وجل: {وقولوا .... خطايكم} (6).
وأما بالإشارة فقول رسول الله عليه السلام لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: «يا أبا بكر (7)، ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك» وذلك / حين أم أبو بكر الناس، فلما أبصر رسول الله عليه السلام تكعكع، فأشار إليه رسول الله عليه السلام ودفع في ظهرة امتنع فتقدم رسول الله عليه السلام فأتم بالناس الصلاة. فلما انصرف من الصلاة قال لأبي بكر: «يا أبا بكر، ما منعك أن تصلي بالناس إذ أمرتك؟» ولم يكن هناك إلا الأشارة. فقال أبو بكر رضي عنه: ما كان الله ليرى ابن أبي قحافة في مقام نبيه.
وأما من جهة الرموز (1) فقوله عز وجل حكاية عن زكريا عليه السلام: {آيتك .... إلا رمزا} (2) ولا معنى لكلامه إى بأمر أو نهي أو خبر أو استخبار. وهي جميع أقسام الكلام، لأن الرمز ينوب مناب الخطاب، ولقوله: {فأوحى .... وعشيا} (3) وأما من جهة الخبر فقول الله عز وجل: {والوالدات .... الرضاعة} (4) الآية وقوله: {وإذ أخذنا ...... إحسانا} (5).
مسألة
اختلف الناس في الأمر، هل له من صيغة وصورة أم لا صيغة ولا صورة له؟ فقال أكثر الفقهاء: إن للأمر صيغة وصورة، وهي قولك: إفعل. وكذا (6) النهي له صورة وهي قولك: لا تفعل. وهو الأصح، خلافا للأشعرية الذين يقولون أن الأمر والنهي لا صيغة لهما. والدليل على قول الفقهاء استعمال أهل البيان، وهم أرباب الشأن. وذلك أنهم قسموا الكلام اربعة اقسام وقالوا: أمر ونهي وخير واستخبار. فالأمر قولك: افعل. والنهي قولك: لا تفعل. والخبر قولك خرج زيد، والاستخبار قولك: أخرج زيد؟ .. ولم يشترطوا له قرينة تفرد الأمر ولا النهي من غيره. والأمر والنهي هما الأصل، وما عداهما ففرع. وكذلك الخبر والاستخبار. كما أنهم جعلوا للواحد صيعة يعرف بها يجرى عليه/ الخطاب بها، وللأثنين
صيغة، وللثلاثة فصاعدا (7) صيغة، وكذلك (1/52)
صفحة 53
للواحدة من النساء وللأثنين والجمع صيغ. ثم ينقسم كل واحد من هذه الأربعة أقساما كثيرة. فيكون الأمر أمرا وسوءالا ودعاء ونداء. ويكون النهي نهيا وزجرا وإغلاظا وتهديدا. ويكون الخبر خبرا وتمنيا وجحودا ومجازاة وتلهفا. ويكون الاستخبار استخبارا واستفهاما وتقريرا وإنكارا وتعجبا وتوبيخا وقسما ومثلا.
فصورة المر وصيغته تشترك مع غيرها في صيغها. فمع اندل قول الله تعالى: {وافعلوا الخير (لعلكم 00 تفلحون)} (1) (2). ومع الإذن: {افعل ما تؤمر} (3)، ومع الإطلاق: {فإذا قضيتم (فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم) (4)} (5) ومع الإباحة: {فإذا .... فاصطادوا} (6).
ومع الوعيد: {اعملوا ما شئتم} (7). مع التحدي: {فأتوا ... مثله} (8)، ومع التعجيز: {كونوا حجارة أو حديدا} الآية (9) ومع النداء:/ {قل يا .... الله} (10). ومع الدعاء: {ربنا اغفر لنا ذنوبنا} (11) ومع التكوين: {إنما .... كن فيكون} (12) ومع التعجب: {أسمع ... يأتوننا} (13)، أي ما أسمعهم وأبصرهم. ومطلق المر هو الأصل مع ملطق غيره، إذ لا بد لغيره من ذكر القرينة والتقييد.
فصل
وإذا ورد الأمر من الله عزو جل اقتضى الوجب دون الندب. قال الله تعالى: {فليحذر .... أليم} (1). خلافا لمن قال من الأشعرية –إنه يحمل على الندب، ولمن قال بالوقوف أيضا. فاطلق ولم يقيد فوجب أنه على الوجوب. قال الله تعالى: {وما كان .... مبينا} (2). وقوله أيضا: {وإذا قيل ... للمكذبين} (3). فذكره في معرض الذم, وقوله عز وجل لإبليس: {ما منعك/ .... أمرتك} (4) وقول رسول الله عليه السلام لبريرة في زوجها مغيث: «لو راجعته» فقالت: يا رسول الله، أبأمرك؟ فقال: لا، إنما أنا شافع. فقالت لا حاجة لي به» (5) ففرق رسول الله عليه السلام بين الشفاعة والأمر؛ لن (1/53)
صفحة 54
طاعته في الشفاعة مندوب إليها، وأمره واجب. ولو قال لها: عن، أمري لما تخلفت عن مراجعته. ومما يؤكد هذا قول رسول الله عليه السلام: «لولا أن أشق على أمتي (1/54)
صفحة 55
لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة وعند كل وضوء» (6). وهو قول عمروس بن فتح حين امتنع أن يقول إن الإيمان إنما كان
إيمانا لعلة الأمر به، لئلا تدخل فيه النوافل. على أن الشيخ أبا الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه قال: من قال إن النوافل لم يأمر الله بها ولا إنها طاعة فهو كافر. والذي يتوجه إليه هذا الكلام أنه يريد من نفاها من الطاعة فهو كافر، وأما الأمر فالله أعلم. وقد اجتمعت الأمة على أن الله تعالى ندب إلى النوافل ودعا إليها وإنما وقع الاختلاف في الأمر.
فصل
وإذا وردت لفظة افعل بعد الحظر، وعريت من القرائن كانت إباحة، وهو الأليق بهده لأنها مبينة على التيسير، قال الله تعالى: {يريد الله ..... العسر} (1). وقال: {وما جعل ..... الدين/ من حرج} (2)
قال بعضهم: تحمل على الوجوب كقول الله تعالى: {فإذا طعمتم فانتشروا} (3) {وإذا حللتم فاصطادوا} (4) {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا .. } (5) والأصل هو الأول، وإن وردت بعد الندب كانت أمرا واجبا. والأصل في هذا كله أنها إباحات لا واجبات كما قدمنا، ويراعى في هذا كله أنفاس الأمة. (1/55)
صفحة 56
باب
اختلاف الناس في أمر الله ونهيه
وكلامه وقوله وخطابه
اختلف الناس في امر الله تعالى ما هو؟. قالت المعتزلة: خطابه الموجود في القرآن هو كلامه وأمره ونهيه وهو قوله بحروف واصوات مقطعة.
وقالت الأشعرية: أمر الله تعالى ونهيه وكلامه وخطابه وقوله صفاته في ذاته، والقرآن فرع من الكلام وهو صفة الله تعالى في ذاته على هذا النعت.
وقال المسلمون: أمر الله تعالى ونهيه يتصرف على/ وجهين: وجه كقول المعتزلة أنه خطاب مسموع وقول معرفو مفهوم مقول بحروف مقطعة وأصوات مسموعة.
والوجه الآخر: أن الأمرهو الإيجاب، أَمَرَ؛ أي أوجب أو ندب خطابا، أو إلزاما لا خاطابا، فالإيجاب والإلزام أوامر. أما المعتزلة فقصروا أمر الله عز وجل على الخطاب الموجود في القرآن وكذلك قالو: من لم يسمع لم يؤمر. وأما الأشعرية فقد ردوه إلى صفة الذات، والمسلمون بين بين، وأثبتوا الأمرين جميعا، وهما الخطاب والإيجاب، وأبطلوا الصفة والذات ولذلك لا يُعذرون من لم يسمع كما عذرته المعتزلة.
مسألة
اختلف الناس في المعدوم هل هو مأمور على الحقيقة أم لا؟ قالت القدرية: لا يجوز امر المعدوم لا بشرط وجوده، ولا بغير شرط وجوده/ وقالت الأشعرية:
أمر المعدوم صحيح جائز بشرط وجوده يوما ما أو بشرط وجوده من يبلغه إذا وجد. واستدلوا بظاهر قوله تعالى: {ويا أيها الناس}، {يا أيها الذين آمنوا} وأمثاله، فلما (1) لزمتهم الأسماء لزمتهم الأوامر. فالإنسان الذي يوجد بعد مائة سنة هو إنسان الآن (2)، وأنه صفة (3) في ذاته. فالله تعالى آخر (به) (4) لم يزل، وناه لم يزل، وقد أمرهم ونهاهم في الأزل كما تقول: عَلِمَهم في الأزل وَقَدَرَ عليهم. وسلك المسلمون طريقا بين بين فوافقوا المعتزلة في خلق الأمر (1/56)
صفحة 57
(والنهي) (5) واختلفوا معهم في أنه آمر وناه فمنعته القدرية وجوّزه المسلمون ووافقوا الأشعرية أن الله تعالى آمر ناه لم يزل، وخلفوهم في أن الأمر والهي صفتان، وخالفوهم أيضا في أ، الله أمرهم ونهاهم لم يزل. فالمسلمون جوّزوا على الله تعالى أنه آمر وناه في الأزل/ وأبطلوا أنه أمر ونهي كما جوّزوا عليه أنه خالق لم يزل فاعل لم يزل، وأبطلوا خلق وفعل وأمر. وليس الأمر والنهي والخلق والفعل بصفات الله تعالى ألبية، وإنما هي أفعال لا صفات.
فصل
قال الشيخ أبو الربيع (سليمان) (1) بن يخلف رضي الله عنه (2): "فإن قال قائل: ما معنى أمر الله بهذا؟ قيل له: خلق الأمر به لا من أحد، وكذلك النهي. وقيل له أمر الله أي خلقه في عينه
أمرا لا من أحد. وكذلك قولنا: طاعة الله ومعيته؛ أي خلق الأمر بها والنهي عنها لا من أحد. ومعنى قولنا (لا من أحد) أي لا فعل لأحد في أمره ونهيه. وقلنا: لا من أحد لئلا يكون كل أمر خلقه الله عز وجل أمرا له ... ويقال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر الله، ولنهيه نهي الله، أي عن أمر الله كان وعن نهي الله كان".
واحترز الشسخ رضي الله عنه في أمر النبي عليه السلام ونهيه، ولم يطلق أنه أمر الله إلا بتقييد. وماذا عليه لو أطلق؟ فإن أمر محمد عليه السلام ونهيه هو أمر/ الله ونهيه على الحقيقة، لأنه خلقه وأمر به. وإنما يُتوفى ما خلقه ولم يأمر به، وأما ما خلقه وأمر به فلا. وكذلك كل من أمر بالطاعة التي أمر الله بها، أو نتهي عن المعصية التي نهى الله عنها. فإن أمر الله ونهيه هو أمر الله مطلقا لا مقيدا في أعينهما وقد خلق وأمر ونهي واجتمعت العلتان.
وسئل عن محل الأمر والنهي والكلام أن يكون حالا في المأمور والمنهي والمخاطل بالكلام فيكون هؤلاء أولى أن يكونوا آمرين ناهيين متكلمين منهم أن يكونوا مأمورين منهيين (1/57)
صفحة 58
مخاطبين. ولما لم يكن الله تعالى محلا للحوادث، وبطل/ أن يكون المر حالا في المأمور صح أنه صفة الآمر لا فعله، وكذلك النهي والكلام قلنا (1): وليس في جهلنا بمحل الأمر والنهي والكلام ما يثبت أنها صفات البارئ سحانه (على المعقول) (2)، وعلى المتقول الدليل. والخلق (كله) (3) بعضه محل (4) لبعض. ولو سئلوا عن الروح لما أمكنهم فيه كلام إلا أن يتقولوا على الله فيما رد علمه إليه، وأنى وهو يقولون بخلقه
وأما معنى قول الشيخ إن الله أمر بهذا أي خلق الأمر به لا من أحد لم يوف شروط النسبة، وكذلك قوله: "ما معنى: ولله الحجة البالغة؛ أي خالقها ومالكها" (5). فقد أجاب بأمر يشمل سائر الخلق، وبقيت الفائدة التي بها سميت الحجة بالغة والغرض الذي ذكرت به ها هنا بلاغهان فبلاغها: بيانها، وبلوغها: قيامهاعلى العبد بما يقطع العذر ويوجب الأمر. (1/58)
صفحة 59
باب التبليغ
قد/ اجتمعت الأمة على أن رسول الله (6) عليه السلام بُعث إلى الأنس والجن كافة. أما الأنس قلقول الله عز وجل: {وما أرسلناك ... للناس} (7) وقوله: {يا أيها .... جميعا} (8).
أما الجن فلقول الجن –قال الله عز وجل: {وإذ صرفنا .... مبين} (1). وقوله: {يا معشر الجن والإنس} (2) وقوله: {فبأي .... تكذبان} (3). وأن الأمة مجتمعة (4) على أنه قد بلغ السالة التي أرسل بها وأدى الأمانة ونصح الأمة.
وقال/ رسول الله عليه السلام وهو بعرفات خطيبا: أي يوم هذا وأي شهر هذا وأي بلد هذا؟
قالوا: يوم حرام وشهر حرام وبلد حرام. فقال عليه السلام: إن دمائكم
وأموالكم وأعراضكم (عليكم) (5) حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: اللهم فاشهد. ألا فليبلغ الشهاد (منكم) (6) الغائب. ولم يكلف أكثر من مقدرته (7)، فمن شاهده أبلغه، ومن غاب كتب ورأرسل إليه وأوصى، وقال الله عز وجل: {لأنذركم به ومن بلغ} (8) فمن بغي بعد هذا من أمته؟ إما رجل على دين نبي من الأنبياء قبله فواسع له ما لم يسمع. أو رجل على غير دين فلا يسعه. (1/59)
صفحة 60
فصل
واختلف الناس في السامعين، فقال بعضهم: ليس عليه إلا ما سمع، وليس عليه ما تضمنته الجملة.
وقال بعضهم: عليه جميع ما تضمنته الجملة، وليس عليه من الطارئ حتى يسمع. وكذلك قولهم (9) فيمن كان على دين نبي من/ الأنبياء إنه يسعه المقام عليه ما لم يسمع، فإذا سمع بمبعث النبي عليه السلام فعليه الإقامة على مذهبه حتى تقوم عليه الحجة بشريعة محمد عليه السلام. ويسع الملي الإنتقال من شريعته إلى الشريعة التي بعده، ولا يسعه الإنتقال إلى شريعة قبله.
وسئل هل تهتلف الشرائع في التوحيد فيكون التوحيد الذي كُلِّفناه هو التوحيد الذي كُلِّفته الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا؟ أو يختلف فيكلف بعضهم معرفة الجمل من الملائكة والنبيين والمرسلين والكتب ويحط (عن) (1) الآخرين.
أو هل يسوغ أن يكلف الله تعالى بعض الأمم معرفته وحده دون الجمل ودون المعد، أو يكلف (الله) (2) بعضهم ما حطه عنا أو يكلفه لنا؟ وهل يجوز في نفس الأمة أن يكلف بعضهم الجملة وشرحها ويحط عمن بعدت داره بعض شرحها؟ وهل في ذلك تفرقة بين مشرك أو بالغ فآمن ولم يذق (3) ومن أجاب إلى/ شريعتنا من أهل الكتاب هل يأثم بتضييع جميع (4) ما في شريعته أو لا يأثم ولو كان عندنا واجبا؟ وهل يصح أن يكون على شريعة نبيء ولم يكن عنده اسم ذلك النبيء؟ والذي قالوه أن نوحا صلوات الله عليه لم يبعث إلى قومه إى بلكمة لا إله إلا الله صحيح أو غير صحيح؟ فمن كان عنده الجواب فليكشف الغمة ويشف الهموم، كفاه الله وشفاه (5).
إن سأل سائل عن من قال: إن العقل حجة الله على ابن آدم، وإن الخلق كله حجة عليه. وإن الرسل والكتب حجة، أو قال: إن حجة الله العقل دون الكتب والرسل، أو الكتب والرسل حجة الله دون العقل. أو قال: العقل تنال به معرفة البارئ عز وجل من ذات نفسه بشاهد الخلق من غيره منبه على وجه الحجة فيه ولا مخبر أو قال بغير إلهام. أو (1/60)
صفحة 61
من قال: لا ينفك مكلف من إلهام، وقد قامت الحجة على العاقلين من جهة الإلهام. أو قال بالفكر إنه حجة/ الله ويسعه (ما دام متفكرا) (1) أو يسعه إلى مدة. أو من حط عمن لم يسمع كل ما ليس للغقل عليه دليل على حسنه وقبحه. ومن قال بالحجة لا تقوم بالواحد أو بالاثنين من أهل دين الله، أو بالأربعة أو بالخمسة أو بالاثنى عشر أو بعشرين أو بسبعين أو بالمائة أو بالماتين حتى يبلغ حد التواتر. أو شك فيما شهد عليه الشهود في جميع ما لا يسع قَارَنَتِ الشهود ريبة أم لا؟ وهذا الباب كالأول، نريد من ينص على كل مسألة منهما (2) بجواب صريح بدليل صحيح أو بتقليد صحيح.
فصل
مسألة: وهل يصح أن يكلف الله عباده ويأمرهم وينهاهم بأوامره ونواهيه ولا عقوبة ولا مثوبة؟ وهل يسوغ أن يأمرهم وينهاهم، ويجعل مثوبتهم ترك عقابهم إن أطاعوا، وأما أن عصوا فيما قبهم؟ وعكس
ذلك. أن يأجرهم على الطاعة ولا يعاقبهم/ على المعصية، وتكون مؤاجرة الطائعين ثوابهم. وحرمان الثواب للعاصين عقوبة (3) لهم؟ وهل يسوغ أن يجعل التكليف مؤبدا لا آخر له ــــــــــ والثواب والعقاب في خلال ذلك، لا آخر للتكليف ولا للجزاء، وهل يسوغ –في العقل- أن يكون الجزاء متقطعا كما ينقطع العمل، أو يجعل إحدى المثوبتين منقطعة والأخرى دائمة؟
الجواب: إن هذا كله سائغ في العقل لا استحالة له، وليس فيه شيء يبطل الحكمة إلا المسألة الأولى رهو أن يلكلفهم لا مثوبه (لهم) (1) ولا عقوبة، وإلى الرد على أهله أشار القرآن الحكيم فيما ذكرناه أ, لا {ذلك ظن ......... النار} (2) منع منه الشرع والعقل جميعا؛ أما الشرع فالذي سمعت، وأما العقل ففيه طرق (3) من العبث. كما قال الله تعالى: {أفحسبتم ........ لا ترجعون} (4) على تناقض المعنى؛ أن يكون التكليف/ ولا ثواب ولا عقاب فهذا عين الإباحة ورجوع الوجوب (5) إباحة والإباحة واجبة عين التناقض (6)، وذلك محال إذ لا معنى يدعوهم إلى فعل ما أمروا به، ولا معنى يزجرهم عن فعل ما نهوا عنه وهو عين الإباحة أو عين العبث. ومن أوجب شكر المنعم (ومنع) (7) كفره عقلا، وهو قول (8) المعتزله، أجازوا التكليف بلا ثواب. وحرمان (1/61)
صفحة 62
الثواب فرع العقوبة ينوب عن العقاب. والسلامة من العقاب فرع من الثواب. وباقي الفصل سائغ غير مستحيل. وهذا بعد تبديل الخلقة وتغيير الصورة. وأما على حالتهم هذه فلا يليق بهم، والحكمة تركهم على ما هم عليه كما قال عمر بن لعجيل الزبيدي (9)؛
وذلك أن قومه بنو زبيد ارتدوا حين بلغتهم وقاة رسول الله عليه السلام، وكان ابن العجيل مسلما مهاجرا، فقام في قومه خطيبا فقال في آخر كلامه: إن الله تعالى جعل/ الحكم على ما ظهر والجزاء على ما بطن. ولو أراد تبارك وتعالى أن يأخذ الناس بأمر عيانا ويقطع أسباب الرجاء والخوف لحول الصنعة عما هي عليه حتى يزيد في الإنذار. وأبطلت القدرية دوام التكليف؛ لأن في دوامه –قالوا- بطلان الجزاء، ولا أدري قولهم إذا كان الجزاء في خلال ذلك؛ ونسوا فولهم أن شكر المنعم واجب عقلا، والمكلف لا ينفك من النعمة، ولم يدروا أن قضاء الواجبات دين، ولا ثواب على قضاء الديون. وفي سلب النعم أعظم النقم.
باب
هل كان رسول الله عليه السلام متعبدا عارفا بالله عز وجل ويدينه قبل مبعثه، أو هل هو متعبد الشريعة أحد ممن كان قبله من الرسل صلوات الله عليهم أجمعين؟ اعلم أن بعض الفقهاء تكلموا في هذا على قدر حدسهم وظنهم. قالت الأشعرية: قد عرف الله عز ووجل وعرف دينه الذي يخصه/ قبل مبعثه؛ وذلك أنه أمر وقع إليه في قلبه من قبل الله عز وجل فصانه به حتى جاءه الحق في غار حراء. والدليل عليه قول عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله عليه السلام يتحنث في غار حراء أيام رجب حتى أتاه الحق وهو بغار حراء. وكان قبل مبعثه، صلى الله عليه وسلم، يرى الرؤيا فتجيئ مثل فلق الصبح (1). وحديثه ايضا مع زيد بن عمرو، قال: إنه لأول من بغض إليّ عبادة الأوثان؛ وذلك أنه لقيه بطريق الطائف ومعه زيد بن حارثه، وكان زيد مهجورا عند أهل مكة فلقيه قرب المزدلفة قد عاه (2) رسول الله عليه السلام وقال: هلمّ
إلى السفرة. فقال: يا ابن أخي، إن كان مما تذبحونعلى أصنامكم فلا حاجة لي فيه (3). ومع قريش طرف من دين أبيهم إبراهيم عليه السلام ومناسك (1/62)
صفحة 63
الحج.
وقالت المعتزلة: أمر أدركه بعقله من معرفة توحيد ربه وما يقتضي العقل/ من مفروضاته.
وقال بالوقف أهل الوقف. وأجاز الآخرون الأمرين جميعا لكنهم لم يقطعوا على أحدهما. وقال (1) آخرون: ذاق بدليل قول الله تعالى: {ووجدك ضالا فهدى} (2) وقوله: {وما كنت .... ولا الإيمان} (3). وبالإشارة في {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون. ولا أنتم عابدون ما أعبد. ولا أنا عابد ما عبدتم} ولم يقل: ولا أنتم عابدون ما عبدت {لكم دينكم ولي دين} (4) أثبت عبادة الأوثان للكافرين في الماضي والاستقبال، وتبرأ منها في الإستقبال دون الماضي وهو قوله: {ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد} ولو قال: ما عبدت ولكن قال: {ما أعبد}. وهذا أمر لم يؤثر فيه شيء عن رسول الله عليه السلام إلا ما ذكرنا. ولو كان ما خفي عن قومه وأهل قطرة ولم يذكر عنه صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه (على) (5) شريعة أو طريق مهيعة.
فصل
هل كان رسول الله عليه السلام متعبدا بشريعة أحد الأنبياء حين/ أرسل أليه قبل أن تشرع له شريعته؟ وهل نسخت شريعته كل شريعة كانت قبله، أو نسخت الشرايع التي قبله بقوله: {يا أيها الناس ..... جميعا} (6)؟
الجواب: اختلف الفقهاء في هذه المسائل، قال بعضهم: إنه أُمر أول وهلة بشريعة نوح عليه السلام بدليل قوله تعالى: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده} (7). فهذه الآية لا تقتضي أكثر من أنه شملهم بالوحي.
وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم/ من الرسل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا أحق بعيسى بن مريم لأنه لا نبيء بيني وبينه» (1) وبمكان وضعه كفة على صورة عيسى ومريم أيام دخوله الكعبة حين أكر عثمان بن طلحة أن يمحو الصور التي في الكعبة كلها إلا ما تحت يده.
وقال بعضهم: بعث أولا بشرائع أولى العزم/ من الرسل، وأمر باتباعهم بدليل قوله: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل} (2).
وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة موسى عليه السلام ألا تراه ليلة المعراج كيف حط من ثقل الصلاة.
وقال بعضهم: بل تعبد بشريعة أبيه (1/63)
صفحة 64
إبراهيم صلوات الله عليهما بدليل قوله عليه السلام: «جئتكم بالحنيفية السمحة السهلة» (3). وبدليل قول (الله عز وجل): {وما جعل ...... من قبل} (4) وبقوله: {ومن .... نفسه} (5) وقال: {ثم أوحينا
إليك ..... المشركين} (6).
الأصل في هذه المسألة أن رسول عليه السلام بُعث إلى الناس كافة فنسخت شريعته كانت قبله، إلا ما ينسخ من مكارم الأخلاق والتوحيد، ولذلك أمره الله تعالى بعد ذكر الأنبياء عليهم السلام فقال: {فبهداهم اقتده} (7). يريد/ ما هم عليه من التوحيد ومكارم الأخلاق وما ذكره الله تعالى حكاية عنهم في القرآن لم ينسخ (8).
فصل
هل يجوز أن يبعث الله تعالى رسولين بشريعة واحدة أو رسولين بشريعتين مختلفتين إلى أمتين أو إلى أمة واحدة، ويكون الخيار إلى الأمة أيهما أحبت أجابت له؟ أو رسولا بشريعة يختلف فيها حكم القبائل وحكم الأجناس كالسودان والبيضان ويختلفون في العبادات؟ أو رسولا يدعوا إلى شريعة محدثة من لم يكن على شريعة ويوسع على من كان على شريعة أحد من الأنبياء أن يقيم عليها ومن لم يكن على شريعة أن يجيب له أو يحضر بعض الشرائع على أهلها ويدع آخرين على شريعتهم؟ أو يرسل رسولا فيكله إلى الإجتهاد والرأي، أو رسولين بالرأي والإجتهاد يجتهد كل واحد منهما رأيه ويسع الناس/ اتباع كل واحد مهما والأخذ برأيه، وينتقل الناس من رأي أحدهما إلى رأي الآخر؛ فإن كان هذا هكذا فما حال الناس فيما تئول إليه أمورهم من الأحكام والدماء والفروج والمواريث والأموال؟
اعلم أن هذا كله سائغ، ليس في العقل ما يحيله، ولا في الشرع ما يبطله.
التخليص: أما بعث رسولين في عصر واحد فقد كان ذلك في عهد إبراهيم ولوط عليهما السلام، بعثه الله عز وجل ولوطا رسولين في زمان واحد إلى أمتين مختلفتين. وعلى عهد موسى وهارون إلى أمة واحدة صلوات الله عليهما. وعند أصحاب القرية في (1/64)
صفحة 65
الرسولين اللذين آزرهما بالثالث وعززهما به. وكذلك أن يكونا رسولين بشريعتين مختلفتين متتا بعتين أو معا أو رسولا إلى أمتين، أو رسولين إلى أمة واحدة (واحدا) (1) بعد آخر وما يشبه ذلك.
وفي وجودهما (1) في هذه الأمة اختلاف حكم/ الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، وما خص الله به طوائف من هذه الأمة كثقيف حين شرطت على رسول الله عليه السلام أن يحرم واديها على من يرعاه دونهم فمن وجدوه فيه سلبوه. وحكم الحرمين وتحريمهما، وما حكم به أبو بكر الصديق رضي الله عنه في أهل الردة، أبى أن يقبل إسلامهم حتى يقاسموه الأموال وتنزع (منهم) (2) الكراع والسلاح. وما فعله رسول الله عليه السلام بأهل دومة الجندل حين اشترط عليهم الضاحية من البعل وشبه هذا. وقوله: «لا يُقتل قريشي صبرا بعد هذا اليوم» (3) وقوله: «الولاية في قريش ما دام منهم رجلان» (4) وتحريم الصدقة على آل محمد.
وأسهامهم (5) –دون الجيش- من الخمس. ولا تقبل الجزية من بعض الكفار (وتقبل من بعض) (6)، وهذا حكم البيضان والسودان (والذكور والإناث) (7). وكذلك أن يخير الناس في اتباع أي الرسولين شاؤوا، ولا يسع أحدا الإنفكاك إلا بإذن الرسول. ويسوغ / كل واحد من السولين هذا للناس. ولا يُحجِّر أحد منهما على الناس في اتباع أي شريعة شاءها ابتداء، ويكون الإنتقال على إذن الرسولين وكذلك في الإنتقال على هاتين الشريعتين إلى غيرهما، لا يسوغ إلا بإذن الرسولين.
فصل
وأما قوله هل يرسل الله تعالى ويبعث نبيئا بالحط أو بالرؤيا أو بالصواع أو بالفراسة أو بمنطق الطير والحكل فيؤدي البسول إلى الناس أوامهر ونواهيه أو يسله بغير واسطة الملائكة فيكلمه تكليما، أو يلهمه الهاما، أو يعلمه إلاما ضرريا أو أختيارا فذلك كله سائغ.
وأما أن يرسل رسولا فيقبضه قبل بلوغه أمته أو يقبض أمته قبل وصوله إليها، فذلك ضرب من البداء لا يجوز على الله تعالى. وأما (1/65)
صفحة 66
أن يرسل امرأة أو عبدا فسائغ أيضا، أو يرسل رسولا من بني آدم إلى الطير بمصالحها، أو إلى النمل/ أو إلى البهائم غير ذات العقل (1). فهذا كله جائز. وكذلك يرسل إلى كل جنس من هؤلاء رسولا إليها وإلى غيرها بمصالحها وتفهم عن رسولها. اعمل أن هذا كله سائغ في العقل، ويجعل لها الثواب إن أطاعته والعقاب إن عصت في الدنيا وأما في الأخرة فلا، فهي بمثابة أطفالنا في الدنيا، ومصداق هذا كله ما شاهدناه من
النمل (1) والنحل والحمير والبغال والخيل والسباع والوحوش والطير والهوام والحشرات. ما من صيف منها إلا وفيه عجائب من طاعتها لأكابرها وتربيتها لأصاغرها والسمع والطاعة لملوكها، والأبهة والهيبة من سلاطينها، وقبول التأديب والإهتداء، والتهذيب لصنائعها بحسن الترتيب. وأصدق من هذا وأجب قول أصدق القائلين حكاية عن صنفين منها (2). أحدهما ذكر (له) (3) الله عز وجل في محم كتابه أفعالا في الحكم لا يهتدي/ لها أكثر العقلاء، من حسن السياسة، والإصغاء إلى أهل النصيحة، والتحصن في معاقلها خوفا من معرّة من لا طاقة لها بمقابلته، والتحرز من الشر قبل الوقوع فيه، والمعذرة لسليمان عليه السلام من معرة (4) جيشه، وعظم منة الله عليه في أن أفهمه الحكل من منطق النمل فعرف محاوتها وفهم مراجعتها حتى استخفه الطرب لأعجب العجب (5) أن تبسم ضاحكا وقال: {رب أوزعني أن ....... الصالحين} (6) والإشارة إلى داود عليه السلام في تأويب الجبال وتسبيحها بالعشي والإشراق. ثم إن سليمان تفقد الطير {فقال مالي ..... الغائبين} (7) فقص قصته. وفي ظاهر كباب الله عز وجل أعظم بيان / وأوضح برهان على ما أردناه حتى قال: {لأعذبنه ........ فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به} (8) مفتخرا على سليمان بقوة
العلم في محاورات ومراجعات، ورسائل ومكاتبات، ومهارات ومراسلات، وإسلام وفتوحات، واصطناع الهيكل العظيم والصرح الممر الجسيم. وشأ، بناء العرش العظيم كخبر هذا الهدهد العليم. ومن وراء هذا كله أن بعث الروح الأمين إلى محمد خاتم النبيئين صلوات الله عليهم أجمعين بهذا الخطب العظيم ليبلغه المصطفى أمته مقتبسين منه (1/66)
صفحة 67
جلال الله تعالى ومنته على أوليائه وأهل طاعته.
والعجب ممن يذهب في هذا كله إلى الأمثال دون الفعال، وحاد به عن الحقائق إلى الخيال. قصر قدرة الله تعالى وفضله على مقدوراته هو وفعله، وحكم أن علم تعالى لا يجاوز/ علمه، وسلك بأخبار الله تعالى مسلك أهل السمر في ظل القمر، كأخبار كليلة ودمنة وندماني جذيمة، وجحا وخرافة اسبندباد، وأحاديث بديع الزمان وعلامة همدان والحريري (والسروجي) (1)، أجهل بمن ذهب هذا المذهب وسلك هذا المسلك وأقدر به. بل لا نشك ولا نرتاب أن حكاية الله تعالى عن النمل
على ظاهرها، وأن فضيلة الله تعالى على سليمان عليه السلام التي شكرها، ونعمته التي أولاه أياها حق، وأنه هو الحق المبين. وليس العجب فيما قلنا عنها بأعجب مما خلق الله تعالى لها من الأسماع والأبصار والقوى والأبشارن والإهتداء للمنافع والمضار والإهتداء لمعاشها، والانتفاع برياشها هو {الذي ...... مهين} / (1) فضرب له مثلا ونسي خلقه، وما ربك بغافل عما يعملون. {قال من ............ خلق عليم} (2).
فصل
أما إرسال رسل بتكذيب بعضها بعضا أو نقض أحكامها أو إمرار نقضها (3)، أو رسولين بإطال ما يقول (كل) (4) واحد منهما، أو يقطع كل واحد منهما عذر من اتبع صاحبه، أو بأن يشرع أحدهما ما ينسخه الأخر أو ينسخ ما شرعه الآخر، فهذا كله غير جائز عقلا ولا شرعا. أو أن يرسله بخلاف ما تقتضيه العقول فإن ذلك كذب.
وأما أن يرسلهما الله تعالى ويأمرها بالإجتهاد ويختلفا كاختلاف المجتهدين من أمة واحدة فيسع كل واحد منهما القول بما قال والفعل به، فجائز هذا كله كما وسع أمة محمد صلوات الله عليه، فإن وقعت / مشاجرة في مسألة فالحكم فيها إلى الحكام، ولا يحل ولا يسوغ لأحدهما شيء إلا بحكومة حاكم، فإن عُدِمَ الحاكم فاستصحاب الحال والمطلوب هو المدان والطالب هو المعان. (1/67)
صفحة 68
مسألة: ويتصل بهذا ما الحكم في الأشياء قبل ورود الشرع؟
الجواب: قال بعضهم: الحظر، وقال بعضهم: الإباحة. وقال أهل الوقف بالوقف. وقد كان جواب المشائخ قبل هذا أن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الحظر، وكان جواب الشيخ أبي زكريا يحى بن أبي بكر رحمه الله. فبلغ ذلك أبا يحي زكريا بن أبي بكر رضي الله عنه فقال: علام يقول يحى هذا؟ ألم يقل الله عز وجل: {وسخر ...... منه} (5) فتوقف عن الجواب فيها بعد ذلك ورجع والله أعلم.
وأما الذين قالوا بالوقوف فالأشعرية. وأما الذين قالوا بالحظر فالمعتزلة/ وأما الذين قالوا بالكف ففرغ من الحظر. والأصح أن الأشياء على الإباحة قبل ورود الشرع. وقولنا قبل ورود الشرع، معنانا: قبل ورود الحظر والأمر والإباحة؛ (لأن هذه (1) أسماء مقتبسة من الشرع) (2) والقدرية بقول بالإباحة إى ما يوجبه العقل.
وأما من قال بالحظر فإنه منعه من التقدم إلى شيء إلا بإذن من المالك وبأمر مبتدأ، وبدليل قوله: {ولا تقف ما ........ مسئولا} (3).
وأما الذين قالوا بالإباحة، قالوا: إن الله تعالى خلق خلقه وخلقهم محتاجين إلى أمرو تقوم بنيتهم لها. ولم يكن ليخلقهم ويحوجهم ثم يحرجهم في تناول ما به قوامهم؛ ألا تراهم قد احتاجوا إلى التنفس في الهواء والكون على وجه الأرض، ولا ينفكون منه ولا يستغنون/ عنه؟ وكذلك النظر بالأبصار والإصغاء بالآذان، وقد فتق الأبصار وشق الآذان وأطلق اللسان واحتاج إلى الاستعمال ويؤذنها بالمقال والإمتثال.
فصل
ومن فروع هذه المسائل أيضا من أجاب (1/68)
صفحة 69
إلى شريعة نبي من الأنبياء.
قال بعضهم: ليس عليه إلا ما بلغه وقامت به عليه الحجة من تلك الشريعة. وكذلك من أجاب إلى شريعة نبينا محمد عليه السلام. وسواء كان المجيب على دين أو على غير دين، فليس عليه صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج حتى يسمع كلام الله. فإن الأصل في الأشياء قبل ورود الشرع الإباحة.
وقال من قال إن الأشياء على الحظر: لا يسعه أن يتخلف عن شيء من دينه، ولا أن يركب شيئا من خلافه ويؤثمونه بذلك. ويفرقون بين من كان على دين الله فأجاب إلى شريعة من بعده وبين من كان على الشرك. فالأول/ يسعه والثاني لا يسعه. وكذلك من قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الجملة التي يدعو (1) إليها من التوحيد لا مشركا كان (2) أولا على دين فيسعه التخلف معما ورد بعده من الشريعة. وأما ما كان مشروعا في الجملة التي قبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يعه التخلف عن جميع ما تضمنته تلك الجملة. وهذا أشبه الأقاويل. وللعجب عندنا أنا ضيقنا على المشرك في جميع ما خالف فيه شريعة محمد عليه السلام سمع أو لم يسمع، فإذا اجبا إلى شريعة من قبله ولم يسمع حطوا عنه جميع ما أوجبوه أول مرة من شريعة محمد عليه السلام إلا ما في شريعته هذه.
وأما الذي ذكرنا من الأشعرية والمعتزلة فيوسعون عليه في كل شيء حتى يسمع. وأما (3) من قال بالوقف من الأشعرية توقف لا يدري.
القول فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه خبر النبي عليه السلام ولا خبر أحد من/ النبياء عليهم السلام، ما الذي يعه في توحيد ربه والإيمان بالرسل وما الذي عليه أن يمتثله من دين الله عز وجل.
اختلف الناس في هذا على قدر أقاويلهم:
قالت القدرية: عليه أن يؤمن بالله ويوحده؛ لأن ذلك يتضمن العقل علمه إذ استعمل الدلائل. فمن لم يؤمن ولم يعرف فهو كافر. واختلفوا هم والأشعرية في المدة.
فمن قائل: الحالة الأولى تسعه، ومن قائل: ما دام مفكرا. فأما الذين قالوا بالفكر في الحجة فقد وسعوا الشرك على الجاهل وعطلوا التوحدي على البالغ.
وأما الذين قالوا إن مدة الصبا هي مدة الفكر فأشبه قليلا، قير أن الأمة قد أجمعت أن الرسل والكتب هي الحجة، حجة الله على خلقه {لئلا ....... الرسل} (1). ومع ذلك لا يقدر أن ينال الحجة (بها) (2) في حالةولا في أحوال قليلة ومع ذلك لا يسعه، وكذلك قول أهل الفكر.
والذي/ أختاره (أنا) (3) (1/69)
صفحة 70
أن العقل وجوده حجة الله على العبد في التكليف. والخلق كله حجة الله. والرسل والكتب حجة الله لئلا يكون للناس على الله حجة، والإلهام والإخبار، هذا كله حجج الله على عباده. والحجة العظمى وحود العقل، أدرك به شيئا أو لم يدرك، استعمله أو لم يستعمله، وكذلك الكتب والرسل حجج الله تعالى وإن كان لا يقدر أن يتعرف ما عند الأنبياء والكتب في حالة ولا سيما إذا كان بينه وبين النبي والكتاب مسافة فلا تنفع شيئا وقد قامت الحجة أول حال وجود العقل.
ورأينا في الكتاب الذي جاءنا من جهة الجبل قال: ما تقول فيمن عرف الله وآمن به ولم يبلغه خبر الأنبياء ولا الرسل ولا الملائكة ولا الكتب أنه واسع له إن كف عما نهى الله عنه؟ ثم عقب فقال: إن كان يكون ذلك. والله أعلم.
وأما ابن الحسين فأوجب معرف البعث، وأن معرفته من/ العقليات الواجبات لأنه لا بد من ثواب وعقاب، ولا ثواب ولا عقاب إلى الآن، فلا بد من كونه. فهذه من الواجباتو وقد سنحت لي مسألة، فمن لقي نبيئا فشرع له دين.
الله وتوحيده فقبله عنه، فقال: أما إثبات نبوتك فلا علم لي إلا بمعجزة، هل يسعه ذلك؟.
وقد أجمعت الأمة في الخطاب الوارد من الله إذا كان مجملا أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة أن هذا من البيان الذي لا يتأخر عن وقت الحاجة أم لا؟ فالله أعلم.
وقول أهل الدعوة فيمن كان في جزيرة من جزائر البحر حيث لا يبلغه علم الشرائع في قومه وأمته: لا يخلو من أن يكون مجيبا لآبائه على ما هم عليه من الشرك، أو (على) (1) غير ذلك. ومحال أن يكون على غير دين آبائه، عادة الله التي قد خلت إلا إن أتى من قبل الله عز وجل ما ينقله عما تربى عليه. ومحال أن يهتدي لدين الله من غير مُنبِّه ولا مُخبر يدعوه/ فيشرع له الدين. فإن كان على شرك آبائه لم يعذر فيما يدركه بعقله و (لا) (2) فيما لا يدركه به، بدليل قول الله تعالى: {قلنا اهبطوا ....... خالدون} (3). (1/70)
صفحة 71
فصل
وأما من وقع في جزيرة من البحر مولودا أو فطيما أو مع السباع أو مع البهائم فعض غير صحيح العقل، فهذا على من ذهب في العقل مذهب أهل التجارب. وأما إن كان يسمع الأصوات فعلى مذهب أهل المواضعة، يصح عقله وإن لم يسمع صوتا ولم ينطق. ومن قال بالتوقف فهو بالمذهب الأول أشبه.
وقال المسلمون: من كان على هذه الصفة فصح عقله سلك سبيل الأولين في التكليف. وإن لم يصح عقله سقط التكليف ولا يعذر أحد في جهالة/ التوحيد حالة واحدة إن صح عقله. وأما من كان على شريعة نبي من الأنبياء فإنه يسعه شرعه حتى يسمع، كما قال الله تعالى: {وما كان ........ ما يتقون} (4).
فدليل الخطاب في هذه المسألة أنه مقطوع العذر سمع أو لم يسمع. والهداية هنا الإسماع، وهذا لمن لم يكن على دين.
فصل
اختلف الناس في هذا المختلف فيه من الديانات بعد تنافر النفوس قال بعضهم: الحجة فيه انثان. وقال بعضهم أربعة: وقال بعضهم اثنى عشر و (قال) (1) بعضهم: سبعون. و (قال) بعضهم: مائة. و (قال) بعضهم: عدد يوجب علم التواتر ولو كان ألفا. وقال بعضهم بالواحد، وهم الذين يقولون بأخبار الآحاد. استدل هؤلاء بقول الله تعالى: {يا أيها ........ نادمين} (2) وقد قال: {أفمن كان ....... لا يستوون} (3). ومن امتنع من قبو لالعدل المؤمن فقد ساواه بالفاسق في رد الشهادة. والأصل في الآحاد أن يكون عالما غاية معروفا مشهورا مقبول القول. أو من أورد الحجة بكمالها حتى لا يوجد على قوله مزيد. ومن قال بالإثنين حمله قياسا
على الأحكام، وليس الدين بأخسر منزلة من الأحكام كما قال الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل (1/71)
صفحة 72
منكم} (4).
والذين قالوا بالأربعة شبهمه شهود الزنا. (5).
والذين قالوا انثى عشر: قال الله تعالى: {ولقد أخذنا ...... نقيبا} (6).
والذين قالوا بالعشرين أخذوه من قول الله عز وجل: {إن يكن ....... مأتين} (7).
والذين قالوا بالسبعين أخذوه من قول الله عز وجل: {واختار ...... لميقاتنا} (8).
/ والذين قالوا بالمائة أخذوه من قول الله عز وجل: {إن تكن ..... مع الصابرين} (9).
وأصحاب الألف هم أصحاب التواتر. ومن قال إن حجة الله لا تقوم إلا بالتواتر، الألف فما فوقه، وهو قول أحمد بن الحسين، أزرى به على الدين وقدح في جماع المسلمين، وأبطل فائدة الأنبياء والمرسلين.
والأصل في هذه المسألة أن أخبار الآحاد مقبولة في نقل الشريعة. ومن قصد فهمه عن الحجة وقارنته قرينة الإرتياب فيسعه التوقف ولو كثروا وليس ذلك بقدح في المسلمين. وهذا كله ما لم تقع فيه البلوى. فإن وقعت البلوى واحتاج ألا يتخلف عن الحق. ويسعه ما لم يحوجه الله إلى الفعل فيتخلّف عن سبيل المؤمنين أو تبرأ (1) بواحد من المسلمين
أو وقف فيه أو قطع عذره أو تقول خلافهم في دين/ الله رب العالمين وتولى من كان على خلاف دين المسلمين وهو عندي قول (أبي الشعثاء) (2) جابر بن زيد رضي الله عنه ظني فيه حين ذكر ما يسع ثم قال: لا يجوز للعالم أن يقول للجاهل اعلم مثل علمي وإلا قعطت عذرك. ولا يجوز للجاهل أن يقول للعالم: اجهل مثل جهلي وإلا قطعت عذرك. فمن قاله منهما لصاحبه قطع الله عذره. وسنشير إلى طرف من هذه المسائل إذا صرنا إلى مواضعها. (1/72)
صفحة 73
باب
الأمر المجرد العاري من
القرائن هل يقتضي التكرار أم لا؟
الجواب: إنه لا يقتضي التكرار خلافا لمن قال يقتضيه من الشافعية ولمن قال بالتوقف من لأشعرية.؟ لأنه قد امتثل وفعل ما أمر به، وخرج من العهدة وصلح له الاسم فهو مصلٍّ وصائم فكما لا يقتضي الخبر التكرار فكذلك الأمر. ولو قال خبرا: صلى زيد لم يقتض التكرار ولا يدل إلا على صلاة واحدة، فكذلك الأمر. ومن/ حلف ليفعلن بر بمرة واحدة. واستدل من قال يقتضي التكرار لأن عليه استدامة الفعل حتى تأتي قرينة تدل على الترك كالنهي. فإذا نهي عن شيء فعليه استدامة الترك.
قلنا: إن لفظة النهي تدل على استدامة الترك بخلاف الفعل. واستدلوا بقضية الشارب حين قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم اضربوه فضربوه وكرروا عليه الضرب. فلو لم يقتض الأمر تكرار مما يقتضي الأمر من الضرب.
قيل لهم: إن قوله عليه السلام: اضربوا الشارب. مقترن بقرينة الردع
والزجر. ولا ينزجر بأدنى ما يقع عليه اسم الضرب. فكان الأمر ها هنا غير مجرد من القرائن، بل معه قرينة تدل على التكرار وهو الردع والزجر. ويعكس عليهم بضربه أبدا حتى يموت. واستدلوا بأن لو حلف أن لا يفعل الشيء لم يبر إلا باستدامة/ الترك.
قلنا: النهي خلاف الأمر ومقتضاهما مختلف. وإنما يدل على عكس ما في النهي. فإذا كانت الاستدامة في النهي فأحرى أن تكون في الأمر بل هو أولى. واستدلوا بتكرار الصلاة والصيام والزكاة. وعورضوا بالحج. واستدلوا بتكرار الاعتقاد. وينقض عليهم بمأمور (1) مرة واحدة أو بمرار محدودة فإنه يبر بالعدد ويجب عليه تكرار الإعتقاد ولا يجب عليه تكرار الفعل. والدليل الدال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بشيء فآتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم فانتهوا» (2). وقد تعلق الفريقان بهذا الحديث، ولكل متعلق (3)؛ أما الأولون قالوا: التحديد قد وقع، وأقله الاستطاعة. وقال آخرون: فلو استطاع الأبد (1/73)
صفحة 74
لكان عليه مثل ما عليه من استدامة النهي حتى يقع التحديد. والكل قاصر.
والذي يتوجه إليه الحديث أنه إن قدر أن يفعل ذلك الشيء كله فعله وإن/ لم يقدر إلا على بعضه فعل ما قدر عليه. ألا تراه يقول: «فأتوا منه ما استطعتم» ولم يرد تكرارهم، وهو الأليق برأفة الرحيم أن يقصرهم على أدنى ما يقع لهم به الاسم. وأما الدوام فشاق، وأما ما ذهب إليه الآخرون فربما أن يكون ندبا أمروا أن يفعلوه ما استطاعوا بدليل قوله عز وجل: {وافعلوا الخير} (4) أي: دوموا على فعل
الخير. ودليل آخر، إن سراقة بن مالك أو الأقرع بن حابس سأل رسول الله عليه السلام عن فريضة الحج، أللعام أم للأبد؟ فانتهره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «لو قلت نعم لوجبت» (1). فدل أن أهل اللسان عوّلوا على الدوام ولو لم يعقلوه من خطابهم لما ذهب عنهم. وعكس الآخرون حيث انتهره النبي عليه السلام على الدوام حتى قصر. وقال الآخرون: إنما أخذ عليهم من طريق الشرع لا من طريق اللسان.
فصل
الأمر إذا تكرر لا يقتضي تكرار المأمور به. وقال/ بعضهم يقتضي التكرار والأول أصح. وهو مذهب الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة ومالك والشافعي. وقالوا: أنه ليس في تكراره فائدة غير التأكيد. والذي يدل عليه اللفظ الأول هو الذي يدل عليه اللفظ الثاني. وقالوا إن اللفظ الثاني يحتمل الاستئناف فوجب تكرار الفعل لتكرار اللفظ.
قلنا: هذا أمر مظنون. وكما أن الأمر يحتمل الوجوب والندب ولسنا ندع الأصل إلى الفصل. دليل آخر: أن السيد إذا قال لبعده: أسقني، أسقني. أنه لا يتكرر سقيه لتكرر لفظه مرتين، وكذلك ها هنا. وهذا إذا تكرر بلفظ واحد أو بلفظين مختلفين معناهما واحد. وأما إذا تكرر الأمر بلفظين مختلفي المعنى واللفظ فذلك مأمور أن يجب امتثالهما. وأما إن اتفق المعنى واختلف اللفظ فذلك مأمور واحد وكذلك في فعل لا يتكرر كقولك: اعتق عبدك، اعتق عبدك. أو اقتل زيدا، اقتل زيدا/ وأما تكرير لفظ واحد في سخصين فيجب الامتثال فيهما كقولك: اضرب زيدا،
أضرب عمرا. وأما اضرب زيدا وأضرب زيدا بحرف النسق فإن الشيء لا يعطف على نفسه. فليس هناك (1/74)
صفحة 75
إلا فعل مرة واحدة. وأما في الأخبار فتكرار المعارف تكرار والنكرات أغيار كقول الله عز وجل: {فإن مع ............ يسرا} (1) فلو قال رأيت رجلا فقلت: من هو؟ فقال: الرجل زيد، لكان واحدا. ولو قال رأيت رجلا فسقاني رجل دل أيضا على الغيرية.
فصل
وإذا علق الأمر بشرط أو صفة فإنه لا يقتضي التكرار، وقال بعضهم: يقتضي التكرار، كقولك (2): اخرج إن شئت أو إن شاء فلان وإذا حانت الظهيرة فصلِّ، أو أخرج إذا طلعت الشمس. والقول الأول أصح. وإنما الشرط والصفة بيان لوقت الفعل وصفة.
واختلفوا أيضا في تكرر/ الشرط والصفة كاختلافهم أول مرة وأما إن قال: كلما طلعت الشمس فصلِّ، أو كلما شاء فلان فطلق زوجته، فإن هذا يجب حمله على التكرار في قول من قال بالعموم. وأما من قال بالوقف ومن لا يرى التعميم فلا يكرر واستدلوا بقوله: {إذا نودي .......... الله} (3). فأجابوا (4) أن القرينة فعل الرسول صلى الله عليه وسلم لا من جهة الأمر.
مسألة
اعلم أن المخير بينهما في الأفعال يجب أن يكون حكمهما واحدا في الوجوب وفي الندب وفي الإباحة. فإن لم يكن كذلك بطل التخيير.
والأفعال المخير فيها على ضربين: ضرب لا يجتمع كالتأجيل والتعجيل بمنى. وضرب يجتمع كالإطعام والصيام والعتق، فالواجب منها واحد غير معين إن أردت على جهة الوجوب خلافا لأبي حنيفة، لموجبها (5) كلها حتى يفعل واحدا بعينه. خلافا لمن قال: أغلاها ثمنا وباقيها/ تطوع. وتعلق بأن الثواب تعلق بأخلاها ثمنا وليس بصحيح. وخلافا لمن قال: الواجب منها أدناها وهو الذي اشتغلت به الذمة وطولب به المكلف فإذا فعله برئ وما سواه تطوع به.
والرد عليهم أن العقاب يبعلق بواحد إذا تركها كلها وهو غير معين. فبطل ما قالوا. (1/75)
صفحة 76
ومن الأفعال ما يجب التخيير بينهما ولا يصح الجمع بينها كالولي في الأكفاء والأمة في الخلفاء. وأما ما يقضي العقل باستخالته فلا يقع التخيير فيه كالجمع بين الضدين كما لا يصح التخيير بين واجبين. وأما إن كان أحدهما واجبا والآخر مندوبا إليه والآخر مباحا فلا يصح التخيير بينها لأن ذلك يخرج كل واحد منها عن صفته. وأما التخيير بين جميع ما يملكه أن يقضي منه الحقوق فجائز.
مسألة
الفرض الواجب الموسع وقته إذا فعل في أول الوقت أجزى بالإجماع. واختلفوا/ في حين وجوبه. فقالت الشافعية: يجب أول الوقت، وصار آخر الوقت توقيتا للأداء وتمييزا له من القضاء. وقال الحنفيّون: آخر أوقاته هو وقت الوجوب فإن فعل أول الوقت فعل نفلا وفي آخر الوقت واجبا. والصحيح أن الوقت كله من أوله إلى آخره هو وقت الوجوب ووقت الأداء لا وقت القضاء
وبه قال المالكيون. واستدل أبو حنيفة بأنه لو مات قبل آخر الوقت ألس هو غير آثم؟ قلنا: بلى. قال: هذه صفة الندب قلنا: أليس إذا مر عليه آخر الوقت ولم يفعل فيه شيئا وقد تقدم أليس قد ترك الواجب ولم يفعله؟ فتلك بتلك. وقالوا في الوضوء قبل الوقت ويصير في الوقت واجبا. قلنا: هذا شيء يراد لغيره. وإنما فرضه ألا يصلي إلا وهو متوضيء، وليس في هذه المسألة أكثر من المغالطات، والمعنى واحد وإنما الاختلاف في الألفاظ.
/مسألة
واختلفوا في الأمر المطلق، هل هو على التراخي أو على الفور ففيها جوابان:
بعض الفقهاء يقول بالتراخي وبعضهم بالفور، والأول أصح وحجته أنه كما يصلح أن يفعله في كل الأمكنة كذلك يصلح أن يفعله في كل الأزمنة ولا يتعين عليه زمان ولا مكان إلا ببيان. وقالوا في الحج أن كل موسم له موسم.
(1/ 94)
وحجة الآخرين اجتماعهم على جواز فعله عقب الأمر. فمن ادعى جوازه وتأخيره بعد ذلك فعليه الدليل. ودليل آخر: جواز الموت عليه إن كان عاصيا صح (1/76)
صفحة 77
أنه على الفور. وإن لم يكن عاصيا كان ندبا ولا ثالث لهما. وجواب الآخرين الامتثال عند غلبة الظن أنه يموت أو يفوت كالحج وتعليم الصبيان القرآن وأمر دينهم وتأديب الأهل مأمور به كالحج وهو واسع ما دام يغلب عليه ظنه أنه يدركه. كذلك قضاء الديون المؤجلة والمعجلة. فإن فاجأه الموت فالوصية تنوب مناب التضييع.
والأشعرية/ تقول بالوقف. ويلزمها على أصولها ألا يقطعوا. وأما أبو حنيفة فيقول بالتراخي إلى الموت. وإن حضره الموت فلا فرض. هذا نوع من الندب. والصواب أن يكون الجواب بين هذين: أن يكون على التراخي وهو الأليق برأفة الله تعالى، فإن حضره الموت فالوصية تنوب عن المعصية.
مسألة
اختلف الناس في قضاء الفوائت. قال بعضهم: لا يجب إلا بأمر ثان وقال بعضهم: واجب بالأمر أول أو قياسا عليه. وحجة الأولين أن تعليق الفعل بوقت معين كتعليقه بشخص معين، فكما لا يجب قضاؤك في شخص معين فكذلك لا يجب قاؤك على وقت معين.
واستدل الآخرون بأن الدين لا يسقط بمضي الوقت، فالعبادة أولى ألا تسقط بمضي الوقت. ولقول رسول الله عليه السلام: «أحق ما وفيتم به دين الله» (1).
وقال آخرون: إن العلة في الدين أنه واجب في كل الأوقات في الأجل وبعده. وإنما تأجيله ترك المطالبة/ ولا يسقط الدين بفوات الأجل ولا بفوات الغريم ولا المديان والورثة بمقامهما (1). والعبادة (2) إنما بأمر ثان في عبادات كالصلاة والصيام. قال رسول الله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها» (3) فذلك وقتها وهو المراد بقوله: «ودين الله أحق أن يؤدى» (4) وإنه لدين ملازم وقج قال الله عز وجل: {وأقم الصلاة لذكري} (5) وقال عز من قائل في الصوم: {فعدة من أيام أخر} (6).
وهناك فرائض لم يوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها القضاء كالجمعة إذا فاتت ظروفها صلى الظهر أربعا. والمجتهدون مختلفون فيما بين ذلك مما لم يذكر فيه قضاء ولا أداء. بعضهم يوجب عليه القضاء وبعضهم يسقط عليه القضاء كالكافر الأصلي، والأول كالمضيع الملي
وبعضهم يجعله كالكافر الأصلي إلا فيما يتعلق بالمظالم. وأما العبادات كالصلاة والصوم فلا شيء عليه. (1/77)
صفحة 78
باب
/هل يدخل النبي عليه السلام
في الأوامر الواردة في القرآن أم لا؟
ومن الأوامر ما يخص النبي عليه السلام دون أمته كقول الله تعالى: {يا أيها ..... إليك} (1). وقوله: {فاصدع بما تؤمر} (2). وقوله: {يا أيها المدثر} (3)، {يا أيها الزمل} (4). وما أشبه ذلك مما لا يدخل أحد معه في ذلك الاسم. وربما يرد الخطاب خصوصا له وعموما لأمته كقوله: {يا أيها النبي .... العدة} (5). وأما الاسم الجامع له ولأمته قداخل في الخطاب معهم كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا}، {يا أيها الناس}، و {يا أولي الألباب} و {يا أولي الأبصار}. وهذا وشبهه مما يدخل في الخطاب معهم على مذهب أهل التعميم، ويصلح على من لا يقول بالعموم (6)، ولا يقطعون إلا على أدنى ما يشمله الاسم العامّ له معهم. والقائلون بالوقف قالوا حتى يرد بيان ذلك. وقد احتج من لا يقول بالتعميم وقالوا يجب أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم داخلا في عموم/ الآية.
قلنا: قد كان. ولكن خرج عن جملتها بقوله: {نحن معاشر الأنبياء
لا نورث، ما تركناه صدقة» (7) خبر مشهور مستفيض في الصحابة وقد ورد عن الصديق ولا نكير.
فإن قالوا: تركتم كتاب الله عز وجل المقطوع به إلى خبر مظنون فيه. قلنا: فهذا يرجع عليكم في جميع عموم القرآن. وكذلك أهل الوقف يرجع عليهم إذا ورد القرآن وهو قولهم. ومن لا يقول بالعموم أجاز ذلك أيضا. وقالوا: إنه يصلح للعموم والخصوص وقد اتفقنا معهم على أن النبي عليه السلام قد أُمر بتبين ما في القرآن. وسنته بيان لما في القرآن، إلا إن قالوا: إنما يجب أن يكون البيان عند من سمع الرسول عليه السلام. ومن لم يبلغه فليس عليه شيء إلا أن يعلقه (1) إلى التواتر فيبطل جل أحكام الشريعة لعدم التواتر في جلها. ويبطل أخبار الآحاد وعليها بنيت الشريعة وأحكامها. ومن أبطل هذا الخبر فقد أبطل سائر الأخبار/ ولا سيما أنه رواه أصدق هذه الأمة وصديقها (1/78)
صفحة 79
بمحضر الصحابة ولا نكير وعمل به الخلفاء الراشدون. وأبو بكر الصديق عند امسه طاعوه له بذلك ولن تجتمع الأمة على ضلال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (2) وقال: «اقتدوا باللذين من بعدي» (3).
وأما الذين يقضون على العموم بأقل الجمع ينبغي لهم أن يجعلوا جميع أوامر الله وفروضه على الكفاية حتى يرد بيان.
فصل
إذا أفرد النبي عليه السلام بخطاب هل تدخل معه أمته فيه. أما بحق
الظاهر فانفراده بذلك الحكم أولى من جهة اللغة، إى أن الشرع قد ورد بالإقتداء به واتباعه، إلا أن يدل الدليل على اختصاصه. والدليل على ما قلنا: اقتفاؤهم آثاره في أفعاله. ومن الأصول: أن أفعاله بيان للقرآن. وروي عنه أنه قال: «خذوا عني مناسككم» (1)، و «صلوا كما رأيتموني أصلي» (2). ومصداق ذلك حديث أم سلمة أن امرأة سألتها عن القُبلة للصائم. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا/ أخبرتهاأني أفعل ذلك وأنا صائم» (3).
فصل
هل يتناول الأمر المطلق جميع المكلفين من حر وعبد وذكر وأنثى ومؤمن وكافر، أم يتناول بعضهم.
اعلم أن الخطاب إذا ورد بصيغة العموم نحو قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا}، {يا أيها الناس}. فمن قال بالعموم أجراه على العموم واستغراق جميع الجنس. ومن أبى من التعميم فإنه يصلح عنده دخول هؤلاء كلهم في الخطاب ويصلح غيره. ومن قال بالفتح فحتى يرد بيان ذلك. وبعضهم يقول: إن العبيد لم يدخلوا في هذا الخطاب وزعموا أنهم مال فلو أسقط عنهم هذا جميع التكليف بهذه العلة لكان أشبه، فكيف وقد أزلهم التوحيد والإيمان والسلام؟! وليس في أنه مال ما يخرجه من حد التكليف، وتصرف السيد فيه. ,إنما سيده مخول له في بعض الأمور فالعلة في المولى الأكبر أظهر منها في المولى الأصغر. (1/79)
صفحة 80
مسألة
قال بعضهم في الكفار أنهم غير مخاطبين بفروع الشريعة/ وقالوا: إذ لا
تصح منهم عبادة بإقامتهم على كفرهم حتى يؤمنوا. فكذلك هم غير مكلفين فروع الشريعة. والصحيح أن الكافر داخل في الخطاب وفي كل خطاب يشمله مع غيره. وليس في أن لا تصح منه عبادة ولا طاعة بإقامته علىكفره ما يمنع من خطابه. وقد خوطب المصلي بالصلاة وإن كان محدثا ولا تصح الصلاة مع الحدث، ولكن أُمر بهما جميعا، بالطهارة وبالصلاة. وقد خاطبهم الله بفنون الطاعات، ونهاهم عن فنون المعاصي وعاقبهم عليها بفنون العقوبات. أفيصح أن يعاقبهم في أمر لم يخاطبوا به؟ فتعالى (الله) (1) عما يقولون علوا كبيرا.
وأما بيان دخول النساء في خطاب الرجال فمن قبل تغليب المذكر على المؤنث، والخطاب للأفضل لغة ومعه المفضول معنى، هذا هو المعروف عند أهل اللغة وإن كان الشرع طارئا على اللغة فللطارئ حكمه. وهي (2) أول مسألة وقعت بين المسلمين والمشركين في الحديبية/ سنة ست من الهجرة. وذلك أن رسول الله عليه السلام صالح كفار قريش بالحديبية على هدنة عشر سنين وشرطت قريش شروطا اضطهدت فيها المسلمون منها: أن من ارتد من أصحاب رسول الله عليه السلام إلى الكفر فما لهم عليه سبيل، وأن من آمن من الكفار أن يرده رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الكفار، فامتعض من ذلك المسلمون ولم يقدروا أن يردوا أمر رسول الله عليه السلام. وعقد الصلح سهيل بن عمرو. فلما وجب الصلح وكتب الكتاب هربت امرأة من الكفار مسلمة فامتنع المسلمون من ردها وقالوا: إن الصلح لا يجري على النساء لأنهن لم يجر لهن ذكر في الكتاب. فقال سهيل كم النساء تبع لحكم الرجال وأبى المسلمون من ذلك وقالوا: انا خطابنا وخطاب النساء في كتابنا مفترق، وخطابهن مخالف لخطاب الرجال، وقد انفرد كل بخطابه:
قال الله تعالى: {إن المسلمين ......... والمؤمنات} (1) الآية، فلما رأى رسول الله عليه السلام تظاهر/ المسلمين وتحزبهم واجتماعهم على ذلك قال لسهيل: إن شئت رددناها جذعة. فامضى سهيل الصلح، فخرج، فخرج النساء من خطاب الرجال. لكن الأمة قد أبصرت شمول الخطاب لهن مع الرجال إلاّ في أمور مخصوصة والله المستعان .... (1/80)
صفحة 81
فصل
وأما الأطفال والمجانين فقد أخرجهم الشرع من التكليف ولكنهم كلفوا بعض أمور الشريعة ولم يكلفوا بعضا. والأمور التي أخرجهم الشرع من تكليفها فالمآثم والحدود والوعيد، لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاث من أمتي، عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ» (2) ولم يرفع عنهم العبادات كالصلاة والزكاة والصوم والحج وشعائر الإسلام وقراءة القرآن، وتعلم شعائر الإسلام والختان ومن ورائها عقوبات عاجلة. ومنه قول الله عز وجل: {يا أيها ...... نارا} (3) ولهم في جميع ذلك أجر وللأطفال أجر لقول رسول الله، ألهذا حج فقال: «نعم، ولك أجر» (4). ولا تكتب عليهم خطيئة ولا مأثم. وفي قول بعضهم إن لهم سيئات وخطايا، وليست بذنوب وهو نصيبهم من خطيئة أبناء آدم عليه السلام، ومنه قول الخليل إبراهيم (عليه السلام) (5): {والذي أطمع ...
أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (6) لم يرد ذنبا لقوله: {وإبراهيم الذي وفَّى} (7) وقد روي عن رسول الله عليه السلام أنه صلى على طفل فقال: «اللهم اغفر له وارحمه وكفّر عنه سيئاته».
ومصداق ما قلنا أن الأطفال تكتب لهم الحسنات بما يتعلمون في حال الصا من الشرائع وقراءة القرآن وغير ذلك، قول الله عز وجل: {والذين آمنوا ...... ذرياتهم} (1) وهذا الإيمان المنكر يصلح للآباء والأبناء ويصلح للكبار ويصلح للصغار ويصلح للكل. وأطفال المسلمين مسلمون ومؤمنون. وجميع من في الجنة من الحور العين والولدان والأطفال من أولاد المشركين وغيرهم كلهم مسلمون على قول من يوجب لهم الدخول في الجنة وبحكم دخولهم في الفطرة لقول رسول الله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه هما الذان يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (2). (1/81)
صفحة 82
فصل
هل خطاب من في عصر الرسول عليه السلام خطاب لمن يأتي بعده من أمته؟ اعلم أن الأمر الوارد من الله تعالى في القرآن لمن في الرسول عليه السلام لا يدخل فيه من لم يكن موجود العين في ذلك العصر إلا بدليل، وهو الإجماع المقتبس من أنفاس النبوة وتصريحا. وأما قوله عليه السلام: «بعثت إلى الأحمر والأسود» (3) وقوله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس} (4). وقوله عليه السلام: «حكمي على الواحد حكمي على الجميع» (5) فليس يتجه إلا على الموجودين في عصر
الرسول عليه السلام ولا يدخل فيه ما يأتي بعده من أُمته إلا بدليل آخر. وكذلك قوله: «أمري/ للواحد منكم أمري للجميع» فكذلك لا يصح خطابه لرجل مخصوص بخطابه دخول غيره فيه إلابدليل قياسي أو شرعي أو عقلي. ولما أخبرهم الرسول عليه السلام أنه مبعوث إلى المكلفين من الأنس والجن إلى يوم القيامة علموا من هناك دخول الجميع في الخطاب فكذلك قوله: «أنا خاتم النببين» (1). وقوله: «أمتي آخر الأمم» (2)، «وعلى آخر أمتي تقوم الساعة» (3) علموا من هناك أن سبيل التكليف قد أتى على الجميع. وحتى قالوا له: كيف تعرف من يأتي بعدك من أمتكقال: «أرأيتم لو كانت لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟» قالوا: بلى. قال: «إنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلينمن أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض» (4).
باب
الإيمان بالقلب مأمور به دائم الوجوب دائم التكرار إذا كان ذاكرا يجب تكرار سائر العمر. وإن كان ذاهب القلب، أعني ساهيا، لزمه استصحاب حال الإيمان/ المتقدم ما لم يخالف إلى ضده. وأما النطق بالشهادة فمرة في العمر وإن كان معدوم اللسان من أول الأمر فالرمز والكتاب وما يقوم مقام النطق من الإشارة. ويجب على العبد النطق ولو كان خاليا لأن الله تعالى تعبده بإظهار الإسلام والشهادة وهو عنوان الإيمان لا سيما ومعه الملائكة يُسمِعُهُم ويشهدون ويشهدون له (1/82)
صفحة 83
مسألة
اختلف الناس إذا تعبده الله بطاعته هل على العبد أن يعلم أن الله تعالى أمره بهذه الطاعة وفرضها عليه أم لا.
فقالت القدرية: إن العبد لا يعلم أن الله تعالى تعبده بشيء من الطاعة حتى ينفصل منها لأجل أنه قد يوز أن يعرض له عارض فيفسد عليه ذلك العمل ويكون قد علم ما لم يعلم، أو يعلم الله تعالى أنه يموت قبل الفراغ من ذلك العمل فيخرج اعقاده غير صحيح. فإذا فرع منه وفعله على الحالة المأمور بها نهاك يلزمه أن يعلمه أنه طاعة/ وأنه فريضه.
والرد على هؤلاء: قيام الجهل بهم إلى الآن لأنهم لا يدرون ما يفسده مما لا يقفون عليه ويظهر بعد حين وربما لا يظهر إلى يوم القيامة.
وقالت الأشعرية: عليه أن يعلم أن الله تعالى، ولو علم الله تعالى أنه لا يستتمها أو تنقض عليه. وإنما عليه العزم والإعتقاد والامتثال وإنما يكلف في هذا الظاهر ولو كلفنا الباطن لما صح لنا علم بفرض الله تعالى ولا قطعنا. والذي عليها أن نعلمه أنه فرض عليها قطعا. فجميع أعمال القلوب بيننا وبينه؛ وأما ما بيننا فإنما كلفنا فيه الظاهر وتمتثل ونعتقد وأما في أعمال الجوارح ففي الصلاة علينا أن نعلم أوقات الصلاة وأن نعلم وقت الصبح ووقت الظهر والعصر والمقرب والعشاء ألا أن يلتبس به ما نرجع به إلى الإجتهاد/ كالغيم وغيره وهو قول المسلمين، وقالوا: وقد كلف الله العباد فعل العبادات والإخلاص والنية. قال عز من قائل: {وما أمروا ......... القيمة} (1) فهمها عملوا وفعلوا برئت الذمم. وليت شعري عمّن يقول ليس عليهم أن يعلموا أنها
فرائض هل يحط عنهم أن يعلموا أنها طاعات أم لا؟ أو مأمور بها أم لا؟ وهكذا ايضا قول (ابن) (2) يزيد الغزاري على قول القدرية. والصحيح ما قاله المسلمون والأشعرية. وسألوا وقالوا: هل يجوز على الله أن يفرض فرائض يعلم أنها لا نؤديها بموت يخترمنا أو بفساد يدخل عليها يعلم به هو ولا نعلم به نحن؟.
الجواب: أن الله تعالى فرض علينا فرائض. وأن ما امتثلنا مما يعلم بفساده (1) هو ولم نعلمه نحن أنه في حقنا فرضنا وليس/ علينا غيره (2) ومكتوب لنا (1/83)
صفحة 84
فرضا إن اخترمنا. وقد أوجب الله تعالى مسألة الحرام المجهول الذي يعلم الله تعالى أنه ليس بمال لنا ولا هو لنا ففرض عليها فيه فرائض من تركها مأزور ومن فعلها مأجور. وستأتي في بابها إن شاء الله.
مسألة
وهل يؤمر العبد بفعل لا ثواب له فيه كالمضي في فساد الحج والكف في رمضان عن بقية يوم إفطاره؟
قال بعضهم: لا ثواب له ومع ذلك أنه مأمور. وبعض يقول: إن له ثوابا. وهو الأصح لأنه مأمور به وإن كان لا يجزيه، وعليه فيه الإعادة. وكذلك البيع بعد النداء يوم الجمعة تام مع حصول الذنب. وكذلك النكاح قياسا على البيع. والأصل أن جميع ما يشغل عن إجابة النداء حرام، إلا إن وقع فرض على فرض قياسا على البيع وتبعا له واختلف في النكاح بالخمر والخنزير والميتة والدم والأنجاس والأمور المحرمة كلها فهذه/ مسائل
مسألة
هل يقال واجب أوجب من واجب، أو ندب آكد من ندب، أو حرام أشد من حرام؟ فالكل سائغ. وكونه أوجب من واجب أي (3) أكثر ثوابا أو لكونه أكثر عقابا، وليس بمستنكر. وقد يكون أوجب الواجبين كالفرائض التي تدخل على الفرائض كالتنجية في الصلاة، وإصلاح الفساد، والهروب من الآفات ودفع المضرات وقصر الصلاة للقاء العدو، وكذلك العوارض التي تخطر في الصلاة من ذكر الإيمان والوسوسة في صفات البارئ وتشبيهه بخلقه، فالاشتغال بهذا وإصلاحه ونفي (4) ما ينفي وإثبات ما يثبت آكد من الصلاة، ولا يضر صلاته اشتغاله بالأوكد والأهم. والنوافل قبل الإلتباس بها نوافل وبعد الإلتباس أيضا إلا أنه قد وجب الإتمام واتقاء النقص والنقض. (1/84)
صفحة 85
مسألة
هل يكون ما (لا) (5) يمتثل الأمر إلا به مأمورا أم لا؟.
الجواب المطلق: نعم. ولذلك شروط/ وهو أن تكون هذه الأفعال من فعله لا من أفعال الله تعالى التي اختصت به؛ لأن القدرة على الفعل لا يتم الفعل إلا بها وليست مأمورا بها، ولكن الكلام على مقدوره واكتسابه كاستعمال ماء الوضوء للجوارح وتناوله واستخراجه من البئر بالدّلاء والرشاء، والنظر والذوق والشم إن عرض عارض. وبذل الثمن غير المجحف فيه إن عاز الماء ووجد الثمن. وكل ما لا يوصل إلى فعل الواجب إلا به فهو واجب على الشرط الذي ذكرناه. ومنها ما هو ليس بمقدرو (1) له خصوصا كالولاية وإقامة الحج وإقامة الحدود، ولا يصح إلا مع الشروط المشروطة فيه.
هذا كله خلافا لأبي حنيفة حين أسقط طلب الماء للوضوء، واستدل بقوله تعالى: {أو لامستم .... فتيمموا} (2) ولم يذكر الطلب وإنما ذكر الوجود. وكذلك يلزمه في الرقبة إن لم يجدها ووجد الثمن لا شيء عليه. وكذلك في الكفّارات والنفقات/ وقضاء الديون الواجبات والجهاد وشراء السلاح والكراع والحمولة والزاد إلى الحج، فإن تم على هذه المسائل كلها أفحش، وإن نقص منها (شيئا) (3) انتقض أصله، بل الحق الحقيقي أن من ملك عين الذهب ومفتاح الأرب أمكنه كل شيء، ومن قال خلافه فهو معلول مأفوه مخلول.
فصل
هل يكون المأمور به من جهة منهيا عنه من وجه آخر؟.
اختلف الناس في هذا الباب، فقال بعضهم: يجوز أن يكّون مأمورا به من وجه منهيا عنه من وجه آخر. وذلك أن السجود لله تعالى مأمور به على وجه التقرب إليه به. وذلك السجود منهي عنه أن يتقرب به إلى الشيطان.
وقال بعضهم: إن السجود لله تعالى هو في عينه غير السجود المنهي عن أن يكون للشيطان.
وقالت المعتزلة: قد نهي (1/85)
صفحة 86
العاصي في الذنب على ثلاثة (1) أوجه: نهي (عنه) (2) أن يرتكبه ونهي عنه أن يحدثه، ونهي عنه أن يريده. ولم يبق لهم إلا الاستطاعة. وجوابهم/ على أصولهم. وقول الجميع إنما نهي عن ارتكابه ولم ينه عن إحداثه ولا اختراعه لأن ذلك ليس إليه، وإنما إحداثه واختراعه إلى الله عز وجل. وأما إرادته وهي تمنّيه وتشهيه فهي من أفعاله فمنهي عنه، وأما إرادة إيجاده أو وجود فليس ذلك إليه.
مسألة
اختلف الناس في الأمر بالشيء هل هو نهي عن ضده؟ فقال قوم: الأمر بالشيء نهي عن ضده، وقصروه على الواجب لئلا يقع النهي عن ضده الأمر المندوب إليه.
وقال بعضهم: الأمر بالشيء أمر به من وجه، والنهي عن الشء نهي عنه من وجه آخر غير وجه الأمر به. فالذي يقول إن للأمر صيغة وللنهي صيغة، والذي يجعل الأمر بالشيء نهيا عن ضده، فلا يصح ذلك إلا من جهة المعنى لا من نفس اللفظ.
وقالت القدرية: لا يكون الأمر بالشيء نهيا عن ضده، ولا النهي عن الشيء أمرا بضده البتة. والقول الأول أصح، وهو قول أبي الربيع سليمان/ بن يخلف. وذلك أن المأمور بالشيء لا يخلو (1) أن يوجب عليه ضده، أو يندب إليه، أو يباح له، أو ينهى عنه. فمحال أن يوجب عليه ضده، ما أُمر به فكذلك وإن أبيح له ضده ما أُمر به سقط فائدة الأمر، ولم يبق إلاّ أنه نهي عن ضده. فإن كان المأمور به ذا أضداد دخلت (تلك) (2) الأضداد كلها في النهي واستدلوا هم أيضا بأن لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان العالم بالشيء جاهلا لضده؛ لأن العلم والجهل ضدان، والأمر والنهي ضدان، والعالم والجاهل بمثابة المأمور والمنهي، ويكون القادر على (3) الشيء عاجزا عن ضده، وكذلك لو كان الأمر بالشيء نهيا عن ضده لكان نهيا عن جميع اضداده. ولو كان النهي عن الشيء أمرا بضده لكان
أمرا لجميع اضداده وقد نجد الرجل ينهى ألا يدخل الدار وليس ذلك بأمر أن يدخل جميع الدور/ وينهى أن يأكل لحم الخنزير (1/86)
صفحة 87
وليس ذلك بأمر أن يأكل جميع اللحمان سواه.
واعلم أن جميع ما اعترضوا به عوّلوا فيه على الغير لا على الضد وعلى أن الأمر والنهي يختلفان في هذا، وذلك أن الأمر لا يصح امتثاله إى بالكف عن جميع أضداده، ولا كف إلا بالنهي. وأما النهي عن الشيء فلا يكون أمرا بجميع أضداده. ألا ترى إلى من وقف بعرفة وقد أمر بالوقوف فيها أنه منهي عن أن يقف فيما سواها. ومن نهي عن أن يقف ببطن عرنة لم يؤمر أن يقف بأمكنة الدنيا كلها، فافترق الأمران. والصحيح أن المأمور بالشيء قد نهي عن جميع أضداده، وليس المنهي (1) عن الشيء بمأمور بجميع أضداده. وقد كانت (2) القدرية تقول إن القدرة على الشيء قدرة عليه وعلى مثله (3) وخلافه وضده، ومع ذلك لا يلزمهم أن يكون الأمر بالشيء أمرا به وبمثله وبخلافه وبضده.
فصل
وهل يجوز فعل المأمور به من وجه إذا وقع منهيا/ عنه من وجه آخر، كالمصلي في الدار المغصوبة أو بالثوب المغصوب أو الماء المغصوب للوضوء؟
اعلم أنه قد يقع الأجزاء وأن فعل الوجه المكروه المنهي عنه. وقد يتفق في أشياء ولا يتفق في آخر كالذي قدمنا من الصلاة في الدار المغصوبة، أن الصلاة قد أجزأته ولا يعاقب عليها وإنما يعاقب
على غصب الدار في الاستنفاع (1) بها وكذلك يعاقب على غصبه الثوب الذي يصلي به والماء الذي به تطهر. وأما اختلال (2) الصلاة من بعض شروطها كنفس الوضوء والثوب النجس (3)، أو الصلاة قبل الوقت، أو صلى غير مستقبل القبلة (4) فهو غير مصل التبة، ويعذب هذا على تركه الصلاة. اعلم أن مسألة الغصب إنما حدثت بعد الصدر الأول، وقد صدر (5) الصدر الأول الذين هم الصحابة والتابعون ومن بعدهم من العلماء، وفي أيامهم من المغصوبات في الأرضيين والدور والمقابر/ والثيباب والأموال السحت والحرام وأهله يتدالونه (6) (بين) (7) ظهرانيهم طعاما وشرابا وابتذالا ولباسا فلم يختلف اثنان في صلاة (هؤلاء) (8) (ولا) (9) أنها مجية أو غير مجزية (حتى) (10) نبغ التنطع من بعض المتحذلقين فوقع الخلاف فأجرى بعض الفقهاء المسأةل على وجهها ولم يهتبلوا بقول الشذوذ، وهي عندهم إلى الإجماع أقرب. (1/87)
صفحة 88
مسألة
واختلفوا في الواجبات التي يلتبس بها المندوب كاطالة القيام في الصلاة والسجود والركوع والخشوع والقدر الزائد على الكافي في القراءة والثياب والسر والجهر والتحميد والتسبيح والتكبير وغير ذلك. وفي جميع
الفرائض من إبرار (11) الوالدين وصلة الرحم واستسمان الهدايا والضحايا واستغلائها.
قال بعضهم: الكل واجب. وهو قول أصحابنا. وقول المعتزلة والأشعرية القدر الزائد ندب. وهذا القول أعجب إليّ. والقدر الزائد/ معروف، وما كان ربك نسيا. وأيضا لو كان واجبا للزم استحقاق العقاب على ترك شيء منه. فلما رأيناه قد يقتصر على ثلاث آيات وتجزيه علمنا أن ما زاد على الثلاثة ندب.
وقال آخرون: إن الله تعالى قد أوجب السجود على المصلي ومحال أن تكون بعض الواجبات واجبات وبعضها ندبا، فكذلك كل مأمور به مفوض إلينا. وأقول: إن الله تعالى قد أوجب علينا الصلاة وجعل لها أصولا وأركانا لا تتم إلا بها فمن أخل بشيء منها عامدا انتقضت صلاته، أو ساهيا استدرك وسجد للسهو. وجعل فيها أشاء واجبات أكيدات فمن تعمّد ترك شيء منها أعاد (1) صلاته وإن سهى سجد للسهو. وجعل فيها فضائل مندوبا إليها من أحروها أُجِر ومن تركها لم يُؤزر، وأما حيث لا ينفصل النفل من الغرض كغلاء الضحايا والفضل في/ الصدقات. والمثمن في الرقاب، فالله أعلم {وعنده ..... إلا هو} (2). (1/88)
صفحة 89
باب
في أحكام النهي (3)
اعلم أن جل أحكام النهي مندرجة في أحكام الأمر. وحدُّه: القول المقتضى به ترك الكسب. وقد تقدم الاختلاف فيه عند ذكرنا الأمر هل له صيغة أم لا.
فقولنا: إن الأمر والنهي لهما صيغة. وقول الأشعرية أن لا صيغة لهما. وأن النهي عندنا متقدم على أحد محتملاته، فهو الأصل وغيره هو الفرع وقد خلق الله الخلق لنا، وخلقنا لأجل العبودية، وخلق الكلام لأجل التكليف، والتكليف هو الأمر والنهي، ولا ينبغي أن يتقدم على الأمر والنهي شيء من محتملاته، ومحتملاته ترد على التحريم، وهو النهي المطلق كقول الله تعالى: {ولا تشركوا به شيئا} (4)، {ولا .... بالحق} (5) ومنها التنزيه كقوله تعالى: {ولا تنسوا الفضل بينكم} (6) وقوله: {ولا يأتل/ ,,,, لكم} (7).
وجاء على الدعاء: {ربنا .............. الكافرين} (1) وجاء على التهوين (2) قوله: {إخسأوا فيها ولا تكلمون} (3). وعلى التسلية: {لاتحزن ......... يمكرون} (4) وعلى قطع الطمع:
{لا تركضوا ....... تُسألون} (5). وعلى الموعظة: {لا يغرنك ..... قليل} (6)، {فلا ....... أولادهم} (7) وهذه المحتملات كلها تحتاج إلى القرائن. ولو قلنا إن مطلق النهي يحتاج (8) إلى قرينة لكان خطاب المالك القاهر للعبد الذليل/ دليلا على أعظم قرينة، كيف والظاهر عند العرب أن نفس الصيغة دالة على الأمر والنهي. ولولا ذلك لبطلت المعاني واختل البيان، وظهر المثل في اختلاط الرائب والحليب. (1/89)
صفحة 90
مسألة
اختلف الناس في النهي هل هو زجر كله أو فيه تأديب؟
قال بعضهم: إن نهي الله تعالى يقع فيه الزجر والتأديب كنهي الرسول عليه السلام.
وقال بعضهم: إن نهي الله زجر كله وهو الأصل. وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: إن نهي الله الله زجر كله وليس فيما يعصي الله به صغير. فأثبت جميع ما نهى الله عنه أنه كبير.
والذي قال في النهي بالتأديب في النهي أبطله في الأمر، تأديبا مقابلة لأمره تأديبا، ومن أبطل التأديب في النهي أبطله في الأمر، ورد حكم النوافل إلى الندب والدعاء. ورد حكم الصغائر (9) إلى الرسول عليه السلام والمسلمين. وفي منا هي الرسول عليه السلام ومنا هي المسلمين/ تكون عنده الصغار وكل ما نهى الله عنه كبير.
فصل
واختلفوا في النهي، هل يدل على فساد المنهي عنه أم لا؟.
قال بعضهم: النهي يدل على الفساد المنهي عنه. وقال غيره: لا يدل. واستدل الأول بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو ردّ» (1).
والأصل أن الأمرين جميعا ممكنان، ولكل واحد موضع. أما الأول فينتقض عليه بالمطلق ثلاثا وقد نهي عنه ولن ينفسخ هذا الطلاق وإن فسخوه قدوا أصلهم وفارقوا الإجماع. وينتقض عليهم بالصلاة في الدار المغصوبة والثوب المغصوب، والوضوء بالماء المقصوب كما قدمنا وهو من الأمور المعفّو عنها لهذه الأمة. وكثير من هذه الأمور المنهي عنها أجزناها وأبطلنابها كثيرا من الأمور الصالحات كطلاق البدعة ولغير السنة وقد أمضيناها. والحج بالمال الحرام، وإخراج الزكاة من المال الحرام، وهذا كله إن تاب وراجع وأدى وأصلح أن ليس عليه إعادة، وكذلك نفقات/ الأزواج وقضاء الديون الواجبات.
فصل
ومن ولج في زرع غيره أو أولج فرجه في فرج حرام، أو برك على إنسان (2) لا يستقل عنه إلا بكسر اضلاعه. ولا يخرج المولج إلا بلذة الإخراج، ولا يخرج من (1/90)
صفحة 91
المزرعة (3) إلا بفساد الزرع.
قد اختلف الناس في هذه المسألة، فبعضهم يقول: لا مخرج له ولا مولج قد انسد عنه باب التوبة، وفتح له باب الخيبة. إن أقام أقام في معصية،
وإن زال زال بمعصية. وهم مع ذلك مكلفون مأمورون منهيون، ولا يحط عنهم أن أوتغوا (4) أنفسهم وأوبقوها (5) شيئا مما حرم الله عليهم.
قال بعضهم: لهم التوبة بعموم قوله عز وجل: {وإني لغفار لمن تاب} (6). وبقوله: {وتوبوا إلى ...... تفلحون} (7).
وكذلك اختلافهم فيمن قتل نفسه بحديدة أو تردى من جبل أو تحسَّى سما. قد أنقد فيه رسول الله عليه السلام الوعيد ولم يجعل له إلى التوبة سبيلا. فهذه الوجوه آكد من الأولى لقول رسول/ الله عليه السلام:» من قتل نفسه بحديدة فهو يتوجى بها في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تحسى سما فهو يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا، ومن تردى من جبل فهو يتردى في نار جهنم خالدا أبدا» (1). فخص الذاهب إلى إبطال توبته عموم قول الله تعالى: {وإني ....... اهتدى} (2) وهو مذهب عبدالله بن عباس، وعبدالله بن مسعود، وعبدالله بن عمر في قاتل النفس أن قوله: {وإني لغفار لمن تاب} مخصوص بهؤلاء ولا يرون لهم توبة. وأما الذين عولوا على تعميم آية المغفرة وإجرائها (3) على نظامها قالوا: محال أن يأمر الله عز وجل عباده بأمر يكون لهم طاعة وإن امتثلوه لم يطيعوا ... ومحال أيضا أن يأمرهم بأمر ولا يجعل السبيل إلى مأتاه (4). فلما أمر هؤلاء صح القبول إن صحت شرائط التوبة فعولوا على المخرج والنجاة والفرج من الله تعالى لمن سلمت نيّته.
وأما المرجئة لم تقطع في جميع الذنوب بوعيد. وأهل الوقف قد وقفوا وحاروا. وأهل التعميم قد لجّوا وساروا. (1/91)
صفحة 92
باب اختلاط الحلال بالحرام (5)
وذلك كالأموال تختلط، والزوجات المطلقات بالزوجات المطلقات (6)، والنسائب بالغرائب، والنجس بالطاهر، والليل بالنهار.
فإن اختلطت الأموال وعاز تمييزها وقعت الشركة واصطلح أربابها كصبر (1) القمح والشعير. وإن تلابست المعلومة بالمجهولة وأمكن فرزها أخذ أصحاب المعلومة معلومهم وبقيت المجاهيل مجاهيل. وإن استهلكت بعضها في بعض ولا ينفكان إلا بفساد أحدهما فإنهما يشتركان في الباقي والآخر وينزلان بقيمتهما. وإن كان دينار وقع في محبرة ولا (2) يخرج منها إلا بكسرها أدين (3) الأفضل وجُبر المفضول، وكذلك الثور يحل رأسه في الخابية نزلا بالقيمة في الفاضل (4) وافسد المفضول إلى الفاضل.
ويقوم السلطان والقاضي والجماعةمقام من غاب أو ضاع من/ هؤلاء. وأما الأزواج المطلقات فالمخرج تحقيق الطلاق والرجعة إن أمكنت وإلا فالتحريم أغلب. وأما إن طلق من نسائه واحدة لغير عينها أو لعنيها فانتلفت وقعت الشبهه، فالأولى (5) يلحقه بأيتهن شاء في قول بعضهم إلا إن عنى واحدة بعينها. وكذلك الظهار والإيلاء على هذا الحال. وأما النسائب مع الغرائب فإن كان في المخالف (6) أو الرساتيق (7) أو الكفور (8) أو المزالف (9) أو ما أشبه ذلك، تحرى الصواب وكف عن الشبهات. كالرجل تلفت له نسيبته في محلة فإن كانت أُمّا نكح ما دونها في السن، وإن كانت بنتا نكح ما فوقها في السن (10)، وإن كانت أختا تحرّى الصواب. وإن اشتبه الكل حرم الكل والتنزه أفضل. وأما في المدائن الكبار والعمارات المتصلة فلا حرج، ويتحرى الصواب ويعتزل الشبهة،/ وإن اشتبه الكل حل الكل. وكذلك الحرام إن عم بلدا طارئا فعدته ثلاثة أيام.
فصل
وأحكام الأموال ثلاثة: حلال صرف وحرام صرف وشبهة. فالواجب ترك الحرام (1/92)
صفحة 93
واجتناب الشبهة واستعمال الحلال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك أمور متشابهة، ومن استبرأ لدينه وعرضه كان أفضل، ومعاصي الله حماه ون يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» (1) وقد قال أيضا عليه السلام: «إنما سمي المتقون
متقين لتركهم ما لا بأس فيه مخافة ما فيه بأس» (2). وذهب آخرون إلى تضعيف الشبهة والريبة. وقول جابر بن زيد رحمه الله والربيع بن حبيب رحمه الله يئول إلى هذا. وقال الربيع بن حبيب، لا أعرف الريبة وإنما هو حلال وحرام. وسأل رجل جابر بن زيد رحمه الله تعالى عن رجل عشار كان جارا له يهدي إليه/ إن كان يقبل هديته. فقال جابر: خذ من جارك ما أعطاك. فقال له الرجل: إنه عشار لا أعرف عنده من الحلال شيئا. فقال: خذ من جارك ما أعطاك. وسئل عبدالوهاب بن عبدالرحمن بن رستم رضي الله عنهما في كتاب الجوابات عن رجل كان في بلد وله فيه أصل وهو يستدين الأيتام والأرامل والناس. فقال له: لا بأس في معاملته إلا ما علمته حراما. والتنزه عن هذا أفضل. وجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم على حسي ماء حوله ناس قعود فهم رجل من أصحابه أن يسألهم عن الماء إن كانت السباع ترده أم لا. (فانتهره عمر فقال) (3): إنا نرد على السباع وترد السباع علينا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صدق عمر، لها ما حملت في بطونها ولكن ما غبر» (4).
وسألت عائشة رضي الله عنها عن الوفود التي تقدم على رسول الله عليه السلام تريد الإسلام فتسلم، وكانوا يسألون/ أي نساء رسول الله عليه السلام أحظى عنده فيقال عائشة. فيهدون إليها مما معهم من طُرف البادية وربما يهدون إليها من القديد شيئا – وسألته عن ذلك فقال: «سمي وكلي» (1). وأول نازلة نزلت في هذه الأمة هوشات الأسواق والنّهب في الدور والحوانيت أيام مقتل عثمان بن عفان. وقال عبدالله ابن سلام:
كفوا عن الأسواق ثلاثة أيام ثم لا تبالون .. وللمشايخ ثلاثة أجوبة في الريبات: إن لم يدخل عليها صاحبها أن يمسك ولا يبالي. والثاني: أن يبيع ويمسك مقدار الثمن وينفق الباقي. والثالث: أن يستنفع بالثمن كله. حكاها سلامة الدريني عن أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه.
وأما إن دخل على الريبة، فإن كانت محققه فكالحرام بعينه، يأثم حيث يأثم في الحرام. وإن كانت معارضة، يأثم ويردها وينفق مثلها (2) والمحققة مثل ما يكون/ في أيدي (1/93)
صفحة 94
السرايا وقطاع الطرق والغارات حدثان غاراتهم. والمعارضة مثل ما يكون في يد من لا يتقي الحرام. وقال عمر رضي الله عنه: احذروا البا والريبة. يريد المعاملة والذرائع إلى الربا.
ويتقي استعمال الريبة في الفروج واتهام الناس في السفاح. قال الله تعالى: {ولولا ........ مبين} (3).
وإن كانت الريبة من قبل الوسوسة استعملتها واطرحت الريبة والأصل أن الريبة موجودة. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) ولكن الذي ينبغي توهين أسبابها إلا إن جاء أمر غالب. وجل الشريعة إنما جاءت في اطّراح الريبة، لقوله عليه السلام:» إن الشيطان لينفخ بين إليتي أحدكم وهو في الصلاة، فإذا وجد أحدكم ذلك فلا ينصرف حتى يشم ريحا أو يسمع صوتا» (2). وقال/ للذي اتهم امرأته
وأراد أن ينتفي من ولدها فقال عليه السلام: «هل لك من إبل؟ فقال: نعم فقال: ما ألوانها قال: حمر. قال: فهل فيها من أوراق؟ قال: نعم. قال: أنى ترى جاءها ذلك؟ قال: ولعل عرقا نزعه. فقال عليه السلام: ولعل ولدك عرق نزعه» (3). وإن كان قال رسول الله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده» (4). فهذه استبراء. (1/94)
صفحة 95
باب
أحكام الحرام المجهول العين
واعلم أن الحرام المجهول العين هو الذي لا يفرزه إلا الله عز وجل، ولا يتوصل إلى معرفته ولا إلى معرفة مولاه إلا بوحي من الله. قد اختلف الناس فيه، قال بعضهم: هو حلال مطلق وجمويع ما يتعلق بالحلال يتعلق به وحكمه حكم جميع الحلال في الدنيا والآخرة.
وقال بعضهم: بل هو حرام مجهول ولا فرق بينه وبين/ الحلال الصرف إلا الاسم. وقال بعضهم: هو حرام محرم. أما هذا فساقط، ولا يعلم الغيب إلا الله ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. أما الأول الذي أطلق عليه اسم الحلال يقول على التسمية عنده بما ظهر له. فإن تصرفاته فيه كتصرفاته في حلالة، مأمور بإخراج الزكاة من الناض، والعشور من الحب والتمر، والصدقات من الحيوان. واستعماله لمآكله ومشاربه وملبسه ونفقاته على عياله. وقضاء واجب الحقوق عليه في جميع ملتزماته، فحيت يؤجر في ماله الحلال الصرف يؤجر فيه، وحيث يأثم في ماله الحرام الصرف يأثم فيه لا فرق بينهما، إذ لا يعلم الغيب إلا الله، وإنما كلفنا علم الظواهر وعند الله تبلى السرائر. وكذلك في الإنسان لغير رِشدة، والفروج المحرمة لغية، وسفك الدماء، يسعة القبض
والبسط في هذا كله على الظاهر، بل هو فرض عليه كاستعمال الأموال في الحج والديون والأعتاق وجميع الأمور/ الواجبة، والقربات إلى الله عز وجل. فالعجب كل العجب ممن يقول أن من ورث مسالا حلالا أو عقارا أو أصولا ولا يعلم أنه حرام في الأصل إلا الله تعالى، أن ما فعله في هذا المال من زكاة ومن صدقة وفرض وتطوع ليس له فيها أجر! وأن جميع الفروض التي أوجبها الله تعالى في سائر الأموال، وهي فرض عليه متعين، لا أجر له إن فعل ومنقطع العذر إن لم يفعل!. فهذا عكس الشريعة، أن يأمر الله تعالى بأوامره وينفذ الوعيد فيمن عنها ولا يؤجر من فعلها ..
(1/ 119)
وأجهل من هذا وذاكم وذلكم جهول بأصل الذين ليس له علم يقول إن جميع ما فعله ليس له فيه أجر. وما ضيعه ليس عليه وزر. فإن مات وعليه (1/95)
صفحة 96
دين ألف دينار ومعه آلاف لا تحصى إرث من أبيه وأجداده، ولم يبق لها علام إلا الله أن ليس عليه في مطله ما عليه من الديون شيء. وأن (1) / ليس عليه تنجية المضطرين بالمسغبة، ولا أن ينقذ نفسه من الجوع والعطش ولا أن ينفق منه عياله وولده ولو هلكوا لأنه ليس له بمال. وهذا تكليف ما لا يطاق، وتكليف علم الغيب، والله المستعان. (1/96)
صفحة 97
باب
مناهي النبي عليه السلام
اعلم أن مناهي النبي عليه السلام مقتبسة من مناهي الله عز وجل ويقع النهي بصيغة "لا تفعل" وبالتحريم، والذم، وباللعن، والتبري. وقد ذكرنا وجوه الصيغ.
وأما وقوعه بالتحريم مثل أن يقول: حرمت عليكم، أو حرام عليكم. أو هو حرام مطلق. أو حرام الله هذا. أو حرم هذا. قال الله تعالى:
{حرمت عليكم أمهاتكم} (2) و {حرمت ..... والدم .. الآية} (3) وقوله: {فبظلم من ..... لهم} (4). ويقع التحريم بمعنى المنع كقوله تعالى (5): {ولا تقتلوا ........ بالحق}. (سورة الأنعام: 151).
وأما الذم فإنه إذا ذم فعل شيء أو فاعله اقتضى التحريم كقوله عز وجل: {يؤمنون/ بالجبت والطاغوت} (1). وقوله: {أم تقولون ... لا تعلمون} (2). وقوله: {اتخذوا ...... دون الله} (3). وحيثما قال {لبئسما كانوا يفعلون}، و {يعلمون} (4). وأما اللعن، فكقول الله عز وجل: {لعن ....... يعتدون} (5). وقوله: {ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا} (6). وجويع اللعن الذي ذكره الله عز وجل في كتابه إنما يحمل على وجه التحريم والزجر، أعنى الطرد عن رحمة الله. واختلف الناس في لعن النبي عليه السلام. فحمله بعضهم على الخبر والتحريم، وبعضهم على الدعاء والشتم كقوله عليه السلام:
«لعن الله النامصة والمتنمصة وأخواتها» (7) وقوله: «لعنت الخمر وشاربها وعاصرها ومعصرها وحاملها الخ ..... » (8) في الملاعين. فمن حمله على هذا الوجه فلا يوجب البراءة فيمن افترق إلا بدليل مؤتنف. وبعضهم يحمل لعن النبي عليه السلام على الدعاء، فهذا يوجب/ البرأءة فيما أوجب فيه اللعنة. وكذا اختلافهم فيمن لعنه رسول الله عليه السلام لكنهم عكسوا. فمن حمله على الخبر أوجبه أخبارا عن الله عز وجل. ومن حمله على الدعاء حمله على البراءة. مذهب ابن مسعود في اللعن على الدعاء والتحريم لا الخبر والقطع.
وأما التبرؤ فقد ظهر عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب .. » (9)،» ليس منا من صلق أو حلق» (10) في مثلها. فالتبرؤ إنما يدل على التحريم واختلفوا في معناه. فبعضهم يقول: ليس من أخلاقنا، وبعضهم يقول: بوليّ لنا.
وجميع ما (1/97)
صفحة 98
توعد الله تعالى عليه العذاب فهو دليل النهي والتحريم والتفسيق نصا، والكفر استخراجا.
ومناهي النبي عليه السلام على ثلاثة أوجه:
وجه يتعلق بالأصول المنهي عنها في القرآن كالربا والزنا والسرقة والدماء موا أشبه ذلك، وهو أشدها ويأثم في فعلها.
ووجه آخر فكمثل نهيه عن التكلف في العبادات وهو مكروه.
والثالث: نهي تأديب.
أما الأول: مثل نهيه عليه السلام في الآجال عن حبل الحَبَلة، والمعاومة والمساهمة، وعن بيع الثمرة حتى تزهو، والزرع حتى يبيض، والزبيب حتى
يسود، وعن المزابنة والمحاقلة والخابرة، وعن الذرائع (كلها) (1). عن بيع الغيبة وعن بيع الغرر، وعن وجه الدينار، وعن بيع ما لم تقبض وربح ما لم تضمن. وعن بيع بالجنس في كل شيء إلى أجل بمثله أو بأكثر منه. والنهي عن بيع الطعام بالطعام إلا مثلا بمثل وعن بيع الأصول بالنقود والقوت والفواكه والأبزار إلا مثلا يدا بيد، لا يحل شيء منها نسيئة.
وهذه الأجناس المنهي عنها التي يراعى فيها الأجل والزيادة، وما سواها لا يراعى فيها إلا أحد الشرطين، الزيادة أو الأجل. فإن وقع الأجل بلا زيادة/ فلا بأس وهو سلف. وإن وقعت الزيادة يدا بيد (فلا بأس) (2) لقوله عليه السلام: «إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه» (3) وهذه الأصول الأربعة المتقدمة أشد المناهي، أما النمط الثاني فكمثل نهيه عن التكلف في العبادات مخافة أن يفرض عليهم كنهيه عن صوم يوم الجمعة إلا أن يتقدمه يوم أو يتأخره يوم. وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. وعن السدل والصماء والإقعاء والإلتفات ف يالصلاة والقرآن والتطبيق. فهذا وأمثاله مكروه لا يحكمون عليه بالمعصية.
الثالث: نهي تأديب كنهي الرسول عليه السلام من مس الذكر باليمين والاستنجاء باليمين، والزاق عن يمين الرجل، وانتعال اليسرى وخلع اليمنى، والشرب في أفواه الأسقية، والأكل من ذروة/ القصعة، والتنفس في الإناء والإعتزال وبعض أهل السنة يجعلون مناهي الرسو لمكروهة لا معصية. وليس عندهم معصية إلا مناهي الله عز وجل في كتابه، وقد تعسفوا.
ومنا هي المسلمين مقتبسة من مناهي السول عليه السلام ومن قوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون فهو عند الله حسن، وما رأه المسلمون سيئا فهو عند الله سيء (1) «فإن حجر المسلمون على مباح كان محظوار، وإن أهملوه رجع إلى الإباحة.
باب
الظاهر والباطن والمحكم والمتشابه (1/98)
صفحة 99
اعلم أن الظاهر والباطن من الوجوه التي شرطنا فيها بيان القرآن وبيان أحكام الشرع.
اعلم أن (أحكام) (2) المحكم والمتشابه قد اندرجت في أحكام الظاهر والباطن، لأن المحكم بعض الظاهر، والمتشابه بعض الباطن.
وقد اختلف الناس في المحكم والمتشابه على أربعة أقوال؛ قال بعضهم: المتشابه حروف المعجم التي في أوائل السور. وهي سر/ الله تعالى في كتابه. والمحكم ما فيه أمر ونهي، وخبر واستخبار. واستدل هذا بقول الله عز وجل: {منه آيات ..... متشابهات} (3). وذكر من حجتهم أن الله تعالى قد {أرسل ...... كله} (4) والحاجة ماسة إلى الأوامر والنواهي وبيانها ليمتثل العباد ما رم لهم، ومحال أن يرسم لهم ما يتشابه عليهم. وإلى الأخبار والاستخبار لأن فيها بيان المثوبات والعقوبات؛ لأن بهما يمتثل المأمور ويجتنب المنهي. وإنما ورد الكل لقيام الحجة على الخلق حتى لا يقع التباس على الخلق من جهة البارئ سبحانه وتعالى، ولا تفاقهم أنه لا يجوز تأخير البيان بعد الحاجة إليه، وما وراء هذا من أوائل
السور وحروف المعجم إنما على الناس الإيمان بها. ومنه قول ابن عباس رضي الله عنه: اعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابه./ واستدل هؤلاء أيضا، قالوا: إنما نزلت في شأن اليهود؛ حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب جاءا إلى رسول الله عليه السلام في نفر من اليهود جاؤا يسألون عن أوائل السور وقالوا: بلغنا أنه أنزل عليكم "الم" فقال عليه السلام: نعم. فالتفت بعضهم إلى بعض فقالوا: ما خير أمة إنما أكلهما احدى وسبعون سنة. فقالوا: هل غير هذا؟ فقال: "آلمص" فقالوا: هذه أكبر من الأولى وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد ستون. فهذه مائة واحدى وثلاثون. فقالوا: هل غير هذا؟ واتق الله يا محمد ولا تقل إلا الحق. قد بعث فينا أنبياء كثيرة فما عرف أحد منهم مقدار أكل أمته. فقال: "آلمر" فقالوا: هذه أطول من الأوليين وأثقل، وقد خلطت علينا ولا ندري أي قولك نتبع. فقال أبو ياسر: (1/99)
صفحة 100
ولعل هذا كله جمع لمحمد، وهو سبعمائة وأربع. فأنزل الله تعالى: {هو الذي ....... الألباب} (1).
الثاني: من جعل المحكم النصوص الظاهرة في كتاب الله عز وجل ووقع الاتفاق على بيانها. والمتشابه ما يحتمل التفاسير كالمضمرات في كتاب الله تعالى، والمكنيات وكل كلام يحتمل الوجوه فهو متشابه. فمراد هؤلاء تفسير القرآن هو المتشابه، وما استقل بيفسه ولا يحتاج إلى التفسير فهو المحكم. والذي يحتاج إلى التفسير مثل قوله تعالى:
{
كتب ..... من قبلكم} (1) يسوغ أنه يريد الفرض لا غير، أي فرض عليهم وعليكم. ويسوغ أن يكون الصيام مكتوبا علينا على الصفة التي على من قبلنا والعدة والمدة. وقوله/: {قوموا لله قانتين} (2) قيل مطيعين، وقيل مطيلين (3). (وقوله) (4): {استغفر لهم ..... (لهم) (5)} (6). حمله بعضهم على الإياس، وهو مذهب عبدالله بن عباس، والصحيح أنه مذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وقيل على التخيير. وقد ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (7).
والهاء في قوله: {ويطعمون الطعام على حبه} (8) تسوغ لله وللمساكين وللطعام. والهاء في قوله تعالى: {ألم تر ... ربه} (9) فالهاء تصلح لإبراهيم وللكفار.
والتعريف عهدا وجنسا. والاستثاء بمعنى لكن وبمعنى الاستثناء كقوله: {إلا ما زكيتم} (10) من جعله استثناء يريد ما أدركتم زكاته من هذه الأربعة، المنخنقة وأخواتها. ومن جعله لكن وقع الاستثناء على غيرها ممن زكيتم بما ليس بمنخنقة ولا موقوذة ولا متردية ولا نطيحة.
{
إن نسينا} (1) من النسيان ومن الترك/ {أو أخطأنا} (2) من الخطأ والعمد. وقوله: {والشمس تجري لمستقر لها} (3) وتقرأ {لا مستقر لها} (4). وقوله: {فلا رفث .... الحج} (5) أي قد تبين فلا جدال فيه. ومن نسق على المعنى وقع النهي على الكل.
الثالث: المحكم هو الأمر والنهي خصوصا، وما عداه من القرآن فهو متشابه. وفي هذا النمط تدخل أوصاف البارئ سبحانه والأخبار عنه.
الرابع: قول من قال: إن القرآن كله محكم وكله متشابه. قال الله تعالى: {يس والقرآن الحكيم} (6). وقوله: {كتاب .... فصلت} (7) ثم قال: {كتابا .... ربهم} (8). (1/100)
صفحة 101
باب
القول في الظاهر
وحد الظاهر: ما سبق إلى النفوس معناه. والباطن بخلافه. وقيل: أن الظاهر ما له تأويلان، أحدهما أظهر من الآخر. وقد ذكرنا هذا المعنى في/ باب المتشابه.
فصل
اختلف الناس في الظاهر والباطن أيهما أولى بالإستعمال. قال بعضهم: الظاهر أولى من الباطن، (وهو مذهب الفقهاء وداوود بن علي. فأما الفقهاء فذهبت إلى تغليب الظاهر على الباطن) (9) ما لم يأت شرع
أو عقل يمنع منه. وأما داوود بن علي وابنه ومن تبعهما من أهل فارس فغلبوا الظاهر على الباطن وعلى كثير من الشرعيات مثل الفحوى واللحن ودليل الخطاب ومعنى الخطاب، فهو الأصل عندهم. وعامة الفقهاء على خلافهم.
وقال بعضهم: إن الباطن أولى من الظاهر، وإنما نزل القرآن والمراد فيه الباطن. وهم الباطنية وهم غالية (10) الشيعة والقرامطة.
وقالت الأشعرية بالوقف، وهو خلاف الفقهاء، مالك وأبي حنيفة والشافعي. وأنا أصف لك مذهب الباطنية: أما الباطِنِية فزعموا أن الله خاطب العقلاء ذوي الألباب بالأمور/ الباطنية. وخاطب العامة بالأمور الظاهرة. والله {وهو الأول ...... عليم} (1) فلهذا المعنى قدم الله تعالى وصفه بالظاهر ثم عطف بذكر الباطن. فالبداية للأطفال والأغمار من الرجال والنساء. والنهاية لذوي الألباب والعقول وأنزل كتابا يتلى وقال: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (2)، وأعطى لكل قسطه منه. وقال عليه السلام:» لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» (3). وأهل الفقه يستعملون الظاهر والباطن والأولى فالأولى من السفل إلى العلو. فشرع للعامة الذين لم يرسخوا في نمط الإيمان ولم يرسوا في قواعد الإسلام فشرع لهم الأمور الحسية تدريجا إلى الأمور الناموسية، فاستعبدهم بالصلاة والزكاة والصوم والحج. فإذا رسخت فيهم (1/101)
صفحة 102
المعرفة/ فقوي فيهم اليقين نعلهم من أمر التكليف
إلى أمر التخفيف، وصاروا هم والملائكة الذين هم عند الرحمن بمثابة واحدة. وترقى بالعامة إلى إخوانهم المقربين الأولين. ولقد ذم الله أقواما ذوي عقول وأفئدة حين اجتزوا بالظاهر على الباطن، وبالمجاز على الحقائق، وبالأبصار على البصائر فرضوا بالقشر دون اللب فقال عز من قائل: {وجعلوا ........... من واق} (4).
وعلى هذه الآية وما تضمنت معولهم في جميع مذهبهم. قالوا: إنما كلف الله العباد أول مرة ما داموا أطفالا بعلم شرائع الإسلام وآداب الأكل والشرب/ واللباس، وإذا حكموا ما هنالك وبلقوا انتقلوا إلى العمل بشرائع ما علموا، فإذا حكموا أمرهم بالتنقل عن الظاهر إلى الباطن ليكونوا ربانيين مما كانوا يعلمون الكتاب وبما يدرسون. فإذا انقشعوا عن الظاهر واستعملوا الباطن لاحت من قلوبهم أنوار البواطن فغشت ظلمات الظواهر وانقشعت، فعند ذلك ينسخ الله عنهم أحكام الظواهر وينقلهم إلى روح نسيم البواطن. وقالوا: ظواهر القرآن الصلاة والزكاة والصوم والحح كما قال عليه السلام:» بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله .. الحديث» (1). قالوا: واعلم أنك إذا تشهدت مرة واحدة في الدنيا أجزأتك لأنها من الظواهر، ولكن عليك استصحاب الإيمان والإعتقاد وهو من البواطن، فظاهر الصلاة حركات المبرسمين (2)، وباطنها صلاة الأئمة الطاهرين. وظاهر/ الزكاة الرضخ (3) من الوسخ لتنويل المساكين، وباطنها
تطهير الأئمة وتزكيتها وتنزيهها عن أقوال المدنسين.
وظاهر الصوم إمساك الجوارح عن لذات المنهمكين وباطن الصوم أطباق الفم عن أسرار الأئمة المهتدين.
وظاهر الحج زيارة بيت الله الحرام وباطنه زيارة أولياء الله الداعي إلى الحقائق والحق المبين. والعاقل ينظر بعين البصيرة، وما لله الكريم العلي العظيم الحليم الرحيم في تسخير العباد بالسجود، وتنفيج (1) الأدبار بين ظهراني القوم السجود القعود. ويشرع في أعمال المعتوهين وحركات المبرسمين. وإنما يخاطب الله (1/102)
صفحة 103
عز وجل أولي الألباب لأجل الألباب. وما له في أن يكلف العباد أن يطرحوا من أموالهم إلى المساكين المقدار الذي يطرحه الناس للجن والشياطين؟ وما له في أن يعكم (2) أفواه الجائعين ويحمي بطونهم ويشعلها عليهم نارا تقربا بالصوم/ إلى رب العالمين؟ والرب سبحانه إنما خلق المعدة والأمعاء والحلق والحلقوم والأسنان والأضراس لتنعيم هذه الأجساد وبلوغ الحكمة والمراد. فلما تمت النعمة وحملت الحكمة زجر ونهى وعطل وأبى من استعمال هذه الآلات لهذه اللذات على ما ينبغي ويجب، سبحانه وتعالى عن المنكر والمنكرات وسوء موارد ومصادر البدايات، وعن أن يجوعهم ويعطشهم، وخزائنه مملؤة طعاما وشرابا. وتعطيل الفروج المستعدة للإنسان واللذات مدة أيام الحياة. وقد كان في الإبتداء متفضلا، وبالإتمام متطولا، وبالانتهاء محكما مكملا. وما له في سعيهم حول بيته الحرام وحول بيوته الحلال شعثا (3) غبرا (4) ورميا بالحجار ذوات الاستجمار إلى جمرة مخصوصة
بين سائر الجمار وما هذا/ إلا عذاب عُذبوا به لأجل تمكثهم في استصلاح الظواهر وحرمانهم عن الوصول إلى البواطن كمن ندب إلى كرامة واشتغل في مدامة. ولما لم ينفهم لهم عن الله عز وجل المراد في تنعيم الأجساد إلا بتعذيب العباد، وقد قرعهم بقوارع قول الرسول النبي الأمي الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، {ويضع ...... عليهم} (1) فإن كان هذا هو المعروف عنده لا عندهم والمنكر عنده لا عندهم فهذا تعريض التكذيب. فلئن كان هذا المعروف هو المعروف والمنكر عندهم لا عنده فمن أعظم المعروف وأجله بطون ملتهبة جوعا وأرض الله طعام، وعطشا وأرض الله ماء وشراب. وَوِقَاع وبنات الجنس بُهلا (2) وحيالا (3)!! فالمعروف مد/ الأيدي إلى الطعام والشراب. وتستعمل الأفواه المضغ والأكل. والبطون تحتوي الطم (4) والرم (5) والأعواف (6) والأيجاف (7) ولا يلقوا بأديهم إلى التهلكة.
والمعروف السعي في إتمام الحكمة نكاحا وسفاحا (8) وحلالا ومباحا. فهناك يستصلح الإله عباده ويبلغ مراده. وقد قال الله عز وجل: {قل من ........... القيامة} (9). فهي لأهل الباطن (1/103)
صفحة 104
وقوله: {فبظلم ... لهم} الآية (1) فهذا جزاء أهل الظاهر الذين رضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، ورضوا بالحياة الدنيا من الآخرة .. أيضا، وأي عذاب أعظم من شغل الجوارح بالتكليف وقصورها عن الوصول إلى باطن التحقيق. أجهل بمن ذهب بهذا العذاب إلى ما تحيله العقول، وينكره الدليل، وطمعت أبصارهم إلى/ ما لا يعقلون، وآمنوا بما يجتهلون ..
وأي معروف أفضل من زينته التي أخرج لعباده والوجوه الحسان التي اخترع؟! حتى قال جاهلهم:
أتخلق يا رب ما تخلق ... وتنهى العباد بأن يعشقوا
خلقت الغواني لنا فتنة ... وأنزلت الناس، أن اتقوا
ولم يعقلوا عن الله مراده في خطابه نبيه عليه السلام: {يا أيها النبي ........ المؤمنين} (2) وإنما قال {أن يستنكحها} ولم يقل ينكحها لئلا يتوهموا عليه الحل والعقد والنكاح والولي والأشهاد، بل أطلقه لأي امرأة شاءها .. ألا تراه قال: {وامرأة مؤمنة} / فهي نكرة ولم يقل والمرأة المؤمنة. وقد كان حرام عليه النساء أيام لم يبلغ في الباطن مبلغه الآن! وقال: {ولا يحل ...... يمينك} (3) وقال عز من قائل: {رب زدني علما} (4) فلما انتهى في ملكوت
السموات والأرض إلى علم الباطن وبلغ الدرجة العليا والمقام المحمود أطلق عقاله في كل امرأة من ذوات العم والخال فما الذي بقى؟ وامرأة مؤمنة كيفما كانت. ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: ما مات رسول الله عليه السلام إلا وقد أحل الله له النساء (5).
قالوا: وإنما شرط عليه اللاتي هاجرن معه وحقيق أن يشترط عليه بلوغهن درجة الإيمان بعلوم الباطن مبلغ أهل الهجرة عند المقيمين. وذهب أهل الظاهر المنكوسون الناظرون بعين/ حولاء إلى أن ذلك النكاح لافي السفاح، بل سفي الكل، {قل من ....... لعباده} (1) ولو قصره على ما قالوا لكان عقوبة (لا) (1/104)
صفحة 105
مثوبة. ولم يدروا أن قوله: {وأنكحوا .... ورباع} (2) حسابهم أنه عدد محدود بل عدد ممدود، كقولك تعلمت "أ ب ت ث"، وتعلمت "البقرة"، وقرأت "قفانبك" .. وأنشدت "ألا هُبي" .. فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا؟!! وفي هذا تحليل الكل، لمن أقام ولم يظعن من وراء حجاب، أو ظعن ولم يشرف، أو أشرف ولم يصل، أو وصل ولم ينظر، أو نظر ولم يبصر!!.
وأعجب من هذا قوم يجتمعون على فرج أنثى يباع بالأثمان ولم يرضوا بالسترة إلا بالإعلان على رؤوس الأشهاد. ويحهم! زعموا أن الأله الحليم إنما خلق الوجوه الحسان وركّب الشهوات في النفوس وكتب في أراضي الأرحام بأفضل من فصيح الكلام/ إيلاجا وإخراجا. وخاطب به أهل الاعتلام في دجن الاظلام. جعل النساء للرجال أزواجا وهم لهن أفواجا، وأزعجهم إلى الوقاع ازعاجا
يستنتجوهن استنتاجا. وأهل الظاهر أخرجوهن إخراجا وحاولوه علاجا ... وكيف يحرم هذا على أحد بعد قوله: {أحل لكم ..... قبلكم} (1). وقوله: {إذا آتيتموهن أجورهن} (2) أي فاتحتموهن، وبلغن الغية من الباطن واطرحن من الظاهر كان لهن مثل ما لكم عليهن (3). ومنه قوله: {إذا جاءكم .... لهن} (4). فلما انتشر الإسلام، وظهر الإيمان عقب فقال: {اليوم ..... دينا} (5). و {ما جعل عليكم الدين من حرج} (6). وأنتم عفتم أيتها الأمة المرحومة ما حللت من عقالكم وفككت من أغلالكم فقالوا: {ربنا .... أو أخطأنا} (7) الآية. فعند ذلك أتيكم بالجنة التي حرمتها على آل فرعون حيث أقول: {كم تركوا ....... آخرين} (8).
هذا كلام القوم واعتقادهم توارثه الأخلاف عن الأسلاف. لا يشكون ولا يمترون، ولم يستنكروا شيئا مما عودهم الله، ولم يقطع عليهم عادة، وقد خوّلهم
ونولهم ومولهم وسخر لهم الليل والهار والشمس والقمر وحسبوا أنهم على شيء. وربما أظفرهم بالمسلمين في جروباتهم وأظهرهم على بيت الله الحرام فازدادوا بصيرة في دينهم (1/105)
صفحة 106
يعتقدون أنها أقوى من/ بصيرتكم أنتم في دينكم، وإنما قصصت هذا عليكم لتحمدوا الله وتشكروه على ما هداكم من دينه. فالحمد لله {الذي ..... بالحق} (1) ومما ذكرنا من عكسهم الشريعة واتباعهم الشهوات نصبوا قرية في مصر تسمى المقياس (2) تأوي إليها كل حسناء جميلة قد بذلت نفسها –زعمها- للأولياء أهل البواطن والراسخين في مذاهبهم ويرون ذلك قربة عند الله وزلفى لديه!!! وأخذوا أحكام القرآن كله على هذا النمط، وجعلوا ما ذكر فيه من الأنبياء والرسل هم من ذرية علي بن أبي طالب. وأن أول الدنيا هو الدنيا وآخر الدنيا هو الآخر وليس هناك بعث ولا نشر ولا قيامة غير نفس الدنيا.
ذكر القرامطة والغالية من الشيعة
/ وأما الغالية والقرامطة فإنهم جاوزا هذا المقدار في الغلو إلى أن زعموا أن عليا هو الله، وضاهوا في ذلك قول النصارى في عيسى بين مريم، وذلك أنهم زعموا أن الله قد نفخ في آدم عليه السلام من روحه كما نفخ في عيسى بين مريم بروح الألوهية (وأنها) (3) قد حصلت في علي. وزعموا أن آدم عليه السلام تنقل منه هذا الروح في أولاده خلفا عن سلف إلى أن صار في عبدالمطلب فانقسم بين عبدالله وأبي طالب واجتمع في الحسن والحسين وفي ذرية علي وفاطمة. واستشهدوا بغرة عبدالله حين نجا من الذبح وطلبته المخزومية وامتنع وواقع زوجته آمنة بنت وهب
فعلقت منه بمحمد عليه السلام (4). واستدلوا بشعر العباس بين عبدالطلب حين قال لرسول الله عليه السلام ائذن لي أمدحك فأذن له فقال: (5)
من قبل ما طبت في الظلال وفي ... مستودع حين يخصف الورق
/ثم هبطت البلاد لا بشر ...... ... أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب الفين وقد ... ... الجم نسرا وآله الفرق
تنقل من صلب إلى رحم ..... ... إذا مضى علم بدا طبق
حتى احتوى بيتك المهيمن من ختدف علياء تحتها النطق وأنت لما ولدت أشرقت الأرض وضاءت بنورك الأفق فنحن في ذلك الضياء وفي النور وسبل الرشاد تخترق. (1/106)
صفحة 107
وأمثلهم طريقة يستشنع اسم "الاله" ويسمونه بالإمام والغرض "الاله". وأوجبوا له من الصفات ما أوجبوه لرب العالمين. ولقد جرت مناظرة بين الأعمش ورجل منهم فقال الرافضي: إن عليا كان بالبصرة فقال للوهاد ارتفعي فارتفعت الوهاد واتضعت التلال حتى أبصر منها الكوفة. فقال له الأعمش/: أتقول يقدر أن يحي الموتى فقال له الغالي: يقدر أن يحي عادا وثمودا وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا. فغضب الأعمش فصكه صكة فقال له الأعمش: ألا أحيا نفسه حين ضربه ابن ملجم؟!
وكان شاعر عبيدالله الشيعي عندنا بالقيروان يقف له إذا أراد الركوب عند باب القصر، فإذا خرج عبيد الله من قصر قالم وأنشد يقول:
شهدت بأنك آدم ... ... وأنك أنت نوح
وأنك أن الخليل ... ... وأنك أنت المسيح
وأنك أنت الأمام ... ... وما سوى ذاك ريح
يريد بالإمام الاله فكنى مخافة العامة. وكانوا يعتقدون هذا المذهب ولا يتحاضون منه وعلي حي بين أظهرهم ولقد خرج علي بن أبي طالب
(1/ 135)
في ذات يوم من أيام الجمل فنظر إلى سماطين من الرجال فقال: ما لهؤلاء القوم؟ فتصايح الناس فقالوا: هو هو. فقال علي: وما هو هو؟ فقالوا: الاله. فأمر بهم علي/ فقتلوا عن آخرهم وكانوا سبعمائة، وهم قوم من الخرمية. واعلم أن مبدأ هذا المذهب من قِبَلِ عبيداله بن ميمون القداح. وذلك أنه اجتمع مع ناس من العجم ممن سلب الملك، فنظروا إلى الإسلام وقوته فلم يجدوا أدنى عقول وأقرب إلى الجهالة والحمق من هؤلاء الشيعة فلبسوا عليهم وأظهروا لهم محبة آل الرسول وولايتهم والتوجع والتفجع لمصابهم فسكنت نفوس الشييعة إليهم. فلما ظُهِرَ على عبيدالله بن ميمون بقارس هرب إلى الشام وبها مات. ورجع ابنه محمد إلى فارس ومرض في الطريق، وكان اكترى من رجل بقّار بقرة لركوبه. فمال به البقّار إلى قريبته فمرَّضه بها، وصادف محمد بن الأشعث القرمطي فاستجاب له فسميت تبعته القرامطة وجرى على بغداد/ منهم بلاء عظيم مقدار مائة وخمسين سنة، وأهلكوا الحرث (1/107)
صفحة 108
والنسل بالزنج وقد استبصرت في مذهبهم، وقطعوا طريق الحج وظهروا على مكة ونصبوا أسماء مهوله يستميلون بها العوام، وهي: الأول، يريدون به الاله. والثاني، يريدون العقل والنفس وهو ما تولّد من الأول وكل آلهة. ثم الثالث: الناطق، وهو الرسول، وهو محمد عليه السلام، وجماعة الرسل وهي النطقاء. ثم الرابع: وهو الأساس، وهو خليفة الناطق، وهو علي بن أبي طالب. والخامس: خليفة الأساس، وهو الذي يعلم البواطن. والسادس: اللاحق خليفة الإمام. والسابع: الجناح؛ وهو الذي يأخذ العلم عن اللاحق. والثامن: المأذون عن الجناح وهو الذي أذن له في الدعاء والمناظرة. والتاسع: الداعي: أخذ عن المأذون، وهو الذي يدعو العامة/ إلى المذهب. وجميع ما ذكرنا قبله خواص.
وصاحب المقرب هو من ذرية القداح، وهو معاذ بن اسماعيل بن القاسم بن عبيد الله بن محمد بن أحمد بن عبدالله بن ميمون بن عمر القداح.
(1/ 136)
وقد قيل إن هذه البلية من قبل الهرمزان وأبي لؤلؤة الذي قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ثم بعد ذلك أبو مسلم الخرساني القائم للعباسية على بني أمية، وعلى هذا المذهب قتله أبو جعفر وصلبه، ثم الأفشين في زمان المعتصم، وعلى ذلك قتل، وهؤلاء كلهم إنما يسعون في إقامة دولة محمد بن اسماعيل بن جعفر القائم صاحب دور الزمان الهاشمي. والأصل في أمر هؤلاء القوم أنهم قوم تجمعوا حين أياهم أمر الإسلام وانتصروا للأعاجم الذين سلب الله تعالى ملكهم بمحمد عليه السلام حين أبصروا بعد الفشل في المسلمين واختلاف الكلمة/ فنظروا إلى مذاهب الأعاجم متفرقة وطرقهم شتى، احتالوا في (1) جميع مذاهب الأعاجم والدهرية ناحية تثبت قدم العالم. والمجوس ناحية وهم الثنوية، والمنانية والديصانية يقولون بالأثنين فأثبت هؤلاء الأول والثاني، وهما الأثنان، وعلى مذهب الثنوية: النوري والظلمي. وطابقوا الدهرية في القديم أنه ليس بموصوف ولا معلوم، وإنما انطبعت فيه الصور. وعلى مذاهب (2) أهل الكتاب إقرارهم بالمحمدية تذريعا وتبذرقا وعلى مذاهب النصارى بتنقل الأرواح في أولاد علي. واستعملوا إلى أهل الإسلام تعظيم أهل البيت والبكاء عليهم والانتصار لهم، تارة يجعلون عليا هو الاله العظيم الذي هو الأصل، وتارة يجعلون عليا هو الثاني ....
نحن نشرع في الرد عليهم والله المستعان. واستدلوا وقالوا: إن الله خاطبنا (1/108)
صفحة 109
بالوحدانية ظاهرا/ وبالتثنية باطنا، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: {إنا نحتن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} (3) .. وقوله:
{
إنا أرسلنا نوحا إلى قومه} (1). وقوله: {إنا جعلناه قرآنا عربيا} (2). وقوله: {ولقد خلقناكم ثم صورناكم} (3)، و {جعلنا} و {خلقنا} و {نزلنا} و {أخرجنا} و { ... نحن نحي ونميت} (4) في مثل هذه العبارات التي أتت في القرآن على معنى التعظيم والأبهة فعولوا في هذا على الظاهر وتركوا الباطن الذي كانوا يعتقدون.
وأكثر ما يعول عليه اسدلالهم بصحيح مذهب أبي جهل في الآلهة الأخرى، ولو علم أبو جهل أن (5) رسول الله عليه السلام يدعو إلى إثبات آلهة أخرى لما خالقه ولوافقه ونصره، ولَسُّر إبليس بذلك سرورا ظاهرا. فعجبا لهؤلاء القوم حين نسوا نصوص القرآن، قال الله عز وجل: {وإذ ..... بيتي} (6) فحرم الشرك به ونص عليه./ وقال: {يا أيها ........ ويميت} (7). فنص على ألوهيته وحده، وقال: {أئنكم .... أخرى} (8) ذما وتكذيبا لهم ولنظرائهم {قل لا ...... تشركون} (9) وقال عن نوح عليه السلام: {يا قوم ..... غيره} (10) وقال موسى عليه السلام: {أغير الله ..... العالمين} (11). وقال عيسى عليه السلام: {اعبدوا الله ..... من أنصار} (12).
وقال الله عز وجل: {ما اتخذ ........ يشركون} (13) فهذه فسمة عقلية فما لهم لا يؤمنون؟!.
واعلم أنه لا يخلوا الكلام أن يكون عن توقيف أو تعريف. فإن قالوا عن توقيف ادعينا لهم في جميع ما وفقوا عليه أننا ايضا قد وقفنا على مثله في ذرية العباس فما الفضل؟ فما بال أحد الوقيفين أولى من الآخر؟ أو نقول هو في ذرية أبي جهل أو ذرية مسيلمة الكذاب أو في قبائل العرب. لا بد من حد ينتهي إليه وإلا صار الكلام لغوا. (وما أثبتوه لعلي) (1) أثبتناه لابن ملجم. وهو أحد القادرين، كما قال الله عز وجل: {ولعلا بعضهم على بعض ... } (2)، {أفمن يخلق كمن لا يخلق .. } (3)، أموات غير أحياء .. }، {أموات غير أحيا .. } (4)، {كل نفس ذائقة الموت} (5).
وإن قالوا: كلام الله عز وجل (1/109)
صفحة 110
أخذوه عن تعريف، ولا تعريف إلا ما جمع الله عز وجل قلوب العباد من لدن آدم عليه السلام إلى هلم جرا .. أم من مخاطباتهم ومحاوراتهم وتلقينهم لغاتهم لأولادهم التي بها يتعارفون/ مرادهم، فلو كلفنا أهل الصبا والغباء معرفة البواطن من أول وهلة ولم ننصب لهم دليلا يتوصلون به إلى البواطن إلا بالتوقيف، ولا توقيف إلا بالتعريف، لصاروا صباء وغباء وصرنا مجانين معتوهين. وقد وقفنا
الله تعالى في القرآن على تصريح الشرك بالألوهية بالتعريف الذي أطبق عليه أهل الخافقين. فأرونا موضعا نهاكم الله تعالى فيه عن التوحيد توقيفا أو تعريفا. قالوا: قال الله عز وجل: {وهو .... إله} (1). فهو دليل إلهين إثنين، ولا سيما أنهما نكرة. وقالوا في قول الله عز وجل: {ما يكون ..... كانوا} (2) فهذا دليلنا. وظاهر اللغة أنه إله في السماء وهو إله في الأرض. وليس في ذكرنا السماء والأرض بالتثنية ما يدل على تثنية وحدة. ودليل ذلك في عقب/ الكلام، {وهو الحكيم العليم} (3) ولم يقل: وهما الحكيمان العليمان، إلا إن ذهبوا في القرآن أن الظاهر كله باطن، والباطن كله ظاهر مذهبهم في المعاني فعطلوا وبطلوا. والمناظرة إنما تكون مع من له أدنى عقل، وأما مجنون معتوه أحول العين أقفل القلب فهذا يكفيه ما قال الشاعر:
يكفيه مسمار لكي الرأس ويكفيه عود!!
ولو عكسنا عليهم القضية في الألفاظ مذاهبهم في المعاني لتعذر بيننا وبينهم الكلام ولا نحل النظام وانقظع الخصام وارتفع الملام فصار كل يعمل على شاكلته.
وأما مذهبهم في تفسير القرآن: اعلم أن القوم ذهبوا في تفسير القرآن إلى مذهب لا يلائم للظاهر ولا لباطن فحملوه كله عليه. ولم يذهبوا به إلى سور مخصوصة وآيات منصوصة بل عكسوا الشريعة ظهرا لبطن وخلصوا بها عينا بعين .. زعموا أن قول الله عز وجل: {/ ولقد ...... طين} (4) يعني آدم. {ثم جعلناه نطفة في قرار
مكين} (1) يعني نوح عليه السلام {ثم خلفنا النطفة علقة} (2) يعني إبراهيم عليه السلام {فخلقنا العلقة مضغة} (3) يعني موسى عليه السلام {فخلقنا المضغة عظاما} (4) يعني عيسى عليه السلام. {فكسونا العظام لحما} (5) يعني محمدا عليه السلام. {ثم أنشأناه خلقا آخر (1/110)
صفحة 111
} (6) يعني النشأة الآخرة (7). وهو ظهور القائم (8) صاحب دور الزمان محمد بن اسماعيل بن جعفر الذي ينسخ شريعة محمد عليه السلام!!
وقد أشرنا إلى مذاهبهم في التفسير قبل هذا، فالعاقل يستغني بسماعه عن مخاطبتهم والسلام ....
وذكر جابر بن زيد رضي الله عنه في تفسيرهم هذه الآية (قوله تعالى) (9): {يا أيها .... الصلاة} (10) قالوا: الصلاة: الدولة والولاية. {فاغسلوا وجوهكم} أي فولوا أفاضلكم من ذرية علي وفاطمة. وقوله {وأيديكم} أي وزراءهم وأعوانهم أي أصحاب/ الولايات الصغار. {وامسحوا برؤسكم {أي تبركوا بذرية فاطمة وعلي مدة حياتكم، {وأرجلكم إلى الكعبين} أي إلى خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم {وإن كنتم جنبا فاطهروا} يعني ولاية بني أمية وبني العباس فتبرؤوا من ولايتهم {وإن كنتم مرضى} من دخل في دينككم واعتقادكم ولم يرسخ فيه. {أو على سفر} أي مترقيا في طريقتكم ولمّا يبلغ. {أو جاء أحد منكم من الغائط} كناية عن أبي بكر وعمر فأبو بكر الغائط وعمر هو البول فاندرج البول تحت الغائط كما اندرجت ولاية عمر تحت ولاية أبي بكر!
وأصل الصلاة عندهم موالصلة أهل البيت، والزكاة تطهيرهم، والصوم صون سرهم عن أن يفشى به الظلمة، والحج هي المكا شفة العظمى وبلوغ النجح. (1/111)
صفحة 112
-- ... باب: مذهب المشبهة في ظواهر القرآن
واعلم أن هؤلاء القوم أرجاس/ أنجاس، أعكاس أنكاس، مثل الأولين وهو الذين حملوا ظواهر القرآن وجميع أوصاف الله عز وجل على ما يعقلونه من أنفسهم وأرواحهم. وذلك أن الله سبحانه قال: {لا تدركه الأبصار} (1) كما قال: {وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير} (2) والرب سبحانه لا يشاهد بالحواس ولا يقاس بالناس. ووصف البارئ سبحانه نفسه بما يليق به من الصفات فقصروها على ما يعقلونه من أنفسهم مع أنهم يشهدون على الأصل الأول وهو قوله: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} (3) وجخلت الكاف للمبالغة في قوله: {ليس كمثله شيء} ونفى التشبيه عن نفسه فأثبتنا نحن وإياهم للإله وجودا وحياة وعلما وقدرة، وإرادة ومشيئة، وسمعا وبصرا، وسائر ما وصف به نفسه في القرآن فنظرنا إلى نفي هذه الصفات عن البارئ سبحانه/ بعد إثبات القرآن إياها فإذا هي (4) محال، وإلى تشبيهها إلى أنفسنا محال أيضا وذلك أن إثبات البارئ سبحانه كأنا نشبهه بخلقه فيه إبطال فائدة قوله: {ليس كمثله شيء} والعقل من وراء ذلك ظهري. فلم يبق إلا الإيمان بما وصف به نفسه ونفي ما يشابهنا من ذلك. وإنما فصرت عقولهم وأوهامهم على أن لا يصح عندهم وجود فاعل ليس بجسم لأنهم لم يشاهدوا غير ذلك. فأوجبوا جميع أوصاف البارئ سبحانه على هذا النعت جسمانية وذهبوا في وجهه إلى وجوههم، وفي عينه إلى أعينهم، وفي يده إلى أيديهم، وفي أصبعه إلى أصابعهم، وفي نفسه إلى أنفسهم، وفي علمه إلى علمهم، وفي جنبه إلى جنوبهم، وفي استوائه إلى استوائهم،
وفي عرشه إلى عروشهم، وفي كرسيه إلى كراسيهم، وفي كلامه إلى كلامهم، وفي أفعاله/ إلى أفعالهم، وفي حياته وعلمه وقدرته وإرادته ومشيئته وسمعه وبصره إلى جميع ما يعقلونه من أنفسهم. فقد ورد في كتاب الله عز وجل. جميع ما قلنا. فأول ذلك: قول الله تعالى: {وهو القاهر فوق عباده} (1) وقد ذهبوا إلى الجهة وتركوا ما يعقلونه من سلاطينهم الذين هم فوقهم على غير معنى الجهة وهو القهر (1/112)
صفحة 113
واللإستيلاء. وتركوا ها هنا الظاهر المعقول إلى الباطن المجهول. ثم قال الكافر: {يا حسرتى ... الله .. } (2) فأوجبوه جنبا معقولا، وسلكوا بالتفريط باطنا مجهولا. ولا يتوهم على أحد من الكفار أنهم تحسروا على تفريطهم في مسح الجنب أو رئيته أو تقبيله وإنما وقع التفريط والعياذ بالله في أوامره.
وعن قوله: {يوم يكشف عن ساق} (3) والساق معروفة من الأنسان ومعروفة، عند العرب أنها الشدة. فلما ذكرالأهوال علمنا أنها الشدة وجميع ما قلنا وقالوا موجود في كلام العرب كما قال الأول قلنا لهم. وقالوا: كل له مقال. وإنما اختلفنا في خطة واحدة هي الفصل بيننا وبينهم وذلك أنا أثبتنا للإله جميع ما وصف به نفسه ولا كيف كما وصف نفسه من غير تكييف ولا تشبيه ولا تمثيل ولا تحديد، فقصر بصرهم عن هذا المعنى فتوهموه إبطالا للبارئ سبحانه إذ لم يتوهموه فقضوا عليه بالوهم وها هم لم تدرك أوهامهم جميع الخلائق فكيف بالخالق سبحانه وقد قال الله عز وجل: {ويخلق ما لا تعلمون} (4) فعولوا على ما خرج من أوهامهم فليس بموجود ونسوا أرواحهم وعقولهم
وأبصارهم وأسماعهم وجميع حواسهم/ وطبائعهم المركبة فيهم التي (لا) (5) يتوهمونها ومع ذلك أنهم يثبتونها وليس بينهم وبين الدهرية فرق فإن تخلصوا من ذلك فليس بينهم وبين الثنوية فرق والسلام.
{هو الله .......... الحكيم} (6).
كمل الجزء الأول من كتاب
العدل والإنصاف
يتلوه الجزء الثاني (1/113)
صفحة 114
الجزء الثاني من كتاب
العدل والإنصاف
في أصول الفقه والإختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم
الكلام في الخاص والعام ووجوه بيانها
لمعاني القرآن
وحد العام كل قول يشتمل على شيئين فصاعدا. وأعم الأسماء (1) عندنا {شيء} وعند المعتزلة. وأما الأشعرية فأعم الأسماء (2) عندهم معلوم ومذكور؛ لأن المعدوم عندهم ليس بشيء والمعدوم عندنا: شيء معدوم. والخاص قول يخرج شيئا أو شيئين فصاعدا مما لولاه لوجب دخوله في العموم على قول أهل العموم. أو يصلح دخوله على قول من يراعى التعميم ثلاثة فصاعدا. وعلى قول الأشعرية: الوقف.
مسألة
اخلف الناس في العموم والخصوص، هل لهما من صيغة أولا صيغة لهما/ فقول أهل الحق لهما صيغة واستدلوا على ذلك بشدة الحاجة للعموم والخصوص كما مست الحاجة إلى صورة الواحد والواحدة، والاثنين وجمع المذكر (3) وجمع المؤنث، وكما مست الحاجة إلى صيغة الخبر والاستخبار كما قدمنا في الأمر والنهي.
وقالت الأشعرية في الأمر والنهي: لا صيغة لهما، كما قدمنا.
وقالت المرجئة: ألفاظ المر والنهي تحمل على العموم. وألفاظ الخبر والاستخبار تحمل على الخصوص، وفرقوا ولا فرق. وقالت فرقة عكس هذا، حسبهم جميعا قول الله تعالى: {وقالت ..... كذلك قال
الذين لا يعلمون ....... يختلفون} (1) وقال تعالى: {كذلك قال الذين من قبلهم مثل/ قولهم تشابهت قلوبهم .. } (2) ولأمر ما عقب الله عز وجل فقال: {قد بينا الآيات لقوم يؤقنون} (3) فلا يصح مع هؤلاء بيان الآية للموقنين ولا للشاكين، وهم أشبه بالتحريف من أولئك بما حرفوا من الكَلِمِ. وذلك أن الله تعالى خاطبنا في محكم كتابه فقال: {يا أيها الناس} و {يا أيها الذين آمنوا} و {يا أيها الرسل}. وقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} (4). وقوله: (1/114)
صفحة 115
{ولقد وصينا ...... في الأرض .. } (5). فإن حَسُن الوقف على طريقة أهل الوقف والتحميل على أقل ما يقع عليه الاسم عند اصحاب التعميم فقد سقط في أيديهم بعد بيان الله تعالى.
أما أهل الوقف فشرعوا الجهل عند البيان طريقا وكأنهم قالوا: لم تأتنا بيّنة. وأما الآخرون/ فرضوا بالحياة الدنيا من الآخرة. وليس بعد بيان الله وله والحكم وإليه ترجعون.
فصل
اختلف أصحاب العموم القائلون بالعموم على وجهين:
من قال باستغراق الجنس والقائلون بالاقتصار على أقل ما يقع عليه الجمع إذا وردت، هل يتوقف فيها إلى التماس الأدلة الت يتخصها أم يعتقد فيها العموم عند مساعها؟ فقالت الشافعية: يتوقف فيها حتى يقع البحث
والطلب. وقال أهل التعميم: إن ألفاظ العموم متيقنة، ولا يقين ولا قطع إلا على ثلاثة أو اثنين على قول من يقول أقل الجمع اثنان.
وقولنا: إن العموم يحمل على تعميمه واستقراق جنسه وليس علينا غير هذا حتى يرد بيان بأنه مخصوص، لأن البيان لا يتأخر بعد الحاجة إليه. ودليلنا أن العام/ له صيغة وصورة وأنها مستعملة. وذلك أن الصحابة ظهر من مذاهبهم نقلا متواترا في المعنى. ونقلت عنهم أخبار مسندة مستفيضة أنهم استعملوا عموم القرآن في كل آية وكل حديث ثابت ورد، ولم يلتمسوا لذلك قرينة/ ولم يبحثوا عن خصوصية وهو الذي ذهبت إليه فاطمة رضي الله عنها في قول الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (1) واعترضت به أبا بكر الصديق رضي الله عنه في ميراثها من أبيها فقالت: أترثكم بناتكم ولا أرث أبي أالله أمركم بهذا أم على الله تفترون؟! فقابلها أبو بكر الصديق رضي الله عنه بالخبر، وهو قول رسول الله عليه السلام:» نحن معاشر الأنبياء لا نورث فما تركناه صدقة «(2). ولم يردوا عليها مذهبها في التعميم ولا أخذوا عليها من جهة لغة العرب. بل الذي جاءت به مقتضى لغة العرب. ولما/ نزل قول الله تعالى: {لا يستوي (1/115)
صفحة 116
وأنفسهم} الآية (3) قال ابن أم مكتوم: فأنا يا رسول الله؟! فقال: عليه السلام: «لا يخلو أن تكون خفيفا أو ثقيلا». تأول عليه قول الله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} (4) ثم نزل جبريل عليه السلام بقوله عز وجل: {غير أولي الضرر} (5).
ومنه قول ابن الزبعري عند قول الله تعالى: {إنكم , ...... واردون} (1) فقال ابن الزبعري: خصمت محمد ورب الكعبة، إن عيسى وأمه في النار، وعزير وأمه في النار. فأنزل الله تعالى: {إن الذين .... مبعدون} (2) فقال الوليد بن المغيرة: تخلص منها محمد وهو يؤمئذ شيخ قريش، وأفصحها. وبنو مخزوم فصحاء قريش كما قال دغفل النسابة (3): بنو مخزوم أصهار الكرام، ويتشدقون في الكلام.
ألا ترى إلى أهل الوقف حين عابوا مذهب ابن الزبعري وظاهره ولم يعب الله تعالى مذهبه في التعميم، وإنما بين وخص ولم يأخذ عليه من جهة اللغة. ولو لم يكن مذهبه في اللغة سائغا لما دانوا (4) ولا سالموه.
وأعظم من هذا كله قول الله تعالى: {وإذ قلنا .... الكافرين} (1) ولو صح لأهل الوقف يحتج بعضهم في الأمر والنهي، وفي العام والخاص. ويقول: يا إلاهي، ليس ها هنا ما يعمُّني مع الملائكة. وإن عمّني معهم فيحتمل هذا الأمر الندب والوجوه ولا بيان لأحدهما. ولأصاب إبليس مندوحة عن اللعنة والطرد. ولن يجدوا دليلا يعمه/ مع الملائكة إلا ويصلح أن يكون يخصه منهم ولاستدلت بذلك الملائكة كلهم حتى يأتي كل واحد منهم أمر يفرده ويخصه منهم. ففي هذا إبطال فائدة الكلام. غير أن للأشعرية ها هنا كلاما لو اجتمع كل سوداوي ومبرسم وراموا أن يأتوا بمثله لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا. وذلك أنهم قالوا: إن كلام الله ليس
بذي صوت ولا حرف وإنما هو صفة الله عز وجل في ذاته، فمن أراده الله تعالى أن يسمعه كلاما أسمعه بغير عبارة ولا تبع حرف بعد حرف، ويخلق في قلبه معرفة ما أراد الله بكلامه وخطابه وقوله وأمره ونهيه عند سماعه لكلام الله عز وجل، فيسمعون كلاما واحدا ينفهم منه لأحدهم أمره ونهيه، والآخر نسخه وإباحته، والآخر من نفس هذا (1/116)
صفحة 117
الكلام عموم غير مخصوصة يحتاج فيها إلى توقف، والآخر عموم وهي مخصوصة يجب عليهه فيها التقدم. والآخر خبر يعد به أو يوعد وحتى يرد جميع ما في/ القرآن على نفس كلمة واحدة تشتمل على مخاطبات جميع الخلائق الذكر والأنثى للأنثى. فاضطرهم هذا الحديث إلى أن يجعلوا إبليس لعنه الله ممن أسمعه الله تعالى كلامه وشارك موسى عليه السلام في لعنة الله من أسمعه الله تعالى كلامه وشارك موسى عليه السلام في فضيلته التي بأنها عن سائر المرسلين. لأن الكلام في صفة الله تعالى في ذاته كالعلم والقدرة. ونسبة الناس كلهم إلى صفة الله عز وجل نسبة واحدة لا يختلفون فيها. واستعظم فريق منهم هذا فزعموا أن الملك الذي أسمعه الله تعالى كلامه هو الذي أسمع أبليس خطاب رب العالمين، وانفهم للملك من نفس الخطاب الأمر والنهي والخاص والعام. وذلك الكلام نفسه في موضع الأمر نهي وفي موضع النهي أمر فوصفوا الملك لم يؤد كل الذي سمع، وأبهم العام المخصوص/ على السامعين، والخاص العموم، فاضطرهم كلامهم أول مرة إلى أن دندنوا على الكلام دندنة (1) وهينموا (2) هينمة يعجز عنها سامع النمل حكاية الحُكل (3). ولقد صدق من قال: أن الأحمق يتكلم بما لا يعقل، ولا يقدر أن يعقل ما لا يعلم. فكل لفظ عمام يحتاج إلى معرفة عمومه وخصوصه فلن يتوصل إليه إلا بمثله،
ومثله بمثله إلى ما لا يتناهى. ولو استعملت فيه الوجوه الأربعة الدالة على استغراق الجنس.
ومن استعمال العموم قول الخليل عليه السلام: {إن فيها لوطا} (1) وذلك أن الملائكة قالت: {إنا مهلكوا ... لوطا} وانفهم لإبراهيم عليه السلام التعميم. ولم يأخذوا عليه في تعميمه العام ذا الصيغة وأخذه الظاهر من القول. والكل على حق./ فقالت الملائكة: {نحن أعلم ...... الغابرين} (2).
ولم يحتج الواقفوان بحجة أعرفها إلا أنهم قالوا: لما حسن الاستفهام في العموم وصلح فيه التوكيد دل على الوقف دون الأمضاء: تقول: من جاءني أعطيته. فيصلح من السامع أن يقول لك: ولو جاءك عدوك أو بغيضك فإذا حسن هذا دل على الوقف. قال الله تعالى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} (3) فإذا حسن التوكيد دل على الوقف لإزاحته (1/117)
صفحة 118
التخصيص. قيل لهم: أرأيتم لو وقع التوكيد، أيدل على التعميم؟ قالوا: لا.
قلنا: فلا فائدة إذاً في التوكيد إذ لا يفرق بين عام وخاص ولم يفدنا وإياهم شيئا. ألا ترى مع هذه التوكيدات والاستفهامات كيف حصل التخصيص/ معها واستثناء آخر ووكد توكيدا ولم يعن شيئا.
ألفاظ العموم
أولها: الجموع والأجناس كقولنا (4): المسلمون، والمؤمنون، والأبرار، والفجار. وأما أسماء الأجناس فالأرض والسماء والهواء والماء والحيوان والموات.
الثاني: أسماء الاستفهام: (من) و (ما) و (أي) و (متى) و (أين) و (ليس) في النفي و (لا يكون).
الثالث: ألفاظ التوكيد: كلهم، وأجمعون، وأكتعون، وأبصعون.
الرابع: الاسم المفرد المحلى بالألف واللام إن أريد به الجنس.
فالناس في هذا كما قدمنا على ثلاثة أقوال:
أهل الوقف هم على وقفهم حتى يرد بيان بعد هذه الألفاظ.
وأهل التعميم على قولين:
من يقول بالاقتصار على ثلاثة التي هي الجمع، أو الأثنين حتى يرد بيان بأكثر من ذلك.
ومن حمله على عمومه فعلى عمومه واستغراق جنسه. وأما الاسم المفرد المحلي/ المعروف بالألف واللام فهو أيضا كما قدمنا. أن أريد به العهد حمل عليه وليس بعام. وأن أريد به الجنس حمل عليه وهو عام كما تقول: إذا انسلخ الشهر الحرام فصل، إذا أردت العهد فتحي ينسلخ هذا الشهر الحرام تجب الصلاة ثم لا يراعى انسلاخه مرة أخرى وإن تكرر. وإن أريد به الجنس فصل كلما انسلخ عليك الشهر الحرام ودع إذا أقبل.
شرح هذه الجمل: وأسماء الجموع إذا تجردت عن الألف واللام كانت عموما في قول بعضهم، وغير عموم في قول الأخرين. وأما إن عرفت بالألف واللام فإن كانت للعهد حملت عليه وإن كانت للجنس ودلت على التعميم كما قلنا في الاسم المفرد المعرفة. وأما أسماء الاستفهام، فمن ذلك (من). وهي لمن يعقل. و (ما) وهي لما لا يعقل/ و (أي) لهما. و (من) و (أي) إذا كانتا معرفة وقعا موقع الذي. وإذا كانتا نكرة صلحا للعموم وللخصوص و (أين) للمكان. و (متى) للزمان. وألفاظ العموم ونحو قولك ما جاءني من أحد وليس في الدار أحد. وألفاظ التوكيد –كلما قدمنا- "كلهم" و"أجمعون" وسائرها.
فصل
(1/ 151) (1/118)
صفحة 119
وإن اختلف في المعروف هل هو جنس أو عهد حمل على العهد. وإن لم يكن عهدا حمل على الجنس. وقد اختلف على بن أبي طالب وعمار بن ياسر وأصحابهما بصفين حين نادي عليٌّ ألاَّ قتال في شهر حرام حتى ينسلخ، يريد المحرم. فقال له عمّار وأصحابه: إن حرمة الأشهر "الحرام" (1) قد ذهبت بانسلاخها أول مرة فلا حرمة لشهر حرام، وذهبوا إلى التعميم وأن سبيل الانسلاخ قد أتى عليها كلها. فقال علي: هي للجنس. يريد قول الله تعالى: {فإذا انسلخ الأشهر/ الحرم فاقتلوا المشركين} (2) فحمل الأشهر على الجنس، فإذا انسلخت حلّ القتال، وإذا عادت حرم القتال وتكرر التحريم. وذهب عمار وأصحابه "إلى" (3) أن الأشهر الحرام المذكورة ها هنا أشهر المدة، فإذا اتنسلخت هذه لم تبق لها حرمة في قتال أحد تكررت أو لم تكرر. فالتحريم منسوخ بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (4). وهذا الأليق بالجهاد والأوفق لما عليه الأمة. فلوا دام تحريمها لدامت بليتها. وفي مذهب عمار التحريم منسوخ، وهو نسخ الحضر بالإباحة. وعلى قول علي، التحريم قائم إلى يوم القيامة .. وليته لو كان الأمر في تحريمها كما كان في الجاهلية ليأمن الحاج والمعمتر أيامها. لكن التحريم في قوله باق، وإهلاك بني مجرية (5) الناس باق.
واعلم أن أعم العموم اسم يتناول جميع/ الموجود. وان أخصه ما يتناول شيئين. وأن ما بين هذين حد يكون عاما من وجه وخاصا من وجه. مثاله الجنس والنوع، فالجنس يشتمل على جميع أنواعه، وأنواعه خصوصه. وهذه الأنواع إن انقسمت على أنواع صارت التي فوقها أجناسا لما تحتها وأنواعا لما فوقها إلى الجنس العالي وهو الخلق. وينحل إلى نوع ليس تحته إلى الخصوص، كالرجل من الناس والبعير من الجمال. فعلى هذا يكون العام خاصا ويكون الخاص عاما. فهو عام مخصوص لما يصلح أن يشتمل عليه وخاص معموم لما قصر عما يليق أن يشمله. فالعام عام لما يكون (1/119)
صفحة 120
الاسم متناولا له "أو يصلح أن يتناوله" (1). فإن قلت: {فاقتلوا المشركين} (2) فعام في كل مشرك أو خاص في المشركين دون المؤمنين.
فصل
اختلف الناس في العام إذا خص، فقال كثير منهم: يصبر/ مجازا لأن هذا لفظ عام استعمل في غير ما وضع له. وقال بعضهم: إن خص باستثناء متصل كان ما بقي حقيقة، وإن خص بدليل عقلي أو شرعي أو منفصل كان مجازا. "قاله الكرخي وهو قول أبي ثور وعيسى بن أبان. وقال بعضهم: قد بقي على عمومه. وهو حقيقة في ذات نفسه ولو خصه بأي دليل شاء لا شرعي ولا عقلي ولا متصل ولا منفصل" (3). وهو قول الله تعالى: {لا إله إلا أنا فاعبدون} (4) وقول المسلمين: "لا إله إلا الله". فأما اختصاصه بالعقل فقول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} (5)، و {الله
على كل شيء قدي} (6) وأما إذا خص حتى يبق منه ما يكون جمعا فهو مجاز ولا يحسن الاستدلال به. وقيل الاستدلال به جائز وهو الأصح.
باب
بيان القرآن من جهة التخصيص
اعلم أن التخصيص يقع بدلالة القول، لأن الشرع لا يرد/ بخلافها. ويرد بالقرآن والسنة وبأخبار الآحاد وبالاستثناء، والمقيد، وبدليل الخطاب، وبالإجماع.
أما التخصيص بدلالة العقول فأمر ظاهر غير مسنتكر، لأن الشرع لا يرد بخلاف العقل، وإن استعمل اللفظ على ما يحيله العقل خص به. والدليل على ذلك التفرقة بين قول الله تعالى: {إن الله بكل شيء عليم} وبين قوله: {والله على كل شيء قدير}. فليس كل معلوم مقدورا عليه، لأن الله تعالى معلوم ولا تجري عليه القدرة.
وقال بعضهم في قول الله عز وجل: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} (1) إن دليل العقل خص منه المجانين والصبيان. وبعضهم يقول: إنما خصوا بالشرع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:» رفع القلم عن ثلاث ... » الحديث (2). وخص العقل من قوله عز وجل: {وجاء ربك والملك صفا صفا} (3) خص منه/ الاتنقال. وقوله: {وهو القاهر فوق عباده} (4) خص منه العقل الجبهة. وقوله: {على العرش استوى} (5) خص منه الجبهة والحلول والتمكن. وقوله: {تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى
إلا مساكنهم} (1/120)
صفحة 121
(6). خص منه الاستثناء ما خص، وخص العقل ما بقي وهي السماوات والأرض. وجميع ما ذكر في القرآن من أوصاف البارئ سبحانه خص منه العقل ما لا يليق به إلا بالخلق. وقد يجوز الإنصراف عن ظاهر القرآن إلى المجاز بدليل العقل. فتخصيص العام أولى به.
وأما تخصيص القرآن إلى لما في القرآه نحو قوله تعالى: {والملائكة ... الأرض} (7). ثم ذكر أيضا فقال: {الذين ... آمنوا} (8). فهذا استثناء منفصل./ وقوله: {ورحمتي ..... يؤمنون} الآية (9).
وقوله في الاستثناء المتصل: {والذين ........ ملومين} (1) وخص أيضا مما ملكت اليمين جمع الأختين بقوله: {وأن تجمعوا .... سلف} (2). وقوله تعالى: {والمطلقات .... قرؤ} (3) فخصه بقوله: {إذا نكحتم .... تعتدونها} (4). وخصتها المرتابه واولات الأحمال والصبايا.
وأما تخصيص العموم بالسنة، قول الله تعالى: {والسارق ...... حكيم} (5). ثم خصت السنة من السارق/ من سرق ما دون ربع دينار لقوله عليه السلام:» لا يقطع السارق في أقل من ربع دينار» (6).
وقال: {وقاتلوا المشركين كافة} (7). فخصت السنة النساء والصبيان والرهبان وأهل العهد. لقوله عليه السلام: «لا تقتلوا امرأة ولا صبيا (8) «. ونهى أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن قتل الرهبان فقال (9): دعوهم وما حبسوا إليه أنفسهم. وقال عليه السلام: «لا يقتل ذو عهد في عهده» (10).
وقال تعالى: {وإن .... مأمنه} (11).
وقال تعالى: {أن النفس بالنفس} (12) فخصت السنة غير المخاطبين من المجانين والصبيان.
وأما إثبات السنة بفعل رسول الله عليه السلام فظاهر، وبدلالة قوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» (1)، و «صلوا كما رأيتموني» (2) فهذا يدل/ على أن أفعاله له من سنته فمن اقتدى به فعل أمره. وقوله: «أين السائل عن أوقات الصلاة، ما بين هذين وقت (1/121)
صفحة 122
للصلاة» (3).
وكذا عليه السلام لو رأى أحدا من أمته يفعل غير ما يقتضي العموم فأقره كان ذلك تخصيصا للعموم.
وخص فعله عليه السلام إذ لم يأخذ من الخضروات زكاتا قول الله تعالى: {وهو الذي ................ يوم حصاده} (1) وقوله أيضا: «ليس في الخضروات زكاة» (2). وخص قوله عليه السلام: «فيما سقت السماء والعيون العشر» (3) وهكذا الخيل والبغال والحمير بعد قوله عز وجل: {وأنفقوا مما رزقناكم} (4) وقوله: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} (5) منسوخا أيضا بالخضروات. خلافا لابن عباس في الخضروات. وكان يأخذ منها العشر. يأخذ من كل عشر دساتج دسجة (6) من السلق. وخلافا لأبي حنيفة في إناث الخيل/ وقال: إن فيها الزكاة: دينارا على فرس أنثى. وقال عليه السلام: «الصلاة على الموتى المقرين بالله ورسوله واجبة» (7) واختلفوا في القتيل في سبيل الله، لا يغسل ولا يصلى عليه. قاله مالك والشافعي والليث بن سعيد. وقال الحسن البصري وابن المسيب: يغسل ويصلى عليه على عموم الحديث، أو قياسا على الميت. وقال أبو حنيفة والأوزاعي والثوري: لا يغسل ولكن يصلى عليه. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: « .... بل من بدل دينه فاقتلوه» (8).
التخصيص بالاستثناء: واعلم أن الاستثناء من المعاني التي يخص بها العموم. ومعنى الاستثناء مأخوذ من قولك: ثنيت الرجل عن رأيه إذا صرفته. وثنيت الشيء عطفته وعطفت أوله على آخره.
وحروف الاستثناء: الا، و (حاشا)، و (سوى)، و (غير)، و (ماخلا)، و (ماعدا)، و (بله) /و (ليس)، و (لا يكون).
وأما قولك: رأيت القوم وما رأيت زيدا. أو اقتلوا المشركين ولا تقتلوا الرهبان. لا تعط زيدا لكن عمرا. فهذه وأشباهها ليست باستثناء وإن كانت معناها معنى الاستثناء.
ومن شروط الاستثناء الاتصال بالمستثنى منه. إلا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه أجازه منفصلا إلى سنة، فهو من أهل اللسان. واستدل بقول رسول الله عليه السلام حين قال (1): «والله لأغزون قريشا. ثم سكت ساعة فقال: إن شاء الله». ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دال على انفصاله، وإنما بُعث مبلغا ومبينا. (1/122)
صفحة 123
فصل
والاستثناء يقع من ثلاثة أوجه: أحدها استثناء من الجنس: رأيت القوم إلا زيدا. واستثناء بعض الجملة: رأيت زيدا إلا وجهه. واستثناء من غير الجنس. وقيل:/ الاستثناء من عير الجنس لا يقع التخصيص به لأنه لا يخرج من الجملة بعض تناوله، وقيل إنه جائز. وقد وردت الوجوه الثلاثة في كلام العرب. أما الوجهان الأولان فلا كلام فيهما. وأما الثالث فقول الله عز وجل: {وما كان .... منكم} (2) وليست التجارة من الباطل في شيء. وهو قول النابغة الذبياني (3):
وقفت فيها أصيلانا أسائلها ... ... عيت جوابا وما بالربع من أحد
إلا الأواريّ ما أبيّنها ... ... والنؤ كالحوض بالمظلومة الجلد
وقال الراجز:
وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس
واستثنى العيس من الناس (4) وليست/ منهم.
فصل
واختلفوا ف ياستثناء أكثر من جملة (1) فقال بعضهم يجوز، وقال بعضهم لا يجوز. واستدل من أجازه بقوله عز وجل: {إن عبادي ........ الغاوين} (2) وقول إبليس اللعين: {فبعزتك .... المخلصين} (3) وهذا الأقل من الأكثر وإن صدر من الناس بعض الأحايين كان فبيحا. مثل أن تقول: لي عليه ألف دينار إلا تسعة وتسعين وتسعمائة. إلا أن تكون له قرينة تصلحه كقول الله تعالى (4): قم يا آدم ابعث بعث النار. قال: وما بعث النار قال: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. وقرينته التي تصلحه تعظيم الأمر يوم يصير فيه الولدان شيبا.
فصل
وإذا اتصل الاستثناء/ بجمل من الكلام معطوفا بعضهما على بعض، فإن بعضهم (1/123)
صفحة 124
يقول: يرجع الاستثناء إلى جميعها. وبعضهم يقول: إلى أقرب مذكور منها. وقال أهل الوقف بالوقف.
قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء .. } إلى أن قال: {إلا الذين تابوا} (5). فرجع الاستثناء إلى الكل. وبعضهم يقول إلى أقرب مذكور. فالأول قول الشعبي: أسقط بالتوبة الحد والفسق ورد الشهادة. والعامة على خلافه في الحد. وحجة الشعبي أن الحالف بأيمان مختلفة يرجع بمشيئته إلى جميعها.
وحجة الآخرين أنا تيقنا أن الاستثناء واقع على أقرب مذكور ولم نتيقن ما سواه، وأهل الوقف أرمُّوا (6).
باب المطلق والمقيد
ومما يتصل بالعام والخاص، المطلق والمقيد. والتقييد يقع بثلاثة أشياء:/ بالغاية، والشرط، والصفة.
فالغاية نحو قوله تعالى: {قاتلوا الذين ...... صاغرون} (1). فقيد القتال بإعطاء الجزية ولم يتناول ما بعد الغاية.
وأما قوله: {ولا تقربوا .... أشده} (2) فلم يكن غاية بحال قيام اليتيم بنفسه على ماله كأنه إذا بلغ أشده أحال الذب عن ماله ببلوغه أشده. فبقي النهي على ما هو عليه ولم يجعله له غاية.
فصل
أما تخصيص العموم بالشرط فكقوله: {وقاتلوا المشركين كافة} (3). فاشترط المشركين فعم فيهم وخص من يصلح الخطاب له من المؤمنين. وكلما زادت الشروط زاد التخصيص. كقولك المشركين المحاربين فتقول/ أيضا إن كانو رجالا فيزيده تخصيصا.
قال الله تعالى: {قاتلوا الذين ...... الآخر} (4) فخص أهل الكتاب وقيد حتى يعطوا الجزية. وقد يتقدم الشرط كقوله: {إذا قمتم ..... فاطهروا} (5). وقد يتأخر كقوله: {ولا جنبا ... يغتسلوا} (6). وإن وقع شرطان علق الخطاب إليهما كقولك: إذا دخل زيد الدار وجلس فأعطه درهما. فلا يقتصر على أحد الشرطين دون الآخر. (1/124)
صفحة 125
[فصل
وأما التخصيص العموم بالصفة فكقولك: اعط الرجال الطوال أو السود أو الحمر كذا وكذا. خصصتهم به من بين الناس. وكذلك: اعط المؤمنين المهاجرين كذا وكذا. قيدت الاعطاء بالصفات. وكذلك. كل مسكر حرام. قيدت التحريم بالإسكار. ولولا التقييد لتناول كل/ شراب يصلح لأن يجري عليه السكر. وكذلك في المؤمنين لولا الصفة والهجرة لتناول كل مؤمن.
باب
حمل المطلق على المقيد
اختلف الناس في حمل المطلق على المقيد فقالت به طائفة، وقالت طائفة أخرى: لا يحمل أحدهما على الآخر. وقال بعضهم: يحمل كل واحد منهما على صاحبه بقرينة.
والتفصيل أنهما إن كانا من جنسين متفقين حمل أحدهما على صاحبه، وذلك أن العدالة تعتبر في الشهادة. قال الله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (1) ذكره في مراجعة الطلاق وفي الدَّيْن {ممن ترضون من الشهداء} (2) فاعتبرناه فيما سوى الطلاق من شهود الزنا. قال الله تعالى: {والذين يرمون المحصنات ....... الكاذبون} (3) وقوله: {واشتشهدوا شهيدين من رجالكم} الآية (4) وف يهذه التقييدات اعتبرنا العدالة في جميع ما لم تكن فيه العدالة، وحملنا المطلق على المقيد، وأجرينا المطلق على حكم المقيد، ثم إنا اعتبرنا قاتل الخطأ، قال الله تعالى: {فتحرير رقبة مؤمنة} (5) فقيد الرقبة بالإيمان. وذكر كفارة الظهار واليمين بالله الرقبة ولم يقيد بالإيمان، فحملنا الرقبة فيهما على الرقبة المؤمنة في قتل الخطأ. وأما أن يحمل مطلق الشهادة على مقيد الرقبة فلا يجوز بإجماع. ولو ذكر كفارة القتل في موضعين فقيدها بلا شك بإجماع.
وأما إن كانا متفقي الجنس مختلفي الحكم بقي المطلق على إطلاقه والمقيد
على تقييده. نحو الصوم الذي/ ذكره الله تعالى في كفارة الظهار متتابعا والصوم الذي ذكره في المتمتع بالعمرة إلى الحج منقطعا فلا يحمل أحدهما على الآخر بإجماع. فالمطلق على اطلاقه والمقيد على تقييده. (1/125)
صفحة 126
وأما المطلق من الصوم من الصوم إلى وهذين المقيدين كالصوم في الكفارة كفارة اليمين فحملوا مطلقة على مقيد الظهار. وبعضهم يقول: إنه مقيد في قراءة مجاهد، وكان يقرأ: {فصيام ثلاثة أيام متابعات} (6).
وقال بعضهم: لا يحمل مطلق على مقيد ولا مقيد على مطلق. ومن المة من لا يرى تقييد الشهادة بالعدالة في النكاح، وهو قولنا. ويتم النكاح بشهادة من ليس بعدل، بل بفاجر لا تقبل له شهادة. (1/126)
صفحة 127
باب
التخصيص بالإجماع للقرآن والسنة
أما تخصيص القرآن والسنة بالإجماع فكثير. قال الله تعالى: {يوصيكم الله في ..... الأنثيين} (1)، فخص/ الإجماع منها العبيد. وخصت السنة المشرك والقاتل.
وأما قول الله تعالى: {النفس بالنفس} الآية (2) أجمعت الأمة أن هذا في المكلفين. وأجمعوا أن الأطفال والمجانين ليس بيننا وبينهم قود ولا قصاص. وأجمعت الأمة أن ليس بيننا وبين البهائم قصاص ولا قود. وأجمعت الأمة أن الأموات لا يورثون من الأحياء شيئا، وإجماعهم هذا قد خص آية المواريث.
ومن فروع السنة تخصيص العموم يقول الصاحب. كحديث أبي هريرة في الإناء إذا ولغ فيه الكلب؛ فإنه يروى عن رسول الله عليه السلام أن يغسل سبعا (3). وأفتى أبو عبيدة أن يجزئ منها ثلاث مرات.
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدّل دينه فاقتلوه» (4). مقصور على المرتد على قول ابن عباس دون من يقول إن اليهودي إذا ارتد/ عن دينه إلى المجوس، أو المجوس إلى عبدة الأوثان أو النصارى إلى اليهود أن ليس علينا منهم شيء على قول من يقول إن هذه الملل كلها ليس علينا ممن ارتد منهم إلى الأخرى شيء.
والقول الصحيح أن من انتقل من هذه الملل إلى من دونها فواسع لها، وإن انتقلت إلى من فوقها فيه مرتدة.
ولم تزل الفقهاء تستعمل أخبار الآحاد وتص به عموم القرآن المتيقن. والدليل على جوازه إجماع المسلمين على تخصيص آية الموارث لقوله عليه السلام: «لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم» (1). وهو مما وجد في قراب رسول الله عليه السلام: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه» (2). وهو مذهب معاذ بن جبل رضي الله عنه. وأما معارضة عمر بن الخطاب رضي/ الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في حكايتها عن رسول الله عليه السلام أن ليس لها النفقة ولا السكنى. فقال عمر رضي الله عنه: لسنا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة لا (1/127)
صفحة 128
ندري أصدقت أم كذبت (3) فلم ينكر عليه أحد. وتأول قول الله تعالى حيث يقول: {اسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم} (4). وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه روى عن رسول الله عليه السلام أن لها النفقة والسكنى.
"أجمع أهل العلم على أن المطلقة ثلاثا إذا كانت حاملا لها النفقة والسكنى. واختلفوا إذا كانت غير حامل. فقال أهل المدينة أن لها السكنى ولا نفقة لها. وهو قول ابن عباد. وقال الربيع: لها السكنى والنفقة. وقال قوم: لا نفقة لها وسكنى" (5).
فصل
واختلفوا في تخصيص عموم السنة بالكتاب فأجازه بعض وأبطله آخرون/ فمن أجازه استعمل قول الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} (1) وبقوله تعالى: {تبيانا لكل شيء} (2) وهو مذهب ابن عباس؛ يروى عنه أنه استعمل عموم القرآن ولا يلتفت إلى خصوص السنة. وقد استعمل ذلك في قول الله عز وجل: {قل لا أجد فيما .......... خنزير} (3) ولم ير تحريم أكل لحوم الحمر الأنسية وأكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وبعض الفقهاء يجعل عموم القرآن وأخبار الآحاد تعارض. ومنه خبر أبي هريرة: لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها. وهي إلى الإجماع أقرب.
فصل
اختلف الناس في تعارضص الخاص والعام. قال بعضهم: يتعارضان. وقال بعضهم: لا يتعارضان. وقال بعضهم: العام ينبني على الخاص ورد قبله
أو بعده./ وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: إذا تقدم الخاص نسخُه العام وإذا كان العام متفقا عليه والخاص مختلفا فيه وجب تقديم العام. وقولنا: إن الخاص على العام مقدم. كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في الرقة ربع العشر» (4). ثم قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (5) فقضينا بالخاص على العام، وبطل قول من قال بتعارضهما. ثم يحتاج إلى التماس الأدلة بعد أيهم أولى فيه ترك البيان إلى الاشكال.
فصل
وكذلك مذهب الصاحب. لا يصح به تخصيص العام، وإن كان روى وشاهد (1/128)
صفحة 129
كفتيا أبي هريرة وضمام بن السائب (1) في إناء ولغ فيه كلب أنه يجزيه ثلاث غسلات. ومع ذلك روى أبو هريرة عن رسول الله عليه السلام «فاغسلوه سبعا» (2). وأما فعل الصاحب إن كان سخص العام أم لا؟ الجواب: هو أولى بمعرفة ذلك. وبعضهم يأبى/ أن يخص به، مثل ما روي عن ابن عمر أنه رأى رسول الله عليه السلام قاعدا على حاجته في بيت حفصة مستدبرا الكعبة مستقبلا بيت المقدس. فيخص الخبر في قوله عليه السلام: «لا تستقبل القبلة ولا تستدبرها ببول ولا غائط» (3). وكمذهب ابن عمر في البائعين بالخيار ما لم يفترقا (4). فاستعمل افتراق الأبدان.
وأما إن ظهر من الصحابي أنه خصه باجتهاد ففيه اختلاف. فبعضهم بخص به وبعضهم لا يخص به. وكذلك القياس. في رأي بعضهم أنه يخص به العموم وبعضهم لا يخص به. والأصل أن الصحابي إذاكان يروي عن رسول الله عليه السلام شيئا ثم ترك فعله. أو حمل معنى حديثه على بعض محتملاته أنه يسوغ لنا اتباعه وترك اتباعه. ونحمله على حسن الظن في فعله وفي تركه إذ نأخذ بعموم حديثه. وكذلك قياس/ الصحابي على بعض حديثه كلاذي يجعل الكفارة على من عصى الله تعالى وذهب به قياسا على نقض الميثاق إن حلف فأقام الفعل مقام القول.
وإذا اختلف الصاحبان في تخصيص العموم فليس أحدهما بأولى قولا من الآخر وأما إذا كان العموم متفقا عليه ومختلفا في خصوصه فالعموم أولى.
فصل
وأما أفعال الني عليه السلام فإنها بيان يخص بها مالعموم إلا إن دل الدليل على خلافه، كنهيه عن الوصال ثم هو يواصل (1). وكذلك قوله في الفخذ عورة. فنسخه أو خصه بكشفه عن فخذه إلى أبي بكر وعمر (2). أجمع مالك والشافعي وأبي حنيفة أن العورة من السرة إلى الركبة، وأن السرة والركبة ليستا من العورة في شيء. وقول آخر: إن الركبة والسرة من العورة، وهو قول عطاء بن أبي رباح، وهو قولنا. ورخص أبو/ حنيفة في ربع الفخذ، وأبو يوسف في نصف الفخذ. ومنهم من يقول. السوأتان هي العورة لا غير، وهو قول داوود بن علي الظاهري.
التخصيص بالإقرار
وإذا رأى النبي (1/129)
صفحة 130
عليه السلام أحدا يفعل غير مقتضى العموم فأقره فذلك تخصيص العموم. وكذلك في القول، إذا قال أحد قولا ولم ينكره عليه ساغ
لمن يقوله. وبهذا قضوا أن ليس في الخضر صدقة لأنها معفو عنها. وعن ابن عباس: فيها الصدقة بدليل قوله: {وهو الذي أنشأ جنات معروشات} إلى قوله: {وآتو حقه يوم حصاده} (1). فلما لم ينص فيها رسول الله عليه السلام شيئا صار تخصيصا لقوله: «فيما سقت السماء والعيون العشر» (2). وكذلك الخيل والبغال والحمير، فحين أقرها ولم ينص فيها شيئا، فليس فيها زكاة. وهي معفوة. وقال أبو حنيفة إن في إناث الخيل صدقة. في كل فرس أنثى دينارا إذا/ كانت سائمة ولا بد من دليل. ومنه ترك رسول الله عليه السلام جَلْدَ ماعز بن مالك (3) دليل على تخصيص قول الله تعالى: {الزانية ........... جلدة} (4). واختلفوا بعد قوله في الشهداء: «زملوهم في ثيابهم» (5) فقال مالك والشافعي في القتيل في المعركة لا يغسل ولا يصلى عليه. وقال الحسن البصري وابن المسيب: يغسل ويصلى عليه وهو قول أصحابنا أبي عبيدة وأصحابه الربيع وعبدالله وأبي المؤرج. كأن الحسن قصر الخبر على أهل بدر. وكأن مالك والشافعي يشيران إلى أن الله تعالى صلى عليهم واجتزوا بتلك الصلاة وطهارتهم، لأن دمائهم طاهرة وأنها تعود مسكا أذفر غدا يوم القيامة (6) وأما أبو حنيفة/ فاقتضى الحديث. وتخصيص العموم بدليل الخطاب على قدر اختلافهم. فمن قال به خص به. ومن لم يقل به لم يخص به. ودليل الخطاب بعكس القياس. والقياس مبني على المماثلة. ودليل الخطاب مبنى على المخالفة، كأن دليل الخطاب دليل الخطاب هو الحكم فيما عدا الصفة المذكورة، وكان القياس الحمل على شبه الصفة المذكورة.
وأما قول الله تعالى: {وللمطلقات ....... المتقين} (1) خص بدليل قوله: {ولا جناح .... قدره} (2) فزعم قوم أنها تخصص الآية الأولى. وقال قوم: بل من دليل الخطاب، وليس بشيء. ومالك المتعة عنده مستحتة. وأبو حنيفة والشافعي والأوزاعي فإنهم يوجبونها وهو الأصح. (1/130)
صفحة 131
فصل
وإذا تعارض عمومان/ فإن نظر في التاريخ كان الآخر ناسخا للأول، وإن لم يُعلنم التمسنا الدليل في غيرهما. فإن قدرنا على استعمالهما جميعا وأن نجعل لكل واحد منهما حطا في الاستعمال فعلنا.
ومثال تعارض العمومين قوله عليه السلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (3). وقال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر» (4).
وإذا تعارض عمومان وأحدهما يخصه العقل والأخر يطلقه، فليس هنالك تعارض مثل قوله تعالى: {والله بكل شيء عليم} (5) وقوله: {لنبلونكم حتى ...... أخباركم} (6). فإن كان المعنى حتى نعلم ذلك كائنا موجودا فالتأويل صحيح. وهذا العموم إلى غاية الوجود بحالة الوجود معلوم قبل وجود الوجود. فلا تعارض بينهما. وأما ترك هذا على ظاهره مع إحالة العقل له فلا.
وأما قوله: {خالق كل شيء} (7)، و {هذا خلق الله فأروني ماذا خلق
الذين من دونه} (8). وقوله: {فتبارك/ الله أحسن الخالقين} (9) وقوله: {وتخلقون إفكا} (10) وقوله: {وإذ .... بإذني} (11). وليس بين هذه المعلومات كلها تعارض وأصل الخلق لله تعالى، ونسبة الخلق إلى غيره مجاز بدليل قوله: {هل من خالق غير الله} (12) والتعارض في هذا بين الحقيقة والمجاز وبين المعاني المختلفة.
وإذا وقع التعارض في الأمور الشرعية فيراعى هناك التخصيص أو النسخ أو البيان. وإن كان أحد العامين متيقنا والآخر مظنونا استعملنا المتيقن، وإن كان متيقنين أو مظنونين طلبنا الترجيح كقوله عليه السلام: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها» (1) وقوله «لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس» (2).
والتعارض بين العمومين في الشرعيات كقوله: {وأن تجمعوا ..... سلف} (3) وبين قوله: {وما ملكت أيمانكم} (4) فتعارضت/ الآيتان فغلّبنا الحظر على الإباحة. وحتى قال بعض الصحابة: أحلتهما آية وحرمتهما آية.
فصل
واختلف الناس فيما ينبغي أن يعتقده سامع العموم إذا سمعه. هل يجزيه على (1/131)
صفحة 132
عمومه أو حتى يبحث وراء ما يخصه، فإن لم يجد أجراه على عمومه؟
قال أهل الوقف بالوقوف فتوقفوا. وأما من قال بالعموم فهو ضربان: بعض يقول بالتعميم مطلقا ولا يلتفت ولا يُعرّج، فهو على أصله في أن البيان لا يتأخر عن وقت الحاجة. وليس عليه النظر ولا البحث. ففرضه استعمال دليله وعمومه. وضرب يقول بالتعميم، غير أنه يقول: لا بد من البحث. فإ عدم التخصيص في بحثه أجراه على عمومه.
وقال بعضهم: أما في الصدر الأول وما يقرب منه، أعني صدر الإسلام فينبغي البحث والتوقف؛ لأن الناس حديثوا عهد بحدوث الشريعة. فإن تطاول الأمر قليلا انقطع العذر/ ولا بد من البحث. وهذا مذهب جابر بن زيد حين قال عبد الملك بن مروان وقد قتل رجلا تزوج زوجة أبيه. فقال: لا جهل ولا تجاهل في الإسلام. فقال جابر بن زيد: أحسن عبدالملك أو قال: أجاد. هذا آخر قولنا في العام والخاص.
القول في دليل الخطاب مما يتعلق
بهذا المعنى من تخصيص
العموم
اعلم أن دليل الخطاب يقتضي نفي الحكم عما عدا الصفة المتعلق بها ثبوته. وقد قال بدليل الخطاب الشافعي وكثير من الأشعرية وأصحاب مالك وأهل الظاهر.
وقال أبو عبيدة: إنا وجدنا العرب إذا علقت الحكم بإحدى صفتي الشيء مما له صفتان مختلفتان تجد ما عدا ذلك الحكم بخلافه. وقال بهذا المذهب ثعلب والمبرد. وأجاز بعضهم القول به في الغاية والشرط وأما الصفة فلا. وأجازه بعضهم في الصفة مع ما تقدم ومنعوه في الاسم وأجازه/
بعضهم في الكل وفي حروف الحصر والتوكيد. واستدل من منع هذا بدخول الاستفهام عليه. لأن الله عز وجل قال: {ومن يقتل مؤمنا ....... جهنم} (1). ويحسن الاستفهام على المخطيء ولو دل عليه الكلام لقبح الاستفهام.
قلنا: وليس في الاستفهام ما يدل على شيء. ودليل الآخرين أن الله عز وجل قال: {وربائبكم .... نسائكم} (2) ألا ترى إلى إخراج الربائب اللاتي ليست في حجورهم من التحريم مع ظهور الشرط في الآية، ومع ذلك لم تستعمل الأمة دليل الخطاب. فأوجبوا التحري به كإيجابهم التحريم في التي في حجره. وضعفت الأمة دليل الخطاب إلا ما روى عن علي (1/132)
صفحة 133
بن أبي طالب من طريق عاصم بن أبي ضمرة وله أمثالها (3). وهو قول داوود الظاهري.
وأما تعليق الحكم بالغاية/ كقوله تعالى: {قاتلوا الذين ...... الآخر} إلى أن قال: {حتى .... صاغرون} (4). فأوجب حكم القتال إذا عدم إعطاء الجزية ودليل الخطاب ألا يقاتلوا إذا أعطوا، فعلق الحكم إلى الغاية، وانتفى ذلك الحكم بحصول الغاية عما عداه.
وأما قوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه} (1)، فمن حمله على رؤية الهلال دل دليل الخطاب أن من لم يشاهده ليس عليه صومه. ومن حمله على من شهد بمعنى حضر فعليه الصوم وانتفى الصوم عن المسافر. وأما تعليق الحكم إلى الصفة وانتفاء ذلك الحكم عمن عداها كقوله (تعالى): {اقتلوا المشركين كافة} (2) وقوله: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر} (3). وأعلم أن الحكم في هذه مقصور
على هذه الصفة، ولا يبطل هذا الحكم عمن انتفى عنه هذه الصفة. بل يجوز أن يأمر بقتل غيرهم. ودليل الخطاب في الشرط والغاية أقوى منه/ في الصفة. استدل من أبطله أن الخبر بمثابة الأمر. فإذا قلت: اضرب الرجل مثل من قال: ضرب الرجل. وليس فيهما ما يدل على انتفاء هذا الحكم عما عداهما. والأمر بمثابة الخبر. ولو قلت: خرج الأسود لما دل على دخول الأبيض ولا على ترك الأبيض الخروج. وكذلك: اخرج الأبيض. ليس فيه ما يدل على ألا يخرج الأسود، ولا على أن يدخل الأبيض وأما من أجازه في الاسم فقد تغدمر. ودليله قوله عز وجل: {محمد رسول الله} ليس فيه دلالة على انتفاء هذا الحكم عن موسى وعيسى وغيرهما وكذلك القول في الخمر حرام. ليس فيـ÷ ما يدل على أن غير الخمر حلال أو ليس بحرام. وتعلقوا بقول رسول الله عليه السلام: «في سائمة الغنم الزكاة» (4). والزكاة في سائمة الغنم ليس فيه ما يدل على انتفاء الزكاة من المعلوفة إلا بخطاب ثان مستأنف وليس فيه أكثر من إثبات الزكاة في السائمة.
وقال/ بعضهم: قصده إلى السائمة دليل انتفاء الزكاة فيما سواها من المعلوفة وغيرها.
واستدل مثبتوه بقول الله تعالى: {وإن ......... فرضتم} (1). فثبت أن الحكم في إحرازها النصف ساقط في النصف الآخر أما النصف الآخر فقد سقط بنفس اللفظ وهو نفس الخطاب. وإنما الكلام في المطلقة المدخول بها هل تحرز الصداق (1/133)
صفحة 134
كاملا بدليل النصف (2) أم لا.
فإن قالوا: نعم. عورضوا بأن لهذه الغير المدخول بها هذا النصف وصداق كامل بدليل قوله: {وآتوا .. نحلة} (3) واستدلوا بأن نكاح الإماء المشركات لا يجوز بدليل الخطاب. وهو قوله: {فمن لم ......... المؤمنات} (4) وقال آخرون: بدليل قوله: {ولا تنكحوا ..... يؤمن} (5). وقالوا: وجدنا تحريم ما/ زاد على الأربع من دليل الخطاب قوله تعالى: {فانكحوا .... ورباع} (6) فإذا حدّ حدا في التحليل فما وراءه محرم.
قالوا: بل ينتقض عليهم بمذهب الخوارج من تفسير الآية تحليل تسع نسوة، فقد واجه النص. وحكى ابن الحسين (7) في كتابه بأن نافعا جوّزه.
وقال أصحاب دليل الخطاب: إنما عرف قبول خبر الواحد بدليل الخطاب من قوله: {إن جاءكم فاسق ........ بجهالة} (8).
وقال الآخرون بل من قوله: {أفمن كان,,,,,,,, لا يستوون} (1) فمن رد خبر العدل ساواه الفاسق. وقال أصحاب دليل الخطاب: قد عرفنا أن الطهارة لا تصخ إلا بالماء بدليل قوله {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} (2) وبقوله: {ماء ليطهركم به} (3). وقال غيره (4): تطهير الأنجاس بغير الماء جائز، بالحك وبالنار وبالزمان.
وقال أهل دليل الخطاب: إن الرقبة الكافرة/ لا تجزي في الظهار بدليل قوله في قتل الخطأ: {فتحرير رقبة مؤمنة} (5) وقال الآخرون: بل بتحميل المطلق على المقيد.
واستدل من قال: لا يجوز الشاهد واليمين بقول الله عز وجل: {واستشهدوا شهدين من رجالكم} (6)؛ لأن الواحد لا يجزي. وقال آخرون: بل بالتوقيف. وقال آخرون: لا يجوز إخراج الأموال من أيدي مالكها إلا بالشاهدين. وقال أهل دليل الخطاب: يجوز نكاح الربيبة إذا لم تكن في حجورنا وإن كانت أمها مدخولا بها بدليل قوله: {وربائبكم .... بهن} (7). وهو قول علي بن أبي طالب. وأبى الآخرون وقالوا: أطباق الأمة أنها سواء هي أو غيرها يضعف دليل الخطاب. وقال أهل دليل الخطاب: لا قطع في أقل من ربع دينار بدليل قوله عليه السلام: «القطع في ربع دينار فصاعدا» (8). وقال آخرون: بل بقوله عليه السلام: «لا قطع إلا في ربع دينا» (9).
واستدلوا بقوله عليه السلام من دليل الخطاب/: «إنما الولاء لمن اعتق» (1) لا ولاء لمن لم يعتق. وقال آخرون: لييس بدليل كقوله عليه السلام: «إنما (1/134)
صفحة 135
الكريم يوسف» (2). وليس في قوله ذلك ما يدل على أن غيره ليس بكريم. وقد أجاز ابن عباس في الولاء البيع والهبة. وهو من أهل اللسان وترجمان القرآن.
__________
(1) متفق عليه.
(2) لفظ الحديث في المتفق عليه عن أبي هريرة: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أكرم فقال أكرمهم عند الله أتقاهم. قالوا: يا رسول الله، ليس عن هذا نسألك. قال: فأكرم الناس يوءس نبي الله بن نبي الله بن نبي الله بن خليل الله».
وقال أهل دليل الخطاب في قوله تعالى: {استفغر لهم .... الله لهم} (1)، ثم قال رسول الله عليه السلام: والله لأزيدن على السبعين إن ما وراء السبعين سائغ. وقال الآخرون: ذهب رسول الله عليه السلام إلى التخيير. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أتستغفر لقوم نهاك الله أ، تستغفر لهم؟ فقال رسول الله عليه السلام: «لأزيدن على السبعين» (2). ذهب به عليه السلام إلى التخيير وذهب به عمر مذهب العرب أنه قطع الرجاء. ولم يخْفَ ذلك عن رسول/ الله عليه السلام لكنه أراد أن يفقه أمته في القرآن حتى لا يحسبونه ضربة لازب. وأن المعاني التي يذهب إليها الخطاب سائغ لهم التوجّه إليها ما لم ينهوا عن بعضها. ومن ذلك قوله تعالى: {ليس عليكم ....... يفتنكم}. إلى قوله: {فإذا .... الصلاة} (3) فقال يعلى بن أمية لعُمر بنالخطاب: ما لنا نقصر الصلاة وقد أمنا فقال عمر رضي الله عنه: عجبت مما عدبت منه فسألت رسول الله عليه السلام فقال: «صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته» (4). وانظر كيف ذهب إلى دليل الخطاب أنه مهما زال الخوف زال القصر، وإذا نزل الأمان وجب إتمام الصلاة. وهذه الآية إنما رجع الناس فيها إلى القياس، لأن رسول الله عليه السلام ذهب بالآية إلى معنى تعب المسافرين بدلا من الخوف، فلم يكن القصر مقصورا/ على الخوف وحده، بل على جميع ما يشبهه. وكذلك مذهب ابن عباس في قوله: "إنما الربا في النسيئة" (5)
فذهب مذهب رسول الله عليه السلام في التخفيف على
الأمة لكن الأمة لم تقبل. وأراد أن يبطل الربا في النقود الحاضرة، ولم يساعد على ذلك. ولو سوعد لكان وجها. لكن الله عز وجل قصر قوله عليه. وروى عنه أنه ترك قوله قبل موته إذ لم يقبلوه، وكذلك مذهبه في نكاح المتعة وقد نزل القرآن به حتى قال: لو أطاعني عمر في نكاح المتعة ما جُلد في الزنا إلا شقي. ولعمري لكذلك. لكن فيه إبطال حد الزنا. غير أن رسول الله عليه السلام دعاله أن يفقهه في الدين (1). ومن فقه أنه يرى أن الأخذ بالقرآن وبتأويله سائغ لمن أراد، وأن الأخذ بالسنة كذلك والرأي كذلك. وجعل ذلك كله شرعا (1/135)
صفحة 136
واحدا واستعمل/ أيضا دليل الخطاب في الأخت مع البنت، فأثبت النصف للبنت والنصف للعصبة الذكور دون الأخت لأن الله تعالى يقول: {قل ... ولد} (2) فمهما كان له ولد ذهب ميراثها. وذهب بالمال إلى العصبة بدليل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله قد ألحق السهام بأهلها فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر «(3) واستعلمت الأمة القياس في هذه المسألة، واستعمل هو دليل الخطاب. فالقياس أولى وأقوى من دليل الخطاب. واعلم أن تعليق الحكم إلى شرط أو غاية أو صفة أو عدد أو اسم أو توكيد، هذا كله من وجوه دليل الخطاب فمن استعمل دليل الخطاب أجراها على وجوهها مجرى واحد. ومنهم من أثبته في أقواها وأضعفه في أضفعا دليل.
والغرف في دليل الخطاب أن يكون ما عدا المذكور على المراد فيه بظاهر الخطاب وما لم يذكر ذهب إليه إلى خلاف المذكور.
وهذه الأمور في دليل الخطاب يسوغ فيها الوجهان؛ لأنه غير مقطوع به ما لم يصادم العقليات، فإن صادمها بطل الدليل، دليل الخطاب. من ذلك قوله عز وجل: {كلا ..... لمحجوبون} (1) فظاهر القرآن أن الكفار محجوبون عن ربهم عز وجل. دليل، ودليل الخطاب بأن غيرهم من المؤمنين غير محجوبين. فيسوغ القول على مذهب أهل دليل الخطاب أنهم غير محجوبين. لكن هذا الحجاب ما هو؟ فإن قالوا: حجبوا عن رؤيته. قلنا: حجبوا عن خيره لا رؤيته. وقد يقع الحجاب عليهما جميعا. ومنع شاهد العقل من الرؤية، وإلا كان للغير أن يقول/ إنما حجبوا عن المصافحة أو المواكلة أو المشاربة أو عن الألوهية!! والمؤمنون بخلافه. وأكثر كلام العرب إنما يقع الحجاب عن معروف السلطان وخيره لا عن رؤيته. وقد يراه ويحجبه عن خيره، بل يأمر بضرب رقبته. وقد لا يراه ويناله خيره. ويقال حجبه. معنى حجاب الرؤية لقوله تعالى: {لا تدركه ..... الخبير} (2) واطلعتنا حجاب الخير.
وكذلك قوله: {وجاء ربك والملك صفا (1/136)
صفحة 137
صفا} (3) فدل أن غيرهم لم يجيء، ودل أنهم انتقلوا عن موضع جاءوا منه إلى الحشر، وقربوا بعد أ، بعدوا بدليل الخطاب. وكذلك قوله: {يا حسرتى ..... الله} (4). ولم ينحصر على التفريط في غير الجنب من العين والوجه والساق وغيرها. فكذلك قوله: {لا تأخذه سنة ولا نوم} (5) دليل السهر والأرق. وكذلك قوله: { ... لتكفرون بالذي/ خلق الأرض في يومين} (6) دليل على أنه يسوغ لهم الكفران بمن لا يقدر أن يخلقها إلا في أربع، ودليل على انتهاء القدرة في اليومين فصاعدا. وطذلك قوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله} (7) فمقصور على ألوهية
السموات والأرض تعالى عن هذا علوا كبيرا. (1/137)
صفحة 138
باب
الاستدلال بحروف الحصر
وألفاظ الحصر أربعة تدل على نفي الحكم عن غير المنصوص عليه وهو نوع من دليل الخطاب وهي:
أنما، ثم ذلك، ثم الألف واللام التي للاستغراق الجنس، ثم الإضافة. أما إنما كقول الله تعال: {إنما الله إله واحد} (1) فإنما تدل على نفي الحكم غن غير المنصوص. وقوله عليه السلام: «إنما الولاء لمن أعتق» (2). فظاهر ألفاظ نفي الولاء عن غير المعتق. وعارض من أبى من الحصر بقوله (3): «إنما النبي محمد، إنما الكريم يوسف» (4). فجاءت هنا مؤكدة لا نافية لغيره. وقال أيضا/: «إنما الأعمال بالنيات» (5). أراد حصر العمال إلى النية وإبطالها في غير نية. وقد ألحق قوم من المتفقهة "لا" وجعلوها بمنزلة (إنما) فيقولون: لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار. وهذه على المبالغة، وأما على النفي في غير ما نص فيه فلا.
وأما قولك "ذلك" فإن ذلك يدل على الحصر لقوله تعالى: {ذلك لمن ........ الحرام} (6). وقوله: {ذلك لمن خشي العنت منكم} (7).
وأما الألف واللام التي لاستغراق الجنس كقوله عليه السلام: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» (8).
وأما الإضافة كقوله عليه السلام: «تحريمها التكبير وتحليلها التسليم» (9) وإنما ضعفوا دليل الخطاب من قوله عز وجل: {وربائبكم .... عليكم} (10).
وأجمعوا على أن الربيبة التي في حجورنا محرّمة كسائر/ الربائب. وليس في هذه التوكيدات ولا الشروط ما يلحها لمن دخل بأمها. وأما لحن الخطاب وفحوى الخطاب فإن كان فيهما بيان لما في القرآن سنذكرهما إذا صرنا إلى ذكر معنى الخطاب وهو القياس إن شاء الله. (1/138)
صفحة 139
الكلام على الخبر والاستخبار
وما يتعلق بهما
وحد الخبر: ما يدخله الصدق والكذب. وقالت الأشعرية: حد الخبر: هوم كلام لا بد من كونه صدقا أو كذبا. فجاء حدهم على أصلهم في الكلام أنه صفة لله في ذاته. وأنه ليس بهذه الحروف ولا الأصوات المقطعة.
والخبر ينقسم فسمين: صدقا وكذبا. فالصدق كل وصف للمخبر على ما هو به. والكذب هو الوصف للمخبر عنه على ما ليس به، والقسم. والخبر ينقسم قسمين: تواترا وآحادا. فالتواتر من الأخبار علمه ضروري كالأخبار عن القرون الماضية كعاد وثمود، والأقاليم المشهورة كالصين وخراسان والعراق واليمين/ والشام والمغرب، والأعيان الوحدان في الصنائع والحرف: كحاتم طئ. وكسرى وقيصر.
وأما أخبار الآحاد فعلمه كسبي لا ضروري. ولعلم التواتر ثلاث شروط: أولها العقل، والثاني: المشاهدة، والثالث: العدد. فمهما أخل بشيء من هذه الشروط اختل التواتر؛ لأن أخبار من لم يشاهد لا يوثق بها كالمقلدين من الأمم للآباء والأسلاف ما ليس لهم به علم ولم يشاهدوه. ولا بد من العدد أن يكون كثرة عن كثرة إلا من شاهد ورأى ممن يؤمن عليه الخطأ. (1/139)
صفحة 140
الكلام على الأخبار
الصادقة والكاذبة
اعلم أن الأخبار الصادقة التي يقع لنا العلم أنها صادقة عن الله عز وجل تقع من ستة أوجه.
الأول: أخبار الله تعالى التي نصت عليها المعجزا ت الخارقات للعادات. ومنها أن يضطر/ جماد أو بهيمنة على الكلام فتتكلم فتعلم أن هذا من عند الله تعالى.
الثاني: خبر الأنبياء المؤيدين بالمعجزات الخارقات للعادات استشهادا على صدقهم فيما أخبروا عنه.
الثالث: من أخبر الصادق بصدقه، كالذي يصدقه النبي عليه السلام ويقول عنه إنه صادق فيما يحدث به. أو ما أخبرنا عنه من أن أمته لا تجتمع على ضلالة، فكل قول اجتمعت عليه الأمة علمنا صدقه، لأن الكذب احدى الضلالات، فثبت صدقهم فيما اجتمعوا عليه.
الرابع: أن تحكى الأخبار عن جماعة كبيرة ليس في مستقر العادة سكوتهم عما حكي عنه وهم بالحضرة ولم يفعلوه ولم يقولوه.
الخامس: أن يحدث عن الرسول عليه بحضرته ولا ينكر عليه، فثبت عندنا أنه صدق؛ لأن رسول الله عليه السلام لا يقارّ منكرا.
السادس: ما تلقته الأمة من مستفيض/ حديث رسول الله عليه السلام بالقبول وجاوز حد الآحاد وإن لم يبلغ حد التواتر، والتواتر أولى بالصدق.
ويقع لنا العلم بكذب المحدث من ستة أوجه:
أولها: أن يحدث بما يستحيل بالعقل وجوده، كاجتماع الضدين ووجود شيء واحد في مكانين.
الثاني: أن يحدثنا عن ما تدفع الحواس والمشاهدة، وهو السفطة.
الثالث: أن يحدثنا بما يناقض الوجوه الستة الصادقة المتقدمة.
الرابع: أن يحدث عنا بخلاف ما نحده في أنفسنا.
الخامس: أن يحكى لنا خبرا عظيما قد جدث في قطر من الأقطار يحضره أهله وهم جمع كثير ولم يعرف به أحد من أهل القطر. كانتقال جبل من موضع إلى موضع، وحدوث مدينة عظيمة بين ظهراني قوم كثير ولم يروها.
السادس: أن يحدثنا عما تعجز عنه النفوس البشرية أن تفعله أو/ أنه يقدر عليه، كمعرفة عدد الرمل وورق الأشجار وقطر المطر، وعلم الغيب وعدد كل ما كان على وجه الأرض من بشر من غير معجزة ولا مكرمة. (1/140)
صفحة 141
باب
اعلم أن القرآن الحكيم أنزله الله على قلب محمد عليه السلام كما قال جل جلاله: {نزل به الروح .... مبين} (1) فثبت بالمعجزات الخارقات للعاداة أنه من عند الله تعالى، فكان علمنا بذلك كسبا. وأما معرفتنا بمحمد عليه السلام أنه بمكة وبها نزل القرآن الذي في أيدينا وهو ذلك القرآن الذي نزل على محمد عليه السلام، فمعرفة هذا كله من الضرويات من جهة التواتر. وأما العلم أنه من عند الله فكسب. وأن العلم به أنه تحدى به العرب فعجزت فضرورة. ثم إن الله تعالى أخبرنا في القرآن أنه محفوظ/ مصان {لا يأتيه ........ حميد} (2). وأن الأمة قد اجتمعت على ما في مصحف عثمان بن عفان
فمن رد منه شيئا كفر، وأنه الحق عند الله. والمصحف في أيدي الأمة مضبوط محفوظ بخلاف التوراة والأنجيل اللذين يجوز عليهما التحريف ويجرى عليهما التبديل والتزييف.
وأما سنة رسول الله عليه السلام "فلم" (1) يحفظها الله تعالىكحفظه القرآن. ولم يصنها من أقاويل البهتان كما قال عليه السلام: «سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي. فما أتاكم عني من حديث فاعرضوه على كتاب الله. فما وافقه فعني، وما خالفه فليس عني» (2) وقال عليه السلام: «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» (3). وقال «لتتبعن آثار من كان قبلكم حتى أنهم لو سلكوا "جحر ضب" (4) لسلكتموه حذو النعل بالنعل والقذة والقذة» (5) / ولكن رسول الله عليه السلام عقب بعد هذا الحديث بقوله عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له .. » الحديث (6) إشارة لطلاب العلوم، وأن للعلوم أربابا وجهابذة كما قال الأول: إن للعلوم جهابذة الورق (7). والجهبذ الناقد البصير. (1/141)
صفحة 142
باب
الكلام على طرق الأخبار
واعلم أن الأخبار قد وردت عن رسول الله عليه السلام من عشرة أوجه خمسة منها صحاح، وخمسة ضعاف ساقطة.
والصحيح: الخبر المتواتر ثم أخبار الآحاد، وهي الأخبار المسندة ثم أخبار المراسيل، ثم أخبار الصحيفة. ثم الموقوفة. وأما الخمسة الأخرى: فالخبر الضعيف، ثم المقاطيع، ثم الشواذ ثم المناكير، ثم الكذب.
أما التواتر عن رسول الله عليه السلام فدعاؤه الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله قولا وفعلا. وقطع عبادة الأوثان وأنه رسول/ الله عليه السلام. والبعث حق. والجنة حق. والموت حق. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور. وما تواتر من أحواله أنه وُلد بمكة وفيها بعث وفيها دعا الناس. وأنه عربي، وأنه قريشي. ومن مكة هاجر إلى يثرب، وأنه توفي بها وبها قبره ومسجده. وما تواتر من مغازيه، كخروجه إلى بدر وإلى مكة عام الحديبية وإلى حنين وإلى عمرة القضاء. وقتاله المشركين وسبيهم وغنيمة أموالهم. والمتواتر من أفعاله وأقواله كالصلاة وأعدادها ومواقيتها، وكيفية الركوع والسجود فيها، والقراءة والتكبير والتسليم وما أشبه ذلك، هو أشهر من أن يحتاج إلى دليل. فمعرفة من حصل له العلم بهذا من جهة الضرورة فهي ضرورة. وما (1) لم يسمعه (2) غلا نادرا كان/ كسبيا كما قلنا أن التواتر أوله كسبي وآخره ضروري لا يتخالج الشك والارتياب فيمن وردت عليه هذه الأخبار من كل وجه، ويشترك في معرفتها كل مسلم وكافر ويهودي ونصراني إذا حصل له علم التواتر بهذا. والمستفيض من الأخبار عن رسول الله عليه السلام قريب من التواتر ولكن عند أهل المعرفة بذلك.
وأما أخبار الآحاد فعلى ضربين: ضرب نقلته الصحابة عن رسول الله عليه السلام واستفاض به الخبر، وهو دون المتواتر. فبعض قصره إلى المسند، وبعض جعله من نفس المتواتر حين كانت فيه مزية استفاضة.
والمسند الصحيح ما نقلته الثقاة عن الثقاة من طريق أو طرق إلى رسول الله عليه السلام ولم يدخلها وهن منجهة (1/142)
صفحة 143
السند ولا من جهة المتن ولا ذكر فيه مجهول/ ولا ضعيف ولا مختلف فيه. فالتواتر من الخبر يجب العمل به والعلم. والمسند يجب العمل ولا يجب العلم.
وأما المرسل فخبر أسنده الراوي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن الراوي الذي أسنده لم يصحب ولم يدرك ولم تقع له صحبة مع رسول الله عليه السلام. وقد يقع المراسيل في أخبار الصحابة وإن صحبوا إذا علم منهم أنهم لم يسمعوا من رسول الله عليه السلام. أو قال الصحابي: حدثني صحابي عن رسول الله كالذي يجري لأصاغر أصحاب رسول الله عليه السلام، أنهم يروون أمورا ومعلوم أنهم لم يشاهدوها ومن هو بحال الصغر ممن لا يضبط ذلك ومعلوم أنه غائب عن الصفة التي وقع فيها القول: كرواية ابن عباس عن رسول الله عليه السلام قال لبني النضير حين أجلاهم وذكروا ديونهم عند الأنصار فقال عليه السلام: «ضعوا وتعجلوا» (1). وابن/ عباس إذ ذاك بمكة صغير. ولذلك قال ابن عباس: نحن أصحاب رسول الله عليه السلام نروي عن رسول الله عليه السلام ما سمعنا من بعضنا ولا يكذب بعضنا ولا نكذب.
وأما أخبار الصحيفة، فناس كانوا يكتبون كل ما سمعوا عن رسول الله عليه السلام. "كعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم" (2) وقام عبدالله بن عمرو بن العاص فقال: أأكتب ما سمعت منك ولو في الغضب يا رسول الله؟ فقال: «أكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق» (3) يريد لسانه. وهو عمرو بن شعيب بن محمد
بن عبدالله بن عمرو بن العاص (1) وكذلك بهز بن حكيم بن معاوية بن حمزة القشيري (2) كا يحدّث عن أبيه عن جده في مثل هذا. والصحيفة عندهم من جهة رسول الله عليه السلام، ولم يقووا خبر الصحيفة ولم يطرحوه.
وأما صحيفة ابن حزم فصحيحة، وذلك أن رسول الله عليه السلام/ كتب لعمرو (1) بن حزم صحيفة وبعثه بها إلى اليمن عاملا وفيها جل سنن رسول الله عليه السلام. ذكر فيها سنن العقول وغيرها وبينها وكانت بيده ايام حياته، وفي يده ولده محمد بن عمرو أيام حياته وكان من الأفاضل وقُتل يوم الحرة فأدركوه ساجدا فقال مسلم بن عقبة لمروان: من هذا؟ فقال: هذا محمد بن عمرو بن حزم فحق له أن يموت هكذا ساجدا وقد كان في الدنيا من الساجدين. وورثها ابنه أبو بكر بن (1/143)
صفحة 144
محمد بن عمرو بن حزم وكان من العلماء. وذكر في كتاب ابن عبدالبر أن جابر بن زيد رضي الله عنه رحل إليها وتوسل إلى آل حزم وأوقفوه على البطاقة فقرأها كلها. (2) واشتهر ما فيها عند العلماء حتى كادت أن تعد من المسند. وأخبار الصحائف قد توارثها الأبناء عن الآباء ولذلك أضعفوها. وأ/ا الموفوق من الأخبار/ فما وقف به على الصحابي ولم يبلغ به رسول الله عليه السلام. ومعلوم أن الصحابة بالأمس أهل جاهلية جهلاء لا ينسب إليهم من العلم شيئا. فأتاهم الله بالقرآن ومحمد عليه السلام. فتعلموا من القرآن ومن السنة، فوقفوا
الحديث على أنفسهم، فحدثوا بما لا يظن به فيهم إلا خيرا. ولم يكن ما رووا مما يدركونه بعقولهم، ولا يبلغونه إلا بتوقيف من الرسول عليه السلام، أو عن أصحابه الذين أخذوا عنه. وجل حديث ابن مسعود عن رسول الله عليه السلام موقوف. ولقد قال ذات يوم: حدثني رسول الله عليه السلام فذكر الحديث ثم بدا له فقال: دون هذا، أو فوق هذا أو مثل هذا ما شاء الله، وأستغفر الله (1).
والحديث الطويل المروي عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: «تعلموا العلم فإن تعلمه حسنة، وبذله لأهله قربة، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة» (2). وقد/ قيل أنه موقوف، وقيل مرفوع. وجل كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه وعمر بن الخطاب رضي الله عنه موقوف ومسند عن غيرهما.
وأما أخبار الخمسة الأخرى: فأولها المقاطيع. وهو كل خبر منقطع في الوسط. وذلك أن يحدّث عن رسول الله عليه السلام من لم يره، ولم يتصل إسناده بانقطاع واحد أو اثنين أو أكثر بين الراوي وبين من روى عن رسول الله عليه السلام. والفرق بينه وبين المرسل أن المرسل مجهول الصحابي الراوي عن رسول الله عليه السلام. والراوي عن رسول في المقاطيع معلوم غير أن القطع في الوسط ولم يتصل السند. وأكثر العلماء على أن العمل بالمراسيل واجب، وبالمقطوع ندب، ولا يجب بهما علم ولا عمل. وقيل انهما واحد.
وأما الأخبار الضعاف قد/ يقع الضعف في متونها، وقد يقع في روايتها وسيأتي شرحها عند ذكرنا نقلة الحديث إن شاء الله.
وأما الشذوذ فأخبار ترد عن عالم من وجه شاذ وقد كانت له تلامذة فلم يرو ذلك الخبر أحد، غير أنه إذا كان الرواي ثقة وعالما ومعروفا بصحة العلم فربما يقبل الخبر عن شذوذه. كالخبر الذي (1/144)
صفحة 145
رواه جابر بن زيد رضي الله عنه عن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام صلى ثماني وسبعا وأربعا وأربعا وثلاثا وأربعا في غير خوف ولا سفر، ولا سحاب ولا مطر (1). ولم يروه أحد من أصحاب ابن عباس إلا جابر. وقال مالك: إن جابر ثقة. فقال له رجل: إنما نرى (2) فعل ذلك رسول الله عليه السلام تخفيفا على أمته. وكذلك الخبر المروي عن ابن عباس رضي الله عنه أن الجمع/ بين الصلاتين من الكبائر (3). والحديث المروي أيضا عن رسول الله عليه السلام: «من قتل عبده قتلناه، ومن جذع عبده جذعناه» (4). في أمثالها.
وأما المناكير، فأخبار ترد من عند رسول الله عليه السلام لا يقول بها أهل العدل العارفون بطرق الحديث، وجميع ما يذكر عن رسول الله عليه السلام في تشبيه البارئ. وأما الكذب في الحديث فأخبار الزنادقة مما يروونه عن رسول الله عليه السلام، واشاعته في أيدي الأمة فقبلتها العامة وانتشرت على أيدي ضعفاء الأمة وجهالها كابن أبي العوجاء (1) وأبي شاكر الديصاني (2). وفرع من هذا حديث المدلسين، وهم الذين يزيدون في الحديث وينقصونه. ما لم (3) يتم إلا به وجوه الحديث، والسنن: والسنة تحتاج إلى ثلاثة أوجه: تخريج المتون. والثاني: تصحيح نقلة الحديث/. والثالث: كيفية اقتباس العلوم من نفس الحديث.
ومن هذه الوجوه وقع الخلل وعظم الزلل، وهو آفة هذه الأمة دون سائر الأمم؛ لأن عامة الأمم فرائضها مقصورة مخصوصة. وهذه المة سلك بها طريقة الاستبداد بالرأي والاجتهاد سلوك الملائكة صلوات الله عليهم طريقة الالهام، فتشعبت عليهم العيون، وبغت بهم الميون، فاتسعوا في الميدان، وتسابقوا تسابق أفراس الرهان، لكن الصواب من مصيبهم مقبول والخطأ من مخطئهم محمول ما لم يبغ بعضهم على بعض في الإمرار والنقص. قال الله تعالى: {كان الناس أمة ............ مستقيم} (4).
ومن البغي أن يحرج العالم على الضعيف ويكلفه أن يعلم مثل ما علمه (أو يحرّج) (1) الجاهل على العالم أن علم ما لا يعلمه الجاهل، فمن قطع منهما عذر صاحبه فمقطوع العذر. ومنه قول جابر بن زيد رضي الله عنه (2): لا يقول العالم (1/145)
صفحة 146
للجاهل: اعلم مثل علمي وإلا قطعت عذرك، (ولا يقول الجاهل للعالم: ارجع إلى جهلي وضعفي وإلا قطعت عذرك. وإن قال العلم للجاهل اعلم مثل علمي وغلا قطعت عذرك (قطع الله عذر العالم)، وإن قاله الجاهل للعالم قطع الله عذر الجاهل وأيهما قاله لصحابه فقد ظلم والبادئ أظلم. {ولمن ........ سبيل} / (3) وهذا الذي كنا نقول في فروع الديانات، وأما في أصولها فلا؛ لأن الله عز وجل
تولى الحم فيها، والرسول عليه السلام تولى الإيضاح والبيان عنها. وعلى (4) سائر المؤمنين الرضا والتسليم لها.
أما الوجهان الأولان فلحب سسبيلهما، وقرب دليلهما، وسهل أصولهما. وأما الثالث فلن يهدي له إلا من أتاه الله من التبصرة ما يخلص به الأثير من الهواء، والهواء من الماء، والماء من الثرى، مع توفيق ومن يكب زنده، ومن يرد الله به شرا أتاه الله الحين من العين. وجميع ما يحتاجه أهل القرآن للقرآن يحتاجه أهل الحديث للحديث وزيادة ما ذكرنا. (1/146)
صفحة 147
باب النقل
اعلم أن أصحاب رسول الله عليه السلام هم بالحالة التي ذكرهم الله عليها من العدالة/ والطهارة والنزاهة والثناء والمحدثة. قال الله تعالى: {كنتم خير ........... المنكر} (1). وقال عز من قائل: {وكذلك ...... شهيدا} (2) وقال عز وجل: {محمد ..... بينهم .... } إلى آخر السورة (3). وقال أيضا: {لقد رضي .......... قريبا} (4). وقال: {هو الذي ...... إيمانهم} (5).
وهم أيضا بالحالة التي وصفهم رسول الله عليه السلام: «إن الله تعالى اختار لي أصحابا فجعل منهم أصهار وأختانا، فمن سبهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» (1) / وقال ايضا عليه السلام: «لا تؤذوني في أصحابي فلو أنفق أحدكم ملء الأرض ذهبا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (2). وقوله عليه السلام: «اقتدوا باللذين من بعدي» (3) وقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» (4) وقوله: «ما كان الله ليجمع أمتي على صلالة» (5) وقوله: «أمتي كالغيث لا يدري أولها خير أم آخرها» (6) وقوله: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يأتي قوم يحبون السمن تسبق يمين أحدهم شهادته» (7).
فصل
اختلف الناس في الصحابة على ثلاثة أقوال:
منهم من يقول بتعميم العموم، وأن يكونوا على عمومه، يشهدون لهم العدالة، وهم أصحاب الحديث والمرجئة والحشوية وسائر السنية، ولم يألوا ولم يعرجوا على عموم مثلها تناقضها، ولا على استخصاصات تخصها. ومنهم من يقول بالتعميم إلى أقل الجمع/ وهو ثلاثة فينبغي أن (1/147)
صفحة 148
يراعى (1) أبو بكر وعمر وعثمان فتوقف عما سواهم، أو إلى اثنين وهو أقل الجمع فيراعى اللذين بعد رسول الله عليه السلام.
وأما أهل الوقف رضوا بأن يكونوا مع الخوالف، وقالوا: لا علم لنا فنحن نقف. لكنهم خالفوا وأطلقوا الشهادة لهم بالعدالة. وقد كان ينبغي لهم التوقف حتى يقع الفصل يوم الفصل. والمسلمون بعد على هداهم وما رزقهم الله من التوفيق، أن هذه العموم قد وردت وورد ما يخصها ويصلح لتخصيصها، وهو قول الله تعالى: {فمن نكث ................ عظيما} (2). وقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم ....... الفاسقون} (3). وقوله: {وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} (4) وقوله: {واتقوا .... خاصة} (5) قوله: {فسوف يأتي الله ....... الكافرين .... } (6). وقوله رسول الله عليه السلام:» إنه سيكذب علي من بعدي كما كذب على من كان قبلي، فمن كذب علي متعمدا فيلتبوأ مقعده من النار» (7). وقوله عليه السلام: «لتتبعن آثار من قبلكم حتى إنهم لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة» (8). وقوله عليه السلام: «لفتنة بعضكم على أمتي أضر عليها من فتنة الدجال» (9) وقوله: «لضرس بعض الجلساء في/ نار
جهنم أعظم من جبل أحد» (1) وقوله عليه السلام: «وليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم ألا هلم ألا هلم، فيقال: إنك لم تدر ما أحدثوا بعدك فأقول: فسحقا فسحقا. فيؤخذ بهم ذات الشمال». وفي رواية: «إنهم لم يزالوا متردين على أعقابهم فأقول: فسحقا فسحقا» (2). وقوله عليه السلام: «ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار. وإنما عمار جلدة ما بين عيني مهما أصيب المرؤ هناك لم يستبق» (3). وقوله عليه السلام لعمار: «إنما تقتلك الفئة الباغية» (4) وقوله لحذيفة: «قو يقعدون على أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم قذقوه فيها». فقال: صفهم لي يا رسول الله، فإني خفت إن أدركتهم أن أتبعهم. فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بكلامنا» (5) وقال أيضا: «يثور تحت قدمي رجل (1/148)
صفحة 149
يزعم/ أنه مني وليس مني ألا إن أوليائي المتقون» (6).
والصحيح أن الصحابة كلهم بالحالة الأولى التي ذكرناها إلا من ظهر منه ما يجرح به. وقد صدرت منهم أمور من سفك الدماء ونيل الأغراض واستباحة الحرم ما لا يخفى على ذي عقل، متواتر يحصل به العلم الضروري. ولا بد أن نجعل للتعديل والتجريح مكانا وإن كانوا صحابة.
فصل
والصحابي كل من أردك رسول الله عليه السلام ورآه وآمن به. وأما إن كان
رآه قبل أن يبعث أو بعدما بعث ولم يؤمن به إلا بعد موته فهو من التابعين. ومن آمن به وحال بينه وبينه البعد فلم تمكنه رؤيته فاختلف فيه كالنجاشي. وأما الأعمى الذي لا يبصر وقد سمع كلامه، أو كان بموضع لا يسمع كلامه، أو رآه لكنه أصم لم يسمعه إلا أن هؤلاء كلهم عقلوه ورأوه من هديه شيئا من أقواله وأفعاله، فهو من الصحابة/ مثل محمد بن حاطب (1) قال تناولت قدرا لنا فاحترقت يدي فانطلقت بي أمي إلى رجل جالس في الجبانة فقالت له: يا رسول الله. فقال: لبيك وسعديك. ثم أدنتني منه فقالت: إن ابني هذا تناول قدرا فأحرقت يده. فجعل ينفث ويتكلم بكلام لا أدري ما هو. فسألت أمي بعد ذلك، قالت: كان يقول: «اذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شافي غيرك» (2). ومنه محمد بن لبيد بن فضالة الظفري (3)، ولد قبل "موت" (4) رسول الله عليه السلام بأشهر فأمرهم رسول الله عليه السلام أن يسموه باسمه ولا يكنوه بكنيته. وعقل رسول الله عليه السلام وقد مسح على رأسه فبلغ الشيب رأسه كله إلا موضع كف رسول الله عليه السلام.
ومنه عمر بن أبي طلحة (5) أبصر رسول الله عليه السلام وبيده نُغَر (6) فكان إذا رآه رسول الله عليه السلام يراوغه ويطلبه رسول الله عليه السلام ويفر منه ويقول: "أبا عمير، ما فعل النغير/" ومحمد بن أبي بكر
الصديق (1)، ومحمد بن حذيفة (2)، ومحمد بن عمر بن حزم (3). وهؤلاء كلهم ولدوا على الطفرة، وهو أشد الناس على عثمان. ويوسف بن عبدالله بن سلام (4) أجلسه رسول الله عليه السلام في حجره وهو صغير، (1/149)
صفحة 150
ومسح على رأسه وسماه يوسف. وروي أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا كسرة من خبز شعير ووضع عليها تمرة فقال: هذا ادام هذا. ثم أكلها (5).
وأما من أدرك رسول الله عليه السلا وهو مجنون فليس بشيء. وأما من بعدهم من التابعين وتابع التابعين إلى الأئمة فقد شملتهم الفتنة العمياء الصماء. ثم هم على ثلاثة أصناف: رجل معروف المذهب من أصحاب علي. أو من أهل الشام، أو من أهل النهروان، فهؤلاء كلهم يضربون في طبولهم ويحبطون في حبالهم، وبعضهم جعلهم بمثابة واحدة. الغث والسمين عنده واحد،/ وبعض قد زم على رأسه واشتمل على لباسه. ثم انتهى الأمر من التابعين إلى تابع التابعين ومن تابع التابعين إلى أئمة مضلين قاعدين على أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم قذفوه فيها كما قال عليه السلام. وهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتا، فغاص الحق وعاص (6) وناص (7) الباطل وباص (8)، فأين الخلاص (9) لأهل الخلاف إلا بقدرة العزيز الحميد الغفور الودود، عصمنا الله وإياكم من مضلات الفتن ومحك المحن، وسنذكر إن شاء الله أئمة كل من العلوم القادة فيها إذا صرنا إلى موضعه بإذن الله. (1/150)
صفحة 151
باب
اختلاف الناس في التعديل والتجريح
اختلف الناس في التعديل والتجريح. وأجمعوا أن الكفر مما يجرح به الراوي. واختلفوا في التفسيق فقال بعضهم: أما الفسوق التي هي المعاصي فليس فيها تجريح. وأما فسوق البدع/ فهو التجريح. وقال بعضهم بعكس هذا. وهذا اختلاف السنية بينهم البين.
وأما الإباضية والقدرية فالفسوق كلها يجرح بها لا من المعاصي ولا من البدع ومن الإباضية من يجيز عدالة أهل الفسوق من جهة البدع لا من جهة المعاصي في الأحكام خصوصا، فقتل وسبي وغنم واستحل بها الفروج والأموال والدماء في أحكام، إذا كانوا بمنزلة من يُتولى عندهم لولا البدعة. ومنعوا الولاية والبراءة بهم وجعلوها من الديانة. وهذا جواب الربيع بن حبيب، وذلك أنه يقول: يجب القود والرجم والقصاصات والغرامات بشهادة ضمام أن تدفع لهم الزكاة والصدقات والعشور./ وقالت الخوارج: لا يعدل أحد فارق مذهبهم وقضوا عليه بالشرك، وفي جميع من عصى الله تعالى متدينا أو متشهيا. وجل السنية تقبل رواية القدرية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتجيز اجتهاد الرأي للجميع، وسيأتي في موضعه إن شاء الله.
فصل
واختلف من ذكرنا في الصحابة، هل هم عدول أو لا؟
فقال بعضهم: الصحابة كلهم عدول ولو ظهر منهم من التأويل ما شاؤا، ويوالونهم عموما وخصوصا. ويقضون لهم بالولاية والعدالة على أية حالة كانوا. وعورضوا بأهل الردة فأبوا أن يجعلوهم صحابة، واضطرب عليهم الصاحب.
وقال بعضهم: منهم (1/151)
صفحة 152
[الدول وغير العدول، ولا بد من المراعاة. وهذا قول سائر الأمة.
وقالت الشواذ: يجب رد شهادة/ علي وطلحة والزبير مجتمعين أو مفترقين لأن فيهم فاسقا لا يُعرف بعينه. وقال بعضهم: إن شهادة كل واحد منهم مع غيره جائزة فإذا اجتمعوا لا يجوز. وأطلق بعضهم تفسيق عثمان ورد شهادته، وهؤلاء فرقة من القدرية ..
وقال الشافعي: تقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطاببة من الرافضة لأنهم يرون الشهادة لمن وافقهم على من خالفهم. وقال علي بن أبي طالب: يقبل خبر الخوارج وتجوز شهادتهم علينا.
وأما أهل الكتاب فإنا نجيز شهادتهم بعضهم على بعض، ولا تقبل شهادتهم علينا. وأما أخبارهم فلا تقبل؛ لأن الله تعالى أخبرنا أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه (1). وقال بعضهم: تجوز شهادة أهل الكتاب بعضهم/ على بعض، وأحكامهم واحدة في القتل والرجم والسرق والحدود.
الكلام في أخبار الآحاد
فقال بعضهم: يوجب العلم والعمل، أعني المسند فما دونه. وقال بعضهم: يوجب العلم الظاهر دون الباطن ولا يقطعون. واستدل هذا بقوله تعالى: {يا أيها ............ الكفار} (2). وقالوا: إنما تعلم أيمانهن ظاهرا لا باطنا، ألا ترى إلى الله حيث قال: {الله أعلم بإيمانهن} فرد علم إيمانهن إليه.
وقال آخرون: الإيمان ها هنا الإقرار باللسان بالشهادة، فما بال الامتحان؟ والقول الحقيقي أن شهادة الألسن مما يوجب العلم والعمل في الدين والأحكام. وقد قال الله عز وجل: {وما كان المؤمنون لينفروا كافة، فلولا نفر من كل فرقة/ منهم طائفة ليبفقهوا في الدين، ولينذروا قومهم إذا رجعوا
إليهم لعلهم يحذرون} (1). وأقل الفرقة ثلاثة. وأقل طائفة من الفرقة اثنان على قول من يرى الجمع في الأسماء اثنين. وقال من قال بالآحاد: الواحد طائفة. وقد ذكرت الطائفة (2) في كتاب الله عز وجل في غير موضع، ويجزي منها واحد. وقال أيضا: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} (3) وأجاز بعضهم إشهاد واحد لا غير. واستدل أصحاب الواحد بخبر بلال حين قال: «إن بلالا يؤذن بليل فإذا سمعتم ابن أم مكتوم فكفوا، فإنه رجل أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت» (1/152)
صفحة 153
(4). واستدلوا بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه حين قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "وقد بعثه إلى اليمن" فقال له: بماذا تقضي يا معاذ؟ فقال: بكتاب الله عز وجل قال: فإن لم تجده؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجده؟ قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فإن لم تجده، قال: أجتهد برأي. فقال/ رسول الله صلى الله عليه وسلم: الحمد لله الذي هدى رسول رسوله (5). وهذا الحديث قد تلقته الأمة بالقبول واستفاض وإن كان الراوي ابن أخي المغيرة بن شعبة، وهو مجهول. وهو حديث صحيح في مسند الداودي.
ومنه حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين خطب فقال: أذكر بالله آمرءا سمع من رسول الله عليه السلام في الجنين شيئا. فقام إليه حَمَل بن مالك فقال: كنت بين جاريتين فضربت إحداهما الأخرى بمشقص (1) فألقت جنينا ميتا، وقضى رسول الله صلىلله عليه وسلم بِغُرَّة. فقال عمر رضي الله عنه: لو لم نسمع فيه بهذا لقضينا بغير هذا (2).
ومنه قبول خبر الضحاك أن رسول الله عليه السلام فضى بتوريث امرأة أشيم الضبابي من دية (3) زوجها (4).
واستدلوا أيضا بقبول خبر الواحد بحديث عمر رضي الله عنه: والله لا أدري ما/ أصنع بالمجوس، انشد الله امرأ سمع فيهم شيئا إلا رفعه إلينا. فقال له عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: اشهد أني سمعت رسول الله عليه السلام يقول: سنوا بهم سنة أهل الكتاب. فأخذ عمر الجزية منهم وأقرّهم على دينهم وفرق بينهم وبين أهل الكتاب فيما سوى ذلك. وفيه رجوع أصحاب رسول الله عليه السلام إلى خبر عائشة رضي الله عنها بالغسل عند التقاء الختانين (5).
وفيه حديث علي: من حديثني عن رسول الله عليه السلام حلفته فإن حلف لي صدقته، وحدثني أبو بكر "رضي الله عنه" وصدق أبو بكر (6).
ومنه رجوع ابن عمر عن المخابرة حين حدثه رافع بن خديج عن رسول الله عليه السلام أنه نهى عنها (1). وحديث أبي سعيد الخدري مع ابن عباس (2). وحديث/ أنس بن مالك قال: كنت أسقى أبا طلحة وأبي بن كعب من فضيخ التمر، فأتانا آت فقال: إن الخمر حرمت. فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار فاكسوها. قال: فقمت إلى مهراس لنا فكسرتها بأسفله (3).
ومن ذلك حديث أهل قباء حين انصرفوا في صلاة مكتوبة وصرفوا وجوههم إلى الكعبة بخبر (4) الواحد وعلى هذا أكثر فقهاء الأمة من الصحابة والتابعين ولا معدل عنهم.
وقال الآخرون: إن رسول الله عليه السلام رد خبر ذي اليدين (5) فاستظهروا في خبر بالجماعة، فقال أصحاب (1/153)
صفحة 154
الأثنين: هو قولنا. وقال أصحاب الأربعة: هو قولنا، ولم يقل: هل معك غيرك بل أقبل على الجماعة وهو رد على من قال بالواحد، وربما يكون ذو اليدين مجهولا.
وقالوا أيضا: قد رد أبو بكر الصديق رضي الله عنه خبر المغيرة بن شعبة/ فيما رواه من ميراث الجدة حتى عضده محمد بن سلمة (6)
ورد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما خبر عثمان بن عفان في قوله: استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في رد الحكم فأذن لي فطالباه بمن يشهد معه ولم يَجِدَا (1). أما المغيرة، فقد قال عمر رضي الله عنه: عضل بي أهل العراق: لا يرضون أميرا ولا يرضاهم أمير.
إن استعملت عليهم القوى فجر، وإن استعملت عليهم الضعيف أو هنوه فقال له المغيرة: إنك إن استعملت عليهم الضعيف كان صلاحه له وضعفه عليك. ولو استعملت عليهم القوى الفاجر لكان لك قوته وعليهم فجوره. فقال له: أنت لك الفاجر فتول عليهم (2).
ورد علي خبر أبي سنان في بروع بنت واشق وقال: إنه أعرابي بوّال على عقبيه (3). وقالوا: إن ابن/ مسعود قد قبل خبره.
ورد عمر رضي الله عنه حديث فاطمة بنت قيس في المبتوتة وقال: لاندع كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت (4).
ورد عمر رضي الله عنه خبر أبي موسى الأشعري في الإستئذان في البيوت. وروى الاستئذان ثلاثة، فإن أذنوا لك وإلا فارجع. فلم يتخلص من عمر إلا بشهادة أبي سعيد الخدري (5). والدليل الدال على قبول خبر الواحد توجيه السعادة إلى الصدقات بكتبه وأخباره وأوامره، وقبول أهل النواحي عن الرسل ما جاءت به عن رسول الله عليه السلام.
وأما الذين قالوا إن خبر الواحد يؤجب العلم، والذين قالوا إن خبر الواحد يوجب العمل، فأما هذان فكالأحولين ولو عكسا لأصابا. (1/154)
صفحة 155
فصل
والعدل الذي يجب قبول خبره أن يكون ظاهر العدالة/ غير ساقط المروءة. أما ظهور عدالته فإنه يدين الحق وينطق بلسان الصدق في حديث الخلق. وملاك الأمر الورع والدين غير المبتدع فأما في أمور الشهادة الشرعية أن تقوده ديانته وتسلم أمانته.
واعلم أن الناس في أول الإسلام قبل أن تختل الأمانات وتتغير الديانات. فظهور العدالة بظهور الإسلام كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: المسلمون كلهم عدول إلا مجربا عليه شهادة زور أو ظنين في ولاء أو نسب (1) فهذا هو الأصل. فلما تغيرت الأمانة على عهد عمر وفشت فيهم الخيانة أحدث
لهم المزكين. فلما وقعت الفتنة أصبح الناس وقد مرجت عهودهم وأماناتهم وجب التوقف والبحث وأخذ الناس بما يعرفون ويدعون ما ينكرون كما قال رسول الله عليه السلام لعبدالله بن عمرو بن العاص: «كيف بك إذا مرجت/ عهود الناس وأماناتهم؟ قال: ما تأمرني به يا رسول الله قال: تأخذ بما تعرف وتدع ما تنكر ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت» (2). فهناك يسع العامة التوقف ما لم يبتلى بالفعال أو المقال فيسعه ما لم يقف في المسلمين، أو يتولى المجرمين، أو ينتهك المحرم، ولكن يقول: ديني دين المسلمين وقولي قول المسلمين وهذا إذا لم يتدين أولا. فأما من تدين فلا يسعه حتى يرجع عن مسقالته إلى مقالة المسلمين قصدا.
فصل
ومن العوارض ما يعترض العدل وإن كان صالحا، حمل الأخبار في حال الطفولية كالذي جرى لكثير من الصحابة ممن ولد على الطفرة وتوفي رسول الله عليه السلام وهم بحال من لا يحسن حملان الحديث. وتأويل الحديث وتصريفه إلى الأمور المحدثة. وأيضا بما كان من كبر السن والنسيان والذهول والضعف والتأويل الذي/ يخرجه من الدين والانتصار لمذهبه. وبكونه أعرابيا من أهل البوادي ليس له دُرْبَة الفقه وما يتعلق به من الأحكام. وبالوهمو في الحديث وسماع بعض وفوات بعض ممن لا يصح به. أو عبدا أو امرأة في بعض الأحايين. (1/155)
صفحة 156
مسألة في التزكية: واختلفوا في عدد المزكين، فقال بعضهم: اثنان في المخبرين وفي الشاهد. وقال بعضهم: واحد فيهما جميعا. وفرق بعضهم فقال: اثنان في الشاهدين وواحد في المخبرين.
وأما التجريح فالأولى ألاّ يقبل فيه إلا إثنان. وقال بعضهم: لابد في التزكية لكل واحد اثنان فعلى قولهم في الأثنين أربعة وكذلك قال
بعضهم في الاستوداع. وقيل اثنان على اثنين وكذلك على قول من يقبل شهادة واحدة في استهلال الهلال فيقبل شهادة واحد في التزكية؛ لأن رسول الله عليه السلام قبل شهادة أعرابي/ عن استهلال الهلال (1). وإلى هذا ذهب مالك في تزكية شهود الزنا، يكفي فيهم أربعة: واحد على واحد وكذلك المرأة في التزكية، واحدة في الموضع الذي تشهد فيه المرأة. وعلى هذا القول تزكية العبيد للعبيد في تزكية الأخبار، وأما الشهادة فلا. وقيل في الشيء التافه على إقرار العبيد، وأما تعديل الصبي وتجريحه لا تقبل على حال.
فصل
والتزكية أن تقول إنه عدل رضي، ولا بد من الكلمتين، لأنه يكون عدلا لا رضي، ويكون رضي لا عدلا، ولا بد من اجتماع الشرطين جميعا قال الله تعالى: {واشهدوا .... الشهداء} (2) قال أبو حنيفة: حتى يقول: عدل مقبول الشهادة عَلَيَّ ولي. وقيل: إنه لا تجوز تزكية إلا من عالم. والأصل لا تقبل تزكية إلا من عارف بوجوه التزكية. وإذا اجتمع المجرحون والمعدولون غلب التجريح.
فصل/
/ وإذا روى العدل المقبول الرواية عن رجل مجهول هو هل تعديل أم لا؟
قال بعضهم تعديل، وبعضهم يقول ليس بتعديل. وإن كان مجرحا ولم ينبه عليه الراوي كان الراوي مدلسا إلا إن أخبر بتجريحه. وأما إن استعمل الراوي الحديث فهل هو (1/156)
صفحة 157
تعديل للمروي عنه وللرواية أم لا؟ اختلف فيه، فقال بعضهم: هو تعديل لهما. وبعضهم يقول: ليس بتعديل.
وأما إن ظهر في الحديث مذهب يذهب إليه الذاهب غير الحديث فليس العمل به تعديلا له. والصحيح أن التعديل بالفعل كالتعديل بالقول. فإن ترك الراوي استعمال الحديث إلى غيره فإن علم لأجل الراوي فهو تجريح للراوي وإن كان من أجل الحديث فجرحةٌ (1) للحديث. وإن كان الرجل عدلا ولم يعرف بمجالسة/ العلماء فإن خبره مقبول ما لم يكن منكرا. ويقبل خبر الرجل إذا كان مأمونا ولو لم يكن فقيها لقول رسول الله عليه السلام: «رب حامل فقه ليس بفقيه» (2). وتقبل أخبار من لا تقبل شهادته. كالمرأة ة لا تقبل شهادتها بانفرادها وكذلك العبد وكذلك الظنين في الولاء والنسب تجوز أخباره ولا تجوز شهادته، كقول عمر رضي الله عنه: المسلمون كلهم عدول إلا مجربا عليه شهادة زور أو ظنين في ولاء أو نسب. ويقع التجريح بين من عرف بمجالسة الفقهاء وبين من لا يجالسهم. وكذلك الاعتراض على أخبارهما. ومن عرف بصناعة أو حرفة أو لقب فهو كالمعروف النسب. ومن عرف بالراوين عنه كالمعروف بالمروييين,
فصل
اعلم أن الحديث على من لم تره أو/ رأيته ولم يحدثك ضرب من التدليس (3). أو علمته ورأيته وشاهدته وإن كنتت في ملأ من الناس فحدثكم فيجوز أن تروي
عنه وأن تُحدث عنه وأن تخبر عنه فتقول: حدثني وروى لي وأخبرني. وأما إذا قرأ عليك الكتاب فلا حتى يقول: قد صح عندي جميع ما في هذا الكتاب فأروه عني. أو: حدِّثْ عني. وإن قرأ عليه أحد من الناس وأن تسمع وأظهر الإجازة إلى أحد من أصحابه فلا يحدث عنه غيره. وأما إذا أطلق الإجازة على الحاضرين وأنت منهم فلا بأس. وإن أردت أن تقول حدثني فق: قرأت عليه. وأما إذا ناوله الكتاب أو أرسله إليه مع ثقة أو كتب في أسفله علامة أو أخبر أنه قرئ عليه وصح أو كتب إليه بالإجازة فأجازه، قال بعضهم: هذا كله مرسل الحديث. (1/157)
صفحة 158
فصل
وإذا حدث عن الشيخ فقال الشيخ: لم أعقل أو لم أحدثك أو لم/ أخبرك وقال الآخر: بل حدثتني وأخبرتني. فليس في هذا كله تجريح للراوي ولا للمروي لجواز السهو والغلط عليهما أو على أحدهما. وأما إذا قال الشيخ: ليس عندي هذا الحديث أو لم أقله. وقال الراوي: بل هو عندك وقال الشيخ لم أحفظه. وقال الراوي: بل حفظناه عنك. فقال الشيخ: احفظت؟ فقال: نعم. صح الحديث. ويجوز للشيخ أن يرويه عن تلميذه عن نفسه فيقول: حدثني فلان عني بسنده. كما جرى للربيع بن حبيب رضي الله عنه مع أبي عبيدة مسلم رضي الله عنه (1). وكذا جرى لمالك مع عبدالله بن وهب فكان مالك إذا حدث بالحديث قال: حدثني عبدالله بن وهب عن مالك عن فلان عن فلان. وأما إن تمادى الشيخ في (2) إنكاره فأطرح ذلك الحديث كالذي جرى للزهري حين قال عن رسول الله عليه السلام:
«
أيما امرأة/ نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (1) وكذل خبر سهيل بن أبي صالح في الشاهد واليمين عنه فذكروه فلم يذكر فاطرحوه.
فصل
وأما خبرهم عن الميت فمقبول. وكذلك المجنون إذا أخبروا عن أيام صحته وكذلك الضعيف والناسي. فهذا (2) كله صحيح. والقول في الزيادة في الحديث كالقول في نفس الحديث إذا ذكرها الشيخ وشك فيها أو قبلها وكذلك الأسماء (3) ومتن الحديث، هذا كله كما قدمناه.
فصل
اختلف الناس في الحديث عن رسول الله عليه السلام هل يرويه الراوي فينقص منه أو يزيد فيه، أو يرويه بلغة غير عربية أو بلغة العرب على غير متن الحديث.
وأما الزيادة في الحديث فكذب عن رسول الله عليه السلام. وأما النقص فلا ينبغي إذا كان المنقوص (1/158)
صفحة 159
مستقلا بنفسه. وأما إذا كان/ متعلقا به فلا يحدث به كذلك. كما لا يجوز له أن يحدث بمستثنى منه فيحزم الاستثناء منه فيطلق أو يطلق المستثنى، فإن هذا كله كذب على رسول الله عليه السلام. وأما أن يزيده توكيدا إذا أخبر بذلك فلا بأس به ويقول: هو من قوله، وكذلك شرحا. وأما أن يترجمه بأي لغة شاء إذا كان عالما باللغتين جميعا وطابق المعنيين جميعا فهذا جائز. كما أن للعجمي والتركي والفارسي والبربري أن يتشهد شهادة الحق باي اللغات شاء، ويؤدي بها الشهادات ويؤمن ويكفر بها إلا في الصلاة خصوصا فلا يستعمل فيها إلا العربية الخالصة فيما
بين الإحرامين. ويقول أبو حنيفة: الكل سائغ له في الصلوات وفي غيرها. وقد أجاز قراءة القرآن بالتركية والفارسية في الصلاة/ وغيرها. وأجاز ابن مسعود تفسير القرآن في الصلاة بالعربية. وقد كان يصلي ويقرأ ويفسر لأصحابه. وأجاز ابن مسعود تبديل الكلمة بغيرها لمن يتعذر له الكلام بها كالذي يروى عنه أنه يقرئ صبيا حم الدخان يقرأ: {إن شجرة الزقوم طعام الأثيم} (1) فقرأها {طعام اليتيم} فراجعه مرتين. فقال إقرأ: "إن شجرة الزقوم طعام المذنب" فكانت قراءة (2). وقول رسول الله عليه السلام فيمن قرأ فسبقه لسانه فقال عليه السلام: «ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب أو بالعكس» (3).
والصحيح أنه وردت الشريعة بأمور لا يبغي أن تغير عن موضعها كافتتاح الصلاة والتكبير والأذان وقراءة القرآن والشهادة والتلبية والتسمية. وأما هذه الأمور كلها إذا كانت من قبل اللسان فلا. وكان/ بلال رضي الله عنه إذا أذن يقول عليه السلام إذا سمع بلالا يقول أشهد أن لا إله إلا الله بالسين فيقول عليه السلام: «إن سين بلال شين» (4). والذي يقول: لأخلائه ولا يقدر ويقول: لأخدائه. وكان () (5) في الجاهلية.
وقال بعضهم: لا يجوز نقل حديث رسول الله علي السلام إلا على وجه المتن لا يزيد ولا ينقص، لأن رسول عليه السلام أوتي جوامع الكلم، فليست لغة توفي لغته، وقد بعث بخير الأمور التي هي أوساطها. وأما أن قيد فقال بلغني عن رسول الله عليه السلام فلا بأس. وأما رواية من لا يعرف الاعراب والعربية فإنه يتقي عليه اللحن، (1/159)
صفحة 160
ورواية اللحن عن رسول الله عليه السلام أشدها، لأنه عليه السلام لا يلحن. ولا تتغير الاعراب إلى غيره أن اخرج إلى معنى غير معنى الحديث فهو كذب، وتغييره إلى اللحن خطأ والسلامة التحقيق.
مسألة: وإذا/ قال الصاحب: أمر النبي عليه السلام بكذا وجب العمل به وصار سنة إذا كان مما التزم الناس العمل به.
وقال بعضهم: لا يجب العمل به حتى يروي لفظ الأمر. وكذلك أذا قال: أمرنا النبي عليه السلام بكذا. وأبى منه آخرون. وأقوى من هذا إذا قال: سمعت من رسول الله عليه السلام يأمر بكذا أو ينهى عن كذا. فذهب أهل التعميم مذهبهم وأهل الوقف على وقفهم.
وأما إن قال الصاحب: السنة كذا وكذا. أو من سنة رسول الله عليه السلام كذا وكذا فلا كلام. وأما قوله: كنا نفعل على عهد رسول الله عليه السلام كذا. أو قال: كانوا يفعلون هذا على عهد رسول الله عليه السلام فيصير ذلك سنة إى إن كان الفعل مما لا يظهر لرسول الله عليه السلام. فإن كان مما/ لا يظهر فلا. كالذي سمعه عمر رضي الله عنه يقول في العزل أو الكسل ويقول كنا نفعله على عهد رسول الله عليه السلام. فقال له عمر: هل رآكم النبي عليه السلام فأقركم؟! (1).
فصل
وإذا قال صحبت رسول الله عليه السلام قبل قوله وخبره. وكذلك إن قال: صحبنا رسول الله عليه السلام، أو قال: نحن أصحاب رسول الله عليه السلام. أو ذكر أنه في شيء من مشاهد رسول الله عليه السلام مما يدل على أنه أمره به ذلك الوقت قَبِلْنا قوله وخبره.
وأما إن ذكره بوجه مثل أن يقول: أرسلني رسول الله عليه السلام أو كنت في الغزوة الفلانية، أو لقيته بالمدينة أو بمكة، أو رأيته في الموضع الفلاني، أو عاملته أو أهديت إليه فقبل أو ردّ فليس في هذا شيء مما يدل على صحبته إلا إن قارنته قرينة. وكذلك إن قال أنه عبده فاعتقني، أو مولاه أو نسيبه. (1/160)
صفحة 161
كتاب الناسخ والمنسوخ
اعلم أن النسخ في اللغة على ثلاثة أوجه، الأول: الإزالة، الثاني: الابطال، والثالث: النقل.
فالأول من قول العرب نَسَخَتِ الشمس الظلّ، وهو زوال المنسوخ بثبات الناسخ كما يزول الظل وتبقى الشمس وتخلفه بدلا منه.
والثاني: هو الابطال، وهو أن يبطلا جميعا، كما تقول العرب نسخت الريح الأثر، ونسخ المطر الأثر، أي ذهبا جميعا.
والثالث الذي هو النقل، وهو نسخ الكتاب من الكتاب.
فصل
وحد النسخ إزالة حكم ثابت بشرع متقدم بشرع متأخر عنه لولاه لكان ثابتا. اعلم أن البداء والنسخ والاستثناء والتخصيص أربعة معان تجوز على الله كلها إلا البداء فإنه لا يجوز على الله عز وجل خلافا للرافضه الذين أجازوه/ على الله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. وسيأتي موضع ذكرهم ومذهبهم في ذلك إن شاء الله. وعين البداء الظهور والانكشاف: معنى بدا لي هذا أي ظهر لي هذا. وهو الظهور بعد الخفاء، وهذا أمر لا يجري على الله تعالى لأنه نقص وجهل، لكن على المخلوقين. فأجازته الرافضة ويأثرونه عن على بن أبي طالب وعن أهل البيت ويزعمون أن عليا إنما منعه أن يخبر عما يكون إلى يوم القيامة لئلا تبدو لله البداية فيترك. وقالوا في اسماعيل "عليه السلام" (1): ما بدا لله عز وجل شيء ما بدا له في أمر الذبيح. وروى عن موسى بن جعفر أنه قال: هو ديننا ودين آبائنا في الجاهلية وفي الإسلام. والإمام المعروف عندهم بهذا القول زرارة بن أعين، وفيه يقول:
فلولا البدا ما كان فيه تصرُّفٌ/ ... وكان كنار (2) دهره يتلهب
وكان كضوء مشرق بطبيعة ... ... ولله عن ذكر الطبائع نرغب (1/161)
صفحة 162
وقد أوضح زرارة بن أعين عن نيبته في مذهبه بتصريح البداء فنسب البارئ سبحانه إلى الجهل من أجل شبهة عرضته لئلا يصير البارئ سبحانه طبيعيا وأن أفعاله أفعال الطبيعة فأرادوا إثبات الاختيار له بتصرفه في الأمور فلم يمكنهم ذلك حتى نسبوه إلى الجهل سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. وقال بعضهم: إنما تبدو له البدوات فيما لم يخبر به ولم يطلع عليه عباده، وتأولوا قول الله تعالى: {يمحوا الله ما يشاء ويثبت} (1).
قالوا: هذه نفس البداء وقالوا: لولا ما اتصف الله سبحانه به من البداء لكان أمره بما أمر به ونهيه عما نهى عنه عبثا وجهلا تعالى عما يقولون علوا كبيرا./
قلنا، والله أعلم: إن البداء والجهل على الله منفيّان، وذلك لأن الله حكيم بذاته ولِذاته لا بفعله الحكمة كان حكيما فهو حكيم قبل الفعل. وعالم بذاته ولِذاته عندنا وعندهم جميعا فعميت عليهم الأخبار في اتصاف البارئ سبحانه بالكمال، فرجعوا إلى أحد الوصفين فأجازوه على الله عز وجل وهو الجهل. وأوسعوا أنفسهم المعذرة في نسبهم إلى الله عز وجل البداء، وهو عين الجهل، أرادوا أن يثبتوا له أمرا فلم يمكنهم إلا بنفي أمور، وما علموا أن الله عز وجل أمر العباد في الوقت الذي يصلح لهم فيه الائتمار، ونهاهم في الوقت الذي يصلح لهم فيه الانتهاء وهو في الحالتين موصوف بالعلم لا بالجهل، وبالحكمة لا بالعبث، وليس بمستنكر في لطف الله استصلاح العباد بما/ علم وأنه صلاح لهم بدليل قول الله عز وجل: {فبظلم ,,,,,,,, كثيرا} (2) وبقوله: {ما ننسخ .... أو مثلها} (3). ولا ننسب إليه في الحالتين جهلا ولا عبثا، ونحن نرغب بالجهل عن الله عز وجل كما رغبنا بالعبث عنه، وليس بانقص حال من العبث، وكلاهما عن الله منفي.
فصل
اختلف الناس في النسخ، قال بعضهم: لا نسخ ولا منسوخ. وقالوا: ليس من الحكمة جواز النسخ على الله تعالى لأنه بداء، وهو قول اليهود أخزاهم الله، وهو مذهب عبيد بن عمير الليثي (1) من التابعين. وزعم أن النسخ الموجود في القرآن (1/162)
صفحة 163
هو نسخ النقل كانتساخ الكتاب من الكتاب، وقول الله تعالى: {إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} (2)./ وفسر فيه ابن عباس أن الحفظة تكتب ما حفظت من أفعال العباد وتلتقي في السماء مع ملائكة يكتبون ما صح للعبد يؤخذ به ويثاب عليه مما هو مكتوب في اللوح المحفوظويتلاشى ما سواه، وهو معنى قول الله تعالى: {يمحو الله ما يشاء ويثبت} (3). فالمعنى الذي ذهبنا إليه من النسخ هو المعنى الذي ذهبوا إليه وسموه بيانا للقرآن فاتفقنا في المعنى واختلفنا في اللفظ، وأبطلوا اللفظ وأطلقوا المعنى، فهؤلاء أهون عذرا من الأولين. وأما الأولون الذي أجازوا البداء وهو الجهل لأجل نفي العبث الذي هو السفه فأشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا. وأما الذين وافقوا اليهود في إبطال النسخ واختلفوا في المعنى فاليهود أحالته ألبتة وأبطلوا اللفظ. وعبيد بن عمير وأصحابه/ أطلقوا المعنى وأبطلوا اللفظ كما قدمنا، لو فارقوا اليهود كان خيرا لهم لو كانوا يعلمون. وقد قيل إن عبيد بن عمير قد صحب والصحيح أنه من التابعين. وهو القائل لأمنا عائشة رضي الله عنها يعاتبها في أمر عثمان وكانت به معجبة (4):
فمنك البداء ومنك الغِيَرْ ... ومنك الرياح ومنك المطر
وكنت أمرت بقتل الإمام ... وقلت لنا إنه قد فجر
فهبنا أطعناك في قتله ... وقاتله عندنا من أمر
فصل
اعلم أن الناس قد اختلفوا فيما يقع فيه النسخ. قال بعضهم: لا يجوز إلا في الأمر والنهي، ومعناه أن الأمر إذا ورد آخرا أزال حكم النهي من حينه، والنهي إذا ورد آخرا أزال حكم الأمر. والأمر والنهي قائمان بأعينهما. وقال بعضهم: إن النسخ يلحق الأمر/ والنهي والطاعة والمعصية لأن الطاعة تبع للآمر ونتيجته، والمعصية تابعة للنهي ونتيجته. وقال بعضهم: إن النسخ يلحق الأمر والنهي، والطاعة والمعصية، والثواب والعقاب؛ لأن الثواب تبع للطاعة كما أن العقاب تبع للمعصية لأنه محال زوال (1/163)
صفحة 164
الأمر وتبقى الطاعة، وزوالهما ويبقى الثواب. كما أنه محال زوال النهي وتبقى المعصية أو زوالهما ويبقى العقاب.
وقال بعضهم: يجوز نسخ هذه الثلاثة، وزادوا جواز نسخ الأخبار عن العقاب والثواب. ولا بد من تحقيق هذه المعاني الأربعة وتفصيلها.
اعلم أن الأمر والنهي من أفعال الله تعالى كما قدمنا إيجابا وإعلاما. فأما الأيجاب فإلزام من الله عز وجل العبد ما كلفه. وأما الإيذان فالأوامر الظاهرة في القرآن خبر، أوامر، أو جهة الخطاب. ولا إحالة في شيء من/ هذا لأنه قد كان ووقع، وليس في العقل ما يحيله ولا ما يبطله، وذلك أن الله تعالى قد افترض على نبيه عليه السلام استقبال بيت المقدس في أول الأمر بإجماع ثم ردهم إلى استقبال الكعبة بإجماع، قال الله تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء ........ الحرام} (1). فرأينا الأمر الأول من امتثله أطاع، ومن تمادى بعد النسخ عصى، فتعاقب الطاعة والمعصية، ثم زال كل واحد منهما بزوال موجبه فتناسخت وتعاسقبت فحكم الأمر والنهي واحد، وحكم الطاعة والمعصية واحد، وحكم الثواب والعقاب واحد. والخبر عن وجوب الثواب ووجوب العقاب
واحد، أعني في تعاقبهما وإن كان واحد منهما لا يختلف عن موجبه. أما الوجوه الثلاثة فلا يختلف فيها هذا المعنى/ الذي ذكرناه فيها من أن الأمر إذا زال زالت الطاعة وزال الثواب، والنهي إذا زال زالت المعصية وزال العقاب. وإنما التنازع في خبرهما. فمن منع النسخ فيها فإنما أبطل اللفظ وأوجب المعنى؛ لأنه يقول: إذا زال الثواب زال الخبر من حين زوال الثواب وإذا زال العقاب زال عنه الخبر منحين زال العقاب بل أعقبه ضدهما، وليس في تسمية من سمّاهما نسخا ما يبطل حكما ولا يوجب كَذِبا؛ لأن صاحبه قد أتى بمعناه ولم يكذب.
فصل
والنسخ في الأخبار كما قدمنا، قد أجازه بعض وأبطله بعض. فحجة من أبطله أن الخبر الأول مكذب للخبر الآخر، والكذب في أخبار الله عز وجل محال. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا القائل يقول: الخبر يوجب الثواب على هذه الطاعة قد جاء فلما نسخ الأمر زال. ولا يزول إلا بضده، وليس كل واحد من/ الخبرين مكذب للآخر (1/164)
صفحة 165
في قوليهما، لأنا نقول إن زمان استقبال بيت المقدس مأمور باستقبالهما ومستقبلها مطيع ومثاب ومخبر أن له ثوابا. وفي زماننا هذا أن مستقبل بيت المقدس منهي ومعاقب ومخبر أن له عقابا. وأما ما يروى عن الشيخ أبي الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه فيمن أجاز النسخ في أخبار الله تعالى أنه مشرك (1)، فهذا عموم يجوز أن يكون يريد من أجاز النسخ فيما لا يجوز فيه النسخ من أخباره عز وجل كقوله: {إنما الله إله واحد} (2) وقوله: {لا إله إلا الله} (3) وجميع ما ذكره من أمور الآخرة الآتية وأمور الدنيا الكائنة وجميع ما أخبر به عن النبيين والمرسلين وأخبار الأمم مع أنبيائها. فهذا كله من أجاز فيه النسخ فمشرك. وأما من أجاز النسخ في الأخبار التي تتعاقب على الأمر والنهي إذا وجب أو
زال/ بإيجاب الثواب مع الأمر وسقوطه بعد الأمر وإيجاب العقاب مع النهي وسقوطه بعد النهي. وأن الخبر الأول الذي قال هذا فرض، والخبر الآخر الذي قال هذا ليس لغرض هما غيران مختلفان بإجماع الأمة. وإنما اختلفنا في التسمية فمن أجاز النسخ فلا حرج، وإن كان مخطئا فإنما اخطأ من جهة اللغة وقد أتى بالمعنى وإن كان مصيبا فهو ذلك. ومن شرك هذا فقد حصل في مذهب الخوارج الذين يشركون على الذنوب، فمن شرك بناسخ الأمر والنهي شرك بناسخ الطاعة والمعصية، ومن شرك بناسخ الطاعة والمعصية شرك بناسخ الثواب والعقاب، ومن شرك بناسخ الثواب والعقاب شرك بناسخ الأمرين، والنصوص في هذه المسميات كلها معدومة، ولا يصح/ تشريك من لم يصادم النص وإن أخطأ في المعنى فكيف بمن أصاب المعنى. والإحتمالات موجودة، لا ضرر ولا ضرار على المعنى ولا على اللغة. وإنما استخرج الناس معنى النسخ من جهة القياس لاختلافهم في معنى النسخ في اللغة، ولم يقع التوقيف على معنى دون معنى. ولو ساغ الاكفار والتشريك والمعصية لكان الذي أبطل لفظ النسخ على معنى المنسوخ ورده إلى الانتساخ أولى.
فصل
ولا يجوز النسخ في معرفة الله تعالى ولا الإباحة ولا الندب ولا النسخ في (1/165)
صفحة 166
الأمور العقلية كلها لأن الشرع لا يأتي بخلافها. وأما من قصر التكليف والنسخ على المعصية، وهو قول القدرية، وقد أشرنا إلى الرد عليهم في/ إضلال اليهود، والفرق بين الناسخ والتخصيص؛ أما النسخ رفع حكم قد ثبت واستقر، والتخصيص بيان مخصص لم يتناوله الخاطاب وغير مراد له. والنسخ لا بد وأن يكون متراخيا عن زمان المنسوخ، والقياس بمثابة النسخ يخص ولا ينسخ به. وإذا ثبت عموم الأزمان والأعيان بقول ثم نسخ بعض تلك الأعيان والأزمان كان تخصيصا لا نسخا. والفرق بين الاستثناء والنسخ أن الاستثناء ما خرج منه لم يرد بالكلام الأول. ومن قال: لا إله إلا الله هل نفى في أول الكلام الوهية الله تعالى ثم أثبت بعد بالاستثناء في آخر كلامه؟.
الجواب: لا، لم ينف أولا ما أثبت آخرا؛ لأن لاستثناء لم يكن مرادا في أول الكلام وإنما يتعلق بألوهية غير الله.
فصل
والنسخ قد يرد قبل امتثال المنسوخ وليس/ ذلك ببداء. وقد يكون امتحانا وتخفيفا ومثوبة وعقوبة. فأما حيث يكون اخبارا فأمر الله تعالى لإبراهيم عليه السلام حين أمره بالذبح لابنه ثم فداه بذبح عظيم. وإن كان النسخ والفداء لم يقعا إلا بعد الامتثال لما أمر به ولم يبق إلا عند الله تعالى، فعند ذلك فداه بالذبح العظيم ولكن بعدما أخبره وامتحنه. وأما حيث يرد بالتخفيف فهو قوله تعالى: {إن يكن ..... لا يفقهون} (1). ثم قال: {الآن خفف ..... مع الصابرين} (2). وهذه الصورة الأمر بصرة الخبر، وذلك لما رأى الله من ضعفهم وقلة حيلتهم وصبرهم خفف/ عنهم. وأما حيث بصير مثوبة فقوله: {ورحمتي .... يومنون ... } إلى قوله: {ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} (3).
وأما عقوبة فقوله: {فبظلم ...... كثيرا ... } الآية (4) (1/166)
صفحة 167
فصل
واختلف القائلون بالناسخ والمنسوخ هل هما الآيتان وأحكامهما. وقال بعضهم: النسخ في نفس الآيتين. وقال بعض: النسخ في نفس الحكمين. والأصل أن النسخ في الآيتين جميعا، هذه ناسخة وهذه ناسخة وهذه منسوخة وإن كان الحكمان هما المنسوب إليهما النسخ.
ومن جعل البيان هو الناسخ في نفس الآية نسخ بآية المواريث آية الوصية حيث قال عز وجل: {يوصيكم/ الله في أولادكم .. } (1) فبين وشرع فيقتضي هذا القول نسخ قوله: {كتب ..... والأقربين} (2) فيكون الوالدان والأقربون منسوخة الوصية لهما لأنه بدل حكم يناقض حكما فصار نسخا. وكذلك شروط المهادنة كانت منسوخة بنفس الترك والضعف الذي زال عنهم. ومن قال لا بد من بيان وناسخ ينسخ الوصية للوالدين: «لا وصية لوارث» (3). وهو قول رسول الله عليه السلام: «إن الله أعطى لكل ذي حق حقه». كالسبب، والشيء إذا كان عن سبب قصر الناس الحكم إليه، وإن تجاء الأمر ابتداء حصل على عمومه. وكذلك قالوا: إن صوم شهر رمضان ناسخ لقرض يوم عاشوراء وكل فرض كان قبله. وكذلك في فرض الزكاة/ والصدقة. وكذلك الصلاة ناسخة لكل فرض كان قبلها، وكذلك النكاحات والطلاقات والبيوعات وغير ذلك. (1/167)
صفحة 168
باب آخر
وجائز نسخ القرآن بالقرآن والسنة بالسنة، ونسخ السنة بالقرآن ونسخ القرآن بالسنة. وأخبار الأحاد بأخبار الآحاد. وأخبار الآحاد بالمتواتر، والمتواتر بأخبار الآحاد، والأخف بالأثقل والأثقل بالأخف، والنسخ إلى غير بدل، ونسخ التلاوة وبقاء الحكم، ونسخ الحكم وبقاء التلاوة، ونسخهما معا، وإن نسخ كل واحد منهما صاحبه.
فصل
قال الله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} (1) واختلف القراء في هذه الآية. فقرأ بعضهم على قراءة العامة اليوم، وهي قراءة عامة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: {ما ننسخ من آية أو ننسأها} (2). وهي/ قراءة عبيد بن عمير الليثي. وبعضهم يقول، وهو أُبي بن كعب: {ما ننسخ من آية أو ننسكها} وقراءة ابن مسعود: {ما ننسك من آية أو ننسخها نأت بخير منها أو مثلها}. وقرأ بعضهم: {ما ننسخ من آية أو ننساها} (3).
فصل
نسخ تلاوة القرآن وبقاء الحكم قد تكلم فيه بعض أهل العلم وأجازوه ولم يحيلوه، وتأولوا فيه قول الله تعالى: {سنقرئك فلا تنسى إلا ما شاء الله} (4). قال أصحاب الحديث: إن الروايات قد تظاهرت بأن آية الرجم موجودة في كتاب الله عز وجل حتى رفعت ونسخت مع بقاء حكمها، وهي ناسخة منسوخة. هي ناسخة لذوات السبيل (5)، ومنسوخة التلاوة في القرآن. وقد روى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد قرأها وهو على المنبر في ملا من المهاجرين/ والأنصار أو في ما كنت أمة (1/168)
صفحة 169
محمد عليه السلام بين يدي موته بأشهر فقال لولا أن يقال أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها في حاشية المصحف وهي: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا لمن بعدهما والله تواب على من تاب) (6). وقال أبو عبيدة
القاسم بن سلام عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمن رسول الله عليه السلام مأتَي آية. فلما كتب عثمان المصحف لم يقدر منها إلا على ما هي عليه الآن (1). وقد روى أبو عبيدة عن زيد بن حبيش قال: قال أبي بن كعب: كأين تعد أو قال تقرأ سورة الأحزاب قلت: أثنين وسبعين آية. قال: إن كانت لتعدل سورة البقرة، وإنا لنُقرئ فيها آية الرجم/، قال: "إذا زنى الشيخ والشيخة فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم" (2).
وحديث أبي واقد الليثي قال: كان رسول الله عليه السلام إذا أوحي أليه أتيناه فعلمنا كما أوحي إليه. قال: فجئته ذات يوم فقال: إن الله يقول: «إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ولو كان لابن آدم واحد لأحب أن يكون إليه الثاني، ولو كان الثاني لأحب أن يكون إليهما الثالث ولن يملأ جوف ابن آدم إلا التراب. ويتوب الله على من تاب» (3). وعن عمر أيضا: كنا نقرأ: "ولا ترغبوا عن آبائكم إنه كفر بكم" فقال: أهكذا يا زيد فقال زيد: نعم (4).
جواز نسخ القرآن بالقرآن:
قال الله تعالى: {والذين يتقون منكم وذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (5) فنسخ به قوله: {وصية لأزوجكم متاعا إلى الحول غير إخراج} (6). ومنه قول الله تعالى: {واللاتي يأتين/ الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت
حتى يتوفاهن الموت .......... توابا رحيما} (1). ولما نزل قول الله تعالى: {والزانية ....... جلدة} (2). قال رسول الله عليه السلام: «الله أكبر، الآن جاء بالسبيل: البكر بالبكر مائة جلدة وتغريب عام والثيب بالثيب الرجم» (3). ومنه قول الله تعالى: {إن يكن منكم عشرون صابرون .. } كما تقدم (4) وهذا أمر بصيغة الخبر. قال الله عز وجل: {سيقول .... (1/169)
صفحة 170
مستقيم} إلى أن قال: {وما جعلنا القبلة التي كنت/ عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه .... } الآيات كلها حتى قال: {فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره .. } (5).
جوازكون القرآن ناسخا للنسة:
اعلم أن القرآن ينسخ السنة "السنة تنسخ القرآن" (6) وإن كان كل واحد منهما مكرر ينسخ صاحبيه خلافا لمن قال إن القرآن لا ينسخ السنة لأنها جاءت بيانا للقرآن. والدليل على جواز نسخ القرآن السنة جواز السنة جواز نسخ القرآن بالقرآن فالسنة أولى أن تنسخ به. ومنه حديث عبدالله بن عباس قال: كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها. فيستقبل حكم القرآن ولا يرد قضاءه (7). وإن استقبال بيت المقدس على من جعله سنة منسوخ بالقرآن بقوله: {فول وجهك شطر المسجد الحرام} (8). وإن عارض وقال: إن فرض
استقبال بيت المقدس// من القرآن بدليل قول الله تعالى: {وما جعلنا ........ عقبيه} (1). قيل له: إنما هذا خبر عن كونه مستقبلا لبيت المقدس عند النسخ ولم يظهر في القرآن نص ولا مستخرج أنه أمره باستقبال ببيت المقدس. ودليل آخر: أن رسول الله عليه السلام عقد عقودا في صلح الحديبية على الرجال والنساء، فأنزل الله تعالى: {يا أيها ...... إلى الكفار} (2). فنسخ العقد الأول. واستدلوا بقوله: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} (3). ونسخ صوم عاشوراء بصوم شهر رمضان وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة/ وأصاب اليهود يصومونه، فقال: أنا أحق باتباع أخي موسى، فأمّر مناديا وقال: من كان غير صائما فليصم فصاموا بقية نهارهم، ثم جاء رمضان فكان هو الفريضة ونسخ صوم عاشوراء (4). (1/170)
صفحة 171
مسألة
ويجوز نسخ القرآن بالسنة المتواترة، وأجاز ذلك أكثر أصحاب أبي حنيفة. وبعض أصحاب الشافعي يقول بالوجهين: إنه لا ينسخ قرآنا إلا قرآن مثله. وقال بعضهم: أنه تنسخه السنة كما قدمنا، وأن السنة لا ينسخها لا سنة مثلها ولا ينسخ كل واحد منهما صاحبه. واستدل من أجاز نسخ السنة للقرآن بقوله تعالى: {وما ينطق ....... القوى} (5). وقالوا: لما جاز بيان القرآن الذي أمر الله تعالى به
(1/ 221)
نبيه عليه السلام بالسنة والتخصيص جاز بها/ النسخ، واستدلوا أيضا على نسخ القرآن بالسنة بقوله عليه السلام: «لا وصية لوارث» (1). فنسخ به قول الله تعالى: {كتب عليكم .... المتقين} (2). وقيل إن آية المواريث هي التي نسخت الوصية للوالدين والأقربين. وبقول رسول الله عليه السلام: «البكر بالبكر والثيب بالثيب» (3). فنسخ هذا قول الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} حتى ذكر السبيل (4). فقال رسول الله عليه السلام: «الله أكبر، الآن جاء الله بالسبيل»، فشرع الرجم والتغريب بعد الحبس والأذى (5).
واستدل من منع ذلك أن السنة مظنونة وأن القرآنن متيقن ولا ينسخ مظنون متيقنا قلنا: إذا كانت السنة متواترة ومستفيضة لا بأس بذلكن لأن البيان من عند رسول الله عليه السلام بجميع/ أحكام الدين مأمور به. والنسخ أحدها، وعلى من شافهه الإيمان به. وعلى من رأى أو سمع التبليغ. قالوا: قال الله تعالى: {وإذا بدلنا ........ لا يعلمون} (6). فدل ذلك على أنه لا يجوز نسخ القرآن إلا بالقرآن. وينعكس عليهم بالنسخ بدون آية إلا آية كاملة كما قال: {اقتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} (7). فينسخ به الصفح والعفو والإمهال والتولي والإعراض ببعض آية. وأخرى: إن الله عز وجل لم يقل: إنا لا نبدل الآية (1/171)
صفحة 172
إلا بآية.
قال: إن نسخ القرآن بالسنة تهمة وتنفير، وذلك أنما وجب الإيمان بالقرآن من جهة الإعجاز، فإن نسخ القرآن ما ليس بمعجز من كلام غير رب العالمين وجب الشك والارتياب.
قلنا: كلاهما سواء عند من آمن. قال الله تعالى: {وما أتاكم الرسول فخذوه/ وما نهاكم عنه فانتهوا} (1). وليس يقدح قول أهل الشك في إيمان أهل الإيمان.
مسألة
فكل دليل دل عى جواز نسخ القرآن بالقرآن دل على جواز نسخ السنة بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد.
وأما السنة بالسنة فأكثر من أن يخصى. وقد كان رسول الله عليه السلام يصلي بمكة ركعتين أول النهار وركعتين آخر النهار فنسخها لله تعالى بالصلوات الخمس. وبالأربع في مقام الأثنين، ونسخ الترك بالعمل، ونسخ الكلام في الصلاة بالقنوت. ونسخ القنوت بالترك، وبقول الله عز وجل، وذلك حين فنت أربعين يوما على رُعْلٍ وذكوان (2)، فأنزل الله تعالى: {ليس لك ...... ظالمون} (3). ونسخ منها الكلام بقوله: «إن في الصلاة لشغلا» (4). وبقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة» (5). وبقوله: «صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» (6) ونسخ شروط المهادنة بالترك.
وأما أخبار الآحاد فكثير كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا» (1). وبقوله: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم» (2). وجلد المحصن، وتغريب البكر عاما. ومنه صلاته بالناس قاعدا وهم قيام بعدما قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا» (3). ثم صلى بهم قاعدا وهم قيام عند وفاته.
ومن ذلك نهيه عن نبيذ الجرّ حين قال: «نهيتكم أن تنبذوا في الأوعية، ألا فانبذوا في كل شيء فكل مشكر حرام» (4). فهذه أخبار الآحاد منسوخة بمثلها. (1/172)
صفحة 173
باب
جواز نسخ القرآن والسنة بأخبار الآحاد
وقد أجاز بعض وأبطله بعض. وقال بعض بجوازه إذا كانوا على عهد النبوة ويبطله بعد ذلك. فمن ذلك أهل قباء/، اتاهم آت فأخبرهم عن القبلة فتحولوا بخبر الواحد. وأدل الدليل على قيام الحجة بأخبار الآحاد أن رسول الله عليه السلام كان يرسل رسله ويمضون ويتوجهون إلى من أرسلوا إليه. ووجب على من أرسلوا إليه السمع والطاعة وقبول قولهم عن الله عز وجل وعن رسول الله عليه السلام في الناسخ والمنسوخ وفي غيره. ولم يحوجوهم على التواتر ولا إلى مطالعة الرسول عليه السلام إلا إن وقعت ريبة في أقوال الرسل فيسعهم التوقف والاستبصار والبحث كالذي جرى لابن أبي جدعة حين أتى أهل الطائف فقال: إني رسول الله إليكم وقد أمرني أن أتبوأ أي بيوتكم
شئت. فقالوا: مرحبا برسول الله. فقالوا: دونك أي بيوتنا شيئت ثم قال: وأمرني أن أتبوأ أي نسائكم شئت. فقالوا: إن عهدنا برسول الله عليه السلام كان يحرم الزنا. فلم يسعفوه/ حتى أرسلوا إلى رسول الله عليه وسلم فأخبروه فغضب وأمر رجلين أن يذهبا فيحرقاه بالنار. ثم قال عليه السلام: ما أظنكما تدركانه إلا وقد كفيتماه. فذهبا إليه فوجداه قد خرج هاربا في ليلة مطيرة فخرج غير الطريق ليبول فنهشته أفعى فقتلته (1).
وأما خبر الواحد فقد أجزناه ما لم يكن متأولا. وأما إذا روى الصحابي عن الرسول وقد نسخت آية كيت وكيت فقوله مقبول. وأما إذا كان متأولا فرأيه مثل رأي المجتهدين. وبعضهم يمتنع من قبول خبر الواحد في آى القرآن وفي السنن المتواترة فلهذا نحن أجزنا نسخ المسح على الخفين بآية المائدة عن مذهب ابن عباس (2). وقبلنا قول ابن مسعود في نسخ التحيات المذكورة فيها الزاكيات الطيبات حين قال: كان ذلك ثم علّمنا التحيات المباركات/ لله والصلوات الطيبات (3). فكأنه أشار إلى أن هذه نسخت الأخرى. وكذلك قبلنا قوله في ترك رد السلام في الصلاة، وهو الراوي عن (1/173)
صفحة 174
الرسول عليه السلام أنه سلم عليه بعد ما قدم من الحبشة فلم يرد عليه رسول الله عليه السلام. قال: فأخذني ما قرب وما بعد. فلما سلم قلت: سلمت عليك يا رسول الله فلم ترد علي. فقال رسول الله عليه السلام: «إن في الصلاة لشغلا» (4). وفي بعض الروايات: «إن لله الأمر من قبل ومن بعد، يحدث ما يشاء. ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة» (5).
وكذلك ما روى عن ابن عمر وابن عباس لما سئلا عن الرضعة والرضعتين فقالا: كان ذلك بتوقيف تقدم. وأما اليوم فقليله وكثيره يحرم.
وأما إن قال الصاحب: الخبر الفلاني والآية الفلانية منسوخة/ فإنا نحسن به الظن ونحمله على السماع. وأبت من ذلك طائفة.
ومنه قول عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما مات رسول الله عليه السلام حتى أحل الله الذي حظر عليه من النساء (1).
فكأنها أشارت إلى قول الله تعالى: {إنا أحللنا .... الله عليك ... } الآية (2) ناسخ لقوله: {لا يحل لك النساء من بعد} (3) مثوبة لنسائه اللاتي قصرن أنفسهن عليه، فلما تمكن منهن الإيمان نقلهن إلى ثواب الآخرة ونقل رسول الله عليه السلام إلى تزويج أي امرأة شاء.
وكما قبلنا ايضا قول أبي بكر رضي الله عنه في تخصيص قول الله عز وجل: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} (4). يقول رسول/ الله عليه السلام: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (5). فلما رأينا الأمة تلقته بالقبول وهو أوفر ما كانوا يكونون نسخنا به آية المواريث. (1/174)
صفحة 175
باب ما يعلم به الناسخ من المنسوخ
اعلم القرآن نزل على رسول الله عليه السلام في ثلاث وعشرين سنة نجوما على نحو ما أدت إليه الحاجة. وألفه الله تعالى بترتيب خلاف ترتيب النزول. ويدل على ذلك حديث ابن عباس رضي الله عنه حين سأل عثمان بن عفان
فقال: ما بالكم أنتم أصحاب رسول الله عليه السلام عمدتم إلى سورة الأنفال وبراءة "فقرنتم" (1) فيما بينهما ولم تكتبوا سطر بسم الله الرحمن الرحيم بين الأنفال وبراءة فقال عثمان: يا ابن أخي، إن جبريل عليه السلام كان ينزل على رسول الله عليه السلام بالآيتين والثلاثة/ آيات والأربع آيات من القرآن فيقول: يا محمد، إن الله يأمرك أن تجعل هذه الآية على راس كذا آية من السورة الفلانية فإذا تمت السوةر نزل بسطر {بسم الله الرحمن الرحيم} ففصل به ما بين السورتين (2). فلما ذهب عن الناس ترتيب النزلو احتاج الناس إلى التاريخ فإن عدم التاريخ رجع الناس إلى اجتهاد الرأي وغلبوا الحظر على الإباحة. وقبل الناس أخبار الآحاد ضرورة إذ لا بد من الشريعة. وقد علق الله عز وجل أمرها وتبليغها وبيانها إلى رسول الله عليه السلام فبلغ ما أرسل به ونصح في تبليغه وعين التبليغ على من سمع فقال: «ألا هل بلغت قالوا: نعم. فقال: اللهم فاشهد». وقال: «ليبلغ الشاهد الغائب» (3) فوجب على الشاهد التبليغ/ ووجب على المبلغ القبول. وقال: «نظر الله وجه عبد سمع مقالتي فوعاها حتى أداها إلى من لم يسمعها. فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب مبلغ أوعى من سامع» (4). فلم يأمر رسول الله عليه السلام أمته بالتبليغ إلى من لم يسمع إلا وفيه أعظم الحجة لمن بلغ ومع ذلك رسول الله عليه السلام كان يخاطب من سنح له من أمته ولم يقصر الخطاب إلى عدد محصور بل عام وخاص فيراعيه الناس في قبول السنة بل إلى كل أحد بدليل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا
قوما (1/175)
صفحة 176
بجهالة فتصحبوا على ما فعلتم نادمين} (1). فدل على أن التبيين مع العدل معفوا عنه بدليل الخطاب ورد شهادة الفاسق بنص القرآن، ومن وراء هذا قوله: {لأنذركم به ومن بلغ} (2). فوجب/ على الوعاة التبليغ ووجب قبول أخبار الوعاة كما يجب على السامعين قبول أخباره عليه السلام والإيمان بها. ورسول الله عليه السلام هو الحجة لا شك ولا مرية، والصحابة هم الشهداء، والتابعون هم المؤدون.
فصل
وإذا ورد خبران عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الله تعالى متعارضان، نظر الناس في التاريخ، ولا غنى عنه وإن كان أمر التاريخ سهلا، فلو كلفنا معرفته لضاق الحال. فإن عرفوا الآخر منهما نسخوا به الأول. وإن لم يعرف الأول من الآخر اجتهدوا بجهل الناس في التاريخ. واختلفوا في آي من كتاب الله تعالى وسنة نبيه عليه السلام فجعلها قوم ناسخة وجعلها آخرون منسوخة، وقال الآخرون إن الآيتين محكمتان. جعل بعضهم الناسخ هو المنسوخ، والمنسوخ هو الناسخ وواسع/ على العلماء ما لم يصادموا الإجماع. فمن ذلك قول الله تعالى: {ليس على الأعمى عرج ولا على الأعرج حرج ........ أو بيوت آبائكم .. } (3) الآية كلها. فأوجبوا بهذه الآية نسخ قول الله تعالى: {يا أيها .... بالباطل} (4). وقال بعضهم: بل الناسخة هذه لقول الله تعالى: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج} (5). الآية .. فنسخ بها من جهة الأموال منع أكل أموال القرابات، وأباحت الدلالة عند الأصدقاء .. وساتثناهم من جهة الباطل.
وقد قيل إن الآيتين جميعا محكمتان. أباح الأكل من أموال القرابات وأهل الصداقة ومنع الأكل بالظلم من أموال الغير.
وكذلك قول الله تعالى: {لا يحل لك النساء من بعد} (1) كما قدمنا/ جعلها قوم ناسخة بقوله: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} (2). وقد قيل: إن كل واحدة منهما محكمة إن النساء عليه حرام إلا بنات العم وبنات العمة وبنات الخال وبنات الخالة. وكذلك (1/176)
صفحة 177
قوله: {يسئلونك عن الأنفال .... بينكم} (3) فهذه منسوخة بقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى} (4) الآية. وقيل الناسخة هذه لقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فلله خمسه وللرسول} نسختها {يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم}. فمن أوجب إلى "أنّ" الأنفال منسوخة أجراها على/ قسمة الغنائم لقوله: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه}. ومن قال الأنفال ناسخة فوض أمر الغنيمة إلى السلطان إن شاء خمّسها وإن شاء نفلها. ولذلك أجاز رسول الله عليه السلام السلب للقاتل لأجل التنفيل. وقال عليه السلام: «من قتل قتيلا وله عليه بينة فله سلبه» (5) فذهب المستغرقون لعمومها أن كل قتيل سلبه لقاتله إلى يوم القيامة. وذهب آخرون إلى أنها في يوم حنين خصوصا. وقيل إن الآيتين محكمتان، فالتنفيل والتخميس قائم. وقصر من قال بالتخميس النفل في الخمس. وينقض عليهم بالاسلاب وبالفيء والمطلبة في الخمس قائمة كما هي في الأخماس. وقد صح "أن" (6) التنفيل مستفيض مشهور. (1/177)
صفحة 178
باب
في الإجماع واجتهاد الرأي/ والاختلاف
اعلم أن الله تعالى خلق آدم عليه السلام وجعله خليفة ورسولا إلى الأنام وأخبرنا الله في كتابه فقال: {فإما ........... ولا هم يحزنون} (1). ثم أرسل من بعد آدم نوحا عليه السلام فأُرسل إلى جميع أهل الأرض فمكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون، فنجّاه الله ومن معه في السفينة، ولم تكن له أُمّة ولم يؤمن به إلا طوائف من أهل بيته. ثم بعده هودا وصالحا عليهما السلام وطوائف درجوا معهما ثم صارت جاهلية جهلاء، فالناس في ظلمة يعمهون، فأرسل الله خليله إبراهيم عليه السلام ولوطا عليه السلام. ولم يؤمن بإبراهيم عليه السلام إلا ناس قليل وبلوط إلا ابنتاه، ولم تكن لهما أمة. ولم تجتمع/ أمة لنبيها فقبلت عنه ما جاء به إلا شواذ كما قدمنا درجت مع أنبيائهم. فلم تكن لنبي أمة إلا هذه الأمم الثلاث، أمة موسى وأمة عيسى وأمة نبينا محمد صلوات الله عليه وعليهم.
ثم إن الله تعالى بعث موسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بالآيات البينات ومعهم أهل الإيمان من قبل آبائهم إبراهيم وإسماعيل واسحاق ويعقوب والأسباط وهم مستضعفون تحت يدي فرعون فدعاهم فأجابوه، وشرع لهم دين الله فاتبعوه، فأنزل الله عليهم التوراة بطور سيناء فيها هدى ونور يحكم بها النبئيون الذين أسلموا وفيها موعظة وتقصيل لكل شيء. فرجع إلى قومه فأصابهم قد بدلوا وغيّروا وعبدوا العجل بعد ما قالوا: {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة} (2). وبعدما أراهم الله المعجزات/ الحسيات التي يصدق بها الفاجر ويؤمن بها الكافر. فلما جاءهم وقد بدلوا نعمة الله كفرا استفزه الغضب وألقى الألواح تحطمت منها سبعة ألواح فرفعها
الله إليه، وأبقى لهما لوحتين فيهما نُكَتٌ مما أمرهم الله عز وجل به ونهاهم عنه، وجُمَلٌ مما شرع لهم فذهبت تفاسيرها في الألواح المتكسرة إلا ما سمعه موسى عليه السلام حين كتب (1/178)
صفحة 179
الله له الألواح. فبقي اللوحان فجزأهما لهم خسمة أجزاء: الجزء الأول منهما في ذكر البداية من خلق السموات والأرض وخلقة آدم عليه السلام إلى خلقة إبراهيم. والثاني من خلقة إبراهيم إلى خلقة موسى عليه السلام. ثم الثالث من خلقة موسى عليه السلام وأخباره مع فرعون وخروجه مع بني إسرائيل إلى أرض التيه. ثم الرابع فيما شرع لهم من/ الفرائض من الصلوات والقربات والذبائح والأعياد والصنائع والهياكل والنجاسات والطهارات وحضور الجنائز والأموات فهذه كلها أمور نفسانية جثمانية لا أمور روحانية نورانية لا تهتدي العقول إلى العلل فيها. ليس فيها أكثر من أنها مشغلة عن عبادة الأصنام ومقارفة الآثام وذلك لما علم الله تعالى من ضيق أخلافهم وشدة طبائعهم. والخامس فيه الوعد والوعيد عن الطاعة والمعصية. وليس للجنة فيها ذكر ولا للنار فيها خبر إلا في موضع شاذ منها. وفيه أخبارهم وإلى ما تئول إليه أمورهم وما توعدهم به من البهق والجذام والبرص والأسقام والأمور الحسية وانسلاخهم من الدين وشمول الذلة والمسكنة اين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس إن لم يتبعوا الرسول النبي الأمي محمدا/ عليه السلام وأخبرهم بما يجري عليهم في الجائية أي يوم القيامة.
طباع الأمة الاسرائيلية مع إلههم:
اعلم أن الله تعالى أحل هذه الأمة الاسرائيلية محل الولد المحبوب البكر المربوب (1) العاقل المسبوب (2). ورفعهم فلم يرتفعوا، ووضعهم فاتضعوا. والغالب عليهم المعاندة والمناكدة، فسلك بهم في التكليف مسلكهم في
التنكيد،: {إن الإنسان لربه لكنود} (1). جل أفعالهم المعاندة، فإذا ضويقوا رجعوا إلى المناكدة. أمروا بذبح بقرة فتباهلوا، وبالسجود فتحرفوا، وبالقول حطة فحرفوا. وبقتال الجبارين فتخوفوا، وبعبادة العجل فاعترفوا، وبالإيمان بمحمد فأنِفوا، وبالعهود كلها فلم يوفوا. فإذا نظروا إلى إسعاف الله عز وجل غياهم في عظائم الأمور حملتهم الدالة والاغترار على إتيان أقبح الأمور فسلك الله تعالى بهم مسلك من يسوس الأطفال/ الاغفال، والجفاة الجهّال، وشغلهم بفرائض يأنف منها ذوو العقول (1/179)
صفحة 180
من الرجال، وترضى بها ربات الخدور والجحال. ولا بد من التسليم لقضاء الإله الكبير المتعال. وفي خلال ذلك أرسل رسلا تترى وكتبا تتلى يتعبدهم بها وهم مع ذلك منفتلون مما هم فيه من أنوار النبوات إلى ظلم الجهالات. فمما أسعفهم به وأنعم به عليه أن أنقذهم من أيدي الفراعنة وكانوا يسومونهم سواء العذاب. وفتق لهم في البحر طريقا يبسا نجاهم من فرعون وجنوده رأسا. وأغرق الله عز وجل عدوهم آل فرعون بمرأى ومسمع فخلصوا إلى البرية وجعلهم أفضل البرية. وفجر لهم من الحجر الأيِّر (2) ماء زلالا يحمله الثور. وظلل عليهم الغمام، وأنزل/ عليه المن والسلوى، وجعل لهم لباسا لا يبلى. وأعطوا من المكارم ما لم يعطه أحد من الأولياء والأصفياء. فقتلوا النبيئين ومن الناس الذين يأمرون بالقسط من الناس. وآذوا موسى فبرأه الله مما قالوا. ثم آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا. فهذا آخر العهد بهم إلى النار وبئس المصير. ولولا ما وصف الله عز وجل به موسى وطوائف ممن كان على طريقته وما يتعهدهم به من الأنبياء والصالحين لكانوا أشر من فرعون وقومه. وقد قال الله تعالى في محكم كتابه: {ولقد آتينا موسى .............................. يوقنون} (3).
ثم أمة عيسى عليه السلام: ثم إن الله تعالى/ بعث عيسى بن مريم عليه السلام إلى أمته، وكان هيّنا ليّنا حليما كريما خاشعا متخشعا، صالحا متواضعا، راهبا مترهبا، راغبا مترغبا، زاهدا عابدا، طيب النفس نقي القلب مأمون العيب، سليم الجذب حسن الأخلاق في جميع أوصافه. ظاهر الزهادة كثير العبادة. فسلكت أمته سبيله في أخلاقهم فأدركهم لين القلوب وسلامة الصدور وقرب القور كرب القمر، فقصر نظرهم إليه وعلى أمة فخلوهما الغاية القصوى والدرجة العليا. فسلك الله تعالى بهم مسلك من يربي المعتوهين والجانين الصبيان والصغار والعميان الضعاف الكبار، وذهبوا معه ذلك المذهب، وقالوا: {اللهم ربنا أنزل ...... الرازقين} (1). (1/180)
صفحة 181
/ نِعِمّا طلبوا، دون من أعطي المن والسلوى فطلب بدله ما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. فقال الله عز وجل: {أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير} (2) فأين هاتان الأمتان ممن قال وطلب إلى ربه ورغب: {ربنا لا تؤاخذنا .... الكافرين} (3). وقالوا: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة ... } إلى آخر الآية (4). ومصداق ما قلنا ان الأمم ثلاث قول رسول الله عليه السلام: «بينما أنا نائم إذ نظرت إلى سواد عظيم فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ أهولاء أمتي؟ قال: لا، إنم هذا عيسى في أمته. ثم نظرت فإذا سواد سد ما بين الأفق فقلت من هؤلاء يا جبريل فقال: هؤلاء أمتك
ولك معهم سبعون ألفا كأن وجوههم القمر ليلة البدر يحشرون على يمين العرش. فقام رسول الله عليه السلام فدخل الجحرة. فقال بعض المسلمين: نحن قد ذقنا الشرك فربما هؤلاء من الأنبياء أو ممن يأتي من أبنائنا فخرج رسول الله عليه السلام فأخبروه فقال: «بلى، رجال آمنوا بالله وصدقوا بالله وصدقوا المرسلين»، فقال عكاشة بن محصن: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: «أنت منهم». أو قال: «اللهم اجعله منهم». فقام رجل/ من الأنصار فقال: ادع الله يا رسول الله أن يجعلني منهم. فقال: «سبقك بها عكاشه وبردت الدعوة» (1). ثم كانت أمة
محمد عليه السلام: ثم إن الله تعالى بعث محمدا خاتم النبيئين رسول رب العالمين إلى الأنس والجن أجمعين فخاطبهم بألين خطاب فقال: {يا أولي الألباب}، {فاعتبروا يا أولي الأبصار}، و {يا أيها المؤمنون} خطاب "الحبيب" (2) والقريب القريب "مستعتبا" (3) ورجوعا إلى ما يحبون، متجلبا إلى أغياما (4) يشتهون. فشكاهم إلى نبيه وصفيه محمد عليه السلام في أول أمرهم. فقال: {وكذَّب به قومك وهو الحق} (5). ثم مدحهم آخر الأمر فقال: {وإنه لذكر لك ولقومك} (6). وقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ..... } (7) الآية. فأحلهم محل الرجال ذوي المرؤة والكمال. ونوّه بهم في الكتب/ فقال في الزبور: {ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكرى إن الأرض يرثها عبادي الصالحون} (8). وقال (1/181)
صفحة 182
في القرآن العظيم:
{
ثم أورثنا الكتاب ........ يدخلونها} (1) بخ بخ. بدأ بمن ظلم لكيلا يعلم أنه بالمنصب الأعظم عند الملك الأكرم، وقدمه على السابقين بالخيرات وعلى المقتصدين في أعمال الحسنات فقصر ظلمهم على أنفسهم ولم يطلق. فشرع لهم في الدين مكارم أخلاق الرجال. ونصب لهم معالم أسنى الفعال، ومهد لهم سبيل فنون المعالي. وبعثه عليه السلام يستم لهم مكارم الأخلاق بعد/ أن لوّح لهم في معالم دينهم تلويحات وأحال رسوله على بعضها إشارات. فتركهم والدين يقضون فيه بآرائهم ويحكمون فيه بأهوائهم وسوّغ ذلك كله لهم كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إذا وافق الحق الهوى فبخبخ. قال الله تعالى: {كنتم خير .......... لهم} (2) بخ بخ لهم. جعلهم أهل المعروف والآمرين به. ونزعهم وطهرهم عن المنكر والناهين واستعتب أهل الكتابين فقال: {ولو آمن أهل الكتاب لكان خير لهم} (3) فتورط أهل الكتابين في المناكر فأنى يهتدون للأمر بالمعروف. ففاز صالحوهم ببعض الخيرات وخاب طالحوهم من الحسنات/ بسهم من أصحاب الكل وحصل به دون الثلث قال الله تعالى: {كان الناس .............. إلى صراط مستقيم} (4) فكانت مِنَّةً أعظم بها من مِنّة، وحالة أكرم
بها من حالة. وقال الله تعالى في أوامره لهم: {كانوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} (1). وقال الله تعالى بعد أن هذّبهم وأظهر مناقبهم: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما بين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله/ ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} (2) ولما أن هذب نبيه عليه السلام فمدحه وقال: {إنك لعلى خلق عظيم} (3). وقال في المؤمنين: {آمن (1/182)
صفحة 183
الرسول بما أنزل إليه من ربه ............ وأطعنا} (4) جعل سبيلهم سبيل مرضاتة، ونصب الوعيد لمن ابتع غير سبيلهم وقال عز من قائل: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء} (5) والوسط العدل، قال الله تعالى: {قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون} (6) أي أعدلهم في قول أهل التفسير وإن الله تعالى نصب هذه الأمة بينه وبين الخليقة غدا يوم الفصل ورضي شهادتهم وسماهم شهداء ربانيين علماء. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أرسل حكيما ولا توصه. وإنما أوردنا هذه الآي ها هنا دلالة على فضيلة هذه الأمة والمسلك الذي/ سلك بهم الرحمن الرحيم. وعند انتهائنا إلى تفصيل إجماعها واختلافها فهناك نورد إن شاء الله شرح معانيها التي تدل على أن إجماع هذه الأمة عصِمة ورحمة وإن اختلافهم راحة ورحمة بإذن الله تعالى وبه الحول والتوفيق.
والعم أن الله تعالى قد رضي بعقول هذه الأمة عقولا ففوض إليهم جل دينه تفويضا وجعل فيه النجاة إجماعا واختلافا، فالإجماع عصمة والاختلاف راحة. (1/183)
صفحة 184
باب الإجماع
اعلم أن الإجماع في لغة العرب على وجهين، تقول: أجمعت على الشيء إذا غزمت عليه. تقول منه: أجمعت على السفر وعلى الحج وعلى الجهاد إذا عزمت عليه.
والإجماع الآخر مثل الإتفاق. وقد نطق القرآن بهما جميعا. قال الله تعالى حكاية عن العبد الصالح أبينا نوح عليه السلام قال: {فأجمعوا/ أمركم وشركائكم .......... إلي ولا تنظرون} (1) فإجماعهم أمرهم عزما عليه، وشركاؤهم اتفاقا منهم، وهذا الثاني هو المراد بإجماع الأمة عند الفقهاء. وسواء كان إجماعهم على القول به أو الفعل له أو الترك. ولفظة الإجماع تشتمل على الحق والباطل، والخطأ والصواب. لكن هذه الأمة ثبتت من سائر الأمم وثبت أن إجماعها كله صواب وحق بما سنذكره من الأدلة إن شاء الله. وما من ملة من الملل ولا أمة من الأمم التي ذكرنا إلا وقد أجمعوا على خطا وباطل غير هذه الأمة، لكن هذه الأمة إذا اطلقت اسم الإجماع إنما يريدون انعقاد الحجة.
ذكر الدلالة على جواز الإجماع من جهة السمع وصحة وقوعه من الكتاب والسنة:
قال الله تعالى: {ومن يشاقق الرسول/ من بعد ....... وساءت مصيرا} (2). فلما توعد الله العذال لمن خالف سبيل المؤمنين واتبع غير سبيلهم دل على وجب اتباع سبيل المؤمنين دون الندب ودون الإباحة، وهذه الآية تدل على أن اختلافهم رحمة، وأن من اتبع سبيل بعض المؤمنين واسع له، وهي على سوغ الاختلاف أدل منها على الإجماع، وإن كان هذا هكذا فالإجماع أولى؛ لأن من ابتع سبيل بعض المؤمنين خارج من الوعيد وخارج أيضا من اتباع سبيل غير المؤمنين. وعارض بعضهم وقال: إنما أُمروا باتباع سبيل (1/184)
صفحة 185
المؤمنين
في الإيمان خصوصا لأنه قصر اتباعهم على اسمهم فبخٍ بخٍ، فهذا كله عندنا إيمان وإسلام ودين.
خذوا بطن هرشي أو فقاها فإنه ... كلا جانبي هرشَي لهن طريق (3) /
ومن توقف وقف، ومضينا نحن على ما هدانا الله. ومن قصر على اتباعهم في البعض دون البعض عكس عليه الآخر فما (1) جعله في الإيمان دون سائر الطاعات انصارا لمن فرق. وأما نحن فإن ذلك كله عندنا هو الإيمان والإسلام ى والدين. وكل إيمان إسلام وكل إسلام إيمان وكلاهما دين وطاعة. ولو أردنا أن تزيد أهل الوقف شكوكا لقلنا ولحملنا اباع سبيل المؤمنين على طرقهم إلى دورهم وسبلهم في مسافراتهم ومآكلهم ومشربهم وملبسهم وغير ذلك من طرائقهم فقلنا لهم هناك عموا (2) ظلاما بدلا من عموا صباحا. كما حكت اليهود عن التوراة أن الله عز وجل ذكر فيها: انصح أخاك إلى الظهر فإن أبى فغشّه إلى العصر. وأما من أحال الإجماع وهو النظام (3) / ويقول: إن الإيمان خصال كثيرة ولا يلزم أحدا اتباع المؤمنين حتى يعلم ما يتبعهم عليه. فقد انحل النظام من النظام، واختلط الأنوار بالاظلام. فلو كلف العامي ألا يتبع سبيل المؤمنين حتى يعلم أنه إيمان أو طاعة، ولو كان العامي أعلم من المؤمنين الذين كلف اتباعهم.
أما إحالته الإجماع، فليس ذلك من عقل ولا كتاب ولا سنة، إلا إن ادّعى إحالته من قبل الإجماع فحسبه إيجاب الإجماع من قبل إحالته من الإجماع.
ومن ادعى أنه يترك سبيل المؤمنين والكافرين إلى غيرهما أحال، وإلى أحدهما أصاب. ومن ترك سبيل المؤمنين في الوجوب والندب والإباحة حصل في غير سبيل المؤمنين لا سبيل دونهما. ومن عارض بالشك في بعض سبيل المؤمنين، هل هو حاصل في سبيل غير المؤمنين أم لا، قلنا: إن/ توقف ولم يقطع بأحدهما ولم يفارق المؤمنين فواسع له، وهذا سبيل المؤمنين عند ضعفائهم. (1/185)
صفحة 186
فصل
فإن قال قائل إنما الوعيد لمن حصل له الشرطان جميعا، وهما مشاعقة الرسول عليه السلام واتباع غير سبيل المؤمنين. قلنا: الوعيد إذا وقع على الجملة فارز (1) كل واحدة منهما. كقوله عز وجل: {والذين لا يدعون مع الله آخر .......... وآمن .. } (2) ومن ادعى في هذه الآية أن الخلود إنما حصل على جميعها وليس على أفراد. قيل له: إن النهي إنما وقع على جميعها، وأما على احداها فلا يجب عليه خروج الشرك من النهي وسائرها فالنهي والوعيد والخلود مقترنة لا فرق، ففيها لأهل الخروج/ مغمز ينعكس عليهم بالنهي. وقالوال: إن هذا شرط في الخلود وصفة في النهي. قلنا: بل هو شرط في النهي وصفة في الخلود. وغرضهم أن الشرط قد يفارق الصفة والصفة لا تفارق. وقالوا: أنه كالجمع بين الأختين حرام جمعهما، ونكاح كل واحدة منهما بانفرادها مباح. عورضوا بالنهي ولا فرق. وإن قالوا: هو قولنا إن المشرك غير منهي عن المعاصي دون الشرك وغير مأمور بالطاعة دون التوحيد، عكسنا عليهم وقلنا: إن النهي وقع عن المعاصي دون الشرك. وإن قالوا إن ذلك يدل على الأبعد المذكور قلنا: بل على الأقرب المذكور أو على الكل فإن قالوا: ذلك الأبعد
وذلك الأقرب، قلنا: في رأي العين والمسافة. وأما في النسق فلا. فلوا كان قول الله عز وجل: {والذين لا يدعون مع الله آخر ..... الآية} (3) يريد به أحكاما خصوصية/ لنص عليها. فإذا لم ينص فالتحريم والنهي والوعيد والخلود سواء لا فضل.
وأما إن عارض معارض في هذه الأمة في قوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى .. } (4) فقد شرط الله عز وجل بيان الهدى. ودليل الخطاب أن من لم يتبين له الهدى لم يدخل في الوعيد والتحريم. وغيره من أهل الجزائر ومن كان في أقاصي الأرضين، وله هذه صفة وليس بشرط، على أن دليل الخطاب فيه ما فيه. (1/186)
صفحة 187
فصل
فإن قال قائل: في الآية ما يدل على أن من ترك المندوب أو المباح أو الواجب أنه ترك سبيل المؤمنين ما لم يخرج منها كلها أو بعكسها قولا. وذلك إن ترك المباح إلى المندوب فقد ابتع سبيل/ المؤمنين، وإ، ترك المندوب إلى الواجب فقد اتبع سبيل بعض المؤمنين. وأما في القول فلا يترك قول المؤمنين في واحدة منهن إلا خرج عن سبيل المؤمنين. ودليل آخر من كتاب الله عز وجل قوله: {كنتم خير ...... المنكر .. } (1)، فكما قدمنا فوجه الدلالة فيما قلنا لما وصفهم الله عز وجل بهذا الشأن العظيم أوجب على الخلق اتباعهم في فعل المعروف وترك المنكر وجعلهم حجة إذ أطلق هذا الاسم. فما أتت به هذه الأمة من الفروع كان سبيلا لهم معروفا. وما نهت عنه كان منكرا متروكا فمن اتبعهم اهتدى، فاجتماعهم أولى.
وهذه الآية أيضا دالة على سوغ الاختلاف لأهل الاجتهاد. ودليل آخر، قول الله تعالى: {كان الناس أمة/ واحدة ............ ومنذرين .. } (2) إلى أن قال: {فهدى الله ..... بإذنه} (3) ووجه الدلالة أن الله تعالى وعد هذه الأمة الهداية في كل ما اختلف فيه الأمم قبلهم، فإن حصره على البعض فالإجماع أولى. وذكر الله عز وجل هذا في معرض الامتنان والتعظيم والاحسان والتفخيم، وفيه الرد على من قال إن اجتماع الأمة لا يعلم من جهة العقل، فهم والغير سواء في جواز الخطأ عليهم. لكن الله يمن على من يشاء من عباده. ودليل آخر قوله تعالى: {وكذلك ......... شهيدا} (4) فكما لا يجوز الخطأ على رسول الله عليه السلام في شهادته عليهم، فكذلك لا يجوز الخطأ عليهم في شهادتهم. وليست/ شهادتهم أكثر من أفعالهم، وقد وصفهم وقال: {جعلناكم أمة وسطا} (5). والوسط: العدل كما قدمنا. فإن كانت شهادة الآحاد جائزة فهي في الجمع أجوز.
وقد اعترض (1/187)
صفحة 188
من منع من إجماع هذه الأمة على هذى الآي وقال:؛ أما الشهادة فإنها تقع في الآخرة. عورضوا بشهادة الرسول عليه السلام في الآخرة لا في الدنيا. وقالوا: إن شهادة الرسول قد ثبتت بالمعجزة. قلنا: وعدالة الأمة قد ثبتت بالمعجزة. وعارضوا بقول الله تعالى:؛ {فإن تنازعتم ..... والرسول} (1)، أي إلى كتاب الله عز وجل وسنة "رسوله صلى الله عليه وسلم" (2). قلنا: هذا في النزاع، وأما إذا وقع الإجماع يقضى على السنة والسنة تقضى على/ القرآن. واستدلوا أيضا بقوله عز وجل: {وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله} (3) وقوله: {فاعتصموا بحبل الله
جميعا ولا تفرقوا} (4) فهذه (5) الاعتراضات نهي عن الاختلاف والرجوع إلى الإجماع. وإنما وقع الذم على الاختلاف لهذه الأمة غذا اقترن معه البغي. وأما إذا فارقه البغي فلا.
وسنذكر ها هنا ما يدل على سوغ الاختلاف لهذه الأمة إذا أداهم الاجتهاد، وهو قول الله تعالى: {وإذا جاءهم أمر من ......... منهم} (6). فأمرهم الله عز وجل بالاستنباط ونهاهم عن التنطع والاشتطاط. بدليل قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (7) وبدليل قوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (8). وبدليل/ أن الرسول عليه السلام ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما (9).
وأما الدلالة على إجماع الأمة أنه حق من جهة الأخبار، قال رسول الله عليه السلام: «من فارق الإجماع قيد شبر مات ميتةً جاهلية» (1). وقوله: «يد الله مع الجماعة ولا يبالي الله بشذوذ من شذ». و «ومن سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة» (2). وقوله: «أمتي لا تجتمع على خطأ» (3). وقال عبدالله بن عمر عن رسول الله عليه السلام: «لا تجتمع أمتي على الضلال أبدا» (4). وقول رسول الله عليه السلام: «لا تزال طائفة من أمتي بأرض المغرب على الحق ظاهرين لا يضرهم من باوأهم حتى يأتي أمر الله» (5). وفي خبر: «حتى يخرج الدجال». فهذه الأحاديث جاوزت أخبار الآحاد، وإلى الاستفاضة أقرب.
مسألة: فإن قال قائل: كيف يستقيم الإجماع ممن لايحيد به خبرا، ويتعذر اجتماعهم كما تعذر تصفحهم واحد واحدا؛ لأنهم قد افترقت أوطانهم ونأت/ بلدانهم ولا يتسع العمر (1/188)
صفحة 189
لملاقاتهم، ويتعذر معرفة اعتقادهم، ويبطل الاجماع عند الساكتين منهم. وإن أظهر خلاف ما يعتقد فما خير قول لا يوافقه عقد، وربما تبدو لهم البدوات وتحول عن معتقداتهم النيات فينتقلون عنها إلى غيرها. وربما ينطبقون على قوله فيرجعون عنها فينطبقون على غيرها.
الجواب: إن العلماء المعتد بأقوالهم ويحفل باجتماعهم في أمصارهم كالنجوم في أماكنها ولن تخفى على أهل كل مصر ما يقول عالمهم. وليس من العادة أن تنطبق العامة على كتمان شيء لا يعبأ به، فيكف بأقاويل العلماء السادة، والأخيار القادة في الدين مع شدة الحاجة إلى امتثال شرائع الدين وتوفر الدواعي والهمم إلى الدعاء إلى ذلك والانتصار له والامتثال. وإذا ورد على أهل كل/ مصر ما يقول عالمهم سارت به الركبان سير الشمس في جميع الآنس ولا مخالف، أثبتنا الاجماع وأبطلنا الاختلاف وأطلقنا القول بهما. وأما قوله: أن يظهر خلاف ما عتقد ويعتقد خلاف ما يظهر. قلنا: إن الله تعالى جعلى الحجة والعصمة والصواب في اطباقهم على شيء، ولا يَعْلَمُ بالقول والسكوت إلا هو. فإذا ظهرت هذه المعاني حصل الإجماع المشروط فيه أنه عصمة، ولسنا نظن بأهل العلم إلا خيرا. وإذا كان الإجماع ينعقد مع سكوت المتعقد فكذلك ينعقد مع حصول قوله موافقا لأهل الإجماع ولو خالف اعتقاده. ولو خالف الإجماع والاعتقاد موافق للعامة لكان اختلافا. وإنما نراعي ما ظهر وليس علينا مما بطن شيء. وأما رجوع من رجع منهم. فإن الإجماع غذا انعقد لا يضره رجوع من رجع كما لا/ تقدح مقالة الآخر بعد الانقعاد. وأما إذا لم يكن انعقاد فللراجع الرجوع ويعتد برجوعه. وقد استحال رجوع الكل بعد الانعقاد إلى قول ثان؛ فإن الإجماع الأول حق عند الله فلا يكون الأول وضده حقين به عند الله. وأما إذا خالفهم واحد فإن رجع إليهم كان اجماعا. وغير مستحيل رجوع الكل إلى واحد كالذي جرى لأبي بكر الصديق رضي الله عنه.
في قتال أهل الردة، وذلك أنه شاورهم فقالوا: كيف نقاتل من قال رسول الله عليه السلام: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها» ... الحديث (1). (1/189)
صفحة 190
وفي رواية ابن عمر: حتى يشهدوا. وأطبق أصحاب رسول الله عليه السلام على مقالة عمر. فصعد أبو بكر رضي الله عنه المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: والذي نفسي بيده لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة ولو كنت أعلم أن السباع آكلتي/ في هذا الموضع ما تركت فتالهم ولو منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله. ورجع أصحاب رسول الله عليه السلام إلى قوله فأطبقوا معه على قتال أهل الردة فكان إجماعا. وأين مثل أبي بكر؟ ولكنه كما قال الشاعر:
وليس لله بمستنكر ... أن يجمع العالَمَ في وَاحِدِ.
وأما قوله من يقول إن فعلة أبي بكر رضي الله عنه من متروك السنن فليس ذلك كذلك. ولنا سنة المرتد إذا كان مستبدا برأيه فارتد على الإسلام فسنته سنة المرتد على راي عمر أن يحبس ثلاثا ويعرض عليه الإسلام كل يوم فإن أبى قُتل. وأما قولهم: متظافرون مستبدون برأيهم حديثوا عهد بالكفر صاروا أمة فرجعوا على أعقابهم، فحكم هؤلاء حكم أهل الأوثان في القتل والسبي والغنيمة، وعلى هذا اختلاف الناس في برغواطة (2) / فبعضهم أجراهم على حكم المرتد وامتنعوا من شراء سباهياهم وغينمة أموالهم. وبعضهم سار فيهم سيرة أبي بكر رضي الله عنه في أهل الردة فقتلوا وسبوا وغنموا. ولذلك كانوا يشترطون في عقود النكاحات خادمين، بيضاء وسوداء، فالبيضاء هي البرغواطية، والسوداء العجمية.
والأصل أن الرجوع بعد الانعقاد حرام، وقبل الانعقاد مباح، وهو الاختلاف. وسيأتي صفة الانعقاد إن شاء الله.
مسألة: اختلف الناس في الأمة، فقال بعضهم: جميع أُرسل إليه رسول الله عليه السلام فهم أمته، من مؤمن وكافر من الجن والإنسان وكتابي ومجوسي ووثني ويأجوج ومأجوج. ودليله قول خاطب بن أبي بلتعة وقد أرسله رسول الله عليه السلام إلى المقوقس ملك الاسكندرية فخاطبه فكان مما/ خاطبه أن قال: ولعمري ما بشارة موسى لعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد عليه السلام. وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الانجيل، وكل نبي أدرك قوما فهم من أمته فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن (1/190)
صفحة 191
أدرك هذا النبي عليه السلام. ودليله أيضا قول رسول الله وسلم، وذلك أنه كان في سفر فنزل عليه جبريل عليه السلام بقول الله تعالى: {يا أيها ........... شديد} (1). فقال عليه السلام: «أتدرون أي يوم هذا قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: يوم يقول الله عز وجل لآدم: قم ابعث بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسع وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. هناك يشيب الصغير ويهرم الكببير/ وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين نحن يومئذ يا رسول الله. فقال عليه السلام: ابشروا فإن معكم خليفتين قل ما كانتا في شيء إلا أكثرتاه، يأجوج ومأجوج. تسع وتسعون وتسعمائة في النار وواحد منكم إلى الجنة» (2).
والدليل أيضا على ما انقعد عليه من الإجماع أن الساعة لا تقوم على مؤمن. وأن آخر هذه الأمة ممن تقوم عليه الساعة وهم كفار. وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس على ذي الخلصة» وثن كان في الجاهلية (1). فأثبتهن على شركهن أنهن من أمته وقال بعضهم: إن أمته جميع من آمن به وصدقه ودخل في جملة ذلك الأفراق والمذاهب من المرجئة/ والقدرية والشيعة والخوارج والإباضية والمجسمة والمشبهة. فهذه القولة أشهر وأظهر من أن تحتاج إلى دليل وهو الغالب على القلوب وتميل إليه النفوس. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة» (2) وقال بعضهم: إن الأمة هم الصالحون ممن آمن به وصدقه وفيهم جاءت الأخبار والآثار والفضائل. قال الله عز وجل: {كنتم خير ......... المنكر} (3) وقوله: {ملة أبيكم ........ من قبل} (4) ومن الأخبار: رواية أبي هريرة عن رسول الله عليه السلام حيث قال: «وردت أني رأيت أخواني. قالوا: ألسنا بإخوانك يا رسول الله؟ قال: أنتم أصحابي. إخواني قوم يأتون من بعدي، وانا فرطهم على الحوض قالوا وكيف تعرف من ياتي بعدك من امتك قال انهم ياتون (1/191)
صفحة 192
غرا محجلين من اثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، وليذاذان رجال عن حوضي كما يذاذ البغير الضال». الحديث (5).
وقول رسول الله عليه السلام: «أي الخلق أعجب إيمانا؟ قالوا: الملائكة. قال: الملائكة عند ربهم فما لهم لا يؤمنون. قالوا: الأنبياء. قال: الأنبياء تأتيهم الملائكة من عند ربهم فما لهم لا يؤمنون. قالوا: نحن أصحابك. قال: أنتم أصحابي، تروني وتسمعون مني فما لكم لا تؤمنون. قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: أعجب الخلق إيمانا قوم يأتون من بعدي يرون سوادا في قرطاس فيؤمنون به» (1). وقال أيضا: «خير أمتي يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمّق في الفتنة» (2). وقوله: «أمتي كالغيث لا يدري أوله خير أم آخره» (3). (1/192)
صفحة 193
[صفحة بيضاء] (1/193)
صفحة 194
صفحة
فهرس
مقدمة
وصية جامعة لأهل الادب والنهى والطلب. باب أقسام العلوم ...
باب ترتيب العلوم ..
باب علوم الكسب.
باب القول فى الروح والعقل ..
باب أحكام خطاب الوارد من الله سبحانه.
باب في الافعال.
باب المجمل. باب المفصل.
باب بيان القرآن.
باب الأمر والنهي ..
باب أختلاف الناس في أمر الله ونهيه وكلامه وخطابه ..
باب التبليغ ..
باب هل كان رسول الله الله متعبدا عارفا بالله عز وجل ... باب الأمر المجرد العارى من القرائن هل يقتضى التكرار أم لا. باب هل يدخل رسول الله له مع أمته في الأمر الوارد في القرآن أم لا.
باب أحكام النهي ..
باب أختلاط الحرام بالحلال. باب في أحكام الحرام المجهول العين. باب مناهى النبي الله.
باب الظاهر والباطن والمحكم والمتشابه.
باب القول في الظاهر ..
باب مذهب المشبهه فى ظواهر القرآن. باب التخصيص بالاجماع للقرآن والسنة .. (1/194)
صفحة 195
صفحة
باب الاستدلال بحروف الحصر.
باب الكلام على الاخبار والاستخبار وما يتعلق بهما.
باب الكلام على الاخبار الصادقة. والكاذبة ..
باب في القرآن.
باب الكلام على طرف الاخبار
باب النقل.
باب اختلاف الناس فى التعديل والتجريح.
باب کتاب الناسخ والمنسوخ
باب آخر.
باب جواز نسخ القرآن والسنة بأخبار الاحاد.
باب ما يعرف به الناسخ والمنسوخ.
باب في الاجتماع والائتلاف والاجتهاد والرأى والاختلاف
باب الاجماع .. (1/195)
صفحة 196
رقم الإيداع 3205/ 84
طباعة دار نوبار للطباعة (1/196)
صفحة 197
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
تأليف العالم العلامة
الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
الجزء الثاني
1404 هـ - 1984 م (2/1)
صفحة 198
سلطنة عمان
وزارة التراث القومي والثقافة
العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
الجزء الثاني
تأليف
العالم العلامة
الإمام أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم الورجلاني
1404 هـ - 1984 م (2/2)
صفحة 199
وجوه الإجماع
والإجماع إجماعان، إجماع تستوي فيه الخاصة/ والعامة، وإجماع تنفرد به الخاصة وهم العلماء.
أما الإجماع الذي تستوي فيه الخاصة والعامة كالمتواتر من السنن، والصلوات وأعدادها وأوقاتها ووظائفها، والشهور والجُمع والأيام وأساميها والمواسم والأعياد والقِبلة وأمثالها. وأما الذي تنفرد به الخاصة وهو العلماء والفقهاء فهي الأصول التي يبنى عليها الدين. والعامة تحطب في حبل الخاصة. وليس للعامة مخالفة العلماء في شيء منها. والمعتد في الإجماع والاختلاف إجماع العلماء واختلافهم. فإن شذت فرقة وخالفت الأمة، فإن ظهر الفساد في قولها والعناد في فعلها عوفوا من اجتماع الأمة وافتراقها، وكان اجماع المجتمع حقا عند الله وصار الشاذ شاذا.
كالذي يروى عن السكاكية أنهم أنكروا السنة والرأي، وليس هناك قالوا: إلا كتاب الله تعالى. وقد قال/ الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} ولا حاجة بنا إلى ما لم يذكر في الكتاب. وينبغي أن يحاشي بهم كتابنا، غير أن الله تعالى لم يحاش من كتابه الكلب والخنزير والكافر.
فصل
زعم أهل الظاهر أنه لا يعتد إلا بإجماع الصحابة، وقد انعقد الإجماع في زمانهم. وليس لمن بعدهم أن يجتمعوا ولا أن يختلفوا. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع اصحاب الفروع. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع الأئمة وولاة الأمور. وقال بعضهم: بل الإجماع إجماع أهل المدينة. وقال بعضهم: حتى تجتمع جميع الأمة. فليت شعري أبأبدانهم أو بآرائهم؟ والذي يعتد به من أصناف العلماء في اجتهاد الرأي وفي الإجماع العلماء أولهم العارفون بكتاب الله عز وجل، وبفنون التفسير، وبالسنن وفنونها، وبالأصول، وهو الكلام وفنونه، وبالفقه وفنونه، وأعني في هذا كله المشهور المأثور/ لا الشاذ المغمور. وكل فن من هؤلاء ممن لا يحسن إلا فنه فلا يعتد بإجماع
هؤلاء ولا اختلافهم، لأنهم في نمط العامة ولا سيما أنهم رواة. فأما أصحاب أصول الفه فلهم حظ في الاجتماع والاختلاف ما لم يكونوا جفاة عن الدين.
وإن أطبقت الأمة عن الشيء فهو إجماع سواء كان قولهم بتقييد أو بتقليد والجافي هو الذي ذهب به فنه ومذهبه عن سنن القصد. (2/3)
صفحة 200
وقد أبهم الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف صفة المجتهد وقال كما قدمنا: أن يكون عارفا بكتاب الله ومعانيه، وبسنة رسول الله عليه السلام وبمعانيها، وآثار الصالحين من قبله. فهذا كلام مجمل، والتفصيل كما قلنا ونقول:
تفصيل صفة المجتهد
اعلم أن الذي يجوز له الرأي والاجتهاد في النوازل من كان عارفا بوضغ الأدلة مواضعها/ من جهة العقل والشرع والتوقيف فيها. ويكون عالما بأصول الديانات وأصول الفقه، وعالما بأحكام الخطاب في فنون الشريعة من العموم والخصوص، والأوامر والنواهي والمفسر والمجهول والمنصوص والنسخ، ويعلم من النحو واللغة وما يفهم به معاني الكلام، كلام العرب، فإنه يحتاجهما للقرآن والسنة، والآثار عن تصحيح طرقها وعوفينا في القرآن من ذلك لأن الله تعالى تولى حفظه. وأجمعت الأمة على متنه. فإن حُرِمَ المجتهد شيئا من هذه الشروط كان راوية لا عارفا، ومتفقها لا فقيها. ويكون صحيح الأمانة مأمون الخيانة سليم الديانه.
فصل
وصورة الإجماع إذا نزلت نازلة وليس لهم بها عهد في كتاب الله تعالى ولا في سنة رسوله. فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن يجتهدوا فإن اجتهدوا وأطبقوا/ كان قولهم إجماعا. فإن تكلم بعضهم وسكت الآخرون رضى منهم بما كان، كان إجماعا. وكذلك إن أقروا فاعل ذلك من غير نكير صار إجماعا. وإن "كان" فيهم من رآى رأيهم فسكت كان إجماعا، وليس ما فعل إلا أن اجتزأ بغيره. وإن رأى غير رأيهم كان آثما وكان إجماعا. وإن رآى أتحدهم مثل رأيهم وأخبر بخلاف اعتقاده كان آثما وصار اختلافا وسعة. وإنما هذه الدنيا بالظواهر وفي الآخرة تُبلى السرائر. وأما من سكت مجتهدا في طلب الأدلة فإنه يُراعى ما لم ينقض العصر أو يُصرِّح. وإن سكت وادّعى ان سكوته لعلّة قبلت عليه إن كانت العلة صحيحة المعنى. وأما فيما يتعلق بالدين فلا يسعه السكوت إن ظهر له علم وعنده فيه خبر، كما قال عليه السلام: «إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن يظهر علمه، فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» / وأما إن كان شيء غير أكيد (2/4)
صفحة 201
فربما يبسط له العذر كالذي جرى لابن عباس مع عمر بن الخطاب فقال: أدركوني معاشر المسلمين. والله ما جعل الله في المال نصفا وثلثا ولا جعل فيه إلا نصفا ونصفا فأين مقام الثلث؟ وذلك أنه سئل عن امرأة ماتت وخلفت زوجا وأختا وأما فأراد أن يفرض فقال: لزوجه النصف ولأخته النصف، فرغ له المال، وتذكر
الأم لها الثلث فاستشهد أصحاب رسول الله عليه السلام. فقال له العباس: انزلوها منزلة أصحاب الربا إذا وضعوا. وكان ابن عباس في القوم صغيرا ساكتا فقال له عبيدة السلماني: انعقد الإجماع ولو هلكت اليوم ما قسم مالك إلا على رأي الجماعة.
وأما فيما يتعلق بالدين/ فلا يسع عالما إن سكت، ولسنا نظن بأحد من حملة العلم وحجة الله في الأرض أن ينهنههم الخوف عن تبليغ الدين إلى عباد الله، أو عرض يسير.
فصل
واختلف الناس في المدة التي ينعقد فيها الأجماع. قال بعضهم: إذا اجتمع أهل العصر على الحادثة فرأوا رأيهم أطبق قولهم إلى قولة واحدة فإنه يجوز لمن كان معهم في عصرهم خلافهم لمن أتى في عصرهم ما لم ينقض العصر، ولا يراعى من غاب أو حضر إذا لم يكن أهلا للاجتهاد، وليس بصحيح. وقال بعضهم: إنما ينظر في ذلك إلى الصحابة أيام الصحابة فإن انعقد رأيهم كان إجماعا، ولا يراعى من التابعين أحد وليس بصحيح. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رب مبلغ أوعى من سامع». وقال بعضهم: إنما الاجتهاد في أكابر أصحاب رسول الله/ عليه السلام وليس لغيرهم مخالفة من أصاغر الصحابة. وليس بصحيح. بل للجميع أن يجتهدوا، وعليهم أيضاح وإظهار ما أبصروا.
وقال بعضهم: إنما يراعى العصر، فإذا انقضى فلا رأي لأحد بعدهم. واختلفوا فيمن لم يبلغ درجة الاجتهاد. فراعاه بعض ولم يراعه بعض والصحيح أنه يراعى.
وقد روى عن جابر بن زيد ومسروق في مسألة التحريم، من قال: امرأته عليه حرام. فرأى علي أنه ثلاث. وعن عمر بن الخطاب (2/5)
صفحة 202
أنه رجعي. ورأى بعض الصحابة أنه واحدة بائنة. وأطبق الصحابة على هذه الأقوال الثلاثة. ثم بعد ذلك رأى مسروق وجابر وبعض التابعين أنه كفارة يمين وعليه العمل اليوم عند أكثر الأمة إلا إحياء الفتوى الأقاويل الثلاثة. وإن جابر بن زيد ولد لسنتين بقيتا من عهد عمر بن الخطاب. والحسن البصري كذلك. وقال/ بعضهم: إنما يراعى قدر المسافة التي فيها المسلمون سائرا وراجعا. في حين كانت بيضة المسلمين في جزيرة العرب روعي فيها موسمان، فما بعد الموسمين أطباق. ولما انتشرت المة وبلغت خرسان وجرجان وسجستان وافريقية روعي فيها العشر سنين. ولما جاوزت الأمة ذلك إلى ما وراء خراسان من سمرقند وبخارى وترمذ وبيكند وجبال طبرستان، وإلى أطراف الهند وجزيرة الأندلس، وأداني بلاد الهند وبحور الزنج. وجاوزت الجنوب إلى بلاد السودان والدروب إلى بلنجر، راعوا العشرين سنة، والعشرين هو القرن، وقيل عشرة هو القرن كما روي عن رسول الله عليه السلام قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم يفشو الكذب ويظهر السمن، ويشهد أحدهم قبل أن يستشهد، وتسبق يمين أحدهم شهادته». فبعض/ ذهب إلى عصر رسول الله عليه السلام، وهو القرن من حين خادر إلى أن توفي. والقرن الثاني: عصر الصحابة. والثالث عصر التابعين. غير أن أصحاب الأعداد ذكروا في العصر والقرن عشرين سنة. وبعضهم تسع عشرة سنة وبعضهم أربعون سنة، وبعضهم ستون سنة، وهو عمر الرسول عليه السلام. وقيل ثمانون سنة، وقيل مائة. وقال بعضهم: لا ينعقد الإجماع ما دامت موجودة.
والذين قالوا بالعشر سنين استدلوا بأيام الهجرة، عشر سنين. والذين قالوا بالتسع عشرة سنة بين العشرين والثمانية عشرة. أما الثمانية عشرة فإن ابن مسعود بقول: استعتب البارئ أهل الثمانية عشرة. وأهل العشرين هو الأشد. وأهل التسعة عشرة قصدوا عقدا يطابق الخَزَنَة وأصحاب الأربعين راعوا/ قول الله تعالى: {وبلغ أربعين سنة} فأما أصحاب الستين كأنهم استظهروا بجميع عمر الرسول عليه السلام. وأصحاب الثمانين راعوا فيه الحقب ثمانون عاما {لابثين فيها أحقابا}. وأصحاب المائة هي مائة الحمار. ولو قال قائل بالخمسين لكان أمثل؛ لأنه نصف العمر ونصف المائة وفيها تتلاحق الناس، الشباب شاب والشيخ شيخ ويشتركان في الكهولة. ولنا بحمد الله في كل خمسين شيوخ علماء قادة وسادة، ولو حملوا أمور الناس لحملوها بآرائهم وعقولهم وحلمهم وعلمهم (2/6)
صفحة 203
وبصائرهم لا سيما بأرض المغرب خصوصا. فإن رسول الله عليه السلام قال: «لن تزال طائفة من أمتي بأرض المغرب على الحق ظاهرين لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله». وتدبرت جميع أفراق المغرب فوجدتها لها دول وولاة أياما مخصوصة غير الإباضية؛ فإنها لم تتغير ولم تتبدل مع كل فرقة/ وليت المغرب وهم آمنون قارُّون في بلادهم لا يضرهممن ناوأهم. أولهم المالكية، وإنما حدثت في المغرب وكانت لها سلطنة سنة تسع وأربعين وأربعمائة. وقبل ذلك الواصلية درجة لا تذكر.
والشيعة قبلهم عبيدالله بنأحمد بن محمد بن عبدالله القداح وُلُوا في المائة الرابعة فلم يستتموها إلى رأس ستين منها رحلوا إلى مصر. ومنهم بنو أمية ولوا سنة ثمان وثلاثين ومائة
بالاندلس قانقرضوا سنة أربع مائة من الهجرة. ومنها الورفجوميون، ومنها البرغواطة مدة يسيرة. ومنها بنو الأغلب ولوا على رأس ثمانين ومائة وخرجوا من الغرب أعقاب ثلاث مائة، أولهم إبراهيم بن الأغلب وآخرهم زيادة الله بن إبراهيم بن أحمد، فما من أحد منهم استكمل الخمسينات الاحدى، عشرة من الهجرة إلى الآن إلا نحن، ونحن بحمد الله في عافية مع كل دولة منهم صنع الله ولطفه الذي أتقن كل شيء.
وقال بعضهم: لا إجماع. وأما الحديث: «أمتي على خمسة أطباق». فالطبقة على ما تقضيه الحال مائة سنة. والذي قال لا إجماع وصاحبه الذي قال لا يقع الإجماع ما دامت الأمة موجودة إنما سعى هؤلاء في نقض عزى الإتفاق وقواعد الإجماع. والصحيح أنالإجماع ينعقد إذا بلغت النازلة أهل الحل والعقد فاتفقوا وأطبقوا. ففي أول الأمر حيث لم يكن يعدل الصحابة وقد ضمت جزيرة العرب أقاصيهم وأدانيهم وينقعد الأمر في أقصر مدة كما قدمت. فلما انبسطت الأمة وبلغت أقاصي المعمور فلا ينعقد الإجماع إلا في مسافة طويلة. ولقد انعقد الإجماع على عهد أبي بكر في يوم واحد حين شاورهم في قتال أهل الردة فأطبقوا على ترك قتالهم / فخالفهم أبو بكر ثم رجعوا إلى رأيه فصاروا إجماعا. والذي يحرم على العالم تضييع الاجتهاد والسكوت بعد التبصرة والاقرار بعد القلع، حيث عبادة بن الصامت عن رسول الله عليه السلام: «بايعنا رسول الله عليه السلام على أن نقول الحق ونعمل به ولا تأخذنا في الله لومة لائم، في العسر واليسر والمنشط والمكره».
وأما إن وقع السكوت حياء واستحسانا ثم ظهر له خلاف ما رأى فعلَّةٌ مقبولة كما قدمنا. كالذي جرى لعلي بن أبي طالب في أمهات الأولاد قال:
كان رأي (2/7)
صفحة 204
عمر ورأي ألا يُبَعْنَ ثم إني رأيت ببعهن. فقال له عبيدة السلمانيب رأيك ورأي عمر أنتما جميعا أحب إليها من رأيك وحدك. والذي لابن عباس في مجلس عمر. وذلك أن عمر "سئل" عن فريضة امرأة ماتت ولها زوج وأم وأخت. ففرض للزوج النصف وللأخت النصف/ فبقيت الأم بلا شيء. فقام مبادرا إلى المسجد وأمسك ثوبه بضبعيه فقال: أدركوني يا معاشر المسلمين. والله ما فعل الله الله في المال إلا نصفا ونصفا فأين مقام الثلث. ففطن لها العباس فقال: يا أمير المؤمنين، اجعلها مسألة أهل الربا إذا وضعوا. وكان العباس ممن يتّجر بالربا في الجاهلية فيربحون ويوضعون. فأنقذها عمر على هذا الحكم. وابن عباس حضر يسمع ويرى. ورأى من رأيه ان يقدموا من قدمه الله ويؤخروا من أخره الله. فانطبق الإجماع ولم يقل شيئا.
وسئل ابنعباس عن ذلك عن تفسير قوله: من قدمه الله. يريد: من لا يتغير سهمه. ومن أخره الله، يريد: من يتغير سهمه. فالذين لا تتغير سهامهم كالأم لها الثلث أو السدس، والزوج لهالنصف أو الربع، والزوجة لها الربع أو الثمن. وأما/ من أخره الله فكالبنات والأخوات والكلالات. مثال ذلك: امرأة تركت زوجا وأخوات فللزوج النصف وللأخوات النصف. وإنما لهن الثلثان لكنهن إن كثرن تمانعن وإن قللن استكثرن. وإن كانت معهن أم فللزوج النصف وللأم السدس وبقي سهمان من ستة فللأخوات على أنهن مسميات لأجل أنهن إن كثرن حصل لهن القليل من المال لكل واحدة منهن. وإن كان واحدة فلها النصف وافرا إلا إن جمعتها الأم فيأخذ الزوج النصف وللأم الثلث وللأخت ما بقي وهو السدس. فلما كبر ابن عباس أظهر قولته هذه فقال له عبيدة السلماني: والله لو هلكت اليوم لما قسم مالك يا ابن عم رسول الله إلا على رأي الجميع.
وكذلك الأمة قد أطبقت على أن التفاضل في الطعوم والنقود يدا بيد ربا. وخالفهم ابن/ عباس متأولا قول رسول الله عليه السلام: «إنما الربا في النسئية». ولا يقع عنده في الأعيان. وإذا أطبقت الأمة على رأي وظهر عن رسول الله عليه السلام غيره، فاتفق الجميع أن الرواية تراعى ويكون قولة من أقاويل العلماء. فإن رجعوا عن أقاويلهم إلى رواية صارت إجماعا. وإن ثبتوا على رأيهم صارت الرواية قولة من أقاويل المجتهدين. ولو أطبقوا ولم ينكروا فهناك تصير الرواية وإجماعهم قولتين أو (2/8)
صفحة 205
ثلاثة أو أربعة على قدر اختلافهم كالذي جرى لعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين شاور عمر بن الخطاب رضي الله عنه المهاجرين من الأولين في شأن اقتحامهم الشام على وباء فيه فاختلفوا عليه. ثم قال: ارتفعوا. وشاوروا الأنصار واختلفوا كاختلافهم. ودعا بمشيخة قريش فاتفقوا على الرجوع إلى المدينة./ فجاء عبدالرحمن بن عوف وكان غائبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما. سمعت رسول الله عليه السلام يقول: «إذا سمعتم به في أرض فلا تقدموا عليه وإن وقع بأرض وأنتم فيها فلا تخرجوا عنه فرارا». فحمد الله عمر وأثنى عليه وقال: أيها الناس، إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه. فقال له أبو عبيدة بن الجراح: أفرارا من قدر الله يا عمر؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة. نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله. الحديث.
قال بعضهم: إنما يصير قولة ويسع العمل به إذا صدر من أداني الصحابة. وأما إذا صدر من أفاضلهم فإنه يكون سنة متبعة ويطرح ما سوى ذلك. كالذي صدر من أبي بكر رضي الله عنه في المواريث. وكذلك عمر حين أنشد الله رجلا سمع من رسول الله عليه السلام في المجوس شيئا. فقال عبدالرحمن بن عوف: سمعت رسول الله عليه السلام يقول/: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». وقول عمر أيضا حين قال: أنشد الله رجلا سمع من رسول الله عليه السلام
في الجنين شيئا. فقال حمل بن مالك بن النابغة: كنت بين جاريتين فرمت إحداهما الأخرى بمشقص وألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله عليه السلام بغُرّة عبد أو أمة. وكذك قول ابن مسعود في مسألة بروع ابنة واشق وقد توفي عنها زوجها ولم يفرض لها فقال ابن مسعود: أقول فيها برأي فإن كان صوابا فمن الله ثم مِنّى وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان. فأوجب لها صداق المثل. فبلغه أن رسول الله عليه السلام كذلك حكم لبروع بنت واشق.
والأصل في سنة ظهرت بعد رسول الله عليه السلام أنها تعد قولة من أقاويل المسلمين.
واختلفوا في الإجماع هل يثبت بخبر الآحاد/ فأجازه بعض ومنع منه آخرون والصحيح أن الإجماع يثبت بخبر الآحاد. وقال بعضهم: السنن مضبوطة والإجماع غير مضبوط فلا يثبت الإجماع بخبر الآحاد إلا ما خص الله تعالى به القرآن الحكيم حيث جمع فيه القلوب واستغنى عن الآحاد. (2/9)
صفحة 206
مسألة: والإجماع إنما ينعقد إذا نزلت حادثة ليس لهم بها عهد من كتاب الله ولا من سنة رسوله فعلى العلماء المشروط عليهم الاجتهاد أن يجتهدوا. فإن اطبقوا صار إجماعا. وإن اختلفوا على قولتين فرجعوا بالعمل إلى أحداهما؟.
الجواب: لا يصير إجماعا. وقال بعضهم: يصير إجماعا. والأول يقول: القول الأول المتروك يصير مهجوران واختلاف قائم، ويسع من يأتي بعدهم من أهل/ الأعصار الرجوع إليه والأطباق عليه. ومنع من ذلك الآخرون.
ولا ينبغي لأحد أن يحظر سعة رحمة الله. وكذلك لو أطبق التابعون على قولة منهما بعد استعمال الصحابة لهما في المسألة على حالها. ودليل القوم حيث صار التابتون لو نزلت حادثة على عهدهم فلهم أن يطبقوا ولا يسع التخلف عندهم. وكذلك فيما كان قبلهم. وقال الآخرون: قد وقع الخلاف فلا نسخ في الاجتهاد.
مسألة: واختلفوا في التخريج بين مسألتين واحداث قول ثالث بينهما، فأجازه بعض وأبطله بعض. فممن أجازه ابن سيرين في مسألة الأبوين والزوجة آخذا بقول ابن عباس فأعطى لها الثلث من رأس المال. وفي الزوج والأبوين برأي الجميع لها ثلث ما بقي. فمن ذهب مذهب التخريج أعطى الأبوين الربع/ والزوج النصف. وأما في الجد والأم والزوج، فأعطى الجميع للأم الثلث وللجد السدس وللزوج النصف. وقال ابن سيرين بالقسمة بين الأم والجد، وهذا مذهب أبي العباس أحمد بن محمد بن بكر رضي الله عنه في رجل باع شيئا مشتركا فيه. وفيها قول إبطال البيع كله، وإجازته كله، وإبطال بيع سهم شريكه، وجواب رابع وهو التحريم أن يجوز بيع سهم شريكه ويبطل بيع سهمه. (2/10)
صفحة 207
مسألة: فإن قال قائل: فقد حكمتم أن الأمة إذا اجتمعت على مسألة فهي حق عند الله لأن الآمة لا تجتمع على ضلال. وهل تقولون في اختلافها أنه لا يخلو من الحق عند الله أحد القولين والثلاثة والأربعة فصاعدا ويصح أن يكون جميع أقوالهم خطأ عند الله تعالى. وقد عصمت من الإجماع/ على الخطأ. واختلف الناس في هذا، فأجازه بعض وأبطله بعض. فأما الذين أبطلوه قالوا: إن جاز اجتماعهم على مسألتين وهما خطأ عند الله تعالى وعريت مقالتهما من الحق عند الله فقد انجمعت على خطأ. والذين قالوا إنما عصمت الأمة على الخطأ واجتماعها على قولة فيصير ذلك دينا لهم. وإن اختلفت فلم تجتمع على خطأ بل كل واحد من الفريقين يرد خطأ صاحبه ولم تجتمع على خطأ. وإنما الشرط في اجتماعهم وهم ها هنا لم يجتمعوا فلا سبيل علينا. (2/11)
صفحة 208
باب
الاجتهاد والاختلاف
والاجتهاد هو استفراغ الوُسع في طلب علم الحادثة. ولا يكون الاجتهاد إلا لمن بلغ الأمر منه الجهد فهو اجتهاد. ولا يقال اجتهدت فحملت ذرة. ولا لمن عمل عملا يعجز فيه إذا كان دون وسعه فمجتهد. والاجتهاد كله في العقليات سائغ/ والحق فيه في واحد. وكل ما ليس من كتاب ولا سنة ولا إجماع فمختلف فيه.
قال بعضهم: الحق في جميعهم. وقال بعضهم: الحق في واحد وقد ضاق على الناس خلافه. وقال أهل الحق: إن الحق في واحد ولا يضيق على الناس خلافه.
واعلم أنه لا يسوغ الاجتهاد إلا في فروع الشريعة وأما أصولها فلا. والتفرقة بين الأصول والفروع: فالأصول كل ما جاء في كتاب الله نصا أو مستخرجا مجمعا عليه. أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقطوعا بها. أو اجتمعت عليه الأمة. والأصل أن المجموع ما يؤثم فيه بعضهم بعضا. والفروع بخلافها وهو ما طريقته غلبت الظن والاجتهاد. واعلم أن الاجتهاد وقع في أصول الديانات وتسامح فيها ناس من الناس، وأطلقوا القول والمعذرة لمن أخطأ وجه الحق إذا كان مجتهدا في طلب الحق. وكان قاصرا عن ذكر الحق/. وزعم بعض القدرية أن جميع ما أمر الله تعالى به ليس على العباد من معرفته شيء حتى يفرغوا من علمه. وزعم الجاحظ أن من لم يكن له طبع تام فليس عليه من معرفة الحق شيء ولو اعتقد غير الإسلام دينا إذا كان تقليدا، وليس بمأمور مع ذلك بطلب الحق ولا إصابته إذا لم يظهر في الأدلة. وإن استحق أن ينظر فنظر ووقع له العلم ضرورة لموجبها، أو قصر على النظر فليس عليه نظر. وليس ما قال شيئا إلا إذا كان يريد المعتوه من الناس فربما؛ لأن المعتوه (2/12)
صفحة 209
غير مكلف لقصور عقله من التكليف، ولأنه أيضا لم ينته إلى حد
المجانين المخلطين والمبرسمين، أو الصبيان الصغار الذين حط الله عنهم التكليف ويثيبهم على الطاعة في قول بعضهم فَنَعَمْ. وإن كان أراد من يصح منه النظر وبعقل فهذا خطأ منه وضلال. وشرع لمن أخطأ دينا غير دين/ الإسلام، وجعل الجهل له ذريعة إلى الآثام.
وقال عبيدالله بن الحسين العنبري ابن أخي أبي الحر: إن كل مجتهد مصيب في أصول الديانات وفي الفروع. وهو قول علي بن أبي طالب فيما شجر بينه وبين أهل الجمل وصفين والنهروان ويوم الدّار.
وقد روى أبو بكر بن الطيب الباقلاني عن عبيدالله بن الحسين المذكور، والصحيح عن بكر بن أخت عبدالواحد بن زيد أن طلحة والزبير منافقان مشركان لخروجهما عن علي بن أبي طالب ونكثهما الصفقة، وأنهما من أهل الجنة وعلىّ كذلك للحديث المروي عن رسول الله عليه السلام أن عشرة في الجنة منهم طلحة والزبير.
ومن الناس من يقول: إن معرفة الله تعالى غير مفروضة على العباد وإنما تدرك إلهاما وضرورة ولا تدخل معرفته تحت الوسع.
فصل
وإن اختلفت الأمة في مسألة أكفر بعضهم بعضا، واستدلت إحداهما بالاجماع على الأخرى فلا إجماع لأنها قد اختلفت، وإنما يطلب كل واحد منهما نصرته من غير الإجماع، وإنما ينفعهم ها هنا الإجماع في مسألة أخرى قياسا أو شبها.
والذين قالوا إن الأمة تجتمع على/ قولتين وهما خطأ عند الله فلا يقولون ذلك إلا فيما يسوغ فيه الاختلاف والإجماع وهو الفروع. وأما الدين فقل ما يختلفون في مسألة ويعرون من الحق من جميعها لا بد وأن يكون المحق عند الله فيها والمبطل بخلافها.
فصل
وهل ينعقد الإجماع من الصحابة على خلاف نصوص القرآن والسنة؟
الجواب: لا، إلا إن كانت النصوص منسوخة بنصوص أخرى أو بوجه من وجوه النسخ. وأما من جهة الإجماع ينسخ نصوص القرآن ونصوص السنة. واستدلوا بفعل عمر رضي الله عنه في القرابة وأمهات الأولاد والفيء والدواوين وفي التجريح والتعديل وما أشبه (2/13)
صفحة 210
ذلك.
وأما الخبر الشاذ إن ظهر عن رسول الله عليه السلام بعد الإجتهاد والإجماع فإن كان مما يثبت به قواعد الدين، نظر إلى/ الصحابة فإن تمادوا على رأيهم صار منسوخا وإن رجعوا إليه كان إجماعا كما قدمنا. وإن اختلفوا كان قولة. وقل ما ينعقد إجماع فيظهر للرسول بعده شيء يحله أو يخالفه وربما يقع الإجتهاد قبل وقوع الإجماع وظهور الخبر. وقد سئل عمر عن شيء فأخبر به فقال: لو لم يبلغنا عن رسول الله عليه السلام هذا لعملنا بغيره. وأما إذا صدر من الصحابي قول وانتشر عنه ولم يقع من الصحابة نكير بحيث يبلغهم فهذا هو الإجماع والسنة. وإن أظهروا السرور كان أوكد، وإن أظهروا النكير بطل الخبر وصلح النظر.
القول في فروع الشريعة والاجتهاد فيها
قال بعض أصحاب أبي حنيفة/ كل مجتهد في فروع الشريعة مصيب في فتواه وفي حكمه ومأجور عليه. واختلف عن مالك. وقال أهل الحق: إن الاجتهاد مأمور به ومأجور عليه ومأجور على إصابته الحق وفتواه والحكم به. وأما إذا أخطأ الحق عند الله فهو مأجور في اجتهاده ونشره، ومأجور في كل شيء غير استخراجه بدليل قول رسول الله عليه السلام: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجرانن وإذا اجتهد "فأخطأ" فله أجر واحد».
ألا ترى إلى أنه أوجب له الأجر في إصابته الحق وعلى اجتهاده، وأوجب
له الأجر إذا أخطأ في اجتهاده. وحط عنه المآثم في خطاياه. وروى عن الشافعي أيضا مثل هذا القول، وهو أصح الأقوال، وإن كان يروى عنه خلاف هذا القول، والأول أصح.
وقال نفاة القياس: الحق في كل ما اختلف فيه في واحد ومن أصاب الحق الذي نصب الله عليه الدليل فهو مصيب، ومن أخطأه كان مأثوما غير معذور، وهو قول ابن/ عبلة وبشر المريسي وابن الحسين.
وقال بعضهم: إن الحق في جميعهم ولا إثم إلا لمن كتم أو خالف معتقده. وذلك أن الله كلف أهل النظر في الحادثة أن ينظروا ويجتهدوا، فنظر كل واحد منهم فأصاب وجها يخالف فيه صاحبه فهو فرضه الذي افترض الله عليه، فلو كتم ذلك الوجه الذي رآه وأصابه لكان مأثوما ولو كان ذلك الوجه خطأ عند الله تعالى. فلما كان لا يكون إلا مأثوما بكتمانه وبترك الاجتهاد والنظر، أو بتبديل ما رأى بخلافه، صح أن ذلك الوجه الذي أصابه (2/14)
صفحة 211
هو الحق عند الله تعالى ولم يؤثمه الله تعىل بنشر ما رأى بل يؤجره عليه ولو كان ما كان فإذا يإجره عليه فهو الحق عنده ولو خالف إلى غيره ما رآه وصادف وأصاب وجه الحق عند الله أليس هو مأثوما، فكذلك إذا/ أنشر ما رأى كان موجرا عند الله. وهل يصح أن يكون مأثوما بترك شيء، ويكون غير مأجور بفعله، وأن يكون مأثوما بنشر شيء ولا يكون مأجور بتركه، ولن يأمره الله بفعل شيء ثم يفعله فيحرمه الثواب. بهذا الدليل استدل من قال إن الحق في جميعهم وأنه مأجور في إصابته الحق وفي إصابته الخطأ ومأثوما في خلاف ذلك. وأخرى، إن الله تعالى خيّر العباد في كفارات فما آتوه منها فهو الحق عند الله ولو كان متضادا؛ كالتأجيل والتعجيل والإطعام والصيام والمن والفداء. والمجتهدون كالمتخيرين، فكل ما رأوا وافتوا به مما أداهم إليه اجتهادهم فهو الحق عند الله تعالى. قال الله تعالى: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه
ومن تأخر فلا إثم عليه}. والتعجيل والتأجيل ضدان، وهما حق عند الله تعالى./ وقال في كفارة الأيمان: { .. فإطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم وكسوتهم أو تحرير رقبة}. فأوجب أن الكل حق عند الله تعالى. ومعاذ الله أن يكلف عباده ارتكاب الخطأ ويقرهم عليه ويجعله لهم شرعا متبعا، ولم يبق إلا أن جميع ما رآه المجتهدون هو الحق عند الله تعالى. قلنا وبالله التوفيق: إن الله تعالى بكرمه ورحمته قد وسّع على عباده في أمور وكَّلهم الحكم فيها وفوَّضه إليهم وأمرهم بالاجتهاد فيها وجعل فرضهم الاجتهاد ثم إظهار ما رأوه ثم العمل به فمن لم يجتهد أو اجتهد فلم يظه أو أظهر فلم يستعمل كان مقصرا. وأما وجه الحق فلا يكون شيئا وخلافه حقين عند الله تعالى. وقد جرى الاختلاف في أشياء عند الفقهاء فلم يؤثم بعضهم بعضا ولم يكفر بعضهم/ بعضا. وقد يقول كل واحد منهم لصاحبه: أخطأت في رأي الحق. فإذا كان حقا عند الله تعالى فما باله يخطّئه؟ ولا بد من أحدهما على مذهبكم يخطيء الحق، وقد سوغتم له ذلك. وعلى مذهبكم أنهم كلهم مصيبون الحق عند الله وسائغ لكل واحد تخطئة صاحبه، وإن كان يلزمنا ذلك. وقد جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدل على أنه يخطئ الصواب بعضهم ويصيبه بعض ولا يجاوز إليه أخطأت في رأي الحق، ولو لم يكن كذلك لما كان مجتهدا كقول علي بن أبي طالب حين شاوره عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرأة التي أرسل إليها (2/15)
صفحة 212
فأجهضت جنينها فشاور أصحاب رسول الله عليه السلام. فكلٌّ قال إنك معلم ومؤدب فليس عليك شيء. فقال علي: إن كانوا اجتهدوا فقد أخطأوا، وإن لم يجتهدوا فقد قصروا. وإنما عليك الدية، ففرضها عمر رضي الله عنه على عاقلته. وابن عباس/ رضي الله عنه فقد جاوز هذا الحد إلى المباهلة فقال: ومن شاء باهلته عند الحجر
الأسود ان الله لم يجعل في الإماء ظهارا فهذا أعظم من التخطئة. وقوله لزيد بن ثابت في أي كتاب الله عز وجل يجد زيد توريث الأم ثلث ما بقي؟ فقال له زيد: يقول ابن عباس برأيه وأقول برأيي. ثم قول رسول الله عليه السلام لأبي بكر الصديق رضي الله عنه: أصبت بعضا. في تفسيره الرؤيا، وذلك أن رجلا قال: يا رسول الله، رأيت في المنام ظلة تنطف سمنا وعسلا، فالناس بين مستكثر ومستقل، وتدلى منها سبب وأخذت به فعلوت فعلاك الله، ثم نزل فأخذ به رجلا فعلا فعلاه الله ثم نزل فأخذ به رجل آخره فعلا فعلاه الله ثم نزل فأخذ به رجل فارتفع قليلا فانقطع السبب فوقع الرجل ثم نزل السبب فعقد الرجل فعلا فعلاه/ الله. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه، يا رسول الله ائذن لي أعبرها. فقال: قل. فقال: أما القلة التي تنطف منها السمن والعسل فهو الذي جئتنا به، فالناس بين مستكثر مستقل. وأما السبب الذي أخذت به فالذي أنت عليه من الهدى والرجلان بعدك والثالث ينكب ثم يتلافى أمره فيصلح. فقال أبو بكر: أصبت يا رسول الله أم أخطأت؟ فقال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا. فقال: أخبرني:. فقال عليه السلام: لا. فقال أبو بكر: أنشدك الله يا رسول الله لتُخبرني. فقال عليه السلام: لا تنشدني. فهذا أيضا في موضوع النزاع، فكيف يجعله رسول الله عليه السلام مخطئا وسوغ لآخر أن يجعله حقا وصوابا.
وقول ابن مسعود رضي الله عنه: أقول فيها رأيي فإن يكن صوابا فمن الله ومني، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله عز وجل ورسوله بريئان. وقول عمر لأبي موسى أكتب. فكتب:/ هذا ما أرى الله عمر. فقال: امحه واكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان. وقال حين نهى عن المغالاة في الصداق: امرأة أصابت ورجل أخطأ.
وقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أقول في الكلالة برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، وقد استدل من قال بالحق في جميعهم (2/16)
صفحة 213
بقول الله تعالى: {وداوود وسليمان (إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان) وكلا آتينا حكما وعلما} فسماهما البارئ حكما وعلما فماذا بعد الحكم والعلم إلا الحق.
وقوله عليه السلام: «اقرؤوا القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف». واعلم أن الحق يسوغ عليها كلها وإنما الذي لا يسوغ فإن تكون صوابا كلها: إذا لا بد من الخطأ فيها عند الله بدليل قوله: {ففهمناها سليمان}.
وأما الذين يقولون إن الحق في واحد وقد ضاق على الناس خلافه، وهو الأصم وبشر وابن/ عبلة، ومذهبهم أنه لا يجوز الاجتهاد إلا في أمر قد نصب الله عليه الدلالة فمن اخطأها فقد الحق. وضيقوا على الناس. يقال لهم: هل تُقرون بالإجماع وتعتقدونه حجة، وأن إجماع هذه الأمة معصوم من الخطأ؟ ولا بد من ذلك لقول الله تعالى: {فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا ..... .......... مستقيم}. ولقول رسول الله عليه السلام: «لن تجتمع أمتي على ضلالة». فإن أقرُّوا قلنا: فقد اجتمعت الأمة على تسويغ القول بالاجتهاد وكيف يجتمعون على تسويغ "القول" لكل مجتهد وفي بعض الأقاويل الخطأ، وهي معصومة من الإجماع على الخطأ ولا يسوغون ولا يقرون على الخطأ البتة، ولا ينهون عنه.
__________
وقال الأصم: إن الحكم به ينتقض، وخالف الأمة، وأنى لهم بمعرفة الحق والصواب حتى ينتقض الحكم بغيره إلا أن يجعل الحق/ منوطا به فمن خالفه نقضت أحكامه. وإن جاز هذا فليت شعري من يخلفه من بعده وبعد البعد، وهذا شبيه بقول الشيعة في الإمام المعصوم.
وأما قطعهم عذر من خالف ذلك الحق، فليبدأوا بأنفسهم لأنهم خالفوا الأمة. وما يؤمنهم في جميع أقاويلهم إلا إن ادعوا علم الغيب. ومن شبههم استدلالهم بقول ابن عباس: من شاء باهلته عند الحجر الأسود. والمباهلة لا تقع إلا في أمر مقطوع فيه العذر. وقول الصحابة: فإن يكن صوابا فمن الله ثم مني وان يكون خطأ فمني ومن الشيطان، فيه نصيب. وقول عائشة رضي الله عنها لسرية زيد بن أرقم: أبلغيه بأن قد أبطل غزوه وجهاده مع رسول الله عليه السلام وأبطل حجه وصلاته وصيامه إن لم يتب، وذلك (2/17)
صفحة 214
أن زيدا ابتاع من سريته بثمان مائة درهم إلى خروج العطايا، فاشترتها من السرية نقدا بست مائة درهم. في أمثال هذه الروايات التي وقعت شواذ من أصحابها. وقد اختلف ابن عباس مع كثير من الصحابة، فما ظهرت منه المباهلة والتخطئة إلا في هذه المسألة، وعائشة كذلك. وقد خالف ابن عباس أباه العباس وخالف عمر بن الخطاب في مسألة العَوَل. وخالف في ربا النقود فلم يظهر منه شيئا وهو رأي ارتأه. ولغيرهما مخالفتهما وقد خولفوا في كثير من الفتيا ولم يقطعوا عذر أحد وربما شددوا في الفعال ولا يشددون في المقال، كمسألة عائشة مع زيد بن ثابت.
وأما الذين أنكروا القياس البتة وزعموا أن كل ذلك مما يحتاج إليه العباد فهو موجود في كتاب الله تعالى خفيا أو جليا، واستدلوا بقول الله تعالى: {ما فرطنا في الكتاب من شيء} فما شرعه/ كان شرعا، وما تركه
كان معفوا عنه. واستدلوا أيضا بقوله تعالى: {تبيانا لكل شيء}. وبقوله: {وأن احكم ... أليك} وقوله: {أولم يكفهم ..... عليهم}. وبقوله: {أن تقولوا على الله ما لا تعلمون} وبقوله: {ولا تقف ما ................ مسئولا} وبقوله: {إن الظن لا يغني من الحق شيئا} وبقوله: {إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين}. ذما لهم وتوبيخا لانفسهم. وبقوله: {إن بعض الظن إثم}. وبقوله: {ولا تقولوا لما تصف ........................ عذاب أليم} الآيات فجيمع ما تعلقوا فيه من هذه الآي فيه جواب واحد أن الله تعالى لم يفرط في الكتاب من شيء فما شره كان شرعا وما أجمله كان بيانه عند الرسول عليه السلام، ومن وراء ذلك فعند الذين يستنبطونه. والحكم بالقياس هو من الشرع وهو البيان الذي أراد الله تعالى والكتاب الذي يتلى عليهم قد ردّ الأمر فيه إلى أولي الأمر وإلى المستنبطين. والذين يصفون الكذب ويقولون هذا حلال وهذا حرام هم الذين منعوا القياس الذي أطلقه الله والاستنباط الذي أباحه. وهم الذين امتثلوا خلاف ما أمر الله تعالى به من القياس الصحيح. وسيأتي بيان التعبد بالقياس والأمر به إن شاء الله في بابه، وبيان استخراج النوازل به فإن ذلك شرع (2/18)
صفحة 215
"باب شبههم في الآثار"
وأما ما تعلقوا به من جهة الآثار، قالوا: قد روي عن رسول "الله" / عليه السلام أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا من صدور الرجال ولكنه يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا». وروى أبو هريرة عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «تعمل هذه الأمة برهة بكتاب الله عز وجل وبرهة بسنة رسول الله عليه السلام وبرهة بالرأي، فإذا فعلوا ذلك فقد ضلوا». وروي عنه عليه السلام قال: «تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أضرها على أمتي قوم يقيسون الأمور بآرائهم فيحللون الحرام ويحرمون الحلال». وهي رواية عوف بن مالك الشجعي عنه عليه السلام. وروي عنه أيضا أنه قال: «أذب الحديث الظن». وروى أثلة بن الأسقع عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «لم يزل أمر بني اسرائيل مستقيما حتى حدث شباب فأفتوا برأيهم فضلوا وأضلوا». وروي عنه عليه السلام أنه قال/: «لا تمسكو علي شيئا؛ فإني لا احل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله». وروى أبو الدرداء أنه قال: «الحلال ما أحل الله، والحرام ما حرم الله وما سكت عنه فهو عقو منه إن الله لم يكن نسيا»
وعن المطلب بن حنطب قال: قال رسول الله عليه السلام: «ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا شيئا مما نهاكم عنه إلا وقد نهيتكم عنه». وروي عنه أنه قال: «من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ».
واعلم أن هذه الآي والآثار التي استدلوا بها ليس فيها نص على تحريم القياس، ولا ورد من حديث الرسول عليه السلام ما يقطع به على تحريم القياس إلا إن زعموا أنهم يعلمون ذلك من جهة القياس!! فإن صح قياس كان ما قلنا. وإن لم يصح قياسهم صح ما قلنا في القياس لأن العقل غير مانعه وقد ورد في الشرع جوازه، وسيأتي في مواضعه إن شاء الله. وجميع الاحاديث التي رووها/ ليس فيها حديث صحيح إلا حديث عبدالله بن عمرو بن العاص. ولولا ما رواه الإمام أفلح بن عبدالوهاب رضي الله عنهما ما اهتبلنا به. وإن صح ليس ليس فيه ما يقابل أثارنا ولا استدلالنا، وسيأتي إن شاء الله. على أن الأحاديث إذا تعارضت وجب استعمالها من وجه يصح استعمالها كلها، وإن تقاومت طرحت ورجع الناس إلى أدلة غيرها. (2/19)
صفحة 216
باب
الأقسام والوجوه التي يجوز فيها
الرأي والاجتهاد ويسع فيها الاختلاف عند النوازل
قال الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه، وقد سئل عن الذي يجوز فيه الرأي للعلماء، فقال: ما لم يجدوه في الكتاب وفي السنة ولم يكن في آثار من قبلهم من العلماء. ثم قال: فإذا نزلت نازلة مما لم يكن في الكتاب ولا في السنة ولا في آثار المسلمين الذين كانوا قبل النوازل
فعلى العلماء أن يجتهدوا فيها. فقصر الاجتهاد/ والرأي إلى النوازل والحوادث لا غير. ثم ذكر العالم الذي يجوز له الرأي والاختلاف والاجتهاد واستخراج أحكام النوازل فقال: من كان حافظا لكتاب الله عز وجل ولجميع معانيه وكان حافظا لسنة رسول الله عليه السلام ولجميع معانيها، وكان حافظا لآثار من كان قبله من المسلمين. فقد صدق، هكذا ينبغي أن يكون العالم. غير أنه تتعذر هذه الصفات إلا في الشذوذ من الأمة إن كان يجوز أن يكون إلا إن أراد كثرتها فربما. وأما من يجمع جميع معاني الكتاب فشاذ. وقد قال علي بن أبي طالب: ما من شيء إلا وفي القرآن علمه ومعرفته غير أن آراء الرجال تعجز عنه، ولكن لا بد من معرفة ثلاثة أشياء وهي: السوابق ثم الأصول ثم اللواحق.
أما السوابق فاللغة والنحو؛ لأن الله تعالى خلق الحروف بسائط والكلم وسائط والمركّبات معاني. وتحت مركّب الكلم البيان، فمن لم ينته إلى حد البيان قصر عن بلوغ التبيان وعجز عن إقامة البرهان.
وأما / الأصول؛ فإن يعرف اصول الديانات وفنون الخطابات في الشريعة من العموم والخصوص والأوامر والنواهي والمجمل والمفسر والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه.
وأما اللواحق؛ فأن يكون عارفا بوضع الأدلة مواضعها عقلا وشرعا، وأن يوقع العلل مواقعها وقفا وسمعا، ويعرف وجوه القياسات متنا ووضعا. وهذه المعاني يحتاجها للقرآن والسنة والآثار.
وذكر أن النازلة إذا نزلت واجتهد العلماء فيها، فمن اصاب الحق عند الله تعالى فله أجر اجتهاده (2/20)
صفحة 217
ولا يتجاوز إليه أخطأت في رأي الحق. وإنما قصد الشيخ أبو الربيع رضي الله عنه إلى فن واحد من فنون النوازل فأوضح فيها طريقة الحق. وإن كانت وجوها كثيرة تحتمل الرأي والاختلاف والاجتهاد ليست من وجوه النوازل في شيء من الفروع والأصول، بل هي إلى/ الأصول أقرب. أولها: فنون التفسير وتفسير آيات القرآن. وذلك أن الله
تعالى أنزل القرآن بلسان عربي مبين على قوم عرب. وأن لغة العرب ليست كغيرها بل هي كثيرة الفنون والشجون فساغ لهم اتباع ما ظهر لهم من ظاهر الخطاب. وقصرهم رسول الله عليه السلام على ما فهموا منه مما يحتمله الكلام ولم يقصرهم على خطاب مخصوص، بل فوض إليهم ذلك. فكل ما ذهبوا إليه مما يحتمله الكلام على مذاهب العرب ومخاطباتها فهو تفسير للقرآن ما لم يصادموا قرآنا آخر وسنة قائمة بالرد فهم معذورون فيما لم يظهر من ذلك، وهو مذهب رسول الله عليه السلام مع أمّته؛ إذا نزل من القرآنت شيء صعد المنبر فتلا عليهم ما نزل فلهجت به العامة ثم نزل فدخل بيته فانفرد به الفقهاء من أصحابه فيشرع لهم الفقه في تلك الآي. فإذ لم ينفرد إلا بخاصة كأبي بكر/ وعمر وسلمان الفارسي وعلى أشباههم، ورجالات من الأنصار كمعاذ وأبي وزيد بن ثابت وأشباههم كشف لهم عن أسرار القرآن ما لا تحتمله عقول العامة. وربما تقع منه سؤالات فيسألهم عن أشياء فربما اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض فيصوب المصيب ولا يعنف المخطيء كالذي جرى له مع بعض أصحابه حين سألهم أي آية في القرآن أفضل، فقال بعضهم: يس. وقال بعضهم: سورة الإخلاص. وسكت أبي بن كعب وقال له رسول الله عليه السلام: ما تقول يا أبي فقال: الله ورسوله أعلم. فقال: إنما أسألك عن علمك لا عن علم الله ولا (2/21)
صفحة 218
عن علم رسوله. فقال أبي: هي آية الكرسي. فجمع رسول الله عليه السلام أصابعه الخمسة فلزم بها صدره فقال له: ليهنك العلم يا أبا المنذر. ولم يكن سألهم عما أخبرهم قبل هذا، ولكنه إنما سألهم عن مبلغ علمهم/ كما قال لأبي بن كعب: إنما اسألك عن علمك لا عن علم الله ولا عن علم رسوله. وكان يعجبه عليه السلام من يتأول القرآن من أصحابه كالذي وقع لعمرو بن العاص في قصة التيمم؛ وذلك أنه خرج في سرية كان عليها واليا فأجنب وأراد أن يتيمم فعذله أصحابه فأبى فتيمم وصلى بهم وقال: من أردا منكم أني يصلي فليصل.
فصلى معه بعض أصحابه. فلما قدموا
على رسول الله عليه السلام أخبروه. فقال عليه السلام: من أين علمت هذا يا عمرو؟ فقال: من كتاب الله عز وجل. إني وجدت الله يقول: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}، ووجدت الماء باردا يا رسول الله فتيممت وصليت. فتبسم رسول الله عليه السلام. وما كان ليظهر السرور والتبسم مع ظهور المنكر. وروى عبدالله بن عمر أن رسول الله عليه السلام سأل أصحابه وقد قدم بين يديه جمّار يأكل منه هو وأصحابه. فسألهم عن شجرة طيبة تحمل طيبا/ أصلها ثابت وفرعها في السماء وهي مثل قلب المؤمن. فخاص القوم في شجرة البادية. قال عبدالله بن عمر وقد كنت منتبذا عن القوم ناحية، وخطر في بالي أنها النخلة فمنعني الحياء من رسول الله عليه السلام وهيبة عمر عن أن أتكلم. فقال رسول الله عليه السلام: هي النخلة. فذكرت ذلك لعمر فقال: لو قلتها لكان أحب إليّ من حمر النعم. في مثل هذا كثير. ولكن لا يسوغ القول للأعراب الذين ليس لهم دُربة بالفقه ولكن من علم اللسان دون التفقه في الدين والقرآن والسنة. وذكر أن أعرابيا حضر مجلس ابن عباس وقرأ فيه: {وكنتم على شفا حفر من النار فأنقذكم منها} فقال الأعرابي: وأيم الله لم يُردّهم إليها بعد ما أنقذهم منها. فقال ابن عباس: خذوها من غير فقيه.
وحديث عدي بن حاتم حين/ جعل تحت وساده حبلين أبيض وأسود، وذلك في رمضان يتأول قول الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود .... } الآية. فذكر ذلك لرسول الله عليه السلام فقال عليه السلام: إن وساده لعريض. يريد بياض النهار من سواد الليل. وأعجب من هذا وأغرب ما جرى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه مع رسول الله عليه السلام في قصة عبدالله بن أبي وهو في النزاع فجاءه ولده عبدالله بن عبدالله فقال: إن عبدالله في النزاع استغفر له يا رسول الله. فَهَمَّ رسول الله يستغفر له. فقال له عمر: أتستغفر له يا رسول الله وقد نهاك الله أن تستغفرله؟ فقال: يا عمر، إن الله تعالى (2/22)
صفحة 219
خيّر لي وقال: {استغفر لهم ................. لهم}. فقا لعمر: إنما نهاك. فقال عليه السلام:/ «لاستغفرن له ما لم أُنْهَ عنه. وهم في ذلك إذ رجع عبدالله بن عبدالله وقال: يا رسول الله، قد قضى عبدالله فقم فصل عليه. فقام رسول الله عليه السلام فقال له عمر: أتصلي عليه يا رسول الله وقد نهاك الله عن الاستغفار له.
وهذه النكتة من أعظم الأدلة على جواز التعبد بالقياس. ألا تراه يقيس الصلاة على الاستغفار ويوجب النهي عنها لأجل النهي عن الاستغفار. وفعل ذلك بين يدي رسول الله عليه السلام فأقرّه وفي بعض الحديث: أن عمر أمسك ثوب رسول الله عليه السلام حين هم رسول الله أن يتقدم إلى الصلاة كي لا يصلي عليه، ثم تقدم فاطلقه عمر ثم مثل عمر بين يديه وبين الجنازة كي لا يصلي عليه. فأنزل الله عز وجل: {لا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}. وليس يخفى أن جل أصحاب رسول الله عليه السلام يتأولون القرآن/ ويذهبون فيه مذاهبهم، وليس ذلك كله عن رسول الله عليه السلام، ولتفاوت مذاهبهم واختلاف المفسرين بعد صدر الصحابة. ومعلوم أن ذلك من آرائهم، وأن مذاهبهم من تفسيرهم القرآن حق عند الله تعالى على رأي من يقول الحق في جميعهم، وأن الحق في واحد على رأي من يقول الحق في واحد. ووسع الناس اتباعهم فيه خلافا لمن قال: قد ضاق على الناس خلاف الحق فيه. ونحن نشير إلى حرف واحد يتبين لك منه الغرض والمراد ويتبين لك احتمالات القرآن في مضمراته ومكنّياته وعمومه وخصوصه وأموامره ونواهيه ومجمله ومفصله كما قال رسول الله عليه السلام: «لن يتفقه أحدكم كل الفقه حتى يرى للقرآن وجوها كثيرة» وبهذا السبب دعا رسول الله عليه السلام لابن عباس فقال: «الله فقهه في الدين وعلِّمه التأويل». ولذلك كان أكثر/ أصحاب رسول الله عليه السلام تفننا في التفسير. وكان له قلب عقول ولسان سئول. ويقتبس التفسير من كل أحد، والسبب أن رسول الله عليه السلام دخل المستراح فملاء ابن عباس إناء ماء ووضعه له فلما خرج قال عليه السلام: من فعل هذا؟ فقيل: ابن عباس. فقال عليه السلام: «اللهم فقه في الدين وعلمه التأويل». وكان يأخذ التفسير من مولاه عكرمة مع جلالته. ولقد سمعه عكرمة ذات ليلة يبكي ويقول: ليت شعري: ما (2/23)
صفحة 220
فعلت الفرقة الثالثة؟! وذلك أنه تلا قول الله تعالى، يريد الفرقة التي قالت: {لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا. قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون}. ثم قال: {أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}. فقال له عكرمة: نجت ورب الكعبة. فقال ابن/ عباس: وكيف ذلك؟ فقال: ألم تسمع قول الله تعالى: {وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون} فالله أجل وأكرم من أن يأخذ الباقين. فقام ابن عباس وقبّل رأسه وقبل عنه تفسيره.
والحرف الذي ذكرناه قول الله تعالى: {ويطعمون الطعام .............. ولا شكورا} وقال بعض أهل التفسير: على حب الله عز وجل. وبعض يقول: على حب المسكين. وبعض يقول: على حب الطعام فآثره على نفسه. وهذه الاحتمالات تعرفها العرب وتستعملها في خطاباتها. ومن دونها احتمالات تغلط فيها العجم وذلك مثل قوله: {سبح الله، أي عظمه. وإن قلت: سبح الغلام والعبد ذهب به إلى السبح وهو الفراغ. والأول إلى التسبيح وإن/ قلت: سبح الطفل ذهب به إلى السِّباحة وهو العوم. فالأول تنزيه البارئ سبحانه والثاني فراغ العبد واستراحته والثالث تعليم العوم والسباحة. بل التسبيح والسبحان لله عز وجل، والسبح على الفراغ للمخلوق، والسباحة على العوم في الماء. وإنما أشرنا إلى هذين الحرفين لينهم لك منهما مذاهب العرب في التفسير. وليست أقوال التفسير كله عن توقيف ولا تعريف ولكنه على ما ظهر لهم من لسانهم قبل هذا. ولهذا قال عليه السلام: «اقرأوا القرآن على سبعة أحرف كلها شاف كاف».
ومن الوجوه التي يسوغ الاختلاف في القرآن اختلاف وجوه القراءآت في السور والآيات. وقد قرأت هذه الأمة القرآن بحروف كثيرة. واتفقت الأمة على/ هؤلاء السبعة أن قراءة كل واحد منهم حق عند الله على اختلاف فيها وتضاد. واعترفت الأمة لقراء السبعة، وفيها الربعة عشرة قارئا، وفيها الخمسون الشواذ لكها واسعة. وسنذكر أسماءهم عند الأئمة إذا صرنا إليه إن شاء الله.
والذي يدل على القراءة حديث رسول الله عليه وسلم حين أمره المَلَك "قيل إنه ميكائيل" فقال: «اقرأوا القرآن على حرف. فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال الملك: اقرأ على حرفين، فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال الملك: اقرأه على ثلاثة. فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال: استزده. فقال: إقرأه على أربعة. فنظر إلى جبريل. فقال: استزده فقال: اقرأه على (2/24)
صفحة 221
خمسة أحرف. فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال: اقرأه على ستة أحرف. فنظر إلى جبريل فقال: استزده. فقال: اقرأه على سبعة أحرف فنظر إلى جبريل فلم يقل شيئا. فقال/ المَلَك: اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف». وهذه القراءات كلها حق عند الله تعالى. وبعض هذه القراءات ليست سماعا من رسول الله عليه السلام لكنها من أصحابه والأئمة الذين جعلهم الله حفظة لكتابه ومؤدية له، وهم نافع وابن كثير وأبو عمرو بن العلاء وعبدالله بن عامر وحمزة والكسائي وعاصم بن أبي النخود وسيأتي ذكرهم إن شاء الله عند ذكرنا الأئمة. وكذلك اختلافهم في نفس السور والآيات والحروف كما قدمنا. وقد ذكر بعضهم سورة القنوت وجعلها من القرآن وهي: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونخضع لك ونخشع ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد ونرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد إن عذابك بالكافرين ملحق".
وما نسخ ممن رسم القرآن المتفق عليه. وآية/ الرجم المذكورة وما نسخ من سورة الأحزاب واختلافهم في المعوذتين وفي الكتب التي أنزلها الله عز وجل والصحف على شيت وعلى ادريس وعلى إبراهيم وعلى موسى وكتب الأنبياء وسفر الملوك وسفر دانيال. واختلاف الناس في البسملة على أربعة أقوال، قال بعضهم: هي آية من القرآن من رأس كل سورة. وقال بعض المعتزلة: هي آية من القرآن منفردة بنفسها بين كل سورتين وليست من كل واحدة منها. وقال ابن عباس: هي آية من رأس الفاتحة لا غير وفي سورة النمل. وقال بعضهم: ليست بآية من القرآن إلا في النمل ووسعهم هذا كله ولم يختلف أحد من الأئمة في قوله: {فبأي ألآء ربكما تكذبان} أنها آية على عدها في السورة. وقوله: {ويل يومئذ للمكذبين}. وقد وقع الاختلاف في المدنيات والمكيات/ والناسخات والمنسوخات، والمحكم والمتشابه، والخاص والعام. واختلفوا في المقدم في النزول والمؤخر منها، وفي تفسير الآي، وفي المقطوع والموصول والوفق والتوقيف، والتفخيم والإدغام. وقرأ علي ابن أبي طالب: "والعصر، ونوائب الدهر. لقد خلقنا الإنسان لفي خسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر". وبعضهم لا يقرأ البسملة إلا في أربع سور: ويل للمطففين. ويل لكل همزة ولا أقسم. وابن عباس يضع يده على رأسه إذا قرأ من ويل للمطففين إلى الخاتمة (2/25)
صفحة 222
وسئل رسول الله عليه السلام عمن قرأ القرآن فبدل منه شيئا أو سبقه لسانه، أو كان أعجميا لا يعجمه فقال: فلا بأس، ما لم يختم آية رحمة بآية عذاب أو آية عذاب/ بآية رحمة.
وقال لجبريل عليه السلام: «إن في أمتي الأمي والعجمي والغِر والشيخ الفاني فقال. اقرأه على سبعة أحرف كلها شاف كاف».
وأن يا أخي أذا تدبرت أمر الملائكة عليهم الصلاة والسلام رأيت أكثر أمورهم أو بعضها مبنيّة على الرأي، وإن وقع اختلاف ساغ للمختلفين فيه الرأي، وكذلك الرسل والأنبياء والأولياء والصالحون. وكثير من الأمور التي لا يسع جهلها وما يسع. وأما الملائكة، فلذلك أن الملائكة قد أوجب البارئ سبحانه على المكلفين الإيمان بهم كما قال عز وجل: {آمن الرسول .................... وكتبه} فبدأ بنفسه وثنّى بملائكته، فمن آمن كان من المؤمنين، ومن لم يؤمن لم يكن من المؤمنين؛ لأنه قال: {والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته} فعلى الناس معرفة الرسم لا معرفة الحد، أما الرسم فأن يعلم أنهم/ خلق اطاعوا الله عز وجل وآمنوا به، وهم أولياؤه وصفوته من خلفه. وأما الحد فأن يعلم أنهم خلق من خلقه خُلقوا للطاعة ذوو عقول عارين من الشهوة والمعصية لا يأكلون ولا يتناسلون، عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، وللرسالة صالحون. واختلف الناس في الملائكة. فقال بعضهم: كلهم رسل الله عز وجل. هذا مأخوذ من اسمهم ملائكة، لأن الألوكة هي الرسالة، وسموا بها وواحدهم مألك. قال الشاعر:
فلست بإنسي ولكن مألك ... تنَزَّل من جوّ السماء يهوب
فحذقوا الهمزة للاختصار وللخفة فقالوا: ملك.
وقال بعضهم: إن بعض الملائكة رسل ورعضهم ليسوا برسل روحانيينن وغير الرسل كروبيون. قال الله تعالى: {جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع}. وجاعل/ يصلح للماضي وللآتي لأنه اسم. فاختلفوا فوسعهم الاختلاف. وذكر بعضهم في الاجنحة أكثر من العدد الذي ذكر الله تعالى، وإن كان لا يُوصل إلى ذلك بالتوقيف. حتى ذكروا أن لجبريل عليه السلام ستمائة جناح ولغيره أكثر. واختلفوا في عدد الحفظة. فقال بعضهم: اثنان كما قال الله تعالى: {عن اليمين وعن الشمال قعيد} (2/26)
صفحة 223
فصاحب اليمين وصاحب الشمال. وقال بعضهم: أربعة كل يوم وكل ليلة فالاثنان الأولان قعود والثانيان: اثنان بالليل واثنان بالنهار. وقال بعض: ستة بالليل وستة بالنهار .. وقال بعضهم: لا يقصرون على عدد مرسوم، قد يكثر العدد ويقل. واستدلوا بقول رسول الله عليه السلام وذلك أن رسول الله عليه السلام صلى بإصحابه وفيهم أعرابي تسمع للقراءة فلما هوى إلى الركوع ورفع وقال عليه السلام سمع الله لمن حمده قال الأعرابي: ربنا ولك الحمد/ حمد كثير طيبا مباركا فيه. فلما قضى عليه السلام صلاته قال: أيكم صاحب الكلمة فقال الأعرابي: ها أنا يا رسول الله. فقال عليه السلام: والذي نفسي بيده لقد رأيت نيفا وثلاثين ملكا يبتدرون أيهم يكتبها أولا.
وقال الغزالي: وحكي عن رسول الله عليه السلام قال: إن لكل مسلم مائة وستين ملكا يحفظونه من الشيطان لو نظرتم إليهم على رؤوس الشعاب ولآكام.
واختلفوا في أيهم أفضل هم أم المؤمنون من بني آدم. قال بعضهم: الملائكة أفضل من بني آدم لقوله تعالى: {عباد مكرمون ........... يعملون} "وقوله": {يسبحون الليل والنهار لا يفترون}. ولقوله: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} ولقول نوح عليه السلام: {ولا أقول إني ملك} ولقول رسول الله عليه السلام: {ولا أقول لكم إني ملك} ولقول النسوة: {ما هذا بشر إن هذا/ إلا ملك كريم} فلما وقع التمثيل والتشبيه إليهم صح لهم التفضيل، وإنما يقع التفضيل على قدر الفضل ولا محاباة.
وقال بعضهم: المؤمنون من بني آدم أفضل من الملائكة. واستدلوا بقول الله تعالى حكاية عنهم: {نحن أوليائكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة} يريد أنهم خدمهم وحفدتهم. ولقول رسول الله عليه السلام: «المؤمنون من بني آدم أفضل عند الله من جميع الملائكة» فيما يروى عنه.
ويروى عن الشيخ أبي خزر يغلا بن زلتاف رضي الله عنه قال: المسلم عند الله من بني آدم أفضل من الملائكة. حدّنثيه الشيخ أبو صالح نوح بن كافي رضي الله عنه عن أبي سليمان صاحبه إلى مصر عن أبي خزر رضي الله عنه. واختلفوا ما الذي تحفظ على بني آدم من أفعالهم. فقال بعضهم: إنما تحفظ ما يفعلون فعمّ ولم يخص. وقال بعضهم/: لا علم لهم بغيب العباد ولا يعلم الغيب إلا الله لقوله تعالى للحفظة: "أنتم الحفظة على أعمال عبادي وأنا الرقيب على ما في قلوبهم". وقوله: "إنكم (2/27)
صفحة 224
لا تدرون ما أراد به عبدي وإنما أراد غيري، ارجعوا واضربوا به وجهه". وساغ الاختلاف.
واختلفوا في تكليفهم العبادة. قال بعضهم: مكلفون مأمورون منهيون مكتسبون لقول الله عز وجل: {ومن يقل منهم ............. الظالمين}. وقال عمروس بن فتح: الملائكة تكتسب وليس عليها تكليف. وجوز بعضهم أنهم أنبياء، ومنع من ذلك آخرون. وقالوا: إن النبوة في بني آدم خصوصا، وساغ الاختلاف. وقالوا: إنهم لا يوصفون باللحم ولا بالدم ولا يأكلون ولا يشربون ولا يبولون ولا يتغوطون، فمن وصفهم بشيء من هذا فقد أخطأ في/ صفتهم، والخطأ في صفتهم شرك. وقالوا: من أخطأ في صفة الملائكة فهو مشرك لأنه جعل غير الملك ملكا. ووجهوا الخطأ في صفة البارئ على وجهين، إن واجه الشرك، وإن تأول نافق.
وقال الماوردي: إن الملائكة تأكل من شجرة الخلد. فعلى هذا القول قد ثبت قول إبليس اللعين إذ قال لآدم عليه السلام: {ما نهاكما ............ الخالدين}. وذكر أبو قتادة صاحب رسول الله عليه السلام: تتأذى بالروائح الكريهة ويستلذون بالطاعات. ويدل على هذا القول قول رسول الله عليه السلام: «إني امروء أناجي» ولقوله عليه السلام إن الملائكة تبتعد عن الكاذب مسيرة ميل من نتن جاء به.
وأما من وصفهم بالتناسل فقد أخطأ في صفتهم سماعا. وأما من سماهم تسمية الأنثى أشرك، لأنه رد على القرآن وأشرك بالله/ العظيم. وقد ذم الله أقواما سمّوهم تسمية الأنثى. وقال عز من قائل: {وجعلوا الملائكة .......................... ويسألون} وأما من وصفهم بالدم واللحم والبول والغائط وأطلقوا فيه التشريك وبنوا فيه على غير أصل إلا الإجماع فحتى تثبت لهم بالنصوص هذه الصفات. فمن ردها أشرك كما قلنا. وقد قال الله تعالى: {ألربك البنات ولهم البنون. أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون}
فإذا ثبت الأصل صح الفراغ، وأما المور المذكورة من الأكل والشرب والبول والغائط والدم واللحم، فما ندري من أي شئ حصل الشرك لقائله بعد ألا يكون كذلك، ولم يصيبوا نصاً ولا قرآنا، وأما موتهم وخلقتهم فقد اختلفوا فيهما.
قال بعضهم: موتهم وحياتهم واحدة. يقولون: لم يسبق/ بعضهم بعضا في الوجود، ولا يتأخر بعضهم عن بعض في الموت (2/28)
صفحة 225
وقال آخرون: خلقتهم متفاوتة. فأول خلق منهم حَمَلة العرش ثم من دونهم ثم أهل السماء السابعة ثم أهل سماء بعد سماء إل أصحاب العنان.
وبعضهم يقولون: يخلقون إلى الآن، ولم تكن خلقتهم موقوفة على وقت معلوم. قيل: وإن من قال سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، استغفر الله العظيم، خلق من كلمته هذه ملك يستغفر له إلى يوم القيامة. وقال بعضهم: لا يوصفون بشيء من المعصية بدليل قول الله عز وجل: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} وبقوله: {يسبحون الليل والنهار لا يفترون}.
وقال آخرون: المعصية المنفية عن التسعة عشر لا عن جميع "الملائكة" فأما هاروت وماروت –قالوا- فملكان عصيا الله عز وجل، وإن عقوبتهما/ تعجلت لهما في الدنيا في أرض بابل على تعليم السحر. فالله أعلم بما تئول إليه مقالته هؤلاء. وهذا أمر لا يدرك بالعقل وإن كان لا يحيله، ليس عندهم إلا ظاهر القرآن وعموم القرآن جلها غير مأمون التخصيص ولا خصوص. ووصفهم رسول الله عليه السلام بالجوارح والأفواه والعواتق والأبصار والأرجل. وقال عليه السلام: «أُذن لي أن أحدث عن ملك من الملائكة زاوية من زوايا العرش على كاهله ورجلاه في تخوم الأرضين». وقيل يزيد في الخلق ما يشاء: حسن النغمة. ووصفهم بالكلام يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وبالأفواه قوله عليه السلام: «إن العبد إذا قام إلى الصلاة دنى الملك منه حتى يضع فاه على فيه يتلقى القرآن إذا قرأ». وفي بعض الأحاديث: «إن بين شحمة أذني اسرافيل وبين عاتقة مسيرة/ خمس مائة عام. وإنه ليتضاءل أحيانا حتى يصير مثل الوصع من خشية الله». وإنهم يكلفون ويجتهدون ويختلفون
وعلمهم الالهام كما قدمنا. وليس عليهم من شريعة بني آدم شيء، وإنما عليهم شرائع أنفسهم. ولم نسمع أن رسولا من بني آدم أرسل إليهم وليس عليهم من تغيير مناكر بني آدم شيء حتى يُؤمروا. ويوالون ويبيرأون بالظواهر وتقع المحنة بعضهم من بعض، ويحضرون القتال عند ملتقى المؤمنين والكافرين فيقاتلون إذا أمروا ويكفون إذا نهوا. وأمرهم كلهم يئول إلى الخبر. صلى الله عليهم وسلم أجمعين ورضي عنهم والحمد لله رب العالمين.
وأما أمر النبيئن والمرسلين صلى الله عليهم أجمعين. فإن الله تعالى قد نبأ النبيئين وأرسل (2/29)
صفحة 226
المرسلين فقال/ بعضهم: هم جملة واحدة فكل نبي مرسل، وكل مرسل من بني آدم فنبيء. وقال بعضهم: بل فيهم أنبياء وهم رسل، وأنبياء غير رسل. ولا رسول إلا وهو نبي ولم يختلفوا في هذا. وقال بعضهم: هما جملتان على الناس معرفتها كل واحدة منهما على حدتها. واستدل هؤلاء بقوله: {قولوا آمنا ................ من ربهم} وهذا القول هو الصحيح عند أصحابنا. وقال السكاكي: إن كل نبي مرسل، وكل مرسل نبي. وقال بعضهم: ما من رسول من بني آدم أرسل إلى قومه إلا وقد أرسل إلى الناس كافة والجن كافة. وقال بعضهم: ليس برسول إلا إلى قومه: ويسع كل من بلغته حجته أن يستجيب له. فنوح رسول إلى قومه وهم آل عاد فأهلكهم الله بالريح العقيم. وصالح إلى قومه ثمود/ {فدمدم عليهم ربهم بذنبهم فسواها ولا يخاف عقباها} وكذلك كل نبي وأمته. وإنما أهلك الله من كذب به ولم يؤمن به ممن أرسل إليه. أما محمد عليه السلام فقد أرسل إلى الناس كافة والجن كافة أنه خاتم النبيئين. وقال بعضهم: النبوة والرسالة اضطرار. وبعضهم يقول: إن الرسالة اكتساب وإن النبوة اضطرار. وقيل إنهما اكتساب فمن استهدف صادف ومن استقر صدف.
وقال بعضهم: نبأ الله أربع نبيئات: مريم بنت عمران، وسارة امرأة إبراهيم. وأم موسى بن عمران. واستدل هؤلاء بالآيات بأن المخاطبات والبشارات من الله عز وجل على أيدي الملائكة خصوصا هو نفس النبوة مأخوذ من الإنباء ولا سيما مريم بنت عمران وسارة امرأة إبراهيم عليه السلام. قال الله عز/ وجل: {فأرسلنا إليها ..................... زكريا} وجرت محاورة بينها وبين الملك في غير ما موطن. فمن منع أن تكون هذه نبؤة. فكذلك يمنع أن تكون مرسلة أو أرسلها الله إلى أمة من الأمم بقوله: {وما أرسلنا ........... إليهم}. وليس بمحال.
وقال في سارة: {وبشروه بغلام حليم ........ العليم}. وقال الله عز وجل: {فضحكت ............ مجيد}.
وقال في أم موسى عليه السلام: {وأوحينا (2/30)
صفحة 227
...... المرسلين}. وقال: {إن كادت ............... المؤمنين}.
وعامة الفقهاء على أن الله تعالى ما نبأ عبدا ولا امرأة ولا رجلا من أهل البادية. واستدلوا بقوله تعالى: {وما أرسلنا ......... القرى} والرسالة ليست من النبوة في شيء.
وقال بعضهم: إن الله نبأ لقمان الحكيم وهو عبد. ونبأ الله يعقوب وهو من أهل البادية. وقال تعالى إخبارا عن يوسف عليه السلام: {وجاء بكم من البدو}. وقيل إنه اسم بلد، وهذا تكلف وعدول عن الظاهر بلا برهان.
وقالت عائشة في محمد عليه السلام: لا تقولوا لا نبي بعد محمد ولكن/ قولوا لا رسول بعد محمد. إن بعده أنبياء عيسى وإلياس والخضر
وادريس أحياء. ولا بد من نزول عيسى وظهوره ولكن لا يسعهم التخلف عن شريعته إذا ظهروا لقول رسول الله عليه السلام: «لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي».
وقال بعضهم إن الخضر حي ولم يكلف شريعة نبي ولم يكلف إلا شرع نفسه العجائب ليس من شرع موسى في شيء وعلمه فوق علم الشرائع. وعلم الشرائع مصلحة للعامة، وعلم الإلهام نهاية.
واختلفوا في الذبيح. فقال قوم هو اسحق. وقال بعضهم هو اسماعيل بدليل قول رسول الله عليه السلام: «أنا ابن الذبيحين».
وأما الأولياء والصالحون رحمة الله عليهم أجمعين. أهل الرؤيا الصالحات، والكرامات/ والمعجزات، فالصلاح هو اسم دين الله. وكذلك البر والتقوى. فالصالح من آمن بالله وعمل بفرائضه. قالت الملائكة: { .... ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم} فالأولاد المؤمنين مؤمنون وصالحون. وسموا صالحين لصلاح آبائهم.
واختلفوا في تفسير الآية في قوله عز وجل: {والذين ........... من شيء} فقيل إنها في أولادهم الكبار الذين بلغوا الحلم وآمنوا وقصروا فيلحقهم الله عز وجل بآبائهم. والآباء بدرجة الأبناء. وقال بعضهم: هي في أبنائهم الصغار يلحقهم الله تعالى بدرجات آبائهم بإيمان آبائهم.
واختلف الناس في ولاية الأطفال. فتولاهم جميعا معاذ بن جبل، أعني الذرية لا من ذرية مؤمنين ولا من/ ذرية المشركين، ولا من ذرية المنافقين (2/31)
صفحة 228
فهؤلاء الأقوال الثلاثة واسع لهم الكل لا قطع عذر، وحجة من تولاهم كلهم قوله عليه السلام: «كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». فمن مات منهم طفلا مات على الفطرة ودخل الجنة بإيمان آدم وإبراهيم وغيرهما. وأن الله تعالى لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون. وأما من توقف فيهم فيقول رسول الله عليه السلام حين سأله رجل عن أطفال المشركين فقال: «الله اعلم بما كانوا صانعين». وهذا ليس بشيء، هو حجة المتوسطين، وإنما وقع السؤال على أطفال المشركين خصوصا. والصحيح أن أطفال المسلمين مسلمون وصالحون ومؤمنون بإيمان بإيمان آبائهم، ويقول رسول الله عليه السلام لوَلَدِه: «تما رضاعتك يا بني في الجنة». وذلك أنه/ مات وهو ابن ثمانية عشر شهرا.
وأما الأطفال عند الخوارج: فأطفال المؤمنين مؤمنون وأطفال المشركين مشركون. وأصحاب الحديث أيضا كذلك. أما الخوارج فتأولوا قول الله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: {رب لا تذر ........... كفارا} وقال الله تعالى: {أكفاركم ...... الزبر} وأما أصحاب الحديث فتأولوا قول رسول الله عليه السلام: «أنه توقد لهم نار غدا يوم القيامة فيؤمرون باقتحامها فمن اقتحم نجا، فلو أمروا في الدنيا لاتمروا ومن امتنع منها دخلها مع آبائهم» وفي خبر أنه سئل عن أطفال المشركين فقال: «الله أعلم بما كانوا صانعين».
واختلفوا في أفعال الصبيان في جميع ما فعلوه من العبادات. قال بعضهم: تكتب لهم حسنات ولا تكتب/ عليهم السيئات. وقال بعضهم لا تكتب لهم حسنة ولا تكتب عليهم سيئة حتى يبلغ الحلم. وأجمعت الأمة أنهم لا تكتب عليهم سيئة حتى يبلغوا الحلم.
ويقال أيضا: المؤمن موف بعد الله وبدينه وبأمانته وإن كان دون ذلك، لأن الدين جميع ما أمر الله به فلن يقدر أحد أن يوفي بجميع ما أمر الله به إلا على قول عمروس بن فتح والشافعي اللذان يقولان إن النوافل مندوب إليها وليست بمأمور بها. فأما من قال إن جميع النوافل مأمور بها فلن يقدر أحد أن يفي بجميع المأمور ولكنه جله وهو الفرائض وكذلك في نفس الفرائض ومن دين الله عز وجل والمؤمن مؤمن وإن (2/32)
صفحة 229
لم يفي بها. وأما إن كان معه بعض الكبائر فليس بموف ولا وفيٍّ وربما تكون بعض/ حسناته مكفرة لبعض سيئاته كما قال الله تعالى: {إن الحسنات ............. للذاكرين} قال "أنس بن" مالك رضي الله عنه: ذلك توبة التائبين. وربما تأتي المصائب عليها فتكفرها، وذلك للذنوب التي بينه وبين الله تعالى ما لم يكن إصرار، وفيها يتعاقب العباد، ولله ألطاف خفية. وقد سئل رسول الله عليه السلام عن رجل قتل في سبيل الله مقبلا غير مدبر أيكفر الله خطاياه؟ فقال للسائل: نعم. ثم قال: ردوا علي الرجل. فجاء فقال: إلا الدين، كذلك قال لي جبريل عليه السلام آنفا. وهذا نص من الرسول عليه السلام أن جميع الذنوب صغيرا وكبيرا تكفره الشهادة إلا ما كان من دين الناس. وقال في موضع آخر: «يغفر للشهيد عن أول قطرة تقطر من دمه». فهذا لم يستثن شيئا. وقال: «من قتل دون ماله فهو شهيد»./ وبالجملة إن الذنوب التي بينه وبين الله تعالى مرجوة مغفورة لمن سلم مذهبه من البدعة. ودليله أصحاب الأعراف؛ واختلف فيهم: فقال بعضهم: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم وهم أهل الجنة بدليل قول الملائكة: {أهؤلاء ............ تحزنون}. وقال بعضهم: بل قوم اسودت وجوههم وأجسادهم حتى لم يبق لهم بياض إلا في ثغرة نحورهم فما زال السواد ينجلي ويزداد البياض حتى عادوا بأفضل حالة فيؤمر بهم إلى الجنة.
واختلفوا في أصحاب الأعراف الآخرين، فقال بعضهم: هم الملائكة، وقال بعضهم: الأولون هم الآخرون وهم أهل الجنة، وقال بعضهم: هم/ الأولون الآخرون وهم الملائكة والأنبياء، واختلف الناس في التسمية بمؤمن، قال أهل الحق: ان المؤمن الحكيم على هذين الوجهين، أحدهما – كما قدمنا – في الموفي بدين الله كما قال الله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ}. فالوفاء بالثواب للموفي بالعهد، وقوله: {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} ومصداقه: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ... ) وأخوتها. والثاني: المُقِرّ، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا}، وقال: (2/33)
صفحة 230
{وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ} أي مُقِرّ، وأما من زعم أن المقر هو من أهل الجنة وحكم له بها وإن لم يدع لله حرمة إلا انتهكها فمقطوع العذر.
وأما اذا لم يكن إلا التّسميات فلا بأس، قد يقال حاجّ للمشتغل في مناسك الحج ولمن كان في الطريق، ولمن كان سائرا أو لمن هو في البلد مشتغلا في أموره،/ وجوز بعضهم: مؤمن فاسق بمعنى مُقِرٌّ فاسق، وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام: وبعضهم فاسق لا مؤمن ولا كافر، وبعضهم: منافق وموحد، وبعضهم: منافق مشرك، وقال بعضهم: يهودي منافق مشرك، وبعضهم: يهودي كافر ليس بمشرك، وقال بعضهم: الوفاء بالايمان هو الوفاء بالتوحيد والعمل الصالح، وقال بعضهم: الايمان في القلب لا غير، واستدل بقول رسول الله عليه السلام:» ألا ان الايمان ها هنا، وأشار إلى القلب «
أما الذين قالوا مؤمن فاسق، أخشى عليهم أن يصدموا النّص، قال الله تعالى: {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ}.
وكذلك الاختلاف في أمور الآخرة مثل الألفاظ الواردة كالصراط والميزان والأعراف والحشر والصحف والحساب والشفاعة والصعقة والحشر حفاتا وعمراة غرلا، والحشر وفودا ليس هناك موضع إلا وفيه اختلاف إما / مخطئ وإما مصيب أو مصيبان جميعا، وفوق كل ذي علم عليم.
ومما شاع الاختلاف فيه وان وقع الاجماع على خلافه ومضى مثل حكم أبي بكر الصديق رضي الله عنه في المرتدّه وهو من متروك السنن، والسنة القائمة أن المرتد، يقتل ولا يسبل ولا يغنم. وقد أجمعت الأمة قديما وحديثا على هذا، فقتل أبو بكر وسبى وغنم، ومذهبه في ذلك أنهم قوم خرجوا من الكفر إلى الاسلام غرة تظافروا وتعاضدوا ورجعوا إلى ما هم فيه كأنهم لم يخرجوا منه، وأخرى أنه امتنع من قبول اسلامهم بعدما قاتلهم وفتحهم حتى اشترط عليهم شروطا وذلك حين قدمت وفودهم يطلبون الاسلام، قال محمد بن اسحق: جاء وفد بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر الصديق يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية. قالوا: هذه الحرب المجلية قد عرفناها، فما السلم المخزية؟ / فقال: تنزع منكم الحلقة والكراع، وتدون قتلانا وقتلاكم في النار، وتتركون (2/34)
صفحة 231
أقواما تتبعون أذناب البقر حتى يُرِي الله خليفة رسوله والمؤمنين أمرا يذرونكم به. وما غنمنا منكم كان لنا وما غنمتم منا رددتموه إلينا. ثم عرض أبو بكر قوله وقولهم على الناس فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قد رأيت رأيا وسنشير عليك برأينا. أما ما رأيت من أن تنزع منهم الحلقة والكراع فنِعمّا رأيت وأما ما ذكرت من أن يدوا قتلانا وقتلاهم في النار فإن قتلانا قتلوا على أمر الله فأجرهم على الله، لا دية لهم. فتتابع الناس على قول عمر، وهذه الشروط المشروط على من أراد الإسلام وهي أيضا من الرأي. وهل يمنع أحد الدخول/ في الإسلام حتى يتكلف أمورا أخرى؟ ولكن ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن. وهذه المسألة أشبه بالنسخ منها بالاختلاف، والإمام مخيّرٌ في ذلك. والإجماع ينسخ الكتاب والسنة إذاً.
ومنها الأمور العشرة التي نقمتها الشيعة على عمر بن الخطاب رضي الله عنه. أولها: حق القرابة من الخمس، وذلك أن الله تعالى جعل لقرابة رسول الله عليه السلام في الخمس نصيبا لأجل ما حظره عليهم رسول الله عليه السلام وحرم من أكل الصدقات وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد. وكان سهمهم من الخمس جاريا عليهم على عهد رسول الله عليه السلام، وكان الذي يتولاه محميّة الأسدي. وأجراه أبو بكر الصديق مدة حياته. وأجراه عمر بعض أيامه. قال الله تعالى: {واعلموا ....... القربى} / وكان رسول الله عليه السلام يجريه على أيتام بني هاشم وينكح بها أياماهم. ففي خلافة عمر منعهم فطالبته القربى أشد الطلب ومنعهم برأيه ونظره، وساغ له ذلك بمحضر من المهاجرين والأنصار وأصحاب رسول الله عليه السلام متوافرون ولم يجوزه أحد مع ذلك في فعله ولم يعجزه في نظره، وان فعل عمر هذا من أعظم الأدلة على جواز القياس والتعبد به واستخراج العلل، وذلك أنه تأول المعنى الذي به طهر رسول الله عليه السلام قرابته من أوساخ الناس وجعل بدله سهما من الخمس، فلما فتح الله تعالى على المسلمين ما وعدهم من الفيء أغناهم بالعطايا عن الخمس والصدقات. قال الله (2/35)
صفحة 232
تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب/ والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله}. فطهرهم عمر عن مشاركة الأيتام والمساكين وابن السبيل، وجعل لهم في الفيء والعطايا سهما وافرا بدلا ومندوحة عن الخمس والصدقات.
الثانية: سهم المؤلفة قلوبهم. قد فرض الله تعالى لهم في الصدقات نصيبا، قال الله تعالى: {إنما الصدقات ...... قلوبهم}. وكان رسول الله عليه السلام أجراه عليهم ثم أبو بكر ثم عمر ثم حرمهم فقيل له في ذلك فقال: ذلك إذا كان الإسلام حقيا وأما الآن فقد بزل فلا سهم لهم. فمذهب عمر في ذلك تخصيص عموم القرآن بالأزمان والأحوال والمكان والأسماء أو كان رأيا من رأيه فنعِمَّا فعل والكل صواب. وقد أذعنت له الأمة وصوبت له فعله. الثالثة:/ إسقاط القطع على السراق عام الرمادة، بعد قول الله تعالى: {والسارق والسارقة .......... حكيم}. وعام الرمادة عام ظهرت فيه مسغبة جوع عمت الآفاق. فنظر عمر إلى حاجة الناس فتأول قول رسول الله عليه السلام: "ادرءوا الحدود بالشبهات". ولهذه العلة أجاز بعض الفقهاء تناول الأموال للمسغبة لأجل الضرورة الدافعة لتنجية النفس من الهلاك، ولأنه حق واجب أوجبه الله على ملاّك الأموال، ولم يسيغوا لأهلها منعهم لأنه حقهم الواجب عليه. وذكر له أن يقاتل صاحب الطعام وصاحب الماء على طعامه ومائه لينجي نفسه، فإن قتل المالك هدر دمه إذ لا يحل له منعه.
الرابعة: اطراح الصدقات عام الرمادة أيضا. فلما كان عاما قابلا أخذها/ مرتين منهم، والأموال تنتقل، والأحوال تتبدل، وصروف الدهر جارية على التغيير فيكون المعسر موسرا والموسر معسرا والحي والميت حيا ولن يحصى. ولم يبلغنا أنه راعى شيئا من ذلك، والنصب تختلف وزان ذلك بين ظهراني المهاجرين والأنصار ولا مغير ونعم الرأي رأيه ولن تجتمع الأمة على ضلال.
الخامسة: إعتاقه أمهات الأولاد على أربابها بعدما اجتمعت الأمة أنهن إماء رقيق على عهد رسول الله عليه السلام وعلى عهد أبي بكر رضي الله عنه وعلى عهد عمر رضي الله عنه ثم بدأ له فرأى من الرأي أن يعتقهن على مواليهن فعوتب في ذلك فقال: ما أردت إلا الخير، ألحقت حرمة بحرمة. فسلّمت له الأمة. ولقد كان يجري بين عمر ورسول الله عليه السلام هنات فيكون الله في نصرة رأي عمر. ومنه قول عمر: وافقت ربي في ثلاث (2/36)
صفحة 233
، ووافقني/ في ثلاث. وقول ابن مسعود: ما كنا نتعاجم أن ملكا بين عينيه يسدده. وقد قال رسول الله عليه السلام:» عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي «وقال:» اقتدوا باللذين من بعدي «. فإذا طلب عمر رضي الله عنه بأن يجرى عليهن أحكام الحرية امتنع له الأمر وأجاز لمولاها تسريها ولا قود بينها وبين الأحرار. والحرمة حرمة الأمة في القذف والقتل واللعان والشهادة والأرث فأجرى عليهن الاسم وأبطل الحكم ومنع من البيع لا غير.
السادسة: صلحه نصارى بني تغلب على أن أسقط عنهم الذلة والصغار واسم الجزية وسماها صدقة ثم أرباها عليهم وأضعفها بعد قول الله عز وجل: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم / صاغرون} اعلم أن عمر كما قال رسول الله عليه السلام:» إن لكل أمة محدَّثا ومروَّعاً فإن يكون فيكم فعُمَر «. وذلك أنه
نظر إلى ربيعة بالجزيرة وهم قوم عرب تنصروا قبل الإسلام. وهم أهل نكاية في الحروب وشدة. قد أرضعتهم الحروب بلبانها وفطمتهم من عهد المهلهل إلى الأبد. وقد هموا بقطع الفرات إلى دجلة ثم إلى بلاد أرمينية ليعضدوا النصارى على المسلمين حين عرض عليهم عمر رضي الله عنه الذلة والصغار والجزية وامتنعوا من الإسلام. فخيرهم بين ما ذكرنا وبين السيف. فاختاروا السيف أنفة وحمية فامتنعوا مما ذكرنا فجعلها عليهم عمر صدقة وأسقط عليهم اسم الجزية "نظرا للمسلمين" وأضعف عليهم الصدقة. فجعل على خمس/ من الأبل شاتين، وعلى عشر أربعا، وعلى عشرين ثمانيا، وفي خمس وعشرين بنتي مخاض. والذهب كذلك. فجعل في الأصول التي يتجرون بها بين ظهراني المسلمين نصف العشر. فانعقد الصلح بينه وبينهم على ذلك وجعلهم المسلمون في مقدمتهم بينهم وبين العدو في افتتاح المدائن والقرى والكفور فنفع بهم المسلمين وأعز بهم أهله ودمدم بهم الشرك والأصنام إلى أن ظهر حديث رسول الله عليه السلام أنه قال:» إن الله ليؤيد هذا الدين من ناس من ربيعة على شاطيء الفرات «. فحمد الله عمر وشكره حين وفقه ولم يقدر على تألفهم إلا أن يغمض لهم ببعض حقه. وليس بأن أغمض لهم ببعض حقه بأعظم من إرزاء المؤلفة قلوبهم بعض صدقات المسلمين. وليس من رزأك في مالك كمن لم ترزأه ماله، وهذا كله رأي سديد/ والحمد لله رب العالمين.
السابعة: صنعه في الفيء الذي أفاه الله تعالى على المسلمين (2/37)
صفحة 234
بسيوفهم وإراقة دمائهم ونصبهم للأسنة نحورهم حازه ورده إلى أربابه عبيدا للمسلمين بعد ما حازه المسلمون وصاروا لهم أرقاء والفيء أملاكا. وقد قال الله تعالى: {ما أفاء الله على رسوله ............ فانتهوا}. وقد قسم رسول الله عليه السلام الغنائم في بدر وخيبر وحنين في المواطن كلها. وأن الخمس لمن سماه الله تعالى، والأربعة الأخماس لمن قاتل عليها. وتأول الأصول والعقار والدمن بخلاف الغنائم
فعوض بصنيع رسول الله عليه السلام في خيبر. وقد قسم العقار والأصول/ والأرضين على الأسهام كما تقسم الغنيمة. فعارضهم عمر رضي الله عنه رصنيع رسول الله عليه السلام في مكة وأهل مكة، أقرهم في بلدهم ولم يضرب فيهم بسهم. وعلى أن الأمة قد اختلفت في أمر الغنائم. قال بعضهم: إنها على القسمة الموجودة في الأنفال. وبعضهم يقول: أمرها إلى الإمام إن شاء قسم وإن شاء نفّل وإن شاء ردّ. قال الله تعالى: {واعلموا أنما غنمتم من شيء ... } الآية. قال عبادة بن الصامت: فينا معاشر الأنصار نزلت الأنفال، وذلك أنه ساءت فيه أخلاقنا فاختلفوا في الغنيمة يوم بدر. فقال من حازها: هي لنا. وقال من قاتل: لولا نحن ما قدرتم عليها. وقال الذين طافوا برسول الله عليه السلام يحيطونه من العدو: ونحن أعظم عناء وغناء منكم قلوا انفلت العدو لهلك رسول الله عليه السلام. فنزع الله الغنيمة/ من أيديهم ورد الحكم فيها إلى رسول الله عليه السلام فأنزل: {يسألونك عن الأنفال ............. مؤمنين}. فكان الحكم في الغنائم إلى الإمام. ألا ترى إلى الإمام أنه يعطي الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام: ألا ترى إلى الإمام أنه يعطي الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام: ألا ترى إلى الإمام أنه يعطي الأسلاب للقاتلين، وقد قال رسول الله عليه السلام:» من قتل قتيلا وله عليه بينة فله سلبه «. فمرات وإن رسول الله ينفل بهذا السبب ويعطي من الغنيمة ويفضل. وقال قوم: إنما ينفّل من الخمس. ومنع من ذلك آخرون وقالوا: بل من نفس الغنيمة لأهلها، فالخمس لأهله. وما جاز في الخمس الذي سماه الله لأهله يجوز في الغنيمة مثله وإن سمّاها لأهلها. وللأمراء (2/38)
صفحة 235
مع أصحاب السرايا دلالة على التنفيل وذلك أن أصحاب رسول الله عليه السلام يستعملون مع أصحاب السرايا في أول اقبالهم إلى العدو. وإن للسرية الخمس من رأس المال ثم يخرج خمس الله تعالى ثم يقسم الباقي بين السرية وأهل العسكر/ ولهم في الرجوع الربع لأن السرايا يهون عليهم اقتحام بلاد العدو وفي مقدمة العسكر. وشق عليهم التخلف بعد العساكر. فتأول عمر أن للإمام النظر للمسلمين. ووجه آخر: أنه نظر إلى الفرس والروم قد انجفلت وخلت من بلادها وتعلقت بالحصون والقلاع والجبال. فلو قسم عمر بينهم لاشتغلوا بأموالهم فعند ذلك يكر عليهم العدو وينقدع الجهاد ويعطل المعنى الذي أراده الله بهم ووعده لهم وهي الغنائم. قال الله تعالى: {وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها} فرأى بحسن نظره أن يسلم الأراضي والأموال إلى أربابها ويجعل للمسلمين عليهم ضريبة يستدونهم إيّاها كالخراج الذي يضرب به الواحد على عبده ويتفرغون إلى جهاد عدوهم وافتتاح البلاد أمامهم. وتأول أيضا قول رسول الله عليه السلام:» منعت العراق درهما وقفيزها ومنعت الشام/ دينارها ومُدْيَهَا، ومنعت مصر دينارها وأرادبّها «. بمعنى أن ستمنع. وهذا الحديث إنما أولوه بمعنى أن سيمنع ما فيها من فيء المسلمين في آخر الزمان. وتأول أيضا قول الله تعالى: {كي لا يكون ........... فانتهوا} ثم خص الله تعالى لمن يكون له الفيء، فقال: {للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم .... } الآية. ثم قال في الأنصار: {والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم}. فنعتهم ووصفهم ثم قال فيمن يأتي بعدهم: {والذين جاءوا ......... رحيم}. ألا تراه قد أوجب للآتين من بعد في هذا الفيء نصيبا فلم يحضروا بعد.
الثامنة: تحرير هؤلاء المشركين بعد أن حاربهم المسلمون وفتحهم الله عليهم وصاروا لهم خولا وعبيدا وأزاجهم وأموالهم إماء ورقيقا، ونقلهم إلى أحكام الجزية واعتقهم على المسلمين وأجرى علهيم أحكام الأحرار بعد العبودية بغير مؤامرة ملاكها وأجاز النّكاحات والشهادات/ والمعاملات. وأجرى عليهم الحدود (2/39)
صفحة 236
من القطع والرجم والجلد والقصاص والجنايات وجعل على رقابهم الجزاء وفي أموالهم الفيء. وهذا كله رأي من رأيه وحكم من أحكامه. وهذا كله إنما فعله عمر بمشاورة ذوي الرأي من المهاجرين والأنصار. وأطبقت الأمة بعد ذلك فهو إجماع وتتابعت عليه العامة، ولا ينظر إلى شذوذ من شذ.
التاسعة: إجلاؤه اليهود والنصارى بعد عهد الله وذمة رسوله عليه السلام. أجلى أهل خيبر وأهل فدك. وأجلى النصارى نجران برأي وحكم من أحكامه. وأما إجلاؤه أهل خيبر فإنهم عارضوه بذلك. قال له ابن أبي الحقيق أجلينا يا عمر وقد عقد له محمد الذمة؟ فقال له عمر: أتظن أني نسيت قول رسول الله عليه السلام حيث قال:» كأني بك وناقتك ترقص بك «. وقد قال رسول الله عليه السلام:» آمركم ما أمركم/ الله عز وجل «. وأما أهل نجران فإنهم رجعوا إلى معاملة الربا وقد شرطها عليهم رسول الله عليه السلام ألا يتعاملوا بالربا أيام أعطاهم العهد وصاروا ذمة فخيرهم عمر فأجلاهم وأعطاهم عوض أموالهم بنجران في أرض العراق.
وأما فدك فهي خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
العاشرة: تمصيره الأمصار وتدوينه الدواوين وقسمه الفيء على غير الطريقة التي قسمها رسول الله عليه السلام وعلى غير ما قسمها أبو بكر الصديق رضي الله عنه. وذلك أن رسول الله عليه السلام جعل الفيء في حوائج المسلمين وآثر به أهل الفاقة والحاجة وقسم أبو بكر بالسوية، وقسم عمر بالتفضيل ثم ضرب في الفيء للأحرار والعبيد والصبيان والصغار ولأهل الذمة وأمور أخرى لم تذكر. ومن الأمور التي نقمتها الشيعة أيضا قوله في متعة النساء شرعها البارئ/ سبحانه في كتابه وأبطلها عمر برأيه ونهى عنها وحرّمها.
ومن الأمور التي نقمها الشيعة قوله في متعة الحج وقد شرعها الله عز وجل في كتابه فنهى عنها عمر وضرب عليها وزجر. ومن الوجوه المأخوذة من جهة الرأي والاجتهاد أحكام الكتمان. وذلك أن رسول الله عليه السلام بعثه الله تعالى على حين فترة من الرسل وظهور جاهلية جهلاء فأمره الله عز وجل بالدعاء لعباده بالموعظة الحسنة. قال الله تعالى: {أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}. وقبل أن يشرع له الشرائع مدة من المدد لا يحلل ولا يحرم ولا ينقض ولا يبرم فنسخ الله تعالى بدعوته جميع الشرائع التي كانت قبله. وكان الناس في النأنأة (2/40)
صفحة 237
من استجاب له كان في سعة حتى نقله الله تعالى من داره إلى دار الهجرة فشرع له الشرائع وأمره أن يصدع بأمر الله فصدع وبلغ/ ما أرسل به علانية ونصح لأمته. فتوفاه الله راضيا مرضيا وترك الناس على منهاج ربهم والأقتداء بسنة نبيهم وسنن الخلفاء الراشدين من بعده مدة الخلافة ثلاثين عاما من بعده فانحل النظام فاختلط الحلال والحرام وصارت ملكا وجبرية عضوضا بربرية. فأمر رسول الله عليه السلام من أدرك ذلك الزمان أن يأخذ ما يعرف ويدع ما ينكر كما قيل لعبدالله بن عمرو بن العاص: فكيف بك إذا مرجت عهود الناس وأماناتهم قال: فما تأمرني به يا رسول الله قال:» عليك بما تعرف ودع ما تنكر ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يأتيك الموت «. وفي حديث آخر:» عليك بخويصة نفسك ودع أمر العامة «في أمثال هذه الأخبار.
ومن الرأي رجوعهم إلى أحكام الكتمان. واعلم أن المسلمين نظروا حيث تغلّب عليهم الجبابرة وضعفوا عن النصرة لدين الله رجعوا إلى أحكام الكتمان/ فتركوا أحكام الظهور رأيا وقياسا على كتمان رسول الله عليه السلام الذي جرى عليه قبل الهجرة فجعله المسلمون مسلكا من مسالك الدين. فمن حرمه أخطأ ومن حكم فيه بأحكام الظهور أخطأ. قال الله تعالى: {والذين جاهدوا .......... المحسنين} وقال: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال رسول الله عليه السلام:» فما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن «.
فصل
ثم التفرقة وقعت في أحكام الكتمان. وأبطلوا في الكتمان من أحكام الظهور أمورا وقصروها على الأئمة إذا ظهرت وهي الحدود من الجلد والقطع والرجم واللعان. أما الجلد ففي القاذف والزاني البكر والإماء المحصنات الزواني. وأما القطع ففي السارق والمحاربين والقصاصات. وأما الرجم ففي محصيني الزناة. وألحقوا/ بهذه الأمور إقامة الجمعة. واختلفوا في الجهاد فأجازه بعض وأبطله بعض، فهذا رأي المسلمين. وأما من لا يجيز الرأي والقياس فإنه يجيز هذه الأمور كلها للولاة والأئمة في الدين أن (2/41)
صفحة 238
يقيموها وهذه الأئمة سواء كانت بررة أو فجرة. ثم إن الأولين نقموا على هؤلاء أمثال الأفعال في هذه الأمور ولم يقطعوا العذر في الفتوى. وتوقفوا أيضا فيمن فعل بعض هذه الأمور ولم يقطعوا مثل من أقام الجمعة أو جاهد مع الأئمة الجورة. وأجازوا فنون القتل في الظهور والكتمان إلا الرجم، ولم يبطلوا منها شيئا إلا ما ذكرنا بل أوجبوا في الكتمان رأيا وقياسا على من لا يجب عليه إلا الحد بشرط أن يشتهر بفعل ذلك وحملوه على سبيل
المحاربة من السراق والزناة والبغاة وجميع فنون المعاصي وهذا كله بالرأي لا بالأثر/، ويؤثر عن الحسن البصري أنه قال: أربع إلى الولاة؛ الحدود والجمعة والجهاد واللعان، رأياً من رأيه ولم يدًّع فيه سنة قائمة ولا خبرا في الكتاب منصوصا إلا استحسانا.
فصل
ورأى مثبتوا أحكام الكتمان أن يولوا على أنفسهم والياً يقيمون به أحوالهم من أمر دينهم ودنياهم، والتولية من السنة واستعملوا في أحكامهم الأدب والتعزير والنكال والقتل في المواضع التي ذكرناها ومنها قتل المرتد سائغ في الظهور والكتمان والطاعن في دين المسلمين، ومانع الحق والجناة، فهو ءلاء كلهم أجازوا قتلهم بالحدود ربما رأوا إلا الجاني وحده فسبيل الوليّ عليه القتل بالحديد أو بالسياط، وأما الآخرون فمخيرّون عندهم في قتلهم وتسويطهم رأيا من رأيهم، والقتل/ بالسياط رأي من الرأي.
وأما من في خصلة من خصال النّفاق فإنهم قد استعملوا فيه القتل بالسوط، وأبطلوا الانتفاء من الولد بدليل قوله عليه السلام: «الولد للفراش وللعاهر الحجر». وأبطلوا وَلاية البيضة إلى وَلاية الأشخاص، وأبطلوا وَلاية الأشخاص إلى ولاية أهل الموافقة في الشريعة لافتراق مذاهب الأمة وظهور الفساد في الأرض، وأثبتوا وَلاَية الشّراة والدفاع بالكتاب والسنة، واطرحوا أخذ الجزية عن أهل الذمة، ولم يقطعوا بعصيان من أخذها، وأثبتوا جميع أحكام الولاة الفَجَرة إذا سوّغتها الشريعة، والصلاة خلفهم اذا أقاموها، وكانوا ينفدون الوعيد فيمن تخلف عنها استقراء من حديث رسول الله عليه السلام: «أطيعوهم ما أقاموا فيكم الخمس» ومنعوا من (2/42)
صفحة 239
تولية جُلّ أمورهم، وتأولوا فيه قول رسول/ الله عليه السلام:
لعن الله الظّالمين واعوانهم وأهوان أعوانهم ولو بمَدّة قلم» وأباحوا الخروج عليهم إذا ظلموا من جهة البغي، ولقول الله تعالى: (فإن بغت .......... المقسطين) (2/43)
صفحة 240
باب
أحكام الفتنة واختلاف الناس فيها
وأما أمر الفتنة فقد اختلف فيه الأمة، فأول الفتنة فتنة عثمان بن عفان، اختلف الناس فيه على أربعة أقوال:
أحدهما: قول عبدالله بن مسعود وأبي ذر وعمار بن ياسر رحمهم الله قالوا: ان الخليفة عثمان بن عفان بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأحدث أحداثاً خالف فيها سبيل صاحبيه، وأنهم طلبوه أن يعدل أو يعتزل عنهم فأبى أن/ يعتزل عنهم، وبغى وظلم واستعتبوه ستة سنين فلم يعتبهم، وأن دمه حلال لهم لبغيه وظلمه، قال الله تعالى: (فإن بغت احداهما ........ أمر الله). وسموه جائرا وفاسقا وظالما وكافرا كفر النعمة لقول الله تعالى: (وعد الله الذين .............. الفاسقون). وحكم عليه ابن مسعود بالكفر بدليل قوله: وددت أني وعثمان برمل عالج يحثى علي وأحثى عليه حتى يموت الأعجل، قالوا: إذاً يقتلك، قال: لا يعين الله الكافر على المؤمن، وقول عّمار بن ياسر للذي استغفر/ لعثمان فحثاه بالتراب فقال: أتستغفر له يا كافر؟! وان جميع من قام بالطلب لعثمان فهو مثله، قال فاسق مقطوع العذر أهل عداوة الله عز وجل بدليل قولهم: يا أعداء الله، وهم أهل براءة لهم، واسم جميع من انتصر له كإسم عثمان – عند من ذكرنا، حلت دماؤهم وقتلهم ببغيهم.
وقال بعضهم: إن عثمان هو الخليفة بعد صاحبيه كما قلنا عن الأولين وأنه لعلى الحق، وان جميع ما فعله قسط وعدل، وأن الذين نقموا عليه باطل، وان قتلته وجميع من عاضدهم وخرج عليه ظالم، وأنه مظلوم قتيل الظلم والعدوان، وهو من أهل الجنة غداً، فهؤلاء أهل الشام ومعاوية بن أبي سفيان وعمرو بن العاص ومن معهم من الناس، وقال بعضهم: ان عثمان قد فعل جميع/ ما وصفه الأولون به من الجور والظلم، ولكنهم استتابوه ثم قتلوه بعد التوبة، فهؤلاء مذهب أهل الجمل وأم المؤمنين (2/44)
صفحة 241
رضي الله عنهما.
ووقفت الفرقة الرابعة وقالوا ان جميع ما ذكرتم عن عثمان قد أتاه ولكن لا ندري ما بلغ بما فعل، فنحن نقف فيه وفي جميع الفريقين اللذين اقتتلا عليه ناصرا وخاذلا، وأظهروا الشك فيما ظهر بين الناس، وهم عبدالله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسعيد بن مالك ومحمد بن مسلمة وغيرهم.
فالأولون المحقون وهم طائفة عمار بن ياسر وابن مسعود وأبي ذر وعبدالرحمن بن عوف لقول الله عز وجل: (فإن بغت إحداهما على الأخرى ... ) الآية.
وليس بعد بغي عثمان بغي وقد انتهك من المسلمين الحرم الأربع فانتهكوا منه الحرم الأربع، فاولاها – أعني الحرم التي/ انتهك من المسلمين ان استخلفوه على دينهم ودمائهم وأموالهم وأماناتهم فولى على المسلمين الظلمة الفجرة الخونة للحكم بين الناس في دين الله على صلواتهم وزكاتهم وفروجهم وأزواجهم ودمائهم وأموالهم. وأي بغي أعظم من هذا. ولو فعل أحد مثل هذا في مال يتيم واحد لكان باغيا فكيف بجميع الأمة حتى صلى بهم عامل من عمّاله في أعظم مصر من أمصار هذه الأمة وهو الكوفة بمحضر من المهاجرين والأنصار صلاة الصبح ثلاثا وهو سكران. فشغر وبال وقام فقال: ألا أزيدكم؟ فقال ابن مسعود حسبنا من ثلاث ثنتان.
والحرمة الثانية التي انتهكها من المسلمين منعه العطايا التي افترضها لهم عمر بن الخطاب رضي الله ودرت لهم ووقع الإجماع عليها. وقصر/بيوت الأموال على ذوي قرابته وأرحامه ومنع منها أفاضل أصحاب رسول الله عليه السلام.
والحرمة الثالثة: أن ضرب الأبشار وهتك الأستار وطرد وشرّد الصالحين من أفاضل أصحاب رسول الله عليه السلام. طرد أباذر وسيّره وكان كما قال عليه السلام:» أسلمت وحدك، وتعيش وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك «. وفتق بطن عمار بن ياسر الذي قال فيه رسول الله عليه السلام:» عليكم بهدي عمار وهدي ابن أم عبد «. وقال:» ما لهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار «. وقال في عمار:» تقتلك الفئة الباغية يا عمار «. وقال فيه:» إن عمار جلدة ما بين عيني مهما أصيب المرء هناك لا يتبقى «.
وأمر بابن مسعود فكسرت أضلاعه فتوفي خلال ذلك. وطيف بعبد الرحمن بن حنبل (2/45)
صفحة 242
على أبيات قالها فسوّد وجهه وطيف به على حمار وهي:
فإن الإمامين قد بينا ... ... منار الطريق عليه الهدى
فما أخذا درهما فيلة ... ... ولا جعلا درهما في هوى
وأعطيت مروان خمس العباد ... ... هيهات شأوك فيمن سعى
والحرمة الرابعة: أحد الأفعال التي فعلها في خواص المسلمين كأهل مصر الذين كتب فيهم إلى عامله بما كتب، والحِمَى، ورده الحكم "بن العاص" ومروان وغير ذلك.
والفرقة الأولى محقة، والفرقتان المتوستطان هالكتان، والرابعة يسعها ما لم تقع البلوى، وهو ولاية الظالم وبراءة السالم أو قطعوا عذر الناس في خلافهم.
وأما الفرقة الثانية من الهالكتين فالحكم فيهم حكم عمار، فإنهم عكسوا ونكسوا وأصبح نهارهم ليلا ووزنهم كيلا. وأخبرهم المهاجرون والأنصار شهداء الله في بلاده والحكم على عباده// {فاستغشوا ....... استكبارا}. {أولئك الذين طبع الله على قلوبهم .. } لا يؤمنون حتى يروا العذا الأليم.
وأما الفرقة الثالثة التي قالت قد ظلم وتاب ورجع وأناب وهي عائشة أم المؤمنين وأصحاب الجمل قضى نصف الحاجة فيما نسب إليه من الجور والظلم قد وقع عليه الاتفاق، ووقع الاختلاف في التوبة. فالناس على الأصل والمدعي التوبة متكلف. وقد قال الأحنف بن قيس لأمنّا عائشة أم المؤمنين: أتاب عثمان با أماه بعدما قتل؟ قالت نعم يا بني. فلما خرج قالت لها النسوة اللائي بين يدها: أتدرين ما قال لك قال لك: أتاب عثمان بعدما قتل. قلت له نعم. فغضبت عائشة وقالت أي يجم الأحنف سفهه، أغره أن قيل حليم؟! فهذه الفرقة قد التحقت بأختها ولم يزيدوا في إقراهم على عثمان بالظلم إلا حجة.
اختلف/ الصحابة في الحكم في هذه الفتنة. قال بعضهم: إنها مسألة اجتهاد. وإن المصيب فيها مصيب والمخطيء معذور.
وقال بعضهم: إن كل مجتهد مصيب. وهذا قول علي بن أبي طالب وهو قوله في عثمان وأهل الدار وأهل الجمل وصِفِّين والنهروان وقد ترحم على طلحة بعد نكثه الصفقة (2/46)
صفحة 243
وروى: قاتل ابن صفية في النار. وترحم على محمد بن طلحة وعلى عثمان. ونهى عن قتل محمد بن طلحة. وقال أهل الحق إنها مسألة ديانة، المحق محق، والمخطيء هالك.
واستدل الأولون باختلاف الناس في الدماء والقَوَدِ فيها والقصاص. فإذا جاز للحاكم أن يحكم في الدماء بالقود زمانا ويجوز لغيره أن يبطل القود فيها وكل سائغ فكذلك هذه. على أن الأحكام في الدماء تختلف بأسباب. وإن اختلفت في الأحكام فلا تختلف في المعصية. وأما/ دم عثمان فمعلوم بالنص ولا مخالف لقول الله تعالى: {فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا} الآية. وإنما الاختلاف إنما كان هل بغي عثمان أو لم يَبْغِ. وقد وقع الإجماع على طلحة والزبير أنهما نكثا البيعة. فإن سوغ لهما على الإجتهاد ولعلهما المُحِقّان دونه. أي اجتهاد في نكث البيعة؟!!.
وأما الحرم الأربعة التي انتهكوا منه فأولاها حرمة الخلافة، وحرمة الشهر الحرام، وحرمة الصحبة، وحرمة الإسلام أما الخلافة فحرمتها الأمانة، فإن خالف إلى الخيانة زالت الأمانة، فإن زالت الأمانة زالت حرمة الخلافة وثبت حكم البغي. وأما حرمة الشهر الحرام فقد عادت حرمة الشهر الحرام كحرمة الشهر الحلال ولن تعيذ حرمتها باغيا بعد حكم الله تعالى فيه بالقتل والقتال. وأما حرمة الصحابة. قال الله تعالى: {فمن نكث فإنما ...... أجرا/ عظيما} وقال: {ومن كفر
بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون}. وقال: {وعد الله ................ عظيما}.
وأما حرمة الإسلام فإن الإسلام هو التوحيد، فلن ينتهكوا للتوحيد حرمة، لم يسبوا ولم يغنموا ولم يسترقّوا، وقد أعذروا واعتذروا وهو النصيحة في الإسلام، وإنما قتلوه فالقتل من أحكام الإسلام فمنه قتل المحاربين والقود والقصاص، وعلى الصلاة والزكاة والبغي ونشرب الخمر واشتهار بالمعاصي كالمرجفين. وإن كان الإسلام هو الإيمان والعمل الصالح كما قال الله عز وجل: {آمنوا وعملوا الصالحات} فعلى البغي قتلوه وظهور الخيانة وانتهاك حرمة الأمانة، والأصل البغي.
فصل
وأما قول الله تعالى: {ثم أورثنا .................... مقتصد/ (2/47)
صفحة 244
.......... ومنهم سابق بالخيرات}. وقد اجتمعت المة على سلامة الأخيرين، المقتصد والسابق، واختلفوا في الظالم لنفسه. قال بعضهم: ساقط هالك، وهو قول العامة. وقال بعضهم: ناج مغفور له. وهو قول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها. واستدل الشيخ ماشنن بن الخير رضي الله عنه بهذه الآية أن جميع ما تختلف فيه الفقهاء هذا هالك وهذا ناج. ولم ينفع اختلاف العلماء في شيء غير أن المخطيء سالم.
واعلم أنهذه المسألة قد وقع الاتفاق في أصلها وفيما عند الله. وإنما اختلف في ظاهر القرآن قال بعضهم: إن الظالم لنفسه مغفور له في هذه الآية بأمارات دالة في ظاهر الخطاب. قال الله تعالى: {ثم أورثنا الكتاب} الآية، والإرث محمود والنسبة فضيلة. وذكره في معرض الامتنان حيث أورثهم الكتاب ثم جلاهم ووصفهم فقال: {الدين اصطفينا} / والاصطفاء فضيلة. وهم صفوة الله حيث اصطفاهم. ثم قال: {من عبادنا} فهذه نسبة محمودة ففسّرهم فقال: {فمنهم ظالم لنفسه} فالتسبق فضيلة، والتقييد حيلة، ولا حيلة إلا بالله. فلما ظهرت لهم هذه العلامات والأمارات فضى على الظالم لنفسه أنه ناج. وأي المكلفين لم يظلم لنفسه بهذه الأمارات تائب ناج، وانفهم للآخرين من نفس الآية أنه ظالم مقصِّر لم يتب فخفي على الفريقين أمر توبته. فقول كل واحد على ما سنح له. فقال الأول: إنه تائب لم يصرلا فهو ناج، وقال الآخر: إنه مصرّ لم يتب فهو ظالم ساقط. فاتفقا على التائب أنه من الناجين، وعلى المصر الظالم أنه من الساقطين. فلو قال الأول ناج مصر غير تائب. وقال/ الآخر غير مصر وهو ظالم ساقط لأخطأ. فلما عكسا أصابا وسيأتي بيان المسألة بأشبع من هذا إن شاء الله. (2/48)
صفحة 245
باب اختلاف الناس في الخروج
على السلاطين الجورة وتولية أعمالهم
قالت السنية: الخروج عليهم حرام وقتالهم على ذلك حرام، ولا يحل الخروج عليهم وإن ظلموا وضربوا وحرموا وغصبوا.
وقالت الخوارج: الخروج عليهم واجب وعلى جميع جنودهم ورعيتهم. وقال أهل الحق: إن الخروج عليهم سائغ جائز، وهو قربة إلى الله عز وجل. وجهادهم على جورهم ومنكرهم من أعظم القربات وله شروط قل ما تتفق إلا لأبي بلال مرداس ومن كان على طريقته من أهل النهر وعبدالله بن يحيى الكندي وأبي حمزة المختار بن عوف رحمهم الله.
وأما السنية فقد حظروا مباحا وندبا. وأما الخوارج فقد أوجبوا مباحا وندبا. ولكنا نقول: إن الخروج عليهم ندب وهو/ إحدى القربات إلى الله تعالى: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله
رؤوف بالعباد}. وهو باب من أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن منعه وحظره فقد أخطأ ومن أوجبه فقد أخطأ. ولا فرق بين الشراء إلى المشركين وبين الشراء إلى الجائرين، بل إلى الجائرين أفضل. ألا ترى إلى قول رسول الله عليه السلام وقد سئل ما أفضل الشهادة؟ فقال:» كلمة حق يقولها أحدكم عند سلطان جائر يقتل عليها «. ورفع الظلم عن المسلمين أفضل من قسر المشركين عن ظلم بعضهم بعضا. وليس للجائرين من الحرمة ما يمنع الخروج عليهم.
ودليلنا على جواز المقام بين ظهرانيهم قول رسول الله عليه السلام:» اعطوهم ما لهم واسألوا الله مالكم «. وقوله عليه السلام:» اطع إمامك وإن ظلمك وحرمك وضربك «. فمن عزم على الكون معهم والكون بين ظهرانيهم فلا ينزع يدا من طاعة ولا يجعل إلى نفسه/ سبيلا. ولكن لا يطيعهم في معصية الله تعالى لقوله عليه السلام:» لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق «. وقوله:» إنما الطاعة في المعروف «ويستسلم لجميع ما يجري عليه منهم ما لم يركبوا منه مأثما أويبيحوا محرما لا يقارّهم عليه، إن شاء صبر وإن شاء امتنع فواسع له ذلك. ويسعه أن يأخذ عطاياه ويطالبهم بها ويجاهد معهم ويغزو ويأخذ سهمه من الغنيمة لقول ابن عباس: قاتل على سهمك في الإسلام. ويدفع لهم جميع ما يطلبونه من حقوقهم لقول رسول الله عليه السلام:» اعطوهم حقهم واسألوا الله ما لكم عليهم من الحق «. (2/49)
صفحة 246
باب دفع الصدقات والعشور والزكاة إليهم
واعلم أن هذه المسألة قد اختلفت فيها الأمة فقالت الأشعرية: لا يدفع لهم شيء مما ذكرنا ولا تجزئه مضطرا أو مختاراً وَلْيُعِده في غيرهم من الفقراء.
وقالت السنية: بل له أن يدفعها إليهم ولا يخونهم ولا يصرفها/ بنفسه. وهو فرض واجب عليه.
وقال أهل الحق أن جميع ما يتعلق بالماشية والحراث إن أخذوه أجزأه وليس عليه إعادته ولا يجعل إلى نفسه سبيلا في منعه وإن لم يأخذوه منه فليصرفه بنفسه حيث تجوز له. وكذلك في الأموال المبارزة الظاهرة للعيون لا يقف لهم عليها ولا يمنعهم. وقول القدرية شاق على السلمين، وهو إلى التّنطّع أقرب. قال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. وهم عملوا بالعكس. وقول عبدلله بن عمر كقول أهل الحق، أربى قليلا عليهم وفارقهم في الناض، وقال: يقصدهم به، وهو أن الناض من أموال المسلمين فما قدرت أن تغيب عن أبصارهم وتصرفه دونهم فافعل. ولا تقصدهم به كقول عبدالله بن عمر. وإن ظهروا عليه وأخذوه فالأفضل أن يعيده في موضعه. وإلا فواسع. وأما/ أن يقصدهم به فلا. والله أعلم.
وأما تولية الأمور لهم وخدمتهم، فقد اختلف الناس في ذلك وقد عرفنا مذهب أهل السنة فيه قبل هذا ومذهب القدرية، هؤلاء يقولون جائز وهؤلاء يقولون غير جائز.
وأما قول أهل الحق، قال بعضهم: لا يتولى لهم من الأمور شيئا ولا يعينهم بنفسه ولا بما له مضطرا ولا مختارا.
وقال بعضهم: تجوز خدمتهم وتوليتهم في جميع ما تخدم به الخلفاء الراشدون.
واستدل الأولون بقول رسول الله عليه السلام:» اعطوهم ما لهم واسألوا الله مالكم «. وقال:» أطع إمامك وإن ظلمك وحرمك وضربك «. وهو الصحيح عن عمر رضي الله عنه. وقال رسول الله عليه السلام:» أطيعوهم ما أقاموا فيكم الخمس «. ولا طاعة إلا في معروف لا في منكر كما قال عليه السلام:» إنما الطاعة في المعروف «. أما المعصية فلا نعمت عين ولا تكن/ طاعة من أطاعهم في (2/50)
صفحة 247
طاعة الله بطاعة لهم كما أنه لو أنفق على عياله وأهله وولده وعبيده وأوليائه وسعى عليهم وأورثهم ما له بعده بمعين لهم ولو كانوا ظالمين.
والذي أقول به واستحسنته أني رأيت الناس في هذه المسألة على أربعة أوجه، وأن الأمور التي يتولونها على أربعة أنحاء. أما الوجه الأول من الناس فإن الصحابة في عصرهم هم الأئمة والقادة، وأن لهم من القبض والبسط ما ليس لغيرهم، وإنما غصبتهم السلاطين الجورة ملكهم وسلطانهم. وإن السلاطين في معونتهم لا في معونة السلاطين. فمن دخل شيء من هذه الأمور كما يجب فلا بأس عليه في ذلك.
الثاني: ثم من بعد الصحابة من ظهرت منه مناقضتهم ومخالفتهم وتجويرهم وتخطئتهم والرد عليهم/ ولا يسالمهم في شيء حتى عرف بذلك فليس عليه بأس فيما يتولاه من أمورهم.
الثالث: ثم بعد هؤلاء الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، أمرُ العامة الذين لا ينسب إليهم أمر بمعروف ولا نهي عن منكر، وليس للناس علم بمذاهبهم ولا اعتقاداتهم في السلاطين. هؤلاء إلى الخطأ أقرب وعن السلامة أبعد، ولا تزر وازة وزر أخرى وما أنت عليهم بوكيل.
الرابع: ثم من بعد هؤلاء الفقهاء والعلماء الذين يمنعون الخروج عليهم ويحرمونه، ويأمرون العامة بطاعتهم وخدمتهم على هذا ويتعاضدون معهم على هذا العاجل، فهؤلاء الذين قال فيهم رسول الله عليه السلام:» لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم ولو بمَدة قلم «وفيهم يقول أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمه: ولا/ أرى مؤذّنهم ينجو. وفي مثله قال سفيان الثوري وقد سئل عن رجل يخيط الثياب الرفيعة ولا يلبسها إلا هؤلاء الجبابرة. فقال الرجل لسفيان: أترى أنّي من أعوان أعوان الظالمين قال: بل أنت من أعوان الظالمين. وإنما أعوان أعوانهم الذي يصنع لك الإبر لخياطة هذا الثوب.
وأما الأمور الأربعة التي يتولاها لهم:
فأولها: الجهاد والغزو في سبيل الله، وقد تقدم القول بما فيه كفاية. وسائغ الجهاد والغزو. وانما ولاية الجيش لمن احتمل ثلاثة شروط فلا بأس.
الأول: أن يكون معلوم المذهب فيهم بأنهم عنده جبابرة وأنهم ليسوا على حق. ويكون معروفا بذلك عند الناس.
والثاني: أن يحكم بما أنزل الله في جميع ما وليه من ذلك، ولا يطيعهم في شيء من معصية الله/تعالى.
الثالث: أن تكون الحاجة ماسة (2/51)
صفحة 248
كالذي يروى عن الحكم بن عبدال له، وقد أرسل إليه الحجاج بن يوسف وهو على جيوش من خراسان وقال له: إن أمير المؤمنين الوليد بن عبدالملك يأمرك ويقول لك أن تحتفظ بجميع الغنائم التي غنمتموها هذه السنة ولا تقسمها فإن أمير المؤمنين قد اصطفاها فأرسل للجاج جواب كتابه فقال: "جاءني كتاب رب العالمين قبل كتاب أمير المؤمنين فقسمتها على السهام". ثم قال: اللهم لا تؤخرني بعدها
إلى رؤية كتاب الحجاج ثانية. فمات عقاب ذلك وُحقَّ له. وفيه قال رسول الله عليه السلام:» الحكم بن عبدالله إمام أهل المشرق «. فمات بخراسان أو بأرمينية. وكالذي جرى لعقبة بن نافع المستجاب في أرض المغرب، لا يعمل إلا بأمر الله تعالى. وقد ولي أيام عبد/الملك بن مروان.
وأما مس الحاجة إليه كالذي جرى لشريح القاضي، وقد تولى القضاء على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أيام الجبابرة ومعاوية وذويه فهو على قضائه إلى ثلاث سنين اعتزلهم أيام عبدالرحمن بن أشعث بن قيس. وولاية بني عباس السقاية، وولاية بني هاشم بني شيبة السدانة وما أشبه ذلك.
والثاني: الفتوى فإن أمور الفتيا ليس به باس من عالم صلح لذلك على الشروط التي ذكرنا، أن يكون مباينا لهم لا معاضدا. كالزهري الملابس لهم وإن كان لا يفتي إلا بالله؛ لأنه آنس وحشتهم، وعاضدهم على مذهبهم ولا يسوغ لهم شيئا من الباطل كجابر بن زيد رحمه الله، فلا بأس. وهو المتولي الفتوى بالبصرة أيام الحجاج، وهو على قسمة المساحة. وكالحسن البصري/ وغيرهما من العلماء المعروفين بمخالفة الأمراء.
الثالث: تولية القضاء والأحكام وولاية القياس فإن كان رجلا مشهورا مذكورا قبلهم قد تولى القضاء والأمور والاحتساب كشريح القاضي فلا بأس. وأما إن كان إنما يتولى القضاء على أيدي الظلمة ويحتطب في حبالهم كبلال بن أبي بردة فهذا له أن يعف. وهو الذي قال فيه أبو عبيدة مسلم ما قال.
الرابع: من يتولى لهم خراج الأرضين والسعاية على الصدقات والعشور والزكاة والكنوز والرسل والرسائل والبُرُدِ والنفقات وتفصيل العطايا والدواوين وديوان الجند وديوان الخراج وديوان التحقيق وديوان الشرطة، فهذه أشدها، ومن كان فيها فأخشى عليه أن يكون في معونتهم. وقد قال رسول الله عليه السلام:» لعن الله الظالمين وأعوانهم وأعوان أعوانهم
ولو بمدة قلم (2/52)
صفحة 249
«. والحاجة ها هنا إلى هذا التعريف. فإن كان تعريفا للجنس فهو أشد الوجهين، وإن كان تعريف العهد فهو أسهلها. ومن يستعفف يعففه الله ومن يستعن يعنه الله، ولا يضيع أجر من أحسن عملا. ويحشر الناس على نياتهم. وفي يوسف الصديق عبرة لأولي الألباب. قال: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}.
وأشدّ هذه الوجوه الفتن التي تقع بين الملوك الجبابرة الجورة كل يريد أن يتغلب على صاحبه ويقهره ويملكه ويملك مملكته ويستوي على أعماله وعماله. فأولها الجهاد قد سوغناه معهم في المشركين وكذلك دفع المشركين على بلاد المسلمين. فإن وقع الزحف إلى بلاد رجل من الجبابرة الذين لم تكن تحتهم. هل تدافع وتقاتل معهم أم لا، فلا بأس في كل هذا دفاعك عن المسلمين لا عن/ الجبابرة. وإن زحف أحد هؤلاء الجبابرة الجورة إلى بلادك وإلى صاحبك الذي أنت تحته، هل تقاتل مع صاحبك أو طالَبَكَ الجائر بالدفاع معه على البلاد التي يأكل عطاياها، أو عن بلدك وموطنك فلا بأس. وإن طالبتك الجائر بالدفاع عن بعض البلاد التي تغلّب عليها ليدفع عنها جائرا آخر وفي هذا البلد إخوانك من المسلمين فإن كان ينالهم الضرر من الزاحف وإن كانوا سواء فالله أعلم. وإن طالبك الجائر الذي أنت تحته بأن يزحف بك إلى جائر آخر ليتغلب على عباده ولا نَعِمَتْ عَيْن. وإن طالبك الجائر بدفاع ظالم أظلم منه أو دفاع الخوارج عن بلادك فلا بأس في هذا كله. وأما دفع السلابة والحاربين على أي بلد من بلدان المسلمين والمعاهدين لآمن أهل الدعوة ولا من المخالفين فلا بأس في هذا كله. (2/53)
صفحة 250
باب
/ ... ... ... ... ... أحكام الإكرام قال الله تعالى: ( ... من كفر بالله ........... عذاب عظيم). واعلم أن الله عز وجل قد أباح القول باللسان بالتقية والإكرام بشرط طمأنينة القلب بالايمان، واختلف الناس ها هنا أختلافا متفاوتا، فبعضهم أطلقه على ظاهر القرآن، وبعضهم منع منه إلا أن يعتقد في قلبه معنى خلاف ما قال، وتأول قوله عليه السلام: «ان في المعاريض لمندوحة عن الكذب). وقال بعضهم: يسعه أن يتبعهم لفظاً بلفظ ولا تسعه مخالفتهم، وقال بعضهم: له أن يعطيهم جميع ما طلبوا إليه معنى لا لفضا. وبأي لغة طلبوه أن يعطيهم بغيرها، وليس عليه من اللّغات شئ، فعلى القول الأول، أشرك/ وعصى.
وقال بعض: الآية منسوخة بحديث ابن حكيم قال: كتب الينا رسول الله عليه السلام قبل موته بشهر: «ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، وألا تشركوا بالله شيئاَ ولو عذبتم أو حرقتم بالنار»، فنسخ بهذا الحديث الآية، وقال جابر بن زيد رضي الله عنه: انما يوجبه إلى الضمير دون اللسان فالآية باقية على إباحتها.
وقال خامس: عامة جميع ما يقوله اللسان من قذف المحصنات وشهادة الزور والحكم بغير من أنزل، والفتوى والكذب والبهتان، وجعلوه من قياس المعنى، كما أن من بال في ماء لا يتوضأ منه، وان بال في كوز وصبه في ماء فكذلك، في جميع ما يتضمنه اللسان مثل الشرك لا سيما أن الشرك أعظم.
وقول سادس: إن له (أن) يطيعهم في جميع ما يكرهونه عليه فيما يتعلق بالأفعال من جماع/ في رمضان وإفطار وأكل الميتة والدّم ولحم الخنزير أُهِلّ لغير الله به وأكل الأنجاس الأرجاس ويرعى الخنازير ويشرب الخمور ويحملها، ويضرب بالعود والرباب وينحت لهم الأصنام ويبني البيع والكنائس، ويزفن في العرائس، ويستدبر القبلة، ويخنس من الصلوات ويخرم المناسك، ويهدم البيت الحرام وينصب فيها الأصنام ويبايع الظلمة ويحدو (2/54)
صفحة 251
ويغني ويسني، وهذا كله والسيف مسلول والجيد مغلول والمرء مقتول إن لم يفعل في اللواتي قبلها واللواتي بعدها.
وقول سابع: إنه يسوغ لك إذا أُكرهت تفتدى بجميع أموال الدنيا فتنتفع بها وترتفق وتأكل وتشرب بالإكراه وبالمخمصة والعطش وتدخل البيوت على أربابها بغير إذن أهلها، وتدل/ عليها وتفتك بها وتفتدى من الظلمة ويتوجه الضمان إليك وعليك بشرط ألا يتجاوز المقدار الذي يملكه من المال، وأما الفروج والنفوس فتلك مظالم العباد ومن أُكره على قتل انسان فقتله فالعَوْدُ على المكره وقيل عليهما، وقال أبو حنيفة: على الذي أكرهه وليس على القاتل شئ وإن أكره على زنى بأمرأة فالحَدّ عليه والصداق، وإن هي أكرهته بطل الصداق والحدّ، وقيل ببطلان الحد في الأول، ومن أباح الإكراه له في القتل والزنا فقد تَفَد مر.
فصل
ومن كان تحت أيدي السلاطين الجورة فأكرهه على قتل أحدٍ من الناس وهو ممن يحلّ دمه عند المسلمين كالطّاعن في دين المسلمين أو مانع الحق، أو الدال على عورات المسلمين، أو أحد من المحاربين أو المرتدين أو المرجفين أو اكرهوه على القصاص أو الجلد أو القطع/ أو الرجم، أو على ذمي منع الجزية أو أسير الحرب، أو يخطب ويصلي بهم الجمعة ويذكر في خطبته مناقبهم وينال من السلف الصالح، فهذا كله سائغ له إذا ظهر السيف وخاف الحتف والتلف وبالجملة، إن جميع ما يكره عليه الرجل المسلم ان كان مباحا فمخير إن شاء ترك، وكذلك (النوافل) كلها على هذا الحال، وأما الفرائض فما كان مضيقا فلا يسعه إلا أن يطيعهم وغير ذلك مخير، وأما المعاصي كلها فقد تقدم القول فيما يسعه من ذلك وما لا يسعه.
فصل
قال الله تعالى: (لا اكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي) قد أوسع الله المسلمين عذرا أن يكرهوا على دخول الدين عبدة الأوثان والأصنام بالسيف، وأما أهل (2/55)
صفحة 252
الذمة فكذلك إلا ان تعوذوا بالذمة، وأما أفراق المحمدية/ فلا اكراه عليهم ما أطاعوا لأحكام المسلمين ولا يتعرضوا للبلاء.
وأما الإكراه في الدين فقد ورد في خصال الإسلام كالصلاة يؤدب تاركها ثلاثا وإلا قتل – أعني ثلاث ليال أو ثلاثة أيام وإلا قتل، وأما المرتد فيؤخر أيضا ثلاثة أيام وإلا قتل، وأما مانع الزكاة لولاة الأمور فحين منعها يقتل لا يستأنى إلا أن يظهر الوالي على ماله فيأخذ منه حق الله تعالى ولا يقتل إلا إن كابر قتل، وأما الصوم فلا يترك يظهر الإفطار في رمضان ويمنع من ذلك وإن جاوز المنع على المكابرة قتل، وأما الحج فقد هم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يضرب الجزية على من لا يحج وهو موسر ولا مانع له، وأما من منع الجهاد أو الدفاع فإن أمير المؤمنين يؤدبهم بحرمان عطاياهم، وكذلك القضاء/ والفتوى والشهادة والولايات.
فصل
وإن اتفق المسلمون أهل الحل والعقد على تولية رجل إِمْرَةَ المؤمنين فامتنع منهم فإنه يقتل إذا لم يكن في المؤمنين من هو أولى بذلك المكان منه، فإن كان منهم من هو أولى أو من هو مثله فإن المسلمين مخيرون في تولية أيهم شاءوا فإن امتنع قتلوه، وإن كانوا عددا فامتنعوا ورأى المؤمنون أن يقتلوهم
كلهم قتلوهم إلا أن يكون فيهم من فاقهم في الأمور التي تصلح للولاية فيتوجه القتل إليه وحده، فإن أُسِرَ أمير المؤمنين في أيدي أهل حرب المؤمنين فأكرهوه على أن ينخلع انخلع فلا بأس وهو على ولايته.
وهل يجوز لأمير المؤمنين أن يخلع من الولاية إذا طرأ من هو أولى/ بها منه من ذات نفسه، أو يسوغ للمسلمين أن يخلعوه ويولوا الغير؟ فلا يجوز شئ من هذا، ومن أكره على طلاق امرأته بالسيف أو على اعلاء ماله أو بيعه أو عتق رقبة فلا بأس في هذا كله وليس عليه شئ وامرأته امرأته والمال ماله والرقيق رقيقه.
ومن أشرف على المهالك كلها من قبل الله عز وجل أو من قبل الناس فاستغاث إلى القبر فأبى له إلا (أن) يطلق أو يعتق أو يهيب أو يعطى ففعل فليس هناك شئ.
وقيل غير ذلك، وأما إذا امتنع منه إلا بأُجرة فإنه يدركها بقدر عناه لا مناه. والسلام. (2/56)
صفحة 253
الجزء الثالث
من كتاب العدل والإنصاف
في معرفة أصول الفقه والاختلاف
باب
في معرفة القياس وحصوله في صدور الناس
اعلم أن الله خلق ابن آدم أطوارا في الرحم، ونفخ فيه الروح والنسم. ومكث في الرحم مدة ليس له علم بشيء من الأمور إلا الحس به يستلذ وبه ويتألم. فجميع مضار أمه مضاره وجميع ملاذ أُمّه ملاذه، وربما تقع له الشواذ في الآلآم والملاذّ، لا شم ولا طعم ولا سمع ولا بصر إلا الحس وحده. وغذاؤه من سرة أمه إلى سُرّته. لا بول ولا غائط ولا لعاب ولا مخاط ولا عرق. فلما حان حين خروجه اقلبه الله تعالى فإذا سبق رأسه ويداه كان مستويا، وإن سبقت رجلاه كان منكوسا وهو اليَتَن. فلما انقشع عنه حجاب الرحم تألم لِمَسِّ الهواء كل الآلآم فصرخ:
لما تُؤذِنُ الدنيا به من صروفها ... ... يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
عَلاَمَ بكى لمّا رآها وإنها ... ... لأرحب ممّا كان فيه وأوسع!
/فجرت الحركة في مفاصله، فأبصر وسمع وذاق وشم إلى ما تقدم من الحس والجس. فلما انجمعت حواسه وجرى حديث النطق في شفتيه ولسانه ظهر التأمل للناس والنظر إلى صورتهم، والاستمتاع إلى أصواتهم ووقعت التفرقة بين الأب والأم والحشم والخدم، فقرن به الله تعالى المَلَك صاحب اليمين فكان في سياسته ويعلمه. فلما استتم له الانفصال والانفصام، ونقل إلى الشراب والطعام، نشج فبكى وسجم فشكى بعينيه ما يلقى، فلما أيس آنس واستأنس، ومكث في تعلم الكلام (2/57)
صفحة 254
سبع سنين وهو مع ذلك في خفظ صاحب اليمين يلهمه ويلقنه، ويعلمه ويلُسِّنه. فقُرن به عند تمام سبع سنين صاحب الشمال يرشده ويقويه ويؤيده تمام أربع عشرة سنة. ففي/ السبع الأول يلتقط الحروف حرفا حرفا، ويركبها كلما كلما. وفيها حصل له معنى الفاعل والمفعول والفعل الماضي والآتي. فتراه يستنج من كل صفة سمعها – ولم يعهدها – اسم فاعلها ومفعولها، وماضيها ومستقبلها، ويقع الغلط في مصادرها أحيانا، فإذا ظهر على الكلام.
استقبلته القياسات الخيالية واختلطت له بالعقلية ودخل في بحر البيان، فإذا نظر إلى السماء توهمها بستانا أخضر نثرت عليه دنانير صفر، فلما قويت نفسه وبلغ حسه ذهب الخيال هباء منثورا وبقي العقل أميراً مأمورا، والسلام وهو قوله تعالى: {أولم نعمركم ....... النذير}.
الكلام في القياس وأحكامه
وحد االقياس هو حمل أحد المعلومين على الآخر في/ حصول الحكم واسقاطه بأمر يجمعهما، وأصل القياس: التساوي، ألا ترى إلى العرب تقول: قس هذا الثوب إلى هذا، يريد كيما يعرف تساويهما في المقدار والقيمة.
والقياس يشتمل على صحيح وسقيم، والمعول على الصحيح ويبطل الفاسد، ولهم ألفاظ في حد القياس زهاء عشرين لفظا كلها قاصرة عن التوفية لحده وقد قيل: رد الفرع إلى الأصل لعلة توجب الجمع بينهما، وقالت الفلاسفة: إن القياس لا يتم إلا بعقد متين فصاعدا، ولايتم بمقدمة واحدة والمقدمة مقال موجب شيئا لشيء أو سالب شيئا عن شيء. فالموجبة قولك: كل حي قادر. والسالبة، قولك: ليس زيد بميت. وطعنت الموحِدّة في هذا القياس وهو الصحيح وذنبّوه أن جاء من قبل الفلاسفة وربما لو جاء من غيرهم كان مقبولا. ولا ذنب/ لهم الأفساد الأصل الذي هم عليه.
واستدلوا على بطلان قول الفلاسفة إن قالوا: إن قولك زيد حي وجب أنه ليس بميت فهذا نتيجة من مقدمة واحدة، وأعلم أن قولهم يبطل من وجهين، أحدهما: ان قولك زيد حي قهو نفس قولك زيد ليس بميت لم يفد فائدة تجاوز معنى قوله زيد حي، فكأنك كررت وقلت: زيد ليس بميتوالفائدة التي استفدنا من قولك زيد حي هي (2/58)
صفحة 255
الفائدة التي استفدنا من قولك زيد ليس بميت، فالمعنى تكرار ليس أكثر من المعنى الأول ولا نتيجة، فأين القياس؟ ولو قال القائل: زيد ليس بميت ما زادوا، على أنهم لو قالوا: إن ها هنا مقدمتان، واحدة موجبة والأخرى سالبة لصدقوا؛ لأن قولك ليس بميت سالبة وقد تقدم الموجبة، وهؤلاء انما عوّلوا/ في قولهم على دليل الخطاب، ودليل الخطاب فيه ليس فيه ما يوجب حجة على أن قولك زيد حي دعوى ليس تحتها برهان وإنما وقعت مواضعة اقتضت انتفاء الضد، والحياة والموت ضدان، ولو ادعوا زيد حي فسؤلوا البرهان فقالوا لأنه ليس بميت ما زادوا شيئا، والقوم إنما عولوا على البرهان العقلي لا الشرعي لأنهم لا يقولون بالشرعي.
والوجه الآخر: قولك في حد القياس إنه حمل معلوم على معلوم، ولابد لكل معلوم من مقدمة فكذلك يصح القياس وتظهر النتيجة.
فصل
اختلف الناس في القياس فأثبته بعض وأبطله آخرون، فالذين أثبتوه قالوا يجوز في الشرعيات وفي العقليات وهو مذهب جل الفقهاء والمتكلمين والسنية.
وقال بعضهم: انما يجوز القياس العقلي/ لا الشرعي، وهو مذهب النظام وبعض الروافض وجل الخوارج الا النجدية، وإليه يئول مذهب ابن حنبل وبشر قولاً وخالفوه فعلا.
وقال بعضهم: وهم الغلاة من الحشوية وأصحاب الظاهر هم إلى رد الكل من العقلي والشرعي أقرب، واختلف الذين منعوا منه فقال بعضهم: قبيح لعينه، وقال بعضهم: قبيح للنهي عنه وعن استعماله في الدين، قد أغنانا الله بالكتاب والسنة، وقا لبشر المريسي والأصم وابن علية: العقل يوجب العمل به، والسمع ورد مؤكدا لذلك وفي بعض الروايات عن الأمم وبشر أنهما على قولي ما نعي النظر ولا يسوغ إلا العقلي.
الدليل على جواز التعبد
بالقياس من القرآن
قال الله تعالى: {فاعتبورا يا أولي/ الأبصار} والاعتبار مأخوذ من قولك: اعتبرت هذا الثوب بهذا فنسبته منه لتعلم مقدراه أو ثمنه أو كيله من كيله، مأخوذ من تعبير الميزان وقيل مأخوذ من عبور النهر، أي عبرت النهر أي جاوزته، وهو مجاوزة حكم الله من شئ إلى شئ كان مساويا له ليجرى عليهما حكم واحد فالأول من تعبير الميكال، والثاني من (2/59)
صفحة 256
عبور النهر، وقد روى عن ثعلب أنه قال: الاعتبار هو القياس، وثعلب امام ونزلت الآية: {واعتبروا يا أولي الأبصار} في بني النضير حين أصابهم ما أصابهم من أمر الله تعالى من الجلاء في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة، فخاطب الله تعالى أهل البصائر أن يقيسوا أنفسهم إلى بني النضير إن عصوا أن يؤاخذهم كما آخذهم، والدليل أيضا قول الله تعالى/: {وإذا جائهم ............. أولي الأمر منهم} ولم يذكر في معرض المخرج إلا وقد أمرهم بالاستنباط، قال الله تعالى: {إنا أنزلنا ................ خصيما} ولو أراد الأنباء لقال لك: بما أخبرك وأنبأك وأعلمك، فلما علق الأمر إلى أمره الله كان ما أراه رأيه، ومصداق ذلك قول ابن عباس رضي الله عنه: كان رسول الله عليه السلام يقضي بالقضية فينزل القرآن بخلافها فيستقبل حكم القرآن ولا يرد قضاءه، وقال الله عز وجل: {وتلك الأمثال ............. العالمون}، وجل القرآن انما نزل في استعتاب أولي الأبصار والبصائر والنهي وقال: {إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون}، و {لعلهم يتفكرون}،/ {لقوم يوقنون}، و {لقوم يتذكرون}، {ان في ذلك لعبرة لمن يخشى}، فما الذي يعتبر، وما الذي يخشى؟ يعتبر ببني شكله وجنسه إلى مثله ونفسه، ومثل هذا المعنى في القرآن كثير من الأمر بالفكر والتذكر والاستبصار والعبر، والبحث والنظر.
الأدلة على جواز القياس من السنة
وهما كما قدمنا أولا عن ابن عباس رضي الله عنه، قول عمر: إن الرأي من النبي عليه السلام كان مصيبا لأن الله عز وجل كان يسدده، وإنما هو منا الظن، ومنه قوله عليه السلام في تعليم القياس حين سئل عن القبلة للصائم فقال:» أرأيت لو تمضمضت هل عليك من جناح؟ قال: لا «، وهذا نفس تعليم القياس وتمثيل الأمور بعضها ببعض، وأقوى من هذا كله قوله لسعد بن معاذ وقد أمره أن يحكم في بني قريظة برأيه فحكم بأن تقتل المقاتلة وتُسبى الذرية وتقسم الأموال، فقال رسول الله عليه السلام:» فقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع/ أرقعة «، وقول رسول الله عليه السلام:» اذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد «، وقوله تعالى: (2/60)
صفحة 257
{وشاورهم في الأمر}.
ويشاورهم فيشيرون، ويمتثل قول بعضهم دون بعض، وقول عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث، ووافقني ربي في ثلاث، في أسارى بدر، وفي الصلاة عند المقام، وضرب الحجاب على الأزواج، وحتى قال رسول الله عليه السلام:» .. وقد عرض علينا العذاب ما دون هذه الشجرة، فلو نزل العذاب ما نجا منّا إلا عمر «، وقوله عليه السلام:» كدنا أن نهلك في في خلافك يا عمر «، وقوله للخثعمية:» أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكنتِ قاضية عنه؟ ثالت نعم، قال: فذلك كذلك «وهو نفس تعليم القياس، وفي بعض الروايات:» فدين الله أحق أن يقضى «ومنه رأى عمر في الأسارى، أشار على رسول الله عليه السلام أن يضرب أعناقهم، فأنزل الله تعالى مصداق رأيه: {ما كان لنبيٍ أن يكون له أسرى/ حتى يثخن في الأرض} وقد استشارهم فشار عليه أبو بكر أن يعفو ويأخذ الفداء، وأبى عمر من ذلك فأنزل الله تعالى مصداقه أي عمر، ومنه قوله لأمعطيةفي ابنته:» اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو ما رأيتن «وقوله:» لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا ثمنها «فقاس الثمن إلى المثمن، وأعظم من هذا كله قوله لمعاذ بن جبل حين أنفذه إلى اليمن حاكما:» بماذا تحكم يا معاذ؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله بما يرضى رسوله «، ولا يظهر إلا بأمر حق.
الدليل على صحة القياس من جهة الاجتماع
وذلك أنا علمنا بالضرورة من جهة التواتر أن الصحابة قد أختلفت بعد نبيها عليه السلام في أشياء كثيرة ورأوا فيها برأيهم، ووقعت المناظرةبينهم فيها، واستدل / كل واحد منهم، واحتج على صاحبه بالأدلة القياسية، وشرع كل لصاحبه رأيه ووقعت المخالفة والمناظرةمن كلواحد منهم لقولته، والانتصار لحجته، ولم يقع واحد منهم عذر صاحبه، ولم يحظر عليه رأيه وحتى قال ابن عباس لزيد بن ثابت: في أي كتاب الله يجد زيد بن ثابت ثلث ما بقى؟ وابن عباس يقول: للام الثلث فبلغ ذلك زيد بن ثابت فقال: يقول ابن عباس برأيه وأقول برأيي، فان كان صوابا قمن الله، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان. (2/61)
صفحة 258
وقال ابن مسعود في بروع بنت واشق وفرض للمميته صداق المثل ولم يفرض لها، فسمع ابن مسعود بأنها مسألة بروع بنت واشق فركب إليها حتى بلغها في حيها فسألها فقالت: قضى لي رسول الله عليه السلام بصداق المثل، فحمد ابن مسعود الله عز وجل/ وشكره حين وافق قضاء ؤسول الله عليه السلام، واختلفوا في توريث الجد ما لم يبلغ اختلافهم في مسألة حتى قال عبيدة السلماني: اني لأحفظ فيها لعمر مائة قضية وما منها قضية إلا تخالف الأخرى.
وكذلك إختلافهم في قول الرجل لامرأته: أنتِ حرام، فقال بعضهم: ايلاء، وقال بعضهم: ظهار، وبعض: ثلاث، وبعض كفارة يمين، واختلفوا في حد الشارب والعول في الظهار ولم يظهر من أحد من الصحابة نكير على بعضهم ولا تحظير، فان أطبقوا كان حقا عند الله وان اختلفوا كان علما وحكما كما قال الله عز وجل: {وداود وسليمان ........... ففههمناها سليمان} ولا تفهم على قول من يمنع الرأي والقياس، وهذه الآثار المشهورة إن اقر بها أقر بالرأي والقياس، وان أنكرها دفع المشاهدات، وان أثبت الاختلاف كان ما قلنا.
وأول رأي أجمعوا عليه إمامة أبي/ بكر رضي الله عنه، رأيا من رأيهم حتى قال رجل لقائل يقول لأبي الصديق رضي الله عنه، يا خليفة رسول الله عليه السلام: ما أسرع ما كذبتم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم تزل الأيام والليالي حتى سماه خليفة رسول الله عليه السلام، وأبنه بذلك بعد موته ورحيله.
ومما اختلفوا فيه ثم أطبقوا عليه ورجعوا إلى رأي أبي بكر الصديق قتال أهل الردة بعد اختلافهم، واحتج عليه عمر فقال: كيف تقاتل قوما قالوا: لا إلة إلا الله بعد قول رسول الله عليه السلام:» أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها «، قال أبو بكر: فمن حقها إيتاء الزكاة كما أن من حقها إقام الصلاة، ولا أفرق بين ما جمع الله، فأيم الله لأقاتلن من فرق بينهما ولو منعوا مني عقالا مما كانوا يؤدونه لرسول الله عليه السلام لقاتلتهم عليه حتى ألحق بالله، فرجعت الصحابة/ إلى قوله ورأيه وقياسه ولم ينقضوا عليه استدلاله بالقياس، وحمل الزكاة على الصلاة، وكذلك أهل الردة يقولون نصلي ولا نزكي.
وأجمعوا على رأي أبي بكر وعهده على عمر رأيا وقياسا، وأجمعوا (2/62)
صفحة 259
على حد شارب الخمر بثمانين وقال علي – وقاس -: (إن شرب سكر، وان سكر هذي وإن هذي أفترى، وان أفترى وجب الحد) فجعلوا عليه ثمانين إجماعا وإطباقا، ولذلك قال علي: ما من أحد يقام عليه الحد إلا وفي نفسي منه شئ، الحق قتله، إلا الشارب فإنه رأي منا قد أحدثناه. وروى عنه أنه جلد بعد ذلك أربعين رجوعا عن رأيه الأول.
وقال زيد بن ثابت: حاورت عمر في الجد والأخ محاورة شديدة فجعل يأبى ويقول ما يكون ابن ابني ابني، ولا أكون أنا أباه، فضربت له في ذلك مثلا شجرة تشعب من أصلها غصن، ثم تشعب من ذلك/ الغصن خوطان، قلت: فذلك الغصن يجمع الخوطين ويغذوهما دون الأصل، ألا ترى يا أمير المؤمنين أن أحد الخوطين أقرب إلى الآخر منه إلى الأصل وقد ظهر القياس بالاستدلال.
وما أجمعلوا عليه رأياً وقياساً جمع أبي بكر القرآن على يدي زيد بن ثابت حتى قال لهم زيد: لو كالفتموني نقل جبل إلى جبل لكان أخف علي، وذلك حين بلغهم مقتل أهل اليمامة، وذلك أنه قتل من المسلمين ألف وماتان، والقراء منهم سبع مائة فخافوا أن يذهب كثير من القرآن لشهادة هؤلاء القراء، وجمع أبو بكر الصديق رضي الله عنه من المدينة من الرجال والنساء والولدان فجمعوه على يد زيد بن ثابت، وكانوا يقبلون شهادة الاثنين على الآية والآيتين، وجاءهم واحد بالآيتين اللتين في خواتم براءة {لقد جاءكم ............ وهو رب العرش العظيم} فشهد عليهما واحد قال عمر: اكتبوها بشهادتي وإن هذه صفة نبيكم، ولو لم تكن إلا شهادة عمر لكانت كافية؛ لأن عمر مروع هذه الأمة ومحدثها، والله تعالى معه في نصرته في بعض الأمور، ثم إن الغزاة أقبلوا ولم تصب بقيتهم فأصابوا القرآن كما أنزل وكما حفظوه، فحمدوا الله تعالى، وله الحمد، وكذلك رأي عثمان في جمع الناس على مصحف واحد حين ذكر له حذيفة بن اليماني فقال: تدارك هذه الأمة قبل أن تختلف، بعض يقول هذه قراءة ابن أم عبد وبعض يقرأ على حرف فلان، فجمع عثمان الناس على مصحف واحد، وهو القرآن العظيم وهو الحق عند الله تعالى، ومن رد منه شيئا كفر.
وأجمعوا على رأي عمر/ بن الخطاب رضي الله عنه في قيام رمضان، ومنه (2/63)
صفحة 260
رجوع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بطريق الشان حين بلغه أن بالشام طاعونا وبلغ سرغ فاستشارهم فأشار عليه المهاجرون الأولون واختلفوا، واستشار الأنصار فاحتلفوا كاختلافهم، واستشار مهاجرة الفتح فأطبقوا على الرجوع ولم يختلفوا، وكره أبو عبيدة بن جراح رجوعهم بالناس فقال لعمر: أفرارا من قدر الله، فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة: نعم، نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان واد له عدوتان احداهما جدبة والأخرى خصبة أليس ان ترك الجدبة تركها بقدر الله وان رعي الخصبة رعاها بقدر الله قال أبو عبيدة: نعم. فقال عمر: نحن نفر من قدر الله إلى قدر الله.
ومن وراء ذلك أن جعل الشورى بين ستة وقصر الخلافة عليهم، وسئل أبو بكر عن الكلالة/ فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله تعالى، وان خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، والكلالةما عدا الولد. وروي عنه أنه ورث الجدت أم الأم، ولم يورث الجدة من قبل الأب، فقال له رجل من الأنصار: لقد ورثت امرأة من ميت لو كانت هي الميتة ما ورثتها وتركت امرأة لو كانت هي الميتة ورث جميع ما تركت. فأشرك أبو بكر عند ذلك بينهما في السدس. وسوى أبو بكر بين الناس في العطايا فاضل عمر لما رجع إليه الأمر. وألف عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا في الجدّ، فكان يستخير الله تعالى فيه، فلما طعن أمر بدفنه، فقال: من أحب أن يقتحم جراثيم جهنم فليقل في الجَدّ برأيه.
وأراد أن يقضي في الجنين برأيه فبلغه قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لو لم يبلغنا هذا لقضينا فيه برأينا.
وجلد أبو بكر أبا بكرة حد القذف حين قصرةا عن الأربعة. وفي المرأة التي أجهضت/ جنينا حين أرسل إليها عمر، فأشار عليه الصحابة أن لا شئعليه، فقال علي ان لم يكونوا اجتهدوا فقد أخطأوا، ثم قال: أما المأثم فأرجو أن يكون زائلا وأرى عليك الدية، فجعل عمر الديل على عاقلته قياسا على الخطأ ولم يجعلها في ماله ولا في بيت المال.
وأما قصة أبي موسى حين كتب: هذا ما أرى الله عمر، فقال عمر: أمحه واكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله وان يكن خطأ فمن عمر.
وكان عثمان يورث المبتوتة في المرض بالرأي والاجتهاد، وروي عن علي أنه قال: اجتمع رأيي ورأي عمر في أم الولد (2/64)
صفحة 261
أن لا تباع، قال: وقد رأيت بيعهن، فقال عبيدة السلماني: رأيت مع أبي بكر وعر أحب إلينا من رأيك بانفراد، وقد كان عمر يشك في قود القتيل الذي أشترك فيه سبعة نفر، فقال علي: أرأيت لو كانت سرقة اشتركوا فيها أكنت قاطعهم، قال: نعم، قال: فذلك كذلك، يعني أنه مثله وحتى/ قال عمر رضي الله عنه في جماعة قتلهم بعد ذلك بواحد: لو تمالاء عليه أهل صنعاء لقتلتهم. وقال في قصته أيضا: أقول فيها برأيي، فإن وافق قضاء رسول الله عليه السلام فذلك، والا فقضائي فشل رذل.
وكان إذا أوصى بالقضاء (قال): فإن يكن فبالكتاب والسنة وقضايا الصالحين، فإن لم يكن شيء من ذلك فاجتهد برأيك.
وخبر معاذ بن جبل مع رسول الله عليه السلام، وكان سبقه ببعضها فافتتح الصلاة معه من حيث أدرك ثم قضى ما فاته فقال رسول الله عليه السلام: سن لكم معاذ سنة حسنة، وكان قبل ذلك يحرمون فيطردونه حتى يلحقوه، ولابن عباس في العول ما كان، وله في ظهار الاماء ما كان حتى ذكر وقال: من شاء باهلته عند الحجر الأسود، وقال عمر: والذي أحصى رمل عالج ما جعل الله في المال نصفا ونصفا وثلثا.
ونهى رسول الله عليه السلام عن بيع الطعام قبل أن/ يقبض فقال ابن عباس ولا أحسب كل شئ إلا مثله، فقال: أرى ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ.
ورسالة عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء عجيبة، فإذا أوردنا من الأدلة من القرآن والسنة والآثار والعقل ما يدل على جواز التعبد بالقياس فينبغي أن نشرع في ذكر فنونه وأقسامه. (2/65)
صفحة 262
باب
أقسام القياس
أقسام القياس ضربان: عقلي وشرعي، والشرعي ضربان: جلي وخفي، والجلي ضربان: قياس علة منصوص عليها، وقياس عله مستنبطة، والخفي ضربان: قياس الشبة وقياس الاستحسان.
فأما القياس العقلي، فأكثر معول القرآن عليه في جميع ما خاطب به المشركين، والحق فيه واحد. وقد يقع أحيانا جليا وخفيا. فالجليّ كقوله تعالى: {يدعوا من دون ................ ولبئس العشير}. وأكثر أدلة القرآن على هذا.
والخفي قوله: {قل إنما ..................... شديد}. وأما خفاوها فربما يجتمعون مثنى وفرادى ولا يقضون شيئا، وربما يتفكرون فيخطئون وجه الدليل.
وقوله: {ما بصاحبكم من جنة} هذا هو الحق أن لهم عادة بشوّش عليهم عقولهم، والعادة طبع خامس. وإن من العادة من خالف العامة فهو مجنون ولا سيما في أمر لم يبصروه. وحقيقة هذا العقلي الخفي إنما خفي عمن أصيب في عقله باي آفة، إما بجنون أو عته أو تبرسم أو شهوة أو تقليد. ولكن العقل إذا سلم من هذه الشوائب، ونظر بعين البيصرة لا عين البصر. واستعمل الفكر وأمعن/ النظر وصادف وجه الذكر أداه اجتهاده ودليله إلى حقيقة الأمر، فصار الخفي كالجلي. والقسم الأول رده بعد سماعه مكابرة العقول ولذلك صار جليا. والثاني متعلق بالشروط. وشرطه أن يجعل له عقله رقيبا على نفسه ويأخذذ عقله بالعدل على أبناء جنسه، ثم يشرع في الفكر فإذا تفكر على ما يجب تذكر انتفاء الجنون عمن استقامت أفعاله وصحت أقواله في كل شيء. وهو محمد صلى الله عليه وسلم إذ لم يأخذوا عليه في شيء إلا الذي جاء به. فلو لم يجيء بهذا عندهم لكان أعظم العقلاء. فإذا استقامت أمور محمد عليه السلام كلها عندنا وعندهم إلا واحدة، ثم جاءهم بما لا يعرفون ولا يعرفونه عند آبائهم. وينبغي أن يتهموا أنفسهم في الذي جاء به مفردا ويتفكروا فيه إذا كانوا هم العقلاء. والأصل الذي جاءهم به: {نذير (2/66)
صفحة 263
لهم بين/ يدي عذاب شديد} فينظروا وهو من الجائزات فإن صح ما قالت عظمت الآفة وهلكت الكافة. فإن لم يصح ما قال لا ضرر ولا ضرار فيصفونهم بالعزم والحزم، ويسلموا في الاعتزال والندم: شعر.
قال المنجم والطبيب كلاهما: ... ... لا يُحشر الأموات قلت: إليكما
إن كان كذبا استراح جميعنا ... ... أو كان حقا فالخسار عليكما
وقول أصدق القائلين أبلغ وأنفع حيث يقول: {قل أريتم إن كان من عند ثم كفرتم به من أضل ممن هو في شقاق بعيد}. فهذه النكتة التي في هذه الآية هي شرح نفس الآية الأولى التي تقدمت. والمشركون لم يسلكوا طريق العلم، ولم يستعملوا أسباب الحزم، فصار لهم الهلاك والندم حيث لا ينفع الندم.
فصل
في العلل المنصوصة/
اعلم أن العلل المنصوصة إنما يقع النص لها من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو فحوى الخطاب أو من لحن الخطاب أو من أفعال رسول الله عليه السلام.
وأما من الكتاب قوله: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} وقوله: {من أجل ذلك كتبنا على بني اسرائيل أنه من قبل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا} وقوله: {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله}. وقوله: {إنما يريد الشيطان ......... منتهون} وقوله: {ويسألونك عن ............. المحيض}.
وقد تقع العلل من مجمل الخطاب وإن لم يظهر فيها التعليل كقوله تعالى: {الزانية ............ مائة جلدة} والمعنى: لأجل زناهما. وقوله: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}. وقوله: فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا} وقوله: {فمن يعمل مثقال ذرة ... } إلى آخر السورة. وشبه/ هذا يعلم منه التعليل بظاهر الخطاب.
وأما من جهة السنة قوله عليه السلام:» إنما جُعل الاستئذان لأجل البصر «، وقوله:» إنما نهيتكم لأجل الدافة «وقد يفهم من خطاب رسول الله عليه السلام التعليل وان لم يظهر في اللفظ كقوله عليه السلام:» لا يقضي القاضي وهو غضبان «، وقوله:» ادوا الخيظ والمخيط «، وقوله: (2/67)
صفحة 264
» العينان وكاء الاست فإذا نامت العينان انطلق الوكاء «، وقوله:» من باع عبدا فماله للبائع الا أن يشترطه المبتاع «، دليل على أن العبد لا يملك ومنه قوله عليه السلام:» فإن كان ذائبا فأريقوه، وان كان جامدا فخذوه وما حوله «يريد السمن تموت فيه الفأرة، وقوله للآكل ناسيا،» الله أطعمه وأسقاه «، وقوله في الموقوص:» لا تخمروا رأسه ولا يمس طيبا فإنه يبعث ملبيا «. وقوله:» من قتل قتيلا فله سلبه «، و» من بدل دينه فاقتلوه «/ وأما أفعاله عليه السلام فكسحوده للسهو، وتخييره بريرة من زوجها، وأعلم أن هذه العلل المنصوصة كلها أقوى من المستنبطة متى عقب بالفاء في خطاب ما تقدم (أو ما يقوم) وقامها من الحروف ولم يكن صرفه إلا إلى التعليل.
وأقوى أفعاله عليه السلام تقديمه أبا بكر الصديق رضي الله عنه في الصلاة، كان ذلك علة ظاهرة في إمامة الخلافة لأن فعله عليه السلام كان تحديدا لامامته وقصرها عليه دون غيره، وأما تسمية خليفة رسول الله عليه السلام فقد حصلت له الخلافة في إمامة الصلاة وما سواها تبع لها كقول علي: قد رضيك رسول الله عليه السلام لديننا أفلا نرضاك لدينانا؟. وفي طبع الخلائق المفضول تبع للفاضل وقد يستحق الواحد اسم الخلافة اذا كان وصيا على الولد والمال والوصية، فأيهم خلف له فيه كان خليفة، وأبو بكر قد خلف لرسول/ الله عليه السلام على أعظم دينه وهي الصلاة، وهي عمود الدين، ويخلف على ما سواها، فأيهم يطيب نفسا أن يتقدم أبا بكر في أمره جعل له فيه رسول الله عليه السلام التقدمة، وقال رسول الله عليه السلام:» إنكن لصواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس «. (2/68)
صفحة 265
باب
التفرقه بين الحكم العقلي والشرعي
أما الحطك العقلي لابد من كونه معلولا بعلّة، وليس الشرعي كذلك، وقولي الحكم العقلي، وهو الذي يطرد وينعكس، والشرعي قد يطرد وينعكس، وقد لا يطرد ولا ينعكس، واعلم أن العلل العقلية هي أظهر وأشهر من أن يُحتاج إلى بيانها.
فصل
أما العلل المستنبطة المستشارة كتعليلهم آية الربا وذهاب كل واحد منهم إلى ما ظن في غلبة الظن أنه المعنى الذي من أجله حرم الرباغي تلك العين، فبعضهم جعله هو الاقتيات والادخار وهو قول مالك/ وبعضهم جعله من جهة المكيل والموزون وهو أبو حنيفة، وبعضهم جعله مما تنبت الأرض وهو الشافعي.
واعلم أن الأصل في تحريم الربا أن الله تعالى جعل الدنيا بلاغا وزادا إلى الآخرة، وأمر باقتناء الأموال. وفي الأموال ما هو أوكد حاجة من غيره، فالأموال التي تخص الأدمي لحياته النقود ثم القوت ثم الفواكه ثم الابزار، فهذه الأربع لا ينبغي أن تتخذ تجارات بل مؤاساة، فإن ضنوا فلا ينبغي أن يكسب ربا، فشدد الله تعالى عليهم فيها ما لم يشدد في غيرها فلذلك قال رسول الله عليه السلام:» الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر حتى الملح ربا إلا خذ هاء وهاء، يدا بيد مثلا بمثل «، فقيده بشرطين: التساوي، واليد باليد، ثم قال عليه السلام:» اذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم إلا ما نهيتكم عنه «. ثم قال عليه السلام:
» إنما الربا في النسيئة «، وروى أنه أجاز عبدا بعبدين/ وبعيرا ببعيرين إلا أنه يدا بيد، ثم ان الله تعالى كلف العلماء استنباط العلل ليقيسوا ما لم يذكر على ما ذكر.
فصل
في العلل المستنبطة، أن جعلوا النقود إذا اختلفت يدا بيد متفاصلة ولا نسيئة (2/69)
صفحة 266
في الأثمان فجائز يدا بيد وباقيها على التحريم لا يجوز يسئة ولا متفاضلة يدا بيد. والثمن هو الذهب والفضة يجوز به شراء البر والشعير والتمر والملح نقدا ونسيئة. وأما البر والشعير والتمر والملح فلا يجوز بيع بعضها بببعض نسيئة متماثلة أو غير متماثلة إلا أن المتماثلة قد يدخلها السلف. وأما يدا بيد فجائز سواء وأما متفاضلة فلا يجوز إلا على مذهب ابن عباس إنما الربا في النسيئة وأما يدا بيد فجائز متماثلة أو متفاضلة. وفي النسأ لا يجوز متفاضلة ويجوز متماثلة سلفا.
وقال بعضهم: البر والشعير متماثلان، وأما الأقوات فيدخل فيها كل ما يقتات ويُدخر مما يقتاته الناس من البر والشعير/ والقطاني والطعام كله بدليل قوله عليه السلام أنه» نهى عن بيع الطعام بالطعام «. هذا كله لا يصلح إلا يدا بيد متماثلا، ولا يصلح نسيئة متفاضلا ولا متماثلا في أفرادها ولا في أتوامها بخلاف الصرف. والتمر والزبيب دليل الفواكه والحلاوات كلها من العسول والعنب والتفاح والأجاص والمشمش وحب الملوك والفسق والموز والجوز والجلوز وجميع ثمار الأشجار الخريفة لا يصلح كل شيء من هذه يمثلها إلا يدا بيد إذا كانت متماثلة ولا تصلح متفاضلة بحديث بيع الطعام بالطعام.
وتصلح متفاضله ومتماثلة يدا بيد بحديث قوله:» إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم «. ودل بالملح على الأبزار وبالتمر على الفواكه، وعلى البر بالقوت، وعلى الذهب بالنقد.
وأما من ذهب إلى جميع الجنس بالجنس متفاضلا نسيئة أنه الربا/ فعلى الأصل. وأما من منع الربا في غير في الصناف الأربعة المذكورة فإنه يسمى ما ذكرنا هو الأنفساخ.
ومن أجاز بيع الربا هلك وكذلك من باعه. ومن أجاز بيع الانفساخ المتفق عليه أو فعله هلك. والمتفق عليه مثل قنطار حديد بقنطارين نسيئة، فهذا هو المجمع عليه وما اشبهه فبعض يسميه ربا وبعض يسميه انفساخا. ومن عللهم المستنبطة علَّتهم في الخمور، وهي الشدة المطربةة فقضوا على النبيذ بالحد والتحريم. وقصرها بعضهم على التحريم المروى عن رسول الله عليه السلام وقوله:» كل ما أسكر فحرام «و» ما أسكر قليله وكثيره حرام «. (2/70)
صفحة 267
فصل
ومن العلل المتنبطة التفرقة بين الغسل من الجنابة وبين الاستنجاء فأوجبوا الاستحام في هذا وزوال النجاسة في هذا. فعلة الاستنجاء زوال أثر النجاسة. وفي/ الجنابة والوضوء التعبّد.
ومنكم أمير، تقوله لقريش. فقال أبو بكر الصديق: هيهات دعوتكم إلى خطة غير كائنة،
لا يستقيم سيفان في غمد واحد. وقوله: الله واحد والرسول واحد والإمام واحد. وهذا إلى قياس الشبه أقرب.
ومن العلل المستنبطة قول زيد بن ثابت في الجد والأخوة لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: أرأيت شجرة خرج منها غصن ونبت من الغصن خوطان أليس الغصن يغذوا الخوطين دون الأصل. ومن العلل المستنبطة قول الأنصار/: وأيم الله لقد ورثتم امرأة من رجل لو ماتت ما ورث منها شيئا وتركتم امرأة لو هي ماتت لحوى جميع ما تركت فأشرك أبو بكر بينهما في السدس. وتعليل عمر أن يكون ابن إبني إبني ولا أكون أنا أباه. والعلة الأبوة متعلقة بالبُنُوّة تعلق النبوة بالأبوة وهي من الأسماء المضافة. ومن العلل المستنبطة قصر الإيلاء على القرار عند من يقول ذلك. ومن العلل المستنبطة إسقاط الجزية عن النساء الكوافر لنهي رسول الله عليه لاسلام عن قتلهن. واستنبطوا اسقاط الجزية عنهن لأنهن لو منعن لتعذر قتلهن للنهي. ومن العلل المستنبطة توريث المبتوتة من زوجها في المرض. ومن العلل المستنبطة إسقاط أحكام الظهور أيام الكتمان لِعلِّة العجز أو لِعلة امتثال الأحكام السابقة إلى رسول الله عليه السلام. ومن العلل المستنبطة/ قياس الأكل في رمضان على الواطيء لانتهاك الحرمة عند من يقول ذلك واسقاطه عند من يقول بقصر الأدنى عن رتبة الأعلى.
فصل
وقد قلنا إن القياس الخفي على وجهين: قياس شبه وقياس الاستحسان. اعلم أن الناس قد اختلفوا في قياس الشبه، فقال بعضهم لا يجوز، ولا يجوز القياس إلا عن علة. وقال بعضهم: جائز وإن لم تكن علة. وقال بعضهم: إن جميع القياس المعمول به هو قياس الشبه؛ (2/71)
صفحة 268
لأن قياس العلل الشرعية قاصرة لا تكاد تطرد وتنعكس كالعقليات. واعلم أن قياس الشبه إذا كان الشيء يشبه شيئا من أصل وشبه غيره من أصل آخر. فهذا قياس الشبه.
فينظر عند ذلك إلى أي الشيئين أكثر شبها به فتلحقه/ به ولو لم تجمعهما علة. فإن تساويا فهو نفس الاستحسان. مثال ذلك العبد. هو من جهة مال يباع ويشترى، ومن جهة أنه مكلف مأمور منهي فهو بخلاف الأموال. فمن جعله مالا قصر جميع ما يملكه على سيده وأسقط عنه جميع ما يلتزمه من أحكام الأموال والنفقات والكفارات والزكاة. ومن جعله بحكم المكلفين أثبت له الأموال وأثبت عليه الزكوات والغرامات. فبهذا السبب اختلفوا في قيمته. فمن رده إلى أحكام المكلفين قصر قيمته إلى دية الحر، ومن جعله مالا وسلعة جاوز به الدية وكانت قيمته بالغة ما بلغت.
فصل
اعلم أن التحقيق في هذا إلحاق الفرع بالأصل بعينه إذا كان أكثر شبها به، ثم من أصل آخر أل بشها به. ومن أدلة القائسين بالأشبه المجوزين له في الأحكام قول الله عز وجل: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة/}. ثم قال: {فمن ثقلت .......... أنفسهم}. فأوجب الفوز والنجاة لمن غلبت طاعته ومعصيته. والشقة والهلاك لمن غلبت طاعته معصيته، وهو معنى أصحاب الأعراف، وهو قوله عز وجل: {خلطوا عملا ...... عليهم}. توافقتا فغلب أحداهما بالعفو، وبقوله: {يسئلونك عن الخمر ....... نفعهما} فغلب التحريم لعلة الإثم. وقوله: {واشهدوا ذوي عدل منكم} فاطرح الفاسق. ولا عدل إلا وله معصية، ولا عاصي إلا ومعهه طاعة.
وقد الحقوا الجواميس بالبقر، والبخت بالإبل، والبرازين بالخيل، والازر بالبر. هذا كله قياس الشبه/. وسووا حكم البقرة الوحشية والحمار الوحشي في جزاء الصيد والبدن. ومن أحكام الشبه قولهم: يجب تسليم الصداق إلى الزوجة بتسليمها نفسها وإن لم يكن جماع لأنها بذلت نفسها، حكم عمر بن الخطاب وقال: إنما أتى العجز من (2/72)
صفحة 269
قبل نفسه. وقالوا في استحقاق أجرة الدار بتسليمها وإن لم تكن سكنى. وبقول علي في السكران إن شرب هذى وإن هذى افترى فاجلدوه ثمانين جلدة حد المفتري. وربما وإن لم يكن منه افتراء.
وقالوا في المسلمين: تتكافؤ دماؤهم. ولم يراعوا القبائل ولا الحلي ولا الطول ولا القصر. وادخلوا النساء في حكم الرجال. ومن راعوا جبروا بالدية ما بينهما في القود. وقال ابن عباس فيل ليلة القدر –سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن ليلة القدر- فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت الله عز وجل قد/ فضل السبع في كتابه فجعل الأيام سبعا والسموات سبعا. فأراها لسبع بقين. وقالوا في رجل هوى امرأة فقتل زوجها: إن المرأة تحرم عليه قياسا على قاتل وارثه ليرثه أن ماله يحرم عليه. وزاد آخرون فيمن خيب ارمرأة على زوجها أنها تحرم عليه.
باب في الاستحسان
وأحد قسمي القياس الخَفِي هو الاستحسان. وقد اختلف الفقهاء في الاستحسان فأجازه بعض ومنعه بعض. والذين منعوه جل المتكلمين وبعض الفقهاء وقالوا: لا يجوز من جهة العقل. وبعضهم يجوز، ولكن لم يرد به سمع. ودليل الذين أجازوه قول الله تعالى: {الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه}. وقوله: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم}. وفيما
يروى عن رسول الله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» ومن أجاز الاستحسان مالك وأبو حنيفة. ومنع منه الشافعي ولأهل الدعوة في بعض المسائل طرفٌ منه. قالوا في رجل باع حرا: إنه يسترده بما عز وهان. فليس عليه من الدية شيء إن علمت حياته أو موته وإن لم تعلم حياته ولا موته فعليه الدية استحسانا.
ومن قال: ما أملك صدقة. وإن قال: مالي صدقة. أن تكون في الأموال المزكّاة، لأن الله تعالى يقول: {خذ من أموالهم صدقة} ومعلوم أن ليس كل الأموال تزكى. وأما الأول: ما أملك فعامٌّ. فاستحسن آخرون أن يقصروها على حكم مالي صدقة. واستحسن أيضا بعض الفقهاء فيمن قال: مالي في المساكين. أن يؤديه كله للمساكين، وبعضهم: الثلث ويسمك (2/73)
صفحة 270
الثلثين، وبعضهم: النصف. وبعضهم: يمسك الثلث، وبعضهم: يتصدق بالربع. وبعضهم: بالخمس. وبعضهم بالعشر. وهذا كله استحسان. ومن قال بالعشر شبهه بمال الزكاة. ومن قال/ بالخمس شبهه بالغنيمة. ومن قال بالربع فبمقدار نصيبه من امرأته ذات ولد. ومن قال بالثلث فنصيب الوصية. ومن قال بالنصف فالقسمة. ومن قال بالثلثين فنصيبه وارثه مع أخته. وبعضهم يقول: إن كان المال كثير فعشر، وإن كان وسطا فثلث، وإن كان قليلا فنصف.
ومن استحسانهم: من ذرعه القيء من غير عمد وتقيأ بعمد، فأوجبوا نقض الصلاة في العمد ونقض الوضوء في غير العمد. ويبني على صلاته استحسانا، وكذلك الخدش والرعاف على هذا النعت. والقياس يقتضي المساواة لمخالفة هذه المسألة سائر الأنجاس.
وفرقوا بين قليل النوم وكثيره استحسانا في انتقاض الوضوء. والنوم على أربعة أوجه: نوم ثقيل، ونوم خفيف، وثقيل خفيف، وخفيف ثقيل. وأما النوم الثقيل فينقض الوضوء لا محالة. والنوم الخفيف/ لا ينقض الوضوء. وبقى صنفان أحدهما ثقيل خفيف وهو إذا غلب النعاس ولم يكن منه إلا سِنة،
هذا مختلف فيه. وخفيف ثقيل، وهو أن النعاس لم يغلب عليه ولكنه يعالجه ويطاوله. واختلفوا فيه ـأيضا. والأصل انتقاض الوضوء، والمراد منه النوم الطويل غير الغالب. وكذلك من حلف بملة من ملل الشرك أو بأسماء أهلها ثم حنث عمدا لا يصير بتلك الملة ولا بذلك الاسم استحسانا، لأنه إنما انتهك حرمة اليمين. وإن كان روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال: «من حلف بملة من ملل الشرك فحنث فهو بتلك الملة». وأفتى بعض الفقهاء في الأم أن تكون ناظرة في مال اليتيم ما حبستن نفسها على يتيمها، ولا يؤخذ من يدها ما لم تتزوج، فإن تزوجت أخذ من يدها وأوجبوا ذلك استحسانا ولو كانت هي الخليفة. واستحسنوا إعادة الصلاة في كثير من الأمور ما دام في الوقت وإن خرج/ الوقت فلا إعادة عليه. واستحسنوه في النكاح المكروه إن سبه\قهم بالدخول أن يقروه وإن لم يكن دخل أن يجددوا استحسانا.
والذي عندي أن أمور الكتمان بنيت "كلها" أو جلها على الاستحسان. واستحسن أبو حنيفة في رجل شهد عليه شهود أربعة أنه زنى. وكل شهد أنه رآه في زاوية غير الزاوية التي رآه فيها صاحبه. قال: من القياس أن يدرأ عنه الحد، ولكن أرجحه استحسانا. عين العكس، جاء ببذْل الأرواح بالاستحسان ومنع من الشرع والقياس. أما الشرع فقول رسول (2/74)
صفحة 271
الله عليه السلام: «ادرءوا الحدود بالشبهات». والقياس: أن ترد شهادتهم كما ترد شهادة المختلفين. وهذا الاستحسان هو إلى الاستفساد أقرب منه إلى الاستحسان. ومن الاستحسان قصرهم دية الذمي إلى النصف من دية المسلم ثم إلى الثلث بعد أن كانت دية كاملة. قال الله/ تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلّمة إلى أهله}. ومن وراء ذلك حكمهم على نساء أهل الذمة هذا على الثلث من النساء المؤمنات في العدد والقسم. من الاستحسان أيضا دية المجوسي ثمانمائة درهم، والوثني المعاهد ستمائة درهم. وأما عدد الإماء وطلاقهن فعلى النصف من طلاق الحرائر وعدتهن. أخذوه قياسا من قوله: {فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب}. وهذا القدر كاف في التنبيه على الغرض الذي أردنا. فلنشرع الآن في الأساس الذي يبنى عليه القياس وهي القواعد الكلية التي عليها معول الشرع وبأحكامها يجب القطع.
باب
الكلام على قواعد الشرع
اعلم أنه لما قضى الله عز وجل في هذا الجنس بالخلطة والتآلف ولن يصلحوا إلا على التعاون والتعفف، حكم في الحدود والقصاصات/، وفي الظلامات بأروش الجنايات وغرم المتلفات، وشرع التباعات بالأموال والتعاوض بالأبدال للضرورة الواقعة والحاجة الدافعة بخلاف سائر الحيوانات. وقد علم أن من طبع هذا الطمش الحاجة إلى الغذاء والعيش فاضطرهم الجوع والعطش إلى النوش والعرش والهوش. فكان هذا المعنى قاعدة من قواعد الشرع عظيمة لهذه الأمة العظيمة. فلو لم يتزاجروا ويترادعوا بالقصاصات لتعطل العفاف ووقع التلاف. ولو لم يتواسوا ويتعاونوا بالتباعات لصاروا قبورا ووحشا وطيورا.
القاعدة الثانية: النكاحات والاجارات القراضات والمساقاة. إذ بالنكاح يقع الفلاح في النسل والصلاح، وبالفساد يقع والطلاح، وبناقيها
تثمر الأموال التي بها بقاء النفوس والأحوال لتربية/ الأطفال والعيال. وهذا النوع مخالف للبيوع؛ لأن البيوع بدل مال بمال. وهذا النوع بدل عناء بمال. فلو انحسم (2/75)
صفحة 272
هذا الباب وتعطل لبطل التعاون على البر والتقوى ولكان ذلك وسيلة إلى الإثم والعدوان.
القاعدة الثالثة: النظافات والطهارات، وهو تخليص الإنسانية من البهيمات، ولأمر ما مدح الله تعالى إبراهيم خليله بالوفاء بها عليه السلام فقال عز وجل: {وإبراهيم الذي وفى}. وهي العشر السنن التي في جسد الإنسان، خمس في الرأس وخمس في الجسد.
القاعدة الرابعة: ما يئول إلى مكارم الأخلاق والشيم، وإلى محاسن الأفعال والهمم، من الصدقات والصلاة والزكاة والهدايا والعتاقات والكتابات وفيها تخليص النفوس من الضن والبخل إلى البذل والفضل. وفك أسر الرق بالكتابة والعتق.
القاعدة الخامسة: وهي العبادات البدنية، فإن العقول لا تهتدي إلى معانيها/ ولم يلح من الشارع إلى طرف من مباديها، كالصلاة والصوم والحج في أمثالها. ولم يظهر فيها معنى من المعاني التي يقتضيها القياس. قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} وما يقع فيها من الأعداد والقيام والقعود والركوع والسجود تتعذر معانيها فكيف بما يستنبط منها والقياس عليها. غير أن المواظبة عليها تلين الأجساد وتمون الفؤاد وتذلل النفوس للعبادة اجلالا لخالقها وانذلالا لرازقها وأن لا تنفلت من أرباقها لأن العبودية في رقابها. والتقلب إلى الألوهية الأخرى من أخلاقها، فكان ذلك لها مشقة ومشغلة ومربطة. فإذا شرع القواع الكلية بمضمونها من الاستصلاحات الجزئية فلا بد من الاشارات إلى الأقيسه وبالله التوفيق.
الكلام على الأقيسة
وهي ستة:
أولها مفهو الخطاب، ثم قياس العلة المنصوص/ عليها، ثم قياس العلة المستنبطة، ثم قياس الشبه، ثم قياس الاستدلال.
الكلام في القياس على مفهوم الخطاب:
ومفهوم الخطاب مختلف فيه، بعضهم يلحقه بالمنصوص وبعضهم يقول: (2/76)
صفحة 273
هو مستخرج من لفظ الشارع، وقال بعضهم: إنه القياس نفسه وهو الصحيح. ومن قال انه مستخرج منكتاب الله عز وجل فالطريق إليه القياس، وكذلك الذي يقول إنه من لفظ الشارع. فظاهر اللفظ قد انفهم منه معنى آخر غير هذا، فأين محل الأعلى والأدنى إلا بالشرع، وهو القياس على أنفاس الشريعة لأنه ليس في القياس أكثر من حمل معلوم على معلوم لأمر جامع بينهما من نفي أو إثبات. وقد اجه لنا من قوله عز وجل: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما} يريد الأبوين، النهي عن التأفيف فحملنا عليه الأذى والتعنيف والتأفيف معلوم، والتعنيف/ معلوم. وقد ورد النهي في التأفيف ولم يرد في التعنيف. فحملنا المسكوت عليه على المنطوق به. وكذلك قوله تعالى: {فمن يعمل مثقال .... } إلى آخر السورة. هذه الذرة فما حال الذرور. وأما الذي قال: إن مفهوم الخطاب هو المنصوص فقد بَاهَتَ. ألا ترى أن من قال: بع عبدي فإنه سيء الأدب فإنه يبيعه بحكم الأذن ويتوقف عن غيره ولو أساء أدبه أو يقع الإذن. وكذلك لو قال: بع عبدي فإنه قد قام علي غاليا. فليس ينبغي أن يشتري له عبدا رخيصا إلا بغذن مستأنف، ولا غنى لمفهوم الخطاب عن قرائن الأحوال فهو عين القياس حيث يحتاج إلى التفرقة. وقد تظهر صيغة الفحوى ولا فحوى، كالرجل تبيح دمه نكالا ولا تبيح له مالا.
وحرمة الدم أعظم من حرمة المال. وقد يأمر الواحد بتأديب ابنه ولا تهوين، وتهوينه ولا تأديب، وهكذا القول في لحن الخطاب ودليل/ الخطاب؛ لأنا لو تركنا فحوى الخطاب ولحن الخطاب والصيغة لنحى بنا ذلك إلى غير مراد الشارع؛ لأن قوله تعالى: {ولا تحلقوا .............................. أو نسك}. وقد نبه ونهى عن الحلق إذا لم تكن علة وأطلقه إذا كانت وهو المرض والأذى. وأوجب فيه الافتداء. ولو لم يسع الحلق للأذى ووجب الافتداء لكان تغليظا على المريض وصاحب الأذى بغير ذنب ولا اعتداء. ليس هذا من مفهوم كلام العرب ولا أليق برأفة الرب. وكذلك قوله تعالى لموسى عليه السلام: {فقلنا اضرب بعصاك الحجر} فانفلق إذ ضرب.
وأما دليل الخطاب فالقياس عليه أليق والحكم به أوثق ما لم يعارضه المبطلات لأن الله عز وجل يقول: {وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}. فثبت أن ما عدا (2/77)
صفحة 274
الحالتين ليس عليه من النفقة شيء. فلو لم ينفهم لنا سقوط الإنفاق على غير/ ذات الحمل لكان المعنيان بمثابة واحدة في الإنفاق على ذات الحمل وغيرها فيقع التخصيص والتنصيص لا فائدة لهما. وقد تذهب أنفاس الأمة إلى خلاف دليل الخطاب كقوله تعالى: {وربائبكم اللاتي ......................... بهن}. ومع هذا التبيين والتقييد أطبقت الأمة على تحريمهن إلا ما كان من علي بن أبي طالب فإنه أباح الربيبة إذا لم تكن في حجر الزوج. وكذلك قوله تعالى: {لا تقتلوا .... ............ منكم}. وأوجبوا الجزاء في العمد والخطأ. والذين قالوا في مفهوم الخطاب بالقياس وغيرهم الذين نفوه إنما اختلفوا في الاسم لا الحكم.
الثاني: قياس العلة المنصوص عليها، كقول الله عز وجل: {ولا تسبوا ......................... بغير علم}. هذا ظاهر التعليل في المقال، ولم يقصره الله تعالى على السب/ بالمقال دون ما يقتضيه من الفعال. وقوله تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم}. وكذلك قوله تعالى: {إنما يريد الشيطان أن ........................... وعن الصلاة}. فهي بمثابة الخمر والميسر من الشطرنج والنرد في النهي وفي التحريم. وما ينخرط في سلك العلل الأسماء المشتقة كقوله عز وجل: {السارق والسارقة فاقطعوا أيدهما جزاء بما كسبا نكالا من الله} وقوله: {الزانية ........... مائة جلدة} لأجل زنائهما وسرقتهما. فقاسوا واطيء البهيمة على الزاني، والنبّاش على السارق والنبيذ المسكر على الخمر، ونبيذ التمر على نبيذ الزبيب والأرز على البر في الزكاة وفي الرِّباوات. وكذلك قوله: {إنما جزاء ...... أو يصلبوا ... } الآية. وكذلك قوله: {الرجال قوامون على النساء .......................... من أموالهم} فوجب على المرأة إجابة الرجل إذا دَعَا، وعليها التسليم إذا أبى. فالعلة المنصوصة الفضل والنفقة. وإن كانت العلة المقيدة الظاهرة في الزواج لتضمنها حاجة الزوجين (2/78)
صفحة 275
وتحصين الفرجين، لكن العلتين ازدحمتا فغلبت المنصوصة على الغيرية. وفي هذا رد على من أبى من تعليل الحكم بعلتين ونفاهما نصا ومعنى.
الثالث: قياس المعنى. وهو إذا لاح وظهر مراد الشارع من نفس المقال أو شاهد الحال كقول رسول الله عليه السلام: «لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يتوضأ منه». فلاح من الحديث نجاسة الماء لنجاسة البول، أو لمعنى التقذّر. وسبيل الغائط والخمر والنجاسات كلها والقاذورات سبيل البول. فلو راعينا الصورة لقلنا: إن من بال في كوز فصبه الماء الدائم أنه يتوضأ منه ولا يناله النهي على مذاهب أصحاب الظاهر. وكذلك سائر النجاسات/ فالقياس من هذه الصيغة النهي وما كان في معناها من النجاسات منهي عنه أيضا. وكذلك لو سلك به سبيل الكوز على هذا الحال.
ومن أقينة المعاني قوله عليه السلام: «لا يقضي القاضي وهو غضبان». ولاح وظهر معناه النهي عن القضاء إذا كان مشغول الخاطر. وكذلك الحاقن والجوعان والعطشان والوسنان والهيمان في معناه.
وكذلك قوله عليه السلام في فارة ماتت في سمن، فإن كان جامدا فألقوها "وما حولها" , وإن كان ذائبا فأريقوه. وكذلك كل جيفة غير الفارة قياسا على الفارة. بل كل نجاسة لا تسري في السمن إلا بقدر سريان نجاسة الفارة على هذا الحال.
ومنه قوله عز وجل: {لا تقربوا .................... تقولون} ولذلك قال عليه السلام: «إذا حضر العَشَاءُ والعِشَاء فابدأوا بالعَشَاءِ». فهذا كله لفراغ القلب إلى الصلاة. ولا فرق بين السكر من/ الدنيا والسكر من الآخرة.
الرابع: قياس العلة المستنبطة، وهو أصل الفقة ومناط الأحكام. وشروطه ثلاثة: الأحالة والمناسبة والإشعار. ويسلم من المبطلات وهي ثلاثة: صد المنصوص وهدم القواعد ومصادمة الإجماع. فإذا وجدت الثلاثة وسلم من الثلاثة ولم يمنع من التعليل وجه من التأويل أجريت العلل على وجهها وكانت بمثابة الفحوى وأخواتها. ومعتمد القياس على الإحالة، وهي الظن. ولم تختلف هذه الأمة في استنباط علة كاختلافهم في آية الربا في استنباط عللها وكثرة خللها. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن من آخر ما أنزل لآية الربا، ومات رسول الله عليه السلام ولم يبينها لنا. وقد تقدم القول فيها. وكذلك اختلاف الأمة في الجدّ أيضا حتى قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ما حاورت رسول الله عليه السلام محاورتي إياه/ في مسألة الكلالة فقال: أو لم يكفك (2/79)
صفحة 276
يا ابن الخطاب آية الصيف وهو آخر سورة النساء. قوله: {يستفتونك، قل الله يفتيكم في الكلالة ... } الآية.
الخامس: قياس الشبه. وهو أوسع هذه الأقيسة مجالا ومآلا، وقد أشرنا إلى طرف منه قبل هذا. قال الله تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم}. اعلم أن هذه الحقوق المتبادلة بين العباد في المالية والبدنية أقربها تحرّيا لقصد الوزن، وهو أقصى ما تبلغه طاقة الناس. فمن بذل من ذلك مجهوده واستعمل مجلوده فقد أدّى ما عليه. وإذا رجع إلى ما عند الله في علمه فربما يكون دون ذلك أو فوق ذلك. ثم بعد الوزن الكيل، ودون الكيل الشَّروى والمثل. وبعد الشروى والمثل القيمة، وبعد القيمة التشفي. وهذه الأمور كلها معفوٌّ عنها ما
ليس / في وسعنا. والموازين تختلف في القلة والكثرة، والخفة والثقل، ولا بد من ذرر المثاقيل فيما بين الموازين. والكيل دون الوزن وقد بين المكاييل حبوب فقل ما يأتي كيل إلا وبينهما حبوب فيقع التفاوت بين الذرر والحبوب. وكذلك الشروى قلّ ما يقع شيئان متشابهان من كل وجه. ولا بد أن يفضل أحدهما الآخر بشيء والآخر في شيء. ثم القيمة أصلها ومرجعها إلى أغراض الناس ولو أبطل الناس المعاملة بها لبطلت فائدتها. ولو راجع الناس عقولهم زوال العمى من أبصارهم والرين عن قلوبهم لما بدلوا منها ثمرة ببدرة. ولكن "للمحق" الذي ضربنا به وقصرنا فيه آثرنا الشهوة عن المنفعة. فتعامل الناس على هذا المعنى وبلغوا فيه المنى. ومضوا في أسلوبهم على مطلوبهم فجاءت الشريعة على محبوبهم. فبدل المعنى/ وأمر بالافتناء.
ودون القيمة التشفي إذا لقوك. والقصاصات كلها ليس فيها أكثر من التشفّي. ولو خير العاقل أن تقطع يده بعشرة أيد لما رضي، وروحه بعشرة أرواح لما رضي. وآخر هذا كله التشفي في مظلمتك إن عازك القصاص والقيمة بسكون نفسك إلى موعود الله تعالى: {ونضع الموازين ..................... حاسبين}. قد صدق الله سبحانه وهو أسرع الحاسبين. وقد تقع فنون التشبيهات في الأمثل والأغلب. وأن الأبيض أبيض وإن كان أسود الرأس واللحية، والأسود (2/80)
صفحة 277
أسود وإن كان أبيض الأسنان والعينين. والمعاصي والطاعة بمثابة هذه المثابة. وقلّ ما يخلص الصاح من معصية، وقل ما يخلو الطالح من طاعة، والاسم الأغلب، قال الله تعالى: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ... } وقال: {ونكفر عنكم سيئاتكم}. وقد تكفر بعض الطاعة/ بعض المعاصي وتحبط بعض المعاصي بعض الطاعة. والشبه يقع في معنيين حكمي وحسي. ونحن ننبه عليهما بفنيْنِ دالّين على كل ما وراءهما إن شاء الله.
أما الحكمي؛ اعلم أنه لما ازدحمت الأشباه في العبيد تعارضت العلل فازدحمت الأجوبة فيها كما قدمنا، وذلك أنهم بنوا آدم مكلفون عقلاء يسوسون الأموال ويقومون عليها، واشتركوا مع الأحرار في التّباعات وفي جميع ما يليق بالحرار من المشرب والمأكل والملبس والمنكح ولم يقصره إلا الرق والعبودية عن كل ذلك.
ولحظ بعضهم رفهم وأنهم مال والمال لا يملك مالا وإن كان كسب المال عليه ليس محالا. فاضطربت الأحوال في الزكاة والصدقات، والوصايا والنكاحات/، والعطايا والهدايا والفزوات، والتسري والشهادات، والحدود والقصاصات، والإمامات والصلوات، والكتابات والعتاقات الحرمات لهذا السبب. وأما الحسي، فلنجتز فيه بقول الله تعالى: {فجزاء مثل ما قتل من النعم}. فالبقرة في البقرة، والشاة في الشاة. "فأين" مقام النعامة والحمامة والأرنب والحنطب والفيل والكركدن والزرافة؟ ويتعلق به أحكام القافة عند من أجازه. ومن وراء ذلك قوله عليه السلام: «تتكافأ دماؤهم» ولم يراعي الملاء والحلي، والطول والقصر والحسب والنسب، والمال والنشب، والبر والفجور، والشيب والشباب، والنقص والتمام، والرجال والنساء. والفقر والغنى، لكن الأعيان والغثراء سواء.
القياس السادس/: قياس الاستدلال. واعلم أن الاستدلال قد قال به طوائف من الفقهاء وأنكره بعضهم. والأصل فيه وهو معنى مشعر بالحكم من لوائح وإشارات مذكورة من الأمم السالفة في القرآن، فنصبوها علما للقياس عليها لا يستند إلى شيء من قواعد الشريعة. فأجازه بعض الفقهاء بشرط أن يكون سالما من المبطلات ونصبوه علما على طلب المصلحة. وكان رأيا من رأى المسلمون وعضدوه بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن» وأفرط (2/81)
صفحة 278
فيه مالك حتى هدم قواعد الشرع، فسفك الدماء الحرام وأباحها بالتهم. وأجاز الولاة الظلمة استصلاح الثلثين بالثلث، طلب ذلك الايالة، فكان ذلك ضغثا على إبالة وتأول فيه/ قول الله تعالى: {وأما الغلام ........................ وأقرب رحما}. وتأول في القسامة وقول القتيل حديث بقرة بني إسرائيل. فقبلوا قول القتيل ودعواه على حقه وقال: لا فرق بين القتيل إذا تكلم بعد الموت وبين المشرف على الموت. وقد قال رسول الله عليه السلام: «أصدق ما يكون الناس عند الموت». ولا شك في صدق من أخبر الصادق عن صدقه. وكان يرى العقوبة بالأموال لحديث حريسة الجبل، ولحديث حاطب، ولحديث السفينة. قال الله عز وجل عن الخضر عليه السلام: {أما السفينة ............................. غصبا}. واستدل بصنيع عمر رضي الله عنه في مقاسمته الأموال، وبفعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه في مال أهل الردة حين اشترط عليهم/ أن ينزع الحَلْقَة والكراع، وعلى ذلك يقبل إسلامهم. وبفعل رسول الله عليه السلام في أهل دُومه الجندل حين اشترط الجحل والنفاحية ولهم الضامنة في أمثالها.
ولنا صفوٌ إلى الاستحسان في أحكام الكتمان كما تقدمت، وقد اختلف الناس فيها.
فقولنا: إن أفعال الظهور وأحكامه مقصورة على الظهور. وأفعال الكتمان وأحكامه مقصورة على الكتمان. ومنهم من أطلق النسخ وفوضه إلى الأمة. ومنهم من جعل أحكام الظهور على التأييد، وفوضها إلى من له أدنى قوة، سلطان أو شيطان، أو فقيه أو سفيه. ومعوّلنا –بعد قول الله تعالى- في الانتقال عن أحكام الظهور إلى الكتمان، والإقتداء برسول الله عليه السلام. وذلك أن الله تعالى جعله أسوة وقدوة قولا وفعلا فَلَنا فيه أسوة حسنة/ وبالله التوفيق.
وأما الأحكام المحدثة في الكتمان فمعولنا فيها على الله سبحانه ثم على رسوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن» وفي بعض الروايات: «فهو عند الله حسن». ومعولنا بعد قول الله تعالى: {لئن لم ينته ....................... تقتيلا}. فهذا على مذهبنا (2/82)
صفحة 279
في النفاق أنه في الفعال دون الاعتقاد. وفي الآثار لوائح تشير إلى معنانا في هذا رواية عبدالله بن عمرو بن العاص في شارب الخمر قال: قال رسول الله عليه السلام: «من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه». فقال: ائتوني بشارب شرب الخمر ثلاثا في الرابعة أقتله. وما ذكر في تارك الصلاة من القتل. وحديث عمر رضي الله عنه في الذي أساء/ الصلاة وقال: والله لا نترك تظهر النفاق. فإن صح لأهل الإيالة قولهم فقولنا أصح وأصح. ولنرجع إلى تلويح بعض أهل الإيالة والسياسة، وهو قول مالك.
وأنت يا أخي لو تدبرت بعقلك أمر الشريعة لرأيت حرمة الأموال أعظم حرمة من حرمة الدماء؛ لأن الدماء تباح بأدنى معصية، ولا تبح الأموال بالمعاصي. وقد قال الإمام أفلح رضي الله عنه: إن الدماء تباح بالمعصية ولا يحل البسط إليها إلا بالمباينة. وقال أيضا الإمام عبدالوهاب رضي الله عنه: سبعون وجها تحل بها الدماء فأخبرت منها لأبي مرداس بوجهين فقال: من أين هذا. من أين هذا؟.
اعلم أن من الوجوه التي تحل بها الدماء من المعاصي ولما تبلغ الشرك وجوها كثيرة كما قال الأول:
أولها: القود في الجنايات، والحرابة، والطعن/ في دين المسلمين، والدال على عوارت المسلمين، ومانع الحق، والزنديق وتارك الصلاة، وتارك الزكاة، والمدمن على خمر. والذين قال الله عز وجل فيهم: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض .... } إلى قوله: {ولن تجد لسنة الله تبديلا}. والحامل السلاح إلى أرض العدو، وأعظم جرما من الجاسوس. وحكم أبو بكر رضي الله عنه في أهل الردة أنه أمر بالغارة على كل حي لم يسمع فيه الأذان. والداهية العظمى حين أمر عمر أبا طلحة الأنصاري بأهل الشورى أن يقف لهم ثلاثة أيام فإن لم يستّفقوا على واحد منهم أن يولوه أن يضرب أعناقهم.
فصل
ولترجع ولنتتبع هذه المعاني واحد فواحد حتى تروا وجوه الإيالة والسياسة كيف أباحت الدماء وهونت أمرها لأحكام الخليفة. وليس في الحرمات أهون من الدماء. ولا نسوغ هذه الإباحة في الفروج ولا في الأموال ولا في/ الأعراض وإنما تهاونت العلماء بأمرها هكذا نظرا إلى أنفاس الشريعة وبغيا على الخليفة. ولذلك لقول (2/83)
صفحة 280
الله تعالى: {كتب عليكم ........... تتقون}. وقال أهل التفسير: لكي يتقوا سفك الدم الحرام. وقالت العرب قديما. القتل أنفى للقتل. ولم يستعتب الرب تعالى أولي الألباب وفوض إليهم النظر إلا وتحت الكلام ما يقتضيه اللب وهو القصاص، ومعناه المروعة والمزجرة، وذلك أن تقيموا بألبابكم ما ترونه بأبصاركم. فانفهم لأهل البصائر أن القصاص حياة ولم يجتزوا في واحد بواحد ولا بعشرة ولا بمائة بل بكل قاتل من الجناية. وقد تختلف الجناة في جنايتها فربما بدعه باصبعه أو خدشه بظفره، أو جرحة دامغة أو دامية أو/ بأصبعه متلاحمة أو سمحاقا أو موضحة أو هامشة أو منقلة، أو أمّة في رأسه، أو جائفة أو ضرب رقيته، أو ذبحه. فكل هؤلاء مشتركون في الجناية مع ذابح وناحر وضارب الرقبة. وأي إيالة أعظم من التسوية بين حازّ الرقبة وخادش البشرة فيقاد منهن بالقتل جميعا ويستويان في الجناية. فنظر أولو الألباب إلى الجناية تشمل الآمر والمأمور والمالك والمملوك والأب والابن، والمعلم والصبيان. فأوجبوا على السلطان القود فيمن قتله أحد من الرعية بأمره، وعلى المُلاَّك فيمن قتله أحد من المماليك بأمره، وعلى الآباء فيمن قتله أحد من الأبناء بأمره، وعلى المعلمين فيمن قتله صبيانه
باشلائه، وعلى المكلبين فيمن قتلته الكلاب باغرائه. ولو قصروه على القاتل دون الآمر والمُشْلي والمغري لضاع الذمار وخربت الديار.
فأوجبوا القتل على السلطان/ والمالك والأب والمعلم وصاحب البهيمة إيالة وسياسة.
وأما أمر المحاربين والمرجفين والذين في قلوبهم مرض: أما الذين في قلوبهم مرض هم الزنادقة، وأما المرجفون فهم المعوقون. وأما المحاربون فهم قطاع الطرق. وقد حكم الله عز وجل في كتابه فقال عز من قائل: {إنما جزاء ................................... غفور رحيم} ثم إن أهل التفسير اختلفوا في هذه الآية. قال بعضهم: إنها على ظاهرها على التخيير، فمن قطع الطريق وأخاف السبيل فالسلطان فيه مخير أي هذه الأحكام شاء أمضاها عليه، إذا حصل له اسم الحرابة وأخاف السبيل وقطع الطريق ولو لم يقتل أحدا ولم يأخذ مالا ولم يلق كيدا، ذلك إلى السلطان. (2/84)
صفحة 281
وقال بعضهم: إنما هي في أحكام مخصوصة لعمال مخصوصة قصرها عليهم لحن الخطاب. وهو قوله: {إنما جزاء/ الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا ... }.
ولحن الخطاب: إذا قتلوا وهو موحدون، أو يصلبوا: إذا قتلوا وهم مشركون. أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف: إذا لم يقتلوا لكنهم أخذوا الأموال. وينفوا من الأرض إذا لم يقتلوا النفوس ولم يأخذوا الأموال بإطالة حجسهم تحت الأرض إذا قدر عليهم، أو يطلبهم على أن يجليهم عن أراضي المسلمين.
{ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}. وهذا التأويل الآخر أقرب إلى الصواب إن شاء الله. فلنعول على هذه القولة ونظر وجه الايالة فيها. فأما الأول فقد بانت الإيالة والسياسة وقدر عسكر حارب الله تعالى ورسوله فقطع الطريق وأخاف السبيل. فإن قتلوا أحدا من الناس مؤمنا أو كافرا مسلما أو يهوديا أو نصرانيا ذميين. ذكرا كان أو أنثى، حرا كان أو عبدا صالحا أو طالحا أو صبيا أو مجنونا، أو مشركا ذميا/ أو مجوسيا فإنهم يقتلون به كلهم على أنه ربما لا يقتل به بديا إذا قتله على غير الحرابة. والقتل حدّهم ولو كانوا آلافا لا تحصى.
والحكم أيضا في الأموال كذلك، قد جعل الله تعالى في السّرّاق قطع الأيدي، وقيده بالنصاب وبالحِرز، فإن عاد فرجله من خلاف. فجعل الحكم في المحاربين قطع الأيدي والأرجل من خلاف ولم يقدره بالنصاب، فأضعف عليهم الحكم من كل الوجوه ولو لم كانوا في العدد أمة من الأمم. فسووا بين من أخذ وبين من لم يأخذ وبين من قتل وبين من لم يقتل. ومن وراء هذه الداهية العظمى لأهل الاستدلال والإيالة صنيع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسنته في أهل الشورى، فإنه أمر أبا طلحة عن أنس بن مالك يدخلهم دارا ويقعد على بابها وينتظرهم ثلاثة أيام فإن لم يتفقوا على واحد بعينه أن يدخل إليهم، وأعطاه سيفا فيقتلهم عن آخرهم. كان أبو/ طلحة ممن على رسول الله عليه السلام بالسيف يحرسه إذا حضرت الوفود وهي ولاية أبي طلحة معروف بذلك عند المهاجرين والأنصار، وحكم عمر بهذا الحكم بمحضر أهل الشورى وهو القدوة. ولم ينكر عليه أحد بمحضر المهاجرين والأنصار ولم يختلف عليه منهم رجلان فمن أين حلت دماء هؤلاء إن لم يتفقوا، بل إن لم يولوا واحدا منهم؟ (2/85)
صفحة 282
وأي معصية ارتكبوها، وأي مظلمة لأحد من الناس عندهم؟ بلى إنّ عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعينت عليهم الولاية فإن أضاعوها أضاعوا أمرا عظيما. فها هنا تعرضت المسائل في توليتهم: أرأيت لو اتفقوا أربعة على واحد ومنه السادس أكانوا يقتلون جميعا أو يتقل السادس؟ فإن كانا اثنين واتفق ثلاثة على واحد، أيقتلون جميعا أو يقتل اثنان؟ وإن كانوا ثلاثة وثلاثة، ما الحكم فيها؟ وإن أنِفوا جميعا من الولاية، أيتركون أم/ يقتلون؟ وهذه مسألة اجتهادية لم يقطع فيها عمر رضي الله عنه بجواب إلا السيف. فأي إيالة وأي سياسة أعظم من استصلاح الأمة بثلثيها وقد أفتى عمر واستلح الثلث بالثلثين، بل قد استصلح الاثنين بالثلاثة أثلاث. وحسبك اختيار عمر رضي الله عنه إياهم من الأمة، وهم أهل السابقة في الإسلام والعلماء بالله، والأئمة والقدرة في الدين وبقية العشرة ونجوم أصحاب رسول الله عليه السلام. فأراد عمر أن يستصلح بهم أوباش هذه الأمة. فلو أنفق أحدهم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه. فكيف استصلح بهم الغثراء والغوغاء والعامة الذين يضيقون الأسواق على الناس ويغلون الأسعار. وفي هذه الأمة أحكام إياليّة تعجز أهل البصائر عن معرفتها فضلا/ عمن دونهم، لكن تلقتها الأمة بالقبول عن السلف الصالح. ومنها مصادمة النصوص في مصلحة الخصوص إيالة أو جهالة، والله المستعان. (2/86)
صفحة 283
باب البيعة ونقض الصفقة
والكون تحت أيدي الظلمة والتغرب بعد الهجرة
وقد تقدم القول في بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنها إجماع من الأمة، وأنها بيعة رشد، ثم من بعده من الخلفاء الراشدين ثم تحول الأمر ملكا وجبرية بزبزيّة. فمن دعا إلى البيعة فإن كانت قد أسست على التقوى فعليه الإجابة والنصح والنية. وإن وقع التغيير قدم إليه بالنكير، وإلا فلا طاعة لإمام آخر حتى يزول الأول لقول رسول الله عليه السلام: «إذا ولي إمامان فاقتلوا الآخر منهما» فإن زال التغيير انتفاءً أو موتاً. أو طاب تولية الآخر بأن أخر الأول أو غاب انتظر موته، وإن فقد/ ضرب له أجل الفقد أربع سنين. وإن وقعت المغالبة ودعي الناس إلى بيعة ظالم، فلا ولا نعمت عين. ومن أكره على بيعته إن كان تسوغ لك بيعته أم لا، فالله أعلم.
وللقوم أيمان زائدة في أخذ البيعة، وذلك أنهم يقولون: عليك عهد الله وميثاقه وكفالته وطلاق كل امرأة تملكها ثلاثا، وكل مملوك لك حر، وتهدم دورك وتخرب قصورك، وعليك كذا وكذا صدقة في مالك للمساكين إن نكثت هذه الصفقة، فتنعم. فمن ابتلي بهذا فما حال امرأته وسريته وعبيده وامرأته إن نكث الصفقة، إن كان تطلق أزواجه ويعتق عبيده ويلزمه الغرامات من الصدقات والمشي إلى بيت الله الحرام. فما الحكم في أهل الدعوة إن جرى لهم هذا؟ وفيمن كان على غير مذهبهم إذا رجع إلى أهل الدعوة المُحِّقة وقد قال/ رسول الله عليه السلام: «ثلاثة من الكبائر: خروجك عن امتك، وقتالك صفقتك، وتبديلك سنتك» وفي مثل هذا قال أبو عبيدة بن القاسم بن عبدالله: تفيض نفسي والله لا أعطيهم ما يريدون. (2/87)
صفحة 284
باب الخروج عن الأمة
والذي يذهب إليه العلماء أن خروجك من أمتك اتخاذ دار الشرك وطنا، فنهى رسول الله عليه السلام عن ذلك، لما يجري عليك من الأحكام من السبي والغنيمة والرق وتغيير النسل والأكراه على مفارقة دينه، ومشقة في طول التحرز من النجاسات والذبائح، والواحدنية. كل ذلك ضرر على الرجل المسلم. وأما من سلك مجتازا في بلدهم، أو رسولا أو بسبب فلا. والمعنى الأول روي عن رسول الله عليه السلام أنه قال في قبور عانة: «تلك قبور لا ينظر الله إليها» والله أعلم.
وأما من أسلم من أهل الشرك وهو في بلاده فلا ينبغي/ له المقام فيها إن استطاع السبيل إلى ذلك. وأما من لم يستطيع سبيلا فلا عليه، وواسع عليه حتى يصيب السبيل. فليصل وليصم رمضان.
فصل
وأما المقام تحت أيدي المخالفين من المحمدية وتحت حكمهم حيث تجري عليه أحكامهم فواسع له المقام ولو أنه يخشى جورهم ما لم يخف أن يفتنوه عن دينه. فإن طاع ولم يفتتن في دينه فلا بأس. وأما الصفرية فإنهم قطعوا عذر القاعدين حتى قال شاعرهم:
أبا خالد أيقن فلست بخالد ... ... وما جعل الرحمن عذرا لقاعد
أتزعم أنالخرجي على الهدى ... ... وأنت مقيم بين لص وجاحد؟!
وحم الصفرية في هؤلاء أنهم مشركون ولذلك لم يجوزوا الاستيطان عندهم. فإذا ساغ المقام بين ظهراني/ الأمة فما القول فيما يجري على الناس من أحكامهم التي يخالفون فيها المسلمين؟! اعلم أن كل مسألة قطع المسلمون عذر من خالفهم قولا أو فعلا لا يسعه فعله ولا فتياه. وأما إذا لم يقطع المسلمون عذرهم في شيء فلا عليه، إن شاء فعل كرها أو ترك. فأول ذلك طلاق القاضي. وذلك مثل رجل عجز (2/88)
صفحة 285
عن نفقة امرأته فقرا أو قترا. فالقول عندنا أنه يجبر بالسياط على النفقة، فإن شاء طلق وإن شاء أمسك
فإن "مات" كذلك فهو مسلم والقاتلون مسلمون؛ لأن كل واحد منهما يسعه ما فعل، وفي هذه المسألة نقض الأصول وقولة أخرى: أنهم يجبرونه على الطلاق لأنه وسعه، {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}، {لينفق ................ إلا ما آتاها} وهذا لم يؤته إلا الطلاق فلينفق منه،/ وهذا أشبه. وأما الأول فتكليف ما لا يطيق، وإباحة الدماء في الإنفاق. والقول الأخير قول الربيع ومحبوب وائل. وفيه قولة أخرى تروى عن عبدالله بن عبدالعزيز: ألا شيء عليه، فليسترزق الله. وهو قول المخالفين. فإن لم تصبر وإلا وجّه القاضي عليه القضاء وطلق عليه امرأته. وكذلك إن غاب "وهو موسر" في بلاد بعيدة فليكتب القاضي إلى قاضي بلده إعذارا وإنذرا، وليضرب له أجلا يأتي إليه "فإن أتى" وإلا وجّه عليه القضاء بالطلاق والفراق وحلّت للأزواج، فإن تزوجها آخر ومات ورثت منه أموالا ساغ لها ذلك، وساغ لمن يتزوجها من أهل دعوتنا ويجرى الأحكام بينه وبينها من النسب والحقوق والمواريث على ما قدمنا. ولو كانت بنتا أو أختا تزوجتا فطلقتا على/ هذا النعت فتزوجتا لمن ورثتا منهما أموالا جليلة، ساغ لها ذلك. مساغ لك إرثك منهما. وإن وقعت الحرمة بينهما بزنى أو غير ذلك عند المسلمين، وليست بحرمة عند المخالفين، فأثبتوا الزوجية وحموا بها فوقعت المواريث والأنساب. والأحكام أجريت على ما حكم به القضاء مخالفين أو موافقين. فإن قضى لك القاضي بشاهد ويمينك في أمر تعرفه فسائغ لك أخذه ومعاملة جميع من قضى له القاضي بهذا وإن كان هذا الحكم لا يجوز عند المسلمين. وكذلك إن باع القاضي على أحد منهم في ديون التزمته أو نفقات نساء أو لمولود أو مماليك فلك معاملة جميع هؤلاء الذين قضى عليهم القاضي الجد مع الأخ أو أعطى للجد الثلثين مع الأخت، أو للأخت الثلث، كل هذا/ سائغ ليس فيه بأس. وامرأة من أهل الدعوة تزوجت رجلا من الخوارج فاستمسكت به عندنا لحقوقها من النفقة والكسوة والصداق والمتعة وليس في يده إلا ما حاز من غنائم أهل التوحيد وقيقهم، فإنا نحكم لها بجميع حقوقها في هذا المال. وإن كان المال معروفا أهله ولكن بعدما (2/89)
صفحة 286
وقعت المقاسمة. وإن وقعت الوفاة حكمنا لها بميراثها وقضينا منه ديونه وأدينا أماناته وورثنا أولاده وحطنا عليهم أموالهم. وإن عجز المكاتبون واسترقهم القاضي مضى عليهم الرق. وإن وقعت المورايث فعليك أن تأخذ سهمك منهم ومن أثمانهم، وإن قسمت الغنائم فأسهم الفارس ثلاثة أسهم والرجل 3 سهما فإن ذلك جائز. وأما إن حكم القاضي بالقود على رجل أوصى/ عند موته أن فلانا هو الذي قتله فافتكّ الرجل بالمال وصالح على دعوة المدعي، هل تجوز معاملته في هذا المال؟ قلنا: نعم وأما على مذهب أبي حنيفة إن غصب رجل مال رجل فصرفه أنّ صاحب المال ليس له في شيئه شيء عند من كان، وإنما له القيمة عند الغاصب. وسوغ لك معاملة الثاني في الشيء المغصوب ولما يفت هذا الحرام بعينه إلى الآن ولا نعمت عين. وكذلك قوله في المرأة يشهد شاهدان زورا عليها أن زوجها طلقها البت فجوز للشاهدين تزويجها والذي ارتشاهما، هذا إن حكم الحاكم. فجعل حكومة الحاكم تكسب الأصول الحارم والفروج الحرام. وليت شعري إن كان يسوغ ذلك أيضا في الدماء. ويبيح دم امرئ مسلم لم يجز بشاهدي زور ولمرتشيهما إن حكم الحاكم بظاهر الأمر عند. وإن كانت تحت قوم يرون العقوبة بالأموال/ ويفتون السلاطين أو يعاقبوا العصاة بذلك فيما تصرف منه ذلك أخذته وما لم يتصرف لا نأخذه، وجميع عطايا الملوك قد أجازها أصحابنا يأثرون ذلك عن جابر بن زيد. وإن أيقنت أن فيها حراما غير معين فلا بأس وأما إن أخذه المخالفون من أهل الذمة جزية وقد حاطوهم فلا بأس إن أعطوك أن تأخذه. والأمراء الظلمة الذين في أيديهم الحرام وغيره فإن انتفوا من تلك الأموال بالتوبة فلا بأس على من يأخذها. وأما إن أعطوك شيئا هدية أو مصانعة أو غير ذلك فلا إلا إن أخذته تريد به المساكين، إن جميع ما في أيديهم لو انتفوا منه يحل للمساكين. وحكم الخمس إن صرفوه في أهله فواسع لك أخذه منهم ومعاملتهم فيه، وكذلك أموال الصدقات إن صرفوها إلى أهلها فلك معاملتهم. وإن دفعوها لك وأنت/ أهلها فلا بأس عليك. (2/90)
صفحة 287
فصل
والمخالف إذا رجع إلى أهل دين الحق صار بمنزلة المشرك إذا وحَّدَ في جميع ما فعله بمذهبه، وكذلك الصفري وغيره. غي أنه ينبغي للصُّفري أن ينتفي من الرقيق الذي بيده إن أخذه من المغنم. وأما إن اشتراه فلا. وأما جميع من قتله ديانة فليس عليه قود ولا دية، وكذلك الأموال على هذا الحال. اعلم أن شهادة المخالفين كلهم جائزة على أهل الدعوة العدول منهم وغير العدول فيما تجوز فيه شهادتهم كأهل الجملة منا إلا في فاحشة الزنا خصوصا لا تجوز فيه شهادة العدل منهم ولا غيره. وقيل إن شهادة المخالفين كلها جائزة في الحدود عليهم بهم. لكن البراءة لا براءة إلا بالمسلمين/ العدول. والخلافة لا تجوز إلا للمسلمين السالمين من البدعة. وأما الدّفاع
وشبهه فإنه يكون منا ومنهم، والقضاء كذلك بشرط إلا يقضى إلا بمذهب معلوم، وإن وقع القضاء بخلافه انتقض حتى يقع الاجتماع من ذي قابل. وكذلك المفتون على هذا الحال ولا يكون ذلك نقضا لحكم الحاكمين، ولا تسفيها لقول العالمين.
فصل
واعلم أن الولايات التي تختلف على أهل الإسلام كولاية بني أمية حتى انقرضوا، وبني العبيد حتى انقرضوا، والمرابطين حتى بادوا، وبني حماد والشرفاء بمكة ومن لا يدعي إلا الملك والسلطنة حتى فنوا، اعلم أن أحكامهم مختلفة.
أما من ادعى منهم الدين والشرائع والعمل بها والتدين بمقتضاها كبني أمية وبني العباس وبني العبيد والمرابطين وشبههم/ فإن جميع ما كسبوا واكتسبته ولاتهم من بيت المال المسلمين فإنه مرجوع ومردود إلى بيوت أموال المسلمين. وكذلك ما استحدثوه من المصانع والهياكل والحصون والقصور، والأودية والأنهار، والأجِنّة والأشجار، والبساتين والأرزاق والطرقات وأموال الأجر والدواوين، فمرجعه كله إلى بيت مال المسلمين وأما (2/91)
صفحة 288
ما اكتسبوه من عطاياهم وسهمانهم وأرزاقهم وتجارتهم فذلك المال موقوف عليهم وعلى أولادهم من بعدهم على المواريث. وبالجملة إن الإيالة تقتضيهم في نفس هذه الأموال. وقد قاسم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولاته في أعطياتهم التي استخدمت بها فر أنصافها إلى بيت مال المسلمين بعد ما صار لهم عطاء وقبضا وحيازة. فهذه إشارة إلى العقوبة بالمال. فإن عمر إنما أعطاهم/ تلك الأموال لينتفعوا بها وليصرفوا ألفاضل إلى آخرتهم فتوسعوا فيها وظنوا ببقيتها على أنفسهم أن يصرفوا في آخرتهم فأخذوا في الجمع وعاقبهم بالمنع فقاسم وساهم.
فصل
وأما السلاطين المتغلبة كبني حماد وغيرهم ممن لا اهتبال له بالشريعة، وإنما جل أموالهم من مغارم يأخذون بها الناس، ويستخدمونهم في صنائعهم ولا يرضون بزكاة يأخذونها ولا صدقة ولا فطرة، فجميع أموال هؤلاء ناضا وعقارا وغيره فهو فيء رادع إلى بيت مال المسلمين ليس لهم إلاّ روؤسهم، وإنما اكتسبوا الحطام والسحت والحرام والقبالات. وكذلك ولاة أهل مكة على هذا الحال.
فصل
وأما البلاد المتخربة من بلدان المسلمين بالقحوط والعدوى والاستبدال فعفت واندرست/ حتى لا يهتدي أهلها لها، فإن للولاة أن يصرفوها حيث شاءوا أو يقتطعوها لمن أرادوا غير أنهم لا يملكون الرقاب أحدا، فمن شاء من العمار أن يبيع البنيان والنقض فعل وتبقى لأهلها الأرض. وأما العقار والدمن والمستغلات كلها فإن للسلاطين أن يصرفوا ذلك كله لمن يقوم به ويجعل له جعلا على ذلك، فما فضل بعد النوائب والجعل جعله في بيت مال المسلمين على طريقة الفيء أو اللقطة ويجريه على الفقراء والمساكين وأهل الصدقات. وإن رأى أن يقطعها لمن يعمرها بمرافقها ومنافعها، وتكون لهم المستغلات على طريقة الفيء فعل، وإن زادت العمارة على أيديهم (2/92)
صفحة 289
والبنيان والنقض كان لهم مهمى جاء أهلها أخذ هؤلاء قيمة ما أحدثوا، ويكون الأصل لأهله، وأما/ المحارث فما اشتغل من اقتطعها له السلطان فهو له. وأما إذا كان فيئا للمسلمين ودخلوا بأمر السلطان وإذنه كانت المستغلات لهم والعمارة ووقعت في الأصل القسمة على روؤس الرجال.
فصل
اعلم أن أسارى المسلمين بأيدي المشركين أنهم على أحكامهم من الولاية حتى يموتوا أو يظهر ارتدادهم، وهم مثل الغُيَّبِ في بلاد المسلمين،
وأزواجهم على حالهن قبل الأسر والمواريث جارية بينهم وبين أزواجهم، والنساء معطلات ما لم تكن فرقة أو تحريم أو موت. وإن كن نساء انقطع الفراش من كل حائل ومن كل حامل واضع وثبت النسب للمشركين ولا تنقطع مع ذلك العصمة بينهن وبين أزواجهن. فإن رجعن كن على نكاحهن. وكذلك الغاصب من أهل التوحيد على هذا الحال/ مثل حكم المفقود إلا إن حدثت حرمة من تزويج أو غيره. وعبيد الموحدين وأبنائهم على هذا الحال، إن ردعوا رجعوا إلى ملك ساداتهم، ومن اشترى من المسلمين أو أعطي له أو هرب به فهو رَدٌّ إلى أهله. ويغرم لمُفْتكِّه ما أعطى عنه سواء كان حرا أو عبدا. ومن هرب منهم من المشركين بمال أو نساء أو رجال، فإن كان حرا خمس، وإن كان عبدا خمس لمولاه. وقيل يخمس هو بنفسه ويمسك البقية لنفسه. والكنوز كذلك إن قبضها. وأما إن رآها في بلاد العدو ولم يؤمرها ولم يقبضها حتى دخل مرة ثانية فهي بينه وبين أصحابه الآخرين. والولاء ثابت بين أهل الشرك وبين مواليهم إن أعتقوهم في الشرك. وإن أسلمت الموالي وسبيت السادات فالسادات عبيد للموالي. وإن اعتقوهم الموالي صار كل واحد مولى/ لآخر. ومن هرب من عبيد المشركين إلى المسلمين وهم موالي المسلمين. وقيل إنهم عبيد تباع على سادتهم ويأخذون أثمانهم. وإن دخل المشركون بأمان في بلاد المسلمين ومعهم أسارى من المسلمين فعلى أهل الإسلام أن يفتكُّوهم، (2/93)
صفحة 290
وإن لم يتفقوا ردوا عليهم أسراهم ولا يعارضونهم حتى يصلوا إلى مأمنهم. ومن أسلم من المشركين في بلاده فأغار أهل الإسلام على قبيله فقتلوه فليس عليهم إلا الكفارة: تحرير رقبة، أو صيام شهرين متتابعين لمن لم يجد وليس عليهم من دمه شيء. وإن صادفوا أحدا من المشركين فيهم ممن كانت بينهم وبين المسلمين عهود ومواثيق فعليهم الدِّية لأهلها والكفارة.
فصل
والمرتد حقّه السيف، لكن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استتابه ثلاثا وإلا قتل/ رأيا من رأيه. وأباح الله عز وجل قتل المشركين، قال
الله عز وجل: {قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة} فنسخ رسول الله عليه السلام منه النساء وخص أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرهبان والشيخ الفاني. وأفتى أبو بكر في المرتدين إذا كانوا أمة متظافرة وحديثي عهد بالشرك بالقتل والسباء والغيمة. وتجوز المهادنة بين أهل الإسلام والمشركين إن رأى المسلمون ذلك. وقد هادن رسول الله عليه السلام قريشا وقالوا إن شروط المهادنة منسوخة. والزنديق لا توبة له، وهو من ظهر المسلمون على سريرته قولا أو فعلا فالسلطان مخير في قتله أو تركه ولو أظهر الإسلام والرجوع إليه. والله أعلم. (2/94)
صفحة 291
باب
القول في الإسلام والإيمان والدين
اعلم أن الإيمان له خمس درجات على قدر الترقي فيه أو تهاون: الإيمان؟ ثم الظن ثم العلم ثم اليقين ثم المعرفة./ فالدرجة الأولى هي الإيمان، وهو المعنى الذي كلفه الله عباده المؤمنين ثم رضيه منهم. وهو قوله تعالى: {آمن الرسول ...................... ورسله} وقال: { .... فمن يكفر بالطاغوت ................................. عليم}. وهذه الإشارة إلى قوله: {يا أيها الذين آمنوا} وإلى قوله: {آمنوا وعلموا الصالحات}. وبهذا الإيمان رضي الله عن إبراهيم الخليل عليه السلام حين سأله قال: {رب أرني كيف تحي ............... قلبي} وذلك حين أراد الخليل عليه وعلى نبيا محمد السلام الترقي في درجات الإيمان إلى أعلاه، ولم يقتصد في اشرع على مبداه فطلب مشاهدة إحياء الموتى معاينة. والذي رضي الله عز وجل أول الظاهر من قوله: {بلى} وهو الإيمان الذي أشار إليه رسول الله عليه السلام بإيمان العجائز. فإذا تحقق العبد/ الإيمان وثبت ورسا في قلبه انتقل إلى درجة هي أقوى مما هو فيه وهي الظن. ومنه قول علي: الإيمان يبدو لمظة في القلب كلّما ازداد انشرح له القلب في الظن. والظن درجة في الإيمان أعلى من أوائله. فلذلك مدح الله تعالى به المؤمنين فقال عز من قائل: {الذين يظنون .................... راجعون} وقال: {وظنوا أن ........................... ليتوبوا} وذلك أن من سكنت نفسه إلى وجود البارئ ووقع في قلبه الإيمان به انتفى عنه الجهل واعتوره الشك والظن. وهما طريقتان أحداهما يمنة والأخرى يسرة والشك تردد وتوقف بين أمرين لا مزية لأحدها على الآخر آخذ نحو طريق الجهل والكفر. والظن ترجيح إحدى الجانبين فمهما ترجح جانب الظن "إلى جانب العلم كان ظنا لأنه جاوز حد الجهل إلى حد الإيمان. وحقيقة الظن": ميلان (2/95)
صفحة 292
النفس إلى تحقيق ما اعتقده المؤمن وآمن بالله. والظن يئول إلى العلم. وجل أحكام الشريعة إنما بنيت على غلبات الظنون.
ثم العلم. والعلم أن يلوح لك المعنى ويظهر لك المغزى/ وطمأنينة النفس وسكون الحدس. وربما يعضده الدليل فيتضح به السبيل. فلذلك فرق الله تعالى بين درجة الإيمان ودرجات العلم فقال: {يا أيها .................... درجات}. فلحن الخطاب: يرفع الذين آمنوا منكم درجات ويرفع الذين أوتوا العلم درجات. وقال في موضع آخر: {وقال الذين ....................... يوم البعث} وقال أيضا: {وقال الذين .......................... إلا الصابرون}. فإن ازداد العلم قوة صار يقينا.
ثم اليقين: اليقين علم راسخ في القلب زايلته الشكوك وجانبه الاضطرا ب وفارقه الارتياب، واستحكم في النفس حتى كاد أن يكون عن مشاهدة. فلهذا قال نبينا عليه السلام: «من أقل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر» وقال الله تعالى: {كلا/ لو تعلمون علم اليقين لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين} وقال عليه السلام لابن عباس: «اعمل الرضا واليقين وإلا ففي الصبر على ما تكره خير كثير». وإذا قوى اليقين ترقّى إلى درجة المعرفة.
ثم المعرفة: فإذا قوى يقين العبد واستحكمت عيونه وقويت متونه ولا له من ربه اللطف الخفي والصنع الحفي والنور الجلي، واستولى
على قلبه حب ربه، واستأنس بذكره في الخلوات ووثق باشغافه المهمات وغلب نور قلبه على نور بصره. فأبصر الدنيا خيالا والآخرة مثالا وتعرف مع ذلك المزيد في المواطن وكان معه في جميع الأماكن حتى كأنه يناجيه عند عمه ويناغيه عند غمه. وفي هذه الصفة الحديث الطويل الذي رواه أبو هريرة وأسامة بن زيد عن رسول عليه السلام حين ذكر أهل العلم الانقطاع إلى الله فقال: «لباسهم الخِرَق، ومسكنهم العلق، تعرفهم بقاع الأرض. إذا حضروا لم يعرفوا،/ وإذا غابوا لم يفتقدوا» (2/96)
صفحة 293
وفي المعرفة معنى الفطنة وعلم تقدمه علم، فلذلك لا يسوغ على البارئ سبحانه إن يقال عارف، بل عالم. قال الشاعر:
فلولا الله يحفظ عارفيه ... ... لهام العارفون بكل واد
فهذه الدرج الخمس التي ذكرناها رتب الأنبياء والسابقين والصدّيقين فمجاهدة الملائكة المقربين في جلال الجبروت مخافة ما ينفتح عليهم ويشغلهم عن عجائب الملكوت. ومجاهدة الأنبياء والمرسلين في عجائب الملكوت مخافة ما ينفتح عليهم ويعين عليهم في أبواب الخطرات، ومجاهدة السابقين المخلصين في أبواب الخطرات مخافة ما ينفتح عليهم من الوسواس والهمزات. ومجاهدة الصديقين المحسنين في الوسواس والهمزات مخافة ما ينفتح عليهم من/ أبواب الشبهات. ومجاهدة المتقين الموقنين في أبواب الشبهات مخافة ما ينفتح عليهم من أبواب الأماني والشهوات. ومجاهدة الصالحين المؤمنين في أبواب الشهوات مخافة ما ينفتح عليهم من المعاصي والحرمات. ومجاهدة الموحدين الطالحين في المعاصي والحرمات مخافة ما ينفتح عليهم من الإشراك والعبادات.
في المؤمن: والمؤمن على وجهين، لغوي وشرعي. فاللغوي بمعنى المقر والشرعي بمعنى الموفي. ومصداق الأول قول الله تعالى: {ومن أراد
الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن}. وقال: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه} وقوله: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسول أمرا أن تكون لهم الخيرة من أمرهم} فالكل داخل تحت الأمر. ودليل آخر قوله تعالى: {إنما المؤمنون/ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} إلى قوله: { ... لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم} فهؤلاء المؤمنون حقا وغيرهم المؤمنون باطلا. وفي الحديث عن رسول الله عليه السلام: «المؤمن من أمن جاره بوائقه». وقوله: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يدفع الناس إليها أبصارهم وهو مؤمن». وقال رسول الله عليه السلام: «الإيمان نيّف وسبعون خصلة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى من الطريق». وقول الله تعالى: {وما كان الله ليضيع إيمانكم} (2/97)
صفحة 294
يريد: صلواتكم إلى بيت المقدس في بعض التفسير. وذكر أن رسول الله عليه السلام قال: «الحياء شعبة من الإيمان» وقال: «حسن العهد من الإيمان» وقال: «البذاذة من الإيمان». وقال: «لا إيمان لمن/ لا صلاة لهن ولا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله».
في الإسلام: والإسلام هو الاستسلام لأمر الله عز وجل، والخضوع له. قال الله تعالى: {قالت الأعراب .................... قلوبكم}. معناه: استسلمنا لأمرك استسلاما لا إسلاما. وقوله: {وله أسلم .......... وكرها}. وقال: {ومن يبتغ ........... الخاسرين} وقد قيده رسول الله عليه السلام في حديث جبريل عليه السلام، وسنذكره إن شاء الله. وقال عليه السلام: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله ... الحديث» وقوله في حديث سعد: «أو مسلم». وذلك أن سعد بن أبي وقاص نظر إلى رسول الله عليه السلام وهو يقسم الغنائم ويعطي الأقوام. ونطر سعد إلى رجل/ كان أوثق في نفسه من هؤلاء الذين كانوا يعطيهم فقال: يا رسول الله، ألا تعطي فلانا؟ فلم يكترث به رسول الله عليه السلام. قال سعد: فأخذني ما قرب وما بعد ثم قمت ثانية فقلت: يا رسول الله، ألا تعطي فلانا وأني لأراه مؤمنا. فالتفت إليّ رسول الله عليه السلام في الثانية أو الثالثة فقال: «أو مسلما» ثم قال رسول الله عليه السلام: «يا سعد، إني والله لأعطي هذا المال أقواما ما وَأَكِل آخرين إلى إيمانهم». وقال عليه السلام: «المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمهاجر من هاجر السيئات».
في الدين: والدين على أربعة أوجه، أحدهما: الجزاء، وهو معنى قول الله تعالى: {ملك يوم الدين}، أي ملك يوم الجزاء، {ولولا إن كنتم .............. إن كنتم صادقين}.
الثاني: الحكم، قال الله تعالى في خبر أولاد يعقوب: {ما كان ليأخد أخاه في/ دين الملك إلا أن يشاء الله} أي في حكم الملك. (2/98)
صفحة 295
الثالث: الدين معناه الطاعة والانقياد لله عز وجل، قال الله تعالى: {ألا لله الدين الخالص} , {وأما أمروا ............... وذلك دين القيمة}، أي دين الحنيفية السمحة السهلة، وفي هذا المعنى يقول الأعشي:
هو دان الرباب إذ كرهوا الدين دركاً بغزوة وهيال
ثم دانت بعد الرباب وكانت كعذاب عقوبة الأقوال
الرابع: العادة، قال الشاعر:
تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبداً وديني
أي هذا دأبه وعادته، أما حديث جبريل عليه السلام، ذكر أن رسول الله عليه السلام كان جالساً ذات يوم من أصحابه إذ أقبل عليه رجل حسن الهيئة طيب الرائحة عليه اللباس البيض فسلم من بعيد فرد عليه رسول/ الله عليه السلام فقال: أأدنو منك يا رسول الله؟ فقال له عليه السلام: أدن، فأقبل
حتى جلس بين يديه فقال: أسألك يا رسول الله فقال: سل، فقال: ما الايمان فقال رسول الله عليه السلام: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبلقائه وبالبعث، وبالقدر خيره وشره أنه من الله، قال: صدقت، ثم قال: ما الإسلام فقال عليه السلام: شهادة أن لا إله إلا الله "وأن محمدا رسول الله" وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج إلى بيت الله الحرام من استطاع إليه سبيلا والغسل من الجنابة. فقال الرجل: صدقت. ثم قال: ما الاحسان فقال عليه السلام: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. فقال: صدقت. ثم قال: متى الساعة فاستوى رسول الله عليه السلام جالسا: فقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل عنها وسأنبئك/ بأشراطها: إذا ولدت الأمة ربها أو ربتها وتطاول رعاة البهم في البنيان في خمس لا يعلمهن إلا الله. ثم تلا رسول الله عليه السلام: {إن الله عنده علم الساعة ........................ عليم خبير} فقال الرجل: صدقت ثم قام (2/99)
صفحة 296
فانصرف. فمكث رسول الله عليه السلام هنيهة فقال: عليّ بالرجل. فقام أصحابه في كل وجه ثم ناداهم أن هلموا فقال: إنه جبريل جاءكم ليعلمكم أمر دينكم». فإن قال قائل: قد نص رسول الله عليه السلام في حديث جبريل عليه السلام أن الإيمان هو ما يتعلق بالقلب من الإعتقاد. وبقوله عليه السلام: «إن الإيمان ها هنا» وأشار إلى قلبه. وفيه أيضا: «فهلا شققت على قلبه». وأن الإسلام هو ما يتعلق بالجوارح من العبادات ولم يذكر الدين. وأنت توجب أن الإيمان هو الإسلام وأن الإسلام هو الإيمان وهما الدين. اعلم أن الإيمان أصله التصديق كما ذكرنا/ وأن الإسلام أصله الاستسلام والخضوع، وأن الإسلام كله من قبل التصديق إيمان، وأن الإيمان كله من قبل الاستسلام والخضوع إسلام. والدين من قبل الإيمان تصديق، والإيمان من قبل الدين طاعة، والدين من قبل الإسلام الاستسلام. فكل خصلة من الإيمان فهي إسلام ودين، وكل خصلة من الإسلام فهي إيمان ودين، وكل خصلة من الدين فهي إيمان وإسلام. وإليه ذهب الشيخ أبو الربيع سليمان بن يخلف رضي الله عنه. وهو الأصوب إن شاء الله؛ إذ لا يسعك أن تنفي الإيمان عن الصلاة وأخواتها. فإن اتسع لك فلا يسعك أن تنفي الإسلام عن الإيمان الذي هو الاعتقاد فيكون الواحد مؤمنا غير مسلم أو مسلما غير مؤمن. وقد قال الله تعالى: {وذلك دين القيمة}./ وقال: {إن الدين عند الله الإسلام}. وقال: {ومن يتبع غير .............. جهنم}. وقال: {ومن يبتغ ................... الخاسرين}. واعلم أن لله الدين الخالص وللشيطان دين، ودين الشيطان طاعته ولكن لا يذكر للشيطان دين مطلقا بل مقيدا مضافا إليه. قال الله تعالى: { ... وله الدين واصبا}. ولمحمد عليه السلام دين. فإنما الدين المطلق دين الله الخالص. قال الله عز وجل: {ألا لله الدين الخالص}، {إن الدين عند الله الإسلام}. (2/100)
صفحة 297
باب
الكفر والنفاق والشرك
الكفر في أصل اللغة والتغطية، قال لبيد:
فتذكرا ثقلا رئيدا بعدما ... ... ألقت ذكاء يمينها في كافر
يريد الليل لستره كل شيء وقال عليه السلام: «أهل الكفور هم أهل القبور» والكافور/ طلع النخل، يريد جفها لأجل المسترة سمي بذلك. وأصل الكفر في مفهوم كلام العرب جحود المنعم نعمته. والكفر. إذا على وجهين: أولهما كفر النعمة؛ فأما كفران المنعم فالذي جهل به أو تجاهل أو استجهل. أما من جهل ربه فالذي فالذي لا يعرفه ولا يثبته كالدهرية والثنوية وجميع الملل غير ملة الإسلام. وأما المتجاهل فالذي قصر عن بعض ما تصلح له به المعرفة إثباتا ونفيا كمن لا يعرف ما لا يسعه جهله من ذلك. وأما المستجهل فالمتعرض لأوصاف باريه بما لا يليق به.
والثاني: كفران النعمة بالفعال والمقال. فهذا الكفر كفر من جهة اللغة ومن جهة الشريعة، لا يتمارى في هذا إلا كافر. وكما قال الشاعر:
إن آيات ربنا بينات ... ... لا يماري فيهن إلا كفور/
/فدليل كفر الجاهل بربه من جهة الشرع قوله: {وإذا قيل ................. نفورا}. والعقل يقضي أن علة الكفر إذا صحت في الفرع فالأصل أولى. ودليل المتجاهل قوله عز وجل: {وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا ...
الآية. ودليل الاستجهال قوله: {وما قدروا .................. بيمينه} وأجمعت الأمة على الكافر الأصلي هو المشرك. واختلفوا في كفر النعمة فنفاه قوم وهم القدرية والمرجئة والسنية. (2/101)
صفحة 298
وأثبته الإباضية والخوارج والشيعة. والكفر المعهود عند العرب كفران؛ كفر النعمة ورد في الشرع مصداقة، وفي الحديث أن رجلا سأل رسول الله عن الحج أواجب في كل عام؟ فغضب رسول الله عليه السلام وقال: «لو قلت نعم لوجب، ولو وجب ما قدرتم عليه. ولو لم تفعلوا إذا لكفرتم». ثم قال الله عز وجل/: {ولله على الناس ................................... العالمين} وقال تعالى: {لئن شكرتم .......................... لشديد} وقال عليه السلام: «سب المؤمن فسق وقتاله كفر». وقال عليه السلام: «إن انتقاء الرجل من أبيه كفر». وقال عليه السلام: «الرشوة في الحكم كفر» وقال عليه السلام: «من أتى امرأته في دبرها أو حائضا فقد كفر». وقوله عليه السلام: «ليس بين العبد والكفر إلا ترك الصلاة» وقوله عليه السلام: «من ترك الصلاة كفر».
الكلام على النفاق
أصل النفاق في كلام العرب مأخوذ من نافقاء اليربوع. وهو اسم شرعي، وذلك أن اليربوع يتخذ أبوابا إلى جحره منها القاصعاء والرهطاء والدّاماء والنّافقاء. فاستعمل النافقاء باب مستخفيا/ يخرج منه عند الضرورة إذا خاف فأخفاه عن العيون. وهو اسم شرعي فسّره أهل العلم فقالوا إنه اختلاف السريرة والعلانية، واختلاف القول والعمل، واختلاف المدخل والمخرج. وهذه المقالة تروى عن الحسن البصري، ومعناها عن حذيفة بن اليماني، وهو قول جل الصحابة. وقد ذكر الله عز وجل المنافقين في آي كثيرة من كتابه. فاختلف الناس فيهم فقال بعضهم: مشركون خالف قولهم اعتقادهم. وقال بعضهم: خالف فعلهم قولهم. قال الله تعالى: {فما لكم في المنافقين ........................... الله}. وقال: {يوم يقول المنافقون والمنافقات ............. نوركم}. وقال: {إذا جاءك المنافقون/ قالوا: نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}. وقال: {إن المنافقين .......... نصيرا} والآي التي في سورة براءة إنما نزلت في المنافقين والمنافقات أجمعين. وإنا ذكرنا مبدأ أمرهم ومنهم تتعرف الحقيقة فيهم، وذلك أن أصحاب رسول الله عليه السلام اختلفوا (2/102)
صفحة 299
فيمن خلّقوا بمكة ممن آمن وصدق برسول الله عليه السلام فقال بعضهم: "هم" على حقيقة ما أنتم عليه وهو إخواننا وإنما ثقل عليهم أمر الهجرة والخروج من الوطن فهم مسلمون مؤمنون. وقال بعضهم: بل هم مشركون لتخلّفهم عن الهجرة ولقعودهم بين ظهراني قوم مشركين. فأنزل الله عز وجل معاتبة المؤمنين في اختلافهم ورد على الفريقين وسمّاهم بخلاف/ ما سموهم به إذ سماهم البعض "مؤمنين" والبعض "مشركين" وقال عز وجل: {فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم ... } فأخبر أنهم ليسوا بمؤمنين ولا مشركين ولكنهم منافقون. فأخبر أنه أركسهم ردًّا على من سماهم مؤمنين وسماهم الله منافقين ردًّا على من سمّاهم مشركين ثم قال عتابا للمؤمنين: {أتريدون أن .......................... سبيلا} 4. فوقع العتاب ها هنا على من سماهم مؤمنين. ثم قال: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء .. } وإنما مودتهم أن يترك المؤمنون الهجرة كما تركوها هم فيكفروا كما كفروا ثم قال: {ولا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا}. وقد انقطعت الولاية/ بين المؤمنين والكفار حتى يهاجروا في سبيل الله. ثم قال: {فإن تولوا ........... ولا نصيرا} فصح أنهم قبل التولي لم يصدر منهم فعل يكونون به منافقين إلا ترك الهجرة، فإن وقع التولي وهو الارتداد، كان لهم حكم آخر وهو القتل. فمن أثبت النفاق في الأفعال لمخالفتها الأقوال فهو أقرب إلى الحجة والمحجة لأنهم استدلوا بظاهر هذه الآية وقضوا بأن النفاق "في الأفعال" لما رأوا من ثبوتهم على المعاصي إذا خلوا كما قال الله تعالى: {وإذا أنزلت ........................ لا يفقهون} واستدل الآخرون بتكذيب الله إياهم: { ... قالوا نشهد إنك لرسول الله/ والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}. فهذه الآية مشتركة بين الفريقين لأن الفريقين قد اتفقا على المنافقين يشهدون أن محمد رسول الله عليه السلام. إنا ننتضر لك في مغيبك ونشهد عند اليهود إنك لرسول الله. فشهد الله أن محمد رسوله وأنهم كذبوا. فاختلف الفريقان فقال من شركهم: إنما وقع التكذيب على الشهادة ونحن نشهد لهم بالشهادة وإنما وقع التكذيب ذما لهم وتوبيخا. ألا ترى أنه لو وقع التكذيب على قلوبهم لقال: {والله يشهد (2/103)
صفحة 300
إنهم لكاذبون} فلما قال: {والله يشهد إن المنافقين لكاذبون} وقعت عليهم الشهادة بالكذب في شيء آخر لكسر إنّ. واستدلوا أيضا بقول الله تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين} / إلى قوله: {بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}. فلما أخبر عن الوعد باللسان وعاقب وعقب بالنفاق في القلب علمنا أنما سلبهم الإيمان الذي يكون في القلب عقوبة لهم ولن يستقيم الإيمان والنفاق في قلب واحد. و"قال" الآخرون: قد يصح النفاق في القلب ويقاوم لأن هذا الإيمان دغل وغش في قلوبهم إلى المؤمنين. وليس لمن أثبت لهم الشرك آية في القرآن أعظم من هذه والتي قبلها: {إذا جاءك المنافقون} وباقي الآيات عليهم لا لهم. والذين قضوا بالضمير تعسّفوا لأنهم لا يتوصلون إلى الإعتقادات إلا بنصوص الشارع والذين قضوا بهذا قد أبعدوا عن أنفسهم أسباب الشر لكنهم هدموا/ قاعدة الخوف وسهلوا طريق الجنة. والذين قالوا أنه في الأفعال عظموا أسباب الخاف فهم أحزم. والذي عندي أن النفاق ما قدمناه أولا أنه في الأفعال ولا يستحيل صرفه في الوجهين جميعا. وليس لنا أن نتحكم على الشارع في الأسامي، وإنما الشأن في الأحكام وهؤلاء الذين حكموا في الأفعال على المنافق لم يختلفوا مع هؤلاء الذين أثبتوه في الإعتقادات إلا في أشياء نزرة. فمن سمّاه مؤمنا وأجرى عليه الحدود كما أجراها عليه من سماه منافقا وقد اتفقا ولم يتفقا. فأما الذي قال إنه مؤمن من أهل الجنة، والقائل بأنه منافق من أهل النار ها هنا تقع الديانات ويقع التفاوت في الإعتقادات وقد قال عليه السلام: «علامة المنافق إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا/ وعد أخلف». والحديث الصحيح الذي أخرجه الصحاح أن رسول الله عليه السلام قال: «أربع من كنّ فيه أو واحدة فهو منافق حقا وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، من إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر» فهذا النص في موضوع النزاع. وروى عن حذيفة بن اليماني أنه قال: إنما كان النفاق على عهد رسول الله عليه السلام وأما اليوم فقد كفروا كفرا مبينا. فهذا الفصل فيما بين المذهبين حين أثبت حذيفة الكفر في الأفعال فليقولوا في النفاق ما شاءوا. وإنما عزاهم إلى الكفر من أجل بجحهم به والجاهرة به. وإنما اختلفوا في الكبير هل هو نفاق ظاهر أو باطن لا غير.
وغرضنا أن يكون الكبير كفرا، فمن منعه (2/104)
صفحة 301
أن يكون نفاقا لأهل الظهور فقد أتى/ بأكثر من غرضنا ومرادنا كما قال حذيفة. وإنما
هربوا أن يجعلوا الكبير كفرا ونفاقا جنوحا وميلا إلى الراحة. فمن قضى بالوعيد نهب الطمع في البيد.
القول في الشرك
والشرك على أربعة أوجه:
أحدها: يتصرف على وجوه؛ منها: أن يقيم غير البارئ مقام البارئ كعبادة الأوثان. ومنها أن ينكر وجود البارئ سبحانه. ومنها أن يجعل له شريكا في خلقه مما لا يتوهم أنّ للغير فيه شريكا وصنيعا كمن عزى جسما من الأجسام إلى غير الله تعالى خلقا. ومنها أن يجهل بارئه سبحانه. ومنها أن يصفه بما يخرجه من معنى الألوهية، وتكذيبه في كلامه وتكذيب رسله وملائكته وجهله البعث والمعاد. وقد تقدم شرح هذا في الجهل والتجاهل والاستجهال./
والثاني: الشرك في الأفعال. وذلك أن يتقرب العبد بأفعاله إلى غير الله عز وجل مرآءاة وتزيينا وتصنعا كما قال الله تعالى: {من كان ................. أحدا}. وكما قال رسول الله عليه السلام: «الرياء هو الشرك الأصغر» فهذا عليه العقاب كالأول.
الثالث: الإكراه. كما قال سبحانه: { ... من كفر بالله بعد إيمانه ............................. عظيم}. وكذلك إذا أُكره على قول إلاهين اثنين. فقال بعضهم: لا شرك ولا كفر ولا معصية. واتفق الجميع على أنه لا معصية ولا ذنب ولا إثم ولا عقاب.
الرابع: وهو الشرك الذي ركبه الله في/ قلوب العباد من الجزع والهلع وقلة الثقة بعهود الله عز وجل والإيمان به وبقدرته وثقتهم بأنفسهم وقواهم وخيلهم وعيونهم حتى إنهم ليثقون بكلابهم. ولذلك قال ابن عباس: لا تزالون تشركون، تقولون لولا كلابنا لسرقنا. وقال ابن مسعود: التولة من الشرك. ومن هذا المعنى أخبرهم البارئ جل وعلا على قدرته الرزق فلم يؤمنوا، ووعدهم فلم يوقنوا، وضمنهم فلم يحققوا، وحلف لهم فلم يصدقوا. (2/105)
صفحة 302
قال الله تعالى: {إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}. ثم قال: {خلقكم ثم ................. يحييكم}. ثم قال: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها}. ثم قال: {وفي السماء ....... تنطقون} / فلما أخبر ووعد وضمن وحلف ولم يصدقوا أمرهم بالكسب والطلب والتعب والنصب فقال لهم: شدوا وجدوا وكدوا ولدوا ولن يكون إلا ما أريد. ثم أدركتهم الرحمة فجعل ذلك كله أجورا وظهورا. (2/106)
صفحة 303
باب
في البدعة والضلالة والحكم في فرق الأمة
قال الله عز وجل: {كان الناس .................................................. إلى صراط مستقيم}. وقال رسول الله عليه السلام: «لن تجتمع أمتي على ضلال». وقال عليه السلام: «إنكم ستختلفون بعدي فما جاءكم بعدي من حديث فاعرضوه على كتاب الله عز وجل، فما وافقه فعني وما خالفه فليس عني». وقال عليه السلام: «ستفترق أمتي على ثلاثة وسبعين فرقة كلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية/ وكلهم يدعي تلك الواحدة». وقال عليه السلام: «خير أمتي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بي ويعملون بأمري ولم يروني فأولئك لهم الدرجات العلى إلا من تعمق في الفتنة». وقال عليه السلام: «قد تعبد الله العالم بكتمان علمه ما لم يحتج إليه فإن احتج إليه نفع وإن لم يفعل لعنه الله والملائكة والناس أجمعين» وقال عليه السلام: «إذا ظهرت البدع في أمتي فعلى العالم أن ينشر علمه فإن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».
والبدع التي أشار إليها رسول الله عليه السلام ثلاث منصوص عليها وهي المرجئة والقدرية والمارقة.
أما المرجئة والقدرية فقد قال فيهما رسول الله عليه السلام: «طائفتان من أمتي لا تنالهما شفاعتي، القدرية والمرجئة». وقال أيضا عليه السلام: «القدرية والمرجئة ملعونتان على لسان سبعين نبيا»./ وقال عليه السلام: «من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». وقال عليه السلام: «ستة لعنتهم ولعنهم كل نبي مجاب الدعوة: الزائدة في كتاب الله تعالى، والمكذب بقدر الله، والمستحل لحرمات الله، والمتسلط على أمتي بالجبرية، والمستحل من عترتي ما حرم الله». وأما المارقة فقد قال فيهم رسول الله عليه السلام: «إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم، يقرأون القرآن ولا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية فتنظر في النصل فلا ترى شيئا وتنظر في القدح فلا ترى شيئا وتنظر في القديدة فلا ترى شيئا وتتمارى في الفوق». فلم تكن (2/107)
صفحة 304
هذه الصفة في أحد من أمة أحمد إلا الخوارج لأنهم أعبد الناس وأخوف/ الناس وأقرأ للقرآن ومرقوا من الدين كما وصفهم رسول الله عليه السلام حين انتكسوا وارتكسوا وردوا عزوهم وجهادهم وسبيهم وغنيمتهم في أمة أحمد وعطلوا وأبطلوا الغزو في اليهود والنصارى والمجوس والذين أشركوا بعدما قال رسول الله عليه السلام: «قد يئس الشيطان أن يعبد من دون "الله" في جزيرتكم هذه ولكن قد رضي منكم بدون الشرك». وأما القدرية فكل من غاص قي قدر الله ولم يستسلم لقضاء الله، وهما طائفتان حائدتان عن سواء السبيل.
أولهما المعتزلة: خرموا من خلق الله أفضله ونحلوه أنفسهم وهو الإسلام والإيمان والتوحيد.
والفرقة الثانية: المجبرة؛ الذين نسبوا أفعال العباد إلى الله تعالى ونفوها عن العباد، وأثبتوا أن الله تعالى وأخذهم على ما لم يفعلوا/ فنسبوا إليه الظلم والعدوان تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قال الله تعالى: {جزاء بما كانوا يعملون} وقال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}.
وأما المرجئة فقد هدموا قواعد الشرع وأبطلوا فائدة التقوى وأطلقوا عقال المعصية والبلوى حين قالوا: لا إله إلا الله ثمن الجنة فمن قالها فهو من أهل الجنة ولو لم يدع لله حرمة إلا انتهكها، ولا معصية إلا أتاها، ولو زنى في قصر الكعبة، وسرق خمار المزنيّة، ولعن الصحابة في الملتزم أو بين الركن والمقام، لهو عند الله سواء ومن عبد ربه حتى أتاه اليقين فهما من أهل الجنة سواء!! قال الله تعالى: {أم نجعل ...................................... كالفجار}. وقال: {أفمن كان ................................. تكذبون}.
فصل
ومن بعد هذه البدع الثلاث المنصوص عليها ثلاث بدع أخر: أحدهما الفتنة وما يتعلق بها من الأحكام. والثاني: تشبيه البارئ سبحانه بخلقه. والثالث: مذاهب الشيع والرافضة والغالية في الإمامة والنبوة والألوهية وقد لوحنا في كتابنا هذا في هذه البدع الثلاث ما يشفي ويكفي، والله المستعان. (2/108)
صفحة 305
واعلم أن القول بالرأي في الدين على ثلاثة أوجه:
وجه مأمور به ومأجور عليه أهله، وهو الفقهيات في القضايا والأحكام والنوازل والتفسير لكتاب الله عز وجل والسنة واستخراج العلل والمعلولات. فهؤلاء رأيهم كلهم حكم وعلم بدليل قول الله تعالى: {وداوود وسليمان إذ/ يحكمان ................ وعلما}.
والثاني: مباح لا أجر ولا وزر وإن كان خطأ ظاهرا عند الله وعند المسلمين كمذهب أهل الشك في الفتنة، والقائلين بتشريك أهل المعاصي قولا لا فعلا، ومن نفى عن الله عز وجل خلق أفعال العباد رأيا وقياسا، أو أثبت أفعال العباد لله عز وجل ونفاها عن العباد، وهذا كله بشرط ألا يعتقدوا ما قالوه دينا يدان الله به تعالى. فهؤلاء رأيهم عجز.
والثالث: من شرع دينا غير دين الله كان به على الله شاهدا وفي شهادته كاذبا. وله شروط، منها: أن ينصب ما رآه دينا يدان الله به عز وجل أو يهدم قواعد الشرع من الكتاب والسنة والإجماع. أو أن يقطع عذر من خالفه. أو أن يبرأ من المسلمين/ إذا برؤوا من مستحق البراءة أو أن يقفوا فيهم، أو يتولوا مع مظهور البدع. فهذه الشروط الستة محنة الفصل بيننا وبين أهل البدعة أو أحدها. فهؤلاء رأيهم بدعة وضلال. فالأول غانم والثاني سالم والثالث هالك نادم. والحمد لله رب العالمين. (2/109)
صفحة 306
باب
في أئمة الهدى وأئمة الضلال
قال الله عز وجل: {قلنا اهبطوا ........................................ خالدون}.
وقال في الصالحين: {وجعلناهم أئمة ...................................... عابدين}. وقال في الصالحين: {وجعلناهم أئمة .................................... ينصرون}. وقال أيضا: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} وروي أنّ حذيفة سأل/ رسول الله عليه السلام فقال: «يا رسول الله، هذا الخير الذي آتانا الله بك هل بعده من شر؟ قال: نعم، الفتنة. قال: وهل بعد هذا الشر من خير؟ قال: نعم: أغضاء على إقذاء وهدنة على دخن. قال: فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: أئمة مضلون يقعدون يقعدون على أبواب جهنم ينادون إليها كل من أجابهم فذقوه فيها. قال: صفهم لي يا رسول الله فإني أخاف أن أدركهم. قال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا». وقال أيضا: «يثور تحت قدمي رجل يزعم أنه مني وليس مني أَلاَ إن أوليائي المتقون». وقال أيضا: «أخوف ما أخاف عليكم زلة عالم ومنافق يجادل في القرآن». وقال أيضا: «ويؤتى بأناس فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: فسحقا فسحقا». وقال أيضا لأصحابه: «إن فتنة بعضكم أضر على أمتي من فتنة الدجال، لأن فتنة الدجال لا تضر مسلما» وقال عليه السلام: «إنه سيكذب عليّ من بعدي كما كُذب على من كان قبلي، فما جاءكم عني من حديث فأعرضوه على كتاب الله فما وافقه فعنّي وما خالفه فليس عني». وقال عليه السلام: «إن الدين بين الغلو والتقصير». وقال عليه السلام: «يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين».
فصل
اعلم أن لهذه العلوم ثلاث آفات: أولاها تقليد الآباء والأسلاف، وحسن الظن من الأبناء والأخلاف، فاستقوا من عين آجنة فاستعذبوها، وقد أخبر الله تعالى عن (2/110)
صفحة 307
حال هؤلاء فطالبهم بالبرهان فانتقلوا من/ حال إلى حال إلى ثلاثة أحوال، قال الله تعالى: {بل قالوا ...... أرسلتم به كافرون}، أنظر كيف تقولوا أولا وقالوا انهم على الهدى فأكذبهم الله تعالى وحاجتهم الرسل بالحق المبين والبرهان المستبين، فتركوا الهدى وادعوا التقليد وقالوا: {إنا على آثارهم مقتدون} على هدى أو ضلالة، فحاجتهم الرسل أيضا فرجعوا إلى المكابرة فقالوا للرسل: {إنا بما أرسلتم به كافرون} هذا حال أهل كل ضلالة، من الهدى إلى التقليد، ومن التقليد إلى المكابرة والكفران.
الثانية: الطرق المؤدية إلى الحق المستقيم في هذه العلوم وقد/ جعلها الله بيان كتابه ونور خطابه وقال عز من قائل لنبيه عليه السلام: {لتبين للناس ما نزل إليهم}، فاحتاج التنزيل إلى بيان الرسول، ولم يصن الله تعالى بيان الرسول صونه التنزيل، فاحتاج بيان الرسول إلى تودية المجاهيل، وأهل الأمانة قليل، وقطّاع الطرق كثيرة، وإلى الله المشتكى والعويل، وعليه التكلان والتعويل وهو حسبنا ونعم الوكيل.
الثالث: اقتناص الفقه من هذه العلوم، واجتناؤه من بين الشوك والسموم، فيكون الانسان على بصيرة من دينه ويقين من ربه.
فصل
اعلم أن لأهل كل علم أئمة يقتدى بهم في علومهم، وبين تلك الصناعة وتلك العلوم مؤالفة وموافقة ومحبة إلا ما يتعلق بأمر الديانات، خصّهم الله تعالى بالبغي/ فيما بينهم كما قال تعالى: {بغيا بينهم ...... الحق بإذنه}.
فأئمة أهل اللغة: الخليل بن أحمد، وسيبويه، وأبو زيد الكلابي، والمفضل الضبي، وثعلب وأئمة النحو: كالخليل أيضا، وسيبويه، والزجاجي، والنحاس، وابن باب شاذ، ومثلهم.
وأئمة القرآن: كنافع 1 بن نعيم، ويحى بن كثير، وعبدالله ابن عامر، وأبي عمرو بن العلاء، وعاصم بن أبي النجود، والسكاكي، وحمزة.
وأئمة التفسير: كعبدالله بن عباس، والحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة ومثلهم.
وأئمة الشعراء: كإمرئ القيس، والنابغة، وزهير، والأعشى، وطرفة، وجرير، والفرزدق، والأخطل، والبعيث.
وأئمة أهل الرؤيا: كإبن سيرين، وسعيد/ بن المسيب، وعلي بن أبي طالب القروي.
وأئمة أصحاب الأغاني: (2/111)
صفحة 308
كالغريض، ومعبد، وبديح، وابن عائشة.
وأئمة الفقه: مالك بالحجاز، والليث بن سعيد بمصر، وسفيان الثوري، بالعراق، والأوزاعي بالشام، وأصحاب الحديث: أحمد بن حنبل، ووكيع بن الجراح، ويحي بن معين، ونظراء هؤلاء كلهم.
وخص الله من بين (هؤلاء)، أهل الديانات بالبغي والاعتداء، وقال رسول الله عليه السلام:» ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها إلى النار ما خلا واحدة ناجية وكلهم يدعي تلك الواحدة «. فالقرون أربعة: الأول الذي قال فيه رسول الله عليه السلام حين سأله حذيفة عن الخير الذي أتاهم به رسول الله عليه السلام.
والثاني: قرن الفتنة حتى صدرت.
والثالث: قرن المهادنة والأغضاء والدخن.
/ والرابع: قرن الأئمة الذين توزعوا أمة محمد، ومن هناك وقع الافتراق إلى يوم القيامة، والاشتراط والتواتر قد حصل، فظهور المهدي في آخر الزمان، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج متلقيان في كتاب الله تعالى، وخرج الدابة أيضا وطلوع الشمس من مغربها من جهة الأخبار، وجاءت الأخبار الصحيحة عن رسول الله عليه السلام قال:» لا تزال طائفة من أمتي على الحق بأرض المغرب ظاهرين لا يضرهم من ناوأهم حتى يأتي أمر الله «، وقال عليه السلام:» انكم في زمان التارك لعشر ما أمر به هالك، وسيأتي على الناس زمان العامل فيه بعشر ما أمر به ناج «، وقال أيضا:» أمتي كالغيث لا يدرى أوله خير أم آخره «، وقال عليه السلام، وذكر أهل آخر الزمان، وقال:» الواحد/ منهم خير من خمسين منكم «. قالوا: منهم يا رسول الله، قال:» بل منكم، لأنكم تجدون على الخير أعوانا ولا يجدونهم «، وقال أبو هريرة: قال رسول الله عليه السلام – ومر على مقبرة – فقال:» سلام عليكم دار قوم مؤمنين، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع وانا بكم لاحقون ان شاء الله، انا الله وإنا إليه راجعون، وردت أني رأيت اخواني، قالوا: ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، إخواني قوم يأتون من بعدي، قالوا: أتعرف من يأتي من أمتك بعدك، قال: أرأيتكم لو كان لأحدكم خيل غر محجلة في خيل دهم بهم ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: انهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء وأنا فرطهم على الحوض، وليذاذن رجال عن حوضي كما يذاد/ البعير الضال، فأقول فسحقا فسحقا، فيؤخذ بهم ذات الشمال «. وفي رواية:» انه لم يزالوا مرتدين على أعقابهم «. (2/112)
صفحة 309
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً جواب مسائل ارسل بها الينا اخونا محمد الابدلاني نشبه مانحن فيه
كتبت يا اخي تسالني عن تفسير قول الله عز وجل في هاتين الايتين يا ايها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذى نزل على رسوله والكتاب الذي انزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن
الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا وقلت فيمن نزلت اخى أفي المنافقين ام في اهل الكتاب وما هذا الايمان الذى امروا به اهو الايمان الذى نسبهم ا الله اليه حيث يقول يا ايها الذين آمنوا آمنوا والذي ذكرت انك نظرت فى كتاب ابى عمار رحمه الله يقول كل موضع قال الله عز وجل يا ايها الذين آمنوا معناه يا ايها الذين اقروا وقد يقع اختبار عن ضمير القلب قال الرماني في مصحفه الكبير يا ايها الذين آمنوا بمن قبل محمد من الانبياء آمنوا بالله وبرسوله محمد علا الله وهو قول الحسن البصرى وحكى الزجاجي انها في المنافقين واما الاية الاخرى ان الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا فحكى عن قتادة انها في اهل الكتابين من اليهود والنصارى آمن اليهود بالتوراة ثم كفروا بمخالفتها وكذلك آمنوا بموسى ثم كفروا بمخالفته وآمن النصارى بالانجيل ثم كفروا بمخالفته وآمنوا بعيسى ثم كفروا بمخالفته ثم ازدادوا كفرا بمخالفة القرآن ومحمد عليه السلام وقال بعض اهل التفسير وهو الحسن البصرى انهم طائفة من اهل الكتاب قصدت تشكيك المؤمنين فكانوا يظهرون الايمان به والكفر به وقد بين الله امرهم في قوله وقالت طائفة اهل الكتاب آمنوا بالذي انزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون ثم ازدادوا كفرا بموتهم على الكفر وهذه الصفة والله اعلم في بن صوريا واهل خبير نزلت الآية وقال بعضهم وهو مجاهد وابن زيد انها في المنافقين نزلت
من
-11 P- (2/113)
صفحة 310
آمنوا ثم ارتدوا ثم آمنوا ثم ارتد واثم ماتوا على كفرهم وهذا التفسير عندى اشبه على انه يؤول الى تشريك المنافقين الذي كانوا على عهد رسول الله ل وربما الله يتوجه الى انهم اقروا بمحمد على شك في اول امرهم فنسبهم عز وجل الى الايمان بالاقرار والى الكفر والشك ثم عقب فقال ثم امنوا اي اخلصوا وتحققوا وتبين لهم ثم كفروا بتضييع العمل ثم ازدادوا واكفر باصرارهم على ذلك الى الموت ترى الى قول الله عز وجل حيث عقب فقال بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما ولم يجر لاهل الكتابين ذكر وربما يكون التاويل لاهل الكتابين كما تقدم فقال الله وجل تعقيبا وتأنيبا للمنافقين بشر المنافقين بان لهم عذابا اليما الذين يتخذون الكافرين اولياء من دون المؤمنين والله اعلم والتفسير يتوجه الى الفريقين والله
الا
عز
اعلم واما قول ابى عمار ياايها الذين آمنوا آمنوا قروا فصحيح غير انه قد يقع احيانا في القرآن على الضمير واحيانا على الوفاء بالقول والضمير والعمل والدليل على الايمان بالضمير والقول قول الله عز وجل الذين يؤمنون بالغيب فجمع وعم اعتقادا وقولا وكذلك قوله او لم تؤمن قال بلى فقصر الايمان ها هنا على القلب ثم قال ولكن ليطمئن قلبي واما حيث يقع الايمان باللسان كما تقدم فكثيرا آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم واما حيث يقع الايمان فيشمل المعانى الثلاثة بقول الله عز وجل والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك الصديقون والشهداء عند ربهم لهم اجرهم ونورهم ولا يليق ان تقصر هذه الصفة على نطق اللسان دون الضمير والفعل وقد تسمهم الى اقصى درجات الايمان والاسلام والدين بمدحهم بها فاذا بلغنا هذا المقام فينبغي لنا ان نشير الى مذهبنا في الايمان انه القول والاعتقاد والاعمال تصريحا وتصحيحا وهو مذهبنا ومذهب السنية مالك والشافعي وابن حنبل وابى حنيفة على قول وهو مذهب سائر المحكمة
هم
اعلم ان الايمان ثلاث مقامات احداها انطواء القلوب وضمير النفوس على اعتقاد التوحيد لغة وشرعا الثانية الاقرار باللسان نطقا والاعراب عن الضمير وقفا وقبله صدق وهذا دون الاول لان الاول يجرى عن هذه العلل ولا يجزى هذا عن ذلك على حال لغة ايضا وشرعا والثالثة التصديق بالأعمال والتحقيق بالأفعال
-112 - (2/114)
صفحة 311
شرعاً وسمعا الدليل على الاولين من اللغة قول اخوة يوسف لابيهم يعقوب وما انت
بمؤمن لنا ولو كنا صادقين
وقوله او لم تؤمن قال بلى وقوله فآمن له لوط وقد شمل القرآن ذلك كله قال. ومن كفر بالله من بعد ايمانه الا اكره وقلبه مطمئن بالايمان وجميع ماحكى الله
من
عز
وجل في ذم المنافقين الذين آمنوا بافواهم ولم تؤمن قلوبهم دليل على ان الايمان فيهما جميعا باثبات الله اياه في الافواه وذمهم اذ لم يكتسبوه بالقلوب قال الله عز وجل قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا اسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم والاتفاق واقع على هذا وانما الكلام فى الاعمال ودليلنا على الاعمال انها من الايمان اتفاق الجميع على ان الشرع طارئ على اللغة وان الشرع قد ورد في اشياء نقل لسان العرب اليها فانتقل منها الى المنافق كان فى اليربوع فانتقل الى من انسل من الاسلام من حيث لم يدخل فيه والوضوء معهود للسان الموضاة في الجوارح فزاد الشرع المسح والصلاة الدعاء فزاد الشرع الركوع والسجود والهجرة في الحمير هاجر الحمار اذا خرج من بلاده فانتقل الى المهاجرين والغائط في المطئن من الارض فانتقل الى النجو فقلبت الشريعة اللسان ولهذا قال الله عز وجل وما كان الله ليضيع ايمانكم يعنى صلاتكم عند بيت المقدس فى راى اهل التفسير وقال الله عز وجل انما المؤمنون الذين اذا ذكر الله وجلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة زمما رزقناهم ينفقون وانما من حروف الحصر وكذلك أولئك وقال عليه السلام وهو المبين عن الله عز وجل فنزل اليهم الايمان مائة جزء واعلاها شهادة ان لا اله الا الله وادناها اماطة الأذى عن الطريق وقال الصبر والسماحة من الايمان وقال الحياء من الايمان وقال الصبر نصف الايمان و الوضوء الصبر وقال حسن العهد من الايمان وقال البداءة من الايمان وهذه الامور كلها محمولة عن الرسول عليه السلام على ان اسم الايمان غير مستحيل عن الافعال لما قدمنا من احكام الشرع ونقلت الاسماء عن مواضعها فمن صادم هذه الآثار فليحاسب نفسه وليراقب ربه فان قال قائل فما الحكم فيمن انعرى من هذه المقامات الثلاث قلنا قول الله عز وجل فيهم أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وابصارهم وأولئك هم الغافلون لا جرم
-110 - (2/115)
صفحة 312
انهم في الآخرة هم الخاسرون وان كان في قلبه وانعرى منه لسانه فهم الذين قال الله عز وجل من قوم فرعون وجحدوا بها واستيقنتها انفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان
عز
عاقبة المفسدين فان كان في القلب واللسان وانعرى منه العمل فهم الذين قال الله وجل فيهم الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا لا يفتنون ولقد فتنا الذين من
وهم.
قبلهم فيعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين والثانى والا وسط من المفسدين
والثالث من الخاسرين.
فلابد من
اعلم ان الله عز وجل قد ادرج الايمان والاسلام والدين في آيتين من كتابه وهما خواتم سورة البقرة فتضمنتا جميع ما امر الله به عز وجل من دينه فاذا ذكرنا هذا الاشارة الى شرح بعض هاتين الآيتين والتنبيه على متضمنها لقواعد الدين اصلا وفصلا وعبارة واشارة اما قول الله عز وجل آمن الرسول بما انزل اليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله فالرسول محمد عه بدليل لام التعريف وهو تعريف العهد اذ ليس بتعريف الجنس ولو قال قائل رايت رجلا فقيل من الرجل تدل لام التعريف ان المرء هو المسئول عنه ولم يكن منكرا بدليل قول الله عز وجل ان العسر يسرا فدل تكرار المعرف انه واحد وتكرار المنكر انه اثنان بدليل قول رسول لن يغلب عسر يسرين وقول الله عز وجل وآتيناه من كل شيء سببا فاتبع
حتى اذا بلغ مغرب الشمس ثم قال واتبع سببا حتى اذا بلغ بين السدين فدل تكرارها ان ذلك اسباب كثيرة مصداقا لقوله وآتيناه من كل شيء سببا وقوله عز وجل آمن الرسول فقد اخبر الله عز وجل عن رسوله انه آمن فاطلق ولم يقيد فاثبتناه انه آمن قولا وعملا واعتقادا ثم قال والمؤمنون كل آمن بالله ثم قال في الرسول صلوات الله عليه انه آمن بعد الله بما انزل الله فى كتابه فاثبتنا له كل الايمان نطقا واعتقادا وامتثالا وتركا ثم قال والمؤمنون كل آمن بالله فظهرت العلة انما سموا المؤمنين لاجل الايمان والحكم تابع للعلة واسما الصفات اذا اقرنها البارى سبحانه بحكم دلت على التعليل وفى التعليل اوضح الدليل على منهاج السبيل الا ترى الى قول عز وجل اقتلوا المشركين كافة لاجل ماذا لشركهم والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نکالا الله من لاجل ماذا لهذا الأمر الذى عزاهم اليه ووضعهم به وكذلك
الله
-117 - (2/116)
صفحة 313
الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منها ماية جلدة لاجل ماذا لاجل زناهما فاقتضت الزيادة في الاسماء التعليل كما يقتضيه الشرط لو قال من اشرك فاقتلوه ومن زنا فاجلدوه. اما اسماء الالقاب فلا ولهذا المعنى ذهب فقهاء الامة في قوله عليه السلام الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر حتى الملح يدا بيد سواء بسواء. فمن زاد وازداد فقد أربى فلم يصيبوا من جهة اللغة معنى يقتضى فيها الربا فذهب بعض الى الطعم وبعض الى الكيل وبعض الى النبات وبعض الى الاثمان والاقوات. وقوله والمؤمنون كل آمن بالله فقولنا الله ماخوذ من الا له فاستثقل النحويون الهمزة فالغوها فالتقى اللامان فادغم احدهما في الآخر فقالوا الله وهذا على مذهب اهل الاشتقاق واما من قال ان اسم الله اسم تبنى عليه الصفات جعله غير
مشتق.
واعلم ان الاسماء انما تعرف بحدودها او برسومها اعنى المعرفة الصحيحة وما وراء ذلك كاللقب. وللاسماء ثلاثة احوال حدود ومقامات ومقتضيات اما الحدود فانها تعرفك الاسم معرفة تحضره بها حتى لا يدخل فيه ماليس منه ولا يخرج منه ماليس فيه كقولك انسان ما حده قلنا حيوان آدمى منتصب مؤنس بالبصر يصلح للتكليف غالبا فقولنا حيوان احترازا امن الموات وقولنا آدمى احترازا من سائر الاجناس اجناس الحيوانات وقولنا منتصب احترازا من ذوات الأربع وقولنا مؤنس بالبصر احترازا من الملائكة والجن ويصلح للتكليف بشرط العقل واما ذكره ببعض رسومه ان يقتصر على بعض هذه الأوصاف ولم يحصره كل الحصر كالحد. واما مقامات الاسماء وذلك ان تعرف قولك الاله اعظم من قولك الملك وقولك اعظم من قولك الرب والرب اعظم من قولك الاب والاب اعظم من قولك الابن والابن اعظم من قولك العبد والعبد اعظم من قولك البهيمة
واما مقتضيات الاسماء فمعرفة معانيها التي تتضمنها والاله من له الوجود والايجاد والملك من له الجند والرعية والرب من له المال والعبيد والاب من له الولد والولد من له الاب والعبد من له المولى والتفسير قولك الاله هو المخترع والملك القاهر والرب المصلح والاب الاصل والابن الفرع والعبد المسوس وينبهك على
-111 - (2/117)
صفحة 314
هذا قول الله عز وجل قد اعوذ برب الناس الى آخرها إلا ترى الى هذا الترتيب العجيب الذى خاطبه أولى الالباب لينفهم لهم من معانى هذه الاسماء ترتيب الخلائق والترقى الى صفات الخالق. فاذا كان الله عز وجل هو المخترع والاختراع والابتداع من العدم الى الوجود ومن عرف الله عز وجل فقد عرف ان من دونه محدث مصنوع خارج من العدم الى الوجود، ومعنى الحدوث لم يكن ثم كان ومن كان قبل الحدوث فهو قديم والله تعالى قديم لم يزل فاقتضى حدوثنا قدمه وتصرفه فينا حياته وتاتينا علمه وصدرونا قدرته وتمييزنا ارادته واختلافنا سخطه ورضاه فمن عرف الله فقد عرف جميع ماذكرنا وتضمنه الله سبحانه وقد اندرج في قولك الله الساخط بمعنى الساخط والراضى ومعنى المريد ومعنى القادر ومعنى العالم ومعنى الحجى والقدير ومعنى القدير ومعنى الموجود ومن عرفه انه الله فقد عرف ان له الخلق وان الخلق له ومن عرفه انه مالك فقد عرف ان له الجند وانهم الملائكة والرسل والكتب ومن عرفه انه الرب فقد عرف انه له التكليف والامر والنهي والثواب والعقاب في عباده واليه المصير وظهور القضية في حقنا شرعا وعقلا قولك الله فاذ نحن عبيد فنحن من كل الوجوه من الوجود والايجار فهو الرب
عبد
عر
الله
الله
له
فساسنا بالتكليف والرب هو المصلح والملك هو القاهر والاله هو المخترع فمن عرفه ربا ولم يعرف انه مكلف عباده فلم يعرفه ومن عرفه ملكا ولم يعلم ان الخلق له رعية وان الانبياء والرسل سفره وكتبة باوامره ونواهيه الى رعيته فلم يعرفه ومن فه الها ولم يعرف انه سبق الحدوث وجوده والعجز والحاجة كونه فلم يعرفه وقد دخل في قولك عبد ا جميع ما خلقت له الدنيا والآخرة تصحيحا او تصريحا و تفصيلا وتوصيلا ولعل هذا المعنى اراد عزان بن الصقر في مذهبه فيما لا يسع ان عنده من نطق بالجملة معنى ذلك كله جملة وسعه ذلك مالم يقع التفصيل والله اعلم بمذهبه في ذلك والله المستعان. ويحقق هذا ويؤيده قول رسول الله الله من عرف نفسه عرف ربه ومعرفة العبد لنفسه ان يعترف بثلاث صفات الحدوث والعجز والحاجة وينفيها فى حق البارى سبحانه وعلى ان الرب تعالى قصد الى الجمل التى لا تعرف إلا بالتوقيف واشار فيها الى التعريف ولم يكمل عباده الى
-114 - (2/118)
صفحة 315
متضمن الجملة فلعل وعسى من اعترف الله تعالى بصفة من صفاته ان يكون قد اعترف بها كلها كما ان من انكر صفة من صفاته فقد انكرها كلها ومن انكر ان يكون الله عز وجل خلق هذا الخلق فقد انكر جميع الخلق ومن اقر له ان خلق الخلق فقد اقر له بجميع الخلق بل من انكر جسما واحدا فقد انكر جميع الخلق ولعل من اقر له بجسم واحد انه اقر بخلق جميع الخلق واما قوله سمعنا واطعنا فالسمع القبول والطاعة الاذعان فهذا اعتراف للمولى بجميع واجباته فمن كان بهذه الصفة فهو ولى الله وموف بدين الله فلما اطاعوا بهذا قالوا غفرانك ربنا واليك المصير فطلبوا المغفرة وايقنوا بالمصير فغفر لهم سياتهم وجازاهم بحسناتهم وكان لهم وليا وبهم حفيا. وللمصير اسماء كثيره القيامة والقارعة والحاقة والصاخة والطامة والحشر والنشر ومتضمن هذه الاسماء المجازاة بالجنة ومن عرف انه عبد الله دخل الجنة والنار بالعكس لان مقتضيات العبد التكليف والامر والنهي والطاعة والمعصية والثواب والعقاب وثمرتها الجنة والنار نعوذ بالله من النار ومن واجبات الالوهية ماقدمنا او لا فعند ذلك يصح للعبد معرفة الالوهية والعبودية والحال والمآل.
وما الاية الثانية وهى قوله لا يكلف الله نفسا إلا وسعها الى آخر السورة فان الله تعالى قد ادرج فيها فضائل هذه الامة ما يقصر الوصف دونه لانهم سالوه المغفرة في الاية الاولى وتفضل عليهم بمضمون مافى الآية الثانيه وقال المفسرون ان الله تعالى حكى عن نفسه انهم سالوه وهو اصدق القائلين وهو موف بالكرم لمن ساله ولمن لم يسأل وقد نهى عباده عن اللوم فكيف يرضى به فقالوا لابد من لحن الخطاب ورد الجواب وهو الصواب ولحن الخطاب ان يقول لهم مرحبا مرحبا بكم انتم احبتى وجيرانى فى جنتى فانا اهل التقوى وانتم اهل المغفرة فطاع لهم الرب تعالى في الآية الثانية بافضل مما سالوه فبشرهم وقال لا يكلف الله نفسا الا لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت فاسعفهم بهذه الخلال العشر بعد المغفرة فبشرهم ان لا يكلفهم مالا طاقة لهم به وهو ماخرج عن وسعهم فان قيل لم كلفهم الجهاد الذي هرب منه بنو اسرائيل وسنه قابيل فى هابيل وهو الفساد العظيم في البلاد
وسعها
-119 - (2/119)
صفحة 316
والعباد قيل له ان العرب الذين هم مبتدا هذا الذين كان من عاداتهم في الجاهلية وصنيعهم التهاوش والتقارش وهو كسبهم ونسبهم وحسبهم حتى قال رسول الله جعل رزقي تحت ظلال السيوف فكلفهم الله الجهاد حيث صار لهم لذة وطبيعة وحرفة وصنيعة ولو خير الناس فى التكليف لاختاروا طلب الدنيا والسعى الشقاء البين ولكن كل احد وسعه فى الراحة والدعة للعرب خارجة عن
لها
وهو
وسعهم ولاطاقة لهم بها.
ومكلف الايام
ضد
طباعها متطلب
في الماء جذوة نار
كما كلف الذيب الحلامة لو راي خرفان حي في فناء الدار
العجائب ان كلف الله بن و من
بني اسرائيل قتل انفسهم فصبروا ولو كلفهم قتال عدوهم ماتسارعوا وكلفت هذه الامة ملاقاة العدو فتسارعوا ولو كلفوا قتل انفسهم ماقدروا وقد قال الله عز وجل «ولو أنا كتبنا عليهم ان اقتلوا انفسكم أو اخرجوا من دياركم مافعلوه الا قليل منهم» وقال فى بنى اسرائيل حين امرهم بالقتال فقالوا لموسى عليه السلام اذهب انت وربك فقاتلا انا هاهنا قاعدون ووعد الرب تعالى في الجهاد الذي هو لذتهم الظفر والنصر والمثوبة والاجر واما قوله لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وتحت كسب واكتسب فائدة عظيمة منها ان افعل وصورته يقتضى ما ينسب الى الانسان. افعاله من وكسبه وكسب اليه وان لم يفعله وماجرى من ذلك طوعا وكرها وكل وزن وافق كسب فمحسوب له في اجره لقوله عمل وفعل وكسب وقام وقعد واكل وشرب ونام وعاش ومات وفات فكل هذا محسوب له اجرا وذخرا بدليل قولة قل ان صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وقال تبت يدا أبى لهب وتب ما اغنى عنه ماله وماكسب وولده من كسبه بدليل قول ابن عباس حين قعد لخصومة بني ابي لهب بالحجر حتى تواثبوا فوطئوه بارجلهم فقال ادركونى من الكسب الخبيث يريد اولاد أبى لهب ثم قال وعليها ما اكتسبت فدل على انه لا يؤخذ افعاله ولا يأثم الا فيما من تعمده وتكلفه واعتقده واكتسبه كما قال الله عز وجل لا يؤخذكم الله باللغو في ايمانكم ولكن يؤخذكم بما عقدتم الايمان فشددوا اكل، وافتعل عند العرب يقتضى
-1 Y.- (2/120)
صفحة 317
الاشغال والمشقة والتكلف واما فعل وكسب فانه ياتى عفوا صفوا ويتعمد الاجور
فضلا من
الله ورحمة ولهذا عدوا ولد لرجل المؤمن من كسبه ويؤجر عليه كما يؤجر على سائر كسبه ومنه قول الله عز وجل وابتغوا ماكتب الله لكم يريد الولد وهذه الله العشر خصال التي من عز وجل بها على هذه الامة بعد الجواب بالمغفرة فلما نظروا الى الاسعاف الحفى العظيم الجلى والألطاف الخفى حملتهم الدالة فقالوا ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به واعفو عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين وهم قد سبقت لهم الاجابة قبل ان يخلقوا ايام سال موسي ربه لبني اسرائيل فلم يسعفوا واخفيت به هذه الامة وقد قال موسى عليه السلام ان هي الا فتنتك تضل بها من يشاء وتهدى من تشاء انت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الغافرين واكتب لنا فى هذه الدينا حسنة وفي الآخرة انا هدنا اليك قال الله عز وجل جوابا لسؤاله» عذابي اصيب به من اشاء ورحمتي وسعت كل شيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم باياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبى الأمى الذى يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل) واما قوله ربنا لا تواخذنا ان نسينا او اخطانا قال اهل التفسير ان نسينا اي تركنا او اخطانا اذ تعمدنا وربما يستنكف الجاهل الغمر المعجب بنفسه الغر هذا التفسير فيقول ان هذا خروج من المعقول وترك لسان العرب المعلوم الى الاهواء والاضاليل بلى ان من لم يمارس الشريعة ويتفقد في فنونها تستهزئ منه الطبيعة وسلق بالوقيعة الى عدول العلوم وارباب الحلم فيما لم يبلغها عقله ولم يضبطه علمه وعدو المرء ما جهل بل كذبوا بمالم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تاويله ونحن نكشف الغطاء في مثل هذا إن شاء الله. واعلم ان اهل التفسير الذين هم القرآن وولاة البيان والتبيان نظروا الى انفاس الشريعة قد اوهى بميل الى احد الجانبين وهو اليسر دون العسر قال الله عز وجل يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال عز من قائل (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم والله يريد ان يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات ان تميلوا ميلا عظيما يريد الله ان يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا)
عن
لسان
-171 - (2/121)
صفحة 318
وقد كان رسول الله الله ماخير بين امرين الا اختار ايسرهما والخبر الماثور ان على
رضي الله.
رحيم
فان
ابن امية سال عمر بن الخطاب عنه فقال انا نجد صلاة القصر في المسايفة ولانجد قصر المسافر فقال له عمر تعجبت مما تعجبت منه فسالت رسول الله الله ذلك فقال الا تقبل رخصة الله ياعمر وليس فيها اكثر من مكابدة السفر عن فقاسوها على مكابدة العدو وقصروا ورسول الله لعل الله راغب في صلاح امته والتخفيف عليها حتى ذهب في الدين يتوبون من قريب الى ان يتغرغر ويكره التنطع في الدين والرهبانية وقال شر السير الجقحة يريد المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا ابقى ولرافته بهم ورحمته عليهم وحرصه عليهم انزل الله تعالى لقد جاءكم رسول من انفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف تولوا فقل حسبي الله لا اله الا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم ظاهرها مدحه وباطنها منحه وفى خلالها قدحه فالاية الاولى فى عتاب المؤمنين والاية الاخرى في تانيب الكافرين اما المدحة التي فيها لرسول الله الله بخ بخ الى منقطع النفس كما قال من انفسكم فعزاه الى اكرم النسب خليل الرحمن الى ابراهيم عليه السلام واعظم الحسب اهل الله فختم به بالرافة والرحمة لاولياء الله بالصفح الجميل والعفو الجليل لاعداء الله فهذه اعظم المدح علما وحلما وحسبا ونسبا ثم قال عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم هذه أعلى الدرج في مصانعهم يعز عليه ما يعنتهم ويحرص فيما فيه مصلحتهم فعاتب الرب تعالى المؤمنين فيمن كانت هذه حالته الا يرغبوا بانفسهم عن نفسه بل يفدونه بالآباء والامهات وبالنيين والبنات بل يقوونه بالمنهج والارواح ويعزرونه ويوقورنه واما تأنيب الكفار فليس يستجيبون بعد من هو من انفسكم واحرص الناس في اصلاحكم واوطا كنفا واقرب رحما والين عريكة واقل أفيكة أالله غير الله تريدون وكذلك ارسولا غير محمد تريدون وفى هذه الآية الأخرى لهم عبرة حين قال فان تولوا فقل حسبى الله نعم الحسيب رقيبا واما المنحه فقد اوفر الله له الحظ والنصيب بدلا من اجابتهم حين قال قل حسبى الله فمن استاثر بالسهم الاوفر وقال بالحظ الاكبر وهو الله كان بالغاية القصوى لم يكله الله تعالى درجة دونه وليس وراء الله درجة فهذا اعظم المنح واما القدحه فان محمد الله مال بحميته الى قومه واهتبل بامته مالم يصف الله تعالى عنه بالاهتبال
- ITY- (2/122)
صفحة 319
بامره فحميته ظاهرة حيث وصفه الله فقال لعلك باخع نفسك على آثارهم ان لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا وقال انك لاتهدى من احببت ولكن الله يهدي من يشاء ولا تذهب نفسك عليهم حسرات فلما نظر العلماء بعين البصيرة الى هذه النكتة ان الله تعالى في عون من سعى في صلاح العباد ورغب في سلامتهم من المهالك والفساد أغمض له من حقه وصار فى حسبه عمدوا الى ماهو انفع للعباد فشرعوه دينا للمعاد فقضوا به وذهبوا اليه والله تعالى قد فوض اليهم الامر وقضى لمن تبعهم بالاجر وحط عنهم الاصر والوزر ولو يشاء ربك ما فعلوه الا ترى الى الذين استحلوا حرمة الشهر الحرام حين ابتهم المشركون فرجع الرب تعالى في نصرتهم فقال يسالونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام واخراج اهله منه اكبر عند الله والفتنة اكبر من القتل ثم ان الله تعالى نسخ حرمة الشهر بحرمة اهل الاسلام وقال ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة ان يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا
وليصفحوا الا تحبون ان يغفر الله لكم والله غفور رحيم».
لنا
واما قوله ولا تحمل علينا إصرا كمل حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به والاصل الذي كلفه الله تعالى لمن كان قبلنا ان كلفهم قتل انفسهم عند الذنب ولم يرض بشيء دون ارواحهم ولا بعوض من انفسهم ولابغاية دون القتل والموت فرض عنا بفضله وكرمه بنطق اللسان واخلاص الجنان شتان مابين القتل والقول وفوار انعم عوضا من القتل وسفك الدم وقوله ولا تحملنا مالا طاقة به وهى الامور التي كلفها بنى اسرائيل تانف منها العقول وتعافها النفوس ابتلاهم بامور الرجال فى القتل والقتال فحاموا وشرع لهم امور النساء في الاعراس والماتم فطابوا امرهم ببنيان العرائس فى الاعياد وتعليق العراجين والرمان مثل لعب الصبيان واستعملوا فى عيد الفطر اكل الفطير وجانبوا الزيت والخمير وانتحسوا عند خروجهم ارواحهم الموتى كالنساء فى المحيض والنفاس وسخروا في اقتحام المياه عند الشروق والغروب سبعة ايام ولمن جازت عليه يوما وليلة ولهم في الذبائح امور لاتصلح الا بعقول الاطفال ولا عقول فسألت هذه الامة ان يانف بهم عن الامور التي لا مكرمة فيها ولا مروة إلى امور الرجال ذوى المروة والكمال والقتل
-12 - (2/123)
صفحة 320
والقتال واستباحة النفوس والاموال واستيلاء على العباد والبلاد ليظهروا نور المصالح والرشاد ويطفئوا الفساد فاسعفهم الله تعالى لما علم من عقولهم انها محتملة لذلك فافضل منه فسالوه فاسعفهم ثم قالوا واعف عنا واغفر لنا وارحمنا فالعفو محواثر الذنب حتى لا يكون له خبر ولا اثرو الا فاغفر لنا اي استر علينا الذنوب والعيوب فقد فعل اذ كشف عن عوار كل امة وجعلهم هم آخر الامم والشهداء عليهم يوم القيامة وارحمنا اى بدل سياتنا حسنات وقد قال فأولئك يبدل الله سياتهم حسنات وانصرنا على القوم الكافرين اول ماسألوا الاقتداء على انفسهم واهوائهم ثم على عدوهم الكافرين الى يوم الدين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين وقد احتسبت هذه الامة اياسة الشيطان ان يعبدوا نبيها قد يئس الشيطان ان يعبد بين ظهرانكم ولكن رضى منكم بالمحقرات وصفة المؤمن الذى له هذه البشارات والمكرمات من حقق ايمانه باقواله وصدق اقواله بافعاله واستعمل خصلتين التوبة والاستغفار وسلم من البدعة والاشرار كما قال الله عز وجل وان استغفروا ربكم ثم توبوا اليه واعلم ان الجنة لايدخلها الا صاحب ذنب ماخلا يحيى بن زكريا واما الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ففى الجنة هم فيها خالدون واما قوله فانصرنا على القوم الكافرين فاذا تقصينا ذكر الايمان واصوله وفصوله، ولنذكر ايضا هنا هنا الكفر والكافرين واختلاف الناس و مذهبنا الذي نعتمد عليه فنقول والله الموفق للصواب ان الكفر نقيض الايمان وهما اسمان شرعيان وقد يقعان قولا واعتقادا وفعلا واصلا الكفر في اللغة الستر والتغطية ويقع فى الشرع جحودا واستفسادا الى ولى النعمة وضد الكفر الشكر وضد الشكر الكفر قال الله عز وجل إما شاكرا واما كفورا ولو قلنا ان الايمان ضد الكفر والكفر ضد الايمان لكان سايغا بدليل قول الله عز وجل اتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض وقد ثبت فى الشرع الكفر اعتقادا او نطقا واختلفوا فيه فعلا كالذى ذكرنا من الايمان اولا قالت المرجئة الايمان هو التوحيد والتوحيد ضد الشرك ولا شرك الا فى اللسان وفى الجنان واما الاعمال فلا وقالت القدرية لا كفر الا في اللسان والجنان كالمرجئة وكذلك قالت الشيعة لا كفر الا في الجنان وفى اللسان غير انهم خالفوا هؤلاء فى الايمان وقالوا الايمان جميع ما امر الله به وطاعة
- SYE- (2/124)
صفحة 321
الله كلها ايمان فاثبتوا الايمان فى الافعال والاقوال والاعتقاد وقالت المارقة ان الايمان جميع ما امر الله به من طاعته وان الكفر جميع مانهى الله عنه من معصية وكل كفر شرك وكل شرك كفر وقال اهل الحق ان الايمان يقع من المعانى الثلاثة اقرارا باللسان واعتقادا بالجنان وعملا بالاركان وان الكفر ايضا يقع فيهما جميعا نطقا واعتقادا وفعلا ونحن نذكر ان شاء الله مستقى كل فرقة من هذه الفرق الاربع اما المرجئة فانما أصيبوا من قبل الراحة والدعة والرخص والسعة وقلة الاهتبال والدغة والاعتزاز والمعمه وقنعوا من الدين باول خطة منه وتسموا بمقتضاها واعقل معناها كالذي يريد الحج من اقصى البلاد فرحل على حماره يوما كاملا طرادا وقال قد وجبت ورجع الى بلاده وقال قد حججت انا مؤمن وغيرى مؤمن ما الفرق بين المؤمنين فهيهات مؤمن اسما ومؤمن جسما وقد صدق الغزالى حين ضرب لهم المثل بشجرة الصنوبر اذ قالت شجرة القرع انا شجرة وانت شجرة فما فضلك على فحقيق ان تجاوبها شجرة الصنوبر وتقول لا غلبنك امهلى حتى اذا هبت عليك رياح الخريف واعتراك الذبول وعراك الاصفرار فهنالك تعلمين افرس تحتك ام حمار أليل جاز عليك ام نهار فعند ذلك تفوزين بالدبار وياتي عليك الهلاك والدمار فتنثرين ين من اسمية الاشجار والعجب منهم حين نسبوا على ا الله عز وجل اعلم ان و جلت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم ايمانا وعلى
الله
المؤمنين الذين اذا ذكر ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون فعول هؤلاء القوم على ان المؤمنين الذين اذا ذكر الله وحده اشمازت قلوبهم واذا تليت عليهم آياته زادتهم رجسا الى رجسهم وعلى معاصى الله يعولون واضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فهؤلاء المؤمنون عندهم حقا وعند الله كذبا فبؤسا لمن رضى ان يكون من المؤمنين كذبا واغفل قول الله عز وجل الم احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمناوهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين وعول هذا الفريق على الاعتزاز بظاهر الاقرار فابطلوا به فائدة الخوف والرجاء وعطلوا سبيل السلامة والادكار والنجاة والاعتبار واطلقوا عقال الامن والاغترار وغرهم في دينهم ماكانوا يفترون فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون فجعلوه بإقراره مؤمنا ولو زنا وسرق وقتل النفس التي حرم الله وجميع النبين بغير الحق
-190 - (2/125)
صفحة 322
وهدم الكعبة وسرق رتاجها واخذ تاجها وخزب المدينة وعطل دها وأكل اموال اليتامى فى ظلما واتخذ الغزو والسبيء والغنيمة فى اموال المسلمين غنما وبدل احكام الله أو بدل دينه غشما وظلما وشرب الخمور ودق الكيور معرفة وعلما بعد تعطيل الصلوات ومنع الزكاة وانتهاك الحرمات واتخذ بيت الله متبوأ أحدانه ومبوأ ندمانه.
وافاتهم هم
وفي فنون الشر وحيد زمانه اقذز بهذا الدين اللعين واهله اجمعين وأما المارقة فكما وصفهم رسول الله الله انهم مرقوا من دين الله تعالى مروق السهم من الرمية فعطلوا الغزو فى المشركين واستعملوه فى المؤمنين فسبوا وغنموا وقتلوا واستباحوا الفروج وشدوا على الناس في الخروج وحسبهم رسول الله قول وان ليس لهم في الدين نصيب الا نصيب الفرق اذا كان في شك مريب ايضا لان الله تعالى كتب الجهاد على العباد من هذه الامة خصوصا دون عامة الامم ولما سمعوا مافضل به الجهاد في كتابه على لسان نبيه محمد الله وكان عادتهم فى الجاهلية وديدنهم القتل والقتال والمطاعنة والنضال والهياط والمياط في الاشجار والعطاط ودبغوا على ذلك من بطون امهاتهم ولاسيما ربيعة وبكر بن وائل وتغلب وبني حنيفة ونظروا الى قوارع القرآن وقرعوه واحكموه وبلغ بهم الخوف وهم اعبد خلق الله واقراه للقرآن كما وصفهم رسول الله لا بلغ بهم الخوف حتى عكسوا القضية واستعملوا فى اهل الاسلام ما كان ينبغى لهم ان يستعملوه فى اهل الاصنام وقضوا على المعصية كلها انها شرك ونظروا الى الامة قد ارتكبوا في المعصية وقد ارتضوا فيها فحولقوا ولفلقوا وقالوا ياغياث المستغيثين فركبوا عليهم القتل والقتال والهزيمة والسبى والغنيمة فعاثوا في العباد وافسدوا في البلاد جميع فنون الفساد ورجعوا القهقرى عن السداد وحسبوا انهم على شيء الا الكاذبون استحوذ عليهم الشيطان وانساهم ذكر الله وهم اذكر خلق الله
انهم هم الله واقوم واعبد واصوم واخشع واخشى واظلم واجهل واعلم واما المعتزله فقد وافقوا المرجئة في جميع ماقالوه فى الكفر واختلفوا في انقاذ الوعيد فانفذته المعتزلة ووافقونا في جميع ما قلنا الا في تسميتها لاهل الكبائر بالكفر فمن هينا فمذهبنا قصر
-171 - (2/126)
صفحة 323
علمه
عن علمنا ان يكون ضعيفا. مالم يبغ فيتدين بجهله ويقطع عذرنا بمخالفته واعلم ان المعتزلة سامحت المرجئة بعض المسامحه في قولهم ان الكفر هو الشرك ولا كفر الا فى الاعتقاد والنطق ثم ان المرجئة سالت المعتزلة ماقولهم في اهل الفسوق واهل الكبائر والجرائم والذنوب العظائم فانفذت المعتزلة الوعيد وقالوا هم في النار خالدون مخلدون لا يموتون ولاهم منها مخرجون صاحت المرجئة ضاع الذمار فعليكم الديار فقد وثقنا بقولكم وعولنا عليكم كمثل الشيطان اذ قال للانسان اكفر فلما كفر قال انى برئ منك انى اخاف الله ر رب العالمين فرجعوا الى انفسهم قفالوا مارجاؤكم في القدر ياتى المتلاعنين على لسان سبعين نبيا وسقط في ايديهم وراو انهم قد ضلوا وقالوا سير رحمنا ربنا ويغفر لنا ولو كنا قوما ضالين ثم ارتابت قلوبهم فهم في ريهم يترددون حتى فتح عليهم ابليس اللعين بالخروج من النيران بعد الخزى والهوان والدخول فى الجنان ففرحوا بما عندهم من العلم وحاق ما كانوا به يستهزئون ولامرما لعنهم والقدرية ويسهم من رسوله عليه السلام فقال طائفتان من امة لاتنالهما شفاعتي فاطمع وانا سمهما وهما القدرية والمرجئة وانا اذكر الطائفتين وافتهما للامم وضررهما للانبياء قال رسول الله طائفتان من امتى ملعونتان على لسان سبعين نبيا وذلك ان المرجئة لما نظرت الانبياء تدعوه الامم الى الايمان والاسلام ومفتاح دعائهم شهادة ان لا اله الا الله ووعدت الانبياء على هذه الكلمة الجزيل من الثواب اقتصروا عليها وتسامحوا فيما اعمال الطاعات وارتكاب المعاصى والسيآت فادخلوا على الانبياء الضرر من
بهم
عداها
الله
جميعا هم
شفاعة
في اممهم وابطلوا بهذا الاعتقاد والخوف من الله تعالى واستعملوا الامن فلايا من مكر الله الا القوم الخاسرون وقد تقدح الكلام فى تساهلهم على المعاصى فهذا هو الضرر الذى لعنتهم به الانبياء اما القدرية فان الانبياء كلما دعت الى شرائعها اجاب من الامم من اجاب فمنهم من اقتصر على مذهب المرجئة كما قلنا ومنهم من اجاب واناب وعمل صالحا من الطاعات ويجرى جهده واجتلب المعاصي والسيآت وبلغ من ذلك اقصى الدرجات وقد كان ابليس يدعوه الى طريقة المرجئة ويسهل له سبيل المعصية فاذار آه ابليس اللعين قد الج ولج في عمل
الطاعه
قطع
-17 V- (2/127)
صفحة 324
صر
امامه بغير الوجه الذى اتى به المرجئة واتاه وذويه من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ان اقررتم الله عز وجل بهذه الافعال انها خلقه وانه قدرها ودبرها واخرجها من العدم الى الوجود وانشاها واجرى حكمها على العباد فيما أحبوا اوكرهو اخرجتم منها صفرا وجرى عليكم حكم الله طوعا وكرها ففيم العمل والامر الى الرب الاجل اعملوا في غير معمل ومع هذا المذهب نسبتم الهكم الى الظلم والعدوان وعزرتموه الى الاثم والبهتان حين جعلتموه فعل بكم وعذبكم ثم ان نسبتم افعالكم الى ارواحكم وسلبتموها مولاكم كان القدح اعظم واطم منه في المرة الاولى اذ تم شركا فى الخلق وانداده فى القدرة وليس بين هاتين منزلة فهناك تذبذب الفريق الصالح الطالح عند قول هذا العبد الناصح الفاضح فها هنا افترقوا فرقتين فرقة ذهب بهم ذات اليسار واخرى ذهبت بهم ذات الشمال ولحب لهما سبيلى الضلال فاما اهل اليسار فزعموا وازمغوا انهم الهة افعالهم وليس لها خالق غيرهم واما اهل الشمال فانفقوا مما عملوا وفعلوا واكتسبوا حالة الذنب الى غيرهم واظهار المعذرة لانفسهم فخاض الفريقان في بحر القدر وامواج لجج الشر وعجزوا صحيح النظر وانواع البصر فعموا وصموا واخلوا الطريقة الوسطى لاهل الخير واتباع الاثر الموقنين بسر القدر ففازوا بحمد الله بجميل الستر والبصر والظفر فكل يعمل على شاكلته ويدعوا الى طريقة والله يهدي من يشاء الى صراط
مستقيم. ونحن نشرع في ايضاح مذهب اهل الحق والله المستعان
اعلم ان الشرع قد ورد بان الكفر يقع من الوجوه الثلاثة التي ذكرنا وقد اطبقت الامة منها على وجهين القلب واللسان واختلفوا في الافعال وقولنا الذى نعتمد عليه ان الكبائر كلها كفر وهو كفر النعمة لا كما قالت الفرق الاولى انه مقصور على القلب واللسان ودليلنا على ذلك ان الكفر فى لسان العرب هو الستر
و التغطية فمن ستر حملك واحسانك ونعمك عليه فقد كفرك قال لبيد: يعلو طريقة متنها متواترا في ليلة كفر النجوم غمامها
وقال يصف الظلام والهتله
فتذكروا ثقلا رتيدا
بعد
القت
ذكاء يميينها فى كافر
- YA- (2/128)
صفحة 325
يريد الشمس استترت بالليل فسمى الليل كافرا وقال عنترة الفوارس نبئت عمرا غير شاکر نعمتي والكفر مخبثة لنفس المنعم و الكفر ايضا في الشرع الجحود والاستفساد الى ولى النعمة فعلى أى وجه فاللغة تقتضى ان الكفر فى الافعال وحتى قالوا فيمن استنجيء بيمينه کفر کفر
نعمة اليمين واما الشرع قال الله عز وجل والله على الناس حج البيت من استطاع غنى عن العالمين اى ومن ترك الحج رغبة عن الله.
اليه سبيلا كفر فان
عنه
و من
الله
غني
اخذنا ميثاقكم
وذهبوا به الى الايمان والتصديق والاقرار دون الفعال وهذا ذهاب عن الظاهر بغير دليل ولا تخصيص وتخصيص العموم بغير بيان ونحن على عموم الآية في الاوجه الثلاثة قال الله عز وجل يخاطب بني اسرائيل لا تسكفون دماءكم ولا تخرجون انفسكم من دياركم ثم اقررتم وانتم تشهدون ثم انتم هؤلاء تقتلون انفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالاثم والعدوان وان ياتوكم اسارى تفادوهم وهو محرم عليكم اخراجهم افتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض ((فاثبت لهم الكفر بهذه الافعال التي خالفوا فيها اقرارهم وشهادتهم انه حرام فحرم عليهم اخراجهم فاكفرهم بالفعل واتخد إقرارهم و شهادتهم عليهم حجة فاخبرهم انهم آمنوا اقرارا وكفروا فعلا وقال رسول الله بين العبد والكفر ترك الصلاة وقال من ترك الصلاة كفر وقال رسول الله سب المؤمن فسوق وقتاله كفر والقتال من افعال الجوارح وقال عليه السلام من اتى امراة في دبرها او حائضا كفر وقال في الحج حين قال له الاقرع بن حابس افي كل عام ام للابد فغضب الله وقال لو قلت نعم لو جبت ولو وجبت ماقدرتم عليها ولو لم تفعلوا اذا لكفرتم فأوجب ان ترك الحج كفر ومصداق لقول الله عز وجل. ومن كفر فان الله غنى عن العالمين وكفر النعمة مذكور مشهور في هذه الامة فمن انكره فقد كفر نعمة الله فيه وقال عليه السلام للنساء مارايت من ناقصات عقل ودبن اغلب لعقول ذوى الالباب منكن تصدقن فاني نظرت في النار فرايت اكثر اهلها النساء والاغنياء قيل ولم ذلك يارسول الله قال بكفر هن قيل يارسول الله ايكفرن بالله ورسوله قال يكفرن العشير الا ترى الى احداهن تكون
-179 - (2/129)
صفحة 326
الا
يعين
كلمة
مع زوجها طول دهرها وهو محسن اليها فاذا رات منه مايسوؤها قالت مارايت منك خيرا ومافعلت لى وما صنعت قال ابن مسعود وددت انى وعثمان برمل عالج يحثى على واختى عليه حتى يموت الاعجل قيل له اذا يقتلك قال لا الله الكافر على المؤمن واثبته كافرا لا بالخروج من الله ويقول حذيفة حين بلغه مقتل عثمان فقال لا ادرى اكافر قتل كافرا أو مؤمن قتل كافرا قيل له انك لم تجعل له مخرجا فقال بل الله لم يجعل له مخرجا وقولهم التولية من الكفر وقيل من الشرك وقوله من اتى كاهنا او عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد عل وقال عمر بن عبد العزيز في قوله عز وجل اضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا تاب قال اضاعوها أى ضيعوا حدودها ومواقيتها واما من تركها فقد كفر من فاما المعتزلة الذين وافقوا المسلمين فى اهل الكبائر وقصرت عقولهم عن واحدة ان يقولوا انهم كفار بعد معرفتهم بكفر النعمة قد تجاهلوا فحسبهم واما المرجئة استعملوا الراحة قبل أوانها كالفراش المبثوت نظر يبصر ضعيف واقتحم النار حسابه الضيا وهم قد عولوا على الخروج وقصروا بالدخول وأنى لهم بالخروج من قال لا تختصموا وقدمت اليكم بالوعيد ما يبدل القول لدى وما انا بظلام واما المارقة فهم فى امر مريح جمعوا بين العبادة والزهادة فمزجوها بالرغبة في الدنيا وسفك الدماء والعلم والحلم فشابوهما بالقتل والجهل والمسلمون بعد على هداهم ومارزقهم الله من التوفيق اخذوا بالطريقة الوسطى وسلكوا النمط الأوسط وخيرا الامور أوساطها والسلام رحم الله كاتبه والمملى عليه فمن وقف عليه من الاخوان فليجتهد في الدعاء لهما ويستغفر لهما من جميع الخطايا والزلل واياه نسأله التوبة والتطهير من الحوبة بمنه وجوده وطوله وبمنه وتوفيقه وتاييده وتسديده
عند
للعبيد
وعونه وعلمه والحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم النبيين
-17.- (2/130)
صفحة 327
الرد على الاشعرية فى مذاهبهم فى صفة البارى سبحانه
اعلم يااخي اعزك الله وارشدك ووفقك وايدك انك ذكرت لى ماجرى لبعضكم مع بعض اهل الادب من الاشعريه في خلق القرآن وامر صفات الله تعالى واسمائه الحسنى وكتبت تسالنى شرح ذلك فصادفني كتابك وانا مشغول البال مختل الحال بمرض العيال وهو السبب الذى اوجب تاخير الجواب الى هذا الاوان سيما أن الكلام في هذه المسائل محظر بأمرين أحدهما التعرض للقدح في ذات البارى سبحانه وصفاته العليا واسمائه الحسنى من غير ماحاجة دافعة ضرورية اذ يتعذر كنه جلال البارى سبحانه ان تقع الاوهام على حقيقته فكيف بان تنطق الالسنة فتنطق وتسع و تغبق ولولا ماسمحنا فيه من ذكره باسمائه التي نص عليها وبصفاته التي قصر عنها وقد يستسمح الناس على قلة اخطارهم من الابناء والعبيد والعوام والنديد ذكر الاباء والكبراء والسادة والاكفاء مشافهة باسمائهم لكن كناية يا ابت اذا كان اباه ومن العبد يامولاي اذا كان مولاه ومن الكفار يا اخي ومن
ان
العامة ياسيدى فكيف بمن ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وجل عن يشبهه شيء ان تبوح الالسن بذكره او يتعرض لشكره فينطق ويقول بلسان عال وقلب خال يا الله يارحمن يارحيم هكذا باسمه لا كناية لولا الرءوف الرحيم الغنى الكريم الثانى ان هذه المسائل قليلة الجدوى فيما يتعلق بالبلوى إذ لاتؤثر في العبادات ولا تنفع في تلك الحرمات وقد يحصل ذكر الله عز وجل في القلوب التي هي موقع نظر البارى سبحانه باقل الخطرات وتخرس الالسن عن ذكره عند من اشرف واسعا على الملكوت والجبروت دون التفهيق والتشدق في هذا الوجه المخطر العظيم الضرر فكان الخائض فيه خائض فيما لا يعنى وساغ فيما لا يعفنى واذا لم يعفى عن السؤال ولابد من الشروع فى المقال فانى اقول ولا حول ولاقوة الا بالله العلى العظيم الكبير المتعال
اعلم ان الاشعرية قد اختلفنا معهم فى عشرة مواطن اولها انا قلنا البارى سبحانه يوصف بالعلم والقدرة والارادة وسائر الصفات التي يوصف بها فقالوا
-171 - (2/131)
صفحة 328
معني
غير
كان
انها معان وليست بصفات فالعلم عندنا صفة ومو عندهم معنى لا صفة والقدرة عندنا صفة وعندهم ليست صفة وكذلك الارادة وسائر الصفات ليست بصفات لكنها معان فالصفة عندهم هي الوصف. والثانى انهم اطلقوا على هذه المعاني التي ذكروها انها اغيار الله عز وجل واوجبوا التغاير بينها البين الثالث انهم اثبتو بها معان غير الله وهي قديمة ونحن نقول ليس هناك الله تعالى ان بمقتضى هذه المعانى كان الله موصوفا بها فبالعلم الله ولا قديم مع عالما وبالقدرة كان قادرا وبالارادة كان مريدا وعلم بعلم وقدر بقدرة واراد بارادة وحيى بحياة وقد تقدم الرابع والخامس ان هذه المعانى التى وصفوه بها معان قائمة بالذات ذات البارى سبحانه. والسادس انهم وصفوه بالوجه واليدين والراس والعينين والجنب والجلسة واليمن والغيضة والساق والقدم والاستواء والميل وخرق الحجب وركوب الحمار الاقمر وانه المنور الانور. والسابع ان الكلام من المعاني التي وصفوها بها وهو قائم بذاته سبحانه لم يزل به. والثامن ان الامر والنهي المندرجين في الكلام من المعانى التي وصفوه بهما وقائمان بذاته لم يزل كذلك وتعالى الله عن ذلك. والتاسع ان القرآن وسائر كتب الله المنزلة من المعاني التي يوصف بها في ذاته لم يزل بذلك سبحانه والعاشران العدل والاحسان والفضل والمن والانعام صفاته لكنها افعاله محدثه
ولابد.
من
مقدمة تكون بين هذه المسائل اسا واصلا بين المناظرين وعدلا فصلا بين المختلفين احدهما ان يقع الاتفاق على ان البارى سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي استعملناها بيننا. والثانى ان لا يطلق على البارى سبحانه مالم يأذن به الشرع او معنى يحيله العقل لاتفاقنا نحن وهم على ان الله عز وجل ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. والثالث مراعاة اللسان التي يقع بها التناظر والتحاور بين الفريقين ويقع بها البيان بين المختلفين ومع الثلاث ثلاثة أخر احدها ان يتضح المعنى الذى اراده المناظران فيحصل حدا ورسما لئلا يصيرا كا لأحولين الثاني ان (2/132)
صفحة 329
يسند قول المحق منهما الى البرهان الصحيح حقيقة وبيانا فيحصل علما ضروريا او عقليا او شرعيا او لغويا فان ابو امن من هذه الاربع كان باطلا لغويا والثالث الاقرار بالحق اذا ظهر و الاذعان له اذا. بهر والانتصار اذا كفر من جميع من حضر
الصفة
الوعظ هي
فصل
اعلم ان الاشعرية بنت مذاهبها فى البارى سبحانه وصفاته واسمائه وتشبيهه بخلقه على الهروب من الواضح الى المشكل وعولت بعد العثار على الاعتذار وانى لهم به بعد الانتصار وتعرضوا للبلاء وهم عنه اغنياء فلن يرضى بهذا عاقل ولن يخفى على جاهل وقد قال الاول اياك وما يعتذر منه وقد اتفقنا نحن وهم على تنزيه البارى سبحانه ونفينا عنه شبه الخلق من كل الوجوه واقررنا بوحدانيته لاشريك له فاول ماغلطوا فيه ان افسدوا على العرب لسانهم وغيروا عليهم لغتهم وقالوا ان هي الوصف والعدة هي الوعد والزنة هى الوزن والسمة هي الوسم والعظة وقد فرق اهل اللسان ما بينهما واوجبوا الصفة للموصوف والوصف للواصف والعدة للموعود والوعد للواعد فى امثالها واعتذروا بان قالوا ان النحاة قد اجازوا ذلك قلنا لهم مجازا لاحقيقة وانما نحن في الحقائق والعجب منهم انهم ياتون امرا لم ينفعهم ولم يضر غيرهم وكذلك العدة هى العطية الموعودة والموعد فعل الواعد والعظة صفة الموعوظ والوعظ فعل الواعظ والسمة اثر في الوجه والواسم الفاعل والثانية انهم نفوا عن السواد والبياض والالوان اثرها والحلا بجميعها والصنائع العملية والعلمية والحياة والعلم والقدرة والارادة والرضا والسخط وامثالها ان تكون صفات لكنها معان ليست بصفات هربوا من الواضح المعهود الى المشكلة المردود فما حاجتهم فى ان جعلوا الله معانى في قول من جعل الصفات السبع مجموعها هي الولوهية وفى قول من اثبت الذات وركب فيها المعاني السبعة واثبتها هى الالوهة جمعوا بين فساد اللغة وبين فساد الالوهة وخافوا ان يتوهم عليهم وحدانية البارى سبحانه وقالوا ان هذه المعانى اغيار لله عز وجل واغيار بينها البين قلنا وهل يجوز ان يكون اغيار لم تزل وقالوا انها قديمة فارتكبوا (2/133)
صفحة 330
من
من
ذات
وقلنا لهم ياسبحان الله فاكقديم فلابد للتبرية من العدد والشركه والتباين فلما نظروا الى قولهم قد تفاحش تكعكعوا ولا يغنى عنهم وقد جعلوا له من عباده جزءا ان الانسان لكفور مبين فتفرقت بينا وبينهم السبل فحصلوا في الكثرة بعد الوحدانية وحصلنا فى الوحدة ومن ولاء هذا ان اظهروا افتقار البارى سبحانه الى هذه المعانى التى ذكروها من العلم والقدرة والارادة وامثالها وقالوا بالعلم علم ولولا علمه لم يكن عالما ولولا قدرته لم يكن قادرا ولولا ارادته لم يكن مريدا واظهر افتقاره تعالى عن هذه المعانى وسلبوها عن ذاته وجعلوا الذات محتاجه الى الغير ومانظروا الى العلم لا يوصف بالقدرة ولا بالارادة ولا بالحياة والقدرة كذلك لا توصف بالعلم والارادة والحياة فكعكعوا ورجعوا الى الذات وقالوا لابد لها المعانى المذكورة من الحياة والعلم والقدرة والارادة ولابد لهذه المعاني تقوم بها هذه المعانى بمجموعها ومجموعها هو الاله فضاهوا بقولهم الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون وهو اهل الهيولى والصورة وجاوزهم الى الثنوية الى اصحاب الاسطفسات من الحرارة والرطوبة والبروده واليبوسه بك الى الحرميه الذين قالوا بالاسربد الى اصحاب العدد الكامل اهل التسديس فجاوزوهم الى التسبيع والتثمين ولم يبلغوا التسبيع والاثنى عشرية وهذا تثينه على ماقلنا اول من الاشارة الى انهم يهربون من الواضح الى المشكل من غير ما ضرورة دافعة. عن ان يجعلوه عضين كالمشركين في القرآن ثم سالنا. عن هذه المعاني التي أوجبوها مع البارى سبحانه لما زاد وافاتوا بالمعنى الموجود فى الاجسام صراحا ونحلوه ذات البارى سبحانه براحا ولبسوا على انفسهم حين خالفوا بين الالفاظ فيما يتحاشون مما ياتون به من لا شيء أم ولا يرون ان الحى مناحي والبارى سبحانه حى وقد قدمنا ان اللغة واحدة والقائمة حالة والحالة قائمة وقد قدمنا ان الباري سبحانه لم يفرد نفسه بلغة غير لغتنا التي نتخاطب بها وللباري علم ولنا علم وله قدرة ولنا قدرة وله ارادة ولنا ارادة وله قيام المعانى ولنا حلول الاعراض ياسبحان الله لو عظموا ما عدا فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا واما مذهبهم في التشبيه والجوارح فعلى وجهين اما من ذهب مذهب الجوارح فلا يخاطب ولا
قائمة
وبهم
اغنا
- ITE- (2/134)
صفحة 331
يعاتب ببصر نحو آلهة فانعكس بصره الى جسده فلمحه فخاله الهه فكبر وعظم وصلى وسلم وقال الحمد لله الأكرم ذى الآلاء والنعم والوجه والقدم واليد والمعصم والعين والفم والجوارح كلها الجم والنون والقلم وما ادراك ما النون والقلم وما يسطرون. فاستجاب له العميان من جميع البلدان وصدقوا قولتهم واجابوا دعوتهم ولم يبق الا ان يقول أنا الرب الى الكعبة البيت الحرام وانى رسول فاستحييوا لربكم فإن انتم لم تومنوا فانا الرب وأقرب من ذلك موقعا ان يختلف معهم في الاسواق ولا يعرفونه وتضمه معهم المساجد والمجالس ولا يثبتونه ويقول انا ربكم الاعلى ولا ينكرونه بشرط ان يكون وسيما قسيما جليلا جميلا لا قبيحا ولا ذميما تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وهؤلاء قوم فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون واما من امتنع منهم من اجرائها على المعاني التي تعرف من الوجه انه الجاه ومن القدم انه ماقدم لها من اهل الشهوة ومن اليد انه النعمة والقوة ومن المعصم ما يعتصموه به ومن العين العلم يجرى باعيننا وبالفم الكلام في امثال هذه معروفة عند العرب انها الجارحة وثمرة الجارحة كما تعقلها العرب فاحبوا طريقا وسيطا من الخيال والوبال فامتنعوا من الجوارح وامتنعوا من اللغة قلنا لهم اتعرفونها قالوا لا الا انها صفة الله وقد صدق القائل قد يتكلم المجنون بما يعجز عنه العاقل فهؤلاء مذبذبون بين ذلك لا الى هؤلاء ولا الى هؤلاء شرعوا الجهل دينا وراوه زينا ومالوا عنا بونا فاصابوا حينا ومينا واما مذهبهم في الكلام والامر والنهي والقرآن فهو الذي جر عليهم حينهم فاظهر الرب الكريم شينهم فاصبحوا مثل النصارى بينهم واما دينهم الذى أوردهم جميع المهالك وسيئتهم التي احاطت بهم من اجلها خطيئاتهم حين غلطوا في القرآن فنفوا عنه الخلق واثبتوه معنى غير الله يوصف به البارى سبحانه فعثروا عثرة لا اقالة لهم بعد العثور وقعوا وقعة في قولهم أن الأمر والنهي معنيان يوصف بهما البارى سبحانه لم يزل بهما قائمان بذاته فوقعوا وقعة لا انجبار لهم منها من بعد الوقوع سقطوا في قولهم ان سائر الكلام معنى يوصف به الباري سبحانه قائم بذاته فسقطوا سقطة تعسوا فيها لليدين وللفم ثم من بعد السقوط انزلقوا فى قولهم ان سائر الصفات من العلم والقدرة والارادة
الحق
-135 - (2/135)
صفحة 332
وسائر الصفات انها معان غير الله وهى متغايرة بينها البين فازلقوا زلقة وصادفوا بئراً لا قعر لها تهوى بهم الريح في مكان سحيق ثم من بعد الانزلاق التجوا الى جرف هارفي قولهم بعد الصفات فى الذات انها مراية الابصار محدودة الاقطار موصوفة بالوجه والعينين والرأس واليدين والساق والرجلين والقدم والركبتين والجنب والاصبع فى سائر صفات البشر فصادفوا شفا جرف هار فانهار بهم في نار جهنم فهو آخر العهد فقد صدق الله عز وجل في قوله بلى من كسب سيئة
بهم
واحاطت به خطيئته فأولئك اصحاب النار هم فيها خالدون هذا مثلهم في القرآن والله المثل الأعلى ومثلهم في التوراة والانجيل ان اليهود تقول لهم قبحا لكم وسحقا والنصارى مرحبا وسهلا واهلا اقذر بقوم نافقت منهم اليهود واستعذرتهم و استبدت بهم النصاي واحبتهم.
هم
والمعذرة إلى الله عز وجل والى المسلمين ان لا ياخذن احد علينا في تمثيل كل فرقة منهم الى ما يليق بهم وينسب الى الهجر والفحش من الكلام ولنا في كتاب الله عز وجل اسوة حسنة قال الله عز وجل في بلعم بن باعورا امام العور وقائد البور فمثله كمثل الكلب ان تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وانفسهم كانوا يظلمون من يهدى الله فهو المهتدى ومن يضلل فأولئك الخاسرون» وقال في اليهود عليهم لعنة الله كمثل الحمار يحمل اسفار بئس مثل الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدى القوم الظالمين وفي المنافقين مثلهم كمثل الذي استوقد ناراً فلما اضاءت ماحوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات عمى فهم لا يرجعون أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين يكاد البرق يخطف ابصارهم كلما اضاء لهم مشوا فيه وإذا اظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وابصارهم ان الله على كل شيء قدير وقال مثل
القوم
لا يبصرون صم
بكم
-177 - (2/136)
صفحة 333
والله
سريع
الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون وقال مثل الذين كفروا بربهم اعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفاه حسابه الحساب أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوق موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعضها إذا اخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فماله من نور والحمد لله رب العالمين وهانحن نبتدى في ايضاح معتقدنا في البارى سبحانه وما يتعلق به من صفاته وأسمائه وذاته إن شاء الله هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله الذي لا إله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخالق البارئ المصور له الاسماء الحسنى يسبح له مافي السموات والأرض وهو العزيز الحكيم فاول ذلك أن قال قائل ما الدليل على اثبات وجود البارى سبحانه قلنا وبالله التوفيق الدليل على اثبات وجود البارى سبحانه الحدث فان قال ما الدليل على قدمه قلنا سبقه الحدث فان قال ما الدليل على علمه قلنا اتقانه الحدث فان قال ما الدليل على قدرته قلنا صدور الحدث فإن قال ما الدليل على ارادته قلنا تمييز الحدث فان قال ما الدليل على رضاه وسخطه قلنا اختلاف الحدث فان قال ما الدليل على الحدث قلنا الحدث والله الموفق للصواب وعلى هذه الأمور عولت الموحدة فى اثبات الالوهية بينهم وبين الدهرية فاطبقت الموحدة على ذلك الا
شد
ولغة
منهم
في بعض الفروع.
من
الشرح فإن قال قائل وما الحدث مما يدل على وجود البارى سبحانه قلنا بالله التوفيق انطباق الفطرة العقلية على ان البناء دال على الباني والكتابة دالة على الكاتب والاثر دال على المؤثر والصناعات كلها دالة على صناعها عقلا وشرعا وطبعا اما من جهة العقل فان علوم العقل ثلاثة مقرورة في جبلة ومنقوشة في مجلة وهى وجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات فهذه احدى الواجبات ومحال ظهور الاثر ولا مؤثر وكتابة ولا كاتب وبناء ولا بان وصناعة ولا صانع وحدث ولا محدث
- ITY- (2/137)
صفحة 334
واما الشرع فقول الله عز وجل ان في خلق السموات والأرض واختلاف
الليل والنهار وما انزل الله من السماء.
يعقلون
خالق لا
وجعل
من
الأرض بعد موتها وبث فيها ماء فاحيا به
وجه الدلالة
من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم الله عز وجل حدوث هذه الاسباب دلالة على صدقه فيما قال فضلا عن وجوده وقد ثبت وجود الفرع فما بال الاصل فإن قال فما في هذا الاصل المذكور في هذه الآية قيل له اما خلق السموات والأرض فيدل على يشبه الاشياء ولا تشبهه الاشياء من جهة انه لا يخلق الاجسام والاعراض الا القديم الذى ليس بجسم ولا عرض إذ جميع ذلك محدث فلابد للحدث من محدث ليس بمحدث لاستحالة التسلسل واما اختلاف الليل والنهار فيدل على عالم مدبر مريد حكيم من جهة انه محكم متقن واما الفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس فيدل على منعم به دبر ذلك لمنافع الناس ومن جرى مجراه من الاجسام يتعذر عليها فعل ذلك واما الماء الذى ينزل من السماء فيدل على منعم به يقدر على التصريف فيما شاء يعجزه شيء جل وعلا وأما احياء الارض بعد موتها فيدل على الانعام بما يحتاج العباد واما تصريف الرياح فيدل على الاقتدار بما لا يأتى العباد به ولو حرصوا واجتهدوا فيه كل الاجتهاد
الأمور من
واما السحاب المسخر بين السماء والأرض فيدل على ان ممسكه قديم لا شبه له ولانظير لأنه لا يقدر على تسكين الأجسام إلا الحى الذي لاينام وهو بكل خلق عليم واما اللغة فمن جهة اللطف قسمت العرب هذه الالفاظ في جميع لغتها ان الحدث يقتضى الاحداث والمحدث والخروج يقتضى المخرج والاخراج هذا في سائر لغة العرب ولابد للعقل من هذه الأربعة معان الفاعل والمفعول والفعل فالفاعل والمفعول معروفان والفعل المصدر والفعل الاسم قال الله عز وجل وفعلت فعلتك التي فعلت وانت من الكافرين واما الطبع فلاحالة وجود الحدث ولما يعقله احد عقلا ففرت منه الطباع واستحال الاختراع الا من مخترع مبتدع وساغ الامتناع فلو انطبق الخلق والخلائق على ان ينحلوا فعلا غير فاعله لاحالوا ولو شهدوا بهذا من له ادنى عقل لكذبهم واستحمقهم واعلم انه لم يختلف اثنان بعد ثبوت
عند (2/138)
صفحة 335
حدث المحدث ان له محدثا فعلم هذا ضرورى كما قدمنا وانما وقع التشابط والتحايط بين الموحدة والدهرية فى حدوث الحدث ولسنا والاشعرية بمختلفين في شيء من هذا فإن قال قائل الدليل على قدمه قلنا كونه قبل الحدث واعلم ان القديم من سبق وجوده وجود الحدث فكل من لم يكن ثم كان فهو الحدث فكل من كان ولا يكون فهو القديم فان قال قائل ما الدليل على حياته قلنا تصرفه فى الحدث قبل الانشاء والافناء والابادة والاعادة بالنقص والزيادة وهذه الى علم الضرورية اقرب وإليه أذهب فان قال قائل ما الدليل على علمه قلنا اتقانه الحدث وانما رأينا المحدث قد تأتى على مراد المحدث فصار كل شكل الى شكله ورجع كل فرع الى أصله من الأرض والسموات والأشجار والنبات والجماد والحيوانات على نظام واحد وترتيب واحد وهو الذى خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاون ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وهذه الى الضروية اقرب والعلم والقدره والارادة والرضى والسخط من توابع الحياة وصفات الحي مهما اتخرمت منها صفة انحزمت الحياة ولابد من الاشارة فإن قال قائل ما الدليل على القدرة قلنا صدور الحدث ولا يصدر الا من قوة والا فالقوى والزمن واحد والحى والميت واحد فإن قال ما الدليل على الارادة قلنا تمييزه بين المقدور هذا قد شاء وجوده فوجد وهذا لم يشأ وجوده فلم يوجد ووجد الموجود على صفة وغيره على خلافها والقدرة جارية عليهما وقد شملتهما وفرقت الارادة والمشيئة بينهما وكذلك الرضا والسخط دليلهما اختلاف المحدثات فهذا حسن جميل وهذا قبيح رذيل ولولا الرضا والسخط لما وقعت التفرقة بين الخير والشر فمن كان بهذه الصفة فهو الى الموات والجماد اقرب فان قال قائل ما الدليل على الحدث قلنا الحدث وهذه المسئلة بيننا وبين الدهرية وحسبنا منها حدوث فى الاجسام والاعراض محدثة، ولا يخلوا حادث ولا ينفك منه فما لم يسبق الحدث محدث مثله فمن اراد حقيقة
الجسم من هذا فليطلبه فى ادلة الموحدين فى النفر الثمانية وفى كتاب ابن الخياط مستقصا فان قال قائل إذ ثبت وتقرر وجود ذات البارى سبحانه بالدليل فما مذهبكم في الصفات التي ادعيتم ولن يخلوا قولكم فيها من احد ثلاثة أوجه اما ان تبطلوا وجود الصفات البتة لئلا تجعلوا مع الله آلهة أخرى فتكونوا من المبطلين المعطلين واما أن
-174 - (2/139)
صفحة 336
تثبتوها محدثة كائنة بعد أن لم تكن فيكون البارى سبحانه بعكسها فيتصف بالموت قبل الحياة وبالجهل قبل العلم وبالعجز قبل القدرة لعلة بان الاستكراه وبالكفر قبل الارادة وبالجمادة قبل الرضا والسخط سبحانه أو تثبتوها معا في غير الله وقديمة
غير محدثة كما قلنا
قلنا وبالله التوفيق أما ابطالها بعد ماتقرر الدليل ولاح السبيل فلا واما اثباتها محدثة كائنة بعد ان لم تكن ويتصف البارى سبحانه بعكسها فلا سبيل اليه واما اثباتها انها اغيار الله عز وجل وقديمة معه فلا سبيل اليه فهذه الاوجه الثلاثة مستحيلة وذلك انه يحكم فتهكم حين خص ولم يعم واغفل الوجه الرابع وفى التقسيم توصيم ولاسيما في الكاف والميم وسيأتى الفصيل بالصيلم على دنادن الظلم فتتثلم باذن الله تعالى وذلك عادة الله في الحق والباطل إذ احد الحق زهق الباطل ان الباطل كان زهوقا فان قال قائل في الوجه الرابع قلنا وبالله التوفيق ان صفات البارى سبحانه ليس هناك معنا غيره أو شيء يلازمه أو يفارقه فقولنا الله تعالى موجود اثباته ليس هناك وجود غيره يخالفه أو يوافقه الله حي اخبار عن الذات انها ليست بميتة ولها التصرف فى الغير وقولنا الله قادر اخبار عن الذات انها ليست بعاجزة ولايعوزها شيء وقولنا الله مريد اخبار عن الذات انها غير مكرهة ولا يفوقها شيء وكذلك سائرها وليس فى ان نفينا عنالذات هذه الامور مايقتضى ان معها شيء غيرها يقاومها فيضاهيها أو شيء غيرها تستعين به أو يكون جزءاً منها
عن
وذلك مجال فى ذات البارى سبحانه فالقديم سبق الحدوث والعجز والحاجة وجوده فمن حصل له اسم القدم حصلت له الالوهية والصفات الكاملة وذلك عن غير الله منفى ولا قديم إلا الله ولا إله إلا الله واستاثر الله بالكمال ولم يبر الغير النقصان ونضرب في ذلك رجلا قاعدا في موضوع من المواضع تختلف عليه فيه الاشياء من بين مار بين يديه وآخر من خلفه وآخر فوقه وآخر تحته وليس في اختلاف هذه الجهات ما يتقضى اختلاف ذات الانسان وربما يتوهم الغمر علينا فيقسمه تقسيما ويجعل الرأس ناحية والرجلين ناحية والجبين ناحية اعلم ان غرضنا الذات واعلم ان من جاز بين يدى انسان فقد جاز عليه كله وكذلك سائر
-18.- (2/140)
صفحة 337
الجهات وليس وان اختلفت النسب الى هذه الجهات ما يقتضى الاختلاف في الانسان فهو أولاً إنسان واحد انسان وان التبس الامر مع هذا وقع الكلام على جزء من العرض ومن وراء ذلك المرآة فإن الصور تنطبع فيها وليس ذلك بمؤثر في ذاتها أو ناقص أو زايد فيها ولله المثل الاعلى وهذا معتقدنا في الهنا سبحانه ولنرجع الى معارضتهم ايانا في الصفات فإن قالوا إذ زعمتم ان الذات واحدة وان صفاتها هي هو ماتقولون فيمن خلقه البارى سبحانه حياً ثم مات أو ميتاثم حيى بعلم واحد علمه أو بعلوم كثيرة فإن قلتم بعلم واحد فقد جعلتم الحى ميتا والميت حيا فإن قلتم بعلوم كثيرة فقد اتيتم قد ماكثيره وان قلتم علمه بلا علم وقعتم في المحال قلنا وبالله التوفيق ان الله تعالى علم الحى منا في حين حياته ثم علمه في حال موته وقع التفاوت بين الحالين لا بين العلمين كما ان الذات التي علمته ميتا هي التي علمته حيا فما قلت في العالم قلنا فى العلم وتنعكس عليهم المسئلة فإن قالوها بعلم واحد لزمهم ان يجعلوه حيا ميتا موجودا معدوما وان قالوا بعلوم كثيرة على عدد اجزاء الخليقة فقد اثبتوا قدما كثيره مع الله فى الأزل فإن قالوا علمهم بلا علم وقعوا فى المحال ولا مخرج لهم الا السبيل الذي سلكناه وكذلك القول في سائر الصفات من القدرة والارادة والسخط والرضا واعلم ان الاشياء تختلف بالاعيان والازمان والمكان وتقع النسبة اليها من جهة العلم نسبة واحدة أو من جهة القدرة وغيرها نسبة واحدة من جهاتها مختلفة وليس ذلك بضائر الذات شيئاً وكذلك لو علم رجلان شيئاً واحداً والشيء على حدته والعالمان اثنان أو علم رجل شيئين على
لهم
الذات
ان الاثبت مع البارى سبحانه علما غير مايقع التطايب والتخاطب عليه فان ابوا إلا أن يثبتوا معانى قديمة غير الله قلنا أنفكاً آلهة دون الله تريدون فما ظنكم برب العالمين فإن قالوا لو انكم ابطلتم المعنى المعقول في لغة العرب انهم إذا وصفوا انسانا بالشجاعة أو بالجبن أو السخاء أو البخل اثبتوها صفات غيره قلنا وبالله التوفيق ان العرب إذا وضعت شيئاً بصفة انهم يتوصفون الى معنى تلك الصفة وليس في لسانهم ما يقتضى انها هي هو أو غيره وانما تدرك معرفة ذلك من وجه آخر من طريق من نظر فى ادوات العالم وعلى ان الجسمية صفة الجسم وليس في ذلك ما يقتضى أنها غير الجسم وكذلك العرضية للعرض والمخلق صفة الخلق وهي هو
-181 - (2/141)
صفحة 338
واعلم ان القوم عرضونا بالخمس هنات أولها قالوا إذ زعمتم
ذات البارى سبحانه و ان صفاته هي هو لا غيره فقولوا علم ا الله
هي
هو
أن الذات واحدة
الله
وقدرة الله هو
الله في امثالها الثانية ان اجزتم هذه فقولوا الله العلم والله هو القدرة في امثالها والثالثة فقولوا العلم هو القدرة والقدرة هى العلم أو غيرها والرابعة ان معنى علم هو معنى قدر ومعنى قدر هو معنى علم أو غيرها في امثالها والخامسة ان هذه الصفات التي ذكرتم وصفتم الله تعالى بها لا تخلو من ان تكون معنى أو غير معنى فان كانت معنى فهو ما قلنا وان كانت غير معنى فقد وصفتم الله تعالى بلا معنى
الله
الرد وبالله التوفيق الأولى اما قولهم في علم الله انه الله أو غيره فإن بعض اصحابنا يطلقون على صفة الله تعالى ان تقول هي هو فيقول علم الله لا هو غيره وقدرة الله هي الله والاحسن عندى ان تقول ليس هناك غير الله واما الثانية ان تقول هو الله العلم أو تقول هو الله القدرة اعلم ان اللغة منعت من اطلاق ذلك ولولا ذلك لما كان فيه باس وقد جاء في اللغة اطلاقه، وفي بعض الاسماء لقولك الله الرب والله البر والله العدل والله الوتر والله هو الحق المبين واما الثالثة ان العلم هو
لما جاوز
علينا من
القدرة والقدرة هى العلم وهذا ممنوع من جهة التخاطب واللغة ولو اطلقه انسان خطأه اللغة وهو احسن حالا ممن اخطأ في ذات البارى سبحانه واما الرابعة فالقول فيه كالقول فى الثالثة هو ممنوع من جهة اللغة والتعارف بين الناس واما الخامسة فانا نمتنع من ان نجعل صفة البارى سبحانه معانى لما يتوهم الغيرية وقد اطلقت الامة الصفات العليا والاسماء الحسنى فان قالوا تقولون يعلم نفسه أو لا يعلمها قلنا يعلمها ولا نقول لا يعلمها فإن قالوا يقدر على نفسه أو لا يقدر عليها قلنا لا يجوز يقدر على نفسه ولا لا يقدر عليها فإن قالوها تقولون يريد نفسه أو لا يريدها قلنا الجواب فيها كالجواب في التي قبلها.
-1? Y- (2/142)
صفحة 339
بهم
اعلم ان القوم انما ذهب خصلتان احدهما اللغة وذلك انهم نظروا الى تقاسيم الافعال والحروف في اللغة فكل لفظة تقتضى معنى في الاجسام وحركاتها فانقسمت اقساما كثيرة من اجل جهة الاعيان والازمان والمكان فتحولت عليهم فذهبوا ذلك المذهب فى خالق الانام ونظروا الى قولهم علم ويعلم وسيعلم علما وعالم وعلام وعليم وقالوا لابد لهذه التقسيمات ان تقتضى معانى متفاوتة حتما واضطرهم الدليل المثبت الالوهية الى ان يقولوا بقدمها ونسوا ماذكروا به من قبل ان الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير فشبهوا الذات التي لاتتجزا ولا تحلها الاعراض بالاجسام التي تتجزا وتحله الاعراض ولم ينظروا بعين الحقيقة الى من هو فوق المكان والزمان ولم يشبه شيئاً من الاعيان ولم يراعوا سهام الزمان والمكان التي تجرى على الاعيان دون القديم الذى كان قبلها وسهم العين الوجود والتثبيه والذات والمعنى والاثبات واما سهم الامكنة فالجهات امام وقدام وخلف وفوق وتحت ويمين وشمال واما سهم الازمنة فالآن واليوم وامس وغدا والشهر والعام وقابل وقاب وقباقب فالذي يظهر في الاعيان ان يكون المقتضى واحدا وان اختلفت الالفاظ فتكون اخبارك عن ذات البارى سبحانه هو الاخبار عن مشيئته وعن غيبه ومعناه وان اختلفت الالفاظ فليس فى ذلك ما يقتضى الغير واما سهم المكان فاختلاف الامكنة لا يوجب اختلاف الذات وكذلك في الازمان سيما في الواحد الذي يتجزء. والخصلة الثانية انهم ذهبوا في انفسهم وحصروه الى أو همهم واعتقدوا ان ذلك اثباته لا بطاله وان خلاف ما تذهب إليه الاوهام ابطال فامنوا بالوجدانية لفظا واغفلوها في المعنى حفظا وعجزوا عن قول الصديق رضي الله عنه الغجز عن دلاك ادراك وقالوا لهم ان العجز عن درك الادراك عليهم في نفيهم خلق القرآن فإن قالوا لم قلتم ان كلام الله تعالى وامره ونهيه والقرآن ليس بصفة الله تعالى في ذاته ولا هو معنى قائم بذاته قلنا وبالله التوفيق لما تقرر عندنا بالادلة القائمة ان الحى
-1 E 7 - (2/143)
صفحة 340
مرتبط باوصاف لا ينفك منها البارى سبحانه انه الحى الفعال اثبت وجوده وحياته وعلمه وقدرته وارادته ورضاه وسخطه وفعله ولكل كللام مقدمات وسوابق ومؤخرات ولواحق فمقدمات الالوهية الوجود ولواحقها الافعال والوجود والافعال ليست بصفة لان الوجود اثبات والفعل حدث وما بينهما فصفة قد استحال أن يكون الجى ولا علم ولا قدرة ولا ارادة والقدرة ولا علم والعلم ولا حياة فاثبتناه حيا عالما قادرا مريدا راضيا ساخطا لم يزل اذ لو حدثت الحياة لكان
قبلها مواتا ولو حدث العالم لكان قبله جاهلا وإذ لو حدثت القدرة لكان قبلها عاجزا وإذ لو حدثت الارادة لكان قبلها مستكرها واذ لو حدث الرضا والسخط لكان قبلهما جمادا بليدا فمن اين ارتبط الكلام الحى لارتباط لزمه وان قالوا لاستحالة حدوث الكلام اليه فلو حدث لكان اخرس قبل حدوث الكلام والخرس ضد الكلام ونقيضه قلنا وبالله التوفيق ان هذا التحكم لا يلزمه لانه يجوز ان يكون من لم يتكلم ساكتا لا اخرس وليس كالعلم لان من لم يكن عالما فهو جاهل ومن لم يكن قادرا كان عاجزا ليس الخرس نقيض الكلام بل السكوت نقيضه ويلزمهم ايضا ان الخلق معه لم يزل لانه لو حدث اليه الخلق لكان قبل حدوثه عاجزا و يلزمهم ايضا ان يجعلوا الخلق من المعانى القديمة القائمة بالذات كالكلام ولعمرى هو اشبه يمذهبهم فإن يكن العجز نقيض الخلق فليس الخرس نقيض الكلام غير أن الخرس زمانه لا يستقيم معها الكلام وكذلك العجز آفة لا يستقيم معها الخلق وهما منفيان عنه بالقدرة وقد يكون الحى ساكتا متكلما خرس وهل يصح من الحى أن يكون غير عالم أو أن يكون غير قادرا أو مريض وراض وساخط فهاتيك مهما انخرمت منها صفة الخرمت الحياة وليس ذلك فى الكلام البتة والله ولى التوفيق الدليل على خلق القرآن أن لاهل عليهم ادلة كثيرة واعظمها استدلالهم على خلقه بالادلة الدالة على خلقتهم هم فإن ابيا من خلق القرآن ابينا من خلقهم هم وقد وصف الله عز وجل فى كتابه وجعله قرآنا عربيا مجعولا منزولا مسموعا بالاذان مقروءا بالالسن مكتوبا في المصاحف وفي قلوب الذين أوتو العلم وليس لهم معول بعد العثور الا الاعتذار بالغرور وذلك انهم نصبوا للكلام وللامر والنهي والقرآن
-122 - (2/144)
صفحة 341
صفات
هيولا حيالا غير القرآن وهى العبارة عن القرآن مما حاججناهم به من الخلق الموجودة في القرآن لانفس القرآن لا نفس القرآن قلنا لهم أن الله تعالى يقول انا جعلناه قرآنا عربيا قالوا العبارة عنه قلنا لهم ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه وهم يلعبون قالوا العبارة عنه قلنا لهم الله عز وجل أنا انزلناه في ليلة القدر ونزل به الروح الامين وينزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين قالوا العبارة قلنا لهم بعد قول الله عز وجل انزله بعلمه والملائكة يشهدون قلتم العبارة عنه لاهو فمن يشهد لكم بهذا بعد أن وجدتم شهادة الله عز وجل وشهادة ملائكته فيا من قوم انكروا نزول القرآن مثل أهل الأوثان ولو عورضوا بمثل ما هم فيه بمحمد عا وبجبريل الروح الامين أنه لم ينزل به جبريل عليه السلام على قلب محمد عليه السلام وانما نزل بالعبارة للقرآن وحيال جبريل هو الذي على حيال محمد ولم ينزل نحن ايضا علينا القرآن وإنما نزل على حيالنا وقوله وكذب به قومك وهو الحق ان القوم ما كذبوا بالقرآن وانما كذب ضلالهم بالعبارة وهو الحق فليس القرآن فى نفسه بحق وانما العبارة عنه هى الحق وهي التي كذب بها حيال القوم وضلالهم فمن كان بهذه الصفة بالعقلاء الذين يخاطبون الله عز وجل أمثالهم الا أن
سبحان
الله
تجاهلوا تعمدا
فصل
واما قولهم ان المن والفضل والعدل والاحسان والانعام من صفات البارى سبحانه اعلم يا أخى ان الله تعالى خالق لم يزل وفاعل ومثيب ومعاقب ومحيى ومميت ومان ومنعم ومحسن وعادل لم يزل فإن كان مرادهم هذا فهو جائز وهذه اسملؤه وصفاته وان كان مرادهم ان المن والفصل والعدل والاحسان والنعمة تعالى فليحلق الخلق ورازقا لم يزل وهل الخلق والرزق موجودان في
صفات
الازل قلنا وبالله التوفيق.
إن الاسماء لا تقضى الأوقات والازمنه والفاعل يصلح اسما لما يأتى ولما مضى ولما انت فيه هذا رجل حاج يريد الحج وهذا حاج على ان سيحج فمن امتنع من.
عذا
فهل عن خليل الله عز وجل صلوات الله عليه الذي سماكم المسلمين من قبل
هو
-180 - (2/145)
صفحة 342
فمن لم يدخل فى تلك التسمية قيل لم يدخل بعد والسلام والعجب كلا العجب
من هؤلاء القوم انهم يرغبون فى الكثرة ويرغبون عن الوحدة وما حاجتهم
الا
الكثرة والعدد فى الله عز وجل فإن كان مراده مدحه فبان يفردوه ولا من الايلاء
الازل عليه قدما
•
وليقضوا من هذا العدد الطويل فهو اولى بالجليل وهذا حين جعلوا السمع والبصر من المعانى السبعة القائمة بذات البارى سبحانه والسمع والبصر فرعا العالم وليس البصر كناية عن درك الالوان والسمع كناية عن درك الاصوات فعليهم بالطعوم فلينحلوه الذوق ويجعلوه ثامنا وعليهم بالروائم فلينحلوه الشم ويجعلوه تاسعا وعليهم بالمحسوسات كلها اللمس ويجعلوه عاشرا وليتبعوا الخلق مادام لهن من العلوم اسم فيسمونه ويجعلون ذلك المعنى قائما بذاته بمذهب الاعرابي وان
اخطاً فى الملائكة اسهل. حالا
من خطئهم في البارى سبحانه حين قال
•
وذو العرش محمول على ظهر سبعة .. ولولاه ماراموا النهوض ولا كادوا فقيل له ويحك جعلت البارى سبحانه محمولا وجعلت الحملة الثمانية سبعة فقال الاعرابى اليسوا اذا نقص من عددهم اقوى لاسرهم فذهب في الجملة الى نقصان العدد اقوى للاسر وذهب هؤلاء الى زيادة العدد اقوى فى المدد فالاعرابي افطن بالمعنى الباطن وهم ذهبوا الى الحس الظاهر ولاشك ان القوم ما اغترفوا الامن بحر لجى من بحور الدهرية في قولهم ان الله تعالى هو العلة والخلق هو المعلول ولن يفارق المعلول العلة لانهم قالوا للموحدة الم تقولوا ان الله تعالى قبل خلقه نعم قالوا ثم حدث الخلق قلنا نعم وقالوا انه ليس بين وجود الله تعالى وبين خلقه الخلق مسافة ولامده ولا عدة ولا آفة ولم يسبق الخالق الخلق الا بالمقدار الذي يسبق به لان الفعل فالحركة والسكون والكون والمكون فهذا غرض القوم غير انهم لم يقدروا ان يبوحوا باكثر مما ذكروا مما يتعلق بصفات البارى سبحانه المعهودة عند الناس غير انهم حادوا الى مذهب الدهرية ولا شك انهم قد شموا روائح الى شاكر الديصاني الذي فتح لهم الباب فى نفى خلق القرآن بمكيدة عظيمة کادهم بها من غير الاول.
قلنا
-127 - (2/146)
صفحة 343
باب في اختلاف الناس في القرآن
اختلف الناس في القرآن فذهب قوم الى انه قديم ازلى وهم المالكية والشافعية والحنابلية على اختلاف انواعها وذهب آخرون الى انه محدث مخلوق وهم المعتزلة والاباضية والشيعة على افتراق مذاهبها وكل يحتج بزعمه ويستدل لمذهبه ويصوب رايه ويخطئ مخالفه وربك اعلم بمن هو اهدى سبيلا فمن احتجاج النافين لخلق القرآن انهم قالوا ان القرآن كلام الله وكلام الله متصل ليس بمنفصل وهو صفة من صفات ذاته تعالى قديم ازلى ليس بمخلوق فاذا زعمتم انه مخلوق فالمخلوق لا يخلو من احد ثلاثة اوجه اما ان يكون جسما او جوهرا او عرضا ومعلوم انه ليس بجسم لان الجسم مؤلف من الافراد والاجزاء قابل للحوادث محل للاعراض المتغايرات المتعاقبات ومعلوم انه ليس بجوهر لان الجوهر ايضا قابل للحوادث ومحل للاعراض المتغايرات متحيز لجهة ولو كان عرضا لوجب ان يفنى فى الحال الثانيه لان العرض لا يبقى اكثر من حال فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة واستحال ان يوصف القرآن بواحدة منها علمنا انه ليس بمخلوق اذ المخلوقات باسرها قد تضمنت هذه الوجوه الثلاثة المذكورة ثم انه لو كان مخلوقا كما زعمتم لم يخلو ان يخلقه الله تعالى في نفسه وفى غيره او يخلفه قائما بنفسه لا فى شئ ومعلوم انه لم يخلقه عز وجل في نفسه لاستحالة كونه تعالى محلا للاشياء وكذلك لم يخلقه ايضا في شيء لانه لو خلقه في شيء لكان للمحل فيه اختيار واكتساب كما كان الاختيار والاكتساب للشاعر الذي خلق في قلبه ولنسب الى المحل كما نسب الشعر الى الشاعر فمستحيل ان يخلقه قائما بنفسه لا في شيء اذ لابد للمخلوق لمستند يستند اليه فبطل بهذا ان يكون مخلوقا ايضا والقرآن قول الله تعالى باتفاق بيننا وبينكم وقد قال تعالى انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون فلا يخلو ان يقول له حين خلقه اياه كن بقوله الذى هو القرآن او بقول آخر غير القرآن ومحال ان يقول الشيء لنفسه كن ومعلوم انه لم يقل له كن بقول آخر غيره اذ قوله تعالى واحد لا يبتعض ولا
-121 - (2/147)
صفحة 344
الله
يتبدل وقول الله هو کلامه وكلامه هو قوله والدليل على ان هذا القرآن هو كلام الله هو قوله تعالى وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله وكلام الله القرآن بلا شك وقوله ايضا وهو مسموع كما ان الكلام الذي سمع موسي صلوات الله عليه وعلى محمد هو كلام الله يغير شك لقوله تعالى وكلم الله تكليما والذى يستدلون به من قوله تعالى انا جعلناه قرآنا عربيا ليس ذلك موسي بمعنى الخلق. والدليل على انه ليس بمعنى الخلق قوله فى آيات اخرى ويجعلون الله البنات ومعلوم انه لم يخلقوها له وانما نسبوها اليه وقوله وجعلوا شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم وهذا كله بمعنى النسب لا بمعنى الخلق والدليل الاعظم اجماع الناس على ان كل مخلوق متناه وبائد وفان فاتيتم انتم لما ليس يفنى انه مخلوق مع كونه صفة من صفات ذات البارى سبحانه والصفة تابعة للموصوف باجماع اهل الاسلام والبارى سبحانه قديم ازلى وصفات ذاته قديمة ازلية لم يزل موصوفا بها في الازل والحال ومما يستدل به على ان القرآن ليس بمخلوق قوله تعالى الا له الخلق والامر والامر القرآن والخلق سائر المخلوقات
ولهؤلاء كلام يروى عن احمد بن حنبل في هذه المسئلة وهو قوله قولنا القرآن وقولنا كلام الله اسمان مترادفان المراد بكل واحد منهما هو المراد بالاخر وكلاهما يقع على خمس مسميات احدها المسموع من القرآن قال الله عز وجل وان احد من المشركين استجارك فاجره حتى يسمع كلام الله نصا ولايسع احدا أن يقول غير هذا فيكذب ربه تعالى لقوله مالم يقل لا يختلف اهل الاسلام ان من سمع قارئا يقرا فانه يقول سمعت القرآن وقد قال عليه السلام انى احب ان اسمعه من غيرى وقال عز وجل فاقرءوا ما تيسر من القرآن والمسمى الثاني المحفوظ في المصحف صح عن النبي عليه السلام انه نهى ان يسافر بالقرآن الى دار الحرب فانما اراد عليه السلام المصحف وقد بينا القرآن هو بلا خلاف والمسمى الثالث المستقر في نفوس الحافظين له قال الله عز وجل بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم المعاني المفهومة من القرآن ونصه والمسمى الخامس هو علم الله
عز
وجل
والمسمى الرابع. هو عز وجل قال الله تعالى ولولا كلمة سبقت من ربك لقضى بينهم أراد سالف علمه الذى لم يزل ولابد من انقاذه ولا راد له. قال ولما كان الامر كذلك
-18 A- (2/148)
صفحة 345
حاش
الله
حمر
هو
وجد الصوت المسموع هواء مندفعا يصير حروفا اذا تالفت قام منها الكلام المفهوم والهواء والحروف مخلوقة بلاشك وكذلك الخط وكذلك المستقر في النفوس الانه محمول فيها واما المعاني المعبر عنها بتلك الاسماء فهى الله والملائكة والنبيون عليهم السلام والجنة والنار والصلاة والصيام وسائر الشرائع وقصص الاولين كل مخلوق الله عز وجل واما علم الله عز وجل فلم يزل غير مخلوق فلما كان قولنا القرآن وقولنا كلام الله عز وجل يقع على هذه المسميات ومنها مخلوق وغير مخلوق كما ذكرنا كان من قال ان القرآن مخلوق كاذبا بمنزلة من قال ان الحق مخلوق لان الحق وهو غير مخلوق قال وهذا بمنزلة اثواب خمسة احدها اخضر وباقيها فبالضرورة لدى ان من قال انها حمر فقد كذب وان من قال انها ليست حمرا فقد صدق فاذا كان الامر كذلك يقينا لاشك فيه فقد صح ان القرآن غير مخلوق وان كلام الله تعالى غير مخلوق قال صاحب الكتاب وهكذا روينا عن احمد بن حنبل ان القرآن كلام الله وعلمه فرجع الى معاليه مداره من التقليد ونسى قول الله تعالى حكاية عن المقلدين ربنا انا اطعنا سادتنا وكبراءنا فاضلونا السبيل فنذكر ما امكننا ذكره من حجج النافين لخلق القرآن ونذكر الان احتجاج المثبتين لخلقه و ما استدلوا به من آي القرآن لينظر الناظر فيه فيعلم بعقله الذي ركب الله فيه ليميز الاشياء فيعرف الصحيح من السقيم والحق ابلج والباطل لجلج جعلنا الله ممن وفق للحق فى القول والعمل وعصم من اتباع الباطل فى المتاخر من العمر والاول فما التوفيق الا به ولا المؤيد الا اليه ولا المعول الا عليه وهو حسبنا ونعم الوكيل اول ذلك ان قالوا لهم قولكم في القرآن انه كلام الله وكلام الله متصل ليس بمنفصل وهو صفة من صفات ذاته وهو حجة عليكم ليس بحجة لكم لانه اذا كان هذا القرآن كلام الله وكان متصلا ليس بمنفصل فقد اخبرنا سبحانه وهو الصادق فيما اخبرته انه في صدور الذين أوتوا العلم بقوله بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم قلنا لهم الآن اخبرونا عن هذا الذي قال الله انه في صدور الذين أوتوا العلم هو كلام الله ام غيره فان قلتم انه كلام الله فقد اتيتم له الانفصال عن الله تعالى بقولكم هذا بعد مانفيتم ان يكون منفصلا عنه واذا قلتم انه ليس بكلام الله فقد نفيتم عن القرآن ان يكون كلام الله وهذا تناقض فاحش قالوا لهم وان قلتم ان
-184 - (2/149)
صفحة 346
الله
هذا الذي قال الله سبحانه في صدور الذين أوتوا العلم انما هو عبارة عن كلام سبحانه الذي هو القران اخبرونا عن. هذه العبارة اهي القرآن ام غيره فان قلتم انها
ربهم
ذلك
ليست بالقرآن فاخبرونا اقديمة هي ام محدثة فان قلتم أنها قديمة وهى مع ليست بقرآن وقد اثبتم القدم لغير القرآن الذي قلتم انه كلام الله وانه قديم ازلى فان قلتم انها هي القرآن وانها قديمة فقد رددتم عليه قوله تعالى مايأتيهم من ذكر من محدث الا استمعوه وهم يلعبون والذكر هو القرآن بغير شك لقوله تعالى يا ايها الذي انزل عليه الذكر انك لمجنون وان قلتم انها هي القرآن وانها محدثة فقد اقررتم بما انكرتم اولا ورجعتم الى قولنا ضرورة ثم اخبرونا عن القرآن الذي قلتم انه اهو كلامه الذي هو صفة من صفات ذاته على الحقيقة وان قلتم انه من صفات ذاته على الحقيقة فقد اثبتم له الانفصال عن
كلام
فذلك
الله
كلامه الذي صفة هو البارى سبحانه وتعالى عن قول المبطلين لكونه فى صدور الذين أوتوا العلم والله يتعالى ان ينفصل عنه صفاته او تفارقه او تكون غيره ازلا يجوز عليه سبحانه الاتصال والانفصال والانتقال والزوال والافتراق والاجتماع والغيرية والوثرية ثم اخبرونا عن قولكم في الصفة هل هى الموصوف عندكم ام لافان كانت الصفة عندكم هي الموصوف أخبرونا هل تجوز على الله ان يصف نفسه بصفة الخلق على الحقيقة أو على المجاز فان قلتم يصف نفسه بصفة الخلق على الحقيقة وعلى المجاز رد لقوله تعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير وان قلتم انه لا يصف نفسه بصفة الخلق على الحقيقة ولا على المجاز فمعلوم ان هذا القرآن الذي زعمتم انه ليس بمخلوق وانه من صفات ذات البارى سبحانه قد وصفه بصفات الخلق من الاتصال والانفصال والحدوث والذهاب والتشابه والتماثل وغير ذلك من صفات الخلق مما لا يجوز على الله تعالى ان يوصف به فى غير ما موضع من كتابه: ذلك قوله تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وقوله تعالى ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث الا استمعوه وهم يلعبون وقوله تعالى ولئن شئنا لنذهبن بالذى او حينا اليك وكيف يذهب ما ليس بمخلوق او يذهب له وقوله تعالى هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات من ام الكتاب واخر متشابهات وقوله تعالى كتابا متشابها مثانى تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم وقوله تعالى
من
11011 (2/150)
صفحة 347
من
الامه
قل فأتوا بمثله والذكر هو القرآن بتغير شك لقوله تعالى حكاية عن الكفار يا ايها الذي انزل عليه الذكر انك المجنون وقوله تعالى انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون وقوله تعالى انا نزلناه قرآنا عربيا والذكر الذي انزل هو القرآن بلاشك وقوله تعالى ردا على الذين قالوا اساطير الأولين وشاعر مجنون بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ ووجود الشيء فى الشيء من دلائل الحدث وسمات الخلق باتفاق فكل ما علم وجوده بعد ان لم يكن وجب حدوثه وكلما وجب حدوثه فهو مخلوق بغير شك وبالضروة علم وجود القرآن بعد إن لم يكن وكما علم وجوده بعد إن لم يكن بالضرورة علم حدوثه وكما علم حدوثه بالضرورة علم ان كل محدث مخلوق وهذا لا يخفى على احد ولا يجهله من له أدنى معرفة واقل تمييزا اذ لافرق بين المحدث والمخلوق ومن ادعى غير ذلك لزمه الدليل والدليل على ماقلناه ان الاشياء على وجهين لا ثالث لها محدث ومحدث فالمحدث بكسر الدال هو الخالق والمحدث بفتح الدال هو المخلوق لانه احدثه بحدثه فهو محدث بكسر الدال والشيء احدث فهو محدث بفتح الدال نظيره اخرج يخرج فهو مخرج الحى من الميت ومخرج الميت من الحي فهو مخرج ثم ان الاستثناء على وجهين قديم محدث فالقديم على وجهين قديم على الحقيقة وقديم على المجاز فالقديم على الحقيقة هو البارى سبحانه لا اول ولا آخر والقديم على المجاز هو الشيء يمر عليه زمان طويل ويعمر يسمى قديما مجازا لطول عمره والمحدث هو المخلوق وينقسم على ثلاثة اقسام جواهر واعراض واجسام والاجسام قسمين جماد و ناطق ومنها ايضا حي على الحقيقة وحى على المجاز فالحى على الحقيقة كالحيوان الذى لهذه النفس السائلة والحى على المجاز هو النبات الرطب من الاشجار وغيرها وليس هذا بمقصود انما جرنا اليه ذكر الحقيقة والمجاز ثم نرجع الى الصفة والموصوف قالوا لهم وان قلتم ان الصفة غير الموصوف اخبرونا ما هي عندكم اقديمة ام محدثة فان قلتم انها قديمة مع انها عندكم غير الموصوف فاثبات القديمين كفر محض وان قلتم انها محدثة فتعالى الله ان تكون صفاته محدثة اذا لو كان الامر كذلك لكان جاهلا قبل ان تحدث اليه صفاته التي العلم وكذلك جميع صفاته تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ثم قالوا لهم واما قولكم في المخلوقات انها على ثلاثة اقسام جواهر واعراض واجسام فقد صدقتم
هي
-101 - (2/151)
صفحة 348
اكثر من
و كفى دليلا على ان هذا القرآن عرضا اتفاقنا واياكم على كونه في صدور الذين أوتوا العلم وفى اللوح المحفوظ واما قولكم فى الاعراض انها تفنى في الحال فغير مشتغل فى سائر الاعراض لكن منها ما يفنى فى الحال الثانيه وما لا يفنى الا بفناء محله فالذي يفنى في الحال الثانية كالاصوات من الطبول وغيرها والذي لايفني ما بقى محله كالايمان والكفر والعدل والجور ولا نشك انها مخلوقة وانها اعراض وانها باقية حال والقرآن من ضرب هذه الاعراض الباقية أكثر من حال وهذا ظاهر بين جدا ثم قالوا لهم وأما قولكم لم يخل ان يخلقه الله فى نفسه او في غيره او قائما بنفسه لا في شيء آخر فاما خلقه اياه في نفسه او قائما بنفسه لا في شيء كما ذكرتم مستحيل واما كونه فى غيره فهو اللوح المحفوظ بغير شك ولا اختلاف في ذلك الدليل على قولنا من الكتاب والسنة والاجماع اما الكتاب فقوله تعالى قرآن مجيد في لوح محفوظ واما السنة قوله لعل الله اول ما خلق الله القلم وقال له اكتب الحديث و من غير الكتاب مما اورده عثمان بن ابى عبد الله الاصم النزوى العماني في كتاب الفردوس قوله اول شيء خلقه الله القلم. فليس ذلك كذلك الا ان القلم فى الهوى خلق وفى الوقت خلق وبعد الجوهر لفرد خلق كل هذا قبل القلم قوله تعالى للقلم اكتب فقد انكر من انكر هذا وقال ان الله لم يقل للقلم قولا وانما اراد ان يكتب القلم كما شاء الله ان يكتب من غير الله من رجع الى الكتاب واما الاجماع فلا اجد من يخالف في هذا الذي ذكرناه واما قولكم يكون للمحل فيه اختيار واكتساب وتنسب اليه واستدلالكم باختيار الشاعر واكتسابه الشعر الذى خلق فى قلبه وانه منسوب اليه ليس بدليل لان الشعر ليس الشاعر اخرجه من العدم الى الوجود وانما اخرجه من العدم الى الوجود الله سبحانه وانطق به بلسانه الشاعر الا ترون انه لو خلقه اخرس هل يختار او يكتسب فيتكلم وايضا قد جدنا كثيرا من الناس لا يقولون الشعر مع كثرة ما حفظوه من العربيه وهم مع ذلك يتمنون ان لو قالوه فدل هذا على ان لو خلقه وركب فيهم تلك الغريزة لفعلوا ماكان في خلقهم ضرورة والله تعالى خالق كل شيء والدليل على ذلك قوله تعالى وما علمناه الشعر وما ينبغى له فأصناف التعليم الى نفسه وقول القائل قال الشاعر مجازا لاحقيقة اذ ليس للشاعر في ذلك
قول
من
خلق
1101 - (2/152)
صفحة 349
ولا اختراع وانما خلقه الله تعالى واخترعه وانطق به لسان الشاعر واما الاختيار والاكتساب فقد يكون العارض يعترض الشيء وليس له فيه اختيار ولا اكتساب وهذا ممكن فى المعقول وموجود في المحسوس كثيرا اذا طلب يركب الله فيه ماليس له فيه من اختيار ولا اكتساب كعارض الشيب يقال شاب فلان وليس له في ذلك اختيار وانما فعل به ذلك الله ربه فنسب اليه على المجاز لا على الحقيقة وكل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا واما ماذكرتم من قوله تعالى انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون فقوله عز وجل عندنا على وجهين قوله الذي هو كلام الذى هو صفته ومعناه نفى الخرس عنه سبحانه لم يزل متصفا بذلك في الازل والحال فذلك غير مخلوق وبه يقول للشيء كن فيكون سبحانه كيف يشأيكون مايشاء وقوله الذي هو فعل من افعاله وهو هذا القرآن الذي وصفه بصفة الخلق من الاتصال والانفصال والتبعيض والتشابه والتماثل ولا يكون من صفة المحدث المخلوق من ذلك قول تعالى ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم وقوله آيات بينات وقوله فصلت آياته وقوله آيات مفصلات وقوله يدبر الامر يفصل الآيات وقوله كتابا متشابها مثانى وقوله في غير القرآن مشتبها وغير متشابه وقوله فأتوا بسورة من مثله ومثله قوله في غير القرآن مثل الجنة التي وعد المتقون اكلها دائم وظلها وغير ذلك من الاى كثيرة واما قوله فأجره حتى يسمع كلام الله وقوله وكلم الله تكليما فان قلتم ان الكلام هو موسي الذى أدرك السمع وصار السمع مفعولا وصار الكلام فاعلا فقد كذبكم القرآن واللسان الذي تعلم به هذه الشريعة لقوله تعالى حتى يسمع فالكلام مفعول به والسمع فاعل لان الكلام مسموع والسمع سامع لانه هو الذي سمع الكلام وادركه ومستحيل ان يكون ماليس بمخلوق مفعولا به وهذا ظاهر عند
ذلك الا
جميع
كلام
الله
من أن
العقلاء ممن يعرف اللسان الذي هو معيار هذا الشرح عصمنا الله يشتبه علينا فنتبع اهواءنا بغير هدى منك قالوا لهم فان قلتم ان السمع هو الذى بلغ الكلام وادركه فمعلوم بالضرورة ان السمع مخلوق ومعلوم بالضرورة ان المخلوق لا يدرك الا مخلوقا مثله مما لا يدفع لاحد في هذا المعنى واما كلام الله تعالى لموسى عليه السلام فقد كلمة كيف شاء وكيف اراد لكنا نقول لايخلو حين كلمه ان
1107 - (2/153)
صفحة 350
يكون امره او نهاه فان كان امره او نهاه فالامر والنهي يقتضيان التكليف والتكليف
مستحيل بالمباشرة من الله عز وجل والمستحيل لا ينتقل الى الواجب ولا الى الجائز لاستحالة انقلاب الحقائق وان قلتم انه لم يامره ولم ينهيه فمعلوم انه امره ونهاه لقوله تعالى فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين وقوله وأمر قومك ياخذوا باحسنها وقوله انظر الى الجبل فان استقر مكانه فسوف ترانى فاذا ثبت انه امره ونهاه وثبت ان التكليف مستحيل بالمباشرة من الله عز وجل فقد الآن أنه كلمه كيف شاء
صح
وكيف اراد بالواسطة وهذا ايضا بين ظاهر قالوا لهم فاما انكار كم كون المجعول مخلوقا وانه بمعنى النسب لا بمعنى الخلق فانه قال تعالى الحمد لله الذي خلق السموات والارض وجعل الظلمات والنور ولا يشك احد في خلق الظلمات والنور وكذلك قوله انا جعلناه قرآنا عربيا معناه خلقناه واما قولكم انه غير متناه ولا فان فقد اعلم تعالى نبيه محمدا عليه السلام انه لو شاء الذهب بالذي اوحي اليه لقوله ولئن شئنا لنذهبن بالذى أوحينا اليك وكيف يتصور في عقل عاقل ان يذهب بما ليس بمخلوق اذ ليس الا الخالق سبحانه والمخلوق فالخالق باق و المخلوق ذاهب وفان وأما قوله تعالى الاله الخلق والامر فقد صدق سبحانه له الخلق والامر اراد سبحانه انه لا شريك له فى ملكه ولا امر يامر خلقه بالطاعة وينهاهم عن المعصية سواه لانه اراد التفريق بين الخلق والامر ويكون الامر بمعنى الفعل كقوله تعالى ذلك امر الله انزله اليك بمعنى القرآن فلما قال انزله علمنا ان المنزول لا يكون الا مخلوقا لانه ينزله إنزالا والمصادر لا تكون الا فى المخلوق خاصة وهذا واضح الا من اراد أن يجادل بالباطل ليدحض به الحق وكلمة الله العليا والله هي عزيز حكيم واما ابن حنبل فقد ضرب المثل للقرآن واصطلح فيه مع نفسه وسامحا وسامحته وقاس القرآن بالاثواب الخمسة احدها اخضر وباقيها حمر وزعم ان من قال انها حمر فقد كذب وذلك بزعمه لكون الثوب الواحد فيها اخضر ثم حاد عن العدل والانصاف وقال من قال انها ليست حمرا فقد صدق اليس يلزمه ان يقول من قال انها خضر فقد صدق لانها اذا لم تكن حمرا فقد وجب ان تكون خضرا يصح نفى الصفة عن الشيء الا بثبوت ضدها في المحل لكنه اضطر فأجاب جواب الحيرة وظن ان خصمه يسلم له مع ذلك هيهات ليس للانسان كل ماتمناه
اذلا
-108 - (2/154)
صفحة 351
هو
ولا يبلغ بغيته بهواه ولا تثبت قولته بدعواه وتبين محاله وفساد قوله في نفس كلامه لان الاثواب الخمسه اذا كانت اربعة منها حمر وواحد اخضر فالذي قال انها حمر الصادق والدليل على ذلك تسمية العرب الشيء بمعظمه وتغليبه الاكثر على الاقل وهذا صحيح لاشك فيه ومثال ذلك جميع الانواع الشايعة في جنسها المشتركة فى الاحكام العامية اذا كان مع الاكثر منها الاقل من غيرها عبرت عنها بالاغلب والاكثر كأربعة من الضان اذا كانت معها معزة واحدة بالضرورة يعلم ان من عبر عنها بالمعز فقد كذب فمن عبر عنها بالضان فقد صدق وكذلك القمح إذا كان فيه اليسير من الشعير والشعير إذا كان فيه اليسير من القمح على هذا الحال فإن احتج محتج فقال، وجدنا العرب تعبر عن جميع المؤنث إذا كان مذكر واحد بالتذكير قيل له تعبرها عنه بالمذكر على المجاز لا على الحقيقة لفضل المذكر على المؤنث والحكم للحقيقة والمجاز عارض ولا حكم للعوارض وإلا فالاصل للموضع عندهم تغليب الاكثر على الاقل والتعبير عن الشيء باغلب اجزائه مع ما أنه ليس هنالك مما توهمه ابن حنبل شيء إلا ان الله تعالى ليس هناك بذاته وانما هناك ذكر اسمه وذكر صفته واما القرآن فليس لكونه علم. الله ما يخرجه عن جملة المخلوقات إذ ليس بعلم الله الذي صفة من صفات ذاته وانما هو علمه الذي هو فعل من افعاله وخلق من خلقه خلقه دليلا لعباده ليستدلوا به على وجوده ويعرفون به
جلاله وعظمته
هو
معه
نشاء من
و الدليل على ماقلنا قوله تبارك وتعالى وكذلك أوحينا اليك روحا من امرنا ماكنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من عبادنا وقوله أو من كان ميتا فاحييناه وجعلنا له نورا يمشى به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها كنى عن العلم بالنور وعن الجهل بالظلمات عز وجل وليس في تسميته اياه بالعلم ما يمنع ان يكون مخلوقا الا تراه سمى عيسى روحه وكلمته عليه السلام القاها الى مريم وهى مع ذلك مخلوق وكذلك كلامه وعلمه اللذان هما القرآن لانهما ليس كل واحد منهما بصفة ذاته على الحقيقة سبحانه فالكلام الذي هو القرآن ليس بكلامه الذي هو نفى الخرس عنه بدليل وصفه اياه
11007 (2/155)
صفحة 352
بصفة الخلق وكذلك العلم الذى هو القرآن ليس بالعلم الذي هو معناه نفى الجهل عنه بدليل وصفه اياه بصفة الخلق ايضا فى قوله وكذلك أوحينا اليك روحا من امرنا الى قوله وكذلك جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وفى قوله وجعلنا له نورا يمشى به فى الناس والعلم نور القلب خلقه الله واسكنه قلوب من اراد من عباده والجهل ظلام فى القلب خلقه الله تعالى واسكنه قلوب من اراد الله عند خلق الخير والشر فامر بالخير ونهى عن الشر
هدايته
ضلالته من عباده وكل من
ولا يفعل الخير ولا الشر احد الا بقضائه وقدره قال الشاعر:
نہي الرحمن عن فعل المعاصى وقدرها واوعد بالقصاص
فهذى حيرة قد حار فيها ذوو الالباب من بر و عاصي
والدليل على ان هذا القرآن ليس بعلم الله الذي هو صفة من صفات ذاته
الذي معناه نفى الجهل عنه قوله تعالى لكن الله يشهد بما انزل اليك انزله بعلمه والملائكة يشهدون فاخبر تعالى ان هذا القرآن وان كان علما انزله بعلمه الذي معناه نفى الجهل عنه وفرق بين علم الذات والعلم الذي هو فعل من افعاله الذي خلقه وجعله لنا نورا نبصر به ودليلا نستدل به وان كان منسوبا اليه تعالى فكل شيء له ومن عنده لانه هو المخرج لجميع الاشياء من العدم الى الوجود كما ان عيسى صلى الله على محمد وعليه السلام روحه وكلمته وهو مع ذلك مخلوق بلا شك قال المؤلف قد ذكرت ما امكننى ذكره من احتجاج الفريقين وما لم اذكره فإن الناظر الحاذق يستخرجه ويستنبطه مما ذكرت وعلى قدر سؤال السائل واحتجاج المحتج يكون جواب المجاوب هذا مع اعترافى بقلة معرفتي ورغبتى الى من وقف على هذا المكتوب ووقف منه على شيء من الغلط ان يصلحه لوجه الله تعالى ويستر ما بدا العوار والخير اردت وبالله التوفيق ولا حول ولا قوة الا به وفوق كل ذى
له
من
علم عليم وصلى الله على محمد نبيه الكريم
-107 - (2/156)
صفحة 353
رحمه
سلمه الله
عبدالکافي
بسم
الله الرحمن الرحيم
جواب رسالة الشيخ الفاضل ابى محمد عبد الوهاب بن غير الانصاري الى الشيخ الفاضل ابى محمد الفقيه الاوحد والامام الزاهد عبدالكافى بن ابى يعقوب الله عليه وصل كتاب الشيخ الفاضل ابى محمد عبدالوهاب بن غير الانصاري ورعاه الى الشيخ الفاضل الفقيه الاوحد الامام الزاهد الحاج ابى محمد ابى يعقوب ادام الله توفيقه وتسديده ونسأله سؤال مسترشد عما بن اختلف فيه المتكلمون من الوعد والوعيد والثواب والعقاب ماهما أواجبان على الله تعالى ام لا والثواب عند الاشعرية غير محتوم به ولا جزاء مجروم وانما هو فضل من الله والعقاب لا يجب ايضا فالواقع عدل من الله تعالى وما وعد من الثواب أو توعد من العقاب فقوله الحق ووعده الصدق واعلم يا اخى ان الكتاب قد وقف عليه الشيخ عبدالكافي الله فصدف ذلك ايام الهزاهز والحركات كما لا يخفى عليك وانت في الاقليم الأول آمنا مطمئنا وهو في الاقيليم الثالث خائفا مترقبا فطعن في بطنه عند ذلك وقد تكفل لك بالجواب بعض تلامذة الشيخ رحمه الله الموفق للصواب والهادى الى الرشاد اعلم يا اخى ان مثل هذه الامور لا يتوجه الجواب فيها الى مسلك الحق بلسان الصدق الا بعد احكام ثلاثة معان احدها معرفة حدود الكلام والثانى ايضاح حقائق المعانى والثالث البرهان الصريح الصحيح اما سؤالك عما اختلف فيه المتكلمون فى الثواب والعقاب والوعد والوعيد الخ.
رحمه
اعلم ان الله تعالى لا يجب عليه شيء وجوبا ولا ايجابا لانه ليس فوقه احد واما ان يجب عليه في كرمه وجوده أو في حكمه وعدله فنعم قال عز من قائل وكان حقا علينا نصر المؤمنين ثم قال لا تحرك به لسانك لتعجل بة ان علينا جمعه. و قرآنه وقال وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر واعلم ان اصل الثواب والعقاب والوعد والوعيد مرتبط وقوعهما بوجود المكلف المطلوب فإذا كان ليس من
الحكمة بعد
1101 - (2/157)
صفحة 354
وجود المكلف اهماله وارساله من غير ماتكليف ولابد من تكليفه بمقتضيات الحكمة ونفى السفه والعبث والباطل عن البارى سبحانه لا يتصف بشيء منها ولا يقاره فعند ذلك علمنا انه لابد من وقوعهما أو وقوع واحد منهما عقلا وشرعا واما من جهة العقل فما قدمنا من ان البارى سبحانه لن يترك فنون الشر والفساد والمنكر والكفر ولما يزجر عنها فلو سوغنا ذلك عليه لسوغنا عليه الامر بها والدعاء اليها والمثوبة عليها والمدح لها وعلى ضدها من الخيرات القويات وهو غاية السفه والعبث والمنكر والجور تعالى الله عن ذلك علوا كبيراً واما من جهة الشرع فقول عز وجل ماخلقنا السموات والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار هذا الوعيد الشديد.
الله
والتهديد الوكيد بالظان فما حال المقترف المريد ولا نقول ان الثواب والعقاب واجبان على الله تعالى الا بعد تقييدهما الى الحكمة لموقع التكليف ولا يرتبط بهما ولا باحدهما لاداء ذلك الى عين المباح واستواء الفساد والصلاح ولكني اقول ان الوعد والوعيد يتعاقبان ويتناوبان على المكلف تعاقبا لا ينفك منهما أو من أحدهما فان كان على خلقنا فلابد منهما جميعا ولا يصلح ولا يليق الا ذلك وهو الاليق بنا والاصوب فينا ولو بدل البارى سبحانه الخلقة وغير الصورة لاجتزا باحدهما عن الآخر ولكان الثواب ينوب عن العقاب لان حرمان الثواب عقاب ولكان العقاب ينوب عن الثواب لان السلامة من العقاب من افضل الثواب لكن للمولى على عبده تكليفه وابتداله فإن امتثل العبد فليس له على المولى ثواب وان اهمل العبد فللمولى العقاب الا ترى فى احدنا مهما كان له على الغير دين فالواجب على المديان اداء الدين وليس له على غريمه ثواب وله ان مطل العقاب فإن لصاحب الدين مقالا فلو خولنا الله تعالى عبيدا لا محتاج الى غذاء ولا نائبة لوجب عليه امتثال أوامرنا وسقطت عنا اجرتهم ومثوبتهم واما قولك وذهب قوم الى ان الثواب حتم. تعالى والعقاب واجب على مقترف الكبيرة إذا لم يتب منها اعلم ان القول قد تقدم في الوجوب والايجاب ولن يخفى عل من له ادنى بصر الا امرء قانع بالقشر دون. اللباب وراض بالالفاظ دون المعانى لا ايجاب على الموجب والحكمة تقتضى الوجوب واما تعظيمه وقوع العقاب على كبيرة و احباط الطاعات بها إذا كانت عن
عند
الله
11011 (2/158)
صفحة 355
زلة واحدة فليس ذلك بعظيم عند من له العقاب وليس عليه الثواب وانما علمنا بالثواب من جهة الخبر وكذلك العقاب من جهة الايعاد والخبر ولو شاء ان يسقط الثواب على الطاعة ويثبت العقاب على المعصية لفعل فإذا وقع العقاب انبطل الثواب وبفضله اسقط العقاب على الصغير إذا لم يقترن بالكبير واما قولك وان كان الثواب والعقاب متنافيين فليس الثواب بان يحبط أولى من العقاب بان يسقط والشرع يدل عليه وعلى درء السيئات بالحسنات فاحباطه السيآت حق وقد قال الله عز وجل ان الحسنات يذهبن السيآت فالايمان اجل اعمال العبد واعلاها وهو ثابت والطاعة ثابتة ومصدر الطاعات التوحيد الذى لا يتم عمل العبد الا به ثابتة على حقائقها والاصرار على الكبيرة لو كانت تدرأ به الطاعات لكانت تنافي صحتها كالردة ومفارقة الملة فنقول والله الموفق للصواب
اعلم ان الناس اختلفوا في الكبيرة على ثلاثة اقوال من قال ان الكبيرة متوعد عليها بشرط ان يقارنها الشرك والا فلا وعيد وهذا قولى المرجئة الذين يقولون ان امة محمد عل الله لا تعرض على النار فان التوحيد لا تصح معه عقوبة معصية كما لا يصح مع الشرك مثوبة طاعة فابطلوا عقاب كل معصية قارنت التوحيد وقصروا الوعيد على الشرك وما قارنه كما قصرت الامة عقاب الصغير مع مقارنة الكبير والا فلا عقوبة على الصغير إذا لم يقارنه الكبير فليت شعري هل اباحوا المعاصى مع التوحيد أو هي على حرمتها ولامر ما قارنهم رسول الله الله بالقدرية حين لاشوا
قاعدة المعصية
•
والثانى قول من قال ان الكبيرة معصية متوعد عليها، وغير مقطوع بالشهادة عليها فإنه مشكوك في راكبها ومآلها ومرجعها الى المشيئة ان وقع عليها عقاب فالمشيئة وان سقط عنها فبالمشيئة لاغير وليس للوعيد عليها تأثير
والثالث بانفاذ الوعيد فى كل كبيرة قارنها الاصرار وعازت التوبة وما شاكلها الحسنات والمصائب والشفاعة وقطعوا انها فى علم الله حتم ان العبد ماخوذ بها ومعاقب عليها ومبطل جميع ثواب طاعات راكبها ومخلد في النار وليس في غيب
من
-109 - (2/159)
صفحة 356
علم الله.
على
معني
يكفر به الخطايا غير ما اشار به القرآن والسنة إذ لا يجوز التلبيس الله عز وجل كما قطعنا واياهم وقضينا على الشرك ان ليس عند الله شيء اخفاه عنا يكفر به الشرك الا تركه والخلو منه فالأول قول المرجئة والثاني قول الاشعرية والسنية والثالث قولنا ومعتقدنا وقول جميع الاباضية والخوارج والقدرية ونحن نفرد لهذه الثلاثة فرق بابا ننبه فيه على صواب المصيب وخطأ المخطئ وللاحباط والاسقاط أيضا بابا بعد تتبعنا نكت الرسالة ان شاء الله ولا حول ولا قوة الا به اما تشنيعه في احباط عمل العبد بزلة واحدة قلنا وبالله التوفيق ان العبد إذا اتى كبيرة من الكبائر واصر عليها وامتنع من التوبة عنها واعتقد ان لايفارقها وان يلاقي الله عز وجل بها فليس بمحال ان يرد الوعيد باحباط جميع اعمال العبد من إذا وقع الشرك على ذلك وقد اشار صاحب الرسالة أولا ان الثواب فضل على قول بعضهم وأيدنا مذهبه في ذلك لا وجوب ولا ايجاب على البارى سبحانه فإن شاء أوجب الوعيد على خصلة واحدة وابطل بها طاعات كثيرة لان الثواب فضل ولو شاء لابطل الثواب من أول هلة ولو لم تكن. معه معصية وقد تقدم المثلان في المديان والغريم فى العبد والمولى الا ترى الى الناس يقولون الكرا موصل وقد قال عز وجل حيث يقول أوفوا بعهدى أوف بعهدكم فمن لم يوف بعهد الله فلا عهد له ومن العجب ان الوعد ورد في القرآن مجملا وورد الوعيد مفصلا ونص في الوعيد انه لا يبدل القول لديه فيه ولم ينص في الوعد
الطاعة
قال الله عز وجل «لا تختصموا لدى وقدمت اليكم بالوعيد مايبدل القول لدى وما انا بظلام للعبيد) وجل المعاصى وقد وردت فيها النصوص ان راكبها من أهل النار ولم يرد في آحاد الطاعات ان فيها الجنة فمن تأمل ذلك فلسنا نتصرف على الظاهر الا بدليل وان كان في مقدورهم ان يجمعوا بين الوعد
وجده
كذلك
من
والوعيد فمن جمع بين الطاعة والمعصية فليفعلوا وليقضوا بمن كان في الجنة انه اهل النار وبمن كان في النار أنه من اهل الجنة معا في حالة لكنهم استخرقوا مخرجا حين أوجبوا خروج اهل النار من النار بعد ما امتحشوا وان ارادوا وجه عولوا على ان راكب الكبيرة فى النار والا اغتر كاغترار سلفهم في محمد عليه
الحزم
-17.- (2/160)
صفحة 357
السلام قال الله عز وجل قل ارايتم ان كان من عند الله ثم كفرتم به من اضل ممن
هو في شقاق بعيد وقوله انما اعظكم بواحدة الآية كلها.
•
اما الاحباط والاسقاط فقد ورد في الشرع فلسنا ننكرهما فاما اسقاط المعاصى فالذي جعله الله في التوبة وفى الحسنات وشفاعة المصطفى والشهادة وعفو الله أكبر لكن ليس ذلك للمبتدع ولا للمصر واما احباط الطاعات فقد جعله الله تعالى في قضائه بالنار على راكب الكبيرة فعلمناه استقراراً ضرورياً استخراجا ونصوصا وعموما وخصوصوا ويتضح ماقلنا ان شاء الله إذا صرنا إلى بابي الاحباط والفرق الثلاث واما قوله فى مقاومة المعصية للتوحيد في بطلان الطاعة مع الشرك فليس للمعصية فى ذلك فضل على الطاعة حين تقاوم المعصية التوحيد ولا تقاوم الطاعة الشرك فلو كان ذلك كذلك لوجب الثواب للمشرك على طاعته التي قبل الشرك لانها صحيحة حتى تقصت ومضت وكما ان التوحيد يسقط معاصى كثيرة إذا ورد على الشرك وان رجعت الى حقيقة المعنى فالاحباط والاسقاط محال في امر قد تم ومضى ودرج وانقضى وانما الاحباط والاسقاط فى الثواب والعقاب لا الطاعة والمعصية وليس في افتراقهما ان تاثبتت مع التوحيد وتاتبطل مع الشرك ما يبطل حكم الوعد أو الوعيد الا يشرع مؤتب فلو اردنا مغالطتهم في ان الايمان يقاوم الشرك لقلنا قال الله عز وجل وما يؤمن اكثرهم بالله الا وهم مشركون وانما يتناوب الثواب والعقاب فإذا كان الثواب فلا عقاب وإذا كان العقاب فلا ثواب وكذلك الاحباط والاسقاط ومعقول الخليقة ان من اطاعك في عشر وعصاك في
واحدة انه عاص ومن عصاك فى واحدة واطاعك في عشر ليس بمطيع.
فالمعصية تلتاط في خصلة واحدة ولو كانت الطاعة والطاعة لاتلتاط الا بجميعها وتبطلها والتسمية بها معصية واحدة فإن قال قائل ان الوعد والوعيد خبران على الحقيقة بخلاف الامر ولا يجوز الخلف في احدهما لأنهما عمومان جاريان على عمومهما ولا يكون الخبر بخلاف مخبره ان ذلك لا يجوز عند الاصوليين بخبر الله تعالى الجواب اعلم انا والاشعرية على اسلوب واحد لاخلف بيننا ارحم يامر لا يضرنا ولا ينفع غيرنا ثم قال وهل يجوز ان يخبر بما لا يريد أو لا
-171 - (2/161)
صفحة 358
يخبر الا بما اراد في الازل بخلاف الامر لان الاشعرية ذهبوا الى الله تعالى يامر بما لا يريد لان الله تعالى امر رسوله ان يامر ابا جهل وغيره من كفار قريش ان يؤمنوا فلم يرد منهم الايمان واخبرهم انهم لا يؤمنون الجواب ان هذه المسئلة والتي قبلها سواء نحن واياهم على ما احبوا ثم قال فإن احتج من يقول بانفاذ الوعيد ويقول كما لا يجوز الخلف فى الوعد كذلك لا يجوز في الوعيد بعموم الارادة ويحتج بقوله الآية وبقوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا تعالى ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم فجزاءه جهنم بقوله وانى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا وبقوله والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر الى قوله إلا من تاب وهذه الاستثناءات كلها لمن تاب ولمن لم يتب فهو باق على عموم الآيات المتقدم ذكرها ثم قال فإن قال الاشعرى جميع ما استدللتم به فهو متنقض الجواب وبالله التوفيق.
وأما قول من ينفذ الوعيدان الخلف لا يجوز على الوعد ولا على الوعيد فصادق فما قوله هو فإن عول على خلف الوعيد قلنا بل الصحيح خلف الوعد وكذلك فى الوعيد فإن عول على ان ليس فى احدهما دون الآخر خلف فليفهمهما جميعاً على اسلوبهما فيقع التضاد لكن قولنا لا يجوز فيهما الخلف جميعا لانهما من الصادق لا لانهما مرادان وليس فى الارادة ما يمنع الخلف ولا ما يجيبه إلا ترى الى الحسن والقبيح والكذب والصدق تجرى عليهما الارادة ثم لا استواءهما وهما مختلفان واما قوله فى الادلة التى استدللنا بها انها منتقضة علينا ثم لم
خبران
هي
يوجب
يوضح معنى يدل على انتقاضها علينا فهذه دعوى بلا برهان فإن اراد ان ما استدللنا به ابدا منتقض فنحن ضد الصحيح إذا وان اراد الآي. المنتقضة ليست بصحيحة فيحسبه وذلك بينه وبين ربه ونحن قصرنا هذه الآي على التائب فإن شاء فليقصرها على المصر الخائب واما قوله وما استدللتم به من المعمومات فتعارضها بمثلها فتعارض عمومة بمثلها حتى يموت الاعجل ثم قال إذا سلمنا القول بالعموم فكيف والقول بالعموم عندنا باطل لان العموم لا صيغة لها عندنا قضيت الحاجة ونحن نسلم لهم ان لا صيغة للعموم وزيادة الاخبار وان ارادوا من وراء ذلك ان نسعفهم ان لا صيغة للكلام قلنا فمن اين لهم معرفة شيء من مراد الله تعالى او
-197 - (2/162)
صفحة 359
مراد رسوله عليه السلام أو مراد احد من الخلق ان ابطلوا الصيغ شعر وعيرني الواشون انى احبها وتلك شكات ظاهر عنك عارها أردوا الهروب من اثبات شيء عليهم بابطال الدنيا وحصلت في أيديهم السفسطة وان ابطلنا نحن واياهم العموم قلنا نحن مرجع الى الخصوص ليست لهم قل معصية الا ودل الله تعالى عليها بالوعيد والتحريم نصوصاً أو خصوصاً وقلما يجدون طاعة نص ا الله عليها أو خصها بدخول الجنة فإن ذكر الاسلام ذكره بالوفاء والمعاصى باللفاء وأعظم معولهم على هذه الآية أن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء وهذا نص فى موضع النزاع فنقول ياسبحان الله اعياه العين واجتزا بالاثر وقد قالت الاعراب لا اطلب اثر بعد عين وقالوا هو اجتزى بالاثر عن العين واى فائدة له في قول الله عز وجل الله لا يغفر ان يشرك به الآية بعد ما قال في العموم ما قال جنف عن النص ثم عن الخصوص ثم عن العموم ثم عن المجمل فلم تنته هزيمتهم دون البحر فلم ينتهوا هم ايضا بعد تخطى هذه المعاني المذكورة حتى اورطوا انفسهم فى المشكل ان هذا لهو العمى والضلالة والردى الذى اشرنا اليه أول مرة ان الاشعرية معولهم على الهروب من الواضح الى المشكل ومن المفسر الى المجمل مثل خفافيش إذا رأت تعمى وإذا صأضأت تبصر ولو شئنا لقلنا على اثر قولهم هذا نص في موضع النزاع فنقول هذا النزاع الذى سمعت به في موضع النص ايها الرجل ثم قال ولا سبيل لهم الى حمل الآية على التوبة من وجهين احدهما ان قبول التوبة حتم ولا يفيد تعلق المغفرة بالمشيئة والثاني أنه تعالى فرق بين الشرك وبين ما دونه فالتوبة عن الشرك تحبطه وتجبه كما ان التوبة عن المعاصي تسقط اوزارها فالجواب قوله قبول التوبة حتم فمن اين علمه امن المنصوص ام من العموم فإن يك نصاً فهاته فإن كان من جهة العموم والعموم لا صيغة لها ولو قلنا ان قبول التوبة حتم لما خرجت من المشيئة. ولكن ذاك الى الله تعالى ولو شاء لم يجعل للمعاصى مخرجا وان كان فما التوبة بخارجة من المشيئة ولا شيء خارج من مشيئة الله تعالى وماذا عليهم لو زدنا امورا تشملهم المشيئة مع التوبة وما فى هذا باس وهي الحسنات والمصائب وشفاعة
وهو
-137 - (2/163)
صفحة 360
خص
المصطفى والشهادة فهذه الامور هى التى اذن بها الله تعالى لنا في المشيئة فإن قالوا ان الله تعالى أخفى عنا أشياء يكفر بها الخطايا وهى نفس المشيئة وادرجه في المشيئة قلنا ولعل للشرك امثالها واما قوله فمن يعمل مثقال ذرة خير يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره فى اخوتها ثم قال فإن قال قائل هذا لمن تاب قيل له الخروج عن الظاهر بلا دليل خطا وتعليق التوبة بالآية لم تؤخذ لا ظاهراً ولا مضمراً. الجواب اعلم ان مذهبه هذا عول فيه على هدم قاعدة من قواعد الشرع وذلك أن الله تعالى إذا اجمل امر فى موضع فسره فى موضع قضينا بالتفسير على المجمل وكذلك إذا عم شيئاً ثم قضينا بالخصوص على العموم وبالنص على المحتمل وهذا دأب القرآن قال الله عز وجل في الملائكة يستغفرون لمن في الأرض ثم قال ويستغفرون للذين آمنوا فرجعنا بالاستغفار الى المؤمنين قال الله عز وجل فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ثم قال حرمت عليكم امهاتكم وبناتكم الآية كلها كذلك القول فيما ملكت اليمين فلو لم يقض بالخاص على العام وبالنص على المدمج وبالتفسير على المجمل لتبطلت الاحكام وابهمت المعاني وكذلك قوله اقتلوا المشركين كافة ثم قال فى اهل الكتاب حتى يعطوا الجزية وفي نهيه الا الله عن قتل النساء الكوافر وقال عز وجل احلت لكن بهيمة الأنعام وحرم بهائم الناس وأى بيان وأى مضمر بعد قول الله عز وجل وتوبوا إلى الله جميعاً ايها المؤمنون لعلكم تفلحون وقوله عز وجل انما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب وقوله عز وجل وليست التوبة للذين يعملون السيات حتى إذا حضر احدهم الموت قال انى تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار فإن اجمل شيئاً قضينا عليه بتفسيره ان طرا في موضع آخر وعلى العام بالخاص وعلى المنسوخ بالناسخ وقد علمنا ان الآيتين فيمن عمل خيراً أو شراً ثم تاب أنه من أهل الجنة ومن عمل شراً وخيراً ثم اصر انه من اهل النار والا فيستحيل انسان واحد اجتمع فيه الخير والشر ان يكون في الجنة والنار معا ولا سبيل لهم الى تغليب شيء من الوعد الا ولنا مثله فى الوعيد غير انا فزنا بالمخرج وفازوا هم بالاغترار ثم قال فإن قال قائل ان في قوله عز وجل ومن يقتل مؤمنا متعمداً الآية انها من أدوات الشرط من
لفظة
-198 - (2/164)
صفحة 361
لأن لفظة
من
فوجب ان يكون مستغرقا لجميع المجازين فإن قيل هذا لا نسلم لهم وان ورد مورد الشرط فلا يكون مستغرقا الجميع ما ورد فيه لان الشاعر قال:
و من لا يذد عن حوضه بسلاحه
يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم
وليس كل من لا يظلم الناس يظلم وهذا موجود كثير اعلم ان الشاعر الذي
كنى عنه هو زهير بن ابي سلمى صاحب المعلقة وحكم العرب في الجاهلية وراسهم لكنه مشرك يعبد الأوثان فكيف يستجيز لمن يحكم عنهم ويجعله قدوة في امر قد يكذب فيه مثله وقد كذب على الله عز وجل فكيف لا يكذب في اخباره. وانما ينسب الى زهير معرفة لغة العرب ومعرفة ميزان الشعر بشرط الا تأخذ عليه العرب في لغتها فإن تصدى الى اخبار فليس ذلك بمقبول منه فلو صدق فيما قال لصدقناه في قوله حيث يقول:
يعص
سئمت تكاليف الزمان ومن يعش ثمانين عاما لا ابا لك يسأم ولشككنا في قول الله عز وجل ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيراً كثير او من الله ورسوله ومن يطع الله ورسوله ون يكفر بالايمان فقد حبط عمله ومن يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وقوله ومن يتوكل على الله فهو حسبه وتقع الشكوك في مثل هذا فنصبح وليس في ايدينا من كتاب الله شيء ولو قال لنا متبعضه احيانا وسالمته العرب على ذلك لقلنا ان له فى العموم مندوحة على سوء مذهبه دون الاستظهار باهل الشرك في ايضاح بيان كلام عز وجل.
الله
تم الجزء الثالث من كتاب العدل والانصاف فى معرفة اصول الفقه والاختلاف والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم صباح 7 رمضان المعظم سنة 1378 عرضناه على اصله والله أعلم بصحته كتبه سالم حمد بقلم سالم بن حمد سليمان الحارثي
-190 - (2/165)
صفحة 362
هذه مسائل تفرد بها القطب رحمه الله قولا وسوغها اعتقاداً وعملا فمنها قوله في التيسير عند قوله تعالى (حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر) ومعلوم ان الله لا يامر الناس باكل التراب وغير المغذى الا ماكان دواء واكل التراب حرام فيلتحق به ما اشبهه فليس الله يقول لنا كلوا التراب وغيره حتى يتبين لكم الخ فليس مالا يغذى مفطرا للصائم لانه لم يدخل في الآية هذا قلته من جانب من يقول لا يفطر الا المغذى ولم ار من ذكر مثله و مشهور المذهب خلافه
ومنها قوله فعدة من ايام اخر أى فعليه صوم عدة ان افطر أو يقدر فافطر عقب قوله أو على سفر وكذلك عليه عدة الشهر ان افطره كله ان كان تسعة وعشرين قضى تسعة وعشرين فقط ولو بدا القضاء من أول شهر وكان فيه ثلاثون تهم فإنما عليه قضاء شهر رمضان الذى خوطب به فإذا كان تسعة وعشرين لم يزدد والآية حجة لى وذكر بعض اصحابنا وشهروه وبعض قومنا انه ان بدا من أول الشهر اتمه زاد على رمضان أو نقص وبعض ان نقص اتمه
فلا
من
ومنها قوله ويسئلونك عن الاهلة قل هى مواقيت للناس والحج أى لاغراض الناس وللحج فذكروا الحج بعد تعميم لمزيته في التوقيت إذا لوقت اشد لزوما له إذ لا يقضى فى كل وقت حتى سائر الأوقات تقضى إذا فات وقتها بحسب الامكان واللياقة ولا يلزم ابقاؤها الى وقتها من قابل.
ومنها قوله فى التيسير أيضا وانما يلحق الايلاء إذا كان غضبا على المرأة أو عقابا لها أو اراد ولده مثلا ذلك أو صديقه أو نحو ذلك أما ان آلى منها لئلا يلزمه غسل في الشتاء أو لئلا يلحقه هزال أو ليتم رضاع ولده فعندى لا إيلاء في ذلك فإن حنث فكفارة يمين ثم ذكره قولا لعلى بن أبى طالب قيل للشيخ خلفان ماوجه هذا واي دليل على التخصيص قال ذلك قول للعلماء يختاره القطب رحمه الله وممن قال به علي بن ابى طالب وابن عباس فيما روى عنهما ومالك بن انس وعطاء وغيرهم ووجه التخصيص ان الآية نزلت على سبب وهو ان الايلاء كان طلاق الجاهلية كالظهار والطلاق لايكون الا عن بغض وغضب كان أحدهم إذا ابغض امرأته أو
-177 - (2/166)
صفحة 363
غاضبته حلف لا يقربها قصدا لاضرارها وعقوبة لها فانقذ الله النساء من تلك البلية بهذا الحكم فلذلك قصروا الآية على ذلك السبب فإن قلت أن القاعدة عند الاصوليين ان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب هكذا عند الاكثر قلنا نعم لكن هؤلاء فهموا من هذا الحكم المبنى على ذلك السبب علة مشروعيته انها الغضب على الزوجة وقصد الاضرار بها فإذا فهمت علة الحكم فهو يتبعها حيث وجدت يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها والله اعلم انتهى كلام الشيخ السيابي ابقاه الله تعالى
ومنها قوله وإذا كان الرجل قواما على زوجته فله الحجر عليها في مالها لا تتصرف فيه إلا باذنه وله تاديبها وقال في شرح النيل وقال قومنا لا تجوز مبايعة الزوجة في الاصول ولا فى المال الكثير إلا باذن زوجها ورووا في ذلك حديثا لا عمل للمرأة في مالها بلا إذن من زوجها الخ الاحاديث التي ذكرها قال العلامة بن جميل السيابي اعلم ان الآية الكريمة لا يبين لى فيها دليل على منع تصرفها في مالها ان كانت رشيدة وكان تصرفها غير خارج عن القواعد الشرعية وأما نفس المسئلة ففيها خلاف بين الفقهاء والجمهور على جواز تصرفها وليس للزوج الحجر عليها إلا ان كانت سفيهة لقوله تعالى ولا تؤتوا السفهاء أموالهم واستدلوا على الجواز باحاديث منها ميمونة بنت الحارث زوج النبي علال التلال اعتقت جارية لها فاخبرته الله بعد العتق فامضاه ولم يرده ولم ينكر عليها عدم الاستئذان وكذا قال لاسماء بنت ابى بكر انفقى ولا توعى فيوعى الله عليك في حملة احاديث امر النساء فيهن بالانفاق والتصدق ولم يقل فى شيء منها استاذن ازواجكن في ذلك قال ابن حجر وخالف طاؤوس فمنع مطلقا وعن مالك لا يجوز لها ان تعطى بدون اذن زوجها ولو كانت رشيدة الا من الثلث وعن الليث لا يجوز مطلقا الا في الشيء التافه هذا ما اطلعت عليه فى المسئلة من مذاهب العلماء واستدلالاتهم والعلم عند
الله تعالى
ومنها قوله ولأمه الثلث فإن ورثه احد الزجين أو الازواج كان للأم ثلث مابقى وقال ابن عباس لها ثلث كامل الى ان قال والفت رسالة في تصحيح مذهب
-197 - (2/167)
صفحة 364
ابن عباس ولو كان لا يفتى به وان افتي به نقض عند بعض شراح الزقاق والجمهور ولا ينقضه أبو عبدالله الغرناطي كيف ينقض مع انه الحق وليس زيد بن ثابت جبريل الفرائض ولا نحن حمر الفرائض.
شمروكن في امور الدين مجتهداً ولا تكن مثل عير قيد
فانقادا
ومنها قوله فى الهميان عند قوله زادتهم ايمانا فى سورة الانفال فان التصديق القلبي يزيد وينقص بكثرة النظر والادلة وعدم ذلك ومعلوم ان ما يزيد شيء ينقص بفقد ذلك الشيء فالايمان يزيد وينقص وقد ذكر بالزيادة في آيات غير هذه فايمان الصديقين اقوى من ايمان غيرهم لانه لا تعتريه الشبهة وهذا هو الحق وعليه الاكثر ويدل له ماورد لو وزن ايمان ابى بكر بايمان هذه الأمة لرجح وقال ابو حنيفة لا يزيد ولا ينقص ولا يتفاوت فيه الناس واما زيادة الايمان ونقصه بمعنى حدوث شيء مما يؤمن به فيؤمن به أو يكفر أو بمعنى زيادة عمل شرعى مثل ان تنزل الزكاة فيؤمن بها ثم الصوم فيؤمن بها ومثل ان يصلى ثم يصوم ومثل ان يسبح ثم يسكت وان يقر بكلمة الاخلاص ثم يميط الاذى عن الطريق فلا يختلف في ذلك عاقل واكثر ادلة الفقهاء على زيادة الايمان ونقصه من هذا القبيل فتمسك بما قررته لك فانك لاتجده مسطراً على هذا التحقيق في غير هذا الكتاب
ومنها قوله ثم خذ منى تحقيقاً آخر هو ان الايمان يجوز اطلاقه على مجرد التوحيد وهو التصديق كما يطلق على ذلك مع الاقرار والعمل وهو الايمان الكامل لا يدخل احد الجنة الا به فيشتق منه مؤمن بمعنى موحد ومؤمن بمعنى موخذ مقر عامل ولا تلتفت الى غير ذلك مما تجده مسطراً ولولا انه لا يجوز لى كتمان علم ظهر لى لاجتماع شروط النظر ما فهت بذلك مما يخالف غيرى وقال في سورة طه مانصه وبعد فالحق عندى جواز تسمية المنافق مؤمنا بمعنى موحد فإن العرب تسمى باسم الفاعل من فعل الفعل ولو مرة فمن خاط ولو مرة يقال له خائط ولا يقال خياط الا ان اعتاد الا ان كان لاصحابنا دليل نقلى فمسلم
ومنها قوله ان من مثل بعبده فلا يعتق عليه وصححه وحمل الحديث على الامر بان يعتقه كفارة لخطيئته ومنها قوله ان عذاب الجاهل عندى اشد من عذاب العالم
-194 - (2/168)
صفحة 365
لان الجاهل ضيع فروضا كثيرة والعالم ضيع فرض العمل فرضا وحداً كما هو رواية ضعيفة عند قومنا وحمل الحديث المشهور في وعيدهما انه قالها مرة وقالها في حق العالم سبعا للزجر بالمعنى ليس اللفظ بعينه.
ومنها قوله عند قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية انه لايحب المعتدين وستر الايدى بدعة محرمة مخالفة للسنة وذلك من الاعتداء في الدعاء إذ جعل غير الشرع شرعا إلا ان كان إنسان في جملة ناس لا يدعون معه فله اخفاء يديه في
الدعاء بحيث لا
يعرفون أنه يدعو
ومنها قوله وقد اختلفوا هل الاسراء بروحه وجسده في يقظة أو
بروحه
وصحح
فقط
انه
في المنام وهل تعدد ام لا فقلنا معشر الاباضية انه بروحه في منامه اسرى بروحه وجسده ومنها قوله فى الهميان واحتج ايضا الذين فسروا الورود بالدخول بقوله تعالى فاوردهم النار قال ابو القاسم البرادى ولا حجة لهم فيه لانه يلزم ان يكون فرعون هو الذى ادخل قومه النار قلت للخصم ان يلتزم انه ادخلهم لانه اضلهم فهو سبب في دخولهم واحتجوا ايضا بقوله تعالى ثم ينجى الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا قال ابو القاسم وهذا ايضا ساقط فان مجرور في يصلح ان يكون ضميرا لعرصة القيامة أى اماكنها والقنطرة الجسر قلت وهذا من ابى القاسم فى هذا المقام اثبات للجسر الذى على النار الذي يقول قومنا انه ادق من الشعره وامضى من السيف ولا ضير في ذلك ولو ادعى بعض الاصحاب شرك القائل به أو نفاقه وانه ليس منا وفى الشيخ هود مثله كما يأتى ان شاء الله واستدل ابو القاسم على ان الورود غير الدخول بقوله سبحانه وتعالى ان الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وقوله جل وعلا ربنا انك من تدخل النار فقد اخزيته والمؤمن يخزى قلت وللخصم ان يقول المراد مبعدون عن العذاب بها لا عن دخولها كما احضروا حولها ولم يبعدوا عن الحضور فليسوا يدخلونها ويعذبون بها ويسمعون حسيسها وهم في العذاب واما دخول النار بلا عذاب فليس نجزى ولا يحكم على من قال بان الورود الدخول بالكفر ولا بالمعصية بل روى الربيع عن ابى عبيدة عن جابر عن ابى هريرة
-- (2/169)
صفحة 366
عن رسول الله الله لا يموت لاحد ثلاثة من البنين فتمسه النار الا تحلة القسم
فهذا نص
في الورود ورود الدخول ثم ذكر حديثا ذكره الشيخ هود يثبت فيه الصراط انه جسر على جهنم وهذا الذى اختاره الشيخ اسماعيل في القناطر. ومنها قوله في سورة الاسراء من الهميان ان الحجة تقوم فى التوحيد بنصب الدلائل التي يراها المكلف بعقله بلا اراءة احد كالسماء والأرض وذاته وسائر مايحسنه واما في جانب الفروع فاقامة للحجة وقطع للعذر فان الحجة فيه بارسال الرسل الا ترى كيف تكرر في القرآن ان في ذلك لآية ان في ذلك لآيات هذه ماكنت اقول بعد استفراغ الوسع وقالت الشافعية وغيرهم كلا النوعين انما قامت فيه الحجة بالرسل وجوب قبل الشرع وان الوجوب انما هو بالسمع لا بالعقل وبهذا قال اصحابنا لكنهم لا يعذرون اصحاب الفترة في التوحيد ولا الفروع وعذر اهل المغرب صاحب الجزيرة ان كان على دين نبي ولم يعذره اهل الجبل وامام الشافعية وغيرها فيعذرون اهل الفترة وصاحب الجزيرة ولو لم يكن الا على دين نبي على
وانه
خلاف بينهم
ومنها قوله في التيسير في سورة الاحزاب ولا يصح مايروى عن جابر بن زيد انه خلا بعائشة رضى الله عنها أو لم يخل بها وانه سالها حاشاها وحاشاه عن كل
سألها
ما بدا له حتى عن كيفية جماع النبي علا الله كيف يجسر على ذلك وكيف ترضى له هذا السؤال ولم تنهره عنه وكيف تجيبه مع نهيه علي الله عن ان يصف الرجل أو المرأة ما فعل احدهما مع الآخر في الجماع وان قيل سألها جماعه هكذا عن لا يفيد انه معها فجسارة ايضا حاشاه عنها مع ان ماتجيز له اما عنها فهو ما تقدم واما مع غيرها فانها لا تراه مع غيرها ولا يخبر انها وان قيل عن الجماع ما اوصى به فلم يثبت أنه اوصى كيفية وان اوصى فذلك منه. رضي الله عنه جسارة حاشاه عنها وقد روى مثل ذلك واعظم عن غير جابر بن زيد فى كتب قومنا وليس منه ان الصحابة اختلفوا هل يجب الغسل بالوطئ بلا انزال فسألوها فقالت فعل ذلك بي رسول الله الله وقمنا واغتسلنا معا بلا انزال لأن هذا امر سهل لانه تبلغ شرع لا بيان كيفية فهو واجب وعلى كل حال لم تجبه ببيان مايفعل معها رسول الله الله
-14 - (2/170)
صفحة 367
من
والله ما اجابته ان شاء الله تعالى ولو قال لها ما السنة واخبرته بدون ان تقول فعلته الجاز مع كراهة لان بيان ذلك قد يحصل من امرأة تسالها فتجيبها بان السنة كذا فتخبر المرأة جابرا مثلا كلامه والحديث مذكور في الجزء الرابع من المسند رواية ابي سفيان محبوب وذكره العلامة الشماخي فى كتاب السير ونصه ابو سفيان دخل جابر وابو بلال على عائشة فعاتباها على ما كان منها يوم الجمل فاستغفرت وتابت ودخل جابر عليها فاقبل يسألها عن مسائل لم يسألها احد عنها سألها عن جماع رسول الله له كيف كان يفعل وان جبينها يتصبب عرقا وهي تقول سل يابني
حتى
فائدة واستعمركم فيها والبناء واجب كسد الثغور والقناطر على العيون المهلكة وبناء المسجد الجامع في المصر والمندوب كالقنطرة على غير الماء والمدارس والرباط تيسيرا للناس ومباح كبيوت السكنى ومكروه كالزيادة على الحاجة ومزيد التجويد و محرم كالبناء بالحرام أو في الحرام وبالمبالغة في التجويد والتذهيب والتنفضيض فائدة وغير اهلنا وانفاق الاهل واجب ولو غاب الزوج واستدانت زوجه فيما يجب لها عليه بلا اسراف وجب عليه قضاء ذلك الدين وينقص عنه ما اسرفت به ولو انفقت مالها من لم تدرك عليه فى الحكم الا ان اشهدت على الادراك فائدة اجعلني على خزائن الأرض الخ مع انا لانسلم ان طلب الولاية من مشرك أو موحد جائر لاقامة الدين أو مصالح الخلق ممنوع إذا كان غرض الطالب ذلك ولا يتبعه في جوره أو ديانته والا فحرام كبعض قضاة العصر يطلبونه أو يقبلونها ويتبعون احكامهم ويوفرون مصالحهم ويقصدون جمع الاموال ويحكمون تارة بالجهل وتارة بالجور عمداً قال رسول الله الله رحم الله اخي يوسف لو لم يقل اجعلني
على خزائن الأرض لاستعمله من ساعته ولكنه اخر ذلك سنة.
فائدة
والذين يصلون الى واقاموا الصلاة و من تضييع الصلاة الجمع بين الصلاتين بلا ضرورة فقد صلى الثانية قبل وقتها إذا جمع قبله ولو كان في السفر إذا كان في قرية آمنا واجزتهم على قول اشتراك الأولى والثانية من أول وقت الأولى الى أواخر وقت الثانية وتقررانه من جمع بين الصلاتين بلا عذر اجزتاه ولا ثواب له
-171 - (2/171)
صفحة 368
فائدة وجعلنا لهم ازواجا وذرية ويقال من فضائله الله استواء سره وعلنه
حتى انه لم تترك نساؤه مما
شأن فراشهن معه الا ذكرته حتى يسر من
اختلفوا في الايلاج بلا انزال هل يوجب الغسل فسألوا عائشة
ان الصحابة
رضي الله عنها
فقالت ولاحياء في الدين فعل ذلك رسول الله الله فاغتسلنا جميعا وهذا
معي
يناسب ماروى عن جابر بن زيد رحمه الله تعالى ان سألها عن جماع رسول الله الله وكل ذلك عجيب لأنه لالالالالالالالي نهى عن ذكر ما يفعل الرجل مع زوجه فاما ان يكون ذكرهن ذلك زلة منهن وهى مغفورة تبن منها واما ان يخصص بجواز ذلك لأنهن مبلغات عنه لله وفي سورة الاحزاب عند قوله تعالى وازواجه امهاتهم انكار أعظم من هذا منه ووالله ما اجابته ان شاء تعالى والحديث احسبه في الجزء الرابع من المسند رواية محبوب ابي سفيان رحمه الله من
فائدة وما ارسلنا من رسول إلا ليبين لهم والآية تدل على تعليم الدين واجب وانه فرض كفاية ويتعين على الأب لأولاده وعلى الزوج لزوجه وعلى السيد لعبده وان علمهم غير هؤلاء اجزا وتدل على ان التعليم واجب ولا لهم للنفع وعلى المتعلم تعظيم معلمه والتقرب الى الله تعالى بنفعه ولزم المعلم ان لا يقصد النفع الدنيوى
من
معلمه قال بعض: رايت احق الحق حق المعلم و اوجبه حفظا على كل مسلم لقد حق ان يهدى اليه كرامة لتعليم حرف واحد الف درهم
وهذا مجرد تعظيم وتحضيض وقال عند قوله تعالى في سورة البقرة ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى وفى الأثر جواز المن للوالدين والمعلم والامام العادل والمن استقطاع في النعمة والترفع بها الى ان قال ولاباس بذكرها ترغيبا للشكر ومن غيره قال فى القناطر اختلف فى حق المعلم وحق الوالدين ايهما اعظم
فقال بعض حق المعلم اعظم لانه يقى المتعلم من نار الآخرة وابواه من نار الدنيا
رجع ولا
ولعظم شأن العلم وجب كسبه ولو من صين وهو من المشرق الاقصى على من في الموضع البعيد كالمغرب الاقصى وجاء في الحديث اطلبوا العلم ولو بصين بدون الف وحرفته الرواه بادخال ال على صين ولاسيما انه لا يصح ان تكون ال
- NVY- (2/172)
صفحة 369
فيه للمح وهذا مما يقوى القول بعدم الاحتجاج بالحديث في علوم العربية لأن الرواة يحرفون اللفظ ويحتج! به في المعنى لانهم لا يحرفون المعنى فكما لا يقول الله المكه لا يقول الصين بال وقد مر كلامه في زوجه اسم المرأة بالتا واقسم في موضع آخر ان النبي الله لا يقول زوجه بل زوج وماورد بلفظ زوجه فمن تحريف
الرواه.
صا
فائدة ويؤخر كم الى أجل مسمى متمتعين باللذات الى اجل الموت وان لم تؤمنوا تنغصت حياتكم بالنقم ولكن قد علم الله انكم لاتؤمنون فتصابوا بالنقم أو تؤمنون فلا تصابوا أو لكل احد اجلان علمهما الله ان عمل كذا كالايمان اخر الى الاجل الطويل وإلا عوجل بالقصير وقد علم الله كل ما يعمل موجب القصير أو الطويل وهذا كما أوجد للشقى ازواجا وقصورا في الجنة لو عمل عمل السعيد لصار اليها وقد علم انه لا يعمل فلا يصير اليها وكما جعل للسعيد مكانا في النار لو عمل عمل الشقى لصار اليه وقد علم انه لا يعمله فلا يصير اليه وكما قضى في الازل ان فلان كذا وكذا لصلة رحمه وان اجل فلان كذا وكذا لو لم يقطعها وإذا قطعها أو طغى فاجله دون ذلك وهو وقت كذا وكذا. ا و كذا ما اشبه ذلك فالاجل واحد لا يتقدم ولايتاخر والفرق بين ذلك ومذهب المعتزلة انهم قالوا لايتعين له يعمل موجبه ومن ذلك ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم
عمر
احدهما
حتى
فقد كتبها لهم ولم يدخلوها بل حرمها عليهم اربعين سنة لان كتبها مقيد بالطاعة وهم عصوا واوضح من ذلك ان يقال المراد ليجمع لكم بين مغفرة الذنوب والتاخير الى الاجل المسمى وان لم تؤمنوا لم يكن لكم الا التاخير اليه ومن غيره فإن قيل ما الحكمة فى هذا فالجواب اما للكافر فزيادة عذاب وتحسر كما تسأل الموءودة باي ذنب قتلت فاما للمؤمن فزيادة نعمة ومنة من الله إذا علموا ان لهم منزلا في لو لم يطيعوا وكذا يؤول مثله
جهنم
فائدة قيل فهل الفرق بيننا وبين المعتزلة من الاصول في مثل ان الانسان المقتول قبل انقضاء اجله وله اجل آخر لو ترك فالجواب نعم ان كان اعتقاد القائل الله اراد ان يبقى فقتل فهو من الاصول التى يكفر قائلها ويبرا منه وان لم يعتقد هذا فلا باس عليه ان شاء الله كما تقرر في محله
ان (2/173)
صفحة 370
فائدة هود ان اردت ان انصح لكم ان كان الله يريد ان يغويكم كانه قيل ان
يعتق
كان الله كان يريد ان يغويكم فان اردت ان انصح لكم لا ينفعكم نصحى فالشرط الثاني قيد لمجموع الشرط الأول وجوابه ومجموع الأول وجوابه جواب في المعنى للثانى ولو قال الرجل لعبده انت حر ان دخلت الداران کلمت زيدا فدخل ثم كلم لم يعتق لعدم شرط كون الدخول مستلزما للعتق لكن ان كلم ثم دخل يعتق فلا يحكم بتحقق الجزاء إلا عند وجود الشرط الأول بعد وجود الشرط الثاني ففى قولك ان كلمت زيدا ان دخلت الدار ان كلمه ثم دخل الدار لا والشرط المؤخر فى اللفظ مقدم فى الوجود مثل انت حر ان دخلت فإن المفهوم كون العتق من لوازم الدخول لكن ان ذكر بعده شرطا آخر مثل ان كلمت زيدا كان المعنى ان تعلق ذلك الجزء بذلك الشرط الأول مشروط بحصول الشرط الثاني والشرط مقدم على المشروط فى الدخول فإن حصل الشرط الثاني وهو تكلم زيد تعلق ذلك الجزاء وهو العتق بذلك الشرط الأول وهو دخول الدار وإذا لم يوجد الشرط الثاني لم يتعلق ذلك الجزاء بذلك الشرط الأول والذي عندى انه يقع الحكم ان اجتمع الشرطان ولو بلا ترتيب إلا ان شرط المتكلم الترتيب كما إذا كان الشرط الثاني بالفا وكذلك ثلاثة شروط فاكثر وذلك إذا كان الشرط الثاني وما بعده بلا عطف وان كانا بأوفى الجواب لاحدهما بلا تعيين وان كان بالواو وثم وغيرهما فالجواب لهما الا ان كان بالفاء فالجواب للثانى
فائدة قال رب بما اغويتني وفي الآية القسم بفعل الله وهو الاغواء والخلف في ذلك فقيل جائز وهو الصحيح عندى وقيل غير جائز فقيل ينعقد فتلزم الكفاره بالحنث وهو الصحيح عندى وقيل لا ينعقد فلا تلزم، وفي سورة ص القسم بالصفة وهي العزة إذ قال فبعزتك وفى الاعراف بالفعل وهو الاغواء والقصة واحدة فاما ان يكون اقسم مرتين المراد. فائدة ان عبادى ليس لك عليهم .. الخ وفى جعل الاستثناء متصلا استثناء الاكثر وفيه خلاف وذلك ان الغاوين اكثر من المخلصين واجاز قوم استثناء النصف واقل واجاز قوم استثناء الاكثر ومنع اخرون استثناء النصف واكثر واجازوا ما دون النصف وهو الأصل.
-\ VE- (2/174)
صفحة 371
فائدة وما من دابة في الأرض ... الخ روى ان موسى عليه السلام لما نزل عليه
الوحي تعلق قلبه باحوال اهله فامره الله عز وجل ان يضرب صخرة بعصاه فضربها فانشقت عن صخرة فضربها فانشقت عن صخرة فضربها فانشقت عن دودة في فيها ورقة وهى فى اسفل البحر فسمعها تقول سبحان من يرانى ويسمع كلامي ويعرف مكاني ويذكرني ولا ينساني. فائدة فاسأل الذين يقرأون الكتاب وفى الآية انه يجب على كل من خالجته شبهة في أمر الدين ان يسارع الى حلها بالرجوع الى اهل العلم وان لم يجد من يحلها وجب عليه ان يعتقد انى فى هذا على ماهو الحق عند الله وانتظر الفتح فإن شك هل يوصف الله بكذا سارع الى تجديد التوحيد بقوله ليس كمثله شيء ومن غيره. ينبغي للمؤمن ان يلازم هذا الدعاء اللهم انى اعوذ بك ان اشرك بك وانا اعلم واستغفرك مما لا اعلم
فائدة ربنا اطمس الخ وفى تبيين افعال العباد جواز الدعاء على الفاسق ان يموت مشركاً وانا لا اجيز ذلك واما الدعاء على المشرك بالبقاء على الشرك فجائز فائدة ولقد كذب اصحاب الحجر المرسلين ومن كذب نبيا واحداً فقد كذب جميع انبياء الله وجميع فا واحداً أو حركة أو سكونا فقد كذب حرف كتبه ومن كذب الانبياء كلهم والكتب كلها وذلك لاتحاد الدعوة في التوحيد وما لا يتبدل
وكل نبي جاء بتقرير الامة قبله على انها على الحق ان كانت متبعة لنبيها
فائدة فجعلنا عاليها سافلها ومن رضخ من السحاب أو الجو بحجارة أو
من
بصاعقة أو صيحة لم يبرأ منه بذلك ولا نعرف بذلك انه شقى اعلم بحاله ومن مسخ برئ منه وعرفنا انه شقى عند الله كالمنصوص عليه فمن تولاه اشرك ولا يبرأ من طفل أو غير عاقل ان مسخ ويبرأ من مجنون بلغ وكلف ثم جن ومسخ ولا يبرأ ممن خسف به الأرض خلافا لبعض لأن الله عز وجل قد يسلط الحرارة في باطن الأرض فيحركها أو يفتقها بمن عليها
فائدة لتأكلوا
منه
حلف لا ياكل لحما حنث بالسمك لان الله و من
عز
-1 V 0 - (2/175)
صفحة 372
وجل سماه لحما والصحيح عندى القول بان اليمين على العرف فلا يحنث في عرف لا يذكره باسم اللحم ولو كان لحما في اللغة والقرآن لان العمل بالنية. فائدة من لهم فيها مايشاءون ولا يلقى الله في قلوبهم حب مالا يجوز كالجماع في الدبر وجماع الاطفال وتزوج ذوات المحارم والجمع بين من لا تجتمعان كالمرأة وخالتها و قيل لا ادبار لاهل الجنة لانه لا فضلة لهم فيلزم ان لا تجوف للذكر إذ قالوا لا نطفة فيها فيكون ذلك نقصانا فقل لهم ادبار لا فضلة تخرج منها بل رائحة مستلذة وللذكر جوف ونطفة برائحة طيبة ترشفها ابدان النساء ان لم يكن حديث مانع من ويكون للمؤمن زوجان من الادميات نص عليه بن حجر واقول له ازواجه الادميات كلهن ولو اربعا ان كن سعيدات مات عنههن ولم يتزوجن بعده أو تزوجن شقيا أو متن عنه ولم يتزوج بعدهن محرمة لهن وكذلك مافوق الأربع مثل ان يتزوج اربعا بعد أربع ويتزوج بعد النقصان عن الاربع بالموت لا ماقيل ماله الا واحدة وفضل الله اوسع واطلاق الحديث يناسبه
ذلك
فائدة بلى وعدا عليه حقا يبعث الله عز وجل من فني كله ومافنى من ميت يلقى بعضه يحيى الله الجميع بعينه بصورته فى الدنيا لا جسما آخر مثله ولا يكسو العظام لحما آخر بل لحمها الأول ويدل لذلك خلقه ماخلق لا من شيء هذا ما عندى والجمهور المتكلمين ولكن زدته ايضاحا واستدلالا وزعم الفلاسفة والكرامية وابو الحسن المصرى من المعتزلة ان رد الفاني بعينه مستحيل لكن يرد مثله وماذكر الله فخذ اربعة من الطير نحتج به
فائدة نحل والله يسجد الى آخره والملائكة اجسام نورانية بلا لحم ودم ونحوهما ولا يجوز ان يقال ارواح مجردة عن الدبيب والحركة الجسمانية لانه يناقض الحديث الى ان قال واستدل بعض بالآية على عدم عصمة الملائكة على معنى ان لهم نفوسا تدعوا للمعصية وهو خطأ لأن خوفهم خوف اجلال لا خوف وعيد عند
بعض وصححه بعض ونقله عن ابن عباس رضي الله عنهما أو لما قال نجزيه جهنم ذلك عن ان يكون لهم ميل للمعصية فهم معصومون عنها والصحيح ان خوفهم خوف وعيد لقوله تعالى وهم من خشيته مشفقون ومن يقل منهم انى إله
منعهم
-187 - (2/176)
صفحة 373
من دونه
الخ ولا ينافي ذلك عصمتهم وقد يجاب ان المراد اشفقوا ان يكونوا لم يبلغوا القدر الواجب من اجلاله عليهم والخوف مستلزم للرجاء فهم راجون ولاسيما انهم يخدمون أكرم الأكرمين
فائدة يتفيأ ظلاله ولا ظل للملك ولا للجن الذى بصورة الريح بلا لحم ودم واما الجن الكثيفة باللحم والدم فمن كان منهم بصورة الحية أو غيرها فله ظل وهم في الاجحرة وما يخفى كجحر الحية فإذا خرج ظهر له ظل واما الجن الكثيفة كصورة الانسان مثلا فلا نشاهد لهم ظلا وهم في ضوء الشمس والقمر والمصباح فنقول الله قادر ان يجعلهم بلا ظل كما قيل لا ظل لرسول الله لا الله أو لهم ظل لا نراه كما انا لانراهم وذلك بقدرة الله تعالى والله على كل شيء قدير ولو شاء الله لكن نرتاع لذلك فلم يجعله أو هم اجسام غير كثيفة لا
لجعل لهم ظلا نراه دونهم ظل لهم كما ان الهواء لطيف لا ظل له
جسم
الله
•
من نعمة فمن والحمد الله الذي لا ينسى من ذكره والحمد
الله الذي
فائدة وما بكم. لله الذى لا يخيب من رجاه والحمد لله الذى من وثق به لا يكله الى غيره والحمد الله الذي يجزى بالاحسان احسانا ويجزى بالصبر نجاة وغفرانا والحمد يكشف ضرنا بعد كربنا و الحمد لله الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا باعمالنا والحمد لله الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل عنا
فائدة ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا. الخ ولو يؤاخدهم لم تبق دابة في
الأرض بالتمجس في قطع اللحا ومخالفة رسوله علي في امره اياه باعفاء اللحى واخفاء الشارب ولاتقبل شهادة من يفعل ذلك ويجوز حلق اعلى الحلق لا مافوقه
من اللحيين باطنا وظاهرا اسفل مما يلى العنق وفوق مايلى الوجه
فائدة
من انفسکم ازواجا فلا يجوز للرجل تزوج الجنية ولا للمرأة تزوج الجني لعدم الجنسية ولعدم الوثوق لانهم لا يشاهدون وهم يتخيلون فكيف يثق بها أو تثق به وكيف يثق بان هذا وليها ويقال وقع التزوج منهم اصحابنا وقومنا ولعل من فعل ذلك امكن له التوثق ومن غيره حفظت من الاثر فيها ثلاثة أقوال المنع والاجازة والكراهة.
-177 - (2/177)
صفحة 374
فائدة عبدا مملوكا واما المكاتب فحر عندنا الى ان قال واختلف فيما يعطى العبد لا لعلمه ولا لاجل سيده فقيل هو لسيده لقوله تعالى لا يقدر على شيء وهو وعليه الشافعي واستظهره الزمخشرى ولايصح اطلاقه الا باذن سيده او الى اجازته بعد وقوعه وان كان سيده امرأة وكلت رجلا يطلق عنه او يجيزه وقيل ما يعطى العبد له لان القيد انما لامكان ان يملك وبه قال مالك وهو
مشهور
المذهب
هو
ظاهر الاية لأنه اثبت له العجز بقوله مملوكا ونفى القدرة العارضة بتمليك السيد بقوله لايقدر على شيء وليس المعنى القدرة على التصرف لان مقابله ومن رزقناه
منا رزقا حسنا
فائده ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها ولا شيء على من حلف على ماتوهم فلا عليه او على معصية ويجب النقض فيها ويستحب فيما اذا راى ماهو افضل قال حلف على يمين فراى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن من
يمينه
فائدة ولو شاء الله لجعلكم امة واحدة على الاسلام بلا اجبار وليس الاجبار حكمة اذ لا يمدح المجبر ولايذم ولا يستحق ثوابا ولا عقابا او لو شاء الله لجعلكم على الاسلام باختياركم) ولكن يضل من يشاء) بالخذلان عن الهدى لاختيار الضلال بالكسب الاختياري) ويهدى من يشاء) بالتوفيق اليه لاختيار المهتدى وكلا الاختيارين مخلوق الله سبحانه ومع خلقه لا اجبار هذا ذهبنا فللعبد قدرة مؤثرة باذن الله تعالى مخلوقة له تعالى وشهر عن الاشعرية ان له قدرة مقارنة غير مؤثرة وزعمت المعتزلة ان له قدرة مؤثرة مستقلة عن الله ولا تحتاج الى اذنه قبحهم عز وجل وزعمت المجبرة لعنهم الله ان العبد مجبر والذي حفظت من قبل ان مذهب الأشعرية مذهبنا وهم اهل المذاهب الاربعة ولعل من نسب اليهم ماذكرته قبل هذا عنهم اراد قوما يعمهم من فوقهم ولا واجب على الله عز وجل بهم وتوفيقه لمن شاء فضل واحسان
الله
فائدة قل لو كنتم تملكون الخ ويحرم عليه ان يؤخر قضاء الدين وقد وجد القضاء وامكنه سواء كان الدين الخاص او لعام لميت او لحي كالاموال التي تجب
-178 - (2/178)
صفحة 375
للفقراء كالزكاة ومالا يعرف له رب وأنواع الكفارات فمؤخرها مع الوجود والامكان داخل في قوله الا الله وآتاه الوسيلة مطل الغنى ظلم ومن ذلك تاخير اموال الاوقاف والوصايا مع الوجود والامكان ولاسيما تاخير شيء من ذلك كله الى ما بعد الموت مع الوجود والامكان والدرهم فى الحياة كسبعين بعد الموت وسبعون بعد الموت كواحد في الحياة وتاخير الواجب مع الوجود والامكان من الرغبة والرهبة والحج ليس حقا لمخلوق فلا باس بتأخيره وهو مكروه الاحجا أوصى به فيعجل به الوارث والخليفة به ووصية الاقرب لاتنفذ قبل الموت اذلا يتعين الاقرب الا بعد الموت وليس في ذكر الوصية فى القرآن والحديث اجازة تاخير حقوق الناس الى الموت بل يجب انفاذها والا فلا اقل من الايصاء بها فذكرها فيهما يشمل الايصاء بالواجب وبئس مافعل من تأخيره ويشمل الايصاء بغير الواجب
خير
فائدة وماجعلنا الرؤيا احتج بهذا من قال الاسراء فى المنام لا في اليقظه وهو مذهب اصحابنا وقوم من غيرهم وقيل فى اليقظة المبالغة الكفار في التكذيب ولو كان في النوم لم يبالغوا تلك المبالغة وقد اختار هذا فيما سبق اعنى القطب رضوان الله عليه ورحمته فائده الله خيرا أما ما يشركون وكان الله اذا قرا الاية قال الله وابقى واجل واكرم وكذا في جميع القرآن يسن ان يقال لا اونعم او بلى بحسب مايناسب المقام مثل ان يقال اذا قرا اصطفى البنات ومن انكر ذلك هلك ويخاف عليه الاشراك لانه رد للاجماع وكانت عائشة وابن عباس وابن مسعود وغيرهم يقرأون بعض الآيات بالتفسير ولايتوهم احد انه من القرآن وان يتوهم بين له الناس او
القارئ
فائدة قل لا يعلم من فى السموات الغيب الا الله وماعلم بالجن والكهاناة وخط الرمل والنجوم فهو ظن لاعلم ولو وافق وماعلم بالهام او ملك او وحى فعلم باخبار لاعلم غيب مما يتحقق ان شاء الله حدوث حادثة في مضاب عند ثلاث واربعين سنه وثلاثمائة والف تقريبا والحق عند الله جل وعز وماذكرته علم باخبار
-189 - (2/179)
صفحة 376
لا يغيب أخبار وذلك ذهاب الاجانب عنها ولا تنفعهم قوتهم ولا باس بحساب او اخبار حتى صديق لك بلا حزم بل تنتظر هل يقع وقد حسب الامام افلح الخ فائدة والله يرزق من يشاء بغير حسب وفي سورة الجن كلام في المعنى عند لا يطلع على غيبة ومن قارب فراغ عمره ويريد ان يستدرك مافاته فليشتغلول بالاذكار الجامعة فتصير بقية عمره القصيرة طويلة مثل ان يقول سبحان الله عدد الحصى او سبحان الله عدد ذرات الاجسام والاعراض وكذا من فاته كثرة الصيام والقيام يشتغل بكثرة الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله فانه ان فعل في جميع عمره كل طاعة ثم صلى عليه صلاة واحدة رجحت علل الصلاة الواحدة على كل ما عمله فى جميع عمره من الطاعات لانك تصلى على قدر وسعك وهو يصلى على حسب ربيته فكيف صلوات ومن صلى عليه صلاة واحدة كفاه الله تعالى هم الدنيا والآخرة وروى عن الاخضرى في آخر سورة نوح عليه السلام انه من ذكر اسمه او سمعه وان كل عبادة او دعاء منه مقبول ومنه مردود الا الصلاة عليه فمقبولة اى فائدة لانها نفع له الله وقال في أول سورة المزمل ويبعد ذلك الوعيد على من ترك الصلاة عليه عند سماعه اشتغالا بلهو ولعب محرم او بوجه مشعر بعدم تعظيمه الله بل اخذ الناس بالاقوال ميلا الى الراحه وغفلوا عن احاديث الوعيد والقول بمرة فى العمر في العمر من متروك لعلم وذكر حديثا في موضع لم يحضر في معناه ان الملائكة تعجب تعجب ممن ذكر عنده النبي عل الله فلم يصل عليه ومن قيل عنده لا اله الا الله فلم يتابعه ومن لقى اخاه فلم يسلم عليه
فائده ان خير من استاجرت القوى الامين وفى الاية بعد هذه الاصداق بالعناء وهو جائز من شرع من قبلنا شرع لنا مالم يمنع وهو الصحيح فيجوز الاصداق بكل المباح نافع كعناء وغيره ولا يختص بالمال ولايجوز بما هو عباده واختلف فى قراءة القرآن او مقدار منه وتعليمه ويجوز بنسخه وهو من العناء واكل الاب صداق ابنته لانها اجازت له او سيعوضها ويقال الغنم للمتزوجة واقول لا يجوز مطالعة التوراة والانجيل الخ وقال فيما بعد ومذهب الشافعية والحنفية جواز ان يصدقها بالرعى ولمالك الاجازة والكراهة والمنع وسبق من رحمه الله صح في
سورة المذهب ان شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ام المراد.
-14 - (2/180)
صفحة 377
فائده ستجدنى ان شاء الله من الصالحين بحسن العشرة الى ان قال وقد اعتقدت ان تاب من من الرياء يثبت له ثواب ما رأى به ومن تاب من اهماله النية في عمله يكتب له ثواب عمله على أنه. مئوي مخلص إن شاء الله عز وجل فائدة لا تخفى منكم خافية حاقة واذا الزم جبار ناسا مالا جاز جمعه بالعدل على طريقة ما الزمهم ولا اثم على جامعه ومن الزمه الاثم هلك
فائده نزاعة للشوى ارسل اميرا الى ابى ذر مالا فقال اكل المسلمين اعطى مثل هذا فرده وقرا كلا انها لظى نزاعة للشوى وهذا بناء على تحريم عطاء الامراء عطاء من لم يعتدل او خيف ان يكون من حرام ومر الامام عثمان بابي ذر نائما على جدار المسجد فقال لعبد له خذ هذه الدنانير واعطها الرجل اذا يقظ فان قبلها فانت حر فلم يقبلها وقال العبد في قبولها فكاك رقبتي فقال ابو ذر في قبولها استرقاق رقبتي وهذا لريبة فى مال عثمان او في عطائه اكثر مما له او لظنه ان عثمان يستميله منتصرا به واجاز على اخذ العطية من السلطان الذي بيده حلال وحرام وكذا بن عمر وابن عباس وقال بعض ان كان اكثر ماله حلالا فخذا أو حراما فلا او سواء فالافضل الترك وزعم بعض انه يجوز اخذ عطية السلطان مطلقا مالم تعلم انه حرام ولم تقده ديانته الى حله وخص بعضهم هذا بالدراهم المراد. فائدة والذين هم بشهادتهم قائمون ومن أقر بالشيء أو فعله وشاهده أنسان ولم يحمله الشهادة أو حمله اياها ولم يقبل وكل من علم بشيء ولم يحمل فيه شهادة لزمه أن يؤديه إن طلب الى آدائه أو لم يلزمه إذ لم يستشهد قولان وقال عند قوله جل وعلا وأقيموا الشهادة طلاق ولعل وجه تخصيصها صعوبة المشيء إلى تأديتها وهى لازمة الآراء عليهم في الفرسخين ولهم الأجرة فيما بعدهما ولو أغنياء وفيها إن آداؤها يشغلهما عن الكسب وهم فقراء محتاجون وقال عند قوله عز وجل ولا يأبى الشهداء إذا ما دعوا وتحمل الشهادة وآداؤها فرض كفاية على الرجال والنساء وجد غير المدعو لم يلزمه إن قبل غيره والا أولم يوجد سواه كانت فرض عليه
فان
وكذا غيره
•
فائدة كانهم له بنيان مرصوص صف بل في كتب الفقه الساريه ونحوها
لا تقطعان الصف
-141 - (2/181)
صفحة 378
فائده وانه كان رجال من الانس الخ ومن العياذة بالجن القاء الملح والرماد حيث عثر الانسان او اصيب بضر ظنا ان ذلك من الجن ومن العياذة شاة في ذبح بهم نفس الموضع الذى يريدون حفر بئر فيه او فى دار اريد حفر البئر فيها وكل ذلك حرام لان قصدهم التملق الى الجن بالقاء الملح والرماد فهو كالذبح لهم وكذا القاء القصبر او نحوه بنارا إو بلا نار الم اجد فى القاموس والجوهرى لفظه قصبر والقصدير الرصاص.
ويل يومئذ للمكذبين بين المرسلات وايضا من اسباب التكرير بين السورتين او السور انه لا يلزم المكلف قراءة القرآن كله ولا اتمام السوره ولزم الفاتحه تامة وثلاث آيات فتحصل المنفعة لمن حفظ سورة فيها تكرير لما في الآخرة ولو لم يحفظ الاخرى التي فيها المكرر وفى آخر الجزء الاول من بيان الشرع كلام لابي محمد قل اعوذ برب الفلق ولا يجوز مسالمة الحية والعقرب ونحوهما برقيا ولا بغيرها ولاسيما ان كانت الرقيا بما لا يجوز ومن يسترق للعقرب مثلا فيقبضها ولا تضره فقد فعل محرما من جهة انه سالم من امر بقتله والواجب عليه قتلها ومن جهة انه استرقى بما لا يعرف معناه او عرفه وليس اسما لله عز وجل فوائد من غير الكتاب جمعها
العبد سالم بن حمد سليمان الحارثى.
- AY- (2/182)
صفحة 379
صفحة
وجوه الاجماع ..
باب كتاب الاجتهاد والاختلاف
باب شبههم بالآثار والذي تعلقوا به من جهة الاثر .. باب الاقسام والوحدة التي يجوز فيها الرأى والاجتهاد. ويسبع فيها الاختلاف غير النوازل
باب احكام الفتنة واختلاف الناس فيها ..
باب اختلاف الناس فى الخروج على السلاطين الجورة وتولية عمالهم ..
باب دفع الصدقات والعشور والزكوات اليهم.
باب احكام الاكراه ..
باب في معرفة القياس وحصوله في صدور الناس.
باب اقسام القياس.
باب التفرقة بين الحكم العقلى والحكم الشرعي.
باب البيعة ونكث الصفقة والكون تحت ايدى الظلمه والتعرب بعد الهجرة ..
باب الخروج من الأمة ..
باب القول في الاسلام والدين والايمان
باب الكفر والنفاق والشرك.
باب في البدعة والضلال والحكم فى فرق الامة ..
باب في ائمة الهدى وائمة الضلال
باب في اختلاف الناس فى القرآن.
- MAY- (2/183)
صفحة 380
رقم الايداع
3206/ 84
طباعة) دار نوبار للطباعة) (2/184)